######OpenITI#BIOGRAPHY# #META# 000.SortField :: Shia_003505Vols #META# 000.BookURI :: #0681.IbnKhallikan.WafayatAcyan #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن خلكان #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 681 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 7 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003505Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3505_وفيات-الأعيان-وأنباء-أبناء-الزمان-ابن-خلكان-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: إحسان عباس #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # 23 حرف الهمزة PageV01P023 # إبراهيم النخعي أبو عمران وأبو عمار إبراهيم بن يزيد ~~بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع الفقيه ~~الكوفي النخعي أحد الأئمة المشاهير تابعي رأى عائشة رضي الله عنها ودخل ~~عليها ولم يثبت له منها سماع وكان إبراهيم إذا طلبه إنسان لا يحب أن يلقاه ~~خرجت الخادم فقالت اطلبه في المسجد وقال آخر كنا إذا خرجنا من عند إبراهيم ~~يقول إن سئلتم عني فقولوا لا ندري أين هو فإنكم إذا خرجتم لا تدرون أين ~~أكون توفي سنة ست وقيل خمس وتسعين للهجرة وله تسع وأربعون سنة وقيل ثمان ~~وخمسون سنة والأول أصح ولما حضرته الوفاة جزع جزعا شديدا فقيل له في ذلك ~~فقال وأي خطر أعظم مما أنا فيه أنما أتوقع رسولا يأتي علي من ربي إما ~~بالجنة وإما بالنار والله لو ددت أنها تلجج في حلقي إلى يوم القيامة وأمه ~~مليكة بنت يزيد بن قيس النخعية أخت الأسود بن يزيد النخعي فهو خاله رضي ~~الله عنه ونسبته إلى النخع بفتح النون والخاء المعجمعة وبعدها عين مهملة ~~وهي قبيلة كبيرة من مذحج باليمن واسم النخع جسر بن عمرو بن علة بن خالد ابن ~~مالك بن أدد وإنما قيل له النخع لأنه انتخع من قومه أي بعد عنهم ~~PageV01P025 # وخرج منهم خلق كثير وقيل في نسبه غير هذا هذا هو ~~الصحيح نقلته من جمهرة النسب لابن الكلبي 2 أبو ثور صاحب الشافعي أبو ثور ~~إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي الفقيه البغدادي صاحب الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه وناقل الأقوال القديمة عنه وكان أحد الفقهاء الأعلام والثقات ~~المأمونين في الدين له الكتب المصنفة في الأحكام جمع فيها بين الحديث ~~والفقه وكان أول اشتغاله بمذهب أهل الرأي حتى قدم الشافعي العراق فاختلف ~~إليه واتبعه ورفض مذهبه الأول ولم يزل على ذلك إلى أن توفي لثلاث بقين من ~~صفر سنة ست وأربعين ومائتين ببغداد ودفن بمقبربة باب الكناس رحمه الله ~~تعالى وقال أحمد بن ms0001 حنبل هو عندي في مسلاخ سفيان الثوري أعرفه بالسنة منذ ~~خمسين سنة 3 أبو إسحاق المروزي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي ~~الفقيه الشافعي إمام PageV01P026 # عصره في الفتوى والتدريس أخذ الفقه عن أبي العباس بن ~~سريج وبرع فيه وانتهت إليه الرياسة بالعراق بعد ابن سريج وصنف كتبا كثيرة ~~وشرح مختصر المزني وأقام ببغداد دهرا طويلا يدرس ويفتي وأنجب من أصحابه خلق ~~كثير وإليه ينسب درب المروزي ببغداد الذي في قطيعة الربيع ثم ارتحل إلى مصر ~~في أواخر عمره فأدركه أجله بها فتوفي لتسع خلون من رجب سنة أربعين ~~وثلاثمائة ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي رضي الله عنه وقيل إنه توفي ~~بعد العتمة من ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب من السنة المذكورة ~~وذكره الخطيب في تاريخه والمروزي بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو وبعدها ~~زاء معجمة نسبة إلى مرو الشاهجان وهي إحدى كراسي خراسان وكراسي خراسان أربع ~~مدن هذه ونيسابور وهراة وبلخ وإنما قيل لها مرو الشاهجان لتتميز عن مرو ~~الروذ والشاهجان لفظ عجمي تفسيره روح الملك فالشاة الملك والجان الروح ~~وعادتهم أن يقدموا ذكر المضاف إليه على المضاف ومرو هذه بناها الإسكندر ذو ~~القرنين وهي سرير الملك بخراسان وزادوا في النسبة إليها زاء كما قالوا في ~~النسبة إلى الري رازي وإلى إصطخر إصطخرزي على إحدى النسبتين إلا أن هذه ~~الزيادة تختص ببني آدم عند أكثر أهل العلم بالنسب وما عدا ذلك لا يزاد فيه ~~الزاء فيقال فلان المروزي والثوب وغيره من المتاع مروي بسكون الراء وقيل ~~إنه يقال في الجميع بزيادة الزاء ولا فرق بينهما وهو من باب تغيير النسب ~~وسيأتي في ترجمة القاضي أبي حامد أحمد بن عامر المرووذي الفقيه الشافعي ~~بقية الكلام على هذين البلدين إن شاء الله تعالى PageV01P027 # 4 الأستاذ الإسفرايني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن ~~إبراهيم بن مهران الإسفرايني الملقب بركن الدين الفقيه الشافعي المتكلم ~~الأصولي ذكره الحاكم أبو عبد الله وقال أخذ عنه الكلام والأصول عامة شيوخ ~~نيسابور ms0002 وأقر له بالعلم أهل العراق وخراسان وله التصانيف الجليلة منها ~~كتابه الكبير الذي سماه جامع الحلى في أصول الدين والرد على الملحدين رأيته ~~في خمسة مجلدات وغير ذلك من المصنفات وأخذ عنه القاضي أبو الطيب الطبري ~~أصول الفقه بإسفراين وبنيت له المدرسة المشهورة بنيسابور وذكره أبو الحسن ~~عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور فقال في حقه أحد من بلغ حد ~~الاجتهاد من العلماء لتبحره في العلوم واستجماعه شرائط الإمامة وكان طراز ~~ناحية الشرق وكان يقول أشتهي أن أموت بنيسابور حتى يصلي علي جميع أهل ~~نيسابور فتوفي بها يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة وأربعمائة ثم نقلوه إلى ~~إسفراين ودفن في مشهده رحمه الله تعالى واختلف إلى مجلسه أبو القاسم ~~القشيري وأكثر الحافظ أبو بكر البيهقي الرواية عنه في تصانيفه وغيره من ~~المصنفين رحمهم الله أجمعين وسمع بخراسان أبا بكر الإسماعيلي وبالعراق أبا ~~محمد دعلج بن أحمد السجزي وأقرانهما وسيأتي الكلام على إسفراين في ترجمة ~~الشيخ أبي حامد أحمد بن محمد الإسفرايني 5 أبو إسحاق الشيرازي الشيخ أبو ~~إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزاباذي الملقب جمال الدين سكن ~~بغداد وتفقه على جماعة من الأعيان منهم أبو أحمد عبد الوهاب بن محمد بن ~~أمين وأبو عبد الله محمد بن عبد الله البيضاوي وأبو القاسم منصور بن عمر ~~الكرخي وغيرهم وصحب القاضي أبا الطيب الطبري كثيرا وانتفع به وناب عنه في ~~مجلسه ورتبه معيدا في حلقته وصار إمام وقته ببغداد ولما بنى نظام الملك ~~مدرسته ببغداد سأله أن يتولاها فلم يفعل فولاها لأبي نصر ابن الصباغ صاحب ~~الشامل مدة يسيرة ثم أجاب إلى ذلك فتولاها ولم يزل بها إلى أن مات وقد بسطت ~~القول في ذلك في ترجمة الشيخ أبي نصر عبد السيد بن الصباغ صاحب الشامل ~~فليطلب منه وسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي ~~بالبرقاني الحافظ وأبي علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزار وأبي ~~الفرج محمد بن عبد الله الخرجوشي ms0003 الشيرازي وغيرهم وصنف التصانيف المباركة ~~المفيدة منها المهذب في المذهب والتنبيه في الفقه واللمع وشرحها في أصول ~~الفقه والنكت في الخلاف والتبصرة والمعونة والتلخيص في الجدل وغير ذلك ~~وانتفع به خلق كثير وله الشعر الحسن فمنه (سألت الناس عن خل وفي * فقالوا ~~ما إلى هذا سبيل) (تمسك إن ظفرت بذيل حر * فإن الحر في الدنيا قليل) ~~PageV01P028 # 5 أبو إسحاق الشيرازي الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي ~~بن يوسف الشيرازي الفيروزاباذي الملقب جمال الدين سكن بغداد وتفقه على ~~جماعة من الأعيان منهم أبو أحمد عبد الوهاب بن محمد بن أمين وأبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله البيضاوي وأبو القاسم منصور بن عمر الكرخي وغيرهم وصحب ~~القاضي أبا الطيب الطبري كثيرا وانتفع به وناب عنه في مجلسه ورتبه معيدا في ~~حلقته وصار إمام وقته ببغداد ولما بنى نظام الملك مدرسته ببغداد سأله أن ~~يتولاها فلم يفعل فولاها لأبي نصر ابن الصباغ صاحب الشامل مدة يسيرة ثم ~~أجاب إلى ذلك فتولاها ولم يزل بها إلى أن مات وقد بسطت القول في ذلك في ~~ترجمة الشيخ أبي نصر عبد السيد بن الصباغ صاحب الشامل فليطلب منه وسمع ~~الحديث من أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي بالبرقاني ~~الحافظ وأبي علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزار وأبي الفرج محمد ~~بن عبد الله الخرجوشي الشيرازي وغيرهم وصنف التصانيف المباركة المفيدة منها ~~المهذب في المذهب والتنبيه في الفقه واللمع وشرحها في أصول الفقه والنكت في ~~الخلاف والتبصرة والمعونة والتلخيص في الجدل وغير ذلك وانتفع به خلق كثير ~~وله الشعر الحسن فمنه (سألت الناس عن خل وفي * فقالوا ما إلى هذا سبيل) ~~(تمسك إن ظفرت بذل حر فإن الحر في الدنيا قليل) PageV01P029 # وقال الشيخ أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي الآتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى كان ببغداد شاعر مفلق يقال له عاصم فقال يمدح الشيخ ~~أبا إسحاق قدس الله سره (تراه من الذكاء نحيف جسم * عليه من توقده دليل) ~~(إذا ms0004 كان الفتى ضخم المعالي * فليس يضره الجسم النحيل) وكان في غاية من ~~الورع والتشدد في الدين ومحاسنه أكثر من أن تحصر ولد في سنة ثلاث وتسعين ~~وثلاثمائة بفيروزاباذ وتوفي ليلة الأحد الحادي والعشرين من جمادي الآخرة ~~قاله السمعاني في الذيل وقيل في جمادي الأولى قاله السمعاني أيضا سنة ست ~~وسبعين وأربعمائة ببغداد ودفن من الغد بباب أبرز رحمه الله ورثاه أبو ~~القاسم ابن ناقياء واسمه عبد الله وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى بقوله ~~(أجرى المدامع بالدم المهراق * خطب أقام قيامة الآماق) (ما لليالي لا تؤلف ~~شملهاه * بعد ابن بجدتها أبي إسحاق) (إن قيل مات فلم يمت من ذكره * حي على ~~مر الليالي باقي) وذكره محب الدين بن النجار في تاريخ بغداد فقال في حقه ~~إمام أصحاب الشافعي ومن انتشر فضله في البلاد وفاق أهل زمانه بالعلم والزهد ~~وأكثر علماء الأمصار من تلامذته ولد بفيروزاباذ بلدة بفارس ونشأ بها ودخل ~~شيراز وقرأ بها الفقه على أبي عبد الله البيضاوي وعلى أبي أحمد PageV01P030 # عبد الوهاب بن رامين ثم دخل البصرة وقرأ على الحوزي ~~ودخل بغداد في شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة وقرأ على أبي الطيب الطبري ~~ومولده في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وقال أبو عبد الله الحميدي سألته عن ~~مولده فذكر دلائل دلت على سنة ست وتسعين قال ورحلت في طلب العلم إلى شراز ~~في سنة عشر وأربعمائة وقيل إن مولده في سنة خمس وتسعين والله أعلم وجلس ~~أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية ولما انقضى العزاء رتب مؤيد الملك بن نظام ~~الملك أبا سعد المتولي مكانه ولما بلغ الخبر نظام الملك كتب بإنكار ذلك ~~وقال كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة لأجله وزرى على من تولى موضعه وأمر ~~أن يدرس الشيخ أبو نصر عبد السيد بن الصباغ في مكانه رحمهم الله تعالى ~~وفيروزاباذ بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحت وضم الراء المهملة وبعد ~~الواو الساكنة زاء مفتوحة معجمة وبعد الألف أبا موحدة وبعد الألف ذال معجمة ~~بلدة بفارس ويقال هي ms0005 مدينة جور قاله الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتابه ~~الأنساب وقال غيره هي بفتح الفاء والله أعلم 6 إبراهيم بن أدهم أبو إسحاق ~~إبراهيم بن منصور بن زيد بن جابر العجلي ويقال التميمي أصله PageV01P031 # من بلخ وكان من أولاد الملوك روى عن جماعة من التابعين ~~كأبي إسحاق السبيعي وأبي حازم وقتادة ومالك بن دينار والأعمش وأبان واشتغل ~~بالزهد عن الرواية وكان يكون بالكوفة ثم بالشام مر به يوما بريد وهو ينظر ~~كرما فقال ناولني من هذا العنب فقال ما أذن لي صاحبه فقلب السوط وجعل يقنع ~~رأسه فطأطأ إبراهيم رأسه وقال اضرب رأسا طال ما قد عصى الله قال فانخذل ~~ومضى وقال شقيق البلخي قال لي إبراهيم أخبرني عما أنت عليه فقلت إذا رزقت ~~أكلت وإذا منعت صبرت قال هكذا تعمل كلاب بلخ عندنا قلت له فكيف تعمل أنت ~~قال إذا رزقت آثرت وإذا منعت شكرت وكان إبراهيم في البحر وهبت ريح واضطربت ~~السفن وبكى الناس فقيل لبعضهم هذا إبراهيم بن أدهم لو سألته أن يدعو الله ~~وكان قائما في ناحية من السفينة ملفوف رأسه فدنا إليه وقال يا أبا إسحاق ما ~~ترى ما فيه الناس فرفع رأسه وقال اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا رحمتك فهدأت ~~السفن قال رجل لبشر بن الحارث إني أحب أن أسلك طريق إبراهيم بن أدهم قال لا ~~تقوى قال ولم قال لأن إبراهيم بن أدهم عمل ولم يقل وأنت قلت ولم تعمل قال ~~أبو سليمان الداراني صلى إبراهيم خمس عشرة صلاة بوضوء واحد وتوفي سنة 140 ~~في الجزيرة وحمل إلى صور فدفن هناك رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته إنه على ~~ما يشاء قدير PageV01P032 # 7 العراقي الخطيب أبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن ~~المسلم الفقيه الشافعي المصري المعروف بالعراقي الخطيب بجامع مصر كانفقيها ~~فاضلا وشرح كتاب المهذب تصنيف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى في ~~عشرة أجزاء شرحا جيدا لوم يكن من العراق وإنما سافر إلى بغداد واشتغل بها ~~مدة فنسب إليها لإقامته بها ms0006 تلك المدة وعاد إلى مصر وتولى الخطابة بجامعها ~~العتيق والإمامة به والتصدر ولم يزل على لخطابة والإمامة به والإفادة إلى ~~حين وفاته ومضى على سادا وأمر جميل قرأ ببغداد الفقه على أبي بكر محمد بن ~~الحسين الأرموي وكان من أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وعلى أبي الحسن ~~محمد بن المبارك بن الخل البغدادي وتفقه ببلده على القاضي أبي المعالي مجلي ~~بن جميع الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان في بغداد يعرف بالمصري فلما رجع ~~إلى مصر قيل له العراقي والله أعلم وقد روي عن الخطيب أبي إسحاق المذكور ~~أنه كان يقول أنشدني شيخنا ابن الخل المذكور ببغداد ولم يسم قائلا (في زخرف ~~القول تزيين لباطله * والحق قد يعتريه سوء تعبير) (تقول هذا مجاج النحل ~~تمدحه * وإن ذممت تقل قيء الزنابير) (مدحا وذما وما جاوزت وصفهما * حسن ~~البيان يري الظلماء كالنور) وكانت ولادته بمصر سنة عشر وخمسمائة وتوفي يوم ~~الخميس الحادي والعشرين من جمادي الأولى سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر ودفن ~~بسفح المقطم رحمه الله تعالى والمسلم بضم الميم وتشديد اللام وكان له ولد ~~فاضل نبيل القدر اسمه أبو محمد عبد الحكم ولي الخطابة بجامع مصر بعد وفاة ~~والده وكانت له خطب جيدة وشعر لطيف فمن شعره في العماد ابن جبرئيل المعروف ~~بابن أخي العلم وكان صاحب ديوان المال بمصر وكان قد وقع فانكسرت يده قوله ~~(إن العماد بن جبريل أخي علم * له يد أصبحت مذمومة الأثر) (تأخر القطع عنها ~~وهي سارقة * فجاءها الكسر يستقصي عن الخبر) وله غير ذلك أشعار نادرة ثم ~~وجدت هذين البيتين في ديوان جعفر بن شمس الخلافة الآتي ذكره والله أعلم ومن ~~شعر عبد الحكم المذكور في رجل وجب عليه القتل فرماه المستوفي للقصاص بسهم ~~فأصاب كبده فقتله فقال عبد الحكم (أخرجت من كبد القوس ابنها فغدت * تئن ~~والأم قد تحنو على الولد) (وما درت أنه لما رميت به * ما سار من كبد إلا ~~إلى كبد) قلت البيت الأول من هذين البيتين مأخوذ من قول ms0007 بعض المغاربة (لا ~~غرو من جزعي لبينهم * يوم النوى وأنا أخو الهم) (فالقوس من خشب تئن إذا * ~~ما كلفوها فرقة السهم) والبيت الثاني مأخوذ من قول الفقيه عمارة اليمني ~~الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في قصيدته الميمية التي ذكرتها هتاك وقد قدم ~~من مكة شرفها الله تعالى إلى الديار المصرية وامتدح بها مليكها يومئذ وهو ~~الفائز عيسى بن الظافر العبيدي ووزيره الصالح طلائع بن رزيك وكلاهم مذكوران ~~في هذا التاريخ فقال من جملة القصيدة يمدح العيس التي حملته إلى مصر ~~PageV01P033 # والمسلم بضم الميم وتشديد اللام وكان له ولد فاضل نبيل ~~القدر اسمه أبو محمد عبد الحكم ولي الخطابة بجامع مصر بعد وفاة والده وكانت ~~له خطب جيدة وشعر لطيف فمن شعره في العماد ابن جبريل المعروف بابن أخي ~~العلم وكان صاحب ديوان بيت المال بمصر وكان قد وقع فانكسرت يده قوله (إن ~~العماد بن جبريل أخي علم * له يد أصبحت مذمومة الأثر) (تأخر القطع عنها وهي ~~سارقة * فجاءها الكسر يستقصي عن الخبر) وله غير ذلك أشعار نادرة ثم وجدت ~~هذين البيتين في ديوان جعفر بن شمس الخلافة الآتي ذكره والله أعلم ومن شعر ~~عبد الحكم المذكور في رجل وجب عليه القتل فرماه المستوفي للقصاص بسهم فأصاب ~~كبده فقتله فقال عبد الحكم (أخرجت من كبد القوس ابنها فغدت * تئن والأم قد ~~تحنو على الولد) (وما درت أنه لما رميت به * ما سار من كبد إلا إلى كبد) ~~قلت البيت الأول من هذين البيتين مأخوذ من قول بعض المغاربة (لا غرو من ~~جزعي لبينهم * يوم النوى وأنا أخو الهم) (فالقوس من خشب تئن إذا * ما ~~كلفوها فرقة السهم) والبيت الثاني مأخوذ من قول الفقيه عمارة اليمني الآتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى في قصيدته الميمية التي ذكرتها هناك وقد قدم من مكة ~~شرفها الله تعالى إلى الديار المصرية وامتدح بها مليكها يومئذ وهو الفائز ~~عيسى بن الظافر العبيدي ووزيره الصالح طلائع بن رزيك وكلاهما مذكوران في ~~هذا التاريخ فقال من جملة ms0008 القصيدة يمدح العيس التي حملته إلى مصر ~~PageV01P034 # (ورحن من كعبة البطحاء والحرم * وفدا إلى كعبة المعروف ~~والكرم) (فهل درى البيت أني بعد فرقته * ما سرت من حرم إلا إلى حرم) ومن ~~شعر عبد الحكم أيضا (قامت تطالبني بلؤلؤ نحرها * لما رأت عيني تجود بدرها) ~~(وتبسمت عجبا فقلت لصاحبي * هذا الذي اتهمت به في ثغرها) قلت وهذا المعنى ~~مأخوذ من قول أبي الحسن علي بن عطية المعروف بابن الزقاق الأندلسي البلنسي ~~(وشادن طاف بالكؤوس ضحى * فحثها والصباح قد وضحا) (والروض يبدي لنا شقائقه ~~* وآسه العنبري قد نفحا) (قلت وأين الأقاح قال لنا * أودعته ثغر من سقى ~~القدحا) (فظل ساقي المدام يجحد ما * قال فلما تبسم افتضحا) وكان الوزير صفي ~~الدين أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر وزير الملك العادل بن ~~أيوب بمصر قد عزل عبد الحكم المذكور عن خطابة جامع مصر فكتب إليه (فلأي باب ~~غير بابك أرجع * وبأي جود غير جودك أطمع) (سدت علي مسالكي ومذاهبي * إلا ~~إليك فدلني ما أصنع) (فكأنما الأبواب بابك وحده * وكأنما أنت الخليقة أجمع) ~~قلت والبيت الأخير مأخوذ من قول السلامي الشاعر المشهور وهو (فبشرت آمالي ~~بملك هو الورى * ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر) PageV01P035 # وسيأتي ذكرها في ترجمة عضد الدولة بن بويه في حرف ~~الفاء إن شاء الله تعالى ولعبد الحكم المذكور يستجلي زوجته (سترت وجهها بكف ~~عليه * شبك النقش وهي تجلى عروسا) (قلت لم يغن عنك سترك شيئا * ومتى غطت ~~الشباك الشموسا) وله أيضا (ومأدبة بتنا بها في لذاذة * يخيل لي أنا على ~~الماء نوم) (فمن فوقنا الأفلاك والفلك تحتنا * ففي تلك أقمار وفي تيك أنجم) ~~وله أيضا (على مهل ففي الأحوال ريث * أتخشى أن تضام وأنت ليث) (بمصر إن ~~أقمت فأنت نيل * وإن سرت الشآم فأنت غيث) وكانت ولادته ليلة الأحد تاسع عشر ~~جمادي الآخرة سنة ثلاث وستين وخمسمائة وتوفي سحرة الثامن والعشرين من شعبان ~~سنة ثلاث عشرة وستمائة بمصر ودفن من الغد بسفح المقطم رحمة االله تعالى ~~عليه ms0009 وأنشدني ولده شيئا كثيرا من شعره وطريقته فيه لطيفة وأما العماد ~~المذكور فهو أبو عبد الله محمد بن أبي الأمانة جبريل بن المغيرة بن سلطان ~~بن نعمة وكان فاضلا مشهورا بكثرة الأمانة فيما يتولاه وتقلب في الخدم ~~الديوانية بمصر والإسكندرية وكانت ولادته سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وتوفي ~~في خامس شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة بالقاهرة رحمه الله تعالى ~~PageV01P036 # 8 ابن عسكر الموصلي أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر ~~الملقب ظهير الدين قاضي السلامية الفقيه الشافعي الموصلي ذكره ابن الدبيثي ~~في تاريخه فقال أبو إسحاق من أهل الموصل تفقه على القاضي أبي عبد الله ~~الحسين بن نصر بن خميس الموصلي بالموصل وسمع منه قدم بغداد وسمع بها من ~~جماعة وعاد إلى بلده وتولى قضاء السلامية إحدى قرى الموصل وروى بإربل عن ~~أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي شيئا من مصنفاته سمع منه ~~ببغداد وسمع منه جماعة من أهلها انتهى كلامه وكان فقيها فاضلا أصله من ~~العراق من السندية تفقه بالمدرسة النظامية ببغداد وسمع الحديث ورواه وتولى ~~القضاء بالسلامية وهي بلدة بأعمال الموصل وطالت مدته بها وغلب عليه النظم ~~ونظمه رائق فمن شعره (لا تنسبوني يا ثقاتي إلى * غدر فليس الغدر من شيمتي) ~~(أقسمت بالذاهب من عيشنا * وبالمسرات التي ولت) (أني على عهدكم لم أحل * ~~وعقدة الميثاق ما حلت) ومن شعره أيضا (جود الكريم إذا ما كان عن عدة * وقد ~~تأخر لم يسلم من الكدر) (إن الشحائب السحائب لا تجدي بوارقها * نفعا إذا هي ~~لم تمطر على الأثر) (وما طل الوعد مذموم وإن سمحت * يداه من بعد طول المطل ~~بالبدر) PageV01P037 # (يا دوحة الجود لا عتب على رجل * يهزها وهو محتاج إلى ~~الثمر) وكان بالبوازيج وهي بليدة بالقرب من السلامية زاوية لجماعة من ~~الفقراء اسم شيخهم مكي فعمل فيهم (ألا قل لمكي قول النصوح * فحق النصيحة أن ~~تستمع) (متى سمع الناس في دينهم * بأن الغنا سنة تتبع) (وأن يأكل المرء أكل ~~البعير * ويرقص في الجمع حتى يقع) (ولو كان طاوي ms0010 الحشا جائعا * لما دار من ~~طرب واستمع) (وقالوا سكرنا بحب الإله * وما أسكر القوم إلا القصع) (كذاك ~~الحمير إذا أخصبت * ينقزها ريها والشبع) ذكره أبو البركات ابن المستوفى في ~~تاريخ إربل وأثنى عليه وأورد له مقاطيع عديدة ومكاتبات جرت بينهما وذكره ~~العماد الكاتب في الخريدة فقال شاب فاضل ومن شعره قوله (أقول له صلني فيصرف ~~وجهه * كأني أدعوه لفعل محرم) (فإن كان خوف الإثم يكره وصلتي * فمن أعظم ~~الآثام قتلة مسلم) توفي يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر سنة عشر وستمائة ~~بالسلامية رحمه الله تعالى وكان له ولد اجتمعت به في حلب وأنشدني من شعره ~~وشعر أبيه كثيرا وكان شعره جيدا ويقع له المعاني الحسنة والسلامية بفتح ~~السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء مثناة من تحتها ثم هاء وهي ~~بليدة على شط الموصل من الجانب الشرقي أسفل الموصل بينهما مسافة يوم ~~فالموصل في الجانب الغربي وقد خربت السلامية القديمة التي كان الظهير ~~قاضيها وأنشئت بالقرب منها بليدة أخرى وسموها السلامية أيضا PageV01P038 # 9 إبراهيم بن المهدي أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بن ~~المنصور أبي جعفر بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ~~الهاشمي أخو هارون الرشيد كانت له اليد الطولي في الغناء والضرب بالملاهي ~~وحسن المنادمة وكان أسود اللون لأن أمه كانت جارية سوداء واسمها شكلة بفتح ~~الشين المعجمة وكسرها وسكون الكاف وبعد اللام هاء وكان مع سواده عظيم الجثة ~~ولهذا قيل له التنين وكان وافر الفضل غزير الأدب واسع النفس سخي الكف ولم ~~ير في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لسانا ولا أحسن منه شعرا بويع له ~~بالخلافة ببغداد بعد المائتين والمأمون بومئذ بخراسان وقصته مشهورة وأقام ~~خليفة بها مقدار سنتين وذكر الطبري في تاريخه أن أيام إبراهيم بن المهدي ~~كانت سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما وكان سبب خلع المأمون وبيعة إبراهيم ~~بن المهدي أن المأمون لما كان بخراسان جعل ولي عهده علي بن موسى الرضا ~~الآتي ذكره في حرف العين إن ms0011 شاء الله تعالى فشق ذلك على العباسيين ببغداد ~~خوفا من انتقال الأمر عنهم إلى العلويين فبايعوا إبراهيم بن المهدي المذكور ~~وهو عم المأمون ولقبوه المبارك وقيل سموه المرضي وكانت ميابعته يوم ~~الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين ببغداد بايعه العباسيون ~~في الباطن ثم بايعه أهل بغداد في أول يوم من المحرم سنة اثنتين ومائتين ~~وخلعوا المأمون فلما كان يوم الجمعة PageV01P039 # لخمس خلون من المحرم أظهروا ذلك وصعد إبراهيم المنبر ~~وكان المأمون لما بايع علي بن موسى الرضا بولاية العهد أمر الناس بترك لباس ~~السواد الذي هو شعار بني العباس وأمرهم بلباس الخضرة فعز ذلك على بني ~~العباس أيضا وكان من جملة الأسباب التي نقموها على المأمون ثم أعاد لبس ~~السواد يوم الخميس لليلة بقيت من ذي القعدة سنة سبع ومائتين لسبب اقتضى ذلك ~~ذكره الطبري في تاريخه فلما توجه المأمون من خراسان إلى بغداد خاف إبراهيم ~~على نفسه فاستخفى وكان استخفاؤه ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي ~~الحجة سنة ثلاث ومائتين وذلك بعد أمور يطول شرحها ولا يحتمل هذا المختصر ~~ذكرها ثم دخل المأمون بغداد يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من صفر سنة ~~أربع ومائتين ولما استخفى إبراهيم عمل فيه دعبل الخزاعي (نعر ابن شكلة ~~بالعراق وأهله * فهفا إليه كل أطلس مائق) (إن كان إبراهيم مضطلعا بها * ~~فلتصلحن من بعده لمخارق) (ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل * ولتصلحن من بعده ~~للمارق) (أني يكون وليس ذاك بكائن * يرث الخلافة فاسق عن فاسق) ومخارق بضم ~~الميم وفتح الخاء المعجمة وزلزل بضم الزاءين المعجمتين والمارق هؤلاء ~~الثلاثة كانوا مغنين في ذلك العصر وأخبار إبراهيم طويلة شهيرة وقال إبراهيم ~~قال لي المأمون وقد دخلت عليه بعد العفو عني أنت الخليفة الأسود فقلت يا ~~أمير المؤمنين أنا الذي مننت عليه بالعفو وقد قال عبد بني الحسحاس (أشعاد ~~عبد بني الحسحاس قمن له * عند الفخار مقام الأصل والورق) (إن كنت عبدا ~~فنفسي حرة كرما * أو أسود الخلق إني أبيض الخلق) PageV01P040 # فقال ms0012 لي يا عم أخرجك الهزل إلى الجد وأنشد يقول (ليس ~~يزري السواد بالرجل الشهم * ولا بالفتى الأديب الأريب) (إن يكن للسواد فيك ~~نصيب * فبياض الأخلاف منك نصيبي) قلت وقد نظم بعض المتأخرين وهو الأعز أبو ~~الفتوح نصر الله بن قلاقس الإسكندري وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف ~~النون هذا المعني وزاد فيه وأحسن كل الإحسان وهو قوله (رب سوداء وهي بيضاء ~~فعل * حسد المسك عندها الكافور) (مثل حب العيون يحسبه الناس * سوادا وإنما ~~هو نور) وجلس المعتصم يوما وقد تولى الخلافة بعد المأمون وعن يمينه العباس ~~بن المأمون وعن يساره إبراهيم بن المهدي فجعل إبراهيم يقلب خاتما في يده ~~فقال له العباس يا عم ما هذا الخاتم فقال خاتم رهنته في أيام أبيك فما ~~فككته إلا في أيام أمير المؤمنين فقال له العباس والله لئن لم تشكر أبي على ~~حقن دمك مع عظيم جرمك لا تشكر أمير المؤمنين على فك خاتمك فأفحمه وهذا ~~إبراهيم في حديثه طول كثير أورده أرباب التواريخ في كتبهم لكن اختصرته ~~ونبهت على المقصود منه وقد استوفى الطبري وغيره الكلام فيه ولما ظفر ~~المأمون بإبراهيم شاور فيه أحمد بن أبي خالد الأحول الوزير فقال يا أمير ~~المؤمنين إن قتلته فلك نظراء وإن عفوت عنه فما لك نظير وكانت ولادته غرة ذي ~~القعدة سنة اثنتين وستين ومائة وتوفي يوم الجمعة لتسع خلون من شهر رمضان ~~سنة أربع وعشرين ومائتين بسر من رأى وصلى عليه بن أخيه المعتصم رحمه الله ~~تعالى وسر من رأى فيها ست لغات حكاها الجوهري في كتاب الصحاح في فصل ~~PageV01P041 # رأى وهن سر من رأى بضم السين المهملة وفتحها وسر من ~~راء بضم السين وفتحها وتقديم الألف على الهمزة في اللغتين وساء من رأى ~~وسامرا واستعمله البحتري ممدودا في قوله (ونصبته علما بسامراء *) ولا أعلم ~~هل هي لغة شائعة أو استعمله كذلك ضرورة وسر من رأى مدينة بالعراق بناها ~~المعتصم في سنة عشرين ومائتين وفيها السرداب الذي ينتظر الإمامية خروج ~~الإمام منه ms0013 وسيأتي ذكره في حرف الميم في المحمدين إن شاء الله تعالى 10 ~~إبراهيم النديم الموصلي أبو إسحاق إبراهيم بن ماهان ويقال له أيضا ميمون بن ~~بهمن بن نسك التميمي بالولاء الأرجاني المعروف بالنديم الموصلي ولم يكن من ~~الموصل وإنما سافر إليها وأقام بها مدة فنسب إليها هكذا ذكره أبو الفرج ~~الأصبهاني في كتاب الأغاني وهو من بيت كبير في العجم وانتقل والده ماهان ~~إلى الكوفة وأقام بها وأول خليفة سمعه المهدي بن المنصور ولم يكن في زمانه ~~مثله في الغناء واختراع الألحان وكان إذا غنى إبراهيم وضرب له منصور ~~المعروف بزلزل اهتز لهما المجلس وكان إبراهيم زوج أخت زلزل المذكور وأخباره ~~ومجالسه مشهورة وحكي أن هارون الرشيد كان يهوى جاريته ماردة هوى شديدا ~~فتغاضبا PageV01P042 # مرة ودام بينهما الغضب فأمر جعفر البرمكي العباس بن ~~الأحنف أن يعمل في ذلك شيئا فعمل (راجع أحبتك الذين هجرتهم * إن المتيم ~~قلما يتجنب) (إن التجنب إن تطاول منكما * دب السلوله فعز المطلب) وأمر ~~إبراهيم الموصلي فغنى به الرشيد فلما سمعه بادر إلى ماردة فترضاها فسألت عن ~~السبب في ذلك فقيل لها فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم ~~وسألت الرشيد أن يكافئهما فأمر لهما بأربعين ألف درهم وكان هارون قد حبس ~~إبراهيم في المطبق فأخبر سلم الخاسر أبا العتاهية بذلك فأنشده (سلم يا سلم ~~ليس دونك سر * حبس الموصلي فالعيش مر) (ما استطاب اللذات مذ غاب في المطبق ~~* رأس اللذات في الناس حر) (ترك الموصلي من خلق الله * جميعا وعيشهم مقشعر) ~~(حبس الله والسرور فما في * الأرض شيء يلهي به ويسر) ولد إبراهيم المذكور ~~بالكوفة سنة خمس وعشرين ومائة وتوفي ببغداد سنة ثمان وثمانين ومائة بعلة ~~القولنج وقيل سنة ثلاث عشرة ومائتين والأول أصح رحمه الله تعالى وفي ترجمة ~~العباس بن الأحنف خبر وفاته أيضا فلينظر فيها وقيل مات إبراهيم الموصلي ~~وأبو العتاهية الشاعر وأبو عمرو الشيباني النحوي في سنة ثلاث عشرة ومائتين ~~في يوم واحد ببغداد وإن أباه مات وهو صغير فكفله ms0014 بنو تميم وربوه ونشأ فيهم ~~فنسب إليهم والله أعلم وسيأتي ذكر ولده إسحاق وأرجان بتشديد الراء المهملة ~~حكاه الجوهري والحازمي وهي مذكورة في ترجمة أحمد الأرجاني PageV01P043 # 11 إبراهيم الصولي إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ~~تكين الصولي الشاعر المشهور كان أحد الشعراء المجيدين وله ديوان شعر كله ~~نخب وهو صغير ومن رقيق شعره (4) (دنت بأناس عن تنااء زيارة * وشط بليلى عن ~~دنو مزارها) (وإن مقيمات بمنعرج اللوى * لأقرب من ليلى وهاتيك دارها) وله ~~نثر بديع فمن ذلك ما كتبه عن أمير المؤمنين إلى بعض البغاة الخارجين ~~يتهددهم ويتوعدهم وهو أما بعد فإن لأمير المؤمنين أناة فإ لم تغن عقب بعدها ~~وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام وهذا الكلام مع وجازته في غاية ~~الإبداع فإنه ينشأ منه بيت شعر له أوله (أناة فإن لم تغن عقب بعدها * وعيدا ~~فإن لم يغن أغنت عزائمه) وكان يقول ما اتكلت في مكاتبي قط إلا على ما يجلبه ~~خاطري ويجيش به صدري إلا قولي وصار ما يحرزهم يبرزهم وما كان يعقلهم ~~يعتقلهم وقولي في رسالة أخرى فأنزلوه من معقل إلى عقال وبدلوه آجالا من ~~آمال فإني ألممت بقولي آجالا من آمال بقول مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف ~~بصريع الغواني وهو PageV01P044 # (موف على مهج في يوم ذي رهج * كأنه أجل يسعى إلى أمل) ~~وفي المعقل والعقال بقول أبي تمام (فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا * قراه ~~وأحواض المنايا مناهلة) (وإن يبن حيطانا عليه فإنما * أولئك عقالاته لا ~~معاقله) (وإلا فأعلمه بأنك ساخط * عليه فإن الخوف لا شك قاتله) وهو ابن أخت ~~العباس بن الأحنف الحنفي الشاعر المشهور ونسبته إلى جده صول المذكور وكان ~~أحد ملوك جرجان وأسلم على يد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وقال الحافظ أبو ~~القاسم حمزة بن يوسف السهمي في تاريخ جرجان الصولي جرجاني الأصل وصول من ~~بعض ضياع جرجان ويقال لها جول وهو عم والد أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد ~~الله بن العباس الصولي صاحب كتاب الوزراء وغيره ms0015 من المصنفات فإنهما يجتمعان ~~في العباس المذكور وقد ذكره أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب ~~الورقة فقال إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول بغدادي أصله من خراسان يكنى ~~أبا إسحاق أشعر نظرائه الكتاب وأرقهم لسانا وأشعاره قصار ثلاثة أبيات ~~ونحوها إلى العشرة وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع وأصله تركي وكان ~~صول وفيروز أخوين ملكا جرجان تركيان تمجسا وصارا أشباه الفرس فلما حضر يزيد ~~بن المهلب بن أبي صفرة جرجان أمنهما فلم يزل PageV01P045 # صول معه وأسلم على يده حتى قتل معه يوم العقر وكان أبو ~~عمارة محمد بن صول أحد جلة الدعاة وقتله عبد الله بن علي العباسي عم السفاح ~~والمنصور لما خلع مع مقاتل بن حكيم العكي وغيره واتصل إبراهيم وأخوه عبد ~~الله بذي الرياستين الفضل بن سهل ثم تنقل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن ~~توفي وهو يتقلد ديوان الضياع والنفقات بسر من رأى للنصف من شعبان سنة ثلاث ~~وأربعين ومائتين قال دعبل بن علي الخزاعي لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر ~~لتركنا في غير شيء هذا آخر ما نقلته من كتاب الورقة وقد وقفت على ديوانه ~~ونقلت منه أشياء منها قوله وهذان البيتان يوجدان في ديوان مسلم بن الوليد ~~الأنصاري والله أعلم (لا يمنعنك خفض العيش في دعة * نزوع نفس إلى أهل ~~وأوطان) (تلقى بكل بلاد إن حللت بها * أهلا بأهل وجيرانا بجيران) وله ويقال ~~إنه ما رددهما من نزلت به نازلة إلا فرج الله تعالى عنه (ولرب نازلة يضيق ~~بها الفتى * ذرعا وعند الله منها المخرج) (ضاقت فلما استحكمت حلقاتها * ~~فرجت وكان يظنها لا تفرج) ومن شعره (أولى البرية طرا أن تواسيه * عند ~~االسرور الذي واساك في الحزن) (إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا * من كان ~~يألفهم في المنزل الخشن) وله ويقال إنه كتبها إلى محمد بن عبد الملك الزيات ~~وزير المعتصم (وكنت أخي بإخاء الزمان * فلما نبا صرت حربا عوانا) (وكنت أذم ~~إليك الزمان * فأصبحت منك أذم الزمانا) PageV01P046 # (وكنت ms0016 أعدك للنائبات * فها أنا أطلب منك الأمانا) وله ~~أيضا (كنت السواد لمقلتي * فبكى عليك الناظر) (من شاء بعدك فليمت * فعليك ~~كنت أحاذر) وأورد له أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة في باب النسيب (ونبئت ~~ليلى أرسلت بشفاعة * إلي فهلا نفس ليلى شفيعها) (أأكرم من ليلى علي فتبتغي ~~* به الجاه أم كنت امرءا لا أطيعها) وله كل مقطوع بديع والاختصار أولى ~~بالمختصر وسيأتي ذكر ابن أخيه محمد بن يحيى الصولي في المحمدين إن شاء الله ~~تعالى توفي إبراهيم الصولي المذكور منتصف شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين ~~بسر من رأى رحمه الله تعالى 12 نفطويه أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن ~~عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب ابن أبي صفرة الأزدي الملقب ~~نفطويه النحوي الواسطي له التصانيف الحسان في الآداب وكان عالما بارعا ولد ~~سنة أربع وأربعين ومائتين وقيل سنة خمسين ومائتين بواسط وسكن بغداد وتوفي ~~في صفر سنة ثلاث وعشرين PageV01P047 # وثلاثمائة يوم الأربعاء لست خلون منه بعد طلوع الشمس ~~بساعة وقيل توفي سنة إربع وعشرين هو وابن مجاهد المقرئ ببغداد والله أعلم ~~ودفن ثاني يوم بباب الكوفة رحمه الله تعالى قال ابن خالويه ليس في العلماء ~~من اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سوى نفطويه ومن شعره ما ذكره أبو علي ~~القالي في كتاب الأمالي (قلبي عليك أرق من خديكا * وقواي أوهى من قوى ~~جفنيكا) (لم لا ترق لمن يعذب نفسه * ظلما ويعطفه هواه عليكا) وفيه يقول أبو ~~عبد الله محمد بن زيد بن علي بن الحسين الواسطي المتكلم المشهور صاحب ~~الإمامة وكتاب إعجاز القرآن الكريم في نظمه وغيرهما (من سره أن لا يرى ~~فاسقا * فليجتهد أن لا يرى نفطويه) (أحرقه الله بنصف اسمه * وصير الباقي ~~صراخا عليه) وتوفي أبو عبد الله محمد المذكور سنة سبع وقيل سنة ست ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى حكى عبد العزيز بن الفضل قال خرج القاضي أبو ~~العباس أحمد بن عمر بن سريج وأبو بكر محمد بن داود الظاهري وأبو عبد الله ms0017 ~~نفطويه إلى وليمة دعوا لها فأفضى بهم الطريق إلى مكان ضيق فأراد كل واحد ~~منهم صاحبه أن يتقدم عليه فقال ابن سريج ضيق الطريق يورث سوء الأدب وقال ~~ابن داود لكنه يعرف مقادير الرجال فقال نفطويه إذا استحكمت المودة بطلت ~~التكاليف ونفطويه بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفاء ساكنة قال أبو ~~PageV01P048 # منصور الثعالبي في أوائل كتاب لطائف المعارف أنه لقب ~~نفطويه لدمامته وأدمته تشبيها له بالنفط وهذا اللقب على مثال سيبويه لأنه ~~كان ينسب في النحو إليه ويجري على طريقته ويدرس كتابه والكلام في ضبط ~~نفطويه ونظائره كالكلام على سيبويه وهو مذكور في ترجمته واسمه عمرو فليكشف ~~منه 13 أبو إسحاق الزجاج أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل الزجاج ~~النحوي كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين وصنف كتابا في معاني القرآن ~~وله كتاب الأمالي وكتاب ما فسر من جامع المنطق وكتاب الاشتقاق وكتاب العروض ~~وكتاب القوافي وكتاب الفرق وكتاب خلق الإنسان وكتاب خلق الفرس وكتاب مختصر ~~في النحو وكتاب فعلت وأفعلت وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف وكتاب شرح أبيات ~~سيبويه وكتاب النوادر وكتاب الأنواء وغير ذلك وأخذ الأدب عن المبرد وثعلب ~~رحمهما الله تعالى وكان يخرط الزجاج ثم تركه واشتغل بالأدب فنسب إليه روى ~~أبو سليمان الخطابي عن أحمد بن الحسين الفرائضي قال كان أصحاب المبرد إذا ~~اجتمعوا واستأذنوا يخرج الآذن فيقول إن كان فيكم أبو إسحاق الزجاج وإلا ~~انصرفوا فحضروا مرة ولم يكن الزجاج معهم فقال لهم ذلك فانصرفوا وثبت رجل ~~منهم يقال له عثمان فقال للآذن قل لأبي العباس انصرف القوم كلهم إلا عثمان ~~فإنه لم PageV01P049 # ينصرف فعاد إليه الآذن وأخبره فقال قل له إن عثمان إذا ~~كان نكرة انصرف ونحن لا نعرفك فانصرف راشدا واختص بصحبة الوزير عبيد الله ~~ابن سليمان بن وهب وعلم ولده القاسم الأدب ولما استوزر القاسم بن عبيد الله ~~أفاد بطريقه مالا جزيلا وحكى الشيخ أبو علي الفارسي النحوي قال دخلت مع ~~شيخنا أبي إسحاق الزجاج على القاسم ms0018 بن عبيد الله الوزير فورد إليه الخادم ~~فساره بسر استبشر له ثم نهض فلم يكن بأسرع من أن عاد وفي وجهه أثر الوجوم ~~فسأله شيخنا عن ذلك لأنس كان بينهما فقال له كانت تختلف إلينا جارية لإحدى ~~القينات فسمتها أن تبيعني إياها فامتنعت من ذلك ثم أشار عليها أحد من ~~ينصحها بأن تهديها إلي رجاء أن أضاعف لها ثمنها فلما جاءت أعلمني الخادم ~~بذلك فنهضت مستبشرا لافتضاضها فوجدتها قد حاضت فكان مني ما ترى فأخذ شيخنا ~~الدواة من بين يديه وكتب (فارس ماض بحربته * حاذق بالطعن في الظلم) (رام أن ~~يدمي فريسته * فاتقته من دم بدم) قلت وسيأتي في ترجمة بوران بنت الحسن بن ~~سهل ذكر هذين البيتين على صورة أخرى فيما جرى لها مع المأمون والله أعلم ~~بالصواب ويحتمل أن تكون قضية المأمون مع بوران هي الأصل وأن الزجاج تمثل ~~بالبيتين لما جرى للوزير هذه القضية والله أعلم توفي يوم الجمعة تاسع عشر ~~جمادي الآخرة سنة عشر وقيل سنة إحدى عشرة وقيل سنة ست عشرة وثلاثمائة ~~ببغداد رحمه الله تعالى وقد أناف على ثمانين سنة وإليه ينسب أبو القاسم عبد ~~الرحمن الزجاجي صاحب كتاب الجمل في النحو لأنه كان تلميذه كما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى في ترجمته رحمه الله وعنه أخذ أبو علي الفارسي أيضا PageV01P050 # 14 الافليلي أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن زكرياء بن ~~مفرج بن يحيى بن زياد بن عبد الله ابن خالد بن سعد بن أبي وقاص القرشي ~~الزهري المعروف بالإفليلي من أهل قرطبة كان من أئمة النحو واللغة وله معرفة ~~تامة بالكلام على معاني الشعر وشرح ديوان المتنبي شرحا جيدا وهو مشهور وروى ~~عن أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي كتاب الأمالي لأبي علي القالي وكان ~~متصدرا بالأندلس لإقراء الأدب وولي الوزارة للمكتفي بالله بالأندلس وكان ~~حافظا للأشعار ذاكرا للأخبار وأيام الناس وكان عنده من أشعار أهل بلاده ~~قطعة صالحة وكان أشد الناس انتقادا للكلام صادق اللهجة حسن الغيب صافي ~~الضمير عني بكتب جمة ms0019 ك الغريب المصنف والألفاظ وغيرهما وكانت ولادته في ~~شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وتوفي في آخر الساعة الحادية عشرة من يوم ~~السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ودفن يوم الأحد بعد ~~العصر في صحن مسجد خرب عند باب عامر بقرطبة رحمه الله تعالى والإفليلي بكسر ~~الهمزة وسكون الفاء وكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام ~~ثانية هذه النسبة إلى الإفليل وهي قرية بالشام كان أصله منها PageV01P051 # 15 الصابئ صاحب الرسائل أبو إسحاق إبراهيم بن هلال بن ~~إبراهيم بن زهرون بن حبون الحراني الصابئ صاحب الرسائل المشهورة والنظم ~~البديع كان كاتب الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة بختيار بن معز ~~الدولة بن بويه الديلمي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وتقلد ديوان الرسائل ~~سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وكانت تصدر عنه مكاتبات إلى عضد الدولة بن بويه ~~بما يؤلمه فحقد عليه فلما قتل عز الدولة وملك عضد الدولة بغداد اعتقله في ~~سنة سبع وستين وثلاثمائة وعزم على إلقائه تحت أيدي الفيلة فشفعوا فيه ثم ~~أطلقه في سنة إحدى وسبعين وكان قد أمره أن يصنع له كتابا في أخبار الدولة ~~الديلمية فعمل الكتاب التاجي فقيل لعضد الدولة إن صديقا للصابئ دخل عليه ~~فرآه في شغل شاغل من التعليق والتسويد والتبييض فسأله عما يعمل فقال أباطيل ~~أنمقها وأكاذيب ألفقها فحركت ساكنه وهيجت حقده ولم يزل مبعدا في أيامه وكان ~~متشددا في دينه وجهد عليه عز الدولة أن يسلم فلم يفعل وكان يصوم شهر رمضان ~~مع المسلمين ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ وكان يستعمله في رسائله وكان له ~~عبد أسود اسمه يمن وكان يهواه وله فيه المعاني البديعة فمن جملة ما ذكره له ~~الثعالبي في كتاب الغلمان قوله (قد قال يمن وهو أسود للذي * ببياضه استعلى ~~علو الخاتن) PageV01P052 # (ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى * أن قد أفدت به مزيد ~~محاسن) (ولو أن مني فيه خالا زانه * ولو آن منه في خالا شانني) قلت ومعنى ~~البيت الثالث ينظر إلى قول ms0020 ابن الرومي من جملة أبيات في جاريته السوداء وهو ~~قوله (وبعض ما فضل السواد به * والحق ذو سلم وذو نفق) (أن لا يعيب السواد ~~حلكته * وقد يعاب البياض بالبهق) وهي أبيات مشهورة أحسن فيها كل الإحسان ~~وذكر له الثعالبي فيه أيضا (لك وجه كأن يمناي خطته * بلفظ تمله آمالي) (فيه ~~معنى من البدور ولكن * نفضت صبغها عليه الليالي) (لم يشنك السواد بل زدت ~~حسنا * إنما يلبس السواد الموالي) (فبما لي أفديك إن لم تكن لي * وبروحي ~~أقديك إن كنت مالي) وله كل شيء حسن من المنظوم والمنثور وتوفي يوم الاثنين ~~وقيل يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ~~ببغداد وعمره إحدى وسبعون سنة وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق الوراق المعروف ~~بابن أبي يعقوب النديم البغدادي في كتابه الفهرست أن الصابئ المذكور ولد ~~سنة نيف وعشرين وثلاثمائة وتوفي قبل سنة ثمانين وثلاثمائة ودفن بالشونيزي ~~ورثاه الشريف الرضى بقصيدته الدالية المشهورة التي أولها (أرأيت من حملوا ~~على الأعواد * أرأيت كيف خبا ضياء النادي) PageV01P053 # وعاتبه الناس في ذلك لكونه شريفا يرثى صابئا فقال إنما ~~رثيت فضله وزهرون بفتح الزاي المعجمة وسكون الهاء وضم الراء المهملة وبعد ~~الواو نون وحبون بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الواو نون ~~والصابئ بهمزة آخره وقد اختلفوا في هذه النسبة فقيل إنها إلى صابئ بن ~~متوشلح بن إدريس عليه السلام وكان على الحنيفية الأولى وقيل إلى صابئ بن ~~ماري وكان في عصر الخليل عليه السلام وقيل الصابئ عند العرب من خرج عن دين ~~قومه ولذلك كانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم صابئا لخروجه عن ~~دين قومه والله أعلم 16 الحصري صاحب زهر الآداب أبو إسحاق إبراهيم بن علي ~~بن تميم المعروف بالحصري القيرواني الشاعر المشهور وله ديوان شعر وكتاب زهر ~~الآداب وثمر الألباب جمع فيه كل غريبة في ثلاثة أجزاء وكتاب المصون في سر ~~الهوى المكنون في مجلد واحد فيه ملح وآداب ذكره ابن رشيق في كتابه الأنموذج ms0021 ~~وحكى شيئا من أخباره وأحواله وأنشد جملة من أشعاره وقال كان شبان القيروان ~~يجتمعون عنده ويأخذون عنه ورأس عندهم وشرف لديهم وسارت تأليفاته وانثالث ~~عليه الصلات من الجهات وأورد من شعره (إني أحبك حبا ليس يبلغه * فهم ولا ~~ينتهي وصفي إلى صفته) PageV01P054 # (أقصى نهاية علمي فيه معرفتي * بالعجز مني عن إدراك ~~معرفته) وأورد له أبو الحسن علي بن بسام صاحب كتاب الذخيرة في محاسن أهل ~~الجزيرة بيتين في ضمن حكاية وهما (أورد قلبي الردى * لام عذار بدا) (أسود ~~كالكفر في * أبيض مثل الهدى) وهو ابن خالة أبي الحسن علي الحصري الشاعر ~~ترجمته في حرف العين توفي أبو إسحاق المذكور بالقيروان سنة ثلا عشرة ~~وأربعمائة وقال ابن بسام في الذخيرة بلغني أنه توفي سنة ثلاث وخمسين ~~وأربعمائة والأول أصح رحمه الله تعالى وذكر القاضي الرشيد بن الزبير في ~~كتاب الجنان في الجزء الأول في ترجمة أبي الحسن علي بن عبد العزيز المعروف ~~بالفكيك أن الحصري المذكور ألف كتاب زهر الآداب في سنة خمسين وأروبعمائة ~~وهذا يدل على صحة ما قاله ابن بسام والله أعلم والحصري بضم الحاء المهملة ~~وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة نسبة إلى عمل الحصر أو بيعها ~~والقيروان بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء المهملة ~~وبعد الواو ألف ونون مدينة بإفريقية بناها عقبة بن عامر الصحابي رضي الله ~~عنه وإفريقية سميت باسم إفريقين بن قيس بن صيفي الحميري وهو الذي افتتح ~~إفريقية وسميت به وقتل ملكها جرجير ويومئذ سميت البربر قال لهم ما أكثر ~~بربرتكم ويقال إفريقس والله أعلم والقيروان في اللغة القافلة وهو فارسي ~~معرب يقال إن قافلة نزلت بذلك المكان ثم بنيت المدينة في موضعها فسميت ~~باسمها وهو اسم للجيش أيضا وقال ابن القطاع اللغوي القيروان بفتح الراء ~~الجيش وبضمها القافلة نقله عن بعضهم والله أعلم PageV01P055 # 17 ابن خفاجة الأندلسي أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح ~~بن عبد الله بن خفاجة الأندلسي الشاعر ذكره ابن بسام في الذخيرة وأثنى عليه ~~وقال كان مقيما ms0022 بشرق الأندلس ولم يتعرض لاستماحة ملوك طوائفها مع تهافتهم ~~على أهل الأدب وله ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان ومن شعره في عشية أنس وقد ~~أبدع فيه (وعشي أنس أضجعتني نشوة * فيه تمهد مضجعي وتدمث) (خلعت علي به ~~الأراكة ظلها * والغصن يصغي والحمام يحدث) (والشمس تجنح للغروب مريضة * ~~والرعد يرقي والغمامة تنفث) وله أيضا وهو معنى حسن (ما للعذار كأن وجهك ~~قبلة * قد خط فيه من الدجى محرابا) (وأرى الشباب وكان ليس بخاشع * قد خر ~~فيه راكعا وأنابا) (ولقد علمت بكون ثغرك بارقا * أن سوف يزجي للعذار سحابا) ~~وله أيضا (أقوى محل من شبابك آهل * فوقفت أندب منه رسما عافيا) (مثل العذار ~~هناك نؤيا داثرا * واسودت الخيلان فيه أثافيا) وقد أخذ بعض المتأخرين وهو ~~العماد أبو علي بن عبد النور اللزني نزيل PageV01P056 # الموصل وهوالمذكور في ترجمة الشيخ كمال الدين موسى بن ~~يونس هذا المعنى فقال (ومعقرب الصدغين خلت عذاره * نؤيا أثافي رسمه ~~الخيلان) (فوقفت أبكيه بعيني عروة * أسفا عليه كأنه غيلان) ولد أبو إسحاق ~~المذكور بجزيرة شقر من أعمال بلنسية من بلاد الأندلس في سنة خمسين ~~وأربعمائة وتوفي بها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة لأربع بقين من شوال يوم ~~الأحد وشقر بضم الشين المثلثة وسكون القاف والراء المهملة وهي بليدة بين ~~شاطبة وبلنسية وإنما قيل لها جزيرة لأن الماء محيط بها وبلنسية بفتح الباء ~~الموحدة وفتح اللام وسكون النون وكسر السين المهملة وفتح الياء المثناة من ~~تحتها والأندلس بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال المهملة وضم اللام ~~والسين المهملة وهي جزيرة متصلة بالبر الطويل والبر الطويل متصل ~~بالقسطنطينية العظمى وإنما قيل للأندلس جزيرة لأن البحر محيط بها من جهاتها ~~إلا الجهة الشمالية وهي مثلثة الشكل فالركن الشرقي منها متصل بجبل يسلك منه ~~إلى فرنجة ولولاه لاختلط البحران وحكي أن أول من عمرها بعد الطوفان أندلس ~~بن يافث بن نوح عليه السلام فسميت باسمه 18 إبراهيم الغزي الشاعر أبو إسحاق ~~إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد الكلبي الأشهبي وقال ابن النجار ms0023 في تاريخ ~~بغداد هو إبراهيم بن عثمان بن عباس بن محمد PageV01P057 # ابن عمر بن عبد الله الأشهبي الكلبي الغزي الشاعر ~~المشهور شاعر محسن ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال دخل دمشق وسمع ~~بها من الفقيه نصر المقدسي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ورحل إلى بغداد ~~وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة ومدح ورثي غير واحد من المدرسين بها ~~وغيرهم ثم رحل إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها وانتشر شعره هناك ~~وذكر له عدة مقاطيع من الشعر وأثنى عليه انتهى كلام الحافظ وله ديوان شعر ~~اختاره لنفسه وذكر في خطبته أنه ألف بيت وذكره العماد الكاتب في الخريدة ~~وأثنى عليه وقال إنه جاب البلاد وتغرب وأكثر النقل والحركات وتغلغل في ~~أقطار خراسان وكرمان ولقي الناس ومدح ناصر الدين مكرم بن العلاء وزير كرمان ~~بقصيدته البائية التي يقول فيها ولقد أبدع فيه (حملنا من الأيام ما لا ~~نطيقه * كما حمل العظم الكسير العصائبا) ومنها في قصر الليل وهو معنى لطيف ~~(وليل رجونا أن يدب عذاره * فما اختط حتى صار بالفجر شائبا) وهي قصيدة ~~طويلة ومن جيد شعره المشهور (قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة * باب الدواعي ~~والبواعث مغلق) (خلت الديار فلا كريم يرتجى * منه النوال ولا مليح يعشق) ~~(ومن االعجائب أنه لا يشتري * ويخان فيه مع الكساد ويسرق) PageV01P058 # ومن شعره وفيه صناعة مليحة (وخز الأسنة والخضوع لناقص ~~* أمران في ذوق النهى مران) (والرأي أن يختار فيما دونه * المران وخز أسنة ~~المران) ومن شعره أيضا (من آلة الدست لم يعط الوزير سوى * تحريك لحيته في ~~حال إيماء) (إن الوزير ولا أزر يشد به * مثل العروض له بحر لا ماء) وله ~~أيضا (وجف الناس حتى لو بكينا * تعذر ما يبل به الجفون) (فما يندى لممدوح ~~بنان * ولا يندى لمهجو جبين) وله في القصائد المطولات كل بديع ومن شعره ~~أيضا وهو مما تستملحه الأدباء وتستظرفه قوله من جملة قصيدة (إشارة منك ~~تغنيني وأحسن ما * رد السلام غداة البين بالعنم) (حتى إذا طاح عنها المرط ~~من ms0024 دهش * وانحل بالضم سلك العقد في الظلم) (تبسمت فأضاء الليل فالتقطت * ~~حبات منتثر في ضوء منتظم) والبيت الأخير منها ينظر إلى قول الشريف الرضي من ~~جملة قصيدة (وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي * مواقع اللثم في داج من الظلم) ~~وقد ألم به بعض البغاددة في مواليا على اصطلاحهم فإنهم ما يتقيدون بالإعراب ~~فيه بل يأتون به كيفما اتفق وهو PageV01P059 # (ظفرت ليله بليلى ظفرة المجنون * وقلت وافى لحظي طالع ~~ميمون) (تبسمت فأضاء اللؤلؤ المكنون * صار الدجى كالضحى فاستيقظ الواشون) ~~والأصل في هذا المعنى بيت أبي الطمحان القيني وهو قوله (أضاءت لهم أحسابهم ~~ووجوههم * دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه) وهذا البيت من جملة أبيات وهي ~~(وإني من القوم الذين هم هم * إذا مات منهم سيد قام صاحبه) (نجوم سماء كلما ~~غاب كوكب * بدا كوكب تأوي إليه كواكبه) (أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى ~~الليل حتى نظم الجزع ثاقبه) ويقال إن هذا البيت أمدح بيت قيل في الجاهلية ~~وقيل هو هم أكذب بيت قيل (وما زال منهم حيث كانوا مسود * تسير المنايا حيث ~~سارت كتائبه) وهذا أبو الطمحان هو حنظلة بن الشرقي من شعراء الجاهلية ولد ~~الغري المذكور بغزة وبها قبر هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم سنة إحدى ~~وأربعين وأربعمائة وتوفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة ما بين مرو وبلخ من بلاد ~~خراسان ونقل إلى بلخ ودفن بها ونقل عنه أنه كان يقول ما حضرته الوفاة أرجو ~~أن يغفر الله لي لثلاثة أشياء كوني من بلد الإمام الشافعي وأني شيخ كبير ~~وأني غريب رحمه الله تعالى وحقق رجاءه وغزة بفتح الغين وتشديد الزاء ~~المعجمتين وبعدها هاء وهي البليدة المعروفة في الساحل الشامي وقد يقع هذا ~~الكتاب في يد من يكون بعيدا عن بلادنا ولا يعرف أين تقع هذه البليدة ويتشوق ~~إلى معرفة ذلك فأقول PageV01P060 # هي من أعمال فلسطين على البحر الشامي بالقرب من عسقلان ~~وهي في أوائل بلاد الشام من جهة الديار المصرية وهي إحدى الرحلتين ~~المذكورتين في كتاب الله العزيز في ms0025 قوله تعالى * (رحلة الشتاء والصيف) * ~~واتفق أرباب التفسير أن رحلة الصيف بلاد الشام ورحلة الشتاء بلاد اليمن وقد ~~كانت قريش في متاجرها تأتي إلى الشام في فصل الصيف لأجل طيبة بلادها في هذا ~~الفصل وتأتي اليمن في فصل الشتاء لأنها بلاد حارة لا تستطيع الدخول إليها ~~في فصل الصيف وقال أبو محمد بن عبد الملك بن هشام في أوائل سيرة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء والصيف هاشم جد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر بعد هذا بقليل قال ابن إسحاق ثم هلك هاشم ~~بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجرا ثم قال بعد هذا بقليل وقال مطرود بن ~~كعب الخزاعي يبكي بني عبد مناف جميعا وذكر القصيدة ومن جملتها (وهاشم في ~~ضريح وسط بلقعة * تسفي الرياح عليه بين غزات) قال أهل العلم باللغة إنما ~~قال غزات وهي غزة واحدة كأنه سمى كل ناحية منها باسم البلدة وجمعها على ~~غزات وصارت من ذلك الوقت تعرف بغزة هاشم لأن قبره بها لكنه غير ظاهر ولا ~~يعرف ولقد سألت عنه لما اجتزت بها فلم يكن عندهم منه علم ولما توجه أبو ~~نواس الشاعر المشهور من بغداد إلى مصر ليمدح الخصيب بن عبد الحميد صاحب ~~ديوان الخراج بمصر ذكر المنازل التي في طريقه فقال (طوالب بالركبان غزة ~~هاشم * وبالفر ما من حاجهن شعور) وفي بيت أبي نواس لفظتان تحتاجان إلى ~~التفسير إحداهما الفزما وهي بفتح الفاء والراء المدينة العظمى التي كانت ~~كرسي الديار المصرية في PageV01P061 # زمن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ومن قراها أم ~~العرب التي منها هاجرأم إسماعيل بن الخليل عليهما السلام والفرما في أول ~~الرمل بين السائح والقصير المنزلة المعروفة على يسار المتوجه إلى الشام من ~~مصر على ساحل البحر رأيتها وقد خربت ولم يبق منها سوى الآثار وموضعها تل ~~عال ومن الاتفاق الغريب أن إسماعيل أبو العرب وأمه من أم العرب القرية ~~المذكورة واللفظ الثاني قوله في آخر البيت شقور بضم ms0026 الشين المعجمة والقاف ~~ويقال بفتح الشين أيضا والضم أصح لأن الشقور بالضم بمعنى الأمور اللاصقة ~~بالقلب المهمة الواحد شقر والله أعلم 19 ابن قرقول أبو إسحاق إبراهيم بن ~~يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس ابن القائد الحمزي المعروف بابن ~~قرقول صاحب كتاب مطالع الأنوار الذي وضعه على مثال كتاب مشارق الأنوار ~~للقاضي عياض كان من الأفاضل وصحب جماعة من علماء الأندلس ولم أقف على شيء ~~من أحواله سوى هذا القدر وكانت ولادته بالمرية من بلاد الأندلس في صفر سنة ~~خمس وخمسمائة وتوفي بمدينة فاس يوم الجمعة أول وقت العصر سادس شوال سنة تسع ~~وستين وخمسمائة وكان قد صلى الجمعة في الجامع فلما PageV01P062 # حضرته الوفاة تلا سورة الإخلاص وجعل يكررها بسرعة ثم ~~تشهد ثلاث مرات وسقط على وجهه ساجدا فوقع ميتا رحمه الله تعالى وقر قول بضم ~~القافين وسكون الراء المهملة بينهما وبعد الواو لام والمرية بفتح الميم ~~وكسر الراء المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء وهي مدينة ~~كبيرة بالأندلس على شاطىء البحر من مراسي المراكب وفاس بالفاء والسين ~~المهملة وهي مدينة عظيمة بالمغرب بالقرب من سبته ونسبته الحمزي بفتح الحاء ~~المهملة وبعد الميم الساكنة زاء معجمة إلى حمزة آشير بمد الهمزة وكسر الشين ~~المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء مهملة وحمزة هي بليدة ~~بإفريقية ما بين بجايه وقلعة بني حماد كذا ذكر لي جماعة من أهل تلك البلاد ~~وآشير مذكورة في ترجمة زيري بن مناد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى 20 أحمد ~~بن حنبل الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس ~~بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان ~~ابن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن ~~أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزاربن معد بن PageV01P063 # عدنان الشيباني المروزي الأصل ms0027 هذا هو الصحيح في نسبه ~~وقيل إنه من بني مازن بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة وهو غلط لأنه من ~~بني شيبان بن ذهل لا من بني ذهل بن شيبان وذهل بن ثعلبة المذكور هو عم ذهل ~~بن شيبان فليعلم ذلك والله أعلم خرجت أمه من مرو وهي حامل به فولدته في ~~بغداد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة وقيل إنه ولد بمرو وحمل إلى ~~بغداد وهو رضيع وكان إمام المحدثين صنف كتابه المسند وجمع فيه من الحديث ~~مالم يتفق لغيره وقيل إنه كان يحفظ ألف ألف حديث وكان من أصحاب الإمام ~~الشافعي رضي الله تعالى عنهما وخواصه ولم يزل مصاحبه إلى أن ارتحل الشافعي ~~إلى مصر وقال في حقه خرجت من بغداد وما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل ~~ودعي إلى القول بخلق القرآن أيام المعتصم وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب فقال ~~أحمد أنا رجل علمت علما ولم أعلم فيه بهذا فأحضر له الفقهاء والقضاة ~~فناظروه فلم يجب فضرب وحبس وهو مصر على الامتناع وكان ضربه في العشر الأخير ~~من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين وكانت مدة حبسه إلى أن خلي عنه ثمانية ~~وعشرين يوما وبقي إلى أن مات المعتصم فلما ولي الواثق منعه من الخروج من ~~داره إلى أن أخرجه المتوكل وخلع عليه وأكرمه ورفع المحنة في خلق القرآن ~~وكان حسن الوجه ربعه يخضب بالحناء خضبا ليس بالقاني في لحيته شعرات سود أخذ ~~عنه الحديث جماعة من الأماثل منهم محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج ~~النيسابوري ولم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع توفي ضحوة نهار ~~الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وقيل بل لثلاث عشره ليلة ~~بقين من الشهر المذكور وقيل من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين مائتين ومائتين ~~4 ببغداد ودفن بمقبرة باب حرب وباب PageV01P064 # حرب منسوب إلى حرب بن عبد الله أحد أصحاب أبي جعفر ~~المنصور وإلى حرب هذا تنسب المحلة المعروفة ms0028 بالحربية وقبر أحمد بن حنبل ~~مشهور بها يزار رحمه الله تعالى وحزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ~~ثمانمائة ألف ومن النساء ستين ألفا وقيل إنه أسلم يوم مات عشرون ألفا من ~~النصارى واليهود والمجوس وذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الذي صنفه في ~~أخبار بشر بن الحارث الحافي رضي الله عنه في الباب السادس والأربعين ما ~~صورته حدث إبراهيم الحربي قال رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام كأنه ~~خارج من باب مسجد الرصافة وفي كمه شيء يتحرك فقلت ما فعل الله بك فقال غفر ~~لي وأكرمني فقلت ما هذا الذي في كمك قال قدم علينا البارحة روح أحمد بن ~~حنبل فنثر عليه الدر والياقوت فهذا مما التقطت قلت فما فعل يحيى بن معين ~~وأحمد بن حنبل قال تركتهما وقد زارا رب العالمين ووضعت لهما الموائد قلت ~~فلم تأكل معهما أنت قال قد عرف هوان الطعام علي فأباحني النظر إلى وجهه ~~الكريم وفي أجداده حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء المثناة من تحتها ~~وبعد الألف نون وبقية الأجداد لا حاجة إلى ضبط أسمائهم لشهرتها وكثرتها ~~ولولا خوف الإطالة لقيدتها ورأيت في نسبه اختلافا وهذا أصح الطرق التي ~~وجدتها وكان له ولدان عالمان وهما صالح وعبد الله فأما صالح فتقدمت وفاته ~~في شهر رمضان سنة ست وستين ومائتين وكان قاضي أصبهان فمات بها ومولده في ~~سنة ثلاث ومائتين وأما عبد الله فإنه بقي إلى سنة تسعين ومائتين وتوفي يوم ~~الأحد لثمان بقين من جمادي الأولى وقيل الآخرة وله سبع وسبعون سنة وكنيته ~~أو عبد الرحمن وبه كان يكنى الإمام أحمد رحمهم الله أجمعين PageV01P065 # 21 ابن سريج أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج الفقيه ~~الشافعي قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في حقه في كتاب الطبقات كان من عظماء ~~الشافعيين وأئمة المسلمين وكان يقال له الباز الأشهب ولي القضاء بشيراز ~~وكان يفضل على جميع أصحاب الإمام الشافعي حتى على المزني وإن فهرست كتبه ~~كانت تشتمل على أربعمائة مصنف وقام بنصرة ms0029 مذهب الشافعي ورد على المخالفين ~~وفرع على كتب محمد بن الحسن الحنفي وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني يقول ~~نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه وأخذ الفقه عن أبي ~~القاسم الأنماطي وعنه أخذ فقهاء الإسلام ومنه انتشر مذهب الشافعي في أكثر ~~الآفاق وكان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري وحكي أنه قال له أبو بكر ~~يوما أنت تقول بالظاهر فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره فمن يعمل نصف مثقال فسكت محمد طويلا فقال له أبو العباس لم لا تجيب ~~فقال أبلعني ريقي فقال له أبو العباس أبلعتك دجلة وقال له يوما أمهلني ساعة ~~فقال أمهلتك من الساعة إلى أن تقوم الساعة وقال له يوما أكلمك من الرجل ~~فتجيبني من الرأس فقال له هكذا البقر إذا فيت أظلافها دهنت قرونها وكان ~~يقال له في عصره إن الله بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة PageV01P066 # من الهجرة أظهر كل سنة وأمات كل بدعة ومن الله تعالى ~~على رأس المائتين بالإمام الشافعي حتى أظهر السنة وأخفى البدعة ومن الله ~~تعالى بك على رأس الثلثمائة حتى قويت كل سنة وضعفت كل بدعة وكان له مع ~~فضائله نظم حسن وتوفي لخمس بقين من جمادي الأولى سنة ست وثلاثمائة وقيل يوم ~~الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول ببغداد ودفن في حجرته بسويقة ~~غالب بالجانب الغربي بالقرب من محلة الكرخ وعمره سبع وخمسون سنة وستة أشهر ~~رحمه الله تعالى وقبره ظاهر في موضعه يزار ولم يبق عنده عمارة ولا قبر بل ~~هو منفرد هناك رأى أبو العباس المذكور في مرضه الذي مات فيه كان القيامة قد ~~قامت وإذا الجبار سبحانه يقول أين العلماء فجاءوا فقال ماذا عملتم في ما ~~علمتم فقالوا يا رب قصرنا وأسأنا فأعاد السؤال كأنه لم يرض به وأراد جوابا ~~آخر فقلت أما أنا فليس في صحيفتي الشرك وقد وعدت أن تغفر ما دونه فقال ~~اذهبوا فقد غفرت لكم ومات بعد ذلك ms0030 بثلاثة أيام رحمه الله تعالى وكان جده ~~سريج رجلا مشهورا بالصلاح الوافر وهو بضم السين المهملة وفتح الراء المهملة ~~وسكون الياء المثناة من تحتها والجيم ورأيت في بعض الأجزاء أنه كان أعجميا ~~لا يعرف بالعربية شيئا وأنه رأى الباري سبحانه وتعالى في النوم وحادثه وقال ~~له في الآخر يا سريج طلب كن فقال يا خذا سر ببسر قالها ثلاثا وهذا لفظ عجمي ~~معناه بالعربية يا سريج اطلب فقال يا رب رأس برأس كما يقال رضيت أن أخلص ~~رأسا برأس ثم وجدت في تاريخ بغداد أن صاحب المنام المذكور هو سريج بن يونس ~~بن إبراهيم بن الحارث المروزي الزاهد العابد صاحب الكرامات وكانت وفاته في ~~شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ومائتين ببغداد رحمه الله تعالى ورأيت ~~بالمنام جزءا منفردا متصل السماع بالإسناد إلى سريج المذكور والقول الأول ~~كنت سمعته من بعض المشايخ والله أعلم PageV01P067 # 22 ابن القاص أبو العباس أحمد بن أبي أحمد المعروف ~~بابن القاص الطبري الفقيه الشافعي كان إمام وقته في طبرستان وأخذ الفقه عن ~~ابن سريج المقدم ذكره وصنف كتبا كثيرة منها التلخيص وأدب القاضي والمواقيت ~~والمفتاح وغير ذلك وقد شرح التلخيص أبو عبد الله الختن والشيخ أبو علي ~~السنجي وهو كتاب صغير ذكره الإمام في النهاية في مواضع وكذلك الغزالي وجميع ~~تصانيفه صغيرة الحجم كثيرة الفائدة وكان يعظ الناس فانتهى في بعض أسفاره ~~إلى طرسوس وقيل إنه تولى بها القضاء فعقد له مجلس وعظ وأدركته رقة وخشية ~~وروعة من ذكر الله تعالى فخر مغشيا عليه ومات سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة ~~وقيل سنة ست وثلاثين رحمة الله تعالى وعرف والده بالقاص لأنه كان يقص ~~الأخبار والآثار وطبرستان بفتح الطاء المهملة وفتح الباء الموحدة وفتح ~~الراء المهملة وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف ~~نون وهو إقليم متسع ببلاد العجم يجاور خراسان وله كرسيان سارية وآمل وهو ~~منيع بالأدوية والحصون وطرسوس بفتح الطاء والراء المهملتين وضم السين ~~المهملة وبعد الواو سين مهملة وهي مدينة في ms0031 الثغور الرومية عند المصيصة ~~وأذنه وبها PageV01P068 # قبر المأمون بن هارون الرشيد وقد جاء ذكرها في كتاب ~~المهذب والوسيط في باب الموقف 23 المروروذي القاضي أبو حامد أحمد بن عامر ~~بن بشر بن حامد المروروذي الفقيه الشافعي أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي ~~وصنف الجامع في المذهب وشرح مختصر المزني وصنف في أصول الفقه وكان إماما لا ~~يشق غباره ونزل البصرة ودربها وعنه أخذ فقهاء البصرة وقال أبو حيان ~~التوحيدي سمعت أبا حامد المروروذي يقول ليس ينبغي أن يحمد الإنسان على شرف ~~الأب ولا يذم عليه كما لا يمدح الطويل على طوله ولا يذم القبيح على قبحه ~~وتوفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ونسبته إلى مرودوذ بفتح ~~الميم وسكون الراء المهملة وفتح الواو وتشديد الراء المهملة المضمومة وبعد ~~الواو ذال معجمة وهي مدينة مبنية على نهر وهي أشهر مدن خراسان بينها وبين ~~مرو الشاهجان أربعون فرسخا والنهر يقال له بالعجمية الروذ بضم الراء وسكون ~~الواو وبعدها ذال معجمة وهاتان المدينتان هما المروان وقد جاء ذكرهما في ~~الشعر كثيرا أضيفت إحداهما إلى الشاهجان وهي العظمى والنسبة إليها مروزي ~~والثانية إلى النهر المذكور ليحصل الفرق بينهما والنسبة إليها مروروذي ~~ومروزي أيضا قاله السمعاني وهي من فتوح الأحنف بن قيس ومذكورة في ترجمته ~~PageV01P069 # وكان على مقدمة الجيش الذي كان أميره عبد الله بن عامر ~~وهو الذي سيره إليها ومعنى الشاهجان روح الملك وإنما أطلت الكلام في هذا ~~لئلا يقع الالتباس على أحد بين البلدين فيقع الخطأ عند ذلك 24 ابن القطان ~~أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن القطان البغدادي الفقيه ~~الشافعي كان من كبار أئمة الأصحاب أخذ الفقه عن ابن سريج ثم من بعده عن أبي ~~إسحاق المروزي ودرس ببغداد وأخذ عنه العلماء وله مصنفات كثيرة وكانت الرحلة ~~إليه بالعراق مع أبي القاسم الداركي فلما توفي الداركي استقل بالرياسة ~~وذكره الشيخ أبو إسحاق في الطبقات وقال مات سنة تسع وخمسين وثلاثمائة رحمه ~~الله تعالى وزاد الخطيب في جمادي الأولى ms0032 وقال هو من كبراء الشافعيين وله ~~مصنفات في أصول الفقه وفروعه وذكر بناء بغداد في شذور العقود سنة ست ~~وأربعين ومائة PageV01P070 # 25 الطحاوي أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد ~~الملك الأزدي الطحاوي الفقيه الحنفي انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة رضي ~~الله تعالى عنه بمصر وكان شافعي المذهب يقرأ على المزني فقال له يوما والله ~~لا جاء منك شيء فغضب أبو جعفر من ذلك وانتقل إلى أبي جعفر ابن أبي عمران ~~الحنفي واشتغل عليه فلما صنف مختصره قال رحم الله أبا إبراهيم يعني المزني ~~لو كان حيا لكفر عن يمينه وذكر أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد في ترجمة ~~المزني أن الطحاوي المذكور كان ابن أخت المزني وأن محمد بن أحمد الشروطي ~~قال قلت للطحاوي لم خالفت خالك واخترت مذهب أبي حنيفة فقال لأني كنت أرى ~~خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة فلذلك انتقلت إليه وصنف كتبا مفيدة منها ~~أحكام القرآن واختلاف العلماء ومعاني الآثار والشروط وله تاريخ كبير وغير ~~ذلك وذكره القضاعي في كتاب الخطط فقال كان قد أدرك المزني وعامة طبقته وبرع ~~في علم الشروط وكان قد استكتبه أبو عبيد الله محمد بن PageV01P071 # عبدة القاضي وكان صعلوكا فأغناه وكان أبو عبيد الله ~~سمحا جوادا ثم عدله أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي عقيب القضية التي ~~جرت لمنصور الفقيه مع أبي عبيد وذلك في سنة ست وثلاثمائة وكان الشهود ~~يتعسفون عليه بالعدالة لئلا تجتمع له رياسة العلم وقبول الشهادة وكان جماعة ~~من الشهود قد جاوروا بمكة في هذه السنة فاغتنم أبو عبيد غيبتهم وعدل أبا ~~جعفر المذكور بشهادة أبي القاسم المأمون وأبي بكر بن سقلاب وكانت ولادته ~~سنة ثمان وثلاثين ومائتين وقال أبو سعد السمعاني ولد سنة تسع وعشرين ~~ومائتين وهو الصحيح وزاد غيره فقال ليلة الأحد لعشر خلون من ربيع الأول ~~وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ليلة الخميس مستهل ذي القعدة بمصر ودفن ~~بالقرافة وقبره مشهور بها وله ذكر في ترجمة الفقيه ms0033 منصور بن إسماعيل الضرير ~~فينظر هناك وتوفي والده سنة أربع وستين ومائتين رحمه الله تعالى ونسبته إلى ~~طحا بفتح الطاء والحاء المهملتين وبعدهما ألف وهي قرية بصعيد مصر وإلى ~~الأزد بفتح الهمزة وسكون الزاء المعجمة وبالدال المهملة وهي قبيلة مشهورة ~~من قبائل اليمن 26 أبو حامد الإسفرايني الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر ~~محمد بن أحمد الإسفرايني الفقيه الشافعي انتهت إليه رياسة الدنيا والدين ~~ببغداد وكان يحضر مجلسه أكثر من ثلاثمائة PageV01P072 # فقيه وعلق على مختصر المزني تعاليق وطبق الأرض ~~بالأصحاب وله في المذهب التعليقة الكبرى وكتاب البستان وهو صغير وذكر فيه ~~غرائب وأخذ الفقه عن أبي الحسن بن المرزبان ثم عن أبي القاسم الداركي واتفق ~~أهل عصره على تفضيله وتقديمه في جودة النظر وقال الخطيب في تاريخ بغداد إن ~~أبا حامد حدث بشيء يسير عن عبد الله بن عدي وأبي بكر الإسماعيلي وإبراهيم ~~بن محمد بن عبدل الإسفرايني وغيرهم وكان ثقة ورأيته غير مرة وحضرت تدريسه ~~في مسجد عبد الله ابن المبارك وهو المسجد الذي في صدر قطيعة الربيع وسمعت ~~من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة متفقه وكان الناس يقولون لو رآه الشافعي ~~لفرح به وحكى الشيخ أبو إسحاق في الطبقات أن أبا الحسين القدوري الحنفي كان ~~يعظمه ويفضله على كل أحد وأن الوزير أبا القاسم علي بن الحسين حكى له عن ~~القدوري أنه قال أبو حامد عندي أفقه وأنظر من الشافعي قال الشيخ فقلت له ~~هذا القول من القدوري حمله عليه اعتقاده في الشيخ أبي حامد وتعصبه بالحنفية ~~على الشافعي رضي الله عنه ولا يلتفت إليه فإن أبا حامد ومن هو أعلم منه ~~وأقدم على بعد من تلك الطبقة وما مثل الشافعي ومثل من بعده إلا كما قال ~~الشاعر (نزلوا بمكة في قبائل نوفل * ونزلت بالبيداء أبعد منزل) وروي عنه ~~أنه كان يقول ما قمت من مجلس النظر قط فندمت على معنى ينبغي أن يذكر فلم ~~أذكره وروي أنه قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا ms0034 يليق ثم أتاه في ~~الليل معتذرا إليه فأنشده يقول (جفاء جرى جهرا لدى الناس وانبسط * وعذر أتى ~~سرا فأكد ما فرط) PageV01P073 # (ومن ظن أن يمحو جلي جفائه * خفي اعتذار فهو في أعظم ~~الغلط) وكانت ولادته سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وقدم بغداد في سنة ثلاث ~~وستين وثلاثمائة وقال الخطيب سنة أربع وستين ودرس الفقه بها من سنة سبعين ~~إلى أن توفي ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وأربعمائة ~~ببغداد ودفن من الغد في داره ثم نقل إلى باب حرب في سنة عشر وأربعمائة رحمه ~~الله تعالى قال الخطيب وصليت على جنازته في الصحراء وراء جسر أبي الدن وكان ~~الإمام في الصلاة عليه أبا عبد الله بن المهتدي خطيب جامع المنصور وكان ~~يوما مشهودا بكثرة الناس وعظم الحزن وشدة البكاء ونسبته إلى إسفراين بكسر ~~الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء المهملة وكسر الياء المثناة ~~من تحتها وبعدها نون وهي بلدة بخراسان بنواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى ~~جرجان والبيت الذي تمثل به الشيخ أبو إسحاق له ثان وهو (حذرا عليها من ~~مقالة كاشح * ذرب اللسان يقول ما لم أفعل) 27 أبو الحسن المحاملي أبو الحسن ~~أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل PageV01P074 # ابن سعيد بن أبان الضبي المحاملي الفقيه الشافعي أخذ ~~الفقه عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني وله عنه تعليقه تنسب إليه ورزق من ~~الذكاء وحسن الفهم ما أربى على أقرانه وبرع في الفقه ودرس في حياة شيخه أبي ~~حامد وبعده وسمع الحديث من محمد بن المظفر وطبقته ورحل به أبوه إلى الكوفة ~~وسمعه بها وصنف في المذهب المجموع وهو كتاب كبير والمقنع وهو مجلد واحد ~~واللباب وهو صغير والأوسط وصنف في الخلاف كثيرا ودرس ببغداد ذكره الخطيب في ~~تاريخه توفي يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة ~~وأربعمائة رحمه الله تعالى وكانت ولادته سنة ثمان وستين وثلاثمائة والضبي ~~بفتح الضاد المعجمة وتشديد الباء الموحدة نسبة إلى ms0035 قبيلة كبيرة مشهورة ~~والمحاملي بفتح الميم والحاء المهملة وكسر الميم الثانية واللام ونسبته إلى ~~المحامل التي يحمل عليها الناس في السفر 28 أبو بكر البيهقي أبو بكر أحمد ~~بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي الخسر وجردي الفقيه الشافعي ~~الحافظ الكبير المشهور واحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون من كبار أصحاب ~~الحاكم أبي عبد الله ابن البيع في الحديث ثم الزائد عليه في PageV01P075 # أنواع العلوم أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد ~~العمري المروزي غلب عليه الحديث واشتهر به ورحل في طلبه إلى العراق والجبال ~~والحجاز وسمع بخراسان من علماء عصره وكذلك ببقية البلاد التي انتهى إليها ~~وشرع في التصنيف فصنف فيه كثيرا حتى قيل تبلغ تصانيفه ألف جزء وهو أول من ~~جمع نصوص الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في عشر مجلدات ومن مشهور ~~مصنفاته السنن الكبير والسنن الصغير ودلائل النبوة والسنن والآثار وشعب ~~الايمان ومناقب الشافعي المطلبي ومناقب أحمد بن حنبل وغير ذلك وكان قانعا ~~من الدنيا بالقليل وقال إمام الحرمين في حقه ما من شافعي المذهب إلا ~~وللشافعي عليه منة إلا أحمد البيهقي فإن له على الشافعي منة وكان من أكثر ~~الناس نصرا لمذهب الشافعي وطلب إلى نيسابور لنشر العلم فأجاب وانتقل إليها ~~وكان على سيرة السلف وأخذ عنه الحديث جماعة من الأعيان منهم زاهر الشحامي ~~ومحمد الفراوي وعبد المنعم القشيري وغيرهم وكان مولده في شعبان سنة أربع ~~وثمانين وثلاثمائة وتوفي في العاشر من جمادي الأولي سنة ثمان وخمسين ~~وأربعمائة بنيسابور ونقل إلى بيهق رحمه الله تعالى ونسبته إلى بيهق بفتح ~~الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الهاء المفتوحة قاف وهي ~~قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخا منها وخسر وجرد من قراها وهي ~~بضم الخاء المعجمة PageV01P076 # 29 النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب بن علي ~~بن سنان بن بحر النسائي الحافظ كان إمام أهل عصره في الحديث وله كتاب السنن ~~وسكن بمصر وانتشرت بها تصانيفه وأخذ عنه ms0036 الناس قال محمد بن إسحاق الأصبهاني ~~سمعت مشايخنا بمصر يقولون إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره وخرج إلى ~~دمشق فسئل عن معاوية وما روي من فضائله فقال أما يرضي معاوية أن يخرج رأسا ~~برأس حتى يفضل وفي رواية أخرى ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك وكان ~~يتشيع فما زالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد وفي رواية أخرى ~~يدفعون في خصييه وداسوه ثم حمل إلى الرملة فمات بها وقال الحافظ أبو الحسن ~~الدارقطني لما امتحن النسائي بدمشق قال احملوني إلى مكة فحمل إليها فتوفي ~~بها وهو مدفون بين الصفا والمروة وكانت وفاته في شعبان من سنة ثلاث ~~وثلاثمائة وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك ~~الدوس وهو منقول قال وكان قد صنف كتاب الخصائص في فضل علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وأهل البيت وأكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ~~فقيل له ألا تصنف كتابا في فضائل الصحابة رضي PageV01P077 # الله عنهم فقال دخلت دمشق والمنحرف عن علي رضي الله ~~عنه كثير فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب وكان يصوم يوما ويفطر ~~يوما وكان موصوفا بكثرة الجماع قال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر ~~الدمشقي كان له أربع زوجات يقسم لهن وسراري وقال الدارقطني امتحن بدمشق ~~فأدرك الشهادة رحمه الله تعالى وتوفي يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ~~صفر سنة ثلاث وثلاثمائة بمكة حرسها الله تعالى وقيل بالرملة من أرض فلسطين ~~وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس صاحب تاريخ مصر في تاريخه إن أبا ~~عبد الرحمن النسائي قدم مصر قديما وكان إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا ~~وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة ورأيت بخطي في ~~مسوداتي أن مولده بنسأ في سنة خمس عشرة وقيل أربع عشرة ومائتين والله تعالى ~~أعلم ونسبته إلى نسأ بفتح النون وفتح السين المهملة وبعدها همزة وهي مدينة ~~بخراسان خرج منها ms0037 جماعة من الأعيان 30 القدوري أبو الحسين أحمد بن محمد بن ~~أحمد بن جعفر بن حمدان الفقيه الحنفي المعروف بالقدوري انتهت إليه رياسة ~~الحنفية بالعراق وكان حسن العبارة PageV01P078 # في النظر وسمع الحديث وروى عنه أبو بكر الخطيب صاحب ~~التاريخ وصنف في مذهبه المختصر المشهور وغيره وكان يناظر الشيخ أبا حامد ~~الإسفرايني الفقيه الشافعي وقد تقدم ذكره في ترجمة أبي حامد وما بالغ في ~~حقه وكانت ولادته سنة اثنتين وثلاثمائة وتوفي يوم الأحد الخامس من رجب سنة ~~ثمان وعشرين وأربعمائة ببغداد ودفن من يومه بداره في درب أبي خلف ثم نقل ~~إلى تربة في شارع المنصور ودفن هناك بجنب أبي بكر الخوارزمي الفقيه الحنفي ~~رحمهما الله تعالى ونسبته بضم القاف والدال المهملة وسكون الواو وبعدها راء ~~مهملة إلى القدور التي هي جمع قدر ولا أعلم سبب نسبته إليها بل هكذا ذكره ~~السمعاني في كتاب الأنساب 31 الثعلبي أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي النيسابوري المفسر المشهور كان أوحد زمانه في علم التفسير وصنف ~~التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير وله كتاب العرائس في قصص ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه PageV01P079 # عليهم وغير ذلك ذكره السمعاني وقال يقال له الثعلبي ~~والثعالبي وهو لقب له وليس بنسب قاله بعض العلماء وقال أبو القاسم القشيري ~~رأيت رب العزة عز وجل في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه فكان في أثناء ذلك أن ~~قال الرب تعالى اسمه أقبل الرجل الصالح فالتفت فإذا أحمد الثعالبي مقبل ~~وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنى ~~عليه وقال هو صحيح النقل موثوق به حدث عن أبي طاهر ابن خزيمة والإمام أبي ~~بكر ابن مهران المقرئ وكان كثير الحديث كثير الشيوخ توفي سنة سبع وعشرين ~~وأربعمائة وقال غيره توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة وقال غيره ~~توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة رحمه ~~الله تعالى والثعلبي بفتح الثاء المثلثة وسكون العين المهملة وبعد اللام ~~المفتوحة باء موحدة والنيسابوري بفتح النون ms0038 وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وفتح السين المهملة وبعد الألف باء موحدة مضمومة وبعد الواو الساكنة راء ~~هذه النسبة إلى نيسابور وهي من أحسن مدن خراسان وأعظمها وأجمعها للخيرات ~~وإنما قيل لها نيسابور لأن سابور ذا الأكتاف أحد ملوك الفرس المتأخرة لما ~~وصل إلى مكانها أعجبه وكان مقصبة فقال يصلح أن يكون ههنا مدينة وأمر بقطع ~~القصب وبنى المدينة فقيل له نيسابور والنى القصب بالعجمي هكذا قاله ~~السمعاني في كتاب الأنساب PageV01P080 # 32 أبن أبي دواد أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد فرج بن ~~جرير بن مالك بن عبد الله بن عباد ابن سلام بن مالك بن عبد هند بن لخم بن ~~مالك بن قنص بن منعه بن برجان ابن دوس بن الديل بن أمية بن حذافة بن زهر بن ~~إياد بن نزار بن معد بن عدنان الإيادي القاضي كان معروفا بالمروءة والعصبية ~~وله مع المعتصم في ذلك أخبار مأثورة ذكره أبو عبيد الله المرزباني في كتاب ~~المرشد في أخبار المتكلمين فقال قيل إن أصلهم من قرية بقنسرين واتجر أبوه ~~إلى الشام وأخرجه معه وهو حدث فنشأ أحمد في طلب العلم وخاصة الفقه والكلام ~~حتى بلغ ما بلغ وصحب هياج بن العلاء السلمي وكان من أصحاب واصل ابن عطاء ~~فصار إلى الاعتزال قال أبو العيناء ما رأيت رئيسا قط أفصح ولا أنطق من ابن ~~أبي دواد وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي سمعت ابن أبي دواد في مجلس المعتصم ~~وهو يقول إني لأمتنع من تكليم الخلفاء بحضرة محمد بن عبد الملك الزيات ~~الوزير في حاجة كراهة أن أعلمه ذلك ومخافة أن أعلمه التأتي لها وهو أول من ~~افتتح الكلام مع الخلفاء وكانوا لا يبدؤهم أحد حتى يبدؤوه وقال أبو العيناء ~~كان ابن أبي دواد شاعرا مجيدا فصيحا بليغا وقال المرزباني وقد ذكره دعبل بن ~~علي الخزاعي في كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء وروى له أبياتا حسانا ~~وكان يقول ثلاثة ينبغي أن يبجلوا وتعرف أقدارهم العلماء وولاة العدل ~~والإخوان فمن استخف ms0039 بالعلماء PageV01P081 # أهلك دينه ومن استخف بالولاة أهلك دنياه ومن استخف ~~بالإخوان أهلك مروءته وقال إبراهيم بن الحسن كنا عند المأمون فذكروا من ~~بايع من الأنصار ليلة العقبة فاختلفوا في ذلك ودخل ابن أبي دواد فعدهم ~~واحدا واحدا بأسمائهم وكناهم وأنسابهم فقال المأمون إذا استجلس الناس فاضلا ~~فمثل أحمد فقال أحمد بل إذا جالس العالم خليفة فمثل أمير المؤمنين الذي ~~يفهم عنه ويكون أعلم بما يقوله منه ومن كلام أحمد ليس بكامل من لم يحمل ~~وليه على منبر ولو أنه حارس وعدوه على جذع ولو أنه وزير وقال أبو العيناء ~~كان الافشين يحسد أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي للعربية والشجاعة فاحتال ~~عليه حتى شهد عليه بجناية وقتل فأخذه ببعض أسبابه فجلس له وأحضره وأحضر ~~السياف ليقتله وبلغ ابن أبي دواد الخبر فركب في وقته مع من حضر من عدوله ~~فدخل على الافشين وقد جيء بأبي دلف ليقتل فوقف ثم قال إني رسول أمير ~~المؤمنين إليك وقد أمرك أن لا تحدث في القاسم بن عيسى حدثا حتى تسلمه إلي ~~ثم التفت إلى العدول وقال اشهدوا أني قد أديت الرسالة إليه عن أمير ~~المؤمنين والقاسم حي معافى فقالوا قد شهدنا وخرج فلم يقدر الافشين عليه ~~وصار أبن أبي دواد إلى المعتصم من وقته وقال يا أمير المؤمنين قد أديت عنك ~~رسالة لم تقلها لي ما أعتد بعمل خير خيرا منها وإني لأرجو لك الجنة بها ثم ~~أخبره الخبر فصوب رأيه ووجه من أحضر القاسم فأطلقه ووهب له وعنف الافشين ~~فيما عزم عليه وكان المعتصم قد اشتد غيظه على محمد بن الجهم البرمكي فأمر ~~بضرب عنقه فلما رأى ابن أبي دواد ذلك وأنه لا حيلة له فيه وقد شد برأسه ~~وأقيم في النطع وهز له السيف قال ابن أبي دواد للمعتصم وكيف تأخذ ماله إذا ~~قتلته قال ومن يحول بيني وبينه قال يأبى الله تعالى ذلك ويأباه PageV01P082 # رسوله صلى الله عليه وسلم ويأباه عدل أمير المؤمنين ~~فإن المال للوارث إذا قتلته حتى تقيم ms0040 البينة على ما فعله وأمره باستخراج ما ~~اختانه أقرب عليك وهو حي فقال احبسوه حتى يناظر فتأخر أمره على مال حمله ~~وخلص محمد وحدث الجاحظ أن المعتصم غضب على رجل من أهل الجزيرة الفراتية ~~وأحضر السيف والنطع فقال له المعتصم فعلت وصنعت وأمر بضرب عنقه فقال له ابن ~~أبي دواد يا أمير المؤمنين سبق السيف العذل فتأن في أمره فإنه مظلوم قال ~~فسكن قليلا قال ابن أبي دواد وغمرني البول فلم أقدر على حبسه وعلمت أني إن ~~قمت قتل الرجل فجعلت ثيابي تحتي وبلت فيها حتى خلصت الرجل قال فلما قمت نظر ~~المعتصم إلى ثيابي رطبة فقال يا أبا عبد الله كان تحتك ماء فقلت لا يا أمير ~~المؤمنين ولكنه كان كذا وكذا فضحك المعتصم ودعا لي وقال أحسنت بارك الله ~~عليك وخلع عليه وأمر له بمائة ألف درهم وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي ابن ~~أبي دواد روح كله من قرنه إلى قدمه وقال لازون بن إسماعيل ما رأيت أحدا قط ~~أطوع لأحد من المعتصم لابن أبي دواد وكان يسأل الشيء اليسير فيمتنع منه ثم ~~يدخل ابن أبي دواد فيكلمه في أهله وفي أهل الثغور وفي الحرمين وفي أقاصي ~~أهل المشرق والمغرب فيجيبه إلى كل ما يريد ولقد كلمه يوما في مقدار ألف ألف ~~درهم ليحفر بها نهرا في أقاصي خراسان فقال له وما علي من هذا النهر فقال يا ~~أمير المؤمنين إن الله تعالى يسألك عن النظر في أمر أقصى رعيتك كما يسألك ~~عن النظر في أمر أدناها ولم يزل يرفق به حتى أطلقها وقال الحسين بن الضحاك ~~الشاعر المشهور لبعض المتكلمين ابن أبي دواد عندنا لا يحسن اللغة وعندكم لا ~~يحسن الكلام وعند الفقهاء لا يحسن الفقه وهو عند المعتصم يعرف هذا كله ~~PageV01P083 # وكان ابتداء اتصال ابن أبي دواد بالمأمون أنه قال كنت ~~أحضر مجلس القاضي يحيى بن أكثم مع الفقهاء فإني عنده يوما إذا جاءه رسول ~~المأمون فقال له يقول لك أمير المؤمنين انتقل إلينا وجميع ms0041 من معك من أصحابك ~~فلم يحب أن أحضر معه ولم يستطع أن يؤخرني فحضرت مع القوم وتكلمنا بحضرة ~~المأمون فأقبل المأمون ينظر إلي إذا شرعت في الكلام ويتفهم ما أقول ~~ويستحسنه ثم قال لي من تكون فانتسبت له فقال ما أخرك عنا فكرهت أن أحيل على ~~يحيى فقلت حبسة القدر وبلوغ الكتاب أجله فقال لا أعلمن ما كان لنا من مجلس ~~إلا حضرته فقلت نعم يا أمير المؤمنين ثم اتصل الأمر وقيل قدم يحيى بن أكثم ~~قاضيا على البصرة من خراسان من قبل المأمون في آخر سنة اثنتين ومائتين وهو ~~حدث سنه نيف وعشرون سنة فاستصحب جماعة من أهل العلم والمروءات منهم ابن أبي ~~دواد فلما قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين قال ليحيى اختر لي من ~~أصحابك جماعة يجالسونني ويكثرون الدخول إلي فاختار منهم عشرين فيهم ابن أبي ~~دواد فكثروا على المأمون فقال اختر منهم فاختار عشرة فيهم ابن أبي دواد ثم ~~قال اختر منهم فاختار خمسة فيهم ابن أبي دواد واتصل أمره وأسند المأمون ~~وصيته عند الموت إلى أخيه المعتصم وقال فيها وأبو عبد الله أحمد بن أبي ~~دواد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك فإنه موضع ذلك ولا تتخذن بعدي ~~وزيرا ولما ولي المعتصم الخلافة جعل ابن أبي دواد قاضي القضاة وعزل يحيى بن ~~أكثم وخص به أحمد حتى كان لا يفعل فعلا باطنا ولا ظاهرا إلا برأيه وامتحن ~~ابن أبي دواد الإمام أحمد بن حنبل وألزمه بالقول بخلق القرآن الكريم وذلك ~~في شهر رمضان سنة عشرين ومائتين ولما مات المعتصم وتولى بعده ولده الواثق ~~بالله حسنت حال ابن أبي دواد عنده ولما مات الواثق بالله وتولى أخوه ~~المتوكل فلج ابن أبي دواد في أول خلافته وذهب شقه الأيمن PageV01P084 # فقلد المتوكل ولده محمد بن أحمد القضاء مكانه ثم عزل ~~محمد بن أحمد عن المظالم في سنة ست وثلاثين ومائتين وقلد يحيى بن أكثم وكان ~~الواثق قد أمر أن لا يرى أحد من الناس محمد ms0042 بن عبد الملك الزيات الوزير إلا ~~قام له فكان ابن أبي دواد إذا رآه قام واستقبل القبلة يصلي فقال ابن الزيات ~~(صلى الضحى لما استفاد عداوتي * وأراه ينسك بعدها ويصوم) (لا تعدمن عداوة ~~مسمومة * تركتك تقعد تارة وتقوم) ومدحه جماعة من شعراء عصره قال علي الرازي ~~رأيت أبا تمام الطائي عند ابن أبي دواد ومعه رجل ينشد عنه قصيدة منها (لقد ~~أنست مساوىء كل دهر * محاسن أحمد بن أبي دواد) (وما سافرت في الآفاق إلا * ~~ومن جدواك راحلتي وزادي) فقال له ابن أبي دواد هذا المعنى تفردت به أو ~~أخذته فقال هو لي وقد ألممت فيه بقول أبي نواس (وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ~~* لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني) ودخل أبو تمام عليه يوما وقد طالت أيامه في ~~الوقوف ببابه ولا يصل إليه فعتب عليه مع بعض أصحابه فقال له ابن أبي دواد ~~أحسبك عاتبا يا أبا تمام فقال إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا فكيف ~~يعتب عليك فقال له من أين لك هذا يا أبا تمام فقال من قول الحاذق يعني أبا ~~نواس PageV01P085 # في الفضل بن الربيع (وليس لله بمستنكر * أن يجمع ~~العالم في واحد) ولما ولي ابن أبي دواد المظالم قال أبو تمام قصيدة يتظلم ~~إليه من جملتها قوله (إذا أنت ضيعت القريض وأهله * فلا عجب إن ضيعته ~~الأعاجم) (فقد هز عطفيه القريض ترفعا * بعدلك مذ صارت إليك المظالم) (ولولا ~~خلال سنها الشعر ما درى * بغاة العلى من أين تؤتى المكارم) قلت ومدحه أبو ~~تمام أيضا بقصيدته التي أولها (أرأيت أي سوالف وخدود * عنت لنا بين اللوى ~~فزرود) وما ألطف قوله فيها (وإذا أراد الله نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان ~~حسود) (لولا اشتعال النار فيما جاورت * ما كان يعرف طيب عرف العود) ومدحه ~~مروان بن أبي الجنوب بقوله (لقد حازت نزار كل مجد * ومكرمة على رغم ~~الأعادي) (فقل للفاخرين على نزار * ومنهم خندف وبنو إياد) (رسول الله ~~والخلفاء منا * ومنا أحمد بن أبي دواد) (وليس كمثلهم ms0043 في غير قومي * بموجود ~~إلى يوم التنادي) PageV01P086 # (نبي مرسل وولاة عهد * ومهدي إلى الخيرات هادي) ولما ~~سمع هذا الشعر أبو هفان المهزمي قال (فقل للفاخرين على نزار * وهم في الأرض ~~سادات العباد) (رسول الله والخلفاء منا * ونبرأ من دعي بني إياد) (وما منا ~~إياد إن أقرت * بدعوة أحمد بن أبي دواد) فقال ابن أبي دواد ما بلغ مني أحد ~~ما بلغ مني هذا الغلام المهزمي لولا أني أكره أن أنبه عليه لعاقبته عقابا ~~لم يعاقب أحد بمثله جاء إلى منقبة كانت لي فنقضها عروة عروة وكان ابن أبي ~~دواد كثيرا ما ينشد ولم يذكر أنهما له أو لغيره (ما أنت بالسبب الضعيف ~~وإنما * نجح الأمور بقوة الأسباب) (فاليوم حاجتنا إليك وإنما * يدعى الطبيب ~~لشدة الأوصاب) وذكر غير المرزباني عن أبي العيناء أن المعتصم غضب على خالد ~~بن يزيد بن مزيد الشيباني قلت وسيأتي ذكره في ترجمة أبيه إن شاء الله تعالى ~~وأشخصه من ولايته لعجز لحقه في مال طلب منه وأسباب غير ذلك فجلس المعتصم ~~لعقوبته وكان قد طرح نفسه على القاضي أحمد فتكلم فيه فلم يجبه المعتصم فلما ~~جلس لعقوبته حضر القاضي أحمد فجلس دون مجلسه فقال له المعتصم يا أبا عبد ~~الله جلست في غير مجلسك فقال ما ينبغي لي أن أجلس إلا دون مجلسي هذا فقال ~~له وكيف قال لأن الناس يزعمون أنه ليس موضعي موضع من يشفع في رجل فيشفع قال ~~فارجع إلى مجلسك قال مشفعا أو غير مشفع قال بل مشفعا فارتفع إلى مجلسه ثم ~~قال إن الناس لا يعلمون رضى أمير المؤمنين عنه إن لم يخلع عليه فأمر بالخلع ~~عليه فقال يا أمير المؤمنين قد استحق هو وأصحابه رزق ستة أشهر لا بد أن ~~يقبضوها وإن أمرت لهم بها في هذا الوقت قامت مقام الصلة فقال قد أمرت بها ~~فخرج خالد وعليه الخلع والمال بين يديه وإن الناس PageV01P087 # في الطرق ينتظرون الايقاع به فصاح به رجل الحمد لله ~~على خلاصك يا سيد العرب فقال ms0044 له اسكت سيد العرب والله أحمد بن أبي دواد ~~وكان بينه وبين الوزير ابن الزيات منافسات وشحناء حتى إن شخصا كان يصحب ~~القاضي المذكور ويختص بقضاء حوائجه منعه الوزير المذكور من الترداد إليه ~~فبلغ ذلك القاضي فجاء إلى الوزير وقال له والله ما أجيئك متكثرا بك من قلة ~~ولا متعززا بك من ذلة ولكن أمير المؤمنين رتبك مرتبة أوجبت لقاءك فان ~~لقيناك فله وإن تأخرنا عنك فلك ثم نهض من عنده وكان فيه من المكارم ~~والمحامد ما يستغرق الوصف وهجا بعض الشعراء الوزير ابن الزيات بقصيدة عدد ~~أبياتها سبعون بيتا فبلغ خبرها القاضي أحمد فقال (أحسن من سبعين بيتا هجا * ~~جمعك معناهن في بيت) (ما أحوج الملك إلى مطرة * تغسل عنه وضر الزيت) فبلغ ~~ابن الزيات ذلك ويقال إن بعض أجداد القاضي أحمد كان يبيع القار فقال (يا ذا ~~الذي يطمع في هجونا * عرضت بي نفسك للموت) (الزيت لا يزري بأحسابنا * ~~أحسابنا معروفة البيت) (قيرتم الملك فلم ننقه * حتى غسلنا القار بالزيت) ~~وأصابه الفالج لست خلون من جمادي الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بعد موت ~~عدوه الوزير المذكور بمائة يوم وأيام وقيل بخمسين يوما وقيل بسبعة وأربعين ~~يوما وسيأتي تاريخ وفاة الوزير في حرف الميم ولما حصل له الفالج ولي موضعه ~~ولده أبو الوليد محمد ولم تكن طريقته PageV01P088 # مرضية وكثر ذاموه وقل شاكروه حتى عمل فيه إبراهيم بن ~~العباس الصولي المقدم ذكره قبل هذا (عفت مساو تبدت منك واضحه * على محاسن ~~أبقاها أبوك لكا) (فقد تقدمت أبناء الكرام به * كما تقدم اباء اللئام بكا) ~~ولعمري لقد بالغ في طرفي المدح والذم وهو معنى بديع واستمر على مظالم ~~العسكر والقضاء إلى سنة سبع وثلاثين ومائتين فسخط المتوكل على القاضي أحمد ~~المذكور وولده محمد وأمر بالتوكيل على ضياعه لخمس بقين من صفر من السنة ~~المذكورة وصرفه عن المظالم ثم صرفه عن القضاء يوم الخميس لخمس خلون من شهر ~~ربيع الأول من السنة وأخذ من الولد مائة ألف وعشرين ألف دينار وجوهرا ~~بأربعين ms0045 ألف دينار وسيره إلى بغداد من سر من رأى وفوض القضاء إلى القاضي ~~يحيى بن أكثم الصيفي وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى ولما شهد ~~على ابن أبي دواد حين غضب عليه الخليفة بضياعه المأخوذة منه في الجناية حضر ~~المجلس خلق كثير من الشهود وغيرهم فقام رجل من الشهود وكان القاضي منحرفا ~~عنه في أيامه فقال تشهدنا عليك بما في هذا الكتاب فقال القاضي لا لا لا لست ~~هناك وقال للباقين اشهدوا علي فجلس الرجل بخزي وتعجب الناس من ثبوت القاضي ~~وقوة قلبه في تلك الحال وتوفي القاضي أحمد المذكور بمرضه الفالج في المحرم ~~سنة أربعين ومائتين ونقل عنه أنه قال ولدت بالبصرة سنة ستين ومائة وقيل إنه ~~كان أسن من القاضي يحيى بن أكثم بنحو عشرين سنة وهو يخالف ما ذكرته في ~~ترجمة يحيى لكن كتبته على ما وجدته والله أعلم بالصواب وتوفي ولده محمد ~~قبله بعشرين يوما في ذي الحجة رحمهما الله تعالى وقد ذكر المرزباني في ~~كتابه المذكور اختلافا كثيرا في تاريخ وفاته وموت ابنه فأحببت ذكر جميع ما ~~قاله قال ولى المتوكل ابنه أبا الوليد محمد PageV01P089 # ابن أحمد القضاء والمظالم بالعسكر مكان أبيه ثم عزله ~~عنها يوم الأربعاء لعشر بقين من صفر سنة أربعين ومائتين ووكل بضياعه وضياع ~~أبيه ثم صولح على ألف ألف دينار ومات أبو الوليد محمد بن أحمد ببغداد في ذي ~~القعدة سنة أربعين ومائتين ومات أبوه أحمد بعده بعشرين يوما وذكر الصولي أن ~~سخط المتوكل علي ابن أبي دواد كان في سنة سبع وثلاثين ثم ذكر المرزباني بعد ~~هذا أن القاضي أحمد مات في المحرم سنة أربعين ومات ابنه قبله بعشرين يوما ~~وقيل مات ابنه في آخر سنة تسع وثلاثين وكان موتهما ببغداد وقيل مات ابنه في ~~ذي الحجة سنة تسع وثلاثين ومات أبوه يوم السبت لسبع بقين من المحرم سنة ~~أربعين وكان بين موتهما شهر أو نحوه والله أعلم بالصواب في ذلك كله وقال ~~أبو بكر ابن دريد ms0046 كان ابن أبي دواد مؤالفا لأهل الأدب من أي بلد كانوا وكان ~~قد ضم منهم جماعة يعولهم ويمونهم فلما مات حضر ببابه جماعة منهم وقالوا ~~يدفن من كان ساقة الكرم وتاريخ الأدب ولا يتكلم فيه إن هذا وهن وتقصير فلما ~~طلع سريره قام إليه ثلاثة منهم فقال أحدهم (اليوم مات نظام الملك واللسن * ~~ومات من كان يستعدي على الزمن) (وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت * شمس المكارم ~~في غيم من الكفن) وتقدم الثاني فقال (ترك المنابر والسرير تواضعا * وله ~~منابر لو يشا وسرير) (ولغيره يجبى الخراج وإنما * يجبى إليه محامد وأجور) ~~وتقدم الثالث فقال (وليس فتيق المسك ريح حنوطه * ولكنه ذاك الثناء المخلف) ~~(وليس صرير النعش ما تسمعونه * ولكنه أصلاب قوم تقصف) PageV01P090 # وقال أبو بكر الجرجاني سمعت أبا العيناء الضرير يقول ~~ما رأيت في الدنيا أقوم على أدب من ابن أبي دواد ما خرجت من عنده يوما قط ~~فقال يا غلام خذ بيده بل قال يا غلام اخرج معه فكنت أنتقد هذه الكلمة عليه ~~فلا يخل بها ولا أسمعها من غيره وعلى الجملة فقد طالت هذه الترجمة وإنما ~~محاسنه كانت كثيرة رحمه الله تعالى ودواد بضم الدال المهملة وفتح الواو ~~وبعد الألف دال ثانية مهملة والإيادي بكسر الهمزة وفتح الياء المثناة من ~~تحتها وبعد الألف دال مهملة نسبة إلى إياد بن نزار بن معد بن عدنان 33 ~~الحافظ أبو نعيم أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن ~~مهران الأصبهاني الحافظ المشهور صاحب كتاب حلية الأولياء كان من الأعلام ~~المحدثين وأكابر الحفاظ الثقات أخذ عن الأفاضل وأخذوا عنه وانتفعوا به ~~وكتابه الحلية من أحسن الكتب وله كتاب تاريخ أصبهان نقلبت منه في ترجمة ~~والده عبد الله نسبته على هذه الصورة وذكر أن جده مهران أسلم إشارة إلى أنه ~~أول من أسلم من أجداده وأنه مولى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ~~ابن أبي طالب رضي الله عنه وسيأتي ذكرعبد الله بن معاوية إن ms0047 شاء الله تعالى ~~وذكر أن والده توفي في رجب سنة خمس وستين وثلاثمائة ودفن عند جده من قبل ~~أمه PageV01P091 # ولد في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وقيل أربع ~~وثلاثين وتوفي في صفر وقيل يوم الاثنين الحادي والعشرين من المحرم سنة ~~ثلاثين وأربعمائة بأصبهان رحمه الله تعالى وأصبهان بكسر الهمزة وفتحها ~~وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة ويقال بالفاء أيضا وفتح الهاء وبعد ~~الألف نون وهي من أشهر بلاد الجبال وإنما قيل لها هذا الاسم لأنها تسمى ~~بالعجمية سباهان وسبا العسكر وهان الجمع وكانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع ~~إذا وقعت لهم واقعة في هذا الموضع مثل عسكر فارس وكرمان والأهواز وغيرها ~~فعرب فقيل أصبهان وبناها إسكندر ذو القرنين هكذا ذكره السمعاني 34 الخطيب ~~البغدادي الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي بن ثابت ~~البغدادي المعروف بالخطيب صاحب تاريخ بغداد وغيره من المصنفات كان من ~~الحفاظ المتقنين والعلماء المتبحرين ولو لم يكن له سوى التاريخ لكفاه فإنه ~~يدل على اطلاع عظيم وصنف قريبا من مائة مصنف وفضله أشهر من أن يوصف وأخذ ~~الفقه عن أبي الحسن المحاملي والقاضي أبي الطيب الطبري وغيرهما وكان فقيها ~~فغلب عليه الحديث والتاريخ ولد في جمادي الآخرة سنة اثنتين وتسعين ~~وثلاثمائة يوم الخميس لست PageV01P092 # بقين من الشهر وتوفي يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ~~ثلاث وستين وأربعمائة ببغداد رحمه الله تعالى وقال السمعاني توفي في شوال ~~وسمعت أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى كان من جملة من حمل ~~نعشه لأنه انتفع به كثيرا وكان يراجعه في تصانيفه والعجب أنه كان في وقته ~~حافظ المشرق وأبو عمر يوسف بن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب حافظ المغرب ~~وماتا في سنة واحدة كما سيأتي في حرف الياء إن شاء الله تعالى وذكر محب ~~الدين بن النجار في تاريخ بغداد أن أبا البركات إسماعيل بن أبي سعد الصوفي ~~قال إن الشيخ أبا بكر ابن زهراء الصوفي كان قد أعد لنفسه قبرا إلى جانب قبر ms0048 ~~بشر الحافي رحمه الله تعالى وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة وينام فيه ~~ويقرأ فيه القرآن كله فلما مات أبو بكر الخطيب وكان قد أوصى أن يدفن إلى ~~جانب قبر بشر جاء أصحاب الحديث إلى أبي بكر ابن زهراء وسألوه أن يدفن ~~الخطيب في القبر الذي كان قد أعده لنفسه وأن يؤثره به فامتنع من ذلك ~~امتناعا شديدا وقال موضع قد أعددته لنفسي منذ سنين يؤخذ مني فلما رأوا ذلك ~~جاءوا إلى والدي الشيخ أبي سعد وذكروا له ذلك فأحضر الشيخ أبا بكر ابن ~~زهراء وقال له أنا لا أقول لك أعطهم القبر ولكن أقول لك لو أن بشرا الحافي ~~في الأحياء وأنت إلى جانبه فجاء أبو بكر الخطيب يقعد دونك أكان يحسن بك أن ~~تقعد أعلى منه قال لا بل كنت أقوم وأجلسه مكاني قال فهكذا ينبغي أن يكون ~~الساعة قال فطاب قلب الشيخ أبي بكر وأذن لهم في دفنه فدفنوه إلى جانبه بباب ~~حرب وكان قد تصدق بجميع ماله وهو مائتا دينار فرقها على أرباب الحديث ~~والفقهاء والفقراء في وأوصى أن يتصدق عنه بجميع ما عليه من الثياب ووقف ~~جميع كتبه على المسلمين ولم يكن له عقب وصنف أكثر من ستين كتابا وكان الشيخ ~~أبو إسحاق الشيرازي أحد من حمل جنازته وقيل إنه ولد سنة إحدى وتسعين ~~وثلاثمائة والله أعلم ورؤيت له منام 0 ات صالحة بعد موته وكان قد انتهى ~~إليه علم الحديث وحفظه في وقته هذا آخر ما نقلته من كتاب ابن النجار ~~PageV01P093 # 35 الراوندي أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق ~~الرواندي العالم المشهور له مقالة في علم الكلام وكان من الفضلاء في عصره ~~وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشر كتابا منها كتاب فصيحة ~~المعتزلة وكتاب التاج وكتاب الزمرد وكتاب القصب وغير ذلك وله مجالس ~~ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام وقد انفرد بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه ~~في كتبهم توفي سنة خمس وأربعين ومائتين برحبة مالك بن طوق التغلبي وقيل ms0049 ~~ببغداد وتقدير عمره أربعون سنة وذكر في البستان أنه توفي سنة خمسين والله ~~أعلم رحمه الله تعالى ونسبته إلى راوند بفتح الراء والواو وبينهما ألف ~~وسكون النون وبعدها دال مهملة وهي قرية من قري قاسان بنواحي أصبهان وراوند ~~أيضا ناحية ظاهر نيسابور PageV01P094 # وقاسان بالسين المهملة وهي غير قاشان بالشين المعجمة ~~المجاورة لقم وهذه راوند التي ذكرها أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة في ~~باب المراثي فقال ذكروا أن رجلين من بني أسد خرجا إلى أصبهان فآخيا دهقانا ~~بها في موضع يقال له راوند وخزاق ونادماه فمات أحدهما وغبر الآخر والدهقان ~~ينادمان قبره يشربان كأسين ويصبان على قبره كأسا ثم مات الدهقان فكان ~~الأسدي الغابر ينادم قبريهما ويترنم بهذا الشعر (خليلي هبا طالما قد رقدتما ~~* أجدكما لا تقضيان كراكما) (أمن طول نوم لا تجيبان داعيا * كأن الذي يسقي ~~المدام سقاكما) (ألم تعلما ما لي براوند كلها * ولا بخزاق من صديق سواكما) ~~(أقيم على قبريكما لست بارحا * طوال الليالي أو يجيب صداكما) (وأبكيكما حق ~~الممات وما الذي * يرد على ذي لوعة إن بكاكما) (فلو جعلت نفس لنفس وقاية * ~~لجدت بنفسي أن تكون فداكما) (أصب على قبريكما من مدامة * فإلا تنالاها ترو ~~ثراكما) وخزاق بضم الخاء المعجمة وبعدها زاي وبعد الألف قاف قرية أخرى ~~مجاورة لها والله أعلم بالصواب 36 الهروي أبو عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن ~~أبي عبيد العبدي المؤدب الهروي الفاشاني PageV01P095 # صاحب كتاب الغربيين هذا هو المنقول في نسبه ورأيت على ~~ظهر كتابه الغربيين أنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن والله أعلم كان من ~~العلماء الأكابر وما قصر في كتابه المذكور ولم أقف على شيء من أخباره ~~لأذكره سوى أنه كان يصحب أبا منصور الأزهري اللغوي وسيأتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى وعليه اشتغل وبه انتفع وتخرج وكتابه المذكور جمع فيه بين تفسير غريب ~~القرآن الكريم والحديث النبوي وسار في الآفاق وهو من الكتب النافعة وقيل ~~إنه كان يجب البذلة ويتناول في الخلوة ويعاشر أهل الأدب في مجالس ms0050 اللذة ~~والطرب عفا الله عنه وعنا وأشار الباخرزي في ترجمة بعض أدباء خراسان إلي ~~شيء من ذلك والله أعلم وكانت وفاته في رجب سنة إحدى وأربعمائة رحمه الله ~~تعالى والهروي بفتح الهاء والراء نسبة إلى هراة وهي إحدى مدن خراسان الكبار ~~فتحها الأحنف بن قيس صلحا من قبل عبد الله بن عامر والفاشاني بفتح الفاء ~~وبعد الألف شين معجمة وبعد الألف الثانية نون نسبة إلى فاشان وهي قرية من ~~قري هراة ويقال لها باشان بالباء الموحدة أيضا ذكره السمعاني وقد تقدم في ~~الذي قبله ذكر قاسان وقاشان وهذه الأسماء الأربعة يقع بينها الاشتباه وهي ~~على هذه الصورة ولا لبس بعد هذا 37 الخوافي أبو المظفر أحمد بن محمد بن ~~المظفر الخوافي الفقيه الشافعي كان أنظر PageV01P096 # أهل زمانه تفقه على إمام الحرمين الجويني وصار أوجه ~~تلامذته ولي القضاء بطوس ونواحيها وكان مشهورا بين العلماء بحسن المناظرة ~~وإفحام الخصوم وكان رفيق أبي حامد الغزالي في الاشتغال ورزق الغزالي ~~السعادة في تصانيفه والخوافي السعادة في مناظراته وتوفي سنة خمسمائة بطوس ~~رحمه الله تعالى ونسبته إلى خواف بفتح الخاء المعجمة وبعد الواو المفتوحة ~~ألف وبعد الألف فاء وهي ناحية من نواحي نيسابور كثيرة القرى 38 أخو الغزالي ~~أبو الفتوح أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي الملقب مجد الدين ~~أخو الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الفقيه الشافعي كان واعظا مليح ~~الوعظ حسن المنظر صاحب كرامات وإشارات وكان من الفقهاء غير أنه مال إلي ~~الوعظ فغلب عليه ودرس بالمدرسة النظامية نيابة عن أخيه أبي حامد لما ترك ~~التدريس زهادة فيه واختصر كتاب أخيه أبي حامد المسمى ب إحياء علوم الدين في ~~مجلد واحد وسماه لباب الإحياء وله تصنيف آخر سماه الذخيرة في علم البصيرة ~~وطاف البلاد وخدم الصوفية بنفسه وكان مائلا إلى الانقطاع والعزلة وذكره ابن ~~النجار في تاريخ بغداد فقال كان قد قرأ القارئ بحضرته * (يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم) * فقال شرفهم بياء الإضافة PageV01P097 # إلى نفسه بقوله يا عبادي ms0051 ثم أنشد يقول (وهان علي اللوم ~~في جنب حبها * وقول الأعادي إنه لخليع) (أصم إذا نوديت باسمي وإنني * إذا ~~قيل لي يا عبدها لسميع) قلت ومثل هذا قول بعضهم (لا تدعني إلا بيا عبدها * ~~فإنه أشرف أسمائي) وتوفي أحمد بقزوين في سنة عشرين وخمسمائة رحمه الله ~~تعالى والطوسي بضم الطاء المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة نسبة إلى طوس ~~وهي ناحية بخراسان تشتمل على مدينتين تسمى إحداهما طابران بفتح الطاء ~~المهملة وبعد الألف باء موحدة ثم راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون ~~والأخرى نوقان بفتح النون وسكون الواو وفتح القاف وبعد الألف نون ولهما ما ~~يزيد على ألف قرية والغزالي بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاي المعجمة وبعد ~~الألف لام هذه النسبة إلي الغزال على عادة أهل خوارزم وجرجان فإنهم ينسبون ~~إلى القصار القصاري وإلى العطار العطاري وقيل إن الزاي مخففة نسبة إلى ~~غزالة وهي قرية من قرى طوس وهو خلاف المشهور ولكن هكذا قاله السمعاني في ~~كتاب الأنساب والله أعلم وقزوين بفتح القاف وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وهي مدينة كبيرة في عراق العجم ~~عند قلاع الإسماعيلية PageV01P098 # 39 ابن برهان أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد الوكيل ~~المعروف بابن برهان الفقيه الشافعي كان متبحرا في الأصول والفروع والمتفق ~~والمختلف تفقه على أبي حامد الغزالي وأبي بكر الشاشي والكيا أبي الحسن ~~الهراسي وصار ماهرا في فنونه وصنف كتاب الوجيز في أصول الفقه ولي التدريس ~~بالمدرسة النظامية ببغداد دون الشهر ومات سنة عشرين وخمسمائة ببغداد رحمه ~~الله تعالى وبرهان بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبعد الهاء ألف ونون 40 ~~النحاس النحوي أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس ~~النحوي المصري كان من الفضلاء وله تصانيف مفيدة منها تفسير القرآن الكريم ~~وكتاب إعراب القرآن وكتاب الناسخ والمنسوخ وكتاب في النحو اسمه التفاحة ~~وكتاب في الاشتقاق وتفسير أبيات سيبويه ولم يسبق إلى مثله وكتاب أدب الكتاب ~~وكتاب الكافي في النحو وكتاب PageV01P099 # المعاني وفسر ms0052 عشرة دواوين وأملاها وكتاب الوقف ~~والابتداء صغرى وكبرى وكتاب في شرح المعلقات السبع وكتاب طبقات الشعراء ~~وغير ذلك وروى عن أبي عبد الرحمن النسائي وأخذ النحو عن أبي الحسن علي بن ~~سليمان الأخفش النحوي وأبي إسحاق الزجاج وابن الأنباري ونفطويه وأعيان ~~أدباء العراق وكان قد رحل إليهم من مصر وكانت فيه خساسة وتقتير على نفسه ~~وإذا وهب عمامة قطعها ثلاث عمائم بخلا وشحا وكان يلي شراء حوائجه بنفسه ~~ويتحامل فيها على أهل معرفته ومع هذا فكان للناس رغبة كبيرة في الأخذ عنه ~~فنفع وأفاد وأخذ عنه خلق كثير وتوفي بمصر يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجة ~~سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وقيل سنة سبع وثلاثين رحمه الله تعالى وكان سبب ~~وفاته أنه جلس على درج المقياس على شاطىء النيل وهو في أيام زيادته وهو ~~يقطع بالعروض شيئا من الشعر فقال بعض العوام هذا يسحر النيل حتى لا يزيد ~~فتغلو الأسعار فدفعه برجله في النيل فلم يوقف له على خبر والنحاس بفتح ~~النون والحاء المشددة المهملة وبعد الألف سين مهملة هذه النسبة إلى من يعمل ~~النحاس وأهل مصر يقولون لمن يعمل الأواني الصفرية النحاس PageV01P100 # 41 العبدي النحوي أبو طالب أحمد بن بكر بن بقية العبدي ~~النحوي كان فاضلا ماهرا وشرح كتاب الايضاح في النحو لأبي علي الفارسي وأحسن ~~فيه ولم أطلع على شيء من أحواله حتى أذكره سوى أنه قرأ النحو على أبي سعيد ~~السيرافي وأبي الحسن الرماني وأبي علي الفارسي وتوفي في سنة ست وأربعمائة ~~في شهر رمضان لعشر بقين منه يوم الخميس رحمه الله تعالى والعبدي بفتح العين ~~المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها دال مهملة هذه النسبة إلى عبد القيس بن ~~أفصى بن دعمي وهي قبيلة كبيرة مشهورة 42 ابن أبي سهل أبو العباس أحمد بن ~~محمد بن عبد الكريم بن أبي سهل الكاتب صاحب كتاب الخراج توفي سنة سبعين ~~ومائتين رحمه الله تعالى ولم أعلم من حاله شيئا PageV01P101 # حتى أذكره وكتابه مشهور وما ذكرته إلا لأجل كتابه فقد ms0053 ~~يتشوف الواقف عليه إلى معرفة زمانه 43 ثعلب النحوي أبو العباس أحمد بن يحيى ~~بن زيد بن سيار النحوي الشيباني بالولاء المعروف بثعلب ولاؤه لمعن بن زائدة ~~الشيباني الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى كان إمام الكوفيين في ~~النحو واللغة سمع ابن الأعرابي والزبير بن بكار وروى عنه الأخفش الأصغر ~~وأبو بكر ابن الأنباري وأبو عمر الزاهد وغيرهم وكان ثقة حجة صالحا مشهورا ~~بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم مقدما عند ~~الشيوخ منذ هو حدث وكان ابن الأعرابي إذا شك في شيء قال له ما تقول يا أبا ~~العباس في هذا ثقة بغزارة حفظه وكان يقول ابتدأت في طلب العربية واللغة في ~~سنة ست عشرة ومائتين ونظرت في حدود الفراء وسني ثماني عشرة سنة وبلغت خمسا ~~وعشرين سنة وما بقيت علي مسألة للفراء إلا وأنا أحفظها وقال أبو بكر ابن ~~مجاهد المقرئ قال لي ثعلب يا أبا بكر اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا ~~واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا ~~واشتغلت أنا بزيد وعمرو فليت شعري PageV01P102 # ماذا يكون حالي في الآخرة فانصرفت من عنده فرأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم تلك الليلة في المنام فقال لي أقرىء أبا العباس عني ~~السلام وقل له أنت صاحب العلم المستطيل قال أبو عبد الله الروذباري العبد ~~الصالح أراد أن الكلام به يكمل والخطاب به يجمل وأن جميع العلوم مفتقرة ~~إليه وقال أبو عمر الزاهد المعروف بالمطرز كنت في مجلس أبي العباس ثعلب ~~فسأله سائل عن شيء فقال لا أدري فقال له أتقول لا أدري وإليك تضرب أكباد ~~الإبل وإليك الرحلة من كل بلد فقال له أبو العباس لو كان لأمك بعدد ما لا ~~أدري بعر لاستغنت وصنف كتاب الفصيح وهو صغير الحجم كثير الفائدة وكان له ~~شعر وقال أبو بكر ابن القاسم الأنباري في بعض أماليه أنشدني ثعلب ولا أدري ~~هل هي له أو لغيره (إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها * فكم تلبث النفس التي ms0054 أنت ~~قوتها) (ستبقى بقاء الضب في الماء أو كما * يعيش ببيداء المهامه حوتها) قال ~~ابن الأنباري وزادنا أبو الحسن ابن البراء فيها (أغرك مني أن تصبرت جاهدا * ~~وفي النفس مني منك ما سيميتها) (فلو كان ما بي بالصخور لهدها * وبالريح ما ~~هبت وطال خفوتها) (فصبرا لعل الله يجمع بيننا * فأشكو هموما منك فيك ~~لقيتها) وولد في سنة مائتين لشهرين مضيا منها قاله ابن القراب في تاريخه ~~وقيل سنة أربع ومائتين وقيل إحدى ومائتين والذي يدل على أنه ولد في سنة ~~مائتين أنه قال رأيت المأمون لما قدم من خراسان في سنة أربع ومائتين وقد ~~خرج من باب الحديد يريد الرصافة والناس صفان فحملني أبي PageV01P103 # على يده وقال هذا المأمون وهذه سنة أربع فحفظت ذلك عنه ~~إلي الساعة وكان سني تقديرا يومئذ أربع سنين وتوفي يوم السبت لثلاث عشرة ~~ليلة بقيت من جمادي الأولى وقيل لعشر خلون منها سنة إحدى وتسعين ومائتين ~~ببغداد ودفن بمقبرة باب الشام رحمه الله تعالى وكان سبب وفاته أنه خرج من ~~الجامع يوم الجمعة بعد العصر وكان قد لحقه صمم لا يسمع إلا بعد تعب وكان في ~~يده كتاب ينظر فيه في الطريق فصدمته فرس فألقته في هوة فأخرج منها وهو ~~كالمختلط فحمل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوه من رأسه فمات ثاني يوم ~~وجده سيار بفتح السين المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف ~~راء مهملة والشيباني بفتح الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~الباء الموحدة وبعد الألف نون نسبة إلى شيبان حي من بكر بن وائل وهما ~~شيبانان أحدهما شيبان بن ثعلبة بن عكابة والآخر شيبان بن ذهل بن ثعلبة ابن ~~عكابة وشيبان الأعلى عم شيبان الأسفل ومن تصانيفه كتاب المصون واختلاف ~~النحوين ومعاني القرآن وما تلحن فيه العامة والقراءات ومعاني الشعر ~~والتصغير وما ينصرف وما لا ينصرف وما يجرى وما لا يجرى والشواذ والأمثال ~~والإيمان والوقف والابتداء والألفاظ والهجاء والمجالس والأوسط وإعراب ~~القرآن والمسائل وحد النحو وغير ذلك PageV01P104 # 44 ms0055 الحافظ السلفي الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن ~~أحمد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني الملقب صدر الدين أحد الحفاظ المكثرين رحل ~~في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ وكان شافعي المذهب ورد بغداد واشتغل بها ~~على الكيا أبي الحسن علي الهراسي في الفقه وعلى الخطيب أبي زكريا يحيى بن ~~علي التبريزي اللغوي باللغة وروى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من ~~الأئمة الأماثل وجاب البلاد وطاف الآفاق ودخل ثغر الإسكندرية سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة في ذي القعدة وكان قدومه إليه في البحر من مدينة صور وأقام به ~~وقصده الناس من الأماكن البعيدة وسمعوا عليه وانتفعوا به ولم يكن في آخر ~~عمره في عصره مثله وبني له العادل أبو الحسن علي بن بالسلدر وزير الظافر ~~العبيدي صاحب مصر في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المذكور وفوضها ~~إليه وهي معروفة به إلى الآن وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار ~~المصرية وسمعت عليهم وأجازوني وكان قد كتب الكثير ونقلت من خطه فوائد جمة ~~ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي من ~~قصيدة (لولا اشتغالي بالأمير ومدحه * لأطلت في ذاك الغزال تغزلي) (لكن ~~أوصاف الجلال عذبن لي * فتركت أوصاف الجمال بمعزل) PageV01P105 # ونقلت من خطه أيضا لبثينة صاحبة جميل ترثيه (وإن سلوي ~~عن جميل لساعة * من الدهر ما حانت ولا حان حينها) (سواء علينا يا جميل بن ~~معمر * إذا مت بأساء الحياة ولينها) وكان كثيرا ما ينشد (قالوا نفوس الدار ~~سكانها * وأنتم عندي نفوس النفوس) وأماليه وتعاليقه كثيرة والاختصار ~~بالمختصر أولى وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريبا بأصبهان ~~وتوفي ضحوة نهار الجمعة وقيل ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست ~~وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية ودفن في وعلة وهي مقبرة داخل السور عند ~~الباب الأخضر فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره ووعلة بفتح الواو ~~وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء ويقال إن هذه المقبرة منسوبة إلى ~~عبد الرحمن بن وعلة السبئي المصري صاحب ابن عباس ms0056 رضي الله تعالى عنهما وقيل ~~غير ذلك رحمه الله تعالى قلت وجدت العلماء المحدثين بالديار المصرية من ~~جملتهم الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري محدث ~~مصر في زمانه يقولون في مولد الحافظ السلفي هذه المقالة ثم وجدت في كتاب ~~زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم ~~عبد الرحمن ابن أبي الفضل عبد المجيد بن إسماعيل بن حفص الصفراوي الإسكندري ~~أن PageV01P106 # الحافظ أبا طاهر السلفي المذكور وهو شيخه كان يقول ~~مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ثمان وسبعين فيكون مبلغ عمره علي مقتضى ذلك ~~ثمانيا وتسعين سنة هذا آخر كلام الصفراوي المذكور ورأيت في تاريخ الحافظ ~~محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي ما يدل على صحة ما ~~قاله الصفراوي فإنه قال قال عبد الغني المقدسي سألت الحافظ السلفي عن مولده ~~فقال أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة وكان لي من ~~العمر حدود عشر سنين قلت ولو كان مولده علي ما يقوله أهل مصر أنه في سنة ~~اثنتين وسبعين ما كان يقول أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين ~~وأربعمائة فإنه على ما يقولون قد كان عمره ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة ~~ولم تجر العادة أن من يكون في هذا السن يقول أنا أذكر القضية الفلانية ~~وإنما يقول ذلك من يكون عمره تقديرا أربع سنين أو خمس سنين أو ستا فقد ظهر ~~بهذا أن قول الصفراوي أقرب إلى الصحة وهو تلميذه وقد سمع منه أنه قال مولدي ~~في سنة ثمان وسبعين وليس الصفراوي ممن يشك في قوله ولا يرتاب في صحته مع ~~أننا ما علمنا أن أحدا منذ ثلاثمائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلا عن أنه ~~زاد عليها سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري فإنه عاش مائة سنة ~~وسنتين كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى ونسبته إلى جده إبراهيم سلفة ~~بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي ms0057 آخره الهاء وهو لفظ عجمي ومعناه ~~بالعربي ثلاث شفاه لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة فصارت مثل شفتين غير ~~الأخرى الأصلية والأصل فيه سلبة بالباء فأبدلت بالفاء PageV01P107 # 45 شرف الدين ابن منعة أبو الفضل أحمد ابن الشيخ ~~العلامة كمال الدين أبي الفتح موسى ابن الشيخ رضي الدين أبي الفضل يونس بن ~~محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عائد بن كعب بن ~~قيس بن إبراهيم الإربلي الأصل من بيت الرياسة والفضل والمقدمين بإربل ~~الفقيه الشافعي الملقب شرف الدين كان إماما كبيرا فاضلا عاقلا حسن السمت ~~جميل المنظر شرح كتاب التنبيه في الفقه وأجاد شرحه واختصر إحياء علوم الدين ~~للإمام الغزالي مختصرين كبيرا وصغيرا وكان يلقي في جملة دروسه من كتاب ~~الإحياء درسا حفظا وكان كثير المحفوظات غزير المادة وهو من بيت العلم ~~وسيأتي ذكر أبيه وعمه وجده رحمهم الله تعالى في مواضعهم ونسج على منوال ~~والده في التفنن في العلوم وتخرج عليه جماعة كبيرة وتولى التدريس بمدرسة ~~الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل رحمه الله تعالى بمدينة ~~إربل بعد والدي رحمه الله تعالى وكان وصوله إليها من الموصل في أوائل شوال ~~سنة عشر وستمائة وكانت وفاة الوالد ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شعبان ~~من السنة المذكورة وكنت أحضر دروسه وأنا صغير وما سمعت أحدا يلقي الدروس ~~مثله ولم يزل على ذلك إلى أن حج ثم عاد وأقام قليلا ثم انتقل إلى الموصل في ~~سنة سبع عشرة وستمائة وفوضت إليه المدرسة القاهرية وأقام بها ملازم ~~الاشتغال والإفادة إلى أن توفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر ربيع ~~الآخر PageV01P108 # سنة اثنتين وعشرين وستمائة وكانت ولادته أيضا بالموصل ~~سنة خمس وسبعين وخمسمائة رحمه الله تعالى ولقد كان من محاسن الوجود وما ~~أذكره إلا وتصغر الدنيا في عيني ولقد أفكرت فيه مرة فقلت هذا الرجل عاش مدة ~~خلافة الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد فإنه ولي الخلافة في سنة ~~خمس وسبعين وخمسمائة وهي السنة ms0058 التي ولد فيها شرف الدين المذكور وماتا في ~~سنة واحدة وكان مبدأ شروعه في شرح التنبيه بإربل واستعار منا نسخة التنبيه ~~عليها حواش مفيدة بخط بعض الأفاضل ورأيته بعد ذلك وقد نقل الحواشي كلها في ~~شرحه والفاضل الذي كانت النسخة والحواشي بخطه هو الشيخ رضي الدين أبو داود ~~سليمان بن المظفر بن غانم بن عبد الكريم الجيلي الشافعي المفتي بالمدرسة ~~النظامية ببغداد وكان من أكابر فضلاء عصره وصنف كتابا في الفقه يدخل في خمس ~~عشرة مجلدة وعرضت عليه المناصب فلم يفعل وكان متدينا وتوفي يوم الأربعاء ~~لثلاث خلون من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثلاثين وستمائة ودفن بالشونيزية ~~وكان قد نيف على ستين سنة رحمه الله تعالى وكان قدومه بغداد من بلاده ~~للاشتغال بعد سنة ثمانين وخمسمائة رجعنا إلى الأول وكان اشتغال شرف الدين ~~المذكور على أبيه بالموصل ولم يتغرب لأجل الاشتغال وكان الفقهاء يقولون ~~نعجب منه كيف اشتغل في وطنه وبين أهله وفي عزه واشتغاله بالدنيا وخرج منه ~~ما خرج ولو شرعت في وصف محاسنه لأطلت وفي هذا القدر كفاية PageV01P109 # 46 أبن عبد ربه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه بن ~~حبيب بن حدير بن سالم القرطبي مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ~~بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي كان من العلماء المكثرين من ~~المحفوظات والاطلاع على أخبار الناس وصنف كتابه العقد وهو من الكتب الممتعة ~~حوى من كل شيء وله ديوان شعر جيد ومن شعره (يا ذا الذي خط العذار بوجهه * ~~خطين هاجا لوعة وبلابلا) (ما صح عندي أن لحظك صارم * حتى لبست بعارضيك ~~حمائلا) وله في هذا المعنى وقيل إنهما لأبي طاهر الكاتب وقيل لأبي الفضل ~~محمد بن عبد الواحد البغدادي (ومعذر نقش العذار بمسكه * خدا له بدم القلوب ~~مضرجا) (لما تيقن أن عضب جفونه * من نرجس جعل النجاد بنفسجا) PageV01P110 # وأخذه البهاء أسعد السنجاري فقال من جملة قصيدة (يا ~~سيف مقلته كملت ملاحة * ما كنت قبل عذاره بحمائل) وله ms0059 أيضا (ودعتني بزفرة ~~واعتناق * ثم قالت متى يكون التلاقي) (وبدت لي فأشرق الصبح منها * بين تلك ~~الجيوب والأطواق) (يا سقيم الجفون من غير سقم * بين عينيك مصرع العشاق) (إن ~~يوم الفراق أفظع يوم * ليتني مت قبل يوم الفراق) وله أيضا (إن الغواني إن ~~رأينك طاويا * برد الشباب طوين عنك وصالا) (وإذا دعونك عمهن فإنه * نسب ~~يزيدك عندهن خبالا) (وله من جملة قصيدة طويلة في المنذر بن محمد بن عبد ~~الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن ~~مروان الحكمي أحد ملوك الأندلس من بني أمية (بالمنذر بن محمد * شرفت بلاد ~~الأندلس) (فالطير فيها ساكن * والوحش فيها قد أنس) قال الوزير ابن المغربي ~~في كتاب أدب الخواص وقد روي أن هذه القصيدة شقت عند انتشارها على أبي تميم ~~معد المعز لدين الله وساءه ما PageV01P111 # تضمنته من الكذب والتمويه إلى أن عارضها شاعره الإيادي ~~التونسي بقصيدته التي أولها (ربع لزينب قد درس * واعتاض من نطق خرس) وهذا ~~الشاعر هو أبو الحسن علي بن محمد الإيادي التونسي ولابن عبد ربه (نعق ~~الغراب فقلت أكذب طائر * إن لم يصدقه رعاء بعير) وفيه التفات إلى قول بعضهم ~~(لهن الوجى لم كن عونا على النوى * ولا زال منها ظالع وحسير) (وما الشؤم في ~~نعق الغراب ونعبه * وما الشؤم إلا ناقة وبعير) وله غير ذلك كل معنى مليح ~~وكانت ولادته في عاشر رمضان سنة ست وأربعين ومائتين وتوفي يوم الأحد ثامن ~~عشر جمادي الأولى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن يوم الاثنين في مقبرة بني ~~العباس بقرطبة وكان قد أصابه الفالج قبل ذلك بأعوام رحمه الله تعالى ~~والقرطبي بضم القاف وسكون الراء المهملة وضم الطاء المهملة وفي آخرها الباء ~~الموحدة هذه النسبة إلى قرطبة وهي مدينة كبيرة من بلاد الأندلس وهي دار ~~مملكتها وحدير الذي هو أحد أجداده بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة ~~وسكون الياء المثناة من تحتها والراء آخر الحروف PageV01P112 # 47 أبو العلاء المعري أبو العلاء أحمد بن ms0060 عبد الله بن ~~سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ~~ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عدي بن ~~غطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن ~~حلوان بن عمران بن إلحاف بن فضاعة التنوخي المعري اللغوي الشاعر كان متضلعا ~~من فنون الأدب قرأ النحو واللغة على أبيه بالمعرة وعلي محمد بن عبد الله بن ~~سعد النحوي بحلب وله التصانيف الكثيرة المشهورة والرسائل المأثورة وله من ~~النظم لزوم ما لا يلزم وهو كبير يقع في خمسة أجزاء أو ما يقاربها وله سقط ~~الزند أيضا وشرحه بنفسه وسماه ضوء السقط وبلغني أن له كتابا سماه الأيك ~~والغصون وهو المعروف بن الهمزة والردف يقارب المائة جزء في الأدب أيضا وحكى ~~لي من وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتاب الهمزة والردف وقال لا أعلم ~~ما كان يعوزه بعد هذا المجلد وكان علامة عصره وأخذ عنه أبو القاسم علي بن ~~المحسن التوخي والخطيب أبو زكريا التبريزي وغيرهما وكانت ولادته يوم الجمعة ~~عند مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ~~بالمعرة وعمي من الجدري أول سنة سبع وستين غشى يمنى عينيه بياض وذهبت ~~اليسرى جملة قال الحافظ السلفي أخبرني أبو محمد عبد الله بن الوليد بن غريب ~~الإيادي أنه دخل مع عمه على أبي PageV01P113 # العلاء يزوره فرآه قاعدا على سجادة لبد وهو شيخ قال ~~فدعا لي ومسح على رأسي وكنت صبيا قال وكأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه ~~إحداهما نادرة والأخرى غائرة جدا وهو مجدر الوجه نحيف الجسم ولما فرغ من ~~تصنيف كتاب اللامع العزيزي في شرح شعر المتنبي وقرئ عليه أخذ الجماعة في ~~وصفه فقال أبو العلاء كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب حيث يقول (أنا الذي ~~نظر الأعمى إلى أدبي * وأسمعت كلماتي من به صمم) واختصر ديوان أبي تمام ~~وشرحه وسماه ms0061 ذكرى حبيب وديوان البحتري وسماه عبث الوليد وديوان المتنبي ~~وسماه معجز أحمد وتكلم على غريب أشعارهم ومعانيها ومآخذهم من غيرهم وما أخذ ~~عليهم وتولى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع عليهم والتوجيه في أماكن ~~لخطئهم ودخل بغداد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ودخلها ثانية سنة تسع وتسعين ~~وأقام بها سنة وسبعة أشهر ثم رجع إلى المعرة ولزم منزله وشرع في التصنيف ~~وأخذ عنه الناس وسار إليه الطلبة من الآفاق وكاتبه العلماء والوزراء وأهل ~~الأقدار وسمى نفسه رهين المحبسين للزومه منزله ولذهاب عينيه ومكث مدة خمس ~~وأربعين سنة لا يأكل اللحم تدينا لأنه كان يرى رأي الحكماء المتقدمين وهم ~~لا يأكلونه كي لا يذبحوا الحيوان ففيه تعذيب له وهم لا يرون الإيلام في ~~جميع الحيوانات وعمل الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة ومن شعره في اللزوم قوله ~~(لا تطلبن بآلة لك رتبة * قلم البليغ بغير جد مغزل) (سكن السماكان السماء ~~كلاهما * هذا له رمح وهذا أعزل 12 وتوفي يوم الجمعة ثالث وقيل ثاني شهر ~~ربيع الأول وقيل ثالث عشره سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالمعرة وبلغني أنه ~~أوصى أن PageV01P114 # يكتب على قبره هذا البيت (هذا جناه أبي علي * وما جنيت ~~على أحد) وهو أيضا متعلق باعتقاد الحكماء فإنهم يقولون إيجاد الولد وإخراجه ~~إلى هذا العالم جناية عليه لأنه يتعرض للحوادث والآفات وكان مرضه ثلاثة ~~أيام ومات في اليوم الرابع ولم يكن عنده غير بني عمه فقال لهم في اليوم ~~الثالث اكتبوا عني فتناولوا الدوي والأقلام فأملى عليهم غير الصواب فقال ~~القاضي أبو محمد عبد الله التنوخي أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت فمات ~~ثاني يوم ولما توفي رثاه تلميذه أبو الحسن علي بن همام بقوله (إن كنت لم ~~ترق الدماء زهادة * فلقد أرقت اليوم من جفني دما) (سيرت ذكرك في البلاد ~~كأنه * مسك فسامعه يضمخ أو فما) (وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة * ذكراك أخرج ~~فدية من أحرما) وقد أشار في البيت الأول إلى ما كان يعتقده ويتدين به من ~~عدم الذبح كما ms0062 تقدم ذكره وقبره في ساحة من دور أهله وعلى الساحة باب صغير ~~قديم وهو على غاية ما يكون من الإهمال وترك القيام بمصالحه وأهله لا ~~يحتفلون به والتنوخي بفتح التاء المثناة من فوقها وضم النون المخففة وبعد ~~الواو خاء معجمة وهذه النسبة إلى تنوخ وهو اسم لعدة قبائل اجتمعوا قديما ~~بالبحرين وتحالفوا على التناصر وأقاموا هناك فسموا تنوخا والتنوخ الإقامة ~~وهذه القبيلة إحدى القبائل الثلاث التي هي نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ ~~وتغلب والمعري بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الراء وهذه النسبة إلى ~~PageV01P115 # معرة النعمان وهي بلدة صغيرة بالشام بالقرب من حماة ~~وشيزر وهي منسوبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله تعالى عنه فإنه ~~تديرها فنسبت إليه وأخذها الفرنج من المسلمين في محرم سنة اثنتين وتسعين ~~وأربعمائة ولم تزل بأيدي الفرنج من يومئذ إلى أن فتحها عماد الدين زنكي بن ~~آق سنقر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى سنة تسع وعشرين وخمسمائة ومن علي ~~أهلها بأملاكهم 48 ابن شهيد أبو عامر أحمد بن أبي مروان عبد الملك بن مروان ~~بن ذي الوزارتين الأعلى أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد ~~الأشجعي الأندلسي القرطبي هو من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن ~~قيس الفهري يوم مرج راهط ذكره ابن بسام في كتاب الذخيرة وبالغ في الثناء ~~عليه وأورد له طرفا وافرا من الرسائل والنظم والوقائع وكان من أعلم أهل ~~الأندلس متفننا بارعا في فنونه وبينه وبين ابن حزم الظاهري مكاتبات ~~ومداعبات وله التصانيف الغريبة البديعة منها كتاب كشف الدك وإيضاح الشك ~~ومنها التوابع والزوابع ومنها حانوت عطار وغير ذلك وكان فيه PageV01P116 # مع هذه الفضائل كرم مفرط وله في ذلك حكايات ونوادر 13 ~~ومن محاسن شعره من جملة قصيدة (وتدري سباع الطير أن كماته * إذا لقيت صيد ~~الكماة سباع) (تطير جياعا فوقه وتردها * ظباه إلى الأوكار وهي شباع) وإن ~~كان هذا معنى مطروقا وقد سبقه إليه جماعة من الشعراء في الجاهلية والإسلام ~~لكنه ms0063 أحسن في سبكه وتلطف في أخذه ومن رقيق شعره وظريفه قوله (ولما تملأ من ~~سكره * ونام ونامت عيون العسس) (دنوت إليه على بعده * دنو رفيق دري ما ~~التمس) (أدب إليه دبيب الكرى * وأسمو إليه سمو النفس) (وبت به ليلتي ناعما ~~* إلى أن تبسم ثغر الغلس) (أقبل منه بياض الطلى * وأرشف منه سواد اللعس) ~~وما ألطف قول أبي منصور علي بن الحسن المعروف بصردر في هذا المعنى وهو قوله ~~(وحي طرقناه على غير موعد * فما إن وجدنا عند نارهم هدى) (وما غفلت أحراسهم ~~غير أننا * سقطنا عليهم مثلما يسقط الندي) وقد استعمل هذا المعنى جماعة من ~~الشعراء والأصل فيه قول امرئ القيس PageV01P117 # (سموت إليها بعدما نام أهلها * سمو حباب الماء حالا ~~على حال) ومعظم شعره فائق وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وتوفي ~~ضحى نهار الجمعة سلخ جمادي الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة بقرطبة ودفن ~~ثاني يوم في مقبرة أم سلمة رحمه الله تعالى وأبوه عبد الملك مذكور في كتاب ~~الصلة وشهيد بضم الشين المثلثة وفتح الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها دال مهملة والأشجعي بفتح الهمزة وسكون الشين المثلثة وفتح الجيم ~~وبعدها عين مهملة هذه النسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان وهي قبيلة كبيرة 49 ~~ابن فارس أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي ~~كان إماما في علوم شتى وخصوصا اللغة فإنه أتقنها وألف كتابه المجمل في ~~اللغة وهو على اختصاره جمع شيئا كثيرا وله كتاب حلية الفقهاء وله رسائل ~~أنيقة ومسائل في اللغة بها الفقهاء ومنه اقتبس الحريري صاحب المقامات الآتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى ذلك الأسلوب ووضع PageV01P118 # المسائل الفقهية في المقامة الطيبية وهي مائة مسألة ~~وكان مقيما بهمذان وعليه اشتغل بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات الآتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى وله أشعار جيدة فمنها قوله (مرت بنا هيفاء مجدولة * ~~تركية تنمى لتركي) (ترنو بطرف فاتر فاتن * أضعف من حجة نحوي) وله أيضا ~~(اسمع مقالة ناصح * جمع النصيحة والمقه) ms0064 (إياك واحذر أن تبيت * من الثقات ~~على ثقة) وله أيضا (إذا كنت في حاجة مرسلا * وأنت بها كلف مغرم) (فأرسل ~~حكيما ولا توصه * وذاك الحكيم هو الدرهم) وله أيضا (سقى همذان الغيث لست ~~بقائل * سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرم) (وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة * أفدت ~~بها نسيان ما كنت أعلم) (نسيت الذي أحسنته غير أنني * مدين وما في جوف بيتي ~~درهم) وله أشعار كثيرة حسنة توفي سنة تسعين وثلاثمائة رحه الله تعالى بالري ~~ودفن مقابل مشهد القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني وقيل إنه توفي في صفر ~~سنة خمس وسبعين وثلاثمائة بالمحمدية والأول أشهر والرازي بفتح الراء ~~المهملة وبعد الألف زاي هذه نسبة إلى الري PageV01P119 # وهي من مشاهير بلاد الديلم والزاي زائدة فيها كما ~~زادوها في المروزي عند النسبة إلى مرو الشاهجان ومن شعره أيضا (وقالوا كيف ~~حالك قلت خير * تقضي حاجة وتفوت حاج) (إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا * عسى ~~يوما يكون لها انفراج) (نديمي هرتي وأنيس نفسي * دفاتر لي ومعشوقي السراج) ~~50 أبو الطيب المتنبي أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد ~~الجعفي الكندي الكوفي المعروف بالمتنبي الشاعر المشهور وقيل هو أحمد بن ~~الحسين بن مرة ابن عبد الجبار والله أعلم هو من أهل الكوفة وقدم الشام في ~~صباه وجال في أقطاره واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها وكان من المكثرين من نقل ~~اللغة والمطلعين على غريبها وحوشيها ولا يسأل عن شيء إلا واستشهد فيه بكلام ~~العرب من النظم والنثر حتى قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي صاحب الإيضاح ~~والتكملة قال له يوما كم لنا من الجموع على وزن فعلى فقال المتنبي في الحال ~~حجلى وظربى قال الشيخ أبو علي فطالعت كتب اللغة ثلاث PageV01P120 # ليال علي أن أجد لهذين الجمعين ثالثا فلم أجد وحسبك من ~~يقول في حقه أبو علي هذه المقالة وحجلي جمع حجل وهو الطائر الذي يسمى القبج ~~والظربى جمع ظربان على مثال قطران وهي دويبة منتنة الرائحة وأما شعره فهو ~~في النهاية ms0065 ولا حاجة إلى ذكر شيء منه لشهرته لكن الشيخ تاج الدين الكندي ~~رحمه الله كان يروي له بيتين لا يوجدان في ديوانه وكانت روايته لهما ~~بالإسناد الصحيح المتصل به فأحببت ذكرهما لغرابتهما وهما (أبعين مفتقر إليك ~~نظرتني * فأهنتني وقذفتني من حالق) (لست الملوم أنا الملوم لأنني * أنزلت ~~آمالي بغير الخالق) 14 ولما كان بمصر مرض وكان له صديق يغشاه في علته فلما ~~أبل انقطع عنه فكتب إليه وصلتني وصلك الله معتلا وقطعتني مبلا فإن رأيت أن ~~لا تحبب العلة إلي ولا تكدر الصحة علي فعلت إن شاء الله تعالى والناس في ~~شعره على طبقات فمنهم من يرجحه على أبي تمام ومن بعده ومنهم من يرجح أبا ~~تمام عليه وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي الشاعر الأتي ذكره عقيب هذا ~~كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى ~~معنيين قالهما ما سبق إليهما أحدهما قوله (رماني الدهر بالأرزاء حتى * ~~فؤادي في غشاء من نبال) (فصرت إذا أصابتني سهام * تكسرت النصال على النصال) ~~والآخر قوله (في جحفل ستر العيون غياره * فكأنما يبصرن بالآذان) واعتنى ~~العلماء بديوانه فشرحوه وقال لي أحد المشايخ الذين أخذت عنهم وقفت له على ~~أكثر من أربعين شرحا ما بين مطولات ومختصرات ولم يفعل هذا بديوان غيره ولا ~~شك أنه كان رجلا مسعودا ورزق في شعره السعادة التامة PageV01P121 # وإنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية ~~السماوة وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب ~~الإخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلا ثم استتابه وأطلقه وقيل غير ذلك ~~وهذا أصح وقيل إنه قال أنا أول من تنبأ بالشعر ثم التحق بالأمير سيف الدولة ~~بن حمدان في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين ~~وثلثماثة ومدح كافورا الإخشيدي وأنوجور ابن الإخشيد وكان يقف بين يدي كافور ~~وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بالسيوف ~~والمناطق ولما لم يرضه ms0066 هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلاثمائة ~~ووجه كافور خلفه رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق وكان كافور وعده بولاية بعض ~~أعماله فلما رأى تعاليه في شعره وسموه بنفسه خافه وعوتب فيه فقال يا قوم من ~~ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم أما يدعي المملكة مع كافور فحسبكم ~~قال أبو الفتح ابن جني النحوي كنت قرأت ديوان أبي الطبيب المتنبي عليه ~~فقرأت عليه قوله في كافور القصيدة التي أولها (أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ~~* وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب) حتى بلغت إلى قوله (ألا ليت شعري هل أقول ~~قصيدة * ولا أشتكي فيها ولا أتعتب) (وبي ما يذود الشعر عني أقله * ولكن ~~قلبي يا ابنه القوم قلب فقلت له يعز علي كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير ~~سيف الدولة فقال حذرناه وأنذرناه فما نفع ألست القائل فيه (أخا الجود أعط ~~الناس ما أنت مالك * ولا تعطين الناس ما أنا قائل) فهو الذي أعطاني كافورا ~~بسوء تدبيره وقلة تمييزه وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة ~~فيتكلمون بحضرته فوقع PageV01P122 # بين المتنبي وبين ابن خالويه النحوي كلام فوثب ابن ~~خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان معه فشجه وخرج ودمه يسيل على ~~ثيابه فغضب وخرج إلى مصر وامتدح كافورا ثم رحل عنه وقصد بلاد فارس ومدح عضد ~~الدولة بن بويه الديلمي فأجزل جائزته ولما رجع من عنده قاصدا إلى بغداد ثم ~~إلى الكوفة في شعبان لثمان خلون منه عرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي في ~~عدة من أصحابه وكان مع المتنبي أيضا جماعة من أصحابه فقاتلوهم فقتل المتنبي ~~وابنه محسد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية في موضع يقال له الصافية وقيل ~~حيال الصافية من الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول بينهما مسافة ~~ميلين وذكر ابن رشيق في كتاب العمدة في باب منافع الشعر ومضاره أن أبا ~~الطيب لما فرحين رأى الغلبة قال له غلامه لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبدا ~~وأنت القائل (فالخيل والليل ms0067 والبيداء تعرفني * والحرب والضرب والقرطاس ~~والقلم) فكر راجعا حتى قتل وكان سبب قتله هذا البيت وذلك يوم الأربعاء لست ~~بقين وقيل لثلاث بقين وقيل لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ~~وثلاثمائة وقيل إن قتله كان يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان وقيل لخمس ~~بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة ومولده في سنة ثلاث وثلاثمائة بالكوفة ~~في محلة تسمى كندة فنسب إليها وليس هو من كندة التي هي قبيلة بل هو جعفي ~~القبيلة بضم الجيم وسكون العين المهملة وبعدها فاء وهو جعفي بن سعد العشيرة ~~بن مذحج واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان وإنما ~~قيل له سعد العشيرة لأنه كان يركب فيما قيل في ثلاثمائة من ولده وولد ولده ~~فإذا قيل له من هؤلاء قال عشيرتي مخافة العين عليهم PageV01P123 # ويقال إن أبا المتنبي كان سقاء بالكوفة ثم انتقل إلى ~~الشام بولده ونشأ ولده بالشام وإلى هذا أشار بعض الشعراء في هجو المتنبي ~~حيث قال (أي فضل لشاعر يطلب الفضل * من الناس بكرة وعشيا) (عاش حينا يبيع ~~في الكوفة الماء * وحينا يبيع ماء المحيا) وسيأتي في حرف الحاء نظير هذا ~~المعنى لابن المعذل في أبي تمام حبيب بن أوس الشاعر المشهور ولما قتل ~~المتنبي رثاه أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي بقوله (لا رعى الله سرب هذا ~~الزمان * إذ دهانا في مثل ذاك اللسان) (ما رأى الناس ثاني المتنبي * أي ثان ~~يرى لبكر الزمان) (كان من نفسه الكبيرة في جيش * وفي كبرياء ذي سلطان) (هو ~~في شعره نبي ولكن * ظهرت معجزاته في المعاني) والطبسي بفتح الطاء المهملة ~~والباء الموحدة وبعدها سين مهملة هذه النسبة إلى مدينة في البرية بين ~~نيسابور وإصبهان وكرمان يقال لها طبس ويحكى أن المعتمد بن عباد اللخمي صاحب ~~قرطبة وإشبيلية أنشد يوما في مجلسه بيت المتنبي وهو من جملة قصيدته ~~المشهورة (إذا ظفرت منك العيون بنظرة * أثاب بها معيي المطي ورازمه) وجعل ~~يردده استحسانا له وفي ms0068 مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي فأنشد ~~ارتجالا (لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما * تجيد العطايا واللها تفتح اللها) ~~(تنبأ عجبا بالقريض ولو درى * بأنك تروي شعره لتألها) وذكر الإفليلي أن ~~المتنبي أنشد سيف الدولة بن حمدان في الميدان قصيدته التي أولها ~~PageV01P124 # (لكل امرئ من دهره ما تعودا * وعادات سيف الدولة الطعن ~~في العدا) فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها فأنشدها قاعدا فقال ~~بعض الحاضرين يريد أن يكيد أبا الطيب لو أنشدها قائما لأسمع فإن أكثر الناس ~~لا يسمعون فقال أبو الطيب أما سمعت أولها (لكل امرئ من دهره ما تعودا *) ~~وهذا من مستحسن الأجوبة وبالجملة فسمو نفسه وعلو همته وأخباره وماجرياته ~~كثيرة والاختصار أولى واسم ولده محسد بضم الميم وفتح الحاء المهملة والسين ~~المهملة المشددة وبعدها دال مهملة 51 النامي الشاعر أبو العباس أحمد بن ~~محمد الدارمي المصيصي المعروف بالنامي الشاعر المشهور كان من الشعراء ~~المفلقين ومن فحولة شعراء عصره وخواص مداح سيف الدولة بن حمدان وكان عنده ~~تلو أبي الطيب المتنبي في المنزلة والرتبة وكان فاضلا أديبا بارعا عارفا ~~باللغة والأدب وله أمال أملاها بحلب روى فيها عن أبي الحسن علي بن سليمان ~~الأخفش وابن درستويه وأبي عبد الله الكرماني وأبي بكر الصولي وإبراهيم بن ~~عبد الرحمن العروضي وأبيه محمد المصيصي وروى عنه أبو القاسم الحسين بن علي ~~بن أبي أسامة الحلبي وأخوه أبو الحسين أحمد وأبو الفرج الببغاء وأبو الخطاب ~~ابن عون الحريري وأبو بكر الخالدي PageV01P125 # والقاضي أبو طاهر صالح بن جعفر الهاشمي ومن محاسن شعره ~~قوله فيه من جملة قصيدة (أمير العلا إن العوالي كواسب * علاءك في الدنيا ~~وفي جنة الخلد) (يمر عليك الحول سيفك في الطلى * وطرفك ما بين الشكيمة ~~واللبد) (ويمضي عليك الدهر فعلك للعلا * وقولك للتقوى وكفك للرفد) ومن شعره ~~أيضا (أحقا أن قاتلتي زرود * وأن عهودها تلك العهود) (وقفت وقد فقدت الصبر ~~حتى * تبين موقفي أني الفقيد) (فشكت في عذالي فقالوا * لرسم الدار أيكما ~~العميد) وله مع المتنبي ms0069 وقائع ومعارضات في الأناشيد وحكى أبو الخطاب أبن ~~عون الحريري النحوي الشاعر أنه دخل على أبي العباس النامي قال فوجدته جالسا ~~ورأسه كالثغامة بياضا وفيه شعرة واحدة سوداء فقلت له يا سيدي في رأسك شعرة ~~سوداء فقال نعم هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها ولي فيها شعر فقلت أنشدنيه ~~فأنشدني (رأيت في الرأس شعرة بقيت * سوداء تهوى العيون رؤيتها) (فقلت للبيض ~~إذ تروعها * بالله ألا رحمت غربتها) (فقل لبث السوداء في وطن * تكون فيه ~~البيضاء ضرتها) ثم قال يا أبا الخطاب بيضاء واحدة تروع ألف سوداء فكيف حال ~~سوداء بين ألف بيضاء ومن شعره وينسب إلى الوزير أبي محمد المهلبي وليس ~~الأمر (كذلك أتاني في قميص اللاذ يسعى * عدولي يلقب بالحبيب) PageV01P126 # (وقد عبث الشراب بمقلتيه * فصير خده كسنا اللهيب) ~~(فقلت له بما استحسنت هذا * لقد أقبلت في زي عجيب) (أحمرة وجنتيك كستك هذا ~~* أم أنت صبغته بدم القلوب) (فقال الراح أهدت لي قميصا * كلون الشمس في شفق ~~المغيب) (فثوبي والمدام ولون خدي * قريب من قريب من قريب) وتوفي سنة تسع ~~وتسعين وثلاثمائة وقيل سنة سبعين أو إحدى وسبعين بحلب وعمره تسعون سنة رحمه ~~الله تعالى والدارمي بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مكسورة ثم ميم هذه ~~النسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم والمصيصي بكسر الميم والصاد ~~المهملة المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها صاد ثانية مهملة هذه ~~النسبة إلى المصيصة وهي مدينة على ساحل البحر الرومي تجاور طرطوس والسيس ~~وتلك النواحي بناها صالح ابن علي عم أبي جعفر المنصور في سنة أربعين ومائة ~~بأمر المنصور 52 بديع الزمان الهمذاني أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن ~~سعيد الهمذاني الحافظ المعروف ببديع الزمان صاحب الرسائل الرائقة والمقامات ~~الفائقة وعلى منواله نسج الحريري مقاماته واحتذى حذوه واقتفى أثره واعترف ~~في خطبته بفضله وأنه الذي أرشده إلى سلوك ذلك المنهج وهو أحد الفضلاء ~~PageV01P127 # الفصحاء روى عن أبي الحسين أحمد بن فارس صاحب المجمل ~~في اللغة وعن غيره وله ms0070 الرسائل البديعة والنظم المليح وسكن هراة من بلاد ~~خراسان فمن رسائله الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه وإذا سكن متنه تحرك نتنه ~~وكذلك الضيف يسمج لقاؤه إذا طال ثواؤه ويثقل ظله إذا انتهى محله والسلام ~~ومن رسائله حضرته التي هي كعبة المحتاج لا كعبة الحجاج ومشعر الكرم لا مشعر ~~الحرم ومنى الضيف لا منى الخيف وقبلة الصلات لا قبلة الصلاة وله من تعزية ~~الموت خطب قد عظم حتى هان ومس قد خشن حتى لان والدنيا قد تنكرت حتى صار ~~الموت أخف خطوبها وجنت حتى صار أصغر ذنوبها فلتنظر يمنة هل ترى إلا محنة ثم ~~انظر يسرة هل ترى إلا حسرة ومن شعره من جملة قصيدة طويلة (وكاد يحكيك صوب ~~الغيث منسكبا * لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا) (والدهر لو لم يخن والشمس ~~لو نطقت * والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا) ومن شعره في ذم همذان ثم ~~وجدتهما لأبي العلاء محمد بن علي بن حسول الهمذاني (همذان لي بلد أقول ~~بفضله * لكنه من أقبح البلدان) (صبيانه في القبح مثل شيوخه * وشيوخه في ~~العقل كالصبيان) وله كل معنى مليح حسن من نظم ونثر PageV01P128 # وكانت وفاته سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة مسموما بمدينة ~~هراة رحمه الله تعالى ثم وجدت في آخر رسائله التي جمعها الحاكم أبو سعيد ~~عبد الرحمن بن محمد بن دوست ما مثاله هذا آخر الرسائل وتوفي رحمه الله ~~تعالى بهراة يوم الجمعة الحادي عشر من جمادي الآخرة سنة ثمان وتسعين ~~وثلاثمائة قال الحاكم المذكور وسمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة وعجل ~~دفنه فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل وأنه نبش عنه فوجدوه قد قبض على لحيته ~~ومات من هول القبر) 53 ابن طباطبا أبو القاسم أحمد بن محمد بن إسماعيل بن ~~إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم ابن الحسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه الشريف الحسني الرسي المصري كان نقيب الطالبيين بمصر وكان من ~~أكابر رؤسائها وله شعر مليح في الزهد والغزل وغير ذلك ms0071 وذكره أبو منصور ~~الثعالبي في كتاب اليتيمة وذكر له مقاطيع ومن جملة ما أورد له قوله (خليلي ~~إني للثريا لحاسد * وإني على ريب الزمان لواجد) (أيبقى جميعا شملها وهي ستة ~~* وأفقد من أحببته وهو واحد) وأورد له أيضا وذكرها في أوائل الكتاب لذي ~~القرنين بن حمدان قوله (قالت لطيف خيال زارني ومضى * بالله صفه ولا تنقص ~~ولا تزد) PageV01P129 # (فقال أبصرته لو مات من ظمأ * وقلت قف عن ورود الماء ~~لم يرد) (قالت صدقت الوفا في الحب عادته * يا برد ذاك الذي قالت على كبدي) ~~وله غير هذا أشياء حسنة ومن شعره المنسوب إليه في طول الليل وهو معنى غريب ~~(كأن نجوم الليل سارت نهارها * فوافت عشاء وهي انضاء أسفار) (وقد خيمت كي ~~يستريح ركابها * فلا فلك جار ولا كوكب ساري) ثم وجدت هذين البيتين في ديوان ~~أبي الحسن ابن طباطبا من جملة قصيدة طويلة ونقلت من ديوان أبي الحسن ~~المذكور من جملة أبيات (بانوا وأبقوا في حشاي لبينهم * وجدا إذا ظعن الخليط ~~أقاما) (لله أيام السرور كأنما * كانت لسرعة مرها أحلاما) (لو دام عيش رحمة ~~لأخي هوى * لأقام لي ذاك السرور وداما) (يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا * ~~عاما ورد من الصبا أياما) ولا أدري من هذا أبو الحسن ولا وجه النسبة بينه ~~وبين أبي القاسم المذكور والله أعلم وذكره الأمير المختار المعروف بالمسبحي ~~في تاريخ مصر وقال توفي في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وزاد ~~غيره ليلة الثلاثاء لخمس بقين من شعبان ودفن في مقبرتهم خلف المصلى الجديد ~~بمصر وعمره أربع وستون سنة وطباطبا بفتح الطاءين المهملتين والباءين ~~الموحدتين وهو لقب جده إبراهيم وإنما قيل له ذلك لأنه كان يلثغ فيجعل القاف ~~طاء وطلب يوما ثيابه فقال له غلامه أجيء بدراعة فقال لا طباطبا يريد قباقبا ~~PageV01P130 # فبقي عليه لقبا واشتهر به والرسي بفتح الراء والسين ~~المشددة المهملة قال ابن السمعاني هذه نسبة إلى بطن من بطون السادة العلوية ~~54 أبو الرقعمق أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي ms0072 المنبوز بأبي الرقعمق ~~الشاعر المشهور ذكره الثعالبي في اليتيمة فقال في حقه هو نادرة الزمان ~~وجملة الإحسان وممن تصرف بالشعر في أنواع الجد والهزل وأحرز قصب الفضل وهو ~~أحد المداح المجيدين والشعراء المحسنين وهو بالشام كابن حجاج بالعراق فمن ~~غرر محاسنه قوله يمدح أبا الفرج يعقوب بن كلس وزير العزيز بن المعز العبيدي ~~صاحب مصر وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى (قد سمعنا مقاله واعتذاره * ~~وأقلناه ذنبه وعثاره) (والمعاني لمن عنيت ولكن * بك عرضت فاسمعي يا جاره) ~~(من تراديه أنه أبد الد هر * تراه محللا أزراره) (عالم أنه عذاب من الله * ~~متاح لأعين النظاره) (هتك الله ستره فلكم هتك * من ذي تستر أستاره) (سحرتني ~~ألحاظه وكذا كل * مليح ألحاظه سحاره) (ما على مؤثر التباعد وإلاعراض * لو ~~آثر الرضى والزياره) PageV01P131 # (وعلى أنني وإن كان قد عذب * بالهجر مؤثر إيثاره) (لم ~~أزل لا عدمته من حبيب * أشتهي قربه وآبى نفاره) ومن مديحها (لم يدع لي ~~العزيز في سائر الأرض * عدوا إلا وأخمد ناره) (كل يوم له على نوب الدهر * ~~وكر الخطوب بالبذل غاره) (ذو يد شأنها الفرار من البخل * وفي حومة الندى ~~كراره) (هي فلت عن العزيز عداه * بالعطايا وكثرت أنصاره) (هكذا كل فاضل يده ~~تمسي * وتضحي نفاعة ضراره (فاستجره فليس يأمن إلا * من تفيا ظلاله ~~واستجاره) (وإذا ما رأيته مطرقا يعمل * فيما يريده أفكاره) (لم يدع بالذكاء ~~والذهن شيئا * في ضمير الغيوب إلا أثاره) (لا ولا موضعا من الأرض إلا * كان ~~بالرأي مدركا أقطاره) (زاده الله بسطه وكفاه * خوفه من زمانه وحذاره) وأكثر ~~شعره جيد وهو على أسلوب شعر صريع الدلاء القصار البصري وأقام بمصر زمانا ~~طويلا ومعظم شعره في ملوكها ورؤسائها ومدح بها المعز أبا تميم معد بن ~~المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله وولده العزيز والحاكم بن العزيز ~~والقائد جوهرا والوزير أبا الفرج ابن كلس وغيرهم من أعيانها وكل هؤلاء ~~الممدوحين سيأتي ذكرهم في تراجمهم إن شاء الله تعالى وذكره الأمير المختار ~~المسبحي في تاريخ مصر وقال توفي ms0073 سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وزاد غيره في يوم ~~الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان وقيل في شهر ربيع الآخر رحمه الله تعالى ~~وأظنه توفي بمصر والأنطاكي بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الطاء المهملة ~~وبعد الألف كاف هذه النسبة إلى أنطاكية وهي مدينة بالشام بالقرب من حلب ~~والرقعمق بفتح الراء والقاف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبعدها قاف وهو ~~لقب عليه PageV01P132 # 55 جحظة البرمكي أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن ~~يحيي بن خالد بن برمك المعروف بجحظه البرمكي النديم كان فاضلا صاحب فنون ~~وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة وقد جمع أبو نصر ابن المرزبان أخباره وأشعاره ~~وكان من ظرفاء عصره وهو من ذرية البرامكة وله الأشعار الرائقة فمن شعره ~~قوله (أنا ابن أناس مول الناس جودهم * فأضحوا حديثا للنوال المشهر) (فلم ~~يخل من إحسانهم لفظ مخبر * ولم يخل من تقريظهم بطن دفتر) وله أيضا (فقلت ~~لها بخلت علي يقظي * فجودي في المنام لمستهام) (فقالت لي وصرت تنام أيضا * ~~وتطمع أن أزورك في المنام) وله أيضا (أصبحت بين معاشر هجروا الندى * ~~وتقبلوا الأخلاق من أسلافهم) (قوم أحاول نيلهم فكأنما * حاولت نتف الشعر من ~~آنافهم) (هات اسقنيها بالكبير وغني * ذهب الذين يعاش في أكنافهم) وله أيضا ~~(يا أيها الركب الذين * فراقهم إحدى البليه) PageV01P133 # (وصيكم الصب المقيم * بقلبه خير الوصية) وله أيضا ~~(وقائلة لي كيف حالك بعدنا * أفي ثوب مثر أنت أم ثوب مقتر) (فقلت لها لا ~~تسأليني فإنني * أروح وأغدو في حرام مقتر) وله ديوان شعر أكثره وقضاياه ~~مشهورة ومن أبياته السائرة قوله (ورق الجو حتى قيل هذا * عتاب بين جحظه ~~والزمان) ولابن الرومي فيه وكان مشوه الخلق (نبئت جحظة يستعير جحوظه * من ~~فيل شطرنج ومن سرطان) (وارحمتا لمنادميه تحملوا * ألم العيون للذة الآذان) ~~17 وتوفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة وقيل سنة أربع وعشرين بواسط وقيل حمل ~~تابوته من واسط إلى بغداد رحمه الله تعالى وجحظة بفتح الجيم وسكون الحاء ~~المهملة وفتح الظاء المعجمة وبعدها هاء وهو لقب عليه لقبه به عبد ms0074 الله بن ~~المعتز قال الخطيب وكانت ولادته في شعبان سنة أربع وعشرين ومائتين وله ذكر ~~في تاريخ بغداد وفي كتاب الأغاني PageV01P134 # 56 ابن دراج القسطلي أبو عمر أحمد بن محمد بن العاصي ~~بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن دراج الأندلسي القسطلي الشاعر الكاتب كان ~~كاتب المنصور بن أبي عامر وشاعره وهو معدود في تاريخ الأندلس من جملة ~~الشعراء المجيدين والعلماء المتقدمين ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمة ~~الدهر وقال في حقه كان بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام وهو أحد الشعراء ~~الفحول وكان يجيد ما ينظم ويقول وأورد له أشعارا حسنة وذكره أبو الحسن ابن ~~بسام في كتاب الذخيرة وساق طرفا من رسائله ونظمه ونقلت من ديوانه وهو جزءان ~~أن المنصور بن أبي عامر أمره أن يعارض قصيدة أبي نواس الحكمي التي مدح بها ~~الخصيب بن عبد الحميد صاحب الخراج بمصر التي أولها (أجاره بيتينا أبوك غيور ~~* وميسور ما يرجى لديك عسير) فعارضها بقصيدة بليغة من جملتها (ألم تعلمي أن ~~الثواء هو التوى * وأن بيوت العاجزين قبور) (تخوفني طول السفار وإنه * ~~لتقبيل كف العامري سفير) PageV01P135 # (دعيني أرد ماء المفاوز آجنا * إلى حيث ماء المكرمات ~~نمير) (فإن خطيرات المهالك ضمن * لراكبها أن الجزاء خطير) ومنها في وصف ~~وداعه لزوجته وولده الصغير (ولما تدانت للوداع وقد هفا * بصبري منها أنه ~~وزفير) (تناشدني عهد المودة والهوى * وفي المهد مبغوم النداء صغير) (عيي ~~بمرجوع الخطاب ولحظه * بموقع أهواء النفوس خبير) (تبوأ ممنوع القلوب ومهدت ~~* له أذرع محفوفه ونحور) (فكل مفداة الترائب مرضع * وكل محياة المحاسن ظير) ~~(عصيت شفيع النفس فيه وقادني * رواح لتدآب السرى وبكور) (وطار جناح البين ~~بي وهفت بها * جوانح من ذعر الفراق تطير) (لئن ودعت مني غيورا فإنني * على ~~عزمتي من شجوها لغيور) (ولو شاهدتني والهواجر تلتظي * علي ورقراق السراب ~~يمور) (أسلط حر الهاجرات إذا سطا * على حر وجهي والأصيل هجير) (وأستنشق ~~النكباء وهي لوافح * وأستوطىء الرمضاء وهي تفور) (وللموت في عين الجبان ~~تلون * وللذعر في سمع الجريء صفير) (لبان لها ms0075 أني من البين جازع * وأني على ~~مض الخطوب صبور) (أمير على غول التنائف ما له * إذا ريع إلا المشرفي وزير) ~~(ولو بصرت بي والسري جل عزمتي * وجرسي لجنان الفلاة سمير) (وأعتسف الموماة ~~في غسق الدجى * وللأسد في غيل الغياض زئير) (وقد حومت زهر النجوم كأنها * ~~كواكب في خضر الحدائق حور) (ودارت نجوم القطب حتى كأنها * كؤوس مها والى ~~بهن مدير) (وقد خيلت طرق المجرة أنها * على مفرق الليل البهيم قتير) (وثاقب ~~عزمي والظلام مروع * وقد غض أجفان النجوم فتور) PageV01P136 # (لقد أيقنت أن المنى طوع همتي * وأني بعطف العامري ~~جدير) وهي طويلة وفي هذا القدر منها كفاية وإذ قد ذكرت هذه القصيدة فينبغي ~~أن أذكر شيئا من قصيدة أبي نواس التي وازنها أبو عمر وكان أبو نواس قد خرج ~~من بغداد قاصدا مصر ليمدح أبا نصر الخصيب بن عبد الحميد صاحب ديوان الخراج ~~بها فأنشده هذه القصيدة وذكر المنازل التي مر عليها في طريقه وقد ذكرت منها ~~بيتا في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي ولا حاجة إلى ذكر جميعها ~~فإنها طويلة لكن أذكر الذي أختاره منها فمن ذلك (تقول التي من بيتها خل ~~محملي * عزيز علينا أن نراك تسير) (أما دون مصر للغنى متطلب * بلى إن أسباب ~~الغنى لكثير) (فقلت لها واستعجلتها بوادر * جرت فجري من جريهن غدير) (ذريني ~~أكثر حاسديك برحلة * إلى بلدة فيها الخصيب أمير) (إذا لم تزر أرض الخصيب ~~ركابنا * فأي فتى بعد الخصيب تزور) (فما جازه جود ولا حل دونه * ولكن يصير ~~الجود حيث يصير) (فتى يشتري حسن الثناء بماله * ويعلم أن الدائرات تدور) ~~ومنها أيضا (فمن كان أمسى جاهلا بمقالتي * فإن أمير المؤمنين خبير) (وما ~~زلت توليه النصيحة يافعا * إلى أن بدا في العارضين قتير) (إذا هاله أمر ~~فإما كفيته * وإما عليه بالكفي تشير) ثم شرع من ههنا في ذكر المنازل ثم قال ~~في أواخرها PageV01P137 # (زها بالخصيب السيف والرمح في الوغى * وفي السلم يزهو ~~منبر وسرير) (جواد إذا الأيدي قبضن عن الندى * ومن دون ms0076 عورات النساء غيور) ~~(فإني جدير إن بلغتك للغنى * وأنت لما أملت منك جدير) (فإن تولني منك ~~الجميل فأهله * وإلا فإني عاذر وشكور) ثم مدحه بعد هذه بعدة قصائد ويقال ~~إنه لما عاد إلى بغداد مدح الخليفة فقيل له وأي شيء تقول فينا بعد أن قلت ~~في بعض نوابنا (إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا *) البيتان المذكوران فأطرق ~~ساعة ثم رفع رأسه وأنشد يقول (إذا نحن أثنينا عليك بصالح * فأنت كما نثني ~~وفوق الذي نثني) (وإن جرت الألفاظ منا بمدحة * لغيرك إنسانا فأنت الذي ~~نعني) ومن شعر أبي عمر المذكور من جملة أبيات (إن كان واديك ممنوعا فموعدنا ~~* وادي الكرى فلعلي فيه ألقاك) وقد ألم في هذا البيت بقول الآخر (هل سبيل ~~إلى لقائك بالجزع * فإن الحمى كثير الوشاة) وكانت ولادته في المحرم سنة سبع ~~وأربعين وثلاثمائة وتوفي ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادي الآخرة ~~سنة إحدى وعشرين وأربعمائة رحمه الله تعالى PageV01P138 # ودراج بفتح الدال المهملة وفيتح الراء المشددة وبعد ~~الألف جيم وهو اسم جده والقسطلي بفتح القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء ~~المهملة وتشديد اللام هذه النسبة إلى قسطلة وهي مدينة بالأندلس يقال لها ~~قسطلة دراج ولا أعلم أهي منسوبة إلى جده دراج المذكور أم إلى غيره والله ~~سبحانه أعلم 57 ابن زيدون أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن ~~زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور قال ابن بسام صاحب الذخيرة ~~في حقه كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم وخاتمة شعراء بني مخزوم أخذ من حر ~~الأيام حرا وفاق الأنام طرا وصرف السلطان نفعا وضرا ووسع البيان نظما ونثرا ~~إلى أدب ليس للبحر تدفقه ولا للبدر تألقه وشعر ليس للسحر بيانه ولا للنجوم ~~الزهر اقترانه وحظ من النثر غريب المباني شعري الألفاظ والمعاني وكان من ~~أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة وبرع أدبه PageV01P139 # وجاد شعره وعلا شأنه وانطلق لسانه ثم انتقل عن قرطبة ~~إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة من خواصه ~~يجالسه ms0077 في خلواته ويركن إلى إشاراته وكان معه في صورة وزير وذكر له شيئا ~~كثيرا من الرسائل والنظم فمن ذلك قوله (بيني وبينك ما شئت لم يضع * سر إذا ~~ذاعت الأسرار لم يذع) (يا بائعا حظه مني ولو بذلت * لي الحياة بحظي منه لم ~~أبع) (يكفيك أنك إن حملت قلبي ما * لا تستطيع قلوب الناس يستطع) (ته أحتمل ~~واستطل أصبر وعز أهن * وول أقيل وقل أسمع ومر أطع) ومن شعره أيضا (ودع ~~الصبر محب ودعك * ذائع من سره ما استودعك) (يقرع السن على أن لم يكن * زاد ~~في تلك الخطا إذ شيعتك) (يا أخا البدر سناء وسنا * حفظ الله زمانا أطلعك) ~~(إن بطل بعدك ليلي فلكم * بت أشكو قصر الليل معك) وله القصائد الطنانة ~~ولولا خوف الإطالة لذكرت بعضها (ومن بديع قلائده قصيدته النونية التي منها ~~(نكاد حين تناجيكم ضمائرنا * يقضي علينا الأسى لولا تأسينا) (حالت لبعدكم ~~أيامنا فغدت * سودا وكانت بكم بيضا ليالينا) (بالأمس كنا وما يخشى تفرقنا * ~~واليوم نحن وما يرجى تلاقينا) وهي طويلة وكل أبياتها نخب والتطويل يخرج بنا ~~عن المقصود وكان وفاته في صدر رجب سنة ثلاث وستين وأربعمائة بمدينة إشبيلية ~~رحمه الله تعالى ودفن بها (5) وذكر ابن بشكوال في كتاب الصلة أباه وأثنى ~~عليه وقال كان يكني أبا بكر وتوفي بالبيرة سنة خمس وأربعمائة وسيق إلى ~~قرطبة فدفن بها يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر من السنة وكانت ~~ولادته سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وكان يخضب السواد رحمه الله تعالى (5) ~~وكان لأبي الوليد المذكور ابن يقال له أبو بكر وتولى وزارة المعتمد بن عباد ~~وقتل يوم أخذ يوسف بن تاشفين قرطبة من ابن عباد المذكور لما استولى على ~~مملكته كما سيشرح بعد هذا في ترجمة المعتمد وابن تاشفين إن شاء اللهه تعالى ~~وذلك يوم الأربعاء ثاني صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة وكان قتله بقرطبة ~~وزيدون بفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة وبعدها ~~واو ونون وأما القرطبي فقد تقدم الكلام في ضبطه ms0078 فلا حاجة إلى إعادته وذلك ~~في ترجمة أحمد بن عبد ربه مصنف كتاب العقد وأخذها الفرنج من المسلمين في ~~شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة 58 ابن الأبار الخولاني أبو جعفر بن محمد ~~الخولاني الأندلسي الإشبيلي المعروف بابن الأبار الشاعر الشهور كان من ~~شعراء المتعضد عباد بن محمد اللخمي صاحب إشبيلية المجيدين في فنونه وكان ~~عالما فجمع وصنف وله في صناعة النظم فضل لا يرد وإحسان لا يعد فمن محاسن ~~شعره قوله (لم تدر ما خلدت عيناك في خلدي * من الغرام ولا ما كابدت كبدي) ~~(أفديه من زائر رام الدنو فم * يسطعه من غرق في الدمع متقد) (خااف العيون ~~فوافاني على عجل * معطلا جيده إلا من الجيد) (عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها ~~* من ذلك الشنب لعسول والبرد) (حتى إذا غازلت أجفانه سنة * وصيرته يد ~~الصهباء طوع يدي) (أردت توسيده خدي وقل له * فقال كفك عندي أفضل الوسد) ~~(فبات في حرم لا غدر يذعره * وبت ظمآن لم أصدر ولم أرد) (بدر ألم وبدر التم ~~ممتحق * والأفق محلولك الأرجاء من حسد) (تحير الليل منه أين مطلعه * أما ~~درى الليل أن البدر في عضدي) وله أبيات في المجموع الكبير في الكراسي ~~المنقول بالإسكندرية وله على هذا الأسلوب مقاطيع ملاح وله ديوان شعر وذكره ~~ابن بسام في الذخيرة وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى ~~والأبار بفتح الهمزة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف راء والخولاني بفتح ~~الخاء المعجمة وسكون الواو وبعد اللام ألف ونون هذه النسبة إلى خولان بن ~~عمرو وهي قبيلة كبيرة نزلت الشام والإشبيلي نسة رلى إشبيلية بكسر الهمزة ~~وسكون الشين المثلثة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر ~~اللام وفتح الياء تحتها نقطتان وبعدها هاء وهي من أعظم بلاد الأندلس ~~PageV01P140 # (5) وذكر ابن بشكوال في كتاب الصلة أباه وأثنى عليه ~~وقال كان يكني أبا بكر وتوفي بالبيرة سنة خمس وأربعمائة وسيق إلى قرطبة ~~فدفن بها يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر من السنة وكانت ولادته ~~سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ms0079 وكان يخضب بالسواد رحمه الله تعالى (5) وكان ~~لأبي الوليد المذكور ابن يقال له أبو بكر وتولى وزارة المعتمد بن عباد وقتل ~~يوم أخذ يوسف بن تاشفين قرطبة من ابن عباد المذكور لما استولى على مملكته ~~كما سيشرح بعد هذا في ترجمة المعتمد وابن تاشفين إن شاء الله تعالى وذلك ~~يوم الأربعاء ثاني صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة وكان قتله بقرطبة وزيدون ~~بفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة وبعدها واو ~~ونون وأما القرطبي فقد تقدم الكلام في ضبطه فلا حاجة إلى إعادته وذلك في ~~ترجمة أحمد بن عبد ربه مصنف كتاب العقد وأخذها الفرنج من المسلمين في شوال ~~سنة ثلاث وثلاثين وستمائة 58 ابن الأبار الخولاني أبو جعفر أحمد بن محمد ~~الخولاني الأندلسي الإشبيلي المعروف بابن الأبار PageV01P141 # الشاعر المشهور كان من شعراء المعتضد عباد بن محمد ~~اللخمي صاحب إشبيلية المجيدين في فنونه وكان عالما فجمع وصنف وله في صناعة ~~النظم فضل لا يرد وإحسان لا يعد فمن محاسن شعره قوله (لم تدر ما خلدت عيناك ~~في خلدي * من الغرام ولا ما كابدت كبدي) (أفديه من زائر رام الدنو فلم * ~~يسطعه من غرق في الدمع متقد) (خاف العيون فوافاني على عجل * معطلا جيده إلا ~~من الجيد) (عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها * من ذلك الشنب لعسول والبرد) ~~(حتى إذا غازلت أجفانه سنة * وصيرته يد الصهباء طوع يدي) (أردت توسيده خدي ~~وقل له * فقال كفك عندي أفضل الوسد) (فبات في حرم لا غدر يذعره * وبت ظمآن ~~لم أصدر ولم أرد) (بدر ألم وبدر التم ممتحق * والأفق محلولك الأرجاء من ~~حسد) (تحير الليل منه أين مطلعه * أما درى الليل أن البدر في عضدي) وله ~~أبيات ثابتة في المجموع الكبير بخطي في الكراس المنقول بالإسكندرية وله على ~~هذا الأسلوب مقاطيع ملاح وله ديوان شعر وذكره ابن بسام في الذخيرة وتوفي ~~سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى والأبار بفتح الهمزة وتشديد ~~الباء الموحدة وبعد الألف راء والخولاني بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ~~وبعد ms0080 اللام ألف ونون هذه النسبة إلى خولان بن عمرو وهي قبيلة كبيرة نزلت ~~الشام والإشبيلي نسبة إلى إشبيلية بكسر الهمزة وسكون الشين المثلثة وكسر ~~الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر اللام وفتح الياء تحتها ~~نقطتان وبعدها هاء وهي من أعظم بلاد الأندلس PageV01P142 # 59 المنازي الكاتب أبو نصر أحمد بن يوسف السليكي ~~المنازي الكاتب كان من أعيان الفضلاء وأماثل الشعراء وزر لأبي نصر أحمد بن ~~مروان الكردي صاحب ميافارقين وديار بكر وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان ~~فاضلا شاعرا كافيا وترسل إلى القسطنطينية مرارا وجمع كتبا كثيرة ثم وقفها ~~على جامع ميافارقين وجامع آمد وهي إلى الآن موجودة بخزائن الجامعين ومعروفة ~~بكتب المنازي وكان قد اجتمع بأبي العلاء المعري بمعرة النعمان فشكا أبو ~~العلاء إليه حاله وأنه منقطع عن الناس وهم يؤذونه فقال ما لهم ولك وقد تركت ~~لهم الدنيا والآخرة فقال أبو العلاء والآخرة أيضا وجعل يكررها ويتألم لذلك ~~وأطرق فلم يكلمه إلى أن قام وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا ~~فأعجبه حسنة وما هو عليه فعمل فيه هذه الأبيات (وقانا لفحة الرمضاء واد * ~~وقاه مضاعف النبت العميم) (نزلنا دوحه فحنا علينا * حنو المرضعات على ~~الفطيم) (وأرشفنا على ظمأ زلالا * ألذ من المدامة للنديم) PageV01P143 # (يراعي الشمس أني قابلته * فيحجبها ويأذن للنسيم) ~~(تروع حصاه حالية العذارى * فتلمس جانب العقد النظيم) وهذه الأبيات بديعة ~~في بابها وذكره أبو المعالي الحظيري في كتاب زينة الدهر وأورد له شيئا من ~~شعره فمما أورد له قوله (ولي غلام طال في دقة * كخط إقليدس لا عرض له) (وقد ~~تناهى عقله خفة * فصار كالنقطة لا جزء له) ويوجد له بأيدي الناس مقاطيع ~~وأما ديوانه فعزيز الوجود وبلغني أن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى أوصى ~~بعض الأدباء السفارة أن يحصل له ديوانه فسأل عنه في البلاد التي انتهى ~~إليها فلم يقع له على خبر فكتب إلى القاضي الفاضل كتابا يخبره بعدم قدرته ~~عليه وفيه أبيات من جملتها عجز بيت وهو (وأقفر من شعر ms0081 المنازي المنازل *) ~~وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى والمنازي بفتح ~~الميم والنون وبعد الألف زاي هذه النسبة إلى منازجرد بزيادة جيم مكسورة ~~وبعدها راء ساكنة ثم دال مهملة وهي مدينة عند خرت برت وهي غير منازكرد ~~القلعة من أعمال خلاط وسيأتي ذكرها في ترجمة تقي الدين عمر صاحب حماة ~~PageV01P144 # وخرت برت هي حصن زياد المشهور وبزاعا بضم الباء ~~الموحدة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة ثم ألف وهي قرية كبيرة ما بين حلب ~~ومنبج في نصف الطريق 60 ابن الخياط الشاعر الدمشقي أبو عبد الله أحمد بن ~~محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي ~~الكاتب كان من الشعراء المجيدين طاف البلاد وامتدح الناس ودخل بلاد العجم ~~وامتدح بها ولما اجتمع بأبي الفتيان ابن حيوس الشاعر المشهور بحلب وعرض ~~عليه شعره قال قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي فقلما نشأ ذو صناعة ومهر فيها ~~إلا وكان دليلا على موت الشيخ من أبناء جنسه ودخل مرة إلى حلب وهو رقيق ~~الحال لا يقدر على شيء فكتب إلى ابن حيوس المذكور يستمنعه شيئا من بره ~~بهذين البيتين (لم يبق عندي ما يباع بحبة * وكفاك علما منظري عن مخبري) ~~(إلا بقية ماء وجه صنتها * عن أن تباع وأين أين المشتري) فلما وقف عليهما ~~ابن حيوس قال لو قال وأنت نعم المشتري لكان أحسن ولا حاجة إلى ذكر شيء من ~~شعره لشهرة ديوانه ولو لم يكن له إلا PageV01P145 # قصيدته البائية التي أولها (خذا من صبا نجد أمانا ~~لقلبه * فقد كاد رياها يطير بلبه) لكفاه وأكثر قصائده غرر وتتمة هذه ~~القصيدة (وإياكما ذاك النسيم فإنه * متى هب كان الوجد أيسر خطبه) (خليلي لو ~~أحببتما لعلمتما * محل الهوى من مغرم القلب صبه) (تذكر والذكرى تشوق وذو ~~الهوى * يتوق ومن يعلق به الحب يصببه) (غرام على يأس الهوى ورجائه * وشوق ~~على بعد المزار وقربه) (وفي الركب مطوي الضلوع على جوى * متى يدعه داعي ~~الغرام يلبه) (إذا خطرت من جانب ms0082 الرمل نفحة * تضمن منها داؤه دون صحبه) ~~(ومحتجب بين الأسنة معرض * وفي القلب من إعراضه مثل حجبه) (أغار إذا آنست ~~في الحي أنة * حذارا وخوفا أن تكون لحبه) وهي طويلة فنقتصر منها على هذا ~~القدر ومن شعره أيضا قوله (سلوا سيف ألحاظه الممتشق * أعند القلوب دم ~~للحدق) (أما من معين ولا عاذر * إذا عنف الشوق يوما رفق) (تجلى لنا صارم ~~المقلتين * مضنى الموشح والمنتطق) (من الترك ما سهمه إذ رمي * بأفتك من ~~طرفه إذ رمق) (وليلة وافيته زائرا * سمير السهاد ضجيع القلق) (دعتني ~~المخافة من فتكه * إليه وكم مقدم من فرق) (وقد راضت الكأس أخلاقه * ووقر ~~بالسكر منه النزق) PageV01P146 # (وحق العناق فقبلته * شهي المقبل والمعتنق) (وبت أخالج ~~فكري به * أزور طرا أم خيال طرق) (أفكر في الهجر كيف انقضى * وأعجب للوصل ~~كيف اتفق) (وللحب ما عز مني وهان * وللحسن ما جل منه ودق) ويعجبني من شعره ~~بيتان من جملة قصيدة وهما في غاية الرقة (وبالجزع حي كلما عن ذكرهم * أمات ~~الهوى مني فؤادا وأحياه) (تمنيتهم بالرقمتين ودارهم * بوادي الغضا يا بعد ~~ما أتمناه) ومن شعره أيضا يعتب على أهله وأصحابه (يا من بمجتمع الشطين إن ~~عصفت * بكم رياحي فقد قدمت أعذاري) (لا تنكرن رحيلي عن دياركم * ليس الكريم ~~على ضيم بصبار) وله أيضا (أتظنني لا أستطيع * أحيل عنك الدهر ودي) (من ظن ~~أن لا بد منه * فإن منه ألف بد) وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة بدمشق ~~وتوفي بها في حادي عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~وقيل إنه مات في سابع عشر شهر رمضان والأول أصح PageV01P147 # 61 الميداني أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن ~~إبراهيم الميداني النيسابوري الأديب كان فاضلا عارفا باللغة اختص بصحبة أبي ~~الحسن الواحدي صاحب التفسير ثم قرأ على غيره وأتقن فن العربية خصوصا اللغة ~~وأمثال العرب وله فيها التصانيف المفيدة منها كتاب الأمثال المنسوب إليه ~~ولم يعمل مثله في بابه وكتاب السامي في الأسامي وهو جيد في بابه وكان قد ms0083 ~~سمع الحديث ورواه وكان ينشد كثيرا وأظنهما له (تنفس صبح الشيب في ليل عارضي ~~* فقلت عساه يكتفي بعذاري) (فلما فشا عاتبته فأجابني * أيا هل ترى صبحا ~~بغير نهار) وتوفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثماني ~~عشرة وخمسمائة بنيسابور ودفن على باب ميدان زياد والميداني بفتح الميم ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون هذه ~~النسبة إلى ميدان زياد بن عبد الرحمن وهي محلة في نيسابور وابنه أبو سعد ~~سعيد بن أحمد كان أيضا فاضلا دينا وله كتاب الأسماء في الأسماء وتوفي سنة ~~تسع وثلاثين وخمسمائة رحمه الله تعالى PageV01P148 # 62 ابن الخازن الكاتب أبو الفضل أحمد بن محمد بن الفضل ~~بن عبد الخالق المعروف بابن الخازن الكاتب الشاعر الدينوري الأصل البغدادي ~~المولد والوفاة كان فاضلا نادرة في الخط أوحد وقته فيه وهو والد أبي الفتح ~~نصر الله الكاتب المشهور كتب من المقامات نسخا كثيرة وهي موجودة بأيدي ~~الناس واعتنى بجمع شعر والده فجمع منه ديوانا وهو شعر جيد حسن السبك جميل ~~المقاصد فمن ذلك قوله وهو من المعاني البديعة (من يستقم يحرم مناه ومن يزغ ~~* يختص بالإسعاف والتمكين) (انظر إلى الألف استقام ففاته * عجم وفاز به ~~اعوجاج النون) وله أيضا (من لي بأسمر حجبوه بمثله * في لونه والقد ~~والعسلان) (من رامه فليدرع صبرا على * طرف السنان وطرفه الوسنان) (راح ~~الصبا تثنيه لا ريح الصبا * سكران بي من حبه سكران) (طرف كطرف جامع مرح متى ~~* أرسلت فضل عنانه عناني) وله أيضا (أيا عالم الأسرار إنك عالم * بضعف ~~اصطباري عن مداراة خلقه) (ففتر غرامي فيه تفتير لحظه * وأحسن عزائي فيه ~~تحسين خلقه) (فحمل الرواسي دون ما أنا حامل * بقلبي المعنى من تكاليف عشقه) ~~PageV01P149 # وكتب إلى الحكيم أبي القاسم الأهوازي وقد فصده فآلمه ~~(رحم الإله مجدلين سليمهم * من ساعديك مبضع بالمبضع) (فعصائب تأتيهم بعصائب ~~* نشرت فتطوي أذرعا في الأذرع) أفصدتهم بالله أم أقصدتهم * وخزا بأطراف ~~الرماح الشرع) (دست المباضع أم كنانة أسهم * أم ذو الفقار مع البطين ms0084 ~~الأنزع) (غررا بنفسي إن لقيتك بعدها * يا عنتر العبسي غير مدرع) وكان ~~الحكيم المذكور قد أضافه يوما وزاد في خدمته وكان في داره بستان وحمام ~~فأدخله إليهما فعمل أبو الفضل المذكور (وافيت منزله فلم أر حاجبا * إلا ~~تلقاني بسن ضاحك) (والبشر في وجه الغلام أمارة * لمقد مات حياء وجه المالك) ~~(ودخلت جنته وزرت جحيمه * فشكرت رضوانا ورأفة مالك) ثم إني وجدت هذه ~~الأبيات للحكيم أبي القاسم هبة الله بن الحسين بن علي الأهوازي الطبيب ~~الأصبهاني ذكرها العماد الكاتب في الخريدة له وقال توفي سنة نيف وخمسين ~~وخمسمائة وذكرها في ترجمة أبي الفضل ابن الخازن المذكور والله أعلم لمن هي ~~منهما ومن شعره أيضا أعني ابن الخازن (وأهيف ينميه إلى العرب لفظه * وناظره ~~الفتان يعزي إلى الهند) (تجرعت كأس الصبر من رقبائه * لساعة وصل منه أحلى ~~من الشهد) (وهادنت أعماما له وخؤولة * سوى واحد منهم غيور على الخد) (كنقطة ~~مسك أودعت جلنارة * رأيت بها غرس البنفسج في الورد) وكان أبو بكر الخوارزمي ~~يروي لمعا من شعره كقوله في وصف العيار PageV01P150 # وذكر أنه لم يسمع في معناه أملح منه وهو (إن هذا ~~العيار ألبس عطفي * عسليا وديني التوحيد) وله أيضا (وافي خيالك فاستعارت ~~مقلتي * من أعين الرقباء غمض مروع) (ما استكملت شفتاي لثم مسلم * منه ولا ~~كفاي ضم مودع) (وأظنهم فطنوا فكل قائل * لو لم يزره خيالها لم يهجع) ~~(فانصاع يسرق نفسه فكأنما * طلع الصباح بها وإن لم يطلع) وجل شعره مشتمل ~~على معان حسان وكانت وفاته في صفر سنة ثماني عشرة وخمسمائة وعمره سبع ~~وأربعون سنة وقال الحافظ ابن الجوزي في كتابه المنتظم توفي سنة اثنتي عشرة ~~وخمسمائة والله أعلم رحمه الله تعالى وكان ولده أبو الفتح نصر الله المذكور ~~حيا في سنة خمس وسبعين وخمسمائة ولم أقف على تاريخ وفاته 63 ناصح الدين ~~الأرجاني أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الإرجاني الملقب ناصح الدين كان ~~قاضي تستر وعسكر مكرم وله شعر رائق في نهاية الحسن ذكره العماد الكاتب ~~الأصبهاني ms0085 في كتاب الخريدة فقال كان الأرجاني في عنفوان عمره PageV01P151 # بالمدرسة النظامية بأصبهان وشعره من آخر عهد نظام ~~الملك منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة إلى آخر عهده وهو سنة أربع وأربعين ~~وخمسمائة ولم يزل نائب القاضي بعسكر مكرم وهو مبجل مكرم وشعره كثير والذي ~~جمع منه لا يكون عشره ولما وافيت عسكر مكرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة لقيت ~~بها ولده محمدا رئيس الدين أعارني إضبارة كبيرة من شعر والده منبت شجرته ~~أرجان وموطن أسرته تستر وعسكر مكرم من خوزستان وهو وإن كان في العجم مولده ~~فمن العرب محتده سلفه القديم من الأنصار لم يسمح بنظيره سالف الأعصار أوسي ~~الأس خزرجيه قسي النطق إياديه فارسي القلم وفارس ميدانه وسلمان برهانه من ~~أبناء فارس الذين نالوا العلم المتعلق بالثريا جمع بين العذوبة والطيب في ~~الري والريا انتهى كلام العماد قلت ونقلت من ديوانه أنه كان ينوب في القضاء ~~بلباد خوزستان تارة بتستر وتارة بعسكر مكرم مرة عن قاضيها ناصر الدين أبي ~~محمد عبد القاهر بن محمد ومن بعده عن عماد الدين أبي العلاء رجاء وفي ذلك ~~يقول (ومن النوائب أنني * في مثل هذا الشغل نائب) (ومن العجائب أن لي * ~~صبرا على هذي العجائب) وكان فقيها شاعرا وفي ذلك يقول (أنا أشعر الفقهاء ~~غير مدافع * في العصر أو أنا أفقه الشعراء) (شعري إذا ما قلت دونه الورى * ~~بالطبع لا بتكلف الإلقاء) (كالصوت في قلل الجبال إذا علا * للسمع هاج تجاوب ~~الأصداء) ومن شعره أيضا (شاور سواك إذا نابتك نائبة * يوما وإن كانت من أهل ~~المشورات) (فالعين تلقى كفاحا ما دنا ونأى * ولا ترى نفسها إلا بمرآة) ومن ~~شعره أيضا PageV01P152 # (ما جبت آفاق البلاد مطوفا * إلا وأنتم في الورى ~~متطلبي) (سعيي إليكم في الحقيقة والذي * تجدون عنكم فهو سعي الدهر بي) ~~(أنحوكم ويرد وجهي القهقري * عنكم فسيري مثل سير الكوكب) (فالقصد نحو ~~المشرق الأقصى لكم * والسير رأي العين نحو المغرب) ومن شعره أيضا ما كتبه ~~إلى بعض الرؤساء يعتب عليه لعدم سؤاله عنه وقد انقطع ms0086 عنه مدة (نفسي فداؤك ~~أيهذا الصاحب * يا من هواه علي فرض واجب) (لم طال تقصيري وما عاتبتني * ~~فأنا الغداة مقصر ومعاتب) (ومن الدليل علي ملالك أنني * قد غبت أياما وما ~~لي طالب) (وإذا رأيت العبد يهرب ثم لم * يطلب فمولى العبد منه هارب) وله ~~أيضا وهو معنى غريب (رثى لي وقد ساويته في نحوله * خيالي لما لم يكن لي ~~راحم) (فدلس بي حتى طرقت مكانه * وأوهمت إلفي أنه بي حالم) (وبتنا ولم يشعر ~~بنا الناس ليلة * أنا ساهر في جفنه وهو نائم) وله من قصيدة وأجاد فيها ~~(تأمل تحت ذاك الصدغ خالا * لتعلم كم خبايا في الزوايا) وله أيضا (شبت أنا ~~والتحى حبيبي * وبان عني وبنت عنه) (وابيض ذاك السواد مني * واسود ذاك ~~البياض منه) وله أيضا (سأل الفضا عنه وأصغى للصدى * كيما يجيب فقال مثل ~~مقاله) (ناداه أين ترى محط رحاله * فأجاب أين ترى محط رحاله) PageV01P153 # وله أيضا (لو كنت أجهل ما علمت لسرني * جهلي كما قد ~~ساءني ما أعلم) (كالصعو يرتع في الرياض وإنما * حبس الهزار لأنه يترنم) ~~ومثله قول بعضهم (يقصد أهل الفضل دون الورى * مصائب الدنيا وآفاتها) ~~(كالطير لا يحبس من بينها * إلا التي تطرب أصواتها) وهذا ينظر إلى قول ~~الغزي أبي إسحاق المقدم ذكره من جملة قصيدة طويلة (لا غرو أن تجني علي ~~فضائلي * سبب احتراق المندلي دخانه) ونقتصر على هذه المقاطيع من شعره ولا ~~حاجة إلى ذكر شيء من قصائده المطولات خوفا من الإطالة وله أيضا (أحب المرء ~~ظاهره جميل * لصاحبه وباطنه سليم) (مودته تدوم لكل هول * وهل كل مودته ~~تدوم) وهذا البيت أعني الثاني منهما يقرأ معكوسا ويوجد في ديوان الغزي ~~المذكور أيضا والله أعلم وله ديوان شعر فيه كل معنى لطيف ومولده سنة ستين ~~وأربعمائة وتوفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمدينة تستر ~~رحمه الله تعالى وقيل بعسكر مكرم والأرجاني بفتح الهمزة وتشديد الراء ~~المهملة وفتح الجيم وبعد الألف نون هذه النسبة إلى أرجان، وهي من كور ~~الأهواز من ms0087 بلاد خوزستان PageV01P154 # وأكثر الناس يقولون إنها بالراء المخففة واستعملها ~~المتنبي في شعره مخففة في قوله (أرجان أيتها الجياد فإنه * عزمي الذي بدر ~~الوشيج مكسرا) وحكاها الجوهري في الصحاح والحازمي في كتابه الذي سماه ما ~~اتفق لفظه وافترق مسماه بتشديد الراء وتستر بضم التاء المثناة من فوقها ~~وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية وبعدها راء مدينة مشهورة بخوزستان ~~والعامة تسميها شئتر وعسكر مكرم قد اختلفوا في مكرم فأكثر العلماء على أنه ~~مكرم أخو مطرف بن سيدان بن عقيلة بن ذكوان بن حيان بن الخزرق بن عيلان بن ~~حاوة بن معن بن مالك بن أعصر بن عسد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ابن ~~معد بن عدنان هكذا نسبه استخرجته على هذه الصورة من كتاب الجمهرة لابن ~~الكلبي وليس في نسبه باهلة ومكرم المذكور يعرف بمكرم الباهلي الحاوي والله ~~أعلم وقيل هو مكرم أحد بني جعونة العامري وقيل هو مكرم مولى الحجاج بن يوسف ~~الثقفي نزله لمحاربة خرزاد ابن باريس فسمي بذلك وخوزستان بضم الخاء المعجمة ~~وبعد الواو زاي ثم سين مهملة وهو إقليم متسع بين البصرة وفارس PageV01P155 # ابن منير الطرابلسي أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد ~~بن مفلح الطرابلسي الملقب مهذب الدين عين الزمان الشاعر المشهور له ديوان ~~شعر وكان أبوه ينشد الأشعار ويغني في أسواق طرابلس ونشأ أبو الحسين المذكور ~~وحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة والأدب وقال الشعر وقدم دمشق فسكنها وكان ~~رافضيا كثير الهجاء خبيث اللسان ولما كثر منه ذلك سجنه بوري بن أتابك ~~طغتكين صاحب دمشق مدة وعزم على قطع لسانه ثم شفعوا فيه فنفاه وكان بينه ~~وبين أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني مكاتبات ~~وأجوبة ومهاجاة وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة ~~المتماثلين ومن شعره من جملة قصيدة (وإذا الكريم رأى الخمول نزيله * في ~~منزل فالحزم أن يترحلا) (كالبدر لما أن تضاءل جد في * طلب الكمال فحازه ~~متنقلا) (سفها لحلمك أن رضيت بمشرب * رنق ورزق الله ms0088 قد ملأ الملا) (ساهمت ~~عيسك مر عيشك قاعدا * أفلا فليت بهن ناصية الفلا) PageV01P156 # (فارق ترق كالسيف سل فبان في * متنيه ما أخفى القراب ~~وأخملا) (لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة * ما الموت إلا أن تعيش مذللا) (للقفر لا ~~للفقر هبها إنما * مغناك ما أغناك أن تتوسلا) (لا ترض من دنياك ما أدناك من ~~* دنس وكن طيفا جلا ثم انجلى) (وصل الهجير بهجر قوم كلما * امطرتهم شهدا ~~جنوا لك حنظلا) (من غادر خبثت مغارس وده * فإذا محضت له الوفاء تأولا) (لله ~~علمي بالزمان وأهله * ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا) (طبعوا على لؤم الطباع ~~فخيرهم * إن قلت قال وإن سكت تقولا) (أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه * سامته ~~همته السماك الأعزلا) (واع خطاب الخطب وهو مجمجم * راع أكل العيس من عدم ~~الكلا) (زعم كمنبلج الصباح وراءه * عزم كحد السيف صادف مقتلا) ومن محاسن ~~شعره القصيدة التي أولها (من ركب البدر في صدر الرديني * وموه السحر في حد ~~اليماني) (وأنزل النير الأعلى إلى فلك * مداره في القباء الخسرواني) (طرف ~~رنا أم قراب سل صارمه * وأغيد ماس أم أعطاف خطي) (أذلني بعد عز والهوى أبدا ~~* يستعبد الليث للظبي الكناسي) ومنها أيضا (أما وذائب مسك من ذوائبه * على ~~أعالي القضيب الخيزراني) (وما يجن عقيقي الشفاه من الريق * الرحيقي والثغر ~~الجماني) (لو قيل للبدر من في الأرض تحسده * إذا تجلى لقال ابن الفلاني) ~~(أربى علي بشتى من محاسنه * تألفت بين مسموع ومرئي) (إباء فارس في لين ~~الشآم مع الظرف * العراقي والنطق الحجازي) (وما المدامة بالألباب أفتك من * ~~فصاحة البدو في ألفاظ تركي) PageV01P157 # وله أيضا (أنكرت مقلته سفك دمي * وعلى وجنته فاعترفت) ~~(لا تخالوا خاله في خده * قطرة من دم جفني نطفت) (ذاك من نار فؤادي جذوة * ~~فيه ساخت وانطفت ثم طفت) وله من جملة قصيدة (لا تغالطني فما تخفى * علامات ~~المريب) (أين ذاك البشر يا مولاي * من هذا القطوب) ونقلت من خط الشيخ ~~الحافظ المحدث زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المصري رحمه الله ms0089 ~~تعالى قال حكى لي أبو المجد قاضي السويداء قال كان بالشام شاعران ابن منير ~~وابن القيسراني وكان ابن منير كثيرا ما يبكت ابن القيسراني بأنه ما صحب ~~أحدا إلا نكب فاتفق أن أتابك عماد الدين زنكي صاحب الشام غناه مغن على قلعة ~~جعبر وهو يحاصرها قول الشاعر (ويلي من المعرض الغضبان إذ نقل الواشي * إليه ~~حديثا كله زور) (سلمت فازور يزوي قوس حاجبه * كأنني كأس خمر وهو مخمور) ~~فاستحسنها زنكي وقال لمن هذه فقيل لابن منير وهو بحلب فكتب إلى والي حلب ~~يسيره إليه سريعا فسيره فليلة وصل ابن منير قتل أتابك زنكي قلت وسيأتي شرح ~~الحال في ذلك على التفصيل في ترجمة زنكي إن شاء الله تعالى قال فأخذ أسد ~~الدين شيركوه صاحب حمص نور الدين PageV01P158 # محمود بن زنكي وعسكر الشام وعاد بهم إلى حلب وأخذ زين ~~الدين علي ولد مظفر الدين صاحب إربل عساكر بلاد الشرق وعاد بهم إلى الموصل ~~إلى سيف الدين غازي بن زنكي وملكه الموصل فلما دخل ابن منير إلى حلب صحبه ~~العسكر قال له ابن القيسراني هذه بجميع ما كنت تبكتني به قلت ولابن ~~القيسراني المذكور في ابن منير وكان قد هجاه (ابن منير هجوت مني * حبرا ~~أفاد الورى صوابه) (ولم تضيق بذاك صدري * فإن لي أسوة الصحابة) وأشعاره ~~لطيفة فائقة وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس وكانت وفاته ~~في جمادي الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب ودفن في جبل جوشن بقرب ~~المشهد الذي هناك رحمه الله تعالى وزرت قبره ورأيت عليه مكتوبا (من زار ~~قبري فليكن موقنا * أن الذي ألقاه يلقاه) (فيرحم الله امرءا زارني * وقال ~~لي يرحمك الله) وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال في ترجمته حدث ~~الخطيب السديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماة قال رأيت أبا ~~الحسين ابن منير الشاعر في النوم بعد موته وأنا على قرنة بستان مرتفعة ~~فسألته عن حاله وقلت له اصعد إلي فقال ما أقدر من رائحتي فقلت تشرب الخمر ms0090 ~~فقال شرا من الخمر يا خطيب فقلت له ما هو فقال تدري ما جرى علي من هذه ~~القصائد التي قلتها في مثالب الناس فقلت له ما جرى عليك منها فقال لساني قد ~~طال وثخن حتى صار مد البصر وكلما قرأت قصيدة منها قد صارت كلابا تتعلق في ~~لساني وأبصرته حافيا عليه ثياب رثة إلى غاية وسمعت قارئا يقرأ من فوقه * ~~(لهم من فوقهم ظلل) * PageV01P159 # من النار - الآية) ثم انتبهت مرعوبا قلت ثم وجدت في ~~ديوان أبي الحكم عبيد الله الآتي ذكره أن ابن منير توفي بدمشق سنة سبع ~~وأربعين ورثاه بأبيات تدل على أنه مات بدمشق منها وهي هزلية على عادته في ~~ذلك (أتوا به فوق أعواد تسير به * وغسلوه بشطي نهر قلوط) (وأسخنوا الماء في ~~قدر مرصصة * وأشعلوا تحته عيدان بلوط) وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الجمع ~~بين هذين الكلامين فعساه أن يكون قد مات بدمشق ثم نقل إلى حلب فدفن بها ~~والله أعلم ومنير بضم الميم وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها راء ومفلح بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام وبعدها حاء مهملة ~~والطرابلسي بفتح الطاء المهملة والراء وبعد الألف باء موحدة مضمومة ولام ~~مضمومة ثم سين مهملة هذه النسبة إلى طرابلس وهي مدينة بساحل الشام قريبة من ~~بعلبك وقد تزاد الهمزة إلى أولها فيقال أطرابلس وأخذها الفرنج سنة ثلاث ~~وخمسمائة وصاحبها يومئذ أبو علي عمار بن محمد بن عمار بعد أن حوصرت سبع ~~سنين والشرح في ذلك يطول وجوشن بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الشين المثلثة ~~ثم نون جبل بحلب 65 القاضي الرشيد ابن الزبير القاضي الرشيد أبو الحسين ~~أحمد ابن القاضي الرشيد أبي الحسن علي ابن القاضي PageV01P160 # الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير ~~الغساني الأسواني كان من أهل الفضل والنباهة والرياسة صنف كتاب جنان الجنان ~~ورياض الأذهان وذكر فيه جماعة من مشاهير الفضلاء وله ديوان شعر ولأخيه ~~القاضي المهذب أبي محمد الحسن ديوان شعر أيضا وكانا مجيدين في نظمهما ~~ونثرهما ms0091 (6) ومن شعر القاضي المهذب وهو معنى لطيف غريب من جملة قصيدة بديعة ~~(وترى المجرة والنجوم كأنما * تسقي الرياض بجدول ملآن) (لو لم تكن نهرا لما ~~عامت بها * أبدا نجوم الحوت والسرطان) وله أيضا من جملة قصيدة (ومالي إلى ~~ماء سوى النيل غلة * ولو أنه أستغفر الله زمزم) وله كل معنى حسن وأول شعر ~~قاله سنة ست وعشرين وخمسمائة وذكره العماد الكاتب في كتاب السيل والذيل وهو ~~أشعر من الرشيد والرشيد أعلم منه في سائر العلوم وتوفي بالقاهرة سنة إحدى ~~وستين وخمسمائة في رجب رحمه الله تعالى وأما القاضي الرشيد فقد ذكره الحافظ ~~أبو الطاهر السلفي رحمه الله تعالى في بعض تعاليقه وقال ولي النظر بثغر ~~الإسكندرية في الدواوين السلطانية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة ~~ثم قتل ظلما وعدوانا في المحرم سنة ثلاث وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~وذكره العماد أيضا في كتاب السيل والذيل الذي ذيل به على الخريدة فقال ~~الخضم الزاخر والبحر العباب ذكرته في الخريدة وأخاه المهذب قتله شاور ظلما ~~لميله إلى أسد الدين شيركوه في سنة ثلاث وستين وخمسمائة كان أسود الجلدة ~~PageV01P161 # وسيد البلدة أوحد عصره في علم الهندسة والرياضات ~~والعلوم الشرعايت والآداب الشرعيات ومما أنشدني له الأمير عضد الدولة أبو ~~الفوارس مرهف ابن أسامة بن منقذ وذكر أنه سمعها منه (جلت لدي الرزايا بل ~~جلت هممي * وهل يضر جلاء الصارم الذكر) (غيري يغيره عن حسن شيمته * صرف ~~الزمان وما يأتي من الغير) (لو كانت النار للياقوت محرقة * لكان يشتبه ~~الياقوت بالحجر) (لا تغررن بأطماري وقيمتها * فإنما هي أصداف على درر) (ولا ~~تظن خفاء النجم من صغر * فالذنب في ذاك محمول على البصر) قلت وهذا البيت ~~مأخوذ من قول أبي العلاء المعري في قصيدته الطويلة المشهورة فإنه القائل ~~فيها (والنجم تستصغر الأبصار رؤيته * والذنب للطرف لا للنجم في الصغر) ~~وأورد له العماد الكاتب في الخريدة أيضا قوله في الكامل بن شاور (إذا ما ~~نبت بالحر دار يودها * ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم) (وهبه بها ms0092 صبا ألم يدر ~~أنه * سيزعجه منها الحمام علي رغم) وقال العماد أنشدني محمد بن عيسى اليمني ~~ببغداد سنة إحدى وخمسين قال أنشدني القاضي الرشيد باليمن لنفسه في رجل (لئن ~~خاب ظني في رجائك بعدما * ظننت بأني قد ظفرت بمنصف) (فإنك قد قلدتني كل منة ~~* ملكت بها شكري لدى كل موقف) (لأنك قد حذرتني كل صاحب * وأعلمتني أن ليس ~~في الأرض من يفي) وكان الرشيد أسود اللون وفيه يقول أبو الفتح محمد بن ~~قادوس PageV01P162 # الكاتب الشاعر يهجوه (يا شبه لقمان بلا حكمة * وخاسرا ~~في العلم لا راسخا) (سلخت أشعار الورى كلها * فصرت تدعي الأسود السالخا) ~~وفيه أيضا كما يغلب على ظني هذا (إن قلت من نار خلقت * وفقت كل الناس فهما) ~~(قلنا صدقت فما الذي * أضناك حتى صرت فحما) وكان الرشيد سافر إلى اليمن ~~رسولا ومدح جماعة من ملوكها وممن مدحه منهم علي بن حاتم الهمداني قال فيه ~~(لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا * فلست أنال القحط في أرض قحطان) (ومذ كفلت ~~لي مأرب بمآربي * فلست على أسوان يوما بأسوان) (وإن جهلت حقي زعانف خندف * ~~فقد عرفت فضلي غطارف همدان) فحسده الداعي في عدن علي ذلك فكتب بالأبيات إلى ~~صاحب مصر فكانت سبب الغضب عليه فأمسكه وأنفذه إليه مقيدا مجردا وأخذ جميع ~~موجوده فأقام باليمن مدة ثم رجع إلي مصر فقتله شاور كما ذكرناه وكتب إليه ~~الجليس بن الحباب (ثروة المكرمات بعدك فقر * ومحل العلا ببعدك قفر) (بك ~~تجلى إذا حللت الدياجي * وتمر الأيام حيث تمر) (أذنب الدهر في مسيرك ذنبا * ~~ليس منه سوى إيابك عذر) والغساني بفتح الغين المعجمة والسين المهملة وبعد ~~الألف نون هذه النسبة إلى غسان وهي قبيلة كبيرة من الأزد شربوا من ماء غسان ~~وهو باليمن فسموا به والأسواني بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الواو ~~وبعد الألف نون هذه النسبة إلى أسوان وهي بلدة بصعيد مصر قال السمعاني هي ~~PageV01P163 # بفتح الهمزة والصحيح الضم هكذا قال لي الشيخ الحافظ ~~زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر ms0093 نفعنا الله به آمين 66 ~~أحمد القطرسي النفيس أبو العباس أحمد بن أبي القاسم عبد الغني بن أحمد بن ~~عبد الرحمن بن خلف ابن مسلم اللخمي المالكي القطرسي المنعوت بالنفيس كان من ~~الأدباء وله ديوان شعر أجاد فيه ونقلت منه قصيدة يمدح بها الأمير شجاع ~~الدين جلدك التقوي المعروف بوالي دمياط أولها (قل للحبيب أطلت صدك * وجعلت ~~قتلي فيك وكدك) (إن شئت أن أسلو فرد * علي قلبي فهو عندك) (أخلفت حتى في ~~زيارتنا * بطيف منك وعدك) (وأنا عليك كما عهدت * وإن نقضت علي عهدك) (أحرقت ~~يا ثغر الحبيب * حشاي لما ذقت بردك) (وشهدت أني ظالم * لما طلبت إليك شهدك) ~~(أتظن غصن البان يعجبني * وقد عاينت قدك) (أم يخدع التفاح ألحاظي * وقد ~~شاهدت خدك) (أم خلت آس عذارك المنشوق * يحمي منك وردك) (لا والذي جعل الهوى ~~* مولاي حتى صرت عبدك) (يا قلب من لانت معاطفه * علينا ما أشدك) (أتظنني ~~جلد الهوى * أو أن لي عزمات جلدك) PageV01P164 # وهي قصيدة جيدة ونقتصر منها على هذا القدر خوف الإطالة ~~وجاب النفيس المذكور البلاد ومدح الناس واستجدى بشعره وذكره العماد الكاتب ~~في الخريدة فقال فقيه مالكي المذهب له يد في علوم الأوائل والأدب ومن شعره ~~قوله (يسر بالعيد أقوام لهم سعة * من الثراء وأما المقترون فلا) (هل سرني ~~وثيابي فيه قوم سبا * أو راقني وعلى رأسي به ابن جلا) يعني قوم سبأ مزقناهم ~~كل ممزق وابن جلا ما له عمامة يشير إلى قول الشاعر سحيم بن وثيل الرياحي ~~(أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني) وذكره العماد أيضا ~~في كتاب السيل فقال كان من الفقهاء بمصر وقد رأيت القاضي الفاضل يثنى عليه ~~ووجدت له قصيدة كتبها من مصر إليه ونقلت من ديوانه أيضا (يا راحلا وجميل ~~الصبر يتبعه * هل من سبيل إلى لقياك يتفق) (ما أنصفتك جفوني وهي دامية * ~~ولا وفى لك قلبي وهو محترق) ومن شعره أيضا في الأمير فخر الدين إسماعيل بن ~~ثعلب (مدحت الجعفري فما أثابت * يداه فظن مدحي للثواب) ms0094 (وما كان احتساب ~~الأجر فيه * على كذب المدائح في الحساب) ومن شعره أيضا (يأبى العذار ~~المستدير بوجهه * وكمال بهجة حسنة المنعوت) (فكأنما هو صولجان زمرد * متلقف ~~كرة من الياقوت) وله في كأس سقطت وهو معنى بديع (ما سقطت كاسك من علة * لكن ~~يد الفضل بتبديدها) PageV01P165 # (هيهات أن تحفظها راحة * ما حفظت قط سوى جودها) وله ~~(فؤادي إليك شديد الظما * وعيني تشكو لك الحاجبا) (فرتب لي الإذن سهلا لديك ~~* فإني أرضى به راتبا) وكتب إلى القاضي الأسعد بن عثمان يستدعيه من جملة ~~أبيات (صر إلينا على البراق وإلا * جاءك العتب بعد فوت المراد) وصار إليه ~~وأنشده ارتجالا (قد أجبت النداء يا داعي المجد * ولو كنت موثقا في صفاد) ~~(فودادي يصونني عن عتاب * وبراقي عزيمتي في الوداد) وله في مغن اسمه حسام ~~ونعرف بالأقرع وهي من الشعر المختار (وفتيان تملكت الحميا * أزمة أمرهم ملك ~~الأمير) (أرادوا من حسام أن يغني * ليطربهم وذاك من الغرور) (فقلت لهم متى ~~بالله غنى * حسام قط في زمن السرور) ومن شعره أيضا (لا تسأل اليوم عن حالي ~~وعن خبري * دهت فؤادي دواهي الحسن والقدر) (أصبحت قد ضل قلبي في هوى قمر * ~~فاعجب لمن ضل بين الشمس والقمر) وله أيضا وكتب بهما إلى بعض أصدقائه يعاتبه ~~(إن مسني من جناب كنت أعهد لي * فيه النعيم تكاليف من الشظف) (فالشمس ~~والبدر حسبي أسوة بهما * وربما كسفا في البيت والشرف) ومن شعره يصف دير ~~القصير أولها (قصرنا على دير القصير ركابنا * ليالي قضاها السرور قصارا) ~~PageV01P166 # (محل يريك النيل والروض والمها * ويدني من النجم ~~البعيد مزارا) (وتهدي إلى أبصارنا وقلوبنا * بغير عناء قوة وقدارا) ويقتصر ~~من شعره على هذا القدر وكان جده يقال له قطرس وتوفي في الرابع والعشرين من ~~شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة بمدينة قوص وقد ناهز سبعين سنة من عمره ~~رحمه الله تعالى واللخمي بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم هذه ~~النسبة إلى لخم بن عدي واسمه مالك وهو أخو جذام واسم جذام عمرو بن عدي ms0095 ~~وكانا قد تشاجرا فلخم عمرو مالكا أي لطمه فضرب مالك عمرا بمدية فجذم يده أي ~~قطعها فسمي مالك لخما وسمي عمرو جذاما لهذا السبب والقطرسي بضم القاف وسكون ~~الطاء المهملة وضم الراء وبعدها سين مهملة هذه النسبة كشفت عنها كثيرا ولم ~~أقف لها على حقيقة غير أنه كان من أهل مصر ثم أخبرني بهاء الدين زهير بن ~~محمد الكاتب الشاعر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى أن هذه النسبة إلى جده ~~قطرس وكان صاحبه وروى عنه شيئا من شعره (7) وجلدك أبو المظفر عتيق تقي ~~الدين عمر صاحب حماة الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان دينا فاضلا ومات في ~~الثامن والعشرين من شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة بالقاهرة وقد ناهز ~~ثمانين سنة وله شعر وروى عن الحافظ السلفي وغيره ومن جملة ما روى بهاء ~~الدين زهير من شعره في غلام يتعلم علم الهندسة والهيئة (وذي هيئة يزهو بوجه ~~مهندس * أموت به في كل يوم وأبعث) (محيط بأشكال الملاحة وجهه * كأن به ~~إقليدسا يتحدث) (فعارضه خط استواء وخاله * به نقطة والصدغ شكل مثلث) وتنسب ~~هذه الأبيات إلى أبي جعفر العلوي المصري والله أعلم PageV01P167 # 67 ابن الرشيد أبو العباس أحمد بن هارون الرشيد بن ~~المهدي بن المنصور الهاشمي المعروف بالسبتي كان عبدا صالحا ترك الدنيا في ~~حياة أبيه مع القدرة ولم يتعلق بشيء من أمورها وأبوه خليفة الدنيا وآثر ~~الانقطاع والعزلة وإنما قيل له السبتي لأنه كان يتكسب بيده في يوم السبت ~~شيئا ينفقه في بقية الأسبوع ويتفرغ للاشتغال بالعبادة فعرف بهذه النسبة ولم ~~يزل على هذه الحال إلى أن توفي سنة أربع وثمانين ومائة قبل موت أبيه رحمهما ~~الله تعالى وأخباره مشهورة فلا حاجة إلى التطويل فيها وذكره ابن الجوزي في ~~شذور العقود وفي صفوة الصفوة وهو مذكور في كتاب التوابين وفي المنتظم أيضا ~~68 ابن العريف أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي ~~الأندلسي المريي المعروف بابن العريف كان من كبار الصالحين والأولياء ~~المتورعين وله المناقب ms0096 PageV01P168 # المشهورة وله كتاب المجالس وغيره من الكتب المتعلقة ~~بطريق القوم وله نظم حسن في طريقهم أيضا ومن شعره (شدوا المطي وقد نالوا ~~المنى بمنى * وكلهم بأليم الشوق قد باحا) (سارت ركائبهم تندى روائحها * ~~طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا) (نسيم قبر النبي المصطفى لهم * روح إذا ~~شربوا من ذكره راحا) (يا واصلين إلى المختار من مضر * زرتم جسوما وزرنا نحن ~~أرواحا) (إنا أقمنا على عذر وعن قدر * ومن أقام على عذر كمن راحا) وبينه ~~وبين القاضي عياض بن موسى اليحصبي مكاتبات حسنة وكانت عنده مشاركة في أشياء ~~من العلوم وعناية بالقراءات وجمع الروايات واهتمام بطرقها وحملتها وكان ~~العباد وأهل الزهد يألفونه ويحمدون صحبته وحكى بعض المشايخ الفضلاء أنه رأى ~~بخطه فصلا في حق أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الظاهري الأندلسي ~~وقال فيه كان لسان ابن حزم المذكور وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين وإنما قال ~~ذلك لأن ابن حزم كان كثير الوقوع في الأئمة المتقدمين والمتأخرين لم يكد ~~يسلم منه أحد ومولده يوم الأحد بعد طلوع الفجر ثاني جمادي الأولى سنة إحدى ~~وثمانين وأربعمائة وكانت وفاة ابن العريف المذكور سنة ست وثلاثين وخمسمائة ~~بمراكش رحمه الله تعالى ليلة الجمعة أول الليل ودفن يوم الجمعة الثالث ~~والعشرين من صفر وقد كان سعي به إلى صاحب مراكش فأحضره إليها فمات واحتفل ~~الناس بجنازته وظهرت له كرامات فندم على استدعائه وصاحب مراكش الذي استدعاه ~~هو علي بن يوسف بن تاشفين الآتي ذكره في ترجمة أبيه يوسف إن شاء الله تعالى ~~PageV01P169 # والمريي هذه النسبة إلى المرية وهي بفتح الميم وكسر ~~الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء وهي مدينة عظيمة بالأندلس ~~ابن الحطيئة اللخمي أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام بن ~~الحطيئة اللخمي الفاسي كان من مشاهير الصلحاء وأعيانهم وكان مع صلاحه فيه ~~فضيلة ومعرفة بالأدب وكان رأسا في القراءات السبع ونسخ بخطه كثيرا من كتب ~~الأدب وغيرها وكان جيد الخط حسن الضبط والكتب التي توجد بخطه ms0097 مرغوب فيها ~~للتبرك بها ولإتقانها ومولده في الساعة الثامنة من يوم الجمعة سابع عشر ~~جمادي الآخرة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمدينة فاس وانتقل إلى الديار ~~المصرية ولأهلها فيه اعتقاد كبير لما رأوه من صلاحه وكان قد حج ودخل الشام ~~واستوطن خارج مصر في جامع راشدة وكان لا يقبل لأحد شيئا ولا يرتزق على ~~الإقراء واتفق بمصر مجاعة شديدة فمشى إليه أجلاء المصريين وسألوه قبول شيء ~~فامتنع فأجمعوا رأيهم أن يخطب أحدهم البنت التي له وكان يعرف بالفضل بن ~~يحيى الطويل وكان عدلا بزازا في القاهرة فتزوجها وسأل أن تكون أمها عندها ~~فأذن في ذلك وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه وبقي منفردا ينسخ ويأكل من نسخه ~~وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئا قيل جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف ~~وحلف عليه به فقال اجعله على ذلك الوتد فأقام ثلاثين سنة موضعه لم يزل ~~بالشرق إلى نوبة مصر المشهورة وحريقها فنزل في دويرة بها وتوفي في أواخر ~~المحرم سنة ستين وخمسمائة بمصر ودفن في القرافة الصغرى PageV01P170 # وقبره يزار بها وزرته ليلا فوجدت عنده أنسا كثيرا رحمه ~~الله تعالى وكان يقول أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أشار إلى أن الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد وشرع بعده في ~~التضعضع والاضطراب وذكر في كتاب الدول المنقطعة في ترجمة أبي الميمون عبد ~~المجيد صاحب مصر أن الناس أقاموا بلا قاض ثلاث أشهر في سنة ثلاث وثلاثين ~~وخمسمائة ثم اختير في ذي القعدة أبو العباس ابن الحطيئة فاشترط أن لا يقضي ~~بمذهب الدولة فلم يمكن من ذلك وتولى غيره والله تعالى أعلم والحطيئة بضم ~~الحاء المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد ~~الهمزة هاء والفاسي بفتح الفاء وبعد الألف سين مهملة هذه النسبة إلى فاس ~~وهي مدينة كبيرة بالمغرب بالقرب من سبتة خرج منها جماعة من العلماء 70 ابن ~~الرفاعي أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بابن ms0098 ~~الرفاعي كان رجلا صالحا فقيها شافعي المذهب أصله من العرب وسكن في البطائح ~~بقرية يقال لها أم عبيدة وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء وأحسنوا الاعتقاد ~~فيه وتبعوه والطائفة المعروفة بالرفاعية والبطائحية من الفقراء PageV01P171 # منسوبة إليه ولأتباعه أحوال عجيبة من أكل الحيات وهي ~~حية والنزول في التنانير وهي تتضرم بالنار فيطفئونها ويقال إنهم في بلادهم ~~يركبون الأسود ومثل هذا وأشباهه ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا ~~يعد ولا يحصى ويقومون بكفاية الكل ولم يكن له عقب وإنما العقب لأخيه ~~وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن وأمورهم ~~مشهورة مستفيضة فلا حاجة إلى الإطالة فيها وكان للشيخ أحمد مع ما كان عليه ~~من الاشتغال بعبادته شعر فمنه علي ما قيل (إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم * ~~أنوح كما ناح الحمام المطوق) (وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى * وتحتي بحار ~~بالأسى تتدفق) (سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها * تفك الأساري دونه وهو موثق) ~~(فلا هو مقتول ففي القتل راحة * ولا هو ممنون عليه فيطلق) ولم يزل على تلك ~~الحال إلى أن توفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادي الأولى سنة ثمان ~~وسبعين وخمسمائة بأم عبيدة وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى والرفاعي ~~بكسر الراء وفتح الفاء وبعد الألف عين مهملة هذه النسبة إلى رجل من العرب ~~يقال له رفاعة هكذا نقلته من خط بعض أهل بيته وأم عبيدة بفتح العين المهملة ~~وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الدال المهملة ~~المفتوحة هاء والبطائح بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة وبعد الألف ياء ~~مثناة من تحتها ثم حاء مهملة وهي عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط ~~والبصرة ولها شهرة بالعراق PageV01P172 # 71 أحمد بن طولون الأمير أبو العباس أحمد بن طولون ~~صاحب الديار المصرية والشامية والثغور كان المعتز بالله قد ولاه مصر ثم ~~استولى على دمشق والشام أجمع وأنطاكية والثغور في مدة اشتغال الموفق أبي ~~أحمد طلحة بن المتوكل وكان نائبا عن أخيه المعتمد على الله الخليفة ms0099 هو والد ~~المعتضد بالله بحرب صاحب الزنج وكان أحمد عادلا جوادا شجاعا متواضعا حسن ~~السيرة صادق الفراسة يباشر الأمور بنفسه يوعمر البلاد يوتفقد أحوال رعاياه ~~ويحب أهل العلم وكانت له مائدة يحضرها كل يوم الخاص والعام وكان له ألف ~~دينار في كل شهر للصدقة فأتاه وكيله يوما فقال إني تأتيني المرأة وعليها ~~الإزار وفي يدها خاتم الذهب فتطلب مني أفأعطيها فقال له من مد يده إليك ~~فأعطه وكان مع ذلك كله طائش السيف قال القضاعي يقال إنه أحصي من قتله ابن ~~طولون صبرا ومن مات في حبسه فكان عددهم ثمانية عشر ألفا وكان يحفظ القرآن ~~الكريم ورزق حسن الصوت وكان من أدرس الناس للقرآن وبنى الجامع المنسوب إليه ~~الذي بين القاهرة ومصر في سنة تسع وخمسين ومائتين وهذه الزيادة حكاها ~~الفرغاني في تاريخه وذكر القضاعي في كتاب الخطط أنه شرع في عمارته سنة أربع ~~وستين ومائتين وفرغ منه في سنة ست وستين ومائتين والله أعلم وأنفق على ~~عمارته مائة ألف وعشرين ألف دينار على ما حكاه أحمد بن يوسف مؤلف سيرته ~~وكان أبوه مملوكا أهداه نوح بن أسد الساماني عامل بخارى إلى المأمون في ~~جملة رقيق حمله إليه في سنة مائتين ومات طولون في سنة أربعين ومائتين ~~PageV01P173 # وكانت ولادة ولده أحمد بسامرا في الثالث والعشرين من ~~شهر رمضان سنة عشرين ومائتين ويقال إن طولون تبناه ولم يكن ابنه ودخل مصر ~~لتسع وقيل لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين وقيل يوم ~~الاثنين لخمس بقين منه وتوفي بها في ليلة الأحد لعشر بقين وقال الفرغاني ~~لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين بزلق الأمعاء رحمه الله تعالى ~~وزرت قبره في تربة عتيقة بالقرب من الباب المجاور للقلعة على طريق المتوجه ~~إلى القرافة الصغرى بسفح المقطم وطولون بضم الطاء المهملة وسكون الواو وضم ~~اللام وسكون الواو وبعدها نون وهو اسم تركي والساماني بفتح السين المهملة ~~وبعد الألف ميم مفتوحة وبعد الألف الثانية نون هذه النسبة إلى سامان وهو جد ms0100 ~~الملوك السامانية بما وراء النهر وخراسان وسامرا بفتح السين المهملة وبعد ~~الألف ميم مفتوحة ثم راء مشددة وبعدها ألف مدينة كبيرة بناها المعتصم في ~~سنة عشرين ومائتين بالعراق فوق بغداد وحكى فيها الجوهري في كتاب الصحاح ست ~~لغات في فصل رأى وهذه اللغة إحدى تلك الست وليس هذا موضع استقصاء الست وقد ~~ذكرتها في ترجمة إبراهيم بن المهدي (18) 72 معز الدولة ابن بويه أبو الحسين ~~أحمد بن أبي شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهي بن PageV01P174 # شيرزيل الأصغر ابن شيركوه بن شيرزيل الأكبر ابن شيران ~~شاه بن شيرفنه بن شستان شاه بن سسن فرو بن شروذيل بن سسناد بن بهرام جور ~~الملك بن يزدجرد بن هرمز كرمانشاه بن سابور الملك بن سابور ذي الأكتاف ~~وبقية النسب معروفة في ملوك بني ساسان فلا حاجة إلى الإطالة وأبو الحسين ~~المذكور يلقب معز الدولة وهم ثلاثة إخوة وسيأتي ذكر الجميع وهو عم عضد ~~الدولة وأحد ملوك الديلم وكان صاحب العراق والأهواز وكان يقال له الأقطع ~~لأنه كان مقطوع اليد اليسرى وبعض أصابع المينى وسبب ذلك أنه كان في مبدأ ~~عمره وحداثة سنه تبعا لأخيه عماد الدولة وكان قد توجه إلى كرمان بإشارة ~~أخويه عماد الدولة وركن الدولة فلما وصلها سمع به صاحبها فتركها ورحل إلى ~~سجستان من غير حرب فملكها معز الدولة وكان بتلك الأعمال طائفة من الأكراد ~~قد تغلبوا عليها وكانوا يحملون لصاحب كرمان في كل سنة شيئا من المال بشرط ~~أن لا يطأوا بساطه فلما وصل معز الدولة سير إليه رئيس القوم وأخذ عهوده ~~ومواثيقه بإجرائهم على عادتهم ففعل ذلك ثم أشار عليه كاتبه بنقض العهد وأن ~~يسري إليهم على غفلة ويأخذ أموالهم وذخائرهم ففعل معز الدولة ذلك وقصدهم في ~~الليل في طريق متوعرة فأحسوا به فقعدوا له على مضيق فلما وصل إليهم بعسكره ~~ثاروا عليهم من جميع الجوانب فقتلوا وأسروا ولم يفلت منهم إلا اليسير ووقع ~~بمعز الدولة ضربات كثيرة وطاحت يده اليسرى وبعض أصابع يده اليمنى وأثخن ~~بالضرب ms0101 في رأسه وسائر جسده وسقط بين القتلى ثم سلم بعد ذلك وشرح ذلك يطول ~~وكان وصوله إلى بغداد من جهة الأهواز فدخلها متملكا يوم السبت لإحدى عشرة ~~ليلة خلت من جمادي الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة في خلافة المستكفي ~~وملكها بلا كلفة PageV01P175 # وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب شذور العقود أن معز ~~الدولة المذكور كان في أول أمره يحمل الحطب على رأسه ثم ملك هو وإخوته ~~البلاد وآل أمرهم إلى ما آل (19) وكان معز الدولة أصغر الإخوة الثلاثة ~~وكانت مدة ملكه العراق إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وتوفي يوم الاثنين ~~سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة ببغداد ودفن في داره ثم ~~نقل إلى مشهد بني له في مقابر قريش ومولده في سنة ثلاث وثلاثمائة رحمه الله ~~تعالى (20) ولما حضره الموت أعتق مماليكه وتصدق بأكثر ماله ورد كثيرا من ~~المظالم قال أبو الحسين أحمد العلوي بينا أنا في داري علي دجلة بمشرعة ~~القصب في ليلة ذات غيم ورعد وبرق سمعت صوت هاتف يقول (لما بلغت أبا الحسين ~~* مراد نفسك في الطلب) (وأمنت من حدث الليالي * واحتجبت عن النوب) (مدت ~~إليك يد الردى * وأخذت من بيت الذهب) قال فإذا بمعز الدولة قد توفي في تلك ~~الليلة ولما توفي ملك موضعه ولده عز الدولة أبو المنصور بختيار وسيأتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى وبويه بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة ~~من تحتها وبعدها هاء ساكنة وفناخسرو بفتح الفاء وتشديد النون وبعد الألف ~~خاء معجمة مضمومة ثم سين مهملة ساكنة ثم راء مضمومة وبعدها واو PageV01P176 # وتمام بفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ميم مخففة ~~مفتوحة وبعد الألف ميم ولولا خوف التطويل لقيدت بقية الأجداد وقد ضبطته ~~بخطي فمن نقله فلينقله على هذه الصورة فهو صحيح وسيأتي ذكر أخويه عماد ~~الدولة علي وركن الدولة حسن 73 نصر الدولة ابن مروان الكردي أبو نصر أحمد ~~بن مروان بن دوستك الكردي الحميدي الملقب نصر الدولة صاحب ميافارقين وديار ~~بكر ملك ms0102 البلاد بعد أن قتل أخوه أبو سعيد منصور ابن مروان في قلعة الهتاخ ~~ليلة الخميس خامس جمادي الأولى سنة إحدى وأربعمائة وكان رجلا مسعودا عالي ~~الهمة حسن السياسة كثير الحزم قضى من اللذات وبلغ من السعادة ما يقصر الوصف ~~عن شرحه وحكى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أنه لم ينقل أن نصر الدولة ~~المذكور صادر أحدا في أيامه سوى شخص واحد وقص قصته ولا حاجة رلى ذكرها وأنه ~~لم تفته صلاة الصبح عن وقتها مع انهماكه في اللذات وأنه كان له ثلاثمائة ~~وستون جارية يخلو كل ليلة من ليالي السنة بواحدة فلا تعود النوبة إليها إلا ~~في مثل تلك الليلة من العام الثاني وأنه قسم أوقاته فمنها ما ينظر فيه في ~~مصالح دولته ومنها ما يتوفر فيه على لذاته والاجتماع بأهله وألزامه وخلف ~~أولادا كثيرة وقصده شعراء عصره ومدحوه وخلدوا مدائحه في دواوينهم ~~PageV01P177 # ومن جملة سعاداته أنه وزر له وزيران كانا وزيري ~~خليفتين أحدهما أبو القاسم الحسين بن علي المعروف بابن المغربي صاحب ديوان ~~الشعر والرسائل واالتصانيف المشهورة وكان وزير خليفة مصر وانفصل عنه وقدم ~~على الأمير أبي نصر المذكور فوزر له مرتين والآخر فخر الدولة أبو نصر بن ~~جهير كان وزيره ثم انتقل إلى وزارة بغداد وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى ~~ولم يزل على سعادته وقضاء أوطاره إلى أن توفي في التاسع والعشرين من شوال ~~سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ودفن بجامع المحدثة وقيل في القصر بالسدلي ثم ~~نقل إلى القبة المعروفة بهم الملاصقة لجامع المحدثة وعاش سبعا وسبعين سنة ~~وكانت إمارته اثنتين وخمسين سنة وقيل اثنتين وأربعين سنة رحمه الله تعالى ~~وميافارقين مشهورة فلا حاجة إلى ضبطها والمحدثة بضم الميم وسكون الحاء ~~المهملة وفتح الدال المهملة وبعدها ثاء مثلثة رباط بظاهر ميافارقين والسدلي ~~بكسر السين المهملة والدال المهملة وبعدها لام مشددة مكسورة أيضا قبة في ~~القصر مبنية على ثلاث دعائم وهو لفظ عجمي معناه ثلاث قوائم وملك بعده نظام ~~الدين أبو القاسم نصر 74 المستعلي الفاطمي أبو القاسم ms0103 أحمد المنعوت ~~بالمستعلي ابن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز PageV01P178 # ابن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله ~~وستأتي تتمة النسب عند ذكر المهدي في حرف العين وكيفية الاختلاف فيه إن شاء ~~الله تعالى ولي الأمر بعد أبيه المستنصر بالديار المصرية والشامية وفي ~~أيامه اختلت دولتهم وضعف أمرهم وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم وانقسمت ~~البلاد الشامية بين الأتراك واالفرنج خذلهم الله تعالى فإنهم دخلوا الشام ~~ونزلوا على أنطاكية في ذي القعدة سنة تسعين وأربعمائة ثم تسلموها في سادس ~~عشر رجب سنة إحدى وتسعين وأخذوا معرة النعمان في سنة اثنتين وتسعين وأخذوا ~~البيت المقدس في شعبان سنة اثنتين وتسعين أيضا وكان الفرنج قد أقاموا عليه ~~نيفا وأربعين يوما قبل أخذه وكان أخذهم له ضحى يوم الجمعة لخمس وقتل فيه من ~~المسلمين خلق كثير في مدة أسبوع وقتل في الأقصى ما يزيد علي سبعين ألفا ~~وأخذوا من عند الصخرة من أواني الذهب والفضة ما لا يضبطه الوصف وانزعج ~~المسلمون في جميع بلاد الإسلام بسبب أخذه غاية الانزعاج وسيأتي ذكر طرف من ~~هذه الواقعة في ترجمة الأفضل ابن أمير الجيوش في حرف الشين إن شاء الله ~~تعالى وكان الأفضل شاهنشاه المنعوت بأمير الجيوش قد تسلمه من سكمان بن أرتق ~~في يوم الجمعة لخميس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وقيل في شعبان سنة ~~تسع وثمانين والله أعلم بالصواب وولي فيه من قبله فلم يكن لمن فيه طاقة ~~بالفرنج فتسلموه منه ولو كان في يد الأرتقية لكان أصلح للمسلمين ثم استولى ~~الفرنج علي كثير من بلاد الساحل في أيامه فملكوا حيفا في شوال سنة ثلاث ~~وتسعين وقيسارية في سنة أربع وتسعين ولم يكن للمستعلي مع الأفضل حكم وفي ~~أيامه هرب أخوه نزار إلى الإسكندرية ونزار هو الأكبر وهو جد أصحاب الدعوة ~~بقلعة الألموت وتلك القلاع وكان من أمره ما قد شهر والشرح يطول (21) ~~PageV01P179 # وكانت ولادة المستعلي لعشر ليال بقين من المحرم سنة ~~تسع وستين وأربعمائة بالقاهرة وبويع في يوم ms0104 عيد غدير خم وهو الثامن عشر من ~~ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة وتوفي بمصر يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ~~ليلة بقيت من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة رحمه الله تعالى وله من العمر ~~ثمان وعشرون سنة وأيام فكانت مدة ولايته سبع سنين وكسرا وتولى بعده ولده ~~أبو علي المنصور الملقب بالآمر وله من العمر خمس سنين وشهر وأربعة أيام ولم ~~يكن في من تسمى بالخلافة قط أصغر منه ومن المستنصر وكان المستنصر أكبر من ~~هذا ولم يقدر يركب وحده الفرس وقام بتدبير دولته الأفضل ابن أمير الجيوش ~~أحسن قيام إلى أن قتل في التاريخ المذكور في بابه في حرف الشين 75 عماد ~~الدين ابن المشطوب أبو العباس أحمد بن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي بن ~~أحمد بن أبي الهيجاء ابن عبد الله بن أبي الخليل ابن مرزبان الهكاري ~~المعروف بابن المشطوب الملقب عماد الدين والمشطوب لقب والده وإنما قيل له ~~ذلك لشطبة كانت بوجهه كان أميرا كبيرا وافر الحرمة عند الملوك معدودا بينهم ~~مثل واحد منهم وكان عالي الهمة غزير الجود واسع الكرم شجاعا أبي النفس ~~تهابه الملوك وله وقائع مشهورة في الخروج عليهم ولا حاجة إلى ذكرها وكان من ~~أمراء الدولة الصلاحية فإن والده لما توفي وكانت نابلس إقطاعا PageV01P180 # له أرصد منها السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ~~الثلث لمصالح بيت المقدس وأقطع ولده عماد الدين المذكور باقيها وجده أبو ~~الهيجاء كان صاحب العمادية وعدة قلاع من بلاد الهكارية ولم يزل قائم الجاه ~~والحرمة إلى أن صدر منه في سنة دمياط ما قد شهر وقد شرحت ذلك في ترجمة ~~الملك الكامل فانفصل عن الديار المصرية وآلت حاله إلى أن حوصر في شهر ربيع ~~الآخر بتل يعفور القلعة التي بين الموصل وسنجار والقصة مشهورة فراسله ~~الأمير بدر الدين لؤلؤ أتابك صاحب الموصل ولم يزل يخدعه ويطمنه إلى أن أذعن ~~للانقياد وحلف له على ذلك فانتقل إلى الموصل وأقام بها قليلا ثم قبض عليه ~~وذلك في سنة سبع عشرة وستمائة ms0105 22 وأرسله إلى الملك الأشرف مظفر الدين ابن ~~الملك العادل وإنما قبض عليه تقربا إلى قلبه فإن خروجه في هذه الدفعة كان ~~عليه فاعتقله الملك الأشرف في قلعة حران وضيق عليه تضييقا شديدا من الحديد ~~الثقيل في رجليه والخشب في يديه وحصل في رأسه ولحيته وثيابه من القمل شيء ~~كثير على ما قيل وكنت أسمع بذلك في وقته وأنا صغير وبلغني أن بعض من كان ~~متعلقا بخدمته كتب في ذلك الوقت إلى الملك الأشرف دوبيت في معناه وهو (يا ~~من بدوام سعده دار فلك * ما أنت من الملوك بل أنت ملك) (مملوكك ابن المشطوب ~~في السجن هلك * أطلقه فإن الأمر لله ولك) ومكث على تلك الحال إلى أن توفي ~~في الاعتقال في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة وبنت له ابنته قبة على ~~باب مدينة رأس عين ونقلته من حران إليها ودفنته بها رحمه الله تعالى ورأيت ~~قبره هناك ولما كان في السجن كتب إليه بعض الأدباء دوبيت وهو PageV01P181 # (يا أحمد ما زلت عمادا للدين * يا أشجع من أمسك رمحا ~~بيمين) (لا تأس إذ حصلت في سجنهم * ها يوسف قد أقام في السجن سنين) وهذا ~~مأخوذ من قول البحتري من جملة أبيات (أما في رسول الله يوسف أسوه * لمثلك ~~محبوسا على الظلم والإفك) (أقام جميل الصبر في السجن برهة * فآل به الصبر ~~الجميل إلى الملك) وكانت ولادة الأمير عماد الدين في سنة خمس وسبعين ~~وخمسمائة تقديرا ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الأمير سيف الدين أبا ~~الحسن علي ابن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب كتب إلى الملك الناصر صلاح ~~الدين يخبره بولادة ولده عماد الدين أبي العباس أحمد وأن عنده امرأة أخرى ~~حاملا فكتب القاضي الفاضل جوابه وصل كتاب الأمير دالا على الخبر بالولدين ~~الحال على التوفيق والسائر كتب الله سلامته في الطريق فسررنا بالغرة ~~الطالعة من لثامها وتوقعنا المسرة بالثمرة الباقية في أكمامها، (8) وأما ~~والده سيف الدين المشطوب فإن السلطان صلاح الدين كان قد رتبه في عكا لما ms0106 ~~خاف عليها من الفرنج هو وبهاء الدين قراقوش الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~ولم يزل بها حتى حاصرهم الفرنج بها وأخذوها ولما خلص منها وصل رلى السلطان ~~وهو بالقدس يوم الخميس مستهل جمادي الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة قال ~~ابن شداد دخل على السلطان بغتة وعنده أخوه الملك العادل فنهض إليه واعتنقه ~~وسر به سرورا عظيما وأخلى المكان وتحدث معه طويلا PageV01P182 # وكانت وفاة سيف الدين يوم الخميس السادس والعشرين من ~~شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بنابلس رحمه الله تعالى هكذا ذكره العماد ~~الكاتب الأصبهاني في كتاب البرق الشامي وقال بهاء الدين بن شداد في كتابه ~~سيرة صلاح الدين إنه توفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال من السنة ~~المذكورة بالقدس الشريف ودفن في داره بعد أن صلي عليه بالمسجد الأقصى ولم ~~يكن في أمراء الدولة الصلاحية أحد يضاهيه ولا يدانيه في المنزلة وعلو ~~المرتبة وكانوا يسمونه الأمير الكبير وكان ذلك علما عليه عندهم لا يشاركه ~~فيه غيره ورأيت بخط القاضي الفاضل ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين ~~المشطوب أمير الأكراد وكبيرهم وكانت وفاته يوم الأحد الثاني والعشرين من ~~شوال من السنة المذكورة بالقدس وخبزه يوم وفاته بنابلس وغيرها ثلاثمائة ألف ~~دينار وكان بين خلاصه من أسره وحضور أجله دون مائة يوم فسبحان الحي الذي لا ~~يموت وتهدم به بنيان قوم والدهر قاض ما عليه لوم قلت وقوله وتهدم به بنيان ~~قوم هذا الكلام حل فيه بيت الحماسة وهو (فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه ~~بنيان قوم تهدما) وهذا البيت من جملة مرثية عبدة بن الطبيب التي رثى بها ~~قيس بن عاصم التميمي الذي قدم من البادية على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~وفد بني تميم في سنة تسع للهجرة وأسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حقه هذا سيد أهل الوبر وكان عاقلا مشهورا بالحلم والسودد وهذا البيت لأهل ~~العربية في إعرابه كلام ليس هذا موضع ذكره وقد ذكره أبو تمام الطائي في باب ~~المراثي من ms0107 جملة ثلاثة أبيات وهي (عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما ~~شاء أن يترحما) PageV01P183 # (تحية من غادرته غرض الردى * إذا زار عن شحط بلادك ~~سلما) (فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما) وهذا قيس أول ~~من وأد البنات في الجاهلية للغيرة والأنفة من النكاح وتبعه الناس في ذلك ~~إلى أن أبطله الإسلام (9) وأما الأمير بدر الدين لؤلؤ المذكور فإنه توفي ~~يوم الجمعة ثالث شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة بقلعة الموصل ودفن بها في ~~مشهد هناك وعمره مقدار وثمانين سنة رحمه الله تعالى 76 صلاح الدين الإربلي ~~أبو العباس أحمد بن عبد السيد بن شعبان بن محمد بن جابر بن قحطان الإربلي ~~الملقب صلاح الدين وهو من بيت كبير بإربل وكان حاجبا عند الملك المعظم مظفر ~~الدين بن زين الدين صاحب إربل فتغير عليه واعتقله مدة فلما أفرج عنه خرج ~~منها قاصدا بلاد الشام في سنة ثلاث وستمائة صحبة الملك القاهر بهاء الدين ~~أيوب ابن الملك العادل فاتصل بخدمة الملك المغيث ابن الملك العادل وكان قد ~~عرفه من إربل وحسنت حاله عنده فلما توفي المغيث انتقل الصلاح إلى الديار ~~المصرية وخدم الملك الكامل فعظمت منزلته عنده ووصل منه إلى ما لم يصل إليه ~~غيره واختص به في خلواته وجعله أميرا وكان الصلاح ذا فضيلة تامة ومشاركات ~~حسنة بلغني أنه كان يحفظ PageV01P184 # الخلاصة في الفقه للإمام الغزالي وله نظم حسن ودوبيت ~~رائق وبه تقدم عند الملوك ثم إن الملك الكامل تغير عليه واعتقله في المحرم ~~سنة ثماني عشرة وستمائة وهو بالمنصورة في قبالة الفرنج وسيره إلى قلعة ~~القاهرة ولم يزل في الاعتقال مضيقا عليه على هذه الحال إلى شهر ربيع الآخر ~~سنة ثلاث وعشرين وستمائة فعمل الصلاح دوبيت وأملاه على بعض القيان فغناه ~~عند الملك الكامل فاستحسنه وسأله لمن هذا فقال للصلاح فأمر بالإفراج عنه ~~والدوبيت المذكور (ما أمر تجنيك على الصب خفي * أفنيت زماني بالأسى والأسف) ~~(ما ذا غضب بقدر ذنبي ولقد * بالغت وما أردت إلا تلفي) ms0108 وقيل إن الدوبيت ~~الذي كان سبب خلاصه قوله (اصنع ما شئت أنت أنت المحبوب * ما لي ذنب بلى كما ~~قتلت ذنوب) (هل تسمح بالوصال في ليلتنا * تجلو صدأ القلب وتعفو وأتوب) فلما ~~خرج عادت مكانته عنده إلى أحسن مما كانت عليه وكان الملك الكامل قد تغير ~~على بعض إخوته وهو الملك الفائز سابق الدين إبراهيم ابن الملك العادل فدخل ~~على الصلاح وسأله أن يصلح أمره مع أخيه الملك الكامل فكتب الصلاح إليه (من ~~شرط صاحب مصر أن يكون كما * قد كان يوسف في الحسنى لإخوته) (أسوا فقابلهم ~~بالعفو وافتقروا * فبرهم وتولاهم برحمته) وعند وصول الانبرور صاحب صقلية ~~إلى ساحل الشام في سنة ست PageV01P185 # وعشرين وستمائة بعث الملك الكامل الصلاح إليه رسولا ~~فلما قرر القواعد واستحلفه كتب إلى الملك الكامل (زعم الزعيم الأنبرور بأنه ~~* سلم يدوم لنا على أقواله) (شرب اليمين فإن تعرض ناكثا * فيأكلن لذاك لحم ~~شماله) ومن شعره أيضا (وإذا رأيت بنيك فاعلم أنهم * قطعوا إليك مسافة ~~الآجال) (وصل البنون إلى محل أبيهم * وتجهز الآباء للترحال) وأنشدني بعض ~~أصحابنا له (يوم القيامة فيه ما سمعت به * من كل هول فكن منه على حذر) ~~(يكفيك من هوله أن لست تبلغه * إلا إذا ذقت طعم الموت في السفر) وكتب إليه ~~شرف الدين ابن عنين الشاعر الدمشقي كتابا من دمشق إلى الديار المصرية قال ~~لي صاحبنا عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان النحوي المترجم الموصلي إن ~~هذا الكتاب كان على يده وتضمن الوصية عليه وفي أوله (أبثك ما لقيت من ~~الليالي * فقد قصت نوائبها جناحي) (وكيف يفيق من عنت الرزايا * مريض ما يرى ~~وجه الصلاح) وللصلاح المذكور ديوان شعر وديوان دوبيت وما زال وافر الحرمة ~~عالي المنزلة عنده وعند الملوك فلما قصد الملك الكامل بلاد الروم وهو في ~~الخدمة PageV01P186 # مرض في المعسكر بالقرب من السويداء فحمل إلى الرها ~~فمات قبل دخولها في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة ~~ودفن بظاهرها وقيل مات يوم السبت العشرين من ذي الحجة ms0109 ودفن بظاهر الرها ~~بمقبرة باب حران ثم نقله ولده من هناك إلى الديار المصرية فدفنه في تربة ~~هناك بالقرافة الصغرى في آخر شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة وكنت يومئذ ~~بالقاهرة وكان تقدير عمره يوم وفاته ستين سنة رحمه الله تعالى ثم وقفت على ~~تاريخ مولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وسبعين وخمسمائة بإربل ~~والإربلي بكسر الهمزة وسكون الراء وكسر الباء الموحدة وبعدها لام هذه ~~النسبة إلى إربل وهي مدينة كبيرة بالقرب من الموصل من جهتها الشرقية 77 ابن ~~عبد الحميد الجرجاني أبو العباس أحمد بن أبي نصر الخصيب بن عبد الحميد بن ~~الضحاك الجرجاني الأصل كان وزير المستنصر بالله ومن بعده المستعين بالله ~~ونفاه المستعين إلى جزيرة أقريطش بجريرة صدرت منه سنة 48 وكان ينسب إلى ~~الطيش والتهور وله في ذلك أخبار وكان قد ركب يوما فوقف له متظلم وشكا حاله ~~فأخرج رجله من الركاب وزج المتكلم في فؤاده فقتله فتحدث الناس بذلك فقال ~~بعض الشعراء في ذلك الزمان هذين البيتين (قل للخليفة يا بن عم محمد * أشكل ~~وزيرك إنه ركال) (أشكله عن ركل الرجال وإن ترد * مالا فعند وزيرك الأموال) ~~PageV01P187 # يقال ركله إذا رفسه وأبوه الخصيب ممدوح أبي نواس ~~الحكمي كان سبب توليته أن الرشيد قرأ يوما في المصحف فانتهى إلى قوله تعالى ~~* (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي) * فقال لعنه الله ما كان ~~أرقعه ادعي الربوبية بملك مصر والله لأولينها أخس خدمي فولاها الخصيب وكان ~~على وضوئه ولأبي نواس فيه قصيدتاه الرائيتان وكان قد قصده بهما إلى مصر وهو ~~أميرها وما أحسن قوله في إحداهما (تقول التي من بيتها خف مركبي * عزيز ~~علينا أن نراك تسير) (أما دون مصر للغنى متطلب * بلى إن أسباب الغنى لكثير) ~~(فقلت لها واستعجلتها بوادر * جرت فجرى من جريهن عبير) (دعيني أكثر حاسديك ~~برحلة * إلى بلد فيه الخصيب أمير) وهي طويلة وأجازه عليها جائزة سنية وكانت ~~وفاة أحمد المذكور سنة 265 وكان نفيه إلى أقريطش في سنة 248 ms0110 وأقريطش جزيرة ~~ببلاد المغرب خرج منها جماعة من العلماء وأخذها الفرنج سنة 350 78 عزيز ~~الدين المستوفي أبو نصر أحمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود ~~بن هبة الله بن أله الأصبهاني الملقب عزيز الدين المستوفي عم العماد الكاتب ~~الأصبهاني PageV01P188 # وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى كان العزيز المذكور ~~رئيسا كبير القدر ولي المناصب العلية في الدولة السلجوقية ولم يزل مقدما ~~فيها قصده بنو الحاجات ومدحه الشعراء وأحسن جوائزهم وفيه يقول أبو محمد ~~الحسن بن أحمد بن جكينا البغدادي الشاعر المشهور من جملة قصيدة (أميلوا بنا ~~نحو العراق ركابكم * لنكتال من مال العزيز بصاعه) وللقاضي أبو بكر أحمد بن ~~محمد الأرجاني المقدم ذكره فيه مدائح والأبيات البائية المذكورة في ترجمته ~~هي من جملة قصيدة طويلة يمدح بها عزيز الدين المذكور وكان ابن أخيه العماد ~~يفتخر به كثيرا وقد ذكره في أكثر تواليفه وكان في آخر أمره متولي الخزانة ~~للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي وكان السلطان ~~محمود المذكور زوج بنت عمه السلطان سنجر بن ملكشاه فماتت عنده فطالبه عمه ~~بما خرج معها في جهازها من أنواع التحف والغرائب التي لا توجد في خزائن ~~الملوك فجحدها محمود وخاف من عزيز الدين أن يشهد بما وصل صحبتها لأنه كان ~~مطلعا عليه من جهة الخزانة فقبض عليه وسيره إلى قلعة تكريت وكانت القلعة له ~~إذ ذاك فحبسه بها ثم قتله بعد ذلك في أوائل سنة خمس وعشرين وخمسمائة رحمه ~~الله تعالى وذكر ابن أخيه العماد الكاتب في كتاب الخريدة أن مولده بأصبهان ~~سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة وقتله سنة ست وعشرين وخمسمائة بتكريت وكان ~~قبضه ببغداد وذكر العماد الكاتب أنه لما قتل كان الأميران نجم الدين أيوب ~~أبو السلطان صلاح الدين وأخوه أسد الدين شيركوه في القلعة المذكورة متوليي ~~أمورها وأنهما دافعا عنه فما أجدى الدفاع PageV01P189 # وأله بفتح الهمزة وضم اللام وسكون الهاء لفظة عجمية ~~معناها بالعربية العقاب وقد تقدم الكلام في ضبط أصبهان فلا ms0111 حاجة إلى ~~الإعادة 79 أبو العباس القسطلاني الشيخ أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني ~~صحب الشيخ أبا عبد الله القرشي وانتفع به وتمت عليه بركته وروى عنه وجمع ~~جميع كلامه وما كان يصدر عنه في مجلد كبير ووقفت عليه ونقلت منه ما مثاله ~~قال أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني رحمه الله في ذي الحجة سنة عشر ~~وستمائة سمعت الشيخ زبا عبد الله القرشي يقول كنت عند الشيخ أبي إسحاق ~~إبراهيم بن طريف حاضرا فتى إليه إنسان فسأله هل يجوز للإنسان أن يعقد على ~~نفسه عقدا لا يحله إلا بنيل مطلوبه فقال الشيخ نعم واستدل بحديث أبي لبابة ~~الأنصاري في قصة بني النضير وقوله صلى الله عليه وسلم أما أنه لو أتاني ~~لاستغفرت له ولكن إذا فعل ذلك بنفسه فدعوه حتى يحكم اللهه فيه قال فسمعت ~~هذه المسألة وعقدت على نفسي أنني لا أتناول شيئا إلا بإظهار قدره فمكثت ~~ثلاثة أيام وكنت إذ ذاك أعمل في الحانوت صناعتي فبيناا أنا جالس على الكرسي ~~إذ ظهر لي شخص بيده شيء في إناء فقال لي اصبر إلى العشاء تأكل من هذا ثم ~~غاب عني فبينا أنا في وردي بين العشاءين إذ انشق الجدار وظهرت لي حوراء ~~بيدها ذلك الإناء الذي كان بيد ذلك الشخص فيه شيء يشبه العسل فتقدمت إلي ~~وألعقتني منه ثلاثا فصعقت وغشي علي ثم أفقت وقد ذهبت فلم يطب لي بعد ذلك ~~طعام وأشربت في قلبي تلك الصورة فما استحسنت بعدها شخصا ولا كنت أتمكن من ~~سماع كلام الخلق PageV01P190 # 80 أرتق أرتق بن أكسب جد الملوك الأرتقية هو رجل من ~~التركمان تغلب على حلوان والجبل ثم سار إلى الشام مفارقا لفخر الدولة أبي ~~نصر محمد بن جهير خائفا من السلطان محمد بن ملكشاه وذلك في سنة ثمان أو تسع ~~وأربعين وأربعمائة وملك القدس من جهة تاج الدولة تتش السلجوقي الآتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى ولما توفي أرتق في التاريخ المذكور فيه تولاه بعده ولداه ~~سكمان وإيلغازي ابنا أرتق ms0112 ولم يزالا به حتى قصدهما الأفضل شاهنشاه أمير ~~الجيوش الآتي ذكره إن شاء الله تعالى من مصر بالعساكر وأخذه منهما في شوال ~~سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وتوجها إلى بلاد الجزيرة الفراتية ووملكا ديار ~~بكر وصاحب قلعة ماردين الآن من أولاده وملك ولده نجم الدين إيلغازي مدينة ~~ماردين سنة إحدى وخمسمائة وكان ولاه السلطان محمد شحنكية بغداد وتوفي سكمان ~~بن أرتق بعلة الخوانيق في طريق الفرات بين طرابلس والقدس سنة ثمان وتسعين ~~وأربعمائة وكان أرتق رجلا شهما ذا عزمة وسعادة وجد واجتهاد وتوفي سنة أربع ~~وثمانين وأربعمائة رحمه الله تعالى وهو بضم الهمزة وسكون الراء وضم التاء ~~المثناة من فوقها وبعدها قاف وأكسب بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح السين ~~المهملة وبعدها باء موحدة وقيل هو أكسك بالكاف بدل الباء والله أعلم ~~PageV01P191 # 81 أرسلان البساسيري أبو الحارث أرسلان بن عبد الله ~~البساسيري التركي مقدم الأتراك ببغداد يقال إنه كان مملوك بهاء الدولة بن ~~عضد الدولة بن بويه والله أعلم وهو الذي خرج على الإمام القائم بأمر الله ~~ببغداد وكان قد قدمه على جميع الأتراك وقلده الأمور بأسرها وخطب له على ~~منابر العراق وخوزستان فعظم أمره وهابته الملوك ثم خرج على الإمام القائم ~~وأخرجه من بغداد وخطب للمستنصر العبيدي صاحب مصر فراح الإمام القائم إلى ~~أمير العرب محيي الدين أبي الحارث مهارش بن المجلي االعقيلي صاحب الحديثة ~~وعانة فآواه وقام بجميع ما يحتاج إليه مدة سنة كاملة حتى جاء طغرلبك ~~السلجوقي المذكور بعد هذا وقاتل البساسيري المذكور وقتله وعاد القائم إلى ~~بغداد وكان دخوله إليها في مثل اليوم الذي خرج منها بعد حول كامل وكان ذلك ~~من غرائب الاتفاق وقصته مشهورة وقتله عسكر السلطان طغرلبك السلجوقي ببغداد ~~يوم الخميس خامس عشر ذي الحجة وقال ابن العظيمي يوم الثلاثاء حادي عشر ذي ~~الحجة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وطيف برأسه في بغداد وصلب قبالة باب ~~النوبي والبساسيري بفتح الباء الموحدة والسين المهملة وبعد الألف سين مهملة ~~مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها راء ms0113 هذه النسبة إلى بلدة بفارس ~~يقال له بسا وبالعربية فسا والنسبة إليها بالعربي فسوي ومنها PageV01P192 # الشيخ أبو علي الفارسي النحوي صاحب الإيضاح ويقال له ~~فسوي أيضا وأهل فارس يقولون في النسبة إليها البساسيري وهي نسبة شاذة على ~~خلاف الأصل وكان سيد أرسلان المذكور من بسا فنسب المملوك إليه واشتهر ~~بالبساسيري هكذا ذكره السمعاني نقلا عن الأديب أبي العباس أحمد بن علي ابن ~~بابه القاشي وفي هذه اللفظة زيادة ليست في الأصل ومات الأمير مهارش بن ~~المجلي في صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة وقد ناهز ثمانين سنة وهو مهارش بن ~~المجلي بن عليث بن قبان بن شعب بن المقلد بن جعفر بن عمرو بن المهنا وبقية ~~نسبه ستأتي في ترجمة المقلد بن المسيب إن شاء الله تعالى 82 الملك العادل ~~أتابك أبو الحارث أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد ~~الدين زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل المعروف بأتابك الملقب الملك العادل نور ~~الدين بوسيأتي ذكر جماعة من أهل بيته إن شاء الله تعالى كل واحد في حرفه ~~ملك نور الدين المذكور الموصل بعد وفاة أبيه في التاريخ المذكور هناك وكان ~~ملكا شهما عارفا بالأمور وانتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه ولم يكن في ~~بيته شافعي سواه وبني مدرسة للشافعية بالموصل قل أن توجد مدرسة في حسنها ~~وتوفي ليلة الأحد التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وستمائة في شبارة ~~PageV01P193 # بالشط ظاهر الموصل والشبارة عندهم هي الحراقة بمصر ~~وكتم موته حتى دخل به إلى دار السلطنة بالموصل ودفن من تربته التي بمدرسته ~~المذكورة رحمه الله تعالى (23) وخلف ولدين هما الملك القاهر عز الدين مسعود ~~والملك المنصور عماد الدين زنكي وهما مذكوران في ترجمة جدهما عز الدين ~~مسعود بن مودود بن زنكي فليطلب منه إن شاء الله تعالى وقام بالمملكة بعده ~~ولده الملك القاهر كما هو مشروح هناك وهو أساذ الأمير بدر الدين أبي ~~الفضائل لؤلؤ الذي تغلب على الموصل وملكها في سنة ثلاثين وستمائة في أواخر ms0114 ~~شهر رمضان وكان قبل نائبا بها ثم استقل وهو المذكور في ترجمة عماد الدين بن ~~المشطوب 83 أزهر السمان أبو بكر أزهر بن سعد السمان الباهلي بالولاء البصري ~~روى الحديث عن حميد الطويل وروى عنه أهل العراق كان يصحب أبا جعفر المنصور ~~قبل أن يلي الخلافة فلما وليها جاءه أزهر مهنئا فحجبه المنصور فترصد له يوم ~~جلوسه العام وسلم عليه فقال له المنصور ما جاء بك قال جئت مهنئا بالأمر ~~فقال المنصور أعطوه ألف دينار وقولوا له قد قضيت وظيفة الهناء فلا تعد إلي ~~فمضى وعاد في قابل فحجبه فدخل عليه في مثل ذلك المجلس وسلم عليه فقال له ما ~~جاء بك فقال له سمعت أنك مرضت فجئتك عائدا فقال أعطوه ألف دينار وقولوا له ~~قد قضيت وظيفة العيادة PageV01P194 # فلا تعد إلي فإني قليل الأمراض فمضى وعاد في قابل فقال ~~له في مثل ذلك المجلس ما جاء بك فقال سمعت منك دعاء مستجابا فجئت لأتعلمه ~~منك فقال له يا هذا إنه غير مستجاب إني في كل سنة أدعو الله به أن لا ~~تأتيني وأنت تأتي وله وقائع وحكايات مشهورة وكانت ولادته سنة إحدى عشرة ~~ومائة وتوفي سنة ثلاث ومائتتين وقيل سبع ومائتين رحمه الله تعالى وأزهر ~~بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء وبعدها راء وهو اسم علم والسمان بفتح ~~السين المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون هذه النسبة إلى بيع السمن وحمله ~~والبصري بفتح الباء الموحدة وكسرها وسكون الصاد المهملة وبعدها راء هذه ~~النسبة إلى البصرة وهي من أشهر مدن العراق وهي إسلامية بناها عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في سنة أربع عشرة للهجرة على يد عتبة ابن غزوان رضي الله عنه ~~قال ابن قتيبة في كتاب أدب الكاتب في باب ما تغير من أسماء البلاد البصرة ~~الحجارة الرخوة فإن حذفوا الهاء قالوا البصر بكسر الباء وإنما أجازوا في ~~النسب بصري لذلك والبصر أيضا الحجارة الرخوة قاله في الصحاح 84 أسامة بن ~~منقذ أبو المظفر أسامة بن مرشد بن ms0115 علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني ~~PageV01P195 # الكلبي الشيزري الملقب مؤيد الدولة مجد الدين من أكابر ~~بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم له تصانيف عديدة في فنون الأدب ~~ذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل وأثنى عليه وعده في جملة من ~~ورد عليه وأورد له مقاطيع من شعره وذكره العماد الكاتب في الخريدة وقال بعد ~~الثناء عليه سكن دمشق ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم فانتقل إلى مصر ~~فبقي بها مؤمرا مشارا إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رزيك ثم عاد إلى ~~الشام وسكن دمشق ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا فأقام به حتى ملك السلطان ~~صلاح الدين رحمه الله تعالى دمشق فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين وقال ~~غير العماد إن قدومه مصر كان في أيام الظافر بن الحافظ والوزير يومئذ ~~العادل بن السلار فأحسن إليه وعمل عليه حتى قتل حسبما هو مشروح في ترجمته ~~قلت ثم وجدت جزءا كتبه بخطه للرشيد بن الزبير حتى يلحقه بكتاب الجنان وكتب ~~عليه أنه كتبه بمصر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة فيكون قد دخل مصر في أيامه ~~وأقام بها حتى قتل العادل بن السلار إذ لا خلاف أنه حضر هناك وقت قتله وله ~~ديوان شعر في جزأين موجود في أيدي الناس ورأيته بخطه ونقلت منه قوله (لا ~~تستعر جلدا على هجرانهم * فقواك تضعف من صدود دائم) (واعلم بأنك إن رجعت ~~إليهم * طوعا وإلا عدت عودة راغم) ونقلت منه في ابن طليب المصري وقد احترقت ~~داره (انظر إلى الأيام كيف تسوقنا * قسرا إلى الإقرار بالأقدار) (ما أوقد ~~ابن طليب قط بداره * نارا وكان خرابها بالنار) PageV01P196 # (10) ومما يناسب هذه الواقعة أن الوجيه ابن صورة ~~المصري دلال الكتب كانت له بمصر دار موصوفه بالحسن فاحترقت فعمل نشء الملك ~~أبو الحسن علي ابن مفرج المعروف بابن المنجم المعري الأصل المصري الدار ~~والوفاة (أقول وقد عاينت دار ابن صورة * وللنار فيها مارج يتضرم) (كذا كل ~~مال أصله من مهاوش * فعما قليل في نهابر يعدم) ms0116 (وما هو إلا كافر طال عمره * ~~فجاءته لما استبطأته جهنم) والبيت الثاني مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم ~~من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر والمهاوش الحرام والنهابر ~~المهالك والوجيه المذكور هو أبو الفتوح ناصر بن أبي الحسن علي بن خلف ~~الأنصاري المعروف بابن صورة وكان سمسارا في الكتب بمصر وله في ذلك حظ كبير ~~وكان يجلس في دهليز داره لذلك يوجتمع عنده في يومي الأحد والأربعاء أعيان ~~الرؤساء والفضلاء ويعرض عليهم الكتب التي تباع ولا يزالون عنده إلى انقضاء ~~وقت السوق فلما ماتت السلفي سار إلى الإسكندرية لبيع كتبه ومات في السادس ~~عشر من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستمائة بمصر ودفن بقرافتها رحمه الله تعالى ~~ولابن منقذ من قطعه يصف ضعفه (فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما * من بعد حطم ~~القنا في لبة الأسد) ونقلت من ديوانه أيضا أبياتا كتبها إلى أبيه مرشد ~~جوابا عن أبيات كتبها أبوه إليه وهي PageV01P197 # (وما أشكو تلون أهل ودي * ولو أجدت شكيتهم شكوت) (مللت ~~عتابهم ويئست منهم * فما أرجوهم فيمن رجوت) (إذا أدمت قوارصهم فؤادي * كظمت ~~على أذاهم وانطويت) (ورحت عليهم طلق المحيا * كأني ما سمعت ولا رأيت) ~~(تجنوا لي ذنوبا ما جنتها * يداي ولا أمرت ولا نهيت) (ولا والله ما أضمرت ~~غدرا * كما قد أظهروه ولا نويت) (ويوم الحشر موعدنا وتبدو * صحيفة ما جنوه ~~وما جنيت) وله بيتان في هذا الروي والوزن كتبهما في صدر كتاب إلى بعض أهل ~~بيته في غاية الرقة والحسن وهما (شكا ألم الفراق الناس قبلي * وروع بالنوي ~~حي وميت) (وأما مثل ما ضمت ضلوعي * فإني ما سمعت ولا رأيت) والشيء بالشيء ~~يذكر أنشدني الأديب أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم المعروف بالجزار المصري ~~لنفسه في بعض أدباء مصر وكان شيخا كبيرا وظهر عليه جرب فالتطخ بالكبريت قال ~~فلماا بلغني ذلك كتبت إليه (أيها السيد الأديب دعاء * من محب خال من ~~التنكيت) (أنت شيخ وقد قربت من النار * فكيف ادهنت بالكبريت) ونقلت من خط ms0117 ~~الأمير أبي المظفر أسامة بن منقذ المذكور لنفسه وقد قلع ضرسه وقال عملتهما ~~ونحن بظاهر خلاط وهو معنى غريب ويصلح أن يكون لغزا في الضرس (وصاحب لا أمل ~~الدهر صحبته * يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد) PageV01P198 # (لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا * لناظري افترقنا فرقه ~~الأبد) قال العماد الكاتب وكنت أتمنى أبدا لقياه وأشيم على البعد حياه حتى ~~لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين وسألته عن مولده فقال يوم الأحد السابع ~~والعشرين من جمادي الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة أ ه قلت بقلعة شيزر ~~وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وثمانين ~~وخمسمائة بدمشق رحمه الله تعالى ودفن من الغد شرقي جبل قاسيون ودخلت تربته ~~وهي على جانب نهر يزيد الشمالي وقرأت عنده شيئا من القرآن وترحمت عليه ~~وتوفي والده أبو أسامة مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~وشيزر بفتح الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها زاي مفتوحة ~~ثم راء قلعة بالقرب من حماة وهي معروفة بهم وسيأتي ذكرها في حرف العين عند ~~ذكر جده علي بن مقلد إن شاء الله تعالى 85 ابن راهويه أبو يعقوب إسحاق بن ~~أبي الحسن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله ابن مطر بن عبيد الله بن ~~غالب بن عبد الوراث بن عبيد الله بن عطية بن مرة بن كعب بن همام بن أسد بن ~~مرة بن عمرو بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ابن مرة الحنظلي المروزي ~~المعروف بابن راهويه جمع بين الحديث والفقه والورع وكان أحد أئمة الإسلام ~~ذكره الدارقطني فيمن روى عن الشافعي PageV01P199 # رضي الله عنه وعده البيهقي في أصحاب الشافعي وكان قد ~~ناظر الشافعي في مسألة جواز بيع دور مكة وقد استوفى الشيخ فخر الدين الرازي ~~صورة ذلك المجلس الذي جرى بينهما في كتابه الذي سماه مناقب الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه فلما عرف فضله نسخ كتبه وجمع مصنفاته بمصر قال أحمد بن حنبل ~~رضي الله عنه إسحاق عندنا ms0118 إمام من أئمة المسلمين وما عبر الجسر أفقه من ~~إسحاق وقال إسحاق أحفظ سبعين ألف حديث وأذاكر بمائة ألف حديث وما سمعت شيئا ~~قط إلا حفظته ولا حفظت شيئا قط فنسيته وله مسند مشهور وكان قد رحل إلى ~~الحجاز والعراق واليمن والشام وسمع من سفيان بن عيينة ومن في طبقته وسمع ~~منه البخاري ومسلم والترمذي وكانت ولادته سنة إحدى وستين سنة ثلاث وستين ~~وقيل سنة ست وستين ومائة وسكن في آخر عمره نيسابور وتوفي بها ليلة الخميس ~~النصف من شعبان وقيل الأحد وقيل السبت سنة ثمان وقيل سبع وثلاثين ومائتين ~~وقيل سنة ثلاثين ومائتين رحمه الله تعالى وراهويه بفتح الراء وبعد الألف ~~هاء ساكنة ثم واو مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة ~~لقب أبيه أبي الحسن إبراهيم وإنما لقب بذلك لأنه ولد في طريق مكة والطريق ~~بالفارسية راه وويه معناه وجد فكأنه وجد في الطريق وقيل فيه أيضا راهويه ~~بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء وقال إسحاق المذكور قال لي عبد الله بن ~~طاهر أمير خراسان لم قيل لك ابن راهويه وما معنى هذا وهل تكره أن يقال لك ~~هذا قلت أعلم أيها الأمير أن أبي ولد في الطريق فقالت المراوزة راهويه لأنه ~~ولد في الطريق وكان أبي يكره هذا وأما أنا فلست أكره ذلك ومخلد بفتح الميم ~~وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها دال مهملة والحنظلي بفتح الحاء ~~المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة وبعدها PageV01P200 # لام هذه النسبة إلى حنظلة بن مالك ينسب إليه بطن من ~~تميم والمروزي قد تقدم القول فيه في المروروذي 86 ابن مرار الشيباني أبو ~~عمرو إسحاق بن مرار الشيباني النحوي اللغوي هو من رمادة الكوفة ونزل إلى ~~بغداد وهو من المولي وجاور شيبان للتأديب فيها فنسب إليها وكان من الأئمة ~~الأعلام في فنونه وهي اللغة والشعر وكان كثير الحديث كثير السماع ثقة وهو ~~عند الخاصة من أهل العلم والرواية مشهور معروف والذي قصر به عند العامة من ~~أهل العلم أنه ms0119 كان مشتهرا بشرب النبيذ وأخذ عنه جماعة كبار منهم الإمام ~~أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام ويعقوب بن السكيت صاحب إصلاح المنطق ~~وقال في حقه عاش مائة وثماني عشرة سنة وكان يكتب بيده إلى أن مات وكان ربما ~~استعار الكتاب مني وأنا إذ ذاك صبي أخذ عنه وأكتب من كتبه وقال ابن كامل ~~مات إسحاق بن مرار في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم النديم ~~الموصلي سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد وقال غيره بل توفي سنة ست ومائتين ~~وعمره مائة وعشر سنين وهو الأصح رحمه الله تعالى وله من التصانيف كتاب ~~الخيل وكتاب اللغات وهو المعروف بالجيم ويعرف أيضا بكتاب الحروف وكتاب ~~النوادر الكبير ثلاث نسخ وكتاب PageV01P201 # غريب الحديث وكتاب النخلة وكتاب الإبل وكتاب خلق ~~الإنسان وكان قد قرأ دواوين الشعراء على المفضل الضبي وكان الغالب عليه ~~النوادر وحفظ الغريب وأراجيز العرب قال ولده عمرو لما جمع أبي أشعار العرب ~~ودونها كانت نيفا وثمانين قبيلة وكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى ~~الناس كتب مصحفا وجعله بمسجد الكوفة حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا بخطه ومرار ~~بكسر الميم وبعدها راءان بينهما ألف والشيباني قد تقدم القول فيه وقيل توفي ~~يوم الشعانين سنة عشر والله أعلم 87 إسحاق الموصلي أبو محمد إسحاق بن ~~إبراهيم بن ماهان بن بهمن بن نسك التميمي بالولاء الأرجاني الأصل المعروف ~~بابن النديم الموصلي وقد سبق ذكر أبيه والكلام في نسبته ونسبه فأغني عن ~~الإعادة كان من ندماء الخلفاء وله الظرف المشهور والخلاعة والغناء اللذان ~~تفرد بهما وكان من العلماء باللغة والأشعار وأخبار الشعراء وأيام الناس ~~وروى عنه مصعب بن عبد الله الزبيري والزبير ابن بكار وغيرهما وكان له يد ~~طولى في الحديث والفقه وعلم الكلام قال محمد بن عطية العطوي الشاعر كنت في ~~مجلس القاضي يحيى بن أكثم فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي وأخذ يناظر أهل ~~الكلام حتى انتصف PageV01P202 # منهم ثم تكلم في الفقه فأحسن وقاس واحتج وتكلم في ~~الشعر واللغة ففاق من حضر ms0120 ثم أقبل على القاضي يحيى فقال له أعز الله القاضي ~~أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن قال لا قال فما بالي أقوم بسائر ~~هذه العلوم قيام أهلها وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه يعني الغناء ~~قال العطوي فالتفت إلي القاضي يحيى وقال لي الجواب في هذا عليك وكان العطوي ~~من أهل الجدل فقال للقاضي يحيى نعم أعز الله القاضب الجواب علي ثم أقبل على ~~إسحاق فقال يا أبا محمد أنت كالفراء والأخفش في النحو فقال لا فقال فأنت في ~~اللغة ومعرفة الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة قال لا قال فأنت في علم الكلام ~~كأبي الهذيل العلاف والنظام البلخي قال لا قال فأنت في الفقه كالقاضي وأشار ~~إلى القاضي يحيى قال لا قال فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس قال ~~لا قال فمن ههنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه وأنت في غيره ~~دون رؤساء أهله فضحك وقام وانصرف فقال القاضي يحيى للعطوي لقد وفيت الحجة ~~حقها وفيها ظلم قليل لإسحاق وإنه ممن يقل في الزمان نظيره وذكر صاحبنا عماد ~~الدين أبو المجد إسماعيل بن باطيش الموصلي في كتابه الذي سماه التمييز ~~والفصل أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي كان مليح المحاورة والنادرة ظريفا ~~فاضلا كتب الحديث عن سفيان بن عيينة ومالك بن أنس وهشيم بن بشير وأبي ~~معاوية الضرير وأخذ الأدب عن الأصمعي وأبي عبيدة وبرع في علم الغناء فغلب ~~عليه ونسب إليه وكان الخلفاء يكرمونه ويقربونه وكان المأمون يقول لولا ما ~~سبق لإسحاق على ألسنة الناس واشتهر بالغناء لوليته القضاء فإنه أولى وأعف ~~وأصدق وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة ولكنه اشتهر بالغناء وغلب على ~~جميع علومه مع أنه أصغرها عنده ولم يكن له فيه نظير وله نظم جيد وديوان شعر ~~فمن شعره ما كتبه إلى هارون الرشيد (وآمره بالبخل قلت لها اقصري * فليس إلى ~~ما تأمرين سبيل) PageV01P203 # (أرى الناس خلان الجواد ولا أرى * بخيلا له في ~~العالمين خليل) (وإني ms0121 رأيت البخل يزري بأهله * فأكرمت نفسي أن يقال بخيل) ~~(ومن خير حالات الفتى لو علمته * إذا نال شيئا أن يكون ينيل) (عطائي عطاء ~~المكثرين تكرما * ومالي كما قد تعلمين قليل) (وكيف أخاف الفقر أو أحرم ~~الغنى * ورأي أمير المؤمنين جميل) (24) وكان كثير الكتب حتى قال أبو العباس ~~ثعلب رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب وكلها بسماعه وما رأيت ~~اللغة في منزل أحد قط أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي ونقلت ~~من حكاياته أنه قال كان لنا جار يعرف بأبي حفص وينبز باللوطي فمرض جار له ~~فعاده فقال له كيف تجدك أما تعرفني فقال له المريض بصوت ضعيف بلى أنت أبو ~~حفص اللوطي فقال له تجاوزت حد المعرفة لا رفع الله جنبك وكان المعتصم يقول ~~ما غناني إسحاق بن إبراهيم قط إلا خيل لي أنه قد زيد في ملكي وأخباره كثيرة ~~وكان قد عمي في أواخر عمره قبل موته بسنتين ومولده في سنة خمسين ومائة وهي ~~السنة التي ولد فيها الإمام الشافعي رضي الله عنه كما سيأتي في موضعه إن ~~شاء الله تعالى وتوفي في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين بعلة الذرب ~~وقيل في شوال سنة ست وثلاثين والأول أشهر وقيل توفي يوم الخميس بعد الظهر ~~لخمس خلون من ذي الحجة سنة ست وثلاثين رحمه الله تعالى ورثاه بعض أصحابه ~~بقوله (أصبح اللهو تحت عفر التراب * ثاويا في محلة الأحباب) (إذ مضى ~~الموصلي وانقرض الأنس * ومجت مشاهد الأطراب) (بكت الملهيات حزنا عليه * ~~وبكاه الهوى وصفو الشراب) PageV01P204 # (وبكت آلة المجالس حتى * رحم العود عبرة المضراب) وقيل ~~إن هذه المرثية في أبيه إبراهيم والصحيح الأول 88 إسحاق بن حنين أبو يعقوب ~~إسحاق بن حنين بن إسحاق العبادي الطبيب المشهور كان أوحد عصره في علم الطب ~~وكان يلحق بأبيه في النقل وفي معرفته باللغات وفصاحته فيها وكان يعرب كتب ~~الحكمة التي بلغة اليونانيين إلى اللغة العربية كما كان يفعل أبوه إلا أن ~~الذي يوجد من تعريبه في كتب ms0122 الحكمة من كلام أرسطاطاليس وغيره أكثر مما يوجد ~~من تعريبه لكتب الطب وكان قد خدم من الخلفاء والرؤساء من خدمه أبوه ثم ~~انقطع إلى القاسم بن عبيد الله وزير الإمام المعتضد بالله واختص به حتى إن ~~الوزير المذكور كان يطلعه على أسراره ويفضي إليه بما يكتمه عن غيره وذكر ~~ابن بطلان في كتاب دعوة الأطباء أن الوزير المذكور بلغه أن إسحاق المذكور ~~استعمل دواء مسهلا فأحب مداعبته فكتب إليه (أبن لي كيف أمسيت * وما كان من ~~الحال) (وكم سارت بك الناقة * نحو المنزل الخالي) PageV01P205 # فكتب إليه جوابه (بخير بت مسرورا * رخي البال والحال) ~~(فأما السير والناقة * والمرتبع الخالي) (فإجلالك أنسانيه * يا غاية آمالي) ~~وكنت قد وقفت في كتاب الكنايات على مثل هذه القضية فذكر أن الأول كتب ~~البيتين الأولين وأن الثاني كتب الجواب (كتبت إليك والنعلان ما إن * أقلهما ~~من المشي العنيف) (فإن رمت الجواب إلي فاكتب * على العنوان يوصل في الكنيف) ~~وله ولأبيه المصنفات المفيدة في الطب وسيأتي ذكر أبيه إن شاء الله تعالى ~~ولحقه الفالج في آخر عمره وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ~~وقيل تسع وتسعين ومائتين والعبادي بكسر العين المهملة وفتح الباء الموحدة ~~وبعد الألف دال مهملة هذه النسبة إلى عباد الحيرة وهم عدة بطون من قبائل ~~شتى نزلوا الحيرة وكانوا نصارى ينسب إليهم خلق كثير منهم عدي بن زيد ~~العبادي الشاعر المشهور وغيره قال الثعلبي في تفسيره في سورة المؤمنين في ~~قوله تعالى فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون أي مطيعون ~~متذللون والعرب تسمي كل من دان لملك عابدا له ومن ذلك قيل لأهل الحيرة ~~العباد لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم والحيرة بكسر الحاء المهملة وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها هاء وهي مدينة قديمة كانت لبني ~~المنذر ومن تقدمهم من ملوك العرب مثل عمرو بن عدي اللخمي وهو جد بني المنذر ~~ومن بعده من أبنائه وكانت PageV01P206 # 207 @ من قبل عمرو لخاله جذيمة الأبرش الأزدي صاحب ~~الزباء وخربت ms0123 الحيرة وبنيت الكوفة في الإسلام على ظهرها في سنة سبع عشرة ~~للهجرة بناها عمر ابن الخطاب رضي الله عنه على يد سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه 89 الميهني أبو الفتح أسعد بن أبي نصر ابن أبي الفضل الميهني الفقيه ~~الشافعي الملقب مجد الدين كان إماما مبرزا في الفقه والخلاف وله فيه تعليقة ~~مشهورة تفقه بمرو ثم رحل إلى غزنة واشتهر بتلك الديار وشاع فضله وقد مدحه ~~الغزي المقدم ذكره ثم ورد إلى بغداد وفوض إليه تدريس المدرسة النظامية ~~ببغداد مرتين فالأولى في سنة سبع وخمسمائة ثم عزل في ثامن عشر شعبان سنة ~~ثلاث عشرة والمرة الثانية في سنة سبع عشرة في شعبان وخرج إلى العسكر في ذي ~~القعدة من السنة وتولى غيره مكانه واشتغل عليه الناس وانتفعوا به وبطريقته ~~الخلافية وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في الذيل وقال قدم علينا من جهة ~~السلطان محمود السلجوقي رسولا إلى مرو ثم توجه رسولا من بغداد إلى همذان ~~فتوفي بها سنة سبع وعشرين وخمسمائة رحمه الله تعالى قال السمعاني في الذيل ~~سمعت أبا بكر محمد بن علي بن عمر الخطيب يقول سمعت فقيها من أهل قزوين وكان ~~يخدم الإمام أسعد في آخر عمره بهمذان قال كنا في بيت وقت أن قرب أجله فقال ~~لنا اخرجوا من ههنا فخرجنا فوقفت على الباب وتسمعت فسمعته يلطم وجهه ويقول ~~يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وجعل يبكي ويلطم وجهه ويردد هذه الكلمة ~~إلى أن مات رحمه الله تعالى ذكر لي هذا أو معناه فإني كتبته من حفظي ~~PageV01P207 # والميهني بكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وفتح الهاء والنون وهذه النسبة إلى ميهنة وهي قرية من قرى خابران وهي ناحية ~~بين سرخس وأبيورد من إقليم خراسان 90 منتجب الدين العجلي أبو الفتوح أسعد ~~بن أبي الفضائل محمود بن خلف بن أحمد بن محمد العجلي الأصبهاني الملقب ~~منتجب الدين الفقيه الشافعي الواعظ كان من الفقهاء الفضلاء الموصوفين ~~بالعلم والزهد مشهورا بالعبادة والنسك والقناعة لا ms0124 يأكل إلا من كسب يده ~~وكان يورق ويبيع ما يتقوت به وسمع ببلده الحديث على أم إبراهيم فاطمة بنت ~~عبد الله الجوزدانية والحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد ابن الفضل وأبي ~~الوفاء غانم بن أحمد بن الحسن الجلودي وأبي الفضل عبد الرحيم ابن أحمد بن ~~محمد البغدادي وأبي المطهر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصيدلاني وغيرهم ~~وقدم بغداد وسمع بها من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن سليمان المعروف ~~بابن البطي في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وغيره وله إجازة حدث بها من أبي ~~القاسم زاهر بن طاهر الشحامي وأبي الفتح إسماعيل بن الفضل الإخشيد ~~PageV01P208 # وأبي المبارك عبد العزيز بن محمد الأزدي وغيرهم وعاد ~~إلى بلده وتبحر ومهر واشتهر وصنف عدة تصانيف فمن ذلك شرح مشكلات الوجيز ~~والوسيط للغزالي تكلم في المواضع المشكلة من الكتابين ونقل من الكتب ~~المبسوطة عليهما وله كتاب تتمة التتمة لأبي سعد المتولي وعليه كان الاعتماد ~~في الفتوى بأصبهان وكان مولده في أحد الربيعين سنة خمس أو أربع عشرة ~~وخمسمائة بأصبهان وتوفي بها في ليلة الخميس الثاني والعشرين من صفر سنة ~~ستمائة رحمه الله تعالى والعجلي بكسر العين المهملة وسكون الجيم وبعدها لام ~~هذه النسبة إلى عجل بن لجيم وهي قبيلة كبيرة مشهورة بن بني ربيعة الفرس ~~ولجيم بضم اللام وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ميم وهو ~~عجل ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل قال أبو عبيدة كان عجل بن لجيم ~~يعد في الحمقى بين العرب وكان له فرس جواد فقيل له إن لكل فرس جواد اسما ~~فما اسم فرسك فقال لم أسمه بعد فقيل له فسمه ففقأ إحدى عينيه وقال قد سميته ~~الأعور وفيه قال بعض شعراء العرب (رمتني بنو عجل بداء أبيهم * وهل أحد في ~~الناس أحمق من عجل) (أليس أبوهم عار عين جواده * فسارت به الأمثال في الناس ~~بالجهل) يقال عار العين بالعين المهملة إذا فقأها PageV01P209 # 91 الأسعد ابن مماتي القاضي الأسعد أبو المكارم أسعد ms0125 ~~بن الخطير أبي سعيد مهذب بن مينا بن زكريا بن أبي قدامة ابن أبي مليح مماتي ~~المصري الكاتب الشاعر كان ناظر الدواوين بالديار المصرية وفيه فضائل وله ~~مصنفات عديدة ونظم سيرة السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ونظم كتاب ~~كليلة ودمنة وله ديوان شعر رأيته بخط ولده ونقلت منه مقاطبع فمن ذلك قوله ~~(تعاتبني وتنهي عن أمور * سبيل الناس أن ينهوك عنها) (أتقدر أن تكون كمثل ~~عيني * وحقك ما علي أضر منها) وله في شخص ثقيل رآه بدمشق (حكى نهرين ما في ~~الأرض * من يحكيهما أبدا) (حكى في خلقه ثوري * وفي أخلاقه بردى) وقد أخذ ~~ابن مماتي معنى بيتيه هذين من قول بعضهم (ضاهى ابن بشران مدينة جلق * ~~فكلاهما يوم الفخار فريد) (ألفاظه بردى وصورة خلقه * ثوري ونقص العقل منه ~~يزيد) وله من جملة قصيدة طويلة (لنيرانه في الليل أي تحرق * على الضيف إن ~~أبطا وأي تلهب) PageV01P210 # (وما ضر من يعشو إلى ضوء ناره * إذا هو لم ينزل بآل ~~المهلب) وله في غلام نحوي (وأهيف أحدث لي نحوه * تعجبا يعرب عن ظرفه) ~~(علامة التأنيث في لفظه * وأحرف العلة في طرفه) ومن شعره ثلاثة أبيات ~~مذكورة في ترجمة يحيى بن نزار المنبجي في حرف الياء وفي شعره أشياء حسنة ~~وذكره العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة وأورد له عدة مقاطيع ثم أعقبه بذكر ~~أبيه الخطير وذكر كثيرا من شعره فمن ذلك قوله في كتمان السر وبالغ فيه ~~(وأكتم السر حتى عن إعادته * إلى المسر به من غير نسيان) (وذاك أن لساني ~~ليس يعلمه * سمعي بسر الذي قد كان ناجاني) وقال لقيته بالقاهرة متولي ديوان ~~جيش الملك الناصر وكان هو وجماعته نصارى فأسلموا في ابتداء الملك الصلاحي ~~وللمهذب ابن الخيمي في الأسعد ابن مماتي المذكور يهجوه (وحديث الإسلام واهي ~~الحديث * باسم الثغر عن ضمير خبيث) (لو رأى بعض شعره سيبويه * زاده في ~~علامة التأنيث) وكان الحافظ أبو الخطاب ابن دحية المعروف بذي النسبين رحمه ~~الله تعالى عند وصوله إلى مدينة إربل ورأى اهتمام ms0126 سلطانها الملك المعظم ~~مظفر الدين ابن زين الدين رحمه الله تعالى بعمل مولد النبي صلى الله عليه ~~وسلم حسبما هو مشروح في حرف الكاف من هذا الكتاب عند ذكر اسمه صنف له كتابا ~~سماه PageV01P211 # التنوير في مدح السراج المنير وفي آخر الكتاب قصيدة ~~طويلة مدح بها مظفر الدين أولها (لولا الوشاة وهم * أعداؤنا ما وهموا) وقرأ ~~الكتاب والقصيدة عليه وسمعنا نحن الكتاب على مظفر الدين في شعبان سنة ست ~~وعشرين وستمائة والقصيدة فيه ثم بعد ذلك رأيت هذه القصيدة بعينها في مجموعة ~~منسوبة إلى الأسعد ابن مماتي المذكور فقلت لعل الناقل غلط ثم بعد ذلك ~~رأيتها في ديوان الأسعد بكمالها مدح بها السلطان الملك الكامل رحمه الله ~~تعالى فقوي الظن ثم إني رأيت أبا البركات ابن المستوفي قد ذكر هذه القصيدة ~~في تاريخ إربل عند ذكر ابن دحية وقال سألته عن معنى قوله فيها (يفديه من ~~عطا جمادي * كفه المحرم) فما أحار جوابا فقلت لعله مثل قول بعضهم (تسمى ~~بأسماء الشهور فكفه * جمادي وما ضمت عليه المحرم) قال فتبسم وقال هذا أردت ~~فلما وقفت على هذا ترجح عندي أن القصيدة للأسعد المذكور فإنها لو كانت لأبي ~~الخطاب لما توقف في الجواب وأيضا فإن إنشاد القصيدة لصاحب إربل كان في سنة ~~ست وستمائة والأسعد المذكور توفي في هذه السنة كما سيأتي وهو مقيم بحلب لا ~~تعلق له بالدولة العادلية وبالجملة فالله أعلم لمن هي منهما (26) وكان ~~الأسعد المذكور قد خاف على نفسه من الوزير صفي الدين بن شكر فهرب من مصر ~~مستخفيا وقصد مدينة حلب لائذا بجناب السلطان الملك الظاهر رحمه الله تعالى ~~وأقام بها حتى توفي في سلخ جمادي الأولى سنة ست وستمائة يوم الأحد وعمره ~~اثنتان وستون سنة رحمه الله تعالى ودفن في المقبرة المعروفة بالمقام على ~~جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ علي الهروي وتوفي أبوه الخطير في يوم ~~الأربعاء سادس شهر رمضان من سنة PageV01P212 # سبع وسبعين وخمسمائة ومينا بكسر الميم وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وفتح النون ms0127 وبعدها ألف ومماتي بفتح الميمين والثانية ~~منهما مشددة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها وهي مكسورة وبعدها ياء مثناة من ~~تحتها وهو لقب أبي مليح المذكور وكان نصرانيا وإنما قيل له مماتي لأنه وقع ~~في مصر غلاء عظيم وكان كثير الصدقة والإطعام وخصوصا لصغار المسلمين فكانوا ~~إذا رأوه ناداه كل واحد منهم مماتي فاشتهر به هكذا أخبرني الشيخ الحافظ زكي ~~الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري نفع الله به ثم أنشدني عقيب هذا القول ~~مرثية فيه وقال أظن هذين البيتين لأبي طاهر ابن مكنسة المغربي وهما (طويت ~~سماء المكرمات * وكورت شمس المديح) (من ذا أؤمل أو أرجي * بعد موت أبي ~~المليح) ثم كشفت عنهما فوجدتهما له وله فيه مدائح أيضا وكان أبو الطاهر ابن ~~مكنسة خصيصا بأبي مليح مماتي جد الأسعد المذكور وكان في بستانه المعروف ~~بظاهر مصر مجاور جامع راشدة الحاكمي منظرته المعروفة بالنزهة ولها البئر ~~الموصوف ماؤها بشدة البرد والحلاوة في الصيف حتى إن صاحب قصر الحكمة كان ~~ينفذ من يأخذ من مائها لشربه وفيها يقول بن مكنسة من جملة قصيدة يمدحه بها ~~ويصف المنظرة (ومن عجائبها البئر التي انفردت * بالقر في الحر والأمواه ~~تضطرم) (كأنما ماؤها في كل هاجرة * ريق الحبيب عقيب الهجر وهي فم) ~~PageV01P213 # 92 البهاء السنجاري أبو السعادات أسعد بن يحيى بن موسى ~~بن منصور بن عبد العزيز بن وهب ابن هبان بن سوار بن عبد الله بن رفيع بن ~~ربيعة بن هبان السلمي السنجاري الفقيه الشافعي الشاعر المنعوت بالبهاء كان ~~فقيها وتكلم في الخلاف إلا أنه غلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به وخدم به ~~الملوك وأخذ جوائزهم وطاف البلاد ومدح الأكابر وشعره كثير في أيدي الناس ~~يوجد قصائد ومقاطيع ولم أقف له على ديوان ولم أدر هل دون شعره أم لا ثم ~~وجدت له في خزانة كتب التربة الأشرفية بدمشق ديوانا في مجلد كبير ومن شعره ~~من جملة قصيدة مدح بها القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري (وهواك ما خطر ~~السلو بباله * ولأنت أعلم ms0128 في الغرام بحاله) (ومتى وشى واش إليك بأنه * سال ~~هواك فذاك من عذاله) (أوليس للكلف المعنى شاهد * من حاله يغنيك عن تسآله) ~~(جددت ثوب سقامه وهتكت ستر غرامه * وصرمت حبل وصاله) (أفزلة سبقت له أم خلة ~~* مألوفة من تيهه ودلالة) (يا للعجائب من أسير دأبه * يفدي الطليق بنفسه ~~وبماله) (بأبي وأمي نابل بلحاظه * لا تتقي بالدرع حد نباله) PageV01P214 # (ريان من ماء الشبيبة والصبا * شرقت معاطفه بطيب ~~زلاله) (تسري النواظر في مراكب حسنه * فتكاد تغرق في بحار جماله) (فكفاه ~~عين كماله في نفسه * وكفى كمال الدين عين كماله) (كتب العذار على صحيفة خده ~~* نونا وأعجمها بنقطة خاله) (فسواد طرته كليل صدوده * وبياض غرته كيوم ~~وصاله) ولولا خوف الإطالة لذكرتها جميعها وهذا القدر هو المشهور له وقد ~~أضافوا إليها بيتين ولا أتحققهما فتركتهما وله أيضا من جملة قصيدة (ومهفهف ~~حلو الشمائل فاتر * الألحاظ فيه طاعة وعقوق) (وقف الرحيق علي مراشف ثغره * ~~فجرى به من خده راووق) (سدت محاسنه على عشاقه * سبل السلو فما إليه طريق) ~~وله من قصيدة أخرى (هبت نسيمات الصبا سحرة * ففاح منها العنبر الأشهب) ~~(فقلت إذ مرت بوادي الغضا * من أين هذا النفس الطيب) (11) وكان قد جاءنا ~~ونحن في بلادنا في سنة ثلاث وعشرين وستمائة الشيخ جمال الدين أبو المظفر ~~عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن السنينيرة الواسطي وكان من أعيان شعراء ~~عصره ونزل عندنا بالمدرسة المظفرية وكان قد طاف البلاد ومدح الملوك وأجازوه ~~الجوائز السنية وإذا قعد حضر عنده كل من له عناية بالأدب وتجري بينهم ~~محاضرات ومذاكرات لطيفة وكان قد طعن في السن فقال يوما رافقني البهاء ~~السنجاري في بعض الأسفار من سنجار إلى رأس عين أو قال من رأس عين إلى سنجار ~~فنزلنا في الطريق من مكان وكان PageV01P215 # له غلام اسمه إبراهيم وكان يأنس به فأبعد عنا الغلام ~~فقام يطلبه فناداه يا إبراهيم يا إبراهيم مرارا فلم يسمع نداءه لبعده عنا ~~وكان ذلك الموضع له صدى فكلما قال يا إبراهيم أجابه الصدى يا إبراهيم فقعد ~~ساعة ms0129 ثم انشدني (بنفسي حبيب جار وهو مجاور * بعيد عن الأبصار وهو قريب) ~~(يجيب صدى الوادي إذا ما دعوته * على أنه صخر وليس يجيب) وكان للبهاء ~~السنجاري صاحب وبينهما مودة أكيدة واجتماع كثير ثم جرى بينهما في بعض ~~الأيام عتاب وانقطع ذلك الصاحب عنه فسير إليه يعتبه لا نقطاعه فكتب إليه ~~بيتي الحريري اللذين ذكرهما في المقامة الخامسة عشرة وهما (لا تزر من تحب ~~في كل شهر * غير يوم ولا تزده عليه) (فاجتلاء الهلال في الشهر يوم * ثم لا ~~تنظر العيون إليه) فكتب إليه البهاء من نظمه (إذا حققت من خل ودادا * فزره ~~ولا تخف منه ملالا) (وكن كالشمس تطلع كل يوم * ولاتك في زيارته هلالا) وله ~~وهما من شعره السائر (لله أيامي على رامة * وطيب أوقاتي على حاجر) (تكاد ~~للسرعة في مرها * أولها يعثر بالآخر) وله من قصيدة في وصف الخمر وهو معنى ~~مليح (كادت تطير وقد طرنا بها طربا * لولا الشباك التي صيغت من الحبب) ~~وذكره عماد الدين الأصبهاني الكاتب في كتاب السيل والذيل وقال أنشدني لنفسه ~~PageV01P216 # (ومن العجائب أنني * في لج بحر الجود راكب) (وأموت من ~~ظمأ ولكن * عادة البحر العجائب) وله أشياء حسنة وكانت ولادته سنة ثلاث ~~وثلاثين وخمسمائة وتوفي في أوائل سنة اثنتين وعشرين وستمائة بسنجار رحمه ~~الله تعالى 93 المزني صاحب الشافعي أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل ~~بن عمرو بن إسحاق المزني صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه هو من أهل مصر ~~وكان زاهدا عالما مجتهدا محجاجا غواصا على المعاني الدقيقة وهو إمام ~~الشافعيين وأعرفهم بطرقه وفتاويه وما ينقله عنه صنف كتبا كثيرة في مذهب ~~الإمام الشافعي منها الجامع الكبير والجامع الصغير ومختصر المختصر والمنثور ~~والمسائل المعتبرة والترغيب في العلم وكتاب الوثائق وغير ذلك وقال الشافعي ~~رضي الله عنه في حقه المزني ناصر مذهبي وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها ~~مختصره قام إلى المحراب وصلى ركعتين شكرا لله تعالى وقال أبو العباس أحمد ~~بن سريج يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفض ms0130 وهو أصل الكتب المصنفة ~~في مذهب الشافعي رضي الله عنه وعلى مثاله رتبوا ولكلامه فسروا وشرحوا ولما ~~ولي القاضي بكار بن قتيبة الآتي ذكره إن شاء الله تعالى القضاء بمصر ~~PageV01P217 # وجاءها من بغداد وكان حنفي المذهب تتوقع الاجتماع ~~بالمزني مدة فلم يتفق له فاجتمعا يوما في صلاة جنازة فقال القاضي بكار لأحد ~~أصحابه سل المزني شيئا حتى أسمع كلامه فقال له ذلك الشخص يا أبا إبراهيم قد ~~جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وجاء تحليله أيضا فلم قدمتم التحريم على ~~التحليل فقال المزني لم يذهب أحد من العماء إلى أن النبيذ كان حراما في ~~الجاهلية ثم حلل ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا فهذا يعضد صحة الأحاديث ~~بالتحريم فاستحسن ذلك منه وهذا من الأدلة القاطعة وكان في غاية الورع وبلغ ~~من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة من كوز نحاس فقيل له في ذلك ~~فقال بلغني أنهم يستعملون السرجين في الكيزان والنار لا تطهرها وقيل إنه ~~كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلى منفردا خمسا وعشرين صلاة استدراكا ~~لفضيلة الجماعة متسندا في ذلك إلى قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة ~~أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة وكان من الزهد علي طريقة صعبة ~~شديدة وكان مجاب الدعوة ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه في شيء من ~~الأشياء بالتقدم عليه وهو الذي تولى غسل الإمام الشافعي وقيل كان معه أيضا ~~حينئذ الربيع وذكره ابن يونس في تاريخه وسماه وجعل مكان اسم جده إسحاق ~~مسلما ثم قال صاحب الشافعي وذكر وفاته كما تقدم وقال كانت له عبادة وفضل ~~ثقة في الحديث لا يختلف فيه حاذق من أهل الفقه وكان أحد الزهاد في الدنيا ~~وكان من خير خلق اللهه عز وجل ومناقبه كثيرة وتوفي لست بقين من شهر رمضان ~~سنة أربع وستين ومائتين بمصر ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي رضي اللهه ~~عنه بالقرافة الصغرى بسفح المقطم رحمه الله تعالى وزرت قبره هناك وذكر ابن ~~زولاق في تاريخه ms0131 الصغير أنه عاش تسعا وثمانين سنة وصلى عليه الربيع بن ~~سليمان المؤذن المرادي PageV01P218 # والمزني بضم الميم وفتح الزاي وبعدها نون هذه النسبة ~~إلى مزينة بنت كلب وهي قبيلة كبيرة مشهورة 94 أبو العتاهية أبو إسحاق ~~إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان العنزي بالولاء العيني المعروف بأبي ~~العتاهية الشاعر المشهور مولده بعين التمر وهي بليدة بالحجاز قرب المدينة ~~وقيل إنها من أعمال سقي الفرات وقال ياقوت الحموي في كتابه المشترك إنها ~~قرب الأنبار والله أعلم ونشأ بالكوفة وسكن بغداد وكان يبيع الجرار فقيل له ~~الجرار واشتهر بمحبة عتبة جارية الإمام المهدي وأكثر نسيبه فيها فمن ذلك ~~قوله (أعلمت عتبة أنني * منها على شرف مطل) (وشكوت ما ألقى إليها * ~~والمدامع تستهل) (حتى إذا برمت بما * أشكو كما يشكو الأقل) (قالت فأي الناس ~~يعلم * ما تقول فقلت كل) PageV01P219 # وكتب مرة إلى المهدي وعرض بطلبها منه (نفسي بشيء من ~~الدنيا معلقة * الله والقائم المهدي يكفيها) (إني لأيأس منها ثم يطمعني * ~~فيها احتقارك للدنيا وما فيها) وقال أبو العباس المبرد في كتاب الكامل إن ~~أبا العتاهية كان قد استأذن في أن يطلق له أن يهدي إلى أمير المؤمنين في ~~النيروز والمهرجان فأهدى له في أحدهما برنية ضخمة فيها ثوب ناعم مطيب قد ~~كتب على حواشيه هذين البيتين المقدم ذكرهما فهم بدفع عتبة إليه فجزعت وقالت ~~يا أمير المؤمنين حرمتي وخدمتي أتدفعني إلى رجل قبيح المنظر بئع جرار ~~ومتكسب بالشعر فأعفاها وقال املأوا له البرنية مالا فقال للكتاب أمر لي ~~بدنانير وقالوا ما ندفع إليك ذاك ولكن إن شئت أعطيناك دراهم إلى أن يفصح ~~بما أراد فاختلف في ذلك حولا فقالت عتبة لو كان عاشقا كما يزعم لم يكن ~~يختلف منذ حول في التمييز بين الدراهم والدنانير وقد أعرض عن ذكري صفحا ومن ~~مديحه (إني أمنت من الزمان وصرفه * لما علقت من الأمير حبالا) (لو يستطيع ~~الناس من إجلاله * تخذوا له حر الخدود نعالا) (إن المطايا تشتكيك لأنها * ~~قطعت إليك سباسبا ورمالا) (فإذا وردن بنا ms0132 وردن خفائفا * وإذا صدرن بنا صدرن ~~ثقالا) وهذه الأبيات قالها في عمر بن العلاء فأعطاه سبعين ألفا وخلع عليه ~~حتى PageV01P220 # لا يقدر أن يقوم فغار الشعراء من ذلك فجمعهم ثم قال يا ~~معشر الشعراء عجبا لكم ما أشد حسدكم بعضكم بعضا إن أحدكم يأتينا ليمدحنا ~~بقصيدة يشبب فيها بصديقته بخمسين بيتا فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ~~ورونق شعره وقد أتانا أبو العتاهية فشبب بأبيات يسيرة ثم قال وأنشد الأبيات ~~المذكورة فما لكم منه تغارون وكان أبو العتاهية لما مدحه بهذه الأبيات تأخر ~~عنه بره قليلا فكتب إليه يستبطئه (أصابت علينا جودك العين يا عمر * فنحن ~~لها نبغي التمائم والنشر) (سنرقيك بالأشعار حتى تملها * وإن لم تفق منها ~~رقيناك بالسور) قال أشجع السلمي الشاعر المشهور أذن الخليفة المهدي للناس ~~في الدخول عليه فدخلنا فأمرنا بالجلوس فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد وسكت ~~المهدي فسكت الناس فسمع بشار حسا فقال لي من هذا فقلت أبو العتاهية فقال ~~أتراه ينشد في هذا المحفل فقلت أحسبه سيفعل قال فأمره المهدي أن ينشد فأنشد ~~(ألا ما لسيدتي مالها * أدلت فأحمل إدلالها) قال فنخسني بشار بمرفقه وقال ~~ويحك أرأيت أجسر من هذا ينشد مثل هذا الشعر في مثل هذا الموضع حتى بلغ إلى ~~قوله (أتته الخلافة منقادة * إليه تجرر أذيالها) (فلم تك تصلح إلا له * ولم ~~يك يصلح إلا لها) (ولو رامها أحد غيره * لزلزلت الأرض زلزالها) PageV01P221 # (ولو لم تطعه بنات القلوب * لما قبل الله أعمالها) ~~فقال لي بشار انظر ويحك يا أشجع هل طار الخليفة عن عرشه قال أشجع فوالله ما ~~انصرف أحد عن هذا المجلس بجائزة غير أبي العتاهية وله في الزهد أشعار كثيرة ~~وهو من مقدمي المولدين في طبقة بشار وأبي نواس وتلك الطائفة وشعره كثير ~~وكانت ولادته في سنة ثلاثين ومائة وتوفي يوم الاثنين لثمان أو ثلاث خلون من ~~جمادي الآخرة سنة إحدى عشرة وقيل ثلاث عشرة ومائتين ببغداد وقبره علي نهر ~~عيسى قبالة قنطرة الزياتين رحمه الله تعالى ولما ms0133 حضرته الوفاة قال أشتهي أن ~~يجيء مخارق المغنى ويغني عند رأسي والبيتان له من جملة أبيات (إذا ما انقضت ~~عني من الدهر مدتي * فإن عزاء الباكيات قليل) (سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي * ~~ويحدث بعدي للخليل خليل) وأوصى أن يكتب على قبره هذا البيت (إن عيشا يكون ~~آخره الموت * لعيش معجل التنغيص) ويحكى أنه لقي يوما أبا نواس فقال له كم ~~تعمل في يومك من الشعر فقال له البيت والبيتين فقال أبو العتاهية لكنني ~~أعمل المائة والمائتين في اليوم فقال أبو نواس لأنك تعمل مثل قولك (يا عتب ~~مالي ولك * يا ليتني لم أرك) PageV01P222 # ولو أردت مثل هذا الألف والألفين لقدرت عليه وأنا أعمل ~~مثل قولي (من كف ذات حر في زي ذي ذكر * لها محبان لوطي وزناء) ولو أردت مثل ~~هذا لأعجزك الدهر ومن لطيف شعره قوله (ولقد صبوت إليك حتى صار * من فرط ~~التصابي) (يجد الجليس إذا دنا * ريح التصابي في ثيابي) وحكاياته كثيرة ومن ~~شعره في عتبة جارية المهدي (يا إخوتي إن الهوى قاتلي * فيسروا الأكفان من ~~عاجل) (ولا تلوموا في اتباع الهوى * فإنني في شغل شاغل) ويقول فيها (عيني ~~على عتبة منهلة * بدمعها المنسكب السائل) (يا من رأى قبلي قتيلا بكى * من ~~شدة الوجد على القاتل) (بسطت كفي نحوكم سائلا * ماذا تردون على السائل) (إن ~~لم تنيلوه فقولوا له * قولا جميلا بدل النائل) (أو كنتم العام على عسرة * ~~منه فمنوه إلى القابل) وحكى صاعد اللغوي في كتاب الفصوص أن أبا العتاهية ~~زار يوما بشار بن برد فقال له أبو العتاهية إني لأستحسن قولك اعتذارا من ~~البكاء إذ تقول PageV01P223 # (كم من صديق لي أسا * رقه البكاء من الحياء) (وإذا ~~تفطن لامني * فأقول ما بي من بكاء) (لكن ذهبت لأرتدي * فطرفت عيني بالرداء) ~~فقال له أيها الشيخ ما غرفته إلا من بحرك ولا نحته إلا من قدحك وأنت السابق ~~حيث تقول (وقالوا قد بكيت فقلت كلا * وهل يبكي من الجزع الجليد) (ولكن قد ~~أصاب سواد عيني * عويد قذى له ms0134 طرف حديد) (فقالوا ما لدمعهما سواء * أكلتا ~~مقلتيك أصاب عود) قال صاعد وتقدمهما إلى هذا المعنى الحطيئة حيث يقول (إذا ~~ما العين فاض الدمع منها * أقول بها قذى وهو البكاء) وكان أبو العتاهية ترك ~~قول الشعر فحكى قال لما امتنعت من قوله أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم ~~فلما دخلته دهشت ورأيت منظرا هالني فطلبت موضعا آوي فيه فإذا أنا بكهل حسن ~~البزة والوجه عليه سيما الخير فقصدته وجلست من غير سلام عليه لما أنا فيه ~~من الجزع والحيرة والفكر فمكثت كذلك مليا وإذا الرجل ينشد (تعودت مس الضر ~~حتى ألفته * وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر) (وصيرني يأسي من الناس واثقا * ~~بحسن صنيع الله من حيث لا أدري) قال فاستحسنت البيتين وتبركت بهما وثاب إلي ~~عقلي فقلت له تفضل أعزك الله علي بإعادتهما فقال يا إسماعيل ويحك ما أسوأ ~~أدبك وأقل عقلك ومروءتك دخلت فلم تسلم علي تسليم المسلم على المسلم ~~PageV01P224 # ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى سمعت مني ~~بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله تعالى فيك خيرا ولا أدبا ولا معاشا غيره ~~طفقت تستنشدني مبتدئا كأن بيننا أنسا وسالف مودة توجب بسط القبض ولم تذكر ~~ما كان منك ولا اعتذرت عما بدا من إساءة أدبك فقلت اعذرني متفضلا فدون ما ~~أنا فيه يدهش قال وفيم أنت تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم وسببك إليهم ولا ~~بد أن تقوله فتطلق وأنا يدعي الساعة بي فأطلب بعيسى بن زيد ابن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن دللت عليه لقيت الله تعالى بدمه وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خصمي فيه وإلا قتلت فأنا أولى بالحيرة منك وها أنت ترى صبري ~~واحتسابي فقلت يكفيك الله عز وجل وخجلت منه فقال لا أجمع عليك التوبيخ ~~والمنع اسمع البيتين ثم أعادهما علي مرارا حتى حفظتهما ثم دعي به وبي فقلت ~~له من أنت أعزك الله عز وجل قال أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد فأدخلنا على ~~المهدي فلما وقفنا بين ms0135 يديه قال للرجل أين عيسى بن زيد قال وما يدريني أين ~~عيسى ابن زيد تطلبته فهرب منك في البلاد وحبستني فمن أين أقف على خبره قال ~~له متى كان متواريا وأين آخر عهدك به وعند من لقيته قال ما لقيته منذ توارى ~~ولا عرفت له خبرا قال والله لتدلن عليه أو لأضربن عنقك الساعة فقال اصنع ما ~~بدا لك فوالله ما أدلك على ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وألقى الله ~~تعالى ورسوله عليه السلام بدمه ولو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت لك عنه قال ~~اضربوا عنقه فأمر به فضربت عنقه ثم دعا بي فقال أتقول الشعر أو ألحقك به ~~قلت بل أقول قال أطلقوه فأطلقت وقد روى القاضي أبو علي التنوخي في البيتين ~~المذكورين زيادة بيت ثالث وهو (إذا أنا لم أقنع من الدهر بالذي * تكرهت منه ~~طال عتبي على الدهر) PageV01P225 # وحكايات أبي العتاهية كثيرة والعنزي بفتح العين ~~المهملة والنون وبعدها زاي هذه النسبة إلى عنزة ابن أسد بن ربيعة والعيني ~~بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون هذه النسبة ~~إلى عين التمر البلدة المذكورة في الأول 95 أبو علي القالي أبو علي إسماعيل ~~بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سلمان القالي اللغوي جده ~~سلمان مولى عبد الملك بن مروان الأموي كان أحفظ أهل زمانه للغة والشعر ونحو ~~البصريين أخذ الأدب عن أبي بكر ابن دريد الأزدي وأبي بكر ابن الأنباري ~~ونفطويه وابن درستويه وغيرهم وأخذ عنه أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي ~~الأندلسي صاحب مختصر العين وله التواليف الملاح منها كتاب الأمالي وكتاب ~~البارع في اللغة بناه على حروف المعجم وهو يشتمل على خمسة آلاف ورقة وكتاب ~~المقصور والممدود وكتاب في الإبل ونتاجها وكتاب في حلي الإنسان والخيل ~~وشياتها وكتاب فعلت وأفعلت وكتاب مقاتل الفرسان وكتاب شرح فيه القصائد ~~المعلقات وغير ذلك وطاف البلاد وسافر إلى بغداد في سنة PageV01P226 # ثلاث وثلاثمائة وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي ~~يعلى ms0136 الموصلي ودخل بغداد في سنة خمس وثلاثمائة وأقام بها إلى سنة ثمان ~~وعشرين وثلاثمائة وكتب بها الحديث ثم خرج من بغداد قاصدا الأندلس ودخل ~~قرطبة لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة واستوطنها وأملي كتابه ~~الأمالي بها وأكثر كتبه بها وضعها بها ولم يزل بها ومدحه يوسف بن هارون ~~الرمادي المذكور في حرف الياء من هذا الكتاب بقصيدة بديعة ذكرت بعضها هناك ~~فليطلب منه وتوفي القالي بقرطبة في شهر ربيع الآخر وقيل جمادي الأولى سنة ~~ست وخمسين وثلاثمائة ليلة السبت لست خلون من الشهر المذكور وصلى عليه أبو ~~عبد الله الجبيري ودفن بمقبرة متعة ظاهر قرطبة رحمه الله تعالى ومولده في ~~سنة ثمان وثمانين ومائتين في جمادي الآخرة بمنازجرد من ديار بكر وقد تقدم ~~الكلام عليها في ترجمة أحمد بن بوسف المنازي وإنما قيل له القالي لأنه سافر ~~إلى بغداد مع أهل قالي قلا فبقي عليه الاسم عيذون بفتح العين المهملة وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وضم الذال المعجمة وبعد الواو ونو والقالي نسبة إلى ~~قالي قلا بفتح القاف وبعد الألف لام مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ثم قاف ~~بعدها لام ألف وهي من أعمال ديار بكر كذا قاله السمعاني ورأيت في تاريخ ~~السلجوقية تأليف عماد الدين الكاتب الأصبهاني أن قالي قلا هي أرزن الروم ~~والله أعلم وذكر البلاذري في كتاب البلدان وجميع فتوح الإسلام في فتوح ~~أرمينية ما مثاله وقد كانت أمور الروم تشعبت في بعض الأزمنة فكانوا كملوك ~~الطوائف فملك أرمينياقس رجل منهم ثم مات فملكتها بعده امرأته وكانت تسمى ~~قالي فبنت مدينة قالي قلا وسمتها قالي قاله PageV01P227 # ومعنى ذلك إحسان قالي وصورت على باب من أبوابها فعربت ~~العرب قالي قاله فقالوا قالي قلا 96 الصاحب ابن عباد الصاحب أبو القاسم ~~إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد ابن إدريس الطالقاني ~~كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه وكرمه أخذ الأدب عن أبي ~~الحسين أحمد بن فارس اللغوي صاحب كتاب المجمل في ms0137 اللغة وأخذ عن أبي الفضل ~~ابن العميد وغيرهما وقال أبو منصور الثعالبي في كتابه اليتيمة في حقه ليست ~~تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب وجلالة شأنه في ~~الجود والكرم وتفرده بالغايات في المحاسن وجمعه أشتات المفاخر لأن همة قولي ~~تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه ~~ثم شرع في شرح بعض محاسنه وطرف من أحواله وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه ~~الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها ودب ودرج من وكرها ورضع أفاويق درها وورثها ~~عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه (ورث الوزارة كابرا عن كابر * ~~موصولة الإسناد بالإسناد) PageV01P228 # (يروي عن العباس عباد وزارته * وإسماعيل عن عباد) وهو ~~أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل ابن العميد فقيل له ~~صاحب ابن العميد ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علما عليه ~~وذكر الصابئ في كتاب التاجي أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة ~~بن بويه منذ الصبا وسماه الصاحب فاستمر عليه هذا اللقب واشتهر به ثم سمي به ~~كل من ولي الوزارة بعده وكان أولا وزير مؤيد الدولة أبي منصور بويه بن ركن ~~الدولة بن بويه الديلمي تولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل ابن ~~العميد المذكور في ترجمة أبيه محمد فلما توفي مؤيد الدولة في شعبان سنة ~~ثلاث وسبعين وثلاثمائة بجرجان استولى على مملكته أخوه فخر الدولة أبو الحسن ~~علي فأقر الصاحب على وزارته وكان مبجلا عنده ومعظما نافذ الأمر وأنشده أبو ~~القاسم الزعفراني يوما أبياتا نونية من جملتها (أيا من عطاياه تهدي الغنى * ~~إلى راحتي من نأى أو دنا) (كسوت المقيمين والزائرين * كسا لم نخل مثلها ~~ممكنا) (وحاشية الدار يمشون في * صنوف من الخز إلا أنا) فقال الصاحب قرأت ~~في أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلا قال له احملني أيها الأمير فأمرله ~~بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية ثم قال لو علمت أن الله سبحانه ms0138 وتعالى خلق ~~مركوبا غير هذا لحملتك عليه وقد زرنا لك من الخز بجبة وقميص وعمامة ودراعة ~~وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من ~~الخز لأعطيناكه واجتمع عنده من الشعراء مالم يجتمع عند غيره ومدحوه بغرر ~~المدائح (27) PageV01P229 # 230 @ وكان حسن الأجوبة سريعها رفع الضرابون من دار ~~الضرب إليه رقعة في مظلمة مترجمة بالضرابين فوقع تحتها في حديد بارد وكتب ~~بعضهم إليه ورقة أغار فيها على رسائله وسرق جملة من ألفاظه فوقع فيها * ~~(هذه بضاعتنا ردت إلينا) * وحبس بعض عماله في مكان ضيق بجواره ثم صعد السطح ~~يوما فاطلع عليه فرآه فناداه المحبوس بأعلى صوته * (فاطلع فرآه في سواء ~~الجحيم) * فقال الصاحب * (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) * ونوادره كثيرة وصنف في ~~اللغة كتابا سماه المحيط وهو في سبع مجلدات رتبه على حروف المعجم كثر فيه ~~الألفاظ وقلل الشواهد فاشتمل من اللغة على جزء متوفر وكتاب الكافي في ~~الرسائل وكتاب الأعياد وفضائل النيروز وكتاب الإمامة يذكر فيه فضائل علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه ويثبت إمامة من تقدمه وكتاب الوزراء وكتاب الكشف عن ~~مساوئ شعر المتنبي وكتاب أسماء الله تعالى وصفاته وله رسائل بديعة ونظم جيد ~~فمنه قوله (وشادن جماله * تقصر عنه صفتي) (أهوى لتقبيل يدي * فقلت قبل ~~شفتي) وله في رقة الخمر (رق الزجاج ورقت الخمر * وتشابها فتشاكل الأمر) ~~(فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر) وله يرثي كثير بن أحمد الوزير ~~وكنيته أبو علي (يقولون لي أودى كثير بن أحمد * وذلك مرزوء علي جليل) ~~PageV01P230 # (فقلت دعوني والعلا نبكه معا * فمثل كثير في الرجال ~~قليل) وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي أن نوح بن منصور أحد ~~ملوك بني سامان كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفوض إليه وزارته وتدبير ~~أمر مملكته فكان من جملة أعذاره إليه أنه يحتاج لنقل كتبه خاصة إلى ~~أربعمائة جمل فما الظن بما يليق بها من التجمل وفي هذا القدر من أخباره ~~كفاية وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت ms0139 من ذي القعدة سنة ست وعشرين ~~وثلاثمائة بإصطخر وقيل بالطالقان وتوفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر ~~سنة خمس وثمانين وثلاثمائة بالري ثم نقل إلى أصبهان رحمه الله تعالى ودفن ~~في قبة بمحلة تعرف بباب دزيه وهي عامرة إلى الآن وأولاد بنته يتعاهدونها ~~بالتبييض قال أبو القاسم ابن أبي العلاء الشاعر الأصبهاني رأيت في المنام ~~قائلا يقول لي لم لم ترث الصاحب مع فضلك وشعرك فقلت الجمتني كثرة محاسنه ~~فلم أدر بم أبدا منها وقد خفت أن أقصر وقد ظن بي الاستيفاء لها فقال أجزما ~~أقوله فقلت قل فقال (ثوى الجود والكافي معا في حفيرة *) فقلت (ليأنس كل ~~منهما بأخيه *) فقال (هما اصطحبا حيين ثم تعانقا *) فقلت (ضجيعين في لحد ~~بباب دزيه *) فقال (إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم *) PageV01P231 # فقلت (أقاما إلى يوم القيامة فيه *) ذكر هذا البياسي ~~في حماسته ورأيت في أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير ~~الصاحب فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الري واجتمع الناس على باب قصره ~~ينتظرون خروج جنازته وحضر مخدومه فخر الدولة المذكور أولا وسائر القواد وقد ~~غيروا لباسهم فلما خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة وقبلوا ~~الأرض ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس وقعد للعزاء أياما ورثاه أبو ~~سعيد الرستمي بقوله (أبعد ابن عباد يهش إلى السرى * أخو أمل أو يستماح ~~جواد) (أبى الله إلا أن يموتا بموته * فما لهما حتى المعاد معاد) (وتوفي ~~والده أبو الحسن عباد بن العباس في سنة اربع أو خمس وثلاثين وثلاثمائة رحمه ~~الله تعالى وكان وزير ركن الدولة بن بويه وهو والد فخر الدولة المذكور ~~ووالد عضد الدولة فناخسرو وممدوح المتنبي وتوفي فخر الدولة في شعبان سنة ~~سبع وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ومولده في سنة إحدى وأربعين ~~وثلاثمائة والطالقاني بفتح الطاء المهملة وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف ~~وبعد الألف الثانية نون هذه النسبة إلى الطالقان وهو اسم لمدينتين إحداهما ~~PageV01P232 # بخراسان والأخرى من أعمال قزوين والصاحب المذكور ms0140 أصله ~~من طالقان قزوين لا طالقان خراسان 97 أبو الطاهر السرقسطي أبو الطاهر ~~إسماعيل بن خلف بن سعيد بن عمران الأنصاري المقرئ النحوي الأندلسي السرقسطي ~~كان إماما في علوم الآداب ومتقنا لفن القراءات وصنف كتاب العنوان في ~~القراءات وعمدة الناس في الاشتغال بهذا الشأن عليه واختصر كتاب الحجة لأبي ~~علي الفارسي وذكره أبو القاسم ابن بشكوال في كتاب الصلة وأثنى عليه وعدد ~~فضائله ولم يزل على اشتغاله وانتفاع الناس به إلى أن توفي يوم الأحد مستهل ~~المحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة رحمه الله تعالى والسرقسطي بفتح السين ~~المهملة والراء وضم القاف وسكون السين الثانية وبعدها طاء مهملة هذه النسبة ~~إلى مدينة في شرق الأندلس يقال لها سرقسطه من أحسن البلاد وخرج منها جماعة ~~من العلماء وغيرهم وأخذها الفزنج من المسلمين في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ~~PageV01P233 # 98 المنصور العبيدي أبو الطاهر إسماعيل الملقب المنصور ~~بن القائم بن المهدي صاحب إفريقية وستأتي بقية نسبة عند ذكر جده المهدي في ~~حرف العين إن شاء الله تعالى وقد تقدم ذكر المستعلي وهو من أحفاده بويع ~~المنصور يوم وفاة أبيه القائم على ما سيأتي في ترجمته في حرف الميم وكان ~~بليغا فصيحا يرتجل الخطب وذكر أبو جعفر أحمد بن محمد المروروذي قال خرجت مع ~~المنصور يوم هزم أبا يزيد فسايرته وبيده رمحان فسقط أحدهما مرارا فمسحته ~~وناولته إياه وتفاءلت له فأنشدته (فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر ~~عينا بالإياب المسافر) فقال ألا قلت ما هو خير من هذا وأصدق * (وأوحينا إلى ~~موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون) * * (فوقع الحق وبطل ما كانوا ~~يعملون) * فغلبوا هناك وانقلبوا صاغرين) فقلت يا مولانا أنت ابن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قلت ما عندك من العلم قلت ومن أحسن ما جاء في ذلك ما ~~ذكره التيمي في سيرة الحجاج بن يوسف قال أمر عبد الملك بن مروان أن يعمل ~~باب بيت المقدس ويكتب عليه اسمه وسأله الحجاج أن يعمل له بابا فاتفق أن ~~صاعقة ms0141 وقعت PageV01P234 # فاحترق منها باب عبد الملك وبقي باب الحجاج فعظم ذلك ~~على عبد الملك فكتب الحجاج إليه بلغني أن نارا نزلت من السماء فأحرقت باب ~~أمير المؤمنين ولم تحرق باب الحجاج وما مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ ~~قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر فسري عنه لما وقف عليه ~~وكان أبوه قد ولاه محاربة أبي يزيد الخارج عليه وكان هذا أبو يزيد مخلد ابن ~~كيداد رجلا من الإباضية يظهر التزهد وأنه إنما قام غضبا لله تعالى ولا يركب ~~غير حمار ولا يلبس إلا الصوف وله مع القائم والد المنصور وقائع كثيرة وملك ~~جميع مدن القيروان ولم يبق للقائم إلا المهدية فأناخ عليها أبو يزيد ~~وحاصرها فهلك القائم في الحصار ثم تولى المنصور فاستمر على محاربته وأخفى ~~موت أبيه وصابر الحصار حتى رجع أبو يزيد عن المهدية ونزل على سوسه وحاصرها ~~فخرج المنصور من المهدية ولقيه على سوسة فهزمه ووالى عليه الهزائم إلى أن ~~أسره يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فمات بعد ~~أسره بأربعة أيام من جراح كانت به فأمر بسلخه وحشا جلده قطنا وصلبه وبنى ~~مدينته في موضع الوقعة وسماها المنصورية واستوطنها وكان المنصور شجاعا رابط ~~الجأش بليغا يرتجل الخطبة وخرج في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين من المنصورية ~~إلى مدينة جلولاء ليتنزه بها ومعه حظيته قضيب وكان مغرما بها فأمطر الله ~~سبحانه وتعالى عليهم بردا كثيرا وسلط عليهم ريحا عظيمة فخرج منها إلى ~~المنصورية فاشتد عليه البرد فأوهن جسمه ومات أكثر من معه ووصل إلى ~~المنصورية فاعتل بها فمات يوم الجمعة آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة ~~وكان سبب علته أنه PageV01P235 # لما وصل المنصورية أراد أن يدخل الحمام فنهاه طبيبه ~~إسحاق بن سليمان الإسرائيلي فلم يقبل منه ودخل الحمام ففنيت الحرارة ~~الغريزية منه ولازمه السهر فأقبل إسحاق يعالجه والسهر باق على حاله فاشتد ~~ذلك على المنصور فقال لبعض الخدم أما بالقيروان طبيب يخلصني من هذا الداء ~~فقالوا له ههنا ms0142 شاب قد نشأ يقال له إبراهيم فأمر بإحضاره فحضر فعرفه حاله ~~وشكا إليه ما به فجمع له أشياء منومة وجعلت في قنينة على النار وكلفه شمها ~~فلما أدمن شمها نام وخرج إبراهيم مسرورا بما فعل وجاء إسحاق فطلب الدخول ~~عليه فقالوا له هو نائم فقال إن كان قد صنع له شيء ينام منه فقد مات فدخلوا ~~عليه فوجدوه ميتا فأرادوا قتل إبراهيم فقال إسحاق ما له ذنب إنما داواه بما ~~ذكره الأطباء غير أنه جهل أصل المرض وما عرفتموه وذلك أني كنت أعالجه وأنظر ~~في تقوية الحرارة الغريزية وبها يكون النوم فلما عولج بما يطفئها علمت أنه ~~قد مات ودفن بالمهدية ومولده بالقيروان في سنة اثنتين وقيل إحدى وثلاثمائة ~~وكانت مدة ملكه سبع سنين وستة أيام رحمه الله تعالى وإفريقية بكسر الهمزة ~~وسكون الفاء وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسره القاف وبعدها ~~ياء معجمة باثنتين من تحتها وهي مفتوحة وبعدها هاء إقليم عظيم من بلاد ~~المغرب فتح في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه وكرسي مملكته القيروان ~~واليوم كرسيها تونس PageV01P236 # 99 الظافر العبيدي أبو المنصور إسماعيل الملقب الظافر ~~ابن الحافظ محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن ~~المنصور بن القائم بن المهدي وقد تقدم ذكر جده المنصور قبله بويع الظافر ~~يوم مات أبوه بوصية أبيه وكان أصغر أولاد أبيه سنا وكان كثير اللهو واللعب ~~والتفرد بالجواري واستماع الأغاني وكان يأنس إلى نصر بن عباس وكان عباس ~~وزيره وسيأتي ذكره في ترجمة العادل علي بن السلار إن شاء الله تعالى ~~فاستدعاه إلى دار أبيه ليلا سرا بحيث لم يعلم به أحد وكانت تلك الدار هي ~~المعروفة بدار يونس وهي الآن المدرسة الحنفية المعروفة بالسيوفية فقتله بها ~~وأخفى قتله وقضيته مشهورة وكان ذلك في منتصف المحرم سنة تسع وأربعين ~~وخمسمائة رحمه الله تعالى وقيل ليلة الخميس سلخ المحرم من السنة المذكورة ~~(28) ومولده بالقاهرة يوم الأحد منتصف شهر ربيع الآخر وقيل الأول سنة سبع ~~وعشرين ms0143 وخمسمائة وكان من أحسن الناس صورة ولما قتله نصر حضر إلى أبيه عباس ~~وأعلمه بذلك من ليلته وكان أبوه قد أمره بقتله لأن نصرا كان في غاية الجمال ~~وكان الناس يتهمونه به فقال له أبوه إنك أتلفت عرضك بصحبة الظافر وتحدث ~~الناس في أمركما فاقتله حتى تسلم من هذه التهمة فقتله فلما كان صباح تلك ~~الليلة حضر عباس إلى باب القصر وطلب الحضور عند الظافر في شغل مهم فطلبه ~~الخدم في المواضع التي جرت عادته بالمبيت فيها فلم يوجد فقيل له ما نعلم ~~أين هو فنزل عن مركوبه ودخل القصر بمن معه ممن يثق إليهم وقال PageV01P237 # للخدم أخرجوا إلي أخوي مولانا فأخرجوا له جبريل ويوسف ~~ابني الحافظ فسألهما عنه فقالا سل ولدك عنه فإنه أعلم به منا فأمر بضرب ~~رقابهما وقال هذان قتلاه هذه خلاصة هذه القضية وقد بسطت القول فيها في ~~ترجمة الفائز عيسى بن الظافر المذكور والله أعلم والجامع الظافري الذي ~~بالقاهرة داخل باب زويلة منسوب إليه وهو الذي عمره ووقف عليه شيئا كثيرا ~~على ما يقال 100 أشهب تلميذ مالك أبو عمرو أشهب بن عبد العزيز بن داود بن ~~إبراهيم القيسي ثم الجعدي الفقيه المالكي المصري تفقه على الإمام مالك رضي ~~الله عنه ثم على المدنيين والمصريين قال الإمام الشاعفي رضي الله عنه ما ~~رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه وكانت المنافسة بينه وبين ابن القاسم ~~وانتهت الرياسة إليه بمصر بعد ابن القاسم وكانت ولادته بمصر سنة خمسين ~~ومائة وقال أبو جعفر ابن الجزار في تاريخه ولد سنة أربعين ومائة وتوفي سنة ~~أربع ومائتين بعد الشافعي بشهر وقيل بثمانية عشر يوما وكانت وفاة الشافعي ~~رضي الله عنه في سلخ رجب من السنة المذكورة وكانت وفاته بمصر ودفن بالقرافة ~~الصغرى وزرت قبره وهو مجاور قبر ابن القاسم رحمه الله تعالى ويقال إن اسمه ~~مسكين وأشهب لقب عليه والأول أصح وكان ثقة فيما روى عن مالك رضي الله عنه ~~وقال أبو عبد الله القضاعي PageV01P238 # في كتاب خطط مصر ms0144 كان لأشهب رياسة في البلد وما جزيل ~~وكان من أنظر أصحاب مالك رضي الله عنه قال الشافعي رحمه الله تعالى ما نظرت ~~أحدا من المصريين مثله لولا طيش فيه ولم يدرك الشافعي رحمه الله تعالى بمصر ~~من أصحاب مالك رضي الله عنه سوى أشهب وابن عبد الحكم وقال ابن عبد الحكم ~~سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت فذكرت ذلك للشافعي فقال متمثلا (تمنى ~~رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد) (فقل للذي يبغي خلاف ~~الذي مضى * تزود لأخرى غيرها فكأن قد) قال فمات الشافعي فاشترى أشهب من ~~تركته عبدا ثم مات أشهب فاشتريت أنا ذلك العبد من تركة أشهب وذكر ابن يونس ~~في تاريخه فقال أشهب القيسي ثم العامري من بني جعدة يكنى أبا عمرو أحد ~~فقهاء مصر وذوي رأيها ولد سنة أربعين ومائة وتوفي يوم السبت لثمان بقين من ~~شعبان سنة أربع ومائتين وكان يخضب عنفقته وقال محمد بن عاصم المعافري رأيت ~~في المنام كأن قائلا يقول يا محمد فأجبته فقال (ذهب الذين يقال عند فراقهم ~~* ليت البلاد بأهلها تتصدع) قال وكان أشهب مريضا فقلت ما أخوفني أن يموت ~~أشهب فمات في مرضه ذلك والله أعلم PageV01P239 # 101 أصبغ المالكي أبو عبد الله أصبغ بن الفرج بن سعيد ~~بن نافع الفقيه المالكي المصري تفقه بابن القاسم وابن وهب وأشهب وقال عبد ~~الملك بن الماجشون في حقه ما أخرجت مصر مثل أصبغ قيل له ولا ابن القاسم قال ~~ولا ابن القاسم وكان كاتب ابن وهب وجده نافع عتيق عبد العزيز بن مروان بن ~~الحكم الأموي والي مصر حكى عون بن عبد الله قال قال لي أصبغ سمعت من أبيك ~~كلاما نفعني الله تعالى به وهو لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في ~~العقوبة وتوفي يوم الأحد لأربع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائتين وقيل ~~سنة ست وعشرين وقيل سنة عشرين رحمه الله تعالى وأصبغ بفتح الهمزة وسكون ~~الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وبعدها غين ms0145 معجمة PageV01P240 # 102 آق سنقر الحاجب أبو سعيد آق سنقر بن عبد الله ~~الملقب قسيم الدولة المعروف بالحاجب جد البيت الأتابكي أصحاب الموصل وهو ~~والد عماد الدين زنكي بن آق سنقر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى كان مملوك ~~السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي هو وبزان صاحب الرها ولما ملك تاج ~~الدولة تتش ابن ألب أرسلان السلجوقي مدينة حلب في سنة 478 استناب فيها آق ~~سنقر المذكور واعتمد عليه لأنه مملوك أخيه فعصى عليه فقصده تاج الدولة وهو ~~صاحب دمشق يومئذ فخرج لقتاله وجرى بينهما مصاف وحرب شديدة انجلت عن قتل آق ~~سنقر المذكور وذلك في جمادي الأولى سنة سبع وثمانين وأربعمائة ودفن ~~بالمدرسة المعروفة بالزجاجية داخل حلب رحمه الله تعالى ورأيت عند قبره خلقا ~~كثيرا يجتمعون كل يوم جمعة لقراءة القرآن الكريم وقالوا إن لهم على ذلك ~~وقفا عظيما يفرق عليهم ولا أعلم من الذي وقفه ثم إني وجدت الذي وقفه ولد ~~ولده نور الدين محمود الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وسيأتي في ترجمة تاج ~~الدولة تتش خبر آق سنقر المذكور على خلاف هذه الواقعة والله أعلم بالصواب ~~والزجاجية بناها أبو الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب وكان ~~أولا مدفونا بقرنبيا فلما ملك ولده عماد الدين زنكي حلب نقله إلى المدرسة ~~ودلاه من سور البلد وكان قتل آق سنقر على قرية يقال لها رويان بالقرب من ~~سبعين من أعمال حلب ذكره ياقوت الحموي PageV01P241 # 103 آق سنقر البرسقي أبو سعيد آق سنقر البرسقي الغازي ~~الملقب قسيم الدولة سيف الدين صاحب الموصل والرحبة وتلك النواحي ملكها بعد ~~أسباسلار مودود وكان مودود بها وببلاد الشام من جهة السلطان محمد بن ~~السلجوقي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فقتل مودود بجامع دمشق يوم الجمعة ~~ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسمائة وكان قد وثب عليه جماعة من ~~الباطنية فقتلوه وآق سنقر يومئذ شحنة بغداد كان ولاه إياها السلطان محمد ~~المذكور في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة لما استقرت له ms0146 السلطنة بعد موت أخيه ~~بركياروق وفي سنة تسع وتسعين وجهه السلطان محمد لمحاصرة تكريت وكان بها ~~كيقباذ ابن هزاراسب الديلمي المنسوب إلى الباطنية فأصعد آق سنقر إليه في ~~رجب من السنة المذكورة وحاصره إلى المحرم من سنة خمسمائة فلما كاد أن ~~يأخذها أصعد إليه سيف الدولة صدقة فتسلمها وانحدر كيقباذ صحبته ومعه أمواله ~~وذخائره فلما وصل إلى الحلة مات كيقباذ فلما وصل خبر قتل مودود تقدم ~~السلطان محمد إلى آق سنقر بالتجهز إلى الموصل والاستعداد لقتال الفرنج ~~بالشام فوصل إلى الموصل وملكها وغزا ودفع الفرنج عن حلب وقد ضايقوها ~~بالحصار ثم عاد إلى الموصل وأقام بها إلى أن قتل وهو من كبراء الدولة ~~السلجوقية وله شهرة كبيرة بينهم قتلته الباطنية بجامع الموصل يوم الجمعة ~~التاسع من ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة (29) وذكر ابن الجوزي في تاريخه أن ~~الباطنية قتلته في مقصورة الجامع بالموصل سنة تسع عشرة وخمسمائة وقال ~~العماد سنة عشرين وذكر أنهم جلسوا له في PageV01P242 # الجامع بزي الصوفية فلما انفتل من صلاته قاموا إليه ~~وأثخنوه جراحا في ذي القعدة وذلك لأنه كان تصدى لاستئصال شأفتهم وتتبعهم ~~وقتل منهم عصبة كبيرة رحمه الله تعالى وتولى ولده عز الدين مسعود موضعه ثم ~~توفي يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادي الآخرة سنة إحدى وعشرين ~~وخمسمائة رحمه الله تعالى وملك بعده عماد الدين زنكي بن آق سنقر المذكور ~~قبله كما سيأتي في حرف الزاي إن شاء الله تعالى والبرسقي بضم الباء الموحدة ~~وسكون الراء وضم السين المهملة وبعدها قاف ولا أعلم هذه النسبة إلى أي شيء ~~هي ولم يذكرها السمعاني ثم إني وجدت نسبته بعد هذا إلى برسق وكان من مماليك ~~السلطان طغرلبك أبي طالب محمد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وتقدم في ~~الدولة السلجوقية وكان من الأمراء المشار إليهم فيها المعدودين من أعيانهم ~~104 أبو الصلت الأندلسي أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت ~~الأندلسي الداني كان فاضلا في علوم الآداب صنف كتابه الذي سماه الحديقة على ~~أسلوب يتيمة ms0147 الدهر للثعالبي وكان عارفا بفن الحكمة فكان يقال له الأديب ~~الحكيم وكان ماهرا في علوم الأوائل وانتقل من الأندلس وسكن ثغر الإسكندرية ~~وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه وذكر شيئا من نظمه PageV01P243 # ومن جملة ما ذكر له قوله لمن جاد عليه قبل مدحه (لا ~~غرو أن سبقت يداك مدائحي * فتدفقت جدواك مثل إنائها) (يكسى القضيب ولم يحن ~~إثماره * وتطوق الورقاء قبل غنائها) ولأبي جعفر الجزار البظرني في ابن عباد ~~(وما زلت أجني منك والدهر ممحل * ولا ثمر يجني ولا زرع يحصد) (ثمار أياد ~~دانيات قطوفها * لأغصانها ظل علي ممدد) (يرى جاريا ماء المكارم تحتها * ~~وأطيار شكري فوقهن تغرد) ولأبي الصلت المذكور (إذا كان أصلي من تراب فكلها ~~* بلادي وكل العالمين أقاربي) (ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة * تشق على شم ~~الذرى والغوارب) ولم أر هذين البيتين في ديوانه وأورد له أيضا (وقائلة ما ~~بال مثلك خاملا * أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز) (فقلت لها ذنبي إلى القوم ~~أنني * لما لم يحوزوه من المجد حائز) (وما فاتني شيء سوى الحظ وحده * وأما ~~المعالي فهي عندي غرائز) ولا وجدت هذا المقطوع أيضا في ديوانه والله أعلم ~~وله أيضا (جد يقلبي وعبث * ثم مضى وما اكترث) (واحربا من شادن * في عقد ~~الصبر نفث) (يقتل من شاء بعينيه * ومن شاء بعث) (فأي ود لم يخن * وأي عهد ~~ما نكث) PageV01P244 # وله أيضا (دب العذار بخده ثم انثنى * عن لثم مبسمه ~~البرود الأشنب) (لا غرو أن خشي الردى في لثمه * فالريق سم قاتل للعقرب) ومن ~~شعره أيضا (ومهفهف شركت محاسن وجهه * ما مجه في الكأس من إبريقه) (ففعالها ~~من مقلتيه ولونها * من وجنتيه وطعمها من ريقه) أخذ هذا المعنى من ابن حيوس ~~حيث يقول (وممنطق يغني بلحظ جفونه * عن كأسه الملأى وعن إبريقه) (فعل ~~المدام ولونها ومذاقها * في مقلتيه ووجنتيه وريقه) وأورد له أيضا في كتاب ~~الخريدة في ترجمة الحسن بن أبي الشخباء العسقلاني (عجبت من طرفك في ضعفه * ~~كيف يصيد البطل الأصيدا) (يفعل ms0148 فينا وهو في غمده * ما يفعل السيف إذا جردا) ~~وشعره كثير وجيد وكان قد انتقل في آخر الوقت إلى المهدية وتوفي بها يوم ~~الاثنين مستهل سنة تسع وعشرين وخمسمائة وقيل في عاشر المحرم سنة ثمان ~~وعشرين وقال العماد في الخريدة أعطاني القاضي الفاضل كتاب الحديقة وفي ~~آخرها مكتوب إنه توفي يوم الاثنين ثاني عشر المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة ~~رحمه الله تعالى والصحيح هو الأول فإن أكثر الناس عليه وهو الذي ذكره ~~الرشيد بن الزبير في الجنان ومات بالمهدية ودفن بالمنستير وسيأتي ذكرها في ~~ترجمة الشيخ هبة الله البوصيري إن PageV01P245 # شاء الله تعالى ونظم أبياتا وأوصى أن تكتب على قبره ~~وهي آخر شيء قاله وهي (سكنتك يا دار الفناء مصدقا * بأني إلى دار البقاء ~~أصير) (وأعظم ما في الأمر أني صائر * إلى عادل في الحكم ليس يجور) (فيا ليت ~~شعري كيف ألقاه عندها * وزادي قليل والذنوب كثير) (فإن أك مجزيا بذنبي ~~فإنني * بشر عقاب المذنبين جدير) (وإن يك عفو منه عني ورحمة * فثم نعيم ~~دائم وسرور) ولما اشتد مرض موته قال لولده عبد العزيز (عبد العزيز خليفتي * ~~رب السماء عليك بعدي) (أنا قد عهدت إليك ما * تدريه فاحفظ فيه عهدي) (فلئن ~~عملت به فإنك * لا تزال حليف رشد) (ولئن نكثت لقد ضللت * وقد نصحتك حسب ~~جهدي) ثم وجدت في مجموع لبعض المغاربة أن أبا الصلت المذكور مولده في دانية ~~مدينة من بلاد الأندلس في قران سنة ستين وأربعمائة وأخذ العلم عن جماعة من ~~أهل الأندلس كأبي الوليد الوقشي قاضي دانية وغيره وقدم الإسكندرية مع أمه ~~في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة ونفاه الأفضل شاهنشاه من ~~مصر في سنة خمس وخمسمائة وتردد بالإسكندرية إلى أن سافر في سنة ست وخمسمائة ~~فحل بالمهدية ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم ابن المعز بن باديس منزلة ~~جليلة وولد له بها ولد سماه عبد العزيز وكان شاعرا ماهرا له في الشطرنج يد ~~بيضاء وتوفي هذا الولد ببجاية في سنة ست ms0149 وأربعين وخمسمائة قلت وهو الذي غلط ~~فيه العماد الكاتب فيما نقله عن القاضي الفاضل واعتقد أن أباه مات في هذا ~~التاريخ PageV01P246 # وصنف أمية وهو في اعتقال الأفضل بمصر رسالة العمل ~~بالأصطرلاب وكتاب الوجيز في علم الهيئة وكتاب الأدوية المفردة وكتابا في ~~المنطق سماه تقويم الذهن وكتابا سماه الانتصار في الرد على علي بن رضوان في ~~رده على حنين بن إسحاق في مسائلة ولما صنف الوجيز للأفضل عرضه على منجمه ~~أبي عبد الله الحلبي فلما وقف عليه قال له هذا الكتاب لا ينتفع به المبتدي ~~ويستغني عنه المنتهي وله من أبيات (كيف لا تبلى غلائله * وهو بدر وهي كتان) ~~وإنما قال هذا لأن الكتان إذا تركوه في ضوء القمر بلي وكان مرضه الاستسقاء ~~والله أعلم 105 القاضي اياس أبو واثلة إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن ~~هلال بن رباب بن عبيد بن سوأة بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليم بن أوس ~~بن مزينة المزني وهو اللسن البليغ والألمعي المصيب والمعدود مثلا في الذكاء ~~والفطنة ورأسا لأهل الفصاحة والرجاحة كان صادق الظن لطيفا في الأمور مشهورا ~~بفرط الذكاء وبه يضرب المثل في الذكاء وإياه عني الحريري في المقامات بقوله ~~في المقامة السابعة فإذا ألمعيتي المعية ابن عباس وفراستي فراسة ~~PageV01P247 # إياس وكان عمر بن عبد العزيز قد ولاه قضاء البصرة وكان ~~لإياس جد أبيه صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل لمعاوية بن قرة ~~والد إياس كيف ابنك لك فقال نعم الابن كفاني أمر دنياي وفرغني لآخرتي وكان ~~إياس أحد العقلاء الفضلاء الدهاة ويحكى من فطنته أنه كان في موضع فحدث فيه ~~ما أوجب الخوف وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن فقال هذه ينبغي أن تكون حاملا ~~وهذه مرضعا وهذه عذراء فكشف عن ذلك فكان كما تفرس فقيل له من أين لك هذا ~~فقال عند الخوف لا يضع الإنسان يده إلا على أعز ماله ويخاف عليه ورأيت ~~الحامل قد وضعت يدها على جوفها فاستدللت بذلك علي حملها ورأيت ms0150 المرضع قد ~~وضعت يدها على ثديها فعلمت أنها مرضع والعذراء وضعت يدها على فرجها فعلمت ~~أنها بكر وسمع إياس بن معاوية يهوديا يقول ما أحمق المسلمين ويزعمون أن أهل ~~الجنة يأكلون ولا يحدثون فقال له إياس أفكل ما تأكله تحدثه قال لا لأن الله ~~تعالى يجعله غذاء قال فلم تنكر أن الله تعالى يجعل كل ما يأكله أهل الجنة ~~غذاء ونظر يوما إلى آجرة بالرحبة وهو بمدينة واسط فقال تحت هذه الآجرة دابة ~~فنزعوا الآجرة فإذا تحتها حية منطوية فسألوه عن ذلك فقال إني رأيت ما بين ~~الآجرتين نديا من بين جميع تلك الرحبة فعلمت أن تحتها شيئا يتنفس ومر يوما ~~بمكان فقال أسمع صوت كلب غريب فقيل له كيف عرفت ذلك قال بخضوع صوته وشدة ~~نباح غيره من الكلاب فكشفوا عن ذلك فإذا كلب غريب مربوط والكلاب تنبحه ونظر ~~يوما إلى صدع في الأرض فقال في هذا الصدع دابة فنظروا فإذا فيه دابة فسألوه ~~عنه فقال إن الأرض لا تنصدع إلا عن دابة أو نبات PageV01P248 # قال الجاحظ إذا نظر الإنسان إلى موضع منفتح في أرض ~~مستوية فليتأمله فإن رآه يتصدع في تهيل وكان تفتحه مستويا علم أنها كمأة ~~وإن خلط في التصدع والحركة علم أنها دابة وله في هذا الباب من الفراسة ~~أشياء غريبة كثيرة ولولا خوف الإطالة لبسطت القول في ذلك وبعض العلماء قد ~~جمع جزءا كبيرا من أخباره (30) وكتب عمر بن عبد العزيز الأموي رضي الله عنه ~~في أيام خلافته إلى نائبه بالعراق وهو عدي بن أرطاة أن اجمع بين إياس بن ~~معاوية والقاسم بن ربيعة الحرشي فول قضاء البصرة أنفذهما فجمع بينهما فقال ~~له إياس أيها الأمير سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن البصري ومحمد بن ~~سيرين وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما فعلم القاسم أنه إن سألهما ~~أشارا به فقال له لا تسأل عني ولا عنه فوالله الذي لا إله إلا هو إن إياس ~~بن معاوية أفقه مني وأعلم بالقضاء فإن كنت كاذبا فما ms0151 يحل لك أن توليني وأنا ~~كاذب وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي فقال له إياس إنك جئت برجل ~~أوقفته على شفير جهنم فنجى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها وينجو ~~مما يخاف فقال عدي بن أرطاة أما إذ فهمتها فأنت لها واستقضاه وروي عن إياس ~~أنه قال ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد وذلك اني كنت في مجلس القضاء بالبصرة ~~فدخل علي رجل شهد عندي أن البستان الفلاني وذكر حدوده هو ملك فلان فقلت له ~~كم عدد شجره فسكت ثم قال منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس فقلت منذ ~~كذا فقال كم عدد خشب سقفه فقله له الحق معك وأجزت شهادته وكان يوما في برية ~~فأعووزهم الماء فسمع نباح كلب فقال هذا على رأس بئر فاستقروا النباح فوجدوه ~~كما قال فقيل له في ذلك فقال لأني سمعت الصوت كالذي يخرج من بئر وكان له في ~~ذلك غرائب PageV01P249 # وقال أبو إسحاق ابن حفص رأى إياس في المنام أنه لا ~~يدرك النحر فخرج إلى ضيعة له بعبدسي وعبدسي قرية من أعمال دست ميسان بين ~~البصرة وخوزستان فتوفي بها في سنة اثنتين وعشرين ومائة وقال غيره سنة إحدى ~~وعشرين وعمره ست وسبعون سنة وقال إياس في العام الذي توفي فيه رأيت في ~~المنام كأني وأبي على فرسين فجريا معا فلم أسبقه ولم يسبقني وعاش أبي ستا ~~وسبعين سنة وأنا فيها فلما كان آخر لياليه قال أتدرون أي ليلة هذه ليلة ~~أستكمل فيها عمر أبي ونام فأصبح ميتا وكانت وفاة أبيه معاوية في سنة ثمانين ~~للهجرة رحمه الله تعالى وإياس بكسر الهمزة وقرة بضم القاف ومزينة قد تقدم ~~القول عليها وتراءى هلال شهر رمضان جماعة فيهم أنس بن مالك رضي الله عنه ~~وقد قارب المائة فقال أنس قد رأيته هو ذاك وجعل يشير إليه فلا يرونه ونظر ~~إياس إلى أنس وإذا شعرة من حاجبه قد انثنت فمسحها إياس وسواها بحاجبه ثم ~~قال له يا أبا حمزة أرنا موضع ms0152 الهلال فجعل ينظر ويقول ما أراه 106 ابن ~~القرية أبو سليمان أيوب بن بن زيد بن قيس بن زرارة بن سلمة بن جشم بن مالك ~~بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن ~~النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن ~~معد PageV01P250 # ابن عدنان المعروف بابن القرية الهلالي والقرية جدته ~~واسمها جماعة بنت جشم بن ربيعة بن زيد مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج وتمام ~~النسب مذكور في أول الترجمة كان أعرابيا أميا وهو معدود من جملة خطباء ~~العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة وكان قد أصابته السنة فقدم عين التمر ~~وعليها عامل للحجاج بن يوسف وكان العامل يغدي كل يوم ويعشي فوقف ابن القرية ~~ببابه فرأى الناس يدخلون فقال أين يدخل هؤلاء فقالوا إلى طعام الأمير فدخل ~~فتغدى وقال أكل يوم يصنع الأمير ما أرى فقيل نعم فكان يأتي كل يوم بابه ~~للغداء والعشاء إلى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل وهو عربي غريب لا ~~يدري ما هو فأخر لذلك طعامه فجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغدى فقال ما ~~بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم فقالوا اغتم لكتاب ورد عليه من الحجاج ~~عربي غريب لا يدري ما هو قال ليقرئني الأمير الكتاب وأنا أفسره إن شاء الله ~~تعالى وكان خطيبا لسنا بليغا فذكر ذلك للوالي فدعا به فلما قرئ عليه الكتاب ~~عرف الكلام وفسره للوالي حتى عرفه جميع ما فيه فقال له أفتقدر علي جوابه ~~قال لست أقرأ ولا أكتب ولكن أقعد عند كاتب يكتب ما أمليه ففعل فكتب جواب ~~الكتاب فلما قرئ الكتاب على الحجاج رأى كلاما عربيا غريبا فعلم أنه ليس من ~~كلام كتاب الخراج فدعا برسائل عامل عين التمر فنظر فيها فإذا هي ليست ككتاب ~~ابن القرية فكتب الحجاج إلى العامل أما بعد فقد أتاني كتابك بعيدا من جوابك ~~بمنطق غيرك فإذا نظرت في كتابي ms0153 هذا فلا تضعه من يدك حتى تبعث إلي بالرجل ~~الذي صدر لك الكتاب والسلام قال فقرأ العامل الكتاب على ابن القرية وقال له ~~تتوجه نحوه فقال أقلني قال لا بأس عليك وأمر له بكسوة ونفقة وحمله إلى ~~الحجاج فلما دخل عليه قال ما اسمك قال أيوب قال اسم نبي وأظنك أميا تحاول ~~البلاغة ولا يستصعب عليك المقال وأمر له بنزل ومنزل فلم يزل يزداد به عجبا ~~حتى أوفده على عبد الملك بن مروان فلما خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ~~بن قيس الكندي الطاعة بسجستان وهي واقعة مشهورة بعثه PageV01P251 # الحجاج إليه رسولا فلما دخل عليه قال له لتقومن خطيبا ~~ولتخلعن عبد الملك ولتسبن الحجاج أو لأضربن عنقك قال أيها الأمير إنما أنا ~~رسول قال هو ما أقول لك فقام وخطب وخلع عب دالملك وشتم الحجاج وأقام هنالك ~~فلما انصرف ابن الأشعث مهزوما كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما ~~يليهم ا يأمرهم أن لا يمر بهم أحد من قل ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيرا ~~إليه وأخذ ابن القرية فيمن أخذ فلما أدخل على الحجاج قال أخبرني عما أسألك ~~عنه قال سلني عما شئت قال أخبرني عن أهل العراق قال أعلم الناس بحق وباطل ~~قال فأهل الحجاز قال أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها قال فأهل الشام قال ~~أطوع الناس لخلفائهم قال فأهل مصر قال عبيد من غلب قال فأهل البحرين قال ~~نبيط استعربوا قال فأهل عمان قال عرب استنبطوا قال فأهل الموصل قال أشجع ~~فرسان وأقتل للأقران قال فأهل اليمن قال أهل سمع وطاعة ولزوم للجماعة قال ~~فأهل اليمامة قال أهل جفاء واختلاف أهواء وأصبر عند اللقاء قال فأهل فارس ~~قال أهل بأس شديد وشر عتيد وزيف كثير وقرى يسير قال أخبرني عن العرب قال ~~سلني قال قريش قال أعظمها أحلاما وأكرمها مقاما قال فبنو عامر بن صعصعة قال ~~أطولها رماحا وأكرمها صباحا قال فبنو سليم قال أعظمها مجالس وأكرمها محابس ~~قال فثقيف قال أكرمها جدودا وأكثرها وفودا ms0154 قال فبنو زبيد قال ألزمها ~~للرايات وأدركها للترات قال فقضاعة قال أعظمها أخطارا وأكرمها نجارا ~~وأبعدها آثارا قال فالأنصار قال أثبتها مقاما وأحسنها إسلاما وأكرمها أياما ~~قال فتميم قال أظهرها جلدا وأثراها عددا قال فبكر بن وائل قال أثبتها صفوفا ~~وأحدها سيوفا قال فعبد القيس قال أسبقها إلى الغايات وأصبرها تحت الرايات ~~قال فبنو أسد قال أهل عدد وجلد وعسر ونكد قال فلخم قال ملوك وفيهم نوك قال ~~فجذام قال يوقدون الحرب PageV01P252 # ويسعرونها ويلقحونها ثم يمرونها قال فبنو الحارث قال ~~رعاة للقديم وحماة عن الحريم فعك قال ليوث جاهدة في قلوب فاسدة قال فتغلب ~~قال يصدقون إذا لقوا ضربا ويسعرون للأعداء حربا قال فغسان قال أكرم العرب ~~أحسابا وأثبتها أنسابا قال فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تضام قال ~~قريش كانوا أهل رهوة لا يستطاع ارتقاؤها وهضبة لا يرام انتزاؤها في بلدة ~~حمى الله ذمارها ومنع جارها قال فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية قال ~~كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك ومذحج أهل الطعان ~~وهمدان أحلاس الخيل والأزد آساد الناس قال فأخبرني عن الأرضين قال سلني قال ~~الهند قال بحرها در وجبلها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر وأهلها طغام كقطع ~~الحمام قال فخراسان قال ماؤها جامد وعدوها جاحد قال فعمان قال حرها شديد ~~وصيدها عتيد قال فالبحرين قال كناسة بين المصرين قال فاليمن قال أصل العرب ~~وأهل البيوتات والحسب قال فمكة قال رجالها علماء جفاة ونساؤها كساة عراة ~~قال فالمدينة قال رسخ العلم فيها وظهر منها قال فالبصرة قال شتاؤها جليد ~~وحرها شديد وماؤها ملح وحربها صلح قال فالكوفة قال ارتفعت عن حر البحر ~~وسفلت عن برد الشام فطاب ليلها وكثر خيرها قال فواسط قال جنة بين حماة وكنة ~~قال وما حماتها وكنتها قال البصرة والكوفة تحسدانها وما ضرها ودجلة والزاب ~~يتجاريان بإفاضة الخير عليها قال فالشام قال عروس بين نسوة جلوس قال ثكلتك ~~أمك يا ابن القرية لولا اتباعك لأهل العراق وقد كنت أنهاك ms0155 عنهم أن تتبعهم ~~فتأخذ من نفاقهم ثم دعا بالسيف وأومأ إلى السياف أن أمسك فقال ابن القرية ~~ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقوف يكن مثلا بعدي قال هات قال لكل ~~جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة قال الحجاج ليس هذا وقت المزاح يا ~~غلام أوجب جرحه فضرب عنقه وقيل إنه لما أراد قتله قال له العرب تزعم أن لكل ~~شيء آفة قال PageV01P253 # صدقت العرب أصلح الله الأمير قال فما آفة الحلم قال ~~الغضب قال فما آفة العقل قال العجب قال فما آفة العلم قال النسيان قال فما ~~آفة السخاء قال المن عند البلاء قال فما آفة الكرام قال مجاورة اللئام قال ~~فما آفة الشجاعة قال البغي قال فما آفة العبادة قال الفترة قال فما آفة ~~الذهن قال حديث النفس قال فما آفة الحديث قال الكذب قال فما آفة المال قال ~~سوء التدبير قال فما آفة الكامل من الرجال قال العدم قال فما آفة الحجاج بن ~~يوسف قال أصلح الله الأمير لا آفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكا فرعه قال ~~امتلأت شقاقا وأظهرت نفاقا اضربوا عنقه فلما رآه قتيلا ندم نقلت هذا كله من ~~كتاب اللفيف وإنما أطلت الكلام فيه لأنه كان متصلا فما أمكن قطعه وسأله بعض ~~العلماء عن حد الدهاء فقال هو تجرع الغصة وتوقع الفرصة ومن كلامه في صفة ~~العي التنحنح من غير داء والتثاؤب من غير ريبة والإكباب في الأرض من غير ~~علة وكان قتله في سنة أربع وثمانين للهجرة رحمه الله تعالى وهذا ابن القرية ~~هو الذي تذكره النحاة في أمثالها فيقولون ابن القرية زمان الحجاج وذكر أبو ~~الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني في ترجمة مجنون ليلى بعد أن استوفى أخباره ~~فقال وقد قيل إن ثلاثة أشخاص شاعت أخبارهم واشتهرت أسماؤهم ولا حقيقة لهم ~~ولا وجود في الدنيا وهم مجنون ليلى وابن القرية يعني هذا المذكور وابن أبي ~~العقب الذي تنسب إليه الملاحم واسمه يحيى بن عبد الله بن أبي العقب ms0156 والله ~~أعلم والقرية بكسر القاف وتشديد الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها هاء وهي أم جشم بن مالك بن عمرو وكان عمرو المذكور قد تزوجها ~~PageV01P254 # فلما مات تزوجها ابنه مالك فأولدها جشم بن مالك ~~المذكور والقرية في اللغة الحوصلة وبها سميت المرأة قال أهل العلم بالأنساب ~~لما تزوج مالك ابن عمرو المذكور القرية واسمها جماعة كما تقدم في أول ~~الترجمة أولدها جشم جد أيوب ابن القرية المذكور وكليبا وهو جد العباس بن ~~عبد المطلب رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة أمه فإن ~~أمه نتيلة بضم النون وقيل نتلة بفتحها بنت حباب بن كليب بن مالك المذكور ~~فالعباس رضي الله عنه من أولاد القرية بهذا الاعتبار وذكر ابن قتيبة في ~~كتاب المعارف أن ابن القرية هلالي وأنه من بني هلال بن ربيعة بن زيد مناة ~~بن عامر وذكر ابن الكلبي أنه من بني مالك بن عمرو بن زيد مناة فما يجتمع ~~هلال ومالك إلا في زيد مناة وليس هلال في عمود نسبه والله تعالى أعلم ~~والهلالي بكسر الهاء نسبة إلى هلال بن ربيعة بن زيد مناة بطن من النمر بن ~~قاسط وفي العرب أيضا هلال بن عامر بن صعصعة قبيلة أخرى وقد ذكر ابن الكلبي ~~في كتاب جمهرة النسب هذين النسبين وصورة النكاح بينهما فيؤخذ منه 107 أيوب ~~والد السلطان صلاح الدين أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك ~~الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وسيأتي في ترجمة ~~ولده صلاح الدين تتمة نسبه وصورة الاختلاف فيه فينظر هناك ولا حاجة إلى ~~الإطالة بذكره ههنا قال بعض المؤرخين كان شاذي بن مروان من أهل دوين ومن ~~أبناء أعيانها PageV01P255 # والمعتبرين بها وكان له صاحب يقال له جمال الدولة ~~المجاهد بهروز قلت وهو المذكور في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب قال وكان ~~من أظرف الناس وألطفهم وأخبرهم بتدبير الأمور وكان بينهما من الاتحاد كما ~~بين الأخوين فجرت لبهروز في دوين ms0157 فخرج منها حياء وحشمة وذلك أنه اتهم بزوجة ~~بعض الأمراء بدوين فأخذه صاحبها فخصاه فلما مثل به لم يقدر على الإقامة ~~بالبلد وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية وهو السلطان غياث الدين محمد بن ~~ملكشاه الآتي ذكره إن شاء الله تعالى واتصل باللالا الذي لأولاده فوجده ~~لطيفا كافيا في جميع الأمور فتقدم عنده وتميز وفوض أحواله إليه وجعله يركب ~~مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل فرآه السلطان يوما مع أولاده فأنكر ~~على اللالا فقال له إنه خادم وأثنى عليه وشكر دينه وعفافه ومعرفته ثم صار ~~يسيره إلى السلطان في الأشغال فخف على قلبه ولعب معه بالشطرنج والنرد فحظي ~~عنده واتفق موت اللالا فجعله السلطان مكانه وأرصده لمهامه وسلم إليه أولاده ~~وسار ذكره في تلك النواحي فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده ليشاهد ما صار ~~إليه من النعمة وليقاسمه فيما خوله الله تعالى وليعلم أنه ما نسيه فلما وصل ~~إليه بالغ في إكرامه والإنعام عليه واتفق أن السلطان رأى أن يوجه المجاهد ~~المذكور إلى بغداد واليا عليها ونائبا عنه بها وكذا كانت عادة الملوك ~~السلجوقية في بغداد يسيرون إليها النواب فاستصحب معه شاذي المذكور فسار هو ~~وأولاده صحبته وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت فلم يجد من يثق إليه في ~~أمرها سوى شاذي المذكور فأرسله إليها فمضى وأقام بها مدة وتوفي بها فولى ~~مكانه ولده نجم الدين أيوب المذكور فنهض في أمرها وشكره بهروز وأحسن إليه ~~وكان أكبر سنا من أخيه أسد الدين شيركوه الآتي ذكره إن شاء الله تعالى قلت ~~وهذا الكلام بينه وبين الآتي ذكره في ترجمة صلاح الدين بعض الاختلاف والله ~~أعلم بالصواب ولا شك أنه يحصل المقصود من مجموع الكلامين فلينظر هناك أيضا ~~وذكرت في تلك الترجمة أيضا سبب المعرفة بين عماد الدين PageV01P256 # زنكي صاحب الموصل وبين نجم الدين أيوب وأسد الدين ~~شيركوه فلا حاجة إلى ذكره هنا ثم اتفق أن بعض الحرم خرجت من قلعة تكريت ~~لقضاء حاجة وعادت فعبرت على نجم الدين أيوب وأخيه أسد ms0158 الدين شيركوه وهي ~~تبكي فسألاها عن سبب بكائها فقالت أنا داخلة في الباب الذي للقلعة فتعرض ~~إلي الإسفهسلار فقام شيركوه وتناول الحربة التي تكون للإسفهسلار وضربه بها ~~فقتله فأمسكه أخوه نجم الدين أيوب واعتقله وكتب إلى بهروز وعرفه صورة الحال ~~ليفعل فيه ما يراه فوصل إليه جوابه لأبيكما علي حق وبيني وبينه مودة متأكدة ~~ما يمكنني أن أكافئكما بحالة سيئة تصدر مني في حقكما ولكن أشتهي منكما أن ~~تتركا خدمتي وتخرجا من بلدي وتطلبا الرزق حيث شئتما فلما وصلهما الجواب ما ~~أمكنهما المقام بتكريت فخرجا منها ووصلا إلى الموصل فأحسن إليهما الأتابك ~~عماد الدين زنكي لما كان تقدم لهما عنده وزاد في إكرامهما والإنعام عليهما ~~وأقطعهما إقطاعا حسنا ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك استخلف بها نجم الدين ~~أيوب وهذا كله مذكور في ترجمة ولده صلاح الدين وإن اختلفت العبارة ورأيت في ~~بعلبك خانقاه للصوفية يقال لها النجمية وهي منسوبة إليه عمرها في مدة ~~إقامته بها وكان رجلا مباركا كثير الصلاح مائلا إلى أهل الخير حسن النية ~~جميل الطوية وفي أوائل ترجمة صلاح الدين طرف من أخبار والده نجم الدين أيوب ~~وكيف رتبه زنكي في بعلبك وما جرى له بعد ذلك من الانتقال إلى دمشق فأغنى عن ~~شرحه ههنا ولما توجه أخوه أسد الدين شيركوه إلى مصر لإنجاد شاور على ماا ~~أشرحه في ترجمتيهما إن شاء الله تعالى كان نجم الدين أيوب مقيما بدمشق في ~~خدمة نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى ولما تولى صلاح الدين ولده ~~وزارة الديار المصرية في أيام العاضد صاحب مصر استدعى أباه من الشام فجهزه ~~نور الدين وأرسله إليه ودخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين ~~وخمسمائة وخرج العاضد للقائه إكراما لولده صلاح الدين يوسف PageV01P257 # وسلك معه ولده صلاح الدين من الأدب ما هو اللائق بمثله ~~وعرض عليه الأمر كله فأبى وقال يا ولدي ما اختارك الله تعالى لهذا الأمر ~~إلا وأنت أهل له ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة ولم ms0159 يزل عنده حتى استقل ~~صلاح الدين بمملكة البلاد كما هو مذكور في ترجمته ثم خرج صلاح الدين إلى ~~الكرك ليحاصرها وأبوه بالقاهرة فركب يوما ليسير على عادة الجند فخرج من باب ~~النصر أحد أبواب القاهرة فشب به فرسه فألقاه في وسط المحجة وذلك في يوم ~~الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة فحمل إلى داره وبقي ~~متألما إلى أن توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور هكذا ~~ذكره جماعة من المؤرخين منهم عماد الدين الكاتب الأصبهاني لكنه قال إن ~~وفاته كانت يوم الثلاثاء ورأيت في تاريخ كمال الدين بن العديم فصلا نقله من ~~تعليق العضد مرهف بن أسامة بن منقذ قال إنه توفي يوم الاثنين الثامن عشر من ~~ذي الحجة قلت ظاهر الحال أن العضد ما أوقعه في هذا الوهم إلا أنه اعتقد أنه ~~توفي في اليوم الذي سقط فيه عن فرسه فان هذا التاريخ هو تاريخ سقوطه عن ~~الفرس لا تاريخ وفاته والله أعلم ولما مات دفن إلى جانب أخيه أسد الدين ~~شيركوه في بيت بالدار السلطانية ثم نقلا بعد سنين إلى المدينة الشريفة ~~النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ورأيت في تاريخ القاضي الفاضل الذي ~~رتبه على الأيام وهو بخطه يذكر فيه ما يتجدد في كل يوم فقال وفي يوم الخميس ~~رابع صفر سنة ثمانين وخمسمائة وصل كتاب بدر الأسدي يعني من المدينة يخبر ~~بوصول تابوتي الأميرين نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه واستقرارهما ~~بتربتهما مجاورين الحجرة المقدسة النبوية نفعهما الله تعالى بمجاورتها ولما ~~عاد صلاح الدين من الكرك إلى الديار المصرية بلغه الخبر في الطريق فشق عليه ~~حيث لم يحضره وكتب إلى ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن PageV01P258 # شاهانشاه بن أيوب صاحب بعلبك كتابا بخط القاضي الفاضل ~~يعزيه عن جده نجم الدين أيوب المذكور ومن جملة فصوله المصاب بالمولى الدارج ~~غفر الله ذنبه وسقى بالرحمة تربه ما عظمت به اللوعة واشتدت به الروعة ~~وتضاعفت لغيبتنا عن مشهده الحسرة فاستنجدنا بالصبر فأبى وأنجدت ms0160 العبرة فيا ~~له فقيدا فقدنا عليه العزاء وهانت بعده الأرزاء وانتثر شمل البركة بفقده ~~فهي بعد الاجتماع أجزاء (وتخطفته يد الردى في غيبتي * هبني حضرت فكنت ماذا ~~أصنع) ورثاه الفقيد عمارة اليمني الآتي ذكره إن شاء الله تعالى بقصيدة ~~طويلة أجاد في أكثرها وأولها (هي الصدمة الأولى فمن بان صبره * على هول ~~ملقاه تضاعف أجره) وقال ابن أبي الطي الأديب الحلبي في تاريخه الكبير كان ~~مولد نجم الدين أيوب ببلد سجستان وقيل إنه ولد بجبل جور وربي ببلد الموصل ~~ولم يوافقه على ذلك أحد بل انفرد به وإنما نبهت عليه كيلا يقف عليه من لا ~~يعرف هذا الفن فيظن أنه صواب وليس الأمر كذلك بل الصحيح هو الذي ذكرته أولا ~~وشاذي بالشين المعجمة وبعد الألف ذال معجمة مكسورة وبعدها ياء مشاة من ~~تحتها وهذا الاسم عجمي ومعناه بالعربي فرحان ودوين بضم الدال المهملة وكسر ~~الواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم نون وهي بلدة في أواخر إقليم ~~أذربيجان من جهة الشمال تجاور بلاد الكرج وينسب إليها الدويني والدوني أيضا ~~بفتح الواو والله أعلم قلت والمسجد والحوض اللذان بظاهر القاهرة خارج باب ~~النصر عمارة نجم الدين أيوب أيضا ورأيت تاريخ بناء الحوض في الحجر المركب ~~أعلاه في سنة ست وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى وقدس الله روحه ~~PageV01P259 # 107 ب أيوب والد السلطان صلاح الدين أبو الشكر أيوب بن ~~شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف ~~كان في أول أمره متسلما قلعة تكريت هو وأخوة أسد الدين شيركوه يدبران ~~أحوالها وينظران في أمورها وتوفي والدهما شاذي بها وهناك قبره ظاهر معروف ~~وولد له بها السلطان صلاح الدين ومولده هو بمدينة دوين من أعمال أذربيجان ~~ثم انتقل إلى الموصل وأقام بها مدة ثم اتصل بخدمة نور الدين محمود بن زنكي ~~صاحب الشام وكان مقبلا عليه مكرما له ولما وزر ولده صلاح الدين للعاضد صاحب ~~مصر وذلك في سنة أربع وستين وخمسمائة كما هو مشهور توجه إليه ms0161 والده نجم ~~الدين من الشام ودخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة وخرج ~~العاضد للقائه وسلك صلاح الدين معه من الأدب ما جرت به العادة وألبسه الأمر ~~كله فأبى أن يلبسه وقال يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤ له ~~ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة فحكمه في الخزائن كلها وكان كريما يطلق فلا ~~يرد ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بملك الديار المصرية في أوائل ~~المحرم سنة سبع وستين كما سيأتي في ترجمته في حرف الياء فخرج نجم الدين ~~يوما من باب النصر أحد أبواب القاهرة فشب به فرسه فألقاه في وسط اللجة وذلك ~~يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة سنة 568 وحمل إلى داره وبقي متألما إلى أن ~~توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور ودفن عند قبر أخيه أسد ~~الدين شيركوه رحمه الله تعالى ثم بعد ذلك نقلا إلى مدينة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ودفنا هناك ولما توفي كان السلطان صلاح الدين غائبا في غزوة ~~PageV01P260 # الكرك وهي أول غزواته فبلغه الخبر وهو راجع في الطريق ~~فشق عليه حيث لم يضر وقد كان رجلا مباركا كثير الصلاح مائلا إلى أهل الخير ~~حسن النية جمل الطوية لا يتوسط إلا بالخير وظهرت تمرة بركته وحسن اعتقاده ~~في أولاده ورأيت بمدينة بعلبك خانقاه لطيفة حسنة الوصف يقال لها النجمية ~~وهي منسوبة إليه وسألت أهل البلد عن سبب بنائها هناك فقالوا كانت بعلبك ~~إقطاعه يوم ذاك والمسجد والحوض اللذان بظاهر القاهرة خارج باب النصر عمارته ~~أيضا ورأيت تاريخ بناء الحوض في الحجر المركب أعلاه في سنة 66 ولما مات ~~رثاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة طويلة أولها (هي الصدمة الأولى فمن بان ~~صبره * على هول ملقاه تضاعف أجره) وقال ابن أبي الطي الأديب الحلبي في ~~تاريخه الكبير مولد نجم الدين أيوب ببلد سجستان وقيل إنه ولد بجبل جودوربي ~~ببلد الموصل ولم يوافقه على ذلك أحد بل انفرد به وإنما نبهت عليه الخ ~~PageV01P261 # حرف ms0162 الباء حرف الباء PageV01P263 # 108 باديس الصنهاجي أبو مناد باديس بن المنصور بن ~~بلكين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي والد المعز بن باديس الآتي ذكره إن ~~شاء الله تعالى وبقية نسبه مذكور في حرف التاء عند ذكر حفيده الأمير تميم ~~كان باديس المذكور يتولى مملكة إفريقية نيابة عن الحاكم العبيدي المدعي ~~الخلافة بمصر ولقبه الحاكم نصير الدولة وكانت ولايته بعد أبيه المنصور ~~وتوفي أبوه يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين ~~وثلاثمائة بقصره الكبير خارج مدينة صبرة ودفن فيه ثاني يوم وكان باديس ~~المذكور ملكا كبيرا حازم الرأي شديد البأس إذا هز رمحا كسره ومولده ليلة ~~الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ~~بآشير المذكور في ترجمة إبراهيم بن قرقول ولم يزل على ولايته وأموره جارية ~~على السداد ولما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرون من ذي القعدة سنة ست ~~وأربعمائة أمر جنوده بالعرض فعرضوا بين يديه وهو في قبة السلام جالس إلى ~~وقت الظهر وسره حسن عسكره وأبهجه زيهم وما كانوا عليه وانصرف إلى قصره ثم ~~ركب عشية ذلك النهار في أجمل PageV01P265 # مركوب ولعب الجيش بين يديه ثم رجع إلى قصره شديد ~~السرور بما رآه من كمال حاله وقدم السماط بين يديه فأكل مع خاصته وحاضري ~~مائدته ثم انصرفوا عنه وقد رأوا من سروره ما لم يروه منه قط فلما مضى مقدار ~~نصف الليل من ليلة الأربعاء سلخ ذي القعدة سنة ست وأربعمائة قضى نحبه رحمه ~~الله تعالى فأخفوا أمره ورتبوا أخاه كرامت ابن المنصور ظاهرا حتى وصلوا إلى ~~ولده المعز فولوه وتم له الأمر وذكر في كتاب الدول المتقطعة أن سبب موته ~~أنه قصد طرابلس ولم يزل على قرب منها عازما على قتالها وحلف أن لا يرحل ~~عنها حتى يعيدها فدنا للزراعة لسبب اقتضى ذلك تركت شرحه لطوله قال فاجتمع ~~أهل البلد عند ذلك إلى المؤدب محرز وقالوا يا ولي الله قد بلغك ما قاله ~~باديس فادع الله أن ms0163 يزيل عنا بأسه فرفع يديه إلى السماء وقال يا رب باديس ~~اكفنا باديس فهلك في ليلته بالذبحة والله أعلم والصنهاجي بضم الصاد المهملة ~~وكسرها وسكون النون وفتح الهاء وبعد الألف جيم هذه النسبة إلى صنهاجة وهي ~~قبيلة مشهورة من حمير وهي بالمغرب وقال ابن دريد صنهاجه بضم الصاد لا يجوز ~~غير ذلك وأجاز غيره الكسر والله أعلم وضبط أسماء أجداده سيأتي إن شاء الله ~~تعالى PageV01P266 # (10) عز الدولة البويهي (بختيار) أبو منصور بختيار ~~الملقب عز الدولة بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي وقد تقدم ~~ذكر أبيه وتتمة نسبه فلا حاجة إلى إعادته ولي عز الدولة مملكة أبيه يوم ~~موته في تاريخه المذكور هناك وتزوج الامام الطائع ابنته شاه زمان على صداق ~~مبلغه مائة ألف دينار وخطب خطبة العقد القاضي أبو بكر ابن قريعة الآتي ذكره ~~في حرف الميم إن شاء الله تعالى وذلك في سنة أربع وستين وثلاثمائة وكان عز ~~الدولة ملكا سريا شديد القوى يمسك الثور العظيم بقرنيه فيصرعه وكان متوسعا ~~في الإخراجات والكلف والقيام بالوظائف حكى بشر الشمعي ببغداد قال سئلنا عند ~~دخول عضد الدولة بن بويه وهو ابن عم عز الدولة المذكور إلى بغداد لما ملكها ~~بعد قتله عز الدولة عن وظيفة الشمع الموقد بين يدي عز الدولة فقلنا كانت ~~وظيفة وزيره أبي الطاهر محمد بن بقية ألف من كل شهر فلم يعاودوا التقصي ~~استكثارا لذلك وستأتي ترجمة الوزير المذكور في حرف الميم إن شاء الله تعالى ~~وكان بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة منافسات في الممالك أدت إلى ~~التنازع وأفضت إلى التصاف والمحاربة فالتقيا يوم الأربعاء ثامن عشر شوال ~~سنة سبع وستين وثلاثمائة فقتل عز الدولة في المصاف وكان عمره ستا ~~PageV01P267 # وثلاثين سنة وحمل رأسه في طست ووضع بين يدي عضد الدولة ~~فلما رآه وضع منديله على عينيه وبكى رحمهما الله تعالى وسيأتي ذكر عضد ~~الدولة إن شاء الله تعالى 110 بركياروق السلجوقي أبو المظفر بركياروق ~~الملقب ركن الدين ابن السلطان ملكشاه بن ms0164 ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن ~~سلجوق بن دقاق الملقب شهاب الدولة مجد الملك أحد الملوك السلجوقية وسيأتي ~~ذكر جماعة منهم إن شاء الله تعالى ولي المملكة بعد موت أبيه وكان أبوه قد ~~ملك ما لم يملك غيره على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ودخل سمرقند ~~وبخارى وغزا بلاد ما وراء النهر وكان أخوه السلطان سنجر المذكور في حرف ~~السين إن شاء الله تعالى نائبه على خراسان وفي محاربته قتل عمه تاج الدولة ~~تتش بن ألب أرسلان كما سيأتي عند ذكره في حرف التاء إن شاء الله تعالى وكان ~~مسعودا عالي الهمة لم يكن فيه عيب سوى ملازمته للشراب والإدمان عليه ومولده ~~في سنة أربع وسبعين وأربعمائة وتوفي في الثاني عشر من شهر ربيع الآخر وقيل ~~الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ببروجرد وأقام في السلطنة اثنتي عشرة سنة ~~وأشهرا رحمه الله تعالى وبركياروق بفتح الباء الموحدة وسكون الراء والكاف ~~وفتح الياء PageV01P268 # المثناة من تحتها وبعد الألف راء مضمومة وواو ساكنة ~~وقاف وبروجرد بضم الباء الموحدة والراء وسكون الواو وكسر الجيم وسكون الراء ~~وبعدها دال مهملة بلدة على ثمانية عشر فرسخا من همذان 111 بركات الخشوعي ~~الرفاء أبو الطاهر بركات ابن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم ابن الشيخ أبي الفضل ~~طاهر ابن بركات بن إبراهيم بن علي بن محمد بن أحمد بن العباس بن هاشم ~~الخشوعي الدمشقي الجيروني الفرشي الرفاء الأنماطي كان له سماعات عالية ~~وإجازات تفرد بها وألحق الأصاغر بالأكابر فإنه انفرد في آخر عمره بالسماع ~~والإجازة من أبي محمد هبة الله بن أحمد بن الأكفاني وانفرد بالإجازة من أبي ~~محمد القاسم الحريري البصري صاحب المقامات إجازة في سنة اثنتي عشرة ~~وخمسمائة من البصرة وهو من بيت الحديث حدث هو وأبوه وجده وسئل أبوه لم سموا ~~الخشوعيين فقال كان جدنا الأعلى يؤم بالناس فتوفي في المحراب فسمي الخشوعي ~~نسبة إلى الخشوع وكان مولد أبي الطاهر المذكور بدمشق في رجب سنة عشر ~~وخمسمائة وتوفي ليلة السابع والعشرين من ms0165 صفر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ~~بدمشق ودفن من الغد بباب الفراديس على والده رحمهما الله تعالى وهو آخر من ~~روى بالإجازة عن الحريري PageV01P269 # والفرشي بضم الفاء وسكون الراء وبعدها شين مثلثة نسبة ~~إلى بيع الفرش والأنماطي الذي يبيع الفرش أيضا والرفاء معروف واجتمعت ~~بجماعة من أصحاب أبي الطاهر المذكور وسمعت عليهم وأجازوني ولقيت ولده ~~بالديار المصرية وكان يتردد إلي في كثير من الأوقات وأجازني جميع مسموعاته ~~وإجازاته من أبيه 112 برجوان خادم العزيز الأستاذ أبو الفتوح برجوان الذي ~~ينسب إليه حارة برجوان بالقاهرة كان من خدام العزيز صاحب مصر ومدبري دولته ~~وكان نافذ الأمر مطاعا نظر في أيام الحاكم في ديار مصر والحجاز والشام ~~والمغرب وأعمال الحضرة وذلك في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وسيأتي في ترجمة ~~العزيز نزار طرف من خبره إن شاء الله تعالى وكان أسود وقتل عشية يوم الخميس ~~السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر وقيل بل قتل يوم الخميس منتصف جمادي ~~الأولي سنة تسعين وثلاثمائة في القصر بالقاهرة بأمر الحاكم ضربه أبو الفضل ~~ريدان الصقلبي صاحب المظلة في جوفه بسكين فمات من ذلك وذكر ابن الصيرفي ~~الكاتب المصري في أخبار وزراء مصر أن برجوان نظر في أمور المملكة في شهر ~~رمضان من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ولما قتل خلف ألف سراويل دبيقي بألف ~~تكة حرير ومن الملابس والفرش والآلات والكتب والطرائف ما لا يحصى كثرة ~~والله أعلم PageV01P270 # وريدان المذكور هو الذي تنسب إليه الريدانية خارج باب ~~الفتوح أحد أبواب القاهرة ولما قتل برجوان رد الحاكم النظر في جميع ما كان ~~بيده إلى قائد القواد أبي عبد الله الحسين ابن القائد جوهر وسيأتي ذكره في ~~ترجمة أبيه إن شاء الله تعالى ثم قتل الحاكم ريدان المذكور في أوائل سنة ~~ثلاث وتسعين وثلاثمائة وكان المباشر لقتله مسعود الصقلبي صاحب السيف رحمهم ~~الله تعالى وبرجوان بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد ~~الألف نون وريدان بفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال ~~المهملة وبعد الألف نون ms0166 هكذا وجدته مقيدا بخط بعض الفضلاء والصقلبي بفتح ~~الصاد المهملة وسكون القاف وبعد اللام المفتوحة باء موحدة هذه النسبة إلى ~~الصقالبة وهم جنس من الناس يجلب منهم الخدام 113 بشار بن برد أبو معاذ بشار ~~بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء الضرير الشاعر المشهور ذكر له أبو الفرج ~~الأصبهاني في كتاب الأغاني ستة وعشرين جدا أسماؤهم أعجمية أضربت عن ذكرها ~~لطولها واستعجامها وربما يقع فيها التصحيف والتحريف فإنه لم يضبط شيئا منها ~~فلا حاجة إلى الإطالة فيها PageV01P271 # بلا فائدة وذكر من أحواله وأموره فصولا كثيرة وهو بصري ~~قدم بغداد وكان يلقب بالمرعث وأصله من طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة ~~ويقال إن بشارا ولد على الرق أيضا وأعتقته امرأة عقيلية فنسب إليها وكان ~~أكمه ولد أعمى جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أحمر وكان ضخما عظيم الخلق ~~والوجه مجدرا طويلا وهو في أول مرتبة المحدثين من الشعراء المجيدين فيه فمن ~~شعره في المشورة وهو من أحسن شيء قيل في ذلك (إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ~~* بحزم نصيح أو نصاحة حازم) (ولا تجعل الشورى عليك غضاضة * فريش الخوافي ~~تابع للقوادم) (وما خير كف أمسك الغل أختها * وما خير سيف لم يؤيد بقائم) ~~وله البيت السائر المشهور وهو (هل تعلمين وراء الحب منزلة * تدني إليك فإن ~~الحب أقصاني) ومن شعره وهو أغزل بيت قاله المولدون (أنا والله أشتهي سحر ~~عينيك * وأخشى مصارع العشاق) ومن شعره أيضا (يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة * ~~والأذن تعشق قبل العين أحيانا) (قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم * الأذن ~~كالعين توفي القلب ما كانا) أخذ معنى البيت الأول أبو حفص عمر المعروف بابن ~~الشحنة الموصلي من جملة قصيدة عدد أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتا يمدح بها ~~السلطان صلاح الدين رحمة الله تعالى فقال (وإني امرؤ أحببتكم لمكارم * سمعت ~~بها والأذن كالعين تعشق) (31) وشعر بشار كثير سائر فنقتصر منه على هذا ~~القدر PageV01P272 # وكان يمدح المهدي بن المنصور أمير المؤمنين ورمي عنده ~~بالزندقة فأمر بضربه فضرب سبعين سوطا ms0167 فمات من ذلك في البطيحة بالقرب من ~~البصرة فجاء بعض أهله فحمله إلى البصرة ودفنه بها وذلك في سنة سبع وقيل ~~ثمان وستين ومائة وقد نيف على تسعين سنة رحمه الله تعالى ويروى عنه أنه كان ~~يفضل النار على الأرض ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم صلوات ~~الله عليه وسلامه وينسب إليه من الشعر في تفضيل النار على الأرض قوله ~~(الأرض مظلمة والنار مشرقة * والنار معبودة مذ كانت النار) وقد روي أنه ~~فتشت كتبه فلم يصب فيها شيء مما كان يرمى به وأصيب له كتاب فيه إني أردت ~~هجاء آل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهم فذكرت قرابتهم ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسكت عنهم والله أعلم بحاله وقال الطبري ~~في تاريخه كان سبب قتل المهدي لبشار أن المهدي ولى صالح بن داود أخا يعقوب ~~بن داود وزير المهدي ولاية فهجاه بشار بقوله ليعقوب (هم حملوا فوق المنابر ~~صالحا * أخاك فضجت من أخيك المنابر) (فبلغ يعقوب هجاؤه فدخل على المهدي ~~وقال له إن بشارا هجاك قال ويلك ماذا قال قال يعفيني أمير المؤمنين من ~~إنشاد ذلك فقال لا بد فأنشده (خليفة يزني بعماته * يلعب بالدبوق والصولجان) ~~(أبدنا أبدلنا الله به غيره * ودس موسى في حر الخيزران) PageV01P273 # فطلبه المهدي فخاف يعقوب أن يدخل عليه فيمدحه فيعفو ~~عنه فوجه إليه من ألقاه في البطيحة ويرجوخ بفتح الياء المثناة من تحتها ~~وسكون الراء وضم الجيم وبعد الواو الساكنة خاء معجمة والعقيلي بضم العين ~~المهملة وفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام هذه النسبة ~~إلى عقيل بن كعب وهي قبيلة كبيرة والمرعث بضم الميم وفتح الراء وتشديد ~~العين المهملة المفتوحة وبعدها ثاء مثلثة وهو الذي في أذنه رعاث والرعاث ~~القرطة واحدتها رعثة وهي القرط لقب بذلك لأنه كان مرعثا في صغره ورعثات ~~الديك المتدلي أسفل حنكه والرعث الاسترسال والتساقط وكأن اسم القرطة اشتق ~~منه وقيل في تلقيبه بذلك غير هذا وهذا أصح وطخارستان ms0168 بضم الطاء المهملة ~~وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف راء مضمومة وبعدها سين ساكنة مهملة ثم تاء ~~مثناة من فوقها وبعد الألف نون وهي ناحية كبيرة مشتملة على بلدان وراء نهر ~~بلخ على جيحون خرج منها جماعة من العلماء 114 بشر الحافي أبو نصر بشر بن ~~الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله وكان اسم عبد ~~الله بعبور وأسلم على يد علي بن أبي طالب رضي الله PageV01P274 # عنه المروزي المعروف بالحافي أحد رجال الطريقة رضي ~~الله عنهم كان من كبار الصالحين وأعيان الأتقياء المتورعين أصله من مرو من ~~قرية من قراها يقال لها مابرسام وسكن بغداد وكان من أولاد الرؤساء والكتاب ~~وسبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة وفيها اسم الله تعالى مكتوب وقد وطئتها ~~الأقدام فأخذها واشترى بدراهم كانت معه غالية فطيب بها الورقة وجعلها في شق ~~حائط فرأى في النوم كأن قائلا يقول له يا بشر طيب اسمي لأطيبن اسمك في ~~الدنيا والآخرة فلما تنبه من نومه تاب ويحكى أنه أتى باب المعافى بن عمران ~~فدق عليه الحلقة فقيل من قال بشر الحافي فقالت بنت من داخل الدار لو اشتريت ~~نعلا بدانقين لذهب عنك اسم الحافي وإنما لقب بالحافي لأنه جاء إلى إسكاف ~~يطلب منه شسعا لإحدى نعليه وكان قد انقطع فقال له الإسكاف ما أكثر كلفتكم ~~على الناس فألقى النعل من يده والأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا بعدها ~~وقيل لبشر بأي شيء تأكل الخبز فقال أذكر العافية فأجعلها إداما ومن دعائه ~~اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة فاسلبه عني ومن كلامه ~~عقوبة العالم في الدنيا أن يعمى بصر قلبه وقال من طلب الدنيا فليتهيأ للذل ~~وقال بعضهم سمعت بشرا يقول لأصحاب الحديث أدوا زكاة هذا الحديث قالوا وما ~~زكاته قال اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث وروى عنه سري السقطي ~~وجماعة من الصالحين رضي الله تعالى عنهم قال الجوهري سمعت بشر بن الحارث ~~يقول في جنازة ms0169 أخته إن العبد إذا قصر في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه وقال ~~بشر كنت في طلب صديق لي ثلاثين سنة فلم أظفر به فمررت في بعض الجبال بأقوام ~~مرضى PageV01P275 # وزمني وعمي وبكم فسألتهم فقالوا في هذا الكهف رجل يمسح ~~عليهم بيديه فيبرأون بإذن الله تعالى وبركة دعائه قال فقعدت أنتظر فخرج شيخ ~~عليه جبة صوف فلمسهم ودعا لهم فكانوا يبرأون من عللهم بمشيئة الله تعالى ~~قال فأخذت ذيله فقال خل عني يا سري يراك تأنس بغيره فتسقط من عينه ثم تركني ~~ومضى وكان مولده سنة خمسين ومائة وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين ~~وقيل سبع وعشرين ومائتين وقيل يوم الأربعاء عاشر المحرم وقيل في رمضان ~~بمدينة بغداد وقيل بمرو رحمه الله تعالى وكان لبشر ثلاث أخوات وهن مضغة ~~ومخة وزبدة وكن زاهدات عابدات ورعات وأكبرهن مضغة ماتت قبل موت أخيها بشر ~~فحزن عليها بشر حزنا شديدا وبكى بكاء كثيرا فقيل له في ذلك فقال قرأت في ~~بعض الكتب أن العبد إذا قصر في خدمة ربه سلبه أنيسه وهذه أختي مضغة كانت ~~أنيستي في الدنيا وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل دخلت امرأة علي أبي فقالت ~~له يا أبا عبد الله إني امرأة أغزل في الليل على ضوء السراج وربماء طفىء ~~السراج فأغزل على ضوء القمر فهل علي أن أبين غزل السراج من غزل القمر فقال ~~لها أبي إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيني ذلك فقال له يا أبا عبد ~~الله أنين المريض هل هو شكوى فقال لها إني أرجو أن لا يكون شكوى ولكن هو ~~اشتكاء إلى الله تعالى ثم انصرفت قال عبد الله فقال لي أبي يا بني ما سمعت ~~إنسانا قط يسأل عن مثل ما سألت هذه المرأة اتبعها قال عبد الله فتبعتها إلى ~~أن دخلت دار بشر الحافي فعرفت أنها أخت بشر فأتيت أبي فقلت له إن المرأة ~~أخت بشر الحافي فقال أبي هذا والله هو الصحيح محال أن تكون هذه ms0170 المرأة إلا ~~أخت بشر الحافي وقال عبد الله أيضا جاءت مخة أخت بشر الحافي إلى أبي فقالت ~~يا أبا عبد الله رأس مالي دانقان أشتري بهما قطنا فأغزله وأبيعه بنصف درهم ~~فأنفق دانقا من الجمعة إلى الجمعة وقد مر الطائف ليلة ومعه مشعل فاغتنمت ~~PageV01P276 # ضوء المشعل وغزلت طاقين في ضوئه فعلمت أن لله سبحانه ~~وتعالى في مطالبة فخلصني من هذا خلصك الله تعالى فقال أبي تخرجين الدانقين ~~ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيرا منه قال عبد الله فقلت لأبي لو ~~قلت لها حتى تخرج رأس مالها فقال يا بني سؤالها لا يحتمل التأويل فمن هذه ~~المرأة فقلت هي مخة أخت بشر الحافي فقال أبي من ههنا أتيت وقال بشر الحافي ~~تعلمت الزهد من أختي فإنها كانت تجتهد أن لا تأكل ما لمخلوق فيه صنع 115 ~~بشر المريسي أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي الفقيه ~~الحنفي المتكلم هو من موالي زيد بن الخطاب رضي الله عنه أخذ الفقه عن ~~القاضي أبي يوسف الحنفي إلا أنه اشتغل بالكلام وجرد القول بخلق القرآن وحكي ~~عنه في ذلك أقوال شنيعة وكان مرجئا وإليه تنسب الطائفة المريسية من المرجئة ~~وكان يقول إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر ولكنه علامة الكفر وكان يناظر ~~الإمام الشافعي رضي الله عنه وكان لا يعرف النحو ويلحن لحنا فاحشا وروى ~~الحديث عن حماد ابن سلمة وسفيان بن عيينة وأبي يوسف القاضي وغيرهم رحمهم ~~الله تعالى ويقال إن أباه كان يهوديا صياغا بالكوفة وذكر ابن أبي عون ~~الكاتب في كتاب الأجوبة أن أم بشر المريسي شهدت عند بعض القضاة فجعلت تلقن ~~PageV01P277 # امرأة معها الشهادة فقال الخصم للقاضي ما تراها تلقنها ~~قالت له يا جاهل إن الله تعالى يقول * (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى) * قال عمارة بن وثيمة أخبرني عبد الله بن إسماعيل بن عياش قال كتب ~~بشر المريسي إلى رجل يستقرض منه شيئا فكتب إليه الرجل الدخول قليل والدين ~~ثقيل والمال مكذوب عليه ms0171 فكتب إليه بشر إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن ~~كنت معتذرا بباطل فجعلك الله معتذرا بحق وقال القاسم بن إسماعيل قال لي ~~الجاحظ قال بشر المريسي وقد سئل عن رجل فقال هو على أحسن حال واهنؤها فضحك ~~الناس من لحنه فقال قاسم التمار ما هذا إلا صوابا مثل قول ابن هرمة وهو (ان ~~سليمى والله يكلؤها * ضنت بشيء ما كان يرزؤها) قال فشغل الناس عن لحن ~~المريسي بتفسير القاسم وتوفي في ذي الحجة سنة ثماني عشرة وقيل تسع عشرة ~~ومائتين ببغداد والمريسي بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وبعدها سين مهملة هذه النسبة إلى مريس وهي قرية بمصر هكذا ذكره ~~الوزير أبو سعد في كتاب النتف والطرف وسمعت أهل مصر يقولون إن المريس جنس ~~من السودان بين بلاد النوبة وأسوان من ديار مصر وكأنهم جنس من النوبة ~~وبلادهم متاخمة لبلاد أسوان وتأتيهم في الشتاء ريح باردة من ناحية الجنوب ~~يسمونها المريسي ويزعمون أنها تأتي من تلك الجهة والله أعلم ثم إني رأيت ~~بخط من يعتني بهذا الفن أنه كان يسكن في بغداد بدرب المريس فنسب إليه قال ~~وهو بين نهر الدجاج ونهر البزازين قلت والمريس في بغداد هو الخبز الرقاق ~~يمرس بالسمن والتمر كما يصنعه أهل مصر بالعسل بدل التمر وهو الذي يسمونه ~~البسيسة PageV01P278 # 116 القاضي بكار بن قتيبة القاضي أبو بكرة بكار بن ~~قتيبة بن أبي برذعة بن عبيد الله بن بشر بن عبيد الله ابن أبي بكرة نفيع بن ~~الحارث بن كلدة الثقفي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حنفي المذهب ~~وتولى القضاء بمصر سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائتين وقيل قدمها متوليا ~~قضاءها من قبل المتوكل يوم الجمعة لثمان خلون من جمادي الآخرة سنة ست ~~وأربعين ومائتين وظهر من حسن سيرته وجميل طريقته ما هو مشهور وله مع أحمد ~~بن طولون صاحب مصر وقائع مذكورة وكان يدفع له كل سنة ألف دينار خارجا عن ~~المقرر له فيتركها بختمها ولا يتصرف فيها ms0172 فلما دعاه إلى خلع الموفق بن ~~المتوكل وهو والد المعتضد من ولاية العهد امتنع القاضي بكار من ذلك والقضية ~~مشهورة فاعتقله أحمد ثم طالبه بجملة المبلغ الذي كان يأخذه كل سنة فحمله ~~إليه بختمه وكان ثمانية عشر كيسا فاستحيا أحمد منه وكان يظن أنه أخرجها ~~وأنه يعجز عن القيام بها فلهذا طالبه ولما اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى ~~محمد بن شاذان الجوهري ففعل وجعله كالخليفة له وبقي مسجونا مدة سنين ووقفه ~~للناس مرارا كثيرة وكان يحدث في السجن من طاق فيه لأن أصحاب الحديث شكوا ~~إلى ابن طولون انقطاع إسماع الحديث من بكار وسألوه أن يأذن له في الحديث ~~ففعل وكان يحدث على ما ذكرناه وكان القاضي بكار أحد البكائين التالين لكتاب ~~الله عز وجل وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليها قصص جميع من تقدم ~~إليه وما حكم به وبكى وكان يخاطب نفسه ويقول يا بكار تقدم إليك رجلان في ~~كذا وتقدم إليك خصمان في كذا PageV01P279 # وحكمت بكذا فما يكون جوابك غدا وكان يكثر الوعظ للخصوم ~~إذا أراد اليمين ويتلو عليهم قوله تعالى * (إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا) * إلى آخر الآية وكان يحاسب أمناءه في كل وقت ويسأل ~~عن الشهود في كل وقت وكانت ولادته بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة وتوفي ~~وهو باق على القضاء مسجونا يوم الخميس لست خلون من ذي الحجة سنة سبعين ~~ومائتين بمصر وبقيت مصر بعده بلا قاض ثلاث سنين وقبره بالقرب من قبر الشريف ~~ابن طباطبا وقبره مشهور هناك عند مصلى بني مسكين على الطريق تحت الكوم بينه ~~وبين الطريق المذكور معروف باستجابة الدعاء عنده وقيل كانت ولايته القضاء ~~سنة ست وأربعين ومائتين وهو الأصح وقيل سنة خمس وأربعين رحمه الله تعالى ~~166 ب القاضي بكار بن قتيبة القاضي أبو بكر بكار بن قتيبة بن أسد بن عبد ~~الله بن بشر بن أبي بكرة بن نفيع بن كلدة الثقفي بن الحارث مولى صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه ms0173 وسلم حدث عن أبي داود الطيالسي وغيره وكان أحد الفقهاء ~~على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أخذ الفقه عن هلال بن يحيى بالبصرة وولي ~~قضاء مصر أربعا وعشرين سنة وستة أشهر وستة عشر يوما وكان من البكائين ~~التالين لكتاب الله عز وجل وكان يكثر الوعظ للخصوم ويتلو عليهم * (إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) * ~~PageV01P280 # ) هذا مع كل حالف فمنهم من يرجع عن اليمين وكان يحاسب ~~أمناءه في كل شهر ويسأل عن الشهود قال أبو حاتم ابن أخي بكار قدم على عمي ~~رجل من البصرة له علم وزهادة ونسك فأكرمه وقربه وأدناه وذكر أنه كان معه في ~~المكتب فمضت به الأيام فجاء في شهادة ومعه شاهدان من شهود مصر فوديا عند ~~عمي فما قبل شهادته فقلت لعمي هذا رجل زاهد وأنت تعرفه قال يا ابن أخي ما ~~رددت شهادته إلا أنه كنا صغارا وكنا على مائدة عليها أرز وفيه حلوى فنقبت ~~الأرز بإصبعي فقال لي * (أخرقتها لتغرق أهلها) * فقلت له أتهزأ بكتاب الله ~~تعالى على الطعام ثم أمسكت عن كلامه مدة وما أقدر على قبوله وأنا أذكر ذلك ~~منه ولم يزل على القضاء إلى أن جرى بينه وبين أحمد بن طولون ما جرى وذلك أن ~~المعتمد على الله تعالى ابن جعفر المتوكل لما ولي الخلافة عقد لأخيه أبي ~~أحمد ولقبه الموفق وأقبل المعتمد على لذاته واشتغل عن الرعية فغلب على ~~الأمر وقام به أحسن قيام وأتمه فسار المعتمد في جمادي الآخرة سنة سبع وستين ~~ومائتين يريد مصر بمكاتبة جرت بينه وبين أحمد بن طولون لما كان ابن طولون ~~بدمشق فلما بلغ الموفق ذلك وهو في قتال صاحب الزنج أنفذ عسكرا عليه إسحاق ~~بن كنداج فرد المعتمد وسلمه إلى صاعد بن مخلد وحجر عليه فكتب ابن طولون أن ~~الموفق نكث بيعة المعتمد وأمر بجمع القضاة والفقهاء والأشراف وسيرهم إلى ~~دمشق ms0174 فاجتمعوا بها وخلع الموفق لأن الفقهاء أفتوا بخلعه إلا بكار ابن قتيبة ~~فقال له أنت أوردت علي كتابا من المعتمد ان الموفق ولي عهده فأورد علي ~~كتابا منه بخلعه فقال هو الآن مغلوب مقهور وأنا أحبسك حتى يرد كتابه فقيده ~~وحبسه واسترجع منه ما كان دفعه إليه من جوائزه وولى أحمد بن طولون محمد بن ~~شاذان الجوهري ولم يزل بكار محبوسا إلى أن اعتل أحمد ابن طولون سنة سبع ~~ومائتين ولما مات قيل لبكار انصرف إلى منزلك فقال الدار بأجرة وقد صلحت لي ~~فأقام وجاء أصحاب الدار يطلبون أجرة ما مضى فقال بكار على مذهبي الغاصب لا ~~أجرة عليه ولكن أدفع لكم في المستقبل PageV01P281 # وليس علي فيما مضى أجرة لأني كنت مغصوبا على نفسي ومات ~~العباس بن أحمد ابن طولون بعده باثنتي عشرة ليلة ومات بكار بعده بأربعين ~~يوما وسنة تسع وثمانون سنة وصلى عليه ابن أخيه محمد بن الحسين بن قتيبة ~~وعاش بعد عمه عشر سنين ودفن بمصر عند مصلى بني مسكين رحمه الله تعالى قريبا ~~من قبر الشريف ابن طباطبا وقبره مشهور هناك على الطريق تحت الكوم بينه وبين ~~الطريق المذكور معروف باستجابة الدعاء عنده 117 أبو بكر المخزومي أبو بكر ~~بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم ~~القرشي المخزومي أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وكنيته اسمه وعادة المؤرخين ~~أن يذكروا من كنيته اسمه في الحرف الموافق لأول المضاف إليه والمضاف إليه ~~ههنا بكر فلهذا ذكرته في الباء ومن المؤرخين من يفرد للكنى بابا وكان أبو ~~بكر المذكور من سادات التابعين وكان يسمى راهب قريش وأبوه الحارث أخو أبي ~~جهل بن هشام من جلة الصحابة رضي الله عنهم ومولده في خلافة عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه وتوفي سنة أربع وتسعين للهجرة رحمه الله تعالى وهذه السنة ~~تسمى سنة الفقهاء وإنما سميت بذلك لأنه مات فيها جماعة منهم وهؤلاء الفقهاء ~~السبعة كانوا بالمدينة في عصر واحد وعنهم انتشر العلم والفتيا ms0175 PageV01P282 # في الدنيا وسيأتي ذكر كل واحد منهم في حرفه وننبه عليه ~~في موضعه إن شاء الله تعالى وقد جمعهم بعض العلماء في بيتين فقال (ألا كل ~~من لا يقتدي بأئمة * فقسمته ضيزى عن الحق خارجه) (فخذهم عبيد الله عروة ~~قاسم * سعيد سليمان أبو بكر خارجه) ولولا كثرة حاجة فقهاء زماننا إلى ~~معرفتهم لما ذكرتهم لأن في شهرتهم غنية عن ذكرهم في هذا المختصر وإنما قيل ~~لهم الفقهاء السبعة وخصوا بهذه التسمية لأن الفتوى بعد الصحابة رضوان الله ~~عليهم صارت إليهم وشهروا بها وقد كان في عصرهم جماعة من العلماء التابعين ~~مثل سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأمثاله ولكن الفتوى لم تكن إلا ~~لهؤلاء السبعة هكذا قاله الحافظ السلفي 118 المازني النحوي أبو عثمان بكر ~~بن محمد بن عثمان وقيل بقية وقيل عدي بن حبيب المازني البصري النحوي كان ~~إمام عصره في النحو والأدب أخذ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد ~~الأنصاري وغيرهم وأخذ عنهم عنه أبو العباس المبرد وبه انتفع وله عنه روايات ~~كثيرة وله من التصانيف كتاب ما تلحن فيه العامة وكتاب الألف واللام وكتاب ~~التصريف وكتاب العروض وكتاب القوافي وكتاب الديباج على خلاف كتاب أبي عبيدة ~~قال أبو جعفر الطحاوي الحنفي المصري سمعت القاضي بكار بن قتيبة PageV01P283 # قاضي مصر يقول ما رأيت نحويا قط يشبه الفقهاء إلا حيان ~~بن هرمة والمازني يعني أبا عثمان المذكور وكان في غاية الورع ومما رواه ~~المبرد أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبوية وبذل له مائة دينار ~~في تدريسه إياه فامتنع أبو عثمان من ذلك قال فقلت له جعلت فداك أترد هذه ~~المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك فقال إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا ~~وكذا آية من كتاب عز وجل ولست أرى أن أمكن منها ذميا غيرة على كتاب الله ~~وحمية له قال فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي (أظلوم إن ~~مصابكم رجلا * أهدى السلام تحية ظلم) فاختلف من كان بالحضرة في ms0176 إعراب رجلا ~~فمنهم من نصبه وجعله اسم إن ومنهم من رفعه على أنه خبرها والجارية مصرة على ~~أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب فأمر الواثق بإشخاصه قال أبو ~~عثمان فلما مثلت بين يديه قال ممن الرجل قلت من بني مازن قال أي الموازن ~~أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة قلت من مازن ربيعة فكلمني بكلام قومي ~~وقال باسمك لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما قال فكرهت أن أجيبه على لغة ~~قومي كيلا أواجهه بالمكر فقلت بكر يا أمير المؤمنين ففطن لما قصدته وأعجب ~~به ثم قال ما تقول في قول الشاعر (أظلوم إن مصابكم رجلا *) PageV01P284 # أترفع رجلا أم تنصبه فقلت بل الوجه النصب يا أمير ~~المؤمنين فقال ولم ذلك فقلت إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم فأخذ اليزيدي في ~~معارضتي فقلت هو بمنزلة قولك إن ضربك زيدا ظلم فالرجل مفعول مصابكم وهو ~~منصوب به والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم فيتم فاستحسنه ~~الواثق وقال هل لك من ولد قلت نعم بنية يا أمير المؤمنين قال ما قالت لك ~~عند مسيرك فقلت طافت حولي وأنشدت وهي تبكي قول الأعشى (أيا أبتا لا ترم ~~عندنا * فإنا بخير إذا لم ترم) (أرانا إذا أضمرتك البلاد * تجفى وتقطع منا ~~الرحم) قال فما قلت لها قال قلت لها ما قال جرير لابنته (ثقي بالله ليس له ~~شريك * ومن عند الخليفة بالنجاح) قال على النجاح إن شاء الله تعالى ثم أمر ~~لي بألف دينار وردني مكرما قال المبرد فلما عاد إلى البصرة قال لي كيف رأيت ~~يا أبا العباس رددنا لله مائة فعوضنا ألفا وكان أبو عثمان مع علمه بالنحو ~~متسعا في الرواية قال أبو القاسم الكوكني حدثني العنزي قال أنشد رجل أبا ~~عثمان المازني شعرا له وقال كيف تراه قال أراك قد عملت عملا بإخراج هذا من ~~صدرك لأنك لو تركته لأورثك السل وروى المبرد عنه أيضا قال قرأ علي رجل كتاب ~~سيبويه في مدة طويلة PageV01P285 # فلما بلغ آخره ms0177 قال لي أما أنت فجزاك الله خيرا وأما ~~أنا فما فهمت منه حرفا وتوفي أبو عثمان المازني المذكور في سنة تسع وأربعين ~~ومائتين وقيل ثمان وأربعين وقيل ست وثلاثين ومائتين بالبصرة رحمه الله ~~تعالى 119 بلكين جد باديس أبو الفتوح بلكين بن زيري بن مناد الحميري ~~الصنهاجي وهو جد باديس المقدم ذكره ويسمى أيضا يوسف لكن بلكين أشهر وهو ~~الذي استخلفه المعز بن المنصور العبيدي على إفريقية عند توجهه إلى الديار ~~المصرية وكان استخلافه إياه يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة سنة إحدى ~~وستين وثلاثمائة وأمر الناس بالسمع والطاعة له وسلم إليه البلاد وخرجت ~~العمال وجباة الأموال باسمه وأوصاه المعز بأمور كثيرة وأكد عليه في فعلها ~~ثم قال إن نسيت ما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء إياك أن ترفع الجباية عن ~~أهل البادية والسيف عن البربر ولا تول أحدا من إخونك وبني عمك فإنهم يرون ~~أنهم أحق بهذا الأمر منك وافعل مع أهل الحاضرة خيرا وفارقه على ذلك وعاد من ~~وداعه وتصرف في الولاية ولم يزل حسن السيرة تام النظر في مصالح دولته ~~ورعيته إلى أن توفي يوم الأحد لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين بموضع ~~يقال له واركلان مجاور إفريقية وكانت علته القولنج وقيل خرجت في يده بثرة ~~فمات منها رحمه الله تعالى PageV01P286 # وكان له أربعمائة حظيه حتى قيل إن البشائر وفدت عليه ~~في يوم واحد بولادة سبعة عشر ولدا وبلكين بضم الباء الموحدة واللام وتشديد ~~الكاف المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وزيري بكسر الزاي ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الراء وبعدها ياء وبقية نسبه وضبط نسبته ~~وألفاظه مذكور في حرف التاء عند ذكر حفيده الأمير تميم بن المعز بن باديس ~~رحمهم الله تعالى وأما واركلان فهو بفتح الواو وبعد الألف راء مفتوحة أيضا ~~ثم كاف ساكنة وبعد اللام ألف نون 120 بوران بوران بنت الحسن بن سهل وسيأتي ~~خبر أبيها إن شاء الله تعالى ويقال إن اسمها خديجة وبوران لقب ms0178 والأول أشهر ~~وكان المأمون قد تزوجها لمكان أبيها منه واحتفل أبوها بأمرها وعمل من ~~الولائم والأفراح مالم يعهد مثله في عصر من الأعصار وكان ذلك بفم الصلح ~~وانتهى أمره إلى أن نثر على الهاشميين والقواد والكتاب والوجوه PageV01P287 # بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع وأسماء جوار وصفات ~~دواب وغير ذلك فكانت البندقة إذا وقعت في يد الرجل فتحها فيقرأ ما في ~~الرقعة فإذا علم ما فيها مضى إلى الوكيل المرصد لذلك فيدفعها إليه ويتسلم ~~ما فيها سواء كان ضيعة أو ملكا آخرت أو فرسا أو جارية أو مملوكا ثم نثر بعد ~~ذلك علي سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيض العنبر وأنفق على ~~المأمون وقواده وجميع أصحابه وسائر من كان معه من أجناده وأتباعه وكانوا ~~خلقا لا يحصى حتى على الجمالين والمكارية والملاحين وكل من ضمه عسكره فلم ~~يكن في العسكر من يشتري شيئا لنفسه ولا لدوابه وذكر الطبري في تاريخه أن ~~المأمون أقام عند الحسن تسعة عشر يوما يعد له في كل يوم ولجميع من معه ما ~~يحتاج إليه وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم وأمر له المأمون عند ~~منصرفه بعشرة آلاف ألف درهم وأقطعه فم الصلح فجلس وفرق المال على قواده ~~وأصحابه وحشمه ثم قال بعد هذا خرج المأمون نحو الحسن لثمان خلون من شهر ~~رضمان ورحل من فم الصلح لسبع بقين من شوال سنة عشر ومائتين وهلك حميد بن ~~عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة وقال غيره وفرش للمأمون حصير منسوج ~~بالذهب فلما وقف عليه نثرت على قدميه لآلئ كثيرة فلما رأى تساقط الآلي ~~المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب قال قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد هذه ~~الحال حين قال في صفة الخمر والحباب الذي يعلوها عند المزاج (كأن صغرى ~~وكبرى من فواقعها * حصباء در على أرض من الذهب) وقد غلطوا أبا نواس في هذا ~~البيت وليس هذا موضع إبانة الغلط PageV01P288 # وأطلق له المأمون خراج فارس وكور الأهواز مدة سنة ~~وقالت الشعراء والخطباء في ذلك ms0179 فأطنبوا وما يستظرف فيه قول محمد بن حازم ~~الباهلي (بارك الله للحسن * ولبوران في الختن) (يا ابن هارون قد ظفرت * ~~ولكن ببنت من) فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون قال والله ما ندري خيرا أراد ~~أم شرا وقال الطبري أيضا دخل المأمون على بوران الليلة الثالثة من وصوله ~~إلى فم الصلح فلما جلس معها نثرت عليهما جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب ~~فأمر المأمون أن تجمع وسألها عن عدد الدر كم هو فقالت ألف حبة فوضعها في ~~حجرها وقال لها هذه نحلتك وسلي حوائجك فقالت لها جدتها كلمي سيدك فقد أمرك ~~فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي قلت وقد تقدم ذكره فقال قد فعلت وأوقدوا ~~في تلك الليلة شمعة عنبر وزنها أربعون منا في تور من ذهب فأنكر المأمون ذلك ~~عليهم وقال هذا سرف وقال غير الطبري لما طلب المأمون الدخول عليها دافعوه ~~لعذر بها فلم يندفع فلما زفت إليه وجدها حائضا فتركها فلما قعد للناس من ~~الغد دخل عليه أحمد بن يوسف الكاتب وقال يا أمير المؤمنين هنأك الله بما ~~أخذت من الأمر باليمن والبركة وشدة الحركة والظفر بالمعركة فأنشده المأمون ~~(فارس ماض بحربته * صادق بالطعن في الظلم) (رام أن يدمي فريسته * فاتقته من ~~دم بدم) PageV01P289 # يعرض بحيضها وهو من أحسن الكنايات حكى ذلك أبو العباس ~~الجرجاني في كتاب الكنايات وقد رويت هذه القصة على غير هذا الوجه والله ~~أعلم بالصواب وجرى هذا كله في شهر رمضان سنة عشر ومائتين وعقد عليها في سنة ~~اثنتين ومائتين وتوفي المأمون وهي في صحبته وكانت وفاته يوم الخميس لثلاث ~~عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين وبقيت بعده إلى أن توفيت يوم ~~الثلاثاء لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين ومائتين وعمرها ~~ثمانون سنة لأن مولدها ليلة الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وتسعين ~~ومائة وكانت وفاتها ببغداد ويقال إنها دفنت في قبة مقابلة مقصورة جامع ~~السلطان وإنها باقية إلى الآن رحمها الله تعالى وفم الصلح ms0180 بفتح الفاء ~~وبعدها ميم وكسر الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة حاء مهملة وهي بلدة على ~~دجلة قريبة من واسط كذا ذكره السمعاني وقال العماد الكاتب في الخريدة الصلح ~~نهر كبير يأخذ من دجلة بأعلى واسط عليه نواح كثيرة وقد علا النهر وآل أمر ~~تلك المواضع إلى الخراب قلت والعماد بذلك أخبر من السمعاني لأنه أقام بواسط ~~زمانا طويلا متولي الديوان بها 121 تاج الملوك بوري تاج الملوك أبو سعيد ~~بوري بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب مجد الدين قد تقدم ذكر أبيه وهو أخو ~~السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى وكان أصغر أولاد أبيه وكانت فيه فضيلة ~~وله ديوان شعر فيه الغث والسمين PageV01P290 # لكنه بالنسبة إلى مثله جيد نقلت من ديوانه في أحد ~~مماليكه وقد أقبل من جهة المغرب راكبا فرسا أشهب قوله (أقبل من أعشقه راكبا ~~* من جانب الغرب على أشهب) (فقلت سبحانك يا ذا العلا * أشرقت الشمس من ~~المغرب) وما يناسب ذلك قول ابن طلحة الصقلي (أيتها النفس إليه اذهبي * فحبه ~~المشهور من مذهبي) (مفضي الثغر له نقطة * مسكية في خده المذهب) (أيأسني ~~التوبة من حبه * طلوعه شمسا من المغرب) ولأحمد بن عثمان الأندلسي (لما رأيت ~~شعاع خدك ذا * متهللا كتهلل البرق) (سبحت من عجب وقلت متى * للشمس تطلع من ~~سوى الشرق) وأورد له العماد الكاتب في كتاب الخريدة (يا حياتي حين يرضى * ~~ومماتي حين يسخط) (آه من ورد على خديك * بالمسك منقط) (بين أجفانك سلطان * ~~على ضعفي مسلط) (قد تصبرت وإن برح * بي الشوق وأفرط) (فلعل الدهر يوما * ~~بالتلاقي منك يغلط) وأورد له أيضا (أيا حامل الرمح الشبيه بقدة * ويا شاهرا ~~سيفا حكى لحظه عضبا) (ضع الرمح واغمد ما سللت فربما * قتلت وما حاولت طعنا ~~ولا ضربا) وذكر له غير ذلك أيضا وله أشياء حسنة PageV01P291 # وكانت ولادته في ذي الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة ~~وتوفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة على ~~مدينة حلب من جراحة أصابته عليها لما حاصرها أخوه السلطان ms0181 صلاح الدين رحمه ~~الله تعالى وأصابته الجراحة يوم نزولهم عليها وهو السادس عشر من المحرم من ~~السنة المذكورة وكانت الجراحة طعنة في ركبته قال العماد الأصبهاني في البرق ~~الشامي إن صلاح الدين كان قد أعد لعماد الدين صاحب حلب ضيافة في المخيم بعد ~~الصلح وقبل دخوله البلد فبينما هو جالس على السماط وعماد الدين إلى جانبه ~~ونحن في أغبط عيش وأتم سرور إذ جاء الحاجب إلى صلاح الدين وأسر إليه بموت ~~أخيه فلم يتغير عن حالته وأمر بتجهيزه ودفنه سرا وأعطى الضيافة حقها إلى ~~آخرها ويقال إن صلاح الدين كان يقول ما أخذنا حلب رخيصة بقتل تاج الملوك ~~وبوري بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الراء وبعدها ياء مثناة من تحتها ~~وهو لفظ تركي معناه بالعربية ذئب انتهى والله تعالى أعلم PageV01P292 # حرف التاء PageV01P293 # 122 تتش السلجوقي تاج الدولة أبو سعيد تتش بن ألب ~~أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ابن دقاق السلجوقي كان صاحب البلاد ~~الشرقية فلما حاصر أمير الجيوش بدر الجمالي مدينة دمشق من جهة صاحب مصر ~~وكان صاحب دمشق يومئذ أتسز بن أوق بن الخوارزمي التركي سير أتسز المذكور ~~إلى تتش فاستنجد به فأنجده وسار إليه بنفسه فلما وصل إلى دمشق خرج إليه ~~أتسز فقبض عليه تتش وقتله واستولى على مملكته وذلك في سنة إحدى وسبعين ~~وأربعمائة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر وكان قد ملك دمشق في ذي ~~القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة ورأيت في بعض التواريخ أن ذلك كان في سنة ~~اثنتين وسبعين والله أعلم ثم ملك حلب بعد ذلك في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ~~كما تقدم في ترجمة آق سنقر واستولى على البلاد الشامية ثم جرى بينه وبين ~~ابن أخيه بركياروق المقدم ذكره منافرات ومشاجرات أدت إلى المحاربة فتوجه ~~إليه وتصافا بالقرب من مدينة الري في يوم الأحد سابع عشر صفر سنة ثمان ~~وثمانين وأربعمائة فانكسر تتش المذكور وقتل في المعركة ذلك النهار ومولده ~~في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة PageV01P295 # وخلف ms0182 ولدين أحدهما فخر الملوك رضوان والآخر شمس الملوك ~~أبو نصر دقاق فاستقل رضوان بمملكة حلب ودقاق بمملكة دمشق وتوفي رضوان في ~~سلخ جمادي الأولى سنة سبع وخمسمائة ومن نوابه أخذ الفرنج أنطاكية في سنة ~~اثنتين وتسعين وأربعمائة وتوفي دقاق في ثامن عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين ~~وأربعمائة ودفن في مسجد بحكر الفهادين بظاهر دمشق الذي على نهر بردى وكان ~~قد حصل له مرض متطاول وقيل إن أمه سمته في عنقود عنب فلما مات قام بالملك ~~ظهير الدين أبو منصور طغتكين وكان أتابكه وتزوج أمه في حياة أبيه زوجه ~~إياها وهو عتيق تتش رحمهم الله تعالى وأولاد الملك رضوان المقيمون بظاهر ~~حلب هم أولاد رضوان المذكور ولم يزل ظهير الدين طغتكيم مالك دمشق إلى أن ~~توفي يوم السبت لثمان خلون من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وتولى الأمر ~~بعده ولده تاج الملوك أبو سعيد بوري إلى أن توفي يوم الاثنين الحادي ~~والعشرين من رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة من جراحة أصابته من الباطنية وتولى ~~بعده ولده شمس الملوك إسماعيل إلى أن قتل يوم الأربعاء رابع عشر شهر ربيع ~~الآخر سنة تسع وعشرين وخمسمائة قتلته أمه خاتون زمرد بنت جاولي وأجلست أخاه ~~شهاب الدين زباا القاسم محمود بن بوري فتولى الأمر بعده بدمشق إلى أن قتل ~~ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة قتله غلامه ~~التغش ويوسف الخادم والفراش الخركاوي وصبيحة قتله وصل أخوه جمال الدين محمد ~~بن بوري من بعلبك وكان صاحبها فملك دمشق وأقام بها إلى أن توفي ليلة الجمعة ~~ثامن شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة PageV01P296 # وتولى بعده مملكة دمشق ولده مجير الدين أبق بن محمد بن ~~بوري بن طغتكين إلى أن نزل عليهاا نور الدين محمود بن زنكي في التاريخ ~~الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى وأخذها منه وعوضه عنها حمص فأقام ~~بها يسيرا ثم انتقل إلى بالس التي على الفرات بأمر نور الدين وأقام بها مدة ~~ثم توجه إلى بغداد وأقبل عليه ms0183 الامام المقتفي ولا أعلم متى مات ولما كان ~~بدمشق كان مدبر دولته معين الدين أنز بن عبد الله مملوك جده طغتكين وهو ~~الذي ينسب إليه قصر معين الدين ببلاد الغور من أعمال دمشق وتوفي معين الدين ~~المذكور في ليلة الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين ~~وخمسمائة وهو الذي تزوج نور الدين محمود ابنته ثم تزوجها من بعده السلطان ~~صلاح الدين رحمهم الله أجمعين وله بدمشق مدرسة ثم وجدت تاريخ وفاة مجير ~~الدين أبق فذكرتها في ترجمة نور الدين محمود الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~123 تقية الصورية أم علي تقية بنت أبي الفرج غيث بن علي بن عبد السلام بن ~~محمد بن جعفر السلمي الأرمنازي الصوري وهي أم تاج الدين أبي الحسن علي بن ~~فاضل بن سعد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن يحيى بن محمد بن إبراهيم بن ~~موسى بن محمد بن صمدون الصوري الأصل كانت فاضلة ولها شعر جيد قصائد ومقاطيع ~~وصحبت الحافظ أبا الطاهر أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني رحمه الله تعالى ~~زمانا بثغر PageV01P297 # الإسكندرية المحروس وذكرها في بعض تعاليقه وأثنى عليها ~~وكتب بخطه عثرت في منزل سكناي فانجرح أخمصي فشقت وليدة في الدار خرقة من ~~خمارها وعصبته فأنشدت تقية المذكورة في الحال لنفسها تقول (لو وجدت السبيل ~~جدت بخدي * عوضا عن خمار تلك الوليدة) (كيف لي أن أقبل اليوم رجلا * سلكت ~~دهرها الطريق الحميدة) نظرت في هذا المعنى إلى قول هارون بن يحيى المنجم ~~(كيف نال العثار من لم يزل منه * مقيما في كل خطب جسيم) (أو ترقى الأذى إلى ~~قدم لم * تخط إلا إلى مقام كريم) ولها غير ذلك أشياء حسنة وحكى لي الحافظ ~~زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري رحمه الله أن تقية المذكورة نظمت ~~قصيدة تمدح بها الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين ~~رحمهما الله تعالى وكانت القصيدة خمرية ووصفت الة المجلس وما يتعلق بالخمر ~~فلما وقف عليهاا قال الشيخة تعرف هذه ms0184 الأحوال من زمن صباها فبلغها ذلك ~~فنظمت قصيدة أخرى جربية ووصفت الحرب وما يتعلق بها أحسن وصف ثم سيرت إليه ~~تقول علمي بهذا كعلمي بهذا وكان قصدهاا براءة ساحتها مما نسبها إليه وكانت ~~قد سألت الشيخ الامام العالم أبا الطاهر إسماعيل بن عوف الزهري عن الشعر ~~فقال هو كلام ان تكلمت بحسن فهو لك وان تكلمت بشر فهو عليك وكانت ولادتها ~~في صفر سنة خمس وخمسمائة بدمشق ورأيت بخط الحافظ PageV01P298 # السلفي أنها ولدت في المحرم من السنة المذكورة وتوفيت ~~في أوائل شوال سنة تسع وسبعين وخمسمائة رحمها الله تعالى وتوفي والدها أبو ~~الفرج المذكور في أواخر سنة تسع وخمسمائة وقيل في صفر وكان ثقة رحمه الله ~~تعالى وتوفي جدها علي بن عبد السلام ضحى يوم الأحد تاسع ربيع الآخر سنة ~~ثمان وسبعين وأربعمائة بصور وتوفي ولدها أبو الحسن علي المذكور في الخامس ~~عشر من صفر سنة ثلاث وستمائة بثغر الإسكندرية عن سن عالية وهو صوري الأصل ~~مصري الدار وكان فاضلا في النحو والقراءات حسن الخط والضبط لما يكتبه وكان ~~مولد أبيه فاضل المذكور في شوال سنة تسعين وأربعمائة بدمشق هكذاا نقلته من ~~خط الحافظ السلفي وتوفي في أول شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وخمسمائة ~~بالإسكندرية وكنيته أبو محمد نقلت وفاته من خط ولده أبي الحسن علي المذكور ~~والأرمنازي بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم والنون وبعد الألف زاي هذه ~~النسبة إلى أرمناز وهي قرية من أعمال دمشق وقيل من أعمال أنطاكية والأول ~~أصح وذكر ابن السمعاني أنها من أعمال حلب وقال لي من رأى أرمناز إن بينها ~~وبين عزاز من أعمال حلب أقل من ميل من جانبها الغربي والصوري بضم الصاد ~~المهملة وسكون الواو وبعدها راء هذه النسبة إلى مدينة صور وهي من ساحل ~~الشام وهي الآن بيد الفرنج خذلهم PageV01P299 # الله تعالى استولوا عليها في سنة ثماني عشرة وخمسمائة ~~يسر الله فتحها على أيدي المسلمين آمين 124 أبو غالب التياني أبو غالب تمام ~~بن غالب بن عمر اللغوي المعروف ms0185 بالتياني من أهل قرطبة سكن مرسية كان إماما ~~في اللغة وثقة في إيرادها مذكورا بالديانة والفقه والورع وله كتاب مشهور ~~جمعه في اللغة لم يؤلف مثله اختصارا وإكثارا وله قصة تدل على دينه مع علمه ~~حكى ابن الفرضي أن الأمير أبا الجيش مجاهد بن عبد الله العامري وجه إلى أبي ~~غالب المذكور أيام غلبته على مرسية وأبو غالب ساكن بها ألف دينار على أن ~~يزيد في ترجمة هذا الكتاب مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد فرد الدنانير ~~وقال والله لو بذلت لي الدنيا على ذلك لم أفعله ولا استجزت الكذب فإني لم ~~أؤلفه لك خاصة ولكن للناس عامة فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها واعجب لنفس ~~هذا العالم ونزاهتها وقال ابن حيان كان أبو غالب هذا مقدما في علم اللسان ~~مسلمة له اللغة وله كتاب جامع في اللغة سماه تلقيح العين جم الإفادة وتوفي ~~بالمرية في إحدى الجماديين سنة ست وثلاثين وأربعمائة رحمه الله PageV01P300 # تعالى وأخذ اللغة عن أبيه وعن أبي بكر الزبيدي وغيرهما ~~والتياني أظنه منسوبا إلى التين وبيعه والله أعلم 125 تميم بن المعز ~~الفاطمي أبو علي تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي كان أبوه ~~صاحب الديار المصرية والمغرب وهو الذي بنى القاهرة المعزية وسيأتي ذكره في ~~حرف الميم إن شاء الله تعالى وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته وسيأتي ذكر ~~الباقين إن شاء الله تعالى وكان تميم المذكور فاضلا شاعرا ماهرا لطيفا ~~ظريفا ولم يل المملكة لأن ولاية العهد كانت لأخيه العزيز فوليها بعد أبيه ~~وللعزيز أيضا أشعار جيدة وقد ذكرهما أبو منصور الثعالبي في اليتيمة وأورد ~~لهما كثيرا من المقاطيع فمن شعر تميم المذكور (ما بان عذري فيه حتى عذرا * ~~ومشى الدجى في خده فتحيرا) (همت تقبله عقارب صدغه * فاستل ناظره عليها ~~خنجرا) (والله لولا أن يقال تغيرا * وصبا وإن كان التصابي أجدرا) (لأعدت ~~تفاح الخدود بنفسجا * لثما وكافور الترائب عنبرا) وله أيضا PageV01P301 # (أما والذي لا يملك الأمر غيره * ومن هو بالسر ms0186 المكتم ~~أعلم) (لئن كان كتمان المصائب مؤلما * لإعلانها عندي أشد وآلم) (وبي كل ما ~~يبكي العيون أقله * وإن كنت منه دائما أتبسم) وأورد له صاحب اليتيمة (وما ~~أم خشف ظل يوما وليلة * ببلقعة بيداء ظمآن صاديا) (تهيم فلا تدري إلى أين ~~تنتهي * مولهة حيري تجوب الفيافيا) (أضر بها حر الهجير فلم تجد * لغلتها من ~~بارد الماء شافيا) (فلما دنت من خشفها انعطفت له * فألفته ملهوف الجوانح ~~طاويا) (بأوجع مني يوم شدت حمولهم * ونادى منادي الحي أن لا تلاقيا) وأورد ~~له أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في كتابه الحديقة (يوم لنا في النيل مختصر ~~* ولكل يوم مسرة قصر) (والسفن تصعد كالخيول بنا * فيه وجيش الماء ينحدر) ~~(فكأنما أمواجه عكن * وكأنما داراته سرر) ومن شعره أيضا رحمه الله تعالى ~~(اشرب على غيم كصبغ الدجى * أضحك وجه الأرض لما بكى) (وانظر لماء النيل في ~~مدة * كأنما صندل أو مسكا) وكان قد وصل إلى عبد الله بن محمد الكاتب بيتان ~~قيلا في وصف النيل فجمع شعراء إفريقية وأمرهم أن يقولوا في معناهما ~~وقافيتهما فلم يأتوا بطائل وهما هذان البيتان (شربنا علي النيل لما بدا * ~~بموج يزيد ولا ينقص) (كأن تكاثف أمواجه * معاطف جارية ترقص) PageV01P302 # وأحسبهما للأمير تميم أو لبعض شعراء مصر وذلك أن تميما ~~ركب في النيل ليلة متنزها فمر ببعض الطاقات المشرفة على النيل وجارية تغني ~~هذا الصوت (نبهت ندماني بدجلة موهنا * والبدر في أفق السماء معلق) (والبدر ~~يضحك وجهه في وجهها * والماء يرقص حولها ويصفق) فاستحسنه وطرب عليه وما زال ~~يستعيدها فيه ويشرب عليه حتى انصرف وهو لا يعقل سكرا فلما أصبح عارضهما ~~بالبيتين الأولين ومن المنسوب إليه أيضا (وكما يمل الدهر من إعطائه * فكذا ~~ملالته من الحرمان) وأشعاره كلها حسنة وكانت وفاته في ذي القعدة سنة أربع ~~وسبعين وثلاثمائة بمصر رحمه الله تعالى هكذا قال صاحب الدول المنقطعة وزاد ~~العتقي في تاريخه أنه توفي يوم الثلاثاء مع زوال الشمس لثلاث عشرة ليلة خلت ~~من الشهر المذكور وأن أخاه العزيز نزار ms0187 بن المعز حضر الصلاة عليه في بستانه ~~وغسله القاضي محمد بن النعمان وكفنه في ستين ثوبا وأخرجه من البستان مع ~~المغرب وصلى عليه بالقرافة وحمله إلى القصر فدفنه بالحجرة التي فيها قبر ~~أبيه المعز وقال محمد بن عبد الملك الهمداني في كتابه الذي سماه المعارف ~~المتأخرة إنه توفي سنة خمس وسبعين والله أعلم وقال غيرهما إنه ولد سنة سبع ~~وثلاثين وثلاثمائة PageV01P303 # 126 تميم بن المعز الصنهاجي أبو يحيى تميم بن المعز بن ~~باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد ابن منقوش بن زناك بن زيد ~~الأصغر بن واشفال بن وزغفي بن سري بن وتلكي ابن سليمان بن الحارث بن عدي ~~الأصغر وهو المثنى بن المسور بن يحصب بن مالك بن زيد بن الغوث الأصغر بن ~~سعد وهو عبد الله بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة وهو حمير ~~الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن ~~جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن بن عوف بن عريب بن زهير ~~بن أيمن بن الهميسع بن عمرو بن حمير وهو العرنجج بن سبأ الأكبر بن يشجب بن ~~يعرب ابن قحطان بن عابر وهو هود عليه السلام ابن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن ~~نوح عليه السلام هكذا قاله العماد في الخريدة الحميري الصنهاجي ملك إفريقية ~~وما والاها بعد أبيه المعز وكان حسن السيرة محمود الآثار محبا للعلماء ~~معظما لأرباب الفضائل حتى قصدته الشعراء من الآفاق على بعد الدار كابن ~~السراج الصوري وأنظاره وجده المثنى بن المسور أول من دخل منهم إلى إفريقية ~~ولأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني فيه مدائح فمن ذلك قوله (أصح وأعلى ما ~~سمعناه في الندى * من الخبر المأثور منذ قديم) (أحاديث ترويها السيول عن ~~الحيا * عن البحر عن كف الأمير تميم) PageV01P304 # وللأمير تميم المذكور أشعار حسنة فمن ذلك قوله (إن ~~نظرت مقلتي لمقلتها * تعلم مما أريد نجواه) ms0188 (كأنها في الفؤاد ناظرة * تكشف ~~أسراره وفحواه) وله أيضا (سل المطر العام الذي عم أرضكم * أجاء بمقدار الذي ~~فاض من دمعي) (إذا كنت مطبوعا على الصد والجفا * فمن أين لي صبر فأجعله ~~طبعي) وله أيضا (وخمر قد شربت على وجوه * إذا وصفت تجل عن القياس) (خدود ~~مثل ورد في ثغور * كدر في شعور مثل آس) وذكره العماد الكاتب في كتاب السيل ~~وأورد له (فكرت في نار الجحيم وحرها * يا ويلتاه ولات حين مناص) (فدعوت ربي ~~أن خير وسيلتي * يوم المعاد شهادة الإخلاص) وأشعاره وفضائله كثيرة وكان ~~يجيز الجوائز السنية ويعطي العطاء الجزيل وفي أيام ولايته اجتاز المهدي ~~محمد بن تومرت الآتي ذكره إن شاء الله تعالى بإفريقية عند عوده من بلاد ~~المشرق وأظهر بها الانكار على من رآه خارجا عن سنن الشريعة ومن هناك توجه ~~إلى مراكش وكان منه ما اشتهر وكانت ولادة الأمير تميم المذكور بالمنصورية ~~التي تسمى صبرة من بلاد إفريقية يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة اثنتين ~~وعشرين وأربعمائة وفوض إليه أبوه ولاية المهدية في صفر سنة خمس وأربعين ولم ~~يزل بها إلى أن توفي والده في رابع شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة كما ~~سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى فاستبد بالملك ولم يزل إلى أن توفي ليلة ~~السبت منتصف رجب سنة إحدى وخمسمائة ودفن في قصره ثم نقل إلى قصر السيدة ~~بالمنستير رحمه الله تعالى PageV01P305 # وخلف من البنين أكثر من مائة ومن البنات ستين على ما ~~ذكر حفيده أبو محمد عبد العزيز بن شداد ابن الأمير تميم المذكور في كتاب ~~أخبار القيروان رحمه الله تعالى وقد تقدم ضبط بعض أجداده والباقي يطول ضبطه ~~وقد قيدته بخطي فمن أراد نقله فلينقله على هذه الصورة فإني نقلته من خط بعض ~~الفضلاء والصنهاجي قد تقدم الكلام فيه والمنستير يأتي ذكرها في حرف الهاء ~~إن شاء الله تعالى في ترجمة البوصيري 127 توران شاه الملك المعظم شمس ~~الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب فخر الدين ms0189 وقد تقدم ذكر ~~أبيه وأخيه تاج الملوك وهو أخو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى وكان ~~أكبر منه وكان السلطان يكثر الثناء عليه ويرجحه على نفسه وبلغه أن باليمن ~~إنسانا يسمى عبد النبي بن مهدي يزعم أنه ينتشر ملكه حتى يملك الأرض كلها ~~وكان قد ملك كثيرا من بلادها واستولى على حصونها وخطب لنفسه وكان السلطان ~~قد ثبتت قواعده وقوي عسكره فجهز أخاه شمس الدولة المذكور بجيش اختاره وتوجه ~~إليها من الديار المصرية في أثناء رجب سنة تسع وستين وخمسمائة فمضى إليها ~~وفتح الله على يديه وقتل الخارجي الذي كان فيها وملك معظمها وأعطى وأغنى ~~خلقا كثيرا وكان كريما أريحيا ثم إنه عاد من اليمن والسلطان على حصار حلب ~~فوصل إلى دمشق في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين ولما رجع السلطان من الحصار ~~وتوجه إلى الديار المصرية استخلفه بدمشق فأقام بها مدة ثم انتقل إلى مصر ~~PageV01P306 # وذكر ابن شداد في سيرة صلاح الدين أنه توفي يوم الخميس ~~مستهل صفر وقال في موضع آخر من السيرة أيضا خامس صفر سنة ست وسبعين ~~وخمسمائة بثغر الإسكندرية المحروس ونقلته أخته شقيقته ست الشام بنت أيوب ~~إلى دمشق ودفنته في مدرستها التي أنشأتها بظاهر دمشق فهناك قبره وقبرها ~~وقبر والدها حسام الدين عمر بن لاجين وقبر زوجها ناصر الدين أبي عبد الله ~~محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص وكانت تزوجته بعد لاجين رحمهم الله ~~أجمعين وكانت وفاة حسام الدين المذكور ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة ~~سبع وثمانين وخمسمائة وهذا حسام الدين المذكور هو سيد شبل الدولة كافور بن ~~عبد الله الحسامي الخادم صاحب المدرسة والخانقاه الشبلية اللتين في ظاهر ~~دمشق علي طريق جبل قاسيون ولهما شهرة في مكانهما وله أوقاف كثيرة ومعروف ~~نافع في الدنيا والآخرة وكانت وفاته في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة ودفن ~~في تربته المجاورة لمدرسته المذكورة وسيأتي ذكر ناصر الدين محمد بن شيركوه ~~في ترجمة أبيه في حرف الشين إن شاء الله تعالى وتوفيت ست الشام المذكورة ms0190 في ~~سادس عشر ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة وبعد الفراغ من هذه الرجمة وجدت ~~بخط بعض الفضلاء ممن له عناية بهذا الفن زيادة علي ما ذكرته ههنا فتركت ما ~~هو مذكور في هذا المكان وأتيت بتلك الزيادة فقال لما تمهدت بلاد اليمن لشمس ~~الدولة واستقامت له أمورها كره المقام بها لكونه تربية بلاد الشام وهي ~~كثيرة الخير واليمن بلاد مجدبة من ذلك كله فكتب إلى أخيه صلاح الدين يستقيل ~~منها ويسأله الإذن له في العود إلى الشام ويشكو حاله وما يقاسيه من عدم ~~المرافق التي يحتاج إليها فأرسل إليه صلاح الدين رسولا مضمون رسالته ترغيبه ~~في الإقامة وأنها PageV01P307 # كثيرة الأموال ومملكة كبيرة فلما سمع الرسالة قال ~~لمتولي خزانته أحضر لنا ألف دينار فأحضرها فقال لأستاذ داره والرسول حاضر ~~عنده أرسل هذا الكيس إلى السوق يشترون لنا بما فيه قطعة ثلج فقال أستاذ ~~الدار يا مولانا هذه بلاد اليمن من أين يكون فيها ثلج فقال دعهم يشترون بها ~~طبق مشمش لوزي فقال من أين يوجد هذا النوع ههنا فجعل يعدد عليه جميع أنواع ~~فواكه دمشق وأستاذ الدار يظهر التعجب من كلامه وكلما قال له عن نوع يقول له ~~يا مولانا من أين يوجد هذا ههنا فلما استوفى الكلام إلى آخره قال للرسول ~~ليت شعري ماذاا أصنع بهذه الأموال إذا لم أنتفع بها في ملاذي وشهواتي فإن ~~المال لا يؤكل بعينه بل الفائدة فيه أن يتوصل به الانسان إلى بلوغ أغراضه ~~فعاد الرسول إلى صلاح الدين وأخبره بما جرى فأذن له في المجيء وكان القاضي ~~الفاضل يكتب إليه الرسائل الفائقة ويودعها شرح الأشواق فمن ذلك أبيات ~~مشهورة ذكرها في ضمن كتاب وهي (لا تضجرن مما أتيت فإنه * صدر لأسرار ~~الصبابة ينفث) (أما فراقك واللقاء فإن ذا * منه أموت وذاك منه أبعث) (حلف ~~الزمان على تفرق شملنا * فمتى يرق لنا الزمان ويحنث) (كم يلبث الجسم الذي ~~ما نفسه * فيه ولا أنفاسه كم يلبث) (حول المضاجع كتبكم فكأنني * ملسوعكم ~~وهي الرقاة النفث) ولما ms0191 وصل إلى دمشق في التاريخ المقدم ذكره ناب عن أخيه ~~صلاح الدين بها لما عاد صلاح الدين إلى الديار المصرية ثم انتقل إلى الديار ~~المصرية في سنة أربع وسبعين وخمسمائة وكان أخوه صلاح الدين قد سيره في سنة ~~ثمان وستين وخمسمائة إلى بلاد النوبة ليفتحها قبل سفره إلى اليمن فلما وصل ~~إليها وجدها لا تساوي المشقة فتركها ورجع وقد غنم شيئا كثيرا من الرقيق ~~وكانت له من PageV01P308 # أخيه إقطاعات ونوابه باليمن يجبون له الأموال ومات ~~وعليه من الديون مائتا ألف دينار فقضاها عنه صلاح الدين وحكى صاحبنا الشيخ ~~مهذب الدين أبو طالب محمد بن علي المعروف بابن الخيمي الحلبي نزيل مصر ~~الأديب الفاضل قال رأيت في النوم شمس الدولة توران شاه بن أيوب وهو ميت ~~فمدحته بأبيات وهو في القبر فلف كفنه ورماه إلي وأنشدني (لا تستقلن معروفا ~~سمحت به * ميتا فأمسيت منه عاريا بدني) (ولا تظنن جودي شابه بخل * من بعد ~~بذلي ملك الشام واليمن) (إني خرجت من الدنيا وليس معي * من كل ما ملكت كفي ~~سوى كفني) ولما كان في اليمن استناب في زبيد سيف الدولة أبا الميمون ~~المبارك بن منقذ الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى وتوران بضم ~~التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها راء ثم بعد الألف نون وهو لفظ ~~أعجمي وشاه بالشين المعجمة هو الملك باللغة العجمية ومعناه ملك المشرق ~~وإنما قيل للمشرق توران لأنه بلاد الترك والعجم يسمون الترك تركان ثم حرفوه ~~فقالوا توران والله أعلم PageV01P309 # حرف الثاء PageV01P311 # 128 ثابت بن قرة أبو الحسن ثابت بن قرة بن هارون ويقال ~~زهرون بن ثابت بن كرايا ابن إبراهيم بن كرايا بن مارينوس بن مالاجريوس ~~الحاسب الحكيم الحراني كان في مبدأ أمره صيرفيا بحران ثم انتقل إلى بغداد ~~واشتغل بعلوم الأوائل فمهر فيها وبرع في الطب وكان الغالب عليه الفلسفة وله ~~تآليف كثيرة في فنون من العلم مقدار عشرين تأليفا وأخذ كتاب إقليدس الذي ~~عربه حنين بن إسحاق العبادي فهذبه ونقحه وأوضح ms0192 منه ما كان مستعجما وكان من ~~أعيان عصره في الفضائل وجرى بينه وبين أهل مذهبه أشياء أنكروها عليه في ~~المذهب فرافعوه إلى رئيسهم فأنكر عليه مقالته ومنعه من دخول الهيكل فتاب ~~ورجع عن ذلك ثم عاد بعد مدة إلى تلك المقالة فمنعوه من الدخول إلى المجمع ~~فخرج من حران ونزل كفر توثا وأقام بها مدة إلى أن قدم محمد ابن موسى من ~~بلاد الروم راجعا إلى بغداد فاجتمع به فرآه فاضلا فصيحا فاستصحبه إلى بغداد ~~وأنزله في داره ووصله بالخليفة فأدخله في جملة المنجمين فسكن بغداد وأولد ~~الأولاد وعقبه بها إلى الآن وكفر توثا بفتح الكاف وسكون الفاء وفتح الراء ~~وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها ثاء مثلثة وهي قرية كبيرة ~~بالجزيرة الفراتية بالقرب من دارا PageV01P313 # وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين ومائتين وتوفي يوم ~~الخميس السادس والعشرين من صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين (12) وكان صابئي ~~النحلة وله ولد يسمى إبراهيم بلغ رتبة أبيه في الفضل وكان من حذاق الأطباء ~~ومقدمي أهل زمانه في صناعة الطب وعالج مرة السري الرفاء الشاعر فأصاب ~~العافية فعمل فيه وهو من أحسن ما قيل في طبيب (هل للعليل سوى ابن قرة شافي ~~* بعد الإله وهل له من كافي) (أحيا لنا رسم الفلاسفة الذي * أودى وأوضح رسم ~~طب عافي) (فكأنه عيسى بن مريم ناطقا * يهب الحياة بأيسر الأوصاف) (مثلت له ~~قارورتي فرأى بها * ما اكتن بين جوانحي وشغافي) (يبدو له الداء الخفي كما ~~بدا * للعين رضراض الغدير الصافي) وله فيه أيضا (برز إبراهيم في علمه * ~~فراح يدعي وارث العلم) (أوضح نهج الطب في معشر * ما زال فيهم دارس الرسم) ~~(كأنه من لطف أفكاره * يجول بين الدم واللحم) (إن غضبت روح على جسمها * ~~أصلح بين الروح والجسم) (13) ومن حفدة ثابت المذكور أبو الحسن ثابت بن سنان ~~بن ثابت بن قرة وكان صابئي النحلة أيضا وكان ببغداد في أيام معز الدولة بن ~~بويه المقدم ذكره وكان طبيبا عالما نبيلا يقرأ عليه كتب بقراط وجالينوس ~~وكان فكاكا ms0193 للمعاني وكان قد سلك مسلك جده ثابت في نظره في الطب والفلسفة ~~PageV01P314 # والهندسة وجميع الصناعات الرياضية للقدماء وله تصنيف ~~في التاريخ أحسن فيه وقد قيل إن الأبيات المذكورة أولا من نظم السري الرفاء ~~إنما عملها فيه والله أعلم والحراني نسبة إلى حران وهي مدينة مشهورة ~~بالجزيرة ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تاريخه أن هاران عم ~~إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام عمرها فسميت باسمه فقيل هاران ثم إنها ~~عربت فقيل حران وهاران المذكور أبو سارة زوجة إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل ~~الصلاة والسلام وكان لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أخ يسمى هاران أيضا وهو ~~أبو لوط عليه السلام وقال الجوهري في كتاب الصحاح وجران اسم بلد والنسبة ~~إليه حرناني على غير قياس والقياس حراني على ما عليه العامة 129 ذو النون ~~المصري أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم وقيل الفيض بن إبراهيم المصري المعروف ~~بذي النون الصالح المشهور أحد رجال الطريقة كان أوحد وقته علما وورعا وحالا ~~وأدبا وهو معدود في جملة من روى الموطأ عن الامام مالك رضي الله عنه وذكر ~~ابن يونس عنه في تاريخه أنه كان حكيما فصيحا وكان PageV01P315 # أبوه نوبيا وقيل من أهل إخميم مولى لقريش وسئل عن سبب ~~توبته فقال خرجت من مصر إلى بعض القرى فنمت في الطريق في بعض الصحارى ففتحت ~~عيني فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض فانشقت الأرض فخرجت ~~منها سكرجتان إحداهما ذهب والأخرى فضة وفي إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء ~~فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا فقلت حسبي قد تبت ولزمت الباب إلى أن قبلني ~~(32) وكان قد سعوا به إلى المتوكل فاستحضره من مصر فلما دخل عليه وعظه فبكى ~~المتوكل ورده مكرما وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول ~~إذا ذكر أهل الورع فحي هلا بذي النون وكان رجلا نحيفا تعلوه حمرة ليس بأبيض ~~اللحية وشيخه في الطريقة شقران العابد ومن كلامه إذا صحت المناجاة بالقلوب ~~استراحت الجوارح وقال إسحاق بن إبراهيم السرخسي ms0194 بمكة سمعت ذا النون وفي يده ~~الغل وفي رجليه القيد وهو يساق إلى المطبق والناس يبكون حوله وهو يقول هذا ~~من مواهب الله تعالى ومن عطاياه وكل فعاله عذب حسن طيب ثم أنشد (لك من قلبي ~~المكان المصون * كل لوم علي فيك يهون) (لك عزم بأن أكون قتيلا * فيك والصبر ~~عنك ما لا يكون) ووقفت في بعض المجاميع على شيء من أخبار ذي النون المصري ~~رحمه الله تعالى فقال إن بعض الفقراء من الناس تلامذته فارقه من مصر وقدم ~~بغداد فحضر بها سماعا فلما طاب القوم وتواجدوا قام ذلك الفقير ودار واستمع ~~ثم صرخ ووقع فحركوه فوجدوه ميتا فوصل خبره إلى شيخه ذي النون فقال لأصحابه ~~تجهزوا حتى نمشي إلى بغداد فلما فرغوا من أشغالهم خرجوا إليها فقدموا عليها ~~وساعة قدومهم البلد قال الشيخ ائتوني بذلك المغني فأحضروه إليه فسأله عن ~~قضية ذلك الفقير فقص PageV01P316 # عليه قصته فقال له مبارك ثم شرع هو وجماعته في الغناء ~~فعند ابتدائه فيه صرخ الشيخ على ذلك المغني فوقع ميتا فقال الشيخ قتيل ~~بقتيل أخذنا ثأر صاحبنا ثم أخذ في التجهيز والرجوع إلى الديار المصرية ولم ~~يلبث ببغداد بل عاد من فوره قلت وقد جرى في زمني شيء من هذا يليق أن أحكيه ~~ههنا وذاك أنه كان عندنا بمدينة إربل مغن موصوف بالحذق والإجادة في صنعة ~~الغناء يقال له الشجاع جبريل بن الأواني فحضر سماعا قبل سنة عشرين وستمائة ~~فإنني أذكر الواقعة وأنا صغير وأهلي وغيرهم يتحدثون بها في وقتها فغنى ~~الشجاع المذكور القصيدة الطنانة البديعة التي لسبط ابن التعاوندي الآتي ~~ذكره في حرف الميم في المحمدين إن شاء الله تعالى وأولها (سقاك سار من ~~الوسمي هتان * ولا رقت للغوادي فيك أجفان) إلى أن وصل إلى قوله منها (ولي ~~إلى البان من رمل الحمى وطر * فاليوم لا الرمل يصبيني ولا البان) (وما عسى ~~يدرك المشتاق من وطر * إذا بكى الربع والأحباب قد بانوا) (كانوا معاني ~~المغاني والمنازل أموات * إذا لم يكن فيهن سكان) (لله ms0195 كم قمرت لبي بجوك ~~أقمار * وكم غازلتني فيك غزلان) (وليلة بات يجلو الراح من يده * فيها أغن ~~خفيف الروح جذلان) (خال من الهم في خلخاله حرج * فقلبه فارغ والقلب ملآن) ~~(يذكي الجوى بارد من ثغره شبم * ويوقظ الوجد طرف منه وسنان) (إن يمس ريان ~~من ماء الشباب فلي * قلب إلى ريقه المعسول ظمآن) (بين السيوف وعينيه مشاركة ~~* من أجلها قيل للأغماد إجفان) فلما انتهى إلى هذا البيت قام بعض الحاضرين ~~وقال له يا شجاع أعد ما قلته فأعاده مرتين أو ثلاثا وذلك الشيخ متواجد ثم ~~صرخ صرخة هائلة PageV01P317 # ووقع فظنوه قد أغمي عليه فافتقدوه بعد أن انقطع حسه ~~فوجدوه قد مات فقال الشجاع هكذا جرى في سماعي مرة أخرى فإنه مات فيه شخص ~~آخر وهذه القصيدة من غرر القصائد وهي طويلة مدح بها الامام الناصر لدين ~~الله أبا العباس أبا أحمد بن المستضيء أمير المؤمنين العباسي في يوم عيد ~~الفطر من سنة إحدى وثمانين وخمسم ائة والله أعلم ومحاسن الشيخ ذي النون ~~كثيرة وتوفي في ذي القعدة سنة خمس وأربعين وقيل ست وأربعين وقيل ثمان ~~وأربعين ومائتين رضي الله عنه بمصر ودفن بالقرافة الصغرى وعلى قبره مشهد ~~مبني وفي المشهد أيضا قبور جماعة من الصالحين رضي الله عنهم وزرته غير مرة ~~وثوبان بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون ~~PageV01P318 # حرف الجيم PageV01P319 # 130 جرير الشاعر أبو جزرة جرير بن عطية بن الخطفي ~~واسمه حذيفة والخطفي لقبه ابن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن ~~حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم بن مر التميمي الشاعر المشهفور كان من ~~فحول شعراء الإسلام وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض وهو أشعر من ~~الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن وأجمعت العلماء على أنه ليس في ~~شعراء الإسلام مثل ثلاثة جرير والفرزدق والأخطل قال محمد بن سلام سمعت يونس ~~يقول ما شهدت مشهدا قط وذكر فيه جرير والفرزدق فاجتمع أهل المجلس علي ~~أحدهما وقال أيضا الفرزدق ms0196 أشعر خاصة وجرير أشعر عامة ويقال إن بيوت الشعر ~~أربعة فخر ومديح وهجاء ونسيب وفي الأربعة فاق جرير غيره فالفخر قوله (إذا ~~غضبت عليك بنو تميم * حسبت الناس كلهم غضابا) والمديح قوله (ألستم خير من ~~ركب المطايا * وأندي العالمين بطون راح) والهجاء قوله (فغض الطرف إنك من ~~نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا) PageV01P321 # والنسيب قوله (إن العيون التي في طرفها حور * قتلننا ~~ثم لم يحيين قتلانا) (يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به * وهن أضعف خلق الله ~~أركانا) وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى الآتي ذكره إن شاء الله تعالى قال ~~التقي جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان فقال الفرزدق لجرير (فإنك لاق ~~بالمشاعر من منى * فخارا فخبرني بمن أنت فاخر) فقال له جرير لبيك اللهم ~~لبيك قال أبو عبيدة فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون به ~~(33) وحكى أبو عبيدة أيضا خرج جرير والفرزدق مرتدفين على ناقة إلى هشام ابن ~~عبد الملك الأموي وهو يومئذ بالرصافة فنزل جرير لقضاء حاجته فجعلت الناقة ~~تتلفت فضربها الفرزدق وقال (إلام تلفتين وأنت تحتي * وخير الناس كلهم ~~أمامي) (متى تردي الرصافة تستريحي * من التهجير والدبر الدوامي) ثم قال ~~الآن يجيئني جرير فأنشده هذين البيتين فيقول (تلفت أنها تحت ابن قين * إلى ~~الكيرين والفاس الكهام) (متى ترد الرصافة تخز فيها * كخزيك في المواسم كل ~~عام) قال فجاء جرير والفرزدق يضحك فقال ما يضحكك يا أبا فراس فأنشده ~~البيتين الأولين فأنشده جرير البيتين الآخرين فقال الفرزدق والله ~~PageV01P322 # لقد قلت هذا فقال جرير ما علمت أن شيطاننا واحد وذكر ~~المبرد في الكامل أن الفرزدق أنشد قول جرير (ترى برصا بأسفل اسكتيها * ~~كعنفقة الفرزدق حين شابا) فلما أنشد النصف الأول من الييت ضرب الفرزدق يده ~~على عنفقته توقعا لعجز البيت وحكى أبو عبيدة قال كان جرير مع حسن تشبيبه ~~عفيفا وكان الفرزدق فاسقا وكان يقول ما أحوجه إلى صلابة شعري وأحوجني إلى ~~رقة شعره وحكى أبو عبيدة أيضا قال رأت أم جرير في نومها وهي حامل به ms0197 كأنها ~~ولدت حبلا من شعر أسود فلما وقع منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى ~~فعل ذلك برجال كثيرة فانتبهت مرعوبة فأولت الرؤيا فقيل لها تلدين غلاما ~~شاعرا ذا شر وشدة شكيمة وبلاء على الناس فلما ولدته سمته جريرا باسم الحبل ~~الذي رأت أنه خرج منها والجرير الحبل وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ~~الأغاني في ترجمة جرير المذكور أن رجلا قال لجرير من أشعر الناس قال له قم ~~حتى أعرفك الجواب فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزا له ~~فاعتقلها وجعل يمص ضرعها فصاح به اخرج يا أبت فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد ~~سال لبن العنز على لحيته فقال أترى هذا قال نعم قال أو تعرفه قال لا قال ~~هذا أبي أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز قلت لا قال PageV01P323 # مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن ثم قال أشعر ~~الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرا وقارعهم به فغلبهم جميعا وحكى ~~صاحب الجليس والأنيس في كتابه عن محمد بن حبيب عن عمارة بن عقيل بن بلال بن ~~جرير أنه قيل له ما كان أبوك صانعا حيث يقول (لو كنت أعلم أن آخر عهدهم * ~~يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل) فقال كان يقلع عينيه ولا يرى مظعن أحبابه وقال ~~في الأغاني أيضا قال مسعود بن بشر لابن مناذر بمكة من أشعر الناس قال من ~~إذا شئت لعب ومن إذا شئت جد فإذا لعب أطعمك لعبة فيه وإذا رمته بعد عليك ~~وإذا جد فيما قصد له آيسك من نفسه قال مثل من قال مثل جرير حيث يقول رذا ~~لعب (إن الذين غدوا بلبك غادروا * وشلا بعينك لا يزال معينا) (غيضن من ~~عبراتهن وقلن لي * ماذا لقيت من الهوى ولقينا) ثم قال حين جد (إن الذي حرم ~~المكارم تغلبا * جعل النوبة والخلافة فينا) (مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم * ~~يا خزر تغلب من أب كأبينا) (هذا ابن عمي في دمشق خليفة * لو ms0198 شئت ساقكم إلي ~~قطينا) قال فلما بلغ عبد الملك بن مروان قوله قال ما زاد ابن المراغة على ~~أن جعلني شرطيا له أما إنه لو قال لو شاء ساقكم إلي قطينا لسقتهم إليه كما ~~قال قلت وهذه الأبيات هجا بها جرير الأخطل التغلبي الشاعر المشهور وقوله ~~فيها جعل النبوة والخلافة فينا إنما قال ذلك لأن جريرا تميمي PageV01P324 # النسب وتميم ترجع إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فالنبوة والخلافة وبنو تميم يرجعون إلى مضر ~~وقوله يا خزر تغلب خزر بضم الخاء المعجمة وسكون الزاي وبعدها راء وهو جمع ~~أخزر مثل أحمر وحمر وأصفر وصفر وأسود وسود وكل ما كان من هذا الباب والأخزر ~~الذي في عينيه ضيق وصغر وهذا وصف العجم فكأنه نسبه إلى العجم وأخرجه عن ~~العرب وهذا عند العرب من النقائض الشنيعة وقوله هذا ابن عمي في دمشق خليفة ~~يريد به عبد الملك بن مروان الأموي لأنه كان في عصره والقطين بفتح القاف ~~الخدم والأتباع وقول عبد الملك ما زاد ابن المراغة هو بفتح الميم وبعدها ~~راء وبعد الألف غين معجمة وهاء وهذا لقب لأم جرير هجاه به لأخطل المذكور ~~ونسبها إلى أن الرجال يتمرغون عليها ونستغفر الله تعالى من ذكر مثل هذا لكن ~~شرح الواقعة أحوج إلي ذلك ومن أخبار جرير أنه دخل على عبد الملك بن مروان ~~فأنشده قصيدة أولها (أتصحو أم فؤادك غير صاحي * عشية هم صحبك بالرواح) ~~(تقول العاذلات علاك شيب * أهذا الشيب يمنعني مزاحي) (تعزت أم حزرة ثم قالت ~~* رأيت الموردين ذوي لقاح) (ثقي بالله ليس له شريك * ومن عند الخليفة ~~بالنجاح) (سأشكر إن رددت إلى ريشي * وأنبت القوادم في جناحي) (ألستم خير من ~~ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح) قال جرير فلما انتهيت إلى هذا ~~البيت كان عبد الملك متكئا فاستوى جالسا وقال من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل ~~هذا أو فليسكت ثم التفت PageV01P325 # إلي وقال يا جرير أترى أم حزرة يرويها مائة ناقة من ms0199 ~~نعم بني كلب قلت يا أمير المؤمنين إن لم تروها فلا أرواها الله تعالى قال ~~فأمر لي بها كلها سود الحدق قلت يا أمير المؤمنين نحن مشايخ وليس بأحدنا ~~فضل عن راحلته والإبل أباق فلو أمرت لي بالرعاء فأمر لي بثمانية وكان بين ~~يديه صحاف من الذهب وبيده قضيب فقلت يا أمير المؤمنين والمحلب وأشرت إلى ~~إحدى الصحاف فنبذها إلي بالقضيب وقال خذها لا نفعتك وإلى هذه القضية أشار ~~جرير بقوله (أعطوا هنيدة تحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف) قلت ~~هنيدة بضم الهاء على صورة التصغير اسم علم على المائة وأكثر علماء الأدب ~~يقولون لا يجوز إدخال الألف واللام عليها وبعضهم يجيز ذلك قال أبو الفتح بن ~~أبي حصينة السلمي الحلبي الشاعر المشهور من جملة قصيدة (أيها القلب لم يدع ~~لك في وصل * العذارى نصف الهنيدة عذرا) يعني خمسين سنة التي هي نصف المائة ~~والله أعلم ولما مات الفرزدق وبلغ خبره جريرا بكى وقال أما والله إني لأعلم ~~أني قليل البقاء بعده ولقد كان نجمنا واحدا وكل واحد منا مشغول بصاحبه ~~وقلما مات ضد أو صديق إلا وتبعه صاحبه وكذلك كان وتوفي في سنة عشر ومائة ~~وفيها مات الفرزدق كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وقال أبو الفرج ~~ابن الجوزي كانت وفاة جرير في سنة إحدى عشرة ومائة وقال ابن قتيبة في كتاب ~~المعارف إن أمة حملت به سبعة أشهر وفي PageV01P326 # ترجمة الفرزدق طرف من خبر موته فلينظر هناك إن شاء ~~الله تعالى وكانت وفاته باليمامة وعمر نيفا وثمانين سنة وحزره بفتح الحاء ~~المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء والخطفى بفتح الخاء المعجمة ~~والطاء المهملة والفاء وبعدها ياء وقد تقدم الكلام في أنه لقب عليه والله ~~أعلم 131 جعفر الصادق أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن ~~زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين أحد ~~الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية وكان من سادات أهل ms0200 البيت ولقب بالصادق ~~لصدقه في مقالته وفضله أشهر من أن يذكر وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر ~~والفأل وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي قد ألف كتابا ~~يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة وكانت ~~ولادته سنة ثمانين للهجرة وهي سنة سيل الجحاف وقيل بل ولد يوم الثلاثاء قبل ~~طلوع الشمس ثامن شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وتوفي في شوال سنة ثمان ~~وأربعين ومائة بالمدينة ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر وجده علي ~~زين العابدين وعم جده الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين فلله دره من قبر ~~ما أكرمه وأشرفه PageV01P327 # وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنهم أجمعين وسيأتي ذكر الأئمة الاثني عشر رضي الله عنهم كل واحد ~~في موضعه إن شاء الله تعالى (34) وحكى كشاجم في كتاب المصايد والمطارد أن ~~جعفرا المذكور سأل أبا حنيفة رضي الله عنهما فقال ما تقول في محرم كسر ~~رباعية ظبي فقال يا ابن رسول الله ما أعلم ما فيه فقال له أنت تتداهى ولا ~~تعلم أن الظبي لا يكون له رباعية وهو ثني أبدا 132 جعفر البرمكي أبو الفضل ~~جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك بن جاماس بن يشتاسف البرمكي وزير هارون ~~الرشيد كان من علو القدر ونفاذ الأمر وبعد الهمة وعظم المحل وجلالة المنزلة ~~عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها ولم يشارك فيها وكان سمح الأخلاق طلق ~~الوجه ظاهر البشر وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر وكان ~~من ذوي الفصاحة والمشهورين باللسن والبلاغة ويقال إنه وقع ليلة بحضرة هارون ~~الرشيد زيادة على PageV01P328 # ألف توقيع ولم يخرج في شيء منها عن موجب الفقه وكان ~~أبوه ضمه إلى القاضي أبي يوسف الحنفي حق علمه وفقهه وذكره ابن القادسي في ~~كتاب أخبار الوزراء واعتذر رجل إليه فقال له جعفر قد أغناك الله بالعذر منا ~~عن الاعتذار إلينا وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن ms0201 بك ووقع إلى بعض عماله ~~وقد شكي منه قد كثر شاكوك وقل شاكروك فإما اعتدلت وإما اعتزلت ومما ينسب ~~إليه من الفطنة أنه بلغه أن الرشيد مغموم لأن منجما يهوديا زعم أنه يموت في ~~تلك السنة يعني الرشيد وأن اليهودي في يده فركب جعفر إلى الرشيد قرآه شديد ~~الغم فقال لليهودي أنت تزعم أن أمير المؤمنين يموت إلى كذا وكذا يوما قال ~~نعم قال وأنت كم عمرك قال كذا وكذا أمدا طويلا فقال للرشيد اقتله حتى تعلم ~~أنه كذب في أمدك كما كذب في أمده فقتله وذهب ما كان بالرشيد من الغم وشكره ~~على ذلك وأمر بصب اليهودي فقال أشجع السلمي في ذلك (سل الراكب الموفي على ~~الجذع هل رأى * لراكبه نجما بدا غير أعور) (ولو كان نجم مخبرا عن منية * ~~لأخبره عن رأسه المتحير) (يعرفنا موت الإمام كأنه * يعرفنا أنباء كسرى ~~وقيصر) (أتخبر عن نحس لغيرك شؤمه * ونجمك بادي الشر يا شر مخبر) ومضى دم ~~المنجم هدرا بحمقه وكان جعفر من الكرم وسعة العطايا كما هو مشهور ويقال إنه ~~لما حج اجتاز في طريقه بالعقيق وكانت سنة مجدبة فاعترضته امرأة من بني كلاب ~~وأنشدته PageV01P329 # (إني مررت على العقيق وأهله * يشكون من مطر الربيع ~~نزورا) (ما ضرهم إذ جعفر جار لهم * أن لا يكون ربيعهم ممطورا) فأجزل لها ~~العطاء قلت والبيت الثاني مأخوذ من قول الضحاك بن عقيل الخفاجي من جملة ~~أبيات (ولو جاورتنا العام سمراء لم نبل * على جدبنا أن لا يصوب ربيع) لله ~~دره فما أحلى هذه الحشوة وهي قوله على جدبنا وأهل البيان يسمون هذا النوع ~~حشو اللوزينج وحكى ابن الصابىء في كتاب الأماثل والأعيان عن إسحاق النديم ~~الموصلي عن إبراهيم بن المهدي قال خلا جعفر بن يحيى يوما في داره وحضر ~~ندماؤه وكنت فيهم فلبس الحرير وتضمخ بالخلوق وفعل بنا مثله وأمر بأن يحجب ~~عنه كل أحد إلا عبد الملك بن بحران قهرمانه فسمع الحاجب عبد الله دون ابن ~~بحران وعرف عبد الملك بن صالح الهاشمي ms0202 مقام جعفر ابن يحيى في داره فركب ~~إليه فأرسل الحاجب أن قد حضر عبد الملك فقال أدخله وعنده أنه ابن بحران فما ~~راعنا إلا دخول عبد الملك بن صالح في سواده ورصافيته فاربد وجه جعفر وكان ~~ابن صالح لا يشرب النبيذ وكان الرشيد دعاه اليه فامتنع فلما رأى عبد الملك ~~حالة جعفر دعا غلامه فناوله سواده وقلنسوته ووافى باب المجلس الذي كنا فيه ~~وسلم وقال أشركونا في أمركم وافعلوا بنا فعلكم بأنفسكم فجاءه خادم ألبسه ~~فألبسه حريرة واستدعى بطعام فأكل وبنبيذ فأتي برطل منه فشربه ثم قال لجعفر ~~والله ما شربته قبل اليوم فليخفف عني فأمر أن يجعل بين يديه باطية يشرب ~~منها ما PageV01P330 # يشاء وتضمخ بالخلوق ونادمنا أحسن منادمة وكان كلما فعل ~~شيئا من هذا سري عن جعفر فلما أراد الانصراف قال له جعفر اذكر حوائجك فإني ~~ما أستطيع مقابلة ما كان منك قال إن في قلب أمير المؤمنين موجدة علي ~~فتخرجها من قلبه وتعيد إلي جميل رأيه في قال قد رضي عنك أمير المؤمنين وزال ~~ما عنده منك فقال وعلي أربعة آلاف ألف درهم دينا قال تقضى عنك وإنها لحاضرة ~~ولكن كونها من أمير المؤمنين أشرف بك وأدل على حسن ما عنده لك قال وإبراهيم ~~ابني أحب أن أرفع قدره بصهر من ولد الخلافة قال قد زوجه أمير المؤمنين ~~العالية ابنته قال وأوثر التنبيه على موضعه برفع لواء على رأسه قال قد ولاه ~~أمير المؤمنين مصر وخرج عبد الملك ونحن متعجبون من قول جعفر وإقدامه على ~~مثله من غير استئذان فيه وركبنا من الغد إلى باب الرشيد ودخل جعفر ووقفنا ~~فما كان بأسرع من أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد ~~الملك ولم يكن بأسرع من خروج إبراهيم والخلع عليه واللواء بين يديه وقد عقد ~~له على العالية بنت الرشيد وحملت إليه ومعها المال إلى منزل عبد الملك بن ~~صالح وخرج جعفر فتقدم إلينا باتباعه إلى منزله وصرنا معه فقال أظن قلوبكم ~~تعلقت بأول ms0203 أمر عبد الملك فأحببتم علم آخره قلنا هو كذلك قال وقفت بين يدي ~~أمير المؤمنين وعرفته ما كان من أمر عبد الملك من ابتدائه إلى انتهائه وهو ~~يقول أحسن أحسن ثم قال فما صنعت معه فعرفته ما كان من قولي له فاستصوبه ~~وأمضاه وكان ما رأيتم ثم قال إبراهيم بن المهدي فوالله ما أدري أيهم أعجب ~~فعلا عبد الملك في شربه النبيذ ولباسه ما ليس من لبسه وكان رجلا ذا جد ~~وتعفف ووقار وناموس أو إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم أو إمضاء الرشيد ما ~~حكم به جعفر عليه وحكي أنه كان عنده أبو عبيد الثقفي فقصدته خنفساء فأمر ~~PageV01P331 # جعفر بإزالتها فقال أبو عبيد دعوها عسى يأتيني بقصدها ~~لي خير فإنهم يزعمون ذلك فأمر له جعفر بألف دينار وقال نحقق زعمهم وأمر ~~بتنحيتها ثم قصدته ثانيا فأمر له بألف دينار أخرى وحكى ابن القادسي في ~~أخبار الوزراء أن جعفرا اشترى جارية بأربعين ألف دينار فقالت لبائعها اذكر ~~ما عاهدتني عليه أنك لا تأكل لي ثمنا فبكى مولاها وقال اشهدوا أنها حرة وقد ~~تزوجتها فوهب له جعفر المال ولم يأخذ منه شيئا وأخبار كرمه كثيرة وكان أبلغ ~~أهل بيته وأول من وزر من آل برمك خالد بن برمك لأبي العباس عبد الله السفاح ~~بعد قتل أبي سلمة حفص الخلال كما سيأتي في ترجمته في حرف الحاء إن شاء الله ~~تعالى ولم يزل خالد على وزارته حتى توفي السفاح يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة ~~خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وتولى أخوه أبو جعفر عبد الله ~~المنصور الخلافة في اليوم المذكور فأقر خالدا على وزارته فبقي سنة وشهورا ~~وكان أبو أيوب المورياني قد غلب على المنصور فاحتال على خالد بأن ذكر ~~للمنصور تغلب الأكراد على فارس وأن لا يكفيه أمرها سوى خالد فندبه إليها ~~فلما بعد خالد عن الحضرة أستبد أبو أيوب بالأمر وكانت وفاة خالد سنة ثلاث ~~وستين ومائة ذكره ابن القادسي وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق ولد ms0204 خالد في ~~سنة تسعين للهجرة وتوفي سنة خمس وستين ومائة والله أعلم وكان جعفر متمكنا ~~عند الرشيد غالبا على أمره واصلا منه وبلغ من علو المرتبة عنده ما لم يبلغه ~~سواد حتى إن الرشيد اتخذ ثوبا له زيقان فكان يلبسه هو وجعفر جملة ولم يكن ~~للرشيد صبر عنه وكان الرشيد أيضا شديد المحبة لأخته العباسه ابنه المهدي ~~وهي من أعز النساء عليه ولا يقدر على مفارقتها فكان متى غاب أحد من جعفر ~~والعباسة لا يتم له سرور فقال يا جعفر إنه لا يتم لي سرور إلا بك وبالعباسة ~~وإني سأزوجها منك ليحل لكما أن تجتمعا ولكن إياكما أن تجتمعا وأنا دونكما ~~فتزوجها على هذا الشرط ثم تغير الرشيد عليه وعلى البرامكة كلهم آخر الأمر ~~ونكبهم وقتل PageV01P332 # جعفرا واعتقل أخاه الفضل وأباه يحيى إلى أن ماتا كما ~~سيأتي في ترجمتهما إن شاء الله تعالى وقد اختلف أهل التاريخ في سبب تغير ~~الرشيد عليهم فمنهم من ذهب إلى أن الرشيد لما زوج أخته العباسة من جعفر على ~~الشرط المذكور بقيا مدة على تلك الحالة ثم اتفق أن أحبت العباسة جعفرا ~~وراودته فأبى وخاف فلما أعيتها الحيلة عدلت إلى الخديعة فبعثت إلى عتابة أم ~~جعفر أن أرسليني إلى جعفر كأني جارية من جواريك اللاتي ترسلين إليه وكانت ~~أمه ترسل إليه كل يوم جمعة جارية بكرا عذراء وكان لا يطأ الجارية حتى يأخذ ~~شيئا من النبيذ فأبت عليها أم جعفر فقالت لئن لم تفعلي لأذكرن لأختي أنك ~~خاطبتني بكيت وكيت ولئن اشتملت من ابنك على ولد ليكونن لكم الشرف وما عسى ~~أخ يفعل لو علم أمرنا فأجابتها أم جعفر وجعلت تعد ابنها أن ستهدي إليه ~~جارية عندها حسناء من هيتها ومن صفتها كيت وكيت وهو يطالبها بالعدة المرة ~~بعد المرة فلما علمت أنه قد اشتاق إليها أرسلت إلى العباسة أن تهيئي الليلة ~~ففعلت العباسة وأدخلت على جعفر وكان لم يتثبت صورتها لأنه لم يكن يراها إلا ~~عند الرشيد وكان لا يرفع طرفة إليها مخافة ms0205 فلما قضى منها وطره قالت له كيف ~~رأيت خديعة بنات الملوك فقال وأي بنت ملك أنت فقالت أنا مولاتك العباسة ~~فطار السكر من رأسه وذهب إلى أمه فقال يا أماه بعتني والله رخيصا واشتملت ~~العباسة منه على ولد ولما ولدته وكلت به غلاما اسمه رياش وحاضنة يقال لها ~~برة ولما خافت ظهور الأمر بعثتهم إلى مكة وكان يحيى بن خالد ينظر إلى قصر ~~الرشيد وحرمه ويغلق أبواب القصر وينصرف بالمفاتيح معه حتى ضيق على حرم ~~الرشيد فشكته زبيدة إلى الرشيد فقال له يا أبت وكان يدعوه بذلك ما لزبيدة ~~تشكوك فقال أمتهم أنا في حرمك يا أمير المؤمنين قال لا قال فلا تقبل قولها ~~في وازداد يحيى عليها غلظة وتشديدا فقالت زبيدة للرشيد مرة أخرى في شكوى ~~يحيى فقال الرشيد لها يحيى عندي غير متهم في حرمي فقالت فلم لم PageV01P333 # يحفظ ابنه مما ارتكبه قال وما هو فخبرته بخبر العباسة ~~قال وهل على هذا دليل قالت وأي دليل أدل من الولد قال وأين هو قالت كان هنا ~~فلما خافت ظهوره وجهت به إلى مكة قال وعلم بذا سواك قالت ليس بالقصر جارية ~~إلا وعلمت به فسكت عنها وأظهر إرادة الحج فخرج له ومعه جعفر فكتبت العباسة ~~إلى الخادم والديه بالخروج بالصبي إلى اليمن ووصل الرشيد مكة فوكل من يثق ~~به بالبحث عن أمر الصبي حتى وجده صحيحا فأضمر السوء للبرامكة ذكره ابن ~~بدررون في شرح قصيدة ابن عبدون التي رثى بها بني الأفطس والتي أولها (الدهر ~~يفجع بعد العين بالأثر * فما البكاء على الأشباح والصور) أورده عند شرحه ~~لقول ابن عبدون من جملة هذه القصيدة (وأشرقت جعفر والفضل يرمقه * والشيخ ~~يحيى بريق الصارم الذكر) ولأبي نواس أبيات تدل على طرف من الواقعة التي ~~ذكرها ابن بدرون والأبيات (ألا قل لأمين الله * وابن القادة الساسه) (إذا ~~ما ناكث سرك * أن تفقده رأسه) (فلا تقتله بالسيف * وزوجه بعباسه) وذكر غيره ~~أن الرشيد سلم إليه أبا جعفر يحيى بن عبد الله بن الحسين ms0206 الخارج عليه وحبسه ~~عنده فدعا به يحيى إليه وقال له اتق الله يا جعفر في أمري ولا تتعرض أن ~~يكون خصمك جدي محمد صلى الله عليه وسلم فوالله ما أحدثت حدثا فرق له جعفر ~~وقال اذهب حيث شئت من البلاد PageV01P334 # فقال إني أخاف أن أوخذ فأرد فبعث معه من أوصله إلى ~~مأمنه وبلغ الخبر الرشيد فدعا به وطاوله الحديث وقال يا جعفر ما فعل يحيى ~~قال بحاله قال بحياتي فوجم وأحجم وقال لا وحياتك أطلقته حيث علمت أن لا سوء ~~عنده فقال نعم الفعل وما عدوت ما في نفسي فلما نهض جعفر أتبعه بصره وقال ~~قتلني الله إن لم أقتلك وقيل سئل سعيد بن سالم عن جناية البرامكة الموجبة ~~لغضب الرشيد فقال والله ما كان منهم ما يوجب بعض عمل الرشيد بهم ولكن طالت ~~أيامهم وكل طويل مملول والله لقد استطال الناس الذين هم خير الناس أيام عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه وما رأوا مثلها عدلا وأمنا وسعة أموال وفتوح وأيام ~~عثمان رضي الله عنه حتى قتلوهما ورأى الرشيد مع ذلك أنس النعمة بهم وكثرة ~~حمد الناس لهم ورميهم بآمالهم دونه والملوك تتنافس بأقل من هذا فتعنت عليهم ~~وتجنى وطلب مساويهم ووقع منهم بعض الإدلال خاصة جعفر والفضل دون يحيى فإنه ~~كان أحكم خبرة وأكثر ممارسة للأمور ولاذ من أعدائهم بالرشيد كالفضل بن ~~الربيع وغيره فستروا المحاسن وأظهروا القبائح حتى كان ما كان وكان الرشيد ~~بعد ذلك إذا ذكروا عنده بسوء أنشد يقول (أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم * من ~~اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا) وقيل السبب أنه رفعت إلى الرشيد قصة لم ~~يعرف رافعها فيها (قل لأمين الله في أرضه * ومن إليه الحل والعقد) (هذا ابن ~~يحيى قد غدا مالكا * مثلك ما بينكما حد) (أمرك مردود إلى أمره * وأمره ليس ~~له رد) (وقد بنى الدار التي ما بنى الفرس * لها مثلا ولا الهند) (الدر ~~والياقوت حصباؤها * وتربها العنبر والند) PageV01P335 # (ونحن نخشى أنه وارث * ملكك إن غيبك اللحد) (ولن يباهي ms0207 ~~العبد أربابه * إلا إذا ما بطر العبد) فلما وقف الرشيد عليها أضمر له السوء ~~وكان من الأسباب أيضا ما تعده العامة سيئا وهو أقوى الأسباب ما سمع من يحيى ~~بن خالد وهو يقول وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته اللهم إن ذنوبي جمة عظيمة ~~لا يحصيها غيرك اللهم إن كنت تعاقبني لذلك فاجعل عقوبتي في الدنيا وإن أحاط ~~ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي حتى تبلغ رضاك ولا تجعل عقوبتي في الآخرة ~~فاستجيب له وقد رثتهم الشعراء بمرات كثيرة وذكرت أيامهم فمما استحسن من ~~مراثيهم قول أشجع السلمي من أبيات (كأن أيامهم من حسن بهجتها * مواسم الحج ~~والأعياد والجمع) وحكى ابن بدرون أن علية بنت المهدي قالت للرشيد بعد ~~إيقاعه بالبرامكة يا سيدي ما رأيت لك يوم سرور تام منذ قتلت جعفرا فلأي شيء ~~قتلته فقال لها يا حياتي لو علمت أن قميصي يعلم السبب في ذلك لمزقته وكان ~~قتل الرشيد لجعفر بموضع يقال له العمر من أعمال الأنبار في يوم السبت سلخ ~~المحرم وقيل مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة وذكر الطبري في تاريخه أن ~~الرشيد لما حج سنة ست وثمانين ومائة ومعه الرامكة وقفل راجعا من مكة وافق ~~الحيرة في المحرم سنة سبع وثمانين ومائة فأقام في قصر عون العبادي أياما ثم ~~شخص في السفن حتى نزل العمر الذي بناحية الأنبار فلما كان ليلة السبت سلخ ~~المحرم أرسل أبا هاشم مسرورا الخادم ومعه أبو عصمة حماد بن سالم في جماعة ~~من الجند فأطافوا بجعفر ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع الطبيب وأبو ~~زكار المغني PageV01P336 # الأعمى الكلواذاني وهو في لهوه فأخرجه إخراجا عنيفا ~~يقوده حتى أتى به منزل الرشيد فحبسه وقيده بقيد حمار وأخبر الرشيد بمجيئه ~~فأمر الرشيد بضرب عنقه واستوفى حديثه هناك وقال الواقدي نزل الرشيد العمر ~~بناحية الأنبار في سنة سبع وثمانين منصرفا من مكة وغضب على البرامكة وقتل ~~جعفرا في أول يوم من صفر وصلبه على الجسر ببغداد وجعل رأسه على الجسر وفي ~~الجانب الآخر جسده وقال ms0208 غيره صلبه على الجسر مستقبل الصراة رحمه الله تعالى ~~وقال السندي بن شاهك كنت ليلة نائما في غرفة الشرطة بالجانب الغربي فرأيت ~~في منامي جعفر بن يحيى واقفا بإزائي وعليه ثوب مصبوغ بالعصفر وهو ينشد (كأن ~~لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر) (بلى نحن كنا ~~أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر) فانتبهت فزعا وقصصتها على ~~أحد خواصي فقال أضغاث أحلام وليس كل ما يراه الإنسان يجب أن يفسر وعاودن ~~مضجعي فلم تنل عيني غمضا حتى سمعت صيحة الرابطة والشرط وقعقعة لجم البريد ~~ودق باب الغرفة فأمرت بفتحها فصعد سلام الأبرش الخادم وكان الرشيد يوجهه في ~~المهمات فانزعجت وأرعدت مفاصلي وظننت أنه أمر في بأمر فجلس إلى جانبي ~~وأعطاني كتابا ففضضته وإذا فيه يا سندي هذا كتابنا بخطنا مختوم بالخاتم ~~الذي في يدنا وموصله سلام الأبرش فإذا قرأته فقبل أن تضعه من يدك فامض إلى ~~دار يحيى بن خالد لا حاطه الله وسلام معك حتى تقبض عليه وتوقره حديدا ~~وتحمله إلى الحبس في مدينة المنصور المعروف بحبس الزنادقة وتقدم إلى بادام ~~بن عبد الله خليفتك بالمصير إلى الفضل ابنه مع ركوبك إلى دار يحيى وقبل ~~انتشار الخبر وأن تفعل به مثل ما تقدم به إليك في يحيى وأن تحمله أيضا إلى ~~حبس الزنادقة ثم بث بعد فراغك من PageV01P337 # أمر هذين أصحابك في القبض على أولاد يحيى وأولاد إخوته ~~وقراباته وسرد صورة الإيقاع بهم ابن بدرون أيضا سردا فيه فوائد زائدة على ~~هذا المذكور فأحببت إيراده مختصرا ههنا قال عقيب كلامه المتقدم ثم دعا ~~السندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى بغداد والتوكل بالبرامكة وكتابهم ~~وقراباتهم وأن يكون ذلك سرا ففعل السندي ذلك وكان الرشيد بالأنبار بموضع ~~يقال له العمر ومعه جعفر وكان جعفر بمنزله وقد دعا أبا زكار وجواريه ونصب ~~الستائر وأبو زكار يغنيه (ما يريد الناس منا * ما ينام الناس عنا) (إنما ~~همهم أن * يظهروا ما قد دفنا) ودعا الرشيد ياسرا غلامه وقال قد انتخبتك ~~لأمر ms0209 لم أر له محمدا ولا عبد الله ولا القاسم فحقق ظني واحذر أن تخالف ~~فتهلك فقال لو أمرتني بقتل نفسي لفعلت فقال اذهب إلى جعفر بن يحيى وجئني ~~برأسه الساعة فوجم لا يحير جوابا فقال له ما لك ويلك قال الأمر عظيم وددت ~~أني مت قبل وقتي هذا فقال أمض لأمري فمضى حتى دخل على جعفر وأبو زكار يغنيه ~~(فلا تبعد فكل فتى سيأتي * عليه الموت يطرق أو يغادي) (وكل ذخيرة لا بد ~~يوما * وإن بقيت تصير إلى نفاد) (ولو فوديت من حدث الليالي * ف ديتك ~~بالطريف وبالتلاد) فقال له يا ياسر سررتني بإقباك وسؤتني بدخولك من غير إذن ~~فقال الأمر أكبر من ذلك قد أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا فأقبل جعفر يقبل ~~قدمي ياسر وقال دعني أدخل وأوصي قال لا سبيل إلى الدخول ولكن أوص بما شئت ~~قال لي عليك حق ولا تقدر على مكافأتي إلا الساعة قال تجدني سريعا إلا فيما ~~يخالف أمير المؤمنين قال فارجع وأعلمه بقتلي فإن ندم كانت حياتي على يدك ~~وإلا أنفذت أمره في قال لا أقدر قال فأسير معك إلى مضربه وأسمع كلامه ~~ومراجعتك فإن أصر فعلت قال PageV01P338 # أما هذا فنعم وسار إلى مضرب الرشيد فلما سمع حسه قال ~~له ما وراءك فذكر له قول جعفر فقال له يا ماص هن أمه والله لئن راجعتني ~~لأقدمنك قبله فرجع فقتله وجاء برأسه فلما وضعه بين يديه اقبل عليه مليا ثم ~~قال يا ياسر جئني بفلان وفلان فلما أتاه بهما قال لهما اضرب عنق ياسر فلا ~~أقدر أرى قاتل جعفر انتهى كلامه في هذا الفصل وذكر في كتابه قال لما فهم ~~جعفر من الرشيد الإعراض عند حجه معه ووصل إلى الحيرة ركب جعفر إلى كنيسة ~~بها لأمر فوجد فيها حجرا عليه كتابة لاتفهم فأحضر تراجمة الخط وجعله فألا ~~من الرشيد لما يخافه ويرجوه فقرئ فإذا فيه (إن بني المنذر عام انقضوا * ~~بحيث شاد البيعة الراهب) (أضحوا ولا يرجوهم راغب * يوما ولا يرهبهم راهب) ~~(تنفح بالمسك ms0210 ذفاريهم * والعنبر الورد له قاطب) (فأصبحوا أكلا لدود الثرى * ~~وانقطع المطلوب والطالب) فحزن جعفر وقال ذهب والله أمرنا قال الأصمعي وجه ~~إلي الرشيد بعد قتله جعفرا فجئت فقال أبيات أردت أن تسمعها فقلت إذا شاء ~~أمير المؤمنين فأنشدني (لو أن جعفر خاف أسباب الردى * لنجا به منها طمر ~~ملجم) (ولكان من حذر المنية حيث لا * يرجو اللحاق به العقاب القشعم) (لكنه ~~لما أتاه يومه * لم يدفع الحدثان عنه منجم) فعلمت أنها له فقلت إنها أحسن ~~أبيات في معناها فقال إلحق الآن بأهلك يا ابن قريب إن شئت وحكي أن جعفرا في ~~آخر أيامه أراد الركوب إلى دار الرشيد فدعا بالأصطرلاب ليختار وقتا وهو في ~~داره على دجلة فمر رجل في سفينة وهو لا يراه ولا يدري ما يصنع والرجل ينشد ~~PageV01P339 # (يدبر بالنجوم وليس يدري * ورب النجم يفعل ما يريد) ~~فضرب بالأصطرلاب الأرض وركب ويحكى أنه رؤي على باب قصر علي بن عيسى بن ~~ماهان بخراسان صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر كتاب بقلم جليل (إن ~~المساكين بني برمك * صب عليهم غير الدهر) (إن لنا في أمرهم عبرة * فليعتبر ~~ساكن ذا القصر) ولما بلغ سفيان بن عيينة خبر جعفر وقتله وما نزل بالبرامكة ~~حول وجهه إلى القبلة وقال اللهم إنه كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة ~~الآخرة ولما قتل أكثر الشعراء في رثائه ورثاء آله فقال الرقاشي من أبيات ~~(هدأ الخالون من شجوي فناموا * وعيني لا يلائمها منام) (وما سهرت لأني ~~مستهام * إذا أرق المحب المستهام) (ولكن الحوادث أرقتني * فلي سهر إذا هجد ~~النيام) (أصبت بسادة كانوا نجوما * بهم نسقي إذا انقطع الغمام) (على ~~المعروف والدنيا جميعا لدولة آل برمك السلام) (فلم أر قبل قتلك يا ابن يحيى ~~* حساما فله السيف الحسام) (أما والله لولا خوف واش * وعين للخليفة لا ~~تنام) (لطفنا حول جذعك واستلمنا * كما للناس بالحجر استلام) وقال أيضا ~~يرثيه وأخاه الفضل (إلا إن سيفا برمكيا مهندا * أصيب بسيف هاشمي مهند) (فقل ~~للعطايا بعد فضل تعطلي * وقل للرزايا ms0211 كل يوم تجددي) وقال دعبل بن علي ~~الخزاعي (ولما رأيت السيف صبح جعفرا * ونادى مناد للخليفة في يحيى) (بكيت ~~على الدنيا وأيقنت أنما * قصارى الفتى فيها مفارقة الدنيا) PageV01P340 # (وما هي إلا دولة بعد دولة * تخول ذا نعمى وتعقب ذا ~~بلوى) (إذا نزلت هذا منازل رفعة * من الملك حطت ذا إلى غاية سفلى) وقال ~~صالح بن طريف فيهم (يا بني برمك واها لكم * ولأيامكم المقتبله) (كانت ~~الدنيا عروسا بكم * وهي اليوم ثكول أرمله) ولولا خوف الإطالة لأوردت طرفا ~~كبيرا من أقوال الشعراء فيهم مديحا ورثاء وقد طالت هذه الترجمة ولكن شرح ~~الحال وتوالي الكلام أحوج إليه ومن أعجب ما يؤرخ من تقلبات الدنيا بأهلها ~~ما حكاه محمد بن غسان بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة قال دخلت على ~~والدتي في يوم نحر فوجدت عندها امرأة برزة في ثياب رثة فقالت لي والدتي ~~أتعرف هذه قلت لا قالت هذه أم جعفر البرمكي فأقبلت عليها بوجهي وأكرمتها ~~وتحادثنا زمانا ثم قلت يا أمه ما أعجب ما رأيت فقالت لقد أتى علي يا بني ~~عيد مثل هذا وعلى رأسي أربعمائة وصيفة وإني لأعد ابني عاقا لي ولقد أتى علي ~~يا بني هذا العيد وما مناي إلا جلدا شاتين أفترش أحدهما وألتحف الآخر قال ~~فدفعت إليها خمسمائة درهم فكادت تموت فرحا بها ولم تزل تختلف إلينا حتى فرق ~~الموت بيننا والعمر بضم العين المهملة وسكون الميم وبعدها راء هكذا وجدته ~~مضبوطا في نسخه مقروءة مضبوطة وقال أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن ~~محمد البكري في كتاب معجم ما استعجم قلاية العمر والعمر عندهم الدير والله ~~أعلم PageV01P341 # 132 ب جعفر البرمكي أبو الفضل جعفر بن يحيي بن خالد بن ~~برمك البرمكي وزير هارون كان من الكرم وسعة العطاء كما قد اشتهر ويقال إنه ~~لما حج العطاء ولم يبلغ أحد من الوزراء منزلة بلغها من الرشيد قال إبراهيم ~~قال لي جعفر بن يحيى يوما إني استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غدا فهل أنت ~~مساعدي ms0212 فقلت جعلت فداك أنا أسعد بمساعدتك وأسر بمحادثتك قال فبكر إلي بكور ~~الغراب قال فأتيته عند الفجر فوجدت الشمعة بين يديه وهو ينتظرني للميعاد ~~فصلينا ثم أفضنا في الحديث ثم قدم إلينا الطعام فأكلنا فلما غسلنا أيدينا ~~جعلت علينا ثياب المنادمة وبخرنا وطيبنا ثم ضمخنا بالخلوق ومدت الستارة ~~وظللنا بأنعم يوم مر بنا ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب وقال إذا أتى عبد ~~الملك فأذن له يعني قهرمانا له فاتفق ان جاء عبد الملك ابن صالح عم الرشيد ~~وهو من جلالة القدر والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل وكان ~~الرشيد قد اجتهد أن يشرب معه قدحا فلم يقدر عليه رفعا لنفسه فلما رفع الستر ~~وطلع علينا سقط ما في أيدينا وعلمنا أن الحاجب قد غلط بينه وبين عبد الملك ~~القهرمان فأعظم جعفر ذاك وارتاع له ثم قام إليه إجلالا فلما نظر إلينا على ~~تلك الحال دعا غلامه فدفع إليه سيفه وسواده وعمامته ثم قال اصنعوا بنا ~~ماصنعتم بأنفسكم قال فجاء الغلمان فطرحوا عليه ثيابا وخلقوه ودعا بالطعام ~~فطعم وشرب ثلاثا ثم قال لتخفف عني فإنه شيء والله ما شربته قط فتهلل وجه ~~جعفر وفرح ثم التفت إليه فقال جعلت فداك قد تطولت وتفضلت وساعدت فهل من ~~حاجة تبلغ إليها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها مكافأة لما صنعت قال بلى ~~إن في قلب أمير المؤمنين علي هنة فاسأله الرضي عني فقال له جعفر قد رضي ~~أمير المؤمنين عنك ثم قال وعلي عشرة آلاف دينار فقال هي لك حاضرة من مالي ~~ولك من PageV01P342 # مال أمير المؤمنين ضعفها ثم قال وابني إبراهيم أحب أن ~~أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين قال وقد زوجه أمير المؤمنين ابنته العالية ~~قال وأحب أن تخفق عليه الأولوية قال قد ولاه أمير المؤمنين مصر فانصرف عبد ~~الملك ابن صالح قال إبراهيم بن المهدي فبقيت متعجبا من إقدامه على أمير ~~المؤمنين من غير استئذان وقلت عسى أن يجيبه فيما سأل من الرضى والمال ~~والولاية فمتى أطلق لجعفر ms0213 أو لغيره تزويج بناته فلما كان من الغد بكرت إلى ~~باب الرشيد لأرى ما يكون فدخل جعفر فلم يلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي ~~وإبراهيم بن عبد الملك بن صالح فخرج إبراهيم وقد عقد نكاحه بالعالية بنت ~~الرشيد وعقد له على مصر والرايات بين يديه وحملت البدر إلى منزل عبد الملك ~~بن صالح وخرج جعفر فأشار إلينا فلما صرنا إلى منزله التفت إلينا فقال تعلقت ~~قلوبكم بحديث عبد الملك فأحببتم علم آخره لما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت ~~بين يديه قال كيف كان يومك يا جعفر فقصصت عليه حتى بلغت إلى دخول عبد الملك ~~بن صالح وكان متكئا فاستوى جالسا وقال ايه لله أبوك فقلت سألني في رضاك يا ~~أمير المؤمنين قال نعم فبم أجبته قلت رضي أمير المؤمنين عنك قال قد أجزت ثم ~~ماذا قلت وذكر أن عليه عشرة آلاف دينار قال فبم أجبته قلت وقد قضاها أمير ~~المؤمنين عنك قال قد قضيت ثم ماذا قال قد رغب أن يشد أمير المؤمنين ظهر ~~ولده إبراهيم بصهر منه قال فبم أجبته قلت قد زوجه أمير المؤمنين ابنته ~~العالية قال قد أمضيت ذلك ثم ماذا لله أبوك قلت وأحب أن تخفق الألوية على ~~رأسه قال فبم أجبته قلت قد ولاه أمير المؤمنين مصر قال قد وليت فأحضر ~~إبراهيم والقضاة والفقهاء فحضروا وتمم له جميع ذلك من ساعته قال إبراهيم بن ~~المهدي فوالله ما أدري أيهم أكرم وأعجب فعلا ما ابتدأه عبد الملك من ~~المساعدة وشرب الخمر ولم يكن شربها قط ولبسه ما لبس من ثياب المنادمة وكان ~~رجل جد أم إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم أم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به ~~جعفر عليه وركب يوما الرشيد وجعفر يسايره وقد بعث علي بن عيسى بهدايا ~~PageV01P343 # خراسان بعد ولاية الفضل فقال الرشيد لجعفر أين كانت ~~هذه أيام أخيك قال في منازل أربابها وبلغ الرشيد أن يهوديا ينجم بحكم في ~~عمره ويقرب وقتا فأحضره وسأله عما قال فقال استدللت من النجوم بكذا ms0214 وكذا ~~ودخل جعفر فرأى غم الرشيد فقال له أتحب أن يخرج هذا من صدرك قال نعم قال ~~سله عن عمره فإنه بالمعرفة به أولى به من غيره قال فسأله عن ذلك فقال هو ~~كذا وكذا فقال جعفر اضرب الآن عنقه لتعلم خطأه في عمرك وعمره فيحكى ان ~~الرشيد تغير عليه في آخر الأمر وكان سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر ~~وعن أخته عباسة بنت المهدي وكان يحضرهما إذا جلس للشرب فقال لجعفر أزوجكما ~~ليحل لك النظر إليها ولا تقربها فإني لا أطيق الصبر عنكما فأجابه إلى ذلك ~~فزوجها منه وكانا يحضران معه ثم يقوم عنهما وهما شابان فجامعها جعفر فحملت ~~منه فولدت له غلاما فخاف الرشيد فسير به مع حواضن إلى مكة وأعطته الجواهر ~~والنفقات ثم إن عباسة وقع بينهما وبين بعض جواريها شر فأنهت أمرها إلى ~~الرشيد فحج هارون سنة 186 وبحث عن الأمر فعلمه وكان جعفر يصنع للرشيد طعاما ~~بعسفان إذا حج فصنع ذلك الطعام ودعاه فلم يحضر عنده وكان ذلك أول تغير ~~أمرهم وقيل كان سبب ذلك من أمره ما كان وقيل من الأسباب أن جعفرا بنى دارا ~~غرم عليها عشرين ألف درهم فرفع ذلك إلى الرشيد وقيل هذه غرامة في دار فما ~~ظنك بنفقاته وصلاته وغير ذلك فاستعظمه وحكي أن جعفر بن يحيى لما عزم على ~~الانتقال إلى قصره هذا جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه اليه فاختاروا ~~له وقتا من الليل فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي كان منزله ~~إلى قصره والطرق خالية والناس هادئون فلما صار إلى سوق يحيى رأى رجلا قائما ~~وهو يقول (يدبر بالنجوم وليس يدري * ورب النجم يفعل ما يريد) فاستوحش ووقف ~~ودعا بالرجل فقال له أعد علي ما قلت فأعاده فقال PageV01P344 # ما أردت بهذا فقال ما أردت به معنى من المعاني لكنه ~~شيء عرض لي وجاء على لساني في هذا الوقت فأمر له بدنانير ومضى لوجهه وقد ~~تنغص عليه سروره وكان من الأسباب أيضا ms0215 فاستجيب به قال علماء السير لما ~~انصرف الرشيد عن الحج سنة 187 وقيل 188 أرسل الرشيد مسرورا الخادم ومعه ~~جماعة من الجند ليلا وعنده بختيشوع المتطبب وأبو زكار المغني وهو يغني (فلا ~~تبعد *) قال مسرور فقلت له يا أبا الفضل الذي جئت له هو والله ذاك قد طرقك ~~الأمر أجب أمير المؤمنين فوقع على رجلي يقبلها وقال حتى أدخل فأوصي فقلت ~~فأما الدخول فلا سبيل إليه وأما الوصية فاصنع ما شئت فأوصى بما أراد وأعتق ~~مماليكه وأتتني رسل الرشيد تستحثني فمضيت إليه وأعلمته وهو في فراشه فقال ~~ائتني برأسه فأتيت جعفرا فأخبرته فقال الله أكبر فراجعه فعدت أراجعه فلما ~~سمع حسي قال يا ماص بظر أمه ائتني برأسه فرجعت إليه وأخبرته فقال وأمره ~~فرجعت فحذفني بعمود كان في يده وقال نفيت من المهدي ان لم تأتني برأسه ~~لأقتلنك قال فخرجت فقتلته وحملت رأسه إليه وكان قتله ليلة السبت أول ليلة ~~من صفر بالأنبار وهو ابن سبع وثلاثين سنة ثم أمر بنصب رأسه على الجسر ~~وتقطيع يديه وصلب كل قطعة على جسر فلم يزل كذلك حتى مر عليه الرشيد حين ~~خروجه إلى خراسان فقال ينبغي أن يحرق هنا فأحرق ووجه الرشيد من ليلته إلى ~~الرقة في قبض أمرائهم وما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم وحكي عن الأصمعي ~~أنه قال لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى أرسل إلي ليلا فراعني وأعجلني الرسل ~~فزادوا في وجلي فصرت إليه فلما مثلت بين يديه أومأ إلي بالجلوس فجلست ثم ~~قال (لو أن جعفر الخ *) PageV01P345 # ثم قال إلحق بأهلك يا ابن قريب فنهضت ولم أحد جوابا ~~وفكرت فلم أعرف لما كان منه معنى إلا أنه أراد أن يسمعني شعره فأحكيه ولما ~~نكبوا قال الرقاشي (الان استرحنا واستراحت ركابنا * وأمسك من يجدي ومن كان ~~يجتدي) (فقل للمطايا قد أمنت من السري * وطي الفيافي فدفدا بعد فدفد) (وقل ~~للمنايا قد ظفرت بجعفر * ولن تظفري من بعده بمسود) (وقل للعطايا بعد فضل ~~تعطلي * وقل للرزايا كل يوم تجددي) (ودونك ms0216 سيفا برمكيا مهندا * أصيب بسيف ~~هاشمي مهند) وله أيضا في جعفر (أما والله لولا خوف واش الخ *) ووقع جعفر في ~~قصة رجل شكا بعض عماله قد كثر شاكوك وقل شاكروك فإما عدلت وإما اعتزلت ورأى ~~رجلا في الشمس فقال أفي الشمس قال أطلب الظل قال لأولينك ولاية يطول فيها ~~ظللك وفضائله كثيرة رحمه الله تعالى 133 جعفر بن حنزابة أبو الفضل جعفر بن ~~الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات المعروف بابن حنزابة كان ~~وزير بني الإخشيد بمصر مدة إمارة كافور ثم استقل PageV01P346 # كافور بملك مصر واستمر على وزارته ولما توفي كافور ~~استقل بالوزارة وتدبير المملكة لأحمد بن علي بن الإخشيد بالديار والمصرية ~~والشامية وقبض على جماعة من أرباب الدولة بعد موت كافور وصادرهم وقبض على ~~يعقوب بن كلس وزير العزيز العبيدي الآتي ذكره وصادره على أربعة آلاف دينار ~~وخمسمائة وأخذها منه ثم أخذه من يده أبو جعفر مسلم بن عبيد اللهه الشريف ~~الحسيني واستتر عنده ثم هرب مستترا إلى بلاد المغرب ولم يقدر ابن الفرات ~~على رضى الكافورية والإخشيدية والأتراك والعساكر ولم تحمل إليه أموال ~~الضمانات وطلبوا منه ما لا يقدر عليه واضطرب عليه الأمر فاستتر مرتين ونهبت ~~دوره ودور بعض أصحابه ثم قدم إلى مصر أبو محمد الحسين بن عبيد الله بن طغج ~~صاحب الرملة فقبض على الوزير المذكور وصادره وعذبه واستوزر عوضه كاتبه ~~الحسن بن جابر الرياحي ثم أطلق الوزير جعفر بوساطة الشريف أبي جعفر الحسيني ~~وسلم إليه الحسين أمر مصر وسار عنها إلى الشام مستهل ربيع الآخر سنة ثمان ~~وخمسين وثلاثمائة وكان عالما محبا للعلماء وحدث عن محمد بن هارون الحضرمي ~~وطبقته من البغداديين وعن محمد بن سعيد البرجمي الحمصي ومحمد بن جعفر ~~الخرائطي والحسن بن أحمد بن بسطام والحسن بن أحمد الداركي ومحمد بن عمارة ~~بن حمزة الأصبهاني وكان يذكر أنه سمع من عبد الله بن محمد البغوي مجلسا ولم ~~يكن عنده فكان يقول من جاءني به أغنيته وكان يملي الحديث ms0217 بمصر وهو وزير ~~وقصده الأفاضل من البلدان الشاسعة وبسببه سار الحافظ أبو الحسن علي المعروف ~~بالدارقطني من العراق إلى الديار المصرية وكان يريد أن يصنف مسندا فلم يزل ~~الدارقطني عنده حتى فرغ من تأليفه وله تواليف في أسماء الرجال والأنساب ~~وغير ذلك وذكر الخطيب أبو زكريا التبريزي في شرحه ديوان المتنبي أن المتنبي ~~لما قصد مصر ومدح كافورا مدح الوزير أبا الفضل المذكور بقصيدته الرائية ~~التي أولها (باد هواك صبرت أو لم تصبرا *) PageV01P347 # وجعلها موسومة باسمه فتكون إحدى القوافي جعفرا وكان قد ~~نظم قوله في هذه القصيدة (صغت السوار لأي كف بشرت * بابن العميد وأي عبد ~~كبرا) بشرت بابن الفرات فلما لم يرضه صرفها عنه ولم ينشده إياها فلما توجه ~~إلى عضد الدولة قصد أرجان وبها أبو الفضل ان العميد وزير ركن الدولة بن ~~بويه والد عضد الدولة وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى فحول القصيدة إليه ~~ومدحه بها وبغيرها وهي من غرر القصائد وذكر الخطيب أيضا في الشرح أن قول ~~المتنبي في القصيدة المقصورة التي يذكر فيها مسيرة إلى الكوفة ويصف منزلا ~~منزلا ويهجو كافورا (وماذا بمصر من المضحكات * ولكنه ضحك كالبكا) (بها نبطي ~~من أهل السواد * يدرس أنساب أهل الفلا) (وأسود مشفره نصفه * يقال له أنت ~~بدر الدجى) (وشعر مدحت به الكركدن * بين القريض وبين الرقى) (فما كان ذلك ~~مدحا له * ولكنه كان هجو الورى) إن المراد بالنبطي أبو الفضل المذكور ~~والأسود كافور وبالجملة فهذا القدر ما غض منه فما زالت الأشراف تهجى وتمدح ~~وأنشد أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي بديها في الوزير أبي الفضل ~~المذكور وقد دعا له داع فلحن في قوله أدام الله أيامك بخفض أيامك المنصوبة ~~(لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا * وغص من دهشة بالعي والبهر) (فمثل هيبته ~~حالت جلالتها * بين البليغ وبين النطق بالحصر) (وإن يكن خفض الأيام عن دهش ~~* في موضع النصب أو من قلة البصر) (فقد تفاءلت في هذا لسيدنا * والفأل ~~نأثره عن سيد البشر) (بأن أيامه خفض بلا ms0218 نصب * وأن دولته صفو بلا كدر) ~~PageV01P348 # وذكر الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب أدب الخواص ~~كنت أحادث الوزير أبا الفضل جعفرا المذكور وأجاريه شعر المتنبي فيظهر من ~~تفضيله زيادة تنبه على ما في نفسه خوفا أن يرى بصورة من ثناه الغضب الخاص ~~عن قول الصدق في الحكم العام وذلك لأجل الهجاء الذي عرض له به المتنبي ~~وكانت ولادته لثلاث خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثمائة وتوفي يوم الأحد ~~ثالث عشر صفر وقيل في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة بمصر رحمه ~~الله تعالى وصلى عليه القاضي حسين بن محمد بن النعمان ودفن في القرافة ~~الصغرى وتربته بها مشهورة وحنزاية بكسر الحاء المهملة وسكون النون وفتح ~~الزاي وبعد الألف باء موحدة مفتوحة ثم هاء وهي أم أبيه الفضل بن جعفر هكذا ~~ذكره ثابت بن قرة في تاريخه الحنزاية في اللغة المرأة القصيرة الغليظة ~~وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق وأورد من شعره قوله (من أخمل النفس ~~أحياها وروحها * ولم يبت طاويا منها على ضجر) (إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ~~* فليس ترمي سوى العالي من الشجر) وقال كان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين ~~واشترى بالمدينة دارا بالقرب من المسجد ليس بينها وبين الضريح النبوي على ~~ساكنه أفضل الصلاة والسلام سوى جدار واحد وأوصى أن يدفن فيها وقرر مع ~~الأشراف ذلك ولما مات حمل تابوته من مصر إلى الحرمين وخرجت الأشراف إلى ~~لقائه وفاء بما أحسن إليهم فحجوا به وطافوا ووقفوا بعرفة ثم ردوه إلى ~~المدينة ودفنوه بالدار المذكورة وهذا خلاف ما ذكرته أولا والله أعلم ~~بالصواب غير أني رأيت التربة المذكورة بالقرافة وعليها مكتوب هذه ~~PageV01P349 # تربة أبي الفضل جعفر بن الفرات ثم إني رأيت بخط أبي ~~القاسم ابن الصوفي أنه دفن في مجلس داره الكبرى ثم نقل إلى المدينة 134 على ~~الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي وأمه تركية واسمها ~~شجاع بويع له لست بقين من ذي الحجة سنة 232 وقتل ليلة الأربعاء لثلاث خلون ms0219 ~~من شوال سنة 247 وله إحدى وأربعون سنة ودفن في القصر الجعفري وهو قصر ~~ابتناه بسر من رأى وقال الدولابي في تاريخه إنه دفن هو والفتح بن خاقان ~~وزيره ولم يصل عليهما فكانت خلافته أبرع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام ~~وقتل المتوكل محمد ولده المنتصر بالله بسر من رأى وهو على خلوة مع وزيره ~~فابتدره باغر التركي بسيف فقام وزيره الفتح بن خاقان في وجه ووجوه القوم ~~فاعتوره القوم بسيوفهم فقتلوهما معا وقطعوهما حتى اختلطت لحومهما فدفنا معا ~~على ما قيل وكان السبب في قتله على ما حكي انه قدم المعتز على المنتصر ~~وامنتصر أسن منه وكان يتوعده ويسبه ويسب أمه ويأمر الذين يحضرون مجلسه من ~~أهل السخف بسبه فسعى في قتله ووجد الفرصة في تلك الليلة وكان من الاتفاق ~~العجيب أن المتوكل كان قد أهدي له سيف قاطع لا يكون مثله فعرض على جميع ~~حاشيته وكل يتمناه فقال المتوكل لا يصلح هذا السيف إلا لساعد باغر ووهبه له ~~دون غيره فاتفق أنه أول داخل عليه فضربه به فقطع حبل عاتقه وكان ما ذكرنا ~~من أمره وحكى علي بن يحيى بن المنجم قال كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله ~~PageV01P350 # بأيام كتب الملاحم فوقف على موضع فيه أن الخليفة ~~العاشر يقتل في مجلسه فتوقفت عن قراءتهفقال مالك فقلت خير قال لا بد أن ~~تقرأه فقرأته وحدت عن ذكر الخلفاء فقال ليت شعري من هذا الشقي المقتول وكان ~~مربوعا أسمر خفيف شعر العارضين رفع المحنة في الدين وأخرج أحمد بن حنبل كما ~~ذكرنا من الحبس وخلع عليه وكان بالدينور شيخ يتشيع ويميل إلى مذهب أهل ~~الإمامة وكان له أصحاب يجتمعون إليه يوأخذون عنه ويدرسون عنده يقال له بشر ~~الجعاب فرفع صاحب الخبر بالدينور رلى المتوكل أن بالدينور رجلا رافضيا ~~يحضره جماعة من الرافضة ويتدارسون الرفض ويسبون الصحابة ويشتمون السلف فلما ~~وقف المتوكل على كتابه أمر وزيره عبيد الله بن يحيى بالكتاب إلى عامله على ~~الدينور بإشخاص بشر هذا والفرقة التي تجالسه ms0220 فكتب عبيد الله بن يحيى بذلك ~~فلما وصل إلى العامل كتابه وكان صديقا لبشر الجعاب حسن المصافاة له شديد ~~الإشفاق عليه همة ذلك وشق عليه فاستدعى بشرا وأقرأه ما كوتب به في أمره ~~وأمر أصحابه فقال له بشر عندي في هذا رأي إن استعملته كنت غير مستبطإ فيما ~~أمرت به وكنت بمنجاة مما أنت خائف علي منه قال وما هو قال بالدينور شيخ ~~خفاف اسمه بشر ومن الممكن المتيسر أن تجعل مكان الجعاب الخفاف وليس بمحفوظ ~~عنده ما نسبت إليه من الحرفة والصناعة فسر العامل بقوله وعمد إلى العين من ~~الجعاب فغير عينها وغير استواء خطها وانبساطه ووصل الباء بما صارت به فاء ~~فكان أخبره عن بشر الخفاف أنه أبله في غاية البله والغفلة وأنه هزأة عند ~~أهل بلده وضحكه وذلك أن أهل سواد البلد يأخذون منه الخفاف التامة والمقطوعة ~~بنسيئة ويعدونه بأثمانها عند حصول الغلة فإذا حصلت وحازوا ما لهم منها ما ~~طلوه بدينه ولووه بحقه واعتلوا بأنواع الباطل عليه فإذا انقضى وقت السادر ~~ودنا الشتاء واحتاجوا إلى الخفاف وما جرى مجراها وافوا بشرا هذا واعتذروا ~~إليه وخدعوه وابتدروا يعدونه الوفاء ويؤكدون مواعيدهم بالأيمان الكاذبة ~~والمعاهدة الباطلة ويضمنون له أداء الديون الماضية والمستأنفة فيحسن ظنه ~~بهم وسكونه ويستسلم إليهم ويستأنف PageV01P351 # إعطاءهم من الخفاف وغيرها ما يري دونه فإذا حضرت الغلة ~~أجروه على العادة وحملوه على ما تقدم من السنة ثم لا يزالون على هذه ~~الوتيرة من أخذ سلعه في وقت حاجتهم ودفعه عن حقه في إبان غلاتهم فلا يتنبه ~~من رقدته ولا يفيق من سكرته فأنفذ صاحب الخبر كتابه وأشار بتقدم الخفاف ~~أمام القوم والإقبال عليه بالمخاطبة وتخصيصه بالمسألة ساكنا إلى أنه من ~~ركاكته وفهاهته بما يضحك الحاضرين ويحسم الاشتغال بالبحث عن هذه القصة ~~ويتخلص من هذه الثلاثة فلما ورد كتاب صاحب الخبر أعلم عبيد الله بن يحيى ~~المتوكل به وبحضور القوم فأمر أن يجلس ويستحضرهم ويخاطبهم فيما حكي عنهم ~~وأمر فعلق بينه وبينهم سلبية ليقف على ما يجري ms0221 ويسمعه ويشاهده ففعل ذلك ~~وجلس عبيد الله واستدعى المحضرين فقدموا إليه يقدمهم بشر الخفاف فلما جلسوا ~~أقبل عبيد الله على بشر فقال له أنت بشر الخفاف فقال نعم فسكنت نفوس ~~الحاضرين معه إلى تمام هذه الحيلة وإتمام هذه المدالسة وجواز هذه المغالطة ~~فقال له إنه رفع إلى أمير المؤمنين من أمركم شيء أنكره فأمر بالكشف عنه ~~وسؤالكم بعد إحضاركم عن حقيقته فقال له بشر نحن حاضرون فما الذي تأمرنا به ~~قال بلغ أمير المؤمنين أنه يجتمع إليك قوم فيخوضون معك في الترفض وشتم ~~الصحابة فقال بشر ما أعرف من هذا شيئا قال قد أمرت بامتحانكم والفحص عن ~~مذاهبكم فقال ما تقول في السلف فقال لعن الله السلف فقال له عبيد الله ويلك ~~أتدري ما تقول قال نعم لعن الله السلف فخرج خادم من بين يدي المتوكل فقال ~~لعبيد الله يقول لك أمير المؤمنين سله الثالثة فإن أقام على هذا فاضرب عنقه ~~فقال له إني سائلك هذه المرة فإن لم تتب وترجع عما قلت أمرت بقتلك فما تقول ~~الآن في السلف فقال لعن الله السلف قد خرب بيتي وأبطل معيشتي وأتلف مالي ~~وأفقرني وأهلك عيالي قال وكيف قال أنا رجل أسلف الأكرة وأهل الدستان الخفاف ~~والتمسكات على أن يوفوني الثمن مما يحصل من غلاتهم فأصير إليهم عند حصول ~~الغلة في بيادرهم فإذا أحرزوا الغلات دفعوني عن حقي وامتنعوا من توفيتي ~~ماالي ثم يعودون عند دخول الشتاء فيعتذرون إلي ويحلفون بالله لا يعاودون ~~PageV01P352 # مطلي وظلمي فإنهم يؤدون إلي المتقدم والمتأخر من مالي ~~فأجيبهم إلى ما يلتمسونه وأعطيهم ما يطلبونه فإذا جاء وقت الغلة عادوا إلى ~~مثل ما كانوا عليه من ظلمي وكسر مالي فقد اختلت حالي وافتقرت عيالي قال ~~فسمع ضحك عال من وراء السبيبة وخرج الخادم فقال استحلل هؤلاء القوم وخل ~~سبيلهم فقالوا يا أمير المؤمنين في حل وسعة فصرفهم فلما توسطوا صحن الدار ~~قال بعض الحاضرين هؤلاء قوم مجان محتالون وصاحب الخبر مسقط لا يكتب إلا بما ~~يعلمه ويثق بصحته ms0222 وينبغي أن يستقصي الفحص عن هذا والنظر فيه فأمر بردهم ~~فلما أمروا بالرجوع قال بعض الجماعة التابعة لبعض ليس هذا من ذلك الذي تقدم ~~فينبغي أن نتولى الكلام نحن ونسلك طريق الجد والديانة فرجعوا فأمروا ~~بالجلوس ثم أقبل عبيد الله على القوم فقال إن الذي كتب في أمركم ليس ممن ~~تقدم على الكتب بما لا يقبله علما ويحيط به خبرا وقد أخذ أمير المؤمنين ~~باستئناف امتحانكم وانعام التفتيش عن أمركم فقالوا افعل ما أمرت به فقال من ~~خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا علي بن أبي طالب فقال ~~الخادم بين يديه قد سمعت ما قالوا فأخبر أمير المؤمنين به فمضى ثم عاد فقال ~~يقول لكم أمير المؤمنين هذا مذهبي فقلنا الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين ~~في دينه ووفقنا لاتباعه وموافقته على مذهبه ثم قال لهم ما تقولون في أبي ~~بكر رضي الله عنه فقالوا رحمة الله على أبي بكر نقول فيه خيرا قال فما ~~تقولون في عمر قلنا رحمة الله عليه ولا نحبه قال ولم قلنا لأنه أخرج مولانا ~~العباس من الشورى قال فسمعنا من وراء السبيبة ضحكا أعلى من الضحك الأول ثم ~~أتى الخادم فقال لعبيد الله عن المتوكل أتبعهم صلة فقد لزمتهم في طريقهم ~~مؤونة واصرفهم فقالوا نحن في غنى وفي المسلمين من هو أحق بهذه الصلة وإليها ~~أحوج وانصرفوا وذكر أبو عبد الله حمدون قال قال لي الحسين بن الضحاك ضربني ~~الرشيد في خلافته لصحبتي إ ياه ثم ضربني الأمين لمماثلتي ابنه عبد الله ثم ~~ضربني المأمون لميلي إلى محمد ثم ضربني المعتصم لمودة كانت بيني وبين ~~العباس بن المأمون ثم ضربني الواثق لشيء بلغه من ذهابي إلى المتوكل وكل ذلك ~~يجري مجرى الولع PageV01P353 # والتحذير لي ثم أحضرني المتوكل وأمر شفيعا أن يولع بي ~~فتغاضب المتوكل علي فقلت يا أمير المؤمنين إن كنت تضربني كما ضربني آبؤك ~~فاعلم أن آخر ضرب ضربته كان بسببك فضحك وقال بل أصونك وأكرمك وقال المتوكل ~~يوما ms0223 لمن حضره ما أرى أحسن من وصيف الصغير يعني خادمه فجعل كل يصفه غير بغا ~~الكبير فقال يا بغا ما سكوتك اما تحب وصيفا قال لا قال ولم قال لأني أحب من ~~يحبك ولا أحب من يحبه ودخل أبو العيناء على المتوكل فقال له بلغني عنك بذاء ~~قال إن يكن البذاء صفة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فقد مدح الله وذم ~~قال * (نعم العبد إنه أواب) * وقال عز وجل * (هماز مشاء بنميم مناع للخير ~~معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم) * فذمه حتى قذفه وأما أن أكون كالعقرب التي ~~تلسع النبي والذمي بطبع لا يميز فقد أعاذ الله عبدك من ذلك وقد قال الشاعر ~~(إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقا * ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما) (ففيم ~~عرفت الشر والخير باسمه * وشق لي الله المسامع والفما) ولما أسلم نجاح بن ~~سلمة إلى موسى بن عبد الملك الأصبهاني ليؤدي ما عليه من الأموال عاقبة فتلف ~~في مطالبته فحضر يوما عند المتوكل فقال له ما عندك من خبر نجاح بن سلمة قال ~~ما قال الله * (فوكزه موسى فقضى عليه) * فاتصل ذلك بموسى فلقي الوزير عبيد ~~الله بن يحيى بن خاقان فقال أيها الوزير أردت قتلي فلم تجد لذلك سبيلا إلا ~~بإدخال أبي العيناء إلى أمير المؤمنين وعداوته لي فعاتب عبيد الله أبا ~~العيناء في ذلك فقال والله ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سيرته لك فأمسك ~~عنه ثم دخل بعد ذلك أبو العيناء على المتوكل فقال كيف كنت بعدي فقال في ~~أحوال مختلفة خيرها رؤيتك وشرها غيبتك فقال قد والله اشتقتك قال إنما يشتاق ~~العبد لأنه يتعذر عليه لقاء مولاه وأما السيد فمتى أراد عبده دعاه فقال له ~~المتوكل من أسخى من رأيت قال PageV01P354 # ابن أبي داود قال المتوكل تأتي إلى رجل قد رفضته ~~فتنسبه إلى السخاء قال إن الصدق يا أمير المؤمنين على موضع من المواضع أنفق ~~منه على مجلسك وإن الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود لأن سخاء البرامكة ~~منسوب إلى الرشيد وسخاء ms0224 الفضل والحسن بن سهل منسوب إلى المأمون وجود ابن ~~أبي دواد منسوب إلى المعتصم وإذا نسب الفتح وعبيد الله إلى السخاء فذاك ~~سخاؤك يا أمير المؤمنين قال صدقت فمن أبخل من رأيت قال موسى بن عبد الملك ~~قال وما رأيت من بخله قال رأيته يحرم القريب كماا يحرم الغريب ويعتذر من ~~الإحسان كما يعتذر من الإساءة فقال له قد وقعت فيه عندي وقعتين وما أحب ذلك ~~فالقه واعتذر إليه ولا يعلم أني وجهت بك قال يا أمير المؤمنين من يسكته ~~بحضرة ألف قال لن تخاف على الاحتراس من الخوف فسار إلى موسى واعتذر كل واحد ~~منهما إلى صاحبه وافترقا إلى صلح فلقيه بالجعفري فقال يا أبا عبد الله قد ~~اصطلحنا فما لك لا تأتينا قال * (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس) * ~~ما أرانا إلا كما كنا أولا وكان المتوكل قد غضب على عبادة ونفاه إلى الموصل ~~وكان عبادة من أطيب الناس وأخفهم روحا وأحضرهم نادرة وكان أبوه من طباخي ~~المأمون وكان معه فخرج حاذقا بالطبيخ ثم مات أبوه ونحب حكى أبو حازم الفقيه ~~وقد جرى ذكر عبادة قال ما كان أطرفه قيل وكيف قال لما حصل بالموصل تبعه ~~غرماؤه وطلبوه وقدموه إلى علي بن إبراهيم العمري وهو قاضي الموصل فحلف ~~لواحد ثم لآخر ثم لآخر فقال له علي بن إبراهيم ويحك ترى هؤلاء كلهم قد ~~اجتمعوا على ظلمك فاتق الله وارجع إلى نفسك فإن كانت عسرة بإزائها نظرة ~~فقال صدقت فديتك ليس كلهم ادعى الكذب ولا كلهم ادعى الصدق ولكني دفعت بالله ~~ما لا أطيق وقيل له وقد مات زوج أخته ما ورثت أختك من زوجها قال أربعة أشهر ~~وعشرا وحكى علي بن الجهم قال لما أفضت الخلافة إلى المتوكل أهدى إليه ابن ~~طاهر PageV01P355 # من خراسان هدية جليلة فيها جوار فيهن جارية يقال لها ~~محبوبة قد نشأت بالطائف وبرعت في الأدب وأجادت قول الشعر وحذقت الغناء ~~وقربت من قلب المتوكل وغلبت عليه فكانت لا تفارق مجلسه فوجد عليها مرة ms0225 ~~فهجرها أياما وبكرت عليه فقال يا علي قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال رأيت ~~الليلة في منامي كأني رضيت عن محبوبة وصالحتها وصالحتني قلت خيرا يا أمير ~~المؤمنين أقر الله عينك وسرك إنما هي عبدتك والرضى والسخط بيدك فوالله أنا ~~لفي ذلك إذ جاءت وصيفة فقالت يا أمير المؤمنين سمعت صوت عود من حجرة محبوبة ~~فقال قم بنا يا علي ننظر ما تصنع فنهضنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب ~~العود وتغني (أدور في القصر لا أرى أحدا * أشكو إليه ولاا يكلمني) (كأنني ~~قد أتيت معصية * ليس لها توبة تخلصني) (فهل شفيع لنا إلى ملك * قد زارني في ~~الكرى وصالحني) (حتى إذا ما الصباح لاح لنا * عاد إلى هجره فصارمني) قال ~~فصاح أمير المؤمنين وصحت معه فسمعت فتلقته وأكبت على قدميه تقبلهما فقال ما ~~هذا قالت يا مولاي رأيت في ليلتي كأنك رضيت عني فتعللت بما سمعت قال وأنا ~~والله رأيت مثل ذلك فقال لي يا علي رأيت أعجب من هذا كيف اتفق ورجعنا إلى ~~الموضع الذي كنا فيه ودعا بالجلساء والمغنين واصطبح وما زالت تغنيه الأبيات ~~يومه ذلك قال وزادت حظوة عنده حتى كان من أمره ما كان فتفرق جواريه وصارت ~~محبوبة إلى وصيف الكبير فما زالت حزينة باكية فدعاها يوما وأمرها أن تغني ~~فاستعفته وجئ بعود فوضع في حجرها فغنت (أي عيش يلذ لي * لا أرى فيه جعفرا) ~~(كل من كان في ضني * وسقام فقد برا) (غير محبوبة التي * لو ترى الموت ~~يشتري) (لاشترته بما حوته * يداها لتقبرا) ولبست السواد والصوف وما زالت ~~تبكيه وترثيه حتى ماتت رحمها الله تعالى PageV01P356 # 135 ابن السراج أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن ~~أحمد بن جعفر السراج المعروف بالقاري البغدادي كان حافظ عصره وعلامة زمانه ~~وله التصانيف العجيبة منها كتاب مصارع العشاق وغيره حدث عن أبي علي بن ~~شاذان وأبي القاسم ابن شاهين والخلال والبرمكي والقزويني وابن غيلان وغيرهم ~~وأخذ عنه خلق كثير وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه ms0226 الله تعالى وكان ~~يفتخر بروايته مع أنه لقي أعيان ذلك الزمان وأخذ عنهم وله شعر حسن فمنه ~~(بان الخليط فأدمعي * وجدا عليهم تستهل) (وحدابهم حادي الفراق * عن المنازل ~~فاستقلوا) (قل للذين ترحلوا * عن ناظري والقلب حلوا) (ودمي بلا جرم أتيت * ~~غداة بينهم استحلوا) (ما ضرهم لو أنهلوا * من ماء وصلهم وعلوا) ومن شعره ~~أيضا رحمه الله تعالى (وعدت بأن تزوري كل شهر * فزوري قد تقضي الشهر زوري) ~~PageV01P357 # (وشقة بيننا نهر المعلى * إلى البلد المسمى شهرزور) ~~(وأشهر هجرك المحترم حق * وكلن شهر وصلك شهر زور) وأورد له العماد الكاتب ~~الأصبهاني في كتاب الخريدة (ومدع شرخ شباب وقد * عممه الشيب على وفرته) ~~(يخضب بالوشمة عثنونه * يكفيه أن يكذب في لحيته) وله غير ذلك نظم جيد وكانت ~~ولادته إما في أواخر سنة سبع عشرة وأربعمائة أو أوائل سنة ثماني عشرة ~~وأربعمائة وذكر الشريف أبو المعمر المبارك بن أحمد بن عبد العزيز الأنصاري ~~في كتاب وفيات الشيوخ أن مولده سنة ست عشرة ببغداد وتوفي بها ليلة الأحد ~~الحادي والعشرين من صفر سنة خمسمائة ودفن بباب أبرز 136 أبو معشر المنجم ~~أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي المنجم المشهور كان إمام وقته في فنه ~~وله التصانيف المفيدة في علم النجامة منها المدخل والزيج والألوف وغير ذلك ~~وكانت له إصابات عجيبة رأيت في بعض المجاميع أنه كان متصلا بخدمة بعض ~~الملوك وأن ذلك الملك طلب رجلا من أتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة ~~صدرت منه PageV01P358 # فاستخفى وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطرائق التي ~~يستخرج بها الخبايا والأشياء الكامنة فأراد أن يعمل شيئا لا يهتدي إليه ~~ويبعد عنه حسه فأخذ طستا وجعل فيه دما وجعل في الدم هاون ذهب وقعد على ~~الهاون أياما وتطلب الملك ذلك الرجل وبالغ في التطلب فلما عجز عنه أحضر أبا ~~معشر وقال له تعرفني موضعه بما جرت عادتك به فعمل المسألة التي يستخرج بها ~~الخبايا وسكت زمانا حائرا فقال له الملك ما سبب سكوتك وحيرتك قال أرى شيئا ~~عجيبا ms0227 فقال وما هو قال أرى الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من ~~دم ولا أعلم في العالم موضعا من البلاد علي هذه الصفة فقال له أعد نظرك ~~وغير المسألة وجدد أخذ الطالع ففعل ثم قال ما أراه إلا كما ذكرت وهذا شيء ~~ما وقع لي مثله فلما أيس الملك من القدرة عليه بهذا الطريق أيضا نادى في ~~البلد بالأمان للرجل ولمن أخفاه وأظهر من ذلك ما وثق به فلما اطمأن الرجل ~~ظهر وحضر بين يدي الملك فسأله عن الموضع الذي كان فيه فأخبره بما اعتمده ~~فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه ولطافة أبي معشر في استخراجه وله غير ذلك ~~من الإصابات وكانت وفاته في سنة اثنتين وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى ~~والبلخي بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبعدها خاء معجمة هذه النسبة إلى ~~بلخ وهي مدينة عظيمة من بلاد خراسان فتحها الأحنف بن قيس التميمي في خلافة ~~عثمان رضي الله عنه وهذا الأحنف هو الذي يضرب به المثل في الحلم وسيأتي ~~ذكره في حرف الضاد إن شاء الله تعالى PageV01P359 # 137 جعفر الأندلسي ممدوح ابن هانئ أبو علي جعفر بن علي ~~بن أحمد بن حمدان الأندلسي صاحب المسيلة وأمير الزاب من أعمال إفريقية كان ~~سمحا كثير العطاء مؤثرا لأهل العلم ولأبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي فيه ~~من المدائح الفائقة ما يجاوز حسنها حد الوصف وهو القائل فيه (المدنفان من ~~البرية كلها * جسمي وطرف بابلي أحور) (والمشرقات النيرات ثلاثة * الشمس ~~والقمر المنير وجعفر) وأما القصائد الطوال فلا حاجة إلى ذكر شيء منها وكان ~~أبوه علي قد بنى المسيلة وهي معروفة بهم إلى الآن وكان بينه وبين زيري بن ~~مناد جد المعز بن باديس إحن ومشاجرات أفضت إلى القتال فتواقعا وجرت بينهما ~~معركة عظيمة فقتل زيري فيها ثم قام ولده بلكين المقدم ذكره في حرف الباء ~~مقام إبيه واستظهر على جعفر المذكور فعلم أنه ليس له به طاقة فترك بلاده ~~ومملكته وهرب إلى الأندلس فقتل بها في سنة أربع ms0228 وستين وثلاثمائة رحمه الله ~~تعالى وشرح حديثه يطول وهذا القدر خلاصته والمسيلة بفتح الميم وكسر السين ~~المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام مفتوحة ثم هاء ساكنة وهي ~~مدينة من أعمال الزاب والزاب بفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة كورة ~~بإفريقية وقد تقدم ذكر إفريقية PageV01P360 # 138 ابن فلاح الكتامي أبو علي جعفر بن فلاح الكتامي ~~كان أحد قواد المعز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي صاحب إفريقية وجهزه مع ~~القائد جوهر الآتي ذكره لما توجه لفتح الديار المصرية فلما أخذ مصر بعثه ~~جوهر إلى الشام فغلب على الرملة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ثم ~~غلب على دمشق فملكها في المحرم سنة تسع وخمسين بعد أن قاتل أهلها ثم أقام ~~بها إلى سنة ستين ونزل إلى الدكة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق فقصده الحسن بن ~~أحمد القرمطي المعروف بالأعصم فخرج إليه جعفر المذكور وهو عليل فظفر به ~~القرمطي فقتله وقتل من أصحابه خلقا كثيرا وذلك في يوم الخميس لست خلون من ~~ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وقال بعضهم قرأت على باب قصر ~~القائد جعفر بن فلاح المذكور بعد قتله مكتوبا (يا منزلا عبث الزمان بأهله * ~~فأبادهم بتفرق لا يجمع) (أين الذين عهدتهم بك مرة * كان الزمان بهم يضر ~~وينفع) وكان جعفر المذكور رئيسا جليل القدر ممدوحا وفيه يقول أبو القاسم ~~محمد بن هانئ الأندلسي الشاعر المشهور (كانت مساءلة الركبان تخبرني * عن ~~جعفر بن فلاح أطيب الخبر) PageV01P361 # (حتى التقينا فلا والله ما سمعت * أذني بأحسن مما قد ~~رأى بصري) والناس يروون هذين البيتين لأبي تمام في القاضي أحمد بن أبي دواد ~~وهو غلط لأن البيتين ليسا لأبي تمام وهم يروونهما عن أحمد بن داود وهو ليس ~~بابن دواد بل ابن أبي دواد ولو قال ذلك لما استقام الوزن 139 ابن شمس ~~الخلافة أبو الفضل جعفر بن شمس الخلافة أبي عبد الله محمد بن شمس الخلافة ~~مختار الأفضلي الملقب مجد الملك الشاعر المشهور كان فاضلا حسن الخط ms0229 وكتب ~~كثيرا وخطه مرغوب فيه لحسنه وضبطه وله تواليف جمع فيها أشياء لطيفة دلت على ~~جودة اختياره وله ديوان شعر أجاد فيه نقلت من خطه لنفسه (هي شدة يأتي ~~الرخاء عقيبها * وأسى يبشر بالسرور العاجل) (وإذا نظرت فإن بؤسا زائلا * ~~للمرء خير من نعيم زائل) وله أيضا في الوزير ابن شكر وهو الصفي أبو محمد ~~عبد الله بن علي عرف بابن شكر وزير الملك العادل وولده الملك الكامل رحمهما ~~الله تعالى (مدحتك ألسنة الأنام مخافة * وتشاهدت لك بالثناء الأحسن) (أترى ~~الزمان مؤخرا في مدتي * حتى أعيش إلى انطلاق الألسن) هكذا أنشدنيهما بعض ~~الأدباء المصريين ثم وجدتهما في مجموع عتيق ولم يسم PageV01P362 # قائلهما وطريقته في الشعر حسنة وله أيضا (أعط وإن فاتك ~~الثراء ودع * سبيل من ضن وهو مقتدر) (فكم غني بالناس عنه غنى * وكم فقير ~~إليه يفتقر) وله أيضا (كفي وعرضي إذا ما * سألت عن أخباري) (هذا من الكاس ~~كأس * وذا من العار عاري) وكانت ولادته في المحرم سنة ثلاث وأربعين ~~وخمسمائة وتوفي في الثاني عشر من المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموضع ~~المعروف بالكوم الأحمر ظاهر مصر رحمه الله تعالى والأفضلي بفتح الهمزة ~~وسكون الفاء وفتح الضاد المعجمة وبعدها لام هذه النسبة إلى الأفضل أمير ~~الجيوش بمصر وتوفي والده في ذي الحجة سنة تسع وستين وخمسمائة ومولده سنة ~~عشرين وخمسمائة 140 جعبر القشيري الأمير جعبر بن سابق القشيري الملقب سابق ~~الدين الذي تنسب إليه قلعة جعبر لم أقف على شيء من أحواله سوى أنه كان قد ~~أسن وعمي وكان له ولدان يقطعان الطريق ويخيفان السبيل ولم يزل على ذلك ~~والقلعة بيده حتى PageV01P363 # أخذها منه السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي ~~الآتي ذكره ثم قتل بعد ذلك في أوائل سنة أربع ن وستين وأربعمائة رحمه الله ~~تعالى هكذا وجدته في بعض التواريخ وفي نفسي منه شيء فإن السلطان ملك شاه ما ~~ملك إلا بعد قتل أبيه ألب أرسلان وأبوه قتل في سنة خمس وستين وأربعمائة كما ~~سيأتي في موضعه ms0230 إن شاء الله تعالى إلا إن كان قد تغلب على القلعة في حياة ~~أبيه وهو نائبه أو يكون تاريخ وفاة جعبر غلطا وقد نبهت عليه لئلا يتوهم من ~~يقف عليه أن الغلط كان مني أو أنه مر بي ولم أتنبه له فاعلم ذلك ثم إني بعد ~~هذا حققت هذا الأمر فوجدته أن ملك شاه السلجوقي لما توجه إلى حلب ليأخذها ~~اجتاز بهذه القلعة وقتل جعبرا المذكور لما بلغه عنه من الفساد وأخذ القلعة ~~منه وسار إلى حلب وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ويقال لهذه القلعة ~~الدوسرية وهي منسوبة إلى دوسر غلام النعمان بن المنذر ملك الحيرة وكان قد ~~تركه على أفواه الشام فبنى هذه القلعة فنسبت إليه والجعبر في اللغة القصير ~~الغليظ وهو بفتح الجيم وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة مفتوحة ثم راء ~~141 نصير الدين جقر أبو سعيد جقر بن يعقوب الهمذاني الملقب نصير الدين كان ~~نائب عماد الدين زنكي صاحب الجزيرة الفراتية والموصل والشام استنابه عنه ~~بالموصل وكان جبارا عسوفا سفاكا للدماء مستحلا للأموال قيل إنه لما أحكم ~~عمارة سور الموصل أعجبه إحكامه فناداه مجنون نداء عاقل هل تقدر أن تعمل ~~سورا يسد طريق PageV01P364 # القضاء النازل وفي ولايته قصد الإمام المسترشد حصار ~~الموصل فنازلها وضايقها مدة وكان جقر المذكور قد حصنها وحفر خنادقها فقاتل ~~الخليفة ورجع عنها ولم ينل منها مقصوده وذلك في شهر رمضان سنة سبع وعشرين ~~وخمسمائة وكان بالموصل فروخ شاه ابن السلطان محمود السلجوقي المعروف ~~بالخفاجي وذكر ابن الأثير في تاريخ دولة بني أتابك أن الخفاجي صاحب هذه ~~الواقعة هو ألب أرسلان بن محمود بن محمد لتربية عماد الدين زنكي أتابك ~~ولذلك سمي أتابك فإنه اللالا الذي يربي أولاد الملوك فالأتا بالتركية هو ~~الأب وبك هو الأمير فأتابك مركب من هذين المعنيين وكان جقر يعارضه ويعانده ~~في مقاصده فلما توجه عماد الدين زنكي لمحاصرة قلعة البيرة قرر الخفاجي مع ~~جماعة من أتباعه أن يقتلوا جقر فحضر يوما إلى باب الدار للسلام فنهضوا إليه ms0231 ~~فقتلوه وذلك في الثامن وقيل يوم الخميس التاسع من ذي القعدة سنة تسع ~~وثلاثين وخمسمائة وولي عماد الدين زنكي موضع جقر زين الدين علي بن بكتكين ~~والد مظفر الدين صاحب إربل فأحسن السيرة وعدل في الرعية وكان رجلا صالحا ~~رحمه الله تعالى ولما عاد زنكي إلى الموصل استصفى أموال جقر واستخرج ذخائره ~~وصادر أهله وأقاربه وكان جقر قد ولى بالموصل رجلا ظالما يسمى بالقزويني ~~فسار سيرة قبيحة وكثر شكوى الناس منه فعزله وجعل مكانه عمر بن شكلة فأساء ~~في السيرة أيضا فعمل في ذلك أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن شقاقا ~~الموصلي المتوفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة (يا نصير الدين ياجقر * ألف ~~قزويني ولا عمر) PageV01P365 # (لو رماه الله في سقر * لاشتكت من ظلمه سقر) وجقر بفتح ~~الجيم والقاف وبعدهما راء وهو اسم أعجمي وأظنه كان مموكا 142 جميل بثينة ~~أبو عمرو جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح بضم الصاد المهملة ابن ظبيان بن ~~حن بضم الحاء المهملة وتشديد النون ابن ربيعة بن حرام بن ضبة ابن عبد بن ~~كثير بن عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم ابن الحاف بن ~~قضاعة الشاعر المشهور صاحب بثينة أحد عشاق العرب عشقها وهو غلام فلما كبر ~~خطبها فرد عنها فقال الشعر فيها وكان يأتيها سرا ومنزلهما وادي القرى ~~وديوان شعره مشهور فلا حاجة إلى ذكر شيء منه ذكره الحافظ ابن عساكر في ~~تاريخ دمشق وقال قيل له لو قرأت القرآن كان أعود عليك من الشعر فقال هذا ~~أنس بن مالك رضي الله عنه أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~من الشعر لحكمة وجميل وبثينة كلاهما من بني عذرة وكانت بثينة تكنى أم عبد ~~الملك والجمال والعشق في بني عذرة كثير قيل لأعرابي من العذريين ما بال ~~قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث كما ينماث الملح في الماء أما تتجلدون فقال ~~إنا ننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها وقيل ms0232 لآخر ممن أنت فقال أنا من ~~قوم إذا أحبوا ماتوا فقالت جارية سمعته هذا عذري ورب الكعبة وذكر صاحب ~~الأغاني أن كثير عزة كان راوية جميل وجميل كان PageV01P366 # رواية هدبة بن خشرم وهدبة راوية الحطيئة والحطيئة ~~راوية زهير بن أبي سلمى وابنه كعب بن زهير ومن شعر جميل من جملة أبيات ~~(وخبرتماني أن تيماء منزل * لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا) (فهذي شهور ~~الصيف عنا قد انقضت * فما للنوى ترمي بليلى المراميا) ومن الناس من يدخل ~~هذه الأبيات في قصيدة مجنون ليلى وليست له وتيماه خاصة منزل لبني عذرة وفي ~~هذه القصيدة يقول جميل (وما زلتم يا بثن حتى لو انني * من الشوق أستبكي ~~الحمام بكى ليا) (وما زادني الواشون إلا صبابة * ولا كثرة الناهين إلا ~~تماديا) (وما أحدث النأي المفرق بيننا * سلوا ولا طول الليالي تقاليا) (ألم ~~تعلمي يا عذبة الريق أنني * أظل إذا لم ألق وجهك صاديا) (لقد خفت أن ألقى ~~المنية بغته * وفي النفس حاجات إليك كما هيا) وكان كثير عزة يقول جميل ~~والله أشعر العرب حيث يقول (وخبرتماني أن تيماء منزل * لليلى إذا ما الصيف ~~ألقى المراسيا) ومن شعره (إني لأحفظ سركم ويسرني * لو تعلمين بصالح أن ~~تذكري) (ويكون يوم لا أرى لك مرسلا * أو نلتقي فيه علي كأشهر) (يا ليتني ~~ألقى المنية بغتة * إن كان يوم لقائكم لم يقدر) ومنها (يهواك ما عشت الفؤاد ~~وإن أمت * يتبع صداي صداك بين الأقبر) ومنها (إني إليك بما وعدت لناظر * ~~نظر الفقير إلى الغني المكثر) PageV01P367 # (يقضي الديون وليس ينجز موعدا * هذا الغريم لنا وليس ~~بمعسر) (ما أنت والوعد الذي تعدينني * إلا كبرق سحابة لم تمطر) ومن شعره من ~~جملة قصيدة (إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي * من الوجد قالت ثابت ويزيد) ~~(وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به * بثينة قالت ذاك منك بعيد) ومن شعره أيضا ~~(وإني لأرضي من بثينة بالذي * لو استيقن الواشي لقرت بلابله) (بلا وبألا ~~أستطيع وبالمنى * وبالأمل المرجو قد خاب آمله) (وبالنظرة العجلي ms0233 وبالحول ~~تنقضي * أواخره لا نلتقي وأوائله) وله أيضا (وإني لأستحيي من الناس أن أرى ~~* رديفا لوصل أو علي رديف) (وأشرب رنقا منك بعد مودة * وأرضى بوصل منك وهو ~~ضعيف) (وإني للماء المخالط للقذى * إذا كثرت وراده لعيوف) وله من أبيات ~~أيضا (بعيد على من ليس يطلب حاجة * وأما على ذي حاجة فقريب) (بثينة قالت يا ~~جميل أربتني * فقلت كلانا يا بثين مريب) (وأريبنا من لا يؤدي أمانة * ولا ~~يحفظ الأسرار حين يغيب) وقال كثير عزة لقيني مرة جميل بثينة فقال من أين ~~أقبلت فقلت من عند أبي الحبيبة يعني بثينة فقال وإلى أين تمضي قلت إلى ~~الحبيبة يعني عزة فقال لا بد أن ترجع عودك على بدئك فتتخذ لي موعدا من ~~بثينة فقلت عهدي بها الساعة وأنا أستحيي أن أرجع فقال لا بد من ذلك فقلت ~~متى عهدك ببثينة فقال من أول الصيف وقعت سحابة بأسفل وادي الدوم فخرجت ~~ومعها جارية لها تغسل ثيابا فلما أبصرتني PageV01P368 # أنكرتني فضربت يدها إلى الثوب في الماء فالتحفت به ~~وعرفتني الجارية فأعادت الثوب إلى الماء وتحدثنا ساعة حتى غابت الشمس ~~فسألتها الموعد فقالت أهلي سائرون ولا لقيتها بعد ذلك ولا وجدت أحدا آمنه ~~فأرسله إليها فقال له كثير فهل لك أن آتي الحي فأتعرض بأبيات شعر أذكر فيها ~~هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها قال وذلك الصواب فخرج كثير حتى أناخ ~~بهم فقال له أبوها ما ردك يا ابن أخي قال قلت أبياتا عرضت فأحببت أن أعرضها ~~عليك قال هاتها فأنشدته وبثينة تسمع (فقلت لها يا عز أرسل صاحبي * إليك ~~رسولا والرسول موكل) (بأن تجعلي بيني وبينك موعدا * وأن تأمريني بالذي فيه ~~أفعل) (وآخر عهدي منك يوم لقيتني * بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل) قال ~~فضربت بثينة جانب خدرها وقالت اخسأ اخسأ فقال لها أبوها مهيم يا بثينة ~~فقالت كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية ثم قالت للجارية ابغينا من ~~الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونشويها له فقال كثير أنا أعجل ms0234 من ذلك وراح ~~إلى جميل فأخبره فقال جميل الموعد الدومات وخرجت بثينة وصواحبها إلى ~~الدومات وجاء جميل وكثير إليهن فما برحوا حتى برق الصبح فكان كثير يقول ما ~~رأيت مجلسا قط أحسن من ذلك المجلس ولا مثل علم أحدهما بضمير الآجر ما أدري ~~أيهما كان أفهم (36) وقال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في تاريخه ~~الكبير قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري أنشدني أبي هذه الأبيات لجميل ~~بن معمر قال وتروى لغيره أيضا وهي (ما زلت أبغي الحي أتبع فلهم * حتى دفعت ~~إلى ربيبة هودج) PageV01P369 # (فدنوت مختفيا ألم ببيتها * حتى ولجت إلى خفي المولج) ~~(فتناولت رأسي لتعرف مسه * بمخضب الأطراف غير مشنج) (قالت وعيش أخي ونعمة ~~والدي * لأنبهن القوم إن لم تخرج) (فخرجت خيفة قولها فتبسمت * فعلمت أن ~~يمينها لم تلجج) (فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج) ~~قال هارون بن عبد الله القاضي قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز ابن ~~مروان ممتدحا له فأذن له وسمع مدائحه وأحسن جائزته وسأله عن حبه بثينة فذكر ~~وجدا كثيرا فوعده في أمرها وأمره بالمقام وأمر له بمنزلة وما يصلحه فما ~~أقام إلا قليلا حتى مات هناك في سنة اثنتين وثمانين وذكر الزبير بن بكار عن ~~عباس بن سهل الساعدي قال بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال هل ~~لك في جميل فإنه يعتل نعوده فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه فنظر إلي وقال يا ~~ابن سهل ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ورلم يقتل النفس ولم يسرق ~~يشهد أن لا إله إلا الله قلت أظنه قد نجا وأرجو له الجنة فمن هذا الرجل قال ~~أنا قلت له والله ما أحسبك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة قال لا ~~نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة ~~وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة فما برحنا حتى مات ~~وقال محمد بن أحمد ms0235 بن جعفر الأهوازي مرض جميل بمصر مرضه الذي مات فيه رحمه ~~الله تعالى فدخل عليه العباس بن سهل الساعدي وذكر هذه الحكاية والله أعلم ~~بالصواب وذكر في الأغاني عن الأصمعي قال حدثني رجل شهد جميلا لما حضرته ~~الوفاة بمصر أنه دعا به فقال له هل لك أن أعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل ~~شيئا أعهده إليك قال فقلت اللهم نعم فقال إذا أنا مت PageV01P370 # فخذ حلتي هذه واعزلها جانبا وكل شيء سواها لك وارحل ~~إلى رهط بثينة فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها ثم البس حلتي هذه ~~واشققها ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم (صرخ النعي وما كنى ~~بجميل * وثوى بمصر ثواء غير قفول) (ولقد أجر البرد في وادي القرى * نشوان ~~بين مزارع ونخيل) (قومي بثينة فاندبي بعويل * وابكي خليلك دون كل خليل) قال ~~ففعلت ما أمرني به جميل فما استتممت الأبيات حتى برزت بثينة كأنها بدر قد ~~بدا في دجنة وهي تتثنى في مرطها حتى أتتني وقالت يا هذا والله إن كنت صادقا ~~لقد قتلتني وإن كنت كاذبا لقد فضحتني قلت والله ما أنا إلا صادق وأخرجت ~~حلته فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها واجتمع نساء الحي يبكين معها ~~ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيا عليها ساعة ثم قامت وهي تقول (وإن سلوي عن ~~جميل لساعة * من الدهر ما حانت ولا حان حينها) (سواء علينا يا جميل بن معمر ~~* إذا مت بأساء الحياة ولينها) وقد تقدم ذكر هذين البيتين في ترجمة الحافظ ~~أبي طاهر أحمد السلفي قال الرجل فما رأيت أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ ~~PageV01P371 # 143 جنادة الهروي أبو أسامة جنادة بن محمد اللغوي ~~الأزدي الهروي كان مكثرا من حفظ اللغة ونقلها عارفا بوحشيها ومستعملها لم ~~يكن في زمنه مثله في فنه وكان بينه وبين الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري ~~وأبي الحسن علي بن سليمان المقرئ النحوي الأنطاكي مؤانسة واتحاد كثير ~~وكانوا يجتمعون في دار العلم وتجري بينهم مذاكرات ومفاوضات في الآداب ms0236 ولم ~~يزل ذلك دأبهم حتى قتل الحاكم صاحب مصر أبا أسامة جنادة وأبا الحسن المقرئ ~~الأنطاكي المذكورين في يوم واحد وهو في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ~~رحمهما الله تعالى واستتر بسبب قتلهما الحافظ عبد الغني المذكور خوفا على ~~نفسه من مثل ذلك حكى ذلك الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخه ~~والهروي بفتح الها والراء وبعدها واو وياء هذه النسبة إلى هراة وهي من أعظم ~~مدن خراسان وجنادة بضم الجيم وفتح النون وبعد الألف دال مهملة مفتوحة ثم ~~هاء ساكنة PageV01P372 # 144 الجنيد الصوفي أبو القاسم الجنيد بن محمد بن ~~الجنيد الخزاز القواريري الزاهد المشهور أصله من نهاوند ومولده ومنشؤه ~~العراق وكان شيخ وقته وفريد عصره وكلامه في الحقيقة مشهور مدون وتفقه على ~~أبي ثور صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنهما وقيل بل كان فقيها علي مذهب ~~سفيان الثوري رضي الله عنه وصحب خاله السري السقطي والحارث المحاسبي ~~وغيرهما من جلة المشايخ رضي الله عنهم وصحبه أبو العباس ابن سريج الفقيه ~~الشافعي وكان إذا تكلم في الأصول والفروع بكلام أعجب الحاضرين فيقول لهم ~~أتدرون من أين لي هذا هذا من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد وسئل الجنيد ~~عن العارف فقال من نطق عن سرك وأنت ساكت وكان يقول مذهبنا هذا مقيد بالأصول ~~والكتاب والسنة وحضر الجنيد موضعا فيه قوم يتواجدون على سماع يسمعونه وهو ~~مطرق فقيل له يا أبا القاسم ما نراك تتحرك فقال * (وترى الجبال تحسبها ~~جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله) * ورئي يوما وفي يده سبحة فقيل له أنت ~~مع شرفك تأخذ في يدك سبحة فقال طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه وقال الجنيد ~~قال لي خالي سري السقطي تكلم على الناس وكان في قلبي حشمة من الكلام على ~~الناس فإني كنت أتهم نفسي في استحقاقي ذلك فرأيت ليلة في المنام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكانت ليلة جمعة فقال لي تكلم على الناس فانتبهت وأتيت ~~باب السري قبل أن أصبح فدققت PageV01P373 # الباب فقال لي ms0237 لم تصدقنا حتى قيل لك فقعدت في غد للناس ~~بالجامع وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس فوقف علي غلام ~~نصراني متنكرا وقال أيها الشيخ ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله فأطرقت ثم رفعت رأسي وقلت أسلم فقد ~~حان وقت إسلامك فأسلم الغلام وقال الشيخ الجنيد ما انتفعت بشيء انتفاعي ~~بأبيات سمعتها قيل له وما هي قال مررت بدرب القراطيس فسمعت جارية تغني من ~~دار فأنصت لها فسمعتها تقول (إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى * تقولين ~~لولا الهجر لم يطب الحب) (وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى * تقولين بنيران ~~الهوى شرف القلب) (وإن قلت ما أذنبت قلت مجببة * حياتك ذنب لا يقاس به ذنب) ~~فصعقت وصحت فبينما أنا كذلك إذا بصاحب الدار قد خرج فقال ما هذا يا سيدي ~~فقلت له مما سمعت فقال أشهدك أنها هبة مني لك فقلت قد قبلتها وهي حرة لوجه ~~الله تعالى ثم زوجتها لبعض أصحابنا بالرباط فولدت له ولدا نبيلا ونشأ أحسن ~~نشوء وحج على قدميه ثلاثين حجة على الوحدة وآثاره كثيرة مشهورة وتوفي يوم ~~السبت وكان نيروز الخليفة سنة سبع وتسعين ومائتين وقيل سنة ثمان وتسعين آخر ~~ساعة من نهار الجمعة ببغداد ودفن يوم السبت بالشونيزية عند خاله سري السقطي ~~رضي الله عنهما وكان عند موته رحمه الله تعالى قد ختم القرآن الكريم ثم ~~ابتدأ في البقرة فقرأ سبعين اية ثم مات قال محمد بن إبراهيم رأيت الجنيد في ~~المنام فقلت له ما فعل الله بك قال طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات ~~وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في ~~الأسحار وإنما قيل له الخزاز لأنه كان يعمل الخز وإنما قيل له القواريري ~~لأن أباه كان قواريريا PageV01P374 # والخزاز بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي وبعد الألف ~~زاي ثانية والقواريري بفتح القاف والواو وبعد الألف راء مكسورة ثم ياء ~~مثناة من تحتها ساكنة وبعدها راء ثانية ms0238 ونهاوند بفتح النون وقال السمعاني ~~بضم النون وفتح الهاء وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة ~~وهي مدينة من بلاد الجبل قيل إن نوحا عليه السلام بناها وكان اسمها نوح ~~أوند ومعنى أوند بنى فعربوها فقالوا نهاوند والشوينزية بضم الشين المعجمة ~~وسكون الواو وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها زاي وهي ~~مقربة مشهورة ببغداد بها قبور جماعة من المشايخ رضي الله عنهم بالجانب ~~الغربي 145 جوهر الصقلي القائد أبو الحسن جوهر بن عبد الله المعروف بالكاتب ~~الرومي كان من موالي المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي صاحب إفريقية ~~وجهزه إلى الديار المصرية ليأخذها بعد موت الأستاذ كافور الإخشيدي وسير معه ~~العساكر وهو المقدم وكان رحيله من إفريقية يوم السبت رابع عشر شهر ربيع ~~الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وتسلم مصر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة ~~بقيت من شعبان من السنة المذكورة وصعد المنبر خطيبا بها يوم الجمعة لعشر ~~بقين من شعبان ودعا لمولاه المعز فأقيمت الدعوة للمعز في الجامع ~~PageV01P375 # العتيق وسار جوهر إلى جامع ابن طولون وأمر بأن يؤذن ~~فيه بحي على خير العمل وهو أول ما أذن ثم أذن بعده بالجامع العتيق وجهر في ~~الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة ~~وسير عكسرا إلى دمشق وغزاها فملكها ووصلت البشارة إلى مولاه المعز بأخذ ~~البلاد وهو بإفريقية في نصف شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة ويدعوه إلى ~~المسير إليه ففرح فرحا شديدا ومدحه الشعراء فمن ذلك محمد بن هانىء الأندلسي ~~من قصيدة (يقول بنو العباس قد فتحت مصر * فقل لبني العباس قد قضي الأمر) ~~(وقد جاوز الإسكندرية جوهر * تطالعه البشرى ويقدمه النصر) وأقام بها حتى ~~وصل إليه مولاه المعز وهو نافذ الأمر واستمر على علو منزلته وارتفاع درجته ~~متوليا للأمور إلى يوم الجمعة سابع عشر المحر سنة أربع وستين فعزله المعز ~~عن دواوين مصر وجباية أموالها والنظر في أحوالها وكان محسنا إلى الناس إلى ~~أن توفي يوم ms0239 الخميس لعشر بقين من ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ~~رحمه الله تعالى وكانت وفاته بمصر ولم يبق بها شاعر إلا رثاه وذكر مآثره ~~وكان سبب إنفاذ مولاه المعز له إلى مصر أن كافورا الإخشيدي الخادم الآتي ~~ذكره في حرف الكاف لما توفي استقر الرأي بين أهل الدولة أن تكون الولاية ~~لأحمد بن علي بن الإخشيد وكان صغير السن على أن يخلفه ابن عم أبيه أبو محمد ~~الحسين بن عبد الله بن طغج وعلى أن تدبير الرجال والجيش إلى شمول الإخشيدي ~~وتدبير الأموال إلى أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير وذلك يوم الثلاثاء ~~لعشر بقين من جمادي الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ودعي لأحمد بن علي بن ~~الإخشيد على المنابر بمصر وأعمالها والشامات والحرمين وبعده للحسين بن عبد ~~الله ثم إن الجند اضطربوا لقلة الأموال وعدم الإنفاق فيهم كما ذكرناه في ~~ترجمة جعفر بن الفرات المقدم ذكره فكتب جماعة من وجوههم إلى المعز بإفريقية ~~يطلبون منه إنفاذ العساكر ليسلموا له مصر فأمر القائد PageV01P376 # جوهرا المذكور بالتجهز إلى الديار المصرية واتفق أن ~~جوهرا مرض مرضا شديدا أيس منه فيه وعاده مولاه المعز فقال هذا لا يموت ~~وستفتح مصر على يديه واتفق إبلاله من المرض وقد جهز له كل ما يحتاج إليه من ~~المال والسلاح والرجال فبرز بالعساكر في موضع يقال له الرقادة ومعه أكثر من ~~مائة ألف فارس ومعه أكثر من ألف ومائتي صندوق من المال وكان المعز يخرج ~~إليه كل يوم ويخلو به ويوصيه ثم تقدم إليه بالمسير وخرج لوداعه فوقف جوهر ~~بين يديه والمعز متكئا على فرسه يحدثه سرا زمانا ثم قال لأولاده انزلوا ~~لوداعه فنزلوا عن خيولهم ونزل أهل الدولة لنزولهم ثم قبل جوهر يد المعز ~~وحافر فرسه فقال له اركب فركب وسار بالعساكر ولما رجع المعز إلى قصره أنفذ ~~لجوهر ملبوسه وكل ما كان عليه سوى خاتمه وسراويله وكتب المعز إلى عبده أفلح ~~صاحب برقة أن يترجل للقائد جوهر ويقبل يده عند لقائه فبذل أفلح مائة ألف ms0240 ~~دينار على أن يعفى من ذلك فلم يعف وفعل ما أمر به عند لقائه لجوهر ووصل ~~الخبر إلى مصر بوصولهم فاضطرب أهلها واتفقوا مع الوزير جعفر بن الفرات على ~~المراسلة في الصلح وطلب الأمان وتقرير أملاك أهل البلد عليهم وسألوا أبا ~~جعفر مسلم بن عبد الله الحسيني أن يكونوا سفيرهم فأجابهم وشرط أن يكون معه ~~جماعة من أهل البلد وكتب الوزير معهم أيضا بما يريد وتوجهوا نحو القائد ~~جوهر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ~~وكان جوهر قد نزل في تزوجه وهي قرية بالقرب من الإسكندرية فوصل إليه الشريف ~~بمن معه وأدى إليه الرسالة فأجابه إلى ما التمسوه وكتب له جوهر عهدا بما ~~طلبوه واضطرب البلد اضطرابا شديدا وأخذت الإخشيدية والكافورية وجماعة من ~~العسكر الأهبة للقتال وستروا ما في دورهم وأخرجوا مضاربهم ورجعوا عن الصلح ~~وبلغ ذلك جوهرا فرحل إليهم وكان الشريف قد وصل بالعهد والأمان في سابع ~~شعبان فركب إليه الوزير والناس واجتمع عنده الجند فقرأ عليهم العهد وأوصل ~~إلى كل واحد جواب بما أراد من الإقطاع PageV01P377 # والمال والولاية وأوصل إلى الوزير جواب كتابه وقد خوطب ~~فيه بالوزير فجرى فصل طويل في المشاجرة والامتناع وتفرقوا عن غير رضى ~~وقدموا عليهم نحريرا الشوبزاني وسلموا عليه بالإمارة وتهيأوا للقتال وساروا ~~بالعساكر نحو الجيزة ونزلوا بها وحفظوا الجسور ووصل القائد جوهر إلى الجيزة ~~وابتدىء بالقتال في الحادي عشر من شعبان وأسرت رجال وأخذت خيل ومضى جوهر ~~إلى منية الصيادين وأخذ المخاضة بمنية شلقان واستأمن إلى جوهر جماعة من ~~العسكر في المراكب وجعل أهل مصر على المخاضة من يحفظها فلما رأى ذلك جوهر ~~قال لجعفر بن فلاح لهذا اليوم أرادك المعز فعبر عريانا في سراويل وهو في ~~مركب ومعه الرجال خوضا حتى خرجوا إليهم ووقع القتال فقتل خلق كثير من ~~الإخشيدية وأتباعهم وانهزمت الجماعة في الليل ودخلوا مصر وأخذوا من دورهم ~~ما قدروا عليه وانهزموا وخرج حرمهم مشاة ودخلن على الشريف أبي جعفر في ~~مكاتبة القائد بإعادة ms0241 الأمان فكتب إليه يهنئه بالفتح ويسأله إعادة الأمان ~~وجلس الناس عنده ينتظرون الجواب فعاد إليه بأمانهم وحضر رسوله ومعه بند ~~أبيض وطاف على الناس يؤمنهم ويمنع من النهب فهدأ البلد وفتحت الأسواق وسكن ~~الناس كأن لم تكن فتنة فلما كان آخر النهار ورد رسوله إلى أبي جعفر بأن ~~تعمل على لقائي يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة تخلو من شعبان بجماعة الأشراف ~~والعلماء ووجوه البلد فانصرفوا متأهبين لذلك ثم خرجوا ومعهم الوزير جعفر ~~وجماعة الأعيان إلى الجيزة والتقوا بالقائد ونادى مناد ينزل الناس كلهم إلا ~~الشريف والوزير فنزلوا وسلموا عليه واحدا واحدا والوزير عن شماله والشريف ~~عن يمينه ولما PageV01P378 # فرغوا من السلام ابتدأوا في دخول البلد فدخلوا من زوال ~~الشمس وعليهم السلاح والعدد ودخل جوهر بعد العصر وطبوله وبنوده بين يديه ~~وعليه ثوب ديباج مثقل وتحته فرس أصفر وشق مصر ونزل في مناخه موضع القاهرة ~~اليوم واختط موضع القاهرة ولما أصبح المصريون حضروا إلى القائد للهناء ~~فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل وكان فيه زورات جاءت غير معتدلة فلم ~~تعجبه ثم قال حفرت في ساعة سعيدة فلا أغيرها وأقام عسكره يدخل إلى البلد ~~سبعة أيام أولها الثلاثاء المذكور وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه المعز ~~يبشره بالفتح وأنفذ إليه رؤوس القتلى في الوقعة وقطع خطبة بني العباس عن ~~منابر الديار المصرية وكذلك أسمهم من على السكة وعوض عن ذلك باسم مولاه ~~المعز وأزال الشعار الأسود وألبس الخطباء الثياب البيض وجعل يجلس بنفسه في ~~كل يوم سبت للمظالم بحضرة الوزير والقاضي وجماعة من أكابر الفقهاء وفي يوم ~~الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب الخطبة اللهم صلى على ~~محمد المصطفى وعلى علي المرتضى وعلى فاطمة البتول وعلى الحسن والحسين سبطي ~~الرسول الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا اللهم صل على الأئمة ~~الطاهرين آباء أمير المؤمنين وفي يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر سنة تسع ~~وخمسين صلى القائد في جامع ابن طولون بعسكر كثير وخطب عبد السميع بن عمر ~~العباسي ms0242 الخطيب وذكر أهل البيت وفضائلهم رضي الله عنهم ودعا للقائد وجهر ~~القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم وقرأ سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة ~~وأذن بحي على خير العمل وهو أول من أذن به بمصر ثم أذن به في سائر المساجد ~~وقنت الخطيب في صلاة الجمعة وفي جمادي الأولى من السنة أذنوا في جامع مصر ~~العتيق بحي على خير العمل PageV01P379 # وسر القائد جوهر بذلك وكتب إلى المعز وبشره بذلك ولما ~~دعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر أنكر عليه وقال ليس هذا رسم موالينا ~~وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة وفرغ من بنائه في السابع من شهر رمضان سنة ~~إحدى وستين وجمع فيه الجمعة قلت وأظن هذا الجامع هو المعروف بالأزهر بالقرب ~~من باب البرقية بينه وبين باب النصر فإن الجامع الآخر بالقاهرة المجاور ~~لباب النصر مشهور بالحاكم الآتي ذكره وأقام جوهر مستقلا بتدبير مملكة مصر ~~قبل وصول مولاه المعز إليها أربع سنين وعشرين يوما ولما وصل المعز إلى ~~القاهرة كما هو في ترجتمه خرج جوهر من القصر إلى لقائه ولم يخرج معه شيئا ~~من آلته سوى ما كان عليه من الثياب ثم لم يعد إليه ونزل في داره بالقاهرة ~~وسيأتي أيضا طرف من خبره في ترجمة مولاه المعز إن شاء الله تعالى وكان ولد ~~ولده الحسين قائد القواد للحاكم صاحب مصر وكان قد خالف على نفسه من الحاكم ~~فهرب هو وولده وصهره القاضي عبد العزيز بن النعمان وكان زوج أخته فأرسل ~~الحاكم من ردهم وطيب قلوبهم وآنسهم مدة مديدة ثم حضروا إلى القصر بالقاهرة ~~للخدمة فتقدم الحاكم إلى راشد الحقيقي وكان سيف النقمة فاستصحب عشرة من ~~الغلمان الأتراك وقتلوا الحسين وولده وصهره القاضي وأحضروا رأسيهما إلى بين ~~يدي الحاكم وكان قتلهم في سنة إحدى وأربعمائة رحمهم الله تعالى وقد تقدم ~~خبر الحسين في ترجمة برجوان PageV01P380 # 146 جهاركس الصلاحي أبو المنصور جهاركس بن عبد الله ~~الناصري الصلاحي الملقب فخر الدين كان من كبراء أمراء الدولة الصلاحية وكان ~~كريما نبيل القدر عالي الهمة بنى بالقاهرة ms0243 القيسارية الكبرى المنسوبة إليه ~~رأيت جماعة من التجار الذين طافوا البلاد يقولون لم نر في شيء من البلاد ~~مثلها في حسنها وعظمها وإحكام بنائها وبنى بأعلاها مسجدا كبيرا وربعا معلقا ~~وتوفي في بعض شهور سنة ثمان وستمائة بدمشق ودفن في جبل الصالحية وتربته ~~مشهورة هناك رحمه الله تعالى وجهاركس بكسر الجيم وفتح الهاء وبعد الألف راء ~~ثم كاف مفتوحة ثم سين مهملة ومعناه بالعربي أربعة أنفس وهو لفظ عجمي معربه ~~أستار والأستار أربع أواقي وهو معروف به PageV01P381 # 2 PageV02P001 # حرف الحاء 147 أبو تمام أبو تمام حبيب بن أوس بن ~~الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى بن مروان بن مر بن سعد بن كاهل بن عمرو بن ~~عدي بن عمرو بن الغوث بن طيىء واسمه جلهمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب ~~بن زيد بن كهلان بن يشجب ابن يعرب بن قحطان الشاعر المشهور وذكر أبو القاسم ~~الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي في كتاب الموازنة بين الطائيين ما صورته والذي ~~عند أكثر الناس في نسب أبي تمام أن أباه كان نصرانيا من أهل جاسم قرية من ~~قرى دمشق يقال له تدوس العطار فجعلوه أوسا وقد لفقت له نسبة إلى طيىء وليس ~~فيمن ذكر فيها من الآباء من اسمه مسعود وهذا باطل ممن عمله ولو كان نسبه ~~صحيحا لما جاز أن يلحق طيئا بعشرة آباء PageV02P011 # قلت وذكر الآمدي هذا في قول أبي تمام إن كان مسعود سقى ~~أطلالهم سبل الشؤون فلست من مسعود وقد سقط في النسب بين قيس ورفاقة ستة ~~آباء وقول أبي تمام فلست من مسعود لا يدل على أن مسعودا من آبائه بل هذا ~~كما يقال ما أنا من فلان ولا فلان مني يريدون به البعد منه والأنفة ومن هذا ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم ولد الزنا ليس منا وعلي مني وأنا منه وقد ساق ~~الخطيب أبو بكر في تاريخ بغداد نسبه وفيه تغيير يسير وقال الصولي قال قوم ~~إن أبا تمام هو حبيب ms0244 بن تدوس النصراني فغير فصار أوسا. # كان أوحد عصره في ديباجة لفظه ونصاعة شعره وحسن أسلوبه وله كتاب الحماسة ~~التي دلت على غزارة فضله وإتقان معرفته بحسن اختياره وله مجموع آخر سماه ~~فحول الشعراء جمع فيه بين طائفة كبيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين ~~والإسلاميين وله كتاب الاختيارات من شعر الشعراء وكان له من المحفوظ ما لا ~~يلحقه فيه غيره قيل إنه كان يحفظ أربع عشرة ألف أرجوزة للعرب غير القصائد ~~والمقاطيع ومدح الخلفاء وأخذ PageV02P012 # جوائزهم وجاب البلاد وقصد البصرة بها عبد الصمد بن ~~المعذل الشاعر فلما سمع بوصوله وكان في جماعة من غلمانه وأتباعه فخاف من ~~قدومه أن يميل الناس إليه ويعرضوا عنه فكتب إليه قبل دخوله البلد (أنت بين ~~اثنتين تبرز للناس * وكلتاهما بوجه مذال) (لست تنفك راجيا لوصال * من حبيب ~~أو طالبا لنوال) (أي ماء يبقى لوجهك هذا * بين ذل الهوى وذل السؤال) فلما ~~وقف على الأبيات أضرب عن مقصده ورجع وقال قد شغل هذا ما يليه فلا حاجة لنا ~~فيه وقد ذكرت نظير هذه الأبيات في ترجمة المتنبي في حرف الهمزة ولما قال ~~ابن المعذل هذه الأبيات في أبي تمام كتبها ودفعها إلى وراق كان هو وأبو ~~تمام يجلسان إليه ولا يعرف أحدهما الآخر وأمر أن تدفع إلى أبي تمام فلما ~~وافى أبو تمام وقرأها قلبها وكتب (أفي تنظم قول الزور والفند * وأنت أنقص ~~من لا شيء في العدد) (أشرجت قلبك من غيظ على حنق * كأنها حركات الروح في ~~الجسد) (أقدمت ويلك من هجوي على خطر * كالعير يقدم من خوف على الأسد) وحضر ~~عبد الصمد فلما قرأ البيت الأول قال ما أحسن علمه بالجدل أوجب زيادة ~~ونقصانا على معدوم ولما نظر إلى البيت الثاني قال الإشراج PageV02P013 # من عمل الفراشين ولا مدخل له ههنا فلما قرأ البيت ~~الثالث عض على شفته وقال قتل وقال الصولي قد ذكر ذلك أبو الفتح محمود بن ~~الحسين المعروف بكشاجم في كتاب المصايد والمطارد عند قوله فيه وأغفل الجاحظ ~~في باب ذكر انقياد ms0245 بعض المأكولات لبعض الآكلات ذكر الحمار الذي يرمي بنفسه ~~على الأسد إذا شم ريحه ولما أنشد أبو تمام أبا دلف العجلي قصيدته البائية ~~المشهورة التي أولها (على مثلها من أربع وملاعب * أذيلت مصونات الدموع ~~السواكب) استحسنها وأعطاه خمسين ألف درهم وقال له والله إنها لدون شعرك ثم ~~قال له والله ما مثل هذا القول في الحسن إلا ما رثيت به محمد بن حميد ~~الطوسي فقال أبو تمام وأي ذلك أراد الأمير قال قصيدتك الرائية التي أولها ~~(كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر * فليس لعين لم يفض ماؤها عذر) وددت والله ~~أنها لك في فقال بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي وأكون المقدم قبله فقال إنه لم ~~يمت من رثي بهذا الشعر وقال العلماء خرج من قبيلة طيىء ثلاثة كل واحد مجيد ~~في بابه حاتم الطائي في جوده وداود بن نصير الطائي في زهده وأبو تمام حبيب ~~بن أوس في شعره وأخباره كثيرة ورأيت الناس مطبقين على أنه مدح الخليفة ~~بقصيدته PageV02P014 # السينية فلما انتهى فيها إلى قوله (إقدام عمرو في ~~سماحة حاتم * في حلم أحنف في ذكاء إياس) قال له الوزير أتشبه أمير المؤمنين ~~بأجلاف العرب فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وأنشد (لا تنكروا ضربي له من دونه * ~~مثلا شرودا في الندى والباس) (فالله قد ضرب الأقل لنوره * مثلا من المشكاة ~~والنبراس) فقال الوزير للخليفة أي شيء طلبه فأعطه فإنه لا يعيش أكثر من ~~أربعين يوما لأنه قد ظهر في عنيه الدم من شدة الفكرة وصاحب هذا لا يعيش إلا ~~هذا القدر فقال له الخليفة ما تشتهي قال أريد الموصل فأعطاه إياها فتوجه ~~إليها وبقي هذه المدة ومات وهذه القصة لا صحة لها أصلا وقد ذكر أبو بكر ~~الصولي في كتاب أخبار أبي تمام أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم ~~وانتهى إلى قوله إقدام عمرو البيت المذكور قال له أبو يوسف يعقوب بن الصباح ~~الكندي الفيلسوف وكان حاضرا الأمير فوق من وصفت فأطرق قليلا ثم زاد البيتين ~~الآخرين ولما أخذت القصيدة ms0246 من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين فعجبوا من ~~سرعته وفطنته ولما خرج قال أبو يوسف وكان فيلسوف العرب هذا الفتى يموت ~~قريبا ثم قال بعد ذلك وقد روي هذا على خلاف ما ذكرته وليس بشيء والصحيح هو ~~هذا وقد تتبعتها وحققت صورة ولايته للموصل فلم أجد سوى أن الحسن ~~PageV02P015 # ابن وهب ولاه يريد الموصل فأقام بها أقل من سنتين ثم ~~مات بها والذي يدل على أن القضية ليست صحيحة أن هذه القصيدة ما هي في أحد ~~من الخلفاء بل مدح بها أحمد بن المعتصم وقيل أحمد بن المأمون ولم يل واحد ~~منهما الخلافة والحيص بيص ذكر في رقاعه السبع اللاتي كتبها إلى الإمام ~~المسترشد يطلب منه بايعقوبا أن الموصل كانت إجازة لشاعر طائي فإما أنه بنى ~~الأمر على ما قاله الناس من غير تحقيق أو قصد أن يجعل هذا ذريعة لحصول ~~بايعقوبا له والله أعلم وتابعه في الغلط ابن دحية في كتاب النبراس وذكر ~~الصولي أن أبا تمام لما مدح محمد بن عبد الملك الزيات الوزير بقصيدته التي ~~منها قوله (ديمة سمحة القياد سكوب * مستغيث بها الثرى المكروب) (لو سعت ~~بقعة لإعظام أخرى * لسعى نحوها المكان الجديب) قال له ابن الزيات يا أبا ~~تمام إنك لتحلي شعرك من جواهر لفظك وبديع معانيك ما يزيد حسنا على بهي ~~الجواهر في أجياد الكواعب وما يدخر لك شيء من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن ~~شعرك في الموازاة وكان بحضرته فيلسوف فقال له إن هذا الفتى يموت شابا فقيل ~~له ومن أين حكمت عليه بذلك فقال رأيت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع ~~لطافة الحس وجودة الخاطر ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل ~~السيف المهند غمده وكذا كان لأنه مات وقد نيف على ثلاثين سنة قلت وهذا ~~يخالف ما سيأتي في تاريخ مولده ووفاته بعد هذا إن شاء الله تعالى ~~PageV02P016 # ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكرالصولي ورتبه ~~على الحروف ثم جمعه علي بن حمزة الأصبهاني ولم ms0247 يرتبه على الحروف بل على ~~الأنواع وكانت ولادة أبي تمام سنة تسعين ومائة وقيل سنة ثمان وثمانين ومائة ~~وقيل سنة اثنتين وسبعين ومائة بجاسم وهي قرية من بلد الجيدور من أعمال دمشق ~~بين دمشق وطبريا ونشأ بمصر وقيل إنه كان يسقي الناس ماء بالجرة في جامع مصر ~~وقيل كان يخدم حائكا ويعمل عنده بدمشق وكان أبوه خمارا بها وكان أبو تمام ~~أسمر طويلا فصيحا حلو الكلام فيه تمتمة يسيرة ثم اشتغل وتنقل إلى أن صار ~~منه ما صار وتوفي بالموصل على ما تقدم في سنة إحدى وثلاثين ومائتين وقيل ~~إنه توفي في ذي القعدة وقيل في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وقيل تسع ~~وعشرين ومائتين وقيل في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين رحمه الله تعالى ~~قال البحتري وبنى عليه أو نهشل ابن حميد الطوسي قبة قلت ورأيت قبره بالموصل ~~خارج باب الميدان على حافة الخندق والعامة تقول هذا قبر تمام الشاعر وحكى ~~لي الشيخ عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان الموصلي النحوي المترجم قال ~~سألت شرف الدين أبا المحاسن محمد بن عنين الشاعر الآتي ذكره في هذا الكتاب ~~في حرف الميم إن شاء الله تعالى عن معنى قوله (سقى الله دوح الغوطتين ولا ~~ارتوت * من الموصل الحدباء إلا قبورها) لم حرمها وخص قبورها فقال لأجل أبي ~~تمام PageV02P017 # وهذا البيت من قصيدة لابن عنين المذكور يمدح بها ~~السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل بن أيوب وسيأتي ذكره ~~في حرف العين إن شاء الله تعالى أولها (أشاقك من عليا دمشق قصورها * وولدان ~~أرض النيربين وحورها) وهي من أحسن قصائده ورثاه الحسن بن وهب بقوله (فجع ~~القريض بخاتم الشعراء * وغدير روضتها حبيب الطائي) (ماتا معا فتجاورا في ~~حفرة * وكذاك كانا قبل في الأحياء) وقيل إن هذين البيتين لديك الحسن رثى ~~بهما أبا تمام والله أعلم ورثاه الحسن أيضا بقوله من قصيدة (سقى بالموصل ~~القبر الغريبا * سحائب ينتحبن له نحيبا) (إذا أظللنه أظللن فيه * شعيب ~~المزن يتبعها شعيبا) (ولطمن البروق ms0248 به خدودا * وشققن الرعود به جيوبا) (فإن ~~تراب ذاك القبر يحوي * حبيبا كان يدعى لي حبيبا) ورثاه محمد بن عبد الملك ~~الزيات وزير المعتصم بقوله وهو يومئذ وزير وقيل إنهما لأبي الزبرقان عبد ~~الله بن الزبرقان الكاتب مولى بني أمية (نبأ أتى من أعظم الأنباء * لما ألم ~~مقلقل الأحشاء) (قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم * ناشدتكم لا تجعلوه الطائي) ~~PageV02P018 # ولأبي تمام المذكور (لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه * ~~لظل يلثم منه موطىء القدم) وللبحتري أيضا في هذا المعنى (ولو أن مشتاقا ~~تكلف فوق ما * في وسعه لسعى إليك المنبر) ولما سار المأمون إلى بلاد الشام ~~يريد غزو الروم مدحه أبو تمام بقصيدتين فلم يجد من يوصلهما إليه وذلك قبل ~~قدوم أبي تمام العراق ثم صار إلى العراق في خلافة المعتصم فمن ذلك قوله في ~~المأمون قصيدة قال فيها (ثم انبرت أيام هجر أردفت * نحوي أسى فكأنها أعوام) ~~(ثم انقضت تلك السنون وأهلها * فكأنها وكأنهم أحلام) فأخذها حتى بلغ فيها ~~(اتضعضعت عبرات عينك أن دعت * ورقاء حين تضعضع الإظلام) (لا تشجين لها فإن ~~بكاءها * ضحك وإن بكاءك استغرام) (هن الحمام فإن كسرت عيافة * من حائهن ~~فإنهن حمام) حكي عن يموت بن المزرع قال كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر ~~ولم يرض شعره أو غلمانه أن يمضوا به إلى المسجد فلا يفارقوه أمر يصلي مائة ~~ركعة فكان هذا دأبه قال فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدون فأتاه أبو ~~عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل فاستأذنه في النشيد ~~فقا له عرفت الشرط قال نعم فأنشده (أردنا في أبي حسن مديحا * كما بالمدح ~~تنتجع الولاة) PageV02P019 # (فقلنا أكرم الثقلين طرا * ومن كفيه دجلة والفرات) ~~(فقالوا يقبل المدحات لكن * جوايزه عليهن الصلاة) (فقلت لهم وما يغني عيالي ~~* صلاتي إنما الشأن الزكاة) (فيأمرني بكسر الصاد منه * فتصبح لي الصلاة هي ~~الصلات) فضحك ابن المدبر وقال من أين أخذت هذا ومن أين وقع لك فقال أخذته ~~من قول أبي تمام (هن الحمام فإن كسرت عيافة ms0249 *) قال فأعجبه صدقه ووصله ومن ~~قصيدته الأخرى التي مدح بها المأمون التي أولها (كشف الغطاء فأوقدي أو ~~أخمدي *) ويقول فيها (أولي أمة أحمد ما أحمد * بمضيع ما أوليت أمة أحمد) ~~(أما الهدى فقد اقتدحت بزنده * للعالمين فويل من لا يهتدي) حدث الصولي عن ~~محمد بن يحيى قال حدثني يحيى بن علي قال كان محمد ابن القاسم بن مهرويه ~~يقدم دعبلا على أبي تمام فقلت له بأي شيء قدمته فلم يأت بمقنع فجعلت أنشده ~~محاسنهما فإذا محاسن أبي تمام أكثر وأطرز وإذا عيوب دعبل أعظم وأفحش فأقام ~~على رأيه وتعصبه لدعبل فقلت (يا أبا جعفر أتحكم في الشعر * وما فيك آلة ~~الحكام) (إن نقد الدينار إلا على الصيرف * صعب فكيف نقد الكلام) (قد رأيناك ~~ليس تفرق في الأشعار * بين الأرواح والأجسام) (إنما يعرف العتيق من المحدث ~~* قين في وقت عرض الحسام) (لا تقس دعبلا إذن بحبيب * ليس خف البعير مثل ~~السنام) PageV02P020 # قال عبد الله بن المعتز جاءني محمد بن يزيد النحوي ~~فجرى ذكر أبي تمام فلم يوفه حقه فقال له رجل من الكتاب كان في المجلس ما ~~رأيت أحدا أحفظ لشعر أبي تمام منه يا أبا العباس ضع يدك على من شئت من ~~الشعراء ثم انظر أيحسن أن يقول مثل ما قاله أبو تمام لأبي المغيث موسى بن ~~إبراهيم الرافقي يعتذر إليه (لعمري لقد أقوت مغانيكم بعدي * ومحت كما محت ~~وشائع من برد) (وأنجدتم من بعد اتهام داركم * فيا دمع أنجدني على ساكني ~~نجد) ثم مر فيها حتى إلى قوله في الاعتذار (أتاني مع الركبان ظن ظننته * ~~لففت له رأسي حياء من المجد) (كريم متى أمدحه والورى * معي ومتى ما لمته ~~لمته وحدي) حدث الصولي قال كان أبو تمام إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء ~~كلامه كأنه قد علم ما يقول فأعد جوابه فقال له رجل يا أبا تمام لم لا تقول ~~من الشعر ما يعرف فقال وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال فأفحمه وكان الذي ~~قال له هذا ms0250 أبو سعيد الضرير بخراسان وكان هذا من علماء الناس وكان متصلا ~~بالطاهرية قال علي بن محمد بن عبد الكريم لما صار إلينا أبو تمام مقدمه من ~~مصر عمل قصيدته التي أولها (أرامة كنت مألف كل ريم *) فاتصل خبرها بعتبة بن ~~عصيم الذي يهجوه أبو تمام وهو كلبي من قضاعة وكان أديبا شاعرا فأحب أن يسمع ~~هذه القصيدة من أبي تمام فقال لمن حضر ايتوني به فجاءوا به فأنشده إياها ~~فلما فرغ قال أحسنت يا غلام على صغر سنك فسكت أبو تمام وقال يا عم أنشدني ~~من شعرك فأنشده قصيدة فلما فرغ قال يا عم ما أحسنت على كبر سنك فقال عتبة ~~لبني عبد الكريم أخرجوا هذا من بلدنا فليس يصلح أن يقيم في بلدنا ~~PageV02P021 # قال الصولي ومن باب الجود قول أبي تمام (بيمن أبي ~~إسحاق طالت يد الهدى * وقامت قناة الدين واشتد كاهله) (هو البحر من أي ~~النواحي أتيته * فلجته المعروف والجود ساحله) (تعود بسط الكف حتى لو أنه * ~~دعاها لقبض لم تجبه أنامله) وللبحتري في هذا المعنى (لا يتعب النائل ~~المبذول همته * وكيف يتعب عين الناظر النظر) وهذان البيتان لا غاية وراءهما ~~قال ابن أبي دواد لأبي تمام إن لك أبياتا أنشدتها فلو قلتها زاهدا أو ~~معتبرا أو حاثا على طاعة الله تعالى لكنت قد أحسنت وبالغت فأنشدنيها قال ما ~~هي قال التي قافيتها فأدخلها فأنشده (ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلة * عني ~~وقد طال ما استفتحت مقفلها) (كأنها جنة الفردوس معرضة * وليس لي عمل زاك ~~فأدخلها) حدث الصولي قال دخل أبو تمام على أحمد بن أبي داود فقال له ما ~~أحسن هذا فمن أين أخذته قال من قول الحاذق في الفضل بن الربيع (وليس لله ~~بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد) وحدث الصولي عن الحسن بن وهب قال لما ~~أدخل المازيار على المعتصم وكان عليه شديد الغيظ قيل له لا تعجل عليه فإن ~~عنده أموالا جمة فأنشد بيت أبي تمام (إن الأسود أسود الغاب همتها * يوم ~~الكريهة في ms0251 المسلوب لا السلب) ثم قتله وكذلك جمال الدين بن رشيق أفتى ببيت ~~المتنبي في النصراني الذي سب PageV02P022 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما ولي الملك الصالح ~~مصر وهو (لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدم) فعمل ~~بمقتضاه وحدث علي بن يحيى بن علي بن مهدي قال كان المنجمون حكموا لما خرج ~~المعتصم إلى الروم بأنه لا يرجع من وجهه فلما فتح ما فتح وخرب عمورية في ~~شهر رمضان سنة 223 وانصرف سالما قال أبو تمام (السيف أصدق أنباء من الكتب * ~~في حده الحد بين الجد واللعب) (بيض الصفائح لا سود الصحائف في * متونهن ~~جلاء الشك والريب) (والعلم في شهب الأرماح لامعة * بين الخميسين لا في ~~السبعة الشهب) وقيل إنه كرر إنشاد هذه القصيدة ثلاثة أيام فقال له المعتصم ~~لم تجلو علينا عجوزك قال حتى أستوفي مهرها يا أمير المؤمنين فأمر له بمائة ~~وسبعين ألف درهم عن كل بيت منها ألف قال الحسن بن وهب دخل أبو تمام على ~~محمد بن عبد الملك الزيات فأنشده قصيدته التي أولها (لهان علينا أن نقول ~~وتفعلا *) فلما بلغ إلي قوله (والله لا آتيك إلا فريضة * وآتي جميع ~~العالمين تنفلا) (وليس امرءا في الناس كنت سلاحه * عشية يلقى الحادثات ~~بأعزلا) فقال أما والله ما أحب بمدحك مدح غيرك لتجويدك وإبداعك ولكن تنقص ~~مدحك ببذلك له لغير مستحقه فقال لسان العذر معقول وإن كان فصيحا ومر في ~~القصيدة فأمر له بخمسة آلاف درهم وكتب إليه بعد ذلك (رأيتك سهل البيع سمحا ~~وإنما * يغالي إذا ما ظن بالشيء بايعه) PageV02P023 # (فأما الذي هانت بضائع بيعه * فيوشك أن تبقى عليه ~~بضايعه) فأجابه أبو تمام (أبا جعفر إن كنت أصبحت تاجرا * أساهل في بيعي له ~~من أبايعه) (فقد كنت قبلي شاعرا تاجرا به * تساهل من عادت عليك منافعه) قال ~~الصولي لما كلم خالد بن يزيد ابن أبي دواد في أمر أبي تمام قال أبو تمام ~~يشكره (لأشكرنك إن لم أوت من أجلي * شكرا يوافيك ms0252 عني آخر الأبد) (وإن توردت ~~من بحر البحور ندى * فلم أنل منه إلا غرفة بيدي) قال محمد بن يزيد النحوي ~~خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد وهو بأرمينية فامتدحه فأمر له بعشرة آلاف ~~درهم ونفقة لسفره وأمره أن لا يقيم إن كان عازما على الخروج فودعه ومضت ~~عليه أيام فركب يزيد ليتصيد فرآه تحت شجرة وقدامه زكرة فيها نبيذ وغلام ~~بيده طنبور فقال حبيب قال خادمك وعبدك فقال له ما فعل المال فقال (علمني ~~جودك السماح فما * أبقيت شيئا لدي من صلتك) (ما مر شهر حتى سمحت به * كأن ~~لي قدرة كمقدرتك) (تنفق في اليوم بالهبات وفي * الساعة ما تجتبيه في سنتك) ~~(فلست أدري من أين تنفق لولا * أن ربي يمد في هبتك) فأمر له بعشرة آلاف ~~درهم أخرى فأخذها وانصرف ولأبي تمام وقد اعتل الياس صاحب عبد الله بن طاهر ~~(فإن يكن وصب قاسيت سورته * فالورد حلف لليث الغابة الأضم) PageV02P024 # (إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت * عيدان نجد ولم يعبأن ~~بالرتم) (بنات نعش ونعش لا كسوف لها * والشمس والبدر منها الدهر في الرقم) ~~(فليهنك الأجر والنعمى التي سبغت * حتى جلت صدآ الصمصامة الخذم) (قد ينعم ~~الله بالبلوى وإن عظمت * ويبتلي الله بعض القوم بالنعم) قال محمد بن هبيرة ~~النحوي حجب أبو تمام عن إسحاق بن إبراهيم المصعبي فقال: # (يا أيها الملك المرجو نائله * وجوده لمراعي جوده كثب) (ليس الحجاب بمقص ~~عنك آمله * إن السماء ترجى حين تحتجب) وقيل لأبي تمام قد هجاك مخلد الموصلي ~~فلو هجوته قال الهجاء يرفع منه إذ ليس هو شاعرا لم يكن من الموصل يعني يقال ~~إن الموصل لا يخرج منها شاعر وكان مخلد قد هجاه بقوله (يا نبي الله في ~~الشعر * ويا عيسى بن مريم) (أنت من أشعر خلق الله * ما لم تتكلم) وكان لأبي ~~تمام حبسة إذا تكلم قرأت في كتاب المستنير أن أبا تمام والخثعمي اجتمعا في ~~مجلس أنس فقام أبو تمام إلى الخلاء فقال له الخثعمي ندخلك قال نعم وأخرجك ms0253 ~~فتعجب الحاضرون من هذا الابتداء البديع والجواب العجيب وكان لأبي تمام صديق ~~قليل البضاعة في الشرب يسكر من قدحين فكتب إليه يوما يدعوه إن رأيت أن تنام ~~عندنا فافعل ودخل على جعفر بن سليمان يعزيه بأخيه محمد بن سليمان وقد كان ~~جزع عليه جزعا عظيما فقال جعفر حين رآه إن يكن عند أحد فرج فعند حبيب ~~PageV02P025 # فلما سلم قال أيها الأمير التمس ثواب الله بحسن الجزاء ~~والتسليم لأمر الله واذكر مصيبتك في نفسك تنسك مصيبتك في غيرك والسلام ~~ومحاسن حبيب كثيرة وجاسم بفتح الجيم وبعد الألف سين مهملة مكسورة ثم ميم ~~وأما النسب فهو مشهور فلا حاجة إلى ضبطه والجيدور بفتح الجيم وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها راء وهو إقليم من ~~عمل دمشق يجاور الجولان والطائي منسوب إلى طيىء القبيلة المشهورة وهذه ~~النسبة على خلاف القياس فإن قياسها طيئي لكن باب النسب يحتمل التغيير كما ~~قالوا في النسبة إلى الدهر دهري وإلى سهل سهلي بضم أولهما وكذلك غيرهما 148 ~~حاتم الأصم حاتم بن عنوان الأصم من أهل بلخ كان أوحد من عرف بالزهد والتقلل ~~واشتهر بالورع والتقشف وله كلام يدون في الزهد والحكم واسند الحديث عن شقيق ~~البلخي وشداد بن حكيم البلخي أيضا وروى عنه حمدان بن ذي النون ومحمد بن ~~فارس البلخيان وقدم حاتم بغداد في أيام أبي عبد الله أحمد بن حنبل واجتمع ~~معه قيل لما دخل حاتم بغداد في أيام أبي عبد الله أحمد بن حنبل اجتمع إليه ~~أهل بغداد فقالوا يا أبا عبد الرحمن أنت رجل أعجمي PageV02P026 # وليس يكلمك أحد إلا قطعته لأي معنى فقال حاتم معي ثلاث ~~خصال بها أظهر على خصمي قالوا أي شيء هي قال أفرح إذا أصاب خصمي وأحزن له ~~إذا أخطأ وأخفض نفسي لا تتجاهل عليه فبلغ ذلك أحمد بن حنبل فقال سبحان الله ~~ما أعقله من رجل وقال أبو جعفر الهروي كنت مع حاتم كرة وقد أراد الحج فلما ~~وصل إلى بغداد قال يا ms0254 أبا جعفر أحب أن ألقى أحمد بن حنبل فسألنا عن منزله ~~ومضينا إليه فطرقت عليه الباب فلما خرج قلت يا أبا عبد الله أخوك حاتم قال ~~فسلم عليه ورحب به وقال بعد بشاشته به أخبرني يا حاتم فيم أتخلص من الناس ~~قال يا أبا عبد الله في ثلاث خصال قال وما هي قال أن تعطيهم مالك ولا تأخذ ~~من مالهم شيئا قال وتقضي حقوقهم ولا تستقضي منهم حقا قال وتحمل مكروههم ولا ~~تكره واحدا منهم على شيء قال فأطرق أحمد ينكت بإصبعه الأرض ثم رفع رأسه ~~وقال يا حاتم إنها لشديدة فقال له حاتم وليتك تسلم وليتك تسلم وليتك تسلم ~~وقال رجل لحاتم على أي شيء بنيت أمرك قال على أربع خصال على أن لا أخرج من ~~الدنيا حتى أستكمل رزقي وعلى أن رزقي لا يأكله غيري وعلى أن أجلي لا أدري ~~متى هو وعلى أن لا أغيب عن الله طرفة عين وقال لو أن صاحب خبر جلس إليك ~~ليكتب كلامك لاحترزت منه وكلامك يعرض على الله فلا تحترز منه وقال رجل ~~لحاتم الأصم بلغني أنك تجوز المفاوز من غير زاد فقال حاتم بل أجوزها بالزاد ~~وإنما زادي فيها أربعة أشياء قال وما هي قال أرى الدنيا كلها ملكا لله وأرى ~~الخلق كلهم عباد الله وعياله والأسباب والأرزاق بيد الله وأرى قضاء الله ~~نافذا في كل أرض لله فقال له الرجل نعم الزاد زادك يا حاتم أنت تجوز به ~~مغاوز الآخرة وقال حاتم جعلت على نفسي إن قدمت مكة أن أطوف حتى انقطع وأصلي ~~حتى أنقطع وأتصدق بجميع ما معي فلما قدمت مكة صليت حتى انقطعت وطفت كذلك ~~فقويت على هاتين الخصلتين ولم أقو على الأخرى PageV02P027 # قال كنت أخرج من ها هنا ويجيء من ها هنا وقال حاتم وقع ~~الثلج ببلخ فمكثت في بيتي ثلاثة ومعي أصحابي فقلت يخبرني كل رجل منكم بهمته ~~قال فأخبروني فإذا ليس فيهم أحد لا يريد إلا أن يتوب من تلك الهمة قال ~~فقالوا لي ms0255 همتك أنت يا أبا عبد الرحمن قال قلت ما همتي إلا شفقة على إنسان ~~يريد أن يحمل رزقي في هذا الطين قال وإذا رجل قد جاء ومعه جراب خبز وقد زلق ~~فابتلت ثيابه بطين وقال يا أبا عبد الرحمن خذ هذا الخبز قال حاتم خرجت في ~~سفر ومعي زاد فنفد زادي في وسط البرية فكان قلبي في السفر والحضر واحدا قيل ~~لحاتم من أين تأكل فقال * (ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا ~~يفقهون) * وقال لي أربع نسوة وتسعة من الأولاد فما طمع الشيطان أن يوسوس ~~إلي في شيء من أرزاقهم وقال حاتم لقينا الترك فكان بيننا جولة فرماني تركي ~~بوهق فأقلبني عن فرسي ونزل عن دابته وقعد على صدري وأخذ بلحيتي هذه الوافرة ~~وأخرج من خفه سكينا ليذبحني بها فوحق سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينه ~~إنما كان قلبي عند سيدي فأنظر ماذا ينزل به القضاء فقلت يا سيدي قضيت علي ~~أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين أنا لك وملكك فبينما أنا أخاطب سيدي وهو ~~قاعد على صدري آخذ بلحيتي إذ رماه المسلمون بسهم فما أخطأ حلقه فسقط عني ~~فقمت أنا إليه وأخذت السكين من يده وذبحته فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند ~~السيد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الاباء والأمهات وقال أبو بكر ~~الوراق حاتم الأصم لقمان هذه الأمة قيل جاءت امرأة فسألت حاتما عن مسألة ~~فاتفق أن خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت فقال لها حاتم ارفعي صوتك وأرى ~~من نفسه أنه أصم فسرت المرأة بذلك وقالت لم يسمع الصوت فغلب عليه اسم الصمم ~~وجاء إليه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد ووسط PageV02P028 # الزهد وآخر الزهد فقال حاتم رأس الزهد الثقة بالله ~~ووسطه الصبر وآخره الخلاص رحمه الله تعالى 149 الحجاج بن يوسف أبو محمد ~~الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب ابن مالك بن ~~كعب بن عمرو ms0256 بن سعد بن عوف بن قسي وهو ثقيف ذكره ابن الكلبي في جمهرة النسب ~~وقال فولد منبه بن النبيت قسيا وهو ثقيف فيما يقال والله أعلم فمن ينسب ~~ثقيفا إلى إياد فهذا هو نسبهم ومن نسبهم إلى قيس فيقول قسي بن منبه بن بكر ~~بن هوازن ويقولون كانت أم قسي أميمة بنت سعد بن هذيل عند منبه بن النبيت ~~فتزوجها منبه بن بكر فجاءت بقسي معها من الإيادي والله أعلم الثقفي عامل ~~عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان فلما توفي عبد الملك وتولى الوليد ~~أبقاه على ما بيده وقال المسعودي في كتاب مروج الذهب إن أم الحجاج الفارعة ~~بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي كانت تحت الحارث بن كلدة الثقفي الطائفي ~~حكيم العرب فدخل عليها مرة سحرا فوجدها تتخلل فبعث إليها بطلاقها فقالت لم ~~بعثت إلي بطلاقي هل لشيء رابك مني قال نعم PageV02P029 # دخلت عليك في السحر وأنت تتخللين فإن كنت بادرت الغداء ~~فأنت شرهة وإن كنت بت والطعام بين أسنانك فأنت قذرة فقالت كل ذلك لم يكن ~~لكني تخللت من شظايا السواك فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثقفي فولدت له ~~الحجاج مشوها لا دبر له فنقب عن دبره وأبى أن يقبل ثدي أمه أو غيرها ~~فأعياهم أمره فيقال إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة المقدم ~~ذكره فقال ما خبركم قالوا بني ولد ليوسف من الفارعة وقد أبى أن يقبل ثدي ~~أمه فقال اذبحوا جديا أسود وأولغوه دمه فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا ~~به كذلك فإذا كان اليوم الثالث فاذبحوا له تيسا أسود وأولغوه دمه ثم اذبحوا ~~له أسود سالخا فأولغوه دمه واطلوا به وجهه فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع ~~قال ففعلوا به ذلك فكان لا يصبر عن سفك الدماء لما كان منه في أول أمره ~~وكان الحجاج يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء وارتكاب أمور لا يقدم ~~عليها غيره وذكر ابن عبد ربه في العقد أن الفارعة المذكورة كانت ms0257 زوجة ~~المغيرة ابن شعبة وأنه هو الذي طلقها لأجل الحكاية المذكورة في التخلل وذكر ~~أيضا أن الحجاج وأباه كانا يعلمان الصبيان بالطائف ثم لحق الحجاج بروح بن ~~زنباع الجذامي وزير عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته إلى أن رأى عبد ~~الملك انحلال عسكره وأن الناس لا يرحلون برحيله ولا ينزلون بنزوله فشكا ذلك ~~إلى روح بن زنباع فقال له إن في شرطتي رجلا لو قلده أمير المؤمنين أمر ~~عسكره لأرحل الناس برحيله وأنزلهم بنزوله يقال له الحجاج ابن يوسف قال فإنا ~~قد قلدناه ذلك فكان لا يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان روح ~~بن زنباع فوقف عليهم يوما وقد أرحل الناس وهم على طعام يأكلون فقال لهم ما ~~منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين قالوا له انزل يا ابن اللخناء فكل ~~معنا قال لهم هيهات PageV02P030 # ذهب ما هنالك ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط وطوفهم في ~~العسكر وأمر بفساطيط روح فأحرقت بالنار فدخل روح على عبد الملك باكيا وقال ~~يا أمير المؤمنين إن الحجاج الذي كان في شرطتي ضرب غلماني وأحرق فساطيطي ~~قال علي به فلما دخل عليه قال له ما حملك على ما فعلت قال أنا ما فعلت قال ~~ومن فعل قال أنت فعلت إنما يدي يدك وسوطي سوطك وما على أمير المؤمنين أن ~~يخلف لروح عوض الفسطاط فسطاطين وعوض الغلام غلامين ولا يكسرني فيما قدمني ~~له فأخلف لروح ما ذهب له وتقدم الحجاج في منزلته وكان ذلك أول ما عرف من ~~كفايته وكان للحجاج في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها ~~ويقال إن زياد ابن أبيه أراد أن يتشبه بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه في ضبط الأمور والحزم والصرامة وإقامة السياسات إلا أنه أسرف ~~وتجاوز الحد وأراد الحجاج أن يتشبه بزياد فأهلك ودمر وخطب يوما فقال في ~~أثناء كلامه أيها الناس إن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب ~~الله فقام إليه رجل فقال ويحك يا حجاج ms0258 ما أصفق وجهك وأقل حياءك فأمر به ~~فحبس فلما نزل عن المنبر دعا به فقال له لقد اجترأت علي فقال له أتجترىء ~~على الله فلا ننكره ونجترىء عليك فتنكره فخلى سبيله وذكر أبو الفرج ابن ~~الجوزي في كتابه تلقيح فهوم أهل الأثر أن الفارعة أم الحجاج هي المتمنية ~~ولما تمنت كانت تحت المغيرة بن شعبة وقص قصتها ونذكرها مختصرة وهي أن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه طاف ليلة في المدينة فسمع امرأة تنشد في خدرها (هل ~~من سبيل إلى خمر فأشربها * أم من سبيل إلي نصر بن حجاج) فقال عمر رضي الله ~~عنه لا أرى معي في المدينة رجلا تهتف به العواتق في خدورهن علي بنصر بن ~~حجاج فأتي به فإذا هو أحسن الناس وجها PageV02P031 # وأحسنهم شعرا فقال عمر رضي الله عنه عزيمة من أمير ~~المؤمنين لتأخذن من شعرك فأخذ من شعره فخرج له وجنتان كأنهما شقتا قمر فقال ~~اعتم فاعتم ففتن الناس بعينيه فقال عمر رضي الله عنه والله لا تساكنني ~~ببلدة أنا فيها قال يا أمير المؤمنين ما ذنبي قال هو ما أقول لك وسيره إلى ~~البصرة هذه خلاصة القصة وبقيتها لا حاجة إلى ذكره ونصر المذكور ابن حجاج بن ~~علاط السلمي وأبوه صحابي رضي الله عنه وقيل إن المتمنية هي جدة الحجاج أم ~~أبيه وهي كنانية وحكى أبو أحمد العسكري في كتاب التصحيف أن الناس غبروا ~~يقرؤون في مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه نيفا وأربعين سنة إلى إيام عبد ~~الملك بن مروان ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق ففزع الحجاج بن يوسف الثقفي ~~إلى كتابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات فيقال إن نصر بن ~~عاصم قام بذلك فوضع النقط أفرادا وأزواجا وخالف بين أماكنها فغبر الناس ~~بذلك زمانا لا يكتبون إلا منقوطا فكان مع استعمال النقط أيضا يقع التصحيف ~~فأحدثوا الإعجام فكانوا يتبعون النقط والإعجام فإذا أغفل الاستقصاء عن ~~الكلمة فلم توف حقوقها اعترى التصحيف فالتمسوا حيلة فلم يقدروا فيها إلا ~~على الأخذ ms0259 من أفواه الرجال بالتلقين حكى القاضي أبو الفرج المعافى في كتاب ~~الجليس والأنيس قال لما أراد الحجاج بن يوسف الخروج من البصرة إلى مكة ~~شرفها الله تعالى خطب الناس فقال يا أهل البصرة إني أريد الخروج إلى مكة ~~وقد استخلفت عليكم محمدا ابني وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الأنصار فإنه أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ~~ألا وإني قد أوصيته فيكم أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم ألا ~~وإنكم قائلون بعدي كلمة ليس يمنعكم من إظهارها إلا الخوف لا أحسن الله له ~~الصحابة وإني معجل لكم الجواب لا أحسن الله عليكم الخلافة PageV02P032 # قال أبو العباس المبرد في إسناد ذكره آخره عبد الملك ~~بن عمير الليثي قال بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة وأهل الكوفة يومئذ ~~ذوو حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ أتانا آت ~~فقال هذا الحجاج ابن يوسف قد قدم أميرا على العراق فإذا به قد دخل المسجد ~~متعمما بعمامة غطى بها أكثر وجهه متقلدا سيفا متنكبا قوسا يؤم المنبر فقام ~~الناس نحوه حتى صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض قبح ~~الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق قال عمير بن ضابىء البرجمي ~~ألا أحصبه لكم فقالوا أمهل حتى ننظر فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام ~~عن فيه ونهض فقال (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني) ~~ثم قال والله يا أهل الكوفة والعراق إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها ~~وإني لصاحبها وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى وإن أمير المؤمنين ~~نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا فرماكم بين لأنكم ~~طال ما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال والله لأحزمنكم حزم ~~السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل فإنكم لكأهل * (قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف ms0260 بما كانوا يصنعون) * والله إني ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت ~~ولا أخلق إلا فريت وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم ~~لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد ~~أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير ~~المؤمنين فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير ~~المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم فلم يقل أحد شيئا فقال ~~الحجاج اكفف يا غلام ثم أقبل على الناس فقال يسلم عليكم أمير المؤمنين فلم ~~تردوا عليه شيئا هذا أدب ابن نهية أما والله لاؤدبنكم PageV02P033 # غير هذا الأدب أو لتستقيمن اقرأ عليهم يا غلام كتاب ~~أمير المؤمنين فلما بلغ إلى قوله سلام عليكم لم يبق أحد في المسجد إلا قال ~~وعلى أمير المؤمنين السلام ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم فجعلوا يأخذون حتى ~~أتاه شيخ يرعش كبرا فقال أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي ابن هو ~~أقوى على الأسفار مني أفتقبله بدلا مني فقال الحجاج نفعل أيها الشيخ فلما ~~ولى قال له قائل أتدري من هذا أيها الأمير قال لا قال هذا عمير بن ضابىء ~~البرجمي الذي يقول أبوه في عثمان بن عفان (هممت ولم أفعل وكدت وليتني * ~~تركت على عثمان تبكي حلائله) ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولا فوطىء بطنه ~~فكسر ضلعين من أضلاعه فقال ردوه فلما رد قال له الحجاج أيها الشيخ هلا بعثت ~~إلى أمير المؤمنين عثمان رحمه الله تعالى بديلا يوم الدار إن في قتلك أيها ~~الشيخ لصلاحا للمسلمين يا حرسي اضربن عنقه فجعل الرجل يضيق عليه أمره ~~فيرتحل ويأمر وليه أن يلحقه بزاده ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي ~~(تجهز فإما أن تزور ابن ضابىء * عميرا وإما أن تزور المهلبا) وكان من قصة ~~عمير بن ضابىء أن أباه ضابىء بن الحارث البرجمي وجب عليه حبس عند عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه ms0261 وأدب وذلك أنه كان استعار كلبا من قوم فأعاروه إياه ثم ~~طلبوه منه وكان فحاشا فرمى أمهم به فقال في بعض كلامه (فأمكم لا تتركوها ~~وكلبكم * فإن عقوق الوالدات كبير) فاضطغن على عثمان رضي الله عنه ما فعل ~~فلما دعي ليؤدب شد سكينا في ساقه ليقتل بها عثمان رحمه الله فعثر عليه ~~فأحسن أدبه ففي ذلك يقول هممتولم أفعل PageV02P034 # ولما أسرف الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وإعطاء ~~الأموال بلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين سرفك ~~في الدماء وتبذير الأموال ولا يحتمل أمير المؤمنين هاتين لأحد من الناس وقد ~~حكم عليك في الدماء في الخطأ بالدية وفي العمد بالقود وفي الأموال بردها ~~إلى موضعها ثم العمل فيها برأيه وإنما أمير المؤمنين أمين الله وسيان عنده ~~منع حق وإعطاء باطل فإن كنت أردت الناس لك فما أغناهم عنك وإن كنت أردتهم ~~لنفسك فما أغناك عنهم وسيأتيك من أمير المؤمنين لين وشدة فلا يؤنسك إلا ~~الطاعة ولا يوحشنك إلا المعصية وظن بأمير المؤمنين كل شيء إلا احتمالك على ~~الخطأ وإذا أعطاك الله الظفر بقوم فلا تقتلن جانحا ولا أسيرا وكتب في أسفل ~~كتابه (إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها * طلبت رضاي بالذي أنت طالبه) (وتخشى ~~الذي يخشاه مثلك هاربا * إلي فها قد ضيع الدر حالبه) (وإن تر مني غفلة ~~قرشية * فيا ربما قد غص بالماء شاربه) (وإن تر مني وثبة أموية * فهذا وهذا ~~كله أنا صاحبه) (فلا تأمنني والحوادث جمة * فإنك مجزى بالذي أنت كاسبه) ~~(ولا تعد ما يأتيك مني وإن تعد * يقوم بها يوم عليك نوادبه) (ولا ترفعن ~~للناس حقا علمته * ولا تغضبن فاللين للناس جانبه) فأجابه الحجاج أما بعد ~~فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي في الدماء وتبذيري للأموال ~~ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية ما هم أهله وما قضيت في أهل الطاعة ما ~~استحقوه فإن كان قتلي أولئك العصاة سرفا وإعطائي أولئك المطيعين تبذيرا ~~فليسوغني أمير المؤمنين ما سلف وليحد ms0262 لي حدا أنتهي إليه إن شاء الله تعالى ~~ولا قوة إلا بالله ووالله ما سلبت نعمة إلا بكفرها ولا تمت إلا بشكرها ولا ~~أصبت القوم خطأ فأديهم ولا ظلمتهم فأقاد بهم ولا أعطيت إلا لك ولا قتلت إلا ~~فيك وأما ما أتاني من أمريك فأبينهما عزة أعظمهما محنة PageV02P035 # وقد عبأت للعزة الجلاد وللمحنة الصبر وكتب في أسفل ~~كتابه (إذا أنا لم أبغ رضاك وأتقي * أذاك فيومي لا تزول كواكبه) (وما ~~لامرىء بعد الخليفة جنة * تقيه من الأمر الذي هو كاسبه) (أسالم من سالمت من ~~ذي هوادة * ومن لم تسالمه فإني محاربه) (إذا قارف الحجاج منك خطيئة * فقامت ~~عليه في الصباح نوادبه) (إذا أنا لم أدن الشفيق لصنعه * وأقص الذي تسري إلي ~~عقاربه) (فقف لي على حد الرضى لا أجوزه * مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه) ~~(وإلا فدعني والأمور فإنني * شفيق رقيق أهلته تجاربه) فلما قرأ عبد الملك ~~كتابه قال خاف أبو محمد صولتي ولن أعود إلى ما يكره وذكر حماد الراوية أن ~~الحجاج سهر ليلة بالكوفة فقال لحرسه ايتني بمحدث من المسجد فأتاه بسبرة بن ~~الجعد فدخل وسلم بلسان ذلق وقلب شديد فقال له الحجاج ممن الرجل قال من بني ~~شيبان قال ما اسمك قال سبرة بن الجعد قال يا سبرة قرأت القرآن قال قد جمعته ~~في صدري فإن عملت به فقد حفظته وإن خالفته فقد ضيعته فاتخذه الحجاج سميرا ~~فما كان يتطلب شيئا من الحديث إلا وجد عنده منه وكان يرى رأي الخوارج وكان ~~من أصحاب قطري بن الفجاءة المزني التميمي والفجاءة أمه وكانت من بني شيبان ~~وإنما هو رجل من تميم وكان قطري يومئذ يحارب المهلب فبلغ قطريا ما كان من ~~سبره مع الحجاج فكتب إليه من جملة قصيدة (لشتان ما بين ابن جعد وبيننا *) ~~فلما قرأ كتابه بكى وركب فرسه وأخذ سلاحه ولحق بقطري وطلبه الحجاج فلم يقدر ~~عليه ولم يرع الحجاج إلا وكتاب فيه شعر قطري الذي كان كتب به PageV02P036 # إليه وفي أسفل الكتاب أبيات من ms0263 جملتها (فمن مبلغ ~~الحجاج أن سميره * قلى كل دين غير دين الخوارج) فطرح الكتاب إلى عنبسة بن ~~سعيد وقال هذا من سميري الشيباني وهو خارجي ولا نعلم به قال القاضي أبو ~~الفرج المعافى حدث العتبي قال كانت امرأة من الخوارج يقال لها فراشة وكانت ~~ذات نية في رأي الخوارج تجهز أصحاب البصائر ولم يظفر بها وكان الحجاج يدعو ~~الله أن يمكنه منها أو من بعض من جهزته فراشة فمكث ما شاء الله ثم جيء برجل ~~فقيل له هذا ممن جهزته فراشة فخر ساجدا ثم رفع رأسه فقال يا عدو الله قال ~~أنت أولى بها يا حجاج قال أين فراشة قال مرت تطير منذ ثلاث قال أين تطير ~~قال ما بين السماء والأرض قال أعن تلك سألتك عليك لعنة الله قال عن تلك ~~أخبرتك عليك غضب الله قال سألتك عن المرأة التي جهزتك وأصحابك قال وما تصنع ~~بها قال أضرب عنقها قال ويلك يا حجاج ما أجهلك أدلك وأنت عدو الله على من ~~هو ولي الله لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين قال فما رأيك في أمير ~~المؤمنين عبد الملك قال على ذلك الفاسق لعنة الله ولعنة اللاعنين قال ولم ~~لا أم لك قال إنه أخطأ خطيئة طبقت ما بين السماء والأرض قال وما هي قال ~~استعماله إياك على رقاب المسلمين فقال لجلسائه ما رأيكم فيه قالوا نرى أن ~~تقتله قتلة لم يقتل مثلها أحد قال ويحك يا حجاج جلساء أخيك أحسن مجالسة من ~~جلسائك قال وأي أخوي تريد قال فرعون حين شاور في موسى فقالوا أرجئه وأخاه ~~وأشار هؤلاء عليك بقتلي قال فهل جمعت القرآن قال ما كان مفرقا فأجمعه قال ~~اقرأته ظاهرا قال معاذ الله بل قرأته وأنا أنظر إليه قال فكيف تراك تلقى ~~الله إن قتلتك قال ألقاه بعملي وتلقاه بدمي قال إذن أعجلك إلى النار قال لو ~~علمت أن ذلك إليك أحسنت عبادتك واتقيت عذابك ولم أبغ خلافك ومناقضتك قابل ~~إني قاتلك قال إذن PageV02P037 # أخاصمك لأن ms0264 الحكم يومئذ إلى غيرك قال نقمعك عن الكلام ~~السيء يا حرسي اضرب عنقه وأومأ إلى السياف ألا تقتله فجعل يأتيه من بين ~~يديه ومن خلفه ويروعه بالسيف فلما طال ذلك رشح جبينه قال جزعت من الموت يا ~~عدو الله قال لا يا فاسق ولكن أبطأت علي بما فيه راحة قال يا حرسي أوجب ~~جرحه فلما أحس بالسيف قال لا إله إلا الله والله لقد أتمها ورأسه في الأرض ~~وقال القاضي لما حمل الأسرى إلى الحجاج وهو حينئذ بواسط القصب قبل أن يبني ~~مدينة واسط قال لحاجبه قدم إلي سيدهم فيروز بن الحصين فقال له الحجاج أبا ~~عثمان ما أخرجك مع هؤلاء قال فتنة عمت الناس فقال اكتب لي أموالك قال ثم ~~ماذا قال اكتبها أولا قال ثم أنا آمن على دمي قال اكتبها ثم أنظر قال اكتب ~~يا غلام ألف ألفي ألف حتى ذكر مالا كثيرا فقال الحجاج أين هي وعند من هي ~~قال لا والله لا جمعت بين مالي ودمي فأمر الحجاج فعذب بأنواع العذاب وكان ~~من جملة ما عذب به أن يشد عليه القصب الفارسي المشقوق ثم يجر حتى يجرح جسده ~~ثم ينضح عليه الخل والملح فلما أحس بالموت قال إن الناس لا تشكن أني قتلت ~~ولي ودائع وأموال عند الناس لا تؤدى إليكم أبدا فأظهروني للناس ليعلموا أني ~~حي فيؤدوا المال فأخرج فصاح في الناس من عرفني فقد عرفني أنا فيروز إن لي ~~عند أقوام مالا فمن كان لي عنده شيء فهو له وهو منه في حل فلا يؤدين أحد ~~منه درهما ليبلغ الشاهد الغائب فأمر به الحجاج فقتل وجلس الحجاج يوما لقتل ~~أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس فقام رجل منهم فقال أصلح الله ~~الأمير إن لي عليك حقا قال وما حقك قال سبك عبد الرحمن يوما فرددت عليه ~~فقال من يعلم ذلك قال أنشد الله رجلا سمع ذلك إلا شهد به فقام رجل من ~~الأسرى فقال قد كان ذاك أيها الأمير قال ms0265 خلوا عنه ثم قال للشاهد فما منعك ~~أن تنكر كما أنكر قال لقديم بغضني إياك قال ولنخل عنه لصدقه PageV02P038 # قال أبو الحسن المدائني لما ظفر الحجاج بأصحاب ابن ~~الأشعث جلس لضرب أعناقهم عامة النهار فأتي آخرهم برجل من بني تميم قال له ~~والله يا حجاج لئن كنا قد أسأنا في الذنب لما أحسنت في العقوبة فقال الحجاج ~~أف لهذه الجيف أما فيها رجل يحسن مثل هذا وعفا عنه ولما حضر الشعبي بين يدي ~~الحجاج سلم بالإمرة ثم قال أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك ~~لغير ما يعلم الله أنه الحق وأيم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقا قد ~~والله خرجنا عليك واجتهدنا كل الجهد فما ألونا فما كنا بالفجرة الأقوياء ~~ولا البررة الأتقياء ولقد نصرك الله علينا وظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا وما ~~جرت إلينا أيدينا وإن عفوت عنا فبحلمك وبعد الحجة لك علينا فقال له الحجاج ~~أنت والله أحب إلي ممن يدخل علي يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول ما فعلت وما ~~شهدت قد أمنت عندنا يا شعبي فانصرف وقال الشعبي سمعت الحجاج تكلم بكلام ما ~~سبقه إليه أحد يقول أما بعد فإن الله كتب على الدنيا الفناء وعلى الآخرة ~~البقاء فلا فناء لما كتب عليه البقاء ولا بقاء لما كتب عليه الفناء فلا ~~يغرنك شاهد الدنيا عن غائب الآخرة واقهروا طول الأمل بقصر الأجل وكان ~~إبراهيم النخعي هاربا من الحجاج مدة أيامه ثم ظهر بعده فقيل له أين كنت قال ~~بحيث يقول الشاعر (عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى * وصوت إنسان فكدت ~~أطير) وذكر الحسن بن محمد بن هلال الصابىء أن الحجاج انفرد يوما عن عسكره ~~فمر برجل يسقي ضيعة له فقال له كيف حالكم مع أميركم فقال لعنه PageV02P039 # الله المبيد المبير الحقود عجل الله الانتقام منه فقال ~~له تعرفني قال لا والله قال أنا الحجاج فرأى الرجل أن دمه قد طاح فرفع عصا ~~كانت معه وقال أتعرفني أنا أبو ثور المجنون وهذا ms0266 يوم صرعي وأزبد وأرغى وهاج ~~وأراد أن يضرب رأسه بالعصا فضحك منه وانصرف وكان الحجاج كثيرا ما يسأل ~~القراء فدخل عليه يوما رجل فقال له ما قبل قوله تعالى * (من هو قانت آناء ~~الليل) * فقال * (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار) * قال فما سأل ~~أحدا بعدها وخطب في يوم الجمعة فأطال الخطبة فقام إليه رجل فقال إن الوقت ~~لا ينتظرك والرب لا يعذرك فأمر به إلى الحبس فأتاه آل الرجل فقالوا إنه ~~مجنون فقال إن أقر على نفسه بما ذكرتم خليت سبيله فقال الرجل لا والله لا ~~أزعم انه ابتلاني وقد عافاني وممن هرب من الحجاج محمد بن عبد الله بن نمير ~~الثقفي وكان يشبب بزينب بنت يوسف أخت الحجاج وهو الذي يقول (تضوع مسكا بطن ~~نعمان أن مشت * به زينب في نسوة عطرات) فلما أتي به الحجاج قال والله أيها ~~الأمير إن قلت إلا خيرا إنما قلت (يخضبن أطراف البنان من التقى * ويخرجن ~~شطر الليل معتجرات) قال فأخبرني عن قولك (ولما رأت ركب النميري أعرضت * وكن ~~من أن يلقينه حذرات) ما كنتم قال كنت على حمار هزيل ومعي صاحب على اتان ~~مثله فعفا عنه لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ارتجت مكة بالبكاء ~~والعويل فأمر الحجاج بالناس فجمعوا إلى المسجد ثم صعد المنبر فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال يا أهل مكة بلغني بكاؤكم واستفظاعكم قتل عبد الله بن ~~الزبير ألا وإن ابن الزبير كان من أحبار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ~~ونازع فيها أهلها وخلع PageV02P040 # طاعة الله واستكن إلى حرم الله ولو كان شيء مانعا ~~للقضاء لمنعت آدم حرمة الجنة لأن الله تعالى خلقه بيده ونفخ فيه من روحه ~~وأسجد له ملائكته واباحه جنته فلما كان منه ما كان أخرجه من الجنة بخطيئته ~~وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة فاذكروا الله ~~يذكركم ونزل قال مالك بن دينار ربما سمعت الحجاج يذكر ما صنع به أهل العراق ~~وما صنع ms0267 بهم فوقع في نفسي أنهم يظلمونه لبيانه وحسن تخلصه للحجج قال القاضي ~~المعافى بن زكريا في كتاب الجليس والأنيس حدث الزبير ابن بكار عن الزهري ~~قال لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتل عبد الله ابن الزبير استحضر ~~إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقربه في المنزلة فلم يزل على حاله عنده حتى ~~خرج إلى عبد الملك زائرا له فخرج معه فعادله لا يترك في بره وإجلاله ~~وتعظيمه شيئا فلما حضر باب عبد الملك حضر به معه فلما دخل على عبد الملك لم ~~يبدإ بشيء بعد السلام إلا أن قال قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز ~~لم أدع له والله فيها نظيرا في كمال المروءة والأدب والرئاسة والديانة ~~والستر وحسن المذهب والطاعة والنصيحة مع القرابة ووجوب الحق إبراهيم ابن ~~طلحة بن عبيد الله وقد أحضرته بابك ليسهل عليه إذنك وتلقاه ببشرك وتفعل به ~~ما يفعل بمثله ممن كانت مذاهبه مثل مذاهبه فقال عبد الملك ذكرتنا حقا واجبا ~~ورحما قريبة يا غلام ايذن لإبراهيم بن طلحة فلما دخل قربه حتى أجلسه على ~~فراشه ثم قال له يا ابن طلحة إن أبا محمد أذكرنا ما لم نزل نعرفك به من ~~الفضل والأدب وحسن المذهب مع قرابة الرحم ووجوب الحق فلا تدعن حاجة من خاص ~~أمرك ولا عامة إلا ذكرتها قال يا أمير المؤمنين إن أولى الأمور أن تفتح بها ~~الحوائج وترجى بها الزلف ما كان لله عز وجل رضى ولحق نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أداء ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة وإن عندي نصيحة لا أجد بدا من ~~ذكرها ولا يكون البوح بها إلا وأنا خال فأخلني ترد عليك نصيحتي قال دون أبي ~~محمد قال نعم قال قم يا حجاج فلما جاوز الستر قال قل يا ابن طلحة نصيحتك ~~قال الله يا أمير المؤمنين قال الله قال إنك عمدت إلى الحجاج مع تغطرسه ~~وتعجرفه PageV02P041 # وبعده عن الحق وركونه إلى الباطل فوليته الحرمين ~~وفيهما من فيهما وبمها من بهما من المهاجرين ms0268 والأنصار والموالي المنتسبة ~~الأخيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبناء الصحابة يسومهم الخسف ~~ويقودهم العسف ويحكم فيهم بغير السنة ويطؤهم بطغام من أهل الشام ورعاع لا ~~روية لهم في إقامة حق ولا إزاحة باطل ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله ~~ينجيك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلصك إذا جاثاك للخصومة في أمته ~~أما والله لا تنجو هناك إلا بحجة تضمن لك النجاة فأبق على نفسك أو دع فقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فاستوى ~~عبد الملك جالسا وكان متكئا فقال كذبت لعمر الله ومنت ولؤمت فيما جئت به قد ~~ظن بك الحجاج ما لم يجده فيك وربما ظن الخير لغير أهله قم فأنت الكاذب ~~المائن الحاسد قال فقمت والله ما أبصر طريقا فلما خلفت الستر لحقني لاحق من ~~قبله فقال للحاجب احبس هذا الرجل وأدخل أبا محمد الحجاج فلبثت مليا وأنا لا ~~أشك أنهما في أمري ثم خرج الآذن فقال قم يا ابن فادخل فلما كشف لي الستر ~~لقيني الحجاج وأنا داخل وهو خارج فاعتنقني وقبل ما بين عيني ثم قال إذا جزى ~~الله المتآخيين بفضل تواصلهما فجزاك الله أفضل ما جزى به أخا فوالله لئن ~~سلمت لك لأرفعن ناظرك ولأعلين كعبك ولأتبعن الرجال غبار قدميك قال فقلت ~~يهزأ بي فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني في مجلسي الأول ثم قال ~~يا ابن طلحة لعل أحدا من الناس شاركك في نصيحتك قال قلت لا والله ولا أعلم ~~أحدا كان أظهر عندي معروفا ولا أوضح يدا من الحجاج ولو كنت محابيا أحدا ~~بديني لكان هو ولكني آثرت الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~ولو أردت الدنيا لكان لي في الحجاج أمل فقال قد علمت ذلك وقد أزلت الحجاج ~~عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما وأعلمته أنك استنزلتيني له عنهما ~~استصغارا ووليته العراقين لما هناك من الأمور التي لا يرحفها إلا مثله ms0269 ~~وأعلمته أنك استدعيتني إلى التولية له عليهما استزادة له ليلزمه من ذمامك ~~ما يؤدي به عني إليك أجر نصيحتك فأخرج معه فإنك غير ذام صحبته مع تقريطه ~~إياك ويدك عنده قال PageV02P042 # فخرجت علي هذه الجملة وروي عن محمد بن المنتشر بن ~~الأجدع الهمداني قال دفع إلي الحجاج ازارمرد ابن الهربذ وأمرني أن أستخرج ~~منه وأغلظ عليه فلما انطلقت به قال لي يا محمد إن لك شرفا ودينا وإني لا ~~أعطي على القسر شيئا وارفق بي قال ففعلت فأدى إلي في أسبوع خمسمائة ألف قال ~~فبلغ ذلك الحجاج فأغضبه فانتزعه من يدي ودفعه إلى رجل كان يتولى له العذاب ~~فدق يديه ورجليه فلم يعطهم شيئا قال محمد بن المنتشر فإني لأمر يوما في ~~السوق فإذا به معروضا على حمار مدقوق اليدين والرجلين فخفت الحجاج إن أتيته ~~وتذممت فملت إليه فقال لي إنك وليت مني ما ولي هؤلاء فأحبست وإنهم صنعوا بي ~~ما ترى ولم أعطهم شيئا وهاهنا خمسمائة ألف درهم عند فلان فخذها فهي لك قال ~~فقلت ما كنت لآخذ منك على معروفي أجرا ولا لأرزأك على هذه الحال شيئا قال ~~فأما إذا أتيت فاستمع أحدثك حدثني بعض أهل دينك عن نبيك صلى الله عليه وسلم ~~قال إذا رضي الله عن قوم أمطرهم المطر في حينه وجعل المال عند سمحائهم ~~واستعمل عليهم خيارهم وإذا سخط عليهم استعمل عليهم شرارهم وجعل المال عند ~~بخلائهم وأمطرهم المطر في غير حينه قال فانصرفت فما وضعت ثوبي حتى أتاني ~~رسول الحجاج فأمرني بالمصير إليه فألفيته جالسا على فرشه والسيف منتضى بين ~~يديه فقال ادن فدنوت شيئا ثم قال ادن فدنوت شيئا ثم صاح الثالثة ادن لا ابا ~~لك فقلت والله ما بي إلى الدنو من حاجة وفي يد الأمير ما أرى فأضحك الله ~~سنه وأغمد عني سيفه فقال لي اجلس ما كان من حديث الأمس فقلت والله أيها ~~الأمير ما غششتك منذ استنصحتني ولا كذبتك منذ استخبرتني ولا خنتك منذ ~~ائتمنتني ثم حدثته الحديث فلما ms0270 صرت إلى ذكر الرجل الذي عنده المال أعرض عني ~~بوجهه وأومأ إلي بيده ثم قال لا تتمه ثم قال إن للخبيث نفسا وقد سمع ~~الأحاديث ويقال كان الحجاج إذا استغرب ضاحكا والى بين الاستغفار وإذا صعد ~~المنبر تلفع بمطرفه ثم تكلم رويدا فلا يكاد يسمع ثم يتزيد في الكلام حتى ~~يخرج PageV02P043 # يده من مطرفه ويزجر الزجرة فيفزع بها من في أقصى ~~المسجد وكان يطعم كل يوم على ألف مائدة على كل مائدة ثريد وطرف من شواء ~~وسمكة طرية ويطاف به في محفة على تلك الموائد ليتفقد أمور الناس وعلى كل ~~مائدة عشرة ثم يقول يا أهل الشام اكسروا الخبز لئلا يعود عليكم وكان له ~~ساقيان أحدهما يسقي الماء والعسل والآخر يسقي اللبن ولما دخل الحجاج إلى ~~مكة اعتذر إلى أهلها لقلة ما وصلهم به فقال قائل منهم إنا والله لا نعذرك ~~وأنت أمير العراقين وابن عظيم القريتين وذلك أن عروة بن مسعود ولده من قبل ~~أمه والقريتان مكة والطائف أمر الحجاج ابن القرية أن يأتي هند بنت أسماء ~~فيطلقها بكلمتين ويمتعها بعشرة آلاف درهم فأتاها فقال لها إن الحجاج يقول ~~لك كنت فبنت وهذه عشرة آلاف درهم متعة لك فقالت قل له كنا فما حمدنا وبنا ~~فما ندمنا وهذه الدراهم مشاركتك إياي بطلاقي ووفد الحجاج على الوليد بن عبد ~~الملك في خلافته فوجده في بعض نرهه فاستقبله فلما رآه ترجل له وقبل يده ~~وجعل يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية فقال له الوليد اركب أبا محمد فقال ~~يا أمير المؤمنين دعني أستكثر من الجهاد في خدمتك فإن ابن الزبير وابن ~~الأشعث شغلاني عنه فعزم عليه الوليد حتى ركب ودخل الوليد داره فتغلل في ~~غلالة ثم أذن للحجاج فدخل في حاله تلك وأطال الجلوس عنده إذ جاءت جارية ~~فساررته وانصرفت فقال الوليد للحجاج أتدري ما هذا أبا محمد قال لا والله ~~قال بعثت ابنة عمي أم البنين بنت عبد العزيز تقول ما مجالستك هذا الأعرابي ~~المستلئم في السلاح وأنت في غلالة ms0271 فأرسل إليها إنه الحجاج فراعها ذلك وقالت ~~والله ما أحب أن يخلو بك وقد قتل الخلق فقال الحجاج يا أمير المؤمنين دع ~~عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة فلا ~~تطلعهن على سرك ولا مكايدة عدوك ولا تطمعهن في غير أنفسهن ولا تشغلهن بأكثر ~~من PageV02P044 # زينتهن وإياك ومشاورتهن وأكثر من ذلك ثم نهض الحجاج ~~فخرج ودخل الوليد على أم البنين فأخبزها بمقالة الحجاج فقالبت أحب يقال إن ~~تأمره غدا بالتسليم علي قال أفعل فلما غدا الحجاج على الوليد قال له يا أبا ~~محمد صر إلى أم البنين فسلم عليها فقال اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين قال ~~لا بد منه فمضى الحجاج إليها فحجبته طويلا ثم أذنت له وتركته قائما ولم ~~تأذن له في الجلوس ثم قالت إيه يا حجاج أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتل ~~ابن الزبير وابن الأشعث أما والله لولا أن الله علم أنك أهون خليقته ما ~~ابتلاك برمي الكعبة وقتل ابن ذات النطاقين فأما ابن الأشعث فقد والله وإلى ~~عليك الهزائم حتى لذت بأمير المؤمنين عبد الملك فأغاثك بأهل الشام وأنت في ~~أضيق من القرن فأظلتك رماحهم ولطالما نفض نساء أمير المؤمنين المسك عن ~~غدائرهن وبعنه في الأسواق حتى أخرج في أوزاق البعوث إليك ولولا ذلك لكنت ~~أذل من البقة وأما ما أشرت به على أمير المؤمنين من ترك لذاته والامتناع عن ~~بلوغ أوطاره من نسائه فإنه غير قابل منك ولا مصغ إلى نصيحتك فإن كن يفرجن ~~عن مثلك فما أولاه بالقبول منك ثم قالت لجواريها أخرجوه عني فدخل على ~~الوليد من فوره فقال يا أبا محمد ما كنت فيه قال والله يا أمير المؤمنين ما ~~سكتت حتى كان بطن الأرض أحب إلي من ظهرها فضحك الوليد حتى فحص برجليه ثم ~~قال يا أبا محمد انها ابنة عبد العزيز وقيل إن أم البنين المذكورة كانت ~~تهوى وضاح اليمن الشاعر وكان جميلا وكانت ترسل إليه فيدخل إليها ويقين ~~عندها وإذا خافت وارته في صندوق ms0272 عندها وأقفلت عليه وهو القائل (حتام نكتم ~~حزننا حتاما * وعلام نستبقي الدموع علاما) (يا رب أمتعني بطول بقائها * ~~واجبر بها الأرمال والأيتاما) (قد أصبحت أم البنين مريضة * تخشى وتشفق أن ~~يكون حماما) فدخل الخادم إليها مفاجأة فرأى وضاحا عندها فأدخلته الصندوق ~~وأقفلت عليه فطلب منها الخادم حجرا نفيسا كان يعرفه عندها فمنعته إياه بخلا ~~به PageV02P045 # فمضى وأخبر الوليد بالحال فقالت له كذبت يا ابن ~~الفاعلة ثم جاء الوليد إلى أم البنين فدخل وهي جالسة في ذلك البيت تمشط ~~رأسها وكان الخادم قد وصف له الصندوق فجلس الوليد فوقه ثم قال يا أم البنين ~~ما أحب هذا البيت إليك دون البيوت فلم اخترته قالت لأنه مجمع حوائجي كلها ~~فأنا أتناولها منه من قريب فقال هبي لي صندوقا من هذه الصناديق فقالت كلها ~~بحكمك يا أمير المؤمنين فقال إنما إريد واحدا منها فقالت خذ أيها شئت فقال ~~هذا الصندوق الذي تحتي فقالت غيره أحب إليك منه فإن لي فيه أشياء أحتاج ~~إليها فقال ما أريد سواه فقالت خذه فدعا بالخدم وأمرهم بحمله حتى انتهى إلى ~~مجلس فوضعه فيه ثم دعا عبيدا له عجما وأمرهم بحفر بئر في المجلس فحفرت إلى ~~الماء ثم دعا بالصندوق فوضعه على شفير البئر ودنا منه وقال يا صاحب الصندوق ~~إنه بلغنا شيء إن كان حقا فقد دفناك ودفنا ذكرك إلى آخر الدهر وإن كان ~~باطلا فإنما دفنا الخشب وما أهون ذلك ثم قذف به في البئر وهيل عليه التراب ~~وسويت الأرض ورد البساط عليه فما رؤي الوضاح بعد ذلك اليوم ولا أبصرت أم ~~البنين في وجه الوليد غضبا حتى فرق الموت بينهما وقيل حضر بساط الحجاج رجل ~~تعين عليه القتل وحضر أهل القود بحضوره فلما فرش النطع وسل السيف اتفق أن ~~ملأ عينه في حاله تلك فرأى بريق السيف ولمعان برق فاستنظر ثم أنشد مرتجلا ~~(تألق البرق من نجد فقلت له * يا أيها البرق إني عنك مشغول) (يكفيك ما قد ~~ترى من ثائر حنق * في كفه كصبيب ms0273 الماء مسلول) فلما رأى الحجاج ما كان من ~~حضور ذهنه وجودة شعره عطف عليه إشفاقا له وعرض على طالبيه أن يؤدي عنه ديته ~~فجعلوا يأبون وجعل يتولج في تحليل القصة ويتدرج في تنفيس الدية حتى بذل لهم ~~دية ملك فلما أبوا وعتوا قال لحرسه فكوا قيده وخلوا سبيله فإن من لم ينس ~~أحبته في هذا المقام لجدير أن لا يقتل PageV02P046 # وقيل أخذ الحجاج أعرابيا سرق فأمر بضربه فضرب فكلما ~~ضربه بالسوط قال اللهم شكرا فأتاه ابن عم له وقال والله ما دعا الأمير إلى ~~التمادي في ضربك إلا لكثرة شكرك لأن الله تعالى يقول * (لئن شكرتم ~~لأزيدنكم) * فأمر بإطلاقه وحدث محمد بن القاسم الأنباري عن المدئني عن مولى ~~لعنبسة بن سعيد بن العاص قال كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجاج فدخل ~~يوما ودخلت معه وليس عند الحجاج أحد غير عنسبة فقعدت فجيء الحجاج بطبق رطب ~~فأخذ الخادم منه شيئا فجاءني به ثم جيء بطبق آخر فأتاني الخادم منه بشيء ثم ~~جيء بطبق آخر حتى كثرت الأطباق وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءني منه بشيء حتى ~~ظننت أن ما بين يدي أكثر ما عندهم ثم جاء الحاجب فقال امرأة بالباب فقال ~~الحجاج أدخلها فدخلت فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب ~~الأرض فجاءت حتى قعدت بين يديه فنظرت فإذا امرأة حسنة الخلق ومعها جاريتان ~~لها فإذا هي ليلى الأخيلية فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له فقال لها يا ~~ليلى ما الذي أتى بك قالت إخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد ~~وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها صفي لنا الفجاج فقالت الفجاج مغبرة ~~والأرض مقشعرة والمبرك معتل وذو العيال مختل والهالك للقل والناس مسنتون ~~رحمة الله يرجون قد أصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعا ولا ربعا ولا ~~عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال ومزقت الرجال وأهلكت العيال ثم قالت إني قلت ~~في الأمير قولا قال هاتي فأنشأت تقول (أحجاج لا يفلل سلاحك ms0274 إنما المنايا * ~~بكف الله حيث يراها) (أحجاج لا تعطي العداة مناهم * ولا الله يعطي للعداة ~~مناها) (إذا نزل الحجاج أرضا مريضة * تتبع أقصى دائها فشفاها) (شفاها من ~~الداء العضال الذي بها * غلام إذا هز القناة سقاها) PageV02P047 # (سقاها فرواها بشرب سجاله * دماء رجال حيث مال حشاها) ~~(إذا سمع الحجاج ذكر كتيبة * أعد لها قبل النرول قراها) (أعد لها مسمومة ~~فارسية * بأيدي رجال يحلبون صراها) (فما ولد الأبكار والعون مثله * ببحر ~~ولا أرض يجف ثراها) قال فلما قالت هذا البيت قال الحجاج قاتلها الله والله ~~ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها ثم التفت إلى عنسبة بن سعيد فقال ~~والله إني لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبدا ثم التفت إليها فقال حسبك ويحك ~~ثم قال يا فلان اذهب بها إلى فلان فقل له اقطع لسانها فأمر بإحضار حجام ~~فقالت ثكلتك أمك أما سمعت ما قال إنما أمرك بقطع لساني بالبر والصلة فبعث ~~إليه فاستشاط الحجاج غضبا وهم بقطع لسانه فقال ارددها فلما دخلت عليه قالت ~~كاد والله أيها الأمير يقطع مقولي ثم أنشأت تقول (حجاج أنت الذي ما فوقه ~~أحد * إلا الخليفة والمستغفر الصمد) (حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت * وأنت ~~للناس نور في الدجى يقد) ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال أتدرون من هذه ~~قالوا لا والله أيها الأمير إلا أننا لم نر امرأة قط أفصح منها لسانا ولا ~~أحسن محاورة ولا أملح وجها ولا أرصن شعرا منها قال هذه ليلى الأخيلية التي ~~مات توبة الخفاجي من حبها ثم التفت إليها فقال أنشدينا يا ليلى بعض ما قال ~~فيك توبة فقالت نعم أيها الأمير هو الذي يقول (حمامة بطن الواديين ترنمي * ~~سقاك من الغر الغوادي مطيرها) (أبيني لنا لا زال ريشك ناعما * ولا زلت في ~~خضراء غض نضيرها) (وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت * فقد رابني منها الغداة ~~سفورها) (يقول رجال لا يضيرك نأيها * بلى كل ما شف النفوس يضيرها) (بلى قد ~~يضير العين أن تكثر البكا * ويمنع منها ms0275 نومها وسرورها) (وقد زعمت ليلى بأني ~~فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها) PageV02P048 # فقال الحجاج يا ليلى ما رابه من سفورك قالت أيها ~~الأمير كان يلم بي كثيرا فأرسل إلي آتيك ففطن الحي به فترصدوا له فلما ~~أتاني سفرت فعلم أن ذلك لشر فلم يزد على التسليم والرجوع فقال لله درك هل ~~رأيت منه شيئا تكرهينه قالت لا والذي أسأله أن يصلحك غير أنه قال لي مرة ~~قولا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر فأنشأت أقول (وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ~~* فليس إليها ما حييت سبيل) (لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه * وأنت لأخرى صاحب ~~وخليل) لا والله الذي أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئا حتى فرق الموت بيننا ~~قال ثم مه قالت ثم لم يلبث أن خرج في غزاة فأوصى ابن عمه إذا أتيت الحاضر ~~من بني عبادة فناد بأعلى صوتك (عفا الله عنها هل أبيتن ليلة * من الدهر لا ~~يسري إلي خيالها) فخرجت وأنا أقول (وعنه عفا ربي وأحسن حاله * فعز علينا ~~حاجة لا ينالها) قال ثم مه قالت ثم لم يلبث يقال إن مات فأتى ناعيه قال ~~فأنشدينا بعض مراثيك فيه فأنشدته (لتبك العذارى من خفاجة نسوة * بماء شؤون ~~العبرة المتحدر) قال فأنشدينا قولك فيه (كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ * ~~قلائص يفحصن الحصى بالكراكر) فأنشدته فلما فرغت من القصيدة قال محصن ~~الفقعسي وكان من جلساء الحجاج من هذا الذي يقال هذا فيه فوالله إني لأظنها ~~كاذبة فنظرت إليه ثم قالت والله أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة ~~لسره ألا يكون في داره عذراء إلا وهي حامل منه فقال الحجاج هذا وأبيك ~~الجواب وقد PageV02P049 # كنت عنه غنيا ثم قال لها سلي يا ليلى تعطي قال أعط ~~فمثلك أعطى فأحسن قال لك عشرون قالت زد فمثلك زاد فأجمل قال لك أربعون قالت ~~زد فمثلك زاد فأفضل قال لك ستون قالت زد فمثلك زاد فأكمل قال لك ثمانون ~~قالت زد فمثلك زاد فتمم قال لك ms0276 مائة واعلمي يا ليلى أنها غنم قالت معاذ ~~الله أيها الأمير أنت أجود جودا وأمجد مجدا وأورى زندا من أن تجعلها غنما ~~قال فما هي ويحك يا ليلى قالت مائة ناقة برعائها فأمر لها بها ثم قال ألك ~~حاجة بعدها قالت نعم أيها الأمير تدفع إلي النابغة الجعدي في قيد قال قد ~~فعلت وقد كان يهجوها وتهجوه فبلغ ذلك النابغة فخرج هاربا عائذا بعبد الملك ~~بن مروان فاتبعته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على ~~البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة فماتت بقومس وقيل بحلوان وكان الحجاج إذا ~~سمع بنوح في دار هدمها فلما مات ابنه وأخوه حن إلى النوح وكان يعجبه أن ~~يسمعه وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت (هل ابنك إلا ابن من الناس فاصبري * ~~فلن يرجع الموتى حنين المآتم) وكان يتمثل بهذا البيت أيضا وهو (فإن تحتسب ~~تؤجر وإن تبكه تكن * كباكية لم يحي ميتا بكاؤها) وبالجملة فأخبار الحجاج ~~كثيرة وشرحها يطول وهو الذي بنى مدينة واسط وكان شروعه في بنائها في سنة ~~أربع وثمانين للهجرة وفرغ منها في سنة ست وثمانين وإنما سماها واسط لأنها ~~بين البصرة والكوفة فكأنها توسطت بين هذين المصرين وذكر ابن الجوزي في كتاب ~~شذور العقود المرتب علي السنين أنه فرغ من بنائها في سنة ثمان وسبعين وكان ~~قد ابتدأ من سنة خمس وسبعين والله أعلم ولما حضرته الوفاة أحضر منجما فقال ~~له هل ترى في علمك ملكا يموت PageV02P050 # قال نعم ولست هو فقال وكيف ذلك قال المنجم لأن الذي ~~يموت اسمه كليب فقال الحجاج أنا هو والله بذلك كانت سمتني أمي فأوصى عتد ~~ذلك ويشبه هذا قول الداعي علي بن محمد بن علي الصليحي وسيأتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى وهو الذي كان داعيا باليمن وملك البلاد اليمنية كلها وقهر ~~ملوكها حتى قدر الله انقضاء مدته فخرج من صنعاء إلى مكة على عزم الحج في ~~سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة حتى إذا كان بالمهجم ونزل بظاهرها بضيعة يقال ~~لها أم ms0277 الدهيم وبئر أم معبد أدركه فيها على حين غفلة سعيد بن نجاح الأحول ~~الذي كان أبوه صاحب تهامة وقتله الصليحي وأخذ مملكته وهرب منه أولاده سعيد ~~المذكور وإخوته وكان سعيد في قل ممن تابعه حتى دخل مخيم الصليحي والناس ~~يعتقدون أنه من جملة العسكر وحواشيه فلم يشعر بأمرهم إلا عبد الله بن محمد ~~أخو الصليحي فركب وقال لأخيه يا مولانا اركب فهو والله الأحول بن نجاح ~~والعدد الذي جاءنا به كتاب أسعد بن شهاب البارحة من زبيد فقال الصليحي ~~لأخيه طب نفسا فإني لا أموت إلا بالدهيم وبئر أم معبد معتقدا أنها أم معبد ~~الخزاعية التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر ومعه أبو بكر ~~رضي الله عنه وهي بين مكة والمدينة مما يلي مكة بالقرب من الجحفة فقال له ~~بعض أصحابه قاتل عن نفسك فوالله هذا هو بئر الدهيم بن عيسى وهذا المسجد ~~موضع خيمة أم معبد بن الحارث العبسي فأدركه لما سمع ذلك زمع اليأس من ~~الحياة فلم يرم مكانه وقتل لوقته هو وأخوه وأهله وملك سعيد الأحول عسكره ~~وملكه وهذا سعيد الأحول هو أخو الملك جياش المشهور الفاضل وأبوه نجاح ~~PageV02P051 # الملك كان عبدا لمرجان الملك وكان عبدا لحسين بن سلامة ~~مولى الأستاذ رشد الحبشي وكان الحسين ورشد قبله كل منهما هو صاحب الأمر ~~والملك في المعنى وفي الصورة كالوزير عن آخر ملوك بني زياد باليمن وهو طقل ~~من أولاد أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن زياد يقال له عبد الله ~~وقيل إبراهيم وقيل زياد وهو الذي انقرضت دولتهم به على يد عبد يقال له قيس ~~مولى مرجان المذكور وسببه أن الطفل المذكور لما مات أبوه أبو الجيش كفله ~~مولاه مرجان المذكور وعمة للطفل وكان لمرجان عبدان أحدهما نجاح أبو سعيد ~~والآخر قيس فغلبا على أمره وكان قيس يحكم بالحضرة ونجاح يتولى أعمال ~~الكدراء والمهجم وأعمالا أخرى غيرها ووقع التنافس بين قيس ونجاح على وزارة ~~الحضرة وكان قيس غشوما ظالما ونجاح رؤوفا ms0278 عادلا فاتهم قيس عمة ابن زياد ~~بالميل عليه إلى نجاح فقبض عليها وعلى ابن أخيها مرجان مولاه لأجل شكوى قيس ~~إليه منهما وسلمهما إلى قيس فبنى عليهما حائطين وهما قائمان بالحياة ~~يناشدانه الله أن لا يفعل فهلكا سنة سبع وأربعمائة ونمي ذلك إلى نجاح فسار ~~للأخذ بثأرهما وحارب قيسا وجرت بينهما أمور أسفرت عن ظفر نجاح بقبسب وملكه ~~الحضرة وقتل قيس في بعض الوقائع على باب زبيد ولما فتح نجاح زبيد وهي حضرة ~~الملك يومئذ في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة قال لمرجان مولاه ما فعل مواليك ~~وموالينا قال هم في ذلك الحائط فأخرجهما وصلى عليهما ودفنهما في مشهد بناه ~~لهما وجعل مرجانا موضعهما وبنى عليه الحائط حتى هلك ومات نجاح المذكور ~~بالسم بحيلة تمت عليه مع جارية أهداها له الصليحي المذكور في الكدراء سنة ~~اثنتين وخمسين وأربعمائة ولما مات نجاح كتب الصليحي في سنة ثلاث وخمسين إلى ~~المستنصر صاحب مصر يستأمره في إظهار الدعوة لهم فأمره فخرج وكان منه ما كان ~~والله أعلم وكان الحجاج ينشد في مرض موته هدين البيتين وهما لعبيد بن سفيان ~~العكلي PageV02P052 # (يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا * أيمانهم أنني من ~~ساكني النار) (أيحلفون على عمياء ويحهم * ما ظنهم بقديم العفو غفار) وكتب ~~إلى الوليد بن عبد الملك كتابا يخبره فيه بمرضه وكتب في آخره (إذا ما لقيت ~~الله عني راضيا * فإن سرور النفس فيما هنالك) (فحسبي حياة الله من كل ميت * ~~وحسبي بقاء الله من كل هالك) (لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا * ونحن نذوق ~~الموت من بعد ذلك) وكان مرضه بالأكلة وقعت في بطنه ودعا بالطبيب لنيظر ~~إليها فأخذ لحما وعلقه في خيط وسرحه في حلقه وتركه ساعة ثم أخرجه وقد لصق ~~به دود كثير وسلط الله تعالى عليه الزمهرير فكانت الكوانين تجعل حوله ~~مملوءة نارا وتدنى منه حتى تحرق جلده وهو لا يحس بها وشكا ما يجده إلى ~~الحسن البصري رضي الله عنه فقال له قد كنت نهيتك ألا تتعرض إلى الصالحين ms0279 ~~فلججت فقال له يا حسن لا أسألك أن تسأل الله أن يفرج عني ولكني أسألك أن ~~تسأله أن يعجل قبض روحي ولا يطيل عذابي فبكى الحسن بكاء شديدا وأقام الحجاج ~~على هذه الحالة بهذه العلة خمسة عشر يوما وتوفي في شهر رمضان وقيل في شوال ~~سنة خمس وتسعين للهجرة وعمره ثلاث وقيل أربع وخمسون سنة وهو الأصح وقال ~~الطبري في تاريخه الكبير توفي الحجاج يوم الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان ~~سنج خمس وتسعين وقال غير الطبري لما جاء موت الحجاج إلى حسن البصري سجد لله ~~تعالى شكرا وقال اللهم إنك قد أمته فأمت عنا سنته وكانت وفاته بمدينة واسط ~~ودفن بها وعفي قبره وأجري عليه الماء رحمه الله تعالى وسامحه وكان قد رأى ~~في منامه أن عينيه قلعتا وكانت تحته هند بنت المهلب بن أبي صفرة الأزدي ~~وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وهند بنت أسماء PageV02P053 # خارجة فطلق الهندين اعتقادا منه أن رؤياه تتأول بهما ~~فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه محمد من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد ~~فقال والله هذا تأويل رؤياي محمد ومحمد في يوم واحد إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ثم قال من يقول شعرا يسليني به فقال الفرزدق (إن الرزية لا رزية ~~مثلها * فقدان مثل محمد ومحمد) (ملكان قد خلت المنابر منهما * أخذ الحمام ~~عليهما بالمرصد) وكانت وفاة أخيه محمد لليال خلت من رجب سنة إحدى وتسعين ~~للهجرة وهو والي اليمن فكتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يعزيه فكتب ~~الحجاج جوابه يا أمير المؤمنين ما التقيت أنا ومحمد منذ كذا وكذا سنة إلا ~~عاما واحدا وما غاب عني غيبة أنا لقرب اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في ~~دار لا يتفرق فيها مؤمنان ومعتب بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء ~~المثناة من فوقها وكسرها وبعدها الباء الموحدة والثقفي بفتح الثاء المثلثة ~~والقاف وبعدها الفاء هذه النسبة إلى ثقيف وهي قبيلة كبيرة مشهورة بالطائف ~~150 حجاج بن أرطاة حجاج بن أرطاة ms0280 أبو أرطاة النخعي الكوفي سمع عطاء بن أبي ~~رباح وغيره وروى عنه الثوري وشعبة وحماد بن زيد وهشيم وابن المبارك وزيد بن ~~هارون PageV02P054 # وكان من حفاظ الحديث ومن الفقهاء واستفتي وهو ابن ست ~~عشرة سنة وولي القضاء بالبصرة إلا أنه كان مدلسا عمن لم يلقه فيرسل تارة عن ~~مجاهد وتارة عن الزهري ولم يلقهما قال أبو العباس المبرد في الكامل وغيره ~~وخبرت أن قاصا كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان فاتفق هرم معه مرة في المسجد ~~وهو يقول حدثنا هرم بن حيان فقال له يا هذا أتعرفني أنا هرم بن حيان ما ~~حدثتك من هذا بشيء قط قال له القاص وهذا من عجائبك أيضا إنه ليصلي معنا في ~~مسجدنا خمسة عشر رجلا اسم كل رجل منهم هرم بن حيان فكيف توهمت أنه ليس في ~~الدنيا هرم بن حيان غيرك ويقرب من هذا أنه كان في الرقة قاص يكنى أبا عقيل ~~يكثر من التحدث عن بني إسرائيل فنظن به الكذب فقال له يوما الحجاج بن حنتمة ~~ما كان اسم بقرة بني إسرائيل قال حنتمة فقال له رجل من ولد أبي موسى ~~الأشعري في أي الكتب وجدت هذا قال في كتاب عمرو بن العاص انتهى كلام المبرد ~~وكان الحجاج بن أرطاة المذكور مع المنصور في وقت بناء مدينته وتولى خطها ~~ونصب قبلة مسجدها وهو أول من ولي القضاء لبني العباس بالبصرة وكان فيه تيه ~~كثير خارج عن الحد جاء يوما إلى حلقة البتي فجلس في عرض الحلقة فقيل له ~~ارتفع إلى الصدر فقال أنا صدر حيث كنت وقال أبو يوسف كان الحجاج بن أرطاة ~~لا يشهد جمعة ولا جماعة ويقول أكره مزاحمة الأنذال وقال عبد الملك بن عبد ~~الحميد حدثني أبي غير مرة قال مكث الحجاج ابن أرطاة يتعيش من غزل أمة له ~~كذا وكذا سنة وكأنه قال ستين سنة ثم أخرجه أبو جعفر المنصور مع ابنه المهدي ~~إلى خراسان فقدم بسبعين مملوكا وقال ربما رأيته يعني الحجاج يضع يده على ms0281 ~~رأسه ويقول قتلني حب الشرف PageV02P055 # وكان حجاج بن أرطاة يقع في أبي حنيفة رضي الله عنه ~~ويقول إن أبا حنيفة لا يعقل لله عقلة وكان في أصحاب أبي جعفر وضمه إلى ~~المهدي فلم يزل معه جتى توفي في سنة خمسين ومائة بالري رحمه الله تعالى ~~والمهدي بها يومئذ في خلافة أبي جعفر وكان ضعيفا في الحديث 151 ابن مسكين ~~أبو عمر الحارث بن مسكين المصري مولى محمد بن زياد بن عبد العزيز بن مروان ~~رأى الليث بن سعد وسأله وسمع سفيان بن عيينة الهلالي وعبد الرحمن ابن ~~القاسم العتقي وعبد الله بن وهب القرشي وروى عنه كافة المصريين وكان فقيها ~~على مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه وكان ثقة في الحديث ثبتا حمله المأمون ~~إلى بغداد في أيام المحنة وسجنه لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن فلم يزل ~~ببغداد محبوسا إلى أن ولي جعفر المتوكل فأطلقه وأطلق جميع من كان في السجن ~~حدث الحارث ببغداد ورجع إلى مصر وكتب إليه المتوكل بعهده على قضاء مصر فلم ~~يزل يتولاه من سنة سبع وثلاثين ومائتين إلى أن صرف في سنة خمس وأربعين ولما ~~خرج الحارث من بغداد إلى مصر اغتم عليه أبو علي ابن الجروي غما شديدا فكتب ~~إلى سعدان بن يزيد وهو مقيم بمصر يشكو ما نزل به من غم لفقد الحارث بن ~~مسكين وكان كتب في أسفل كتابه (من كان يسليه نأي عن أخي ثقة * فإنني غير ~~سال آخر الأبد) PageV02P056 # (ففرقت بيننا الأقدار واضطربت * بالوجد والشوق نار ~~الحزن في الكبد) فأجابه سعدان بن يزيد (أيها الشاكي إلينا وحشة * من حبيب ~~نأيه عنه بعد) (حسبك الله أنيسا فبه * يأنس المرء إذا المرء سعد) (كل أنس ~~بسواه زائل * وأنيس الله في عز الأبد) وكانت ولادة الحارث بن مسكين في سنة ~~أربع وخمسين ومائة وتوفي لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمسين ومائتين وصلى ~~عليه يزيد بن عبد الله أمير كان على مصر وكبر عليه خمسا رحمه الله تعالى ~~152 المحاسبي ms0282 أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البصري الأصل الزاهد ~~المشهور أحد رجال الحقيقة وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن وله كتب في ~~الزهد والأصول وكتاب الرعاية له وكان قد ورث من أبيه سبعين ألف درهم فلم ~~يأخذ منها شيئا قيل لأن أباه كان يقول بالقدر فرأى من الورع أن لا يأخذ ~~ميراثه وقال صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~يتوارث أهل ملتين شتى ومات وهو محتاج إلى درهم PageV02P057 # ويحكى عنه أنه كان إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك ~~على إصبعه عرق فكان يمتنع منه وسئل عن العقل ما هو فقال نور الغريزة مع ~~التجارب يزيد ويقوى بالعلم والحلم وكان يقول فقدنا ثلاثة أشياء حسن الوجه ~~مع الصيانة وحسن القول مع الأمانة وحسن الإخاء مع الوفاء وتوفي في سنة ثلاث ~~وأربعين ومائتين رحمه الله تعالى والمحاسبي بضم الميم وفتح الحاء المهملة ~~وبعد الألف سين مهملة مكسورة وبعدها باء موحدة قال السمعاني وعرف بهذه ~~النسبة لأنه كان يحاسب نفسه وقال كان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يكرهه ~~لنظره في علم الكلام وتصنيفه فيه وهجره فاستخفى من العامة فلما مات لم يصل ~~عليه إلا أربعة نفر وله مع الجنيد بن محمد حكايات مشهورة 153 أبو فراس ابن ~~حمدان أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن ~~عن ناصر الدولة وسيف الدولة ابني حمدان وسيأتي تتمة نسبة عند ذكرهما إن شاء ~~الله تعالى قال الثعالبي في وصفه كان فرد دهره وشمس PageV02P058 # عصره أدبا وفضلا وكرما ومجدا وبلاغة وبراعة وفروسية ~~وشجاعة وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة ~~والفخامة والحلاوة ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك ولم تجتمع هذه ~~الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز وأبو فراس يعد أشعر منه عند أهل ~~الصنعة ونقدة الكلام وكان الصاحب بن عباد يقول بدىء الشعر بملك وختم بملك ~~يعني امرأ القيس وأبا فراس وكان المتنبي يشهد ms0283 له بالتقدم والتبريز ويتحامى ~~جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترىء على مجاراته وإنما لم يمدحه ومدح من ~~دونه من آل حمدان تهيبا له وإجلالا لا إغفالا وإخلالا وكان سيف الدولة يعجب ~~جدا بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته ~~ويستخلفه في أعماله وكانت الروم قد أسرته في بعض وقائعها وهو جريح قد أصابه ~~سهم بقي نصله في فخذه ونقلته إلى خرشنة ثم منها إلى قسطنطينية وذلك في سنة ~~ثمان وأربعين وثلاثمائة وفداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسين قلت هكذا قال ~~أبو الحسن علي بن الزراد الديلمي وقد نسبوه في ذلك إلى الغلط وقالوا أسر ~~أبو فراس مرتين فالمرة الأولى بمغارة الكحل في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ~~وما تعدوا به خرشنة وهي قلعة ببلاد الروم والفرات يجري من تحتها وفيها يقال ~~إنه ركب فرسه وركضه برجله فأهوى به من أعلى الحصن إلى الفرات والله أعلم ~~والمرة الثانية أسره الروم على منبج في شوال سنة إحدى وخمسين وحملوه إلى ~~قسطنطينية وأقام في الأسر أربع سنين وله في الأسر أشعار كثيرة مثبتة في ~~ديوانه وكانت مدينة منبج إقطاعا له ومن شعره (قد كنت عدتي التي أسطو بها * ~~ويدي إذا اشتد الزمان وساعدني) PageV02P059 # (فرميت منك بضد ما أملته * والمرء يشرق بالزلال ~~البارد) (فصبرت كالولد التقي لبره * أغضى على ألم لضرب الوالد) وله أيضا ~~(أساء فزادته الإساءة حظوة * حبيب على ما كان منه حبيب) (يعد علي الواشيان ~~ذنوبه * ومن أين للوجه الجميل ذنوب) وله أيضا (سكرت من لحظه لا من مدامته * ~~ومال بالنوم عن عيني تمايله) (فما السلاف دهتني بل سوالفه * ولا الشمول ~~أزدهتني بل شمائله) (ألوى بعزمي أصداغ لوين له * وغال قلبي بما تحوي ~~غلائله) ومحاسن شعره كثيرة وقتل في واقعة جرت بينه وبين موالي أسرته في سنة ~~سبع وخمسين وثلاثمائة ورأيت في ديوانه أنه لما حضرته الوفاة كان ينشد ~~مخاطبا ابنته (أبنيتي لا تجزعي * كل الأنام إلى ذهاب) (نوحي علي بحسرة * من ~~خلف سترك والحجاب) (قولي إذا كلمتني ms0284 فعييت عن رد الجواب) (زين الشاب أبو ~~فراس * لم يمتع بالشباب) PageV02P060 # وهذا يدل على أنه لم يقتل أو يكون قد جرح وتأخر موته ~~ثم مات من الجراحة وقيل إن هذا الشعر قاله وهو أسير في أيدي الروم وكان قد ~~جرح ثم أسر ثم خلص من الأسر فداه سيف الدولة مع من فودي من أسرى المسلمين ~~قال ابن خالويه لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص فاتصل ~~خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة وغلام أبيه قرغويه فأنفذ إليه من قاتله ~~فأخذ وقد ضرب ضربات فمات في الطريق وقرأت في بعض التعاليق أن أبا فراس قتل ~~يوم الأربعاء لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة في ~~ضيعة تعرف بصدد وذكر ثابت بن سنان الصابىء في تاريخه قال في يوم السبت ~~لليلتين خلتا من جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وثلاثمائة جرت حرب بين أبي ~~فراس وكان مقيما بحمص وبين أبي المعالي بن سيف الدولة واستظهر عليه أبو ~~المعالي وقتله في الحرب وأخذ رأسه وبقيت جثته مطروحة في البرية إلى أن جاءه ~~بعض الأعراب فكفنه ودفنه قال غيره وكان أبو فراس خال أبي المعالي وقلعت أمه ~~سخينة عينها لما بلغها وفاته وقيل إنها لطمت وجهها فقلعت عينها وقيل لما ~~قتله قرغويه لم يعلم به أبو المعالي فلما بلغه الخبر شق عليه ويقال إن ~~مولده كان في سنة عشرين وثلاثمائة والله أعلم وقيل سنة إحدى وعشرين وقتل ~~أبوه سعيد في رجب سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة قتله ابن أخيه ناصر الدولة ~~بالموصل عصر مذاكيره حتى مات لقصة يطول شرحها وحاصلها أنه شرع في ضمان ~~الموصل وديار ربيعة من جهة الراضي بالله ففعل ذلك سرا ومضى إليها في خمسين ~~غلاما فقبض ناصر الدولة عليه حين وصل PageV02P061 # إليها ثم قتله فأنكر ذلك الراضي حين بلغه رحمهم الله ~~تعالى وحكى ابن خالويه أيضا قال كتب أبو فراس إلى سيف الدولة وقد شخص من ~~حضرته إلى منرله بمنبج كتابا صدره كتابي أطال ms0285 الله بقاء مولانا من المنزل ~~وقد وردته ورود السالم الغانم مثقل الظهر والظهر وفرا وشكرا فاستحسن سيف ~~الدولة بلاغته ووصف براعته وبلغ ذلك أبا فراس فكتب إليه (هل للفصاحة ~~والسماحة * والعلا عني محيد) (إذ أنت سيدي الذي * ربيتني وأبي سعيد) (في كل ~~يوم أستفيد * من العلاء وأستزيد) (ويزيد في إذا رأيتك * للندى خلق جديد) ~~وكان سيف الدولة قلما ينشط لمجلس الأنس لاشتغاله عنه بتدبير الجيوش وملابسة ~~الخطوب وممارسة الحروب فوافت حضرته إحدى المحسنات من قيان بغداد فتاقت نفس ~~أبي فراس إلى سماعها ولم ير أن يبدأ باستدعائها قبل سيف الدولة فكتب إليه ~~يستحثه على استحضارها (محلك الجوزاء أو أرفع * وصدرك الدهناء أو أوسع) ~~(وقلبك الرحب الذي لم يزل * للجد والهزل به موضع) (رفه بقرع العود سيفا غدا ~~* قرع العوالي جل ما يسمع) فبلغت هذه الأبيات الوزير المهلبي فأمر القيان ~~والقوالين بتحفظها وتلحينها وصار لا يشرب إلا عليها وأهدى الناس إلى سيف ~~الدولة فأكثروا فكتب إليه أبو فراس (نفسي فداؤك قد بعثت * بعهدتي بيد ~~الرسول) (أهديت نفسي إنما يهدى * الجليل إلى الجليل) PageV02P062 # (وجعلت ما ملكت يدي * صلة المبشر بالقبول) وعزم سيف ~~الدولة على غزو واستخلاف أبي فراس على الشام فكتب إليه قصيدة منها (قالوا ~~المسير فهز الرمح عامله * وارتاح في جفنه الصمصامة الخذم) (حقا لقد ساءني ~~أمر ذكرت له * لولا فراقك لم يوجد له ألم) (لا تشغلن بأمر الشام تحرسه * إن ~~الشآم على من حله حرم) (وإن للثغر سورا من مهابته * صخوره من أعادي أهله ~~القمم) (لا يحرمني سيف الدين صحبته * فهي الحياة التي تحيا بها النسم) (وما ~~اعترضت عليه في أوامره * لكن سألت ومن عاداته نعم) وكتب إليه يعزيه (لا بد ~~من فقد ومن فاقد * هيهات ما في الناس من خالد) (كن المعزى لا المعزى به * ~~إن كان لا بد من الواحد) وله أيضا (المرء نصب مصايب ما تنقضي * حتى يوارى ~~جسمه في رمسه) (فمؤجل يلقى الردى في أهله * ومعجل يلقى الردى في نفسه) وله ~~أيضا وقد سمع حمامة تنوح ms0286 بقربه على شجرة عالية وهو في الأسر فقال (أقول وقد ~~ناحت بقربي حمامة * أيا جارتا هل بات حالك حالي) (معاذ الهوى ما ذقت طارقة ~~النوى * ولا خطرت منك الهموم ببال) (أتحمل محزون الفؤاد قوادم * على غصن ~~نائي المسافة عالي) (أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا * تعالي أقاسمك الهموم ~~تعالي) (تعالي تري روحا لدي ضعيفة * تردد في جسم يعذب بالي) PageV02P063 # (أيضحك مأسور وتبكي طليقة * ويسكت محزون ويندب سالي) ~~(لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة * ولكن دمعي في الحوادث غالي) وخرشنة بفتح ~~الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح الشين المثلثة والنون وهي بلدة بالشام على ~~الساحل وهي للروم وقسطنطينية بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء ~~المهملة وسكون النون وكسر الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها نون من أعظم مدائن الروم بناها قسطنطين وهو أول من تنصر من ملوك ~~الروم 154 حرملة أبو حفص وأبو عبد الله حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة ~~بن عمران بن قراد مولى سلمة بن مخرمة التجيبي الزميلي المصري صاحب الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه كان أكثر أصحابه اختلافا إليه واقتباسا منه وكان ~~حافظا للحديث وصنف المبسوط والمختصر وروى عنه مسلم بن الحجاج فأكثر في ~~PageV02P064 # صحيحه من ذكره روى عن محمد بن وهب المصري وغيره ومولده ~~في سنة ست وستين ومائة وتوفي ليلة الخميس لتسع بقين من شوال سنة ثلاث ~~وأربعين ومائتين بمصر وقيل أربع وأربعين رحمه الله تعالى والتجيبي بضم ~~التاء المثناة من فوقها وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ~~باء موحدة هذه النسبة إلى تجيب وهو اسم امرأة نسب إليها أولادها وقراد بضم ~~القاف وفتح الراء المهملة وبعد الألف دال مهملة والزميلي بضم الزاي وفتح ~~الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام هذه النسبة إلى بني زميل ~~وهو بطن من تجيب وتوفي حرملة بن عمران جد حرملة المذكور في صفر سنة ستين ~~ومائة ومولده سنة ثمانين للهجرة رحمه الله تعالى 155 الحسن بن علي بن أبي ~~طالب أبو محمد ms0287 الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمه فاطمة صلوات ~~الله عليها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بويع له يوم مات أبوه رضي ~~الله عنه وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بالكوفة إلى ~~شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وقتل عبد الرحمن بن ملجم يقال إنه ضربه ~~PageV02P065 # بالسيف فاتقاه بيده فندرت وقتله ثم سار إلى معاوية ~~فالتقيا بمسكن من أرض الكوفة فاصطلحا وسلم إليه الأمر وبايعه لخمس بقين من ~~شهر ربيع الأول ويقال إنه أعطاه خمسة آلاف درهم ورجع إلى المدينة وقال قوم ~~انه صالحه بأذرح في جمادى الأولى وأخذ مائة ألف دينار روى ذلك كله الدولابي ~~وكانت خلافته ستة أشهر وخمسة أيام روى الشعبي قال أنا شهدت خطبة الحسن يعني ~~حين سلم الأمر إلى معاوية قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد إن أكيس ~~الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية ~~إنما هو حق لامرىء كان أحق بحقه مني أو حق لي تركته لمعاوية إرادة لصلاح ~~الأمة وحقنا لدمائهم وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين روى سفينة قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم تكون ~~ملكا أو ملوكا وكان آخر ولاية الحسن رضي الله عنه تمام ثلاثين سنة وثلاثة ~~عشر يوما من أول خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولم يزل الحسن بالمدينة ~~إلى أن مات بها في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وله سبع وأربعون سنة ~~وقيل مات سنة خمسين وهو أشبه بالصواب وصلى عليه سعيد بن العاص ودفن بالبقيع ~~ويقال إنه دفن مع أمه صلوات الله عليها وقال القتبي يقال يقال إن امرأته ~~جعدة بنت الأشعث سمته ومكث شهرين وانه ليرفع من تحته كل يوم كذا وكذا طست ~~من دم وكان يقول سقيت السم مرارا ما أصابني ما أصابني في هذه المرة وخلف ~~عليها رجل من قريش فأولدها غلاما فكان ms0288 الصبيان يقولون له يا ابن مسمة ~~الأزواج ولما كتب مروان إلى معاوية بشكاته كتب إليه أن أقبل المطي إلي بخبر ~~الحسن ولما بلغه موته سمع تكبيرا من الحضر فكبر أهل الشام لذلك التكبير ~~فقالت فاختة زوجة معاوية أقر الله عينك يا أمير المؤمنين ما الذي كبرت له ~~قال مات الحسن قالت أعلى موت ابن فاطمة تكبر قال والله ما كبرت شماتة بموته ~~ولكن استراح قلبي وكان ابن عباس بالشام فدخل عليه فقال يا ابن عباس هل تدري ~~ما حدث في أهل بيتك قال لا أدري ما حدث PageV02P066 # إلا أني أراك مستبشرا وقد بلغني تكبيرك وسجودك قال مات ~~الحسن قال إنا لله يرحم الله أبا محمد ثلاثا ثم قال والله يا معاوية لا تسد ~~حفرته حفرتك ولا يزيد نقص عمره في يومك وإن كنا أصبنا بالحسن لقد أصبنا ~~بإمام المتقين وخاتم النبيين فسكن الله تلك العبرة وجبر تلك المصيبة وكان ~~الله الخلف علينا من بعده وكان أوصى لأخيه الإمام الحسين إذا أنا مت فادفني ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وجدت إلى ذلك سبيلا وإن منعوك فادفني ~~ببقيع الغرقد فلبس الحسين ومواليه السلاح وخرجوا ليدفنوه مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فخرج مروان بن الحكم في بني أمية فمنعوهم من ذلك وقيل لما ~~احتضر الحسن رضي الله عنه قال أخرجوني إلى الصحراء لعلي أنظر في ملكوت ~~السماوات يعني الآيات فلما أخرج قال اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز ~~الأنفس علي فكان مما صنع الله له انه احتسب نفسه ومن طريف أخباره ما ذكره ~~أبو العباس المبرد أن مروان بن الحكم قال يوما إني مشغوف ببغلة الحسن فقال ~~له ابن أبي عتيق إن دفعتها إليك أتقضي لي ثلاثين حاجة قال نعم قال فإذا ~~اجتمع الناس عندك العشية فإني آخذ في مآثر قريش ثم أمسك عن الحسن فلمني على ~~ذلك فلما أخذ القوم مجالسهم أفاض في أولية قريش قال له مروان ألا تذكر ~~أولية أبي محمد وله في هذا ms0289 ما ليس لأحد قال إنما كنا في ذكر الأشراف ولو ~~كنا في ذكر الأنبياء لقدمنا ما لأبي محمد فلما خرج ليركب تبعه ابن أبي عتيق ~~فقال له الحسن وتبسم ألك حاجة قال نعم البغلة فنزل عنها ودفعها إليه وذكر ~~ابن عائشة أن رجلا من أهل الشام قال دخلت المدينة على ساكنها أفضل الصلاة ~~والسلام فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا ~~دابة منه فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل هذا الحسن بن علي ابن أبي طالب ~~فامتلأ قلبي له بغضا وحسدت عليا أن يكون له ابن مثله PageV02P067 # فصرت إليه وقلت له أأنت ابن علي بن أبي طالب قال أنا ~~ابنه قلت فعل بك وبأبيك أسبهما فلما انقضى كلامي قال لي أحسبك غريبا قلت ~~أجل قال مل بنا فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة ~~عاوناك قال فانصرفت عنه وما على الأرض أحب إلي منه وما فكرت فيما صنع وصنعت ~~إلا شكرته وخزيت نفسي وحكى صاحب العقد قال بينا معاوية جالس في أصحابه إذ ~~قيل له الحسن بالباب فقال معاوية إنه إن دخل علينا أفسد ما نحن فيه فقال له ~~مروان بن الحكم ايذن له فإني اسأله عما ليس عنده فيه جواب قال معاوية لا ~~تفعل فإنهم قوم ألهموا الكلام وأذن له فلما دخل وجلس قال له مروان أسرع ~~الشيب إلى شاربك يا حسن إن ذلك من الخوف قال الحسن ليس كما بلغك ولكنا معشر ~~بني هاشم طيبة أفواهنا عذبة شفاهنا فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن وقبلهن ~~وأنتم بني أمية فيكم بخر شديد فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن عنكم إلى ~~أصداغكم فإنما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك قال مروان أما إن فيكم يا ~~بني هاشم خصلة سوء قال ما هي قال الغلمة قال أجل نزعت الغلمة من نسائنا ~~ووضعت في رجالنا ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم فما قام لأموية ~~إلا هاشمي فغضب معاوية وقال قد كنت أخبرتكم ms0290 فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم ~~بيتكم وأفسد مجلسكم فخرج الحسن رضوان الله عليه وهو يقول (ومارست هذا الدهر ~~خمسين حجة * وخمسا أرجي قابلا بعد قابل) (فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها * ~~ولا في الذي أهوى كدحت بطائل) (وقد أشرعت في المنايا أكفها * وأيقنت أني ~~رهن موت معاجل) قال الحسن رضي الله عنه لحبيب بن مسلمة الفهري رب مسير لك ~~في غير PageV02P068 # طاعة الله قال أما مسيري إلى أبيك فلا قال بلى ولكنك ~~أطعت معاوية على دنيا قليلة فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك ~~فلو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كنت كما قال الله تعالى * (خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا) * ولكنك كما قال الله تعالى * (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون) * وقيل دار بين الحسن والحسين كلام فتقاطعا فقيل للحسين لو أتيت ~~أخاك فهو أكبر سنا منك فقال إن الفضل للمبتدىء وأنا أكره أن يكون لي الفضل ~~على أخي فبلغ ذلك الحسن فأتاه وكان الحسن إذا فرغ من الوضوء تغير لونه فقيل ~~له في ذلك فقال حق على من أراد أن يدخل على ذي العرش أن يتغير لونه 156 ~~الحسن البصري أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري كان من سادات ~~التابعين وكبرائهم وجمع كل فن من علم وزهد وورع عبادة وأبوه مولى زيد بن ~~ثابت الأنصاري رضي الله عنه وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم وربما غابت في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة رضي الله عنها ثديها ~~تعلله به إلى أن تجيء أمه فدر عليه ثديها فشربه فيرون أن تلك PageV02P069 # الحكمة والفصاحة من بركة ذلك قال أبو عمرو بن العلاء ~~ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج ابن يوسف الثقفي فقيل له فأيهما ~~كان أفصح قال الحسن ونشأ الحسن بوادي القرى وكان من أجمل أهل البصرة حتى ~~سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث وحكى الأصمعي عن أبيه قال ما رأيت أعرض ~~زندا من ms0291 الحسن كان عرضه شبرا وكان الحسن يقص في الحج فمر به علي بن الحسين ~~عليهما السلام فقال له يا شيخ أترضى نفسك للموت قال لا قال فلله في أرضه ~~معاد غير هذا البيت قال لا قال فثم دار للعمل غير هذه الدار قال لا قال ~~فعملك للحساب قال لا قال فلم تشغل الناس عن طواف البيت قال فما قص الحسن ~~بعدها وقيل إن رجلا أتى الحسن فقال يا أبا سعيد إني حلفت بالطلاق يقال إن ~~الحجاج في النار فما تقول أقيم مع امرأتي أم أعتزلها فقال له قد كان الحجاج ~~فاجرا فاسقا وما أدري ما أقول لك إن رحمة الله وسعت كل شيء وإن الرجل أتى ~~محمد بن سيرين فأخبره بما حلف فرد عليه شبيها بما قاله الحسن وإنه أتى عمرو ~~بن عبيد فقال له أقم مع زوجتك فإن الله تعالى إن غفر للحجاج لم يضرك الزنا ~~ذكر ذلك المختار في تاريخه وكان في جنازة وفيها نوائح ومعه رجل فهم الرجل ~~بالرجوع فقال له الحسن يا أخي إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ~~ذلك في دينك وقيل له ألا ترى كثرة الوباء فقال انفق ممسك واقلع مذنب واتعظ ~~جاحد ونظر إلى جنازة قد ازدحم الناس عليها فقال ما لكم تزدحمون ها تلك هي ~~ساريته في المسجد اقعدوا تحتها حتى تكونوا مثله وحدث الحسن بحديث فقال له ~~رجل يا أبا سعيد عن من فقال وما تصنع بعمن أما أنت فقد نالتك موعظته وقامت ~~عليك حجته وقال له رجل أنا أزهد منك PageV02P070 # وأفصح قال أما أفصح فلا قال فخذ علي كلمة واحدة قال ~~هذه وقال لفرقد بن يعقوب بلغني أنك لا تأكل الفالوذج فقال يا أبا سعيد أخاف ~~ألا أؤدي شكره قال الحسن يا لكع هل تقدر تؤدي شكر الماء البارد الذي تشربه ~~وقيل للحسن إن فلانا اغتابك فبعث إليه طبق حلوى وقال بلغني أنك أهديتي إلي ~~حسناتك فكافأتك وقريب من هذا قول سفيان بن الحسين قال كنت جالسا ms0292 عند إياس ~~بن معاوية فنلت من إنسان فقال هل غزوت العام الترك والروم ولم يسلم منك ~~أخوك المسلم وسمع رجلا يشكو عليه إلى آخر فقال اما إنك تشكو من يرحمك إلى ~~من لا يرحمك ومن كلامه ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا ~~الموت ولما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان وذلك في ~~أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك ~~في سنة ثلاث ومائة فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ ~~عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب ~~إلي بالأمر من أمره فأقلده ما تقلده من ذلك الأمر فما ترون فقال ابن سيرين ~~والشعبي قولا فيه تقية فقال ابن هبيرة ما تقول يا حسن فقال يا ابن هبيرة خف ~~الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا ~~يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك ~~إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل ~~الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان ~~الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق PageV02P071 # فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن ~~سيرين سفسفنا له فسفسف لنا ورأى الحسن يوما رجلا وسيما حسن الهيئة فسأل عنه ~~فقيل إنه يسخر للملوك ويحبونه فقال لله أبوه ما رأيت أحدا طلب الدنيا بما ~~يشبهها إلا هذا وكانت أمه تقص للنساء ودخل عليها يوما وفي يدها كراثة ~~تأكلها فقال لها يا أماه ألقي هذه البقلة الخبيثة من يدك فقالت يا بني إنك ~~شيخ قد كبرت وخرفت فقال يا أماه أينا أكبر وأكثر كلامه حكم وبلاغة وكان ~~أبوه من سبي ميسان وهو صقع بالعراق ومولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة ويقال إنه ms0293 ولد على الرق وتوفي بالبصرة ~~مستهل رجب سنة عشر ومائة رضي الله عنه وكانت جنازته مشهودة قال حميد الطويل ~~توفي الحسن عشية الخميس وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره وحملناه بعد ~~صلاة الجمعة ودفناه فتبع الناس كلهم جنازته واشتغلوا به فلم تقم صلاة العصر ~~بالجامع ولا أعلم أنها تركت منذ كان الإسلام إلا يومئذ لأنهم تبعوا كلهم ~~الجنازة حتى لم يبق بالمسجد من يصلي العصر وأغمي على الحسن عند موته ثم ~~أفاق فقال لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم وقال رجل قبل موت الحسن ~~لابن سيرين رأيت كأن طائرا أخذ أحسن حصاة بالمسجد فقال إن صدقت رؤياك مات ~~الحسن فلم يكن إلا قليلا حتى مات الحسن PageV02P072 # ولم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما ثم توفي ~~بعده بمائة يوم كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وميسان بفتح الميم ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة وبعد الألف نون قال ~~السمعاني هي بليدة بأسفل البصرة 157 الزعفراني أبو علي الحسن بن محمد بن ~~الصباح الزعفراني صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه برع في الفقه والحديث ~~وصنف فيهما كتبا وسار ذكره في الآفاق ولزم الشافعي حتى تبحر وكان يقول ~~أصحاب الأحاديث كانوا رقودا حتى أيقظهم الشافعي وما حمل أحد محبرة إلا ~~وللشافعي عليه منة وكان يتولى قراءة كتب الشافعي عليه وسمع من سفيان بن ~~عيينة ومن في طبقته مثل وكيع ابن الجراح وعمرو بن الهيثم ويزيد بن هارون ~~وغيرهم وهو أحد رواة الأقوال القديمة عن الشافعي رضي الله عنه ورواتها ~~أربعة هو وأبو ثور وأحمد بن حنبل والكرابيسي ورواة الأقوال الجديدة ستة ~~المزني والربيع بن سليمان PageV02P073 # الجيزي والربيع بن سليمان المرادي والبويطي وحرملة ~~ويونس بن عبد الأعلى وقد تقدم ذكر بعضهم والباقي سيأتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى وروى عنه البخاري في صحيحه وأبو داود السجستاني والترمذي وغيرهم ~~وتوفي سلخ شعبان وقال ابن قانع في شهر رمضان سنة ستين ومائتين وذكر ~~السمعاني في كتاب الأنساب أنه توفي في ms0294 شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين ~~ومائتين رحمه الله تعالى والزعفراني بفتح الزاي وسكون العين المهملة وفتح ~~الفاء والراء وبعد الألف نون هذه النسبة إلى الزعفرانية وهي قرية بقرب ~~بغداد والمحلة التي ببغداد تسمى درب الزعفراني منسوبة إلى هذا الإمام لأنه ~~أقام بها قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء وفيه مسجد الشافعي ~~رضي الله عنه وهو المسجد الذي كنت أدرس فيه بدرب الزعفراني ولله الحمد ~~والمنة 158 أبو سعيد الإصطخري أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن ~~الفضل الإصطخري الفقيه الشافعي كان من نظراء أبي العباس ابن سريج وأقران ~~أبي علي ابن أبي هريرة وله مصنفات حسنة في الفقه منها كتاب الأقضية وكان ~~قاضي قم PageV02P074 # وتولى حسبة بغداد وكان ورعا متقللا واستقضاه المقتدر ~~على سجستان فسار إليها فنظر في مناكحاتهم فوجد معظمها على غير اعتبار الولي ~~فأنكرها وأبطلها عن آخرها وكانت ولادته في سنة أربع وأربعين ومائتين وتوفي ~~في جمادى الآخرة يوم الجمعة ثاني عشره وقيل رابع عشره وقيل مات في شعبان ~~سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة رحمه الله تعالى والإصطخري بكسر الهمزة وسكون ~~الصاد المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون الخاء المعجمة وبعدها راء هذه ~~النسبة إلى إصطخر وهي من بلاد فارس خرج منها جماعة من العلماء رحمهم الله ~~تعالى وقد قالوا في النسبة إلى إصطخر إصطخرزي أيضا بزيادة الزاي كما زادوها ~~في النسبة إلى مرو والري فقالوا مروزي ورازي 159 أبو علي ابن أبي هريرة أبو ~~علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي أخذ الفقه عن أبي العباس ~~ابن سريج وأبي إسحاق المروزي وشرح مختصر المزني وعلق عنه الشرح أبو علي ~~الطبري وله مسائل في الفروع ودرس ببغداد وتخرج عليه خلق كثير وانتهت إليه ~~إمامة العراقيين وكان معظما عند السلاطين والرعايا إلى أن توفي في رجب سنة ~~خمس وأربعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى PageV02P075 # 160 أبو علي الطبري أبو علي الحسن بن القاسم الطبري ~~الفقيه الشافعي أخذ الفقه عن أبي علي ابن أبي هريرة ms0295 المقدم ذكره وعلق عنه ~~التعليقة المشهورة المنسوبة إليه وسكن ببغداد ودرس بها بعد أستاذه أبي علي ~~المذكور وصنف كتاب المحرر في النظر وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرد وصنف ~~أيضا كتاب الإفصاح في الفقه وكتاب العدة وهو كبير يدخل في عشرة أجزاء وصنف ~~كتابا في الجدل وكتابا في أصول الفقه وتوفي ببغداد سنة خمس وثلاثمائة رحمه ~~الله تعالى والطبري بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها راء هذه ~~النسبة إلى طبرستان بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها راء والسين ~~المهملة الساكنة والتاء المثناة من فوقها المفتوحة وبعد الألف نون وهي ~~ولاية كبيرة تشتمل على بلاد كثيرة أكبرها آمل خرج منها جماعة من العلماء ~~والنسبة إلى طبرية الشام طبراني على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ~~ورأيت في عدة كتب من طبقات الفقهاء أن اسمه الحسن كما هو هاهنا ورأيت ~~الخطيب في تاريخ بغداد قد عده في جملة من اسمه الحسين والله أعلم بالصواب ~~PageV02P076 # 161 أبو علي الفارقي أبو علي الحسن بن إبراهيم بن علي ~~بن برهون الفارقي الفقيه الشافعي كان مبدأ اشتغاله بميافارقين على أبي عبد ~~الله محمد الكازروني فلما توفي انتقل إلى بغداد واشتغل على الشيخ أبي إسحاق ~~الشيرازي صاحب المهذب وعلى أبي نصر ابن الصاغ صاحب الشامل وتولى القضاء ~~بمدينة واسط حكى الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى قال سألت الحافظ ~~أبا الكرم خميس بن علي بن أحمد الحوزي بواسط عن جماعة منهم القاضي أبو علي ~~الفارقي المذكور فقال هو متقدم في الفقه وقضى بواسط بعد أبي تغلب فظهر من ~~عقله وعدله وحسن سيرته ما زاد على الظن به وسمع الحديث من الخطيب أبي بكر ~~ومن في طبقته وكان زاهدا متورعا له كتاب الفوائد على المهذب وعنه أخذ ~~القاضي أبو سعد عبد الله بن أبي عصرون كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله ~~تعالى وكان يلازم ذكر الدرس من الشامل إلى أن توفي وكانت وفاته يوم ~~الأربعاء الثاني والعشرين من المحرم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ms0296 بواسط ومولده ~~سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بميافارقين في شهر ربيع الآخر ودفن في مدرسته ~~رحمه الله تعالى وبرهون بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وضم الهاء وبعد ~~الواو الساكنة نون والفارقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه PageV02P077 # 162 السيرافي أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان ~~السيرافي النحوي المعروف بالقاضي سكن بغداد وتولى القضاء بها نيابة عن أبي ~~محمد ابن معروف وكان من أعلم الناس بنحو البصريين وشرح كتاب سيبويه فأجاد ~~فيه وله كتاب ألفات الوصل والقطع وكتاب أخبار النحويين البصريين وكتاب ~~الوقف والابتداء وكتاب صنعة الشعر والبلاغة وشرح مقصورة ابن دريد وقرأ ~~القرآن الكريم على أبي بكر ابن مجاهد واللغة على ابن دريد والنحو على أبي ~~بكر ابن السراج النحوي وكان الناس يشتغلون عليه بعدة فنون القرآن الكريم ~~والقراءات وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام ~~والشعر والعروض والقوافي وكان نزها عفيفا جميل الأمر حسن الأخلاق وكان ~~معتزليا ولم يظهر منه شيء وكان لا يأكل إلا من كسب يده ينسخ ويأكل منه وكان ~~أبوه مجوسيا اسمه بهزاد فأسلم فسماه ابنه أبو سعيد المذكور عبد الله وكان ~~كثيرا ما ينشد في مجالسه (اسكن إلى سكن تسر به * ذهب الزمان وأنت منفرد) ~~(ترجو غدا وغد كحاملة * في الحي لا يدرون ما تلد) PageV02P078 # وكان بينه وبين الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني ما ~~جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس فعمل فيه أبو الفرج (لست صدرا ولا ~~قرأت على صدر * ولا علمك البكي بشاف) (لعن الله كل نحو وشعر * وعروض يجيء ~~من سيراف) وتوفي يوم الاثنين ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة ببغداد ~~وعمره أربع وثمانون سنة ودفت بمقبرة الخيزران رحمه الله تعالى وقيل إنه ~~توفي سنة أربع وستين وقيل سنة خمس وستين والصحيح هو الأول والله أعلم وقال ~~ولده أبو محمد يوسف أصل أبي من سيراف وبها ولد وبها ابتدأ بطلب العلم وخرج ~~منها قبل العشرين ومضى إلى عمان وتفقه بها ثم عاد إلى سيراف ومضى إلى عسكر ~~مكرم فأقام بها عند ms0297 أبي محمد ابن عمر المتكلم وكان يقدمه ويفضله على جميع ~~أصحابه ودخل بغداد وخلف القاضي أبا محمد ابن معروف على قضاء الجانب الشرقي ~~ثم الجانبين والسيرافي بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وفتح الراء وبعد الألف فاء هذه النسبة إلى مدينة سيراف وهي من بلاد فارس ~~على ساحل البحر مما يلي كرمان خرج منها جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى ~~وسيأتي في ترجمة ولده يوسف تتمة الكلام على سيراف إن شاء الله تعالى ~~PageV02P079 # 163 أبو علي الفارسي أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد ~~الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي النحوي ولد بمدينة فسا واشتغل ~~ببغداد ودخل إليها سنة سبع وثلاثمائة وكان إمام وقته في علم النحو ودار ~~البلاد وأقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان مدة وكان قدومه عليه في سنة ~~إحدى وأربعين وثلاثمائة وجرت بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس ثم انتقل ~~إلى بلاد فارس وصحب عضد الدولة ابن بويه وتقدم عنده وعلت منزلته حتى قال ~~عضد الدولة أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو وصنف له كتاب الإيضاح ~~والتكملة في النحو وقصته فيه مشهورة ويحكى أنه كان يوما في ميدان شيراز ~~يساير عضد الدولة فقال له لم انتصب المستثنى في قولنا قام القوم إلا زيدا ~~فقال الشيخ بفعل مقدر فقال له كيف تقديره فقال أستثني زيدا فقال له عضد ~~الدولة هلا رفعته وقدرت الفعل امتنع زيد فانقطع الشيخ وقال له هذا الجواب ~~ميداني ثم إنه لما رجع إلى منزله وضع في ذلك كلاما حسنا وحمله إليه ~~فاستحسنه وذكر في كتاب الإيضاح أنه انتصب بالفعل المتقدم بتقوية إلا وحكى ~~أبو القاسم ابن أحمد الأندلسي قال جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي وأنا حاضر ~~فقال إني لأغبطكم على قول الشعر فإن خاطري لا يوافقني على قوله مع تحقيقي ~~العلوم التي هي من مواده فقال له رجل فما قلت قط PageV02P080 # شيئا منه قال ما أعلم أن لي شعرا إلا ثلاثة أبيات في ~~الشيب وهي قولي (خضبت ms0298 الشيب لما كان عيبا * وخضب الشيب أولى أن يعابا) (ولم ~~أخضب مخافة هجر خل * ولا عيبا خشيت ولا عتابا) (ولكن المشيب بدا ذميما * ~~فصيرت الخضاب له عقابا) ويقال إن السبب في استشهاده في باب كان من كتاب ~~الإيضاح ببيت أبي تمام الطائي وهو قوله (من كان مرعى عزمه وهمومه * روض ~~الأماني لم يزل مهزولا) لم يكن ذلك لأن أبا تمام ممن يستشهد بشعره لكن عضد ~~الدولة كان يحب هذا البيت وينشده كثيرا فلهذا استشهد به في كتابه ومن ~~تصانيفه كتاب التذكرة وهو كبير وكتاب المقصور والممدود وكتاب الحجة في ~~القراءات وكتاب الاغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني وكتاب العوامل المائة ~~وكتاب المسائل الحلبيات وكتاب المسائل البغداديات وكتاب المسائل الشيرازيات ~~وكتاب المسائل القصريات وكتاب المسائل العسكرية وكتاب المسائل البصرية ~~وكتاب المسائل المجلسيات وغير ذلك وكنت رأيت في المنام في سنة ثمان وأربعين ~~وستمائة وأنا يومئذ بمدينة القاهرة كأنني قد خرجت إلى قليوب ودخلت إلى مشهد ~~بها فوجدته شعثا وهو عمارة قديمة ورأيت به ثلاثة أشخاص مقيمين مجاورين ~~فسألتهم عن المشهد وأنا متعجب لحسن بنائه وإتقان تشييده ترى هذا عمارة من ~~فقالوا لا نعلم ثم قال أحدهم إن الشيخ أبا علي الفارسي جاور في هذا المشهد ~~سنين عديدة PageV02P081 # وتفاوضنا في حديثه فقال وله مع فضائله شعر حسن فقلت ما ~~وقفت له على شعر فقال أنا أنشدك من شعره ثم أنشد بصوت رقيق طيب إلى غاية ~~ثلاثة أبيات فاستيقظت في أثر الإنشاد ولذة صوته في سمعي وعلق على خاطري ~~منها البيت الأخير وهو (الناس في الخير لا يرضون عن أحد * فكيف ظنك سيموا ~~الشر أو ساموا) وبالجملة فهو أشهر من أن يذكر فضله ويعدد وكان متهما ~~بالاعتزال وكانت ولادته في سنة ثمان وثمانين ومائتين وتوفي يوم الأحد لسبع ~~عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر وقيل ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ~~رحمه الله تعالى ببغداد ودفن بالشونيزي والفارسي لا حاجة إلى ضبطه لشهرته ~~ويقال له أيضا أبو علي الفسوي بفتح الفاء والسين ms0299 المهملة وبعدها واو هذه ~~النسبة إلى مدينة فسا من أعمال فارس وقد تقدم ذكرها في ترجمة البساسيري ~~وقليوب بفتح القاف وسكون اللام وضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو ~~وبعدها باء موحدة وهي بليدة صغيرة بينها وبين القاهرة مقدار فرسخين أو ~~ثلاثة ذات بساتين كثيرة PageV02P082 # 164 أبو أحمد العسكري أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن ~~سعيد العسكري أحد الأئمة في الآداب والحفظ وهو صاحب أخبار ونوادر وله رواية ~~متسعة وله التصانيف المفيدة منها كتاب التصحيف الذي جمع فيه فأوعب وغير ذلك ~~وكان الصاحب بن عباد يود الاجتماع به ولا يجد إليه سبيلا فقال لمخدومه مؤيد ~~الدولة بن بويه إن عسكر مكرم قد اختلت أحوالها وأحتاج إلى كشفها بنفسي فأذن ~~له في ذلك فلما أتاها توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور فلم يزره فكتب الصاحب ~~إليه (ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم * ضعفنا فلم نقدر على الوخدان) (أتيناكم ~~من بعد أرض نزوركم * وكم منزل بكر لنا وعوان) (نسائلكم هل من قرى لنزيلكم * ~~بملء جفون لا بملء جفان) وكتب مع هذه الأبيات شيئا من النثر فجاوبه أبو ~~أحمد عن النثر بنثر مثله وعن هذه الإبيات بالبيت المشهور وهو (أهم بأمر ~~الحزم لو أستطيعه * وقد حيل بين العير والنزوان) فلما وقف الصاحب على ~~الجواب عجب من اتفاق هذا البيت له وقال والله PageV02P083 # لو علمت أنه يقع له هذا البيت لما كتبت إليه على هذا ~~الروي وهذا البيت لصخر بن عمرو بن الشريد أخي الخنساء وهو من جملة أبيات ~~مشهورة وكان صخر المذكور قد حضر محاربة بني أسد فطعنه ربيعة ابن ثور الأسدي ~~فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه وبقي مدة حول في أشد ما يكون من المرض وأمه ~~وزوجته سليمى تمرضانه فضجرت زوجته منه فمرت بها امرأة فسألتها عن حاله ~~فقالت لا هو حي فيرجى ولا ميت فينسى فسمعها صخر فأنشد (أرى أم صخر لا تمل ~~عيادتي * وملت سليمى موضعي ومكاني) (وما كنت أخشى أن أكون جنازة * عليك ومن ~~يغتر بالحدثان) (لعمري لقد ms0300 نبهت من كان نائما * وأسمعت من كانت له أذنان) ~~(وأي امرئ ساوى بأم حليلة * فلا عاش إلا في شقا وهوان) (أهم بأمر الحزم لو ~~أستطيعه * وقد حيل بين العير والنزوان) (فللموت خير من حياة كأنها * معرس ~~يعسوب برأس سنان) وكانت ولادته يوم الخميس لست عشرة ليلة خلت من شوال سنة ~~ثلاث وتسعين ومائتين وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من ذي الحجة سنة اثنتين ~~وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وأخذ عن أبي بكر ابن دريد وله من ~~التصانيف كتاب المختلف والمؤتلف وكتاب علم المنطق وكتاب الحكم والأمثال ~~وكتاب الزواجر وغير ذلك والعسكري بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة ~~وفتح الكاف وبعدها PageV02P084 # راء هذه النسبة إلى عدة مواضع فأشهرها عسكر مكرم وهي ~~مدينة من كور الأهواز ومكرم الذي تنسب إليه مكرم الباهلي وهو أول من اختطها ~~فنسبت إليه وأبو أحمد المذكور من هذه المدينة وسيأتي العسكري منسوبا إلى ~~شيء آخر إن شاء الله تعالى 165 ابن رشيق القيرواني أبو علي الحسن بن رشيق ~~المعروف بالقيرواني أحد الأفاضل البلغاء له التصانيف المليحة منها كتاب ~~العمدة في معرفة صناعة الشعر ونقده وعيوبه وكتاب الأنموذج والرسائل الفائقة ~~والنظم الجيد قال ابن بسام في كتاب الذخيرة بلغني أنه ولد بالمسيلة وتأدب ~~بها قليلا ثم ارتحل إلى القيروان سنة ست وأربعمائة وقال غيره ولد بالمهدية ~~سنة تسعين وثلاثمائة وأبوه مملوك رومي من موالي الأزد وتوفي سنة ثلاث وستين ~~وأربعمائة وكانت صنعة أبيه في بلده وهي المحمدية الصياغة فعلمه أبوه صنعته ~~وقرأ الأدب بالمحمدية وقال الشعر وتاقت نفسه إلى التزيد منه وملاقاة أهل ~~الأدب فرحل إلى القيروان واشتهر بها ومدح صاحبها واتصل بخدمته ولم يزل بها ~~إلى أن هاجم العرب القيروان وقتلوا أهلها وأخربوها فانتقل إلى جزيرة صقلية ~~وأقام بمازر إلى أن مات PageV02P085 # ورأيت بخط بعض الفضلاء أنه توفي سنة ست وخمسين ~~وأربعمائة بمازر والأول أصح رحمه الله تعالى وهي قرية بجزيرة صقلية وسيأتي ~~ذكرها في ترجمة المازري إن شاء الله تعالى وقيل إنه توفي ليلة السبت غرة ms0301 ذي ~~القعدة سنة ست وخمسين وأربعمائة بمازر والله أعلم وكانت بينه وبين ابن شرف ~~القيرواني وقائع وماجريات وهما أديبا بلاد المغرب وشاعراها وكان ابن شرف ~~أعور قيل مر يوما وبيده كتاب فقال له ابن رشيق ما في كتابك قال الدريدية ~~يعرض بقول ابن دريد فيها (والعبد لا يردعه إلا العصا *) يشير إلى أنه مولى ~~فقال له ابن رشيق (أما أبي فرشيق لست أنكره * قل لي أبوك وصوره من الخشب) ~~ومن شعره أيضا وقد غاب المعز بن باديس عن حضرته وكان العيد ماطرا (تجهم ~~العيد وانهلت بوادره * وكنت أعهد منه البشر والضحكا) (كأنه جاء يطوي الأرض ~~من بعد * شوقا إليك فلما لم يجدك بكى) وقال أيضا وقد أمره المعز بوصف أترجة ~~مصبعة كانت بين يديه بديها (أترجة سبطة الأطراف ناعمة * تلقى العيون بحسن ~~غير منحوس) (كأنها بسطت كفا لخالقها * تدعو بطول بقاء لابن باديس) ومن شعره ~~أيضا (لو أورقت من دم الأبطال سمر قنا * لأورقت عنده سمر القنا الذبل) (إذا ~~توجه في أولى كتائبه * لم تفرق العين بين السهل والجبل) PageV02P086 # (فالجيش ينفض حوليه أسنته * نفض العقاب جناحيها من ~~البلل) هذا البيت من فرائده وهو ملتقط من قول أبي صخر الهذلي (وإني لتعروني ~~لذكرك فترة * كما انتفض العصفور بلله القطر) ولابن رشيق المذكور رحمه الله ~~تعالى (ومن حسنات الدهر عندي ليلة * من العلم لم تترك لأيامها ذنبا) (خلونا ~~بها ننفي الكرى عن جفوننا * بلؤلؤة مملوءة ذهبا سكبا) (وملنا لتقبيل الخدود ~~ولثمها * مميل جياع الطير تلتقط الحبا) ومن شعره أيضا (صنم من الكافور بات ~~معانقي * في حلتين تعفف وتكرم) (فكرت ليلة وصله في صده * فجرت بقايا أدمعي ~~كالعندم) (فطفقت أمسح ناظري في نحره * إذ شيمة الكافور إمساك الدم) ومن ~~شعره رحمه الله (قالوا رأينا فلانا ليس يوجعه * ما يوجع الناس من هجو به ~~قذفا) (فقلت لو أنه حي لأوجعه * لكنه مات من جهل وما عرفا) (وما هجوت فلانا ~~غير تجربة * وذو الرماية لا يستشعر الهدفا) ومن شعره (أحب أخي وإن أعرضت ~~عنه * وقل ms0302 على مسامعه كلامي) (ولي في وجهه تقطيب راض * كما قطبت في وجه ~~المدام) (ورب تقطب من غير بغض * وبغض كامن تحت ابتسام) PageV02P087 # ومن شعره (يا رب لا أقوى على دفع الأذى * وبك استعنت ~~على الضعيف الموذي) (ما لي بعثت إلي ألف بعوضة * وبعثت واحدة إلى نمروذ) ~~ومن شعره على ما حكاه ابن بسام في الذخيرة (أسلمني حب سليمانكم * إلى هوى ~~أيسره القتل) (قالت لنا جند ملاحاته * لما بدا ما قالت النمل) (قوموا ~~ادخلوا مسكنكم قبل أن * تحطمكم أعينه النجل) وله وقد كبر وضعف مشيه وهو ~~معني غريب (إذا ما خففت كعهد الصبا * أبت ذلك الخمس والأربعونا) (وما ثقلت ~~كبرا وطأتي * ولكن أجر ورائي السنينا) وله أيضا (وقائلة ما إذ الشحوب وذا ~~الضنى * فقلت لها قول المشوق المتيم) (هواك أتاني وهو ضيف أعزه * فأطعمته ~~لحمي وأسقيته دمي) ومن تصانيفه أيضا قراضة الذهب وهو لطيف الجرم كبير ~~الفائدة وله كتاب الشذوذ في اللغة يذكر فيه كل كلمة جاءت شاذة في بابها ~~وكتاب طراز الأدب وكتاب الممادح والمذام وكتاب متفق التصحيف وكتاب تحرير ~~الموازنة وكتاب الاتصال وكتاب المن والفداء وكتاب غريب الأوصاف ولطائف ~~التشبيهات لما انفرد به المحدثون وكتاب أرواح الكتب وكتاب شعراء الكتاب ~~وكتاب المعونة في PageV02P088 # الرخص والضرورات وكتاب الرياحين وكتاب صدق المدائح ~~وكتاب الأسماء المعربة وكتاب إثبات المنازعة وكتاب معالم التاريخ وكتاب ~~التوسع في مضايق القول وكتاب الحيلة والاحتراس وكانت بينه وبين أبي عبد ~~الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد المعروف بابن شرف القيرواني وقائع وماجريات ~~يطول شرحها وقصدنا الاختصار ورشيق بفتح الراء وكسر الشين المعجمة وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف والمسيلة قد تقدم ذكرها فلا حاجة إلى ~~إعادته 166 ابن أبي الشخباء الشيخ المجيد أبو علي الحسن بن عبد الصمد بن ~~أبي الشخباء العسقلاني صاحب الخطب المشهورة والرسائل المحبرة كان من فرسان ~~النثر وله فيه اليد الطولى ويقال إن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى كان جل ~~اعتماده على حفظ كلامه وإنه كان يستحضر أكثره وذكره عماد الدين ms0303 الأصبهاني ~~في الخريدة فقال المجيد مجيد كنعته قادر على ابتداع الكلام ونحته له الخطب ~~البديعة والملح الصنيعة وذكره ابن بسام في الذخيرة وسرد له جملة من الرسائل ~~وذكر هذا المقطوع من نظمه وهو من بعض قصيد PageV02P089 # (ما زال يختار الزمان ملوكه * حتى أصاب المصطفى ~~المتخيرا) (قل للألى ساسوا الورى وتقدموا * قدما هلموا شاهدوا المتأخرا) ~~(تجدوه أوسع في السياسة منكم * صدرا وأحمد في العواقب مصدرا) (إن كان رأي ~~شاوروه أحنفا * أو كان بأس نازلوه عنترا) (قد صام والحسنات ملء كتابه * ~~وعلى مثال صيامه قد أفطرا) (ولقد تخوفك العدو بجهده * لو كان يقدر أن يرد ~~مقدرا) (إن أنت لم تبعث إليه ضمرا * جردا بعثت إليه كيدا مضمرا) (يسري وما ~~حملت رجال أبيضا * فيه ولا ادرعت كماة أسمرا) (خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم ~~* وأمرت سيفك فيهم أن يخطرا) (عجبوا لحلمك أن تحول سطوة * وزلال خلقك كيف ~~عاد مكدرا) (لا تعجبوا من رقة وقساوة * فالنار تقدح من قضيب أخضرا) وقد ~~اقتصرت منها على هذا القدر خوفا من التطويل ومن المنسوب إلى ابن أبي ~~الشخباء أيضا قوله (يا سيف نصري والمهند يانع * وربيع أرضي والسحاب مصاف) ~~(أخلاقك الغر النميرة ما لها * حملت قذى الواشين وهي سلاف) (والإفك في مرآة ~~رأيك ما له * يخفى وأنت الجوهر الشفاف) ورأيت في ديوانه البيتين المشهورين ~~(حجاب وإعجاب وفرط تصلف * ومد يد نحو العلا بتكلف) (ولو كان هذا من وراء ~~كفاية * عذرنا ولكن من وراء تخلف) ومن شعره أيضا (يجود بالماء غيث السحب ~~منقطعا * وغيث كفك بالأموال متصل) PageV02P090 # (جارى نداك ولم يظفر ببغيته * فحمرة البرق في حافاته ~~خجل) ومن شعره (ومهفهف علق السقام بطرفه * وسرى فخيم في معاقد خصره) (مزقت ~~أثواب الظلام بثغره * ثم انثنيت أحوكها من شعره) وذكر أنه توفي مقتولا ~~بخزانة البنود وهي سجن بمدينة القاهرة المعزية سنة اثنتين وثمانين ~~وأربعمائة رحمه الله تعالى والشخباء بفتح الشين المثلثة وسكون الخاء ~~المعجمة وبعد الباء الموحدة ألف ممدودة والعسقلاني نسبة إلى مدينة عسقلان ~~وهي مشهورة على الساحل 167 ابن زولاق أبو ms0304 محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين ~~بن الحسن بن علي بن خالد بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي ~~مولاهم المصري كان فاضلا في التاريخ وله فيه مصنف جيد وله كتاب في خطط مصر ~~استقصى فيه وكتاب أخبار قضاة مصر جعله ذيلا على كتاب أبي عمر محمد بن يوسف ~~بن يعقوب الكندي الذي ألفه في PageV02P091 # أخبار قضاة مصر وانتهى فيه إلى سنة ست وأربعين ومائتين ~~فكمله ابن زولاق المذكور وابتدأ بذكر القاضي بكار بن قتيبة وختمه بذكر محمد ~~بن النعمان وتكلم على أحواله إلى رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة وكان جده ~~الحسن بن علي من العلماء المشاهير وكانت وفاته أعني أبا محمد يوم الثلاثاء ~~الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ~~ورأيت في كتابه الذي صنفه في أخبار قضاة مصر في ترجمة القاضي أبي عبيد أن ~~الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير توفي في جمادى الأولى سنة ست وثلاثمائة ثم ~~قال قبل مولدي بثلاثة أشهر فعلى هذا التقدير تكون ولادة ابن زولاق المذكور ~~في شعبان سنة ست وثلاثمائة وروى عن الطحاوي وزولاق بضم الزاي وسكون الواو ~~وبعد اللام ألف قاف والليثي بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها ثاء مثلثة هذه النسبة إلى ليث بن كنانة وهي قبيلة كبيرة قال ابن ~~يونس المصري هو ليثي بالولاء 168 ملك النحاة أبو نزار الحسن بن أبي الحسن ~~صافي بن عبد الله بن نزار بن أبي الحسن النحوي المعروف بملك النحاة ذكره ~~العماد الكاتب في الخريدة فقال كان من الفضلاء المبرزين وحكى ما جرى بينهما ~~من المكاتبات بدمشق وبرع في PageV02P092 # النحو حتى صار أنحى أهل طبقته وكان فهما فصيحا ذكيا ~~إلا أنه كان عنده عجب بنفسه وتيه لقب نفسه ملك النحاة وكان يسخط على من ~~يخاطبه بغير ذلك وخرج عن بغداد بعد العشرين وخمسمائة وسكن واسط مدة وأخذ ~~عنه جماعة من أهلها أدبا كثيرا واتفقوا على فضله ومعرفته وذكره أبو البركات ~~ابن المستوفي في تاريخ ms0305 إربل فقال ورد إربل وتوجه إلى بغداد وسمع بها الحديث ~~وقرأ مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وأصول الدين على أبي عبد الله ~~القيرواني والخلاف على أسعد الميهني وأصول الفقه على أبي الفتح ابن برهان ~~صاحب الوجيز والوسيط في أصول الفقه وقرأ النحو على الفصيحي وكان الفصيحي قد ~~قرأ على عبد القاهر الجرجاني صاحب الجمل الصغرى ثم سافر إلى خراسان وكرمان ~~وغزنة ثم رحل إلى الشام واستوطن دمشق وتوفي بها يوم الثلاثاء ثامن شوال ~~ودفن يوم الأربعاء تاسعه سنة ثمان وستين وخمسمائة وقد ناهز الثمانين ودفن ~~بمقبرة باب الصغير رحمه الله تعالى ثم ظفرت بمولده في سنة تسع وثمانين ~~وأربعمائة بالجانب الغربي من بغداد بشارع دار الرقيق وله مصنفات كثيرة في ~~الفقه والأصلين والنحو وله ديوان شعر ومدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة ~~ومن شعره (سلوت بحمد الله عنها فأصبحت * دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها) ~~PageV02P093 # (على أنني لا شامت إن أصابها بلاء * ولا راض بواش ~~يعيبها) وله أشياء حسنة وكان مجموع فضائل 169 أبو محمد العسكري أبو محمد ~~الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ~~بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أحد ~~الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية وهو والد المنتظر صاحب السرداب ~~ويعرف بالعسكري وأبوه علي يعرف أيضا بهذه النسبة وسيأتي ذكره وذكر بقية ~~الأئمة إن شاء الله تعالى وكانت ولادة الحسن المذكور يوم الخميس في بعض ~~شهور سنة إحدى وثلاثين ومائتين وقيل سادس شهر ربيع الأول وقيل الآخر سنة ~~اثنتين وثلاثين ومائتين وتوفي يوم الجمعة وقيل يوم الأربعاء لثماني ليال ~~خلون من شهر ربيع الأول وقيل جمادى الأولى سنة ستين ومائتين بسر م رأى ودفن ~~بجنب قبر أبيه رحمهما الله تعالى والعسكري بفتح العين المهملة وسكون السين ~~المهملة وفتح الكاف وبعدها راء هذه النسبة إلى سر من رأى ولما بناها ~~المعتصم وانتقل إليها بعسكره PageV02P094 # قيل لها العسكر وإنما نسب ms0306 الحسن المذكور إليها لأن ~~المتوكل أشخص أباه عليا إليها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر فنسب هو ~~وولده إليها 170 أبو نواس أبو علي الحسن بن هانىء بن عبد الأول بن الصباح ~~المعروف بأبي نواس الحكمي الشاعر المشهور كان جده مولى الجراح بن عبد الله ~~الحكمي والي خراسان ونسبته إليه ذكر محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة ~~أن أبا نواس ولد بالبصرة ونشأ بها ثم خرج إلى الكوفة مع والبة بن الحباب ثم ~~صار إلى بغداد وقال غيره إنه ولد بالأهواز ونقل منها وعمره سنتان وأمه ~~أهوازية اسمها جلبان وكان أبوه من جند مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية ~~وكان من أهل دمشق وانتقل إلى الأهواز للرباط فتزوج جلبان وأولدها عدة أولاد ~~منهم أبو نواس وأبو معاذ فأما أبو نواس فأسلمته أمه إلى بعض العطارين فرآه ~~أبو أسامة والبة بن الحباب فاستحلاه فقال له إني أرى فيك مخايل PageV02P095 # أرى لك أن لا تضيعها وستقول الشعر فاصحبني أخرجك فقال ~~له ومن أنت فقال أنا أبو أسامة والبة بن الحباب فقال نعم أنا والله في طلبك ~~ولقد أردت الخروج إلى الكوفة بسببك لآخذ عنك وأسمع منك شعرك فصار أبو نواس ~~معه وقدم به بغداد فكان أول ما قاله من الشعر وهو صبي (حامل الهوى تعب * ~~يستخفه الطرب) (إن بكى يحق له * ليس ما به لعب) (تضحكين لاهية * والمحب ~~ينتحب) (تعجبين من سقمي * صحتي هي العجب) وهي أبيات مشهورة وروي أن الخصيب ~~صاحب ديوان الخراج بمصر سأل أبا نواس عن نسبه فقال أغناني أدبي عن نسبي ~~فأمسك عنه وقال إسماعيل بن نوبخت ما رأيت قط أوسع علما من أبي نواس ولا ~~أحفظ منه مع قلة كتبه ولقد فتشنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلا قمطرا ~~فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو لا غير وهو في الطبقة الأولى من المولدين ~~وشعره عشرة أنواع وهو مجيد في العشرة وقد اعتنى بجمع شعره جماعة من الفضلاء ~~منهم أبو بكر الصولي وعلي بن ms0307 حمزة وإبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري المعروف ~~بتوزون فلهذا يوجد ديوانه مختلفا ومع شهرة ديوانه لا حاجة إلى ذكر شيء منه ~~وكان أبو نواس قوي البديهة والارتجال روي أن الخصيب قال له مرة PageV02P096 # وهو بالمسجد الجامع أنت غير مدافع في الشعر ولكنك لا ~~تخطب فقام من فوره فقال مرتجلا (نحلتكم يا أهل مصر نصيحتي * ألا فخذوا من ~~ناصح بنصيب) (رماكم أمير المؤمنين بحية * أكول لحيات البلاد شروب) (فإن يك ~~باقي إثم فرعون فيكم * فإن عصا موسى بكف خصيب) ثم التفت إليه وقال والله لا ~~يأتي بمثلها خطيب مصقع فكيف رأيت فاعتذر إليه وحلف ما كنت إلا مازحا ورأيت ~~في بعض الكتب أن المأمون كان يقول لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول ~~أبي نواس (ألا كل حي هالك وابن هالك * وذو نسب في الهالكين عريق) (إذا ~~امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في ثياب صديق) والبيت الأول ينظر إلى ~~قول امرئ القيس (فبعض اللوم عاذلتي فإني * سيكفيني التجارب وانتسابي) (إلى ~~عرق الثرى وشجت عروقي * وهذا الموت يسلبني شبابي) وقد سبق في ترجمة الحسن ~~البصري نظير هذا المعنى وما أحسن ظنه بربه عز وجل حيث يقول (تكثر ما استطعت ~~من الخطايا * إذا كان القدوم على كريم) وقال وهي من رواية أخرى PageV02P097 # (تكثر ما استطعت من الخطايا * فإنك بالغ ربا غفورا) ~~(ستبصر إن وردت عليه عفوا * وتلقى سيدا ملكا كبيرا) (تعض ندامة كفيك مما * ~~تركت مخافة النار السرورا) وهذا من أحسن المعاني وأغربها وأخباره كثيرة ومن ~~شعره الفائق المشهور قصيدته الميمية التي حسده عليها أبو تمام حبيب المقدم ~~ذكره ووازنها بقوله (دمن ألم بها فقال سلام * كم حل عقدة صبره الإلمام) ~~وأول قصيدة أبي نواس المشار إليها وهي مما مدح به الأمين محمد بن هارون ~~الرشيد أيام خلافته (يا دار ما صنعت بك الأيام * لم يبق فيك بشاشة تستام) ~~يقول من جملتها في صفة ناقته (وتجشمت بي هول كل تنوفة * هوجاء فيها جرأة ~~إقدام) (تذر المطي وراءها فكأنها * صف ms0308 تقدمهن وهي إمام) (وإذا المطي بنا ~~بلغن محمدا * فظهورهن على الرجال حرام) وهذا البيت له حكاية سيأتي ذكرها في ~~ترجمة ذي الرمة غيلان الشاعر المشهور وقد أذكرني هذا البيت واقعة جرت لي مع ~~صاحبنا جمال الدين محمود PageV02P098 # ابن عبد الله الإربلي الأديب المجيد في صناعة الألحان ~~وغير ذلك فإنه جاءني إلى مجلس الحكم العزيز بالقاهرة المحروسة في بعض شهور ~~سنة خمس وأربعين وستمائة وقعد عندي ساعة وكان الناس يزدحمون لكثرة أشغالهم ~~حينئذ ثم نهض وخرج فلم أشعر إلا وقد حضر غلامه وعلى يده رقعة مكتوب فيها ~~هذه الأبيات (يا أيها المولى الذي بوجوده * أبدت محاسنها لنا الأيام) (إني ~~حججت إلى مقامك حجة الأشواق * لا ما يوجب الإسلام) (وأنخت بالحرم الشريف ~~مطيتي * فتسربت واستاقها الأقوام) (فظللت أنشد عند نشداني لها * بيتا لمن ~~هو في القريض إمام) (وإذا المطي بنا بلغن محمدا * فظهورهن على الرجال حرام) ~~فوقفت عليها وقلت لغلامه ما الخبر فذكر أنه لما قام من عندي وجد مداسه قد ~~سرق فاستحسنت منه هذا التضمين والعرب يشبهون النعل بالراحلة وقد جاء هذا في ~~شعر المتقدمين والمتأخرين واستعمله المتنبي في مواضع من شعره ثم جاءني من ~~بعد جمال الدين المذكور وجرى ذكر هذه الأبيات فقلت له ولكن أنا اسمي أحمد ~~لا محمد فقال علمت ذلك ولكن أحمد ومحمد سواء وهذا التضمين حسن ولو كان ~~الاسم أي شيء كان وكان محمد الأمين المقدم ذكره قد سخط على أبي نواس لقضية ~~جرت له معه فتهدده بالقتل وحبسه فكتب إليه من السجن (بك أستجير من الردى * ~~متعوذا من سطو باسك) (وحياة رأسك لا أعود * لمثلها وحياة رأسك) (من ذا يكون ~~أبا نواسك * إن قتلت أبا نواسك) PageV02P099 # وله معه وقائع كثيرة حدث أحمد بن معاوية الباهلي عن ~~عطاء الملك قال دخلنا المسجد الجامع فإذا على السارية مكتوب بخط جليل التي ~~إليها أبو عبيدة يجلس (صلى الإله على لوط وشيعته * أبا عبيدة قل بالله ~~آمينا) قال فقال لي أبو عبيدة امحه قلت لا أناله فركع وارتفعت على ms0309 ظهره حتى ~~محوته فقلت لم يبق إلا الطاء فقال الطامة في الطاء فمحوتها فلما جلس قال ~~والله ما أتهم بهذا إلاالخبيث الماجن المتهتك يعني أبا نواس قال فبلغ قوله ~~أبا نواس فحلف أنه لم يفعل ذلك فقبل يمينه وكان أبو عبيدة يحب أبا نواس ~~ويقدمه لظرفه وأدبه وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويشنأ الأصمعي ويهجوه ~~فقيل له ما تقول في الأصمعي فقال بلبل في قفص قيل فما تقول في خلف الأحمر ~~قال جمع العلم وفهمه قيل فما تقول في أبي عبيدة قال ذاك أديم طوي على علم ~~وكان بمصر رجل يعرف بالحسن بن عمر الأجهري يقول الشعر الضعيف وكان ناقص ~~العقل فقيل له إن أردت أن يعلو شأنك في الشعر فاهج أبا نواس فأتاه وهو جالس ~~في المجلس والناس حوله فأنشده (ألا قل للنواسي الضعيف * الحال والقدر) ~~(خبرنا منك أحوالا * فلم نحمدك في الخبر) (وما روعت بالمنظر * ولكن رعت ~~بالكدر) قال وكان هذا الشاعر من أوحش الناس صورة فنظر إليه أبو نواس وقال ~~بم أهجوك وبأي شيء أصفك وقد سبقني الله تعالى إلى توحش منظرك وتقبيح مخبرك ~~وهل أكون إن قلت شيئا إلا سارقا من ربي ومتكلفا PageV02P100 # على ما قد كفاني فقال له بعض من معه اهجه على حال لا ~~نقول إنه أفحمك فقال من وزن شعره (بما أهجوك لا أدري * لساني فيك لا يجري) ~~(إذا فكرت في هجوك * أبقيت على شعري) قال فقاموا على أبي نواس فقبلوا رأسه ~~وصفقوا الأيدي جهرا حدث الصولي عن عبد الله بن محمد بن حفص قال غلست يوما ~~إلى المسجد فإذا بأبي نواس يكلم امرأة عند باب المسجد وكنت أعرفه في مجالس ~~الحديث والآداب فقلت له مثلك يقف هذا الموقف بحق أو باطل فاعتذر ثم كتب إلي ~~ذلك اليوم هذه الأبيات (إن التي أبصرتها * سحرا تكلمني رسول) (دست إلي ~~رسالة * كادت لها نفسي تزول) (من واضح الخدين يقصر * خطوه ردف ثقيل) (متنكب ~~قوس الصبا * يرمي وليس له رسيل) (فلو يقال إن أذنك ms0310 عندنا * حتى تسمع ما ~~تقول) (لرأيت ما استقبحت من * أمري لديك هو الجميل) وحكى الصولي عن إسماعيل ~~بن نصر أخي محمد بن نصر الذي يقول فيه أبو نواس من جملة قصيد (فصلى هذه في ~~وقت هذي * فكل صلاته أبدا قضاء) (وذاك محمد تفديه نفسي * وحق له وقل له ~~الفداء) قال رأيت أبا نواس وقد صلى الظهر وقام يتطوع فقلت له ما بدا لك في ~~PageV02P101 # هذا قال ليصعد إلى السماء اليوم خبر ظريف حكى الصولي ~~عن أبي العتاهية قال لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته وقلت له أما آن ~~لك أن ترعوي أما حان لك أن تزدجر فرفع رأسه إلي وقال (أتراني يا عتاهي * ~~تاركا تلك الملاهي) (أتراني مفسدا بالنسك * عند القوم جاهي) قال فلما ألححت ~~عليه بالعذل أنشأ يقول (لن ترجع الأنفس عن غيها * ما لم يكن منها لها زاجر) ~~قال فوددت اني قلت هذا البيت بكل شيء قلته وقال أبو العتاهية قد قلت عشرين ~~ألف بيت في الزهد وددت أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس ~~وهي (يا نواسي توقر * وتعز وتصبر) (إن يكن ساءك دهر * فلما سرك أكثر) (يا ~~كبير الذنب عفو * الله عن ذنبك أكبر) وأشيع عن أبي نواس انه رجع عما كان ~~عليه من البطالة وشرب الخمر وزهد في اللذات فاجتمع أصحابه وأقبلوا عليه ~~يهنئونه بذلك فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل عليه أحد يهنئه إلا شرب بين ~~يديه رطلا وأنشد (قالوا نزعت ولما يعلموا وطري * في كل أغيد ساجي الطرف ~~مياس) (كيف النزوع وقلبي قد تقسمه * لحظ العيون وقرع السن بالكاس) قال محمد ~~بن نافع كان أبو نواس لي صديقا فوقع بيني وبينه هجرة في آخر عمره ثم بلغتني ~~وفاته فتضاعف علي الحزن فبينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيته فقلت أبا ~~نواس قال لات حين كنية قلت الحسن بن هانىء PageV02P102 # قال نعم قلت ما فعل الله بك قال غفر لي بأبيات قلتها ~~في علتي قبل موتي وهي تحت الوسادة فأتيت ms0311 أهله فلما رأوني أجهشوا بالبكاء ~~فقلت لهم قال أخي شعرا قبل موته قالوا لا نعلم إلا أنه دعا بدواة وقرطاس ~~وكتب شيئا لا ندري ما هو قلت ايذنوا لي أدخل قال فدخلت إلى مرقده فإذا ~~ثيابه لم تحرك بعد فرفعت وسادة فلم أر شيئا ثم رفعت أخرى فإذا أنا برقعة ~~فيها مكتوب (يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم) (إن كان ~~لا يدعوك إلا محسن * فمن الذي يرجو ويدعو المجرم) (أدعوك رب كما أمرت تضرعا ~~* فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم) (ما لي إليك وسيلة إلا الرجا * وجميل عفوك ثم ~~أني مسلم) وقد سبق في ترجمة أبي عمر أحمد بن دراج القسطلي ذكر بعض قصيدة ~~أبي نواس الرائية وذكره الخطيب أبو بكر في تاريخ بغداد وقال ولد في سنة خمس ~~وأربعين وقيل سنة ست وثلاثين ومائة وتوفي في سنة خمس وقيل ست وقيل ثمان ~~وتسعين ومائة ببغداد ودفن في مقابر الشونيزي رحمه الله تعالى وإنما قيل له ~~أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقيه والحكمي بفتح الحاء المهملة ~~والكاف وبعدها ميم هذه النسبة إلى الحكم بن سعد العشيرة قبيلة كبيرة باليمن ~~منها الجراح بن عبد الله الحكمي وكان أمير خراسان وقد تقدم أن أبا نواس من ~~مواليه فنسب إليه وقد تقدم الكلام على سعد العشيرة في ترجمة المتنبي في حرف ~~الهمزة وأما الصولي فتأتي ترجمته في المحمدين وعلي بن حمزة لم أقف له على ~~ترجمة PageV02P103 # وتوزون أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد وبرع فيه وكان ~~يسكن بغداد وتوفي في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة رحمه الله ~~تعالى 171 ابن وكيع التنيسي أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن محمد بن خلف ~~بن حيان بن صدقة بن زياد الضبي المعروف بابن وكيع التنيسي الشاعر المشهور ~~أصله من بغداد ومولده بتنيس ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر وقال ~~في حقه شاعر بارع وعالم جامع قد برع على أهل زمانه فلم يتقدمه أحد في أوانه ms0312 ~~وله كل بديعة تسحر الأوهام وتستعبد الأفهام وذكر مزدوجته المربعة وهي من ~~جيد النظم وأورد له غيرها وله ديوان شعر جيد وله كتاب بين فيه سرقات أبي ~~الطيب المتنبي سماه المنصف وكان في لسانه عجمة ويقال له العاطس ومن شعره ~~(سلا عن حبك القلب المشوق * فما يصبو إليك ولا يتوق) (جفاؤك كان عنك لنا ~~عزاء * وقد يسلي عن الولد العقوق) وله أيضا PageV02P104 # (كأنها في الكؤوس إذ جليت * من عسجد رق لونه وصفا) ~~(أغضبها الماء حين مازجها * وأزبدت في كؤوسها أنفا) (در حباب يود مبصره * ~~لو كان يوما لأذنه شنفا) وله أيضا إن كان قد بعد اللقاء فودنا * دان ونحن ~~على النوى أحباب كم قاطع للوصل يؤمن ومواصل بوداده يرتاب وله أيضا (لقد شمت ~~بقلبي * لا فرج الله عنه) (كم لمته في هواه * فقال لا بد منه) ولقد ألم به ~~بعضهم فقال (لا رعى الله عزمة ضمنت لي * سلوة القلب والتصبر عنه) (ما وفت ~~غير ساعة ثم عادت * مثل قلبي تقول لا بد منه) ومثله قول أسامة بن منقذ ~~الشيزري المقدم ذكره (لا تستعر جلدا على هجرانهم * فقواك تضعف عن صدود ~~دائم) (واعلم بأنك إن رجعت إليهم * طوعا وإلا عدت عودة راغم) وقال بعض ~~الفقهاء أنشدت الشيخ مرتضى الدين أبا الفتح نصر بن محمد بن مقلد القضاعي ~~الشيزرى المدرس كان بتربة الإمام الشافعي رضي الله عنه بالقرافة لابن وكيع ~~المذكور (لقد قنعت همتي بالخمول * وصدت عن الرتب العالية) PageV02P105 # (وما جهلت طيب طعم العلا * ولكنها تؤثر العافية) ~~فأنشدني لنفسه على البديهة (بقدر الصعود يكون الهبوط * فإياك والرتب ~~العالية) (وكن في مكان إذا ما سقطت * تقوم ورجلاك في عافيه) وله أيضا أعني ~~ابن وكيع (أبصره عاذلي عليه * ولم يكن قبل ذا رآه) (فقال لي لو هويت هذا * ~~ما لامك الناس في هواه) (قل لي إلى من عدلت عنه * فليس أهل الهوى سواه) ~~(فظل من حيث ليس يدري * يأمر بالحب من نهاه) وكنت أنشدت هذه الأبيات ~~لصاحبنا الفقيه شهاب الدين محمد ولد الشيخ تقي ms0313 الدين عبد المنعم المعروف ~~بالخيمي فأنشدني لنفسه في المعنى (لو رأى وجه حبيبي عاذلي * لتفاصلنا على ~~وجه جميل) وهذا البيت من جملة أبيات ولقد أجاد فيه وأحسن في التورية وله كل ~~معنى حسن وكانت وفاة ابن وكيع المذكور يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى ~~الأولى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة بمدينة تنيس ودفن في المقبرة الكبرى في ~~القبة التي بنيت له بها رحمه الله تعالى ووكيع بفتح الواو وكسر الكاف وسكون ~~الياء المثناة من تحتها PageV02P106 # وبعدها عين مهملة وهو لقب جده أبي بكر محمد بن خلف ~~وكان نائبا في الحكم بالأهواز لعبدان الجواليقي وكان فاضلا نبيلا فصيحا من ~~أهل القرآن والفقه والنحو والسير وأيام الناس وأخبارهم وله مصنفات كثيرة ~~فمنها كتاب الطريق وكتاب الشريف وكتاب عدد آي القرآن والاختلاف فيه وكتاب ~~الرمي والنضال وكتاب المكاييل والموازين وغير ذلك وله شعر كشعر العلماء ~~وتوفي يوم الأحد لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثمائة ببغداد وقال ~~ابن قانع توفي عبدان الأهوازي سنة سبع وثلاثمائة بعسكر مكرم رحمه الله ~~تعالى والتنيسي بكسر التاء المثناة من فوقها وكسر النون المشددة وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة نسبة إلى تنيس مدينة بديار مصر ~~بالقرب من دمياط بناها تنيس بن حام بن نوح عليه السلام فسميت باسمه وتوفي ~~المرتضى الشيزري المذكور في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بمصر ودفن بسفح ~~المقطم رحمه الله تعالى 172 ابن العلاف الشاعر أبو بكر الحسن بن علي بن ~~أحمد بن بشار بن زياد المعروف بابن العلاف الضرير النهرواني الشاعر المشهور ~~كان من الشعراء المجيدين وحدث عن أبي عمر PageV02P107 # الدوري المقرئ وحميد بن مسعدة البصري ونصر بن علي ~~الجهضمي ومحمد بن إسماعيل الحساني وروى عنه عبد الله بن الحسن بن النخاس ~~وأبو الحسن الخراجي القاضي وأبو حفص ابن شاهين وغيرهم وكان ينادم الإمام ~~المعتضد بالله وقال بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه فأتانا خادم ~~ليلا فقال أمير المؤمنين يقول أرقت الليلة بعد انصرافكم فقلت (ولما انتبهنا ms0314 ~~للخيال الذي سرى * إذا الدار قفر والمزار بعيد) وقد أرتج علي تمامه فمن ~~أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة قال فأرتج على الجماعة وكلهم شاعر ~~فاضل فابتدرت وقلت (فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي * لعل خيالا طارقا ~~سيعود) فرجع الخادم إليه ثم عاد فقال أمير المؤمنين يقول قد أحسنت وقد أمر ~~لك بجائزة وكان لأبي بكر المذكور هر يأنس به وكان يدخل أبراج الحمام التي ~~لجيرانه ويأكل فراخها وكثر ذلك منه فأمسكه أربابها فذبحوه فرثاه بهذه ~~القصيدة وقد قيل إنه رثى بها عبد الله بن المعتز الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى وخشي من الإمام المقتدر أن يتظاهر بها لأنه هو الذي قتله فنسبها إلى ~~الهر وعرض به في أبيات منها وكانت بينهما صحبة أكيدة وذكر محمد بن عبد ~~الملك الهمداني في تاريخه الصغير الذي سماه المعارف المتأخرة في ترجمة ~~الوزير أبي الحسن علي بن الفرات ما مثاله قال الصاحب أبو القاسم ابن عباد ~~أنشدني أبو الحسن ابن أبي بكر العلاف وهو الأكول المقدم في الأكل في مجالس ~~الرؤساء والملوك قصائد أبيه في الهر وقال إنما كنى بالهر عن المحسن بن ~~الفرات أيام محنته لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه قلت أنا وهذا المحسن ولد ~~الوزير المذكور وسيأتي خبر ذلك في ترجمة PageV02P108 # أبيه أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات إن شاء الله ~~تعالى وذكر صاعد اللغوي في كتاب الفصوص قال حدثني أبو الحسن المرزباني قال ~~هويت جارية لعلي بن عيسى غلاما لأبي بكر ابن العلاف الضرير ففطن بهما فقتلا ~~جميعا وسلخا وحشيت جلودهما تبنا فقال أبو بكر مولاه هذه القصيدة يرثيه بها ~~وكنى عنه بالهر والله أعلم وهي من أحسن الشعر وأبدعه وعددها خمسة وستون ~~بيتا وطولها يمنع من الإتيان بجميعها فنأتي بمحاسنها وفيها أبيات مشتملة ~~على حكم فنأتي بها وأولها (يا هر فارقتنا ولم تعد * وكنت عندي بمنزل الولد) ~~(فكيف ننفك عن هواك وقد * كنت لنا عدة من العدد) (تطرد عنا الأدى وتحرسنا * ~~بالغيب من حية ومن جرد) ms0315 (وتخرج الفأر من مكامنها * ما بين مفتوحها إلى ~~السدد) (يلقاك في البيت منهم مدد * وأنت تلقاهم بلا مدد) (لا عدد كان منك ~~منفلتا * منهم ولا واحد من العدد) (لا ترهب الصيف عند هاجرة * ولا تهاب ~~الشتاء في الجمد) (وكان يجري ولا سداد لهم * أمرك في بيتنا على سدد) (حتى ~~اعتقدت الأذى لجيرتنا * ولم تكن للأذى بمعتقد) (وحمت حول الردى بظلمهم * ~~ومن يحم حول حوضه يرد) (وكان قلبي عليك مرتعدا * وأنت تنساب غير مرتعد) ~~تدخل برج الحمام متئدا * وتبلع الفرخ غير متئد) (وتطرح الريش في الطريق لهم ~~* وتبلع اللحم بلع مزدرد) (أطعمك الغي لحمها فرأى * قتلك أربابها من الرشد) ~~PageV02P109 # (حتى إذا داوموك واجتهدوا * وساعد النصر كيد مجتهد) ~~(كادوك دهرا فما وقعت وكم * أفلت من كيدهم ولم تكد) (فحين أخفرت وانهمكت ~~وكاشفت * وأسرفت غير مقتصد) (صادوك غيظا عليك وانتقموا * منك وزادوا ومن ~~يصد يصد) (ثم شفوا بالحديد أنفسهم * منك لم يرعووا على أحد) ومنها (فلم تزل ~~للحمام مرتصدا * حتى سقيت الحمام بالرصد) (لم يرحموا صوتك الضعيف كما * لم ~~ترث منها لصوتها الغرد) (أذاقك الموت ربهن كما * أذقت أفراخه يدا بيد) ~~ومنها (كأن حبلا حوى بجودته * جيدك للخنق كان من مسد) (كأن عيني تراك ~~مضطربا * فيه وفي فيك رغوة الزبد) (وقد طلبت الخلاص منه فلم * تقدر على ~~حيلة ولم تجد) (فجدت بالنفس والبخيل بها * أنت ومن لم يجد بها يجد) (فما ~~سمعنا بمثل موتك إذ * مت ولا مثل عيشك النكد) (عشت حريصا يقوده طمع * ومت ~~ذا قاتل بلا قود) ومنها (يا من لذيذ الفراخ أوقعه * ويحك هلا قنعت بالغدد) ~~(ألم تخف وثبة الزمان كما * وثبت في البرج وثبة الأسد) (عاقبة الظلم لا ~~تنام وإن * تأخرت مدة من المدد) (أردت أن تأكل الفراخ ولا * يأكلك الدهر ~~أكل مضطهد) (هذا بعيد من القياس وما * أعزه في الدنو والبعد) (لا بارك الله ~~في الطعام إذا * كان هلاك النفوس في المعد) PageV02P110 # (كم دخلت لقمة حشا شره * فأخرجت روحه من الجسد) (ما ~~كان أغناك عن تسورك البرج * ولو ms0316 كان جنة الخلد) (قد كنت في نعمة وفي دعة * ~~من العزيز المهين الصمد) (تأكل من فأر بيتنا رغدا * وأين بالشاكرين للرغد) ~~(وكنت بددت شملهم زمنا * فاجتمعوا بعد ذلك البدر) (فلم يبقوا لنا على سبد * ~~في جوف أبياتنا ولا لبد) (وفرغوا قعرها وما تركوا * ما علقته يد على وتد) ~~(وفتتوا الخبز في السلال فكم * تفتت للعيال من كبد) (ومزقوا من ثيابنا جددا ~~* فكلنا في المصائب الجدد) ونقتصر من هذه القصيدة على هذا القدر فهو زبدتها ~~وكانت وفاته سنة ثماني عشرة وقيل تسع عشرة وثلاثمائة وعمره مائة سنة رحمه ~~الله تعالى والنهرواني بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء والواو وبعد ~~الألف نون هذه النسبة إلى النهروان وهي بليدة قديمة بالقرب من بغداد وقال ~~السمعاني هي بضم الراء وليس بصحيح 173 أبو الجوائز الواسطي أبو الجوائز ~~الحسن بن علي بن محمد بن باري الكاتب الواسطي كان من الفضلاء سكن بغداد ~~دهرا طويلا وذكره الخطيب في تاريخه فقال وعلقت PageV02P111 # عنه أخبارا وحكايات وأناشيد وأمالي عن ابن سكرة ~~الهاشمي وغيره ولم يكن ثقة فإنه ذكر لي أنه سمع من ابن سكرة وكان يصغر عن ~~ذلك وكان أديبا شاعرا حسن الشعر في المديح والأوصاف وغير ذلك فمما أنشدنيه ~~لنفسه قوله (دع الناس طرا واصرف الود عنهم * إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح) ~~(ولا تبغ من دهر تظاهر رنقه * صفاء بنيه فالطباع جوامح) (وشيئان معدومان في ~~الأرض درهم * حلال وخل في الحقيقة ناصح) انتهى قول الخطيب وله تواليف حسان ~~وخط جيد وأشعار رائقة وقفت له على مقاطيع كثيرة ولم أر له ديوانا ولا أعلم ~~هل دون شعره أم لا ومن أشعاره السائرة قوله (براني الهوى بري المدى وأذابني ~~* صدودك حتى صرت أمحل من أمس) (فلست أرى حتى أراك وإنما * يبين هباء الذر ~~في ألق الشمس) ومن شعره (أقول وجرس الحلي يمنع وصلها * وقد عاد ذاك القرب ~~وهو بعاد) (هبي كل ذي نطق يغار عليكم * فكيف يغار الحلي وهو جماد) ومن شعره ~~أيضا وفيه لزوم مالايلزم (واحزني من ms0317 قولها * خان عهودي ولها) (وحق من صيرني ~~* وقفا عليها ولها) (ما خطرت بخاطري * إلا كستني ولها) وكانت وفاته سنة ~~ستين وأربعمائة رحمه الله تعالى وقال الخطيب PageV02P112 # سمعت أبا الجوائز يقول ولدت في سنة اثنتين وثمانين ~~وثلاثمائة وغاب عني خبره في سنة ستين وأربعمائة انتهى كلام الخطيب قلت وقد ~~صح أن فاته كانت في سنة ستين كما ذكرته أولا والله أعلم وإن كان الخطيب لم ~~يصرح به بل اقتصر على انقطاع خبره لا غير 174 العلم الشاتاني أبو علي ~~االحسن بن سعيد بن عبد الله بن بندار بن إبراهيم الشاتاني الملقب علم الدين ~~كان فقيها غلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به وكان قد ترك بلده ونزل ~~الموصل واستوطنها وكان يتردد منها إلى بغداد وكان الوزير أبو المظفر ابن ~~هبيرة كثير الإقبال عليه والإكرام له وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى ~~عليه وأورد له أشعارا وقال مدح صلاح الدين بقصيدة أولها (أرى النصر معقودا ~~برايتك الصفرا * فسر وافتح الدنيا فأنت بها أحرى) PageV02P113 # (يمينك فيها اليمن واليسر في اليسرى * فبشرى لمن يرجو ~~الندى بهما بشرى) وكان مولده في سنة عشر وخمسمائة وتوفي في شعبان سنة تسع ~~وتسعين وخمسمائة بالموصل رحمه الله تعالى وذكره ابن الدبيثي في ذيله وأثنى ~~عليه وشاتان بفتح الشين المعجمة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها وبعد الألف ~~الثانية نون وهي بلد بنواحي ديار بكر 175 ناصر الدولة ابن حمدان أبو محمد ~~الحسن الملقب ناصر الدولة ابن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون ابن ~~الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن الحارث بن غطيف بن محربة بن ~~حارثة بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن ~~غنم بن تغلب التغلبي كان صاحب الموصل وما والاها وتنقلت به الأحوال تارات ~~إلى أن ملك الموصل بعد أن كان نائبا بها عن أبيه ثم لقبه الخليفة المتقي ~~لله ناصر الدولة وذلك في مستهل شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة ولقب ms0318 أخاه سيف ~~الدولة في ذلك اليوم أيضا وعظم شأنهما وكان الخليفة المكتفي بالله قد ولى ~~أباهما عبد الله بن حمدان الموصل وأعمالها في سنة اثنتين وتسعين ومائتين ~~فسار إليها ودخلها في أول سنة ثلاث وتسعين ومائتين وكان ناصر الدولة أكبر ~~سنا من أخيه سيف الدولة وأقدم منزلة عند PageV02P114 # الخلفاء وكان كثير التأدب معه وجرت بينهما يوما وحشة ~~فكتب إليه سيف الدولة (لست أجفو وإن جفيت ولا أترك * حقا علي في كل حال) ~~(إنما أنت والد والأب الجافي * يجازى بالصبر والاحتمال) حكى هلال بن المحسن ~~عن معز االدولة ابن بويه وكان منازلا لناصر الدولة أبي محمد بن حمدان فجاءه ~~غلام فقال إن اغتلت ابن حمدان وقتلته ما يكون لي عليك قال اقتراحك ووعده ~~وعدا ملأ به صدره فمضى واختلط بعسكر ناصر الدولة وتوصل إلى أن عرف موضع ~~منامه ليلا من خيمته ثم جاء وقد اشتمل على دشنة فدخل الخيمة من تحت الطنب ~~وقد تفرق الناس ونام الحراس فوجد ناصر الدولة نائما على سرير وفي جانب ~~الخيمة شمعة وعلى بعد منه جماعة فتأمل موضع رأسه من رجليه ثم أطفأ الشمعة ~~لئلا يصيح إذا جرحه فينذر به ويؤخذ وجاءه يريد الموضع الذي فيه رأسه فاتفق ~~أن ناصر الدولة تقلب من جنب إلى جنب فزال عن المكان وجاء الغلام يريد موضعه ~~فغرز الدشنة عزرا استقصى فيه وظن أنه قد بلغ المراد فأحس ناصر الدولة بعدوه ~~فانتبه فرأى الشمعة وقد أطفئت وأطناب الخيمة مرفوعة فصاح بالغلمان فبادروا ~~وجاءوا بضوء وشاهدوا الصورة فجزع وأمر بالزيادة في الاحتراس ولم يعلم كيف ~~جرى الأمر وعاد الرجل فأخبر معز الدولة أنه قد قتل ناصر الدولة فلم يعطه ما ~~وعده به لكنه أطلق له شيئا وقال لأبي جعفر الصيمري من يقدم على الملوك مثل ~~إقدام هذا لا يجوز استبقاؤه فضلا أن يوثق بمكانه وما الذي يؤمننا أن يبذل ~~لأعدائنا مثل ما بذل لنا فأرحني منه كيف شئت فأخذه الصيمري فغرقه وكتب إليه ~~مرة أخرى وذكرها الثعالبي في اليتيمة PageV02P115 # (رضيت لك ms0319 العليا وقد كنت أهلها * وقلت لهم بيني وبين ~~أخي فرق) (ولم يك بي عنها نكول وإنما * تجافيت عن حقي فتم لك الحق) (ولا بد ~~لي من أن أكون مصليا * إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق) وأورد له أيضا قوله ~~(قد جرى في دمعه دمه * فإلى كم أنت تظلمه) (رد عنه الطرف منك فقد * خرقته ~~منك أسهمه) (كيف يسطيع التجلد من * خطرات الوهم تؤلمه) وكان ناصر الدولة ~~شديد المحبة لأخيه سيف الدولة فلما توفي سيف الدولة في التاريخ الآتي ذكره ~~في ترجمته إن شاء الله تعالى تغيرت أحوال ناصر الدولة وساءت أخلاقه وضعف ~~عقله إلى أن لم يبق له حرمة عند أولاده وجماعته فقبض عليه ولده أبو تغلب ~~فضل الله الملقب عدة الدولة المعروف بالغضنفر بمدينة الموصل باتفاق من ~~إخواته وسيره إلى قلعة أردمشت في حصن السلامة وذكر شيخنا ابن الأثير في ~~تاريخه أن هذه القلعة هي التي تسمى الآن قلعة كواشي وذلك في يوم الثلاثاء ~~الرابع والعشرين من جمادي الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة ولم يزل محبوسا ~~بها إلى أن توفي يوم الجمعة وقت العصر ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان ~~وخمسين وثلاثمائة ونقل إلى الموصل ودفن بتل توبة شرقي الموصل وقيل إنه توفي ~~سنة سبع وخمسين وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني في كتاب عنوان السير في ~~آخر ترجمة ناصر الدولة ما مثاله ولم يزل يعني ناصر الدولة مستوليا على ديار ~~الموصل وغيرها حتى قبض عليه ابنه الغضنفر في سنة ست وخمسين وثلاثمائة وكانت ~~PageV02P116 # إمارته هناك اثنتين وثلاثين سنة وتوفي يوم الجمعة ~~الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ~~وقتل أبوه ببغداد وهو يدافع عن الإمام القاهر بالله وقصته مشهورة لثلاث ~~عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة رحمه الله تعالى وأما ~~الغضنفر تن ناصر الدولة فإنه جرت له مع عضد الدولة ابن بويه لما ملك بغداد ~~بعد قتله بختيار ابن عمه المقدم ذكره وقد كان معه في الواقعة ms0320 التي قتل فيها ~~قضايا يطول شرحها وحاصلها أن عضد الدولة قصده بالموصل فهرب منه إلى الشام ~~ونزل بظاهر دمشق والمستولي عليا قسام العيار فكتب إلى العزيز بن المعز صاحب ~~مصر يسأله تولية الشام فأجابه إلى ذلك ظاهرا ومنعه باطنا فتوجه إلى الرملة ~~في المحرم سنة سبع وستين وبها المفرج بن الجراح البدوي الطائي فهرب منه ثم ~~جمع له جموعا وعاد إليه فالتقيا على بابها في يوم الاثنين لليلة خلت من صفر ~~من السنة فانهزم أصحابه وأسر وقتل يوم الثلاثاء ثاني صفر المذكور ومولده ~~يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ~~ونقلت نسبهم على هذه الصورة من كتاب أدب الخواص للوزير أبي القاسم الحسين ~~ابن المغربي وقال محمد بن أحمد الأسدي النسابة اسم تغلب دثار وإنما سمي ~~تغلب لأن أباه وائلا قصدته اليمن في داره لتسبي أهله فصرخ في أهله وعشيرته ~~فنصر على اليمن وكان تغلب طفلا فتبرك به وقال هذاا تغلب فسمي به ~~PageV02P117 # 176 ركن الدولة ابن بويه أبو علي الحسن بن بويه بن ~~فناخسرو الديلمي الملقب ركن الدولة وقد تقدمت تتمة نسبه في حرف الهمزة عند ~~ذكر أخيه معزالدولة أحمد وكان ركن الدولة المذكور صاحب أصبهان والري وهمذان ~~وجميع عراق العجم وهو والد عضد الدولة فناخسرو ومؤيد الدولة أبي منصور بويه ~~وفخر الدولة أبي الحسن علي وكان ملكا جليل القدر عالي الهمة وكان أبو الفضل ~~ابن العميد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وزيره ولما توفي استوزر ولده أبا ~~الفتح عليا وكان الصاحب بن عباد وزير ولده مؤيد الدولة ولما توفي وزر لفخر ~~الدولة وقد تقدم ذلك في حرف االهمزة في ترجمة الصاحب وكان مسعودا ورزق ~~السعادة في أولاده الثلاثة وقسم عليهم الممالك فقاموا بها أحسن قيام وكان ~~ركن الدولة المذكور أوسط الاخوة الثلاثة وهم عماد الدولة أبو الحسن علي ~~وركن الدولة المذكور ومعز الدولة أبو الحسين أحمد وقد سبق ذكره وكان عماد ~~الدولة أكبرهم ومعز الدولة أصغرهم ولما كان في سنة 339 ms0321 سار الخراسانيون ~~منصور بن قراتكين ومن معه إلى الري وكان ركن الدولة ببلاد فارس فلما وصل ~~جرت بينه وبينهم حروب عدة وضاقت الميرة على الطائفتين وذبحوا دوابهم ولو ~~أمكن ركن الدولة الانهزام لفعل فاستشار ويزره أبا الفضل ابن العميد في بعض ~~الليالي في الهرب فقال لا ملجأ لك إلا إلى الله تعالى فانو للمسلمين خيرا ~~وصمم العزم على حسن السيرة والإحسان فإن الحيل البشرية كلها تقطعت بنا وإن ~~انهزمنا تبعونا وأهلكونا وهم أكثر منا فلا يفلت منا أحد فقال له قد سبقتك ~~إلى هذا PageV02P118 # فلما كان ثلث الليل الأخير أتاهم الخبر أن منصورا ~~وعسكره قد عادوا إلى الري وتركوا خيامهم وكان سبب ذلك أن الميرة والعلوفة ~~ضاقت عليهم أيضا إلا أن الديلم كانوا يصبرون ويقتنعون بالقليل من الطعام ~~وكان الخراسانية بالضد منهم وحكى أبو الفضل ابن العميد قال استدعاني ركن ~~الدولة تلك الليلة في الثلث الأخير وقال لي قد رأيت الساعة في منامي كأني ~~على دابتي فيروز وقد انهزم عدونا وأنت تسير إلى جانبي وقد جاءنا الفرج من ~~حيث لا نحتسب فمددت عيني فرأيت على الأرض خاتما فأخذته وإذا فصه من فيروزج ~~فجعلته في إصبعي فتبركت به وانتبهت وقد أيقنت بالظفر فإن الفيروزج معناه ~~الظفر وكذلك لقب الدابة فيروز قال ابن العميد فأتانا الخبر والبشارة بأن ~~العدو قد رحل فما صدقنا حتى تواردت الأخبار فركبنا ولا نعرف سبب هزيمتهم ~~وسرنا حذرين من كمين وسرت إلى جانب ركن الدولة وهو على فرسه فيروز فصاح ركن ~~الدولة لغلام بين يديه ناولني ذلك الخاتم فأخذ خاتما من الأرض فناوله إياه ~~فإذا هو من فيروزج فجعله في إصبعه وقال هذا تأويل رؤياي وهذا الخاتم الذي ~~رأيت من ساعة وهذا من أحسن ما يحكى وأعجبه وكان ركن الدولة يقول مثل خراسان ~~في صعوبة فتحها ونزارة دخلها كابن آوى يصعب صيده ولا يحصل خيره وهو معنى ~~قول الشاعر (إن ابن آوى لشديد المقتنص * وهو إذا ما صيد ريح في قفص) وتوفي ~~ركن الدولة ليلة السبت لاثنتي ms0322 عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ست وستين ~~وثلاثمائة بالري ودفن في مشهده ومولده تقديرا في سنة أربع وثمانين ومائتين ~~قاله أبو إسحاق الصابئ وملك أربعا وأربعين سنة وشهرا وتسعة أيام وتولى بعده ~~ولده مؤيد الدولة رحمه الله تعالى PageV02P119 # 177 الحسن بن سهل أبو محمد الحسن بن سهل بن عبد الله ~~السرخسي تولى وزارة المأمون بعد أخيه ذي الرياستين الفضل وحظي عنده وقد ~~تقدم في حرف الباء ذكر ابنته بوران وصورة زواجها من المأمون والكلفة التي ~~احتفل بها والدها الحسن فلا حاجة إلى إعادتها وكان المأمون قد ولاه جميع ~~البلاد التي فتحها طاهرين الحسين وقد ذكرته في ترجمته وكان عالي الهمة كثير ~~العطاء للشعراء وغيرهم وقصده بعض الشعراء وأشده (تقول خليلتي لما رأتني * ~~أنشد مطيتي من بعد حل) (أبعد الفضل ترتحل المطايا * فقلت نعم إلى الحسن بن ~~سهل) فأجزل عطيته وخرج مع المأمون يوما يشيعه فلما عزم على مفارقته قال له ~~المأمون يا أبا محمد ألك حاجة قال نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك ~~مالا أستطيع حفظه إلا بك وقال بعضهم حضرت مجلس الحسن ابن سهل وقد كتب لرجل ~~كتاب شفاعة فجعل الرجل يشكره فقال الحسن يا هذا علام تشكرنا إنا نرى ~~الشفاعات زكاة مروءاتنا ثم أنشأ يقول (فرضت علي زكاة ما ملكت يدي * وزكاة ~~جاهي أن أعين وأشفعا) (فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع * فاجهد بوسعك كله أن ~~تنفعا) PageV02P120 # قال الحاكي وحضرته يوما وهو يملي كتاب شفاعة فكتب في ~~آخره إنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضل جاهه يوم القيامة كما يسأل عن فضل ~~ماله وقال لبنيه يا بني تعلموا النطق فإن فضل الإنسان على سائر البهائم به ~~وكلما كنتم بالنطق أحذق كنتم بالإنسانية أحق وكان سهل والد الحسن المذكور ~~يتقهرم ليحيى بن خالد بن برمك وضم يحيى الحسن والفضل ابني سهل إلى ابنيه ~~الفضل وجعفر يكونان معهما فضم جعفر بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد فغلب ~~عليه ولم يزل معه إلى أن قتل بخراسان فكتب ms0323 المأمون إلى الحسن بن سهل وهو ~~ببغداد يغريه بأخيه ويعلمه أنه قد استوزره وأجراه مجراه فلم يكن أحد من بني ~~هاشم ولا من القواد يخالف للحسن أمرا ولا يخرج له من طاعة إلى أن بايع ~~المأمون لعلي بن موسى الرضا بالعهد فغضب بنو العباس وخلعوا المأمون وبايعوا ~~إبراهيم بن المهدي فحاربه الحسن بن سهل فضعف عنه فانحدر الحسن إلى فم الصلح ~~فأقام به ووجه من فم الصلح من حارب إبراهيم فضعف أمر إبراهيم واستتر وقد ~~تقدم ذكر ذلك ثم دخل المأمون بغداد وكتب إلى الحسن بن سهل فقدم عليه فزاد ~~المأمون في كرامته وتشريفه عند تسليمه عليه وذلك في سنة أربع ومائتين قال ~~ثعلب قيل للحسن وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله ليس في السرف خير فقال بل ~~ليس في الخير سرف فرد اللفظ واستوفى المعنى ودخل على الحسن أعرابي مدحه ~~بشعر استحسنه فلما فرغ منه قال له الحسن اجلس واحتكم وهو يظن يقال إن ~~الأعرابي صغير الهمة فقال ألف ناقة فوجم الحسن ولم تكن في وسعه يومئذ وكره ~~أن يفتضح فأطرق إطراقة ثم قال يا أعرابي ليس بلدنا بلد إبل ولكن كما قال ~~امرؤ القيس (إذا ما لم تكن إبلا فمعزى * كأن قرون جلتها العصي) قال قد رضيت ~~قال فالحق يحيى بن خاقان يعطك ألف شاة فصار إلى PageV02P121 # يحيى فأعطاه عن كل شاة دينارا وكتب الحسن بن سهل إلى ~~الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم غيم لم يمطر أما ترى تكافؤ الطمع واليأس في ~~يومنا هذا بقرب المطر وبعده كأنه قول كثير (وإني وتهامي بعزة بعدما * تخليت ~~مما بيننا وتخلت) (لكالمرتجي ظل الغمامة كلما * تبوأ منها للمقيل اضمحلت) ~~وما أمنيتي إلا في لقائك ورقعتي هذه الأبيات وقد أدرت زجاجات أخذت من عقلي ~~ولم تتحيفه وبعثت نشاطا حركني على الكتاب إليك فرأيك في إمطاري سرورا بسار ~~خبرك إذ حرمت السرور بالمطر في هذا اليوم موفقا إن شاء الله تعالى فأجابه ~~الحسن بن وهب وصل كتاب الأمير أيده الله ويدي ms0324 عاملة وفمي طاعم فلذلك تأخر ~~الجواب قليلا وقد رأيت تكوفؤ إحسان هذا اليوم وإساءته وما استحق ذماا لأنه ~~إن أشمس حكى ضياءك وحسنك وإن أمطر أشبه سخاءك وجودك وإن أغام فلم يشمس ولم ~~يمطر فقد أشبه طيب ظلك ولذة فنائك وسؤال الأمير أيده الله عني نعمته من ~~الله أعفي بها آثارالزمان المسىء وأنا كما يحب الأمير صرف الله الحوادث عنه ~~وعن حظي منه ووقع الحسن بن سهل في رقعة قد أمرنا لك بشء هو دون قدرك إلى ~~استحقاق وفوق الكفاية مع الاقتصار وتعرض إليه رجل فقال له من أنت قال أنا ~~الذي أحسنت إلي عام كذا فقال مرحبا بمن توسل إلينا بنا وافتعل رجل على ~~الحسن كتابا إلى إبراهيم الرازي وكان أمير الأهواز فقال له والله لئن كنت ~~صادقا فما في ملكي ما يفي بحق الوزير وإن كنت مفتعلا فما في قدرتي ما يفي ~~بعقوبتك فحبسه وبعث يستعلم أمر الكتاب وبلغ ذلك الحسن فأمر أن يكتب إليه ~~أما كان في صغير ما أنعمنا به عليك ما تصدق به مخيلة رجل توسل بنا إن كان ~~مبطلا فكيف وهو محق PageV02P122 # وكان الحسن بن سهل يقول عجبت لمن يرجو من فوقه كيف ~~يحرم من دونه ونظر يوما إلى رجل في مجلسه يعبس في كأسه فقال ما أنصفتها ~~تضحك في وجهك وتعبس في وجهها وكان يقول من أدمن شم النرجس في الشتاء أمن ~~البرسام في الصيف ولم يزل على وزارة المأمون إلى أن ثارت عليه المرة ~~السوداء وكان سببها كثرة جزعه على أخيه الفضل لما قتل وسيأتي خبره في حرف ~~الفاء إن شاء الله تعالى واستولت عليه حتى حبس في بيته ومنعته من التصرف ~~وذكر الطبري في تاريخه أن الحسن بن سهل في سنة ثلاث ومائتين غلبت عليه ~~السوداء وكان سببها أنه مرض مرضا شديدا فهاج به من مرضه تغير عقله حتى شد ~~في الحديد وحبس في بيت فاستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد وكانت وفاته سنة ~~ست وثلاثين في مستهل ذي الحجة وقيل ms0325 خمس وثلاثين ومائتين بمدينة سرخس رحمه ~~الله تعالى ومدحه يوسف الجوهري بقوله (لو أن عين زهير عاينت حسنا * وكيف ~~يصنع في أمواله الكرم) (إذا لقال زهير حين يبصره * هذا الجواد على العلات ~~لا هرم) قلت وحديث زهير وهرم بن سنان مذكور في آخر هذا الكتاب في ترجمة ~~يحيى بن عيسى المعروف بابن مطروح فليكشف منه وللحسن بن سهل في ترجمة أبي ~~بكر محمد الخوارزمي الشاعر ذكر فلينظر هناك والسرخسي بفتح السين والراء ~~المهملتين وسكون الخاء المعجمة وبعدها سين مهملة هذه النسبة إلى سرخس وهي ~~من بلاد خراسان PageV02P123 # 178 الوزير المهلبي أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون ~~بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة ~~الأزدي المهلبي الوزير كان وزير معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بوية ~~الديلمي المقدم ذكره في حرف الهمزة تولى وزارته يوم الاثنين لثلاث بقين من ~~جمادي الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وكان من ارتفاع القدر واتساع الصدر ~~وعلو الهمة وفيض الكف على ما هو مشهور به وكان غاية في الأدب والمحبة لأهله ~~وكان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عطيمة من الضرورة والضائقة وكان قد ~~سافر مرة ولقي في سفره مشقة صعبة واشتهى اللحم فلم يقدر عليه فقال ارتجالا ~~(ألا موت يباع فأشتريه * فهذا العيش مالا خير فيه) ألا موت لذيذ الطعم يأتي ~~* يخلصني من العيش الكريه) (إذا أبصرت قبرا من بعيد * وددت لو أنني مما ~~يليه) (ألا رحم المهيمن نفس حر * تصدق بالوفاة على أخيه) وكان معه رفيق ~~يقال له أبو عبد الله الصوفي وقيل أبو الحسين العسقلاني فلما سمع الأبيات ~~اشترى له بدرهم لحما وطبخه وأطعمه وتفارقا وتنقلت بالمهلبي الأحوال وتولى ~~الوزارة ببغداد لمعز الدولة المذكور وضاقت الحال PageV02P124 # برفيقه في السفر الذي اشترى له اللحم وبلغه وزارة ~~المهلبي فقصده وكتب إليه (ألا قل للوزير فدته نفسي * مقالة مذكر ما قد ~~نسيه) (أتذكر إذ تقول لضنك عيش * ألا موت يباع فأشتريه) فلما وقف عليه ~~تذكره وهزته ms0326 أريحية الكرم فأمر له في الحال بسبعمائة درهم ووقع في رقعته ~~مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ثم دعا به فخلع عليه وقلده عملا يرتفق ~~به ولما ولي المهلبي الوزارة بعد تلك الإضافة عمل (رق الزمان لفاقني * ورثي ~~لطول تحرقي) (فأنالني ما أرتجيه * وحاد عما أتقي) (فلأصفحن عما أتاه * من ~~الذنوب السبق) (حتى جنايته بما * صنع المشيب بمفرقي) وله أيضا (قال لي من ~~أحب والبين قد جد * وفي مهجتي لهيب الحريق) (ما الذي في الطريق تصنع بعدي * ~~قلت أبكي عليك طول الطريق) ومن المنسوب إليه في وقت الإضافة من الشعر ما ~~كتبه إلى بعض الرؤساء PageV02P125 # وقيل إنهما لأبي نواس (ولو أني استزدتك فوق ما بي * من ~~البلوى لأعوزك المزيد) (ولو عرضت على الموتى حياة * بعيش مثل عيشي لم ~~يريدوا) وقال أبو إسحاق الصابىء صاحب الرسائل كنت يوما عند الوزير المهلبي ~~فأخذ ورقة وكتب فقلت بديها (له يد برعت جودا بنائلها * ومنطق دره في الطرس ~~ينتثر) (فحاتم كامن في بطن راحته * وفي أناملها سحبان مستتر) وكان لمعز ~~الدولة مملوك تركي في غاية الجمال يدعي تكين الجامدار وكان شديد المحبة له ~~فبعث سرية لمحاربة بعض بني حمدان وجعل المملوك المذكور مقدم الجيش وكان ~~الوزير المهلبي يستحسنه ويرى أنه من أهل الهوى لا مدد الوغى فعمل فيه (طفل ~~يرق الماء في * وجناته ويرف عوده) (ويكاد من شبه العذارى * فيه أن تبدو ~~نهوده) (ناطوا بمعقد خصره * سيفا ومنطقة تؤوده) (جعلوه قائد عسكر * ضاع ~~الرعيل ومن يقوده) وكذا كان فإنه ما أنجح في تلك الحركة وكانت الكرة عليهم ~~ومن شعره النادر في الرقة قوله (تصارمت الأجفان لما صرمتني * فما نلتقي إلا ~~على عبرة تجري) PageV02P126 # ومحاسن الوزير المهلبي كثيرة وكانت ولادته ليلة ~~الثلاثاء لإربع بقين من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين بالبصرة وتوفي يوم ~~السبت لثلاث بقين من شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة في طريق واسط وحمل ~~إلى بغداد فوصل إليها ms0327 ليلة الأربعاء لخمس خلون من شهر رمضان من السنة ~~المذكورة ودفن في مقابر قريش في مقبرة النوبختية رحمه الله تعالى والمهلبي ~~بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام المفتوحة وبعدها باء موحدة هذه النسبة ~~إلى المهلب المذكور أولا وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ولما مات الوزير ~~المذكور رثاه أبو عبد الله الحسين بن الحجاج الشاعر المشهور وسيأتي ذكره ~~بقوله (يا معشر الشعراء دعوة موجع * لا يرتجى فرج السلو لديه) (عزوا ~~القوافي بالوزير فإنها * تبكي دما بعد الدموع عليه) (مات الذي أمسى الثناء ~~وراءه * والعفو عفو الله بين يديه) (هدم الزمان بموته الحصن الذي * كنا نفر ~~من الزمان إليه) (فليعلمن بنو بويه أنه * فجعت به أيام آل بويه) ~~PageV02P127 # 179 الوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق ~~بن العباس الملقب نظام الملك قوام الدين الطوسي ذكر السمعاني في كتاب ~~الأنساب في ترجمة الراذ كان أنها بليدة صغيرة بنواحي طوس قيل إن نظام الملك ~~كان من نواحيها وكان من أولاد الدهاقين واشتغل بالحديث والفقه ثم اتصل ~~بخدمة علي بن شاذان المعتمد عليه بمدينة بلخ وكان يكتب له فكان يصادره في ~~كل سنة فهرب منه وقصد داود بن ميكائيل بن سلجوق والد السلطان ألب أرسلان ~~فظهر له منه النصح والمحبة فسلمه إلى ولده ألب أرسلان وقال له اتخذه والدا ~~ولا تخالفه فيما يشير به فلما ملك ألب أرسلان كما سيأتي في موضعه من حرف ~~الميم إن شاء الله تعالى دبر أمره فأحسن التدبير وبقي في خدمته عشر سنين ~~فلما مات ألب أرسلان وازدحم أولاده على الملك وطد المملكة لولده ملك شاه ~~فصار الأمر كله لنظام الملك وليس للسلطان إلا التخت والصيد وأقام على هذا ~~عشرين سنة ودخل على الإمام المقتدي بالله فأذن له في الجلوس بين يديه وقال ~~له يا حسن رضي الله عنك برضاء أمير المؤمنين عنك وكان مجلسه عامرا بالفقهاء ~~واالصوفية وكان كثير الإنعام على االصوفية وسئل عن سبب ذلك فقال أتاني صوفي ~~وأنا في خدمة بعض الأمراء فوعظني ms0328 وقال أخدم من تنفعك خدمته ولا تشتغل بمن ~~تأكله الكلاب غدا فلم أعلم PageV02P128 # معنى قوله فشرب ذلك الأمير من الغد إلى الليل وكانت له ~~كلاب كالسباع تفترس الغرباء بالليل فغلبه السكر فخرج وحده فلم تعرفه الكلاب ~~فمزقته فعلمت أن الرجل كوشف بذلك فأنا أخدم الصوفية لعلي أظفر بمثل ذلك ~~وكان إذا سمع الأذان أمسك عن جميع ما هو فيه وكان إذا قدم عليه إمام ~~الحرمين أبو المعالي وأبو القاسم القشيري صاحب الرسالة بالغ في إكرامهما ~~وأجلسهما في مسنده وبنى المدارس والربط والمساجد في البلاد وهو أول من أنشأ ~~المدارس فاقتدى به الناس وشرع في عمارة مدرسته ببغداد سنة سبع وخمسين ~~وأربعمائة وفي سنة تسع وخمسين جمع الناس على طبقاتهم ليدرس بها الشيخ أبو ~~إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى فلم يحضر فذكر الدرس أبو نصر ابن الصباغ ~~صاحب الشامل عشرين يوما ثم جلس الشيخ أبو إسحاق بعد ذلك وهذا الفصل قد ~~استقصيته في ترجمة أبي نصر عبد السيد بن الصباغ صاحب الشامل فلينظر هناك ~~وكان الشيخ أبو إسحاق إذا حضر وقت الصلاة خرج منها وصلى في بعض المساجد ~~وكان يقول بلغني أن أكثر آلاتها غصب وسمع نظام الملك الحديث وأسمعه وكان ~~يقول إني لأعلم أني لست أهلا لذلك ولكني أريد أربط نفسي في قطار النفلة ~~لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى له من الشعر قوله (بعد الثمانين ~~ليس قوه * قد ذهبت شرة الصبوه) (كأنني والعصا بكفي * موسى ولكن بلا نبوة) ~~وقيل إن هذين البيتين لأبي الحسن محمد بن أبي الصقر الواسطي وسيأتي ذكره إن ~~شاء الله تعالى PageV02P129 # ويروى له أيضا أعني نظام الملك (تقوس بعد طول العمر ~~ظهري * وداستني الليالي أي دوس) (فأمشي والعصا تمشي أمامي * كأن قوامها وتر ~~بقوس) وكانت ولادة نظام الملك يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة ~~ثمان وأربعمائة بنوقان إحدى مدينتي طوس وتوجه صحبة ملك شاه إلى أصبهان فلما ~~كانت ليلة السبت عاشر شهر رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة أفطر وركب في ~~محفته ms0329 فلماا بلغ إلى قرية قريبة من نهاوند يقال لها سحنة قال هذا الموضع ~~قتل فيه خلق كثير من الصحابة زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنهم أجمعين فطوبى لمن كان معهم فاعترضه في تلك الليلة صبي ديلمي على هيئة ~~الصوفية معه قصة فدعا له وسأله تناولها فمد يده ليأخذها فضربه بسكين في ~~فؤاده فحمل إلى مضربه فمات وقتل القاتل في الحال بعد أن هرب فعثر في طنب ~~خيمة فوقع وركب السلطان إلى معسكره فسكنهم وعزاهم وحمل إلى أصبهان ودفن بها ~~وقيل إن السلطان دس عليه من قتله فإنه سئم طول حياته واستكثر ما بيده من ~~الاقطاعات ولم يعش السلطان بعده سوى خمسة وثلاثين يوما فرحمه الله تعالى ~~لقد كان من حسنات الدهر ورثاه شبل الدولة أبو الهيجاء مقاتل بن عطية بن ~~مقاتل البكري الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان ختنه فإن نظام الملك زوجه ~~ابنته فقال (كان الوزير نظام الملك لؤلؤة * نفيسة صاغها الرحمن من شرف) ~~(عزت فلم تعرف الأيام قيمتها * فردها غيرة منه إلى الصدف) PageV02P130 # وقد قيل إنه قتل بسبب تاج الملك أبي الغنائم المرزبان ~~بن خسروفيروز المعروف بابن دارست فإنه كان عدو نظام الملك وكان كبير ~~المنزلة عند مخدومه ملك شاه فلما قتل رتبه موضعه في الوزارة ثم إن غلمان ~~نظام الملك وثبوا عليه فقتلوه وقطعوه إربا إربا في ليلة الثلاثاء ثاني عشر ~~المحرم من سنة ست وثمانين وأربعمائة وعمره سبع وأربعون سنة وهو الذي بنى ~~على قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى 180 فخر الكتاب الجويني ~~أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الملقب فخر الكتاب الجويني الأصل البغدادي ~~الكاتب المشهور كتب كثيرا ونسخ كتبا توجد في أيدي الناس بأوفر الأثمان ~~لجودة خطها ورغبتهم فيه وذكره العماد الكاتب في الخريدة وبالغ في الثناء ~~عليه وقال كان من ندماء أتابك زنكي بالشام وأقام بعده عند ولده نور الدين ~~محمود في ظل الإكرام ثم سافر إلى مصر في أيام ابن رزيك وتوطن بها إلى ms0330 هذه ~~الأيام وليس بمصر الآن من يكتب مثله وأورد له مقطوع شعر كتبه إلى القاضي ~~الفاضل ولولا أنه طويل لذكرته وتوفي سنة أربع وثمانين وقيل ست وثمانين ~~وخمسمائة بالقاهرة رحمه الله تعالى PageV02P131 # والجويني بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وبعدها نون هذه النسبة إلى جوين وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور ~~ينسب إليها جماعة كثيرة من العلماء وكان كثيرا ما ينشد لبعض العراقيين ~~(يندم المرء على ما فاته * من لبانات إذا لم يقضها) (وتراه فرجا مستبشرا * ~~بالتي أمضى كأن لم يمضها) (إنها عندي وأحلام الكرى * لقريب بعضها من بعضها) ~~181 الكرابيسي صاحب الشافعي أبو علي الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي ~~البغدادي صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنهما وأشهرهم بانتياب مجلسه ~~وأحفظهم لمذهبه وله تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه وكان متكلما عارفا ~~بالحديث وصنف أيضا في الجرح والتعديل وغيره وأخذ عنه الفقه خلق كثير ~~PageV02P132 # وتوفي سنة خمس وأربعين وقيل سنة ثمان وأربعين ومائتين ~~وهو أشبه بالصواب رحمه الله تعالى والكرابيسي بفتح الكاف والراء وبعد الألف ~~باء موحدة مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها سين مهملة هذه النسبة ~~إلى الكرابيس وهي الثياب الغليظة واحدها كرباس بكسر الكاف وهو لفظ فارسي ~~عرب وكان أبو علي المذكور يبيعها فنسب إليها 182 ابن خيران أبو علي الحسين ~~بن صالح بن خيران الفقيه الشافعي كان من جلة الفقهاء المتورعين وأفاضل ~~الشيوخ وعرض عليه القضاء ببغداد في خلافة المقتدر فلم يفعل فوكل الوزير أبو ~~الحسن علي بن عيسى بداره مترسما فخوطب في ذلك فقال إنما قصدت ذلك ليقال كان ~~في زماننا من وكل بداره ليتقلد القضاء فلم يفعل وكان يعاتب أبا العباس ابن ~~سريج على توليته ويقول هذا الأمر لم يكن فينا وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة ~~رضي الله عنه ومثل هذا دعا عثمان رضي الله عنه عبد الله بن عمر فقال اذهب ~~كن قاضيا قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين قال لا اذهب كن قاضيا قال لا تعجل ms0331 ~~يا أمير المؤمنين ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من عاذ بالله ~~فقد عاذ بمعاذ قال بلى قال فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيا قال وما يمنعك من ~~ذلك وأبوك كان يقضي بين الناس قال يمنعني قول النبي PageV02P133 # صلى الله عليه وسلم من كان قاضيا بين المسلمين فقضى ~~بجهل فهو في النار ومن كان قاضيا بحق أو بعدل سأل أن ينفلت كفافا فما أرجو ~~من القضاء بعد هذا وكانت وفاته يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي ~~الحجة سنة عشرين وثلاثمائة قاله أبو العلاء ابن العسكري وقال الحافظ أبو ~~الحسن الدارقطني توفي في حدود سنة عشر وثلاثمائة وصوبه الحافظ أبو بكر ~~الخطيب في ذلك وقال وهم أبو العلاء العسكري رحمه الله تعالى وخيران بفتح ~~الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعد الألف نون 183 ~~القاضي حسين أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المروروذي الفقيه الشافعي ~~المعروف بالقاضي صاحب التعليقة في الفقه كان إماما كبيرا صاحب وجوه غريبة ~~في المذهب وكلما قال إمام الحرمين في كتاب نهاية المطلب والغزالي في الوسيط ~~والبسيط وقال القاضي فهو المراد بالذكر لا سواه أخذ الفقه عن أبي بكر ~~القفال المروزي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في العبادلة وصنف في الأصول ~~والفروع والخلاف ولم يزل يحكم بين الناس ويدرس ويفتي وأخذ عنه الفقه جماعة ~~من الأعيان منهم أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي صاحب كتاب التهذيب ~~وكتاب شرح السنة وغيرهما PageV02P134 # وتوفي في سنة اثنتين وستين وأربعمائة بمروروذ رحمه ~~الله تعالى وقد تقدم الكلام على مروروذ في حرف الهمزة 184 أبو علي السنجي ~~أبو علي الحسين بن شعيب بن محمد السنجي الفقيه الشافعي أحمد الأئمة ~~المتقنين أخذ الفقه بخراسان عن أبي بكر عبد الله القفال المروزي هو والقاضي ~~حسين الذي تقدم ذكره والشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين وسيأتي ~~ذكره إن شاء الله تعاى وشرح الفروع التي لأبي بكر ابن الحداد المصري شرحا ~~لم يقاربه فيه ms0332 أحد مع كثرة شروحها فإن القفال شيخه شرحها والقاضي أبو الطيب ~~الطبري شرحها وغيرهما وشرح أيضا كتاب التلخيص لأبي العباس ابن القاص شرحا ~~كبيرا وهو قليل الوجود وله كتاب المجموع وقد نقل منه أبو حامد الغزالي في ~~كتاب الوسيط وهو أول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان وكان فقيه أهل مرو ~~في عصره وكان يقال في عصره الأئمة بخراسان ثلاثة مكثر محقق ومقل محقق ومكثر ~~غير محقق فالمكثر المحقق أبو علي السنجي والمقل المحقق أبو محمد الجويني ~~PageV02P135 # والمكثر غير المحقق ناصر المروزي وكانت وفاته في سنة ~~نيف وثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى والسنجي بكسر السين المهملة وسكون ~~النون وبعدها جيم نسبة إلى سنج وهي قرية كبيرة من قرى مرو 185 الفراء ~~البغوي أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء البغوي الملقب ~~ظهير الدين الفقيه الشافعي المحدث المفسر كان بحرا في العلوم وأخذ الفقه عن ~~القاضي حسين بن محمد كما تقدم في ترجمته وصنف في تفسير كلام الله تعالى ~~وأوضح المشكلات من قول النبي صلى الله عليه وسلم وروى الحديث ودرس وكان لا ~~يلقي الدرس إلا على الطهارة وصنف كتبا كثيرة منها كتاب التهذيب في الفقه ~~وكتاب شرح السنة في الحديث ومعالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم وكتاب ~~المصابيح والجمع بين الصحيحين وغير ذلك توفي في شوال سنة عشر وخمسمائة ~~بمروروذ ودفن عند شيخه القاضي حسين بمقبرة الطالقان وقبره مشهور هنالك رحمه ~~الله تعالى ورأيت في كتاب الفوائد السفرية التي جمعها الشيخ الحافظ زكي ~~الدين PageV02P136 # عبد العظيم المنذري أنه توفي في سنة ست عشرة وخمسمائة ~~ومن خطه نقلت هذا والله أعلم ونقلت عنه أيضا أنه ماتت له زوجة فلم يأخذ من ~~ميراثها شيئا وأنه كان يأكل الخبز البحت فعذل في ذلك فصار يأكل الخبز مع ~~الزبيب والفراء نسبة إلى عمل الفراء وبيعها والبغوي بفتح الباء الموحدة ~~والغين المعجمة وبعدها واو هذه النسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهراة يقال ~~لها بغ وبغشور بفتح الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة وضم ms0333 الشين وبعدها ~~واو ساكنة ثم راء وهذه النسبة شاذة على خلاف الأصل هكذا قال السمعاني في ~~كتاب الأنساب 186 الحليمي أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم ~~الفقيه الشافعي المعروف بالحليمي الجرجاني ولد بجرجان سنة ثمان وثلاثين ~~وثلاثمائة وحمل إلى بخارى وكتب الحديث عن أبي بكر محمد بن أحمد بن حبيب ~~وغيره وتفقه على أبي بكر الأودني وأبي بكر القفال ثم صار إماما معظما ~~مرجوعا إليه بما وراء PageV02P137 # النهر وله في المذهب وجوه حسنة وحدث بنيسابور وروى عنه ~~الحافظ الحاكم وغيره وتوفي في جمادي الأولى وقيل في شهر ربيع الأول سنة ~~ثلاث وأربعمائة رحمه الله تعالى ونسبته إلى جده حليم المذكور 187 الوني ~~الحاسب أبو عبد الله الحسين بن محمد الوني الفرضي الحاسب كان إماما في ~~الفرائض وله فيها تصانيف كبيرة مليحة أجاد فيها وسمع الحديث من أصحاب أبي ~~علي الصفار وغيرهم وسمع منه أبو حكيم عبد الله بن إبراهيم الخبري صاحب ~~التخليص في الحساب والخطيب التبريزي وغيرهما وهو شيخ الخبري في علم الحساب ~~والفرائض وانتفع به وبكتبه خلق كثير وتوفي شهيدا ببغداد في ذي الحجة سنة ~~إحدى وخمسين وأربعمائة في فتنة البساسيري المقدم ذكره والوني بفتح الواو ~~وتشديد النون هذه النسبة إلى ون وهي قرية من أعمال قهستان أظنه منها ~~PageV02P138 # 188 ابن خميس الكعبي أبو عبد الله الحسين بن نصر بن ~~محمد بن الحسين بن القاسم بن خميس بن عامر المعروف بابن خميس الكعبي ~~الموصلي الجهني الملقب تاج الإسلام مجد الدين الفقيه الشافعي أخذ الفقه عن ~~أبي حامد الغزالي ببغداد وعن غيره وولي القضاء برحبة مالك بن طوق ثم رجع ~~إلى الموصل وسكنها وصنف كتبا كثيرة منها مناقب الأبرار على أسلوب رسالة ~~القشيري ومنها مناسك الحج وأخبار المنامات ذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في ~~تاريخه وأثنى عليه وكان يروي عن أبي إسحاق إبراهيم بن عثمان الكلبي الغزي ~~الشاعر المقدم ذكره في وزير عميد الدولة ابن جهير قوله (من آلة الدست لم ~~يؤت الوزير سوى *............. البيتين) وخميس ms0334 جده الأعلى وتوفي في شهر ~~ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى والجهني بضم الجيم ~~وفتح الهاء وبعدها نون هذه النسبة إلى جهينة وهي قرية قريبة من الموصل ~~تجاور القرية التي فيها العين المعروفة بعين القيارة PageV02P139 # التي ينفع الاستحمام بمائها من الفالج والرياح الباردة ~~وهي مشهورة وهما في بر الموصل أسفل من الموصل وجهينة أقرب من عين القيارة ~~وبالجهني أيضا نسبة إلى جهينة وهي قبيلة كبيرة من قضاعة والكعبي بفتح الكاف ~~وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى بني كعب وهم أربع ~~قبائل ينسب إليها ولا أعلم المذكور إلى أيها ينتسب والموصلي معروف 189 ~~الحلاج أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج الزاهد المشهور هو من أهل البيضاء ~~وهي بلدة بفارس ونشأ بواسط والعراق وصحب أبا القاسم الجنيد وغيره والناس في ~~أمره مختلفون فمنهم من يبالغ في تعظيمه ومنهم من يكفره ورأيت في كتاب مشكاة ~~الأنوار تأليف أبي حامد الغزالي فصلا طويلا في حاله وقد اعتذر عن الألفاظ ~~التي كانت تصدر عنه مثل قوله أنا الحق وقوله ما في الجبة إلا الله وهذه ~~الإطلاقاتت التي ينبو السمع عنها وعن ذكرها PageV02P140 # وحملها كلها على محامل حسنة وأولها وقال هذا من فرط ~~المحبة وشدة الوجد وجعل هذا مثل قول القائل (أنا من أهوى ومن أهوى أنا * ~~نحن روحان حللنا بدنا) (فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا) وكان ~~ابتداء حاله على ما ذكره عز الدين ابن الأثير في تاريخه انه كان يظهر الزهد ~~والتصوف والكرامات ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في ~~الشتاء ويمد يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب قل هو الله ~~أحد ويسميها دراهم القدرة ويخبر الناس بما يأكلون وما يصنعون في بيوتهم ~~ويتكلم بما في ضمائر الناس فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول ~~وبالجملة فإن الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح عليه السلام فمن قائل ~~إنه حل فيه جزء إلهي ويدعي فيه الربوبية ومن قائل إنه ولي الله تعالى وان ~~الذي يظهر ms0335 منه من جملة كرامات الصالحين ومن قائل انه ممخرق ومستغش وشاعر ~~كذاب ومتكهن والجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة بغير أوانها وكان قدم من خراسان ~~إلى العراق وسار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف شتاء ولا ~~صيفا وكان يصوم الدهر فإذا جاء العشاء أحضر له لخادم كوز ماء وقرصا فيشربه ~~ويعض من القرص ثلاث عضات من جوانيه ويترك الباقي ولا يأكل شيئا آخر إلى آخر ~~النهار وكان شيخ الصوفية بمكة عبد الله المغربي يأخذ أصحابه إلى زيارة ~~الحلاج فلم يجده في الحجر وقيل قد صعد إلى جبل أبي قبيس فصعد إليه فرآه على ~~صخرة حافيا مكشوف الرأس والعرق يجري منه إلى الأرض فأخذ أصحابه وعاد ولم ~~يكلمه وقال هذا يتصبر ويتقوى على قضاء الله وسوف يبتليه الله بما يعجز عنه ~~صبره وقدرته وعاد الحسين إلى بغداد انتهى كلام ابن الأثير PageV02P141 # وكان في سنة 299 ادعى للناس أنه إله وأنه يقول بحلول ~~اللاهوت في الأشراف من الناس وانتشر له في الحاشية ذكر عظيم ووقع بينه وبين ~~الشبلي وغيره من مشايخ الصوفية فبعث به المقتدر إلى عيسى ليناظره فأحضر ~~مجلسه وخاطبه خطابا فيه غلظة فحكي انه تقدم إليه وقال له فيما بينه وبينه ~~قف من حيث انتهيت ولا تزد علي شيئا وإلا خسفت الأرض من تحتك وكلاما في هذا ~~المعنى فتهيب عيسى مناظرته واستعفى منها فنقل في سنة 309 إلى حامد بن ~~العباس الوزير فحدث غلام لحامد كان موكلا بالحلاج قال دخلت عليه يوما ومعي ~~الطبق الذي عادتي أن أقدمه إليه كل يوم فوجدته قد ملأ البيت بنفسه وهو من ~~سقفه إلى أرضه وجوانبه ليس فيه موضع فهالني ما رأيت منه ورميت الطبق من يدي ~~وهربت وحم هذا الغلام من هول ما رأى وبقي مدة محموما فكذبه حامد وشتمه وقال ~~ابعد عني وكان دخوله إلى بغداد مشهرا على جمل وحبس في دار المقتدر وأفتى ~~العلماء بإباحة دمه وكان الحلاج قد أنفذ أحد أصحابه إلى بلد من بلدان الجبل ~~ووافقه ms0336 على حيلة يعملها فخرج الرجل فأقام عندهم سنتين يظهر النسك والعبادة ~~وقراءة القرآن والصوم فغلب على البلد حتى إذا تمكن أظهر أنه عمي فكان يقاد ~~إلى مسجده ويتعامى في كل أحد شهورا ثم أظهر أنه زمن فكان يحبو ويحمل إلى ~~المسجد حتى مضت سنة وتقرر في النفوس عماه وزمانته فقال لهم بعد ذلك رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقول إنه يطرق هذا البلد عبد صالح مجاب ~~الدعوة تكون عافيتك على يديه ودعائه فاطلبوا لي كل من يجتاز من الفقراء أو ~~من الصوفية لعل الله تعالى أن يفرج عني فتعلقت النفوس لورود العبد الصالح ~~ومضى الأجل الذي بينه وبين الحلاج فقدم البلد ولبس الثياب الصوف الرقاق ~~وتفرد في الجامع فقال الأعمى احملوني إليه فلما حصل عنده وعلم أنه الحلاج ~~قال له يا عبد الله رأيت في النوم كذا وكذا فادع الله تعالى لي فقال ومن ~~أنا وما تحكي ثم دعا له ومسح يده عليه فقام مبصرا صحيحا فانقلب البلد وكثر ~~الناس على الحلاج فتركهم وخرج من البلد وأقام المتعامي المبرأ مما فيه ~~PageV02P142 # شهورا ثم قال لهم يقال إن من حق الله عندي ورده جوارحي ~~علي أن أنفرد بالعبادة انفرادا أكثر من هذا وأن يكون مقامي في الغزو وقد ~~عملت على الخروج إلى طرسوس فمن كانت له حاجة يحملها فأخرج هذا ألف درهم ~~وقال اغز بهذه عني وأخرج هذا مائة دينار وقال اخرج بها غزاة من هناك وأعطاه ~~كل أحد شيئا فاجتمع له ألوف دنانير ودراهم فلحق بالحلاج وقاسمه عليها وكان ~~قد جرى منه كلام في مجلس حامد وزير المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر وقد قرئ ~~عليه رقعة بخطه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه افرد في داره شيئا لا ~~يلحقه نجاسة ولا يدخله أحد ومنع من يطرقه فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله ~~طوافه بالبيت الحرام فإذا انقضى ذلك وقضى من المناسك ما يقضي بمكة مثله جمع ~~ثلاثين يتيما وعمل لهم ما يمكنه من الطعام وأحضرهم إلى ms0337 ذلك البيت وقدم ~~إليهم ذلك الطعام وتولى خدمتهم بنفسه فإذا أكلوا وغسلوا أيديهم كسا كل واحد ~~منهم قميصا ودفع إليه سبعة دراهم أو ثلاثة فإذا فعل ذلك قام له قيام الحج ~~فلما فرغ منها التفت إليه أبو عمر القاضي وقال له من أين لك هذا قال من ~~كتاب الإخلاص للحسن البصري فقال له أبو عمر كذبت يا حلاج اللهم قد سمعنا ~~كتاب الإخلاص للحسن بمكة وليس فيه شيء مما ذكرت الخ ومن الشعر المنسوب إليه ~~على اصطلاحهم وإشاراتهم قوله (لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا * لا كنت إن ~~كنت أدري كيف لم أكن) وقوله أيضا على هذا الاصطلاح (ألقاه في اليم مكتوفا ~~وقال له * إياك إياك أن تبتل بالماء) PageV02P143 # وغير ذلك مما يجري هذا المجرى وينبني على هذا الأسلوب ~~وقال أبو بكر ابن ثوابة القصري سمعت الحسين بن منصور وهو على الخشبة يقول ~~(طلبت المستقر بكل أرض * فلم أر لي بأرض مستقرا) (أطعت مطامعي فاستعبدتني * ~~ولو أني قنعت لكنت حرا) والبيت الذي قبل قوله (لا كنت إن كنت أدري *) ~~(أرسلت تسأل عني كيف كنت وما * لاقيت بعدك من هم ومن حزن) وقيل إن بعضهم ~~كتب إلى أبي القاسم سمنون بن حمزة الزاهد يسأله عن حاله فكتب إليه هذين ~~البيتين والله أعلم وبالجملة فحديثه طويل وقصته مشهورة والله يتولى السرائر ~~وكان جده مجوسيا وصحب هو أبا القاسم الجنيد ومن في طبقته وأفتى أكثر علماء ~~عصره بإباحة دمه ويقال إن أبا العباس ابن سريج كان إذا سئل عنه يقول هذا ~~رجل خفي عني حاله وما أقول فيه شيئا وكان قد جرى منه كلام في مجلس حامد بن ~~العباس وزير الإمام المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر فأفتى بحل دمه وكتب خطه ~~بذلك وكتب معه من حضر المجلس من الفقهاء فقال لهم الحلاج ظهري حمى ودمي ~~حرام وما يحل لكم أن تتأولوا علي بما يبيحه وأنا اعتقادي الإسلام ومذهبي ~~السنة وتفضيل الأئمة الأربعة الخلفاء الرااشيدين وبقية العشرة من ~~PageV02P144 # الصحابة رضوان الله عليهم ms0338 أجمعين ولي كتب في السنة ~~موجودة في الوراقين فالله الله في دمي ولم يزل يردد هذا القول وهم يكتبون ~~خطوطهم إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه ونهضوا من المجلس وحمل الحلاج إلى ~~السجن وكتب الوزير إلى المقتدر يخبره بما جرى في المجلس وسير الفتوى فعاد ~~جواب المقتدر بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله فليسلم إلى صاحب الشرطة ~~وليتقدم إليه بضربه ألف سوط فإن مات من الضرب وإلا ضربه ألف سوط أخرى ثم ~~تضرب عنقه فسلمه الوزير إلى للشرطي وقال له ما رسم به المقتدر وقال إن لم ~~يتلف بالضرب فتقطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم تحز رقبته وتحرق جثته وإن ~~خدعك وقال لك أنا أجري الفرات ودجلة ذهبا وفضة فلا تقبل ذلك منه ولا ترفع ~~العقوبة عنه فتسلمه الشرطي ليلا وأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين وقيل لست ~~بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة فأخرجه عند باب الطاق واجتمع من ~~العامة خلق كثير لا يحصى عددهم وضربه الجلاد ألف سوط ولم يتأوه بل قال ~~الشرطي لما بلغ ستمائة ادع بي إليك فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح قسطنطينية ~~فقال له قد قيل لي عنك إنك تقول هذا وأكثر منه وليس إلى أن أرفع الضرب عنك ~~سبيل فلما فرغ من ضربه قطع أطرافه الأربعة ثم حز رأسه وأحرق جثته ولما صارت ~~رمادا ألقاها في دجلة ونصب الرأس ببغداد على الجسر وجعل أصحابه يعدون ~~أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما واتفق يقال إن زادت دجلة في تلك السنة زيادة ~~وافرة فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها وادعى بعض أصحابه أنه لم ~~يقتل وإنما ألقي شبهه على عدو له وادعى بعضهم أنه رآه في ذلك اليوم بعد ~~الذي عاينوه من الحال التي جرت عليه وهو راكب على حمار في طريق النهروان ~~وقال لهم لعلكم مثل هؤلاء النفر الذين ظنوا أني هو المضروب والمقتول ومن ~~شعره المنسوب إليه PageV02P145 # (متى سهرت عيني لغيرك أو بكت * فلا بلغت ما أملت ~~وتمنت) ms0339 (وإن أضمرت نفسي سواك فلا رعت * بأرض المنى من وجنتيك وجنت) وشرح ~~حاله فيه طول وفيما ذكرناه كفاية والحلاج بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام ~~وبعدها ألف ثم جيم وإنما لقب بذلك لأنه جلس على حانوت حلاج واستقضاه شغلا ~~فقال الحلاج أنا مشتغل بالحلج فقال له أمض في شغلي حتى أحلج عنك فمضى ~~الحلاج وتركه فلما عاد رأى قطنه جميعه محلوجا وقيل إنه كان يتكلم قبل أن ~~ينسب إليه على الأسرار ويخبر عنها فسمي بذلك حلاج الأسرار والبيضاء بفتح ~~الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الضاد المعجمة وبعدها ~~همزة ممدودة قلت وبعد الفراغ من هذه الترجمة وجدت في كتاب الشامل في أصول ~~الدين تصنيف الشيخ العلامة إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن الشيخ ~~أبي محمد الجويني رحمهما الله تعالى الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فضلا ~~ينبغي ذكره ههنا والتنبيه على الوهم الذي وقع فيه فإنه قال وقد ذكر طائفة ~~من الأثبات الثقات إن هؤلاء الثلاثة تواصوا على قلب الدولة والتعرض لإفساد ~~المملكة واستعطاف القلوب واستمالتها وارتاد كل واحد منهم قطرا أما الجنابي ~~فأكناف الأحساء وابن المقفع توغل في أطراف بلاد الترك وارتاد الحلاج قطر ~~بغداد فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن درك الأمنية لبعد أهل العراق عن ~~الانخداع هذا آخر كلام إمام الحرمين رحمه الله قلت وهذا كلام لا يستقيم عند ~~أرباب التواريخ لعدم اجتماع الثلاثة المذكورين في وقت واحد اما الحلاج ~~والجنابي فيمكن اجتماعهما لأنهما كانا في عصر واحد ولكن لا أعلم هل اجتمعا ~~أم لا والمراد بالجنابي هو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام ~~القرمطي رئيس القرامطة PageV02P146 # وحديثهم وحروبهم وخروجهم على الخلفاء والملوك مشهور ~~فلا حاجة إلى الإطالة بشرحه في هذا المكان بل إن يسر الله تعالى تحرير ~~التاريخ الكبير فسأذكر فيه حديثهم مستوفى إن شاء الله تعالى وبعد أن جرى ~~ذكرهم فينبغي أن نذكر منه فصلا مختصرا ههنا حتى لا يخلو هذا الكتاب من ~~حديثهم فأقول إن شيخنا عز الدين أبا ms0340 الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير ~~ذكر في تاريخه الكبير الذي سماه الكامل أول أمرهم وأطال الحديث فيه وشرح في ~~كل سنة ما كان يجري لهم فيها فاخترت ههنا شيئا من ذلك طلبا للإيجاز وأول ما ~~شرع فيه في سنة ثمان وسبعين ومائتين فقال في هذه السنة تحرك قوم بسواد ~~الكوفة يعرفون بالقرامطة ثم بسط القول في ابتداء أمرهم وحاصله أن رجلا أظهر ~~العبادة والزهد والتقشف وكان يسف الخوص ويأكل من كسبه وكان يدعو الناس إلى ~~إمام من أهل البيت رضي الله عنهم وأقام على ذلك مدة فاستجاب له خلق كثير ~~وجرت له أحوال أوجبت له حسن الاعتقاد فيه وانتشر ذكرهم بسواد الكوفة (23) ~~ثم قال شيخنا ابن الأثير بعد هذا في سنة ست وثمانين ومائتين وفي هذه السنة ~~ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنابي بالبحرين واجتمع إليه جماعة من ~~الأعراب والقرامطة وقوي أمره فقتل من حوله من أهل تلك القرى وكان أبو سعيد ~~المذكور يبيع للناس الطعام ويحسب لهم بيعهم ثم عظم أمرهم وقربوا من نواحي ~~البصرة فجهز إليهم الخليفة المعتضد بالله جيشا يقاتلهم مقدمه العباس بن ~~عمرو الغنوي فتواقعوا وقعة شديدة وانهزم أصحاب العباس وأسر العباس وكان ذلك ~~في آخر شعبان سنة سبع وثمانين فيما بين البصرة والبحرين وقتل أبو سعيد ~~الأسرى وأحرقهم واستبقى PageV02P147 # العباس ثم أطلقه بعد أيام وقال له امض إلى صاحبك وعرفه ~~ما رأيت فدخل بغداد في شهر رمضان من السنة وحضر بين يدي المعتضد فخلع عليه ~~ثم إن القرامطة دخلوا بلاد الشام في سنة تسع وثمانين ومائتين وجرت بين ~~الطائفتين وقعات يطول شرحها ثم قتل أبو سعيد المذكور في سنة إحدى وثلاثمائة ~~قتله خادم له في الحمام وقام مقامه ولده أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد ولما ~~قتل أبو سعيد كان قد استولى على هجر والقطيف والطائف وسائر بلاد البحرين ~~(24) وفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في شهر ربيع الآخر منها قصد أبو طاهر ~~وعسكره البصرة وملكوها بغير قتال بل صعدوا إليها ليلا ms0341 بسلالم الشعر فلما ~~حصلوا بها وأحسوا بهم ثاروا إليهم فقتلوا متولي البلاد ووضعوا السيف في ~~الناس فهربوا منهم وأقام أبو طاهر سبعة عشر يوما يحمل منها الأموال ثم عاد ~~إلى بلده ولم يزالوا يعيشون في البلاد ويكثرون فيها الفساد من القتل والسبي ~~والنهب والحريق إلى سنة سبع عشرة وثلاثمائة فحج الناس فيها وسلموا في ~~طريقهم ثم وافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية فنهبوا أموال الحجاج ~~وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه وقلع الحجر الأسود وأنفذه إلى ~~هجر فخرج إليه أمير مكة في جماعة من الأشراف فقاتلوه فقتلهم أجمعين وقلع ~~باب الكعبة وأصعد رجلا ليقلع الميزاب فسقط فمات وطرح القتلى في بئر زمزم ~~ودفن الباقين في المسجد الحرام من غير كفن ولا غسل ولا صلاة على أحد منهم ~~وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه ونهب دور أهل مكة فلما بلغ ذلك المهدي ~~عبيد الله صاحب إفريقية الآتي ذكره إن شاء الله تعالى كتب إليه ينكر عليه ~~ذلك ويلومه ويلعنه ويقيم عليه القيامة ويقول له حققت على شيعتنا ودعاة ~~دولتنا الكفر واسم الإلحاد بما قد فعلت فإن لم PageV02P148 # ترد على أهل مكة وعلى الحجاج وغيرهم ما قد أخذت منهم ~~وترد الحجر الأسود إلى مكانه وترد كسوة الكعبة فأنا بريء منك في الدنيا ~~والآخرة فلما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر واستعاد ما أمكنه من أموال أهل ~~مكة فرده ثم ذكر شيخنا ابن الأثير في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة أن ~~القرامطة ردوا الحجر إلى مكة وقالوا أخذناه بأمر وأعدناه بأمر وكان بجكم ~~التركي أمير بغداد والعراق قد بذل لهم في رده خمسين ألف دينار فلم يردوه ~~وردوه الآن وقال غير شيخنا إنهم ردوه إلى مكانه من الكعبة المعظمة لخمس ~~خلون من ذي القعدة وقيل من ذي الحجة من السنة في خلافة المطيع لله وإنه لما ~~أخذوه تفسخ تحته ثلاثة جمال قوية من ثقله وحملوه لما أعادوه على جمل واحد ~~ضعيف فوصل به سالما قلت وهذا الذي ذكره شيخنا من كتاب المهدي ms0342 إلى القرمطي ~~في معنى الحجر وأنه رده لذلك لا يستقيم لأن المهدي توفي سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة وكان رد الحجر في سنة تسع وثلاثين فقد ردوه بعد موته بسبع عشرة ~~سنة والله أعلم ثم قال شيخنا عقيب هذا ولما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة ~~وعلقوه يجامعها حتى رآه الناس ثم حملوه إلى مكة وكان مكثه عندهم اثنتين ~~وعشرين سنة قلت وقد ذكر غير شيخنا أن الذي رده هو ابن سنبر وكان من خواص ~~أبي سعيد ثم ذكر شيخنا في سنة ستين وثلاثمائة أن القرامطة وصلوا إلى دمشق ~~فملكوها وقتلوا جعفر بن فلاح نائب المصريين وقد سبق في ترجمة جعفر المذكور ~~طرف من خبر هذه القضية ثم بلغ عسكر القرامطة إلى عين شمس وهي على باب ~~القاهرة وظهروا عليهم ثم انتصر أهل مصر عليهم فرجعوا عنهم قلت وعلى الجملة ~~فالذي فعلوه في الإسلام لم يفعله أحد قبلهم ولا بعدهم من PageV02P149 # المسلمين وقد ملكوا كثيرا من بلاد العراق والحجاز ~~وبلاد الشرق والشام إلى باب مصر ولما أخذوا الحجر تركوه عندهم في هجر وقتل ~~أبو طاهر المذكور في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة والقرمطي بكسر القاف ~~وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة والقرمطة في اللغة تقارب الشيء ~~بعضه من بعض يقال خط مقرمط ومشي مقرمط إذا كان كذلك وكان أبو سعيد المذكور ~~قصيرا مجتمع الخلق أسمر كريه المنظر فلذلك قيل له قرمطي وقد ذكر القاضي أبو ~~بكر الباقلاني فصلا طويلا من أحوالهم في كتاب كشف أسرار الباطنية وأما ~~الجنابي فإنه بفتح الجيم وتشديد النون وبعد الألف باء موحدة وهذه النسبة ~~إلى جنابة وهي بلدة من أعمال فارس متصلة بالبحرين عند سيراف والقرامطة منها ~~فنسبوا إليها والأحساء بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وبعدها سين مهملة ~~ثم همزة ممدودة وهي كورة في تلك الناحية فيها بلاد كثيرة منها جنابة ~~المذكورة وهجر والقطيف وهي بفتح القاف وكسر الطاء المهملة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها فاء وغير ذلك من البلاد والأحساء جمع حسي بكسر ~~الحاء وسكون ms0343 السين المهملة والحسي ماء تنشفه الأرض من الرمل فإذا صار إلى ~~صلابة أمسكته فتحفر العرب عنه الرمل فتستخرجه ولما كانت هذه الأرض كثيرة ~~الأحساء سميت بهذا الاسم وصار علما عليها لا تعرف إلا به وأما البحرين فقد ~~قال الجوهري في كتاب الصحاح البحرين بلد والنسبة إليه بحراني وقال الأزهري ~~إنما ثنوا البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى هجر ~~بينها وبين البحر الأخضر الأعظم عشرة فراسخ وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في ~~مثلها ولا يغيض ماؤها وهو راكد زعاق وهذه النواحي كلها بلاد العرب وهي وراء ~~البصرة تتصل بأطراف الحجاز وهي على ساحل البحر المتصل باليمن والهند بالقرب ~~من جزيرة قيس ابن عميرة وهي التي تسميها العامة كيش وهي في وسط البحر بين ~~عمان وبلاد فارس وفي تلك الناحية أيضا رامهرمز وغيرها من البلاد والله أعلم ~~PageV02P150 # (25) وأما ابن المقفع فهو عبد الله بن المقفع الكاتب ~~المشهور بالبلاغة صاحب الرسائل البديعة وهو من أهل فارس وكان مجوسيا فأسلم ~~على يد عيسى بن علي عم السفاح والمنصور الخليفتين الأولين من خلفاء بني ~~العباس ثم كتب له واختص به ومن كلامه شربت من الخطب ريا ولم أضبط لها رويا ~~فغاضت ثم فاضت فلا هي هي نظاما وليست غيرها كلاما وقال الهيثم ابن عدي جاء ~~ابن المقفع إلى عيسى بن علي فقال له قد دخل الاسلام في قلبي وأريد أن أسلم ~~على يدك فقال له عيسى ليكن ذلك بمحضر من القواد ووجوه الناس فإذا كان الغد ~~فاحضر ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم فجلس ابن المقفع يأكل ويزمزم على ~~عادة المجوس فقال له عيسى أتزمزم وأنت على عزم الإسلام فقال أكره أن أبيت ~~على غير دين فلم أصبح أسلم على يده وكان ابن المقفع مع فضله يتهم بالزندقة ~~فحكى الجاحظ أن ابن المقفع ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد كانوا يتهمون في ~~دينهم قال بعضهم فكيف نسي الجاحظ نفسه وكان المهدي بن المنصور الخليفة يقول ~~ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ms0344 ابن المقفع وقال الأصمعي صنف ابن المقفع ~~المصنفات الحسان منها الدرة اليتيمة التي لم يصنف في فنها مثلها وقال ~~الأصمعي قيل لابن المقفع من أدبك فقال نفسي إذا رأيت من غيري حسنا أتيته ~~وإن رأيت قبيحا أبيته واجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد صاحب العروض فلما ~~افترقا قيل للخليل كيف رأيته فقال علمه أكثر من عقله وقيل لابن المقفع كيف ~~رأيت الخلل فقال عقله أكثر من عمله ويقال إن ابن PageV02P151 # المقفع هو الذي وضع كتاب كليلة ودمنة وقيل إنه لم يضعه ~~وإنما كان باللغة الفارسية فعربه ونقله إلى العربية وإن الكلام الذي في أول ~~هذا الكتاب من كلامه وكان ابن المقفع يعبث بسفيان بن معاوية بن يزيد بن ~~المهلب بن أبي صفرة أمير البصرة وينال من أمه ولا يسميه إلا بابن المغتلمة ~~وكثر ذلك منه فقدم سليمان وعيسى ابنا علي البصرة وهما عما المنصور ليكتبا ~~أمانا لأخيهما المنصور وطلب الخلافة لنفسه فأرسل إليه المنصور جيشا مقدمه ~~أبو مسلم الخراساني فانتصر أبو مسلم عليه وهرب عبد الله بن علي إلى أخويه ~~سليمان وعيسى واستتر عندهما خوفا على نفسه من المنصور فتوسطا له عند ~~المنصور ليرضي عنه ولا يؤاخذه بما جرى منه فقبل شفاعتهما واتفقوا على أن ~~يكتب له أمان من المنصور وهذه الواقعة مشهورة في كتب التواريخ وقد أتيت ~~منها في هذا المكان بما تدعو الحاحة إليه لينبتي الكلام بعضه على بعض فلما ~~أتيا البصرة قالا لعبد الله بن المقفع اكتبه أنت وبالغ في التأكيد كي لا ~~يقتله المنصور وقد ذكرت أن ابن المقفع كان كاتبا لعيسى بن علي فكتب ابن ~~المقفع الأمان وشدد فيه حتى قال في جملة فصوله ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه ~~عبد الله بن علي فنساؤه طوالق ودوابه حبس وعبيده أحرار والمسلمون في حل من ~~بيعته وكان ابن المقفع يتنوق في الشروط فلما وقف عليه المنصور عظم ذلك عليه ~~وقال من كتب هذا فقالوا له رجل يقال له عبد الله بن المقفع يكتب لأعمامك ~~فكتب إلى سفيان ms0345 متولي البصرة المقدم ذكره يأمره بقتله وكان سفيان شديد ~~الخنق عليه للسبب الذي تقدم ذكره فاستأذن ابن المقفع يوما على سفيان فأخر ~~إذنه حتى خرج من كان عنده ثم أذن له فدخل فعدل به إلى حجرة فقتل فيها وقال ~~المدائني لما دخل ابن المقفع على سفيان قال له أتذكر ما كنت تقول في أمي ~~فقال أنشدك الله أيها الأمير في نفسي فقال أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتلة لم ~~يقتل بها أحد وأمر بتنور فسجر ثم أمر بابن المقفع PageV02P152 # فقطعت أطرافه عضوا عضوا وهو يلقيها في التنور وهو بنظر ~~حتى أتى على جميع جسده ثم أطبق عليه التنور وقال ليس علي في المثلة بك حرج ~~لأنك زنديق وقد أفسدت الناس وسأل سليمان وعيسى عنه فقيل إنه دخل دار سفيان ~~سليما ولم يخرج منها فخاصماه إلى المنصور وأحضراه إليه مقيدا وحضر الشهود ~~الذين شاهدوه وقد دخل داره ولم يخرج فأقاموا الشهادة عند المنصور فقال لهم ~~المنصور أنا أنظر في هذا الأمر ثم قال لهم أرأيتم إن قتلت سفيان به ثم خرج ~~ابن المقفع من هذا البيت وأشار إلى باب خلفه وخاطبكم ما تروني صانعا بكم ~~أأقتلكم بسفيان فرجعوا كلهم عن الشهادة وأضرب عيسى وسليمان عن ذكره وعلموا ~~أن قتله كان برضا المنصور ويقال إنه عاش ستا وثلاثين سنة وذكر الهيثم بن ~~عدي أن ابن المقفع كان يستخف بسفيان كثيرا وكان أنف سفيان كبيرا فكان إذا ~~دخل عليه قال السلام عليكما يعني نفس وأنفه وقال له يوما ما تقول في شخص ~~مات وخلف زوجا وزوجة يسخر به على رؤوس الناس وقال سفيان يوما ما ندمت على ~~سكوت قط فقال له ابن المقفع الخرس زين لك فكيف تندم عليه وكان سفيان يقول ~~والله لأقطعنه إربا إربا وعينة تنظر وعزم على أن يغتاله فجاءه كتاب المنصور ~~بقتله فقتله وقال البلاذري لم قدم عيسى بن علي البصرة في أمر أخيه عبد الله ~~بن علي قال لابن المقفع اذهب إلى سفيان في أمر كذا وكذا فقال ms0346 ابعث إليه ~~غيري فإني أخاف منه فقال اذهب فأنت في أماني فذهب إليه ففعل به ما ذكرناه ~~وقيل إنه ألقاه في بئر المخرج وردم عليه الحجارة وقيل أدخله حماما وأغلق ~~عليه بابه فاختنق قلت ذكر صاحبنا شمس الدين أبو المظفر يوسف الواعظ سبط ~~الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي الواعظ المشهور في تاريخه الكبير ~~الذي سماه مرآه الزمان أخبار ابن المقفع وما جرى له وقتله في سنة خمس ~~وأربعين ومائة ومن عادته أن يذكر كل واقعة في السنة التي كانت فيها فيدل ~~على أن قتله كان في السنة المذكورة وفي كلام عمر بن شبة في كتاب أخبار ~~البصرة ما يدل على أن ذلك كان في سنة اثنتين وأربعين ومائة أو ثلاث وأربعين ~~ولا خلاف في أن سليمان بن علي المقدم ذكره مات في سنة اثنتين وأربعين ومائة ~~وقد ذكرنا أنه قام مع أخيه عيسى بن علي في طلب ثأر ابن المقفع فيدل أيضا ~~على أنه قتل في هذه السنة والله أعلم وابن المقفع له شعر وهو مذكور في كتاب ~~الحماسة وسيأتي في ترجمة أب عمرو ابن العلاء المقرئ له مرثية فيه وقد قيل ~~إنها لولده محمد بن عبد الله ابن المقفع على ما ذكرته هناك من الخلاف ~~فلينظر فيه وكيفما كان فإن تاريخ قتله لم يكن بعد سنة خمس وأربعين ومائة ~~وإنما كان فيها أو فيما قبلها وإذا كان كذلك فكيف يتصور أن يجتمع بالحلاج ~~والجنابي كما ذكره إمام الحرمين رحمه الله تعالى ومن ها هنا حصل الغلط ~~وأيضا فإن ابن المقفع لم يفارق العراق فكيف يقول إنه توغل في بلاد الترك ~~وإنما كان مقيما بالبصرة ويتردد في بلاد العراق ولم تكن بغداد موجودة في ~~زمنه فإن المنصور أنشأها في مدة خلافته فاختطها في سنة أربعين ومائة واستتم ~~بناءها ونزلها في سنة ست وأربعين وفي سنة تسع وأربعين تم جميع بنائها وهي ~~بغداد القديمة التي كانت بالجانب الغربي على دجلة وهي بين الفرات ودجلة كما ~~جاء في الحديث المروي ms0347 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تنشأ مدينة في ~~هذا المكان وهذا الحديث هو الذي ذكره الخطيب أبو بكر البغدادي في أول ~~تاريخه الكبير وقد غاب عني الآن لفظه فلهذا لم أذكره وبغداد في هذا الزمان ~~هي الجديدة التي في الجانب الشرقي وفيها دور الخلفاء وهي قاعدة الملك في ~~هذا الوقت وكان السفاح وأخوه المنصور قد نزلا بالكوفة ثم بنى السفاح بليدة ~~عند الأنبار سماها الهاشمية فانتقلا إليها ثم انتقلا إلى الأنبار وبها مات ~~السفاح وقبره ظاهر بها وأقام المنصور على ذلك إلى أن بنى بغداد فانتقل ~~إليها PageV02P153 # السنة المذكورة وفي كلام عمر بن شبة في كتاب أخبار ~~البصرة ما يدل على أن ذلك كان في سنة اثنتين وأربعين ومائة أو ثلاث وأربعين ~~ولا خلاف في أن سليمان بن علي المقدم ذكره مات في سنة اثنتين وأربعين ومائة ~~وقد ذكرنا أنه قام مع أخيه عيسى بن علي في طلب ثأر ابن المقفع فيدل أيضا ~~على أنه قتل في هذه السنة والله أعلم وابن المقفع له شعر وهو مذكور في كتاب ~~الحماسة وسيأتي في ترجمة أب عمرو ابن العلاء المقرئ له مرثية فيه وقد قيل ~~إنها لولده محمد بن عبد الله ابن المقفع على ما ذكرته هناك من الخلاف ~~فلينظر فيه وكيفما كان فإن تاريخ قتله لم يكن بعد سنة خمس وأربعين ومائة ~~وإنما كان فيها أو فيما قبلها وإذا كان كذلك فكيف يتصور أن يجتمع بالحلاج ~~والجنابي كما ذكره إمام الحرمين رحمه الله تعالى ومن ها هنا حصل الغلط ~~وأيضا فإن ابن المقفع لم يفارق العراق فكيف يقول إنه توغل في بلاد الترك ~~وإنما كان مقيما بالبصرة ويتردد في بلاد العراق ولم تكن بغداد موجودة في ~~زمنه فإن المنصور أنشأها في مدة خلافته فاختطها في سنة أربعين ومائة واستتم ~~بناءها ونزلها في سنة ست وأربعين وفي سنة تسع وأربعين تم جميع بنائها وهي ~~بغداد القديمة التي كانت بالجانب الغربي على دجلة وهي بين الفرات ودجلة كما ~~جاء في ms0348 الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تنشأ مدينة في ~~هذا المكان وهذا الحديث هو الذي ذكره الخطيب أبو بكر البغدادي في أول ~~تاريخه الكبير وقد غاب عني الآن لفظه فلهذا لم أذكره وبغداد في هذا الزمان ~~هي الجديدة التي في الجانب الشرقي وفيها دور الخلفاء وهي قاعدة الملك في ~~هذا الوقت وكان السفاح وأخوه المنصور قد نزلا بالكوفة ثم بنى السفاح بليدة ~~عند الأنبار سماها الهاشمية فانتقلا إليها ثم انتقلا إلى الأنبار وبها مات ~~السفاح وقبره ظاهر بها وأقام المنصور على ذلك إلى أن بنى بغداد فانتقل ~~إليها PageV02P154 # والمقفع بضم الميم وفتح القاف وتشديد الفاء وفتحها ~~وبعدها عين مهملة واسمه داذويه وكان الحجاج بن يوسف الثقفي في أيام ولايته ~~العراق وبلاد فارس قد ولاه خراج فارس فمد يده وأخذ الأموال فعذبه فتقفعت ~~يده فقيل له المقفع وقيل بل ولاه خالد بن عبد الله القسري الآتي ذكره إن ~~شاء الله تعالى وعذبه يوسف بن عمر الثقفي الآتي ذكره لما تولى العراق بعد ~~خالد والله أعلم أي ذلك كان وقال ابن مكي في كتاب تثقيف اللسان ويقولون ابن ~~المقفع والصواب ابن المقفع بكسر الفاء لأن أباه كان يعمل القفاع ويبيعها ~~قلت والقفاع بكسر القاف جمع قفعة بفتح القاف وهي شيء يعمل من الخوص شبيه ~~الزبيل لكنه بغير عروة والقول الأول هو المشهور بين العلماء وهو فتح الفاء ~~قلت ولما وقفت على كلام إمام الحرمين رحمه الله تعالى ولم يمكن أن يكون ابن ~~المقفع أحد الثلاثة المذكورين قلت لعله أراد المقنع الخراساني الذي ادعى ~~الربوبية وأظهر القمر كما شرحته في ترجمته بعد هذا في حرف العين فإن اسمه ~~عطاء ويكون الناسخ قد حرف كلام إمام الحرمين فأراد أن يكتب المقنع فكتب ~~المقفع فإنه يقرب منه في الخط فيكون الغلط والتحريف من الناسخ لا من الإمام ~~ثم أفكرت في أنه لا يستقيم أيضا لأن المقنع الخراساني قتل نفسه بالسم في ~~سنة ثلاث وستين ومائة كما ذكرناه في ترجمته فما أدرك ms0349 الحلاج والجنابي أيضا ~~(26) وإذا أردنا تصحيح هذا القول وأن ثلاثة اجتمعوا واتفقوا على الصورة ~~التي ذكرها إمام الحرمين فما يمكن أن يكون الثالث إلا ابن الشلمغاني فإنه ~~كان في عصر الحلاج والجنابي وأموره كلها مبنية على التمويهات وقد ذكره ~~جماعة من أرباب التاريخ فقال شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير في ~~سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فصلا طويلا اختصرته وهو وفي هذه PageV02P155 # السنة قتل أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف ~~بابن أبي العزاقر وسبب ذلك أنه أحدث مذهبا غاليا في التشيع والتناسخ وحلول ~~الإلهية فيه إلى غير ذلك مما يحكيه وأظهر ذلك من فعله أبو القاسم الحسين بن ~~روح الذي تسميه الامامية الباب فطلب ابن الشلمغاني فاستتر وهرب إلى الموصل ~~وأقام سنين ثم انحدر إلى بغداد وظهر عنه أنه يدعي الربوبية وقيل إنه تبعه ~~على ذلك الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الذي وزر للمقتدر ~~بالله وابنا بسطام وإبراهيم بن أحمد بن أبي عون وغيرهم وطلبوا في أيام ~~وزارة ابن مقلة للمقتدر فلم يوجدوا فلما كان في شوال سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة ظهر ابن الشلمغاني فقبض عليه ابن مقلة وحبسه وكبس داره فوجد فيها ~~رقاعا وكتبا ممن يدعي أنه على مذهبه يخاطبونه بما لا يخاطب به البشر بعضهم ~~بعضا فعرضت على ابن الشلمغاني فأقر أنها خطوطهم وأنكر مذهبه وأظهر الإسلام ~~وتبرأ مما يقال فيه وأحضر ابن أبي عون وابن عبدوس معه عند الخليفة فأمرا ~~بصفعه فامتنعا فلما أكرها مد ابن عبدوس يده فصفعه وأما ابن أبي عون فإنه مد ~~يده إلى لحيته ورأسه وارتعدت يده وقبل لحية ابن الشلمغاني ورأسه وقال إلهي ~~وسيدي ورازقي فقال له الخليفة الراضي بالله قد زعمت أنك لا تدعي الإلهية ~~فما هذا فقال وما علي من قول ابن أبي عون والله يعلم أنني ما قلت له إنني ~~إله قط فقال ابن عبدوس إنه لم يدع إلهية إنما ادعى أنه الباب إلى الإمام ~~المنتظر ثم أحضروا مرات ومعهم الفقهاء والقضاة ms0350 وفي آخر الأمر أفتى الفقهاء ~~بإباحة دمه فأحرق بالنار في ذي القعدة من سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة (27) ~~وذكره محب الدين بن النجار في تاريخ بغداد في ترجمة ابن أبي عون المذكور ~~وقال إن ابن أبي عون ضربت عنقه بعد أن ضرب بالسياط ضربا مبرحا لمتابعته ابن ~~الشلمغاني وصلب ثم أحرق بالنار وذلك في يوم الثلاثاء لليلة خلت من ذي ~~القعدة من السنة المذكورة قلت وابن أبي عون هو صاحب التصانيف المليحة منها ~~التشبيهات والأجوبة المسكتة وغير ذلك وكان من أعيان الكتاب PageV02P156 # والشلمغاني بفتح الشين المعجمة وسكون اللام وبعدها ميم ~~ثم غين معجمة وبعد الألف نون هذه النسبة إلى شلمغان وهي قرية بنواحي واسط ~~وقد ذكره السمعاني في كتاب الأنساب أيضا والله أعلم 190 ابن سينا الرئيس ~~أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الحكيم المشهور كان أبوه من أهل بلخ ~~وانتقل منها إلى بخارى وكان من العمال الكفاة وتولى العمل بقرية من ضياع ~~بخارى يقال لها خرميثنا من أمهات قراها وولد الرئيس أبو علي وكذلك أخوه بها ~~واسم أمه ستارة وهي من قرية يقال لها أفشدنة بالقرب من خرميثنا ولما ولد ~~أبو علي كان الطالع السرطان درجة شرف المشتري والقمر على شرف درجته والزهرة ~~على درجة شرفها وسهم السعادة في تسع من السرطان وسهم الغيب في أول السرطان ~~مع سهيل والشعرى اليمانية ثم انتقلوا إلى بخارى وتنقل الرئيس بعد ذلك في ~~البلاد واشتغل بالعلوم وحصل الفنون ولما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن ~~علم القرآن العزيز والأدب وحفظ أشياء من أصول الدين وحساب الهندسة والجبر ~~والمقابلة ثم توجه PageV02P157 # نحوهم الحكيم أبو عبد الله الناتلي فأنزله أبو الرئيس ~~أبي علي عنده فابتدأ أبو علي يقرأ عليه كتاب إيساغوجي وأحكم عليه علم ~~المنطق وإقليدس والمجسطي وفاقه أضعافا كثيرة حتى أوضح له منها رموزا وفهمه ~~إشكالات لم يكن للناتلي يد بها وكان مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسماعيل ~~الزاهد يقرأ ويبحث ويناظر ولما توجه الناتلي نحو خوارزم شاه مأمون ms0351 بن محمد ~~اشتغل أبو علي بتحصيل العلوم كالطبيعي والإلهي وغير ذلك ونظر في النصوص ~~والشروح وفتح الله عليه أبواب العلوم ثم رغب بعد ذلك في علم الطب وتأمل ~~الكتب المصنفة فيه وعالج تأدبا لا تكسبا وعلمه حتى فاق فيه الأوائل ~~والأواخر في أقل مدة وأصبح فيه عديم القرين فقيد المثل واختلف إليه فضلاء ~~هذا الفن وكبراؤه يقرؤون عليه أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة وسنه ~~إذ ذاك نحو ست عشرة سنة وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها ولا ~~اشتغل في النهار بسوى المطالعة وكان إذا أشكلت عليه مسألة توضأ وقصد المسجد ~~الجامع وصلى ودعا الله عز وجل أن يسهلها عليه ويفتح مغلقها له وذكر عند ~~الأمير نوح بن نصر الساماني صاحب خراسان في مرض مرضه فأحضره وعالجه حتى ~~بريء واتصل به قرب منه ودخل إلى دار كتبه وكانت عديمة المثل فيها من كل فن ~~من الكتب المشهورة بأيدي الناس وغيرها مما لا يوجد في سواها ولا سمع باسمه ~~فضلا عن معرفته فظفر أبو علي فيها بكتب من علم الأوائل وغيرها وحصل نخب ~~فوائدها واطلع على أكثر علومها واتفق بعد ذلك احتراق تلك الخزانة فتفرد أبو ~~علي بما حصله من علومها وكان يقال إن أبا علي توصل إلى إحراقها لينفرد ~~بمعرفة ما حصله منها وينسبه إلى نفسه ولم يستكمل ثماني عشرة سنة من عمره ~~إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها التي عاناها وتوفي أبوه وسن أبي علي ~~اثنتان وعشرون سنة وكان يتصرف PageV02P158 # هو ووالده في الأحوال ويتقلدان للسلطان الأعمال ولما ~~اضطربت أمور الدولة السامانية خرج أبو علي من بخارى إلى كركانج وهي قصبة ~~خوارزم واختلف إلى خوارزم شاه علي بن مأمون بن محمد وكان أبو علي على زي ~~الفقهاء ويلبس الطيلسان فقرروا له في كل شهر ما يقوم به ثم انتقل إلى نسا ~~وأبيورد وطوس وغيرها من البلاد وكان يقصد حضرة الأمير شمس المعالي قابوس بن ~~وشمكير في أثناء هذه الحال فلم أخذ قابوس وحبس في بعض القلاع حتى ms0352 مات كما ~~سيأتي شرحه في ترجمته في حرف القاف من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ذهب ~~أبو علي إلى دهستان ومرض بها مرضا صعبا وعاد إلى جرجان وصنف بها الكتاب ~~الأوسط ولهذا يقال له الأوسط الجرجاني واتصل به الفقيه أبو عبيد الجوزجاني ~~واسمه عبد الواحد ثم انتقل إلى الري واتصل بالدولة ثم إلي قزوين ثم إلى ~~همذان وتولى الوزارة لشمس الدولة ثم تشوش العسكر عليه فأغاروا على داره ~~ونهبوها وقبضوا عليه وسألوا شمس الدولة قتله فامتنع ثم أطلق فتوارى ثم مرض ~~شمس الدولة بالقولنج فأحضره لمداواته واعتذر إليه وأعاده وزيرا ثم مات شمس ~~الدولة وتولى تاج الدولة فلم يستوزره فتوجه إلى أصبهان وبها علاء الدولة ~~أبو جعفر ابن كاكويه فأحسن إليه وكان أبو علي قوي المزاج وتغلب عليه قوة ~~الجماع حتى أنهكته ملازمته وأضعقه ولم يكن يداوي مزاجه وعرض له قولنج فحقن ~~نفسه في يوم واحد ثمان مرات فقرح بعض أمعائه وظهر له سحج واتفق سفره مع ~~علاء الدولة فحصل له الصرع الحادث عقيب القولنج فأمر باتخاذ دانقين من كرفس ~~في جملة ما يحقن به فجعل الطبيب الذي يعالجه فيه خمسة دراهم منه فازداد ~~السحج به من حدة الكرفس فطرح بعض غلمانه في بعض أدويته شيئا كثيرا من ~~الأفيون وكان سببه أن غلمانه خانوه في شيء فخافوا عاقبة أمره عند برئه وكان ~~مذ حصل له الألم يتحامل ويجلس مرة بعد أخرى ولا يحتمي ويجامع فكان يمرض ~~أسبوعا ويصلح أسبوعا ثم قصد علاء الدولة همذان من أصبهان ومعه الرئيس أبو ~~علي فحصل له القولنج في الطريق ووصل إلى همذان وقد PageV02P159 # ضعف جدا وأشرفت قوته على السقوط فأهمل المداواة وقال ~~المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة ثم اغتسل وتاب ~~وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل ~~يختم في كل ثلاثة أيام ختمة ثم مات في التاريخ الذي يأتي في آخر ترجمته إن ~~شاء الله تعالى وكان نادرة عصره في علمه ms0353 وذكائه وتصانيفه وصنف كتاب الشفاء ~~في الحكمة والنجاة والإشارات والقانون وغير ذلك مما يقارب مائة مصنف ما بين ~~مطول ومختصر ورسالة في فنون شتى وله رسائل بديعة منها رسالة حي بن يقطان ~~ورسالة سلامان وابسال ورسالة الطير وغيرها وانتفع الناس يكتبه وهو أحد ~~فلاسفة المسلمين وله شعر فمن ذلك قوله في النفس هبطت إليك من المحل الأرفع ~~* ورقاء ذات تعزز وتمنع) (محجوبة عن كل مقلة عارف * وهي التي سفرت فلم ~~تبرق) (وصلت على كره إليك وربما * كرهت فراقك وهي ذات تفجع) (أنفت وما ألفت ~~فلما واصلت * ألفت مجاورة الخراب البلقع) (وأظنها نسيت عهودا بالحمى * ~~ومنازلا بفراقها لم تقنع) (حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها * من ميم مركزها بذات ~~الأجرع) (علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت * بين المعالم والطلول الخضع) (تبكي ~~وقد نسيت عهودا بالحمى * بمدامع تهمي ولما تقلع) (حتى إذا قرب المسير إلى ~~الحمى * ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع) (وغدت تغرد فوق ذروة شاهق * والعلم ~~يرفع كل من لم يرقع) (وتعود عالمة بكل خفية * في العالمين فخرقها لم يرفع) ~~(فهبوطها إذ كان ضربة لازم * لتكون سامعة لما لم تسمع) (فلأي شيء أهبطت من ~~شاهق * سام إلى قعر الحضيض الأوضع) PageV02P160 # (إن كان أهبطها الإله لحكمة * طويت عن الفطن اللبيب ~~الأروع) (إذ عاقها الشرك الكثيف فصدها * فقص عن الأوج الفسيج الأربع) ~~(فكأنهما برق تألق بالحمي * ثم انطوى فكأنه لم يلمع) ومن المنسوب إليه أيضا ~~ولا أتحققه قوله (أجعل غذاءك كل يوم مرة * واحذر طعاما قبل هضم طعام) ~~(وأحفظ منيك ما استطعت فإنه * ماء الياة يراق في الأرحام) وينسب إليه ~~البيتان اللذان ذكرهما الشهرستاني في أول كتاب نهاية الأقدام وهما (لقد طفت ~~في تلك المعاهد كلها * وسرت طرفي بين تلك المعالم) (فلم أر إلا واضعا كف ~~حائر * على ذقن أو قارعا سن نادم) ومن شعره أيضا (هذب النفس بالعلوم لترقى ~~* فترى الكل فهي للكل بيت) (إنما النفس كالزجاجة والعلم * سراج وحكمة الله ~~زيت) (فهي إن أشرقت فإنك حي * وهي إن أظلمت فإنك ميت) وقصائد كثيرة ms0354 ومشهورة ~~وكانت ولادته سنة سبعين وثلاثمائة في شهر صفر وتوفي بهمذان يوم الجمعة من ~~شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ودفن بها وحكى شيخنا عز الدين أبو ~~الحسن علي بن الأثير في تاريخه الكبير أنه توفي بأصبهان والأول أشهر رحمه ~~الله تعالى PageV02P161 # وكان الشيخ كمال الدين بن يونس رحمه الله تعالى يقول ~~إن مخدومه سخط عليه واعتقله ومات في السجن وكان ينشد (رأيت ابن سينا يعادي ~~الرجال * وفي السجن مات أخس الممات) (فلم يشف ما نابه بالشفا * ولم ينج من ~~موته بالنجاة) وسينا بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~النون وبعدها ألف ممدودة 191 الخليع الشاعر أبو علي الحسين بن الضحاك بن ~~ياسر الشاعر البصري المعروف بالخليع مولى لولد سلمان بن ربيعة الباهلي ~~الصحابي رضي الله عنه وأصله من خراسان وهو شاعر ماجن مطبوع حسن الافتنان في ~~ضروب الشعر وأنواعه واتصل في مجالسة الخلفاء إلى ما لم يتصل إليه إلا إسحاق ~~بن إبراهيم النديم الموصلي فإنه قاربه في ذلك أو ساواه وأول من صحب منهم ~~الأمين محمد بن هارون الرشيد وكان اتصاله به في سنة ثمان وتسعين ومائة وهي ~~السنة التي قتل فيها الأمين ولم يزل مع الخلفاء بعده إلى أيام المستعين ما ~~عدا المأمون فإنه لم يدخل PageV02P162 # عليه ولم يختلط به وذلك لأنه رثى الأمين فقال (هلا ~~بقيت لسد فاقتنا * أبدا وكان لغيرك التلف) (قد كان فيك لمن مضى خلف * ~~فاليوم أعوز بعدك الخلف) فلما ورد المأمون بغداد أمر أن يكتب من يصلح ~~لمنادمته من أهل الأدب فأثبت له قوم وذكر فيهم الحسين بن الضحاك فقال أليس ~~القائل وكان لغيرك التلف والله لا أرى وجهه على الطريق فلم يحظ في أيام ~~المأمون بشيء وقد كان وقت خدمته للمتوكل ضعف كبرا فكتب إليه يستعفيه من ~~الخدمة بأبيات (أسلفت أسلافك من خدمتي * في مدتي إحدى وستينا) (كنت ابن ~~عشرين وخمس وقد * وفيت بضعا وثمانينا) (إني لمعروف بضعف القوى * وإن تجلدت ~~أحايينا) (فإن تحملت على كبرتي * خدمة أبناء الثلاثينا) ms0355 (هدت قواي ووهت ~~أعظمي * وصرت في العلة عزونا) وعزون هذا كان نديما للمعتصم ثم للمتوكل وهو ~~في الطبقة الأولى من الشعراء المجيدين وبينه وبين أبي نواس ماجريات لطيفة ~~ووقائع حلوة وسمي بالخليع لكثرة مجونه وخلاعته ذكره ابن المنجم في كتابه ~~البارع وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني وكل منهما أورد طرفا من محاسن شعره ~~فمن ذلك قوله PageV02P163 # (صل بخدي خديك تلق عجيبا * من معان يحار فيها الضمير) ~~(فبخديك للربيع رياض * وبخدي للدموع غدير) وله أيضا (أيا من طرفه سحر * ويا ~~من ريقه خمر) (تجاسرت فكاشفتك * لما غلب الصبر) (وما أحسن في مثلك * أن ~~ينهتك الستر) (فإن عنفني الناس * ففي وجهك لي عذر) وله (لا وحبيك لا أصافح ~~* بالدمع مدمعا) (من بكى شجوه استراح * وإن كان موجعا) (كبدي في هواك أسقم ~~* من أن تقطعا) (لم تدع صورة الضنى * في السقم موضعا) وذكر في كتاب الأغاني ~~أن هذه الأبيات أوردها أبو العباس ثعلب النحوي المقدم ذكره للخليع المذكور ~~وقال ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا وله (إذا خنتم بالغيب عهدي فمالكم * ~~تدلون إدلال االمقيم على العهد) (صلوا وافعلوا فعل المدل بوصله * وإلا ~~فصدوا وافعلوا فعل ذي الصد) وله من قصيدة سقى الله عصرا لم أبت فيه ليلة * ~~من الدهر إلا من حبيب على وعد) وذكر أبو عبد الله ابن حمدون عن الحسين بن ~~الضحاك قال كان يألفني PageV02P164 # فتى من أهل الشام عجيب الخلقة والشكل غليط جلف جاف ~~فكنت أحتمل ذلك منه وكان حظي التعجب منه وكان يأتيني بكتب عشقية له ما رأيت ~~كتبا أحلى منها ولا أظرف ولا أشكل من معانيها ويسألني أن أجيب عنها فأجهد ~~نفسي في الجوابات وأصرف عنايتي إليها على علمي أن الشامي بجهله لا يميز بين ~~الخطأ والصواب ولا يفرق بين الابتداء والجواب فلما طال ذلك علي حسدته ~~وتنبهت على إفساد حاله عندها فسألته عن اسمها فقال بصبص فكتبت إليها عنه في ~~جواب كتاب منها كان جاءني به (أرقصني حبنك يا بصبص * والحب يا سيدتي يرقص) ~~(أرمصت ms0356 أجفاني لطول البكا * فما لأجفانك لا ترمص) (أوحشني وجهك ذاك الذي * ~~كأنه من حسنه عصعص) قال فجاءني بعد ذلك يا أبا علي ما كان ذنبي إليك وما ~~أردت بما صنعت بي فقلت له وما ذاك عافاك الله فقال ما هو إلا أن وصل إليها ~~ذلك الكتاب حتى بعثت إلي إني مشتاقة إليك والكتاب لا ينوب عن الرؤية فتعال ~~إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا فقف بحياله حتى أراك فتزينت بأحسن ما قدرت ~~عليه وصرت إلى الموضع فبينا أن واقف أنتظر مكلما لي أو مشيرا إلى وإذا شيء ~~قد صب علي فملأني من فرقي إلى قدمي فأفسد ثيابي وسرجي وصيرني وجميع ما علي ~~ودابتي في نهاية السواد والنتن والقذر وإذا هو ماء قد خلط ببول وسواد ~~وسرجين وانصرفت بخزي وكان ما مر بي من الصبيان وسائر من مررت به من الطنز ~~والضحك والصياح أعظم مما جرى علي ولحقني من أهلي ومن منزلي وشر من ذلك ~~وأعظم من كل ما ذكرت أن رسلها انقطعت عني جملة قال فجعلت أعتذر إليه وأقول ~~إن الآفة أنها لم تفهم الشعر لجودته وأنا أحمد الله على ما ناله وأسر ~~بالشماتة به حدث محمد بن جعفر بن قدامة عن محمد بن عبد الملك قال كنا في ~~مجلس PageV02P165 # ومعنا الحسين بن الضحاك ونحن على شراب وعندنا مغنية ~~فعبث الخليع بالمغنية وجمشها فصاحت بالحسين واستخفت به فأنشأ الخليع يقول ~~(لها في خدها عكن * وثلثا وجهها ذقن) 0 وأسنان كريش البط بين * أصولها عفن) ~~قال فضحكنا وبكت المغنية حتى قلنا إنها عميت وما انتفعنا بها بقية يومنا ~~وشاع هذان البيتان فكسدت من أجلهما وكانت إذ حضرت في مجلس أنشدوا البيتين ~~فتجن ثم إنها هربت من سر من رأى فما عرفنا لها بعد ذلك خبرا حدث الصولي عن ~~أحمد بن حمدون قال أمر المتوكل بأن ينادمه الحسين بن الضحاك ويلازمه فلم ~~يطق ذلك لكبر سنه فقيل له هو يطيق الذهاب إلى القرى والمواخير فيشرب فيها ~~ويعجز عن خدمتك فبلغه ذلك قال ms0357 ابن حمدون فدفع إلي أبياتا قالها فأوصلتها ~~إلى المتوكل وهي قوله (أما في ثمانين وفيتها * عذير وإن أنا لم أعتذر) ~~(فكيف وقد جزتها صاعدا * مع الصاعدين بتسع أخر) (وقد رفع الله أقلامه * عن ~~ابن ثمانين دون البشر) (سوى من أصر على فتنة * وألحد في دينه أو كفر) (وإني ~~لمن أسراء الإله * في الأرض نصب صروف القدر) (فإن يقض لي عملا صالحا * أثاب ~~وإن يقض سوءا غفر) (وقد بسط الله لي عذره * فمن ذا يلوم إذا ما عذر) (وما ~~للحسود وأشياعه * وكذب بالوحي إلا حجر) قال ابن حمدون فلما أوصلتها شفعتها ~~بكلام أعتذر وأقول لو أطاق خدمة PageV02P166 # أمير المؤمنين لكان أسعد بها فقال المتوكل صدقت خذ له ~~عشرة آلاف درهم فاحملها إليه فأخذتها وحملتها حدث أبو العيناء قال حج ~~الحسين بن الضحاك فمر في منصرفه على موضع يعرف بالقريتين وإذا جارية كأنها ~~القمر في ليلة التم تتطلع من تحت ثيابها وتنظر إلى حرها ثم تضربه بيدها وهي ~~تقول ما أضيعني وأضيعك فأنشأ الحسين يقول (مررت بالقريتين منصرفا * من حيث ~~يقضي ذوو الهوى النسكا) (إذا فتاة كأنها قمر * للتم لما توسط الفلكا) ~~(واضعة كفها على حرها * تقول واضيعتي وضيعتكا) قال فلما سمعت قوله ضحكت ~~وغطت وجهها وقالت وا فضيحتاه وقد سمعت ما قلت وقال الحسين بن الضحاك كنت ~~جالسا في داري في يوم شات وقد أفطر المأمون وأمر الناس بالإفطار فجاءتني ~~رقعة الحسن بن رجاء يقول فيها (هززتك للصبوح وقد نهاني * أمير المؤمنين عن ~~الصيام) (وعندي من قيان الكرخ عشر * يطيب بها مصافحة المدام) (ومن أمثالهن ~~إذا انتشينا * ترانا نجتني ثمر الحرام) (فكن أنت الجواب فليس شيء * أحب إلي ~~من حذف الكلام) فوردت رقعته وقد أرسل إلى محمد بن الحارث غلاما له نظيف ~~الوجه ومعه ثلاثة غلمان حسان ومعه رقعة منشورة قد ختم أسفلها مثل المناشير ~~فيها (سر على اسم الله يا أحسن من غصن لجين *) PageV02P167 # (في ثلاث من بني الروم إلى دار حسين *) (فاشخص الكهل ~~إلى مولاك يا قرة عيني *) (أره ms0358 العنف إن استعصى وطالبه بدين *) (ودع اللفظ ~~وكلمه بغمز الحاجبين *) (واحذر الرجعة من وجهك في خفي حنين *) قال فمضيت مع ~~غلمان محمد بن الحارث وتركت الحسن وكانت وفاته سنة خمسين ومائتين وقد قارب ~~مائة سنة رحمه الله تعالى وقال الخطيب في تاريخ بغداد يقال إنه ولد في سنة ~~اثنتين وستين ومائة 192 ابن الحجاج الشاعر أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن ~~محمد بن جعفر بن محمد بن الحجاج الكاتب الشاعر المشهور ذو المجون والخلاعة ~~والسخف في شعره كان فرد زماه في فنه فإنه لم يسبق إلى تلك الطريقة مع عذوبة ~~الألفاظ وسلامة شعره من التكلف ومدح الملوك والأمراء والوزراء والرؤساء ~~وديوان كبير أكثر ما يوجد في عشر مجلدات والغالب عليه الهزل وله في الجد ~~أيضا أشياء حسنة وتولي حسبة بغداد وأقام بها مدة ويقال إنه عزل بأبي سعيد ~~PageV02P168 # الإصطخري الفقيه الشافعي وله في غزله أبيات مشهورة لا ~~حاجة إلى إثباتها هاهنا ويقال إنه في الشعر في درجة امرئ القيس وإنه لم يكن ~~بينهما مثلهما لأن كل واحد منهما مخترع طريقة وقد أفرد أبو الحسن الموسوي ~~المعروف بالرضي من شعره في المديح والغزل وغيرهما ما جانب السخف وكان شعرا ~~متخيرا حسنا جيدا ومن جيد شعره وجده هذه الأبيات (يا صاحبي استيقظا من رقدة ~~* تزري على عقل اللبيب الأكيس) (هذي المجرة والنجوم كأنها * نهر تدفق في ~~حديقة نرجس) 0 وأرى الصبا قد غلست بنسيمها * فعلام شرب الراح غير مغلس) ~~(قوما اسقياني قهوة رومية * من عهد قيصر دنها لم يمس) (صرفا تضيف إذا تسلط ~~حكمها * موت العقول إلى حياة الأنفس) وأورد له أيضا (تمت بسري في الهوى ~~أدمعي * ودلت الواشي على موضعي) (يا معشر العشاق إن كنتم * مثلي وفي حالي ~~فموتوا معي) وأورد له أيضا (يا من إليها من ظلمها الهرب * ردي فؤادي فقل ~~مما يجب) (ردي حياتي إن كنت منصفة * ثم إليك الرضا أو الغضب) (طلبت قلبي ~~فلم أفتك به * سبحان من لا يفوته الطلب) ومن شعره PageV02P169 # (قال قوم لزمت حضرة ms0359 حمد * وتجنبت سائر الرؤساء) (قلت ~~ما قاله الذي أحرز المعنى * قديما قبلي من الشعراء) (يسقط الطير حيث يلتقط ~~الحب * وتغشى منازل الكرماء) وهذ البيت الثالث لبشار بن برد وقد ضمنه شعره ~~وأورد له أيضا في الورد (جنى من البستان لي وردة * أحسن من إنجازه وعدي) ~~(وقال والوردة في كفه * من قدح أذكى من الند) (اشرب هنيئا لك يا عاشقي * ~~ريقي من كفي على خدي) ودعي ابن الحجاج إلى دعوة وتأخر عنه الطعام قليلا ~~فقال (يا ذاهبا في داره جائيا * بغير معنى وبلا فائدة) (قد جن أضيافك من ~~جوعهم * فاقرأ عليهم سورة المائدة) ومثل هذا ما ذكره أبو الفرج الأصبهاني ~~في كتاب الأغاني قال دعانا أبو محمد ابن الشاب يوما ودعا جحظة البرمكي ~~وأطال حبس الطعام جدا وجاع ححظة فأخذ دواة وقرطاسا وكتب (ما لي وللشاب ~~وأولاده * لا قدس الوالد والوالده) (قد حفظوا القرآن واستعملوا * ما فيه ~~إلا سورة المائدة) ورمى بها إلي فقرأتها ودفعتها إلى ابن الشاب فقرأها ووثب ~~مسرعا وقدم الطعام وأكلنا وانصرفنا وقطعه جحظة بعد ذلك فكان يجهد جهده في ~~أن يجيبه فلا يفعل فإذا عاتبناه قال حتى يحفظ تلك السورة PageV02P170 # وكانت وفاة ابن الحجاج يوم الثلاثاء السابع والعشرين ~~من جمادي الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة بالنيل وحمل إلى بغداد رحمه ~~الله تعالى ودفن عند مشهد موسى بن جعفر رضي الله عنه وأوصى أن يدفن عند ~~رجليه وأن يكتب على قبره * (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) * وكان من كبار ~~الشعراء الشيعة ورآه بعد موته بعض أصحابه في المنام فسأله عن حاله فأنشد ~~(أفسد سوء مذهبي * في الشعر حسن مذهبي) (وحملي الجد على * ظهر حصان اللعب) ~~(لم يرض مولاي علي * سبي لأصحاب النبي) (وقال لي ويحك يا * أحمق لم لم تتب) ~~(من سب قوم من رجا * ألاءهم لم يخب) (رمت الرضى جهلا بما * أصلاك نار ~~اللهب) ورثاه الشريف الرضي بقصيدة من جملتها (نعوه على حسن ظني به * فلله ~~ماذا نعى الناعيان) (رضيع ولاء له شعبة * من القلب مثل رضيع اللبان) ms0360 (وما ~~كنت أحسب أن الزمان * يقل مضارب ذاك اللسان) (بكيتك للشرد السائرات * تعنق ~~ألفاظها بالمعاني) (ليبك الزمان طويلا عليك * فقد كنت خفة روح الزمان) ~~والنيل بكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام وهي بلدة على ~~الفرات بين بغداد والكوفة خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم والأصل ~~PageV02P171 # فيه نهر حفره الحجاج بن يوسف في هذا المكان ومخرجه من ~~الفرات وسماه باسم نيل مصر وعليه قرى كثيرة 193 الوزير المغربي أبو القاسم ~~الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام ابن ~~المرزبان بن ماهان بن باذان بن ساسان بن الحرون بن بلاش بن جاماس ابن فيروز ~~بن يزدجرد بن بهرام جور المعروف بالوزير المغربي ورأيت جماعة من أهل الأدب ~~يقولون إن أبا علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الذي مدحه المتنبي بقصيدته ~~التي أولها (أمن ازديارك في الدجى الرقباء * إذ حيث كنت من الظلام ضياء) ~~خاله ثم إني كشفت عنه فوجدت المذكور خال أبيه وأما هو فأمه بنت محمد بن ~~إبراهيم بن جعفر النعماني ذكره في أدب الخواص وكانت وفاة الأوارجي المذكور ~~في جمادي الأولى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة والوزير أبو القاسم المغربي ~~المذكور هو صاحب الديوان الشعر والنثر وله مختصر إصلاح المنطق وكتاب ~~الإيناس وهو مع صغر حجمه كثير الفائدة ويدل على كثرة اطلاعه وكتاب أدب ~~الخواص وكتاب المأثور في ملح الخدور وغير ذلك PageV02P172 # وجدت في بعض المجاميع ما صورته وجد بخط والد الوزير ~~المعروف بالمغربي على ظهر مختصر إصلاح المنطق الذي اختصره ولده الوزير ما ~~مثاله ولد سلمه الله تعالى وبلغه مبالغ الصالحين أول وقت طلوع الفجر من ~~ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة واستظهر ~~القرآن العزيز وعدة من الكتب المجردة في النحو واللغة ونحو خمسة عشر ألف ~~بيت من مختار الشعر القديم ونظم الشعر وتصرف في النثر وبلغ من الخط إلى ما ~~يقصر عنه نظراؤه ومن حساب المولد والجبر والمقابلة إلى ما يستقل بدونه ms0361 ~~الكاتب وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة واختصر هذا الكتاب فتناهى في ~~اختصاره وأوفى على جميع فوائده حتى لم يفته شيء من ألفاظه وغير من أبوابه ~~ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إلى الاختصار وجمع كل نوع إلى ما يليق به ثم ~~ذكرت له نظمه بعد اختصاره فابتدأ به وعمل منه عدة أوراق في ليلة وكان جميع ~~ذلك قبل استكماله سبع عشرة سنة وأرغب إلى الله سبحانه في بقائه ودوام ~~سلامته انتهى كلام والده ومن شعر الوزير المذكور (أقول لها والعيس تحدج ~~للسرى * أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر) (سأنفق ريعان الشبيبة آنفا * على ~~طلب العلياء أو طلب الأجر) (أليس من الخسران أن لياليا * تمر بلا نفع وتحسب ~~من عمري) ومن شعره أيضا (أرى الناس في الدنيا كراع تنكرت * مراعيه حتى ليس ~~فيهن مرتع) (فماء بلا مرعى ومرعى بغير ما * وحيث ترى ماء ومرعى فمسبع) وله ~~في غلام حسن الوجه حلق شعره PageV02P173 # (حلقوا شعره ليكسوه قبحا * غيرة منهم عليه وشحا) (كان ~~صبحا عليه ليل بهيم * فمحوا ليله وأبقوه صبحا) ومن شعره أيضا (إني أبثك عن ~~حديثي * والحديث له شجون) (غيرت موضع مرقدي * ليلا ففارقني السكون) (قل لي ~~فأول ليلة * في القبر كيف ترى أكون) ولما ولد للوزير المذكور ولده أبو يحيى ~~عبد الحميد كتب إليه أبو عبد الله محمد ابن أحمد صاحب ديوان الجيش بمصر ~~أبياتا منها (قد أطلع الفأل منه معنى * يدركه العالم الذكي) (رأيت جد الفتى ~~عليا * فقلت جد الفتى علي) وكان الوزير المذكور من الدهاة العارفين وكان ~~خبيث الباطن إذا دخل عليه الفقيه سأله عن النحو وإذا دخل عليه النحوي سأله ~~عن الفقه والفرائض ولما قتل الحاكم صاحب مصر أباه وعمه وأخويه وهرب الوزير ~~وصل إلى الرملة واجتمع بصاحبها المتغلب عليها حسان بن مفرج بن دغفل بن ~~الجراح الطائي وبنيه وبني عمه وأفسد نياتهم على الحاكم صاحب مصر المذكور ~~PageV02P174 # ثم توجه إلى الحجاز وأطمع صاحب مكة في الحاكم ومملكة ~~الديار المصرية وعمل في ذلك عملا قلق الحاكم ms0362 بسببه وخاف على ملكه وقصته في ~~ذلك طويلة إلى أن أرضى الحاكم بني الجراح ببذل الأموال لهم واستمالهم إليه ~~وكان صاحب مكة وهو أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي قد استدعوه ووصل إليهم ~~وبايعوه بالخلافة ولقبوه بالرشيد بتدبير أبي القاسم المذكور فلم يزل الحاكم ~~يعمل الحيل حتى استمال بني الجراح إليه وانتقض أمر أبي الفتوح وهرب إلى مكة ~~وقصد أبو القاسم العراق هاربا من الحاكم ومفارقا لبني الجراح وقصد فخر ~~الملك أبا غالب ابن خلف الوزير ورفع خبره إلى الإمام القادر بالله فاتهمه ~~أنه ورد لإفساد الدولة العباسية وراسل فخر الملك في إبعاده فاعتذر عنه فخر ~~الملك وقام في أمره واتفق انحدار فخر الملك من بغداد إلى واسط فأخذ أبا ~~القاسم في جملته وأقام معه بواسط على جملة من الرعاية إلى أن توفي فخر ~~الملك مقتولا وشرع الوزير أبو القاسم في استعطاف قلب الإمام القادر بالله ~~PageV02P175 # والتنصل مما نبذ به حتى صلح له بعض الصلاح وعاد إلى ~~بغداد وأقام قليلا ثم أصعد إلى الموصل واتفق موت أبي الحسن ابن أبي الوزير ~~كاتب معتمد الدولة أبي المنيع قرواش أمير بني عقيل فتقلد كتابته موضعه ثم ~~شرع أبو القاسم يسعى في وزارة الملك مشرف الدولة البويهي ولم يزل يعمل ~~السعي إلى أن قبض على الوزير مؤيد الملك أبي علي فكوتب الوزير أبو القاسم ~~بالحضور من الموصل إلى الحضرة وقلد الوزارة من غير خلع ولا لقب ولا مفارقة ~~الدراعة وأقام كذلك حتى جرى من الأحوال ما أوجب مفارقة مشرف الدولة بغداد ~~فخرج معه منها وقصدا أبا سنان غريب بن محمد بن مقن ونزلا عليه وأقاما ~~بأوانا وبينا هو على ذلك إذ عرض له إشقاق من مخدومه مشرف الدولة دعاه إلى ~~مفارقته فانتقل بعد ذلك إلى أبي المنيع قرواش بالموصل وأقام عنده ثم تجدد ~~من سواء رأي الإمام القادر فيه ما ألجأته الضرورة بسبب ما كوتب به قرواش ~~وغريب في معناه إلى مفارقته والإبعاد عنه وقصد أبا نصر ابن مروان ~~بميافارقين وأقام عنده على ms0363 سبيل الضيافة إلى أن توفي وقيل إنه لما توجه إلى ~~ديار بكر وزر لسلطانها أحمد بن مروان المقدم ذكره فأقام عنده إلى أن توفي ~~في ثالث عشر شهر رمضان سنة ثماني عشرة وأربعمائة وقيل ثمان وعشرين والأول ~~أصح وكانت وفاته بميافارقين وحمل إلى الكوفة بوصية منه وله في ذلك حديث ~~يطول شرحه ودفن بها في تربة مجاورة لمشهد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه وأوصى أن يكتب على قبره (كنت في سفرة الغواية والجهل * مقيما فحان مني ~~قدوم) (تبت من كل مأثم فعسى يمحى * بهذا الحديث ذاك القديم) (بعد خمس ~~وأربعين لقد ماطلت * إلا أن الغريم كريم) PageV02P176 # وكان قتل أبيه وعمه وأخويه في الثالث من ذي القعدة سنة ~~أربعمائة رحمهم الله تعالى ورأيت في بعض المجاميع أنه لم يكن مغربيا وإنما ~~أحد أجداده وهو أبو الحسن علي بن محمد كانت له ولاية في الجانب الغربي ~~ببغداد وكان يقال له المغربي فأطلق عليهم هذه النسبة ولقد رأيت خلقا كثيرا ~~يقولون هذه المقالة ثم بعد ذلك نظرت في كتابه الذي سماه أدب الخواص فوجدت ~~في أوله وقد قال المتنبي وإخواننا المغاربة يسمونه المتنبه فأحسنوا (أتى ~~الزمان بنوه في شبيبته * فسرهم وأتيناه على الهرم) فهذا يدل على أنه مغربي ~~حقيقة لا كما قالوه والله أعلم ثم أعاد هذا القول بعينه لما ذكر النابعة ~~الجعدي وشعره وأنشد عنده قول المتنبي (وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبة * ولو ~~أن ما في الوجه منه حراب) ونقلت نسبه المذكور في الأول من خط أبي القاسم ~~علي بن منجب بن سليمان المعروف بابن الصيرفي المصري صاحب الرسائل وذكر أنه ~~منقول من خط الوزير المذكور والله أعلم بصحته PageV02P177 # 194 ابن خالويه أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه ~~النحوي اللغوي أصله من همذان ولكنه دخل بغداد وأدرك جلة العلماء بها مثل ~~أبي بكر ابن الأنباري وابن مجاهد المقرئ وأبي عمر الزاهد وابن دريد وقرأ ~~على أبي سعيد السيرافي وانتقل إلى الشام واستوطن حلب وصار بها أحد ms0364 أفراد ~~الدهر في كل قسم من أقسام الأدب وكانت إليه الرحلة من الآفاق وآل حمدان ~~يكرمونه ويدرسون عليه ويقتبسون منه وهو القائل دخلت يوما على سيف الدولة بن ~~حمدان فلما مثلت بين يديه قال لي اقعد ولم يقل اجلس فتبينت بذلك اعتلاقه ~~بأهداب الأدب واطلاعه على أسرار كلام العرب وإنما قال ابن خالويه هذا لأن ~~المختار عند أهل الأدب أن يقال للقائم اقعد وللنائم أو الساجد اجلس وعلله ~~بعضهم بأن القعود هو الانتقال من العلو إلى السفل ولهذا قيل لمن أصيب برجله ~~مقعد والجلوس هو الانتقال من السفل إلى العلو ولهذا قيل لنجد جلسا ~~لارتفاعها وقيل لمن أتاها جالس وقد جلس ومنه قول مروان بن الحكم لما كان ~~واليا بالمدينة يخاطب الفرزدق (قل للفرزدق والسفاهة كاسمها * إن كنت تارك ~~ما أمرتك فاجلس) أي اقصد الجلسا وهي نجد وهذا البيت من جملة أبيات ولها قصة ~~طويلة وهذا كله وإن جاء في غير موضعه لكن الكلام شجون PageV02P178 # ولابن خالويه المذكور كتاب كبير في الأدب سماه كتاب ~~ليس وهو يدل على اطلاع عظيم فإن مبنى الكتاب من أوله إلى آخره على أنه ليس ~~في كلام العرب كذا وليس كذا وله كتاب لطيف سماه الآل وذكر في أوله أن الآل ~~ينقسم إلى خمسة وعشرين قسما وما أقصر فيه وذكر فيه الأئمة الاثني عشر ~~وتواريخ مواليدهم ووفياتهم وأمهاتهم والذي دعاه إلى ذكرهم أنه قال في جملة ~~أقسام الآل وآل محمد بنو هاشم وله كتاب الاشتقاق وكتاب الجمل في النحو ~~وكتاب القراءات وكتاب إعراب ثلاثين سورة من الكتاب العزيز وكتاب المقصور ~~والممدود وكتاب المذكر والمؤنث وكتاب الألفات وكتاب شرح المقصورة لابن دريد ~~وكتاب الأسد وغير ذلك ولابن خالويه مع أبي الطيب المتنبي مجالس ومباحث عند ~~سيف الدولة ولولا خوف الإطالة لذكرت شيئا منها وله شعر حسن فمنه قوله على ~~ما نقله الثعالبي في كتاب اليتيمة (إذا لم يكن صدر المجالس سيد * فلا خير ~~فيمن صدرته المجالس) (وكم قائل ما لي رأيتك راجلا * فقلت له من أجل ms0365 أنك ~~فارس) وخالويه بفتح الخاء الموحدة وبعد الألف لام مفتوحة وواو مفتوحة أيضا ~~وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم هاء ساكنة وكانت وفاة ابن خالويه في ~~سنة سبعين وثلاثمائة بحلب رحمه الله تعالى PageV02P179 # أبو علي الجياني أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد ~~الغساني الجياني الأندلسي المحدث كان إماما في الحديث والأدب وله كتاب مفيد ~~سماه تقييد المهمل ضبط فيه كل لفظ يقع فيه اللبس من رجال الصحيحين وما أقصر ~~فيه وهو في جزأين وكان من جهابذة المحدثين وكبار العلماء المسندين وكان حسن ~~الخط جيد الضبط وكان له معرفة الغريب والشعر والأنساب وكان يجلس في جامع ~~قرطبة ويسمع منه أعيانها ولم أقف على شيء من أخباره حتى أذكر طرفا منها ~~وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة وطلب الحديث سنة أربع ~~وأربعين وتوفي ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثمان وتسعين ~~وأربعمائة رحمه الله تعالى والجياني بفتح الجيم وتشديد الياء المثناة من ~~تحتها وبعد الألف نون هذه النسبة إلى جيان وهي مدينة كبيرة بالأندلس ~~وبأعمال الري قرية يقال لها جيان أيضا والغساني قد تقدم الكلام عليه ~~PageV02P180 # 196 البارع الدباس أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد ~~الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عبيد الله بن القاسم بن عبيد الله بن ~~سليمان بن وهب الوزير الحارثي من بني الحارث ابن كعب بن عمرو الدباس البدري ~~المنعوت بالبارع الشاعر المشهور الأديب النديم البغدادي كان نحويا لغويا ~~مقرئا حسن المعرفة بصنوف الآداب وأفاد خلقا كثيرا خصوصا بإقراء القرآن ~~الكريم وهو من بيت الوزارة فإن جده القاسم كان وزير المعتضد والمكتفي بعده ~~وهو الذي سم ابن الرومي الشاعر كما سيأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى ~~وعبيد الله كان وزيرا أيضا وسليمان بن وهب الوزير تغني شهرته عن ذكره ~~وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى والبارع المذكور من أرباب الفضائل وله ~~مصنفات حسان وتواليف غريبة وديوان شعر جيد وكان بينه وبين الشريف أبي يعلى ~~ابن ms0366 الهبارية مداعبات لطيفة فإنهما كانا رفيقين ومتحدين في الصحبة فاتفق أن ~~البارع المذكور تعلق بخدمة بعض الأمراء وحج فلما عاد حضر الشريف إليه مرارا ~~فلم يجده فكتب إليه قصيدة طويلة دالية يعاتبه فيها ويشير إلى أنه تغير عليه ~~بسبب الخدمة وأولها (يا ابن ودي وأين مني ابن ودي * غيرت طرفه الرياسة ~~بعدي) PageV02P181 # ولولا ما أودعها من السخف والفحش لذكرتها فكتب إليه ~~البارع المذكور جوابها وأطال فيها وضمنها أيضا شيئا من الفحش وأولها (وصلت ~~رقعة الشريف أبي يعلى * فحلت محل لقياه عندي) (فتلقيتها بأهلا وسهلا * ثم ~~ألصقتها بطرفي وخدي) (وفضضت الختام عنها فما ظنك * بالصاب إذ يشاب بشهد) ~~(بين حلو من العتاب ومر * هو أولى به وهزل وجد) (وتجن علي من غير جرم * ~~بملام يكاد يحرق جلدي) (يدعي أنني حجبت وقد زار * مرارا حاشاه من قبح رد) ~~(ثم دع ذا ماللرياسة والحج * أبن لي من حل أنف وعقد) (فماذا علمت بالله أني ~~* قد تنكرت أو تغير عهدي) (من تراني أعامل أم وزير * لأمير أم عارض للجند) ~~(أنا إلا ذاك الخليع الذي تعرف * أرضى ولو بجرة دردي) (وإذا صح لي مليح ~~فذاك اليوم * عيدي وصاحب الدست عبدي) (أتراني لو كنت في النار مع هامان * ~~أنساك في جنان الخلد) PageV02P182 # (أو لو أني عصبت بالتاج أسلوك * ولو كنت عانيا في ~~القد) (أنا أضعاف ما عهدت على العهد * وإن كنت لا تجازي بود) ومنها (أم ~~لأني قنعت من سائر الناس * بفرد بين الأكارم فرد) (صان وجهي عن اللئام ~~وأولامي * جميلا منه إلى غير حد) (فتعففت واقتنعت بتدفيع * زماني وقلت إني ~~وحدي) (لا لأني أنفت مع ذا من الكدية * أين الكرام حتى أكدي) ونقتصر من هذه ~~القصيدة على هذه الأبيات ففيها سخف لا يليق ذكره وغيره مما لا حاجة إليه ~~ومن شعره أيضا (أفنيت ماء الوجه من طول ما * أسأل من لا ماء في وجهه) (أنهي ~~إليه شرح حالي الذي * يا ليتني مت ولم أنهه) (فلم ينلني كرما رفده * ولم ~~أكد أسلم من جبهه) (والموت من ms0367 دهر نحاريره * ممتدة الأيدي إلى بلهه) وأورد ~~له الحظيري في كتاب زينة الدهر وذكر أنه نقلها من خطه وذكر أنه قال هذه ~~القصيدة بمكة في سنة 472 (ذكر الأحباب والوطنا * والهوى والإلف والسكنا) ~~(فبكى شجوا وحق له * مدنف بالشوق حلف ضني) (أبعدت مرمى يد رجمت * من خراسان ~~به اليمنا) (خلست من بين أضلعه * بالنوى قلبا له ضمنا) PageV02P183 # (من لمشتاق يميله * ذات سجع ميلت فننا) (كلما هاج ~~الهديل به * طربا هاجت له شجنا) (لم تعرض بالحنين بمن * مسعد إلا وقال أنا) ~~(لك يا ورقاء أسوة من * لم تذيقي جفنه الوسنا) (بك أنسي مثل أنسك بي * ~~فتعالي نبد ما كمنا) (نتشاكى ما نجن إذا * نحت شجوا صحت واحزنا) (غير أني ~~منك أعدل إن * عاد سري في الهوى علنا) (أنا لا أنت البعيد هوى أنالا أنت ~~الغريب هنا أنا فرد يا حمام وها أنت والإلف القرين ثنا) (أنصفونا يا بني ~~حسن * ليس هذا منكم حسنا) (كم أحلت محرماتكم * بالعيون النجل أنفسنا) (نحن ~~وفد الله عندكم * ما لكم جيرانه ولنا) (لم يجرنا منكم حرم * من أتاه خائفا ~~أمنا) وكانت ولادته في العاشر من صفر سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ببغداد ~~وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشر جمادي الآخرة وقيل الأولى سنة أربع وعشرين ~~وخمسمائة وكان قد عمي في آخر عمره رحمه الله تعالى والدباس بفتح الدال ~~المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف سين مهملة وهذا يقال لمن يعمل ~~الدبس أو يبيعه والبدري بفتح الباء الموحدة وسكون الدال المهملة وبعدها راء ~~هذه النسبة إلى البدرية وهي محلة ببغداد المحروسة وكان البارع المذكور ~~يسكنها فنسب إليها PageV02P184 # 197 الطغرائي العميد فخر الكتاب أبو إسماعيل الحسين بن ~~علي بن محمد بن عبد الصمد الملقب مؤيد الدين الأصبهاني المنشئ المعروف ~~بالطغرائي كان غزير الفضل لطيف الطبع فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر ذكره ~~أبو سعد ابن السمعاني في نسبه المنشئ من كتاب الأنساب وأثنى عليه وأورد ~~قطعه من شعره في صفة الشمعة وذكر أنه قتل في سنة خمس عشرة وخمسمائة ~~والطغرائي ms0368 المذكور له ديوان شعر جيد ومن محاسن شعره قصيدته المعروفة بلامية ~~العجم وكان عملها ببغداد في سنة خمس وخمسمائة يصف حاله ويشكو زمانه وهي ~~التي أولها (أصالة الرأي صانتني عن الخطل * وحلية الفضل زانتني لدى العطل) ~~(مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع * والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل) (فيم ~~الإقامة بالزوراء لا سكنى * بها ولا ناقتي فيها ولا جملي) (ناء عن الأهل ~~صفر الكف منفرد * كالسيف عري متناه عن الخلل) (فلا صديق إليه مشتكى حزني * ~~ولا أنيس إليه منتهى جذلي) PageV02P185 # (طال اغترابي حتى حن راحلتي * ورحلها وقرى العسالة ~~الذبل) (وضج من لغب نضوي وعج لما * يلقى ركابي ولج الركب في عذلي) (أريد ~~بسطة كف أستعين بها * على قضاء حقوق للعلا قبلي) (والدهر يعكس آمالي ~~ويقنعني * من الغنيمة بعد الكد بالقفل) (وذي شطاط كصدر الرمح معتقل * بمثله ~~غير هياب ولا وكل) (حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت * بشدة البأس منه رقة ~~الغزل) (طردت سرح الكرى عن ورد مقلته * والليل أغرى سوام النوم بالمقل) ~~(والركب ميل على الأكوار من طرب * صاح وآخر من خمر الهوى ثمل) (فقلت أدعوك ~~للجلى لتنصرني * وأنت تخذلني في الحادث الجلل) (تنام عيني وعين النجم ساهرة ~~* وتستحيل وصبغ الليل لم يحل) (فهل تعين على غي هممت به * والغي يزجر ~~أحيانا عن الفشل) (إني أريد طروق الحي من إضم * وقد حماه رماة من بني ثعل) ~~(يحمون بالبيض والسمر اللدان به * سود الغدائر حمر الحلي والحلل) (فسر بنا ~~في ذمام الليل معتسفا * فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل) (فالحب حيث العدا ~~والأسد رابضة * حول الكناس لها غاب من الأسل) (نؤم ناشئة بالجزعقد سقيت * ~~نصالها بمياه الغنج والكحل) (قد زاد طيب أحاديث الكرام بها * ما بالكرائم ~~من جبن ومن بخل) (تبيت نار الهوى منهن في كبد * حرى ونار القرى منهم على ~~قلل) (يقتلن أنضاء حب لا حراك بها * وينحرون كرام الخيل والإبل) (يشفى لديغ ~~العوالي في بيوتهم * بنهلة من غدير الخمر والعسل) (لعل إلمامة بالجزع ثانية ~~* يدب منها نسيم البرء في عللي) لاأكره ms0369 الطعنة النجلاء قد شفعت * برشقة من ~~نبال الأعين النجل) (ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني * باللمح من خلل الأستار ~~والكلل) (ولا أخل بغزلان تغازلني * ولو دهتني أسود الغيل بالغيل) ~~PageV02P186 # (حب السلامة يثني هم صاحبه * عن المعالي ويغري المرء ~~بالكسل) (فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا * في الأرض أو سلما في الجو واعتزل) ~~(ودع غمار العلا للمقدمين على * ركوبها واقتنع منهن بالبلل) (رضى الذليل ~~بخفض العيش مسكنه * والعز تحت رسيم الاينق الذلل) (فادرأ بها في نحور البيد ~~حافلة * معارضات مثاني اللجم بالجدل) (إن العلا حدثتني وهي صادقة * فيما ~~تحدث أن العز في النقل) (لو أن في شرف المأوى بلوغ منى * لم تبرح الشمس ~~يوما دارة الحمل) (أهبت بالحظ لو ناديت مستعما * والحظ عني بالجهال في شغل) ~~(لعله إن بدا فضلي ونقصهم * لعينه نام عنهم أو تنبه لي) (أعلل النفس ~~بالآمال أرقبها * ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل) (لم أرض بالعيش والأيام ~~مقبلة * فكيف أرضى وقد ولت على عجل) (غالى بنفسي عرفاني بقيمتها * فصنتها ~~عن رخيص القدر مبتذل) (وعادة النصل أن يزهي بجوهره * وليس يعمل إلا في يدي ~~بطل) (ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني * حتى أرى دولة الأوغاد والسفل) ~~(تقدمتني أناس كان شوطهم * وراء خطوي إذ أمشي على مهل) (هذا جزاء امرئ ~~أقرانه درجوا * من قبله فتمنى فسحة الأجل) (وإن علاني من دوني فلا عجب * لي ~~أسوة بانحطاط الشمس عن زحل) (فاصبر لها غير محتال ولا ضجر * في حادث الدهر ~~ما يغني عن الحيل) (أعدى عدوك أدنى من وثقت به * فحاذر الناس واصحبهم على ~~دخل) (وإنما رجل الدنيا وواحدها * من لا يعول في الدنيا على رجل) (وحسن ظنك ~~بالأيام معجزة * فظن شرا وكن منها على وجل) (غاض الوفاء وفاض الغدروانفرجت ~~* مسافة الخلف بين القول والعمل) (وشان صدقك عند الناس كذبهم * وهل يطابق ~~معوج بمعتدل) (إن كان ينجع شيء في ثباتهم * على العهود فسبق السيف للعذل) ~~PageV02P187 # (يا واردا سؤر عيش كله كدر * أنفقت صفوك في أيامك ~~الأول) (فيم اقتحامك لج البحر تركبه * وأنت ms0370 يكفيك منه مصة الوشل) (ملك ~~القناعة لا يخشى عليه ولا * يحتاج فيه إلى الأنصار والخول) (ترجو البقاء ~~بدار لا ثبات لها * فهل سمعت بظل غير متنقل) (ويا خبيرا على الأسرار مطلعا ~~* اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل) (قد رشحوك لأمر لو فطنت له * فاربا بنفسك ~~أن ترعى مع الهمل) ومن رقيق شعره قوله (يا قلب مالك والهوى من بعد ما * طاب ~~السلو وأقصر العشاق) (أوما بدا لك في الإفاقة والألى * نازعتهم كأس الغرام ~~أفاقوا) (مرض النسيم وصح والداء الذي * تشكوه لا يرجى له إفراق) (وهدا خفوق ~~البرق والقلب الذي * تطوى عليه أضالعي خفاق) وله أيضا (أجما البكا يا مقلتي ~~فإننا * على موعد للبين لا شك واقع) (إذا جمع العشاق موعدهم غدا * فواخجلتا ~~إن لم تعني مدامعي) ومن شعره (ولا غرو إن أهديت من فيض بره * إليه قليلا ~~ليس يعتده نزرا) (فإني رأيت الغيم يحمل ماءه * من البحر غمرا ثم يهدي له ~~قطرا) ومن شعره (لا تحقرن الرأي وهو موافق * حكم الصواب وإن بدا من ناقص) ~~(فالدر وهو أجل شيء يقتني * ما حط رتبته هوان الغائص) وله أيضا (أخاك أخاك ~~فهو أجل ذخر * إذا نابتك نايبة الزمان) PageV02P188 # (وإن رابت إساءته فهبها * لما فيه من الشيم الحسان) ~~(تريد مهذبا لا غش فيه * وهل عود يفوح بلا دخان) ومن شعره (ما فلان إلا ~~كجيفة ميت * والضرورات أحوجتنا إليه) (فمن اضطر غير باغ ولا عاد * فلا إثم ~~في الكتاب عليه) وله من أبيات (لا غرو إن حزت المروءة والتقى * والدين ~~والدنيا ولم تتصدع) (إن النواظر والقلوب صغيرة * تحوي الكبير وليس ~~بالمستبدع) وله (جامل أخاك إذا استربت بوده * وانظر به عقب الزمان يعاود) ~~(فإن استمر على الفساد فخله * فالعضو يقطع للفساد الزائد) وذكره أبو ~~المعالي الحظيري في كتاب زينة الدهر وذكر له مقاطيع وذكره أبو البركات ابن ~~المستوفي في تاريخ إربل وقال إنه ولي الوزارة بمدينة إربل مدة وذكرالعماد ~~الكاتب في كتاب نصرة الفترة وعصرة الفطرة وهو تاريخ الدولة السلجوقية أن ~~الطغرائي المذكور كان ينعت ms0371 بالأستاذ وكان وزير السلطان مسعود بن محمد ~~السلجوقي بالموصل وأنه لما جرى المصاف بينه وبين أخيه السلطان محمود بالقرب ~~من همذان وكانت النصرة لمحمود فأول من أخذ الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود ~~فأخبر به وزير محمود وهو الكمال نظام الدين أبو طالب علي بن أحمد بن حرب ~~السميرمي فقال الشهاب أسعد وكان طغرائيا في ذلك الوقت نيابة عن النصير ~~الكاتب هذا الرجل ملحد يعني الأستاذ فقال وزير محمود من يكن ملحدا يقتل ~~فقتل ظلما PageV02P189 # وقد كانوا خافوا منه ولا قبل عليه لفضله فاعتدوا قتله ~~بهذه الحجة وكانت هذه الواقعة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة وقيل إنه قتل سنة ~~أربع عشرة وقيل ثماني عشرة وقد جاوز ستين سنة وفي شعره ما يدل على أنه بلغ ~~سبعا وخمسين سنة لأنه قال وقد جاءه مولود (هذا الصغير الذي وافى على كبري * ~~أقر عيني ولكن زاد في فكري) (سبع وخمسون لو مرت على حجر * لبان تأثيرها في ~~صفحة الحجر) والله تعالى أعلم بما عاش بعد ذلك رحمه الله تعالى وقتل الكمال ~~السميرمي الوزير المذكور يوم الثلاثاء سلخ صفر سنة ست عشرة وخمسمائة في ~~السوق ببغداد عند المدرسة النظامية وقيل قتله عبد أسود كان للطغرائي ~~المذكور لأنه قتل أستاذه والطغرائي بضم الطااء المهملة وسكون الغين المعجمة ~~وفتح الراء وبعدها ألف مقصورة هذه النسبة إلى من يكتب الطغرى وهي الطرة ~~التي تكتب في أعلى الكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ ومضمونها نعوت الملك ~~الذي صدر الكتاب عنه وهي لفظة أعجمية والسميرمي بضم السين المهملة وفتح ~~الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ثم ميم هذه النسبة إلى ~~سميرم وهي بلدة بين أصبهان وشيراز وهي آخر حدود أصبهان PageV02P190 # 198 أبو الفوارس ابن الخازن أبو الفوارس الحسين بن علي ~~بن الحسين المعروف بابن الخازن الكاتب كان فريد عصره في الكتابة وكتب مالم ~~يكتبه أحد فإنه كتب فيما كتب خمسمائة نسخة من كتاب الله العزيز ما بين ربعة ~~وجامع وله شعر حسن فمن ذلك قوله (عنت الدنيا لطالبها * واستراح الزاهد ms0372 ~~الفطن) (كل ملك نال زخرفها * حسبه مما حوى كفن) (يقتني مالا ويتركه * في ~~كلا الحالين مفتتن) (أملي كوني على ثقة * من لقاءالله مرتهن) (أكره الدنيا ~~وكيف بها * والذي تسخوبه وسن) (لم تدم قبلي على أحد * فلماذا الهم والحزن) ~~قال محمد بن أبي الفضل الهمذاني المؤرخ في ذيل تجارب الأمم لمسكويه توفي ~~ابن الخازن المذكور في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة فجأة رحمه الله تعالى ~~وقال الشريف أبو العمر المبارك بن أحمد الأنصاري توفي ليلة الثلاثاء ودفن ~~من الغد وهو اليوم السادس والعشرين من الشهر المذكور PageV02P191 # 199 أبو عبد الله الشيعي أبو عبد الله الحسين بن أحمد ~~بن محمد بن زكريا المعروف بالشيعي القائم بدعوة عبيد الله المهدي جد ملوك ~~مصر وقصته في القيام بالغرب مشهورة وله بذلك سيرة مسطورة وسيأتي في حرف ~~العين عند ذكر المهدي عبيد الله طرف من أخباره إن شاء الله تعالى وأبو عبد ~~الله المذكور من أهل صنعاء اليمن وكان من الرجال الدهاة الخبيرين بما ~~يصنعون فإنه دخل أفريقية وحيدا بلا مال ولا رجال ولم يزل يسعى إلى أن ملكها ~~وهرب ملكها أبو مضر زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب منه إلى بلاد المشرق ~~وهلك هناك وحديثه يطول ولما مهد القواعد للمهدي ووطد له البلاد وأقبل ~~المهدي من المشرق وعجز عن الوصول إلى أبي عبد الله المذكور وتوجه إلى ~~سجلماسة وأحس به صاحبها اليسع آخر ملوك بني مدرار فأمسكه واعتقله ومضى إليه ~~أبو عبد الله وأخرجه من الاعتقال وفوض إليه أمر المملكة اجتمع به أخوه أبو ~~العباس أحمد وكان هو الأكبر أعني أحمد وندمه على ما فعل وقال له تكون أنت ~~صاحب البلاد والمستقل بأمورها وتسلمها إلى غيرك وتبقى من جملة الأتباع وكرر ~~عليه القول فندم أبو عبد الله على ما صنع وأضمر الغدر واستشعر منهما المهدي ~~فدس عليهما من قتلهما في ساعة واحدة وذلك في منتصف جمادي الآخرة سنة ثمان ~~وتسعين ومائتين بمدينة رقادة بين القصرين رحمهما الله تعالى PageV02P192 # والشيعي بكسر الشين المعجمة وسكون الياء ms0373 المثناة من ~~تحتها وبعدها عين مهملة هذه النسبة إلى من يتولى شيعة الإمام علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه ورقادة بفتح الراء وتشديد القاف وبعد الألف دال مهملة ~~وبعد الدال هاء ساكنة مدينة من أعمال القيروان من بلاد إفريقية وأما زيادة ~~الله فقد ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال هو أبو مضر زيادة الله ~~بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب ابن إبراهيم بن سالم بن ~~عقال بن خفاجة وهو زيادة الله الأصغر آخر ملوك بني الأغلب بإفريقية التميمي ~~وقال قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثمائة مجتازا إلى بغداد حين غلب على ملكه ~~بإفريقية ثم قال في آخر الترجمة بلغني أن زيادة الله توفي بالمرملة في سنة ~~أربع وثلاثمائة في جمادي الأولى منها ودفن بالرملة فساخ قبره فسقف عليه ~~وترك مكانه وهو من ولد الأغلب بن عمرو المازني البصري وكان الرشيد ولى عمرا ~~المغرب بعد أن مات إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~رضي االله عنهم فما زال بالمغرب إلى أن توفي وخلف ولده الأغلب ثم أولاده ~~إلى أن صار الأمر إلى زيادة الله هذا انتهى ما ذكره ابن عساكر وفي ترجمة ~~أبي القاسم علي بن القطاع اللغوي هذا النسب وبينهما اختلاف قليل لكني نقلته ~~على ما وجدته في الموضعين وقال غير ابن عساكر توفي أبو مضر زيادة الله بن ~~محمد بن إبراهيم بن الأغلب بالرقة وحمل تابوته إلى القدس الشريف ودفن بها ~~في سنة ست وتسعين ومائتين وكانت مدة مملكته إلى أن خرج عن القيروان خمس ~~سنين وتسعة أشهر وخمسة عشر يوما وكان سبب خروجه من االقيروان أن أبا عبد ~~الله الشيعي المذكور لما هزم إبراهيم بن الأغلب بلغ الخبر زيادة الله ~~المذكور فشد PageV02P193 # أمواله وأخذ خواص حرمه وخرج من رقادة ليلا وبعد خروجه ~~بويع إبراهيم بن الأغلب وكانت مملكة بني الأغلب مائتي سنة واثنتي عشرة سنة ~~وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما والشرح في ذلك يطول ms0374 فاختصرته 200 حسان التنوخي ~~أبو ليلى حسان بن سنان بن أوفى بن عوف التنوخي وهو جد إسحاق بن البهلول سمع ~~أنس بن مالك رضي الله عنه روى عنه ابن ابنه إسحاق وقال أبو حاتم محمد بن ~~يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول قال جدي إسحاق عن جدي حسان قال خرجت في ~~وفد من أهل الأنبار إلى الحجاج إلى واسط نتظلم إليه من عامله علينا الرقيل ~~فدخلنا ديوانه فرأيت شيخا والناس حوله يكتبون عنه فسألت عنه فقيل لي أنسن ~~بن مالك فوقفت عليه فقال لي من أين فقلت من الأنبار جئنا إلى الأمير نتظلم ~~إليه فقال لي بارك الله فيك فقلت حدثني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يا خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعته يقول مر ~~بالمعروف وانه عن المنكر ما استطعت وأعجلني أصحابي فلم أسمع منه غير هذا ~~الحديث قال أبو حاتم وكان إسحاق يقول أرجو أن أكون ممن سبقت فيه دعوة ~~PageV02P194 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله طوبى لمن رآني ~~ولمن رأى من رآني وكان من بركة دعاء أنس لحسان أنه عاش مائة سنة وعشرين سنة ~~وخرج من أولاده جماعة فقهاء وقضاة ورؤساء وصلحاء وكتاب وزهاد ولد حسان سنة ~~ستين من الهجرة وتوفي سنة 180 ه رحمه الله تعالى وكان أحيانا يكنى أبا ~~العلاء ولد بالأنبار على النصرانية وكانت دينه ودين آبائه وكانت له حين ~~أسلم ابنة بالغة فأقامت على النصرانية فلما حضرتها الوفاة أوصت لدير تنوخ ~~بالأنبار وكان حسان يتكلم ويقرأ ويكتب بالفارسية والسريانية والعربية ولحق ~~الدولتين فلما قلد أبو العباس السفاح ربيعة الرأي قضاء الأنبار أتي بكتب ~~مكتوبة بالفارسية فلم يحسن أن يقرأها فطلب رجلا ثقة دينا يحسن قرائتها فدل ~~على حسان بن سنان فجيء به فكان يقرأ له الكتب الفارسية فلما اختبره رضي ~~مذهبه واستكتبه على جميع أمره 201 أبو سلمة الخلال أبو سلمة حفص بن سليمان ~~الخلال الهمداني مولى السبيع وزير أبي العباس السفاح أول خلفاء ms0375 بني العباس ~~وأبو سلمة أول من وقع عليه اسم الوزير وشهر بالوزارة في دولة بني العباس ~~ولم يكن من قبله يعرف بهذا النعت لا في دولة بني أمية ولا في غيرها من ~~الدول وكان السفاح يأنس به لأنه كان ذا مفاكهة PageV02P195 # حسنة وممتعا في حديثه أديبا عالما بالسياسة والتدبير ~~وكان ذا يسار ويعالج الصرف بالكوفة وأنفق أموالا كثيرة في إقامة دولة بني ~~العباس وصار إلى خراسان في هذا المعنى وأبو مسلم الخراساني يومئذ تابع له ~~في هذا الامر وكان يدعو إلى بيعة إبراهيم الإمام أخي السفاح فلما قتله ~~مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية بحران وانقلبت الدعوة إلى السفاح توهموا ~~من أبي سلمة المذكور أنه مال إلى العلويين فلما ولي السفاح واستوزره بقي في ~~نفسه منه شيء فيقال إن السفاح سير إلى أبي مسلم وهو بخراسان يعرفه بفساد ~~نية أبي سلمة ويحرضه على قتله ويقال إن أبا مسلم لما اطلع على ذلك كتب إلى ~~السفاح وعرفه بحاله وحسن له قتله فلم يفعل وقال هذا الرجل بذل ماله في ~~خدمتنا ونصحنا وقد صدرت منه هذه الزلة فنحن نغتفرها له فلما رأى أبو مسلم ~~امتناعه من ذلك سير جماعة كمنوا له ليلا وكانت عادته أن يسمر عند السفاح ~~فلما خرج من عنده وهو في مدينته بالأنبار ولم يكن معه أحد وثبوا عليه ~~وخبطوه بأسيافهم وأصبح الناس يقولون قتلته الخوارج وكان قتله بعد خلافة ~~السفاح بأربعة أشهر وولي السفاح الخلافة ليلة الجمعة ثالث عشر شهر ربيع ~~الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة ولما سمع السفاح بقتله أنشد (إلى النار ~~فليذهب ومن كان مثله * على أي شيء فاتنا منه نأسف) وذكر في كتاب أخبار ~~الوزراء أن قتله كان في رجب سنة اثنتين وثلاثين ومائة وكان أبو سلمة يقال ~~له وزير آل محمد فلما قتل عمل في ذلك سليمان ابن المهاجر البجلي (إن ~~المساءة قد تسر وربما * كان السرور بما كرهت جديرا) (إن الوزير وزير آل ~~محمد * أودى فمن يشناك كان وزيرا) ولم يكن خلالا ms0376 وإنما كان منزله بالكوفة ~~في حارة الخلالين فكان يجلس PageV02P196 # عندهم لقرب داره منهم فسمي خلالا والهمداني بفتح الهاء ~~وسكون الميم وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون وهذه النسبة إلى همدان وهي ~~قبيلة عظيمة باليمن والسبيع يذكر في حرف العين عند ذكر أبي إسحاق السبيعي ~~إن شاء الله تعالى وقد اختلف أرباب اللغة في اشتقاق الوزارة على قولين ~~أحدهما أنها من الوزر بكسر الواو وهو الحمل وكأن الوزير قد حمل عن السلطان ~~الثقل وهذا قول ابن قتيبة والثاني أنها من الوزر بفتح الواو والزاي وهو ~~الجبل الذي يعتصم به لينجى به من الهلاك وكذلك الوزير معناه الذي يعتمد ~~عليه الخليفة أو السلطان ويلتجئ إلى رأيه وهذا قول أبي إسحاق الزجاج والله ~~أعلم 202 حفص بن غياث القاضي أبو عمرو حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن ~~مالك بن الحارث بن ثعلبة ابن عامر بن ربيعة بن جشم بن وهبيل بن سعد بن مالك ~~بن النخع بن مذحج PageV02P197 # النخعي الكوفي سمع عبد الله بن عمر العمري وهشام بن ~~عمرو وإسماعيل بن أبي خالد وأبا إسحاق الشيباني والأعمش وخلقا سواهم روى ~~عنه ابنه عمر وأبو نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلمة وأحمد بن حنبل ويحيى ~~بن معين وعامة الكوفيين ولي القضاء ببغداد وحدث بها ثم عزل وولي قضاء ~~الكوفة قال حميد بن الربيع لما جيء بعبد الله بن إدريس وحفص بن غياث ووكيع ~~ابن الجراح إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ليوليهم القضاء دخلوا عليه فأما ~~ابن إدريس فقال السلام عليكم وطرح نفسه كأنه مفلوج فقال هارون خذوا بيد ~~الشيخ لا فضل في هذا وأما وكيع فقال والله يا أمير المؤمنين ما أتصرف بها ~~منذ سنة ووضع إصبعه على عينه وعنى إصبعه فأعفاه وأما حفص بن غياث فقال لولا ~~غلبة الدين والعيال ما وليت وكان حفص المذكور لما قربوا من بغداد طري خضابه ~~فالتفت ابن إدريس إلى وكيع فقال أما هذا فقد قبل وقال حفص وهو قاض على ~~الشرقية لرجل يسأل عن ms0377 مسائل القضاء لعلك تريد أن تكون قاضيا لأن يدخل الرجل ~~إصبعه في عينه فيقلعها فيرمي بها خير له من أن يكون قاضيا وكان حفص يقول لو ~~رأيت أني أسر بما أنا فيه هلكت قال عمرو بن حفص بن غياث لما حضرت أبي ~~الوفاة أغمي عليه فبكيت عند رأسه فأفاق فقال ما يبكيك قلت أبكي لفراقك ولما ~~دخلت فيه من هذا الأمر يعني القضاء فقال لابنه يا بني ما حللت سراويلي على ~~حرام قط ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم بينهما وقال ~~الخطيب كان حفص بن غياث المذكور جالسا في الشرقية للقضاء فأرسل إليه ~~الخليفة يدعوه فقال لرسوله حتى أفرغ من أمر الخصوم إذ كنت أجيرا لهم وأصير ~~إلى أمير المؤمنين ولم يقم حتى تفرق الخصوم وقال غنام بن حفص مرض أبي خمسة ~~عشر يوما فدفع إلي مائة درهم وقال امض بها إلى العامل وقل له هذه رزق خمسة ~~عشر يوما لم أحكم فيها بين المسلمين لاحظ لي فيها PageV02P198 # وقال باع رجل من أهل خراسان جمالا بثلاثين ألف درهم من ~~مرزبان المجوسي وكيل أم جعفر فمطله ثمنها وحبسه عن سفره وطال ذلك على الرجل ~~فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث فشاوره فقال له اذهب إليه فقل له أعطني ألف ~~درهم وأحيل عليك ببقية المال وأخرج إلى خراسان فإذا فعلت هذا فأخبرني حتى ~~أشير عليك ففعل الرجل وأتى مرزبان فأعطاه ألف درهم فرجع إلى الرجل فأخبره ~~فقال عد إليه فقل له إذا ركبت غدا فطريقك على القاضي تحضر وأوكل رجلا ~~بالقبض على المال واخرج فإذا جلس إلى القاضي فادع عليه بما بقي لك من المال ~~فإذا أقر حبسه القاضي وأخذت مالك فرجع إلى مرزبان فسأله فقال انتظرني بباب ~~القاضي فلما ركب من الغد وثب إليه الرجل وقال إن رأيت أن تترك إلي القاضي ~~حتى أوكل بقبض المال وأخرج فنزل مرزبان إلى حفص المذكور فقال الرجل أصلح ~~الله القاضي لي على هذا الرجل تسعة وعشرون ألف درهم فقال حفص ms0378 ما تقول يا ~~مجوسي قال صدق أصلح الله القاضي فقال القاضي ما تقول يا رجل فقد أقر لك ~~فقال يعطيني مالي فأقبل حفص على المجوسي فقال ما تقول فقال هذا المال على ~~السيدة فقال أنت أحمق تقر ثم تقول على السيدة ما تقول يا رجل قال أصلح الله ~~القاضي إن أعطاني مالي وإلا حبسته قال حفص ما تقول يا مجوسي قال المال على ~~السيدة فقال حفص خذوا بيده إلى الحبس فلما حبس بلغ الخبر أم جعفر فغضبت ~~وبعثت إلى السندي وجه إلى المرزبان وكانت القضاة تحبس الغرماء في مجلس ~~الشرط فأخرجه وبلغ الخبر حفصا فقال أحبس أنا ويخرج السندي لا جلست مجلسي ~~هذا أو يرد مرزبان إلى الحبس فجاء السندي إلى أم جعفر فقال الله الله في ~~إنه حفص ابن غياث وأخاف من أمير المؤمنين أن يقول لي بأمر من أخرجته رديه ~~إلى الحبس وأنا أكلم حفصا في أمره فرجع مرزبان إلى الحبس فقالت أم جعفر ~~لهارون قاضيك هذا أحمق حبس وكيلي واستخف به فمره لا ينظر في الحكم وتولي ~~أمره أبا يوسف فأمر لها بالكتاب وبلغ حفصا الخبر فقال أحضري شهودا حتى أسجل ~~لك على المجوسي وجلس حفص وسجل على المجوسي بالمال PageV02P199 # وورد كتاب هارون مع خادم فقال هذا كتاب أمير المؤمنين ~~فقال مكانك نحن في شيء حتى نفرغ منه فقال كتاب أمير المؤمنين فقال انظر ما ~~يقال لك فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم فقرأه فقال اقرأ على ~~أمير المؤمنين السلام وقل له إن كتابه ورد وقد أنفذت الحكم فقال الخادم في ~~عرفت ما صنعت أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد والله ~~لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت فقال حفص قل له ما أحببت فجاء الخادم فأخبر ~~هارون فضحك وقال للحاجب مر لحفص بثلاثين ألف درهم فركب يحيى بن خالد ~~فاستقبل حفصا منصرفا من مجلس القضاء فقال أيها القاضي قد سررت أمير ~~المؤمنين وأمر لك بثلاثين ألف درهم فما السبب فقال تمم ms0379 الله سرور أمير ~~المؤمنين وأحسن حفظه وكلاءته ما زدت على ما أفعل كل يوم سجلت على مرزبان ~~المجوسي بما وجب عليه قال يحيى بن خالد فمن هذا سر أمير المؤمنين فقال حفص ~~الحمد لله كثيرا فقالت أم جعفر لهارون لا أنا ولا أنت إلا أن تعزل حفصا ~~فأبى عليها ثم ألحت عليه فعزله عن الشرقية وولاه قضاء الكوفة فمكث عليها ~~ثلاث عشرة سنة وكان أبو يوسف لما ولي حفص القضاء قال لأصحابه تعالوا نكتب ~~نوادر حفص فلما وردت أحكامه وقضاياه على أبي يوسف قال له أصحابه أين ~~النوادر التي زعمت بكتبها قال ويحكم إن حفصا أراد الله فوفقه وقال حفص ~~والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة ومات رحمه الله ولم يخلف درهما ~~وخلف عليه تسعمائة درهم دينا وكان يقال ختم القضاء بحفص بن غياث وقال ~~الحسين بن المغيرة رأى بعض الصالحين كأن زورقا غرق بين الجسرين وفيه عشرون ~~قاضيا فما نجا منهم إلا ثلاثة على سوءاتهم حفص بن غياث والقاسم بن معن ~~وشريك وقال يحيى بن معين جميع ما حدث به حفص بن غياث ببغداد والكوفة إنما ~~هو من حفظه لم يخرج كتابا كتبوا عنه ثلاثة آلاف وأربعة آلاف حديث من حفظه ~~PageV02P200 # قال عبيد الله بن صالح العجلي حدثني أبي قال حفص بن ~~غياث ثقة مأمون فقيه وكان على قضاء الكوفة وكان وكيع ربما يسأل عن الشيء ~~فيقول اذهبوا إلى قاضينا فاسألوه وكان شيخا عفيفا مسلما ولد حفص بن غياث ~~سنة سبع عشرة ومائة ومات سنة أربع وتسعين ومائة في العشر من ذي الحجة وقيل ~~مات سنة ست وتسعين ومائة رحمه الله تعالى 203 الحكم بن عبدل الحكم بن عبدل ~~بن جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن عقال بن بلال بن سعد بن حبال الأسدي شاعر مجيد ~~مقدم في طبقته هجاء خبيث اللسان من شعراء الدولة الأموية وكان أعرج أحدب ~~ومنزله ومنشؤه الكوفة حدث العتبي قال كان الحكم بن عبدل الشاعر الأسدي أعرج ~~لا تفارقه العصا فترك الوقوف ms0380 بأبواب الملوك وكان يكتب على عصاه حاجته ويبعث ~~بها مع رسوله فلا يحبس له رسول ولا تؤخر له حاجة فقال في ذلك يحيى بن نوفل ~~(عصا حكم في الدار أول داخل * ونحن على الأبواب نقصى ونحجب) (وكانت عصا ~~موسى لفرعون آية * وهذي لعمر الله أدهى وأعجب) (تطاع فلا تعصى ويحذر سخطها ~~* ويرغب في المرضاة منها ويرهب) PageV02P201 # قال فشاعت هذه الأبيات وضحك الناس منها فكان ابن عبدل ~~بعد ذلك يقول ليحيى يا ابن الزانية ما أردت من عصاي حتى صيرتها ضحكة واجتنب ~~أن يكتب عليها كما كان يفعل وكاتب الناس بحوائجه في الرقاع وكان للحكم بن ~~عبدل صديق أعمى يقال له أبو علية وكان ابن عبدل قد أقعد فخرجا ليلة من ~~منزلهما إلى منزل بعض اخوانهما والحكم يحمل وأبو علية يقاد فلقيهما صاحب ~~العسس بالكوفة فأخذهما فحبسهما فلما استقرا في الحبس نظر الحكم إلى عصا أبي ~~علية موضوعة إلى جانب عصاه فضحك وأنشأ يقول (حبسي وحبس أبي علي * من أعاجيب ~~الزمان) (أعمى يقاد ومقعد * لا الرجل منه ولا اليدان) (هذا بلا بصر هناك ~~وبي * يخب الحاملان) (يا من رأى ضب الفلاة * قزين حوت في مكان) (طرفي وطرف ~~أبي علي * دهرنا متوافقان) (من يقتحم بجواده * فجوادنا عكازتان) (طرفان لا ~~علفاهما * بشرى ولا يتصاولان) (هبني وإياه الحريق * أكان يسطع بالدخان) ~~وكان اسم أبي علية يحيى فقال الحكم فيه أيضا (أقول ليحيى ليلة السجن سادرا ~~* ونومي به نوم الأسير المقيد) (أعني على رعي النجوم ولحظها * أعنك على ~~تحبير شعر مقصد) (ففي حالتينا عبرة وتفكر * وأعجب منها حبس أعمى ومقعد) ~~(كلانا إذا العكاز فارق كفه * يخر صريعا بل على الوجه يسجد) (فعكازه يهدي ~~إلى السبل اكمها * وأخرى مقام الرجل قامت مع اليد) قال وولي الشرطة باكوفة ~~رجل أعرج ثم ولي الإمارة آخر أعرج وخرج ابن عبدل وكان أعرج فلقي سائلا أعرج ~~قد تعرض للأمير يسأله فقال ابن عبدل للسائل PageV02P202 # (ألق العصا ودع التحامل والتمس * عملا فهذي دولة ~~العرجان) (لأميرنا وأمير شرطتنا معا * يا قومنا لكليهما ms0381 رجلان) (فإذا يكون ~~أميرنا ووزيره * وأنا فإن الرابع الشيطان) فبلغت أبياته ذلك الأمير فبعث له ~~مائتي درهم وسأله أن يكف عنه وقيل قدم الحكم بن عبدل واسطا على ابن هبيرة ~~وكان بخيلا فأقبل حتى وقف بين يديه فقال (أتيتك في أمر من أمر عشيرتي * ~~وأعلى الأمور المفطعات جسيمها) (فإن قلت لي في حاجتي أنا فاعل * فقد ثلجت ~~نفسي وولت همومها) قال أنا فاعل إن اقتصدت فما حاجتك قال غرم لزمنا قال كم ~~هو قال أربعة آلاف درهم قال نحن مناصفوها قال أصلح الله الأمير أتخاف علي ~~التخمة إن أتممتها قال أكره أن أعود الناس هذه العادة قل فأعطني جميعها سرا ~~وامنعني جميعها ظاهرا حتى تعود الناس المنع وإلا فالضرر واقع عليك إن ~~عودتهم نصف ما يطلبون فضحك ابن هبيرة وقال ما عندنا غير ما بذلناه لك فجثا ~~بين يديه وقال امرأتي طالق إن أخذت أقل من أربعة آلاف درهم أو انصرفت وأنا ~~غضبان فقال اعطوه إياها قبحه الله فإنه ما علمت حلاف مهين فأخذها وانصرف ~~وقيل لما وقع الطاعون بالكوفة ومات منهم بنو زر بن حبيش العامري صاحب علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وكانوا ظرفاء وبنو عم لهم فقال الحكم بن عبدل ~~الغاضري يرثيهم (أبعد بني زر وبعد ابن جندل * وعمرو أرجي لذة العيش في خفض) ~~(مضوا وبقينا نأمل العيش بعدهم * ألا إن من يبقى على إثر من يمضي) حدث ~~الأصمعي قال كانت امرأة موسرة بالكوفة وكانت لها على الناس PageV02P203 # ديون فاستعانت بابنعبدل في دينها وقالت إني امرأة ليس ~~لي زوج وجعلت ثعرض بأنها تزوجه نفسها فقام ابن عبدل في دينها حتى استوفته ~~فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه (سيخطبك الذي حاولت مني * فقطع حبل وصلك من ~~حبالي) (كماا أخطاك معروف ابنبشر * وكنت تعد ذلك رأس مال) وكان ابن عبدل ~~أتى ابن بشر بالكوفة فسأله فقال أخمسمائة أحب إليك العام أم ألف في قابل ~~فقال ألف في قابل فلما أتاه قال ألف أحب إليك أم ألفان في قابل قال ms0382 فلم يزل ~~ذلك دأبه حتى مات ابن بشر وما أعطاه شيئا قال ودخل ابن عبدل على عبد الملك ~~بن ماروان بنبشر فقال ما أحدثت بعدي قال خطبت امرأة من قومي فردت علي جواب ~~رسالتي بيتي شعر قال وماا هما وأنشده البيتين المذكورين فضحك عبد الملك ~~وقال ما أجود ما ذكرت بنفسك وأمر له بألفي درهم ومثل هذا قال عب دالملك بن ~~مروان لرجل ما ملك قال ما أكف به وجهي وأعود منه على صديقي قال لقد لطفت في ~~المسألة وأمر له بمال وقريب من هذا قال قيس بن سعد لعجوز كيف حالك قالت ما ~~في بيتي جرذ فقال ماا ألطف ما سألت لأملأن بيتك جزذانا وأمر لها بمال وشخص ~~الحكم بن عبدل مع عمر بن هبيرة إلى واسط فشكا إليه الضيقة فوهب له جارية من ~~جواريه فواثبها ليلة صاارت إليه فنكحها تسعة أو عشرة طلقا واحدا فلما أصبحت ~~قالت له جعلت فداك من أي الناس أنت قال امرؤ من أهل الشام قالت بهذا العمل ~~غلبتم أهل العراق في حربكم PageV02P204 # 204 حماد بن أبي حنيفة أبو إسماعيل حماد ابن الإمام ~~أبي حنيفة النعمان بن ثابت كان على مذهب أبيه رضي الله تعالى عنه وكان من ~~الصلاح والخير على قدم عظيم ولما توفي أبوه كانت عنده ودائع كثيرة من ذهب ~~وفضة وغير ذلك وأربابها غائبون وفيهم أيتام فحملها ابنه حماد المذكور إلى ~~القاضي ليتسلمها منه فقال له القاضي ما نقبلها منك ولا نخرجها عن يدك فإنك ~~أهل لها وموضعها فقال حماد للقاضي زنها واقبضها حتى تبرأ منها ذمة أبي ~~حنيفة ثم افعل ما بدا لك ففعل القاضي ذلك وبقي في وزنها أياما فلما كمل ~~وزنها استتر حماد فلم يظهر حتى دفعها إلى غيره وكان ابنه إسماعيل قاضي ~~البصرة وعزل عنها بالقاضي يحيى بن أكثم ورأيت في كتاب أخبار أبي حنيفة أن ~~القاضي يحيى بن أكثم لما وصل إلى البصرة وعزم إسماعيل بن حماد على السفر ~~شيعه القاضي يحيى بن أكثم فكان الناس ms0383 يدعون لإسماعيل ويقولون له عففت عن ~~أموالنا ودمائنا فيقول إسماعيل وعن أبنائكم وكان يعرض بما يتهم به القاضي ~~يحيى بن أكثم وقال إسماعيل المذكور كان لنا جار طحان رافضي وكان له بغلان ~~سمى أحدهما أبا بكر والآخر عمر فرمحه ذات ليلة أحد البغلين فقتله فأخبر جدي ~~أبو حنيفة به فقال انظروا فإني إخال أن البغل الذي سماه عمر هو الذي رمحه ~~فنظروا فكان كما قال وكانت وفاة حماد المذكور في ذي القعدة سنة ست وسبعين ~~ومائة رحمه الله تعالى وسيأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى PageV02P205 # 205 حماد الراوية أبو القاسم حماد بن أبي ليلى سابور ~~وقيل ميسرة بن المبارك بن عبيد الديلمي الكوفي مولى بني بكر بن وائل ~~المعروف بالراوية وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف وفي كتاب طبقات الشعراء ~~إنه مولى مكنف بن زيد الخيل الطائي الصحابي رضي الله عنه كان من أعلم الناس ~~بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها وهو الذي جمع السبع الطوال ~~فيما ذكره أبو جعفر النحاس وكانت ملوك بني أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره فيفد ~~عليهم وينال منهم ويسألونه عن أيام العرب وعلومها وقال له الوليد بن يزيد ~~الأموي يوما وقد حضر مجلسه بم استحققت هذا الاسم فقيل لك الراوية فقال بأني ~~أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به ثم أروي لأكثر منهم ممن ~~تعترف أنك لا تعرفه ولا سمعت به ثم لا ينشدني أحد شعرا قديماا ومحدثا إلا ~~ميزت القديم من المحدث فقال له فكم مقدار ما تحفظ من الشعر فقال كثير ولكني ~~أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعراء ~~الجاهلية دون شعراء الإسلام قال سامتحنك في هذا وأمره بالإنشاد فأنشد حتى ~~ضجر الوليد ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه فأنشده ألفين ~~وتسعمائة قصيدة للجاهلية وأخبر الوليد بذلك فأمر له بمائة ألف درهم ~~PageV02P206 # قال الطرماح أنشدت حمادا الراوية قصيدة لي ستين بيتا ~~فسكت ساعة ثم قال أهذه لك قلت نعم ms0384 قال ليس الأمر كذلك ثم ردها علي كلها ~~وزيادة عشرين بيتا زادها في وقته دخل مطيع بن إياس ويحيي بن زياد على حماد ~~الراوية فإذا سراجه على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهن وأسفلهن بطين فقال له ~~يحيى يا حماد إنك لمترف متبذل بحر المتاع وقال له مطيع ألا تبيع هذه ~~المنارة وتشتري بأقل ثمنا منها منارة تزيل بها عذرك وتنفق علينا وعلى نفسك ~~الباقي وتتسع وقال له يحيى ما أحسن ظنك به ومن أين له هذه المنارة هذه ~~وديعة أو عارية وقال مطيع إنه لعظيم الأمانة عند الناس قال يحيى وعلى عظم ~~أمانته فما أجهل من يخرج هذه من داره ويأمن عليها غيره قال مطيع ما أظنها ~~عارية ولا وديعة ولكني أظنها مرهونة عنده على مال وإلا فمن يخرج هذه من ~~بيته فقال حماد يرهنها من يدخلكما على بيته ليلقى عليها من أنواع المداعبة ~~وهل عند أحد من المال ما يرهن وذكر أبو محمد الحريري صاحب كتاب المقامات في ~~كتابه درة الغواص مامثاله قال حماد الراوية كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد ~~الملك بن مروان في خلافته وكان أخوه هشام يجفوني لذلك فلما مات يزيد وتولى ~~هشام خفته ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا إلى من أثق إليه من إخواني سرا ~~فلما لم أسمع أحدا ذكرني في السنة أمنت فخرجت أصلي الجمعة وصليت في جامع ~~الرصافة الجمعة فإذا شرطيان قد وقفا علي وقالا يا حماد أجب الأمير يوسف بن ~~عمر الثقفي وكان واليا على العراق فقلت في نفسي من هذا كنت أخاف ثم قلت ~~لهما هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودعهم وداع من لا يرجع إليهم أبدا ~~ثم أصير معكما فقالا PageV02P207 # ما إلى ذلك سبيل فاستسلمت في أيديهما ثم صرت إلى يوسف ~~بن عمر وهو في الإيوان الأحمر فسلمت عليه فرد علي السلام ورمى إلي كتابا ~~فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن ~~عمر أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا ms0385 فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من ~~غير ترويع وادفع له خمسمائة دينار وجملا مهريا يسير عليه اثنتي عشرة ليلة ~~إلى دمشق فأخذت الدنانير ونظرت فإذا جمل مرحول فركبته وسرت حتى وافيت دمشق ~~في اثنتي عشرة ليلة فنزلت على باب هشام واستأذنت فإذن لي فدخلت عليه في دار ~~قوراء مفروشة بالرخام وبين كل رخامتين قضيب ذهب وهشام جالس على طنفسة حمراء ~~وعليه ثياب حمر من الخز وقد تضمخ بالمسك والعنبر فسلمت عليه فرد علي السلام ~~واستدناني فدنوت حتى قبلت رجله فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط في أذن كل ~~جارية حلقتان فيهما لؤلؤتان تتقدان فقال كيف أنت يا حماد وكيف حالك فقلت ~~بخير يا أمير المؤمنين فقال أتدري فيم بعثت إليك قلت لا قال بعثت بسبب بيت ~~خطر ببالي لا أعرف قائله قلت وما هو قال (ودعوا بالصبوح يوما فجاءت * قينة ~~في يمينها إبريق) فقلت يقوله عدي بن زيد العبادي في قصيدة قال أنشدنيها ~~فأنشدته (بكر العاذلون في وضح الصبح * يقولون لي أما تستفيق) (ويلومون فيك ~~يا ابنة عبد الله * والقلب عندكم موهوق) (لست أدري إذ أكثروا العذل فيها * ~~أعدو يومني أم صديق) قال حماد فانتهيت فيها إلى قوله (ودعوا بالصبوح يوما ~~فجاءت * قينة في يمينها إبريق) PageV02P208 # (فدمته على عقار كعين الديك * صفى سلافها الراووق) ~~(مزة قبل مزجها فإذا ما * مزجت لذ طعمها من يذوق) (وطفا فوقها فقاقيع ~~كالياقوت * حمر يزينها التصفيق) (ثم كان المزاج ماء سحاب * لاصرى آجن ولا ~~مطروق) قال فطرب هشام ثم قال أحسنت يا حماد وفي هذه الحكاية زيادة فإنه قال ~~اسقيه يا جارية فسقتني وهذا ليس بصحيح فإن هشاما لم يكن يشرب فلا حاجة إلى ~~ذكر تلك الزيادة ثم قال يا حماد سل حاجتك فقلت كائنة ما كانت قال نعم قلت ~~إحدى الجاريتين قال هما جميعا لك بما عليهما ومالهما وأنزله في داره ثم ~~نقله من غد إلى منزل أعده له فوجد فيه الجاريتين ومالهما وكل ما يحتاج إليه ~~وأقام عنده مدة ووصله بمائة ms0386 ألف درهم قال حماد فسرت وأنا أيسر خلق الله إلى ~~الكوفة فقلت (أنت الذي تنزل الأيام منزلها * وتنقل الدهر من حال إلى حال) ~~(وما مددت مدى طرف إلى أحد * إلا قضيت بأرزاق وآجال) (تروم شحا فتمسي البيض ~~* وتستهل فتبكي المال) قلت هكذا ساق الحريري هذه الحكاية وما يمكن أن تكون ~~هذه الواقعة مع يوسف بن عمر الثقفي لأنه لم يكن واليابالعراق في التاريخ ~~المذكور بل كان متوليه خالد بن عبد الله القسري الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى حسبما يقتضيه تاريخ ولايته وانفصاله وولاية يوسف بن عمر في ترجمته ~~أيضا وأخبار حماد ونوادره كثيرة وكانت وفاته سنة خمس وخمسين ومائة ومولده ~~في سنة خمس وتسعين للهجرة وقيل إنه توفي في خلافة المهدي وتولى المهدي ~~الخلافة يوم السبت لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة وتوفي ليلة ~~الخميس لسبع بقين من المحرم PageV02P209 # سنة تسع وستين ومائة بقرية يقال لها الرذ من أعمال ~~ماسبذان وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة (وأكرم قبر بعد قبر محمد * نبي ~~الهدى قبر بماسبذان) (عجبت لأيد هالت الترب فوقه * ضحى كيف لم ترجع بغير ~~بنان) ولما مات حماد الراوية رثاه أبو يحيى محمد بن كناسة وهو لقبه واسمه ~~عبد الأعلى بن عبد الله بن خليفة بن نضلة بن أنيف بن مازن بن ذويبة بن ~~أسامة ابن نصر بن قعين بقوله (لو كان ينجي من الردى حذر * نجاك مما أصابك ~~الحذر) (يرحمك الله من أخي ثقة * لم يك في صفو وده كدر) (فهكذا يفسد الزمان ~~ويفنى * العلم فيه ويدرس الأثر) وكان حماد المذكور قليل البضاعة من العربية ~~قيل إنه حفظ القرآن الكريم من المصحف فصحف في نيف وثلاثين حرفا رحمه الله ~~تعالى 206 حماد عجرد أبو عمرو وقيل أبو يحيى حماد بن عمر بن يونس بن كليب ~~الكوفي وقيل الواسطي مولى بني سوأة بن عامر بن صعصعة المعروف بعجرد ~~PageV02P210 # الشاعر المشهور هو من مخضرمي الدولتين الأموية ~~والعباسية ولم يشتهر إلا في العباسية ونادم الوليد بن ms0387 يزيد الأموي وقدم ~~بغداد في أيام المهدي وقال علي بن الجعد قدم علينا في أيام المهدي هؤلاء ~~القوم حماد عجرد ومطيع بن إياس الكناني ويحيى بن زياد فنزلوا بالقرب منا ~~فكانوا لا يطاقون خبثا ومجانة وهو من الشعراء المجيدين وبينه وبين بشار بن ~~برد أهاج فاحشة وله في بشار كل معنى غريب ولولا فحشها لذكرت شيئا منها وكان ~~بشار يضج منه وقال بشار في حماد (إذا جئته في الحي أغلق بابه * فلم تلقه ~~إلا وأنت كمين) (فقل لأبي يحيى متى تبلغ العلا * وفي كل معروف عليك يمين) ~~وفيه يقول بشار أيضا (نعم الفتى لو كان يعبد ربه * ويقيم وقت صلاته حماد) ~~(وابيض من شرب المدامة وجهه * وبياضه يوم الحساب سواد) وكان يبري النبل ~~وقيل إن أباه كان يبري النبل وإنه هو لم يتعاط شيئا من الصنائع وكان ماجنا ~~ظريفا خليعا متهما في دينه بالزندقة يحكى أنه كانت بينه وبين أحد الأئمة ~~الكبار وما يليق التصريح بذكر اسمه مودة ثم تقاطعا فبلغه عنه أنه يتنقصه ~~فكتب إليه (إن كان نسكك لا يتم * بغير شتمي وانتقاصي) (فاقعد وقم بي كيف ~~شئت * مع الأداني والأقاصي) PageV02P211 # (فلطالما زكيتني * وأنا المصر على المعاصي) (أيام ~~نأخذها ونعطي * في أباريق الرصاص) ومن شعره أيضا (فأقسمت لو أصبحت في قبضة ~~الهوى * لأقصرت عن لومي وأطنبت في عذري) (ولكن بلائي منك أنك ناصح * وأنك ~~لا تدري بأنك لا تدري) وذكر ابن قتيبة في كتاب طبقات الشعراء قال كان في ~~الكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون حماد عجرد وحماد الراوية وحماد بن الزبرقان ~~النحوي وكانوا يتعاشرون وكانوا كلهم يرمون بالزندقة وقيل إن حماد عجرد أهدى ~~إلى مطيع بن إياس غلاما وكتب معه قد أهديت إليك من يتعلم عليه كظم الغيظ ~~ولما أقعد حماد عجرد لتأديب ولد الأمين قال بشار بن برد (قل للأمين جزاك ~~الله صالحة * لا تجمع الدهر بين السخل والذيب) (فالسخل يعلم أن الذئب آكله ~~* والذئب يعلم ما في السخل من طيب) وقال أيضا (يا أبا الفضل لا تنم ms0388 * وقع ~~الذئب في الغنم) (إن حماد عجرد * شيخ سوء قد اغتلم) (بين فخذيه حربة * في ~~غلاف من الأدم) (إن رأى ثم غفلة * محج الميم في القلم) فشاعت الأبيات فأمر ~~الأمين أن يخرج حماد PageV02P212 # ومن شعر حماد عجرد (إن الكريم ليخفي عنك عسرته * حتى ~~تراه غنيا وهو مجهود) (وللبخيل على أمواله علل * زرق العيون عليها أوجه ~~سود) (إذا تكرهت أن تعطي القليل ولم * تقدر على سعة لم يظهر الجود) (بث ~~النوال ولا يمنعك قلته * فكل ما سد فقرا فهو محمود) وأشعاره وأخباره مشهورة ~~وتوفي في سنة إحدى وستين ومائة رحمه الله تعالى وقيل كان من أهل واسط وقتله ~~محمد بن سليمان بن علي عامل البصرة بظاهر الكوفة على الزندقة في سنة خمس ~~وخمسين ومائة وقيل خرج من الأهواز يريد البصرة فمات في طريقه فدفن على تل ~~هناك وقيل مات سنة ثمان وستين ومائة ولما قتل المهدي بشار بن برد المقدم ~~ذكره بالبطيحة حمل ودفن على حماد عجرد فمر على قبريهما أبو هشام الباهلي ~~فكتب عليهما (قد تبع الأعمى قفا عجرد * فأصبحا جارين في دار) (صارا جميعا ~~في يدي مالك * في النار والكافر في النار) (قالت بقاع الأرض لا مرحبا * ~~بقرب حماد وبشار) وعجرد بفتح العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء وبعدها ~~دال مهملة وهو لقب عليه وإنما قيل له ذلك لأنه مر به أعرابي وهو غلام يلعب ~~مع الصبيان في يوم شديد البرد وهوعريان فقال له لقد تعجردت يا غلام ~~والمتعجرد المتعري والمخضرم بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون الضاد ~~المعجمة وفتح الراء وبعدها ميم أصل هذه اللفظة أن تطلق على الشاعر الذي ~~أدرك الجاهلية PageV02P213 # والإسلام مثل لبيد والنابغة الجعدي وغيرهما ثم توسع ~~فيها حتى صارت تطلق على من أدرك دولتين وسمع في ذلك أيضا محضرم بالحاء ~~المهملة وسمع بكسر الراء أيضا 207 أبو سليمان الخطابي أبو سليمان حمد بن ~~محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي كان فقيها أدبيا محدثا له ~~التصانيف البديعة منها غريب الحديث ومعالم السنن في شرح ms0389 سنن أبي داود ~~وأعلام السنن في شرح البخاري وكتاب الشحاح وكتاب شأن الدعاء وكتاب إصلاح ~~غلط المحدثين وغير ذلك سمع بالعراق أبا علي الصفار وأبا جعفر الرزاز ~~وغيرهما وروى عنه الحاكم أبو عبد الله ابن البيع النيسابوري وعبد الغفار بن ~~محمد الفارسي وأبو القاسم عبد الوهاب بن أبي سهل الخطابي وغيرهم وذكره صاحب ~~يتيمة الدهر وأنشد له (وما غمة الإنسان في شقه النوى * ولكنها والله في عدم ~~الشكل) PageV02P214 # (وإني غريب بين بست وأهلها * وإن كان فيها أسرتي وبها ~~أهلي) وأنشد له أيضا (شر السباع العوادي دونه وزر * والناس شرهم ما دونه ~~وزر) (كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع * ومما ترى بشرا لم يؤذه بشر) وأنشد له ~~أيضا (فسامح ولا تستوف حقك كله * وأبق فلم يستقص قط كريم) (ولا تغل في شيء ~~من الأمر واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم) وذكر له أشياء غير ذلك وكان ~~يشبه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علما وأدبا وزهدا وورعا وتدريسا ~~وتأليفا وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة بمدينة ~~بست رحمه الله تعالى والخطابي بفتخ الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة ~~وبعد الألف باء موحدة وهذه النسبة إلى جده الخطاب المذكور وقيل إنه من ذرية ~~زيد بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فنسب إليه والله أعلم والبستي بضم الباء ~~الموحدة وسكون السين المهملة وبعدها تاء مثناة من فوقها هذه النسبة إلى بست ~~وهي مدينة من بلاد كابل بين هراة وغزنة كثيرة الأشجار والأنهار وقد سمع في ~~اسم أبي سليمان حمد المذكور أحمد أيضا بإثبات الهمزة والصحيح الأول قال ~~الحاكم أبو عبد الله محمد بن البيع سألت أبا القاسم المظفر ابن طاهر بن ~~محمد البستي الفقيه عن اسم أبي سليمان الخطابي أحمد أو حمد فإن بعض الناس ~~يقول أحمد فقال سمعته يقول اسمي الذي سميت به حمد ولكن الناس كتبوا أحمد ~~فتركته عليه وقال أبو القاسم المذكور أنشدنا أبو سليمان لنفسه PageV02P215 # (ما دمت حيا فدار الناس كلهم * فإنما أنت في دار ms0390 ~~المداراة) (من يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى * عما قليل نديما للندامات) 208 ~~حمزة الزيات أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي المعروف ~~بالزيات مولى آل عكرمة بن ربعي التيمي كان أحد القراء السبعة وعنه أخذ أبو ~~الحسن الكسائي القراءة وأخذ هو عن الأعمش وإنما قيل له الزيات لأنه كان ~~يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة ~~فعرف به وتوفي سنة ست وخمسين ومائة بحلوان وله ست وسبعون سنة رحمه الله ~~تعالى وحلوان بضم الحاء وسكون اللام وفتح الواو وبعد الألف نون وهي مدينة ~~في أواخر سواد العراق مما يلي بلاد الجبل وربعي بكسر الواو وسكون الباء ~~الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء PageV02P216 # 209 حنين ابن إسحاق أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي ~~الطبيب المشهور كان إمام وقته في صناعة الطب وكان يعرف لغة اليونانيين ~~معرفة تامة وهو الذي عرب كتاب أقليدس ونقله من لغة اليونان إلى اللغة ~~العربية وجاء ثابت بن قرة المقدم ذكره فنقحه وهذبه وكذلك كتاب المجسطي ~~وأكثر كتب الحكماء والأطباء فإنها كانت كلها بلغة اليونان فعربت وكان حنين ~~المذكور أشد الجماعة اعتناء بتعريبها وعرب غيره أيضا بعض الكتب ولولا ذلك ~~التعريب لما أنتفع أحد بتلك الكتب لعدم المعرفة بلسان اليونان لا جرم كل ~~كتاب لم يعربوه باق على حاله ولا ينتفع به إلا من عرف تلك اللغة وكان مفرما ~~المأمون بتعريبها وتحريرها وإصلاحها ومن قبله جعفر البرمكي وجماعة من أهل ~~بيته أيضا اعتنوا بها لكن عناية المأمون كانت أتم وأوفر ولحنين المذكور في ~~الطب مصنفات مفيدة كثيرة وقد تقدم ذكر ولده إسحاق في حرف الهمزة ورأيت في ~~كتاب أخبار الأطباء أن حنينا المذكور كان في كل يوم عند نزوله من الركوب ~~يدخل الحمام فيصب عليه الماء ويخرج فيلتف في قطيفة ويشرب قدح شراب ويأكل ~~كعكة ويتكىء حتى ينشف عرقه وربما نام ثم يقوم ويتبخر ويقدم له طعامه وهو ~~فروج كبير مسمن قد طبخ زيرباجا ورغيف وزنه ms0391 مائتا درهم فيحسو من المرقة ~~ويأكل الفروج والخبز وينام فإذا انتبه شرب أربعة أرطال شرابا عتيقا فإذا ~~اشتهى الفاكهة الرطبة أكل التفاح الشامي والسفرجل PageV02P217 # وكان ذلك دأبه إلى أن مات يوم الثلاثاء لست خلون من ~~صفر سنة ستين ومائتين وقد سبق في ترجمة ولده نسبة العبادي إلى أي شيء هي ~~واليونانيون كانوا حكماء متقدمين على الإسلام وهم من أولاد يونان بن يافث ~~ابن نوح عليه السلام وهم بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبين ~~النونين ألف 210 ابن حيان صاحب المقتبس أبو مروان حيان بن خلف بن حسين بن ~~حيان بن محمد بن حيان بن وهب بن حيان مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن ~~هشام بن عبد الملك بن مروان هو من أهل قرطبة وله كتاب المقتبس في تاريخ ~~الأندلس في عشر مجلدات وكتاب المتين في تاريخها أيضا في ستين مجلدا ذكره ~~أبو علي الغساني فقال كان عالي السن قوي المعرفة متبحرا في الآداب بارعا ~~فيها صاحب لواء التاريخ بالأندلس أفصح الناس فيه وأحسنهم نظما له لزم الشيخ ~~أبا عمرو ابن أبي الحباب النحوي صاحب أبي علي القالي وأبا العلاء صاعد بن ~~الحسن الربعي البغدادي وأخذ عنه كتابه المسمى PageV02P218 # ب الفصوص وسمع الحديث وسمعته يقول التهنئة بعد ثلاث ~~استخفاف بالمودة والتعزية بعد ثلاث إغراء بالمصيبة وتوفي يوم الأحد لثلاث ~~بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وستين وأربعمائة ودفن من يومه بعد العصر ~~بمقبرة الربض ومولده سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ووصفه الغساني بالصدق فيما ~~حكاه في تاريخه وأخبر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عون قال كان ابن حيان ~~فصيحا في كلامه بليغا فيما يكتبه بيده وكان لا يتعمد كذبا فيما يحكيه في ~~تاريخه من القصص والأخبار قال ورأيته في النوم بعد وفاته مقبلا إلي فقمت ~~إليه وسلم علي وتبسم في سلامه فقلت له ما فعل الله بك فقال غفر لي فقلت له ~~فالتاريخ الذي صنفت ندمت عليه قال أما والله لقد ندمت عليه إلا أن الله ms0392 عز ~~وجل بلطفه عفا عني وغفر لي وذكره أبو عبد الله الحميدي في جذوة المقتبس ~~وابن بشكوال في الصلة رحمهم الله تعالى أجمعين حرف الخاء PageV02P219 # حرف الحاء PageV02P221 # 211 خارجة بن زيد أبو زيد خارجة بن زيد بن ثابت ~~الأنصاري أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وقد تقدم ذكر أبي بكر ابن عبد الرحمن ~~في حرف الباء وذكرت في ترجمته البيتين الجامعين لأسماء الفقهاء السبعة وكان ~~خارجة المذكور تابعيا جليل القدر أدرك زمان عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~وأبوه زيد بن ثابت رضي الله عنه من أكابر الصحابة وفي حقه قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أفرضكم زيد توفي خارجة سنة تسع وتسعين للهجرة وقيل سنة ~~مائة رضي الله عنه بالمدينة وذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي في الطبقات أن ~~خارجة قال رأيت في المنام كأني بنيت سبعين درجة فلما فرغت منها تدهورت وهذه ~~السنة لي سبعون سنة قد أكملتها قال فمات فيها وروى عنه الزهري رحمهما الله ~~تعالى PageV02P223 # 212 خالد بن يزيد بن معاوية أبو هاشم خالد بن يزيد بن ~~معاوية بن أبي سفيان الأموي كان من أعلم قريش بفنون العلم وله كلام في ~~صناعة الكيمياء والطب وكان بصيرا بهذين العلمين متقنا لهما وله رسائل دالة ~~على معرفته وبراعته وأخذ الصناعة عن رجل من الرهبان يقال له مريانس الراهب ~~الرومي وله فيها ثلاث رسائل تضمنت إحداهن ما جرى له مع مريانس الراهب ~~المذكور وصورة تعلمه منه والرموز التي أشار إليها وله فيها أشعار كثيرة ~~مطولات ومقاطيع دالة على حسن تصرفه وسعة علمه وله شعر جيد فمنه (تجول ~~خلاخيل النساء ولا أرى * لرملة خلخالا يجول ولا قلبا) (فلا تكثرو فيها ~~الملام فإنني * تخيرتها منهم زبيرية قلبا) PageV02P224 # (أحب بني العوام من أجل حبها * ومن أجلها أحببت ~~أخوالها كلبا) وهي طويلة ولها قصة مع عبد الملك بن مروان أضربنا عن ذكرها ~~لشهرتها وكان له أخ يسمى عبد الله فجاءه يوما وقال إن الوليد بن عبد الملك ~~يعبث بي ويحتقرني فدخل خالد على عبد ms0393 الملك والوليد عنده فقال يا أمير ~~المؤمنين الوليد ابن أمير المؤمنين قد احتقر ابن عمه عبد الله واستصغره ~~وعبد الملك مطرق فرفع رأسه وقال * (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) * النمل 34 فقال خالد * (وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) ~~* الاسراء 16 فقال عبد الملك أني عبد الله تكلمني والله لقد دخل علي فما ~~أقام لسانه لحنا فقال خالد أفعلى الوليد تعول فقال عبد الملك إن كان الوليد ~~يلحن فإن أخاه سليمان فقال خالد وإن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد فقال ~~له الوليد اسكت يا خالد فوالله ما تعد في العير ولا في النفير فقال خالد ~~اسمع يا أمير المؤمنين ثم أقبل على الوليد فقال ويحك ومن العير والنفير ~~غيري جدي أبو سفيان صاحب العير وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير ولكن لو قلت ~~غنيمات وحبيلات والطائف ورحم الله عثمان لقلنا صدقت وهذا الموضع يحتاج إلى ~~تفسير فقوله العير فهي عير قريش التي أقبل بها أبو سفيان من الشام فخرج ~~إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة ليغنموها فبلغ الخبر أهل مكة ~~فخرجوا ليدفعوا عن العير وكان مقدم القوم PageV02P225 # عتبة بن ربيعة فلما وصلوا إلى المسلمين كانت وقعة بدر ~~وكل واحد من أبي سفيان وعتبة جد خالد المذكور أما أبو سفيان فمن جهة أبيه ~~وأما عتبة فلأن ابنته هند أم معاوية جد خالد وقوله غنيمات وحبيلات إلى آخر ~~كلامه فإنه أشار إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نفى الحكم بن أبي ~~العاص وكان جد عبد الملك المذكور إلى الطائف كان يرعى الغنم ويأوي إلى ~~حبيلة وهي الكرمة ولم يزل كذلك حتى ولي عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة ~~فرده وكان الحكم عمه ويقال إن عثمان رضي الله عنه كان قد أذن له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في رده متى أفضى الأمر إليه وأخبار خالد كثيرة وفي هذا ms0394 ~~القدر منها كفاية وكانت وفاته سنة خمس وثمانين للهجرة رحمه الله تعالى 213 ~~خالد بن عبد الله القسري أبو يزيد وأبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد بن ~~أسد بن كرز البجلي ثم القسري ذكره هشام بن الكلبي في كتاب جمهرة النسب فقال ~~هو خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز بن عامر بن عبد الله بن عبد شمس ~~ابن غمغمة بن جرير بن شق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن أفصى بن نذير بن ~~قسر وهو مالك بن عبقر بن أنمار بن أراش بن عمرو بن PageV02P226 # الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ~~بن يعرب ابن قحطان قال ابن ماكولا يقال القسري والخصري كان أمير العراقين ~~من جهة هشام بن عبد الملك الأموي ولي مكة سنة تسع وثمانين للهجرة وأمه ~~نصرانية وكان لجده يزيد صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان خالد ~~معدودا من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة وكان جوادا كثير ~~العطاء دخل عليه شاعر يوم جلوسه للشعراء وقد مدحه ببيتين فلما رأى اتساع ~~الشعراء في القول استصغر ما قال فسكت حتى انصرفوا فقال له خالد ما حاجتك ~~فقال مدحت ببيتين فلما سمعت قول الشعراء احتقرت بيتي فقال ما هما فأنشده ~~(تبرعت لي بالجود حتى نعشتني * وأعطيتني حتى حسبتك تلعب) (فأنت الندى وابن ~~الندى وأبو الندى * حليف الندى ما للندى عنك مذهب) فقال ما حاجتك فقال علي ~~دين فأمر بقضائه وأعطاه مثله وحكى عبد الملك بن قريب الأصمعي قال دخل ~~أعرابي على خالد القسري فقال قد امتدحتك ببيتين ولست أنشدكهما إلا بعشرة ~~آلاف درهم وخادم قال قل فأنشأ يقول (لزمت نعم حتى كأنك لم تكن * سمعت من ~~الأشياء شيئا سوى نعم) (وأنكرت لا حتى كأنك لم تكن * سمعت بها في سالف ~~الدهر والأمم) فقال أعطه يا غلام عشرة آلاف درهم وخادما فتسلمها ودخل عليه ~~PageV02P227 # أعرابي فقال قد قلت شعرا وأنشأ يقول (أخالد ms0395 إني لم ~~أزرك لحاجة * سوى أنني عاف وأنت جواد) (أخالد إن الأجر والحمد حاجتي * ~~فأيهما تأتي وأنت عماد) فقال له خالد سل يا أعرابي قال وجعلت المسألة إلي ~~أصلح الله الأمير قال نعم قال مائة ألف درهم قال أكثرت يا أعرابي قال فأحطك ~~قال نعم قال قد حططتك تسعين ألفا قال له خالد يا أعرابي لا أدري من أي ~~أمريك أعجب فقال أصلح الله الأمير أنت جعلت المسألة إلي فسألتك على قدرك ~~وما تستحقه في نفسك فلما سألتني أن أحط حططت على قدري وما استأهله في نفسي ~~فقال له خالد والله يا أعرابي لا تغلبني يا غلام أعطه مائة ألف درهم فدفعها ~~إليه وكتب إليه هشام بن عبد الملك بلغني أن رجلا قام إليك فقال إن الله ~~جواد وأنت جواد وإن الله كريم وأنت كريم حتى عد عشر خصال ووالله لئن لم ~~تخرج من هذا لأستحلن دمك فكتب إليه خالد نعم يا أمير المؤمنين قام إلي فلان ~~فقال الله كريم يحب الكريم فأنا أحبك لحب الله إياك ولكن أشد من هذا مقام ~~ابن شقي البجلي إلى أمير المؤمنين فقال خليفتك أحب إليك أم رسولك فقلت بل ~~خليفتي فقال أنت خليفة الله ومحمد رسول الله ووالله لقتل رجل من بجيلة أهون ~~على الخاصة والعامة من كفر أمير المؤمنين هكذا ذكره الطبري في تاريخه وكان ~~خالد يتهم في دينه وبنى لأمة كنيسة تتعبد فيها وفي ذلك يقول الفرزدق يهجوه ~~(ألا قبح الرحمن ظهر مطية * أتتنا تهادى من دمشق بخالد) PageV02P228 # (وكيف يؤم الناس من كانت أمه * تدين بأن الله ليس ~~بواحد) (بنى بيعة فيها الصليب لأمه * ويهدم من بغض منار المساجد) ثم إن ~~هشاما عزل خالدا عن العراقين في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة وذكر الطبري ~~في تاريخه أن هشام بن عبد الملك عزل عمر بن هبيرة عن العراق وولاء خالدا في ~~شوال سنة خمس ومائة ثم عزله وولى يوسف بن عمر الثقفي وهو ابن عم الحجاج ~~وكان سبب عزل خالد أن امرأة ms0396 أتته فقالت أصلح الله الأمير إني امرأة مسلمة ~~وإن عاملك فلانا المجوسي وثب علي فأكرهني على الفجوروغصبني نفسي فقال لها ~~كيف وجدت قلفته فكتب بذلك حسان النبطي إلى هشام وعند هشام يومئذ رسول يوسف ~~بن عمر وقد كان يوسف وجهه إليه من اليمن في بعض حاجته فاحتبسه هشام عنده ~~يوما حتى إذا جنه الليل دعا به فكتب معه إلى يوسف بولاية العراق ومحاسبة ~~خالد وعماله وأمره أن يستخلف ابنه الصلت على اليمن فخرج يوسف في نفر يسير ~~فسار من صنعاء إلى الكوفة على الرحال في سبع عشرة مرحلة حتى قدم الكوفة ~~سحرا ثم أخذ خالدا وعماله وحبسه وحاسبه وعذبه ثم قتله في أيام الوليد بن ~~يزيد قيل إنه وضع قدميه بين خشبتين وعصرهما حتى انقصفا ثم رفع الخشبتين إلى ~~ساقيه وعصرهما حتى انقصفا ثم إلى وركيه ثم إلى صلبه فلما انقصف صلبه مات ~~وهو في ذلك كله لا يتأوه ولا ينطق وكان ذلك في المحرم سنة ست وعشرين وقيل ~~في ذي القعدة سنة خمس وعشرين ومائة بالحيرة ودفن في ناحية منها ليلا رحمه ~~الله تعالى والحيرة بينها وبين الكوفة فرسخ كانت منزل آل النعمان بن المنذر ~~ملوك العرب PageV02P229 # ولما كان خالد في سجن يوسف مدحه أبو الشغب العبسي بهذه ~~الأبيات وهي في كتاب الحماسة (ألا أن خير الناس حيا وميتا * أسير ثقيف ~~عندهم في السلاسل) (لعمري لئن عمرتم السجن خالدا * وأوطأتموه وطأه ~~المتثاقل) (لقد كان نهاضا بكل ملمة * ومعطي اللها غمرا كثير النوافل) (وقد ~~كان يبني المكرمات لقومه * ويعطي اللها في كل حق وباطل) (فإن تسجنوا القسري ~~لا تسجنوا اسمه * ولا تسجنوا معروفه في القبائل) وكان يوسف جعل على خالد في ~~كل يوم حمل مال معلوم إن لم يقم به في يومه عذبه فلما مدحه أبو الشغب بهذه ~~الأبيات وأوصلها إليه كان قد حصل في قسط يومه سبعين ألف درهم فأنفذها له ~~وقال اعذرني فقد ترى ما أنا فيه فردها أبو الشغب وقال لم أمدحك لمال وأنت ~~على هذه الحال ms0397 ولكن لمعروفك وإفضالك فأنفذها إليه ثانيا وأقسم عليه ~~ليأخذنها فأخذها وبلغ ذلك يوسف فدعاه وقال ما حملك على فعلك ألم تخش العذاب ~~فقال لأن أموت عذابا أسهل علي من كفي بذلي لا سيما على من مدحني وذكر أبو ~~الفرج الأصبهاني أن خالدا كان من ولد شق الكاهن وهو خالد بن عبد الله بن ~~أسد بن يزيد بن كرز وذكر أن كرزا كان دعيا وأنه كان من اليهود فجنى جناية ~~فهرب إلي بجيلة فانتسب فيهم ويقال كان عبدا لعبد القيس وهو ابن عامر ذي ~~الرقعة وسمي بذي الرقعة لأنه كان أعور يغطي عينه برقعة وذو الرقعة هو ابن ~~عبد شمس بن جوين بن شق الكاهن بن صعب انتهى كلام أبي الفرج قلت أنا كان شق ~~المذكور ابن خالة سطيح الكاهن الذي بشر بالنبي صلى الله عليه وسلم وقصته في ~~تأويل الرؤيا في ذلك مشهورة وهي مستوفاة في PageV02P230 # السيرة وكان شق وسطيح من أعاجيب الدنيا أما سطيح فكان ~~جسدا ملقى لا جوارح له وكان وجهه في صدره ولم يكن له رأس ولا عنق وكان لا ~~يقدر على الجلوس إلا أنه إذا غضب انتفخ فجلس وكان شق نصف إنسان ولذلك قيل ~~له شق أي شق إنسان فكانت له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة وفتح عليهما في ~~الكهانة ما هو مشهور عنهما وكانت ولادتهما في يوم واحد وفي ذلك اليوم توفيت ~~طريفة ابنة الخير الحميرية الكاهنة زوجة عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء ~~ولما ولدا دعت بكل واحد منهما وتفلت في فيه وزعمت أنه سيخلفها في علمها ~~وكهانتها ثم ماتت من ساعتها ودفنت بالجحفة وعاش كل واحد من شق وسطيح ستمائة ~~سنة وكرز بضم الكاف وسكون الراء وبعدها زاي والقسري بفتح القاف وسكون السين ~~المهملة وبعدها راء هذه النسبة إلى قسر بن عبقر وهي بطن من بجيلة 214 خالد ~~المهلبي أبو الهيثم خالد بن خداش بن عجلان المهلبي مولى آل المهلب بن أبي ~~صفرة من أهل البصرة سكن بغداد وحدث بها عن مالك ms0398 بن أنس والمغيرة بن عبد ~~الرحمن ومهدي بن ميمون وحماد بن زيد وغيرهم وروى عنه أحمد بن حنبل ~~PageV02P231 # وأحمد بن إبراهيم الدورقي وحاتم بن الليث الجوهري ~~وغيرهم قال محمد بن المثنى انصرفت مع بشر بن الحارث في يوم أضحى من المصلى ~~فلقي خالد بن خداش المحدث فسلم عليه فقصر بشر في السلام فقال خالد بيني ~~وبينك مودة أكثر من ستين سنة فما تغيرت عليك فما هذا التغير قال بشر ما ~~هاهنا تغيير ولا تقصير ولكن هذا يوم تستحب فيه الهدايا وما عندي من عرض ~~الدنيا شيء أهدي لك وقد روي في الحديث أن المسلمين إذا التقيا كان أكثرهما ~~ثوابا أبشهما بصاحبه فتركتك لتكون أفضل ثوابا مني مات خالد بن خداش في سنة ~~ثلاث وعشرين ومائتين في جمادي الآخرة رحمه الله تعالى 215 خالد التميمي أبو ~~الهيثم خالد بن يزيد بن الهيثم التميمي الخراساني كان أحد كتاب الجيش ~~ببغداد وله شعر مدون وشعره كله في الغزل حكى أبو الحسن البرمكي قال كنا ~~جلوسا على باب عبد الصمد بن المغذل بن علي ومعنا رجل ينشدنا أشعار عبد ~~الصمد إذ أقبل خالد بن يزيد الكاتب فجلس إلينا فقال فيم كنتم فقلنا يجهلنا ~~هذا ينشدنا شيئا من أشعار عبد الصمد فالتفت إليه خالد فقال يا فتى من ذا ~~الذي يقول (تناسيت ما أوعيت سمعك يا سمعي * كأنك بعد الضر خال من النفع) ~~PageV02P232 # ثم قال يا فتى هل أحسن عبد الصمد أن يجعل للسمع سمعا ~~فقال لا ثم أنشد (لئن كان أضحى فوق خديه روضة * فإن على خدي غديرا من ~~الدمع) ثم نهض فقال لنا المنشد من هذا فقلنا خالد الكاتب فعدا خلفه وانقطعت ~~نعله وانقلبت محبرته حتى كتب البيتين ومن شعر خالد المذكور (هبك الخليفة ~~حين يركب * في مواكبه وجنده) (أو هبك كنت وزيره * أو هبك كنت ولي عهده) (هل ~~كنت تقدر أن تزيد * المبتلى بك فوق جهده) وقال ثعلب ما أحد من الشعراء تكلم ~~في الليل إلا قارب إلا خالد الكاتب فإنه أبدع ms0399 في قوله (رقدت فلم ترث للساهر ~~* وليل المحب بلا آخر) (ولم تدر بعد ذهاب الرقاد * ما صنع الدمع بالناظر) ~~فإنه لم يجعل لليل آخرا وقيل لخالد من أين قلت في قصيدتك وليل المحب بلا ~~آخر فقال وقفت على باب وعليه سائل مكفوف وهو يقول الليل والنهار علي سواء ~~فأخذت هذا منه وذكر ميمون بن حماه قال دخلت يوما على أبي عبد الله بن ~~الأعرابي فقلت له أسمعت من شعر هذا الغليم شيئا قال من هو قلت خالد بن يزيد ~~فقال لا وإني لأحب ذلك فصاح به فجاء حتى وقف عليه فقلت أشد أبا عبد الله من ~~شعرك فقال إنما أقول في شجون نفسي ولا أمدح ولا أهجو فقلت أنشده فأنشده ~~(أقول للسقم عد إلى بدني * شوقا لشيء يكون من سببك) PageV02P233 # فقال ابن الأعرابي حسبك يا غلام فقد خيل لي أن الرقة ~~قد جمعت لك في هذا البيت قال جحظة حدثني خالد بن يزيد الكاتب قال لم أشعر ~~إلا ورسول إبراهيم ابن المهدي قد وافاني فدخلت إليه فقال أنشدني شيئا من ~~شعرك فأنشدته (رأت منه عيني منظرين كما رأت * من البدر والشمس المضيئة ~~بالأرض) (عشية حياني بورد كأنه * خدود أضيفت بعضهن إلى بعض) (وناولني كأسا ~~كأن حبابها * دموعي لما صد عن مقلتي غمضي) (وراح وفعل الراح في حركاته * ~~كفعل نسيم الريح في الغصن الغض) فزحف حتى صار في ثلثي المصلى ثم قال يا بني ~~شبه الناس الخدود بالورد وشبهت أنت الورد بالخدود ثم قال زدني فأنشدته ~~(عاتبت نفسي في هواك * فلم أجدها تقبل) (وأجبت داعيها إليك * ولم أطع من ~~يعذل) (لا والذي جعل الوجوه * لحسن وجهك تمثل) (لا قلت إن الصبر * عنك من ~~التصابي أجمل) فزحف حتى صار خارج المصلى ثم قال زدني فأنشدته (ظفر الحب ~~بقلب دنف * بك والسقم بجسم ناحل) (وبكى العاذل من رحمته * فبكائي لبكاء ~~العاذل) فصاح وقال يا بليق كم معك من العين قال ستمائة وخمسون دينارا فقال ~~اقسمها بيني وبينه واجعل الكسر للغلام كاملا وذكر أحمد ms0400 بن صدقة المغني قال ~~اجتزت بخالد الكاتب يوما فقلت له PageV02P234 # اعمل لي أبياتا أغني بها أمير المؤمنين يعني المأمون ~~فقال وأي حظ لي في ذلك تأخذ الجائزة وأحصل أنا على الإثم فحلف له أنه إن ~~وصله بشيء قاسمه إياه فقال لي أنت أنذل من ذلك ولكن ذكره بي فلعله أن يصلني ~~بشيء قلت أفعل فأنشدني (تقول سلا فمن المدنف * ومن عينه أبدا تذرف) (ومن ~~قلبه قلق خائف * عليك وأحشاؤه ترجف) فحفظت الشعر وعملت فيه لحنا وحضرنا عند ~~أمير المؤمنين من الغد وكان بينه وبين بعض حظاياه هجرة فوجهت إليه بتفاحة ~~عليها مكتوب بالغالية يا سيدي سلوت وابتدأت أغني بشعر خالد فلما غنيته إياه ~~انقلبت عيناه ودارتا في رأسه وظهر الغضب في وجهه وقال لكم على حرمي أصحاب ~~أخبار فقمت إعظاما لما شهدت منه وقلت أعيذ أمير المؤمنين بالله أن يظن بعبد ~~من عبيده هذا الظن وأنزه داره أن يكون لأحد عليها صاحب خبر قال فمن أين ~~عرفت خبري مع جاريتي حتى غنيت في معنى ما بيننا فحدثته حديثي مع خالد فلما ~~انتهيت إلى قوله أنت أنذل من ذلك فقال أشهد أنك كذلك وأسفر وجهه وقال ما ~~أعجب هذا الاتفاق وأمر لي بخمسة آلاف درهم ولخالد بمثلها وقال بعض من كان ~~يحضر مجلس أبي العباس المبرد كنا نختلف إليه فإذا كان في آخر المجلس أملى ~~علينا من طرف الأخبار وملح الأشعار ما نرتاح إلى حفظه فأنشدنا يوما مرثية ~~زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب وهي (إن السماحة والمروة والندى * قبر ~~بمرو على الطريق الواضح) (فإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم الهجان وكل طرف ~~سابح) (وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخا دم وذبائح) (مات المغيرة ~~بعد طول تعرض * للموت بين أسنة وصفائح) قال فخرجت من عنده وأنا أدير بها ~~لساني لأحفظها فإذا بشيخ قد خرج PageV02P235 # من خربة وفي يده حجر فهم أن يرميني به فتترست منه ~~بالمحبرة والدفتر فقال ماذا تقول أتشتمني قلت اللهم لا ولكني كنت عند ~~أستاذنا أبي العباس ms0401 المبرد فأنشدنا مرثية زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب ~~فقال إيه إيه أنشدني ما أنشدكم باردكم لا مبردكم فأنشدته الأبيات فقال ~~والله ما جود الراثي ولا أنصف المرثي ولا أحسن الراوي قلت فما عساه أن يقول ~~قال كان يقول (احملاني إن لم يكن لكما عقر * إلى جنب قبره فما بقراني) ~~(وانضحا من دمي عليه فقد * كان دمي من نداه لو تعلمان) قال فقلت هل رأيت ~~أحدا واسى أحدا بنفسه قال نعم هذا الفتح ابن خاقان طرح نفسه على المتوكل ~~حتى خلط لحمه بلحمه ودمه بدمه ثم تركني وولى قال فلما عدت إلى المبرد قصصت ~~عليه القصة فقال أتعرفه قلت لا قال ذلك خالد الكاتب تأخذه السوداء في أيام ~~الباذنجان وقيل كبر خالد الكاتب حتى دق عظمه ورق جلده فوسوس قال بعضهم ~~فرأيته ببغداد والصبيان يتبعونه ويصيحون به يا بارد يا بارد فأسند ظهره إلى ~~قصر المعتصم وقال لهم كيف أكون باردا وأنا الذي أقول (بكى عاذلي من رحمتي ~~فرحمته * وكم مثله من مسعد ومعين) (ورقت دموع العين حيتى كأنها * دموع ~~دموعي لا دموع جفوني) وحكى أبو الحسن علي بن محمد بن مقلة قال حدثني أبي عن ~~عمه قال اجتاز بي خالد الكاتب وأنا على باب داري بسر من رأى والصبيان حوله ~~يولعون به فجاء إلي وسألني صرفهم عنه ففعلت وأدخلته داري فقلت له ما تشتهي ~~تأكل قال هريسة فتقدمت بإصلاحها له فلما أكل قلت له أي شيء تحب بعد هذا قال ~~رطب فأمرت بإحضاره فأكل فلما فرغ من أكله قلت أنشدني شيئا من شعرك فأنشدني ~~قوله (تناسيت ما أوعيت سمعك يا سمعي * كأنك بعد الضر خال من النفع) ~~PageV02P236 # (أما عند عينيك اللتين هما هما * لمكتئب يرجوك شيئا ~~سوى المنع) (فإن كنت مطبوعا على الصد والجفا * فمن أين لي صبر فأجعله طبعي) ~~(فإن يك أضحى فوق خديك روضة * فإن على خدي غديرا من الدمع) (سل المطر العام ~~الذي عم أرضكم * أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي) فقلت زدني فقال لا يصيبك ms0402 ~~بهريسة ورطب غير هذا والله أعلم 216 الشيخ الخصر بن عقيل الإربلي أبو ~~العباس الخصر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي الفقيه الشافعي كان فقيها ~~فاضلا عارفا بالمذهب والفرائض والخلاف اشتغل ببغداد على الكيا الهراسي وابن ~~الشاشي ولقي عدة من مشايخها ثم رجع إلى إربل وبنى له بها الأمير أبو منصور ~~سرفتكين بن عبد الله الزيني نائب صاحب إربل مدرسة القلعة وتاريخها سنة ثلاث ~~وثلاثين وخمسمائة ودرس فيها زمانا وهو أول من درس بإربل وله تصانيف حسان ~~كثيرة في التفسير والفقه وغير ذلك وله كتاب ذكر فيه ستا وعشرين خطبة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وكلها مسندة واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به وكان ~~رجلا صالحا زاهدا عابدا ورعا متقللا ونفسه مباركا وذكره الحافظ ابن عساكر ~~في تاريخ دمشق وأثنى عليه وكان قد قدم دمشق فأقام بها مدة ثم رجع إلى إربل ~~ومن جملة من تخرج عليه الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو عمرو عثمان بن عيسى ~~PageV02P237 # ابن درباس الهذباني الذي شرح المهذب وسيأتي ذكره في ~~حرف العين إن شاء الله تعالى وتخرج عليه أيضا ابن أخيه عز الدين أبو القاسم ~~نصر بن عقيل ابن نصر وغيرهما وكانت ولادته سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وكانت ~~وفاته ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمسمائة بإربل ~~ودفن بها في مدرسته التي بالربض في قبة مفردة وقبره يزار وزرته كثيرا رحمه ~~الله تعالى (31) ولما توفي تولى موضعه ابن أخيه المذكور في المدرستين وكان ~~فاضلا ومولده بإربل سنة أربع وثلاثين وخمسمائة وسخط عليه الملك المعظم مظفر ~~الدين صاحب إربل وأخرجه منها فانتقل إلى الموصل فكتب إليه أبو الدر الرومي ~~الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى من بغداد وكان صاحبه (أيا ابن ~~عقيل لا تخف سطوة العدا * وإن أظهرت ما أضمرت من عنادها) (وأقصتك يوما عن ~~بلادك فتية * رأت فيك فضلا لم يكن في بلادها) (كذا عادة الغربان تكره أن ~~ترى * بياض البزاة الشهب بين سوادها) أشار بذلك إلى الجماعة ms0403 الذي سعوا به ~~حتى غيروا خاطر الملك عليه وكان ذلك في سنة اثنتين أو ثلاث وستمائة كذا ~~أعرفه وقال ابن باطيش في سنة ست وستمائة والله أعلم (32) وفي تلك السنة ~~خرجت الكرج على مدينة مرند من أعمال أذربيجان وهي قريبة من إربل فقتلوا ~~وسبوا وأسروا فعمل شرف الدين محمد ولد عز الدين أبي القاسم المذكور في ~~إخراجهم من إربل (إن يكن أخرجوا النساء من الأوطان * ظلما وأسرفوا في ~~التعدي) PageV02P238 # (فلنا أسوة بمن جارت الكرج * عليهم وأخرجوا من مرند) ~~وهذا الشرف له في عمل الدوبيت اليد الطولى ولولا خوف التطويل لذكرت شيئا ~~منها وسكن عز الدين ظاهر الموصل في رباط ابن الشهرزوري وقرر له صاحب الموصل ~~راتبا ولم يزل هناك حتى توفي يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر وقيل ~~جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وستمائة رحمه الله تعالى ودفن بمقبرة تل ى توبة ~~وهو ابن خالة الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس وتوفي ولده الشرف ~~المذكور ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ~~بدمشق ودفن بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى ومولده في رجب سنة اثنتين ~~وسبعين وخمسمائة بإربل وقرأ الفقه على أبيه وعلى عماد الدين بن يونس والأدب ~~على أبي الحرم مكي (33) وسرفتكين بفتح السين المهملة والراء وسكون الفاء ~~وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ~~نون كان مملوك زين الدين علي صاحب إربل والد مظفر الدين وكان أرمنيا صالحا ~~فأعتقه وتقدم عنده واعتمد عليه واستنابه في المملكة وبنى مساجد كثيرة بإربل ~~وقراها وبنى المدرسة المذكورة وبنى سور مدينة فيد التي في طريق مكة من جهة ~~بغداد وأثر آثارا صالحة كل ذلك من ماله وتوفي في شهر رمضان سنة تسع وخمسين ~~وخمسمائة رحمه الله تعالى PageV02P239 # 217 ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود ~~بن بشكوال بن يوسف بن داحة ابن داكة بن نصر بن عبد الكريم بن وافد الخزرجي ~~الأنصاري القرطبي كان من علماء الأندلس وله التصانيف ms0404 المفيدة منها كتاب ~~الصلة الذي جعله ذيلا على تاريخ علماء الأندلس تصنيف القاضي أبي الوليد عبد ~~الله المعروف بابن الفرضي وقد جمع فيه خلقا كثيرا وله تاريخ صغير في أحوال ~~الأندلس وما اقتصر فيه وكتاب الغوامض والمبهمات ذكر فيه من جاء ذكره في ~~الحديث مبهما فعينه ونسج فيه على منوال الخطيب البغدادي في كتابه الذي وضعه ~~على هذا الأسلوب وجزء لطيف ذكر فيه من روى الموطأ عن مالك بن أنس رضي الله ~~عنه ورتب أسماءهم على حروف المعجم فبلغت عدتهم ثلاثة وسبعين رجلا ومجلد ~~لطيف سماه كتاب المستغيثين بالله تعالى عند المهمات والحاجات والمتضرعين ~~إليه سبحانه بالرغبات والدعوات وما يسر الله الكريم لهم من الإجابات ~~والكرامات وله غير ذلك أيضا من المصنفات قال أبو الخطاب ابن دحية نقلت من ~~خط شيخنا يعني ابن بشكوال أنه فرغ من تأليف الصلة في جمادي الأولى سنة أربع ~~وثلاثين وخمسمائة وكان مولده يوم الاثنين ثالث وقيل ثامن ذي الحجة سنة أربع ~~وتسعين وأربعمائة وتوفي ليلة الأربعاء لثمان خلون من شهر رمضان سنة ثمان ~~وسبعين وخمسمائة بقرطبة ودفن يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر بمقبرة ابن ~~PageV02P240 # عباس بمقربة من قبر يحيى بن يحيى رحمهما الله تعالى ~~وداحة بفتح الدال المهملة وبعد الألف حاء مهملة أيضا مفتوحة ثم هاء ساكنة ~~وداكة مثلها إلا أن عوض الحاء كاف وبشكوال بفتح الباء الموحدة وسكون الشين ~~المعجمة وضم الكاف وبعد الواو ألف ولام (34) وتوفي والده أبو مروان عبد ~~الملك بن مسعود صبيحة يوم الأحد ودفن عشي يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى ~~الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وعمره نحو ثمانين سنة رحمه الله تعالى ~~218 خلف بن هشام أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب ويقال هشام بن طالب بن غراب ~~البزار المقرئ سمع مالك بن أنس وحماد بن زيد وأبا عوانة وغيرهم روى عنه ~~عباس الدوري ومحمد بن الجهم وأحمد بن أبي خيثمة وغيرهم قال أبو العباس أحمد ~~بن إبراهيم وراق خلف سمعت خلفا يقول قدمت الكوفة فصرت إلى ms0405 سليم بن عيسى ~~فقال ما أقدمك قلت أقرأ القرآن على أبي بكر ابن عياش بحرف عاصم فقال لي ألا ~~تزيد قلت بلى قال فدعا ابنه وكتب معه رقعة إلى ابن عياش فاستأذن لي عليه ~~سليم بن عيسى فدخل عليه فأعطاه PageV02P241 # الرقعة وكان لخلف سبع عشرة سنة قال فلما قرأها قال ~~أدخل الرجل فدخلت فسلمت فصعد في النظر ثم قال لي أنت خلف قلت نعم قال لي ~~أنت لم تخلف ببغداد أحدا أقرأ منك فسكت فقال لي اقعد هات اقرأ قلت عليك قال ~~نعم قلت لا إله إلا الله لا أقرأ على رجل يستصغر رجلا من حملة القرآن ~~وتركته وخرجت فوجه إلى سليم فسأله أن يردني إليه فلم أرجع قال فندمت واحتجت ~~فكتبت قراءة عاصم عن يحيى ابن آدم عن أبي بكر ابن عياش وقال خلف أتيت سليم ~~بن عيسى لأقرأ عليه وكان بين يديه قوم وأظنهم سبقوني فلما جلست قال بلغني ~~أنك تريد الترفع في القراءة فلست آخذ عليك شيئا قال فكنت أحضر المجلس أسمع ~~ولا يأخذ علي شيئا فبكرت يوما في الغلس وخرج فقال من هاهنا يتقدم ويقرأ ~~فتقدمت واستفتحت بسورة يوسف وهي من أشد القرآن إعرابا فقال لي من أنت فما ~~سمعت أقرأ منك فقلت خلف فقال لي فعلتها ما يحل لي أن أمنعك فكنت أقرأ عليه ~~حتى بلغت يوما حم المؤمن فلما بلغت إلى قوله تعالى * (ويستغفرون للذين ~~آمنوا) * غافر 7 بكى بكاء شديدا ثم قال لي يا خلف ألا ترى ما أعظم حق ~~المؤمن تراه نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له وروى خلف بسنده إلى أبي ~~هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل خلق مائة رحمة فأنزل ~~منها رحمة على عباده يتراحمون بها وخبأ تسعا وتسعين عنده فإذا كان يوم ~~القيامة جمع تيك الرحمة إلى التسع والتسعين وفضها على عباده فمن رحمة واحدة ~~جعلني مسلما وعلمني القرآن وعرفني نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل بي وفعل بي ~~وأنا أرجو من تسع وتسعين ms0406 الجنة وذكر لأبي جعفر النفيلي خلف بن هشام البزار ~~فقال كان من أصحاب السنة لولا بلية كانت فيه يشرب النبيذ قال عبد الكريم بن ~~الحداد وكان خلف يشرب من الشراب على التأويل فكان ابن أخته يوما يقرأ عليه ~~سورة الأنفال حتى بلغ قوله تعالى (ليميز الله الخبيث من الطيب) الأنفال 37 ~~فقال يا خال إذا ميز الله الخبيث من الطيب أين يكون الشراب قال PageV02P242 # فنكس رأسه طويلا ثم قال مع الخبيث قال فترضى أن تكون ~~مع أصحاب الخبيث قال يا بني امض إلى المنزل فاصبب كل شيء فيه فتركه فأعقبه ~~الله تعالى الصوم فصام الدهر إلى أن مات وقيل إنه أعاد صلاة الأربعين سنة ~~التي كان يتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين وكانت وفاته يوم السبت ~~السابع عشر من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين ومائتين رحمه الله تعالى ورثاه ~~بعض الشعراء بقوله (مضى شيخنا البزار بالفضل يذكر * هجان إمام في القراءة ~~مبصر) (سقى الله قبرا حله من غمامة * بوابل غيث صفوه يتفجر) (وقد طلب ~~الحساد في الناس كيده * فما قدروا حتى عموا وتحيروا) 219 خليفة بن خياط أبو ~~عمرو خليفة بن خياط بن أبي هيبرة خليفة بن خياط الشيباني المصفري البصري ~~المعروف بشباب صاحب الطبقات كان حافظا عارفا بالتواريخ وأيام الناس غزير ~~الفضل روى عنه محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه وتاريخه وعبد الله ابن ~~الإمام أحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان النسوي في آخرين ~~وروى هو عن ابن عيينة ويزيد بن زريع وأبي داود الطيالسي ودرست حمزة وتلك ~~الطبقة PageV02P243 # توفي في شهر رمضان سنة ثلاثين ومائتين وقال الحافظ ابن ~~عساكر في معجم مشايخ الأئمة الستة إنه توفي سنة أربعين وقيل ست وأربعين ~~ومائتين رحمه الله تعالى والعصفري بضم العين وسكون الصاد المهملتين وضم ~~الفاء وبعدها راء هذه النسبة إلى العصفر الذي تصبغ به الثياب حمرا وشباب ~~بفتح الشين المثلثة والباء الموحدة وبعد الألف باء ثانية وقد اختلفوا في ~~تلقيبه بذلك لأي معنى هو (35) وتوفي جده أبو ms0407 هبيرة خليفة بن خياط في رجب ~~سنة ستين ومائة وكان أبو عمرو المذكور يقول توفي جدي خليفة بن خياط وشعبة ~~بن الحجاج في شهر واحد رحمهم الله أجمعين 220 الخليل بن أحمد أبو عبد ~~الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي ويقال الفرهودي الأزدي ~~اليحمدي كان إماما في علم النحو وهو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى ~~الوجود وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحرا ثم زاد فيه ~~الأخفش بحرا آخر وسماه الخبب وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علما لم ~~يسبقه أحد إليه ولا يؤخذ إلا عنه فرجع من حجه ففتح عليه بعلم العروض وله ~~معرفة بالإيقاع والنغم وتلك المعرفة أحدثت له علم العروض فإنهما متقاربان ~~في المأخذ PageV02P244 # وقال حمزة بن الحسن الأصبهاني في حق الخليل بن أحمد في ~~كتابه الذي سماه التنبيه على حدوث التصحيف وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج ~~أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل وليس على ذلك ~~برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ولا على مثال تقدمه احتذاه ~~وإنما اخترعه من ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طست ليس فيهما حجة ولا ~~بيان يؤديان إلى غير حليتهما أو يفيدان غير جوهرهما فلو كانت أيامه قديمة ~~ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنع أحد منذ خلق الله الدنيا ~~من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره ومن تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة ~~أمة من الأمم قاطبة ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه ~~الذي هو زينة لدولة الاسلام انتهى كلامه وكان الخليل رجلا صالحا عاقلا ~~حليما وقورا ومن كلامه لا يعلم الإنسان خطأ معلمه حتى يجالس غيره وقال ~~تلميذه النضر بن شميل أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين ~~وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال ولقد سمعته يوما يقول إني لأغلق علي بابي فما ~~يجاوزه همي وكان يقول أكمل ما ms0408 يكون الإنسان عقلا وذهنا إذا بلغ أربعين سنة ~~وهي السن التي بعث الله تعالى فيها محمدا صلى الله عليه وسلم ثم يتغير ~~وينقص إذا بلغ ثلاثا وستين سنة وهي السن التي قبض فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر وكان له راتب على سليمان ~~بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي وكان والي فارس والأهواز فكتب إليه ~~يستدعيه فكتب الخليل جوابه PageV02P245 # (أبلغ سليمان أني عنه في سعة * وفي غنى غير أني لست ذا ~~مال) (شحا بنفسي أني لا أرى أحدا * يموت هزلا ولا يبقى على حال) (الرزق عن ~~قدر لا الضعف ينقصه * ولا يزيدك فيه حول محتال) (والفقر في النفس لا في ~~المال نعرفه * ومثل ذاك النفس الغني في لا المال) فقطع عنه سليمان الراتب ~~فقال الخليل (إن الذي شق فمي ضامن * للرزق حتى يتوفاني) (حرمتني خيرا قليلا ~~فما * زادك في مالك حرماني) فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته وكتب إلى الخليل ~~يعتذر إليه وأضعف راتبه فقال الخليل (وزلة يكثر الشيطان إن ذكرت * منها ~~التعجب جاءت من سليمانا) (لا تعجبن لخير زل عن يده * فالكوكب النحس يسقي ~~الأرض أحيانا) واجتمع الخليل وعبد الله بن المقفع ليلة يتحدثنان إلى الغداة ~~فلما تفرقا قيل للخليل كيف رأيت ابن المقفع فقال رأيت رجلا علمه أكثر من ~~عقله وقيل لابن المقفع كيف رأيت الخليل قال رأيت رجلا عقله أكثر من علمه ~~وللخليل من التصانيف كتاب العين في اللغة وهو مشهور وكتاب العروض وكتاب ~~الشواهد وكتاب النقط والشكل وكتاب النغم وكتاب في العوامل وأكثر العلماء ~~العارفين باللغة يقولون إن كتاب العين في اللغة المنسوب إلى الخليل بن أحمد ~~ليس تصنيفه وإنما كان قد شرع فيه ورتب أوائله وسماه ب العين ثم مات فأكمله ~~تلامذته النضر بن شميل ومن في طبقته وهم مؤرج PageV02P246 # السدوسي ونصر بن علي الجهضمي وغيرهما فما جاء الذي ~~عملوه مناسبا لما وضعه الخليل في الأول فأخرجوا الذي وضعه الخليل منه ~~وعملوا أيضا الأول فلهذا وقع ms0409 فيه خلل كثير يبعد وقوع الخليل في مثله وقد ~~صنف ابن درستويه في ذلك كتابا استوفى الكلام فيه وهو كتاب مفيد ويقال إن ~~الخليل كان له ولد متخلف فدخل على أبيه يوما فوجده يقطع بيت شعر بأوزان ~~العروض فخرج إلى الناس وقال إن أبي قد جن فدخلوا عليه وأخبروه بما قال ابنه ~~فقال مخاطبا له (لو كنت تعلم ما أقول عذرتني * أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا) ~~(لكن جهلت مقالتي فعذلتني * وعلمت أنك جاهل فعذرتكا) وقد روى عنه أنه أنشد ~~ولم يذكر لنفسه أم لغيره (يقولون لي دار الأحبة قد دنت * وأنت كئيب إن ذا ~~لعجيب) (فقلت وما تغني الديار وقربها * إذا لم يكن بين القلوب قريب) ويحكى ~~عنه أنه قال كان يتردد إلى شخص يتعلم العروض وهو بعيد الفهم فأقام مدة ولم ~~يعلق على خاطره شيء منه فقلت له يوما قطع هذا البيت (إذا لم تستطع شيئا ~~فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع) PageV02P247 # فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته ثم نهض ولم يعد ~~يجيء إلي فعجبت من فطنته لما قصدته في البيت مع بعد فهمه وأخبار الخليل ~~كثيرة وسيبويه عنه أخذ علوم الأدب وسيأتي ذكره في حرف العين المهملة إن شاء ~~الله تعالى ويقال إن أباه أحمد أول من سمي بأحمد بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كذا ذكره المرزباني في كتاب المقتبس نقلا عن أحمد بن أبي خيثمة ~~وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة وتوفي سنة سبعين وقيل خمس وسبعين ومائة ~~وقيل عاش أربعا وسبعين سنة رحمه الله تعالى وقال ابن قانع في تاريخه المرتب ~~على السنين إنه توفي سنة ستين ومائة وقال ابن الجوزي في كتابه الذي سماه ~~شذور العقود إنه مات سنة ثلاثين ومائة وهذا غلط قطعا لكن نقله الواقدي ومات ~~بالبصرة أعني الخليل وكان سبب موته أنه قال أريد أن أقرب نوعا من الحساب ~~تمضي به الجارية إلى البياع فلا يمكنه ظلمها ودخل المسجد وهو يعمل فكره في ~~ذلك فصدمته سارية وهو غافل عنها ms0410 بفكرة فانقلب على ظهره فكانت سبب موته وقيل ~~بل كان يقطع بحرا من العروض والفراهيدي بفتح الفاء والراء وبعد الألف هاء ~~مسكورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها دال مهملة هذا النسبة إلى ~~فراهيد وهي بطن من الأزد والفرهودي واحدها والفرهود ولد الأسد بلغة أزد ~~شنوءة وقيل إن الفراهيد صغار الغنم واليحمدي بفتح الياء المثناة من تحتها ~~وسكون الحاء المهملة وفتح الميم وبعدها دال مهملة نسبة إلى يحمد وهو أيضا ~~بطن من الأزد خرج منه خلق كثير ويحكى أن الخليل كان ينشد كثيرا هذا البيت ~~وهو للأخطل (وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد * ذخرا يكون كصالح الأعمال) ~~PageV02P248 # 221 خمارويه بن طولون أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن ~~طولون وقد تقدم ذكر أبيه وجده في حرف الهمزة ولما توفي أبوه اجتمع الجند ~~على توليته مكانه فولي وهو ابن عشرين سنة وكانت ولايته في أيام المعتمد على ~~الله وفي سنة ست وسبعين ومائتين تحرك الافشين محمد بن أبي الساج ديوداذ بن ~~دوست من أمينية والجبال في جيش عظيم وقصد مصر فلقيه خمارويه في بعض أعمال ~~دمشق وانهزم الافشين واستأمن أكثر عسكره وسار خمارويه حتى بلغ الفرات ودخل ~~أصحابه الرقة ثم عاد وقد ملك من الفرات إلى بلاد النوبة ولما مات المعتمد ~~وتولى المعتضد الخلافة بادر إليه خمارويه بالهدايا والتحف فأقره المعتضد ~~على عمله وسأل خمارويه أن يزوج ابنته قطر الندى واسمها أسماء للمكتفي بالله ~~بن المعتضد بالله وكان يوم ذاك ولي العهد فقال المعتضد بالله بل أتزوجها ~~أنا فتزوجها في سنة إحدى وثمانين ومائتين ودخل لها في آخر هذه السنة وقيل ~~في سنة اثنتين وثمانين والله أعلم وكان صداقها ألف ألف درهم وكانت موصوفة ~~بفرط الجمال والعقل حكي أن المعتضد خلا بها يوما للأنس في مجلس أفزده لها ~~ما حضره سواها فأخذت منه الكأس فنام على فخذها فلما استثقل وضعت رأسه على ~~وسادة وخرجت وجلست في ساحة القصر فاستيقظ فلم يجدها فاستشاط غضبا ونادى بها ~~فأجابته عن قرب فقال ألم أخلك ms0411 إكراما لك ألم أدفع إليك مهجتي دون سائر ~~PageV02P249 # حظاياي فتضعين رأسي على وسادة وتذهبين فقالت يا أمير ~~المؤمنين ما جهلت قدر ما أنعمت به علي ولكن فيما أدبني به أبي أن قال لا ~~تنامي مع الجلوس ولا تجلسي مع النيام ويقال إن المعتضد أراد بنكاحها افتقار ~~الطولونية وكذا كان فإن أباها جهزها بجهاز لم يعمل مثله حتى قيل كان لها ~~ألف هاون ذهبا وشرط عليه المعتضد أن يحمل كل سنة بعد القيام بجميع وظائف ~~مصر وأرزاق أجنادها مائتي ألف دينار فأقام على ذلك إلى أن قتله غلمانه ~~بدمشق على فراشه ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ~~ومائتين وعمره اثنتان وثلاثون سنة وقتل قتلته أجمعون وحمل تابوته إلى مصر ~~ودفن عند أبيه بسفح المقطم رحمهما الله تعالى وكان خمارويه من أحسن الناس ~~خطا وكان وزيره أبا بكر محمد بن علي بن أحمد المعروف بالماذرائي الآتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى ولما حملت قطر الندى ابنة خمارويه إلى المعتضد خرجت معها ~~عمتها العباسة بنت أحمد بن طولون مشيعة لها إلى آخر عمارة الديار المصرية ~~من جهة الشام ونزلت هناك وضربت فساطيطها وبنت هناك قرية فسميت باسمها وقيل ~~لها العباسة وهي عامرة إلى الآن وبها جامع حسن وسوق قائم ذكر ذلك جماعة من ~~أهل العلم وماتت قطر الندى لتسع خلون من رجب سنة سبع وثمانين ومائتين ودفنت ~~داخل قصر الرصافة ببغداد وتوفي الافشين محمد بن أبي الساج في شهر ربيع ~~الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين ببرذعة وهي كرسي أعمال أذربيجان وقيل أنها ~~من أران وتوفي أبوه أبو الساج وهو الذي تنسب إليه الأجناد الساجية ~~PageV02P250 # ببغداد في شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين بجند ~~يسابور من أعمال خوزستان وخمارويه بضم الخاء الموحدة وفتح الميم وبعدها ألف ~~ثم راء مفتوحة وواو ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة 222 خير ~~النساج أبو الحسن خير بن عبد الله النساج الصوفي من أهل سر من رأى نزل ~~بغداد وكان له ms0412 حلقة يتكلم فيها وكان قد صحب أبا حمزة محمد بن إبراهيم ~~الصوفي وغيره وصحب الجنيد بن محمد وأبا العباس ابن عطاء وأبا محمد الحريري ~~وأبا بكر الشبلي وعمر عمرا طويلا وللصوفية عنه حكايات غريبة وإنما سمي ~~النساج لخبر قال جعفر الخلدي سألت خيرا النساج أكان النسج حرفتك قال لا قلت ~~فمن أين سميت به قال كنت عاهدت الله أن لا آكل الرطب أبدا فغلبتني نفسي ~~فأخذت نصف رطل فلما أكلت واحدة إذا رجل نطر إلي وقال يا خير ياآبق هربت مني ~~وكان له غلام هرب منه اسمه خير فوقع علي شبهه وصورته فاجتمع الناس وقالوا ~~هذا والله غلامك خير فبقيت متحيرا وعلمت بم أخذت وعرفت جنايتي فأخذني ~~وحملني إلى حانوته الذي كان ينسج فيه غلامه وقال لي يا عبد السوء تهرب من ~~مولاك ادخل فاعمل عملك الذي كنت تعمل وأمرني بنسج PageV02P251 # الكرباس فدليت رجلي على أن أعمل فأخذت بيدي آلته وكأني ~~كنت أعمل من سنين فبقيت معه أشهرا أنسج له فقمت ليلة إلى صلاة الغداة فسجدت ~~وقلت في سجودي إلهي لا أعود إلى ما فعلت فأصبحت وإذا الشبه ذهب عني وعدت ~~إلى صورتي التي كنت عليها فأطلقت وثبت علي هذا الاسم وفي بعض الروايات كان ~~يقول يا خير فيقول لبيك ثم قال له الرجل بعد ذلك لا أنت عبدي ولا اسمك خير ~~فمضى وقال لا أغيز اسما سماني به رجل مسلم وكان يقول لا نسب أشرف من نسب من ~~خلقه الله بيده فلم يعصمه ولا أعلم أرفع ممن علمه الله الأسماء كلها فلم ~~ينفعه في وقت جريان القضاء عليه وكان خير قد أحد ودب وكان إذا سمع قام ظهره ~~ورجعت قوته كالشاب المطلق فإذا غاب عن الوجود عاد إلى حاله وكان قد عمر ~~مائة وعشرين سنة وكان يذكر أن إبراهيم الخواص صحبه وحكى علي بن هارون ~~الحربي عن غير واحد ممن حضر موته من أصحابه أنه غشي عليه عند صلاة المغرب ~~ثم أفاق ونظر إلى ناحية من باب البيت وقال ms0413 قف عافاك الله فإنما أنت عبد ~~مأمور وأنا عبد مأمور ما أمرت به لا يفوتك وما أمرت به يفوتني فدعني أمضي ~~لما أمرت به ثم أمض أنت لما أمرت به ودعا بماء فتوضأ للصلاة وصلى وتمدد ~~وأغمض عينيه وتشهد ثم مات رحمه الله تعالى فرآه بعض أصحابه في النوم فقال ~~ما فعل الله بك فقال لا تسلني عن هذا ولكن استرحت من دنياكم المضرة وكانت ~~وفاته في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة رحمه الله تعالى حرف الدال ~~PageV02P252 # 223 داود الظاهري أبو سليمان داود بن علي بن خلف ~~الأصبهاني الإمام المشهور المعروف بالظاهري كان زاهدا متقللا كثير الورع ~~أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور وغيرهما وكان من أكثر الناس تعصبا ~~للإمام الشافعي رضي الله عنه وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين وكان صاحب ~~مذهب مستقل وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية وكان ولده أبو بكر محمد على ~~مذهبه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد قال ~~أبو عبد الله المحاملي صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع المدينة فلما ~~انصرفت قلت في نفسي أدخل إلى داود بن علي فأهنيه وكان ينزل قطيعة الربيع ~~قال فجئته وإذا بين يديه طبق فيه أوراق هندبا وعصارة فيها نخالة وهو يأكل ~~فهنأته وتعجبت من حاله ورأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء فخرجت ~~من عنده ودخلت على رجل من محبي الصنيعة يقال له الجرجاني فلما علم بمجيئي ~~خرج إلى حاسر الرأس حافي القدمين وقال لي ما عني القاضي أيده الله قلت مهم ~~قال وما هو قلت في جوارك داود بن علي ومكانه من العلم ما تعلمه وأنت فكثير ~~البر والرغبة في الخير تغفل عنه وحدثته بما رأيت منه فقال لي داود شرس ~~الخلق أعلم القاضي أنني وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلام ليستعين بها في ~~بعض أموره PageV02P255 # فردها مع الغلام وقال للغلام قل له بأي عين رأيتني وما ~~الذي بلغك من حاجتي وخلتي حتى وجهت إلى بهذا ms0414 قال فتعجبت من ذلك وقلت له هات ~~الدراهم فإني أحملها إليه فدفعها إلى ثم قال يا غلام الكيس الآخر فجاءه ~~بكيس فوزن ألفا أخرى وقال تلك لنا وهذه لموضع القاضي وعنايته قال فخرجت ~~وجئت إليه فقرعت الباب فخرج وكلمني من وراء الباب وقال ما رد القاضي قلت ~~حاجة أكلمك فيها فدخلت وجلست ساعة ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين يديه فقال ~~هذا جزاء من ائتمنك على سره أنا بأمانة العلم أدخلتك إلى ارجع فلا حاجة لي ~~فيما معك قال المحاملي فرجعت وقد صغرت الدنيا في عيني ودخلت على الجرجاني ~~فأخبرته بما كان فقال أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى لا أرجع في ~~شيء منها فليتول القاضي إخراجها في أهل الستر والعفاف على ما يراه القاضي ~~قيل إنه كان يحضر مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر قال داود حضر مجلسي يوما ~~أبو يعقوب الشريطي وكان من أهل البصرة وعليه خرقتان فتصدر لنفسه من غير أن ~~يرفعه أحد وجلس إلى جانبي وقال لي سل يا فتى عما بدا لك فكأني غضبت منه ~~فقلت له مستهزئا أسألك عن الحجامة فبرك أبو يعقوب ثم روى طريق أفطر الحاجم ~~والمحجوم ومن أرسله ومن أسنده ومن وقفه ومن ذهب إليه من الفقهاء وروى ~~اختلاف طريق احتجام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعطاء الحجام أجرة ولو ~~كان حراما لم يعطه ثم روى طرق أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بقرن وذكر ~~أحاديث صحيحة في الحجامة ثم ذكر الأحاديث المتوسطة مثل ما مررت بملإ من ~~الملائكة ومثل شفاء أمتي في ثلاث وما أشبه ذلك وذكر الأحاديث الضعيفة مثل ~~قوله صلى الله عليه وسلم لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة كذا ثم ذكر ما ذهب ~~إليه أهل الطب من الحجامة في كل زمان وما ذكروه فيها PageV02P256 # ثم ختم كلامه بأن قال وأول ما خرجت الحجامة من أصبهان ~~فقلت له والله لا حقرت بعدك أحدا أبدا وكان داود من عقلاء الناس قال أبو ~~العباس ثعلب في حقه كان ms0415 عقل داود أكثر من علمه وكان مولده بالكوفة سنة ~~اثنتين ومائتين وقيل سنة مائتين وقيل سنة إحدى ومائتين ونشأ ببغداد وتوفي ~~بها سنة سبعين ومائتين في ذي القعدة وقيل في شهر رمضان ودفن بالشونيزية ~~وقيل في منزله وقال ولده أبو بكر محمد رأيت أبي داود في المنام فقلت له ما ~~فعل الله بك فقال غفر لي وسامحني فقلت غفر لك ففيم سامحك فقال يا بني الأمر ~~عظيم والويل كل الويل لمن لم يسامح رحمه الله تعالى وأصله من أصبهان وقد ~~تقدم الكلام على أصبهان والشونيزية فيما مر من التراجم فلا حاجة إلى ~~الإعادة 224 الملك الزاهر أبو سليمان داود الملقب الملك الزاهر مجير الدين ~~ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمهم الله تعالى كان صاحب قلعة ~~البيرة التي على شاطىء الفرات وكان يحب العلماء وأهل الأدب ويقصدونه من ~~البلاد ولما ولد PageV02P257 # بمدينة القاهرة كان السلطان صلاح الدين بالشام وكان ~~الثاني عشر من أولاده فكتب إليه القاضي الفاضل رسالة يبشره بولادته ومن ~~جملتها وهذا الولد المبارك هو الموفي لاثني عشر ولدا بل لاثني عشر نجما ~~متقدا فقد زاد الله تعالى في أنجمه عن أنجم يوسف عليه السلام نجما ورآهم ~~المولى يقظة ورأى يوسف تلك الأنجم حلما ورآهم يوسف ساجدين له ورأينا الخلق ~~لهم سجودا وهو تعالى قادر أن يزيد جدود المولى إلى أن يراهم اباء وجدودا ~~وقد ألم القاضي الفاضل في اخر هذا الكلام بقول البحتري في مدح الخليفة ~~المتوكل وقد ولد له المعتز من جملة قصيدة (وبقيت حتى تستضيء برأيه * وترى ~~الكهول الشيب من أولاده) وحكى عنه جماعة أنه كان يقول من أراد أن يبصر صلاح ~~الدين فليبصرني فأنا أشبه أولاده به وكانت ولادته لسبع بقين من ذي الحجة ~~وقيل ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وهو شقيق الملك الظاهر الآتي ذكره ~~في حرف الغين المعجمة إن شاء الله تعالى وتوفي في البيرة في ليلة التاسع من ~~صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة وكنت بحلب وقد وصل نعيه إليها فتوجه ms0416 الملك ~~العزيز ابن الملك الظاهر أخيه إلى القلعة المذكورة وملكها رحمه الله تعالى ~~والبيرة بكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء ~~وبعدها هاء ساكنة وهي قلعة بقرب سميساط من ثغور الروم على الفرات من جانب ~~الجزيرة الفراتية وسميساط في بر الشام بين قلعة الروم وملطية والفرات يفصل ~~بين الجهتين PageV02P258 # 225 داود الطائي أبو سليمان داود بن نصير الطائي ~~الكوفي سمع عبد الملك بن عمير وحبيب بن أبي عمرة وسليمان الأعمش ومحمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى روى عنه إسماعيل بن عيينة ومصعب بن المقدام وأبو ~~نعيم الفضل بن دكين وغيرهم وكان داود ممن شغل نفسه بالعلم ودرس الفقه وغيره ~~من العلوم ثم اختار بعد ذلك العزلة وآثر الانفراد والخلوة فلزم العبادة ~~واجتهد فيها إلى آخر عمره وقدم بغداد في أيام المهدي ثم عاد إلى الكوفة ~~وفيها كانت وفاته قال علي بن المديني سمعت ابن عيينة يقول داود الطائي ممن ~~علم وفقه قال وكان يختلف إلى أبي حنيفة رضي الله عنه حتى تقدم في ذلك ~~الكلام قال فأخذ يوما حصاة فحذف بها إنسانا فقال له يا أبا سليمان طال ~~لسانك وطالت يدك قال فاختلف بعد ذلك سنة لا يسأل ولا يجيب فلما علم أنه ~~تصبر عمد إلى كتبه فغرقها في الفرات ثم أقبل على العبادة وتخلى وقال عبيد ~~بن جناد سمعت عطاء يقول كان لداود الطائي ثلاثمائة درهم فعاش بها عشرين سنة ~~ينفقها على نفسه قال وكنا ندخل على داود الطائي فلم يكن في بيته إلا بارية ~~ولبنة يضع عليها رأسه وإجانة فيها خبز ومطهرة يتوضأ منها ومنها يشرب وقال ~~أبو سليمان الداراني ورث داود الطائي من أمه دارا فكان يتنقل في بيوت الدار ~~كلما تخرب بيت من الدار انتقل منه إلى آخر ولم يعمره حتى أتى على عامة ~~البيوت التي في الدار قال وورث من أبيه دنانير فكان يتنفق بها حتى كفن ~~بآخرها PageV02P259 # وقال إسماعيل بن حسان جئت إلى باب داود الطائي فسمعته ~~يخاطب نفسه فظننت ms0417 أن عنده أحدا فأطلت القيام على الباب ثم استأذنت فدخلت ~~فقال ما بدا لك في الاستئذان قلت سمعتك تتكلم فظننت أن عندك أحدا قال لا ~~ولكن كنت أخاصم نفسي اشتهت البارحة تمرا فخرجت فاشتريت لها فلما جئت اشتهت ~~جزرا فأعطيت الله عهدا يقال إن لا آكل تمرا ولا جزرا حتى ألقاه وقدم محمد ~~بن قحطبة الكوفة فقال أحتاج إلى مؤدب يؤدب أولادي حافظ لكتاب الله تعالى ~~عالم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالآثار والفقه والنحو والشعر ~~وأيام الناس فقيل له ما يجمع هذه إلا داود الطائي فسير إليه بدرة عشرة آلاف ~~درهم وقال استعن بها على دهرك فردها فوجه إليه بدرتين مع غلامين مملوكين ~~وقال لهما إن قبل البدرتين فأنتما حران فمضيا بهما إليه فأبى أن يقبلهما ~~فقالا إن في قبولهما عتق رقابنا من الرق فقال لهما إني أخاف أن يكون في ~~قبولهما وهق رقبتي في النار رداهما إليه وقولا له إن ردهما على من أخذهما ~~منه أولى من أن يعطيني أنا وكان حائطه قد تصدع فقيل له لو أمرت به فقال ~~كانوا يكرهون فضول النظر وقيل إنه صام أربعين سنة ما علم به أحد من أهله ~~فكان يحمل غداءه معه ويتصدق به في الطريق ويرجع إلى أهله يفطر عشاء ولا ~~يعلمون أنه صائم وقال له رجل ألا تسرح لحيتك قال إني عنها مشغول وقيل احتجم ~~داود فدفع إلى الحجام عشرة دراهم فقيل له هذا سرف فقال لا عبادة لمن لا ~~مروءة عنده وقالت أخته لو تنحيت عن الشمس فقال هذه خطي لا أدري كيف تكتب ~~قال أبو الربيع الأعرج دخلت على داود الطائي بيته بعد المغرب فقرب لي ~~PageV02P260 # كسيرات يابسة فعطشت فقمت إلى دن فيه ماء حار فقلت رحمك ~~الله لو اتخذت دنا غيرهذا يكون فيه الماء باردا فقال لي إذا كنت لا أشرب ~~إلا باردا ولا آكل إلا طيبا ولا ألبس إلا لينا فما أبقيت لآخرتي قال قلت له ~~أوصني قال صم عن الدنيا واجعل إفطارك ms0418 فيها الموت وفر من الناس فرارك من ~~السبع وصاحب أهل التقوى إن صحبت فإنهم أخف مؤونة وأحسن معونة ولا تدع ~~الجماعة حسبك هذا إن عملت به وقال داود الطائي ما حسدت أحدا على شيء إلا أن ~~يكون رجلا يقوم الليل فإني أحب أن أرزق وقتا من الليل قال أبو خالد وبلغني ~~أنه كان لا ينام الليل إذا غلبته عيناه احتبى قاعدا ومكث عشرين سنة لا يرفع ~~رأسه إلى السماء وقدم هارون الرشيد الكوفة فكتب قوما من القراء فأمر لكل ~~واحد منهم بألفي درهم فكان داود الطائي ممن كتب فيهم ودعي باسمه أين داود ~~الطائي فقالوا داود يجيبكم أرسلوا اليه قال ابن السماك وحماد بن أبي حنيفة ~~نحن نذهب اليه قال ابن السماك لحماد في الطريق إذا نحن دخلنا عليه فانثرها ~~بين يديه فإن للعين حظها فقال حماد رجل ليس عنده شيء يؤمر له بألفي درهم ~~يردها فلما دخلوا عليه فنثروها بين يديه قال سوءة إنما يفعل هذا بالصبيان ~~وأبى أن يقبلها قال حماد بن أبي حنيفة إن مولاة كانت لداود تخدمه قالت لو ~~طبخت لك دسما تأكله فقال وددت فطبخت له دسما ثم أتته به فقال لها ما فعل ~~أيتام بنى فلان قالت على حالهم قال اذهبي بهذا إليهم فقالت أنت لم تأكل ~~أدما منذ كذا وكذا فقال إن هذا إذا أكلوه صار إلى العرش وإذا أكلته صار إلى ~~الحش فقالت له يا سيدي أما تشتهي الخبز قال يا داية بين مضغ الخبز وشرب ~~الفتيت قراءة خمسين آية وقال محارب بن دثار لو كان داود في الأمم الماضية ~~لقص الله تعالى شيئا من خبره توفي داود سنة ستين وقيل سنة خمس وستين ومائة ~~رحمه الله تعالى PageV02P261 # ولما مات جاء ابن السماك ووقف على قبره ثم قال أيها ~~الناس إن أهل الزهد في الدنيا تعجلوا الراحة على أبدانهم مع يسير الحساب ~~غدا عليهم وإن أهل الزهد فيها تعجلوا التعب على أبدانهم مع ثقل الحساب غدا ~~عليهم والزهادة راحة لصاحبها في لدنيا ms0419 والآخرة والرغبة تعب لصاحبها في ~~الدنيا والآخرة رحمك الله أبا سليمان ما كان أعجب شأنك ألزمت نفسك الصبر ~~حتى قومتها أجعتها وإنما تريد شبعها وأظمأتها وإنما تريد ريها أخشنت المطعم ~~وإنما تريد طيبه أخشنت الملبس وإنما تريد لينه أبا سليمان أما كنت تشتهي من ~~الطعام طيبه ومن الماء بارده ومن اللباس لينه بلى ولكن أخرت ذلك لما بين ~~يديك فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت وما إليه رغبت فما أيسر ما ضيعت وأحقر ~~ما فعلت في جنب ما أملت فمن سعى مثلك عزم عزمك وصبر صبرك آنس ما يكون إذا ~~كنت بالله خاليا وأوحش ما يكون آنس ما يكون الناس سمعت الحديث وتركت الناس ~~يحدثون وتفهمت في دين الله وتركتهم يفتون لا تقبل من السلطان عطية ولا من ~~الإخوان هدية سجنت نفسك في بيتك فلا محدث لك ولا ستر على بابك فلو رأيت ~~جنازتك وكثرة تابعك علمت أنه قد شرفك وأكرمك وألبسك رداء عملك فلو لم يرغب ~~عبد في الزهد في الدنيا إلا لمحبة هذا الستر الجميل والتابع الكثير لكان ~~حقيقا بالاجتهاد فسبحان من لا يضيع مطيعا ولا ينسى لأحد صنيعا وقيل إن ابن ~~السماك لما قام على قبر داود قال رحمك الله يا داود كنت تسهر ليلك والناس ~~نائمون وكنت تربح إذ الناس يخسرون فقال الناس جميعا صدقت وكنت تسلم إذ ~~الناس يخوضون فقال الناس جميعا صدقت حتى عدد فضائله كلها ولما فرغ قام أبو ~~بكر النهشلي فحمد الله ثم قال يا رب إن الناس قد قالوا ما عندهم مبلغ ما ~~علموا اللهم فاغفر له برحمتك ولا تكله إلى عمله وفرغ من دفنه وقام الناس ~~قال جعفر بن نفيل الرهبي رأيت داود الطائي بعد موته فقلت له كيف رأيت خير ~~الآخرة قال رأيت خيرها كثيرا قلت فماذا صرت إليه قال PageV02P262 # صرت إلى خير الحمد لله قال فقلت له هل لك من علم ~~بسفيان بن سعيد فقال كان يحب الخير وأهله فرقاه الخير إلى درجة أهل الخير ~~226 دبيس ms0420 بن صدقة أبو الأغر دبيس بن سيف الدولة أبي الحسن صدقة بن منصور بن ~~دبيس بن علي بن مزيد الأسدي الناشري الملقب نور الدولة ملك العرب صاحب ~~الحلة المزيدية كان جوادا كريما عنده معرفة بالأدب والشعر وتمكن في خلافة ~~الإمام المسترشد واستولى على كثير من بلاد العراق وهو من بيت كبير وسيأتي ~~ذكر أبيه وأجداده في حرف الصاد إن شاء الله تعالى ودبيس المذكور هو الذي ~~عناه ابن الحريري صاحب المقامات في المقامة التاسعة والثلاثين بقوله أو ~~الأسدي دبيس لأنه كان معاصره كما نذكره في حرف القاف إن شاء الله تعالى ~~فرام التقرب إليه بذكره في مقاماته ولجلالة قدره أيضا وله نظم حسن ورأيت ~~العماد الكاتب في الخريدة وابن المستوفي في تاريخ إربل وغيرهما قد نسبوا ~~إليه الأبيات اللامية التي من جملتها PageV02P263 # (أسلمه حب سليمانكم * إلى هوى أيسره القتل) ورأيت ابن ~~بسام صاحب كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة قد ذكرها لابن رشيق القيرواني ~~وقد ذكرتها في ترجمته في حرف الحاء والظاهر أنها لابن رشيق لأن ابن بسام ~~ذكر في الذخيرة أنه ألفها في سنة اثنتين وخمسمائة وفي هذا التاريخ كان دبيس ~~شابا ويبعد أن يصل شعره في ذلك السن إلى الأندلس وينسب إلى مثل ابن رشيق مع ~~معرفة ابن بسام بأشعار أهل المغرب وذكر ابن المستوفي في تاريخه أن بدران ~~أخا دبيس كتب إلى أخيه المذكور وهو نازح عنه (ألا قل لمنصور وقل لمسيب * ~~وقل لدبيس إنني لغريب) (هنيئا لكم ماء الفرات وطيبه * إذا لم يكن لي في ~~الفرات نصيب) فكتب إليه دبيس (ألا قل لبدران الذي حن نازعا * إلى أرضه ~~والحر ليس يخيب) (تمتع بأيام السرور فإنما * عذار الأماني بالهموم يشيب) ~~(ولله في تلك الحوادث حكمة * وللأرض من كأس الكرام نصيب) 39 وذكر غير ابن ~~المستوفي أن بدران بن صدقة المذكور لقبه تاج الملوك ولما قتل أبوه تغرب عن ~~بغداد ودخل الشام فأقام بها مدة ثم توجه إلى مصر ومات بها في سنة ثلاثين ~~وخمسمائة وكان يقول الشعر ms0421 وذكره العماد الكاتب الأصفهاني في كتاب الخريدة ~~وكان دبيس في خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي وهم نازلون ~~على باب المراغة من بلاد أذربيجان ومعهم الإمام المسترشد بالله لسبب ~~PageV02P264 # سنذكره في ترجمة مسعود المذكور إن شاء الله تعالى ~~فيقال إن السلطان دس عليه جماعة من الباطنية فهجموا خيمته أعني المسترشد ~~بالله وقتلوه يوم الخميس الثامن والعشرين وقال ابن المستوفي الرابع عشر من ~~ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة وخاف أن تنسب القضية إليه وأراد أن تنسب ~~إلى دبيس المذكور فتركه إلى أن جاء إلى الخدمة وجلس على باب خيمة السلطان ~~فسير بعض مماليكه فجاءه من ورائه وضرب رأسه بالسيف فأبانه وأظهر السلطان ~~بعد ذلك أنه إنما فعل هذا انتقاما منه بما فعل في حق الإمام وكان ذلك بعد ~~قتل الإمام بشهر رحمه الله تعالى وذكر المأموني في تاريخه أنه قتل في رابع ~~عشر ذي الحجة من السنة المذكورة على باب خوي وكان قد أحس بتغير رأي السلطان ~~فيه منذ قتل المسترشد وعزم على الهرب مرارا وكانت المنية تثبطه وذكر ابن ~~الأزرق في تاريخه أن قتله كان على باب تبريز وأنه لما قتل حمل إلى ماردين ~~إلى زوجته كهارخاتون فدفن بالمشهد عند نجم الدين إيلغازي صاحب ماردين ~~والدكهارخاتون المذكورة ثم تزوج السلطان المذكور ابنة دبيس المذكور وأمها ~~شرف خاتون ابنة عميد الدولة بن فخر الدولة محمد بن جهير وأم شرف خاتون ~~المذكورة زبيدة بنت الوزير نظام الملك وسيأتي ذكر ذلك في ترجمة فخر الدولة ~~بن جهير إن شاء الله تعالى والناشري بفتح النون وبعد الألف شين معجمة ~~مكسورة وبعدها راء ثم ياء هذه النسبة إلى ناشرة بن نصر بطن من أسد بن خزيمة ~~PageV02P265 # 227 دعبل أبو علي دعبل بن علي بن رزين بن سليمان ~~الخزاعي الشاعر المشهور وذكر صاحب الأغاني أنه دعبل بن علي بن رزين بن ~~سليمان بن تميم بن نهل وقيل بهنس بن خراش بن خالد بن دعبل بن أنس بن خزيمة ~~بن سلامان بن أسلم ابن ms0422 أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر مزيقيا ويكنى أبا علي ~~وقال الخطيب البغدادي في تاريخه هو دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد ~~الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي أصله من الكوفة ويقال من قرقيسيا وأقام ~~ببغداد وقيل إن دعبلا لقب واسمه الحسن وقيل عبد الرحمن وقيل محمد وكنيته ~~أبو جعفر والله أعلم [ويقال إنه كان أطروشا وفي قفاه سلعة كان شاعرا مجيدا ~~إلا أنه كان بذي اللسان مولعا بالهجو والحط من أقدار الناس وهجا الخلفاء ~~فمن دونهم وطال عمره فكان يقول لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي أدور على ~~من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك ولما عمل في إبراهيم بن المهدي المقدم ~~ذكره الأبيات التي أثبتها في ترجمته وأولها (نعر ابن شكلة بالعراق وأهله * ~~فهفا إليه كل أطلس مائق) PageV02P266 # دخل إبراهيم على المأمون فشكا إليه حاله وقال يا أمير ~~المؤمنين إن الله سبحانه وتعالى فضلك في نفسك علي وألهمك الرأفة والعفو عني ~~والنسب واحد وقد هجاني دعبل فانتقم لي منه فقال المأمون ما قال لعل قوله ~~(نعر ابن شكلة بالعراق *) وأنشد الأبيات فقال هذا من بعض هجائه وقد هجاني ~~بما هو أقبح من هذا فقال المأمون لك أسوة بي فقد هجاني واحتملته وقال في ~~(أيسومني المأمون خطة جاهل * أو ما رأى بالأمس رأس محمد) (إني من القوم ~~الذين سيوفهم * قتلت أخاك وشرفتك بمقعد) (شادوا بذكرك بعد طول خموله * ~~واستنقذوك من الحضيض الأوهد) فقال إبراهيم زادك الله حلما يا أمير المؤمنين ~~وعلما فما ينطق أحدنا إلا عن فضل علمك ولا يحلم إلا اتباعا لحلمك وأشار ~~دعبل في هذه الأبيات إلى قضية طاهر بن الحسين الخزاعي الآتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى وحصاره بغداد وقتله الأمين محمد بن الرشيد وبذلك ولي المأمون ~~الخلافة والقصة مشهورة ودعبل خزاعي فهو منهم وكان المأمون إذا أنشد هذه ~~الأبيات يقول قبح الله دعبلا فما أوقحه كيف يقول عني هذا وقد ولدت في حجر ~~الخلافة ورضعت ثديها وربيت في مهدها ms0423 ومثل هذا الحلم بل أعظم ما حكي عن ~~الواثق أنه كان يحب الباذنجان ويكثر من أكله ومعظم الرمد بالعراق من أكل ~~الباذنجان لحر الإقليم والسوداء المتولدة من أكله فبعث إليه أبوه المعتصم ~~وقال له دع أكل الباذنجان واحفظ بصرك فمتى رأيت خليفة أعمى فقال للرسول قل ~~لأمير المؤمنين إني تصدقت بعيني على الباذنجان ثم رمد رمدة صعبة ما تخلص ~~منها إلا وعلى إحدى عينيه بياض كاد PageV02P267 # يسدها وكان المسدود الشاعر قد هجا الواثق وهو ولي عهد ~~أبيه وسمي المسدود لجسم سد منخريه فعمل (من المسدود في الأنف * إلى المسدود ~~في العين) (فيا طبلا له رأس * ويا طبلا برأسين) فلما كان يوم تفرقة العطاء ~~كتب المسدود مستحقه في ورقة وجعلها في عمامته مع ورقة الهجو ثم دخل على ~~الخليفة فناوله ورقة الهجو فقرأها وضحك وقال خذ هذه وهات ورقة المستحق ولا ~~تعد في مثل هذا وقضى حاجته وكان بين دعبل ومسلم بن الوليد الأنصاري اتحاد ~~كثير وعليه تخرج دعبل في الشعر فاتفق أن ولي مسلم جهة في بعض بلاد خراسان ~~أو فارس ثم إني ظفرت بالجهة التي تولاها مسلم وهي جرجان من ناحية خراسان ~~ولاه إياها الفضل بن سهل الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فقصده دعبل لما ~~يعلمه من الصحبة التي بينهما فلم يلتفت مسلم إليه ففارقه وعمل (غششت الهوى ~~حتى تداعت أصوله * بنا وابتذلت الوصل حتى تقطعا) (وأنزلت من بين الجوانح ~~والحشا * ذخيرة ود طالما قد تمنعا) (فلا تعذلني ليس لي فيك مطمع * تخرقت ~~حتى لم أجد لك مرقعا) (وهبك يميني أستأكلت فقطعتها * وصبرت قلبي بعدها ~~فتشجعا) ومن شعره في الغزل (لا تعجبي يا سلم من رجل * ضحك المشيب برأسه ~~فبكى) (يا ليت شعري كيف نومكما * يا صاحبي إذا دمي سفكا) PageV02P268 # (لا تأخذا بظلامتي أحدا * قلبي وطرفي في دمي اشتركا) ~~ومن شعره في مدح المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي أمير مصر (زمني بمطلب ~~سقيت زمانا * ما كنت إلا روضة وجنانا) (كل الندى إلا نداك تكلف * لم أرض ms0424 ~~غيرك كائنا من كانا) (أصلحتني بالبر بل أفسدتني * وتركتني أتسخط الإحسانا) ~~ومن كلامه من فضل الشعر أنه لم يكذب أحد قط إلا اجتواه الناس إلا الشاعر ~~فإنه كلما زاد كذبه زاد المدح له ثم لا يقنع له بذلك حتى يقال له أحسنت ~~والله فلا يشهد له شهادة زور إلا ومعها يمين الله تعالى وقال دعبل كنا يوما ~~عند سهل بن هارون الكاتب البليغ وكان شديد البخل فأطلنا الحديث واضطره ~~الجوع إلى أن دعا بغدائه فأتي بقصعة فيها ديك عاس هرم لا تخرقه سكين ولا ~~يؤثر فيه ضرس فأخذ كسرة خبز فخاض بها مرقته وقلب جميع ما في القصعة ففقد ~~الرأس فبقي مطرقا ساعة ثم رفع رأسه وقال للطباخ أبن الرأس فقال رميت به قال ~~ولم قال ظننت أنك لا تأكله فقال لبئس ما ظننت ويحك والله إني لأمقت من يرمي ~~برجليه فكيف من يرمي رأسه والرأس رئيس وفيه الحواس الأربع ومنه يصيح ولولا ~~صوته لما فضل وفيه فرقه الذي يتبرك به وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل ~~فيقال شراب كعين الديك ودماغه عجب لوجع الكليتين ولم ير عظم قط أهش من عظم ~~رأسه أو ما علمت أنه PageV02P269 # خير من طرف الجناح ومن الساق ومن العنق فإن كان قد بلغ ~~من نبلك أنك لا تأكله فانظر أين هو قال والله لا أدري أين هو رميت به قال ~~لكني أدري أبن هو رميت به في بطنك فالله حسبك ودعبل ابن عم أبي جعفر محمد ~~بن عبد الله بن رزين الملقب أبا الشيص الخزاعي الشاعر المشهور وكان أبو ~~الشيص من مداح الرشيد ولما مات رثاه ومدح ولده الأمين وكانت ولادة دعبل في ~~سنة ثمان وأربعين ومائة وتوفي سنة ست وأربعين ومائتين بالطيب وهي بلدة بين ~~واسط العراق وكور الأهواز رحمه الله تعالى وجده رزين مولى عبد الله بن خلف ~~الخزاعي والد طلحة الطلحات وكان عبد الله المذكور كاتب عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه على ديوان الكوفة وولي طلحة سجستان فمات بها رحمه ms0425 الله تعالى ولما ~~مات دعبل وكان صديق البحتري وكان أبو تمام الطائي قد مات قبله كما تقدم ~~رثاهما البحتري بأبيات منها (قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي * مثوى حبيب يوم ~~مات ودعبل) (أخوي لا تزل السماء مخيلة * تغشاكما بسماء مزن مسبل) (جدث على ~~الأهواز يبعد دونه * مسرى النعي ورمة بالموصل) ودعبل بكسر الدال وسكون ~~العين المهملتين وكسر الباء الموحدة وبعدها لام وهو اسم الناقة الشارف وكان ~~يقول مررت يوما برجل قد أصابه الصرع فدنوت منه وصحت في أذنه بأعلى صوتي ~~دعبل فقام يمشي كأنه لم يصبه شيء PageV02P270 # 228 دعلج بن أحمد دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن ~~السجستاني المعدل سمع الحديث ببلاد خراسان والري وحلوان وبغداد والبصرة ~~والكوفة ومكة وكان من ذوي اليسار وله صدقات جارية وأوقاف محبسة على أهل ~~الحديث ببغداد ومكة وسجستان وجاور بمكة زمانا طويلا ثم سكن بغداد واستوطنها ~~وحدث بها عن محمد بن عمر الحرسي ومحمد بن النضر الجارودي وغيرهما وروى عنه ~~الدارقطني أبو الحسن وغيره من شيوخ الخطيب وكان ثقة وجمع له المسند وغير ~~ذلك قال الخطيب بلغني أنه بعث بكتابه المسند إلى أبي العباس ابن عقدة لينظر ~~فيه وجعل في الأجزاء بين كل ورقتين دينارا وكان يقول ليس في الدنيا مثل ~~داري وذلك أنه ليس في الدنيا مثل بغداد ولا في بغداد مثل القطيعة ولا في ~~القطيعة مثل درب أبي خلف ولا في درب أبي خلف مثل داري قال الخطيب حدثني أبو ~~بكر محمد بن علي بن عبد الله الحداد وكان من أهل الدين والقرآن والصلاح عن ~~شيخ سماه وذهب عني حفظ اسمه قال حضرت يوم جمعة المسجد الجامع بمدينة ~~المنصور فرأيت رجلا بين يدي في الصف حسن الوقار ظاهر الخشوع دائم الصلاة لم ~~يزل يتنقل مذ دخل المسجد إلى أن قرب قيام الصلاة ثم جلس قال فغلبتني هيبته ~~ودخل قلبي محبته ثم أقيمت الصلاة فلم يصل مع الناس الجمعة فكبر علي ذلك من ~~أمره وتعجبت من حاله وغاظني فعله فلما قضيت ms0426 الصلاة تقدمت إليه وقلت ~~PageV02P271 # أيها الرجل ما رأيت أعجب من أمرك أطلت النافلة ~~وأحسنتها وتركت الفريضة وضيعتها فقال يا هذا إن لي عذرا وبي علة منعتني من ~~الصلاة قلت وما هي قال أنا رجل علي دين اختفيت في منزلي مدة بسببه ثم حضرت ~~اليوم الجامع للصلاة فقبل أن تقام التفت فرأيت صاحب الدين فمن خوفه أحدثت ~~في ثيابي فهذا خبري فأسألك بالله إلا سترت علي وكتمت أمري فقلت ومن الذي له ~~عليك الدين قال دعلج بن أحمد وكان إلى جانبه صاحب لدعلج قد صلى وهو لا ~~يعرفه فسمع هذا القول ومضى في الوقت إلى دعلج فذكرله القصة فقال له دعلج ~~امض إلى الرجل واحمله إلى الحمام واطرح عليه خلعة من ثيابي وأجلسه في منزلي ~~حتى أنصرف من الجامع ففعل الرجل ذلك فلما انصرف دعلج إلى منزله أمر بالطعام ~~فأحضر وأكل هو والرجل ثم أخرج حسابه فنظر فيه فإذا له عليه خمسة آلاف درهم ~~فقال له انظر لا يكون عليك في الحساب غلط أو نسي لك نقد فقال الرجل لا فضرب ~~دعلج على حسابه وكتب تحته علامة الوفاء ثم أحضر الميزان ووزن خمسة آلاف ~~درهم وقال له أما الحساب الأول فقد حاللناك مما بيننا وبينك فيه وأسألك أن ~~تقبل هذه الخمسة آلاف درهم وتجعلنا في حل من الروعة التي دخلت قلبك برؤيتك ~~إيانا في مسجد الجامع أو كما قال وكانت وفاة دعلج المذكور يوم الجمعة لإحدى ~~عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وقيل لعشر بقين ~~منها رحمه الله تعالى PageV02P272 # 229 أبو بكر الشبلي أبو بكر دلف بن جحدر وقيل جعفر ~~وقيل جعفر بن يونس وهكذا هو مكتوب على قبره المعروف بالشبلي الصالح المشهور ~~الخراساني الأصل البغدادي المولد والمنشأ كان جليل القدر مالكي المذهب وصحب ~~الشيخ أبا القاسم الجنيد ومن في عصره من الصلحاء رضي الله عنهم وكان في ~~مبدأ أمره واليا في دنباوند فلما تاب في مجلس خير النساج مضى إليها وقال ~~لأهلها كنت والي بلدكم فاجعلوني ms0427 في حل ومجاهداته في أول أمره فوق الحد ~~ويقال إنه اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه نوم وكان يبالغ ~~في تعظيم الشرع المطهر وكان إذا دخل شهر رمضان المبارك جد في الطاعات ويقول ~~هذا شهر عظمه ربى فأنا أولى بتعظيمه وكان في آخر عمره ينشد كثيرا (وكم من ~~موضع لو مت فيه * لكنت به نكالا في العشيرة) ودخل يوما على شيخه الجنيد ~~فوقف بين يديه وصفق بيديه وأنشد (عودوني الوصال والوصل عذب * ورموني بالصد ~~والصد صعب) (زعموا حين ازمعوا أن ذنبي * فرط حبي لهم وما ذاك ذنب) (لا وحق ~~الخضوع عند التلاقى * ما جزا من يحب إلا يحب) قال فأجابه الجنيد ~~PageV02P273 # (وتمنيت أن أراك * فلما رأيتكا) (غلبت دهشة السرور * ~~فلم أملك البكا) حدث أحمد بن منصور بن نصر قال جاء الشبلي يوما إلى أبي بكر ~~ابن مجاهد فلم يجده في مسجده فسأل عنه فقيل هو عند علي بن المجوسي فلما دخل ~~وقعدنا قال له أبو بكر ابن مجاهد يا أبا بكر أخبرت أنك تحرق الثياب والخبز ~~والأطعمة وما ينتفع الناس فيه أين هذا من العلم والشرع فقال له يقول الله * ~~(فطفق مسحا بالسوق والأعناق) * (ص: 33) أين هذا من العلم فسكت أبو بكر ابن ~~مجاهد فقال كأني ما قرأتها قط وقيل إنهم عابثوه في مثله فقرأ * (إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم) * الأنبياء 98 هذه الأطعمة والشهوات حقيقة ~~الخلق ومعبودهم أبرأ منه وأحرقه ومن أناشيده (ودادكم هجر وحبكم قلى * ~~ووصلكم سلم وسلمكم حرب) وحكي عن بعض المعترفين أنه أنس إلى طريقة التصوف ~~واستشرف وشاور أبا بكر فرده عماأراده وحذره التعرض له وعطفته الخواطر عليه ~~فمال إلى قرين من هذه الطائفة فعلق بهم واتصل بجملتهم ثم صحب جماعة منهم ~~متوجها إلى الحج فعجز في بعض الطريق من مسايرتهم وقصر عن اللحاق فمضوا ~~وتخلف عنهم فاستند إلى بعض الرمال إرادة الاستراحة من الإعياء فمر به الشيخ ~~المذكور فقال مخاطبا له (إن الذين بخير كنت أذكرهم * قضوا عليك وعنهم ms0428 كنت ~~أنهاكا) فقال له الفتى ما أصنع الان فقال له (لا تطلبن حياة غير حبهم * ~~فليس يحييك إلا من توفاكا) PageV02P274 # قال محمد بن إبراهيم حضرت وفاة الشبلي فأمسك لسانه ~~وعرق جبينه فأشار إلى وضوء الصلاة فوضأته وبقي تخليل لحيته فقبض على يدي ~~وأدخل إصبعي في لحيته يخللها فبكيت وقلت رجل لم يذهب عليه تخليل لحيته في ~~الوضوء عند نزع روحه وإمساك لسانه ودخل عليه أبو الفتح ابن شفيع عائدا في ~~مرضه فسمعه يقول (صح عند الناس أني عاشق * غير أن لم يعلموا عشقي لمن) قال ~~أبو بكر الشبلي جئت يوما إلى باب الطاق فرأيت والدة تضرب ولدها فقلت لها ~~لهذا حرمة فقال الصبي معارضتك بيني وبين والدتي أشد علي من ضربها أرأيت ~~أحدا يضرب ولده إلا من محبته إياه إنما ضرب الوالدين تأديب وشفقة وفرط محبة ~~قال الشبلي فكأني كنت المقصود بهذه المخاطبة فانصرفت عنهما وأنا أقول (لبيك ~~تصديقا أيا سيدي * من الذي يألم من عثرتك) وحكى الخطيب في تاريخه قال أبو ~~الحسن التميمي دخلت على أبي بكر في داره يوما وهو يهيج ويقول (على بعدك ما ~~يصبر * من عادته القرب) (ولا يقوى على هجرك * من تيمه الحب) (فإن لم ترك ~~العين * فقد يبصرك القلب) وذكر الخطيب أيضا في ترجمة أبي سعد إسماعيل بن ~~علي الواعظ ما مثاله وأنشدنا أبو سعد قال أنشدنا طاهر الخثعمي قال أنشدني ~~الشبلي لنفسه PageV02P275 # (مضت الشبيبة والحبيبة فانبرى * دمعان في الأجفان ~~يزدحمان) (ما أنصفتني الحادثات رمينني * بمودعين وليس لي قلبان) وقال ~~الشبلي أيضا رأيت يوم الجمعة معتوها عند جامع الرصافة قائما عريان وهو يقول ~~أنا مجنون الله أنا مجنون الله فقلت له لم لا تدخل الجامع وتتوارى وتصلي ~~فأنشد (يقولون زرنا واقض واجب حقنا * وقد أسقطت حالي حقوقهم عني) (إذا ~~أبصروا حالي ولم يأنفوا لها * ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني) وكانت وفاته ~~يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ببغداد ~~ودفن في مقبرة الخيزران وعمره سبع وثمانون سنة رحمه الله ms0429 تعالى ويقال إنه ~~مات سنة خمس وثلاثين والأول أصح ويقال إن مولده بسر من رأى والشبلي بكسر ~~الشين وسكون الباء الموحدة وبعدها لام وهذه النسبة إلى شبلة وهي قرية من ~~قرى أسر وشنة واسروشنة بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الراء وسكون ~~الواو وفتح الشين المعجمة وفتح النون وبعدها هاء ساكنة وهي بلدة عظيمة وراء ~~سمرقند من بلاد ما وراء النهر ودنبا وند بضم الدال المهملة وسكون النون ~~وفتح الباء الموحدة وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة ~~وهي ناحية من رستاق الري في الجبال وبعضهم يقول دماوند والأول أصح حرف ~~الذال PageV02P276 # 230 ذو القرنين ابن حمدان أبو المطاع ذو القرنين ابن ~~أبي المظفر حمدان بن ناصر الدولة أبي محمد الحسن ابن عبد الله بن حمدان ~~التغلبي الملقب وجيه الدولة وقد تقدم ذكر جده ناصر الدولة في حرف الحاء ~~ورفعت هناك في نسبه فأغنى عن إعادته كان أبو المطاع المذكور شاعرا ظريفا ~~حسن السبك جميل المقاصد ومن شعره قوله (إني لأحسد لا في أسطر الصحف * إذا ~~رأيت اعتناق اللام للألف) (وما أظنهما طال اعتناقهما * إلا لما لقيا من شدة ~~الشغف) وله أيضا (أفدي الذي زرته بالسيف مشتملا * ولحظ عينيه أمضى من ~~مضاربه) (فما خلعت نجادي في العناق له * حتى لبست نجادا من ذوائبه) (فكان ~~أسعدنا في نيل بغيته * من كان في الحب أشقانا بصاحبه) وأورد له الثعالبي في ~~اليتيمة الأبيات التي تقدم ذكرها في ترجمة الشريف أبي القاسم أحمد بن ~~طباطبا العلوي التي أولها (قالت لطيف خيال زارني ومضى * بالله صفه ولا تنقص ~~ولا تزد) PageV02P279 # وذكر في ترجمة أبي المطاع أنها له وفي ترجمة الشريف ~~أنها له والله أعلم لمن هي منهما وله أيضا (لما التقينا معا والليل يسترنا ~~* من جنحه أظلم في طيها نعم) (بيتنا أعف مبيت باته بشر * ولا مراقب إلا ~~الطرف والكرم) (فلا مشى من وشى عند العدو بنا * ولاسعت بالذي يسعى بنا قدم) ~~وله أيضا (لو كنت ساعة بيننا ما بيننا * فشهدت حين ms0430 نكرر التوديعا) (أيقنت ~~أن من الدموع محدثا * وعلمت أن من الحديث دموعا) وقوله (ترى الثياب من ~~الكتان يلمحها * نور من البدر أحيانا فيبليها) (فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ~~* والبدر في كل وقت طالع فيها) وللشريف الرضي في المعنى (كيف لا تبلى ~~غلالته * وهو بدر وهي كتان) ومن المنسوب إليه (تقول لما رأتني * نضوا كمثل ~~الخلال) (هذا اللقاء منام * وأنت طيف خيال) (فقلت كلا ولكن * أساء بينك ~~حالي) (فليس تعرف مني * حقيقتي من محالي) PageV02P280 # وله أشعار كثيرة حسنة ولعبد العزيز بن نباته الشاعر ~~المشهور في أبيه مدائح جمة وتوفي أبو المطاع في صفر سنة ثمان وعشرين ~~وأربعمائة وكان قد وصل إلى مصر في أيام الظاهر بن الحاكم العبيدي صاحبها ~~فقلده ولاية الإسكندرية وأعمالها في رجب سنة أربع عشرة وأربعمائة وأقام بها ~~مقدار سنة ثم رجع إلى دمشق هكذا قاله المسبحي في تاريخه حرف الراء ~~PageV02P281 # 231 رابعة العدوية أم الخير رابعة ابنة إسماعيل ~~العدوية البصرية مولاة آل عتيك الصالحة المشهورة كانت من أعيان عصرها ~~وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة وذكر أبو القاسم القشيري في الرسالة ~~أنها كانت تقول في مناجاتها إلهي تحرق بالنار قلبا يحبك فهتف بها مرة هاتف ~~ما كنا نفعل هذا فلا تظني بنا ظن وقال يوما عندها سفيان الثوري واحزناه ~~فقالت لا تكذب بل قل واقلة حزناه لو كنت محزونا لم يتهيأ لك أن تتنفس وقال ~~بعضهم كنت أدعو لرابعة العدوية فرأيتها في المنام تقول هداياك تأتينا على ~~أطباق من نور مخمرة بمناديل من نور وكانت تقول ما ظهر من أعمالي فلا أعده ~~شيئا ومن وصاياها اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم وقالت لأبيها يا أبه ~~لست أجعلك في حل من حرام تطعمنيه فقال لها أرأيت إن لم أجد إلا حراما قالت ~~نصبر في الدنيا على الجوع خير من أن نصبر في الآخرة على النار وكانت إذا جن ~~عليها الليل قامت إلى سطح لها ثم نادت إلهي هدأت الأصوات وسكنت الحركات ~~وخلا كل حبيب بحبيبه وقد خلوت بك PageV02P285 # أيها المحبوب ms0431 فاجعل خلوتي منك في هذه الليلة عتقي من ~~النار ولقي سفيان الثوري رابعة وكانت زرية الحال فقال لها يا أم عمرو أرى ~~حالا رثة فلو أتيت جارك فلانا لغير بعض ما أرى فقالت له يا سفيان وما ترى ~~من سوء حالي ألست على الإسلام فهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر ~~معه والأنس الذي لا وحشة معه والله إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملكها ~~فكيف أسألها من لا يملكها فقام سفيان وهو يقول ما سمعت مثل هذا الكلام ~~وقالت رابعة لسفيان إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ويوشك إذا ~~ذهب البعض أن يذهب الكل وأنت تعلم فاعمل كان أبو سليمان الهاشمي له بالبصرة ~~كل يوم غلة ثمانين ألف درهم فبعث إلى علماء البصرة يستشيرهم في امرأة ~~يتزوجها فأجمعوا على رابعة العدوية فكتب إليها أما بعد فإن ملكي من غلة ~~الدنيا في كل يوم ثمانون ألف درهم وليس يمضي إلا قليل حتى أتمها مائة ألف ~~إن شاء الله وأنا أخطبك نفسك وقد بذلت لك من الصداق مائة ألف وأنا مصير ~~إليك من بعد أمثالها فأجيبيني فكتبت إليه أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة ~~القلب والبدن والرغبة فيها تورث الهم والحزن فإذا أتاك كتابي فهي زادك وقدم ~~لمعادك وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك وصم دهرك واجعل الموت فطرك ~~فما يسرني يقال إن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفه عين ~~والسلام وقالت امرأة لرابعة إني أحبك في الله فقالت لها أطيعي من أحببتني ~~له وكانت رابعة تقول اللهم قد وهبت لك من ظلمني فاستوهبني ممن ظلمته قال ~~رجل لرابعة إني أحبك في الله قالت فلا تعص الذي أحببتني له وأورد لها الشيخ ~~شهاب الدين السهروردي في كتاب عوارف المعارف (إني جعلتك في الفؤاد محدثي * ~~وأبحت جسمي من أراد جلوسي) PageV02P286 # (فالجسم مني للجليس مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد ~~أنيسي) وكانت وفاتها في سنة خمس وثلاثين ومائة ذكره ابن الجوزي في ms0432 شذور ~~العقود وقال غيره سنة خمس وثمانين ومائة رحمها الله تعالى وقبرها يزار وهو ~~بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمى الطور وذكر ابن الجوزي في كتاب صفة ~~الصفوة في ترجمة رابعة المذكورة بإسناد له متصل إلى عبدة بنت أبي شوال قال ~~ابن الجوزي وكانت من خيار إماء الله تعالى وكانت تخدم رابعة قالت كانت ~~رابعة تصلي الليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر ~~الفجر فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة يا نفس كم تنامين ~~وإلى كم تقومين يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور ~~وكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت ولما حضرتها الوفاة دعتني وقالت يا عبدة لا ~~تؤذني بموتي أحدا وكفنيني في جبتي هذه وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا ~~هدأت العيون قالت فكفناها في تلك الجبة وفي خمار صوف كانت تلبسه ثم رأيتها ~~بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة إستبرق خضراء وخمار من سندس أخضر ~~لم أر شيئا قط أحسن منه فقلت يا رابعة ما فعلت بالجبة التي كفناك فيها ~~والخمار الصوف قالت إنه والله نزع عني وأبدلت به ما ترينه علي فطويت أكفاني ~~وختم عليها ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة فقلت لها لهذا ~~كنت تعملين أيام الدنيا فقالت وما هذا عندما رأيت من كرامة الله عز وجل ~~لأوليائه فقلت لها فما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب فقالت هيهات هيهات سبقتنا ~~والله إلى PageV02P287 # الدرجات العلا فقلت وبم وقد كنت عند الناس أي أكبر ~~منها قالت إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا وأمست فقلت لها ~~فما فعل أبو مالك أعني ضيغما قالت يزور الله عز وجل متى شاء قلت فما فعل ~~بشر بن منصور قالت بخ بخ أعطي والله فوق ما كان يؤمل قلت فمريني بأمر أتقرب ~~به إلى الله عز وجل قالت عليك بكثرة ذكره يوشك أن تغتبطي بذلك في ms0433 قبرك ~~رحمهما الله تعالى 232 ربيعة الرأي أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ ~~مولى آل المنكدر التيميين تيم قريش المعروف بربيعة الرأي فقيه أهل المدينة ~~أدرك جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وعنه أخذ مالك بن أنس رضي الله عنه ~~قال بكر بن عبد الله الصنعاني أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة ~~الرأي فكنا نستزيده من حديث ربيعة فقال لنا ذات يوم ما تصنعون بربيعة وهو ~~نائم في ذاك الطاق فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له أنت ربيعة قال نعم قلنا ~~أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس قال نعم فقلنا كيف حظي بك مالك وأنت لم تحظ ~~بنفسك قال أما علمتم أن مثقالا من دولة خير من حمل علم وكان ربيعة يكثر ~~الكلام ويقول الساكت بين النائم والأخرس وكان PageV02P288 # يوما في مجلسه وهو يتكلم فوقف عليه أعرابي دخل من ~~البادية فأطال الوقوف والإنصات إلى كلامه فظن ربيعة أنه قد أعجبه كلامه ~~فقال له يا أعرابي ما البلاغة عندكم فقال الإيجاز مع إصابة المعنى فقال وما ~~العي فقال ما أنت فيه منذ اليوم فخجل ربيعة قال عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ~~حدثني مشايخ أهل المدينة أن فروخا أبا عبد الرحمن بن ربيعة خرج في البعوث ~~إلى خراسان أيام بني أمية غازيا وربيعة حمل في بطن أمه وخلف عنه زوجته أم ~~ربيعة ثلاثين ألف دينار فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسا وفي ~~يده رمح فنزل ودفع الباب برمحه فخرج ربيعة وقال يا عدو الله أتهجم على ~~منزلي فقال فروخ يا عدو الله أنت دخلت على حرمي فتواثبا وتلبب كل واحد ~~منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران فبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ~~ربيعة فجعل ربيعة يقول والله لا فارقتك إلا عند السلطان وجعل فروخ يقول ~~والله لا فارقتك إلا بالسلطان وأنت مع امرأتي وكثر الضجيج فلما أبصروا ~~بمالك سكتوا فقال مالك أيها الشيخ لك سبعة في غير هذه الدار فقال الشيخ هي ~~داري وأنا فروخ ms0434 فسمعت امرأته كلامه فخرجت وقالت هذا زوجي وهذا ابني الذي ~~خلفه وأنا حامل به فاعتنقا جميعا وبكيا فدخل فروخ المنزل وقال هذا ابني ~~فقالت نعم قال أخرجي المال الذي لي عندك وهذه معي أربعة آلاف دينار قالت قد ~~دفنته وأنا أخرجه بعد أيام ثم خرج ربيعة إلى المسجد وجلس في حلقته فأتاه ~~مالك والحسن بن زيد وابن أبي علي اللهبي والمساحقي وأشراف أهل المدينة ~~وأحدق الناس به فقالت امرأته لزوجها فروخ اخرج فصل في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فخرج فنظر إلى حلقة وافرة فأتاها فوقف عليها فأفرجوا له ~~قليلا فنكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره وعليه دنية طويلة فشك أبوه فيه ~~فقال من هذا الرجل فقالوا هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن فقال فقد رفع الله ~~ابني ورجع إلى PageV02P289 # منزله وقال لوالدته لقد رأيت ولدك على حالة ما رأيت ~~أحدا من أهل العلم والفقه عليها فقالت أمه فأيما أحب إليك ثلاثون ألف دينار ~~أو هذا الذي هو فيه فقال لا والله بل هذا فقالت فإني أنفقت المال كله عليه ~~قال فوالله ما ضيعته وقال معاذ بن معاذ سمعت سوار بن عبد الله يقول ما رأيت ~~أحدا أعلم من ربيعة الرأي قلت ولا الحسن وابن سيرين قال ولا الحسن وابن ~~سيرين وما كان بالمدينة رجل أسخى بما في يديه لصديق أو غيره من ربيعة الرأي ~~أنفق على إخوانه أربعين ألف درهم ثم جعل يسأل إخوانه فقيل له أذهبت مالك ~~وأنت تخلق جاهك فقال لا يزال هذا دأبي ما وجدت أحدا يغبطني على جاهي وكانت ~~وفاته في سنة ست وثلاثين وقيل سنة ثلاثين ومائة بالهاشمية وهي مدينة بناها ~~السفاح بأرض الأنبار وكان يسكنها ثم انتقل إلى الأنبار رحمه الله تعالى ~~وقال مالك بن أنس ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي قلت ولا يمكن الجمع ~~بين قول من يقول إنه توفي سنة ثلاثين ومائة وإنه دفن بالهاشمية التي بناها ~~السفاح لأن السفاح ولي الخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ms0435 ليلة خلت من ربيع ~~الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة كذا نقله أرباب التواريخ واتفقوا عليه ~~فتأمله PageV02P290 # 233 الربيع بن سليمان المرادي أبو محمد الربيع بن ~~سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي بالولاء المؤذن المصري صاحب الإمام ~~الشافعي وهو الذي روى أكثر كتبه وقال الشافعي في حقه الربيع راويتي وقال ما ~~خدمني أحد ما خدمني الربيع وكان يقول له يا ربيع لو أمكنني أن أطعمك العلم ~~لأطعمتك ويحكى عنه أنه قال دخلت على الشافعي رضي الله عنه عند وفاته وعنده ~~البويطي والمزني وابن عبد الحكم فنظر إلينا ثم قال أما أنت يا أبا يعقوب ~~يعني البويطي فتموت في حديدك وأما أنت يا مزني فستكون لك في مصر هنات وهنات ~~ولتدركن زمانا تكون فيه أقيس أهل زمانك وأما أنت يا محمد يعني ابن عبد ~~الحكم فترجع إلى مذهب مالك وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب ~~قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة قال الربيع فلما مات الشافعي رضي الله عنه ~~صار كل واحد منهم إلى ما قاله حتى كأنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق وحكى ~~الخطيب في تاريخه في ترجمة البويطي قال الربيع بن سليمان المرادي كنا جلوسا ~~بين يدي الشافعي رضي الله عنه أنا والبويطي والمزني فنظر إلى البويطي فقال ~~ترون هذا إنه لن يموت إلا في حديده ثم نظر إلى المزني فقال ترون هذا اما ~~إنه سيأتي عليه زمان لا يفسر شيئا فيخطئه ثم نظر إلى فقال أما إنه ما في ~~القوم أحد أنفع لي منه ولوددت أني حشوته العلم حشوا والربيع هذا آخر من روى ~~عن الشافعي بمصر PageV02P291 # ورأيت بخط الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري المصري ~~شعرا للربيع المذكور (صبرا جميلا ما أسرع الفرجا * من صدق الله في الأمور ~~نجا) (من خشي الله لم ينله أذى * ومن رجا الله كان حيث رجا) وتوفي الربيع ~~يوم الاثنين لعشر بقين من شوال سنة سبعين ومائتين بمصر ودفن بالقرافة مما ~~يلي الفقاعي في بحرية في حجرة ms0436 هناك وعند رأسه بلاطه رخام فيها اسمه وتاريخ ~~وفاته رحمه الله تعالى والمرادي بضم الميم وفتح الراء وبعد الألف دال مهملة ~~هذه النسبة إلى مراد وهي قبيلة كبيرة باليمن خرج منها خلق عظيم 234 الربيع ~~بن سليمان الجيزي أبو محمد الربيع بن سليمان بن داود بن الأعرج الأزدي ~~بالولاء المصري الجيزي صاحب الشافعي رضي الله عنه لكنه كان قليل الرواية ~~عنه وإنما روى عن عبد الله بن عبد الحكم كثيرا وكان ثقة وروى عنه أبو داود ~~والنسائي ؤ قيل إنه اجتاز يوما بمصر فطرحت عليه إجانة رماد فنزل عن دابته ~~وجعل ينفضه عن ثيابه ولم يقل شيئا فقيل له ألا تزجرهم فقال من استحق النار ~~وصولح بالرماد فقد ربح وتوفي في ذي الحجة سنة ست وخمسين ومائتين بالجيزة ~~وقبره بها كذا PageV02P292 # قاله القضاعي في الخطط رحمه الله تعالى والأزدي قد ~~تقدم الكلام فيه والجيزي بكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ~~زاي هذه النسبة إلى الجيزة وهي بليدة في قبالة مصر يفصل بينهما عرض النيل ~~والأهرام في عملها وبالقرب منها وهي من عجائب الأبنية قال بعض الحكماء ما ~~على وجه الأرض بنية إلا وأنا أرثي لها من الليل والنهار إلا الهرمين فأنا ~~أرثي لليل والنهار منهما ولأبي الطيب المتنبي فيهما (أين الذي الهرمان من ~~بنيانه * ما قومه ما يومه ما المصرع) (تتخلف الآثار عن أصحابها * حينا ~~ويدركها الفناء فتتبع) وزعم قوم أن الأهرام قبور ملوك عظام آثروا أن ~~يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم كما تميزوا عليهم في حياتهم وتوخوا ~~أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور ولما وصل الخليفة ~~المأمون إلى مصر أمر بنقب الهرمين فنقب أحدهما بعد جهد شديد وعناء طويل ~~فوجدوا داخله مراقي ومهاوي يهول أمرها ويعسر السلوك فيها ووجدوا في أعلاها ~~بيتا مكعبا طول كل ضلع من أضلاعه نحو من ثمانية أذرع وفي وسطه حوض رخام ~~مطبق فيه رمة بالية وقد أتت عليها العصور فكف عن نقب ما سواه وكانت النفقة ~~على ms0437 نقبه عظيمة والمؤونة شديدة ومن الناس من زعم أن هرمس الأول المدعو ~~بالمثلث بالنبوة والملك والحكمة وهو الذي يسميه العبرانيون خنوخ وهو إدريس ~~عليه السلام استدل من أحوال الكواكب على الطوفان فأمر ببناء الأهرام ~~وإيداعها ما يشفق عليه من الذهاب وقيل بانيها سورند لرؤيا رآها وهي أن آفة ~~تنزل من السماء وهي الطوفان ويقال إنه بناها في مدة ستة أشهر وغشاها ~~بالديباج الملون PageV02P293 # وكتب عليها قد بنيناها في ستة أشهر قل لمن يأتي بعدنا ~~يهدمها في ستمائة سنة والهدم أيسر من البنيان وكسوناها الديباج الملون ~~فليكسها حصرا والحصر أهون من الديباج وبالجملة فالأمر فيها عجيب جدا والله ~~أعلم 235 الربيع بن يونس أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن ~~أبي فروة واسمه كيسان مولى الحارث الحفار مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~كان الربيع المذكور حاجب أبي جعفر المنصور ثم وزر له بعد أبي أيوب ~~المورياني الآتي ذكره في حرف السين إن شاء الله تعالى وكان كثير الميل إليه ~~حسن الاعتماد عليه قال له يوما يا ربيع سل حاجتك قال حاجتي يا أمير ~~المؤمنين أن تحب الفضل ابني فقال له ويحك إن المحبة تقع بأسباب فقال له قد ~~أمكنك الله من إيقاع سببها قال وما ذاك قال تفضل عليه فإنك إذا فعلت ذلك ~~أحبك وإذا أحبك أحببته قال قد والله حببته إلي قبل إيقاع السبب ولكن كيف ~~اخترت له المحبة دون كل شيء قال لأنك إذا أحببته كبر عندك صغير إحسانه وصغر ~~عندك كبير إساءته وكانت ذنوبه كذنوب الصبيان وحاجته إليك حاجة الشفيع ~~العريان أشار بقوله الشفيع العريان إلى قول الفرزدق الشاعر (ليس الشفيع ~~الذي يأتيك متزرا * مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا) PageV02P294 # وهذا البيت من جملة أبيات في عبد الله بن الزبير بن ~~العوام لما طلب الخلافة لنفسه واستولى على الحجاز والعراق في أيام عبد ~~الملك بن مروان الأموي وكان قد اختصم الفرزدق وزوجته النوار فمضيا من ~~البصرة إلى مكة ليفصل الحكم بينهما عبد الله ms0438 بن الزبير فنزل الفرزدق عند ~~حمزة بن عبد الله ونزلت النوار عند زوجة عبد الله وشفع كل واحد منهما ~~لنزيله فقضى عبد الله للنوار وترك الفرزدق فقال الأبيات المذكورة فصار ~~الشفيع العريان مثلا يضرب لكل من تقبل شفاعته وكان أبو جعفر إذا أراد ~~بإنسان خيرا أمر بتسليمه إلى الربيع وإذا أراد به شرا سلمه للمسيب فكتب ~~عامل فلسطين يذكر أن بعض أهلها وثب واستغوى جماعة وعاب في العمل فكتب إليه ~~أبو جعفر دمك بواء بدمه إلى أن توجه به إلي فأخذه ووجه به إليه فلما دخل ~~عليه قال أنت المتوثب على عامل أمير المؤمنين لأنثرن من لحمك أكثر ما بقي ~~منه على عظمك فقال له بصوت ضئيل وكان شيخا كبيرا (أتروض عرسك بعد ما هرمت * ~~ومن العناء رياضة الهرم) فقال أبو جعفر يا ربيع ما يقول قال يقول (العبد ~~عبدكم والمال مالكم * فهل عذابك عني اليوم مصروف) فقال قد عفوت عنه فخلى ~~سبيله وأحسن إليه وهذا الشعر لسحيم عبد بني الحسحاس وقال له المنصور يوما ~~ويحك يا ربيع ما أطيب الدنيا لولا الموت فقال له ما طابت إلا بالموت قال ~~وكيف ذاك قال لولا الموت لم تقعد هذا المقعد قال صدقت وقال له المنصور لما ~~حضرته الوفاة يا ربيع بعنا الآخرة بنومة PageV02P295 # وقال الربيع كنا يوما وقوفا على رأس المنصور وقد طرحت ~~لولده المهدي وهو يومئذ ولي عهده وسادة إذ أقبل صالح بن المنصور وكان قد ~~رشحه أن يوليه بعض أموره فقام بين السماطين والناس على قدر أنسابهم ~~ومراتبهم فتكلم فأجاد فمد المنصور يده إليه وقال إلي يا بني واعتنقه ونظر ~~إلى وجوه الناس هل فيهم من يذكر مقامه ويصف فضله فكلهم كرهوا ذلك بسبب ~~المهدي خيفة منه فقام شبة بن عقال التميمي فقال لله در خطيب قام عندك يا ~~أمير المؤمنين ما أفصح لسانه وأحسن بيانه وأمضى جنانه وأبل ريقه وأسهل ~~طريقه وكيف لا يكون كذلك وأمير المؤمنين أبوه والمهدي أخوه وهو كما قال ~~الشاعر (هو الجواد فإن يلحق ms0439 بشأوهما * على تكاليفه فمثله لحقا) (أو يسبقاه ~~على ما كان من مهل * فمثل ما قدما من صالح سبقا) فعجب من حضر بجمعه بين ~~المدحين وإرضائه المنصور وخلاصه من المهدي قال الربيع فقال لي المنصور لا ~~يخرج التميمي إلا بثلاثين ألف درهم فلم يخرج إلا بها ويقال إن الربيع لم ~~يكن له أب يعرف وإن بعض الهاشميين دخل على المنصور وجعل يحدثه ويقول كان ~~أبي رحمه الله تعالى وكان وكان وأكثر من الترحم عليه فقال له الربيع كم ~~تترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين فقال له الهاشمي أنت معذور يا ربيع ~~لأنك لا تعرف مقدار الاباء فخجل منه ولما دخل أبو جعفر المنصور المدينة قال ~~للربيع ابغني رجلا عاقلا عالما ليقفني على دورها فقد بعد عهدي بديار قومي ~~فالتمس له الربيع فتى من أعلم الناس وأعقلهم فكان لا يبتدئ بالإخبار عن شيء ~~حتى يسأله المنصور PageV02P296 # فيجيبه بأحسن عبارة وأجود بيان وأوفى معنى فأعجب ~~المنصور به فأمر له بمال فتأخر عنه ودعته الضرورة إلى استنجازه فاجتاز ببيت ~~عاتكة بنت عبد الله بن أبي سفيان الأموي فقال يا أمير المؤمنين هذا بيت ~~عاتكة الذي يقول فيه الأحوص بن محمد الأنصاري (يا بيت عاتكة الذي أتعزل * ~~حذر العدا وبه الفؤاد موكل) (إني لأمنحك الصدود وإنني * قسما إليك مع ~~الصدود لأميل) ففكر المنصور في قوله وقال لم يخالف عادته بابتداء الإخبار ~~دون الاستخبار إلا لأمر وأقبل يردد القصيدة ويتصفحها شيئا فشيئا حتى انتهى ~~إلى قوله فيها (وأراك تفعل ما تقول وبعضهم * مذق الحديث يقول مالا يفعل) ~~فقال المنصور يا ربيع هل أوصلت إلى الرجل ما أمرنا له به قال تأخر عنه لعلة ~~ذكرها الربيع فقال عجلة له مضاعفا وهذا ألطف تعريض من الرجل وحسن فهم من ~~المنصور وكان يقول من كلم الملوك في الحاجات في غير أوقاتها لم يظفر ببغيته ~~وما أشبه الحال في ذلك إلا بأوقات الصلاة فإن الصلاة لا تقبل إلا فيها فمن ~~أراد خطاب الملوك فليختر لذلك الوقت المنجح الذي يصلح فيه ms0440 ذكر ما أراد ليصح ~~النجع وإلا فلا وحكت فائقة بنت عبد الله أم عبد الواحد بن جعفر بن سليمان ~~قالت كنا يوما عند المهدي أمير المؤمنين وكان قد خرج متنزها إلى الأنبار إذ ~~PageV02P297 # دخل عليه الربيع ومعه قطعة من جراب فيه كتابة برماد ~~وخاتم من طين قد عجن بالرماد وهو مطبوع بخاتم الخلافة فقال يا أمير ~~المؤمنين ما رأيت أعجب من هذه الرقعة جائني بها رجل أعرابي وهو ينادي هذا ~~كتاب أمير المؤمنين دلوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع فقد أمرني أن ~~أدفعها إليه وهذه هي الرقعة فأخذها المهدي وضحك وقال صدقت هذا خطي وهذا ~~خاتمي أفلا أخبركم بالقصة كيف كانت قلنا أمير المؤمنين أعلى رأيا في ذلك ~~فقال خرجت أمس إلى الصيد في غب سماء فلما أصبحت هاج علينا ضباب شديد وفقدت ~~أصحابي حتى ما رأيت منهم أحدا وأصابني منم البرد والجوع والعطش ما الله به ~~أعلم وتحيرت عند ذلك فذكرت دعاء سمعته من أبي يحكيه عن أبيه عن جده عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما رفعة قال من قال إذا أصبح وإذا أمسى بسم الله وبالله ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله اعتصمت بالله وتوكلت على الله حسبي الله لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقي وكفي وهدي وشفي من الحرق والغرق والهدم ~~وميتة السوء فلما قلتها رفع الله لي ضوء نار فقصدتها فإذا بهذا الأعرابي في ~~خيمة له وإذا هو يوقد نارا بين يديه فقلت له أيها الأعرابي هل من ضيافة ~~فقال انزل فنزلت فقال لزوجته هاتي ذلك الشعير فأتت به فقال اطحنيه فابتدأت ~~تطحنه فقلت له اسقني ماء فأتى بسقاء فيه مذقة لبن أكثرها ماء فشربت منها ~~شربة ما شربت شيئا قط إلا وهي أطيب منه وأعطاني حلسا له فوضعت رأسي عليه ~~فنمت نومة ما نمت أطيب منها وألذ ثم انتبهت فإذا هو قد وثب إلى شويهة ~~فذبحها وإذا امرأته تقول له ويحك قتلت نفسك وصبيتك إنما كان معاشكم من هذه ~~الشاة فذبحتها ms0441 فبأي شيء نعيش قال فقلت لا عليك هات الشاة فشققت جوفها ~~واستخرجت كبدها بسكين كانت في خفي فشرحتها ثم طرحتها على النار وأكلتها ثم ~~قلت له هل عندك شيء أكتب لك فيه فجائني بهذه القطعة من جراب وأخذت عودا من ~~الرماد الذي بين يديه وكتبت له هذا الكتاب وختمته بهذا الخاتم وأمرته أن ~~يجيء ويسأل عن الربيع فيدفعها PageV02P298 # إليه فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم فقال والله ما ~~أردت إلا خمسين ألف درهم ولكن جرت بخمسمائة ألف درهم لا أنقص والله منها ~~درهما واحدا ولو لم يكن في بيت المال غيرها احملوها معه فما كان إلا قليل ~~حتى كثرت إبله وشاؤه وصار منزلا من المنازل ينزله الناس ممن أراد الحج وسمي ~~منزل مضيف أمير المؤمنين المهدي وقال أبان بن صدقة كنت أخلف الربيع على ~~كتبه للمنصور فدخلت يوما وعلي خز أسود جديد والمنصور في قباء خز خلق فجعل ~~ينظر إلي فضاقت علي الدنيا وخرج الربيع فقلت إني أخطأت خطأ عظيما وعرفته ~~الخبر فقال ما ذاك إلا لخير فلا يحزنك فلما كان من غد دخلت في قباء خز خلق ~~فقال لي المنصور أما عندك أحسن من هذا تلبسه أمام المنصور قلت بلى ولكن ~~رأيت أمير المؤمنين لبس قباء خلقا وكان علي قباء جديد فضاقت علي الأرض إذ ~~لبست أفضل من لباسه فقال لا تفعل البس خير ما عندك في خدمتي ليتبين الناس ~~إحساني إليك ولا تلبس مثل هذا فيظن بي إساءة إليك فإن الناس يعلمون أني ~~أقدر على أشرف اللباس وإن لم ألبس وأنت فلا يظن ذلك بك قال فعلمت أن الربيع ~~أعقل الناس وأعلمهم بأخبار أمير المؤمنين وكانت وفاة الربيع في أول سنة ~~سبعين ومائة وقال الطبري مات الربيع في سنة تسع وستين ومائة وقيل إن الهادي ~~سمه وقيل مرض ثمانية أيام ومات والله أعلم رحمه الله تعالى وإنما قيل لجده ~~أبو فروة لأنه أدخل المدينة وعليه فروة فاشتراه عثمان رضي الله عنه وأعتقه ~~وجعل يحفر القبور وكان من سبي ms0442 جبل الخليل صلى الله عليه وسلم وسيأتي ذكر ~~ولده الفضل إن شاء الله تعالى وقطيعة الربيع منسوبة إليه وهي محلة كبيرة ~~مشهورة ببغداد وإنما قيل لها قطيعة الربيع لأن المنصور أقطعه إياها ~~PageV02P299 # 236 ربعي بن حراش ربعي بن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد ~~الله بن نجار بن عبد بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن ~~غطفان بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان العبسي الكوفي روى ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب وحذيفة بن اليمان وأبي ~~بكرة وعمران بن الحصين رضي الله عنهم حدث عنه عامر الشعبي وعبد الملك بن ~~عمير ومنصور بن المعتمر وأبو مالك الأشجعي وغيرهم وكان ثقة وهو أخو مسعود ~~وربيع ابني حراش ورد المدائن غير مرة في حياة حذيفة وبعده قال أبو مسلم ~~صالح بن عبد الله العجلي حدثني أبي قال ربعي بن حراش كوفي تابعي ثقة يقال ~~إنه لم يكذب قط وكان له ابنان عاصيان زمن الحجاج فقيل للحجاج إن أباهما لا ~~يكذب قط ولو أرسلت إليه فسألته عنهما فأرسل إليه فقال له أين ابناك قال هما ~~في البيت قال قد عفونا عنهما لصدقك وكان ربعي بن حراش آلى ألا تفتر أسنانه ~~بالضحك حتى يعلم أين مصيره فما ضحك إلا بعد موته وكان أخوه ربيع بعده آلى ~~ألا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار قال الحارث الغنوي فأخبرني ~~غاسله أنه لم يزل مبتسما على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا منه قال سعيد بن ~~جميل العبسي رأيت ربعي بن حراش رجلا أعور PageV02P300 # مات سنة أربع ومائة وصلى عليه عبد الحميد بن عبد ~~الرحمن بن زيد وذلك في ولاية عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى 237 رجاء ~~بن حيوة أبو المقدام رجاء بن حيوة بن جرول الكندي كان من العلماء وكان ~~يجالس عمر بن عبد العزيز ذكر أنه بات ليلة عنده فهم السراج أن يخمد ms0443 فقام ~~إليه ليصلحه فأقسم عليه عمر ليقعدن وقام هو إليه فأصلحه قال فقلت له تقوم ~~أنت يا أمير المؤمنين فقال قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن ~~عبد العزيز قال وأمرني عمر بن عبد العزيز أن أشتري له ثوبا بستة دراهم ~~فأتيته به فجسه وقال هو على ما أحب لولا أن فيه لينا قال فبكيت قال فما ~~يبكيك قال أتيتك وأنت أمير بثوب بستمائة درهم فجسسته وقلت هو على ما أحب ~~لولا أن فيه خشونة وأتيتك وأنت أمير المؤمنين بثوب بستة دراهم فجسسته وقلت ~~هو على ما أحب لولا أن فيه لينا فقال يا رجاء إن لي نفسا تواقة تاقت إلى ~~فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها وتاقت إلى الإمارة فوليتها وتاقت إلى الخلافة ~~فأدركتها وقد تاقت إلي الجنة فأرجو أن أدركها إن شاء الله عز وجل ~~PageV02P301 # وقال قومت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب باثني عشر ~~درهما وكانت قباء وعمامة وقميصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة وله معه أخبار ~~وحكايات وكان يوما عند عبد الملك بن مروان وقد ذكر عنده شخص بسوء فقال عبد ~~الملك والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به ولأصنعن فلما أمكنه الله منه هم ~~بإيقاع الفعل به فقام إليه رجاء بن حيوة المذكور فقال يا أمير المؤمنين قد ~~صنع الله لك ما أحببت فاصنع ما يحب الله من العفو فعفا عنه وأحسن إليه ولما ~~حضر أيوب بن سليمان بن عبد الملك الوفاة وكان ولي عهد أبيه دخل عليه أبوه ~~وهو يجود بنفسه ومعه عمر بن عبد العزيز وسعيد بن عقبة ورجاء بن حيوة فجعل ~~سليمان ينظر في وجه أيوب فخنقته العبرة ثم قال إنه ما يملك العبد نفسه أن ~~يسبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة والناس في ذلك أصناف فمنهم المحتسب ومنهم ~~من يغلب صبره جزعه فذلك الجلد الحازم ومنهم من يغلب جزعه صبره فذلك المغلوب ~~الضعيف وإني أجد في قلبي لوعة إن أنا لم أبردها خفت أن تنصدع كبدي كمدا ~~فقال له ms0444 عمر يا أمير المؤمنين الصبر أولى بك فلا يحبطن أجرك وقال سعيد بن ~~عقبة فنظر إلى وإلى رجاء بن حيوة نظر مستغيث يرجو أن نساعده على ما أدركه ~~من البكاء فأما أنا فكرهت أن آمره أو أنهاه وأما رجاء فقال يا أمير ~~المؤمنين إني لا أرى بذلك بأسا ما لم يأت الأمر المفرط وإني قد بلغني أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه فقال تدمع العين ~~ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون فبكى ~~سليمان حتى اشتد بكاؤه فظننا أن نياط قلبه قد انقطع فقال عمر بن عبد العزيز ~~لرجاء بن حيوة بئس ما صنعت بأمير المؤمنين فقال دعه يا أبا حفص يقضي من ~~بكائه وطرا فإنه لو لم يخرج من صدره ما ترى خفت أن يأتي عليه ثم أمسك عن ~~البكاء ودعا بماء فغسل وجهه وقضى الفتى فأمر بجهازه وخرج يمشي أمام جنازته ~~فلما دفن وقف ينظر PageV02P302 # إلى قبره ثم قال (وقفت على قبر مقيم بقفرة * متاع قليل ~~من حبيب مفارق) ثم قال السلام عليك يا أيوب وقال (كنت لنا أنسا ففارقتنا * ~~فالعيش من بعدك مر المذاق) ثم قال يا غلام أدن دابتي مني فركب وعطف دابته ~~إلى القبر وقال (فإن صبرت فلم ألفظك من شبع * وإن جزعت فعلق منفس ذهبا) ~~فقال عمر بل الصبر أقرب إلى الله عز وجل قال صدقت وانصرف وكانت وفاته سنة ~~اثنتي عشرة ومائة وكان رأسه أحمر ولحيته بيضاء رحمه الله تعالى وحيوة بفتح ~~الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وبعدها هاء ساكنة ~~238 رؤبة بن العجاج أبو محمد رؤبة بن العجاج والعجاج لقب واسمه أبو الشعثاء ~~عبد الله ابن رؤبة البصري التميمي السعدي وهو وأبوه راجزان مشهوران كل ~~منهما PageV02P303 # له ديوان رجز ليس فيه شعر سوى الأراجيز وهما مجيدان في ~~رجزهما وكان بصيرا باللغة قيما بحوشيها وغريبها حكى يونس بن حبيب النحوي ~~قال كنت عند أبي عمرو ابن العلاء ms0445 فجاءه شبيل بن عزرة الضبعي فقام إليه أبو ~~عمرو وألقى إليه لبد بغلته فجلس عليه ثم أقبل عليه يحدثه فقال شبيل يا أبا ~~عمرو سألت رؤبتكم عن اشتقاق اسمه فما عرفه يعني رؤبة قال يونس فلم أملك ~~نفسي عند ذكره فقلت له لعلك تظن أن معد بن عدنان أفصح منه ومن أبيه أفتعرف ~~أنت ما الروبة والروبة والروبة والروبة والرؤبة وأنا غلام رؤبة فلم يحر ~~جوابا وقام مغضبا فأقبل علي أبو عمرو وقال هذا رجل شريف يقصد مجالستنا ~~ويقضي حقوقنا وقد أسأت فيما فعلت مما واجهته به فقلت لم أملك نفسي عند ذكر ~~رؤبة فقال أبو عمرو أو قد سلطت على تقويم الناس ثم فسر يونس ما قاله فقال ~~الروبة خميرة اللبن والروبة قطعة من الليل والروبة الحاجة يقال فلان لا ~~يقوم بروبة أهله أي بما أسندوا إليه من حوائجهم والروبة جمام ماء الفحل ~~والرؤبة بالهمزة القطعة التي يشعب بها الإناء والجميع بسكون الواو وضم ~~الراء التي قبلها إلا رؤبة فإنها بالهمز وكان رؤبة يأكل الفأر فعوتب في ذلك ~~فقال هي أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللائي يأكلن العذرة وهل يأكل الفأر إلا ~~نقي البر أو لباب الطعام ولما مات قال الخليل دفنا الشعر واللغة والفصاحة ~~وكان رؤبة مقيما بالبصرة فلما ظهر بها إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وخرج على أبي جعفر المنصور وجرت ~~الواقعة المشهورة خاف رؤبة على نفسه وخرج إلى البادية ليتجنب الفتنة ~~PageV02P304 # فلما وصل إلى الناحية التي قصدها أدركه أجله بها فتوفي ~~هناك سنة خمس وأربعين ومائة وكان قد أسن رحمه الله تعالى ورؤبة بضم الراء ~~وسكون الهمزة وفتح الباء الموحدة وبعدها هاء ساكنه وهي في الأصل اسم لقطعة ~~من الخشب يشعب بها الإناء وجمعها رئاب وباسمها سمي الراجز المذكور 239 روح ~~بن حاتم أبو حاتم روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي ~~وسيأتي تمام النسب عند ذكر جده المهلب في حرف الميم ms0446 إن شاء الله تعالى كان ~~روح المذكور من الكرماء الأجواد وولي لخمسة من الخلفاء أبي العباس السفاح ~~والمنصور والمهدي والهادي والرشيد ويقال إنه لم يتفق مثل هذا إلا لأبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه فإنه ولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وكان روح واليا على السند ولاه إياها ~~المهدي بن أبي جعفر المنصور في سنة تسع وخمسين ومائة وكان قد ولاه في أول ~~خلافته الكوفة وقيل إنه ولي السند سنة ستين ومائة ثم عزله عن السند سنة ~~إحدى وستين ومائة ثم ولاه البصرة PageV02P305 # وكان يزيد أخو روح واليا على إفريقية فلما توفي يزيد ~~يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة سبعين ومائة بإفريقية ~~في مدينة القيروان ودفن بباب سلم وكان أقام واليا عليها خمس عشرة سنة ~~وثلاثة أشهر قال أهل إفريقية ما أبعد ما يكون بين قبري هذين الأخوين فإن ~~أخاه بالسند وهذا هاهنا فاتفق أن الرشيد عزل روحا عن السند وسيره إلى موضع ~~أخيه يزيد فدخل إلى إفريقية أول رجب سنة إحدى وسبعين ومائة ولم يزل واليا ~~عليه إلى أن توفي بها لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وسبعين ~~ومائة ودفن في قبر أخيه يزيد فعجب الناس من هذا الاتفاق بعد ذلك التباعد ~~رحمهما الله تعالى 40 ويزيد المذكور هو الذي قصده ربيعة بن ثابت الأسدي ~~الرقي فأحسن إليه وكان ربيعة مدح يزيد بن أسيد السلمي فقصر يزيد في حقه ~~فمدح يزيد بن حاتم وهجا يزيد السلمي بقصيدته الميمية التي يقول من جملتها ~~(لشتان ما بين اليزيدين في الندى * يزيد سليم والأغر ابن حاتم) (فهم الفتى ~~الأزدي إتلاف ماله * وهم الفتى القيسي جمع الدراهم) (فلا يحسب التمتام أني ~~هجوته * ولكنني فضلت أهل المكارم) ومنها (فيا ابن أسيد لا تسام ابن حاتم * ~~فتقرع إن ساميته سن نادم) (هو البحر إن كلفت نفسك خوضه * تهالكت في آذيه ~~المتلاطم) (تمنيت مجدا في سليم سفاهة * أماني خال أو ms0447 أماني حالم) (ألا إنما ~~آل المهلب غرة * وفي الحرب قادات لكم بالخزائم) PageV02P306 # وهي طويلة ويكفي منها هذا القدر وكان قد قصر في حقه ~~أولا فعمل ربيعة أبياتا من جملتها (أراني ولا كفران لله راجعا * بخفي حنين ~~من نوال ابن حاتم) فعاد فعطف عليه وبالغ في الإحسان إليه ويزيد المذكور جد ~~الوزير أبي محمد المهلبي فينظر في ترجمته PageV02P307 # حرف الزاي PageV02P309 # 240 الزبير بن بكار أبو عبد الله الزبير بن بكر بن ~~بكار وكنيته أبو بكر بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن ~~العوام القرشي الأسدي الزبيري كان من أعيان العلماء وتولى القضاء بمكة ~~حرسها الله تعالى وصنف الكتب النافعة منها كتاب أنساب قريش وقد جمع فيه ~~شيئا كثيرا وعليه اعتماد الناس في معرفة نسب القرشيين وله غيره مصنفات دلت ~~على فضله واطلاعه روى عن ابن عيينة ومن في طبقته وروى عنه ابن ماجة ~~القزويني وابن أبي الدنيا وغيرهما ولقي الزبير بن بكار إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي فقال يا أبا عبد الله عملت كتابا سميته كتاب النسب وهو كتاب ~~الأخبار قال وأنت يا أبا محمد أيدك الله عملت كتابا سميته كتاب الأغاني وهو ~~كتاب المعاني قال جحظة كنت بحضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر فاستأذن ~~الزبير بن بكار حين جاء من الحجاز فدخل فأكرمه وعظمه وقال له إن باعدت ~~بيننا الأنساب لقد قربت بيننا الآداب وإن أمير المؤمنين اختارك لتأديب ولده ~~وأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشرة تخوت ثياب وعشرة أبغل تحمل عليها رحلك إلى ~~حضرة سر من رأى فشكر ذلك وقبله فلما PageV02P311 # ودعه قال للشيخ أرونا حديثا نذكرك به قال أحدثك بما ~~سمعت أو بما شاهدت قال بل بما شاهدت قال بينا أنا في مسيري هذا بين مسجدين ~~إذ بصرت بحبالة منصوبة فيها ظبي ميت وبإزائها رجل في نعشه ميت وامرأة حسرى ~~تسعى وتقول (أمست فتاة بني نهد علانية * وبعلها في أكف الموت يبتذل) (وكنت ~~راغبة فيه أضن به * فحال من دون ظبي ms0448 الريمة الأجل) ثم خرج فقال محمد بن عبد ~~الله بن طاهر أي شيء أفدنا من هذا الشيخ قلنا الأمير أعلم فقال قوله أمست ~~فتاة بني نهد علانية أي ظاهرة وهذا حرف لم أسمعه في كلام العرب قبل هذا قال ~~الزبير بن بكار قالت ابنة أختي لأهلنا خالي خير رجل لأهله لا يتخذ ضرة ولا ~~يشتري جارية فقالت المرأة لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر وأصعب وتوفي ~~بمكة وهو قاض عليها ليلة الأحد لسبع وقيل لتسع ليال بقين من ذي القعدة سنة ~~ست وخمسين ومائتين وعمره أربع وثمانون سنة رحمه الله تعالى وتوفي والده سنة ~~خمس وتسعين ومائة رحمه الله تعالى PageV02P312 # 241 أبو عبد الله الزبيري أبو عبد الله الزبير بن أحمد ~~بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الفقيه ~~الشافعي المعروف بالزبيري البصري كان إمام أهل البصرة في عصره ومدرسها ~~حافظا للمذهب مع حظ من الأدب وقدم بغداد وحدث بها عنداود بن سليمان المؤدب ~~ومحمد بن سنان القزاز وإبراهيم بن الوليد ونحوهم وروى عنه النقاش صاحب ~~التفسير وعمر بن بشران السكري وعلي بن هارون السمسار ونحوهم 3 وكان ثقة ~~صحيح الرواية وكان أعمى وله مصنفات كثيرة منها الكافي في الفقه وكتاب النية ~~وكتاب ستر العورة وكتاب الهداية وكتاب الاستشارة والاستخارة وكتاب رياضة ~~المتعلم وكتاب الإمارة وغير ذلك وله في المذهب وجوه غريبة وتوفي قبل ~~العشرين وثلاثمائة رحمه الله تعالى PageV02P313 # 242 زبيدة أم الأمين أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي ~~جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ~~وهي أم الأمين محمد بن هارون الرشيد كان لها معروف كثير وفعل خير وقصتها في ~~حجها وما اعتمدته في طريقها مشهورة فلا حاجة إلى شرحها قال الحافظ أبو ~~الفرج ابن الجوزي في كتاب الألقاب إنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت ~~الراوية عندهم بدينار وإنها أسالت الماء عشرة أميال بحط الجبال ونحوت الصخر ~~حتى غلغلته من ms0449 الحل إلى الحرم وعملت عقبة البستان فقال لها وكيلها يلزمك ~~نفقة كثيرة فقالت أعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار فبلغت النفقة عليه ألف ~~ألف وسبعمائة ألف دينار قال إسماعيل بن جعفر بن سليمان حجت أم جعفر زبيدة ~~فبلغت نفقتها في ستين يوما أربعة وخمسين ألف ألف ولها آثار كثيرة في طريق ~~مكة والمدينة على ساكنها أفضل صلى الله عليه وسلم من مصانع وبرك أحدثتها ~~وإنه كان لها مائة جارية يحفظن القرآن ولكل واحدة ورد عشر القرآن وكان يسمع ~~في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن وإن اسمها أمة العزيز ولقبها جدها أبو ~~المنصور زبيدة لبضاضتها ونضارتها قال الطبري في تاريخه أعرس بها هارون ~~الرشيد في ذي الحجة في سنة 165 في قصره المعروف بالخلد وحشد الناس من ~~الآفاق وفرق فيهم الأموال ولم PageV02P314 # ير في الاسلام مثله وبلغت النفقة في هذا الغرض من بيت ~~مال الخاصة خارجة سوى ما أنفقه هارون من ماله خمسين ألف ألف درهم وليس في ~~بني هاشم هاشمية ولدت خليفة إلا هي وحكي أنها أحضرت الأصمعي وقالت له إن ~~أمير المؤمنين استدعاني وقال هلمي يا أم نهر فما معنى ذلك فقال لها إن ~~جعفرا في اللغة هو النهر الصغير وأنت أم جعفر وحضر شاعر بابها وأنشد ~~(أزبيدة ابنة جعفر طوبى لزائرك المثاب) (تعطين من رجليك ما * تعطي الأكف من ~~الرغاب) فتبادر الخدم إليه ليوقعوا به على سوء أدبه وعبارته فقالت دعوه فإن ~~من أراد خيرا فأخطأ خير ممن أراد شرا فأصاب سمع الناس يقولون شمالك اندى من ~~يمين غيرك فقدر أن هذا مثل ذلك أعطوه ما أمل وعرفوه ما جهل ووقع بين الرشيد ~~وبين زبيدة شر فتهاجرا فعمل داود بن رزين مولى عبد القيس شعرا وهو (زمن طيب ~~ويوم مطير * هذه روضة وهذا غدير) (إنما أم جعفر جنة الخلد * رضاها والسخط ~~منهاالسعير) (أنت عبد لها ومولى لهذا الخلق * طرا وليس في ذا نكير) (فاعتذر ~~يا خليفة الله في الأرض * إليها وترك ذاك كبير) فصار إليها عندما وقف ms0450 على ~~الأبيات وسألت عن سبب مجيئه فعرفت وأوصلت إلى داود مائة ألف درهم في وقتها ~~وأضعافها بعد ذلك ولما ولدت ابنة جعفر محمدا قال مروان بن أبي حفصة (لله ~~درك يا عقيلة جعفر * ماذا ولدت من الندى والسؤدد) (إن الخلافة قد تبين ~~نورها * للناظرين على جبين محمد) PageV02P315 # (إني لأعلم أنه لخليفة * إن بيعة عقدت وإن لم تعقد) ~~فأمر له هارون بثلاثة آلاف دينار وأمرت زبيدة أن يحشى فوه جوهرا فكانت ~~قيمته عشرة آلاف دينار وقالت زبيدة للمأمون عند دخوله بغداد أهنيك بخلافة ~~قد هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك وان كنت قد فقدت ابنا خليفة لقد عوضت ~~ابنا خليفة لم ألده وما خسر من اعتاض مثلك ولا ثكلت أم ملأت يدها منك وأنا ~~أسأل الله أجرا على ما أخذ وإمتاعا بما عوض وقيل إن زبيدة أرسلت إلى أبي ~~العتاهية أن يقول على لسانها أبياتا يستعطف بها المأمون فأرسل هذه الأبيات ~~(ألا إن صرف الدهر يدني ويبعد * ويمتع بالألاف طرا ويفقد) (أصابت بريب ~~الدهر مني يدي * فسلمت للأقدار والله أحمد) (وقلت لريب الدهر إن هلكت يد ~~فقد بقيت والحمد لله لي يد) (إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي * ولي جعفر لم ~~يفقدا ومحمد) فسيرتها له فلما قرأها المأمون استحسنها وسأل عن قائلها فقيل ~~له أبو العتاهية فأمر له بعشرة آلاف درهم وعطف على زبيدة وزاد في تكرمتها ~~والبر بها اختلف الرشيد وأم جعفر في اللوزينج والفالوذج أيهما أطيب فمالت ~~زبيدة إلى تفضيل الفالوذج ومال الرشيد إلى تفضيل اللوزينج وتخاطرا على مائة ~~دينار فأحضرا أبا يوسف القاضي وقالا له يا يعقوب قد اختلفنا في كذا على كذا ~~وكذا فاحكم فيه فقال يا أمير المؤمنين ما يحكم على غائب وهو مذهب أبي حنيفة ~~فأحضر له جامين من المذكورين فطفق يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة وتحقق أنه ~~إن حكم للرشيد لم يأمن غضب زبيدة وإن حكم لها لم يأمن غضب الرشيد فلم يزل ~~في الأكل إلى أن نصف الجامين فقال له ms0451 الرشيد ايه أبا يوسف فقال يا أمير ~~المؤمنين ما رأيت خصمين أجدل منهما كلما أردت PageV02P316 # ان أسجل لأحدهما أدلى الآخر بحجته وقد حرت بينهما فضحك ~~الرشيد وأعطاه المائة دينار وانصرف مشكورا ومن عجائب التنجيم أن زبيدة فقدت ~~خاتما بفص له قيمة وأنها اتهمت به بعض جواريها فأحضرت رجلا من أهل الصناعة ~~فأخذ الطالع على تلك المصانع وقال ما أخذ هذا الخاتم إلا الله تعالى وردد ~~القول ولم يرجع عنه فبعد مدة فتحت زبيدة المصحف فوجدت الخاتم فيه وكانت قد ~~جعلته علامة للوقف وأنسيته وكانت وفاتها في سنة ست عشرة ومائتين في جمادى ~~الأولى ببغداد وتوفي أبوها جعفر بن المنصور في سنة ست وثمانين ومائة ورآها ~~عبد الله بن المبارك الزمن في المنام فقال لها ما فعل الله بك قالت غفر لي ~~الله بأول معول ضرب في طريق مكة قال قلت ما هذه الصفرة في وجهك قالت دفن ~~بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي فزفرت جهنم عليه زفرة فاقشعر لها ~~جسدي فهذه الصفرة من تلك الزفرة رحمها الله تعالى 243 زفر بن الهذيل الحنفي ~~أبو الهذيل زفر بن الهذيل بن قيس بن سليم بن قيس بن مكمل بن ذهل بن ذؤيب بن ~~جذيمة بن عمرو بن منجور بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر ~~PageV02P317 # ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن ~~عدنان العنبري الفقيه الحنفي كان قد جمع بين العلم والعبادة وكان من أصحاب ~~الحديث ثم غلب عليه الرأي وهو قياس أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه وكان أبوه ~~الهذيل على أصبهان حكى المعافى بن زكريا في كتاب الجليس والأنيس عن عبد ~~الرحمن ابن مغراء قال جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال إني شربت البارحة نبيذا ~~ولا أدري أطلقت امرأتي أم لا قال المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلقتها ثم ~~أتى سفيان الثوري فقال يا أبا عبد الله إني شربت البارحة نبيذا ولا أدري ~~طلقت امرأتي أم لا قال اذهب فراجعها ms0452 فإن كنت طلقتها فقد راجعتها وإن لم تكن ~~طلقتها فلم تضرك المراجعة شيئا ثم أتى شريك بن عبد الله فقال يا أبا عبد ~~الله إني شربت البارحة نبيذا ولا أدري طلقت امرأتي أم لا قال اذهب فطلقها ~~ثم راجعها ثم أتى زفر بن الهذيل فقال يا أبا الهذيل إني شربت البارحة نبيذا ~~ولا أدري طلقت امرأتي أم لا قال هل سألت غيري قال أبا حنيفة قال فما قال لك ~~قال قال المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك قد طلقتها قال هو الصواب قال فهل ~~سألت غيره قال الثوري قال فما قال لك قال اذهب فراجعها فإن كنت طلقتها فقد ~~راجعتها وإن لم تكن طلقتها فلم تضرك المراحعة شيئا قال ما أحسن ما قال لك ~~فهل سألت غيره قال شريك بن عبد الله قال فما قال لك قال اذهب فطلقها ثم ~~راجعها قال فضحك زفر وقال لأضربن لك مثلا رجل مر بمثعب سيل فأصاب ثوبه قال ~~لك أبو حنيفة ثوبك طاهر وصلاتك مجزئة حتى تستيقن أمر الماء وقال لك سفيان ~~اغسله فإن يك نجسا فقد طهر وإن يك طاهرا زاده نظافة وقال لك شريك اذهب فبل ~~عليه ثم اغسله قال المعافى وقد أحسن زفر في فصله بين هؤلاء الثلاثة فيما ~~أفتوا به في هذه المسألة وفيما ضربه لسائله من الأمثلة فأما قول أبي حنيفة ~~فهو محض النظر وأمر الحق ولا يجوز أن يحكم على امرئ في زوجته بطلاقها بعد ~~صحة زوجيتها بظن عرض له وهو أبعد عند ذوي PageV02P318 # الأفهام من أضغاث الأحلام وأما قول سفيان الثوري فإنه ~~أشار بالاستظهار والتوثقة والأخذ بالحزم والحيطة وهذه طريقة أهل الورع وذوي ~~الاستقصاء والمشفقين على نفوسهم من أهل الدين وفتيا أبي حنيفة في هذا عين ~~الحق وجل الفقه وأي هاتين المحجتين سلك من نزلت به هذه النازلة وعرضت له ~~هذه الحادثة فهو مصيب محسن على ما بينا فيهما من الفصل بين المنزلتين وأما ~~ما أفتى به شريك فتعجب زفر منه واقع في موضعه ولا وجه في ms0453 الصحة لما أشار به ~~وقد أصاب زفر أيضا في الوجه الذي ضربه له وأرى شريكا توهم أن الرجعة لا ~~تحقق إلا مع تحقق الطلاق فأمر باستئناف تطليقة لتصح الرجعة بعدها وهذا مختل ~~فاسد ولو كان كما يرى أنه توهمه لما أثرت الرجعة إلا في التطليقة التي ~~أوقعها وتيقنها دون التي أشفق من تقدمها وهو على غير يقين منها ولو يقال إن ~~رجلا وكل رجلا في طلاق زوجته ثم غاب الوكيل فأشفق من تطليقه إياها عليه ~~فأشهد على رجعتها وهو غير عالم بوقوعها ثم تبين أنها وقعت قبل مراجعته لصحت ~~رجعته وكذلك لو كتب إلى زوجته بطلاقها إذا وصل إليها كتابه ثم أشهد على ~~الرجعة بعد الوصول وقبل انقضاء العدة لكانت المراجعة صحيحة لوقتها بعد ~~الطلاق الذي لم يكن عالما به ومولده سنة عشر ومائة وتوفي في شعبان سنة ثمان ~~وخمسين ومائة رحمه الله تعالى وزفر بضم الزاي وفتح الفاء وبعدها راء ~~والهذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ~~لام PageV02P319 # 244 أبو دلامة أبو دلامة زند بن الجون كان صاحب نوادر ~~وحكايات وأدب ونظم وذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب تنوير الغبش ~~أنه كان أسود عبدا حبشيا مولى لبنى أسد وكان أبوه عبدا لرجل منهم يقال له ~~قصاقص فأعتقه أدرك أبو دلامة آخر بني أمية ولم يكن له نباهة في أيامهم ونبغ ~~في أيام بني العباس فانقطع إلى السفاح والمنصور والمهدي وكانوا يقدمونه ~~ويفضلونه ويستطيبون نوادره ومدح المنصور وذكر قتله أبا مسلم من جملة قصيدة ~~فقال فيها (أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى * عليك بما خوفتني الأسد الورد) ~~(أبا مسلم ما غير الله نعمة * على عبده حتى يغيرها العبد) وأنشدها المنصور ~~في ملإ من الناس فقال له احتكم فقال له عشرة آلاف درهم فأمر له بها فلما ~~خلا به قال أما والله لو تعديتها لقتلتك وقد قيل إنه بقي إلى خلافة الرشيد ~~ولا يثبت وكان مطبوعا كثير النوادر وقال محمد بن زياد سمعت ثعلبا يقول ms0454 لما ~~ماتت حمادة بنت عيسى ابنة عم أبي جعفر فحضر جنازتها وجلس لدفنها وهو متألم ~~لفقدها كئيب عليها وهي زوجته فأقبل أبو دلامة وجلس قريبا منه فقال له ~~المنصور ويحك ما PageV02P320 # أعددت لهذا المكان وأشار إلى القبر فقال ابنة عم أمير ~~المؤمنين فضحك المنصور حتى استلقى ثم قال له ويحك فضحتنا بين الناس وأمر ~~المهدي أبا دلامة بالخروج نحو عبد الله بن علي فقال أبو دلامة أنشدك الله ~~يا أمير المؤمنين أن لا تحضرني شيئا من عساكرك فإني شهدت تسعة عساكر انهزمت ~~كلها وأخاف أن يكون عسكرك العاشر فضحك منه وأعفاه قال أبو العيناء بلغنا عن ~~أبي دلامة أنه دخل على المهدي فأنشده قصيدة فقال له سلني حاجتك فقال يا ~~أمير المؤمنين هب لي كلبا فغضب المؤمنين الحاجة لي أم لك قال بل لك قال ~~فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد فأمير له بكلب فقال يا أمير المؤمنين هبني ~~خرجت إلى الصيد أفأعدو على رجلي فأمر له بدابة فقال يا أمير المؤمنين من ~~يقوم عليها فأمر له بغلام فقال يا أمير المؤمنين هبني صدت صيدا وأتيت به ~~المنزل فمن يطبخه فأمر له بجارية فقال يا أمير المؤمنين قد صيرت في عنقي ~~كفاء من عيال فمن أين لي ما يقوت هؤلاء قال قد أقطعتك ألف جريب عامرا وألف ~~جريب غامرا قال أما العامر فقد عرفت فما الغامر قال الخراب الذي لا شيء فيه ~~قال أنا أقطع أمير المؤمنين مائة ألف جريب بالبدو ولكني أسأل أمير المؤمنين ~~من ألف جريب جريبا واحدا عامرا قال من أين قال من بيت المال فقال المهدي ~~حولوا المال وأعطوه جريبا قال يا أمير المؤمنين إذا حول منه المال صار ~~غامرا فضحك منه قال فهل بقيت لك حاجة قال نعم تأذن لي أن أقبل يدك فقال ما ~~لك إلى ذلك سبيل قال والله ما رددتني عن حاجة أهون علي فقدا منها واتفق أن ~~أبا دلامة تأخر عن الحضور بباب أبي جعفر أياما ثم حضر فأمر PageV02P321 # بإلزامه ms0455 القصر وألزمه بالصلاة في مسجده ووكل به من ~~يلاحظه في ذلك فمر به أبو أيوب المورياني وهو إذ ذاك وزير أبي جعفر فقام ~~إليه أبو دلامة ودفع رقعة مختومة وقال هذه ظلامة لأمير المؤمنين فأوصلها ~~أعزك الله إليه بخاتمها فأخذها أبو أيوب فلما دخل على أبي جعفر أوصلها إليه ~~فقرأها فإذا فيها (ألم تعلموا أن الخليفة لزني * بمسجده والقصر ما لي ~~وللقصر) (أصلي به الأولى مع العصر دائما * فويلي من الأولى وويلي من العصر) ~~(ووالله مالي نية في صلاتهم * ولا البر والإحسان والخير من أمري) (وما ضره ~~والله يصلح أمره * لو أن ذنوب العالمين على ظهري) فضحك المنصور وأمر ~~بإحضاره فلما حضر قال هذه قصتك قال دفعت إلى أبي أيوب رقعة مختومة أسأل ~~فيها إعفائي من لزوم الذي أمرني بلزومه فقال له أبو جعفر اقرأها قال ما ~~أحسن أن أقرأ وعلم أنه إن أقر بكتابته لها يحده بذكره الصلاة وتعريضه بها ~~فلما رآه يحيد من ذلك قال له يا خبيث أما لو أقررت لضربتك الحد ثم قال لقد ~~أعفيتك من لزوم المسجد فقال أبو دلامة أو كنت ضاربي يا أمير المؤمنين لو ~~أقررت قال نعم قال مع قول الله عز وجل * (يقولون ما لا يفعلون) * (الشعراء ~~226) فضحك منه وأعجب من انتزاعه ووصله وذكر ابن شبة في كتاب أخبار البصرة ~~أن أبا دلامة كتب إلى سعيد بن دعلج وكان يومئذ يتولى الأحداث بالبصرة ~~وأرسلها إليه من بغداد مع ابن عم له (إذا جئت الأمير فقل سلام * عليك ورحمة ~~الله الرحيم) (وأما بعد ذاك فلي غريم * من الأعراب قبح من غريم) (له ألف ~~علي ونصف أخرى * ونصف النصف في صك قديم) (دراهم ما انتفعت بها ولكن * وصلت ~~بها شيوخ بني تميم) فسير له ابن دعلج ما طلب PageV02P322 # وكان روح بن حاتم المهلبي واليا على البصرة فخرج إلى ~~حرب الجيوش الخراسانية ومعه أبو دلامة فخرج من منصف العدو مبارز فخرج إليه ~~جماعة فقلتهم فتقدم روح إلى أبي دلامة بمبارزته فامتنع فألزمه فاستعفاه فلم ms0456 ~~يعفه فأنشد أبو دلامة (إني أعوذ بروح أن يقدمني * إلى القتال فيخزى بي بنو ~~أسد) (إن المهلب حب الموت أورثكم * ولم أرث أنا حب الموت من أحد) (إن الدنو ~~إلى الأعداء أعلمه * مما يفرق بين الروح والجسد) فأقسم عليه ليخرجن وقال ~~لماذا تأخذ رزق السلطان قال لأقاتل عنه قال فمالك لا تبرز إلى عدو الله ~~فقال أيها الأمير إن خرجت إليه لحقت بمن مضى وما الشرط أن أقتل عن السلطان ~~بل أقاتل عنه فحلف روح لتخرجن إليه فتقتله أو تأسره أو تقتل دون ذلك فلما ~~رأى أبو دلامة الجد منه قال أيها الأمير تعلم أن هذا أول يوم من أيام ~~الآخرة ولا بد فيه من الزوادة فأمر له بذلك فأخذ رغيفا مطويا على دجاجة ~~ولحم وسطيحة من شراب وشيئا من نقل وشهر سيفا وحمل وكان تحته فرس جواد فأقبل ~~يجول ويلعب بالرمح وكان مليحا في الميدان والفارس يلاحظه ويطلب منه غرة حتى ~~إذا وجدها حمل عليه والغبار كالليل فأغمد أبو دلامة سيفه وقال للرجل لا ~~تعجل واسمع مني عافاك الله كلمات ألقيهن إليك فإنما أتيتك في مهم فوقف ~~مقابله وقال ما المهم قال أتعرفني قال لا قال أنا أبو دلامة قال قد سمعت بك ~~حياك الله فكيف برزت إلي وطمعت في بعد من قتلت من أصحابك فقال ما خرجت ~~لأقتلك ولا لأقاتلك ولكني رأيت لباقتك وشهامتك فاشتهيت أن تكون لي صديقا ~~وإني لأدلك على ما هو أحسن من قتالنا قال قل على بركة الله تعالى قال أراك ~~قد تعبت وأنت بغير شك سغبان ظمآن قال كذلك PageV02P323 # هو قال فما علينا من خراسان والعراق إن معي خبزا ولحما ~~وشرابا ونقلا كما يتمنى المتمني وهذا غدير ماء نمير بالقرب منا فهلم بنا ~~إليه نصطبح وأترنم لك بشيء من حداء الأعراب فقال هذا غاية أملي فقال ها أنا ~~أستطرد لك فاتبعني حتى نخرج من حلق الطعان ففعلا وروح يتطلب أبا دلامة فلا ~~يجده والخراسانية تطلب فارسها فلا تجده فلما طابت نفس الخراساني قال ms0457 له أبو ~~دلامة إن روحا كما علمت من أبناء الكرام وحسبك بابن المهلب جوادا وإنه يبذل ~~لك خلعة فاخرة وفرسا جوادا ومركبا مفضضا وسيفا محلى ورمحا طويلا وجارية ~~بربرية وينزلك في أكثر العطاء وهذا خاتمه معي لك بذلك قال ويحك وما أصنع ~~بأهلي وعيالي فقال استخر الله وسر معي ودع أهلك فالكل يخلف عليك فقال سر ~~بنا على بركة الله فسارا حتى قدما من وراء العسكر فهجما على روح فقال يا ~~أبا دلامة أين كنت قال في حاجتك أما قتل الرجل فما أطقته وأما سفك دمي فما ~~طبت به نفسا وأما الرجوع خائبا فلم أقدم عليه وقد تلطفت وأتيتك به أسير ~~كرمك وقد بذلت له عنك كيت وكيت فقال ممضى إذا وثق لي قال بماذا قال بنقل ~~أهله قال الرجل أهلي على بعد ولا يمكنني نقلهم الآن ولكن امدد يدك أصافحك ~~وأحلف لك متبرعا بطلاق الزوجة أنى لا أخونك فإن لم أف إذا حلفت بطلاقها لم ~~ينفعك نقلها قال صدقت فحلف له وعاهده ووفى له بما ضمنه أبو دلامة وزاد عليه ~~وانقلب معهم الخراساني يقاتل الخراسانية وتبكي فيهم أشد نكاية وكان أكبر ~~أسباب ظفر روح وكان المنصور قد أمر بهدم دور كثيرة وكان من جملتها دار أبي ~~دلامة فكتب إلى المنصور (يا بن عم النبي دعوة شيخ * قد دنا هدم داره ~~وبواره) (فهو مال ماخض التي اعتادها الطلق * فقرت ومايقر قراره) ~~PageV02P324 # (لكم الأرض كلها فأعيروا * عبدكم ما احتوى عليه جداره) ~~فأمر له بدار عوضا عنها ولما قدم المهدي بن المنصور من الري إلى بغداد دخل ~~عليه أبو دلامة للتسليم والتهنئة بقدومه فأقبل عليه المهدي وقال له كيف أنت ~~يا أبا دلامة فقال يا أمير المؤمنين (إني حلفت لئن رأيتك سالما * بقرى ~~العراق وأنت ذو وفر) (لتصلين على النبي محمد * ولتملأن دراهما حجري) فقال ~~المهدي أما الأولى فنعم وأما الثانية فلا فقال جعلني الله فداك إنهما ~~كلمتان لا يفرق بينهما فقال يملأ حجر أبي دلامة دراهم فقعد وبسط حجره فملىء ~~دراهم ms0458 فقال له قم الآن يا أبا دلامة فقال ينخرق قميصي يا أمير المؤمنين حتى ~~أشيل الدراهم وأقوم فردها إلى الأكياس ثم قام فدعا له وخرج بها وله أشعار ~~كثيرة وذكره ابن المنجم في كتاب البارع في اختيار شعر المحدثين ومن أخباره ~~أنه مرض ولده فاستدعى طبيبا ليداويه وشرط له جعلا معلوما فلما برئ قال له ~~والله ما عندنا شيء نعطيك ولكن ادع على فلان اليهودي وكان ذا مال كثير ~~بمقدار الجعل وأنا وولدي نشهد لك بذلك فمضى الطبيب إلى القاضي بالكوفة وكان ~~يومئذ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقيل عبد الله بن شبرمة وحمل إليه ~~اليهودي المذكور وادعى عليه بذلك المبلغ فأنكر اليهودي فقال لي بينة وخرج ~~لإحضارها فأحضر أبا دلامة وولده فدخلا إلى المجلس وخاف أبو دلامة أن يطالبه ~~القاضي بالتزكية فأنشد في الدهليز قبل دخوله بحيث يسمع القاضي (إن الناس ~~غطوني تغطيت عنهم * وإن بحثوا عني ففيهم مباحث) PageV02P325 # (وإن نبثوا بئري نبثت بئارهم * ليعلم قوم كيف تلك ~~النبائث) ثم حضرا بين يدي القاضي وأديا الشهادة فقال له كلامك مسموع ~~وشهادتك مقبولة ثم غرم المبلغ من عنده وأطلق اليهودي وما أمكنه أن يرد ~~شهادتهما خوفا من لسانه فجمع بين المصلحتين وتحمل الغرم من ماله قال ~~العتابي خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد ومعهما أبو دلامة فرمى المهدي ~~ظبيا فأصابه ورمى علي بن سليمان ظبيا فأخطأه وأصاب كلبا فضحك المهدي وقال ~~يا أبا دلامة قل في هذا فقال (قد رمى المهدي ظبيا * شك بالسهم فؤاده) (وعلي ~~بن سليمان * رمى كلبا فصاده) (فهنيئا لكما كل امرئ * يأكل زاده) فأمر له ~~بثلاثين ألف درهم ودخل أبو دلامة على المهدي فقال يا أمير المؤمنين ماتت أم ~~دلامة وبقيت ليس أحد يعاطيني فقال إنا لله أعطوه ألف درهم يشتري بها أمة ~~تعاطيه وكان قد دس أم دلامة على الخيزران فقالت يا سيدتي مات أبو دلامة ~~وبقيت ضائعة فأمرت لها بألف درهم فدخل المهدي على الخيزران وهو حزين فقالت ~~ما بال أمير ms0459 المؤمنين قال ماتت أم دلامة فقالت إنما مات أبو دلامة فقال ~~قاتل الله أبا دلامة وأم دلامة قد خدعانا والله وكان أبو عطاء السندي مولى ~~بنى أسد قد هجاه بقوله (ألا أبلغ هديت أبا دلامة * فليس من الكرام ولا ~~كرامه) (إذا لبس العمامة كان قردا * وخنزيرا إذا وضع العمامه) فلم يتعرض له ~~أبو دلامة ونوادره كثيرة PageV02P326 # وكانت وفاته سنة إحدى وستين ومائة رحمه الله تعالى ~~ويقال إنه عاش إلى أيام هارون الرشيد وكانت ولاية الرشيد في سنة سبعين ~~ومائة ودلامة بضم الدال المهملة وزند بفتح الزاي وسكون النون وبعدها دال ~~مهملة وقيل اسمه زبد بالباء الموحدة والأول أثبت والجون بفتح الجيم وسكون ~~الواو وبعدها نون 245 عماد الدين زنكي أبو الجود عماد الدين زنكي بن آق ~~سنقر بن عبد الله الملقب بالملك المنصور المعروف والده بالحاجب صاحب الموصل ~~وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الهمزة وكان من الأمراء المقدمين وفوض إليه ~~السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي ولاية بغداد في سنة إحدى وعشرين ~~وخمسمائة ولما قتل آق سنقر البرسقي المذكور في حرف الهمزة وتوفي أيضا ولده ~~مسعود حسبما ذكرناه في ترجمته ورد مرسوم السلطان محمود من خراسان بتسليم ~~الموصل إلى دبيس بن صدقة الأسدي صاحب الحلة وقد تقدم ذكره أيضا فتجهز دبيس ~~للمسير وكان بالموصل أمير كبير المنزلة يعرف بالجاولي وهو مستحفظ قلعة ~~الموصل ومتولي أمورها من جهة البرسقي فطمع في البلاد وحدثته نفسه بتملكها ~~فأرسل إلى بغداد بهاء الدين أبا الحسن علي بن القاسم الشهرزوري وصلاح الدين ~~محمد اليغيساني لتقرير قاعدته فلما وصلا إليها PageV02P327 # وجدا الإمام المسترشد قد أنكر تولية دبيس وقال لا سبيل ~~إلى هذا وترددت الرسائل بينه وبين السلطان محمود في ذلك وآخر ما وقع اختيار ~~المسترشد عليه تولية زنكي المذكور فاستدعى الرسولين الواصلين من الموصل ~~وقرر معهما أن يكون الحديث في البلاد لزنكي ففعلا ذلك وضمنا للسلطان مالا ~~وبذل له على ذلك المسترشد من ماله مائة ألف دينار فبطل أمر دبيس وتوجه زنكي ~~إلى الموصل ms0460 وتسلمها ودخلها في عاشر رمضان سنة إحدى وعشرين وخمسمائة كذا قال ~~ابن العظيمي في تاريخه وقد قيل إن انتقاله إلى الموصل كان في سنة اثنتين ~~وعشرين وخمسمائة والأول أصح وسيأتي ذكر السلطان محمود في حرف الميم إن شاء ~~الله تعالى ولما تقلد زنكي الموصل سلم إليه السلطان محمود ولديه ألب أرسلان ~~وفروخ شاه المعروف بالخفاجي ليربيهما فلهذا قيل له أتابك لأن الأتابك هو ~~الذي يربى أولاد الملوك وقد تقدم ذكر ذلك في حرف الجيم عند ذكر جقر ثم ~~استولى زنكي على ما والى الموصل من البلاد وفتح الرها يوم السبت الخامس ~~والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وكانت لجوسلين الأرمني ~~ثم توجه إلى قلعة جعبر ومالكها يوم ذاك سيف الدولة أبو الحسن علي بن مالك ~~فحاصرها وأشرف على أخذها فأصبح يوم الأربعاء خامس شهر ربيع الآخر سنة إحدى ~~وأربعين وخمسمائة مقتولا قتله خادمه وهو راقد على فراشه ليلا ودفن بصفين ~~رحمه الله تعالى وذكر شيخنا عز الدين بن الأثير الجزري في تاريخه الأتابكي ~~أن زنكي المذكور لما قتل والده كان عمره تقديرا عشر سنين وقد تقدم تاريخ ~~قتل والده في ترجمته فيكون مولده سنة سبع وسبعين وأربعمائة وعن بعض خواصه ~~قال دخلت إليه في الحال وهو حي فحين رآني PageV02P328 # ظن أني أريد قتله فأشار إلي بإصبعه السبابة يستعطفني ~~فوقفت من هيبته وقلت له يا مولانا من فعل بك هذا فلم يقدر على الكلام وفاضت ~~نفسه لوقته وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته عظيم السياسة لا يقدر القوي ~~على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل يقال إن يملكها خرابا من الظلم ومجاورة ~~الفرنج فعمرها وامتلأت اهلا وسكانا قال عز الدين بن الأثير في تاريخه حكى ~~لي والدي قال رأيت الموصل وأكثرها خراب وكان الإنسان لا يقدر على المشي إلى ~~الجامع العتيق إلا ومعه من يحميه لبعده عن العمارة وهو الآن في وسط العمارة ~~وكان شديد الغيرة لا سيما على نساء الأجناد وكان يقول لو لم تحفظ نساء ~~الأجناد بالهيبة وإلا ms0461 فسدن لكثرة غيبة أزواجهن في الأسفار وكان من أشجع خلق ~~الله تعالى وصفين بكسر الصاد المهملة وتشديد الفاء وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وبعدها نون وهي أرض على شاطىء الفرات بالقرب من قلعة جعبر إلا أنها ~~في بر الشام وقلعة جعبر في بر الجزيرة الفراتية بينهما مقدار فرسخ أو أقل ~~وفيها مشهد في موضع الوقعة المشهورة التي كانت بها بين علي بن أبي طالب ~~ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبهذه الأرض قبور جماعة من الصحابة ~~رضي الله عنهم حضروا هذه الوقعة وقتلوا بها منهم عمار بن ياسر رضي الله عنه ~~41 وتوفي القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن القاسم الشهرزوري الرسول ~~المذكور يوم السبت سادس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بحلب وحمل ~~إلى صفين ودفن بها رحمة الله تعالى عليه PageV02P329 # 246 عماد الدين صاحب سنجار أبو الفتح وأبو الجود عماد ~~الدين زنكي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي المذكور قبله المعروف ~~بصاحب سنجار كان قد ملك حلب بعد ابن عمه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين ~~محمود بن عماد الدين زنكي وكانت وفاة الصالح المذكور في سنة سبع وسبعين ~~وخمسمائة وعمره تسعه عشرة سنة وكان لما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر ~~للتداوي فقال لا أفعل حتى أستفتي الفقهاء فأفتاه فقيه من مدرسي الحنفية ~~بجواز ذلك فقال له أرأيت إن قدر الله تعالى بقرب الأجل أيؤخره شرب الخمر ~~فقال الفقيه لا فقال والله لا لقيت الله عز وجل وقد استعملت ما حرمه على ~~فلما يئس من نفسه أحضر الأمراء وسائر الأجناد ووصاهم بتسليم البلد إلى ابن ~~عمه عز الدين مسعود واستحلفهم على ذلك ثم مات وكان حليما كريما عفيف اليد ~~والفرج ملازما للدين والخير لا يعرف شيئا مما يتعاطاه الملوك والشباب من ~~شرب الخمر وغيره حسن السيرة في رعيته عادلا فيهم رحمه الله تعالى ثم إن ~~السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله سار من عينتاب إلى ~~حلب وحاصرها في ms0462 سنة ثمانين وخمسمائة فنزل في الميدان الأخضر عدة أيام ثم ~~انتقل إلى جبل جوشن فنزل بأعلاه وأظهر أنه يريد يبني مساكن له ولعسكره ~~والقتال بين العسكرين كل يوم وكان صاحب حلب عماد الدين زنكي المذكور ومعه ~~العسكر النوري وهم مجدون في القتال فلما رأى تطاول القتال كره الخرج كأنه ~~استكثره فحضر عنده يوما بعض أجناده وطلبوا منه شيئا PageV02P330 # فاعتذر بقلة المال عنده فقال له بعضهم من يريد يحفظ ~~مثل حلب يخرج المال ولو باع حلي نسائه فمال حينئذ إلى تسليم حلب لصلاح ~~الدين ويأخذ عوضها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج وجرت اليمين على ~~ذلك فتسلمها صلاح الدين ثامن عشر صفر ونزل عنها عماد الدين فعجب الناس من ~~ذلك وقبحوا على عماد الدين فعله حتى إن بعض عامة حلب أحضر إجانة وماء ~~وناداه أنت لا يصلح لك الملك وإنما يصلح لك أن تغسل الثياب وإذا أراد الله ~~أمرا فلا مرد له وتقرر عماد الدين أن يكون في خدمة صلاح الدين متى استدعاه ~~ومن عجيب الاتفاقات أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح صلاح الدين ~~بقصيدة منها (وفتحك القلعة الشهباء في صفر * مبشر بفتوح القدس في رجب) وكذا ~~كان فإن القدس فتح في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة على ما سنذكره إن شاء ~~الله تعالى ومما كتبه القاضي الفاضل في المعنى أعطيناه عن حلب كذا وكذا وهو ~~صرف على الحقيقة أخذنا فيه الدنانير وأعطيناه الدراهم ونزلنا عن القرى ~~وأحرزنا العواصم وكان في جملة من قتل على حلب تاج الملوك أخو صلاح الدين ~~الأصغر وقد تقدم ذكره وانتقل عماد الدين المذكور في السنة المذكورة إلى ~~سنجار ولم يزل بها إلى أن توفي في المحرم سنة أربع وتسعين وخمسمائة 42 وملك ~~ابنه قطب الدين محمد وتولى تدبير دولته مجاهد الدين يرنقش مملوك أبيه وكان ~~دينا خيرا عادلا حسن السيرة كثير البر والإحسان للفقراء إلا أنه كان شديد ~~التعصب على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه كثير الذم للشافعية وكان ~~بخيلا فمن تعصبه على ms0463 الشافعية أنه بنى مدرسة للحنفية بسنجار وشرط أن يكون ~~النظر للحنفية من أولاده دون الشافعية وأن يكون البواب والفراش على مذهب ~~أبي حنيفة PageV02P331 # 247 بهاء الدين زهير أبو الفضل زهير بن محمد بن علي بن ~~يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبي العتكي الملقب بهاء الدين ~~الكاتب من فضلاء عصره أحسنهم نظما ونثرا وخطا ومن أكبرهم مروءة كان قد اتصل ~~بخدمة السلطان الملك الصالح أبي الفتح أيوب ابن السلطان الملك الكامل ~~بالديار المصرية وتوجه في خدمته إلى البلاد الشرقية وأقام بها إلى أن ملك ~~الملك الصالح مدينة دمشق فانتقل إليها في خدمته وأقام كذلك إلى أن جرت ~~الكائنة المشهورة على الملك الصالح وخرجت عنه دمشق وخانه عسكره وهو على ~~نابلس وتفرق عنه وقبض عليه الملك الناصر صاحب الكرك واعتقله بقلعة الكرك ~~فأقام بهاء الدين زهير المذكور بنابلس محافظة لصاحبه ولم يتصل بخدمة غيره ~~ولم يزل على ذلك حتى خرج الملك الصالح وملك الديار المصرية وقدم إليها في ~~خدمته وذلك في أواخر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة وهذا الفصل مذكور ~~في ترجمة أبيه الملك الكامل محمد فينظر هناك وكنت يومئذ مقيما بالقاهرة ~~وأود لو اجتمعت به لما كنت أسمعه عنه فلما وصل اجتمعت به ورأيته فوق ما ~~سمعت عنه من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة ودماثة السجايا وكان متمكنا من ~~صاحبه كبير القدر عنده لا يطلع PageV02P332 # على سره الخفي غيره ومع هذا كله فإنه كان لا يتوسط ~~عنده إلا بالخير ونفع خلقا كثيرا بحسن وساطته وجميل سفارته وأنشدني كثيرا ~~من شعره فمن ذلك ما كتبه إلى بعض أصحابه وكان قد غرقت به سفينة فسلم بنفسه ~~وذهب ما كان معه (لا تعتب الدهر في خطب رماك به * إن استرد فقدما طالما ~~وهبا) (حاسب زمانك في حالي تصرفه * تجده أعطاك أضعاف الذي سلبا) (والله قد ~~جعل الأيام دائرة * فلا ترى راحة تبقى ولا تعبا) (ورأس مالك وهي الروح قد ~~سلمت * لا تأسفن لشيء بعدها ذهبا) (ما كنت أول مفدوح بحادثة ms0464 * كذا مضى ~~الدهر لا بدعا ولا عجبا) (ورب مال نما من بعد مرزئة * أما ترى الشمع بعد ~~القط ملتهبا) وأنشدني المذكور وكتب بها لفخر الدين ابن قاضي داريا يشكو ~~إليه سوء أدب غلمانه (سواك الذي ودي لديه مضيع * وغيرك من سعيي إليه محبب) ~~(ووالله ما آتيك إلا محبة * وأني في أهل الفضيلة أرغب) (أبث لك الذكر الذي ~~طاب نشره * وأطري بما أثني عليك وأطرب) (فما لي ألقى دون بابك جفوة * لغيرك ~~تعزى لا إليك وتنسب) (أرد برد الباب إن جئت زائرا * فياليت شعري أين أهل ~~ومرحب) (ولست بأوقات الزيارة جاهلا * ولا أنا ممن قربه يتجنب) (وقد جعلوا ~~في خادم المرء أنه * بما كان من أخلاقه يتهذب) PageV02P333 # (فهلا سرت منك اللطافة فيهم * وأعددتهم آدابها ~~فتأدبوا) (ويصعب عندي حالة ما ألفتها * على أن بعدي عن جنابك أصعب) (فأمسك ~~نفسي عن لقائك كارها * أغالب فيك الشوق والشوق أغلب) (وأغضب للفضل الذي أنت ~~ربه * لأجلك لا أني لنفسي أغضب) (وآنف إما عزة منك نلتها * وإما لإدلال به ~~أتعتب) (وإن كنت ما أعتد هاتيك زلة * فحسبي بها من خجلة حين أذهب) وله من ~~قصيدة يمدح بها الملك المسعود صلاح الدين يوسف ابن الملك الكامل رحمه الله ~~(وتهتز أعواد المنابر باسمه * فهل ذكرت أيامها وهي قضبان) (فدع كل ماء حين ~~يذكر زمزم * ودع كل واد حين يذكر نعمان) (وما كل أرض مثل أرضي هي الحمى * ~~وما كل بيت مثل بيتي هو البان) وله من قصيد يمدح بهالأمير علاء الدين ولد ~~الأمير شجاع الدين جلدك التقوي بثغر دمياط سنة خمس وستمائة وهي أول شيء ~~قاله من المدح (فيا ظبي هلا كان فيك التفاتة * ويا غصن هلا كان فيك تعطف) ~~(ويا حرم الحسن الذي هو آمن * وألبابنا من حوله تتخطف) (عسى عطفة بالوصل يا ~~واو صدغه * وحقك إني أعرف الواو تعطف) وله من قصيدة (وما كل مخضوب البنان ~~بثينة * ولا كل مسلوب الفؤاد جميل) وله من قصيدة يمدح بها الأمير نصير ~~الدين بن اللمطي ويهنيه (وهل كنت إلا ms0465 السيف خالطه الصدا * فكنت له يا ذا ~~المواهب صيقلا) (وما لي لا أسمو إلى كل غاية * إذا كنت عوني في الزمان وكيف ~~لا) PageV02P334 # وله من أبيات كتب بها إلى القاضي فخر الدين ابن قاضي ~~داريا يشكره لمعروف ابتدأه به (وخذها على ما خيلت بنت ساعة * أتتك على ~~استحيائها تتعثر) ومما أنشدنيه قوله (يا روضة الحسن صلي * فما عليك ضير) ~~(فهل رأيت روضة * ليس بها زهير) وأنشدني أيضا لنفسه (كيف خلاصي من هوى * ~~مازج روحي واختلط) (وتائه أقبض في * حبي له وما انبسط) (يا بدر إن رمت به * ~~تشبها رمت شطط) (ودعه ياغصن النقا * ما أنت من ذاك النمط) (قام بعذري وجهه ~~* عند عذولي وبسط) (لله أي قلم * لواو ذاك الصدغ خط) (ويا له من عجب * في ~~خده كيف نقط) (يمر بي ملتفتا * فهل رأيت الظبي قط) (ما فيه من عيب سوى * ~~فتور عينيه فقط) (ياقمر السعد الذي * نجمي لديه قد هبط) (يا مانعي حلو ~~الرضا * ومانحي مر السخط) (حاشاك أن ترضى بأن * أموت في الحب غلط) ~~PageV02P335 # وأنشدني لنفسه أيضا (أنا ذا زهبرك ليس إلا جود * كفك ~~لي مزينة) (أهوى جميل الذكر عنك * كأنما هو لي بثينة) (فاسأل ضميرك عن ~~ودادي * إنه فيه جهينه) وأنشدني لنفسه أيضا أبياتا لم يعلق على خاطري منها ~~سوى بيتين من آخرها وهما (وأنت يا نرجس عينيه كم * تشرب من قلبي وما أذبلك) ~~(ما لك في حسنك من مشبه * ما تم في العالم ما تم لك) وأنشدني غير ذلك شيئا ~~كثيرا وشعره كله لطيف وهو كما يقال السهل الممتنع وأجازني رواية ديوانه وهو ~~كثير الوجود بأيدي الناس فلا حاجة إلى الإكثار من ذكر مقاطيعه وأخبرني جمال ~~الدين أبو الحسين يحيى بن مطروح الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى ~~قال كتبت إليه وكان خصيصا به (أقول وقد تتابع منك بر * وأهلا ما برحت لكل ~~خير) (ألا لا تذكروا هرما بجود * فما هرم بأكرم من زهير) قال وكتب إليه مرة ~~أخرى يطلب درج ورق ومدادا ms0466 (أفلست يا سيدي من الورق * فجد بدرج كعرضك اليقق) ~~(وآتني بالمداد مقترنا * فمرحبا بالخدود والحدق) PageV02P336 # فسير إليه زهير المذكور جوابه مع المطلوب (مولاي سيرت ~~ما أمرت به * وهو يسير المداد والورق) (وعز عندي يسير ذاك وقد * شبهته ~~بالخدود والحدق) وأخبرني بهاء الدين زهير المذكور أنه توجه إلى الموصل ~~رسولا من جهة مخدومه الملك الصالح لما كان ببلاد الشرق وأنه كان ببلاد ~~الموصل يومئذ صاحبنا الأديب شرف الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي ~~الوفاء بن خطاب المعروف بابن الحلاوي الموصلي الأصل الدمشقي المولد والدار ~~فحضر إليه ومدحه بقصيدة طويلة أحسن فيها كل الإحسان وكان من جملتها قوله ~~(تجيزها وتجيز المادحين بها * فقل لنا أزهير أنت أم هرم) وأنه لما رجع من ~~الموصل اجتمع بجمال الدين بن مطروح المذكور فأوقفه على القصيدة المذكورة ~~فأعجبه منها هذا البيت المذكور فكتب إليه البيتين المذكورين قلت وبيت ابن ~~الحلاوي المذكور ينظر إلى قول ابن القاسم في الداعي سبأ ابن أحمد الصليحي ~~أحد ملوك اليمن وكان شاعرا جوادا من قصيدة (ولما مدحت الهبرزي ابن أحمد * ~~أجاز وكافاني على المدح بالمدح) (فعوضني شعرا بشعر وزادني * عطاء فهذا رأس ~~مالي وذا ربحي) وأخبرني بهاء الدين أيضا أن مولده في خامس ذي الحجة سنة ~~إحدى وثمانين وخمسمائة بمكة حرسها الله تعالى وأخبرني مرة أخرى أنه ولد ~~بوادي نخلة وهو بالقرب من مكة والله أعلم وهو الذي أملى علي نسبه على هذه ~~الصورة وسطرت هذا الفصل وهو في قيد الحياة منقطعا في بيته بالقاهرة بعد موت ~~مخدومه طيب الله قلبه وأجراه على أجمل عاداته وأخبرني أن نسبته PageV02P337 # إلى المهلب بن أبي صفرة وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~ثم حصل بالقاهرة ومصر مرض عظيم لم يكد يسلم منه أحد وكان حدوثه يوم الخميس ~~الرابع والعشرين من شوال سنة ست وخمسين وستمائة وكان بهاء الدين المذكور ~~ممن مسه منه ألم فأقام أياما ثم توفي قبيل المغرب يوم الأحد رابع ذي القعدة ~~من السنة المذكورة ودفن من الغد بعد صلاة ms0467 الظهر بالقرافة الصغرى بتربته ~~بالقرب من قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه في جهتها القبلية ولم يتفق لي ~~الصلاة عليه لاشتغالي بالمرض رحمه الله تعالى ولما أبللت من المرض مضيت إلى ~~تربته وزرته وقرأت عنده شيئا من القرآن وترحمت عليه لمودة كانت بيننا ~~وأنشدني الفقيه أبو الحجاج يوسف الضرير لبهاء الدين لغزا في القفل (وأسود ~~عار أنحل البرد جسته * وما زال من أوصافه الحرص والمنع) (وأعجب شيء كونه ~~الدهر حارسا * وليس له عين وليس له سمع) 248 أبو محمد البكائي أبو محمد ~~زياد بن عبد الله بن طفيل بن عامر القيسي العامري من بني عامر بن صعصعة ثم ~~من بني البكاء روى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن محمد بن إسحاق ~~ورواها عنه عبد الملك بن هشام الذي رتبها ونسبت إليه والبكائي المذكور كوفي ~~وكان صدوقا ثقة خرج عنه البخاري في كتاب PageV02P338 # الجهاد ومسلم في مواضع من كتابه وذكر البخاري في ~~تاريخه عن وكيع قال زياد أشرف من أن يكذب في الحديث ووهم الترمذي فقال في ~~كتابه عن البخاري قال قال وكيع زياد بن عبد الله على شرفه يكذب في الحديث ~~وهذا وهم ولم يقل وكيع فيه إلا ما ذكره البخاري في تاريخه ولو رماه وكيع ~~بالكذب ما خرج البخاري عنه حديثا واحدا ولا مسلم كما لم يخرجا عن الحارث ~~الأعور لما رماه الشعبي بالكذب ولا عن أبان بن أبي عياش لما رماه شعبة ~~بالكذب وروى عن الأعمش وروى عنه أحمد بن حنبل وغيره رضي الله عنه وكانت ~~وفاة أبي محمد المذكور في سنة ثلاث وثمانين ومائة بالكوفة رحمه الله تعالى ~~والبكائي بفتح الباء الموحدة وتشديد الكاف وبعد الهمزة الممدودة ياء مثناة ~~من تحتها وهذه النسبة إلى البكاء واسمه ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن ~~صعصعة وسمي البكاء لخبر يسمع ذكره 249 التاج الكندي أبو اليمن زيد بن الحسن ~~بن زيد بن الحسن بن سعيد الكندي الملقب تاج الدين البغدادي المولد والمنشأ ~~الدمشقي الدار والوفاة المقرئ ms0468 النحوي الأديب كان PageV02P339 # أوحد عصره في فنون الآداب وعلو السماع وشهرته تغني عن ~~الاطناب في وصفه وكان قد لقي جلة المشايخ وأخذ عنهم منهم الشريف أبو ~~السعادات ابن الشجري وأبو محمد ابن الخشاب وأبو منصور الجواليقي وسافر عن ~~بغداد في شبابه وآخر عهده بها في سنة ثلاث وستين وخمسمائة واستوطن حلب مدة ~~وكان يبتاع الخليع ويسافر به إلى بلاد الروم ويعود إليها ثم انتقل إلى دمشق ~~وصحب الأمير عز الدين فروخ شاه بن شاهان شاه وهو ابن أخي السلطان صلاح ~~الدين واختص به وتقدم عنده وسافر في صحبته إلى الديار المصرية واقتنى من ~~كتب خزائنها كل نفيس وعاد إلى دمشق واستوطنها وقصده الناس وأخذوا عنه ولو ~~كتاب مشيخة على حروف المعجم أخبرني أحد أصحابه أنه قال كنت قاعدا على باب ~~أبي محمد عبد الله بن الخشاب النحوي ببغداد وقد خرج من عنده أبو القاسم ~~الزمخشري الإمام المشهور وهو يمشي في جاون خشب فإن إحدى رجليه كانت قد سقطت ~~من الثلج قال والناس يقولون هذا الزمخشري ونقل من خطة كان الزمخشري أعلم ~~فضلاء العجم بالعربية في زمانه وأكثرهم أنسا واطلاعا على كتبها وبه ختم ~~فضلاؤهم وكان متحققا بالاعتزال قدم علينا بغداد سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ~~ورأيته عند شيخنا أبي منصور الجواليقي رحمه الله تعالى مرتين قارئا عليه ~~بعض كتب اللغة من فواتحها ومستجيزا لها لأنه لم يكن له على ما عنده من ~~العلم لقاء ولا رواية عفا الله عنه وعنا وأخبرني الشيخ مهذب الدين أبو طالب ~~محمد المعروف بابن الخيمي بالقاهرة المحروسة قال كتب إلى الشيخ تاج الدين ~~الكندي من دمشق من جملة أبيات (أيها الصاحب المحافظ قد حملتنا * من وفاء ~~عهدك دينا) PageV02P340 # (نحن بالشام رهن شوق إليكم * هل لديكم بمصر شوق إلينا) ~~(قد غلبنا بما حرمنا عليكم * وغلبتم بما رزقتم علينا) (فعجزنا عن أن ترونا ~~لديكم * وعجزتم عن أن نراكم لدينا) (حفظ الله عهد من حفظ العهد * وأوفى به ~~كما قد وفينا) قال فكتبت جوابها أبياتا من جملتها (أيها الساكنون ms0469 بالشام من ~~كندة * إنا بعهدكم ما وفينا) (لو قضينا حق المودة كنا * نحبنا بعد بعدكم قد ~~قضينا) وأنشدني له الشيخ مهذب الدين المذكور (دع المنجم يكبو في ضلالته * ~~إن ادعى علم ما يجري به الفلك) (تفرد الله بالعلم القديم فلا الإنسان * ~~يشركه فيه ولا الملك) (أعد للرزق من اشراكه شركا * وبئست العدتان الشرك ~~والشرك) وكتب إليه أبو شجاع ابن الدهان الفرضي الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى في حرف الميم (يا زيد زادك ربي من مواهبه * نعمى يقصر عن إدراكها ~~الأمل) (لا غير الله حالا قد حباك بها * ما دار بين النحاة الحال والبدل) ~~(النحو أنت أحق العالمين به * أليس باسمك فيه يضرب المثل) ومن شعر الشيخ ~~تاج الدين وقد طعن في السن (أرى المرء يهوى أن تطول حياته * وفي طولها ~~إرهاق ذل وإزهاق) (تمنيت في عصر الشبيبة أنني * أعمر والأعمار لا شك أرزاق) ~~* فلما أتاني ما تمنيت ساءني * من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق) (يخيل لي ~~فكري إذا كنت خاليا * ركوبي على الأعناق والسير إعناق) (ويذكرني مر النسيم ~~وروحه * حفائر يعلوها من الترب أطباق) PageV02P341 # (وها أنا في إحدى وتسعين حجة * لها في إرعاد مخوف ~~وإبراق) (يقولون ترياق لمثلك نافع * وما لي إلا رحمة الله ترياق) وكانت ~~ولادته بكرة يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شعبان سنة عشرين وخمسمائة ~~ببغداد وتوفي يوم الاثنين ضحوة سادس شوال سنة ثلاث عشرة وستمائة بدمشق ودفن ~~من يومه بجبل قاسيون رحمه الله تعالى 43 وأما مهذب الدين المذكور فهو أبو ~~طالب محمد بن أبي الحسن علي بن علي بن المفضل بن التامغاز كذا أملى علي ~~نسبه وأنشدني كثيرا من شعره وشعر غيره وكان اجتماعنا بالقاهرة المحروسة في ~~مجالس عديدة وأخبرني أن مولده في الثامن والعشرين من شوال سنة تسع وأربعين ~~وخمسمائة بالحلة المزيدية وتوفي يوم الأربعاء العشرين من ذي القعدة سنة ~~اثنتين وأربعين وستمائة ودفن من الغد بالقرافة الصغرى وحضرت الصلاة عليه ~~وكان إماما في اللغة راوية للشعر والأدب رحمه الله تعالى وقاسيون بفتح ms0470 ~~القاف وبعد الألف سين مكسورة مهملة وضم الياء المثناة من تحتها وبعد الواو ~~الساكنة نون وهو جبل مطل على دمشق وفيه قبور أهلها وتربهم وفيه مدارس ~~ورباطات وجامع وفيه نهران ثورا ويزيد PageV02P342 # 250 زيري بن مناد الصنهاجي الأمير زيري بن مناد ~~الحميري الصنهاجي جد المعز بن باديس الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وقد تقدم ~~ذكر ولده بلكين وحفيده باديس في حرف الباء وذكر حفيد حفيده الأمير تميم في ~~حرف الثاء واستوعبت عنده الرفع في نسبه وزيري المذكور أول من ملك من بيتهم ~~وهو الذي بنى مدينة آشير وحصنها في أيام خروج أبي يزيد مخلد الخارجي المقدم ~~ذكره لما خرج على القائم بن المهدي وعلى ولده المنصور إسماعيل وملكها وملك ~~ما حولها وأعطاه المنصور المذكور تاهرت وأعمالها وكان حسن السيرة تام ~~السياسة شجاعا صارما وكانت بينه وبين جعفر بن علي الأندلسي المقدم ذكره في ~~حرف الجيم ضغائن وأحقاد أفضت إلى الحرب فلما تصافا انجلى المصاف عن قتل ~~زيري المذكور وذلك في شهررمضان سنة ستين وثلاثمائة وذكر أنه كبا به فرسه ~~فسقط إلى الأرض فقتل وكانت مدة ملكه ستا وعشرين سنة رحمه الله تعالى وزيري ~~بكسر الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الراء وبعدها مثناة من تحتها ~~ومناد بفتح الميم والنون وبعد الألف دال مهملة والصنهاجي تقدم الكلام عليه ~~وآشير بمد الهمزة وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~PageV02P343 # وبعدها راء وقد تقدم ذكرها في حرف الهمزة في ترجمة أبي ~~إسحاق إبراهيم ابن قرقول وتاهرت بفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف ~~هاء مفتوحة وراء ساكنة ثم تاء مثناة من فوقها وهي مدينة بافريقية وثم أيضا ~~تاهرت أخرى ويقال للواحدة القديمة وللأخرى الجديدة ولا أعلم أي المدينتين ~~ملكها زيري المذكور 251 زينب بنت الشعري أم المؤيد زينب وتدعى حرة أيضا بنت ~~أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبدوس الجرجاني ~~الأصل النيسابوري الدار الصوفي المعروف بالشعري كانت عالمة وأدركت جماعة من ~~أعيان العلماء ms0471 وأخذت عنهم رواية وإجازة سمعت من أبي محمد إسماعيل بن أبي ~~القاسم ابن أبي بكر النيسابوري القارئ وأبي القاسم زاهر وأبي بكر وجيه ابني ~~طاهر الشحاميين وأبي المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري ~~وأبي الفتوح عبد الوهاب بن شاه الشاذياخي وغيرهم وأجاز لها الحافظ أبو ~~الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي والعلامة أبو القاسم ~~محمود ابن عمر الزمخشري صاحب الكشاف وغيرهما من السادات الحفاظ ولنا منها ~~إجازة كتبتها في بعض شهور سنة عشر وستمائة ومولدي يوم الخميس بعد صلاة ~~العصر حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستمائة بمدينة PageV02P344 # إربل بمدرسة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين بن زين ~~الدين رحمهما الله تعالى ومولد زينب المذكورة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ~~بنيسابور وتوفيت سنة خمس عشرة وستمائة في جمادى الآخرة بمدينة نيسابور ~~رحمها الله تعالى والشعري بفتح الشين المثلثة وسكون العين المهملة وفتحها ~~وبعدها راء هذه النسبة إلى الشعر وعمله وبيعه ولا أعلم من كان في أجدادها ~~يتعاطاه فنسبوا إليه والله أعلم حرف السين PageV02P345 # 252 سالم بن عبد الله بن عمر أبو عمرو ويقال أبو عبد ~~الله سالم بن عبد الله ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي رضي الله ~~عنهم أجمعين أحد فقهاء المدينة من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم روى عن ~~أبيه وغيره وروى عنه الزهري ونافع توفي في آخر ذي الحجة سنة ست ومائة وقيل ~~سنة ثمان ومائة وهشام بن عبد الملك يومئذ بالمدينة وكان قد حج بالناس تلك ~~السنة ثم قدم المدينة فوافق موت سالم فصلى عليه بالبقيع لكثرة الناس فلما ~~رأى هشام كثرتهم قال لإبراهيم بن هشام المخزومي والي المدينة اضرب على ~~الناس بعث أربعة آلاف فسمي عام أربعة آلاف حدث الزهري قال سمعت سالم بن عبد ~~الله يقول دخلت على الوليد بن عبد الملك فقال ما أحسن جسمك فما طعامك قلت ~~الكعك والزيت قال وتشتهيه قلت أدعه حتى أشتهيه فإذا اشتهيته أكلته وكان ~~يقول إياكم ومداومة اللحم فإن له ضراوة كضراوة ms0472 الشراب وكتب عمر بن عبد ~~العزيز إلى سالم بن عبد الله أن اكتب لي بشيء من رسائل عمر بن الخطاب فكتب ~~إليه يا عمر اذكر الملوك الذين تفقأت أعينهم التي كانت لا تنقضي لذتهم بها ~~وتفقأت بطونهم التي كانوا لا يشبعون بها PageV02P349 # وصاروا جيفا في الأرض تحت آكامها لو كانت إلى جنب ~~مساكن لنا لتأذينا بريحهم وقال محمد بن إسحاق صاحب المغازي والسير رأيت ~~سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم يلبس الصوف وكان علج ~~الخلق يعالج بيديه ويعمل ودخل سليمان بن عبد الملك الكعبة فرأى سالما فقال ~~له سلني حوائجك فقال والله لا سألت في بيت الله غير الله 253 سالم الخاسر ~~أبو عمر سالم الشاعر عرف بالخاسر يقال إنه مولى أبي بكر الصديق وقيل بل ~~مولى المهدي وهو سالم بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر هكذا نسبه أحمد ابن ~~أبي طاهر وسمي الخاسر لكونه باع مصحفا واشترى بثمنه طنبورا قدم بغداد ومدح ~~المهدي والهادي والبرامكة وكان على طريقة غير مرضية من المجون والتظاهر ~~بالخلاعة والفسوق وكان سالم المذكور قد مدح المهدي بقصيدة منها (حضر الرحيل ~~وشدت الأحداج * وحدا بهن مشمر مزعاج) PageV02P350 # (شربت بمكة في ذرى بطحائها * ماء النبوة ليس فيه مزاج) ~~وكان المهدي أعطى مروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم بقصيدته التي أولها ~~(طرقتك زائرة فحي خيالها *) فأراد أن ينقص سالما من هذه الجائزة فحلف سالم ~~يقال إن لا يأخذ إلا مائة ألف وقال تطرح القصيدتان إلى أهل العلم حتى ~~يخبروا بتقدم قصيدتي فأنفذ له المهدي مائة ألف درهم وألف درهم وكان هذا ~~ماله وكان ينتمي إلى ولاء تيم بن مرة من قريش فلما بلغ زمن الرشيد وكان ~~الرشيد قد بايع لمحمد بن زبيدة يعني ولده الأمين قال قصيدته التي أولها (قل ~~للمنازل بالكثيب الاعفر * أسقيت غادية السحاب الممطر) (قد بايع الثقلان ~~مهدي الهدى * لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر) فحشت زبيدة فاه درا فباعه بعشرين ~~ألف دينار وتقدم لمروان بن أبي ms0473 حفصة مع زبيدة مثل ذلك في حرف الزاي ومات ~~سالم في أيام الرشيد وقد اجتمع عنده ستة وثلاثون ألف دينار فاودعها أبا ~~السمراء الغساني فبقيت عنده وإن إبراهيم الموصلي دخل يوما على الرشيد وغناه ~~فأطربه فقال سل ما شئت قال نعم يا سيدي أسأل شيئا لا يرزأك قال ما هو قال ~~مات سالم وليس له وارث وخلف ستة وثلاثين ألف دينار عند أبي السمراء الغساني ~~تأمره أنيدفعها إلي فتسلمها وكان الجماز قدم هو وأبوه يطالبان بميراث سالم ~~بأنهما من قرابته وذكروا انه لما قال أبو العتاهية (تعالى الله يا سلم بن ~~عمرو * أذل الحرص أعناق الرجال) PageV02P351 # غضب سالم وقال يزعم أني حريص وقال يرد عليه (ما أقبح ~~التزهيد من واعظ * يزهد الناس ولا يزهد) (لو كان في تزهيده صادقا * أضحى ~~وأمسى بيته المسجد) (ويرفض الدنيا ولم يقنها * ولم يكن يسعى ويسترفد) (يخاف ~~أن تنفد أرزاقه * والرزق عند الله لا ينفد) (والرزق مقسوم على من ترى * ~~يناله الأبيض والأسود) (كل يوفى رزقه كاملا * من كف عن جهد ومن يجهد) وكان ~~سالم من الشعراء المجيدين من تلامذة بشار وصار يقول أرق من شعر بشار وكان ~~بشار قد قال (من راقب الناس لم يظفر بحاجته * وفاز بالطيبات الفاتك اللهج) ~~وقال سالم (من راقب الناس مات غما * وفاز باللذة الجسور) فغضب بشار وقال ~~ذهب والله بيتي يأخذ المعاني التي تعبت فيها فيكسوها ألفاظا أخف من ألفاظي ~~لا ارضى عنه فما زالوا يسألونه حتى رضي عنه وقال أبو معاذ النميري رأيت ~~بشارا لما قال هذا البيت وهو يلهج به كثيرا (من راقب الناس لم يظفر بحاجته ~~* 000 البيت قلت يا أبا معاذ قد قال سالم الخاسر بيتا في هذا المعنى هو أخف ~~من هذا وأنشدته (من راقب الناس مات غما *) فقال ذهب والله بيتي والله لا ~~أكلت اليوم شيئا ولا صمت وكانت وفاة سالم المذكور سنة ست وثمانين ومائة ~~رحمه الله تعالى PageV02P352 # 254 أبو بكر ابن عياش أبو بكر سالم بن عياش بن سالم ~~الحناط ms0474 الأسدي مولاهم الكوفي كان من أرباب الحديث والعلماء المشاهير وهو ~~أحد راوي القراءات عن عاصم وهو مولى واصل بن حيان الأحدب ذكر أبو العباس ~~المبرد في كتاب الكامل قال قال أبو بكر ابن عياش أصابتني مصيبة آلمتني ~~فذكرت قول ذي الرمة (لعل انحدار الدمع يعقب راحة * من الوجد أو يشفي نجي ~~البلابل) فخلوت بنفسي وبكيت فاسترحت وله أخبار وحكايات كثيرة وقيل اسمه ~~كنيته وقيل اسمه شعبة والله أعلم وروي عنه أنه قال لما كنت شابا وأصابتني ~~مصيبة تجلدت لها ودفعت البكاء بالصبر فكان ذلك يؤذيني ويؤلمني حتى رأيت ~~أعرابيا بالكناسة وهو واقف على نجيب له ينشد (خليلي عوجا من صدور الرواحل * ~~بمهجور حزوى فابكيا في المنازل) وبعده (لعل انحدار الدمع يعقب راحة * من ~~الوجد أو يشفي نجي البلابل) PageV02P353 # فسألت عنه فقيل لي ذو الرمة فأصابني بعد ذلك مصائب ~~فكنت أبكي فأجد لذلك راحة فقلت قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره قال أبو ~~بكر قال لي رجل وأنا شاب خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة فان ~~أسير الآخرة غير مفكوك أبدا قال فأنسيتها وكانت وفاته بالكوفة في سنة ثلاث ~~وتسعين ومائة بعد هارون الرشيد بثمانية عشر يوما وعمره ثمان وتسعون سنة ~~وكانت وفاة الرشيد ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة من السنة ~~المذكورة بمدينة طوس رحمهما الله تعالى وعياش بفتح العين المهملة وتشديد ~~الياء المثناة من تحتها وبعد الألف شين معجمة والأسدي والكوفي قد تقدم ~~الكلام عليهما وقيل هو مولى بني كاهل ابن أسد بن خزيمة 255 سابور بن أردشير ~~أبو نصر سابور بن أردشير الملقب بهاء الدولة وزير بهاء الدولة أبي نصر ابن ~~عضد الدولة بن بويه الديلمي كان من أكابر الوزراء وأماثل الرؤساء جمعت فيه ~~الكفاية والدراية وكان بابه محط الشعراء ذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب ~~اليتيمة وعقد لمداحه بابا مستقلا لم يذكر فيه غيرهم فمن جملة من مدحه أبو ~~الفرج الببغاء بقوله PageV02P354 # (لمت الزمان على تأخير مطلبي * فقال ما وجه لومي وهو ~~محظور) ms0475 (فقلت لو شئت ما فات الغنى أملي * فقال أخطأت بل لو شاء سابور) (لذ ~~بالوزير أبي نصر وسل شططا * أسرف فإنك في الإسراف معذور) (وقد تقبلت هذا ~~النصح من زمني * والنصح حتى من الأعداء مشكور) ولمحمد بن أحمد الحرون فيه ~~قصيدة من جملتها (يا مؤنس الملك والأيام موحشة * ورابط الجأش والآجال في ~~وجل) (ما لي وللأرض لم أوطن بها وطنا * كأنني بكر معنى سار في المثل) (لو ~~أنصف الدهر أو لانت معاطفه * أصبحت عندك ذا خيل وذا خول) (لله لؤلؤ ألفاظ ~~أساقطها * لو كن للغيد ما استأنسن بالعطل) (ومن عيون معان لو كحلن بها * ~~نجل العيون لأغناها عن الكحل) وكان قد صرف عن الوزارة ثم أعيد إليها فكتب ~~إليه أبو إسحاق الصابىء (قد كنت طلقت الوزارة بعد ما * زلت بها قدم وساء ~~صنيعها) (فغدت بغيرك تستحل ضرورة * كيما يحل إلى ذراك رجوعها) (فا لآن عادت ~~ثم آلت حلفة * أن لا يبيت سواك وهو ضجيعها) ولبعض الشعراء في وزير صرف ثم ~~أعيد من يومه فقال على لسانه (عاداني الدهر نصف يوم * فانكشف الناس لي ~~وبانوا) (يا أيها المعرضون عنا * عودوا فقد عاد لي الزمان) PageV02P355 # وله ببغداد دار علم وإليها أشار أبو العلاء المعري ~~بقوله في القصيدة المشهورة (وغنت لنا في دار سابور قينة * من الورق مطراب ~~الأصائل ميهال) وكانت وفاة سابور المذكور في سنة ست عشرة وأربعمائة ببغداد ~~رحمه الله تعالى ومولده بشيراز ليلة السبت خامس عشر ذي القعدة سنة ست ~~وثلاثين وثلاثمائة وتوفي مخدومه بهاء الدولة في جمادى الأولى سنة ثلاث ~~وأربعمائة بأرجان وعمره اثنتان وأربعون سنة وتسعة أشهر وعشرون يوما رحمه ~~الله تعالى وسابور بفتح السين المهملة وضم الباء الموحدة وبعد الواو راء ~~والأصل فيه شاه بور فعرب لأن الشاه بالعجمي الملك وبور ابن فكأنه قال ابن ~~الملك وعادة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف وأول من سمي بهذا الاسم ~~سابور بن أردشير بن بابك بن ساسان أحد ملوك الفرس وأردشير بفتح الهمزة ~~وسكون الراءوفتح الدال المهملة وكسر الشين ms0476 المعجمة وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وبعدها راء قاله الدارقطني الحافظ وقال غيره معناه دقيق حليب وقيل ~~معناه دقيق وحلو وقال بعضهم أزدشير بالهمزة والزاي وهو لفظ عجمي وأرد عندهم ~~الدقيق وشير الحليب وشيرين الحلو والله أعلم PageV02P356 # 256 سري السقطي أبو الحسن سري بن المغلس السقطي أحد ~~رجال الطريقة وأرباب الحقيقة كان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد وهوخال ~~أبي القاسم الجنيد وأستاذه وكان تلميذ معروف الكرخي يقال إنه كان في دكانه ~~فجاءه معروف يوما ومعه صبي يتيم فقال له اكس هذا اليتيم قال سري فكسوته ~~ففرح به معروف وقال بغض الله إليك الدنيا وأراحك مما أنت فيه فقمت من ~~الدكان وليس شيء أبغض إلى من الدنيا وكل ما أنا فيه من بركات معروف ويحكى ~~أنه قال منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي مرة الحمد لله قيل له ~~وكيف ذلك فقال وقع ببغداد حريق فاستقبلني واحد وقال نجا حانوتك فقلت الحمد ~~لله فأنا نادم من ذلك الوقت على ما قلت حيث أردت لنفسي خيرا من الناس وحكى ~~أبو القاسم الجنيد قال دخلت يوما على خالي سري السقطي وهو يبكي فقلت ما ~~يبكيك قال جائتني البارحة الصبية فقالت يا أبت هذه ليلة حارة وهذا الكوز ~~أعلقه هاهنا ثم إنه حملتني عيناي فنمت فرأيت جارية من أحسن خلق الله قد ~~نزلت من السماء فقلت لمن أنت قالت لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان ~~وتناولت الكوز فضربت به الأرض قال الجنيد فرأيت الخزف المكسور لم يرفعه حتى ~~عفى عليه التراب PageV02P357 # قال عبد الله بن شاكر قال سري صليت وردي ليلة ومددت ~~رجلي في المحراب فنوديت يا سري هكذا تجالس الملوك قال فضممت رجلي مثم قلت ~~وعزتك لا مددت رجلي أبدا قال الجنيد أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي ~~مضطجعا إلا في علة الموت ة يحكى عن الجنيد أنهقال سألني السري يوما عن ~~المحبة فقلت قال قوم هي الموافقة وقال قوم هي الإيثار وقال قوم كذا وكذا ~~فأخذ السري جلدة ms0477 ذراعه ومدها فلم تمتد ثم قال وعزته لو قلت إن هذه الجلدة ~~يبست على هذا العظم من محبته لصدقت قال الجنيد وسمعته يقول أريد أن اكل ~~أكلة ليس لله علي فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة فلم أجد فأتاني حي ~~الجرجاني فدق علي باب الغرفة فخرجت إليه فقال لي يا سري ملحك مدقوق فقلت ~~نعم قال لا تفلح ثم قال لولا أن الله عز وجل عقم الاذان عن فهم القران ما ~~زرع الزارع ولا تجر التاجر ولا تلاه الناس في الطرقات ثم مضى فأتعبني ~~وأبكاني وحكى الجنيد أيضا عن سري قال كنت في طلب صديق ثلاثين سنة فلم أظفر ~~به فمررت في بعض الجبال بأقوام مرضى وزمنى وعمي وبكم فسألتهم عن مقامهم في ~~ذلك الموضع فقالوا في هذا الكهف رجل سميح بيده عليهم فيبرءون بإذن الله ~~تعالى وبركة دعائه فوقفت أنتظر معهم فخرج شيخ عليه جبة صوف فلمسهم ودعا لهم ~~فكانوا يبرءون من عللهم بمشيئة الله عز وجل قال فأخذت بذيله فقال خل عني يا ~~سري لا يراك تأنس بغيره فتسقط من عينه قال سري المتصوف اسم لثلاثة معان وهو ~~الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر ~~الكتاب ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله تعالى PageV02P358 # وكانت وفاته سنة إحدى وخمسين وقيل يوم الأربعاء لست ~~خلون من شهر رمضان بعد الفجر سنة ست وخمسين وقيل سبع وخمسين ومائتين ببغداد ~~ودفن بالشونزية وقال الخطيب في تاريخ بغداد مقبرة الشونزي وراء المحلة ~~المعروفة بالتوثة بالقرب من نهر عيسى بن علي الهاشمي وسمعت بعض شيوخنا يقول ~~مقابر قريش كانت قديما تعرف بمقبرة الشونيزي الصغير والمقبرة التي وراء ~~التوثة تعرف بمقبرة الشونيزي الكبير وكانا أخوين يقال لكل واحد منهما ~~الشونيزي ودفن كل واحد منهما في إحدى هاتين المقبرتين ونسبت المقبرة إليه ~~والله أعلم وقبره ظاهر معروف وإلى جنبه قبر الجنيد رضي الله عنهما والمغلس ~~بضم الميم وفتح الغين المعجمة وكسر اللام المشددة وبعدها سين مهملة وكان ms0478 ~~سري كثيرا ما ينشد (إذا ما شكوت الحب قالت كذبتني * فما لي أرى الأعضاء منك ~~كواسيا) (فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا * وتذهل حتى لا تجيب المناديا) 257 ~~السري الرفاء أبو الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي ~~الشاعر المشهور كان فيصباه يرفو ويطرز في دكان بالموصل وهو مع ذلك يتولع ~~بالأدب وينظم الشعر ولم يزل حتى جاد شعره ومهر فيه وقصد سيف الدولة ابن ~~حمدان بحلب ومدحه وأقام عنده مدة ثم انتقل بعد وفاته إلى بغداد ومدح ~~PageV02P359 # الوزير المهلبي وجماعة من رؤسائها ونفق شعره وراج ~~وكانت بينه وبين أبي بكر محمد وأبي عثمان سعيد ابني هاشم الخالديين ~~الموصليين الشاعرين المشهورين معاداة فادعى عليهما سرقة شعره وشعر غيره ~~وكان السري مغرى بنسخ ديوان أبي الفتح كشاجم الشاعر المشهور وهو إذ ذاك ~~ريحان الأدب بتلك البلاد والسري في طريقه يذهب وعلى قالبه يضرب فكان يدس ~~فيما يكتبه من شعره أحسن شعر الخالديين ليزيد في حجم ما ينسخه وينفق سوقه ~~ويغلي سعره ويشنع بذلك عليهما ويغض منهما ويظهر مصداق قوله في سرقتهما فمن ~~هذه الجهة وقعت في بعض النسخ من ديوان كشاجم زيادات ليست في الأصول ~~المشهورة وكان شاعرا مطبوعا عذب الألفاظ مليح المأخذ كثير الافتنان في ~~التشبيهات والأوصاف ولم يكن له رواء ولا منظر ولا يحسن من العلوم غير قول ~~الشعر وقد عمل شعره قبل وفاته نحو ثلاثمائة ورقة ثم زاد بعد ذلك وقد عمله ~~بعض المحدثين الأدباء على حروف المعجم ومن شعر السري أبيات يذكر فيها ~~صناعته فمنها قوله (وكانت الإبرة فيما مضى * صائنة وجهي وأشعاري) (فأصبح ~~الرزق بها ضيقا * كأنه من ثقبها جاري) ومن محاسن شعره في المديح من جملة ~~قصيد (يلقى الندى برقيق وجه مسفر * فإذا التقى الجمعان عاد صفيقا) (رحب ~~المنازل ما أقام فإن سرى * في جحفل ترك الفضاء مضيقا) PageV02P360 # وذكر له الثعالبي في كتاب المنتخل (ألبستني نعما رأيت ~~بها الدجى * صبحا وكنت أرى الصباح بهيما) (فغدوت يحسدني الصديق وقبلها * قد ~~كان يلقاني العدو رحيما) ms0479 ومن غرر شعره في النسيب قوله (بنفسي من أجود له ~~بنفسي * ويبخل بالتحية والسلام) (وحتفي كامن في مقلتيه * كمون الموت في حد ~~الحسام) وله من قصيدة يمدح بها سيف الدولة بن حمدان (تركتهم بين مصبوغ ~~ترائبه * من الدماء ومخضوب ذوائبه) (فحائد وشهاب الرمح لاحقه * وهارب وذباب ~~السيف طالبه) (يهوي إليه بمثل النجم طاعنه * وينتحيه بمثل البرق غالبه) ~~(يكسوه من دمه ثوبا ويسلبه * ثيابه فهو كاسيه وسالبه) وله من قصيدة أخرى ~~(وكم ليلة شمرت للراح رائحا * وبت لغزلان الصريم مغازلا) (وحليت كأسي ~~والسنا بحليها * فما عطلت حتى بدا الأفق عاطلا) ومن شعره (وفتية زهر الآداب ~~بينهم * أبهى وأنضر من زهر الرياحين) (راحوا إلى الراح مشي الرخ وانصرفوا * ~~والراح تمشي بهم مشي الفرازين) PageV02P361 # ومن شعره (ما كان ذاك العيش إلا سكرة * رحلت لذاذتها ~~وحل خمارها) ومن شعره (انظر إلى الليل كيف تصرعه * راية صبح مبيضة العذب) ~~(كراهب جن للهوى طربا * فشق جلبابه من الطرب) وللسري المذكور ديوان شعر كله ~~جيد وله كتاب المحب والمحبوب والمشموم والمشروب وكتاب الديرة وكانت وفاته ~~في سنة نيف وستين وثلاثمائة ببغداد رحمه الله تعالى هكذا قال الخطيب ~~البغدادي في تاريخه وقال غيره توفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وقيل سنة ~~أربع وأربعين وثلاثمائة والله أعلم وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أنه ~~توفي سنة ستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى 258 حيص بيص أبوالفوارس سعد بن ~~محمد بن سعد بن الصيفي التميمي الملقب شهاب الدين المعروف بحيص بيص الشاعر ~~المشهور كان فقيها شافعي المذهب تفقه بالري على القاضي محمد بن عبد الكريم ~~الوزان وتكلم في مسائل الخلاف إلا أنه PageV02P362 # غلب عليه الأدب ونظم الشعر وأجاد فيه مع جزالة لفظه ~~وله رسائل فصيحة بليغة ذكره الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتاب الذيل ~~وأثنى عليه وحدث بشيء من مسموعاته وقرئ عليه ديوانه ورسائله وأخذ الناس عنه ~~أدبا وفضلا كثيرا وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم ويقال ~~إنه كان فيه تيه وتعاظم وكان لا يخاطب أحدا إلا بالكلام العربي ms0480 وكانت له ~~حوالة بمدينة الحلة فتوجه إليها لاستخلاص مبلغها وكانت على ضامن الحلقة ~~فسير غلامه إليه فلم يعرج عليه وشتم أستاذه فشكاه إلى والي الحلة وهو يومئذ ~~ضياء الدين مهلهل بن أبي العسكر الجاواني فسير معه بعض غلمان الباب ليساعده ~~فلم يقنع أبو الفوارس منه بذلك فكتب إليه يعاتبه وكانت بينهما مودة متقدمة ~~ما كنت أظن أن صحبة السنين ومودتها يكون مقدارها في النفوس هذا المقدار بل ~~كنت أظن أن الخميس الجحفل لو زن لي عرضا لقام بنصري من آل أبي العسكر حماة ~~غلب الرقاب فكيف بعامل سويقة وضامن حليلة وحليقة ويكون جوابي في شكواي أن ~~ينفذ إليه مستخدم يعاتبه ويأخذ ما قبله من الحق لا والله (إن الأسود أسود ~~الغاب همتها * يوم الكريهة في المسلوب لا السلب) وبالله أقسم ونبيه وال ~~بيته لئن لم تقم لي حرمة يتحدث بها نساء الحلة في أعراسهن ومناحاتهن لا ~~أقام وليك بحلتك هذه ولو أمسى بالجسر أو القناطر هبني خسرت حمر النعم ~~أفأخسر أبيتي واذلاه واذلاه والسلام وكان يلبس زي العرب ويتقلد سيفا فعمل ~~فيه أبو القاسم ابن الفضل الآتي PageV02P363 # ذكره في حرف الهاء إن شاء الله تعالى وذكر العماد في ~~الخريدة أنها للرئيس علي بن الأعرابي الموصلي وذكر أنه توفي سنة سبع ~~وأربعين وخمسمائة (كم تبادى وكم تطول طرطورك * رك ما فيك شعرة من تميم) ~~(فكل الضب واقرط الحنظل اليابس * واشرب ما شئت بول الظليم) (ليس ذا وجه من ~~يضيف ولا يقري * ولا يدفع الأذى عن حريم) فلما بلغت الأبيات أبا الفوارس ~~المذكور عمل (لا تضع من عظيم قدر وإن كنت * مشارا إليه بالتعظيم) (فالشريف ~~الكريم ينقص قدرا * بالتعدي على الشريف الكريم) (ولع الخمر بالعقول رمى ~~الخمر * يتنجيسها وبالتحريم) وعمل فيه خطيب الحويزة البحيري (لسنا وحقك حيص ~~بيص * من الأعارب في الصميم) (ولقد كذبت على بحير * كما كذبت على تميم) ~~وقال الشيخ نصر الله بن مجلي مشارف الصناعة بالمخزن وكان من الثقات أهل ~~السنة رأيت في المنام علي بن أبي طالب رضي ms0481 الله عنه فقلت له يا أمير ~~المؤمنين تفتحون مكة فتقولون من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ثم يتم على ولدك ~~الحسين يوم الطف ما تم فقال أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا فقلت لا فقال ~~اسمعها منه ثم استيقظت فبادرت إلى دار حيص بيص فخرج إلي فذكرت له الرؤيا ~~فشهق وأجهش بالبكاء وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد وإن كنت ~~نظمتها إلا في ليلتي هذه ثم أنشدني PageV02P364 # (ملكنا فكان العفو منا سجية * فلما ملكتم سال بالدم ~~أبطح) (وحللتم قتل الأسارى وطالما * غدونا على الأسرى نعف ونصفح) (فحسبكم ~~هذا التفاوت بيننا * وكل إناء بالذي فيه ينضح) وإنما قيل له حيص بيص لأنه ~~رأى الناس يوما في حركة مزعجة وأمر شديد فقال ما للناس في حيص بيص فبقي ~~عليه هذا اللقب ومعنى هاتين الكلمتين الشدة والاختلاط تقول العرب وقع الناس ~~في حيص بيص أي في شدة واختلاط وكانت وفاته ليلة الأربعاء سادس شعبان سنة ~~أربع وسبعين وخمسمائة ببغداد ودفن من الغد بالجانب الغربي في مقابر قريش ~~رحمه الله تعالى وكان إذ سئل عن عمره يقول أنا أعيش في الدنيا مجازفة لأنه ~~كان لا يحفظ مولده وكان يزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب ~~ولم يترك أبو الفوارس عقبا وصيفي بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة ~~من تحتها وكسر الفاء وبعدها ياء والحويزة بضم الحاء المهملة وفتح الواو ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها زاي ثم هاء وهي بليدة من إقليم ~~خوزستان على اثني عشر فرسخا من الأهواز PageV02P365 # 259 أبو المعالي الحظيري أبو المعالي سعد بن علي بن ~~القاسم بن علي بن القاسم بن علي بن القاسم الأنصاري الخزرجي الوراق الحظيري ~~المعروف بدلال الكتب كانت لديه معارف وله نظم جيد وألف مجاميع ما قصر فيها ~~منها كتاب زينة الدهر وعصرة أهل العصر وذكر ألطاف شعراء العصر الذي ذيله ~~على دمية القصر لأبي الحسن الباخرزي جمع فيه جماعة كبيرة من أهل عصره ومن ~~تقدمهم ms0482 وأورد لكل واحد طرفا من أحواله وشيئا من شعره وقد ذكره العماد ~~الكاتب في الخريدة وأنشد له عدة مقاطيع وروى عنه لغيره شيئا كثيرا وكان ~~مطلعا على أشعار الناس وأحوالهم وله كتاب سماه لمح الملح يدل على كثرة ~~اطلاعه ومن شعر أبي المعالي المذكور قوله (ومعذر في خده * ورد وفي فمه ~~مدام) (ما لان لي حتى تغشى * صبح سالفه ظلام) (كالمهر يجمح تحت راكبه * ~~ويعطفه اللجام) وهذا المعنى يقرب من قول أبي علي الحسن بن رشيق المقدم ذكره ~~(وأسمر اللون عسجدي * يستمطر المقلة الجهاما) (ضاق بحمل العذار ذرعا * ~~كالمهر لا يعرف اللجاما) PageV02P366 # (فظن أن العذار مما * يزيح عن جسمي السقاما) (فنكس ~~الرأس إذ رآني * كآبة منه واحتشاما) (وما درى أنه نبات * أنبت في قلبي ~~الغراما) (وهل ترى عارضيه إلا * حمائلا علقت حساما) وقد سبق في ترجمة أبي ~~عمر أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد معنى هذا البيت الأخير وله أيضا ~~(أحدقت ظلمة العذار بخديه * فزادت في حبه حسراتي) (قلت ماء الحياة في فمه ~~العذب * دعوني أخوض في الظلمات) ومن شعره الرائق (لئن قيل أبدع في شبهه * ~~ولم يكس معناه لفظا سليما) (فمن عنب الكرم يجنى السلاف * وإن لم يكن غصنها ~~مستقيما) وله أيضا (قل لمن عاب شامة لحبيبي * دون فيه دع الملامة فيه) ~~(إنما الشامة التي قلت عنها * فص فيروزج بخاتم فيه) ومن شعره أيضا (لما حنى ~~الشيب ظهري صحت واحربا دنا * أوان فراق الروح والجسد) (أما ترى القوس أحنى ~~ظهرها فدنا * ترحل السهم عنها وهي في الكبد) وله في كتاب جمعه وسماه زينة ~~الدهر PageV02P367 # (هذا كتاب قد غدا روضة * ونزهة للقلب والعين) (جعلت من ~~شعري له عوذة * خوفا وإشفاقا من العين) وله أيضا (مد على ماء الشباب الذي * ~~في خده جسر من الشعر) (صار طريقا لي إلى سلوتي * وكنت فيه موثق الأسر) ومن ~~شعره أيضا (شكوت هوى من شف قلبي بعده * توقد نار ليس يطفى سعيرها) (فقال ~~بعادي عنك أكثر راحة * ولولا بعاد الشمس أحرق نورها) وله أيضا ms0483 (ومهفهف ~~شبهته شمس الضحى * في حسن بهجتها وبعد مكانها) (قد زاده نقش العذار محبة * ~~نقش الفصوص يزيد في أثمانها) ومن شعره (ومستحسن أصبحت أهذي بذكره * وأمسيت ~~في شغل من الوصل شاغل) (وعارضني من سحر عينيه جنة * فقيدني من صدغة بسلاسل) ~~وله كل معنى مليح مع جودة السبك وتوفي يوم الاثنين الخامس والعشرين وقيل ~~الخامس عشر من صفر سنة ثمان وستين وخمسمائة ببغداد ودفن بمقبرة باب حرب ~~رحمه الله تعالى والحظيري بفتح الحاء المهملة وكسر الظاء المعجمة وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها راء هذه النسبة إلى موضع فوق بغداد يقال له ~~الحظيرة ينسب إليه كثير من العلماء والثياب الحظيرية منسوبة إليه أيضا ~~PageV02P368 # 260 سعيد الحيري أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن ~~منصور الواعظ الحيري ولد بالري ونشأ بهاثم انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن ~~توفي بها وكان قد سمع بالري من محمد بن مقاتل وغيره وبالعراق من محمد بن ~~إسماعيل الأحمسي وحميد بن الربيع اللخمي وغيرهما ودخل بغداد ويقال إنه كان ~~مستجاب الدعوة وقام في مجلسه رجل فقال يا أبا عثمان متى يكون الرجل صادقا ~~في حب مولاه قال إذا خلا من خلافه كان صادقا في حبه قال فوضع الرجل التراب ~~على وجهه وصاح وقال كيف أدعي حبه ولم أخل طرفه عين من خلافه فبكى أبو عثمان ~~وأهل المجلس وجعل أبو عثمان يقول صادق في حبه مقصر في حقه قال أبو عمرو ~~وكنت أختلف إلى أبي عثمان مدة في وقت شبابي وحظيت عنده ثم اشتغلت مدة بشيء ~~مما يشتغل به الفتيان فانقطعت عنه وكنت إذا رأيته من بعيد أو في طريق ~~اختفيت حتى لا يراني فخرج علي يوما من سكة في عطفة فلم أجد عنه محيصا ~~فتقدمت إليه وأنا دهش فلما رأى ذلك قال يا أبا عمرو لا تثقن بمودة من لا ~~يحبك إلا معصوما وكان يقول طول العتاب فرقة وترك العتاب حشمة وكان يقول لا ~~يستوي الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء المنع والعطاء والعز والذل ms0484 ~~PageV02P369 # وكان يقال ثلاثة أشياء لا رابع لها أبو عثمان بنيسابور ~~والجنيد ببغداد وأبو عبد الله ابن الجلاء بالشام وقال أبو عثمان منذ أربعين ~~سنة ما أقامني الله تعالى في شيء فكرهته ولا نقلني إلى حال فسخطته وقالت ~~مريم امرأة أبي عثمان كنا نؤخر اللعب والضحك والحديث إلى أن يدخل أبو عثمان ~~في ورده من الصلاة فإنه إذا دخل ستر الخلوة لم يحس بشيء من الحديث وغيره ~~وقالت صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها وقلت يا أبا عثمان أي عملك أرجى ~~عندك فقال يا مريم لما ترعرعت وأنا بالري وكانوا يراودونني على التزوج ~~فأمتنع جائتني امرأة فقالت يا أبا عثمان قد أحببتك حبا ذهب بنومي وقراري ~~وأنا أسألك بمقلب القلوب أن تتزوج بي فقلت ألك والد قالت نعم فلان الخياط ~~في موضع كذا فراسلته فأجاب فتزوجت بها فلما دخلت وجدتها عوراء عرجاء سيئة ~~الخلق فقلت اللهم لك الحمد على ما قدرته لي وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك ~~فأزيدها برا وإكراما إلى أن صارت لا تدعني أخرج من عندها فتركت حضور المجلس ~~إيثارا لرضاها وحفظا لقلبها وبقيت معها على هذه الحالة خمس عشرة سنة وكنت ~~معها في بعض أوقاتي كأني قابض على الجمر ولا أبدي لها شيئا من ذلك إلى أن ~~ماتت فما شيء عندي أرجى من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي ولما تغير ~~على أبي عثمان الحال عند الموت مزق ابنه أبو بكر قميصا على نفسه ففتح أبو ~~عثمان عينه وقال خلاف السنة يا بني في الظاهر وعلامة رياء في الباطن توفي ~~لثلاث عشرة بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ومائتين رحمه الله تعالى ~~وكان كثيرا ما ينشد في حال وعظه (وغير تقي يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي ~~والطبيب مريض) PageV02P370 # 261 سعيد بن جبير أبو عبد الله وقيل أبو محمد سعيد بن ~~جبير بن هشام الأسدي بالولاء مولى بني والبة بن الحارث بطن من بني أسد بن ~~خزيمة كوفي أحد أعلام التابعين وكان أسود أخذ العلم ms0485 عن عبد الله بن العباس ~~وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال له ابن عباس حدث فقال أحدث وأنت هاهنا ~~فقال أليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد فإن أصبت فذاك وإن أخطأت ~~علمتك وكان لا يستطيع أن يكتب مع ابن عباس في الفتيا فلما عمي ابن عباس كتب ~~فبلغه ذلك فغضب وعن ابن عباس رضي الله عنه أخذ القراءة أيضا عرضا وسمع منه ~~التفسير وأكثر روايته عنه وروى عن سعيد القراءة عرضا المنهال بن عمرو وأبو ~~عمرو بن العلاء قال وفاء بن إياس قال لي سعيد في رمضان أمسك علي القرآن فما ~~قام من مجلسه حتى ختمه قال سعيد قرأت القران في ركعة في البيت الحرام وقال ~~إسماعيل بن عبد الملك كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان فيقرأ ليلة ~~بقراءة عبد الله بن مسعود وليلة بقراءة زيد بن ثابت وليلة بقراءة غيره هكذا ~~أبدا وسأله رجل أن يكتب له تفسير القران فغضب وقال لأن يسقط PageV02P371 # شقي أحب إلي من ذلك وقال خصيف كان من أعلم التابعين ~~بالطلاق سعيد بن المسيب وبالحج عطاء وبالحلال والحرام طاوس وبالتفسير أبو ~~الحجاج مجاهد بن جبر وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير وكان سعيد في أول أمره ~~كاتبا لعبد الله بن عتبة بن مسعود ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري ~~وذكره أبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان فقال دخل أصبهان وأقام بها مدة ~~ثم ارتحل منها إلى العراق وسكن قرية سنبلان وروى محمد بن حبيب أن سعيد بن ~~جبير كان بأصبهان يسألونه عن الحديث فلا يحدث فلما رجع إلى الكوفة حدث فقيل ~~له يا أبا محمد كنت بأصبهان لاتحدث وأنت بالكوفة تحدث فقال انشر بزك حيث ~~يعرف وكان مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس لما خرج على عبد الملك ~~بن مروان فلما قتل عبد الرحمن وانهزم أصحابه من دير الجماجم هرب فلحق بمكة ~~وكان واليها يومئذ خالد بن عبد الله القسري فأخذه وبعث به ms0486 إلى الحجاج بن ~~يوسف الثقفي مع إسماعيل بن أوسط البجلي فقال له الحجاج PageV02P372 # يا شقي بن كسير أما قدمت الكوفة وليس يؤم بها إلا عربي ~~فجعلتك إماما فقال بلى قال أما وليتك القضاء فضج أهل الكوفة وقالوا لا يصلح ~~للقضاء إلا عربي فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري وأمرته أن لا يقطع ~~أمرا دونك قال بلى قال أما جعلتك في سماري وكلهم رؤوس العرب قال بلى قال ~~أما أعطيتك مائة ألف درهم تفرقها على أهل الحاجة في أول ما رأيتك ثم لم ~~أسألك عن شيء منها قال بلى قال فما أخرجك علي قال بيعة كانت في عنقي لابن ~~الأشعث فغضب الحجاج ثم قال أفما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك ~~من قبل والله لأقتلنك يا حرسي اضرب عنقه فضرب عنقه وذلك في شعبان سنة خمس ~~وتسعين وقيل سنة أربع وتسعين للهجرة بواسط ودفن في ظاهرها وقبره يزار بها ~~رضي الله عنه وله تسع وأربعون سنة وكان يوم أخذ يقول وشى بي واش في بلد ~~الله الحرام أكله إلى الله تعالى يعني خالد بن عبد الله القسري وقال أحمد ~~بن حنبل قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى ~~علمه ثم مات الحجاج بعده في شهر رمضان من السنة وقيل بل مات بعده بستة أشهر ~~ولم يسلطه الله تعالى بعده على قتل أحد حتى مات ولما قتله سال منه دم كثير ~~فاستدعى الحجاج الأطباء وسألهم عنه وعمن كان قتله قبله فإنه كان يسيل منهم ~~دم قليل فقالوا له هذا قتلته ونفسه معه والدم تبع للنفس ومن كنت تقتله قبله ~~كانت نفسه تذهب من الخوف فلذلك قل دمهم وقيل للحسن البصري إن الحجاج قد قتل ~~سعيد بن جبير فقال اللهم ايت على فاسق ثقيف والله لو أن من بين المشرق ~~والمغرب اشتركوا في قتله لكبهم الله عز وجل في النار ويقال إن الحجاج لما ~~حضرته الوفاة كان يغوص ثم يفيق ويقول مالي ولسعيد ms0487 بن جبير وقيل إنه في مدة ~~مرضه كان إذا نام رأى سعيد بن جبير آخذا بمجامع ثوبه يقول له يا عدو الله ~~فيم قتلتني فيستيقظ مذعورا ويقول مالي ولسعيد بن جبير ويقال إنه رئي الحجاج ~~في النوم بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال قتلني بكل قتيل قتلته قتلة ~~وقتلني بسعيد ابن جبير سبعين قتلة وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب ~~المهذب أن سعيد بن جبير كان يلعب بالشطرنج استدبارا ذكره في كتاب الشهادات ~~في فصل اللعب بالشطرنج PageV02P373 # وقال أحمد بن حنبل قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على ~~وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه ثم مات الحجاج بعده في شهر رمضان من ~~السنة وقيل بل مات بعده بستة أشهر ولم يسلطه الله تعالى بعده على قتل أحد ~~حتى مات ولما قتله سال منه دم كثير فاستدعى الحجاج الأطباء وسألهم عنه وعمن ~~كان قتله قبله فإنه كان يسيل منهم دم قليل فقالوا له هذا قتلته ونفسه معه ~~والدم تبع للنفس ومن كنت تقتله قبله كانت نفسه تذهب من الخوف فلذلك قل دمهم ~~وقيل للحسن البصري إن الحجاج قد قتل سعيد بن جبير فقال اللهم ايت على فاسق ~~ثقيف والله لو أن من بين المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبهم الله عز وجل ~~في النار ويقال إن الحجاج لما حضرته الوفاة كان يغوص ثم يفيق ويقول مالي ~~ولسعيد بن جبير وقيل إنه في مدة مرضه كان إذا نام رأى سعيد بن جبير آخذا ~~بمجامع ثوبه يقول له يا عدو الله فيم قتلتني فيستيقظ مذعورا ويقول مالي ~~ولسعيد بن جبير ويقال إنه رئي الحجاج في النوم بعد موته فقيل له ما فعل ~~الله بك فقال قتلني بكل قتيل قتلته قتلة وقتلني بسعيد ابن جبير سبعين قتلة ~~وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب المهذب أن سعيد بن جبير كان يلعب ~~بالشطرنج استدبارا ذكره في كتاب الشهادات في فصل اللعب بالشطرنج ~~PageV02P374 # 262 سعيد بن المسيب أبو محمد سعيد ms0488 بن المسيب بن حزن بن ~~أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم القرشي المدني أحد الفقهاء ~~السبعة بالمدينة وقد تقدم ذكر اثنين منهم أبو بكر في حرف الباء وخارجة في ~~حرف الخاء كان سعيد المذكور سيد التابعين من الطراز الأول جمع بين الحديث ~~والفقه والزهد والعبادة والورع سمع سعد بن أبي وقاص الزهري وأبا هريرة رضي ~~الله عنهما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لرجل سأله عن مسألة ايت ذاك ~~فسله يعني سعيدا ثم ارجع إلى فأخبرني ففعل ذلك وأخبره فقال ألم أخبركم أنه ~~أحد العلماء وقال أيضا في حقه لأصحابه لو رأى هذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لسره وكان قد لقي جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وسمع منهم ودخل على ~~أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عنهن وأكثر روايته المسند عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه وكان زوج ابنته وسئل الزهري ومكحول من أفقه من أدركتما ~~فقالا سعيد بن المسيب وروي عنه أنه قال حججت أربعين حجة وعنه أنه قال ما ~~فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة منذ ~~خمسين سنة لمحافظته على الصف الأول وقيل إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين ~~سنة وكان يقول ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله ولا أهانت نفسها بمثل ~~معصية PageV02P375 # الله ودعي إلى نيف وثلاثين ألفا ليأخذها فقال لا حاجة ~~لي فيها ولا في بني مروان حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم وقال أبو وداعة ~~كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما فلما جئته قال أين كنت قلت توفيت ~~أهلي فاشتغلت بها فقال هلا أخبرتنا فشهدناها قال ثم أردت أن أقوم فقال هلا ~~أحدثت امرأة غيرها فقلت يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ~~ثلاثة فقال إن أنا فعلت تفعل قلت نعم ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وزوجني على درهمين أو قال على ثلاثة قال فقمت وما أدري ms0489 ما ~~أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ وأستدين وصليت المغرب ~~وكنت صائما فقدمت عشاي لأفطر وكان خبزا وزيتا وإذا بالباب يقرع فقلت من هذا ~~قال سعيد ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير منذ ~~أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب فظننت ~~أنه قد بدا له فقلت يا أبا محمد هلا أرسلت إلي فآتيك قال لا أنت أحق أن ~~تؤتى قلت فما تأمرني قال رأيتك رجلا عزبا قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة ~~وحدك وهذه امرأتك فإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم دفعها في الباب ورد الباب ~~فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم صعدت إلى السطح فناديت ~~الجيران فجاءوني وقالوا ما شأنك فقلت زوجني سعيد بن المسيب اليوم ابنته وقد ~~جاء بها على غفلة وها هي في الدار فنزلوا إليها وبلغ أمي فجاءت وقالت وجهي ~~من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها ~~فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بحق الزوج قال فمكث شهرا لا يأتيني ولا آتيه ثم ~~أتيته بعد شهر وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي ولم يكلمني حتى انفض من في ~~المسجد فلما لم يبق غيري قال ما حال ذلك الإنسان قلت هو على ما يحب الصديق ~~ويكره العدو قال إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي PageV02P376 # وكانت بنت سعيد المذكورة خطبها عبد الملك بن مروان ~~لابنه الوليد حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال ~~على سعيد حتى ضربه في يوم بارد وصب عليه الماء قال يحيى بن سعيد كتب هشام ~~بن إسماعيل والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان إن أهل المدينة قد أطبقوا ~~على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب فكتب أن اعرضه على السيف فإن ~~مضى فاجلده خمسين جلدة ms0490 وطف به أسواق المدينة فلما قدم الكتاب على الوالي ~~دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب ~~وقالوا جئناك في أمر قد قدم كتاب عبد الملك إن لم تبايع ضربت عنقك ونحن ~~نعرض عليك خصالا ثلاثا فأعطنا إحداهن فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك ~~الكتاب فلا تقل لا ولا نعم قال يقول الناس بايع سعيد بن المسيب ما أنا ~~بفاعل وكان إذا قال لا لم يستطيعوا أن يقولوا نعم قالوا فتجلس في بيتك ولا ~~تخرج إلى الصلاة أياما فإنه يقبل منك إذا طلبك من مجلسك فلم يجدك قال فأنا ~~أسمع الأذان فوق أذني حي على الصلاة حي على الصلاة ما أنا بفاعل قالوا ~~فانتقل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك فإن لم يجدك أمسك عنك قال ~~أفرقا من مخلوق ما أنا بمتقدم شبرا ولا متأخر فخرجوا وخرج إلى صلاة الظهر ~~فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه فلما صلى الوالي بعث إليه فأتي به فقال إن ~~أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك قال نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن بيعتين فلما رآه لم يجب أخرج إلى السدة فمدت عنقه وسلت ~~السيوف فلما رآه قد مضى أمر به فجرد فإذا عليه ثياب شعر فقال لو علمت ذلك ~~ما اشتهرت بهذا الشأن فضربه خمسين سوطا ثم طاف به أسواق المدينة فلما ردوه ~~والناس منصرفون من صلاة العصر قال إن هذه لوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين ~~سنة ومنعوا الناس أن يجالسوه فكان من ورعه إذا جاء إليه أحد يقول له قم من ~~عندي كراهية أن يضرب بسببه قال مالك رضي الله عنه بلغني أن سعيد بن المسيب ~~كان يلزم مكانا من المسجد لا يصلي من المسجد في غيره وأنه ليالي صنع به عبد ~~الملك ما صنع PageV02P377 # قيل له أن يترك الصلاة فيه فأبى إلا أن يصلي فيه وكان ~~يقول لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا ms0491 بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط ~~أعمالكم وقيل له وقد نزل الماء في عينه ألا تقدح عينك قال حتى على من ~~أفتحها ورأى عبد الملك بن مروان في منامه كأنه قد بال في المحراب أربع مرات ~~فوجه إلى سعيد بن المسيب من يسأله فقال يملك من ولده لصلبه أربعة فكان كما ~~قال فإنه ولي الوليد وسليمان ويزيد وهشام وهم أولاد عبد الملك لصلبه وكانت ~~ولادته لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه وكان في خلافة عثمان رضي ~~الله عنه رجلا وتوفي بالمدينة سنة إحدى وقيل اثنتين وقيل ثلاث وقيل أربع ~~وقيل خمس وتسعين للهجرة وقيل إنه توفي سنة خمس ومائة والله أعلم رضي الله ~~عنه والمسيب بفتح الياء المشددة المثناة من تحتها وروي عنه أنه كان يقول ~~بكسر الياء ويقول سيب الله من يسيب أبي وحزن بفتح الحاء المهملة وسكون ~~الزاي وبعدها نون وعائذ بذال معجمة 263 أبو زيد الأنصاري أبو زيد سعيد بن ~~أوس بن ثابت بن زيد بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك ابن ثعلبة بن كعب بن ~~الخزرج وقال محمد بن سعد في الطبقات هو PageV02P378 # أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن أبي زيد ثابت ~~بن زيد بن قيس والأول ذكره الخطيب في تاريخه والله أعلم بالصواب الأنصاري ~~اللغوي البصري كان من أئمة الأدب وغلب عليه اللغات والنوادر والغريب وكان ~~يرى رأي القدر وكان ثقة في روايته حدث أبو عثمان المازني قال رأيت الأصمعي ~~وقد جاء إلى حلقه أبي زيد المذكور فقبل رأسه وجلس بين يديه وقال أنت رئيسنا ~~وسيدنا منذ خمسين سنة وكان التوزي يقول قال لي ابن مناذر أصف لك أصحابك أما ~~الأصمعي فأحفظ الناس وأما أبو عبيدة فأجمعهم وأما أبو زيد الأنصاري فأوثقهم ~~وكان النضر بن شميل يقول كنا ثلاثة في كتاب واحد أنا وأبو زيد الأنصاري ~~وأبو محمد اليزيدي وقال أبو زيد حدثني خلف الأحمر قال أتيت الكوفة لأكتب ~~عنهم الشعر فبخلوا علي به فكنت أعطيهم المنحول ms0492 وآخذ الصحيح ثم مرضت فقلت ~~لهم ويلكم أنا تائب إلى الله تعالى هذا الشعر لي فلم يقبلوا مني فبقي ~~منسوبا إلى العرب لهذا السبب وأبو زيد المذكور له في الآداب مصنفات مفيدة ~~منها كتاب القوس والترس وكتاب الإبل وكتاب خلق الإنسان وكتاب المطر وكتاب ~~المياه وكتاب اللغات وكتاب النوادر وكتاب الجمع والتثنية وكتاب اللبن وكتاب ~~بيوتات العرب وكتاب تخفيف الهمزة وكتاب القضيب وكتاب الوحوش وكتاب الفرق ~~وكتاب فعلت وأفعلت وكتاب غريب الأسماء وكتاب الهمزة وكتاب المصادر وغير ذلك ~~ولقد رأيت له في النبات كتابا حسنا جمع فيه أشياء غريبة وحكى بعضهم أنه كان ~~في حلقة شعبة بن الحجاج فضجر من إملاء الحديث فرمى بطرفه فرأى أبا زيد ~~الأنصاري في أخريات الناس فقال PageV02P379 # يا أبا زيد (استعجمت دار مي ما تكلمنا * والدار لو ~~كلمتنا ذات إخبار) إلي يا أبا زيد فجاءه فحملا يتحدثان ويتناشدان الأشعار ~~فقال له بعض أصحاب الحديث يا أبا بسطام نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فتدعنا وتقبل على الأشعار قال فغضب شعبة ~~غضبا شديدا ثم قال يا هؤلاء أنا أعلم بالأصلح لي أنا والله الذي لا إله إلا ~~هو في هذا أسلم مني في ذاك وكانت وفاته بالبصرة في سنة خمس عشرة وقيل أربع ~~عشرة وقيل ست عشرة ومائتين وعمر عمرا طويلا حتى قارب المائة وقيل إنه عاش ~~ثلاثا وتسعين سنة وقيل خمسا وتسعين وقيل ستا وتسعين رحمه الله تعالى 264 ~~الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء النحوي البلخي ~~المعروف بالأخفش الأوسط أحد نحاة البصرة والأخفش الأكبر أبو الخطاب وكان ~~نحويا أيضا من أهل هجر من مواليهم واسمه عبد الحميد بن عبد المجيد وقد أخذ ~~عنه أبو عبيدة وسيبويه وغيرهما وكان الأخفش الأوسط المذكور من أئمة العربية ~~وأخذ النحو عن سيبويه PageV02P380 # وكان أكبر منه وكان يقول ما وضع سيبويه في كتابه شيئا ~~إلا وعرضه علي وكان يرى أنه أعلم به مني وأنا اليوم أعلم به منه وحكى ms0493 أبو ~~العباس ثعلب عن آل سعيد بن سلم قالوا دخل الفراء على سعيد المذكور فقال لنا ~~قد جاءكم سيد أهل اللغة وسيد أهل العربية فقال الفراء أما ما دام الأخفش ~~يعيش فلا وهذا الأخفش هو الذي زاد في العروض بحر الخبب كما سبق في حرف ~~الخاء في ترجمة الخليل وله من الكتب المصنفة كتاب الأوسط في النحو وكتاب ~~تفسير معاني القرآن وكتاب المقاييس في النحو وكتاب الاشتقاق وكتاب العروض ~~وكتاب القوافي وكتاب معاني الشعر وكتاب الملوك وكتاب الأصوات وكتاب المسائل ~~الكبير وكتاب المسائل الصغير وغير ذلك وكان أجلع والأجلع الذي لا تنضم ~~شفتاه على أسنانه والأخفش الصغير العينين مع سوء بصرهما وكانت وفاته سنة ~~خمس عشرة ومائتين وقيل سنة إحدى وعشرين ومائتين رحمه الله تعالى وكان يقال ~~له الأخفش الأصغر فلما ظهر علي بن سليمان المعروف بالأخفش أيضا صار هذا ~~وسطا ومسعدة بفتح الميم وسكون السين وفتح العين والدال المهملات وبعدهن هاء ~~ساكنة والمجاشعي بضم الميم وفتح الجيم وبعد الألف شين مثلثة مكسورة وبعدها ~~عين مهملة هذه النسبة إلى مجاشع بن دارم بطن من تميم PageV02P381 # 265 ابن الدهان النحوي أبو محمد سعيد بن المبارك بن ~~علي بن عبد الله بن سعيد بن محمد بن نصر بن عاصم بن عباد بن عصام بن الفضل ~~بن ظفر بن غلاب بن حمد بن شاكر بن عياض ابن حصن بن رجاء بن أبي بن شبل بن ~~أبي اليسر كعب الأنصاري رضي الله عنه المعروف بابن الدهان النحوي البغدادي ~~سمع الحديث من أبي القاسم هبة الله بن الحصين ومن أبي غالب أحمد بن الحسن ~~بن البناء وغيرهما وكان سيبويه عصره وله في النحو التصانيف المفيدة منها ~~شرح كتاب الإيضاح والتكملة وهو مقدار ثلاث وأربعين مجلدة ومنها الفصول ~~الكبرى والفصول الصغرى وشرح كتاب اللمع لابن جني شرحا كبيرا يدخل في مجلدين ~~وسماه الغرة ولم أر مثله مع كثرة شروح هذا الكتاب ومنها كتاب العروض في ~~مجلدة وكتاب الدروس في النحو في مجلدة وكتاب الرسالة السعيدية في ms0494 المآخذ ~~الكندية يشتمل على سرقات المتنبي في مجلدة وكتاب تذكرته سماه زهر الرياض في ~~سبع مجلدات وكتاب الغنية في الضاد والظاء والمعقود في المقصور والممدود ~~والراء والغنية في الأضداد وغير ذلك من المصنفات وكان في زمن أبي محمد ~~المذكور ببغداد من النحاة ابن الجواليقي وابن الخشاب وابن الشجري وكان ~~الناس يرجحون أبا محمد المذكور على الجماعة المذكورين مع أن كل واحد منهم ~~إمام ثم إن أبا محمد ترك بغداد وانتقل إلى الموصل قاصدا PageV02P382 # جناب الوزير جمال الدين الأصبهاني المعروف بالجواد ~~الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى فتلقاه بالإقبال وأحسن إليه ~~وأقام في كنفه مدة وكانت كتبه قد تخلفت ببغداد فاستولى الغرق تلك السنة على ~~البلد فسير من يحضرها إليه إن كانت سالمة فوجدها قد غرقت وكان خلف داره ~~مدبغة فغرقت أيضا وفاض الماء منها إلى داره فتلفت الكتب بهذا السبب زيادة ~~على إتلاف الغرق وكان قد أفنى في تحصيلها عمره فلما حملت إليه على تلك ~~الصورة أشاروا عليه أن يطيبها بالبخور ويصلح منها ما أمكن فبخرها باللاذن ~~ولازم ذلك إلى أن بخرها بأكثر من ثلاثين رطلا لاذنا فطلع ذلك إلى رأسه ~~وعينيه فأحدث له العمى وكف بصره وانتفع عليه خلق كثير ورأيت الخلق يشتغلون ~~في تصانيفه المذكورة بالموصل وتلك الديار اشتغالا كثيرا وكانت وفاته يوم ~~الأحد غرة شوال سنة تسع وستين وخمسمائة وقال ابن المستوفي سنة ست وستين ~~بالموصل رحمه الله تعالى ودفن بمقبرة المعافى بن عمران بباب الميدان ومولده ~~عشية الخميس سادس وعشرين رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة ببغداد بنهر طابق ~~وهي محلة بها وقيل يوم الجمعة وله نظم حسن فمنه قوله (لا تجعل الهزل دأبا ~~فهو منقصة * والجد تغلو به بين الورى القيم) (ولا يغرنك من ملك تبسمه * ما ~~تصخب السحب إلا حين تبتسم) وله أيضا (ولا تحسبن أن بالشعر * مثلنا ستصير) ~~(فللدجاجة ريش لكنها لا تطير) وله أيضا (لا غرو أن أخشى فراقكم * وتخشاني ~~الليوث) PageV02P383 # (أو ما ترى الثوب الجديد * من التفرق يستغيث) وذكره ms0495 ~~الحظيري في كتاب زينة الدهر وأورد له (بادر إلى العيش والأيام راقدة * ولا ~~تكن لصروف الدهر تنتظر) (فالعمر كالكأس يبدو في أوائله * صفو وآخره في قعره ~~الكدر) وأورد له أيضا (قالوا اغترب عن بلاد كنت تألفها * إن ضاق رزق تجد في ~~الأرض منتزحا) (قلت انظروا الريق في الأفواه مختزنا * عذبا فإن بان عنها ~~صار مطرحا) وأورد له أيضا (أهوى الخمول لكي أظل مرفها * مما يعانيه بنو ~~الأزمان) (إن الرياح إذا توالى عصفها * تولي الأذية شامخ الأغصان) وأورد له ~~أيضا (يا سادتي لا عدمتم استمعوا * قول فتى عارف بمنطقه) (كنت ببيتي كالرخ ~~محترما * فصرت في غربتي كبيذقه) وقد ذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى ~~عليه وذكر طرفا من حاله وقال الحافظ أبو سعد السمعاني سمعت الحافظ ابن ~~عساكر الدمشقي يقول سمعت سعيد بن المبارك بن الدهان يقول رأيت في النوم ~~شخصا أعرفه وهو ينشد شخصا آخر كأنه حبيب له (أيها الماطل ديني * أملي ~~وتماطل) PageV02P384 # (علل القلب فإني * قانع منك بباطل) قال السمعاني فرأيت ~~ابن الدهان وعرضت عليه الحكاية فقال ما أعرفها ولعل ابن الدهان نسي فإن ابن ~~عساكر من أوثق الرواة ثم استملى ابن الدهان من السمعاني هذه الحكاية وقال ~~أخبرني السمعاني عن ابن عساكر عني فروى عن شخصين عن نفسه وهذا غريب في ~~الرواية 44 وكان له ولد وهو أبو زكريا يحيى بن سعيد وكان أديبا شاعرا ~~ومولده بالموصل في أوائل سنة تسع وستين وخمسمائة تقديرا وتوفي سنة ست عشرة ~~وستمائة بالموصل ودفن على أبيه بمقبرة المعافى بن عمران الموصلي ومن شعره ~~(إن مدحت الخمول نبهت أقواما * نياما فسابقوني إليه) (هو قد دلني على لذة ~~العيش * فما لي أدل غيري عليه) ومن شعره على ما قيل (وعهدي بالصبا زمنا ~~وقدي * حكى ألف ابن مقلة في الكتاب) (فصرت الآن منحنيا كأني * أفتش في ~~التراب على شبابي) PageV02P385 # 266 سفيان الثوري أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق ~~بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي عبد الله بن ms0496 منقذ بن نصر بن ~~الحكم بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان ابن ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن ~~إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الثوري الكوفي كان إماما في علم ~~الحديث وغيره من العلوم وأجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته وهو أحد ~~الأئمة المجتهدين ويقال إن الشيخ أبا القاسم الجنيد رضي الله عنه كان على ~~مذهبه على الاختلاف الذي تقدم في ترجمته في حرف الجيم وقال يونس بن عبيد ما ~~رأيت كوفيا أفضل من سفيان قالوا إنك رأيت سعيد بن جبير وفلانا وفلانا قال ~~ما رأيت كوفيا أفضل من سفيان وقال سفيان بن عيينة ما رأى سفيان مثله أكل ~~سفيان ليلة فشبع فقال الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله فقام حتى أصبح ~~وحدث ابن عيينة قال دعانا سفيان فقدم إلينا غداء ولبنا خاثرا فلما توسطنا ~~قال قوموا بنا نصلي ركعتين شكرا لله تعالى قال ابن وكيع وكان حاضرا لو قدم ~~إلينا شيئا من هذا اللوزينج المحدث لقال قوموا بنا نصلي التراويح وقال بشر ~~بن الحارث كان سفيان الثوري كأن العلم بين عينيه يأخذ منه ما يريد ويدع منه ~~ما يريد PageV02P386 # وقال الأوزاعي كنت أقول فيمن ضحك في الصلاة قولا لا ~~أدري كيف هو فلما لقيت سفيان الثوري سألته فقال يعيد الصلاة والوضوء فأخذت ~~به وكان عاصم بن أبي النجود يجيء إلى سفيان يستفتيه ويقول يا سفيان أتيتنا ~~صغيرا وأتيناك كبيرا وقال عبد الرحمن بن مهدي ما رأيت رجلا أحسن عقلا من ~~مالك بن أنس ولا رأيت رجلا أنصح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من عبد الله ~~بن مبارك ولا أعلم بالحديث من سفيان ولا أقشف من شعبة وقال سفيان الثوري ما ~~استودعت قلبي شيئا فخانني وقيل لقي سفيان الثوري شريكا بعدما ولي القضاء ~~بالكوفة فقال يا أبا عبد الله بعد الإسلام والتفقه والخير تلي القضاء أو ~~صرت قاضيا فقال له شريك يا أبا عبد الله لا بد للناس من قاض ms0497 فقال سفيان يا ~~أبا عبد الله لا بد للناس من شرطي وحدث عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن بن ~~عبد الله البصري قال قال رجل لسفيان أوصني فقال اعمل للدنيا بقدر بقائك ~~فيها واعمل للآخرة بقدر دوامك فيها والسلام وجاء سفيان الثوري إلى صيرفي ~~بمكة يشتري منه دراهم بدينار فأعطاه الدينار وكان معه آخر فسقط من سفيان ~~فطلبه فإذا إلى جانبه دينار آخر فقال له الصيرفي خذ دينارك قال ما أعرفه ~~قال خذ الناقص قال فلعله الزائد وتركه ومضى وقال شعيب بن حرب سمعت سفيان ~~الثوري يقول انظر درهمك من أين هو وصل في الصف الآخر وقال عبد الله بن صالح ~~العجلي دخل سفيان على المهدي فقال سلام عليكم كيف أنتم يا أبا عبد الله ثم ~~جلس فقال حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأنفق في حجته ستة عشر دينارا وأنت ~~حججت فأنفقت في حجتك بيوت الأموال قال فأي شيء تريد تريد أن أكون مثلك قال ~~فوق ما أنا فيه ودون ما أنت فيه فقال وزيره أبو عبيد الله أبا عبد الله قد ~~كانت PageV02P387 # كتبك تأتينا فننفذها قال من هذا قال أبو عبيد الله ~~وزيري قال احذره فإنه كذاب إني ما كتبت إليك ثم قام فقال له المهدي إلى أين ~~يا أبا عبد الله قال أعود وكان قد ترك نعله حين قام فعاد فأخذها ثم مضى ~~فانتظره المهدي فلم يعد فقال وعدنا أن يعود فلم يعد فعلم أنه عاد لأخذ نعله ~~فغضب فقال قد أمن الناس إلا سفيان الثوري وإنه لفي المسجد الحرام فذهب ~~فألقى نفسه بين النساء فخبأنه فقيل له لم فعلت فقال إنهن أرحم ثم خرج إلى ~~البصرة فلم يزل بها حتى مات قال عبد الرحمن بن مهدي لما قدم سفيان البصرة ~~والسلطان يطلبه صار في بعض البساتين وأجر نفسه على أن يحفظ ثمارها فمر به ~~بعض العشارين فقال من أين أنت يا شيخ قال من أهل الكوفة قال أخبرني رطب ~~البصرة أحلى أم رطب الكوفة قال ms0498 أما رطب البصرة فلم أذقه ولكن رطب السابري ~~بالكوفة حلو فقال ما أكذبك من شيخ الكلاب والبر والفاجر يأكلون الرطب ~~الساعة وأنت تزعم أنك لم تذقه فرجع إلى العامل ليخبره بما قال لتعجبه فقال ~~ثكلتك أمك ادركه إن كنت صادقا فإنه سفيان الثوري لتتقرب به إلى أمير ~~المؤمنين فرجع في طلبه فما قدر عليه ودخل سفيان على المهدي فكلمه بكلام فيه ~~غلظة فقال له عيسى بن موسى تكلم أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام وإنما أنت ~~رجل من ثور فقال له سفيان إن من أطاع الله من ثور خير ممن عصى الله من قومك ~~وكان فتى يجالسه ولا يتكلم فأحب سفيان أن يعرف نطقه فقال له يا فتى إن من ~~كان قبلنا مروا على خيل سابقة وبقينا بعدهم على حمر دبرة فقال الفتى يا أبا ~~عبد الله إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بهم وحدث أبو بكر ابن عياش قال ~~كنت أنا وسفيان الثوري نمشي فرأينا شيخا أبيض الرأس واللحية حسن السمت فقال ~~له سفيان يا شيخ أعندك شيء من الحديث قال لا ولكن عندي عتيق سنين فنظرنا ~~فإذا هو خمار وحكى ضمرة قال سألت سفيان الثوري أصافح اليهود والنصارى فقال ~~برجلك نعم وقال له رجل إني أريد الحج فقال لا تصحب من PageV02P388 # يتكرم عليك فإن ساويته في النفقة أضر بك وإن تفضل عليك ~~استذلك وكان يقول من كان في يده شيء من هذه الدراهم فليصلحه فإنه في زمان ~~إن احتاج كان أول من يبذل دينه وحكي عنه أنه قال إني لألقى الرجل أبغضه ~~فيقول لي كيف أصبحت فيلين له قلبي فكيف بمن أكل ثريدهم ووطىء بساطهم وقيل ~~إن المهدي قال للخيزران أريد أتزوج وكانت بكتاب فقالت له لا يحل لك أن ~~تتزوج علي قال بلى قالت له بيني وبينك من شئت قال أترضين سفيان الثوري قالت ~~نعم فوجه إلى سفيان فقال إن أم الرشيد تزعم أنه لا يحل لي أتزوج عليها وقد ~~قال الله عز وجل * (فانكحوا ما طاب ms0499 لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) * ثم ~~سكت فقال له سفيان أتم الآية يريد قوله تعالى * (فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة) * (النساء: 3) وأنت لا تعدل فأمر له بعشرة آلاف درهم فأبى أن ~~يقبلها ومثل هذه النادرة ما أخبرني به الفقيه أمين الدين المحلي الذي كان ~~في جملة المتصدرين عند الفقيه برهان الدين ابن الفقيه نصر وهو يومئذ صاحب ~~ديوان الأحباس وكتب أسماءهم ينتدبهم للمضي إلى الخانقاه إلى المقام ~~السلطاني في مهم فاعتذر رجل منهم فخط على اسمه وكتب غيره فقام رجل يعتذر ~~فقال المملوك كما قال الله عز وجل * (إن بيوتنا عورة) * فقال له الفقيه ~~أمين الدين صل يشير إلى بقية الآية وهي قوله تعالى * (وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا) * (الأحزاب: 13) فضحك البرهان والحاضرون وقال لا أجمع ~~عليك بين الفقه وبين تكليفك المجيء ثم خط على اسمه وابتدأ بغيره قال سفيان ~~بن عيينة ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري وقال عبد الله ~~بن المبارك لا نعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان الثوري ويقال كان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه في زمانه رأس الناس وبعده عبد الله بن عباس وبعده ~~الشعبي وبعده سفيان الثوري PageV02P389 # سمع سفيان الثوري الحديث من أبي إسحاق السبيعي والأعمش ~~ومن في طبقتهما وسمع منه الأوزاعي وابن جريج ومحمد بن إسحاق ومالك وتلك ~~الطبقة وذكر المسعودي في مروج الذهب ما مثاله قال القعقاع بن حكيم كنت عند ~~المهدي وقد أتي بسفيان الثوري فلما دخل عليه سلم تسليم العامة ولم يسلم ~~بالخلافة والربيع قائم على رأسه متكئا على سيفه يرقب أمره فأقبل عليه ~~المهدي بوجه طلق وقال له يا سفيان تفر منا هاهنا وهاهنا وتظن أنا لو أردناك ~~بسوء لم نقدر عليك فقد قدرنا عليك الآن أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا قال ~~سفيان إن تحكم في يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل فقال له الربيع ~~يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا إيذن لي أن أضرب عنقه ms0500 ~~فقال له المهدي اسكت ويلك وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى ~~بسعادتهم اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم فكتب ~~عهده ودفع إليه فأخذه وخرج فرمى به في دجلة وهرب فطلب في كل بلد فلم يوجد ~~ولما امتنع من قضاء الكوفة وتولاه شريك بن عبد الله النخعي قال الشاعر ~~(تحرز سفيان وفر بدينه * وأمسى شريك مرصدا للدراهم) وحكي عن أبي صالح شعيب ~~بن حرب المدائني وكان أحد السادة الأئمة الأكابر في الحفظ والدين أنه قال ~~إنني لأحسب يجاء بسفيان الثوري يوم القيامة حجة من الله على الخلق يقال لهم ~~لم تدركوا نبيكم عليه أفضل صلى الله عليه وسلم فلقد رأيتم سفيان الثوري ألا ~~اقتديتم به ومولده في سنة خمس وقيل ست وقيل سبع وتسعين للهجرة وتوفي ~~PageV02P390 # بالبصرة أول سنة إحدى وستين ومائة متواريا من السلطان ~~ودفن عشاء رحمه الله تعالى ولم يعقب والثوري بفتح الثاء المثلثة وبعدها واو ~~ساكنة وراء هذه النسبة إلى ثور ابن عبد مناة وثم ثوري آخر في بني تميم ~~وثوري آخر في بني تميم وثوري آخر بطن من همدان وقيل إنه توفي سنة اثنتين ~~وستين والأول أصح 267 سفيان بن عيينة أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران ~~ميمون الهلالي مولى امرأة من بني هلال بن عامر رهط ميمونة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقيل مولى بني هاشم وقيل مولى الضحاك بن مزاحم وقيل مولى ~~مسعر بن كدام وأصله من الكوفة وقيل ولد بالكوفة ونقله أبوه إلى مكة ذكره ~~ابن سعد في كتاب الطبقات وعده في الطبقة الخامسة من أهل مكة كان إماما ~~عالما ثبتا حجة زاهدا ورعا مجمعا على صحة حديثه وروايته وحج سبعين حجة روى ~~عن الزهري وأبي إسحاق السبيعي وعمرو بن دينار ومحمد بن المنكدر وأبي الزناد ~~وعاصم بن أبي النجود المقرئ والأعمش وعبد الملك بن عمير وغير هؤلاء من ~~أعيان العلماء وروى عنه الإمام الشافعي وشعبة بن الحجاج ومحمد ابن إسحاق ~~وابن جريج ms0501 والزبير بن بكار وعمه مصعب وعبد الرزاق بن همام الصنعاني ويحيى ~~بن أكثم القاضي وخلق كثير رضي الله عنهم ورأيت في بعض المجاميع أن سفيان ~~خرج يوما إلى من جاءه يسمع منه وهو ضجر فقال أليس من الشقاء أن أكون جالست ~~ضمرة بن سعيد وجالس هو أبا سعيد الخدري وجالست عمرو بن دينار وجالس هو ابن ~~عمر رضي الله عنهما وجالست الزهري وجالس هو أنس بن مالك حتى عد جماعة ثم ~~أنا أجالسكم فقال له حدث في المجلس أتنصف يا أبا محمد قال إن شاء الله ~~تعالى فقال والله لشقاء أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بك أشد ~~من شقائك بنا فأطرق وأنشد قول أبي نواس (خل جنبيك لرام * وامض عنه بسلام) ~~(مت بداء الصمت خير * لك من داء الكلام) (إنما السالم من ألجم * فاه بلجام) ~~فتفرق الناس وهم يتحدثون برجاحة الحدث وكان ذلك الحدث يحيى بن أكثم التميمي ~~فقال سفيان هذا الغلام يصلح لصحبه هؤلاء يعني السلطان وسيأتي ذكر يحيى في ~~حرف الياء إن شاء الله تعالى وهو القاضي المشهور وقال الشافعي ما رأيت أحدا ~~فيه من آلة الفتيا ما في سفيان وما رأيت أكف عن الفتيا منه وكان أدرك نيفا ~~وثمانين نفسا من التابعين قال سفيان المذكور كنت أخرج إلى المسجد فأتصفح ~~الخلق فإذا رأيت مشيخة وكهولة جلست إليهم وأنا اليوم قد اكتنفني هؤلاء ~~الصبيان ثم ينشد (خلت الديار فسدت غير مسود * ومن الشقاء تفردي بالسؤدد) ~~قيل إنه في آخر سنة حج قال قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة وأقول كل ~~PageV02P391 # مرة اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان وإني قد ~~استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك فرجع فتوفي في العام القابل وقال رجل ~~كنت أمشي مع سفيان بن عيينة إذ أتاه سائل فلم يكن معه ما يعطيه فبكى فقلت ~~يا أبا محمد ما الذي أبكاك قال أي مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيرا فلا ~~يصيبه وكان أبو عمران جد سفيان ms0502 المذكور من عمال خالد بن عبد الله القسري ~~فلما عزل خالد عن العراق وولي يوسف بن عمر الثقفي طلب عمال خالد فهرب أبو ~~عمران المذكور منه إلى مكة فنزلها وهو من أهل الكوفة وقال سفيان دخلت ~~الكوفة ولم يتم لي عشرون سنة فقال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة جاءكم ~~حافظ علم عمرو بن دينار قال فجاء الناس يسألونني عن عمرو بن دينار فأول من ~~صيرني محدثا أبو حنيفة فذاكرته فقال لي يا بني ما سمعت من عمرو إلا ثلاثة ~~أحاديث يضطرب في حفظ تلك الأحاديث ومولد سفيان بالكوفة في منتصف شعبان سنة ~~سبع ومائة وتوفي يوم السبت آخر يوم من جمادى الآخرة وقيل أول يوم من رجب ~~سنة ثمان وتسعين ومائة بمكة ودفن بالحجون رحمه الله تعالى وعيينة بضم العين ~~المهملة وفتح الياء الأولى وسكون الثانية المثناتين من تحتهما وفتح النون ~~وبعدها هاء ساكنة والحجون بفتح الحاء المهملة وضم الجيم وبعد الواو الساكنة ~~نون جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها وله ذكر في الأشعار PageV02P393 # 268 سكينة بنت الحسين السيدة سكينة ابنة الحسين بن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنهم كانت سيدة نساء عصرها ومن أجمل النساء وأزرفهن ~~وأحسنهن أخلاقا وتزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها ثم تزوجها عبد الله بن ~~عثمان بن عبد الله بن حكيم ابن حزام فولدت له قرينا ثم تزوجها الأصبغ بن ~~عبد العزيز بن مروان وفارقها قبل الدخول ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل وقيل في ترتيب ~~أزواجها غير هذا والطرة السكينية منسوبة إليها ولها نوادر وحكايات ظريفة مع ~~الشعراء وغيرهم من ذلك ما يروى أنها وقفت على عروة بن أذينة وكان من أعيان ~~العلماء وكار الصالحين وله أشعار رائقة فقالت له أنت القائل (إذا وجدت أوار ~~الحب في كبدي * أقبلت نحو سقاء الماء أبترد) (هبني بردجت ببرد الماء ظاهره ~~* فمن لنار على الأحشاء تتقد) فقال لها نعم فقالت وأنت القائل (قالت ms0503 ~~وأبثثتها سري فبحت به * قد كنت عندي تحب الستر فاستتر) PageV02P394 # (ألست تبصر من حولي فقلت لها * غطى هواك وما ألقى على ~~بصري) فقال نعم فالتفتت إلى جوار كن حولها وقالت هن حرائر إن كان خرج هذا ~~من قلب سليم قط وكان لعروة المذكور أخ اسمه بكر فمات فرثاه عروة بقوله (سرى ~~همي وهم المرء يسري * وغاب النجم إلا قيد فتر) (أراقب في المجرة كل نجم * ~~تعرض أو على المجراة يجري) (لهم ما أزال له قرينا * كأن القلب أبطن حر جمر) ~~(على بكر أخي فارقت بكرا * وأي العيش يصلح بعد بكر) فلما سمعت سكينة هذا ~~الشعر قالت ومن هو بكر هذا فوصف لها فقالت أهو ذلك الأسيد الذي كان يمر بنا ~~قالوا نعم قالت لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت وأسيد تصغير أسود ~~ويحكى أن بعض المغنين غنى هذه الآبيات عند الوليد بن يزيد الأموي وهو في ~~مجلس أنسه فقال للمغني من يقول هذا الشعر فقال عروة بن أذينة فقال الوليد ~~وأي العيش يصلح بعد بكر هذا العيش الذي نحن فيه والله لقد تحجر واسعا 45 ~~وكان عروة المذكور كثير القناعة وله في ذلك أشعار سائرة وكان قد وفد من ~~الحجاز على هشام بن عبد الملك بالشام في جماعة من الشعراء فلما دخلوا عليه ~~عرف عروة فقال له ألست القائل PageV02P395 # (لقد علمت وما الإشراف من خلقي * أن الذي هو رزقي سوف ~~يأتيني) (أسعى له فيعنيني تطلبه * ولو قعدت أتاني لا يعنيني) وما أراك فعلت ~~كما قلت فإنك أتيت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق فقال لقد وعظت يا أمير ~~المؤمنين فبالغت في الوعظ وأذكرت ما أنسانيه الدهر وخرج من فوره إلى راحلته ~~فركبها وتوجه راجعا إلى الحجاز فمكث هشام يومه غافلا عنه فلما كان في الليل ~~استيقظ من منامه وذكره وقال هذا رجل من قريش قال حكمة ووفد إلى فجبهته ~~ورددته عن حاجته وهو مع هذا شاعر لا آمن لسانه فلما أصبح سأل عنه فأخبر ~~بانصرافه فقال لا ms0504 جرم ليعلمن أن الرزق سيأتيه ثم دعا بمولى له وأعطاه ألفي ~~دينار وقال الحق بهذه عروة بن أذينة فأعطه إياها قال فلم أدركه إلا وقد دخل ~~بيته فقرعت عليه الباب فخرج فأعطيته المال فقال أبلغ أمير المؤمنين السلام ~~وقل له كيف رأيت قولي سعيت فأكديت ورجعت إلى بيتي فأتاني فيه الرزق وهذه ~~الحكاية وإن كانت دخيلة ليست مما نحن فيه لكن حديث عروة ساقها ولبعض ~~المعاصرين وهو محمد بن إدريس المعروف بمرج كحل الأندلسي في معنى هذين ~~البيتين وأحسن فيه (مثل الرزق الذي تطلبه * مثل الظل الذي يمشي معك) (أنت ~~لا تدركه متبعا * فإذا وليت عنه تبعك) وكان وفاة سكينة بالمدينة يوم الخميس ~~لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة PageV02P396 # سبع عشرة ومائة رضي الله عنها وقيل اسمها امنة وقيل ~~آمينة وقيل أميمة وسكينة لقب لقبتها به أمها الرباب ابنة امرئ القيس بن عدي ~~وقال محمد بن السائب الكلبي النسابة سألني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن اسم سكينة ابنة الحسين بن علي رضي الله ~~عنهم فقلت أميمة فقال أصبت 46 وتوفي مرج كحل المذكور في سنة أربع وثلاثين ~~وستمائة ببلده وهو جزيرة شقر بالأندلس وكانت ولادته بها سنة أربع وخمسين ~~وخمسمائة 269 سليم الرازي أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازي الفقيه ~~الشافعي الأديب كان مشارا إليه في الفضل والعبادة وصنف الكتب الكثيرة منها ~~كتاب الإشارة وكتاب غريب الحديث ومنها التقريب وليس هو التقريب الذي ينقل ~~عنه إمام الحرمين في النهاية والغزالي في البسيط والوسيط فإن ذلك للقاسم بن ~~القفال الشاشي وقد ذكره في الباب الثاني من كتاب الرهن في الوسيط وأخذ سليم ~~الفقه عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني وأخذ عنه أبو الفتح نصر بن إبراهيم ~~المقدسي وقال سليم دخلت بغداد في حداثتي لطلب علم اللغة فكنت آتي ~~PageV02P397 # شيخا هناك وذكره فبكرت في بعض الأيام إليه فقيل لي هو ~~في الحمام فمضيت نحوه فعبرت في طريقي على الشيخ أبي ms0505 حامد الإسفرايني وهو ~~يملي فدخلت المسجد وجلست مع الطلبة فوجدته في كتاب الصيام في مسألة إذا ~~أولج ثم أحس بالفجر فنزع فاستحسنت ذلك فعلقت الدرس على ظهر جزء كان معي ~~فلما عدت إلى منزلي وجعلت أعيد الدرس حلا لي وقلت أتم هذا الكتاب يعني كتاب ~~الصيام فعلقته ولزمت الشيخ أبا حامد حتى علقت عنه جميع التعليق وكان لا ~~يخلو له وقت عن اشتغال حتى إنه كان إذا برى القلم قرأ القرآن أو سبح وكذلك ~~إذا كان مارا في الطريق وغير ذلك من الأوقات التي لا يمكن الاشتغال فيها ~~بعلم وسكن سليم الشام بمدينة صور متصديا لنشر العلم وإفادة الناس وكان يقول ~~وضعت منى صور ورفعت من أبي الحسن المحاملي بغداد ثم إنه غرق في بحر القلزم ~~بعد رجوعه من الحج عند ساحل جدة في سلخ صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة وكان ~~قد نيف على ثمانين سنة رحمه الله تعالى ودفن في جزيرة بقرب الجار عند ~~المخاضة في طريق عيذاب والرازي بفتح الراء وبعد الألف زاي هذه النسبة إلى ~~الري وهي مدينة عظيمة من بلاد الديلم بين قومس والجبال وألحقوا الزاي في ~~النسبة إليها كما ألحقوها في المروزي عند النسب إلى مرو وقد تقدم ذكر ذلك ~~والجار بفتح الجيم وبعد الألف راء وهي بليدة على الساحل بينها وبين مدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يوم وليلة وإليها ينسب القمح الجاري وذكر أبو ~~القاسم الزمخشري في كتاب الأمكنة والجبال والمياه في باب الشين أن الجار ~~قرية على ساحل البحر بها ترسو مطايا القلزم ومطايا عيذاب ومطايا بحر النعام ~~وقال ابن حوقل في كتابه الجار فرضة المدينة على ثلاث مراحل منها ~~PageV02P398 # على البحر وجدة فرضة مكة 47 وتوفي ولده أبو سعيد ~~إبراهيم بن سليم يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وتسعين ~~وأربعمائة بدمشق ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق وقال أخذ عن جماعة من ~~جلة المشايخ وأخذوا عنه وكان صدوقا رحمه الله تعالى 270 سليمان بن يسار أبو ~~أيوب ms0506 ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عبد الله سليمان بن يسار مولى ميمونة ~~زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وقد تقدم ~~ذكر ثلاثة منهم وكان سليمان المذكور أخا عطاء بن يسار وكان عالما عابدا ثقة ~~ورعا حجة قال الحسن بن محمد سليمان بن يسار عندنا أفهم من سعيد بن المسيب ~~ولم يقل أعلم ولا أفقه وروى عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة رضي الله عنهم ~~وروى عنه الزهري وجماعة من الأكابر وكان المستفتي إذا أتى سعيد بن المسيب ~~يقول له اذهب إلى سليمان بن يسار فإنه أعلم من بقي اليوم وقال قتادة قدمت ~~المدينة فسألت من أعلم أهلها بالطلاق فقالوا سليمان بن يسار وتوفي سنة سبع ~~ومائة وقيل سنة مائة وقيل سنة اربع وتسعين للهجرة والله أعلم وهو ابن ثلاث ~~وسبعين سنة رحمه الله تعالى PageV02P399 # 271 الأعمش أبو محمد سليمان بن مهران مولى بني كاهل من ~~ولد أسد المعروف بالأعمش الكوفي الإمام المشهور كان ثقة عالما فاضلا وكان ~~أبوه من دنباوند وقدم الكوفة وامرأته حامل بالأعمش فولدته بها قال السمعاني ~~وهو لا يعرف بهذه النسبة بل يعرف بالكوفي وكان يقارن بالزهري في الحجاز ~~ورأى أنس ابن مالك رضي الله عنه وكلمه ولكنه لم يرزق السماع عليه وما يرويه ~~عن أنس فهو إرسال أخذه عن أصحاب أنس ورأى أبا بكرة الثقفي وأخذ بركابه فقال ~~له يا بني إنما أكرمت ربك سمع داود بن سويد وأبا وائل وإبراهيم التميمي ~~وسعيد بن جبير ومجاهدا والنخعي وروى عن عبد الله بن أبي أوفى حديثا واحدا ~~ولقي كبار التابعين رضي الله عنهم وروى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ~~وحفص بن غياث وخلق كثير من جلة العلماء وكان الأعمش يقول إن كان بيننا وبين ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ~~رحمه الله تعالى صدق هكذا كان وقد رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~عيسى بن يونس لم نر ms0507 نحن والقرن الذي قبلنا مثل الأعمش ما رأيت الأغنياء ~~والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته PageV02P400 # حدث محمد بن جرير قال عيسى بن موسى لابن أبي ليلى اجمع ~~الفقهاء قال فجمعهم فجاء الأعمش في جبة وفرو وقد ربط وسطه بشريط فأبطأوا ~~فقام الأعمش فقال إن أردتم أن تعطونا شيئا وإلا فخلوا سبيلنا فقال عيسى ~~المذكور قلت لك تأتي بالفقهاء فتجيء بهذا فقال هذا سيدنا هذا الأعمش حدثنا ~~أحمد بن علي بن ثابت بإسناد له عن وكيع كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم ~~تفته التكبيرة الأولى واختلفت إليه أكثر من ستين سنة فما رأيته يقضي ركعة ~~وقال الأعمش كنت آتي مجاهدا فيقول لو كنت أطيق المشي لأتيتك وجرى بينه وبين ~~زوجته كلام وكان يأتيه رجل يقال له أبو ليلى مكفوف فصيح يتكلم بالإعراب ~~يتطلب الحديث منه فقال يا أبا ليلى امرأتي نشزت علي وأنا أحب أن تدخل عليها ~~فتخبرها مكاني من الناس وموضعي عندهم فدخل عليها وكانت من أجمل أهل الكوفة ~~فقال يا هنتاه إن الله قد أحسن قسمك هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ أصل ديننا ~~وحلالنا وحرامنا فلا يغرنك عموشة عينيه ولا حموشة ساقية فغضب الأعمش وقال ~~يا أعمى يا خبيث أعمى الله قلبك كما أعمى عينيك قد أخبرتها بعيوبي كلها ~~اخرج من بيتي وأراد إبراهيم النخعي أن يماشيه فقال الأعمش إن الناس إذا ~~رأونا معا قالوا أعور وأعمش قال النخعي وما عليك أن نؤجر ويأثموا فقال له ~~الأعمش وما عليك أن يسلموا ونسلم وجاء رجل يطلبه في منزله ووصل وقد خرج مع ~~امرأته إلى المسجد فجاء فوجدهما في الطريق فقال أيكما الأعمش فقال الأعمش ~~هذه وأشار إلى المرأة ودخل الحمام يوما وجاء رجل حاسر فقال له الرجل متى ~~ذهب بصرك فقال مذ بدت عورتك قال محمد بن حميد حدثنا جرير قال جئنا الأعمش ~~يوما فوجدناه قاعدا في ناحية فجلسنا في ناحية أخرى وفي الموضع خليج من ماء ~~المطر فجاء الأعمش PageV02P401 # رجل عليه سواد فلما بصر ms0508 بالأعمش وعليه فروة حقيرة قال ~~قم فعبرني هذا الخليج وجذب يده وأقامه وركبه وقال * (سبحان الذي سخر لنا ~~هذا وما كنا له مقرنين) * (الزخرف: 13) فمضى به الأعمش حتى توسط به الخليج ~~فرمى به وقال * (رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) * (الؤمنون: ~~29) ثم خرج وترك الأسود يخبط في الماء وكان الأعمش ذا رأى ثقيلا قال كم ~~غرضك تقيم في هذه البلدة وكان لطيف الخلق مزاحا جاءه أصحاب الحديث يوما ~~ليسمعوا عليه فخرج إليهم وقال لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما ~~خرجت إليكم وقال له داود بن عمر الحائك ما تقول في الصلاة خلف الحائك فقال ~~لا بأس بها على غير وضوء فقال ما تقول في شهادة الحائك فقال تقبل مع عدلين ~~ويقال إن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه عاده يوما في مرضه فطول القعود ~~عنده فلما عزم على القيام قال له ما كأني إلا ثقلت عليك فقال والله إنك ~~لتثقل علي وأنت في بيتك وعاده أيضا جماعة فأطالوا الجلوس عنده فضجر منهم ~~فأخذ وسادته وقام وقال شفى الله مريضكم بالعافية وقيل عنده يوما قال صلى ~~الله عليه وسلم من نام عن قيام الليل بال الشيطان في أذنه فقال ما عمشت ~~عيني إلا من بول الشيطان في أذني وكانت له نوادر كثيرة وقال أبو معاوية ~~الضرير بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوىء ~~علي فأخذ الأعمش القرطاس وأدخلها في فم شاة فلاكتها وقال لرسوله قل له هذا ~~جوابك فقال له الرسول إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك وتحمل عليه ~~بإخوانه فقالوا له يا أبا محمد PageV02P402 # افتده من القتل فلما ألحلوا عليه كتب له بسم الله ~~الرحمن الرحيم أما بعد يا أمير المؤمنين فلو كانت لعثمان رضي الله عنه ~~مناقب أهل الأرض ما نفعتك ولو كانت لعلي رضي الله عنه مساوىء أهل الأرض ما ~~ضرتك فعليك بخويصة نفسك والسلام وكتب إلى بعض إخوانه يعزيه (إنا نعزيك لا ~~أنا ms0509 على ثقة * من البقاء ولكن سنة الدين) (فلا المعزى بباق بعد ميته * ولا ~~المعزي وإن عاشا إلى حين) ومولده سنة ستين للهجرة وقيل إنه ولد يوم مقتل ~~الحسين رضي الله عنه وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وكان أبوه حاضرا مقتل ~~الحسين وعده ابن قتيبة في كتاب المعارف في جملة من حملت به أمه سبعة أشهر ~~وتوفي في سنة ثمان وأربعين ومائة في شهر ربيع الأول وقيل سنة سبع وأربعين ~~وقيل سنة تسع وأربعين رحمه الله تعالى وقال زائدة بن قدامة تبعت الأعمش ~~يوما فأتى المقابر فدخل في قبر محفور فاضطجع فيه ثم خرج منه وهو ينفض ~~التراب عن رأسه ويقول وأضيق مسكناه ودنباوند بضم الدال المهملة وسكون النون ~~وفتح الباء الموحدة وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة ~~وهي ناحية من رستاق الري في الجبال وبعضهم يقول دماوند والأول أصح وقد تقدم ~~ذكرها قبل هذا PageV02P403 # 272 أبو داود السجستاني أبو داود سليمان بن الأشعث بن ~~إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني أحد حفظ الحديث ~~وعلمه وعلله وكان في الدرجة العالية من النسك والصلاح طوف البلاد وكتب ع ~~العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين وجمع كتاب السنن ~~قديما وعرضه على الإمام أحمد بن حنبل رضي اله عنه فاستجاده واستحسنه وعده ~~الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب الإمام أحمد بن ~~حنبل وقال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود كاتب السنن ألين لأبي داود ~~الحديث كما ألين لداود الحديد وكان يقول كتبت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكاتب يعني السنن جمعت ~~فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ويكفي ~~الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث أحدها قوله صلى الله عليه وسلم إنما ~~الأعمال بالنيات والثاني قوله من حسن لإسلام المرء تركه مالا يعنيه والثالث ~~قوله لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه والرابع قوله ~~الحلال ms0510 بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات الحديث بكماله وجاءه سهل بن ~~عبد الله التستري فقيل له يا أبا داود هذا سهل بن عبد الله قد جاءك زائرا ~~قال فرحب به وأجلسه فقال يا أبا داود لي إليك PageV02P404 # حاجة قال وما هي قال حتى تقول قضيتها مع الإمكان قال ~~قد قضيتها مع الإمكان قال اخرج لي لسانك الذي حدثت به عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى أقبله قال فأخرج له لسانه فقبله وكان لأبي داود كم واسع ~~وكم ضيق فقيل له يرحمك الله ما هذا فقال الواسع للكتب والآخر لا نحتاج إليه ~~وكان يقول الشهوة الخفية حب الرياسة وكان في أيام حداثته وطلب الحديث جلس ~~في مجلس بعض الرواة يكتب فدنا رجل إلى محبرته وقال له أستمد من هذه المحبرة ~~فالتفتت إليه وقال أما علمت أن من شرع في مال أخيه بالاستئذان فقد استوجب ~~بالحشمة الحرمان فسمي ذلك اليوم حكيما وكانت ولادته في سنة اثنتين ومائتين ~~وقدم بغداد مرارا ثم نزل إلى البصرة وسكنها وتوفي بها يوم الجمعة منتصف ~~شوال سنة خمس وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى 48 وكان ولده أبو بكر عبد ~~الله بن أبي داود سليمان من أكابر الحفاظ ببغداد عالما متفقا عليه إمام ابن ~~إمام وله كتاب المصابيح وشارك أباه في شيوخه بمصر والشام وسمع ببغداد ~~وخراسان وأصبهان وسجستان وشيراز وتوفي في سنة ست عشرة وثلاثمائة واحتج به ~~ممن صنف الصحيح أبو علي الحافظ النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني والسجستاني ~~بكسر السين المهملة والجيم وسكون السين الثانية وفتح التاء المثناة من ~~فوقها وبعد الألف نون هذه النسبة إلى سجستان الإقليم المشهور وقيل بل نسبته ~~إلى سجستان أو سجستانة قرية من قرى البصرة والله أعلم بذلك PageV02P405 # 273 أبو موسى الحامض أبو موسى سليمان بن محمد بن أحمد ~~النحوي البغدادي المعروف بالحامض كان أحد المذكورين من العلماء بنحو ~~الكوفيين أخذ النحو عن أبي العباس ثعلب وهو المقدم من أصحابه وجلس موضعه ~~وخلفه بعد موته وصنف كتبا حسانا في ms0511 الأدب وروى عنه أبو عمر الزاهد وأبو ~~جعفر الأصبهاني المعروف ببرزويه غلام نفطويه وكان دينا صالحا وكان أوحد ~~الناس في البيان والمعرفة بالعربية واللغة والشعر وكان قد أخذ عن البصريين ~~أيضا وخلط النحوين وكان حسن الوراقة في الضبط وكان يتعصب على البصريين فيما ~~أخذ عنهم في عربيتهم وله عدة تصانيف فمنها كتاب خلق الإنسان وكتاب السبق ~~والنضال وكتاب النبات وكتاب الوحوش وكتاب في النحو مختصر وغير ذلك وتوفي ~~ليلة الخميس لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثمائة ببغداد ودفن بمقبرة ~~باب التبن رحمه الله تعالى وإنما قيل له الحامض لأنه كانت له أخلاق شرسة ~~فلقب الحامض لذلك ولما احتضر أوصى بكتبه لأبي فاتك المقتدري بخلا بها أن ~~تصير إلى أحد من أهل العلم PageV02P406 # 274 أبو القاسم الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن ~~أيوب بن مطير اللخمي الطبراني كان حافظ عصره رحل في طلب الحديث من الشام ~~إلى العراق والحجاز واليمن ومصر وبلاد الجزيرة الفراتية وأقام في الرحلة ~~ثلاثا وثلاثين سنة وسمع الكثير وعدد شيوخه ألف شيخ وله المصنفات الممتعة ~~النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة الكبير و الأوسط والصغير وهي أشهر ~~كتبه وروى عنه الحافظ أبو نعيم والخلق الكثير ومولده سنة ستين ومائتين ~~بطبرية الشام وسكن أصبهان إلى أن توفي بها يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي ~~القعدة سنة ستين وثلاثمائة وعمره تقديرا مائة سنة رحمه الله تعالى وقيل إنه ~~توفي في شوال والله أعلم ودفن إلى جانب حممة الدوسي صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والطبراني بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة والراء وبعد ~~الألف نون هذه النسبة إلى طبرية والطبري نسبة إلى طبرستان وقد تقدم ذلك ~~واللخمي بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم هذه النسبة إلى لخم ~~واسمه مالك بن عدي وهو أخو جذام وقد تقدم القول في تسميتهما بهذين الاسمين ~~لم كان ومطير تصغير مطر PageV02P407 # 275 أبو الوليد الباجي أبو الوليد سليمان بن خلف بن ~~سعد بن أيوب بن وارث التجيبي المالكي الأندلسي الباجي كان ms0512 من علماء الأندلس ~~وحفاظها سكن شرق الأندلس ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة أو نحوها ~~فأقام بمكة مع أبي ذر الهروي ثلاثة أعوام وحج فيها أربع حجج ثم رحل إلى ~~بغداد فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه ة ويقرأ الحديث ولقي بها سادة من ~~العلماء كأبي الطيب الطبري الفقيه الشافعي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب ~~المهذب وأقام بالموصل مع أبي جعفر السمناني عاما يدرس عليه الفقه وكان ~~مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عاما وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب وروى ~~الخطيب أيضا عنه قال أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه يرثي ابنيه وماتا ~~مقترنين (لئن غيبا عن ناظري وتبوءا * فؤادي لقد زاد التباعد في القرب) (يقر ~~بعيني أن أزور ثراهما * وألصق مكنون الترائب بالترب) وروى الخطيب أيضا عنه ~~قال أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه (إذا كنت أعلم علما يقينا * بأن جميع ~~حياتي كساعه) PageV02P408 # (فلم لا أكون ضنينا بها * وأجعلها في صلاح وطاعة) وصنف ~~كتبا كثيرة منها كتاب المنتقى وكتاب إحكام الفصول في أحكام الأصول وكتاب ~~التعديل والتجريج فيمن روى عنه البخاري في الصحيح وغير ذلك وهو أحد أئمة ~~المسلمين وكان يقول سمعت أبا ذر عبد ابن أحمد الهروي يقول لو صحت الإجازة ~~لبطلت الرحلة وكان قد رجع إلى الأندلس وولي القضاء هناك وقد قيل إنه ولي ~~قضاء حلب أيضا والله أعلم ومولده يوم الثلاثاء النصف من ذي القعدة سنة ثلاث ~~وأربعمائة بمدينة بطليوس وتوفي بالمرية ليلة الخميس بين العشاءين تاسعة ~~عشرة رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة ودفن يوم الخميس بعد صلاة العصر ~~بالرباط على ضفة البحر وصلة عليه ابنه القاسم وأخذ عنه أبو عمر ابن عبد ~~البر صاحب الاستيعاب وبينه وبين أبي محمد ابن حزم المعروف بالظاهري مجالس ~~ومناظرات وفصول يطول شرحها والباجي بفتح الباء الموحدة وبعد الألف جيم هذه ~~النسبة إلى باجة وهي مدينة بالأندلس وثم باجة أخرى وهي مدينة بإفريقية ~~وباجة أخرى قرية من قرى أصبهان وبطليوس يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى ~~والمرية قد تقدم الكلام عليها ms0513 PageV02P409 # 276 أبو أيوب المورياني أبو أيوب سليمان بن أبي سليمان ~~مخلد وقيل داود المورياني الخوزي كان وزير أبي جعفر المنصور تولى وزارته ~~بعد خالد بن برمك جد البرامكة وتمكن منه غاية التمكن وسبب ذلك أنه كان يكتب ~~لسليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي وكان المنصور قبل الخلافة ~~ينوب عن سليمان المذكور في بعض كور فارس فاتهمه بأنه احتجن المال لنفسه ~~فضربه بالسياط ضربا شديدا وأغرامه المال فلما ولي الخلافة ضرب عنقه وكان ~~سليمان قد عزم على هتكه عقيب ضربه فخلصه منه كاتبه أبو أيوب المذكور ~~فاعتدها المنصور له واستوزره ثم إنه فسدت نيته فيه ونسبه إلى أخذ الأموال ~~وهم أن يوقع به فتطاول ذلك فكان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع به ثم يخرج ~~سالما فقيل إنه كان معه شيء من الدهن قد عمل فيه سحر فكان يدهن به حاجبيه ~~إذا دخل على المنصور فسار في العامة دهن أبي أيوب ومن ملح أمثاله أن خالد ~~بن يزيد الأرقط قال بينا أبو أيوب المذكور جالس في أمره ونهيه أتاه رسول ~~المنصور فتغير لونه فلما رجع تعجبنا من حالته فضرب مثلا لذلك وقال زعموا أن ~~البازي قال للديك ما في الأرض حيوان أقل وفاء منك قال وكيف ذلك قال أخذك ~~أهلك بيضة فحضنوك ثم خرجت على أيديهم وأطعموك في أكفهم ونشأت بينهم حتى إذا ~~كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا وهاهنا وصوت وأخذت أنا مسنا من ~~الجبال فعلموني وألفوا بي ثم يخلى عني فآخذ صيدا في الهواء PageV02P410 # وأجيء به إلى صاحبي فقال له الديك إنك لو رأيت من ~~البزاة في سفافيدهم المعدة للشيء مثل الذي رأيت من الديوك لكنت أنفر مني ~~ولكنكم أنتم لو علمتم ما أعلم لم تتعجبوا من خوفي مع ما ترون من تمكن حالي ~~ثم إنه أوقع به سنة ثلاث وخمسين ومائة وعذبه وأخذ أمواله ومات سنة أربع ~~وخمسين ومائة رحمه الله تعالى وكان سبب ذلك ما حكاه المعافى بن زكريا في ~~كتاب ms0514 الجليس والأنيس قال كان أبو جعفر المنصور في بعض أسفاره في أيام بني ~~أمية تزوج امرأة من الأزد بالموصل عن ضر شديد أصابه حتى أكرى نفسه مع ~~الملاحين يمد في الحبل أو فعل ذلك لأمر خافه على نفسه فتنكر وأكرى نفسه في ~~مدادي السفن فخطب هذه المرأة ورغبها في نفسه ووعدها ومناها وأخبرنا أنه ~~جليل القدر وأنه من أهل بيت شرف وأنها إن تزوجته سعدت ولم يزل يمنيها حتى ~~أجابته وأقام معها يختلف في أسبابه ويجعل طريقه عليها بما رزقه الله تعالى ~~ثم اشتملت على حمل فقال لها أيتها المرأة هذه رقعة مختومة عندك لا تفتحيها ~~حتى تضعي ما في بطنك فإن ولدت ابنا فسميه جعفرا وكنيه أبا عبد الله وإن ~~ولدت بنتا فسميها فلانة وأنا عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~بن عبد المطلب فاستري أمري فإنا قوم مطلوبون والسلطان إلينا سريع وودعها ~~وخرج فقضي أنها ولدت ذكرا فأخرجت الرقعة فقرأت ما فيها وسمته جعفرا وضرب ~~الدهر على ذلك ما تسمع له خيرا ونشأ الصبي مع أخواله وأهل بيت أمه وكان ~~كيسا ذهنا لقنا واستخلف أبو العباس فقيل للمرأة إن كنت صادقة في رقعتك وكان ~~من كتبها صادقا فإن زوجك الخليفة أمير المؤمنين قالت ما أدري صفوا لي صفة ~~هذا الخليفة قالوا غلام حين بقل وجهه قالت ليس هو هو قالوا فاستري أمرك ولم ~~يلبث أبو العباس أن مات واستحكم عندها اليأس وأقبل ابنها على الأدب فتأدب ~~وكتب ونزعت به همته إلى بغداد فدخل ديوان أبي أيوب كاتب المنصور وانقطع إلى ~~بعض أهله فأتى عليه زمان يتقوت بالكسب ويزيد في أدبه وفهمه وخطه حتى صار ~~يكتب بين يدي أبي أيوب إلى أن تهيأ PageV02P411 # أن خرج خادم يوما إلى الديوان يطلب كاتبا يكتب بين يدي ~~المنصور فقال أبو أيوب للغلام خذ دواتك وقم واكتب بين يدي أمير المؤمنين ~~فدخل الغلام فكتب وكان يتهيأ من أبي جعفر إليه النظرة بعد النظرة يتأمله ~~وألقيت عليه محبته واستجاد ms0515 خطه واسترشق فهمه فكتب زمانا واستراح أبو أيوب ~~إلى مكانه ورأى أنه قد حمل عنه ثقلا وبر الغلام ووصله وكساه كسوة تصلح أن ~~يدخل بها على أمير المؤمنين ثم إن أبا جعفر قال للغلام يوما ما اسمك قال ~~جعفر قال ابن من فسكت متحيرا قال ابن من ويحك قال ابن عبد الله قال وأين ~~أبوك قال لم أره ولم أعرفه ولكن أمي أخبرتني أن أبي شريف وأن عندها رقعة ~~بخطه فيها نسبه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ~~فساعة ذكر الرقعة تغير وجه المنصور فقال وأين أمك قال في موضع كذا قال ~~أتعرف فلانا قال نعم هو إمام مسجد محلتنا قال قال أتعرف فلانا قال نعم خياط ~~في مسجدنا قال أفتعرف فلانا قال نعم في سكتنا فلما رأى الغلام أبا جعفر ~~ينزع بأسماء قوم يعرفهم أدركته هيبة له وجزع وتدمع فأدركت أبا جعفر الرقة ~~عليه فلم يتمالك أن قال فلانة بنت فلانة من هي منك قال أمي قال فلانة قال ~~خالتي قال فلان قال خالي فضمه إليه وبكى وقال يا غلام لا تعلمن أبا أيوب ~~ولا أحدا ما دار بيني وبينك انظر انظر احذر احذر فنهض الغلام وخرج فقال له ~~أبو أيوب لقد احتبست عند أمير المؤمنين قال كتبت كتبا كثيرة أملاها علي قال ~~فأين هي قال جعلها نسخا يردد فيها نظره حتى يحكمها ثم خرج إلى الديوان ثم ~~إن أبا جعفر جعل يقول في بعض الأيام لأبي أيوب هذا الغلام الذي يكتب بين ~~يدي استوص به فاتهم أبو أيوب الغلام أنه يلقي إلى أبي جعفر الشيء بعد الشيء ~~من خبره ثم لم يلبث أن سأله مرة بعد مرة فقذف في قلب أبي أيوب بغض الغلام ~~وأنه يقوم مقامه إن فقده أبو جعفر وأبو جعفر يزداد ولها إلى الغلام ويجن به ~~جنونا وليس يمنعه من إدنائه وإظهار أمره إلا أمر يريده الله فلما رأى أبو ~~أيوب ذلك احتبسه عنده عنادا ثم قال ms0516 المنصور PageV02P412 # للخادم اخرج إلى الديوان فجئني بفلان فإن بعث معك ~~بغيره فقل أمرني أمير المؤمنين لا يدخل عليه غيره ففعل الخادم ذلك واستحكم ~~في قلب أبي أيوب ما حذره وحدثته به نفسه فقال الغلام يا أمير المؤمنين قد ~~تعرفت من أبي أيوب ما حذره وحدثته به نفسه فقال الغلام يا أمير المؤمنين قد ~~تعرفت من أبي أيوب البغض وله غوائل لا يحيط بها علمي وأنا أخاف على نفسي ~~فقال له أبو جعفر يا بني قد حاك ذلك في صدري فإذا كان الغد فتعرض لأن يغلظ ~~لك فإذا أغلظ فقم وانصرف كأنك مغضب ولا تعد إلى الديوان واجعل وجهك إلى أمك ~~وأوصل إليها هذا العقد وهذا الكيس وكتابي هذا واحمل أمك ومن اتبعها من ~~قرابتك وأقبل فانزل في موضع كذا فإني منفذ إليك خادما يتفقد أمورك ويعرف ~~خبرك فلا تطلعن أحدا من الخلق على ما معك وامض بهذا المال وهذا العقد ~~وأحرزه أولا قبل رجوعك إلى الديوان ثم قال للخادم أخرجه من باب كذا وكذا ~~فخرج الغلام فأحرز ما كان معه ثم رجع إلى الديوان وأبو أيوب في فكره من ~~احتباسه عند المنصور ورجع الغلام بوجه بهج مسرور لا يخفى ذلك عليه وظهر ~~الفرح في وجهه وشمائله فقال أبو أيوب أحلف بالله لقد رجع هذا الغلام بغير ~~الوجه الذي مضى به ولقد دار بينه وبين أمير الؤمنين من ذكري ما سره فاستشعر ~~الوحشة منه وصرف أكثر عمله عنه ثم لم ينشب أن أغلظ له فقال الغلام أنا ~~إنسان غريب أطلب الرزق وأنت تستخف بي فكأني قد ثقلت عليك فأتنحى عنك قبل أن ~~تطردني ثم قام وانصرف فافتقده أبو أيوب أياما ورأى أن أبا جعفر لا يسأل عنه ~~ولا يذكره ثم إن نفس أبي أيوب نازعته إلى علم حقيقة خبره فأرسل من يسأل عنه ~~في الموضع الذي كان نازلا به فقيل له إنه قد تهيأ وتجهز جهازا حسنا وشخص ~~إلى أهله بالموصل فقال أبو أيوب في نفسه ومن أين له ما يتجهز ms0517 به وكم مبلغ ~~ما ارتزق معي وارتفق به لهذا الأمر وجعلت نفسه تزداد وحشة منه ومن خبره إلى ~~أن قيل له قد كان أبو جعفر وصله بمال ووهب له شيئا فقال في نفسه هذا الذي ~~ظننت وقد نصبه مكاني ويجوز أن يكون استأذنه في أن يخرج إلى أهله فيسلم ~~عليهم ثم يرجع إليه فيقلده مكاني فقال لرجل من أصحابه اخرج إلى طريق الموصل ~~قرية قرية برا وبحرا فإذا عرفت موضعه فاقتله وجئني PageV02P413 # بما معه فشخص وإن الغلام لما خرج من بغداد رأى أنه قد ~~أمن في مسيره وكان يقيم في الموضع الذي يستطيبه اليوم واليومين والأكثر ~~والأقل فلحقه رسول أبي أيوب وعرفه فباتا في قرية فقام الرسول إليه فخنقه ~~وطرحه في بئر وأخذ خرجه وخرائط كانت معه وركب دابة له ورجع إلى أبي أيوب ~~فسلم ذلك إليه وشرح له الخبر ففتش أبو أيوب متاعه فإذا المال والعقد فعرفه ~~وإذا كتاب المنصور بخطه إلى أمه فوجم أبو أيوب وندم وعلم أنه قد عجل وأخطأ ~~وأن الخبر لم يكن كما ظن وعزم على الحلف والمكابرة إن عثر على شيء من أمره ~~وأبطأ خبر الغلام واستبطأه في الوقت الذي ضربه له فدعا خادما من ثقاته ~~ورجلا من خاصته وقال لهما استقريا المنازل إلى الموصل منزلا منزلا وقرية ~~قرية وأعطيا صفة الغلام حتى تدخلا ثم اقصدا موضع كذا من الموصل فاسألا عن ~~فلانة ووصف لهما كل ما أراد ففعلا فلما انتهيا إلى الموضع الذي أصيب فيه ~~الغلام أعلما خبره وذكرا الوقت الذي أصيب فيه فإذا التاريخ بعينه ثم مضيا ~~إلى الموصل فسألا عن أمه فوجداها أشد الخلق ولها على ابنها وحاجتها إلى علم ~~خبره فأطلعاها على حاله وأمراها أن تستر نفسها ولم ترد الدنيا بعده فكان ~~المنصور يذكره فيكاد ذكره يصدع قلبه وأجمع أبو جعفر على الإيقاع بأبي أيوب ~~عند ذلك واستصفى أمواله وأموال أهل بيته ثم قتلهم جميعا واباد خضراءهم وكان ~~إذا ذكر ابا أيوب لعنه وسبه وقال ذاك قاتل حبيبي والمورياني بضم ms0518 الميم ~~وسكون الواو وكسر الراء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون هذه ~~النسبة إلى موريان وهي قرية من قرى الأهواز ذكره ابن نقطة من أعمال خوزستان ~~والخوزي نسبة إلى خوزستان بضم الخاء الموحدة وسكون الواو وكسر الزاي وسكون ~~السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون وهي بلاد بين ~~البصرة وفارس وقيل إنما قيل له الخوزي لشحه وقيل لأنه كان ينزل الخوز بمكة ~~PageV02P414 # 277 سليمان بن وهب أبو أيوب سليمان بن وهب بن سعيد بن ~~عمرو بن حصين بن قيس بن فنال وكان فنال كاتبا ليزيد بن أبي سفيان لما ولي ~~الشام ثم لمعاوية بعده ووصله معاوية بولده يزيد وفي أيامه مات واستكتب يزيد ~~ابنه قيسا ثم كتب قيس لمروان ابن الحكم ثم لولده عبد الملك ثم لهشام بن عبد ~~الملك وفي أيامه مات واستكتب هشام ابنه الحصين ثم استكتبه مروان بن محمد ~~الجعدي اخر ملوك بني أمية ثم صار إلى يزيد بن عمر بن هبيرة ولما خرج يزيد ~~إلى أبي جعفر المنصور أخذ للحصين أمانا فخدم المنصور ثم المهدي وتوفي في ~~أيامه في طريق الري فاستكتب المهدي ابنه عمرا ثم كتب لخالد بن برمك ثم توفي ~~وخلف سعيدا فما زال في خدمة ال برمك وتحول ولده وهب إلى جعفر بن يحيى ثم ~~صار بعده في جملة ذي الرياستين الفضل بن سهل وقال ذو الرياستين في حقه عجبت ~~لمن معه وهب كيف لا تهمه نفسه ثم استكتبه أخوه الحسن بن سهل بعده وقلده ~~كرمان وفارس فأصلح حالهما ثم وجه به إلى المأمون برسالة من فم الصلح فغرق ~~في طريقه بين بغداد وفم الصلح وكتب سليمان المذكور للمأمون وهو ابن أربع ~~عشرة سنة ثم لإيتاخ ثم لأشناس ثم ولي الوزارة للمهتدي بالله ثم للمعتمد على ~~الله وله ديوان رسائل وكان أخوه الحسن بن وهب يكتب لمحمد بن عبد الملك ~~الزيات وولي ديوان لارسائل وكان أيضا شاعرا بليغا مترسلا فصيحا وله ديوان ~~رسائل أيضا PageV02P415 # وكان هو وأخوه الحسن ms0519 من أعيان عصرهما وقد تقدم ذكر ~~الحسن في حرف الحاء في ترجمة أبي تمام الطائي وأنه هو الذي ولاه بريد ~~الموصل ولما مات أبو تمام رثاه الحسن بما ذكرته ثم ولم أظفر بتاريخ وفاته ~~حتى أفرد له ترجمة وقد تقدم في خطبة هذا الكتاب أن مبناه على الوفيات وأن ~~الذي أذكره من بعض أحوال من أذكره لم يكن إلا للإمتاع والتفكه لا غير لا ~~أنه مقصود في نفسه وقد مدح هذين الأخوين خلق كثير من أعيان الشعراء مثل أبي ~~تمام الطائي والبحتري ومن في طبقتهما ومن محاسن قول أبي تمام في سليمان ~~المذكور من جملة قصيدة (كل شعب كنتم به آل وهب * فهو شعبي وشعب كل أديب) ~~(إن قلبي لكم لكالكبد الحرى * وقلبي لغيركم كالقلوب) وسمع هذين البيتين بعض ~~الأفاضل فقال لو كانا في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أليق فما ~~يستحق هذا القول الإهم رضي الله عنهم وكان يقول إني أغار على أصدقائي كما ~~أغار على حرمي ونظر يوما في المرأة فرأى شيبا كثيرا فقال عيب لا عدمناه ~~وكان الحسن بن وهب لا يصحو من الشراب فقال له أخوه سليمان وقد رآه لا يشرب ~~ذات يوم أراك عازفا قال نعم ولذلك لا أعده من عمري وأنشد بديها (إذا كان ~~يومي غير يوم مدامة * ولا يوم قينات فما هو من عمري) (وإن كان معمورا بعود ~~وقهوة * فذلك مسروق لعمري من الدهر) وكانت وفاة سليمان المذكور في سنة ~~اثنتين وسبعين ومائتين يوم الأحد PageV02P416 # منتصف صفر في الحبس وقيل توفي سنة إحدى وسبعين وقال ~~الطبري في تاريخه إنه توفي يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر في ~~حبس الموفق طلحة والد المعتضد رحمه الله تعالى وللبحتري في سليمان بن وهب ~~(كأن آراءه والحزم يتبعها * تريه كل خفي وهو إعلان) (ما غاب عن عينه فالقلب ~~يكلؤه * وإن تنم عينه فالقلب يقظان) وهذا المعنى قد استعمله الشعراء كثيرا ~~فقال أوس بن حجر التميمي أحد شعراء الجاهلية (الألمعي الذي يظن بك ms0520 الظن * ~~كأن قد رأى وقد سمعا) وقال آخر (بصير بأعقاب الأمور كأنما * تخاطبه من كل ~~أمر عواقبه) وقال آخر (بصير بأعقاب الأمور كأنما * يرى بصواب الظن ما هو ~~واقع) وقال آخر (عليم بأخبار الخطوب بظنه * كأن له في اليوم عينا على غد) ~~وقال آخر (كأنك مطلع في القلوب * إذا ما تناجت بأسرارها) وهو باب متسع لا ~~حاجة إلى الإطالة فيه PageV02P417 # وتنقل سليمان في الدواوين الكبار والوزارة ولم يزل ~~كذلك حتى توفي مقبوضا عليه وحكي أن سليمان بلغه أن الواثق نظر إلى أحمد بن ~~الخصيب الكاتب فأنشد (من الناس إنسانان ديني عليهما * مليان لو شاءا لقد ~~قضياني) (خليلي أما أم عمرو فإنها * وأما عن الأخرى فلا تسلاني) فقال إنا ~~لله أحمد بن الخصيب أم عمرو وأما الأخرى فأنا وكذلك كان فإنه نكبهما بعد ~~أيام ولما تولى سليمان بن وهب الوزارة وقيل لما تولاها ابنه عبيد الله بن ~~سليمان كتب إليه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر الآتي ذكره (أبى دهرنا ~~إسعافنا في نفوسنا * فأسعفنا فيمن نحب ونعظم) (فقلت له نعماك فيهم أتمها * ~~ودع أمرنا إن المهم المقدم) 278 سليمان بن حرب أبو أيوب سليمان بن حرب بن ~~بجيل الأزدي الواشجي البصري سمع شعبة وجرير بن حازم والحمادين ومبارك بن ~~فضالة وسعيد بن زيد بن درهم والبسري بن PageV02P418 # يحيى ويزيد بن إبراهيم التستري وروى عنه يحيى بن سعيد ~~القطان وأحمد بن حنبل ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وغيرهم قدم بغداد وحدث بها ~~وولي قضاء مكة ذكره أبو حاتم الرازي فقال إمام من الأئمة كان لا يدلس وقال ~~ظهر حديثه نحو عشرة آلاف حديث ما رأيت في يده كتابا قط ولقد حضرت مجلس ~~سليمان بن حرب ببغداد فحزروا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل وكان مجلسه عند ~~قصر المأمون فبنى له شبه منبر فصعد سليمان وحضر جماعة من القواد عليهم ~~السواد والمأمون فوق قصره وقد فتح باب القصر وقد أرسل سترا وهو خلفه يكتب ~~ما يملي وقال يحيى بن أكثم قال لي ms0521 المأمون من تركت بالبصرة فوصفت له مشايخ ~~منهم سليمان بن حرب وقلت هو ثقة حافظ للحديث عاقل في نهاية الستر والصيانة ~~فأمرني بحمله إليه فكتبت إليه في ذلك فقدم فاتفق أني أدخلته إليه وفي ~~المجلس ابن أبي داود وثمامة وأشباه لهما فكرهت أن يدخل مثله بحضرتهم فلما ~~دخل سلم فأجابه المأمون ودعا له سليمان بالعز والتوفيق فقال ابن أبي داود ~~يا أمير المؤمنين نسأل الشيخ عن مسألة فنظر إليه المأمون نظرة تخيير له ~~فقال سليمان يا أمير المؤمنين حدثنا حماد ابن زيد قال قال رجل لابن شبرمة ~~أسألك قال إن كانت مسألتك لا تضحك الجلوس ولا تزري بالمسؤول فسل وحدثنا ~~وهيب بن خالد قال قال إياس بن معاوية من المسائل ما لا ينبغي للسائل يقال ~~إن يسأل عنها ولا للمجيب يقال إن يجيب فيها فان كانت مسألة من غير هذا ~~فليسأل وان كانت من هذا فليمسك قال فهابوه فما نظر أحد منهم إليه حتى قام ~~وولاه قضاء مكة فخرج إليها PageV02P419 # قال الخطيب وكانت ولايته مكة في سنة أربع عشرة فلم يزل ~~على ذلك إلى يقال إن عزل سنة تسع عشرة ومائتين وولد سنة أربعين ومائة في ~~صفر وتوفي بالبصرة لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ~~ومائتين رحمه الله تعالى 279 سليمان بن عبد الملك أبو أيوب سليمان بن عبد ~~الملك بن مروان بن الحكم وأمه ولادة أم أخيه الوليد بويع له يوم السبت ~~النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وتوفي بذات الجنب بدابق لعشر خلون من ~~صفر سنة تسع وتسعين وله خمس وأربعون سنة وصلى عليه عمر بن عبد العزيز وكانت ~~خلافته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام وكان الناس يتبركون به ويسمونه ~~مفتاح الخير وذلك أنه أذهب عنهم سنة الحجاج وأطلق الأسرى وأخلى السجون ~~وأحسن إلى الناس واستخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فكان يقال فتح ~~بخير وختم بخير وكان قد أغزى أخاه مسلمة الصائفة حتى بلغ القسطنطينية فأقام ~~بها حتى هلك ms0522 سليمان وقيل إن سليمان لما وجه أخاه لفتح القسطنطينية أمره أن ~~يقيم عليه عليها حتى يفتحها أو يأتيه أمره فسار إليها مسلمة فلما دنا منها ~~أمر كل فارس أن يحمل على عجز فرسه مدين من الطعام حتى يأتي به قسطنطينية ~~PageV02P420 # ففعلوا ذلك وألقى ذلك الطعام مثل الجبال ثم قال ~~للمسلمين لا تأكلوا منه شيئا وأقام بأرضهم وشتا وصيف وزرع والناس يأكلون ما ~~أصابوا من الغارات ثم أكلوا من الزرع فأقام مسلمة على قسطنطينية قاهرا ~~لأهلها ومعه وجوه أهل الشام ومات ملك الروم ومسلمة نازل عليها فكتب الروم ~~لي اليون صاحب أرمينية فسار اليون من أرمينية ومكر في طريقه بمسلمة ووعده ~~أن يسلم إليه قسطنطينية وكانت الروم قد أرسلوا إلى اليون إن صرفت عنا مسلمة ~~ملكناك فلما أتى اليون مسلمة قال له إنك لا تصدقهم القتال ولا تزال تطاولهم ~~ما دام هذا الطعام عندك وقد أحسوا بذلك منك فلو أحرقت الطعام أعطوا ما ~~بأيديهم فأحرقه مسلمة ووجه مع اليون مع شيعه حتى دخل القسطنطينية فلما ~~دخلها ملكه الروم عليهم فأرسل إلى مسلمة يخبره بما جرى من أمره ويسأله أن ~~يأذن له أن يدخل من الطعام من النواحي ما يعيش به القوم حتى يصدقوه بأن ~~أمره وأمر مسلمة واحد وأنهم في أمان من الشتات والخروج من بلادهم وأن يأذن ~~لهم ليلة واحدة في حمل الطعام وهيأ اليون السفن والرجال فأذن له مسلمة فحمل ~~جميع ما في تلك النواحي من الغلة في ليلة واحدة وأفرج اليون وأصبح محاربا ~~لمسلمة وظهرت هذه الخديعة التي لا تتم على النساء وأقام المسلمون في قلة ~~الميرة وحصلت الميرة جميعها عند الروم ولقي المسلمون من الشدة ما لم يلق ~~أحد قط حتى إن الرجل كان يخاف أن يخرج من العسكر وحده وأكلوا الدواب ~~والجلود وأصول الشجر والعروق والورق وكل شيء حتى الروث هذا وسليمان مقيم ~~بدابق فدهمهم الشتاء ولم يقدر أن يمدهم حتى هلك سليمان قيل إنه خرج من ~~الحمام يريد الصلاة ونظر في المرآة فأعجبه جماله وكان ms0523 حسن الوجه فقال أنا ~~الخليفة الشاب فلقيته إحدى حظاياه فقال كيف ترينني فتمثلت (ليس فيما بدا ~~لنا فيك عيب * عابه الناس غير أنك فان) (أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير ~~أن لا بقاء للإنسان) ورجع فحم فما بات تلك الليلة إلا ميتا PageV02P421 # وكان عاقلا دينا متوقفا عن الدماء ويقال إنه كان شرها ~~نكاحا يأكل في كل يوم نحو مائة رطل وكان به عرج وحج بالناس سنة سبع وتسعين ~~فمر على المدينة وهو يريد مكة فقال أهاهنا أحد يذكرنا فقيل له أبو حازم ~~فأرسل إليه فدعاه فلما دخل عليه قال له يا أبا حازم ما هذا الجفاء قال يا ~~أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ما عرفتني قبل ولا أنا رأيتك ~~فالتفت سليمان إلى محمد ابن شهاب وقال أصاب الشيخ وأخطأت أنا فقال سليمان ~~يا أبا حازم ما لنا نكره الموت قال لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم الدنيا ~~فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال صدقت فكيف القدوم على الله عز ~~وجل غدا قال أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسئ فكالآبق يقدم ~~على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعري ما أنا عند الله قال يا أمير المؤمنين ~~اعرض عملك على كتاب الله عز وجل قال وأين أجده قال * (إن الأبرار لفي نعيم ~~وإن الفجار لفي جحيم) * (الأعراف: 56) قال يا أبا حازم فأي عباد الله أفضل ~~قال أولو المروءة والتقى قال فأي الأعمال أفضل قال أداء الفرائض مع اجتناب ~~المحارم قال فأي الدعاء أسمع قال دعوة المحسن للمحسن قال فأي الصدقة أزكى ~~قال صدقة السائل البائس وجهد من مقل ليس فيها من ولا أذى قال فأي القول ~~أعدل قال قول الحق عند من يخافه أو يرجوه قال فأي الناس أحمق قال رجل انحط ~~في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال صدقت فما الذي تقول فيما ~~نحن فيه قال يا أمير المؤمنين أو تعفيني من ذلك قال لا ولكن نصيحة تلقيها ~~إلى قال إن ms0524 آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا الملك عنوة من غير مشورة من ~~المسلمين ولا رضى حتى قتلوا عليه مقتلة عظيمة وارتحلوا عنها فلو سمعت ما ~~قالوا وما قيل لهم فغشي على سليمان فقال رجل من جلسائه بئس ما قلت يا أبا ~~حازم قال أبو حازم PageV02P422 # كذبت يا عدو الله إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه ~~للناس ولا يكتمونه فأفاق سليمان فقال يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح للناس ~~قال تدع الصلف وتستمسك بالمروة وتقسم بالسوية قال سليمان كيف المأخذ به قال ~~أن تأخذ المال من حله وتضعه في أهله قال سليمان هل لك أن تصحبنا فتصيب منا ~~ونصيب منك قال أعوذ بالله يا أمير المؤمنين قال ولم قال أخشى أن أركن إليكم ~~شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات قال يا أبا حازم ارفع إلى ~~حوائجك قال تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال ليس ذلك إلى قال فلا حاجة لي ~~غيرها قال فادع لي الله يا أبا حازم قال اللهم إن كان سليمان وليك فيسره ~~بخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال سليمان ~~زدني قال يا أمير المؤمنين قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله وإن لم تكن من ~~أهله فما ينبغي لي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال أوصني يا أبا حازم قال ~~سأوصيك وأوجز عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك من حيث أمرك ثم قام ~~فبعث إليه سليمان بمائة دينار وكتب إليه يقال إن انفقها ولك مثلها كثير ~~فردها عليه وكتب إليه يا أمير المؤمنين أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا ~~وردي عليك باطلا فوالله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي يا أمير المؤمنين ~~إن كانت هذه المائة عوضا لما حدثتك فالميتة ولحم الخنزير في حل الاضطرار ~~أحل من هذه وإن كانت هذه حقا لي في بيت المال فلي فيها نظر فإن سويت بيننا ~~وإلا فلا حاجة لي فيها قال له جلساؤه يا أمير المؤمنين ms0525 أيسرك أن يكون الناس ~~كلهم مثله قال لا والله قال أبو حازم يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل ما ~~داموا على الهدى والرشد كان أمراؤهم يأتون علماءهم رغبة فيما عندهم فلما ~~رئي قوم من أراذل الناس تعلموا العلم وأتوا به الأمراء يريدون به الدنيا ~~استغنت الأمراء عن العلماء فتعسوا ونكسوا وسقطوا من عين الله عز وجل ولو ~~يقال إن علماءهم زهدوا فيما عند الأمراء لرغب الأمراء في علمهم ولكنهم ~~رغبوا فيما عند الأمراء فزهدوا فيهم وهانوا في أعينهم فقال الزهري إياي ~~تعني وتعرض بي فقال أبو حازم لا والله ما تعمدتك ولكن PageV02P423 # هو ما تسمع قال سليمان للزهري هل تعرفه قال يا أمير ~~المؤمنين إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته قال أبو حازم أجل والله لو ~~أحببت الله لعرفتني ولكن لم تحب الله فنسيتني فقال الزهري يا أبا حازم ~~تشتمني قال لا ولكنك شتمت نفسك أما علمت أن للجار حقا كالقرابة جاء سليمان ~~يوما إلى طاوس فلم ينظر إليه فقيل له في ذلك فقال أردت أن يعلم أن لله ~~رجالا يزهدون فيما لديه وشاور سليمان عمر بن عبد العزيز في أمر فقال سليمان ~~هل علينا عين فقال عمر نعم عين بصيرة لا تحتاج إلى تحديق وسمع نافذ لا ~~يحتاج إلى إصغاء حضر أعرابي إلى مائدة سليمان فجعل يمد يده فقال له الحاجب ~~كل ما بين يديك فقال الأعرابي من أجدب انتجع فشق ذلك على سليمان وقال له لا ~~تعد إلينا ودخل آخر فمد يده فقال له الحاجب كل مما يليك فقال من أخصب تخير ~~فأعجب ذلك سليمان وقضى حوائجه وحكى عتيق بن عامر بن عبد الله بن الزبير قال ~~كنت نديما لسليمان بن عبد الملك وإني لعنده ذات يوم إذ دخل عليه عمر بن عبد ~~العزيز فقال يا أمير المؤمنين إن بالباب أعرابيا وله دين فلو أذنت له فسمعت ~~كلامه قال نعم يا غلام إيذن للأعرابي فلما دخل عليه قال يا أمير المؤمنين ~~إني مكلمك بكلام فاحتمله فإن وراءه ms0526 ما يحب إن قلته فقال له يا أعرابي إنا ~~لنجود بالاحتمال على من لا نأمن غيبه ولا نرجو نصحه وأنت المأمون غيبا ~~والناصح جيبا فهات فقال الأعرابي أما إذ أمنت بادرة غضبك فإني مطلق لساني ~~بما خرست به الألسن بإذنه لحق الله عز وجل وحق أمانتك يا أمير المؤمنين إنه ~~تكنفك قوم أساءوا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياك بآخرتهم ورضاك بسخط الله ~~خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه ~~فإنهم لم يألوا الأمانة والأمة خسفا وعسفا وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا ~~مسؤولين عما اجترحت فلا تفسد آخرتك بدنيا غيرك فإن المغبون كل المغبون من ~~أفسد آخرته بدنيا غيره فقال له سليمان أما أنت فقد سللت علينا لسانك وهو ~~أقطع من سيفك قال نعم يا أمير المؤمنين وهو لك لا لغيرك فقيل PageV02P424 # له سل أمير المؤمنين حاجة قال ما آخذ خاصا دون عام ثم ~~خرج ظلم عامل لسليمان رجلا فقال يا أمير المؤمنين إني أحذرك يوم الأذان قال ~~وما يوم الأذان قال قوله تعالى * (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين) * (الأعراف: 44) قال لا جرم لا أبرح أو تصل إلى حقك وغضب سليمان ~~بن عبد الملك على خالد القسري فلما أدخل عليه قال يا أمير المؤمنين إن ~~القدرة تذهب الحفيظة وإنك تجل عن العقوبة فإن تعف فأهل لذلك أنت وإن تعاقب ~~فأهل لذلك أنا فعفا عنه احتال يزيد بن راشد في الدخول على سليمان متنكرا ~~بعد أن ولي الخلافة فقعد في السماط وكان سليمان قد نذر أنه إن أفضت إليه ~~الخلافة قطع لسانه لأنه كان ممن دعا إلى خلع سليمان والبيعة لعبد العزيز ~~فقال يا أمير المؤمنين كن كنبي الله أيوب عليه السلام ابتلي فصير وأعطي ~~فشكر وقدر فغفر قال ومن أنت قال يزيد بن راشد فعفا عنه كان سليمان قد طلب ~~يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج فلما دخل عليه مكبلا بالحديد ازدراه وقال لعن ~~الله رجلا رفعك ووجهك في أمره فقال له ms0527 رأيتني والأمر عني مدبر وعليك مقبل ~~ولو رأيتني والأمر مقبل علي لاستعظمت مني ما استصغرت ولاستجللت مني ما ~~استحقرت قال صدقت اجلس لا أم لك فلما جلس قال له سليمان عزمت عليك لتخبرني ~~عن الحجاج ما ظنك به أتراه يهوي بعد في جهنم أو قد استقر فيها فقال يا أمير ~~المؤمنين لا تقل هذا للحجاج فإنه بذل لكم نصحه وأحقن دونكم دمه وأمن وليكم ~~وأخاف عدوكم وإنه يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك ويسار أخيك حيث شئت فصاح ~~سليمان اخرج عني إلى لعنة الله بينما سليمان بن عبد الملك في مجلسه مر به ~~رجل عليه ثياب يختال في مشيه وكان العلاء بن كدير حاضرا فقال ما ينبغي أن ~~يكون إلا كوفيا وينبغي أن يكون من همدان ثم قال علي بالرجل فأتي به فقال ~~ممن الرجل فقال ويلك دعني حتى ترتد إلى نفسي فتركه هنيهة ثم قال له ممن ~~الرجل فقال من أهل العراق قال من أيهم قال من أهل الكوفة قال من أي أهل ~~PageV02P425 # الكوفة قال من همدان فازداد عجبا قال ما تقول في أبي ~~بكر قال ما أدركت دهره ولا أدركه دهري ولقد قال الناس فيه وأحسنوا وهو إن ~~شاء الله كذلك قال فما تقول في عمر فقال مثل ذلك فقال ما تقول في عثمان قال ~~ما أدركت دهره ولا أدركه دهري ولقد قال فيه ناس فأحسنوا وقال فيه ناس ~~فأساءوا وعند الله علمه قال فما تقول في علي فقال مثل ذلك قال سب عليا قال ~~لا أسبه قال والله لتسبنه أو لأضربن عنقك فقال والله لا أسبه فأمر بضرب ~~عنقه فقام رجل بيده سيف فهزه حتى أضاء في يده كأنه خوصة وقال لتسبنه أو ~~لأضربن عنقك قال والله لا أسبه ثم نادى ويلك يا سليمان أدنني منك فدعا به ~~فقال يا سليمان أما ترضى مني بما رضي به من هو خير منك ممن هو خير مني فيمن ~~هو شر من علي قال وما ذلك قال الله تعالى رضي ms0528 من عيسى وهو خير مني إذ قال ~~في بني إسرائيل وهم شر من علي * (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم) * (المائدة 118) قال فنظرت إلى الغضب يتحدر من وجهه حتى ~~صار في طرف أرنبته ثم قال خليا سبيله فعاد إلى مشيته فما رأيت رجلا قط خيرا ~~من ألف رجل غيره وإذا هو طلحة بن مطرف قال سليمان لعدي بن الرقاع أنشدني ~~قولك في الخمرة فأنشده (كميت إذا شجت وفي الكأس وردة * لها في عظام ~~الشاربين دبيب) (تريك القذى من دونها وهي دونه * لوجه أخيها في الإناء ~~قطوب) فقال سليمان شربتها ورب الكعبة فقال عدي والله يا أمير المؤمنين لئن ~~رابك وصفي لها لقد رابني معرفتك بها فتضاحكا وأخذا في الحديث وكان سليمان ~~هرب من الطاعون فقيل له إن الله عز وجل يقول * (قل لن ينفعكم الفرار إن ~~فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) * (الأحزاب 16) قال ذلك ~~القليل اطلب وقع بين ابن لعمر بن عبد العزيز وبين ابن لسليمان بن عبد الملك ~~كلام فجعل ابن عمر يذكر فضل أبيه ويصفه فقال له ابن سليمان إن شئت فأكثر أو ~~فأقلل PageV02P426 # ما كان أبوك إلا حسنة من حسنات أبي لأن سليمان هو الذي ~~ولى عمر بن عبد العزيز 280 السلطان سنجر السلجوقي أبو الحارث سنجر بن ~~ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق سلطان خراسان ~~وغزنة وما وراء النهر وخطب له بالعراقيين وأذربيجان وأران وأرمينية والشام ~~والموصل وديار بكر وربيعة والحرمين وضربت السكة باسمه في الخافقين وتلقب ~~بالسلطان الأعظم معز الدين كان من أعظم الملوك همة وأكثرهم عطاء ذكر عنه ~~أنه اصطبح خمسة أيام متوالية ذهب في الجود بها كل مذهب فبلغ ما وهبه من ~~العين سبعمائة ألف دينار غير ما أنعم به من الخيل والخلع والأثاث وغير ذلك ~~وقال خازنه اجتمع في خزائنه من الأموال ما لم أسمع أنه اجتمع في خزائن أحد ~~من الملوك الأكاسرة وقلت له يوما ms0529 حصل في خزائنك ألف ثوب ديباج أطلس وأحب أن ~~تبصرها فسكت وظننت أنه رضي بذلك فأبرزت جميعها وقلت أما تنظر إلى مالك أما ~~تحمد الله تعالى على ما أعطاك وأنعم عليك فحمد الله تعالى ثم قال يقبح ~~بمثلي أن يقال مال إلى المال وأمر للأمراء بالإذن في الدخول فدخلوا عليه ~~ففرق عليهم الثياب الطلس وانصرفوا واجتمع عنده من الجوهر ألف وثلاثون رطلا ~~ولم يسمع عند أحد PageV02P427 # من الملوك بمثل هذا ولا بما يقاربه ولم يزل أمره في ~~ازدياد وسعادته في الترقي إلى أن ظهرت عليه الأغز وهم طائفة من الترك في ~~سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وهي واقعة مشهورة استشهد فيها الفقيه محمد بن ~~يحيى كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى وكسروه وانحل نظام ملكه وملكوا ~~نيسابور وقتلوا فيها خلقا لا يحصى عدده وأسروا السلطان سنجر وأقام في أسرهم ~~مقدار خمس سنين وتغلب خوارزم شاه على مدينة مرو وتفرقت مملكة خراسان ثم إن ~~سنجر أفلت من الأسر وعاد إلى خراسان وجمع إليه أطرافه بمرو وكاد يعود إلى ~~ملكه فأدركه أجله وكانت ولادته يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة تسع وسبعين ~~وأربعمائة بظاهر مدينة سنجار ولذلك سمي سنجر فان والده السلطان ملكشاه لما ~~اجتاز بديار ربيعة ونزل على سنجار جاءه هذا الولد فقالوا ما نسميه فقال ~~سموه سنجر وأخذ هذا الاسم من اسم المدينة وتولى الملكة في سنة تسعين ~~وأربعمائة نيابة عن أخيه بر كياروق كما تقدم ذكره في حرف الباء ثم استقل ~~بالسلطنة في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وتوفي يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع ~~الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بمرو ودفن بها بعد خلاصه من الأسر وانقطع ~~بموته استبداد الملوك السلجوقية بخراسان واستولى على أكثر مملكته خوارزم ~~شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين رحمه الله تعالى وهو جد السلطان محمد بن تكش ~~خوارزم شاه فسبحان من لا يزول ملكه وذكر ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أنه ~~مات سنة خمس وخمسين وخمسمائة والله أعلم بذلك وقال غيره توفي ms0530 في جمادى ~~الآخرة من السنة وقطعت الخطبة ببغداد للسلجوقية عند وصول خبر وفاته في أيام ~~المقتفي لأمر الله وكتب إلى بلاد الجزيرة الفراتية والشام بقطع الخطبة في ~~هذه السنة والله أعلم PageV02P428 # 281 أبو محمد التستري أبو محمد سهل بن عبد الله بن ~~يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التستري الصالح المشهور لم يكن له في ~~وقته نظير في المعاملات والورع وكان صاحب كرامات ولقي الشيخ ذا النون ~~المصري رحمه الله تعالى بمكة حرسها الله تعالى وكان له اجتهاد وافر ورياضة ~~عظيمة وكان سبب سلوكه هذا الطريق خاله محمد بن سوار فإنه قال قال لي خالي ~~يوما ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت له كيف أذكره قال قل بقلبك عند تقلبك في ~~ثيابك ثلاث مرات من غير أن، تحرك به لسانك الله معي الله ناظر إلي الله ~~شاهدي فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال قلها في كل ليلة سبع مرات فقلت ذلك ثم ~~أعلمته فقال قلها في كل ليلة إحدى عشرة مرة فقلت ذلك فوقع في قلبي حلاوة ~~فلما كان بعد سنة قال لي خالي احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر ~~فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لها حلاوة في سري ~~ثم قال لي خالي يوما يا سهل من كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهده يعصيه ~~إياك والمعصية فكان ذلك أول أمره وسكن البصرة زمانا وعبادان مدة وكان قد ~~اعتقل بطن يعقوب بن الليث في بلد فارس فجمع له الأطباء فلم يغنوا عنه فوصف ~~له سهل بن عبد الله فأمر بإحضاره فأحضر فلما دخل عليه قعد عند رأسه وقال ~~اللهم أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة ففرج الله عنه من ساعته فأخرج إليه ~~بدرا وثيابا فردها وما قبل منها شيئا فلما رجع إلى تستر قال له بعض أصحابه ~~لو أخذت تلك الدراهم وفرقتها على PageV02P429 # الفقراء فقال انظر إلى الأرض فإذا الأرض كلها ذهب ثم ~~قال من كان حاله مع الله ms0531 سبحانه هذا لا يستكثر هذا وكانت وفاته سنة ثلاث ~~وثمانين في المحرم وقيل سنة ثلاث وسبعين ومائتين رضي الله عنه بالبصرة وذكر ~~شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن مولده في سنة مائتين وقيل إحدى ومائتين ~~بتستر والتستري بضم التاء المثناة من فوقها وسكون السين المهملة وفتح التاء ~~الثانية وبعدها راء هذه النسبة إلى تستر وهي بلدة من كور الأهواز من ~~خوزستان يقول لها الناس ششتر بشينين معجمتين بها قبر البراء بن مالك رضي ~~الله عنه 282 أبو حاتم السجستاني أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد ~~الجشمي السجستاني النحوي اللغوي المقرئ نزيل البصرة وعالمها كان إماما في ~~علوم الآداب وعنه أخذ علماء عصره كأبي بكر محمد بن دريد والمبرد وغيرهما ~~وقال المبرد سمعته يقول قرأت كتاب سيبويه على الأخفش مرتين وكان كثير ~~الرواية عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة والأصمعي عالما باللغة والشعر حسن ~~العلم بالعروض PageV02P430 # وإخراج المعمى وله شعر جيد ولم يكن حاذقا في النحو ~~وكان إذا اجتمع بأبي عثمان المازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي تشاغل أو ~~بادر بالخروج خوفا من أن يسأله عن مسألة في النحو وكان صالحا عفيفا يتصدق ~~كل يوم بدينار ويختم القرآن في كل أسبوع وله نظم حسن وكان أبو العباس ~~المبرد يحضر حلقته ويلازم القراءة عليه وهو غلام وسيم في نهاية الحسن فعمل ~~فيه أبو حاتم المذكور (ماذا لقيت اليوم من * متمجن خنث الكلام) (وقف الجمال ~~بوجهه * فسمت له حدق الأنام) (حركاته وسكونه * تجنى بها ثمر الأثام) (وإذا ~~خلوت بمثله * وعزمت فيه على اعتزام) (لم أعد أفعال العفاف * وذاك أوكد ~~للغرام) (نفسي فداؤك يا أبا العباس * جل بك اعتصامي) (فارحم أخاك فإنه * ~~نزر الكرى بادي السقام) (وأنله ما دون الحرام * فليس يرغب في الحرام) ومن ~~شعر أبي حاتم أيضا (أبرزوا وجهه الجميل * ولاموا من افتتن) (لو أرادوا ~~عفافنا * ستروا وجهه الحسن) وله أيضا (كبد الحسود تقطعي * قد بات من أهوى ~~معي) وله غير ذلك كثير قال محمد بن الحسن الأزدي ms0532 حدثنا أبو حاتم قال وفد ~~علينا عامل من PageV02P431 # أهل الكوفة ولم أر في عمال السلطان أبرع منه فدخلت ~~عليه مسلما فقال لي يا سجستاني من علماؤكم بالبصرة قلت الزيادي أعلمنا بعلم ~~الأصمعي والمازني أعلمنا بالنحو وهلال الرأي أفقهنا والشاذكوني من أعلمنا ~~بالحديث وأنا رحمك الله أنسب إلى علم القرآن وابن الكلبي من أكتبنا للشروط ~~قال فقال لكاتبه إذا كان غدا فاجمعهم إلي قال فجمعنا فقال أيكم المازني ~~فقال أبو عثمان ها أنا ذا قالهل يجزي في كفارة الطهارة عتق عبد أعور قال ~~المازني لست صاحب فقه أنا صاحب عربية قال يا زيادي كيف يكتب بين بعل وامرأة ~~خالعها على الثلث من صداقها قال ليس هذا من علمي هذا من علم هلال الرأي قال ~~يا هلال كم اسند ابن عون عن الحسن قال ليس هذا من علمي هذا من علم ~~الشاذكوني قال يا شاذكوني من قرأ * (ألا إنهم يثنون صدورهم) * (هود: 5) قال ~~ليس هذا من علمي هذا من علم أبي حاتم قال يا أبا حاتم كيف تكتب كتابا إلى ~~أمير المؤمنين تصف خصاصة أهل البصرة وما أصابهم بي وتسأله النظر بالبصرة ~~قلت لست صاحب براعة وكتابة انا صاحب قرآن قال ما أقبح بالرجل يتعاطى العلم ~~خمسين سنة لا يعرف إلا فنا واحدا حتى إذا سئل عن غيره لم يحل فيه ولم يمر ~~لكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عن هذا كله لأجاب وقال أبو حاتم لتلميذه ~~إذا أردت أن تضمن كتابا سرا فخذ لبنا حليبا فاكتب به في قرطاس فيذر المكتوب ~~إليه عليه رمادا سخنا من رماد القراطيس فيظهر المكتوب وإن كتبته بماء الزاج ~~الأبيض فإذا ذر عليه المكتوب إليه شيئا من العفص ظهر وكذا بالعكس وله من ~~المصنفات كتاب إعراب القرآن وكتاب ما يلحن فيه العامة وكتاب الطير وكتاب ~~المذكر والمؤنث وكتاب النبات وكتاب المقصور والممدود وكتاب الفرق وكتاب ~~القراءات وكتاب المقاطع والمبادي وكتاب الفصاحة وكتاب النخلة وكتاب الاضداد ~~وكتاب القسي والنبال PageV02P432 # والسهام وكتاب السيوف والرماح وكتاب الدرع والفرس ~~وكتاب ms0533 الوحوش وكتاب الحشرات وكتاب الهجاء وكتاب الزرع وكتاب خلق الانسان ~~وكتاب الإدغام وكتاب اللبأ واللبن الحليب وكتاب الكرم وكتاب الشتاء والصيف ~~وكتاب النحل والعسل وكتاب الإبل وكتاب العشب وكتاب الخصب والقحط وكتاب ~~اختلاف المصاحف وغير ذلك من المصنفات وكانت وفاته في المحرم و رجب سنة ثمان ~~وأربعين ومائتين وقيل سنة خمسين وقيل أربع وخمسين و خمس وخمسين ومائتين ~~بالبصرة وصلى عليه سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ~~بن عبد المطلب الهاشمي وكان والي البصرة يومئذ ودفن بسرة المصلى رحمه الله ~~تعالى والجشمي بضم الجيم وفتح الشين المثلثة وبعدها ميم هذه النسبة إلى عدة ~~قبائل يقال لكل واحدة منها جشم ولا أدري إلى أيها ينسب أبو حاتم المذكور ~~والسجستاني قد تقدم الكلام عليه 283 أبو الفتح الأرغياني أبو الفتح أحمد بن ~~علي الأرغياني الفقيه الشافعي كان إماما كبير المقدار في العلم بمرو على ~~الشيخ أبي علي السنجي المقدم ذكره في حرف الحاء ثم قرأ على القاضي حسين بن ~~محمد المروروذي PageV02P433 # وحصل طريقته حتى قال ما علق أحد طريقتي مثله ودخل ~~نيسابور وقرأ أصول الفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني وناظر في ~~مجلسه وارتضى كلامه ثم عاد إلى ناحية أرغيان وتقلد قضاءها سنين مع حسن ~~السيرة وسلوك الطرائق المرضية ثم خرج إلى الحج ولقي المشايخ بالعراق ~~والحجاز والجبال وسمع منهم وسمعوا منه ولما رجع من مكة حرسها الله تعالى ~~دخل على الشيخ العارف الحسن السمناني شيخ وقته زائرا فأشار عليه بترك ~~المناظرة فتركها ولم يناظر بعد ذلك وعزل نفسه عن القضاء ولزم البيت ~~والانزواء وبنى للصوفية دويرة من ماله وأقام بها مشغولا بالتصنيف والمواظبة ~~على العبادة إلى أن توفي على تيقظ من حاله مستهل المحرم سنة تسع وتسعين ~~وأربعمائة رحمه الله تعالى وهو صاحب الفتاوى المنسوبة إليه وسمع جماعة من ~~الأئمة مثل أبي بكر البيهقي وناصر المروزي وعبد الغافر بن إسماعيل بن عبد ~~الغافر الفارسي صاحب مجمع الغرائب وذيل تاريخ نيسابور وغيرهم رحمهم الله ~~تعالى ms0534 والأرغياني بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وفتح الياء ~~المثناة من تحتها وبعد الألف نون هذه النسبة إلى أرغيان وهي اسم لناحية من ~~نواحي نيسابور بها عدة من القرى PageV02P434 # 284 أبو الطيب الصعلوكي أبو الطيب سهل بن محمد بن ~~سليمان بن محمد بن سليمان الصعلوكي النيسابوري الفقيه الشافعي وسيأتي ذكر ~~أبيه ورفع نسبه في حرف الميم إن شاء الله تعالى كان أبو الطيب المذكور مفتي ~~نيسابور وابن مفتيها أخذ الفقه عن أبيه أبي سهل الصعلوكي وكان في وقته يقال ~~له الإمام وهو متفق عليه عديم النظير في علمه وديانته وسمع أباه ومحمد بن ~~يعقوب الأصم وابن مطر وأقرانهم وكان فقيها أديبا متكلما خرجت له الفوائد من ~~سماعاته وقيل إنه وضع له في المجلس أكثر من خمسمائة محبرة وجمع رياسة ~~الدنيا والآخرة وأخذ عنه فقهاء نيسابور وتوفي في المحرم سنة سبع وثمانين ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى وقال أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد إنه توفي ~~أول سنة اثنتين وأربعمائة والله أعلم بالصواب والصعلوكي بضم الصاد المهملة ~~وسكون العين المهملة وضم اللام وسكون الواو وفي آخرها كاف هذه النسبة إلى ~~صعلوك هكذا ذكره السمعاني وما عليه قال عبد الواحد اللخمي أصاب سهلا ~~الصعلوكي رمد فكان الناس يدخلون عليه وينشدونه من النظم ويروون له من ~~الآثار ما جرت به العادة فدخل عليه الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي وقال أيها ~~الإمام لو أن، عينيك رأتا PageV02P435 # وجهك ما رمدت فقال له الشيخ سهل ما سمعت بأحسن من هذا ~~الكلام وسر به ولما مات أبوه محمد بن سليمان في التاريخ الآتي ذكره في ~~ترجمته كتب أبو النضر ابن عبد الجبار إلى أبي الطيب المذكور يعزيه عن والده ~~(من مبلغ شيخ أهل العلم قاطبة * عني رسالة محزون وأواه) (أولى البرايا بحسن ~~الصبر ممتحنا * من كان فتياه توقيعا عن الله) حرف الشين PageV02P436 # 285 شاور وزير مصر أبو شجاع شاور بن مجير بن نزار بن ~~عشائر بن شأس بن مغيث بن حبيب ابن الحارث بن ربيعة بن يخنس ms0535 بن أبي دؤيب عبد ~~الله وهو والد حليمة مرضع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن الكلبي في ~~جمهرة النسب حليمة مرضع النبي صلى الله عليه وسلم ابنة أبي ذؤيب وهو الحارث ~~بن عبد الله بن شجنة بن جابر ابن ناصرة أرضعته بلبن ابنتها الشيماء بنت ~~الحارث بن عبد العزى بن رفاعة ابن ملان وهو الذي حضن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما كان عند حليمة والشيماء المذكورة كانت تحمل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعضها وهي تحمله فلما وفدت عليه أرته الأثر والله أعلم ابن ~~الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر بن ~~هوازن السعدي كان الصالح بن رزيك وزير العاضد صاحب مصر قد ولاه الصعيد ~~الأعلى من ديار مصر ثم ندم على توليته ولما جرح الصالح وأشرف على الوفاة ~~كما سيأتي في ترجمته في حرف الطاء إن شاء الله تعالى كان يعد لنفسه ثلاث ~~غلطات إحداها تولية شاور وثانيتها بناء الجامع المعروف به على باب زويلة ~~فإنه كان قد بقي عونا لمن يحاصر القاهرة وثالثتها خروجه إلى بلبيس ~~PageV02P439 # بالعساكر ورجوعه بعد أن أنفق فيهم أكثر من مائتي ألف ~~دينار حيث لم يتم إلى بلاد الشام ويفتح بيت المقدس ويستأصل شأفة الفرنج ثم ~~إن شاور تمكن في الصعيد وكان ذا شهامة ونجابة وفروسية وكان الصالح قد أوصى ~~ولده العادل رزيك أن لا يتعرض لشاور بمساءة ولا يغير عليه حاله فإنه لا ~~يأمن عصيانه والخروج عليه وكان كما أشار والشرح يطول وقدم من الصعيد على ~~واحات واخترق تلك البراري إلى أن خرج عند تروجة بالقرب من الإسكندرية وتوجه ~~إلى القاهرة ودخلها يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرم سنة ثمان وخمسين ~~وخمسمائة وهرب العادل رزيك وأهله من القاهرة ليلة العشرين من المحرم ~~المذكور وقتل العادل بن الصالح وأخذ موضعه من الوزارة واستولى ثم توجه في ~~سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في شهر رمضان منها إلى الشام مستنجدا بالملك ~~العادل نور ms0536 الدين محمود بن زنكي صاحب الشام لما خرج عليه أبو الأشبال ضرغام ~~بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري نائب الباب بجموع ~~كثيرة وغلبه وأخرجه من القاهرة وقتل ولده طيا وولي الوزارة مكانه كعادة ~~المصريين فأنجده بالأمير أسد الدين شيركوه والقصة مشهورة فلا حاجة إلى ~~الإطالة فيها وآخر الأمر أن أسد الدين تردد إلى الديار المصرية ثلاث دفعات ~~كما سيأتي في ترجمته من هذا الحرف إن شاء الله تعالى وقتل شاور يوم ~~الأربعاء سابع عشر وقيل ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة ~~ودفن في تربة ولده طي وتربته بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة القاضي الفاضل ~~وكان المباشر لقتله الأمير عز الدين جرديك عتيق نور الدين صاحب الشام وقال ~~الروحي في كتاب تحفة الخلفاء إن السلطان صلاح الدين أوقع به وكان إذ ذاك في ~~صحبة عمه أسد الدين وإن قتله كان يوم السبت منتصف جمادى الأولى من السنة ~~المذكورة رحمه الله تعالى وذكر ابن شداد في سيرة صلاح الدين أن شاور ~~المذكور خرج إلى أسد PageV02P440 # الدين في موكبه فلم يتجاسر أحد عليه إلا صلاح الدين ~~فإنه تلقاه وسار إلى جانبه وأخذ بتلابيبه وأمر العسكر بقصد أصحابه ففروا ~~ونهبهم العسكر وأنزل شاور في خيمة مفردة وفي الحال جاء توقيع على يد خادم ~~خاص من جهة المصريين يقول لا بد من رأسه جريا على عادتهم مع وزرائهم فحز ~~رأسه وأنفذه إليهم وسير إلى أسد الدين خلع الوزارة فلبسها وسار ودخل القصر ~~وترتب وزيرا وذلك في سابع عشر شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة وذكر ~~الحافظ ابن عساكر في تاريخه أن شاور وصل إلى نور الدين مستجيرا فأكرمه ~~واحترمه وبعث معه جيشا فقتلوا خصمه ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته ثم ~~إن شاور بعث إلى ملك الفرنج واستنجده وضمن له أموالا فرجع عسكر نور الدين ~~إلى الشام وحدث ملك الفرنج نفسه بملك مصر فحضر إلى بلبيس وأخذها وخيم عليها ~~فلما بلغ نور الدين ذلك جهز عسكرا إليها ms0537 فلما سمع العدو بتوجه الجيش رجعوا ~~خائبين واطلع من شاور على المخامرة وأنفذ يراسل العدو طمعا منه في المظافرة ~~فلما خيف من شره تمارض أسد الدين فجاءه شاور عائدا له فوثب جرديك وبرغش ~~موليا نور الدين فقتلا شاور وكان ذلك برأي الملك الناصر صلاح الدين فإنه ~~أول من تولى عليه ومد يده بالمكروه إليه وصفا الأمر لأسد الدين وظهرت السنة ~~بالديار المصرية وخطب فيها بعد اليأس للدولة العباسية وللفقيه عمارة اليمني ~~الآتي ذكره فيه مدائح من جملتها قوله من جملة قصيد (ضجر الحديد من الحديد ~~وشاور * من نصر دين محمد لم يضجر) (حلف الزمان ليأتين بمثله * حنثت يمينك ~~يا زمان فكفر) وحكى الفقيه عمارة المذكور أنه لما تم الأمر لشاور وانقرضت ~~دولة بني PageV02P441 # زيك جلس شاور وحوله جماعة من أصحاب بني رزيك وممن لهم ~~عليهم إحسان وإنعام فوقعوا في بني رزيك تقربا إلى قلب شاور وكان الصالح بن ~~رزيك وابنه العادل قد أحسنا إلى عمارة عند دخوله إلى الديار المصرية قال ~~فأنشدته (صحت بدولتك الأيام من سقم * وزال ما يشتكيه الدهر من ألم) (زالت ~~ليالي بني رزيك وانصرمت * والحمد والذم فيها غير منصرم) (كأن صالحهم يوما ~~وعادلهم * في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم) (هم حركوها عليهم وهي ساكنة * ~~والسلم قد ينبت الأوراق في السلم) (كنا نظن وبعض الظن مأثمة * بأن ذلك جمع ~~غير منهزم) (فمذ وقعت وقوع النسر خانهم * من كان مجتمعا من ذلك الرخم) (ولم ~~يكونوا عدوا ذل جانبه * وإنما غرقوا في سيلك العرم) (وما قصدت بتعظيمي عداك ~~سوى * تعظيم شأنك فاعذرني ولا تلم) (ولو شكرت لياليهم محافظة * لعهدها لم ~~يكن بالعهد من قدم) (ولو فتحت فمي يوما بذمهم * لم يرض فضلك إلا أن يسد ~~فمي) (والله يأمر بالإحسان عارفة * منه وينهى عن الفحشاء في الكلم) قال ~~عمارة فشكرني شاور وولداه على الوفاء لبني رزيك 49 وأما الملك المنصور أبو ~~الأشبال ضرغام بن سوار اللخمي المذكور فإنه لما وصل شاور من الشام بالعساكر ~~خرج من القاهرة وقتل ms0538 يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخرة وقيل ~~في رجب سنة تسع وخمسين وخمسمائة وكان قتله عند مشهد السيدة نفيسة رضي الله ~~عنها فيما بين القاهرة ومصر وحزوا رأسه وطافوا به على رمح وبقيت جثته هناك ~~ثلاثة يام تأكل منها الكلاب ثم دفن عند بركة الفيل وعمر عليه قبة هكذا ~~وجدته في بعض PageV02P442 # التواريخ وعلى البركة قبة وغالب ظني انها هي المذكورة ~~وواحات بفتح الواو وبعد الألف حاء مهملة وبعد الألف الثانية تاء مثناة من ~~فوقها وهي بلاد بنواحي الديار المصرية مستطيلة في طول صعيدها داخل البرية ~~مما يلي أرض برقة وطريق المغرب وتروجة بفتح التاء المثناة من فوقها والراء ~~وبعد الواو الساكنة جيم ثم هاء ساكنة وهي قرية بالقرب من الإسكندرية أكثر ~~زراعة أهلها الكرويا ونقلت نسبه على هذه الصورة من شجرة أحضرها إلى أحد ~~حفدته 285 ب شاور بن مجير الوزير المصري بعد النسب المتقدم في الترجمة ~~السابقة وزير العاضد صاحب مصر ولي الوزارة له سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في ~~صفر منها وكان ابتداء امره أنه كان يخدم الصالح بن رزيك فأقبل عليه وولاه ~~الصعيد وهو أكبر الأعمال بعد الوزارة وظهرت منه كفاءة عظيمة وتقدم واستمال ~~الرعية والمقدمين من العرب وغيرهم فعسر أمره على الصالح ولم يمكنه عزله ~~فاستدام استعماله لئلا يخرج عن طاعته ولما جرح الصالح وأشرف على الوفاة كان ~~يعد لنفسه ثلاث غلطات إحداها تولية شاور ولما حضر الصالح الموت كان من جملة ~~وصيته للعادل رزيك ولده انك لا تغير على شاور فإنني أنا أقوى منك وقد ندمت ~~على استعماله ولم يمكني عزله فلا تغيروا عليه فيكون لكم ما تكرهون فلما ~~توفي الصالح وتولى ابنه العادل الوزارة حسن له أهله عزل شاور واستعمال ~~بعضهم مكانه وخوفوه PageV02P443 # منه يقال إن أقره على عمله فأرسل إليه بالعزل فجمع ~~جموعا كبيرة وقدم من الصعيد على واحات واخترق تلك البراري إلى يقال إن قدم ~~عند تروجة من الإسكندرية وتوجه إلى القاهرة فهرب منه العادل بن رزيك فأخذ ~~وقتل وكانت ms0539 مدة وزارته ووزارة أبيه تسع سنين وشهرا واحدا وأياما وصار شاور ~~وزيرا وتلقب بأمير الجيوش وكان ذا شهامة ونجابة وفروسية ثم يقال إن الضرغام ~~جمع جموعا كبيرة ونازع شاور في الوزارة وفي شهر رمضان ظهر أمره وانهزم شاور ~~منه إلى الشام وصار ضرغام وراءه فكان في هذه السنة مصير ثلاثة وزراء العادل ~~بن رزيك وشاور وضرغام فلما تمكن ضرغام من الوزارة قتل كثيرا من الامراء ~~المصريين لتخلو له البلاد من منازع ثم يقال إن شاور لما نازعه ضرغام في ~~الوزارة قصد نور الدين محمود بن زنكي ملتجئا إليه مستجيرا به فأكرم مثواه ~~وأحسن إليه وانعم عليه وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه ~~ويكون لنور الدين ثلث خراج مصر بعد اقطاعات العساكر ويكون شيركوه مقيما ~~بعساكره في مصر ويتصرف بأمر نور الدين واختياره فبقي نور الدين يقدم إلى ~~هذا العرض رجلا ويؤخر أخرى فتارة تحمله رعاية قصد شاور به وطلب الزيادة في ~~الملك والتقوي على الفرنج وتارة يمنعه خطر الطريق من أجل الفرنج وخوفا من ~~أن شاور يقال إن استقرت قاعدته ربما لا يفي ثم قوي عزمه على ارسال الجيوش ~~فتقدم بتجهيزها وإزاحة عللها وكان هوى أسد الدين في ذلك وعنده من الشجاعة ~~وقوة النفس ما لا يبالي بمخافة فتجهز وساروا جميعا وشاور صحبتهم في جمادى ~~الأولى سنة تسع وخمسين وتقدم نور الدين إلى شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه ~~وينتقم له ممن نازعه ووصل أسد الدين والعساكر إلى مدينة بلبيس فخرج إليهم ~~ناصر الدين أخو ضرغام بعسكر المصريين ولقيهم فانهزم وعاد إلى القاهرة ~~مهزوما ووصل أسد الدين إلى القاهرة أواخر جمادى الآخرة فخرج الملك المنصور ~~أبو الأشبال ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري ~~المذكور أول الترجمة من القاهرة سلخ الشهر فقتل عند مشهد السيدة نفيسة وبقي ~~يومين ثم حمل ودفن بالقاهرة وقتل أخوه ناصر الدين وخلع PageV02P444 # على شاور مستهل رجب وأعيد إلى الوزارة وتمكن منها ~~والقصة مشهورة وحدث ملك الفرنج نفسه بملك ms0540 مصر وأخذ بلبيس وحكم عليها وكان ~~استقر بينهم وبين المصريين أن يكون لهم بالقاهرة شحنة وتكون أسوارها بيد ~~فرسانهم ليمتنع نور الدين من ايفاد عسكر إليهم ويكون لهم من دخل مصر كل سنة ~~مائة ألف دينار وهذا كله استقر مع شاور فان العاضد لم يكن له معه حكم قد ~~حجر عليه وحجبه عن الأمور كلها وعاد الفرنج إلى بلاد الساحل الشامي وتركوا ~~بمصر جماعة من مشاهير فرسانهم وكان الكامل شجاع بن شاور قد ارسل إلى نور ~~الدين مع بعض الأمراء ينهي إليه محبته وولاءه ويسأله الدخول في طاعته وضمن ~~على نفسه انه يجمع الكلمة بمصر على طاعته وبذل مالا يحمله كل سنة فأجابه ~~إلى ذلك وحملوا إليه مالا جزيلا فبقي الأمر على ذلك إلى أن قصد الفرنج مصر ~~سنة أربع وستين وفي ربيع الأول من هذه السنة سار أسد الدين شيركوه إلى ديار ~~مصر ومعه العساكر النورية وسبب ذلك ما ذكرناه من تمكن الفرنج وانهم جعلوا ~~لهم في القاهرة شحنة وتسلموا أبوابها وجعلوا فيها جماعة من فرسانهم وحكموا ~~على المسلمين حكما جائرا فلما رأوا ذلك وان البلاد ليس فيها من يردهم ~~ارسلواالى ملك الفرنج بالشام وهو مري ولم يكن للفرنج منذ ظهروا بالشام مثله ~~شجاعة ومكرا ودهاء يستدعونه ليملكها واعلموه خلوها من ممانع وهونوا عليه ~~أمرها فلم يجبهم إلى ذلك فاجتمع عنده فرسان الفرنج وذوو الرأي وأشاروا عليه ~~بقصدها فقال لهم الرأي عندي أنا لا نقصدها فإنها طعمة لنا وأموالها تساق ~~إلينا نتقوى بها على نور الدين وان نحن قصدناها لنملكها فإن صاحبها وعساكره ~~وعامة بلاده لا يسلمونها إلينا ويقاتلوننا دونها ويحملهم الخوف على تسليمها ~~إلى نور الدين وان أخذها وصار له فيها مثل أسد PageV02P445 # الدين فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من ارض الشام فلم ~~يقبلوا قوله وقالوا انها لا مانع فيها ولا حامي والى يقال إن يجهز نور ~~الدين عسكرا نكون قد ملكناها وفرغنا من أمرها وحينئذ يتمنى نور الدين منا ~~السلامة فسار معهم على كره وشرعوا يتجهزون ويظهرون أنهم ms0541 يقصدون مدينة حمص ~~فلما سمع نور الدين شرع أيضا في جمع عسكره وجد الفرنج في السير إلى مصر ~~ونازلوا مدينة بلبيس وملكوها قهرا ونهبوا فيها وأسروا وسبوا وكان جماعة من ~~أعيان المصريين قد كاتبوا الفرنج ووعدوهم النصرة عداوة منهم لشاور منهم ابن ~~الخياط وابن مرجلة فقوي جنان الفرنج بهم وساروا من بلبيس إلى مصر فنزلوا ~~على القاهرة وحصروها فخاف الناس منهم واقبلوا على الامتناع فحفظوا البلد ~~وقاتلوا عليه وبذلوا جهدهم في حفظه فلو أن الفرنج أحسنوا السيرة في بلبيس ~~لملكوا مصر والقاهرة ولكن الله حسن لهم ما فعلوا ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا وأمر شاور باحراق مدينة مصر وأمر أهلها بالانتقال منها إلى القاهرة ~~وأن ينهب البلد فانتقلوا وبقوا على الطرق ونهبت المدينة وافتقر أهلها وذهبت ~~أموالهم ونعمتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم أو يومين خوفا يقال إن يملكها ~~الفرنج وبقيت النار فيها أربعة وخمسين يوما فأرسل الخليفة العاضد إلى نور ~~الدين يستغيث به ويعرفه ضعف المسلمين عن دفع الفرنج وأرسل في الكتب شعور ~~النساء وقال هذه شعور نسائي من قصري تستغيث بك لتنقذهم من الفرنج فشرع في ~~تجهيز الجيوش وأما الفرنج فإنهم اشتدوا في حصار القاهرة وضيقوا على أهلها ~~وشاور هو المتولي للأمر والعساكر والقتال فضاق به الأمر وضعف عن ردهم فأخذ ~~في إعمال الحيلة فأرسل إلى ملك الفرنج يعرفه مودته له ومحبته القديمة وأن ~~هواه معه لخوفه من نور الدين ومن العاضد وأن المسلمين لا يوافقونه على ~~التسليم إليه وبشر بالصلح على أن يعطيه ألف ألف دينار مصرية يعجل البعض ~~ويؤخر الباقي فاستقرت القاعدة على ذلك ورأى الفرنج أن البلاد قد امتنعت ~~عليهم وربما سلمت إلى نور الدين فأجابوا إلى ذلك فقالوا نأخذ المال ونتقوى ~~به ونعاود البلاد بقوة لا نبالي معها بنور الدين ومكروا ومكر الله والله ~~خير PageV02P446 # الماكرين فعجل لهم شاور مائة ألف دينار وسألهم الرحيل ~~عنهم ليجمع لهم المال فرحلوا وشرع شاور بجمع المال من أهل القاهرة ومضى فلم ~~يتحصل له إلا قدر يسير لا ms0542 يبلغ خمسة آلاف دينار وتنبه أن أهل مصر أحرقت ~~دورهم بما فيها وما سلم نهب وهم لا يقدرون على الأقوات فضلا عن الاقساط ~~وأما أهل القاهرة فالأغلب فيهم الجند وغلمانهم فلهذا تعذر جمع المال وهم في ~~خلال هذا يراسلون نور الدين بما الناس فيه وبذلوا له ثلث خراج ديار مصر ~~وأن، يكون أسد الدين مقيما عندهم في عسكر يكون مقطعا في الديار المصرية ~~خارجا عن الثلث المختص به فأسر نور الدين لأسد الدين بالتجهز إلى مصر ~~وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الثياب والأسلحة والدواب وغير ذلك وحكمه في ~~العسكر والخزائن فاختار من العسكر الفي فارس وأخذ المال وجمع ستة آلاف فارس ~~وسار بهم هو وصلاح الدين ابن أخيه فلما قرب أسد الدين من مصر رحل الفرنج ~~عنها عائدين إلى بلادهم بخفي حنين فلما وصل أسد الدين إلى القاهرة دخل إلى ~~العاضد فخلع عليه وعاد إلى المخيم بالخلعة وفرح بها أهل مصر وأجريت عليه ~~وعلى عسكره الجرايات الكثيرة والاقامات الوافرة ولم يمكن شاور المنع من ذلك ~~لأنه رأى العساكر كثيرة مع شيركوه وهوى العاضد معهم فلم يتجاسر على إظهار ~~ما في نفسه وشرع يماطل أسد الدين في تقدير ما كان بذل لنور الدين من المال ~~وإقطاع الجند وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين ويسير معه ويعده ويمنيه ثم إنه ~~عزم على أن يعمل دعوة يدعو لها أسد الدين وجماعة من الأمراء الذين معه ~~ويقبض عليهم ويستخدم من معهم من الجند فتمنع بهم البلاد من الفرنج فنهاه ~~ابنه الكامل وقال والله لئن عزمت على هذا لأعرفن شيركوه فقال له أبوه والله ~~لئن لم نفعل هذا لنقتلن جميعا فقال صدقت ولكن نقتل ونحن مسلمون خير من أن ~~نقتل وقد ملكها الفرنج فإنه ليس بينك وبين عود الفرنج الا أن يسمعوا بالقبض ~~على شيركوه وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين لم يرسل معه فارسا واحدا ~~ويملكون البلاد فترك ما كان عزم عليه ولما رأى العسكر النوري مطل شاور ~~خافوا شره واتفق صلاح ms0543 الدين PageV02P447 # ومن معه من الأمراء منهم عز الدين جرديك على قتل شاور ~~وأعلموا أسد الدين فنهاهم عنه فسكتوا وهم على العزم فاتفق أن شاور قصد عسكر ~~أسد الدين على عادته في الخيام فلم يجده وكان قد مضى لزيارة قبر الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه فمضى إليه ومعه صلاح الدين وجرديك في جمع من العسكر ~~فساروا جميعا فتناوله صلاح الدين وجرديك وألقياه إلى الأرض عن فرسه فهرب ~~عنه أصحابه وأخذ سيرا ولم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدين فوكلوا به وسيروا ~~أعلموا أسد الدين بالحال فحضر ولم يمكنه إلا اتمام ما عملوه وسمع العاضد ~~الخبر فأرسل إلى أسد الدين وطلب إيفاد رأس شاور وبايع الرسل بذلك فقتل كما ~~تقدم في هذه الترجمة أما الكامل بن شاور فإنه لما قتل أبوه دخل إلى القصر ~~هو واخوته معتصمين به فكان آخر العهد بهم فكان شيركوه يتأسف كيف عدم لأنه ~~بلغه ما كان منه مع أبيه في منعه من قتل شيركوه وكان يقول وددت لو بقي ~~لأحسن إليه جزاء الصنيعة وصفا الامر لأسد الدين وظهرت السنة بالديار ~~المصرية وخطب فيها بعد اليأس للدولة العباسية 286 الأفضل ابن أمير الجيوش ~~أبو القاسم شاهنشاه الملقب الملك الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجمالي 50 ~~كان بدر المذكور أرمني الجنس اشتراه جمال الدولة بن عمار وتربى عنده وتقدم ~~بسببه وكان من الرجال المعدودين في ذوي الآراء والشهامة وقوة PageV02P448 # العزم واستنابه المستنصر صاحب مصر بمدينة صور وقيل عكا ~~فلما ضعف حال المستنصر واختلت دولته كما سيأتي في ترجمته في حرف الميم إن ~~شاء الله تعالى وصف له بدر الجمالي المذكور فاستدعاه وركب البحر في الشتاء ~~في وقت لم تجر العادة بركوبه في مثله ووصل إلى القاهرة عشية يوم الأربعاء ~~لليلتين بقيتا من جمادى الأولى وقيل الآخرة سنة ست وستين وأربعمائة فولاه ~~المستنصر تدبير أموره وقامت بوصوله الحرمة وأصلح الدولة وكان وزير السيف ~~والقلم وإليه قضاء القضاة والتقدم على الدعاة وساس الأمور أحسن سياسة ويقال ~~إن وصوله كان أول سعادة ms0544 المستنصر وآخر قطوعه وكان يلقب أمير الجيوش ولما ~~دخل على المستنصر قرأ قارىء بين يدي المستنصر * (ولقد نصركم الله ببدر) * ~~ولم يتم الآية فقال المستنصر لو أتمها ضربت عنقه وجاوز ثمانين سنة ولم يزل ~~كذلك إلى أن توفي في ذي القعدة وقيل في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين ~~وأربعمائة رحمه الله تعالى قال علقمة العليمي قصدت بدرا الجمالي بمصر فرأيت ~~الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم ولم يصلوا إليه قال فبينا ~~أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد فخرج علقمة في إثره فلما رجع وقف على نشز ~~من الأرض وأومأ برقعة في يده وأنشأ يقول (نحن التجار وهذه أعلاقنا * درر ~~وجود يمينك المبتاع) (قلب وفتشها بسمعك إنما * هي جوهر تختاره الأسماع) ~~(كسدت علينا بالشآم وكلما * قل النفاق تعطل الصناع) (فأتاك يحملها إليك ~~تجارها * ومطيها الآمال والأطماع) (فوهبت ما لم يعطه في دهره * هرم ولا كعب ~~ولا القعقاع) (وسبقت هذا الناس في طلب العلا * فالناس بعدك كلهم أتباع) ~~PageV02P449 # (يا بدر أقسم لو بك اعتصم الورى * ولجوا إليك بأسرهم ~~ما ضاعوا) وكان على يد بدر بازي فألقاه وانفرد عن الجيش وجعل يسترد الأبيات ~~إلى أن استقر في مجلسه ثم قال لجماعة غلمانه وخاصته من أحبني فليخلع على ~~هذا الشاعر فخرج من عنده ومعه سبعون بغلا تحمل الخلع وأمر له بعشرة آلاف ~~درهم وخرج من عنده وفرق كثيرا من ذلك على الشعراء وهو الذي بنى الجامع الذي ~~بثغر الإسكندرية المحروس الذي في سوق العطارين وكان فراغه من عمارته في شهر ~~ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة وبنى مشهد الرأس بعسقلان ولما مرض ~~واشتد مرضه في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين وزر ولده الأفضل المذكور ~~موضعه في حياته وقضيته مع نزار بن المستنصر وغلامه أفتكين الأفضلي والي ~~الإسكندرية مشهورة في أخذهما وإحضارهما إلى القاهرة المحروسة ولم يظهر لهما ~~خبر بعد ذلك وكان ذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وكان المستنصر قد مات ~~في التاريخ المذكور في ترجمته وأقام الأفضل ولده ms0545 المستعلي أحمد المقدم ذكره ~~مقامه واستمر على وزارته فأما أفتكين فإنه قتل ظاهرا وأما نزار فيقال إن ~~أخاه المستعلي أحمد المقدم ذكره بنى في وجهه حائطا فمات والله أعلم وقد سبق ~~طرف من خبره في ترجمة المستعلي وأفتكين كان غلام الأفضل المذكور ونزار ~~المذكور إليه تنتسب ملوك الإسماعيلية أصحاب الدعوة أرباب قلعة الالموت وما ~~معها من القلاع في بلاد العجم وكان الأفضل المذكور حسن التدبير فحل الرأي ~~وهو الذي أقام الآمر ابن المستعلي موضع أبيه في المملكة بعد وفاة أبيه كما ~~فعل مع أبيه ودبر دولته وحجر عليه ومنعه من ارتكاب الشهوات فإنه كان كثير ~~اللعب كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى فحمله ذلك على أن عمل على ~~قتله فأوثب عليه جماعة وكان يسكن بمصر في دار الملك التي على بحر النيل وهي ~~اليوم دار الوكالة فلما ركب من داره المذكورة وتقدم إلى ساحل البحر وثبوا ~~عليه PageV02P450 # فقتلوه وذلك في سلخ رمضان المعظم عشية يوم الأحد سنة ~~خمس عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى وهو والد أبي علي أحمد بن شاهنشاه الآتي ~~ذكره في ترجمة الحافظ أبي الميمون عبد المجيد العبيدي صاحب مصر وما اعتده ~~في حقه إن شاء الله تعالى وقد تقدم في ترجمة المستعلي أحمد صاحب مصر وفي ~~ترجمة أرتق التركماني طرف من حديث الأفضل المذكور وما فعل في أخذ القدس من ~~سكمان وإيل غازي ابني أرتق التركماني ثم رأيت بعد ذلك في كتاب الدول ~~المنقطعة في ترجمة المستعلي شيئا آخر فألحقته هاهنا فإنه قال إن الأفضل ~~تسلم القدس في يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين ~~وأربعمائة وولى فيه من قبله فلم يكن لمن فيه طاقة بالفرنج فأخذوه بالسيف في ~~شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ولو ترك في يد الأرتقية لكان أصلح ~~للمسلمين فندم الأفضل حين لم ينفعه الندم وخلف الأفضل من الأموال ما لم ~~يسمع بمثله قال صاحب الدول المنقطعة خلف ستمائة ألف ألف دينار عينا ومائتين ~~وخمسين إردبا دراهم نقد ms0546 مصر وخمسة وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس وثلاثين راحلة ~~أحقاق ذهب عراقي ودواة ذهب فيها جوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار ومائة مسمار ~~من ذهب وزن كل مسمار مائة مثقال في عشرة مجالس في كل مجلس عشرة مسامير على ~~كل مسمار منديل مشدود مذهب بلون من الألوان أيما أحب منها لبسه وخمسمائة ~~صندوق كسوة لخاصه من دق تنيس ودمياط وخلف من الرقيق والخيل والبغال ~~والمراكب والطيب والتجمل والحلي ما لم يعلم قدره إلا الله سبحانه وتعالى ~~وخلف خارجا عن ذلك من البقر والجواميس والغنم ما يستحيا من ذكر عدده وبلغ ~~ضمان ألبانها في سنة وفاته ثلاثين ألف دينار ووجد في تركته صندوقان كبيران ~~فيهما إبر ذهب برسم النساء والجواري PageV02P451 # 287 شاهنشاه بن أيوب الأمير نور الدولة شاهنشاه بن نجم ~~الدين أيوب بن شاذي بن مروان أخو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى كان ~~أكبر الإخوة وهو والد عز الدين فروخ شاه والد الملك الأمجد صاحب بعلبك ~~ووالد الملك المظفر تقي الدين عمر صاحب حماة وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~وقتل شاهنشاه المذكور في الواقعة التي اجتمع فيها الفرنج سبعمائة ألف ما ~~بين فارس وراجل على ما يقال وتقدموا إلى باب دمشق وعزموا على قصد بلاد ~~المسلمين قاطبة ونصر الله سبحانه وتعالى عليهم وكان قتله في شهر ربيع الأول ~~سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى 51 وفي من خرج إلى القتال ~~واستشهد الفقيه حجة الدين يوسف بن درباس الفندلاوي المغربي وكان شيخا كبيرا ~~فقيها عالما زاهدا صالحا فلما رآه معين الدين مقدم العسكر وهو راجل قصده ~~وسلم عليه وقال يا شيخ أنت معذور لكبر سنك ونحن نقوم بالذب عن المسلمين ~~وسأله أن يعود فلم يفعل وقال له قد بعت واشتري مني فوالله لا أقيله ولا ~~أستقليه يريد قوله تعالى * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة) * وتقدم فقاتل الفرنج إلى أن قتل عند النيرب ورئي الفندلاوي في ~~النوم فقيل له ما فعل الله بك وأين أنت ms0547 فقال غفر لي وأنا في جنات عدن على ~~سرر متقابلين رحمه الله تعالى 52 وأما عز الدين أبو سعيد فروخ شاه فكان ~~ينعت بالملك المنصور وكان PageV02P452 # سريا نبيلا جليلا واستخلفه السلطان صلاح الدين بدمشق ~~لما عاد إلى الديار المصرية من الشام فقام بضبط أمورها وإصلاح أحوالها أحسن ~~قيام ثم توفي في آخر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق هكذا قال ~~العماد الأصبهاني في البرق الشامي وقال ابن شداد في سيرة صلاح الدين إن ~~السلطان بلغه وفاة ابن أخيه عز الدين فروخ شاه في رجب سنة سبع وسبعين ~~والعماد أخبر بذلك والله أعلم 53 وكان لشاهنشاه المذكور بنت تسمى عذرا وهي ~~التي بنت المدرسة العذراوية بمدينة دمشق وإليها تنسب وماتت عذرا المذكورة ~~عاشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة 54 وأما الملك الأمجد مجد الدين أبو ~~المظفر بهرام شاه بن فروخ شاه فإن صلاح الدين أبقى عليه بعلبك وكان فيه فضل ~~وله ديوان شعر وأخذ الأشرف بن العادل منه بعلبك فانتقل إلى دمشق وقتله ~~مملوكه في داره ليلة الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثمان وعشرين وستمائة ~~PageV02P453 # 288 شبيب الخارجي أبو الضحاك شبيب بن يزيد بن نعيم بن ~~قيس بن عمرو بن الصلب بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن ذهل بن شيبان بن ~~ثعلبة وبقية النسب معروف الشيباني الخارجي كان خروجه في خلافة عبد الملك بن ~~مروان والحجاج بن يوسف الثقفي بالعراق يومئذ وخرج بالموصل فبعث إليه الحجاج ~~خمسة قواد فقتلهم واحدا بعد واحد ثم خرج من الموصل يريد الكوفة وخرج الحجاج ~~من البصرة يريد الكوفة أيضا وطمع شبيب أن يلقاه قبل أن يصل إلى الكوفة ~~فأقحم الحجاج خيله فدخلها قبله وذلك في سنة سبع وسبعين للهجرة وتحصن الحجاج ~~في قصر الإمارة ودخل إليها شبيب وأمه جهيزة وزوجته غزالة عند الصباح فوجد ~~باب القصر مغلقا والحجاج فيه فقتل الحرس ثم دنا من الباب فعالجه هو وأصحابه ~~فأعياهم فتحه فضربه شبيب بعمود كان في يده فنقب الباب فيقال إن ذلك ms0548 النقب ~~لم يزل في الباب إلى أن خرب قصر الإمارة وفيه ضربة شبيب وقد كانت غزالة ~~نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين تقرأ فيهما سورة البقرة وآل ~~عمران فأتوا الجامع في سبعين رجلا فصلت فيه الغداة وخرجت من نذرها فقيل ~~فيها (وفت الغزالة نذرها * يا رب لا تغفر لها) وكانت غزالة من الشجاعة ~~والفروسية بالموضع العظيم وكانت تقاتل في PageV02P454 # الحروب بنفسها وقد كان الحجاج هرب في بعض الوقائع مع ~~شبيب من غزالة فعيره ذلك بعض الناس بقوله (أسد علي وفي الحروب نعامة * ~~فتخاء تنفر من صفير الصافر) (هلا برزت إلى غزالة في الوغى * بل كان قلبك في ~~جناحي طائر) وكانت أمه جهيزة أيضا شجاعة تشهد الحروب وكان شبيب قد ادعى ~~الخلافة ولما عجز الحجاج عن شبيب بعث عبد الملك إليه عساكر كثيرة من الشام ~~عليها سفيان بن الأبرد الكلبي فوصل إلى الكوفة وخرج الحجاج أيضا وتكاثروا ~~على شبيب فانهزم وقتلت غزالة وأمه ونجا شبيب في فوارس من أصحابه واتبعه ~~سفيان في أهل الشام فلحقه بالأهواز فولى شبيب فلما حصل على جسر دجيل نفر به ~~فرسه وعليه الحديد الثقيل من درع ومغفر وغيرهما فألقاه في الماء فقال له ~~بعض أصحابه أغرقا يا أمير المؤمنين قال ذلك تقدير العزيز العليم فألقاه ~~دجيل ميتا في ساحله فحمل على البريد إلى الحجاج فأمر الحجاج بشق بطنه ~~واستخراج قلبه فاستخرج فإذا هو كالحجر إذا ضرب به الأرض نبا عنها فشق فكان ~~في داخله قلب صغير كالكرة فشق فأصيب علقة الدم في داخله وقال بعضهم رأيت ~~شبيبا وقد دخل المسجد وعليه جبة طيالسة عليها نقط من أثر المطر وهو طويل ~~أشمط جعد آدم فجعل المسجد يرتج له وكان مولده يوم عيد النحر سنة ست وعشرين ~~للهجرة وغرق بدجيل كما تقدم سنة سبع وسبعين للهجرة رحمه الله تعالى ~~PageV02P455 # 55 ولما غرق أحضر إلى عبد الملك رجل يرى رأي الخوارج ~~وهو عتبان الحروري ابن أصيلة ويقال وصيلة وهي أمه وهي من بني محلم وهو من ~~بني ms0549 شيبان من شراة الجزيرة وقد عمل قصيدة وهي أبيات عديدة ذكرها المرزباني ~~في المعجم فقال له ألست القائل يا عدو الله (فإن يك منكم كان مروان وابنه * ~~وعمرو ومنكم هاشم وحبيب) (فمنا حصين والبطين وقعنب * ومنا أمير المؤمنين ~~شبيب) فقال لم أقل كذا يا أمير المؤمنين وإنما قلت (ومنا أمير المؤمنين ~~شبيب *) فاستحسن قوله وأمر بتخلية سبيله وهذا الجواب في نهاية الحسن فإنه ~~إذا كان أمير مرفوعا كان مبتدأ فيكون شبيب أمير المؤمنين وإذا كان منصوبا ~~فقد حذف منه حرف النداء ومعناه يا أمير المؤمنين منا شبيب فلا يكون شبيب ~~أمير المؤمنين بل يكون منهم وذكر الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر ~~الدمشقي في تاريخ دمشق في أواخر كتابه المذكور في جملة تراجم أرباب الكنى ~~ما مثاله أبو المنهال الخارجي شاعر وفد على عبد الملك بن مروان مستأمنا ~~بعدما كان قال لعبد الملك (أبلغ أمير المؤمنين رسالة * وذو النصح لو يدعى ~~إليه قريب) (فلا صلح ما دامت منابر أرضنا * يقوم عليها من ثقيف خطيب) ~~PageV02P456 # (وإنك إن لا ترض بكر بن وائل * يكن لك يوم بالعراق ~~عصيب) وبعد هذه الأبيات الثلاثة البيتات المذكوران وأبو المنهال كنية عتبان ~~بن وصيلة المذكور وقوله من ثقيف خطيب يريد به الحجاج بن يوسف الثقفي المقدم ~~ذكره وجهيزة بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~الزاي وبعدها هاء ساكنة وهي التي يضرب بها المثل في الحمق فيقال أحمق من ~~جهيزة ذكر ذلك يعقوب بن السكيت في كتاب إصلاح المنطق في باب ما تضعه العامة ~~في غير موضعه وقال كان أبو شبيب من مهاجرة الكوفة فغزا سلمان بن ربيعة ~~الباهلي في سنة خمس وعشرين للهجرة فأتوا الشام فأغاروا على بلاد وأصابوا ~~سبيا وغنموا وأبو شبيب في ذلك الجيش فاشترى جارية من السبي حمراء طويلة ~~جميلة فقال لها أسلمي فأبت فضربها فلم تسلم فواقعها فحملت وتحرك الولد في ~~بطنها فقالت في بطني شيء ينقز فقيل أحمق من جهيزة ثم أسلمت فولدت شبيبا سنة ~~ست وعشرين ms0550 يوم النحر فقالت لمولاها إني رأيت قبل أن ألد كأني ولدت غلاما ~~فخرج مني شهاب من نار فسطع بين السماء والأرض ثم سقط في ماء فخبأ وقد ولدته ~~في يوم أريق فيه الدماء وقد زجرت أن ابني يعلو أمره ويكون صاحب دماء ~~يهريقها هذا آخر كلام ابن السكيت ودجيل بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها لام وهو نهر عظيم بنواحي الأهواز وتلك ~~البلاد عليه قرى ومدن ومخرجه من جهة أصبهان وحفره أردشير بن بابك أول ملوك ~~بني ساسان ملوك الفرس بالمدائن وهو غير دجيل بغداد فإن ذلك مخرجه من دجلة ~~مقابل القادسية في الجانب الغربي بين تكريت وبغداد عليه كورة عظيمة وعتبان ~~بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوقها وفتح الباء PageV02P457 # الموحدة وبعد الألف نون والحروري بفتح الحاء المهملة ~~وضم الراء وسكون الواو وبعدها راء هذه النسبة إلى حروراء بالمد وهي قرية ~~بناحية الكوفة كان أول اجتماع الخوارج بها فنسبوا إليها 289 شبيب بن شيبة ~~أبو معمر شبيب بن شيبة الخطيب المنقري البصري حدث عن الحسن ومعاوية بن قرة ~~وعطاء بن أبي رباح وغيرهم وروى عنه عيسى بن يونس وأبو بدر شجاع بن الوليد ~~وغيرهما وكان له لسن وفصاحة وقدم بغداد في أيام المنصور فاتصل به وبالمهدي ~~من بعده وكان كريما عليهما أثيرا عندهما PageV02P458 # قال شبيب كنت أسير في موكب أمير المؤمنين أبي جعفر ~~فقلت يا أمير المؤمنين رويدا فإني أمير عليك فقال ويلك أمير علي قلت نعم ~~حدثني معاوية بن قرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطف القوم دابة ~~أميرهم فقال أبو جعفر أعطوه دابة فهو أهون من أن يتأمر علينا وقال أيضا قال ~~لي أبو جعفر وكنت في سماره يا شبيب عظني وأوجز فقلت يا أمير المؤمنين إن ~~الله عز وجل قسم الدنيا فلم يرض لك إلا بأرفعها وأشرفها فلا ترض لنفسك من ~~الآخرة إلا مثل الذي رضي لك من الدنيا وأوصيك بتقوى الله عز وجل فإنها ~~عليكم نزلت ms0551 وعنكم أقبلت واليكم صدرت قال لقد أوجزت وقصرت قلت والله لئن ~~قصرت فما بلغت كنه النعمة فيك وخرج شبيب من دار المهدي فقيل له كيف تركت ~~الناس قال تركت الداخل راجيا والخارج راضيا وقال حماد بن سلمة كان شبيب بن ~~شيبة يصلي بنا في المسجد الشارع في مربعة أبي عبيد الله فصلى يوما الصبح ~~فقرأ بالسجدة و * (هل أتى على الإنسان) * فلما قضى الصلاة قام رجل فقال لا ~~جزاك الله عني خيرا فإني كنت غدوت لحاجة فلما أقيمت الصلاة دخلت أصلي فأطلت ~~حتى فاتتني حاجتي قال وما حاجتك قال قدمت من الثغر في شيء من مصلحته وكنت ~~وعدت البكور إلى الخليفة لأتنجز ذلك قال فأنا أركب معك وركب معه ودخل على ~~المهدي فأخبره الخبر وقص عليه القصة قال فتريد ماذا قال قضاء حاجته فقضى ~~حاجته وأمر له بثلاثين ألف درهم فدفعها إلى الرجل ودفع له شبيب من ماله ~~أربعة آلاف درهم وقال له لم تضرك يا أخي السورتان وقال الأصمعي كان شبيب بن ~~شيبة رجلا شريفا يفزع إليه أهل البصرة في حوائجهم وكان يغدو في كل يوم ~~ويركب فإذا أراد أن يغدو أكل من الطعام شيئا ثم يركب فقيل له إنك تباكر ~~الغداء فقال أجل أطفىء به فورة الجوع وأقطع به خلوف فمي وأبلغ به في قضاء ~~حاجتي فاني وجدت خلاء الجوف وشهوة الطعام يقطعان الحكيم عن بلوغ حاجته ~~ويحمله ذلك على PageV02P459 # التقصير فيما به الحاجة وإني رأيت النهم لا مروءة له ~~ورأيت الجوع داء فخذ من الطعام ما يذهب عنك النهم وتداوي به الداء قيل إن ~~شبيبا أتى سليمان بن علي الأمير في حاجة فقال له سليمان قد حلقت أني لا ~~أقضي هذه الحاجة فقال أيها الأمير إن كنت لم تحلف بيمين قط فحنثت فيها فما ~~أحب أن أكون أول من أحنثك وإن كنت ترى غيرها خيرا منها فكفر فقال أستخير ~~الله ثم قضاها وكان يقول من سمع كلمة يكرهها فسكت انقطع عنه ما يكره فإن ~~أجاب سمع أكثر ms0552 مما يكره 290 القاضي شريح أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن ~~الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش ابن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع ~~بتشديد التاء المثناة من فوقها وكسرها الكندي وثور بن مرتع هو كندة وفي ~~نسبه اختلاف كثير وهذه الطريق أصحها كان من كبار التابعين وأدرك الجاهلية ~~واستقضاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الكوفة فأقام قاضيا خمسا وسبعين ~~سنة لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير ~~واستعفى الحجاج بن يوسف من القضاء فأعفاه ولم يقض بين اثنين حتى مات ~~PageV02P460 # وكان أعلم الناس بالقضاء ذا فطنة وذكاء ومعرفة وعقل ~~ورصانة قال ابن عبد البر وكان شاعرا محسنا وهو أحد السادات الطلس وهم أربعة ~~عبد الله بن الزبير وقيس بن سعد بن عبادة والأحنف بن قيس الذي يضرب به ~~المثل في الحلم والقاضي شريح المذكور والأطلس الذي لا شعر في وجهه وكان ~~مزاحا دخل عليه عدي بن أرطاة فقال له أين أنت أصلحك الله فقال بينك وبين ~~الحائط قال استمع مني قال قل أسمع قال إني رجل من أهل الشام قال مكان سحيق ~~قال تزوجت عندكم قال بالرفاء والبنين قال وأردت أن أرحلها قال الرجل أحق ~~بأهله قال وشرطت لها دارها قال الشرط أملك قال فاحكم الآن بيننا قال قد ~~فعلت قال فعلى من حكمت قال على ابن أمك قال بشهادة من قال بشهادة ابن أخت ~~خالتك PageV02P461 # وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل مع خصم له ~~ذمي إلى القاضي شريح فقام له فقال هذا أول جورك ثم أسند ظهره إلى الجدار ~~وقال أما إن خصمي لو كان مسلما لجلست بجنبه وروي أن عليا رضي الله عنه قال ~~اجمعوا لي القراء فاجتمعوا في رحبة المسجد فقال إني أوشك أن أفارقكم فجعل ~~يسائلهم ما تقولون في كذا ما تقولون في كذا وشريح ساكت ثم سأله فلما فرغ ~~منهم قال اذهب فأنت من أفضل الناس أو ms0553 من أفضل العرب وتزوج شريح امرأة من ~~بني تميم تسمى زينب فنقم عليها شيئا فضربها ثم ندم وقال (رأيت رجالا يضربون ~~نساءهم * فشلت يميني يوم أضرب زينبا) (أأضربها من غير ذنب أتت به * فما ~~العدل مني ضرب من ليس مذنبا) (فزينب شمس والنساء كواكب * إذا طلعت لم تبق ~~منهن كوكبا) هكذا ذكر هذه الحكاية صاحب العقد ويروى أن زياد بن أبيه كتب ~~إلى معاوية يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي وفرغت يميني لطاعتك ~~فولني الحجاز فبلغ ذلك عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما وكان مقيما بمكة ~~فقال اللهم اشغل عنا يمين زياد فأصابه الطاعون في يمينه فجمع الأطباء ~~واستشارهم فأشاروا عليه بقطعها فاستدعى القاضي شريحا وعرض عليه ما أشار به ~~الأطباء فقال له لك رزق معلوم وأجل مقسوم وإني أكره إن كانت لك مدة أن تعيش ~~في الدنيا بلا يمين PageV02P462 # وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى ربك مقطوع اليد فإذا سألك ~~لم قطعتها قلت بغضا في لقائك وفرارا من فضائلك فمات زياد من يومه فلام ~~الناس شريحا على منعه من القطع لبغضهم له فقال إنه استشارني والمستشار ~~مؤتمن ولولا الأمانة في المشورة لوددت أنه قطع يده يوما ورجله يوما وسائر ~~جسده يوما يوما وكتب شريح إلى أخ له هرب من الطاعون أما بعد فإنك أنت الذي ~~بعين من لا يعجزه من طلب ولا يفوته من هرب والمكان الذي خلفته لم يعجل ~~امرءا حمامه ولم يظلمه أيامه وانك وإياهم لعلى بساط واحد إن المنتجع من غير ~~ذي قدرة لقريب والسلام وعن الشعبي قال شهدت شريحا وجاءته امرأة تخاصم رجلا ~~فأرسلت عينيها فبكت فقلت أنا ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة فقال يا شعبي ~~يقال إن إخوة يوسف عليه السلام جاءوا أباهم عشاء يبكون وسئل شريح عن الحجاج ~~أكان مؤمنا قال نعم بالطاغوت كافرا بالله تعالى وكانت وفاة القاضي شريح سنة ~~سبع وثمانين للهجرة وهو ابن مائة سنة وقيل سنة اثنتين وثمانين وقيل سنة ~~ثمان وسبعين وقيل سنة ms0554 ثمانين وقيل سنة تسع وسبعين وقيل سنة ست وسبعين وهو ~~ابن مائة وعشرين سنة وقيل مائة وثماني سنين رضي الله عنه والكندي بكسر ~~الكاف وسكون النون وبعدها دال مهلة هذه النسبة إلى كندة وهو ثور بن مرتع بن ~~مالك بن زيد بن كهلان وقيل ثور بن عفير بن الحارث بن مرة بن أدد وسمي كندة ~~لأنه كند أباه نعمته أي كفرها PageV02P463 # 291 القاضي شريك النخعي أبو عبد الله شريك بن عبد الله ~~بن أبي شريك وهو الحارث بن أوس بن الحارث بن الأذهل بن وهبيل بن سعد بن ~~مالك بن النخع النخعي وبقية النسب في ترجمة إبراهيم النخعي في أول هذا ~~الكتاب تولى القضاء بالكوفة أيام المهدي ثم عزله موسى الهادي أدرك عمر بن ~~عبد العزيز وسمع أبا إسحاق السبيعي ومنصور بن المعتمر وعبد الملك بن عمير ~~وسماك بن حرب وغيرهم وروى عنه عبد الله بن المبارك وعباد بن العوام ووكيع ~~بن الجراح وغيرهم وكان شريك ولد ببخارى من أرض خراسان وكان جده قد شهد ~~القادسية وكان عالما فهما ذكيا فطنا حكم يوما على وكيل عبد الله بن مصعب ~~بحكم لم يوافق هوى عبد الله فالتقى شريك بن عبد الله وعبد الله بن مصعب ~~بحضرة المهدي فقال عبد الله بن مصعب لشريك ما حكمت على وكيلي بالحق قال ومن ~~أنت قال من لا ينكر قال قد نكرتك أشد النكير قال أنا عبد الله بن مصعب قال ~~لا كبير ولا طيب قال وكيف لا تقول ذلك وأنت تتنقص الشيخين قال ومن الشيخان ~~قال أبو بكر وعمر رضي الله PageV02P464 # عنهما قال والله ما أتنقض جدك وهو دونهما فكيف ~~أتنقصهما وذكر معاوية بن أبي سفيان عنده ووصف بالحلم فقال شريك ليس بحليم ~~من سفه الحق وقاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وخرج شريك يوما إلى أصحاب ~~الحديث ليسمعوا عليه فشموا منه رائحة النبيذ فقالوا له لو كانت هذه الرائحة ~~منا لاستحيينا فقال لأنكم أهل ريبة ودخل يوما على المهدي فقال له ms0555 لا بد أن ~~تجيبني إلى خصلة من ثلاث خصال قال وما هن يا أمير المؤمنين قال إما أن تلي ~~القضاء أو تحدث ولدي وتعلمهم أو تأكل عندي أكلة وذلك قبل أن يلي القضاء ~~فأفكر ساعة ثم قال الأكلة أخفها على نفسي فأجلسه وتقدم إلى الطباخ أن يصلح ~~له ألوانا من المخ المعقود بالسكر الطبرزذ والعسل وغير ذلك فعمل ذلك وقدمه ~~إليه فأكل فلما فرغ من الأكل قال له الطباخ والله يا أمير المؤمنين ليس ~~يفلح الشيخ بعد هذه الأكلة أبدا قال الفضل بن الربيع فحدثهم والله شريك بعد ~~ذلك وعلم أولادهم وولي القضاء لهم ولقد كتب له برزقه على الصيرفي فضايقه في ~~النقد فقال له الصيرفي إنك لم تبع به بزا فقال له شريك بل والله بعت أكثر ~~من البز بعت به ديني وقال يحيى بن اليمان لما ولي شريك القضاء أكره على ذلك ~~وأقعد معه جماعة من الشرط يحفظونه ثم طاب للشيخ فقعد من نفسه فبلغ سفيان ~~الثوري انه قعد من نفسه فجاء فتراءى له فلما رأى الثوري قام إليه فعظمه ~~وأكرمه ثم قال يا أبا عبد الله هل من حاجة قال نعم مسألة قال أوليس عندك من ~~العلم ما يجزئك قال أحببت أن أذكرك بها قال قل PageV02P465 # قال ما تقول في امرأة جاءت فجلست على باب رجل فاحتملها ~~ففجر بها لمن تحد منهما فقال الرجل دونها لأنها مغصوبة قال فإنه لما كان من ~~الغد جاءت فتزينت وتبخرت وجلست على ذلك الباب ففتح الرجل فرآها فاحتملها ~~ففجر بها لمن تحد قال أحدهما جميعا لأنها جاءت من نفسها وقد علمت الخبر ~~بالأمس قال أنت كان عذرك حين كان الشرط يحفظونك اليوم أي عذر لك قال يا أبا ~~عبد الله أكلمك قال ما كان الله ليراني أكلمك أو تتوب قال ووثب فلم يكلمه ~~حتى مات وكان إذا ذكره قال أي رجل كان لو لم يفسدوه واجتمع شريك ويحيى بن ~~عبد الله بن الحسن البصري في دار الرشيد فقال يحيى لشريك ما ms0556 تقول في النبيذ ~~قال حلال قال شربه خير أم تركه قال بل شربه قال قليله خير أم كثيره قال بل ~~قليلة قال يحيى ما رأيت خيرا قط إلا والازدياد منه خير إلا خيرك هذا فإن ~~قليله خير من كثيره وروى صالح بن علي قال كنت مع المهدي فدخل عليه شريك بن ~~عبد الله فأراد أن يبخره فقال لخادم على رأسه هات عودا للقاضي فجاء الخادم ~~بالعود الذي يلهى به فوضعه في حجر شريك فقال شريك ما هذا يا أمير المؤمنين ~~قال هذا أخذه صاحب العسس البارحة فأحببت أن يكون كسره على يد القاضي فقال ~~جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا فكسره ثم أفاضوا في حديث حتى نسي الأمر ثم ~~قال المهدي لشريك ما تقول في رجل أمر وكيلا له أن يأتي بشيء بعينه فأتى ~~بغيره فتلف ذلك الشيء فقال يضمن يا أمير المؤمنين فقال للخادم اضمن ما تلف ~~بقيمته وكان شريك يشاحن الربيع صاحب شرطة المهدي فكان يحمل المهدي عليه ~~فدخل شريك يوما على المهدي فقال له المهدي بلغني أنك ولدت في قوصرة قال يا ~~أمير المؤمنين ولدت بخراسان والقواصر هناك عزيزة قال إني لأراك فاطميا ~~خبيثا قال والله إني لأحب فاطمة وأبا فاطمة صلى الله عليه وسلم قال وأنا ~~والله أحبهما ولكني رأيتك في منامي مصروفا PageV02P466 # وجهك عني وما ذاك إلا لبغضك لنا وما أراني إلا قاتلك ~~لأنك زنديق قال يا أمير المؤمنين إن الدماء لا تسفك بالأحلام وليست رؤياك ~~رؤيا يوسف عليه السلام وأما قولك إني زنديق فإن للزنادقة علامة يعرفون بها ~~قال وما هي قال شرب الخمور والضرب بالطنبور قال صدقت أبا عبد الله وأنت خير ~~من الذي حملني عليك قال مصعب بن عبد الله الزبيري حدثني أبي قال دخل شريك ~~على المهدي فقال له ما ينبغي أن تقلد الحكم بين المسلمين قال ولم قال ~~لخلافك على الجماعة وقولك بالإمامة فقال أما قولك لخلافك على الجماعة فعن ~~الجماعة أخذت ديني فكيف أخالفهم وهم أصل ديني وأما قولك ms0557 وقولك بالإمامة فما ~~أعرف إلا كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأما قولك مثلك ~~لا يقلد الحكم بين المسلمين فهذا شيء أنتم فعلتموه فإن كان خطأ فلتستغفروا ~~الله منه وإن كان صوابا فأمسكوا عليه قال ما تقول في علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال ما قال فيه جدك العباس وعبد الله قال وما قالا فيه قال أما ~~العباس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة وقد كان يرى كبراء المهاجرين يسألونه ~~عما ينزل من النوازل وما احتاج إلى أحد حتى لحق بالله وأما عبد الله فإنه ~~كان يضرب بين يديه بسيفين وكان في حروبه رأسا متبعا وقائدا مطاعا فلو كانت ~~إمامة علي جورا لكان أول من يقعد عنها أبوك لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام ~~الله فسكت المهدي وأطرق ولم يمض بعد هذا المجلس إلا قليل حتى عزل شريك وقال ~~عبد الله العجلي قدم هارون الكوفة فعزل شريكا عن القضاء وكان موسى بن عيسى ~~واليا على الكوفة فقال موسى لشريك ما صنع أمير المؤمنين بأحد ما صنع بك ~~عزلك عن القضاء قال له شريك هم أمراء المؤمنين يعزلون الولاة ويخلعون ولاة ~~العهود فلا يعاب ذلك عليهم فقال موسى ما ظننت أنه مجنون هكذا لا يبالي ما ~~تكلم به وكان أبوه عيسى بن PageV02P467 # موسى ولي العهد بعد أبي جعفر فخلعه أبو جعفر وحكى ~~الحريري في كتاب درة الغواص أنه كان لشريك المذكور جليس من بني أمية فذكر ~~شريك في بعض الأيام فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال ذلك الأموي ~~نعم الرجل علي فأغضبه ذلك وقال ألعلي يقال نعم الرجل فأمسك حتى سكن غضبه ثم ~~قال يا أبا عبد الله ألم يقل الله تعالى في الإخبار عن نفسه * (فقدرنا فنعم ~~القادرون) * المرسلات 23 وقال في أيوب * (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه ~~أواب) * ص 44 وقال في سليمان * (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد) * ص 30 ~~أفلا ترضى لعلي بما رضي الله به لنفسه ولأنبيائه فتنبه ms0558 شريك عند ذلك لوهمه ~~وزادت مكانة ذلك الأموي من قلبه وكان عادلا في قضائه كثير الصواب حاضر ~~الجواب قال له رجل يوما ما تقول فيمن أراد أن يقنت في الصبح قبل الركوع ~~فقنت بعده فقال هذا أراد أن يخطئ فأصاب وكان مولده ببخارى سنة خمس وتسعين ~~للهجرة وتولى القضاء بالكوفة ثم بالأهواز وتوفي يوم السبت مستهل ذي القعدة ~~سنة سبع وسبعين ومائة بالكوفة وقال خليفة بن خياط مات سنة سبع أو ثمان ~~وسبعين ومائة رحمه الله تعالى وكان هارون الرشيد بالحيرة فقصده ليصلي عليه ~~فوجدهم قد صلوا عليه فرجع والنخعي بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين ~~مهملة هذه النسبة إلى النخع وهي قبيلة كبيرة من مذحج قلت هكذا وجدت نسبه في ~~جمهرة النسب لابن الكلبي ثم وجدت في نسخة أخرى ابن أبي شريك أوس بن الحارث ~~بن ذهل بن وهبيل والله أعلم بالصواب PageV02P468 # 292 شعبة بن الحجاج أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد ~~مولى الأشاقر واسطي الأصل بصري الدار رأى الحسن ومحمد بن سيرين وسمع قتادة ~~ويونس بن عبيد وأيوب وخالدا الحذاء وعبد الملك بن عمير وأبا إسحاق السبيعي ~~طلحة بن مصرف وخلقا غيرهم من طبقتهم روى عنه أيوب السختياني والأعمش ومحمد ~~بن إسحاق وإبراهيم بن سعد وسفيان الثوري وشريك بن عبد الله وسفيان بن عيينة ~~وغيرهم قدم شعبة بغداد مرتين وكان قدومه إحدى المرتين بسبب أخ له كان قد ~~حبس في دين كان عليه فجاء إلى المهدي في شأن أخيه فقال سفيان الثوري هوذا ~~شعبة قد جاء إليهم فبلغ شعبة فقال هو لم يحبس أخوه وكان أخوه اشترى طعاما ~~من طعام السلطان فخسر هو وشركاؤه فحبس بستة آلاف دينار بحصته فلما دخل شعبة ~~على المهدي قال له يا أمير المؤمنين أنشدني قتادة لأمية بن أبي الصلت بقول ~~لعبد الله بن جدعان (أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك يقال إن شيمتك ~~الحياء) (كريم لا يعطله صباح * عن الخلق الكريم ولا مساء) (فأرض أرض مكرمة ~~بنوها * بنو تيم وأنت لهم ms0559 سماء) فقال المهدي لا يا أبا بسطام لا تذكرها قد ~~عرفناها وقضيناها لك ادفعوا إليه أخاه ولا تلزموه شيئا ووهب له ثلاثين ألف ~~درهم فقسمها وأقطعه ألف جريب بالبصرة فقدم فلم يجد شيئا يطيب له فتركها ~~PageV02P469 # وقال النضر بن شميل ما رأيت أرحم بمسكين من شعبة كان ~~إذا رأى المسكين لا يزال ينظر إليه حتى يعطى وكان يقول والله لأنا في الشعر ~~اسلم مني في الحديث ولو أردت الله لما خرجت إليكم ولو أردتم الله ما ~~حييتموني ولكنا نحب المدح ونكره الذم ركب شعبة يوما حماره فلقيه سليمان بن ~~المغيرة فشكا إليه الفقر والحاجة فقال والله ما أملك غير هذا الحمار ثم نزل ~~عنه ودفعه إليه فابتيع بستة عشر درهما توفي بالبصرة سنة ستين ومائة وهو ابن ~~خمس وسبعين سنة رحمه الله تعالى 293 شعيب بن حرب أبو صالح شعيب بن حرب ~~المدائني وهو من أبناء خراسان سمع شعبة وسفيان الثوري وزهير بن معاوية ~~وغيرهم روى عنه موسى بن داود الضبي ويحيى بن أيوب المقابري وأحمد بن حنبل ~~وغيرهم وكان أحد المذكورين بالعبادة والصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر قال شعيب بن حرب بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد فقلت ~~لنفسي قد وجب عليك الأمر والنهي فقالت لي لا تفعل فإن هذا رجل جبار ومتى ~~أمرته ضرب عنقك فقلت لنفسي لا بد من ذلك فلما دنا مني صحت يا هارون قد ~~أتعبت الأمة وأتعبت البهائم فقال خذوه ثم أدخلت عليه وهو على كرسي وبيده ~~عمود يلعب به فقال ممن الرجل PageV02P470 # قلت من أفناء الناس فقال ممن ثكلتك أمك قلت من الأبناء ~~قال ما حملك على أن تدعوني باسمي قال شعيب فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي ~~قط على بال فقلت له أنا أدعو الله باسمه فأقول يا الله يا رحمن لا أدعوك ~~باسمك وما ينكر من دعائي باسمك وقد رأيت الله تعالى سمى في كتابه أحب الخلق ~~إليه محمدا وكنى أبغض الخلق إليه أبا لهب فقال ms0560 * (تبت يدا أبي لهب) * المسد ~~1 فقال أخرجوه فأخرجت وكان يقول من أراد الدنيا فليتهيأ للذل وأراد أن ~~يتزوج امرأة فقال لها أنا سئ الخلق قالت أسوأ منك خلقا من أحوجك يقال إن ~~تكون سئ الخلق فقال لها أنت إذا امرأتي قال سري السقطي رحمه الله تعالى ~~أربعة كانوا في الدنيا أعملوا أنفسهم في طلب الحلال فلم يدخلوا أجوافهم إلا ~~الحلال فقيل له من هم قال وهيب بن الورد وشعيب بن حرب ويوسف بن أسباط ~~وسليمان الخواص قال شعيب رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ومعه أبو ~~بكر وعمر رضي الله عنهما فجئت فقال أوسعوا له فإنه حافظ لكتاب الله عز وجل ~~وقال شعيب أكلت في عشرة أيام أكلة وشربت شربة وكان ثقة مأمونا مات بمكة سنة ~~تسع وتسعين ومائة رحمه الله تعالى 294 أشعب الطامع واسمه شعيب واسم أبيه ~~جبير قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم ولد أشعب سنة تسع من ~~الهجرة وكان أشعب خال الأصمعي PageV02P471 # وفي اسم أمه ثلاثة أقوال أحدها جعدة مولاة أسماء بنت ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنهما والثاني أم حميدة بضم الحاء والثالث أم ~~حميدة بفتح الحاء اتفقوا أنه مولى واختلفوا في ولائه على أربعة أقوال أحدها ~~لعثمان رضي الله عنه والثاني عبد الله بن الزبير والثالث سعيد بن العاص ~~والرابع فاطمة بنت الحسين عمر دهرا طويلا وكان قد أدرك زمن عثمان رضي الله ~~عنه وقرأ القرآن وتنسك روى عن عبد الله بن جعفر والقاسم بن محمد وسالم بن ~~عبد الله وعكرمة وله أخبار طريفة من ذلك ما حكى العباس بن نسيم الكاتب قال ~~قيل لأشعب طلبت العلم وجالست الناس فلو جلست لنا لسمعنا منك فقال نعم فجلس ~~لهم فقالوا حدثنا فقال سمعت عكرمة يقول سمعت بن عباس يقول سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول خلتان لا تجتمعان في مؤمن ثم سكت فقالوا ما ~~الخلتان فقال نسي عكرمة واحدة ونسيت أنا الأخرى وحدثنا الزبير بن بكار قال ~~قال ms0561 الواقدي لقيت أشعب يوما فقال لي يا ابن واقد وجدت دينارا فكيف اصنع به ~~قلت تعرفه قال سبحان الله قلت فما الرأي قال أشتري به قميصا وأعرفه قلت إذن ~~لا يعرفه أحد قال فذاك أريد وقال الهيثم بن عدي أسلمته فاطمة بنت الحسين في ~~البزازين فقيل له أين بلغت من معرفة البز فقال أحسن النشر ولا أحسن أطوي ~~وأرجو أن أتعلم الطي ومر برجل يتخذ طبقا فقال اجعله واسعا لعلهم يهدون ~~إلينا فيه فيكون كبيرا خيرا من أن يكون صغيرا PageV02P472 # وخرج سالم بن عبد الله إلى ناحية من نواحي المدينة ~~متنزها ومعه حرم فبلغ أشعب خبره فوافى الموضع الذي هم فيه فصادف الباب ~~مغلقا فتسور الحائط فقال له سالم ويحك بناتي وحرمي فقال * (لقد علمت ما لنا ~~في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) * هود 79 فوجه إليه بطعام أكل منه وحمل ~~إلى منزله وقال سليمان الشاذكوني كان لي بني في المكتب فانصرف إلى يوما ~~فقال يا أبه ألا أحدثك بطريف فقال هات فقال كنت أقرأ على المعلم أن أبي ~~يدعوك وأشعب الطامع عنده جالس فلبس نعله وقال امش بين يدي فقلت إنما أقرأ ~~عشري فقال عجبت أن تفلح أو يفلح أبوك وحكى الحسن بن علي الخلال عن أبي عاصم ~~النبيل قال سمعت أشعب يقول ما زفت بالمدينة امرأة قط إلى زوجها إلا كنست ~~بيتي ورفعت ستري طمعا في أن تهدى إلى وقيل لأشعت هل رأيت أطمع منك قال نعم ~~شاة كانت لي على سطح فنظرت إلى قوس قزح فظنته حبل قت فأهوت إليه واثبة من ~~السطح فاندق عنقها وقدم على يزيد بن حاتم مصر فجلس في مجلسه من الناس فدعا ~~يزيد بعض غلمانه وأسر له بشيء فقام أشعب فقبل يده فقال له ولم فعلت هذا قال ~~رأيتك أسررت إلى غلامك بشيء فعلمت أنك قد أمرت لي بصلة فضحك منه وقال ما ~~فعلت ولكني أفعل وأمر له بصلة وحكى المدائني قال تغدى أشعب مع زياد بن عبيد ~~الله الحارثي ms0562 فجاءوه بمضيرة فقال أشعب للخباز ضعها بين يدي فوضعها بين يديه ~~فقال زياد من يصلي بأهل السجن قالوا ليس لهم إمام فقال أدخلوا أشعب يصلي ~~بهم قال أو غير ذلك أصلح الله الأمير أحلف لا آكل مضيرة أبدا وحكى المدائني ~~قال أتي أشعب بفالوذجة عند بعض الولاة فأكل منها فلم PageV02P473 # توافقه فقيل له كيف تراها يا أشعب قال امرأته طالق إن ~~لم تكن عملت من قبل أن يوحي الله إلى النحل وحكى المدائني عن جهم بن خلف ~~قال حدثني رجل قال قلت لأشعت لو تحدثت عندي العشية قال أكره أن يجيء ثقيل ~~قلت ليس غيرك وغيري قال فإذا صليت الظهر فأنا عندك فصلى وجاء فلما وضعت ~~الجارية الطعام إذا صديق لي يدق الباب قال ألا ترى قد صرت إلى ما أكره قلت ~~يقال إن لك عندي فيه عشر خصال قال فما هي قلت أولها أنه لا يأكل مع ضيف قال ~~التسع خصال لك أدخله ووجدت في بعض الكتب عن المدائني قال توضأ أشعب فغسل ~~رجله اليسرى وترك اليمنى فقيل له تركت غسل اليمنى فقال لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال أمتي غر محجلون من آثار الوضوء وأنا أحب أن أكون أغر محجلا ~~من الثلاث مطلق اليمين وحكى الهيثم بن عدي قال لقيت أشعب فقلت له كيف ترى ~~أهل زمانك هذا قال يسألون عن أحاديث الملوك ويعطون عطاء العبيد وحكى ~~المدائني قال بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعدما طلق امرأته سعدى فقال له ~~يا أشعب يقال إن لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدى فقال له ~~أحضر المال حتى أنظر إليه فأحضر الوليد بدرة فوضعها أشعب على عنقه وقال هات ~~رسالتك يا أمير المؤمنين قال قل لها يقول لك (أسعدى هل إليك لنا سبيل * وهل ~~حتى القيامة من تلاق) (بلى ولعل دهرا يقال إن يواتي * بموت من حليلك أو ~~طلاق) (فأصبح شامتا وتقر عيني * ويجمع شملنا بعد افتراق) قال فأتى أشعب ~~الباب فأخبرت بمكانه فأمرت ففرش ms0563 لها فرش وجلست فأذنت له فدخل فأنشدها ما ~~أمره فقالت لخدمها خذوا الفاسق فقال يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم قالت ~~والله لأقتلنك أو تبلغه كما تبلغني قال هاتي رسالتك جعلت فداك قالت قل له ~~PageV02P474 # (أتبكي على لبنى وأنت تركتها * وقد ذهبت لبنى فما أنت ~~صانع) فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت فقال اوه قتلتني والله ما ~~تراني صانعا بك يا ابن الزانية اختر إما أن أدليك في البئر منكسا أو أرمي ~~بك من فوق القصر منكسا أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة فقال ما كنت فاعلا بي ~~شيئا من ذلك قال ولم قال لأنك لم تكن لتعذب عينين قد نظرنا إلى سعدى قال ~~صدقت يا ابن الزانية اخرج عني قال الزبير حدثني مصعب قال قال لي ابن كليب ~~حدثت أشعب مرة فبكى فقلت ما يبكيك قال أنا بمنزلة شجرة الموز إذا نشأت ~~ابنتها قطعت هي وقد نشأت أنت في موالي وأنا الآن أموت وأنا أبكي على نفسي ~~وكان أشعب يغني وله أصوات قد حكيت عنه وكان ابنه عبيدة يغنيها فمن أصواته ~~هذه (أروني من يقوم لكم مقامي * إذا ما الأمر جل عن الخطاب) (إلى من تفزعون ~~إذا حثوتم * بأيدكم علي من التراب) 295 شقيق البلخي أبو علي شقيق بن ~~إبراهيم البلخي من مشايخ خراسان له لسان في التوكل حسن الكلام فيه صاحب ~~إبراهيم بن أدهم وأخذ عنه الطريق وهو أستاذ PageV02P475 # حاتم الأصم وكان قد خرج إلى بلاد الترك للتجارة وهو ~~حدث فدخل إلى بيت أصنامهم فقال لعالمهم إن هذا الذي أنت فيه باطل ولهذا ~~الخلق خالق ليس كمثله شيء رازق كل شيء فقال له ليس يوافق قولك فعلك فقال له ~~شقيق كيف قال زعمت أن لك خالقا قادرا على كل شيء وقد تعنيت إلى هاهنا لطلب ~~الرزق قال شقيق فكان سبب زهدي كلام التركي فرجع وتصدق بجميع ما يملك وطلب ~~العلم وكانت وفاته سنة ثلاث وخمسين ومائة رحمه الله تعالى ذكره ابن الجوزي ~~في الشذور 296 شقيق بن ms0564 سلمة أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي أدرك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يلقه وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليا وعمارا وعبد ~~الله بن مسعود وخباب ابن الإرث وأبا موسى الأشعري وأسامة بن زيد وحذيفة بن ~~اليمان وابن عمر وابن عباس وجرير بن عبد الله وأبا مسعود الأنصاري والمغيرة ~~بن شعبة رضي الله عنهم أجمعين وروى عنه منصور بن المعتمر والحكم بن عتبة ~~وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم وكان ممن سكن الكوفة وورد المدائن مع علي رضي ~~الله عنه حين قاتل الخوارج بالنهروان قيل له من أدركت قال بينا أنا أرعى ~~غنما لأهلي إذ مر ركب أو فوارس ففرقوا غنمي فوقف رجل فقال اجمعوا للغلام ~~غنمه كما فرقتموها عليه فتبعت رجلا منهم فقلت من هذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال الأعمش قال لي شقيق بن سلمة لو رأيتني ونحن هراب من خالد بن ~~PageV02P476 # الوليد يوم بزاخة فوقعت عن البعير فكادت تندق عنقي فلو ~~مت يومئذ كانت النار وقال كنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة وكان لأبي وائل خص ~~من قصب هو فيه وفرسه وكان إذا غزا نقضه وإذا قدم بناه وكان يقول للأعمش يا ~~سليمان نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصيناه وقال أيضا أسمع الناس يقولون ~~الدانق والقيراط الدانق أكبر أو القيراط وقال سعيد بن صالح كان أبو وائل ~~يؤم جنائزنا وهو ابن خمسين ومائة سنة 297 شهدة بنت الإبري فخر النساء شهدت ~~بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإبري الكاتبة الدينورية الأصل ~~البغدادية المولد والوفاة كانت من العلماء وكتبت الخط الجيد وسمع عليها خلق ~~كثير وكان لها السماع العالي ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر سمعت من أبي ~~الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين ابن أحمد بن طلحة ~~النعالي وطراد بن محمد الزينبي وغيرهم مثل أبي الحسن علي ابن الحسين بن ~~أيوب وأبي الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف وفخر الإسلام أبي بكر محمد بن ~~أحمد الشاشي واشتهر ذكرها ms0565 وبعد صيتها وكانت وفاتها يوم الأحد بعد العصر ~~ثالث عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة ودفنت بباب أبرز وقد نيفت على ~~تسعين سنة من عمرها رحمها الله تعالى والإبري بكسر الهمزة وفتح الباء ~~الموحدة وبعد الراء ياء مثناة من تحتها PageV02P477 # هذه النسبة إلى الإبر التي هي جمع إبرة يخاط بها وكان ~~المنسوب إليها يعملها أو يبيعها والدينورية بكسر الدال المهملة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وفتح النون والواو وفي آخرها راء هذه النسبة إلى الدينور ~~وهي بلدة من بلاد الجبل ينسب إليها جماعة من العلماء وقال أبو سعد ابن ~~السمعاني إن الدال من الدينور مفتوحة والأصح الكسر كما ذكرناه 56 ومات ~~والدها أبو نصر أحمد في يوم السبت الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ست ~~وخمسمائة رحمه الله تعالى وكانت وفاته ببغداد ودفن بباب أبرز 47 وذكر ابن ~~النجار في تاريخ بغداد علي بن محمد بن يحيى أبا الحسن الدريني المعروف بثقة ~~الدولة ابن الأنباري فقال كان من الأماثل والأعيان واختص بالإمام المقتفي ~~لأمر الله وكان فيه أدب ويقول الشعر وبنى مدرسة لأصحاب الشافعي على شاطىء ~~دجلة بباب الأزج وإلى جانبها رباطا للصوفية ووقف عليهما وقوفا حسنة وسمع ~~الحديث قال السمعاني كان يخدم أبا نصر أحمد بن الفرج الإبري وزوجه بنته ~~شهدة الكاتبة ثم علت درجته إلى أن صار خصيصا بالمقتفي مولده سنة خمس وسبعين ~~وأربعمائة وتوفي يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة ~~ودفن في داره برحبة الجامع ثم نقل بعد موت زوجته شهدة فدفنا بباب أبرز ~~قريبا من المدرسة التاجية في محرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة PageV02P478 # 298 أسد الدين شيركوه أبو الحارث شيركوه بن شاذي بن ~~مروان الملقب الملك المنصور أسد الدين عم السلطان صلاح الدين رحمه الله ~~تعالى قد تقدم من حديثه نبذة في أخبار شاور وكان شاور قد وصل إلى الشام ~~يستنجد بنور الدين في سنة تسع وخمسين وخمسمائة وذكر بهاء الدين بن شداد أن ~~ذلك كان في سنة ثمان وخمسين وأنهم وصلوا إلى ms0566 مصر في الثاني من جمادى الآخرة ~~من السنة المذكورة حكاه في سيرة صلاح الدين رحمه الله تعالى فسير معه جماعة ~~من عسكره وجعل مقدمهم أسد الدين شيركوه وقدموا مصر وغدر بهم شاور ولم يف ~~بما وعدهم به فعادوا إلى دمشق وكان رحيلهم عن مصر في السابع من ذي الحجة من ~~السنة المذكورة ثم إنه عاد إلى مصر وكان توجهه إليها في شهر ربيع الأول من ~~سنة اثنتين وستين لأنه طمع في ملكها في الدفعة الأولى وسلك طريق وادي ~~الغزلان وخرج عند إطفيح وكانت في تلك الدفعة وقعة البابين عند الأشمونين ~~وتوجه السلطان صلاح الدين إلى الإسكندرية واحتمى بها وحاصره شاور وعسكر مصر ~~ثم رجع أسد الدين من الصعيد إلى بلبيس وجرى الصلح بينه وبين المصريين ~~وسيروا له صلاح الدين وعاد إلى الشام ولما وصل الفرنج إلى بلبيس وملكوها ~~وقتلوا أهلها في سنة أربع وستين سيروا إلى أسد الدين PageV02P479 # وطلبوه ومنوه ودخلوا في مرضاته لأن ينجدهم فمضى إليهم ~~وطرد الفرنج عنهم وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة ~~وعزم شاور على قتله وقتل الأمراء الكبار الذين معه فبادروه وقتلوه كما تقدم ~~في ترجمته وتولى أسد الدين الوزارة يوم الأربعاء سابع عشر شهر ربيع الآخر ~~سنة أربع وستين وخمسمائة وأقام بها شهرين وخمسة أيام ثم توفي فجأة يوم ~~السبت الثاني والعشرين وقال الروحي يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى ~~الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة بالقاهرة ودفن بها ثم نقل إلى مدينة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بعد مدة بوصية منه رحمه الله تعالى وتولى مكانه صلاح ~~الدين وقال ابن شداد في سيرة صلاح الدين إن أسد الدين كان كثير الاكل شديد ~~المواظبة على تناول اللحوم الغليظة تتواتر عليه التخم والخوانيق وينجو منها ~~بعد مقاساة شدة عظيمة فأخذه مرض شديد واعتراه خانوق عظيم فقتله في التاريخ ~~المذكور ولم يخلف ولدا سوى ناصر الدين محمد بن شيركوه الملقب الملك القاهر ~~58 ولما مات أسد الدين أخذ نور الدين حمص منهم ms0567 في رجب سنة أربع وستين ~~وخمسمائة فلما ملك صلاح الدين الشام أعطى حمص لناصر الدين المذكور ولم يزل ~~ملكها حتى توفي يوم عرفة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ونقلته زوجته بنت عمه ~~ست الشام بنت أيوب إلى تربتها بمدرستها بدمشق ظاهر البلد ودفنته عند أخيها ~~شمس الدولة توران شاه بن أيوب المقدم ذكره 59 وملك حمص بعده ولده أسد الدين ~~شيركوه ومولده في سنة تسع وستين وخمسمائة وتوفي يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر ~~رجب سنة سبع وثلاثين وستمائة بحمص ودفن في تربته داخل البلد وكانت له أيضا ~~الرحبة وتدمر PageV02P480 # وماكسين من بلد الخابور 60 وخلف جماعة من الأولاد فقام ~~مقامه في الملك ولده الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم ولم يزل حتى توفي ~~يوم الجمعة عاشر صفر سنة أربع وأربعين وستمائة بالنيرب من غوطة دمشق ونقل ~~إلى حمص ودفن ظاهر البلد في مسجد الخضر عليه السلام من جهتها القبلية 61 ~~وترتب مكانه ولده الملك الأشرف مظفر الدولة أبو الفتح موسى وأخبرني الأشرف ~~المذكور بدمشق في أواخر سنة إحدى وستين وستمائة أن مولده في السنة التي كسر ~~فيها الخوارزمية بالروم وأن والده بشر به وهم راجعون من هناك وكانت الوقعة ~~في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة حسبما هو مشروح في ترجمة الأشرف بن ~~العادل وقال لي إن والده لما بشر به قال للملك الأشرف بن العادل يا خوند قد ~~زاد في مماليكك واحد فقال سمه باسمي فسماه الأشرف مظفر الدين أبا الفتح ~~موسى وكانت وفاة الأشرف بن المنصور المذكور بحمص يوم الجمعة عاشر صفة سنة ~~اثنتين وستين وستمائة ودفن عند قبر أسد الدين شيركوه جده داخل حمص فيكون ~~تقدير ولادته في شوال أو ذي القعدة سنة سبع وعشرين وشيركوه لفظ عجمي تفسيره ~~بالعربي أسد الجبل فشير أسد وكوه جبل وحج شيركوه في سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة من دمشق على طريق تيماء وخيبر وفي تلك السنة حج زين الدين علي بن ~~بكتكين على طريق العراق واجتمع بالخليفة حرف الضاد PageV02P481 # 299 أبو عمر الجرمي ms0568 أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي ~~النحوي كان فقيها عالما بالنحو واللغة وهو من البصرة وقدم بغداد وأخذ النحو ~~عن الأخفش وغيره ولقي يونس بن حبيب ولم يلق سيبويه وأخذ اللغة عن أبي عبيدة ~~وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وطبقتهم وكان دينا ورعا حسن المذهب صحيح ~~الاعتقاد روى الحديث وله في النحو كتاب جيد يعرف ب الفرخ معناه فرخ كتاب ~~سيبويه وناظر ببغداد الفراء وحدث أبو العباس المبرد عنه قال لي أبو عمر ~~قرأت ديوان الهذليين على الأصمعي وكان أحفظ له من أبي عبيدة فلما فرغت منه ~~قال لي يا أبا عمر إذا فات الهذلي أن يكون شاعرا أو راميا أو ساعيا فلا خير ~~فيه وكان يقول في قوله تعالى * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * قال لا تقل ~~سمعت ولم تسمع ولا رأيت ولم تر ولا علمت ولم تعلم * (إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) * الاسراء 36 وقال المبرد أيضا كان ~~الجرمي أثبت القوم في كتاب سيبويه وعليه قرأت الجماعة PageV02P485 # وكان عالما باللغة حافظا لها وله كتب انفرد بها وكان ~~جليلا في الحديث والأخبار وله كتاب في السير عجيب وكتاب الأبنية وكتاب ~~العروض ومختصر في النحو وكتاب غريب سيبويه وذكره الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ~~في تاريخ أصبهان وكانت وفاته سنة خمس وعشرين ومائتين رحمه الله تعالى ~~والجرمي بفتح الجيم وسكون الراء وبعدها ميم هذه النسبة إلى عدة قبائل كل ~~واحدة يقال لها جرم ولا أعلم إلى أيها ينسب أبو عمر المذكور ولم يكن منهم ~~وإنما نزل فيهم فنسب إليهم ثم وجدت في كتاب الفهرست تأليف أبي الفرج محمد ~~بن إسحاق المعروف بابن أبي يعقوب الوراق النديم البغدادي أن أبا عمر ~~المذكور مولى حرم بن ربان وفي كتاب السمعاني أن ربان بالراء والباء الموحدة ~~المشددة وهو ربان بن عمران بن الحاف بن قضاعة القبيلة المشهورة وقيل إنه ~~مولى بجيلة أيضا وفي بجيلة جرم بن علقمة بن أنمار والله أعلم بالصواب وما ~~أحسن قول زياد الأعجم في هجر ms0569 جرم (تكلفني سويق الكرم جرم * وما جرم وما ذاك ~~السويق) (وما شربته جرم وهو حل * ولا غالت به مذ كان سوق) (فلما أنزل ~~التحريم فيها * إذا الجرمي منها لا يفيق) وكنى بالسويق عن الخمر وفي ذلك ~~كلام يطول شرحه فأضربت عنه PageV02P486 # وحاصل ما قالوه أن الشاعر كنى عن الخمر بالسويق ~~لانسياقها في الحلق فسماها سويقا لذلك 300 صالح بن مرداس أسد الدولة أبو ~~علي صالح بن مرداس بن إدريس بن نصر بن حميد بن مدرك ابن شداد بن عبد قيس بن ~~ربيعة بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة ~~بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر ~~بن نزار بن معد بن عدنان الكلابي كان من عرب البادية وقصد مدينة حلب وبها ~~مرتضى الدولة ابن لؤلؤ الجراحي غلام أبي الفضائل ابن سعد الدولة نصر بن سيف ~~الدولة بن حمدان نيابة عن الظاهر بن الحاكم العبيدي صاحب مصر فاستولى عليها ~~وانتزعها منه وكان ذا بأس وعزيمة وأهل وعشيرة وشوكة وكان تملكه لها في ثالث ~~عشر ذي الحجة سنة سبع عشرة وأربعمائة واستقر بها ورتب أمورها فجهز إليه ~~الظاهر المذكور أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري في عسكر كثيف والدزبري بكسر ~~الدال المهملة والباء الموحدة وبينهما زاي وفي الآخر راء هذه النسبة إلى ~~دذبر بن أويتم الديلمي وهو بالدال وبالتاء أيضا وكان بدمشق نائبا عن الظاهر ~~وكان ذا شهامة وتقدمة ومعرفة بأسباب الحرب فخرج متوجها إليه فلما سمع صالح ~~الخبر خرج إليه وتقدم حتى تلاقيا على الأقحوانة فتصافا وجرت بينهما مقتلة ~~انجلت عن قتل أسد الدولة صالح المذكور وذلك في جمادى الأولى سنة عشرين وقيل ~~تسع عشرة وأربعمائة رحمه الله تعالى PageV02P487 # وهو أول ملوك بني مرداس المتملكين لحلب وسيأتي ذكر ~~حفيدة نصر إن شاء الله تعالى في ترجمة ابن حيوس الشاعر ومرداس بكسر الميم ~~وسكون الراء وفتح الدال المهملة وبعد الألف سين مهملة والأقحوانة بضم ~~الهمزة ms0570 وسكون القاف وضم الحاء المهملة وفتح الواو وبعد الألف نون مفتوحة ثم ~~هاء ساكنة وهي بليدة بالشام من أعمال فلسطين بالقرب من طبرية وبالحجاز أيضا ~~بليدة يقال لها الأقحوانة كان يسكنها الحارث بن خالد بن العاصي بن هشام بن ~~المغيرة المخزومي وفيها يقول من جملة أبيات (من كان يسأل عنا أين فنزلنا * ~~فالأقحوانة منا منزل قمن) (إذ نلبس العيش صفوا لا يكدره * طعن الوشاة ولا ~~ينبوبنا الزمن) 301 صاعد البغدادي اللغوي أبو العلاء صاعد بن الحسن بن عيسى ~~الربعي البغدادي اللغوي صاحب كتاب الفصوص روى بالمشرق عن أبي سعيد السيرافي ~~وأبي علي الفارسي وأبي سليمان الخطابي ورحل إلى الأندلس في أيام هشام بن ~~الحكم وولاية المنصور ابن أبي عامر في حدود الثمانين والثلثمائة وأصله من ~~بلاد الموصل ودخل بغداد وكان عالما باللغة والأدب والأخبار سريع الجواب حسن ~~الشعر طيب المعاشرة ممتعا فأكرمه المنصور وزاد في الإحسان إليه والإفضال ~~عليه وكان مع ذلك PageV02P488 # محسنا للسؤال حاذقا في استخراج الأموال وجمع له كتاب ~~الفصوص نحا فيه منحى القالي في أماليه وأثابه عليه خمسة آلاف دينار وكان ~~يتهم بالكذب في نقله فلهذا رفض الناس كتابه ولما دخل مدينة دانية وحضر مجلس ~~الموفق مجاهد بن عبد الله العامري أمير البلد كان في المجلس أديب يقال له ~~بشار فقال للموفق مجاهد دعني أعبث بصاعد فقال له مجاهد لا تتعرض إليه فإنه ~~سريع الجواب فأبى إلا مشاكلته فقال له بشار وكان أعمى يا أبا العلاء فقال ~~لبيك فقال ما الجرنفل في كلام العرب فعرف أبو العلاء أنه قد وضع هذه الكلمة ~~وليس لها أصل في اللغة فقال له بعد أن أطرق ساعة هو الذي يفعل بنساء ~~العميان ولا يفعل بغيرهن ولا يكون الجرنفل جرنفلا حتى لا يتعداهن إلى غيرهن ~~وهو في ذلك كله يصرح ولا يكني قال فخجل بشار وانكسر وضحك من كان حاضرا فقال ~~له الموفق قلت لك لا تفعل فلم تقبل وتوفي صاعد المذكور سنة سبع عشرة ~~وأربعمائة يصقلية رحمه الله ولما ظهر للمنصور ms0571 كذبه في النقل وعدم تثبته رمى ~~كتاب الفصوص في النهر لأنه قيل له جميع ما فيه لا صحة له فعمل فيه بعض ~~شعراء عصره (قد غاص في البحر كتاب الفصوص * وهكذا كل ثقيل يغوص) فلما سمع ~~صاعد هذا البيت أنشد (عاد إلى عنصره إنما * يخرج من قعر البحور الفصوص) وله ~~أخبار كثيرة في الامتحان ولولا التطويل لذكرتها والجرنفل بفتح الجيم والراء ~~وسكون النون وضم الفاء وبعدها لام PageV02P489 # 302 صدقة بن دبيس أبو الحسن صدقة الملقب سيف الدولة ~~فخر الدين بن بهاء الدولة أبي كامل منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي ~~الناشري صاحب الحلة السيفية كان يقال له ملك العرب وكان ذا بأس وسطوة وهيبة ~~ونافر السلطان محمد ابن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي وأفضت الحال إلى ~~الحرب فتلاقيا عند النعمانية وقتل الأمير صدقة المذكور في المعركة يوم ~~الجمعة سلخ جمادى الآخرة وقيل العشرين من رجب سنة إحدى وخمسمائة وحمل رأسه ~~إلى بغداد رحمه الله تعالى وذكر عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير في ~~استدراكاته على السمعاني في كتاب الأنساب أنه توفي سنة خمسمائة والله أعلم ~~وله نظم الشريف أبو يعلى محمد بن الهبارية كتاب الصادح والباغم وسيأتي ذكر ~~ذلك في ترجمة ابن الهبارية إن شاء الله تعالى PageV02P490 # 62 وكانت وفاة والده أبي كامل منصور في أواخر شهر ربيع ~~الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى 63 وتوفي جده دبيس المذكور ~~ولقبه نور الدولة أبو الأغر في ليلة الأحد عاشر شوال سنة ثلاث وقيل أربع ~~وسبعين وأربعمائة وكانت إمارته سبعا وستين سنة ولي الإمارة سنة ثمان ~~وأربعمائة وعمره يوم ذاك أربع عشرة سنة وكان أبو الحسن علي بن أفلح الشاعر ~~المشهور كاتبا بين يديه في شبيبته 64 وتوفي جد أبيه علي بن مزيد سنة ثمان ~~وأربعمائة وقد تقدم ذكر ولده دبيس بن صدقة في حرف الدال ودبيس بضم الدال ~~المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة ~~ومزيد بفتح الميم وسكون الزاي وفتح ms0572 الياء المثناة من تحتها وبعدها دال ~~مهملة والأسدي والناشري تقدم الكلام عليهما في حرف الدال في ترجمة دبيس ~~والحلة بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام وبعدها هاء ساكنة وهي بلدة بالعراق ~~بين بغداد والكوفة على الفرات في بر الكوفة اختطها سيف الدولة صدقة المذكور ~~في سنة خمس وتسعين وأربعمائة فنسبت إليه والنعمانية بضم النون بلدة بين ~~الحلة وواسط PageV02P491 # 303 صالح بن عبد القدوس أبو الفضل صالح بن عبد القدوس ~~البصري مولى الأزد أحد الشعراء اتهمه المهدي بالزندقة فأمر بحمله فأحضر ~~فلما خاطبه أعجب بغزارة أدبه وعلمه وبراعته وحسن بيانه وكثرة حكمته فأمر ~~بتخلية سبيله فلما ولى رده وقال ألست القائل (والشيخ لا يترك أخلاقه * حتى ~~يوارى في ثرى رمسه) (إذا ارعوى عاد إلى جهله * كذي الضنى عاد إلى نكسه) قال ~~بلى يا أمير المؤمنين قال فأنت لا تترك أخلاقك ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك ~~ثم أمر به فقتل وصلب على الجسر ويقال إن المهدي أبلغ عنه أبياتا عرض فيها ~~بذكر النبي صلى الله عليه وسلم فأحضره المهدي وقال له أنت القائل هذه ~~الأبيات قال لا والله يا أمير المؤمنين وما أشركت بالله طرفه عين فاتق الله ~~ولا تسفك دمي على الشبهة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ادرأوا الحدود ~~بالشبهات وجعل يتلو عليه القرآن حتى رق له وأمر بتخليته فلما ولى قال ~~أنشدني قصيدتك السينية فأنشده حتى بلغ إلى قوله فيها والشيخ لا يترك أخلاقه ~~فأمر به حينئذ فقتل ومن مستحسنات قصائد صالح المذكور القصيدة التي أولها ~~(المرء يجمع والزمان يفرق * ويظل يرقع والخطوب تمزق) PageV02P492 # (وزن الكلام إذا نطقت فإنما * يبدي عيوب ذوي العقول ~~المنطق) (ومن الرجال إذا استوت أحلامهم * من يستشار إذا استشير فيطرق) (حتى ~~يجيل بكل واد قلبه * فيرى ويعرف ما يقول فينطق) (ما الناس إلا عاملان فعامل ~~* قد مات من عطش وآخر يغرق) (والناس في طلب المعاش فإنما * بالجد يرزق منهم ~~من يزرق) (لو يرزقون الناس حسب عقولهم * ألفيت أكثر من ترى يتصدق) (لكنه ~~فضل المليك ms0573 عليهم * هذا عليه موسع ومضيق) (وإذا الجنازة والعروس تلاقيا * ~~ورأيت دمع نوائح يترقرق) (سكت الذي تبع العروس مبهتا * ورأيت من تبع ~~الجنازة ينطق) ومن مختار شعره (يقال إن الغني الذي يرضى بعيشته * لا من يظل ~~على ما فات مكتئبا) (لا تحقرن من الأيام محتقرا * كل امرئ سوف يجزى بالذي ~~اكتسبا) (قد يحفز المرء ما يهوى فيركبه * حتى يكون إلى توريطه سببا) قال ~~أحمد بن عبد الرحمن المعبر رأيت صالح بن عبد القدوس في المنام ضاحكا ~~مستبشرا فقلت له ما فعل بك ربك وكيف نجوت مما كنت ترمى به قال إني وردت على ~~رب لا تخفى عليه خافية فاستقبلني برحمته وقال لقد علمت براءتك مما كنت تقذف ~~به وكان قتله سنة سبع وستين ومائة PageV02P493 # 304 صالح المري أبو بشير صالح بن بشير القارئ المعروف ~~بالمري من أهل البصرة حدث عن الحسن ومحمد بن سيرين وبكر بن عبد الله وغيرهم ~~روى عنه شجاع بن أبي نصر البلخي وسريج بن النعمان الجوهري وعفان بن مسلم ~~وغيرهم كان عبدا صالحا وكان المهدي قد بعث إليه فأقدمه عليه قال صالح المري ~~دخلت على المهدي بالرصافة فلما مثلت بين يديه قلت يا أمير المؤمنين احمل ~~لله ما أكلمك به اليوم فإن أولى الناس بالله أحملهم لغلظة النصيحة فيه ~~وجدير بمن له قرابة برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرث أخلاقه ويأتم ~~بهديه وقد ورثك الله من فهم العلم وإنارة الحجة ميراثا قطع به عذرك فمهما ~~ادعيت من حجة أو ركبت من شبهة لم يصح لك فيهما برهان من الله حل بك من سخط ~~الله بقدر ما تجاهلته من العلم أو أقدمت عليه من شبهة الباطل واعلم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خصم من خالف في أمته يبتزها أحكامها ومن كان محمد ~~صلى الله عليه وسلم خصمه كان الله خصمه فأعد لمخاصمة الله ومخاصمة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حججا تضمن لك النجاة أو استسلم للهلكة واعلم أن ~~أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى ms0574 وأن أثبت الناس قدما يوم القيامة آخذهم بكتاب ~~الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فمثلك لا يكابر بتجديد المعصية ولكن ~~تمثل له الإساءة إحسانا ويشهد له PageV02P494 # عليها خونة العلماء وبهذه الحبالة تصيدت الدنيا نظراؤك ~~فأحسن الحمل فقد أحسنت إليك الأداء قال فبكى المهدي ثم أمر له بشيء فلم ~~يقبله وحكى بعض الكتاب أنه رأى هذا الكلام مكتوبا في دواوين المهدي وقال ~~عفان بن مسلم كنا نأتي مجلس صالح المري نحضره وهو يقص وكان إذا أخذ في قصصه ~~كأنه رجل مذعور يفزعك أمره من حزنه وكثرة بكائه كأنه ثكلى وكان مملوكا ~~لامرأة من بني مرة بن الحارث بن عبد القيس ومات سنة ست وسبعين ومائة رحمه ~~اله تعالى حرف الضاد PageV02P495 # 305 الأحنف بن قيس أبو بحر الضحاك بن قيس بن معاوية بن ~~حصين بن عبادة بن النزال بن مرة ابن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد ~~بن زيد مناة بن تميم التميمي المعروف بالأحنف وقيل اسمه صخر وهو الذي يضرب ~~به المثل في الحلم والحارث المذكور لقبه مقاعس كان من سادات التابعين رضي ~~الله عنهم أدرك عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصحبه وشهد بعض الفتوحات ~~منها قاسان والتيمرة وذكره الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان وقال ابن قتيبة ~~في كتاب المعارف ما صورته ولما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني تميم ~~يدعوهم إلى الإسلام كان الأحنف فيهم ولم يجيبوا إلى اتباعه فقال لهم الأحنف ~~إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق وينهاكم عن ملائمها فأسلموا وأسلم الأحنف ~~ولم يفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان زمن عمر رضي الله عنه ~~وفد عليه وكان من جلة التابعين وأكابرهم وكان سيد قومه موصوفا بالعقل ~~والدهاء والعلم والحلم روى عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وروى عنه ~~الحسن البصري وأهل البصرة وشهد مع علي رضي الله عنه وقعة صفين ولم يشهد ~~وقعة الجمل مع أحد الفريقين وشهد بعض فتوحات خراسان في زمن عمر وعثمان رضي ms0575 ~~الله عنهما PageV02P499 # ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوما فقال له ~~معاوية والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي إلى يوم ~~القيامة فقال له الأحنف والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي ~~صدورنا وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها وإن تدن من الحرب فترا ندن ~~منها شبرا وإن تمش إليها نهرول إليها ثم قام وخرج وكانت أخت معاوية من وراء ~~حجاب تسمع كلامه فقالت يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتهدد ويتوعد قال هذا ~~الذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم لا يدرون فيم غضب وروي أن ~~معاوية أيضا لما نصب ولده يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء فجعل الناس ~~يسلمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى ~~معاوية فقال يا أمير المؤمنين اعلم أنك لو لم تول هذا أمور المسلمين ~~لأضعتها والأحنف بن قيس جالس فقال له معاوية ما بالك لا تقول يا أبا بحر ~~فقال أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت فقال له معاوية جزاك الله عن ~~الطاعة خيرا وأمر له بألوف فلما خرج لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له يا أبا ~~بحر إني لأعلم أن شر من خلق الله سبحانه وتعالى هذا وابنه ولكنهم قد ~~استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال فليس نطمع في استخراجها إلا بما ~~سمعت فقال له الأحنف أمسك عليك فإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله ~~تعالى وجيها ومن كلام الأحنف في ثلاث خصال ما أقولهن إلا ليعتبر معتبر ما ~~دخلت بين اثنين قط حتى يدخلاني بينهما ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم ~~PageV02P500 # أدع إليه يعني الملوك ولا حللت حبوتي إلى ما يقوم ~~الناس إليه ومن كلامه ألا أدلكم على المحمدة بلا مرزئة الخلق السجيح والكف ~~عن القبيح ألا أخبركم بأدوإ الداء الخلق الدنيء واللسان البذيء ومن كلامه ~~ما خان شريف ولا كذب عاقل ولا اغتاب مؤمن وقال ما ms0576 ادخرت الآباء للأبناء ولا ~~أبقت الموتى للأحياء أفضل من اصطناع معروف عند ذوي الأحساب والآداب وقال ~~كثرة الضحك تذهب الهيبة وكثرة المزاح تذهب المروءة ومن لزم شيئا عرف به ~~وسمع الأحنف رجلا يقول ما أبالي أمدحت أم ممت فقال له لقد استرحت من حيث ~~تعب الكرام ومن كلامه جنبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام فإني أبغض الرجل ~~يكون وصافا لفرجه وبطنه وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه ~~وقال هشام بن عقبة أخو ذي الرمة الشاعر المشهور شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء ~~إلى قوم يتكلمون في دم فقال احكموا فقالوا نحكم بديتين قال ذلك لكم فلما ~~سكتوا قال أنا أعطيكم ما سألتم غير أني قائل لكم شيئا إن الله عز وجل قضى ~~بدية واحدة وإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية واحدة وأنتم اليوم ~~طالبون وأخشى أن تكونوا غدا مطلوبين فلا يرضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم ~~لأنفسكم فقالوا فردها إلى دية واحدة فحمد الله وأثنى عليه وركب وسئل عن ~~الحلم ما هو فقال هو الذل مع الصبر وكان يقول إذا عجب الناس من حلمه إني ~~لأجد ما تجدون ولكني صبور وكان يقول وجدت الحلم أنصر لي من الرجال وكان ~~يقول ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري لأنه قتل ابن أخ له بعض ~~بنيه فأتي بالقاتل مكتوفا يقاد إليه فقال ذعرتم الفتى ثم أقبل على الفتى ~~فقال يا بني بئس ما صنعت نقصت PageV02P501 # عددك وأوهنت عضدك وأشمت عدوك وأسأت بقومك خلوا سبيله ~~واحملوا إلى أم المقتول ديته فإنها غريبة ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته ~~ولا تغير وجهه وكان زياد بن أبيه في مدة ولايته العراقين كثير الرعاية ~~لحارثة بن بدر الغداني وللأحنف وكان حارثة مكبا على الشراب فوقع أهل البصرة ~~فيه عند زياد ولاموا زيادا في تقريبه ومعاشرته فقال لهم زياد يا قوم كيف لي ~~باطراح رجل هو يسايرني منذ دخلت العراق ولم يصكك ركابي ركاباه قط ولا ~~تقدمني فنظرت إلى ms0577 قفاه ولا تأخر عني فلويت إليه عنقي ولا أخذ علي الروح في ~~صيف قط ولا الشمس في شتاء قط ولا سألته عن شيء من العلوم إلا وظننته لا ~~يحسن سواه ثم وجدت هذا الكلام في كتاب ربيع الأبرار تأليف الزمخشري في باب ~~معاشرة الناس على هذه الصورة والله أعلم وأما الأحنف فلم يكن فيه ما يقال ~~فلما مات زياد وتولى ولده عبيد الله قال لحارثة إما أن تترك الشراب أو تبعد ~~عني فقال له حارثة قد علمت حالي عند والدك فقال عبيد الله إن والدي كان قد ~~برع بروعا لا يلحقه معه عيب وأنا حدث وإنما أنسب إلى من يغلب علي وأنت رجل ~~تديم الشراب فمتى قربتك فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يظن بي فدع ~~النبيذ وكن أول داخل علي وآخر خارج عني فقال له حارثة أنا لا أدعه لمن يملك ~~ضري ونفعي أفأدعه للحال عندك قال فاختر من عملي ما شئت قال توليني سرق فقد ~~وصف لي شرابها وتضم إليها رام هرمز فولاه إياهما فلما خرج شيعه الناس فقال ~~له أنس بن أبي أنس وقيل أبو الأسود الدؤلي (أحار بن بدر قد وليت إمارة * ~~فكن جرذا فيها تخون وتسرق) (ولا تحتقر يا حار شيئا وجدته * فحظك من مال ~~العراقين سرق) PageV02P502 # (وباه تميما بالغنى إن للغنى * لسانا به المرء الهيوبة ~~ينطق) (فإن جميع الناس إما مكذب * يقول بما تهوى وإما مصدق) (يقولون أقوالا ~~ولا يعلمونها * ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا) وأما الأحنف فإنه تغيرت ~~منزلته عند عبيد الله أيضا وصار يقدم عليه من لا يساويه ولا يقاربه ثم إن ~~عبيد الله جمع أعيان العراق وفيهم الأحنف وتوجه بهم إلى الشام للسلام على ~~معاوية فلما وصلوا دخل عبيد الله على معاوية وأعلمه بوصول رؤساء العراق ~~فقال أدخلهم إلي أولا فأول على قدر مراتبهم عندك فخرج إليهم وأدخلهم على ~~الترتيب كما قال معاوية وآخر من دخل الأحنف فلما رآه معاوية وكان يعرف ~~منزلته ويبالغ في إكرامه لتقدمه وسيادته قال ms0578 له إلي يا أبا بحر فتقدم إليه ~~فأجلسه معه على مرتبته وأقبل عليه يسأله عن حاله ويحادثه وأعرض عن بقية ~~الجماعة ثم إن أهل العراق أخذوا في الشكر من عبيد الله والثناء عليه ~~والأحنف ساكت فقال له معاوية لم لا تتكلم يا أبا بحر فقال إن تكلمت خالفتهم ~~فقال له معاوية اشهدوا علي أنني قد عزلت عبيد الله عنكم قوموا انظروا في ~~أمير أوليه عليكم وترجعون إلي بعد ثلاثة أيام فلما خرجوا من عنده كان فيهم ~~جماعة يطلبون الإمارة لأنفسهم وفيهم من عين غيره وسعوا في السر مع خواص ~~معاوية أن يفعل لهم ذلك ثم اجتمعوا بعد انقضاء الثلاثة كما قال معاوية ~~والأحنف معهم ودخلوا عليه فأجلسهم على ترتيبهم في المجلس الأول وأخذ الأحنف ~~إليه كما فعل أولا وحادثه ساعة ثم قال ما فعلتم فيما انفصلتم عليه فجعل كل ~~واحد يذكر شخصا وطال حديثهم في ذلك وأفضى إلى منازعة وجدال والأحنف ساكت ~~ولم يكن في الأيام الثلاثة تحدث مع أحد في شيء فقال له معاوية لم لا تتكلم ~~يا أبا بحر فقال الأحنف إن وليت أحدا من أهل بيتك لم تجد من يعدل عبيد الله ~~ولا يسد مسده وإن وليت من غيرهم فذلك إلى رأيك ولم يكن في PageV02P503 # الحاضرين الذين بالغوا في المجلس الأول في الثناء على ~~عبيد الله من ذكره في هذا المجلس ولا سأل عوده إليهم فلما سمع معاوية مقالة ~~الأحنف قال للجماعة اشهدوا علي أني أعدت عبيد الله إلى ولايته فكل منهم ندم ~~على عدم تعيينه وعلم معاوية أن شكرهم لعبيد الله لم يكن لرغبتهم فيه بل كما ~~جرت العادة في حق المتولي فلما فصل الجماعة من مجلس معاوية خلا بعبيد الله ~~وقال له كيف ضيعت مثل هذا الرجل يعني الأحنف فإنه عزلك وأعادك إلى الولاية ~~وهو ساكت وهؤلاء الذين قدمتهم عليه واعتمدت عليهم لم ينفعوك ولا عرجوا عليك ~~لما فوضت الأمر إليهم فمثل الأحنف من يتخذه الانسان عونا وذخرا فلما عادوا ~~إلى العراق أقبل عليه عبيد ms0579 الله وجعله بطانته وصاحب سره ولما جرت لعبيد ~~الله تلك الكائنة المشهورة لم ينفعه فيها سوى الأحنف وتخلى عنه الذين كان ~~يعتقدهم أعوانا وبقي الأحنف إلى زمن مصعب بن الزبير فخرج معه إلى الكوفة ~~فمات بها سنة سبع وستين للهجرة وقيل إحدى وسبعين وقيل سبع وسبعين وقيل ثمان ~~وستين عن سبعين سنة والأول أشهر رضي الله عنه وكان قد كبر جدا ودفن بالثوية ~~عند قبر زياد وحكى عبد الرحمن بن عمارة بن عقبة بن أبي معيط قال حضرت جنازة ~~الأحنف بن قيس بالكوفة فكنت فيمن نزل قبره فلما سويته رأيته قد فسح له مد ~~بصري فأخبرت بذلك أصحابي فلم يروا ما رأيت ذكر ذلك ابن يونس في تاريخ مصر ~~المختص بالغرباء في ترجمة عبد الرحمن المذكور وهو أحد السادات الطلس كما ~~تقدم في أخبار القاضي شريح وحدث الكندي عن أبيه قال يقال إن معاوية بن أبي ~~سفيان بينا هو جالس وعنده وجوه الناس فيهم الأحنف بن قيس إذ دخل رجل من أهل ~~الشام فقام خطيبا فكان آخر كلامه أن سب عليا رضي الله عنه فأطرق الناس ~~PageV02P504 # وتكلم الأحنف فقال يا أمير المؤمنين إن هذا القائل ~~آنفا لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين لفعل فاتق الله ودع عنك عليا فقد لقي ~~ربه وأفرد في قبره وخلا بعمله وكان والله المبرز سيفه الطاهر ثوبه الميمون ~~نقيبته العظيم مصيبته فقال معاوية يا أحنف لقد أغضيت العين عن القذى وقلت ~~فيما ترى وأيم الله لتصعدن المنبر ولتلعنته طوعا أو كرها فقال له الأحنف يا ~~أمير المؤمنين إن تعفني فهو خير لك وإن تجبرني فوالله لا تجري به شفتاي ~~أبدا قال قم فاصعد قال الأحنف اما والله مع ذلك لأنصفنك في القول والفعل ~~قال وما أنت قائل يا أحنف يقال إن أنصفتني قال أصعد المنبر فأحمد لله تعالى ~~بما هو أهله وأصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم أقول أيها الناس يقال إن ~~أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليا ألا وإن عليا ms0580 ومعاوية اقتتلا ~~واختلفا فادعى كل منهما انه مبغي عليه وعلى فئته فإذا دعوت فأمنوا رحمكم ~~الله ثم أقول اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما ~~على صاحبه والعن الفئة الباغية لعنا كثيرا أمنوا رحمكم الله يا معاوية لا ~~أزيد على هذا حرفا ولا انقص منه حرفا ولو كان فيه ذهاب نفسي فقال معاوية ~~إذن نعفيك أبا بحر ومثل هذا ما قاله معاوية أيضا لعقيل بن أبي طالب رضي ~~الله عنه يقال إن عليا قد قطعك ووصلتك ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على ~~المنبر قال أفعل قال فاصعد المنبر فصعد ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه ~~أيها الناس أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين معاوية بن أبي ~~سفيان فالعنوه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ثم نزل فقال له ~~معاوية انك لم تبين قال والله لا زدت حرفا ولا نقصت آخر والكلام على نية ~~المتكلم وكان الأحنف بن قيس يقول عجبت لمن جرى في مجرى البول كيف يتكبر ~~وكان يقول أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم العار والنار وقال الأحنف شكوت إلى ~~عمي مصيبة نزلت بي فأسكتني ثلاثا ثم قال لي يا أبا بحر لا تشك الذي نزل بك ~~إلى مخلوق فإنما هو صديق تسوءه أو عدو تسره PageV02P505 # وقال رجل للأحنف أخبرني الثقة عنك بسوء قال الثقة لا ~~ينم وولد ملتزق الأليتين حتى شق أحنف الرجل يطأ على وحشيها ولذلك قيل له ~~الأحنف وذهبت عينه عند فتح سمرقند ويقال بل ذهبت بالجدري وكان متراكب ~~الأسنان صغير الرأس مائل الذقن وقتل عنترة بن شداد العبسي الفارس المشهور ~~جده معاوية بن حصين في يوم الفروق وهو أحد أيام وقائع العرب المشهورة ~~وهاهنا ألفاظ تحتاج إلى تفسير فالأحنف المائل ووحشي الرجل ظهرها والغداني ~~بضم الغين المعجمة وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون هذه النسبة إلى غدانة ~~بن يربوع بطن من تميم ورام هرمز مشهورة لا حاجة إلى ضبطها وهي من بلاد ~~الأهواز من إقليم خوزستان الذي بين البصرة ms0581 وفارس وسرق بضم السين المهملة ~~وفتح الراء المشددة وبعدها قاف من كور الأهواز أيضا ومدينتها دورق بفتح ~~الدال المهملة وسكون الواو وفتح الراء وبعدها قاف ويقال لها دورق الفرس ~~والثوية بفتح الثاء المثلثة وكسر الواو وتشديد الياء المثناة من تحتها ~~وتصغر أيضا فيقال لها الثوية اسم موضع بظاهر الكوفة فيه قبور جماعة من ~~الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم وفيه ماء 65 وكان للأحنف ولد يقال له بحر وبه ~~كني وكان مضعوفا قيل له لم لا تتأدب بأخلاق أبيك فقال الكسل ومات وانقطع ~~عقبه حرف الطاء PageV02P506 # 306 طاوس أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان الخولاني ~~الهمداني اليماني من أبناء الفرس أحد الاعلام التابعين سمع ابن عباس وأبا ~~هريرة رضي الله عنهما وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار وكان فقيها جليل القدر ~~نبيه الذكر قال ابن عينية قلت لعبيد الله بن يزيد مع من تدخل على ابن عباس ~~قال مع عطاء وأصحابه قلت وطاوس قال أيهات كان ذلك يدخل مع الخواص وقال عمرو ~~بن دينار ما رأيت أحدا قط مثل طاوس ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب ~~إليه طاوس المذكور إن أردت أن يكون عملك خيرا كله فاستعمل أهل الخير فقال ~~عمر كفى بها موعظة وتوفي حاجا بمكة قبل يوم التروية بيوم وصلى عليه هشام بن ~~عبد الملك وذلك في سنة ست ومائة رضي الله عنه وقيل سنة أربع ومائة والله ~~أعلم قال بعض العلماء مات طاوس بمكة فلم يتهيأ إخراج جنازته لكثرة الناس ~~حتى وجه إبراهيم بن هشام المخزومي أمير مكة بالحرس فلقد رأيت عبد الله ابن ~~الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طلاب رضي الله عنهم واضع السرير على كاهله ~~وقد سقطت قلنسوة كانت على رأسه ومزق رداؤه من خلفه ورأيت بمدينة بعلبك داخل ~~البلد قبرا يزار وأهل البلد يزعمون أنه طاوس المذكور وهو غلط PageV02P509 # قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب الألقاب إن اسمه ~~ذكوان وطاوس لقبه وإنما لقب به لأنه كان طاوس القراء والمشهور أنه ms0582 اسمه ~~وحكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى بيت الله الحرام فلما دخل الحرم ~~قال إيتوني برجل من الصحابة فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا قال فمن ~~التابعين فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم ~~يسلم بإمرة المؤمنين ولم يكنه وجلس إلى جانبه بغير إذنه وقال كيف أنت يا ~~هشام فغضب من ذلك غضبا شديدا حتى هم بقتله فقيل يا أمير المؤمنين أنت في ~~حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم لا يمكن ذلك فقال له يا طاوس ما ~~حملك على ما صنعت قال وما صنعت فاشتد غضبه له وغيظه وقال خلعت نعليك بحاشية ~~بساطي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت ~~يا هشام كيف أنت قال أما خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب ~~العزة كل يوم خمس مرات فلا يعاتبني ولا يغضب علي وأما ما قلت لم تسلم علي ~~بإمرة المؤمنين فليس كل المؤمنين راضين بإمرتك فخفت أن أكون كاذبا وأما ما ~~قلت لم تكنني فإن الله عز وجل سمى أنبياءه قال يا داود يا يحيى يا عيسى ~~وكنى أعداءه فقال * (تبت يدا أبي لهب وتب) * وأما قولك جلست بإزائي فإني ~~سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول إذا أردت أن تنظر ~~إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال له عظني قال ~~إني سمعت أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول إن في جهنم حيات كالقلال وعقارب ~~كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته ثم قام وخرج قالت امرأة ماجنة ما ~~بقي أحد إلا فتنته ما خلا طاوس فإني تعرضت له فقال إذا كان وقت كذا فتعالي ~~فجئت ذلك الوقت فذهب بي إلى المسجد الحرام فقال اضطجعي فقلت هاهنا فقال ~~الذي يرانا هنا يرانا ثم وقال رجل لطاوس ادع لي قال ادع أنت لنفسك فإنه ~~يجيب المضطر إذا دعاه ابن جريج قال قال لي ms0583 عطاء جاءني طاوس فقال لي يا عطاء ~~إياك أن PageV02P510 # ترفع حوئجك إلى من أغلق دونك بابه وعليك بطلب حوائجك ~~إلى من بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة طلبك أن تدعوه ووعدك الإجابة وقال ~~عبد الله بن طاوس قال لي أبي يا بني صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن ~~منهم ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم واعلم أن لكل شيء غاية ~~وغاية المرء حسن عقله وروي أن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعى عبد ~~الله بن طاوس المذكور ومالك بن أنس رحمهما الله تعالى فلما دخلا عليه أطرق ~~ساعة ثم التفت إلى ابن طاوس وقال له حدثني عن أبيك فقال حدثني أبي أن أشد ~~الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في سلطانه فأدخل عليه الجور ~~في حكمه فأمسك أبو جعفر ساعة قال مالك فضممت ثيابي خوفا أن يصيبني دمه ثم ~~قال له المنصور ناولني تلك الدواة ثلاث مرات فلم يفعل فقال له لم لا ~~تناولني فقال أخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك فيها فلما سمع ذلك ~~قال قوما عني قال ذلك ما كنا نبغي قال مالك فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ~~ذلك اليوم والخولاني بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبعدها لام ألف ثم نون ~~هذه النسبة إلى خولان واسمه أفكل بن عمرو بن مالك وهي قبيلة كبيرة نزلت ~~بالشام والهمداني بسكون الميم وفتح الدال المهملة قد تقدم الكلام عليه ~~ونسبته إليهم بالولاء PageV02P511 # 307 أبو الطيب الطبري أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن ~~طاهر بن عمر الطبري القاضي الفقيه الشافعي كان ثقة صادقا دينا ورعا عارفا ~~بأصول الفقه وفروعه محققا في علمه سليم الصدر حسن الخلق صحيح المذهب يقول ~~الشعر على طريقة الفقهاء ومن شعره ما أورده له الحافظ أبو طاهر أحمد بن ~~محمد السلفي المقدم ذكره في الجزء الذي وضعه في أخبار أبي العلاء المعري ~~فقال مسندا عنه كتبت إلى أبي العلاء المعري الأديب حين وافى بغداد وكان قد ~~نزل ms0584 في سويقة غالب (وما ذات در لا يحل لحالب * تناوله واللحم منها محلل) ~~(لمن شاء في الحالين حيا وميتا * ومن شاء شرب الدر فهو مضلل) (إذا طعنت في ~~السن فاللحم طيب * وآكله عند الجميع مغفل) (وخرفانها للأكل فيها كزازة * ~~فما لحصيف الرأي فيهن مأكل) (وما يجتني معناه إلا مبرز * عليم بأسرار ~~القلوب محصل) فأجابني وأملى على الرسول في الحال ارتجالا (جوابان عن هذا ~~السؤال كلاهما * صواب وبعض القائلين مضلل) (فمن ظنه كرما فليس بكاذب * ومن ~~ظنه نخلا فليس يجهل) (لحومهما الأعناب والرطب الذي * هو الحل والدر الرحيق ~~المسلسل) (ولكن ثمار النخل وهي غضيضة * تمر وغض الكرم يجنى ويؤكل) ~~PageV02P512 # (يكلفني القاضي الجليل مسائلا * هي النجم قدرا بل أعز ~~وأطول) (ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها * جديرا ولكن من يودك مقبل) فأجبته ~~عنه وقلت (أنار ضميري من يعز نظيره * من الناس طرا سابغ الفضل مكمل) (ومن ~~قلبه كتب العلوم بأسرها * وخاطره في حدة النار مشعل) (تساوى له سر المعاني ~~وجهرها * ومعضلها باد لديه مفصل) (ولما أنار الحب قاد منيعه * أسيرا بأنواع ~~البيان يكبل) (وقربه من كل فهم بكشفه * وإيضاحه حتى رآه المغفل) (وأعجب منه ~~نظمه الدر مسرعا * ومرتجلا من غير ما يتمهل) (فيخرج من بحر ويسمو مكانه * ~~جلالا إلى حيث الكواكب تنزل) (فهنأه الله الكريم بفضله * محاسنه والعمر ~~فيها مطول) فأجاب مرتجلا وأملى على الرسول (ألا أيها القاضي الذي بدهائه * ~~سيوف على أهل الخلاف تسلل) (فؤادك ممهور من العلم آهل * وجدك في كل المسائل ~~مقبل) (فإن كنت بين الناس غير ممول * فأنت من الفهم المصون ممول) (إذا أنت ~~خاطبت الخصوم مجادلا * فأنت وهم مثل الحمائم أجدل) (كأنك من في الشافعي ~~مخاطب * ومن قلبه تملي فما تتمهل) (وكيف يرى علم ابن إدريس دارسا * وأنت ~~بإيضاح الهدى متكفل) (تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما * فعلت وكفي عن جوابك ~~أجمل) (لأنك في كنه الثريا فصاحة * وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل) (فعذرك في ~~أني أجبتك واثقا * بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل) (وأخطأت في إنفاذ رقعتك التي ~~* هي ms0585 المجد لي منها أخير وأول) (ولكن عداني أن أروم احتفاظها * رسولك وهو ~~الفاضل المتفضل) PageV02P513 # (ومن حقها أن يصبح المسك عامرا * لها وهي في أعلى ~~المواضع تجعل) (فمن كان في أشعاره متمثلا * فأنت امرؤ في العلم والشعر ~~أمثل) (تجملت الدنيا بأنك فوقها * ومثلك حقا من به تتجمل) وذكر السمعاني في ~~الذيل في ترجمة أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن ~~محمويه اليزدي أنه كان له عمامة وقميص بينه وبين أخيه إذا خرج ذاك قعد هذا ~~في البيت وإذا خرج هذا احتاج ذاك أن يقعد قال السمعاني وسمعته يقول يوما ~~وقد دخلت عليه مع علي بن الحسين الغزنوي الواعظ مسلما داره فوجدناه عريانا ~~متأزرا بمئزر فاعتذر من العري وقال نحن إذا غسلنا ثيابنا نكون كما قال ~~القاضي أبو الطيب الطبري (قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم * لبسوا البيوت إلى ~~فراغ الغاسل) عاش مائة سنة وسنتين لم يختل عقله ولا تغير فهمه يفتي ويستدرك ~~على الفقهاء الخطأ ويقضي ببغداد ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات ~~تفقه بأمل على أبي علي الزجاجي صاحب ابن القاص وقرأ على أبي سعد الإسماعيلي ~~وأبي القاسم بن كج بجرجان ثم ارتحل إلى نيسابور وأدرك أبا الحسن الماسرجسي ~~فصحبه أربع سنين وتفقه عليه ثم ارتحل إلى بغداد وحضر مجلس الشيخ أبي حامد ~~الأسفرايني وعليه اشتغل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وقال في حقه لم أر فيمن ~~رأيت أكمل اجتهادا وأشد تحقيقا وأجود نظرا منه وشرح مختصر المزني وفروع أبي ~~بكر ابن الحداد المصري وصنف في الأصول والمذهب والخلاف والجدل كتبا كثيرة ~~وقال الشيخ أبو إسحاق لازمت مجلسه بضع عشرة سنة ودرست أصحابه في مسجده سنين ~~بإذنه ورتبني في حلقته PageV02P514 # واستوطن بغداد وولي القضاء بربع الكرخ بعد موت أبي عبد ~~الله الصيمري ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته وكان مولده بآمل سنة ثمان ~~وأربعين وثلاثمائة وتوفي في شهر ربيع الأول يوم السبت لعشر بقين منه سنة ~~خمسين وأربعمائة رحمه الله تعالى ببغداد ودفن من ms0586 الغد في مقبرة باب حرب ~~وصلي عليه في جامع المنصور والطبري قد تقدم الكلام عليه أنه منسوب إلى ~~طبرستان وآمل بمد الهمزة وضم الميم وبعدها لام مدنية عظيمة هي قصبة طبرستان ~~308 ابن بابشاذ النحوي أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي يقال إن ~~أصله من الديلم وكان هو بمصر إمام عصره في علم النحو وله المصنفات المفيدة ~~منها المقدمة المشهورة وشرحها وشرح الجمل للزجاجي وشرح كتاب الأصول لابن ~~السراج وجمع في حال انقطاعه شكة كبيرة في النحو يقال إنها لو بيضت قاربت ~~خمس عشرة مجلدة وسماها النحاة بعده الذين وصلت إليهم تعليق الغرفة وانتقلت ~~هذه التعليقة إلى تلميذه أبي عبد الله محمد بن بركات السعدي النحوي اللغوي ~~المتصدر موضعه ثم انتقلت منه إلى صاحبه أبي محمد بن عبد الله بن بري النحوي ~~المتصدر في مكانه ثم انتقلت بعده إلى صاحبه PageV02P515 # أبي الحسين النحوي المنبوز بثلط الفيل المتصدر في ~~موضعه وقيل إن كل واحد من هؤلاء كان يهبها لتلميذه ويعهد إليه بحفظها ولقد ~~اجتهد جماعة من الطلبة في نسخها فلم يتمكنوا من ذلك وانتفع الناس بعلمه ~~وتصانيفه وكانت وظيفته بمصر أن ديوان الإنشاء لا يخرج منه كتاب حتى يعرض ~~عليه ويتأمله فإن كان فيه خطأ من جهة النحو أو اللغة أصلحه كاتبه وإلا ~~استرضاه فسيروه إلى الجهة التي كتب إليها وكان له على هذه الوظيفة راتب من ~~الخزانة يتناوله في كل شهر وأقام على ذلك زمانا ويحكى أنه كان يوما في سطح ~~جامع مصر وهو يأكل شيئا وعنده ناس فحضرهم قط فرموا له لقمة فأخذها في فيه ~~وغاب عنهم ثم عاد إليهم فرموا له شيئا آخر ففعل كذلك وتردد مرارا كثيرة وهم ~~يرمون له وهو يأخذه ويغيب به ثم يعود من فوره حتى عجبوا منه وعلموا أن مثل ~~هذا الطعام لا يأكله وحده لكثرته فلما استرابوا حاله تبعوه فوجدوه يرقى إلى ~~حائط في سطح الجامع ثم ينزل إلى موضع خال صورة بيت خراب وفيه قط اخر أعمى ~~وكل ما ms0587 يأخذه من الطعام يحمله إلى ذلك القط ويضعه بين يديه وهو يأكله ~~فعجبوا من تلك الحال فقال ابن بابشاذ إذا كان هذا حيوانا أخرس قد سخر الله ~~سبحانه وتعالى له هذا القط وهو يقوم بكفايته ولم يحرمه الرزق فكيف يضيع ~~مثلي ثم قطع الشيخ علائقه واستعفى من الخدمة ونزل عن راتبه ولازم بيته ~~واشتغاله متوكلا على الله سبحانه وتعالى وما زال محروسا محمول الكلفة إلى ~~أن مات عشية اليوم الثالث من رجب سنة تسع وستين وأربعمائة بمصر ودفن في ~~القرافة الكبرى رحمه الله تعالى وزرت بها قبره وقرأت تاريخ وفاته على حجر ~~عند رأسه كما هو هاهنا وكان سبب موته أنه لما انقطع وجمع أطرافه وباع ما ~~حوله وأبقى ما لا PageV02P516 # بد له منه كان انقطاعه في غرفة بجامع عمرو بن العاص ~~وهو الجامع العتيق بمصر فخرج ليلة من الغرفة إلى سطح الجامع فزلت رجله من ~~بعض الطاقات المؤدية للضوء إلى الجامع فسقط وأصبح ميتا وبابشاذ بباءين ~~موحدتين بينهما ألف ثم شين معجمة وبعد الألف الثانية ذال معجمة وهي كلمة ~~عجمية تتضمن الفرح والسرور 309 طاهر بن الحسين أبو الطيب طاهر بن الحسين بن ~~مصعب بن رزيق بن ماهان ورأيت في مكان آخر رزيق بن أسعد بن رادويه وفي مكان ~~آخر أسعد بن زاذان والله أعلم وقيل مصعب بن طلحة بن رزيق الخزاعي بالولاء ~~الملقب ذا اليمينين كان جده رزيق بن ماهان مولى طلحة الطلحات الخزاعي ~~المشهور بالكرم والجود المفرط وكان طاهر من أكبر أعوان المأمون وسيره من ~~مرو كرسي خراسان لما كان المأمون بها إلى محاربة أخيه الأمين ببغداد لما ~~خلع المأمون بيعته والواقعة مشهورة وسير الأمين أبا يحيى علي بن عيسى بن ~~ماهان لدفع طاهر عنه فتواقعا وقتل علي في المعركة ذكر ابن العظيمي الحلبي ~~في تاريخه أن الأمين وجه علي بن عيسى بن PageV02P517 # ماهان لملاقاة طاهر بن الحسين فلقيه بالري فقتل علي بن ~~عيسى لسبع خلون من شعبان سنة خمس وتسعين ومائة قلت وذكر الطبري في تاريخه ms0588 ~~هذه الواقعة في سنة خمس وتسعين ولم يعين الشهر لكنه قال إنه قتل في الحرب ~~وسير طاهر بالخبر إلى مرو وبينهما نحو مائتين وخمسين فرسخا فسار الكتاب ~~ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد ولم يذكر في أي شهر فوصلهم يوم الأحد ~~ثم قال بعد هذا وخرج علي بن عيسى من بغداد لسبع ليال خلون من شعبان من سنة ~~خمس وتسعين والظاهر أن ابن العظيمي اشتبه عليه يوم قتل علي بن عيسى بيوم ~~خروجه من بغداد ثم قال بعد هذا إن الخبر وصل إلى بغداد بقتله يوم الخميس ~~النصف من شوال من السنة فيحتمل أنه قتل لسبع أو لتسع من شوال وتصحف على ~~الناسخ شوال بشعبان فيكون كما قال الطبري خرج من بغداد في شعبان وقتل في ~~شوال أو في رمضان والله أعلم وتقدم طاهر إلى بغداد وأخذ ما في طريقه من ~~البلاد وحاصر بغداد والأمين بها وقتله يوم الأحد لست أو أربع خلون من صفر ~~سنة ثمان وتسعين ومائة ذكره الطبري في تاريخه وقال غيره إن طاهرا سير إلى ~~المأمون يستأذنه في أمر الأمين إذا ظفر به فبعث إليه بقميص غير مقور فعلم ~~أنه يريد قتله فعمل على ذلك والله أعلم وحمل رأسه إلى خراسان ووضع بين يدي ~~المأمون وعقد للمأمون على الخلافة فكان المأمون يرعاه لمناصحته وخدمته وقيل ~~لطاهر ببغداد لما بلغ ما بلغ ليهنك ما أدركته من هذه المنزلة التي لم ~~يدركها أحد من نظرائك بخراسان فقال ليس يهنيني ذلك لأني لا أرى عجائز بوشنج ~~يتطلعن إلي من أعالي سطوحهن إذا مررت بهن وإنما قال ذلك لأنه ولد ونشأ بها ~~وكان جده مصعب واليا عليها وعلى هراة PageV02P518 # وكان شجاعا أديبا وركب يوما ببغداد في حراقته فاعترضه ~~مقدس ابن صيفي الخلوقي الشاعر وقد أدنيت من الشط ليخرج فقال أيها الأمير إن ~~رأيت أن تسمع مني أبياتا فقال قل فأنشأ يقول (عجبت لحراقة ابن الحسين لا * ~~غرقت كيف لا تغرق) (وبحران من فوقها واحد * وآخر من تحتها مطبق) (وأعجب من ms0589 ~~ذاك أعوادها * وقد مسها كيف لا تورق) فقال طاهر أعطوه ثلاثة آلاف دينار ~~وقال له زدنا حتى نزيدك فقال حسبي ولبعض الشعراء في بعض الرؤساء وقد ركب ~~البحر وما أقصر فيه (ولما امتطى البحر ابتهلت تضرعا * إلى الله يا مجري ~~الرياح بلطفه) (جعلت الندى من كفه مثل موجه * فسلمه واجعل موجه مثل كفه) ~~وكان طاهر قد احتاج إلى الأموال عند محاصرة بغداد فكتب إلى المأمون يطلبها ~~منه فكتب له إلى خالد بن جيلويه الكاتب ليقرضه ما يحتاج إليه فامتنع خالد ~~من ذلك فلما أخذ طاهر بغداد أحضر خالدا وقال له لأقتلنك شر قتلة فبذل من ~~المال شيئا كثيرا فلم يقبله منه فقال خالد قد قلت شيئا فاسمعه ثم شأنك وما ~~أردت فقال طاهر هات وكان يعجبه الشعر فأنشده (زعموا بأن الصقر صادف مرة * ~~عصفور بر ساقه المقدور) (فتكلم العصفور تحت جناحه * والصقر منقض عليه يطير) ~~PageV02P519 # (ما كنت يا هذا لمثلك لقمة * ولئن شويت فإنني لحقير) ~~(فتهاون الصقر المدل بصيده * كرما فأفلت ذلك العصفور) فقال طاهر أحسنت وعفا ~~عنه وكان طاهر بفرد عين وفيه يقول عمرو بن بانة الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى (يا ذا اليمينين وعين واحده * نقصان عين ويمين زائده) ويحكى أن ~~إسماعيل بن جرير البجلي كان مداحا لطاهر المذكور فقيل له إنه يسرق الشعر ~~ويمدحك به فأحب طاهر أن يمتحنه فقال له تهجوني فامتنع فألزمه بذلك فكتب ~~إليه (رأيتك لا ترى إلا بعين * وعينك لا ترى إلا قليلا) (فأما إذ أصبت بفرد ~~عين * فخذ من عينك الأخرى كفيلا) (فقد أيقنت أنك عن قريب * بظهر الكف تلتمس ~~السبيلا) فلما وقف عليها قال له احذر أن تنشدها أحدا ومزق الورقة ولما ~~استقل المأمون بالأمر بعد قتال أخيه الأمين كتب إلى طاهر بن الحسين المذكور ~~وهو مقيم ببغداد والمأمون مقيم بخراسان بأن يسلم إلى الحسن بن سهل المقدم ~~ذكره جميع ما افتتحه من البلاد وهي العراق وبلاد الجبل وفارس والأهواز ~~والحجاز واليمن وأن يتوجه هو إلى الرقة وولاه الموصل وبلاد ms0590 الجزيرة ~~الفراتية والشام والمغرب وذلك في بقية سنة ثمان وتسعين ومائة وأخبار طاهر ~~كثيرة وسيأتي ذكر ولده عبد الله وحفيده عبيد الله في حرف العين إن شاء الله ~~تعالى PageV02P520 # وكان مولده سنة تسع وخمسين ومائة وتوفي يوم السبت لخمس ~~بقين من جمادى الآخرة سنة سبع ومائتين بمدينة مرو رحمه الله تعالى وكان ~~المأمون قد ولاه خراسان فوردها في شهر ربيع الآخر سنة ست ومائتين واستخلف ~~ابنه طلحة هكذا قال السلامي في كتاب أخبار ولاة خراسان وقال غيره إنه خلع ~~طاعة المأمون وجاءت كتب البريد من خراسان تتضمن ذلك فقلق المأمون لذلك قلقا ~~شديدا ثم جاءته كتب البريد ثاني يوم أنه أصابته عقيب ما خلع حمى فوجد في ~~فراشه ميتا وقيل إنه حدث به في جفن عينه حادث فسقط ميتا وحكى هارون بن ~~العباس بن المأمون في تاريخه قال دخل طاهر يوما على المأمون في حاجة فقضاها ~~وبكى حتى اغرورقت عيناه بالدموع فقال طاهر يا أمير المؤمنين لم تبكي لا ~~أبكى الله عينك وقد دانت لك الدنيا وبلغت الأماني فقال أبكي لا عن ذل ولا ~~عن حزن ولكن لا تخلو نفس من شجن فاغتم طاهر وقال لحسين الخادم وكان يحجب ~~المأمون في خلواته أريد أن تسأل أمير المؤمنين عن موجب بكائه عندما رآني ثم ~~أنفذ طاهر للخادم مائة ألف درهم فلما كان في بعض خلوات المأمون وهو طيب ~~الخاطر قال له حسين الخادم يا أمير المؤمنين لم بكيت لما دخل عليك طاهر ~~فقال مالك ولهذا ويلك قال غمني بكاؤك فقال هو أمر إن خرج من رأسك أخذته ~~فقال يا سيدي ومتى أبحت لك سرا قال إني ذكرت محمدا أخي وما ناله من الذلة ~~فخنقتني العبرة ولن يفوت طاهرا مني ما يكره فأخبر حسين طاهرا بذلك فركب ~~طاهر إلى أحمد بن أبي خالد فقال له إن الثناء مني ليس برخيص وإن المعروف ~~عندي ليس بضائع فغيبني عن المأمون فقال سأفعل فبكر إلى غدا وركب أحمد إلى ~~المأمون فقال له لم أنم البارحة ms0591 فقال له ولم قال لأنك وليت خراسان غسان وهو ~~ومن معه أكلة رأس وأخاف أن يصطلمه مصطلم فقال فمن ترى قال طاهر قال هو ~~PageV02P521 # جائع فقال أنا ضامن له فدعا به المأمون وعقد له على ~~خراسان من ساعته وأهدى له خادما كان رباه وأمره إن رأى ما يريبه أن يسمه ~~فلما تمكن طاهر من الولاية قطع الخطبة حكى كلثوم بن ثابت متولي بريد خراسان ~~قال صعد طاهر المنبر يوم الجمعة وخطب فلما بلغ ذكر الخليفة أمسك فكتب بذلك ~~إلى المأمون على خيل البريد وأصبح طاهر يوم السبت ميتا فكتب إليه أيضا بذلك ~~فلما وصلت الخريطة الأولى إلى المأمون دعا أحمد بن أبي خالد وقال أشخص الآن ~~فأت به كما ضمنت وأكرهه على المسير في يومه ثم بعد شدائد أذن له في المبيت ~~ثم وافت الخريطة الثانية من يومه بموته وقيل إن الخادم سمه في كامخ 66 ثم ~~إن المأمون استخلف ولده طلحة على خراسان وقيل إنه جعله خليفة بها لأخيه عبد ~~الله بن طاهر الآتي ذكره وتوفي طلحة سنة ثلاث عشرة ومائتين ببلخ واختلفوا ~~في تلقيبه بذي اليمينين لأي معنى كان فقيل لأنه ضرب شخصا في وقعته مع علي ~~بن ماهان كما تقدم فقده نصفين وكانت الضربة بيساره فقال فيه بعض الشعراء ~~(كلتا يديك يمين حين تضربه *) فلقبه المأمون ذا اليمينين وقيل غير ذلك 67 ~~وكان جده مصعب بن رزيق كاتبا لسليمان بن كثير الخزاعي صاحب دعوة بني العباس ~~وكان بليغا فمن كلامه ما أحوج الكاتب إلى نفس تسمو به إلى أعلى المراتب ~~وطبع يقوده إلى أكرم الأخلاق وهمة تكفه عن دنس الطمع ودناءة الطبع ~~PageV02P522 # وبوشنج بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الشين ~~المعجمة وسكون النون وبعدها جيم وهي بلدة بخراسان على سبعة فراسخ من هراة ~~ومقدس بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المهملة المكسورة وبعدها سين ~~مهملة وهو اسم علم على الشاعر المذكور والخلوقي بفتح الخاء المعجمة وضم ~~اللام وسكون الواو وبعدها قاف هذه النسبة إلى خلوق أو خلوقة ms0592 وهي قبيلة من ~~العرب مشهورة 68 ومات والده الحسين بن مصعب بخراسان في سنة تسع وتسعين ~~ومائة وحضر المأمون جنازته وبعث إلى ابنه طاهر وهو بالعراق يعزيه 310 سيف ~~الإسلام طغتكين سيف الإسلام أبو الفوارس طغتكين بن أيوب بن شاذي من مروان ~~المنعوت بالملك العزيز ظهير الدين صاحب اليمن كان أخوه السلطان الملك ~~الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى لما ملك الديار المصرية قد سير أخاه شمس ~~الدولة توران شاه المقدم ذكره في حرف التاء إلى بلاد اليمن فملكها واستولى ~~على كثير من بلادها ورجع عنها حسبما هو مذكور في ترجمته ثم سير السلطان ~~إليها بعد ذلك أخاه سيف الإسلام المذكور وذلك في سنة سبع وسبعين وخمسمائة ~~وكان رجلا شجاعا كريما مشكور السيرة حسن السياسة مقصودا من البلاد الشاسعة ~~لإحسانه وبره ودخل إليه شرف الدين أبو المحاسن ابن عنين الدمشقي الآتي ذكره ~~في حرف الميم إن شاء الله تعالى ومدحه بغر القصائد فأحسن إليه وأجزل صلته ~~واكتسب من جهته مالا وافرا وخرج به من اليمن PageV02P523 # فلما وصل إلى الديار المصرية وسلطانها يومئذ الملك ~~العزيز عماد الدين عثمان ابن السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ألزمه ~~أرباب ديوان الزكاة بدفع الزكاة من المتاجر التي وصلت صحبته فعمل (ما كان ~~من يتسمى بالعزيز لها * أهل ولا كل برق سحبه غدقه) (بين العزيزين بون في ~~فعالهما * هذاك يعطي وهذا يأخذ الصدقة) وكانت وفاة سيف الإسلام في شوال ~~تاسع عشر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالمنصورة وهي مدينة اختطها باليمن رحمه ~~الله تعالى 69 وتولى بعده ولده الملك المعز فتح الدين إسماعيل وللمعز ~~المذكور صنف أبو الغنائم مسلم بن محمود بن نعمة بن أرسلان الشيزري كتابه ~~الذي سماه عجائب الأسفار وغرائب الأخبار وأودع فيه من أشعاره وأخبار الناس ~~كثيرا وذكر العز بن عساكر أنه مات بالحمراء من بلاد اليمن وذكر أبو الغنائم ~~المذكور في كتابه الذي سماه جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام أنه مات بتعز ~~ودفن بها بالمدرسة ثم قال وقتل ولده فتح الدين أبو ms0593 الفداء إسماعيل في رجب ~~سنة ثمان وتسعين بمكان يقال له عجي شامي زبيد وتولى مكانه أخوه الملك ~~الناصر أيوب وكان الملك المعز إسماعيل أهوج كثير التخليط بحيث انه ادعى أنه ~~قرشي من بني أمية وخطب لنفسه بالخلافة وتلقب بالهادي فلما سمع عمه الملك ~~العادل PageV02P524 # ذلك ساءه وأهمه وكتب إليه يلومه ويوبخه ويأمره بالعودة ~~إلى نسبه الصحيح وبترك ما ارتكبه مما يضحك الناس منه فلم يلتفت ولم يرجع ~~وانضاف إلى ذلك أنه أساء السيرة مع اجناده وأمرائه فوثبوا عليه فقتلوه ~~وملكوا عليهم أخاه الملك الناصر محمدا 70 وكان أبو الغنائم المذكور أديبا ~~شاعرا وكان موجودا في سنة سبع عشرة وستمائة فقد توفي في هذه السنة أو بعدها ~~71 وكان أبوه أبو الثناء محمود نحويا متصدرا بجامع دمشق لإقراء النحو وذكره ~~الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير وذكره العماد الكاتب في كتاب الخريدة ~~وقال توفي بعد سنة خمس وستين وخمسمائة وقال شرف الدين ابن عنين أنشدني ~~محمود المذكور لنفسه (يقولون كافات الشتاء كثيرة * وما هي إلا واحد غير ~~مفترى) (إذا صح كاف الكيس فالكل حاصل * لديك وكل الصيد يوجد في الفرا) وكان ~~جده أرسلان مملوك ابن منقذ صاحب شيزر والله أعلم وطغتكين بضم الطاء المهملة ~~وسكون الغين المعجمة وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها نون وهو اسم تركي لا أعرف معناه PageV02P525 # 311 الصالح بن رزيك أبو الغارات طلائع بن رزيك الملقب ~~الملك الصالح وزير مصر كان واليا بمنية بني خصيب من أعمال صعيد مصر فلما ~~قتل الظافر إسماعيل صاحب مصر كما تقدم في حرف الهمزة سير أهل القصر إلى ~~الصالح واستنجدوا به على عباس وولده نصر المتفقين على قتله فتوجه الصالح ~~إلى القاهرة ومعه جمع عظيم من العربان فلما قربوا من البلد هرب عباس وولده ~~وأتباعهما ومعهما أسامة بن منقذ المذكور في حرف الهمزة أيضا لأنه كان ~~مشاركا لهما في ذلك على ما يقال ودخل الصالح إلى القاهرة وتولى الوزارة في ~~أيام الفائز واستقل بالأمور وتدبير ms0594 أحوال الدولة وكانت ولايته في التاسع ~~عشر من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة وكان فاضلا سمحا في العطاء ~~سهلا في اللقاء محبا لأهل الفضائل جيد الشعر وقفت على ديوان شعره وهو في ~~جزأين ومن شعره قوله (كم ذا يرينا الدهر من أحداثه * عبرا وفينا الصد ~~والإعراض) (ننسى الممات وليس يجري ذكره * فينا فتذكرنا به الأمراض) ومن ~~شعره أيضا (ومهفهف ثمل القوام سرت إلى * أعطافه النشوات من عينيه) (ماضي ~~اللحاظ كأنما سلت يدي * سيفي غداة الروع من جفنيه) PageV02P526 # (قد قلت إذ خط العذار بمكة * في خده ألفيه لا لاميه) ~~(ما الشعر دب بعارضيه وإنما * أصداغه نفضت على خديه) (الناس طوع يدي وأمري ~~نافذ * فيهم وقلبي الآن طوع يديه) (فاعجب لسلطان يعم بعدله * ويجور سلطان ~~الغرام عليه) (والله لولا اسم الفرار وأنه * مستقبح لفررت منه إليه) وروى ~~عنه أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاري الملقب زين الدين ~~الحنبلي المعروف بابن نجية الواعظ المشهور الدمشقي قال أنشدني طلائع بن ~~رزيك لنفسه بمصر (مشيبك قد نضا صبغ الشباب * وحل الباز في وكر الغراب) ~~(تنام ومقلة الحدثان يقظى * وما ناب النوائب عنك نابي) (وكيف بقاء عمرك وهو ~~كنز * وقد أنفقت منه بلا حساب) وكان المهذب عبد الله بن أسعد الموصلي نزيل ~~حمص قد قصده من الموصل ومدحه بقصيدته الكافية التي أولها (أما كفاك تلافي ~~في تلافيكا * ولست تنقم إلا فرط حبيكا) وهي من نخب القصائد ومخلصها (وفيم ~~تغضب أن قال الوشاة سلا * وأنت تعلم أني لست أسلوكا) (لأنلت وصلك إن كان ~~الذي زعموا * ولا شفى ظمئي جود ابن رزيكا) وهي طويلة طائلة ولولا خوف ~~الإطالة لكتبتها PageV02P527 # ولما مات الفائز وتولى العاضد مكانه استمر الصالح على ~~وزارته وزرادت حرمته وتزوج العاضد ابنته فاغتر بطول السلامة وكان العاضد ~~تحت قبضته وفي أسره فلما طال عليه ذلك أعمل الحيلة في قتله فاتفق مع قوم من ~~أجناد الدولة يقال لهم أولاد الراعي وتقرر ذلك بينهم وعين لهم موضعا في ~~القصر يجلسون فيه مستخفين ms0595 فإذا مر بهم الصالح ليلا أو نهارا قتلوه فقعدوا ~~له ليلة وخرج من القصر فقاموا ليخرجوا إليه فأراد أحدهم أن يفتح غلق الباب ~~فأغلقه وما علم فلم يحصل مقصودهم تلك الليلة لأمر أراده الله تعالى في ~~تأخير الأجل ثم جلسوا له يوما آخر فدخل القصر نهارا فوثبوا عليه وجرحوه ~~جراحات عديدة بعضها في رأسه ووقع الصوت فعاد أصحابه إليه فقتلوا الذين ~~جرحوه وحمل إلى داره مجروحا ودمه يسيل وأقام بعض يوم ومات يوم الاثنين تاسع ~~عشر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة رحمه اله تعالى وكانت ولادته في سنة خمس ~~وتسعين وأربعمائة وخرجت الخلع لولده العادل محيي الدين رزيك المقدم ذكره في ~~ترجمة شاور يوم الثلاثاء ثاني يوم وفاة أبيه وكنيته أبو شجاع ولما تولى ~~الوزارة لقبوه العادل الناصر ولما مات رثاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة ~~أولها (أفي أهل ذا النادي عليم أسائله * فإني لما بي ذاهب اللب ذاهله) سمعت ~~حديثا أحسد الصم عنده * ويذهل واعيه ويخرس قائله) (فهل من جواب يستغيث به ~~المنى * ويعلو على حق المصيبة باطله) (وقد رابني من شاهد الحال أنني * أرى ~~الدست منصوبا وما فيه كافله) (فهل غاب عنه واستناب سليله * أم اختار هجرا ~~لا يرجى تواصله) (فإني أرى فوق الوجوه كآبة * تدل على أن الوجوه ثواكله) ~~ومنها (دعوني فما هذا أوان بكائه * سيأتيكم طل البكاء ووابله) PageV02P528 # (ولا تنكروا حزني عليه فإنني * تقشع عني وابل كنت ~~آمله) (ولم لا نبكيه ونندب فقده * وأولادنا أيتامه وأرامله) (فيا ليت شعري ~~بعد حسن فعاله * وقد غاب عنا ما بنا الله فاعله) (أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم ~~* فيمكث أم تطوى ببين مراحله) وهي طويلة وكان قد دفن بالقاهرة ثم نقله ولده ~~العادل من دار الوزارة التي دفن بها وهي المعروفة بانشاء الأفضل شاهان شاه ~~المقدم ذكره وكان نقله في تاسع عشر صفر سنة سبع وخمسين في تابوت وركب خلفه ~~العاضد إلى تربته التي بالقرافة الكبرى فعمل في ذلك الفقيه عمارة أيضا ~~قصيدة طويلة أجاد فيها ومن جملتها في صفة التابوت (وكأنه ms0596 تابوت موسى أودعت ~~* في جانبيه سكينة ووقار) وله فيه مراث كثيرة وهذا الصالح هو الذي بنى ~~الجامع الذي على باب زويلة بظاهر القاهرة 72 وأما ولده العادل رزيك فقد ~~ذكرت في ترجمة شاور تاريخ هربه من القاهرة وكان قد حمل معه من الذخائر ما ~~لا يحصى ومعه أهله وحاشيته واستجار بسليمان وقيل بيعقوب بن النيص اللخمي ~~وكان من خواص أصحابهم وحصل من جهتهم نعمة وافرة فأنزلهم عنده وهو بإطفيح ~~وسار من ساعته إلى شاور وأعلمه بهم فندب معه جماعة ومضوا إلى العادل وأخذوه ~~أسيرا وأحضروه إلى باب شاور فوقف زمانا طويلا ثم حبسه ثم قال شاور لابن ~~النيص لقد خبأك الصالح ذخيرة صالحة لولده وأنا أخبؤك أيضا لولدي ثم شنقه ~~وبقي العادل في الاعتقال مدة مديدة ثم قتله PageV02P529 # واخرج رأسه لأمراء الدولة ومن العجائب أن الصالح ولي ~~الوزارة في التاسع عشر وقتل في التاسع عشر ونقل تابوته في التاسع عشر وزالت ~~دولتهم في التاسع عشر ورزيك بضم الراء وتشديد الزاي المكسورة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها كاف 73 وكانت ولادة زين الدين الواعظ المذكور سنة ~~ثمان وخمسمائة بدمشق ونشأ بها وقدم بغداد مرارا وصاهر أبا الحسن سعد الخير ~~بن محمد بن سهل بن سعد البلنسي الأنصاري الأندلسي على ابنته أم عبد الكريم ~~فاطمة وانتقل قبل وفاته إلى مصر وحدث بها وتوفي يوم الأربعاء ثامن رمضان ~~سنة تسع وتسعين وخمسمائة بمصر وهو المعروف بابن نجية رحمه الله تعالى ~~PageV02P530 # 312 أبو يزيد البسطامي أبو يزيد طيفور بن عيسى بن آدم ~~بن عيسى بن علي البسطامي الزاهد المشهور كان جده مجوسيا ثم أسلم وكان له ~~أخوان زاهدان عابدان أيضا آدم وعلي وكان أبو يزيد أجلهم وسئل أبو يزيد بأي ~~شيء وجدت هذه المعرفة فقال ببطن جائع وبدن عار وقيل لأبي يزيد ما أشد ما ~~لقيته في سبيل الله تعالى فقال لا يمكن وصفه فقيل له ما أهون ما لقيت نفسك ~~منك فقال أما هذا فنعم دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني ms0597 طوعا فمنعتها ~~الماء سنة وكان يقول لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في ~~الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود ~~وأداء الشريعة وله مقالات كثيرة ومجاهدات مشهورة وكرامات ظاهرة وكانت وفاته ~~سنة إحدى وستين وقيل أربع وستين ومائتين رحمه الله تعالى وطيفور بفتح الطاء ~~المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الفاء وبعد الواو الساكنة راء ~~والبسطامي بفتح الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعد ~~الألف ميم هذه النسبة إلى بسطام وهي بلدة مشهورة من أعمال قومس ويقال إنها ~~أول بلاد خراسان من جهة العراق والله أعلم حرف الظاء PageV02P531 # 313 أبو الأسود الدؤلي أبو الأسود ظالم بن عمرو بن ~~سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة ابن عدي بن الديل بن بكر الديلي ~~ويقال الدؤلي وفي اسمه ونسبه ونسبته اختلاف كثير كان من سادات التابعين ~~وأعيانهم صحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشهد معه وقعة صفين وهو بصري ~~وكان من أكمل الرجال رأيا وأسدهم عقلا وهو أول من وضع النحو قيل إن عليا ~~رضي الله عنه وضع له الكلام كله ثلاثة أضرب اسم وفعل وحرف ثم رفعه إليه ~~وقال له تمم على هذا وكان ينزل البصرة في بني قشير وكانوا يرجمونه بالليل ~~لمحبته عليا كرم الله وجهه فإذا ذكر رجمهم قالوا إن الله يرجمك فيقول لهم ~~تكذبون لو رجمني الله لأصابني ولكنكم ترجمون ولا تصيبون وهذا بالعكس مما ~~جرى لأبي الجهم العدوي فإنه باع داره بمائة ألف درهم ثم قال فبكم تشترون ~~جوار سعيد بن العاص قالوا وهل يشترى جوار قط قال ردوا علي داري ثم خذوا ~~مالكم لا أدع جوار رجل يقال إن قعدت سأل عني وإن رآني رحب بي وإن غبت حفظني ~~وإن شهدت قربني وإن سألته قضى حاجتي وإن لم أسأله بدأني وإن نابتني جائحة ~~فرج عني فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه بمائة ألف درهم PageV02P535 # وحكى أبو غفر الدؤلي وكان شاعرا قال ms0598 كنت عند عبد الملك ~~بن مروان إذ دخل عليه أبو الأسود الديلي وكان أحول دميما قبيح المنظر فقال ~~له عبد الملك يا أبا الأسود لو علقت عليك عودة من العين فقال يقال إن لك ~~جوابا يا أمير المؤمنين وأنشد * افنى الشباب الذي أفنيت جدته * كر الجديدين ~~من آت ومنطلق) (لم يتركا لي في طول اختلافهما * شيئا أخاف عليه لذعة الحدق) ~~أما والله لئن كانت أبلتني السنون وأسرعت إلى المنون لما أثبت ذاك إلا في ~~موضعه ولرب يوم كنت فيه إلى الآنسات البيض اشهى منك إليهن وإني اليوم لكما ~~قال امرؤ القيس (أراهن لا يحببن من قل ماله * ولا من رأين الشيب فيه وقوسا) ~~ولقد كنت كما قال أيضا (ورعن إلى صوتي إذا ما سمعنه * كما يرعوي عيط إلى ~~صوت اعيسا) فقال عبد الملك قاتلك الله من شيخ ما أعظم همتك وكان لأبي ~~الأسود من معاوية ناحية حسنة فوعده وعدا أبطأ عليه فقال (لا يكن برقك برقا ~~خلبا * إن خير البرق ما الغيث معه) (لا تهني بعد إذ أكرمتني * فقبيح عادة ~~منتزعه) وقيل إنه كان يعلم أولاد زياد بن أبيه وهو والي العراقين يومئذ ~~فجاءه يوما وقال له أصلح الله الأمير إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم ~~وتغيرت ألسنتهم أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون أو يقيمون به كلامهم قال ~~لا قال فجاء رجل إلى زياد وقال أصلح الله الأمير توفي أبانا وترك ~~PageV02P536 # بنون فقال زياد توفي أبانا وترك بنون ادعوا لي أبا ~~الأسود فلما حضر قال ضع للناس الذي نهيتك أن تضع لهم وقيل إنه دخل بيته ~~يوما فقال له بعض بناته يا أبت ما أحسن السماء فقال يا بنية نجومها فقالت ~~له إني لم أرد أي شيء منها أحسن إنما تعجبت من حسنها فقال إذن فقولي ما ~~أحسن السماء وحينئذ وضع النحو وحكى ولده أبو حرب قال أول باب رسم أبي باب ~~التعجب وقيل لأبي الأسود من أين لك هذا العلم يعنون النحو فقال لقنت حدوده ~~من ms0599 علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقيل إن أبا الأسود المذكور كان لا يخرج ~~شيئا أخذه عن علي بن أبي طالب إلى أحد حتى بعث إليه زياد المذكور أن اعمل ~~شيئا يكون للناس إماما ويعرف به كتاب الله عز وجل فاستعفاه من ذلك حتى سمع ~~أبو الأسود قارئا يقرأ * (أن الله بريء من المشركين ورسوله) * التوبة 3 ~~بالكسر فقال ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا فرجع إلى زياد فقال أفعل ما ~~أمر به الأمير فليبغني كاتبا لقنا يفعل ما أقول له فأتي بكاتب من عبد القيس ~~فلم يرضه فأتي بآخر فقال له أبو الأسود إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف ~~فانقط نقطة فوقه وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحرف وإن كسرت فاجعل النقطة ~~من تحت ففعل ذلك وإنما سمي النحو نحوا لأن أبا الأسود المذكور قال استأذنت ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن أضع نحو ما وضع فسمي لذلك نحوا والله أعلم ~~وكان لأبي الأسود بالبصرة دار وله جار يتأذى منه في كل وقت فباع الدار فقيل ~~له بعت دارك فقال بل بعت جاري فأرسلها مثلا ودخل أبو الأسود يوما على عبيد ~~الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي رضي الله عنه فرأى عليه ~~جبة رثة كان يكثر لبسها فقال يا أبا الأسود أما تمل هذه الجبة فقال رب ~~مملوك لا يستطاع فراقه فلما خرج من عنده بعث إليه مائة ثوب فكان ينشد بعد ~~ذلك وقيل إن هذه PageV02P537 # القضية جرت له مع المنذر بن الجارود (كساني ولم أستكسه ~~فحمدته * أخ لك يعطيك الجزيل وناصر) (وإن أحق الناس إن كنت شاكرا * بشكرك ~~من أعطاك والعرض وافر) يروى مملوك بالكاف ومملول باللام ويروى ناصر بالنون ~~وباصر بالياء ولكل واحد منهما معنى فمعناه بالنون ظاهر لأنه من النصرة ~~وبالياء من التعطف والحنو يقال فلان يأصر على فلان إذا كان يعطف عليه ويحنو ~~وله أشعار كثيرة فمن ذلك قوله (وما طلب المعيشة بالتمني * ولكن ألق ms0600 دلوك في ~~الدلاء) (تجيء بملئها طورا وطورا * تجيء بحمأة وقليل ماء) ومن شعره أيضا ~~وله ديوان شعر (صبغت أمية بالدماء أكفنا * وطوت أمية دوننا دنياها) ويحكى ~~أنه أصابه الفالج فكان يخرج إلى السوق يجر رجله وكان موسرا ذا عبيد وإماء ~~فقيل له قد أغناك الله عز وجل عن السعي في حاجاتك فلو جلست في بيتك فقال لا ~~ولكني أخرج وأدخل فيقول الخادم قد جاء ويقول الصبي قد جاء ولو جلست في ~~البيت فبالت علي الشاة ما منعها أحد عني وحكى خليفة بن خياط أن عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما كان عاملا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه على البصرة ~~فلما شخص إلى الحجاز استخلف أبا الأسود عليها فلم يزل حتى قتل علي رضي الله ~~عنه وكان أبو الأسود معروفا بالبخل وكان يقول لو أطعنا المساكين في أموالنا ~~PageV02P538 # لكنا أسوأ حالا منهم وقال لبنيه لا تجاودوا الله عز ~~وجل فإنه أجود وأمجد ولو شاء أن يوسع على الناس كلهم لفعل فلا تجهدوا ~~أنفسكم في التوسع فتهلكوا هزالا وسمع رجلا يقول من يعشي الجائع فقال علي به ~~فعشاه ثم ذهب ليخرج فقال أين تريد قال أهلي قال هيهات ما عشيتك إلا على أن ~~لا تؤذي المسلمين الليلة ثم وضع في رجله القيد حتى أصبح وتوفي أبو الأسود ~~بالبصرة سنة تسع وستين في طاعون الجارف وعمره خمس وثمانون سنة رضي الله عنه ~~وقيل إنه مات قبل الطاعون بعلة الفالج وقيل إنه توفي في خلافة عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه وتولى عمر الخلافة في صفر سنة تسع وتسعين للهجرة وتوفي ~~في رجب سنة إحدى ومائة بدير سمعان رضي الله عنه وقيل لأبي الأسود عند الموت ~~أبشر بالمغفرة فقال وأين الحياء مما كانت له المغفرة والديلي بكسر الدال ~~المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام والدؤلي بضم الدال ~~المهملة وفتح الهمزة وبعدها لام هذه النسبة إلى الدئل بكسر الهمزة وهي ~~قبيلة من كنانة وإنما فتحت الهمزة في النسبة لئلا ms0601 تتوالى الكسرات كما قالوا ~~في النسبة إلى نمرة نمري بالفتح وهي قاعدة مطردة والدئل اسم دابة بين ابن ~~عرس والثعلب وحلس بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وبعدها سين مهملة هكذا ~~ذكره الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب الإيناس وهو مما يحرف كثيرا فقد ~~وجدت فيه اختلافا وهذا الأصح PageV02P539 # 314 ظافر الحداد أبو المنصور ظافر بن القاسم بن منصور ~~بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني الجذامي الإسكندراني المعروف بالحداد ~~الشاعر المشهور كان من الشعراء المجيدين وله ديوان شعر أكثره جيد ومدح ~~جماعة من المصريين وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي وغيره من الأعيان ومن ~~مشهور شعره قوله (لو كان بالصبر الجميل ملاذه * ما سح وابل دمعه ورذاذه) ~~(ما زال جيش الحب يغزو قلبه * حتى وهى وتقطعت أفلاذه) (لم يبق فيه مع ~~الغرام بقية * إلا رسيس يحتويه جذاذه) (من كان يرغب في السلامة فليكن * ~~أبدا من الحدق المراض عياذه) (لا تخدعنك بالفتور فإنه * نظر يضر بقلبك ~~استلذاذه) (يا أيها الرشأ الذي من طرفه * سهم إلى حب القلوب نفاذه) (در ~~يلوح بفيك من نظامه * خمر يجول عليه من نباذه) (وقناة ذاك القد كيف تقومت * ~~وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه) (رفقا بجسمك لا يذوب فإنني * أخشى بأن يجفو ~~عليه لاذه) (هاروت يعجز عن مواقع سحره * وهو الإمام فمن ترى أستاذه) ~~PageV02P540 # (تالله ما علقت محاسنك امرءا * إلا وعز على الورى ~~استنقاذه) (أغريت حبك بالقلوب فأذعنت * طوعا وقد أودى بها استحواذه) (ما لي ~~أتيت الحظ من أبوابه * جهدي فدام نفوره ولواذه) (إياك من طمع المنى فعزيزه ~~* كذليله وغنيه شحاذه) منها (ذالية ابن دريد استهوى بها * قوما غداة نبت به ~~بغداذه) (دانوا لزخرف قوله فتفرقت * طمعا بهم صرعاه أو جذاذه) (من قدر ~~الرزق السني لك انما * قد كان ليس يضره إنفاذه) وهذه القصيدة من غرر ~~القصائد والعجب أني رأيت صاحبنا عماد الدين أبا المجد إسماعيل المعروف بابن ~~باطيش الموصلي قد ذكر هذه الأبيات في كتابه المغني الذي وضعه على كتاب ~~المهذب في الفقه وفسر فيه ms0602 غريبه وتكلم على أسماء رجاله فلما انتهى إلى ذكر ~~أبي بكر محمد بن الحداد المصري الفقيه الشافعي وشرح طرفا من حاله قال بعد ~~ذلك وكان مليح الشعر أنشدني بعض الفقهاء أبياتا من قصيدة عزاها إليه وذكر ~~بعض هذه الأبيات المكتتبة هاهنا وما أوقعه في هذا إلا كون ظافر يعرف ~~بالحداد والفقيه ابن الحداد فجمعتهما لفظة الحداد فمن هاهنا حصل الالتباس ~~ومن شعره أيضا (رحلوا فلولا أنني * أرجو الإياب قضيت نحبي) (والله ما ~~فارقتهم * لكنني فارقت قلبي) PageV02P541 # 74 وذكر العماد الكاتب في الخريدة هذين البيتين للعيني ~~ثم قال كان العيني من الأجناد الأكياس مذكورا بالباس وتوفي سنة ست وأربعين ~~وخمسمائة والصحيح أنهما لظافر الحداد وذكرهما في الخريدة في ترجمة ظافر ~~الحداد أيضا وله من جملة قصيد (يذم المحبون الرقيب وليت لي * من الوصل ما ~~يخشى عليه رقيب) وكانت وفاته بمصر في المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة وقد ~~تقدم الكلام على الجذامي وله أيضا من الشعر في كرسي النسخ (انظر بعينك في ~~بديع صنائعي * وعجيب تركيبي وحكمة صانعي) (فكأنني كفا محب شبكت * يوم ~~الفراق أصابعا بأصابع) وذكره علي بن ظافر بن منصور في كتاب بدائع البدائة ~~وأثنى عليه وأورد فيه عن القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسين الآمدي النائب ~~كان في الحكم بثغر الإسكندرية المحروس قال دخلت على الأمير السعيد بن ظفر ~~أيام ولايته للثغر فوجدته يقطر دهنا على خنصره فسألته عن سببه فذكر ضيق ~~خاتمه عليه وأنه ورم بسببه فقلت له الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر ~~فيه فقال اختر من يصلح لذلك فاستدعيت أبا المنصور ظافر بن القاسم الحداد ~~المذكور فقطع الحلقة وأنشد بديها PageV02P542 # (قصر عن أوصافك العالم * وكثر النائر والناظم) (من يكن ~~البحر له راحة * يضيق عن خنصره الخاتم) فاستحسنه الأمير ووهب له الحلقة ~~وكانت من ذهب وكان بين يدي الأمير غزال مستأنس وقد ربض وجعل رأسه في حجره ~~فقال ظافر بديها (عجبت لجرأة هذا الغزال * وأمر تخطى له واعتمد) (وأعجب به ~~إذ بدا جائما * وكيف اطمأن ms0603 وأنت الأسد) فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان ~~وتأمل ظافر شيئا كان على باب المجلس يمنع الطير من دخولها فقال (رأيت ببابك ~~هذا المنيف * شباكا فأدركني بعض شك) (وفكر فيما رأى خاطري * فقلت البحار ~~مكان الشبك) ثم انصرف وتركنا متعجبين من حسن بديهته رحمه الله تعالى وغفر ~~له PageV02P543 # 3 PageV03P001 # حرف العين PageV03P007 # 315 عاصم المقرئ أبو بكر عاصم بن أبي النجود بهدلة ~~مولى بني جذيمة بن مالك بن نصر ابن قعين بن أسد كان أحد القراء السبعة ~~والمشار إليه في القراءات أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن ~~حبيش وأخذ عنه أبو بكر ابن عياش وأبو عمر البزار واختلفوا اختلافا شديدا في ~~حروف كثيرة وتوفي عاصم في سنة سبع وعشرين ومائة رحمه الله تعالى بالكوفة ~~والنجود بفتح النون وضم الجيم وسكون الواو وبعدها دال مهملة وهي الحمارة ~~الوحشية التي لا تحمل وقيل هي المشرفة وبهدلة بفتح الباء الموحدة وسكون ~~الهاء وفتح الدال المهملة واللام وبعدها هاء ساكنة ويقال إنه اسم أمة ~~PageV03P009 # 316 أبو بردة ابن أبي موسى الأشعري أبو بردة عامر بن ~~أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري كان أبوه صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قدم عليه من اليمن في الأشعريين فأسلموا وأبو بردة كان قاضيا على ~~الكوفة وليها بعد القاضي شريح هكذا ذكره محمد ابن سعد في كتاب الطبقات وله ~~مكارم ومآثر مشهورة وكان أبو موسى تزوج في عمله على البصرة طنية بنت دمون ~~وكان أبوها رجلا من أهل الطائف فولدت له أبا بردة فاسترضع له في بني فقيم ~~في آل الغرق وسماه أبو موسى عامرا فلما شب كساه أبو شيخ ابن الغرق بردتين ~~وغدا له به أبيه فكناه أبا بردة فذهب اسمه. # 75 وكان ولده بلال قاضيا على البصرة وهم الذين يقال في حقهم ثلاثة قضاة ~~في نسق فإن أبا موسى رضي الله عنه قضى لعمر رضي الله عنه بالبصرة ثم قضى ~~بالكوفة في زمن عثمان رضي الله عنه. وبلال المذكور هو ممدوح ذي الرمة ms0604 وله ~~فيه غر المدائح وفيه يقول مخاطبا لناقته (إذا ابن أبي موسى بلال بلغته * ~~فقام بفأس بين وصليك جازر) PageV03P010 # وفيه يقول أيضا (سمعت الناس ينتجعون غيثا * فقلت لصيدح ~~انتجعي بلالا) وصيدح اسم ناقته وهو بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة ~~من تحتها وفتح الدال المهملة وبعدها حاء مهملة وكان بلال أحد نواب خالد بن ~~عبد الله القسري المقدم ذكره في حرف الخاء فلما عزل وولي موضعه يوسف بن عمر ~~الثقفي على العراقين حاسب خالدا ونوابه وعذبهم فمات خالد من عذابه ومات ~~بلال من عذابه أيضا ورأيت في بعض المجاميع أن أبا بردة جلس يوما يفتخر ~~بأبيه ويذكر فضائله وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في مجلس عام ~~وفيه الفرزدق الشاعر فلما أطال القول في ذلك أراد الفرزدق أن يغض منه فقال ~~لو لم تكن لأبي موسى منقبة إلا أنه حجم رسول الله صلى الله عليه وسلم لكفاه ~~فامتعض أبو بردة من ذلك ثم قال صدقت لكنه ما حجم أحدا قبله ولا بعده فقال ~~الفرزدق كان أبو موسى والله أفضل من أن يجرب الحجامة في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسكت أبو بردة على غيظ وحكى غرس النعمة بن الصابىء في بعض ~~تصانيفه أن أبا صفوان خالد ابن صفوان التميمي المشهور بالبلاغة كان يدخل ~~على بلال بن أبي بردة المذكور فيحدثه فيلحن في كلامه فلما كثر ذلك على بلال ~~قال له يا خالد تحدثني أحاديث الخلفاء وتلحن لحن السقاءات يعني النساء ~~اللواتي يسقين الماء للناس فصار خالد بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب ~~وكف بصره فكان إذا مر به موكب بلال يقول من هذا فيقال الأمير فيقول خالد ~~سحابة صيف عن قليل تقشع فقيل ذلك لبلال فقال لا تقشع والله حتى يصيبك منها ~~PageV03P011 # شؤبوب وأمر به فضرب مائتي سوط 76 وكان خالد كثير ~~الهفوات لا يتأمل ما يقول ولا يفكر فيه وهو من ذرية عمرو بن الأهتم التميمي ~~الصحابي رضي الله عنه فإنه خالد بن صفوان ابن عبد ms0605 الله بن عمرو بن الأهتم ~~بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر التميمي المنقري واسم الأهتم سنان وإنما ~~قيل له الأهتم لأن قيس بن عاصم المنقري ضربه بقوس فهتم ثناياه وقيل بل هتمت ~~يوم الكلاب والله أعلم وشبيب بن شيبة ابن عم خالد المذكور وكانت وفاة أبي ~~بردة المذكور في سنة ثلاث ومائة بالكوفة وقيل سنة أربع وقيل سنة ست أو سبع ~~ومائة وقال ابن سعد مات أبو بردة والشعبي في سنة ثلاث ومائة في جمعة واحدة ~~رحمهما الله تعالى وسيأتي الكلام على الأشعري في ترجمة أبي الحسن إن شاء ~~الله تعالى 317 الشعبي أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار وذو كبار ~~قيل من أقيال اليمن الشعبي وهو من حمير وعداده في همدان وهو كوفي تابعي ~~جليل القدر وافر العلم روي أن ابن عمر رضي الله عنه مر به يوما وهو يحدث ~~PageV03P012 # بالمغازي فقال شهدت القوم وإنه أعلم بها مني وقال ~~الزهري العلماء أربعة ابن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة والحسن البصري ~~بالبصرة ومكحول بالشام ويقال إنه أدرك خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وحكى الشعبي قال أنفذني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم فلما وصلت إليه ~~جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته وكانت الرسل لا تطيل الإقامة عنده فحبسني ~~أياما كثيرة حتى استحثثت خروجي فلما أردت الانصراف قال لي من أهل بيت ~~المملكة أنت فقلت لا ولكني رجل من العرب في الجملة فهمس بشيء فدفعت إلي ~~رقعة وقال لي إذا أديت الرسائل إلى صاحبك فأوصل إليه هذه الرقعة قال فأديت ~~الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك وأنسيت الرقعة فلما صرت في بعض الدار أريد ~~الخروج تذكرتها فرجعت فأوصلتها إليه فلما قرأها قال لي أقال لك شيئا قبل أن ~~يدفعها إليك قلت نعم قال لي من أهل بيت المملكة أنت قلت لا ولكني من العرب ~~في الجملة ثم خرجت من عنده فلما بلغت الباب رددت فلما مثلت بين يديه قال لي ms0606 ~~أتدري ما في الرقعة قلت لا قال اقرأها فقرأتها فإذا فيها عجبت من قوم فيهم ~~مثل هذا كيف ملكوا غيره فقلت له والله لو علمت ما حملتها وإنما قال هذا ~~لأنه لم يرك قال أفتدري لم كتبها قلت لا قال حسدني عليك وأراد أن يغريني ~~بقتلك قال فتأدى ذلك إلى ملك الروم فقال: ما أردت إلا ما قال. # ولما حمل الشعبي إلى عبد الملك ونادمه قال له يا شعبي لا تساعدني على قبح ~~ولا ترد علي الخطأ في مجلسي ولا تكلفني جواب التشميت ولا جواب السؤال ~~والتعزية ودع عنك كيف أصبح الأمير وكيف أمسى واجعل بدل التعريض لي صواب ~~الاستماع مني واعلم أن صواب الاستماع أولى من صواب القول وإذا سمعتني أتحدث ~~فلا يفتك منه شيء وارعني فهمك وسمعك ولا تجهد نفسك في تطرية سواي ولا تستدع ~~بذلك الزيادة من كلامي فإن PageV03P013 # أسوأ الناس حالا من شكر الملوك بالباطل وأسوأ حالا منه ~~من استخف بحقهم واعلم يا شعبي أن أقل من هذا يذهب بمالف الإحسان ويسقط حق ~~الحرمة وان الصمت في موضعه وعند إصابته فرصة. # وكان أعرابي يجالس الشعبي ويطيل الصمت فقال له الشعبي يوما ألا تتكلم ~~فقال أسكت فأسلم وأسمع فأعلم إن حظ المرء في أذنه له وفي لسانه لغيره. # وقال رجل للشعبي كلاما أقذع فيه فقال له ان كنت صادقا غفر الله لي وإن ~~كنت كاذبا غفر الله لك. # وسئل الشعبي عن الرجل يعسر عن الأضحية ولا يجد ما يشتري فقال لأن اتركها ~~وأنا موسر أحب إلي من أن اتكلفها وأنا معسر. # وقال الشعبي كانت درة عمر رضي الله عنه أهيب من سيف الحجاج وقال أيضا من ~~زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها. # وأحضر الشعبي بين يدي الحجاج وكان قد خرج مع ابن الأشعث فسلم على الحجاج ~~بالإمرة ثم قال أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك لغير ما يعلم ~~الله وقيل إنه الحق وأيم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقا قد والله ms0607 ~~خرجنا عليك وجهدنا كل الجهد فما كنا بالفجرة الأقوياء ولا البررة الأتقياء ~~وقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إلينا أيدينا ~~وان عفوت عنا فبحلمك وبعد فالحجة لك علينا فقال الحجاج أنت والله أحب إلي ~~ممن يدخل علي يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول ما فعلت وما شهدت قد أمنت عندنا ~~يا شعبي فانصرف. # وقال له الحجاج يا شعبي ما كان عبد الرحمن يزجر حين رآني نزلت دير قرة ~~ونزل هو دير الجماجم محاربا وكان أبدا يقول هذا الكلام على سبيل الفأل ~~والزجر. PageV03P014 # وكلم الشعبي عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين في ~~قوم حبسهم ليطلقهم فأبى فقال له أيها الأمير إن حبستهم بالباطل فالحق ~~يخرجهم وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم فأطلقهم. # وكان ضئيلا نحيفا فقيل له يوما ما لنا نراك ضئيلا فقال زوحمت في الرحم ~~وكان قد ولد هو وأخ آخر في بطن وأقام في البطن سنتين ذكره في كتاب المعارف ~~ويقال إن الحجاج بن يوسف الثقفي قال له يوما كم عطاءك في السنة فقال ألفين ~~فقال ويحك كم عطاؤك فقال ألفان قال كيف لحنت أولا قال لحن الأمير فلحنت ~~فلما أعرب أعربت وما أمكن أن يلحن الأمير وأعرب أنا فاستحسن ذلك منه ~~وأجازه. # وكان مزاحا يحكى أن رجلا دخل عليه ومعه امرأة في البيت فقال أيكما الشعبي ~~فقال هذه. # وكانت ولادته لست سنين خلت من خلافة عثمان رضي الله عنه وقيل سنة عشرين ~~للهجرة وقيل إحدى وثلاثين وروي عنه أنه قال ولدت سنة جلولاء وهي سنة تسع ~~عشرة وقال قتادة ولد الشعبي لأربع سنين بقين من خلافة عمر رضي الله عنه ~~وقال خليفة بن خياط ولد الشعبي والحسن البصري في سنة إحدى وعشرين وقال ~~الأصمعي في سنة سبع عشرة بالكوفة وتوفي بالكوفة سنة أربع وقيل ثلاث وقيل ست ~~وقيل سبع وقيل خمس ومائة وكانت وفاته فجأة وكانت أمه من سبي جلولاء رضي ~~الله عنه. # وشراحيل بفتح الشين المعجمة والراء وبعد الألف حاء مهملة مكسورة ثم ms0608 ياء ~~ساكنة مثناة من تحتها وبعدها لام. # والشعبي بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة هذه ~~النسبة إلى شعب وهو بطن من همدان وقال الجوهري هذه النسبة إلى جبل باليمن ~~نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده ودفن به وهو ذو شعبين فمن كان بالكوفة ~~منهم قيل لهم شعبيون ومن كان منهم بمصر PageV03P015 # والمغرب قيل لهم الأشعوب ومن كان منهم بالشام قيل لهم ~~شعبانيون ومن كان باليمن قيل لهم آل ذي شعبين. # وجلولاء بفتح الجيم وضم اللام ومد آخره قرية بناحية فارس كانت بها الوقعة ~~المشهورة زمن الصحابة رضي الله عنهم. # وكان كثيرا يتمثل بقول مسكين الدارمي (ليست الأحلام في حال الرضى * إنما ~~الأحلام في وقت الغضب) 318 أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين عائشة بنت أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنها وعن والدها تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة شرفها الله تعالى قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل وقيل إنه تزوجها قبل ~~سودة زوجه إياها أبوها فأصدقها مثلما أصدق سودة وكان لها يوم تزوجها ست ~~سنين وما تزوج بكرا سواها وقبض صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثماني عشرة سنة ~~وماتت في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين ولها سبع وستون سنة ودفنت بالبقيع ~~ولما ماتت بكى عليها ابن عمر رضي الله عنه فبلغ ذلك معاوية فقال له أتبكي ~~على امرأة فقال إنما يبكي على أم المؤمنين بنوها وأما من ليس لها بابن فلا. # وقال المبرد قالت عائشة رضي الله عنها لما أمر الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم PageV03P016 # أن يخيرنساءه قال لي أتختارين الله ورسوله والدار ~~الآخرة أو الحياة الدنيا وزينتها قلت الله ورسوله أحب إلي والدار الآخرة ثم ~~قلت له أخبرت أحدا قبلي قال لا قلت لا تخبرهن فقال صلى الله عليه وسلم إن ~~الله بعثني نذيرا ولم يبعثني معنتا ولا متعنتا. # وبلغ عائشة رضي الله عنها أن أناسا يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ~~فقالت إن الله قطع عنهما العمل فأحب أن لا يقطع ms0609 عنهما الأجر. # وقيل لعائشة رضي الله عنها متى يكون الرجل مسيئا فقالت إذا ظن أنه محسن. # قال مسلم بن دارة ما زلت أستجفي عائشة رضي الله عنها في قولها لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمنة الله لا بمنتك حتى سألت أبا زرعة الرازي فقال وآت ~~الحمد أهله. # وقالت عائشة رضي الله عنها للخنساء كم تبكين على صخر وإنما هو جمرة في ~~النار قالت ذاك أشد لجزعي عليه. # وسئلت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ~~قالت نعم كان عندي عجوز فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ادع الله ~~أن يجعلني من أهل الجنة قال إن الجنة لا يدخلها العجائز وسمع النداء فخرج ~~وهي تبكي فقال ما لها قالوا إنك حدثتها أن الجنة لا يدخلها العجائز قال أن ~~الله سبحانه وتعالى يحولهن أبكارا عربا أترابا. # وكان عند عائشة رضي الله عنها طبق عنب فجاء سائل فدفعت إليه واحدة منه ~~فضحك نساء كن فقالت إن فيما ترون مثاقيل ألذ كثيرة. # وقيل وقعت بين حيين من قريش منازعة فخرجت عائشة على بغلة تصلح بينهما ~~فلقيها ابن أبي عتيق فقال إلى اين جعلت فداك فقالت أصلح بين هذين الحيين ~~فقال والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل بعد فكيف إذا قيل يوم البغل فضحكت ~~وانصرفت. # ومثل هذه النادرة أرسل القاضي شرف الدين بن عين الدولة الشرف ابن ~~PageV03P017 # منهال موقعه إلى الحسام بن منقذ بسبب شهادة شهدها على ~~ابن الجمل أن يتثبت منها ويتحققها قبل أدائها ثم قال في أثناء ذلك قل له ~~نوبة الجمل ما كانت قليل. # وكانت عائشة رضي الله عنها خرجت من المدينة حاجة وعثمان محصور ثم صدرت عن ~~الحج فلما كانت بسرف وهو موضع قبر ميمونة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقيها الخبر بقتل عثمان وبيعة علي فانصرفت راجعة إلى مكة ولحق بها طلحة ~~والزبير ومروان بن الحكم فلما تتاموا بمكة تشاوروا فيما يريدون من الطلب ~~بدم عثمان وهموا بالشام ms0610 لمكان معاوية فصرفهم عبد الله ابن عامر عن ذلك إلى ~~البصرة فتوجهوا إليها فأخذوا عثمان بن حنيف عامل علي بها فهموا بقتله ~~فناشدهم الله وذكرهم صحبته لرسوا الله صلى الله عليه وسلم فأشير بضربه ~~أسواطا فضربوه ونتفوا لحيته ورأسه حتى حاجبيه وأشفار عينيه ثم حبسوه وقتلوا ~~خمسين رجلا كانوا معه على بيت المال وغير ذلك من أعماله فلما بلغ عليا ~~مسيرهم خرج مبادرا إليهم واستنفر أهل الكوفة ثم سار بهم إلى البصرة وهم ~~بضعة عشر ألفا فخرج إليه طلحة والزبير وعائشة وأهل البصرة فاقتتلوا قتالا ~~شديدا قال عبد الله بن الزبير أمسيت يوم الجمل وفي سبع وثلاثون جراحة من ~~طعنة وضربة وما رأيت مثل يوم الجمل قط لا يهزم منا أحد ولا منهم وما أخذ ~~خطام الجمل أحد إلا قتل فأخذت بالخطام فقالت عائشة من قلت ابن الزبير قالت ~~واثكل أسماء ومر بي الأشتر فعرفته فعانقته وناديت اقتلوني ومالكا فجاء ناس ~~منا ومنهم فقاتلوا حتى تحاجزنا وضاع مني الخطام فسمعت عليا ينادي اعقروا ~~الجمل فإنه إن عقر تفرقوا فضربه رجل فسقط فما سمعت قط أشد عجيجا منه ثم أمر ~~علي رضي الله عنه بحمل الهودج من بين القتلى وقد كان القعقاع وزفر بن ~~الحارث أنزلاه عن ظهر البعير فوضعاه إلى جنب البعير فأقبل محمد بن أبي بكر ~~ومعه عمار حتى احتملاه وأدخل محمد بن أبي بكر يده فقال يا أخية قولي بنار ~~الدنيا فقالت بنار الدنيا. PageV03P018 # وقيل إن طلحة أصابه سهم فشك ركبته بصفحة الفرس وسال ~~دمه فضعف فقال يا غلام ابغني مكانا فمات قبل أن يصل إلى الموضع الذي أمر أن ~~يحمل إليه ورجع الزبير فقتل بوادي السباع قتله عمرو بن جرموز وعاد بسيفه ~~إلى علي فلما رآه قال إنه لسيف طالما جلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الكرب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بشر قاتل ابن صفية بالنار ~~وأحيط بعائشة رضي الله عنها ودخل علي البصرة بمن معه فبايعه أهلها وأطلق ~~عثمان بن ms0611 حنيف وجهز عائشة رضي الله عنها وأمر أخاها محمدا بالخروج معها ~~وخرج في تشييعها أميالا وسرح بنيه معها يوما وقيل إن أهل المدينة علموا ~~بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس وفيه كان القتال وذلك أن نسرا مر ~~بماء حول المدينة معه شيء معلق فتأمله الناس فوقع فإذا كف فيها خاتم نقشه ~~عبد الرحمن بن عتاب ثم كان من بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد ~~قد علموا بالوقعة مما تنقل إليهم النسور من الأيدي والأقدام ويقال ان عدة ~~المقتولين من أصحاب الجمل ثمانية آلاف وقيل سبعة عشر ألفا وذكر أنه قطع على ~~خطام الجمل سبعون يدا كلهم من بني ضبة كلما قطعت يد رجل تقدم آخر وقتل من ~~أصحاب علي رضي الله عنه نحو ألف. PageV03P019 # 319 العباس بن الأحنف أبو الفضل العباس بن الأحنف بن ~~الأسود بن طلحة بن جرادن بن كلدة ابن خريم بن شهاب بن سالم بن حية بن كليب ~~بن عبد الله بن عدي بن حنيفة بن لجيم الحنفي اليمامي الشاعر المشهور كان ~~رقيق الحاشية لطيف الطباع جميع شعره في الغزل لا يوجد في ديوان مديح ومن ~~رقيق شعره قوله من جملة قصيدة (يا أيها الرجل المعذب نفسه * أقصر فإن شفاءك ~~الإقصار) (نزف البكاء دموع عينك فاستعر * عينا يعينك دمعها المدرار) (من ذا ~~يعيرك عينه تبكي بها * أرأيت عينا للبكاء تعار) ذكر أبو علي القالي في كتاب ~~الأمالي قال قال بشار بن برد ما زال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا ~~ويخرجها منا حتى قال هذه الأبيات. # ومن شعره أيضا من جملة أبيات وينسبان إلى بشار بن برد أيضا والله أعلم ~~(أبكي الذين أذاقوني مودتهم * حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا) PageV03P020 # واستنهضوني فلما قمت منتصبا * بثقل ما حملوني منهم ~~قعدوا) ويحكى أن الرشيد كان يهوى جاريته ماردة هوى شديدا فتغاضبا مرة ودام ~~بينهما الغضب فامر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئا فعمل ~~(راجع أحبتك الذين هجرتهم * إذ المتيم قلما ms0612 يتجنب) (إن التجانب إن تطاول ~~منكما * دب السلو له ففر المطلب) وأمر إبراهيم الموصلي فغنى بهما فلما سمعه ~~الرشيد بادر إلى ماردة فترضاها فسألت عن السبب في ذلك فقيل لها فأمرت لكل ~~واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم وأمرت الرشيد أن يكافئهما فأمر ~~لها بأربعين ألف درهم. # وله أيضا (تعب يطول مع الرجاء لذي الهوى * خير له من راحة في الياس) ~~(لولا محبتكم لما عاتبتكم * ولكنتم عندي كبعض الناس) وله أيضا (وحدثتني يا ~~سعد عنها فزدتني * جنونا فزدني من حديثك يا سعد) (هواها هوى لم يعرف القلب ~~غيره * فليس له قبل وليس له بعد) وله أيضا (إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة * ~~فلا خير في ود يكون بشافع) (فأقسم ما تركي عتابك عن قلى * ولكن لعلمي أنه ~~غير نافع) (وإني إذا لم ألزم الصبر طائعا * فلا بد منه مكرها غير طائع) ~~PageV03P021 # قيل وقيل إنه أنشد الرشيد يوما قوله (طاف الهوى في ~~عباد الله كلهم * حتى إذا مر بي من بينهم وقفا) قال له الرشيد ما الذي رأى ~~فيك حتى وقف عليك قال سألني عن جود أمير المؤمنين فأخبرته فاستحسن الرشيد ~~جوابه ووصله. # قيل إن الرشيد عمل في الليل بيتا ورام أن يشفعه بآخر فامتنع القول عليه ~~فقال علي بالعباس فلما طرق عليه ذعر وفزع أهله فلما وقف بين يدي الرشيد قال ~~له وجهت إليك بسبب بيت قلته ورمت أن أشفعه بمثله فامتنع القول علي فقال يا ~~أمير المؤمنين دعني حتى ترجع إلي نفسي فإني تركت عيالي على حال من القلق ~~عظيمة ونالني من الخوف ما يتجاوز الحد والوصف فانتظر هنيهة ثم أنشده (جنان ~~قد رأيناها * ولم نر مثلها بشرا) فقال العباس بن الأحنف (يزيدك وجهها حسنا ~~* إذا ما زدته نظرا) فقال زدني فقال (إذا ما الليل سال عليك * بالإظلام ~~واعتكرا) (ودج فلم تر قمرا * فأبرزها تر قمرا) فقال له الرشيد قد ذعرناك ~~وأفزعنا عيالك وأقل الواجب أن نعطيك ديتك وأمر له بعشرة آلاف درهم. # وله أعني الرشيد (إن تشق ms0613 عيني بها فقد سعدت * عينا رسولي وفزت بالخبر) ~~PageV03P022 # (وكلما جاءني الرسول لها * رددت عمدا في عينه نظري) ~~(خذ مقلتي يا رسول عارية * فانظر بها واحتكم على بصري) وأخذ المأمون هذا ~~المعنى بعينه فقال (بعثتك مرتادا ففزت بنظرة * وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا) ~~(فناجيت من أهوى وكنت مباعدا * فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى) (أرى أثرا ~~منها بعينك بينا * لقد أخذت عيناك من عينها حسنا) وللعباس أيضا (أغيب عنك ~~بود لا يغيره * نأي المحل ولا صرف من الزمن) (فإن أعش فلعل الدهر يجمعنا * ~~وإن أمت فبطول الهم والحزن) (قد حسن الحب في عيني ما صنعت * حتى أرى حسنا ~~ما ليس بالحسن) (تعتل بالشغل عنا لا تكلمنا * الشغل للقلب ليس الشغل للبدن) ~~قال الزبير بن بكار لا أعلم شيئا من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو يصلح ~~أن يتمثل فيه بنصف هذا البيت الأخير. # وله أيضا (قد كنت أبكي وأنت راضية * حذار هذا الصدود والغضب) (إن تم ذا ~~الهجر يا ظلوم ولا * تم فما لي في العيش من أرب) وله أيضا (أحرم منكم بما ~~أقول وقد * نال به العاشقون من عشقوا) (صرت كأني ذبالة نصبت * تضيء للناس ~~وهي تحترق) PageV03P023 # قال الرياشي لو لم يقل من الشعر إلا هذين البيتين ~~لكفياه. # وقال أبو بكر الصولي كنت عند القاسم بن إسماعيل فقال انشدني عمك إبراهيم ~~بن العباس لخاله العباس بن الأحنف (قد سحب الناس أذيال الظنون بنا * وفرق ~~الناس فينا قولهم فرقا) (فكاذب قد رمى بالظن غيركم * وصادق ليس يدري أنه ~~صدقا) قال عبد الله بن المعتز لو قيل لي ما أحسن شيء تعرفه لقلت بيتا ~~العباس بن الأحنف وأنشد هذين البيتين وله أيضا (اليوم آخر أيام السرور به * ~~واليوم أول يوم فيه أكتئب) (ما كنت أحسب أن الحزن ينزل بي * بعد السرور فقد ~~جاءت به العقب) وله أيضا (خيالك حين أرقد نصب عيني * إلى وقت انتباهي لا ~~يزول) (وليس يزورني صلة ولكن * حديث النفس عنك به الوصول) وله أيضا (يا ذا ~~الذي ms0614 أنكرني طرفه * إن ذاب جسمي وعلاني الشحوب) (ما مسني ضر ولكنني * جفوت ~~نفسي إذ جفاني الحبيب) وله يضا أرى الطريق قريبا حين أسلكه * إلى الحبيب ~~بعيدا حين أنصرف) PageV03P024 # وشعره كله جيد وهو خال إبراهيم بن العباس الصولي وقد ~~تقدم ذكر ذلك في ترجمته في حرف الهمزة وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائة ~~ببغداد وحكى عمر بن شبة قال مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم سنة ثمان ~~وثمانين ومائة ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي والعباس بن الأحنف وهشيمة ~~الخمارة فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلي عليهم فخرج فصفوا بين ~~يديه فقال من هذا الأول فقالوا إبراهيم الموصلي فقال أخروه وقدموا العباس ~~بن الأحنف فقدم فصلى عليه فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن ~~مالك الخزاعي فقال يا سيدي كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقدمة على من حضر ~~فأنشد (وسعى بها ناس فقالوا إنها * لهي التي تشقى بها وتكابد) (فجحدتهم ~~ليكون غيرك ظنهم * إني ليعجبني المحب الجاحد) ثم قال أتحفظهما فقلت نعم ~~وأنشدته فقال لي المأمون أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدمة فقلت بلى ~~والله يا سيدي قلت وهذه الحكاية تخالف ما يأتي في ترجمة الكسائي لأنه مات ~~بالري على الخلاف في تاريخ وفاته وقيل إن العباس توفي سنة اثنتين وتسعين ~~ومائة وقال أبو بكر الصولي حدثني عون بن محمد قال حدثني أبي قال رأيت ~~العباس بن الأحنف ببغداد بعد موت الرشيد وكان منزله بباب الشام وكان لي ~~صديقا ومات وسنة أقل من ستين سنة قالل الصولي وهذا يدل على أنه مات بعد سنة ~~اثنتين وتسعين لأن الرشيد مات ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ~~ثلاث وتسعين ومائة بمدينة طوس وكانت وفاة الأحنف والد العباس المذكور سنة ~~خمسين ومائة ودفن بالبصرة رحمه الله تعالى PageV03P025 # وحكى المسعودي في كتاب مروج الذهب عن جماعة من أهل ~~البصرة قالوا خرجنا نريد الحج فلما كنا ببعض الطريق إذا غلام واقف على ~~المحجة وهو ينادي أيها الناس هل فيكم أحد ms0615 من أهل البصرة قال فعدلنا إليه ~~وقلنا له ما تريد قال إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم فملنا معه فإذا بشخص ~~ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يحير جوابا فجلسنا حوله فأحس بنا فرفع ~~طرفه وهو لا يكاد يرفعه ضعفا وأنشأ يقول (يا غريب الدار عن وطنه * مفردا ~~يبكي على شجنه) (كلما جد البكاء به * دبت الأسقام في بدنه) ثم أغمي عليه ~~طويلا ونحن جلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة وجعل يغرد ففتح ~~عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر ثم أنشأ الفتى يقول (ولقد زاد الفؤاد شجى * ~~طائر يبكي على فننه) (شفه ما شفني فبكى * كلنا يبكي على سكنه) قال ثم تنفس ~~تنفسا فاضت نفسه منه فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة ~~عليه فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه فقال هذا العباس بن الأحنف رحمه ~~الله تعالى والله أعلم أي ذلك كان والحنفي بفتح الحاء المهملة والنون ~~وبعدها فاء هذه النسبة إلى بني حنيفة ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن ~~وائل وهي قبيلة كبيرة مشهورة واسم حنيفة أثال بضم الهمزة وبعدها ثاء مثلثة ~~وبعد الألف لام وإنما قيل له حنيفة لأنه جرى بينه وبين الأحزن بن عوف ~~العبدي مفاوضة في قصة يطول شرحها فضرب حنيفة الأحزن المذكور بالسيف فجذمه ~~فسمي جذيمة وضرب PageV03P026 # الأحزن حنيفة على رجله فحنفها فسمي حنيفة وحنيفة أخو ~~عجل واليمامي بفتح الياء المثناة من تحتها والميم وبعد الألف ميم ثانية هذه ~~النسبة إلى اليمامة وهي بلدة بالحجاز في البادية أكثر أهلها بنو حنيفة وبها ~~تنبأ مسيلمة الكذاب وقتل وقصته مشهورة 320 الرياشي أبو الفضل العباس بن ~~الفرج الرياشي النحوي اللغوي البصري كان عالما راوية ثقة عارفا بأيام العرب ~~كثير الاطلاع روى عن الأصمعي وأبي عبيدة معمر بن المثنى وغيرهما وروى عنه ~~إبراهيم الحربي وابن أبي الدنيا وغيرهما ومما رواه عن الأصمعي قال مر بنا ~~أعرابي ينشد ابنا له فقلنا له صفه لنا فقال كأنه دنينير ms0616 فقلنا له لم نره ~~قال فلم يلبث أن جاء بصغير أسيد كأنه جعل قد حمله على عنقه فقلنا لو سألتنا ~~عن هذا لأرشدناك فإنه ما زال اليوم بين أيدينا ثم أنشد الأصمعي (نعم ضجيع ~~الفتى إذا برد * الليل سحيرا وقرقف الصرد) (زينها الله في الفؤاد كما * زين ~~في عين والد ولد) قتل الرياشي المذكور بالبصرة أيام العلوي البصري صاحب ~~الزنج في شوال PageV03P027 # سنة سبع وخمسين ومائتين رحمه الله تعالى وسئل في عقب ~~ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائتين كم يعد سنه فقال أظن سبعا وسبعين وذكر ~~شيخنا ابن الأثير في تاريخه الكبير أنه قتل في سنة خمس وستين ومائتين قتله ~~الزنج بالبصرة وهو غلط إذ لا خلاف بين أهل العلم بالتاريخ أن الزنج دخلوا ~~البصرة وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة سبع وخمسين ~~فأقاموا على القتل والإحراق ليلة السبت ويوم السبت ثم عادوا إليها يوم ~~الاثنين فدخلوها وقد تفرق الجند وهربوا فنادوا بالأمان فلما ظهر الناس ~~قتلوهم فلم يسلم منهم إلا النادر واحترق الجامع ومن فيه وقتل العباس ~~المذكور في أحد هذه الأيام فإنه كان في الجامع لما قتل والرياشي بكسر الراء ~~وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف شين معجمة هذه النسبة إلى رياش وهو ~~اسم لجد رجل من جذام كان والد المنسوب إليه عبدا له فنسب إليه وبقي عليه ~~321 ابن عمر أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ~~القرشي العدوي أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم وهاجر مع أبيه إلى ~~المدينة وعرض على PageV03P028 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فرده لصغر سنه ~~فعرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه وكان من أهل الورع ~~والعلم وكان كثير الاتباع لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد التحري ~~والاحتياط والتوقي في فتواه وكل ما تأخذ به نفسه وكان لا يتخلف عن السرايا ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان بعد ms0617 موته مولعا بالحج قبل ~~الفتنة وفي الفتنة إلى أن مات ويقولون إنه كان أعلم الصحابة بمناسك الحج ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين حفصة بنت عمر إن أخاك عبد ~~الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل فما ترك ابن عمر بعدها قيام الليل وقال ~~جابر بن عبد الله ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها ما خلا عمر وابنه ~~عبد الله وقال ميمون بن مهران ما رأيت أورع من ابن عمر ولا أعلم من ابن ~~عباس وقال سعيد بن المسيب لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لعبد الله ~~بن عمر وحكى الأصمعي قال حدثنا أبو عبد الرحمن وهو أبو الزناد عن أبيه قال ~~اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بنو الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا ~~نتمنى فقال مصعب بن الزبير أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة ~~بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وقال عبد الله بن عمر أما أنا فأتمنى المغفرة ~~قال فنالوا ما تمنوا ولعل ابن عمر قد غفر له وحكى سفيان الثوري عن طارق بن ~~عبد العزيز عن الشعبي قال لقد رأيت عجبا كنا بفناء الكعبة انا وعبد الله بن ~~عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان فقال القوم ~~بعدما فرغوا من صلاتهم PageV03P029 # ليقم رجل رجل منكم فليأخذ الركن اليماني وليسأل الله ~~حاجته فإنه يعطى من ساعته قم يا عبد الله بن الزبير فإنك أول مولود ولد في ~~الهجرة فقام وأخذ بالركن اليماني ثم قال اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم ~~أسألك بحرمة عرشك وحرمة وجهك وحرمة نبيك صلى الله عليه وسلم أن لا تميتني ~~حتى توليني الحجاز ويسلم علي بالخلافة وجاء حتى جلس فقال قم يا مصعب فقام ~~حتى أخذ بالركن اليماني فقال اللهم إنك رب كل شي وإليك يصير كل شيء أسألك ~~بقدرتك على كل شيء أن لا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق وتزوجني سكينة ~~بنت الحسين وجاء حتى ms0618 جلس فقال قم يا عبد الملك فقام وأخذ بالركن اليماني ~~وقال اللهم رب السماوات السبع ورب والأرض ذات القفر أسألك بما سألك عبادك ~~المطيعون لأمرك وأسألك بحرمة وجهك وأسألك بحقك على جميع خلقك وبحق الطائفين ~~حول بيتك أن لا تميتني من الدنيا حتى توليني شرق الأرض وغربها ولا ينازعني ~~أحد إلا أتيت برأسه ثم جاء حتى جلس فقال قم يا عبد الله بن عمر فقام حتى ~~أخذ بالركن اليماني ثم قال اللهم إنك رحمن رحيم أسألك برحمتك التي سبقت ~~غضبك وأسألك بقدرتك على جميع خلقك أن لا تميتني من الدنيا حتى توجب لي ~~الجنة قال الشعبي فما ذهبت عيناي من الدنيا حتى رأيت لكل رجل ما سأل وبشر ~~عبد الله بن عمر بالجنة ورؤيت له وحكى حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله ~~بن عمر قال خطرت لي هذه الآية * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) * ~~فذكرت ما أعطاني الله عز وجل فما وجدت شيئا أحب إلي من جاريتي رمينة فقلت ~~هي حرة لوجه الله فلولا أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها فأنكحا نافعا ~~فهي أم ولده وكان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قربه إلى ربه عز وجل ~~قال نافع كان رقيقه قد عرفوا ذلك منه فربما شمر أحدهم فيلزم المسجد فإذا ~~رآه ابن عمر على تلك الحالة الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه يا أبا عبد ~~الرحمن والله ما بهم إلا أن يخدعوك فيقول ما خدعنا أحد بالله PageV03P030 # إلا انخدعنا له قال نافع ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف ~~إنسان أو ما زاد وكان يحيي الليل صلاة فإذا جاء السحر استغفر إلى الصباح ~~وتوفي بمكة سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وثمانين سنة وكان قد أوصى أن يدفن ~~في الليل فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين ~~وكان الحجاج قد أمر رجلا سم زجه وزحمه في الطريق ووضع الزج على ظهر قدمه ~~وذلك أن الحجاج خطب ms0619 يوما وأخر الصلاة فقال ابن عمر إن الشمس لا تنتظرك فقال ~~له الحجاج لقد هممت أن اضرب الذي فيه عيناك قال إن تفعل فإنك سفيه مسلط ~~وقيل إنه أخفى قوله ذلك على الحجاج ولم يسمعه وإنما كان يتقدمه في المواقف ~~بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وقف فيها وكان ~~ذلك يعز على الحجاج فأمر الحجاج رجلا معه حربة يقال إنها كانت مسمومة فلما ~~دفع الناس من عرفة لصق به ذلك الرجل فأمر الحربة على قدمه وهي في غرز ~~راحلته فمرض منها أياما فدخل عليه الحجاج يعوده فقال من سمك يا أبا عبد ~~الرحمن فقال وما تصنع به قال قتلني الله إن لم أقتله قال ما أراك فاعلا أنت ~~أمرت من نخسني بالحرية فقال لا تفعل يا أبا عبد الرحمن وخرج عنه وروي أنه ~~قال للحجاج إذ قال له من سمك قال أنت أمرت بإدخال السلاح في الحرم فلبث ~~أياما ثم مات رضي الله عنه ونفع به وصلى عليه الحجاج PageV03P031 # 322 عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن عبد الله بن ~~المبارك بن واضح المروزي مولى بني حنظلة كان قد جمع بين العلم والزهد تفقه ~~على سفيان الثوري ومالك بن أنس رضي الله عنهما وروى عنه الموطأ وكان كثير ~~الانقطاع محبا للخلوة شديد التورع وكذلك كان أبوه ويحكى عن أبيه أنه كان ~~يعمل في بستان لمولاه وأقام فيه زمانا ثم إن مولاه جاءه يوما وقال له أريد ~~رمانا حلوا فمضى إلى بعض الشجر وأحضر منها رمانا فكسره فوجده حامضا فحرد ~~عليه وقال أطلب الحلو فتحضر لي الحامض هات حلوا فمضى وقطع من شجرة أخرى ~~فلما كسره وجده أيضا حامضا فاشتد حرده عليه وفعل كذلك دفعة ثالثة فقال له ~~بعد ذلك أنت ما تعرف الحلو من الحامض فقال لا فقال كيف ذلك فقال لأنني ما ~~أكلت منه شيئا حتى أعرفه فقال ولم لم تأكل قال لأنك ما أذنت لي فكشف عن ذلك ~~فوجد قوله حقا فعظم في ms0620 عينه وزوجه ابنته ويقال إن عبد الله رزقه من تلك ~~الابنة فنمت عليه بركة أبيه ورأيت في بعض التواريخ هذه القضية منسوبة إلى ~~إبراهيم بن أدهم العبد الصالح PageV03P032 # رضي الله عنه وكذا ذكرها الطرطوشي في أول سراج الملوك ~~لابن أدهم ونقل أبو علي الغساني الجياني أن عبد الله بن المبارك المذكور ~~سئل أيهما أفضل معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز فقال والله إن ~~الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من ~~عمر بألف مرة صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمع الله ~~لمن حمده فقال معاوية ربنا ولك الحمد فما بعد هذا ووقفت في كتاب النصوص على ~~مراتب أهل الخصوص عن أشعث بن شعبة المصيصي قال قدم هارون الرشيد الرقة ~~فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت ~~أم ولد أمير المؤمنين من برج الخشب فلما رأت الناس قالت ما هذا قالوا عالم ~~أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك فقالت هذا والله الملك ~~لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان وكان لعبد الله شعر فمن ~~ذلك قوله (قد يفتح المرء حانوتا لمتجره * وقد فتحت لك الحانوت بالدين) (بين ~~الأساطين حانوت بلا غلق * تبتاع بالدين أموال المساكين) (صيرت دينك شاهينا ~~تصيد به * وليس يفلح أصحاب الشواهين) وكان إذا خرج إلى مكة حرسها الله ~~تعالى يقول (بعض الحياة وخوف الله أخرجني * وبيع نفسي لما ليست له ثمنا) ~~PageV03P033 # (اني وزنت الذي يبقى ليعدله * ما ليس يبقى فلا والله ~~ما اتزنا) ومن كلامه تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا وكان عبد ~~الله قد غزا فلما انصرف من الغزو وصل إلى هيت فتوفي بها في رمضان سنة إحدى ~~وقيل اثنتين وثمانين ومائة ومولده بمرو سنة ثماني عشرة ومائة رضي الله عنه ~~وهيت بكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها تاء مثناة من فوقها ~~مدينة على الفرات فوق الأنبار ms0621 من أعمال العراق لكنها في بر الشام والأنبار ~~في بر بغداد والفرات يفصل بينهما ودجلة تفصل بين الأنبار وبغداد وقبره ظاهر ~~يزار بها وقد جمعت أخباره في جزأين 323 عبد الله بن عبد الحكم أبو محمد عبد ~~الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع الفقيه المالكي المصري كان أعلم ~~أصحاب مالك بمختلف قوله وأفضت إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب وروى ~~عن مالك الموطأ سماعا وكان من ذوي الأموال والرباع له جاه عظيم وقدر كبير ~~وكان يزكي الشهود ويجرحهم ومع هذا لم PageV03P034 # يشهد ولا أحد من ولده لدعوة سبقت فيه ذكر ذلك القضاعي ~~في كتاب خطط مصر ويقال إنه دفع للإمام الشافعي رضي الله عنه عند قدومه إلى ~~مصر ألف دينار من ماله وأخذ له من ابن عسامة التاجر ألف دينار ومن رجلين ~~آخرين ألف دينار وهو والد أبي عبد الله محمد صاحب الإمام الشافعي وسيأتي ~~ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى وروى بشر بن بكر قال رأيت مالك بن أنس ~~في النوم بعدما مات بأيام فقال إن ببلدكم رجلا يقال له ابن عبد الحكم فخذوا ~~عنه فإنه ثقة وكان لأبي محمد المذكور ولد آخر يسمى عبد الرحمن من أهل ~~الحديث والتواريخ صنف كتاب فتوح وغيره وكانت ولادة أبي محمد المذكور في سنة ~~خمسين ومائة وقيل سنة خمس وخمسين ومائة وتوفي في شهر رمضان سنة أربع عشرة ~~ومائتين بمصر وقبره إلى جانب قبر الإمام الشافعي رضي الله عنهما مما يلي ~~القبلة وهو الأوسط من القبور الثلاثة 77 وتوفي ولده عبد الرحمن المذكور في ~~سنة سبع وخمسين ومائتين وقبره إلى جانب قبر أبيه من جهة القبلة وأعين بفتح ~~الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وعسامة ~~بضم العين المهملة وفتح السين المهملة وبعد الألف ميم ثم هاء PageV03P035 # 324 ابن وهب الفقيه المالكي أبو محمد عبد الله بن وهب ~~بن مسلم القرشي بالولاء الفقيه المالكي المصري مولى ريحانة مولاة أبي عبد ~~الرحمن يزيد ms0622 بن أنيس الفهري كان أحد أئمة عصره وصحب الإمام مالك بن أنس رضي ~~الله عنه عشرين سنة وصنف الموطأ الكبير والموطأ الصغير وقال مالك في حقه ~~عبد الله بن وهب إمام وقال أبو جعفر ابن الجزار رحل ابن وهب إلى مالك في ~~سنة ثمان وأربعين ومائة ولم يزل في صحبته إلى أن توفي مالك وسمع من مالك ~~قبل عبد الرحمن بن القاسم ببضع عشرة سنة وكان مالك يكتب إليه إذا كتب في ~~المسائل إلى عبد الله بن وهب المفتي ولم يكن يفعل هذا مع غيره وأدرك من ~~أصحاب ابن شهاب الزهري أكثر من عشرين رجلا وذكر ابن وهب وابن القاسم عند ~~مالك فقال ابن وهب عالم وابن القاسم فقيه قال القضاعي في كتاب خطط مصر قبر ~~عبد الله بن وهب مختلف فيه وفي مجر بني مسكين قبر صغير مخلق يعرف بقبر عبد ~~الله وهو قبر قديم يشبه أن يكون قبره وكان مولده في ذي القعدة سنة خمس وقيل ~~أربع وعشرين ومائة بمصر وتوفي يها يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة سبع ~~وتسعين ومائة رضي الله عنه PageV03P036 # وله مصنفات في الفقه معروفة وكان محدثا وقال يونس بن ~~عبد الأعلى صاحب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كتب الخليفة إلى عبد الله ~~بن وهب في قضاء مصر فجنن نفسه ولزم بيته فاطلع عليه رشدين بن سعد وهو يتوضأ ~~في صحن داره فقال له ألا تخرج إلى الناس فتقضي بينهم بكتاب الله عز وجل ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فرفع إليه رأسه وقال إلى هاهنا انتهى عقلك ~~أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء وأن القضاة يحشرون مع السلاطين ~~وكان عالما صالحا خائفا لله تعالى وسبب موته أنه قرىء عليه كتاب الأهوال من ~~جامعه فأخذه شيء كالغشي فحمل إلى داره فلم يزل كذلك إلى أن قضى نحبه قال ~~ابن يونس المصري في تاريخه هو مولى يزيد بن رمانة مولى أبي عبد الرحمن يزيد ~~بن أنيس الفهري والذي ذكرته أولا قاله ابن عبد ms0623 البر والله أعلم وقال عبد ~~الله بن وهب المصري كان حيوة بن شريح يأخذ عطاءه في كل سنة ستين دينارا قال ~~وكان إذا أخذه لم يطلع إلى منزله حتى يتصدق به قال ثم يجيء إلى منزله ~~فيجدها تحت فراشه قال وكان له ابن عم فلما بلغه ذلك أخذ عطاءه فتصدق به ثم ~~جاء يطلبه تحت فراشه فلم يجد شيئا قال فشكا إلى حيوة فقال له حيوة أنا ~~أعطيت ربي بيقين وأنت أعطيت ربك تجربة PageV03P037 # 325 عبد الله بن لهيعة أبو عبد الرحمن عبد الله بن ~~لهيعة بن عقبة الحضرمي الغافقي المصري كان مكثرا من الحديث والأخبار ~~والرواية قال محمد بن سعد في حقه إنه كان ضعيفا ومن سمع منه في أول أمره ~~أقرب حالا ممن سمع منه في آخره وكان يقرأ عليه ما ليس من حديثه فيسكت فقيل ~~له في ذلك فقال ما ذنبي إنما يجيئونني بكتاب يقرأونه علي ويقومون ولو ~~سألوني لأخبرتهم أنه ليس من حديثي. # وكان أبو جعفر المنصور قد ولاه القضاء بمصر في مستهل سنة خمس وخمسين ~~ومائة وهو أول قاض ولي بمصر من قبل الخليفة وصرف عن القضاء في شهر ربيع ~~الأول سنة أربع وستين ومائة وهو أول قاض حضر لنظر الهلال في شهر رمضان ~~واستمر القضاة عليه إلى الآن ذكر ابن الفراء في تاريخه في سنة اثنتين ~~وخمسين ومائة فقال وفيها توفي أبو خزيمة إبراهيم بن يزيد القاضي الحميري ~~وولي مكانه عبد الله بن لهيعة الحضرمي وكان سبب ولايته أن ابن حديج كان ~~بالعراق قال فدخلت على أبي جعفر المنصور فقال لي يا ابن حديج لقد توفي ~~ببلدك رجل أصيب به العامة قلت يا أمير المؤمنين ذاك إذا أبو خزيمة قال نعم ~~فمن ترى أن نولي القضاء بعده PageV03P038 # قلت أبا معدان عامر بن مرة اليحصبي يا أمير المؤمنين ~~قال ذاك رجل أصم لا يصلح للقاضي أن يكون أصم قال فقلت فابن لهيعة يا أمير ~~المؤمنين قال فابن لهيعة على ضعف فيه فأمر بتوليته وأجرى عليه ms0624 في كل شهر ~~ثلاثين دينارا وهو أول قضاة مصر أجري عليه ذلك وأول قاض بها استقضاه خليفة ~~وإنما كان ولاة البلد هم الذين يولون القضاة وتوفي بمصر يوم الأحد منتصف ~~شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين وقيل سنة سبعين ومائة وعمره إحدى وثمانون ~~سنة رحمه الله تعال قال أبو موسى العنزي في تاريخه وكان الليث بن سعد أكبر ~~من ابن لهيعة بسنة أو بسنتين وذكره ابن يونس في تاريخه فقال عبد الله بن ~~لهيعة بن عقبة بن فرعان ابن ربيعة الحضرمي ثم الأعدولي من أنفسهم قاضي مصر ~~يكنى أبا عبد الرحمن وروى عنه عمرو بن الحارث والليث بن سعد وعثمان بن ~~الحكم الجذامي وابن المبارك وذكر تاريخ وفاته ثم قال وكان مولده سنة سبع ~~وتسعين ثم روى بإسناد متصل إليه أنه قال كنت إذا أتيت يزيد بن أبي حبيب ~~يقول لي كأني بك وقد قعدت على الوسادة يعني وسادة القضاء فما مات ابن لهيعة ~~حتى ولي القضاء ولهيعة بفتح اللام وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وفتح العين المهملة وبعدها هاء ساكنة والحضرمي بفتح الحاء المهملة وسكون ~~الضاد الموحدة وفتح الراء وبعدها ميم هذه النسبة إلى حضرموت وهي من بلاد ~~اليمن في أقصاها PageV03P039 # 326 القعنبي أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب ~~الحارثي المعروف بالقعنبي كان من أهل المدينة وأخذ العلم والحديث عن الإمام ~~مالك رضي الله عنه وهو من جلة أصحابه وفضلائهم وثقاتهم وخيارهم وهو أحد ~~رواة الموطأ عنه فإن الموطأ رواه عن مالك رضي الله عنه جماعة وبين الروايات ~~اختلاف وأكملها رواية يحيى بن يحيى كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى ~~وكان يسمى الراهب لعبادته وفضله وقال عبد الله بن أحمد بن الهيثم سمعت جدي ~~يقول كنا إذا أتينا عبد الله بن مسلمة القعنبي خرج إلينا كأنه مشرف على ~~جهنم ونعوذ بالله منها وكان القعنبي يسكن البصرة وهو من الثقات في روايته ~~وتوفي يوم الجمعة لست خلون من المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين ms0625 بالبصرة رحمه ~~الله تعالى وذكر أبو القاسم ابن بشكوال في تسمية من روى الموطأ عن مالك أنه ~~توفي بمكة والله أعلم والقعنبي بفتح القاف وسكون العين المهملة وفتح النون ~~وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى جده المذكور أعلاه رحمه الله تعالى ~~PageV03P040 # 327 ابن كثير المقرئ أبو سعيد عبد الله بن كثير أحد ~~القراء السبعة توفي سنة عشرين ومائة بمكة رحمه الله تعالى ولم أقف على شيء ~~من حاله لأذكره ثم وجدت صاحب كتاب الإقناع في القراءات ذكره فقال ابن كثير ~~المكي الداري والدار بطن من لخم منهم تميم الداري رضي الله عنه وقيل إنما ~~نسب إلى دارين لأنه كان عطارا وهو موضع الطيب وهذا هو الصحيح قالوا وهو ~~مولى عمرو بن علقمة الكناني وهو من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى بالسفن إلى ~~اليمن حين طرد الحبشة عنها وكان يخضب بالحناء وكان قاضي الجماعة بمكة وهو ~~من الطبقة الثانية من التابعين وكان شيخا كبيرا أبيض الرأس واللحية طويلا ~~جسيما أسمر أشهل العينين يغير شيبته بالحناء أو بالصفرة وكان حسن السكينة ~~ولد بمكة سنة خمس وأربعين ومات بها سنة عشرين ومائة ثم قال هذا المصنف ما ~~ذكر من وفاته هو كالإجماع بين القراء ولا يصح عندي لأن عبد الله بن إدريس ~~الأودي قرأ عليه ومولد ابن إدريس سنة خمس عشرة ومائة فكيف تصح قراءته عليه ~~لولا أن ابن كثير تجاوز سنة عشرين وإنما الذي مات فيها عبد الله بن كثير ~~القرشي وهو غير القارئ وأصل الغلط في هذا من أبي بكر ابن مجاهد والله علم ~~PageV03P041 # 78 وراوياه قنبل وهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن ~~خالد بن سعيد ابن جرجة المكي المخزومي توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين وله ست ~~وتسعون سنة 79 وراويه الآخر البزي وهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم ~~بن نافع بن أبي بزة بشار الفارسي كنيته أبو الحسن توفي سنة سبعين ومائتين ~~وله ثمانون سنة رحمهم الله أجمعين 328 ابن قتيبة أبو محمد عبد الله ms0626 بن مسلم ~~بن قتيبة الدينوري وقيل المروزي النحوي اللغوي صاحب كتاب المعارف وأدب ~~الكاتب كان فاضلا ثقة سكن بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهويه وأبي إسحاق ~~إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبييه ~~الزيادي وأبي حاتم السجستاني وتلك الطبقة وروى عنه ابنه أحمد وابن درستويه ~~الفارسي وتصانيفه كلها مفيدة منها ما تقدم ذكره ومنها غريب القرآن الكريم ~~وغريب الحديث وعيون الأخبار ومشكل القرآن ومشكل الحديث وطبقات الشعراء ~~والأشربة وإصلاح الغلط وكتاب التقفيه وكتاب الخيل وكتاب إعراب القراءات ~~PageV03P042 # وكتاب الأنواء وكتاب المسائل والجوابات وكتاب الميسر ~~والقداح وغير ذلك وأقرأ كتبه ببغداد إلى حين وفاته وقيل إن أباه مروزي وأما ~~هو فمولده ببغداد وقيل بالكوفة وأقام بالدينور مدة قاضيا فنسب إليها وكانت ~~ولادته سنة ثلاث عشرة ومائتين وتوفي في ذي القعدة سنة سبعين وقيل سنة إحدى ~~وسبعين وقيل أول ليلة في رجب وقيل منتصف رجب سنة ست وسبعين ومائتين والأخير ~~أصح الأقوال وكانت وفاته فجأة صاح صيحة سمعت من بعد ثم أغمي عليه ومات وقيل ~~أكل هريسة فأصابه حرارة ثم صاح صيحة شديدة ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر ثم ~~اضطرب ساعة ثم هدأ فما زال يتشهد إلى وقت السحر ثم مات رحمه الله تعالى 80 ~~وكان ولده أبو جعفر أحمد بن عبد الله المذكور فقيها وروى عن أبيه كتبه ~~المصنفة كلها وتولى القضاء بمصر وقدمها في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة إحدى ~~وعشرين وثلاثمائة وتوفي بها في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ~~وهو على القضاء ومولده ببغداد والناس يقولون إن أكثر أهل العلم يقولون إن ~~أدب الكاتب خطبة بلا كتاب وإصلاح المنطق كتاب بلا خطبة وهذا فيه نوع تعصب ~~عليه فإن أدب الكاتب قد حوى من كل شيء وهو مفنن وما أظن حملهم على هذا ~~القول إلا أن الخطبة طويلة والإصلاح بغير خطبة وقيل إنه صنف هذا الكتاب ~~لأبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيرالمعتمد على الله بن ms0627 المتوكل ~~على الله الخليفة العباسي وقد شرح هذا الكتاب أبو محمد بن السيد البطليوسي ~~الآتي ذكره إن شاء الله تعالى شرحا مستوفى ونبه على مواضع الغلط منه وفيه ~~دلالة على كثرة اطلاع الرجل وسماه الاقتضاب في شرح أدب الكتاب وقتيبة بضم ~~القاف وفتح التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من PageV03P043 # تحتها وبعادها باء موحدة ثم هاء ساكنة وهي تصغير قتبة ~~بكسر القاف وهي واحدة الأقتاب والأقتاب الأمعاء وبها سمي الرجل والنسبة ~~إليه قتبي والدينوري بكسر الدال المهملة وقال السمعاني بفتحها وليس بصحيح ~~وبسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون والواو وبعدها راء هذه النسبة ~~إلى دينور وهي بلدة من بلاد الجبل عند قرميسين خرج منها خلق كثير. # 329 ابن درستويه أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان ~~الفارسي الفسوي النحوي كان عالما فاضلا أخذ فن الأدب عن ابن قتيبة المقدم ~~ذكره وعن المبرد وغيرهما ببغداد وأخذ عنه جماعة من الأفاضل كالدارقطني ~~وغيره وكانت ولادته في سنة ثمان وخمسين ومائتين وتوفي يوم الاثنين لتسع ~~بقين من صفر وقيل لست بقين منه سنة سبع وأربعين وثلاثمائة ببغداد رحمه الله ~~تعالى وكان أبوه من كبار المحدثين وأعيانهم ودرستويه بضم الدال المهملة ~~والراء وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وفتح ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة هكذا قاله السمعاني وقال غيره هو ~~بفتح الدال والراء والواو وهذا القائل هو ابن ماكولا في كتاب الاكمال ~~والفارسي والفسوي قد تقدم الكلام عليهما في ترجمة البساسيري في حرف الهمزة ~~وتصانيفه في غاية الجودة والإتقان منها تفسير كتاب الجرمي PageV03P044 # والإرشاد في النحو وكتاب الهجاء وشرح الفصيح والرد على ~~المفضل الضبي في الرد على الخليل وكتاب الهداية وكتاب المقصور والممدود ~~وكتاب غريب الحديث وكتاب معاني الشعر وكتاب الحي والميت وكتاب التوسط بين ~~الأخفش وثعلب في تفسير القرآن وكتاب خبر قس بن ساعدة وكتاب الأعداد وكتاب ~~أخبار النحويين وكتاب الرد على الفراء في المعاني وله عدة كتب شرع فيها ولم ~~يكملها ms0628 330 الكعبي أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي ~~العالم المشهور كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم الكعبية وهو صاحب ~~مقالات ومن مقالته أن الله سبحانه وتعالى ليست له إرادة وأن جميع أفعلاه ~~واقعة منه بغير إرادة ولا مشيئة منه لها وكان من كبار التكلمين وله ~~اختيارات في علم الكلام وتوفي مستهل شعبان سنة سبع عشرة وثلاثمائة رحمه ~~الله تعالى والكعبي بفتح الكاف وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة هذه ~~النسبة إلى بني كعب. # والبلخي بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبعدها خاء معجمة هذه النسبة إلى ~~بلخ إحدى مدن خراسان PageV03P045 # 331 القفال المروزي أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد ~~الله الفقيه الشافعي المعروف بالقفال المروزي كان وحيد زمانه فقها وحفظا ~~وورعا وزهدا وله في مذهب الإمام الشافعي من الآثار ما ليس لغيره من أبناء ~~عصره وتخاريجه كلها جيدة وإلزاماته لازمة واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به ~~منهم الشيخ أبو علي السنجي والقاضي حسين بن محمد وقد تقدم ذكرهما والشيخ ~~أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وغيرهم ~~وكل واحد من هؤلاء صار إماما يشار إليه ولهم التصانيف النافعة ونشروا علمه ~~في البلاد وأخذه عنهم أئمة كبار أيضا وكان ابتداء اشتغاله بالعلم على كبر ~~السن بعدما أفنى شبيبته في عمل الأقفال ولذلك قيل له القفال وكان ماهرا في ~~عملها ويقال إنه لما شرع في التفقه كان عمره ثلاثين سنة وشرح فروع أبي بكر ~~محمد بن الحداد المصري فأجاد في شرحها وشرحها أيضا أبو علي السنجي المذكور ~~والقاضي أبو الطيب الطبري وهو كتاب مشكل مع صغر حجمه وفيه مسائل عويصة ~~وغريبة والمبرز من الفقهاء الذي يقدر على حلها وفهم معانيها وسيأتي ذكر ~~مصنفها في حرف الميم إن شاء الله تعالى وكانت وفاة القفال المذكور في بعض ~~شهور سنة سبع عشرة وأربعمائة وهو ابن تسعين سنة ودفن بسجستان وقبره بها ~~معروف يزار رحمه الله تعالى PageV03P046 # 332 الشيخ أبو محمد الجويني أبو محمد ms0629 عبد الله بن يوسف ~~بن عبد الله بن يوسف بن محمد حيويه الجويني الفقيه الشافعي والد إمام ~~الحرمين وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى كان إماما في التفسير والفقه ~~والأصول والعربية والأدب قرأ الأدب أولا على أبيه أبي يعقوب يوسف بجوين ثم ~~قدم نيسابور واشتغل بالفقه على أبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي المقدم ذكره ~~في حرف السين ثم انتقل إلى أبي بكر القفال المروزي المذكور قبله واشتغل ~~عليه بمرو ولازمه واستفاد منه وانتفع به وأتقن عليه المذهب والخلاف وقرأ ~~عليه طريقته وأحكمها فلما تخرج عليه عاد إلى نيسابور سنة سبع وأربعمائة ~~وتصدر للتدريس والفتوى فتخرج عليه خلق كثير منهم ولده إمام الحرمين وكان ~~مهيبا لا يجري بين يديه إلا الجد وصنف التفسير الكبير المشتمل على أنواع ~~العلوم وصنف في الفقه التبصرة والتذكرة ومختصر المختصر والفرق والجمع ~~والسلسلة وموقف الإمام والمأموم وغير ذلك من التعاليق وسمع الحديث الكثير ~~وتوفي في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين كذا قال السمعاني في كتاب الذيل وقال ~~في الأنساب في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة بنيسابور والله أعلم وقال غيره ~~وهو في سن الكهولة رحمه الله تعالى وقال الشيخ أبو صالح المؤذن مرض الشيخ ~~أبو محمد الجويني سبعة عشر يوما وأوصاني أن أتولى غسله وتجهيزه فلما توفي ~~غسلته فلما لففته في الكفن رأيت يده اليمنى إلى الأبط زهراء منيرة من غير ~~سوء وهي تتلألأ تلألؤ القمر فتحيرت وقلت في PageV03P047 # نفسي هذه بركات فتاويه وحيويه بفتح الحاء المهملة ~~وتشديد الياء المثناة من تحتها وضمها وسكون الواو وفتح الياء الثانية ~~وبعادها هاء والجويني بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها نون هذه النسبة إلى جوين وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور تشتمل ~~على قرى كثيرة مجتمعة 333 أبو زيد الدبوسي أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى ~~الدبوسي الفقيه الحنفي كان من كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ~~ممن يضرب به المثل وهو أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود وله ms0630 كتاب ~~الأسرار والتقويم للأدلة وغيره من التصانيف والتعاليق وروي أنه ناظر بعض ~~الفقهاء فكان كلما ألزمه أبو زيد إلزاما تبسم أو ضحك فأنشد أبو زيد (ما لي ~~إذا ألزمته حجة * قابلني بالضحك والقهقهه) (إن كان ضحك المرء من فقهه * ~~فالدب في الصحراء ما أفقهه) وكانت وفاته بمدينة بخارى سنة ثلاثين وأربعمائة ~~رحمه الله تعالى والدبوسي بفتح الدال المهملة وضم الباء الموحدة وبعدها واو ~~ساكنة وسين مهملة هذه النسبة إلى دبوسة وهي بليدة بين بخارى وسمرقند نسب ~~إليها جماعة من العلماء PageV03P048 # 334 المرتضى ابن الشهرزوري أبو محمد عبد الله بن ~~القاسم بن المظفر بن علي بن القاسم الشهرزوري المنعوت بالمرتضى والد القاضي ~~كمال الدين وسيأتي ذكر ولده ووالده إن شاء الله تعالى كان أبو محمد المذكور ~~مشهورا بالفضل والدين وكان مليح الوعظ مع الرشاقة والتجنيس وأقام ببغداد ~~مدة يشتغل بالحديث والفقه ثم رجع إلى الموصل وتولى بها القضاء وروى الحديث ~~وله شعر رائق فمن ذلك قصيدته التي على طريقة الصوفية ولقد أحسن فيها وهي ~~(لمعت نارهم وقد عسعس الليل * ومل الحادي وحار الدليل) (فتأملتها وفكري من ~~البين * عليل ولحظ عيني كليل) (وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى * وغرامي ذاك ~~الغرام الدخيل) (ثم قابلتها وقلت لصحبي * هذه النار نار ليلى فميلوا) ~~(فرموا نحوها لحاظا صحيحات * فعادت خواسئا وهي حول) (ثم مالوا إلى الملام ~~وقالوا * خلب ما رأيت أم تخييل) (فتجنبتهم وملت إليها * والهوى مركبي وشوقي ~~الزميل) (ومعي صاحب أتى يقتفي الآثار * والحب شرطه التطفيل) (وهي تعلو ونحن ~~ندنو إلى أن * حجزت دونها طلول محول) (فدنونا من الطلول فحالت * زفرات من ~~دونها وغليل) (قلت من بالديار قالوا جريح * وأسير مكبل وقتيل) PageV03P049 # (ما الذي جئت تبتغي قلت ضيف * جاء يبغي القرى فأين ~~النزول) (فأشارت بالرحب دونك فاعقرها * فما عندنا لضيف رحيل) (من أتانا ~~ألقى عصا السير عنه * قلت من لي بها وأين السبيل) (فحططنا إلى منازل قوم * ~~صرعتهم قبل المذاق الشمول) (درس الوجد منهم كل رسم * فهو رسم والقوم فيه ~~حلول) (منهم من عفا ولم يبق ms0631 للشكوى * ولا للدموع فيه مقيل) (ليس إلاا ~~الأنفاس تخبر عنه * وهو عنها مبرأ معزول) (ومن القوم من يشير إلى وجد * ~~تبقى عليه منه القليل) (ولكل رأيت منهم مقاما * شرحه في الكتاب مما يطول) ~~(قلت أهل الهوى سلام عليكم * لي فؤاد عنكم بكم مشغول) (وجفون قد أقرحتها من ~~الدمع * حثيثا إلى لقاكم سيول) (لم يزل حافز من الشوق يحدوني * إليكم ~~والحادثات تحول) (واعتذاري ذنب فهل عند من * يعلم عذري في ترك عذري قبول) ~~(جئت كي أصطلي فهل لي إلى ناركم * هذه الغداة سبيل) (فأجابت شواهد الحال ~~عنهم * كل حد من دونها مفلول) (لا تروقنك الرياض الأنيقات * فمن دونها ربى ~~ودحول) (كم أتاها قوم على غرة منها * وراموا أمرا فعز الوصول) (وقفوا ~~شاخصين حتى إذا ما * لاح للوصول غرة وحجول) (وبدت راية الوفا بيد الوجد * ~~ونادى أهل الحقائق جولوا) (أين من كان يدعينا فهذا اليوم * فيه صبغ الدعاوى ~~يحول) (حملوا حملة الفحول ولا يصرع * يوم اللقاء إلا الفحول) (بذلوا أنفسا ~~سخت حين شحت * بوصال واستصغر المبذول) (ثم غابوا من بعد ما اقتحموها * بين ~~أمواجها وجاءت سيول) (قذفتهم إلى الرسوم فكل * دمه في طولها مطلول) ~~PageV03P050 # (نارنا هذه تضيء لمن يسري * بليل لكنها لا تنيل) ~~(منتهى الحظ ما تزود منها اللحظ * والمدركون ذاك قليل) (جاءها من عرفت يبغي ~~اقتباسا * وله البسط والمنى والسول) (فتعالت عن المنال وعزت * عن دنو إليه ~~وهو رسول) (فوقفنا كما عهدت حيارى * كل عزم من دونها مخذول) (ندفع الوقت ~~بالرجاء وناهيك * بقلب غذاؤه التعليل) (كلما ذاق كأس يأس مرير * جاء كأس من ~~الرجا معسول) (فإذا سولت له النفس أمرا * حيد عنه وقيل صبر جميل) (هذه ~~حالنا وما وصل العلم * إليه وكل حال تحول) وإنما أثبت هذه القصيدة بكاملها ~~لأنها قليلة الوجود وهي مطلوبة وحكي عن بعض المشايخ أنه رأى في النوم قائلا ~~يقول ما قيل في الطريق مثل القصيدة الموصلية يعني هذه وأنشد له مجد العرب ~~العامري دوبيت (يا قلب إلام لا يفيد النصح * دع مزحك كم جنى عليك المزح) ms0632 ~~(ما جارحة فيك عداها جرح * ما تشعر بالخمار حتى تصحو) وأورد له العماد ~~الكاتب في الخريدة قوله (فعاودت قلبي أسأل الصبر وقفة * عليها فلا قلبي ~~وجدت ولا صبري) (وغابت شموس الوصل عني وأظلمت * مسالكه حتى تحيرت في أمري) ~~(فما كان إلا الخطف حتى رأيتها * محكمة والقلب في ربقة الأسر) وله من أبيات ~~PageV03P051 # (وبانوا فكم دمع من الأسر أطلقوا * نجيعا وكم قلب ~~أعادوا إلى الأسر) (فلا تنكروا خلعي عذاري تأسفا * عليهم فقد أوضحت عندكم ~~عذري) ومن شعره أيضا (بقلبي منهم علق * ودمعي فيهم علق) (وعندي منهم حرق * ~~لها الأحشاء تحترق) (ونحن ببابهم فرق * أذاب قلوبنا الفرق) (وما تركوا سوى ~~رمق * فليتهم له رمقوا) (فلا وصل ولا هجر * ولا نوم ولا أرق) (ولا يأس ولا ~~طمع * ولا صبر ولا قلق) (فليتهم وقد قطعوا * ولم يبقوا علي بقوا) (أأفنى في ~~محبتهم * وطيب محبتي عبق) (كمثل الشمع يمتع من * ينادمه ويمحق) وله أيضا ~~(يا ليل ما جئتكم زائرا * إلا وجدت الأرض تطوى لي) (ولا ثنيت العزم عن ~~بابكم * إلا تعثرت بأذيالي) وغالب شعره على هذا الأسلوب وكانت ولادته في ~~شعبان سنة خمس وستين وأربعمائة وتوفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة بالموصل ودفن في التربة المعروفة بهم رحمه الله تعالى PageV03P052 # وذكر عماد الدين الكاتب الإصبهاني في كتاب الخريدة في ~~ترجمة المرتضى المذكور قال السمعاني إنه سمع أن القاضي أبا محمد يعني ~~المرتضى المذكور توفي بعد سنة عشرين وخمسمائة والله أعلم 335 شرف الدين ابن ~~أبي عصرون أبو سعد عبد الله بن أبي السري محمد بن هبة الله بن مطهر بن علي ~~بن أبي عصرون ابن أبي السري التميمي الحديثي ثم الموصلي الفقيه الشافعي ~~الملقب شرف الدين كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره وممن سار ذكره وانتشر ~~أمره قرأ في صباه القرآن الكريم بالعشر على أبي الغنائم السلمي السروجي ~~والبارع أبي عبد الله ابن الدباس وأبي بكر المزرفي وغيرهم وتفقه أولا على ~~القاضي المرتضى أبي محمد عبد الله بن القاسم الشهرزوري المذكور قبله ms0633 وعلى ~~أبي عبد الله الحسين بن خميس الموصلي ثم على أسعد الميهني ببغداد واخذ ~~الأصول عن أبي الفتح ابن برهان الأصولي وقرأ الخلاف وتوجه إلى مدينة واسط ~~وقرأ على قاضيها الشيخ أبي علي الفارقي المذكور في حرف الحاء واخذ عنه ~~فوائد المهذب ودرس بالموصل في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة وأقام بسنجار مدة ~~ثم انتقل إلى حلب في سنة خمس وأربعين ثم قدم دمشق لما ملكها الملك العادل ~~نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي في صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة ودرس ~~بالزاوية الغربية من جامع دمشق وتولى أوقاف PageV03P053 # المساجد ثم رجع إلى حلب وأقام بها وصنف كتبا كثيرة في ~~المذهب منها صفوة المذهب من نهاية المطلب في سبع مجلدات وكتاب الانتصار في ~~أربع مجلدات وكتاب المرشد في مجلدين وكتاب الذريعة في معرفة الشريعة وصنف ~~التيسير في الخلاف أربعة أجزاء وكتابا سماه ما أخذ النظر ومختصرا في ~~الفرائض وكتابا سماه الإرشاد المغرب في نصرة المذهب ولم يكمله وذهب فيما ~~نهب له بحلب واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به وتعين بالشام وتقدم عند نور ~~الدين صاحب الشام وبنى له المدارس بحلب وحماة وحمص وبعلبك وغيرها وتولى ~~القضاء بسنجار ونصيبين وحران وغيرها من ديار بكر ثم عاد إلى دمشق في سنة ~~سبعين وخمسمائة وتولى القضاء بها في سنة ثلاث وسبعين عقيب انفصال القاضي ~~ضياء الدين أبي الفضائل القاسم ابن تاج الدين يحيى بن عبد الله بن القاسم ~~الشهرزوري حسبما شرحته في ترجمة القاضي كمال الدين أبي الفضل محمد ~~الشهرزوري ثم عمي في آخر عمره قبل موته بعشر سنين وابنه محيي الدين محمد ~~ينوب عنه وهو باق على القضاء وصنف جزءا لطيفا في جواز قضاء الأعمى وهو على ~~خلاف مذهب الشافعي. ورأيت في كتاب الزوائد تأليف أبي الحسين العمراني صاحب ~~كتاب البيان وجها أنه يجوز وهو غريب لم أره في غير هذا الكتاب ووقع لي كتاب ~~جميعه بخط السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى قد كتبه من دمشق إلى القاضي ~~الفاضل وهو بمصر وفيه ms0634 فصول من جملتها حديث الشيخ شرف الدين المذكور وما حصل ~~له من العمى وأنه يقول إن قضاء الأعمى جائز وإن الفقهاء قالوا إنه غير جائز ~~فتجتمع بالشيخ أبي الطاهر ابن عوف الإسكندراني وتسأله عما ورد من الأحاديث ~~في قضاء الأعمى هل يجوز أم لا وبالجملة فلا شك في فضله وقد ذكره الحافظ أبو ~~القاسم ابن عساكر في تاريخ دمشق وذكره العماد الكاتب في كتاب الخريدة وأثنى ~~عليه PageV03P054 # وقال ختمت به الفتاوى وذكر له شيئا من الشعر وأنشدني ~~بعض المشايخ قال سمعته كثيرا ما ينشد ولا أعلم هل هو له أم لا وذكرهما ~~العماد الكاتب في الخريدة (أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة * تمر بي الموتى تهز ~~نعوشها) (وهل انا إلا مثلهم غير أن لي * بقايا ليال في الزمان أعيشها) ~~وأورد له أيضا في الخريدة (أؤمل وصلا من حبيب وإنني * على ثقة عما قليل ~~أفارقه) (تجارى بنا خيل الحمام كأنما * يسابقني نحو الردى وأسابقه) (فيا ~~ليتنا متنا معا ثم لم يذق * مرارة فقدي لا ولا أنا ذائقه) وأورد له أيضا ~~(يا سائلي كيف حالي بعد فرقته * حاشاك مما بقلبي من تنائيكا (قد أقسم الدمع ~~لا يجفو الجفون أسى * والنوم لا زارها حتى ألاقيكا) وأورد له أيضا (وما ~~الدهر إلا ما مضى وهو فائت * وما سوف يأتي وهو غير محصل) (وعيشك فيما أنت ~~فيه فإنه * زمان الفتى من مجمل ومفصل) وكانت ولادته يوم الاثنين الثاني ~~والعشرين من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل وتوفي ~~ليلة الثلاثاء الحادية عشرة من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة بمدينة ~~دمشق ودفن في مدرسته التي أنشأها داخل البلد وهي معروفة به وزرت قبره مرارا ~~رحمه الله تعالى ولما توفي القاضي ورد من القاضي الفاضل تعزية فيه جوابا عن ~~كتاب ورد عليه بذلك والتعزية وصل كتاب الذات الكريمة جمع الله شملها وسر ~~بها أهلها ويسر إلى الخيرات سبلها وجعل في ابتغاء رضوانه قولها وفعلها وفيه ~~PageV03P055 # زيادة هي نقص الإسلام وثلم في البرية يتجاوز رتبة ~~الانثلام ms0635 إلى الانهدام وذلك ما قضاه الله وقدره من وفاة الإمام شرف الدين ~~بن أبي عصرون رحمه الله تعالى وما حصل بموته من نقص الأرض من أطرافها ومن ~~مساءة أهل الملة ومسرة أهل خلافها فلقد كان علما للعلم منصوبا وبقية من ~~بقايا السلف الصالح محسوبا والعلم بالشام زرعه وكل من انتفع فعليه كان ~~وإليه ينسب نفعه رضي الله عنه وأرضاه ونضح بماء الرحمة مثواه وما مات من ~~أبقى تلك التصانيف التي هي المعنى المغني بل ما مات من ولده المحيي فإنه ~~والله لآثاره ولعلمه المحيي والحضرة تنوب عني في تعزيته والقيام بحق تسليته ~~وقد ساءتني الغيبة عن مشهده وتغبير القدم وراء سريره والتوسل إلى الله في ~~ساعة مقدمه ولقد علم الله اغتمامي لفقد حضرته واستيحاشي لخلو الدنيا من ~~بركته واهتمامي بما عدمت من النصيب الموفور كان من أدعيته وما مات بحمد ~~الله حتى أحرز غيبته بأولاد كرام بررة وأنشأ طلبة للعلم نقلة وللمدارس عمرة ~~وحتى بنى لله المدارس والمساجد وأحيا نهاره وليله بين راكع وساجد فهو حي ~~لمجده وإنما نحن الموتى بفقده وتعذر علي أن ينتقل بقايا الخير وأعقاب السلف ~~وأن يفارق من ليس لنا منه لولا خلفه خلف والحديثي بفتح الحاء المهملة وكسر ~~الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة هذه النسبة ~~إلى حديثة الموصل وهي بليدة على دجلة بالجانب الشرق قرب الزاب الأعلى وهي ~~غير الحديثة التي يقال لها حديثة النورة وهي قلعة حصينة على فراسخ من ~~الأنبار في وسط الفرات والماء PageV03P056 # محيط بها وحديثة الموصل هي آخر حد أرض السواد في الطول ~~وقول الفقهاء في كتبهم أرض السواد ما بين حديثة الموصل إلى عبادان طولا ومن ~~القادسية إلى حلوان عرضا يريدون به هذه الحديثة لا حديثة الفرات 336 ابن ~~أسعد الموصلي أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي بن عيسى بن علي المعروف ~~بابن الدهان الموصلي ويعرف بالحمصي أيضا الفقيه الشافعي المنعوت بالمهذب ~~كان فقيها فاضلا أديبا شاعرا لطيف الشعر مليح السبك حسن المقاصد ms0636 غلب عليه ~~الشعر واشتهر به وله ديوان صغير وكله جيد وهو من أهل الموصل ولما ضاقت به ~~الحال عزم على قصد الصالح بن رزيك وزير مصر المذكورفي حرف الطاء وعجزت ~~قدرته عن استصحاب زوجته فكتب إلى الشريف ضياء الدين أبي عبد الله زيد بن ~~محمد بن محمد بن عبيد الله الحسيني نقيب العلويين بالموصل هذه الأبيات ~~(وذات شجو أسال البين عبرتها * باتت تؤمل بالتفنيد إمساكي) (لجت فلما رأتني ~~لا أصيخ لها * بكت فأقرح قلبي جفنها الباكي) (قالت وقد رأت الأجمال محدجة * ~~والبين قد جمع المشكو والشاكي) (من لي إذا غبت في ذا المحل قلت لها * الله ~~وابن عبيد الله مولاك) (لا تجزعي بانحباس الغيث عنك فقد * سألت نوء الثريا ~~جود مغناك) فتكفل الشريف المذكور لزوجته بجميع ما تحتاج إليه مدة غيبته ~~عنها ثم توجه إلى مصر ومدح الصالح بن رزيك بالقصيدة الكافية وقد ذكرت بعضها ~~هناك ثم تقلبت به الأحوال وتولى التدريس بمدينة حمص وأقام بها فلهذا ينسب ~~إليها قال العماد الكاتب في الخريدة ما زلت وانا العراق إلى لقائه بالأشواق ~~فإني كنت أقف على قصائده المستحسنة ومقاصده الحسنة وقد سارت كافيته بين ~~فضلاء الزمان كافة فشهدت بكفايته وسجلت بأن أهل العصر لم يبلغوا إلى غايته ~~ثم قال بعد الثناء عليه فيه تمتمة تسفر عن فصاحة تامة وعقدة لسان تبين عن ~~فقه في القول ثم قال بعد ذلك ولما وصل السلطان صلاح الدين رحمه الله إلى ~~حمص وخيم بظاهرها خرج إلينا أبو الفرج المذكور فقدمته إلى السلطان وقلت له ~~هذا إلي يقول في قصيدته الكافية التي في ابن رزيك (أأمدح الترك أبغي الفضل ~~عندهم * والشعر ما زال عند الترك متروكا) قال فأعطاه السلطان وقال حتى لا ~~يقول إنه متروك ثم امتدح السلطان بقصيدته العينية التي يقول فيها (قل ~~للبخيلة بالسلام تورعا * كيف استبحت دمي ولم تتورعي) PageV03P057 # (لجت فلما رأتني لا أصيخ لها * بكت فأقرح قلبي جفنها ~~الباكي) (قالت وقد رأت الأجمال محدجة * والبين قد جمع المشكو والشاكي) (من ~~لي إذا ms0637 غبت في ذا المحل قلت لها * الله وابن عبيد الله مولاك) (لا تجزعي ~~بانحباس الغيث عنك فقد * سألت نوء الثريا جود مغناك) فتكفل الشريف المذكور ~~لزوجته بجميع ما تحتاج إليه مدة غيبته عنها ثم توجه إلى مصر ومدح الصالح بن ~~رزيك بالقصيدة الكافية وقد ذكرت بعضها هناك ثم تقلبت به الأحوال وتولى ~~التدريس بمدينة حمص وأقام بها فلهذا ينسب إليها قال العماد الكاتب في ~~الخريدة ما زلت وانا بالعراق إلى لقائه بالأشواق فإني كنت أقف على قصائده ~~المستحسنة ومقاصده الحسنة وقد سارت كافيته بين فضلاء الزمان كافة فشهدت ~~بكفايته وسجلت بأن أهل العصر لم يبلغوا إلى غايته ثم قال بعد الثناء عليه ~~فيه تمتمة تسفر عن فصاحة تامة وعقدة لسان تبين عن فقه في القول ثم قال بعد ~~ذلك ولما وصل السلطان صلاح الدين رحمه الله إلى حمص وخيم بظاهرها خرج إلينا ~~أبو الفرج المذكور فقدمته إلى السلطان وقلت له هذا الذي يقول في قصيدته ~~الكافية التي في ابن رزيك (أأمدح الترك أبغي الفضل عندهم * والشعر ما زال ~~عند الترك متروكا) قال فأعطاه السلطان وقال حتى لا يقول إنه متروك ثم امتدح ~~السلطان بقصيدته العينية التي يقول فيها (قل للبخيلة بالسلام تورعا * كيف ~~استبحت دمي ولم تتورعي) PageV03P058 # (وزعمت أن تصلي بعام قابل * هيهات أن أبقى إلى أن ~~ترجعي) (أبديعة الحسن التي في وجهها * دون الوجوه علامة للمبدع) (ما كان ~~ضرك لو غمزت بحاجب * يوم التفرق أو أشرت بإصبع) (وتيقني أني بحبك مغرم * ثم ~~اصنعي ما شئت بي أن تصنعي) وقال العماد أيضا أنشدني هذين البيتين وزعم أنه ~~ابتكر معناهما ولم يسبق إليه وهما (تردي الكتائب كتبه فإذا انبرت * لم تدر ~~أنفذ أسطرا أم عسكرا) (لم يحسن الإتراب فوق سطورها * إلا لأن الجيش يعقد ~~عثيرا) وهذان البيتان من جملة قصيدة ولقد أبدع فيهما وفي معنى تشبيه القلم ~~بالجيش قول بعضهم (قوم إذا أخذوا الأقلام عن غضب * ثم استمدوا بها ماء ~~المنيات) (نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا * ما لم ينالوا بحد ms0638 المشرفيات) ~~قلت ومعنى البيت الأول ينظر إلى قول أبي تمام الطائي في مدح محمد بن عبد ~~الملك الزيات وزير المعتصم (هززت أمير المؤمنين محمدا * فكان ردينيا وأبيض ~~منصلا) (فما إن تبالي إذ تجهز رأيه * إلى ناكث أن لا تجهز جحفلا) ثم إني ~~وجدت معنى البيت الثاني للأستاذ أبي إسماعيل الحسين بن علي المنشىء ~~الطغرائي المقدم ذكره وهو من جملة قصيدة يمدح بها نظام الملك (إذا ما دجا ~~ليل العجاجة لم يزل * بأيديهم جمر إلى الهند منسوب) PageV03P059 # (عليها سطور الضرب يعجمها القنا * صحائف يغشاها من ~~النقع تثريب) ومن شعره السائر (يضحي يجانبني مجانبة العدا * ويبيت وهو إلى ~~الصباح نديم) (ويمر بي يخشى الرقيب فلفظه * شتم وغنج لحاظه تسليم) وله في ~~غلام لسبته نحلة في شفته (بأبي من لسبته نحلة * آلمت أكرم شيء وأجل) (أثرت ~~لسبتها في شفة * ما براها الله إلا للقبل) (حسبت أن بفيه بيتها * إذ رأت ~~ريقته مثل العسل) ولولا خوف الإطالة لذكرت له أشياء بديعة وتوفي بمدينة حمص ~~في شعبان سنة إحدى وقيل اثنتين وثمانين وخمسمائة والثاني ذكره في السيل ~~والذيل والأول أصح رحمه الله تعالى وقد قارب ستين سنة 81 وتوفي الشريف ابن ~~عبيد الله المذكور بالموصل سنة ثلاث وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى وكان ~~رئيسا بالموصل سنة ثلاث وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى وكان رئيسا جوادا ~~كثير الإحسان جم الإفضال وله شعر فمنه قوله (قالوا سلا صدقوا عن * السلوان ~~ليس عن الحبيب) (قالوا فلم ترك الزيارة * قلت من خوف الرقيب) (قالوا وكيف ~~تعيش مع * هذا فقلت من العجيب) PageV03P060 # وذكره عماد الدين في كتاب الخريدة وبالغ في الثناء ~~عليه ثم قال وسمعت ببغداد أبياتا يغنى بها فنسبها بعض الشاميين إلى الشريف ~~ضياء الدين المذكور منها (يا بانة الوادي التي سفكت دمي * بلحاظها بل يا ~~فتاة الأجرع) (لي أن أبث إليك ما ألقاه من * ألم الهوى وعليك أن لا تسمعي) ~~(كيف السبيل إلى تناول حاجة * قصرت يدي عنها كزند الأقطع) 337 ابن شاس أبو ~~محمد عبد الله بن ms0639 نجم بن شاس بن نزار بن عشاير بن عبد الله بن محمد بن شاس ~~الجذامي السعدي الفقيه المالكي المنعوت بالجلال كان فقيها فاضلا في مذهبه ~~عارفا بقواعده رأيت بمصر جمعا كبيرا من أصحابه يذكرون فضائله وصنف في مذهب ~~الإمام مالك رضي الله عنه كتابا نفيسا أبدع فيه وسماه الجواهر الثمينة في ~~مذهب عالم المدينة وضعه على ترتيب الوجيز تصنيف حجة الإسلام أبي حامد ~~الغزالي رحمه الله تعالى وفيه دلالة على غزارة فضله والطائفة المالكية بمصر ~~عاكفة عليه لحسنه وكثرة فوائده وكان مدرسا بمصر بالمدرسة المجاورة للجامع ~~وتوجه إلى ثغر دمياط لما أخذه العدو المخذول بنية الجهاد فتوفي هناك في ~~جمادى الآخرة أو في رجب سنة ست عشرة وستمائة رحمه الله تعالى PageV03P061 # وشاس بالشين المعجمة والسين المهملة بينهما ألف ~~والجذامي والسعدي قد تقدم الكلام عليهما 338 عبد الله بن العباس بن عبد ~~المطلب أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ~~ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وله ثلاث عشرة سنة وكان صلى الله عليه وسلم دعا له فقال اللهم فقهه في ~~الدين وعلمه التأويل وحرق علي رضي الله عنه قوما من الزنادقة فأنكر عليه ~~ابن عباس فقال ويح ابن أم الفضل إنه لغواص على الهنات وكان عطاء إذا حدث ~~عنه قال حدثني البحر وكان ميمون بن مهران إذا ذكر عنده عبد الله بن عمر ~~وعبد الله ابن العباس قال كان ابن عباس أفقه وأخذ الفقه عن ابن عباس جماعة ~~منهم عطاء بن أبي رباح وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعبيد الله بن عبد الله ~~بن مسعود وأبو الشعثاء جابر بن زيد وابن أبي مليكة وعكرمة وميمون بن مهران ~~وعمرو بن دينار وغيرهم ذكر أنه اجتمع من بني هاشم جماعة عند معاوية يوما ~~فأقبل عليهم فقال يا بني هاشم والله إن خيري لممنوح وإن بابي لكم لمفتوح ~~فلا يقطع خيري عنكم علة ولا يوصد بابي دونكم ms0640 مسألة وإني نظرت في أمري ~~وأمركم فرأيت أمرا مختلفا إنكم ترون أنكم أحق بما في يدي مني وإذا أعطيتكم ~~عطية فيها قضاء حقوقكم PageV03P062 # قلتم أعطانا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا فصرت كالمسلوب ~~والمسلوب لا حمد له هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم قال فأقبل ابن عباس ~~فقال أما والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه ~~ولئن قطعت عنا خيرك فالله أوسع خيرا منك ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفن ~~أنفسنا عنك وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل واحد من المسلمين ولنا ~~في كتاب الله حقان حق في الغنيمة وحق في الفيء فالغنيمة ما غلبنا عليه ~~والفيء ما احتسبناه ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خف ولا ~~حافر كفاك أم أزيدك قال كفاني فإنك لا تهر ولا تنبح وحكى المدائني قال قام ~~عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أمية ~~وذكر مشاهده بصفين واجتمعت قريش فأقبل عبد الله بن عباس على عمرو فقال يا ~~عمرو إنك بعت دينك من معاوية وأعطيته ما بيدك ومناك ما بيد غيره فكان الذي ~~أخذ منك أكثر مما أعطاك والذي أخذت منه دون الذي أعطيته وكل راض بما أخذ ~~وأعطي فلما صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعزل والتنغيص حتى لو كانت نفسك ~~بيدك ألقيتها وذكرت مشاهدك بصفين فوالله ما ثقلت علينا وطأتك ولقد كشفت ~~فيها عورتك وإن كنت لطويل اللسان قصير السنان آخر الخيل إذا أقبلت وأولها ~~إذا أدبرت لك يدان يد لا تبسطها إلى خير وأخرى لا تقبضها عن شر ووجهان وجه ~~موحش ووجه مؤيس ولعمري ان من باع دينة بدنيا غيره لحري ان يطول ندمه لك ~~لسان وفيك خطل ولك رأي وفيك نكد ولك قدر وفيك حسد فأصغر عيب فيك أكبر عيب ~~في وقال ابن عباس رضي الله عنه ما رأيت رجلا لي عنده معروف إلا أضاء ما ~~بيني وبينه وقال رضي الله عنه ms0641 أربعة لا أقدر على مكافأتهم رجل بدأني ~~بالسلام ورجل وسع لي في المجلس ورجل اغبرت قدماه في المشي في حاجتي فأما ~~الرابع فما يكافئه عني إلا الله عز وجل قيل ومن هو قال رجل نزل به أمر فبات ~~ليلته يفكر فيمن يقصده ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي PageV03P063 # وقال له رجل زوجني من فلانه وكانت يتيمة في حجره فقال ~~لا أرضاها لك لأنها تسرف فقال الرجل قد رضيت فقال ابن عباس الآن لا أرضاك ~~لها ومات ابن عباس بالطائف في فتنة ابن الزبير وبلغ سبعين سنة قال أبو صالح ~~صاحب التفسير ما رأينا بني أم قط أبعد قبورا من بني العباس لأم الفضل مات ~~الفضل بالشام ومات عبد الله بالطائف ومات عبيد الله بالمدينة ومات قثم ~~بسمرقند وقتل معبد بإفريقية قال الواقدي مات ابن عباس سنة ثمان وسبعين ~~بالطائف وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وقد كف بصره فصلى عليه ابن الحنفية وكبر ~~أربعا وضرب على قبره فسطاطا رحمه الله تعالى 339 أبو بكر الصديق أبو بكر ~~عبد الله بن أبي قحافة واسمه عثمان بن عامر من ولد تيم ابن مرة تيم قريش ~~يلتقي هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرة بن كعب وهما في القعدد ~~إليه سواء بين كل واحد منهما وبينه ستة آباء كان اسمه في الجاهلية عبد ~~الكعبة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ولقبه عتيق لقب به ~~لجمال وجهه رضي الله عنه وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أنت ~~عتيق من النار وسمي صديقا لتصديقه خبر المسرى وأمه سلمى وتكنى أم الخير بنت ~~صخر وهي بنت عم أبيه PageV03P064 # كان طويلا آدم خفيف العارضين يخضب بالحناء والكتم بويع ~~له يوم الاثنين الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي بالسل ~~ليلة الثلاثاء وقيل يوم الجمعة لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث ~~عشرة وسنه ثلاث وستون سنة وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وتسعة أيام ~~وغسلته زوجته ms0642 أسماء ابنة عميس وصلى عليه عمر رضي الله عنهما وحمل على سرير ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سرير عائشة رضي الله عنها وكان من خشبتي ~~ساج منسوجا بالليف وبيع في ميراث عائشة رضي الله عنها بأربعة آلاف درهم ~~فاشتراه مولى لمعاوية وجعله للمسلمين ويقال إنه بالمدينة ودفن في حجرة ~~عائشة ورأسه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يأخذ من بيت المال ~~في كل يوم ثلاثة دراهم وكان قال لعائشة انظري يا بنية ما زاد في مال أبي ~~بكر منذ وليت هذا الأمر فرديه على المسلمين فنظرت فإذا بكر وقطيفة لا تساوي ~~خمسة دراهم ومجشة فلما جاء بذلك الرسول إلى عمر قال رحم الله أبا بكر لقد ~~كلف من بعده تعبا وروي أن أبا بكر خرج بعد البيعة ومعه ميزان ورزمة ثياب ~~تحت يده وخرج إلى السوق فقيل له ما هذا فقال أكتسب لنفسي وعيالي فأجمعوا ~~رأيهم وفرضوا له في كل يوم درهما وثلثي درهم من بيت مال المسلمين وأبو بكر ~~رضي الله عنه أول من طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدلالة على نبوته ~~وسبب ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه كان باليمن في تجارة ونبىء النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو غائب أبو بكر رضي الله عنه في طريقه على دير فيه راهب ~~باليمن هو ورفقته فسألهم الراهب هل فيكم خطيب قالوا نعم وأشاروا إلى أبي ~~بكر رضي الله عنه فدعاه إليه وحده فقال له الراهب من أين أنت فقال من مكة ~~فقال هل ظهر بها أحد يدعي النبوة فقال لا فقال الراهب عندي صورة أريكها فإن ~~عرفت أحدا يشبهها فعرفني فعرض عليه الصورة فقال هذه صورة رجل يعرف بمحمد بن ~~عبد الله بن عبد المطلب فقال الراهب هذا هو النبي المدعو به وهو خاتم ~~الأنبياء يظفر بأعدائه ويعلو دينه الأديان فقال أبو بكر رضي الله عنه ~~PageV03P065 # ما عرفنا هذا منه ولا ادعاه ولا عرف بالعلم ولا يحسن ~~الكتابة ولا خالط اليهود ms0643 والنصارى فقال الراهب هذا هو النبي نفسه وقيل إن ~~الراهب قال لأبي بكر وأنت الخليفة من بعده على أهل دينه فرجع أبو بكر من ~~عند الراهب ولم يشعر أحدا من رفقته بما قال له الراهب فلما قدم مكة قالت له ~~أمه سلمى أم الخير ما بلغك ما حدث من صديقك محمد زعم أنه نبي نبأه الله ~~وأرسله إلى قومه وكافة الخلق فقال لها وأين هو قالت بجبل حراء فأسرع أبو ~~بكر رضي الله عنه نحو الجبل فرآه في غار فسلم عليه وقال بلغني أنك ادعيت ~~النبوة والرسالة فقال له لست بمدع وقد فعل الله ذلك بي قال له فما الدليل ~~على صدقك قال هل خرجت علي كذبا قال لا والله غير أن هذا أمر لا يقبل بغير ~~دليل فقال النبي صلى الله عليه وسلم دليله ما قاله لك الراهب قال أبو بكر ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله أنا أول متابع لك على هذا ~~الأمر وهو أول من أم في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وأول ~~من دعي بخليفة وأول من رقي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشعبي ~~لما ولي أبو بكر الخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها ~~الناس إني وليتكم ولست بخيركم ولكن نزل القرآن فأدبنا فتأدبنا وسن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعلمنا فتعلمنا وان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق ~~الفجور وان أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وان أضعفكم عندي القوي حتى ~~آخذ منه الحق إنما انا متبع ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وان زغت ~~فسددوني أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين ولما ~~تم الأمر لأبي بكر رضي الله عنه ارتدت العرب إلا قليلا منهم وكان قد تنبأ ~~في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة الأسود بن كعب العنسي ومسيلمة ~~الكذاب واسمه ثمامة بن حبيب وطليحة الأسدي فأما الأسود فإنه غلب على صنعاء ~~ونجران ms0644 إلى عمل الطائف واستطار الحريق فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأمر بقتله فقتله فيروز الديلمي في منزله وجاء PageV03P066 # رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بقتله من السماء ~~فأخبر به أصحابه ثم وصل المخبر بقتله إلى المدينة بعد وفاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان أول فتح فتح على أبي بكر رضي الله عنه كذا ذكره الطبري ~~في تاريخه وقال أبو بشر الدولابي إنه قتل في خلافة أبي بكر وأما مسيلمة ~~وطليحة فإن أمرهما استغلظ واجتمع على طليحة عوام طيء وأسد وغطفان وارتدت ~~قبائل العرب إلا قيسا وثقيفا ومنعوا الزكاة فأشار الناس على أبي بكر رضي ~~الله عنه بأخذ العرب بالصلاة ومسامحتهم في الزكاة فقال والله لو منعوني ~~عقالا أو عناقا مما كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم ~~على ذلك ثم خرج إلى عبس وذبيان فقاتلهم فانهزموا وعادوا إلى المدينة ثم سير ~~الجيوش لقتال أهل الردة وعقد أحد عشر لواء على أحد عشر جندا وسير خالد بن ~~الوليد رضي الله عنه إلى طليحة ومن تابعه من غطفان فهزمهم وانهزم طليحة حتى ~~لحق بالشام وقتل من أصحابه جمع كبير ثم أسلم طليحة بعد ذلك لما بلغه عن أسد ~~وغطفان ولم يزل مقيما في كلب حتى مات أبو بكر رضي الله عنه ثم أتى عمر رضي ~~الله عنه فبايعه ورجع إلى ديار قومه وسار خالد لقتال بني حنيفة ومسيلمة ~~وكانت امرأة تعرف بسجاح ابنة الحارث قد تنبأت في بني تغلب وسارت إلى مسيلمة ~~الكذاب فتزوجت به وأقامت عنده ثلاثا ثم انصرفت إلى قومها ثم هزم الله بني ~~حنيفة وقتل مسيلمة الكذاب قتله وحشي قاتل حمزة ولما فرغ خالد رضي الله عنه ~~من أمر اليمامة كتب إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأمره بالمسير إلى ~~العراق فسار وصالح أهل الحيرة على جزية حملها إلى المدينة وكانت أول جزية ~~حملت إليها وقال أبو بكر رضي الله عنه لخالد حين بعثه إلى أهل الردة احرص ~~على الموت ms0645 توهب لك الحياة ففتح الأنبار وعين التمر وأنفذ السبي إلى المدينة ~~وسار إلى دومة الجندل فقتل وسبى ثم وجه أبو بكر رضي الله عنه الجيوش إلى ~~الشام وأمر خالدا بالمسير إليها وفتحت بصرى في خلافته وهي أول مدينة فتحت ~~بالشام PageV03P067 # وحج بالناس سنة اثنتي عشرة وهي السنة الثانية من ~~خلافته وولي الأولى عمر رضي الله عنه ومات أبو قحافة والد أبي بكر بعد موت ~~أبي بكر رضي الله عنه بسنة وقيل تسعة أشهر وذلك في سنة أربع عشرة وسنه سبع ~~وتسعون سنة وكان إسلامه يوم فتح مكة وكان يوم مات أبو بكر رضي الله عنه ~~بمكة ولم يل الخلافة من أبوه حي غير أبي بكر رضي الله عنه وهو أول من جمع ~~القرآن الكريم بين اللوحين وذلك أن المسلمين لما أصيبوا باليمامة خاف أبو ~~بكر رضي الله عنه أن يفنى قراء القرآن وإنما كان في صدور الرجال فجمعه ~~وجعله بين اللوحين وسماه مصحفا ولم يزل عنده إلى أن مات وبقي عند عمر رضي ~~الله عنه إلى أن مات وبقي عند حفصة ابنته ولما احتضر أبو بكر رضي الله عنه ~~استخلف على المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ووصاه فكان من وصيته ان ~~قال هذا ما وصى به أبو بكر ابن أبي قحافة عند آخر عهده من الدنيا وأول عهده ~~بالآخرة إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن بر وعدل فذاك ظني به ~~ورجائي فيه وان غير وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب ~~* (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * ووصل الخبر بموت أبي بكر رضي ~~الله عنه إلى الشام وخالد بن الوليد على دمشق يحاصرها وفي اليوم الثاني من ~~ورود الخبر فتحت دمشق وكان خالد رضي الله عنه أخفى خبر موته إلى أن فتح ~~دمشق واختلفوا في سبب مرضه الذي مات فيه فقيل سمته يهودية وقيل اغتسل في ~~يوم بارد فحم ومرض خمسة عشر يوما وكان عمر رضي الله عنه يصلي بالناس حين ~~ثقل ms0646 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة يركب وأبو بكر ~~رضي الله عنه رديفه وهو أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر ~~رضي الله عنه يعرف الطريق لاختلافه إلى الشام فكان يمر PageV03P068 # بالقوم فيقولون من هذا بين يديك يا أبا بكر فيقول هاد ~~يهديني وهذا الحديث يدل على أنه أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى ~~أبو بكر رضي الله عنه رجلا بيده ثوب فقال أهو للبيع قال لا أصلحك الله فقال ~~هلا قلت لا وأصلحك الله لئلا يشتبه الدعاء لي بالدعاء علي وقال لرجل قال له ~~لأشتمنك شتما يدخل معك قبرك قال معك يدخل والله لا معي ومدح قوم أبا بكر ~~رضي الله عنه فقال الله أعلم بي مني بنفسي وأنا أعلم بنفسي منكم فاستغفروا ~~الله مما لا تعلمون وأسأله أن لا يؤاخذكم بما تقولون وأن يجعلني خيرا مما ~~تظنون وحكي أن أبا بكر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته ~~فأخفاها فقال يا رسول الله هذه صدقتي ولله عندي معاد وجاء عمر رضي الله عنه ~~بصدقته فأظهرها وقال يا رسول الله هذه صدقتي ولي عند الله المعاد فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (يا عمر وترت قوسك بغير وتر ما بين صدقتيكما كما ~~بين كلمتيكما) أولاده لصلبه وأعقابهم عبد الله بن أبي بكر وأسماء بنت أبي ~~بكر وأمهما قتيلة من بني عامر بن لؤي وعبد الرحمن وعائشة وأمهما أم رومان ~~بنت الحارث ابن الحويرث من بني فراس بن غنم بن كنانة ومحمد بن أبي بكر أمه ~~أسماء بنت عميس وأم كلثوم أمها بنت زيد بن خارجة رجل من الأنصار 82 فأما ~~عبد الله بن أبي بكر فإنه شهد الطائف مع النبي صلى الله عليه وسلم فجرح ~~وبقي إلى خلافة أبيه ومات وترك سبعة دنانير فاستكثرها أبوه رضي الله عنه ~~وولد عبد الله بن إسماعيل وهلك ولا عقب له 83 وأما أسماء فهي ذات النطاقين ms0647 ~~وتزوجها الزبير بمكة فولدت له عدة أولاد ثم طلقها فكانت مع عبد الله ابنها ~~حتى قتل وبقيت مائة سنة حتى عميت وماتت بمكة رضي الله عنها وأما عائشة رضي ~~الله عنها فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم ذكرها في هذا الحرف ~~84 واما عبد الرحمن بن أبي بكر فشهد يوم بدر مع المشركين ثم أسلم ~~PageV03P069 # وحسن إسلامه ومات فجأة سنة ثلاث وخمسين بجبل بقرب مكة ~~فأدخلته عائشة الحرم ودفنته وأعتقت عنه وكان شهد الجمل معها ويكنى أبا عبد ~~الله 85 وأما أم كلثوم فتزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمدا وكان ~~عاملا على مكة وولدت له زكريا وعائشة ثم قتل عنها فتزوجها عبد الرحمن ابن ~~عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي الآتي ذكره ولطلحة عقب كثير وهم ينزلون ~~بالقرب من المدينة وكانت بنت محمد بن طلحة عند سليمان بن علي بن عبد الله ~~بن العباس 86 وأما محمد بن عبد الرحمن فولد عبد الله بن محمد وله عقب يقال ~~لهم آل أبي عتيق من بين ولد أبي بكر وذلك أن عدة من ولد أبي بكر تفاضلوا ~~فقال أحدهم أنا ابن الصديق وقال الآخر أنا ابن ثاني اثنين وقال آخر أنا ابن ~~صاحب الغار وقال محمد بن عبد الرحمن أنا ابن عتيق فنسب إلى ذلك هو وولده ~~إلى اليوم وأما محمد بن أبي بكر فسيأتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله ~~تعالى 87 مواليه بلال بن أبي رباح وأمه حمامة وكان من مولدي السراة فيما ~~بين اليمن والطائف وكان لرجل من بني جمح فاشتراه أبو بكر رضي الله عنه بخمس ~~أواقي وأعتقه وكان من المعذبين في الله عز وجل وشهد بلال بدرا والمشاهدكلها ~~وهو أول من أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه فاستأذنه إلى الشام فأذن له فلم ~~يزل مقيما بها ولم يؤذن بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأحد منهم ms0648 فلما قدم ~~عمر رضي الله عنه إلى الشام لقيه فأمره بالأذان فأذن فبكى عمر والمسلمون ~~معه وكان بلال يكنى أبا عبد الله وكان شديد الأدمة نحيفا طوالا خفيف ~~العارضين به شمط كبير وكان لا يغير شيبه مات بدمشق سنة عشرين وهو ابن بضع ~~وستين سنة رحمه الله تعالى كتابه عثمان بن عفان رضي الله عنه وزيد بن ثابت ~~PageV03P070 # قاضيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقيل وقيل إنه أقام ~~سنة لم يختصم إليه أحد حاجبه شديد مولاه وكان خاتم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في يده 340 عبد الله بن الزبير أبو خبيب عبد الله بن الزبير بن العوام ~~بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وأمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم ~~ذات النطاقين وقد تقدم ذكرها مع أبيها وهو أول مولود ولد بالمدينة من ~~المسلمين بعد الهجرة بويع له بمكة سنة أربع وستين بعد أن أقام الناس بغير ~~خليفة جماديين وأياما من رجب وبايعه أهل العراق وولى أخاه مصعبا البصرة ~~وولى عبد الله بن مطيع الكوفة فوثب المختار بن أبي عبيد على الكوفة فأخذها ~~ووجه شميطا إلى البصرة فقتله مصعب وسار مصعب إلى المختار فقتله في سنة سبع ~~وستين وبنى ابن الزبير الكعبة وادخل فيها الحجر وجعل لها بابين مع الأرض ~~يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر وخلق داخل الكعبة وخارجها فكان أول من خلقها ~~وكساها القباطي وولى أخاه عبيدة بن الزبير المدينة وأخرج مروان بن الحكم ~~وبنيه منها فصار إلى الشام ولم يزل يقيم للناس الحج من سنة أربع وستين إلى ~~سنة اثنتين PageV03P071 # وسبعين فلما ولي عبد الملك منع أهل الشام من الحج من ~~أجل ابن الزبير كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجوا فضج الناس لما منعوا ~~الحج فبنى عبد الملك في بيت المقدس الصخرة فكان الناس يحضرونها يوم عرفة ~~ويقفون عندها ويقال إن ذلك سبب التعريف من مسجد بيت المقدس ومساجد الأمصار ~~وذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن أن أول من ms0649 سن التعريف في مساجد الأمصار عبد ~~الله بن عباس وذكر أبو عمر الكندي ان عبد العزيز بن مروان أول من سن ~~التعريف بمصر في الجامع بعد العصر ثم بعد ذلك بعث عبد الملك الحجاج إلى عبد ~~الله بن الزبير وسبب ذلك أن عبد الملك لما قتل مصعبا وابنه عيسى وأراد ~~الرجوع إلى الشام قام إليه الحجاج فقال يا أمير المؤمنين إني رأيت في منامي ~~أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فابعثني إليه وولني عليه فبعثه في جيش ~~من أهل الشام كثيف فنزل الطائف وكان يبعث البعوث فيقاتلون ابن الزبير ففي ~~ذلك كله ترجع خيل الحجاز بالظفر ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في ~~دخول الحرم عليه وحصاره وأخبره أن شوكته قد كلت فأذن له في ذلك فلما دخل ذو ~~القعدة رحل الحجاج من الطائف حتى نزل بئر ميمون وحصر ابن الزبير وأمد عبد ~~الملك الحجاج لهلال ذي الحجة ولم يطف بالبيت ولم يصل إليه وكان يلبس السلاح ~~ولا يمس النساء ولا الطيب إلى أن قتل ابن الزبير ولم يحج ابن الزبير ولا ~~أصحابه في هذه السنة لأنهم لم يقفوا بعرفة وحج الحجاج في هذه السنة ثم حصر ~~ابن الزبير ثمانية أشهر فتفرق عامة من كان معه وخرجوا إلى الحجاج في الأمان ~~حتى بلغ عدة المستأمنة عشرة آلاف وكان في جملتهم ابنا عبد الله بن الزبير ~~أخذا أمانا لنفسيهما فلما رأى عبد الله بن الزبير ما رأى من ولده وأصحابه ~~دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فقال يا أمه قد خذلني ~~الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع إلا صبر ~~ساعة PageV03P072 # والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا فما رأيك فقالت ~~والله يا بني أنت أعلم بنفسك ان كنت تعلم أنك على حق فامض له فقد قتل عليه ~~أصحابك وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن قتل معك ~~وان قلت إني على حق فلما وهن ms0650 أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل ~~الدين فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال هذا رأيي ولكن أحببت أن أعلم رأيك ~~فزدتني بصيرة فانظري يا أماه إني مقتول من يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي ~~لأمر الله فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا عمل بفاحشة ولم يجر في حكم ولم ~~يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي ولكن تعزية ~~لأمي لتسلو عني فقالت أمه إني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا اخرج حتى انظر ~~إلى ما يصير إليه أمرك ثم قالت اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ~~وذلك التحنث والظمأ في الهواجر بالمدينة ومكة وبره بأبيه وبي اللهم قد ~~اسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين ~~الصابرين ثم دنا فتناول يدها فقبلها فقالت هذا وداع فلا تبعد وكان عليه درع ~~فلما عانقها وجدت مس الدرع فقالت ما هذا صنيع من يريد ما تريد قال ما ~~لبستها إلا لأشد منك قالت فإنها لا تشد مني فنزعها ثم أدرج كميه وأدخل أسفل ~~قميصه وجبة خز كانت عليه من أسفل المنطقة وخرج وقد كبر الناس فحمل عليهم ~~فلم يبق بين يديه أحد وانهزم الناس ووقف بالأبطح لا يدنو منه أحد وكان ~~الحجاج وطارق ابن عمرو جميعا في ناحية الأبطح إلى المروة والناس لكل طائفة ~~منهم باب فمرة يحمل عبد الله في هذه ومرة في هذه وكأنه أسد في أجمة فلما ~~كان يوم الثلاثاء أذن المؤذن فتقدم فصلى بالناس فلما فرغ من الصلاة أمر ~~أهله وحضهم على القتال ثم قال لهم في جملة كلامه ألا من كان سائلا عني فإني ~~في الرعيل الأول احملوا على بركة الله وعونه ثم حمل حتى بلغ بهم الحجون ~~فرمي بآجرة فأرعش لها ودمي وجهه فلما وجد سخونة الدم على وجهه ولحيته قال ~~(فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا تقطر الدما) وصاحت ~~مولاة لآل الزبير ومجنونة وا أمير المؤمنيناه وكانت رأته حيث PageV03P073 # هوى ms0651 وكان قتله يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ~~جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وقيل جمادى الآخرة وكان سنة اثنتين وسبعين ~~سنة رضي الله عنه وجاء الخبر إلى الحجاج فسجد وجاء هو وطارق حتى وقفا عليه ~~فقال طارق ما ولدت النساء اذكر من هذا فقال الحجاج اتمدح من يخالف طاعة ~~أمير المؤمنين قال نعم هو اعذر لنا ولولا هذا ما كان لنا عذر بالمحاصرة وهو ~~في غير خندق ولا حصن ولا منعة منذ سبعة أشهر ينتصف منا بل يفضل علينا في كل ~~ما التقينا فبلع كلامهما عبد الملك فصوب رأي طارق وحكى الشعبي قال حضرت عبد ~~الله بن الزبير وهو يخطب بمكة فقال في آخر خطبته أما والله لو كانت الرجال ~~تصرف لصرفتكم تصريف الذهب بالفضة أما والله لوددت أن لي بكل رجلين منكم ~~رجلا من أهل الشام بل بكل خمسة بل بكل عشرة فما بكم يدرك الثأر ولا بكم ~~يمنع الجار فقام إليه رجل من أهل البصرة فقال ما نجد لنا ولك مثلا إلا قول ~~الأعشى (علقتها عرضا وعلقت رجلا * غيري وعلق أخرى غيرها الرجل) علقناك ~~وعلقت أهل الشام وعلق أهل الشام بني مروان فما عسانا أن نصنع قال الشعبي ~~فما سمعت بجواب أحضر منه ولا أحسن ثم دخل الحجاج مكة فبايع من بها من قريش ~~وبعث برأس ابن الزبير وجماعة إلى المدينة فنصبوا بها ثم ذهب بها إلى عبد ~~الملك بن مروان فبعث عبد الملك برأس ابن الزبير إلى عبد الله بن خازم ~~الأسلمي وهو بخراسان وال من جهة ابن الزبير وكتب إليه عبد الملك يدعوه إلى ~~طاعته ويقول له بايعني حتى اجعل لك خراسان طعمة سبع سنين فقال ابن خازم ~~لرسوله لولا أن الرسل لا تقتل لأمرت بضرب عنقك ولكن كل كتاب صاحبك فأكله ثم ~~أخذ الرأس فغسله وطيبه وكفنه ودفنه وقيل إنه بعث به إلى آل الزبير إلى ~~المدينة فدفنوه مع جثته ثم قال (أعيش زبيري الحياة فإن أمت * فإني موص ~~هامتي بالتزبر) ثم إن عبد ms0652 الملك بن مروان ولى الحجاج مكة واليمن واليمامة ~~فنقض الحجاج PageV03P074 # بنيان الكعبة الذي بناه ابن الزبير لأنه كان تخلخل من ~~حجارة المنجنيق فأعاده إلى بناء قريش الأول ولما توفي بشر بن مروان كتب عبد ~~الملك إلى الحجاج بن يوسف وهو بالمدينة بوفاته فأقبل في اثني عشر راكبا على ~~النجائب حتى دخل الكوفة فجأة فبدأ بالمسجد فدخله ثم صعد المنبر وستأتي تتمة ~~الكلام وقيل إن عبد الله بن الزبير قال لأمه أسماء إني لا آمن إن قتلت أن ~~يمثل بي وأصلب قالت يا بني إن الشاة إذا ذبحت لم تألم وماتت أمه بعده بخمسة ~~أيام ولها مائة سنة رضي الله عنها وكان سلطانه بالحجاز والعراق تسع سنين ~~واثنين وعشرين يوما رضي الله عنه PageV03P075 # 341 عبد الله بن المعتز أبو العباس عبد الله بن المعتز ~~بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن ~~علي عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي أخذ الأدب عن أبي العباس ~~المبرد وأبي العباس ثعلب وغيرهما كان أديبا بليغا شاعرا مطبوعا مقتدرا على ~~الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ جيد القريحة حسن الإبداع للمعاني مخالطا ~~للعلماء والأدباء معدودا من جملتهم إلى أن جرت له الكائنة في خلافة المقتدر ~~واتفق معه جماعة من رؤساء الأجناد ووجوه الكتاب فخلعوا المقتدر يوم السبت ~~لعشر بقين وقيل لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين وبايعوا ~~عبد الله المذكور ولقبوه المرتضي بالله وقيل المنصف بالله وقيل الغالب ~~بالله وقيل الراضي بالله وأقام يوما وليلة ثم إن أصحاب المقتدر تحزبوا ~~وتراجعوا وحاربوا أعوان ابن المعتز وشتتوهم وأعادوا المقتدرإلى دسته ~~واستحفى ابن المعتز في دار أبي عبد الله الحسين عبد الله بن الحسين المعروف ~~بابن الجصاص التاجر الجوهري فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم الخازن ~~فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفا في كسء وقيل إنه مات حتف أنفه وليس بصحيح بل ~~خنقه مؤنس وذلك يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين ودفن ~~في ms0653 خرابة بإزاء داره رحمه الله تعالى ومولده لسبع بقين من شعبان سنة سبع ~~وأربعين وقال سنان بن ثابت في سنة ست وأربعين ومائتين والقضية مشهورة وفيها ~~طول وهذا خلاصتها 88 ثم قبض المقتدر عب ابن الجصاص المذكور وأخذمنه مقدار ~~ألفي ألف دينار وسلم له بعد ذلك مقدار سبعمائة ألف دينار وكان فيه غفلة ~~وبله وتوفي يوم الأحد لثلاث ليلة خلت من شوار سنة خمس عشرة وثلاثمائة ولابن ~~المعتز من التصانيف كتاب الزهر والرياض وكتاب البديع وكتاب مكاتبات الإخوان ~~بالشعر وكتاب الجوارح والصيد وكتاب السرقات وكتاب أشعار الملوك وكتاب ~~الآداب وكتاب حلى الأخبار وكتاب طبقات الشعراء وكتاب الجامع في الغناء ~~وكتاب فيه أرجوزة في ذم الصبوح ومن كلامه البلاغة البلوغ إلى المعنى ولم ~~يطل سفر الكلام وكان يقول لي ما أحسن شعر تعرفه لقلت قول العباس بن الأحنف ~~(قد سحب الناس أذيال الظنون بنا * وفرق الناس فينا قولهم فرقا) (فكاذب قد ~~رمى بالظن غيركم * وصادق ليس يدري أنه صدق) ورثاه علي بن محمد بن بسام ~~الشاعر الآتي ذكره بقوله (لله رك من ميت بمضيعة * ناهيك في العلم والآداب ~~والحسب) (ما فيه لو ولا لولا فتنقصه * وإنما أدركته حرفة الأدب) ~~PageV03P076 # الله الحسين بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن ~~الجصاص التاجر الجوهري فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم الخازن فقتله ~~وسلمه إلى أهله ملفوفا في كساء وقيل إنه مات حتف أنفه وليس بصحيح بل خنقه ~~مؤنس وذلك يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين ودفن في ~~خرابة بإزاء داره رحمه الله تعالى ومولده لسبع بقين من شعبان سنة سبع ~~وأربعين وقال سنان بن ثابت في سنة ست وأربعين ومائتين والقضية مشهورة وفيها ~~طول وهذا خلاصتها 88 ثم قبض المقتدر على ابن الجصاص المذكور وأخذ منه مقدار ~~ألفي ألف دينار وسلم له بعد ذلك مقدار سبعمائة ألف دينار وكان فيه غفلة ~~وبله وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس عشرة وثلاثمائة ~~ولابن المعتز من التصانيف كتاب ms0654 الزهر والرياض وكتاب البديع وكتاب مكاتبات ~~الإخوان بالشعر وكتاب الجوارح والصيد وكتاب السرقات وكتاب أشعار الملوك ~~وكتاب الآداب وكتاب حلى الأخبار وكتاب طبقات الشعراء وكتاب الجامع في ~~الغناء وكتاب فيه أرجوزة في ذم الصبوح ومن كلامه البلاغة البلوغ إلى المعنى ~~ولم يطل سفر الكلام وكان يقول لو قيل لي ما أحسن شعر تعرفه لقلت قول العباس ~~بن الأحنف (قد سحب الناس أذيال الظنون بنا * وفرق الناس فينا قولهم فرقا) ~~(فكاذب قد رمى بالظن غيركم * وصادق ليس يدري أنه صدقا) ورثاه علي بن محمد ~~بن بسام الشاعر الآتي ذكره بقوله (لله درك من ميت بمضيعة * ناهيك في العلم ~~والآداب والحسب) (ما فيه لو ولا لولا فتنقصه * وإنما أدركته حرفة الأدب) ~~PageV03P077 # ولعبد الله المذكور أشعار رائقة وتشبيهات بديعة فمن ~~ذلك قوله (سقى المطيرة ذات الظل والشجر * ودير عبدون هطال من المطر) ~~(فطالما نبهتني للصبوح بها * في غرة الفجر والعصفور لم يطر) (أصوات رهبان ~~دير في صلاتهم * سود المدارع نعارين في السحر) (مزنرين على الأوساط قد ~~جعلوا * على الرؤوس أكاليلا من الشعر) (كم فيهم من مليح الوجه مكتحل * ~~بالسحر يطبق جفنيه على حور) (لاحظته بالهوى حتى استقاد له * طوعا وأسلفني ~~الميعاد بالنظر) (وجاءني في قميص الليل مستترا * يستعجل الخطو من خوف ومن ~~حذر) (فقمت أفرش خدي في الطريق له * ذلا وأسحب أذيالي على الأثر) (ولاح ضوء ~~هلال كاد يفضحنا * مثل القلامة قد قدت من الظفر) (وكان ما كان مما لست ~~أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر) ومن ظريف شعره قوله ولم أجدها في ~~ديوانه ولكن الرواة أطبقوا على أنها له والله أعلم (ومقرطق يسعى إلى ~~الندماء * بعقيقة في درة بيضاء) (والبدر في أفق السماء كدرهم * ملقى على ~~ياقوتة زرقاء) (كم ليلة قد سرني بمبيته * عندي بلا خوف من الرقباء) (ومهفهف ~~عقد الشراب لسانه * فحديثه بالرمز والإيماء) (حركته بيدي وقلت له انتبه * ~~يا فرحة الخلطاء والندماء) (فأجابني والسكر يخفض صوته * بتلجلج كتلجلج ~~الفأفاء) (إني لأفهم ما تقول وإنما * غلبت علي سلافة الصهباء) (دعني ms0655 أفيق ~~من الخمار إلى غد * واحكم بما تختار يا مولائي) PageV03P078 # وله في الخمرة المطبوخة وهو معنى بديع وفيه دلالة على ~~أنه كان حنفي المذهب (خليلي قد طاب الشراب المورد * وقد عدت بعد النسك ~~والعود أحمد) (فهاتا عقارا في قميص زجاجة * كياقوتة في درة تتوقد) يصوغ ~~عليها الماء شباك فضة * له حلق بيض تحل وتعقد) (وقتني من نار الجحيم بنفسها ~~* وذلك من إحسانها ليس يجحد) وكان ابن المعتز شديد السمرة مسنون الوجه يخضب ~~بالسواد ورأيت في بعض المجاميع أن عبد الله بن المعتز المذكور كان يقول ~~أربعة من الشعراء سارت أسماؤهم بخلاف أفعالهم فأبو العتاهية سار شعره ~~بالزهد وكان على الإلحاد وأبو نواس سار شعره باللواط وكان أزنى من قرد وأبو ~~حكيمة الكاتب سار شعره بالعنة وكان أهب من تيس ومحمد بن حازم سار شعره ~~بالقناعة وكان أحرص من كلب (وقد رويت لابن حازم خبرا يخالف حكاية ابن ~~المعتز ويوافق شعره وذلك أنه كان جار سعيد بن حميد الكاتب الطوسي فهجاه ~~لأمر كان بينهما فبلغ سعيدا هجوه فأغضى عنه مع القدرة ثم إن محمدا ساءت ~~حاله فتحول عن جواره فبلغ ابن حميد ذلك فبعث إليه عشرة آلاف درهم وتخوت ~~ثياب وفرسا بآلته ومملوكا وجارية وكتب إليه ذو الأدب يحمله ظرفه على نعت ~~الشيء بغير هيئته وتبعثه قدرته على وصفه بخلاف حليته ولم يكن ما شاع من ~~هجائك في جاريا إلا هذا المجرى وقد بلغني من سوء حالك وشدة خلتك ما لا ~~غضاضة به عليك مع كبر همتك وعظم نفسك ونحن شركاء فيما ملكنا ومتساوون فيما ~~تحت أيدينا وقد بعثت إليك بما جعلته وإن قل استفتاحا لما PageV03P079 # بعده وإن جل فرد ابن حازم جميعه ولم يقبل منه شيئا ~~وكتب إليه (وفعلت بي فعل المهلب إذ * غمر الفرزدق بالندى الدثر) (فبعثت ~~بالأموال ترغبني * كلا ورب الشفع والوتر) (لا ألبس النعماء من رجل * ألبسته ~~عارا على الدهر) وهذا دليل على قناعته وحسن صبره واحتماله الإضاقة 89 وهذا ~~سعيد بن حميد يكنى أبا عثمان وكان ms0656 كاتبا شاعرا مترسلا عذب الألفاظ مقدما في ~~صناعته جيد السرقة حتى قال بعض الفضلاء لو قيل لكلام سعيد وشعره ارجع إلى ~~أهلك لما بقي معه منه شيء وكان يدعي أنه من أولاد ملوك الفرس وله من الكتب ~~كتاب انتصاف العجم من العرب ويعرف بالتسوية وله ديوان رسائل وديوان شعر ~~صغير والمطيرة بفتح الميم وكسر الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعد الراء المفتوحة هاء وهي قرية من نواحي سر من رأى وعبدون الذي يضاف ~~الدير إليه فيقال دير عبدون هو ابن مخلد وهو أخو الوزير صاعد بن مخلد وإنما ~~أضيف إليه لأنه كان كثير التردد إليه والمقام فيه والعناية بعمارته وهو إلى ~~جنب المطيرة ودير عبدون أيضا قرب جزيرة ابن عمر بينهما دجلة وقد خرب الآن ~~وكان منزها لأهلها وقوله ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا مأخوذ من قول عمرو بن ~~قميئة في صفة الهلال (كأن ابن مزنتها جانحا * فسيط لدى الأفق من خنصر) ~~والفسيط قلامة الظفر PageV03P080 # 342 ابن طباطبا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي بن ~~الحسن بن إبراهيم بن طباطبا ابن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه الحجازي الأصل المصري الدار والوفاة كان ~~طاهرا كريما فاضلا صاحب رباع وضياع ونعمة ظاهرة وعبيد وحاشية كثير التنعم ~~كان بدهليزه رجل يكسر اللوز كل يوم من أول النهار إلى آخره برسم الحلوى ~~التي ينفذها لأهل مصر الأستاذ من كافور الإخشيدي إلى من دونه ويطلق للرجل ~~المذكور دينارين في كل شهر أجرة عمله فمن الناس من كان يرسل له الحلوى كل ~~يوم ومنهم كل جمعة ومنهم كل شهر وكان يرسل إلى كافور في كل يوم جامين حلوى ~~ورغيفا في منديل مختوم فحسده بعض الأعيان وقال لكافور الحلوى حسن فما لهذا ~~الرغيف فإنه لا يحسن أن يقابلك به فأرسل إليه كافور وقال يجريني الشريف في ~~الحلوى على العادة ويعفيني من الرغيف فركب الشريف إليه وعلم أنهم قد حسدوه ~~على ذلك وقصدوا إبطاله ms0657 فلما اجتمع به قال له أيدك الله إنا ما ننفذ الرغيف ~~تطاولا ولا تعاظما وإنما هي صبية حسنية تعجنه بيدها وتخبزه فنرسله على سبيل ~~التبرك فإذا كرهته قطعناه فقال كافور لا والله لا تقطعه ولا يكون قوتي سواه ~~فعاد إلى ما كان عليه من إرسال الحلوى والرغيف ولما مات كافور وملك المعز ~~أبو تميم معد بن المنصور العبيدي الديار المصرية على يد القائد جوهر المقدم ~~ذكره في حرف الجيم وجاء المعز بعد ذلك من PageV03P081 # إفريقية وكان يطعن في نسبه فلما قرب من البلد وخرج ~~الناس للقائه اجتمع به جماعة من الأشراف فقال له من بينهم ابن طباطبا ~~المذكور إلى من ينتسب مولانا فقال له المعز سنعقد مجلسا ونجمعكم ونسرد ~~عليكم نسبنا فلما استقر المعز بالقصر جمع الناس في مجلس عام وجلس لهم وقال ~~هل بقي من رؤسائكم أحد فقالوا لم يبق معتبر فسل عند ذلك نصف سيفه وقال هذا ~~نسبي ونثر عليهم ذهبا كثيرا وقال هذا حسبي فقالوا جميعا سمعنا وأطعنا وكان ~~الشريف المذكور حسن المعاملة في معامليه حسن الإفضال عليهم ملاطفا لهم يركب ~~إليهم وإلى سائر أصدقائه ويقضي حقوقهم ويطيل الجلوس عندهم وأغنى جماعة وكان ~~حسن المذهب وكانت ولادته سنة ست وثمانين ومائتين وتوفي في الرابع من رجب ~~سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة بمصر وصلي عليه في مصلى العيد وحضر جنازته من ~~الخلق ما لا يحصي عددهم إلا الله تعالى ودفن بقرافة مصر وقبره معروف ومشهور ~~بإجابة الدعاء روي أن رجلا حج وفاتته زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فضاق ~~صدره لذلك فرآه في نومه صلى الله عليه وسلم فقال له إذا فاتتك الزيارة فزر ~~قبر عبد الله بن أحمد بن طباطبا وكان صاحب الرؤيا من أهل مصر وحكى بعض من ~~له عليه إحسان أنه وقف على قبره وأنشد (وخلفت الهموم على أناس * وقد كانوا ~~بعيشك في كفاف) فرآه في نومه فقال قد سمعت ما قلت وحيل بيني وبين الجواب ~~والمكافأة ولكن صر إلى مسجد وصل ركعتين وادع يستجب لك ms0658 رحمه الله تعالى وقد ~~تقدم في حرف الهمزة الكلام على طباطبا وهذه الحكاية التي جرت له مع المعز ~~عند قدومه مصر ذكرها في كتاب الدول المنقطعة لكنها تناقض تاريخ الوفاة فإن ~~المعز دخل مصر في شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة كما سيأتي في ~~ترجمته إن شاء الله تعالى وابن PageV03P082 # طباطبا المذكور توفي في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ~~كما هو مذكور هاهنا فكيف يتصور الجمع بينهما وأفادني تاريخ وفاته شيخنا ~~الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري وراجعته في هذا التناقض فقال ~~أما الوفاة في هذا التاريخ فهي محققة ولعل صاحب الواقعة مع المعز كان ولده ~~والله أعلم أي ذلك كان ثم رأيت تاريخ وفاته كما هو هاهنا في تاريخ الأمير ~~المختار المعروف بالمسبحي وقال وكانت علته قد طالت من توثه عرضت له في حنكه ~~فتعالج بضروب العلاجات فلم ينجع فيها شيء وكانت علة غريبة لم يعهد مثلها ثم ~~رأيت في تاريخ ابن زولاق أن الشريف الذي التقى بالمعز هو أبو جعفر مسلم بن ~~عبيد الله الحسيني والشريف أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الحسيني الرسي ولعل ~~أحدهما صاحب هذه الواقعة والله أعلم 343 عبد الله بن طاهر أبو العباس عبد ~~الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن ماهان الخزاعي وقد تقدم ذكر ~~أبيه في حرف الطاء وقد كان عبد الله المذكور سيدا نبيلا عالي الهمة شهما ~~وكان المأمون كثير الاعتماد عليه حسن الالتفات إليه لذاته ورعاية لحق والده ~~وما أسلفه من الطاعة في خدمته وكان واليا على الدينور فلما خرج بابك الخرمي ~~على خراسان وأوقع الخوارج بأهل قرية PageV03P083 # الحمراء من أعمال نيسابور وأكثروا فيها الفساد واتصل ~~الخبر بالمأمون بعث إلى عبد الله وهو بالدينور يأمره بالخروج إلى خراسان ~~فخرج إليها في النصف من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومائتين وحارب ~~الخوارج وقدم نيسابور في رجب سنة خمس عشرة ومائتين وكان المطر قد انقطع ~~عنها تلك السنة فلما دخلها مطرت مطرا كثيرا فقام إليه رجل بزاز ms0659 من حانوته ~~وأنشده (قد قحط الناس في زمانهم * حتى إذا جئت جئت بالدرر) (غيثان في ساعة ~~لنا قدما * فمرحبا بالأمير والمطر) هكذا قال السلامي في أخبار خراسان وذكر ~~الطبري في تاريخه أن طلحة ابن طاهر المذكور في ترجمة أبيه لما مات في سنة ~~ثلاث عشرة وعبد الله يوم ذاك بالدينور أرسل المأمون إليه القاضي يحيى بن ~~أكثم يعزيه عن أخيه طلحة ويهنئه بولاية خراسان وذكر بعد هذا في ولاية طلحة ~~شيئا آخر فقال إن المأمون لما مات طاهر وكان ولده عبد الله بالرقة على ~~محاربة نصر بن شبث ولاه عمل أبيه كله وجمع له مع ذلك الشام فوجه عبد الله ~~أخاه طلحة إلى خراسان والله أعلم وذكر الطبري أيضا في سنة ثلاث عشرة أن ~~المأمون ولى أخاه المعتصم الشام ومصر وابنه العباس بن المأمون الجزيرة ~~والثغور والعواصم وأعطى كل واحد منهما ومن عبد الله بن طاهر خمسمائة ألف ~~دينار وقيل إنه لم يفرق في يوم من المال مثل ذلك وكان أبو تمام الطائي قد ~~قصد عبد الله من العراق فلما انتهى إلى قومس وطالت به الشقة وعظمت عليه ~~المشقة قال (يقول في قومس صحبي وقد أخذت * منا السرى وخطى المهرية القود) ~~(أمطلع الشمس تنوي أن تؤم بنا * فقلت كلا ولكن مطلع الجود) قلت وقد أخذ أبو ~~تمام هذين البيتين من أبي الوليد مسلم بن الوليد PageV03P084 # الأنصاري المعروف بصريع الغواني الشاعر المشهور حيث ~~يقول (يقول صحبي وقد جدوا على عجل * والخيل تسنن بالركبان في اللجم) (أمغرب ~~الشمس تنوي أن تؤم بنا * فقلت كلا ولكن مطلع الكرم) فإنه أغار على اللفظ ~~والمعنى رجعنا إلى ما كنا فيه ولما وصل أبو تمام إليه أنشده قصيدته البديعة ~~البائية التي يقول فيها (وركب كأطراف الأسنة عرسوا * على مثلها والليل تسطو ~~غياهبه) (لأمر عليهم أن تتم صدوره * وليس عليهم أن تتم عواقبه) وهي من ~~القصائد الطنانة وفيها يقول (فقد بث عبد الله خوف انتقامه * على الليل حتى ~~ما تدب عقاربه) وفي هذه السفرة ألف أبو تمام ms0660 كتاب الحماسة فإنه لما وصل إلى ~~همذان وكان في زمن الشتاء والبرد بتلك النواحي شديد خارج عن حد الوصف قطع ~~عليه كثرة الثلوج طريق مقصده فأقام بهمذان ينتظر زوال الثلج وكان نزوله عند ~~بعض رؤسائها وفي دار ذلك الرئيس خزانة كتب فيها دواوين العرب وغيرها فتفرغ ~~لها أبو تمام وطالعها واختار منها كتاب الحماسة وكان عبد الله المذكور ~~أديبا ظريفا جيد الغناء نسب إليه صاحب الأغاني أصواتا كثيرة أحسن فيها ~~ونقلها أهل الصنعة عنه وله شعر مليح ورسائل ظريفة فمن شعره قوله وجدتها ~~منسوبة إليه (نحن قوم تليننا الحدق النجل * على أننا نلين الحديدا) ~~PageV03P085 # (طوع أيدي الظباء تقتادنا العين * ونقتاد بالطعان ~~الأسودا) (نملك الصيد ثم تملكنا البيض * المصونات أعينا وخدودا) (تتقي ~~سخطنا الأسود ونخشى * سخط الخشف حين يبدي الصدودا) (فترانا يوم الكريهة ~~أحرارا * وفي السلم للغواني عبيدا) وقيل إنها لأصرم بن حميد ممدوح أبي تمام ~~والله أعلم ومن مشهور شعر عبد الله قوله (اغتفر زلتي لتحرز فضل الشكر * مني ~~ولا يفوتك أجري) (لا تكلني إلى التوسل بالعذر * لعلي أن لا أقوم بعذري) ~~وكان عبد الله أحد الأجواد الأسخياء حكى محمد بن داود بن الجراح عن محلم بن ~~أبي محلم الشيباني عن أبيه قال عادلت عبد الله بن طاهر إلى خراسان فدخلنا ~~الري وقت السحر فإذا قمرية تغرد على فنن شجرة فقال عبد الله بن طاهر أحسن ~~والله أبو كبير الهذلي حيث يقول (ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر * وغصنك مياد ~~ففيم تنوح) ثم قال ما أحسن هذا فقلت وقد عملت على البديهة في معارضتة ثم ~~قلت (أفي كل يوم غربة ونزوح * أما للنوى من أوبة فتروح) (لقد طلح البين ~~المشت ركائبي * فهل أرين البين وهو طليح) (وأرقني بالري نوح حمامة * فنحت ~~وذو الشجو القديم ينوح) (على أنها ناحت فلم تذر دمعة * ونحت وأسراب الدموع ~~سفوح) (وناحت وفرخاها بحيث تراهما * ومن دون أفراخي مهامه فيح) (عسى جود ~~عبد الله أن يعكس النوى * فتضحي عصا الأسفار وهي طريح) PageV03P086 # قال فأذن من ساعتي ms0661 بالرجوع ووصلني بعشرة آلاف درهم ~~وردني إلى منزلي ولما رجع عبد الله إلى الشام ارتفع فوق سطح قصره فنظر إلى ~~دخان يرتفع من جواره فقال ما هذا الدخان فقيل إن الجيران يخبزون فقال إن من ~~اللؤم أن نقيم بمكان فنكلف جيرانه بالخبز فاقصدوا الدور واكسروا التنانير ~~واحضروا ما بها من رجل وامرأة فأجرى على كل إنسان خبزه ولحمه وما يحتاج ~~إليه فسميت أيامه أيام الكفاية وكتب إليه وكيله أن دابة بعض الأضياف به نقب ~~فوقع يجلب عليه وعلى مثله من بعد بلا استشارة ولا استئذان ومن كلامه سمن ~~الكيس ونبل الذكر لا يجتمعان في موضع واحد ورفعت إليه قص مضمونها أن جماعة ~~خرجوا إلى ظاهر البلد للتفرج ومعهم صبي فكتب على رأسها ما السبيل على فتية ~~خرجوا لمتنزههم يقضون أوطارهم على قدر أخطارهم ولعل الغلام ابن أحدهم أو ~~قرابة بعضهم وكان عبد الله قد تولى الشام مدة والديار المصرية مدة وفيه ~~يقول بعض الشعراء وهو بمصر (يقول أناس إن مصرا بعيدة * وما بعدت مصر وفيها ~~ابن طاهر) (وأبعد من مصر رجال تراهم * بحضرتنا معروفهم غير حاضر) (عن الخير ~~موتى ما تبالي أزرتهم * على طمع أم زرت أهل المقابر) وتنسب هذه الأبيات إلى ~~عوف بن محلم الشيباني والله أعلم وكان دخوله إليها سنة إحدى عشرة ومائتين ~~وخرج منها في أواخر هذه السنة فدخل بغداد في ذي القعدة منها واستمر نوابه ~~بمصر وعزل عنها في سنة سن ثلاث عشرة ومائتين ووليها أبو إسحاق ابن الرشيد ~~وهو الملقب بالمعتصم وذكر الفرغاني في تاريخه أن عبد الله بن طاهر وليها ~~بعد عبيد الله بن السري PageV03P087 # ابن الحكم وخرج عبيد الله عنها في صفر سنة إحدى عشرة ~~ومائتين وخرج عبد الله بن طاهر عنها إلى العراق لخمس بقين من رجب سنة اثنتي ~~عشرة ومائتين وقد استخلف بها إلى أن وليها المعتصم وذكر الوزير أبو القاسم ~~ابن المغربي في كتاب أدب الخواص أن البطيخ العبدلاوي الموجود بالديار ~~المصرية منسوب إلى عبد الله المذكور وهذا النوع من ms0662 البطيخ لم أره في شيء من ~~البلاد سوى مصر ولعله نسب إليه لأنه كان يستطيبه أو أنه أول من زرعه هناك ~~90 وعبد الله وقومه خزاعيون بالولاء فإن جدهم رزيقا كان مولى أبي محمد طلحة ~~بن عبيد الله بن خلف المعروف بطلحة الطلحات الخزاعي وكان طلحة المذكور ~~واليا على سجستان من قبل مسلم بن زياد بن أبيه والي خراسان وكنيته أبو حرب ~~فمات بها في فتنة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وفيه يقول الشاعر وهو ~~عبيد الله بن قيس الرقيات (رحم الله أعظما دفنوها * بسجستان طلحة الطلحات) ~~وإنما قيل له طلحة الطلحات لأن أمه طلحة بنت أبي طلحة هكذا قاله أبو الحسين ~~علي بن أحمد السلامي في تاريخ ولاة خراسان وقومس المذكور في شعر أبي تمام ~~بضم القاف وسكون الواو وفتح الميم وقيل بكسرها وبعدها سين مهملة وهو إقليم ~~من عراق العجم حده من جهة خراسان بسطام ومن جهة العراق سمنان هاتان ~~المدينتان داخلتان في أعمال قومس وكرسي قومس الدامغان وكانت وفاة عبد الله ~~المذكور في شهر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين ومائتين بمرو وقيل سنة ثلاثين ~~وهو الأصح وقال الطبري مات بنيسابور يوم الاثنين لأحدى عشرة ليلة خلت من ~~شهر ربيع الأول من سنة ثلاثين PageV03P088 # ومائتين بعد موت أشناس التركي بسبعة أيام وعاش مثل ~~أبيه طاهر ثمانيا وأربعين سنة رحمه الله تعالى وسيأتي ذكر ولده عبيد الله ~~إن شاء الله تعالى 344 أبو العميثل أبو العميثل عبد الله بن خليد مولى جعفر ~~بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم ويقال ~~أصله من الري وكان يفخم الكلام ويغربه وكان كاتب عبد الله بن طاهر المذكور ~~قبله وشاعره ومنقطعا إليه وكاتب أبيه طاهر من قبله وكان مكثرا من نقل اللغة ~~عارفا بها شاعرا مجيدا فمن شعره في عبد الله المذكور قوله (يا من يحاول أن ~~تكون صفاته * كصفات عبد الله أنصت واسمع) (فلأنصحنك في المشورة والذي * حج ~~الحجيج إليه فاسمع أو ms0663 دع) (أصدق وعف وبر واصبر واحتمل * واصفح وكاف ودار ~~واحلم وأشجع) (والطف ولن وتأن وارفق واتئد * واحزم وجد وحام واحمل وادفع) ~~(فلقد محضتك إن قبلت نصيحتي * وهديت للنهج الأسد المهيع) ولقد أحسن في هذا ~~المقطوع كل الإحسان وله غيره أشعار حسان ويقال إنه وصل يوما إلى باب عبد ~~الله بن طاهر فرام الدخول إليه فحجب فقال PageV03P089 # (سأترك هذا الباب ما دام إذنه * على ما أرى حتى يخف ~~قليلا) (إذا لم أجد يوما إلى الإذن سلما * وجدت إلى ترك اللقاء سبيلا) فبلغ ~~ذلك عبد الله فأنكره وأمر بدخوله وكان يقول النعمان اسم من أسماء الدم ~~ولذلك قيل شقائق النعمان نسبت إلى الدم لحمرتها قال وقولهم إنها منسوبة إلى ~~النعمان بن المنذر ليس بشيء وحدثت الأصمعي بهذا فنقله عني هذا كله كلام أبي ~~العميثل والذي ذكره أرباب اللغة بخلافه فإن ابن قتيبة ذكر في كتاب المعارف ~~أن النعمان بن المنذر وهو آخر ملوك الحيرة من اللخميين خرج إلى ظهر الكوفة ~~وقد اعتم نبته من بين أصفر وأحمر وأخضر وإذا فيه من هذه الشقائق شيء كثير ~~فقال ما أحسنها احموها فحموها فسمي شقائق النعمان بذلك وقال الجوهري في ~~الصحاح إنها منسوبة إلى النعمان المذكور وكذا غيره والله أعلم ويحكى أن أبا ~~تمام الطائي لما أنشد عبد الله بن طاهر قصيدته البائية المذكورة في ترجمته ~~كان أبو العميثل حاضرا فقال له يا أبا تمام لم لا تقول ما يفهم فقال يا أبا ~~العميثل لم لا تفهم ما يقال وقبل يوما كف عبد الله بن طاهر فاستخشن مس ~~شاربيه فقال أبو العميثل في الحال شوك القنفذ لا يؤلم كف الأسد فأعجبه ~~كلامه وأمر له بجائزة سنية وصنف كتبا منها كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه ~~وكتاب التشابه وكتاب الأبيات السائرة وكتاب معاني الشعر وغير ذلك وكانت ~~وفاة أبي العميثل سنة أربعين ومائتين رحمه الله تعالى PageV03P090 # والعميثل بفتح العين المهملة والميم وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وفتح الثاء المثلثة وبعدها لام وهو اسم لعدة أشياء من ms0664 ~~جملتها الأسد والظاهر أنه هو المقصود هاهنا 345 الناشي الأكبر أبو العباس ~~عبد الله بن محمد الناشي الأنباري المعروف بابن شرشير الشاعر كان من ~~الشعراء المجيدين وهو في طبقة ابن الرومي والبحتري وأنظارهما وهو الناشي ~~الأكبر وسيأتي ذكر الناشي الأصغر إن شاء الله تعالى وكان نحويا عروضيا ~~متكلما أصله من الأنبار وأقام ببغداد مدة طويلة ثم خرج إلى مصر وأقام بها ~~إلى آخر عمره وكان متبحرا في عدة علوم من جملتها علم المنطق وكان بقوة علم ~~الكلام قد نقض علل النحاة وأدخل على قواعد العروض شبها ومثلها بغير أمثلة ~~الخليل وكل ذلك بحذقه وقوة فطنته وله قصيدة في فنون من العلم على روي واحد ~~تبلغ أربعة آلاف بيت وله عدة تصانيف جميلة وله أشعار كثيرة في جوارح الصيد ~~وآلاته والصيود وما يتعلق بها كأنه كان صاحب صيد وقد استشهد كشاجم بشعره في ~~كتاب المصايد والمطارد في مواضع منها قصائد ومنها طرديات على أسلوب أبي ~~نواس ومنها مقاطيع وقد أجاد في الكل فمن ذلك قوله طردية في وصف باز ~~PageV03P091 # (لما تفرى الليل عن أثباجه * وارتاح ضوء الصبح ~~لانبلاجه) (غدوت أبغي الصيد في منهاجه * بأقمر أبدع في نتاجه) (ألبسه ~~الخالق من ديباجه * وشيا يحار الطرف في اندراجه) (في نسق منه وفي انعراجه * ~~وزان فوديه إلى حجاجه) (بزينة كفته نظم تاجه * منسره ينبئ عن خلاجه) (وظفره ~~يخبر عن علاجه * لو استضاء المرء في إدلاجه) (بعينه كفته من سراجه) ومن ~~شعره في جارية مغنية بديعة الجمال: # (فديتك لو أنهم أنصفوك * لردوا النواظر عن ناظريك) (تردين أعيننا عن سواك ~~* وهل تنظر العين إلا إليك) (وهم جعلوك رقيبا علينا * فمن ذا يكون رقيبا ~~عليك) (ألم يقرأوا ويحهم ما يرون * من وحي حسنك في وجنتيك) وشعره كثير ~~ونقتصر منه على هذا القدر وكانت وفاته بمصر سنة ثلاث وتسعين ومائتين رحمه ~~الله تعالى والناشي بفتح النون وبعد الألف شين معجمة وبعدها ياء وهو لقب ~~عليه وشرشير بكسر الشين الأولى والثانية المعجمتين وبينهما راء ساكنة ثم ~~ياء مثناة من ms0665 تحتها وبعدها راء وهو في الأصل اسم طائر يصل إلى الديار ~~المصرية في البحر في زمن الشتاء وهو أكبر من الحمام بقليل وأظنه من طير ~~الماء وهو كثير الوجود بساحل دمياط وأظنه يأتي من صحراء الترك وباسمه سمي ~~الرجل والله أعلم والأنباري بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الباء الموحدة ~~وبعد الألف راء هذه النسبة إلى الأنبار وهي مدينة قديمة على الفرات في جهة ~~بغداد يفصل PageV03P092 # بينهما دجلة وهي في الجانب الغربي وبغداد في الجانب ~~الشرقي وبينها وبين بغداد عشرة فراسخ خرج منها جماعة من العلماء وهو جمع ~~واحده نبر بكسر النون وسكون الباء والأنبار أهراء الطعام وإنما قيل لهذه ~~البليدة الأنبار لأن الملوك الأكاسرة كانوا يخزنون بها الطعام فسميت بذلك ~~346 ابن صارة الشنتريني أبو محمد عبد الله بن محمد بن صارة البكري الأندلسي ~~الشنتريني الشاعر المشهور كان شاعرا ماهرا ناظما ناثرا إلا أنه كان قليل ~~الحظ إلا من الحرمان لم يسعه مكان ولا اشتمل عليه سلطان ذكره صاحب قلائد ~~العقيان وأثنى عليه ابن بسام في الذخيرة وقال إنه تتبع المحقرات وبعد جهد ~~ارتقى إلى كتابة بعض الولاة فلما كان من خلع الملوك ما كان أوى إلى إشبيلية ~~أوحش حالا من الليل وأكثر انفرادا من سهيل وتبلغ بالوراقة وله منها جانب ~~وبها بصر ثاقب فانتحلها على كساد سوقها وخلو طريقها وفيها يقول (أما ~~الوراقة فهي أيكة حرفة * أوراقها وثمارها الحرمان) (شبهت صاحبها بصاحب إبرة ~~* تكسو العراة وجسمها عريان) PageV03P093 # وله (ومعذر رقت حواشي حسنه * فقلوبنا وجدا عليه رقاق) ~~(لم يكس عارضه السواد وإنما * نفضت عليه سوادها الأحداق) وله في غلام أزرق ~~العين (ومهفهف أبصرت في أطواقه * قمرا بآفاق المحاسن يشرق) (تقضي على ~~المهجات منه صعدة * متألق فيها سنان أزرق) وهذا كقول السلامي (أعانق من قده ~~صعدة * ترى اللحظ منها مكان السنان) (ومن هاهنا أخذ ابن النبيه المصري قوله ~~(أسمر كالرمح له مقلة * لو لم تكن كحلاء كانت سنان) وأورد له صاحب كتاب ~~الحديقة (أسنى ليالي الدهر عندي ليلة * لم أخل فيها ms0666 الكأس من إعمال) (فرقت ~~فيها بين جفني والكرى * وجمعت بين القرط والخلخال) وقال غيره هذان البيتان ~~لصالح الهزيل الإشبيلي والله أعلم وله في الزهد (يا من يصيخ إلى داعي ~~السفاه وقد * نادى به الناعيان الشيب والكبر) (إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ~~ثوى * في رأسك الواعيان السمع والبصر) (ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل * لم ~~يهده الهاديان العين والأثر) PageV03P094 # (لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الأعلى * ولا ~~النيران الشمس والقمر) (ليرحلن عن الدنيا وإن كرها * فراقها الثاويان البدو ~~والحضر) وله (وصاحب لي كداء البطن صحبته * يودني كوداد الذئب للراعي) (يثني ~~علي جزاه الله صالحة * ثناء هند على روح بن زنباع) قوله ثناء هند على روح ~~بن زنباع هذه هند هي بنت النعمان ابن بشير الأنصاري رضي الله عنه وكان روح ~~بن زنباع الجذامي صاحب عبد الملك بن مروان قد تزوجها وكانت تكرهه وفيه تقول ~~(وهل هند إلا مهرة عربية * سليلة أفراس تحللها بغل) (فإن نتجت مهرا كريما ~~فبالحري * وإن يك إقراف فما أنجب الفحل) ويروى فمن قبل الفحل وهو إقواء ~~ويروى هذان البيتان لأختها حميدة بنت النعمان والإقراف أن تكون الأم عربية ~~والأب ليس كذلك والهجنة خلاف ذلك بأن يكون الأب عربيا والأم خلاف ذلك وله ~~ديوان شعر أكثره جيد وكانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة بمدينة المرية من ~~جزيرة الأندلس وقد تقدم ذكرها ويقال في اسم جده صارة وسارة بالصاد والسين ~~المهملتين والشنتريني بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة ~~من فوقها وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وهذه النسبة ~~إلى شنترين، وهي بلدة في غرب جزيرة الأندلس أيضا رحمه الله تعالى ~~PageV03P095 # 347 البطليوسي أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد ~~البطليوسي النحوي كان عالما بالآداب واللغات متبحرا فيهما مقدما في ~~معرفتهما وإتقانهما سكن مدينة بلنسية وكان الناس يجتمعون إليه ويقرأون عليه ~~ويقتبسون منه وكان حسن التعليم جيد التفهيم ثقة ضابطا ألف كتبا نافعة ممتعة ~~منها كتاب المثلث في مجلدين أتى فيه بالعجائب ms0667 ودل على اطلاع عظيم فإن مثلث ~~قطرب في كراسة واحدة واستعمل فيها الضرورة وما لا يجوز وغلط في بعضه وله ~~كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب وقد ذكرته في ترجمة عبد الله بن قتيبة ~~وشرح سقط الزند لأبي العلاء المعري شرحا استوفى فيه المقاصد وهو أجود من ~~شرح أبي العلاء صاحب الديوان الذي سماه ضوء السقط وله كتاب في الحروف ~~الخمسة وهي السين والصاد والضاد والطاء والذال جمع فيه كل غريب وله كتاب ~~الحلل في شرح أبيات الجمل والخلل في أغاليط الجمل أيضا وكتاب التنبيه على ~~الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة وكتاب شرح الموطأ وسمعت أن له شرح ديوان ~~المتنبي ولم أقف عليه وقيل إنه لم يخرج من المغرب وبالجملة فكل شيء يتكلم ~~فيه فهو في غاية الجودة وله نظم حسن فمن ذلك قوله (أخو العلم حي خالد بعد ~~موته * وأوصاله تحت التراب رميم) PageV03P096 # (وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى * يظن من الأحياء ~~وهو عديم) وله في طول الليل (ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة * كما شبت أم في ~~الجو روض بهار) (كأن الليالي السبع في الجو جمعت * ولا فصل فيما بينهما ~~لنهار) وله من أول قصيد يمدح بها المستعين بن هود (هم سلبوني حسن صبري إذ ~~بانوا * بأقمار أطواق مطالعها بان) (لئن غادروني باللوى إن مهجتي * مسايرة ~~أظعانهم حيثما كانوا) (سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم * ينازعها مزن من الدمع ~~هتان) (أأحبابنا هل ذلك العهد راجع * وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان) (ولي ~~مقلة عبرى وبين جوانحي * فؤاد إلى لقياكم الدهر حنان) (تنكرت الدنيا لنا ~~بعد بعدكم * وحلت بنا من معضل الخطب ألوان) ومن مديحها (رحلنا سوام الحمد ~~عنها لغيرها * فلا ماؤها صدا ولا النبت سعدان) (إلى ملك حاباه بالحسن يوسف ~~* وشاد له البيت الرفيع سليمان) (من النفر الشم الذين أكفهم * غيوث ولكن ~~الخواطر نيران) PageV03P097 # وهي طويلة ونقتصر منها على هذا القدر ومولده في سنة ~~أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس وتوفي في منتصف رجب سنة إحدى وعشرين ~~وخمسمائة بمدينة بلنسية رحمه ms0668 اله تعالى والسيد بكسر السين المهملة وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة وهو من جملة أسماء الذئب سمي ~~الرجل به والبطليوسي بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة وسكون اللام وفتح ~~الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وبعدها سين مهملة وبلنسية بفتح الباء ~~الموحدة واللام وسكون النون وكسر السين المهملة وفتح الياء المثناة من ~~تحتها وبعدها هاء ساكنة هاتان المدينتان بجزيرة الأندلس خرج منهما جماعة من ~~العلماء 348 ابن ناقيا أبو القاسم عبد الله وقيل عبد الباقي بن محمد بن ~~الحسين بن داود بن ناقيا الأديب الشاعر اللغوي المترسل هو من أهل الحريم ~~الطاهري وهي محلة ببغداد وكان فاضلا بارعا وله مصنفات حسنة مفيدة منها ~~مجموع سماه ملح الممالحة ومنها كتاب الجمان في تشبيهات القرآن وله مقامات ~~أدبية مشهورة واختصر الأغاني في مجلد واحد وشرح كتاب الفصيح وله ديوان ~~PageV03P098 # شعر كبير وديوان رسائل وذكره العماد الأصبهاني في كتاب ~~الخريدة وأثنى عليه وذكر طرفا من أحواله وأورد له هذين البيتين في بعض ~~الرؤساء وقد افتصد فكتبهما إليه (جعل الله ذو المواهب عقباك * من الفصد صحة ~~وسلامه) (قل ليمناك كيف شئت استهلي * لا عدمت الندى فأنت غمامه) ولقد أجاد ~~فيهما ومن شعره أيضا (أخلاي ما صاحبت في العيش لذة * ولا زال عن قلبي حنين ~~التذكر) (ولا طاب لي طعم الرقاد ولا اجتنبت * لحاظي مذ فارقتكم حسن منظر) ~~(ولا عبثت كفي بكأس مدامة يطوف بها ساق ولا جس مزهر) وكان ينسب إلى التعطيل ~~ومذهب الأوائل وصنف في ذلك مقالة وكان كثير المجون وحكى الذي تولى غسله بعد ~~موته أنه وجد يده اليسرى مضمومة فاجتهد حتى فتحها فوجد فيها كتابة بعضها ~~على بعض فتمهل حتى قرأها فإذا فيها مكتوب (نزلت بجار لا يخيب ضيفه * أرجي ~~نجاتي من عذاب جهنم) (وإني على خوف من الله واثق * بإنعامه فالله أكرم ~~منعم) ومولده في منتصف ذي القعدة سنة عشر وأربعمائة وتوفي ليلة الأحد رابع ~~المحرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة ودفن بباب الشام ببغداد رحمه الله تعالى ~~وناقيا ms0669 بفتح النون وبعد الألف قاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها مفتوحة ~~وبعدها ألف وقد تقدمت له أبيات مرثية في ترجمة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ~~PageV03P099 # 349 الشيخ أبو البقاء أبو البقاء عبد الله بن أبي عبد ~~الله الحسين بن أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري الأصل البغدادي ~~المولد والدار الفقيه الحنبلي الحاسب الفرضي النحوي الضرير الملقب محب ~~الدين أخذ النحو عن أبي محمد ابن الخشاب المذكور بعده وعن غيره من مشايخ ~~عصره ببغداد وسمع الحديث من أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد المعروف ~~بابن البطي ومن أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي وغيرهما ولم يكن في ~~آخر عمره في عصره مثله في فنونه وكان الغالب عليه علم النحو وصنف فيه ~~مصنفات مفيدة وشرح كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي وديوان المتنبي وله كتاب ~~إعراب القرآن الكريم في مجلدين وكتاب إعراب الحديث لطيف وكتاب شرح اللمع ~~لابن جني وكتاب اللباب في علل النحو وكتاب إعراب شعر الحماسة وشرح المفصل ~~للزمخشري شرحا مستوفى وشرح الخطب النباتية والمقامات الحريرية وصنف في ~~النحو والحساب واشتغل عليه PageV03P100 # خلق كثير وانتفعوا به واشتهر اسمه في البلاد وهو حي ~~وبعد صيته وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وتوفي ليلة الأحد ثامن ~~شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة ببغداد ودفن بباب حرب رحمه الله تعالى ~~والعكبري بضم العين المهملة وسكون الكاف وفتح الباء الموحدة وبعدها راء هذه ~~النسبة إلى عكبرا وهي بليدة على دجلة فوق بغداد بعشرة فراسخ خرج منها جماعة ~~من العلماء وغيرهم وحكى الشيخ أبو البقاء المذكور في كتاب شرح المقامات عند ~~ذكر العنقاء أن أهل الرس كان بأرضهم جبل يقال له رمخ صاعد في السماء قدر ~~ميل وكان به طيور كثيرة وكانت العنقاء طائرة عظيمة الخلق طويلة العنق لها ~~وجه إنسان وفيها من كل حيوان شبه من أحسن الطير وكانت تأتي في السنة مرة ~~هذا الجبل فتلتقط طيره فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير فانقضت على صبي ~~فذهبت به فسميت ms0670 عنقاء مغربا لإبعادها بما تذهب به ثم ذهبت بجارية أخرى فشكا ~~أهل الرس إلى نبيهم حنظلة بن صفوان فدعا عليها فأصابتها صاعقة فاحترقت ~~والله أعلم قلت هذا حنظلة بن صفوان نبي أهل الرس كان في زمن الفترة بين ~~عيسى والنبي عليهما الصلاة والسلام ثم رأيت في تاريخ أحمد بن عبد الله بن ~~أحمد الفرغاني نزيل مصر أن العزيز نزار بن المعز صاحب مصر اجتمع عنده من ~~غرائب الحيوان ما لم يوجد عند غيره فمن ذلك العنقاء وهو طائر جاءه من صعيد ~~مصر في طول البلشوم وأعظم جسما منه له غبب ولحية وعلى PageV03P101 # رأسه وقاية وفيه عدة ألوان ومشابه من طيور كثيرة والله ~~أعلم ثم وجدت في أواخر كتاب ربيع الأبرار تأليف العلامة أبي القاسم ~~الزمخشري في باب الطير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى خلق في ~~زمن موسى عليه السلام طائرة اسمها العنقاء لها أربعة أجنحة من كل جانب ~~ووجهها كوجه الإنسان وأعطاها من كل شيء حسن قسطا وخلق لها ذكرا مثلها وأوحى ~~إليه أني خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس ~~وآنستك بهما وجعلتهما زيادة فيما فضلت به بني إسرائيل فتناسلا وكثر نسلهما ~~فلما توفي موسى عليه السلام انتقلت فوقعت بنجد والحجاز فلم تزل تأكل الوحش ~~وتختطف الصبيان إلى أن نبىء خالد بن سنان العبسي بين عيسى ومحمد عليهما ~~السلام فشكوها إليه فدعا الله فقطع نسلها وانقرضت والله أعلم 350 ابن ~~الخشاب أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد المعروف بابن الخشاب ~~البغدادي العالم المشهور في الأدب والنحو والتفسير والحديث والنسب والفرائض ~~والحساب وحفظ الكتاب العزيز بالقراءات الكثيرة وكان متضلعا من العلوم وله ~~فيها اليد الطولى وكان خطه في نهاية الحسن ذكره العماد الأصبهاني في ~~الخريدة وعدد فضائله ومحاسنه ثم قال وكان قليل الشعر ومن شعره في الشمعة ~~PageV03P102 # (صفراء من غير سقام بها * كيف وكانت أمها الشافية) ~~(عارية باطنها مكتس * فاعجب بها عارية كاسيه) وذكر له لغزا في كتاب ms0671 وهو ~~(وذي أوجه لكنه غير بائح * بسر وذو الوجهين للسر مظهر) (تناجيك بالأسرار ~~أسرار وجهه * فتسمعها بالعين ما دمت تنظر) وهذا المعنى مأخوذ من قول ~~المتنبي في ابن العميد (فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا * ودعاك خالقك الرئيس ~~الأكبرا) (خلفت صفاتك في العيون كلامه * كالخط يملأ مسمعي من أبصرا) وشرح ~~كتاب الجمل لعبد القاهر الجرجاني وسماه المرتجل في شرح الجمل وترك أبوابا ~~من وسد الكتاب ما تكلم عليها وشرح اللمع لابن جني ولم يكملها وكانت فيه ~~بذاذة وقلة اكتراث بالمأكل والملبس وذكر العماد أنه كانت بينهما صحبة ~~ومكاتبات وقال لما مات كنت بالشام فرأيته ليلة في المنام فقلت له ما فعل ~~الله بك قال خيرا فقلت فهل يرحم الله الأدباء فقال نعم قلت وإن كانوا ~~مقصرين فقال يجري عتاب كثير ثم يكون النعيم ومولده سنة اثنتين وتسعين ~~وأربعمائة قلت هكذا وجدت تاريخ ولادته وعندي في ذلك شيء لأني وقع لي جزء ~~فيه تعاليق وفوائد علقها بخطه وكتب على ظهره ما صورته مختصرا سألت أبا ~~الفضل محمد بن ناصر عن مولد شيخنا أبي الكرم المبارك بن فاخر المعروف بابن ~~الدباس النحوي فقال سنة ثلاثين وأربعمائة وأظنه خمن لأنه توفي سنة خمس ~~وخمسمائة وسنه فيما أرى أعلى من ذلك فسألت أبا المحاسن ابن أبي نصر بن ~~الدباس PageV03P103 # الناسخ عن مولد عمه أبي الكرم المذكور فقال قال لي قبل ~~وفاته بسنة أنا في سنتي هذه بين فمي سبعين وإنني لأخشى من ذلك يعني لي سبع ~~وسبعون وهذا يقتضي أن يكون مولده سنة ست وعشرين فمضمون هذه الحكاية أن وفاة ~~ابن الدباس محققة في سنة خمس وخمسمائة وهو أحد مشايخ ابن الخشاب المذكور ~~وممن أكثر الرواية عنه ويبعد أن يكون قد حصل له هذا التحصيل واستفاد منه ~~وسنه حينئذ لم يبلغ الحلم فإنه على ما ذكرناه من تاريخ وفاة المذكور ومولد ~~ابن الخشاب المذكور يكون تقدير عمره عند وفاة شيخه أبي الكرم ثلاث عشرة سنة ~~وفي مثل هذا السن يبعد اشتغاله وجمعه ولا شك أن خط ms0672 ابن الخشاب يعتمد عليه ~~فعلى هذا التقدير يكون مولده قبل هذا التاريخ الذي ذكرناه ويحتمل أن يكون ~~التاريخ صحيحا وتكون روايته عن شيخه المذكور بمجرد الرواية دون الاشتغال ~~والاستفادة ومثل ذلك يكون كثيرا والله أعلم وكانت وفاته عشية الجمعة ثالث ~~شهر رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة ببغداد رحمه الله تعالى بباب الأزج بدار ~~أبي القاسم ابن الفراء ودفن بمقبرة أحمد بباب حرب وصلي عليه بجامع السلطان ~~يوم السبت PageV03P104 # 351 ابن الفرضي أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف ~~بن نصر الأزدي الأندلسي القرطبي الحافظ المعروف بابن الفرضي كان فقيها ~~عالما في فنون من العلم الحديث وعلم الرجال والأدب البارع وغير ذلك وله من ~~التصانيف تاريخ علماء الأندلس وهو الذي ذيل عليه ابن بشكوال بكتابه الذي ~~سماه الصلة وله كتاب حسن في المؤتلف والمختلف وفي مشتبه النسبة وكتاب في ~~أخبار شعراء الأندلس وغير ذلك ورحل من الأندلس إلى المشرق في سنة اثنتين ~~وثمانين وثلاثمائة فحج وأخذ عن العلماء وسمع منهم وكتب من أماليهم ومن شعره ~~(أسير الخطايا عند بابك واقف * على وجل مما به أنت عارف) (يخاف ذنوبا لم ~~يغب عنك غيبها * ويرجوك فيها فهو راج وخائف) (ومن ذا الذي يرجو سواك ويتقي ~~* وما لك في فصل القضاء مخالف) (فيا سيدي لا تخزني في صحيفتي * إذا نشرت ~~يوم الحساب الصحائف) (وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما * يصد ذوو القربى ~~ويجفو الموالف) (لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي * أرجي لإسرافي فإني لتالف) ~~ومن شعره أيضا PageV03P105 # (إن الذي أصبحت طوع يمينه * إن لم يكن قمرا فليس دونه) ~~(ذلي له في الحب من سلطانه * وسقام جسمي من سقام جفونه) وله شعر كثير ~~ومولده في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وتولى القضاء بمدينة بلنسية ~~وقتلته البربر يوم فتح قرطبة وهو يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة ثلاث ~~وأربعمائة رحمه الله تعالى وبقي في داره ثلاثة أيام ودفن متغيرا من غير غسل ~~ولا كفن ولا صلاة روي عنه أنه قال تعلقت بأستار الكعبة ms0673 وسألت الله تعالى ~~الشهادة ثم انحرفت وفكرت في هول القتل فندمت وهممت أن أرجع فأستقيل الله ~~سبحانه ذلك فاستحييت وأخبر من رآه بين القتلى ودنا منه فسمعه يقول بصوت ~~ضعيف لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم ~~القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون دم والريح ريح المسك كأنه يعيد على نفسه ~~الحديث الوارد في ذلك قال ثم قضى على أثر ذلك وهذا الحديث أخرجه مسلم في ~~حديثه 352 الرشاطي أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن خلف بن ~~أحمد بن عمر اللخمي المعروف بالرشاطي الأندلسي المريي كانت له عناية كثيرة ~~بالحديث والرجال PageV03P106 # والرواة والتواريخ وله كتاب حسن سماه كتاب اقتباس ~~الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار أخذه الناس عنه ~~وأحسن فيه وجمع وما أقصر وهو على أسلوب كتاب أبي سعد ابن السمعاني الحافظ ~~الذي سماه بالأنساب وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ومولد الرشاطي صبيحة يوم ~~السبت لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وستين وأربعمائة بقرية من أعمال ~~مرسية يقال لها أوريوالة بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الراء وضم الياء ~~المثناة من تحتها وفتح الواو وبعد الألف لام مفتوحة بعدها هاء وتوفي شهيدا ~~بالمرية عند تغلب العدو عليها صبيحة يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى ~~سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى والرشاطي بضم الراء وفتح ~~الشين المعجمة وبعد الألف طاء مهملة مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها هذه ~~النسبة ليست إلى قبيلة ولا إلى بلد بل ذكر في كتابه المذكور أن أحد أجداده ~~كانت في جسمه شامة كبيرة وكانت له خادم عجمية تحضنه في صغره فإذا لاعبته ~~قالت له رشطاله وكثر ذلك منها فقيل له الرشاطي PageV03P107 # 353 ابن بري أبو محمد عبد الله بن أبي الوحش بري بن ~~عبد الجبار بن بري المقدسي الأصل المصري الإمام المشهور في علم النحو ~~واللغة والرواية والدراية كان علامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره أخذ علم ~~العربية ms0674 عن أبي بكر محمد ابن عبد الملك الشنتريني النحوي وأبي طالب عبد ~~الجبار بن محمد بن علي المعافري القرطبي وغيرهما وسمع الحديث على أبي صادق ~~المديني وأبي عبد الله الرازي وغيرهما واطلع على أكثر كلام العرب وله على ~~كتاب الصحاح للجوهري حواش فائقة أتى فيها بالغرائب واستدرك عليه فيها مواضع ~~كثيرة وهي دالة على سعة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه وصحبه خلق كثير ~~اشتغلوا عليه وانتفعوا به ومن جملة من أخذ عنه أبو موسى الجزولي صاحب ~~المقدمة في النحو وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وذكره في مقدمته ونقل عنه ~~في آخرها وكان عارفا بكتاب سيبويه وعلله وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء ~~لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملك من ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه ويصلح ~~ما لعله فيه من خلل خفي وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ وقد ذكرت ذلك في ترجمته ~~في حرف الطاء PageV03P108 # ولقيت بمصر جماعة من أصحابه وأخذت عنهم رواية وإجازة ~~ويحكى أنه كانت فيه غفلة ولا يتكلف في كلامه ولا يتقيد بالإعراب بل يسترسل ~~في حديثه كيفما اتفق حتى قال يوما لبعض تلامذته ممن يشتغل عليه بالنحو اشتر ~~لي قليل هندبا بعروقو فقال له التلميذ هندبا بعروقه فعز عليه كلامه وقال له ~~لا تأخذه إلى بعروقو وإن لم يكن بعروقو فما أريده وكانت له ألفاظ من هذا ~~الجنس لا يكترث بما يقوله ولا يتوقف على إعرابها ورأيت له حواشي على درة ~~الغواص في أوهام الخواص للحريري وله جزء لطيف في أغاليط الفقهاء وله الرد ~~على أبي محمد ابن الخشاب المذكور في هذا الحرف في الكتاب الذي بين فيه غلط ~~ابن الحريري في المقامات وانتصر لابن الحريري وما أقصر فيما عمله وكانت ~~ولادته بمصر في الخامس من رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة وتوفي بمصر ليلة ~~السبت السابعة والعشرين من شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة رحمه الله ~~تعالى وبري بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المكسورة وبعدها ياء وهو اسم ~~علم يشبه النسبة 354 العاضد أبو محمد ms0675 عبد الله الملقب العاضد بن يوسف بن ~~الحافظ بن محمد بن المستنصر ابن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن ~~المنصور بن القائم بن المهدي آخر PageV03P109 # ملوك مصر من العبيديين وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته ~~وسيأتي ذكر الباقين ولي المملكة بعد وفاة ابن عمه الفائز في التاريخ ~~المذكور في ترجمته وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس بعد ~~الظافر وقد سبق ذلك في ترجمة الظافر في حرف الهمزة واستقر الأمر للعاضد ~~المذكور اسما وللصالح بن رزيك المذكور في حرف الطاء جسما وكان العاضد شديد ~~التشيع متغاليا في سب الصحابة رضوان الله عليهم وإذا رأى سنيا استحل دمه ~~وسار وزيره الصالح بن رزيك في أيامه سيرة مذمومة فإنه احتكر الغلات فارتفع ~~سعرها وقتل أمراء الدولة خشية منهم وأضعف أحوال الدولة المصرية فقتل ~~مقاتلتها وأفنى ذوي الآراء والحزم منها وكان كثير التطلع إلى ما في أيدي ~~الناس من الأموال وصادر أقواما ليس بينه وبينهم تعلق وفي أيام العاضد ورد ~~أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر من المغرب ومعه عساكر وحشود فلما ~~قارب بلاد مصر غدر به أصحابه وقبضوه وحملوه إلى العاضد فقتله صبرا وذلك في ~~سنة سبع وخمسين وخمسمائة في شهر رمضان وقيل إن ذلك كان في أيام الحافظ عبد ~~المجيد هكذا قاله صاحب كتاب الدول المنقطعة والله أعلم ثم أعاد ذلك في أيام ~~العاضد كما ذكرته أولا والله أعلم بالصواب وكان قد تلقب بالمنتصر بالله وقد ~~تقدم في ترجمة شاور وأسد الدين شيركوه في حرف الشين ما يغني عن الإطالة في ~~سبب انقراض دولته واستيلاء الغز عليها وسيأتي في أخبار السلطان صلاح الدين ~~رحمه الله تعالى في حرف الياء طرف من ذلك أيضا وسمعت من جماعة من المصريين ~~يقولون إن هؤلاء القوم في أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء تكتب لنا ورقة ~~تذكر فيها ألقابا تصلح للخلفاء حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب ~~فكتب لهم ألقابا كثيرة وآخر ما كتب في الورقة العاضد فاتفق ms0676 أن آخر من ولي ~~منهم تلقب بالعاضد وهذا PageV03P110 # من عجيب الاتفاق وأيضا فإن العاضد في اللغة القاطع ~~يقال عضدت الشيء فأنا عاضد له إذا قطعته فكأنه عاضد لدولتهم وكذا كان لأنه ~~قطعها وأخبرني أحد علماء المصريين أيضا أن العاضد المذكور في أواخر دولته ~~رأى في منامه وهو بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد هو معروف بها ~~فلدغته فلما استيقظ ارتاع لذلك فطلب بعض معبري الرؤيا وقص عليه المنام فقال ~~له ينالك مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد فطلب والي مصر وقال له تكشف ~~عمن هو مقيم في المسجد الفلاني وكان العاضد يعرف ذلك المسجد فإذا رأيت به ~~أحدا تحضره عندي فمضى الوالي إلى المسجد فرأى فيه رجلا صوفيا فأخذه ودخل به ~~على العاضد فلما رآه سأله من أين هو ومتى قدم البلاد وفي أي شيء قدم وهو ~~يجاوبه عن كل سؤال فلما ظهر له منه ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال ~~المكروه إليه أعطاه شيئا وقال له يا شيخ ادع لنا وأطلق سبيله فنهض من عنده ~~وعاد إلى مسجده فلما استولى السلطان صلاح الدين وعزم على القبض على العاضد ~~واستفتى الفقهاء في قتله أفتوه بجواز ذلك لما كان عليه العاضد وأشياعه من ~~انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد وكثرة الوقوع في الصحابة والاستهتار بذلك ~~وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الصوفي المقيم في المسجد وهو الشيخ نجم الدين ~~الخبوشاني الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى فإنه عدد مساوىء ~~هؤلاء القوم وسلب عنهم الإيمان وأطال الكلام في ذلك فصحت بذلك رؤيا العاضد ~~وكانت ولادة العاضد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ست وأربعين ~~وخمسمائة وتوفي ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة سبع ~~PageV03P111 # وستين وخمسمائة وقيل إن العاضد حصل له غيظ من شمس ~~الدولة توران شاه ابن أيوب أخي صلاح الدين فسم نفسه فمات والله أعلم رحمه ~~الله تعالى وقيل إنه مات يو م عاشوراء 355 ابن الرداد المؤذن أبو الرداد ~~عبد الله بن ms0677 عبد السلام بن عبد الله بن الرداد المؤذن البصري صاحب المقياس ~~بمصر كان رجلا صالحا وتولى مقياس النيل الجديد بجزيرة مصر وجمع إليه جميع ~~النظر في أمره وما يتعلق به في سنة ست وأربعين ومائتين واستمرت الولاية في ~~ولده إلى الآن وتوفي في سنة تسع وسبعين ومائتين وقيل سنة ست وستين ومائتين ~~والله أعلم والرداد بفتح الراء وبالدالين المهملتين وتشديد الأولى منهما ~~وبينهما ألف ذكره القضاعي في خطط مصر وذكر قضية الجارية التي كانت تلقى في ~~النيل وذلك في فصل المقياس وهذا المقياس وضعه أحمد بن محمد الحاسب القرصاني ~~بأمر المتوكل على الله وكان أسامة بن زيد التنوخي في سنة ست وسبعين للهجرة ~~قد أمر ببناء المقياس في الجزيرة قديما وحكي عنه وقيل إنه قال لما أردت أن ~~أكتب على PageV03P112 # مواضع من المقياس ناظرت يزيد بن عبد الله وسليمان بن ~~وهب والحسن الخادم فيما ينبغي أن يكتب عليه وأعلمتهم أن أحسن ما يكتب عليه ~~آيات من القرآن واسم أمير المؤمنين المتوكل على الله واسم الأمير المنتصر ~~إذ كان العمل له فاختلفوا في ذلك وبادر سليمان بن وهب فكتب من غير أن يعلم ~~ويستطلع الرأي في ذلك فورد كتاب أمير المؤمنين أن يكتب عليه آيات من القرآن ~~وما يشبه أمر المقياس واسم أمير المؤمنين فاستخرجت من القرآن آيات لا يمكن ~~أن يكتب على المقياس أحسن ولا أشبه بأمر المقياس منها وجعلت جميع ما كتبت ~~في الرخام الذي تقدم في البناية في المواضع التي قدرت الكتابة فيها بخط ~~مقوم غليظ على قدر الإصبع ثابت في بدن الرخام مصبغ الحفر باللازورد المشمع ~~يقرأ من بعد فجعلت أول ما كتبت أربع آيات متساوية المقادير في سطور أربعة ~~في تربيع بناء المقياس على وزن سبع عشرة ذراعا من العمود فكتبت في الجانب ~~الشرقي وهو المقابل لمدخل المقياس بسم الله الرحمن الرحيم * (ونزلنا من ~~السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد) * وفي الجانب الشمالي * ~~(وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من ms0678 كل زوج ~~بهيج) * وعلى الجانب الغربي * (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح ~~الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير) * وعلى الجانب الجنوبي * (وهو الذي ينزل ~~الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد) * فصارت هذه الآيات ~~سطورا على وجه الماء إذا بلغ سبع عشرة ذراعا لأن هذا وسط الزيادة ثم جعلت ~~في الذراع الثامن عشر في جميع التربيع نطاقا مثل النطاق الذي جعلته علامة ~~للذراع السادس عشر وكتبت بإزاء الذارع الثامن عشر سطرا واحدا يحيط بجميع ~~التربيع بسم الله الرحمن الرحيم * (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ~~بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل ~~والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار) * PageV03P113 # ) بسم الله الرحمن الرحيم مقياس يمن وسعادة ونعمة ~~وسلامة أمر ببنائه عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ~~أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده على يدي أحمد بن محمد الحاسب سنة سبع ~~وأربعين ومائتين وجعلت ما فوق ذلك من الحيطان التي بأعلى البناء منقوشا كله ~~محفورا مصبوغا باللازورد المشمع وعمدت إلى ما جاوز من العمود تسع عشرة ~~ذراعا والرأس المنصوب عليه والعارضة اللبخ الممسكة له فنقشت ذلك كله بالذهب ~~واللازورد وكتبت على العارضة آية الكرسي إلى آخرها وكبت على حائط الزقاق ~~المقابل للنيل فوق باب مدخل المقياس حيث يقرؤه السابلة سطرا إلى الرخام من ~~أوله إلى آخره وهو بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى ~~الله على سيدنا محمد سيد المرسلين أمر عبد الله جعفر الإمام المتوكل على ~~الله أمير المؤمنين ببناء المقياس الهاشمي لتعرف به زيادة النيل ونقصانه ~~وأطال الله بقاء أمير المؤمنين وأدام له العز والتمكين والظفر على الأعداء ~~وتتابع الإحسان والنعماء وزاده في الخير رغبة وبالرعية رأفة وكتبه أحمد ابن ~~محمد الحاسب في رجب سنة سبع وأربعين ومائتين وكتبت ms0679 سطرين في رخام عن جنبتي ~~الباب أحدهما بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله وقل جاء الحق ~~وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا والآخر بسم الله بلغ الماء في السنة التي ~~بني فيها هذا المقياس المتوكلي المبارك سبع عشرة ذراعا وثمانية عشر إصبعا ~~واتخذت مثال سبع من رخام ركبته في وجه حائط فويقة القناة المطل على النيل ~~على المقدار الذي إذا بلغ الماء ست عشرة ذراعا دخل الماء في فيه وكتبت فوق ~~ذلك في أعلى الحائط * (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به ~~زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) * كتبه أحمد بن محمد الحاسب في ~~جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين ومائتين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله ~~وسلم تسليما PageV03P114 # والذراع في المقياس ثمانية وعشرون إصبعا إلى أن ينتهي ~~إلى اثنتي عشرة ذراعا وبعد ذلك يصير اعتباره أربعة وعشرين إصبعا 356 عبيد ~~الله بن عبد الله أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن ~~عاقل بن حبيب بن شمخ بن مخزوم بن صبح بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن ~~هذيل بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الهذلي أحد ~~الفقهاء السبعة بالمدينة وقد تقدم ذكر أربعة منهم وهذا عبيد الله ابن أخي ~~عبد الله بن مسعود الصحابي رضي الله عنه وهو من أعلام التابعين لقي خلقا ~~كثيرا من الصحابة رضوان الله عليهم وسمع من ابن عباس وأبي هريرة وأم ~~المؤمنين عائشة رضي الله عنهم أجمعين وروى عنه أبو الزناد والزهري وغيرهما ~~وقال الزهري أدركت أربعة بحور فذكر فيهم عبيد الله المذكور وقال سمعت من ~~العلم شيئا كثيرا فظننت أني قد اكتفيت حتى لقيت عبيد الله فإذا كأني ليس في ~~يدي شيء وقال عمر بن عبد العزيز لأن يكون لي مجلس من عبيد الله أحب إلي من ~~الدنيا وقال والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من ms0680 بيت ~~المال فقالوا يا أمير المؤمنين تقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك فقال أين يذهب ~~بكم والله إني لأعود برأيه PageV03P115 # وبنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف ~~إن في المحادثة تلقيحا للعقل وترويحا للقلب وتسريحا للهم وتنقيحا للأدب ~~وكان عالما ناسكا وكانت وفاته سنة اثنتين ومائة وقيل سنة تسع وتسعين وقيل ~~ثمان وتسعين للهجرة بالمدينة رضي الله عنه وله شعر فمن ذلك ما أورده له في ~~كتاب الحماسة وهو قوله (شققت القلب ثم ذررت فيه * هواك فليم فالتأم الفطور) ~~(تغلغل حب عثمة في فؤادي * فباديه مع الخافي يسير) (تغلغل حيث لم يبلغ شراب ~~* ولا حزن ولم يبلغ سرور) ولما قال هذا الشعر قيل له أتقول مثل هذا فقال في ~~اللدود راحة المفؤود وهو القائل لا بد للمصدور من أن ينفث والهذلي بضم ~~الهاء وفتح الذال المعجمة وبعدها لام هذه النسبة إلى هذيل بن مدركة كما ~~تقدم في نسبه وهي قبيلة كبيرة وأكثر أهل وادي نخلة المجاور لمكة حرسها الله ~~تعالى من هذه القبيلة وتوفي والده عبد الله سنة ست وثمانين للهجرة رضي الله ~~عنه وكانت الرياسة في الجاهلية إلى جده صبح بن كاهل PageV03P116 # 357 المهدي عبيد الله أبو محمد عبيد الله الملقب ~~بالمهدي وجدت في نسبه اختلافا كثيرا قال صاحب تاريخ القيروان هو عبيد الله ~~بن الحسن بن علي بن محمد بن علي ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال غيره هو عبيد لله بن محمد بن إسماعيل ~~بن جعفر المذكور وقيل هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقيل هو عبيد الله ~~بن التقي بن الوفي بن الرضي وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون في ذات الله ~~والرضي المذكور ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور واسم التقي الحسين ~~واسم الوفي أحمد واسم الرضي عبد الله وإنما استتروا خوفا ms0681 على أنفسهم لأنهم ~~كانوا مطلوبين من جهة الخلفاء من بني العباس لأنهم علموا أن فيهم من يروم ~~الخلافة أسوة غيرهم من العلويين وقضاياهم ووقائعهم في ذلك مشهورة وإنما ~~تسمى المهدي عبيد الله استتارا هذا عند من يصحح نسبه ففيه اختلاف كثير وأهل ~~العلم PageV03P117 # بالأنساب من المحققين ينكرون دعواه في النسب وقد تقدم ~~في ترجمة الشريف عبد الله بن طباطبا ما جرى بينه وبين المعز عند وصوله إلى ~~مصر وما كان من جواب المعز له وفيه أيضا دلالة على ذلك فإنه لو عرف نسبه ~~لذكره وما احتاج إلى ذلك المجلس الذي ذكرناه هناك ويقولون أيضا إن اسمه ~~سعيد ولقبه عبيد الله وزوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~ميمون القداح وسمي قداحا لأنه كان كحالا يقدح العين إذا نزل فيها الماء ~~وقيل إن المهدي لما وصل إلى سجلماسة ونما خبره إلى اليسع مالكها وهو آخر ~~ملوك بني مدرار وقيل له إن هذا هو الذي يدعو إلى بيعته أبو عبد الله الشيعي ~~بإفريقية وقد تقدم الكلام على ذلك في ترجمة أبي عبد الله في حرف الحاء أخذه ~~اليسع واعتقله فلما سمع أبو عبد الله الشيعي باعتقاله حشد جمعا كثيرا من ~~كتامة وغيرها وقصد سجلماسة لاستنقاذه فلما بلغ اليسع خبر وصولهم قتل المهدي ~~في السجن فلما دنت العساكر من البلد هرب اليسع فدخل أبو عبد الله إلى السجن ~~فوجد المهدي مقتولا وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه فخاف أبو عبد الله أن ~~ينتقض عليه ما دبره من الأمر إن عرفت العساكر بقتل المهدي فأخرج الرجل وقال ~~هذا هو المهدي وبالجملة فأخباره مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة فيها وهو أول ~~من قام بهذا الأمر من بيتهم وادعى الخلافة بالمغرب وكان داعيه أبا عبد الله ~~الشيعي المذكور في حرف الحاء ولما استتب له الأمر قتله وقتل أخاه كما ~~ذكرناه في ترجمته وبنى المهدية بإفريقية وفرغ من بنائها في شوال سنة ثمان ~~وثلاثمائة وكان شروعه فيها في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة ms0682 وبنى سورتونس ~~وأحكم عمارتها وجدد فيها مواضع فنسبت المهدية إليه وملك بعده ولده القائم ~~ثم المنصور ولد القائم وقد تقدم ذكره ثم PageV03P118 # المعز بن المنصور وهو الذي سير القائد جوهرا وملك ~~الديار المصرية وبنى القاهرة واستمرت دولتهم حتى انقرضت على يد السلطان ~~صلاح الدين رحمه الله تعالى وقد تقدم ذكر جماعة من حفدته وسيأتي ذكر باقيهم ~~إن شاء الله تعالى ولأجل نسبتهم إليه يقال لهم العبيديون هكذا ينسب إلى ~~عبيد الله وكانت ولادته في سنة تسع وخمسين وقيل سنة ستين ومائتين وقيل ست ~~وستين ومائتين بمدينة سلمية وقيل بالكوفة ودعي له بالخلافة على منابر رقادة ~~والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين ~~بعد رجوعه من سجلماسة وقد جرى له بها ما جرى وكان ظهوره بسجلماسة يوم الأحد ~~لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين وخرجت بلاد المغرب عن ولاية ~~بني العباس وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة بالمهدية رحمه الله تعالى وسلمية بفتح السين المهملة واللام وكسر ~~الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وتخفيفها أيضا مع سكون الميم وهي ~~بليدة بالشام من أعمال حمص ورقادة بفتح الراء وتشديد القاف وبعد الألف دال ~~مهملة ثم هاء ساكنة بلدة بإفريقية وقد تقدم ذكرها في ترجمة أبي عبد الله ~~الحسين بن أحمد المعروف بالشيعي وكان قد بناها إبراهيم بن أحمد بن محمد بن ~~الأغلب جد زيادة الله بن الأغلب المذكور في ترجمة الشيعي أيضا وكان شروعه ~~أيضا في بنائها في سنة ثلاث وستين ومائتين وفرغ منها في سنة أربع وستين ~~ومائتين وانتقل إليها لما فرغت والقيروان وسجلماسة قد تقدم الكلام عليهما ~~في مواضعهما PageV03P119 # 358 عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أبو أحمد عبيد الله ~~بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق ابن ماهان الخزاعي تقدم ذكر ~~أبيه وجده وما كانا عليه من التقدم وعلو المنزلة عند المأمون وتوليتهما ~~خراسان وغيرها وكان عبيد الله المذكور أميرا ms0683 ولي الشرطة ببغداد خلافة عن ~~أخيه محمد بن عبد الله ثم استقل بها بعد موت أخيه وكان سيدا وإليه انتهت ~~رياسة أهله وهو آخر من مات منهم رئيسا وله من الكتب المصنفة كتاب الإشارة ~~في أخبار الشعراء وكتاب رسالة في السياسة الملوكية وكتاب مراسلاته لعبد ~~الله بن المعتز وكتاب البراعة والفصاحة وغير ذلك وحدث عن الزبير بن بكار ~~وغيره وكان مترسلا شاعرا لطيفا حسن المقاصد جيد السبك رقيق الحاشية ومن ~~شعره ثم وجدتها لأبي الطريف شاعر المعتمد الخليفة العباسي وزعم الصولي أن ~~البحتري أنشده هذه الأبيات لنفسه والله أعلم وهي (أتهجرون فتى أغري بكم ~~تيها * لحق دعوة صب أن تجيبوها) (أهدي إليكم على نأي تحيته * حيوا بأحسن ~~منها أو فردوها) (زموا المطايا غداة البين واحتملوا * وخلفوني على الأطلال ~~أبكيها) (شيعتهم فاسترابوا بي فقلت لهم * إني بعثت مع الأجمال أحدوها) ~~PageV03P120 # (قالوا فما نفس يعلو كذا صعدا * وما لعينك لا ترقا ~~مآقيها) (قلت التنفس من إدمان سيركم * ودمع عيني جار من قذى فيها) (حتى إذا ~~انجذبوا والليل معتكر * رفعت في جنحه صوتي أناديها) (يا من به أنا هيمان ~~ومختبل * هل لي إلى الوصل من عقبى أرجيها) ومن شعره ما ذكره ابن رشيق في ~~كتاب العمدة في باب الاستطراد فقال ومن الاستطراد نوع يسمى الإدماج ونحو ~~ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين ~~وزر للمعتضد (أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا * وأسعفنا في من نحب ونكرم) ~~(فقلت له نعماك فينا أتمها * ودع أمرنا إن المهم المقدم) ومن شعره (واحربا ~~من فراق قوم * هم المصابيح والحصون) (والأسد والمزن والرواسي * والأمن ~~والخفض والسكون) (لم تتنكر لنا الليالي * حتى توفتهم المنون) (فكل نار لنا ~~قلوب * وكل ماء لنا عيون) وله (إن الأمير هو الذي * يضحي أميرا يوم عزله) ~~(إن زال سلطان الولاية * لم يزل سلطان فضله) PageV03P121 # وله (اقض الحوائج ما استطعت * وكن لهم أخيك فارج) ~~(فلخير أيام الفتى * يوم قضى فيه الحوائج) وله ديوان شعر ونقتصر من نظمه ms0684 ~~على هذا القدر وكان عبيد الله قد مرض فعاده الوزير فلما انصرف عنه كتب إليه ~~ما أعرف أحدا جزى العلة خيرا غيري فإني جزيتها الخير وشكرت نعمتها علي إذ ~~كانت إلى رؤيتك مؤدية فأنا كالأعرابي الذي جزى يوم البين خيرا فقال (جزى ~~الله يوم البين خيرا فإنه * أرانا على علاته أم ثابت) (أرانا ربيبات الخدور ~~ولم نكن * نراهن إلا بانتعات النواعت) قلت ومثل هذا ما كتبه البحتري إلى ~~أبي غانم وقد مرض فعاده الوزير وهو قوله (يا أبا غانم غنمت ولا زالت * عهاد ~~الوسمي تسقي بلادك) (ليت أنا مثل اعتلالك نعتل * على أن يعودنا من عادك) ~~(أبهجت زورة الوزير أوداك * جميعا وأرغمت حسادك) وكانت ولادته سنة ثلاث ~~وعشرين ومائتين وكانت وفاته ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ~~ثلاثمائة ببغداد ودفن بمقابر قريش رحمه الله تعالى 91 وتوفي الأمير أبو ~~القاسم عبيد الله بن سليمان سنة ثمان وثمانين ومائتين PageV03P122 # وعمره اثنتان وستون سنة وكانت وزارته عشر سنين وخمسين ~~يوما 92 ولما مات أخوه سليمان بن عبد الله بن طاهر في سنة خمس وستين ~~ومائتين وقف أخوه عبيد الله المذكور على قبره متكئا على قوسه ونظرإلى قبور ~~أهله وأنشد (النفس ترقى بحزن في تراقيها * ودمعة العين تجري من مآقيها) ~~(لبقعة ما رأت عيني كقلتها * ولا ككثرة أحباب ثووا فيها) 359 أبو الحكم ~~المغربي أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله بن محمد الباهلي الحكيم ~~الأديب المعروف بالمغربي أصله من أهل المرية بالأندلس وتقدم ذكرها ومولده ~~ببلاد اليمن ذكر أبو شجاع محمد بن علي بن الدهان الفرضي الآتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى في تاريخ جمعه أن أبا الحكم المذكور قدم بغداد وأقام بها مدة ~~يعلم الصبيان وأنه كان ذا معرفة بالأدب والطب والهندسة انتهى كلام أبي شجاع ~~وذكر مولده ووفاته وقال غيره كان كامل الفضيلة جمع بين الأدب والحكمة وله ~~ديوان شعر جيد والخلاعة والمجون غالبة عليه وذكر العماد الأصبهاني في ~~الخريدة أن أبا الحكم المذكور كان ms0685 طبيب PageV03P123 # البيمارستان الذي كان يحمله أربعون جملا المستصحب في ~~معسكر السلطان محمود السلجوقي حيث خيم وكان السديد أبو الوفاء يحيى بن سعيد ~~بن يحيى بن المظفر المعروف بابن المرخم الذي صار أقضى القضاة ببغداد في ~~أيام الإمام المقتفي فاصدا وطبيبا في هذا البيمارستان ثم إن العماد أثنى ~~على أبي الحكم المذكور وذكر فضله وما كان عليه وذكر أن له كتابا سماه نهج ~~الوضاعة لأولي الخلاعة ثم إن أبا الحكم المذكور انتقل إلى الشام وسكن دمشق ~~وله فيها أخبار وماجرايات ظريفة تدل على خفة روحه رأيت في ديوانه أن أبا ~~الحسين أحمد بن منير الطرابلسي المقدم ذكره في حرف الهمزة كان عند الأمراء ~~بني منقذ بقلعة شيزر وكانوا مقبلين عليه وكان بدمشق شاعر يقال له أبو الوحش ~~سبع بن خلف بن محمد بن هبة الله الفقعسي وكانوا يصغرون كنيته فيقولون وحيش ~~وكانت فيه دعابة وبينه وبين أبي الحكم مودة وألفة متحدة فعزم أبو الوحش أن ~~يتوجه إلى شيزر يمدح بني منقذ ويسترفدهم فالتمس من أبي الحكم المذكور كتابا ~~إلى ابن منير بالوصية عليه فكتب أبو الحكم (أبا الحسين استمع مقال فتى * ~~عوجل فيما يقول فارتجلا) (هذا أبو الوحش جاء ممتدح القوم * فنوه به إذا ~~وصلا) (واتل عليهم بحسن شرحك ما * أتلوه من حديثه جملا) (وخبر القوم أنه ~~رجل * ما أبصر الناس مثله رجلا) (تنوب عن وصفه شمائله * لا يبتغي عاقل به ~~بدلا) PageV03P124 # (وهو على خفة به أبدا * معترف أنه من الثقلا) (يمت ~~بالثلب والرقاعة والسخف * وأما بما سواه فلا) (إن أنت فاتحته لتخبر ما * ~~يصدر عنه فتحت منه خلا) (فسمه إن حل خطة الخسف والهون * ورحب به إذا رحلا) ~~(وسقه السم إن ظفرت به * وامزج له من لسانك العسلا) وله أشياء مستملحة منها ~~مقصورة هزلية ضاهى بها مقصورة ابن دريد من جملتها (وكل ملموم فلا بد له * ~~من فرقة لو لزقوه بالغرا) وله مرثية في عماد الدين زنكي بن آق سنقر الأتابك ~~المقدم ذكره شاب فيها الجد بالهزل والغالب على شعره ms0686 الانطباع وكانت ولادته ~~في سنة ست وثمانين وأربعمائة باليمن على ما حكاه ابن الدبيثي في ذيله وتوفي ~~ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة سنة تسع وأربعين وخمسمائة وقال ابن الدبيثي ~~توفي لساعتين خلتا من ليلة الأربعاء سادس ذي القعدة بدمشق وهو الأصح ودفن ~~بباب الفراديس رحمه الله تعالى 93 والقاضي ابن المرخم المذكور هو الذي يقول ~~فيه أبو القاسم هبة الله ابن الفضل الشاعر المعروف بابن القطان الآتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى (يا ابن المرخم صرت فينا قاضيا * خرف الزمان تراه أم جن ~~الفلك) (إن كنت تحكم بالنجوم فربما * أما بشرع محمد من أين لك) PageV03P125 # 360 عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عيسى عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى يسار وقيل داود بن بلال بن أحيحة ابن الجلاح الأنصاري وفي اسم ~~أبيه خلاف غير هذا كان من أكابر تابعي الكوفة سمع علي بن أبي طالب وعثمان ~~بن عفان وأبا أيوب الأنصاري وغيرهم رضي الله عنهم ويروى أنه سمع من عمر رضي ~~الله عنه والحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر وأبوه أبو ليلى له رواية عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وشهد وقعة الجمل وكانت راية علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه معه وسمع من عبد الرحمن الشعبي ومجاهد وعبد الملك بن عمير وخلق سواهم ~~رضي الله عنهم ولد لست سنين بقين من خلافة عمر وقتل بدجيل وقيل غرق في نهر ~~البصرة وقيل فقد بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين في وقعة ابن الأشعث وقيل ~~سنة إحدى وقيل سنة اثنتين وثمانين للهجرة رضي الله عنه وأحيحة بضم الهمزة ~~وفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الحاء الثانية ~~وبعدها هاء ساكنة والجلاح بضم الجيم وبعد اللام ألف حاء مهملة وسيأتي ذكر ~~ولده محمد إن شاء الله تعالى PageV03P126 # 361 الأوزاعي أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد ~~الأوزاعي إمام أهل الشام لم يكن بالشام أعلم منه قيل إنه أجاب في سبعين ألف ~~مسألة وكان يسكن بيروت روي أن سفيان الثوري بلغه ms0687 مقدم الأوزاعي فخرج حتى ~~لقيه بذي طوى فحل سفيان رأس بعيره عن القطار ووضعه على رقبته فكان إذا مر ~~بجماعة قال الطريق للشيخ سمع من الزهري وعطاء وروى عنه الثوري وأخذ عنه عبد ~~الله بن المبارك وجماعة كبيرة وكانت ولادته ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة ~~وقيل سنة ثلاث وتسعين ومنشؤه بالبقاع ثم نقلته أمه إلى بيروت وكان فوق ~~الربعة خفيف اللحية به سمرة وكان يخضب بالحناء وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة ~~يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر وقيل في شهر ربيع الأول بمدينة بيروت رحمه ~~الله تعالى ورثاه بعضهم بقوله (جاد الحيا بالشام كل عشية * قبرا تضمن لحده ~~الأوزاعي) (قبر تضمن فيه طود شريعة * سقيا له من عالم نفاع) (عرضت له ~~الدنيا فأعرض مقلعا * عنها بزهد أيما إقلاع) وقبره في قرية على باب بيروت ~~يقال لها حنتوس وأهلها مسلمون وهو مدفون في قبلة المسجد وأهل القرية لا ~~يعرفونه بل يقولون هاهنا رجل صالح ينزل عليه النور ولا يعرفه إلا الخواص من ~~الناس PageV03P127 # ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أن الوزاعي دخل ~~الحمام ببيروت وكان لصاحب الحمام شغل فأغلق الحمام عليه وذهب ثم جاء ففتح ~~الباب فوجده ميتا قد وضع يده اليمنى تحت خده وهو مستقبل القبلة وقيل إن ~~امرأته فعلت ذلك ولم تكن عامدة لذلك فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة ~~ويحمد بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الحاء المهملة وكسر الميم وبعدها ~~دال مهملة والأوزاعي بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الزاي وبعد الألف عين ~~مهملة هذه النسبة إلى الأوزاع وهي بطن من ذي الكلاع من اليمن وقيل بط ن من ~~همدان واسمه مرثد بن زيد وقيل الأوزاع قرية بدمشق على طريق باب الفراديس ~~ولم يكن أبو عمرو منهم وإنما نزل فيهم فنسب إليهم وهو من سبي اليمن وبيروت ~~بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الراء وسكون الواو ~~وفي آخرها تاء مثناة وهي بليدة بساحل الشام أخذها الفرنج من المسلمين يوم ~~الجمعة عاشر ذي الحجة ms0688 سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة وحنتوس بفتح الحاء المهملة ~~وسكون النون وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو ثم سين مهملة ~~PageV03P128 # 362 ابن القاسم المالكي أبو عبد الله عبد الرحمن بن ~~القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء الفقيه المالكي جمع بين الزهد ~~والعلم وتفقه بالإمام مالك رضي الله عنه ونظرائه وصحب مالكا عشرين سنة ~~وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك وهو صاحب المدونة في مذهبهم وهي من أجل ~~كتبهم وعنه اخذها سحنون وكانت ولادته في سنة اثنتين وقيل ثلاث وثلاثين ~~ومائة وقيل ثمان وعشرين وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة ليلة الجمعة لسبع ليال ~~مضين من صفر بمصر ودفن خارج باب القرافة الصغرى قبالة قبر أشهب الفقيه ~~المالكي وزرت قبريهما وهما بالقرب من السور رحمهما الله تعالى وجنادة بضم ~~الجيم وفتح النون وبعد الألف دال مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة والعتقي بضم ~~العين وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها قاف هذه النسبة إلى العتقاء ~~وليسوا من قبيلة واحدة بل هم من قبائل شتى منهم من حجر حمير ومن سعد ~~العشيرة ومن كنانة مضر وغيرهم وعامتهم بمصر وعبد الرحمن المذكور مولى زبيد ~~بن الحارث العتقي وكان زبيد من حجر حمير وقال أبو عبد الله القضاعي وكانت ~~القبائل التي نزلت الظاهر العتقاء PageV03P129 # وهم جماع من القبائل كانوا يقطعون على من أراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم فبعث إليهم فأتى بهم أسرى فأعتقهم فقيل لهم العتقاء ~~ولما فتح عمرو بن العاص مصر وكان ذلك يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين ~~للهجرة كان العتقاء معه معدودين في أهل الراية وإنما قيل لهم أهل الراية ~~لأن العرب كانوا يجعلون لكل بطن منهم راية يعرفون بها ولم يكن لكل بطن من ~~بطون أهل الراية من العدد ما يجعلون لكل بطن راية فقال عمرو بن العاص أنا ~~أجعل راية لا أنسبها إلى أحد فتكون دعوتكم عليها ففعلوا فكان هذا الاسم ~~كالنسب الجامع وعليها كان ديوانهم ولما فتحوا الإسكندرية ورجع عمرو إلى ~~الفسطاط اختط الناس بها خططهم ثم ms0689 جاء العتقاء بعدهم فلم يجدوا موضعا يختطون ~~فيه عند أهل الراية فشكوا ذلك إلى عمرو فقال لهم معاوية بن حديج وكان يتولى ~~أمر الخطط أرى لكم أن تظهروا على هذه القبائل فتتخذونه منزلا وتسمونه ~~الظاهر ففعلوا ذلك فقيل لهم أهل الظاهر لذلك ذكر هذا كله أبو عمرو محمد بن ~~يوسف بن يعقوب التجيبي في كتاب خطط مصر وهي فائدة غريبة يحتاج إليها فأحببت ~~ذكرها PageV03P130 # 363 أبو سليمان الداراني أبو سليمان عبد الرحمن بن ~~أحمد بن عطية العنسي الداراني الزاهد المشهور أحد رجال الطريقة كان من جلة ~~السادات وأرباب الجد في المجاهدات ومن كلامه من أحسن في نهاره كفي في ليله ~~ومن أحسن في ليله كفي في نهاره ومن صدق في ترك شهوة ذهب الله سبحانه وتعالى ~~بها من قلبه والله تعالى أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت له ومن كلامه ~~أفضل الأعمال خلاف هوى النفس وقال نمت ليلة عن وردي فإذا بحوراء تقول لي ~~تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام وله كل معنى مليح وكانت وفاته ~~سنة خمس ومائتين وقيل سنة خمس عشرة ومائتين رضي الله عنه والعنسي بفتح ~~العين المهملة وسكون النون وبعدها سين مهملة هذه النسبة إلى بني عنس بن ~~مالك بن أدد حي من مذحج ينسب أبو سليمان المذكور إليها والداراني بفتح ~~الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون هذه النسبة ~~إلى داريا وهي قرية بغوطة دمشق والنسبة إليها على هذه الصورة من شواذ النسب ~~والياء في داريا مشددة PageV03P131 # 364 الفوراني أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد ~~بن فوران الفوراني المروزي الفقيه الشافعي كان مقدم الفقهاء الشافعية بمرو ~~وهو أصولي فروعي أخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي وصنف في الأصول ~~والمذهب والخلاف والجدل والملل والنحل وانتهت إليه رياسة الطائفة الشافعية ~~وطبق الأرض بالتلامذة وله في المذهب الوجوه الجيدة وصنف في المذهب كتاب ~~الإبانة وهو كتاب مفيد وسمعت بعض فضلاء المذهب يقول إن إمام الحرمين كان ~~يحضر حلقته ms0690 وهو شاب يومئذ وكان أبو القاسم لا ينصفه ولا يصغي إلى قوله ~~لكونه شابا فبقي في نفسه منه شيء فمتى قال في نهاية المطلب وقال بعض ~~المصنفين كذا وغلط في ذلك وشرع في الوقوع فيه فمراده أبو القاسم الفوراني ~~وكانت وفاته في شهر رمضان سنة إحدى وستين وأربعمائة بمدينة مرو وهو ابن ~~ثلاث وسبعين سنة رحمه الله تعالى وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل بن ~~عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه والفوراني بضم الفاء ~~وسكون الواو وفتح الراء وبعد الألف نون هذه النسبة إلى جده فوران المذكور ~~هكذا ذكره السمعاني PageV03P132 # 365 أبو سعد المتولي أبو سعد عبد الرحمن بن محمد واسمه ~~مأمون بن علي وقيل إبراهيم المعروف بالمتولي الفقيه الشافعي النيسابوري كان ~~جامعا بين العلم والدين وحسن السيرة وتحقيق المناظرة له يد قوية في الأصول ~~والفقه والخلاف تولى التدريس بالمدرسة النظامية بمدينة بغداد بعد وفاة ~~الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى ثم عزل عنها في بقية سنة ست ~~وسبعين وأربعمائة وأعيد أبو نصر ابن الصباغ صاحب الشامل ثم عزل ابن الصباغ ~~في سنة سبع وسبعين وأعيد أبو سعد المذكور واستمر عليها إلى حين وفاته وذكر ~~أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهمذاني في كتابه الذي ذيله ~~على طبقات الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في ذكر الفقهاء ما مثاله حدثني أحمد بن ~~سلامة المحتسب قال لما جلس للتدريس أبو سعد عبد الرحمن واسمه مأمون بن علي ~~المتولي بعد شيخنا يعني أبا إسحاق الشيرازي أنكر عليه الفقهاء استناده ~~موضعه وأرادوا منه أن يستعمل الأدب في الجلوس دونه ففطن وقال لهم اعلموا ~~أنني لم أفرح في عمري إلا بشيئين أحدهما أني جئت من وراء النهر ودخلت سرخس ~~وعلي أثواب أخلاق لا تشبه ثياب أهل العلم فحضرت مجلس أبي الحارث ابن أبي ~~الفضل السرخسي وجلست في أخريات أصحابه فتكلموا في مسألة فقلت واعترضت فلما ~~انتهيت في نوبتي أمرني أبو الحارث بالتقدم فتقدمت ولما عادت نوبتي استدناني ~~وقربني حتى ms0691 جلست إلى جنبه وقام بي وألحقني بأصحابه فاستولى علي الفرح ~~والشيء الثاني حين PageV03P133 # أهلت للاستناد في موضع شيخنا أبي إسحاق رحمه الله ~~تعالى فذلك أعظم النعم وأوفى القسم وتخرج على أبي سعد جماعة من الأئمة وأخذ ~~الفقه بمرو عن أبي القسام عبد الرحمن الفوراني المذكور قبله وبمرو الروذ عن ~~القاضي حسين بن محمد وببخارى عن أبي سهل أحمد بن علي الأبيوردي وسمع الحديث ~~وصنف في الفقه كتاب تتمة الإبانة تمم به الإبانة تصنيف شيخه الفوراني لكنه ~~لم يكمله وعاجلته المنية قبل إكماله وكان قد انتهى فيه إلى كتاب الحدود ~~وأتمه من بعده جماعة منهم أبو الفتوح أسعد العجلي المذكور في حرف الهمزة ~~وغيره ولم يأتوا فيه بالمقصود ولا سلكوا طريقه فإنه جمع في كتابه الغرائب ~~من المسائل والوجوه الغريبة التي لا تكاد توجد في كتاب غيره وله في الفرائض ~~مختصر صغير وهو مفيد جدا وله في الخلاف طريقة جامعة لأنواع المآخذ وله في ~~أصول الدين أيضا تصنيف صغير وكل تصانيفه نافعة وكانت ولادته سنة ست وعشرين ~~وأربعمائة وقيل سنة سبع وعشرين بنيسابور وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر شوال ~~سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد ودفن بمقبرة باب ابرز رحمه الله تعالى ~~والمتولي بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوقها والواو وتشديد اللام ~~المكسورة ولم أعلم لأي معنى عرف بذلك ولم يذكر السمعاني هذه النسبة ~~PageV03P134 # 366 فخر الدين ابن عساكر أبو منصور عبد الرحمن بن محمد ~~بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقي الملقب فخر الدين ~~المعروف بابن عساكر الفقيه الشافعي كان إمام وقته في علمه ودينه تفقه على ~~الشيخ قطب الدين أبي المعالي مسعود النيسابوري الآتي ذكره في حرف الميم إن ~~شاء الله تعالى وصحبه زمانا وانتفع بصحبته وتزوج ابنته ثم استقل بنفسه ودرس ~~بالقدس زمانا وبدمشق واشتغل عليه خلق كثير وتخرجوا عليه وصاروا أئمة وفضلاء ~~وكان مسددا في الفتاوى وهو ابن أخي الحافظ أبي القاسم علي ابن عسكر صاحب ~~تاريخ دمشق الآتي ذكره إن شاء الله ms0692 تعالى وخرج من بيتهم جماعة من العلماء ~~والرؤساء وكانت ولادته سنة خمسين وخمسمائة ظنا وكتب بخطه أن مولده سنة ~~خمسين وخمسمائة وتوفي في العاشر من رجب يوم الأربعاء سنة عشرين وستمائة ~~بدمشق رحمه الله تعالى وزرت قبره مرارا بمقابر الصوفية ظاهر دمشق ~~PageV03P135 # 367 أبو القاسم الزجاجي أبو القاسم عبد الرحمن بن ~~إسحاق الزجاجي النحوي البغدادي دارا ونشأة النهاوندي أصلا ومولدا كان إماما ~~في علم النحو وصنف فيه كتاب الجمل الكبرى وهو كتاب نافع لولا طوله بكثرة ~~الأمثلة أخذ النحو عن محمد بن العباس اليزيدي وأبي بكر ابن دريد وأبي بكر ~~ابن الأنباري وصحب أبا إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج وقد تقدم ذكره فنسب ~~إليه وعرف به وسكن دمشق وانتفع الناس به وتخرجوا عليه وتوفي في رجب سنة سبع ~~وثلاثين وقيل تسع وثلاثين وثلاثمائة وقيل في شهر رمضان سنة أربعين والأول ~~أصح بدمشق وقيل بطبرية رحمه الله تعالى وكان قد خرج من دمشق مع ابن الحارث ~~عامل الضياع الإخشيدية فمات بطبرية وكتابه الجمل من الكتب المباركة لم ~~يشتغل به أحد إلا وانتفع به ويقال إنه صنفه بمكة حرسها الله تعالى وكان إذا ~~فرغ من باب طاف أسبوعا ودعا الله تعالى أن يغفر له وأن ينفع به قارئه ~~والزجاجي بفتح الزاي وتشديد الجيم وبعدالألف جيم ثانية وقد تقدم القول في ~~سبب هذه النسبة PageV03P136 # 368 ابن يونس صاحب تاريخ مصر أبو سعيد عبد الرحمن بن ~~أبي الحسن أحمد بن أبي موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن ~~حيان الصدفي المحدث المؤرخ المصري كان خبيرا بأحوال الناس ومطلعا على ~~تواريخهم عارفا بما يقوله جمع لمصر تاريخين أحدهما وهو الأكبر يختص ~~بالمصريين والآخر وهو صغيريشتمل على ذكر الغرباء الواردين على مصر وما أقصر ~~فيهما وقد ذيلهما أبو القاسم يحيى ن علي الحضرمي وبنى عليهما وهذا أبو سعيد ~~المذكور هو حفيد يونس بن عبد الأعلى صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه ~~والناقل لأقواله الجديدة وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء ms0693 الله تعالى وقال ~~أبو الحسن علي بن عبد الرحمن المذكور كانت ولادة أبي في سنة إحدى وثمانين ~~ومائتين وكانت وفاته يوم الأحد ودفن يوم الاثنين لست وعشرين ليلة خلت من ~~جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وصلى عليه أبو ~~القاسم ابن حجاج ورثاه أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد الله بن ~~سليمان الخولاني الخشاب المصري النحوي العروضي بقوله (بثثت علمك تشريقا ~~وتغريبا * وعدت بعد لذيد العيش مندوبا) (أبا سعيد وما نألوك أن نشرت * عنك ~~الدواوين تصديقا وتصويبا) PageV03P137 # (ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه * حتى رأيناك في التاريخ ~~مكتوبا) (أرخت موتك في ذكري وفي صحفي * لمن يؤرخني إذ كنت محسوبا) (نشرت عن ~~مصر من سكانها علما * مبجلا بجمال القوم منصوبا) (كشفت عن فخرهم للناس ما ~~سجعت * ورق الحمام على الأغصان تطريبا) (أعربت عن عرب نقبت عن نجب * سارت ~~مناقبهم في الناس تنقيبا) (أنشرت ميتهم حيا بنسبته * حتى كأن لم يمت إذ كان ~~منسوبا) (إن المكارم للإحسان موجبة * وفيك قد ركبت يا عبد تركيبا) (حجبت ~~عنا وما الدنيا بمظهرة * شخصا وإن جل إلا عاد محجوبا) (كذلك الموت لا يبقي ~~على أحد * مدى الليالي من الأحباب محبوبا) وسيأتي ذكر ولده أبي الحسن علي ~~بن المنجم صاحب الزيج إن شاء الله تعالى والصدفي بفتح الصاد والدال ~~المهملتين وبعدهما فاء هذه النسبة إلى الصدف بن سهل وهي قبيلة كبيرة من ~~حمير نزلت مصر والصدف بكسر الدال وإنما تفتح في النسب كما قالوا في النسب ~~إلى نمرة نمري وهي قاعدة مطردة وفيه لغة أخرى أنه الصدف بفتح الدال. # 94 وتوفي أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل صاحب الأبيات المذكورة في صفر ~~سنة ست وستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى PageV03P138 # 369 ابن الأنباري النحوي أبو البركات عبد الرحمن بن ~~أبي الوفاء محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله ابن أبي سعيد محمد بن ~~الحسن بن سليمان الأنباري الملقب كمال الدين النحوي كان من الأئمة المشار ~~إليهم في علم النحو وسكن بغداد من ms0694 صباه إلى أن مات وتفقه على مذهب الشافعي ~~رضي الله عنه بالمدرسة النظامية وتصدر لإقراء النحو بها وقرأ اللغة على أبي ~~منصور ابن الجواليقي وصحب الشريف أبا السعادات هبة الله بن الشجري الآتي ~~ذكره في حرف الهاء إن شاء الله تعالى وأخذ عنه وانتفع بصحبته وتبحر في علم ~~الأدب واشتغل عليه خلق كثير وصاروا علماء ولقيت جماعة منهم وصنف في النحو ~~كتاب أسرار العربية وهو سهل المأخذ كثير الفائدة وله كتاب الميزان في النحو ~~أيضا وله كتاب في طبقات الأدباء جمع فيه المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه ~~وكتبه كلها نافعة وكان نفسه مباركا ما قرأ عليه أحد إلا وتميز وانقطع في ~~آخر عمره في بيته مشتغلا بالعلم والعبادة وترك الدنيا ومجالسة أهلها ولم ~~يزل على سيرة حميدة وكانت ولادته في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ~~وتوفي ليلة الجمعة تاسع شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب ~~أبرز بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى PageV03P139 # والأنباري بفتح الهمزة وسكون النون وبعدها باء موحدة ~~وبعد الألف راء هذه النسبة إلى الأنبار بلدة قديمة على الفرات بينها وبين ~~بغداد عشرة فراسخ وسميت الأنبار لأن كسرى كان يتخذ فيها أنابير الطعام ~~والأنابير جمع الأنبار جمع نبر بكسر النون وبعدها راء مثل نقس وأنقاس ~~والنبر الهري الذي تجعل فيه الغلة والنقس بكسر النون وسكون القاف وبعده سين ~~مهملة وهو المداد 370 أبو الفرج ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي ~~الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادى بن أحمد بن ~~محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن ~~عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~وبقية النسب معروف القرشي التيمي البكري البغدادي الفقيه الحنبلي الواعظ ~~الملقب جمال الدين الحافظ كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة ~~الوعظ صنف في فنون عديدة منها زاد المسير في ms0695 علم التفسير أربعة أجزاء أتى ~~فيه بأشياء غريبة وله في الحديث تصانيف كثيرة وله المنتظم في التاريخ وهو ~~كبير وله الموضوعات PageV03P140 # في أربعة أجزاء ذكر فيها كل حديث موضوع وله تلقيح فهوم ~~الأثر على وضع كتاب المعارف لابن قتيبة وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد وكتب ~~بخطه شيئا كثيرا والناس يغالون في ذلك حتى يقولوا إنه جمعت الكراريس التي ~~كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع ~~كراريس وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل ويقال إنه جمعت براية أقلامه ~~التي كتب بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل منها شيء كثير وأوصى ~~أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها وله ~~أشعار لطيفة أنشدني له بعض الفضلاء يخاطب أهل بغداد (عذيري من فتية بالعراق ~~* قلوبهم بالجفا قلب) (يرون العجيب كلام الغريب * وقول القريب فلا يعجب) ~~(ميازيبهم إن تندت بخير * إلى غير جيرانهم تقلب) (وعذرهم عند توبيخهم * ~~مغنية الحي ما تطرب) وله أشعار كثيرة وكانت له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة ~~فمن أحسن ما يحكى عنه أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في ~~المفاضلة بين أبي بكر وعلي رضي الله عنهما فرضي الكل بما يجيب به الشيخ أبو ~~الفرج فأقاما شخصا سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه فقال أفضلهما ~~من كانت ابنته تحته ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك فقالت السنة هو أبو ~~بكر لأن ابنته عائشة رضي الله عنها تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت ~~الشيعة هو علي لأن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV03P141 # تحته وهذا من لطائف الأجوبة ولو حصل بعد الفكر التام ~~وإمعان النظر كان في غاية الحسن فضلا عن البديهة وله محاسن كثيرة يطول ~~شرحها وكانت ولادته بطريق التقريب سنة ثمان وقيل عشر وخمسمائة وتوفي ليلة ~~الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب حرب ~~وتوفي ms0696 والده في سنة أربع عشرة وخمسمائة رحمهما الله تعالى وحمادى بضم الحاء ~~المهملة وتشديد الميم وبعد الألف دال مهملة مفتوحة وياء مفتوحة والجوزي ~~بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها زاي هذه النسبة إلى فرضة الجوز وهو موضع ~~مشهور ورأيت بخطي في مسوداتي أن جده كان من مشرعة الجوز إحدى محال بغداد ~~بالجانب الغربي والله أعلم وقال ابن النجار في تاريخ بغداد كان أبو الفرج ~~ابن الجوزي يقول لا أتحقق مولدي غير أن والدي مات سنة أربع عشرة وقالت ~~الوالدة كان لك من العمر نحو ثلاث سنين وكان والده يعمل الصفر بنهر ~~القلايين والله أعلم 95 وكان ولده محيي الدين أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن ~~محتسب بغداد وتولى تدريس المدرسة المستنصرية لطائفة الحنابلة وكان يتردد في ~~الرسائل إلى الملوك وصار أستاذ دار الخلافة ومولده ليلة السبت ثالث عشر ذي ~~القعدة سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد وتوفي في وقعة التتر قتيلا سنة ثلاث ~~وخمسين وستمائة 96 وكان سبطه شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي الواعظ ~~المشهور حنفي المذهب وله صيت وسمعة في مجالس وعظه وقبول عند الملوك وغيرهم ~~وصنف تاريخا كبيرا رأيته بخطه في أربعين مجلدا سماه مرآة الزمان وتوفي ليلة ~~الثلاثاء حادي عشرين ذي الحجة سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق بمنزله بجبل ~~قاسيون ودفن هناك ومولده سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد رحمه الله تعالى ~~وكان هو يقول أخبرتني أمي أن مولدي سنة اثنتين وثمانين PageV03P142 # 371 السهيلي أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب ~~أبي محمد عبد الله ابن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسين بن ~~سعدون بن رضوان بن فتوح وهو الداخل إلى الأندلس قال الحافظ أبو الخطاب ابن ~~دحية هكذا أملى علي نسبة الخثعمي السهيلي الإمام المشهور صاحب كتاب الروض ~~الأنف في شرح سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وله كتاب التعريف والإعلام ~~فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام وله كتاب نتائج الفكر ومسألة رؤية ~~الله تعالى في المنام ورؤية النبي صلى الله ms0697 عليه وسلم ومسألة السر في عور ~~الدجال ومسائل كثيرة مفيدة وقال ابن دحية أنشدني وقال إنه ما سأل الله ~~تعالى بها حاجة إلا أعطاه إياها وكذلك من استعمل إنشادها وهي (يا من يرى ما ~~في الضمير ويسمع * أنت المعد لكل ما يتوقع) (يا من يرجى للشدائد كلها * يا ~~من إليه المشتكى والمفزع) (يا من خزائن رزقه في قول كن * امنن فإن الخير ~~عندك أجمع) (ما لي سوى فقري إليك وسيلة * فبالإفتقار إليك فقري أدفع) (مالي ~~سوى قرعي لبابك حيلة * فلئن رددت فأي باب أقرع) (ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ~~* إن كان فضلك عن فقيرك يمنع) (حاشا لمجدك أن يقنط عاصيا * الفضل أجزل ~~والمواهب أوسع) PageV03P143 # وأشعاره كثيرة وتصانيفه ممتعة وكان ببلده يتسوغ ~~بالعفاف ويتبلغ بالكفاف حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش فطلبه إليها وأحسن ~~إليه وأقبل بوجه الإقبال عليه وأقام بها نحو ثلاثة أعوام ومولده سنة ثمان ~~وخمسمائة بمدينة مالقة وتوفي بحضرة مراكش يوم الخميس ودفن وقت الظهر وهو ~~السادس والعشرون من شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى وكان ~~مكفوفا والخثعمي بفتح الخاء الموحدة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين ~~المهملة وبعدها ميم هذه النسبة إلى خثعم بن انمار وهي قبيلة كبيرة وفيه ~~اختلاف والسهيلي بضم السين المهملة وفتح الهاء وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وبعدها لام هذه النسبة إلى سهيل وهي قرية بالقرب من مالقة سميت باسم ~~الكوكب لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس إلا من جبل مطل عليها ومالقة بفتح ~~الميم وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة وبعدها هاء وهي مدينة كبيرة ~~بالأندلس وقال السمعاني بكسر اللام وهو غلط PageV03P144 # 372 أبو مسلم الخراساني أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم ~~وقيل عثمان الخراساني القائم بالدعوة العباسية وقيل هو إبراهيم بن عثمان بن ~~يسار بن شذوس بن جودرن من ولد بزرجمهر بن البختكان الفارسي قال له إبراهيم ~~الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب غير اسمك فما ~~يتم لنا الأمر حتى تغير ms0698 اسمك فسمى نفسه عبد الرحمن والله أعلم كان أبوه من ~~رستاق فريذين من قرية تسمى سنجرد وكانت هذه القرية له مع عدة قرى وقيل إنه ~~من قرية يقال لها ماخوان على ثلاث فراسخ من مرو وكان بعض الأحياء يجلب إلى ~~الكوفة مواشي ثم إنه قاطع على رستاق فريذين فلحقه فيه عجز وأنفذ عامل البلد ~~إليه من يشخصه إلى الديوان وكان له عند أذين بنداذ ابن وستجان جارية اسمها ~~وشيكة جلبها من الكوفة فأخذ الجارية معه وهي حامل وتنحى عن مؤدى خراجه آخذا ~~إلى أذربيجان فاجتاز على رستاق فاتق بعيسى بن معقل بن عمير أخي إدريس بن ~~معقل جد أبي دلف العجلي فأقام عنده أياما فرأى في منامه PageV03P145 # كأنه جلس للبول فخرج من إحليله نار وارتفعت في السماء ~~وسدت الآقاق وأضاءت الأرض ووقعت بناحية المشرق فقص رؤياه على عيسى ابن معقل ~~فقال له ما أشك أن في بطنها غلام ثم فارقه ومضى إلى أذربيجان ومات بها ~~ووضعت الجارية أبا مسلم ونشأ عند عيسى فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب ~~فخرج أديبا لبيبا يشار إليه في صغره ثم إنه اجتمع على عيسى بن معقل وأخيه ~~إدريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها عن حضور مؤدى ~~الخراج بأصبهان فأنهى عامل أصبهان خبرهما إلى خالد بن عبد الله القسري والي ~~العراقين فأنفذ خالد من الكوفة من حملهما إليه بعد قبضه عليهما فتركهما ~~خالد في السجن فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي محبوسا بسبب من أسباب الفساد ~~وقد كان عيسى بن معقل قبل أن يقبض عليه أنفذأبا مسلم إلى قرية من رستاق ~~فاتق لاحتمال غلتها فلما اتصل به خبر عيسى بن معقل باع ما كان احتمله من ~~الغلة وأخذ ما كان اجتمع عنده من ثمنها ولحق بعيسى بن معقل فأنزله عيسى ~~بداره في بني عجل وكان يختلف إلى السجن ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل وكان ~~قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ms0699 بن ~~عبد المطلب الآتي ذكره إن شاء الله تعالى مع عدة من الشيعة الخراسانية ~~فدخلوا على العجليين السجن مسلمين فصادفوا أبا مسلم عندهم فأعجبهم عقله ~~ومعرفته وكلامه وأدبه ومال هو إليهم ثم عرف أمرهم وأنهم دعاة واتفق مع ذلك ~~هرب عيسى وإدريس من السجن فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء ~~ثم خرج معهم إلى مكة حرسها الله تعالى فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد ~~الإمام المذكور في ترجمة أبيه محمد بن علي وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه ~~عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وأهدوا إليه أبا مسلم فأعجب به وبمنطقه ~~وعقله وأدبه وقال لهم هذا عضلة من العضل وأقام أبو مسلم عند الإمام إبراهيم ~~يخدمه حضرا وسفرا PageV03P146 # ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلا ~~يقوم بأمر خراسان فقال إني قد جربت هذا الأصبهاني وعرفت ظاهره وباطنه ~~فوجدته حجر الأرض ثم دعا أبا مسلم وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان وكان من ~~أمره ما كان وكان إبراهيم الإمام قد أرسل إلى أهل خراسان سليمان بن كثير ~~الحراني يدعوهم إلى أهل البيت فلما بعث أبا مسلم أمر من هناك بالسمع ~~والطاعة له وأمره أن لا يخالف سليمان بن كثير فكان أبو مسلم يختلف ما بين ~~إبراهيم وسليمان وقال المأمون وقد ذكر أبو مسلم عنده أجل ملوك الأرض ثلاثة ~~وهم الذين قاموا بثقل الدول الإسكندر وأردشير وأبو مسلم الخراساني وكان أبو ~~مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم وأقام على ذلك سنين وفعل في خراسان ~~وتلك البلاد ما هو مشهور ولا حاجة إلى الإطالة بذكره وكان مروان بن محمد ~~آخر ملوك بني أمية يحتال على الوقوف على حقيقة الأمر وأن أبا مسلم إلى من ~~يدعو منهم فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعاء لإبراهيم الإمام وكان ~~مقيما عند اخوته وأهله بالحميمة الآتي ذكرها في ترجمة جده علي بن عبد الله ~~بن العباس رضي الله عنهما فأرسل إليه وقبض عليه وأحضره إلى حران فأوصى ~~إبراهيم ms0700 بالأمر من بعده لأخيه عبد الله السفاح ولما وصل إبراهيم إلى حران ~~حبسه مروان بها ثم غمه بجراب طرح فيه نورة وجعل فيه رأسه وسد عليه إلى أن ~~مات وذلك في صفر سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقيل إنه قتله غير هذه القتلة ~~لكن هذا هو الأكثر وكان عمره إحدى وخمسين سنة وكان دفنه هناك داخل حران ثم ~~صار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس عبد الله بن محمد الملقب السفاح ~~وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثية للخبر المروي في ذلك أن ~~هذا الأمر يتم لابن الحارثية فلما قام عمر بن عبد العزيز بالأمر أتاه محمد ~~بن علي PageV03P147 # وقال إني أردت أن أتزوج ابنة خالي من بني الحارث بن ~~كعب أفتأذن لي قال تزوج من شئت فتزوج ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن ~~عبد المدان ابن الركال بن قطن بن زياد بن الحارث بن كعب فأولدها السفاح ~~المذكور فتولى الخلافة ووصف المدائني أبا مسلم فقال كان قصيرا أسمر جميلا ~~حلوا نقي البشرة أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها طويل الشعرة ~~طويل الظهر قصير الساق والفخذ خافض الصوت فصيحا بالعربية والفارسية حلو ~~المنطق راوية للشعر عالما بالأمور لم ير ضاحكا ولا مازحا إلا في وقته ولا ~~يكاد يقطب في شيء من أحواله تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر ~~السرور وتنزل به الحوادث الفادحة فلا يرى مكتئبا وإذا غضب لم يستفزه الغضب ~~ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة واحدة ويقول الجماع جنون ويكفي الإنسان ~~أن يجن في السنة مرة وكان من أشد الناس غيرة لا يدخل قصره غيره وكان في ~~القصر كوى يطرح لنسائه منها ما يحتجن إليه قالوا وليلة زفت إليه امرأته أمر ~~بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر بعدها وقال له ابن ~~شبرمة أصلح الله الأمير من أشجع الناس قال كل قوم في إقبال دولتهم وكان أقل ~~الناس طمعا وأكثرهم طعاما ولما حج نادى في الناس برئت الذمة ممن ms0701 أوقد نارا ~~فكفى العسكر ومن معه أمر طعامهم وشرابهم في ذهابهم وإيابهم ومنصرفهم وهربت ~~الأعراب فلم يبق في المناهل منهم أحد لما كانوا يسمعونه من سفكه الدماء قتل ~~في دولته ستمائة ألف صبرا فقيل لعبد الله بن المبارك أبو مسلم خير أو ~~الحجاج قال لا أقول إن أبا مسلم كان خيرا من أحد ولكن الحجاج كان شرا منه ~~PageV03P148 # وقيل له بم بلغت ما بلغت فقال ما أخرت أمر يومي إلى غد ~~قط وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في باب الأسنان وذكر الصبا والشباب ~~أن أبا مسلم نهض للدعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة وقتل وهو ابن ثلاث وثلاين ~~سنة وقال الزمخشري أيضا في كتابه المذكور أنه كان عظيم القدر يعني أبا مسلم ~~وإنه قدم مرة فتلقاه ابن أبي ليلى القاضي المشهور فقبل يده فقيل له في ذلك ~~فقال قد لقي أبو عبيدة ابن الجراح عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقبل يده ~~فقيل له أتشبه أبا مسلم بعمر فقال أتشبهونني بأبي عبيدة وكان له أخوة من ~~جملتهم يسار جد علي بن حمزة بن عمارة بن حمزة بن يسار الأصبهاني وكانت ~~ولادته في سنة مائة للهجرة والخليفة يومئذ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ~~في رستاق فاتق بقرية لها ناوانه ويدعي أهل مدينة جي الأصبهانية أن مولده ~~بها ولما ظهر بخراسان كان أول ظهوره بمرو يوم الجمعة لتسع بقين وقال الخطيب ~~لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة والوالي بخراسان يومئذ نصر بن ~~سيار الليثي من جهة مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية فكتب نصر إلى مروان ~~(أرى جذعا إن يثن لم يقو ريض * عليه فبادر قبل أن يثني الجذع) وكان مروان ~~مشغولا عنه بغيره من الخوارج بالجزيرة الفراتية وغيرها منهم الضحاك بن قيس ~~الحروري وغيره فلم يجبه عن كتابه وأبو مسلم يوم ذاك في خمسين رجلا فكتب ~~إليه ثانية قول أبي مريم عبد الله بن إسماعيل البجلي الكوفي وهو من جملة ~~أبيات كثيرة وكان أبو ms0702 مريم منقطعا إلى نصر بن سيار وكان له مكتب بخراسان ~~PageV03P149 # (أرى خلل الرماد وميض نار * ويوشك أن يكون لها ضرام) ~~(فإن النار بالزندين تورى * وإن الحرب أولها كلام) (لئن لم يطفها عقلاء قوم ~~* يكون وقودها جثث وهام) (أقول من التعجب ليت شعري * أأيقاظ أمية أم نيام) ~~(فإن كانوا لحينهم نياما * فقل قوموا فقد حان القيام) وهذا مثل ما يحكى عن ~~بعض علوية الكوفة أنه قال لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أبي جعفر المنصور وأخوه إبراهيم بن عبد ~~الله (أرى نارا تشب على يفاع * لها فيكل ناحية شعاع) (وقد رقدت بنو العباس ~~عنها * وباتت وهي آمنة رتاع) (كما رقدت أمية ثم هبت * تدافع حين لا يغني ~~الدفاع) رجعنا إلى الأول فانتظر ابن سيار ما يكون من مروان فجاءه جوابه وهو ~~يقول إنا حين وليناك خراسان والشاهد يرى ما لا يرى الغائب فاحسم الثؤلول ~~قبلك فقال نصر حين أتاه الجواب قد أعلمكم أن لا نصر عنده ثم كتب ثانيا ~~فأبطأ عنه الجواب واشتدت شوكة أبي مسلم فهرب نصر من خراسان وقصد العراق ~~فمات في الطريق بناحية ساوة وقيل إنه مرض بالري وحمل إلى ساوة وهي بالقرب ~~من همذان فمات بها في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين ومائة وكانت ولايته ~~بخراسان عشر سنين وفي يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من المحرم سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة وثب أبو مسلم على علي بن جديع بن علي الكرماني بنيسابور ~~فقتله بعد أن قيده وحبسه PageV03P150 # وقعد في الدست وسلم عليه بالإمرة وصلى وخطب ودعا ~~للسفاح أبي العباس عبد الله بن محمد أول خلفاء بني العباس وصفت له خراسان ~~وانقطعت عنها ولاية بني أمية ثم سير العساكر لقتال مروان بن محمد وظهر ~~السفاح بالكوفة وبويع بالخلافة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ~~ربيع الآخر وقيل الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقيل غير هذا التاريخ ~~وتجهزت العساكر الخراسانية وغيرها من جهة السفاح لقصد ms0703 مروان بن محمد ~~ومقدمها عبد الله بن علي عم السفاح فتقدم مروان إلى الزاب النهر الذي بين ~~الموصل وإربل وكانت الوقعة على كشاف بضم الكاف وهي قرية هناك وانكسر عسكر ~~مروان وهرب إلى الشام فتبعه عبد الله بجيوشه فهرب إلى مصر فأقام عبد الله ~~بدمشق وأرسل جيشا وراء مروان مع الأصفر وقيل مصفر وعامر بن إسماعيل ~~الجرجاني فلما وصل إلى بوصير القرية التي عند الفيوم قتل بها ليلة الأحد ~~لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة رحمه الله تعالى وقيل في ~~ذي القعدة من السنة قتله عامر المذكور واحتزوا رأسه وبعثوه إلى السفاح ~~فبعثه السفاح إلى أبي مسلم وأمره يطيف به في بلاد خراسان وقيل لمروان ما ~~الذي أصارك إلى هذا قال قلة مبالاتي بكتب نصر ابن سيار لما استنصرني وهو ~~بخراسان فاستقل السفاح بالخلافة وخلا له الوقت من منازع وقال أبو عثمان ~~التيمي قاضي مروان بن محمد رأيت في منامي كأن عاتكة بنت عبد الله بن يزيد ~~بن معاوية ناشرة شعرها وهي واقفة على مرقى بين مراقي منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهي تنشد بيتين من قصيدة الأحوص التي أولها (يا بيت عاتكة ~~الذي أتعزل *) PageV03P151 # (أين الشباب وعيشنا اللذ الذي * كنا به زمنا نسر ~~ونجذل) (ذهبت بشاشته وأصبح ذكره * حزنا يعل به الفؤاد وينهل) قال أبو عثمان ~~التيمي فلم يكن بين ذلك وبين الحادثة على بني أمية إلا أقل من شهر ووجد بخط ~~محمد بن أسعد قال كان الخراز يقول من أعجب أحاديث مروان بن محمد ما رواه ~~المدائني قال لما حاصر مروان تدمر فظفر بها وهدم دورها افضى إلى جرن طويل ~~فلم يشك مروان والحاضرون أن تحته كنزا فنبشوه فإذا امرأة مسجاة عظيمة الخلق ~~على قفاها فوق سرير من حجارة عليها سبعون حلة منسوجة بالذهب جرباناتها لها ~~غدائر من رأسها إلى رجليها فذرع قدمها فكانت عظيمة الساق وكان طولها سبعة ~~أذرع وإذا عند رأسها صفيحة من نحاس مكتوب عليها بالحميرية فطلب من قرأه ~~فإذا ms0704 فيه أنا تدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن هرم العماليقي من دخل ~~علي بيتي هذا فأزعجني منه حتى يراني أدخل الله عليه المهانة والذل والصغار ~~فلما قرىء المكتوب على مروان عظم عليه وندم على ما كان منه وتطير بذلك وجعل ~~يسترجع ثم أمر بطبق الجرن وأن يرد إلى موضعه وما كان بين ذلك وبين الظفر به ~~وزوال الملك واستباحة حريمه إلا قليل وكان السفاح كثير التعظيم لأبي مسلم ~~لما صنعه ودبره وكان أبو مسلم عند ذلك ينشد في كل وقت (أدركت بالحزم ~~والكتمان ما عجزت * عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا) (ما زلت أسعى بجهدي في ~~دمارهم * والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا) (حتى ضربتهم بالسيف فانتهبوا * ~~من نومة لم ينمها قبلهم أحد) (ومن رعى غنما في أرض مسبعة * ونام عنها تولى ~~رعيها الأسد) PageV03P152 # ولما مات السفاح في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة ~~بعلة الجدري وكانت وفاته بالأنبار وتولى الخلافة أخوه أبو جعفر المنصور يوم ~~الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة وهو بمكة صدرت من أبي مسلم ~~أسباب وقضايا غيرت قلب المنصور عليه فعزم على قتله وبقي حائرا بين ~~الاستبداد برأيه وفي أمره أو الاستشارة فقال يوما لسلم بن قتيبة بن مسلم ~~الباهلي ما ترى في أمر أبي مسلم قال * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ~~* فقال حسبك يا ابن قتيبة لقد أودعتها أذنا واعية وكان أبو مسلم قد حج فلما ~~عاد نزل الحيرة التي عند الكوفة وكان بها نصراني عمره مائتا سنة يخبر عن ~~الكوائن فأحضره وسمع كلامه وكان في جملته أنه يقتل وقال له إن صرت إلى ~~خراسان سلمت فعزم على الرجوع إليها فلم يزل المنصور يخدعه بالرسائل حتى ~~أحضره إليه وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها وأنه مميت ~~دولة ومحيي دولة وانه يقتل ببلاد الروم وكان المنصور يومئذ برومية المدائن ~~التي بناها كسرى ولم يخطر بقلب أبي مسلم أنها موضع قتله بل راح وهمه إلى ms0705 ~~بلاد الروم فلما دخل على المنصور رحب به ثم أمره بالانصراف إلى مخيمه ~~وانتظر المنصور فيه الفرص والغوائل ثم إن أبا مسلم ركب إليه مرارا فأظهر له ~~التجني ثم جاءه يوما فقيل له إنه يتوضأ للصلاة فقعد تحت الرواق ورتب ~~المنصور له جماعة يقفون وراء السرير الذي خلف أبي مسلم فإذا عاتبه لا ~~يظهرون فإذا ضرب يدا على يد ظهروا وضربوا عنقه ثم جلس المنصور ودخل عليه ~~أبو مسلم فسلم فرد عليه وأذن له في الجلوس وحادثه ثم عاتبه وقال فعلت وفعلت ~~فقال أبو مسلم ما يقال هذا لي بعد سعيي واجتهادي وما كان مني فقال له يا ~~ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك بجدنا وحظنا ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك ~~PageV03P153 # ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك قبلي ألست الكاتب تخطب ~~عمتي آسية وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن العباس لقد ارتقيت لا أم لك ~~مرتقى صعبا فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه فقال له المنصور ~~وهو آخر كلامه قتلني الله إن لم أقتلك ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى فخرج ~~إليه القوم وخطبوه بسيوفهم والمنصور يصيح اضربوا قطع الله أيديكم وكان أبو ~~مسلم قد قال عند أول ضربة استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك قال لا أبقاني ~~الله أبدا إذا وأي عدو أعدى منك وكان قتله يوم الخميس لخمس بقين من شعبان ~~وقيل لليلتين وقيل يوم الأربعاء لسبع ليال خلون منه سنة سبع وثلاثين ومائة ~~وقيل سنة ست وثلاثين وقيل سنة أربعين وهذا القول ضعيف وكان قتله برومية ~~المدائن وهي بلدة بالقرب من بغداد على دجلة بالجانب الغربي معدودة من مدائن ~~كسرى ولما قتله أدرجه في بساط فدخل عليه جعفر بن حنظلة فقال له المنصور ما ~~تقول في أمر أبي مسلم فقال يا أمير المؤمنين إن كنت أخذت من رأسه شعرة ~~فاقتل ثم اقتل ثم اقتل فقال المنصور وفقك الله ها هو في البساط فلما نظر ~~إليه قتيلا قال يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول ms0706 خلافتك فأنشد المنصور ~~(فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر) ثم أقبل ~~المنصور على من حضره وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد (زعمت أن الدين لا ~~يقتضى * فاستوف بالكيل أبا مجرم) (اشرب بكأس كنت تسقي بها * أمر في الحلق ~~من العلقم) PageV03P154 # وكان المنصور بعد قتله أبا مسلم كثيرا ما ينشد جلساءه ~~قول بعضهم (طوى كشحه عن أهل كل مشورة * وبات يناجي عزمه ثم صمما) (وأقدم ~~لما لم يجد ثم مذهبا * ومن لم يجد بدا من الأمر أقدما) قلت ومن هاهنا أخذ ~~البحتري قوله في قصيدته التي مدح بها الفتح بن خاقان صاحب المتوكل على الله ~~وقد لقي أسدا في طريقه فلم يقدم عليه الأسد فقتله الفتح وهي من غرر قصائده ~~والمقصود منها قوله (فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا * وأقدم لما لم يجد منك ~~مهربا) والله أعلم وقد اختلف الناس في نسب أبي مسلم فقيل إنه من العرب وقيل ~~من العجم وقيل من الأكراد وفي ذلك يقول أبو دلامة المقدم ذكره (أبا مجرم ما ~~غير الله نعمة * على عبده حتى يغيرها العبد) (أفي دولة المنصور حاولت غدرة ~~* ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد) (أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى * عليك بما ~~خوفتني الأسد الورد) ورومية بضم الراء وسكون الواو وكسر الميم وفتح الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة بناها الإسكندر ذو القرنين لما أقام ~~بالمدائن وكان قد طاف الأرض شرقا وغربا كما أخبر عنه الباري تعالى في ~~القرآن الكريم ولم يختر منها منزلا سوى المدائن فنزلها وبنى رومية المذكورة ~~إذ ذاك والله أعلم PageV03P155 # 373 الخطيب ابن نباتة الخطيب أبو يحيى عبد الرحيم بن ~~محمد بن إسماعيل بن نباتة الحذاقي الفارقي صاحب الخطب المشهورة كان إماما ~~في علوم الأدب ورزق السعادة في خطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها ~~وفيها دلالة على غزارة علمه وجودة قريحته وهو من أهل ميافارقين وكان خطيب ~~حلب وبها اجتمع بأبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة بن حمدان وقالوا إنه ms0707 ~~سمع عليه بعض ديوانه وكان سيف الدولة كثير الغزوات فلهذا أكثر الخطيب من ~~خطب الجهاد ليحض الناس عليه ويحثهم على نصرة سيف الدولة وكان رجلا صالحا ~~وذكر الشيخ تاج الدين الكندي بإسناده المتصل إلى الخطيب ابن نباتة أنه قال ~~لما عملت خطبة المنام وخطبت بها يوم الجمعة رأيت ليلة السبت في منامي كأني ~~بظاهر ميافارقين عند الجبانة فقلت ما هذا الجمع فقال لي قائل هذا النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعه أصحابه فقصدت إليه لأسلم عليه فلما دنوت منه التفت ~~فرآني فقال مرحبا يا خطيب الخطباء كيف تقول وأومأ إلى القبور قلت لا يخبرون ~~بما إليه آلوا ولو قدروا على المقال لقالوا قد شربوا من الموت كأسا مرة ولم ~~يفقدوا من أعمالهم ذرة وآلى عليهم الدهر PageV03P156 # ألية برة أن لا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرة كأنهم لم ~~يكونوا للعيون قرة ولم يعدوا في الأحياء مرة أسكتهم والله الذي أنطقهم ~~وأبادهم الذي خلقهم وسيجدهم كما أخلقهم ويجمعهم كما فرقهم يوم يعيد الله ~~العالمين خلقا جديدا ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا يوم تكونون شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وأومأت عند قولي تكونون شهداء على الناس ~~إلى الصحابة وبقولي شهيدا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم * (يوم تجد كل نفس ~~ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) * ~~فقال لي أحسنت ادن فدنوت منه صلى الله عليه وسلم فأخذ وجهي وقبله ثم تفل في ~~في وقال وفقك الله قال فانتبهت من النوم وبي من السرور ما يجل عن الوصف ~~فأخبرت أهلي بما رأيت قال الكندي بروايته وبقي الخطيب بعد هذا المنام ثلاثة ~~أيام لا يطعم طعاما ولا يشتهيه ويوجد في فيه رائحة المسك ولم يعش إلا مدة ~~يسيرة ولما استيقظ الخطيب من منامه كان على وجهه أثر نور وبهجة لم تكن قبل ~~ذلك وقص رؤياه على الناس وقال سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا ~~وعاش بعد ذلك ثمانية عشر يوما ms0708 لا يستطعم فيها طعاما ولا شرابا من أجل تلك ~~التفلة وبركتها وهذه الخطبة التي فيها هذه الكلمات تعرف بالمنامية لهذه ~~الواقعة وهذا الخطيب لم أر أحدا من المؤرخين ذكر تاريخه في المولد والوفاة ~~سوى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه فإنه قال ولد في سنة خمس وثلاثين ~~وثلاثمائة وتوفي في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة بميافارقين ودفن بها رحمه ~~الله تعالى ورأيت في بعض المجاميع قال الوزير أبو القاسم ابن المغربي رأيت ~~الخطيب ابن نباتة في المنام بعد موته فقلت له ما فعل الله بك فقال دفع لي ~~ورقة فيها سطران بالأحمر وهما (قد كان أمن لك من قبل ذا * واليوم أضحى لك ~~أمنان) PageV03P157 # (والصفح لا يحسن عن محسن * وإنما يحسن عن جاني) قال ~~فانتبهت من النوم وأنا أكررهما ونباتة بضم النون وفتح الباء الموحدة وبعد ~~الألف تاء مثناة من فوقها مفتوحة ثم هاء ساكنة والحذاقي بضم الحاء المهملة ~~وفتح الذال المعجمة وبعد الألف قاف هذه النسبة إلى حذاقة بطن من قضاعة وقال ~~ابن قتيبة في كتاب أخبار الشعراء وحذاق قبيلة من إياد والله أعلم 374 ~~القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف بهاء الدين أبي المجد ~~علي ابن القاضي السعيد أبي محمد الحسن بن الحسن بن أحمد بن الفرج بن أحمد ~~اللخمي العسقلاني المولد المصري الدار المعروف بالقاضي الفاضل الملقب مجير ~~الدين وزر للسلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى وتمكن منه غاية ~~التمكن وبرز في صناعة الإنشاء وفاق المتقدمين وله فيه الغرائب مع الإكثار ~~أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في ~~المجلدات PageV03P158 # والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد ~~وهو مجيد في أكثرها قال العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة في حقه رب القلم ~~والبيان واللسن واللسان والقريحة الوقادة والبصيرة النقادة والبديهة ~~المعجزة والبديعة المطرزة والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في ~~زمانه لتعلق بغباره أو جرى في مضماره فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت ~~الشرائع ورسخت بها ms0709 الصنائع يخترع الأفكار ويفترع الأبكار ويطلع الأنوار ~~ويبدع الأزهار وهو ضابط الملك بآرائه رابط السلك بآلائه إن شاء أنشأ في يوم ~~واحد بل في ساعة واحدة ما لو دون لكان لأهل الصناعة خير بضاعة أين قس عند ~~فصاحته وابن قيس في مقام حصافته ومن حاتم وعمرو في سماحته وحماسته وأطال ~~القول في تقريظه ونذكر له رسالة لطيفة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح ~~الدين يتشفع له في توليته خطابة الكرك وهي أدام الله السلطان الملك الناصر ~~وتبته وتقبل عمله بقبول صالح وأنبته وأخذ عدوه قائلا أو بيته وأرغم أنفه ~~بسيفه وكبته خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب ولما نبا به المنزل ~~عنها وقل عليه المرفق فيها وسمع بهذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها ووجب ~~على أهلها شكرها هاجر من هجير عيذاب وملحها ساريا في ليلة أمل كلها نهار ~~فلا يسأل عن صبحها وقد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب وتوسل بالمملوك في هذا ~~الملتمس وهو قريب ونزع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب ~~والفقر سائق عنيف والمذكور عائل ضعيف ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف ~~والسلام وله من جملة رسالة في صفة قلعة شاهقة ولقد أبدع فيها ويقال إنها ~~قلعة كوكب وهذه القلعة عقاب في عقاب ونجم في سحاب وهامة لها الغمامة عمامة ~~وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة وملحه ونوادره كثيرة وقوله ~~كان الهلال لها قلامة أخذه من قول PageV03P159 # عبد الله بن المعتز من جملة أبياته المتقدم ذكرها في ~~ترجمته وهو قوله (ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا * مثل القلامة قد قدت من الظفر) ~~وابن المعتز أخذه من قول عمرو بن قميئة وهو (كأن ابن مزنتها جانحا * فسيط ~~لدى الأفق من خنصر) والفسيط بفتح الفاء وكسر السين المهملة قلامة الظفر ومن ~~كلامه في أثناء رسالة وقد كبر والمملوك قد وهت ركبتاه وضعف أطيباه وكتبت ~~لام ألف عند قيامه رجلاه ولم يبق من نظره إلا شفافة ومن حديثه إلا خرافة ~~وله في ms0710 النظم أيضا أشياء حسنة منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة ~~السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ويتشوق نيل مصر (بالله قل للنيل عني ~~إنني * لم أشف من ماء الفرات غليلا) (وسل الفؤاد فإنه لي شاهد * إن كان ~~جفني بالدموع بخيلا) (يا قلب كم خلفت ثم بثينة * وأعيذ صبرك أن يكون جميلا) ~~ومن المنسوب إلى القاضي الفاضل قوله (عتب أقلب فيه طرف ترقبي * فعسى يكون ~~وراءه الإعتاب) ومن شعره أيضا (بتنا على حال يسر الهوى * وربما لا يمكن ~~الشرح) (بوابنا الليل وقلنا له * إن غبت عنا دخل الصبح) PageV03P160 # ولقدنظمت هذا المعنى في دوبيت وهو (ما أطيب ليلة مضت ~~بالسفح * والوصف لها يقصر عنه شرحي) (إذ قلت لها بوابنا أنت متى * ما غبت ~~نخاف من دخول الصبح) وكان كثيرا ما ينشد لابن مكنسة وهو أبو طاهر إسماعيل ~~بن محمد بن الحسين القرشي الإسكندري (وإذا السعادة أحرستك عيونها * نم ~~فالمخاوف كلهن أمان) (واصطد بها العنقاء فهي حبائل * واقتد بها الجوزاء فهي ~~عنان) وكان الملك العزيز بن صلاح الدين يميل إلى القاضي الفاضل في حياة ~~أبيه فاتفق أن العزيز هوي قينة شغلته عن مصالحه وبلغ ذلك والده فأمره ~~بتركها ومنعها من صحبته فشق ذلك عليه وضاق صدره ولم يجسر أن يجتمع بها فلما ~~طال ذلك بينهما سيرت له مع بعض الخدم كرة عنبر فكسرها فوجد في وسطها زر ذهب ~~فأفكر فيه ولم يعرف معناه واتفق حضور القاضي فعرفه الصورة فعمل القاضي ~~الفاضل في ذلك بيتين وأرسلهما إليه وهما (أهدت لك العنبر في وسطه * زر من ~~التبر دقيق اللحام) (فالزر في العنبر معناهما * زر هكذا مستترا في الظلام) ~~فعلم الملك العزيز أنها أرادت زيارته في الليل وشعره أيضا كثير وكانت ~~ولادته يوم الاثنين في خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة ~~بمدينة عسقلان وتولى أبو القضاء بمدينة بيسان فلهذا نسبوا إليها ~~PageV03P161 # وفي ترجمة الموفق يوسف بن الخلال في حرف الياء صورة ~~مبدأ أمره وقدومه الديار المصرية واشتغاله عليه بصناعة الإنشاء فلا ms0711 حاجة ~~إلى ذكرها هاهنا ثم إنه تعلق بالخدم في ثغر الإسكندرية وأقام به مدة وقال ~~الفقيه عمارة اليمني في كتاب النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية في ~~ترجمة العادل ابن صالح بن رزيك ومن محاسن أيامه وما يؤرخ عنها بل هي الحسنة ~~التي لا توازى بل هي اليد البيضاء التي لا تجازى خروج أمره إلى والي ~~الإسكندرية بتسيير القاضي الفاضل إلى الباب واستخدامه بحضرته وبين يديه في ~~ديوان الجيش فإنه غرس منه للدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النماء ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها وقد تقدم ذكر ما ~~آل إليه أمره من وزارة السلطان صلاح الدين وترقي منزلته عنده وبعد وفاة ~~صلاح الدين استمر على ما كان عليه عند ولده الملك العزيز في المكانة ~~والرفعة ونفاذ الأمر ولما توفي العزيز وقام ولده الملك المنصور بالملك ~~بتدبير عمه الملك الأفضل نور الدين كان أيضا على حاله ولم يزل كذلك إلى أن ~~وصل الملك العادل وأخذ الديار المصرية وعند دخوله القاهرة توفي القاضي ~~الفاضل وذلك في ليلة الأربعاء سابع شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة ~~بالقاهرة فجأة ودفن في تربته من الغد بسفح المقطم في القرافة الصغرى وزرت ~~قبره مرارا وقرأت تاريخ وفاته على الرخام المحوط حول القبركما هو هاهنا ~~رحمه الله تعالى وكان من محاسن الدهر وهيهات أن يخلف الزمان مثله وبنى ~~بالقاهرة مدرسة بدرب ملوخية ورأيت بخطه أنه استفتح التدريس بها يوم السبت ~~مستهل المحرم من سنة ثمانين وخمسمائة وأما لقبه فإن أهله يقولون ~~PageV03P162 # إنه كان يلقب محيي الدين ورأيت مكاتبة الشيخ شرف الدين ~~عبد الله بن أبي عصرون المقدم ذكره إليه وهو يخاطبه بمجير الدين والله أعلم ~~بالصواب 97 وكان ولده القاضي الأشرف بهاء الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي ~~الفاضل كبير المنزلة عند الملوك وكان مثابرا على سماع الحديث وتحصيل الكتب ~~ومولده في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة بالقاهرة وتوفي بها في ليلة ~~الاثنين سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة ms0712 ودفن بسفح المقطم إلى ~~جانب قبر أبيه وكان الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب قد سيره من مصر ~~في رسالة إلى بغداد فأنشد الوزير من نظمه (يا أيها المولى الوزير ومن له * ~~منن حللن من الزمان وثاقي) (من شاكر عني نداك فإنني * من عظم ما أوليت ضاق ~~نطاقي) (منن تخف على يديك وإنما * ثقلت مؤونتها على الأعناق) 375 ابن جريج ~~أبو خالد وأبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي بالولاء ~~المكي مولى أمية بن خالد بن أسيد ويقال إن جريجا كان عبدا لأم حبيب بنت ~~جبير زوجة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ~~فنسب ولاؤه إليه PageV03P163 # وكان عبد الملك أحد العلماء المشهورين ويقال إنه أول ~~من صنف الكتب في الإسلام وكان يقول كنت مع معن بن زائدة باليمن فحضر وقت ~~الحج فلم تحضرني نية فخطر ببالي قول عمر بن أبي ربيعة (بالله قولي له من ~~غير معتبة * ماذا أردت بطول المكث في اليمن) (إن كنت حاولت دنيا أو نعمت ~~بها * فما أخذت بترك الحج من ثمن) قال فدخلت على معن فأخبرته أني قد عزمت ~~على الحج فقال لي ما يدعوك إليه ولم تكن تذكره فقلت له ذكرت بيتين لعمر بن ~~أبي ربيعة وأنشدته إياهما فجهزني وانطلقت وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة ~~وقدم بغداد على أبي جعفر المنصور وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة وقيل سنة ~~خمسين وقيل إحدى وخمسين ومائة رحمه الله تعالى وجريج بضم الجيم وفتح الراء ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها جيم ثانية 376 عبد الملك بن عمير أبو ~~عمر ويقال أبو عمرو عبد الملك بن عمير بن سويد بن حارثة بن املاص ابن شنيف ~~بن عبد شمس بن سعد بن الوسيع بن الحارث بن يثيع بن أزدة بن حجر بن جزيلة بن ~~لخم اللخمي الكوفي القبطي الفرسي كان قاضيا على PageV03P164 # الكوفة بعد الشعبي وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم ومن ~~كبار أهل الكوفة رأى علي بن ms0713 أبي طالب رضي الله عنه وروى عن جابر بن عبد ~~الله ومن أخباره أنه قال كنت عند عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة حين جيء ~~برأس مصعب بن الزبير فوضع بين يديه فرآني قد ارتعت فقال لي ما لك فقلت ~~أعيذك بالله يا أمير المؤمنين كنت بهذا القصر بهذا الموضع مع عبيد الله ابن ~~زياد فرأيت رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين يديه في هذا ~~المكان ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد الثقفي فرأيت رأس عبيد الله بن ~~زياد بين يديه ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير هذا فرأيت رأس المختار فيه بين ~~يديه ثم هذا رأس مصعب بن الزبير بين يديك قال فقام عبد الملك من موضعه وأمر ~~بهدم ذلك الطاق الذي كنا فيه ومرض عبد الملك بن عمير مرة فاعتذر إليه رجل ~~من تخلفه عن عيادته فقال له ما كنت لألوم عل ترك عيادتي رجلا لو مرض لما ~~عدته وكانت وفاته سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة وهو ابن مائة سنة وثلاث ~~سنين والقبطي بكسر القاف وسكون الباء الموحدة وكسر الطاء المهملة هذه ~~النسبة إلى القبطي وهو فرس سابق كان له فنسب إليه والفرسي بالفاء والراء ~~المفتوحتين والسين المهملة نسبة إلى هذا الفرس أيضا وأكثر الناس يصحفونه ~~بالقرشي رحمه الله تعالى PageV03P165 # 377 ابن الماجشون أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز ~~بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون واسمه ميمون وقيل دينار القرشي التيمي ~~المنكدري مولاهم المدني الأعمى الفقيه المالكي تفقه على الإمام مالك رضي ~~الله عنه وعلى والده عبد العزيز وغيرهما وقيل إنه عمي في آخر عمره وكان ~~مولعا بسماع الغناء قال أحمد بن حنبل قدم علينا ومعه من يغنيه وحدث وكان من ~~الفصحاء روي أنه كان إذا ذاكره الإمام الشافعي رضي الله عنه لم يعرف الناس ~~كثيرا مما يقولان لأن الشافعي تأدب بهذيل في البادية وعبد الملك تأدب في ~~خؤولته من كلب بالبادية وقال يحيى بن أحمد ms0714 بن المعذل كلما تذكرت أن التراب ~~يأكل لسان عبد الملك صغرت الدنيا في عيني وسئل أحمد بن المعذل فقيل له أين ~~لسانك من لسان أستاذك عبد الملك فقال كان لسان عبد الملك إذا تعايا أحيى من ~~لساني إذا تحايا ومات عبد الملك المذكور سنة ثلاث عشرة ومائتين وقال أبو ~~عمر ابن عبد البر توفي سنة اثنتي عشرة وقيل سنة أربع عشرة ومائتين رحمه ~~الله تعالى والماجشون بفتح الميم وبعد الألف جيم مكسورة ثم شين معجمة ~~مضمومة وبعد الواو نون وهو المورد ويقال الأبيض الأحمر وهو لقب أبي ~~PageV03P166 # يوسف يعقوب بن أبي سلمة المذكور وهو عم والد عبد الملك ~~المذكور لقبته بذلك سكينة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم وجرى هذا اللقب ~~على أهل بيته من بنيه وبني أخيه وقيل إن أصلهم من أصبهان فكان إذا سلم ~~بعضهم على بعض قال شوني شوني فسمي الماجشون حكاه الحافظ أبو بكر أحمد بن ~~إبراهيم الجرجاني وقال أبو داود كان عبد الملك الماجشون لا يعقل الحديث قال ~~ابن البرقي دعاني رجل أن أمضي إليه فجئناه فإذا هو لا يدري الحديث أيش هو ~~وذكره محمد بن سعد في الطبقات الكبرى وقال كان له فقه ورواية والمنكدري ~~منسوب إلى المنكدر بن عبد الله بن هدير القرشي التيمي والد محمد وأبي بكر ~~وعمر بني المنكدر وقد استوفى ابن قتيبة حديثهم في كتاب المعارف في ترجمة ~~محمد بن المنكدر 378 إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي ~~محمد عبد الله بن أبي يعقوب يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيوية ~~الجويني الفقيه الشافعي الملقب ضياء الدين المعروف بإمام الحرمين أعلم ~~المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق المجمع على إمامته المتفق ~~على غزارة مادته وتفننه في العلوم من الأصول PageV03P167 # والفروع والأدب وغير ذلك وقد تقدم ذكر والده في ~~العبادلة ورزق من التوسع في العبارة ما لم يعهد من غيره وكان يذكر دروسا ~~يقع كل واحد منها في عدة أوراق ولا يتلعثم في ms0715 كلمة منها وتفقه في صباه على ~~والده أبي محمد وكان يعجب بطبعه وتحصيله وجودة قريحته وما يظهر عليه من ~~مخايل الإقبال فأتى على جميع مصنفات والده وتصرف فيها حتى زاد عليه في ~~التحقيق والتدقيق ولما توفي والده قعد مكانه للتدريس وإذا فرغ منه مضى إلى ~~الأستاذ أبي القاسم الإسكافي الإسفرايني بمدرسة البيهقي حتى حصل عليه علم ~~الأصول ثم سافر إلى بغداد ولقي بها جماعة من العلماء ثم خرج إلى الحجاز ~~وجاور بمكة أربع سنين وبالمدينة يدرس ويفتي ويجمع طرق المذهب فلهذا قيل له ~~إمام الحرمين ثم عاد إلى نيسابور في أوائل ولاية السلطان ألب أرسلان ~~السلجوقي والوزير يومئذ نظام الملك فبنى له المدرسة النظامية بمدينة ~~نيسابور وتولى الخطابة بها وكان يجلس للوعظ والمناظرة وظهرت تصانيفه وحضر ~~دروسه الأكابر من الأئمة وانتهت إليه رياسة الأصحاب وفوض إليه أمور الأوقاف ~~وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع مسلم له المحراب ~~والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة وصنف في كل فن منها ~~كتاب نهاية المطلب في دراية المذهب الذي ما صنف في الإسلام مثله قال أبو ~~جعفر الحافظ سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يقول لإمام الحرمين يا مفيد أهل ~~المشرق والمغرب أنت اليوم إمام الأئمة وسمع الحديث من جماعة كبيرة من ~~علمائه وله إجازة من الحافظ أبي نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء ومن ~~تصانيفه الشامل في أصول الدين والبرهان في أصول الفقه وتلخيص التقريب ~~والإرشاد PageV03P168 # والعقيدة النظامية ومدارك العقول لم يتمه وكتاب تلخيص ~~نهاية المطلب لم يتمه وغياث الأمم في الإمامة ومغيث الخلق في اختيار الأحق ~~وغنية المسترشدين في الخلاف وغير ذلك من الكتب وكان إذا شرع في علوم ~~الصوفية وشرح الأحوال أبكى الحاضرين ولم يزل على طريقة حميدة مرضية من أول ~~عمره إلى آخره أخبرني بعض المشايخ أنه وقف على جلية أمره في بعض الكتب وأن ~~والده الشيخ أبا محمد رحمه الله تعالى كان في أمل أمره ينسخ بالأجرة فاجتمع ~~له من كسب يده شيء اشترى به ms0716 جارية موصوفة بالخير والصلاح ولم يزل يطعمها من ~~كسب يده أيضا إلى أن حملت بامام الحرمين وهو مستمر على تربيتها بكسب الحل ~~فلما وضعته أوصاها أن لا تمكن أحدا من إرضاعه فاتفق أنه دخل عليها يوما وهي ~~متألمة والصغير يبكي وقد أخذته امرأة من جيرانهم وشاغلته بثديها فرضع منه ~~قليلا فلما رآه شق عليه وأخذه إليه ونكس رأسه ومسح على بطنه وأدخل إصبعه في ~~فيه ولم يزل يفعل به ذلك حتى قاء جميع ما شربه وهو يقول يسهل علي أن يموت ~~ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان تلحقه بعض ~~الأحيان فترة في مجلس المناظرة فيقول هذا من بقايا تلك الرضعة ومولده في ~~ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال ~~نيسابور يقال لها بشتنقان موصوفة باعتدال الهواء وخفة الماء فمات بها ليلة ~~الأربعاء وقت العشاء الآخرة الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان ~~وسبعين وأربعمائة ونقل إلى نيسابور تلك الليلة ودفن من الغد في داره ثم نقل ~~بعد سنين إلى مقبرة الحسين فدفن بجنب PageV03P169 # أبيه رحمهما الله تعالى وصلى عليه ولده أبو القاسم ~~فأغلقت الأسواق يوم موته وكسر منبره في الجامع وقعد الناس لعزائه وأكثروا ~~فيه المراثي ومما رثي به (قلوب العالمين على المقالي * وأيام الورى شبه ~~الليالي) (أيثمر غصن أهل العلم يوما * وقد مات الإمام أبو المعالي) وكانت ~~تلامذته يومئذ قريبا من أربعمائة واحد فكسروا محابرهم وأقلامهم وأقاموا على ~~ذلك عاما كاملا 379 الأصمعي أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن ~~علي بن أصمع بن مظهر ابن رياح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا بن سعد بن عبد بن ~~غنم بن قتيبة بن معن ابن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار ~~بن معد بن عدنان المعروف بالأصمعي الباهلي وإنما قيل له الباهلي وليس في ~~نسبه اسم باهلة لأن باهلة اسم امرأة مالك بن أعصر وقيل ms0717 إن باهلة ابن أعصر ~~كان الأصمعي المذكور صاحب لغة ونحو وإماما في الأخبار والنوادر والملح ~~والغرائب سمع شعبة بن الحجاج والحمادين ومسعر بن كدام وغيرهم وروى عنه عبد ~~الرحمن ابن أخيه عبد الله وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو حاتم PageV03P170 # السجستاني وأبو الفضل الرياشي وغيرهم وهو من أهل ~~البصرة وقدم بغداد في أيام هارون الرشيد قيل لأبي نواس قد أحضر أبو عبيدة ~~والأصمعي إلى الرشيد فقال أما أبو عبيدة فإنهم إن أمكنوه قرأ عليهم أخبار ~~الأولين والآخرين وأما الأصمعي فبلبل يطربهم بنغماته وقال عمر بن شبة سمعت ~~الأصمعي يقول أحفظ ستة عشرة ألف أرجوزة وقال إسحاق الموصلي لم أر الأصمعي ~~يدعي شيئا من العلم فيكون أحد أعلم به منه وحكى محمد بن هبيرة قال قال ~~الأصمعي للكسائي وهما عند الرشيد ما معنى قول الراعي (قتلوا ابن عفان ~~الخليفة محرما * ودعا فلم أر مثله مخذولا) قال الكسائي كان محرما بالحج قال ~~الأصمعي ما أراد عدي بن زيد بقوله (قتلوا كسرى بليل محرما * فتولى لم يمتع ~~بكفن) هل كان محرما بالحج وأي إحرام لكسرى فقال الرشيد للكسائي إذا جاء ~~الشعر فإياك والأصمعي قال الأصمعي قوله محرما في حرمة الإسلام ومن ثم قتل ~~مسلما محرما أي لم يحل في نفسه شيئا يوجب القتل وقوله محرما في كسرى يعنى ~~حرمة العهد الذي كان في عنق أصحابه وقال PageV03P171 # الربيع بن سليمان سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول ما ~~عبر أحد من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي وقال أبو أحمد العسكري لقد حرص ~~المأمون على الأصمعي وهو بالبصرة أن يصير إليه فلم يفعل واحتج بضعفه وكبره ~~فكان المأمون يجمع المشكل في المسائل ويسيرها إليه ليجيب عنها وقال الأصمعي ~~حضرت أنا وأبو عبيدة معمر بن المثنى عند الفضل بن الربيع فقال لي كم كتابك ~~في الخيل فقلت جلد واحد فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال خمسون مجلدة فقال له ~~قم إلى هذا الفرس وأمسك عضوا عضوا منه وسمه فقال لست بيطارا وإنما هذا شيء ~~أخذته عن العرب ms0718 فقال لي قم يا أصمعي وافعل ذلك فقمت وأمسكت ناصيته وشرعت ~~أذكر عضوا عضوا وأضع يدي عليه وأنشد ما قالت العرب فيه إلى أن فرغت منه ~~فقال خذه فأخذته وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبته إليه وقد روي من ~~طريق أخرى أن ذلك كان عند هارون الرشيد وأن الأصمعي لما فرغ من كلامه في ~~أعضاء الفرس قال الرشيد لأبي عبيدة ما تقول فيما قال قال أصاب في بعض وأخطأ ~~في بعض فالذي أصاب فيه مني تعلمه والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به ~~وكان شديد الاحتراز في تفسير الكتاب والسنة فإذا سئل عن شيء منهما يقول ~~العرب تقول معنى هذا كذا ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء هو ~~وأخباره ونوادره كثيرة حدث محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن ~~الأصمعي قال دخلت على الرشيد هارون ومجلسه حافل فقال يا أصمعي ما أغفلك ~~عنها وأجفاك لحضرتنا قلت والله يا أمير المؤمنين PageV03P172 # ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك قال فأمرني بالجلوس ~~فجلست وسكت عني فلما تفرق الناس إلا أقلهم نهضت للقيام فأشار إلي أن اجلس ~~فجلست حتى خلا المجلس ولم يبق غيري ومن بين يديه من الغلمان فقال يا أبا ~~سعيد ما معنى قولك ما لاقتني بلاد بعدك قلت ما أمسكتني يا أمير المؤمنين ~~وأنشدت قول الشاعر (كفاك كف ما تليق درهما * جودا وأخرى تعط بالسيف دما) أي ~~ما تمسك درهما فقال أحسنت وهكذا فكن وقرنا في الملا وعلمنا في الخلا فإنه ~~يقبح بالسلطان أن لا يكون عالما إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم إذ لم ~~أجب وإما ان أجيب بغير الجواب فيعلم من حولي أني لم أفهم ما قلت قال ~~الأصمعي فعلمني أكثر مما علمته وحكى المبرد أيضا قال مازح الرشيد أم جعفر ~~فقال لها كيف أصبحت يا أم نهر فاغتمت لذلك ولم تفهم معناه فأنفذت إلى ~~الأصمعي تسأله عن ذلك فقال الجعفر النهر الصغير وإنما ذهب إلى هذا ms0719 فطابت ~~نفسها وقال أبو بكر النحوي لما قدم الحسن بن سهل العراق قال أحب أن أجمع ~~قوما من أهل الأدب فأحضر أبا عبيدة والأصمعي ونصر بن علي الجهضمي وحضرت ~~معهم فابتدأ الحسن فنظر في رقاع بين يديه للناس في حاجاتهم فوقع عليها ~~فكانت خمسين رقعة ثم أمر فدفعت إلى الخازن ثم أقبل علينا فقال قد فعلنا ~~خيرا ونظرنا في بعض ما نرجونفعه من أمور الناس والرعية فنأخذ الآن فيما ~~نحتاج إليه فأفضنا في ذكر الحفاظ فذكرنا الزهري وقتادة ومررنا فالتفت أبو ~~عبيدة فقال ما الغرض أيها الأمير في ذكر من مضى وبالحضرة هاهنا من يقول ما ~~قرأ كتابا قط فاحتاج إلى أن يعود فيه ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه فالتفت ~~الأصمعي وقال إنما يريدني بهذا القول أيها الأمير والأمر في ذلك على ما حكى ~~وأنا أقرب PageV03P173 # إليك قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع وأنا أعيد ~~ما فيها وما وقع به الأمير على رقعة رقعة قال فأمر وأحضرت الرقاع فقال ~~الأصمعي سأل صاحب الرقعة الأولى كذا واسمه كذا فوقع له بكذا والرقعة ~~الثانية والثالثة حتى مر في نيف وأربعين رقعة فالتفت إليه نصر بن علي فقال ~~أيها الرجل أبق على نفسك من العين فكف الأصمعي وحكي عن عباس بن الفرج قال ~~ركب الأصمعي حمارا دميما فقيل له بعد براذين الخلفاء تركب هذا فقال متمثلا ~~(ولما أبت إلا انصراما لودها * وتكديرها الشرب الذي كان صافيا) (شربنا برنق ~~من هواها مكدر * وليس يعاف الرنق من كان صاديا) هذا وأملك ديني أحب إلي من ~~ذاك مع فقده وقال الأصمعي ذكرت يوما للرشيد نهم سليمان بن عبد الملك وقلت ~~إنه كان يجلس ويحضر بين يديه الخراف المشوية وهي كما أخرجت من تنانيرها ~~فيريد أخذ كلاها فتمنعه الحرارة فيجعل يده على طرف جبته ويدخلها في جوف ~~الخروف فيأخذ كلاه فقال لي قاتلك الله ما أعلمك بأخبارهم اعلم أنه عرضت علي ~~ذخائر بني أمية فنظرت إلى ثياب مذهبة ثمينة وأكمامها ودكة بالدهن فلم أدر ms0720 ~~ما ذلك حتى حدثتني بالحديث ثم قال علي بثياب سليمان فأتي بها فنظر إلى تلك ~~الآثار فيها ظاهرة فكساني منها حلة وكان الأصمعي ربما خرج فيها أحيانا ~~فيقول هذه جبة سليمان التي كسانيها الرشيد وحكي عنه قال رأيت بعض الأعراب ~~يفلي ثيابه فيقتل البراغيث ويدع القمل فقلت يا أعرابي ولم تصنع هذا فقال ~~أقتل الفرسان ثم أعطف على الرجالة وكان جده علي بن أصمع سرق بسفوان فأتوا ~~به علي بن أبي طالب PageV03P174 # رضي الله عنه فقال جيئوني بمن يشهد أنه أخرجها من ~~الرحل قال فشهد عليه بذلك عنده فأمر به فقطع من أشاجعه فقيل له يا أمير ~~المؤمنين ألا قطعته من زنده فقال يا سبحان الله كيف يتوكأ كيف يصلي كيف ~~يأكل فلما قدم الحجاج بن يوسف البصرة أتاه علي بن أصمع فقال أيها الأمير إن ~~أبوي عقاني فسمياني عليا فسمني أنت فقال ما أحسن ما توسلت به قد وليتك سمك ~~البارجاه وأجريت لك في كل يوم دانقين فلوسا ووالله لئن تعديتهما لأقطعن ما ~~أبقاه علي من يدك وكانت ولادة الأصمعي سنة اثنتين وقيل ثلاث وعشرين ومائة ~~وتوفي في صفر سنة ست عشرة وقيل أربع عشرة وقيل خمس عشرة وقيل سبع عشرة ~~ومائتين بالبصرة وقيل بمرو رحمه الله تعالى وقال الخطيب أبو بكر بلغني أن ~~الأصمعي عاش ثمانيا وثمانين سنة ومولد أبيه قريب سنة ثلاث وثمانين للهجرة ~~ولم أقف على تاريخ وفاته رحمه الله تعالى وقريب بضم القاف وفتح الراء وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها باء موحدة وهو لقب له قال المرزباني وأبو ~~سعيد السيرافي اسمه عاصم وكنيته أبو بكر وغلب عليه لقبه والأصمعي نسبة إلى ~~جده أصمع ومظهر بضم الميم وفتح الظاء المعجمة وتشديد الهاء وكسرها وبعدها ~~راء وأعيا بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها ~~وباهلة قد تقدم الكلام عليها في أول الترجمة وهي بالباء الموحدة وكسر الهاء ~~وفتح اللام وسفوان بفتح السين المهملة والفاء والواو وبعد الألف نون وهو ~~اسم موضع عند البصرة ms0721 ومن قصد البحرين من البصرة يخرج إلى سفوان ثم إلى ~~كاظمة ومنها يتوجه إلى هجر وهي مدينة البحرين والبارجاه موضع بالبصرة ~~PageV03P175 # قال أبو العيناء كنا في جنازة الأصمعي فجذبني أبو ~~قلابة حبيش بن عبد الرحمن الجرمي وقيل حبيش بن منقذ قاله المرزباني في ~~المعجم الشاعر فأنشدني لنفسه (لعن الله أعظما حملوها * نحو دار البلى على ~~خشبات) (أعظما تبغض النبي وأهل البيت * والطيبين والطيبات) قال وجذبني أبو ~~العالية الشامي وأنشدني واسم أبي العالية الحسن بن مالك (لا در در بنات ~~الأرض إذ فجعت * بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا) (عش ما بدا لك في الدنيا فلست ~~ترى * في الناس منه ولا من علمه خلفا) قال فعجبت من اختلافهما فيه وللأصمعي ~~من التصانيف كتاب خلق الإنسان وكتاب الأجناس وكتاب الأنواء وكتاب الهمز ~~وكتاب المقصور والممدود وكتاب الفرق وكتاب الصفات وكتاب الأبواب وكتاب ~~الميسر والقداح وكتاب خلق الفرس وكتاب الخيل وكتاب الإبل وكتاب الشاء وكتاب ~~الأخبية وكتاب الوحوش وكتاب فعل وأفعل وكتاب الأمثال وكتاب الأضداد وكتاب ~~الألفاظ وكتاب السلاح وكتاب اللغات وكتاب مياه العرب وكتاب النوادر وكتاب ~~أصول الكلام وكتاب القلب والإبدال وكتاب جزيرة العرب وكتاب الاشتقاق وكتاب ~~معاني الشعر وكتاب المصادر وكتاب الأراجيز وكتاب النخلة وكتاب النبات وكتاب ~~ما اتفق لفظه واختلف معناه وكتاب غريب الحديث وكتاب نوادر الاعراب وغير ذلك ~~PageV03P176 # 380 ابن هشام صاحب السيرة أبو محمد عبد الملك بن هشام ~~بن أيوب الحميري المعافري قال أبو القاسم السهيلي عنه في كتاب الروض الأنف ~~شرح سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه مشهور بحمل العلم متقدم في علم ~~النسب والنحو وهو من مصر وأصله من البصرة وله كتاب في أنساب حمير وملوكها ~~وكتاب في شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب فيما ذكر لي وتوفي بمصر في ~~سنة ثلاث عشرة ومائتين رحمه الله تعالى قلت وهذا ابن هشام هو الذي جمع سيرة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغازي والسير لابن إسحاق وهذبها ولخصها ~~وشرحها السهيلي المذكور وهي الموجودة ms0722 بأيدي الناس المعروفة بسيرة ابن هشام ~~وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس صاحب تاريخ مصر المقدم ذكره في ~~تاريخه الذي جعله للغرباء القادمين على مصر إن عبد الملك المذكور توفي ~~لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة ومائتين بمصر والله ~~أعلم بالصواب وقال إنه ذهلي والحميري قد تقدم الكلام عليه والمعافري بفتح ~~الميم والعين المهملة وبعد الألف فاء مكسورة ثم راء هذه النسبة إلى المعافر ~~بن يعفر قبيل كبير ينسب إليه بشر كثير عامتهم بمصر PageV03P177 # 381 الثعالبي أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل ~~الثعالبي النيسابوري قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه كان في وقته راعي ~~تلعات العلم وجامع أشتات النثر والنظم رأس المؤلفين في زمانه وإمام ~~المصنفين بحكم قرانه سار ذكره سير المثل وضربت إليه آباط الإبل وطلعت ~~دواوينه في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب وتواليفه أشهر مواضع ~~وأبهر مطالع وأكثر راو لها وجامع من أن يستوفيها حد أو وصف أو يوفيها ~~حقوقها نظم أو رصف وذكر له طرفا من النثر وأورد شيئا من نظمه فمن ذلك ما ~~كتبه إلى الأمير أبي الفضل الميكالي (لك في المفاخر معجزات جمة * أيدا ~~لغيرك في الورى لم تجمع) (بحران بحر في البلاغة شانه * شعر الوليد وحسن لفظ ~~الأصمعي) (وترسل الصابي يزين علوه * خط ابن مقلة ذو المحل الأرفع) (كالنور ~~أوكالسحر أو كالبدر أو * كالوشي في برد عليه موشع) (شكرا فكم من فقرة لك ~~كالغنى * وافى الكريم بعيد فقر مدقع) (وإذا تفتق نور شعرك ناضرا * فالحسن ~~بين مرصع ومصرع) (أرجلت فرسان الكلام ورضت أفراس * البديع وأنت أمجد مبدع) ~~PageV03P178 # (ونقشت في فص الزمان بدائعا * تزري بآثار الربيع ~~الممرع) ومنها في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه (يا واهب الطرف الجواد كأنما * ~~قد أنعلوه بالرياح الأربع) (لا شيء أسرع منه إلا خاطري * في وصف نائلك ~~اللطيف الموقع) (ولو أنني أنصفت في إكرامه * لجلال مهديه الكريم الألمعي) ~~(أقضمته حب الفؤاد محبة * وجعلت مربطه سواد المدمع) (وخلعت ثم ms0723 قطعت غير ~~مضيع * برد الشباب لجله والبرقع) ومن شعره (لما بعثت فلم توجب مطالعتي * ~~وأمنعت نار شوقي في تلهبها) (ولم أجد حيلة تبقي على رمقي * قبلت عيني رسولي ~~إذ رآك بها) وكتب إلى أبي نصر بن سهل ابن المرزبان يحاجيه (حاجيت شمس العلم ~~في ذا العصر * نديم مولانا الأمير نصر) (ما حاجة لأهل كل مصر * في كل ما ~~دار وكل قطر) (ليست ترى إلا بعيد العصر *) فكتب إليه جوابه (يا بحر آداب ~~بغير جزر * وحظه في العلم غير نزر) (حزرت ما قلت وكان حزري * أن الذي عنيت ~~دهن البزر) (يعصره ذو قوة وازر *) PageV03P179 # وله من التواليف يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر وهو ~~أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها وفيها يقول أبو الفتوح نصر الله بن قلاقس ~~الإسكندري الشاعر المشهور وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى (أبيات أشعار ~~اليتيمة * أبكار أفكار قديمه) (ماتوا وعاشت بعدهم * فلذاك سميت اليتيمه) ~~وله أيضا كتاب فقه اللغة وسحر البلاغة وسر البراعة ومن غاب عنه المطرب ~~ومؤنس الوحيد وشئ كثير جمع فيها أشعار الناس ورسائلهم وأخبارهم وأحوالهم ~~وفيها دلالة على كثرة اطلاعه وله أشعار كثيرة وكانت ولادته سنة خمسين ~~وثلاثمائة وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة رحمه الله تعالى والثعالبي بفتح ~~الثاء المثلثة والعين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وبعدها باء موحدة هذه ~~النسبة إلى خياطة جلود الثعالب وعملها قيل له ذلك لأنه كان فراء 382 سحنون ~~أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة ~~التنوخي الملقب سحنون الفقيه المالكي قرأ على ابن القاسم وابن PageV03P180 # وهب وأشهب ثم انتهت الرياسة في العلم بالمغرب إليه ~~وكان يقول قبح الله الفقر أدركنا مالكا وقرأنا على ابن القاسم كان أصله من ~~الشام من مدينة حمص قدم به أبوه مع جند أهل حمص وولي القضاء بالقيروان وعلى ~~قوله المعول بالمغرب وصنف كتاب المدونة في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه ~~وأخذها عن ابن القاسم وكان أول من شرع في تصنيف المدونة أسد بن الفرات ms0724 ~~الفقيه المالكي بعد رجوعه من العراق وأصلها أسئلة سأل عنها ابن القاسم ~~فأجابه عنها وجاء بها أسد إلى القيروان وكتبها عنه سحنون وكانت تسمى ~~الأسدية ثم رحل بها سحنون إلى ابن القاسم في سنة ثمان وثمانين ومائة فعرضها ~~عليه وأصلح فيها مسائل ورجع بها إلى القيروان في سنة إحدى وتسعين ومائة وهي ~~في التأليف على ما جمعه أسد ابن الفرات أولا غير مرتبة المسائل ولا مرسمة ~~التراجم فرتب سحنون أكثرها وبوبه على ترتيب التصانيف واحتج لبعض مسائلها ~~بالآثار من روايته من موطأ ابن وهب وغيره وبقيت منها بقية لم يتمم فيها ~~سحنون هذا العمل المذكور ذكر هذا كله القاضي عياض وغيره وذكر لي بعض ~~الفقهاء المالكية أن الشيخ جمال الدين أبا عمرو المعروف بابن الحاجب الفقيه ~~المالكي النحوي الآتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى واسمه عثمان قال إن ~~أسد بن الفرات الفقيه المالكي جاء من الغرب إلى مصر وقرأ على ابن القاسم ~~وأخذ عنه المدونة وكانت مسودة وعاد بها إلى بلاده فحضر إليه سحنون وطلبها ~~منه لينقلها فبخل عليه بها فرحل سحنون إلى ابن القاسم وأخذ عنه المدونة وقد ~~حررها ابن القاسم فدخل بها إلى الغرب وعلى يده كتاب ابن القاسم إلى أسد بن ~~الفرات يقول فيه تقابل نسختك بنسخة سحنون فالذي تتفق عليه النسختان يثبت ~~والذي يقع فيه الاختلاف فالرجوع إلى نسخة سحنون وتمحى نسخة ابن الفرات فهذه ~~هي الصحيحة فلما وقف ابن الفرات على كتاب ابن القاسم عزم على العمل به فقال ~~له أصحابه إن عملت هذا صار كتاب سحنون هو الأصل وبطل كتابك وتكون أنت قد ~~أخذته عن سحنون فلم يعمل بكتاب ابن القاسم فلما بلغ PageV03P181 # ابن القاسم الخبر قال اللهم لا تنفع أحدا بابن الفرات ~~ولا بكتابه فهجره الناس لذلك وهو الآن مهجور وعلى كتاب سحنون يعتمد أهل ~~القيروان وحصل له من الأصحاب والتلامذة ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك مثله ~~وعنه انتشر علم مالك بالمغرب وكانت ولادته أول ليلة من شهر رمضان ms0725 سنة ستين ~~ومائة وتوفي في يوم الثلاثاء لتسع خلون من رجب سنة أربعين ومائتين رحمه ~~الله تعالى وسحنون بفتح السين المهملة وضمها وسكون الحاء المهملة وضم النون ~~وبعد الواو نون ثانية وفي فتح السين وضمها كلام من جهة العربية يطول شرحه ~~وليس هذا موضعه وقد صنف فيه أبو محمد ابن السيد البطليوسي جزءا وقفت عليه ~~وقد استوفى الكلام فيه كما ينبغي وهو مجيد في كل ما يصنعه وقد تقدمت ترجمته ~~ولقب سحنون باسم طائر حديد بالمغرب يسمونه سحنونا لحدة ذهنه وذكائه ذكر ذلك ~~أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم القيرواني في كتاب طبقات من كان بإفريقية ~~من العلماء والله أعلم 98 وأما أسد بن الفرات فإنه أرسله زيادة الله بن ~~الأغلب في جيش إلى جزيرة صقلية ونزلوا على مدينة سرقوسة ولم يزالوا محاصرين ~~لها إلى أن مات ابن الفرات في رجب سنة ثلاث عشرة ومائتين ودفن بمدينة بلرم ~~من الجزيرة أيضا والله أعلم PageV03P182 # 383 أبو هاشم الجبائي أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي ~~محمد الجبائي بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه المتكلم المشهور العالم ابن العالم كان هو وأبوه من ~~كبار المعتزلة ولهما مقالات على مذهب الاعتزال وكتب الكلام مشحونة ~~بمذاهبهما واعتقادهما وكان له ولد يسمى أبا علي وكان عاميا لا يعرف شيئا ~~فدخل يوما على الصاحب بن عباد فظنه عالما فأكرمه ورفع مرتبته ثم سأله عن ~~مسألة فقال لا أعرف نصف العلم فقال له الصاحب صدقت يا ولدي إلا أن أباك ~~تقدم بالنصف الآخر وكانت ولادة أبي هاشم المذكور سنة سبع وأربعين ومائتين ~~وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين ~~وثلاثمائة ببغداد ودفن في مقابر البستان من الجانب الشرقي وفي ذلك اليوم ~~توفي أبو بكر محمد ابن دريد اللغوي المشهور وسيأتي ذكر والده إن شاء الله ~~تعالى رضي الله عنهم أجمعين وحمران بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفتح ~~الراء وبعد ms0726 الألف نون وأبان بفتح الهمزة والباء الموحدة وبعد الألف نون ~~والجبائي بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة هذه النسبة إلى قرية من قرى ~~البصرة خرج منها جماعة من العلماء هكذا قاله السمعاني في كتاب الأنساب ~~PageV03P183 # وقال ياقوت الحموي في كتابه المشترك إنها كورة وبلدة ~~ذات قرى وعمارات من نواحي خوزستان والله أعلم 384 ديك الجن أبو محمد عبد ~~السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن زيد بن ~~تميم الكلبي الملقب ديك الجن الشاعر المشهور وذكر ابن الجراح في كتاب ~~الورقة أنه مولى لطيء والله أعلم أصله من أهل سلمية ومولده بمدينة حمص ~~وتميم أول من أسلم من أجداده على يد حبيب بن مسلمة الفهري أخذ محاربا وكان ~~يفخر على العرب ويقول ما لهم فضل علينا أسلمنا كما أسلموا وهو من شعراء ~~الدولة العباسية ولم يفارق الشام ولا رحل إلى العراق ولا إلى غيره منتجعا ~~بشعر ولا متصديا لأحد وكان يتشيع تشيعا حسنا وله مراث في الحسين رضي الله ~~عنه وكان ماجنا خليعا عاكفا على القصف واللهو متلافا لما ورثه وشعره في ~~غاية الجودة حدث عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزبيدي قال كنت جالسا عند ~~ديك الجن فدخل عليه حدث فأنشده شعرا عمله فأخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجا ~~كبيرا فيه كثير من شعره فسلمه إليه وقال يا فتى تكسب بهذا واستعن به على ~~قولك فلما خرج سألته عنه فقال هذا فتى من أهل جاسم PageV03P184 # يذكر أنه من طيء يكنى أبا تمام واسمه حبيب بن أوس وفيه ~~أدب وذكاء وله قريحة وطبع قال وعمر الملقب ديك الجن إلى أن مات أبو تمام ~~ورثاه ومولد ديك الجن سنة إحدى وستين ومائة وعاش بضعا وسبعين سنة وتوفي في ~~أيام المتوكل سنة خمس أو ست وثلاثين ومائتين ولما اجتاز أبو نواس بحمص ~~قاصدا مصر لامتداح الخصيب بن عبد الحميد سمع ديك الجن بوصوله فاستخفى منه ~~خوفا أن يظهر لأبي نواس أنه قاصر بالنسبة إليه فقصده ms0727 أبو نواس في داره وهو ~~بها فطرق الباب واستأذن عليه فقالت الجارية ليس هو هاهنا فعرف مقصده فقال ~~لها قولي له اخرج فقد فتنت أهل العراق بقولك (موردة من كف ظبي كأنما * ~~تناولها من خده فأدارها) فلما سمع ديك الجن ذلك خرج إليه واجتمع به وأضافه ~~وهذا البيت من جملة أبيات وهي (بها غير معذول فداو خمارها * وصل بحبالات ~~الغبوق ابتكارها) (ونل من عظيم الوزر كل عظيمة * إذا ذكرت خاف الحفيظان ~~نارها) (وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغر * ولا تسق إلا خمرها وعقارها) (فقام ~~يكاد الكأس يحرق كفه * من الشمس أو من وجنتيه استعارها) (ظللنا بأيدينا ~~نتعتع روحها * فتأخذ من أقدامنا الراح ثارها) (موردة من كف ظبي كأنما * ~~تناولها من خده فأدارها) PageV03P185 # وذكر الجهشياري في كتاب أخبار الوزراء أن حبيب بن عبد ~~الله بن رغبان المذكور في هذا النسب كان كاتبا في أيام الخليفة المنصور ~~وكان يتقلد الاعطاء وكان موجودا في سنة ثلاث وأربعين ومائة وأن ديك الجن ~~الشاعر من ولده وإليه ينسب مسجد ابن رغبان بمدينة السلام وأنه مولى حبيب ~~ابن مسلمة الفهري 99 قلت وحبيب بن مسلمة كان من خواص معاوية وله معه في ~~وقعة صفين آثار شكرها له ولما استقر الأمر لمعاوية سير حبيبا في بعض مهامه ~~فلقيه الحسن بن علي رضي الله عنهما وهو خارج فقال له يا حبيب رب مسير لك في ~~غير طاعة الله فقال له حبيب أما إلى أبيك فلا فقال له الحسن بلى والله ولقد ~~طاوعت معاوية على دنياه وسارعت في هواه فلئن قام بك في دنياك فقد قعد بك في ~~دينك فليتك إذ أسأت الفعل أحسنت القول فتكون كما قال الله تعالى * (وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) * ولكنك كما قال الله تعالى * ~~(كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) * وكنية حبيب هذا أبو عبد الرحمن ~~ولاه معاوية أرمينية فمات بها سنة اثنتين وأربعين للهجرة ولم يبلغ خمسين ~~سنة وكانت لديك الجن جارية يهواها اسمها دنيا فاتهمها بغلامه ms0728 وصيف فقتلها ~~ثم ندم على ذلك فأكثر من التغزل فيها فمن ذلك قوله (يا طلعة طلع الحمام ~~عليها * وجنى لها ثمر الردى بيديها) (رويت من دمها الثرى ولطالما * روى ~~الهوى شفتي من شفتيها) (مكنت سيفي من مجال خناقها * ومدامعي تجري على ~~خديها) (فوحق نعليها وما وطئ الحصى * شيء أعز علي من نعليها) (ما كان ~~قتليها لأني لم أكن * أبكي إذا سقط الغبار عليها) PageV03P186 # (لكن بخلت على سواي بحبها * وأنفت من نظر الغلام ~~إليها) وله فيها (جاءت تزور فراشي بعدما قبرت * فظلت ألثم نحرا زانه الجيد) ~~(وقلت قرة عيني قد بعثت لنا * فكيف ذا وطريق القبر مسدود) (قالت هناك عظامي ~~فيه مودعة * تعيث فيها بنات الأرض والدود) (وهذه الروح قد جاءتك زائرة * ~~هذي زيارة من في القبر ملحود) وله فيها وقيل إن هذه الأبيات لها في ولدها ~~منه واسمه رغبان (بأبي نبذتك بالعراء المقفر * وسترت وجهك بالتراب الأعفر) ~~(بأبي بذلتك بعد صون للبلى * ورجعت عنك صبرت أو لم أصبر) (لو كنت أقدر أن ~~أرى أثر البلى * لتركت وجهك ضاحيا لم يقبر) ويروى أن المتهم بالجارية غلام ~~كان يهواه فقتله أيضا وصنع فيه أبياتا وهي (أشفقت أن يرد الزمان بغدره * أو ~~أبتلى بعد الوصال بهجره) (فقتلته وله علي كرامة * ملء الحشا وله الفؤاد ~~بأسره) (قمر أنا استخرجته من دجنه * لبليتي ورفعته من خدره) (عهدي به ميتا ~~كأحسن نائم * والحزن ينحر مقلتي في نحره) PageV03P187 # (لو كان يدري الميت ماذا بعده * بالحي منه بكى له في ~~قبره) (غصص تكاد تفيظ منها نفسه * ويكاد يخرج قلبه من صدره) فصنعت أخت ~~الغلام (يا ويح ديك الجن يا تبا له * مما تضمن صدره من غدره) (قتل الذي ~~يهوى وعمر بعده * يا رب لا تمدد له في عمره) وقد ذكر أبو بكر الخرائطي في ~~كتاب اعتلال القلوب حديثه وشعره وله كل معنى حسن رحمه الله تعالى ورغبان ~~بفتح الراء وسكون الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون وقد ~~تقدم الكلام على سلمية في ترجمة المهدي عبيد الله ms0729 وحمص مدينة مشهورة 385 ~~أبو القاسم الداركي أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد ~~العزيز الداركي الفقيه الشافعي كان أبوه محدث أصبهان في وقته وكان أبو ~~القاسم من كبار فقهاء PageV03P188 # الشافعيين نزل نيسابور سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة ودرس ~~الفقه بها سنين ثم انتقل إلى بغداد وسكنها إلى حين وفاته وأخذ الفقه عن أبي ~~إسحاق المروزي وعليه تفقه الشيخ أبو حامد الإسفرايني بعد موت أبي الحسن ابن ~~المرزبان وأخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيرهم من أهل الآفاق وكان يدرس ببغداد ~~في مسجد دعلج بن أحمد بدرب أبي خلف من قطيعة الربيع وله حلقة في الجامع ~~للفتوى والنظر وانتهى التدريس إليه ببغداد وانتفع به خلق كثير وله في ~~المذهب وجوه جيدة دالة على متانة علمه وكان يتهم بالاعتزال وكان الشيخ أبو ~~حامد الإسفرايني يقول ما رأيت أحدا أفقه من الداركي وأخذ الحديث عن جده ~~لأمه الحسن بن محمد الداركي وكان إذا جاءته مسألة تفكر طويلا ثم يفتي فيها ~~وربما أفتى على خلاف مذهب الإمامين الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما ~~فيقال له في ذلك فيقول ويحكم حدث فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بكذا وكذا والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الإمامين وتوفي ببغداد ~~يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة عن نيف ~~وسبعين سنة رحمه الله تعالى وقيل إنه توفي في ذي القعدة والأول أصح وكان ~~ثقة أمينا والداركي بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها كاف ~~قال السمعاني هذه النسبة إلى دارك وظني أنها من قرى أصبهان وقال هو عبد ~~العزيز بن الحسن بن أحمد الداركي والله أعلم بالصواب PageV03P189 # 386 ابن نباتة الشاعر أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن ~~محمد بن أحمد بن نباتة بن حميد بن نباتة بن الحجاج ابن مطر بن خالد بن عمرو ~~بن رزاح بن رياح بن سعد بن ثجير بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن ~~تميم ms0730 بن مر التميمي السعدي وبقية النسب معروف كان شاعرا مجيدا جمع بين حسن ~~السبك وجودة المعنى طاف البلاد ومدح الملوك والوزراء والرؤساء وله في سيف ~~الدولة بن حمدان غر القصائد ونخب المدائح وكان قد أعطاه فرسا أدهم أغر ~~محجلا فكتب إليه (يا أيها الملك الذي أخلاقه * من خلقه ورواؤه من رائه) (قد ~~جاءنا الطرف الذي أهديته * هاديه يعقد أرضه بسمائه) (أولاية وليتنا فبعثته ~~* رمحا سبيب العرف عقد لوائه) (نحتل منه على أغر محجل * ماء الدياجي قطرة ~~من مائه) (فكأنما لطم الصباح جبينه * فاقتص منه فخاض في أحشائه) (متمهلا ~~والبرق من أسمائه * متبرقعا والحسن من أكفائه) (ما كانت النيران يكمن حرها ~~* لو كان للنيران بعض ذكائه) (لا تعلق الألحاظ في أعطافه * إلا إذا كفكفت ~~من غلوائه) (لا يكمل الطرف المحاسن كلها * حتى يكون الطرف من أسرائه) وهذا ~~المعنى الذي وقع له في صفة الغرة والتحجيل في غاية الإبداع وما أظنه سبق ~~إليه PageV03P190 # وله في سيف الدولة أيضا قصيدة لامية طويلة ومن جملة ~~أبياتها قوله (قد جدت لي باللها حتى ضجرت بها * وكدت من ضجري أثني على ~~البخل) (إن كنت ترغب في اخذ النوال لنا * فاخلق لنا رغبة أو لا فلا تنل) ~~(لم يبق جودك لي شيئا أؤمله * تركتني أصحب الدنيا بلا أمل) وهذا المعنى فيه ~~إلمام بقول البحتري أعني البيت الأول (إني هجرتك إذ هجرتك وحشة * لا العود ~~يذهبها ولا الإبداء) (أخجلتني بندى يديك فسودت * ما بيننا تلك اليد ~~البيضاء) (وقطعتني بالجود حتى إنني * متخوف أن لا يكون لقاء) (صلة غدت في ~~الناس وهي قطيعة * عجب وبر راح وهو جفاء) وفي معناه أيضا قول دعبل بن علي ~~الخزاعي المقدم ذكره يمدح المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي أمير مصر ~~(زمني بمطلب سقيت زمانا * ما كنت إلا روضة وجنانا) (كل الندى إلا نداك تكلف ~~* لم أرض بعدك كائنا من كانا) (أصلحتني بالبر بل أفسدتني * وتركتني أتسخط ~~الإحسانا) وهو معنى مطروق تداولته الشعراء وأكثرت استعماله فمنهم من ~~يستوفيه ومنهم من يقصر فيه ms0731 وكتب به علي بن جبلة المعروف بالعكوك الآتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى إلى أبي دلف العجلي في أبيات رائية ولولا خوف الإطالة ~~لذكرتها وما ألطف قول أبي العلاء المعري فيه (لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ~~* والعذب يهجر للإفراط في الخصر) PageV03P191 # رجعنا إلى ذكر أبي نصر المذكور ومعظم شعره جيد وله ~~ديوان كبير وكان قد وصل إلى مدينة الري وامتدح أبا الفضل محمد بن العميد ~~وجرى بينهما مفاوضة يأتي شرحها في ترجمته إن شاء الله تعالى وكانت ولادته ~~في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وتوفي يوم الأحد بعد طلوع الشمس ثالث شوال سنة ~~خمس وأربعمائة ببغداد ودفن قبل الظهر في مقبرة الخيزران من الجانب الشرقي ~~رحمه الله تعالى ونباتة بضم النون كما تقدم في جد الخطيب ابن نباتة وثجير ~~بضم الثاء المثلثة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ~~وبقية الأسماء معروفة قال أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل دخلت على أبي الحسن ~~محمد بن علي ابن نصر البغدادي صاحب الرسائل وصاحب كتاب المفاوضة قلت وهو ~~أخو القاضي عبد الوهاب المالكي وسيأتي ذكرهما في ترجمة عبد الوهاب إن شاء ~~الله تعالى قال وكان في مرض موته بواسط فقعدت عنده قليلا ثم قمت لأنه كان ~~به قيام فأنشدني بيت أبي نصر عبد العزيز وهو (متع لحاظك من خل تودعه * فما ~~إخالك بعد اليوم بالوادي) ثم قال لي أبو الحسن المذكور عدت أبا نصر ابن ~~نباتة في اليوم الذي توفي فيه فأنشدني هذا البيت وودعته وانصرفت فأخبرت في ~~طريقي أنه توفي قال الشيخ أبو غالب وفي تلك الليلة توفي أبو الحسن المذكور ~~وقد ذكرت تاريخ ذلك في ترجمة عبد الوهاب المالكي PageV03P192 # وقال أبو علي محمد بن وشاح بن عبد الله سمعت أبا نصر ~~ابن نباتة يقول كنت يوما قائلا في دهليزي فدق علي الباب فقلت من فقال رجل ~~من أهل المشرق فقلت ما حاجتك فقال أنت القائل (ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ~~* تنوعت الأسباب والداء واحد) فقلت نعم فقال ms0732 أرويه عنك فقلت نعم فمضى فلما ~~كان آخر النهار دق علي الباب فقلت من فقال رجل من أهل تاهرت من الغرب فقلت ~~ما حاجتك فقال أنت القائل (ومن لم يمت بالسيف مات بغيره * تنوعت الأسباب ~~والداء واحد) فقلت نعم فقال أرويه عنك فقلت نعم وعجبت كيف وصل إلى الشرق ~~والغرب 387 ابن مغلس الأندلسي أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن ~~مغلس القيسي الأندلسي كان من أهل العلم باللغة والعربية مشارا إليه فيهما ~~رحل من الأندلس وسكن مصر واستوطنها وقرأ الأدب على أبي العلاء صاعد بن ~~الحسن الربعي صاحب كتاب الفصوص وقد سبق ذكره في حرف الصاد وعلى أبي يعقوب ~~PageV03P193 # يوسف بن يعقوب النجيرمي بمصر ودخل بغداد واستفاد وأفاد ~~وله شعر حسن فمن ذلك قوله (مريض الجفون بلا علة * ولكن قلبي به ممرض) (أعان ~~السهاد على مقلتي * بفيض الدموع فما تغمض) (وما زار شوقا ولكن أتى * يعرض ~~لي أنه معرض) وله أشعار كثيرة وكانت بينه وبين أبي الطاهر إسماعيل بن خلف ~~صاحب كتاب العنوان معارضات في قصائد هي موجودة في ديوانيهما ولولا خوف ~~الإطالة لأتيت بشيء منها وتوفي يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى سنة ~~سبع وعشرين وأربعمائة بمصر وصلى عليه الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم ~~الحوفي صاحب التفسير في مصلى الصدفي ودفن عند بني إسحاق رحمهم الله أجمعين ~~ومغلس بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد اللام وكسرها وبعدها سين مهملة ~~PageV03P194 # 388 عبد الصمد بن علي الهاشمي أبو محمد عبد الصمد بن ~~علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي ذكر الحافظ أبو الفرج ابن ~~الجوزي في كتاب شذور العقود أنه كانت فيه عجائب منها أنه ولد في سنة أربع ~~ومائة وولد أخوه محمد بن علي والد السفاح والمنصور في سنة ستين للهجرة ~~فبينهما في المولد أربع وأربعون سنة وتوفي محمد في سنة ست وعشرين ومائة ~~وتوفي عبد الصمد المذكور في سنة خمس وثمانين ومائة فكان بينهما في الوفاة ~~تسع وخمسون سنة ومنها أنه ms0733 حج يزيد بن معاوية في سنة خمسين للهجرة وحج عبد ~~الصمد بالناس سنة خمسين ومائة وهما في النسب إلى عبد مناف سواء لأن يزيد بن ~~معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فبين يزيد ~~وعبد مناف خمسة أجداد وبين عبد الصمد وعبد مناف خمسة لأن عبد المطلب بن ~~هاشم بن عبد مناف ومنها أنه أدرك السفاح والمنصور وهما ابنا أخيه ثم أدرك ~~المهدي ابن المنصور وهو عم أبيه ثم أدرك الهادي وهو عم جده ثم أدرك الرشيد ~~وفي أيامه مات وقال يوما للرشيد يا أمير المؤمنين هذا مجلس فيه أمير ~~المؤمنين وعم أمير المؤمنين وعم عم أمير المؤمنين وعم عم عمه وذلك أن ~~سليمان بن أبي جعفر عم الرشيد والعباس عمر سليمان وعبد الصمد عم العباس ~~ومنها أنه مات بأسنانه التي ولد بها ولم يثغر وكانت قطعة واحدة من أسفل ~~PageV03P195 # وذكر ابن جرير الطبري في تاريخه أن عبد الصمد المذكور ~~ولد في رجب سنة ست ومائة، ومات في جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين ومائة وقال ~~غيره كانت وفاته ببغداد وقال غيره ولد في سنة تسع وقيل في سنة خمس بالحميمة ~~من أرض البلقاء والله أعلم وأمه كبيرة التي يقول فيها عبيد الله بن قيس ~~الرقيات الشاعر المشهور قصيدته التي أولها (عاد له من كبيرة الطرب *) وعمي ~~في آخر عمره يقال ثغر الصبي يثغر فهو مثغور إذا سقطت أسنانه وإذا نبتت قيل ~~قد اثغر واتغر بالثاء والتاء مع التشديد فيهما وسيأتي ذكر والده وأخيه إن ~~شاء الله تعالى 389 ابن بابك أبو القاسم عبد الصمد بن منصور بن الحسن بن ~~بابك الشاعر المشهور أحد الشعراء المجيدين المكثرين رأيت ديوانه في ثلاث ~~مجلدات وله أسلوب رائق في نظم الشعر وجاب البلاد ولقي الرؤساء ومدحهم ~~وأجزلوا جائزته ولما قدم على الصاحب بن عباد قال له أنت بابك الشاعر فقال ~~أنا ابن PageV03P196 # بابك فاستحسن قوله وأجازه وأجزل صلته ومن شعره قوله ~~(وأغيد معسول الشمائل زارني * على ms0734 فرق والنجم حيران طالع) (فلما جلا صبغ ~~الدجى قلت حاجب * من الصبح أو قرن من الشمس لامع) (إلى أن دنا والسحر رائد ~~طرفه * كما ريع ظبي بالصريمة راتع) (فنازعته الصهباء والليل دامس * رقيق ~~حواشي البرد والنسر واقع) (عقار عليها من دم الصب نفضة * ومن عبرات ~~المستهام فواقع) (تدير إذا شجت عيونا كأنها * عيون العذارى شق عنها ~~البراقع) (معودة غصب العقول كأنما * لها عند ألباب الرجال ودائع) (فبتنا ~~وظل الوصل دان وسرنا * مصون ومكتوم الصبابة ذائع) (إلى أن سلا عن ورده فارط ~~القطا * ولاذت بأطراف الغصون السواجع) (فولى أسير السكر يكبو لسانه * فتنطق ~~عنه بالوداع الأصابع) وله (يا صاحبي امزجا كأس المدام لنا * كيما يضيء لنا ~~من نورها الغسق) (خمرا إذا ما نديمي هم يشربها * أخشى عليه من اللألاء ~~يحترق) (لو رام يحلف أن الشمس ما غربت * في فيه كذبه في وجهه الشفق) وله من ~~قصيد بيت في غاية الرقة وهو (ومر بي النسيم فرق حتى * كأني قد شكوت إليه ما ~~بي) PageV03P197 # وكانت وفاته في سنة عشر وأربعمائة ببغداد رحمه الله ~~تعالى وبابك بفتح الباءين الموحدتين بينهما ألف وفي الأخير كاف 390 أبو ~~المحاسن الروياني أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد ~~الروياني الفقيه الشافعي من رؤوس الأفاضل في أيامه مذهبا وأصولا وخلافا سمع ~~أبا الحسين عبد الغافر ابن محمد الفارسي بميافارقين ومن أبي عبد الله محمد ~~بن بيان بن محمد الكازروني وتفقه عليه على مذهب الشافعي وروى عنه زاهر بن ~~طاهر الشحامي وغيره وكان له الجاه العظيم والحرمة الوافرة في تلك الديار ~~وكان الوزير نظام الملك كثير التعظيم له لكمال فضله رحل إلى بخارى وأقام ~~بها مدة ودخل غزنة ونيسابور ولقي الفضلاء وحضر مجلس ناصر المروزي وعلق عنه ~~وسمع الحديث وبنى بآمل طبرستان مدرسة ثم انتقل إلى الري ودرس بها وقدم ~~أصبهان وأملى بجامعها وصنف الكتب المفيدة منها بحر المذهب وهو من أطول كتب ~~الشافعيين وكتاب مناصيص الإمام الشافعي وكتاب الكافي وكتاب حلية المؤمن ~~وصنف في الأصول ms0735 والخلاف ونقل عنه أنه كان يقول لو احترقت كتب الشافعي ~~لأمليتها من خاطري وذكره القاضي أبو محمد عبد الله بن يوسف الحافظ في طبقات ~~أئمة الشافعية PageV03P198 # فقال أبو المحاسن الروياني باقرة العصر إمام في الفقه ~~وذكره الحافظ أبو زكرياء يحيى بن منده وروى الحديث عن خلق كثير في بلاد ~~متفرقة وكانت ولادته في ذي الحجة سنة خمس عشرة وأربعمائة وقال الحافظ أبو ~~طاهر السلفي بلغنا أن أبا المحاسن الروياني أملى بمدينة آمل وقتل بعد فراغه ~~من الإملاء بسبب التعصب في الدين في المحرم سنة اثنتين وخمسمائة وذكر معمر ~~بن عبد الواحد بن فاخر في الوفيات التي خرجها للحافظ أبي سعد ابن السمعاني ~~أن أبا المحاسن المذكور قتل بآمل في جامعها يوم الجمعة الحادي عشر من ~~المحرم من السنة المذكورة قتله الملاحدة والله أعلم رحمه الله تعالى ~~والروياني بضم الراء وسكون الواو وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف ~~نون هذه النسبة إلى رويان وهي مدينة بنواحي طبرستان خرج منها جماعة من ~~العلماء وآمل مدينة هناك وقد سبق ذكرها 391 الببغاء أبو الفرج عبد الواحد ~~بن نصر بن محمد المخزومي الشاعر المعروف بالببغاء ذكره الثعالبي في يتيمة ~~الدهر وقال هو من أهل نصيبين وبالغ في PageV03P199 # الثناء عليه وذكر جملة من رسائله ونظمه وما دار بينه ~~وبين أبي إسحاق الصابي وأشياء يطول شرحها واتفق أن أبا الفرج قدم مرة بغداد ~~وأبو إسحاق معتقل مدة طويلة ولم يصبر عنه وزاره في مجلسه ثم انصرف ولم ~~يعاوده فكتب إليه أبو إسحاق (أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولا تزل * يزيدك ~~صرف الدهر حظا إذا نقص) (مضى زمن تستام وصلي غاليا * فأرخصته والبيع غال ~~ومرتخص) (وأنستني في مجلسي بزيارة * شفت كبدا من صاحب لك قد خلص) (ولكنها ~~كانت كحسوة طائر * فواقا كما يستفرص السارق الفرص) (وأحسبك استوحشت من ضيق ~~محبسي * وأوجست خوفا من تذكرك القفص) (كذا الكرز اللماح ينجو بنفسه * إذا ~~عاين الأشراك تنصب للقنص) (فحوشيت يا قس الطيور بلاغة * إذا أنشد المنظوم ~~أو درس القصص) ms0736 (من المنسر الأشغى ومن حدة المدى * ومن بندق الرامي ومن قصة ~~المقص) (فهذي دواهي الطير وقيت شرها * إذ الدهر من أحداثه جرع الغصص) ~~فأجابه أبو الفرج في الحال مع رسوله (أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص * وبدر ~~تمام مذ تكامل ما نقص) (ستخلص من هذا السرار وأيما * هلال توارى بالسرار ~~فما خلص) (برأفة تاج الملة الملك الذي * لسؤدده في خطة المشتري حصص) (تقنصت ~~بالألطاف شكري ولم أكن * علمت بأن الحر بالبر يقتنص) (وصادفت أدنى فرصة ~~فانتهزتها * بلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص) (أتتني القوافي الزاهرات تجمل ~~البدائع * من مستحسن الجد والرخص) (فقابلت زهر الروض منها ولم أرد * وأحرزت ~~در البحر منها ولم أغص) PageV03P200 # (فإن كنت بالببغاء قدما ملقبا * فكم لقب بالجور لا ~~العدل مخترص) (وبعد فما أخشى تقنص جارح * وقلبك لي وكر ورأيك لي قفص) ~~فانتهى الابتداء والجواب إلى عضد الدولة فأعجب بهما واستظرفهما وكان ذلك ~~أحد أسباب إطلاق أبي إسحاق من اعتقاله ثم اتصلت بينهما المودة والكتابة ~~وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال دخل أبو الفرج عبد الواحد الببغاء على ~~الوزير أبي نصر سابور بن أردشير وقد نثرت عليه دنانير وجواهر فأنشد بديها ~~(نثروا الجواهر واللجين وليس لي * شيء عليه سوى المدائح أنثر) (بقصائد ~~كالدر إن هي أنشدت * وثنا إذا ما فاح فهو العنبر) ومن شعره (يا سادتي هذه ~~روحي تودعكم * إذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع) (قد كنت أطمع في روح ~~الحياة لها * فالآن إذ بنتم لم يبق لي طمع) (لا عذب الله روحي بالبقاء فما ~~* أظنها بعدكم بالعيش تنتفع) (وله (خيالك منك أعرف بالغرام * وأرأف بالمحب ~~المستهام) (ولو يسطيع حين حظرت نومي * علي لزار في غير المنام) وله أيضا ~~(ومهفهف لما اكتست وجناته * خلع الملاحة طرزت بعذاره) (لما انتصرت على أليم ~~جفائه * بالقلب كان القلب من أنصاره) PageV03P201 # (كملت محاسن وجهه فكأنما اقتبس * الهلال النور من ~~أنواره) (وإذا ألح القلب في هجرانه * قال الهوى لا بد منه فداره) وله في ~~التشبيه وقد أبدع فيه (وكأنما نقشت حوافر ms0737 خيله * للناظرين أهلة في الجلمد) ~~(وكأن طرف الشمس مطروف وقد * جعل الغبار له مكان الإثمد) وله في سعيد ~~الدولة بن سيف الدولة بن حمدان (لا غيث نعماه في الورى خلب البرق * ولا ورد ~~جوده وشل) (جاد إلى أن لم يبق نائله * مالا ولم يبق للورى أمل) وقد سبق ~~نظير هذا المعنى في شعر أبي نصر ابن نباتة السعدي وأكثر شعر أبي الفرج ~~المذكور جيد ومقاصده فيه جميلة وكان قد خدم سيف الدولة ابن حمدان مدة وبعد ~~وفاته تنقل في البلاد وتوفي يوم السبت سلخ شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ~~وقال الخطيب في تاريخه توفي في ليلة السبت لثلاث بقين من شعبان سنة ثمان ~~وتسعين وثلاثمائة والله أعلم رحمه الله تعالى وقال الثعالبي وسمعت الأمير ~~أبا الفضل الميكالي يقول عند صدوره من الحج ودخوله بغداد في سنة تسعين ~~وثلاثمائة رأيت بها أبا الفرج الببغاء شيخا عالي السن متطاول الأمد قد أخذت ~~الأيام من جسمه وقوته ولم تأخذ من ظرفه وأدبه والببغاء بفتح الباء الأولى ~~وتشديد الباء الثانية وفتح الغين المعجمة وبعدها ألف وهو لقب وإنما لقب به ~~لحسن فصاحته وقيل للثغة كانت في لسانه ووجد بخط أبي الفتح ابن جني النحوي ~~الففغاء بفاءين والله أعلم بالصواب PageV03P202 # 392 أبو منصور البغدادي الأستاذ أبو منصور عبد القاهر ~~بن محمد البغدادي الفقيه الشافعي الأصولي الأديب كان ماهرا في فنون عديدة ~~خصوصا علم الحساب فإنه كان متقنا له وله فيه تواليف نافعة منها كتاب ~~التكملة وكان عارفا بالفرائض والنحو وله أشعار وذكره الحافظ عبد الغافر بن ~~إسماعيل الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وقال ورد مع أبيه نيسابور وكان ذا ~~مال وثروة وأنفقه على أهل العلم والحديث ولم يكتسب بعلمه مالا وصنف في ~~العلوم وأربى على أقرانه في الفنون ودرس في سبعة عشر فنا وكان قد تفقه على ~~أبي إسحاق الإسفرايني وجلس بعده للإملاء في مكانه بمسجد عقيل فأملى سنين ~~واختلف إليه الأئمة فقرأوا عليه مثل ناصر المروزي وزين الإسلام القشيري ~~وغيرهما وتوفي سنة تسع وعشرين ms0738 وأربعمائة بمدينة إسفراين ودفن إلى جانب شيخه ~~الأستاذ أبي إسحاق رحمهما الله تعالى PageV03P203 # 393 أبو النجيب السهروردي أبو النجيب عبد القاهر بن ~~عبد الله بن محمد بن عمويه واسمه عبد الله بن سعد بن الحسين بن القاسم بن ~~علقمة بن النضر بن معاذ بن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد بن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه الملقب ضياء الدين السهروردي وقال محب الدين بن النجار ~~في تاريخ بغداد نقلت نسب الشيخ أبي النجيب من خطه وهو عبد القاهر بن عبد ~~الله بن محمد بن عمويه واسمه عبد الله بن سعد بن الحسين بن القاسم بن النضر ~~بن سعد بن النضر بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه وإذا كان بخطه هكذا فهو أصح كان شيخ وقته بالعراق وولد بسهرورد ~~سنة تسعين وأربعمائة تقريبا وقدم بغداد وتفقه بالمدرسة النظامية على أسعد ~~الميهني المقدم ذكره وغيره ثم سلك طريق الصوفية وحبب إليه الانقطاع والعزلة ~~فانقطع عن الناس مدة مديدة وأقبل على الاشتغال بالعمل لله تعالى وبذل الجهد ~~في ذلك ثم رجع ودعا جماعة إلى الله تعالى وكان يعظ ويذكر فرجع بسببه خلق ~~كثير إلى الله تعالى وبنى رباطا على الشط من الجانب الغربي ببغداد وسكنه ~~جماعة من أصحابه الصالحين ثم ندب إلى التدريس بالمدرسة النظامية فأجاب ودرس ~~بها مدة وظهرت بركته على تلامذته وكانت ولايته في السابع والعشرين من ~~المحرم سنة خمس وأربعين وخمسمائة وصرف عنها في رجب سنة سبع وأربعين وروى ~~عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وذكره في كتابه وقدم الموصل مجتازا إلى الشام ~~لزيارة البيت المقدس في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وعقد بها مجلس الوعظ ~~بالجامع العتيق ثم توجه إلى الشام فوصل إلى PageV03P204 # دمشق ولم تتفق له الزيارة لانفساخ الهدنة بين المسلمين ~~والفرنج خذلهم الله تعالى فأكرم الملك العادل نور الدين محمود صاحب الشام ~~مورده وأقام بدمشق مدة يسيرة وعقد بها مجلس الوعظ وعاد إلى بغداد وتوفي بها ~~يوم الجمعة وقت العصر ms0739 سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وخمسمائة ودفن ~~بكرة الغد في رباطه وكان مولده تقديرا سنة تسعين وأربعمائة كذا ذكره ابن ~~أخيه شهاب الدين في مشيخته وهو عم شهاب الدين أبي حفص عمر السهروردي وسيأتي ~~اسمه رحمهما الله تعالى وعمويه بفتح العين المهملة وتشديد الميم المضمومة ~~وسكون الواو وفتح الياء المثناة من تحتها وسهرورد بضم السين المهملة وسكون ~~الهاء وفتح الراء والواو وسكون الراء الثانية وفي آخرها دال مهملة وهي ~~بليدة عند زنجان من عراق العجم 394 أبو القاسم القشيري أبو القاسم عبد ~~الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري الفقيه الشافعي كان ~~علامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة وعلم ~~التصوف جمع بين الشريعة والحقيقة أصله من ناحية أستوا من العرب الذين قدموا ~~خراسان توفي أبوه وهو صغير وقرأ الأدب PageV03P205 # في صباه وكانت له قرية مثقلة الخراج بنواحي أستوا فرأى ~~من الرأي أن يحضر إلى نيسابور يتعلم طرفا من الحساب ليتولى الاستيفاء ويحمي ~~قريته من الخراج فحضر نيسابور على هذا العزم فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي ~~علي الحسن بن علي النيسابوري المعروف بالدقاق وكان إمام وقته فلما سمع ~~كلامه أعجبه ووقع في قلبه فرجع عن ذلك العزم وسلك طريق الإرادة فقبله ~~الدقاق وأقبل عليه وتفرس فيه النجابة فجذبه بهمته وأشار عليه بالاشتغال ~~بالعلم فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر الطوسي وشرع في الفقه حتى فرغ ~~من تعليقه ثم اختلف إلى الأستاذ أبي بكر ابن فورك فقرأ عليه حتى أتقن علم ~~الأصول ثم تردد إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وقعد يسمع درسه أياما ~~فقال الأستاذ هذا العلم لا يحصل بالسماع ولا بد من الضبط بالكتابة فأعاد ~~عليه جميع ما سمعه منه تلك الأيام فعجب منه وعرف محله فأكرمه وقال له ما ~~تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطالع مصنفاتي فقعد وجمع بين طريقته وطريقة ابن ~~فورك ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني وهو مع ذلك يحضر ms0740 ~~مجلس أبي علي الدقاق وزوجه ابنته مع كثرة أقاربها وبعد وفاة أبي علي سلك ~~مسلك المجاهدة والتجريد وأخذ في التصنيف فصنف التفسير الكبير قبل سنة عشر ~~وأربعمائة وسماه التيسير في علم التفسير وهو من أجود التفاسير وصنف الرسالة ~~في رجال الطريقة وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجويني والد ~~إمام الحرمين وأحمد بن الحسين البيهقي وجماعة من المشاهير فسمع معهم الحديث ~~ببغداد والحجاز وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء وأما مجالس ~~الوعظ والتذكير فهو إمامها وعقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع ~~وثلاثين وأربعمائة وذكره أبو الحسن علي الباخرزي في كتاب دمية القصر وبالغ ~~في الثناء عليه وقال في حقه لو قرع الصخر بصوت تحذيره لذاب ولو ربط إبليس ~~في مجلسه لتاب وذكره الخطيب في تاريخه وقال قدم علينا يعني إلى بغداد في ~~سنة PageV03P206 # ثمان وأربعين وأربعمائة وحدث ببغداد وكتبنا عنه وكان ~~ثقة وكان يقص وكان حسن الوعظ مليح الإشارة وكان يعرف الأصول على مذهب ~~الأشعري والفروع على مذهب الشافعي وذكره عبد الغافر الفارسي في تاريخه وقال ~~أبو عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي أنشدنا عبد الكريم بن هوزان القشيري ~~لنفسه (سقى الله وقتا كنت أخلو بوجهكم * وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك) ~~(أقمنا زمانا والعيون قريرة * وأصبحت يوما والجفون سوافك) وقال أبو الفتح ~~محمد بن محمد بن علي الواعظ الفراوي وكان أبو القاسم القشيري كثيرا ما ينشد ~~لبعضهم وهو ذو القرنين ابن حمدان المقدم ذكره في حرف الذال (لو كنت ساعة ~~بيننا ما بيننا * وشهدت كيف تكرر التوديعا) (أيقنت أن من الدموع محدثا * ~~وعلمت أن من الحديث دموعا) ولد في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلاثمائة ~~وتوفي صبيحة يوم الأحد قبل طلوع الشمس سادس عشر ربيع الآخر سنة خمس وستين ~~وأربعمائة بمدينة نيسابور ودفن بالمدرسة تحت شيخه أبي علي الدقاق رحمه الله ~~تعالى ورأيت في كتابه المسمى ب الرسالة بيتين أعجباني فأحببت ذكرهما (ومن ~~كان في طول الهوى ذاق سلوة * فإني ms0741 من ليلى لها غير ذائق) (وأكثر شيء نلته ~~من وصالها * أماني لم تصدق كخطفه بارق) 100 وكان ولده أبو نصر عبد الرحيم ~~إماما كبيرا أشبه أباه في علومه PageV03P207 # ومجالسه ثم واظب دروس إمام الحرمين أبي المعالي حتى ~~حصل طريقته في المذهب والخلاف ثم خرج للحج فوصل إلى بغداد وعقد بها مجلس ~~وعظ وحصل له قبول عظيم وحضر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مجلسه وأطبق علماء ~~بغداد على أنهم لم يروا مثله وكان يعظ في المدرسة النظامية ورباط شيخ ~~الشيوخ وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد لأنه تعصب للأشاعرة وانتهى ~~الأمر إلى فتنة قتل فيها جماعة من الفريقين وركب أحد أولاد نظام الملك حتى ~~سكنها وبلغ الخبر نظام الملك وهو بأصبهان فسير إليه واستدعاه فلما حضر عنده ~~زاد في إكرامه ثم جهزه إلى نيسابور فلما وصلها لازم الدرس والوعظ إلى أن ~~قارب انتهاء أمره فأصابه ضعف في أعضائه وأقام كذلك مقدار شهر ثم توفي ضحوة ~~نهار الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة ~~بنيسابور ودفن بالمشهد المعروف بهم رحمه الله تعالى وكان يحفظ من الشعر ~~والحكايات شيئا كثيرا ورأيت له في بعض المجاميع هذه الأبيات وذكرها ~~السمعاني في الذيل أيضا (القلب نحوك نازع * والدهر فيك منازع) (جرت القضية ~~بالنوى * ما للقضية وازع) (الله يعلم أنني * لفراق وجهك جازع) وتوفي شيخه ~~أبو علي الدقاق المذكور في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة والقشيري بضم القاف ~~وفتح الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء هذه النسبة ~~إلى قشير بن كعب وهي قبيلة كبيرة وأستوا بضم الهمزة وسكون السين المهملة ~~وضم التاء المثناة من فوقها أو فتحها وبعدها واو ثم ألف وهي ناحية بنيسابور ~~كثيرة القرى خرج منها جماعة من العلماء PageV03P208 # 395 ابن السمعاني تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن ~~أبي بكر محمد بن أبي المظفر المنصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد ~~بن جعفر بن أحمد بن عبد الجبار بن الفضل ابن الربيع بن مسلم بن ms0742 عبد الله بن ~~عبد المجيب التميمي السمعاني المروزي الفقيه الشافعي الحافظ الملقب قوام ~~الدين ذكره الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير الجزري في أول مختصره ~~فقال كان أبو سعد واسطة عقد البيت السمعاني وعينهم الباصرة ويدهم الناصرة ~~وإليه انتهت رياستهم وبه كملت سيادتهم رحل في طلب العلم والحديث إلى شرق ~~الأرض وغربها وشمالها وجنوبها وسافر إلى ما وراء النهر وسائر بلاد خراسان ~~عدة دفعات وإلى قومس والري وأصبهان وهمذان وبلاد الجبال والعراق والحجاز ~~والموصل والجزيرة والشام وغيرها من البلاد التي يطول ذكرها ويتعذر حصرها ~~ولقي العلماء وأخذ عنهم وجالسهم وروى عنهم واقتدى بأفعالهم الجميلة وآثارهم ~~الحميدة وكان عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ وذكر في بعض أماليه فقال ~~ودعني عبد الله بن محمد بن غالب أبو محمد الجيلي الفقيه نزيل الأنبار وبكى ~~وأنشدني (ولما برزنا لتوديعهم * بكوا لؤلؤا وبكينا عقيقا) (أداروا علينا ~~كؤوس الفراق * وهيهات من سكرها أن نفيقا) (تولوا فأتبعتهم أدمعي * فصاحوا ~~الغريق فصحت الحريقا) PageV03P209 # ومما قيل في المعنى (تنفست الغداة غداة ولوا * وعيرهم ~~معارضة الطريق) (فصاحوا بالحريق فظلت أبكي * فصاحوا بالحريق وبالغريق) وصنف ~~التصانيف الحسنة الغزيرة الفائدة فمن ذلك تذييل تاريخ بغداد الذي صنعه ~~الحافظ أبو بكر الخطيب وهو نحو خمسة عشر مجلدا ومن ذلك تاريخ مرو يزيد على ~~عشرين مجلدا وكذلك الأنساب نحو ثماني مجلدات وهو الذي اختصره عز الدين ~~المذكور واستدرك عليه وهو في ثلاث مجلدات والمختصر هو الموجود بأيدي الناس ~~والأصل قليل الوجود ذكر أبو سعد السمعاني المذكور في ترجمة والده أن أباه ~~حج سنة سبع وتسعين وأربعمائة ثم عاد إلى بغداد وسمع بها الحديث من جماعة من ~~المشايخ وكان يعظ الناس في المدرسة النظامية ويقرأ عليه الحديث ويحصل الكتب ~~وأقام كذلك مدة ثم رحل إلى أصبهان فسمع بها من جماعة كبيرة ثم رجع إلى ~~خراسان وأقام بمرو إلى سنة تسع وخمسمائة وخرج إلى نيسابور قال أبو سعد ~~وحملني وأخي إليها وسمعنا الحديث من أبي بكر عبد الغفار بن محمد الشيروي ~~وغيره ms0743 من المشايخ وعاد إلى مرو وأدركته المنية وهو شاب ابن ثلاث وأربعين ~~سنة وكانت ولادة أبي سعد المذكور بمرو يوم الاثنين الحادي والعشرين من ~~شعبان سنة ست وخمسمائة وتوفي بمرو في ليلة غرة شهر ربيع الأول سنة اثنتين ~~وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى 101 وكان أبوه محمد إماما فاضلا مناظرا ~~محدثا فقيها شافعيا حافظا وله الإملاء الذي لم يسبق إلى مثله تكلم على ~~المتون والأسانيد وأبان PageV03P210 # مشكلاتها وله عدة تصانيف وكان له شعر غسله قبل موته ~~وكانت ولادته في جمادى الأولى سنة ست وستين وأربعمائة وتوفي وقت فراغ الناس ~~من صلاة الجمعة ثاني صفر سنة عشر وخمسمائة ودفن يوم السبت عند والده أبي ~~المظفر بسفحوان إحدى مقابر مرو رحمه الله تعالى 102 وكان جده المنصور إمام ~~عصره بلا مدافعة أقر له بذلك الموافق والمخالف وكان حنفي المذهب متعينا عند ~~أئمتهم فحج في سنة اثنتين وستين وأربعمائة وظهر له بالحجاز ما اقتضى ~~انتقاله إلى مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه فلما عاد إلى مرو لقي بسبب ~~انتقاله محنا وتعصبا شديدا فصبر على ذلك وصار إمام الشافعية بعد ذلك يدرس ~~ويفتي وصنف في مذهب الشافعي رضي الله عنه وفي غيره من العلوم تصانيف كثيرة ~~منها منهاج أهل السنة والانتصار والرد على القدرية وغيرها وصنف في الأصول ~~القواطع وفي الخلاف البرهان يشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية والأوسط ~~والاصطلام رد فيه على أبي زيد الدبوسي وأجاب عن الأسرار التي جمعها وله ~~تفسير القرآن العزيز وهو كتاب نفيس وجمع في الحديث ألف حديث عن مائة شيخ ~~وتكلم عليها فأحسن وله وعظ مشهور بالجودة وكانت ولادته في سنة ست وعشرين ~~وأربعمائة في ذي الحجة وتوفي في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة ~~بمرو رحمه الله تعالى وفي بيتهم جماعة كثيرة علماء رؤساء والسمعاني بفتح ~~السين المهملة وسكون الميم وفتح العين المهملة وبعد الألف نون هذه النسبة ~~إلى سمعان وهو بطن من تميم وسمعت بعض العلماء يقول يجوز بكسر السين أيضا ~~PageV03P211 # 103 وكان لأبي ms0744 سعد عبد الكريم ولد يقال له أبو المظفر ~~عبد الرحيم بكر به والده في سماع الحديث وطاف به في بلاد خراسان وما وراء ~~النهر وأسمعه الحديث وحصل له النسخ وجمع له معجما لمشايخه في ثمانية عشر ~~جزءا وعوالي في مجلدين ضخمين وشغله بالفقه والأدب والحديث حتى حصل من كل ~~واحد طرفا صالحا وحدث بالكثير ورحل إليه الطلاب وكان محترما ببلاده ومولده ~~في ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ~~بنيسابور وتوفي بمرو ما بين سنة أربع عشرة وستمائة رحمه الله تعالى 396 ابن ~~حمديس الشاعر الصقلي أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر ابن محمد بن حمديس ~~الأزدي الصقلي الشاعر المشهور قال ابن بسام في حقه هو شاعر ماهر يقرطس ~~أغراض المعاني البديعة ويعبر عنها بالألفاظ النفيسة الرفيعة ويتصرف في ~~التشبيه المصيب ويغوص في بحر الكلم على در المعنى الغريب فمن معانيه ~~البديعة قوله في صفة نهر PageV03P212 # (ومطرد الأجزاء تصقل متنه * صبا أعلنت للعين ما في ~~ضميره) (جريح بأطراف الحصى كلما جرى * عليها شكا أوجاعه بخريره) (كأن حبابا ~~ريع تحت حبابه * فأقبل يلقي نفسه في غديره) (كأن الدجى خط المجرة بيننا * ~~وقد كللت حافاته ببدوره) (شربنا على حافاته دور سكره * وأقتل سكرا منه عينا ~~مديره) وله من قصيد (بت منها مستعيدا قبلا * كن لي منها على الدهر اقتراح) ~~(وأروي غلل الشوق بما * لم يكن في قدرة الماء القراح) قوله وأروي غلل الشوق ~~مأخوذ من قول البحتري (وبي ظمأ لا يملك الماء دفعه * إلى نهلة من ريقها ~~البارد العذب) وقوله جريح بأطراف الحصى مأخوذ من قول المتنبي (وذكي رائحة ~~الرياض كأنها * تلقي الثناء على الحيا فيفوح) (جهد المقل فكيف بابن كريمة * ~~توليه خيرا واللسان فصيح) وله من قصيدة أولها (قم هاتها من كف ذات الوشاح * ~~فقد نعى الليل بشير الصباح) (باكر إلى اللذات واركب لها * سوابق اللهو ذوات ~~المراح) (من قبل أن ترشف شمس الضحى * ريق الغوادي من ثغور الأقاح) ~~PageV03P213 # ومن معانيه النادرة قوله (زادت ms0745 على كحل الجفون تكحلا * ~~ويسم نصل السهم وهو قتول) (وله من جملة قصيد يتشوق صقلية (ذكرت صقلية ~~والأسى * يجدد للنفس تذكارها) (فإن كنت أخرجت من جنة * فإني أحدث أخبارها) ~~(ولولا ملوحة ماء البكاء * حسبت دموعي أنهارها) وكان قد دخل إلى الأندلس ~~سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ومدح المعتمد ابن عباد فأحسن إليه وأجزل عطاياه ~~ولما قبض المعتمد وحبس بأغمات كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى سمع ~~ابن حمديس المذكور له أبياتا عملها المعتمد في الاعتقال فأجابه عنها بقوله ~~(أتيأس من يوم يناقض أمسه * وشهب الدراري في البروج تدور) (ولما رحلتم ~~بالندى في أكفكم * وقلقل رضوى منكم وثبير) (رفعت لساني بالقيامة قد دنت * ~~فهذي الجبال الراسيات تسير) وقد ألم في البيت الأخير بقول عبد الله بن ~~المعتز في مرثيته للوزير أبي القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب (قد استوى ~~الناس ومات الكمال * وقال صرف الدهر أين الرجال) (هذا أبو القاسم في نعشه * ~~قوموا انظروا كيف تزول الجبال) PageV03P214 # وله ديوان شعر أكثره جيد وتوفي في شهر رمضان سنة سبع ~~وعشرين وخمسمائة بجزيرة ميورقة ودفن إلى جنب قبر ابن اللبانة الشاعر المشور ~~وكان قد عمي وقيل ببجاية وأبياته الميمية التي في الشيب والعصا تدل على أنه ~~بلغ الثمانين رحمه الله تعالى وحمديس بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وكسر ~~الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة والصقلي بفتح ~~الصاد المهملة والقاف وبعدها لام مشددة هذه النسبة إلى جزيرة صقلية وهي في ~~بحر المغرب بالقرب من إفريقية انتزعها الفرنج من المسلمين في سنة أربع ~~وستين وأربعمائة 397 أبو طالب المعافري أبو طالب عبد الجبار بن محمد بن علي ~~بن محمد المعافري المغربي كان إماما في اللغة وفنون الأدب جاب البلاد ~~وانتهى إلى بغداد وقرأ بها واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به ودخل الديار ~~المصرية في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وقرأ عليه بها الشيخ العلامة أبو محمد ~~عبد الله بن بري المقدم ذكره وكتب بخطه كثيرا وهو حسن الخط على طريق ms0746 ~~المغاربة وأكثر ما كتب في الأدب ورأيت منه شيئا كثيرا وقد أتقن ضبطه غاية ~~الإتقان ورأيت PageV03P215 # بخطه على ظهر كتاب المذيل في اللغة بيتين وهما (أقسم ~~بالله على كل من * أبصر خطي حيثما أبصره) (أن يدعو الرحمن لي مخلصا * ~~بالعفو والتوبة والمغفرة) وكتاب المسلسل للشيخ أبي الطاهر محمد بن يوسف بن ~~عبد الله التميمي وهو يروي الكتاب عن مؤلفه وقد ذكرت ذلك في ترجمة أبي ~~الطاهر المذكور في حرف الميم في ترجمة المحمدين وتوفي في سنة ست وستين ~~وخمسمائة وهو عائد إلى المغرب من الديار المصرية رحمه الله تعالى والمعافري ~~بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف فاء مكسورة ثم راء هذه النسبة إلى ~~المعافر بن يعفر وهي قبيل كبير عامتهم بمصر 398 عبد الرزاق الصنعاني أبو ~~بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني مولى حمير قال أبو سعد ابن ~~السمعاني قيل ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ~~ما رحلوا إليه يروي عن معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري والأوزاعي وابن ~~جريج وغيرهم وروى عنه أئمة الإسلام في ذلك العصر منهم PageV03P216 # سفيان بن عيينة وهو من شيوخه وأحمد بن حنبل ويحيى بن ~~معين وغيرهم وكانت ولادته في سنة ست وعشرين ومائة وتوفي في شوال سنة إحدى ~~عشرة ومائتين باليمن رحمه الله تعالى والصنعاني بفتح الصاد المهلمة وسكون ~~النون وفتح العين المهلمة وبعد الألف نون هذه النسبة إلى مدينة صنعاء وهي ~~من أشهر مدن اليمن وزادوا النون في النسبة إليها وهي نسبة شاذة كما قالوا ~~في بهراء بهراني وقال أبو محمد عبد الله بن الحارث الصنعاني سمعت عبد ~~الرزاق يقول من يصحب الزمان ير الهوان قال وسمعته ينشد (فذاك زمان لعبنا به ~~* وهذا زمان بنا يلعب) 399 ابن الصباغ صاحب الشامل أبو نصر عبد السيد بن ~~محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر المعروف بابن الصباغ الفقيه الشافعي ~~كان فقيه العراقين في وقته وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وتقدم عليه ~~في معرفة ms0747 المذهب وكانت الرحلة إليه من البلاد وكان تقيا حجة صالحا ومن ~~مصنفاته كتاب الشامل في الفقه وهو من أجود كتب أصحابنا وأصحها نقلا وأثبتها ~~أدلة وله كتاب تذكرة العالم والطريق السالم والعدة في أصول الفقه وتولى ~~التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد أول ما فتحت ثم عزل بالشيخ أبي إسحاق ~~وكانت PageV03P217 # ولايته لها عشرين يوما ولما توفي أبو إسحاق أعيد لها ~~أبو نصر المذكور وذكر أبو الحسن محمد بن هلال بن الصابىء في تاريخه أن ~~المدرسة النظامية بدىء بعمارتها في ذي الحجة من سنة سبع وخمسين وأربعمائة ~~وفتحت يوم السبت عاشر ذي القعدة من سنة تسع وخمسين وكان نظام الملك أمر أن ~~يكون المدرس بها أبا إسحاق الشيرازي وقرروا معه الحضور في هذا اليوم ~~للتدريس فاجتمع الناس ولم يحضر وطلب فلم يوجد فنفذ إلى أبي نصر ابن الصباغ ~~فأحضر ورتب بها مدرسا وظهر الشيخ أبو إسحاق في مسجده ولحق أصحابه من ذلك ما ~~بان عليهم وفتروا عن حضور درسه وراسلوه إن لم يدرس بها مضوا إلى ابن الصباغ ~~وتركوه فأجاب إلى ذلك وعزل ابن الصباغ وجلس أبو إسحاق يوم السبت مستهل ذي ~~الحجة فكان مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يوما وقال ابن النجار في تاريخ ~~بغداد ولما مات أبو إسحاق تولى أبو سعد المتولي ثم صرف في سنة ست وسبعين ~~وأعيد ابن الصباغ ثم صرف في سنة سبع وسبعين وأعيد أبو سعد إلى أن مات وقد ~~ذكرت ذلك في ترجمته وقد سبق في ترجمة الشيخ أبي إسحاق في حرف الهمزة طرف من ~~هذه القضية وكانت ولادته سنة أربعمائة ببغداد وكف بصره في آخر عمره وتوفي ~~في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وأربعمائة ببغداد وقيل بل توفي يوم الخميس ~~منتصف شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى PageV03P218 # 400 القاضي عبد الوهاب المالكي القاضي أبو محمد عبد ~~الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون ابن مالك بن طوق التغلبي ~~البغدادي الفقيه المالكي وهو من ذرية مالك بن طوق التغلبي صاحب ms0748 الرحبة كان ~~فقيها أديبا شاعرا صنف في مذهبه كتاب التلقين وهو مع صغر حجمه من خيار ~~الكتب وأكثرها فائدة وله كتاب المعونة وشرح الرسالة وغير ذلك عدة تصانيف ~~ذكره الخطيب في تاريخ بغداد فقال سمع أبا عبد الله ابن العسكري وعمر بن ~~محمد بن سبنك وأبا حفص ابن شاهين وحدث بشيء يسير كتبت عنه وكان ثقة ولم يلق ~~من المالكيين أحدا أفقه منه وكان حسن النظر جيد العبارة وتولى القضاء ~~ببادرايا وباكسايا وخرج في آخر عمره إلى مصر فمات بها وذكره ابن بسام في ~~كتاب الذخيرة فقال كان بقية الناس ولسان أصحاب القياس وقد وجدت له شعرا ~~معانيه أجلى من الصبح وألفاظه أحلى من الظفر بالنجح ونبت به بغداد كعادة ~~البلاد بذوي فضلها وعلى حكم الأيام في محسني أهلها فخلع أهلها وودع ماءها ~~وظلها وحدثت أنه شيعه يوم فصل عنها من أبكارها وأصحاب محابرها جملة موفورة ~~وطوائف PageV03P219 # كثيرة وأنه قال لهم لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل ~~غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية وفي ذلك يقول (سلام على بغداد في كل ~~موطن * وحق لها مني سلام مضاعف) (فوالله ما فارقتها عن قلى لها * وإني بشطي ~~جانبيها لعارف) (ولكنها ضاقت علي بأسرها * ولم تكن الأرزاق فيها تساعف) ~~(وكانت كخل كنت أهوى دنوه * وأخلاقه تنأى به وتخالف) واجتاز في طريقه بمعرة ~~النعمان وكان قاصدا مصر وبالمعرة يومئذ أبو العلاء المعري فأضافه وفي ذلك ~~يقول من جملة أبيات (والمالكي ابن نصر زار في سفر * بلادنا فحمدنا النأي ~~والسفرا) (إذا تفقه أحيا مالكا جدلا * وينشر الملك الضليل إن شعرا) ثم توجه ~~إلى مصر فحمل لواءها وملأ أرضها وسماءها واستتبع سادتها وكبراءها وتناهت ~~إليه الغرائب وانثالت في يديه الرغائب فمات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاها ~~فأكلها وزعموا أنه قال وهو يتقلب ونفسه يتصعد ويتصوب لا إله إلا الله إذا ~~عشنا متنا وله شعار رائقة طريفة فمن ذلك قوله (ونائمة قبلتها فتنبهت * ~~فقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد) (فقلت لها إني فديتك غاصب * وما حكموا ms0749 في ~~غاصب بسوى الرد) (خذيها وكفي عن أثيم ظلامه * وإن أنت لم ترضي فألفا على ~~العد) (فقالت قصاص يشهد العقل أنه * على كبد الجاني ألذ من الشهد) (فباتت ~~يميني وهي هميان خصرها * وباتت يساري وهي واسطة العقد) PageV03P220 # (فقالت ألم أخبر بأنك زاهد * فقلت بلى وما زلت أزهد في ~~الزهد) ومن شعره أيضا (بغداد دار لأهل المال طيبة * وللمفاليس دار الضنك ~~والضيق) (ظللت حيران أمشي في أزقتها * كأنني مصحف في بيت زنديق) وله (أهيم ~~بذكر الشرق والغرب دائما * وما لي لا شرق البلاد ولا غرب) (ولكن أوطانا نأت ~~وأحبة * فعدت متى أذكر عهودهم أصب) (ولم أنس من ودعت بالشط سحرة * وقد غرد ~~الحادون واشتغل الركب) (أليفان هذا سائر نحو غربة * وهذا مقيم سار من صدره ~~القرب) وله أيضا (قطعت الأرض في شهري ربيع * إلى مصر وعدت إلى العراق) ~~(فقال لي الحبيب وقد رآني * مشوقا للمضمرة العتاق) (ركبت على البراق فقلت ~~كلا * ولكني ركبت على اشتياقي) وكان على خاطري أبيات لا أعرف لمن هي ثم ~~وجدتها في عدة مواضع للقاضي عبد الوهاب المذكور وهي (متى يصل العطاش إلى ~~ارتواء * إذا استقت البحار من الركايا) (ومن يثني الأصاغر عن مراد * وقد ~~جلس الأكابر في الزوايا) (وإن ترفع الوضعاء يوما * على الرفعاء من إحدى ~~الرزايا) (إذا استوت الأسافل والأعالي * فقد طابت منادمة المنايا) ~~PageV03P221 # وذكر صاحب الذخيرة أنه ولي القضاء بمدينة اسعرد وقال ~~غيره كان قاضيا في بادرايا وباكسايا وهما بليدتان من أعمال العراق وسئل عن ~~مولده فقال يوم الخميس السابع من شوال سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ببغداد ~~وتوفي ليلة الاثنين الرابعة عشرة من صفر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة بمصر ~~وقيل إنه توفي في شعبان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى ودفن في القرافة ~~الصغرى وزرت قبره فيما بين قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه وباب القرافة ~~بالقرب من ابن القاسم وأشهب رحمهما الله تعالى وكان أبوه من أعيان الشهود ~~المعدلين ببغداد 104 وكان أخوه أبو الحسن محمد بن علي بن نصر أديبا فاضلا ~~صنف ms0750 كتاب المفاوضة للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور ابن أبي طاهر بهاء ~~الدولة بن عضد الدولة بن بويه جمع فيه ما شاهده وهو من الكتب الممتعة في ~~ثلاثين كراسة وله رسائل ومولده ببغداد في إحدى الجماديين سنة اثنتين وسبعين ~~وثلاثمائة وتوفي يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ~~وأربعمائة بواسط وكان قد صعد إليها من البصرة فمات بها 105 وتوفي أبوهما ~~أبو الحسن علي يوم السبت ثاني شهر رمضان المعظم سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ~~رحمهم الله تعالى PageV03P222 # 401 الحافظ عبد الغني أبو محمد عبد الغني بن سعيد بن ~~علي بن سعيد بن بشر بن مروان بن عبد العزيز الأزدي الحافظ المصري كان حافظ ~~مصر في عصره وله تواليف نافعة منها مشتبه النسبة وكتاب المؤتلف والمختلف ~~وغير ذلك وانتفع به خلق كثير وكانت بينه وبين أبي أسامة جنادة اللغوي وأبي ~~علي المقرئ الأنطاكي مودة أكيدة واجتماع في دار الكتب ومذكرات فلما قتلهما ~~الحاكم صاحب مصر استتر بسبب ذلك الحافظ عبد الغني خوفا أن يلحق بهما ~~لاتهامه بمعاشرتهما وأقام مستخفيا مدة حتى حصل له الأمن فظهر وقد تقدم في ~~ترجمة أبي أسامة خبر ذلك وكانت ولادة الحافظ عبد الغني لليلتين بقيتا من ذي ~~القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وتوفي ليلة الثلاثاء ودفن يوم ~~الثلاثاء سابع صفر سنة تسع وأربعمائة بمصر ودفن بحضرة مصلى العيد رحمه الله ~~تعالى وذكر أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي المعروف بابن الطحان في تاريخه ~~الذي جعله ذيلا لتاريخ ابن يونس المصري أن عبد الغني بن سعيد المذكور مولده ~~في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة والله أعلم PageV03P223 # 106 وتوفي والده سعيد المذكور سنة ثمان وثلاثين ~~وثلاثمائة وعمره ثلاث وأربعون سنة رحمه الله تعالى وقال ولده الحافظ عبد ~~الغني لم أسمع من والدي شيئا وقال أبو الحسن علي بن بقا كاتب الحافظ عبد ~~الغني بن سعيد سمعت الحافظ عبد الغني بن سعيد يقول رجلان جليلان لزمهما ~~لقبان قبيحان معاوية ابن عبد الكريم الضال وإنما ضل في ms0751 طريق مكة وعبد الله ~~بن محمد الضعيف وإنما كان ضعيفا في جسمه لا في حديثه وقال أبو عبد الله ~~محمد بن علي الحافظ الصوري قيل للدارقطني هل رأيت في الحديث أحدا يرجى علمه ~~فقال نعم شابا بمصر كأنه شعلة نار يقال له عبد الغني فلما خرج الدارقطني من ~~مصر جاءه المودعون وتحزنوا على مفارقته وبكوا فقال لقد تركت عندكم خلفا ~~يعني عبد الغني وقال أيضا أعني الصوري لما صنف عبد الغني المؤتلف والمختلف ~~عرضه على الدارقطني فقال له اقرأه فقال كيف أقرأه لك ومعظمه أخذته عنك فقال ~~نعم أخذته عني متفرقا والآن قد جمعته PageV03P214 # 402 الحافظ عبد الغافر الفارسي أبو الحسن عبد الغافر ~~بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر ابن أحمد بن محمد بن سعيد ~~الفارسي الحافظ كان إماما في الحديث والعربية وقرأ القرآن الكريم ولقن ~~الاعتقاد بالفارسية وهو ابن خمس سنين وتفقه على إمام الحرمين أبي المعالي ~~الجويني صاحب نهاية المطلب في المذهب والخلاف ولازمه مدة أربع سنين وهو سبط ~~الإمام أبي القاسم عبد الكريم القشيري المقدم ذكره وسمع عليه الحديث الكثير ~~وعلى جدته فاطمة بنت أبي علي الدقاق وخاليه أبي سعد وأبي سعيد ولدي أبي ~~القاسم القشيري ووالده أبي عبد الله إسماعيل بن عبد الغافر ووالدته أمة ~~الرحيم ابنة أبي القاسم القشيري وجماعة كبيرة سواهم ثم خرج من نيسابور إلى ~~خوارزم ولقي بها الأفاضل وعقد له المجلس ثم خرج إلى غزنة ومنها إلى الهند ~~وروى الأحاديث وقرئ عليه لطائف الإشارات بتلك النواحي ثم رجع إلى نيسابور ~~وولي الخطابة بها وأملى بها في مسجد عقيل أعصار يوم الاثنين سنين ثم صنف ~~كتبا عديدة منها المفهم لشرح غريب صحيح مسلم والسياق لتاريخ نيسابور وفرغ ~~منه في أواخر ذي القعدة سنة ثماني عشرة وخمسمائة وكتاب مجمع الغرائب في ~~غريب الحديث وغير ذلك من الكتب المفيدة وكانت ولادته في شهر ربيع الآخر سنة ~~إحدى وخمسين وأربعمائة وتوفي في سنة تسع وعشرين وخمسمائة بنيسابور رحمه ~~الله تعالى PageV03P225 # 403 أبو ms0752 الوقت أبو الوقت عبد الأول بن أبي عبد الله ~~عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السجزي كان مكثرا من الحديث عالي الاسناد ~~طالت مدته وألحق الأصاغر بالأكابر سمعت صحيح البخاري بمدينة إربل في بعض ~~شهور سنة إحدى وعشرين وستمائة على الشيخ الصالح أبي جعفر محمد بن هبة الله ~~بن المكرم بن عبد الله الصوفي البغدادي بحق سماعه في المدرسة النظامية ~~ببغداد من الشيخ أبي الوقت المذكور في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ~~وخمسمائة بحق سماعه من أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي في ذي ~~القعدة سنة خمس وستين وأربعمائة بحق سماعه من أبي محمد عبد الله بن أحمد بن ~~حموية السرخسي في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة بحق سماعه من أبي عبد ~~الله محمد بن يوسف ابن مطر الفربري سنة ست عشرة وثلاثمائة بحق سماعه من ~~مؤلفه الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري مرتين إحداهما سنة ثمان ~~وأربعين ومائتين والثانية سنة اثنتين وخمسين ومائتين رحمهم الله أجمعين ~~وكان الشيخ أبو الوقت صالحا يغلب عليه الخير وانتقل أبوه إلى مدينة هراة ~~وسكنها فولد له بها أبو الوقت في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين PageV03P226 # وأربعمائة وتوفي في ليلة الأحد سادس ذي القعدة سنة ~~ثلاث وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى وكان قد وصل إلى بغداد يوم الثلاثاء ~~الحادي والعشرين من شوال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ونزل في رباط فيروز ~~وبه مات وصلي عليه فيه ثم صلوا عليه الصلاة العامة بالجامع وكان الإمام في ~~الصلاة الشيخ عبد القادر الجيلي وكان الجمع متوفرا ودفن بالشونيزية في ~~الدكة المدفون بها رويم الزاهد وكان سماعه الحديث بعد الستين والأربعمائة ~~وهو آخر من روى في الدنيا عن الداودي رحمه الله تعالى وتوفي والده سنة بضع ~~عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى وقد تقدم الكلام على السجزي وهي من شواذ ~~النسب 107 وكانت ولادة شيخنا أبي جعفر محمد بن هبة الله بن المكرم الصوفي ~~المذكور في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ms0753 ثمان وثلاثين وخمسمائة ~~وقيل سنة ست وقيل سنة سبع وثلاثين وتوفي ليلة الخميس من المحرم سنة إحدى ~~وعشرين وستمائة ببغداد ودفن من الغد بالشونيزيه رحمهم الله أجمعين 404 ابن ~~كليب الحراني أبو الفرج عبد المنعم بن أبي الفتح عبد الوهاب بن سعد بن صدقة ~~بن الخضر ابن كليب الملقب شمس الدين الحراني الأصل البغدادي المولد والدار ~~الحنبلي المذهب كان تاجرا وله في الحديث السماعات العالية وانتهت الرحلة ~~إليه من أقطار الأرض وألحق الصغار بالكبار لا يشاركه في شيوخه ومسموعاته ~~أحد PageV03P227 # وكانت ولادته في صفر سنة خمس وخمسمائة وتوفي ليلة ~~الاثنين السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وخمسمائة ببغداد ~~ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه بباب حرب عند أبيه ~~وأهله وكان صحيح الذهن والحواس إلى أن مات وتسرى مائة وثمانيا وأربعين ~~جارية رحمه الله تعالى 405 عبد الحميد الكاتب عبد الحميد بن يحيى بن سعد ~~مولى بني عامر بن لؤي بن غالب الكاتب البليغ المشهور وبه يضرب المثل في ~~البلاغة حتى قيل فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد وكان في ~~الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماما وهو من أهل الشام وكان أولا معلم ~~صبية يتنقل في البلدان وعنه أخذ المترسلون ولطريقته لزموا ولآثاره اقتفوا ~~وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة وهو أول ~~من أطال الرسائل واستعمل التحميدات في فصول الكتب فاستعمل الناس ذلك بعده ~~وكان كاتب مروان ابن محمد بن مروان بن الحكم الأموي آخر ملوك بني أمية ~~المعروف بالجعدي فقال له يوما وقد أهدى له بعض العمال عبدا أسود فاستقله ~~اكتب إلى هذا العامل كتابا مختصرا وذمه على ما فعل فكتب إليه لو وجدت لونا ~~شرا من السواد وعددا أقل من الواحد لأهديته والسلام ومن كلامه أيضا القلم ~~شجرة ثمرتها الألفاظ والفكر بحر لؤلؤه الحكمة PageV03P228 # وقال إبراهيم بن العباس الصولي وقد ذكر عبد الحميد ~~المذكور عنده كان والله الكلام معانا له ما تمنيت ms0754 كلام أحد من الكتاب قط أن ~~يكون لي مثل كلامه وفي رسالة له والناس أخياف مختلفون وأطوار متباينون منهم ~~علق مضنة لا يباع وغل مظنة لا يبتاع وكتب على يد شخص كتابا بالوصاة عليه ~~إلى بعض الرؤساء فقال حق موصل كتابي إليك عليك كحقه علي إذ رآك موضعا لأمله ~~ورآني أهلا لحاجته وقد أنجزت حاجته فصدق أمله ومن كلامه خير الكلام ما كان ~~لفظه فحلا ومعناه بكرا وكان كثيرا ما ينشد (إذا جرح الكتاب كانت دويهم * ~~قسيا وأقلام الدوي لها نبلا) وله رسائل بليغة وكان حاضرا مع مروان في جميع ~~وقائعه عند آخر أمره وقد سبق في أخبار أبي مسلم الخراساني طرف من ذلك ويحكى ~~أن مروان قال له حين أيقن بزوال ملكه قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر ~~بي فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك يحوجهم إلى حسن الظن بك فإن ~~استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا لم تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي فقال له عبد ~~الحميد إن الذي أشرت به علي أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي وما عندي إلا ~~الصبر حتى يفتح الله تعالى أو أقتل معك وأنشد (أسر وفاء ثم أظهر غدرة * فمن ~~لي بعذر يوسع الناس ظاهر) ذكر ذلك أبو الحسن المسعودي في كتاب مروج الذهب ~~ثم إن عبد الحميد قتل مع مروان وكان قتل مروان يوم الاثنين ثالث عشر ذي ~~الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة بقرية يقال لها بوصير من أعمال الفيوم ~~بالديار المصرية رحمهما الله تعالى PageV03P229 # ورأيت بخطي في مسوداتي أنه لما قتل مروان بن محمد ~~الأموي استخفى عبد الحميد بالجزيرة فغمز عليه فأخذ ودفعه أبو العباس وأظنه ~~السفاح إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب شرطته فكان يحمي له طستا بالنار ~~ويضعه على رأسه حتى مات وكان من أهل الأنبار وسكن الرقة وشيخه في الكتابة ~~سالم مولى هشام بن عبد الملك وروى محمد بن العباس اليزيدي بإسناد ذكره قال ~~أتي أبو جعفر المنصور أخو السفاح وهو ثاني خلفاء بني العباس ms0755 بعد قتل مروان ~~بن محمد الجعدي بعبد الحميد الكاتب والبعلبكي المؤذن وسلام الحادي فهم ~~المنصور بقتلهم جميعا لكونهم من أصحاب مروان فقال سلام استبقني يا أمير ~~المؤمنين فإني أحسن الناس حداء فقال وما بلغ من حدائك فقال تعمد إلى إبل ~~فتظمئها ثلاثا ثم توردها الماء فإذا وردت رفعت صوتي بالحداء فترفع رؤوسها ~~وتدع الشرب ثم لا تشرب حتى أسكت قال فأمر المنصور بإبل فأظمئت ثلاثة أيام ~~ثم أوردت الماء فلما بدأت بالشرب رفع سلام صوته بالحداء فامتنعت من الشرب ~~ثم لم تشرب حتى سكت فاستبقى سلاما وأجازه وأجرى عليه رزقه وقال له البعلبكي ~~المؤذن استبقني يا أمير المؤمنين قال وما عندك قال أنا مؤذن قال وما بلغ من ~~أذانك قال تأمر جارية تقدم إليك طستا وتأخذ بيدها إبريقا وتصب عليك وأبتدىء ~~الأذان فتدهش ويذهب عقلها إذا سمعت أذاني حتى تلقي الإبريق من يدها وهي لا ~~تعلم فأمر جارية فأعدت إبريقا فيه ماء وقدمت إليه طستا وجعلت تصب عليه ورفع ~~البعلبكي صوته بالأذان فبقيت الجارية شاخصة وألقت الإبريق من يدها فاستبقاه ~~وأجازه وأجرى عليه الرزق وصير أمر الجامع إليه وقال له عبد الحميد الكاتب ~~استبقني يا أمير المؤمنين قال وما عندك قال أنا أبلغ أهل زماني في الكتابة ~~فقال له المنصور أنت الذي فعلت بنا الأفاعيل وعملت بنا الدواهي فأمر به ~~فقطعت يداه ورجلاه ثم ضربت عنقه والله PageV03P230 # أعلم أي ذلك كان وكان ولده إسماعيل كاتبا ماهرا نبيلا ~~معدودا في جملة الكتاب المشاهير وكان يعقوب بن داود وزير المهدي الآتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى كاتبا بين يدي عبد الحميد المذكور وممن تخرج عليه وتعلم ~~منه وساير عبد الحميد يوما مروان بن محمد على دابة قد طالت مدتها في ملكه ~~فقال له مروان قد طالت صحبة هذه الدابة لك فقال يا أمير المؤمنين إن من ~~بركة الدابة طول صحبتها وقلة علفها فقال له فكيف سيرها فقال همها أمامها ~~وسوطها عنانها وما ضربت قط إلا ظلما وقال أبو عبد الله محمد بن ms0756 عبدوس ~~الجهشياري في كتب أخبار الوزراء وجدت بخط أبي علي أحمد بن إسماعيل حدثني ~~العباس بن جعفر الأصبهاني قال طلب عبد الحميد بن يحيى الكاتب وكان صديقا ~~لابن المقفع ففاجأهما الطلب وهما في بيت فقال الذين دخلوا عليهما أيكما عبد ~~الحميد فقال كل واحد منهما أنا خوفا من أن ينال صاحبه مكروه وخاف عبد ~~الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع فقال ترفقوا بنا فإن كلا منا له علامات ~~فوكلوا بنا بعضكم ويمضي البعض الآخر ويذكر تلك العلامات لمن وجهكم ففعلوا ~~وأخذ عبد الحميد وبوصير بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الصاد المهملة ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ويقال إن مروان لما وصل إليها ~~منهزما والعساكر في طلبه قال ما اسم هذه القرية فقيل له بوصير فقال إلى ~~الله المصير فقتل بها وهي واقعة مشهورة وقال إبراهيم بن جبلة رآني عبد ~~الحميد الكاتب أخط خطا رديئا فقال لي PageV03P231 # أتحب أن تجود خطك فقلت نعم فقال أطل جلفة قلمك وأسمنها ~~وحرف قطتك وأيمنها ففعلت فجاد خطي 406 عبد المحسن الصوري أبو محمد عبد ~~المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب بن غلبون الصوري الشاعر المشهور أحد ~~المحسنين الفضلاء المجيدين الأدباء شعره بديع الألفاظ حسن المعاني رائق ~~الكلام مليح النظام من محاسن أهل الشام له ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان ~~فمن محاسنه قوله (أترى بثأر أم بدين * علقت محاسنها بعيني) (في لحظها ~~وقوامها * ما في المهند والرديني) (وبوجهها ماء الشباب * خليط نار ~~الوجنتين) (بكرت علي وقالت اختر * خصلة من خصلتين) (إما الصدود أو الفراق * ~~فليس عندي غير ذين) (فأجبتها ومدامعي * تنهل مثل المأزمين) (لا تفعلي إن ~~حان صدك * أو فراقك حان حيني) (فكأنما قلت انهضي * فمضت مسارعة لبيني) ~~PageV03P232 # (ثم استقلت أين حلت * عيسها رميت بأين) (ونوائب أظهرن ~~أيامي * إلي بصورتين) (سودنها وأطلنها * فرأيت يوما ليلتين) ومنها (هل بعد ~~ذلك من يعرفني * النضار من اللجين) (فلقد جهلتهما لبعد * العهد بينهما ~~وبيني) (متكسبا بالشعر يا * بئس الصناعة في اليدين) (كانت كذلك قبل ms0757 أن * ~~يأتي علي بن الحسين) (فاليوم حال الشعر ثالثة * لحال الشعريين) (أغنى وأعفى ~~مدحه العافين * عن كذب ومين) وهذه القصيدة عملها عبد المحسن في علي بن ~~الحسين والد الوزير أبي القاسم ابن المغربي وهي قصيدة طويلة جيدة ولها ~~حكاية ظريفة وهي أنه كان بمدينة عسقلان رئيس يقال له ذو المنقبتين فجاءه ~~بعض الشعراء وامتدحه بهذه القصيدة وجاء في مديحها (ولك المناقب كلها * فلم ~~اقتصرت على اثنتين) فأصغى الرئيس إلى إنشاده واستحسنها وأجزل جائزته فلما ~~خرج من عنده قال له بعض الحاضرين هذه القصيدة لعبد المحسن فقال أعلم هذا ~~وأحفظ القصيدة ثم أنشدها فقال له ذلك الرجل فكيف حتى عملت معه هذا العمل من ~~الإقبال عليه والجائزة السنية فقال لم أفعل ذلك إلا لأجل البيت الذي ضمنها ~~وهو قوله (ولك المناقب كلها *) فإن هذا البيت ليس لعبد المحسن وأنا ذو ~~المنقبتين فأعلم قطعا أن هذا البيت ما عمل إلا في وهو في نهاية الحسن ~~PageV03P233 # ومن شعره أيضا وذكر الثعالبي في كتابه الذي جعله ذيلا ~~على يتيمة الدهر هذه الأبيات لأبي الفرج ابن أبي حصين علي بن عبد الملك ~~الرقي أصلا وكان أبوه قاضي حلب والله أعلم ولكنها في ديوان عبد المحسن ~~والثعالبي قد نسب أشياء إلى غير أربابها وغلط فيها ولعل هذا من جملة الغلط ~~أيضا وذكر في ديوانه أنه عملها في أخيه عبد الصمد وهي (وأخ مسه نزولي بقرح ~~* مثلما مسني من الجوع قرح) (بت ضيفا له كما حكم الدهر * وفي حكمه على الحر ~~قبح) (فابتدأني يقول وهو من السكرة * بالهم طافح ليس يصحو) (لم تغربت قلت ~~قال رسول الله * والقول منه نصح ونجح) (سافروا تغنموا فقال وقد قال * تمام ~~الحديث صوموا تصحوا) وذكر له صاحب اليتيمة هذين البيتين (عندي حدائق شكر ~~غرس جودكم * قد مسها عطش فليسق من غرسا) (تداركوها وفي أغصانها رمق * فلن ~~يعود اخضرار العود إن يبسا) واجتاز يوما بقبر صديق له فأنشد (عجبا لي وقد ~~مررت على قبرك * كيف اهتديت قصد الطريق) (أتراني نسيت عهدك يوما ms0758 * صدقوا ما ~~لميت من صديق) ولما ماتت أمه ودفنها وجد عليها وجدا كثيرا فأنشد (رهينة ~~أحجار ببيداء دكدك * تولت فحلت عروة المتمسك) (وقد كنت أبكي إن تشكت وإنما ~~* أنا اليوم أبكي أنها ليس تشتكي) وهذا المعنى مأخوذ من قول المتنبي ~~(وشكيتي فقد السقام لأنه * قد كان لما كان لي أعضاء) وقد استعمل أبو محمد ~~عبد الله بن محمد المعروف بابن سنان الخفاجي الحلبي PageV03P234 # هذا المعنى في بيت من جملة قصيدة طويلة فقال (بكى ~~الناس أطلال الديار وليتني * وجدت ديارا للدموع السواكب) ومحاسنه كثيرة ~~والاقتصار أولى وتوفي يوم الأحد تاسع شوال سنة تسع عشرة وأربعمائة وعمره ~~ثمانون سنة أو أكثر رحمه الله تعالى وغلبون بفتح الغين المعجمة وسكون اللام ~~وضم الباء الموحدة وبعد الواو نون والصوري قد تقدم الكلام عليه 407 الحافظ ~~عبد المجيد العبيدي أبو الميمون عبد المجيد الملقب الحافظ ابن أبي القاسم ~~محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن ~~القائم بن المهدي عبيد الله وقد تقدم ذكر المهدي وجماعة من حفدته بويع ~~الحافظ بالقاهرة يوم مقتل ابن عمه الآمر بولاية العهد وتدبير المملكة حتى ~~يظهر الحمل المخلف عن الآمر حسبما يأتي شرحه في آخر هذه الترجمة إن شاء ~~الله تعالى فغلب عليه أبو علي أحمد بن الأفضل شاهان شاه ابن أمير الجيوش ~~بدر الجمالي وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الشين في صبيحة يوم مبايعته وكان ~~الآمر لما قتل الأفضل اعتقل جميع أولاده وفيهم أبو علي المذكور فأخرجه ~~الجند من الاعتقال لما قتل الآمر PageV03P235 # وبايعوه فسار إلى القصر وقبض على الحافظ المذكور ~~واستقل بالأمر وقام به أحسن قيام ورد على المصادرين أموالهم وأظهر مذهب ~~الإمامية وتمسك بالأئمة الاثني عشر ورفض الحافظ وأهل بيته ودعا على المنابر ~~للقائم في آخر الزمان المعروف بالإمام المنتظر على زعمهم وكتب اسمه على ~~السكة ونهى أن يؤذن حي على خير العمل وأقام كذلك إلى أن وثب عليه رجل من ~~الخاصة بالبستان الكبير بظاهر القاهرة في النصف من ms0759 المحرم سنة ست وعشرين ~~وخمسمائة فقتله وكان ذلك بتدبير الحافظ فبادر الأجناد بإخراج الحافظ ~~وبايعوه ولقبوه الحافظ ودعي له على المنابر وكان مولده بعسقلان في المحرم ~~من سنة سبع وستين وأربعمائة وقيل سنة ست وستين وكان قد بويع بالعهد يوم قتل ~~الآمر وسيأتي تاريخه في ترجمته في حرف الميم إن شاء الله تعالى ثم بويع ~~بالاستقلال يوم قتل أحمد بن الأفضل في التاريخ المذكور وتوفي آخر ليلة ~~الأحد لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وقيل ثلاث وأربعين وخمسمائة رحمه ~~الله تعالى وقيل إنه ولد في الثالث عشر وقيل الخامس عشر من شهر رمضان سنة ~~ثمان وستن وأربعمائة وكان سبب ولادته بعسقلان أن أباه خرج إليها من مصر في ~~أيام الشدة والغلاء المفرط الذي حصل بمصر في زمان جده المستنصر حسبما هو ~~مشروح في ترجمته في حرف الميم فأقام بها ينتظر أيام الرخاء وزوال الشدة ~~فولد له الحافظ المذكور هناك هكذا قاله شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه ~~الكبير والله أعلم ولم يتول الأمر من ليس أبوه صاحب الأمر من بيتهم سواه ~~وسوى العاضد عبد الله وقد تقدم ذكره في العبادلة وكان سبب توليته أن الآمر ~~لم يخلف ولدا وخلف امرأة حاملا فماج أهل مصر وقالوا هذا البيت لا يموت إمام ~~PageV03P236 # منهم حتى يخلف ولدا ذكرا وينص عليه بالإمامة وكان ~~الآمر قد نص على الحمل فوضعت له المرأة بنتا فكان ما شرحناه من حديث الحافظ ~~المذكور وأحمد بن الأفضل أمير الجيوش ولهذا السبب بويع الحافظ بولاية العهد ~~ولم يبايع بالإمامة مستقلا لأنهم كانوا ينتظرون ما يكون من الحمل وهذا ~~الحافظ كان كثير المرض بعلة القولنج فعمل له شيرماه الديلمي وقيل موسى ~~النصراني طبل القولنج الذي كان في خزائنهم لما ملك السلطان صلاح الدين رحمه ~~الله تعالى الديار المصرية وكسره السلطان المذكور وقصته مشهورة وأخبرني ~~حفيد شيرماه المذكور أن جده ركب هذا الطبل من المعادن السبعة والكواكب ~~السبعة في إشرافها كل واحد منها في وقته وكان من خاصته أن الإنسان ms0760 إذا ضربه ~~خرج الريح من مخرجه ولهذه الخاصية كان ينفع من القولنج 408 عبد المؤمن صاحب ~~المغرب أبو محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي الذي قام بأمره محمد بن ~~تومرت المعروف بالمهدي كان والده وسطا في قومه وكان صانعا في عمل الطين ~~يعمل منه الآنية فيبيعها وكان عاقلا من الرجال وقورا ويحكى أن عبد المؤمن ~~في صباه كان نائما تجاه أبيه وأبوه مشتغل بعمله في الطين فسمع أبوه دويا ~~PageV03P237 # من السماء فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت ~~مطبقة على الدار فنزلت كلها مجتمعة على عبد المؤمن وهو نائم فغطته ولم يظهر ~~من تحتها ولا استيقظ لها فرأته أمه على تلك الحال فصاحت خوفا على ولدها ~~فسكتها أبوه فقالت أخاف عليه فقال لا بأس عليه بل إني متعجب مما يدل عليه ~~ذلك ثم إنه غسل يديه من الطين ولبس ثيابه ووقف ينتظر ما يكون من امر النحل ~~فطار عنه بأجمعه فاستيقظ الصبي وما به من ألم فتفقدت أمه جسده فلم تر به ~~أثرا ولم يشك إليها ألما وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزجر فمضى أبوه إليه ~~فأخبره ما رآه من النحل مع ولده فقال الزاجر يوشك أن يكون له شأن يجتمع على ~~طاعته أهل المغرب فكان من أمره ما اشتهر ورأيت في بعض تواريخ المغرب أن ابن ~~تومرت كان قد ظفر بكتاب يقال له الجفر وفيه ما يكون على يده وقصة عبد ~~المؤمن وحليته واسمه وأن ابن تومرت أقام مدة يتطلبه حتى وجده وصحبه وهو إذ ~~ذاك غلام وكان يكرمه ويقدمه على أصحابه وأفضى إليه بسره وانتهى به إلى ~~مراكش وصاحبها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين ملك الملثمين وجرى له ~~معه فصول يطول شرحها وأخرجه منها فتوجه إلى الجبال وحشد واستمال المصامدة ~~وبالجملة فإنه لم يملك شيئا من البلاد بل عبد المؤمن ملك بعد وفاته بالجيوش ~~التي جهزها ابن تومرت والترتيب الذي رتبه وكان أبدا يتفرس فيه النجابة ~~وينشد إذا أبصره (تكاملت فيك أوصاف ms0761 خصصت بها * فكلنا بك مسرور ومغتبط) ~~(السن ضاحكة والكف مانحة * والنفس واسعة والوجه منبسط) وهذان البيتان ~~وجدتهما منسوبين إلى أبي الشيص الخزاعي الشاعر المشهور PageV03P238 # وكان يقول لأصحابه صاحبكم هذا غلاب الدول ولم يصح عنه ~~أنه استخلفه بل راعى أصحابه في تقديمه إشارته فتم له الأمر وكمل وأول ما ~~أخذ من البلاد وهران ثم تلمسان ثم فاس ثم سلا ثم سبتة وانتقل بعد ذلك إلى ~~مراكش وحاصرها أحد عشر شهرا ثم ملكها وكان أخذه لها في أوائل سنة اثنتين ~~وأربعين وخمسمائة واستوسق له الأمر وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى ~~وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس وتسمى أمير المؤمنين وقصدته الشعراء ~~وامتدحته بأحسن المدائح وذكر العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة أن الفقيه ~~أبا عبد الله محمد بن أبي العباس التيفاشي لما أنشده (ما هز عطفيه بين ~~البيض والأسل * مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي) أشار عليه بأن يقتصر على ~~هذا البيت وأمر له بألف دينار ولما تمهدت له القواعد وانتهت أيامه خرج من ~~مراكش إلى مدينة سلا فأصابه بها مرض شديد وتوفي منه في العشر الأخير من ~~جمادى الآخرة السابع والعشرين منه سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وقيل إنه حمل ~~إلى تين مل المذكورة في ترجمة المهدي محمد بن تومرت ودفن هناك والله أعلم ~~وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا وكان عند موته شيخا نقي البياض ~~ونقلت من تاريخ فيه سيرته وحليته فقال مؤلفه رأيته شيخا معتدل القامة عظيم ~~الهامة أشهل العينين كث اللحية شثن الكفين طويل القعدة واضح بياض الأسنان ~~بخده الأيمن خال رحمه الله تعالى وقيل إن ولادته كانت سنة خمسمائة وقيل سنة ~~تسعين وأربعمائة والله أعلم وعهد إلى ولده أبي عبد الله محمد فاضطرب أمره ~~وأجمعوا على خلعه في شعبان من سنة ولايته وبويع أخوه يوسف على ما سيأتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى PageV03P239 # والكومي بضم الكاف وسكون الواو وبعدها ميم هذه النسبة ~~إلى كومية وهي قبيلة صغيرة نازلة بساحل البحر من أعمال تلمسان ومولده في ~~قرية هناك ms0762 يقال لها تاجرة وأما كتاب الجفر فقد ذكره ابن قتيبة في أوائل ~~كتاب اختلاف الحديث فقال بعد كلام طويل وأعجب من هذا التفسير تفسير الروافض ~~للقرآن الكريم وما يدعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من الجفر الذي ذكره ~~سعد بن هارون العجلي وكان رأس الزيدية فقال (ألم تر أن الرافضين تفرقوا * ~~فكلهم في جفر قال منكرا) (فطائفة قالوا إمام ومنهم * طوائف سمته النبي ~~المطهرا) (ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم * برئت إلى الرحمن ممن تجفرا) ~~والأبيات أكثر من هذا فاقتصرت منها على هذا لأنه المقصود بذكر الجفر ثم قال ~~ابن قتيبة بعد الفراغ من الأبيات وهو جلد جفر ادعوا أنه كتب لهم فيه الإمام ~~كل ما يحتاجون إليه وكل ما يكون إلى يوم القيامة قلت وقولهم الإمام يريدون ~~به جعفرا الصادق رضي الله عنه وقد تقدم ذكره وإلى هذا الجفر أشار أبو ~~العلاء المعري بقوله من جملة أبيات (لقد عجبوا لأهل البيت لما * أتاهم ~~علمهم في مسك جفر) (ومرآة المنجم وهي صغرى * أرته كل عامرة وقفر) وقوله في ~~مسك جفر المسك بفتح الميم وسكون السين المهملة الجلد والجفر بفتح الجيم ~~وسكون الفاء وبعدها راء من أولاد المعز ما بلغ أربعة PageV03P240 # أشهر وجفر جنباه وفصل عن أمه والأنثى جفرة وكانت ~~عادتهم ذلك الزمان أنهم يكتبون في الجلود والعظام والخزف وما شاكل ذلك 409 ~~أبو القاسم الأنماطي أبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار الأحول الأنماطي ~~الفقيه الشافعي كان من كبار الفقهاء الشافعية أخذ الفقه عن المزني والربيع ~~بن سليمان المرادي وأخذ عنه أبو العباس ابن سريج وغيره وكان هو السبب في ~~نشاط الناس ببغداد في كتب الشافعي وتحفظها وقال عن المزني أنا أنظر في كتاب ~~الرسالة عن الشافعي رضي الله عنه منذ خمسين سنة ما أعلم أني نظرت فيه مرة ~~إلا وأنا أستفيد منه شيئا كثيرا لم أكن عرفته وتوفي في شوال سنة ثمان ~~وثمانين ومائتين ببغداد رحمه الله تعالى وقال أبو حفص عمر بن علي المطوعي ~~في كتاب المذهب ms0763 في ذكر أئمة المذهب اسم أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن ~~بشار الأنماطي رحمه الله تعالى والأنماطي بفتح الهمزة وسكون النون وفتح ~~الميم وبعد الألف طاء مهملة هذه النسبة إلى الأنماط وبيعها وهي البسط التي ~~تفرش وغير ذلك من آلة الفرش من الأنطاع والوسائد وأهل مصر يسمون هذه الآلات ~~الأنماط وبائعها الأنماطي والله أعلم PageV03P241 # 410 ضياء الدين شارح المهذب أبو عمرو عثمان بن عيسى بن ~~درباس بن فير بن جهم بن عبدوس الهذباني الماراني الملقب ضياء الدين كان من ~~أعلم الفقهاء في وقته بمذهب الإمام الشافعي وهو أخو القاضي صدر الدين أبي ~~القاسم عبد الملك الحاكم بالديار المصرية كان وناب عنه في الحكم بالقاهرة ~~واشتغل في صباه بإربل على الشيخ أبي العباس الخضر بن عقيل المقدم ذكره في ~~حرف الخاء ثم انتقل إلى دمشق وقرأ على الشيخ أبي سعد عبد الله بن أبي عصرون ~~المقدم ذكره وتمهر في المذهب وأصول الفقه وأتقنهما وشرح المهذب شرحا شافيا ~~لم يسبق إلى مثله في قريب من عشرين مجلدا ولم يكمله بل بقي من كتاب ~~الشهادات إلى آخره وسماه الاستقصاء لمذاهب الفقهاء وشرح اللمع في أصول ~~الفقه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي شرحا مستوفى في مجلدين وصنف غير ذلك وقبل ~~أن مات القاضي صدر الدين رحمه الله تعالى وكان موته في الليلة الخامسة من ~~رجب ليلة الأربعاء سنة خمس وستمائة عزل ضياء الدين المذكور عن النيابة فوقف ~~عليه الأمير جمال الدين خشترين الهكاري مدرسة أنشأها بالقصر بالقاهرة وفوض ~~تدريسها إليه ولم يزل بها إلى أن توفي في ثاني عشر ذي القعدة سنة اثنتين ~~وستمائة بالقاهرة ودفن بالقرافة الصغرى وقد قارب تسعين سنة رحمه الله تعالى ~~ثم توفي صدر الدين في التاريخ المذكور ودفن في تربته بالقرافة الصغرى وكان ~~يتردد في مولده هل هو في أواخر سنة ست عشرة أو أوائل سنة سبع عشرة وخمسمائة ~~وفوض إليه السلطان صلاح الدين القضاء بالديار المصرية بعد PageV03P242 # أن كان قاضي الغربية من أعمال الديار المصرية في ~~الثاني والعشرين ms0764 من جمادى الآخرة سنة ست وقيل سنة خمس وستين وخمسمائة رحمه ~~الله تعالى وفير بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء وجهم ~~بفتح الجيم وسكون الهاء وبعدها ميم وعبدوس بفتح العين المهملة وسكون الباء ~~الموحدة وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها سين مهملة والماراني بفتح ~~الميم وبعد الألف راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون هذه النسبة إلى بني ~~ماران بالمروج تحت الموصل 411 تقي الدين ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد ~~الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الشهرزوري المعروف بابن ~~الصلاح الشرخاني الملقب تقي الدين الفقيه الشافعي كان أحد فضلاء عصره في ~~التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة ~~وكانت له مشاركة في فنون عديدة وكانت فتاويه مسددة وهو أحد أشياخي الذي ~~انتفعت بهم قرأ الفقه أولا عل والده الصلاح وكان من جلة مشايخ الأكراد ~~المشار إليهم ثم نقله والده إلى الموصل واشتغل بها مدة وبلغني أنه كرر على ~~جميع كتاب المهذب ولم يطر شاربه ثم إنه تولى الإعادة عند الشيخ العلامة ~~عماد الدين أبي حامد PageV03P243 # ابن يونس بالموصل أيضا وأقام قليلا ثم سافر إلى خراسان ~~فأقام بها زمانا وحصل علم الحديث هناك ثم رجع إلى الشام وتولى التدريس ~~بالمدرسة الناصرية بالقدس المنسوبة إلى الملك الناصر صلاح الدسن يوسف بن ~~أيوب رحمه الله تعالى وأقام بها مدة واشتغل الناس عليه وانتفعوا به ثم ~~انتقل إلى دمشق وتولى تدريس المردسة الرواحية التي أنشأها الزكي أبو القاسم ~~هبة الله بن عبد الواحد ابن رواحة الحموي وهو الذي أنشأ المدرسة الرواحية ~~بحلب أيضا ولما بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب رحمه الله تعالى ~~دار الحديث بدمشق فوض تدريسها إليه واشتغل الناس عليه بالحديث ثم تولى ~~تدريس مدرسة ست الشام زمرد خاتون بنت أيوب وهي شقيقة شمس الدولة توران شاه ~~بن أيوب المقدم ذكره التي هي داخل البلد قبلي البيمارستان النوري وهي التي ~~بنت المدرسة الأخرى ظاهر دمشق وبها قبرها وقبر ms0765 أخيها المذكور وزوجها ناصر ~~الدين بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص فكان يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير ~~إخلال بشيء منها إلا لعذر ضروري لا بد منه وكان من العلم والدين على قدم ~~حسن وقدمت عليه في أوائل شوال سنة اثنتين وثلاثين وستمائة وأقمت عنده بدمشق ~~ملازم الاشتغال مدة سنة وصنف في علوم الحديث كتابا نافعا وكذلك في مناسك ~~الحج فيه أشياء حسن يحتاج الناس إليها وهو مبسوط وله إشكالات على كتاب ~~الوسيط في الفقه وجمع بعض أصحابه فتاويه في مجلد ولم يزل أمره جاريا على ~~ساداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت ~~الصبح وصلي عليه بعد الظهر وهو الخامس والعشرون ن شهر ربيع الآخر سنة ثلاث ~~وأربعين وستمائة بدمشق ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر رحمه الله تعالى ~~ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة بشرخان 108 وتوفي والده الصلاح ليلة الخميس ~~السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثماني عشرة وستمائة بحلب ودفن خارج باب ~~الأربعين في الموضع المعروف بالجبل بتربة الشيخ علي بن محمد الفارسي وكان ~~مولده في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة تقديرا لأنه كان لا يتحققه وتولى بحلب ~~تدريس المدرسة الأسدية المنسوبة إلى أسد الدين سيركوه بن شاذي المقدم ذكره ~~وكان قد دخل بغداد واشتغل بها واشتغل أيضا على شرف الدين بن أبي عصرون ~~المقدم ذكره والنصري بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعدها راء هذه النسبة ~~إلى جده أبي نصر المذكور وشرخان بفتح الشين المثلثة والراء والخاء المعجمة ~~وبعد الألف نون قرية من أعمال إربل قريبة من شهرزور 109 وتوفي الزكي ابن ~~رواحة المذكور يوم الثلاثاء سابع رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة بدمشق ودفن ~~في مقابر الصوفية وذكر الشهاب عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في تاريخه ~~لامرتب على لاسنين أنه مات سنة ثلاث وعشرين 110 وتوفيت ست الشام بنت أيوب ~~المذكورة في سنة ست عشرة وستمائة يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة رحمها الله ~~تعالى وروي عن تقي الدين المعروف بابن الصلاح رحمه ms0766 الله تعالى أنه قال ~~أخبرني الشيخ الصالح علي بن الرواس قدس الله روحه قال ألهمت في النوم هذه ~~الكلمات ادفع المسألة ما وجدت التجمل يمكنك فإن لكل يوم رزقا جديدا ~~والإلحاح في الطلب يذهب البهاء وما أحسن الصنيع إلى الملهوف وربما كانت ~~الغير نوعا من أدب الله تعالى والحظوظ مراتب فلا تعجل على ثمرة قبل ان تدرك ~~فإنك ستنالها في أوانها ولا تعجل في جوائجك فتضيق بها ذرعا ويغشاك القنوط ~~والله أعلم PageV03P244 # وخمسمائة تقديرا لأنه كان لا يتحققه وتولى بحلب تدريس ~~المدرسة الأسدية المنسوبة إلى أسد الدين شيركوه بن شاذي المقدم ذكره وكان ~~قد دخل بغداد واشتغل بها واشتغل أيضا على شرف الدين بن أبي عصرون المقدم ~~ذكره والنصري بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعدها راء هذه النسبة إلى ~~جده أبي نصر المذكور وشرخان بفتح الشين المثلثة والراء والخاء المعجمة وبعد ~~الألف نون قرية من أعمال إربل قريبة من شهرزور 109 وتوفي الزكي ابن رواحة ~~المذكور يوم الثلاثاء سابع رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة بدمشق ودفن في ~~مقابر الصوفية وذكر الشهاب عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في تاريخه المرتب ~~على السنين أنه مات سنة ثلاث وعشرين 110 وتوفيت ست الشام بنت أيوب المذكورة ~~في سنة ست عشرة وستمائة يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة رحمها الله تعالى ~~وروي عن تقي الدين المعروف بابن الصلاح رحمه الله تعالى أنه قال أخبرني ~~الشيخ الصالح علي بن الرواس قدس الله روحه قال ألهمت في النوم هذه الكلمات ~~ادفع المسألة ما وجدت التجمل يمكنك فإن لكل يوم رزقا جديدا والإلحاح في ~~الطلب يذهب البهاء وما أحسن الصنيع إلى الملهوف وربما كانت الغير نوعا من ~~أدب الله تعالى والحظوظ مراتب فلا تعجل على ثمرة قبل ان تدرك فإنك ستنالها ~~في أوانها ولا تعجل في حوائجك فتضيق بها ذرعا ويغشاك القنوط والله أعلم ~~PageV03P245 # 412 ابن جني أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي ~~المشهور كان إماما في علم العربية قرأ الأدب على الشيخ أبي علي الفارسي ms0767 ~~المقدم ذكره في حرف الحاء وفارقه وقعد للإقراء بالموصل فاجتاز بها شيخه أبو ~~علي فرآه في حلقته والناس حوله يشتغلون عليه فقال له زببت وأنت حصرم فترك ~~حلقته وتبعه ولازمه حتى تمهر وكان أبوه جني ملوكا روميا لسليمان بن فهد بن ~~أحمد الأزدي الموصلي وإلى هذا أشار بقوله في جملة أبيات (فإن أصبح بلا نسب ~~* فعلمي في الورى نسبي) (على أني أؤول إلى * قروم سادة نجب) (قياصرة إذا ~~نطقوا * أرم الدهر ذو الخطب) (أولاك دعا النبي لهم * كفى شرفا دعاء نبي) ~~أرم بمعنى سكت وله أشعار حسنة ويقال إنه كان أعور وفي ذلك يقول وقيل إن هذه ~~الأبيات لأبي منصور الديلمي (صدودك عني ولا ذنب لي * يدل على نية فاسده) ~~(فقد وحياتك مما بكيت * خشيت على عيني الواحدة) (ولولا مخافة أن لا أراك * ~~لما كان في تركها فائده) PageV03P246 # ورأيت له قصيدة بائية يرثي بها المتنبي ولولا طولها ~~لأتيت بها 111 وأما أبو منصور الديلمي فالمشهور عنه غير هذه التسمية وأنه ~~أبو الحسن علي بن منصور وكان أبوه من جند سيف الدولة بن حمدان وكان شاعرا ~~مجيدا خليعا وكان بفرد عين وله في ذلك أشياء مليحة فمن ذلك قوله (يا ذا ~~الذي ليس له شاهد * في الحب معروف ولا شاهده) (شواهدي عيناي إني بها * بكيت ~~حتى ذهبت واحده) (وأعجب الأشياء أن التي * قد بقيت في صحبتي زاهده) وله في ~~غلام جميل الصورة بفرد عين وقد أبدع فيه (له عين أصابت كل عين * وعين قد ~~أصابتها العيون) ولابن جني من التصانيف المفيدة في النحو كتاب الخصائص وسر ~~الصناعة والمنصف في شرح تصريف أبي عثمان المازني والتلقين في النحو ~~والتعاقب والكافي في شرح القوافي للأخفش والمذكر والمؤنث والمقصور والممدود ~~والتمام في شرح شعر الهذليين والمنهج في اشتقاق أسماء شعراء الحماسة ومختصر ~~في العروض ومختصر في القوافي والمسائل الخاطريات والتذكرة الأصبهانية ~~ومختار تذكرة أبي علي الفارسي وتهذيبها والمقتضب في المعتل العين واللمع ~~والتنبيه والمهذب والتبصرة وغير ذلك ويقال إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أخذ ms0768 ~~منه أسماء كتبه فإن له المهذب والتنبيه في الفقه واللمع والتبصرة في أصول ~~الفقه وشرح ابن جني ديوان المتنبي وسماه الفسر PageV03P247 # وكان قد قرأ الديوان على صاحبه ورأيت في شرحه قال سأل ~~شخص أبا الطيب المتنبي عن قوله (باد هواك صبرت أم لم تصبرا *) فقال كيف ~~أثبت الألف في تصبرا مع وجود لم الجازمة وكان من حقه أن يقول لم تصبر فقال ~~المتنبي لو كان أبو الفتح هاهنا لأجابك يعنيني وهذه الألف هي بدل من نون ~~التأكيد الخفيفة كان في الأصل لم تصبرن ونون التأكيد الخفيفة إذا وقف ~~الإنسان عليها أبدل منها ألفا قال الأعشى (ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا ~~*) وكان الأصل فاعبدن فلما وقف أتى بالألف بدلا وكانت ولادة ابن جني قبل ~~الثلاثين والثلثمائة بالموصل وتوفي يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة ~~اثنتين وتسعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ببغداد وجني بكسر الجيم وتشديد ~~النون وبعدها ياء 413 أبو عمرو ابن الحاجب أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي ~~بكر ابن يونس الدوني ثم المصري الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب الملقب ~~جمال الدين كان والده حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي وكان كرديا ~~واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقاهرة في صغره بالقرآن الكريم ثم بالفقه ~~على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه ثم PageV03P248 # بالعربية والقراءات وبرع في علومه وأتقنها غاية ~~الإتقان ثم انتقل إلى دمشق ودرس بجامعها في زاوية المالكية وأكب الخلق على ~~الاشتغال عليه والتزم لهم الدروس وتبحر في الفنون وكان الأغلب عليه علم ~~العربية وصنف مختصرا في مذهبه ومقدمة وجيزة في النحو وأخرى مثلها في ~~التصريف وشرح المقدمتين وله (أي غد مع يد دد ذي حروف * طاوعت في الروي وهي ~~عيون) (ودواة والحوت والنون نونات * عصتهم وأمرها مستبين) وهو جواب عن ~~البيتين المشهورين وهما (ربما عالج القوافي رجال * في القوافي فتلتوي ~~وتلين) (طاوعتهم عين وعين وعين * وعصتهم نون ونون ونون) فيعني يقوله عين ~~وعين وعين نحو غد ويد ودد فإن وزن كل منها فع إذ أصل غد ms0769 غدو ويد يدي ودد ~~ددن وبقوله نون ونون ونون الدواة والحوت والنون الذي هو الحرف وله أيضا في ~~أسماء قداح الميسر ثلاثة أبيات وهي (هي فذ وتوأم ورقيب * ثم حلس ونافس ثم ~~مسبل) (والمعلى والوغد ثم سفيح * ومنيح وذي الثلاثة تهمل) (ولكل مما عداها ~~نصيب * مثله أن تعد أول أول) PageV03P249 # وصنف في أصول الفقه وكل تصانيفه في نهاية الحسن ~~والإفادة وخالف النحاة في مواضع وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة ~~عنها وكان من أحسن خلق الله ذهنا ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها والناس ~~ملازمون للاشتغال عليه وجاءني مرارا بسبب أداء شهادات وسألته عن مواضع في ~~العربية مشكلة فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام ومن جملة ما سألته عن ~~مسألة اعتراض الشرط على الشرط في قولهم إن أكلت إن شربت فأنت طالق لم تعين ~~تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لا تطلق ~~وسألته عن بيت أبي الطيب المتنبي وهو قوله (لقد تصبرت حتى لات مصطبر * ~~فالآن أقحم حتى لات مقتحم) ما السبب الموجب لخفض مصطبر ومقتحم ولات ليست من ~~أدوات الجر فأطال الكلام فيهما وأحسن الجواب عنهما ولولا التطويل لذكرت ما ~~قاله ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها فلم تطل مدته هناك وتوفي بها ~~ضاحي نهار الخميس السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة ودفن ~~خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شامة وكان مولده في آخر سنة ~~سبعين وخمسمائة بأسنا رحمه الله تعالى وأسنا بفتح الهمزة وسكون السين ~~المهملة وفتح النون وبعدها ألف وهي بليدة صغيرة من الأعمال القوصية بالصعيد ~~الأعلى من مصر PageV03P250 # 414 الملك العزيز ابن صلاح الدين الملك العزيز عماد ~~الدين أبو الفتح عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب كان نائبا عن ~~أبيه في الديار المصرية لما كان أبوه بالشام وتوفي أبوه بدمشق فاستقل ~~بملكتها باتفاق من الأمراء كما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه وكان ملكا ~~مباركا كثير الخير واسع الكرم محسنا إلى الناس معتقدا ms0770 في أرباب الخير ~~والصلاح وسمع بالإسكندرية الحديث من الحافظ السلفي والفقيه أبي الطاهر ابن ~~عوف الزهري وسمع بمصر من العلامة أبي محمد ابن بري النحوي وغيرهم ويقال إن ~~والده كان يؤثره على بقية أولاده ولما ولد له الملك المنصور ناصر الدين ~~محمد كان والده بالشام والقاضي الفاضل بالقاهرة فكتب إليه يهنئه المملوك ~~يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر دام رشده وإرشاده وزاد سعده ~~وإسعاده وكثرت أولياؤه وعبيده وأعداده واشتد بأعضاده فيهم اعتضاده وانمى ~~الله عدده حتى يقال هذا آدم الملوك وهذه أولاده وينهى أن الله تعالى وله ~~الحمد رزق الملك العزيز عز نصره ولدا مباركا عليا ذكرا سريا برا زكيا تقيا ~~نقيا من ذرية كريمة بعضها من بعض وبيت شريف كادت ملوكه تكون ملائكة في ~~السماء وممالكيه ملوكا في الأرض وكانت ولادة الملك العزيز بالقاهرة في ثامن ~~جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة وكان قد توجه إلى الفيوم فطرد فرسه ~~وراء صيد فتقطر به فأصابته الحمى من ذلك وحمل إلى القاهرة فتوفي بها في ~~الساعة السابعة من ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين ~~وخمسمائة رحمه الله تعالى PageV03P251 # نقلت من خط القاضي الفاضل فصلا يتعلق بالملك العزيز بن ~~صلاح الدين رحمه الله تعالى ما مثاله لما كان يوم السبت تاسع عشر المحرم ~~سنة خمس وتسعين وخمسمائة اشتد المرض بالملك العزيز وخيف عليه وأدركه في ~~ليلته فواق وأخذ نبضه في الضعف وأصبح الطبيب على إياس منه ثم لما كان وقت ~~الظهر وقعت البشرى أنه أفاق وحضر ذهنه وكلم من حوله وحضر إليه الأمراء ~~والخواص ثم قال بعد ذلك إلى أن كان وقت العتمة من ليلة الأحد فبدت قوته ~~تخور والفواق يشتد وبغته الأمر وعظمت الحمى وصغر النبض وكثر عليه الغشي ~~وكانت وفاته في الساعة السابعة من ليلة الأحد ولما كان في آخر الليل خرج ~~فخر الدين جهاركس وأسد الدين سراسنقر وجماعة من المماليلك واستدعوا الأمراء ~~فأحضرت وأعلمت بوفاته وقال المذكورون إنا قد اجتمعت كلمتنا على أن يكون ولد ms0771 ~~العزيز الأكبر وتقدير عمره عشر سنين واسمه محمد ولقبه ناصر الدين المنتصب ~~في السلطنة والقائم بالأمر وأن يكون أتابكه بهاء الدين قراقوش وقالوا قد ~~كان السلطان استناب هذا الولد واستخلف على تربيته قراقوش ونريد أن يجتمع ~~الأمراء ويخرج الخدام يبلغونهم رسالة عن السلطان وأنه حي ومعنى الرسالة أن ~~هذا ولدي سلطانكم من بعدي فاحلفوا له واحفظوني فيه فقلت لهم فإن طالبكم ~~الأمراء بسماع هذه المشافهة من السلطان ما الذي تقولون لهم فرجعوا إلى أن ~~يخاطبوا الأمراء إذا حضروا بأن السلطان وصى بهذه الوصية وأنه قد قضى ~~ويدخلون عليهم من جانب الموافاة لجد هذا الصبي وأبيه فقلت لهم لا تنتظروا ~~اجتماع الأمراء فإنهم إن حضروا جملة فلا تأمنوا أن يمتنعوا جملة بل كل من ~~حضر من الأمراء تقولون له قد اتفقنا فكن معنا وقد حلفنا فاحلف كما حلفنا ~~وقدموا المصحف وأسرعوا في تلقينه فجرى الأمر على هذا فلما تكامل الحلف أو ~~أكثره أحضروا الولد فبكى الناس لما رأوه وصاحوا وقاموا إليه ووقفوا بين ~~يديه جميع ذلك قبل أن يسفر صباح الأحد ثم صليت فريضة الفجر وشرعوا في تجهيز ~~الملك العزيز إلى قبره وغسل في مكان موته واجتمع الناس فيما بين الظهر ~~والعصر للصلاة عليه وكثر الزحام وقامت الواعية فلم يخلص PageV03P252 # من دفنه إلى قريب المغرب وخوطب ولده بالملك الناصر ~~بلقب جده في هذا اليوم ولما مات كتب القاضي الفاضل إلى عمه الملك العادل ~~رسالة يعزيه من جملتها فنقول في توديع النعمة بالملك العزيز لا حول ولا قوة ~~إلا بالله قول الصابرين ونقول في استقبالها بالملك العادل الحمد لله رب ~~العالمين قول الشاكرين وقد كان من أمر هذه الحادثة ما قطع كل قلب وجلب كل ~~كرب ومثل وقوع هذه الواقعة لكل أحد ولا سيما لأمثال المملوك ومواعظ الموت ~~بليغة وأبلغها ما كان في شباب الملوك فرحم الله ذلك الوجه ونضره ثم السبيل ~~إلى الجنة يسره (وإذا محاسن أوجه بليت * فعفا الثرى عن وجهه الحسن) ~~والمملوك في حال تسطير هذه الخدمة جامع بين ms0772 مرضي قلب وجسد ووجع أطراف وغليل ~~كبد فقد فجع المملوك بهذا المولى والعهد بوالده غير بعيد والأ سى في كل يوم ~~جديد وما كان ليندمل ذلك القرح حتى أعقبه هذا الجرح فالله تعالى لا يعدم ~~المسلمين بسلطانهم الملك العادل السلوة كما لم يعدمهم بنبيهم صلى الله عليه ~~وسلم الأسوة ودفن بالقرافة الصغرى في قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه ~~وقبره معروف هناك PageV03P253 # 415 عدي الهكاري الشيخ عدي بن مسافر بن إسماعيل بن ~~موسى بن مروان بن الحسن بن مروان كذا أملى نسبه بعض ذوي قرابته الهكاري ~~مسكنا العبد الصالح المشهور الذي تنسب إليه الطائفة العدوية سار ذكره في ~~الآفاق وتبعه خلق كثير وجاوز حسن اعتقادهم فيه الحد حتى جعلوه قبلتهم التي ~~يصلون إليها وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها وكان قد صحب جماعة كثيرة ~~من أعيان المشايخ والصلحاء المشاهير مثل عقيل المنبجي وحماد الدباس وأبي ~~النجيب عبد القاهر السهروردي وعبد القادر الجيلي وأبي الوفاء الحلواني ثم ~~انقطع إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل وبنى له هناك زاوية ومال إليه أهل ~~تلك النواحي كلها ميلا لم يسمع لأرباب الزوايا مثله وكان مولده في قرية ~~يقال لها بيت فار من أعمال بعلبك والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن وتوفي ~~الشيخ سنة سبع وقيل خمس وخمسين وخمسمائة في بلده بالهكارية ودفن بزاويته ~~رحمه الله تعالى وقبره عندهم من المزارات المعدودة والمشاهد المقصودة ~~وحفدته إلى الآن بموضعه يقيمون شعاره ويقتفون آثاره والناس معهم على ما ~~كانوا عليه زمن الشيخ من جميل الاعتقاد وتعظيم الحرمة وذكره أبو البركات ~~ابن المستوفي في تاريخ إربل وعده من جملة الواردين على إربل وكان مظفر ~~الدين صاحب إربل رحمه الله تعالى يقول رأيت PageV03P254 # الشيخ عدي بن مسافر وأنا صغير بالموصل وهو شيخ ربعة ~~أسمر اللون وكان يحكي عنه صلاحا كثيرا وعاش الشيخ عدي تسعين سنة رحمه الله ~~تعالى 416 عروة بن الزبير أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد ~~بن أسد بن عبد العزى ابن ms0773 قصي بن كلاب القرشي الأسدي وبقية النسب معروف هو ~~أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وقد تقدم ذكر خمسة منهم كل واحد في بابه وأبوه ~~الزبير ابن العوام أحد الصحابة العشرة المشهود لهم بالجنة وهو ابن صفية عمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأم عروة المذكور أسماء بنت أبي برك الصديق رضي ~~الله عنه وهي ذات النطاقين وإحدى عجائز الجنة وعروة شقيق أخيه عبد الله ابن ~~الزبير بخلاف أخيهما مصعب فإنه لم يكن من أمهما وقد وردت عنه الرواية في ~~حروف القرآن وسمع خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وروى عنه ابن شهاب ~~الزهري وغيره وكان عالما صالحا وأصابته الأكلة في رجله وهو بالشام عند ~~الوليد بن عبد الملك فقطعت رجله في مجلس الوليد والوليد مشغول عنه بمن ~~يحدثه فلم يتحرك ولم يشعر الوليد انها قطعت حتى كويت فوجد رائحة الكي هكذا ~~قال ابن قتيبة في كتاب المعارف ولم يترك ورده تلك الليلة ويقال إنه مات ~~ولده محمد في تلك السفرة فلما عاد إلى PageV03P255 # المدينة قال * (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) * وعاش ~~بعد قطع رجله ثماني سين وذكر أبو العباس المبرد في كتاب التعازي ما مثاله ~~وقال إسحاق بن أيوب وعامر بن حفص وسلمة بن محارب قدم عروة بن الزبير على ~~الوليد بن عبد الملك ومعه ولده محمد بن عروة فدخل محمد دار الدواب فضربته ~~دابة فخر ميتا ووقعت في رجل عروة الأكلة ولم يدع ورده تلك الليلة فقال له ~~الوليد اقطعها فقال لا فسرت إلى ساقه فقال له الوليد اقطعها وإلا أفسدت ~~عليك جسدك فقطعها بالمنشار وهو شيخ كبير ولم يمسكه أحد وقال * (لقد لقينا ~~من سفرنا هذا نصبا) * وقدم تلك السنة قوم من بني عبس فيهم رجل ضرير فسأله ~~الوليد عن عينيه فقال يا أمير المؤمنين بت ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسيا ~~يزيد ماله على مالي فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير ~~وصبي مولود وكان البعير صعبا فند فوضعت الصبي ms0774 واتبعت البعير فلم أجاوز إلا ~~قليلا حتى سمعت صيحة ابني ورأسه في فم الذئب وهو يأكله فلحقت البعير لأحبسه ~~فنفحني برجله على وجهي فحطمه وذهب بعيني فأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ~~ولا بصر فقال الوليد انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه ~~بلاء وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة فقال له والله ما بك حاجة ~~إلى المشي ولا أرب في السعي وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى ~~الجنة والكل تبع للبعض إن شاء الله تعالى وقد أبقى الله لنا منك ما كنا ~~إليه فقراء وعنه غير أغنياء من علمك ورأيك نفعك الله وإيانا به والله ولي ~~ثوابك والضمين بحسابك وحكى سعيد بن أسد قال حدثنا ضمرة عن ابن شوذب قال كان ~~عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحتملون ~~وكان إذا دخله ردد هذه الآية فيه * (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله) * حتى يخرج منه وكان يقرأ PageV03P256 # ربع القرآن كل يوم نظرا في المصحف ويقوم به الليل فما ~~تركه إلا ليلة قطعت رجله ثم عاد من الليلة المقبلة وقال ابن قتيبة وغيره ~~لما دعي الجزار ليقطعها قال له نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألما فقال لا ~~أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية قالوا فنسقيك المرقد قال ما أحب أن ~~أسلب عضوا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه قال ودخل عليه قوم أنكرهم ~~فقال ما هؤلاء قالوا يمسكونك فإن الألم ربما عزب معه الصبر قال أرجو أن ~~أكفيكم ذلك من نفسي فقطعت كعبه بالسكين حتى إذا بلغ العظم وضع عليها ~~المنشار فقطعت وهو يهلل ويكبر ثم إنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد فحسم ~~به فغشي عليه فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه ولما رأى القدم بأيديهم دعا بها ~~فقبلها في يده ثم قال أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ms0775 ما مشيت بك إلى ~~حرام أو قال معصية ولما دخل ابنه إصطبل الوليد بن عبد الملك وقتلته الدابة ~~كما تقدم لم يسمع في ذلك منه شيء حتى قدم المدينة فقال اللهم إنه كان لي ~~أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد وأيم الله لئن أخذت لقد ~~أبقيت ولئن ابتليت لطالما عافيت ولما قتل أخوه عبد الله قدم عروة على عبد ~~الملك بن مروان فقال له يوما أريد أن تعطيني سيف أخي عبد الله فقال له هو ~~بين السيوف ولا أميزه من بينها فقال عروة إذا حضرت السيوف ميزته أنا فأمر ~~عبد الملك بإحضارها فلما حضرت أخذ منها سيفا مفلل الحد فقال هذا سيف أخي ~~فقال عبد الملك كنت تعرفه قبل الآن فقال لا فقال كيف عرفته قال بقول ~~النابغة الذبياني (ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب) ~~وعروة هذا هو الذي احتفر بئر عروة التي بالمدينة وهي منسوبة إليه وليس ~~بالمدينة بئر أعذب من مائها PageV03P257 # وكانت ولادته سنة اثنتين وعشرين وقيل ست وعشرين للهجرة ~~وتوفي في قرية له بقرب المدينة يقال لها فرع بضم الفاء وسكون الراء وهي من ~~ناحية الربذة بينها وبين المدينة أربع ليال وهي ذات نخيل ومياه سنة ثلاث ~~وتسعين وقيل أربع وتسعين ودفن هناك قاله ابن سعد وهي سنة الفقهاء رضي الله ~~عنهم وسيأتي ذكر ولده هشام إن شاء الله تعالى وذكر العتبي أن المسجد الحرام ~~جمع بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير وأخويه مصعب وعروة المذكور ~~أيام تألفهم بعهد معاوية بن أبي سفيان فقال بعضهم هلم فلنتمنه فقال عبد ~~الله بن الزبير منيتي أن أملك الحرمين وأنال الخلافة وقال مصعب منيتي أن ~~أملك العراقين وأجمع بين عقيلتي قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة ~~وقال عبد الملك بن مروان منيتي أن أملك الأرض كلها وأخلف معاوية فقال عروة ~~لست في شيء مما أنتم فيه منيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة ~~وأن أكون ممن يروى ms0776 عنه هذا العلم قال فصرف الدهر من صرفه إلى أن بلغ كل ~~واحد منهم إلى أمله وكان عبد الملك لذلك يقول من سره أن ينظر إلى رجل من ~~أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير 417 ركن الدين الطاوسي أبو الفضل ~~العراقي بن محمد العراقي القزويني الملقب ركن الدين المعروف بالطاوسي كان ~~إماما فاضلا مناظرا محجابا قيما بعلم الخلاف ماهرا فيه PageV03P258 # اشتغل به على الشيخ رضي الدين النيسابوري الحنفي صاحب ~~الطريقة في الخلاف وبرز فيه وصنف ثلاث تعاليق في الخلاف مختصرة وثانية ~~وثالثة مبسوطة واجتمع عليه الطلبة بمدينة همذان وقصوده من البلاد البعيدة ~~والقريبة للاستفادة عليه وعلقوا تعاليقه وبنى له الحاجب جمال الدين بهمذان ~~مدرسة تعرف بالحاجبية وطريقته الوسطى أحسن من طريقتيه الأخريين لأن فقهها ~~كثير وفوائدها جمة وأكثر اشتغال الناس في هذا الزمان بها واشتهر صيته في ~~البلاد وحملت طريقته إليها وتوفي بهمذان في رابع عشر جمادى الآخرة سنة ~~ستمائة رحمه الله تعالى ولم أعلم نسبة الطاوسي إلى أي شيء ولا ذكرها ~~السمعاني والله أعلم وسمعت جماعة من الفقهاء من أهل بلاده يقولون إن في ~~قزوين خلقا كثيرا ينتسبون هذه النسبة ويزعمون أنهم من نسل طاوس بن كيسان ~~التابعي المذكور قبل هذا فلعله منهم والله أعلم 418 شيذلة أبو المعالي ~~عزيزي بن عبد الملك بن منصور الجيلي المعروف بشيذلة الفقيه الشافعي الواعظ ~~كان فقيها فاضلا واعظا ماهرا فصيح اللسان حلو العبارة PageV03P259 # كثير المحفوظات صنف في الفقه وأصول الدين والوعظ وجمع ~~كثيرا من أشعار العرب وتولى القضاء بمدينة بغداد بباب الأزج وكانت في ~~أخلاقه حدة وسمع الحديث الكثير من جماعة كثيرة وكان يتظاهر بمذهب الأشعري ~~ومن كلامه إنما قيل لموسى عليه السلام * (لن تراني) * لأنه لما قيل له * ~~(انظر إلى الجبل) * نظر إليه فقيل له يا طالب النظر إلينا لم تنظر إلى ~~سوانا (يا مدعي بمقاله * صدق المحبة والإخاء) (لو كنت تصدق في المقال * لما ~~نظرت إلى سوائي) (فسلكت سبل محبتي * واخترت غيري في الصفاء) (هيهات أن يحوي ~~الفؤاد * محبتين ms0777 على استواء) وقال أنشدني والدي عند خروجه من بغداد للحج ~~(مددت إلى التوديع كفا ضعيفة * وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي) (فلا كان هذا ~~العهد آخر عهدنا * ولا كان ذا التوديع آخر زادي) وتوفي يوم الجمعة سابع عشر ~~صفر سنة أربع وتسعين وأربعمائة ببغداد ودفن بباب أبرز محاذيا للشيخ أبي ~~إسحاق الشيرازي رحمهما الله تعالى وعزيزي بفتح العين المهملة وزايين بينهما ~~ياء مثناة من تحتها وهي ساكنة وبعد الزاي الثانية ياء ثانية وشيذلة بفتح ~~الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الذال المعجمة واللام ~~وبعدها هاء ساكنة وهو لقب عليه ولا أعرف معناه مع كثرة كشفي عنه ~~PageV03P260 # 419 عطاء بن أبي رباح أبو محمد عطاء بن أبي رباح أسلم ~~وقيل سالم بن صفوان مولى بني فهر أو جمح المكي وقيل إنه مولى أبي ميسرة ~~الفهري من مولدي الجند كان من أجلاء الفقهاء وتابعي مكة وزهادها سمع جابر ~~بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وخلقا كثيرا ~~من الصحابة رضوان الله عليهم وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وقتادة ومالك ~~بن دينار والأعمش والأوزاعي وخلق كثير رحمهم الله تعالى وإليه وإلى مجاهد ~~انتهت فتوى مكة في زمانهما قال قتادة أعلم الناس بالمناسك عطاء وقال ~~إبراهيم بن عمر ابن كيسان أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحج صائحا ~~يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح وإياه عنى الشاعر بقوله (سل ~~المفتي المكي هل في تزاور * وضمة مشتاق الفؤاد جناح) (فقال معاذ الله أن ~~يذهب التقى * تلاصق أكباد بهن جراح) فلما بلغه البيتان قال والله ما قلت ~~شيئا من هذا وحكي عن وكيع قال قال لي أبو حنيفة النعمان بن ثابت أخطأت في ~~خمسة أبواب من المناسك بمكة فعلمنيها حجام وذلك أني أردت أن أحلق ~~PageV03P261 # رأسي فقال لي أعربي أنت قلت نعم وكنت قد قلت له بكم ~~تحلق رأسي فقال النسك لا يشارط فيه اجلس فجلست منحرفا عن القبلة فأومأ لي ~~باستقبال القبلة وأردت أن ms0778 أحلق رأسي من الجانب الأيسر فقال أدر شقك الأيمن ~~من رأسك فأدرته وجعل يحلق رأسي وأنا ساكت فقال لي كبر فجعلت أكبر حتى قمت ~~لأذهب فقال أين تريد قلت رحلي فقال صل ركعتين ثم امض فقلت ما ينبغي أن يكون ~~هذا من مثل هذا الحجام إلا ومعه علم فقلت من أين لك ما رأيتك أمرتني به ~~فقال رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا وحكي عن خليفة بن سلام عن يونس قال ~~سمعت الحسن البصري ذات يوم في مجلسه يقول اعتبروا من المنافق بثلاث إن حدث ~~كذب وإن اؤتمن خان وإن وعد أخلف فبلغ ذلك عطاء فقال قد كانت هذه الخلال ~~الثلاث في ولد يعقوب حدثوه فكذبوه وائتمنهم فخانوه ووعدوه فأخلفوه فأعقبهم ~~الله النبوة فبلغ الحسن فقال * (وفوق كل ذي علم عليم) * ونقل أصحابنا عن ~~مذهبه أنه كان يرى إباحة وطء الجواري بإذن أربابهم وحكى أبو الفتوح العجلي ~~المقدم ذكره في حرف الهمزة في كتاب شرح مشكلات الوسيط والوجيز في الباب ~~الثالث من كتاب الرهن ما مثاله وحكي عن عطاء أنه كان يبعث بجواريه إلى ~~ضيفانه والذي أعتقد أنا أن هذا بعيد فإنه ولو رأى الحل لكن المروءة والغيرة ~~تأبى ذلك فكيف يظن هذا بمثل ذلك السيد الإمام ولم أذكره إلا لغرابته وكان ~~أسود أعور أفطس أشل أعرج ثم عمي مفلفل الشعر قال سليمان ابن رفيع دخلت ~~المسجد الحرام والناس مجتمعون على رجل فاطلعت فإذا عطاء ابن أبي رباح جالس ~~كأنه غراب أسود توفي سنة خمس عشرة ومائة وقيل أربع عشرة ومائة وعمره ثمان ~~وثمانون PageV03P262 # سنة رضي الله عنه وقال ابن أبي ليلى حج عطاء سبعين حجة ~~وعاش مائة سنة والله أعلم ورباح بفتح الراء والباء الموحدة وأسلم بفتح ~~الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام وفهر بكسر الفاء وسكون الهاء وبعدها ~~راء وجمح بضم الجيم وفتح الميم وبعدها حاء مهملة والباقي معلوم والجند بفتح ~~الجيم والنون وبعدها دال مهملة وهي بلدة مشهورة باليمن خرج منها جماعة من ~~العلماء رحمهم الله ms0779 تعالى 420 المقنع الخراساني المقنع الخراساني اسمه عطاء ~~ولا أعرف اسم أبيه وقيل اسمه حكيم والأول أشهر وكان في مبدأ أمره قصارا من ~~أهل مرو وكان يعرف شيئا من السحر والنيرجات فادعى الربوبية من طريق ~~المناسخة وقال لأشياعه والذين اتبعوه إن الله سبحانه وتعالى تحول إلى صورة ~~آدم ولذلك قال للملائكة اسجدوا له فسجدوا إلا إبليس فاستحق بذلك السخط ثم ~~تحول من آدم إلى صورة نوح عليه السلام ثم إلى صورة واحد فواحد من الأنبياء ~~عليهم السلام والحكماء حتى حصل في صورة أبي مسلم الخراساني المقدم ~~PageV03P263 # ذكره ثم زعم أنه انتقل إليه منه فقبل قوم دعواه وعبدوه ~~وقاتلوا دونه مع ما عاينوا من عظيم ادعائه وقبح صورته لأنه كان مشوه الخلق ~~أعور ألكن قصيرا وكان لا يسفر عن وجهه بل اتخذ وجها من ذهب فتقنع به فلذلك ~~قيل له المقنع وإنما غلب على عقولهم بالتمويهات التي أظهرها لهم بالسحر ~~والنيرجات وكان في جملة ما أظهر لهم صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة ~~شهرين من موضعه ثم يغيب فعظم اعتقادهم فيه وقد ذكر أبو العلاء المعري هذا ~~القمر في قوله (أفق إنما البدر المقنع رأسه * ضلال وغي مثل بدر المقنع) ~~وهذا البيت من جملة قصيدة طويلة وإليه أشار أبو القاسم هبة الله بن سناء ~~الملك الشاعر الآتي ذكره في جملة قصيدة طويلة بقوله (إليك فما بدر المقنع ~~طالعا * بأسحر من ألحاظ بدر المعمم) ولما اشتهر أمر المقنع وانتشر ذكره ثار ~~عليه الناس وقصدوه في قلعته التي كان اعتصم بها وحصروه فلما أيقن بالهلاك ~~جمع نساءه وسقاهن سما فمتن منه ثم تناول شربة من ذلك السم فمات ودخل ~~المسلمون قلعته فقتلوا من فيها من أشياعه وأتباعه وذلك في سنة ثلاث وستين ~~ومائة لعنه الله تعالى ونعوذ بالله من الخذلان قلت ولم أر أحدا ذكر هذه ~~القلعة وأين هي حتى أذكرها ثم رأيت في كتاب الشهاب ياقوت الحموي الآتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى الذي وضعه في معرفة المواضع المشتركة فقال في ms0780 باب سنام ~~بفتح السين إنها أربعة مواضع والموضع الرابع منها سنام قلعة عمرها المقنع ~~الخارجي بما وراء النهر PageV03P264 # والله أعلم والظاهر أنها هذه القلعة ثم وجدت في أخبار ~~خراسان أنها هي وأنها من رستاق كش والله أعلم 421 عكرمة أبو عبد الله عكرمة ~~بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أصله من البربر من أهل ~~المغرب كان لحصين بن الحر العنبري فوهبه لابن عباس رضي الله عنهما حين ولي ~~البصرة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن ~~والسنن وسماه بأسماء العرب حدث عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد ~~الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري والحسن بن علي وعائشة ~~رضي الله عنهم وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها وكان ينتقل من بلد إلى بلد روي ~~أن ابن عباس قال له انطلق فأفت الناس وقيل لسعيد بن جبير هل تعلم أحدا أعلم ~~منك قال عكرمة وقد تكلم الناس فيه لأنه كان يرى رأي الخوارج وروى عن جماعة ~~من الصحابة رضي الله عنهم وروى عنه الزهري وعمرو ابن دينار والشعبي وأبو ~~إسحاق السبيعي وغيرهم ومات مولاه ابن عباس وعكرمة على الرق ولم يعتقه فباعه ~~ولده علي بن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار ~~فأتى عكرمة وملاه عليا فقال له ما خير لك بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار ~~فاستقاله فأقاله وأعتقه وقال عبد الله بن الحارث دخلت على علي بن عبد الله ~~بن عباس وعكرمة موثق على باب PageV03P265 # كنيف فقلت أتفعلون هذا بمولاكم فقال إن هذا يكذب على ~~أبي وتوفي عكرمة في سنة سبع ومائة وقيل سنة ست وقيل أربع وقيل سنة خمس وقيل ~~سنة خمس عشرة والله أعلم وعمره ثمانون وقيل أربع وثمانون سنة وروى محمد بن ~~سعد عن الواقدي عن خالد بن القاسم البياضي قال مات عكرمة وكثير عزة الشاعر ~~في يوم واحد سنة خمس ومائة فرأيتهما ms0781 جميعا صلي عليهما في موضع الجنائز بعد ~~الظهر فقال الناس مات أفقه الناس وأشعر الناس رحمهما الله تعالى وكان ~~موتهما بالمدينة وقيل إن عكرمة مات بالقيروان والأول أصح وكان عكرمة كثير ~~التطواف والجولان في البلاد دخل خراسان وأصبهان ومصر وغيرها من البلاد ~~وعكرمة بكسر العين المهملة وسكون الكاف وكسر الراء وفتح الميم وبعدها هاء ~~ساكنة وهو في الأصل اسم الحمامة الأنثى فسمي به الإنسان وعمارة بن حمزة ~~مولى المنصور الموصوف بالتيه من أولاده وقال الخطيب البغدادي هو ابن ابنة ~~عكرمة المذكور والله أعلم 422 زين العابدين أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين المعروف بزين العابدين ويقال له علي ~~الأصغر وليس للحسين رضي الله عنه PageV03P266 # عقب إلا من ولد زين العابدين هذا وهو أحد الأئمة ~~الاثني عشر ومن سادات التابعين قال الزهري ما رأيت قرشيا أفضل منه وأمه ~~سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس وهي عمة أم يزيد بن الوليد الأموي المعروف ~~بالناقص وكان قتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان لما تتبع دولة الفرس وقتل ~~فيروز بن يزدجرد المذكور بعث بابنتيه إلى الحجاج بن يوسف الثقفي المقدم ~~ذكره وكان يومئذ أمير العراق وخراسان وقتيبة نائبه بخراسان فأمسك الحجاج ~~إحدى البنتين لنفسه وأرسل الأخرى إلى الوليد بن عبد الملك فأولدها يزيد ~~الناقص واسمها شاه فريذ وسمي بالناقص لأنه نقص أعطية الجند وكان يقال لزين ~~العابدين ابن الخيرتين لقوله صلى الله عليه وسلم (لله تعالى من عباده ~~خيرتان فخيرته من العرب قريش ومن العجم فارس) وذكر أبو القاسم الزمخشري في ~~كتاب ربيع الأبرار أن الصحابة رضي الله عنهم لما أتوا المدينة بسبي فارس في ~~خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد فباعوا ~~السبايا وأمر عمر ببيع بنات يزدجرد أيضا فقال له علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهم من بنات السوقة فقال كيف الطريق ~~إلى العمل معهن قال يقومن ومهما بلغ ثمنهن قام ms0782 به من يختارهن فقومن وأخذهن ~~علي رضي الله عنه فدفع واحدة لعبد الله بن عمر وأخرى لولده الحسين وأخرى ~~لمحمد بن أبي بكر الصديق وكان ربيبه رضي الله عنهم أجمعين فأولد عبد الله ~~أمته ولدا سالما وأولد الحسين زين العابدين وأولد محمد ولده القاسم فهؤلاء ~~الثلاثة بنو خالة وأمهاتهم بنات يزدجرد وحكى المبرد في كتاب الكامل ما ~~مثاله يروى عن رجل من قريش لم يسم لنا قال كنت أجالس سعيد بن المسيب فقال ~~لي يوما من أخوالك PageV03P267 # فقلت له أمي فتاة فكأني نقصت من عينه فأمهلت حتى دخل ~~سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم فلما خرج من عنده قلت يا ~~عم من هذا فقال سبحان الله أتجهل مثل هذا من قومك هذا سالم بن عبد الله بن ~~عمر بن الخطاب قلت فمن أمه قال فتاة قال ثم أتاه القاسم ابن محمد بن أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه فجلس عنده ثم نهض قلت يا عم من هذا فقال أتجهل من ~~أهلك مثله ما أعجب هذا هذا القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق قلت فمن أمه ~~قال فتاة قال فأمهلت شيئا حتى جاءه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه فسلم عليه ثم نهض فقلت يا عم من هذا قال هذا الذي لا يسع مسلما أن ~~يجهله هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقلت من أمه قال ~~فتاة فقلت يا عم رأيتني نقصت في عينك لما علمت أن أمي فتاة أفما لي في ~~هؤلاء أسوة قال فجللت في عينه جدا وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات ~~الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسن والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ~~ففاقوا أهل المدينة فقها وورعا فرغب الناس في السراري وكان زين العابدين ~~كثير البر بأمه حتى قيل له إنك أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل معها في ~~صحفة فقال أخاف أن تسبق يدي إلى ما ms0783 سبقت إليه عينها فأكون قدعققتها وهذا ضد ~~قصة أ بي المخش مع ابنه فإنه قال كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز ~~كفا كأنها طلعة في ذراع كأنه جمارة فما تقع عينها على لقمة نفيسة إلا خصتني ~~بها فزوجتها فصار يجلس معي على المائدة ابن لي فيبرز كفا كأنها كرنافة في ~~ذراع كأنه كربة PageV03P268 # فوالله ما تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها ~~وحكى ابن قتيبة في كتاب المعارف أن أم زين العابدين سندية يقال لها سلافة ~~ويقال غزالة والله أعلم بالصواب وأنه زوجها بعد أبيه بزبيد مولى أبيه وأعتق ~~جارية له وتزوجها فكتب إليه عبد الملك بن مروان يعيره ذلك فكتب إليه زين ~~العابدين لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقد أعتق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب وتزوجها وأعتق زيد بن حارثة وزوجه بنت عمته ~~زينب بنت جحش وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تحصر وكانت ولادته ~~يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثمان وثلاثين للهجرة وتوفي سنة أربع وتسعين ~~وقيل تسع وتسعين وقيل اثنتين وتسعين للهجرة بالمدينة ودفن في البقيع في قبر ~~عمه الحسن ابن علي رضي الله تعالى عنه في القبة التي فيها قبر العباس رضي ~~الله عنه 423 علي الرضا أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ~~بن محمد الباقر بن علي زين العابدين المذكور قبله وهو أحد الأئمة الاثني ~~عشر على اعتقاد الإمامية وكان المأمون قد زوجه ابنته أم حبيب في سنة اثنتين ~~ومائتين وجعله ولي عهده وضرب اسمه على الدينار والدرهم وكان السبب في ذلك ~~أنه استحضر أولاد العباس الرجال منهم والنساء وهو بمدينة مرو من بلاد ~~خراسان وكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين الكبار والصغار واستدعى عليا ~~المذكور فأنزله PageV03P269 # أحسن منزلة وجمع خواص الأولياء وأخبرهم أنه نظر في ~~أولاد العباس وأولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فلم يجد في وقته أحدا ~~أفضل ولا أحق بالأمر ms0784 من علي الرضا فبايعه وأمر بإزالة السواد من اللباس ~~والأعلام ونمي الخبر إلى من بالعراق من أولاد العباس فعلموا أن في ذلك خروج ~~الأمر عنهم فخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي المقدم ذكره وهو عم ~~المأمون وذلك يوم الخميس لخمس خلون من المحرم سنة اثنتين وقيل سنة ثلاث ~~ومائتين والشرح في ذلك يطول والقصة مشهورة وقد اختصرته في ترجمة إبراهيم بن ~~المهدي وكانت ولادة علي الرضا يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثلاث وخمسين ~~ومائة بالمدينة وقيل بل ولد سابع شوال وقيل ثامنه وقيل سادسه سنة إحدى ~~وخمسين ومائة وتوفي في آخر يوم من صفر سنة اثنتين ومائتين وقيل بل توفي ~~خامس ذي الحجة وقيل ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين بمدينة طوس وصلى ~~عليه المأمون ودفنه ملاصق قبر أبيه الرشيد وكان سبب موته أنه أكل عنبا ~~فأكثر منه وقيل بل كان مسموما فاعتل منه ومات رحمه الله تعالى وفيه يقول ~~أبو نواس (قيل لي أنت أحسن الناس طرا * في فنون من الكلام النبيه) (لك من ~~جيد القريض مديح * يثمر الدر في يدي مجتنيه) (فعلام تركت مدح ابن موسى * ~~والخصال التي تجمعن فيه) (قلت لا أستطيع مدح إمام * كان جبريل خادما لأبيه) ~~وكان سبب قوله هذه الأبيات أن بعض أصحابه قال له ما رأيت أوقح منك ما تركت ~~خمرا ولا طردا ولا معنى إلا قلت فيه شيئا وهذا علي بن موسى الرضا في عصرك ~~لم تقل فيه شيئا فقال والله ما تركت ذلك إلا PageV03P270 # إعظاما له وليس قدر مثلي أن يقول في مثله ثم أنشد بعد ~~ساعة هذه الأبيات وفيه يقول أيضا وله ذكر في شذورالعقود في سنة إحدى أو ~~اثنتين ومائتين (مطهرون نقيات جيوبهم * تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا) (من ~~لم يكن علويا حين تنسبه * فما له في قديم الدهر مفتخر) (الله لما برا خلقا ~~فأتقنه * صفاكم واصطفاكم أيها البشر) (فأنتم الملأ الأعلى وعندكم * علم ~~الكتاب وما جاءت به السور) وقال المأمون يوما لعلي بن موسى الرضا المذكور ms0785 ~~ما يقول بنو أبيك في جدنا العباس بن عبد المطلب فقال ما يقولون في رجل فرض ~~الله طاعة بنيه على خلقه وفرض طاعته على بنيه فأمر له بألف ألف درهم وكان ~~قد خرج أخوه زيد بن موسى بالبصرة على المأمون وفتك بأهلها فأرسل إليه ~~المأمون أخاه عليا المذكور يرده عن ذلك فجاءه وقال له ويلك يا زيد فعلت ~~بالمسلمين بالبصرة ما فعلت وتزعم أنك ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والله لأشد الناس عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم يا زيد ~~ينبغي لمن أخذ برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطي به فبلغ كلامه ~~المأمون فبكى وقال هكذا ينبغي أن يكون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قلت وآخر هذا الكلام مأخوذ من كلام علي زين العابدين المقدم ذكره فقد ~~قيل إنه كان إذا سافر كتم نفسه فقيل له في ذلك فقال أنا اكره أن آخذ برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما لا أعطى به PageV03P271 # 424 أبو الحسن العسكري أبو الحسن علي الهادي بن محمد ~~الجواد بن علي الرضا المقدم ذكره وهو حفيد الذي قبله فلا حاجة إلى رفع نسبه ~~ويعرف بالعسكري وهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الإمامية كان قد سعي به إلى ~~المتوكل وقيل إن في منزله سلاحا وكتبا وغيرها من شيعته وأوهموه أنه يطلب ~~الأمر لنفسه فوجه إليه بعدة من الأتراك ليلا فهجموا عليه في منزله على غفلة ~~فوجدوه وحده في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو ~~مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ليس بينه وبين الأرض ~~بساط إلا الرمل والحصى فأخذ على الصورة التي وجد عليها وحمل إلى المتوكل في ~~جوف الليل فمثل بين يديه والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس فلما رآه ~~أعظمه وأجلسه إلى جنبه ولم يكن في منزله شيء مما قيل عنه ولا حالة يتعلق ~~عليه بها فناوله المتوكل الكأس الذي كان بيده فقال يا أمير ms0786 المؤمنين ما ~~خامر لحمي ودمي قط فأعفني منه فأعفاه وقال أنشدني شعرا أستحسنه فقال إني ~~لقليل الرواية للشعر قال لا بد أن تنشدني فأنشده (باتوا على قلل الأجبال ~~تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل) (واستنزلوا بعد عز من معاقلهم * ~~فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا) (ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرة ~~والتيجان والحلل) PageV03P272 # (أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار ~~والكلل) (فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل) (قد ~~طال ما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا) قال فأشفق ~~من حضر على علي وظن أن بادرة تبدر إليه فبكى المتوكل بكاء كثيرا حتى بلت ~~دموعه لحيته وبكى من حضره ثم أمر برفع الشراب ثم قال يا أبا الحسن أعليك ~~دين قال نعم أربعة آلاف دينار فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرما وكانت ~~ولادته يوم الأحد ثالث عشر رجب وقيل يوم عرفة سنة أربع عشرة وقيل ثلاث عشرة ~~ومائتين ولما كثرت السعاية في حقه عند المتوكل أحضره من المدينة وكان مولده ~~بها وأقره بسر من رأى وهي تدعى بالعسكر لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها ~~بعسكره فقيل لها العسكر ولهذا قيل لأبي الحسن المذكور العسكري لأنه منسوب ~~إليها فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر وتوفي بها يوم الاثنين لخمس بقين من ~~جمادى الآخرة وقيل لأربع بقين منها وقيل في رابعها وقيل في ثالث رجب سنة ~~أربع وخمسين ومائتين ودفن في داره رحمه الله تعالى PageV03P273 # 425 علي بن عبد الله بن العباس أبو محمد علي بن عبد ~~الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي وهو جد السفاح والمنصور ~~الخليفتين كا سيدا شريفا بليغا وهو أصغر ولد أبيه وكان أجمل قرشي على وجه ~~الأرض وأوسمه وأكثره صلاة وكان يدعى السجاد لذلك وكان له خمسمائة أصل زيتون ~~يصلي في كل يوم إلى كل أصل ركعتين وكان يدعى ذا الثفنات هكذا قاله المبرد ~~في الكامل وقال أبو الفرج ابن الجوزي الحافظ ms0787 ذو الثفنات هو علي بن الحسين ~~يعني زين العابدين وإنما قيل له ذلك لأنه كان يصلي في كل يوم ألف ركعة فصار ~~في ركبتيه مثل ثفن البعير ذكر ذلك في كتاب الألقاب وروي أن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه افتقد عبد الله بن العباس رضي الله عنه في وقت صلاة الظهر ~~فقال لأصحابه ما بال أبي العباس لم يحضر الظهر فقالوا ولد له مولود فلما ~~صلى علي رضي الله عنه قال امضوا بنا إليه فأتاه فهناه فقال شكرت الواهب ~~وبورك لك في الموهوب ما سميته فقال أو يجوز لي أن أسميه حتى تسميه فأمر به ~~فأخرج إليه فأخذه فحنكه ودعا له ثم رده إليه وقال خذ إليك أبا الأملاك قد ~~سميته عليا وكنيته أبا الحسن فلما قام معاوية خليفة قال لابن عباس ليس لكم ~~اسمه وكنيته وقد كنيته أبا محمد فجرت عليه هكذا قاله المبرد في الكامل ~~PageV03P274 # وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء إنه لما ~~قدم على عبد الملك بن مروان قال له غير اسمك وكنيتك فلا صبر لي على اسمك ~~وكنيتك قال أما الاسم فلا وأما الكنية فأكتني بأبي محمد فغير كنيته انتهى ~~كلام أبي نعيم قلت أنا وإنما قال له عبد الملك هذه المقالة لبغضه في علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه فكره أن يسمع اسمه وكنيته وذكر الطبري في تاريخه أنه ~~دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه وأجلسه على سريره وسأله عن كنيته فأخبره ~~فقال لا يجتمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد وسأله هل له من ولد ~~وكان قد ولد له يومئذ محمد بن علي فأخبره بذلك فكناه أبا محمد وقال الواقدي ~~ولد أبو محمد المذكور في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه والله أعلم بالصواب وقال المبرد أيضا وضرب علي بالسياط مرتين كلتاهما ~~ضربه الوليد بن عبد الملك إحدهما في تزوجه لبابة ابنة عبد الله بن جعفر بن ~~أبي طالب وكانت عند عبد ms0788 الملك فعض تفاحة ثم رمى بها إليها وكان أبخر فدعت ~~بسكين فقال ما تصنعين بها فقالت أميط عنها الأذى فطلقها فتزوجها علي بن عبد ~~الله المذكور فضربه الوليد وقال إنما تتزوج بأمهات الخلفاء لتضع منهم لأن ~~مروان بن الحكم إنما تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه فقال علي بن ~~عبد الله إنما أرادت الخروج من هذا البلد وانا ابن عمها فتزوجتها لأكون لها ~~محرما PageV03P275 # وأما ضربه إياه في المرة الثانية فقد حدث أبو عبد الله ~~محمد بن شجاع في إسناد متصل يقول في آخره رأيت علي بن عبد الله يوما مضروبا ~~بالسوط يدار به على بعير ووجهه مما يلي ذنب البعير وصائح يصيح عليه هذا علي ~~ابن عبد الله الكذاب فأتيته وقلت ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب قال ~~بلغهم عني أني أقول إن هذا الأمر سيكون في ولدي ووالله ليكونن فيهم حتى ~~تملكهم عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه الذين كأن وجوههم المجان ~~المطرقة قلت ذكرابن الكلبي في كتاب النسب أن الذي تولى ضرب علي بن عبد الله ~~بن العباس رضي الله عنهم هو كلثوم بن عياض بن وحوح بن قشير بن الأعور بن ~~قشير كان والي الشرطة للوليد بن مروان ثم إنه تولى إفريقية لهشام بن عبد ~~الملك وقتل بها وقال غير ابن الكلبي كان قتله في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ~~ومائة وروى أن علي بن عبد الله دخل على سليمان بن عبد الملك وهو غلط بل ~~الصحيح أنه هشام بن عبد الملك معه ابنا ابنه الخليفتان وهما السفاح ~~والمنصور ابنا محمد بن علي المذكور فأوسع له على سريره وبره وسأله عن حاجته ~~فقال ثلاثون ألف درهم علي دين فأمر بقضائها ثم قال له وتستوصي بابني هذين ~~خيرا ففعل فشكره وقال وصلتك رحم فلما ولى علي قال هشام لأصحابه إن هذا ~~الشيخ قد اختل وأسن وخلط فصار يقول إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده فسمعه علي ~~فقال والله ليكونن ذلك وليملكن هذان وكان علي ms0789 المذكور عظيم المحل عند أهل ~~الحجاز حتى قال هشام بن سليمان PageV03P276 # المخزومي إن علي بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجا أو ~~معتمرا عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام وهجرت مواضع حلقها ولزمت مجلسه ~~إعظاما وإجلالا وتبجيلا له فإن قعد قعدوا وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا جميعا ~~حوله ولا يزالون كذلك حتى يخرج من الحرم وكان آدم جسيما له لحية طويلة وكان ~~عظيم القدم جدا لا يوجد له نعل ولا خف يستعمله وكان مفرطا في الطول إذا طاف ~~كأنما الناس حوله مشاة وهو راكب من طوله وكان مع هذا الطول يكون إلى منكب ~~أبيه عبد الله وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس وكان العباس إلى منكب ~~أبيه عبد المطلب ونظرت عجوز إلى علي وهو يطوف وقد فرع الناس فرع بالعين ~~المهملة أي علا عليهم فقالت من هذا الذي فرع الناس فقيل علي ابن عبد الله ~~بن العباس فقالت لا إله إلا الله إن الناس ليرذلون عهدي بالعباس يطوف بهذا ~~البيت كأنه فسطاط أبيض ذكر هذا كله المبرد في الكامل وذكر أيضا أن العباس ~~كان عظيم الصوت وجاءتهم مرة غارة وقت الصباح فصاح بأعلى صوته واصباحاه فلم ~~تسمعه حامل في الحي إلا وضعت وذكر أبو بكر الحازمي في كتاب ما اتفق لفظه ~~وافترق مسماه في أول حرف الغين في باب عانة وغابة قال كان العباس بن عبد ~~المطلب يقف على سلع وهو جبل عند المدينة فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم ~~وذلك من آخر الليل وبين الغابة وسلع ثمانية أميال وكانت وفاة علي بن عبد ~~الله سنة سبع عشرة ومائة بالشراة بالحميمة وهو ابن ثمانين سنة وقال الواقدي ~~ولد في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان قتل علي ~~رضي الله عنه في ليلة الجمعة سابع عشر شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة وقيل ~~غير ذلك وتوفي علي بن عبد الله سنة ثماني عشرة ومائة وقال غير الواقدي إن ~~وفاته كانت في ذي القعدة ms0790 وقال خليفة PageV03P277 # ابن خياط مات في سنة أربع عشرة وقال في موضع آخر سنة ~~ثماني عشرة وقال غيره سنة تسع عشرة والله أعلم وكان يخضب بالسواد وابنه ~~محمد والد السفاح والمنصور يخضب بالحمرة فيظن من لا يعرفهما أن محمدا علي ~~وأن عليا محمد رضي الله عنهما والشراة بفتح الشين المعجمة والراء وبعد ~~الألف هاء مثناة صقع بالشام في طريق المدينة من دمشق بالقرب من الشوبك وهو ~~من إقليم البلقاء وفي بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة بضم الحاء ~~المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الميم الثانية ~~وبعدها هاء ساكنة وهذه القرية كانت لعلي المذكور وأولاده في أيام بني أمية ~~وفيها ولد السفاح والمنصور وبها تربيا ومنها انتقلا إلى الكوفة وبويع ~~السفاح بالخلافة فيها كما هو مشهور وسيأتي ذكر ولده محمد إن شاء الله تعالى ~~وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أخرج علي ابن عبد ~~الله بن العباس من دمشق وأنزله الحميمة في سنة خمس وتسعين للهجرة ولم يزل ~~ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية وولد له بها نيف وعشرون ولدا ذكرا 426 ~~القاضي أبو الحسن الجرجاني القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني ~~الفقيه الشافعي كان فقيها أديبا شاعرا ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ~~كتاب طبقات الفقهاء وقال له ديوان شعر وهو القائل (يقولون لي فيك انقباض ~~وإنما * رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما) PageV03P278 # وهي أبيات طويلة ومشهورة فلا حاجة إلى ذكرها وذكر ~~الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر فقال هو فرد الزمان ونادرة الفلك وإنسان حدقة ~~العلم وقبة تاج الأدب وفارس عسكر الشعر يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ~~ونظم البحتري وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع الأرض وتدويخ بلاد العراق ~~والشام وغيرها واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلوم علما ~~وفي الكمال عالما وأورد له مقاطيع كثيرة من الشعر فمن ذلك قوله (قد برح ~~الحب بمشتاقك * فأوله أحسن أخلاقك) (لا تجفه وارع ms0791 له حقه * فإنه آخر عشاقك) ~~وأنشدني صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام المعروف بالحاجري الآتي ذكره ~~لنفسه دوبيت في هذا المعنى وهو (ياعارضه فديت بالأحداق * لم يبق على العهود ~~غيري باقي) (ناشدتك إلا ما عسى ترفق بي * في الحب فإني آخرالعشاق) وله من ~~أبيات (وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى * وما علموا أن الخضوع هو الفقر) ~~(وبيني وبين المال شيئان حرما * علي الغنى نفسي الأبية والدهر) (إذا قيل ~~هذا اليسر أبصرت دونه * مواقف خير من وقوفي بها العسر) وله أيضا (وقالوا ~~اضطرب في الأرض فالرزق واسع * فقلت ولكن موضع الرزق ضيق) (إذا لم يكن في ~~الأرض حر يعينني * ولم يك لي كسب فمن أين أرزق) PageV03P279 # وله أيضا في الصاحب بن عباد (ولا ذنب للأفكار أنت ~~تركتها * إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها) (سبقت لأفراد المعاني وألفت * ~~خواطرك الألفاظ بعد شرادها) (فإن نحن حاولنا اختراع بديعة * حصلنا عل ~~مسروقها ومعادها) وله فيه يهنيه بالعافية من جملة أبيات (أفي كل يوم ~~للمكارم روعة * لها في قلوب المكرمات وجيب) (تقسمت العلياء جسمك كله * فمن ~~أين للأسقام فيه نصيب) (إذا ألمت نفس الوزير تألمت * لها أنفس تحيا بها ~~وقلوب) (ووالله لا لاحظت وجها أحبه * حياتي وفي وجه الوزير شحوب) (وليس ~~شحوبا ما أراه بوجهه * ولكنه في المكرمات ندوب) (فلا تجزعن تلك السماء ~~تغيمت * وعما قليل تبتدي فتصوب) وله (ما تطعمت لذة العيش حتى * صرت للبيت ~~والكتاب جليسا) (ليس شيء أعز عندي من العلم * فما أبتغي سواه أنيسا) (إنما ~~الذل في مخالطة الناس * فدعهم وعش عزيزا رئيسا) وله (ما لي ومالك يا فراق * ~~أبدأ رحيل وانطلاق) (يا نفس موتي بعدهم * فكذا يكون الاشتياق) وشعره كثير ~~وطريقه فيه سهل وله كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه PageV03P280 # أبان فيه عن فضل غزير واطلاع كثير ومادة متوفرة وذكر ~~الحاكم أبو عبد الله ابن البيع في تاريخ النيسابوريين أنه توفي في سلخ صفر ~~سنة ست وستين وثلاثمائة بنيسابور وعمره ست وسبعون سنة رحمه الله تعالى وقال ~~غيره إنه كان حسن السيرة ms0792 في قضائه صدوقا ورد به أخوه محمد نيسابور في سنة ~~سبع وثلاثين وثلاثمائة وهو صغير غير بالغ وسمعا من سائر الشيوخ ومات بالري ~~وهو قاضي القضاة في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وحمل تابوته إلى جرجان ~~ودفن بها ونقل الحاكم أثبت وأصح وجرجان بضم الجيم وسكون الراء وفتح الجيم ~~الثانية وبعد الألف نون وهي مدينة عظيمة من ناحية خراسان 427 ابن المرزبان ~~أبو الحسن علي بن أحمد بن المرزبان البغدادي الفقيه الشافعي كان فقيها ورعا ~~من جلة العلماء أخذ الفقه عن أبي الحسين ابن القطان وعنه أخذ الشيخ أبو ~~حامد الإسفرايني أول قدومه بغداد وحكي عنه أنه قال ما أعلم أن لأحد علي ~~مظلمة وقد كان فقيها يعلم أن الغيبة من المظالم وكان مدرسا ببغداد وله وجه ~~في مذهب الشافعي وتوفي في رجب سنة ست وستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ~~والمرزبان بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء الموحدة وبعد الألف ~~نون وهو لفظ فارسي معناه صاحب الحد ومرز هو الحد وبان صاحب وهو في الأصل ~~اسم لمن كان دون الملك PageV03P281 # 428 الماوردي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري ~~المعروف بالماوردي الفقيه الشافعي كان من وجوه الفقهاء الشافعية ومن كبارهم ~~أخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري بالبصرة ثم عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني ~~ببغداد وكان حافظا للمذهب وله فيه كتاب الحاوي الذي لم يطالعه أحد إلا وشهد ~~له بالتبحر والمعرفة التامة بالمذهب وفوض إليه القضاء ببلدان كثيرة واستوطن ~~بغداد في درب الزعفراني وروى عنه الخطيب أبو بكر صاحب تاريخ بغداد وقال كان ~~ثقة وله من التصانيف غير الحاوي تفسير القرآن الكريم والنكت والعيون وأدب ~~الدين والدنيا والأحكام السلطانية وقانون الوزارة وسياسة الملك والإقناع في ~~المذهب وهو مختصر وغير ذلك وصنف في أصول الفقه والأدب وانتفع الناس به وقيل ~~إنه لم يظهر شيئا من تصانيفه في حياته وإنما جمع كلها في موضع فلما دنت ~~وفاته قال لشخص يثق إليه الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي وإنما ~~لم أظهرها ms0793 لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يشبها كدر فإن عاينت الموت ~~ووقعت في النزع فاجعل يدك في يدي فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل ~~مني شيء منها فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة PageV03P282 # ليلا وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قبلت ~~وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة قال ذلك الشخص فلما قارب ~~الموت وضعت يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي فعلمت أنها علامة القبول ~~فأظهرت كتبه بعده وذكر الخطيب في أول تاريخ بغداد عن الماوردي المذكور قال ~~كتب أخي إلي من البصرة وأنا ببغداد (طيب الهواء ببغداد يشوقني * قدما إليها ~~وإن عاقت مقادير) (فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت * طيب الهواءين ممدود ~~ومقصور) وقال أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش أنشدني أبو الحسن ~~الماوردي قال أنشدنا أبو الخير الكاتب الواسطي بالبصرة لنفسه (جرى قلم ~~القضاء بما يكون * فسيان التحرك والسكون) (جنون منك أن تسعى لرزق * ويرزق ~~في غشاوته الجنين) ويقال إن أبا الحسن الماوردي لما خرج من بغداد راجعا إلى ~~البصرة كان ينشد أبيات العباس بن الأحنف المقدم ذكره وهي (أقمنا كارهين لها ~~فلما * ألفناها خرجنا مكرهينا) (وما حب البلاد بنا ولكن * أمر العيش فرقة ~~من هوينا) (خرجت أقر ما كانت لعيني * وخلفت الفؤاد به رهينا) وإنما قال ذلك ~~لأنه من أهل البصرة وما كان يؤثر مفارقتها فدخل بغداد كارها لها ثم طابت له ~~بعد ذلك ونسي البصرة فشق عليه فراقها وقد قيل إن هذه الأبيات لأبي محمد ~~المزني الساكن بما وراء النهر كذا قال السمعاني والله أعلم PageV03P283 # وتوفي يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمسين ~~وأربعمائة ودفن من الغد في مقبرة باب حرب ببغداد وعمره ست وثمانون سنة رحمه ~~الله تعالى والماوردي نسبة إلى بيع الماورد هكذا قاله الحافظ ابن السمعاني ~~429 أبو الحسن الأشعري أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم ~~بن إسماعيل بن عبد الله ابن موسى بن ms0794 بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى ~~الأشعري صاحب رسوله الله صلى الله عليه وسلم هو صاحب الأصول والقائم بنصرة ~~مذهب السنة وإليه تنسب الطائفة الأشعرية وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه ~~والقاضي أبو بكر الباقلاني ناصر مذهبه ومؤيد اعتقاده وكان أبو الحسن يجلس ~~أيام الجمع في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه الشافعي في جامع المنصور ~~ببغداد ومولده سنة سبعين وقيل ستين ومائتين بالبصرة وتوفي سنة نيف وثلاثين ~~وثلاثمائة وقيل سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وقيل سنة ثلاثين فجأة حكاه ابن ~~الهمذاني في ذيل تاريخ الطبري ببغداد ودفن بين الكرخ وباب البصرة رحمه الله ~~تعالى قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتاب تبيين كذب المفتري فيما ~~PageV03P284 # نسب للشيخ أبي الحسن الأشعري بعد أن حكى في تاريخ ~~وفاته أقوالا وقال بعض البصريين مات سنة ثلاث وثلاثين وهذا القول أراه ~~صحيحا والأصح أنه مات سنة أربع وعشرين وكذلك ذكره أبو بكر ابن فورك انتهى ~~وقد تقدم ذكر جده أبي بردة في أول حرف العين والأشعري بفتح الهمزة وسكون ~~الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبعدها راء هذه النسبة إلى أشعر واسمه ~~نبت بن أدد بن زيد بن يشجب وإنما قيل له أشعر لأن أمه ولدته والشعر على ~~بدنه هكذا قاله السعاني والله أعلم وقد صنف الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ~~مناقبه مجلدا وكان أبو الحسن الأشعري أولا معتزليا ثم تاب من القول بالعدل ~~وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ورقي كرسيا ونادى بأعلى ~~صوته من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي أنا فلان بن فلان ~~كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها ~~وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم وكان فيه ~~دعابة ومزاح كثير وله من الكتب كتاب اللمع وكتاب الموجز وكتاب إيضاح ~~البرهان وكتاب التبيين عن أصول الدين وكتاب الشرح والتفصيل في الرد على أهل ~~الإفك والتضليل وهو صاحب الكتب في الرد على الملاحدة وغيرهم ms0795 من المعتزلة ~~والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة PageV03P285 # ودفن في مشرعة الروايا في تربة إلى جانبها مسجد ~~وبالقرب منها حمام وهو عن يسار المار من السوق إلى دجلة وكان يأكل من غلة ~~ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى على عقبه وكانت نفقته في كل ~~يوم سبعة عشر درهما هكذا قاله الخطيب وقال أبو بكر الصيرفي كانت المعتزلة ~~قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم وقال أبو ~~محمد علي ابن حزم الأندلسي إن أبا الحسن له من التصانيف خمسة وخمسون تصنيفا ~~430 الكيا الهراسي أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري الملقب عماد الدين ~~المعروف بالكيا الهراسي الفقيه الشافعي كان من أهل طبرستان وخرج إلى ~~نيسابور وتفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مدة إلى أن برع وكان ~~حسن الوجه جهوري الصوت فصيح العبارة حلو الكلام ثم خرج من نيسابور إلى بيهق ~~ودرس بها مدة ثم خرج إلى العراق وتولى تدريس المدرسة النظامية ببغداد إلى ~~أن توفي وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي المقدم ذكره في سياق ~~تاريخ نيسابور فقال كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في PageV03P286 # الدرس وكان ثاني أبي حامد الغزالي بل آصل وأصلح وأطيب ~~في الصوت والنظر ثم اتصل بخدمة مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي ~~المذكور في حرف الباء وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه وتولى القضاء ~~بتلك الدولة وكان محدثا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه ومن كلامه إذا ~~جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرياح ~~وحدث الحافظ أبو طاهرالسلفي قال استفتيت شيخنا أبا الحسن المعروف بالكيا ~~الهراسي ببغداد في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بيني وبين الفقهاء ~~بالمدرسة النظامية وصورة الاستفتاء ما يقول الإمام وفقه الله تعالى في رجل ~~أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء هل تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا ~~فكتب الشيخ تحت السؤال نعم كيف لا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من ~~حفظ ms0796 على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها ~~عالما) وسئل الكيا أيضا عن يزيد بن معاوية فقال إنه لم يكن من الصحابة لأنه ~~ولد في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأما قول السلف ففيه لأحمد قولان ~~تلويح وتصريح ولمالك قولان تلويح وتصريح ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح ~~ولنا قول واحد التصريح دون التلويح وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد ~~والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر وشعره في الخمر معلوم ومنه قوله (أقول لصحب ~~ضمت الكأس شملهم * وداعي صبابات الهوى يترنم) (خذوا بنصيب من نعيم ولذة * ~~فكل وإن طال المدى يتصرم) (ولا تتركوا يوم السرور إلى غد * فرب غد يأتي بما ~~ليس يعلم) PageV03P287 # وكتب فصلا طويلا ثم قلب الورقة وكتب لو مددت ببياض ~~لمددت العنان في مخازي هذا الرجل وكتب فلان بن فلان وقد أفتى الإمام أبو ~~حامد الغزالي رحمه الله تعالى في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك فإنه سئل عمن ~~صرح بلعن يزيد هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخصا فيه وهل كان مريدا قتل ~~الحسين رضي الله عنه أم كان قصده الدفع وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه ~~أفضل ينعم بإزالة الاشتباه مثابا فأجاب لا يجوز لعن المسلم أصلا ومن لعن ~~مسلما فهو الملعون وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم ليس بلعان ~~وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك وحرمة ~~المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي صلى الله عليه وسلم ويزيد صح إسلامه ~~وما صح قتله الحسين رضي الله عنه ولا أمره ولا رضاه بذلك ومهما لم يصح ذلك ~~منه لا يجوز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن بالمسلم أيضا حرام وقد قال تعالى ~~* (اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) * وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم (إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء) ومن زعم ~~أن يزيد أمر بقتل الحسين رضي الله عنه ms0797 أو رضي به فينبغي أن يعلم به غاية ~~حماقة فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم ~~حقيقة من الذي أمر بقتله ومن الذي رضي به ومن الذي كرهه لم يقدر على ذلك ~~وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده فكيف لو كان في بلد بعيد وزمن ~~قديم قد انقضى فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان ~~بعيد وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا أمر ~~لا تعرف حقيقته أصلا وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن ~~به ومع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر ~~والقتل ليس بكفر بل هو معصية وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة والكافر ~~PageV03P288 # لو تاب من كفره لم تجز لعنته فكيف من تاب عن قتل وبم ~~يعرف أن قاتل الحسين رضي الله عنه مات قبل التوبة وهو الذي يقبل التوبة عن ~~عباده فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين ومن لعنه كان فاسقا عاصيا ~~لله تعالى ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصيا بالإجماع بل لو لم يلعن إبليس ~~طول عمره لا يقال له يوم القيامة لم لم تلعن إبليس ويقال للاعن لم لعنت ومن ~~أين عرفت أنه مطرود ملعون والملعون هو المبعد من الله عز وجل وذلك غيب لا ~~يعرف إلا فيمن مات كافرا فإن ذلك علم بالشرع وأما الترحم عليه فهو جائز بل ~~هو مستحب بل هو داخل في قولنا في كل صلاة اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ~~فإنه كان مؤمنا والله أعلم كتبه الغزالي وكانت ولادة الكيا في ذي القعدة ~~سنة خمسين وأربعمائة وتوفي يوم الخميس وقت العصر مستهل المحرم سنة أربع ~~وخمسمائة ببغداد ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى ~~وحضر دفنه الشيخ أبو طالب الزينبي وقاضي القضاة أبو الحسن ابن الدامغاني ~~وكانا مقدمي الطائفة الحنفية وكان بينه ms0798 وبينهما في حال الحياة منافسة فوقف ~~أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال ابن الدامغاني متمثلا (وما تغني ~~النوادب والبواكي * وقد أصبحت مثل حديث أمس) وأنشد الزينبي متمثلا أيضا ~~(عقم النساء فما يلدن شبيهه * إن النساء بمثله عقم) ولم أعلم لأي معنى قيل ~~له الكيا وفي اللغة العجمية الكيا هوالكبير القدر المقدم بين الناس وهو ~~بكسر الكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف وكان في خدمته بالمدرسة ~~النظامية أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي الشاعر المشهور المقدم ذكره في ~~حرف الهمزة فرثاه ارتجالا بهذه الأبيات على ما حكاه الحافظ ابن عساكر في ~~تاريخه الكبير وهي PageV03P289 # (هي الحوادث لا تبقي ولا تذر * ما للبرية من محتومها ~~وزر) (لو كان ينجي علو من بوائقها * لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر) (قل ~~للجبان الذي أمسى على حذر * من الحمام متى رد الردى الحذر) (بكى على شمسه ~~الإسلام إذ أفلت * بأدمع قل في تشبيهها المطر) (حبر عهدناه طلق الوجه ~~مبتسما * والبشر أحسن ما يلقى بن البشر) (لئن طوته المنايا تحت أخمصها * ~~فعلمه الجم في الآفاق منتشر) (سقى ثراك عماد الدين كل ضحى * صوب الغمام ملث ~~الودق منهمر) (عند الورى من أسى أيقنته خبر * فهل أتاك من استيحاشهم خبر) ~~(أحيا ابن إدريس درس كنت تورده * تحار في نظمه الأذهان والفكر) (من فاز منه ~~بتعليق فقد علقت * يمينه بشهاب ليس ينكدر) (كأنما مشكلات الفقه يوضحها * ~~جباه دهم لها من لفظه غرر) (ولو عرفت له مثلا دعوت له * وقلت دهري إلى ~~شرواه مفتقر) 431 الحافظ المقدسي أبو الحسن علي بن الأنجب أبي المكارم ~~المفضل بن أبي الحسن علي بن أبي الغيث مفرج بن حاتم بن الحسن بن جعفر بن ~~إبراهيم بن الحسن اللخمي المقدسي الأصل الإسكندراني المولد والدار المالكي ~~المذهب كان فقيها فاضلا في مذهب الإمام PageV03P290 # مالك رضي الله عنه ومن أكابر الحفاظ المشاهير في ~~الحديث وعلومه صحب الحافظ أبا الطاهر السلفي الأصبهاني نزيل الإسكندرية ~~رحمه الله تعالى وانتفع به وصحبه شيخنا الحافظ العلامة زكي ms0799 الدين أبو محمد ~~عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري ولازم صحبته وبه انتفع وعليه ~~تخرج وذكر عنه فضلا غزيرا وصلاحا كثيرا وأنشدني له مقاطيع عديدة فمما ~~أنشدني قال أنشدني الحافظ أبو الحسن المقدسي المذكور لنفسه (تجاوزت ستين من ~~مولدي * فأسعد أيامي المشترك) (يسائلني زائري حالتي * وما حال من حل في ~~المعترك) وأنشدني أيضا قال أنشدني الحافظ لنفسه (أيا نفس بالمأثور عن خير ~~مرسل * وأصحابه والتابعين تمسكي) (عساك إذا بالغت في نشر دينه * بما طاب من ~~نشر له أن تمسكي) (وخافي غدا يوم الحساب جهنما * إذا لفحت نيرانها أن تمسك) ~~وأنشدني أيضا قال أنشدني لنفسه (ثلاث باءات بلينا بها * البق والبرغوث ~~والبرغش) (ثلاثة أوحش ما في الورى * ولست أدري أيها أوحش) وأنشدني أيضا قال ~~أنشدني لنفسه (ولمياء تحيي من تحيي بريقها * كأن مزاج الراح بالمسك في ~~فيها) (وما ذقت فاها غير أني رويته * عن الثقة المسواك وهو موافيها) وهذا ~~معنى مستعمل قد سار في كثير من أشعار المتقدمين والمتأخرين فمن PageV03P291 # ذلك قول بشار بن برد من جملة أبيات (يا أطيب الناس ~~ريقا غير مختبر * إلا شهادة أطراف المساويك) وقول الأبيوردي من جملة أبيات ~~(وأخبرني أترابها أن ريقها * على ما حكى عود الأراك لذيذ) ونقتصر على هذا ~~القدر وكان الحافظ المذكور ينوب في الحكم بثغر الإسكندرية المحروس ودرس به ~~بالمدرسة المعروفة به هناك ثم انتقل إلى مدينة القاهرة المحروسة ودرس بها ~~بالمدرسة الصاحبية وهي مدرسة الوزير صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي ~~المعروف بابن شكر واستمر بها إلى حين وفاته وكانت ولادته ليلة السبت الرابع ~~والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بالثغر المحروس وتوفي يوم ~~الجمعة مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة بالقاهرة رحمه الله تعالى 112 ~~وتوفي والده القاضي الأنجب أبو المكارم المفضل في رجب سنة أربع وثمانين ~~وخمسمائة وكان مولده في سنة ثلاث وخمسمائة رحمهما الله تعالى والمقدسي بفتح ~~الميم وسكون القاف وكسر الدال المهملة وفي آخرها سين مهملة هذه النسبة إلى ~~بيت ms0800 المقدس واللخمي تقدم الكلام عليه PageV03P292 # 432 السيف الآمدي أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن ~~سالم التغلبي الفقيه الأصولي الملقب سيف الدين الآمدي كان في أول اشتغاله ~~حنبلي المذهب وانحدر إلى بغداد وقرأ بها على ابن المني أبي الفتح نصر بن ~~فتيان الحنبلي وبقي على ذلك مدة ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي رضي الله ~~عنه وصحب الشيخ أبا القاسم ابن فضلان واشتغل عليه في الخلاف وتميز فيه وحفظ ~~طريقة الشريف وزوائد طريقة أسعد الميهني المقدم ذكره ثم انتقل إلى الشام ~~واشتغل بفنون المعقول وحفظ منه الكثير وتمهر فيه وحصل منه شيئا كثيرا ولم ~~يكن في زمانه أحفظ منه لهذ العلوم ثم انتقل إلى الديار المصرية وتولى ~~الإعادة بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه التي ~~بالقرافة الصغرى وتصدر بالجامع الظافري بالقاهرة مدة واشتهر بها فضله ~~واشتغل عليه الناس وانتفعوا به ثم حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبوا عليه ~~ونسبوه إلى فساد العقيدة وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء ~~وكتبوا محضرا يتضمن ذلك ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم وبلغني عن ~~رجل منهم فيه عقل ومعرفة أنه لما رأى تحاملهم عليه وإفراط التعصب كتب في ~~المحضر وقد حمل إليه ليكتب فيه مثل ما كتبوا فكتب PageV03P293 # (حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالقوم أعداء له ~~وخصوم) والله أعلم وكتب فلان بن فلان ولما رأى سيف الدين تألبهم عليه وما ~~اعتمدوه في حقه ترك البلاد وخرج منها مستخفيا وتوصل إلى الشام واستوطن ~~مدينة حماة وصنف في أصول الفقه والدين والمنطق والحكمة والخلاف وكل تصانيفه ~~مفيدة فمن ذلك كتاب أبكار الأفكار في علم الكلام واختصره في كتاب سماه ~~منائح القرائح ورموز الكنوز وله دقائق الحقائق ولباب الألباب ومنتهى السول ~~في علم الأصول وله طريقة في الخلاف ومختصر في الخلاف أيضا وشرح جدل الشريف ~~وله مقدار عشرين تصنيفا وانتقل إلى دمشق ودرس بالمدرسة العزيزية وأقام بها ~~زمانا ثم عزل عنها لسبب اتهم فيه وأقام بطالا في بيته وتوفي على تلك ms0801 الحال ~~في رابع صفر يوم الثلاثاء سنة إحدى وثلاثين وستمائة ودفن بسفح جبل قاسيون ~~وكانت ولادته في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى والآمدي بالهمزة ~~الممدودة والميم المكسورة وبعدها دال مهملة هذه النسبة إلى آمد وهي مدينة ~~كبيرة في ديار بكر مجاورة لبلاد الروم 113 وكان أبو الفتح نصر بن فتيان بن ~~المني المذكور فقيها محدثا انتفع به جماعة كبيرة ومولده سنة إحدى وخمسمائة ~~وتوفي خامس شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~PageV03P294 # 433 الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن ~~بهمن بن فيروز الأسدي بالولاء الكوفي المعروف بالكسائي أحد القراء السبعة ~~كان إماما في النحو واللغة والقراءات ولم تكن له في الشعر يد حتى قيل ليس ~~في علماء العربية أجهل من الكسائي بالشعر وكان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ~~ويعلمه الأدب ولم يكن له زوجة ولا جارية فكتب إلى الرشيد يشكو العزبة في ~~هذه الأبيات (قل للخليفة ما تقول لمن * أمسى إليك بحرمة يدلي) (ما زلت مذ ~~صار الأمين معي * عبدي يدي ومطيتي رجلي) (وعلى فراشي من ينبهني * من نومتي ~~وقيامه قبلي) (أسعى برجل منه ثالثة * موفورة مني بلا رجل) (وإذا ركبت أكون ~~مرتدفا * قدام سرجي راكب مثلي) (فامنن علي بما يسكنه * عني وأهد الغمد ~~للنصل) فأمر له لارشيد بعشرة آلاف درهم وجارية حسناء بجميع آلاتها وخادم ~~وبرذون بجميع آلته PageV03P295 # واجتمع يوما بمحمد بن الحسن الفقيه الحنفي في مجلس ~~الرشيد فقال الكسائي من تبحر في علم تهدى إلى جميع العلوم فقال له محمد ما ~~تقول فيمن سها في سجود السهو هل يسجد مرة أخرى قال الكسائي لا قال لماذا ~~قال لأن النحاة تقول التصغير لا يصغر هكذا وجدت هذه الحكاية في عدة مواضع ~~وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن هذه القضية جرت بين محمد ابن الحسن المذكور ~~والفراء الآتي ذكره إن شاء الله تعال وهما ابنا خالة والله أعلم بالصواب ~~رجعنا إلى بقية الحكاية فقال محمد فما تقول في تعليق الطلاق بالملك قال ms0802 لا ~~يصح قال لم قال لأن السيل لا يسبق المطر وله مع سيبويه وأبي محمد اليزيدي ~~مجالس ومناظرات سيأتي ذكر بعضها في تراجم أربابها إن شاء الله تعالى روى ~~الكسائي عن أبي بكر ابن عياش وحمزة الزيات وابن عيينة وغيرهم وروى عنه ~~الفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة ~~بالري وكان قد خرج إليها صحبة هارون الرشيد قال السمعاني وفي ذلك اليوم ~~توفي محمد بن الحسن المذكور بالري أيضا كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله ~~تعالى وكذا قال ابن الجوزي في شذور العقود توفي برنبويه قرية من قرى الري ~~ورنبويه مذكورة في ترجمة محمد بن الحسن وقال السمعاني أيضا وقيل إن الكسائي ~~مات بطوس سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة والله أعلم ويقال إن الرشيد كان ~~يقول دفنت الفقه والعربية بالري والكسائي بكسر الكاف وفتح السين المهملة ~~وبعدها ألف ممدودة وإنما قيل له الكسائي لأنه دخل الكوفة وجاء إلى حمزة بن ~~حبيب الزيات وهو ملتف PageV03P296 # بكساء فقال حمزة من يقرأ فقيل له صاحب الكساء فبقي ~~عليه وقيل بل أحرم في كساء فنسب إليه رحمه الله تعالى 434 الدارقطني أبو ~~الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدارقطني الحافظ المشهور كان ~~عالما حافظا فقيها على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه أخذ الفقه عن أبي ~~سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي وقيل بل أخذه عن صاحب لأبي سعيد وأخذ القراءة ~~عرضا وسماعا عن محمد بن الحسن النقاش وعلي بن سعيد القزاز ومحمد بن الحصين ~~الطبري ومن في طبقتهم وسمع من أبي بكر ابن مجاهد وهو صغير وانفرد بالإمامة ~~في علم الحديث في دهره ولم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه وتصدر في آخر أيامه ~~للإقراء ببغداد وكان عارفا باختلاف الفقهاء ويحفظ كثيرا من دواوين العرب ~~منها ديوان السيد الحميري فنسب إلى التشيع لذلك وروى عنه الحافظ أبو نعيم ~~الأصبهاني صاحب حلية الأولياء وجماعة كثيرة وقبل القاضي ابن معروف شهادته ~~في سنة ست وسبعين وثلاثمائة فندم ms0803 على ذلك وقال كان يقبل قولي على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بانفرادي فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر وصنف ~~كتاب السنن والمختلف والمؤتلف وغيرهما وخرج من بغداد PageV03P297 # إلى مصر قاصدا أبا الفضل جعفر بن الفضل المعروف بابن ~~حنزابة وزير كافور الإخشيدي المذكور في حرف الجيم فإنه بلغه أن أبا الفضل ~~عازم على تأليف مسند فمضى إليه ليساعده عليه وأقام عنده مدة وبالغ أبو ~~الفضل في إكرامه وأنفق عليه نفقة واسعة وأعطاه شيئا كثيرا وحصل له بسببه ~~مال جزيل ولم يزل عنده حتى فرغ المسند وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني ابن ~~سعيد المقدم ذكره على تخريج المسند وكتابته إلى أن نجز وقال الحافظ عبد ~~الغني المذكور أحسن الناس كلاما على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة علي بن المديني في وقته وموسى بن هارون في وقته والدارقطني في وقته ~~وسأل الدارقطني يوما أحد أصحابه هل رأى الشيخ مثل نفسه فامتنع من جوابه ~~وقال قال الله تعالى * (فلا تزكوا أنفسكم) * فألح عليه فقال إن كان في فن ~~واحد فقد رأيت من هو أفضل مني وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع في فلا وكان ~~مفننا في علوم كثيرة وإماما في علوم القرآن وكانت ولادة الحافظ المذكور في ~~ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة وتوفي يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة ~~وقيل ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ببغداد وصلى عليه الشيخ أبو حامد ~~الإسفرايني الفقيه المشهور المقدم ذكره ودفن قريبا من معروف الكرخي في ~~مقبرة باب الدير رحمه الله تعالى والدارقطني بفتح الدال المهملة وبعد الألف ~~راء مفتوحة ثم قاف مضمومة PageV03P298 # وبعدها طاء مهملة ساكنة ثم نون هذه النسبة إلى دار ~~القطن وكانت محلة كبيرة ببغداد 435 الرماني أبو الحسن علي بن عيسى بن علي ~~بن عبد الله الرماني النحوي المتكلم أحد الأئمة المشاهير جمع بين علم ~~الكلام والعربية وله تفسير القرآن الكريم أخذ الأدب عن أبي بكر ابن دريد ~~وأبي بكر ابن السراج ms0804 وروى عنه أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري ~~وغيرهما وكانت ولادته ببغداد سنة ست وتسعين ومائتين وتوفي ليلة الأحد حادي ~~عشر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وقيل اثنتين وثمانين وثلاثمائة رحمه ~~الله تعالى وأصله من سر من رأى والرماني بضم الراء وتشديد الميم وبعد الألف ~~نون هذه النسبة يجوز أن تكون إلى الرمان وبيعه ويمكن أن تكون إلى قصر ~~الرمان وهو قصر بواسط معروف وقد نسب إلى هذا وهذا خلق كثير ولم يذكر ~~السمعاني أن نسبة أبي الحسن المذكور إلى أيهما والله أعلم PageV03P299 # 436 الحوفي صاحب التفسير أبو الحسن علي بن إبراهيم بن ~~سعيد بن يوسف الحوفي النحوي كان عالما بالعربية وتفسير القرآن الكريم وله ~~تفسير جيد واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به ورأيت خطه على كثير من كتب ~~الأدب قد قرئت عليه وكتب لأربابها بالقراءة كما جرت عادة المشايخ وتوفي ~~بكرة يوم السبت مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى ~~والحوفي بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفي آخرها فاء هذه النسبة إلى حوف ~~قال السمعاني ظني أنها قرية بمصر حتى قرأت في تاريخ البخاري أنها من عمان ~~منها أبو الحسن المذكور ثم قال وكان عنده من تصانيف النحاس أبي جعفر المصري ~~قطعة كثيرة قلت قوله قرية بمصر ليس كذلك بل الناحية المعروفة بالشرقية التي ~~قصبتها مدينة بلبيس جميع ريفها يسمونه الحوف ولا أعلم ثم قرية يقال لها حوف ~~والله أعلم وأبو الحسن من حوف مصر وبعد أن فرغت من ترجمة أبي الحسن الحوفي ~~على هذه الصورة ظفرت بترجمته مفصلة وذلك أنه من قرية يقال لها شبرا اللنجة ~~من أعمال الشرقية PageV03P300 # المذكورة وأنه دخل مصر وقرأ على أبي بكر الأدفوي ولقي ~~جماعة من علماء المغرب وأخذ عنهم وتصدر لإفادة العربية وصنف في النحو مصنفا ~~كبيرا وصنف في إعراب القرآن كتابا في عشر مجلدات وله تصانيف كثيرة يشتغل ~~بها الناس 437 الأخفش الأصغر أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المعروف ~~بالأخفش الأصغر النحوي كان عالما روى عن المبرد ms0805 وثعلب وغيرهما وروى عنه ~~المرزباني وأبو الفرج المعافى الجريري وغيرهما وكان ثقة وهو غير الأخفش ~~الأكبر والأخفش الأوسط 114 فإن الأخفش الأكبر هو أبو الخطاب عبد الحميد بن ~~عبد المجيد من أهل هجر من مواليهم وكان نحويا لغويا وله ألفاظ لغوية انفرد ~~بنقلها عن العرب وأخذ عنه سيبويه وأبو عبيدة ومن في طبقتهما ولم أظفر له ~~بوفاة حتى أفرد له ترجمة والأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة وقد تقدم ~~ذكره في حرف السين وهو صاحب سيبويه وكان بين الأخفش المذكور وبين ابن ~~الرومي الشاعر منافسة فكان الأخفش يباكر داره ويقول عند بابه كلاما يتطير ~~به وكان ابن الرومي كثير التطير PageV03P301 # فإذ سمع كلامه لم يخرج ذلك اليوم من بيته فكثر ذلك منه ~~فهجاه ابن الرومي بأهاج كثيرة وهي مثبتة في ديوانه وكان الأخفش يحفظها ~~ويوردها في جملة ما يوردها استحسانا لها وافتخارا بأنه نوه بذكره إذ هجاه ~~فلما علم ابن الرومي بذلك أقصر عنه وقال المرزباني لم يكن الأخفش بالمتسع ~~في الرواية للأشعار والعلم بالنحو وما علمته صنف شيئا البتة ولا قال شعرا ~~وكان إذا سئل عن مسألة في النحو ضجر وانتهر من يسأله وكانت وفاة أبي الحسن ~~المذكور في ذي القعدة وقيل شعبان سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة وثلاثمائة فجأة ~~ببغداد ودفن بمقبرة قنطرة بردان ودخل مصر سنة سبع وثمانين ومائتين وخرج ~~منها إلى حلب سنة ست وثلاثمائة رحمه الله تعالى والأخفش بفتح الهمزة وسكون ~~الخاء المعجمة وفتح الفاء وبعدها شين معجمة وهو الصغير العين من سوء بصرها ~~وبردان بفتح الباء الموحدة والراء والدال المهملة وبعد الألف نون وهي قرية ~~من قرى بغداد خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم وقال أبو الحسن ثابت بن ~~سنان كان الأخفش المذكور يواصل المقام عند أبي علي ابن مقلة وأبو علي ~~يراعيه ويبره فشكا إليه في بعض الأيام ما هو فيه من شدة الفاقة وزيادة ~~الإضافة وسأله أن يكلم الوزير أبا الحسن علي بن عيسى في أمره ويسأله إقرار ~~رزق له ms0806 في جملة من يرتزق من أمثاله فخاطبه أبو علي في ذلك وعرفه اختلال ~~حاله وتعذر القوت عليه في أكثر أيامه وسأله أن يجري عليه رزقا أسوة بأمثاله ~~فانتهره الوزير انتهارا شديدا وكان ذلك في مجلس حافل فشق ذلك على أبي علي ~~وقام من مجلسه وصار إلى منزله لائما نفسه على سؤاله ووقف الأخفش على الصورة ~~فاغتم لها وانتهت PageV03P302 # به الحال إلى أكل السلجم النيء فقيل إنه قبض على فؤاده ~~فمات فجأة في التاريخ المذكور وكان أبو الحسن الأخفش كثيرا ما ينشد وعلي ~~على الناس وكأنه كان يعرض بأبي علي ابن مقلة الوزير (هون عليك فإني غير ~~جائيكا * وإنني غير ماض في نواحيكا) (والله لو كانت الدنيا بزينتها * واد ~~بكفك لم أحلل بواديكا) (ولو ملكت رقاب الناس كلهم * شرقا وغربا لما جئنا ~~نهنيكا) 438 الواحدي أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متويه ~~الواحدي المتوي صاحب التفاسير المشهورة كان أستاذ عصره في النحو والتفسير ~~ورزق السعادة في تصانيفه وأجمع الناس على حسنها وذكرها المدرسون في دروسهم ~~منها البسيط في تفسير القرآن الكريم وكذلك الوسيط وكذلك الوجيز ومنه أخذ ~~أبو حامد الغزالي أسماء كتبه الثلاثة وله كتاب أسباب النزول والتحبير في ~~شرح أسماء الله تعالى الحسنى وشرح ديوان أبي الطيب المتنبي شرحا مستوفى ~~وليس في شروحه مع كثرتها مثله وذكر فيه أشياء غريبة منها أنه في شرح هذا ~~البيت وهو PageV03P303 # (وإذا المكارم والصوارم والقنا * وبنات أعوج كل شيء ~~يجمع) تكلم على البيت ثم قال في أعوج إنه فحل كريم كان لبني هلال بن عامر ~~وإنه قيل لصاحبه ما رأيت من شدة عدوه فقال ضللت في بادية وانا راكبه فرأيت ~~سرب قطا يقصد الماء فتبعته وانا أغض من لجامه حتى توافينا الماء دفعة واحدة ~~وهذا أغرب شيء يكون فإن القطا شديد الطيران وإذا قصد الماء اشتد طيرانه ~~أكثر من غير قصد الماء ثم ما كفى حتى قال كنت أغض من لجامه ولولا ذلك لكان ~~يسبق القطا وهذه مبالغة عظيمة وإنما ms0807 قيل له أعوج لأنه كان صغيرا وقد جاءتهم ~~غارة فهربوا منها وطرحوه في خرج وحملوه لعدم قدرته على متابعتهم لصغره ~~فاعوج ظهره من ذلك فقيل له أعوج وهذا البيت من جملة القصيدة التي رثى بها ~~فاتكا المجنون وكان الواحدي المذكور تلميذ الثعلبي صاحب التفسير المقدم ~~ذكره في حرف الهمزة وعنه أخذ علم التفسير وأربى عليه وتوفي عن مرض طويل في ~~جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة بمدينة نيسابور رحمه الله تعالى ~~ومتويه بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوقها وضمها وسكون الواو وبعدها ~~ياء مفتوحة مثناة من تحتها ثم هاء ساكنة ونسبة المتوي إلى هذا الجد ~~والواحدي بفتح الواو وبعد الألف حاء مهملة مكسورة وبعدها دال مهملة لم أعرف ~~هذه النسبة إلى أي شيء هي ولا ذكرها السمعاني ثم وجدت هذه النسبة إلى ~~الواحد بن الدين بن مهرة ذكره أبو أحمد العسكري PageV03P304 # 439 ابن ماكولا الأمير سعد الملك أبو نصر علي بن هبة ~~الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد ابن دلف بن أبي دلف القاسم بن عيسى ~~بن إدريس بن معقل بن عمير العجلي المعروف بابن ماكولا وبقية نسبه مستوفاة ~~في ترجمة جده أبي دلف القاسم بن عيسى في حرف القاف وأصله من جرباذقان من ~~نواحي أصبهان ووزر أبوه أبو القاسم هبة الله للإمام القائم بأمر الله وتولى ~~عمه أبو عبد الله الحسين ابن علي قضاء بغداد سمع الحديث الكثير وصنف ~~المصنفات النافعة وأخذ عن مشايخ العراق وخراسان والشام وغير ذلك وكان أحد ~~الفضلاء المشهورين تتبع الألفاظ المشتبهة في الأسماء الأعلام وجمع منها ~~شيئا كثيرا وكان الخطيب أبو بكر صاحب تاريخ بغداد قد أخذ كتاب الحافظ أبي ~~الحسن الدارقطني المسمى المختلف والمؤتلف وكتاب الحافظ عبد الغني بن سعيد ~~الذي سماه مشتبه النسبة وجمع بينهما وزاد عليهما وجعله كتابا مستقلا سماه ~~المؤتنف تكملة المختلف وجاء الأمير أبو نصر المذكور وزاد على هذا المؤتنف ~~وضم إليه الأسماء التي وقعت له وجعله أيضا كتابا مستقلا سماه الإكمال وهو ~~في غاية ms0808 الإفادة في رفع الالتباس والضبط والتقييد وعليه اعتماد المحدثين ~~وأرباب هذا الشأن فإنه لم يوضع مثله ولقد أحسن فيه غاية الإحسان ثم جاء ابن ~~نقطة الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وذيله وما أقصر فيه أيضا وما يحتاج ~~الأمير PageV03P305 # المذكور مع هذا الكتاب إلى فضيلة أخرى وفيه دلالة على ~~كثرة اطلاعه وضبطه وإتقانه ومن الشعر المنسوب إليه (قوض خيامك عن أرض تهان ~~بها * وجانب الذل إن الذل يجتنب) (وارحل إذا كان في الأوطان منقصة * ~~فالمندل الرطب في أوطانه حطب) وكانت ولادته في عكبرا في خامس شعبان سنة ~~إحدى وعشرين وأربعمائة وقتله غلمانه بجرجان في سنة نيف وسبعين وأربعمائة ~~وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب المنتظم أنه قتل في سنة خمس وسبعين ~~وأربعمائة وقيل في سنة سبع وثمانين وقال غيره في سنة تسع وسبعين بخوزستان ~~وقيل بالأهواز وقال الحميدي خرج إلى خراسان ومعه غلمان له أتراك فقتلوه ~~بجرجان وأخذوا ماله وهربوا وطاح دمه هدرا رحمه الله تعالى ومدحه الشاعر ~~المعروف بصردر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ومدحه في ديوانه موجود ومأكولا ~~بفتح الميم وبعد الألف كاف مضمومة وبعدها واو ساكنة ثم لام ألف ولا أعرف ~~معناه ولا أدري سبب تسميته بالأمير هل كان أميرا بنفسه أم لأنه من أولاد ~~أبي دلف العجلي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وعكبرا قد تقدم القول عليها ~~في ترجمة الشيخ أبي البقاء PageV03P306 # 440 أبو الفرج الأصبهاني أبو الفرج علي بن الحسين بن ~~محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان ابن عبد الله بن مروان بن ~~محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ~~القرشي الأموي الكاتب الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني وجده مروان بن محمد ~~المذكور آخر خلفاء بني أمية وهو أصبهاني الأصل بغدادي المنشأ كان من أعيان ~~أدبائها وأفراد مصنفيها وروى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم وكان ~~عالما بأيام الناس والأنساب والسير قال التنوخي ومن المتشيعين الذين ~~شاهدناهم أبو الفرج ms0809 الأصبهاني كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار ~~والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظه مثله ويحفظ دون ذلك من علوم ~~أخر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي ومن آلة المنادمة شيئا ~~كثيرا مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك ~~وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء وله المصنفات المستملحة ~~منها كتاب الأغاني الذي وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله يقال إنه ~~جمعه في خمسين سنة وحمله إلى سيف الدولة ابن حمدان فأعطاه ألف دينار واعتذر ~~إليه وحكي عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب حمل ثلاثين ~~جملا من كتب الأدب ليطالعها فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعد ذلك ~~يستصحب سواه استغناء PageV03P307 # به عنها ومنها كتاب القيان وكتاب الإماء الشواعر وكتاب ~~الديارات وكتاب دعوة التجار وكتاب مجرد الأغاني وكتاب أخبار جحظة البرمكي ~~ومقاتل الطالبيين وكتاب الحانات وآداب الغرباء وحصل له ببلاد الأندلس كتب ~~صنفها لبني أمية ملاوك الأندلس يوم ذاك وسيرها إليهم سرا وجاءه الإنعام ~~منهم سرا فمن ذلك كتاب نسب بني عبد شمس وكتاب أيام العرب ألف وسبعمائة يوم ~~وكتاب التعديل والانتصاف في مآثر العرب ومثالبها وكتاب جمهرة النسب وكتاب ~~نسب بني شيبان وكتاب نسب المهالبة وكتاب نسب بني تغلب ونسب بني كلاب وكتاب ~~الغلمان المغنين ذلك وكان منقطعا إلى الوزير المهلبي وله فيه مدائح فمن ذلك ~~قوله فيه (ولما انتجعنا لائذين بظله * أعان وما عنى ومن وما منا) (وردنا ~~عليه مقترين فراشنا * وردنا نداه مجدبين فأخصبنا) وله فيه من قصيدة تهنئة ~~بمولود جاءه من سرية رومية (أسعد بمولود أتاك مباركا * كالبدر أشرق جنح ليل ~~مقمر) (سعد لوقت سعادة جاءت به * أم حصان من بنات الأصفر) (متبجح في ذروتي ~~شرف الورى * بين المهلب منتماه وقيصر) (شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى * حتى ~~إذا اجتمعنا أتت بالمشتري) وكتب إلى بعض الرؤساء وكان مريضا (أبا محمد ~~المحمود يا حسن الإحسان * والجود يا بحر الندى الطامي) (حاشاك ms0810 من عود عواد ~~إاليك ومن * دواء داء ومن إلمام آلام) وشعره كثير ومحاسنه شهيرة وكانت ~~ولادته سنة أربع وثمانين ومائتين PageV03P308 # وفي هذه السنة مات البحتري الشاعر وتوفي يوم الأربعاء ~~رابع عشر ذي الحجة سنة ست وخمسين وثلاثمائة ببغداد وقيل سنة سبع وخمسين ~~والأول أصح وكان قد خلط قبل أن يموت رحمه الله تعالى وهذه سنة ست وخمسين ~~مات فيها عالمان كبيران وثلاثة ملوك كبار فالعالمان أبو الفرج المذكور وأبو ~~علي القالي وقد ذكرناه في حرف الهمزة والملوك الثلاثة سيف الدولة بن حمدان ~~ومعز الدولة بن بويه وكافور الإخشيدي وهو مذكور في ترجمة كل واحد 441 ~~الحافظ ابن عساكر الحافظ أبو القاسم علي بن أبي محمد الحسن بن هبة الله أبي ~~الحسن بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن عساكر الدمشقي الملقب ثقة الدين ~~كان محدث الشام في وقته ومن أعيان الفقهاء الشافعية غلب عليه الحديث فاشتهر ~~به وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره ورحل وطوف وجاب البلاد ~~ولقي المشايخ وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة ~~وكان حافظا دينا جمع بين معرفة المتون والأسانيد سمع ببغداد في سنة عشرين ~~وخمسمائة من أصحاب البرمكي والتنوخي والجوهري ثم رجع إلى دمشق ثم رحل إلى ~~خراسان ودخل نيسابور وهراة وأصبهان والجبال وصنف التصانيف المفيدة وخرج ~~التخاريج وكان حسن PageV03P309 # الكلام على الأحاديث محظوظا في الجمع والتأليف صنف ~~التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة أتى فيه بالعجائب وهو على نسق تاريخ ~~بغداد قال لي شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري ~~حافظ مصر أدام الله به النفع وقد جرى ذكر هذا التاريخ وأخرج لي منه مجلدا ~~وطال الحديث في أمره واستعظامه ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا ~~التاريخ من يوم عقل على نفسه وشرع في الجمع من ذلك الوقت وإلا فالعمر يقصر ~~عن أن يجمع فيه الإنسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبه ولقد قال الحق ~~ومن وقف عليه عرف ms0811 حقيقة هذا القول ومتى يتسع للإنسان الوقت حتى يضع مثله ~~وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط ~~حصرها وله غيره تواليف حسنة وأجزاء ممتعة وله شعر لا بأس به فمن ذلك قوله ~~على ما قيل (ألا إن الحديث أجل علم * وأشرفه الأحاديث العوالي) (وأنفع كل ~~نوع منه عندي * وأحسنه الفرائد في الأمالي) (وإنك لن ترى للعلم شيئا * ~~يحققه كأفواه الرجال) (فكن يا صاح ذا حرص عليه * وخذه عن الرجال بلا ملال) ~~(ولا تأخذه من صحف فترمى * من التصحيف بالداء العضال) ومن المنسوب إليه ~~أيضا (أيا نفس ويحك جاء المشيب * فماذا التصابي وماذا الغزل) (تولى شبابي ~~كأن لم يكن * وجاء مشيبي كأن لم يزل) (كأني بنفسي على غرة * وخطب المنون ~~بها قد نزل) (فيا ليت شعري ممن أكون * وما قدر الله لي بالأزل) PageV03P310 # وقد التزم فيها ما لا يلزم وهو الزاي قبل اللام والبيت ~~الثاني هو بيت علي بن جبلة المعروف بالعكوك وهو قوله (شباب كأن لم يكن * ~~وشيب كأن لم يزل) وليس بينهما إلا تغيير يسير كما تراه وهذا البيت من جملة ~~أبيات وسيأتي ذكر قائله بعد هذا إن شاء الله تعالى وكانت ولادة الحافظ ~~المذكور في أول المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة وتوفي ليلة الاثنين الحادي ~~عشر من رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بدمشق ودفن عند والده وأهله بمقابر ~~باب الصغير رحمهم الله تعالى وصلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري الآتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين رحمه الله ~~تعالى 115 وتوفي ولده أبو محمد القاسم الملقب بهاء الدين ابن الحافظ في ~~التاسع من صفر سنة ستمائة بدمشق ودفن من يومه خارج باب النصر ومولده بها ~~ليلة النصف من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وخمسمائة رحمه الله تعالى وكان ~~أيضا حافظا 116 وتوفي أخوه الفقيه المحدث الفاضل صائن الدين هبة الدين بن ~~الحسن بن هبة الله يوم الأحد الثالث والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين ms0812 ~~وخمسمائة بدمشق ودفن من الغد بمقبرة باب الصغير ومولده على ما ذكر أخوه ~~الحافظ المذكور في العشر الأول من رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وقدم ~~بغداد في سنة عشرين وخمسمائة وقرأ على أسعد الميهني المقدم ذكره وابن برهان ~~وعاد إلى دمشق ودرس بالمقصورة الغربية في جامع دمشق وأفتى وحدث رحمه الله ~~تعالى PageV03P311 # 442 السمسماني أبو الحسن علي بن عبيد الله بن عبد ~~الغفار السمسماني اللغوي كان قيما بعلم اللغة مشهورا وكتب الأدب التي عليها ~~خطه مرغوب فيها ولا أعرف شيئا من أحواله سوى أنه سمع أبا بكر ابن شاذان ~~وأبا الفضل ابن المأمون وذكره الخطيب في تاريخه وقال كتبت عنه وكان صدوقا ~~وكتب الكثير وخطه في غاية الإتقان والصحة وتصدر ببغداد للرواية وإقراء ~~الأدب وأكثر كتبه بخطه وحصلت بعده عند ابن دينار الواسطي الأديب وأدركها ~~الغرق ففسد أكثرها وتوفي يوم الأربعاء رابع المحرم سنة خمس عشرة وأربعمائة ~~رحمه الله تعالى ولا أعرف نسبته إلى ماذا هي وهي بكسر السينين المهملتين ~~وسكون الميم الأولى وفتح الثانية وبالنون ثم وجدت في درة الغواص للحريري ما ~~مثاله ويقولون في النسبة إلى الفاكهة والباقلاء والسمسم فاكهاني وباقلاني ~~وسمسماني فيخطئون فيه وبين وجه الخطأ ثم قال بعد ذلك ووجه الكلام أن يقال ~~في المنسوب إلى السمسم سمسمي وتمم الكلام إلى آخره فلما وقفت على هذا علمت ~~أن نسبة أبي الحسن المذكور إلى السمسم وأنه استعمل على اصطلاح الناس والله ~~أعلم PageV03P312 # 443 الشريف المرتضى الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن ~~الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن ~~موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان نقيب الطالبيين وكان إماما في علم ~~الكلام والأدب والشعر وهو أخو الشريف الرضي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~وله تصانيف على مذهب الشيعة ومقالة في أصول الدين وله ديوان شعر كبير وإذا ~~وصف الطيف أجاد فيه وقد ms0813 استعمله في كثير من المواضع وقد اختلف الناس في ~~كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل ~~هو جمعه أم جمع أخيه الرضي وقد قيل إنه ليس من كلام علي وإنما الذي جمعه ~~ونسبه إليه هو الذي وضعه والله أعلم وله الكتاب الذي سماه الغرر والدرر وهي ~~مجالس أملاها تشتمل على فنون من معاني الأدب تكلم فيها على النحو واللغة ~~وغير ذلك وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير وتوسع في الاطلاع على العلوم ~~وذكره ابن بسام الأندلسي في أواخر كتاب الذخيرة فقال كان هذا الشريف إمام ~~أئمة العراق بين الاختلاف والاتفاق إليه فزع علماؤها وعنه PageV03P313 # أخذ عظماؤها صاحب مدارسها وجماع شاردها وآنسها ممن ~~سارت أخباره وعرفت له أشعاره وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره إلى تواليفه ~~في الدين وتصانيفه في أحكام المسلمين مما يشهد أنه فرع تلك الأصول ومن أهل ~~ذلك البيت الجليل وأورد له عدة مقاطيع فمن ذلك قوله (ضن عني بالنزر إذ أنا ~~يقظان * وأعطى كثيره في المنام) (والتقينا كما اشتهينا ولا عيب * سوى أن ~~ذاك في الأحلام) (وإذا كانت الملاقاة ليلا * فالليالي خير من الأيام) قلت ~~وهذا من قول أبي تمام الطائي (استزارته فكرتي في المنام * فأتاني في خفية ~~واكتتام) (يا لها زورة تلذذت الأرواح * فيها سرا من الأجسام) (مجلس لم يكن ~~لنا فيه عيب * غير أنا في دعوة الأحلام) ومن شعره أيضا (يا خليلي من ذؤابة ~~قيس * في التصابي رياضة الأخلاق) (عللاني بذكرهم تطرباني * واسقياني دمعي ~~بكأس دهاق) (وخذا النوم من جفوني فإني * قد خلعت الكرى على العشاق) فلما ~~وصلت هذه الأبيات إلى البصروي الشاعر قال المرتضى قد خلع ما لا يملك على من ~~لا يقبل ومن شعره أيضا (ولما تفرقنا كما شاءت النوى * تبين ود خالص وتودد) ~~PageV03P314 # (كأني وقد سار الخليط عشية * أخو جنة مما أقوم وأقعد) ~~ومعنى البيت الأول مأخوذ من قول المتنبي في مديح عضد الدولة بن بويه من ~~جملة قصيدته الكافية التي ودعه بها ms0814 لما عاد من خدمته من شيراز إلى العراق ~~وقتل في الطريق كما هو مشروح في ترجمة المتنبي وهو (وفي الأحباب مختص بوجد ~~* وآخر يدعي معه اشتراكا) (إذا اشتبهت دموع في خدود * تبين من بكى ممن ~~تباكى) ونقلت من كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان الذي صنفه القاضي الرشيد ~~أبو الحسين أحمد المعروف بابن الزبير الغساني المقدم ذكره ما نسبه إلى ~~الشريف المرتضى المذكور وهو (بيني وبين عواذلي * في الحب أطراف الرماح) ~~(أنا خارجي في الهوى * لا حكم إلا للملاح) ونسب إليه أيضا (مولاي يا بدر كل ~~داجية * خذ بيدي قد وقعت في اللجج) (حسنك ما تنقضي عجائبه * كالبحر حدث عنه ~~بلا حرج) (بحق من خط عارضيك ومن * سلط سلطانها على المهج) (مد يديك ~~الكريمتين معي * ثم ادع لي من هواك بالفرج) وذكر له أيضا (قل لمن خده من ~~اللحظ دام * رق لي من جوانح فيك تدمي) PageV03P315 # (يا سقيم الجفون من غير سقم * لا تلمني إن مت منهن ~~سقما) (أنا خاطرت في هواك بقلب * ركب البحر فيك إما وإما) وحكى الخطيب أبو ~~زكرياء يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن علي ابن أحمد بن علي بن ~~سلك الفالي الأديب كانت نسخة بكتاب الجمهرة لابن دريد في غاية الجودة فدعته ~~الحاجة إلى بيعها فباعها واشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم المذكور بستين ~~دينارا وتصفحها فوجد بها أبياتا بخط بائعها أبي الحسن الفالي وهي (أنست بها ~~عشرين حولا وبعتها * لقد طال وجدي بعدها وحنيني) (وما كان ظني أنني سأبيعها ~~* ولو خلدتني في السجون ديوني) (ولكن لضعف وافتقار وصبية * صغار عليهم ~~تستهل شؤوني) (فقلت ولم أملك سوابق عبرة * مقالة مكوي الفؤاد حزين) (وقد ~~تخرج الحاجات يا أم مالك * كرائم من رب بهن ضنين) وهذا الفالي منسوب إلى ~~فالة بالفاء وهي بلدة بخوزستان قريبة من إيذج أقام بالبصرة مدة طويلة وسمع ~~بها من أبي عمرو ابن عبد الواحد الهاشمي وأبي الحسن ابن النجاد وشيوخ ذلك ~~الوقت وقدم بغداد واستوطنها وحدث بها وأما جده سلك فهو بفتح ms0815 السين المهملة ~~وتشديد اللام وفتحها وبعدها كاف هكذا وجدته مقيدا ورأيت في موضع آخر بكسر ~~السين وسكون اللام والله أعلم بالصواب وملح الشريف المرتضى وفضائله كثيرة ~~وكانت ولادته في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وتوفي يوم الأحد الخامس والعشرين ~~من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وأربعمائة ببغداد ودفن في داره عشية ذلك ~~النهار رحمه الله تعالى 117 وكانت وفاة أبي الحسن الفالي المذكور في ذي ~~القعدة سنة ثمان وأربعين PageV03P316 # وأربعمائة ليلة الجمعة ثامن الشهر المذكور ودفن في ~~مقبرة جامع المنصور وكان أديبا شاعرا روى عنه الخطيب أبو بكر صاحب تاريخ ~~بغداد وأبو الحسين ابن الطيوري وغيرهما رحمهم الله أجمعين 444 الخلعي أبو ~~الحسين علي بن الحسن بن الحسين بن محمد القاضي المعروف بالخلعي الموصلي ~~الأصل المصري الشافعي صاحب الخلعيات المنسوبة إليه سمع أبا الحسن الحوفي ~~وأبا محمد ابن النحاس وأبا الفتح العداس وأبا سعد الماليني وأبا القاسم ~~الأهوازي وغيرهم قال القاضي عياض اليحصبي سألت أبا علي الصدفي عنه وكان قد ~~لقيه لما رحل إلى البلاد الشرقية فقال فقيه له تواليف ولي القضاء وقضى يوما ~~واحدا واستعفى وانزوى بالقرافة الصغرى وكان مسند مصر بعد الحبال وذكره ~~القاضي أبو بكر ابن العربي فقال شيخ معتزل في القرافة له علو في الرواية ~~وعنده فوائد وقد حدث عنه الحميدي وكنى عنه بالقرافي وقال غيره ولي الخلعي ~~قضاء فامية وخرج له أبو نصر أحمد بن الحسن الشيرازي أجزاء من مسوعاته آخر ~~من رواها عنه أبو رفاعة ونقلت منها عن PageV03P317 # الأصمعي قال كان نقش خاتم أبي عمرو ابن العلاء (وإن ~~أمرءا دنياه أكبر همه * لمستمسك منها بحبل غرور) فسألته عن ذلك فقال كنت في ~~ضيعتي نصف النهار أدور فيها فسمعت قائلا يقول هذا البيت ونظرت فلم أر أحدا ~~فكتبته على خاتمي قال أبو العباس ثعلب هذا البيت لهانىء بن توبة بن سحيم بن ~~مرة المعروف بالشويعر الحنفي وقال الحافظ أبو طاهر السلفي كان أبو الحسن ~~الخلعي إذا سمع عليه الحديث يختم مجالسه بهذا الدعاء اللهم ما ms0816 مننت به ~~فتممه وما أنعمت به فلا تسلبه وما سترته فلا تهتكه وما علمته فاغفره وكانت ~~ولادة الخلعي في المحرم سنة خمس وأربعمائة بمصر وتوفي بها في ثامن عشر ذي ~~الحجة يوم السبت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وقيل في السادس والعشرين من ~~الشهر المذكور وتوفي أبوه في شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة رحمهما الله ~~تعالى والخلعي بكسر الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها عين مهملة هذه النسبة ~~إلى الخلع ونسب إليها أبو الحسن المذكور لأنه كان يبيع بمصر الخلع لأملاك ~~مصر فاشتهر بذلك وعرف به واما القرافة بفتح القاف والراء المخففة وبعد ~~الألف فاء فهما قرافتان الكبرى منهما ظاهر مصر والصغرى ظاهر القاهرة وبها ~~قبر الإمام الشافعي رضي الله عنه وبنو قرافة فخذ من المعافر بن يعفر نزلوا ~~هذين المكانين فنسبا إليهم وفامية بالفاء وبعد الألف ميم مكسورة وبعدها ياء ~~مثناة من تحتها ثم هاء وقد يزاد فيها الألف فيقال أفامية وهي قلعة ورستاق ~~من أعمال حلب الآن PageV03P318 # 445 الشابشتي أبو الحسين علي بن محمد الشابشتي الكاتب ~~كان أديبا فاضلا تعلق بخدمة العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر فولاه أمر ~~خزانة كتبه وجعهله دفترخوان يقرأ له الكتب ويجالسه وينادمه وكان حلو ~~المحاورة لطيف المعاشرة وله مصنفات حسنة منها كتاب الديارات ذكر فيه كل دير ~~بالعراق والموصل والشام والجزيرة والديار المصرية وجميع الأشعار المقولة في ~~كل دير وما جرى فيه وهو على أسلوب الديارات للخالديين وأبي الفرج الأصبهاني ~~مع أن هذه الديارات قد جمع فيها تواليف كثيرة وله كتاب اليسر بعد العسر ~~وكتاب مراتب الفقهاء وكتاب التوقيف والتخويف وله مكاتبات ومراسلات مضمنة ~~شعرا وحكما وغير ذلك من المصنفات في الأدب وغيره وتوفي سنة تسعين وثلاثمائة ~~وقال الأمير المختار المعروف بالمسبحي توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة ~~وزاد غيره فقال ليلة الثلاثاء منتصف صفر رحمه الله تعالى وكانت وفاته بمصر ~~والشابشتي بفتح الشين المعجمة وبعد الألف باء موحدة مضمومة ثم شين معجمة ~~ساكنة وبعدها تاء مثناة من فوقها كشفت عن هذه النسبة كثيرا فلم ms0817 أعرفها ثم ~~بعد هذا بسنين كثيرة وجدت في كتاب التاجي تصنيف أبي إسحاق الصابي أن ~~الشابشتي حاجب وشمكير بن زيار الديلمي قتل في سنة PageV03P319 # ست وعشرين وثلاثمائة بالقرب من أصبهان قلت وهذا اسم ~~ديلمي يشبه النسبة وليس بنسبة ويحتمل أن يكون صاحب هذه الترجمة منسوبا إليه ~~بأن يكون أحد أجداده من أصحابه فنسب إليه وبقي النسب على أولاده كذلك وهذا ~~وشمكير هو والد الأمير قابوس الآتي ذكره إن شاء الله تعالى 446 القابسي أبو ~~الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القروي المعروف بابن القابسي كان إماما ~~في علم الحديث ومتونه وأسانيده وجميع ما يتعلق به وكان للناس فيه اعتقاد ~~كثير وصنف في الحديث كتاب الملخص جمع فيه ما اتصل إسناده من حديث مالك بن ~~أنس رضي الله عنه في كتاب الموطأ رواية أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم ~~المصري وهو على صغر حجمه جيد في بابه وكانت ولادة أبي الحسن المذكور في يوم ~~الاثنين لست مضين من رجب سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ورحل إلى الشرق يوم ~~السبت لعشر مضين من شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وحج سنة ثلاث ~~وخمسين وسمع كتاب البخاري بمكة من أبي زيد ورجع إلى القيروان فوصلها غداة ~~الأربعاء أول شعبان أو ثانيه سنة سبع وخمسين كذا قاله أبو عبد الله مالك بن ~~وهيب وذكر الحافظ السلفي في معجم السفر أن شخصا قال في مجلس القابسي وهو ~~PageV03P320 # بالقيروان ما قصر المتنبي في معنى قوله (يراد من القلب ~~نسيانكم * وتأبى الطباع على الناقل) فقال له يا مسكين أين أنت عن قوله ~~تعالى * (لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * ~~وتوفي ليلة الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة ودفن يوم ~~الأربعاء وقت العصر بالقيروان وبات عند قبره من الناس خلق عظيم وضربت ~~الأخبية وأقبل الشعراء بالمراثي رحمه الله تعالى ولما طعن في السن كان ~~كثيرا ما ينشد قول زهير بن أبي سلمى المزني (سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ~~ثمانين ms0818 حولا لا أبا لك يسأم) وقال أبو بكر الصقلي قال لي أبو الحسن القابسي ~~كذب علي وعليك وسموني بالقابسي وما أنا بالقابسي وإنما السبب في ذلك أن عمي ~~كان يشد عمامته شدة قابسية فقيل لعمي قابسي واشتهرنا بذلك وإلا فأنا قروي ~~وأنت فلما دخل أبوك مسافرا إلى صقلية نسب إليها فقيل الصقلي ومما سمع ~~القاضي يقول أول جلوسه للمناظرة بأثر صوت أبي محمد (لعمر أبيك ما نسب ~~المعلى * إلى كرم وفي الدنيا كريم) (ولكن البلاد إذا اقشعرت * وصوح نبتها ~~رعي الهشيم) ثم بكى حتى أبكى القوم وقال أنا الهشيم أنا الهشيم والله لو أن ~~في الأرض خضراء ما رعيت أنا وأبو محمد هذا هو أبو محمد عبد الله بن أبي ~~هاشم التجيبي شيخه الذي روى عنه وهو قروي وقال أبو عمرو الداني كان شيخنا ~~أبو الحسن يعني القابسي يقرأ الملخص بكسر الخاء يجعله فاعلا يريد ~~PageV03P321 # أنه يلخص المتصل من حديث مالك رحمه الله تعالى وتقدير ~~الترجمة ما اتصل من حديث مالك للمستحفظين والقابسي بفتح القاف وبعد الألف ~~باء موحدة مكسورة ثم سين مهملة هذه النسبة إلى قابس وهي مدينة بإفريقية ~~بالقرب من المهدية ولما فتحها الأمير تميم بن المعز بن باديس المقدم ذكره ~~قال ابن محمد خطيب سوسة قصيدة طائلة أولها (ضحك الزمان وكان يدعى عابسا * ~~لما فتحت بحد عزمك قابسا) (أنكحتها عذراء ما أصدقتها * إلا قنا وبواترا ~~وفوارسا) (الله يعلم ما جنيت ثمارها * إلا وكان أبوك قبلك غارسا) (من كان ~~بالسمر العوالي خاطبا * أضحت له بيض الحصون عرائسا) 447 ابن القطاع أبو ~~القاسم علي بن جعفر بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن محمد ~~ابن زيادة الله بن محمد بن الأغلب السعدي بن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن ~~عقال ابن خفاجة بن عبد الله بن عباد بن محرث بن سعد بن حرام بن سعد بن مالك ~~بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ms0819 ابن نزار ~~بن معد بن عدنان المعروف بابن القطاع السعدي الصقلي المولد PageV03P322 # المصري الدار والوفاة اللغوي هكذا وجدت هذا النسب بخطي ~~في مسوداتي وما أعلم من أين نقلته والمنقول من خطه أنه علي بن جعفر بن علي ~~بن محمد ابن عبد الله بن الحسين الشنتريني السعدي أحد بني سعد بن زيد مناة ~~ابن تميم والله أعلم كان أحد أئمة الأدب خصوصا اللغة وله تصانيف نافعة منها ~~كتاب الأفعال أحسن فيه كل الإحسان وهو أجود من الأفعال لابن القوطية وإن ~~كان ذلك قد سبقه إليه وله كتاب أبنية الأسماء جمع فيه فأوعب وفيه دلالة ~~سعلى كثرة اطلاعه وله عروض حسن جيد وكتاب الدرة الخطيرة في المختار من ~~شعراء الجزيرة وكتاب لمح الملح جمع فيه خلقا من شعراء الأندلس وكانت ولادته ~~في العاشر من صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بصقلية وقرأ الأدب على ~~فضلائها كابن البر اللغوي وأمثاله وأجاد في النحو غاية الإجادة ورحل عن ~~صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج ووصل إلى مصر في حدود سنة خمسمائة وبالغ ~~أهل مصر في إكرامه وكان ينسب إلى التساهل في الرواية ونظم الشعر في سنة ست ~~وأربعين ومن شعره في ألثغ (وشادن في لسانه عقد * حلت عقودي وأوهنت جلدي) ~~(عابوه جهلا بها فقلت لهم * أما سمعتم بالنفث بالعقد) وله من جملة قصيدة ~~(فلا تنفدن العمر في طلب الصبا * ولا تشقين يوما بسعدى ولا نعم) ~~PageV03P323 # (ولا تندبن أطلال مية باللوى * ولا تسفحن ماء الشؤون ~~على رسم) (فإن قصارى المرء إدراك حاجة * وتبقى مذمات الأحاديث والإثم) ومن ~~شعره في غلام اسمه حمزة (يا من رمى النار في فؤادي * وأنبط العين بالبكاء) ~~(اسمك تصحيفه بقلبي * وفي ثناياك برء دائي) (أردد سلامي فإن نفسي * لم يبق ~~منها سوى الذماء) (وارفق بصب أتى ذليلا * قد مزج اليأس بالرجاء) (أنهكه في ~~الهوى التجني * فصار في رقة الهواء) وله شعر كثير وكانت ولادته في سنة ثلاث ~~وثلاثين وأربعمائة هكذا ذكره في كتابه الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة عند ~~ذكر ترجمة نفسه ms0820 رحمه الله تعالى في أواخر الكتاب المذكور ورأيته بخطه وتوفي ~~بمصر في صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى وقد تقدم الكلام على ~~السعدي والصقلي PageV03P324 # 448 ابن حزم الظاهري أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن ~~حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان ابن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي ~~سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي وجده يزيد أول من أسلم من ~~أجداده وأصله من فارس وجده خلف أول من دخل الأندلس من آبائه ومولده بقرطبة ~~من بلاد الأندلس يوم الأربعاء قبل طلوع الشمس سلخ شهر رمضان سنة أربع ~~وثمانين وثلاثمائة في الجانب الشرقي منها وكان حافظا عالما بعلوم الحديث ~~وفقهه مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب فانتقل ~~إلى مذهب أهل الظاهر وكان متفننا في علوم جمة عاملا بعلمه زاهدا في الدنيا ~~بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الممالك ~~متواضعا ذا فضائل جمة وتواليف كثيرة وجمع من الكتب في علوم الحديث ~~والمصنفات والمسندات شيئا كثيرا وسمع سماعا جما وألف في فقه الحديث كتابا ~~سماه الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لحمل شرائع الإسلام في الواجب ~~والحلال والحرام والسنة والإجماع أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم من أئمة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين في مسائل الفقه والحجة لكل ~~طائفة عليها وهو كتاب كبير وله كتاب الإحكام لأصول الأحكام في غاية التقصي ~~وإيراد PageV03P325 # الحجج وكتاب الفصل في الملل في الأهواء والنحل وكتاب ~~في الإجماع ومسائله على أبواب الفقه وكتاب في مراتب العلوم وكيفية طلبها ~~وتعلق بعضها ببعض وكتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل ~~وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل وهذا معنى لم يسبق ~~إليه وكتاب التقريب بحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة ~~الفقهية فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب الممخرقين به طريقة ~~لم يسلكها أحد قبله وكان شيخه في المنطق محمد بن الحسن المذحجي ms0821 القرطبي ~~المعروف بابن الكتاني وكان أديبا شاعرا طبيبا له في الطب رسائل وكتب في ~~الأدب ومات بعد الأربعمائة ذكر ذلك ابن ماكولا في كتاب الإكمال في باب ~~الكتامي والكتاني نقلا عن الحافظ أبي عبد الله الحميدي وله كتاب صغير سماه ~~نقط العروس جمع كل غريبة نادرة وهو مفيد جدا وقال ابن بشكوال في حقه كان ~~أبو محمد أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في ~~علم اللسان ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار أخبر ~~ولده أبو رافع الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تأليفه نحو أربعمائة مجلد ~~تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتوح ~~الحميدي ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس ~~والتدين وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه ثم قال أنشدني لنفسه ~~(لئن أصبحت مرتحلا بجسمي * فروحي عندكم أبدا مقيم) (ولكن للعيان لطيف معنى ~~* له سأل المعاينة الكليم) وله في المعنى PageV03P326 # (يقول أخي شجاك رحيل جسم * وروحك ما له عنا رحيل) ~~(فقلت له المعاين مطمئن * لذا طلب المعاينة الخليل) وروى له الحافظ الحميدي ~~أيضا (أقمنا ساعة ثم ارتحلنا * وما يغني المشوق وقوف ساعة) (كأن الشمل لم ~~يك ذا اجتماع * إذا ما شتت البين اجتماعه) وقال الحميدي أيضا أنشدني أبو ~~محمد علي بن أحمد بن حزم يعني المذكور لعبد الملك بن جهور (إن كانت الأبدان ~~بائنة * فنفوس أهل الظرف تأتلف) ) يا رب مفترقين قد جمعت * قلبيهما الأقلام ~~والصحف) ومن شعره أيضا (وذي عذل فيمن سباني حسنه * يطيل ملامي في الهوى ~~ويقول) (أفي حسن وجه لاح لم تر غيره * ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل) (فقلت ~~له أسرفت في اللوم ظالما * وعندي رد لو أردت طويل) (ألم تر أني ظاهري وأنني ~~* على ما بدا حتى يقوم دليل) وكانت بينه وبين أبي الوليد سليمان الباجي ~~المذكور في حرف السين مناظرات وماجرايات يطول شرحها وكان كثير الوقوع في ~~العلماء المتقدمين لا ms0822 يكاد يسلم أحد من لسانه فنفرت عنه القلوب واستهدف ~~لفقهاء وقته فتمالأوا على بغضه وردوا قوله وأجمعهوا على تضليله وشنعوا عليه ~~وحذروا سلاطينهم من PageV03P327 # فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه فأقصته ~~الملوك وشردته عن بلاده حتى انتهى إلى بادية لبلة فتوفي بها آخر نهار الأحد ~~لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة وقيل إنه توفي في منت ليشم ~~وهي قرية ابن حزم المذكور رحمه الله تعالى وفيه قال أبو العباس ابن العريف ~~المقدم ذكره كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين وإنما قال ذلك ~~لكثرة وقوعه في الأئمة (118 وكانت وفاة والده أبي عمر أحمد في ذي القعدة ~~سنة اثنتين وأربعمائة وكان وزير الدولة العامرية وهو من أهل العلم والأدب ~~والخير والبلاغة وقال ولده أبو محمد المذكور أنشدني والدي الوزير في بعض ~~وصاياه لي رحمه الله تعالى (إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن * على حالة إلا ~~رضيت بدونها) وذكر الحميدي في كتاب جذوة المقتبس أن الوزير المذكور كان ~~جالسا بين يدي مخدومه المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه ~~العامة فرفعت إليه رقعة استعطاف لأم رجل مسجون كان المنصور اعتقله حنقا ~~عليه لجرم استعظمه منه فلما قرأها اشتد غضبه وقال ذكرتني والله به وأخذ ~~القلم وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق ورمى الورقة إلى وزيره المذكور وأخذ ~~الوزير القلم وتناول الورقة وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرطة فقال ~~له المنصور ما هذا الذي تكتب قال بإطلاق فلان فحرد وقال من أمر بهذا فناوله ~~التوقيع فلما رآه قال وهمت والله ليصلبن ثم خط على التوقيع وأراد أن يكتب ~~يصلب فكتب يطلق فأخذ الوزير الورقة وأراد أن يكتب إلى الوالي بالإطلاق فنظر ~~إليه المنصور وغضب PageV03P328 # أشد من الأول وقال من أمر بهذا فناوله التوقيع فرأى ~~خطه فخط عليه وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق وأخذ الوزير التوقيع وشرع في ~~الكتابة إلى الوالي فرآه المنصور فأنكر أكثر من المرتين الأوليين فأراه خطه ~~بالإطلاق ms0823 فلما رآه عجب من ذلك وقال نعم يطلق على رغمي فمن أراد الله سبحانه ~~إطلاقه لا أقدر أناعلى منعه 119 وكان لأبي محمد المذكور ولد نبيه سري فاضل ~~يقال له أبو رافع الفضل ابن أبي محمد علي وكان في خدمة المعتمد بن عباد ~~صاحب إشبيلية وغيرها من بلاد الأندلس وكان المعتمد قد غضب على عمه أبي طالب ~~عبد الجبار بن محمد بن إسماعيل بن عباد وهم بقتله لأمر رابه منه فاستحضر ~~وزراءه وقال لهم من يعرف منكم في الخلفاء أو ملوك الطوائف من قتل عمه عندما ~~هم بالقيام عليه فتقدم أبو رافع المذكور وقال ما نعرف أيدك الله إلا من عفا ~~عن عمه بعد قيامه عليه وهو إبراهيم بن المهدي عم المأمون من بني العباس ~~فقبله المعتمد بين عينيه وشكره ثم أحضر عمه وبسطه وأحسن إليه وقتل أبو رافع ~~المذكور في وقعة الزلاقة مع مخدومه المعتمد في يوم الجمعة منتصف رجب سنة ~~تسع وسبعين وأربعمائة وقد استوفيت خبر هذه الواقعة في ترجمة يوسف تاشفين ~~فلينظر هناك وقد سبق ذكر إبراهيم بن المهدي في هذا الكتاب والله أعلم ولبلة ~~بفتح اللامين وبينهما باء موحدة ساكنة وفي الأخير هاء ساكنة بلدة بالأندلس ~~ومنت ليشم بفتح الميم وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها وكسر ~~PageV03P329 # اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الشين ~~المعجمة وفي آخرها ميم وهي قرية من أعمال لبلة كانت ملك ابن حزم المذكور ~~وكان يتردد إليها 449 ابن سيده الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف ~~بابن سيده المرسي كان إماما في اللغة والعربية حافظا لهما وقد جمع في ذلك ~~جموعا من ذلك كتاب المحكم في اللغة وهو كتاب كبير جامع مشتمل على أنواع ~~اللغة وله كتاب المخصص في اللغة أيضا وهو كبير وكتاب الأنيق في شرح الحماسة ~~في ست مجلدات وغير ذلك من المصنفات النافعة وكان ضريرا وأبوه ضريرا وكان ~~أبوه أيضا قيما بعلم اللغة وعليه اشتغل ولده في أول أمره ثم على أبي العلاء ~~صاعد البغدادي المقدم ms0824 ذكره وقرأ أيضا على أبي عمر الطلمنكي قال الطلمنكي ~~دخلت مرسية فتشبث بي أهلها يسمعون علي غريب المصنف فقلت لهم انظروا لي من ~~يقرأ لكم وأمسك أنا كتابي فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده فقرأه علي من ~~أوله إلى آخره فتعجبت من حفظه وكان له في الشعر حظ وتصرف وتوفي بحضرة دانية ~~عشية يوم الأحد لآربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ~~وعمره ستون سنة أونحوها رأيت على ظهر مجلد من المحكم بخط بعض فضلاء الأندلس ~~أن ابن سيده المذكور كان يوم الجمعة قبل يوم الأحد المذكور صحيحا سويا إلى ~~وقت صلاة المغرب فدخل المتوضأ فأخرج منه وقد سقط لسانه وانقطع كلامه فبقي ~~على تلك الحال إلى العصر من PageV03P330 # يوم الأحد ثم توفي رحمه الله تعالى وقيل سنة ثمان ~~وأربعين وأربعمائة والأول أصح وأشهر وسيده بكسر السين المهملة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعدها هاء ساكنة والمرسي بضم الميم ~~وسكون الراء وبعدها سين مهملة هذه النسبة إلى مرسية وهي مدينة في شرق ~~الأندلس والطلمنكي بفتح الطاء المهملة واللام والميم وسكون النون وبعدها ~~كاف هذه النسبة إلى طلمنكة وهي مدينة في غرب الأندلس ودانية بفتح الدال ~~المهملة وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها مفتوحة وبعدها هاء ~~ساكنة وهي مدينة في شرق الأندلس أيضا 450 أبو الحسن الحصري أبو الحسن علي ~~بن عبد الغني الفهري المقرئ الضرير الحصري القيرواني الشاعر المشهور قال ~~ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه كان بحر براعة ورأس صناعة وزعيم جماعة طرأ ~~على جزيرة الأندلس منتصف المائة الخامسة من الهجرة بعد خراب وطنه من ~~القيروان والأدب يومئذ بأفقنا نافق السوق PageV03P331 # معمور الطريق فتهادته ملوك طوائفها تهادي الرياض ~~بالنسيم وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم على أنه كان فيما بلغني ~~ضيق العطن مشهور اللسن يتلفت إلى الهجاء تلفت الظمآن إلى الماء ولكنه طوي ~~على غره واحتمل بين زمانته وبعد قطره ولما خلع ملوك الطوائف بأفقنا اشتملت ~~عليه مدينة طنجة ms0825 وقد ضاق ذرعه وتراجه طبعه قلت وهذا أبو الحسن ابن خالة أبي ~~إسحاق الحصري صاحب زهر الآداب وذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة والحميدي ~~أيضا وقال كان عالما بالقراءات وطرقها وأقرأ الناس القرآن الكريم بسبتة ~~وغيرها وله قصيدة نظمها في قراءة نافع عدد أبياتها مائتين وتسعة وله ديوان ~~شعر فمن قصائده السائرة القصيدة التي أولها (يا ليل الصب متى غده * أقيام ~~الساعة موعده) (رقد السمار فأرقه * أسف للبين يردده) وهي مشهورة فلا حاجة ~~إلى إيرادها وقد وازنها صاحبنا الفقيه نجم الدين موسى بن محمد بن موسى بن ~~أحمد بن عيسى الكناني أبو الفضائل المعروف بالقمراوي رحمه الله تعالى ~~والقمرواي بفتح القاف وسكون الميم وبعد الراء ألف ثم واو هذه النسبة إلى ~~قمراء وهي ضيعة بالشام من أعمال صرخد والأبيات (قد مل مريضك عوده * ورثى ~~لأسيرك حسده) PageV03P332 # (لم يبق جفاك سوى نفس * زفرات الشوق تصعده) (هاروت ~~يعنعن فن السحر * إلى عينيك ويسنده) (وإذا أغمدت اللحظ فتكت * فكيف وأنت ~~تجرده) ومنها (كم سهل خدك وجه رضا * والحاجب منك يعقده) (ما أشرك فيك القلب ~~فلم * في نار الهجر تخلده) ومن شعر الحصري أيضا) (أقول له وقد حيا بكأس * ~~لها من مسك ريقته ختام) (أمن خديك تعصر قال كلا * متى عصرت من الورد ~~المدام) ولما كان مقيما بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عباد صاحب ~~إشبيلية واسمها في بلادهم حمص فأبطأ عنه وبلغه أن المعتمد ما احتفل به فعمل ~~(نبه الركب الهجوعا * ولم الدهر الفجوعا) (حمص الجنة قالت * لغلامي لا ~~رجوعا) (رحم الله غلامي * مات في الجنة جوعا) وقد التزم في هذه الأبيات ~~لزوم ما لا يلزم وحكى تاج العلا أبو زيد المعروف بالنسابة قال حدثني أبو ~~أصبغ نباتة ابن الأصبغ بن زيد بن محمد الحارثي الأندلسي عن جده زيد بن محمد ~~قال بعث المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية إلى أبي العرب الزبيري خمسمائة دينار ~~وأمره أن يتجهز بها ويتوجه إليه وكان بجزيرة صقلية وهو من أهلها وهو أبو ~~العرب مصعب بن محمد ms0826 بن أبي الفرات القرشي الزبيري الصقلي الشاعر وبعث مثلها ~~إلى أبي الحسن الحصري وهو بالقيروان فكتب إليه أبو العرب (لا تعجبن لرأسي ~~كيف شاب أسى * واعجب لأسود عيني كيف لم يشب) (البحر للروم لا تجري السفين ~~به * إلا على غرر والبر للعرب) PageV03P333 # وكتب إليه الحصري (أمرتني بركوب البحر أقطعه * غيري لك ~~الخير فاخصصه بذا الراء) (ما أنت نوح فتنجيني سفينته * ولا المسيح أنا أمشي ~~على الماء) ثم دخل الأندلس بعد ذلك وامتدح المعتمد وغيره وتوفي سنة ثمان ~~وثمانين وأربعمائة بطنجة رحمه الله تعالى 120 ومولد القمراوي سنة إحدى ~~وتسعين وخمسمائة تقديرا وتوفي راجعا من اليمن في أواخر صفر سنة إحدى وخمسين ~~وستمائة على ساحل بحر عيذاب بموضع يقال له رأس دواير بين عيذاب وسواكن ودفن ~~في بر عيذاب قبالة موضع موته والحصري قد تقدم الكلام عليه في حرف الهمزة ~~وطنجة بفتح الطاء وسكون النون وفتح الجيم وهي بلدة بالمغرب بينها وبين سبتة ~~مرحلتان من تلك الناحية 121 وأما أبو العرب الزبيري فإنه ولد بصقلية سنة ~~ثلاث وعشرين وأربعمائة وخرج منها لما تغلب الروم عليها سنة أربع وستين ~~وأربعمائة قاصدا للمعتمد بن عباد قال ابن الصيرفي وبلغني أنه في سنة سبع ~~وخمسمائة حي بالأندلس PageV03P334 # 451 ابن خروف أبو الحسن علي بن محمد بن علي الحضرمي ~~المعروف بابن خروف النحوي الأندلسي الإشبيلي كان فاضلا في علم العربية وله ~~فيها مصنفات شهدت بفضله وسعة علمه شرح كتاب سيبويه شرحا جيدا وشرح أيضا ~~كتاب الجمل لأبي القاسم الزجاجي وما أقصر فيه وكان قد تخرج على ابن طاهر ~~النحوي الأندلسي المعروف بالخدب وتوفي سنة عشر وستمائة وقيل إنه توفي سنة ~~تسع وستمائة بإشبيلية رحمه الله تعالى وخروف بفتح الخاء المعجمة وهو غير ~~ابن خروف الشاعر وسيأتي ذكر ذلك أيضا إن شاء الله تعالى في رسالته التي ~~كتبها إلى بهاء الدين بن شداد رحمه الله تعالى والحضرمي بفتح الحاء المهملة ~~وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء وبعدها ميم هذه النسبة إلى حضرموت وقد تقدم ~~الكلام عليها PageV03P335 # 452 ms0827 الربعي النحوي أبو الحسن علي بن عيسى بن الفرج بن ~~صالح الربعي النحوي البغدادي المنزل الشيرازي الأصل كان إماما في النحو ~~متقنا له شرح كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي فأجاد فيه اشتغل ببغداد على ~~السيرافي ثم خرج إلى شيراز فقرأ على أبي علي الفارسي عشرين سنة ثم رجع إلى ~~بغداد وقال أبو علي قولوا لعلي البغدادي لو سرت من الشرق إلى الغرب لم تجد ~~أنحى منك وقال أبو علي أيضا لما انفصل عنه ما بقي له شيء يحتاج يسأل عنه ~~وله عدة تواليف في النحو منها شرح مختصر الجرمي وانتفع بالاشتغال عليه خلق ~~كثير وذكره ابن الأنباري في كتاب طبقات الأدباء وكانت ولادته سنة ثمان ~~وعشرين وثلاثمائة وتوفي ليلة السبت لعشر بقين من المحرم سنة عشرين ~~وأربعمائة ببغداد رحمه الله تعالى والربعي بفتح الراء والباء الموحدة ~~وبعدها عين مهملة هذه النسبة إلى ربيعة ولا أعلم أهو ربيعة بن نزار أم غيره ~~فقد جاءت هذه النسبة إلى جماعة اسم كل واحد مهم ربيعة والله أعلم ~~PageV03P336 # 453 الفصيحي أبو الحسن علي بن أبي زيد محمد بن علي ~~النحوي المعروف بالفصيحي الإستراباذي أخذ النحو عن عبد القاهر الجرجاني ~~صاحب الجمل الصغرى وتبحر فيه حتى صار أعرف أهل زمانه به وقدم بغداد ~~واستوطنها ودرس النحو بالمدرسة النظامية مدة وكان يكتب خطا في غاية الصحة ~~وكتب كثيرا من كتب الأدب وانتفع به خلق كثير ومن جملة من أخذ عنه ملك ~~النحاة الحسن بن صافي وقد تقدم ذكره وروى عنه الحافظ أبو الطاهر السلفي ~~الأصبهاني وقال جالسته ببغداد وسألته عن أحرف من العربية وقال أنشدني لبعض ~~النحاة (النحو شؤم كله فاعلموا * يذهب بالخبز من البيت) (خير من النحو ~~وأصحابه * ثريدة تعمل بالزيت) وتوفي يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة سنة ست ~~عشرة وخمسمائة ببغداد رحمه الله تعالى ولم أعرف نسبته بالفصيحي إلى كتاب ~~الفصيح لثعلب أم إلى شيء آخر والإستراباذي بكسر الهمزة وسكون السين المهملة ~~وكسر التاء المثناة من فوقها وفتح الراء وبعد الألف باء موحدة ms0828 مفتوحة وبعد ~~الألف الثانية ذال معجمة هذه النسبة إلى إستراباذ وهي بلدة من أعمال ~~مازندران بين سارية وجرجان PageV03P337 # 454 ابن العصار أبو الحسن علي بن أبي الحسين عبد ~~الرحيم بن الحسن بن عبد الملك بن إبراهيم السلمي الرقي الأصل البغدادي ~~المولد والدار الملقب مهذب الدين المعروف بابن العصار اللغوي كان من ~~الأدباء المشاهير وحصل له منه أشياء غريبة وقرأ الأدب على الشريف أبي ~~السعادات ابن الشجري وأبي منصور ابن الجواليقي وبرع في فنه وأقرأ الناس ~~زمانا ورحل إلى مصر واجتمع بأبي محمد ابن بري والموفق بن الخلال كاتب ~~الإنشاء وكان عارفا بديوان أبي الطيب المتنبي علما ورواية وقرأه عليه جمع ~~كثير في العراق والشام ومصر وكتب بخطه الكثير من كتب الأدب وشعر العرب ويقع ~~في خطه الغلط مع كثرة ضبطه واحترازه وقيل إنه لم يكن ذكيا ولم يكن في النحو ~~كما هو في اللغة وكانت طريقته في الخط حسنة والناس يتنافسون في خطه ويغالون ~~به وكان حريصا على الفوائد وطلبها وسطرها على كتبه ورأيت جماعة ممن لقيه ~~وأخذ عنه وكانت ولادته في سنة ثمان وخمسمائة وتوفي يوم السبت بعد صلاة ~~الظهر ثالث المحرم سنة ست وسبعين وخمسمائة ببغداد ودفن بمقبرة الشونيزي ~~ببغداد رحمه الله تعالى بجنب قبر أبيه يوم الأحد PageV03P338 # 455 شميم الحلي أبو الحسن علي بن الحسن بن عنتر بن ~~ثابت الملقب مهذب الدين المعروف بشميم الحلي كان أديبا فاضلا خبيرا بالنحو ~~واللغة وأشعار العرب حسن الشعر وكان اشتغاله ببغداد على أبي محمد ابن ~~الخشاب ومن في طبقته من أدباء ذلك الوقت ثم سافر إلى ديار بكر والشام ومدح ~~الأكابر وأخذ جوائزهم واستوطن الموصل وله عدة تصانيف وجمع من نظمه كتابا ~~سماه الحماسة رتبه على عشرة أبواب وضاهى به كتاب الحماسة لأيي تمام الطائي ~~وكان جم الفضيلة إلا أنه كان بذيء اللسان كثير الوقوع في الناس مسلطا على ~~ثلب أعراضهم لا يثبت لأحد في الفضل شيئا ذكره أبو البركات ابن المستوفي في ~~تاريخ إربل وقبح ذكره بأشياء نسبها إليه ms0829 من قلة الدين وتركه للصلوات ~~المكتوبة ومعارضته للقرآن الكريم واستهزائه بالناس وذكر مقاطيع من شعره وفي ~~شعره تعسف وقال سئل لم سمي شميما فقال أقمت مدة آكل كل يوم شيئا من الطين ~~فإذا وضعته PageV03P339 # عند قضاء الحاجة شممته فلا أجد له رائحة فسميت لذلك ~~شميما وتوفي ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى ~~وستمائة بالموصل ودفن بمقبرة المعافى بن عمران رحمه الله تعالى وشميم بضم ~~الشين المعجمة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ميم وهو من ~~الشم 456 العلم السخاوي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد ~~بن عبد الغالب الهمداني المصري السخاوي المقرئ النحوي الملقب علم الدين كان ~~قد اشتغل بالقاهرة على الشيخ أبي محمد القاسم الشاطبي المقرئ المذكور في ~~حرف القاف وأتقن عليه علم القراءات والنحو واللغة وعلى أبي الجود غياث بن ~~فارس بن مكي المقرئ وسمع بالإسكندرية من السلفي وابن عوف وبمصر من البوصيري ~~وابن ياسين ثم انتقل إلى مدينة دمشق وتقدم بها على علماء فنونه واشتهر وكان ~~للناس فيه اعتقاد عظيم وشرح المفصل للزمخشري في أربع مجلدات وشرح القصيدة ~~الشاطبية في القراءات وكان قد قرأها على ناظمها وله خطب وأشعار وكان متعينا ~~في وقته ورأيته بدمشق والناس يزدحمون عليه في الجامع لأجل القراءة ولا تصح ~~PageV03P340 # لواحد منهم نوبة إلا بعد زمان ورأيته مرارا يركب بهيمة ~~وهو يصعد إلى جبل الصالحيين وحوله اثنان وثلاثة وكل واحد يقرأ ميعاده في ~~موضع غير الآخر والكل في دفعة واحدة وهو يرد على الجميع ولم يزل مواظبا على ~~وظيفته إلى أن توفي بدمشق ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث ~~وأربعين وستمائة وقد نيف على تسعين سنة رحمه الله تعالى ولما حضرته الوفاة ~~أنشد لنفسه (قالوا غدا نأتي ديار الحمى * وينزل الركب بمغناهم) (وكل من كان ~~مطيعا لهم * أصبح مسرورا بلقياهم) (قلت فلي ذنب فما حيلتي * بأي وجه ~~أتلقاهم) (قالوا أليس العفو من شأنهم * لا سيما عمن ترجاهم) ثم ظفرت بتاريخ ms0830 ~~مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بسخا والله أعلم والسخاوي بفتح السين ~~المهملة والخاء المعجمة وبعدها ألف هذه النسبة إلى سخا وهي بليدة بالغربية ~~من أعمال مصر وقياسه سخوي لكن الناس أطبقوا على النسبة الأولى PageV03P341 # 457 ابن البواب الكاتب أبو الحسن علي بن هلال المعروف ~~بابن البواب الكاتب المشهور لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب ~~مثله ولا قاربه وإن كان أبو علي ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة من خط ~~الكوفيين وأبرزها في هذه الصورة وله بذلك فضيلة السبق وخطه أيضا في نهاية ~~الحسن لكن ابن البواب هذب طريقته ونقحها وكساها طلاوة وبهجة وقيل إن صاحب ~~الخط المنسوب المشهور ليس أبا على المذكور وإنما هو أخوه أبو عبد الله ~~الحسن وهو مذكور في ترجمة أخيه أبي علي المذكور في المحمدين فلينظر هناك ~~ولما شاهد أبو عبيد البكري الأندلسي صاحب التصانيف خط ابن مقلة أنشد: # (خط ابن مقلة من أرعاه مقلته * ودت جوارحه لو أصبحت مقلا) والكل معترفون ~~لأبي الحسن بالتفرد وعلى منواله ينسجون وليس فيهم من يلحق شأوه ولا يدعي ~~ذلك مع أن في الخلق من يدعي ما ليس فيه ومع هذا فما رأينا ولا سمعنا أن ~~أحدا ادعى ذلك بل الجميع أقروا له بالسابقة وعدم المشاركة ويقال له ابن ~~الستري أيضا لأن أباه كان بوابا والبواب ملازم ستر الباب فلهذا نسب إليه ~~122 وكان شيخه في الكتابة ابن أسد الكاتب المشهور وهو أبو عبد الله محمد بن ~~أسد بن علي بن سعيد القارئ الكاتب البزاز البغدادسمع أبا بكر أحمد بن ~~PageV03P342 # سليمان النجاد وعلي بن محمد بن الزبير الكوفي وجعفر ~~الخلدي وعبد الملك بن الحسن السقطي وجماعة من هذه الطبقة وكان صدوقا مات ~~محمد بن أسد في يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرم سنة عشر وأربعمائة ودفن ~~بالشونيزي وتوفي ابن البواب يوم الخميس ثاني جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ~~وقيل ثلاث عشرة وأربعمائة ببغداد ودفن جوار الإمام أحمد بن حنبل رضي الله ~~عنه وأنشدني بعض العلماء بيتين ms0831 ذكر أنه رثي بهما ابن البواب وهما (استشعر ~~الكتاب فقدك سالفا * وقضت بصحة ذلك الأيام) (فلذاك سودت الدوي كآبة * أسفا ~~عليك وشقت الأقلام) وهذا معنى حسن جدا وسألني بعض الفقهاء بمدينة حلب عن ~~قول بعض المتأخرين من جملة أبيات في صفة كتاب (كتاب كوشي الروض خطت سطوره * ~~يد ابن هلال عن فم ابن هلال) فقلت له هذا يقول إن خطه في الحسن مثل خط ابن ~~البواب وفي بلاغة ألفاظه مثل رسائل الصابىء لأنه ابن هلال أيضا كما تقدم في ~~ترجمته ثم سألت الفقيه المذكور عن بقية الأبيات التي منها هذا البيت ~~فأنشدنيها وهي (ولما أتى منك الكتاب الذي حوى * قلائد سخر للبيان حلال) ~~(وقفت على ربع من الفضل آهل * وقوفي بربع للأحبة خال) (أرقرق من دمعي وأدمن ~~لثمه * وأسأل أطلالا تجيب سؤالي) (وهمت به حتى توهمت لفظه * نجوم ليال أم ~~سموط لآلي) PageV03P343 # (كتاب كوشي الروض خطت سطوره * يد ابن هلال عن فم ابن ~~هلال) ومما يتعلق بالكتابة أن أول من خط بالعربي إسماعيل عليه السلام ~~والصحيح عند أهل العلم أنه مرامر بن مروة من أهل الأنبار وقيل إنه من بني ~~مرة ومن الأنبار انتشرت الكتابة في الناس قال الأصمعي ذكروا أن قريشا سئلوا ~~من أين لكم الكتابة فقالوا من الحيرة وقيل لأهل الحيرة من أين لكم الكتابة ~~فقالوا من الأنبار وروى ابن الكلبي والهيثم بن عدي أن الناقل لهذه الكتابة ~~من الحيرة إلى الحجاز هو حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ~~وكان قدم الحيرة فعاد إلى مكة بهذه الكتابة وقالا قيل لأبي سفيان ابن حرب ~~ممن أخذ أبوك هذه الكتابة فقال من أسلم بن سدرة وقال سألت أسلم ممن أخذت ~~هذه الكتابة فقال من واضعها مرامر بن مرة فحدوث هذه الكتابة قبل الإسلام ~~بقليل وكان لحمير كتابة تسمى المسند وحروفها منفصلة غير متصلة وكانوا ~~يمنعون العامة من تعلمها فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم فجاءت ملة الإسلام ~~وليس بجميع اليمن من يقرأ ويكتب وجميع كتابات الأمم ms0832 من سكان الشرق والغرب ~~اثنتا عشرة كتابة وهي العربية والحميرية واليونانية والفارسية والسريانية ~~والعبرانية والرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية فخمس ~~منها اضمحلت وبطل استعمالها وذهب من يعرفها وهي الحميرية واليونانية ~~والقبطية والبربرية والأندلسية وثلاث قد بقي استعمالها في بلادها وعدم من ~~يعرفها في بلاد الإسلام وهي الرومية والهندية والصينية وحصلت أربع هي ~~مستعملات في بلاد الإسلام وهي العربية والفارسية والسريانية والعبرانية ~~PageV03P344 # 458 شيخ الإسلام أبو الحسن علي بن أحمد بن يوسف بن ~~جعفر بن عرفة الهكاري الملقب شيخ الإسلام هو من ولد عتبة بن أبي سفيان صخر ~~بن حرب بن أمية وكان كثير الخير والعبادة وطاف البلاد واجتمع بالعلماء ~~والمشايخ وأخذ عنهم الحديث ورجع إلى وطنه وانقطع به وأقبل الناس عليه وكان ~~لهم فيه اعتقاد حسن ولقي الشيخ أبا العلاء المعري وسمع منه فلما انفصل عنه ~~سأله بعض أصحابه عما رآه منه وعن عقيدته فقال هو رجل من المسلمين وسمعت أن ~~بعض الأكابر قال له أنت شيخ الإسلام فقال بل أنا شيخ في الإسلام وخرج من ~~أولاده وحفدته جماعة تقدموا عند الملوك وعلت مراتبهم منهم فقهاء ومنهم ~~أمراء وكانت ولادته سنة تسع وأربعمائة وتوفي في أول المحرم سنة ست وثمانين ~~وأربعمائة رحمه الله تعالى والهكاري بفتح الهاء وتشديد الكاف وبعد الألف ~~راء هذه النسبة إلى قبيلة من الأكراد لهم معاقل وحصون وقرى من بلاد الموصل ~~من جهتها الشرقية PageV03P345 # 459 الشيخ علي الهروي السائح أبو الحسن علي بن أبي بكر ~~بن علي الهروي الأصل الموصلي المولد السائح المشهور نزيل حلب طاف البلاد ~~وأكثر من الزيارات وكاد يطبق الأرض بالدوران فإنه لم يترك برا ولا بحرا ولا ~~سهلا ولا جبلا من الأماكن التي يمكن قصدها ورؤيتها إلا رآه ولم يصل إلى ~~موضع إلا كتب خطه في حائطه ولقد شاهدت ذلك في البلاد التي رأيتها مع كثرتها ~~ولما سار ذكره بذلك واشتهر به ضرب به المثل فيه ورأيت لبعض المعاصرين وهو ~~ابن شمس الخلافة جعفر المقدم ذكره بيتين في شخص يستجدي من ms0833 الناس بأوراقه ~~وقد ذكر فيهما هذه الحالة وهما (أوراق كديته في بيت كل فتى * على اتفاق ~~معان واختلاف روي) PageV03P346 # (قد طبق الأرض من سهل إلى جبل * كأنه خط ذاك السائح ~~الهروي) وإنما ذكرت البيتين استشهادا بهما على ما ذكرته من كثرة زياراته ~~وكتب خطه وكان مع هذا فيه فضيلة وله معرفة بعلم السيمياء وبه تقدم عند ~~الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب وأقام عنده وكان كثير ~~الرعاية له وبنى له مدرسة بظاهر حلب وفي ناحية منها قبة هو مدفون بها وبتلك ~~المدرسة بيوت كتب على باب كل بيت ما يليق به ورأيته كتب على باب الميضأة ~~بيت المال في بيت الماء ورأيت في قبته معلقا عند رأسه غصنا وهو حلقة خلقية ~~ليس فيه صنعة وهو أعجوبة وقيل إنه رآه في بعض سياحاته فاستصحبه وأوصى أن ~~يكون عند رأسه ليعجب منه من يراه وله مصنفات منها كتاب الإشارات في معرفة ~~الزيارات وكتاب الخطب الهروية وغير ذلك ورأيت في حائط الموضع الذي تلقى فيه ~~الدروس من المدرسة المذكورة بيتين مكتوبين بخط حسن وكأنهما كتابة رجل فاضل ~~نزل هناك قاصدا الديار المصرية فأحببت ذكرهما لحسنهما وهما (رحم الله من ~~دعا لأناس * نزلوا هاهنا يريدون مصرا) (نزلوا والخدود بيض فلما * أزف البين ~~عدن بالدمع حمرا) وتوفي في شهر رمضان في العشر الوسط سنة إحدى عشرة وستمائة ~~في مدرسته المذكورة ودفن في القبة رحمه الله تعالى والهروي بفتح الهاء ~~والراء وبعدها واو هذه النسبة إلى مدينة هراة وهي أحد كراسي مملكة خراسان ~~فإنها مملكة عظيمة وكراسيها أربعة PageV03P347 # نيسابور ومرو وبلخ وهراة والباقي مدن كبار لكنها ما ~~تنتهي إلى هذه الأربعة وهراة بناها الإسكندر ذو القرنين عند مسيره إلى ~~المشرق 460 عز الدين ابن الأثير الجزري أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن ~~محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري ~~الملقب عز الدين ولد بالجزيرة ونشأ بها ثم سار إلى الموصل مع والده وأخويه ~~الآتي ذكرهما إن شاء ms0834 الله تعالى وسكن الموصل وسمع بها من أبي الفضل عبد ~~الله بن أحمد الخطيب الطوسي ومن في طبقته وقدم بغداد مرارا حاجا ورسولا من ~~صاحب الموصل وسمع بها من الشيخين أبي القاسم يعيش بن صدقة الفقيه الشافعي ~~وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي الصوفي وغيرهما ثم رحل إلى لاشام والقدس وسمع ~~هناك من جماعة ثم عاد إلى الموصل ولزم بيته منقطعا إلى التوفر على النظر في ~~العلم والتصنيف وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها وكان ~~إماما في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلق به وحافظا للتواريخ المتقدمة ~~والمتأخرة وخبيرا بأنساب العرب وأخبارهم وأيامهم ووقائعهم صنف في التاريخ ~~كتابا كبيرا سماه الكامل ابتدأ فيه من أول الزمان إلى آخر سنة ثمان وعشرين ~~وستمائة وهو من خيار التواريخ واختصر كتاب الأنساب لأبي سعد عبد الكريم بن ~~السمعاني واستدرك عليه فيه مواضع ونبه على أغلاط PageV03P348 # وزاد أشياء أهملها وهو كتاب مفيد جدا وأكثر ما يوجد ~~اليوم بأيدي الناس هذا المختصر وهو في ثلاث مجلدات والأصل في ثمان وهو عزيز ~~الوجود ولم أره سوى مرة واحدة بمدينة حلب ولم يصل إلى الديار المصرية سوى ~~المختصر المذكور وله كتاب أخبار الصحابة رضوان الله عليهم في ست مجلدات ~~ولما وصلت إلى حلب في أواخر سنة ست وعشرين وستمائة كان عز الدين المذكور ~~مقيما بها في صورة الضيف عند الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم أتابك الملك ~~العزيز ابن الملك الظاهر صاحب حلب وكان الطواشي كثير الإقبال عليه حسن ~~الاعتقاد فيه مكرما له فاجتمعت به فوجدته رجلا مكملا في الفضائل وكرم ~~الأخلاق وكثرة التواضع فلازمت الترداد إليه وكان بينه وبين الوالد رحمه ~~الله تعالى مؤانسة أكيدة فكان بسببها يبالغ في الرعاية والإكرام ثم إنه ~~سافر إلى دمشق في أثناء سنة سبع وعشرين ثم عاد إلى حلب في أثناء سنة ثمان ~~وعشرين فجريت معه على عادة الترداد والملازمة وأقام قليللا ثم توجه إلى ~~الموصل وكانت ولادته في رابع جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة بجزيرة ~~ابني عمر وهم ms0835 من أهلها وتوفي في شعبان سنة ثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى ~~بالموصل وسيأتي ذكر أخويه مجد الدين أبي السعادات المبارك وضياء الدين أبي ~~الفتح نصر الله إن شاء الله تعالى والجزيرة المذكورة أكثر الناس يقولون ~~إنها جزيرة ابن عمر ولا أدري من ابن عمر وقيل إنها منسوبة إلى يوسف بن عمر ~~الثقفي أمير العراقين ثم إني ظفرت بالصواب في ذلك وهو أن رجلا من أهل ~~برقعيد من أعمال الموصل بناها وهو عبد العزيز بن عمر فأضيفت إليه ورأيت في ~~بعض التواريخ أنها جزيرة ابني عمر أوس وكامل ولا أدري أيضا من هما ثم رأيت ~~في PageV03P349 # تاريخ ابن المستوفي في ترجمة أبي السعادات المبارك بن ~~محمد أخي أبي الحسن المذكور أنه من جزيرة أوس وكامل ابني عمر بن أوس ~~التغلبي 461 العكوك أبو الحسن علي بن جبلة بن مسلم بن عبد الرحمن المعروف ~~بالعكوك الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء المبرزين قال الجاحظ في حقه كان ~~أحسن خلق الله إنشادا ما رأيت مثله بدويا ولا حضريا وكان من الموالي وولد ~~أعمى وكان أسود أبرص ومن مشهور شعره قوله (بأبي من زارني مكتتما * خائفا من ~~كل شيء جزعا) (زائر نم عليه حسنه * كيف يخفي الليل بدرا طلعا) (رصد الغفلة ~~حتى أمكنت * ورعى السامر حتى هجعا) (ركب الأهوال في زورته * ثم ما سلم حتى ~~ودعا) ومن قوله في الحسن بن سهل (أعطيتني يا ولي الحق مبتدئا * عطية كافأت ~~شعري ولم ترني) (ما شمت برقك إلا نلت ريقه * كأنما كنت بالجدوى تبادرني) ~~PageV03P350 # وله في أبي دلف العجلي وأبي غانم حميد بن عبد الحميد ~~الطوسي غر المدائح فمن قصائده الفائقة في أبي دلف القصيدة التي أولها (ذاد ~~ورد الغي عن صدره * فارعوى واللهو من وطره) يقول في مدحها (إنما الدنيا أبو ~~دلف * بين مغزاه ومختضره) (فإذا ولى أبو دلف * ولت الدنيا على أثره) ومنها ~~(كل من في الأرض من عرب * بين باديه إلى حضره) (مستعير منك مكرمة * يكتسيها ~~يوم مفتخره) وهي طويلة عددها ثمانية وخمسمون بيتا ms0836 ولولا خوف الإطالة ~~لأثبتها كلها لأجل حسنها ولقد سئل شرف الدين بن عنين الآتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى وكان من أخبر الناس بنقد الشعر عن هذه القصيدة وقصيدة أبي نواس ~~الموازنة لها التي أولها (أيها المنتاب من عفره * لست من ليلي ولا سمره) ~~وهي من نوادر الشعر أيضا فلم يفضل إحداهما على الأخرى وقال ما يصلح أن ~~يفاضل بين هاتين إلا شخص يكون في درجة هذين الشاعرين ورأيت لأبي العباس ~~المبرد كلاما في وصف قصيدة أبي نواس المذكورة فإنه قال بعد ذكر القصيدة ما ~~أحسب شاعرا جاهليا ولا إسلاميا يبلغ هذا المبلغ فضلا أن يزيد عليه جزالة ~~وفخامة وقال محمد بن خلف بن محمد الطائي قلت لعلي بن جبلة عارضت أبا نواس ~~PageV03P351 # بقصيدتك هذه ذاد ورد الغي عن صدره في قصيدته ويحكى أن ~~العكوك مدح حميد بن عبد الحميد الطوسي بعد مدحه لأبي دلف بهذه القصيدة فقال ~~له حميد ما عسى أن تقول فينا وما أبقيت لنا بعد قولك في أبي دلف إنما ~~الدنيا أبو دلف... وأنشد البيتين فقال أصلح الله الأمير قد قلت فيك ما هو ~~أحسن من هذا قال وما هو فأنشد (إنما الدنيا حميد * وأياديه الجسام) (فإذا ~~ولى حميد * فعلى الدنيا السلام) قال فتبسم ولم يحر جوابا فأجمع من حضر ~~المجلس من أهل المعرفة والعلم بالشعر أن هذا أحسن مما قاله في أبي دلف ~~فأعطاه وأحسن جائزته وحكي وقيل إنه مدح المأمون بقصيدة أجاد فيها وتوسل ~~بحميد الطوسي في إيصالها إليه فقال له المأمون خيره بين أن نجمع بين قوله ~~هذا وبين قوله فيك وفي أبي دلف فإن وجدنا قوله فينا خيرا منه أجزناه عشرة ~~آلاف وإلا ضربناه مائة سوط فخيره حميد فاختار الإعفاء وقال ابن المعتز في ~~طبقات الشعراء ولما بلغ المأمون خبر هذه القصيدة غضب غضبا شديدا وقال ~~اطلبوه حيثما كان وائتوني به فطلبوه فلم يقدروا عليه لأنه كان مقيما بالجبل ~~فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة الفراتية وقد كانوا كتبوا إلى الآفاق ms0837 ~~أن يؤخذ حيث كان فهرب من الجزيرة حتى توسط الشامات فظفروا به فأخذوه وحملوه ~~مقيدا إلى المأمون فلما صار بين يديه قال له يا ابن اللخناء أنت القائل في ~~قصيدتك للقاسم بن عيسى وهو أبو دلف (كل من في الأرض من عرب *) وأنشد ~~البيتين جعلتنا ممن يستعير المكارم منه والافتخار به قال يا أمير ~~PageV03P352 # المؤمنين أنتم أهل بيت لا يقاس بكم لأن الله اختصكم ~~لنفسه عن عباده وآتاكم الكتاب والحكم وآتاكم ملكا عظيما وإنما ذهبت في قولي ~~إلى أقران وأشكال القاسم بن عيس من هذا الناس فقال والله ما أبقيت أحدا ~~ولقد أدخلتنا في الكل وما أستحل دمك بكلمتك هذه ولكني أستحله بكفرك في شعرك ~~حيث قلت في عبد ذليل مهين فأشركت بالله العظيم وجعلت معه مالكا قادرا وهو ~~(أنت الذي تنزل الأيام منزلها * وتنقل الدهر من حال إلى حال) (وما مددت مدى ~~طرف إلى أحد * إلا قضيت بأرزاق وآجال) ذاك الله عز وجل يفعله أخرجوا لسانه ~~من قفاه فأخرجوا لسانه من قفاه فمات وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين ~~ببغداد ومولده سنة ستين ومائة وقيل إنه أصابه الجدري وهو ابن سبع سنين فذهب ~~بصره منه وهذا خلاف ما قيل في الأول قلت هكذا ذكر ابن المعتز هذه القصة ~~وكذلك قال أيضا أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني ورأيت في كتاب البارع ~~في أخبار الشعراء المولدين تأليف أبي عبد الله ابن المنجم هذين البيتين مع ~~بيت ثالث وهو (تزور سخطا فتمسي البيض راضية * وتستهل فتبكي أعين المال) ~~لخلف بن مرزوق مولى علي بن ريطة والله أعلم بالصواب ومن مديحه حميدا قوله ~~(تكفل ساكني الدنيا حميد * فقد أضحوا لها فيها عيالا) (كأن أباه آدم كان ~~أوصى * إليه أن يعولهم فعالا) وقوله أيضا فيه PageV03P353 # (دجلة تسقي وأبو غانم * يطعم من تسقي من الناس) ~~(فالناس جسم وإمام الهدى * رأس وأنت العين في الرأس) ولما مات حميد في يوم ~~عيد الفطر سنة عشر ومائتين رثاه بقصيدة من جملتها (فأدبنا ما أدب الناس ~~قبلنا ms0838 * ولكنه لم يبق للصبر موضع) ورثاه أبو العتاهية بقوله (أبا غانم أما ~~ذراك فواسع * وقبرك معمور الجوانب محكم) (وما ينفع المقبور عمران قبره * ~~إذا كان فيه جسمه يتهدم) وأخبار العكوك كثيرة ونقتصر منها على هذا القدر ~~والعكوك بفتح العين المهلمة والكاف وتشديد الواو وبعدها كاف ثانية وهو ~~السمين القصير مع صلابة رحمه الله تعالى وجبلة بفتح الجيم والباء الموحدة ~~واللام وبعدها هاء ساكنة وأما حميد الطوسي فإن الطبري ذكر في تاريخه تاريخ ~~وفاته كما ذكرته هاهنا وغالب ظني أنه توفي بفم الصلح لأنه كان مع المأمون ~~لما توجه إليها للدخول على بوران حسبما شرحته في ترجمتها في هذا التاريخ ~~PageV03P354 # 462 علي بن الجهم أبو الحسن علي بن الجهم بن بدر بن ~~الجهم بن مسعود بن أسيد بن أذينة بن كرار بن كعب بن جابر بن مالك بن عتبة ~~بن جابر بن الحارث بن قطن بن مدلج بن قطن بن أحزم بن ذهل بن عمرو بن مالك ~~بن عبيدة بن الحارث بن سامة ابن لؤي بن غالب القرشي السامي الشاعر المشهور ~~أحد الشعراء المجيدين هكذا ساق الخطيب في تاريخ بغداد نسبه في ترجمة والده ~~الجهم وذكره أيضا في ترجمة مفردة فقال له ديوان شعر مشهور وكان جيد الشعر ~~عالما بفنونه وله اختصاص بجعفر المتوكل وكان متدينا فاضلا انتهى كلامه وكان ~~مع انحرافه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإظهاره التسنن مطبوعا مقتدرا ~~على الشعر عذب الألفاظ وكان من ناقلة خراسان إلى العراق ثم نفاه المتوكل ~~إلى خراسان في سنة اثنتين وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين ومائتين لأنه هجا ~~المتوكل وكتب إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أنه إذا ورد عليه ~~صلبه يوما فوصل إلى شاذياخ نيسابور فحبسه طاهر ثم أخرجه فصلبه مجردا نهارا ~~كاملا فقال في ذلك (لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحة الاثنين * مسبوقا ولا ~~مجهولا) PageV03P355 # (نصبوا بحمد الله ملء قلوبهم * شرفا وملء صدورهم ~~تبجيلا) وهي أبيات كثيرة مشهورة ثم رجع إلى العراق ثم خرج إلى الشام وبعد ms0839 ~~ذلك ورد على المستعين كتاب من صاحب البريد بحلب أن علي بن الجهم خرج من حلب ~~متوجها إلى العراق فخرجت عليه وعلى جماعة معه خيل من بني كلب فقاتلهم قتالا ~~شديدا ولحقه الناس وهو جريح بآخر رمق فكان مما قال (أزيد في الليل ليل * أم ~~سال بالصبح سيل) (ذكرت أهل دجيل * وأين مني دجيل) وكان منزله ببغداد في ~~شارع الدجيل وكان ورود الكتاب في شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين وتوفي في ~~وقته ولما نزعت ثيابه بعد موته وجدت فيها رقعة وقد كتب فيها (يا رحمتا ~~للغريب في البلد النازح * ماذا بنفسه صنعا) (فارق أحبابه فما انتفعوا * ~~بالعيش من بعده ولا انتفعا) وكانت بينه وبين أبي تمام مودة أكيدة وإليه كتب ~~أبو تمام الأبيات التي يودعه فيها التي أولها (هي فرقة من صاحب لك ماجد * ~~فغدا إراقة كل دمع جامد) وديوان شعره صغير فمنه قوله وهو معنى مليح ~~PageV03P356 # (بلاء ليس يعدله بلاء * عداوة غير ذي حسب ودين) (يبيحك ~~منه عرضا لم يصنه * ويرتع منك في عرض مصون) وهذان البيتان قالهما في مروان ~~بن أبي حفصة لما عمل فيه (لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر * وهذا علي بعده ~~يدعي الشعرا) (ولكن أبي قد كان جارا لأمه * فلما ادعى الأشعار أوهمني أمرا) ~~وهذا المعنى مأخوذ من قول كثير عزة وقد أنشد الفرزدق شعرا له فاستحسنه فقال ~~له يا أبا صخر هل كانت أمك ترد البصرة فقال لا ولكن كان أبي كثيرا ما يردها ~~وله وقد حبس أبياته المشهورة التي أولها (قالت حبست فقلت ليس بضائري * حبسي ~~وأي مهند لا يغمد) وهي أبيات جيدة في هذا المعنى لم يعمل مثلها ولولا طولها ~~لذكرتها وله أيضا (يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا * هل أنت إلا مليك جار إذ ~~قدرا) (لولا الهوى لتجارينا على قدر * فإن أفق منه يوما ما فسوف ترى) وله ~~أشياء حسنة والسامي بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم هذه النسبة إلى سامة ~~بن لؤي المذكور في نسبه ويتصحف على كثير من الناس ms0840 بالشامي بالشين المعجمة ~~وهو غلط ودجيل بضم الدال المهملة وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها ~~PageV03P357 # وبعدها لام تصغير دجلة تصغير ترخيم وهو نهر بأعلى ~~بغداد فخرجه من دجلة مقابل القادسية في الجانب الغربي بين تكريت وبغداد ~~عليه مدن وقرى وهو غير دجيل الأهواز وهو أيضا نهر عليه قرى ومدن ومخرجه من ~~جهة أصبهان حفره أردشير بن بابك بن ساسان أول ملوك الفرس 463 ابن الرومي ~~أبو الحسن علي بن العباس بن جريج وقيل جورجيس المعروف بابن الرومي مولى ~~عبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه الشاعر المشهور صاحب النظم العجيب ~~والتوليد الغريب يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في ~~أحسن صورة ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقي فيه بقية وكان ~~شعره غير مرتب ورواه عنه المسيبي ثم عمله أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف ~~وجمعه أبو الطيب وراق ابن عبدوس من جميع النسخ فزاد على كل نسخة مما هو على ~~الحروف وغيرها نحو ألف بيت وله PageV03P358 # القصائد المطولة والمقاطيع البديعة وله في الهجاء كل ~~شيء ظريف وكذلك في المديح فمن ذلك قوله (المنعمون وما منوا على أحد * يوم ~~العطاء ولو منوا لما مانوا) (كم ضن بالمال أقوام وعندهم * وفر وأعطى ~~العطايا وهو يدان) وله أيضا وقال ما سبقني إلى هذا المعنى أحد (آراؤكم ~~ووجوهكم وسيوفكم * في الحادثات إذا دجون نجوم) (منها معالم للهدى ومصابح * ~~تجلو الدجى والأخريات رجوم) ومن معانيه البديعة قوله (وإذا امرؤ مدح امرءا ~~لنواله * وأطال فيه فقد أراد هجاءه) (لو لم يقدر فيه بعد المستقى * عند ~~الورود لما أطال رشاءه) وكذلك قوله في ذم الخضاب قال أبو الحسين جعفر بن ~~علي الحمداني ما سبقه أحد إلى هذا المعنى (إذا دام للمرء السواد وأخلقت * ~~شبيبته ظن السواد خضابا) (فكيف يظن الشيخ أن خضابه * يظن سوادا أو يخال ~~شبابا) وقوله (كم يعد القرن باللقاء وكم * يكذب في ms0841 وعده ويخلفه) (لا يعرف ~~القرن وجهه ويرى * قفاه من فرسخ فيعرفه) أخذ هذا المعنى الأخير من قول ~~الخارجي وقد قال المنصور أي أصحابنا أشد PageV03P359 # إقداما في مبارزتكم فقال ما أعرف وجوهم ولكن أعرف ~~أقفاءهم فقل لهم يقبلوا فأعرفهم وقال رجل لابن الرومي وهو يمازحه ما أنت ~~والشعر وقد نلت منه حظا جسيما وأنت من العجم أراك عربيا أو مدعيا في الشعر ~~قال بل أنت دعي إذ كنت تنسب عربيا ولا تحسن من ذلك شيئا وانشده (إياك يا ~~ابن بويب * أن يستشار بويب) (قد تحسن الروم شعرا * ما أحسنته العريب) وكان ~~كثير الطيرة وربما أقام المدة الطويلة لا يتصرف تطيرا لسوء ما يراه أو ~~يسمعه حتى إن بعض إخوانه من الأمراء افتقده وعرف بحاله في الطيرة فبعث إليه ~~خادما اسمه إقبال ليتفاءل به فلما أخذ أهبة ركوبه قال للخادم انصرف إلى ~~مولاك وله في بعض الرؤساء وقد سأله حاجة فقضاها له وكان لا يتوقع منه خيرا ~~(سألتك في أمر فجدت ببذله * على أنني ما خلت أنك تفعل) وألزمتني بالبذل ~~شكرا وإنه * علي من الحرمان أدهى وأعضل) (وما خلت أن الدهر يثني بصرفه * ~~إلى أن أرى في الناس مثلك يسأل) (لئن سرني ما نلت منك فإنه * لقد ساءني إذ ~~أنت ممن يؤمل) وهذه الأبيات تنسب إلى ابن وكيع التنيسي أيضا وقد سبق ذكره ~~واسمه الحسن والله أعلم وبالجملة فإن محاسنه كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة ~~وكانت ولادته يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين خلتا من رجب سنة إحدى ~~وعشرين ومائتين ببغداد PageV03P360 # في الموضع المعروف بالعقيقية ودرب الختلية في دار ~~بإزاء قصر عيسى بن جعفر ابن المنصور وفي بغداد يقول وقد غاب عنها في بعض ~~أسفاره (بلد صحبت به الشبيبة والصبا * ولبست ثوب العيش وهو جديد) (فإذا ~~تمثل في الضمير رأيته * وعليه أغصان الشباب تميد) وتوفي يوم الأربعاء ~~لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وقيل أربع وثمانين وقيل ست ~~وسبعين ومائتين ببغداد ودفن في مقبرة باب البستان وكان سبب موته رحمه ms0842 الله ~~تعالى أن الوزير أبا الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير ~~الإمام المعتضد كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش فدس عليه ابن فراس ~~فأطعمه خشكنانجة مسمومة وهو في مجلسه فلما أكلها أحس بالسم فقام فقال له ~~الوزير إلى أين تذهب فقال إلى الموضع الذي بعثتني إليه فقال له سلم على ~~والدي فقال ما طريقي على النار وخرج من مجلسه وأتى منزله وأقام أياما ومات ~~وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسم فزعم أنه غلط في بعض ~~العقاقير قال إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي المعروف بنفطويه رأيت ابن ~~الرومي يجود بنفسه فقلت ما حالك فأنشد (غلط الطبيب علي غلطة مورد * عجزت ~~موارده عن الإصدار) (والناس يلحون الطبيب وإنما * غلط الطبيب إصابة ~~المقدار) وقال أبو عثمان الناجم الشاعر دخلت على ابن الرومي أعوده فوجدته ~~يجود بنفسه فلما قمت من عنده قال لي (أبا عثمان أنت حميد قومك * وجودك ~~للعشيرة دون لومك) (تزود من أخيك فما أراه * يراك ولا تراه بعد يومك) 123 ~~وكان الوزير المذكور عظيم الهيبة شديد الإقدام سفاكا للدماء وكان ~~PageV03P361 # الكبير والصغير منه على وجل لا يعرف أحد من أرباب ~~الأموال معه نعمة وتوفي الوزير المذكور عشية الأربعاء لعشر خلون من شهر ~~ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين ومائتين في خلافة المكتفي وعمره نيف وثلاثون ~~سنة وفي ذلك يقول عبد الله بن الحسن بن سعد (شربنا عشية مات الوزير * سرورا ~~ونشرب في ثالثه) (فلا رحم الله تلك العظام * ولا بارك الله في وارثه) وكان ~~لهذا الوزير أخ يقال له أبو محمد الحسن فمات في حياة أبيه والوزير فعمل أبو ~~الحارث النوفلي وقيل البسامي وهو الأصح وسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله ~~تعالى ثم رأيت في الذيل للسمعاني في ترجمة علي ابن مقلد بن عبد الله بن ~~كرامة البواب أن أبا الحارث النوفلي قال كنت أبغض القاسم بن عبيد الله ~~لمكروه نالني منه فلما مات أخوه الحسن قلت على لسان ابن بسام وأنشد هذه ms0843 ~~الأبيات وقال السمعاني قبل هذا الكلام قال أبو بكر الصولي النديم وقد رأيت ~~أبا الحارث هذا وكان رجلا صدوقا وهي هذه (قل لأبي القاسم المرزا * قابلك ~~الدهر بالعجائب) (مات لك ابن وكان زينا * وعاش ذو الشين والمعايب) (حياة ~~هذا كموت هذا * فلست تخلو من المصايب) وعمل آخر في المعنى أيضا ولا أعرفه ~~ثم وجدت هذه الأبيات له أيضا (قل لأبي القاسم المرزا * وناد يا ذا ~~المصيبتين) (مات لك ابن وكان زينا * وعاش شين وأي شين) (حياة هذا كموت هذا ~~* فالطم على الرأس باليدين) PageV03P362 # 464 البسامي الشاعر أبو الحسن علي بن محمد بن منصور بن ~~نصر بن بسام الشاعر المعروف بالبسامي الشاعر المشهور كانت أمه أمامة ابنة ~~حمدون النديم وروى عنه أبو بكر الصولي وأبو سهل بن زياد وغيرهما وكان من ~~أعيان الشعراء ومحاسن الظرفاء لسنا مطبوعا في الهجاء لم يسلم منه أمير ولا ~~وزير ولا صغير ولا كبير وهجا أباه وإخوته وسائر أهل بيته فمن قوله في أبيه ~~(هبك عمرت عمر عشرين نسرا * أترى أنني أموت وتبقى) (فلئن عشت بعد موتك يوما ~~* لأشقن جيب مالك شقا) وله (أقصرت عن طلب البطالة والصبا * لما علاني ~~للمشيب قناع) (لله أيام الشباب ولهوه * لو أن أيام الشباب تباع) (فدع الصبا ~~يا قلب واسل عن الهوى * ما فيك بعد مشيبك استمتاع) (وانظر إلى الدنيا بعين ~~مودع * فلقد دنا سفر وحان وداع) (والحادثات موكلات بالفتى * والناس بعد ~~الحادثات سماع) PageV03P363 # وله في الوزير ابن المرزبان وكان قد سأله برذونا فمنعه ~~إياه (بخلت عني بمقرف عطب * فلن تراني ما عشت أطلبه) (وإن تقل صنته فما خلق ~~* الله مصونا وأنت تركبه) وله في أسد بن جهور الكاتب (تعس الزمان لقد أتى ~~بعجاب * ومحا رسوم الظرف والآداب) (وأتى بكتاب لو انبسطت يدي * فيهم رددتهم ~~إلى الكتاب) (أو ما ترى أسد بن جهور قد غدا * متشبها بأجلة الكتاب) وله ~~أيضا (وكانت بالصراة لنا ليال * سرقناهن من ريب الزمان) (جعلناهن تاريخ ~~الليالي * وعنوان المسرة والأماني) وكان أبوه محمد بن نصر رجلا ms0844 مترفا في ~~نهاية السرو وحسن الزي ظاهر المروءة متخصصا في هيئته ومطعمه وملبسه وتجمل ~~داره ويحكى أن الوزير القاسم بن عبيد الله المذكور قبله دخل على المعتضد ~~يوما وهو يلعب بالشطرنج وينشد قول ابن بسام هذا (حياة هذا كموت هذا * فلست ~~تخلو من المصائب) وقد تقدم ذكر الأبيات الثلاثة ثم رفع المعتضد رأسه فنظر ~~إلى الوزير فاستحيا منه فقال له يا قاسم اقطع لسان ابن بسام عنك فخرج ~~مبادرا لقطع لسانه فبلغ ذلك المعتضد فاستدعاه وقال له لا تعرض إليه بسوء بل ~~اقطعه بالبر والشغل فولاه البريد والجسر بجند قنسرين والعواصم من أرض الشام ~~PageV03P364 # وتوفي ابن بسام المذكور في صفر سنة اثنتين وقيل ثلاث ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى عن نيف وسبعين سنة وجده نصر بن منصور ممدوح أبي ~~تمام والعواصم كورة متسعة بالشام قصبتها أنطاكية وذكرها المعري بقوله (متى ~~سألت بغداد عني وأهلها * فإني عن أهل العوصم سآل) وإنما قال هذا لأن بلاده ~~معرة النعمان من جملة العواصم وذكر الطبري في تاريخه أن هارون الرشيد عزل ~~الثغور كلها عن بلاد الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزا واحدا وسميت العواصم وذلك ~~في سنة سبعين ومائة ولما هدم المتوكل على الله قبر الحسين بن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما في سنة ست وثلاثين ومائتين عمل البسامي (تالله إن كانت ~~أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما) (فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا ~~لعمرك قبره مهدوما) (أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه ~~رميما) وكان المتوكل كثير التحامل على علي وولديه الحسن والحسين رضي الله ~~عنهم أجمعين فهدم هذا المكان بأصوله ودوره وجميع ما يتعلق به وأمر أن يبذر ~~ويسقى موضع قبره ومنع الناس من إتيانه هكذا قال أرباب التواريخ والله أعلم ~~ولابن بسام المذكور من التصانيف أخبار عمر بن أبي ربيعة ولم يستقص ~~PageV03P365 # أحد في بابه أبلغ منه وكتاب أخبار الأحوص وكتاب ~~مناقضات الشعراء وكتاب ديوان رسائله وغير ذلك 465 القاضي التنوخي أبو ~~القاسم علي بن محمد بن أبي ms0845 الفهم داود بن إبراهيم بن تميم بن جابر بن هانىء ~~ابن زيد بن عبيد بن مالك بن مريط بن سرح بن نزار بن عمرو بن الحارث بن صبح ~~ابن عمرو بن الحارث وهو أحد ملوك تنوخ الأقدمين ابن فهم بن تيم الله بن أسد ~~بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة التنوخي الأنطاكي كان ~~عالما بأصول المعتزلة والنجوم قال الثعالبي في حقه هو من أعيان أهل العلم ~~والأدب وأفراد الكرم وحسن الشيم وكان كما قرأته في فصل للصاحب بن عباد إن ~~أردت فإني سبحة ناسك وإن أحببت فإني تفاحة فاتك أو اقترحت فإني مدرعة راهب ~~أو آثرت فإني تحية شارب وكان تقلد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين وحين صرف ~~عنه ورد حضرة سيف الدولة بن حمدان زائرا ومادحا فأكرم مثواه وأحسن قراه ~~وكتب في معناه إلى الحضرة ببغداد حتى أعيد إلى عمله وزيد في رزقه ورتبته ~~وكان الوزير المهلبي وغيره من رؤساء العراق يميلون إليه ويتعصبون له ~~ويعدونه ريحانة الندماء وتاريخ الظرفاء وكان في جملة الفقهاء والقضاة الذين ~~ينادمون الوزير المهلبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة ~~والتبسط في PageV03P366 # القصف والخلاعة وهم القاضي أبو بكر ابن قريعة وابن ~~معروف والتنوخي المذكور وغيرهم وما منهم إلا أبيض اللجية طويلها وكذلك كان ~~المهلبي فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه ~~وهبوا ثوب الوقار للعقار وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطيش ووضع في ~~يد كل واحد منهم طاس ذهب فيه ألف مثقال مملوء شرابا قطربليا أو عكبريا ~~فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ويرش بها بعضهم بعضا ويرقصون ~~بأجمعهم وعليهم المصبغات ومخانق المنثور والبرم فإذا أصبحوا عادوا كعادعتهم ~~في التوقر والتحفظ بأبهة القضاء وحشمة المشايخ الكبراء وأورد من شعره قوله ~~(وراح من الشمس مخلوقة * بدت لك في قدح من نهار) (هواء ولكنه جامد * وماء ~~ولكنه غير جار) (كأن المدير لها باليمين * إذا مال للسقي أو باليسار) (تدرع ~~ثوبا من ms0846 الياسمين * له فرد كم من الجلنار) وأورد له أيضا (بأبي حسنك لو ~~أشبهه * منك صنيع) (أنت بدر ما له في * فلك الوصل طلوع) وأورد له (رضاك ~~شباب لا يليه مشيب * وسخطك داء ليس منه طبيب) (كأنك من كل النفوس مركب * ~~فأنت إلى كل النفوس حبيب) وذكر له شيئا كثيرا غير هذا PageV03P367 # وقال المسعودي في كتاب مروج الذهب وقد عارض أبو القاسم ~~التنوخي المذكور أبا بكر ابن دريد في مقصورته وذكر منها أبياتا ومدح فيها ~~تنوخ وقومه من قضاعة وقال غيره حكى أبو محمد الحسن بن عسكر الصوفي الواسطي ~~قال كنت ببغداد في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة جالسا على دكة بباب أبرز ~~للفرجة إذ جاء ثلاث نسوة فجلسن إلى جانبي فأنشدت متمثلا (هواء ولكنه جامد * ~~وماء ولكنه غير جار) وسكت فقالت إحداهن هل تحفظ لهذا البيت تماما فقلت ما ~~أحفظ سواه فقالت إن أنشدك أحد تمامه وما قبله ماذا تعطيه فقلت ليس لي شيء ~~أعطيه ولكني أقبل فاه فأنشدتني الأبيات المذكورة وزادت بعد البيت الأول ~~(إذا ما تأملتها وهي فيه * تأملت نورا محيطا بنار) (فهذا النهاية في ~~الابيضاض * وهذا النهاية في الاحمرار) فحفظت الأبيات منها فقالت لي أين ~~الوعد تعني التقبيل أرادت مداعبتي بذلك وقال الخطيب إنه ولد بأنطاكية يوم ~~الأحد لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثمان وسبعين ومائتين وقدم بغداد وتفقه ~~بها على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وسمع الحديث وكان معتزليا ~~وتوفي بالبصرة يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين ~~وأربعين وثلاثمائة رحمه الله PageV03P368 # تعالى ودفن من الغد في تربة اشتريت له بشارع المربد ~~وسيأتي ذكر ولده المحسن في حرف الميم إن شاء الله تعالى وكل واحد منهما له ~~ديوان شعر 466 الناشئ الأصغر أبو الحسن علي بن عبد الله بن وصيف المعروف ~~بالناشىء الأصغر الحلاء الشاعر المشهور هو من الشعراء المحسنين وله في أهل ~~البيت قصائد كثيرة وكان متكلما بارعا أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن ~~علي بن نوبخت المتكلم ms0847 وكان من كبار الشيعة وله تصانيف كثيرة وكان جده وصيف ~~مملوكا وأبوه عبد الله عطارا والحلاء بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام ألف ~~وإنما قيل له ذلك لأنه كان يعمل حلية من النحاس قال أبو بكر الخوارزمي ~~أنشدني أبو الحسن الناشئ بحلب لنفسه وهو مليح جدا (إذا أنا عاتبت الملوك ~~فإنما * أخط بأقلامي على الماء أحرفا) (وهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن * ~~مودته طبعا فصارت تكلفا) ومضى إلى الكوفة في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ~~وأملى شعره بجامعها وكان المتنبي وهو صبي يحضر مجلسه بها وكتب من إملائه ~~لنفسه من قصيدة (كأن سنان ذابله ضمير * فليس عن القلوب له ذهاب) ~~PageV03P369 # وصارمه كبيعته بخم * مقاصدها من الخق الرقاب) فنظم ~~المتنبي هذا وقال (كأن الهام في الهيجا عيون * وقد طبعت سيوفك من رقاد) ~~(وقد صغت الأسنة من هموم * فما يخطرن إلا في فؤاد) وكان قد قصد حضرة سيف ~~الدولة بن حمدان بحلب ولما عزم على مفارقته وقد غمره بإحسانه كتب إليه ~~يودعه (أودع لا أني أودع طائعا * وأعطي بكرهي الدهر ما كنت مانعا) (وأرجع ~~لا ألفي سوى الوجد صاحبا * لنفسي إن ألفيت بالنفس راجعا) (تحملت عنا ~~بالصنائع والعلا * فنستودع الله العلا والصنائعا) (رعاك الذي يرعى بسيفك ~~دينه * ولقاك روض العيش أخضر يانعا) (ومن شعره أيضا عزاها إليه الثعالبي ثم ~~عزاها إلى أبي محمد ابن المنجم (إذا لم تنل همم الأكرمين * وسعيهم وادعا ~~فاغترب) (فكم دعة أتعبت أهلها * وكم راحة نتجت من تعب) وله أيضا (إني ~~ليهجرني الصديق تجنيا * فأريه أن لهجره أسبابا) (وأخاف إن عاتبته أغريته * ~~فأرى له ترك العتاب عتابا) (وإذا بليت بجاهل متغافل * يدعو المحال من ~~الأمور صوابا) (أوليته مني السكوت وربما * كان السكوت عن الجواب جوابا) ~~PageV03P370 # وفي أشعاره مقاصد جميلة وتوفي سنة ست وستين وثلاثمائة ~~رحمه الله تعالى وقيل إنه توفي يوم الاثنين لخمس خلون من صفر من سنة خمس ~~وستين ببغداد ومولده في سنة إحدى وسبعين ومائتين. # 467 الزاهي الشاعر أبو القاسم علي بن إسحاق بن خلف البغدادي المعروف ~~بالزاهي ms0848 الشاعر المشهور كان وصافا محسنا كثير الملح ذكره الخطيب في تاريخ ~~بغداد فقال إنه حسن الشعر في التشبيهات وغيرها وأحسب شعره قليلا وأشار إلى ~~أنه كان قطانا وكانت دكانه في قطيعة الربيع وذكره عميد الدولة أبو سعد ابن ~~عبد الرحيم في طبقات الشعراء فقال ولد يوم الاثنين لعشر ليال بقين من صفر ~~سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وتوفي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة ~~سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة ببغداد ودفن في مقابر قريش وشعره في أربعة ~~أجزاء وأكثر شعره في أهل البيت ومدح سيف الدولة والوزير المهلبي وغيرهما من ~~رؤساء وقته وقال في جميع الفنون وذكر له (صدودك في الهوى هتك استتاري * ~~وعاونه البكاء على اشتهاري) PageV03P371 # (ولم أخلع عذاري فيك إلا * لما عاينت من حسن العذار) ~~(وكم أبصرت من حسن ولكن * عليك لشقوتي وقع اختياري) وللزاهي المذكور في ~~تشبيه البنفسج (ولازوردية أوفت بزرقتها * بين الرياض على زرق اليواقيت) ~~(كأنها فوق قامات ضعفن بها * أوائل النار في أطراف كبريت) وله (ومدامة ~~لضيائها في كأسها * نور على فلك الأنامل بازغ) (رقت وغاب عن الزجاجة لطفها ~~* فكأنما الإبريق منها فارغ) ومن محاسن شعره قوله (وبيض بألحاظ العيون ~~كأنما * هززن سيوفا واستلل خناجرا) (تصدين لي يوما بمنعرج اللوى * فغادرن ~~قلبي بالتصبر غادرا) (سفرن بدورا انتقبن أهله * ومسن غصونا والتفتن جآذرا) ~~(وأطلعن في الأجياد بالدر أنجما * جعلن لحبات القلوب ضرائرا) وهذا تقسيم ~~عجيب وقد استعمله جماعة من الشعراء لكنهم ما أتوا به على هذه الصورة فإنه ~~أبدع فيه وهو مثل قول المتنبي (بدت قمرا ومالت خوط بان * وفاحت عنبرا ورنت ~~غزالا) وذكر الثعالبي لبعض شعراء عصره على هذا الأسلوب في وصف مغن (فديتك ~~يا أتم الناس ظرفا * وأصلحهم لمتخذ حبيبا) PageV03P372 # (فوجهك نزهة الأبصار حسنا * وصوتك متعة الأسماع طيبا) ~~(وسائلة تسائل عنك قلنا * لها في وصفك العجب العجيبا) (رنا ظبيا وغنى ~~عندليبا * ولاح شقائقا ومشى قضيبا) ولولا خوف التطويل لذكرت له نظائر ~~وللزاهي أيضا (من عذيري من عذاري قمر * عرض القلب لأسباب التلف) (علم الشعر ~~الذي ms0849 عاجله * أنه جار عليه فوقف) والزاهي بفتح الزاي وكسر الهاء بعد الألف ~~قال السمعاني هذه النسبة إلى قرية من قرى نيسابور ونسب إليها جماعة ثم قال ~~وأما أبو الحسن علي ابن إسحاق بن خلف الشاعر البغدادي المعروف بالزاهي فلا ~~أدري نسب إلى هذه القرية أم لا غير أنه بغدادي وكان حسن الشعر 468 علي بن ~~المنجم أبواحسن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم كان نديم المتوكل على الله ~~ومن خواصه وجلسائه المتقدمين عنده ثم انتقل إلى من بعده من الخلفاء ولم ~~PageV03P373 # يزل مكينا عندهم حظيا لديهم يجلس بين يدي أسرتهم ~~ويفضون إليه بأسرارهم ويأمنونه على أخبارهم ولم يزل عندهم في المنزلة ~~العلية وكان قبل اتصاله بالخلفاء يلوذ بمحمد بن إسحاق بن إبراهيم المصعبي ~~ثم اتصل بالفتح بن خاقان وعمل له خزانة كتب أكثرها حكمة واستكتب له شيئا ~~عظيما يزيد على ما كان في خزانته أضعافا مضاعفة مما لم تشتمل عليه خزانته ~~وكان راوية للأشعار والأخبار حاذقا في صنعة الغناء أخذ عن إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي وشاهده وصنف عدة كتب منها كتاب الشعراء القدماء والإسلاميين وكتاب ~~أخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلي وكتاب في الطبيخ وغير ذلك وكان شاعرا محسنا ~~فمن شعره قوله في الطيف (بأبي والله من طرقا * كابتسام البرق إذ خفقا) ~~(زادني شوقا برؤيته * وحشا قلبي به حرقا) (من لقلب هائم كلف * كلما سكنته ~~خفقا) (زراني طيف الحبيب فما * زاد أن أغرى بي الأرقا) وله أشعار حسان وعاش ~~إلى أن خدم المعتمد على الله وتوفي في أواخر أيامه وذلك في سنة خمس وسبعين ~~ومائتين بسر من رأى رحمه الله تعالى وخلف جماعة من الأولاد وكلهم نجباء ~~علماء ندماء وسيأتي ذكر بعضهم في مواضعهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ~~PageV03P374 # 469 علي بن هارون المنجم أبو الحسن علي بن أبي عبد ~~الله هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم الشاعر المشهور ذو نسب عريق ~~في ظرفاء الأدباء وندماء الخلفاء والوزراء وله مع الصاحب ابن عباد مجالس ~~وفي ms0850 تشريفه يقول الصاحب (لبني المنجم فطنة لهبيه * ومحاسن عجمية عربيه) (ما ~~زلت أمدحهم وأنشر فضلهم * حتى عرفت بشدة العصبية) ولأبي الحسن المذكور ~~أشعار نادرة ومما يتغنى به من شعره قوله (بيني وبينك في الهوى أسباب * وإلى ~~المحبة ترجع الأنساب) (بيني وبين الدهر فيك عتاب * سيطول إن لم يمحه ~~الإعتاب) (يا غائبا بوصاله وكتابه * هل يرتجى من غيبتيك إياب) (لولا التعلل ~~بالرجا لتقطعت * نفس عليك شعارها الأوصاب) ) لا يأس من روح الإله فربما * ~~يصل القطوع وتحضر الغياب) وكتب إلى ابن الخوارزمي وقد وثئت رجله من عثرة ~~لحقته (كيف نال العثار من لم يزل منه * مقيلا في كل خطب جسيم) PageV03P375 # (أو ترقى الردى إلى قدم لم * تخط إلا إلى مقام كريم) ~~وأشعاره ونوادره كثيرة وله من التصانيف كتاب شهر رمضان عمله للإمام الراضي ~~وكتاب النيروز والمهرجان وكتاب الرد على الخليل في العروض وكتاب ابتدأ فيه ~~بنسب أهله عمله للوزير المهلبي ولم يتمه وكتاب رسالته في الفرق بين إبراهيم ~~بن المهدي وإسحاق الموصلي في الغناء وكتاب اللفظ المحيط بنقض ما لفظ به ~~اللقيط وهو يعارض كتاب أبي الفرج الأصبهاني الذي سماه الفرق والعيار بين ~~الأوغاد والأحرار وهو ولد صاحب كتاب البارع في اختيار شعر المحدثين وسيأتي ~~ذكره في حرف الهاء إن شاء الله تعالى وحفيد أبي الحسن المذكور قبله) وكانت ~~ولاته لتسع خلون من صفر سنة ست وقيل سنة سبع وسبعين ومائتين وتوفي يوم ~~الأربعاء لثلاث عشرة بقيت ليلة من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى وكان يخضب إلى أن توفي 470 أبو الفتح البستي أبو ~~الفتح علي بن محمد الكاتب البستي الشاعر المشهور صاحب الطريقة الأنيقة في ~~التجنيس الأنيس البديع التأسيس فمن ألفاظه البديعة قوله من أصلح فاسده أرغم ~~حاسده من أطاع غضبه أضاع أدبه عادات السادات PageV03P376 # سادات العادات من سعادة جدك وقوفك عند حدك الرشوة رشاء ~~الحاجات أجهل الناس من كان للإخوان مذلا وعلى السطان مدلا الفهم شعاع العقل ~~المنية تضحك من الأمنية حد العفاف الرضا بالكفاف ما ms0851 لخرق الرقيع ترقيع ومن ~~نادر شعره قوله (إن هز أقلامه يوما ليعملها * أنساك كل كمي هز عامله) (وإن ~~أقر على رق أنامله * أقر بالرق كتاب الأنام له) (وله (وقد يلبس المرء حر ~~الثياب * ومن دونها حالة مضنيه) (كمن يكتسي خده حمرة * وعلتها ورم في ~~الريه) وله (إذا تحدثت في قوم لتؤنسهم * بما تحدث من ماض ومن آت) (فلا تعد ~~لحديث إن طبعهم * موكل بمعاداة المعادات) (وله (تحمل أخاك على ما به * فما ~~في استقامته مطمع) (وأنى له خلق واحد * وفيه طبائعه الأربع) وللبستي حين ~~تغير عليه السلطان وهو معنى بديع (قل للأمير أدام ربي عزه * وأناله من فضله ~~مكنونه) PageV03P377 # (إني جنيت ولم يزل أهل النهى * يهبون للخدام ما ~~يجنونه) (ولقد جمعت من العيون فنونها * فاجمع من العفو الكريم فنونه) (من ~~كان يرجو عفو من هو فوقه * عن ذنبه فليعف عمن دونه) (وله أيضا (إذا أحسست ~~في لفظي فتورا * وحفظي والبلاغة والبيان) (فلا ترتب بفهمي إن رقصي * على ~~مقدار إيقاع الزمان) هكذا قاله في زهر الآداب والله أعلم وشعره كثير في ~~التجنيس وغيره وتوفي سنة أربعمائة وقيل سنة إحدى وأربعمائة ببخارى والله ~~أعلم رحمه الله تعالى وقد تقدم الكلام على البستي في ترجمة الخطابي ورأيت ~~في أول ديوانه أنه أبو الفتح علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز ~~الكاتب الشاعر والله أعلم 471 التهامي الشاعر أبو الحسن علي بن محمد ~~التهامي الشاعر المشهور قال ابن بسام الأندلسي في كتاب الذخيرة في حقه كان ~~مشتهر الإحسان ذرب اللسان مخلى بينه PageV03P378 # وبين ضروب البيان يدل شعره على فوز القدح دلالة برد ~~النسيم على الصبح ويعرب عن مكانه من العلوم إعراب الدمع عن سر الهوى ~~المكتوم قلت وله ديوان شعر صغير أكثره نخب ومن لطيف نظمه قوله من جملة ~~قصيدة طويلة مدح بها الوزير أبا القاسم ابن المغربي المقدم ذكره في حرف ~~الحاء (قلت لخلي وثغور الربا * مبتسمات وثغور الملاح) (أيهما أحلى ترى ~~منظرا * فقال لا أعلم كل أقاح) ومثل هذا ms0852 ما ينسب إلى ابن سناء الملك الآتي ~~ذكره وهو (فتحيرت أحسب الثغر عقدا * لسليمي وأحسب العقد ثغرا) (فلثمت ~~الجميع قطعا لشكي * وكذا فعل كل من يتحرى) وله في المديح وقد بالغ فيه ~~(أعطى وأكثر فاستقل هباته * فاستحيت الأنواء وهي هوامل) (فاسم السحاب لديه ~~وهو كنهور * آل وأسماء البحور جداول) وله مرثية في ولده وكان قد ما صغيرا ~~وهي في غاية الحسن ولم يمنعني من الإتيان بها إلا أن الناس يقولون إنها ~~محدودة فتركتها لكن من جملتها بيتان في الحساد ومعناهما غريب فأثبتهما (إني ~~لأرحم حاسدي لحر ما * ضمت صدورهم من الأوغار) (نظروا صنيع الله بي فعيونهم ~~* في جنة وقلوبهم في نار) PageV03P379 # ومنها في ذم الدنيا (طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا ~~من الأقذاء والأكدار) (ومكلف الأيام ضد طباعها * متطلب فيل الماء جذوة نار) ~~(وإذا رجوت المستحيل فإنما * تبني الرجاء على شفير هار) ومنها (جاورت ~~أعدائي وجاور ربه * شتان بين جواره وجواري) (وتلهب الأحشاء شيب مفرقي * هذا ~~الشعاع شواظ تلك النار) ومعنى البيت الأخير مأخوذ من قول أبي نصر سعيد بن ~~الشاه وهو (قالت اسود عارضاك بشعر * وبه تقبح الوجوه الحسان) (قلت أشعلت في ~~فؤادي نارا * فعلى وجنتي منه دخان) وله من جملة قصيدة طويلة (كم قلت إياك ~~الحجاز فإنه * ضريت جآذره بصيد أسوده (وأردت صيد مها الحجاز فلم يساعدك * ~~القضاء فصرت بعض صيوده) ومن شعره المشهور قوله (بين كريمين مجلس واسع * ~~والود حال يقرب الشاسع) (والبيت إن ضاق عن ثمانية * متسع بالوداد للتاسع) ~~وله بيت بديع من جملة قصيدة وهو (وإذا جفاك الدهر وهو أبو الورى * طرا فلا ~~تعتب على أولاده) PageV03P380 # وكان التهامي المذكور قد وصل إلى الديار المصرية ~~مستخفيا ومعه كتب كثيرة من حسان بن مفرج بن دغفل البدوي وهو متوجه إلى بني ~~قرة فظفروا به فقال أنا من بني تميم فلما انكشفت حاله عرف أنه التهامي ~~الشاعر فاعتقل في خزانة البنود وهو سجن بالقاهرة المحروسة وذلك لأربع بقين ~~من شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وأربعمائة ثم قتل ms0853 سرا في سجنه في تاسع جمادى ~~الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى وكان أصفر اللون هكذا نقلته من ~~بعض تواريخ المصريين وهو مرتب على الأيام قد كتب مؤلفه كل يوم وما جرى فيه ~~من الحوادث رأيت منه مجلدا واحدا ولا أعلم كم عدد مجلداته وبعد موته رآه ~~بعض أصحابه في النوم فقال له ما فعل الله بك فقال غفر لي فقال بأي الأعمال ~~فقال بقولي في مرثية ولدي الصغير (جاورت أعدائي وجاور ربه * شتان بين جواره ~~وجواري) والتهامي بكسر التاء المثناة من فوقها وفتح الهاء وبعد الألف ميم ~~هذه النسبة إلى تهامة وهي تنطلق على مكة حرسها الله تعالى ولذلك قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم تهامي لأنه منها وتنطلق أيضا على جبال تهامة وبلادها ~~وهي خطة متسعة بين الحجاز وأطراف اليمن ولا أعلم هل نسبة هذا الشاعر إلى ~~مكة أم إليها والله أعلم PageV03P381 # 472 ابن نوبخت أبو الحسن علي بن أحمد بن نوبخت الشاعر ~~كان شاعرا مجيدا إلا أنه كان قليل الحظ من الدنيا لم يزل رقيق الحال ضعيف ~~المقدرة وتوفي بمصر في شعبان سنة ست عشرة وأربعمائة وهو على حاله من ~~الضرورة وشدة الفاقة رحمه الله تعالى وكفنه ولي الدولة أبو محمد أحمد بن ~~علي المعروف بابن خيران الكاتب الشاعر 124 وهذا ابن خيران كان متولي كتب ~~السجلات عن الظاهربن الحاكم صاحب مصر وله ديوان شعر أيضا صغير الحجم ومن ~~شعره البيتان المشهوران وهما (سعى إليك بي الواشي فلم ترني * أهلا لتكذيب ~~ما ألقى من الخبر) (ولو سعى بك عندي في ألذ كرى * طيف الخيال لبعت النوم ~~بالسهر) قلت ويقرب من هذا المعنى قول أبي عبد الله الحسين بن ألقم اليمني ~~الشاعر المشهور صاحب الرسالة المشهورة من جملة أبيات وهو قوله (أنبئت أنك ~~قد أتتك قوارض * عنى ثنتك على الضمير الواجد) (عملت رقى الواشين فيك وإنها ~~* عندي لتضرب في حديد بارد) والأصل في هذا كله قول عبد الله بن الدمينة ~~الخثعمي الشاعر المشهور PageV03P382 # المعروف بنائحة العرب من ms0854 جملة قصيدته البائية المشهورة ~~وهو قوله (وكوني على الواشين لداء شغبة * كما أنا للواشي ألد شغوب) ونوبخت ~~بضم النون وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعدها تاء ~~مثناة من فوقها وإنما ذكرت ابن خيران في هذه الترجمة ولم أفرده بترجمة لأني ~~لم أقف على تاريخ وفاته وقد التزمت في هذا الكتاب ذكر أرباب الوفيات ثم إني ~~وجدت في كتاب طبقات الشعراء تأليف الوزير أبي سعد محمد بن الحسين بن عبد ~~الرحيم الملقب عميد الدولة ترجمة ولي الدولة ابن خيران المذكور وذكر له ~~شعرا وقال كان شابا حسن الوجه ورد الخبر بوفاته في شهر رمضان من سنة إحدى ~~وثلاثين وأربعمائة وكان وقوفي على هذا الفصل في أواخر سنة خمس وسبعين ~~وستمائة بالقاهرة والله أعلم 473 صريع الدلاء أبو الحسن علي بن عبد الواحد ~~الفقيه البغدادي المعروف بصريع الدلاء قتيل الغواشي ذي الرقاعتين الشاعر ~~المشهور ذكره الرشيد أبو الحسين أحمد بن الزبير المذكور في حرف الهمزة في ~~كتاب الجنان فقال كان يسلك في PageV03P383 # شعره مسلك أبي الرقعمق وله قصيدة في المجون ختمها ببيت ~~لو لم يكن له في الجد سواه لبلغ به درجة الفضل وأحرز معه قصب السبق وهو ~~قوله (من فاته العلم وأخطاه الغنى * فذاك والكلب على حال سوا) وقدم مصر سنة ~~اثنتي عشر وأربعمائة ومدح الظاهر لإعزاز دين الله انتهى كلام ابن الزبير ~~ورأيت في نسخة من ديوان شعره أنه أبو الحسن محمد بن عبد الواحد القصار ~~البصري والله أعلم بالصواب وكانت وفاته في سابع رجب سنة اثنتي عشرة ~~وأربعمائة فجأة من شرقة لحقته عند الشريف البطحائي وغالب ظني أنه توفي بمصر ~~رحمه الله تعالى لأني نقلت تاريخ وفاته من التاريخ الذي ذكرته في ترجمة ~~التهامي ومبناه على الحوادث الكائنة بمصر يوما فيوما ويؤيد ذلك أن ابن ~~الزبير قد ذكر أنه قدم مصر في سنة اثنتي عشرة وهي السنة التي توفي فيها ~~والله أعلم وفيه قال أبو العلاء المعري (دعيت بصارع فتداركته * مبالغة فرد ~~إلى فعيل) كان طلب ms0855 منه شرابا وما يليق به فسير له قليل نفقة واعتذر بهذه ~~الأبيات PageV03P384 # 474 صردر الشاعر الرئيس أبو منصور علي بن الحسن بن علي ~~بن الفضل الكاتب المعروف بصردر الشاعر المشهور أحد نجباء شعراء عصره جمع ~~بين جودة السبك وحسن المعنى وعلى شعره طلاوة رائقة وبهجة فائقة وله ديوان ~~شعر وهو صغير وما ألطف قوله من جملة قصيدة (نسائل عن ثمامات بحزوى * وبان ~~الرمل يعلم ما عنينا) (فقد كشف الغطاء فما نبالي * أصرحنا بذكرك أم كنينا) ~~(ولو أني أنادي يا سليمى * لقالوا ما أردت سوى لبينى) (ألا لله طيف منك ~~يسقي * بكاسات الكرى زورا ومينا) (مطيته طوال الليل جفني * فكيف شكا إليك ~~وجى وأينا) (فأمسينا كأنا ما افترقنا * وأصبحنا كأنا ما التقينا) وقوله في ~~الشيب (لم أبك أن رحل الشباب وإنما * أبكي لأن يتقارب الميعاد) PageV03P385 # (شعر الفتى أوراقه فإذا ذوى * جفت على آثاره الأعواد) ~~وله في جارية سوداء وهو معنى حسن (علقتها سواء مصقولة * سواد قلبي صفة ~~فيها) (ما انكسف البدر على تمه * ونوره إلا ليحكيها) (لأجلها الأزمان ~~أوقاتها * مؤرخات بلياليها) وإنما قيل له صردر لأن أباه كان يلقب صربعر ~~لشحه فلما نبغ ولده المذكور وأجاد في الشعر قيل له صردر وقد هجاه بعض شعراء ~~وقته وهو الشريف أبو جعفر مسعود المعروف بالبياضي الشاعر وسيأتي ذكره إن ~~شاء الله تعالى (لئن لقب الناس قدما أباك * وسموه من شحه صر بعرا) (فإنك ~~تنثر ما صره * عقوقا له وتسميه شعرا) ولعمري ما أنصفه هذا الهاجي فإن شعره ~~نادر وإنما العدو لا يبالي بما يقوله وكانت وفاة صردر في سنة خمس وستين ~~وأربعمائة وكان سبب موته أنه تردى في حفرة حفرت للأسد في قرية بطريق خراسان ~~وكانت ولادته قبل الأربعمائة وسيأتي ذكره في ترجمة الوزير فخر الدولة بن ~~جهير واسمه محمد وله هناك شعر بديع PageV03P386 # 475 الباخرزي أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن أبي ~~الطيب الباخرزي الشاعر المشهوركان أوحد عصره في فضله وذهنه والسابق إلى ~~حيازة القصب في نظمه ونثره كان في ms0856 شبابه مشتغلا بالفقه على مذهب الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه واختص بملازمة درس الشيخ أبي محمد الجويني والد إمام ~~الحرمين ثم شرع في فن الكتابة واختلف إلى ديوان الرسائل وارتفعت به الأحوال ~~وانخفضت ورأى من الدهر العجائب سفرا وحضرا وغلب أدبه على فقهه فاشتهر ~~بالأدب وعمل الشعر وسمع الحديث وصنف كتاب دمية القصر وعصرة أهل العصر وهو ~~ذيل يتيمة الدهر التي للثعالبي وجمع فيها خلقا كثيرا 125 وقد وضع على هذا ~~الكتاب أبو الحسن علي بن زيد البيهقي كتابا سماه وشاح الدمية وهو كالذيل له ~~هكذا سماه السمعاني في المذيل وقال العماد في الخريدة هو شرف الدين أبو ~~الحسن علي بن الحسن البيهقي والله أعلم وذكر أشياء من شعره فمن ذلك (يا ~~خالق الخلق حملت الورى * لما طغى الماء على جاريه) (وعبدك الآن طغى ماؤه * ~~في الصلب فحمله على جاريه) PageV03P387 # رجعنا إلى الباخرزي وديوان شعره مجلد كبير والغالب ~~عليه الجودة فمن معانيه الغريبة قوله (وإني لأشكو لسع اصداغك التي * ~~عقاربها في وجنتيك تحوم) (وأبكي لدر الثغر منك ولي أب * فكيف يديم الضحك ~~وهو يتيم) ومن قوله في شدة البرد (كم مؤمن قرصته أظفار الشتا * فغدا لسكان ~~الجحيم حسودا) (وترى طيور الماء في وكناتها * تختار حر النار والسفودا) ~~وإذا رميت بفضل كأسك في الهوى * عادت عليك من العقيق عقودا) (يا صاحب ~~العودين لا تهملهما * حرق لنا عودا وحرك عودا) وقوله من جملة أبيات (يا ~~فالق الصبح من لألاء غرته * وجاعل الليل من أصداغه سكنا) (بصورة الوثن ~~استبعدتني وبها * فتنتني وقديما هجت لي شجنا) (لا غرو أن أحرقت نار الهوى ~~كبدي * فالنار حق على من يعبد الوثنا) ومن المنسوب إليه والله أعلم (وإذا ~~بكيت دما تقول شمت بي * يوم النوى فصبغت دمعك أحمرا) (من شاء أمنحه الغرام ~~فدونه * هذي خلائقها بتحيير الشرى) هكذا أنشدنيهما بعض المتأدبين والعهدة ~~عليه في ذلك وقتل الباخرزي في مجلس الأنس بباخرز في ذي القعدة سنة سبع ~~وستين PageV03P388 # وأربعمائة وذهب دمه هدرا رحمه الله تعالى وباخرز بفتح ~~الباء ms0857 الموحدة وبعد الألف خاء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة وبعدها زاي وهي ~~ناحية من نواحي نيسابور تشتمل على قرى ومزارع خرج منها جماعة من الفضلاء ~~وغيرهم 476 ابن أفلح الشاعر جمال الملك أبو القاسم علي بن أفلح العبسي ~~الشاعر المشهور شاعر ظريف حسن المديح كثير الهجاء مدح الخلفاء فمن دونهم من ~~أرباب المراتب وجاب البلاد ولقي رؤساءها وأكابرها رأيت ديوانه في مجلد وسط ~~وقد جمعه بنفسه وعمل له خطبة وقفاه وذكر عدد ما في كل قافية من بيت واعتنى ~~بأمره وهذبه نقلت منه قوله يخاطب محبوبه (يا جاهلا قدر المحبة ساءني * ما ~~ضاع من كلفي ومن تبريحي) (سيان عندك مغرم بك هائم * وخلي قلب فيك غير قريح) ~~(لو كنت أعلم أن طبعك هكذا * لم أعص يوم نصحت فيك نصيحي) (ما كان في عزمي ~~السلو وإنما * ألزمتنيه بكثرة التقبيح) وله في غلام ناقص الجمال (وما عشقي ~~له وحشا لأني * كرهت الحسن واخترت القبيحا) (ولكن غرت أن أهوى مليحا * وكل ~~الناس يهوون المليحا) PageV03P389 # ولابن المعتز في هذا المعنى أيضا أي في ناقص الجمال ~~(قلبي ميال إلى ذا وذا * ليس يرى شيئا فيأباه) (يهيم بالحسن كما ينبغي * ~~ويرحم القبح فيهواه) ومن أبياته السائرة المشهورة من جملة أبيات قوله ~~(بيننا يوم أثيلات منى * كان عن غير تراض بيننا) ولبعض المتأخرين في المعنى ~~الأول (أنا لا أعشق من يعشقه * كل الأنام) (وأعاف المنهل العذب * لبغضي في ~~الزحام) وله في غلام أعرج أي لابن أفلح المذكور (بأبي من رأيته يتثنى * فهو ~~من لينه يحل ويعقد) (حسدوه على الجمال فقالوا * أعرج والمليح ما زال يحسد) ~~(هو غصن والحسن في الغصن الناعم * ما كان مائلا يتأود) وله في بعض الرؤساء ~~وقد وصل إلى بابه فمنعه البواب من الدخول إليه (حمدت بوابك إذ ردني * وذمه ~~غيري على رده) (لأنه قلدني نعمة * تستوجب الإغراق في حمده) (أراحني من قبح ~~ملقاك لي * وكبرك الزائد في حده) وأورد له الحظيري في زينة الدهر ~~PageV03P390 # (لا غرو من جزعي لبينهم * يوم النوى وانا أخو ms0858 الفهم) ~~(فالقوس من خشب تئن إذا * ما كلفوها فرقة السهم) وقال وقد وعده رجل بدرياق ~~وتأخر عنه (لا غرو أن أخلف ميعاده * من لم يجد قط ولم يكرم) (وإنما الأعجب ~~منه أنا * أن أطلب الدرياق من أرقم) وله نوادر كثيرة وتوفي يوم الخميس ثاني ~~شعبان سنة خمس وقيل ست وقيل سبع وثلاثين وخمسمائة وعمره أربع وستون سنة ~~وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما وكانت وفاته ببغداد ودفن بالجانب الغربي ~~بمقابر قريش رحمه الله تعالى وأفلح بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح اللام ~~وبعدها حاء مهملة والعبسي بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها ~~سين مهملة هذه النسبة إلى عبس وهو اسم لعدة قبائل ولا أعلم إلى أيها ينسب ~~المذكور وهو يتصحف بالعنسي مثل الأول لكن بدل الباء نون وهي قبيلة أيضا 477 ~~ابن مسهر الموصلي أبو الحسن علي بن أبي الوفاء سعد بن أبي الحسن علي بن عبد ~~الواحد بن عبد القاهر بن أحمد بن مسهر الموصلي الملقب مهذب الدين كان شاعرا ~~بارعا رئيسا مقدما تنقل في أكثر ولايات الموصل ومدح الخلفاء والأمراء رأيت ~~PageV03P391 # ديوان شعره في مجلدين وذكر في ديوانه أنه ولد بمدينة ~~آمد ومن محاسن شعره قوله في صفة فهد (وكل أهرت بادي السخط مطرح الحياء * ~~جهم المحيا سئ الخلق) (والشمس مذ لقبوها بالغزالة أعطته * الرشا حسدا من ~~لونها اليقق) (ونقطته حباء كي يسالمها * على المنايا نعاج الرمل بالحدق) ~~(هذا ولم يبرزا مع سلم جانبه * يوما لناظره إلا على فرق) ومن هذه القصيدة ~~في صفة الخيل (سود حوافرها بيض جحافلها * صبغ تولد بين الصبح والغسق) (من ~~طول ما وطئت ظهر الدجا خببا * وطول ما كرعت من منهل الفلق) وهي قصيدة بديعة ~~وأولها (هي الموارد بين السحر والحدق * فرد دنان المنايا مورد الأنق) ~~(وأطيب العيش ما تجنيه من تعب * وأعذب الشرب ما يصفو من الرنق) (يا دار درك ~~إخلاف الغمام على * مر النسيم بجاري الغيث منبثق) (وإن عدتك عوادي المزن ~~فانتجعي * بأروض الأرض من أجفان ذي حرق) وهذه الأبيات مع أنها ms0859 جيدة مأخوذة ~~من أبيات الأمير أبي عبد الله محمد بن أحمد السراج الصوري وكان معاصره وهي ~~من جملة قصيدة PageV03P392 # (شئن البراثن في فيه وفي يده * ما في الصوارم والعسالة ~~الذبل) (تنافس الليل والنهار معا * فقمصاه بجلباب من المقل) (والشمس منذ ~~دعوها بالغزالة لم * تبرز لناظره إلا على وجل) ومن شعر ابن مسهر أيضا بيتان ~~كتبهما إلى بعض الرؤساء (ولما اشتكيت اشتكى كل ما * على الأرض واعتل شرق ~~وغرب) (لأنك قلب لجسم الزمان * وما صح جسم إذا اعتل قلب) وذكره العماد ~~الكاتب في الخريدة وبالغ في الثناء عليه ثم قال أنشدني العلم الشاتاني له ~~هذه القصيدة (حسرت عن يومنا النوب * واكتسى نواره العشب) (واستقامت في ~~مجرتها * بالأماني السبعة الشهب) (يا خليلي أين مصطبح * فيه للذات مصطحب) ~~(وثغور الزهر ضاحكة * ودموع القطر تنسكب) (ولنا في كل جارحة * من غنا ~~أطياره طرب) (اسقنيها بنت دسكرة * وهي أم حين تنتسب) (خندريس دون مدتها * ~~جاءت الأزمان والحقب) (طاف يجلوها لنا رشأ * قصرت عن لحظه القضب) (أوقدتها ~~نار وجنته * فهي في كفيه تلتهب) (ولها من ذاتها طرب * فلهذا يرقص الحبب) ثم ~~قال بعد ذلك وكان قد حكى لي كمال الدين بن السهروردي قال كان ابن مسهر إذا ~~أعجبه معنى لشاعر أو بيت عمل عليه قصيدة وادعاه لنفسه واجتمع هو والأبيوردي ~~مرة وهو لا يعرف ابن مسهر فجرى حديث ابن PageV03P393 # مسهر وأنه سرق بيت الأبيوردي فقال ابن مسهر بل ~~الأبيوردي سرق شعري وقال في الخريدة أيضا في حقه في أول ترجمته عاش إلى ~~زماننا هذا ورأيته شيخا أناف على التسعين لما كنت بالموصل سن اثنتين ~~وأربعين وخمسمائة ثم وصفه على جاري عادته ثم قال وابن مسهر مسهر المعاصرين ~~حسدا ومميت القاصرين عن شأوه كمدا ثم قال في أثناء الترجمة ومن غريب ~~الاتفاق ما حكاه السمعاني عن أبي الفتح عبد الرحمن بن أبي الغنائم محمد بن ~~أحمد ابن علي بن عبد الغفار المعروف بابن الأخوة البيع الأديب الكاتب أنه ~~رأى في منامه منشدا ينشد (وأعجب من صبري القلوص ms0860 التي سرت * بهودجك المزموم ~~أنى استقلت) (أعاتب فيك اليعملات على النوى * وأسأل عنك الريح من حيث هبت) ~~(وأطبق أحناء الضلوع على جوى * جميع وصبر مستحيل مشتت) قال أبو الفتح ~~المذكور فلما انتبهت جعلت دأبي السؤال عن قائل هذين البيتين مدة فلم أجد ~~مخبرا عنهما ومضى على ذلك عدة سنين ثم اتفق نزول أبي الحسن علي بن مسهر ~~المذكور في ضيافتي فتجاذبنا في بعض الليالي ذكر المنامات فذكرت له حال ~~المنام الذي رأيته وأنشدته البيتين المذكورين فقال أقسم بالله أنهما من ~~شعري من جملة قصيدة وأنشدني منها (إذا ما لسان الدمع نم على الهوى * فليس ~~بسر ما الضلوع أجنت) (فوالله ما أدري عشية ودعت * أناحت حمامات اللوى أم ~~تغنت) (وأعجب من صبري القلوص التي سرت * بهودجك المزموم أنى استقلت) (أعاتب ~~فيك اليعملات على النوى * وأسأل عنك الريح من حيث هبت) (وأطبق أحناء الضلوع ~~على جوى * جميع وصبر مستحيل مشتت) قال فعجبنا من هذا الاتفاق ثم تذاكرنا ~~بقية ليلتنا بأنواع الأدب PageV03P394 # ومن شعره أيضا وهو ما أورده له في الخريدة من قصيدة ~~(الوجد ما قد هيج الطللان * مني وأذكرني حمام البان) (أنا والحمائم حيث ~~تندب شجوها * فوق الأراكة سحرة سيان) (فأنا المعنى بالقدود أمالها * شرخ ~~الشباب وهن بالأغصان) ومنها (فافخر فإنك من سلالة معشر * عقدوا عمائمهم على ~~التيجان) (كل الأنام بنو أب لكنما * بالفضل تعرف قيمة الإنسان) وتوفي في ~~أواخر صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى وقال العماد الكاتب ~~في الخريدة سنة ست وأربعين ومسهر بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء ~~وبعدها راء وهو اسم علم 478 ابن الساعاتي أبو الحسن علي بن رستم بن هردوز ~~المعروف بابن الساعاتي الملقب بهاء الدين الشاعر المشهور شاعر مبرز في حلبة ~~المتأخرين له ديوان شعر يدخل PageV03P395 # في مجلدين أجاد فيه كل الإجادة وديوان آخر لطيف سماه ~~مقطعات النيل نقلت منه قوله (لله يوم في سيوط وليلة * صرف الزمان بأختها لا ~~يغلط) (بتنا وعمر الليل في غلوائه * وله بنور البدر فرع أشمط) (والطل ms0861 في ~~سلك الغصون كلؤلؤ * رطب يصافحه النسيم فبسقط) (والطير يقرأ والغدير صحيفة * ~~والريح تكتب والغمامة تنقط) وهذا تقسيم بديع ونقلت منه أيضا (ولقد نزلت ~~بروضة حزنية * رتعت نواظرنا بها والأنفس) (فظللت أعجب حيث يحلف صاحبي * ~~والمسك من نفحاتها يتنفس) (ما الجو إلا عنبر والدوح إلا * جوهر والروض إلا ~~سندس) (سفرت شقائقها فهم الأقحوان * بلثمها فرنا إليه النرجس) (فكأن ذا خد ~~وذا ثغر يحاوله * وله وذا أبدا عيون تحرس) وله كل معنى مليح أخبرني ولده ~~بالقاهرة المحروسة أن أباه توفي يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر رمضان ~~سنة أربع وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم وعمره إحدى وخمسون سنة وستة ~~أشهر واثنا عشر يوما ورأيت بخط بعض المشايخ وقد وافق في تاريخ الوفاة لكنه ~~قال عاش ثمانيا وأربعين سنة وسبعة أشهر واثني عشر يوما وأنه ولد بدمشق رحمه ~~الله تعالى والله أعلم بالصواب. # ورستم بضم الراء وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وهردوز ~~بفتح الهاء وسكون الراء وضم الدال وسكون الواو وبعدها زاي PageV03P396 # وسيوط بضم السين المهملة والياء المثناة من تحتها ~~وسكون الواو وبعدها طاء مهملة وهي بلدة بصعيد مصر ومنهم من يقول أسيوط ~~بزيادة همزة مضمومة وسكون السين 479 ابن الآمدي قاضي واسط أبو الفضائل علي ~~بن أبي المظفر يوسف بن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسين ابن أحمد بن ~~جعفر الآمدي الأصل الواسطي المولد والدار هو من بيت معروف بواسط بالصلاح ~~والرواية والعدالة قدم بغداد وأقام بها مدة متفقها على مذهب الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه على الشيخ أبي طالب المبارك بن المبارك صاحب ابن الخل ثم من ~~بعده على أبي القاسم يعيش بن صدقة الفراتي وأعاد له درسه بالمدرسة الثقتية ~~بباب الأزج وكان حسن الكلام في المناظرة وسمع الحديث من جماعة كبيرة ببلده ~~وببغداد وتولى القضاء بواسط في أواخر صفر سنة أربع وستمائة وصار إليها في ~~شهر ربيع الأول من السنة المذكورة وأضيف إليه أيضا الاشراف بالأعمال ~~الواسطية وكان له معرفة بالحساب وله أشعار رائقة ms0862 فمن ذلك الأبيات السائرة ~~وهي (واها له ذكر الحمى فتأوها * ودعا به داعي الصبا فتولها) (هاجت بلابله ~~البلابل فانثنت * أشجانه تثني عن الحلم النهى) (فشكا جوى وبكى أسى وتنبه ~~الوجد * القديم ولم يزل متنبها) PageV03P397 # (قالوا وهى جلدا ولو علق الهوى * بيلملم يوما تأوه أو ~~وهى) (لا تكرهوه على السلو فطائعا * حمل الغرام فكيف يسلو مكرما) (يا عتب ~~لا عتب عليك فسامحي * وصلي فقد بلغ السقام المنتهى) (علمت بان الجزع ميل ~~غصونه * لما خطرت عليه في حلل البها) (ومنحت غنج اللحظ غزلان النقا * فلذاك ~~أحسن ما يرى عين المها) (لولا دلالك لم أبت متقسم العزمات * مسلوب الرقاد ~~متيها) (لي أربع شهداء في صدق الولا * دمع وحزن مفرط وتدلها) (وبلابل ~~تعتادني لو أنها * في يذبل يوما لأصبح كالسها) (لام العواذل في هواك وما ~~ارعوى * ونهاه عنك اللائمون وما انتهى) (قالوا اشتهاك وقد رآك مليحة * عجبا ~~وأي مليحة لا تشتهى) (أنا أعشق العشاق فيك ولا أرى * مثلي ولا لك في ~~الملاحة مشبها) وله غيرها أشعار رقيقة 126 قلت هكذا وجدت هذه الأبيات ~~منسوبة إليه ولا أتحقق صحتها والله أعلم ثم وجدت بخطي في مسوداتي أن توفي ~~ابن الآمدي الشاعر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وكان في طبقة الغزي والأرجاني ~~ولم أقف على اسمه ونسبه حتى أعلم من هو لكنه قال وكان من أهل النيل يعني ~~البليدة التي في العراق وكان قد زاد على تسعين سنة فيحتمل أن تكون له هذه ~~الأبيات المذكورة في هذه الترجمة ويحتمل أن تكون لهذا الثاني المجهول الاسم ~~والنسب والله أعلم لكن يترجح الأول لأنه كان قاضي واسط فهو الفقيه وهذا ~~الشاعر وكانت ولادته بواسط في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسين ~~PageV03P398 # وخمسمائة وتوفي ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة ~~ثمان وستمائة بواسط وصلي عليه يوم الاثنين ودفن عند أبيه وأهله بظاهر البلد ~~رحمه الله تعالى وقد تقدم الكلام على الآمدي وأن نسبته إلى آمد 480 عماد ~~الدولة ابن بويه عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه ms0863 بن فناخسرو الديلمي ~~صاحب بلاد فارس وقد تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه معز الدولة أحمد بن بويه ~~في حرف الهمزة فأغنى عن الإعادة وعماد الدولة المذكور أول من ملك من بني ~~بويه وكان أبوه صيادا وليست له معيشة إلا من صيد السمك وكانوا ثلاثة إخوة ~~عماد الدولة أكبرهم ثم ركن الدولة الحسن وهو والد عضد الدولة وقد تقدم ذكره ~~في حرف الحاء ثم معز الدولة والجميع ملكوا وكان عماد الدولة سبب سعادتهم ~~وانتشار صيتهم واستولوا على البلاد وملكوا العراقين والأهواز وفارس وساسوا ~~أمور الرعية أحسن سياسة ثم لما ملك عضد الدولة بن ركن الدولة اتسعت مملكته ~~وزادت على ما كان لأسلافه ولولا خوف الإطالة لذكرت طرفا من سبب تملك الدولة ~~المذكور وكيفية أمره من أول الحال وذكر أبو محمد هارون بن العباس المأموني ~~في تاريخه أن عماد الدولة المذكور اتفقت له أسباب عجيبة كانت سببا لثبات ~~ملكه منها أنه لما ملك شيراز في PageV03P399 # أول ملكه اجتمع أصحابه وطالبوه بالأموال ولم يكن معه ~~ما يرضيهم به وأشرف أمره على الانحلال فاغتم لذلك فبينما هو مفكر قد استلقى ~~على ظهره في مجلس قد خلا فيه للفكرة والتدبير إذ رأى حية قد خرجت من موضع ~~من سقف ذلك المجلس ودخلت موضعا آخر منه فخاف أن تسقط عليه فدعا الفراشين ~~وأمرهم بإحضار سلم وأن تخرج الحية فلما صعدوا وبحثوا عن الحية وجدوا ذلك ~~السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين فعرفوه ذلك فأمرهم بفتحها ففتحت فوجد فيها ~~عدة صناديق من المال والمصاغات قدر خمسمائة ألف دينار فحمل المال إلى بين ~~يديه فسر به وأنفقه في رجاله وثبت أمره بعد أن كان قد أشفى على الانخرام ثم ~~إنه قطع ثيابا وسأل عن خياط حاذق فوصف له خياط كان لصاحب البلد قبله فأمر ~~بإحضاره وكان أطروشا فوقع له أنه قد سعي به إليه في وديعة كانت عنده لصاحبه ~~وأنه طلبه لهذا السبب فلما خاطبه حلف أنه ليس عنده إلا اثنا عشر صندوقا لا ~~يدري ما فيها ms0864 فعجب عماد الدولة من جوابه ووجه معه من حملها فوجد فيها ~~أموالا وثيابا بجملة عظيمة فكانت هذه الأسباب من أقوى دلائل سعادته ثم ~~تمكنت حاله واستقرت قواعده. # وكانت وفاته يوم الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثمان ~~وثلاثين وقيل تسع وثلاثين وثلاثمائة بشيراز ودفن في دار المملكة وأقام في ~~المملكة ست عشرة سنة وعاش سبعا وخمسين سنة ولم يعقب رحمه الله تعالى وأتاه ~~في مرضه أخوه ركن الدولة واتفقا على تسليم بلاد فارس إلى عضد الدولة بن ركن ~~الدولة فتسلمها PageV03P400 # 481 سيف الدولة بن حمدان سيف الدولة أبو الحسن علي بن ~~عبد الله بن حمدان وقد تقدم تتمة نسبه في ترجمة أخيه ناصر الدولة الحسن في ~~حرف الحاء فلا حاجة إلى إعادته قال أبو منصور الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر ~~كان بنو حمدان ملوكا أوجههم للصباحة وألسنتهم للفصاحة وأيديهم للسماحة ~~وعقولهم للرجاحة وسيف الدولة مشهور بسيادتهم وواسطة قلادتهم وحضرته مقصد ~~الوفود ومطلع الجود وقبلة الآمال ومحط الرحال وموسم الأدباء وحلبة الشعراء ~~ويقال إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ ~~الشعر ونجوم الدهر وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها وكان أديبا ~~شاعرا محبا لجيد الشعر شديد الاهتزاز له وكان كل من أبي محمد عبد الله بن ~~محمد الفياض الكاتب وأبي الحسن علي بن محمد الشمشاطي قد اختار من مدائح ~~الشعراء لسيف الدولة عشر آلاف بيت ومن محاسن شعر سيف الدولة في وصف قوس قزح ~~وقد أبدع فيه كل PageV03P401 # الإبداع وقيل إن هذه الأبيات لأبي الصقر القبيصي ~~والأول ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة (وساق صبيح للصبوح دعوته * فقام وفي ~~أجفانه سنة الغمض) (يطوف بكاسات العقار كأنجم * فمن بين منقض علينا ومنفض) ~~(وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا * على الجو دكنا والحواشي على الأرض) (يطرزها ~~قوس السحاب بأصفر * على احمر في أخضر تحت مبيض) (كأذيال خود أقبلت في غلائل ~~* مصبغة والبعض أقصر من بعض) وهذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر ms0865 ~~مثلها للسوقة والبيت الأخير أخذ معناه أبو علي الفرج بن محمد بن الأخوة ~~المؤدب البغدادي فقال في فرس أدهم محجل) (لبس الصبح والدجنة بردين * فأرخى ~~بردا وقلص بردا) وقيل إنها لعبد الصمد بن المعذل وكانت له جارية من بنات ~~ملوك الروم في غاية الجمال فحسدها بقية الحظايا لقربها منه ومحلها من قلبه ~~وعزمن على إيقاع مكروه بها من سم أو غيره فبلغه الخبر وخاف عليها فنقلها ~~إلى بعض الحصون احتياطا وقال (راقبتني العيون فيك فأشفقت * ولم أخل قط من ~~إشفاق) (ورأيت العدو يحسدني فيك * مجدا يا أنفس الأعلاق) (فتمنيت أن تكوني ~~بعيدا * والذي بيننا من الود باق) (رب هجر يكون من خوف هجر * وفراق يكون ~~خوف فراق) PageV03P402 # ورأيت هذه الأبيات بعينها في ديوان عبد المحسن الصوري ~~والله أعلم لمن هي منهما ومن شعره أيضا (أقبله على جزع * كشرب الطائر ~~الفزع) (رأى ماء فأطعمه * وخاف عواقب الطمع) (وصادف خلسة فدنا * ولم يتلذ ~~بالجرع) ويحكى أن ابن عمه أبا فراس المقدم ذكره في حرف الحاء كان يوما بين ~~يديه في نفر من ندمائه فقال لهم سيف الدولة أيكم يجيز قولي وليس له إلا ~~سيدي يعني أبا فراس (لك جسمي تعله * فدمي لم تحله) فارتجل أبو فراس وقال ~~(قال إن كنت مالكا * فلي الأمر كله) فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج ~~المدينة المعروف تغل ألفي دينار في كل سنة ومن شعر سيف الدولة أيضا قوله ~~(تجنى علي الذنب والذنب ذنبه * وعاتبني ظلما وفي شقه العتب) (إذا كرم ~~المولى بخدمة عبده * تجنى له ذنبا وإن لم يكن ذنب) (وأعرض لما صار قلبي ~~بكفه * فهلا جفاني حين كان لي القلب) وأنشدني الفقير أيدمر الصوفي المسمى ~~إبراهيم لنفسه دوبيت في معنى البيت الثالث PageV03P403 # (قوم نقضوا عهودنا بالشعب * من غير جناية ولا من ذنب) ~~صدوا وتعتبوا وقد همت بهم * هلا هجروا وكان قلبي قلبي) ويحكى أن سيف الدولة ~~كان يوما بمجلسه والشعراء ينشدونه فتقدم أعرابي رث الهيئة وأنشد وهو بمدينة ~~حلب (أنت علي وهذه حلب * قد نفد الزاد ms0866 وانتهى الطلب) (بهذه تفخر البلاد ~~وبالأمير * تزهى على الورى العرب) وعبدك الدهر قد أضر بنا * إليك من جور ~~عبدك الهرب) فقال سيف الدولة أحسنت والله وأمر له بمائتي دينار وقال أبو ~~القاسم عثمان بن محمد العراقي قاضي عين زربة حضرت مجلس الأميرسيف الدولة ~~بحلب وقد وافاه القاضي أبو نصر محمد بن محمد النيسابوري فطرح من كمه كيسا ~~فارغا ودرجا فيه شعر استأذن في إنشاده فأذن له فأنشد قصيدة أولها (حباؤك ~~معتاد وأمرك نافذ * وعبدك محتاج إلى ألف درهم) فلما فرغ من إنشاده ضحك سيف ~~الدولة ضحكا شديدا أمر له بألف درهم فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه ~~وكان أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم المعروفان بالخالديين ~~الشاعرين المشهورين وأبو بكر أكبرهما قد وصلا إلى حضرة سيف الدولة ومدحاه ~~فأنزلهما وقام بواجب حقهما وبعث لهما مرة وصيفا ووصيفة ومع كل واحد منهما ~~PageV03P404 # بدرة وتخت ثياب من عمل مصر فقال أحدهما من قصيدة طويلة ~~(لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا * إلا ومالك في النوال حبيس) (خولتنا شمسا ~~وبدرا أشرقت * بهما لدينا الظلمة الحنديس) (رشأ أتانا وهو حسنا يوسف * ~~وغزالة هي بهجة بلقيس) (هذا ولم تقنع بذاك وهذه * حتى بعثت المال وهو نفيس) ~~(أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة * وأتى على ظهر الوصيف الكيس) (وحبوتنا مما ~~أجادت حوكه * مصر وزادت حسنه تنيس) (فغدا لنا من جودك المأكول والمشروب * ~~والمنكوح والملبوس) فقال له سيف الدولة أحسنت إلا في لفظة المنكوح فليست ~~مما يخاطب الملوك بها وأخبار سيف الدولة كثيرة مع الشعراء خصوصا مع المتنبي ~~والسري الرفاء والنامي والببغاء والوأواء وتلك الطبقة وفي تعدادهم طول ~~وكانت ولادته يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة وقيل سنة ~~إحدى وثلاثمائة وتوفي يوم الجمعة ثالث ساعة وقيل رابع ساعة لخمس بقين من ~~صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة بحلب ونقل إلى ميافارقين ودفن في تربة أمه وهي ~~داخل البلد وكان مرضه عسر البول وكان قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه ~~في غزواته شيئا ms0867 وعمله لبنة بقدر الكف وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده ~~فنفذت وصيته في ذلك وملك حلب في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة انتزعها من يد ~~أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيد 127 ورأيت في تاريخ حلب أن أول من ولي ~~حلب من بني حمدان الحسين بن سعيد وهو أخو أبي فراس ابن حمدان وأنه تسلمها ~~في رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وكان شجاعا موصوفا وفيه يقول ابن ~~المنجم PageV03P405 # (وإذا رأوه مقبلا قالوا ألا * إن المنايا تحت راية ~~ذاكا) وتوفي يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثمان ~~وثلاثين وثلاثمائة بالموصل ودفن بالمسجد الذي بناه في الدير الأعلى وكنت ~~أظن أن دير سعيد الذي بظاهر الموصل منسوب إلى أبيه حتى رأيته في كتاب ~~الديرة منسوبا إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي وكان سيف الدولة قبل ~~ذلك مالك واسط وتلك النواحي وتقلبت به الأحوال وانتقل إلى الشام وملك دمشق ~~أيضا وكثيرا من بلاد الشام وبلاد الجزيرة وغزواته مع الروم مشهورة وللمتنبي ~~في أكثر الوقائع قصائد رحمه الله تعالى 128 وملك بعده ولده سعد الدولة أبو ~~المعالي شريف بن سيف الدولة وطالت مدته أيضا في المملكة ثم عرض له قولنج ~~وأشفى منه على التلف وفي اليوم الثالث من عافيته واقع جاريته فلما فرغ منها ~~سقط عنها وقد جف شقه الأيمن فدخل عيه طبيبه فأمر أن يسجر عنده الند والعنبر ~~فأفاق قليلا فقال له الطبيب أرني مجسك فناوله يده اليسرى فقال أريد اليمين ~~فقال ما تركت لي اليمين يمينا وكان قد حلف وغدر وتوفي ليلة الأحد لخمس بقين ~~من شهر رمضان من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وعمره أربعون سنة وستة أشهر ~~وعشرة أيام 129 وتولى بعده ولده أبو الفضائل سعد ولم أقف على تاريخ وفاته ~~وبموته انقرض ملك بني سيف الدولة 130 وتوفي أبو علي ابن الأخوة المذكور يوم ~~الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وخمسمائة وكان شاعرا مجيدا ~~PageV03P406 # 482 الظاهر العبيدي أبو هاشم علي الملقب لإعزاز ms0868 دين ~~الله ابن الحاكم بن العزيز بن المعز ابن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد ~~الله صاحب مصر وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته كانت ولايته بعد فقد أبيه ~~بمدة لأن أباه فقد في السابع والعشرين من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة كما ~~سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى وكان الناس يرجون ظهوره ويتتبعون آثاره ~~إلى أن تحققوا عدمه فأقاموا ولده المذكور في يوم النحر من السنة المذكورة ~~وكانت مملكته الديار المصرية وإفريقية وبلاد الشام فقصد صالح بن مرداس ~~الكلابي المذكور في حرف الصاد مدينة حلب وحاصرها وفيها مرتضى الدولة بن ~~لؤلؤ الجراحي غلام أبي الفضائل ابن شريف بن سيف الدولة الحمداني نيابة عن ~~الظاهر المذكور فانتزعها منه واستولى على ما يليها وتغلب حسان بن مفرج بن ~~دغفل البدوي صاحب الرملة على أكثر بلاد الشام وتضعضعت دولة الظاهر وجرت ~~أمور وأسباب يطول شرحها واستوزر نجيب الدولة أبا القاسم علي بن أحمد ~~الجرجرائي وكان أقطع اليدين من المرفقين قطعمهما الحاكم والد الظاهر في شهر ~~ربيع الآخر سنة أربع وأربعمائة على باب القصر البحري بالقاهرة المحروسة ~~وحمل إلى داره وكان يتولى بعض الدواوين فظهرت عليه خيانة قطع بسببها ثم بعد ~~ذلك ولي ديوان PageV03P407 # النفقات سنة تسع وأربعمائة ثم وزر للظاهر سنة ثماني ~~عشرة وأربعمائة وهذا كله بعد أن تنقل في الخدم بالأرياف والصعيد ولما ~~استوزر كان يكتب عنه العلامة القاضي أبو عبد الله القضاعي صاحب كتاب الشهاب ~~وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وكانت علامته الحمد لله شكرا لنعمته واستعمل ~~العفاف والأمانة الزائدة والاحتراز والتحفظ وفي ذلك يقول جاسوس الفلك (يا ~~أحمقا اسمع وقل * ودع الرقاعة والتحامق) (أأقمت نفسك في الثقات * وهبك فيما ~~قلت صادق) (فمن الأمانة والتقى * قطعت يداك من المرافق) وهو منسوب إلى ~~جرجرايا بفتح الجيمين بينهما راء ساكنة ثم راء مفتوحة وبين الألفين ياء ~~مثناة من تحتها وهي قرية من أرض العراق) وكانت ولادة الظاهر يوم الأربعاء ~~عاشر رمضان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بالقاهرة وتوفي آخر ليلة ms0869 الأحد منتصف ~~شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة رحمه الله وسمعت أنه توفي ببستان الدكة ~~وكان بالمقس في الموضع المعروف بالدكة والله أعلم 131 وتوفي وزيره ~~الجرجرائي سنة ست وثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى في سابع شهر رمضان ~~وكانت مدة وزارته للظاهر ولولده المستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر ~~وثمانية عشر يوما PageV03P408 # 483 علي بن منقذ أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ~~الكناني الملقب سديد الملك صاحب قلعة شيزر كان شجاعا مقدما قوي النفس كريما ~~وهو أول من ملك قلعة شيزر من بني منقذ لأنه كان نازلا مجاور القلعة بقرب ~~الجسر المعروف اليوم بجسر بني منقذ وكانت القلعة بيد الروم فحدثته نفسه ~~بأخذها فنازلها وتسلمها بالأمان في رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة ولم تزل ~~في يده ويد أولاده إلى أن جاءت الزلزلة في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ~~فهدمتها وقتلت كل من فيها من بني منقذ وغيرهم تحت الهدم وشغرت فجاءها نور ~~الدين محمود بن زنكي صاحب الشام في بقية السنة وأخذها وذكر بهاء الدين بن ~~شداد في كتاب سيرة صلاح الدين أنه جاءت زلزلة بحلب وأخربت كثيرا من البلاد ~~وذلك في ثاني عشر شوال سنة خمس وستين وخمسمائة وهذه غير تلك فلا يظن الواقف ~~عليه أن هذا غلط بل هما زلزلتان والأول ذكره ابن الجوزي في شذور العقود ~~وغيره أيضا وكان سديد الملك المذكور مقصودا وخرج من بيته جماعة نجباء أمراء ~~فضلاء كرماء ومدحه جماعة من الشعراء كابن الخياط والخفاجي وغيرهما وكان له ~~شعر جيد أيضا فمنه قوله وقد غضب على مملوك له وضربه (أسطو عليه وقلبي لو ~~تمكن من * كفي غلهما غيظا إلى عنقي) PageV03P409 # (وأستعير إذا عاقبته حنقا * وأين ذل الهوى من عزة ~~الحنق) وكان موصوفا بقوة الفطنة وتنقل عنه حكاية عجيبة وهي أنه كان يتردد ~~إلى حلب قبل تملكه شيزر وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس ~~فجرى أمر خاف سديد الملك المذكور على نفسه منه فخرج من حلب إلى طرابلس ~~الشام وصاحبها ms0870 يومئذ جلال الملك بن عمار فأقام عنده فتقدم محمود بن صالح ~~إلى كاتبه أبي نصر محمد بن الحسين بن علي بن النحاس الحلبي أن يكتب إلى ~~سديد الملك كتابا يتشوقه ويستعطفه ويستدعيه إليه ففهم الكاتب أنه يقصد له ~~شرا وكان صديقا لسديد الملك فكتب الكتاب كما أمر إلى أن بلغ إلى إن شاء ~~الله تعالى فشدد النون وفتحها فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن ~~عمار صاحب طرابلس ومن بمجلسه من خواصه فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظموا ما ~~فيه من رغبة محمود فيه وإيثاره لقربه فقال سديد الملك إني أرى في الكتاب ما ~~لا ترون ثم أجابه عن الكتاب بما اقتضاه الحال وكتب في جملة الكتاب أنا ~~الخادم المقر بالانعام وكسر الهمزة من أنا وشدد النون فلما وصل الكتاب إلى ~~محمود ووقف عليه الكاتب سر بما فيه وقال لأصدقائه قد علمت أن الذي كتبته لا ~~يخفى على سديد الملك وقد أجاب بما طيب نفسي وكان الكاتب قد قصد قول الله ~~تعالى * (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) * فأجاب سديد الملك بقوله تعالى * ~~(إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها) * فكانت هذه معدودة من تيقظه وفهمه ~~هكذا ساق هذه الحكاية أسامة في مجموعه إلى الرشيد بن الزبير في ترجمة ابن ~~النحاس) وكانت وفاته في سنة خمس وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى وقد تقدم ~~ذكر حفيده أسامة بن مرشد بن علي المذكور في حرف الهمزة وسيأتي ذكر والده في ~~حرف الميم إن شاء الله تعالى وذكرهم العماد الأصبهاني في الخريدة وبالغ في ~~الثناء عليهم وذكر أيضا PageV03P410 # في كتاب السيل والذيل أنه توفي تحت الهدم لما هدمت ~~الزلزلة حصن شيزر يوم الاثنين ثالث رجب سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة والله ~~أعلم 484 الصليحي أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي القائم باليمن كان ~~أبوه محمد قاضيا باليمن سني المذهب وكان أهله وجماعته يطيعونه وكان الداعي ~~عامر بن عبد الله الزواحي يلاطفه ويركب إليه لرياسته وسؤدده وصلاحه وعلمه ~~فلم يزل عامر المذكور حتى استمال ms0871 قلب ولده علي المذكور وهو يومئذ دون ~~البلوغ ولاحت له فيه مخايل النجابة وقيل كانت عنده حلية علي الصليحي في ~~كتاب الصور وهو من الذخائر القديمة فأوقفه منه على تنقل حاله وشرف مآله ~~وأطلعه على ذلك سرا من أبيه وأهله ثم مات عامر عن قرب وأوصى له بكتبه ~~وعلومه ورسخ في ذهن علي من كلامه ما رسخ فعكف على الدرس وكان ذكيا فلم يبلغ ~~الحلم حتى تضلع من معارفه التي بلغ بها وبالجد السعيد غاية الأمل البعيد ~~فكان فقيها في مذهب الدولة الإمامية مستبصرا في علم التأويل ثم إنه صار يحج ~~بالناس دليلا على طريق السراة والطائف خمس عشرة سنة وكان الناس يقولون له ~~بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره ويكون لك شأن فيكره ذلك وينكره على قائله مع ~~كونه أمرا قد شاع وكثر في أفواه الناس الخاصة والعامة ولما كان في سنة ~~PageV03P411 # تسع وعشرين وأربعمائة ثار في رأس مسار وهو أعلى ذروة ~~في جبال اليمن وكان معه ستون رجلا قد حالفهم بمكة في موسم سنة ثمان وعشرين ~~وأربعمائة على الموت والقيام بالدعوة وما منهم إلا من هو من قومه وعشائره ~~في منعة وعدد كثير ولم يكن برأس الجبل المذكور بناء بل كان قلة منيعة عالية ~~فلما ملكها لم ينتصف نهار ذلك اليوم الذي ملكها في ليلته إلا وقد أحاط به ~~عشرون ألف ضارب سيف وحصروه وشتموه وسفهوا رأيه وقالوا له إن نزلت وإلا ~~قتلناك أنت ومن معك بالجوع فقال لهم لم أفعل هذا إلا خوفا علينا وعليكم أن ~~يملكه غيرنا فإن تركتموني أحرسه وإلا نزلت إليكم فانصرفوا عنه ولم تمض عليه ~~أشهر حتى بناه وحصنه وأتقنه واستفحل أمر الصليحي شيئا فشيئا وكان يدعو ~~للمستنصر صاحب مصر في الخفية ويخاف من نجاح صاحب تهامة ويلاطفه ويستكين ~~لأمره وفي الباطن يعمل الحيلة في قتله ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية ~~جميلة أهداها إليه وذلك في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة بالكدراء وفي سنة ~~ثلاث وخمسين كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار ms0872 الدعوة فأذن له ~~فطوى البلاد طيا وفتح الحصون والتهائم ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك ~~اليمن كله سهله ووعره وبره وبحره وهذا أمر لم يعهد مثله في جاهلية ولا ~~إسلام حتى قال يوما وهو يخطب الناس في جامع الجند وفي مثل هذا اليوم نخطب ~~على منبر عدن ولم يكن ملكها بعد فقال بعض من حضر مستهزئا سبوح قدوس فأمر ~~بالحوطة عليه وخطب الصليحي في مثل ذلك اليوم على منبر عدن فقام ذلك الإنسان ~~وتغالى في القول وأخذ البيعة ودخل في المذهب ومن سنة خمس وخمسين استقر حاله ~~في صنعاء وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم وأسكنهم معه وولى في الحصون ~~غيرهم واختط بمدينة صنعاء PageV03P412 # عدة قصور وحلف أن لا يولي تهامة إلا لمن وزن مائة ألف ~~دينار فوزنت له زوجته أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب فولاه وقال لها يا ~~مولاتنا أنى لك هذا فقالت * (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب) * فتبسم وعلم أنه من خزانته فقبضه وقال * (هذه بضاعتنا ردت إلينا ~~ونمير أهلنا ونحفظ أخانا) * ولما كان في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة عزم ~~الصليحي على الحج فأخذ معه الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثوروا عليه ~~واستصحب زوجته أسماء ابنة شهاب واستخلف مكانه ولده الملك المكرم أحمد وهو ~~ولدها أيضا وتوجه في ألفي فارس فيهم من آل الصليحي مائة وستون شخصا حتى إذا ~~كان بالمهجم ونزل في ظاهرها بضيعة يقال لها أم الدهيم وبئر أم معبد وخيمت ~~عساكره والملوك التي معه من حوله لم يشعر الناس حتى قيل قد قتل الصليحي ~~فانذعر الناس وكشفوا عن الخبر فكان سعيد الأحول ابن نجاح المذكور الذي ~~قتلته الجارية بالسم قد استتر في زبيد وكان أخوه جياش في دهلك فسير إليه ~~وأعلمه أن الصليحي متوجه إلى مكة فتحضر حتى نقطع عليه الطريق ونقتله فحضر ~~جياش إلى زبيد وخرج هو وأخوه سعيد ومعهما سبعون رجلا بلا مركوب ولا سلاح بل ~~مع كل واحد جريدة في رأسها ms0873 مسمار حديد وتركوا جادة الطريق وسلكوا طريق ~~الساحل وكان بينهم وبين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجد وكان الصليحيي قد ~~سمع بخروجهم فسير خمسة آلاف حربة من الحبشة الذين في ركابه لقتالهم ~~فاختلفوا في الطريق فوصل سعيد ومن معه إلى طرف المخيم وقد أخذ منهم التعب ~~والحفاء وقلة المادة فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر ولم يشعر بهم إلا ~~عبد الله أخو علي الصليحي فقال لأخيه يا مولانا PageV03P413 # اركب فهذا والله الأحول سعيد بن نجاح وركب عبد الله ~~فقال الصليحي لأخيه إني لا أموت إلا بالدهيم وبئر أم معبد معتقدا أنها أم ~~معبد التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة فقال ~~له رجل من أصحابه قاتل عن نفسك فهذه والله الدهيم وهذه بئر أم معبد فلما ~~سمع الصليحي ذلك لحقه زمع اليأس من الحياة وبال ولم يبرح من مكانه حتى قطع ~~رأسه بسيفه وقتل أخوه معه وسائر الصليحيين وذلك في الثاني عشر من ذي القعدة ~~سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ثم إن سعيدا أرسل إلى خمسة الآلاف التي أرسلها ~~الصليحي لقتالهم وقال لهم إن الصليحي قد قتل وأنا رجل منكم وقد أخذت ثأر ~~أبي فقدموا عليه وأطاعوه واستعان بهم على قتال عسكر الصليحي فاستظهر عليهم ~~قتلا وأسرا ونهبا ثم رفع رأس الصليحي على عود المظلة وقرأ القارئ * (قل ~~اللهم مالك الملك) * ورجع إلى زبيد وقد حاز الغنائم ملكا عقيما ودخلها في ~~السادس عشر من ذي القعدة من السنة وملكها وملك بلاد تهامة ولم يزل على ذلك ~~حتى قتل في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة بتدبير الحرة وهي امرأة من ~~الصليحيين وخبر ذلك يطول ولما قتل الصليحي ورفع رأسه على عود المظلة كما ~~تقدم ذكره عمل في ذلك القاضي العثماني (بكرت مظلته عليه فلم ترح * إلا على ~~الملك الأجل سعيدها) (ما كان أقبح وجهه في ظلها * ما كان أحسن رأسه في ~~عودها) (سود الأراقم قابلت أسد الشرى * وارحمتا لأسودها من سودها) ~~PageV03P414 # ولعلي الصليحي شعر جيد فمن ذلك ms0874 قوله (أنكحت بيض الهند ~~سمر رماحهم * فرؤوسهم عوض النثار نثار) (وكذا العلا لا يستباح نكاحها * إلا ~~بحيث تطلق الأعمار) وذكره العماد في الخريدة فقال ومن شعره وقيل لغيره على ~~لسانه (وألذ من قرع المثاني عنده * في الحرب ألجم يا غلام وأسرج) (خيل ~~بأقصى حضرموت أشدها * وصهيلها بين العراق ومنبج) والصليحي بضم الصاد ~~المهملة وفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها حاء مهملة لا أعرف ~~هذه النسبة إلى أي شيء هي والظاهر أنها إلى رجل فقد جاء في الأسماء الأعلام ~~صليح ونسبوا إليه أيضا وأما الأماكن المذكورة فكلها من بلاد اليمن ولم ~~أتحقق ضبطها فكتبتها على الصورة التي وجدتها وأكثر هذه الترجمة نقلته من ~~أخبار اليمن للفقيه عمارة اليمني الشاعر وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~PageV03P415 # 485 العادل ابن السلار أبو الحسن علي بن السلار ~~المنعوت بالملك العادل سيف الدين ورأيت في مكان آخر أنه أبو منصور علي بن ~~إسحاق عرف بابن السلار وزير الظافر العبيدي صاحب مصر رأيت في بعض تواريخ ~~المصريين أنه كان كرديا زرزاريا وكان تربية القصر بالقاهرة وتقلبت به ~~الأحوال في الولايات وبالصعيد وغيره إلى أن تولى الوزارة للظافر المذكور في ~~رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ثم وجدت في مكان آخر أن الظافر المذكور ~~استوزر نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد بن مصال في أول ولايته وكان ابن ~~مصال من أكابر أمراء الدولة ثم تغلب عليه العادل بن السلار وعدى ابن مصال ~~إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان سنة أربع وأربعين وخمسمائة عندما ~~سمع بوصول ابن السلار من ولاية الإسكندرية طالبا للوزارة ودخل ابن السلار ~~القاهرة في الخامس عشر من الشهر المذكور وتولى تدبير الأمور ونعت بالعادل ~~أمير الجيوش وحشد ابن مصال جماعة من المغاربة وغيرهم وجرد العادل العساكر ~~للقائه فكسره بدلاص من الوجه القبلي وأخذ رأسه ودخل به إلى القاهرة على رمح ~~يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي القعدة من السنة المذكورة واستمر العادل ~~إلى أن قتل وهذا القول أصح من الأول والله ms0875 أعلم 132 وكان ابن مصال من أهل ~~لك بضم اللام وتشديد الكاف وهي PageV03P416 # بليدة عند برقة من أعمالها وكان هو وأبوه يتعاطيان ~~البيزرة والبيطرة وبذلك تقدما وكانت وزراة ابن مصال نحوا من خمسين يوما ~~وكان ابن السلار شهما مقداما مائلا إلى أرباب الفضل والصلاح عمر بالقاهرة ~~مساجد ورأيت بظاهر مدينة بلبيس مسجدا منسوبا إليه وكان ظاهر التسنن شافعي ~~المذهب ولما وصل الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى إلى ثغر ~~الإسكندرية المحروس وأقام به كما ذكرته في ترجمته ثم صار العادل المذكور ~~واليا به احتفل به وزاد في إكرامه وعمر له هناك مدرسة فوض تدريسها إليه وهي ~~معروفة به إلى الآن ولم أر بالإسكندرية مدرسة للشافعية سواها وكان مع هذه ~~الأوصاف ذا سيرة جائرة وسطوة قاطعة يؤاخذ الناس بالصغائر والمحقرات ومما ~~يحكى عنه أنه قبل وزارته بزمان وهو يومئذ من آحاد الأجناد دخل يوما على ~~الموفق أبي الكرم ابن معصوم التنيسي وكان يتولى الديوان فشكا إليه حاله من ~~غرامة لزمته بسبب تفريطه في شيء من لوازم الولاية بالغربية فلما أطال عليه ~~الكلام قال له أبو الكرم والله إن كلامك ما يدخل في أذني فحقد عليه ذلك ~~فلما ترقى إلى درجة الوزارة طلبه فخاف منه واستتر مدة فنادى عليه في البلد ~~وأهدر دم من يخفيه فأخرجه الذي خبأه عنده فخرج في زي امرأة بإزار وخف فعرف ~~فأخذ وحمل إلى العادل فأمر بإحضار لوح خشب ومسمار طويل وأمر به فألقي على ~~جنبه وطرح اللوح تحت أذنه ثم ضرب المسمار في الأذن الأخرى وصار كلما صرخ ~~يقول له دخل كلامي في أذنك بعد أم لا ولم يزل كذلك حتى نفذ المسمار من ~~الأذن التي على اللوح ثم عطف المسمار على اللوح ويقال إنه شنقه بعد ذلك ~~وكان قد وصل من إفريقية إلى الديار المصرية أبو الفضل عباس بن أبي الفتوح ~~ابن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي وهو صبي ومعه أمه واسمها ~~بلارة فتزوجها العادل المذكور وأقامت عنده زمانا ورزق عباس ms0876 ولدا سماه نصرا ~~PageV03P417 # فكان عند جدته في دار العادل والعادل يحنو عليه ويعزه ~~ثم إن العادل جهز عباسا إلى جهة الشام بسبب الجهاد وكان معه أسامة بن منقذ ~~المذكور في حرف الهمزة فلما وصل إلى بلبيس وهو مقدم الجيش الذي سار في ~~صحبته تذاكرا طيب الديار المصرية وحسنها وما هي عليه وكونه يفارقها ويتوجه ~~للقاء العدو ويقاسي البيكار فأشار عليه أسامة على ما قيل بقتل العادل ~~ويستقل هو بالوزارة ويستريح من البيكار وتقرر بينهما أن ولده نصرا يباشر ~~ذلك إذا رقد العادل فإنه معه في الدار ولا ينكر عليه ذلك وحاصل الأمر أن ~~نصرا قتله على فراشه يوم الخميس سادس المحرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ~~بدار الوزارة بالقاهرة المحروسة رحمه الله تعالى وتفصيل الواقعة يطول وقيل ~~إنه قتل يوم السبت حادي عشر المحرم من السنة المذكورة وكان والده في صحبة ~~سقمان بن أرتق صاحب القدس فلما أخذ الأفضل أمير الجيوش القدس من سقمان كما ~~هو مذكور في ترجمة أبيه أرتق وجد فيه طائفة من عسكر سقمان فضمهم الأفضل ~~إليه وكان في جملتهم السلار والد العادل المذكور فأخذه الأفضل إليه وتقدم ~~عنده وسماه ضيف الدولة وأكرم ولده هذا وجعل في صبيان الحجر ومعنى صبيان ~~الحجر عندهم أن يكون لكل واحد منهم فرس وعدة فإذا قيل له عن شغل ما يحتاج ~~أن يتوقف فيه وذلك على مثال الداوية والاسبتار فإذا تميز صبي من هؤلاء بعقل ~~وشجاعة قدم للإمرة فترجح العادل بهذ الصفات وزاد عليها بالحزم والهيبة وترك ~~المخالطة فأمره الحافظ وولاه الإسكندرية وكان PageV03P418 # يعرف برأس البغل ثم تقدم وهذا نصر بن عباس هو الذي قتل ~~الظافر إسماعيل بن الحافظ صاحب مصر وقد ذكرته في ترجمته في أوائل هذا ~~الكتاب 486 الملك الأفضل ابن صلاح الدين أبو الحسن علي الملقب الملك الأفضل ~~نور الدين ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سمع بالإسكندرية من الإمام ~~أبي الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف الزهري وبمصر من العلامة أبي محمد عبد ~~الله بن بري النحوي ms0877 وأجاز له أبو الحسين أحمد بن حمزة بن علي السلمي وأبو ~~عبد الله محمد بن علي بن صدقة الحراني وغيرهما من الشاميين وأجاز له أبو ~~القاسم هبة الله بن علي بن مسعود وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن حامد ~~وغيرهما من المصريين وكان يكتب خطا حسنا واجتمعت فيه فضائل وكان أكبر أولاد ~~أبيه وإليه كانت ولاية عهده فلما توفي بدمشق رحمه الله تعالى كما سيأتي في ~~ترجمته وكان الملك الأفضل في صحبته استقل بمملكة دمشق واستقل أخوه الملك ~~العزيز عماد الدين عثمان بالديار المصرية كما سبق في ترجمته وبقي الملك ~~الظاهر أخوهما بحلب ثم إن الملك الأفضل جرت له مع أخيه وقائع في أسباب يطول ~~شرحها وآخر الأمر أن العزيز والملك العادل عمه PageV03P419 # حاصرا دمشق وأخذاها من الأفضل وأعطياه صرخد فمضى إليها ~~وأقام بها قليلا فمات العزيز بمصر وتولى ولده الملك المنصور محمد وكان ~~صغيرا فطلب الملك الأفضل من صرخد ليكون أتابكه وكان طلبه ليلة الأربعاء ~~التاسع والعشرين من صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة عقيب موت أخيه العزيز ~~عثمان ومشى في ركاب المنصور محمد ابن العزيز ثم إن الملك العادل قصد الديار ~~المصرية وأخذها ودفع للأفضل عدة بلاد بالشرق فمضى إليها فلم يحصل له سوى ~~سميساط فأقام بها ولم يزل بها إلى أن مات وما أحسن كلام القاضي الفاضل من ~~جملة كتاب كتبه في أثناء هذه الوقائع أما هذا البيت فإن الآباء منه اتفقوا ~~فملكوا والأبناء اختلفوا فهلكوا وإذا غرب نجم فما في الحيلة تشريقه وإذا ~~بدا خرق ثوب فما يليه إلا تمزيقه وهيهات أن يسد على قدر طريقه وقد قدر ~~طروقه وإذا كان الله مع خصم على خصم فمن كان الله معه فمن يطيقه وكان ~~الأفضل فيه فضيلة ومعرفة وكتابة ونباهة وكان يحب العلماء ويعظم حرمتهم وله ~~شعر فمن المنسوب إليه أنه كتبه إلى الإمام الناصر يشكو من عمه العادل وأخيه ~~العزيز لما أخذا منه دمشق (مولاي إن أبا بكر وصاحبه * عثمان قد غصبا بالسيف ~~حق علي) (وهو ms0878 الذي كان قد ولاه والده * عليهما فاستقام الأمر حين ولي) ~~(فخالفاه وحلا عقد بيعته * والأمر بينهما والنص فيه جلي) (فانظر إلى حظ هذا ~~الاسم كيف لقي * من الأواخر ما لاقى من الأول) فجاءه جواب الإمام الناصر ~~وفي أوله PageV03P420 # (وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا * بالود يخبر أن أصلك ~~طاهر) (غصبوا عليا حقه إذ لم يكن * بعد النبي له بيثرب ناصر) (فأبشر فإن ~~غدا عليه حسابهم * واصبر فناصرك الإمام الناصر) وكانت ولادته يوم عيد الفطر ~~وقت العصر سنة ست وقيل خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة ووالده يومئذ وزير ~~المصريين وتوفي في صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة فجأة بسميساط رحمه الله ~~تعالى ونقل إلى حلب ودفن في تربته بظاهر حلب بالقرب من مشهد الهروي وسميساط ~~بضم السين المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين ~~الثانية وبعد الألف طاء مهملة وهي قلعة في بر الشام على الفرات في ناحية ~~بلاد الروم بين قلعة الروم وملطية 487 ابن الفرات أبو الحسن علي بن محمد بن ~~موسى بن الحسن بن الفرات وزير المقتدر بالله بن المعتضد بالله وزر له ثلاث ~~دفعات فالأولى منهن لثمان خلون من شهر ربيع الأول وقيل لسبع بقين منه سنة ~~ست وتسعين ومائتين ولم يزل وزيره إلى أن قبض عليه لأربع خلون من ذي الحجة ~~سنة تسع وتسعين ومائتين ونكبه وهب داره وأمواله واستغل من أملاكه إلى أن ~~عاد إلى الوزارة في المرة الثانية سبعة آلاف ألف دينار وذكروا عنه أنه كتب ~~إلى الأعراب ان يكبسوا بغداد PageV03P421 # والله أعلم ثم عاد إلى الوزارة يوم الاثنين لثمان خلون ~~من ذي الحجة سنة أربع وثلاثمائة وخلع عليه سبع خلع وحمل إليه ثلاثمائة ألف ~~درهم لغلمانه وخمسون بغلا لثقله وعشرون خادما وغير ذلك من العدد والآلات ~~وزاد في ذلك اليوم في ثمن الشمع في كل من قيراط ذهب لكثرة استعماله إياه ~~وكان ذلك النهار شديد الحر فسقي في ذلك النهار وتلك الليلة في داره أربعون ~~ألف رطل ثلج ولم يزل على وزارته ms0879 إلى أن قبض عليه يوم الخميس لثلاث بقين من ~~جمادى الأولى سنة ست وثلاثمائة ثم عاد إلى الوزارة يوم الخميس لسبع ليال ~~بقين من ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وكان يوم خرج من الحبس مغتاظا ~~فصادر الناس وأطلق يد ولده المحسن فقتل حامد بن العباس الوزير الذي كان قبل ~~أبيه وسفك الدماء ولم يزل وزيرا إلى أن قبض عليه لتسع ليال خلون من ربيع ~~الآخر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وقيل قبض عليه يوم الثلاثاء لتسع خلون من ~~شهر ربيع الأول وكان يملك أموالا كثيرة تزيد على عشرة آلاف ألف دينار وكان ~~يستغل من ضياعه في كل سنة ألفي ألف دينار ينفقها قال أبو بكر محمد بن يحيى ~~الصولي مدحته بقصيدة فحصل لي في ذلك اليوم ستمائة دينار وكان كاتبا كافيا ~~خبيرا قال الإمام المعتضد بالله لعبيد الله بن سليمان قد دفعت إلى ملك مختل ~~وبلاد خراب ومال قليل وأريد أعرف ارتفاع الدنيا لتجري النفقات عليه فطلب ~~عبيد الله ذلك من جماعة من الكتاب فاستمهلوه شهرا وكان أبو الحسن ابن ~~الفرات وأخوه أبو العباس محبوسين منكوبين فأعلما بذلك فعملاه في يومين ~~وأنفذاه فعلم عبيد الله أن ذلك لا يخفى على المعتضد فكلمه فيهما ووصفهما ~~فاصطنعهما وكانت في دار أبي الحسن ابن الفرات حجرة شراب يوجه الناس على ~~اختلاف طبقاتهم إليها غلمانها يأخذون منها الأشربة والفقاع والجلاب إلى ~~دورهم PageV03P422 # وكان يجري الرزق على خمسة آلاف من أهل العلم والدين ~~والبيوت والفقراء أكثرهم مائة درهم في الشهر وأقلهم خمسة دراهم وما بين ذلك ~~قال الصولي ومن فضائله التي لم يسبق إليها أنه كان إذا رفعت إليه قصة فيها ~~سعاية خرج من عنده غلام فنادى أين فلان بن فلان الساعي فلما عرف الناس ذلك ~~من عادته امتنعوا من السعاية بأحد واغتباظ يوما من رجل فقال اضربوه مائة ~~سوط ثم أرسل رسولا فقال اضربوه خمسين ثم أرسل آخر وقال لا تضربوه وأعطوه ~~عشرين دينارا فكفاه ما مر به المسكين من الخوف قال الصولي قام ms0880 من مرضه وقد ~~اجتمعت الكتب والرقاع عنده فنظر في ألف كتاب ووقع في ألف رقعة فقلنا له ~~بالله لا يسمع بهذا أحد خوفا من العين عليه قال الصولي ورأيت من أدبه أنه ~~دعا خاتم الخلافة ليختم به كتابا فلما رآه قام على رجليه تعظيما للخلافة ~~قال ورأيته جالسا للمظالم فتقدم إليه خصمان في دكاكين في الكرخ فقال ~~لأحدهما رفعت إلي قصة في سنة اثنتين وثمانين ومائتين في هذه الدكاكين ثم ~~قال سنك يقصر عن هذا فقال له ذاك كان أبي قال نعم وقعت له على قصة رفعها ~~وكان إذا مشى الناس بين يديه غضب وقال أنا لا أكلف هذا غلماني فكيف أكلف ~~أحرارا لا إحسان لي عليهم وقتل نازوك صاحب الشرطة أبا الحسن ابن الفرات ~~المذكور وابنه المحسن يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر ~~سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وقال بعض المؤرخين كان مولده لتسع خلون من ربيع ~~الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين وكان عمر ابنه المحسن يوم قتل ثلاثا ~~وثلاثين سنة قال الصاحب أبو القاسم ابن عباد المقدم ذكره أنشدني أبو الحسن ~~ابن أبي بكر العلاف وهو المشهور بكثرة الأكل قصيدة أبيه أبي بكر في الهر ~~وقال PageV03P423 # إنا كنى بالهر عن المحسن بن أبي الحسن ابن الفرات أيام ~~محنتهم لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه قلت وقد سبق ذكر المرثية في ترجمة أبي ~~بكر العلاف ومن غرائب الأخبار أن زوجة المحسن ابن الفرات أرادت أن تختن ~~ابنها بعد قتل أبيه فرأت المحسن في منامها فذكرت له تعذر النفقة فقال لها ~~إن لي عند فلان عشرة آلاف دينار أودعته إياها فانتبهت وأخبرت أهلها فسألوا ~~الرجل فاعترف وحمل المال عن آخره 133 وكان أبو العباس أحمد بن محمد بن ~~الفرات أخو أبي الحسن المذكور أكتب أهل زمانه وأضبطهم للعلوم والآداب ~~وللبحتري فيه القصيدة التي أولها (بت أبدي وجدا وأكتم وجدا * لخيال قد بات ~~لي منك يهدي) وتوفي أبو العباس المذكور يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان سنة ~~إحدى وتسعين ms0881 ومائتين وأما أخوه أبو الخطاب جعفر بن محمد بن الفرات فإنه ~~عرضت عليه الوزارة فأباها 134 وتولاها ابنه أبو الفتح الفضل بن جعفر وكان ~~كاتبا مجودا وهو المعروف بابن حنزابة وهي أمه وكانت جارية رومية قلده ~~المقتدر الوزارة يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الآخر سنة عشرين ~~وثلاثمائة وقيل خلع عليه في أول شهر ربيع الآخر سنة عشرين وثلاثمائة والله ~~أعلم ولم يزل وزيره إلى أن قتل المقتدر لأربع بقين من شوال سنة عشرين ~~وثلاثمائة وتولى الخلافة أخوه القاهر بالله فاستتر أبو الفتح ابن حنزابة ~~فولى القاهر أبا علي محمد بن علي بن مقلة الكاتب الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى الوزارة ثم تولى أبو الفتح الدواوين في أيام القاهر أيضا وخلع القاهر ~~وسملت عيناه في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة PageV03P424 # وولي الخلافة الراضي بالله ابن المقتدر بالله المقدم ~~ذكره فقلد أبا الفتح ابن حنزابة الشام فتوجه إليها ثم إن الراضي بالله ولاه ~~الوزارة وهو يومئذ مقيم بحلب وعقد له الأمر فيها يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة ~~خلت من شعبان سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وكوتب بالمسيرإلى الحضرة فوصل إلى ~~بغداد يوم الخميس لست خلون من شوال من السنة فأقام ببغداد قليلا فرأى ~~الأمور مضطربة وقد استولى الأمير أبو بكر محمد بن رائق على الحضرة فتحدث ~~أبو الفتح مع ابن رائق في أنه يعود إلى الشام وأطمعه في حمل الأموال إليه ~~من مصر والشام فعاد إليها في الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين ~~فأدركه أجله بغزة وقيل بالرملة وجاءت الكتب إلى الحضرة بموته في يوم الأحد ~~لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وقيل ست وعشرين والأول أصح ودفن ~~في داره بالرملة وكان مولده في ليلة السبت لسبع ليال بقين من شعبان سنة تسع ~~وسبعين ومائتين وكانت الكتب تصدر باسمه في الشام وأما ابنه أبو الفضل جعفر ~~بن الفضل فقد سبق ذكره في حرف الجيم من هذا الكتاب وتاريخ وفاته ومولده ms0882 ~~رحمهم الله تعالى أجمعين وهذا الذي ذكرته في هذه الترجمة نقلته من عدة ~~مواضع منها كتاب أخبار الوزراء تأليف الصاحب ابن عباد وكتاب عيون السير ~~تأليف محمد بن عبد الملك الهمداني وكتاب الوزراء تأليف أبي عبد الله محمد ~~بن أحمد الفارسي وما منهم أحد تعرض إلى قضية عبد الله بن المعتز وترجمة ابن ~~الفرات المذكور تترتب على قضية ابن المعتز فلا بد من ذكر شيء من أحوالها ~~وأصح التواريخ نقلا تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري فنذكر ما قاله في ~~حوادث سنة ست وتسعين ومائتين إن القواد والكتاب اجتمعوا على خلع الخليفة ~~المقتدر وتناظروا فيمن يجعلونه موضعه فأجمعوه رأيهم على عبد الله بن المعتز ~~وناظروه في ذلك فأجابهم إليه على أنه لا يكون PageV03P425 # في ذلك سفك دم ولا حرب فأخبروه أن الأمر يسلم إليه ~~عفوا وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضوا فبايعهم على ذلك ~~وكان الرأس في ذلك محمد بن داود بن الجراح وأبا المثنى أحمد بن يعقوب ~~القاضي وواطأ محمد بن داود جماعة من القواد على الفتك بالمقتدر والعباس بن ~~الحسن قلت وكان وزير المقتدر يومئذ قال الطبري وكان العباس بن الحسن على ~~ذلك قد واطأ جماعة من القواد على خلع المقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتز ~~فلما رأى أمره مستوسقا له مع المقتدر على ما يحب بدا له فيما كان قد عزم ~~عليه من ذاك فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه يعني الوزير المذكور وقال الطبري ~~وكان الذي تولى قتله بدر الأعجمي والحسين بن حمدان ووصيف بن صوارتكين وذلك ~~يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول ولما كان من غد هذا ~~اليوم وهو يوم الأحد خلع المقتدر الكتاب والقواد وقضاة بغداد وبايعوا عبد ~~الله بن المعتز ولقبوه الراضي بالله وكان الذي يأخذ البيعة له على القواد ~~ويلي استحلافهم والدعاء بأسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش وفي هذا ~~اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوة ms0883 إلى ~~انتصاف النهار وفي هذا اليوم انفضت الجموع التي كان ابن داود جمعها لبيعة ~~ابن المعتز عنه وذلك أن الخادم الذي يدعى مؤنسا حمل غلمانا من غلمان الدار ~~في الشذوات قلت وهي عندهم المراكب قال فصاعد بها وهم فيها وهي في دجلة فلما ~~جاوزوا الدار التي فيها ابن المعتز ومحمد بن داود صاحوا بهم ورشقوهم ~~بالنشاب فتفرقوا وهرب من كان في الدار من الجند والقواد والكتاب وهرب ابن ~~المعتز ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتز بالمقتدر فاعتذروا إليه بأنهم ~~منعوا من المصير إليه واستخفى بعضهم فطلبوا وأخذوا وقتلوا وانتهبت العامة ~~دور ابن داود وأخذ ابن المعتز فيمن أخذ انتهى كلام الطبري في ذلك ~~PageV03P426 # 135 فنذكر ما قال غيره جمعته من مواضع متفرقة حاصله أن ~~عبد الله بن المعتز رتب للوزارة في ذلك اليوم محمد بن داود المذكور وللقضاء ~~أبا المثنى المذكور فلما انتقض أمره وأخذ ابن المعتز استتر ابن داود وكان ~~من فضلاء أهل عصره وله عدة تصانيف منها كتاب الورقة في أخبار الشعراء وكتاب ~~الوزراء وغير ذلك ثم ظهر المؤنس الخادم المذكور وخافه أبو الحسن علي ابن ~~الفرات المذكور فأشار على مؤنس بقتله فقتل وأخرج وطرح في سقاية عند ~~المأمونية فحمل إلى منزله وكان قتله في شهر ربيع الآخر من السنة ومولده في ~~سنة ثلاث وأربعين ومائتين في الليلة التي توفي فيها إبراهيم بن العباس ~~الصولي المقدم ذكره ولما عاد أمر المقتدر إلى ما كان عليه وقد قتل وزيره ~~العباس بن الحسن في التاريخ الذي ذكره الطبري استوزر أبا الحسن علي بن ~~الفرات المذكور فأول ما ظهر من محاسنه أنه حمل إليه من دار ابن المعتز ~~صندوقان عظيمان فقال أعلمتم ما فيهما قيل نعم جرائد بأسماء من بايعه فقال ~~لا تفتحوهما ودعا بنار فطرح الصندوقين فيها فلما احترقا قال لو فتحتهما ~~وقرأت ما فيهما فسدت نيات الناسب أجمعهم علينا واستشعروا منا ومع ما فعلناه ~~قد هدأت القلوب وسكنت النفوس ومما يتعلق بهذه الترجمة أن القاهر بالله لما ~~خلع وسملت ms0884 عيناه كما ذكرناه آل به الأمر إلى أن خرج إلى جامع المنصور ~~ببغداد فعرف الناس بنفسه وسألهم التصدق عليه فقام إليه ابن أبي موسى ~~الهاشمي فأعطاه ألف درهم وفي ذلك عبرة لأولي الألباب وقد سبق ذكر عبد الله ~~بن المعتز في ترجمته لكن هذه الحاجة دعت إلى إعادتها هاهنا ونقلت من كتاب ~~الأعيان والأماثل تأليف الرئيس أبي الحسن هلال بن المحسن بن أبي إسحاق ~~إبراهيم الصابي وحدث القاضي أبو الحسين عبيد الله بن PageV03P427 # عباس أن رجلا اتصلت عطلته وانقطعت مادته فزور كتابا من ~~أبي الحسن ابن الفرات إلى أبي زنبور المادرائي عامل مصر في معناه يتضمن ~~الوصاة به والتأكيد في الإقبال عليه والإحسان إليه وخرج إلى مصر فلقيه به ~~فارتاب أبو زنبور في أمره لتغير الخطاب على ما جرت به العادة وكون الدعاء ~~ألين مما يقتضيه محله فراعاه مراعاة قريبة ووصله بصلة قليلة واحتبسه عنده ~~على وعد وعده به وكتب إلى أبي الحسن ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه ~~وأنفذه بعينه إليه واستثبته فيه فوقف ابن الفرات على الكتاب المزور فوجد ~~فيه ذكر الرجل وأنه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه وما يقال في ذلك ~~مما قد استوفى الخطاب فيه وعرضه على كتابه وعرفهم الصورة فيه وعجب إليهم ~~منها ومما أقدم عليه الرجل وقال لهم ما الرأي في أمر هذا الرجل عندكم فقال ~~بعضهم تأديبه أو حبسه وقال آخر قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا أو يقتدي به ~~غيره فيما هو أكثر من هذا وقال أجملهم محضرا يكشف لأبي زنبور قصته ويرسم له ~~طرده وحرمانه فقال ابن الفرات ما أبعدكم عن الخيرية والحرية وأنفر طباعكم ~~منها رجل توسل بنا وتحمل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا واستمداد ~~صنع الله عز وجل بالانتساب إلينا يكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضرا تكذيب ~~ظنه وتخييب سعيه والله لا كان هذا أبدا ثم إنه أخذ القلم من دواته وكتب على ~~الكتاب المزور هذا كتابي ولست أعلم لم أنكرت أمره واعترضتك شبهة فيه وليس ms0885 ~~كل من خدمنا وأوجب حقا علينا تعرفه وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي وما ~~أعتقده في قضاء حقه أكثر مما كلفتك في أمره من القيام به فأحسن تفقده ووفر ~~رفده وصرفه فيما يعود عليه نفعه ويصل إلينا فيما يحقق ظنه ويبين موقعه ورده ~~إلى أبي زنبور من يومه فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل على أبي الحسن ابن ~~الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبزة PageV03P428 # جميلة وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي يده وويقبل ~~الأرض فقال له ابن الفرات من أنت بارك الله فيك وكانت هذه كلمته فقال صاحب ~~الكتاب المزور إلى أبي زنبور الذي صححه كرم الوزير وتفضله فعل الله به وصنع ~~فضحك ابن الفرات وقال كم وصل إليك منه قال وصل إلي من ماله وتقسط قسطه على ~~عماله ومعامليه وعمل صرفني فيه عشرون ألف دينار فقال ابن الفرات الحمد لله ~~الزمنا فإنا نعرضك إلى عمل يزداد به صلاح حالك ثم أختبره فوجده كاتبا سديدا ~~فاستخدمه وأكسبه مالا جزيلا رحمه الله تعالى ورضي عنه والفرات بضم الفاء ~~وبعد الراء ألف وبعدها تاء مثناة من فوقها ونازوك بالنون وبعد الألف زاء ~~مضمومة وبعد الواو كاف 488 ابن يونس المنجم صاحب الزيج الحاكمي أبو الحسن ~~علي بن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المنجم ~~المصري المشهور صاحب الزيج الحاكمي المعروف بزيج ابن يونس وهو زيج كبير ~~رأيته في أربع مجلدات بسط القول والعمل فيه وما أقصر في تحريره ولم أر في ~~الأزياج على كثرتها أطول منه وذكر أن الذي أمره بعمله وابتدأه له العزيز ~~أبو الحاكم صاحب مصر وسيأتي ذكره في حرف النون إن شاء الله تعالى ~~PageV03P429 # كان مختصا بعلم النجوم متصرفا في سائر العلوم بارعا في ~~الشعر وعلى إصلاحه لزيج يحيى بن منصور تعويل أهل مصر في تقويم الكواكب ~~وعدله القاضي أبو عبد الله محمد بن النعمان في جمادى الأولى سنة ثمانين ~~وثلاثمائة وخلف ولدا متخلفا باع كتبه وجميع تصنيفاته بالأرطال في ~~الصابونيين وكان ms0886 قد أفنى عمره في الرصد والتسيير للمواليد وعمل فيها ما لا ~~نظير له وكان يقف للكواكب قال الأمير المختار المعروف بالمسبحي أخبرني أبو ~~الحسن المنجم الطبراني أنه طلع معه إلى جبل المقطم وقد وقف للزهرة فنزع ~~ثوبه وعمامته ولبس ثوبا نساويا أحمر ومقنعة حمراء تقنع بها وأخرج عودا فضرب ~~به والبخور بين يديه فكان عجيبا من العجب قال الأمير المختار في تايخ مصر ~~كان ابن يونس المذكور أبله مغفلا يعتم على طرطور طويل ويجعل رداءه فوق ~~العمامة وكان طويلا وإذا ركب ضحك منه الناس لشهرته وسوء حاله ورثاثة لباسه ~~وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النجامة لا يشاركه فيها غيره ~~وكان أحد الشهود وكان متفننا في علوم كثيرة وكان يضرب بالعود على جهة ~~التأدب وله شعر حسن فمنه قوله 9 (أحمل نشر الريح عند هبوبه * رسالة مشتاق ~~لوجه حبيبه) (بنفسي من تحيا النفوس بقربه * ومن طابت الدنيا به وبطيبه) ~~(لعمري لقد عطلت كأسي بعده * وغيبتها عني لطول مغيبه) (وجدد وجدي طائف منه ~~في الكرى * سرى موهنا في خفية من رقيبه) وله شعر كثير وقد تقدم ذكر والده ~~في حرف العين وهو صاحب التاريخ وسيأتي ذكر PageV03P430 # جده في حرف الياء إن شاء الله تعالى ويحكى أن الحاكم ~~العبيدي صاحب مصر قال وقد جرى في مجلسه ذكر ابن يونس وتغفله دخل إلى عندي ~~يوما ومدارسه بيده فقبل الأرض وجلس وترك المداس إلى جانبه وأنا أراه وأراها ~~وهو بالقرب مني فلما أراد أن ينصرف قبل الأرض وقدم المداس ولبسه وانصرف ~~وإنما ذكر هذا في معرض غفلته وقلة اكتراثه وقال المسبحي كانت وفاته بكرة ~~يوم الاثنين لثلاث خلون من شوال سنة تسع وتسعين وثلاثمائة فجأة رحمه الله ~~تعالى وصلى عليه في الجامع بمصر القاضي مالك بن سعيد بن أحمد بن محمد بن ~~سليمان بن ثواب ودفن بداره بالفرائين 489 الفقيه عمارة اليمني الفقيه أبو ~~محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن ريدان بن أحمد الحكمي اليمني PageV03P431 # الملقب نجم الدين الشاعر المشهور ms0887 نقلت من بعض تواليفه ~~أنه من قحطان ثم الحكم بن سعد العشيرة المذحجي وأن وطنه من تهامة باليمن ~~مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر ~~يوما وبها مولده ومرباه وأنه بلغ الحلم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ورحل إلى ~~زبيد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فأقام بها يشتغل بالفقه في بعض مدارسها مدة ~~أربع سنين وأنه حج سنة تسع وأربعين وخمسمائة وسيره قاسم بن هاشم ابن فليتة ~~صاحب مكة شرفها الله تعالى رسولا إلى الديار المصرية فدخلها في شهر ربيع ~~الأول سنة خمسين وخسمائة وصاحبها يومئذ الفاز بن الظافر والوزير الصالح ابن ~~رزيك المذكور في حرف الطاء وأنشدهما في تلك الدفعة قصيدته الميمية وهي ~~(الحمد للعيس بعد العزم والهمم * حمدا يقوم بما أولت من النعم) (لا أجحد ~~الحق عندي للركاب يد * تمنت اللجم فيها رتبة الخطم) (قربن بعد مزار العز من ~~نظري * حتى رأيت إمام العصر من أمم) (ورحن من كعبة البطحاء والحرم * وفدا ~~إلى كعبة المعروف والكرم) (فهل درى البيت أني بعد فرقته * ما سرت من حرم ~~إلا إلى حرم) (حيث الخلافة مضروب سرادقها * بين النقيضين من عفو ومن نقم) ~~(وللإمامة أنوار مقدسة * تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم) (وللنبوة آيات تنص ~~لنا * على الخفيين من حكم ومن حكم) PageV03P432 # (وللمكارم أعلام تعلمنا * مدح الجزيلين من بأس ومن ~~كرم) (وللعلا ألسن تثني محامدها * على الحميدين من فعل ومن شيم) (وراية ~~الشرف البذاخ ترفعها * يد الرفيعين من مجد ومن همم) (أقسمت بالفائز المعصوم ~~معتقدا * فوز النجاة وأجر البر في القسم) (لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما * ~~وزيره الصالح الفراج للغمم) (اللابس الفخر لم تنسج غلائله * إلا يد الصنعين ~~السيف والقلم) (وجوده أوجد الأيام ما اقترحت * وجوده أعدم الشاكين للعدم) ~~(قد ملكته العوالي رق مملكة * تعير أنف الثريا عزة الشمم) (أرى مقاما عظيم ~~الشأن أوهمني * في يقظتي أنها من جملة الحلم) (يوم من العمر لم يخطر على ~~أملي * ولا ترقت إليه رغبة الهمم) (ليت الكواكب تدنو لي ms0888 فأنظمها * عقود مدح ~~فما أرضى لكم كلمي) (ترى الوزارة فيه وهي باذلة * عند الخلافة نصحا غير ~~متهم) (عواطف علمتنا أن بينهما * قرابة من جميل الرأي لا الرحم) (خليفة ~~ووزير مد عدلهما * ظلا على مفرق الإسلام والأمم) (زيادة النيل نقص عند ~~قبضهما * فما عسى نتعاطى منة الديم) فاستحسنا قصيدته وأجزلا صلته وأقام إلى ~~شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب ثم فارق مصر في هذا التاريخ وتوجه ~~إلى مكة ومنها إلى زبيد في صفر سنة إحدى وخمسين ثم حج من عامه فأعاده قاسم ~~صاحب مكة المذكور في رسالة إلى مصر مرة ثانية فاستوطنها ولم يفارقها بعد ~~ذلك ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن أنه فارق بلاده في شعبان سنة ~~اثنتين وخمسين وكان فقيها شافعي المذهب شديد التعصب للسنة أديبا ماهرا ~~شاعرا مجيدا محادثا ممتعا فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كل الإحسان وصحبوه ~~مع اختلاف العقيدة لحسن صحبته وله في الصالح وولده مدائح كثيرة PageV03P433 # وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة شاور السعدي والصالح ~~ومارثاه به وكانت بينه وبين الكامل بن شاور صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه ~~فلما وزر استحال عليه فكتب إليه (إذا لم يسالمك الزمان فحارب * وباعد إذا ~~لم تنتفع بالأقارب) (ولا تحتقر كيدا ضعيفا فربما * تموت الأفاعي من سمام ~~العقارب) (فقد هد قدما عرش بلقيس هدهد * وخرب فأر قبل ذا سد مارب) (إذ كان ~~رأس المال عمرك فاحترز * عليه من الإنفاق في غير واجب) (فبين اختلاف الليل ~~والصبح معرك * يكر علينا جيشه بالعجائب) (وما راعني غدر الشباب لأنني * ~~أنست بهذا الخلق من كل صاحب) (وغدر الفتى في عهده ووفائه * وغدر المواضي في ~~نبو المضارب) ومنها (إذا كان هذا الدر معدنه فمي * فصونوه عن تقبيل راحة ~~واهب) (رأيت رجالا أصبحت في مآدب * لديكم وحالي وحدها في نوادب) (تأخرت لما ~~قدمتهم علاكم * علي وتأبى الأسد سبق الثعالب) (ترى أين كانوا في مواطني ~~التي * غدوت لكم فيهن أكرم نائب) (ليالي أتلو ذكركم في مجالس * حديث الورى ~~فيها بغمز الحواجب) ms0889 وزالت دولة المصريين وهو في البلاد ولما ملك السلطان ~~صلاح الدين رحمه الله تعالى مدحه ومدح جماعة من أهل بيته يتضمن ديوانه جميع ~~ذلك وكتب إلى صلاح الدين قصيدة متضمنة شرح حاله وضرورته وسماها شكاية ~~المتظلم ونكاية المتألم وهي بديعة ورثى PageV03P434 # أصحاب القصر عند زوال ملكهم بقصيدة لامية طويلة أجاد ~~فيها وغالب شعره جيد ثم إنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعة من ~~رؤساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة دولتهم فأحس بهم السلطان صلاح ~~الدين وكانوا ثمانية من الأعيان ومن جملتهم الفقيه عمارة المذكور وشنقهم في ~~يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة رحمهم الله ~~تعالى وكان قبضهم يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من السنة وله تواليف ~~منها كتاب أخبار اليمن وفيه فوائد ومنها النكت العصرية في أخبار الوزراء ~~المصرية وغير ذلك وقال العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة إنه صلب في جملة ~~الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه يعني السلطان صلاح الدين ومكاتبة ~~الفرنج واستدعاؤهم إليه حتى يجلسوا ولدا للعاضد وكانوا أدخوا معهم رجلا من ~~الأجناد ليس من أهل مصر فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى فأحضرهم فلم ~~ينكروا الأمر ولم يروه منكرا فقطع الطريق على عمر عمارة وأعيض بخرابه عن ~~العمارة ووقعت اتفاقات عجيبة فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا ~~أنه يقول فيها (قد كان أول هذا الدين من رجل * سعى إلى أن دعوه سيد الأمم) ~~ويجوز أن يكون البيت معمولا عليه فأفتى فقهاء مصر بقتله وحرضوا السلطان على ~~المثلة بمثله ومنها أنه كان في النوبة التي لا تقال عثرتها ولا يحترم ~~الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها ومنها أنه كان قد هجا ~~أميرا فعد ذلك من كبائره وجرى عليه الردى في جرائره ثم قال في آخر ترجمته ~~والعجب من عمارة أنه تأبى في ذلك المقام عن الأنتماء إلى القوم وترك وغطى ~~القدر على بصره حتى أراد أن يتعصب لهم ويعيد دولتهم PageV03P435 # فهلك وإنما قال العماد ms0890 هذا لأجل الأبيات التي كتبها ~~الصالح بن رزيك يرغبه في التشيع وهي في الورقة التي هي قربها والمذحجي بفتح ~~الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم هذه النسبة إلى ~~مذحج واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب وإنما قيل له مذحج لأنه ولد على ~~أكمة حمراء باليمن يقال لها مذحج فسمي بها وقيل غير ذلك والله أعلم 490 عمر ~~بن أبي ربيعة المخزومي أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة ابن ~~المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة القرشي المخزومي ~~الشاعر المشهور لم يكن في قريش أشعر منه وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع ~~والمجون والخلاعة وله في ذلك حكايات مشهورة وكان يتغزل في شعره بالثريا ~~ابنة علي بن عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف ~~الأموية وقال السهيلي في الروض الأنف هي الثريا ابنة عبد الله ولم يذكر ~~عليا ثم قال وقتيلة ابنة PageV03P436 # النضر جدتها لأنها كانت تحت الحارث بن أمية وعبد الله ~~ولدها وهو والد الثريا وهذه قتيلة هي التي أنشدت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عقيب وقعة بدر الأبيات القافية وكان قد قتل أباها النضر بن الحارث بن ~~علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري وقيل كان ~~أخاها ومن جملة الأبيات (أمحمد ولأنت ضنء نجيبة من قومها والفحل فحل معرق) ~~(ما كان ضرك لو مننت وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق) (فالنضر أقرب من ~~تركت وسيلة * وأحقهم إن كان عتق يعتق) فقال صلى الله عليه وسلم لو سمعت ~~شعرها قبل أن أقتله لما قتلته وكان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأسره في يوم بدر فلما رجع إلى المدينة أمر علي بن أبي طالب وقيل ~~المقداد بن الأسود بقتله فقتله صبرا بين يديه بالصفراء وهي مكان بين ~~المدينة وبدر وهذه الأبيات من جملة أبيات مذكورة في كتاب الحماسة في باب ~~المراثي وكانت الثريا ms0891 موصوفة بالجمال فتزوجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف ~~الزهري رضي الله عنه ونقلها إلى مصر فقال عمر المذكور في زواجها يضرب المثل ~~في الثريا وسهيل النجمين المعروفين (أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك الله ~~كيف يلتقيان) (هي شامية إذا ما استقلت * وسهيل إذا استقل يماني) وهذه ~~الثريا وأختها عائشة أعتقتا الغريض المغني المشهور صاحب معبد PageV03P437 # واسمه عبد الملك وكنيته أبو زيد وسمي الغريض باسم ~~الطلع ويقال فيه الغريض والاغريض وإنما سمي به لنقاء لونه وقيل إنه سمي به ~~لطراوته يروى أن يزيد بن معاوية لما أراد توجيه مسلم بن عقبة إلى المدينة ~~اعترض الناس فمر به رجل من أهل الشام بترس قبيح فقال له يا أخا الشام مجن ~~ابن أبي ربيعة أحسن من مجنك يريد قول ابن أبي ربيعة (وكان مجني دون من كنت ~~أتقي * ثلاث شخوص كاعبان ومعصر) وهذا البيت من جملة قصيدة وهي من ظريف شعره ~~فمن جملتها (فحيت إذ فاجأتها فتلهفت * وكادت بمكتوم التحية تجهر) (وقالت ~~وعضت بالبنان فضحتني * وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر) (أريتك إن هنا عليك ولم ~~تخف * رقيبا وحولي من عدوك حضر) (فوالله ما أدري أتعجيل حاجة * سرت بك أم ~~قد نام من كنت تحذر) (فقلت لها بل قادني الشوق والهوى * إليك وما عين من ~~الناس تنظر) (فلما تقضى الليل إلى قليله * وكادت توالي نجمه تتغور) (أشارت ~~بأن الحي قد حان منهم * هبوب ولكن موعد لك عزور) (فما راعني إلا مناد برحلة ~~* وقد لاح مفتر من الصبح أشقر) (فلما رأت من قد تنور منهم * وأيقاظهم قالت ~~أشر كيف تأمر) (فقلت أباديهم فإما أفوتهم * وإما أسل السيف ثأرا فيثأر) ~~(فقالت أتحقيقا لما قال كاشح * علينا وتصديقا لما كان يؤثر) (وإن كان ما لا ~~بد منه فغيره * من الأمر أدنى للخفاء وأستر) (أقص على أختي بدء حديثنا * ~~وما لي من أن يعلما متأخر) (لعلهما ان يبغيا لك مخرجا * وأن يرحبا سربا بما ~~كنت أحصر) (فقالت لأختيها أعينا على فتى * أتى زائرا والأمر للأمر يقدر) ~~(فأقبلتا فارتاعتا ms0892 ثم قالتا * اقلي عليك اللوم فالخطب أيسر) PageV03P438 # (يقوم فيمشي بيننا متنكرا * فلا سرنا يفشو ولا هو ~~يظهر) (وكان مجني دون من كنت أتقي * ثلاث شخوص كاعبان ومعصر) ومن شعر عمر ~~المذكور أيضا (حي طيفا من الأحبة زارا * بعدما صرع الكرى السمارا) (طارقا ~~في المنام تحت دجى الليل * ضنينا بأن يزور نهارا) (قلت ما بالنا جفينا وكنا ~~* قبل ذاك الأسماع والأبصارا) (قال إنا كما عهدت ولكن * شغل الحلي أهله أن ~~يعارا) وكانت ولادته في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وهي ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة وغزا في ~~البحر فأحرقوا السفينة فاحترق في حدود سنة ثلاث وتسعين للهجرة وعمره مقدار ~~سبعين سنة رحمه الله تعالى وقال الهيثم بن عدي مات سنة ثلاث وتسعين للهجرة ~~وعمره ثمانون سنة والله أعلم وقتل والده عبد الله في سنة ثمان وسبعين ~~للهجرة بسجستان وكان الحسن البصري رضي الله عنه إذا جرى ذكر ولادة عمر بن ~~أبي ربيعة في الليلة التي قتل فيها عمر رضي الله عنه يقول أي حق رفع وأي ~~باطل وضع وكان جده أبو ربيعة يلقب ذا الرمحين واسمه عمرو وقيل حذيفة وقيل ~~اسمه كنيته (وكان أبو عبد الله أخا أبي جهل ابن هشام المخزومي لأمه وأمهما ~~أسماء بنت مخربة من بني مخزوم وقيل من بني نهشل وهما ابنا عم يجمعهما ~~المغيرة بن عبد الله ويقظة بفتح الياء المثناة من تحتها والقاف والظاء ~~المعجمة PageV03P439 # 491 عمر بن شبة أبو زيد عمر بن شبة واسمه زيد وشبة لقب ~~ابن عبيدة بن زيد ويقال ابن رايطة النميري البصري كان صاحب أخبار ونوادر ~~ورواية واطلاع كثير وصنف تاريخ البصرة روى القراءة عن جبلة بن مالك عن ~~المفضل عن عاصم بن أبي النجود وسمع الحروف من محبوب بن الحسن وروى عن عبد ~~الوهاب الثقفي وعمرو بن علي وروى القراءة عنه عبد الله بن سليمان وعبد الله ~~بن عمرو الوراق وأحمد بن فرج وسمع منه أبو محمد ابن ms0893 الجارود وسئل عنه أبو ~~حاتم الرازي فقال صدوق وروى عنه الحافظ محمد بن ماجة صاحب السنن وغيره وقد ~~تقدم ذكره في ترجمة العباس بن الأحنف وكانت ولادته يوم الأحد مستهل رجب سنة ~~ثلاث وسبعين ومائة وتوفي يوم الاثنين لست بقين وقيل يوم الخميس لأربع بقين ~~من جمادى الآخرة سنة اثنتين وقيل ثلاث وستين ومائتين بسر من رأى رحمه الله ~~تعالى وشبة بفتح الشين وتشديد الباء الموحدة والنميري بضم النون وفتح الميم ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء هذه النسبة إلى نمير بن عامر بن ~~صعصعة وهي قبيلة كبيرة ينسب إليها جماعة من العلماء وغيرهم PageV03P440 # 492 الخرقي أبو القاسم عمر بن أبي علي الحسين بن عبد ~~الله بن أحمد الخرقي الفقيه الحنبلي كان من أعيان الفقهاء الحنابلة وصنف في ~~مذهبهم كتبا كثيرة من جملتها المختصر الذي يشتغل به أكثر المبتدئين من ~~أصحابهم وكان قد أودعها في بغداد لما عزم على السفر إلى دمشق لما ظهر بها ~~أعني بغداد من سب السلف فاحترقت في غيبته وتوفي بدمشق وقيل ببغداد في سنة ~~أربع وثلاثين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وكان والده أيضا من الأعيان روى عن ~~جماعة وروت عنه جماعة رحمهم الله أجمعين والخرقي بكسر الخاء المعجمة وفتح ~~الراء وبعدها قاف هذه النسبة إلى بيع الخرق والثياب PageV03P441 # 493 عمر بن ذر أبو ذر عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة ~~بن معاوية بن منبه بن غالب بن وقش بن قسيم بن موهبة بن دعام بن مالك بن ~~معاوية بن صعب بن دومان ابن بكيل بن جشم بن مالك وهو الخارق بن عبد الله بن ~~كبير بن مالك ابن جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان هكذا ساق ~~نسبه هشام بن الكلبي في كتاب جمهرة النسب الهمداني الكوفي الفقيه القاص كان ~~صالحا عابدا كبير القدر روى عن عطاء ومجاهد وروى عنه وكيع وأهل العراق وكان ~~ولده ذر كثير البر له شديد التوفر على طاعته ولما حضرته الوفاة دخل عليه ms0894 ~~أبوه عمر المذكور وهو يجود بنفسه فقال له يا بني إنه ما علينا من موتك ~~غضاضة ولا بنا إلى أحد سوى الله من حاجة فلما قضى صلى عليه ودفنه ووقف على ~~قبره وقال أما والله يا ذر لقد شغلنا البكاء لك عن البكاء عليك لأنا ما ~~ندري ما قلت ولا ما قيل لك اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه مما افترضت ~~عليه من حقي فهب لي ما قصر فيه مما افترضت عليه من حقك واجعل ثوابي عليه له ~~وزدني من فضلك إني إليك من الراغبين وقيل له كيف كان بر ابنك بك فقال ما ~~مشيت قط بنهار وهو PageV03P442 # معي إلا مشى خلفي ولا بليل إلا مشى أمامي ولا رقي سطحا ~~وأنا تحته ويحكى عنه في ذلك أشياء كثيرة وكان عمر المذكور يعد من المرجئة ~~وتوفي سنة ست وقيل خمس وخمسين ومائة رحمه الله تعالى وذر بفتح الذال ~~المعجمة وتشديد الراء والهمداني بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة ~~وقد تقدم الكلام عليها وإنما قيدتها كيلا تتصحف بالهمذاني وزرارة بضم الزاي ~~وفتح الراءين بينهما ألف وكان أبوه ذر فقيها أيضا 494 الثمانيني أبو القاسم ~~عمر بن ثابت الثمانيني الضرير النحوي كان قيما بعلم النحو عارفا بقوانينه ~~شرح كتاب اللمع لابن جني شرحا تاما حسنا أجاد فيه وانتفع بالاشتغال عليه ~~جمع كبير وكان نحويا فاضلا أخذ النحو عن أبي الفتح ابن جني وأخذ عنه الشريف ~~أبو المعمر يحيى بن محمد بن طباطبا العلوي الحسيني وشرح كتاب اللمع في ~~التصريف لابن جني أيضا وكان هو وأبو القاسم ابن برهان متعارضين يقرئان ~~الناس بالكرخ ببغداد فكان PageV03P443 # خواص الناس يقرأون على ابن برهان والعوام يقرأون على ~~الثمانيني وتوفي في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة رحمه الله ~~تعالى والثمانيني بفتح الثاء المثلثة والميم وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء ~~مثناة من تحتها ثم نون أخرى هذه النسبة إلى ثمانين وهي قرية من نواحي جزيرة ~~ابني عمر عند الجبل الجودي وهي أول قرية بنيت ms0895 بعد الطوفان وسميت بعدد ~~الجماعة الذين خرجوا من السفينة مع نوح عليه السلام فإنهم كانوا ثمانين ~~وبنى كل واحد منهم بيتا فسميت القرية ثمانين وقد خرج من هذه القرية جماعة ~~وتوفي الشريف ابن طباطبا المذكور في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ~~رحمه الله تعالى 495 ابن البزري أبو القاسم عمر بن محمد بن أحمد بن عكرمة ~~المعروف بابن البزري الجزري الفقيه الشافعي إمام جزيرة ابني عمر وفقيهها ~~ومفتيها تفقه أولا بالجزيرة على الشيخ أبي الغنائم محمد بن الفرج بن منصور ~~بن إبراهيم بن الحسن السلمي الفارقي نزيل جزيرة ابني عمر ثم رحل إلى بغداد ~~واشتغل على الكيا الهراسي وحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وسمع عليه وعلى ~~أخيه أحمد وصحب الشاشي صاحب كتاب المستظهري وأدرك جماعة من العلماء واستفاد ~~منهم ورجع PageV03P444 # إلى الجزيرة ودرس بها وقصد من البلاد للاشتغال عليه ~~وبطريقته وصنف كتابا شرح فيه إشكالات كتاب المهذب للشيخ أبي إسحاق الشيرازي ~~وغريب ألفاظه وأسماء رجاله سماه الأسامي والعلل من كتاب المهذب وهو مختصر ~~وكان من العلم والدين في محل رفيع وكان أحفظ من بقي في الدنيا على ما يقال ~~لمذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وكان الغالب عليه المذهب وانتفع به خلق ~~كثير وكان ينعت زين الدين جمال الإسلام ومولده في سنة إحدى وسبعين ~~وأربعمائة وتوفي في ثاني شهر ربيع الأول وقيل الآخر سنة ستين وخمسمائة ~~بالجزيرة رحمه الله تعالى وما خلف مثله وله تلاميذ كثيرون 136 وتوفي شيخه ~~أبو الغنائم الفارقي المذكور سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة رحمه الله تعالى ~~وعليه اشتغل الفقيه عيسى بن محمد الهكاري الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~بالجزيرة والبزري بفتح الباء الموحدة وسكون الزاي وبعدها راء هذه النسبة ~~إلى عمل البزر أو بيعه والبزر في تلك البلاد اسم للدهن المستخرج من حب ~~الكتان وبه يستصبحون PageV03P445 # 496 شهاب الدين السهروردي أبو حفص عمر بن محمد بن عبد ~~الله بن محمد بن عمويه واسمه عبد الله البكري الملقب شهاب الدين السهروردي ~~وقد تقدم تتمة نسبه ms0896 إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ترجمة عمه الشيخ ~~أبي النجيب عبد القاهر فأغنى عن إعادته كان فقيها شافعي المذهب شيخا صالحا ~~ورعا كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة وتخرج عليه خلق كثير من الصوفية في ~~المجاهدة والخلوة ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله وصحب عمه أبا النجيب ~~وعنه أخذ التصوف والوعظ والشيخ أبا محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي ~~وغيرهما وانحدر إلى البصرة إلى الشيخ أبي محمد ابن عبد ورأى غيرهم من ~~الشيوخ وحصل طرفا صالحا من الفقه والخلاف وقرأ الأدب وعقد مجلس الوعظ سنين ~~وكان شيخ الشيوخ ببغداد وكان له مجلس وعظ وعلى وعظه قبول كثير وله نفس ~~مبارك حكى لي من حضر مجلسه أنه أنشد يوما على الكرسي (لا تسقني وحدي فما ~~عودتني * أني أشح بها على جلاسي) (أنت الكريم ولا يليق تكرما * أن يعبر ~~الندماء دور الكاس) فتواجد الناس لذلك وقطعت شعور كثيرة وتاب جمع كبير وله ~~تواليف حسنة منها كتاب عوارف المعارف وهو أشهرها وله شعر فمنه PageV03P446 # (تصرمت وحشة الليالي * وأقبلت دولة الوصال) (وصار ~~بالوصل لي حسودا * من كان في هجركم رثى لي) (وحقكم بعد إن حصلتم * بكل ما ~~فات لا أبالي) (أحييتموني وكنت ميتا * وبعتموني بغير غالي) (تقاصرت عنكم ~~قلوب * فيا له موردا حلا لي) (علي ما للورى حرام * وحبكم في الحشا حلا لي) ~~(تشربت أعظمي هواكم * فما لغير الهوى وما لي) (فما على عادم أجاجا * وعنده ~~أعين الزلال) ورأيت جماعة ممن حضروا مجلسه وقعدوا في خلوته وتسليكه كجاري ~~عادة الصوفية فكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها وما يجدونه من ~~الأحوال الخارقة وكان قد وصل رسولا إلى إربل من جهة الديوان العزيز وعقد ~~بها مجلس وعظ ولم تتفق لي رؤيته لصغر السن وكان كثير الحج وربما جاور في ~~بعض حججه وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة ~~فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم سمعت أن بعضهم كتب إليه يا سيدي إن تركت ~~العمل أخلدت إلى ms0897 البطالة وإن عملت داخلني العجب فأيهما أولى فكتب جوابه ~~اعمل واستغفر الله تعالى من العجب وله من هذا شيء كثير وذكر في كتابه عوارف ~~المعارف أبياتا لطيفة منها (أشم منك نسيما لست أعرفه * أظن لمياء جرت فيك ~~أذيالا وذكر فيه أيضا (إن تأملتكم فكلي عيون * أو تذكرتكم فكلي قلوب) ~~PageV03P447 # وذكر أشياء غير هذا لا حاجة إلى التطويل بذكرها وكان ~~قد صحب عمه الشيخ أبا النجيب المذكور زمانا وعليه تخرج ومولده بسهرورد في ~~أواخر رجب أو أوائل شعبان والشك منه في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وتوفي في ~~مستهل المحرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ببغداد رحمه الله تعالى ودفن من ~~الغد بالوردية 497 الحافظ ابن دحية أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد ~~الجميل بن فرح بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملال بن بدر بن أحمد بن دحية بن ~~خليفة بن فروة الكلبي المعروف بذي النسبين الأندلسي البلنسي الحافظ نقلت ~~نسبه على هذه الصورة من خطه وكان قد قيده وضبطه كما هو هاهنا الجميل بضم ~~الجيم وفتح الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها لام وهو تصغير جميل ~~وفرح بفتح الفاء وسكون الراء وبعدها حاء مهملة وقومس بضم القاف وفتحها ~~وسكون الواو وكسر الميم وبعدها سين مهملة ومزلال بفتح الميم وسكون الزاي ~~وبعد اللام ألف لام وملال بفتح الميم وتشديد اللام ألف وبعدها لام ~~PageV03P448 # ودحية بكسر الدال المهملة وفتحها وسكون الحاء المهملة ~~وبعدها ياء مثناة من تحتها وهو دحية الكلبي صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والباقي معروف لا حاجة إلى ضبطه كان يذكر أنه أمه أمة الرحمن بنت أبي ~~عبد الله ابن أبي البسام موسى بن عبد الله بن الحسين بن جعفر بن علي بن ~~محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه فلهذا كان يكتب بخطه ذو النسبين دحية والحسين رضي الله عنهما ~~وكان يكتب أيضا سبط أبي البسام إشارة إلى ذلك ms0898 كان أبو الخطاب المذكور من ~~أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء متقنا لعلم الحديث النبوي وما يتعلق به ~~عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد ~~الأندلس الإسلامية ولقي بها علماءها ومشايخها ثم رحل منها إلى بر العدوة ~~ودخل مراكش واجتمع بفضلائها ثم ارتحل إلى إفريقية ومنها إلى الديار المصرية ~~ثم إلى الشام والشرق والعراق وسمع ببغداد من بعض أصحاب ابن الحصين وسمع ~~بواسط من أبي الفتح محمد ابن أحمد بن الميداني ودخل إلى عراق العجم وخراسان ~~وما والاها ومازندران كل ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمته والأخذ عنهم ~~وهو في تلك الحال يؤخذ عنه ويستفاد منه وسمع بأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني ~~وبنيسابور من منصور بن عبد المنعم الفراوي وقدم مدينة إربل في سنة أربع ~~وستمائة وهو متوجه إلى خراسان فرأى صاحبها الملك المعظم مظفر الدين بن زين ~~الدين رحمه الله تعالى مولعا بعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم عظيم ~~الاحتفال به كما هو مذكور في ترجمته في حرف الكاف من هذا الكتاب فعمل له ~~كتابا سماه كتاب التنوير في مولد السراج المنير وقرأه عليه بنفسه وسمعناه ~~على الملك المعظم في ست مجالس في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين PageV03P449 # وستمائة وكان الحافظ أبو الخطاب المذكور قد ختم هذا ~~الكتاب بقصيدة طويلة أولها (لولا الوشاة وهم * أعداؤنا ما وهموا) وقد ذكرت ~~فيما تقدم في ترجمة الأسعد بن مماتي في حرف الهمزة حديث هذه القصيدة ~~فليتأمل هناك ولما عمل هذا الكتاب دفع له الملك المعظم المذكور ألف دينار ~~وله عدة تصانيف وكانت ولادته في مستهل ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة ~~وتوفي في يوم الثلاثاء الرابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ~~بالقاهرة ودفن بسفح المقطم رحمه الله تعالى أخبرني بذلك ولده وأخبرني بعض ~~أصحابنا الموثوق بقولهم أنه سأل ولده المذكور عن مولد أبيه فقال في ذي ~~القعدة من سنة ثمان وأربعين وأخبرني ابن أخيه قال سمعت عمي أبا الخطاب غير ~~مرة يقول ولدت في مستهل ms0899 ذي القعدة سنة ست وأربعين وخمسمائة والله أعلم ~~والبلنسي بفتح الباء الموحدة واللام وسكون النون وبعدها سين مهملة هذه ~~النسبة إلى بلنسية وهي مدينة في شرق الأندلس 137 وكان أخوه أبو عمرو عثمان ~~بن الحسن أسن من أخيه أبي الخطاب وكان حافظا للغة العرب قيما بها وعزل ~~الملك الكامل أبا الخطاب المذكور عن دار الحديث التي كان أنشأها بالقاهرة ~~ورتب مكانه أخاه أبا عمرو المذكور ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الثلاثاء ~~ثالث عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم ~~وله رسائل استعمل فيها حوشي اللغة PageV03P450 # 498 أبو علي الشلوبيني أبو علي عمر بن محمد بن عمر بن ~~عبد الله الأزدي المعروف بالشلوبيني الأندلسي الإشبيلي النحوي تلميذ أبي ~~بكر محمد بن خلف بن محمد بن عبد الله ابن صافي اللخمي الإشبيلي ومن قوله ~~(قالوا حبيبك معلول فقلت لهم * نفسي الفداء له من كل محذور) (يا ليت علته ~~بي غير أن له * أجر العليل واني غير مأجور) كان إماما في علم النحو مستحضرا ~~له غاية الاستحضار ولقد رأيت جماعة من أصحابه وكلهم فضلاء وكل منهم يقول ما ~~يتقاصرالشيخ أبو علي الشلوبيني عن الشيخ أبي علي الفارسي ويغالون فيه ~~مغالاة زائدة وقالوا فيه مع هذه الفضيلة غفلة وصورة بله في الصورة الظاهرة ~~حتى قالوا إنه كان يوما على جانب نهر وبيده كراريس فوقع منه كراسة في الماء ~~وبعدت عنه فلم تصل يده إليها ليأخذها فأخذ كراسة أخرى وجذبها بها فتلفت ~~الأخرى بالماء وكان PageV03P451 # له مثل هذه الأسباب الدالة على البله وشرح المقدمة ~~الجزولية شرحين كبيرا وصغيرا وله كتاب في النحو سماه التوطئة وكانت إقامته ~~بإشبيلية وأخباره متواصلة إلينا وتلامذته واردة في كل وقت وبالجملة فإنه ~~على ما يقال كان خاتمة أئمة النحو وكانت ولادته بإشبيلية في سنة اثنتين ~~وستين وخمسمائة وتوفي في أحد الربيعين وقيل في صفر سنة خمس وأربعين وستمائة ~~بإشبيلية رحمه الله تعالى والشلوبيني بفتح الشين المثلثة واللام وسكون ~~الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء ms0900 المثناة من تحتها وبعدها نون هذه ~~النسبة إلى الشلوبين وهو بلغة الأندلس الأبيض الأشقر هكذا ذكروا والله أعلم ~~499 ابن طبرزذ أبو حفص عمر بن أبي بكر محمد بن معمر بن أحمد بن يحيى بن ~~حسان المؤدب المعروف بابن طبرزذ المحدث المشهور البغدادي الملقب موفق الدين ~~من أهل الجانب الغربي ببغداد من ساكني محلة دار القز ولهذا عرف بالدارقزي ~~كان أخوه الأكبر أبو البقاء محمد قد أسمعه الكثير من الحديث ثم استقل ~~بإفادة نفسه وعمر حتى حدث سنين وحفظ الأصول إلى وقت الحاجة إليها وكانت بخط ~~أخيه أبي البقاء المذكور إلا القليل وكان سماعه من أبي القاسم PageV03P452 # هبة الله بن عبد الواحد بن الحصين وأبي المواهب أحمد ~~بن محمد بن ملوك الوراق وأبي الحسن ابن الزاغوني وأبي غالب ابن البناء وأبي ~~القاسم هبة الله بن عبد الشروطي وأبى القاسم هبة الله بن أحمد الحريري ~~والقاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وأبي منصور ابن زريق وإسماعيل ~~بن أحمد السمرقندي وعبد الوهاب الأنماطي وخلق كثير يطول ذكرهم وكان سماعه ~~صحيحا على تخليط فيه وسافر في آخرعمره إلى الشام وحدث في طريقه بإربل ~~والموصل وحران وحلب ودمشق وغيرها وعادإلى بغداد وحدث بها وتفرد بالرواية عن ~~جماعة منهم الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن الزاغوني وابن ملوك ~~المذكور وأبو القاسم الشروطي المذكور وأبو غالب محمد بن أحمد بن قريش وأبو ~~البركات ابن كامل بن حبيش وأبو غالب أحمد بن الحسن بن البناء وأبو القاسم ~~هبة الله ابن الحصين وغيرهم وجمع له ابن المديني مشيخة في جزأين وبعض ثالث ~~فيها ثلاثة وثمانون شيخا وكان عالي الإسناد في سماع الحديث طاف البلاد ~~وأفاد أهلها وألحق الأصاغر بالأكابر وطبق الأرض بالسماعات والإجازات وامتدت ~~له الحياة فخلا له العصر وكان فيه صلاح وخير ومولده في ذي الحجة سنة ست ~~عشرة وخمسمائة وتوفي في عصر يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة سبع وستمائة ببغداد ~~ودفن من الغد بباب حرب رحمه الله تعالى وطبرزذ بفتح الطاء المهملة ms0901 والباء ~~الموحدة وسكون الراء وفتح الزاي وبعدها ذال معجمة وهو اسم لنوع من السكر ~~PageV03P453 # 500 الشرف ابن الفارض أبو حفص وأبو القاسم عمر بن أبي ~~الحسن علي بن المرشد بن علي الحموي الأصل المصري المولد والدار والوفاة ~~المعروف بابن الفارض المنعوت بالشرف له ديوان شعر لطيف وأسلوبه فيه رائق ~~ظريف ينحو منحى طريقة الفقراء وله قصيدة مقدار ستمائة بيت على اصطلاحهم ~~ومنهجم وما ألطف قوله في جملة قصيدة طويلة (أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه * ~~قول المبشر بعد اليأس بالفرج) (لك البشارة فاخلع ما عليك فقد * ذكرت ثم على ~~ما فيك من عوج) وقوله من قصيدة أخرى (لم أخل من حسد عليك فلا تضع * سهري ~~بتشنيع الخيال المرجف) (واسأل نجوم الليل هل زار الكرى * جفني وكيف يزور من ~~لم يعرف) ومنها (وعلى تفنن واصفيه بحسنه * يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف) ~~PageV03P454 # وله دوبيت ومواليا وألغاز وسمعت أنه كان رجلا صالحا ~~كثير الخير على قدم التجرد جاور بمكة زادها الله تعالى شرفا زمانا وكان حسن ~~الصحبة محمود العشرة أخبرني عنه بعض أصحابه أنه ترنم يوما وهو في خلوة ببيت ~~الحريري صاحب المقامات وهو (من ذا الذي ما ساء قط * ومن له الحسنى فقط) قال ~~فسمع قائلا ولم ير شخصه وقد أنشد (محمد الهادي الذي * عليه جبريل هبط) ~~وأنشدني له جماعة من أصحابه مواليا في غلام صنعته الجزارة وهو كيس ولم أره ~~في ديوانه (قلتو لجزر عشقتو كم تشرخني * قتلتني قال ذا شغلي توبخني) (ومل ~~إلي وبس رجلي يربخني * يريد ذبحي فينفخني ليسلخني) وقدكتبته على اصطلاحهم ~~فإنهم لا يراعون فيه الإعراب والضبط بل يجوزون فيه اللحن بل غالبه ملحون ~~فلا يؤاخذ من يقف عليه وكان يقول عملت في النوم بيتين وهما (وحياة أشواقي ~~إليك * وحرمة الصبر الجميل) (لا أبصرت عيني سواك * ولا صبوت إلى خليل) ~~وكانت ولادته في الرابع من ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسائة بالقاهرة وتوفي ~~بها يوم الثلاثاء الثاني من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ودفن ~~من الغد ms0902 بسفح المقطم رحمه الله تعالى PageV03P455 # والفارض بفتح الفاء وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها ضاد ~~معجمة وهو الذي يكتب الفروض للنساء على الرجال 501 تقي الدين صاحب حماة ~~الملك المظفر تقي الدين أبو سعيد عمر بن نور الدولة شاهنشاه بن أيوب صاحب ~~حماة وهو ابن أخي السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى وقد تقدم ذكر أبيه في ~~حرف الشين كان شجاعا مقداما منصورا في الحروب مؤيدا في الوقائع ومواقفه ~~مشهورة مع الفرنج وكانت له آثار في المصافات دلت عليها التواريخ وله في ~~أبواب البر كل حسنة منها مدرسة منازل العز التي بمصر يقال إنها كانت دار ~~سكنه فوقف عليها وقفا كثيرا وجعلها مدرسة وكانت الفيوم وبلادها إقطاعه وله ~~بها مدرستان شافعية ومالكية وعليهما وقف جيد أيضا وبنى مدينة الرها مدرسة ~~لما كان صاحب البلاد الشرقية وكان كثير الإحسان إلى العلماء والفقراء ~~وأرباب الخير وناب عن عمه صلاح الدين بالديار المصرية في بعض غيباته عنها ~~فإن الملك العادل كان نائبا عن أخيه السلطان صلاح الدين بالديار المصرية ~~فلما حاصر الكرك في سنة تسع وسبعين وخمسمائة في رجب طلب أخاه من مصر ~~بالعساكر وسير إليها تقي الدين في العشر الوسط من شعبان من السنة نائبا عنه ~~ثم استدعاه PageV03P456 # إليه بالشام ورتب بالديار المصرية ولده الملك العزيز ~~عثمان المقدم ذكره ومعه الملك العادل فشق ذلك على تقي الدين وعزم على دخوله ~~بلاد المغرب ليفتحها فقبح أصحابه عليه ذلك فامتثل قول عمه صلاح الدين وحضر ~~إلى خدمته وخرج السلطان التقاه بمرج الصفر واجتمعا هناك في الثالث والعشرين ~~من شعبان سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وفرح به وأعطاه حماة فتوجه إليها ~~وتوجه إلى قلعة منازكرد من نواحي خلاط ليأخذها فحاصرها مدة وتوفي عليها يوم ~~الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة وقيل بل توفي ما بين ~~خلاط وميافارقين ونقل إلى حماة ودفن بها 138 وترتب مكانه ولده الملك ~~المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد بن عمر ومات يوم الاثنين الثاني ~~والعشرين من ذي القعدة سنة ms0903 سبع عشرة وستمائة بحماة رحمهما الله تعالى ورأيت ~~بخطي في مسوداتي أن تقي الدين مولده سنة أربع وثلاثين وخمسمائة قال ابن ~~شداد في السيرة لما كان يوم الجمعة حادي عشر شوال سنة سبع وثمانين وخمسمائة ~~ركب السلطان إلى جهة العدو وأشرف عليهم ثم عاد وأمرني بالإشارة إلى الملك ~~العادل بأن يحضر معه علم الدين سليمان بن جندر وسابق الدين بن الداية وعز ~~الدين بن المقدم فلما مثلت بين يديه الجماعة بخدمته أمر بإخلاء المكان من ~~غير المذكورين وإبعاد الناس عن الخيمة وكنت من جملة الحاضرين فأخرج كتابا ~~من قبائه وفضه ووقف عليه ففاضت دموعه وغلبه النحيب والبكاء حتى وافقناه من ~~غير أن نعلم السبب في ذلك ثم ذكر وقيل إنه يتضمن وفاة الملك المظفر تقي ~~الدين رحمه الله تعالى فاستأنف الحاضرون البكاء عليه والأسف ثم ذكرته الله ~~تعالى وعرفته ما يجب من الانقياد لقضائه وقدره فقال أستغفر الله إنا لله ~~وإنا إليه راجعون ثم قال من المصلحة كتمان ذلك وإخفاؤه لئلا يتصل بالعدو ~~ونحن منازلوه ثم أمر بإحضار الطعام وأطعم PageV03P457 # الجماعة وانفصلوا من بين يديه وكانت وفاته في طريق ~~خلاط عائدا إلى ميافارقين فحمل ميتا إلى ميافارقين وعملت له تربة ومدرسة ~~مشهورة بأرض حماة وحمل إليها ودفن بها وزرته بها وكانت وفاته يوم الجمعة ~~تاسع شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة وذكر قبل هذا لما كان يوم الأحد ~~الحادي والعشرين من شهر رمضان يعني من السنة وصل كتاب من الديوان العزيز ~~ينكر قصد الملك المظفر تقي الدين إلى جهة خلاط وفيه معاتبة نائبه بسبب ~~بكتمر ويشفع فيه وفي حسن بن قفجاق وأن يتقدم بإطلاقه وكان مظفر الدين قد ~~قبض عليه بإربل وأن يسير القاضي الفاضل إلى الديوان لبت حال فسير الكتاب ~~إلى القاضي الفاضل ليقف عليه ويكتب إلى الملك المظفر بما رسم فيه ثم عاد ~~ابن شداد إلى هذا الكلام في كتاب آخر بعد هذا التاريخ وقال كان الجواب عن ~~تقي الدين إنا لم نأمره إلى التعريض ببكتمر صاحب أخلاط ms0904 وإنما عبر ليجمع ~~العساكر للجهاد ويعود فاتفقت أسباب اقتضت ذلك وقد أمرنا بالعود عنه وعن ابن ~~قفجاق بأن قد عرفتم حال ابن قفجاق وما يتصدى له من الفساد في الأرض وانه قد ~~تقدم إلى مظفر الدين بإحضاره معه إلى الشام ليقطعه فيه ويكون ملازما للجهاد ~~وعن الثالث بالاعتذار عن القاضي الفاضل بأن قوته تضعف عن الحركة إلى العراق ~~هذا حاصل الجواب PageV03P458 # 502 أبو إسحاق السبيعي أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن ~~علي بن أحمد بن ذي يحمد بن السبيع السبيعي الهمداني الكوفي من أعيان ~~التابعين رأى عليا وابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ~~أجمعين وروى عنه الأعمش وشعبة والثوري وغيرهم رضي الله عنهم وكان كثير ~~الرواية ولد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان رضي الله عنه وتوفي سنة تسع ~~وعشرين وقيل سبع وعشرين وقيل ثمان وعشرين ومائة وقال يحيى بن معين ~~والمدائني مات سنة اثنتين وثلاين ومائة والله أعلم رضي الله عنه والسبيعي ~~بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها عين مهملة هذه النسبة إلى سبيع وهو بطن من همدان وتقدم الكلام على ~~همدان وكان أبو إسحاق المذكور يقول رفعني أبي حتى رأيت علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه يخطب وهو أبيض الرأس واللحية PageV03P459 # 503 عمرو بن عبيد أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب ~~المتكلم الزاهد المشهور مولى بني عقيل ثم آل عرادة بن يربوع بن مالك كان ~~جده باب من سبي كابل من جبال السند وكان أبوه يخلف أصحاب الشرط بالبصرة ~~فكان الناس إذا رأوا عمرا مع أبيه قالوا هذا خير الناس ابن شر الناس فيقول ~~أبوه صدقتم هذا إبراهيم وأنا آزر وقيل لأبيه عبيد إن ابنك يختلف إلى الحسن ~~البصري ولعله أن يكون فقال وأي خير يكون من ابني وقد أصبت أمه من غلول وأنا ~~أبوه وكان عمرو شيخ المعتزلة في وقته وسيأتي في ترجمة واصل بن عطاء سبب ~~اعتزاله ولم سموا المعتزلة إن شاء الله ms0905 تعالى وكان آدم مربوعا بين عينيه ~~أثر السجود وسئل الحسن البصري عنه فقال للسائل لقد سألت عن رجل كأن ~~الملائكة أدبته وكأن الأنبياء ربته إن قام بأمر قعد به وإن قعد بأمر قام به ~~وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له وإن نهي عن شيء كان أترك الناس له ما رأيت ~~ظاهرا أشبه بباطن ولا باطنا أشبه بظاهر منه ولما كان عبد الله بن عمر بن ~~عبد العزيز أميرا على العراق أرسل إلى عامله على البصرة وهو شبيب بن شيبة ~~أن يوفد إليه وفدا فأرسل إلى جماعة يأمرهم بذلك وأرسل إلى عمرو بن عبيد ~~فامتنع فأعاد سؤاله فقال إن أول ما يسألني عنه سيرتك فما تراني قائلا قال ~~فكف عنه PageV03P460 # قلت هذا عبد الله بن عمر هو الذي حفر نهر البصرة ~~المعروف بنهر ابن عمر المشهور في مكانه وهو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ~~بن مروان الأموي الحكمي حبسه مروان بن محمد المنبوز بالحمار آخر ملوك بني ~~أمية مع إبراهيم ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس المعروف بالإمام ~~بحران وقتلهما في سنة نيف وثلاثين ومائة ودخل عمرو يوما على أبي جعفر ~~المنصور في خلافته وكان صاحبه وصديقه قبل الخلافة وله معه مجالس وأخبار ~~فقربه وأجلسه ثم قال له عظني فوعظه بمواعظ منها إن هذا الأمر الذي أصبح في ~~يدك لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك لم يصل إليك فأحذرك ليلة تمخض بيوم لا ~~ليلة بعده فلما أراد النهوض قال قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم قال لا حاجة ~~لي فيها قال والله تأخذها قال والله لا آخذها وكان المهدي ولد المنصور ~~حاضرا فقال يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت فالتفت عمرو إلى المنصور وقال من ~~هذا الفتى قال هذا المهدي ولدي وولي عهدي فقال أما لقد ألبسته لباسا ما هو ~~من لباس الأبرار وسميته باسم ما استحقه ومهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ~~ما يكون عنه ثم التفت عمرو إلى المهدي وقال ms0906 نعم يا ابن أخي إذا حلف أبوك ~~أحنثه عمك لأن أباك أقوى على الكفارات من عمك فقال له المنصور هل من حاجة ~~قال لا تبعث إلي حتى اتيك قال إذا لا تلقني قال هي حاجتي ومضى فأتبعه ~~المنصور طرفه وقال (كلكم يمشي رويد * كلكم يطلب صيد) (غير عمرو بن عبيد *) ~~ولما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله ~~تعالى عنهم على أبي جعفر المنصور وقدم البصرة ثم خرج منها وبلغ PageV03P461 # المنصور خبره أقبل مسرعا في سنة اثنتين وأربعين ومائة ~~وبها عمرو بن عبيد فقال له أصحابه نخرج للقائه فأبى فعاودوه وغلبوه على ~~رأيه حتى خرج إليه فقال له يا أبا عثمان هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا ~~قال لا قال أفأقتصر على قولك وأنصرف قال نعم فانصرف ولم يدخلها ولعمرو ~~المذكور رسائل وخطب وكتاب التفسير عن الحسن البصري وكتاب الرد على القدرية ~~وكلام كثير في العدل والتوحيد وغير ذلك ولما حضرته الوفاة قال لصاحبه نزل ~~بي الموت ولم أتأهب له ثم قال اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران في ~~أحدهما رضى لك وفي الآخر هوى لي إلا اخترت رضاك على هواي فاغفر لي وكانت ~~ولادته في سنة ثمانين للهجرة وتوفي سنة أربع وأربعين ومائة وقيل اثنتين ~~وقيل ثلاث وقيل ثمان وهو راجع من مكة بموضع يقال له مران ورثاه المنصور ~~بقوله (صلى الإله عليك من متوسد * قبرا مررت به على مران) (قبرا تضمن مؤمنا ~~متحنفا * صدق الإله ودان بالعرفان) (لو أن هذا الدهر أبقى صالحا * أبقى لنا ~~عمرا أبا عثمان) ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه رضي الله عنه ومران بفتح ~~الميم وتشديد الراء وبعد الألف نون موضع بين مكة والبصرة على ليلتين من مكة ~~وبه دفن أيضا تميم بن مر الذي تنسب إليه بنو تميم القبيلة الكبيرة المشهورة ~~واسم جده باب بباءين موحدتين بينهما ألف وإنما قيدته لأنه يتصحف بناب ~~PageV03P462 # 504 سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان ms0907 بن قنبر الملقب ~~سيبويه مولى بني الحارث بن كعب وقيل آل الربيع بن زياد الحارثي كان أعلم ~~المتقدمين والمتأخرين بالنحو ولم يوضع فيه مثل كتابه وذكره الجاحظ يوما ~~فقال لم يكتب الناس في النحو كتابا مثله وجميع كتب الناس عليه عيال وقال ~~الجاحظ أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم ففكرت في ~~شيء أهديه له فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه فلما وصلت إليه قلت له لم ~~أجد شيئا أهديه لك مثل هذا الكتاب وقد اشتريته من ميراث الفراء فقال والله ~~ما أهديت لي شيئا أحب إلي منه ورأيت في بعض التواريخ أن الجاحظ لما وصل إلى ~~ابن الزيات بكتاب سيبويه أعلمه به قبل إحضاره فقال له ابن الزيات أو ظننت ~~أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب فقال الجاحظ ما ظننت ذلك ولكنها بخط الفراء ~~ومقابلة الكسائي وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ يعني نفسه فقال ابن الزيات هذه ~~أجل نسخة توجد وأعزها فأحضرها إليه فسر بها ووقعت منه أجمل موقع وأخذ ~~سيبويه النحو عن الخليل بن أحمد المقدم ذكره وعن عيسى ابن عمر ويونس بن ~~حبيب وغيرهم وأخذ اللغة عن أبي الخطاب المعروف بالأخفش الأكبر وغيره وقال ~~ابن النطاح كنت عند الخليل بن أحمد فأقبل سيبويه فقال الخليل PageV03P463 # مرحبا بزائر لا يمل قال أبو عمر المخزومي وكان كثير ~~المجالسة للخليل ما سمعت الخليل يقولها لأحد إلا لسيبويه وكان قد ورد إلى ~~بغداد من البصرة والكسائي يومئذ يعلم الأمين بن هارون الرشيد فجمع بينهما ~~وتناظرا وجرى مجلس يطول شرحه وزعم الكسائي أن العرب تقول كنا أظن أن ~~الزنبور أشد لسها من النحلة فإذا هو إياها فقال سيبويه ليس المثل كذا بل ~~فإذا هو هي وتشاجرا طويلا واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء ~~من كلام أهل الحضر وكان الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه فاستدعى ~~عربيا وسأله فقال كما قال سيبويه فقال له نريد أن تقول كما قال الكسائي ~~فقال إن لساني لا يطاوعني على ms0908 ذلك فإنه ما يسبق إلا إلى الصواب فقرروا معه ~~أن شخصا يقول قال سيبويه كذا وقال الكسائي كذا فالصواب مع من منهما فيقول ~~العربي مع الكسائي فقال هذا يمكن ثم عقد لهما المجلس واجتمع أئمة هذا الشأن ~~وحضر العربي وقيل له ذلك فقال الصواب مع الكسائي وهو كلام العرب فعلم ~~سيبويه أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه ~~لما جرى عليه وقصد بلاد فارس فتوفي بقرية من قرى شيراز يقال لها البيضاء في ~~سنة ثمانين ومائة وقيل سنة سبع وسبعين وعمره نيف وأربعون سنة وقال ابن قانع ~~بل توفي بالبصرة في سنة إحدى وستين ومائة وقيل سنة ثمان وثمانين وقال ~~الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي توفي سنة أربع وتسعين ومائة وعمره اثنتان ~~وثلاثون سنة وإنه توفي بمدينة ساوة وذكر الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن دريد ~~أنه قال مات سيبويه بشيراز وقبره بها والله أعلم وقيل إن ولادته كانت ~~بالبيضاء المذكورة لا وفاته قال أبو سعيد الطوال رأيت على قبر سيبويه هذه ~~الأبيات مكتوبة وهي لسليمان بن يزيد العدوي (ذهب الأحبة بعد طول تزاور * ~~ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا) PageV03P464 # (تركوك أوحش ما تكون بقفرة * لم يؤنسوك وكربة لم ~~يدفعوا) (قضى القضاء وصرت صاحب حفرة * عنك الأحبة أعرضوا وتصدعوا) وقال ~~معاوية بن بكر العليمي وقد ذكر عنده سيبويه رأيته وكان حديث السن وكنت أسمع ~~في ذلك العصر أنه أثبت من حمل عن الخليل بن أحمد وقد سمعته يتكلم ويناظر في ~~النحو وكانت في لسانه حبسة ونظرت في كتابه فقلمه أبلغ من لسانه وقال أبو ~~زيد الأنصاري كان سيبويه غلاما يأتي مجلسي وله ذؤابتان فإذا سمعته يقول ~~حدثني من أثق بعربيته فإنما يعنيني وكان سيبويه كثيرا ما ينشد (إذا بل من ~~داء به ظن أنه * نجا وبه الداء الذي هو قاتله) وسيبويه بكسر السين المهملة ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الباء الموحدة والواو وسكون الياء ~~الثانية وبعدها هاء ساكنة ولا يقال بالتاء البتة وهو لقب فارسي معناه ms0909 ~~بالعربية رائحة التفاح هكذا يضبط أهل العربية هذا الاسم ونطائره مثل نفطويه ~~وعمرويه وغيرهما والعجم يقولون سيبويه بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح ~~الياء المثناة بعدها لأنهم يكرهون أن يقع في آخر الكلمة ويه لأنها للندبة ~~وقال إبراهيم الحربي سمي سيبويه لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان وكان في ~~غاية الجمال رحمه الله تعالى PageV03P465 # 505 أبو عمرو بن العلاء أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن ~~العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري ورأيت بخطي في ~~مسوداتي هو أبو عمرو بن العلاء بن عمار ابن عبد الله بن الحصين بن الحارث ~~بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم ويقال جلهم بن حجر بن ~~خزاعي واسمه العريان أحد القراء السبعة كان أعلم الناس بالقرآن الكريم ~~والعربية والشعر وهو في النحو في الطبقة الرابعة من علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال الأصمعي قال أبو عمرو بن العلاء لقد علمت من النحو ما لم ~~يعلمه الأعمش وما لو كتب لما استطاع أن يحمله وقال أيضا سألت أبا عمرو عن ~~ألف مسألة فأجابني فيها بألف حجة وكان أبو عمرو رأسا في حياة الحسن البصري ~~مقدما في عصره وقال أبو عبيدة كان أبو عمرو أعلم الناس بالأدب والعربية ~~والقرآن والشعر وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى ~~قريب من السقف ثم إنه تقرأ أي تنسك فأخرجها كلها فلما رجع إلى علمه الأول ~~لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا ~~الجاهلية قال الأصمعي جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج فلم أسمعه يحتج ~~ببيت إسلامي قال وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق PageV03P466 # (ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها * حتى أتيت أبا عمرو بن ~~عمار) والصحيح أن كنيته اسمه وقيل اسمه زبان وقيل غير ذلك وليس بصحيح وهو ~~من خزاعي بن مازن وحكي في نسبه في بعض الروايات وقيل إنه أبو عمرو بن ~~العلاء بن عمار ms0910 بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعي بن مازن ~~بن مالك بن عمرو بن تميم ويقال جلهم بن حجر بن خزاعي والله أعلم وحكى أبو ~~عمرو قال طلب الحجاج بن يوسف الثقفي أبي فخرج منه هاربا إلى اليمن فإنا ~~لنسير بصحراء باليمن إذ لحقنا لاحق ينشد (ربما تكره النفوس من الأمر * له ~~فرجة كحل العقال) قال فقال أبي ما الخبر قال مات الحجاج قال أبو عمرو فأنا ~~بقوله له فرجة أشد سرورا مني بموت الحجاج قال فقال أبي اصرف ركابنا إلى ~~البصرة قال أبو عبيدة قلت لأبي عمرو كم سنك يومئذ قال كنت قد خنقت بضعا ~~وعشرين سنة يقال فرجة بالفتح بين الأمرين وبالضم بين الجبلين وذكر في كتاب ~~طبقات النحاة قال حدث الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء في قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الجنين غرة عبد أو أمة لولا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أراد بالغرة معنى لقال في الجنين عبد أو أمة ولكنه عنى البياض ولا ~~يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء لا يقبل فيها أسود ولا سوداء ~~وهذا غريب ولا أعلم هل يوافق مذهب أحد من الأئمة المجتهدين أم لا ولغرابته ~~نقلته وذكر في هذا الكتاب أيضا قال الأصمعي سألت أبا عمرو بن العلاء عن ~~قولهم أرهبته PageV03P467 # ورهبته فقال ليستا بسواء فقلت رهبته فرقته وأرهبته ~~أدخلت الفرق في قلبه قال أبو عمرو ذهب من يعرف هذا منذ ثلاثين سنة وقال ابن ~~مناذر سألت أبا عمرو بن العلاء حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم قال ما دامت ~~الحياة تحسن به وقال أبو عمرو حدثنا قتادة السدوسي قال لما كتب المصحف عرض ~~على عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال إن فيه لحنا ولتقيمنه العرب بألسنتها ~~وكان أبو عمرو إذا دخل شهر رمضان لم ينشد بيت شعر حتى ينقضي وكان له في كل ~~يوم فلسان يشتري بأحدهما كوزا جديدا يشرب فيه يومه ثم يتركه لأهله ويشتري ms0911 ~~بالآخر ريحانا فيشمه يومه فإذا أمسى قال لجاريته جففيه ودقيه في الأشنان ~~وروى يونس بن حبيب النحوي قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول ما زدت في شعر ~~العرب قط إلا بيتا واحدا وهو (وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا ~~الشيب والصلعا) وهذا البيت يوجد في جملة أبيات للأعشى وهي أبيات مشهورة ~~وقال أبو عبيدة دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن علي وهو عم السفاح ~~فسأله عن شيء فصدقه فلم يعجبه ما قاله فوجد أبو عمرو في نفسه وخرج وهو يقول ~~(أنفت من الذل عند الملوك * وإن أكرموني وإن قربوا) (إذا ما صدقتهم خفتهم * ~~ويرضون مني بأن يكذبوا) وحكى علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال سمعت أبي ~~يقول لأبي عمرو ابن العلاء خبرني عما وضعت مما سميته عربية يدخل فيه كلام ~~العرب كله فقال لا فقلت فكيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهو حجة قال ~~PageV03P468 # أعمل على الأكثر وأسمي ما خالفني لغات وأخبار أبي عمرو ~~كثيرة وكانت ولادته سنة سبعين وقيل ثمان وستين وقيل خمس وستين للهجرة بمكة ~~وتوفي سنة أربع وخمسين وقيل تسع وخمسين وقيل ست وخمسين ومائة بالكوفة وكان ~~قد خرج إلى الشام يجتدي عبد الوهاب ابن إبراهيم الإمام والي دمشق فلما عاد ~~إلى الكوفة توفي بها وقال ابن قتيبة مات في طريق الشام ونسبوه في ذلك إلى ~~الغلط فقد ذكر بعض الرواة أنه رأى قبر أبي عمرو بالكوفة مكتوبا عليه هذا ~~قبر أبي عمرو بن العلاء ولما حضرته الوفاة كان يغشى عليه ويفيق فأفاق من ~~غشية له فإذا ابنه بشر يبكي فقال ما يبكيك وقد أتت علي أربع وثمانون سنة ~~رحمه الله تعالى ورثاه عبد الله بن المقفع بقوله (رزئنا أبا عمرو ولا حي ~~مثله * فلله ريب الحادثات بمن فجع) (فإن تك قد فارقتنا وتركتنا * ذوي خلة ~~ما في انسداد لها طمع) (فقد جرنفعا فقدنا لك أننا * أمنا على كل الرزايا من ~~الجزع) وقد قيل إنما رثي بها يحيى بن زياد بن ms0912 عبيد الله بن عبد الله بن عبد ~~المدان الحارثي الكوفي الشاعر المشهور وهو ابن خال السفاح أول خلفاء بني ~~العباس رضي الله عنه وقيل بل رثي بها عبد الكريم بن أبي العوجاء والأول ~~أشهر والله أعلم وقيل إن هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن المقفع والله ~~أعلم وأقول إن هذه المرثية إن كانت في أبي عمرو المذكور فما يمكن أن تكون ~~لعبد الله لأنه مات قبل موت أبي عمرو وإن كانت لمحمد فيمكن ذلك ولكنها ~~مشهورة في أبي عمرو المذكور وإنما أتيت بأبي عمرو في هذا الحرف وهذه كنيته ~~لا اسم للعذر الذي تقدم في حرف الباء في ترجمة أبي بكر بن عبد الرحمن ~~فلينظر هناك 139 وأما عبد الوهاب المذكور فهو ابن إبراهيم المعروف بالإمام ~~المذكور PageV03P469 # في ترجمة أبيه محمد بن علي بن عبد الله بن العباس رضي ~~الله عنه وكان عبد الوهاب يتولى الشام من جهة عمه المنصور وكان المنصور ~~يخافه فلما حضرت المنصور الوفاة وهو بباب مكة عند بئر ميمون كما هو مشهور ~~قال لحاجبه الربيع ابن يونس المقدم ذكره ما أخاف إلا صاحب الشام عبد الوهاب ~~بن إبراهيم الإمام ثم رفع يديه إلى السماء وقال اللهم اكفني عبد الوهاب قال ~~الربيع فلما مات المنصور ودليته في القبر وعرضت عليه الحجارة سمعت هاتفا ~~يهتف من القبر مات عبد الوهاب وأجيبت الدعوة قال الربيع فهالني ذلك الصوت ~~وجئ بالخبر من بعد سادسة أو سابعة بوفاة عبد الوهاب هكذا ذكره ابن بدرون في ~~شرح قصيدة ابن عبدون التي أولها (الدهر يفجع بعد العين بالأثر *) بعد قوله ~~فيها (وروعت كل مأمون ومؤتمن * وأسلمت كل منصور ومنتصر) والله أعلم 506 ~~الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي المعروف بالجاحظ ~~PageV03P470 # البصري العالم المشهور صاحب التصانيف في كل فن له ~~مقالة في أصول الدين وإليه تنتسب الفرقة المعروفة بالجاحظية من المعتزلة ~~وكان تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن سيار البلخي المعروف بالنظام المتكلم ~~المشهور وهو خال يموت بن المزرع الآتي ms0913 ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى ~~ومن أحسن تصانيفه وأمتعها كتاب الحيوان فلقد جمع كل غريبة وكذلك كتاب ~~البيان والتبين وهي كثيرة جدا وكان مع فضائله مشوه الخلق وإنما قيل له ~~الجاحظ لأن عينيه كانتا جاحظتين والجحوظ النتو وكان يقال له أيضا الحدقي ~~لذلك ومن جملة أخباره أنه قال ذكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده فلما رآني ~~استبشع منظري فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني فخرجت من عنده فلقيت محمد بن ~~إبراهيم وهو يرد الانصراف إلى مدينة السلام فعرض علي الخروج معه والانحدار ~~في حراقته وكنا بسر من رأى فركبنا في الحراقة فلما انتهينا إلى فم نهر ~~القاطول نصب ستارة وأمر بالغناء فاندفعت عوادة فغنت (كل يوم قطيعة وعتاب * ~~ينقضي دهرا ونحن غضاب) (ليت شعري أنا خصصت بهذا * دون ذا الخلق أم كذا ~~الأحباب) وسكتت فأمر الطنبورية فغنت (وارحمتا للعاشقينا * ما إن أرى لهم ~~معينا) (كم يهجرون ويصرمون * ويقطعون فيصبرونا) PageV03P471 # قال فقالت لها العوادة فيضعون ماذا قالت هكذا يصنعون ~~وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها وبرزت كأنها فلقة قمر فألقت نفسها في ~~الماء وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال وبيده مذبة فأتى الموضع ونظر ~~إليها وهي تمر بين الماء وأنشد (أنت التي غرقتني * بعد القضا لو تعلمينا) ~~وألقى نفسه في أثرها فأدار الملاح الحراقة فإذا بهما معتنقان ثم غاصا فلم ~~يريا فاستعظم محمد ذلك وهاله أمره ثم قال يا عمرو لتحدثني حديثا يسليني عن ~~فعل هذين وإلا الحقتك بهما قال فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك وقد قعد ~~للمظالم يوما وعرضت عليه القصص فمرت به قصة فيها إن رأى أمير المؤمنين أن ~~يخرج إلي جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل فاغتاظ يزيد من ذلك وأمر ~~من يخرج إليه ويأتيه برأسه ثم أتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يدخل إليه ~~الرجل فأدخله فلما وقف بين يديه قال له ما الذي حملك على ما صنعت قال الثقة ~~بحلمك والاتكال على عفوك فأمره بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية ms0914 إلا خرج ~~ثم أمر فأخرجت الجارية ومعها عودها فقال لها الفتى غني (أفاطم مهلا بعض هذا ~~التدلل * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي) فغنته فقال له يزيد قل فقال غني ~~(تألق البرق نجديا فقلت له * يا أيها البرق إني عنك مشغول) فغنته فقال له ~~يزيد قل قال تأمر لي برطل شراب فأمر له فما استتم شربه حتى وثب وصعد على ~~أعلى قبة ليزيد فرمى نفسه على دماغه فمات فقال يزيد إنا لله وإنا إليه ~~راجعون أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي يا ~~غلمان خذوا بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدقوا ~~بثمنها عنه فانطلقوا بها إلى أهله فلما توسطت الدار نظرت إلى حفيرة في وسط ~~دار يزيد قد أعدت للمطر PageV03P472 # فجذبت نفسها من أيديهم وأنشدت (من مات عشقا فليمت هكذا ~~* لا خير في عشق بلا موت) وألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت فسري عن ~~محمد وأجزل صلتي وقال أبو القاسم السيرافي حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل ~~ابن العميد الوزير الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فجرى ذكر الجاحظ فغض منه ~~بعض الحاضرين وأزرى به وسكت الوزير عنه فلما خرج الرجل قلت له سكت أيها ~~الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله فقال لم أجد في ~~مقابلته أبلغ من تركه على جهله ولو وافقته وبينت له لنظر في كتبه وصار بذلك ~~إنسانا يا أبا القاسم فكتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا ولم ~~أستصلحه لذلك وكان الجاحظ في أواخر عمره قد أصابه الفالج فكان يطلي نصفه ~~الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته والنصف الأيسر لو قرض بالمقاريض لما ~~أحس به من خدره وشدة برده وكان يقول في مرضه اصطلحت على جسدي الأضداد إن ~~أكلت باردا أخذ برجلي وإن أكلت حارا أخذ برأسي وكان يقول أنا من جانبي ~~الأيسر مفلوج فلو قرض بالمقاريض ما علمت به ومن جانبي الأيمن منقرس فلو مر ~~به الذباب لألمت وبي حصاة لا ms0915 ينسرح لي البول معها وأشد ما علي ست وتسعون ~~سنة وكان ينشد (أترجو أن تكون وأنت شيخ * كما قد كنت أيام الشباب) (لقد ~~كذبتك نفسك ليس ثوب * دريس كالجديد من الثياب) وحكى بعض البرامكة قال كنت ~~تقلدت السند فأقمت بها ما شاء الله ثم اتصل بي أني صرفت عنها وكنت كسبت بها ~~ثلاثين ألف دينار فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه ~~فصغته عشرة آلاف إهليلجة في كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل ولم يمكث الصارف أن ~~أتى فركبت PageV03P473 # البحر وانحدرت إلى البصرة فخبرت أن الجاحظ بها وأنه ~~عليل الفالج فأحببت أن أراه قبل وفاته فسرت إليه فأفضيت إلى باب دار لطيف ~~فقرعته فخرجت إلي خادم صفراء فقالت من أنت قلت رجل غريب وأحب أن أسر بالنظر ~~إلى الشيخ فبلغته الخادم ما قلته فسمعته يقول قولي له وما تصنع بشق مائل ~~ولعاب سائل ولون حائل فقلت للجارية لا بد من الوصول إليه فلما بلغته قال ~~هذا رجل قد اجتاز بالبصرة وسمع بعلتي فقال أراه قبل موته لأقول قد رأيت ~~الجاحظ ثم أذن لي فدخلت فسلمت عليه ورد ردا جميلا وقال من تكون أعزك الله ~~فانتسبت له فقال رحم الله أسلافك وآبائك السمحاء الأجواد فلقد كانت أيامهم ~~رياض الأزمنة ولقد انجبر بهم خلق كثير فسقيا لهم ورعيا فدعوت له وقلت أنا ~~أسألك أن تنشدني شيئا من الشعر فأنشدني (لئن قدمت قبلي رجال فطالما * مشيت ~~على رسلي فكنت المقدما) (ولكن هذا الدهر تأتى صروفه * فتبرم منقوضا وتنقض ~~مبرما) ثم نهضت فلما قاربت الدهليز قال يا فتى أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج ~~قلت لا قال فإن الإهليلج الذي معك ينفعني فابعث لي منه فقلت نعم وخرجت ~~متعجبا من وقوعه على خبري مع كتماني له وبعثت له مائة إهليلجة وقال أبو ~~الحسن البرمكي أنشدني الجاحظ (وكان لنا أصدقاء مضوا * تفانوا جميعا فما ~~خلدوا) (تساقوا جميعا كؤوس المنون * فمات الصديق ومات العدو) وكانت وفاة ~~الجاحظ في المحرم سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة وقد نيف على تسعين ms0916 سنة ~~رحمه الله تعالى وبحر بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وبعدها راء ~~PageV03P474 # ومحبوب بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم الباء ~~الموحدة وسكون الواو وبعدها باء موحدة والجاحظ بفتح الجيم وبعد الألف حاء ~~مهملة مكسورة وبعدها ظاء معجمة والكناني بكسر الكاف وفتح النون وبعد الألف ~~نون ثانية والليثي بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء ~~مثلثة هذه النسبة إلى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة 507 عمرو ~~بن مسعدة عمرو بن مسعدة بن سعيد بن صول الكاتب وكنيته أبو الفضل أحد وزراء ~~المأمون ذكر الخطيب في تاريخ بغداد أنه ابن عم إبراهيم بن العباس الصولي ~~الشاعر وقد تقدم ذكره وكان كاتبا بليغا جزل العبارة وجيزها سديد المقاصد ~~والمعاني ولما كان الفضل بن سهل أخو الحسن بن سهل وزير المأمون لم يكن لأحد ~~معه كلام لاستيلائه على المأمون فلما قتل سلم عليه الوزراء بعد ذلك وهم ~~أحمد بن أبي خالد الأحول وعمرو بن مسعدة المذكور وأبو عباد وكان المأمون قد ~~أمره أن يكتب لشخص كتابا إلى بعض العمال بالوصية عليه والاعتناء بأمره فكتب ~~له كتابي إليك كتاب واثق بمن كتبت إليه معني بمن كتبت له ولن يضيع بين ~~الثقة والعناية موصله والسلام PageV03P475 # وقيل إن هذا من كلام الحسن بن وهب والأول أصح وأشهر ~~وقال عمرو بن مسعدة المذكور كنت أوقع بين يدي جعفر بن يحيى البرمكي فرفع ~~إليه غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم فرمى بها إلي وقال أجب عنها فكتبت ~~قليل دائم خير من كثير منقطع فضرب بيده على ظهري وقال أي وزير في جلدك وله ~~كل معنى بديع وتوفي في سنة سبع عشرة ومائتين بموضع يقال له أذنة وذكر ~~الجهشياري في كتاب الوزراء أنه توفي في شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة ~~ومائتين والله أعلم ولما مات رفعت إلى المأمون رقعة أنه خلف ثمانين ألف ألف ~~درهم فوقع في ظهرها هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا فبارك الله ~~لولده فيما خلف وأحسن ms0917 لهم النظر فيما ترك وذكر المسعودي في كتاب مروج الذهب ~~أنه لما مات عرض لماله ولم يعرض لمال وزير غيره رحمه الله تعالى ومسعدة ~~بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح العين والدال المهملتين وأذنة بفتح ~~الهمزة والذال المعجمة والنون وهي بليدة بساحل الشام عند طرسوس بني حصنها ~~سنة أربع وأربعين ومائة وبعد انتهائي إلى هذا الموضع ظفرت له برسالة بديعة ~~كتبها إلى بعض الرؤساء وقد تزوجت أمه فساءه ذلك فلما قرأها ذلك الرئيس تسلى ~~بها وذهب عنه ما كان يجده فآثرت الإتيان بها لحسنها وهي الحمد لله الذي كشف ~~عنا ستر الحيرة وهدانا لستر العورة وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة ومنع ~~من عضل الأمهات كما منع من وأد البنات استنزالا للنفوس الأبية عن الحمية ~~حمية الجاهلية ثم عرض لجزيل الأجر من استسلم لواقع قضائه وعوض جليل الذخر ~~من صبرعلى نازل بلائه وهناك الذي شرح للتقوى صدرك ووسع في البلوى صبرك ~~وألهمك من التسليم لمشيئته والرضا بقضيته ما وفقك له من قضاء الواجب في أحد ~~أبويك ومن عظم حقه عليك وجعل تعالى جده ما تجرعته من أنف وكظمته من أسف ~~معدودا فيما يعظم به أجرك PageV03P476 # ويجزل عليه ذخرك وقرن بالحاضر من امتعاضك بفعلها ~~المنتظر من ارتماضك بدفنها فتستوفى بها المصيبة وتستكمل عنها المثوبة فوصل ~~الله لسيدي ما استشعره من الصبر على عرسها ما يستكسبه من الصبر على نفسها ~~وعوضه من أسرة فرشها أعواد نعشها وجعل تعالى جده ما ينعم به عليه بعدها من ~~نعمة معرى من نقمة وما يوليه بعد قبضها من منحة مبرأ من محنة فأحكام الله ~~تعالى جده وتقدست أسماؤه جارية على غير مراد المخلوقين لكنه تعالى يختار ~~لعباده المؤمنين ما هو خير لهم في العاجلة وأبقى لهم في الآجلة اختار الله ~~لك في قبضها إليه وقدومها عليه ما هو أنفع لها وأولى بها وجعل القبر كفؤا ~~لها والسلام وقيل إن هذه الرسالة لأبي الفضل ابن العميد الآتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى ولقد أذكرتني هذه الرسالة ms0918 بيتين للصاحب بن عباد في شخص زوج أمه ~~وهما (عذلت لتزويجه أمه * فقال فعلت حلالا يجوز) (فقلت صدقت حلالا فعلت * ~~ولكن سمحت بصدع العجوز) وكتب عمرو إلى بعض أصحابه في حق شخص يعز عليه أما ~~بعد فموصل كتابي إليك سالم والسلام أراد قول الشاعر (يديرونني عن سالم ~~وأديرهم * وجلدة بين العين والأنف سالم) أي يحل مني هذا المحل وأنشد محمد ~~بن داود بن الجراح لمحمد البيدق النصيبي في عمرو بن مسعدة وقد اشتكى (قالوا ~~أبو الفضل معتل فقلت لهم * نفسي الفداء له من كل محذور) (يا ليت علته بي ثم ~~إن له * أجر العليل وأني غير مأجور) وكان بين عمرو المذكور وبين إبراهيم بن ~~العباس الصولي المقدم PageV03P477 # ذكره مودة فحصل لإبراهيم ضائقة بسبب البطالة في بعض ~~الأوقات فبعث له عمرو مالا فكتب إليه إبراهيم (سأشكر عمرا ما تراخت منيتي * ~~أيادي لم تمنن وإن هي جلت) (فتى غير محجوب الغنى عن صديقه * ولا مظهر ~~الشكوى إذا النعل زلت) (رأى خلتي من حيث يخفى مكانها * فكانت قذى عينيه حتى ~~تجلت) وقال أحمد بن يوسف الكاتب المقدم ذكره دخلت على المأمون وهو يمسك ~~كتابا بيده وقد أطال النظر فيه زمانا وأنا ملتفت إليه فقال يا أحمد أراك ~~مفكرا فيما تراه مني قلت نعم وقى الله أمير المؤمنين من المكاره وأعاذه من ~~المخاوف قال فإنه لا مكروه فيه ولكنني قرأت كلاما وجدته نظير ما سمعته من ~~الرشيد يقوله في البلاغة كان يقول البلاغة التباعد عن الإطالة والتقرب من ~~معنى البغية والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى وما كنت أتوهم أن أحدا ~~يقدرعلى المبالغة في هذا المعنى حتى قرأت هذا الكتاب ورمى به إلي وقال هذا ~~كتاب من عمرو بن مسعدة إليه قال فقرأته فإذا فيه كتابي إلى أمير المؤمنين ~~ومن قبلي من قواده وسائر أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما تكون عليه ~~طاعة جند تأخرت أرزاقهم وانقياد كفاة تراخت أعطياتهم واختلت لذلك أحوالهم ~~والتاثت معه أمورهم فلما قرأته قال إن استحساني إياه بعثني ms0919 على أن أمرت ~~للجند قبله بعطائهم لسبعة أشهر وانا على مجازاة الكاتب بما يستحقه من حل ~~محله في صناعته PageV03P478 # 508 ابن بانة عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد المعروف ~~بابن بانة مولى يوسف بن عمر الثقفي أحد المغنين المشهورين المجيدين في طبقة ~~المتقدمين منهم ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني وقال كان أبوه ~~صاحب ديوان ووجها من وجوه الكتاب وكان مغنيا مجيدا وشاعرا صالح الشعر وله ~~كتاب في الأغاني وكان تياها معجبا بنفسه وهو معدود في ندماء الخلفاء ~~ومغنيهم على ما كان به من الوضح وتوفي سنة ثمان وسبعين ومائتين بسر من رأى ~~رحمه الله تعالى وكان خصيصا بالمتوكل على الله آنسا به أخذ الغناء عن إسحاق ~~بن إبراهيم الموصلي وغيره وله صنعة في الغناء تدل على حذقه وكان منزله ~~بغداد ويتردد إلى سر من رأى في الأحيان وبانة بفتح الباء الموحدة وبعد ~~الألف نون مفتوحة ثم هاء ساكنة وهو اسم أمه وهي بانة ابنة روح كاتب سلمة ~~الوصيف وكان ينسب إليها وقد تقدم في ترجمة طاهر بن الحسين ذكر بيتين من ~~شعره يهجوه بهما PageV03P479 # 509 ابن الموصلايا أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن ~~الموصلايا الكاتب البغدادي منشىء دار الخلافة الملقب أمين الدولة كان ~~نصرانيا وأسلم على يد الإمام المقتدي بالله وحسن إسلامه وله الرسائل ~~الرائقة والأشعار الجيدة وكل منهما مدون وكان كثير الفضل وخدم بديوان ~~الإنشاء للإمام القائم في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وتوفي بعد أن كف ~~بصره في تاسع عشر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين وأربعمائة رحمه الله تعالى ~~140 وتوفي ابن أخته تاج الرؤساء أبو نصر هبة الله بن صاحب الخير الحسن ابن ~~علي الكاتب وكان فاضلا له معرفة بالأدب والبلاغة والخط الحسن وكان ذا رسائل ~~جيدة وهي مدونة أيضا ومشهورة في عشية الاثنين حادي عشر جمادى الأولى سنة ~~ثمان وتسعين وأربعمائة ببغداد ودفن بباب أبرز وكان مرضه خمسة أيام وعمره ~~سبعون سنة رحمه الله تعالى وكان قد أسلم مع خاله المذكور وكان ms0920 إسلامهما في ~~سنة أربع وثمانين وأربعمائة والموصلايا بضم الميم وسكون الواو وفتح الصاد ~~المهلمة وبعد اللام ألف ياء مثناة من تحتها وبعدها ألف وهو من أسماء ~~النصارى PageV03P480 # 510 ابن السوادي أبو الفرج العلاء بن علي بن محمد بن ~~علي بن أحمد بن عبيد الله الواسطي المعروف بابن السوادي الواسطي الكاتب ~~الشاعر كان شاعرا فاضلا ظريفا خليعا مطبوعا من بيت كبير في بلده مشهور ~~بالكتابة والنباهة والتميز وله شعر حسن فمنه قوله (أشكو إليك ومن صدودك ~~أشتكي * وأظن من شغفي بأنك منصفي) (وأصد عنك مخافة من إن يرى * منك الصدود ~~فيشتفي من يشتفي) وهو مأخوذ من قول بعضهم (أخفي هواه عن العذول تجلدا * كي ~~لا يرى جزعي عليه فيشتفي) وكنت قد وقفت على هذا البيت قبل وقوفي على بيتي ~~ابن السوادي فأعجبني المعنى فنظمته في دوبيت وهو (يا غصن نقا قوامه مياد * ~~أيام رضاك كلها أعياد) (ما أكتم حزني عندما تهجرني * إلا حذرا أن تشمت ~~الحساد) وقال عماد الدين الكاتب في كتاب الخريدة أنشدني لنفسه (يمينا بما ~~ضم المصلى وما حوت * رحاب منى إني إليك مشوق) وهي ثلاثة أبيات اقتصرت منها ~~على هذا لأنه أحسنها وكان أبو القاسم هبة الله بن الفضل المعروف بابن ~~القطان الآتي ذكره في PageV03P481 # حرف الهاء إن شاء الله تعالى قد هجا قاضي القضاة ~~الزينبي بقصيدته الكافية التي أولها (يا أخي الشرط أملك * لست للثلب أترك) ~~وهي طويلة عدد أبياتها مائة وثمانية عشر بيتا وتناقلتها الرواة وسارت عنه ~~فبلغ ذلك الزينبي المذكور فأحضر ابن الفضل وصفعه وحبسه مدة ثم أفرج عنه ~~فاتفق أن حضر ابن السوادي المذكور إلى بغداد من واسط عقيب هذه الواقعة ومدح ~~الزينبي المذكور بقصيدة فتأخرت عنه الجائزة وتردد إلى مجلسه كثيرا فما أجدى ~~عليه فاجتمع بابن الفضل المذكور وشرح له حاله وقال أنا على عزم الانحدار ~~إلى واسط فإذا وصلت إلى بلدي هجوت الزينبي وكان للزينبي صاحب يقال له أبو ~~الفتح فكتب إليه ابن الفضل أبياتا من جملتها (يا أبا الفتح الهجاء إذا ms0921 * ~~جاش صدر فهو متسع) (وقوافي الشعر واثبة * ولها الشيطان متبع) (فاحذروا ~~كافات منحدر * ما لكم في صفعه طمع) فاتصلت الأبيات بالزينبي فأرسل لابن ~~السوادي جائزة وطيب قلبه وكانت ولادة ابن السوادي بواسط سنة اثنتين وثمانين ~~وأربعمائة منتصف شهر ربيع الآخر ليلة الأربعاء وتوفي سنة ست وخمسين ~~وخمسمائة بواسط والسوادي بفتح السين المهملة والواو وبعد الألف دال مهملة ~~هذه النسبة إلى سواد العراق وإنما قيل له السواد لأن العرب لما رأت خضرة ~~الأشجار قالت ما هذا السواد فبقي الاسم عليه PageV03P482 # 511 القاضي عياض القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن ~~عياض بن عمرو بن موسى بن عياض ابن محمد بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي كان ~~إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم ~~وصنف التصانيف المفيدة منها الإكمال في شرح كتاب مسلم كمل به المعلم في شرح ~~مسلم للمازري ومنها مشارق الأنوار وهو كتاب مفيد جدا في تفسير غريب الحديث ~~المختص بالصحاح الثلاثة وهي الموطأ والبخاري ومسلم وشرح حديث أم زرع شرحا ~~مستوفى وله كتاب سماه التنبيهات جمع فيه غرائب وفوائد وبالجملة فكل تواليفه ~~بديعة ذكره أبو القاسم بن بشكوال في كتاب الصلة فقال دخل الأندلس طالبا ~~للعلم فأخذ بقرطبة عن جماعة وجمع من الحديث كثيرا وكان له عناية كبيرة به ~~والاهتمام بجمعه وتقييده وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء واليقظة ~~PageV03P483 # والفهم واستقضى ببلده يعني مدينة سبتة مدة طويلة حمدت ~~سيرته فيها ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة فلم يطل أمده فيها انتهى كلامه ~~وللقاضي عياض شعر حسن فمنه ما رواه عنه ولده أبو عبد الله محمد قاضي دانية ~~قال أنشدني أبي لنفسه في خامات زرع بينها شقائق النعمان هبت عليه ريح (انظر ~~إلى الزرع وخاماته * تحكي وقد ماست أمام الرياح) (كتيبة حمراء مهزومة * ~~شقائق النعمان فيها جراح) الخامة القصبة الرطبة من الزرع وأنشد أيضا لأبيه ~~(الله يعلم أني منذ لم أركم * كطائر خانه ريش الجناحين) (فلو قدرت ركبت ~~البحر نحوكم * لأن بعدكم عني جنى حيني) ms0922 ورأيت لابن العريف رسالة كتبها إليه ~~فأحببت ذكرها ثم أضربت عنها لطولها وذكره العماد في الخريدة فقال كبير ~~الشان غزير البيان وذكر له البيتين في الزرع الذي بينه شقائق النعمان ثم ~~قال بعد ذلك وله في لزوم ما لا يلزم (إذا ما نشرت بساط انبساط * فعنه فديتك ~~فاطو المزاحا) (فإن المزاح على ما حكاه * أولو العلم قبلي عن العلم زاحا) ~~ومدحه أبو الحسن ابن هارون المالقي الفقيه المشاور بقوله (ظلموا عياضا وهو ~~يحلم عنهم * والظلم بين العالمين قديم) (جعلوا مكان الراء عينا في اسمه * ~~كي يكتموه فإنه معلوم) PageV03P484 # (لولا ما ناحت أباطح سبتة * والروض حول فنائها معدوم) ~~وذكره ابن الأبار في تسمية أصحاب أبي علي الغساني فقال من أهل سبتة وأصله ~~من بسطة يكنى أبا الفضل أحد الأئمة الحفاظ الفقهاء المحدثين الأدباء ~~وتواليفه وأشعاره شاهدة بذلك كتب إليه أبو علي في جماعة جلة ولقي أيضا ~~آخرين مثلهم وشيوخه يقاربون المائة وكان مولد القاضي عياض بمدينة سبتة في ~~النصف من شعبان سنة ست وسبعين وأربعمائة وتوفي بمراكش يوم الجمعة سابع ~~جمادى الآخرة وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~ودفن بباب إيلان داخل المدينة وتولى القضاء بغرناطة سنة اثنتين وثلاثين ~~وخمسمائة وتوفي ولده المذكور سنة خمس وسبعين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~وعياض بكسر العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف ضاد ~~معجمة واليحصبي بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الحاء المهملة وضم الصاد ~~المهملة وفتحها وكسرها وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة ~~من حمير وسبتة مدينة مشهورة بالمغرب وكذلك غرناطة بفتح الغين المعجمة وسكون ~~الراء وفتح النون وبعد الألف طاء مهملة ثم هاء وهي بالأندلس PageV03P485 # 512 عيسى بن عمر الثقفي أبو عمرو عيسى بن عمر الثقفي ~~النحوي البصري قيل كان مولى خالد بن الوليد رضي الله عنه ونزل في ثقيف فنسب ~~إليهم كان صاحب تقعير في كلامه واستعمال للغريب فيه وفي قراءاته وكانت بينه ~~وبين أبي عمرو بن العلاء صحبة ولهما ms0923 مسائل ومجالس وأخذ القراءة عرضا عن عبد ~~الله بن أبي إسحاق وروى الحروف عن عبد الله بن كثير وابن محيصن وسمع الحسن ~~البصري وله اختيار في القراءة على قياس العربية وروى القراءات عنه أحمد بن ~~موسى اللؤلؤي وهارون بن موسى النحوي والأصمعي والخليل بن أحمد وسهل بن يوسف ~~وعبيد بن عقيل وأخذ سيبويه عنه النحو وله الكتاب الذي سماه الجامع في النحو ~~ويقال إن سيبويه أخذ هذا الكتاب وبسطه وحشى عليه من كلام الخليل وغيره ولما ~~كمل بالبحث والتحشية نسب إليه وهو كتاب سيبويه المشهور والذي يدل على صحة ~~هذا القول أن سيبويه لما فارق عيسى بن عمر المذكور ولازم الخليل بن أحمد ~~سأله الخليل عن مصنفات عيسى فقال له سيبويه صنف نيفا وسبعين مصنفا في النحو ~~وإن بعض أهل اليسار جمعها وأتت عنده عليها آفة فذهبت ولم يبق منها في ~~الوجود سوى كتابين أحدهما اسمه الإكمال وهو بأرض فارس عند فلان والآخر ~~الجامع وهو هذا الكتاب الذي أشتغل فيه وأسألك عن غوامضه فأطرق الخليل ساعة ~~ثم رفع رأسه وقال رحم الله عيسى وأنشد (ذهب النحو جميعا كله * غير ما أحدث ~~عيسى بن عمر) PageV03P486 # (ذاك إكمال وهذا جامع * وهما للناس شمس وقمر) فأشار ~~بالإكمال إلى الغائب وبالجامع إلى الحاضر وكان الخليل قد أخذ عنه أيضا ~~ويقال إن أبا الأسود الدؤلي لم يضع في النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط ~~وإن عيسى بن عمر وضع كتابا على الأكثر وبوبه وهذبه وسمى ما شذ عن الأكثر ~~لغات وكان يطعن على العرب ويخطىء المشاهير منهم مثل النابغة في بعض أشعاره ~~وغيره وروى الأصمعي قال قال عيسى بن عمر لأبي عمرو ابن العلاء أنا أفصح من ~~معد بن عدنان فقال له أبو عمرو لقد تعديت فكيف تنشد هذا البيت (قد كن يخبأن ~~الوجوه تسترا * فاليوم حين بدأن للنظار) أو بدين للنظار فقال عيسى بدأن ~~فقال له أبو عمرو أخطأت يقال بدا يبدو إذا ظهر وبدأ يبدأ إذا شرع في الشيء ~~والصواب حين بدون للنظار ms0924 وإنما قصد أبو عمرو تغليطه لأنه لا يقال في هذا ~~الموضع بدأن ولا بدين بل بدون ومن جملة تقعيره في الكلام ما حكاه الجوهري ~~في كتاب الصحاح قال سقط عيسى بن عمر عن حمار له فاجتمع عليه الناس فقال ما ~~لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني معناه ما لكم تجمعتم علي ~~تجمعكم على مجنون انكشفوا عني ورأيت في بعض المجاميع أنه كان به ضيق النفس ~~فأدركه يوما وهو في السوق فوقع ودار الناس حوله يقولون مصروع مصروع فبين ~~قارىء ومعوذ من الجان فلما أفاق من غشيته نظر إلى ازدحامهم فقال هذه ~~المقالة فقال بعض الحاضرين إن جنيه يتكلم بالهندية PageV03P487 # ويروى أن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين كان قد ~~ضربه بالسياط وهو يقول والله إن كانت إلا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك ~~وله من هذا النوع شيء كثير وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة رحمه الله تعالى ~~وقيل إن الذي ضربه كان يوسف بن عمرأمير العراقين، وسيأتي ذكره في حرف الياء ~~إن شاء الله تعالى وكان سبب ضربه إياه أنه لما تولى العراقين بعد خالد بن ~~عبد الله القسري تتبع أصحابه وكان بعض جلسائه قد أودع عند عيسى بن ~~عمرالمذكور وديعة فنمي الخبر إلى يوسف فكتب إلى نائبه بالبصرة يأمره أن ~~يحمل إليه عيسى بن عمر مقيدا فدعا به ودعا حدادا وأمره بتقييده فلما قيده ~~قال له الوالي لا بأس عليك إنما أرادك الأمير لتأديب ولده قال فما بال ~~القيد إذا فبقيت هذه الكلمة مثلا بالبصرة فلما وصل إلى يوسف سأله عن ~~الوديعة فأنكر فأمر بضربه فلما أخذه السوط جزع فقال هذه المقالة المقدم ~~ذكرها 513 الجزولي أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت بن عيسى بن ~~يوماريلي الجزولي اليزدكتني كان إماما في علم النحو كثير الاطلاع على ~~دقائقه وغريبه وشاذه وصنف فيه المقدمة التي سماها القانون ولقد أتى فيها ~~بالعجائب وهي في غاية PageV03P488 # الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو ولم يسبق ~~إلى مثلها واعتنى ms0925 بها جماعة من الفضلاء فشرحوها ومنهم من وضع لها أمثلة ومع ~~هذا كله فلا تفهم حقيقتها وأكثر النحاة ممن لم يكن قد أخذوها عن موقف ~~يعترفون بقصور أفهامهم عن إدراك مراده منها فإنها كلها رموز وإشارات ولقد ~~سمعت من بعض أئمة العربية المشار إليه في وقته وهو يقول أنا ما أعرف هذه ~~المقدمة وما يلزم من كوني ما أعرفها أن لا أعرف النحو وبالجملة فإنه أبدع ~~فيها وسمعت أن له أمالي في النحو ولكنها لم تشتهر ورأيت له مختصر الفسر ~~لابن جني في شرح ديوان المتنبي ويقال إنه كان يدري شيئا من المنطق ودخل إلى ~~الديار المصرية وقرأ على الشيخ أبي محمد بن بري المقدم ذكره وقد نقل عنه ~~شيئا في المقدمة المذكورة وذكر بعض المتأخرين في تصنيفه أنه كان قد قرأ ~~الجمل على ابن بري وسأله عن مسائل على أبواب الكتاب فأجابه ابن بري عنها ~~وجرى فيها بحث بين الطلبة حصلت منه فوائد علقها الجزولي مفردة فجاءت ~~كالمقدمة فيها كلام غامض وعقود لطيفة وإشارات إلى أصول صناعة النحو غريبة ~~فنقلها الناس عنه واستفادوها منه ثم قال هذا المصنف وبلغني أنه كان إذا سئل ~~عنها هل هي من تصنيفك قال لا لأنه كان متورعا ولما كانت من نتائج خواطر ~~الجماعة عند البحث ومن كلام شيخه ابن بري لم يسعه أن يقول هي من تصنيفي وإن ~~كانت منسوبة إليه لأنه هو الذي انفرد بترتيبها ثم رجع الجزولي إلى بلاد ~~المغرب بعد أن حج وأقام بمدينة بجاية مدة والناس يشتغلون عليه وانتفع به ~~خلق كثير ورأيت جماعة من أصحابه وتوفي سنة عشر وستمائة بمدينة مراكش رحمه ~~الله تعالى هكذا سمعت PageV03P489 # جماعة يذكرون تاريخ وفاته ثم وقفت على ترجمته وقد ~~رتبها أبو عبد الله ابن الأبار القضاعي فقال في سنة ست أو سبع وستمائة مات ~~الجزولي ويللبخت بفتح الياء المثناة من تحتها واللام وسكون اللام الثانية ~~وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة من فوقها وهو اسم ~~بربري ويوماريلي بضم الياء ms0926 المثناة من تحتها وسكون الواو وفتح الميم وبعد ~~الألف راء مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها لام ثم ياء وهو اسم ~~بربري لأيضا والجزولي بضم الجيم والزاي وسكون الواو وبعدها لام هذه النسبة ~~إلى جزولة ويقال لها أيضا كزولة بالكاف وهي بطن من البربر واليزدكتني بفتح ~~الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وسكون الكاف وفتح ~~التاء المثناة من فوقها وبعدها نون هذه النسبة إلى فخذ من جزولة ورأيت بخطي ~~في مسوداتي أنه تولى الخطابة بجامع مراكش وأن قبيلته كزولة من الرحالة ~~يكونون بصحراء بلاد السوس في المغرب الأقصى وكان إماما في القراءات والنحو ~~واللغة وكان يتصدر في الجامع للاقراء وأنه شرح مقدمته في مجلد كبير أتى فيه ~~بغرائب وفوائد وذكر بعض أصحابه أنه حضر عنده ليقرأ عليه قراءة أبي عمرو ~~فقال بعض الحاضرين أتريد أن تقرأ على الشيخ النحو قال فقلت لا قال فسألني ~~آخر كذلك فقلت لا فأنشد الشيخ وقال قل لهم (لست للنحو جئتكم * لا ولا فيه ~~أرغب) (خل زيدا لشأنه * أينما شاء يذهب) PageV03P490 # (أنا ما لي ولامرىء * أبد الدهر يضرب) وكانت وفاته ~~بهسكورة من أعمال مراكش والله أعلم 514 الفائز العبيدي أبو القاسم عيسى ~~الملقب الفائز بن الظافر بن الحافظ بن محمد بن المستنصر بن الظاهر بن ~~الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله وقد ~~تقدم ذكر والده وجماعة من أهل بيته وكيف قتل نصر بن عباس أباه حسبما شرح ~~هناك وهذا نصر بن عباس هو الذي قتل العادل بن السلار وقد رفعت هناك في نسبه ~~فمن أراد معرفته فلينظره هناك ولما كان صبيحة ليلة قتل فيها الظافر حضر ~~عباس إلى القصر على جاري عادته في الخدمة وأظهر عدم الاطلاع على قضيته وطلب ~~الاجتماع به ولم يكن أهل القصر قد علموا بقتله بعد فإنه خرج من عندهم في ~~خفية كما ذكر ثم وما علم أحد بخروجه فدخل الخدم إلى موضعه ليستأذنوا لعباس ~~فلم يجدوه فدخلوا إلى ms0927 قاعة الحرم فقيل إنه لم يبت هاهنا وحاصل الأمر أنهم ~~تطلبوه في جميع مظانه في القصر فلم يقفوا له على خبر فتحققوا عدمه فأخرج ~~عباس المذكور أخوي الظافر وهما جبريل ويوسف وهو أبو العاضد المقدم ذكره في ~~جملة من اسمه عبد الله وقال لهما أنتما قتلتما إمامنا وما نعرف PageV03P491 # حاله إلا منكما فأصرا على الإنكار وكانا صادقين في ذلك ~~فقتلهما في الوقت لينفي عن نفسه وابنه التهمة ثم استدعى ولده الفائز ~~المذكور وتقدير عمره خمس سنين وقيل سنتان فحمله على كتفه ووقف في صحن الدار ~~وأمر أن يدخل الأمراء فدخلوا فقال لهم هذا ولد مولاكم وقد قتل عماه أباه ~~وقد قتلتهما كما ترون والواجب إخلاص الطاعة لهذا الطفل فقالوا بأجمعهم ~~سمعنا وأطعنا وصاحوا صيحة واحدة اضطرب منها الطفل وبال على كتف عباس وسموه ~~الفائز وسيروه إلى أمه واختل من تلك الصيحة فصار يصرع في كل وقت ويختلج ~~وخرج عباس إلى دراه ودبر لأمور وانفرد بالتصرف ولم يبق على يده يد وأما أهل ~~القصر فإنهم اطلعوا على باطن الأمر وأخذوا في إعمال الحيلة في قتل عباس ~~وابنه نصر وكاتبوا الصالح بن رزيك الأرمني المذكور في حرف الطاء وكان إذ ~~ذاك والي منية بني خصيب بالصعيد وسألوه الانتصار لهم ولمولاه والخروج على ~~عباس وقطعوا شعورهم وسيروها طي الكتاب وسودوا الكتاب فلما وقف الصالح عليه ~~أطلع من حوله الأجناد عليه وتحدث معهم في المعنى فأجابوا إلى الخروج معه ~~واستمال جمعا من العرب وساروا قاصدين القاهرة وقد لبسوا السواد فلما ~~قاربوها خرج إليهم جميع من بها من الأمراء والأجناد والسودان وتركوا عباسا ~~وحده فخرج عباس في ساعته من القاهرة هاربا ومعه شيء من ماله وخرج معه ولده ~~نصر قاتل الظافر وأسامة بن منقذ المذكور في حرف الهمزة فقد قيل إنه الذي ~~أشار عليهما بقتل الظافر وشرح ذلك يطول وقد تقدم في ترجمة العادل بن السلار ~~ذكره أيضا وأنه الذي أشار بقتله والله العالم بالخفيات وكان معهم جماعة ~~يسيرة من أتباعهم وقصدوا طريق الشام على ms0928 أيلة وذلك في رابع عشر شهر ربيع ~~الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة PageV03P492 # وأما الصالح بن رزيك فإنه دخل القاهرة بغير قتال وما ~~قدم شيئا على النزول بدار عباس المعروفة بدار المأمون ابن البطحائحي وهي ~~اليوم مدرسة للطائفة الحنفية وتعرف بالسيوفية واستحضر الخادم الصغير الذي ~~كان مع الظافر ساعة قتله وسأله عن الموضع الذي دفن فيه فعرفه به وقلع ~~البلاطة التي كانت عليه وأخرج الظافر ومن معه من المقتولين وحملوا وقطعت ~~لهم الشعور وانتشر البكاء والنياح في البلد ومشى الصالح والخلق قدام ~~الجنازة إلى موضع الدفن وهو في تربة آبائه وهي معروفة في قصرهم وتكفل ~~الصالح بالصغير ودبر أحواله واما عباس ومن معه فإن أخت الظافر كاتبت فرنج ~~عسقلان بسببه وشرطت لهم مالا جزيلا بسببه إذا أمسكوه فخرجوا عليه وصادفوه ~~فتواقعوا وقتلوا عباسا وأخذو ماله وولده وانهزم بعض أصحابه إلى الشام وفيهم ~~ابن منقذ فسلموا وسيرت الفرنج نصر بن عباس إلى القاهرة تحت الحوطة في قفص ~~حديد فلما وصل تسلم رسولهم ما شرطوا لهم من المال فأخذوا نصرا المذكور ~~وضربوه بالسياط ومثلوا به وصلبوه بعد ذلك على باب زويلة ثم أنزلوه يوم ~~عاشوراء من سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ثم أحرقوه هذه خلاصة الواقعة وإن كان ~~فيها طول وكان دخول نصر بن عباس إلى القصر بالقاهرة في السابع والعشرين من ~~شهر ربيع الأول من سنة خمسين وخمسمائة وأخرج من القصر يوم الاثنين سادس عشر ~~شهر ربيع الآخر من السنة وكان قد قطعت يده اليمنى وقرض جسمه بالمقاريض ~~والله أعلم وقيل كان ذلك يوم الجمعة ثامن الشهر المذكور ولم تطل مدة الفائز ~~في ولايته وكانت ولادته يوم الجمعة لتسع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين ~~وخمسمائة وتولى في تاريخ وفاة والده وهو مذكور في PageV03P493 # ترجمته في حرف الهمزة واسمه إسماعيل وتوفي ليلة الجمعة ~~لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~وتولى بعده العاضد وقد سبق ذكره وهو آخرهم 515 الملك المعظم ابن العادل ~~الملك المعظم شرف الدين ms0929 عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب ~~صاحب دمشق كان عالي الهمة حازما شجاعا مهيبا فاضلا جامعا شمل أرباب الفضائل ~~محبا لهم وكان حنفي المذهب متعصبا لمذهبه وله فيه مشاركة حسنة ولم يكن في ~~بني أيوب حنفي سواه وتبعه أولاده وكان قد حج إلى بيت الله الحرام في سنة ~~إحدى عشرة وستمائة سار من الكرك على الهجن في حادي عشر ذي القعدة في جماعة ~~من خواصه وسلك طريق العلا وتبوك وفي هذه السنة أخذ المعظم صرخد من ابن ~~قراجا وأعطاها مملوكه عز الدين أيبك المعروف بصاحب صرخد ولم يزل بها إلى أن ~~أخذها منه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل في سنة أربع ~~وأربعين وستمائة وحمله إلى القاهرة واعتقله بدار الطواشي صواب وكان المعظم ~~يحب الأدب كثيرا ومدحه جماعة من الشعراء المجيدين فأحسنوا في مدحه وكانت له ~~رغبة في فن الأدب وسمعت أشعارا منسوبة إليه ولم PageV03P494 # أستثبتها فلم أثبت شيئا منها وقيل إنه كان قد شرط لكل ~~من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار وخلعة فحفظه لهذا السبب جماعة ورأيت ~~بعضهم بدمشق والناس يقولون إن سبب حفظهم له كان هذا وقيل إنه لما توفي كان ~~قد انتهى بعضهم إلى أواخره وبعضهم في أثنائه وهم على قدر أوقات شروعهم فيه ~~ولم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره وكانت مملكته متسعة من حدود بلد حمص إلى ~~العريش يدخل في ذلك بلاد الساحل الإسلامية منها وبلاد الغور وفلسطين والقدس ~~والكرك والشوبك وصرخد وغير ذلك وكانت ولادته في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ~~وذكر أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في تاريخه مرآة الزمان أن المعظم ولد ~~في سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة وولد أخوه الأشرف موسى قبله بليلة ~~واحدة وتوفي المعظم يوم الجمعة مستهل ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة ~~والله أعلم بالصواب وقال غيره بل توفي يوم الجمعة ثامن ساعة من نهار سلخ ذي ~~القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة بدمشق ودفن بقلعتها ثم نقل إلى جبل ~~الصالحية ودفن في مدرسة ms0930 هناك بها قبور جماعة من إخوته وأهل بيته تعرف ~~بالمعظمية وكان نقله ليلة الثلاثاء مستهل المحرم سنة سبع وعشرين وكان كثيرا ~~ما ينشد (ومورد الوجنات أغيد خاله * بالحسن من فرط الملاحة عمه) (كحل ~~الجفون وكان في ألحاظه * كحل فقلت سقى الحسام وسمه) وهذا ينظر إلى قول عبد ~~الجبار بن حمديس الصقلي المقدم ذكره (زادت على كحل الجفون تكحلا * ويسم نصل ~~السيف وهو قتول) رحمه الله تعالى فلقد كان من النجباء الأذكياء أخبرني ~~جماعة عن شرف PageV03P495 # الدين بن عنين بأمور كانت تجري بينهما تدل على حسن ~~الإدراك وإصابة المقصد منها أنه كان ابن عنين قد مرض فكتب إليه (انظر إلي ~~بعين مولى لم يزل * يولي الندى وتلاف قبل تلافي) (أنا كالذي أحتاج ما ~~تحتاجه * فاغنم ثوابي والثناء الوافي) فجاء بنفسه إليه يعوده ومعه صرة فيها ~~ثلاثمائة دينار فقال هذه الصلة وأنا العائد وهذه لو وقعت لأكابر النحاة ومن ~~هو في ممارسته طول عمره لاستعظم منه لا سيما مثل هذا الملك وأشياء كثيرة ~~غير هذه يطول شرحها وكان المقصود ذكر أنموذج منها ليستدل بها على الباقي ~~141 وتولى موضعه ولده الملك الناصر صلاح الدين داود وتوفي في السابع ~~والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة في قرية يقال لها البويضاء ~~على باب دمشق ودفن عند والده وكانت ولادته يوم السبت سابع عشر جمادى الأولى ~~سنة ثلاث وستمائة بدمشق 142 وتوفي عز الدين أيبك صاحب صرخد المذكور في ~~أوائل جمادى الأولى من سنة ست وأربعين وستمائة في موضع اعتقاله بالقاهرة ~~ودفن خارج باب النصر في تربة شمس الدولة وحضرت الصلاة عليه ودفنه ثم نقل ~~إلى تربته في مدرسته التي أنشأها ظاهر دمشق على الشرف الأعلى مطلة على ~~الميدان الأخضر الكبير PageV03P496 # 516 الفقيه عيسى الهكاري الفقيه أبو محمد عيسى بن محمد ~~بن عيسى بن محمد بن أحمد بن يوسف بن القاسم ابن عيسى بن محمد بن القاسم بن ~~محمد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ms0931 هكذا أملى ~~علي نسبه ولد ولد أخيه ويقال له الهكاري الملقب ضياء الدين كان أحد الأمراء ~~بالدولة الصلاحية كبير القدر وافر الحرمة معولا عليه في الآراء والمشورات ~~وكان في مبدأ أمره يشتغل في الفقه بالمدرسة الزجاجية بمدينة حلب فاتصل ~~بالأمير أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين المقدم ذكره وصار إمامه ~~يصلي به الفرائض الخمس ولما توجه أسد الدين إلى الديار المصرية وتولى ~~الوزارة كما سبق شرحه كان في صحبته ولما توفي أسد الدين اتفق الفقيه عيسى ~~المذكور والطواشي بهاء الدين قراقوش الآتي ذكره إن شاء الله تعالى على ~~ترتيب السلطان صلاح الدين موضعه في الوزارة ودققا الحيلة في ذلك حتى بلغا ~~المقصود وشرح ذلك يطول فلما تولى صلاح الدين رأى له ذلك واعتمد عليه ولم ~~يكن يخرج عن رأيه وكان كثير الإدلال عليه يخاطبه بما لا يقدر عليه غيره من ~~الكلام وكان واسطة خير للناس نفع بجاهه خلقا كثيرا ولم يزل على مكانته ~~وتوفر حرمته إلى أن توفي في يوم الثلاثاء عند طلوع الشمس التاسع من ذي ~~القعدة سنة خمس وثمانين وخمسائة بالمخيم بمنزلة الخروبة ثم نقل إلى القدس ~~ودفن بظاهرها رحمه الله تعالى PageV03P497 # وكان يلبس زي الأجناد ويعتم بعمائم الفقهاء فيجمع بين ~~اللباسين ورأيت أخاه الأمير مجد الدين أبا حفص عمر أيضا على هذه الصفة ~~والخروبة بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء وضمها وسكون الواو وفتح الباء ~~الموحدة وبعدها هاء ساكنة موضع بالقرب من عكا 143 وكانت ولادة أخيه مجد ~~الدين عمر في رجب سنة ستين وخمسائة وتوفي في الثالث والعشرين من ذي الحجة ~~سنة ست وثلاثين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم وحضرت الصلاة عليه عليه ~~رحمة الله 517 فخر الدين صاحب تكريت أبو المنصور عيسى بن مودود بن علي بن ~~عبد الملك بن شعيب الملقب فخر الدين صاحب تكريت هو من أتراك الشام وكانت ~~فيه فضائل وله ديوان شعر حسن ورسائل مطبوعة ودوبيت رقيق فمن شعره قوله (وما ~~ذات طوق في فروع أراكة * لها رنة تحت الدجى وصدوح) ms0932 (ترامت بها أيدي النوى ~~وتمكنت * بها فرقة من أهلها ونزوح) (فحلت بزوراء العراق وزغبها * بعسفان ~~ثاو منهم وطليح) (تحن إليهم كلما ذر شارق * وتسجع في جنح الدجى وتنوح) (إذا ~~ذكرتهم هيجت ذا بلابل * وكادت بمكتوم الغرام تبوح) (بأبرح من وجدي لذكراكم ~~متى * تألق برق أو تنسم ريح) ومن رسائله على هذا الأسلوب قوله ما شوارد ~~أنعام بسباسب فلوات PageV03P498 # لم يسمها أخمص دارج ولم يلج فيها جان من مارج منحتها ~~أنفاس الهجير لوافح زفرات السعير فارجحنت من الأين وراهقت مداناة الحين ~~فأتت العمق بعد ثلاث تستبق وقد أدنفها اللغوب وكادت أن تعلق بها شعوب فألفت ~~الماء أزرق سلسالا يعثر بصفحاته النسيم وتعطفه ذوائب التسنيم غير أن لا ~~سبيل لها إلى مقراته ولا وصول إلى موارده ونهلاته (ترنو إليه خوازرا ~~بعيونها * إذ حاولت مضض الجواد عظيما) (بأشد من ظمئي إلى لقياكم * من حيث ~~آنس قلبي التسليما) فالرغبة والابتهال إلى فارض الفرض ورب السكون والنبض أن ~~يحقق الأماني ويبدل النائي بالداني إنه سميع الدعاء ومن دوبيتياته (القبض ~~لديك في الهوى والبسط * يا من أملي عذاره المختط) (قالوا رشأ فقلت مه لا ~~تخطوا * من أين لساكن الفيافي قرط) وله في النظم والنثر شيء كثير ولطيف ~~ومولده بمدينة حماة وقتله إخوته سنة أربع وثمانين وخمسمائة بقلعة تكريت ~~رحمه الله تعالى وكان له أخ اسمه الياس وهو الذي سلم تكريت إلى الإمام ~~الناصر في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة وسيأتي في ترجمة مظفر الدين ~~كوكبوري صاحب إربل أن تكريت كانت لأبيه زين الدين وكان له غلام من أهل حمص ~~اسمه تبر ويقال طبر أيضا بالتاء والطاء فولاه قلعة العمادية وكانت أيضا له ~~ثم نقله إلى قلعة تكريت فلما كبر زين الدين وعزم على الانتقال إلى إربل كما ~~شرحته في ترجمة ولده مظفر الدين سلم البلاد التي كانت له إلى قطب الدين ~~فعصى تبر في تكريت وسير إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل يقول له أنت ما ~~تقيم بتكريت ولا بد لك فيها من PageV03P499 # نائب وأنا ذلك ms0933 النائب فلم يقدر على مشاقته خوفا أن ~~يسلمها إلى الخليفة فسكت عنه وأقره على حاله ولما امتنع تبر من التسليم كان ~~زين الدين يقول سود الله وجهك يا تبر كما سودت وجهي مع قطب الدين ولم يزل ~~تبر بها إلى أن مات ولم يكن له ولد سوى بنت فتزوجها ابن أخيه وهو عيسى بن ~~مودود صاحب هذه الترجمة وملك تكريت ثم إنه أحب مطربة فتزوجها وأولدها ولدين ~~شمس الدين وفخر الدين وتوصلت المطربة وزوجت ابنها الشمس بابنة حسن بن قفجاق ~~أمير التركمان وطلبت منه خمسين فارسا تكون عندهم في تكريت لتحفظها فلما علم ~~إخوته بذلك وكانوا اثني عشر رجلا وثبوا على أخيهم عيسى المذكور فقتلوه خنقا ~~وملكوا تكريت ثم وقع بينهم الاختلاف فباعها المقدم منهم للإمام الناصر لدين ~~الله والله أعلم وتكريت بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الكاف وكسر ~~الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وهي بلدة كبيرة لها قلعة حصينة على ~~دجلة فوق بغداد بنحو ثلاثين فرسخا وهي في بر الموصل وسميت تكريت بتكريت بنت ~~وائل أخت بكر بن وائل وبنى قلعتها سابور بن أردشير بن بابك وهو ثاني ملوك ~~الفرس PageV03P500 # 518 الحاجري الإربلي أبو يحيى وأبو الفضل عيسى بن سنجر ~~بن بهرام بن جبريل بن خمارتكين بن طاشتكين الإربلي المعروف بالحاجري الملقب ~~حسام الدين هو جندي ومن أولاد الأجناد وله ديوان شعر تغلب عليه الرقة وفيه ~~معان جيدة وهو مشتمل على الشعر والدوبيت والمواليا وقد أحسن في الكل مع ~~وقيل إنه قل من يجيد في مجموع هذه الثلاثة بل من غلب عليه واحد منها قصر في ~~الباقي وله أيضا كان وكان واتفقت له فيها مقاصد حسان وكان صاحبي وأنشدني ~~كثيرا من شعره فمن ذلك قوله وهو معنى جيد (ما زال يحلف لي بكل ألية * ألا ~~يزال مدى الزمان مصاحبي) (لما جفا نزل العذار بخده * فتعجبوا لسواد وجه ~~الكاذب) وأنشدني لنفسه أيضا (لك خال من فوق عرش * شقيق قد استوى) (بعث ~~الصدغ مرسلا * يأمر الناس بالهوى) PageV03P501 # وأنشدني لنفسه ms0934 أيضا أبياتا منها في صفة الخال (لم يحو ~~ذاك الخد خالا أسودا * إلا لنبت شقائق النعمان) وله في الخال أيضا وهو معنى ~~لطيف (ومهفهف من شعره وجبينه * أمسى الورى في ظلمة وضياء) (لا تنكروا الخال ~~الذي في خده * كل الشقيق بنقطة سوداء) ومثل هذا قول ابن وكيع التنيسي ~~المقدم ذكره واسمه الحسن (إن الشقيق رأى محاسن وجهه * فأراد أن يحكيه في ~~أحواله) (فأفاد حمرة لونه من خده * وأفاد لون سواده من خاله) وله أيضا ~~(يقولون لما خط لام عذاره * سلا كل قلب كان منه سليما) (لقد كنت أهوى ورد ~~خديه زائرا * فكيف إذا ما الآس جاء مقيما) وأنشدني أيضا أكثر دوبيتياته فمن ~~ذلك قوله وقال لي ما يعجبني فيما عملته مثل هذا الدوبيت وهو آخر شيء عملته ~~إلى الآن وهو (حيا وسقى الحمى سحاب هامي * ما كان ألذ عامه من عام) (يا ~~علوة ما ذكرت أيامكم * إلا وتظلمت على الأيام) وكان لي أخ يسمى ضياء الدين ~~عيسى بينه وبين الحاجري المذكور مودة أكيدة فكتب إليه من الموصل في صدر ~~كتاب وكان الأخ بإربل وذلك في سنة تسع عشرة وستمائة (الله يعلم ما أبقى سوى ~~رمق * مني فراقك يا من قربه الأمل) PageV03P502 # (فابعث كتابك واستودعه تعزية * فربما مت شوقا قبل ما ~~يصل) ومع شهرة ديوانه وكثرة وجوده بأيدي الناس لا حاجة إلى الإطالة في ~~إيراد أكثر من هذا وكنت خرجت من إربل في أواخر شهر رمضان سنة ست وعشرين ~~وستمائة وهو معتقل بقلعتها لأمر يطول شرحه بعد أن كان قد حبس في قلعة خفتيد ~~كان ثم نقل منها وله في ذلك أشعار فمن ذلك قوله أبيات أولها (قيد أكابده ~~وسجن ضيق * يا رب شاب من الهموم المفرق) ومنها (يا برق إن جئت الديار بإربل ~~* وعلا عليك من التداني رونق) (بلغ تحية نازح حسراته * أبدا بأذيال الصبا ~~تتعلق) (قل يا جعلت لك الفداء أسيركم * من كل مشتاق إليكم أشوق) (والله ما ~~سرت الصبا نجدية * إلا وكدت بدمع عيني أشرق) (كيف السيبل إلى ms0935 اللقاء ودونه ~~* شماء شاهقة وباب مغلق) وله وهو في السجن أيضا (أحبابنا أي داع بالبعاد ~~دعا * وأي خطب دهانا منه تفريق) (لا كان دهر رمانا بالفراق فقد * أضحى له ~~في صميم القلب تمزيق) (كانت تضيق بي الدنيا بغيبتكم * فكيف سجن ومن عاداته ~~الضيق) ثم بلغني بعد ذلك وقيل إنه خرج من الاعتقال واتصل بخدمة الملك ~~المعظم مظفر الدين صاحب إربل رحمه الله تعالى وتقدم عنده وغير لباسه وتزيا ~~بزي الصوفية فلما توفي مظفر الدين في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء ~~الله تعالى سافر عن إربل ثم عاد إليها وقد صارت في مملكة أمير المؤمنين ~~PageV03P503 # المستنصر بالله ونائبه بها الأمير شمس الدين أبو ~~الفضائل باتكين فأقام مديدة وكان وراءه من يقصده فاتفق أن خرج يوما من بيته ~~قبل الظهر فوثب عليه شخص وضربه بسكين فأخرج حشوته فكتب في تلك الحال إلى ~~باتكين المذكور وهو يكابد الموت (أشكوك يا ملك البسيطة حالة * لم تبق رعبا ~~في عضوا ساكنا) (إن تستبح إبلي لقيطة معشر * ممن أومل غير جأشك مازنا) (ومن ~~العجائب كيف يمسي خائفا * من بات في حرم الخلافة آمنا) ثم توفي بعد ذلك من ~~يومه في يوم الخميس ثاني شوال اثنتين وثلاثين وستمائة ودفن بمقبرة باب ~~الميدان رحمه الله تعالى وتقدير عمره خمسون سنة 144 وباتكين المذكور كان ~~أرمني الجنس وهو مملوك أم الخليفة الإمام الناصر لدين الله ولما أخذ التتر ~~إربل في الدفعة الأولى في أواخر سنة أربع وثلاثين وستمائة رجع إلى بغداد ~~ومات بها يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شوال سنة أربعين وستمائة ودفن ~~بالشونيزيه والحاجري بفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مكسورة وبعدها راء ~~هذه النسبة إلى حاجر وكانت بليدة بالحجاز ولم يبق اليوم منها سوى الآثار ~~ولم يكن الحاجري منها بل لكونه استعملها في شعره كثيرا نسب إليها وهو إربلي ~~الأصل والمولد والمنشأ ولما غلبت عليه هذه النسبة وعرف بها واشتهرت بحيث ~~صارت كالعلم عليه عمل في ذلك دوبيت وهو (لو كنت كفيت من هواك البينا ms0936 * ما ~~بات يحاكي دمع عيني عينا) PageV03P504 # (لولاك لما ذكرت نجدا بفمي * من أين أنا وحاجر من ~~أينا) وذكر ذلك أيضا في أبيات لطيفة أولها (أي طرف أحيور * للغزال الأسيمر) ~~وآخرها (أيهذا الأريبلي * هام فيك الحويجري) وفي مدينة إربل محلة يقال لها ~~قرية جبريل بالتصغير ذكر أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل أنها ~~منسوبة إلى جده جبريل المذكور وخمارتكين بضم الخاء المعجمة وطاشتكين بفتح ~~الطاء المهملة وسكون الشين المثلثة والباقي معروف وخفتيدكان بضم الخاء ~~المعجمة وسكون الفاء وكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وبعدها دال مهملة وكاف وبعد الألف نون وهي قلعة حصينة مشهورة في بلد ~~إربل ويقال لها خفتيدكان صارم الدين وهي غير خفتيدكان أبي علي PageV03P505 # 519 طويس المغني قال أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ~~الأغاني اسمه عيسى بن عبد الله وكنيته أبو عبد المنعم وغيرها المخنثون ~~فقالوا عبد النعيم وهو مولى بني مخزوم وطويس لقب عليه وقال ابن قتيبة في ~~كتاب المعارف في فصل عامر بن عبد الله الصحابي رضي الله عنه ومن موالي آل ~~كريز طويس مولى أروى بنت كريز وهي أم عثمان بن عفان رضي الله عنه واسمه عبد ~~الملك ويكنى أبا عبد النعيم وقال الجوهري في كتاب الصحاح اسمه طاوس فلما ~~تخنث جعله طويسا ويسمى بعبد النعيم وقد وقع هذا الاختلاف في اسمه كما تراه ~~وقيل إن الأصح أنه عيسى لتطابق جماعة من العلماء عليه وكان طويس المذكور من ~~المبرزين في الغناء المجيدين فيه وممن تضرب به الأمثال وإياه عنى الشاعر ~~بقوله في مدح معبد المغني (تغنى طويس والسريجي بعده * وما قصبات السبق إلا ~~لمعبد) وقد ذكر في كتاب الأغاني ترجمته وأطال الحديث في أمره وهو الذي يضرب ~~به المثل في الشؤم فيقال أشأم من طويس وإنما قيل له ذلك PageV03P506 # لأنه ولد في اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفطم في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وختن في ~~اليوم الذي قتل فيه ms0937 عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقيل بلغ الحلم في ذلك ~~اليوم وتزوج في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه وولد له ~~مولود في اليوم الذي قتل فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقيل بل في يوم ~~مات الحسن بن علي رضي الله عنهما فلذلك تشاءموا به وهذا من عجائب الاتفاقات ~~وكان مفرطا في طوله مضطربا في خلقه أحول العين وكان يسكن المدينة ثم انتقل ~~عنها إلى السويداء وهي على مرحلتين من المدينة في طريق الشام فلم يزل بها ~~حتى توفي سنة اثنتين وتسعين للهجرة رحمه الله تعالى وسامحه وهو ابن اثنيتن ~~وثمانين سنة وقيل إنه مات بالمدينة والله أعلم وذكر ياقوت الحموي في كتابه ~~المشترك أن قبر طويس المخنث في سقيا الجزل وما ذكر أين هي وطويس بضم الطاء ~~المهملة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة وهي ~~تصغير طاوس بعد حذف الزيادات هكذا قاله الجوهري في الصحاح وله ذكر في كتاب ~~الأوائل تأليف أبي هلال العسكري PageV03P507 # 520 غازي بن زنكي سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي ~~بن آق سنقر صاحب الموصل وقد تقدم ذكر والده في حرف الزاي وأنه قتل على حصار ~~قلعة جعبر فلما قتل وكان معه ألب أرسلان بن السلطان محمود المعروف بالخفاجي ~~السلجوقي المذكور في ترجمة عماد الدين زنكي اجتمع أكابر الدولة وفيهم ~~الوزير جمال الدين محمد الأصبهاني المعروف بالجواد والقاضي كمال الدين أبو ~~الفضل محمد بن الشهرزوري وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى وقصدوا خيمة الب ~~أرسلان المذكور وقالوا له كان عماد الدين زنكي غلامك ونحن غلمانك والبلاد ~~لك وطمنوا الناس بهذا الكلام ثم أن العسكر افترق فرقتين فطائفة منهم توجهت ~~صحبة نور الدين محمود ابن عماد الدين زنكي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~إلى الشام والطائفة الثانية سارت مع ألب أرسلان وعساكر الموصل وديار ربيعة ~~إلى الموصل فلما انتهوا إلى سنجار تخيل ألب أرسلان منهم الغدر فتركهم وهرب ~~فلحقه بعض PageV04P003 # العسكر وردوه ms0938 فلما وصلوا إلى الموصل وصلهم سيف الدين ~~غازي المذكور وكان مقيما بشهرزور لأنها كانت إقطاعه من جهة السلطان مسعود ~~السلجوقي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فلما استقر بالموصل قبض على ألب ~~أرسلان المذكور وسيره إلى بعض القلاع وملك الموصل وما كان لأبيه من ديار ~~ربيعة وترتبت أحواله وأخذ أخوه نور الدين محمود وسيأتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى حلب وما والاها من بلاد الشام ولم تكن دمشق يؤمئذ لهم وكان غازي ~~المذكور منطويا على خير وصلاح يحب العلم وأهله وبنى بالموصل المدرسة ~~المعروفة بالعتيقة ولم تطل مدته في المملكة حتى توفي في أواخر جمادى الآخرة ~~سنة أربع وأربعين وخمسمائة وقد قارب في العمر أربعين سنة ودفن في مدرسته ~~المذكورة رحمه الله تعالى وتولى بعده أخوه قطب الدين مودود وسيأتي ذكره في ~~حرف الميم إن شاء الله تعالى 521 الغازي ابن مودود سيف الدين غازي بن قطب ~~الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل وهو ابن أخي ~~المذكور قبله تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود وهو والد سنجر شاه صاحب ~~جزيرة ابني عمر ولما توفي والده في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته بلغ الخبر ~~نور الدين وهو بتل باشر فسار من PageV04P004 # ليلته طالبا بلاد الموصل فوصل إلى الرقة في المحرم سنة ~~ست وستين وخمسمائة وملكها وسار منها إلى نصيبين فملكها في بقية الشهر وأخذ ~~سنجار في شهر ربيع الآخر منها ثم قصد الموصل وقصد أن لا يقاتلها فعبر ~~بعسكره من مخاضة بلد وهي بليدة بقرب الموصل وسار حتى خيم قبالة الموصل ~~وراسل ابن أخيه سيف الدين المذكور وعرفه صحة قصده فصالحه ودخل الموصل في ~~ثالث عشر جمادى الأولى وأقر صاحبها فيها وزوجه ابنته وأعطى أخاه عماد الدين ~~زنكي المذكور في ترجمة جده عماد الدين زنكي سنجار وخرج من الموصل وعاد إلى ~~الشام ودخل حلب في شعبان من السنة المذكورة فلما مات نور الدين وملك صلاح ~~الدين دمشق ونزل على حلب يحاصرها سير سيف الدين المذكور جيشا ms0939 مقدمه أخوه عز ~~الدين مسعود الآتي ذكره إن شاء الله تعالى والتقوا عند قرون حماة وسيأتي ~~تفصيل ذلك هناك فلما انكسر عز الدين مسعود تجهز سيف الدين بنفسه وخرج إلى ~~لقائه وتصافا على تل السلطان وهي قرية بين حلب وحماة وذلك في بكرة الخميس ~~عاشر شوال سنة إحدى وسبعين وخمسمائة قال العماد الأصبهاني في البرق الشامي ~~وابن شداد في سيرة صلاح الدين إنه انكسرت ميسرة صلاح الدين بمظفر الدين ابن ~~زين الدين فإنه كان في ميمنة سيف الدين ثم حمل صلاح الدين بنفسه فانهزم جيش ~~سيف الدين وعاد إلى حلب ثم رحل إلى الموصل ومظفر الدين المذكور هو صاحب ~~إربل وترجمته في حرف الكاف وأقام غازي في المملكة عشر سنين وشهورا وأصابه ~~مرض مزمن وتوفي يوم الأحد ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~وتولى بعده أخوه عز الدين مسعود وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان مرضه ~~السل وطال به وعاش مقدار ثلاثين سنة PageV04P005 # 522 الملك الظاهر صاحب حلب أبو الفتح وأبو منصور غازي ~~ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الملقب الملك الظاهر غياث الدين صاحب ~~حلب كان ملكا مهيبا حازما متيقظا كثير الاطلاع على أحوال رعيته وأخبار ~~الملوك عالي الهمة حسن التدبير والسياسة باسط العدل محبا للعلماء مجيزا ~~للشعراء أعطاه والده مملكة حلب في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بعد أن كانت ~~لعمه الملك العادل فنزل عنها وتعوض غيرها كما قد شهر ويحكى عن سرعة إدراكه ~~أشياء حسنة منها أنه جلس يوما لعرض العسكر وديوان الجيش بين يديه فكان كلما ~~حضر واحد من الأجناد سأله الديوان عن اسمه لينزلوه حتى حضر واحد فسألوه ~~فقبل الأرض فلم يفطن أحد من أرباب الديوان لما أراد فعاودوا سؤاله فقال ~~الملك الظاهر اسمه غازي وكان كذلك وتأدب الجندي أن يذكر اسمه لما كان ~~موافقا لاسم السلطان وعرف هو مقصوده وله من هذا الجنس شيء كثير لا حاجة إلى ~~التطويل فيه وكانت ولادته بالقاهرة في منتصف رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة ms0940 ~~وهي السنة الثانية من استقلال أبيه بمملكة الديار المصرية وتوفي بقلعة حلب ~~ليلة PageV04P006 # الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ~~وستمائة ودفن بالقلعة ثم بنى الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم أتابك ولده ~~الملك العزيز مدرسة تحت القلعة وعمر فيها تربة ونقله إليها رحمه الله تعالى ~~والعجب أنه دخل حلب مالكا لها في الشهر بعينه واليوم من سنة اثنتين وثمانين ~~وخمسمائة ورثاه شاعره الشرف راجح بن إسماعيل بن أبي القاسم الأسدي الحلي ~~وكنيته أبو الوفاء بهذه القصيدة ومدح ولديه السلطان الملك العزيز محمدا ~~وأخاه الملك الصالح صاحب عين تاب وما أقصر فيها وهي (سل الخطب إن أصغى إلى ~~من يخاطبه * بمن علقت أنيابه ومخالبه) (نشدتك عاتبه على نائباته * وإن كان ~~نائي السمع عمن يعاتبه) (لي الله كم أرمي بطرفي ضلالة * إلى أفق مجد قد ~~تهاوت كواكبه) (فما لي أرى الشهباء قد حال صبحها * علي دجى لا تستنير ~~غياهبه) (أحقا حمى الغازي الغياث بن يوسف * أبيح وعادت خائبات مواكبه) (نعم ~~كورت شمس المدائح وانطوت * سماء العلا والنجح ضاقت مذاهبه) (فمن مخبري عن ~~ذلك الطود هل وهت * قواعده أم لان للخطب جانبه) (أجل ضعضعت بعد الثبات ~~وزعزعت * بريح المنايا العاصفات مناكبه) (وغيض ذاك البحر من بعد ما طمت * ~~وطمت لغيبان البلاد غواربه) (فشلت يمين الخطب أي مهند * برغم العلا سلت ~~وفلت مضاربه) (لئن حبس الغيث الغياثي قطرة * فقد سحبت في كل قطر سحائبه) ~~(فأنى يلذ العيش بعد ابن يوسف * أخو أمل أكدت عليه مطالبه) (فلا أدركت نيل ~~المنى طالباته * ولا بركت في أرض يمن ركائبه) PageV04P007 # (ولا أنتجعت إلا معبس حقبة * من الجدب لا تثني عليه ~~حقائبه) (مضى من أقام الناس في ظل عدله * وآمن من خطب تدب عقاربه) (فكم من ~~حمى صعب أباحت سيوفه * ومن مستباح قد حمته كتائبه) (أرى اليوم دست الملك ~~أصبح خاليا * أما فيكم من مخبر أين صاحبه) (فمن سائلي عن سائل الدمع لم جرى ~~* لعل فؤادي بالوجيب يجاوبه) (فكم من ندوب في قلوب نضيجة * بنار كروب ~~أججتها نوادبه) ms0941 (أيسلم لم تحطم صدور رماحه * بذب ولم تثلم بضرب قواضبه) ~~(ولا اصطدمت عند الحتوف كماته * ولا ازدحمت بين الصفوف جنائبه) (ولا سيم ~~أخذ الثار يوم كريهة * تشق مثار النقع فيها سلاهبه) (فيا ملبسي ثوبا من ~~الحزن مسبلا * أيحسن بي أن التسلي سالبه) (خدمتك روض المجد تضفو ضلاله * ~~علي وحوض الجود تصفو مشاربه) (وقد كنت تدنيني وترفع مجلسي * لمفروض مدح ما ~~تعداك واجبه) (فما بال إذني قد تمادى ولم يكن * إذا جئت يثنيني عن الباب ~~حاجبه) (أرى الشمس أخفت يوم فقدك نورها * فلا كان يوم كاسف الوجه شاحبه) ~~(فكيف نبا سيف اعتزامك أو كبا * جواد من الحزم الذي أنت راكبه) (فمن ~~لليتامى يا غياث يغيثهم * إذا الغيث لم ينقع صدى العام ساكبه) (ومن لملوك ~~كنت ظلا عليهم * ظليلا إذا ما الدهر نابت نوائبه) (أيا تاركي ألقى العدو ~~مسالما * متى ساءني بالجد قمت ألاعبه) (سقت قبرك الغر الغوادي وجاده * من ~~الغيث ساريه الملث وساربه) PageV04P008 # (فإن يك نور من شهابك قد خبا * فيا طالما جلى دجى ~~الليل ثاقبه) (فقد لاح بالملك العزيز محمد * صباح هدى كنا زمانا نراقبه) ~~(فتى لم يفته من أبيه وجده * إباء وجده غالبا من يغالبه) (ومن كان في ~~المسعى أبوه دليله * تدانى له الشأو الذي هو طالبه) (وبالصالح استعلى صلاح ~~رعية * لها منه رعي ليس يقلع راتبه) (فحسب الورى من أحمد ومحمد * مليكان من ~~عاداهما ذل جانبه) (هما أحرزا علياء غازي بن يوسف * وما ضيعا المجد الذي هو ~~كاسبه) (فأفق الورى لولاهما كان أظلمت * مشارقه من بعده ومغاربه) (سيحمي ~~على رغم الليالي حماها * عواي قنا تردي الأسود ثعالبه) (فكم من ملم جل موقع ~~خطبه * فساءت مباديه وسرت عواقبه) (فيا قمري سعد أطلا على الدجى * فولى وما ~~ألوى على الأرض هاربه) (أيمكث في الشهباء عبد أبيكما * ومادحه أم تستقل ~~نجائبه) (فإن شئتما بعد الغياث أغثتما * مصاب سهام فوقتها مصائبه) (كأن لم ~~أقف أجلو التهاني أمامه * وتضحك في وجه الأماني مواهبه) (فهنيتما ما نلتما ~~وبقيتما * لإعلاء ملك ساميات مراتبه) وهذه القصيدة ms0942 مع جودتها فيها مواضع ~~مأخوذة من مرثية الفقيه عمارة اليمني للصالح بن رزيك وبعضها مذكور في ترجمة ~~الصالح وكأنه قد نسج على منوالها فإنها على وزنها وإن كان حرف الروي مختلفا ~~فقد استعمل هاء الوصل كما استعمله عمارة والظاهر أنه كان قد وقف عليها فقصد ~~مضاهاتها 145 وقام بالأمر ومملكة حلب من بعده ولده الملك العزيز غياث الدين ~~أبو المظفر محمد ابن الملك الظاهر ومولده يوم الخميس خامس ذي الحجة ~~PageV04P009 # سنة عشر وستمائة بقلعة حلب وتوفي يوم الأربعاء رابع ~~شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة وكنت بحلب في ذلك الوقت ودفن ~~بالقلعة 146 وترتب مكانه ولده الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف ابن ~~الملك العزيز واتسعت مملكته فإنه ملك عدة بلاد من الجزيرة الفراتية لما كسر ~~الخوارزمية وكان مقدم جيشه الملك المنصور صاحب حمص وذلك في أواخر سنة إحدى ~~وأربعين أو أوائل سنة اثنتين وأربعين ثم ملك دمشق والبلاد الشامية يوم ~~الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة ومولده بقلعة حلب في ~~تاسع عشر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة وقصده التتر وملكوا الشام فخرج من ~~دمشق في صفر سنة ثمان وخمسين وقتل في الثالث والعشرين من شوال سنة ثمان ~~وخمسين بالقرب من المراغة من أعمال أذربيجان على ما نقل الناقل والله أعلم ~~وقصته مشهورة 147 وتوفي عمه الملك الصالح صلاح الدين أحمد ابن الملك الظاهر ~~صاحب عين تاب في شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة وكانت ولادته في صفر سنة ~~ستمائة بحلب ومات بعين تاب رحمهم الله تعالى أجمعين وإنما قدموا العزيز وهو ~~الأصغر على أخيه الصالح لأن أمه صفية خات ونبنت الملك العادل بن أيوب ~~فقدموه في الملك لأجل جده وأخواله أولاد العادل وأما الصالح فإن أمه جارية ~~148 وتوفي الشرف الحلي المذكور في ليلة السابع والعشرين من شعبان سنة سبع ~~وعشرين وستمائة بدمشق رحمه الله تعالى ودفن بظاهرها في جوار مسجد النارنج ~~شرقي مصلى العيد ومولده في منتصف شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة بالحلة ms0943 ~~وهو من مشاهير شعراء عصره PageV04P010 # 523 ذو الرمة أبو الحارث غيلان بن عقبة بن بهيش بن ~~مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف بن ربيعة بن ملكان ~~بن عدي بن عبد مناة ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن ~~عدنان الشاعر المشهور المعروف بذي الرمة أحد فحولة الشعراء ويقال إنه كان ~~ينشد شعره في سوق الإبل فجاء الفرزدق فوقف عليه فقال له ذو الرمة كيف ترى ~~ما تسمع يا أبا فراس فقال ما أحسن ما تقول قال فما لي لا أذكر مع الفحول ~~قال قصر بك عن غايتهم بكاؤك في الدمن وصفتك للأبعار والعطن وهو أحد عشاق ~~العرب المشهورين بذلك وصاحبته مية ابنة مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم ~~المنقري وقيس بن عاصم هو الذي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ~~بني تميم فأكرمه وقال له أنت سيد أهل الوبر وقال أبو عبيد البكري هي مية ~~بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم والله أعلم بالصواب وكان ذو الرمة كثير ~~التشبيب بها في شعره وإياهما عني أبو تمام الطائي بقوله في قصيدته البائية: # (ما ربع مية معمورا يطيف به * غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب) ~~PageV04P011 # وقال ابن قتيبة في كتاب طبقات الشعراء قال أبو ~~ضرارالغنوي رأيت مية وإذا معها بنون لها فقلت صفها لي قال مسنونة الوجه ~~طويلة الخد شماء الأنف عليها وسم جمال قلت أكانت تنشدك شيئا مما قال فيها ~~ذو الرمة قال نعم ومكثت مية زمانا تسمع شعرذ ي الرمة ولا تراه فجعلت لله ~~تعالى أن تنحر بدنة يوم تراه فلما رأته رأت رجلا دميما أسود وكانت من أهل ~~الجمال فقالت وأسوأتاه وابؤساه فقال ذو الرمة (على وجه مي مسحة من ملاحة * ~~وتحت الثياب العار لو كان باديا) (ألم تر أن الماء يخبث طعمه * وإن كان لون ~~الماء أبيض صافيا) (فواضيعة الشعر الذي لج فانقضى * بمي ولم أملك ضلال ~~فؤاديا) ms0944 ويروى أن ذا الرمة لم ير مية قط إلا في برقع فأحب أن ينظر إلى ~~وجهها فقال: # (جزى الله البراقع من ثياب * عن الفتيان شرا ما بقينا) (يوارين الملاح ~~فلا نراها * ويخفين القباح فيزدهينا) فنزعت البرقع عن وجهها وكانت باهرة ~~الحسن فلما رآها مسفرة قال: # (على وجه مي مسحة من ملاحة *) البيت المقدم فنزعت ثيابها وقامت عريانة ~~فقال: # (ألم تر أن الماء يخبث طعمه *) البيت المذكور فقالت له أتحب أن تذوق طعمه ~~قال: إي والله فقالت PageV04P012 # له تذوق الموت قبل أن تذوقه والله أعلم ومن شعره ~~السائر فيها (إذا هبت الأرواح من نحو جانب * به أهل مي هاج قلبي هبوبها) ~~(هوى تذرف العينان منه وإنما * هوى كل نفس حيث كان حبيبها) وكان ذو الرمة ~~يشبب بخرقاء أيضا وهي من بني البكاء بن عامر بن صعصعة وسبب تشبيبه بها أنه ~~مر في سفر ببعض البوادي فإذا خرقاء خارجة من خباء فنظرإليها فوقعت في قلبه ~~فخرق إدواته ودنا منها يستطعم كلامها فقال إني رجل على ظهر سفر وقد تخرقت ~~إدواتي فأصلحيها لي فقالت والله ما أحسن العمل وإني لخرقاء والخرقاء التي ~~لا تعمل شغلا لكرامتها على أهلها فشبب بها ذو الرمة وسماها خرقاء وإياها ~~عنى بقوله وهو في غاية المبالغة: # (وما شنتا خرقاء واهيتا الكلى * سقى بهما ساق ولم يتبللا) (بأضيع من ~~عينيك للدمع كلما * تذكرت ربعا أو توهمت منزلا) وقال المفضل الضبي كنت أنزل ~~على بعض الأعراب إذا حججت فقال لي يوما هل لك أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة ~~فقلت له إن فعلت فقد بررتني فتو جهنا جميعا نريدها فعدل بي عن الطريق بقدر ~~ميل ثم أتينا PageV04P013 # أبيات شعر فاستفتح بيتا ففتح له وخرجت علينا امرأة ~~طويلة حسانة بها قوة والحسانة أشد حسنا من الحسناء فسلمت وجلست وتحدثنا ~~ساعة ثم قالت لي هل حججت قط قلت غير مرة قالت فما منعك من زيارتي أما علمت ~~أني منسك من مناسك الحج قلت وكيف ذلك قالت أما سمعت قول عمك ذي الرمة ms0945 (تمام ~~الحج ان تقف المطايا * على خرقاء واضعة اللثام) وكان ذو الرمة كثير المديح ~~لبلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وفيه يقول مخاطبا ~~ناقته صيدح وهذا الاسم علم عليها (إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته * فقام ~~بفأس بين وصليك جازر) وقد أخذ هذا المعنى من قول الشماخ في عرابة الأوسي ~~رضي الله عنه وهو أيضا يخاطب ناقته من جملة أبيات (إذا بلغتني وحملت رحلي * ~~عرابة فاشرقي بدم الوتين) وجاء بعدهما أبو نواس فكشف عن هذا المعنى وأوضحه ~~بقوله في الأمين محمد بن هارون الرشيد: # (وإذا المطي بنا بلغن محمدا * فظهورهن على الرجال حرام) حتى قال بعض ~~العلماء ولا أستحضر الآن من هو القائل لما وقف على بيت أبي نواس هذا المعنى ~~والله الذي كانت العرب تحوم حوله فتخطئه ولا تصيبه فقال الشماخ كذا وقال ذو ~~الرمة كذا وأنشد بيتيهما المذكورين وما أبانه إلا أبو نواس بهذا البيت وهو ~~في نهاية الحسن والأصل في هذا المعنى PageV04P014 # قول الأنصارية المأسورة بمكة وكانت قد نجت على ناقة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وصلت إليه قالت يا رسول الله إني نذرت ~~إن نجوت عليها أن أنحرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبئس ما جزيتها ~~وتفسير هذا المعنى إني لست أحتاج أن أرحل إلى غيرك فقد كفيتني وأغنيتني إلا ~~أن الشماخ وعد ناقته بالذبح وذا الرمة دعا عليها أيضا بالذبح وأبو نواس حرم ~~الركوب على ظهرها وأراحها من الكد في الأسفار فهو أتم في المقصود لكونه ~~أحسن إليها في قبالة إحسانها إليه حيث أوصلته إلى الممدوح وكان لذي الرمة ~~إخوة هشام وأوفى ومسعود فمات أوفى ثم مات ذو الرمة بعده فقال مسعود يرثيهما ~~هكذا قال ابن قتيبة وقال في الحماسة في المراثي خلاف هذا والله أعلم ~~بالصواب والأبيات التي قالها مسعود: # (تعزيت عن أوفى بغيلان بعده * عزاء وجفن العين ملآن مترع) (ولم ينسني ~~أوفى المصيبات بعده * ولكن نكء القرح بالقرح أوجع) وهي من جملة أبيات وهذا ms0946 ~~مسعود هو الذي أشار إليه أبو تمام بقوله: # (إن كان مسعود سقى أطلالهم * سبل الشؤون فلست من مسعود) قال أبو القاسم ~~الآمدي صاحب كتاب الموازنة بين الطائيين في الكلام على هذا البيت هذا مسعود ~~أخو ذي الرمة وكان يلوم أخاه ذا الرمة على بكائه الطلول حتى قال فيه ذو ~~الرمة (عشية مسعود يقول وقد جرى * على لحيتي من واكف الدمع قاطر) (أفي ~~الدار تبكي إذ بكيت صبابة * وأنت امرؤ قد حلمتك العشائر) PageV04P015 # فكأن أبا تمام يقول إن كان مسعود قد رجع عن ذلك المذهب ~~وصار يبكي على الطلول فلست منه وهذا أبلغ في التبري منه مما إذا كان هذا ~~شأنه فصار كقول القائل إن كان حاتم قد بخل أو السموأل قد غدر فلست منهما ~~وهذا حاصل ما قاله الآمدي وإن كان بغير هذه العبارة وأخبار ذي الرمة كثيرة ~~والاختصار أولى وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة رحمه الله تعالى ولما حضرته ~~الوفاة قال أنا ابن نصف الهرم أنا ابن أربعين سنة وأنشد: # (يا قابض الروح عن نفسي إذا احتضرت * وغافر الذنب زحزحني عن النار) وإنما ~~قيل له ذو الرمة بقوله في الوتد: # (أشعث باقي رمة التقليد *) والرمة بضم الراء الحبل البالي وبكسرها العظم ~~البالي وقال أبو عمرو بن العلاء ختم الشعر بذي الرمة والرجز برؤبة بن ~~العجاج فقيل له إن رؤبة حي فقال نعم ولكن ذهب شعره كما ذهب مطعمه وملبسه ~~ومنكحه فقيل له فهؤلاء الآخرون فقال مرقعون مهدمون إنما هم كل على غيرهم ~~PageV04P016 # وقال أبو عمرو قال جرير لو خرس ذو الرمة بعد قوله ~~قصيدته التي أولها (ما بال عينك منها الماء ينسكب *) كان أشعر الناس وقال ~~أبو عمرو سمعت ذا الرمة يقول إذا نزل بنا نازل قلنا له الحليب أحب إليك أم ~~المخيض فإن قال المخيض قلنا عبد من أنت وإن قال الحليب قلنا ابن من أنت ~~وقال أبو عمرو شعر ذي الرمة نقط عروس يضمحل عن قليل وأبعار ظباء لها شم في ~~أول رائحة ثم يعود إلى ms0947 البعر وبالجملة فقد كان من مشاهير الشعراء في عصره ~~وذوي التقدم في النظم في دهره رحمه الله تعالى وذكر محمد بن جعفر بن سهل ~~الخرائطي في كتاب إعتلال القلوب عن محمد ابن سلمة الضبي قال حججت فلما صدرت ~~من الحج تيممت منهلا من المناهل وإذا بيت بناحية من الطريق فأنخت بفنائه ~~فقلت أنزل فقالت ربة البيت نعم فقلت وأدخل قالت أجل فدخلت فإذا جارية أحسن ~~من الشمس فجلست أحدثها وكأن الدر ينثر من فيها فبينا أنا كذلك إذ خرجت عجوز ~~مؤتزرة بعباءة مشتملة بأخرى فقالت يا عبد الله ما جلوسك هاهنا عند هذا ~~الغزال النجدي الذي لا تأمن حباله ولا ترجو نواله فقالت لها الجارية أي جدة ~~دعيه يتعلل كما قال ذو الرمة: # (فإن لا يكن إلاتعلل ساعة * قليلا فإني نافع لي قليلها) قال فأقمت يومي ~~وانصرفت وفي قلبي كجمر الغضا من حبها PageV04P017 # حرف الفاء PageV04P019 # 524 فاتك المجنون أبو شجاع فاتك الكبير المعروف ~~بالمجنون كان روميا أخذ صغيرا هو وأخ له وأخت لهما من بلد الروم من موضع ~~قرب حصن يعرف بذي الكلاع فتعلم الخط بفلسطين وهو ممن أخذه الإخشيد من سيده ~~بالرملة كرها بلا ثمن فأعتقه صاحبه وكان معهم حرا في عدة المماليك وكان ~~كريم النفس بعيد الهمة شجاعا كثير الإقدام ولذلك قيل له المجنون وكان رفيق ~~الأستاذ كافور في خدمة الإخشيد فلما مات مخدومهما وتقرر كافور في تربية ابن ~~الإخشيد كما سيأتي في ترجمة كافور إن شاء الله تعالى أنف فاتك من الإقامة ~~بمصر كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه ويحتاج أن يركب في خدمته وكانت الفيوم ~~وأعمالها إقطاعا له فأنتقل إليها واتخذها سكنا له وهي بلاد وبيئة كثيرة ~~الوخم فلم يصح له بها جسم وكان كافور يخافه ويكرمه فزعا منه وفي نفسه منه ~~ما فيها فاستحكمت العلة في جسم فاتك وأحوجته إلى دخول مصر للمعالجة فدخلها ~~وبها أبو الطيب المتنبي ضيفا للأستاذ كافور وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة ~~سخائه غير أنه لا يقدر على قصد خدمته خوفا ms0948 من كافور وفاتك يسأل عنه ويراسله ~~بالسلام ثم التقيا في الصحراء مصادفة من غير ميعاد وجرى بينهما مفاوضات ~~فلما رجع فاتك إلى داره حمل لأبي الطيب في ساعته هدية قيمتها ألف دينار ثم ~~اتبعها بهدايا بعدها فاستأذن المتنبي الأستاذ كافورا في مدحه فأذن له فمدحه ~~في التاسع من جمادى الآخرة سنة PageV04P021 # ثمان وأربعين وثلاثمائة بقصيدتة المشهورة التي أولها ~~وهي من غر القصائد: # (لاخيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم يسعد الحال) وما أحسن ~~قوله فيها: # (كفاتك ودخول الكاف منقصة * كالشمس قلت وما للشمس أمثال) ثم توفي فاتك ~~المذكور ليلة الأحد عشاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلاثمائة ~~بمصر فرثاه المتنبي وكان قد خرج من مصر بقصيدته التي أولها: # (الحزن يقلق والتجمل يردع * والدمع بينهما عصي طيع) وما أرق قوله فيها: # (إني لأجبن من فراق أحبتي * وتحس نفسي بالحمام فأشجع) (ويزيدني غضب ~~الأعادي قسوة * ويلم بي عتب الصديق فأجزع) (تصفو الحياة لجاهل أو غافل * ~~عما مضى منها وما يتوقع) (ولمن يغالط في الحقائق نفسه * ويسومها طلب المحال ~~فتطمع) (أين الذي الهرمان من بنيانه * ما قومه ما يومه ما المصرع) (تتخلف ~~الآثار عن أصحابها * حينا فيدركها الفناء فتتبع) وهي من المراثي الفائقة ثم ~~عمل بعد خروجه من بغداد يذكر مسيره من مصر ويرثي فاتكا المذكور وأنشأها يوم ~~الثلاثاء لتسع خلون من شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وأولها: # (حتام نحن نساري النجم في الظلم * وما سراه على خف ولا قدم) PageV04P022 # ومنها في ذكر فاتك: # (لافاتك آخر في مصر نقصده * ولا له خلف في الناس كلهم) (من لا تشابهه ~~الأحياء في شيم * أمسى تشابهه الأموات في الرمم) (عدمته وكأني سرت أطلبه * ~~فما تزيدني الدنيا على العدم) وله فيه شيء آخر رحمه الله تعالى. # 525 صاحب قلائد العقيان أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان بن ~~عبد الله القيسي الإشبيلي صاحب كتاب قلائد العقيان له عدة تصانيف منها ~~الكتاب المذكور وقد جمع فيه من شعراء المغرب طائفة ms0949 كثيرة وتكلم على ترجمة ~~كل واحد منهم بأحسن عبارة وألطف إشارة وله أيضا كتاب مطمح الأنفس ومسرح ~~التأنس في ملح أهل الأندلس وهو ثلاث نسخ كبرى وصغرى ووسطى وهو كتاب كثير ~~الفائدة لكنه قليل الوجود في هذه البلاد وكلامه في هذه الكتب يدل على فضله ~~وغزارة مادته وكان كثير الأسفار سريع التنقلات وتوفي قتيلا سنة خمس وثلاثين ~~وخمسمائة بمدينة مراكش في الفندق PageV04P023 # وقال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه ~~المطرب من أشعار أهل المغرب إني لقيت جماعة من أصحابه وحدثوني عنه بتصانيفه ~~وعجائبه وكان مخلوع العذار في دنيا لكن كلامه في تواليفه كالسحر الحلال ~~والماء الزلال قتل ذبحا في مسكنه بفندق من حضرة مراكش صدر سنة تسع وعشرين ~~وخمسمائة رحمه الله تعالى وإن الذي أشار بقتله أمير المسلمين أبو الحسن علي ~~بن يوسف بن تاشفين هذا كله لفظه والله أعلم بالصواب وأمير المسلمين المذكور ~~هو أخو أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين الذي ألف له أبو نصر المذكور ~~قلائد العقيان وقد ذكره في خطبة الكتاب. # 526 الشهاب فتيان الشاغوري الشهاب فتيان بن علي بن فتيان بن ثمال الأسدي ~~الحريمي المعروف بالشاغوري المعلم كان فاضلاوشاعرا ماهرا خدم الملوك ومدحهم ~~وعلم أولادهم وله ديوان شعر فيه مقاطيع حسان وأقام مدة بالزبداني وله فيها ~~أشعار لطيفة فمن ذلك قوله في جنة الزبداني وهي أرض فيحاء جميلة المنظر ~~تتراكم عليها الثلوج في زمن الشتاء وتنبت أنواع الأزهار في زمن الربيع ولقد ~~PageV04P024 # أحسن فيها كل الإحسان وهي (قد أجمد الخمر كانون بكل ~~قدح * وأخمد الجمر في الكانون حين قدح) (ياجنة الزبداني أنت مسفرة * بحسن ~~وجه إذا وجه الزمان كلح) (فالثلج قطن عليك السحب تندفه * والجو يحلجه ~~والقوس قوس قزح) وله قد دخل إلى حمام ماؤها شديد الحرارة وكان قد شاخ وكبر ~~(أرى ماء حمامكم كالحميم * نكابد منه عناء وبوسا) (وعهدي بكم تسمطون الجداء ~~* فما بالكم تسمطون التيوسا) ثم وجدت في كتاب الخريدة في ترجمة سعد بن ~~إبراهيم الشيباني الاسعردي الملقب بالمجد ms0950 الكاتب خمسة أبيات قال العماد ~~الأصبهاني صاحب الخريدة أنشدنيها سعد المذكور في ذم حمام ولم يقل إنها ~~لهوالبيت الخامس منها (وقد كان في العرف سمط الجداء * فلم صرتم تسمطون ~~التيوسا) وقال العماد وهو إلى سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع وثمانين ~~وخمسمائة مقيم بالعسكر المنصور على عكا قلت فقد استعمله فتيان الشاعر ~~تضمينا فنبهت عليه كيلا يظن أنه لفتيان وكان قد تعلق بخدمة الأمير بدر ~~الدين مودود بن المبارك شحنة دمشق وهو أخو عز الدين فروخ شاه ابن أخي ~~السلطان صلاح الدين لأمه وكان يعلم أولاده الخط فكتب إليه شرف الدين بن ~~عنين (يامن تلقب ظلما بالشهاب وإن * نافى بظلمته في أفقها الشهبا) ~~(لايغررنك من مودود دولته * وإن تمسكت من أسبابها سببا) PageV04P025 # (فلست تنبح فيها غير واحدة * حتى تلف على خيوشمك ~~الذنبا) وهذا البيت الأخير من أبيات الحماسة وقد استعمله تضمينا وكانت ~~بينهما مكاتبات ومداعبات يطول شرحها ومولده بعد سنة ثلاثين وخمسمائة ~~ببانياس ومن شعره (علام تحركي والحظ ساكن * وما نهنهت في طلب ولكن) (أرى ~~نذلا تقدمه المساوي * على حر تؤخره المحاسن) وله ديوان آخر صغير جميع ما ~~فيه دوبيت رأيته بدمشق ونقلت منه (الورد بوجنتيك زاه زاهر * والسحر بمقلتيك ~~واف وافر) (والعاشق في هواك ساه ساهر * يرجو ويخاف فهو شاك شاكر) وتوفي ~~فتيان المذكور سحر الثاني والعشرين من المحرم سنة خمس عشرة وستمائة ودفن ~~بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى والشاغوري بفتح الشين المعجمة وبعد ~~الألف غين معجمة مضمومة ثم واو ساكنة بعدها راء هذه النسبة إلى الشاغور وهي ~~عمارة بظاهر دمشق من جملة ضواحيها والزبداني بفتح الزاي الباء الموحدة ~~والدال المهملة وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها وهي قرية بين ~~دمشق وبعلبك كثيرة الأشجار والمياه رأيتها مراراو فهي في غاية الحسن ~~والطيبة PageV04P026 # 527 الفضل بن يحيى البرمكي أبو العباس الفضل بن يحيى ~~بن خالد بن برمك البرمكي كان من أكثرهم كرما مع كرم البرامكة وسعة جودهم ~~وكان أكرم من أخيه جعفر المقدم ذكره وكان جعفر ms0951 أبلغ في الرسائل والكتابة ~~منه وكان هارون الرشيد قد ولاه الوزارة قبل جعفر وأراد أن ينقلها إلى جعفر ~~فقال لأبيهما يحيى يا أبت وكان يدعوه يا أبت إني أريد أن أجعل الخاتم الذي ~~لأخي الفضل لجعفر وكان يدعو الفضل يا أخي فإنهما متقاربان في المولد كانت ~~أم الفضل قد أرضعت الرشيد واسمها زبيدة من مولدات المدينة والخيزران أم ~~الرشيد أرضعت الفضل فكانا أخوين من الرضاع وفي ذلك قال مروان بن أبي حفصة ~~يمدح الفضل (كفى لك فضلا أن أفضل حرة * غذتك بثدي والخليفة بواحد) (لقد زنت ~~يحيى في المشاهد كلها * كما زان يحيى خالدا في المشاهد) قال الرشيد ليحيى ~~وقد احتشمت من الكتاب إليه في ذلك فاكفنيه فكتب والده إليه قد أمر أمير ~~المؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك فكتب إليه الفضل قد سمعت مقالة ~~أمير المؤمنين في أخي وأطعت وما PageV04P027 # انتقلت عني نعمة صارت إليه ولا غربت عني رتبة طلعت ~~عليه فقال عفر لله أخي ما أنفس نفسه وأبين دلائل الفضل عليه وأقوى منة ~~العقل فيه وأوسع في البلاغة ذرعه وكان الرشيد قد جعل ولده محمدا في حجر ~~الفضل بن يحيى والمأمون في حجر جعفر فاختص كل واحد منهما بمن في حجره ثم إن ~~الرشيد قلد الفضل بعمل خراسان فتوجه إليها وأقام بها مدة فوصل كتاب صاحب ~~البريد بخراسان إلى الرشيد ويحيى جالس بين يديه ومضمون الكتاب أ الفضل بن ~~يحيى متشاغل بالصيد وإدمان اللذات عن النظر في أمور الرعية فلما قرأه ~~الرشيد رمى به إلى يحيى وقال له يا أبت اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه بما ~~يردعه عن هذا فكتب يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد حفظك الله يا بني وأمتع ~~بك قد انتهى إلى أمير المؤمنين مما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة ~~اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره فعاود ما هو أزين بك فإنه من عاد ~~إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به والسلام وكتب في أسفله هذه ~~الأبيات ms0952 (انصب نهارا في طلاب العلا * واصبر على ما فقد لقاء الحبيب) (حتى ~~إذ الليل أتى مقبلا * واستترت فيه وجوه العيوب) (فكابد الليل بما تشتهي * ~~فإنما الليل نهار الأريب) (كم من فتى تحسبه ناسكا * يستقبل الليل بأمر ~~عجيب) (غطى عليه الليل أستاره * فبات في لهو وعيش خصيب) (ولذة الأحمق ~~مكشوفة * يسعى بها كل عدو رقيب) والرشيد ينظر إلى ما يكتب فلما فرغ قال ~~أبلغت يا أبت فلما ورد PageV04P028 # الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهارا إلى أن انصرف ~~من عمله ومن مناقبه أنه لما تولى خراسان دخل إلى بلخ وهو وطنهم وبها ~~النوبهار وهو بيت النار التي كانت المجوس تعبدها وكان جدهم برمك خادم ذلك ~~البيت حسبما هو مشروح في ترجمة جعفر فأراد الفضل هدم ذلك البيت فلم يقدر ~~عليه لإحكام بنائه فهدم منه ناحية وبنى فيها مسجدا وذكر الجهشياري في أخبار ~~الوزراء أن الرشيد ولى جعفر بن يحيى الغرب كله من الأنبار إلى أفريقيه في ~~سنة ست وسبعين ومائة وقلد الفضل الشرق كله من شروان إلى أقصى بلاد الترك ~~فأقام جعفر بمصر واستخلف على عمله وشخص الفضل إلى عمله في سنة ثمان وسبعين ~~فلما وصل إلى خراسان أزال سيرة الجور وبنى المساجد والحياض والربط وأحرق ~~دفاتر البقايا وزاد الجند ووصل الزوار والقواد والكتاب في سنة تسع بعشرة ~~آلاف درهم واستخلف على عمله وشخص في آخر هذه السنة إلى العراق فتلقاه ~~الرشيد وجمع له الناس وأكرمه غاية الإكرام وأمر الشعراء بمدحه والخطباء ~~بذكر فضله فكثر المادحون له ومدحه إسحاق بن إبراهيم الموصلي بأبيات منها: # (لو كان بيني وبين الفضل معرفة * فضل بن يحيى لأعداني على الزمن) (هو ~~الفتى الماجد الميمون طائره * والمشتري الحمد بالغالي من الثمن) وكان أبو ~~الهول الحميري قد هجا الفضل ثم أتاه راغبا إليه فقال له PageV04P029 # ويلك بأي وجه تلقاني فقال بالوجه الذي القى به الله عز ~~وجل وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك فضحك ووصله ومن كلامه ما سرور الموعود ~~بالفائدة كسروري بالإنجاز وقيل له ما أحسن ms0953 كرمك لولا تيه فيك فقال تعلمت ~~الكرم والتيه من عمارة بن حمزة فقيل له وكيف ذلك فقال كان أبي عاملا على ~~بعض كور بلاد فارس فانكسرت عليه جملة مستكثرة فحمل إلى بغداد وطولب بالمال ~~فدفع جميع ما يملكه وبقيت عليه ثلاثة آلاف ألف درهم لا يعرف لها وجها ~~والطلب عليه حثيث فبقي حائرا في أمره كانت بينه وبين عمارة بن حمزة منافرة ~~ومواحشة لكنه علم أنه ما يقدر على مساعدته إلا هو فقال لي يوما وأنا صبي ~~امض إلى عمارة وسلم عليه عني وعرفه الضرورة التي قد صرنا إليها واطلب منه ~~هذا المبلغ على سبيل القرض إلى أن يسهل الله تعالى باليسرة فقلت له أنت ~~تعلم ما بينكما وكيف امضي إلى عدوك بهذه الرسالة وأنا اعلم أنه لو قدر على ~~إتلافك لأتلفك فقال لا بد أن تمضي إليه لعل الله يسخره ويوقع في قلبه ~~الرحمة قال الفضل فلم يمكني معاودته وخرجت وأنا أقدم رجلا وأوخر أخرى حتى ~~أتيت داره واستأذنت في الدخول عليه فإذن لي فلما دخلت وجدته في صدر إيوانه ~~متكئا على مفارش وثيرة وقد غلف شعر رأسه ولحيته بالمسك ووجهه إلى الحائط ~~وكان من شدة تيهه لا يقعد إلا كذلك قال الفضل فوقفت أسفل الإيوان وسلمت ~~عليه فلم يرد السلام فسلمت عليه عن أبي وقصصت عليه PageV04P030 # القصة فسكت ساعة ثم قال حتى ننظر فخرجت من عنده نادما ~~على نقل خطاي إليه موقنا بالحرمان عاتبا على أبي كونه كلفني إذلال نفسي بما ~~لا فائدة فيه وعزمت على أن لا أعود إليه غيظا منه فغبت عنه ساعة ثم جئته ~~وقد سكن ما عندي فلما وصلت إلى الباب وجدت أبغالا محملة فقلت ما هذه فقيل ~~إن عمارة قد سير المال فدخلت على أبي ولم أخبره بشيء مما جرى لي معه كي لا ~~أكدر عليه إحسانه فمكثنا قليلا وعاد أبي إلى الولاية وحصلت له أموال كثيرة ~~فدفع إلي ذلك المبلغ وقال تحمله إليه فجئت به ودخلت عليه فوجدته على الهيئة ~~الأولى فسلمت ms0954 عليه فلم يرد فسلمت عليه عن أبي وشكرت إحسانه وعرفته بوصول ~~المال فقال لي بحرد ويحك أقسطارا كنت لأبيك اخرج عني لا بارك الله فيك ~~وهولك فخرجت ورددت المال إلى أبي وعجبنا من حاله فقال لي يا بني والله ما ~~تسمح نفسي لك بذلك ولكن خذ ألف ألف درهم واترك لأبيك الفي ألف درهم فتعلمت ~~منه الكرم والتيه وحكى الجهشياري في أخبار الوزراء هذه الحكاية لكن بين ~~الحكايتين اختلاف قليل وذكر أن جملة المال ألف ألف درهم وكان ذلك في أيام ~~المهدي وكان يحيى قد ضمن فارس فانكسر عليه المال وقال المهدي لمن يطالبه ~~بالمال إن أدى لك المال قبل المغرب من يومنا هذا وإلا فأتني برأسه وكان ~~المهدي مغضبا عليه والقسطار الصيرفي وعمارة المذكور من أولاد عكرمة مولى ~~ابن عباس وقد تقدم ذكره وكان PageV04P031 # كاتب أبي جعفر المنصور ومولاه وكان تائها معجبا كريما ~~بليغا فصيحا أعور وكان المنصور وولده المهدي يقدمانه ويحتملان أخلاقه لفضله ~~وبلاغته ووجوب حقه وولي لهما الأعمال الكبار وله رسائل مجموعة من جملتها ~~رسالة الخميس التي تقرأ لبني العباس ويحكى أن الفضل دخل عليه حاجبه يوما ~~فقال له إن بالباب رجلا زعم أن له سببا يمت به إليك فقال أدخله فأدخله فإذا ~~هو شاب حسن الوجه رث الهيئة فسلم فأومأ إليه بالجلوس فجلس فقال له بعد ساعة ~~ما حاجتك قال أعلمتك بها رثاثة ملبسي قال نعم فما الذي تمت به إلي قال ~~ولادة تقرب من ولادتك وجوار يدنو من جوارك واسم مشتق من اسمك قال الفضل أما ~~الجوار فيمكن وقد يوافق الاسم الاسم ولكن من أعلمك بالولادة قال أخبرتني ~~أمي أنها لما ولدتني قيل لها قد ولد هذه الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي ~~الفضل فسمتني أمي فضيلا إكبارا لاسمك أن تلحقني به وصغرته لقصور قدري عن ~~قدرك فتبسم الفضل وقال له كم أتى عليك من السنين قال خمس وثلاثون سنة قال ~~صدقت هذا المقدار الذي أعد قال فما فعلت أمك قال ماتت قال فما منعك ms0955 من ~~اللحاق بنا متقدما قال لم أرض نفسي للقائك لأنها كانت في عامية معها حداثة ~~تقعدني عن لقاء الملوك وعلق هذا بقلبي منذ أعوام فشغلت نفسي بما يصلح ~~للقائك حتى رضيت نفسي قال فما تصلح له قال الكبير من الأمر والصغير قال يا ~~غلام أعطه لكل عام مضى من سنه ألف درهم وأعطه PageV04P032 # عشرة آلاف درهم يجمل بها نفسه إلى وقت استعماله وأعطاه ~~مركوبا سريا ثم إن الرشيد لما قتل جعفرا على ما تقدم في ترجمته قبض على ~~أبيه يحيى وأخيه الفضل المذكور وكان عنده ثم توجه الرشيد إلى الرقة وهما ~~معه وجميع البرامكة في التوكيل غير يحيى فلما وصلوا إليها وجه الرشيد إلى ~~يحيى أن أقم بالرقة أو حيث شئت فوجه إليه إني أحب أن أكون مع ولدي فوجه ~~إليه أترضى بالحبس فذكر أنه يرصى به فحبس معهم ووسع عليهم ثم كانوا حينا ~~يوسع عليهم وحينا يضيق عليهم حسبما ينقل إليه عنهم واستصفى أموال البرامكة ~~ويقال إن الرشيد سير مسرورا الخادم إلى السجن فجاءه فقال للمتوكل بهما أخرج ~~إلي الفضل فأخرجه فقال له إن أمير المؤمنين يقول لك إني قد أمرتك أن تصدقني ~~عن أموالكم فزعمت أنك قد فعلت وقد صح عندي أنك بقيت لك أموالا كثيرة وقد ~~أمرني إن لم تطلعني على المال أن أضربك مائتي سوط وأرى لك أن لا تؤثر مالك ~~على نفسك فرفع الفضل رأسه وقال والله ما كذبت فيما أخبرت به ولو خيرت بين ~~الخروج من ملك الدنيا وأن أضرب سوطا واحدا لاخترت الخروج وأمير المؤمنين ~~يعلم ذلك وأنت تعلم أنا كنا نصون أعراضنا بأموالنا فكيف صرنا نصون أموالنا ~~بأنفسنا فإن كنت قد أمرت بشيء فامض له فأخرج مسرور أسواطا كانت معه في ~~منديل وضربه مائتي سوط وتولى ضربه الخدم PageV04P033 # فضربوه أشد الضرب وهم لا يحسنون الضرب فكادوا أن ~~يتلفوه وتركوه وكان هناك رجل بصير بالعلاج فطلبوه لمعالجته فلما رآه قال ~~يكون قد ضربوه خمسين سوطا فقيل بل مائتي سوط فقال ما هذا إلا ms0956 أثر خمسين ~~سوطا لا غير ولكن يحتاج أن ينام على ظهره على بارية وأدوس صدره فجزع الفضل ~~من ذلك ثم أجاب إليه فألقاه على ظهره وداسه ثم أخذ بيده وجذبه عن البارية ~~فتعلق بها من لحم ظهره شيء كثير ثم أقبل يعالجه إلى أن نظر يوما إلى ظهره ~~فخر المعالج ساجدا لله تعالى فقيل له ما بالك فقال قد برئ وقد نبت في ظهره ~~لحم حي ثم قال ألست قلت هذا ضرب خمسين سوطا أما والله لو ضرب ألف سوط ما ~~كان أثرها بأشد من هذا الأثر وإنما قلت ذلك حتى تقوى نفسه فيعينني على ~~علاجه ثم إن الفضل اقترض من بعض أصحابه عشرة آلاف درهم وسيرها له فردها ~~عليه فاعتقد أنه قد أسقلها فاقترض عليها عشرة آلاف أخرى وسيرها فأبى أن ~~يقبلها وقال ما كنت لآخذ على معالجة فتى من الكرام كراء والله لو كانت ~~عشرين ألف دينار ما قبلتها فلما بلغ ذلك الفضل قال والله إن الذي فعله هذا ~~أبلغ من الذي فعلناه في جميع أيامنا من المكارم وكان قد بلغه أن ذلك ~~المعالج كان في شدة وضائفة وكان الفضل ينشد وهو في السجن هذه الأبيات ~~وأظنها لأبي العتاهية ثم وجدتها لصالح بن عبد القدوس من جملة أبيات قالها ~~وهو محبوس وقيل إنها لعلي بن الخليل وكان هو وصالح المذكور يتهمان بالزندقة ~~فحبسهما الخليفة المهدي بن المنصور فقال هذه الأبيات: PageV04P034 # (إلى الله فيما نالنا نرفع الشكوى * ففي يده كشف ~~المضرة والبلوى) (خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها * فلا نحن في الأموات فيها ~~ولا الأحيا) (إذا جاءنا السجان يوما لحاجة * عجبنا وقلنا جاء هذا من ~~الدنيا) وقد مدح البرامكة جميع شعراء عصرهم فمن ذلك قول مروان بن أبي حفصة ~~وقيل إنها لأبي الحجناء في الفضل المذكور (عند الملوك منافع ومضرة * وأرى ~~البرامك لا تضر وتنفع) (إن كان شر كان غيرهم له * والخير منسوب إليهم أجمع) ~~(وإذا جهلت من امرئ أعراقه * وقديمه فانظر إلى ما يصنع) (إن العروق إذا ~~إستسر ms0957 بها الندى * أشب النبات بها وطاب المزرع) وغضب الرشيد على العتابي ~~الشاعر فشفع له الفضل فرضي عنه فقال (ما زلت في غمرات الموت مطرحا * يضيق ~~عني وسيع الرأي والحيل) (فلم تزل دائما تسعى بلطفك لي * حتى إختلست حياتي ~~من يدي أجلي) ومدحه أبو نواس بقصائد قال في بعضها: # (سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد * هواك لعل الفضل يجمع بيننا) فقيل له ~~قد أسأت المقال في المخاطبة بهذا القول فقال أردت جمع تفضل لا جمع توصل ~~وتبعه المتنبي بقوله (عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي * إلى التي صيرتني في ~~الهوى مثلا) وعمل فيه بعض الشعراء بيتا واحدا وهو (ما لقينا من جود فضل بن ~~يحيى * ترك الناس كلهم شعراء) PageV04P035 # فاستحسنوا منه ذلك وعابوا عليه كونه مفردا فقال أبو ~~العذافر ورد ابن سعد العمى (علم المفحمين أن ينظموا الأشعار * منا ~~والباخلين السخاء) فاستحسنوا منه ذلك وكان الفضل كثير البر بأبيه وكان أبوه ~~يتأذى من استعمال الماء البارد في زمن الشتاء فيحكى أنهما لما كانا في ~~السجن لم يقدرا على تسخين الماء فكان الفضل يأخذ الإبريق النحاس وفيه الماء ~~فيلصقه إلى بطنه زمانا عساه تنكسر برودته بحرارة بطنه حتى يستعمله أبوه بعد ~~ذلك وأخباره كثيرة وكانت ولادته لسبع بقين من ذي الحجة سنة سبع وأربعين ~~ومائة وذكر الطبري في تاريخه في أول خلافة هارون الرشيد أن مولد الفضل بن ~~يحيى سنة ثمان وأربعين والله أعلم وتوفي بالسجن سنة ثلاث وتسعين ومائة في ~~المحرم غداة جمعة بالرقة وقيل إنه توفي في شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين ~~ومائة رحمه الله تعالى ولما بلغ الرشيد موته قال أمري قريب من أمره وكذا ~~كان فإنه توفي بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى ~~الآخرة وقيل النصف منه وقيل ليلة الخميس النصف من جمادى الآولى وقال ابن ~~اللبان الفرضي في شهر ربيع الآخر مع اتفاقهم على السنة وقد تقدم أنه كان ~~قرينه في الولادة أيضا وترتب في الخلافة ولده الأمين محمد والمأمون صاحب ms0958 ~~خراسان PageV04P036 # 528 الفضل بن الربيع أبو العباس الفضل بن الربيع بن ~~يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة واسمه كيسان مولى عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الراء وشئ من أخباره مع المنصور أبي ~~جعفر فلما آل ألأمر إلى الرشيد واستوزر البرامكة كان الفضل بن الربيع يروم ~~التشبه بهم ومعارضتهم ولم يكن له من القدرة ما يدرك به اللحاق بهم فكان في ~~نفسه منهم إحن وشحناء قال عبيد الله بن سليمان بن وهب إذا أراد الله تعالى ~~هلاك قوم وزوال نعمتهم جعل لذلك أسبابا فمن أسباب زوال أمر البرامكة ~~تقصيرهم بالفضل بن الربيع وسعي الفضل بهم وتمكنه من المجالسة مع الرشيد ~~فأوغر قلبه عليهم ومالأه على ذلك كاتبهم إسماعيل بن صبيح حتى كان ما كان ~~ويحكى أن الفضل المذكور دخل يوما على يحيى بن خالد البرمكي وقد جلس لقضاء ~~حوائج الناس وبين يديه ولده جعفر يوقع في القصص فعرض الفضل عليه عشر رقاع ~~للناس فتعلل يحيى في كل رقعة بعلة ولم يوقع في شيء منها PageV04P037 # ألبته فجمع الفضل الرقاع وقال ارجعن خائبات خاسئات ثم ~~خرج وهو يقول (عسى وعسى يثني الزمان عنانه * بتصريف حال والزمان عثور) ~~(فتقضى لبانات وتشفى حسائف * وتحدث من بعد الأمور أمور) فسمعه يحيى وهو ~~ينشد ذلك فقال له عزمت عليك يا أبا العباس إلا رجعت فرجع فوقع له في جميع ~~الرقاع ثم ما كان إلا القليل حتى نكبوا على يده وتولى بعدهم وزارة الرشيد ~~وفي ذلك يقول أبو نواس وقيل أبو حزرة (ما رعى الدهر آل برمك لما * أن رمى ~~ملكهم بأمر فظيع) (إن دهرا لم عهدا ليحيى * غير راع ذمام آل الربيع) وتنازع ~~يوما جعفر بن يحيى والفضل بن الربيع بحضرة الرشيد فقال جعفر للفضل يا لقيط ~~إشارة إلى ما كان يقال عن أبيه الربيع إنه لا يعرف نسبه وأبوه حسبما ذكرناه ~~في ترجمته فقال الفضل اشهد يا أمير المؤمنين فقال جعفر للرشيد تراه عند من ~~يقيمك ms0959 هذا الجاهل شاهدا يا أمير المؤمنين وأنت حاكم الحكام ومات الرشيد ~~والفضل مستمر على وزارته وكان في صحبة الرشيد فقرر الأمور للأمين محمد بن ~~الرشيد ولم يعرج على المأمون وهو بخراسان ولا التفت إليه فعزم المأمون على ~~إرسال طائفة من عسكره لأن يعترضوه في طريقه لما أنفصل عن موضع وفاة الرشيد ~~وهو طوس حسبما ذكرته في ترجمة الفضل ابن يحيى البرمكي فأشارعليه وزيره ~~الفضل بن سهل أن لايتعرض له وخاف عاقبته PageV04P038 # ثم إن الفضل بن الربيع خاف من المأمون إن انتهت ~~الخلافة إليه فزين للأمين أن يخلع المأمون من ولاية العهد ويجعل ولي عهده ~~موسى بن الأمين وحصلت الوحشة بين الأخوين إلى أن سير المأمون جيشا من ~~خراسان مقدمه طاهر بن الحسين المقدم ذكره بإشارة وزيره الفضل بن سهل وأخرج ~~الأمين من بغداد جيشا بإشار وزيره الفضل بن الربيع المذكور مقدمه علي بن ~~عيسى ابن ماهان فالتقيا وقتل علي بن عيسى وذلك في سنة أربع وتسعين ومائة ثم ~~اضطربت أحوال الأمين وقويت شوكة المأمون فلما رأى الفضل ابن الربيع الأمور ~~مختلة استتر في رجب سنة ست وتسعين ومائة ثم ظهر لما ادعى إبراهيم بن المهدي ~~الخلافة ببغداد كما ذكرته في ترجمته واتصل به ابن الربيع فلما إختل حال ~~إبراهيم استتر ابن الربيع ثانيا وشرح ذلك يطول وخلاصته أن طاهر بن الحسين ~~سأل المأمون الرضا عنه فأدخله عليه وقيل غير ذلك إلا أنه لم يزل بطالا إلى ~~أن مات ولم يكن له في دولة المأمون حظ والله أعلم وكتب إليه أبو نواس يعزيه ~~في الرشيد ويهنئه بولاية ولده الأمين: # (تعز أبا العباس عن خير هالك * بأكرم حي كان أو هو كائن) (حوادث أيام ~~تدور تدور صروفها * لهن مساو مرة ومحاسن) (وفى الحي بالميت الذي غيب الثرى ~~* فلا أنت مغبون ولا الموت غابن) وفيه أيضا قال أبو نواس من جملة أبيات: # (وليس لله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد) PageV04P039 # قال أبو بكر الصولي ولقد أخذ أحمد بن يوسف الكاتب هذا ~~المعنى وزاد ms0960 عليه وكتبه إلى بعض إخوانه وقد ماتت له ببغاء وله أخ كثير ~~التخلف يسمى عبد الحميد (أنت تبقى ونحن طرا فداكا * أحسن الله ذو الجلال ~~عزاكا) (فلقد جل خطب دهر أتاكا * بمقادير أتلفت ببغاكا) (عجبا للمنون كيف ~~أتتها * وتخطت عبد الحميد أخاكا) (كان عبد الحميد أصلح للموت * من الببغا ~~وأولى بذاكا) (شملتنا المصيبتان جميعا * فقدنا هذه ورؤية ذاكا) وقد تقدم في ~~ترجمة ابن الرومي ذكر المقطوعين المقولين في الوزير أبي القاسم عبيد الله ~~وولديه الحي والميت وذلك المعنى مأخوذ من هذه الأبيات وأبو نواس هو الذي ~~فتح لهم الباب ومنه أخذ الباقون وإن كان بينهم مغايرة ما لكن المادة واحدة ~~وكانت وفاة الفضل بن الربيع في ذي القعدة سنة ثمان ومائتين وسنه ثمان وستون ~~سنة وقيل في شهر ربيع الآخر رحمه الله تعالى وفيه يقول أبو نواس أبياته ~~الدالية التي فيها والخير عاده PageV04P040 # 529 الفضل بن سهل أبو العباس الفضل بن سهل السرخسي أخو ~~الحسن بن سهل وقد تقدم ذكره في حرف الحاء أسلم على يد المأمون في سنة تسعين ~~ومائة وقيل إن أباه سهلا أسلم على يد المهدي والله أعلم فوزر للمأمون ~~واستولى عليه عليه حتى ضايقه في جارية أراد شراءها ولما عزم جعفر البرمكي ~~على استخدام الفضل للمأمون وصفه يحيى بحضرة الرشيد فقال له الرشيد أوصله ~~إلي فلما وصل إليه أدركته حيرة فسكت فنظر الرشيد إلى يحيى نظر منكر ~~لإختياره فقال ابن سهل يا أمير المؤمنين إن من أعدل الشواهد على فراهة ~~المملوك أن يملك قلبه هيبة سيده فقال الرشيد لئن كنت سكت لتصوغ هذا الكلام ~~فقد أحسنت وإن كان بديهة إنه لأحسن وأحسن ثم لم يسأله بعد ذلك عن شيء إلا ~~أجابه بما يصدق وصف يحيى له وكانت فيه فضائل وكان يلقب بذي الرياستين لأنه ~~تقلد الوزارة والسيف وكان يتشيع وكان من أخبر الناس بعلم النجامة وأكثرهم ~~إصابة في أحكامه حكى أبو الحسين علي بن أحمد السلامي في تاريخ ولاة خراسان ~~أن طاهر بن الحسين المقدم ذكره ms0961 لما عزم المأمون على إرساله إلى محاربة أخيه ~~محمد الأمين نظر الفضل بن سهل في مسألته فوجد الدليل في وسط السماء وكان ذا ~~يمينين فأخبر المأمون بأن طاهرا يظفر بالأمين ويلقب بذي اليمينين ~~PageV04P041 # فتعجب المأمون من إصابة الفضل ولقب طاهرا بذلك وولع ~~بالنظر في علم النجوم وقال السلامي أيضا ومما أصاب الفضل بن سهل فيه من ~~أحكام النجوم أنه اختار لطاهر بن الحسين حين سمي للخروج إلى الأمين وقتا ~~فعقد فيه لواءه وسلمه إليه ثم قال له قد عقدت لك لواء لا يحل خمسا وستين ~~سنة فكان بين خروج طاهر بن الحسين إلى وجه علي بن عيسى بن ماهان مقدم جيش ~~الأمين وقبض يعقوب بن الليث الصفار على محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر ~~ابن الحسين بنيسابور خمس وستون سنة وكان قبض يعقوب بن الليث على محمد ~~المذكور يوم الأحد لليلتين خلتا من شوال سنة تسع وخمسين ومائتين ومن ~~إصاباته أيضا ما حكم به على نفسه وذلك أن المأمون طالب والدة الفضل بما ~~خلفه فحملت إليه سلة مختومة مقفلة ففتح قفلها فإذا صندوق صغير مختوم وإذا ~~فيه درج وفي الدرج رقعة من حرير مكتوب فيها بخطه بسم الله الرحمن الرحيم ~~هذا ما قضى الفضل بن سهل على نفسه قضى أنه يعيش ثمانيا وأربعين سنة ثم يقتل ~~ما بين ماء ونار فعاش هذه المدة ثم قتله غالب خال المأمون في حمام بسرخس ~~كما سيأتي إن شاء الله تعالى وله غير ذلك إصابات كثيرة ويحكى أنه قال يوما ~~لثمامة بن الأشرس ما أدري ما أصنع بطلاب الحاجات فقد كثروا علي وأضجروني ~~فقال له زل عن موضعك وعلي أن لا يلقاك أحد منهم فقال صدقت وأنتصب لقضاء ~~أشغالهم وكان قد مرض بخراسان وأشفى على التلف فلما أصاب العافية جلس للناس ~~فدخلوا عليه وهنوه بالسلامة وتصرفوا في الكلام فلما فرغوا من كلامهم أقبل ~~على الناس وقال إن في العلل لنعما لا ينبغي للعقلاء أن PageV04P042 # يجهلوها تمحيض الذنوب والتعرض لثواب الصبر والإيقاظ من ms0962 ~~الغفلة والإذكار بالنعمة في حال الصحة واستدعاء التوبة والحض على الصدقة ~~وقد مدحه جماعة من أعيان الشعراء وفيه يقول إبراهيم بن العباس الصولي قد ~~سبق ذكره (لفضل بن سهل يد * تقاصر عنها المثل) (فنائلها للغنى * وسطوتها ~~للأجل) (وباطنها للندى * وظاهرها للقبل) ومن هاهنا أخذ ابن الرومي قوله في ~~الوزير القاسم بن عبيد الله في جملة أبيات (أصبحت بين خصاصة وتجمل * والحر ~~بينهما يموت هزيلا) (فامدد إلي يدا تعود بطنها * بذل النوال وظهرها ~~التقبيلا) وفيه يقول أبو محمد عبد الله بن محمد وقيل ابن أيوب التميمي ~~(لعمرك ما الأشراف في كل بلدة * وإن عظموا للفضل إلا صنائع) (ترى عظماء ~~الناس للفضل خشعا * وإذا ما بدا والفضل لله خاشع) (تواضع لما زاده الله ~~رفعة * وكل جليل عنده متواضع) وقال فيه مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف ~~بصريع الغواني من جملة قصيدة (أقمت خلافة وأزلت أخرى * جليل ما أقمت وما ~~أزلتا) وحكى الجهشياري أن الفضل بن سهل أصيب بابن له يقال له العباس فجزع ~~PageV04P043 # عليه جزعا شديدا فدخل عليه إبراهيم بن موسى بن جعفر ~~العلوي وأنشده (خير من العباس أجرك بعده * والله خير منك للعباس) فقال صدقت ~~ووصله وتعزى له ولما ثقل أمره على المأمون دس عليه خاله غالبا المسعودي ~~الأسود فدخل عليه الحمام بسرخس ومعه جماعة وقتلوه مغافصة وذلك يوم الخميس ~~ثاني شعبان سنة اثنان ومئتين وقيل ثلاث ومائتين وعمره ثمان وأربعون سنة ~~وقيل إحدى وأربعون سنة وخمسة أشهر والله أعلم وذكر الطبري في تاريخه أنه ~~كان عمره ستين سنة وقيل سنة اثنتين ومائتين يوم الجمعة لليلتين خلتا من ~~شعبان قلت وهو الصحيح ورثاه مسلم بن الوليد ودعبل وإبراهيم بن العباس رحمه ~~الله تعالى ومات والده سهل في سنة اثنتين أيضا بعد قتل ابنه بقليل وعاشت ~~أمه وأم أخيه الحسن حتى أدركت عرس بوران على المأمون ولمل قتل مضى المأمون ~~إلى والدته ليعزيها فقال لها لا تأسي عليه ولا تحزني لفقده فإن الله قد ~~أخلف عليك مني ولدا ويقوم مقامه فمهما كنت تنبسطي ms0963 إليه فيه فلا تنقبضي عني ~~منه فبكت ثم قالت يا أمير المؤمنين وكيف لا أحزن على ولد أكسبني ولدا مثلك ~~والسرخسي بفتح السين المهملة والراء وسكون الخاء المعجمة وبعدها سين مهملة ~~هذه النسبة إلى سرخس وهي مدينة بخراسان PageV04P044 # 530 الفضل بن مروان أبو العباس الفضل بن مروان بن ~~ماسرخس وزير المعتصم وهو الذي أخذ له البيعة ببغداد وكان المعتصم يومئذ ~~ببلاد الروم فإنه توجه إليها صحبة أخيه المأمون فاتفق موت المأمون هناك ~~وتولى المعتصم بعده واعتد له المعتصم بها يدا عنده [وفوض إليه الوزارة يوم ~~دخوله بغداد وهو يوم السبت مستهل شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين وخلع ~~عليه ورد أموره كلها إليه فغلب عليه بطول خدمته وتربيته إياه واستقل ~~بالأمور وكذلك كان في أواخر ولاية المأمون فإنه غلب عليه كثيرا وكان نصراني ~~الأصل قليل المعرفة بالعلم حسن المعرفة بخدمة الخلفاء وله ديوان رسائل ~~وكتاب المشاهدات والأخبار التي شاهدها ومن كلامه مثل الكاتب كالدولاب إذا ~~تعطل انكسر وكان قد جلس يوما لقضاء أشغال الناس ورفعت إليه قصص العامة فرأى ~~في جملتها رقعة مكتوبا فيها (تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر * فقبلك كان ~~الفضل والفضل والفضل) (ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم * أبادتهم الأقياد والحبس ~~والقتل) (وإنك قد أصبحت في الناس ظالما * ستودي كما أودى الثلاثة من قبل) ~~أراد الفضول الثلاثة الذين تقدم ذكرهم وهم الفضل بن يحيى البرمكي ~~PageV04P045 # والفضل بن الربيع والفضل بن سهل وذكر المرزباني في ~~معجم الشعراء هذه الأبيات للهيثم بن فراس السامي من بني سامة بن لؤي وكذا ~~ذكرها الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار ومثل هذه القضية ما جرى لأسد بن زريق ~~الكاتب فإنه جاء إلى باب أبي عبد الله الكوفي لما قلد مكان أبي جعفر بن ~~شيرزاد وأنتقل إلى داره وجلس في دسته فمنعه البواب من الدخول إليه فرجع إلى ~~داره وكتب إليه (إنا رأينا حجابا منك قد عرضا * فلا يكن ذلنا فيه لك ~~الغرضا) (اسمع مقالي ولا تغضب علي فما * أبغي بذلك لا مالا ولا عرضا) ~~(الشكر ms0964 يبقى ويفنى ما سواه وكم * سواك قد نال ملكا فانقضى ومضى) (في هذه ~~الدار في هذا الرواق على * هذا السرير رأيت العز وانقرضا) فلما وقف أبو عبد ~~الله على هذه الأبيات إستدعاه واعتذر إليه وقضى حاجته وقد سبق نظير هذا في ~~ترجمة عبد الملك بن عمير وما جرى له مع عبد الملك ابن مروان الأموي لما حضر ~~بين يديه رأس مصعب بن الزبير فلينظر هناك ثم إن المعتصم تغير على الفضل بن ~~مروان وقبض عليه في رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين ولما قبض عليه قال عصى ~~الله في طاعتي فسلطني عليه ثم خدم بعد ذلك جماعة من الخلفاء ثم توفي في شهر ~~ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين وعمره ثمانون سنة رحمه الله تعالى وقال في ~~كتاب الفهرست عاش ثلاثا وتسعين سنة والله أعلم بالصواب وقال الطبري كانت ~~نكبته في صفر من السنة المذكورة وقال الصولي PageV04P046 # أخذ المعتصم من داره لما نكبه ألف ألف دينار وأخذ ~~أثاثا وآنية بألف ألف دينار وحبسه خمسة أشهر ثم أطلقه وألزمه بيته واستوزر ~~أحمد بن عمار ومن كلامه لا تتعرض لعدوك وهو مقبل فإن إقباله يعينه عليك ولا ~~تتعرض له وهو مدبر فإن إدباره يكفيك أمره 531 الفضيل بن عياض أبو علي ~~الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الطالقاني الأصل الفنديني الزاهد ~~المشهور أحد رجال الطريقة كان في أول أمره شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد ~~وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جارية غبينا هو يرتقي الجدران إليها سمع ~~تاليا يتلو * (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) * (الحديد ~~16) فقال يا رب قد آن فرجع وآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة فقال بعضهم ~~نرتحل وقال بعضهم حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا فتاب الفضيل ~~وآمنهم وكان من كبار السادات حدث سفيان بن عيينة قال دعانا هارون الرشيد ~~فدخلنا عليه ودخل الفضيل آخرنا مقنعا رأسه بردائه فقال لي PageV04P047 # يا سفيان وأيهم أمير المؤمنين فقلت هذا وأومأت إلى ~~الرشيد فقال له ms0965 يا حسن الوجه أنت الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك لقد ~~تقلدت أمرا عظيما فبكى الرشيد ثم أتي كل رجل منا ببدرة فكل قبلها إلا ~~الفضيل فقال الشيد يا أبا علي إن لم تستحل أخذها فأعطها ذا دين أو أشبع بها ~~جائعا أو اكس بها عاريا فاستعفاه منها فلما خرجنا قلت يا أبا علي أخطأت ألا ~~أخذتها وصرفتها في أبواب البر فأخذ بلحيتي ثم قال يا أبا محمد أنت فقيه ~~البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط لو طابت لأولئك لطابت لي ويحكى أن ~~الرشيد قال له يوما ما أزهدك فقال الفضيل أنت أزهد مني قال وكيف ذلك قال ~~لأني أزهد في الدنيا وأنت تزهد في الآخرة والدنيا فانية والآخرة باقية وذكر ~~الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في آخر باب الطعام أن الفضيل قال يوما ~~لأصحابه ما تقولون في رجل في كمه ثمر ثم يقعد على رأس الكنيف فيطرحه فيه ~~ثمرة ثمرة قالوا هو مجنون قال فالذي يطرحه في بطنه حتى يحشوه فهو أجن منه ~~فإن هذا الكنيف يملأ من هذا الكنيف ومن كلام الفضيل إذا أحب الله عبدا أكثر ~~غمه وإذا أبغض عبدا وسع عليه دنياه وقال لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي ~~على أن لاأحاسب عليها لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن ~~تصيب ثوبه وقال ترك العمل لأجل الناس هو الرياء والعمل لأجل الناس هو الشرك ~~وقال إني لأعصى الله تعالى فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي وقال لو كانت لي ~~دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد ~~والعباد وقال لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسن خلقه معهم خير له من قيام ~~ليله PageV04P048 # وقال أبو علي الرازي صحبت الفضيل ثلاثين سنة ما رأيته ~~ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي فقلت له في ذلك فقال إن الله أحب ~~أمرا فأحببت ذلك الأمر وكان ولده المذكور شابا سريا من كبار الصالحين وهو ~~معدود في جملة من قتلهم ms0966 محبة الباري سبحانه وتعالى وهم مذكورون في جزء ~~سمعناه قديما ولاأذكر الآن من مؤلفه وكان عبد الله بن المبارك رضي الله عنه ~~يقول إذا مات الفضيل ارتفع الحزن من الدنيا ومناقب الفضيل كثيرة ومولده ~~بأبيورد وقيل بسمرقند ونشأ بأبيورد وقدم الكوفة وسمع الحديث بها ثم أنتقل ~~إلى مكة شرفها الله تعالى وجاور بها إلى مات في المحرم سنة سبع وثمانين ~~ومائة رضي الله عنه والطالقاني نسبه إلى طالقان خراسان وقد تقدم الكلام ~~عليها في ترجمة الصاحب بن عباد في حرف الهمزة والفنديني بضم الفاء وسكون ~~النون وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها نون هذه ~~النسبة إلى فندين وهي من قرى مرو وأبيورد بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وسكون الراء وبعدها دال مهملة ~~بليدة بخراسان وسمرقند بفتح السين المهملة والميم وسكون الراء وفتح القاف ~~وسكون النون وبعدها دال مهملة أعظم مدينة بما وراء النهر قال ابن قتيبة في ~~كتاب المعارف في ترجمة شمر بن أفريقش أحد ملوك اليمن أنه خرج في جيش عظيم ~~ودخل أرض العراق ثم توجه يريد الصين فأخذ على فارس وسجستان وخراسان وافتتح ~~المدائن والقلاع وقتل وسبى ودخل مدينة الصغد فهدمها PageV04P049 # فسميت شمركند أي شمر أخربها لأن كند بالعجمي معناه ~~بالعربي أخرب ثم عربها الناس فقالوا سمرقند ثم أعيدت عمارتها فبقي عليها ~~ذلك الاسم 532 عضد الدولة أبو شجاع فنا خسرو الملقب عضد الدولة بن ركن ~~الدولة أبي علي الحسن ابن بويه الديلمي وقد تقدم تمام نسبه في ترجمة عمه ~~معز الدولة أحمد في حرف الهمزة فليطلب هناك ولما مرض عمه عماد الدولة بفارس ~~أتاه أخوه ركن الدولة واتفقا على تسليم فارس إلى أبي شجاع فناخسرو بن ركن ~~الدولة ولم يكن قبل ذلك يلقب بعضد الدولة فتسلمها بعد عمه ثم تلقب بذلك ~~PageV04P050 # وقد تقدم أيضا ذكر والده وعمه الأكبر عماد الدولة أبي ~~الحسن علي وابن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة وهؤلاء كلهم مع عظم ~~شأنهم ms0967 وجلالة أقدارهم لم يبلغ أحد منهم ما بلغه عضد الدولة من سعة المملكة ~~والاستيلاء على الملوك وممالكهم فإنه جمع بين مملكة المذكورين كلهم وقد ~~ذكرت في ترجمة كل واحد منهم ما كان له من الممالك وضم إلى ذلك الموصل وبلاد ~~الجزيرة وغير ذلك ودانت له البلاد والعباد ودخل في طاعته كل صعب القياد وهو ~~أول من خوطب بالملك في الإسلام وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد ~~الخليفة وكان من جملة ألقابه تاج الملة ولما صنف له أبو إسحاق الصابي كتاب ~~التاجي في أخبار بني بويه أضافه إلى هذا اللقب وقد تقدم خبر هذا الكتاب في ~~ترجمته وكان فاضلا محبا للفضلاء مشاركا في عدة فنون وصنف له الشيخ أبو علي ~~الفارسي كتاب الإيضاح والتكملة في النحو وقد سبق ذكره في ترجمته وقصده فحول ~~الشعراء في عصره ومدحوه بأحسن المدائح فمنهم أبو الطيب المتنبي ورد عليه ~~وهو بشيراز في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وفيه يقول من جملة ~~قصيدته المشهورة الهائية (وقد رأيت الملوك قاطبة * وسرت حتى رأيت مولاها) ~~(ومن مناياهم براحته * يأمرها فيهم وينهاها) (أبا شجاع بفارس عضد الدولة * ~~فناخسرو شهنشاها) (أساميا لم تزده معرفة * وإنما لذة ذكرناها) وهذه القصيدة ~~أول شيء أنشده ثم أنشده في هذا الشهر قصيدته النونية التي ذكر فيها شعب ~~بوان ومنها قوله (يقول بشعب بوان حصاني * أعن هذا يسار إلى الطعان) ~~PageV04P051 # (أبوكم آدم سن المعاصي * وعلمكم مفارقة الجنان) (فقلت ~~إذا رأيت أبا شجاع * سلوت عن العباد وذا المكان) (فإن الناس والدنيا طريق * ~~إلى من ماله في الناس ثاني) ومدحه بعد ذلك بعدة قصائد ثم أنشده قصيدته ~~الكافية يودعه فيها ويعده بالعود إلى حضرته وذلك صدر شعبان من السنة ~~المذكورة وهي آخر شعر المتنبي فإنه قتل في عوده من عنده كما سبق في ترجمته ~~ومن جملة هذه القصيدة (أروح وقد ختمت على فؤادي * بحبك أن يحل به سواكا) ~~(وقد حملتني شكرا طويلا * ثقيلا لا أطيق به حراكا) (أحاذر أن يشق على ~~المطايا * فلا تمشي ms0968 بنا إلا سواكا) (لعل الله يجعله رحيلا * يعين على ~~الإقامة في ذراكا) (فلو أني استطعت حفضت طرفي * فلم أبصر به حتى أراكا) ~~(وكيف الصبر عنك وقد كفاني * نداك المستفيض وما كفاكا) وما أحسن قوله فيها ~~(ومن أعتاض عنك إذا إفترقنا * وكل الناس زور ما خلاكا) (وما أنا غير سهم في ~~هواء * يعود ولم يجد فيه إمتساكا) وقصده أيضا أبو الحسن محمد بن عبد الله ~~السلامي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان عين شعراء العراق وأنشده قصيدته ~~البديعة التي منها (إليك طوى عرض البسيطة جاعل * قصارى المطايا أن يلوح لها ~~القصر) (فكنت وعزمي في الظلام وصارمي * ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر) ~~PageV04P052 # (وبشرت آمالي بملك هو الورى * ودار هي الدنيا ويوم هو ~~الدهر) وعلى الحقيقة هذا الشعر هو السحر الحلال كما يقال وقد أخذ هذا ~~المعنى القاضي أبو بكر أحمد الأرجاني المقدم ذكره وعمل (يا سائلي عنه لما ~~جئت أمدحه * هذا هو الرجل العاري من العار) (كم من شنوف لطاف من محاسنه * ~~علقن منه على آذان سمار) (لقيته فرأيت الناس في رجل * والدهر في ساعة ~~والأرض في دار) ولكن أين الثريا من الثرى وهذا المعنى موجود في الشطر ~~الأخير من بيت المتنبي وهو (هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى * ومنزلك الدنيا ~~وأنت الخلائق) ولكنه ما أستوفاه فإنه ما تعرض إلى ذكر اليوم الذي جعله ~~السلامي هو الدهر فليس له طلاوة بيت السلامي رجعنا إلى ذكر عضد الدولة كتب ~~إليه أبو منصور أفتكين التركي متولي دمشق كتابا مضمونه أن الشام قد صفا ~~وصار في يدي وزال عنه حكم صاحب مصر وإن قويتني بالأموال والعدد حاربت القوم ~~في مستقرهم فكتب عضد الدولة جوابه هذه الكلمات وهي متشابهة في الخظ لا تقرأ ~~إلا بعد الشكل والنقط والضبط وهي غرك عزك فصار قصار ذلك ذلك فاخش فاحش فعلك ~~فعلك بهذا تهدا PageV04P053 # ولقد أبدع فيها كل الإبداع 149 وكان أفتكين المذكور ~~مولى معز الدولة بن بويه فتغلب على دمشق وخرج على العزيز العبيدي صاحب مصر ~~وقصده بنفسه ms0969 والتقى جيشاهما وجرت مقتلة عظيمة بينهما وانكسر أفتكين وهرب ~~وقطع عليه الطريق دغفل بن الجراح البدوي وحمله إلى العزيز وفي عنقه حبل ~~فأطلقه وأحسن إليه وأقام يسيرا ومات سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة رحمه الله ~~تعالى يوم الثلاثاء لسبع خلون من رجب وكانت لعضد الدولة أشعار فمن ذلك ما ~~أورده له أبو منصور الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر وقال اخترت من قصيدته ~~التي فيها البيت الذي لم يفلح بعده أبياتا وهي: # (ليس شرب الراح إلا في المطر * وغناء من جوار في السحر) (غانيات سالبات ~~للنهي * ناعمات في تضاعيف الوتر) (مبرزات الكأس من مطلعها * ساقيات الراح ~~من فاق البشر) (عضد الدولة وابن ركنها * ملك الأملاك غلاب القدر) فيحكى عنه ~~لما أحتضر لم يكن لسانه ينطق إلا بتلاوة * (ما أغنى عني ماليه هلك عني ~~سلطانيه) * (الحاقة 28 - 29) ويقال إنه ما عاش بعد هذه الأبيات إلا قليلا ~~وتوفي بعلة الصرع في يوم الاثنين ثامن شوال سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ~~ببغداد ودفن بدار الملك بها ثم نقل إلى الكوفة ودفن بمشهد أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعمره سبع وأربعون سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة ~~أيام رحمه الله تعالى والبيمارستان العضدي ببغداد منسوب إليه وهو في الجانب ~~الغربي وغرم عليه مالا عظيما وليس في الدنيا مثل ترتيبه وفرغ من بنائه سنة ~~ثمان وستين PageV04P054 # وثلاثمائة وأعد له من الآلات ما يقصر الشرح عن وصفه ~~وهو الذي أظهر قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالكوفة وبنى عليه المشهد ~~الذي هناك وغرم عليه شيئا كثيرا وأوصى بدفنه فيه وللناس في هذا القبر ~~اختلاف كثير حتى قيل أنه قبر المغيرة بن شعبة الثقفي فإن عليا رضي الله عنه ~~لا يعرف قبره وأصح ما قيل فيه إنه مدفون بقصر الإمارة بالكوفة والله أعلم ~~وفنا خسرو بفتح الفاء وتشديد النون وبعد الألف خاء معجمة وسين ساكنة وبعدها ~~راء مضمومة ثم واو وشعب بوان بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة ~~وبعدها باء موحدة ثم باء ثانية مفتوحة ms0970 بعدها واو مشددة وبعد الألف نون وهو ~~موضع عند شيراز كثير الأشجار والمياه وهومنسوب إلى بوان بن إيران بن الأسود ~~ابن سام بن نوح عليه السلام قال أبو بكر الخوارزمي مستنزهات الدنيا أربعة ~~مواضع غوطة دمشق ونهر الأبلة وشعب بوان وصغد سمرقند وأحسنها غوطة دمشق ~~والله أعلم حرف القاف PageV04P055 # 533 القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أبو محمد القاسم ~~بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ونسبه معروف فلا حاجة إلى رفعه كان ~~من سادات التابعين وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة وقد تقدم ذكر ستة منهم ~~وكان من أفضل أهل زمانه روى عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وروى عنه ~~جماعة من كبار التابعين قال يحيى بن سعيد ما أدركنا أحدا نفضله على القاسم ~~بن محمد وقال مالك كان القاسم من فقهاء هذه الأمة وقال محمد بن إسحاق جاء ~~رجل إلى القاسم بن محمد فقال أنت أعلم أم سالم فقال ذاك مبارك سالم قال ابن ~~إسحاق كره أن يقول هو أعلم مني فيكذب أو يقول أنا أعلم منه فيزكي نفسه وكان ~~القاسم أعلمهما وكان القاسم بن محمد يقول في سجوده اللهم اغفر لأبي ذنبه في ~~عثمان وقد تقدم في ترجمة زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما أنهما ~~كانا ابني خالة وأن القاسم بن محمد والدته ابنة يزدجرد آخر ملوك الفرس ~~وكذلك زين العابدين وسالم بن عبد الله بن عمر والقصة مستوفاة هناك وتوفي ~~سنة إحدى أو اثنتين ومائة وقيل سنة ثمان وقيل اثنتي عشرة ومائة بقديد فقال ~~كفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها قميصي وإزاري PageV04P059 # وردائي فقال ابنه يا أبت ألا نزيد ثوبين فقال هكذا كفن ~~أبو بكر في ثلاثة أثواب والحي أحوج إلى الجديد من الميت وكان عمره سبعين ~~سنة أو اثنتين وسبعين سنة رضي الله عنه وقديد بضم القاف وفتح الدال المهملة ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة وهو منزل بين مكة والمدينة ~~534 أبو عبيد القاسم بن سلام أبو ms0971 عبيد القاسم بن سلام بتشديد اللام كان ~~أبوه عبدا روميا لرجل من أهل هراة واشتغل أبو عبيد بالحديث والأدب والفقه ~~وكان ذا دين وسيرة جميلة ومذهب حسن وفضل بادع وقال القاضي أحمد بن كامل كان ~~أبو عبيد فاضلا في دينه وعلمه ربانيا متفننا في أصناف علوم الإسلام من ~~القراءات والفقه والعربية والأخبار حسن الرواية صحيح النقل ولا أعلم أحدا ~~من الناس طعن عليه في شيء من أمر دينه PageV04P060 # قال إبراهيم الحربي كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه ~~الروح يحسن كل شيء وولي القضاء بمدينة طرسوس ثمان عشرة سنة وروى عن أبي زيد ~~الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والكسائي والفراء وجماعة كثيرة ~~غيرهم وروى الناس من كتبه المصنفة بضعة وعشرين كتابا في القرآن الكريم ~~والحديث وغريبه والفقه وله الغريب المصنف والأمثال ومعاني الشعر وغير ذلك ~~من الكتب النافعة ويقال إنه أول من صنف في غريب الحديث وانقطع إلى عبد الله ~~بن طاهر مدة ولما وضع كتاب الغريب عرضه على عبد الله بن طاهر فاسستحسنه ~~وقال إن عقلا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق ألا يحوج إلى طلب المعاش ~~وأجرى عليه عشرة آلاف درهم في كل شهر وقال محمد بن وهب المسعري سمعت أبا ~~عبيد يقول كنت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة وربما كنت أستفيد الفائدة من ~~أفواه الرجال فأضعها في موضعها من الكتاب فأبيت ساهرا فرحا مني بتلك ~~الفائدة وأحدكم يجئيئني فيقيم أربعة خمسة أشهر فيقول قد أقمت كثيرا وقال ~~الهلال بن العلاء الرقي من الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم ~~بالشافعي تفقه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأحمد بن حنبل ثبت في ~~المحنة ولولا ذاك لكفر الناس وبيحي بن معين نفى الكذب عن حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسر غريب الحديث ولولا ذاك ~~لاقتحم الناس الخطأ وقال أبو بكر ابن الأنباري كان أبو عبيد يقسم الليل ~~أثلاثا فيصلي ثلثه وينام ثلثه ويضع الكتب ثلثه ms0972 وقال إسحاق بن رهواية أبو ~~عبيد أوسعنا علما وأكثرنا أدبا وأجمعنا جمعا إنا نحتاج إلى أبي عبيد وأبو ~~عبيد لا يحتاج إلينا وقال ثعلب لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجبا ~~وكان يخضب بالحناء أحمر الرأس واللحية وكان له وقار وهيبة وقدم بغداد فسمع ~~الناس منه كتبه ثم حج وتوفي بمكة وقيل بالمدينة بعد الفراغ PageV04P061 # من الحج سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائتين وقال ~~البخاري سنة أربع وعشرين وزاد غيره في المحرم وقال الخطيب في تاريخ بغداد ~~بلغني أنه عاش سبعا وستين سنة وذكر الحافظ ابن الجوزي أن مولده سنة خمسين ~~ومائة وقال أبو بكر الزبيدي في كتاب التقريظ أن مولده سنة أربع وخمسين ~~ومائة وذكر أن أبا عبيد لما قضى حجه وعزم على الانصراف واكترى إلى العراق ~~رأى في الليلة التي عزم على الخروج في صبيحتها النبي صلى الله عليه وسلم في ~~منامه وهو جالس وعلى رأسه قوم يحجبونه وناس يدخلون فيسلمون عليه ويصافحونه ~~قال فكلما دنوت لأدخل منعت فقلت لهم لم لا تخلون بيني وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالوا لا والله لا تدخل إليه ولا تسلم عليه وأنت خارج غدا ~~إلى العراق فقلت لهم إني لا أخرج إذا فأخذوا عهدي ثم خلوا بيني وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فدخلت وسلمت عليه وصافحني فأصبحت ففسخت الكراء ~~وسكنت بمكة ولم يزل بها إلى الوفاة ودفن في دور جعفر وقيل أنه رأى المنام ~~بالمدينة ومات بها بعد رحيل الناس عنها بثلاثة أيام رحمه الله تعالى ومولده ~~بهراة وطرسوس بفتح الطاء المهملة والراء وضم السين المهملة وسكون الواو ~~وبعدها سين ثانية وهي مدينة بساحل الشام عند السيس والمصيصة بناها المهدي ~~ابن المنصور أبي جعفر في سنة ثمان وستين ومائة على ما حكاه ابن الجزار في ~~تاريخه ومن تصانيفه أيضا المقصور والممدود والقراءات والمذكر PageV04P062 # والمؤنث وكتاب النسب وكتاب الأحداث وأدب القاضي وعدد ~~آي القرآن والإيمان والنذور والحيض وكتاب الأموال وغير ذلك رحمه الله تعالى ~~535 الحريري ms0973 صاحب المقامات أبو محمد القاسم بن علي بن بن محمد عثمان ~~الحريري البصري الحرامي صاحب المقامات كان أحد أئمة عصره ورزق الحظوة ~~التامة في عمل المقامات واشتملت على شيء كثير من كلام العرب من لغاتها ~~وأمثالها ورموز أسرار كلامها ومن عرفها حق معرفتا استدل بها على فضل هذا ~~الرجل وكثرة اطلاعه وغزارة مادته وكان سبب وضعه لها ما حكاه ولده أبو ~~القاسم عبد الله قال كان أبي جالسا في مسجده ببني حرام فدخل شيخ ذو طمرين ~~عليه أهبة السفر رث الحال فصيح الكلام حسن العبارة فسألته الجماعة من أين ~~الشيخ فقال من سروج فاستخبروه عن كنيته فقال أبو زيد فعمل أبي المقامة ~~المعروفة بالحرامية وهي الثامنة والأربعون وعزاها إلى أبي زيد المذكور ~~واشتهرت فبلغخبرها الوزير شرف الدين أبا نصر أنو شروان ابن خالد بن محمد ~~القاشاني وزير الإمام المسترشد بالله فلما وقف غليها أعجبته وأشار على ~~والدي أن يضم إليها غيرها فأتمها خمسين مقامة وإلى الوزير المذكور أشار ~~الحريري في خطبة المقامات بقوله فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم إلى إلى أن ~~أنشيء مقامات لأتلو فيها تلو البديع وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع هكذا ~~وجدته في عدة تواريخ ثم رأيت في بعض شهور سنة ست وخمسين وستمائة بالقاهرة ~~المحروسة نسخة مقامات وجميعها بخط مصنفها الحريري وقد كتب بخطه أيضا على ~~ظهرها إنه صنفها للوزير جلال الدين عميد الدولة أبي علي الحسن بن أبي العز ~~علي بن صدقة وزير المسترشد أيضا ولا شك أن هذا أصح من الرواية الأولى لكونه ~~بخط المصنف وتوفي الوزير المذكور في رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة غهذا ~~كان مستندة في نسبتها إلى أبي زيد السروجي وذكر القاضي الأكرم جمال الدين ~~أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني القفطي وزير حلب الذي سماه إنباه الرواة ~~على أنباه الرواة على أنباه النحاة أن أبا زيد المذكور اسمه المطهر بن سلار ~~وكان بصريا نحويا لغويا صحب الحريري المذكور واشتغل عليه بالبصرة وتخرج به ~~وروى عنه القاضي أبو الفتح محمد ms0974 بن أحمد بن المندائي الواسطي ملحة الأعراب ~~للحريري وذكر أنه سمعها منه عن الحريري وقال قدم علينا واسط في سنة ثمان ~~PageV04P063 # المذكور واشتهرت فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر ~~أنو شروان ابن خالد بن محمد القاشاني وزير الإمام المسترشد بالله فلما وقف ~~عليها أعجبته وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها فأتمها خمسين مقامة وإلى ~~الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله فأشار من إشارته حكم ~~وطاعته غنم إلى أن أنشيء مقامات أتلو فيها تلو البديع وإن لم يدرك الظالع ~~شأو الضليع هكذا وجدته في عدة تواريخ ثم رأيت في بعض شهور سنة ست وخمسين ~~وستمائة بالقاهرة المحروسة نسخة مقامات وجميعها بخط مصنفها الحريري وقد كتب ~~بخطه أيضا على ظهرها إنه صنفها للوزير جلال الدين عميد الدولة أبي علي ~~الحسن بن أبي العز علي بن صدقة وزير المسترشد أيضا ولا شك أن هذا أصح من ~~الرواية الأولى لكونه بخط المصنف وتوفي الوزير المذكور في رجب سنة اثنتين ~~وعشرين وخمسمائة فهذا كان مستنده في نسبتها إلى أبي زيد السروجي وذكر ~~القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني القفطي وزير حلب ~~في كتابه الذي سماه إنباه الرواة على أنباه الرواة على أنباه النحاة أن أبا ~~زيد المذكور اسمه المطهر بن سلار وكان بصريا نحويا لغويا صحب الحريري ~~المذكور واشتغل عليه بالبصرة وتخرج به وروى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن ~~أحمد بن المندائي الواسطي ملحة الأعراب للحريري وذكر أنه سمعها منه عن ~~الحريري وقال قدم علينا واسط في سنة ثمان PageV04P064 # وثلاثين وخمسمائة فسمعتها منه وتوجه منها مصعدا إلى ~~بغداد فوصلها وأقام بها مدة يسيرة وتوفي بها رحمه الله تعالى وكذا ذكره ~~السمعاني في في اليل الذيل والعماد في الخريدة وقال لقبه فخر الدين وتولى ~~صدرية المشان ومات بها بعد سنة أربعين وخمسائة وأما تسمية الراوي لها ~~بالحارث بن همام فإنما عنى به نفسه هكذا وقفت عليه في بعض شروح المقامات ~~وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه ms0975 وسلم كلكم حارث وكلكم همام فالحارث الكاسب ~~والهمام الكثير الاهتمام وما من شخص إلا وهو حارث وهمام لأن كل واحد كاسب ~~ومهتم بأموره وقد اعتنى بشرحها خلق كثير فمنهم من طول ومنهم من اختصر ورأيت ~~في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين مقامة ~~وحملها مكن البصرة إلى بغداد وادعاها فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء ~~بغداد وقالوا إنها ليست من تصنيفه بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات ~~بالبصرة ووقعت أوراقه إليه فادعاها فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن ~~صناعته فقال أنا رجل منشىء فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها فانفرد ~~في ناحية من الديوان وأخذ الدواة والورقة ومكث زمانا كثيرا فلم يفتح الله ~~سبحانه عليه بشئ من ذلك فقام وهوخجلان وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها ~~أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر المقدم ذكره فلما لم يعمل الحريري الرسالة ~~التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح وقيل إن هذين البيتين لأبي محمد ابن ~~أحمد المعروف بابن جكينا الحريمي البغدادي الشاعر المشهور (شيخ لنا من ~~ربيعة الفرس * ينتف عثنونه من الهوس) (أنطقه الله بالمشان كما * رماه وسط ~~الديوان بالخرس) PageV04P065 # وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس وكان مولعا بنتف ~~لحيته عند الفكرة وكان يسكن في مشان البصرة فلما رجع إلى بلده عمل عشر ~~مقامات أخر وسيرهن واعتذر من عيه وحصره في الديوان بما لحقه من المهابة ~~وللحريري تواليف حسان منها درة الغواص في أوهام الخواص ومنها ملحة الأعراب ~~المنظومة في النحو وله أيضا شرحها وله ديوان رسائل وشعر كثير غير شعره الذي ~~في المقامات فمن ذلك قوله وهو معنى حسن: # (قال العواذل ما هذا الغرام به * أما ترى الشعر في خديه قد نبتا) (فقلت ~~والله لو أن المفند لي * تأمل الرشد في عينيه ما ثبتا) (ومن أقام بأرض وهي ~~مجدبة * فكيف يرحل عنه ا والربيع أتى) وذكر له العماد الكاتب في الخريدة ~~(كم ظباء بحاجر * فتنت بالمحاجر) (ونفوس نفائس * خدرت بالمخادر ms0976 (وتثن لخاطر ~~* هاج وجدا لخاطري) (وعذار لأجله * عاذلي عاد عاذري) (وشجون تضافرت * عند ~~كشف الضفائر) وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيرا ويحكى أنه كان دميما ~~قبيح المنظر فجاءه شخص غريب يزوره وياخد عنه شيئا فلما رآه إستزرى شكله ~~ففهم الحريري ذلك منه فلما التمس منه أن يملي عليه قال له اكتب (ما أنت أول ~~سار غره قمر * ورائد أعجبته خضرة الدمن) PageV04P066 # (فاختر لنفسك غيري إنني رجل * مثل المعيدي فاسمع بي ~~ولا ترني) فخجل الرجل منه وانصرف وكانت ولادة الحريري في سنة ست وأربعين ~~وأربعمائة وتوفي سنة ست عشرة وقيل خمس عشرة وخمسمائة بالبصرة في سكة بني ~~حرام وخلف ولدين وقال أبو منصور الجواليقي أجازني المقامات نجم الدين عبد ~~الله وقاضي قضاة البصرة ضياء الإسلام عبيد الله عن أبيهما منشئها ونسبته ~~بالحرامي إلى هذه السكة رحمه الله تعالى وهي بفتح الحاء المهملة والراء ~~وبعدها ألف بعده ميم وبنو حرام قبيلة من العرب سكنوا في هذه السكة فنسبت ~~إليهم والحريري نسبة إلى الحرير وعمله أو بيعه والمشان بفتح الميم والشين ~~المعجمة وبعد الألف نون بليدة فوق البصرة كثيرة النخل موصوفة بشدة الوخم ~~وكان أصل الحريري منها ويقال إنه كان له بها ثمانية عشر ألف نخلة وإنه كان ~~من ذوي اليسار 150 والوزير أنو شروان المذكور كان نبيلا فاضلا جليل القدر ~~له تاريخ لطيف سماه صدور زمان الفتور وفتور زمان الصدور ونقل منه العماد ~~الأصبهاني في كتاب نصرة الفترة وعصرة الفطرة الذي ذكر فيه أخبار الدولة ~~السلجوقية نقلا كثيرا وتوفي الوزير المذكور سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ~~رحمه الله تعالى 151 وأما ابن المندائي المذكور فهو أبو الفتح محمد بن أبي ~~العباس أحمد بن بختيار بن علي بن محمد بن إبراهم بن جعفر الواسطي المعروف ~~بابن المندائي وقد أخذ عنه جماعة من الأعيان كالحافظ أبي بكر الحازمي وغيره ~~وكانت PageV04P067 # ولادته في شهر ربيع الآخر سنة سبع عشرة وخمسمائة بواسط ~~وتوفي بها في الثامن من شعبان سنة خمس وستمائة رحمه الله تعالى والمندائي ~~بفتح الميم ms0977 وسكون النون وفتح الدال المهملة ومد الهمزة والمعيدي بضم الميم ~~وفتح العين المهلة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال المهملة مكسورة ~~وياء مشددة وقد جاء في المثل تسمع بالمعيدي لا أن تراه وجاء أيضا تسمع ~~بالمعيدي خير من أن تراه وقال المفضل الضبي أول من تكلم به المنذر بن ماء ~~السماء قاله لشقة بن ضمرة التميمي الدارمي وكان قد سمع بذكره فلما رآه ~~اقتحمته عينه فقال له هذا المثل وسار عنه فقال له شقة أبيت اللعن إن الرجال ~~ليسوا بجزر يراد منها الأجسام إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فأعجب المنذر ~~ما رأى من عقله وبيانه وهذا المثل يضرب لمن له صيت وذكر ولا منظر له ~~والمعيدي منسوب إلى معد ابن عدنان وقد نسبوه بعد أن صغروه وخففوا منه الدال ~~536 القاسم بن الشهرزوري أبو أحمد القاسم بن المظفر بن علي بن القاسم ~~الشهرزوري والد قاضي الخافقين أبي بكر محمد والمرتضى أبي محمد عبد الله ~~وأبي منصور المظفر وهو جد بيت الشهرزوري قضاة الشام والموصل والجزيرة وكلهم ~~إليه ينتسبون كان حاكما بمدينة إربل مدة ومدينة سنجار مدة وكان من أولاده ~~وحفدته علماء نجباء كرماء نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك وتحكموا ~~وقضوا ونفقت أسواقهم خصوصا حفيده القاضي كمال الدين محمد ومحيي الدين بن ~~كمال الدين وسيأتي PageV04P068 # ذكرهما إن شاء الله تعالى وإلى الآن من نسله جماعة من ~~الأعيان والقضاة بالموصل وقدم بغداد غير مرة وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني ~~في كتاب الذيل ثم ذكره في كتاب الأنساب في موضعين أحدهما في نسبة الإربلي ~~وقال كان منها يعني إربل جماعة من العلماء منهم أبو أحمد القاسم المذكور ~~وقال إنه شيباني والثاني في نسبة الشهرزوري ذكره وذكر ولده قاضي الخافقين ~~المذكور وأثنى عليه وذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل وأورد له ~~شعرا فمن ذلك قوله (همتي دونها السها والزباني * قد علت جهدها فما تتدانى) ~~(فأنا متعب معنى إلى أن * تتفانى الأيام أو نتفانى) ورأيت في كتاب الذيل ~~للسمعاني هذين البيتين ms0978 منسوبين إلى ولده أبي بكر محمد المعروف بقاضي ~~الخافقين والله أعلم لمن هما منهما وتوفي القاسم المذكور سنة تسع وثمانين ~~وأربعمائة بالموصل ودفن في التربة المعروفة به الآن المجاورة لمسجد جده أبي ~~الحسن بن فرغان رحمه الله تعالى وأما ولده المرتضى عبد الله فهو والد ~~القاضي كمال الدين وقد تقدم ذكره في العبادلة وأوردت قصيدته اللامية ~~المعروفة بالموصلية 152 وأما قاضي الخافقين فقد قال السمعاني إنه اشتغل ~~بالعلم على أبي إسحاق الشيرازي وولي القضاء بعدة بلاد ورحل إلى العراق ~~وخراسان والجبال وسمع الحديث الكثير وسمع منه السمعاني وكانت ولادة قاضي ~~الخافقين بإربل سنة ثلاث أو أربع وخمسين وأربعمائة وتوفي في جمادى ~~PageV04P069 # الآخرة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ببغداد ودفن في باب ~~أبرز رحمه الله تعالى وإنما قيل له قاضي الخافقين لكثرة البلاد التي ولي ~~فيها 153 وأما المظفر فإن السمعاني ذكره أيضا في الذيل فقال ولد بإربل ونشأ ~~بالموصل وورد بغداد وتفقه بها على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ورجع إلى ~~الموصل ثم ولي قضاء سنجار على كبر سنه وسكنها وكان قد أضر ثم قال سألته عن ~~مولده فقال ولدت في جمادى الآخرة أو رجب سنة سبع وخمسين وأربعمائة بإربل ~~ولم يذكر وفاته والشهرزوري بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وضم الراء ~~والزاي وسكون الواو وبعدها راء هذه النسبة إلى شهرزور وهي بلدة كبيرة ~~معدودة من أعمال إربل بناها زور بن الضحاك وهي لفظة عجمية معناها بالعربي ~~بلدة زور ومات بها الإسكندر ذو القرنين عند عوده من بلاد المشرق وحكى لي ~~بعض أهلها وقد سألته عن قبره فقال هناك قبر يعرف بقبر إسكندر ولا يعرف ~~أهلها من هو وهي مدينة قديمة وحكى الخطيب في تاريخ بغداد أن الإسكندر جعل ~~المدائن دار إقامته أعني مدائن كسرى ولم يزل بها إلى أن توفي هناك وحمل ~~تابوته إلى الإسكندرية لأن أمه كانت مقيمة هناك ودفن عندها والله أعلم ~~PageV04P070 # 537 الشيخ الشاطبي أبو محمد القاسم بن فيره بن أبي ~~القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير المقرئ ms0979 صاحب القصيدة التي سماها ~~حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا ~~ولقد أبدع فيها كل الإبداع وهي عمدة قراء هذا الزمان في نقلهم فقل من يشتغل ~~بالقراءات إلا ويقدم حفظها ومعرفتها وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات ~~خفية لطيفة وما أظنه سبق إلى أسلوبها وقد روي عنه أنه كان يقول لا يقرأ أحد ~~قصيدتي هذه إلا وينفعه الله عز وجل بها لأني نظمتها لله تعالى مخلصا في ذلك ~~ونظم قصيدة دالية في خمسمائة بيت من حفظها أحاط علما بكتاب التمهيد لابن ~~عبد البر وكان عالما بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيرا وبحديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مبرزا فيه وكان إذا قريء عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ ~~تصحح النسخ من حفظه ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها وكان أوحدا في ~~علم النحو واللغة عارفا بعلم الرؤيا حسن المقاصد مخلصا فيما يقول ويفعل ~~وقرأ القرآن الكريم بالروايات على أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أبي ~~العاص النفزي المقري وأبي الحسن علي بن محمد بن هذيل الأندلسي وسمع الحديث ~~من أبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم ~~الخزرجي وأبي الحسن ابن هذيل والحافظ أبي الحسن ابن النعمة وغيرهم وأنتفع ~~PageV04P071 # به خلق كثير وأدركت من أصحابه جمعا كثيرا بالديار ~~المصرية وكان يجتنب فضول الكلام ولا ينطق في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه ~~ضرورة ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة في هيئة حسنة وتخشع واستكانه وكان ~~يعتل العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه وإذا سئل عن حاله قال العافية لا ~~يزيد على ذلك أنشدني بعض أصحابه قال كان الشيخ كثيرا ما ينشد هذا اللغز وهو ~~في نعش الموتى فقلت له فهل هو له فقال لا أعلم ثم إني وجدته بعد ذلك في ~~ديوان الخطيب أبي زكريا يحيى بن سلامة الحصكفي وسيأتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى وهو (أتعرف شيئا في السماء يطير * إذا سار صاح الناس حيث ms0980 يسير) ~~(فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا * وكل أمير يعتليه أسير) (يحض على التقوى ~~ويكره قربه * وتنفر منه النفس وهو نذير) (ولم يستزر عن رغبة في زيارة * ~~ولكن على رغم المزور يزور) وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ~~وخطب ببلده على فتاء سنه ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وكان يقول ~~عند دخوله إليها إنه يحفظ وقر بعير من العلوم بحيث لو نزل عليه ورقة أخرى ~~لما احتملها وكان نزيل القاضي الفاضل ورتبه بمدرسته بالقاهرة متصدرا لإقراء ~~القرآن الكريم وقراءاته والنحو واللغة وتوفي يوم الأحد بعد صلاة العصر ~~الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة ودفن يوم الاثنين في ~~تربة القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى وزرت قبره مرارا رحمه الله تعالى وصلى ~~عليه الخطيب أبو إسحاق العراقي المقدم ذكره خطيب جامع مصر وفيره بكسر الفاء ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وتشديد الراء وضمها وهو بلغة اللطيني من ~~أعاجم الأندلس ومعناه بالعربي الحديد والرعيني بضم الراء وفتح العين ~~المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون هذه النسبة إلى ذي رعين ~~وهو أحد أقيال اليمن نسب إليه خلق كثير PageV04P072 # والشاطبي بفتح الشين المعجمة وبعد الألف طاء مكسورة ~~مهملة وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى شاطبة وهي مدينة كبيرة ذات قلعة ~~حصينة بشرق الأندلس خرج منها جماعة من العلماء استولى عليها الفرنج في ~~العشر الأخير من شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة وقيل إن اسم الشيخ ~~المذكور أبو القاسم وكنيته اسمه لكن وجدت في إجازات أشياخه له أبو محمد ~~القاسم كما ذكرته هاهنا 538 أبو العجلي أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن ~~معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية ابن خزاعي بن عبد العزى بن دلف بن جشم بن ~~قيس بن سعد بن عجل بن لجيم ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب ~~بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان العجلي ~~أحد قواد المأمون ثم المعتصم ms0981 من بعده وقد تقدم ذكره في ترجمة علي بن جبلة ~~العكوك وبعض مديح العكوك فيه وتقدم أيضا في ترجمة أبي مسلم الخراساني أنه ~~كان تربية جده المذكور وتقدم ذكر حفيده الأمير أبي نصر علي بن ماكولا صاحب ~~كتاب الإكمال PageV04P073 # وكان أبو دلف المذكور كريما سريا جوادا ممدحا شجاعا ~~مقدما ذا وقائع مشهورة وصنائع مأثورة أخذ عنه الأدباء والفضلاء وله صنعة في ~~الغناء وله من الكتب كتاب البزاة والصيد وكتاب السلاح وكتاب النزه وكتاب ~~سياسة الملوك وغير ذلك ولقد مدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح وكذلك بكر ~~بن النطاح وفيه يقول (يا طالبا للكيمياء وعلمه * مدح ابن عيسى الكيمياء ~~الأعظم) (لو لم يكن في الأرض إلا درهم * ومدحته لأتاك ذاك الدرهم) ويحكى ~~أنه أعطاه على هذين البيتين عشرة آلاف درهم فأغفله قليلا ثم دخل عليه وقد ~~اشترى بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلة فأنشده (بك ابتعت في نهر الأبلة ~~قرية * عليها قصير بالرخام مشيد) (إلى جنبها أخت لها يعرضونها * وعندك مال ~~للهبات عتيد) فقال له كم ثمن هذه الأخت فقال عشرة آلاف درهم فدفعها له ثم ~~قال له تعلم أن نهر الأبلة عظيم وفيه قرى كثيرة وكل أخت إلى جانبها أخرى ~~وإن فتحت هذا الباب اتسع علي الخرق فاقنع بهذه ونصطلح عليها فدعا له وانصرف ~~وقد ألم أبو بكر محمد بن هاشم أحد الخالديين بمعنى قول بكر بن النطاح ~~المذكور في البيتين الأولين فقال (وتيقن الشعراء أن رجاءهم * في مأمن بك من ~~وقوع الياس) (ما صح علم الكيمياء لغيرهم * فيمن عرفنا في جميع الناس) ~~PageV04P074 # (تعطيهم الأموال في بدر إذا * حملوا الكلام إليك في ~~قرطاس) وكان أبو دلف قد لحق أكرادا قطعوا الطريق في عمله فطعن فارسا فنفذت ~~الطعنة إلى أن وصلت إلى فارس آخر وراءه رديفه فنفذ فيه السنان فقتلهما وفي ~~ذلك يقول بكر بن النطاح المذكور (قالوا وينظم فارسين بطعنة * يوم الهياج ~~ولاتراه كليلا) (لا تعجبوا فلو أن طول قناته * ميل إذا نظم الفوارس ميلا) ~~وكان عبد الله أحمد بن ms0982 أبي فنن صالح بني هاشم أسود مشوه الخلق وكان فقيرا ~~فقالت له امرأته يا هذا إن الأدب أراه قد سقط نجمه وطاش سهمه فاعمد إلى ~~سيفك ورمحك وقوسك وادخل مع الناس في غزواتهم عسى الله أن ينفلك من الغنيمة ~~شيئا فأنشد (مالي وما لك قد كلفني شططا * حمل السلاح وقول الدارعين قف) ~~(أمن رجال المنايا خلتني رجلا * أمسي وأصبح مشتاقا إلى التلف) (تمشي ~~المنايا إلى غيري فأكرهها * فكيف امشي إليها بارزالكتف) (ظننت أن نزال ~~القرن من خلقي * أو أن قلبي في جنبي أبي دلف) فبلغ خبره أبا دلف فوجه إليه ~~ألف دينار وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبته الديون واشتهر ذلك عنه فدخل ~~عليه بعضهم وأنشده (أيا رب المنائح والعطايا * ويا طلق المحيا واليدين) ~~(لقد خبرت أن عليك دينا * فزد في رقم دينك واقض ديني) PageV04P075 # فوصله وقضى دينه ودخل عليه بعض الشعراء فأنشده (الله ~~أجرى من الأرزاق أكثرها * على يديك تعلم يا أبا دلف) (ما خط لا كاتباه في ~~صحيفته * كما تخطط لا في سائر الصحف) (بارى الرياح فأعطى وهي جارية * حتى ~~إذا وقفت أعطى ولم يقف) ومدائحه كثيرة وله أيضا أشعار حسنة ولولا خوف ~~التطويل لذكرت بعضها وكان أبوه قد شرع في عمارة مدينة الكرج وأتمها هو وكان ~~بها أهله وعشيرته وأولاده وكان قد مدحه وهو بها بعض الشعراء فلم يحصل له ~~منه ما في نفسه فانفصل عنه وهو يقول وهذا الشاعر هو منصور بن باذان وقيل هو ~~بكر بن النطاح والله أعلم (دعيني أجوب الأرض في فلواتها * فما الكرج الدنيا ~~ولا الناس قاسم) وهذا مثل قول بعضهم ولا أدري أيهما أخذ من الآخر (فإن ~~رجعتم إلى الإحسان فهو لكم * عبد كما كان مطواع ومذعان) (وإن أبيتم فأرض ~~الله واسعة * لا الناس أنتم ولا الدنيا خراسان) ثم وجدت هذين البيتين قد ~~ذكرهما السمعاني في كتاب الذيل في ترجمة أبي الحسن علي بن محمد بن علي ~~البلخي فقال أنشدني القاضي علي بن محمد البلخي بدورق متمثلا للأمير أبي ~~الحسن ms0983 علي بن المنتخب ولعله سمع منه وأنشد البيتين وروي أن الأمير علي بن ~~عيسى بن ماهان صنع مأدبة لما قدم أبو دلف من PageV04P076 # الكرج ودعاه إليها وكان قد احتفل بها غاية الاحتفال ~~فجاء بعض الشعراء ليدخل دار علي بن عيسى فمنعه البواب فتعرض الشاعر لأبي ~~دلف وقد قصد دار علي بن عيسى وبيده جزازة فناوله إياها فإذا فيها مكتوب (قل ~~له إن لقيته * متأن بلا وهج) (جئت في ألف فارس * لغداء من الكرج) (ما على ~~الناس بعدها * في الدنيات من حرج) فرجع أبو دلف وحلف أنه لا يدخل الدار ولا ~~يأكل شيئا من الطعام ورأيت في بعض المجاميع أن هذا الشاعر هو عباد بن ~~الحريش وكانت المأدبة ببغداد ورأيت في بعض المجاميع أيضا أن أبا دلف لما ~~مرض مرض موته حجب الناس عن الدخول عليه لثقل مرضه فاتفق أنه أفاق في بعض ~~الأيام فقال لحاجبه من بالباب من المحاويج فقال عشرة من الأشراف وقد وصلوا ~~من خراسان ولهم بالباب عدة أيام لم يجدوا طريقا فقعد على فراشه واستدعاهم ~~فلما دخلوا رحب بهم وسألهم عن بلادهم وأحوالهم وسبب قدومهم فقالوا ضاقت بنا ~~الأحوال وسمعنا بكرمك فقصدناك فأمر خازنه بإحضار بعض الصناديق وأخرج منه ~~عشرين كيسا في كل كيس ألف دينار ودفع لكل واحد منهم كيسين ثم أعطى لكل واحد ~~مؤونة طريقه وقال لهم لا تمسوا الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى أهلكم ~~واصرفوا هذا في مصالح الطريق ثم قال ليكتب لي كل واحد منكم خطه أنه فلان بن ~~فلان حتى ينتهي إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويذكر جدته فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ليكتب يا رسول الله إني وجدت إضاقة وسوء ~~حال في بلدي وقصدت أبا دلف العجلي فأعطاني ألفي دينار كرامة لك وطلبا ~~لمرضاتك ورجاء لشفاعتك فكتب كل واحد منهم ذلك وتسلم الأوراق وأوصى من ~~PageV04P077 # يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفنه حتى ~~يلقى بها رسول الله صلى الله عليه ms0984 وسلم ويعرضها عليه ومع هذا فقد حكي أنه ~~قال يوما من لم يكن مغاليا في التشيع فهو ولد زنا فقال له ولده إني فلست ~~على مذهبك فقال له أبوه لما وطئت أمك وعلقت بك ما كنت بعد قد إستبرأتها ~~فهذا من ذاك والله أعلم ومع هذا فقد حكى جماعة من أرباب التواريخ ان دلف بن ~~أبي دلف قال رأيت في المنام آتيا أتاني فقال لي أجب الأمير فقمت معه ~~فأدخلني دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مقلعة السقوف والأبواب واصعدني على ~~درج منها ثم أدخلني غرفة في حيطانها أثر النيران وفي أرضها أثر الرماد وإذا ~~بأبي وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه فقال لي كالمستفهم دلف قلت دلف فأنشأ ~~يقول (أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم * ما لقينا في البرزخ الخناق) (قد سئلنا عن ~~كل ما قد فعلنا * فارحموا وحشتي وما قد ألاقي) ثم قال فهمت قلت نعم ثم أنشد ~~(فلو كنا إذا متنا تركنا * لكان الموت راحة كل حي) (ولكنا إذا متنا بعثنا * ~~ونسأل بعده عن كل شيء) ثم قال أفهمت قلت نعم وأنتبهت وكانت وفاته سنة ست ~~وعشرين وقيل خمس وعشرين ومائتين ببغداد رحمه الله تعالى ودلف بضم الدال ~~المهملة وفتح اللام وبعدها فاء وهو اسم علم لا ينصرف لاجتماع العلمية ~~والعدل فإنه معدول عن دالف PageV04P078 # والعجلي قد تقدم الكلام عليه والأبلة بضم الهمزة ~~والباء الموحدة واللام المشددة المفتوحة وبعدها هاء ساكنة وهي بلدة قديمة ~~على أربعة فراسخ من البصرة وهي اليوم من البصرة وهي من جنان الدنيا وإحدى ~~المستنزهات الأربع وقد سبق ذكرها في ترجمة عضد الدولة بن بويه مع شعب بوان ~~وغيره والكرج بفتح الكاف والراء وبعدها جيم وهي مدينة بالجبل بين أصبهان ~~وهمذان والجبل إقليم كبير بين بلاد العراق وخراسان والعامة تسمية عراق ~~العجم وفيه مدن كبار منها همذان وأصبهان والري وزنجان وغير ذلك 539 شمس ~~المعالي قابوس الأمير شمس المعالي أبو الحسن قابوس بن أبي طاهر وشمكير بن ~~زيار بن وردانشاه الجيلي أمير جرجان وبلاد الجيل ms0985 وطبرستان قال الثعالبي في ~~اليتيمة أنا أختم هذا الجزء بذكر خاتم الملوك وغرة الزمان وينبوع العدل ~~والإحسان ومن جمع الله سبحانه له إلى عزة العلم بسطة القلم وإلى فصل الحكمة ~~فصل الحكم ثم قال ومن مشهور ما ينسب إليه من الشعر قوله PageV04P079 # (قل للذي بصروف الدهر عيرنا * هل حارب الدهر إلا من له ~~خطر) (أما ترى البحريب تعلو فوقه جيف * وتستقر بأقصى قعره الدرر) (فإن تكن ~~عبثت أيدي الزمان بنا * ومسنا من تمادي بؤسه ضرر) (ففي السماء نجوم ما لها ~~عدد * وليس يكسف إلا الشمس والقمر) وينسب إليه أيضا (خطرات ذكرك تشتثير ~~مودتي * فأحس منها في الفؤاد دبيبا) (لا عضو لي إلا وفيه صبابة * فكأن ~~أعضائي خلقن قلوبا) وذكر له جملة من النثر أيضا وكان خطه في نهاية الحسن ~~وكان الصاحب من عباد إذا رأى خطه قال هذا خط قابوس أم جناح طاووس وينشد قول ~~المتنبي (في خطه من كل قلب شهوة * حتى كأن مداده الأهواء) (ولكل عين قرة في ~~قربه * حتى كأن مغيبه الأقذاء) وكان الأمير المذكور صاحب جرجان وتلك البلاد ~~وكانت من قبله لأبيه وكانت وفاة أبيه في المحرم سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ~~بجرجان ثم انتقلت مملكة جرحان عنهم إلى غيرهم وشرح ذلك يطول وملكها قابوس ~~المذكور في شعبان سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة كانت المملكة قد انتقلت إلى ~~أبيه من أخيه مرداويج بن زيار بن وردانشاه الجيلي وكان ملكا جليل القدر ~~بعيد الهمة وكان عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه المقدم ذكره من أحد ~~أتباعه ومقدمي أمرائه وبسببه ترقى إلى درجة الملك وشرح حديثه يطول وهو أول ~~من ملك من بني بويه وهو أكبر الإخوة وقد سبق ذكر ذلك كله وكان قابوس من ~~محاسن الدنيا وبهجتها غير أنه كان على ما خص به من PageV04P080 # المناقب والرأي البصير بالعواقب مر السياسة لا يساغ ~~كأسه ولا يؤمن بحال سطوته وبأسه يقابل زلة القدم بإراقة الدم لا يذكر العفو ~~عند الغضب فما زال على هذا الخلق حتى إستوحشت النفوس منه ms0986 وانقلبت القلوب ~~عنه فأجمع أعيان عسكره على خلعه ونزع الأيدي عن طاعته فوافق هذا التدبير ~~منهم غيبته عن جرجان إلى المعسكر ببعض القلاع فلم يشعر بهذا التدبير لذلك ~~ولم يحس بهم إلا وقد قصدوه وأرادوا قبضه ونهبوا أمواله وخيله فحامى عنه من ~~كان في صحبته من خواصه فرجعوا إلى جرجان وملكوها وبعثوا إلى ولده أبي منصور ~~منوجهر وهو بطبرستان يستحثونه على الوصول إليهم لعقد البيعة له فأسرع في ~~الحضور فلما وصل إليهم أجمعوا على طاعته إن خلع أباه فلم يسعه في تلك الحال ~~إلا المداراه والإجابة خوفا على خروج الملك عن بيتهم ولما رأى الأمير قابوس ~~صورة الحال توجه إلى ناحية بسطام بمن معه من الخواص لينتظر ما يستقر عليه ~~الأمر فلما سمع الخارجون عليه انحيازه إلى تلك الجهة حملوا ولده منوجهر على ~~قصده وإزعاجه من مكانه فسار معهم مضطرا فلما وصل إلى أبيه اجتمع به وتباكيا ~~وتشاكيا وعرض الولد نفسه أن يكون حجابا بينه وبين أعاديه ولو ذهبت نفسه فيه ~~ورأى الوالد أن ذلك لا يجدي وأنه أحق بالملك من بعده وسلم خاتم المملكة ~~إليه واستوصاه خيرا بنفسه ما دام في قيد الحياة واتفقا على أن يكون في بعض ~~القلاع إلى أن يأتيه أجله فانتقل إلى تلك القلعة وشرع الولد في الإحسان إلى ~~الجيش وهم لا يطمئنون خشية قيام الوالد ولم يزالوا حتى قتل وذلك في سنة ~~ثلاث وأربعمائة ودفن بظاهر جرجان رحمه الله تعالى وقيل أنه لما حبس في ~~القلعة منع من الغطاء والدثار وكان البرد شديدا فمات من ذلك والجيلي بكسر ~~الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام هذه النسبة إلى جيل وهو اسم ~~رجل كان أخا ديلم وقد نسب إلى كل واحد منهما وهذه النسبة غير نسبة الجيلي ~~إلى الإقليم الذي وراء طبرستان فليعلم ذلك فقد يقع PageV04P081 # فيه الالتباس فلهذا نبهت عليه وقد تقدم الكلام على ~~جرجان فلا حاجة إلى إعادته 540 مجاهد الدين قايماز الزيني أبو منصور قايماز ~~بن عبد الله الزيني الملقب مجاهد ms0987 الدين الخادم كان عتيق زين الدين أبي سعيد ~~علي بن بكتكين والد الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل وهو من أهل سجستان ~~أخذ منها صغيرا وكان أبيض اللون وكانت مخايل النجابة لائحة عليه فقدمه ~~معتقه وجعله اتابك أولاده وفوض إليه أمور إربل في خامس شهر رمضان سنة تسع ~~وخمسين وخمسمائة فأحسن السيرة وعدل في الرعية وكان كثير الخير والصلاح بنى ~~بإربل مدرسة وخانقاه وأكثر وقفهما ثم أنتقل إلى الموصل في سنة إحدى وسبعين ~~وخمسمائة وسكن قلعتها وتولى أمور تدبيرها وراسل الملوك وراسلوه وكان يبلغ ~~منهم بكتبه ما لا يبلغ سواه وفوض إليه الأتابك سيف الدين غازي بن مودود ~~المقدم ذكره صاحب الموصل الحكم في سائر بلاده لما رآه من حسن مقاصده واعتمد ~~عليه في جميع أحواله وكان نائبه وهو السلطان في الحقيقة وكان يحمل إليه ~~أكثر أموال إربل وأثر بالموصل آثارا جميلة منها أنه بنى بظاهرها جامعا ~~كبيرا ومدرسة وخانقاه والجميع متجاورة ووقف أملاكا كثيرة على خبز ~~PageV04P082 # الصدقات وأنشأ مكتبا للأيتام وأجرى لهم جميع ما ~~يحتاجون إليه ومد على شط الموصل جسرا غير الجسر الأصلي ووجد الناس به رفقا ~~كثيرا لعدم كفايتهم بالجسر الأصلي وله شيء كثير من وجوه البر ومدحه جماعة ~~من الشعراء منهم حيص بيص وسبط ابن التعاويذي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~بقصيدتة التي أولها (عليل الشوق فيك متى يصح * وسكران بحبك كيف يصحو) (وبين ~~القلب والسلوان حرب * وبين الجفن والعبرات صلح) وهي من قصائده المختارة ~~وسيرها إليه من بغداد فأجازه جائزة سنية وسير له معها بغلة فوصلت إليه وقد ~~هزلت من تعب الطريق فكتب إليه (مجاهد الدين دمت ذخرا * لكل ذي فاقة وكنزا) ~~(بعثت لي بغلة ولكن * قد مسخت في الطريق عنزا) ومدحه بهاء الدين أبو ~~المعالي أسعد بن يحيى السنجاري المقدم ذكره بقصيدته المشهورة التي يتغنى ~~بها ومن جملتها (يا قلب تبا لك من صاحب * كان البلا منك ومن ناظري) (لله ~~أيامي على رامة * وطيب أوقاتي على حاجر) (تكاد بالسرعة في مرها * أولها ~~يعثر ms0988 بالآخر) وعمل له أبو المعالي أسعد بن علي الحظيري المقدم ذكره كتاب ~~الإعجاز في حل الأحاجي والألغاز برسم الأمير مجاهد الدين قايماز وحمله إليه ~~لما كان بإربل واقام عنده مدة فاشتاق إلى أهله بالحظيرة فقال PageV04P083 # (ألا من لصب قليل العزاء * غريب يحن إلى المنزل) ~~(ينادي بإربل أحبابه * وأنى الحظيرة من إربل) وكان يحب الأدب والشعر أنشدني ~~بعض أصحابنا قال كثيرا ما كان ينشد أبياتا من جملتها (إذا أدمت قوارصكم ~~فؤادي * صبرت على أذاكم وانطويت) (وجئت إليكم طلق المحيا * كأني ما سمعت ~~وما رأيت) وهذان البيتان من جملة أبيات لأسامة بن منقذ المقدم ذكره وقد ~~تقدم في ترجمة العلم أبي علي الحسن بن سعيد الشاتاني ذكر بيتين عملهما فيه ~~لما قبض عليه وبالجملة فآثاره مشهورة وكان مجد الدين أبو السعادات المبارك ~~بن الأثير الجزري صاحب جامع الأصول كاتبا بين يديه ومنشئا عنه إلى الملوك ~~وكان قد مات الأتابك سيف الدين وتولى أخوه عز الدين مسعود فسعى أهل الفساد ~~إليه في حقه وكثر ذلك منهم غقبض عليه في سنة تسع وثمانين وجمسمائة ثم ظهر ~~له فساد رأيه في ذلك فأطلقه واعاده إلى ما كان عليه واستمر على ذلك إلى أن ~~توفي في منتصف شهر ربيع الأول وقيل في سادسه وقال ابن المستوفي في تاريخ ~~إربل في صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة بقلعة الموصل وكان شروعه في عمارة ~~جامعة بالموصل في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة رحمه الله تعالى PageV04P084 # 541 قتادة السدوسي أبو الخطاب قتادة بن دعامه بن عزيز ~~بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث ابن سدوس السدوسي ~~البصري الأكمه كان تابعيا وعالما كبيرا قال أبو عبيدة ما كنا نفقد غي كل ~~يوم راكبا من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة فيسأله عن خبر أو نسب أو ~~شعر وكان قتادهة أجمع الناس وقال معمر سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله ~~تعالى * (وما كنا له مقرنين) * (الإسراء: 17) فلم يجبني فقلت إني سمعت ~~قتادة يقول مطيقين فسكت فقلت ms0989 له ما تقول يا أبا عمروفقال حسبك قتادة فلولا ~~كلامه في القدر وقد قال صلى الله عليه وسلم إذا ذكر القدر فأمسكوا لما عدلت ~~به أحدا منأهل دهره وقال أبو عمرو كان قتادة من أنسب الناس كان قد أدرك ~~دغفلا وكان يدور البصرة أعلاها وأسفلها بغير قائد فدخل مسجد البصرة فإذا ~~بعمرو بن عبيد ونفر معه قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري وحلقوا وارتفعت ~~أصواتهم فأمهم وهو يظن أنها حلقة الحسن فلما صار معهم عرف أنها ليست هي ~~فقال إنما هؤلاء المعتزلة ثم قام عنهم فمذ يومئذ سموا المعتزلة كانت ولادته ~~سنة ستين للهجرة وتوفي سنة سبع عشرة ومائة بواسط PageV04P085 # وقيل ثماني عشرة رضي الله عنه والسدوسي بفتح السين ~~المهملة وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها سين ثانيه هذه النسبة إلى ~~سدوس بن سيبان وهي قبيلة كبيرة كثيرة العلماء وغيرهم (154) ودغفل بفتح ~~الدال المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء ثم لام هو ابن حنظلة السدوسي ~~النسابة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا وقدم على معاوية ~~وكان أنسب العرب وقتله الزارقة وقيل إنه غرق بدجيل في وقعة دولاب وهو الأصح ~~542 قتيبة بن مسلم أبو حفص قتيبة بن أبي صالح مسلم بن عمرو بن الحصين بن ~~ربيعة بن خالد بن أسيد الخير بن قضاعي بن هلال بن سلامة بن ثعلبة بن وائل ~~بن معن بن مالك بن اعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن ~~عدنان الباهلي أمير خراسان زمن عبد الملك بن مروان من جهة الحجاج بن يوسف ~~الثقفي لأنه كان أمير العراقين وكل من كان يليهما كانت خراسان مضافة إليه ~~وأقام بها ثلاث عشرة سنة وكان من قبلها على الري وتولى خراسان بعد يزيد ~~PageV04P086 # ابن المهلب بن أبي صفرة وفي ترجمة يزيد شرح ذلك وهو ~~الذي افتتح خوارزم وسمرقند وبخارى وقد كانوا كفروا وكان شهما مقداما نجيبا ~~وكان أبوه مسلم كبير القدر عند يزيد بن معاوية وهوصاحب الحرون وكان الحروف ms0990 ~~من الفحول المشاهير يضرب به المثل ثم فتح بلغ قتيبة فرغانة في سنة خمس ~~وتسعين في أواخر أيام الوليد بن عبد الملك وقال أهل التاريخ بلغ قتيبة بن ~~مسلم في غزو الترك والتوغل في البلاد ما وراء النهر وافتتاح القلاع ~~واستباحة البلاد وأخذ الأموال وقتل الفتاك مالم يبلغه المهلب بن أبي صفرة ~~ولا غيره حتى أنه فتح بلاد خوارزم وسمرقند في عام واحد ولما فتح هاتين ~~المدينتين الجليلتين عادت السغد وحملت الإتاوة ودعا قتيبة لما تمت له هذه ~~الأحوال نهار بن توسعة شاعر المهلب بن أبي صفرة وبنيه وقال له أين قولك في ~~المهلب لما مات (ألا ذهب الغزو المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد ~~المهلب) أفغمزو هذا يا نهار قال لابل هذا حشر ثم قال نهار وأنا القائل (ولا ~~كان مذ كنا ولا كان قبلنا * ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم) (أعم لأهل الترك ~~قتلا بسيفه * وأكثر فينا مقسما بعد مقسم) ثم إنه لما بلغ الحجاج ما فعل ~~قتيبة من الفتوحات والقتل والسبي قال بعثت قتيبة فتى غزاء فما زدته باعا ~~إلا زادني ذراعا فلما مات الوليد في سنة ست وتسعين وتولى الأمر أخوه سليمان ~~بن عبد الملك وكان يكره قتيبة لأمر يطول شرحه فخاف منه قتيبة وخلع بيعة ~~سليمان وخرج عليه وأظهر الخلاف فلم يوافقه على ذلك أكثر الناس وكان قتيبة ~~قد عزل وكيع بن حسان بن قيس بن يوسف بن كلب بن عوف بن مالك بن PageV04P087 # غدانة واسم غدانة أشرس وكنيته وكيع أبو المطرف الغداني ~~عن رياسة بني تميم فحقد وكيع عليه وسعى في تأليب الجند سرا وتقاعد عن قتيبة ~~متمارضا ثم خرج عليه وهو بفرغانة فقتله مع أحد عشر من أهله وذلك في ذي ~~الحجة سنة ست وتسعين للهجرة وقيل سنة سبع وتسعين ومولده سنة تسع وأربعين ~~وتولى خراسان تسع سنين وسبعة أشهر هكذا قال السلامي في تاريخ ولاة خراسان ~~وهو خلاف ما قيل أولا وقال الطبري تولى خراسان سنة ست وثمانين وفي قتله ~~يقول جرير ms0991 (ندمتم على قتل الأغر ابن مسلم * وأنتم إذا لاقيتم الله أندم) ~~(لقد كنتم من غزوه في غنيمة * وأنتم لمن لاقيتم اليوم مغنم) (على أنه أفضى ~~إلى حور جنة * وتطبق بالبلوى عليكم جهنم) وقتل أبوه مسلم بن عمرو مع مصعب ~~بن الزبير في سنة اثنتين وسبعين للهجرة 155 وقتيبة المذكور جد أبي عمروسعيد ~~بن سلم بن قتيبة بن مسلم وكان سعيد المذكور سيدا كبيرا ممدحا وفيه يقول عبد ~~الصمد بن المعذل يرثيه (كم يتيم نعشته بعد يتم * وفقير أغنيته بعد عدم) ~~(كلما عضت النوائب نادى * رضي الله عن سعيد بن سلم) وتولى سعيد أرمينية ~~والموصل والسند وطبرستان وسجستان والجزيرة وتوفي سنة سبع عشرة ومائتين ومن ~~أخباره أنه قال لما كنت واليا بأرمينية PageV04P088 # أتاني أبو دهمان الغلابي فقعد على بابي أياما فلما وصل ~~إلي جلس قدامي بين السماطين وقال والله إني لأعرف أقواما لو علموا أن سف ~~التراب يقيم أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثارا للتنزه عن عيش رقيق ~~الحواشي أما والله إني لبعيد الوثبة بطيء العطفة إنه والله ما يثنيني عليك ~~إلا مثل ما يصرفك عني ولأن أكون مقلا مقربا أحب إلي من أن أكون مكثرا مبعدا ~~والله ما نسأل عملا لا نضبطه ولا مالا إلا ونحن أكثر منه إن هذا الأمر الذي ~~صار في يديك قد كان في يد غيرك فأمسوا والله حديثا إن خيرا فخير وإن شرا ~~فشر فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر ولين الحجاب فإن حب عباد الله موصول ~~بحب الله وهم شهداء الله على خلقه ورقباؤه على من أعوج عن سبيله والسلام ~~ولما مات ولده عمرو بن سعيد المذكور رثاه أبو عمرو أشجع بن عمرو السلمي ~~الرقي نزيل البصرة الشاعر المشهور بقوله (مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق * ~~ولا مغرب إلا له فيه مادح) (وما كنت أدري ما فواضل كفه * على الناس حتى ~~غيبته الصفائح) (وأصبح في لحد من الأرض ضيق * وكانت به حيا تضيق الصحاصح) ~~(سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض * فحسبك مني ما ms0992 تجن الجوانح) (فما انا من ~~رزء وإن جل جازع * ولا بسور بعد موتك فارح) (كأن لم يمت حي سواك ولم يقم * ~~على أحد إلا عليك النوائح) (لئن حسنت فيك المراثي وذكرها * لقد حسنت من قبل ~~فيك المدائح) وهذه المرثية من محاسن المراثي وهي في كتاب الحماسة والبيت ~~الأخير PageV04P089 # منها مثل قول مطيع بن إياس في يحيى بن زياد من جملة ~~أبيات (يا خير من يحسن البكاء له اليوم * ومن كان أمس للمدح) وهذه الأبيات ~~في الحماسة في باب المراثي وأخباره كثيرة وقد تقدم الكلام على الباهلي في ~~ترجمة الأصمعي وأن هذه النسبة إلى أي شيء هي وكانت العرب تستنكف من ~~الانتساب إلى هذه القبيلة حتى قال الشاعر (وما ينفع الأصل من هاشم * إذا ~~كانت النفس من باهله) وقال الآخر (ولو قيل للكلب يا باهلي * عوى الكلب من ~~لؤم هذا النسب) وقيل لأبي عبيدة يقال إن الأصمعي دعي في نسبه إلى باهلة ~~فقال هذا ما يمكن فقيل ولم فقال لأن الناس إذا كانوا من باهلة تبرأوا منها ~~فكيف يجيء من ليس منها وينتسب إليها ورأيت في بعض المجاميع أن الأشعث بن ~~قيس الكندي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتتكافأ دماؤنا فقال نعم ولو ~~قتلت رجلا من باهلة لقتلتك به وقال قتيبة بن مسلم المذكور لهبيرة بن مسروح ~~أي رجل أنت لو كان أخوالك من غير سلول فلو بادلت بهم فقال أصلح الله الأمير ~~بادل بهم من شئت من العرب وجنبني باهلة ويحكى ان أعرابيا لقي شخصا في ~~الطريق فسأله ممن أنت فقال من باهلة فرثى له الأعرابي فقال ذلك الشخص ~~وأزيدك أني لست من صميمهم ولكن من مواليهم فأقبل الأعرابي عليه يقبل يديه ~~ورجليه فقال له ولم ذاك فقال لأن الله تبارك وتعالى ما أبتلاك بهذه الرزية ~~في الدنيا إلا ويعوضك الجنة في الآخرة وقيل لبعضهم أيسرك أن تدخل الجنة ~~وأنت PageV04P090 # باهلي فقال نعم بشرط ألا يعلم أهل الجنة أني باهلي ~~والأخبار في ذلك كثيرة رحمهم الله أجمعين وسئل ms0993 حسين بن بكر الكلابي النسابة ~~عن السبب في اتضاع باهلة وغني عند العرب فقال لقد كان بينهما غناء وشرف ولم ~~يضعهما إلا إشراف أخويهما فزارة وذبيان عليهما بالمآثر فدنؤا بالإضافة ~~إليهما ذكر ذلك الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب أدب الخواص وقد تقدم ~~الكلام إلى قتيبة في ترجمة عبد الله بن مسلم بن قتيبة 543 بهاء الدين ~~قراقوش أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي الملقب بهاء الدين كان خادم ~~صلاح الدين وقيل خادم أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين فأعتقه وقد ~~تقدم ذكره في ترجمة الفقيه عيسى الهكاري ولما أستقل صلاح الدين بالديار ~~المصرية جعله زمام القصر ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية وفوض أمورها إليه ~~واعتمد في تدبير أحوالها عليه وكان رجلا مسعودا وصاحب همة عالية وهو الذي ~~بنى السور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما وبنى قلعة الجبل وبنى القناطر ~~التي بالجيزة على طريق الأهرام وهي آثار دالة على علو الهمة وعمر بالمقس ~~رباطا وعلى باب الفتوح بظاهر القاهرة خان سبيل PageV04P091 # وله وقف كثير لا يعرف مصرفه وكان حسن المقاصد جميل ~~النية ولما أخذ صلاح الدين مدينة عكا من الفرنج سلمها إليه ثم لما عادوا ~~واستولوا عليها حصل أسيرا في أيديهم ويقال إنه افتك نفسه بعشرة آلاف دينار ~~وذكر شيخنا القاضي بهاء الدين بن شداد في سيرة صلاح الدين إنه انفك من ~~الأسر في يوم الثلاثاء حادي عشر شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ومثل في ~~الخدمة الشريفة السلطانية ففرح به فرحا شديدا وكان له حقوق كثيرة على ~~السلطان وعلى الإسلام والمسلمين واستأذن في المسير إلى دمشق ليحصل مال ~~القطيعة فأذن له في ذلك وكان على ما ذكر ثلاثين ألفا والناس ينسبون إليه ~~أحكاما عجيبة في ولايته حتى إن الأسعد بن مماتي المقدم ذكره له جزء لطيف ~~سماه الفاشوش في أحكام قراقوش وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه والظاهر أنها ~~موضوعة فإن صلاح الدين كان معتمدا في أحوال المملكة عليه ولولا وثوقه ~~بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه و ms0994 كانت وفاته في مستهل رجب سنة سبع وتسعين ~~وخمسمائة بالقاهرة ودفن في تربته المعروفة به بسفح المقطم بقرب البئر ~~والحوض اللذين أنشأهما على شفير الخندق رحمه الله تعالى وقراقوش بفتح القاف ~~والراء وبعد الألف قاف ثانية ثم واو وبعدها شين معجمة وهو لفظ تركي تفسيره ~~بالعربي العقاب الطائر المعروف وبه سمي الإنسان والله أعلم PageV04P092 # 544 قطري بن الفجاءة أبو نعامة قطري بن الفجاءة واسمه ~~جعونة بن مازن بن يزيد بن زياد ابن خنثر بن كأبيه بن حرقوص بن مازن بن مالك ~~بن عمرو بن تميم بن مر المازني الخارجي خرج زمن مصعب بن الزبير لما ولي ~~العراق نيابة عن أخيه عبد الله بن الزبير وكانت ولاية مصعب في سنة ست وستين ~~للهجرة فبقي قطري عشرين سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة وكان الحجاج بن يوسف ~~الثقفي يسير إليه جيشا بعد جيش وهو يستظهر عليهم وحكي عنه أنه خرج في بعض ~~حروبه وهو على فرس أعجف وبيده عمود خشب فدعا إلى المبارزة فبرز إليه رجل ~~فحسر له قطري عن وجهه فلما رآه الرجل ولى عنه فقال له قطري إلى أين فقال لا ~~يستحيي الإنسان أن يفر منك وقد ذكر أبو العباس المبرد في كتاب الكامل من ~~أخبارهم ومحارباتهم قطعة كبيرة ولم يزل الحال بينهم كذلك حتى توجه إليه ~~سفيان بن الأبرد الكلبي فظهر عليه وقتله في سنة ثمان وسبعين للهجرة وكان ~~المباشر لقتله سودة بن أبجر PageV04P093 # الدارمي وقيل إن قتله كان بطبرستان في سنة تسع وسبعين ~~وقيل عثر به فرسه فاندقت فخذه فمات فأخذ رأسه فجيء به إلى الحجاج قلت هكذا ~~قال أهل التاريخ والله أعلم أنه أقام عشرين سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة ~~وتاريخ خروجه وقتله بخلاف ذلك فتأمله ولا عقب لقطري وإنما قيل لأبيه ~~الفجاءة لأنه كان باليمن فقدم على أهله فجاءة فسمي به وبقي عليه وقطري هو ~~الذي عناه الحريري في المقامة السادسة بقوله فقلدوه في هذا الأمر الزعامة ~~تقليد الخوارج أبا نعامة وكان رجلا شجاعا مقداما كثير الحروب ms0995 والوقائع قوي ~~النفس لا يهاب الموت وفي ذلك يقول مخاطبا لنفسه (أقول لها وقد طارت شعاعا * ~~من الأبطال ويحك لا تراعي) (فإنك لو سألت بقاء يوم * على الأجل الذي لك لم ~~تطاعي) (فصبرا في مجال الموت صبرا * فما نيل الخلود بمستطاع) (ولا ثوب ~~الحياة بثوب عز * فيطوى عن أخي الخنع اليراع) (سبيل الموت غاية كل حي * ~~وداعيه لأهل الأرض داعي) (ومن لا يعتبط يسأم ويهرم * وتسلمه المنون إلى ~~انقطاع) (وما للمرء خير في حياة * إذا ما عد من سقط المتاع) وهذه الأبيات ~~مذكورة في الحماسة في الباب الأول وهي تشجع أجبن خلق الله وما أعرف في هذا ~~الباب مثلها وما صدرت إلا عن نفس أبية وشهامة عربية وهو معدود في جملة ~~خطباء العرب المشهورين بالبلاغة والفصاحة PageV04P094 # روي أن الحجاج قال لأخيه لأقتلنك فقال لم ذلك قال ~~لخروج أخيك قال فإن معي كتاب أمير المؤمنين أن لا تأخذني بذنب أخي قال هاته ~~قال فمعي ما هو أوكد منه قال ما هو قال كتاب الله عز وجل حيث يقول * (ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى) * (الأنعام 164 والإسراء 15 وفاطر 18 والزمر 7) فعجب ~~منه وخلى سبيله وفي قطري قال حصين بن حفصة السعدي من أبيات: # (وأنت الذي لا نستطيع فراقه * حياتك لانفع وموتك ضائر) وقد ضبطت أسماء ~~أجداده ضبطا يغني عن التقييد ففيه تطويل فمن كتبه فليعتمد على هذا الضبط ~~ففيه كفاية وكذلك الألفاظ التي في الأبيات مضبوطة وقد قيل إن قولهم قطري ~~ليس باسم له ولكنه نسبة إلى موضع بين البحرين وعمان وهو اسم بلد كان منه ~~أبو نعامة المذكور فنسب إليه وقيل إنه هو قصبة عمان والقصبة هي كرسي الكورة ~~حرف الكاف PageV04P095 # 545 كافور الإخشيدي أبو المسك كافور بن عبد الله ~~الإخشيدي وقد سبق شيء من خبره في ترجمة فاتك وكان كافور عبدا لبعض أهل مصر ~~ثم اشتراه أبو بكر محمد ابن طغج الإخشيد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في ~~سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة بمصر بن محمود بن وهب بن ms0996 عباس وترقى عنده إلى أن ~~جعله أتابك ولديه وقال محمد وكيل الأستاذ كافور خدمت الأستاذ والجراية التي ~~يطلقها ثلاث عشرة جراية في كل يوم ومات وقد بلغت على يدي ثلاثة عشر ألفا في ~~كل يوم ولما توفي الإخشيد في التاريخ المذكور في ترجمته تولى مملكة مصر ~~والشام ولده الأكبر وهو أبو القاسم أنوجور ومعناه بالعربي محمود بعقد ~~الراضي له وقام كافور بتدبير دولته أحسن قيام إلى أن توفي أنوجور يوم السبت ~~لثمان وقيل لسبع خلون من ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وحمل إلى ~~القدس ودفن عند أبيه وكانت ولادته بدمشق يوم الخميس لتسع خلون من ذي الحجة ~~سنة تسع عشرة وثلاثمائة رحمه الله تعالى وتولى بعده أخوه أبو الحسن علي ~~وملك الروم في أيامه حلب والمصيصة وطرسوس وذلك الصقع أجمع فاستمر كافور على ~~نيابته وحسن إيالته إلى أن توفي علي المذكور في سنة خمسن وخمسين وثلاثمائة ~~وقيل بل توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع وخمسين PageV04P099 # وكانت ولادته يوم الثلاثاء لأربع بقين من صفر سنة ست ~~وعشرين وثلاثمائة بمصر رحمه الله تعالى ثم استقل كافور بالمملكة من هذا ~~التاريخ وأشير عليه بإقامة الدعوة لولد أبي الحسن علي بن الإخشيد فاحتج ~~بصغر سنه وركب بالمطارد وأظهر خلعا جاءته من العراق وكتابا بتكنيته وركب ~~بالخلع يوم الثلاثاء لعشر خلون من صفر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وكان وزيره ~~أبا الفضل جعفر بن الفرات المقدم ذكره وكان كافور يرغب في أهل الخير ~~ويعظمهم وكان أسود اللون شديد السواد بصاصا واشتراه الإخشيد بثمانية عشر ~~دينارا على ما نقل وقد سبق في ترجمة الشريف ابن طباطبا شيء من خبره معه ~~وكان أبو الطيب المتنبي قد فارق سيف الدولة بن حمدان المقدم ذكره مغاضبا له ~~وقصد مصر وامتدح كافورا بأحسن المدائح فمن ذلك قوله في أول قصيدة أنشأها له ~~في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلاثمائة وقد وصف فيها الخيل ثم قال ~~(قواصد كافور توارك غيره * ومن قصد البحر استقل السواقيا) (فجاءت بنا إنسان ms0997 ~~عين زمانه * وخلت بياضا خلفها ومآقيا) ولقد أحسن في هذا غاية الإحسان ~~وأنشده أيضا في شوال سنة سبع وأربعين قصيدته البائية التي يقول فيها ~~(وأخلاق كافور إذا شئت مدحه * وإن لم أشأ تملي علي فأكتب) (إذا ترك الإنسان ~~أهلا وراءه * ويمم كافورا فما يتغرب) ومن جملتها (يضاحك في ذا العيد كل ~~حبيبه * حذائي وأبكي من أحب وأندب) PageV04P100 # (أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم * وأين من المشتاق عنقاء ~~مغرب) (فإن لم يكن إلا أبو المسك أو هم * فإنك أحلى في فؤادي وأعذب) (وكل ~~امرئ يولي الجميل محبب * وكل مكان ينبت العز طيب) وحكي عن المتنبي أنه قال ~~كنت إذا دخلت على كافور أنشده يضحك إلي ويبش في وجهي إلى أن أنشدته (ولما ~~صار ود الناس خبا * جزيت على إبتسام بإبتسام) (وصرت أشك فيمن أصطفيه * ~~لعلمي أنه بعض الأنام) قال فما ضحك بعدها في وجهي إلى أن تفرقنا فعجبت من ~~فطنته وذكائه وآخر شيء أنشده في شوال سنة تسع وأربعين ولم يلقه بعدها ~~قصيدته البائية وشابها بطرف من العتب ومنها (أرى لي بقربي منك عينا قريرة * ~~وإن كان قربا بالبعاد يشاب) (وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا * ودون الذي ~~أملت منك حجاب) (أقل سلامي حب ما خف عنكم * وأسكت كيما لا يكون جواب) (وفي ~~النفس حاجات وفيك فطانة * سكوتي بيان عندها وخطاب) (وما أنا بالباغي على ~~الحب رشوة * ضعيف هوى يبغى عليه ثواب) (وما شئت إلا أن أدل عواذلي * على أن ~~رأيي في هواك صواب) (وأعلم قوما خالفوني فشرقوا * وغربت أنى قد ظفرت ~~وخابوا) (جرى الخلف إلا فيك أنك واحد * وأنك ليث والملوك ذئاب) (وأنك إن ~~قويست صحف قارىء * ذئابا ولم يخطئ فقال ذباب) (وإن مديح الناس حق وباطل * ~~ومدحك حق ليس فيه كذاب) (إذا نلت منك الود فالمال هين * وكل الذي فوق ~~التراب تراب) PageV04P101 # (وما كنت لولا أنت إلا مهاجرا * له كل يوم بلدة وصحاب) ~~(ولكنك الدنيا إلي حبيبة * فما عنك لي إلا إليك ذهاب) وأقام المتنبي بعد ~~إنشاده هذه القصيدة بمصر ms0998 سنة لا يلقى كافورا غضبا عليه لكنه يركب في خدمته ~~خوفا منه ولا يجتمع به واستعد للرحيل في الباطن وجهز جميع ما يحتاج إليه ~~وقال في يوم عرفة سنة خمسين وثلاثمائة قبل مفارقته مصر بيوم واحد قصيدته ~~الدالية التي هجا كافورا فيها وفي آخر هذه القصيدة (من علم الأسود المخصي ~~مكرمة * أقومه البيض أم آباؤه الصيد) (أم أذنه في يد النخاس دامية * أم ~~قدره وهو بالفلسين مردود) (وذاك أن الفحول البيض عاجزة * عن الجميل فكيف ~~الخصية السود) وله فيه أهاج كثيرة تضمنها ديوانه ثم فارقه بعد ذلك ورحل إلى ~~عضد الدولة بن بويه بشيراز حسبما تضمنه ترجمته ورأيت في بعض المجاميع قال ~~بعضهم حضرت مجلس كافور الإخشيدي فدخل رجل ودعا له وقال في دعائه أدام الله ~~أيام مولانا بكسر الميم من أيام فتحدث جماعة من الحاضرين في ذلك وعابوه ~~عليه فقام رجل من أوساط الناس وأنشد مرتجلا وهو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد ~~الله بن محمد بن حشيش النجيرمي اللغوي الاخباري كاتب كافور والذي دعا ~~لكافور ولحن هو أبو الفضل ابن عياش (لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا * أو غص ~~من دهش بالريق أو بهر) (فتلك هيبته حالت جلالتها * بين الأديب وبين القول ~~بالحصر) PageV04P102 # (فإن يكن خفض الأيام من غلط * في موضع النصب لا عن قلة ~~النظر) (فقد تفاءلت في هذا لسيدنا * والفأل مأثورة عن سيد البشر) (بأن ~~أيامه خفض بلا نصب * وأن أوقاته صفو بلا كدر) وأخبار كافور كثيرة ولما كثرت ~~الزلازل بمصر في أيام كافور أنشده محمد بن عاصم قصيدة يقول فيها (ما زلزلت ~~مصر من سوء يراد بها * لكنها رقصت من عدله فرحا) فأمر له بألف دينار وقيل ~~إن عطاءه ذلك حث المتنبي على المسير إلى مصر ودخل على كافور غلام فقال ما ~~اسمك قال كافور فقال نعم ما كل من اسمه محمد نبي وله مع الشيخ عبد الله بن ~~جابار الصوفي الزاهد شيخ البقاعي رحمهما الله تعالى وكان من كبار المشايخ ~~قصة عجيبة هي من غرر ms0999 مناقبه ذكر المسبحي في تاريخه قال حدثني أبو الدابة ~~كاتب أبي بكر القمي عن أبي الحسن البغدادي قال وردت إلى مصر مع والدي وأنا ~~صبي دون البلوغ في أيام كافور وكان أبو بكر المحلي يتولى نفقات مصالحه ~~وخواص خدمه وقد نتجت بينه وبين أبي مودة وكان يزوره ويصله قال فجاءه ذات ~~يوم فتذاكرا أخبار كافور وطريقته وما هو عليه من الخشوع فقال أبو بكر لأبي ~~وأنا أسمع هذا الأستاذ كافور له في كل عيد أضحى عادة وهي أن يسلم إلي بغلا ~~محملا ذهبا وورقا وجريدة تتضمن أسماء قوم من حد القرافة إلى المنامة وما ~~بينهما ويمضي معي صاحب الشرطة ونقيب يعرف المنازل وأطوف من بعد العشاء ~~الآخرة إلى آخر الليل حتى أسلم ذلك إلى من جعل له وتتضمن اسمه الجريدة ~~وأطوف منزل كل إنسان ما بين رجل وامرأة وأقول الأستاذ أبو المسك كافور ~~يهنيك بعيدك ويقول لك اصرف هذا في منفعتك فادفع إليه ما جعل له فلما كان في ~~هذا العيد جريت على العادة ورأيته زادني في الجريدة الشيخ أبو عبد الله ابن ~~جابار مائة دينار فأنفقت المال في أربابه ولم يبق إلا الصرة فجعلتها في كمي ~~PageV04P103 # وسرت مع النقيب حتى أتينا منزله بظاهر القرافة فطرقت ~~الباب فنزل إلينا شيخ عليه أثر السهر فسلمت عليه فلم يرد علي وقال ما حاجتك ~~قلت الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام فقال والي بلدنا قلت نعم ~~قال حفظه الله الله يعلم انني أدعو له في الخلوات وأدبار الصلوات وللمسلمين ~~بما الله سامعه ومجيبه قلت وقد أنفذ معي هذه الصرة وهو يسألك قبولها ~~لتصرفها في مؤونة هذا العيد المبارك فقال نحن رعيته ونحن نحبه في الله ~~تعالى وما نفسد هذا بعلة فراجعته القول فتبين لي الضجر في وجهه والقلق ~~والتلهف واستحييت من الله تعالى ان أقطعه عما هو عليه فتركته وانصرفت قال ~~فجئت فوجدت الأمير قد تهيأ للركوب وهو ينتظرني فلما رآني قال هيه يا أبا ~~بكر فقلت له أرجو أن يستجيب الله ms1000 تعالى فيك كل دعوة صالحة دعيت لك في هذه ~~الليلة وفي هذا اليوم الشريف فقال الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة ~~إلى عياله ثم أخبرته بامتناع ابن جابار فقال نعم هو بذلك جدير لم يجر بيننا ~~وبينه معاملة قبل هذا اليوم ثم قال لي عد إليه واركب دابة من دواب النوبة ~~فلست أشك فيما لقيت دابتك في هذه الليلة من التعب ثم امض إليه واطرق بابه ~~فإذا نزل إليك فإنه سيقول ألم تكن عندنا فلا ترد عليه جوابا ثم استفتح ~~واقرأ بسم الله الرحمن الرحيم * (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة ~~لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى له ~~ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) * (طه 1 - 6) يا ~~ابن جابار يقول لك كافور ومن كافور الأسود العبد السود ومن مولاه ومن الخلق ~~أبقي لأحد مع الله تعالى ملكة أو شركة تلاشى الناس كلهم هاهنا تدري من ~~معطيك وعلى من رددت أنت ما سألت هو أرسل إليك يا ابن جابارما تفرق بين ~~السبب والمسبب قال فركبت وسرت فطرقت منزله فنزل إلي وقال لي مثل لفظ كافور ~~فأضربت عن الجواب وقرأت طه ثم قلت له ما قال كافور فبكى ابن جابار وقال أين ~~ما حملت فأخرجت له الصرة فأخذها وقال علمنا الأستاذ كيف التصوف قل له أحسن ~~الله جزاءك قال فعدت إليه فأخبرته فسر بذلك ثم سجد لله تعالى شكرا وقال ~~PageV04P104 # الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة إلى عباده ثم ~~ركب حينئذ ولم يزل مستقلا بالأمر بعد أمور يطول شرحها إلى توفي يوم ~~الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة وقيل إنه توفي ~~يوم الأربعاء وقيل توفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وقيل سنة سبع وخمسين وهو ~~قول القضاعي في كتاب الخطط والله أعلم وكذا قال الفرغاني في تاريخه أيضا ~~حمه الله تعالى والأول أصح ودفن بالقرافة الصغرى وقبته مشهورة هناك ولم تطل ~~مدته في الاستقلال ms1001 على ما ظهر من تاريخ موت علي بن الإخشيد إلى هذا ~~التاريخ. # وكانت بلاد الشام في مملكته أيضا مع مصر وكان يدعى له على المنابر بمكة ~~والحجاز جميعه والديار المصرية وبلاد الشام من دمشق وحلب وأنطاكية وطرسوس ~~والمصيصة وغير ذلك وكان تقدير عمره خمسا وستين سنة على ما حكاه الفرغاني في ~~تاريخه والله أعلم وكانت أيامه سديدة جميلة ووقع الخلف فيمن ينصب للأمر ~~بعده إلى أن تقرر الأمر وتراضت الجماعة بولد أبي الحسن علي بن الإخشيد كانت ~~ولاية كافور سنتين وثلاثة أشهر إلا سبعة أيام وخطب لأبي الفوارس أحمد بن ~~علي بن الإخشيد يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وبقية ~~خبرهم مذكورة في ترجمة جده محمد الإخشيد PageV04P105 # 546 كثير عزة أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة ~~الأسود بن عامر بن عويمر الخزاعي أحد عشاق العرب المشهورين به وقال ابن ~~الكلبي في جمهرة النسب هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عويمر بن مخلد ~~بن سعيد بن سبيع بن خثعمة بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن ~~عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ~~بن الأزد وبقية PageV04P106 # النسب معروفة وربيعة بن حارثة هو لحي وابنه عمرو بن ~~لحي هو الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم يجر قصبه في النار وهو أول من ~~سيب السوائب وبحر البحيرة وغير دين إبراهيم عليه السلام ودعا العرب إلى ~~عبادة الأصنام وهذا لحي وأخوه أفصى ابنا حارثة هما خزاعة ومنهما تفرقت ~~وإنما قيل لهم خزاعة لأنهم انقطعوا عن الأزد لما تفرقت الأزد من اليمن أيام ~~سيل العرم وأقاموا بمكة وسار الآخرون إلى المدينة والشام وعمان وقال ابن ~~الكلبي أيضا قبل هذا بقليل والأشيم وهو أبو جمعة بن خالد بن عبيد بن مبشر ~~بن رباح وهو جد كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة أبو أمه إليه ينسب وهو صاحب ~~عزة بنت جميل بن حفص بن إياس ms1002 بن عبد العزى بن حاجب بن غفار بن مليل بن ضمرة ~~بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن ~~معد بن عدنان وقال السمعاني جميل بن وقاص بن حفص بن إياس والله أعلم وله ~~معها حكايات ونوادر وأمور مشهورة وأكثر شعره فيها وكان يدخل على عبد الملك ~~بن مروان وينشده وكان رافضيا شديد التعصب لآل أبي طالب حكى ابن قتيبة في ~~طبقات الشعراء أن كثيرا دخل يوما على عبد الملك فقال له عبد الملك بحق علي ~~بن أبي طالب هل رأيت أحدا أعشق منك قال يا أمير المؤمنين لو نشدتني بحقك ~~أخبرتك قال نشدتك بحقي إلا ما أخبرتني قال نعم بينا أنا أسير في بعض ~~الفلوات إذا أنا برجل قد نصب حبالة فقلت له ما أجلسك هاهنا قال أهلكني ~~وأهلي الجوع فنصبت حبالتي هذه لأصيد لهم شيئا ولنفسي ما يكفينا ويعصمنا ~~يومنا هذا PageV04P107 # قلت أرأيت إن أقمت معك فأصبت صيدا تجعل لي منه جزءا ~~قال نعم فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية في الحبالة فخرجنا نبتدر فبدرني إليها ~~فحلها واطلقها فقلت له ما حملك على هذا قال دخلتني لها رقة لشبهها بليلى ~~وأنشأ يقول (أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني * لك اليوم من وحشية لصديق) (أقول ~~وقد أطلقتها من وثاقها * فأنت لليلى ما حييت طليق) ولما عزم عبد الملك على ~~الخروج إلى محاربة مصعب بن الزبير ناشدته زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية ~~أن لا يخرج بنفسه وأن يستنيب غيره في حربه ولم تزل تلح عليه في المسألة وهو ~~يمتنع من الإجابة فلما يئست أخذت في البكاء حتى بكى من كان حولها من ~~جواريها وحشمها فقال عبد الملك قاتل الله ابن أبي جمعة يعني كثيرا كأنه رأى ~~موقفنا هذا حين قال (إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمه * حصان عليها نظم در ~~يزينها) (نهته فلما لم تر النهي عاقه * بكت فبكى مما شجاها قطينها) ثم عزم ~~عليها أن تقصر فأقصرت ms1003 وخرج لقصده ويقال إن عزة دخلت على أم البنين ابنة عبد ~~العزيز وهي أخت عمر ابن عبد العزيز وزوجة الوليد بن عبد الملك فقالت لها ~~أرأيت قول كثير (قضى كل ذي دين فوفى غريمه * وعزة ممطول معنى غريمها) ما ~~كان ذلك الدين قالت وعدته قبلة فحرجت منها فقالت أم البنين أنجزيها وعلي ~~إثمها ثم ندمت أم البنين فاستغفرت الله تعالى وأعتقت عن هذه الكلمة أربعين ~~رقبة PageV04P108 # وكان لكثير غلام عطار بالمدينة وربما باع نساء العرب ~~بالنسيئة فأعطى عزة وهو لا يعرفها شيئا من العطر فمطلته أياما وحضرت إلى ~~حانوته في نسوة فطالبها فقالت له حبا وكرامة ما أقرب الوفاء وأسرعه فأنشد ~~متمثلا (قضى كل ذي دين فوفى غريمه * وعزة ممطول معنى غريمها) فقالت النسوة ~~أتدري من غريمتك فقال لا والله فقلن هي والله عزة فقال أشهدكن الله أنها في ~~حل مما لي قبلها ثم مضى إلى سيده فأخبره بذلك فقال كثير وأنا أشهد الله أنك ~~حر لوجهه ووهبه جميع ما في حانوت العطر فكان ذلك من عجائب الاتفاق ولكثير ~~في مطالها بالوعد شعر كثير فمن ذلك قوله (أقول لها عزيز مطلت ديني * وشر ~~الغانيات ذوو المطال) (فقالت ويح غيرك كيف أقضي * غريما ما ذهبت له بمال) ~~وله (وقد زعمت أني تغيرت بعدها * ومن ذا الذي يا عز لا يتغير) (تغير جسمي ~~والخليقة كالذي * عهدت ولم يخبر بسرك مخبر) ولما قتل يزيد بن المهلب بن أبي ~~صفرة وجماعة من أهل بيته بعقر بابل وسيأتي خبر ذلك في ترجمته إن شاء الله ~~تعالى وكانوا يكثرون الإحسان إلى كثير فلما بلغه ذلك قال ما أجل الخطب ضحى ~~بنو حرب بالدين يوم الطف وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر وأسبلت عيناه ~~بالدموع PageV04P109 # وحدث أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني أن كثيرا ~~خرج من عند عبد الملك بن مروان وعليه مطرف فاعترضته عجوز في الطريق اقتبست ~~نارا في روثة فتأفف كثير في وجهها فقالت من أنت قال كثير عزة فقالت ألست ~~القائل (فما روضة زهراء ms1004 طيبة الثرى * يمج الندى جثجاثها وعرارها) (بأطيب من ~~أردان عزة موهنا * إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها) فقال لها كثير نعم فقالت ~~لو وضع المندل الرطب على هذه الروثة لطيب رائحتها هلا قلت كما قال امرؤ ~~القيس (ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب) فناولها ~~المطرف وقال استري علي هذا وسمعت بعض مشايخ الأدب في زمن اشتغالي بالأدب ~~يقول إن النصف الثاني من البيت الثاني من تتمة أوصاف الروضة أيضا فكأنه قال ~~إن هذه الروضة الطيبة الثرى التي يمج الندى جثجاثها وعرارها إذا أوقدت ~~بالمندل الرطب نارها ما هي بأطيب من أردان عزة وعلى هذا لا يبقى عليه ~~اعتراض لكنه يبعد أن يكون هذا مقصوده وكان كثير ينسب إلى الحمق ويروى أنه ~~دخل يوما على يزيد بن عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين ما يعني الشماخ ~~بقوله (إذا الأرطى توسد أبرديه * خدود جوازىء بالرمل عين) PageV04P110 # فقال يزيد وما يضرني أن لا أعرف ما عنى هذا الأعرابي ~~الجلف واستحمقه وأمر بإخراجه ودخل كثير على عبد العزيز بن مروان والد عمر ~~يعوده في مرضه وأهله يتمنون أن يضحك وكان يومئذ أمير مصر فلما وقف عليه قال ~~لولا أن سرورك لا يتم بأن تسلم وأسقم لدعوت الله ربي أن يصرف ما بك إلي ~~ولكني أسأل الله تعالى لك العافية ولي في كنفك النعمة فضحك عبد العزيز ~~وأنشد كثير (ونعود سيدنا وسيد غيرنا * ليت التشكي كان بالعواد) (لو كان ~~يقبل فدية لفديته * بالمصطفى من طارفي وتلادي) ومما يستجاد من شعر كثير ~~قصيدته التائية التي يقول من جملتها (وإني وتهيامي بعزة بعد ما * تسليت من ~~وجد بها وتسلت) (لكالمرتجي ظل الغمامة كلما * تبوأ منها للمقيل اضمحلت) ~~وقال أبو علي القالي أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة المعروف بنفطويه ~~لكثير (ألا تلك عزة قد أقبلت * تقلب للهجر طرفا غضيضا) (تقول مرضت فما ~~عدتني * وكيف يعود مريض مريضا) ومن شعره أيضا PageV04P111 # (رهبان مدين والذين عهدتهم * يبكون من حذر العذاب ~~قعودا) (لو يسمعون كما ms1005 سمعت كلامها * خروا لعزة ركعا وسجودا) وبلغ كثيرا أن ~~عزة مريضة وأنها تشتاقه فخرج يريدها فلما صار ببعض الطريق لقيه أعرابي من ~~نهد فقال يا أبا صخر أين تريد قال أريد عزة قال فهل رأيت في وجهك شيئا قال ~~لا إلا أني رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ينتف ريشه قال توافى مصر وقد ماتت ~~عزة فانتهزه كثير ثم مضى وعاد كثير إلى مصر فوافاها والناس منصرفون من ~~جنازة عزة فقال (رأيت غرابا ساقطا فوق بانة * ينتف أعلى ريشه ويطايره) ~~(فقلت ولو أني أشاء زجرته * بنفسي للنهدي هل أنت زاجره) (فقال غراب لاغتراب ~~وفرقة * وبان فبين من حبيب تعاشره) (فما أعيف النهدي لا در دره * وازجره ~~للطير لا عز ناصره) وكان كثير بمصر وعزة بالمدينة فاشتاق إليها فسافر نحوها ~~فلقيها في الطريق وهي متوجهة إلى مصر وجرى بينهما كلام يطول شرحه ثم إنها ~~انفصلت عنه وقدمت إلى مصر وعاد كثير إلى مصر فوافاها والناس ينصرفون من ~~جنازتها فأتى قبرها وأناخ راحلته عنده ومكث ساعة ثم رحل وهو ينشد أبياتا ~~منها (أقول ونضوي واقف عند قبرها * عليك سلام الله والعين تسفح) (وقد كنت ~~أبكي من فراقك حية * فأنت لعمري اليوم أنأى وأنزح) PageV04P112 # وأخبارهما كثيرة وتوفي كثير عزة في سنة خمس ومائة رحمه ~~الله تعالى وروى محمد بن سعد عن الواقدي عن خالد بن القاسم البياضي قال مات ~~عكرمة مولى ابن عباس وكثير عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة فرأيتهما ~~جميعا صلي عليهما في موضع واحد بعد الظهر فقال الناس مات أفقه الناس وأشعر ~~الناس وكان موتهما بالمدينة وقد تقدم ذكر عكرمة والخلاف في تاريخ موته ~~فلينظر هناك في ترجمته وقد تقدم الكلام على الخزاعي وكثير تصغير كثير وإنما ~~صغر لأنه كان حقيرا شديد القصر وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول ~~طأطىء رأسك لئلا يؤذيك السقف يمازحه بذلك وكان يلقب زب الذباب لقصره وقال ~~بعضهم رأيت كثيرا يطوف بالبيت فمن أخبرني أن طوله كان أكثر من ثلاثة أشبار ms1006 ~~فقد كذب 547 مظفر الدين صاحب إربل أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن ~~بكتكين بن محمد الملقب الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل PageV04P113 # 156 كان والده زين الدين علي المعروف بكجك صاحب إربل ~~ورزق أولادا كثيرة وكان قصيرا ولهذا قيل له كجك وهو لفظ أعجمي معناه ~~بالعربي صغير أي صغير القدر وأصله من التركمان وملك إربل وبلادا كثيرة في ~~تلك النواحي وفرقها على أولاد أتابك قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل ~~ولم يبق له سوى إربل والشرح يطول وعمر طويلا يقال إنه جاوز مائة سنة وعمي ~~في آخر عمره وانقطع بإربل إلى أن توفي بها ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة ~~سنة ثلاث وستين وخمسمائة وقال ابن شداد في سيرة صلاح الدين مات في ذي الحجة ~~من السنة ودفن في تربته المعروفة به المجاورة للجامع العتيق داخل البلد ~~رحمه الله تعالى وكان موصوفا بالقوة المفرطة والشهامة وله بالموصل أوقاف ~~كثيرة مشهورة من مدارس وغيرها قال شيخنا الحافظ عز الدين أبو الحسن علي ~~المعروف بابن الأثير الجزري في تاريخه الصغير الذي عمله لبني أتابك ملوك ~~الموصل إن زين الدين المذكور سار عن الموصل إلى إربل سنة ثلاث وستين ~~وخمسمائة وسلم جميع ما كان بيده من البلاد والقلاع إلى أتابك قطب الدين فمن ~~ذلك سنجار وحران وقلعة عقر الحميدية وقلاع الهكارية جميعها وتكريت وشهرزور ~~وغير ذلك وما ترك لنفسه سوى إربل وكان قد حج هو وأسد الدين شيركوه بن شاذي ~~في سنة خمس وخمسين وخمسمائة ولما توفي ولي موضعه ولده مظفر الدين المذكور ~~وعمره أربع عشرة سنة وكان اتابكه مجاهد الدين قايماز المذكور في حرف القاف ~~فأقام مدة ثم تعصب مجاهد الدين عليه وكتب محضرا أنه ليس أهلا لذلك وشاور ~~الديوان العزيز في أمره واعتقله وأقام أخاه زين الدين أبا المظفر يوسف ~~مكانه وكان أصغر منه ثم أخرج مظفر الدين من البلاد فتوجه إلى بغداد فلم ~~يحصل له بها PageV04P114 # مقصود فانتقل إلى الموصل ومالكها يومئذ سيف الدين غازي ~~بن ms1007 مودود المقدم ذكره في حرف الغين تصل بخدمته وأقطعه مدينة حران فانتقل ~~إليها وأقام بها مدة ثم اتصل بخدمة السلطان صلاح الدين وحظي عنده وتمكن منه ~~وزاده في الإقطاع الرها في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وأخذ صلاح الدين الرها ~~من ابن الزعفراني وأعطاها مظفر الدين مع حران وأخذ الرقة من ابن حسان ~~وأعطاها ابن الزعفراني والشرح في ذلك يطول ثم أعطاه سميساط وزوجه أخته الست ~~ربيعة خاتون بنت أيوب وكانت قبله زوجة سعد الدين مسعود بن معين الدين صاحب ~~قصر معين الدين الذي بالغور وتوفي سعد الدين المذكور سنة إحدى وثمانين ~~وخمسمائة وشهد مظفر الدين مع صلاح الدين مواقف كثيرة وأبان فيها عن نجدة ~~وقوة نفس وعزمة وثبت في مواضع لم يثبت فيها غيره على ما تضمنته تواريخ ~~العماد الأصبهاني وبهاء الدين بن شداد وغيرهما وشهرة ذلك تغني عن الإطالة ~~فيه ولو لم يكن له إلا وقعة حطين لكفته فإنه وقف هو وتقي الدين صاحب حماة ~~المقدم ذكره وانكسر العسكر بأسره ثم لما سمعوا بوقوفهما تراجعوا حتى كانت ~~النصرة للمسلمين وفتح الله سبحانه عليهم ثم لما كان السلطان صلاح الدين ~~منازلا عكا بعد استيلاء الفرنج عليها وردت عليه ملوك الشرق تنجده وتخدمه ~~وكان في جملتهم زين الدين يوسف أخو مظفر الدين وهو يومئذ صاحب إربل فأقام ~~قليلا ثم مرض وتوفي في الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ست وثمانين ~~وخمسمائة بالناصرة وهي قرية بالقرب من عكا يقال إن المسيح عليه الصلاة ~~والسلام ولد بها على الاختلاف الذي في ذلك فلما توفي التمس مظفر الدين من ~~السلطان أن ينزل عن حران والرها وسميساط ويعوضه إربل فأجابه إلى ذلك وضم ~~إليه شهرزور فتوجه إليها ودخل إربل في ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة ~~هذه خلاصة أمره PageV04P115 # وأما سيرته فلقد كان له في فعل الخيرات غرائب لم يسمع ~~أن أحدا فعل في ذلك ما فعله لم يكن في الدنيا شيء أحب إليه من الصدقة كان ~~له كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرقها ms1008 على المحاويج في عدة مواضع من ~~البلد يجتمع في كل موضع خلق كثير يفرق عليهم في أول النهار وكان إذا نزل من ~~الركوب يكون قد اجتمع عند الدار خلق كثير فيدخلهم إليه ويدفع لكل واحد كسوة ~~على قدر الفصل من الشتاء والصيف أو غير ذلك ومع الكسوة شيء من الذهب من ~~الدينار والاثنين والثلاثة وأقل وأكثر وكان قد بنى أربع خانقاهات للزمني ~~والعميان وملأها من هذين الصنفين وقرر لهم ما يحتاجون إليه كل يوم وكان ~~يأتيهم بنفسه في كل عصرية اثنين وخميس ويدخل عليهم ويدخل إلى كل واحد في ~~بيته ويسأله عن حاله ويتفقده بشيء من النفقة وينتقل إلى الآخر وهكذا حتى ~~يدور على جميعهم وهو يباسطهم ويمزح معهم ويجبر قلوبهم وبنى دارا للنساء ~~الأرامل ودارا للصغار الأيتام ودارا للملاقيط رتب بهم جماعة من المراضع وكل ~~مولود يلتقط يحمل إليهن فيرضعنه وأجرى على أهل كل دار ما يحتاجون إليه في ~~كل يوم وكان يدخل إليها في كل وقت ويتفقد أحوالهم ويعطيهم النفقات زيادة ~~على المقرر لهم وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مريض مريض ويسأله عن ~~مبيته وكيفية حاله وما يشتهيه وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم على ~~البلد من فقيه أو فقير أو غيرهما وعلى الجملة فما كان يمنع منها كل من قصد ~~الدخول إليها ولهم الراتب الدار في الغداء والعشاء وإذا عزم الإنسان على ~~السفر أعطوه نفقة على ما يليق بمثله وبنى مدرسة رتب فيها فقهاء الفريقين من ~~الشافعية والحنفية وكان كل وقت يأتيها بنفسه ويعمل السماط بها ويبيت بها ~~ويعمل السماع فإذا طاب وخلع شيئا من ثيابه سير للجماعة بكرة شيئا من ~~الأنعام ولم يكن له PageV04P116 # لذة سوى السماع فإنه كان لا يتعاطى المنكر ولا يمكن من ~~إدخاله إلى البلد وبنى للصوفية خانقاهين فيهما خلق كثير من المقيمين ~~والواردين ويجتمع في أيام المواسم فيهما من الخلق ما يعجب الإنسان من ~~كثرتهم ولهما أوقاف كثيرة تقوم بجميع ما يحتاج إليه ذلك الخلق ولا بد عند ~~سفر ms1009 كل واحد من نفقة يأخذها وكان ينزل بنفسه إليهم ويعمل عندهم السماعات في ~~كثير من الأوقات وكان يسير في كل سنة دفعتين جماعة من أمنائه إلى بلاد ~~الساحل ومعهم جملة مستكثرة من الناس يفتك بها أسرى المسلمين من أيدي الكفار ~~فإذا وصلوا إليه أعطى كل واحد شيئا وإن لم يصلوا فالأمناء يعطونهم بوصية ~~منه في ذلك وكان يقيم في كل سنة سبيلا للحاج ويسير معه ما تدعوا حاجة ~~المسافر إليه في الطريق ويسير صحبته أمينا معه خمسة أو ستة آلاف دينار ~~ينفقها بالحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب وله بمكة حرسها الله تعالى ~~آثار جميلة وبعضها باق إلى الآن وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات ليلة ~~الوقوف وغرم عليه جملة كثيرة وعمر بالجبل مصانع للماء فإن الحجاج كانوا ~~يتضررون من عدم الماء وبنى له تربة أيضا هناك واما إحتفاله بمولد النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به لكن نذكر طرفا منه وهو أن أهل ~~البلاد كانوا قد سمعوا بحسن اعتقاده فيه فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد ~~القريبة من إربل مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم ~~وتلك النواحي خلق كثير من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء ولا ~~يزالون يتواصلون من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول ويتقدم مظفر الدين ~~بنصب قباب من الخشب كل قبة أربع أو خمس طبقات ويعمل مقدار عشرين قبة وأكثر ~~منها قبة له والباقي للأمراء وأعيان دولته لكل واحد قبة فإذا كان أول صفر ~~زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المستجملة وقعد في كل قبة جوق من ~~المغاني وجوق PageV04P117 # من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي ولم يتركوا طبقة من ~~تلك الطبات في كل قبة حتى رتبوا فيها جوقا وتبطل معايش الناس في تلك المدة ~~وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم وكانت القباب منصوبة من باب ~~القلعة إلى باب الخانقاه المجاورة للميدان فكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد ~~صلاة العصر ويقف على قبة قبة إلى ms1010 آخرها ويسمع غناءهم ويتفرج على خيالاتهم ~~وما يفعلونه في القباب ويبيت في الخانقاه ويعمل السماع ويركب عقيب صلاة ~~الصبح يتصيد ثم يرجع إلى القلعة قبل الظهر هكذا يعمل كل يوم إلى ليلة ~~المولد وكان يعمله سنة في ثامن الشهر وسنة في الثاني عشر لأجل الاختلاف ~~الذي فيه فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئا ~~كثيرا زائدا عن الوصف وزفها بجميع ما عنده من الطبول والمغاني والملاهي حتى ~~يأتي بها إلى الميدان ثم يشرعون في نحرها وينصبون القدور ويطبخون الألوان ~~المختلفة فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد ان يصلي المغرب في لقلعة ~~ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة شيء كثير وفي جملتها شمعتان أو أربع ~~أشك في ذلك من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة منها على بغل ومن ورائها ~~رجل يسندها وهي مربوطة على ظهر البغل حتى ينتهي إلى الخانقاه فإذا كان ~~صبيحة يوم المولد أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية على ~~يد كل شخص منهم بقجة وهم متتابعون كل واحد وراء الآخر فينزل من ذلك شيء ~~كثير لا أتحقق عدده ثم ينزل إلى الخانقاه وتجتمع الأعيان والرؤساء وطائفة ~~كبيرة من بياض الناس وينصب كرسي للوعاظ وقد نصب لمظفر الدين برج خشب له ~~شبابيك إلى الموضع الذي فيه الناس والكرسي وشبابيك كرسي وشبأبيك أخر للبرج ~~أيضا إلى الميدان وهو ميدان كبير في غاية الإتساع ويجتمع فيه الجند ويعرضهم ~~ذلك النهار وهو تارة ينظر PageV04P118 # إلى عرض الجند وتارة إلى الناس والوعاظ ولا يزال كذلك ~~حتى يفرغ الجند من عرضهم فعند ذلك يقدم السماط في الميدان للصعاليك ويكون ~~سماطا عاما فيه من الطعام والخبز شيء كثير لا يحد ولا يوصف ويمد سماطا ~~ثانيا في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكرسي وفي مدة العرض ووعظ الوعاظ ~~يطلب واحدا واحدا من الأعيان والرؤساء والوافدين لأجل هذا الموسم من قدمنا ~~ذكره من الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء ويخلع على كل واحد ثم يعود إلى ~~مكانه فإذا تكامل ذلك ms1011 كله حضروا السماط وحملوا منه لمن يقع التعيين على ~~الحمل إلى داره ولا يزالون على ذلك إلى العصر أو بعدها ثم يبيت تلك الليلة ~~هناك ويعمل السماعات إلى بكرة هكذا يعمل في كل سنة وقد لخصت صورة الحال فإن ~~لاستقصاء يطول فإذا فرغوا من هذا الموسم تجهز كل إنسان للعود إلى بلده ~~فيدفع لكل شخص شيئا من النفقة وقد ذكرت في ترجمة الحافظ أبي الخطاب ابن ~~دحية في حرف العين وصوله إلى إربل وعمله إلى كتاب التنوير في مولد السراج ~~المنير لما رأى اهتمام مظفر الدين به وأنه أعطاه ألف دينار غير ما غرم عليه ~~مدة إقامته من الإقامات الوافرة وكان رحمه الله متى أكل شيئا إستطابه لا ~~يختص به بل إذا اكل من زبدية لقمة طيبة قال لبعض الجنادرة احمل هذا إلى ~~الشيخ فلان أو فلانة ممن هم عنده مشهورين بالصلاح وكذلك يعمل في الفاكهة ~~والحلوى وغير ذلك من المطاعم وكان كريم الأخلاق كثير التواضع حسن العقيدة ~~سالم البطانة شديد الميل إلى أهل السنة والجماعة لا ينفق عنده من أرباب ~~العلوم سوى الفقهاء والمحدثين ومن عداهما لا يعطيه شيئا إلا تكلفا وكذلك ~~الشعراء لا يقول بهم ولا يعطيهم إلا إذا قصدوه فما كان يضيع قصدهم ولا يخيب ~~أمل من يطلب بره وكان PageV04P119 # يميل إلى علم التاريخ وعلى خاطره منه شيء يذاكر به ولم ~~يزل رحمه الله تعالى مؤيدا في مواقفه ومصاف مع كثرتها لم ينقل أنه انكسر في ~~مصافه قط ولو استقصيت في تعداد محاسنه لطال الكتاب وفي شهرة معروفه غنية عن ~~الإطالة وليعذر الواقف على هذه الترجمة ففيها تطويل ولم يكن سببه إلا ما له ~~علينا من الحقوق التي لا نقدر على القيام بشكر بعضها ولو عملناه مهما عملنا ~~وشكر المنعم واجب فجزاه الله عنا أحسن الجزاء فكم له علينا من الأيادي ~~ولأسلافه على أسلافنا من الأنعام والإنسان صنيعة الإحسان ومع الاعتراف ~~بجميله فلم أذكر عنه شيئا على سبيل المبالغة بل كل ما ذكرته عن مشاهدة ~~وعيان وربما ms1012 حذفت بعضه طلبا للإيجاز وكانت ولادته بقلعة الموصل ليلة ~~الثلاثاء السابعة والعشرين من المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة وتوفي وقت ~~الظهر ليلة الجمعة رابع عشر شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بداره في البلد ~~التي كانت لمملوكه شهاب الدين قراطايا فلما قبض عليه فيه سنة أربع عشرة ~~وستمائة أخذها وصار يسكنها بعض الأوقات فمات بها ثم نقل إلى قلعة إربل ودفن ~~بها ثم حمل بوصية منه إلى مكة شرفها الله تعالى وكان قد أعد له بها قبة تحت ~~الجبل في ذيله يدفن فيها وقد سبق ذكرها فلما توجه الركب إلى الحجاز سنة ~~إحدى وثلاثين سيروه في الصحبة فاتفق أن رجع الحاج تلك السنة من لينة ولم ~~يصلوا إلى مكة فردوه ودفنوه بالكوفة بالقرب من المشهد رحمه الله تعالى ~~وعوضه خيرا وتقبل مباره وأحسن منقلبه 157 وأما زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب ~~فإنها توفيت في شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة وغالب ظني أنها جاوزت ~~ثمانين سنة ودفنت في PageV04P120 # مدرستها الموقوفة على الحنابلة بسفح قاسيون وكانت ~~وفاتها بدمشق وأدركت من محارمها من الملوك من إخوتها وأولادهم أكثر من ~~خمسين رجلا غير محارمها من غير الملوك ولولا خوف الإطالة لذكرتهم مفصلا فإن ~~إربل كانت لزوجها المذكور والموصل لأولاد بنتها وخلاط وتلك الناحية لابن ~~أخيها الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن الملك العادل وبلاد الجزيرة ~~الفراتية للأشرف ابن أخيها وبلاد الشام لأولاد أخوتها والديار المصرية ~~والحجازية واليمن لإخوتها وأولادهم ومن تأمل ذلك عرف الجميع وكوكبوري بضم ~~الكافين بينهما واو ساكنة ثم باء موحدة مضمومة ثم واو ساكنة وبعدها راء وهو ~~اسم تركي معناه بالعربي ذئب أزرق وبكتكين بضم الباء الموحدة وسكون الكاف ~~وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ~~نون وهو اسم تركي أيضا ولينة بكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~النون وبعدها هاء ساكنة منزلة في طريق الحجاز من جهة العراق وكان الركب في ~~تلك السنة قد رجع منها لعدم الماء وقاسوا مشقة عظيمة PageV04P121 # 548 العتابي كلثوم ms1013 بن عمرو العتابي الشاعر المشهور كان ~~شاعرا خطيبا بليغا مجيدا وهو من أهل قنسرين وقدم بغداد ومدح هارون الرشيد ~~وغيره من الخلفاء وله رسائل مستحسنة وكان يتجنب غشيان السلطان قناعة وصيانة ~~وتنزها وتعززا وكان يلبس الصوف ويظهر الزهد مترسل بليغ مطبوع متصرف في فنون ~~من الشعر مقدم في الخطابة والرواية حسن العارضة والبديهة من شعراء الدولة ~~العباسية وكان يقول بالاعتزال فاتصل بالرشيد وكثر عليه من أمره فأمر فيه ~~بأمر غليظ فهرب إلى اليمن وكان مقيما بها فاحتال يحيى بن خالد إلى أن حمل ~~للرشيد من خطبه ورسائله فاستحسن الرشيد ذلك وسأل عن الكلام لمن هو فقال ~~يحيى هو للعتابي ولو حضر حتى يسمع منه الأمين والمأمون هذا الكلام ويصنع ~~لهم خطبا لكان في ذلك صلاح فأمر بإحضاره فأخذ له يحيى الأمان واتصل الخبر ~~بالعتابي فقال (ما زلت في غمرات الموت منطرحا * قد غاب عني وجوه الأمر من ~~حيلي) PageV04P122 # (فلم تزل دائبا تسعى لتنقذني * حتى استللت حياتي من ~~يدي أجلي) وكان العتابي منقطعا إلى البرامكة ومنصور النمري راويته وتلميذه ~~قال أبو دعامة الشاعر كتب طوق بن مالك إلى العتابي يستزيره ويدعوه إلى أن ~~يصل القرابة بينه وبينه فرد عليه إن قريبك من قرب منك خيره وابن عمك من عمك ~~نفعه وإن عشرتك من أحسن وإن أحب الناس إليك اجراهم بالمنفعة عليك ولذلك ~~أقول (ولقد بلوت الناس ثم سبرتهم * وخبرت ما وصلوا من الأسباب) (فإذا ~~القرابة لا تقرب قاطعا * وإذا المودة أكبر الأنساب) قيل للعتابي انك تلقى ~~العامة ببشر وتقريب فقال رفع ضغينة بأيسر مؤنة واكتساب إخوان بأهون مبذول ~~ولما قدم العتابي مدينة السلام على المأمون أذن له فدخل وعنده إسحاق ~~الموصلي وكان العتابي شيخا جليلا نبيلا فسلم فرد عليه وأدناه وقربه حتى قرب ~~منه فقبل يده ثم امره بالجلوس فجلس ثم أقبل عليه يسأله عن حاله وهو يجيبه ~~بلسان طلق فاستطرف المأمون ذلك منه فأقبل عليه بالمداعبة بالمزح فظن الشيخ ~~أنه استخف به فقال يا أمير المؤمنين الإيناس قبل الإبسام فاشتبه ms1014 على ~~المأمون قوله فنظر إلى إسحاق مبتسما فأومأ إليه بعينه وغمزه على معناه حتى ~~فهمه ثم قال يا غلام ألف دينار فأتى بذلك فوضعه بين يدي العتابي وأخذوا في ~~الحديث ثم غمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه فجعل العتابي لا يأخذ في شيء ~~إلا عارضه فيه إسحاق بن إبراهيم فبقي العتابي متعجبا ثم قال يا أمير ~~المؤمنين أتأذن لي في مسألة هذا الشيخ عن اسمه قال نعم سله فقال إسحاق يا ~~شيخ من أنت وما اسمك قال أنا من الناس واسمي كل بصل فتبسم العتابي ثم قال ~~أما النسب فمعروف وأما الاسم فمنكر فقال له إسحاق ما أقل أنصافك أتنكر أن ~~يكون اسمي كل بصل واسمك كل ثوم وما كلثوم من الأسماء أوليس البصل أطيب من ~~الثوم فقال له العتابي لله درك ما أحجك أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن ~~PageV04P123 # أصله بما وصلتني به فقال له المأمون بل ذلك موفر عليك ~~ونأمر له بمثله فقال له إسحاق أما إذ أقررت بهذه فتوهمني تجدني فقال له ما ~~أظنك إلا إسحاق الموصلي الذي تناهى إلينا خبره فقال أنا حيث ظننت فأقبل ~~عليه بالتحية والسلام فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما أما إذا إتفقتما ~~إلى المودة فانصرفا فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده كتب المأمون ~~في إشخاص العتابي فلما دخل عليه قال له كاثوم بلغتني وفاتك فساءتني ثم ~~بلغني وفادتك فسرتني فقال له العتابي يا أمير المؤمنين لو قسمت هاتان ~~الكلمتان على أهل الأرض لو سعتهم فضلا وإنعاما وقد خصصتني منهما بما لا ~~يتسع له أمنية ولا ينبسط لسواه أمل لأنه لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك ~~قال سلني قال يدك بالعطاء أطلق من لساني بالمسألة فوصله صلة سنية وبلغ به ~~من التقديم والإكرام أعلى محل قال الأصمعي كتب كلثوم بن عمرو العتابي إلى ~~رجل (ان الكريم ليخفي عنك عسرته * حتى تراه غنيا وهو مجهود) (وللبخيل على ~~أمواله علل * زرق العيون عليها أوجه سود) (بث النوال ولا يمنعك قلته * فكل ms1015 ~~ما سد فقرا فهو محمود) قال فشاطره ماله حتى بعث إليه بنصف خاتمه وفرد نعله ~~قال ما لك بن طوق للعتابي يا أبا عمرو رأيتك كلمت فلانا فأقللت كلامك قال ~~نعم كانت معي حيرة الداخل وفكرة صاحب الحاجة وذل المسألة وخوف الرد مع شدة ~~الطمع وقيل للعتابي قد فلح ابن مسلم الخلق قال لعله أكل من شعره ومثل ذلك ~~اجتمع قوم من الشعراء على فالوذجة حارة فقال أحدهم يخاطب شخصا منهم كأنها ~~مكانك من النار قال له أصلحها ببيت من شعرك قيل كان مروان بن السمط يرمى في ~~شعره بالبرد وكانت له بلغة بالبصرة لا يفارق ركوبها فقال الجماز يهجوه حرف ~~اللام PageV04P124 # 549 الليث بن سعد أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد ~~الرحمن إمام أهل مصر في الفقه والحديث كان مولى قيس بن رفاعة وهو مولى عبد ~~الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي وأصله من أصبهان وكان ثقة سريا سخيا قال ~~الليث كتبت من علم محمد ابن شهاب الزهري علما كثيرا وطلبت ركوب البريد إليه ~~إلى الرصافة فخفت أن لا يكون ذلك لله تعالى فتركته وقال الشافعي رضي الله ~~عنه الليث بن سعد أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به وكان ابن وهب ~~تقرأ عليه مسائل الليث فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء أحسن والله الليث ~~كأنه كان يسمع مالكا يجيب فيجيب هو فقال اين وهب للرجل بل كان مالك يسمع ~~الليث يجيب فيجيب هو والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا أحد قط أفقه من ~~الليث وكان من الكرماء الأجواد ويقال إن دخله كان في كل سنة خمسة آلاف ~~دينار وكان يفرقها في الصلات وغيرها وقال منصور بن عمار أتيت الليث فأعطاني ~~ألف دينار وقال صن بهذه الحكمة التي آتاك الله تعالى ورأيت في بعض المجاميع ~~أن الليث كان حنفي المذهب وأنه ولي القضاء بمصر وان الإمام مالكا أهدى إليه ~~صينية فيها تمر فأعادها مملوءة ذهبا وكان يتخذ لأصحابه الفالوذج ويعمل فيه ~~الدنانير ليحصل ms1016 لكل من أكل كثيرا أكثر من صاحبه PageV04P127 # وكان قد حج سنة ثلاث عشرة ومائة وهو ابن عشرين سنة ~~وسمع من نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما وكان الليث يقول قال لي بعض أهلي ~~ولدت سنة اثنتين وتسعين للهجرة والذي أوقن سنة أربع وتسعين في شعبان وتوفي ~~يوم الخميس وقيل الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة ودفن يوم الجمعة ~~بمصر في القرافة الصغرى وقبره أحد المزارات رضي الله عنه وقال السمعاني ولد ~~في شعبان سنة أربع وعشرين ومائة والأول أصح وقال غيره ولد سنة ثلاث وتسعين ~~والله أعلم بالصواب وقال بعض أصحابه لما دفنا الليث بن سعد سمعنا صوتا وهو ~~يقول (ذهب الليث فلاليث لكم * ومضى العلم قريبا وقبر) قال فالتفتنا فلم نر ~~أحدا ويقال إنه من أهل قلقشندة وهي بفتح القاف وسكون اللام وفتح القاف ~~الثانية والشين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة وبعدها هاء ساكنة ~~وهي قرية من الوجه البحري من القاهرة بينها وبين القاهرة مقدار ثلاثة فراسخ ~~والفهمي بفتح وسكون الهاء وبعدها ميم هذه النسبة إلى فهم وهو بطن من قيس ~~عيلان خرج منها جماعة كثيرة PageV04P128 # 549 ب الليث بن سعد أبو الحارث الليث سريا سخيا ولد ~~بقلقشندة سنة أربع وتسعين وسمع علماء المصريين والحجازيين وروى عن عطاء بن ~~أبي رباح وابن أبي مليكة وابن شهاب الزهري ونافع مولى ابن عمر وغيرهم وحدث ~~عنه هشيم بن بشير وعبد الله بن المبارك وعبد الوهاب بن وهب وعبد الله بن ~~عبد الحكم ويحيى بن بكير وغيرهم وقدم بغداد وحدث بها قال الليث كتبت من علم ~~ابن شهاب الزهري علما كثيرا وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرصافة فخفت أن لا ~~يكون ذلك لله تعالى فتركته قال الخطيب صاحب تاريخ بغداد خرج الليث إلى ~~العراق سنة إحدى وستين ومائة وخرج في شوال وشهد الأضحى ببغداد وقال الشافعي ~~أفقه من الليث قال أبو الحسن الخادم كنت غلاما لزبيدة وأتي يوما بالليث بن ~~سعد فكنت واقفا على رأس زبيدة خلف الستارة فسأله ms1017 هارون الرشيد فقال حلفت ان ~~لي جنتين فاستحلفه الليث ثلاثا أنك تخاف الله فحلف له فقال له الليث قال ~~الله تعالى * (ولمن خاف مقام ربه جنتان) * (الرحمن 46) قال فأقطعه قطائع ~~كثيرة بمصر قال الليث بن سعد قال لي أبو جعفر تلي لي مصر قلت لا يا أمير ~~المؤمنين أضغف عن ذلك إني رجل من الموالي فقال ما بك ضعف PageV04P129 # معي ولكن ضعفت نيتك في العمل عن ذلك لي وحج الليث سنة ~~ثلاث عشرة فسمع من ابن شهاب وغيره بمكة في هذه السنة وقال الليث حججت سنة ~~ثلاث عشرة وأنا ابن عشرين سنة وقال يحيى بن بكير ما رأيت أحدا أكمل من ~~الليث بن سعد كان فقيه البدن عربي اللسان يحسن القرآن والنحو ويحفظ الشعر ~~والحديث حسن المذاكرة وما زال يذكر خصالا جميلة ويعقد بيده حتى عقد عشرة لم ~~أر مثله قال سعيد بن أبي أيوب لو أن مالكا والليث اجتمعا لكان مالك عند ~~الليث أبكم ولباع الليث مالكا في من يزيد وقال ابن وهب كل ما كان في كتب ~~مالك وأخبرني من أثق به من أهل العلم فهو الليث بن سعد وقال ابن وهب لولا ~~مالك والليث بن سعد لضل الناس وقال عثمان بن صالح كان أهل مصر ينتقصون ~~عثمان حتى نشأ فيهم الليث ابن سعد فحدثهم بفضائل عثمان فكفوا عن ذلك وكان ~~أهل حمص ينتقصون عليا حتى نشأفيهم إسماعيل بن عياش فحدثهم بفضائله فكفوا عن ~~ذلك وقال ابن وهب كان الليث بن سعد يصل مالك بن أنس بمائة دينار في كل سنة ~~فكتب إليه مالك إن علي دينا فبعث إليه بخمسمائة دينار وكتب إليه مالك إني ~~أريد أن أدخل ابنتي على زوجها فأحب أن تبعث إلي شيئا من عصفر فبعث إليه ~~ثلاثين حملا من عصفر فصبغ لابنته وباع منه بخمسائة دينار وبقي عنده فضلة ~~وقال قتيبة بن سعيد كان الليث يستغل عشرين ألف دينار في كل سنة وقال ما ~~وجبت علي زكاة قط وقال محمد بن رمح كان دخل ms1018 الليث بن سعد في كل سنة ثمانين ~~ألف دينار وما أوجب الله عليه زكاة درهم قط قال منصور بن عمار أتيت الليث ~~بن سعد فأعطاني ألف دينار وجارية PageV04P130 # تسوى ثلاثمائة دينار وقال صن بهذه الحكمة وجاءت امرأة ~~إلى الليث فقالت يا أبا الحارث إن ابنا لي عليل واشتهى عسلا فقال يا غلام ~~أعطها مرطا من عسل والمرط عشرون ومائة رطل وقال غيره سألت المرأة منا من ~~عسل فأمر لها بزق فقال له كاتبه إنما سألت منا فقال إنها سألتني على قدرها ~~فأعطيناها على قدر السعة وقال الحارث بن مسكين اشترى قوم من الليث بن سعد ~~ثمرة فاستغلوها فاستقالوه فأقالهم ثم دعا بخريطة فيها أكياس فأمر لهم له ~~بخمسمائة دينار فقال له الحارث ابنه في ذلك فقال اللهم غفرا إنهم كانوا ~~أملوا فيه أملا فأحببت أن أعوضهم من أملهم بهذا وقال شعيب بن الليث خرجت مع ~~أبي حاجا فقدم المدينة فبعث إليه مالك بن أنس بطبق رطب فجعل على الطبق ألف ~~دينار ورده إليه قال أشهب بن عبد العزيز كان لليث بن سعد كل يوم أربعة ~~مجالس يجلس فيها أما أولها فيجلس ليأتيه السلطان في نوائبه وحوائجه وكان ~~الليث يغشاه السلطان فإن انكر من القاضي أمرا أو من السلطان كتب إلى أمير ~~المؤمنين فيأتيه العزل ويجلس لأصحاب الحديث وكان يقول نجحوا أصحاب الحوانيت ~~فإن قلوبهم معلقة بأسواقهم ويجلس للمسائل يغشاه الناس فيسألونه ويجلس ~~لحوائج الناس لا يسأله أحد من الناس فيرده كبرت حاجته أو صغرت قال وكان ~~يطعم الناس في الشتاء الهرائس بعسل النحل وسمن البقر وفي الصيف سويق اللوز ~~بالسكر قال أبو رجاء قتيبة قفلنا مع الليث بن سعد من الإسكندرية وكان معه ~~ثلاث سفائن سفينة فيها مطبخه وسفينة فيها عياله وسفينة فيها أضيافه وقال ~~ابن بكير سمعت الليث بن سعد كثيرا ما يقول أنا أكبر من ابن لهيعة والحمد ~~لله الذي متعنا بعقلنا وكان الليث أكبر من ابن لهيعة ولكن إذا نظرت إليهما ~~تقول ذا ابن وذا أب يعني ms1019 ابن لهيعة الأب PageV04P131 # وقيل لليث بن سعد ما صلاح بلدك يا أبا الحارث قال جري ~~نيلها وعدل واليها ومن رأس العين يأتي الكدر وقال أبو محمد ابن أبي القاسم ~~قلت لليث أمتع الله بك يا أبا الحارث إنا نسمع منك الحديث ليس في كتبك قال ~~أوكل ما في صدري في كتبي لو كتبت ما في صدري ما وسعه هذا المركب ورأيت في ~~بعض المجاميع وقبره أحد المزارات رضي الله عنه قال محمد بن عبد الرحمن كنت ~~جالست الليث بن سعد وشهدت جنازته وانا مع أبي فما رأيت جنازة أعظم منها ولا ~~أكثر من أهلها ورأيت كلهم عليهم الحزن والناس يعزي بعضهم بعضا ويبكون فقلت ~~لأبي يا أبت كل واحد من الناس صاحب الجنازة فقال لي يا بني كان عالما سعيدا ~~كريما حسن الفعل كثير الأفضال يا بني لا ترى مثله أبدا ويقال إنه من أهل ~~قلقشندة جماعة كثيرة حرف الميم PageV04P132 # 550 الإمام مالك الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن ~~مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بغين معجمة وياء تحتها نقطتان ~~ويقال عثمان بعين مهملة وثاء مثلثة ابن جثيل بجيم وثاء مثلثة وياء ساكنة ~~تحتها نقطتان وقال ابن سعد هو خثيل بخاء معجمة ابن عمرو ذي أصبح الأصبحي ~~المدني إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأعلام أخذ القراءة عرضا عن نافع بن ~~أبي نعيم وسمع الزهري ونافعا مولى ابن عمر رضي الله عنهما وروى عنه ~~الأوزاعي ويحيى بن سعيد وأخذ العلم عن ربيعة الرأي وقد تقدم ذكره ثم أفتى ~~معه عند السلطان وقال مالك قل رجل كنت أتعلم منه ومات حتى يجيئني ويستفتيني ~~وقال ابن وهب سمعت مناديا ينادي بالمدينة ألا لا يفتى الناس إلا مالك بن ~~أنس وابن أبي ذئب وكان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح ~~لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة ثم حدث فقيل له في ذلك فقال أحب أن ~~PageV04P135 # أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1020 ولا احدث به ~~إلا متمكنا على طهارة وكان يكره أن يحدث على الطريق أو قائما أو مستعجلا ~~ويقول أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا ~~يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه ويقول لا أركب في مدينة فيها جثة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مدفونة وقال الشافعي قال لي محمد بن الحسن أيهما ~~أعلم صاحبنا أم صاحبكم يعني أبا حنيفة ومالكا رضي الله عنهما قال قلت على ~~الإنصاف قال نعم قال قلت ناشدتك الله من اعلم بالقرآن صاحبنا أم صاحبكم قال ~~اللهم صاحبكم قال قلت ناشدتك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أم صاحبكم قال ~~اللهم صاحبكم قال قلت ناشدتك الله من اعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المتقدمين صاحبنا أم صاحبكم قال اللهم صاحبكم قال الشافعي ~~لم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فعلى أي شيء يقيس ~~وقال الواقدي كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز ويعود ~~المرضى ويقضي الحقوق ويجلس في المسجد ويجتمع إليه أصحابه ثم ترك الجلوس في ~~المسجد فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه وترك حضور الجنائز فكان يأتي أصحابها ~~فيعزيهم ثم ترك ذلك كله فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة ولا ~~يأتي أحدا يعزيه ولا يقضي له حقا واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه وكان ~~ربما قيل له في ذلك فيقول ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره PageV04P136 # وسعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن ~~العباس رضي الله عنهما وهو ابن عم جعفر المنصور وقالوا له إنه لا يرى أيمان ~~بيعتكم هذه بشيء فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط ومدت يده حتى ~~إنخلعت كتفه وارتكب منه أمرا عظيما فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة ~~وكأنما كانت تلك السياط حليا حلي به وذكر ابن الجوزي في شذور العقود في سنة ~~سبع وأربعين ومائة وفيها ضرب مالك بن أنس سبعين سوطا ms1021 لأجل فتوى لم توافق ~~غرض السلطان والله أعلم وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين للهجرة وحمل به ~~ثلاث سنين وتوفي في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة رضي الله عنه فعاش ~~أربعا وثمانين سنة وقال الواقدي مات وله تسغون سنة والله أعلم بالصواب وقال ~~ابن الفرات في تاريخه المرتب على السنين توفي مالك بن أنس الأصبحي لعشر ~~مضين من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة وقيل إنه توفي سنة ثمان ~~وسبعين ومائة وقيل إن مولده سنة تسعين للهجرة وقال السمعاني في كتاب ~~الأنساب في ترجمة الأصبحي إنه ولد في سنة ثلاث أو أربع وتسعين والله أعلم ~~بالصواب وحكى الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس قال حدث ~~القعنبي قال دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه ثم جلست ~~فرأيته يبكي فقلت يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك قال فقال لي يا ابن قعنب ~~وما لس لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني والله لووددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت ~~فيها برأيي بسوط سوط وقد كانت لي PageV04P137 # السعة فيما قد سبقت إليه وليتني لم أفت بالرأي أو كما ~~قال وكانت وفاته بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ودفن بالبقيع ~~جوار إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم وكان شديد البياض إلى الشقرة ~~طويلا عظيم الهامة أصلع يلبس الثياب العدنية الجياد ويكره حلق الشارب ~~ويعيبه ويراه من المثلة ولا يغير شيبه ورثاه أبو محمد جعفر بن أحمد بن ~~الحسين السراج وقد سبق ذكره بقوله (سقى جدثا ضم البقيع لمالك * من المزن ~~مرعاد السحائب مبراق) (إمام موطاه الذي طبقت به * أقاليم في الدنيا فساح ~~وآفاق) (أقام به شرع النبي محمد * له حذر من أن يضام وإشفاق) (له سند عال ~~صحيح وهيبة * فللكل منه حين يرويه إطراق) (وأصحاب صدق كلهم علم فسل * بهم ~~أن إنهم أنت ساءلت حذاق) (ولو لم يكن إلا ابن إدريس وحده * كفاه ألا إن ~~السعادة أرزاق) والأصبحي بفتح الهمزة وسكون الصاد ms1022 المهملة وفتح الباء ~~الموحدة وبعدها حاء مهملة هذه النسبة إلى ذي أصبح واسمه الحارث بن عوف بن ~~مالك بن زيد بن شداد بن زرعة وهو من يعرب بن قحطان وهي قبيلة كبيرة باليمن ~~وإليها تنسب السياط الأصبحية وقال هشام بن الكلبي في جمهرة النسب ذو أصبح ~~هو الحارث بن مالك بن زيد بن غوث بن سعد بن عوف بن عدي ابن مالك بن زيد بن ~~سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن ~~بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ~~واسمه يقطن بن عابر بن شالخ PageV04P138 # ابن إرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام والذي ذكرناه ~~أولا ذكره الحازمي في كتاب العجالة والله أعلم بالصواب 551 مالك بن دينار ~~أبو يحيى مالك بن دينار البصري وهو من موالي بني سامة بن لؤي القرشي كان ~~عالما زاهدا كثير الورع قنوعا لا يأكل إلا من كسبه وكان يكتب المصاحف ~~بالأجرة وروي عنه أنه قال قرأت في التوراة أن الذي يعمل بيده طوبى لمحياه ~~ومماته وكان يوما في مجلس وقد قص فيه قاص فبكى القوم ثم ما كان بأوشك من أن ~~اتوا برؤوس فجعلوا يأكلون منها فقيل لمالك كل فقال إنما يأكل الرؤوس من بكى ~~وانا لم أبك فلم يأكل وله مناقب عديدة وآثار شهيرة فمن ذلك ما حكاه أبو ~~القاسم خلف بن بشكوال الأندلسي المقدم ذكره في كتابه الذي سماه كتاب ~~المستغيثين بالله تعالى فإنه قال بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه ~~رجل فقال يا أبا يحيى ادع الله لامرأة حبلى منذ أربع سنين وقد أصبحت في كرب ~~شديد فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال ما يرى هؤلاء القوم إلا أننا أنبياء ثم ~~قرأ ثم دعا فقال اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها جارية فأبدلها به غلاما ~~فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ثم رفع مالك ms1023 يده ورفع الناس ~~أيديهم وجاء رسول إلى عند الرجل وقال أدرك امرأتك فذهب الرجل PageV04P139 # فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على ~~رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه ما قطعت سراره وكان من ~~كبار السادات وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة قبل الطاعون بيسير رحمه ~~الله تعالى وقد أذكرني مالك بن دينار أبياتا أنشدنيها لنفسه صاحبنا جمال ~~الدين محمود ابن عبد عملها في بعض الملوك وقد حارب ملكا آخر فانتصر الملك ~~الذي عمل فيه الأبيات على عدوه وغنم أمواله وخزائنه وأسر رجاله وابطاله ~~فلما صار الجميع في قبضته فرق الأموال على الناس واعتقل الأجناد فمدحه ابن ~~عبد المذكور بقصيدة أجاد فيها كل الإجادة ووصف هذه الواقعة واستعمل لفظة ~~مالك بن دينار وحصل له فيها التورية العجيبة والموضع المقصود منها قوله ~~(أعتقت من أموالهم ما أستعبدوا * وملكت رقهم وهم أحرار) (حتى غدا من كان ~~منهم مالكا * متمنيا لو أنه دينار) وهذا في نهاية الحسن فلهذا ذكرتهما ~~PageV04P140 # 552 مجد الدين ابن الأثير الجزري أبو السعادات المبارك ~~بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف ~~بابن الأثير الجزري الملقب مجد الدين قال أبو البركات ابن المستوفي في ~~تاريخ إربل في حقه أشهر العلماء ذكرا وأكبر النبلاء قدرا وأحد الأفاضل ~~المشار إليهم وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم أخذ النحو عن شيخه أبي ~~محمد سعيد بن المبارك الدهان وقد سبق ذكره وسمع الحديث متأخرا ولم تتقدم ~~روايته وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة منها جامع الأصول في أحاديث ~~الرسول جمع فيه بين الصحاح الستة وهو على وضع كتاب رزين إلا أن فيه زيادات ~~كثيرة عليه ومنها كتاب النهاية في غريب الحديث في خمس مجلدات وكتاب الإنصاف ~~في الجمع بين الكشف والكشاف في تفسير القرآن الكريم أخذه من تفسير الثعلبي ~~والزمخشري وله كتاب المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار وله كتاب لطيف في ~~صنعة الكتابة وكتاب البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان ms1024 وله ديوان ~~رسائل وكتاب الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي وغير ذلك من التصانيف وكانت ~~ولادته بجزيرة ابني عمر في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة ونشأ ~~بها ثم أنتقل إلى الموصل في سنة خمس وستين وخمسمائة ثم عاد إلى الجزيرة ثم ~~عاد إلى الموصل وتنقل في الولايات بها واتصل بخدمة الأمير مجاهد ~~PageV04P141 # الدين قايماز بن عبد الله الخادم الزيني المقدم ذكره ~~في حرف القاف وكان نائب المملكة فكتب بين يديه منشئا إلى أن قبض عليه كما ~~سبق ذكره فاتصل بخدمة عز الدين مسعود بن مودود صاحب الموصل وتولى ديوان ~~رسائله وكتب له إلى أن توفي ثم اتصل بولده نور الدين أرسلان شاه وقد سبق ~~ذكره فحظي عنده وتوفرت حرمته لديه وكتب له مدة ثم عرض له مرض كف يديه ~~ورجليه فمنعه من الكتابة مطلقا وأقام في داره يغشاه الأكابر والعلماء وأنشأ ~~رباطا بقرية من قرى الموصل تسمى قصر حرب ووقف املاكه عليه وعلى داره التي ~~كان يسكنها بالموصل وبلغني انه صنف هذه الكتب كلها في مدة العطلة فإنه تفرغ ~~لها وكان عنده جماعة يعينونه عليها في الاختيار والكتابة وله شعر يسير من ~~ذلك ما انشده للاتابك صاحب الموصل وقد زلت به بغلته (إن زلت البغلة من تحته ~~* فإن في زلتها عذرا) (حملها من علمه شاهقا * ومن ندى راحته بحرا) وهذا ~~معنى مطروق وقد جاء في الشعر كثيرا وحكى أخوه عز الدين أبو الحسن علي أنه ~~لما أقعد جاءهم رجل مغربي والتزم أنه يداويه ويبرئه مما هو فيه وانه لا ~~يأخذ اجرا إلا بعد برئه فملنا إلى قوله واخذ في معالجته بدهن صنعه فظهرت ~~ثمرة صنعته ولانت رجلاه وصار يتمكن من مدهما وأشرف على كمال البرء فقال لي ~~أعط هذا المغربي شيئا يرضيه واصرفه فقلت له لماذا وقد ظهر نجح معاناته فقال ~~الأمر PageV04P142 # كما تقول ولكني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء ~~القوم والالتزام بأخطارهم وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدعة وقد كنت ~~بالأمس وانا معافى أذل نفسي ms1025 بالسعي إليهم وها أنا اليوم قاعد في منزلي فإذا ~~طرأت لهم أمور ضرورية جاءوني بأنفسهم لأخذ رأيي وبين هذا وذاك كثير ولم يكن ~~سبب هذا إلا هذا المرض فما أرى زواله ولا معالجته ولم يبق من العمر إلا ~~القليل فدعني أعيش باقيه حرا سليما من الذل وقد اخذت منه بأوفر حظ قال عز ~~الدين فقبلت قوله وصرفت الرجل بإحسان وكانت وفاة مجد الدين المذكور بالموصل ~~يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة ودفن برباطه بدرب دراج داخل البلد ~~رحمه الله تعالى وقد سبق ذكر أخيه عز الدين علي وسيأتي ذكر أخيه ضياء الدين ~~نصر الله إن شاء الله تعالى وجزيرة ابني عمر مدينة فوق الموصل على دجلتها ~~سميت جزيرة لأن دجلة محيطة بها قال الواقدي بناها رجل من أهل برقعيد يقال ~~له عبد العزيز بن عمر PageV04P143 # 553 المبارك بن منقذ أبو الميمون المبارك بن كامل بن ~~علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الملقب سيف الدولة مجد الدين كان من ~~امراء الدولة الصلاحية وشاد الديوان بالديار المصرية وهو من بيت كبير وقد ~~سبق ذكر جده سديد الدولة علي وابن عمه أسامة بن مرشد ولما سير السلطان صلاح ~~الدين أخاه شمس الدولة توران شاه المقدم ذكره إلى بلاد اليمن وتملكها رتب ~~ابن منقذ المذكور نائبا عنه في زبيد ولما رجع شمس الدولة إلى الشام فارق ~~ابن منقذ اليمن واستناب أخاه حطان باذن شمس الدولة ووصل إلى دمشق ثم رجع ~~شمس الدولة إلى مصر وابن منقذ معه وقيل لصلاح الدين عنه إنه قتل جماعة من ~~أهل اليمن واخذ أموالهم فلما مات شمس الدولة حبسه صلاح الدين واخذ منه ~~ثمانين ألف دينار وعروضا بعشرين ألف دينار وذلك في سنة سبع وسبعين وخمسمائة ~~ثم توجه سيف الإسلام طغتكين المقدم ذكره إلى اليمن فتحصن حطان في بعض ~~القلاع فاستنزله بالمهادنة والخداع وقبض عليه واستصفى أمواله وسجنه في بعض ~~القلاع وكان آخر العهد به ويقال إنه قتله وقيل إنه أخذ منه سبعين غلاف ~~زردية ms1026 مملوءة ذهبا والله أعلم ولم يزل سيف الدولة المذكور مقدما في الدولة ~~كبير القدر نبيه الذكر رئيسا عالي الهمة وكانت فيه فضيلة وكان يحب أربابها ~~ومدحه جماعة من مشاهير PageV04P144 # الشعراء ومن جملة مداحه القاضي الوجيه رضي الدين أبو ~~الحسن علي بن أبي الحسن يحيى بن الحسن بن أحمد المعروف بابن الذروي مدحه ~~بقصيدته الذالية التي سارت مسير المثل وأولها (لك الخير عرج بي على ربعهم ~~فذي * ربوع يفوح المسك من عرفها الشذي) (وذا يا كليم الشوق واد مقدس * لدى ~~الحب فاخلع ليس يمشيه محتذي) ومن جملتها (وبي ظبي إنس كمل الله حسنه * وقال ~~لأفواه الخلائق عوذي) (جلا تحت ياقوت اللمى ثغر جوهر * رطيب وأبدى شاربا من ~~زمرذ) (ولي عذل أيدي التشاغل عنهم * إذا اخذوا في عذلهم كل مأخذ) (يقولون ~~من هذا الذي مت في الهوى * به كمدا يا رب لا عرفوا الذي) (ورب أديب لم يجد ~~في ارتحاله * إذا ما جوادا قال هات يقل خذ) (أقول له إذ قام يرحل مصعبا * ~~يكلفه طول السفار وقد حذي) (مبارك وفد العيس باب مبارك * وهل منقذ القصاد ~~إلا ابن منقذ) ومن مديحها وفيه صناعة بديعة (وألين عند السلم من بطن حية * ~~واخشن يوم الروع من ظهر قنفذ) وهي قصيدة نفيسة اقتصرت منها على هذه الأبيات ~~حذرا من التطويل ولأبي الميمون المذكور شعر فمن ذلك قوله في البراغيث ~~PageV04P145 # (ومعشر يستحل الناس قتلهم * كما إستحلوا دم الحجاج في ~~الحرم) (إذا سفكت دما منها فما سفكت * يداي من دمها المسفوك غير دمي) ~~(اصطاد هذا فيبقى ذا فيلسعني * فينقضي الليل في صيدي ولسعهم) 158 هكذا ~~رواها عنه عز الدين أبو القاسم عبد الله بن أبي علي الحسين ابن أبي محمد ~~عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة بن عبيد بن ~~محمد بن عبد الله بن رواحة الأنصاري الحموي ومولد ابن رواحة بساحل صقلية ~~سنة ستين وخمسمائة ومات سنة ست وأربعين وستمائة في جباب التركمان المنزلة ~~التي بين حلب وحماة وهو راكب ms1027 على الجمل فكانت ولادته في مركب ومات على جمل ~~وكانت ولادة سيف الدولة المذكور بقلعة شيزر سنة ست وعشرين وخمسمائة وتوفي ~~بالقاهرة ثامن شهر رمضان يوم الثلاثاء سنة تسع وثمانين وخمسمائة رحمه الله ~~تعالى والذروي بفتح الذال المعجمة والراء وبعدها واو هذه النسبة إلى ذروى ~~وهي قرية بصعيد مصر PageV04P146 # 554 شرف الدين ابن المستوفي أبو البركات المبارك بن ~~أبي الفتح أخمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب اللخمي الملقب شرف ~~الدين المعروف بابن المستوفي الإربلي كان رئيسا جليل القدر كثير التواضع ~~واسع الكرم لم يصل إلى إربل أحد من الفضلاء إلا وبادر إلى زيارته وحمل إليه ~~ما يليق بحاله ويقرب إلى قلبه بكل طريق وخصوصا أرباب الأدب فقد كانت سوقهم ~~لديه نافقة وكان جم الفضائل عارفا بعدة فنون منها الحديث وعلومه وأسماء ~~رجاله وجميع ما يتعلق به كان إماما فيه وكان ماهرا في فنون الأدب من النحو ~~واللغة والعروض والقوافي وعلم البيان واشعار العرب واخبارها وايامها ~~ووقائعها وأمثالها وكان بارعا في علم الديوان وحسابه وضبط قوانينه على ~~الأوضاع المعتبرة عندهم وجمع لإربل تاريخا في أربع مجلدات وقد أحلت عليه في ~~هذا الكتاب في مواضع عديدة وله كتاب النظام في شرح شعر المتنبي وأبي تمام ~~في عشر مجلدات وكتاب إثبات المحصل في نسبة أبيات المفصل في مجلدين تكلم فيه ~~على الأبيات التي استشهد بها الزمخشري في المفصل وله كتاب سر الصنعة وله ~~كتاب سماه ابا قماش جمع فيه أدبا كثيرا ونوادر وغيرها وسمعت منه كثيرا ~~وسمعت بقراءته على المشايخ الواردين على إربل شيئا كثيرا فإنه كان يعتمد ~~القراءة بنفسه وله ديوان شعر أجاد فيه فمن شعره بيتان فضل فيهما البياض على ~~السمرة وهما (لا تخدعنك سمرة غرارة * ما الحسن إلا للبياض وجنسه) ~~PageV04P147 # (فالرمح يقتل بعضه من غيره * والسيف يقتل كله من نفسه) ~~وقد اخذ هذا المعنى من قول أبي الندى حسان بن نمير الكلبي المعروف بالعرقلة ~~الدمشقي الشاعر المشهور وهو (إن كنت بالأسمر الزيتي مفتتنا * فسل عن الأبيض ~~الفضي ms1028 بلبالي) (إن كان في الرمح شبر قاتل أبدا * ففي المهند شبر غير قتال) ~~ولما نظم شرف الدين بيتيه هذين قال بعض الأدباء لو قال إن بعض الرمح الذي ~~يقتل به هو من جنس السيف كان أتم في المعنى فعمل بعض المتأدبين ولا اعلم هل ~~هو شرف الدين نفسه أم غيره بيتين نبه فيهما على هذه الزيادة وهما (البيض ~~أقتل مضربا * وبمهجتي منها الحسان) (والسمر إن قتلت فمن * بيض يصاغ لها ~~السنان) ومن أشعاره التي يتغنى بها قوله (يا ليلة حتى الصباح سهرتها * ~~قابلت فيها بدرها بأخيه) (سمح الزمان بها فكانت ليلة * عذب العتاب بها ~~لمجتذبيه) (أحييتها وامتها عن حاسد * ما همه إلا الحديث يشيه) (ومعانقي حلو ~~الشمائل أهيف * جمعت ملاحة كل شيء فيه) (يختال معتدلا فإن عبث الصبا * ~~بقوامه متعرضا يثنيه) (نشوان تهجم بي عليه صبابتي * ويردني ورعي فأستحييه) ~~PageV04P148 # (علقت يدي بعذاره وبخده * هذا أقبله وذا أجنيه) (لو لم ~~تخالط زفرتي أنفاسه * كانت تنم بنا إلى واشيه) (حسد الصباح الليل لما ضمنا ~~* غيظا ففرق بيننا داعيه) وله (رعى الله ليلات تقضت بقربكم * قصارا وحياها ~~الحيا وسقاها) (فما قلت إيه بعدها لمسامر * من الناس إلا قال قلبي آها) ~~وهذان البيتان يوجدان في أثناء قصيدة لصاحبنا الحسام الحاجري المقدم ذكره ~~في حرف العين لكن رأيت أكثر أصحابنا يقولون إنهما لشرف الدين المذكور والله ~~أعلم وكان قد خرج من مسجد بجواره ليلا ليجيء إلى داره فوثب عليه شخص وضربه ~~بسكين قاصدا فؤاده فالتقى الضربة بعضده فجرحته جراحة متسعة فأحضر في الحال ~~المزين وخاطها ومرخها وقمطها باللفائف فكتب إلى الملك المعظم مظفر الدين ~~صاحب إربل يطالعه بما تم عليه في هذه الأبيات وغالب ظني أن ذلك كان في سنة ~~ثماني عشرة وستمائة واذكر القضية وانا يومئذ صغير والأبيات (يا أيها الملك ~~الذي سطواته * من فعلها يتعجب المريخ) (آيات جودك محكم تنزيلها * لا ناسخ ~~فيها ولا منسوخ) (أشكو إليك وما بليت بمثلها * شنعاء ذكر حديثها تاريخ) (هي ~~ليلة فيها ولدت وشاهدي * فيما إدعيت القمط والتمريخ) ms1029 وهذا معنى بديع جدا ~~وكان يقول عملت في نومي بيتين وهما (وبتنا جميعا وبات الغيور * يعض يديه ~~علينا حنق) PageV04P149 # (نود غراما لو انا نباع * سواد الدجى بسواد الحدق) ~~وكان قد وصل إلى إربل بعض الشعراء وهو الشرف عبد الرحمن بن أبي الحسن بن ~~عيسى بن علي بن يعرب البوازيجي الشاعر في سنة ثمان وعشرين وستمائة وشرف ~~الدين يومئذ وزير فسير له مثلوما على يد شخص كان في خدمته يقال له الكمال ~~بن الشعار الموصلي صاحب التاريخ والمثلوم عبارة عن دينار تقطع منه قطع ~~صغيرة وقد جرت عادتهم في العراق وتلك البلاد ان يفعلوا مثل هذا لأنهم ~~يتعاملون بالقطع الصغار ويسمونها القراضة ويتعاملون أيضا بالمثلوم وهو كثير ~~الوجود بأيديهم في معاملاتهم فجاء الكمال إلى ذلك الشاعر وقال له الصاحب ~~يقول لك أنفق الساعة هذا حتى يجهز لك شيئا يصلح لك فتوهم ذلك الشاعر أن ~~يكون الكمال قد قرض القطعة من الدينار وان شرف الدين ما سيره إلا كاملا ~~وقصد إستعلام الحال من جهة شرف الدين فكتب إليه (يا أيها المولى الوزير ومن ~~به * في الجود حقا تضرب الأمثال) (أرسلت بدر التم عند كماله * حسنا فوافى ~~العبد وهو هلال) (ما غاله النقصان إلا أنه * بلغ الكمال كذلك الآجال) فأعجب ~~شرف الدين بهذا المعنى وحسن الاتفاق وأجاز الشاعر وأحسن إليه وكنت خرجت من ~~إربل في سنة ست وعشرين وستمائة وشرف الدين مستوفى الديوان والاستيفاء في ~~تلك البلاد منزلة عليه وهو تلو الوزارة ثم بعد ذلك تولى الوزارة في سنة تسع ~~وعشرين وستمائة وشكرت سيرته فيها ولم PageV04P150 # يزل عليها إلى أن مات مظفر الدين في التاريخ المذكور ~~في ترجمته في حرف الكاف رحمه الله تعالى واخذ الإمام المستنصر إربل في ~~منتصف شوال من السنة المذكورة فبطل شرف الدين وقعد في بيته والناس يلازمون ~~خدمته على ما بلغني ومكث كذلك إلى أن اخذ التتر مدينة إربل في سابع وعشرين ~~شوال سنة أربع وثلاثين وستمائة وجرى عليها وعلى أهلها ما قد اشتهر فكان شرف ~~الدين في ms1030 جملة من اعتصم بالقلعة وسلم منهم ولما أنتزح التتر عن القلعة ~~أنتقل إلى الموصل واقام بها في حرمة وافرة وله راتب يصل إليه وكان عنده من ~~الكتب النفيسة شيء كثير ولم يزل على ذلك حتى توفي بالموصل يوم الأحد لخمس ~~خلون من المحرم سنة سبع وثلاثين وستمائة ودفن بالمقبرة السابلة خارج باب ~~الجصاصة ومولده في النصف من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة بقلعة إربل وهو ~~من بيت كبير كان فيه جماعة من الرؤساء الأدباء وتولى الاستيفاء بإربل والده ~~وعمه صفي الدين أبو الحسن علي بن المبارك 159 وكان عمه المذكور فاضلا وهو ~~الذي نقل نصيحة الملوك تصنيف حجة الإسلام أبي حامد الغزالي من اللغة ~~الفارسية إلى العربية فإن الغزالي لم يضعها إلا بالفارسية وقد ذكر ذلك شرف ~~الدين في تاريخه وكنت اسمع ذلك أيضا عنه أيام كنت في تلك البلاد وكان ذلك ~~مشهورا بين الناس 160 ولما مات شرف الدين رثاه صاحبنا الشمس أبو العز يوسف ~~بن النفيس الإربلي المعروف بشيطان الشام ومولد شيطان الشام سنة ست وثمانين ~~وخمسمائة بإربل وتوفي بالموصل سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة ~~ودفن بمقبرة باب الجصاصة وفيه يقول (أبا البركات لو درت المنايا * بأنك فرد ~~عصرك لم تصبكا) PageV04P151 # (كفى الإسلام رزأ فقد شخص * عليه بأعين الثقلين يبكى) ~~ولولا خوف الإطالة لذكرت كثيرا من وقائعه وأخباره وما جراياته وتفاصيل ~~أحواله وما مدح به ولقد كان رحمه الله من محاسن وقته ولم يكن في آخر الوقت ~~في ذلك البلد مثله في فضائله ورياسته وقد سبق الكلام على اللخمي فلا حاجة ~~إلى إعادته 555 الوجيه ابن الدهان أبو بكر المبارك بن أبي طالب المبارك بن ~~أبي الأزهر سعيد الملقب الوجيه المعروف بابن الدهان النحوي الضرير الواسطي ~~ولد ببلده ونشأ به وحفظ القرآن هناك وقرأ القراءات واشتغل بالعلم وسمع بها ~~من أبي سعيد نصر بن محمد بن سالم الأديب وأبي الفرج العلاء بن علي المعروف ~~بابن السوادي الشاعر وقد تقدم ذكره وغيرهما ثم قدم بغداد واستوطنها ms1031 وكان ~~يسكن بالظفرية وجالس أبا محمد ابن الخشاب النحوي وصحب أبا البركات ابن ~~الأنباري المقدم ذكرهما ولازم أبا البركات وجل ما أخذ عنه وسمع الحديث من ~~أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي وتفقه على مذهب أبي حنيفة بعد ان ~~كان حنبليا ثم شغر منصب تدريس النحو بالمدرسة النظامية وشرط PageV04P152 # الواقف ان لا يفوض إلا إلى شافعي المذهب فانتقل الوجيه ~~المذكور إلى مذهب الشافعي وتولاه وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات بن زيد ~~التكريتي (ومن مبلغ عني الوجيه رسالة * وإن كان لا تجدي إليه الرسائل) ~~(تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل * وذلك لما أعوزتك المآكل) (وما إخترت قول ~~الشافعي تدينا * ولكنما تهوى الذي منه حاصل) (وعما قليل أنت لاشك صائر * ~~إلى مالك فافطن لما انا قائل) وللوجبه المذكور تصنيف في النحو واقرأ القرآن ~~الكريم كثيرا وكان كثير الهذر وفيه شره نفس وتوسع في القول وكان كثير ~~الدعاوى وله شعر فمنه (لست أستقبح اقتضاءك بالوعد * وإن كنت سيد الكرماء) ~~(فإله السماء قد ضمن الرزق * عليه ويقتضي بالدعاء) وكانت ولادته سنة اثنتين ~~وثلاثين وخمسمائة بواسط وتوفي ليلة الأحد السادس والعشرين من شعبان سنة ~~اثنتي عشرة وستمائة ببغداد ودفن من الغد بالوردية رحمه الله تعالى ~~PageV04P153 # 556 القاضي مجلي صاحب الذخائر أبو المعالي مجلي بن ~~جميع بن نجا القرشي المخزومي الأرسوفي الأصل المصري الدار والوفاة الفقيه ~~الشافعي كان من أعيان الفقهاء المشار إليهم في وقته وصنف في الفقه كتاب ~~الذخائر وهو كتاب مبسوط جمع من المذهب شيئا كثيرا وفيه نقل غريب ربما لا ~~يوجد في غيره وهو من الكتب المعتبرة المرغوب فيها وتولى أبو المعالي ~~المذكور القضاء بمصر في سنة سبع وأربعين وخمسمائة بتفويض من العادل أبي ~~الحسن علي بن السلار المقدم ذكره في حرف العين فإنه كان صاحب المر في ذلك ~~الزمان ثم صرف عن القضاء في أوائل سنة تسع وأربعين وخمسمائة قيل في العشر ~~الأخير من شعبان من السنة وتوفي في ذي القعدة سنة خمسين وخمسمائة ودفن ~~بالقرافة الصغرى رحمه الله تعالى ms1032 والأرسوفي بضم الهمزة وسكون الراء وضم ~~السين المهملة وسكون الواو وبعدها فاء هذه النسبة إلى أرسوف وهي بليدة ~~بالشام على ساحل البحر كان بها جماعة من العلماء والمرابطين وهي اليوم بيد ~~الفرنج خذلهم الله تعالى PageV04P154 # 161 قلت ثم أنتزعها السلطان الملك الظاهر ركن الدين ~~أبو الفتح بيبرس الصالحي النجمي من أيديهم في ثاني عشرين رجب من شهور سنة ~~ثلاث وستين وستمائة بعد ان ملك قيسارية وخربها وعفى آثارها مع كثير من ~~البلاد الساحلية التي تجاورها مثل يافا وغيرها فامتلكها وبقي بها بعد ذلك ~~والملك الظاهر المذكور هو أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن ~~الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب وسيأتي ذكر والده في محله وتولى ~~المملكة بعد قتل الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزي في سنة ~~ثمان وخمسين وستمائة وكان قتل المظفر وهو عائد من كسرة التتر المخذولين وهي ~~الكسرة المشهورة على عين جالوت بالقرب من بيسان وقتل بمنزله القصير من ~~الرمل وتولى الظاهر بعده باتفاق الأمراء عليه وتوجه لليلته ووصل القلعة في ~~اليوم الثاني لمسيره ودخلها وكنت يومئذ بالقاهرة وكان ملكا عالي الهمة شديد ~~البأس لم نر في مثل هذا الزمان ملكا مثله في عزمه وهمته وسعادته وفتح من ~~حصون الفرنج والإسماعيلية ما أعيا ما تقدمه من ملوك الإسلام وذلك في مدة ~~مملكته وكسر التتر دفعات آخرها في أواخر سنة خمس وسبعين وستمائة بحدود بلاد ~~الروم ودخل الروم ووصل إلى قيسارية PageV04P155 # وجلس على سرير الملك بها ثم عاد إلى دمشق واقام بها ~~إلى أوائل سنة ست وسبعين وستمائة فتوفي بها في يوم الخميس السابع والعشرين ~~من المحرم من سنة ست المذكورة بقصر الميدان ونقل ليومه إلى القلعة وكتم ~~موته وقام مملوكه وعتيقه الأمير بدر الدين بيلبك المعروف بالخازندار بتدبير ~~الأمور والعساكر وتوجه بهم إلى مصر ودخلها في شهر صفر من السنة ووطد قواعد ~~السلطنة لولده السعيد ناصر الدين محمد بركة قان واستمرت المملكة ثم توفي ~~بدر الدين الخازندار في شهر ربيع الأول من ms1033 السنة المذكورة وفي أثناء هذه ~~السنة أظهر موت الملك الظاهر ودفن بالتربة المجاورة للمدرسة التي أنشأها ~~ولده الملك السعيد المذكور بدمشق المحروسة شمالي الجامع قبالة المدرسة ~~العادلية الكبيرة 162 واقام ولده الملك السعيد في المملكة إلى سنة ثمان ~~وسبعين وستمائة وفي هذه السنة وصل إلى دمشق وزار قبر والده المذكور واقام ~~بدمشق مدة يسيرة وجرت أسباب أوجبت تغير قلوب الأمراء وانفصل أكثر العساكر ~~عنه وفارقوه وتوجهوا طالبين الديار المصرية وتبعهم هو فيمن بقي من عسكره ~~وفيمن عنده من مماليك أبيه وعسكر الشام ومعه من المراء الكبار شمس الدين ~~سنقور الأشقر العلائي والأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير وغيرهما ثم جرت ~~أمور يطول شرحها خلاصتها انه شق جموعهم بنفسه ودخل قلعة مصر في العشر ~~الأواخر من ربيع الأول من السنة ثم حاصروه بها وانزلوه منها وأعطوه قلعة ~~الكرك وهي قلعة حصينة بين الشام ومصر على فم البرية الحجازية فأقام بها إلى ~~أن توفي في يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة ودفن ~~بالكرك مدة ثم نقل إلى دمشق المحروسة في شهر جمادى من سنة ثمانين وستمائة ~~ودفن على والده في التربة المجاورة للمدرسة المذكورة التي أنشأها وهذه ~~المدرسة على الفريقين أصحاب الإمام الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما ~~وافتتح بذكر الدرس فيها يوم الأربعاء سابع عشر صفر سنة سبع PageV04P156 # وسبعين وستمائة وكنت حاضره يومئذ وحضر نائب المملكة ~~بدمشق يومذاك وهو الأمير عز الدين أيدمر بن عبد اله الظاهري وهي من مشاهير ~~المدارس PageV04P157 # وكبارها يومئذ بدمشق المحروسة حماها الله تعالى وسائر ~~بلاد المسلمين 163 ولما نزل الملك السعيد من قلعة الجبل انتهى رأي أكابر ~~الأمراء على أن يقيموا أخاه سيف الدين سلامش وكان صغيرا تقدير عمره دون عشر ~~سنين وان يلقبوه بالملك العادل فوضعوه مكانه في السلطنة وأن يكون أتابك ~~العساكر ومتولي التدبير الأمير سيف الدين قلاون الصالحي المعروف بالألفي ~~الكبير فجرى الأمر على ذلك واستمر هذا الحال كذلك إلى أواخر شهر رجب من ~~السنة فاستقل الأمير سيف الدين ms1034 قلاون المذكور بالسلطنة وركب بأبهتها في ~~حادي عشرين رجب المذكور ولقب بالملك المنصور وخلفه الأمراء والناس ودخل أهل ~~جميع الممالك في طاعته ولم يبق إلا الملك السعيد بالكرك ثم إن الأمراء ~~أرسلوا إلى الملك السعيد بالكرك أخوة سلامش المذكور وعامة أهل بيت الملك ~~الظاهر فانقطعت مملكتهم من الديار المصرية وغيرها ولم يبق لهم إلا قلعة ~~الكرك وما هو مضاف إليها والله متولي الأمور وبمشيئته يجري كل مقدور وكان ~~سبب وفاة الملك السعيد أنه خرج إلى الصيد فتقنطر به الفرس فحمل إلى قلعة ~~الكرك فبقي يويمات قلائل مريضا ثم توفي في التاريخ المذكور PageV04P158 # 557 أبو علي التنوخي القاضي أبو علي المحسن بن أبي ~~القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم ابن تميم التنوخي وقد سبق ~~ذكر أبيه في حرف العين وإيراد شيء من أخباره وشعره وذكرهما الثعالبي في باب ~~واحد وقدم ذكر الأب ثم قال في حق أبي علي المذكور هلال ذلك القمر وغصن ~~هاتيك الشجر والشاهد العدل بمجد أبيه وفضله والفرع المسند لأصله والنائب ~~عنه في حياته والقائم مقامه بعد وفاته وفيه يقول أبو عبد الله بن الحجاج ~~الشاعر (إذا ذكر القضاة وهم شيوخ * تخيرت الشباب على الشيوخ) (ومن لم يرض ~~لم أصفعه إلا * بحضرة سيدي القاضي التنوخي) وله كتاب الفرج بعد الشدة وذكر ~~في أوائل هذا الكتاب أنه كان على العيار في دار الضرب بسوق الأهواز في سنة ~~ست وأربعين وثلاثمائة وذكر بعد ذلك بقليل أنه كان على القضاء بجزيرة ابني ~~عمر وله ديوان شعر أكبر من ديوان أبيه وكتاب نشوار المحاضرة وله كتاب ~~المستجاد من فعلات الأجواد وسمع بالبصرة من أبي العباس الأثرم وأبي بكر ~~الصولي والحسين بن محمد بن PageV04P159 # يحيى بن عثمان النسوي وطبقتهم ونزل ببغداد وأقام بها ~~وحدث إلى حين وفاته وكان سماعه صحيحا وكان أديبا شاعرا أخباريا وكان أول ~~سماعه الحديث في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وأول ما تقلد القضاء من قبل ~~أبي السائب عتبة بن عبيد الله بالقصر وبابل وما والاهما ms1035 في سنة تسع وأربعين ~~ثم ولاه الإمام المطيع لله القضاء بعسكر مكرم وإيدج ورامهرمز وتقلد بعد ذلك ~~أعمالا كثيرة في نواح مختلفة ومن شعره في بعض المشايخ وقد خرج يستسقي وكان ~~في السماء سحاب فلما دعا أصحت السماء فقال أبو علي التنوخي (خرجنا لنستسقي ~~بيمن دعائه * وقد كاد هدب الغيم أن يلحف الأرضا) (فلما ابتدأ يدعو تكشفت ~~السما * فما تم إلا والغمام قد انفضا) ولبعضهم في المعنى وهو أبو الحسين ~~سليمان بن محمد بن الطراوة النحوي الأندلسي المالقي في هذا المعنى (خرجوا ~~ليستسقوا وقد نجمت * غربية قمن بها السح) (حتى إذا اصطفوا لدعوتهم * وبدا ~~لأعينهم بها رشح) (كشف السحاب إجابة لهم * فكأنهم خرجوا ليستصحوا) ومن ~~المنسوب إليه أعني القاضي التنوخي (قل للمليحة في الخمار المذهب * أفسدت ~~نسك أخي التقي المترهب) (نور الخمار ونور خدك تحته * عجبا لوجهك كيف لم ~~يتلهب) PageV04P160 # (وجمعت بين المذهبين فلم يكن * للحسن عن ذهبيهما من ~~مذهب) (وإذا أتت عين لتسرق نظرة * قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي) وما ألطف ~~قوله اذهبي ولا تذهبي وقد أذكرتني هذه الأبيات في الخمار المذهب حكاية وقفت ~~عليها منذ زمان بالموصل وهي أن بعض التجار قدم مدينة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومعه حمل من الخمر السود فلم يجد لها طالبا فكسدت عليه وضاق صدره ~~فقيل له ما ينفقها لك إلا مسكين الدارمي وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين ~~بالظرف والخلاعة فقصده فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد فأتاه وقص عليه ~~القصة فقال وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحال فقال له ~~التاجر أنا رجل غريب وليس لي بضاعة سوى هذا الحمل وتضرع إليه فخرج من ~~المسجد وأعاد لباسه الأول وعمل هذين البيتين وشهرهما وهما (قل للمليحة في ~~الخمار الأسود * ماذا أردت بناسك متعبد) (قد كان شمر للصلاة ثيابه * حتى ~~قعدت له بباب المسجد) فشاع بين الناس أن مسكينا الدارمي قد رجع إلى ما كان ~~عليه وأحب واحدة ذات خمار أسود فلم يبق بالمدينة ظريفة إلا وطلبت خمارا ms1036 ~~أسود فباع التاجر الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه لكثرة رغباتهم فيه فلما ~~فرغ منه عاد مسكين إلى تعبده وانقطاعه وكتب القاضي أبو علي التنوخي المذكور ~~إلى بعض الرؤساء في شهر رمضان (نلت في ذا الصيام ما تشتهيه * وكفاك الإله ~~ما تتقيه) (أنت في الناس مثل شهرك في الأشهر * بل مثل ليلة القدر فيه) ~~PageV04P161 # وله أشياء فائقة وكانت ولادته ليلة الأحد لأربع بقين ~~من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة كانت وفاته ليلة ~~الاثنين لخمس بقين من المحرم سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ببغداد رحمه الله ~~تعالى 164 وأما ولده أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي فكان أديبا ~~فاضلا له شعر لم أقف منه على شيء وكان يصحب أبا العلاء المعري وأخذ عنه ~~كثيرا وكان يروي الشعر الكثير وهم أهل بيت كلهم فضلاء أدباء ظرفاء وكانت ~~ولادة الولد المذكور في منتصف شعبان سنة خمس وستين وثلاثمائة بالبصرة وتوفي ~~في يوم الأحد مستهل المحرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة رحمه الله تعالى ~~وكانت بينه وبين الخطيب أبي زكرياء التبريزي مؤانسة واتحاد بطريق أبي ~~العلاء المعري وذكره الخطيب في تاريخ بغداد وعدد شيوخه الذين روى عنهم ثم ~~قال وكتبت عنه وذكر مولده ووفاته كما هو هاهنا لكنه قال إن وفاته كانت ليلة ~~الاثنين ثاني المحرم ودفن يوم الاثنين في داره بدرب التل وإنه صلى على ~~جنازته وإن أول سماعه كان في شعبان سنة سبعين وكان قد قبلت شهادته عند ~~الحكام في حداثته ولم يزل على ذلك مقبولا إلى آخر عمره وكان متحفظا في ~~الشهادة محتاطا صدوقا في الحديث وتقلد قضاء نواح عدة منها المدائن وأعمالها ~~ودورنجان والبردان وقرميسين وغير ذلك وقد سبق الكلام على التنوخي والمحسن ~~بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة وبعدها نون وإليه ~~كتب أبو العلاء المعري قصيدته التي أولها (هات الحديث عن الزوراء أو هيتا) ~~PageV04P162 # 558 الإمام الشافعي الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس ~~بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن ms1037 عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن ~~المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الشافعي يجتمع مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في عبد مناف المذكور وباقي النسب إلى عدنان معروف لقي جده شافع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع وكان أبوه السائب صاحب راية بني ~~هاشم يوم بدر فأسر وفدى نفسه ثم أسلم فقيل له لم لم تسلم قبل أن تفدي نفسك ~~فقال ما كنت أحرم المؤمنين مطمعا لهم في وكان الشافعي كثير المناقب جم ~~المفاخر منقطع القرين اجتمعت فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضي الله عنهم وآثارهم واختلاف أقاويل ~~العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة والعربية والشعر حتى إن ~~الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين ما لم يجتمع ~~في غيره حتى قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه ~~حتى جالست الشافعي وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ما رأيت رجلا قط أكمل من ~~الشافعي وقال عبد الله بن أحمد PageV04P163 # ابن حنبل قلت لأبي أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر ~~من الدعاء له فقال يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن هل ~~لهذين من خلف أو عنهما من عوض وقال أحمد ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا ~~أدعو للشافعي وأستغفر له وقال يحيى بن معين كان أحمد بن حنبل ينهانا عن ~~الشافعي ثم استقبلته يوما والشافعي راكب بغلة وهو يمشي خلفه فقلت يا أبا ~~عبد الله تنهانا عنه وتمشي خلفه فقال اسكت لو لزمت البغلة انتفعت وحكى ~~الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن عبد الحكم قال لما حملت أم الشافعي به رأت ~~كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر ثم وقع في كل بلد منه شظية فتأول ~~أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق في سائر ~~البلدان وقال الشافعي قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت الموطأ فقال ms1038 لي أحضر ~~من يقرأ لك فقلت أنا قارئ فقرأت عليه الموطأ حفظا فقال إن يك أحد يفلح فهذا ~~الغلام وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى ~~الشافعي فقال سلوا هذا الغلام وقال الحميدي سمعت زنجي بن خالد يعني مسلما ~~يقول للشافعي أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي وهو ابن خمس ~~عشرة سنة وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي ~~في المسجد الحرام فقلت يا أبا عبد الله هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد ~~يحدث فقال إن هذا يفوت وذاك لا يفوت وقال أبو حسان الزيادي ما رأيت محمد بن ~~الحسن يعظم أحدا من أهل العلم تعظيمه للشافعي ولقد جاءه يوما فلقيه وقد ركب ~~PageV04P164 # محمد بن الحسن فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى ~~الليل ولم يأذن لأحد عليه والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي ~~استنبطه وقال أبو ثور من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ~~ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب كان منقطع القرين في حياته فلما مضى لسبيله ~~لم يعتض منه وقال أحمد بن حنبل ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي ~~في رقبته منة وكان الزعفراني يقول كان أصحاب الحديث رقودا حتى جاء الشافعي ~~فأيقظهم فتيقظوا ومن دعائه اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير ~~وهو مشهور بين العلماء بالإجابة وأنه مجرب وفضائله أكثر من أن تعدد ومولده ~~سنة خمسين ومائة وقد قيل إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة ~~وكانت ولادته بمدينة غزة وقيل بعسقلان وقيل باليمن والأول أصح وحمل من غزة ~~إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ بها وقرأ القرآن الكريم وحديث رحلته إلى مالك ~~بن أنس مشهور فلا حاجة إلى التطويل فيه وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة ~~فأقام بها سنتين ثم خرج إلى مكة ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة ~~فأقام ms1039 بها شهرا ثم خرج إلى مصر وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة ~~وقيل سنة إحدى ومائتين ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب ~~سنة أربع ومائتين ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى وقبره يزار بها ~~بالقرب من المقطم رضي الله عنه قال الربيع بن سليمان المرادي رأيت هلال ~~شعبان وأنا راجع من جنازته وقال رأيته في المنام بعد وفاته فقلت يا أبا عبد ~~الله ما صنع الله بك فقال أجلسني على كرسي من ذهب ونثر علي اللؤلؤ الرطب ~~وذكر الشيخ PageV04P165 # أبو إسحاق الشيرازي في كتاب طبقات الفقهاء ما مثاله ~~وحكى الزعفراني عن أبي عثمان ابن الشافعي قال مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين ~~سنة وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول واللغة والنحو ~~وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن ~~سيرته وعلو قدره وسخائه وللإمام الشافعي أشعار كثيرة فمن ذلك ما نقلته من ~~خط الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله تعالى (إن الذي رزق اليسار ولم يصب * ~~حمدا ولا أجرا لغير موفق) (الجد يدني كل أمر شاسع * والجد يفتح كل باب ~~مغلق) (وإذا سمعت بأن مجدودا حوى * عودا فأثمر في يديه فصدق) (وإذا سمعت ~~بأن محروما أتى * ماء ليشربه فغاض فحقق) (لو كان بالحيل الغنى لوجدتني * ~~بنجوم أقطار السماء تعلقي) (لكن من رزق الحجا حرم الغنى * ضدان مفترقان أي ~~تفرق) (ومن الدليل على القضاء وكونه * بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق) ومن ~~المنسوب إليه أيضا (ماذا يخبر ضيف بيتك أهله * إن سيل كيف معاده ومعاجه) ~~PageV04P166 # (أيقول جاوزت الفرات ولم أنل * ريا لديه وقد طغت ~~أمواجه) (ورقيت في درج العلا فتضايقت * عما أريد شعابه وفجاجه) (ولتخبرن ~~خصاصتي بتملقي * والماء يخبر عن قذاه زجاجه) (عندي يواقيت القريض ودره * ~~وعلي إكليل الكلام وتاجه) (تربي على روض الربا أزهاره * ويرف في نادي الندى ~~ديباجه) (والشاعر المنطيق أسود سالخ * والشعر منه لعابه ومجاجه) (وعداوة ~~الشعراء داء معضل * ولقد يهون على ms1040 الكريم علاجه) ومن المنسوب إليه أيضا ~~(رام نفعا فضر من غير قصد * ومن البر ما يكون عقوقا) ومن المنسوب إلى ~~الشافعي (كلما أدبني الدهر * أراني نقص عقلي) (وإذا ما ازددت علما * زادني ~~علما بجهلي) وهو القائل (ولولا الشعر بالعلماء يزري * لكنت اليوم أشعر من ~~لبيد) وقال الشافعي رضي الله عنه تزوجت امرأة من قريش بمكة وكنت أمازحها ~~فأقول (ومن البلية أن تحب * فلا يحبك من تحبه) فتقول هي (ويصد عنك بوجهه * ~~وتلج أنت فلا تغبه) وأخبرني أحد المشايخ الأفاضل أنه عمل في مناقب الشافعي ~~ثلاثة عشر تصنيفا PageV04P167 # ولما مات رثاه خلق كثير وهذه المرثية منسوبة إلى أبي ~~بكر محمد بن دريد صاحب المقصورة وقد ذكرها الخطيب في تاريخ بغداد وأولها ~~(بملتفتيه للمشيب طوالع * زواجر عن ورد التصابي روادع) (تصرفه طوع العنان ~~وربما * دعاه الصبا فاقتاده وهو طائع) (ومن لم يزعه لبه وحياؤه * فليس له ~~من شيب فوديه وازع) (هل النافر المدعو للحظ راجع * أم النصح مقبول أم الوعظ ~~نافع) (أم الهمك المغموم بالجمع عالم * بأن الذي يوعي من المال ضائع) (وأن ~~قصاراه على فرط ضنه * فراق الذي أضحى له وهو جامع) (ويخمل ذكر المرء ذي ~~المال بعده * ولكن جمع العلم للمرء رافع) (ألم تر آثار ابن إدريس بعده * ~~دلائلها في المشكلات لوامع) (معالم يفنى الدهر وهي خوالد * وتنخفض الأعلام ~~وهي فوارع) (مناهج فيها للهدى متصرف * موارد فيها للرشاد شرائع) (ظواهرها ~~حكم ومستبطناتها * لما حكم التفريق فيه جوامع) (لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ~~* ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع) (إذا المفظعات المشكلات تشابهت * سما منه ~~نور في دجاهن لامع) (أبى الله إلا رفعه وعلوه * وليس لما يعليه ذو العرش ~~واضع) (توخى الهدى واستنقذته يد التقى * من الزيغ إن الزيغ للمرء صارع) ~~(ولاذ بآثار الرسول فحكمه * لحكم رسول الله في الناس تابع) (وعول في أحكامه ~~وقضائه * على ما قضى في الوحي والحق ناصع) (بطيء عن الرأي المخوف التباسه * ~~إليه إذا لم يخش لبسا مسارع) (وأنشأ له منشيه من خير معدن * خلائق ms1041 هن ~~الباهرات البوارع) PageV04P168 # (تسربل بالتقوى وليدا وناشئا * وخص بلب الكهل مذ هو ~~يافع) (وهذب حتى لم تشر بفضيلة * إذا التمست إلا إليه الأصابع) (فمن يك علم ~~الشافعي إمامه * فمرتعه في ساحة العلم واسع) (سلام على قبر تضمن جسمه * ~~وجادت عليه المدجنات الهوامع) (لقد غيبت أثراؤه جسم ماجد * جليل إذا التفت ~~عليه المجامع) (لئن فجعتنا الحادثات بشخصه * لهن لما حكمن فيه فواجع) ~~(فأحكامه فينا بدور زواهر * وآثاره فينا نجوم طوالع) وقد يقول القائل إن ~~ابن دريد لم يدرك الشافعي فكيف رثاه لكنه يجوز أن يكون رثاه بعد ذلك فما ~~فيه بعد فقد رأينا مثل هذا في حق غيره مثل الحسين رضي الله تعالى عنه وغيره ~~559 محمد بن الحنفية أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~المعروف بابن الحنفية أمه الحنفية خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن ثعلبة ~~بن يربوع بن ثعلبة ابن الدول بن حنيفة بن لجيم ويقال بل كانت من سبي ~~اليمامة وصارت إلى علي رضي الله عنه وقيل بل كانت سندية سوداء وكانت أمه ~~لبني حنيفة ولم تكن منهم وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ولم ~~يصالحهم على أنفسهم وذكر البغوي في كتاب شرح السنة في باب قتال ما نعي ~~الزكاة أن طائفة PageV04P169 # ارتدوا عن الدين وانكروا الشرائع وعادوا إلى ما كانوا ~~عليه من الجاهلية واتفقت الصحابة على قتالهم وقتلهم ورأى أبو بكر رضي الله ~~عنه سبي ذراريهم ونسائهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة واستولد علي رضي الله ~~عنه جارية من سبي بني حنيفة فولدت له محمد بن علي الذي يدعى محمد بن ~~الحنفية ثم لم ينقرض عصر الصحابة حتى اجمعوا على أن المرتد لايسبى وأما ~~كنيته بأبي القاسم فيقال إنها رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه ~~قال لعلي رضي الله عنه سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا تحل ~~لأحد من أمتي من بعده وممن يسمى محمدا ويكنى أبا القاسم محمد بن أبي بكر ~~الصديق ms1042 ومحمد بن طلحة بن عبيد الله ومحمد بن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن عبد ~~الرحمن بن عوف ومحمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة ومحمد ~~بن الأشعث بن قيس وكان محمد المذكور كثير العلم والورع وقد ذكره الشيخ أبو ~~إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء وكان شديد القوة وله في ذلك اخبار عجيبة ~~منها ما حكاه المبرد في كتاب الكامل إن أباه عليا رضي الله عنه استطال درعا ~~كانت له فقال لينقص منها كذا وكذا حلقة فقبض محمد إحدى يديه على ذيلها ~~والأخرى على فضلها ثم جذبها فقطع من الموضع الذي حده أبوه وكان عبد الله بن ~~الزبير إذا حدث بهذا الحديث غضب واعتراه افكل وهو الرعدة لأنه كان يحسده ~~على قوته وكان ابن الزبير أيضا شديد القوى ومن قوته أيضا ما حكاه المبرد في ~~كتابه أن ملك الروم في أيام معاوية وجه إليه إن الملوك قبلك كانت تراسل ~~الملوك منا ويجهد بعضهم أن PageV04P170 # يغرب على بعض أفتأذن في ذلك فأذن له فوجه إليه برجلين ~~أحدهما طويل جسيم والآخر أيد فقال معاوية لعمرو بن العاص أما الطويل فقد ~~أصبنا كفؤه وهو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه وأما الآخر الأيد فقد ~~احتجنا إلى رأيك فيه فقال عمرو ها هنا رجلان كلاهما إليك بغيض محمد بن ~~الحنيفة وعبد الله بن الزبير فقال معاوية من هو أقرب إلينا على كل حال فلما ~~دخل الرجلان وجه إلى قيس بن سعد بن عبادة يعلمه فدخل قيس فلما مثل بين يدي ~~معاوية نزع سراويله فرمى بها إلى العلج فلبسها فبلغت ثندوته فأطرق مغلوبا ~~فقيل إن قيسا لاموه في ذلك وقيل له لم تبذلت هذا التبذل بحضرة معاوية هلا ~~وجهت إليه غيرها فقال (أردت لكيما يعلم الناس أنها * سراويل قيس والوفود ~~شهود) (وان لا يقولوا غاب قيس وهذه * سراويل عادي نمته ثمود) (وإني من ~~القوم اليمانين سيد * وما الناس إلا سيد ومسود) (وبذ جميع الخلق أصلي ~~ومنصبي * وجسم به ms1043 أعلو الرجال مديد) ثم وجه معاوية إلى محمد بن الحنفية ~~فحضر فخبر بما دعي له فقال قولوا له إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه ~~أو يقعدني وإن شاء فليكن القائم وأنا القاعد فاختار الرومي الجلوس فأقامه ~~محمد وعجز الرومي عن إقعاده ثم اختار أن يكون محمد هو القاعد فجذبه محمد ~~فأقعده وعجز الرومي عن إقامته فانصرفا مغلوبين وكانت راية أبيه يوم صفين ~~بيده ويحكى انه توقف أول يوم في حملها لكونه قتال المسلمين ولم يكن قبل ذلك ~~شهد مثاله فقال له علي رضي الله عنه هل عندك شك في جيش مقدمه أبوك فحملها ~~وقيل لمحمد كيف كان PageV04P171 # أبوك يقحمك المهالك ويولجك المضايق دون أخويك الحسن ~~والحسين فقال لأنهما كانا عينيه وكنت يديه فكان يقي عينيه بيديه ومن كلامه ~~ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له ~~فرجا ولما دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعه أهل الحجاز بالخلافة دعا عبد ~~الله بن العباس ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما إلى البيعة فأبيا ذلك ~~وقالا لا نبايعك حتى تجتمع لك البلاد ويتفق الناس فأساء جوارهم وحصرهم ~~وآذاهم وقال لهم لئن لم تبايعا أحرقتكما بالنار والشرح في ذلك يطول وكانت ~~ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عمر وتوفي رحمه الله في أول المحرم سنة إحدى ~~وثمانين للهجرة وقيل سنة ثلاث وثمانين وقيل سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين ~~بالمدينة وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان وكان والي المدينة يومئذ ودفن ~~بالبقيع وقيل إنه خرج إلى الطائف هاربا من ابن الزبير فمات هناك وقيل إنه ~~مات ببلاد أيلة والفرقة الكيسانية تعتقد إمامته وانه مقيم بجبل رضوى وإلى ~~هذا أشار كثير عزة بقوله من جملة أبيات وكان كيساني الإعتقاد (وسبط لا يذوق ~~الموت حتى * يقود الخيل يقدمها اللواء) (تغيب لا يرى فيهم زمانا * برضوى ~~عنده عسل وماء) وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعو الناس إلى إمامة محمد ~~بن الحنفية ويزعم أنه المهدي وقال الجوهري في كتاب ms1044 الصحاح كيسان لقب ~~PageV04P172 # المختار المذكور وقال غيره كيسان مولى علي رضي الله ~~عنه والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شعب منه ولم يمت دخل إليه يمتخل ~~لإليه ومعه أربعون من أصحابه ولم يوقف لهم على خبر وهم احياء يرزقون ~~ويقولون إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر وعنده عينان نضاختان تجريان ~~عسلا وماء وإنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلا وكان محمد يخضب بالحناء ~~والكتم وكان يتختم في اليسار وله أخبارا مشهورة رضي الله عنه وانتقلت ~~إمامته إلى ولده أبي هاشم عبد الله ومنه إلى محمد بن علي والد السفاح ~~والمنصور كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى ورضوى بفتح الراء وبعدها ~~ضاد معجمة وبعد الواو ألف قال ابن جرير الطبري في تاريخه الكبير في سنة ~~أربع وأربعين ومائة رضوى جبل جهينة وهو في عمل ينبع وقال غيره بينهما مسيرة ~~يوم واحد وهو من المدينة على سبع مراحل ميامنة طريق المدينة ومياسرة طريق ~~البر لمن كان مصعدا إلى مكة وهو على ليلتين من البحر والله أعلم ومن رضوى ~~تحمل حجارة المسن إلى سائرالأمصار قاله ابن حوقل في كتابه المسالك والممالك ~~وذكر أبو اليقظان في كتاب النسب أن ابن الحنفية له ابن اسمه الهيثم وكان ~~مؤخذا عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقدر أن يدخله والأخذة في ~~اللغة الأسير والأخذه بضم الهمزة رقية كالسحر فكأنه كان مسحورا PageV04P173 # 560 محمد الباقر أبو جعفر محمد بن زين العابدين علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين الملقب الباقر أحد الأئمة ~~الاثني عشر في اعتقاد الإمامية وهو والد جعفر الصادق وقد تقدم ذكره كان ~~الباقر عالما سيدا كبيرا وإنما قيل له الباقر لأنه تبقر في العلم أي توسع ~~والتبقر التوسع وفيه يقول الشاعر (يا باقر العلم لأهل التقى * وخير من لبى ~~على الأجبل) ومولده يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة سبع وخمسين للهجرة وكان عمره ~~يوم قتل جده الحسين رضي الله عنه ثلاث سنين وأمه أم عبد ms1045 الله بنت الحسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث ~~عشرة ومائة وقيل في الثالث والعشرين من صفر سنة أربع عشرة وقيل سبع عشرة ~~وقيل ثمان عشرة بالحميمة ونقل إلى المدينة ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه ~~أبوه وعم أبيه الحسن بن علي رضي الله عنهم في القبة التي فيها قبر العباس ~~رضي الله عنه وقد تقدم الكلام على الحميمة في ترجمة علي بن عبد الله بن ~~العباس PageV04P174 # 561 محمد الجواد أبو جعفر محمد بن علي الرضا بن موسى ~~الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر المذكور قبله المعروف بالجواد أحد ~~الأئمة الاثني عشر أيضا قدم إلى بغداد وافدا على المعتصم ومعه امرأته أم ~~الفضل ابنة المأمون فتوفي بها وحملت امرأته إلى قصر عمها المعتصم فجعلت مع ~~الحرم وكان يروي مسندا عن عن آبائه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال لي وهو يوصيني يا ~~علي ما خاب من استخار ولا ندم من استشار يا علي عليك بالدلجة فإن الأرض ~~تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار يا علي اغد باسم الله فإن الله بارك لأمتي ~~في بكورها وكان يقول من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة وقال ~~جعفر بن محمد بن مزيد كنت ببغداد فقال لي محمد بن منده بن مهريزد هل لك أن ~~أدخلك على محمد بن علي الرضا فقلت نعم قال فأدخلني عليه فسلمنا وجلسنا فقال ~~له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فاطمة رضي الله عنها أحصنت فرجها ~~فحرم الله ذريتها على النار قال ذلك خاص بالحسن والحسين رضي الله عنهما وله ~~حكايات وأخبار كثيرة وكانت ولادته يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان وقيل منتصفه ~~سنة خمس وتسعين ومائة وتوفي يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة سنة عشرين ~~ومائتين وقيل تسع عشرة ومائتين ببغداد ودفن عند جده موسى بن ms1046 جعفر رضي الله ~~عنهم أجمعين في مقابر قريش وصلى عليه الواثق بن المعتصم PageV04P175 # 562 أبو القاسم المنتظر أبو القاسم محمد بن الحسن ~~العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله ثاني عشر الأئمة الاثني ~~عشر على اعتقاد الامامية المعروف بالحجة وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر ~~والقائم والمهدي وهو صاحب السرداب عندهم وأقاويلهم فيه كثيرة وهم ينتظرون ~~ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى كانت ولادته يوم الجمعة منتصف ~~شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ولما توفي أبوه وقد سبق ذكره كان عمره خمس ~~سنين واسم أمه خمط وقيل نرجس والشيعة يقولون إنه دخل السرداب في دار أبيه ~~وأمه تنظر إليه فلم يعد يخرج إليها وذلك في سنة خمس وستين ومائتين وعمره ~~يومئذ تسع سنين وذكر ابن الأزرق في تاريخ ميافارقين أن الحجة المذكور ولد ~~تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين وقيل في ثامن شعبان سنة ست ~~وخمسين وهو الأصح وانه لما دخل السرداب كان عمره أربع سنين وقيل خمس سنين ~~وقيل إنه دخل السرداب سنة خمس وسبعين ومائتين وعمره سبع عشرة سنة والله ~~أعلم أي ذلك كان رحمه الله تعالى PageV04P176 # 563 الزهري أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد ~~الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الزهري أحد الفقهاء والمحدثين ~~والأعلام التابعين بالمدينة رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم وروى عنه ~~جماعة من الأئمة منهم مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وروي عن ~~عمرو بن دينار أنه قال أي شيء عند الزهري أنا لقيت ابن عمر ولم يلقه وانا ~~لقيت ابن عباس ولم يلقه فقدم الزهري مكة فقال عمرو احملوني إليه وكان قد ~~اقعد فحمل إليه فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليل فقالوا له كيف رأيت فقال ~~والله ما رأيت مثل هذا الفتى القرشي قط وقيل لمكحول من أعلم من رأيت قال ~~ابن شهاب قيل له ثم من قال ابن شهاب قيل له ثم من ms1047 قال ابن شهاب وكان قد حفظ ~~علم الفقهاء السبعة وكتب عمر بن عبد العزيز رض ي الله عنه إلى الآفاق عليكم ~~بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه وحضر الزهري يوما ~~مجلس هشام بن عبد الملك وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان فقال له هشام ~~أي شهر كان يخرج العطاء فيه لأهل المدينة فقال الزهري لا أدري فسأل ابا ~~الزناد عنه فقال في المحرم فقال هشام للزهري يا أبا بكر هذا علم استفدته ~~اليوم فقال مجلس أمير المؤمنين أهل ان يستفاد منه العلم وكان إذا جلس في ~~بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن PageV04P177 # كل شيء من أمور الدنيا فقالت له امرأته يوما والله ~~لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر وكان أبو جده عبد الله بن شهاب شهد مع ~~المشركين بدرا وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحد لئن رأوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليقتلنه أو ليقتلن دونه وروي انه قيل للزهري هل شهد جدك ~~بدرا فقال نعم ولكن من ذلك الجانب يعني انه كان في صف المشركين وكان أبوه ~~مسلم مع مصعب بن الزبير ولم يزل الزهري مع عبد الملك ثم مع هشام بن عبد ~~الملك وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ~~ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وقيل ثلاث وعشرين وقيل خمس ~~وعشرين ومائة وهو ابن اثنتين وقيل ثلاث وسبعين سنة وقيل مولده سنة احدى ~~وخمسين للهجرة والله أعلم ودفن في ضيعته ادامي بفتح الهمزة والدال المهملة ~~وبعد الألف ميم مفتوحة وياء مفتوحة أيضا وقيل ادمي مثل الأول لكنها بغير ~~ألف وهي خلف شغب وبدا وهما واديان وقيل قريتان بين الحجاز والشام في موضع ~~هو آخر عمل الحجاز وأول عمل فلسطين وذكر في كتاب التمهيد انه مات في بيته ~~بنعف وهي قرية عند القرى المذكورة وماتت بها أيضا أم حزرة زوجة جرير فقال ~~من أبيات (نعم القرين وكنت علق مضنه * وارى بنعف ms1048 بلية الأحجار) وقبره على ~~الطريق ليدعو له كل من يمر عليه رضي الله عنه والزهري بضم الزاي وسكون ~~الهاء وبعدها راء هذه النسبة إلى زهرة ابن كلاب بن مرة وهي قبيلة كبيرة من ~~قريش ومنها آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلق كثير من الصحابة ~~وغيرهم رضي الله عنهم وشغب بفتح الشين المعجمة وسكون الغين المعجمة وبعدها ~~ياء موحدة PageV04P178 # وبدا بفتح الباء الموحدة والدال المهملة وبعدها الف ~~وفيهما يقول كثير عزة (وأنت التي حببت شغبا إلى بدا * إلي وأوطاني بلاد ~~سواهما) (إذا ذرفت عيناي أعتل بالقذى * وعزة لو يدري الطبيب قذاهما) (وحلت ~~بهذا حلة ثم أصبحت * بهذا فطاب الواديان كلاهما) وهذا الشعر يدل على أنهما ~~واديان لا قريتان والله أعلم 564 محمد بن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى يسار ويقال داود بن بلال بن أحيحة ابن الجلاح الأنصاري الكوفي وقد ~~سبق ذكر أبيه في حرف العين كان محمد المذكور من أصحاب الرأي وتولى القضاء ~~بالكوفة وأقام حاكما ثلاثا وثلاثين سنة ولي لبني أمية ثم لبني العباس وكان ~~فقيها مفننا وقال لا أعقل من شأن أبي شيئا غير أني اعرف أنه كانت له ~~امرأتان وكان له حبان أخضران فينبذ عند هذه يوما وعند هذه يوما وتفقه محمد ~~بالشعبي وأخذ عنه سفيان الثوري وقال الثوري فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن ~~شبرمة وقال محمد المذكور PageV04P179 # دخلت على عطاء فجعل يسألني فأنكر بعض من عنده وكلمه في ~~ذلك فقال هو أعلم مني مني وكانت بينه وبين أبي حنيفة رضي الله عنه وحشة ~~يسيرة وكان يجلس للحكم في مسجد الكوفة فيحكى انه انصرف يوما من مجلسه فسمع ~~امرأة تقول لرجل يا ابن الزانيين فأمر بها فأخذت ورجع إلى مجلسه وامر بها ~~فضربت حدين وهي وقائمة فبلغ ذلك أبا حنيفة فقال أخطأ القاضي في هذه الواقعة ~~في ستة أشياء في رجوعه إلى مجلسه بعد قيامه منه ولا ينبغي له ان يرجع بعد ~~ان قام منه وفي ضربه الحد في المسجد ms1049 وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إقامة الحدود في المساجد وفي ضربه المرأة قائمة وإنما تضرب النساء قاعدات ~~كاسيات وفي ضربه إياها حدين وإنما يجب على القاذف إذا قذف جماعة بكلمة ~~واحدة حد واحد ولو وجب أيضا حدان لا يوالي بينهما بل يضرب أولا ثم يترك حتى ~~يبرأمن ألم الأول وفي إقامة الحد عليها بغير طالب فبلغ ذلك محمد بن أبي ~~ليلى فسير إلى والي الكوفة وقال ها هنا شاب يقال له أبو حنيفة يعارضني في ~~أحكامي ويفتي بخلاف حكمي ويشنع علي بالخطأ فأريد ان تزجره عن ذلك فبعث إليه ~~الوالي ومنعه من الفتيا فيقال إنه كان يوما في بيته وعنده زوجته وابنه حماد ~~وابنته فقالت له ابنته إني صائمة وقد خرج من بين أسناني دم وبصقته حتى عاد ~~الريق أبيض لا يظهر عليه اثر الدم فهل افطر إذا بلعت الان الريق فقال لها ~~سلي أخاك حمادا فإن الأمير منعني من الفتيا وهذه الحكاية معدودة في مناقب ~~أبي حنيفة وحسن تمسكه بامتثال إشارة رب الأمر فإن إجابته طاعة حتى أنه ~~اطاعه في السر ولم يرد على ابنته جوابا وهذا غاية ما يكون من امتثال الأمر ~~PageV04P180 # وكانت ولادة محمد المذكور سنة أربع وسبعين للهجرة ~~وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة بالكوفة وهو باق على القضاء فجعل أبو جعفر ~~المنصور ابن أخيه مكانه رضي الله عنه 565 محمد بن سيرين أبو بكر محمد بن ~~سيرين البصري كان أبوه عبدا لأنس بن مالك رضي الله عنه كاتبه على أربعين ~~ألف درهم وقيل عشرين ألفا وأدى المكاتبة وكان من سبي ميسان ويقال من سبي ~~عين التمر وكان أبوه سيرين من أهل جرجرايا وكنيته أبو عمرة وكان يعمل قدور ~~النحاس فجاء إلى عين التمر يعمل بها فسباه خالد بن الوليد رضي الله عنه في ~~أربعين غلاما مختتنين فأنكرهم فقالوا إنا كنا أهل مملكة ففرقهم في الناس ~~وكانت أمه صفية مولاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه طيبها ثلاث من أزواج ~~رسول الله صلى الله ms1050 عليه وسلم ودعون لها وحضر إملاكها ثمانية عشر بدريا ~~فيهم أبي ابن كعب يدعو وهم يؤمنون وروى محمد المذكور عن أبي هريرة وعبد ~~الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعمران بن حصين وأنس بن مالك رضي الله ~~عنهم وروى عنه قتادة بن دعامة وخالد الحذاء وأيوب السختياني وغيرهم من ~~الأئمة PageV04P181 # وهو أحد الفقهاء من أهل البصرة والمذكور بالورع في ~~وقته وقدم المدائن على عبيدة السلماني وقال صليت معه فلما قضى صلاته دعا ~~بغداء فأتي بخبز ولبن وسمن فأكل وأكلنا معه ثم جلسنا حتى حضرت العصر ثم قام ~~عبيدة فاذن وأقام ثم صلى بنا العصر ولم يتوضأ لا هو ولا أحد ممن أكل معنا ~~فيما بين الصلاتين وكان محمد المذكور صاحب الحسن البصري ثم تهاجرا في آخر ~~الامر فلما مات الحسن لم يشهد ابن سيرين جنازته وكان الشعبي يقول عليكم ~~بذلك الرجل الأصم يعني ابن سيرين لأنه كان في أذنه صمم كانت له اليد الطولى ~~في تعبير الرؤيا كانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وتوفي تاسع شوال ~~يوم الجمعة سنة عشر ومائة بالبصرة بعد الحسن البصري بمائة يوم رضي الله ~~عنهما وكان بزازا وحبس بدين كان عليه وولد له ثلاثون ولدا من امرأة واحدة ~~عربية ولم يبق منهم غير عبد الله ولما مات كان عليه ثلاثون ألف درهم دينا ~~فقضاها ولده عبد الله فما مات عبد الله حتى قوم ماله بثلاثمائة ألف درهم ~~وكان محمد المذكور كاتب أنس بن مالك بفارس وكان الأصمعي يقول الحسن البصري ~~سيد سمح إذا حدث الأصم بشيء يعني ابن سيرين فاشدد يديك وقتادة حاطب ليل قال ~~ابن عوف لما مات أنس بن مالك أوصى ان يصلي عليه ابن سيرين ويغسله قال وكان ~~ابن سيرين محبوسا فأتوا الأمير وهو رجل من بني أسد فأذن له فخرج فغسله ~~وكفنه وصلى عليه في قصر أنس بالطف ثم رجع فدخل كما هو إلى السجن ولم يذهب ~~إلى أهله قلت وذكر عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة أن ms1051 الذي غسل أنس بن ~~مالك هو قطن بن مدرك الكلابي والي البصرة وكذلك قال أبو اليقظان ~~PageV04P182 # وميسان بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~السين المهملة وبعد الألف نون وهي بليدة بأسفل أرض البصرة وعين التمر قد ~~سبق الكلام عليها 566 ابن أبي ذئب أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن ~~المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب واسمه هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس ~~بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ~~بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن ~~عدنان القرشي العامري المدني أحد الأئمة المشاهير وهو صاحب الإمام مالك رضي ~~الله عنه وكانت بينهما ألفة أكيدة ومودة صحيحة ولما قدم مالك على أبي جعفر ~~المنصور سأله من بقي بالمدينة من المشيخة فقال يا أمير المؤمنين ابن أبي ~~ذئب وابن أبي سلمة وابن أبي سبرة وكان أبوه قد اتى قيصر فسعي به فحبسه حتى ~~مات في حبسه وتوفي أبو الحارث المذكور في سنة تسع وخمسين وقيل ثمان وخمسين ~~ومائة بالكوفة رضي الله عنه ومولده في المحرم سنة إحدى وثمانين للهجرة وقيل ~~سنة ثمانين وهي سنة سيل الجحاف والحسل ولد الضب وجمعه حسول ولؤي من همزه ~~قال هو تصغير لأي وهو الثور ومن لم يهمزه قال هو تصغير لوى الرمل والفهر ~~الحجر والله أعلم PageV04P183 # 567 محمد بن الحسن الحنفي أبو عبد الله محمد بن الحسن ~~بن فرقد الشيباني بالولاء الفقيه الحنفي أصله من قرية على باب دمشق في وسط ~~الغوطة اسمها حرستا وقدم أبوه من الشام إلى العراق وأقام بواسط فولد له بها ~~محمد المذكور ونشأ بالكوفة وطلب الحديث ولقي جماعة من اعلام الأئمة وحضر ~~مجلس أبي حنيفة سنتين ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة وصنف الكتب ~~الكثيرة النادرة منها الجامع الكبير والجامع الصغير وغيرهما وله في مصنفاته ~~المسائل المشكلة خصوصا المتعلقة بالعربية ونشر ms1052 علم أبي حنيفة وكان من أفصح ~~الناس وكان إذا تكلم خيل لسامعه ان القرآن نزل بلغته ولما دخل الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه بغداد كان بها وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون ~~الرشيد وقال الشافعي ما رأيت أحدا يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت ~~الكراهة في وجهه إلا محمد بن الحسن وقال أيضا حملت من علم محمد بن الحسن ~~وقر بعير وقال الربيع بن سليمان المرادي كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد ~~طلب منه كتبا له لينسخها فتأخرت عنه (قل لمن لم ترعين * من رآه مثله) (ومن ~~كأن من رآه * قد رأى من قبله) (العلم ينهى أهله * أن يمنعوه أهله) (لعله ~~يبذله * لأهله لعله) PageV04P184 # فأنفذ إليه الكتب من وقته ورأيت هذه الأبيات في ديوان ~~منصور بن إسماعيل الفقيه المصري الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وقد كتبها ~~إلى أبي بكر بن قاسم والذي ذكرناه أولا حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ~~طبقات الفقهاء وروي عن الشافعي أنه قال ما رأيت سمينا ذكيا إلا محمد ابن ~~الحسن وكان الرشيد قد ولاه قضاء الرقة ثم عزله عنها وقدم بغداد وحكى محمد ~~بن الحسن قال أتوا أبا حنيفة في امرأة ماتت وفي جوفها ولد يتحرك فأمرهم ~~فشقوا جوفها واستخرجوا الولد وكان غلاما فعاش حتى طلب العلم وكان يتردد إلى ~~مجلس محمد بن الحسن وسمي ابن أبي حنيفة ولم يزل محمد بن الحسن ملازما ~~للرشيد حتى خرج إلى الري خرجته الأولى فخرج معه ومات بربنويه قرية من قرى ~~الري في سنة تسع وثمانين ومائة ومولده سنة خمس وثلاثين وقيل إحدى وثلاثين ~~وقيل اثنتين وثلاثين ومائة وقال السمعاني مات محمد بن الحسن والكسائي في ~~يوم واحد بالري رحمهما الله تعالى وقيل الرشيد كان يقول دفنت الفقه ~~والعربية بالري ومحمد بن الحسن المذكور ابن خالة الفراء صاحب النحو واللغة ~~وقد تقدم الكلام على الشيباني وحرستا بفتح الحاء المهملة والراء وسكون ~~السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ألف مقصورة ورنبويه بفتح ~~الراء وسكون ms1053 النون وفتح الباء الموحدة والواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ~~ساكنة وبعدها هاء ساكنة PageV04P185 # 568 محمد بن علي العباسي أبو عبد الله محمد بن علي بن ~~عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي وهو والد السفاح والمنصور ~~الخليفتين وقد تقدم ذكر والده في حرف العين قال ابن قتيبة كان محمد المذكور ~~من أجمل الناس وأعظمهم قدرا وكان بينه وبين أبيه في العمر أربع عشرة سنة ~~وكان علي يخضب بالسواد ومحمد يخضب بالحمرة فيظن من لا يعرفهما ان محمدا هو ~~علي قال يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج بن يوسف الثقفي سمعت الحجاج يقول ~~بينا نحن عند عبد الملك بن مروان بدومة الجندل في منتزه له ومعه قائف ~~يحادثه ويسائله إذ أقبل علي بن عبد الله بن العباس ومحمد ابنه فلما رآه عبد ~~الملك مقبلا حرك شفتيه وهمس بهما وأنتقع لونه وقطع حديثه قال الحجاج فوثبت ~~نحو علي لأرده فأشار إلي عبد الملك أن كف عنه وجاء علي فسلم فأقعده إلى ~~جانبه وجعل يمس ثوبه وأشار إلى محمد ان أقعد وكلمه وساءله وكان علي حلو ~~المحادثة وحضر الطعام فأتي بالطست فغسل يده وقال أدن الطست من أبي محمد ~~فقال أنا صائم ثم وثب فأتبعه عبد الملك بصره حتى كاد يخفى عن عينيه ثم ~~التفت إلى القائف فقال أتعرف هذا فقال لا ولكن أعرف من امره واحدة قال وما ~~هي قال إن كان الفتى الذي معه ابنه فإنه يخرج من عقبه فراعنة يملكون الأرض ~~ولا يناويهم مناو إلا قتلوه قال فاربد لون عبد الملك ثم قال زعم راهب ~~PageV04P186 # إيليا ورآه عندي انه يخرج من صلبه ثلاثة عشر ملكا ~~وصفهم بصفاتهم وكان سبب انتقال الأمر إليه ان محمد بن الحنفية وقد سبق ذكره ~~كانت الشيعة تعتقد إمامته بعد أخيه الحسين رضي الله عنه فلما توفي محمد بن ~~الحنفية أنتقل الأمر إلى ولده أبي هاشم وقد سبق ذكره أيضا في ترجمة أبيه ~~وكان عظيم القدر وكانت الشيعة تتوالاه فحضرته الوفاة بالشام في سنة ms1054 ثمان ~~وتسعين للهجرة ولا عقب له فأوصى إلى محمد بن علي المذكور وقاله له أنت صاحب ~~هذا الأمر وهو في ولدك ودفع إليه كتبه وصرف الشيعة نحوه ولما حضرت محمدا ~~المذكور الوفاة بالشام أوصى إلى ولده إبراهيم المعروف بالإمام فلما ظهر أبو ~~مسلم الخراساني بخراسان دعا الناس إلى مبايعة إبراهيم بن محمد المذكور ~~فلذلك قيل له الإمام وكان نصر بن سيار نائب مروان بن محمد آخر ملوك بني ~~أمية يومئذ بخراسان فكتب إلى مروان يعلمه بظهور أبي مسلم يدعو لبني العباس ~~فكتب مروان إلى نائبه بدمشق بأن يحضر إبراهيم من الحميمة موثقا فأحضره ~~وحمله إليه وحبسه مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية بمدينة حران فتحقق ان ~~مروان يقتله فأوصى إلى أخيه السفاح وهو أول من ولي الخلافة من أولاد العباس ~~هذه خلاصة الأمر والشرح فيه تطويل وبقي إبراهيم في الحبس شهرين ومات وقيل ~~قتل وكانت ولادة محمد المذكور سنة ستين للهجرة هكذا وجدته منقولا وهو يخالف ~~ما تقدم من أن بينه وبين أبيه في العمر أربع عشرة سنة فقد تقدم في تاريخ ~~أبيه انه ولد في حياة علي بن أبي طالب رضي الله عنه أو في ليلة قتل علي على ~~الاختلاف فيه وكان قتل علي في رمضان سنة أربعين فكيف يمكن ان يكون بينهما ~~أربع عشرة سنة بل أقل ما يمكن أن يكون بينهما عشرون سنة وذكر ابن حمدون في ~~كتاب التذكرة ان محمدا المذكور مولده في سنة اثنتين وستين للهجرة وتوفي ~~محمد المذكور في سنة ست وعشرين PageV04P187 # وقيل اثنتين وعشرين ومائة وفيها ولد المهدي بن أبي ~~جعفر المنصور وهو والد هارون الرشيد وقيل سنة خمس وعشرين ومائة بالشراة ~~وقال الطبري في تاريخه توفي محمد بن علي مستهل ذي القعدة سنة ست وعشرين ~~ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة رحمه الله تعالى وقد تقدم الكلام على الشراة ~~في ترجمة أبيه علي بن عبد الله وقال الطبري في تاريخه في سنة ثمان وتسعين ~~للهجرة قدم أبو هاشم عبد الله ابن ms1055 محمد بن الحنيفة على سليمان بن عبد الملك ~~بن مروان فأكرمه وسار أبو هاشم يريد فلسطين فأنفذ سليمان من قعد له على ~~الطريق بلبن مسموم فشرب منه أبو هاشم فأحس بالموت فعدل إلى الحميمة واجتمع ~~بمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس واعلمه ان الخلافة في ولده عبد الله بن ~~الحارثية قلت وهو السفاح وسلم إليه كتب الدعاة واوقفه على ما يعمل بالحميمة ~~هكذا قال الطبري ولم يذكر إبراهيم الإمام وجميع المؤرخين اتفقوا على ~~إبراهيم إلا أنه ما تم له الأمر والله أعلم 569 البخاري أبو عبد الله محمد ~~بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف يزذبه وقال ابن ~~ماكولا هو يزدزبه الجعفي بالولاء البخاري الحافظ PageV04P188 # الإمام في علم الحديث صاحب الجامع الصحيح والتاريخ رحل ~~في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق ~~والحجاز والشام ومصر وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا ~~بتفرده في علم الرواية والدراية وحكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة ~~المقتبس والخطيب في تاريخ بغداد أن البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب ~~الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن ~~هذا الإسناد لإسناد آخر ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث ~~وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري وأخذوا الموعد للمجلس فحضر ~~المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن ~~البغداديين فلما أطمأن المجلس بأهله انتدب إليه واحد من العشرة فسأله عن ~~حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه ~~فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه ~~فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم ومن ~~كان منهم ضد ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم ثم أنتدب رجل ~~آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري لا ~~أعرفه فسأله عن ms1056 آخر فقال لا أعرفه فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى ~~فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه ثم أنتدب الثالث والرابع إلى تمام ~~العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على قوله ~~لا أعرفه فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم أما حديثك ~~الأول فهو كذا وحديثك الثاني فهو كذا الثالث والرابع على الولاء حتى أتى ~~على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين ~~كذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له ~~الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل PageV04P189 # وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول الكبش النطاح ونقل عنه ~~محمد بن يوسف الفربري أنه قال ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت ~~قبل ذلك وصليت ركعتين وعنه أنه قال صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة خرجته ~~من ستمائة ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله عز وجل وقال الفربري ~~سمع صحيح البخاري تسعون الف رجل فما بقي أحد يروي عنه غيري وروى عنه أبو ~~عيسى الترمذي وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة وقيل لاثنتي ~~عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وقال أبو يعلى الخليلي في ~~كتاب الإرشاد إن ولادته كانت لاثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور وتوفي ~~ليلة السبت بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر ودفن يوم الفطر بعد صلاة ~~الظهر سنة ست وخمسين ومائتين بخرتنك رحمه الله تعالى وذكر ابن يونس في ~~تاريخ الغرباء أنه قدم مصر وتوفي بها وهو غلط والصواب ما ذكرناه ها هنا ~~رحمه الله تعالى وكان خالد بن أحمد بن خالد الذهلي أمير خراسان قد اخرجه من ~~بخارى إلى خرتنك ثم حج خالد المذكور فوصل إلى بغداد فحبسه الموفق بن ~~المتوكل أخو المعتمد الخليفة فمات في حبسه وكان شيخا نحيف الجسم لا بالطويل ~~ولا بالقصير وقد اختلف في اسم جده فقيل إنه يزذبه بفتح الياء المثناة من ~~تحتها وسكون الزاي وكسر ms1057 الذال المعجمة وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة وقال ~~أبو نصر بن ماكولا في كتاب الإكمال هو يزدزبه بدال وزاي وباء معجمة بواحدة ~~والله أعلم وقال غيره كان هذا الجد مجوسيا مات على دينه وأول من أسلم منهم ~~المغيرة ووجدته في موضع آخر عوض يزذبه الأحنف ولعل يزذبه كان أحنف الرجل ~~والله أعلم PageV04P190 # والبخاري بضم الباء الموحدة وفتح الخاء المعجمة وبعد ~~الألف راء هذه النسبة إلى بخارا وهي من أعظم مدن ما وراء النهر بينها وبين ~~سمرقند مسافة ثمانية أيام وخرتنك بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح ~~التاء المثناة من فوقها وسكون النون وبعدها كاف وهي قرية من قرى سمرقند وقد ~~سبق الكلام على الجعفي ونسبة البخاري إلى سعيد بن جعفر الجعفي والي خراسان ~~وكان له عليهم الولاء فنسبوا إليه 570 ابن جرير الطبري أبو جعفر محمد بن ~~جرير بن يزيد بن خالد الطبري وقيل يزيد بن كثير ابن غالب صاحب التفسير ~~الكبير والتاريخ الشهير كان إماما في فنون كثيرة منها التفسير والحديث ~~والفقه والتاريخ وغير ذلك وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه ~~وغزارة فضله وكان من الأئمة المجتهدين لم يقلد أحدا وكان أبو الفرج المعافى ~~بن زكرياء النهراوني المعروف بابن طرارا على مذهبه وسيأتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى وكان ثقة في نقله وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها وذكره الشيخ أبو ~~إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء في جملة المجتهدين ورأيت في بعض ~~PageV04P191 # المجاميع هذه الأبيات منسوبة إليه وهي (إذا اعسرت لم ~~يعلم شقيقي * واستغني فيستغني صديقي) (حيائي حافظ لي ماء وجهي * ورفقي في ~~مطالبتي رفيقي) (ولو أني سمحت ببذل وجهي * لكنت إلى الغنى سهل الطريق) ~~وكانت ولادته سنة أربع وعشرين ومائتين بآمل طبرستان وتوفي يوم السبت آخر ~~النهار ودفن يوم الأحد في داره في السادس والعشرين من شوال سنة عشر ~~وثلاثمائة ببغداد رحمه الله تعالى ورأيت بمصر في القرافة الصغرى عند سفح ~~المقطم قبرا يزار وعند رأسه حجر عليه مكتوب هذا قبر ابن جرير الطبري والناس ms1058 ~~يقولون هذا صاحب التاريخ وليس بصحيح بل الصحيح انه ببغداد وكذلك قال ابن ~~يونس في تاريخ مصر المختص بالغرباء إنه توفي ببغداد وأبو بكر الخوارزمي ~~الشاعر المشهور ابن أخته وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وقد سبق الكلام على ~~الطبري PageV04P192 # 571 محمد بن عبد الحكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله ~~بن عبد الحكم بن أعين ابن ليث بن رافع المصري الفقيه الشافعي سمع من ابن ~~وهب وأشهب من أصحاب الإمام مالك فلما قدم الإمام الشافعي رضي الله عنه مصر ~~صحبه وتفقه به وحمل في المحنة إلى بغداد إلى القاضي أحمد بن أبي دواد ~~الإيادي المقدم ذكره فلم يجب إلى ما طلب منه فرد إلى مصر وأنتهت إليه ~~الرياسة بمصر وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين ومائة وتوفي يوم الأربعاء ~~لليلة خلت من ذي القعدة وقيل منتصفه سنة ثمان وستين ومائتين وقبره فيما ~~يذكر مع قبر أبيه وأخيه عبد الرحمن وقد سبق ذكر ذلك وهما إلى جانب الإمام ~~الشافعي وقال ابن قانع توفي وستين بمصر رحمه الله تعالى روى عنه أبو عبد ~~الرحمن النسائي في سننه وقال المزني كنا نأتي الشافعي نسمع منه فنجلس على ~~باب داره ويأتي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فيصعد إليه ويطيل المكث ~~وربما تغدى معه ثم نزل فيقرأ علينا الشافعي فإذا فرغ من قراءته قرب إلى ~~محمد دابته فركبها وأتبعه الشافعي PageV04P193 # بصره فإذا غاب شخصه قال وددت لو أن لي ولدا مثله وعلي ~~ألف دينار لا أجد لها قضاء وحكي عن محمد المذكور أنه قال كنت أتردد إلى ~~الشافعي فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي وكان على مذهب الإمام مالك وقد سبق ~~ذكره في العبادلة فقالوا يا أبا محمد إن محمدا ينقطع إلى هذا الرجل ويتردد ~~إليه فيرى الناس أن هذا رغبة عن مذهب أصحابه فجعل أبي يلاطفهم ويقول هو حدث ~~ويحب النظر في اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك ويقول لي في السر يا بني ~~الزم هذا الرجل فإنك لو جاوزت هذا البلد ms1059 فتكلمت في مسألة فقلت فيها قال ~~أشهب لقيل لك من أشهب قال فلزمت الشافعي وما زال كلام والدي في قلبي حتى ~~خرجت إلى العراق فكلمني القاضي بحضرة جلسائه في مسألة فقلت فيها قال أشهب ~~عن مالك فقال ومن أشهب وأقبل على جلسائه فقال لبعضهم كالمنكر ما أعرف أشهب ~~ولا أبلق وأخباره كثيرة وذكره القضاعي في كتاب خطط مصر قال ومحمد هذا هو ~~الذي أحضره أحمد بن طولون في الليل إلى حيث سقايته بالمعافر لما توقف الناس ~~عن شرب مائها والوضوء به فشرب منه وتوضأ فاعجب ذلك ابن طولون وصرفه لوقته ~~ووجه إليه بصلة والناس يقولون إنه المزني وليس بصحيح والله أعلم ~~PageV04P194 # 572 الترمذي أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي ~~الفقيه الشافعي لم يكن للفقهاء الشافعية في وقته أرأس منه ولا أروع ولا ~~أكثر تقللا وكان يسكن بغداد وحدث بها عن يحيى بن بكير المصري ويوسف بن عدي ~~وكثير بن يحيى وغيرهم وروى عنه أحمد بن كامل القاضي وعبد الباقي بن قانع ~~وغيرهما وكان ثقة من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا قال أبو الطيب أحمد ~~بن عثمان السمسار والد أبي حفص عمر بن شاهين حضرت عند أبي جعفر الترمذي ~~فسأله سائل عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ينزل إلى ~~سماء الدنيا فالنزول كيف يبقى فوقه علو فقال أبو جعفر النزول معقول والكيف ~~مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكان من التقلل في المطعم على ~~حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا على الفقر أخبر محمد بن موسى بن حماد أنه ~~أخبره انه تقوت في سبعة عشر يوما خمس حبات أو قال ثلاث حبات قال قلت كيف ~~عملت فقال لم يكن عندي غيرها فاشتريت بها لفتا فكنت آكل كل يوم واحدة وذكر ~~أبو إسحاق الزجاج النحوي انه كان يجري عليه في كل شهر أربعة دراهم وكان لا ~~يسأل أحدا شيئا وكان يقول تفقهت على مذهب أبي حنيفة فرأيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم في مسجد ms1060 المدينة عام حججت فقلت يا رسول الله قد تفقهت بقول أبي ~~حنيفة أفآخذ به قال لا فقلت آخذ بقول مالك بن أنس فقال PageV04P195 # خذ منه ما وافق سنتي قلت فآخذ بقول الشافعي فقال ما هو ~~بقوله إلا أنه اخذ بسنتي ورد على من خالفها قال فخرجت في أثر هذه الرؤيا ~~إلى مصر وكتبت كتب الشافعي وقال الدارقطني هو ثقة مأمون ناسك وكان يقول ~~كتبت الحديث تسعا وعشرين سنة وكانت ولادته في ذي الحجة سنة مائتين وقيل سنة ~~عشر ومائتين وتوفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين ~~ولم يغير شيبه وكان قد اختلط في آخر عمره اختلاطا عظيما رحمه الله تعالى ~~وقال السمعاني في نسبة الترمذي هذه النسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ ~~الذي يقال له جيحون والناس مختلفون في كيفية هذه النسبة بعضهم يقول بفتح ~~التاء ثالث الحروف وبعضهم يقول بضمها وبعضهم يقول بكسرها والمتداول على ~~لسان أهل تلك المدينة بفتح التاء وكسر الميم والذي كنا نعرفه قديما كسر ~~التاء والميم جميعا والذي يقوله المتنوقون وأهل المعرفة بضم التاء والميم ~~وكل واحد يقول معنى لما يدعيه هذا كله كلام السمعاني والله أعلم بالصواب ~~وسألت من رآها هل هي في ناحية خوارزم أم في ناحية ما وراء النهر فقال بل هي ~~في حساب ما وراء النهر في ذلك الجانب PageV04P196 # 573 ابن الحداد المصري أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد ~~بن جعفر الكناني المعروف بابن الحداد الفقيه الشافعي المصري صاحب كتاب ~~الفروع في المذهب وهو كتاب صغير الحجم كثير الفائدة دقق في مسائله غاية ~~التدقيق واعتنى بشرحه جماعة من الأئمة الكبار شرحه القفال المروزي شرحا ~~متوسطا ليس بالكبير وشرحه القاضي أبو الطيب الطبري في مجلد كبير وشرحه ~~الشيخ أبو علي السنجي شرحا تاما مستوفى أطال فيه وهو أحسن الشروح وكان ابن ~~الحداد المذكور قد اخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي وقال صاحبنا عماد الدين ~~بن ناطيش في كتابه الذي وضعه على المهذب وفي طبقات الفقهاء ms1061 أنه من أعيان ~~أصحاب إبراهيم المزني وقد وهم فيه فإن ابن الحداد ولد في السنة التي توفي ~~فيها المزني وقال القضاعي في كتاب خطط مصر إنه ولد في اليوم الذي مات فيه ~~المزني رحمه الله تعالى فكيف يمكن ان يكون من أصحابه وإنما نبهت على ذلك ~~لئلا يظن ظان أن هذا غلط وذلك الصواب ونسب إليه أيضا الأبيات الذالية التي ~~ذكرتها في ترجمة ظافر الحداد الإسكندري وقد سبق الكلام عليها في ترجمة ظافر ~~وكان ابن الحداد فقيها محققا غواصا على المعاني تولى القضاء بمصر والتدريس ~~وكانت الملوك والرعايا تكرمه وتعظمه وتقصده في الفتاوى والحوادث وكان ~~PageV04P197 # يقال في زمنه عجائب الدنيا ثلاث غضب الجلاد ونظافة ~~السماد والرد على ابن الحداد وكانت ولادته لست بقين من شهر رمضان سنة أربع ~~وستين ومائتين وتوفي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وقال السمعاني سنة أربع ~~وأربعين والله أعلم بالصواب وحدث عن أبي عبد الرحمن النسائي وغيره رحمهم ~~الله أجمعين وذكر القضاعي في كتاب خطط مصر ان ابن الحداد المذكور توفي عند ~~منصرفه من الحج سنة أربع وأربعين وثلاثمائة بمنية حرب على باب مدينة مصر ~~وقيل في موضع القاهرة وكان متصرفا في علوم كثيرة من علوم القرآن الكريم ~~والفقه والحديث والشعر وأيام العرب والنحو واللغة وغير ذلك ولم يكن في ~~زمانه مثله وكان محببا إلى الخاص والعام وحضر جنازته الأمير أبو القاسم ~~أنوجور ابن الإخشيد وكافور وجماعة من أهل البلد وله تسع وسبعون سنة وأربعة ~~أشهر ويومان رحمه الله تعالى والحداد بفتح الحاء المهملة وتشديد الدال ثم ~~دال بعد الف وكان أحد أجداده يعمل الحديد ويبيعه فنسب إليه PageV04P198 # 574 أبو بكر الصيرفي أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف ~~بالصيرفي الفقيه الشافعي البغدادي كان من جملة الفقهاء أخذ الفقه عن أبي ~~العباس بن سريج واشتهر بالحذق في النظر والقياس وعلوم الأصول وله في أصول ~~الفقه كتاب لم يسبق إلى مثله حكى أبو بكر القفال في كتابه الذي صنفه في ~~الأصول ان أبا بكر الصيرفي كان اعلم الناس ms1062 بالأصول بعد الشافعي وهو أول من ~~أنتدب من أصحابنا للشروع في علم الشروط وصنف فيه كتابا أحسن فيه كل الإحسان ~~وتوفي يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وثلاثمائة رحمه ~~الله تعالى والصيرفي بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~الراء وبعدها فاء هذه النسبة مشهورة لمن يصرف الدنانير والدراهم وإنما قصدت ~~بذكرها ضبطها وتقييدها فقد رأيت كثيرا من الناس ينطقون بكسر الصاد والراء ~~PageV04P199 # 575 القفال الشاشي أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل ~~القفال الشاشي الفقيه الشافعي إمام عصره بلا مدافعة كان فقيها محدثا أصوليا ~~لغويا شاعرا لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته رحل إلى خراسان ~~والعراق والحجاز والشام والثغور وسار ذكره في البلاد وأخذ الفقه عن ابن ~~سريج وله مصنفات كثيرة وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء وله كتاب في ~~أصول الفقه وله شرح الرسالة وعنه أنتشر مذهب الشافعي في بلاده وروى عن محمد ~~بن جرير الطبري وأقرانه وروى عنه الحاكم أبو عبد الله وأبو عبد الله ابن ~~منده وأبو عبد الرحمن السلمي وجماعة كثيرة وهو والد القاسم صاحب كتاب ~~التقريب الذي ينقل عنه في النهاية والوسيط والبسيط وقد ذكره الغزالي في ~~الباب الثاني من كتاب الرهن لكنه قال أبو القاسم وهو غلط وصوابه القاسم ~~وقال العجلي في شرح مشكلات الوجيز والوسيط في الباب الثالث من كتاب التيمم ~~إن صاحب التقريب هو أبو بكر القفال وقيل إنه ابنه القاسم ثم قال فلهذا يقال ~~صاحب التقريب على الإبهام قلت ورأيت في شوال سنة خمس وستين وستمائة في ~~خزانة الكتب بالمدرسة العادلية بدمشق المحروسة كتاب التقريب في ست مجلدات ~~وهي من حساب عشر مجلدات وكتب عليه بأنه تصنيف أبي الحسن القاسم ابن أبي بكر ~~القفال الشاشي وقد كأنت النسخة المذكورة للشيخ قطب الدين مسعود PageV04P200 # النيسابوري الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وعليها خطه ~~بأنه وقفها وهذا التقريب غير التقريب الذي لسليم الرازي فإني رأيت خلقا ~~كثيرا من الفقهاء يعتقدونه هو ms1063 فلهذا نبهت عليه والتقريب الذي لابن القفال ~~قليل الوجود والذي لسليم موجود بأيدي الناس وهذا التقريب هو الذي تخرج به ~~فقهاء خراسان وقد وقع الاختلاف في وفاة القفال المذكور فقال الشيخ أبو ~~إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء توفي في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وقال ~~الحاكم أبو عبد الله المعروف بابن البيع النيسابوري إنه توفي بالشاش في ذي ~~الحجة سنة خمس وستين وثلاثمائة وقال كتبت عنه وكتب عني ووافقه على هذا ابن ~~السمعاني في كتاب الأنساب وزاد فقال وكانت ولادته في سنة إحدى وتسعين ~~ومائتين وقال اعني ابن السمعاني في كتاب الذيل إنه توفي سنة ست وستين ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى وكذا قاله في كتاب الأنساب أيضا في ترجمة الشاشي ~~والقول الأول قاله في ترجمة القفال والله أعلم بالصواب والشاشي نسبة إلى ~~الشاش بشينين معجمتين بينهما الف وهي مدينة وراء نهر سيحون خرج منها جماعة ~~من العلماء وهذا القفال غير القفال المروزي وقد سبق ذكر ذلك في العبادلة ~~وهو متأخر عن هذا PageV04P201 # 576 أبو الحسن الماسرجسي أبو الحسن محمد بن علي بن سهل ~~بن مصلح الماسرجسي الفقيه الشافعي أحد أئمة الشافعيين بخراسان وأعرفهم ~~بالمذهب وترتيبه وفروع المسائل تفقه بخراسان والعراق والحجاز وصحب أبا ~~إسحاق المروزي وتفقه عليه وخرج معه إلى مصر ولزمه إلى أن مات ثم رجع إلى ~~بغداد وكان يخلف علي بن أبي هريرة في مجالسه بعد قيامه عنها ثم انصرف إلى ~~خراسان سنة أربع وأربعين وثلاثمائة ودرس بنيسابور وعنه أخذ فقهاؤها وعليه ~~تفقه القاضي أبو الطيب الطبري وسمع من خاله المؤمل بن الحسن بن عيسى ~~الماسرجسي وسمع بمصر من أصحاب المزني ويونس بن عبد الأعلى الصدفي وقال ~~الحاكم أبو عبد الله ابن البيع عقدت له مجلس الإملاء في دار السنة في رجب ~~سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وتوفي عشية الأربعاء ودفن في عشية الخميس سادس ~~جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وعمره ست وسبعون سنة وقال الشيخ ~~أبو إسحاق في الطبقات سنة ثلاث وثمانين رحمه الله تعالى والماسرجسي بفتح ~~الميم ms1064 وبعد الألف سين مفتوحة مهملة وراء ساكنة ثم جيم مكسورة بعدها سين ~~ثانية هذه النسبة إلى ماسرجس وهو اسم لجد أبي علي الحسن بن عيسى بن ماسرجس ~~النيسابوري كان نصرانيا فأسلم على يد عبد الله بن المبارك وأبو الحسن ~~الفقيه المذكور ابن بنت أبي علي المذكور فنسب إليه ونسبة الكل إلى ماسرجس ~~المذكور PageV04P202 # 577 أبو عبد الله الختن أبو عبد الله محمد بن الحسن بن ~~إبراهيم الأستراباذي وقيل الجرجاني المعروف بالختن الفقيه الشافعي كان ~~فقيها فاضلا ورعا مشهورا في عصره وله وجوه حسنة في المذهب وكان مقدما في ~~الأدب ومعاني القرآن والقراءآت ومن العلماء المبرزين في النظر والجدل سمع ~~أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي وأقرانه ببلده وورد نيسابور سنة سبع ~~وثلاثين وثلاثمائة فأقام بها إلى آخر سنة تسع ثم دخل أصبهان فسمع مسند أبي ~~داود من عبد الله بن جعفر ودخل العراق وكتب بعد الأربعين وأكثر وكان كثير ~~السماع والرحلة وشرح كتاب التلخيص لأبي العباس ابن القاص وتوفي بجرجان يوم ~~عيد الأضحى سنة ست وثمانين وثلاثمائة وهو ابن خمس وسبعين سنة رحمه الله ~~تعالى وقد تقدم الكلام على الأستراباذي والجرجاني والختن بفتح الخاء ~~المعجمة والتاء المثناة من فوقها وبعدها نون وإنما قيل له ذلك لأنه كان ختن ~~الفقيه أبي بكر الإسماعيلي PageV04P203 # 578 أبو سهل الصعلوكي أبو سهل محمد بن سليمان بن محمد ~~بن سليمان بن هارون بن موسى بن عيسى بن إبراهيم بن بشر الحنفي العجلي ~~المعروف بالصعلوكي الأصبهاني أصلا ومولدا النيسابوري دارا الفقيه الشافعي ~~المفسر المتكلم الأديب النحوي الشاعر العروضي الكاتب ذكره الحاكم أبو عبد ~~الله في تاريخه فقال حبر زمانه وفقيه أصحابه وأقرانه صحب أبا إسحاق المروزي ~~وتفقه عليه وتبحر في العلوم ثم خرج إلى العراق ودخل البصرة ودرس بها سنين ~~إلى أن استدعي إلى أصبهان فأقام بها سنين فلما نعي إليه عمه أبو الطيب خرج ~~مستخفيا فورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وجلس لمأتم عمه ثلاثة أيام ~~وكان الشيخ أبو بكر ابن إسحاق يحضر ms1065 كل يوم فيقعد معه وكذلك كل رئيس وقاض ~~ومفت من الفريقين فلما فرغ من العزاء عقدوا له مجلس النظر ولم يبق موافق ~~ولا مخالف إلا أقر بفضله وتقدمه وحضره المشايخ مرة بعد أخرى يسألونه أن ~~ينقل من خلفهم وراءه بأصبهان فأجاب إلى ذلك ودرس وافتى وعنه اخذ فقهاء ~~نيسابور وكان الصاحب ابن عباد يقول أبو سهل الصعلوكي لا نرى مثله ولا يرى ~~مثل نفسه وسئل أبو الوليد عن أبي بكر القفال والصعلوكي فقال ومن يقدر يكون ~~مثل الصعلوكي وكانت ولادته سنة ست وتسعين ومائتين وسمع الحديث سنة خمس ~~وثلاثمائة وحضر مجلس أبي علي الثقفي للتفقه سنة ثلاث عشرة وتوفي في آخر سنة ~~تسع وستين وثلاثمائة بنيسابور وحملت جنازته إلى ميدان الحسين فقدم السلطان ~~PageV04P204 # ولده أبا الطيب للصلاة عليه فصلى ودفن في المسجد الذي ~~كان يدرس فيه رحمه الله تعالى وقد تقدم ذكر ابنه في حرف السين والكلام على ~~الصعلوكي 579 أبو الطيب ابن سلمة أبو الطيب محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم ~~الضبي البغدادي الفقيه الشافعي كان من كبار الفقهاء ومتقدميهم أخذ الفقه عن ~~أبي العباس ابن سريج وكان موصوفا بفرط الذكاء ولهذا كان أبو العباس يقبل ~~عليه كل الإقبال ويميل إلى تعليمه غاية الميل وصنف كتبا عديدة وتوفي في ~~المحرم سنة ثمان وثلاثمائة وهو غض الشباب رحمه الله تعالى وله في المذهب ~~وجوه حسنة وسلمة بفتح السين المهملة واللام والميم 165 وأبوه أبو طالب ~~المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي اللغوي صاحب التصانيف المشهورة في فنون الأدب ~~ومعاني القرآن وكان كوفي المذهب مليح الخط لقي ابن الأعرابي وغيره من ~~العلماء واستدرك على الخليل في كتاب العين وخطأه وعمل في ذلك كتابا وله من ~~التصانيف كتاب البارع في علم اللغة وكتاب الفاخر وكتاب العود والملاهي ~~وكتاب جلاء الشبه وكتاب الطيف وكتاب ضياء القلوب في معاني القرآن نيف ~~PageV04P205 # وعشرون جزءا وكتاب الإشتقاق وكتاب الزرع والنبات وكتاب ~~خلق الإنسان وكتاب ما يحتاج إليه الكاتب وكتاب المقصور والممدود وكتاب ~~المدخل إلى علم ms1066 النحو وروى عنه أبو بكر الصولي وزعم أنه سمع عنه في سنة ~~تسعين ومائتين 166 وجده سلمة بن عاصم صاحب الفراء وراويته وهم أهل بيت كلهم ~~علماء نبلاء مشاهير رحمهم الله تعالى وكان المفضل المذكور متصلا بالوزير ~~إسماعيل بن بلبل فقيل له إن ابن الرومي الشاعر المقدم ذكره قد هجاه فشق ذلك ~~على الوزير وحرم ابن الرومي عطاياه فعمل ابن الرومي في المفضل أبياتا وهي ~~(لو تلففت في كساء الكسائي * وتفريت فروة الفراء) (وتخللت بالخليل وأضحى * ~~سيبويه لديك رهن سباء) (وتكونت من سواد أبي الأسود * شخصا يكنى أبا ~~السوداء) (لأبى الله أن يعدك أهل العلم * إلا من جملة الأغبياء) ~~PageV04P206 # 580 أبو بكر النيسابوري أبو بكر محمد بن إبراهيم بن ~~المنذر النيسابوري كان فقيها عالما مطلعا ذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقات ~~الفقهاء وقال صنف في اختلاف العلماء كتبا لم يصنف أحد مثلها واحتاج إلى ~~كتبه الموافق والمخالف ولا أعلم عمن أخذ الفقه وتوفي بمكة سنة تسع أو عشر ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى ومن كتبه المشهورة في اختلاف العلماء كتاب ~~الأشراف وهو كتاب كبير يدل على كثرة وقوفه على مذاهب الأئمة وهو من أحسن ~~الكتب وأنفعها وأمتعها وله كتاب المبسوط أكبر من الأشراف وهو في اختلاف ~~العلماء ونقل مذاهبهم أيضا وله كتاب الإجماع وهو صغير PageV04P207 # 581 أبو زيد المروزي أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله ~~بن محمد المروزي الفاشاني الفقيه الشافعي كان من الأئمة الأجلاء حسن النظر ~~مشهورا بالزهد حافظا للمذهب وله فيه وجوه غريبة أخذ الفقه عن أبي إسحاق ~~المروزي وأخذ عنه أبو بكر القفال المروزي ودخل بغداد وحدث بها وسمع منه ~~الحافظ أبو الحسن الدارقطني ومحمد بن أحمد بن القاسم المحاملي ثم خرج إلى ~~مكة فجاور بها سبع سنين وحدث هناك بصحيح البخاري عن محمد بن يوسف الفربري ~~قال الخطيب وأبو زيد أجل من روى هذا الكتاب وقال أبو بكر البزار عادلت ~~الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه يعني ~~خطيئة ms1067 وقال أحمد بن محمد الحاتمي الفقيه سمعت أبا زيد المروزي يقول رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيى المنام وانا بمكة وكأنه يقول لجبريل عليه ~~السلام يا روح الله اصحبه إلى وطنه وكان في أول امره فقيرا لا يقدر على شيء ~~فكان يعبر الشتاء بلا جبة مع شدة البرد في تلك البلاد فإذا قيل له في ذلك ~~يقول بي علة تمنعني من لبس المحشو يعني به الفقر وكان لا يشتهي ان يطلع ~~أحدا على باطن حاله ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره وقد أسن وتساقطت ~~أسنانه فكان لا يتمكن PageV04P208 # من المضغ وبطلت منه حاسة الجماع فكان يقول مخاطبا ~~للنعمة لا بارك الله فيك أقبلت حين لا ناب ولا نصاب وقد اذكرتني هذه ~~الحكاية أبياتا لبعض الفضلاء وقد أثرى وصارت له نعمة وهو في عشر الثمانين ~~وهي (ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا * ملكته بعد ان جاوزت سبعينا) (تطيف ~~بي من بني الأتراك أغزله * مثل الغصون على كثبان يبرينا) (وخرد من بنات ~~الروم رائعة * يحكين بالحسن حور الجنة العينا) (يغمزنني بأساريع منعمة * ~~تكاد تنقض من أطرافها لينا) (يردن إحياء ميت لا حراك به * فكيف يحيين ميتا ~~صار مدفونا) (قالوا أنينك طول الليل يقلقنا * فما الذي تشتكي قلت ~~الثمانينا) وتوفي يوم الخميس ثالث عشر رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة بمرو ~~رحمه الله تعالى وقد تقدم الكلام على نسبة المروزي والفاشاني فلا حاجة إلى ~~الإعادة 582 أبو بكر الأودني أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن نصر بن ~~ورقاء الأودني الفقيه الشافعي إمام أصحاب الشافعي في عصره ذكره الحاكم أبو ~~عبد الله بن البيع النيسابوري في تاريخ نيسابور وقال حج ثم انصرف وأقام ~~بنيسابور عندنا مدة وكان PageV04P209 # من أزهد الفقهاء وأبكاهم على تقصيره وتوفي في شهر ربيع ~~الأول سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ببخارا ودفن بكلاباذ رحمه الله تعالى ~~والأودني بضم الهمزة وسكون الواو وفتح الدال المهملة وبعدها نون هذه النسبة ~~إلى أودنة وهي قرية من قرى بخارا هكذا ms1068 قاله السمعاني والفقهاء يحرفونه ~~فيقولون الأودي وسمعت بعض مشايخنا في زمن الاشتغال بالعلم يقول هو الأودني ~~بفتح الهمزة والله أعلم ثم وجدت في كتاب أبي بكر الحازمي الذي سماه ما اتفق ~~لفظه وافترق مسماه ما يدل على أنه بفتح الهمزة فإنه جعله مع أردن ونظائره ~~مما أوله بفتح الهمزة ثم قال وأما اودن بعد الهمزة واو ساكنة ثم دال مهملة ~~وآخره نون فقرية من قرى بخارا وعادته في هذا الكتاب انه إذا ذكر مكانا على ~~مثل هذه الصورة ثم ذكر بعده مثله تركه على حاله وإن اختلف في الحركة ذكر ~~وجه المخالفة ولم يذكر هاهنا ضمة الهمزة فدل على أنه مثل الأول وله وجوه في ~~المذهب وذكره صاحب الوسيط في مواضع عديدة وكلاباذ بفتح الكاف وبعد اللام ~~ألف باء موحدة مفتوحة وبعد الألف ذال معجمة وهي محلة ببخارا 167 وإليها ~~ينسب الحافظ المتقن أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسن بن الحسين ابن علي بن ~~رستم الكلاباذي أحد أئمة الحديث وكان ثقة وتوفي لسبع بقين من جمادى الآخرة ~~ستة ثمان وتسعين وثلاثمائة ومولده سنة ستين وأربعمائة رحمه الله تعالى قلت ~~هكذا ذكره الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في تاريخ وفاة الكلاباذي ومولده وهو ~~غلط فإنه أخر تاريخ المولد عن تاريخ الوفاة وكشفته PageV04P210 # من جهات عديدة فلم أجد من ذكره فتركته على حاله ~~والظاهر أن الأمر بالعكس والله أعلم 583 أبو بكر الفارسي أبو بكر محمد بن ~~أحمد بن علي بن شاهويه الفارسي الفقيه الشافعي ذكره الحاكم أبو عبد الله في ~~تاريخ نيسابور وقال أقام بنيسابور زمانا ثم خرج إلى بخارا ثم انصرف إلى ~~نيسابور ورجع إلى بلاد فارس فولي القضاء بها ثم رجع إلى نيسابور وحدث بها ~~وتوفي في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة بنيسابور رحمه الله تعالى وله في ~~المذهب وجوه بعيدة تفرد بها ولم نرها منقولة عن غيره ولم أعلم عمن أخذ ~~الفقه وشاهويه بالشين المعجمة وبعد الألف هاء مفتوحة ثم واو مفتوحة ثم ياء ~~مثناة من تحتها ساكنة ms1069 وهو اسم عجمي مركب فالشاه الملك وأماويه فقد كان ~~الجوهري في كتاب الصحاح سيبويه ونحوه من الأسماء اسم بني مع صوت فجعلا اسما ~~واحدا وأما فارس فإنها كورة عظيمة قصبتها شيراز وشهرتها تغني عن ضبطها ~~PageV04P211 # 584 القضاعي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن ~~علي بن حكمون بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعي الفقيه الشافعي صاحب كتاب ~~الشهاب ذكره الحافظ ابن عساكر في ناريخ دمشق وقال روى عنه أبو عبد الله ~~الحميدي وتولى القضاء بمصر نيابة من جهة المصريين وتوجه منهم رسولا إلى جهة ~~الروم وله عدة تصانيف منها كتاب الشهاب وكتاب مناقب الإمام الشافعي رضي ~~الله عنه وأخباره وكتاب الإنباء عن الأنبياء وتواريخ الخلفاء وله كتاب خطط ~~مصر وذكره الأمير أبو نصر ابن ماكولا في كتاب الإكمال وقال كان مفننا في ~~عدة علوم وتوفي بمصر ليلة الخميس السادس عشر من ذي القعدة سنة أربع وخمسين ~~وأربعمائة وصلي عليه يوم الجمعة بعد العصر في مصلى النجار وقد تقدم ذكره في ~~ترجمة الظاهر بن الحاكم العبيدي صاحب مصر وانه كان يعلم عن وزيره الأقطع ~~الجرجرائي وذكر السمعاني في كتاب الذيل في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن ~~علي ابن ثابت الحافظ صاحب تاريخ بغداد أنه حج سنة خمس وأربعين وأربعمائة ~~PageV04P212 # وحج تلك السنة أبو عبد الله القضاعي المذكور وسمع ~~الخطيب منه رحمه الله تعالى والقضاعي بضم القاف وفتح الضاد المعجمة وبعد ~~الألف عين مهملة هذه النسبة إلى قضاعة ويقال هو ابن معد بن عدنان ويقال هو ~~من حمير وهو الأكثر والأصح واسمه عمرو بن مالك وينسب إليه قبائل كثيرة منها ~~كلب وبلي وجهينة وعذرة وغيرهم 168 والنجار صاحب المصلى هو عمران بن موسى ~~النجار مولى غافق وقيل إن النجار المذكور هو أبو الطيب محمد بن جعفر ~~البغدادي النجار ويعرف بغندر وتوفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة قبل دخول ~~القائد جوهر مصر رحمه الله تعالى 585 المسعودي الفقيه أبو عبد الله محمد بن ~~عبد الله بن مسعود بن أحمد المسعودي ms1070 الفقيه الشافعي إمام فاضل مبرز ورع من ~~أهل مرو تفقه على أبي بكر القفال المروزي وشرح مختصر المزني وأحسن فيه وروى ~~قليلا من الحديث عن أستاذه القفال وحكى عنه الغزالي في كتاب الوسيط في ~~الإيمان في الباب الثالث فيما يقع به الحنث مسألة لطيفة فقال فرع لو حلف لا ~~يأكل بيضا ثم انتهى إلى رجل فقال والله لآكلن ما في كمك فإذا هو بيض فقد ~~سئل القفال عن PageV04P213 # هذه المسألة وهو على الكرسي فلم يحضره الجواب فقال ~~المسعودي تلميذه يتخذ منه الناطف ويأكله فيكون قد أكل ما في كمه ولم يأكل ~~البيض فاستحسن ذلك منه وهذه الحيلة من لطائف الحيل وتوفي المسعودي المذكور ~~سنة نيف وعشرين وأربعمائة بمرو رحمه الله تعالى ونسبته إلى جده مسعود 586 ~~أبو عاصم العبادي القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~عباد العبادي الهروي الفقيه الشافعي تفقه بهراة على القاضي أبي منصور ~~الأزدي بنيسابور على القاضي أبو عمر البسطامي وسار إماما متقنا دقيق النظر ~~تنقل في البلاد ولقي خلقا كثيرا من المشايخ وأخذ عنهم وصنف كتبا نافعة منها ~~أدب القضاء والمبسوط والهادي إلى مذهب العلماء وكتاب الرد على السمعاني وله ~~كتاب لطيف في طبقات الفقهاء وعنه أخذ أبو سعد الهروي صاحب كتاب الأشراف في ~~أدب القضاء وغوامض الحكومات وسمع الحديث ورواه وتوفي في شوال سنة ثمان ~~وخمسين وأربعمائة وكانت ولادته في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة رحمه الله ~~تعالى والعبادي بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف دال ~~مهملة هذه النسبة إلى جده عباد المذكور وقد تقدم الكلام على الهروي ~~PageV04P214 # 587 الخضري أبو عبد الله محمد بن أحمد الخضري المروزي ~~الفقيه الشافعي إمام مرو ومقدم الفقهاء الشافعية صحب أبا بكر الفارسي وكان ~~من أعيان تلامذه أبي بكر القفال الشاشي واقام بمرو ناشرا فقه الشافعي وكان ~~يضرب به المثل في قوة الحفظ وقلة النسيان وله في المذهب وجوه غريبة نقلها ~~الخراسانيون عنه وروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه صحح دلالة ms1071 الصبي على ~~القبلة قال الخضري معناه أن يدل على قبلة تشاهد في الجامع فأما في موضع ~~الاجتهاد فلا يقبل وذكر أبو الفتوح العجلي في أول كتاب النكاح من كتاب شرح ~~مشكلات الوجيز والوسيط ان الشيخ أبا عبد الله الخضري سئل عن قلامة ظفر ~~المرأة هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها فأطرق الشيخ طويلا ساكتا وكانت ~~ابنة الشيخ أبي علي الشبوي تحته فقالت له لم تتفكر وقد سمعت أبي يقول في ~~جواب هذه المسألة إن كانت من قلامة أظفار اليدين جاز النظر إليها وإن كأنت ~~من أظفار الرجلين لم يجز وإنما كان ذلك لأن يدها ليست بعورة بخلاف ظهر ~~القدم ففرح الخضري وقال لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة ~~لكانت كافية انتهى كلام العجلي قلت انا هذا التفصيل بين اليدين والرجلين ~~فيه نظر فإن أصحابنا قالوا اليدان ليستا بعورة في الصلاة اما بالنسبة إلى ~~نظر الأجنبي فما نعرف بينهما فرقا فلينظر PageV04P215 # وكانت له معرفة بالحديث أيضا وكان ثقة وتوفي في عشر ~~الثمانين والثلثمائة رحمه الله تعالى والخضري بكسر الخاء المعجمة وسكون ~~الضاد المعجمة وبعدها راء هذه النسبة إلى بعض أجداده واسمه الخضر هذا عند ~~من يكسر الخاء ويسكن الضاد من الخضر وهي إحدى اللغتين فأما من يقول الخضر ~~بفتح الخاء وكسر الضاد فقياسه أن يقال الخضري بفتح الضاد كما قالوا في ~~النسبة إلى نمرة نمري وهو باب مطرد لا يخرج عنه شيء والشبوي بفتح الشين ~~المعجمة وتشديد الباء الموحدة وضمها وسكون الواو هذه النسبة إلى شبويه وهو ~~اسم بعض أجداد الشيخ أبي علي المذكور وكان فقيها فاضلا من أهل مرو رحمه ~~الله تعالى 588 الغزالي أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الملقب حجة ~~الإسلام زين الدين الطوسي الفقيه الشافعي لم يكن للطائفة الشافعية في آخر ~~عصره مثله PageV04P216 # اشتغل في مبدأ أمره بطوس على أحمد الراذكاني ثم قدم ~~نيسابور واختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني وجد في الاشتغال ~~حتى تخرج في مدة قريبة وصار ms1072 من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه وصنف في ~~ذلك الوقت وكان أستاذه يتبجح به ولم يزل ملازما له إلى أن توفي في التاريخ ~~المذكور في ترجمته فخرج من نيسابور إلى العسكر ولقي الوزير نظام الملك ~~فأكرمه وعظمه وبالغ في الإقبال عليه وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل ~~فجرى بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس فظهر عليهم واشتهر اسمه وسارت ~~بذكره الركبان ثم فوض إليه الوزير تدريس مدرسته النظامية بمدينة بغداد ~~فجاءها وباشر إلقاء الدروس بها وذلك في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين ~~وأربعمائة وأعجب به أهل العراق وارتفعت عندهم منزلته ثم ترك جميع ما كان ~~عليه في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وسلك طريق الزهد والانقطاع ~~وقصد الحج وناب عنه أخوه أحمد في التدريس فلما رجع توجه إلى الشام فأقام ~~بمدينة دمشق مدة يذكر الدروس في زاوية الجامع في الجانب الغربي منه وأنتقل ~~منها إلى البيت المقدس واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة ~~ثم قصد مصر وأقام بالإسكندرية مدة ويقال إنه قصد منها الركوب في البحر إلى ~~بلاد المغرب على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش وسيأتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى فبينا هو كذلك بلغه نعي يوسف بن تاشفين المذكور ~~فصرف عزمه عن تلك الناحية ثم عاد إلى وطنه بطوس واشتغل بنفسه وصنف الكتب ~~المفيدة في عدة فنون منها ما هو أشهرها كتاب الوسيط والبسيط والوجيز ~~والخلاصة في الفقه ومنها إحياء علوم الدين وهو من أنفس الكتب وأجملها وله ~~في أصول الفقه المستصفى فرغ من تصنيفه في سادس المحرم PageV04P217 # سنة ثلاث وخمسمائة وله االمنحول والمنتحل في علم الجدل ~~وله تهافت الفلاسفة ومحك النظر ومعيار العلم والمقاصد والمضنون به على غير ~~أهله والمقصد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى ومشكاة الأنوار والمنقذ من ~~الضلال وحقيقة القولين وكتبه كثيرة وكلها نافعة ثم الزم بالعود إلى نيسابور ~~والتدريس بها بالمدرسة النظامية فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات ثم ترك ~~ذلك وعاد إلى بيته في وطنه واتخذ خانقاه ms1073 للصوفية ومدرسة للمشتغلين بالعلم ~~في جواره ووزع أوقاته على وظائف الخير من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب ~~والقعود للتدريس إلى أن أنتقل إلى ربه ويروى له شعر فمن ذلك ما نسبه إليه ~~الحافظ أبو سعد السمعاني في الذيل وهو قوله (حلت عقارب صدغة في خده * قمرا ~~فجل بها عن التشبيه) (ولقد عهدناه يحل ببرجها * فمن العجائب كيف حلت فيه) ~~ورأيت هذين البيتين في موضع آخر لغيره والله أعلم ونسب إليه العماد ~~الأصبهاني في الخريدة هذين البيتين وهما (هبني صبوت كما ترون بزعمكم * ~~وحظيت منه بلثم خد أزهر) (إني إعتزلت فلا تلوموا إنه * أضحى يقابلني بوجه ~~أشعري) ونسب إليه البيتين اللذين قبلهما وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة ~~وقيل سنة إحدى وخمسين بالطابران وتوفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة ~~سنة خمس وخمسمائة بالطابران PageV04P218 # ورثاه الأديب أبو المظفر محمد الأبيوردي الشاعر ~~المشهور وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى بأبيات فائية من جملتها (مضى وأعظم ~~مفقود فجعت به * من لا نظير له في الناس يخلفه) وتمثل الإمام إسماعيلي ~~الحاكمي بعد وفاته بقول أبي تمام من جملة قصيدة مشهورة (عجبت لصبري بعده ~~وهو ميت * وكنت امرءا أبكي دما وهو غائب) (على أنها الأيام قد صرن كلها * ~~عجائب حتى ليس فيها عجائب) ودفن بظاهر الطابران وهي قصبة طوس رحمه الله ~~تعالى وقد تقدم الكلام على الطوسي والغزالي في ترجمة أخيه أحمد الزاهد ~~الواعظ المذكور في حرف الهمزة والطابران بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة ~~وراء مهملة وبعد الألف الثانية نون وهي إحدى بلدتي طوس كما تقدم في ترجمة ~~أحمد أيضا 589 المستظهري أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي ~~الأصل الفارقي المولد المعروف بالمستظهري الملقب فخر الإسلام الفقيه ~~الشافعي كان فقيه وقته تفقه أولا بميافارقين على أبي عبد الله محمد بن بيان ~~الكازوني وعلى القاضي PageV04P219 # أبي منصور الطوسي صاحب أبي محمد الجويني إلى أن عزل عن ~~قضاء ميافارقين ثم رحل أبو بكر إلى بغداد ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي ~~رحمه الله تعالى وقرأ ms1074 عليه وأعاد عنده وقرأ كتاب الشامل في الفقه على مصنفه ~~أبي نصر ابن الصباغ رحمه الله تعالى ودخل نيسابور صحبة الشيخ أبي إسحاق ~~وتكلم في مسألة بين يدي إمام الحرمين فأحسن فيها وعاد إلى بغداد وذكره ~~الحافظ عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وتعين في الفقه بالعراق ~~بعد أستاذه أبي إسحاق وأنتهت إليه رياسة الطائفة الشافعية وصنف تصانيف حسنة ~~من ذلك كتاب حلية العلماء في المذهب ذكر فيه مذهب الشافعي ثم ضم إلى كل ~~مسألة اختلاف الأئمة فيها وجمع من ذلك شيئا كثيرا وسماه المستظهري لأنه ~~صنفه للإمام المستظهر بالله وصنف أيضا في الخلاف وتولى التدريس بالمدرسة ~~النظامية بمدينة بغداد سنة أربع وخمسمائة إلى حين وفاته وكان قد وليها قبله ~~الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وأبو نصر ابن الصباغ صاحب الشامل وأبو سعد ~~المتولي صاحب تتمة الإبانة وأبو حامد الغزالي وقد سبق ذكر ذلك في ترجمة كل ~~واحد منهم فلما انقرضوا تولاها هو وحكى لي بعض المشايخ من علماء المذهب انه ~~يوم ذكر الدرس وضع منديله على عينيه وبكى كثيرا وهو جالس على السدة التي ~~جرت عادة المدرسين بالجلوس عليها وكان ينشد (خلت الديار فسدت غير مسود * ~~ومن العناء تفردي بالسؤدد) وجعل يردد هذا البيت ويبكي وهذا إنصاف منه ~~واعتراف لمن تقدمه بالفضل والرجحان عليه وهذا البيت من جملة أبيات في ~~الحماسة PageV04P220 # ومدحه تلميذه أبو المجد حمدان بن كثير البالسي بقصيدة ~~يقول فيها (يا كعبة الفضل أفتنا لم لم يجب * شرعا على قصادك الإحرام) (ولما ~~تضمخ زائريك بطيب ما * تلقيه وهو على الحجيج حرام) وقد سبق في مرثية أبي ~~العلاء المعري مثل هذا المعنى وكانت ولادته في المحرم سنة تسع وعشرين ~~وأربعمائة بميافارقين وتوفي في يوم السبت خامس عشري شوال سنة سبع وخمسمائة ~~ببغداد ودفن في مقبرة باب أبرز مع شيخه أبي إسحاق في قبر واحد وقيل دفن إلى ~~جانبه رحمهما الله تعالى 590 أبو نصر الأرغياني أبو نصر محمد بن عبد الله ~~بن أحمد بن محمد بن عبد الله ms1075 الأرغياني الفقيه الشافعي قدم من بلده إلى ~~نيسابور واشتغل على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني وبرع في الفقه وكان ~~إماما مفننا ورعا كثير العبادة وسمع الحديث من أبي الحسن علي ابن أحمد ~~الواحدي صاحب التفاسير وروى عنه في تفسير قوله تعالى * (إني لأجد ريح يوسف) ~~* (يوسف: 94 أن ريح الصبا استأذنت ربها عز وجل أن تأتي بريح يوسف على نبينا ~~وعليهما أفضل الصلاة والسلام قبل ان يأتيه البشير PageV04P221 # بالقميص فأذن لها فأتته بذلك فلذلك يستروح كل محزون ~~بريح الصبا وهي من ناحية المشرق إذا هبت على الأبدان نعمتها ولينتها وهيجت ~~الأشواق إلى الأوطان والأحباب وأنشد (أيا جبلي نعمان بالله خليا * نسيم ~~الصبا يخلص إلي نسيمها) (فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت * على نفس مهموم تجلت ~~همومها) وكانت ولادته في سنة أربع وخمسين وأربعمائة وتوفي ليلة الرابع ~~والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بنيسابور ودفن بظاهرها ~~بموضع يقال له الحيرة على الطريق رحمه الله تعالى والفتاوى المستخرجة من ~~كتاب نهاية المطلب المنسوبة إلى الأرغياني أشك فيها هل هي له أم لأبي الفتح ~~سهل بن علي الأرغياني المقدم ذكره فإني بعيد العهد بالوقوف عليها وذكرت في ~~ترجمة أبي الفتح أنها له ثم حصل لي الشك والله أعلم وقد تقدم الكلام على ~~نسبة الأرغياني في ترجمة أبي الفتح المذكور ثم إني ظفرت بالفتاوى المذكورة ~~فوجدتها لأبي نصر المذكور لا لأبي الفتح PageV04P222 # 591 محمد بن يحيى أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور ~~النيسابوري الملقب محيي الدين الفقيه الشافعي أستاذ المتأخرين وأوحدهم علما ~~وزهدا تفقه على حجة الإسلام أبي حامد الغزالي وأبي المظفر أحمد بن محمد ~~الخوافي المقدم ذكره وبرع في الفقه وصنف فيه وفي الخلاف وأنتهت إليه رياسة ~~الفقهاء بنيسابور ورحل إليه الناس من البلاد واستفاد منه خلق كثير صار ~~أكثرهم سادة وأصحاب طرق في الخلاف وصنف كتاب المحيط في شرح الوسيط ~~والأنتصاف في مسائل الخلاف وغير ذلك من الكتب ذكره الحافظ عبد الغافر ~~الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وأثنى ms1076 عليه وقال كان له حظ في التذكير ~~واستمداد من سائر العلوم وكان يدرس بنظامية نيسابور ثم درس بمدينة هراة في ~~المدرسة النظامية ومن جملة مسموعاته ما سمعه من الشيخ أبي حامد أحمد بن علي ~~بن محمد بن عبدوس بقراءة الإمام أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد ~~الكريم القشيري في سنة ست وتسعين وأربعمائة وحضر بعض فضلاء عصره درسه وسمع ~~فوائده وحسن إلقائه فأنشده (رفات الدين والإسلام يحيا * بمحيي الدين مولانا ~~ابن يحيى) (كأن الله رب العرش يلقي * عليه حين يلقي الدرس وحيا) ورأيت في ~~بعض المجاميع بيتين منسوبين إليه ثم وجدت في ترجمة الشيخ شهاب الدين أبي ~~الفتح محمد بن محمود بن محمد الطوسي الفقيه الشافعي نزيل مصر PageV04P223 # قال وأنشدني الإمام أبو سعد محمد بن يحيى النيسابوري ~~لنفسه وهما (وقالوا يصير الشعر في الماء حية * إذا الشمس لاقته فما خلته ~~صدقا) (فلما ثوى صدغاه في ماء وجهه * وقد لسعا قلبي تيقنته حقا) وكانت ~~ولادته سنة ست وسبعين وأربعمائة بطريثيث وتوفي شهيدا في شهر رمضان سنة ثمان ~~وأربعين وخمسمائة قتلته الغز لما استولوا على نيسابور في وقعتهم مع السلطان ~~سنجر السلجوقي كما تقدم ذكره في ترجمته أخذته ودست في فيه التراب حتى مات ~~وحكى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أن ذلك كان في سنة ثلاث وخمسين والأول ~~أصح ولما مات رثاه جماعة من العلماء من جملتهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم ~~البيهقي قال فيه (يا سافكا دم عالم متبحر * قد طار في أقصى الممالك صيته) ~~(تالله قل لي يا ظلوم ولا تخف * من كان محيي الدين كيف تميته) رحمه الله ~~تعالى 169 وتوفي شهاب الدين الطوسي المذكور في العشرين من ذي القعدة سنة ست ~~وتسعين وخمسمائة بمصر ودفن بالقرافة ومولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ~~وكان مدرسا بمدرسة منازل العز بمصر وقدم إلى مصر من مكة سنة تسع وسبعين ~~وخمسمائة ونزل خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة وطريثيث بضم الطاء المهملة ~~وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة ms1077 وسكون الياء ~~المثناة الثانية وبعدها ثاء مثلثة وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور خرج ~~منها جماعة من العلماء وغيرهم PageV04P224 # 592 البروي أبو منصور محمد بن محمد بن محمد بن سعد بن ~~عبد الله البروي الفقيه الشافعي أجد الأئمة المشار إليهم بالتقدم في الفقه ~~والنظر وعلم الكلام والوعظ وكان حلو العبارة ذا فصاحة وبراعة تفقه على ~~الفقيه محمد بن يحيى المذكور قبله وكان من أكبر أصحابه وصنف في الخلاف ~~تعليقة جيدة وهي مشهورة وله جدل مليح مشهور سماه المقترح في المصطلح وأكثر ~~اشتغال الفقهاء به وقد شرحه الفقيه تقي الدين أبو الفتح مظفر بن عبد الله ~~المصري المعروف بالمقترح شرحا مستوفى وعرف به واشتهر باسمه لكونه كان يحفظه ~~فلا يقال له إلا التقي المقترح ودخل البروي بغداد سنة سبع وستين وخمسمائة ~~فصادف قبولا وافرا من العام والخاص وتولى المدرسة البهائية قريبا من ~~النظامية وكان يذكر بها كل يوم عدة دروس ويحضر عنده الخلق الكثير وله حلقة ~~المناظرة بجامع القصر ويحضر عنده المدرسون والأعيان وكان يجلس للوعظ ~~بالمدرسة النظامية ومدرسها يومئذ أبو نصر أحمد بن عبد الله للشاشي وكان ~~يظهر عليه من الحركات ما يدل على رغبته في تدريس النظامية وكان ينشد في ~~أثناء مجلسه مشيرا إلى موضع التدريس أبيات المتنبي وهي أوائل قصيد ~~PageV04P225 # (بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا * وجدت بي وبدمعي في ~~مغانيكا) (فعم صباحا لقد هيجت لي شجنا * واردد تحيتنا إنا محيوكا) (بأي حكم ~~زمان صرت متخذا * ريم الفلا بدلا من ريم أهليكا) فكان الناس يفهمون منه ذلك ~~وكان أهلا له ووعد به فأدركته والمنية كانت ولادته يوم الثلاثاء خامس عشر ~~ذي القعدة سنة سبع عشرة وخمسمائة بطوس وتوفي يوم الخميس بين الصلاتين سادس ~~عشر رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة بغداد وصلي عليه يوم الجمعة بجامع القصر ~~الخليفة المستضيء بأمر الله ودفن في ذلك النهار في تربة الشيخ أبي إسحاق ~~الشيرازي بباب أبرز رحمهما الله تعالى وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ~~أن أبا منصور البروي المذكور قدم ms1078 دمشق في سنة خمسة وستين وخمسمائة ونزل في ~~رباط السمياطي وقريء عليه شيء من أماليه والبروي بفتح الباء الموحدة والراء ~~وبعدها واو لا أعلم هذه النسبة إلى أي شيء هي ولا ذكرها السمعاني وغالب ظني ~~أنها من نواحي طوس والله أعلم PageV04P226 # 593 ابن الخل أبو الحسن محمد بن المبارك وكنيته أبو ~~البقاء ابن محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الخل الفقيه الشافعي ~~البغدادي تفقه على أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي المعروف بالمستظهري المقدم ~~ذكره وبرع في العلم وكان يجلس في مسجده الذي بالرحبة شرقي بغداد لا يخرج ~~عنه إلا بقدر الحاجة يفتي ويدرس وكان قد تفرد بالفتوى بالمسألة السريجية ~~ببغداد وصنف كتابا سماه توجيه التنبيه على صورة الشرح لكنه مختصر وهو أول ~~من شرح التنبيه لكن ليس فيه طائل وله كتاب في أصول الفقه وسمع الحديث من ~~أبي عبد الله الحسين بن أبي طلحة النعالي وأبي عبد الله الحسين البسري ~~وغيرهما وروى عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وغيره وسمعت بعض الفقهاء ينقل ~~عنه أنه كان يكتب خطا جيدا منسوبا وأن الناس كانوا يحتالون على أخذ خطه في ~~الفتاوى من غير حاجة إليها بل لأجل الخط لا غير فكثرت عليه الفتاوى وضيقت ~~عليه أوقاته ففهم ذلك منهم فصار يكسر القلم ويكتب جواب الفتوى به فأقصروا ~~عنه وقيل إن صاحب الخط المليح هو أخوه والله أعلم وتوفي سنة اثنتين وخمسين ~~وخمسمائة ببغداد ونقل إلى الكوفة ودفن بها رحمه الله تعالى 170 وكان أخوه ~~أبو الحسين أحمد بن المبارك فقيها فاضلا وشاعرا ماهرا PageV04P227 # ذكره العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة وأثنى عليه ~~وأورد له مقاطيع شعر ودوبيت فمن ذلك أبيات في بعض الوعاظ وهي (ومن الشقاوة ~~أنهم ركنوا إلى * نزغات ذاك الأحمق التمتام) (شيخ يبهرج دينه بنفاقه * ~~ونفاقه منهم على أقوام) (وإذا رأى الكرسي تاه بأنفه * أي أن هذا موضعي ~~ومقامي) (ويدق صدرا ما انطوى إلا على * غل يواريه بكف عظام) (ويقول أيش ~~أقول من حصر به * لا لازدحام عبارة وكلام) ms1079 وله دوبيت (هذا ولهي وكم كتمت ~~الولها * صونا لوداد من هوى النفس لها) (يا آخر محنتي ويا أولها * آيات ~~غرامي فيك من أولها) وله أيضا (ساروا وأقام في فؤادي الكمد * لم يلق كما ~~لقيت منهم أحد) (شوق وجوى ونار وجد تقد * مالي جلد ضعفت ما لي جلد) وله ~~أيضا (ما ضر حداة عيسهم لو رفقوا * لم يبق غداة بينهم لي رمق) (قلب قلق ~~وأدمع تستبق * أوهى جلدي من الفراق الفرق) وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين ~~وأربعمائة وتوفي سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~PageV04P228 # 594 محيي الدين بن زكي الدين أبو المعالي محمد بن أبي ~~الحسن علي بن محمد أبي المعالي مجد الدين بن يحيى أبي الفضل زكي الدين بن ~~علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن ~~الوليد بن القاسم بن عبد الرحمن بن أبان بن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه القرشي الملقب محيي الدين المعروف بابن زكي الدين الدمشقي ~~الفقيه الشافعي كان ذا فضائل عديدة من الفقه والأدب وغيرهما وله النظم ~~المليح والخطب والرسائل وتولى القضاء بدمشق في شهر ربيع الأول سنة ثمان ~~وثمانين وخمسمائة يوم الأربعاء العشرين من الشهر المذكور هكذا وجدته بخط ~~القاضي الفاضل وكذلك أبوه زكي الدين وجده مجد الدين وجد أبيه زكي الدين ~~أيضا وهو أول من ولي من بيتهم وولداه زكي الدين أبو العباس الطاهر ومحيي ~~الدين كانوا قضاتها وكانت له عند السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ~~المنزلة العالية والمكانة المكينة ولما فتح السلطان المذكور مدينة حلب يوم ~~السبت ثامن عشر من صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة أنشده القاضي محيي الدين ~~المذكور قصيدة بائية أجاد فيها كل الإجادة وكان من جملتها بيت هو متداول ~~بين الناس وهو (وفتحك القلعة الشهباء في صفر * مبشر بفتوح القدس في رجب) ~~PageV04P229 # فكان كما قال فإن القدس فتحت لثلاث بقين من رجب سنة ~~ثلاث وثمانين وخمسمائة وقيل لمحيي الدين من أين لك هذا فقال ms1080 أخذته من تفسير ~~ابن برجان في قوله تعالى * (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون في بضع سنين) * (الروم 1 - 3) ولما وقفت أنا على هذا البيت وهذه ~~الحكاية لم أزل أتطلب تفسيسير ابن برجان حتى وجدته على هذه الصورة لكن كان ~~هذا الفصل مكتوبا في الحاشية بخط غير الأصل ولا أدري هل كان من أصل الكتاب ~~أم هو ملحق به وذكر له حسابا طويلا وطريقا في استخراج ذلك حتى حرره من قوله ~~* (بضع سنين) * ولما ملك السلطان صلاح الدين حلب فوض الحكم والقضاء بها في ~~ثالث عشر ربيع الآخر من السنة إلى القاضي محيي الدين المذكور فاستناب بها ~~زين الدين بنا أبا الفضل بن البانياسي ولما فتح السلطان القدس الشريف تطاول ~~إلى الخطابة يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين ~~وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة طمعا في أن يكون هو الذي يعين لذلك فخرج ~~المرسوم إلى القاضي محيي الدين أن يخطب هو وحضر السلطان وأعيان دولته وذلك ~~في أول جمعة صليت بالقدس بعد الفتح فلما رقي المنبر استفتح بسورة الفاتحة ~~وقرأها إلى آخرها ثم قال * (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب ~~العالمين) * (الأنعام 45) ثم قرأ أول سورة الأنعام * (الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور) * (الأنعام 1) ثم قرأ من سورة سبحان ~~* (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) * PageV04P230 # ) الآية (الاسراء 111) ثم قرأ أول الكهف * (الحمد لله ~~الذي أنزل على عبده الكتاب) * (الكهف 1) الآيات الثلاث ثم قرأ من النمل * ~~(قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) * (النمل 59) الآية ثم قرأ من ~~سورة سبأ * (الحمد لله الذي له ما في السماوات) * (سبأ 1) الآية ثم قرأ من ~~سورة فاطر * (الحمد لله فاطر السماوات والأرض) * (فاطر 1) الآيات وكان قصده ~~أن يذكر جميع تحميدات القرآن الكريم ثم شرع في الخطبة فقال الحمد لله معز ~~الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره ومصرف الأمور بأمره ومديم النعم بشكره ~~ومستدرج الكفار بمكره الذي قدر الأيام ms1081 دولا بعدله وجعل العاقبة للمتقين ~~بفضله وأفاء على عباده من ظله وأظهر دينه على الدين كله القاهر فوق عباده ~~فلا يمانع والظاهر على خليقته فلا ينازع والامر بما يشاء فلا يراجع والحاكم ~~بما يريد فلا يدافع أحمده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه ونصره ~~لأنصاره وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره حمد من استشعر الحمد ~~باطن سره وظاهر جهاره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد ~~الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد شهادة من طهر بالتوحيد ~~قلبه وأرضى به ربه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رافع الشك وداحض الشرك وراحض ~~الإفك الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى وعرج به منه ~~إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ما زاغ البصر وما ~~طغى صلى الله عليه وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان وعلى ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان وعلى ~~أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن وعلى أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأوثان وعلى آله وصحبه والتابعين لهم ~~بإحسان PageV04P231 # أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى ~~والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة ~~الضالة وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من ~~مائة عام وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيها اسمه وإماطة ~~الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه ورفع قواعده ~~بالتوحيد فإنه بني عليه وشيد بنيانه بالتمجيد فإنه أسس على التقوى من خلفه ~~ومن بين يديه فهو موطن أبيكم إبراهيم ومعراج نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام وهو مقر الأنبياء ومقصد ~~الأولياء ومدفن الرسل ومهبط الوحي ومنزل به ينزل الأمر والنهي وهو في أرض ~~المحشر وصعيد المنشر وهو في الأرض المقدسة ms1082 التي ذكرها الله في كتابه المبين ~~وهو المسجد الأقصى الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملائكة ~~المقربين وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى ~~مريم وروحه عيسى الذي كرمه برسالته وشرفه بنبوته ولم يزحزحه عن رتبة ~~عبوديته فقال تعالى * (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون) * (النساء 172) كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا * (ما اتخذ ~~الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون) * (المؤمنون 91) * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح ابن مريم) * (المائدة 17) إلى آخر الآيات من المائدة وهو أول ~~القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا ~~إليه ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه فلولا أنكم ممن أختاره الله ~~من عباده واصطفاه من سكان بلاده لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم ~~فيها مجار ولا يباريكم في شرفها مبار فطوبى لكم من PageV04P232 # جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية والواقعات ~~البدرية والعزمات الصديقية والفتوحات العمرية والجيوش العثمانية والفتكات ~~العلوية جددتم للإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية والمنازلات ~~الخيبرية والهجمات الخالدية فجزاكم الله عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~أفضل الجزاء وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء وتقبل منكم ما ~~تقربتم به إليه من مهراق الدماء وأثابكم الجنة فهي دار السعداء فاقدروا ~~رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها وقوموا لله تعالى بواجب شكرها فله تعالى ~~المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة وترشيحكم لهذه الخدمة فهذا هو الفتح الذي ~~فتحت له أبواب السماء وتبلجت بأنواره وجوه الظلماء وابتهج به الملائكة ~~المقربون وقر به عينا الأنبياء والمرسلون فماذا عليكم من النعمة بأن جعلكم ~~الجيش الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان والجند الذي تقوم ~~بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان فيوشك أن يفتح الله على أيديكم ~~أمثاله وأن تكون التهاني لأهل الخضراء أكثر من التهاني لأهل الغبراء ms1083 أليس ~~هو البيت الذي ذكره الله في كتابه ونص عليه في محكم خطابه فقال تعالى * ~~(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) * ~~(الإسراء 1) أليس هو البيت الذي عظمته الملل وأثنت عليه الرسل وتليت فيه ~~الكتب الأربعة المنزلة من الله عز وجل أليس هو البيت الذي أمسك الله تعالى ~~لأجله الشمس على يوشع أن تغرب وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب أليس هو ~~البيت الذي أمر الله عز وجل موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا ~~رجلان وغضب الله عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان فاحمدوا لله ~~الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل وقد فضلت على العالمين ووفقكم ~~لما خذل فيه أمم كانت قبلكم من الأمم الماضين وجمع لأجله كلمتكم ~~PageV04P233 # وكانت شتى وأغناكم بما أمضته كان وقد عن سوف وحتى ~~فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده وجعلكم بعد أن كنتم جنودا لأهويتكم ~~جنده وشكر لكم الملائكة المنزلون على ما اهديتم لهذا البيت من طيب التوحيد ~~ونشر التقديس والتمجيد وما امطتم عن طرقهم فيه من أذى الشرك والتثليث ~~والاعتقاد الفاجر الخبيث فالآن تستغفر لكم أملاك السماوات وتصلي عليكم ~~الصلوات المباركات فاحفظوا رحمكم الله هذه الموهبة فيكم واحرسوا هذه النعمة ~~عندكم بتقوى الله التي من تمسك بها سلم ومن اعتصم بعروتها نجا وعصم واحذروا ~~من اتباع الهوى ومواقعة الردى ورجوع القهقري والنكول عن العدا وخذوا في ~~أنتهاز الفرصة وإزالة ما بقي من الغصة وجاهدوا في الله حق جهاده وبيعوا ~~عباد الله أنفسكم في رضاه إذ جعلكم من خير عباده وإياكم وان يستزلكم ~~الشيطان وان يتداخلكم الطغيان فيخيل لكم ان هذا النصر بسيوفكم الحداد ~~وخيولكم الجياد وبجلادكم في موطن الجلاد لا والله ما النصر من عند الله ان ~~الله عزيز حكيم فاحذروا عباد الله بعد ان شرفكم بهذا الفتح الجليل والمنح ~~الجزيل وخصكم بنصره المبين واعلق أيديكم بحبله المتين ان تقترفوا كبيرا من ~~مناهيه وان تأتوا عظيما من معاصيه فتكونوا كالتي نقضت غزلها من ms1084 بعد قوة ~~انكاثا وكالذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ~~والجهاد الجهاد فهو من أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم انصروا الله ينصركم ~~احفظوا الله يحفظكم اذكروا الله يذكركم اشكروا الله يزدكم ويشكركم جدوا في ~~حسم الداء وقلع شأفة الأعداء وطهروا بقية الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت ~~الله ورسوله واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله فقد نادت الأيام ياللثارات ~~الإسلامية والملة المحمدية الله أكبر فتح الله ونصر غلب الله وقهر أذل الله ~~من كفر واعلموا رحمكم الله أن هذه فرصة فانتهزوها وفريسة فناجزوها وغنيمة ~~فحوزوها ومهمة فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها وسيروا إليها PageV04P234 # سرايا عزماتكم وجهزوها فالأمور بأواخرها والمكاسب ~~بذخائرها فقد اظرفكم الله بهذا العدو المخذول وهم مثلكم أو يزيدون فكيف وقد ~~أضحى قبالة الواحد منهم منكم عشرون وقد قال الله تعالى * (إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~بأنهم قوم لا يفقهون) * (الأنفال: 65) أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره ~~والازدجار بزواجره وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده * (إن ينصركم الله ~~فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) * (آل عمران: 160) إن ~~أشرف مقال يقال في مقام وأنفذ سهام تمرق عن قسي الكلام وامضى قول تحل به ~~الأفهام كلام الواحد الفرد العزيز العلام قال الله تعالى * (وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~بسم الله الرحمن الرحيم (الأعراف: 294) وقرأ أول الحشر ثم قال آمركم وإياي ~~بما امر الله به من حسن الطاعة فأطيعوه وأنهاكم وإياي عما نهاكم عنه من قبح ~~المعصية فلا تعصوه واستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه ~~ثم خطب الخطبة الثانية على عادة الخطباء مختصرة ثم دعا للإمام الناصر خليفة ~~العصرثم قال اللهم وادم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك الشاكر لنعمتك المعترف ~~بموهبتك سيفك القاطع وشهابك اللامع والمحامي عن دينك المدافع والذاب عن ~~حرمك الممانع السيد الأجل الملك الناصر جامع كلمة الإيمان وقامع عبد ~~الصلبان صلاح الدنيا والدين سلطان ms1085 الإسلام والمسلمين مطهر البيت المقدس أبي ~~المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين اللهم عم بدولته البسيطة ~~واجعل ملائكتك براياته محيطة وأحسن عن الدين الحنيفي جزاءه واشكر عن الملة ~~المحمدية عزمه ومضاءه اللهم إبق للإسلام مهجته ووق للإيمان حوزته وانشر في ~~المشارق والمغارب دعوته اللهم كما فتحت على يديه البيت المقدس بعد ان ظنت ~~الظنون وابتلي المؤمنون فافتح على يديه داني الأرض وقاصيها وملكه صياصي ~~الكفر ونواصيها فلا تلقاه منهم كتيبة إلا مزقها ولا جماعة إلا فرقها ولا ~~طائفة بعد طائفة إلا ألحقها PageV04P235 # بمن سبقها اللهم اشكر عن محمد صلى الله عليه وسلم سعيه ~~وانفذ في المشارق والمغارب امره ونهيه اللهم وأصلح به أوساط البلاد ~~وأطرافها وأرجاء الممالك وأكنافها اللهم ذلل به معاطس الكفار وأرغم به أنوف ~~الفجار وانشر ذوائب ملكه على الأمصار وابثث سرايا جنوده في سبل الأقطار ~~اللهم ثبت الملك فيه وفي عقبه إلى يوم الدين واحفظه في بنيه وبني أبيه ~~الملوك الميامين واشدد عضده ببقائهم واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم اللهم ~~كما أجريت على يده في الإسلام هذه الحسنة التي تبقى على الأيام وتتخلد على ~~مر الشهور والأعوام فارزقه الملك الأبدي الذي لا ينفذ في دار اليقين وأجب ~~دعاءه في قوله * (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) * (الأحقاف: 15) ثم ~~دعا بما جرت به العادة وكانت ولادته سنة خمسين وخمسمائة بدمشق وتوفي في ~~سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بدمشق ودفن من يومه بسفح جبل قاسيون ~~رحمه الله تعالى 171 وكان والده أبو الحسن علي الملقب زكي الدين على القضاء ~~بدمشق وكان كثير الخير والدين فاستعفى عن القضاء فاعفي فخرج إلى مكة حاجا ~~وعاد إلى بغداد في صفر سنة ثلاث وستين وخمسمائة فأقام بها وكان عالي الطبقة ~~في سماع الحديث سمع خلقا كثيرا وحدث ببغداد مدة إقامته وسمع عليه الناس ولم ~~يزل بها إلى أن توفي يوم الخميس الثامن والعشرين من شوال سنة أربع وستين ms1086 ~~وخمسمائة وصلي عليه بجامع القصر ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله ~~عنهم أجمعين 172 واما ابن برجان المذكور فهو أبو الحكم عبد السلام بن عبد ~~الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن اللخمي كان عبدا صالحا وله تفسير القرآن ~~PageV04P236 # العظيم وأكثر كلامه فيه على طريق أرباب الأحوال ~~والمقامات وتوفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة بمدينة مراكش رحمه الله تعالى ~~وبرجان بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء وبعدها جيم وبعد الألف نون 595 ~~السديد السلماسي السديد محمد بن هبة الله بن عبد الله السلماسي الفقيه ~~الشافعي كان إماما في عصره تولى الإعادة بالمدرسة النظامية ببغداد واتقن ~~عدة فنون وهو الذي شهر طريقة الشريف بالعراق قيل إنه كان يذكر طريقة الشريف ~~والوسيط للغزالي والمستصفى من غير مراجعة كتاب قصده الناس من البلاد ~~واشتغلوا عليه وأنتفعوا به وخرجوا علماء مدرسين مصنفين ومن جملتهم الشيخان ~~الإمامان عماد الدين محمد وكمال الدين موسى ولدا يونس وسيأتي ذكرهما إن شاء ~~الله تعالى والشيخ شرف الدين أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر وغيرهم من ~~الأفاضل وكان مسددا في الفتيا وتوفي ببغداد في شعبان سنة أربع وسبعين ~~وخمسمائة رحمه الله تعالى والسلماسي بفتح السين المهملة واللام والميم وبعد ~~الألف سين ثانية هذه النسبة إلى سلماس وهي مدينة من بلاد آذربيجان خرج منها ~~جماعة مشاهير PageV04P237 # 596 حفدة أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين بن ~~القاسم العطاري الطوسي الأصل المعروف بحفدة الملقب عمدة الدين الفقيه ~~الشافعي النيسابوري كان فقيها فاضلا واعظا فصيحا أصوليا تفقه بمرو على أبي ~~بكر محمد بن منصور السمعاني والد الحافظ المشهور ثم أنتقل إلى مرو الروذ ~~واشتغل على القاضي حسين بن مسعود الفراء المعروف بالبغوي صاحب شرح السنة ~~والتهذيب وقد سبق ذكره ثم أنتقل إلى بخارا واشتغل بها على البرهان عبد ~~العزيز ابن عمر بن مارة الحنفي ثم عاد إلى مرو وعقد له بها مسجد التذكير ~~واقام بها مدة ثم في فتنة الغز وكانت فتنة الغز سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ~~كما ذكرته في ms1087 ترجمة الفقيه محمد بن يحيى خرج إلى العراق ومنها إلى آذربيجان ~~والجزيرة ومنها إلى الموصل واجتمع الناس عليه بسبب االوعظ وسمعوا منه ~~الحديث ومن أماليه (مثل الشافعي في العلماء * مثل الشمس في نجوم السماء) ~~(قل لمن قاسه بغير نظير * أيقاس الضياء بالظلماء) وانشد يوما على الكرسي من ~~جملة أبيات PageV04P238 # (تحية صوب المزن يقرؤها الرعد * على منزل كانت تحل به ~~هند) (نأت فأعرناها القلوب صبابة * وعارية العشاق ليس لها رد) وكانت مجالسه ~~في الوعظ من أحسن المجالس وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ~~وخمسمائة بمدينة تبريز وقيل إنه توفي برجب سنة ثلاث وسبعين رحمه الله تعالى ~~والله أعلم بالصواب وحفدة بفتح الحاء المهملة والفاء والدال المهملة ولا ~~اعلم لما سمي بهذا الاسم مع كثرة كشفي عنه وتبريز بكسر التاء المثناة من ~~فوقها وسكون الباء الموحدة وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ~~زاي وهي من أكبر مدن آذربيجان 597 نجم الدين الخبوشاني أبو البركات محمد بن ~~الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن بن عبد الله الخبوشاني الملقب نجم الدين ~~الفقيه الشافعي كان فقيها فاضلا كثير الورع تفقه على محمد بن يحيى المقدم ~~ذكره وكان يستحضر كتابه المحيط في شرح الوسيط على ما قيل حتى نقل عنه انه ~~عدم الكتاب فاملاه من خاطره وله كتاب تحقيق المحيط وهو كبير رأيته في ستة ~~عشر مجلدا وقد تقدم ذكره في في ترجمة العاضد عبد الله العبيدي صاحب مصر وما ~~جرى له معه ولما استقل PageV04P239 # السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى بملك الديار ~~المصرية قربه واكرمه وكان يعتقد في علمه ودينه ويقال إنه أشار عليه بعمارة ~~المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه فلما عمرها فوض ~~تدريسها إليه وعمرها في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وفي هذه السنة بنى ~~البيمارستان في القصر بالقاهرة ورأيت جماعة من أصحابه وكانوا يصفون فضله ~~ودينه وأنه كان سليم الباطن قليل المعرفة بأحوال الدنيا وكانت ولادته في ~~الثالث عشر من رجب سنة عشر وخمسمائة باستوى خبوشان ms1088 وتوفي يوم الأربعاء ثاني ~~عشر ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة بالمدرسة المذكورة ودفن في قبة تحت ~~رجلي الإمام الشافعي وبينهما شباك رحمهما الله تعالى والخبوشاني بضم الخاء ~~المعجمة والباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وبعد الألف نون هذه النسبة إلى ~~خبوشان وهي بليدة بناحية نيسابور واستوى بضم الهمزة وسكون السين المهملة ~~وفتح التاء المثناة من فوقها أو ضمها ناحية كثيرة القرى من أعمال نيسابور ~~PageV04P240 # 598 القاضي كمال الدين الشهرزوري أبو الفضل محمد بن ~~أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري الملقب كمال الدين الفقيه ~~الشافعي وقد سبق ذكر أبيه وجده في موضعهما تفقه كمال الدين ببغداد على أسعد ~~الميهني وقد سبق ذكره وسمع الحديث من أبي البركات محمد بن محمد بن خميس ~~الموصلي وتولى القضاء بالموصل وبنى بها مدرسة للشافعية ورباطا بمدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يتردد في الرسائل منها إلى بغداد عن عماد ~~الدين زنكي الأتابك المقدم ذكره ولما قتل عماد الدين على قلعة جعبر كما ~~ذكرناه في ترجمته كان كمال الدين المذكور حاضرا في العسكر هو واخوه تاج ~~الدين أبو طاهر يحيى والد القاضي ضياء الدين فلما رجع العسكر إلى الموصل ~~كانا في صحبته ولما تولى سيف لادين غازي ولد عماد الدين وقد تقدم ذكلره ~~أيضا فوض الأمور كلها إلى القاضي كمال الدين وأخيه بالموصل وجميع مملكته ثم ~~إنه قبض عليهما في سنة اثنتين وأربعين واعتقلهما بقلعة الموصل واحضر نجم ~~الدين أبا علي الحسن بن بهاء الدين أبي الحسن علي وهو ابن عم كمال الدين ~~وكان قاضي PageV04P241 # الرحبة وولاه القضاء بالموصل وديار ربيعة عوضا عن كمال ~~الدين ثم إن الخليفة المقتفي سير رسولا وشفع في كمال الدين وأخيه فأخرجا من ~~الإعتقال وقعدا في بيوتهما وعليهما الترسيم وحبس بالقلعة جلال الدين أبو ~~أحمد ولد كمال الدين وضياء الدين أبو الفضائل القاسم بن تاج الدين ولما مات ~~سيف الدين غازي في التاريخ المذكور في ترجمته رفع الترسيم عنهما وحضرا إلى ~~قطب الدين مودود بن زنكي وقد ms1089 تولى السلطنة بعد أخيه سيف الدين وكان راكبا ~~في ميدان الموصل فلما قربا منه ترجلا وعليهما ثياب العزاء بغير طرحات فلما ~~وصلا إليه ترجل لهما أيضا وعزياه عن أخيه وهنآه بالولاية ثم ركبوا ووقف كل ~~واحد منهما على جانبه ثم عادا إلى بيوتهما بغير ترسيم وصارا يركبان في ~~الخدمة ثم أنتقل كمال الدين إلى خدمة نور الدين محمود صاحب الشام في سنة ~~خمسين وخمسمائة وأقام بدمشق مدة ثم عزل زكي الدين عن الحكم وتولاه كمال ~~الدين في شهر صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة واستناب ولده وأولاد أخيه ببلاد ~~الشام وترقى إلى درجة الوزارة وحكم في بلاد الشام الإسلامية في ذلك الوقت ~~واستناب ولده القاضي محيي الدين في الحكم بمدينة حلب ولم يكن شيء من أمور ~~الدولة يخرج عنه حتى الولاية وشد الديوان وغير ذلك وذلك في أيام نور الدين ~~محمود بن زنكي صاحب الشام وتوجه من جهته رسولا إلى الديوان في أيام المقتفى ~~وسيره المقتفي رسولا للإصلاح بين نور الدين المذكور وقلج أرسلان بن مسعود ~~بن صاحب الروم ولما مات نور الدين وملك صلاح الدين دمشق أقره على ما كان ~~عليه وكان فقيها أديبا شاعرا كاتبا ظريفا فكه المجالسة يتكلم في الخلاف ~~والأصولين كلاما حسنا وكان شهما جسورا كثير الصدقة والمعروف وقف أوقافا ~~كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق وكان عظيم الرياسة خبيرا بتدبير الملك ~~PageV04P242 # لم يكن في بيته مثله ولا نال أحد منهم ما ناله من ~~المناصب مع كثرة رؤساء بيته وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق وله نظم ~~جيد فمن ذلك ما أنشدني له بعض أهل بيته وهو (ولقد اتيتك والنجوم رواصد * ~~والفجر وهم في ضمير المشرق) (وركبت م الأهوال كل عظيمه * شوقا إليك لعلنا ~~ان نلتقي) وقال عماد الدين الكاتب الأصبهاني في الخريدة في ترجمة القاضي ~~كمال الدين المذكور أنشدني لنفسه هذين البيتين في ثالث شهر ربيع الأول سنة ~~إحدى وسبعين وقد تذكرت قول أبي يعلى ابن الهبارية الشريف في معنى الصبح ~~وإبطائه (كم ليلة بت مطويا على ms1090 حرق * أشكو إلى النجم حتى كاد يشكوني) ~~(والصبح قد مطل الشرق العيون به * كأنه حاجة في كف مسكين) ثم قال لو قال ~~تقضى لمسكين لكان أحسن فإنها تمطل بقضائها ثم قال وكلاهما أحسن وأجاد وقيل ~~إنه كتب إلى ولده محيي الدين وهو بحلب وذكر في الخريدة انهما له (عندي ~~كتائب أشواق اجهزها * إلى جنابك إلا أنها كتبت) (ولي أحاديث من نفسي أسر ~~بها * إذا ذكرتك إلا أنها كذب) وقيل إنه لما ضعف وكبر وقلت حركته كان ينشد ~~في كل وقت (يا رب لا تحيني إلى زمن * أكون فيه كلا على أحد) PageV04P243 # (خذ بيدي قبل ان أقول لمن * ألقاه عند القيام خذ بيدي) ~~ولا أعلم هذان البيتان له أم لا ثم وجدت هذين البيتين من جملة أبيات لأبي ~~الحسن محمد بن علي بن الحسن بن أبي الصقر الواسطي وسيأتي ذكره وذكر البيتين ~~إن شاء الله تعالى وكانت ولادته سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل وتوفي ~~يوم الخميس سادس المحرم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بدمشق ودفن من الغد ~~بجبل قاسيون رحمه الله تعالى وكان عمره حين توفي ثمانين سنة وأشهرا ورثاه ~~ولده محيي الدين محمد وأوصى بولاية ابن أخيه أبي الفضائل القاسم بن يحيى بن ~~عبد الله الملقب ضياء الدين فأنفذ السلطان وصيته وفوض القضاء بدمشق إلى ~~ضياء الدين المذكور فأقام به مدة ثم عرف ان ميل السلطان إلى الشيخ شرف ~~الدين ابن أبي عصرون المقدم ذكره فسأله الإقالة فأقيل وتولى شرف الدين 173 ~~وكان القاضي ضياء الدين أبو الفضائل القاسم بن القاضي تاج الدين أبي طاهر ~~يحيى بن عبد الله المذكور قد سمع الحديث بالإسكندرية من الحافظ أبي طاهر ~~السلفي وروى عن عمارة اليمني الفقيه شيئا من شعره وتولى القضاء بدمشق بعد ~~عمه كمال الدين ولما انفصل عن القضاء صار يتردد في الرسائل إلى بغداد ولما ~~مات السلطان صلاح الدين سيره ولده الملك الأفضل نور الدين علي صاحب دمشق ~~رسولا إلى بغداد بهدايا وتحف وصار له هناك منزلة ومكانة جيدة ثم عاد ms1091 إلى ~~دمشق وتولى نظر الأوقاف بها ثم فارق دمشق وقدم الموصل وتولى القضاء بعد ~~الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~وكانت ولاية ضياء الدين في صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ثم فارق بغداد ~~باختياره على القضاء يحكم ويتصرف كما كان في شهر ذي الحجة سنة سبع وتسعين ~~ولم يجر هذا لأحد غيره وعبر على الموصل ولم يدخلها وأنتهى إلى مدينة حماة ~~فولاه الملك المنصور ناصر الدين محمد بن تقي PageV04P244 # الدين عمر ملكها يومئذ القضاء بها فأقام إلى أن مات ~~ضياء الدين بها في نصف رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة ونقل إلى دمشق ودفن بها ~~ومولده سنة أربع وخمسين وخمسمائة بالموصل وقيل إن مولده في جمادى الأولى ~~سنة خمس وثلاثين والله أعلم وله شعر فمن ذلك (فارقتكم ووصلت مصر فلم يقم * ~~أنس اللقاء بوحشة التوديع) (وسررت عند قدومها لولا الذي * لكم من الأشواق ~~بين ضلوعي) 174 واما والده تاج الدين أبو طاهر يحيى فقد ذكر القاضي عماد ~~الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال هو أخو كمال الدين وذكر بعد ~~الثناء عليه أنه توفي بالموصل في سنة ست وخمسين وخمسمائة قال وأنشدني ولده ~~ضياء الدين أبياتا له على وزن بيت مهيار وهو (وعطل كؤوسك إلا الكبار * تجد ~~للصغار أناسا صغارا) فقال (وسق الندامى عقيقة * تضيء فتحسب في الليل نار) ~~(تدور المسرة مع كاسها * وتتبعه حيثما الكاس سارا) (ولا عيب فيها سوى أنها ~~* متى عرست بحمى الغم سارا) (ستلقى ليالي الهموم الطوال * فبادر ليالي ~~السرور القصارا) قلت وقد سبق في ترجمة عماد الدين زنكي ذكر عمهما القاضي ~~بهاء الدين أبي الحسن علي بن القاسم والد نجم الدين الحسين قاضي الرحبة ~~المذكور وتاريخ وفاته والله أعلم PageV04P245 # 599 القاضي محيي الدين ابن الشهرزوري أبو حامد محمد بن ~~القاضي كمال الدين بن الشهرزوري المذكور قبله الملقب محيي الدين وقد تقدم ~~من ذكر رياسة أبيه وما كان عليه من علو المرتبة ما لا حاجة إلى إعادته وكان ~~القاضي ms1092 محي الدين قد دخل بغداد للاشتغال فتفقه على الشيخ أبي منصور بن ~~الرزاز وتميز ثم اصعد إلى الشام وولي قضاء دمشق نيابة عن والده ثم أنتقل ~~إلى حلب وحكم بها نيابة عن أبيه أيضا في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة ~~وبه عزل بن أبي جرادة المعروف بابن العديم وقيل كان ذلك في شعبان سنة ست ~~وخمسين والله أعلم وبعد وفاة والده تمكن عند الملك الصالح إسماعيل بن نور ~~الدين صاحب حلب غاية التمكن وفوض إليه تدبير مملكة حلب في شعبان سنة ثلاث ~~وسبعين واستمر على ذلك ثم وشى به أعداؤه وحساده إلى الصالح وجرت أسباب ~~اقتضت أنه لزم بيته ورأى مصلحة في مفارقة حلب والرجوع إلى بلد الموصل ~~فانتقل إليها وتولى قضاءها ودرس بمدرسة والده وبالمدرسة النظامية بالموصل ~~وتمكن عند صاحب الموصل عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي الآتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى واستولى على جميع الأمور وتوجه من جهته رسولا إلى ~~بغداد مرارا وذكر بهاء الدين يوسف المعروف بابن شداد قاضي حلب في كتاب ملجأ ~~PageV04P246 # الحكام عند التباس الأحكام أنه كان في خدمة القاضي ~~محيي الدين عند توجهه إلى بغداد في إحدى الرسائل وناهيك بمن يكون في خدمته ~~مثل هذا الرجل وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان محيي الدين المذكور ~~جوادا سريا قيل إنه أنعم في بعض رسائله إلى بغداد بعشرة آلاف دينار أميرية ~~على الفقهاء والأدباء والشعراء والمحاويج ويقال إنه في مدة حكمه بالموصل لم ~~يعتقل غريما على دينارين فما دونهما بل كان يوفيهما عنه ويخلي سبيله ويحكى ~~عنه مكارم كثيرة ورياسة ضخمة وكان من النجباء عريقا في النجابة تام الرياسة ~~كريم الأخلاق رقيق الحاشية له في الأدب مشاركة حسنة وله اشعار جيدة فمن ذلك ~~ما انشدني له بعض الأصحاب في وصف جرادة وهو تشبيه غريب (لها فخذا بكر وساقا ~~نعامة * وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم) (حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت * عليها ~~جياد الخيل بالراس والفم) ورأيت له في بعض المجاميع هذين البيتين ms1093 وهما في ~~وصف نزول الثلج من الغيم (ولما شاب رأس الدهر غيظا * لما قاساه من فقد ~~الكرام) (أقام يميط هذا الشيب عنه * وينثر ما أماط على الأنام) وكانت ~~ولادته سنة عشر وخمسمائة تقريبا وقال العماد الكاتب في الخريدة مولده سنة ~~تسع عشرة والله أعلم وزاد في كتاب السيل في شعبان وتوفي سحرة يوم الأربعاء ~~رابع عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين PageV04P247 # وخمسمائة وقيل ثالث عشريه هكذا ذكره العماد في السيل ~~والأول ذكره ابن الدبيثي وذلك بالموصل ودفن بداره بمحلة القلعة ثم نقل إلى ~~مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم رحمه الله تعالى هكذا رأيته في بعض ~~التواريخ وذكر ابن الدبيثي في تاريخه انه نقل إلى تربة عملت له ظاهر البلد ~~والله أعلم ثم حققت ذلك فوجدته كما قال ابن الدبيثي وتربته خارج باب ~~الميدان بالقرب من تربة قضيب البان صاحب الكرامات رحمه الله تعالى 175 وكان ~~لكمال الدين ابن آخر يقال له عماد الدين أحمد توجه رسولا إلى إلى بغداد عن ~~نور الدين في سنة تسع وستين وخمسمائة ومدحه ابن التعاويذي بقصيدة يقول من ~~جملتها (وقالوا رسول أعجزتنا صفاته * فقلت صدقتم هذه صفة الرسل) 600 فخر ~~الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي ~~البكري PageV04P248 # الطبرستاني الأ صل الرازي المولد الملقب فخر الدين ~~المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي فريد عصره ونسيج وحده فاق أهل زمانه في ~~علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل له التصانيف المفيدة في فنون عديدة ~~منها تفسير القرآن الكريم جمع فيه كل غريب وغريبة وهو كبير جدا لكنه لم ~~يكمله وشرح سورة الفاتحة في مجلد ومنها في علم الكلام المطالب العالية ~~ونهاية العقول وكتاب الأربعين والمحصل وكتاب البيان والبرهان في الرد على ~~أهل الزيغ والطغيان وكتاب المباحث العمادية في المطالب المعادية وكتاب ~~تهذيب الدلائل وعيون المسائل وكتاب إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار وكتاب ~~أجوبة المسائل التجارية وكتاب تحصيل الحق وكتاب الزبدة والمعالم وغير ذلك ~~وفي أصول الفقه المحصول والمعالم وفي الحكمة ms1094 الملخص وشرح الإشارات لابن ~~سينا وشرح عيون الحكمة وغير ذلك وفي الطلسمات السر المكتوم وشرح أسماء الله ~~الحسنى ويقال إن له شرح المفصل في النحو للزمخشري وشرح الوجيز في الفقه ~~للغزالي وشرح سقط الزند للمعري وله مختصر في الإعجاز ومؤاخذات جيدة على ~~النحاة وله طريقة في الخلاف وله في الطب وشرح الكليات للقانون وصنف في علم ~~الفراسة وله مصنف في مناقب الشافعي وكل كتبه ممتعة وانتشرت تصانيفه في ~~البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين ~~وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى فيها بما لم يسبق إليه وكان له ~~في الوعظ اليد البيضاء ويعظ باللسانين العربي والعجمي وكان يلحقه الوجد في ~~حال الوعظ ويكثر البكاء وكان يحضر مجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب ~~والمقالات ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة ورجع PageV04P249 # بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب ~~أهل السنة وكان يلقب بهراة شيخ الإسلام وكان مبدأ اشتغاله على والده إلى أن ~~مات ثم قصد الكمال السمناني واشتغل عليه مدة ثم عاد إلى الري واشتغل على ~~المجد الجيلي وهو أحد أصحاب محمد ابن يحيى ولما طلب المجد الجيلي إلى مراغة ~~ليدرس بها صحبه فخر الدين المذكور إليها وقرأ عليه مدة طويلة علم الكلام ~~والحكمة ويقال انه كان يحفظ الشامل لإمام الحرمين في علم الكلام ثم قصد ~~خوارزم وقد تمهر في العلوم فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى المذهب ~~والاعتقاد فأخرج من البلد فقصد ما وراء النهر فجرى له أيضا هناك ما جرى له ~~في خوارزم فعاد إلى الري وكان بها طبيب حاذق له ثروة ونعمة وكان للطبيب ~~ابنتان ولفخر الدين ابنان فمرض الطبيب وأيقن بالموت فزوج ابنتيه لولدي فخر ~~الدين ومات الطبيب فاستولى فخر الدين على جميع أمواله فمن ثمة كأنت له ~~النعمة ولازم السفار وعامل شهاب الدين الغوري صاحب غزنة في جملة منالمال ثم ~~مضى إليه افستيفاء حقه منه فبالغ في اكرامه والإنعام عليه وحصل له من جهته ms1095 ~~مال طائل وعاد إلى خراسان واتصل بالسلطان محمد بن تكش المعروف بخوارزم شاه ~~وحظي عنده ونال أسنى المراتب ولم يبلغ أحد منزلته عنده ومناقبه أكثر من أن ~~تعد وفضائله لا تحصى ولا تحد وكان له مع هذه العلوم شيء من النظم فمن ذلك ~~قوله (نهاية إقدام العقول عقال * وأكثر سعي العالمين ضلال) (وارواحنا في ~~وحشة من جسومنا * وحاصل دنيانا أذى ووبال) (ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * ~~سوى ان جمعنا فيه قيل وقالوا) (وكم قد رأينا من رجال ودولة * فبادوا جميعا ~~مسرعين وزالوا) (وكم من جبال قد علت شرفاتها * رجال فزالوا والجبال جبال) ~~PageV04P250 # وكان العلماء يقصدونه من البلاد وتشد إليه الرحال من ~~الأقطار وحكى شرف الدين بن عنين الأتي ذكره إن شاء الله تعالى أنه حضر درسه ~~يوما وهو يلقي الدروس في مدرسته بخوارزم ودرسه حافل بالأفاضل واليوم شات ~~وقد سقط ثلج كثير وخوارزم بردها شديد إلى غاية ما يكون فسقطت بالقرب منه ~~حمامة وقد طردها بعض الجوارح فلما وقعت رجع عنها الجارح خوفا من الناس ~~الحاضرين فلم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد فلما قام فخر ~~الدين من الدرس وقف عليها ورق لها وأخذها بيده فأنشد بن عنين في الحال (يا ~~ابن الكرام المطعمين إذا شتوا * في كل مسغبة وثلج خاشف) (العاصمين إذا ~~النفوس تطايرت * بين الصوارم والوشيج الراعف) (من نبأ الورقاء أن محلكم * ~~حرم وأنك ملجأ للخائف) (وفدت عليك وقد تدانى حتفها * فحبوتها ببقائها ~~المستأنف) (ولو أنها تحبى بمال لانثنت * من راحتيك بنائل متضاعف) (جاءت ~~سليمان الزمان بشكوها * والموت يلمع من جناحي خاطف) (قرم لواه القوت حتى ~~ظله * بإزائه يجري بقلب واجف) ولابن عنين المذكور فيه قصيدة من جملتها ~~(ماتت به بدع تمادى عمرها * دهرا وكاد ظلامها لا ينجلي) (فعلا به الإسلام ~~أرفع هضبة * ورسا سواه في الحضيض الأسفل) (غلط امرؤ بأبي علي قاسه * هيهات ~~قصر عن مداه أبو علي) (لو أن رسطاليس يسمع لفظة * من لفظه لعرته هزت أفكل) ~~(ولحار بطليموس لو لقاه من * برهانه ms1096 في كل شكل مشكل) (ولو أنهم جمعوا لديه ~~تيقنوا * أن الفضيلة لم تكن للأول) PageV04P251 # وقال أبو عبد الله الحسين الواسطي سمعت فخر الدين ~~بهراة ينشد على المنبر عقيب كلام عاتب فيه أهل البلد (المرء ما دام حيا ~~يستهان به * ويعظم الرزء فيه حين يفتقد) وذكر فخر الدين في كتابه الذي سماه ~~تحصيل الحق أنه اشتغل في علم الأصول على والده ضياء الدين عمر ووالده على ~~أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري وهو على إمام الحرمين أبي المعالي وهو ~~على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي وهو ~~على شيخ السنة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وهو على أبي علي الجبائي ~~أولا ثم رجع عن مذهبه ونصر مذهب أهل السنة والجماعة وأما اشتغاله في المذهب ~~فإنه اشتغل على والده ووالده على أبي محمد الحسين ابن مسعود الفراء البغوي ~~وهو على القاضي حسين المروزي وهو على القفال المروزي وهو على أبي زيد ~~المروزي وهو على أبي إسحاق المروزي وهو على أبي العباس بن سريج وهو على أبي ~~القاسم الأنماطي وهو على أبي إبراهيم المزني وهو على الإمام الشافعي رضي ~~الله عنه وكانت ولادة فخر الدين في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع ~~وأربعين وقيل ثلاث وأربعين وخمسمائة بالري وتوفي يوم الاثنين وكان عيد ~~الفطر سنة ست وستمائة بمدينة هراة ودفن آخر النهار في الجبل المصاقب لقرية ~~مزداخان رحمه الله تعالى ورأيت له وصية أملاها في مرض موته على أحد تلامذته ~~تدل على حسن العقيدة ومزداخان بضم الميم وسكون الزاي وفتح الدال المهملة ~~وبعد الألف خاء معجمة مفتوحة وبعد الألف الثانية نون وهي قرية بالقرب من ~~هرات وقد تقدم الكلام على هراة PageV04P252 # 601 الشيخ عماد الدين بن يونس أبو حامد محمد بن يونس ~~بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد الملقب عماد الدين الفقيه الشافعي كان ~~إمام وقته في المذهب والأصول والخلاف وكان له صيت عظيم في زمانه وقصده ~~الفقهاء من البلاد الشاسعة للاشتغال وتخرج عليه خلق ms1097 كثير صاروا كلهم أئمة ~~مدرسين يشار إليهم وكان مبدأ اشتغاله على أبيه وسيأتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى وذلك بالموصل ثم توجه إلى بغداد وتفقه بالمدرسة النظامية على السديد ~~محمد السلماسي وقد تقدم ذكره وكان معيدا بها والمدرس يومئذ الشرف يوسف بن ~~بندار الدمشقي وسمع بها الحديث من أبي عبد الرحمن محمد بن محمد الكشميهني ~~لما قدمها ومن أبي حامد محمد بن أبي الربيع الغرناطي وعاد إلى الموصل ودرس ~~بها في عدة مدارس وصنف كتبا في المذهب منها كتاب المحيط في الجمع بين ~~المهذب والوسيط وشرح الوجيز للغزالي وصنف جدلا وعقيدة وتعليقه في الخلاف ~~لكنه لم يتمها وكانت إليه الخطابة في الجامع المجاهدي مع التدريس في ~~المدرسة النورية والعزية والزينية والبقشية والعلانية وتقدم في دولة نور ~~الدين أرسلان شاه PageV04P253 # صاحب الموصل تقدما كثيرا وتوجه عنه رسولا إلى بغداد ~~غير مرة وإلى الملك العادل وناظر في ديوان الخلافة واستدل في مسألة شراء ~~الكافر للعبد المسلم وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة وتولى القضاء بالموصل ~~يوم الخميس رابع شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ثم انفصل عنه بأبي ~~الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري الملقب ضياء الدين ~~المذكور في ترجمة عمه كمال الدين في صفر سنة ثلاث وتسعين وولي ضياء الدين ~~المذكور يوم الأربعاء سابع عشر صفر المذكور وانتهت إليه رياسة أصحاب ~~الشافعي بالموصل وكان شديد الورع والتقشف لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله ~~ولا يمس القلم للكتابة إلا ويغسل يده وكان دمث الأخلق ولطيف الخلوة ملاطفا ~~بحكايات اشعار وكان كثير المباطنة لنور الدين صاحب الموصل يرجع إليه في ~~الفتاوى ويشاوره في الأمور وله صنف العقيدة المذكورة ولم يزل معه حتى أنتقل ~~عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي ولم يوجد في بيت أتابك مع كثرتهم شافعي ~~سواه ولما توفي نور الدين في سنة سبع وستمائة كما تقدم توجه إلى بغداد في ~~الرسالة بسبب تقرير ولده الملك القاهر مسعود وسيأتي ذكره في ترجمة جده ~~مسعود إن شاء الله ms1098 تعالى فعاد وقد قضى الشغل ومعه الخلعة والتقليد وتوفرت ~~حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه وكان مكمل الأدوات غير أنه لم ~~يرزق سعادة في تصانيفه فإنها ليست على قدر فضائله وكانت ولادته بقلعة إربل ~~سنة خمس وثلاثين وخمسمائة في بيت صغير منها ولما وصل إلى إربل في بعض ~~رسائله دخل ذلك البيت وتمثل بالبيت المشهور وهو (بلاد بها نيطت علي تمائمي ~~* وأول ارض مس جلدي ترابها) PageV04P254 # وتوفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان ~~وستمائة بالموصل رحمه الله تعالى وكان الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل ~~رحمه الله تعالى يقول رأيت الشيخ عماد الدين في المنام بعد موته فقلت له ~~أما مت فقال بلى ولكني محترم وقد ذكره ابن الدبيثي في كتاب الذيل وذكره أبو ~~البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل وسيأتي ذكر أخيه الشيخ كمال الدين موسى ~~إن شاء الله تعالى وهم أهل بيت خرج منهم جماعة من الأفاضل 176 وحفيده تاج ~~الدين أبو القاسم عبد الرحيم ابن الشيخ رضي الدين محمد ابن الشيخ عماد ~~الدين أبي حامد المذكور اختصر كتاب الوجيز للغزالي اختصارا حسنا سماه ~~التعجيز في اختصار الوجيز واختصر كتاب المحصول في أصول الفقه واختصر طريقة ~~ركن الدين الطاوسي في الخلاف ومولده بالموصل في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ~~ولما استولى التتر على الموصل كان بها ثم أنتقل إلى بغداد فدخلها في شهر ~~رمضان سنة سبعين وستمائة وتوفي بها في سنة احدى وسبعين وستمائة وكانت وفاته ~~في جمادى الأولى تقديرا في السنة المذكورة رحمه الله تعالى PageV04P255 # 602 المعين الجاجرمي أبو حامد محمد بن إبراهيم بن أبي ~~الفضل السهلي الجاجرمي الفقيه الشافعي الملقب معين الدين كان إماما فاضلا ~~متفننا مبرزا سكن نيسابور ودرس بها وصنف في الفقه كتاب الكفاية وهو في غاية ~~الإيجاز مع اشتماله على أكثر المسائل التي تقع في الفتاوى وهو في مجلد واحد ~~وله كتاب إيضاح الوجيز أحسن فيه وهو في مجلدين وله طريقة مشهورة في الخلاف ~~والقواعد المشهورة منسوبة إليه واشتغل عليه ms1099 الناس وانتفعوا به وبكتبه من ~~بعده خصوصا القواعد فإن الناس أكبوا على الاشتغال بها وتوفي بكرة نهار ~~الجمعة حادي عشر رجب سنة ثلاث عشرة وستمائة بنيسابور رحمه الله تعالى ~~والجاجرمي بفتح الجيمين بينهما ألف وسكون الراء وبعدها ميم هذه النسبة إلى ~~جاجرم وهي بلدة بين نيسابور وجرجان خرج منها جماعة من العلماء ورأيت بمدينة ~~دمشق خطه على كتاب شرح فيه الأحاديث المسطورة في المهذب والألفاظ المشكلة ~~وقد سمعه عليه جماعة من الفقهاء بنيسابور في الرابع والعشرين من ذي الحجة ~~سنة اثنتي عشرة وستمائة PageV04P256 # 603 العميدي أبو حامد محمد بن محمد بن محمد وقيل أحمد ~~العميدي الفقيه الحنفي المذهب السمرقندي الملقب ركن الدين كان إماما في فن ~~الخلاف خصوصا الجست وهو أول من أفرده بالتصنيف ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف ~~المتقدمين وكان اشتغاله فيه على الشيخ رضي الدين النيسابوري وهو أحد ~~الأركان الأربعة فإنه كان من جملة المشتغلين على رضي الدين أربعة أشخاص ~~تميزوا وتبحروا في هذا الفن وكل واحد منهم ينعت بالركن وهم ركن الدين ~~الطاوسي وقد سبق ذكره والعميدي المذكور وركن الدين إمام زادا وقد شذ عني من ~~هو الرابع وصنف العميدي في هذا الفن طريقة وهي مشهورة بأيدي الفقهاء وصنف ~~الإرشاد واعتنى بشرحها جماعة من أرباب هذا الشأن منهم القاضي شمس الدين أبو ~~العباس أحمد بن الخليل بن سعادة ابن جعفر بن عيسى الفقيه الشافعي الخويي ~~قاضي دمشق كان رحمه الله تعالى والقاضي أوحد الدين الدوني قاضي منبج ونجم ~~الدين المرندي وبدر الدين المراغي المعروف بالطويل وغيرهم وصنف كتاب ~~النفائس أيضا PageV04P257 # واختصره شمس الدين الخويي المذكور وسماه عرائس النفائس ~~وصنف أشياء مستملحة على هذا الأسلوب واشتغل عليه خلق كثير وأنتفعوا به من ~~جملتهم نظام الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين أبي المجاهد محمود بن أحمد بن ~~عبد السيد ابن عثمان بن نصر بن عبد الملك البخاري التاجري الحنفي المعروف ~~بالحصيري صاحب الطريقة المشهورة وغيره وكان العميدي كريم الأخلاق كثير ~~التواضع طيب المعاشرة وتوفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الآخرة ms1100 سنة خمس عشرة ~~وستمائة ببخارا رحمه الله تعالى 177 وتوفي شمس الدين الخويي المذكور يوم ~~السبت سابع شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة بمدينة دمشق ودفن بسفح جبل ~~قاسيون ومولده في شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى 178 ~~وتوفي أوحد الدين بحلب عقيب أخذ التتر لقلعة حلب وكان أخذ القلعة بعد أخذ ~~البلد بتسعة وعشرين يوما وأخذ البلد فب عشر صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة ~~ومولد أوحد الدين سنة ست وثمانين وخمسمائة رحمهم الله تعالى والعميدي بفتح ~~العين المهملة وكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة ~~ولا أعرف هذه النسبة إلى ماذا ولا ذكرها السمعاني 179 ونظام الدين الحصيري ~~قتلته التتر بمدينة نيسابور عند أول خروجهم PageV04P258 # إلى البلاد وذلك في سنة ست عشرة وستمائة رحمه الله ~~تعالى 180 وكان ولده من أعيان العلماء اجتمعت به عدة دفوع بدمشق وكان يدرس ~~بالمدرسة النورية ولم يكن في عصره من يقاربه في مذهب الإمام أبي حنيفة ~~وبلغني أنه كان ينكر على والده نظام الدين المذكور تضييع فكره وذهنه وكان ~~من أشد الناس ذهنا وادراكا وهو عند ذلك شاب وكان ابنه يقول عنه لاقتصاره ~~على المذهب فقط أبي شيخ كودن ومولد الحصيري ببخارا سنة ست وأربعين وخمسمائة ~~في رجب وتوفي ليلة الأحد الثامن من صفر سنة ست وثلاثين وستمائة بدمشق ودفن ~~من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر وكان يقول كان أبي يعرف بالتاجري ~~وإنما ببخارا محلة يعمل فيها الحصر وكنا نحن بها 604 محمد بن داود الظاهري ~~أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني المعروف بالظاهري كان فقيها ~~أديبا شاعرا ظريفا وكان يناظر أبا العباس ابن سريج وقد سبق خبره معه في ~~ترجمته ولما توفي أبوه في التاريخ المذكور في ترجمته جلس ولده أبو بكر ~~المذكور في حلقته وكان على مذهب والده فاستصغروه فدسوا إليه رجلا وقالوا له ~~سله عن حد السكر فأتاه الرجل فسأله عن السكر ما هو ومتى يكون الانسان سكران ~~فقال إذا عزبت ms1101 عنه الهموم وباح PageV04P259 # بسره المكتوم فاستحسن ذلك منه وعلم موضعه من العلم ~~وصنف في عنفوان شبابه كتابه الذي سماه الزهرة وهو مجموع أدب أتى فيه بكل ~~غريبة ونادرة وشعر رائق واجتمع يوما هو وأبو العباس ابن سريج في مجلس ~~الوزير ابن الجراح فتناظرا في الإيلاء فقال ابن سريج أنت بقولك من كثرت ~~لحظاته دامت حسراته أبصر منك بالكلام في الإيلاء فقال له أبو بكر لئن قلت ~~ذلك فإني أقول (أنزه في روض المحاسن مقلتي * وأمنع نفسي أن تنال محرما) ~~(وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه * يصب على الصخر الأصم تهدما) (وينطق طرفي ~~عن مترجم خاطري * فلولا اختلاسي رده لتكلما) (رأيت الهوى دعوى من الناس ~~كلهم * فما إن أرى حبا صحيحا مسلما) فقال له ابن سريج وبم تفتخر علي ولو ~~شئت أنا لقلت (ومساهر بالغنج من لحظاته * قد بت أمنعه لذيذ سناته) (ضنا ~~بحسن حديثه وعتابه * وأكرر اللحظات في وجناته) (حتى إذا ما الصبح لاح عموده ~~* ولى بخاتم ربه وبراته) فقال أبو بكر يحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي ~~عدل أنه ولى بخاتم ربه فقال أبو العباس ابن سريج يلزمني في ذلك ما يلزمك في ~~قولك (أنزه في روض المحاسن مقلتي * وأمنع نفسي أن تنال محرما) فضحك الوزير ~~وقال لقد جمعتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما ورأيت في بعض المجاميع هذه الأبيات ~~منسوبة منسوبا إليه (لكل إمرىء ضيف يسر بقربه * ومالي سوى الأحزان والهم من ~~ضيف) (له مقلة ترمي القلوب بأسهم * أشد من الضرب المدارك بالسيف) ~~PageV04P260 # يقول خليلي كيف صبرك بعدنا فقلت وهل صبر فاسأل عن كيف ~~وحكى أبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا أنه حضر مجلس محمد المذكور قال فجاءه ~~رجل فوقف عليه ورفع له رقعة فأخذها وتأملها طويلا وظن تلامذته أنها مسألة ~~ثم قلبها وكتب على ظهرها وردها إلى صاحبها فنظرنا فإذا الرجل علي بن العباس ~~المعروف بابن الرومي الشاعر المشهور وإذا في الرقعة (يا ابن داود يا فقيه ~~العراق * أفتنا في قواتل الأحداق) (هل عليهن في ms1102 الجروح قصاص * أم مباح لها ~~دم العشاق) وإذا الجواب (كيف يفتيكم قتيل صريع * بسهام الفراق والإشتياق) ~~(وقتيل التلاق أحسن حالا * عند داوود من قتيل الفراق) وكان عالما في الفقه ~~وله تصانيف عديدة منها كتاب الوصول إلى معرفة الأصول وكتاب الإنذار وكتاب ~~الإعذار وكتاب الإنتصار على محمد بن جرير وعبد الله بن شرشير وعيسى ابن ~~إبراهيم الضرير وغير ذلك وتوفي يوم الاثنين تاسع شهر رمضان سنة سبع وتسعين ~~ومائتين وعمره اثنتان وأربعون سنة وقيل كانت وفاته سنة ست وتسعين والأول ~~أصح وفي يوم وفاته توفي يوسف بن يعقوب القاضي رحمهما الله تعالى ويحكى انه ~~لما بلغت وفاته ابن سريج كان يكتب شيئا فألقى الكراسة من يده وقال مات من ~~كنت احث نفسي وأجهدها على الاشتغال لمناظرته ومقاومته PageV04P261 # 605 الطرطوشي أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف ~~بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الأندلسي الطرطوشي الفقيه المالكي الزاهد ~~المعروف بابن أبي رندقة صحب أبا الوليد الباجي المقدم ذكره بمدينة سرقسطة ~~واخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجاز له وقرأ الفرائض والحساب بوطنه وقرأ ~~الأدب على أبي محمد ابن حزم المقدم ذكره بمدينة إشبيلية ورحل إلى المشرق ~~سنة ست وسبعين وأربعمائة وحج ودخل بغداد والبصرة وتفقه على أبي بكر محمد ~~ابن أحمد الشاشي المعروف بالمستظهري الفقيه الشافعي وقد تقدم ذكره وعلى أبي ~~أحمد الجرجاني وسكن الشام مدة ودرس بها وكان إماما عالما عاملا زاهدا ورعا ~~دينا متواضعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا منها باليسير وكان يقول وإذا ~~عرض لك أمران أمر دنيا وامر أخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا ~~والأخرى وكان كثيرا ما ينشد (إن لله عبادا فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا ~~الفتنا) (فكروا فيها فلما علموا * أنها ليست لحي وطنا) (جعلوها لجة واتخذوا ~~* صالح الأعمال فيها سفنا) PageV04P262 # ولما دخل على الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش المقدم ~~ذكره في حرف الشين بسط مئزرا كان معه وجلس عليه وكان إلى جانب الأفضل رجل ~~نصراني فوعظ الفضل حتى بكى وانشد (يا ذا ms1103 الذي طاعته قربة * وحقه مفترض ~~واجب) (إن الذي شرفت من اجله * يزعم هذا انه كاذب) وأشار إلى النصراني ~~فأقام الأفضل من موضعه وكان الفضل قد أنزل الشيخ في مسجد شقيق الملك بالقرب ~~من الرصد وكان يكرهه فلما طال مقامه به ضجر وقال لخادمه إلى متى نصبر اجمع ~~لي المباح فجمع له فأكله ثلاثة أيام فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه ~~رميته الساعة فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل وولي بعده المأمون بن ~~البطائحي فأكرم الشيخ إكراما كثيرا وصنف له كتاب سراج الهدى وهو حسن في ~~بابه وله من التصانيف سراج الملوك وكتاب بر الوالدين وكتاب الفتن وغير ذلك ~~وله طريقة في الخلاف ورأيت أشعارا منسوبة إليه فمن ذلك وقد ذكرها الحافظ ~~زكي الدين عبد العظيم المنذري في الترجمة التي جمعها للطرطوشي المذكور وهي ~~(إذا كنت في حاجة مرسلا * وأنت بإنجازها مغرم) (فأرسل بأكمه خلابة * به صمم ~~أغطش أبكم) (ودع عنك كل رسول سوى * رسول يقال له الدرهم) وقد سبق في ترجمة ~~أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي بيتان يشتملان على أكثر ألفاظ هذه الأبيات ~~وهما PageV04P263 # (إذا كنت في حاجة مرسلا * وأنت بها كلف مغرم) (فأرسل ~~حكيما ولا توصه * وذاك الحكيم هو الدرهم) وقال الطرشوشي المذكور كنت ليلة ~~نائما في بيت المقدس فبينا انا في جنح الليل إذا سمعت صوتا حزينا ينشد ~~(أخوف ونوم إن ذا لعجيب * ثكلتك من قلب فأنت كذوب) (اما وجلال الله لو كنت ~~صادقا * لما كان للأغماض منك نصيب) قال فأيقظ النوام وابكى العيون وكانت ~~ولادة الطرطوشي المذكور سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريبا وتوفي ثلث الليل ~~الأخير من ليلة السبت لأربع بقين من جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة بثغر ~~الإسكندرية وصلى عليه ولده محمد ودفن في مقبرة وعلة قريبا من البرج الجديد ~~قبلي الباب الأخضر رحمه الله تعالى وذكر ابن بشكوال في كتاب الصلة انه توفي ~~في شعبان من السنة المذكورة قلت هكذا وجدت تاريخ وفاة هذا الشيخ في مواضع ~~كثيرة ثم ظفرت بدمشق في ms1104 أوائل سنة ثمانين وستمائة بمشيخة جمعت لشيخنا ~~القاضي بهاء الدين يوسف المعروف بابن شداد المذكور في حرف الياء ذكر فيها ~~شيوخه الذين سمع عليهم ثم ذكر بعدهم الشيوخ الذين أجازوه فذكر في جملتهم ~~الشيخ أبا بكر الطرطوشي المذكور ولا خلاف ان ابن شداد مولده في سنة تسع ~~وثلاثين وخمسمائة فكيف يجيزه الطرطوشي ووفاته في سنة عشرين وخمسمائة فقد ~~توفي قبل مولد ابن شداد بتسع عشرة سنة وكان يمكن ان يقال ربما وقع الغلط من ~~الذي جمع المشيخة لكن هذه النسخة التي رأيتها قرئت عليه وكتب خطه عليها ~~بالسماع فما بقي الغلط منسوبا إلى جامع المشيخة بل يحتاج هذا إلى التحقيق ~~من جهة أخرى وقد نبهت عليه ليكشف عن ذلك من يقف عليه ولا ينسبني إلى الغلط ~~في ذلك والله أعلم بالصواب PageV04P264 # والطرطوشي بضم الطاءين المهملتين بينهما راء ساكنة ~~وبعدهما واو ساكنة ثم شين معجمة هذه النسبة إلى طرطوشة وهي مدينة في آخر ~~بلاد المسلمين بالأندلس على ساحل البحر وهي في شرق الأندلس ورندقة بفتح ~~الراء وسكون النون وفتح الدال المهملة والقاف وهي لفظة الفرنج سألت بعض ~~فرنجية عنها فقال معناها رد تعال وقد تقدم الكلام على وعلة في ترجمة الحافظ ~~أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي رحمه الله تعالى 606 أبو الهذيل العلاف أبو ~~الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي المعروف بالعلاف ~~المتكلم كان شيخ البصريين في الاعتزال ومن أكبر علمائهم وهو صاحب مقالات في ~~مذهبهم ومجالس ومناظرات وهو مولى عبد القيس وكان حسن الجدال قوي الحجة كثير ~~الاستعمال للأدلة والإلزامات حكي انه لقي صالح بن عبد القدوس وقد مات له ~~ولد وهو شديد الجزع عليه فقال له أبو الهذيل لا اعرف لجزعك عليه وجها إذ ~~كان الإنسان عندك PageV04P265 # كالزرع قال صالح يا أبا الهذيل إنما اجزع عليه لأنه لم ~~يقرا كتاب الشكوك فقال له كتاب الشكوك ما هو يا صالح قال هو كتاب قد وضعته ~~من قرأه يشك فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن ms1105 ويشك فيما لم يكن حتى يتوهم انه ~~قد كان فقال له أبو الهذيل فشك أنت في موت ابنك واعمل على إنه لم يمت وان ~~كان قد مات وشك أيضا في قراءته كتاب الشكوك وإن كان لم يقرأه ولأبي الهذيل ~~كتاب يعرف بميلاس وكان ميلاس رجلا مجوسيا فأسلم وكان سبب إسلامه انه جمع ~~بين أبي الهذيل المذكور وجماعة من الثنوية فقطعهم أبو الهذيل فأسلم ميلاس ~~عند ذلك وكان قد اجتمع عند يحيى بن خالد البرمكي جماعة من أرباب الكلام ~~فسألهم عن حقيقة العشق فتكلم كل واحد بشيء وكان أبو الهذيل المذكور في ~~جملتهم فقال أيها الوزير العشق يختم على النواظر ويطبع على الأفئدة مرتعه ~~في الأجسام ومشرعه في الأكباد وصاحبه متصرف الظنون متفنن الأوهام لايصفو له ~~مرجو ولا يسلم له موعود تسرع إليه النوائب وهو جرعة من نقيع الموت ونقعة من ~~حياض الثكل غير أنه من أريحية تكون في الطبع وطلاوة توجد في الشمائل وصاحبه ~~جواد لا يصغي إلى داعية المنع ولا يصيخ لنازع العذل وكان المتكلمون ثلاثة ~~عشر شخصا وأبو الهذيل ثالث من تكلم منهم ولولا خوف الإطالة لذكرت كلام ~~الجميع ورأيت في بعض المجاميع ان اعرابية وصفت العشق فقالت في صفته خفي عن ~~أن يرى وجل عن أن يخفى فهو كامن ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى وإن ~~تركته توارى وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر وكانت ولادة أبي ~~الهذيل سنة إحدى وقيل أربع وقيل خمس وثلاثين PageV04P266 # ومائة وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين بسر من رأى وقال ~~الخطيب البغدادي توفي سنة ست وعشرين وقال المسعودي في كتاب مروج الذهب إنه ~~توفي سنة سبع وعشرين ومائتين رحمه الله تعالى وكان قد كف بصره وخرف في آخر ~~عمره إلا أنه كان لا يذهب عليه شيء من الأصول لكنه ضعف عن مناهضة المناظرين ~~وحجاج المخالفين وضعف خاطره 607 أبو علي الجبائي أبو علي محمد بن عبد ~~الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن ابان مولى عثمان ابن ms1106 عفان رضي الله عنه ~~المعروف بالجبائي أحد الأئمة المعتزلة كان إماما في علم الكلام واخذ هذا ~~العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبد الله الشحام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة ~~في عصره وله في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة وعنه اخذ الشيخ أبو الحسن ~~الأشعري شيخ السنة علم الكلام وله معه مناظرة روتها العلماء فيقال إن أبا ~~الحسن المذكور سأل أستاذه ابا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة أحدهم كان مؤمنا ~~برا تقيا والثاني كان كافرا فاسقا شقيا والثالث كان صغيرا فماتوا فكيف ~~حالهم فقال الجبائي اما الزاهد ففي الدرجات واما الكافر ففي الدركات واما ~~الصغير فمن أهل السلامة فقال الأشعري PageV04P267 # إن أراد الصغير ان يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له ~~فقال الجبائي لا لأنه يقال له إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب ~~طاعاته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات فقال الأشعري فإن قال ذلك الصغير ~~التقصير ليس مني فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة فقال يقول الباري ~~جل وعلا كنت اعلم انك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم فراعيت ~~مصلحتك فقال الأشعري فلو قال الأخ الكافر يا إله العالمين كما علمت حاله ~~فقد علمت حالي فلم راعيت مصلحته دوني فقال الجبائي للأشعري إنك مجنون فقال ~~لا بل وقف حمار الشيخ في العقبة فانقطع الجبائي وهذه المناظرة دالة على أن ~~الله تعالى خص من شاء برحمته وخص آخر بعذابه وان افعاله غير معللة بشيء من ~~الأغراض ثم وجدت في تفسير القرآن العظيم تصنيف الشيخ فخر الدين الرازي في ~~سورة الأنعام ان الأشعري لما فارق مجلس الأستاذ الجبائي وترك مذهبه وكثر ~~اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما فاتفق يوما ان الجبائي عقد مجلس ~~التذكير وحضر عنده عالم من الناس فذهب الأشعري إلى ذلك المجلس وجلس في بعض ~~النواحي مختفيا عن الجبائي وقال لبعض من حضره من النساء أنا أعلمك مسألة ~~فاذكريها لهذا الشيخ ثم علمها سؤالا بعد سؤال فلما انقطع الجبائي في الأخير ~~رأى الأشعري فعلم أن المسالة منه لا ms1107 من العجوز ورأيت في كتاب المسالك ~~والممالك لابن حوقل في فصل خوزستان ان جبى مدينة ورستاق عريض مشتبك العمائر ~~بالنخل وقصب السكر وغيرهما قال ومنها أبو علي الجبائي الشيخ الجليل إمام ~~المعتزلة ورئيس المتكلمين في عصره PageV04P268 # وكانت ولادة الجبائي في سنة خمس وثلاثين ومائتين وتوفي ~~في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة رحمه الله تعالى وقد سبق ذكر ولده أبي هاشم ~~عبد السلام والكلام على الجبائي في ترجمته في حرف العين 608 أبو بكر ~~الباقلاني القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم المعروف ~~بالباقلاني البصري المتكلم المشهور كان على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ~~ومؤيدا اعتقاده وناصرا طريقته وسكن بغداد وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة ~~في علم الكلام وغيره وكان في علمه أوحد زمانه وأنتهت إليه الرياسة في مذهبه ~~وكان موصوفا بجودة الاستنباط وسرعة الجواب وسمع الحديث وكان كثير التطويل ~~في المناظرة مشهورا بذلك عند الجماعة وجرى يوما بينه وبين أبي سعيد ~~الهاروني مناظرة فأكثر القاضي أبو بكر المذكور فيها الكلام ووسع العبارة ~~وزاد في الإسهاب ثم التفت إلى الحاضرين وقال اشهدوا علي انه إن أعاد ما قلت ~~لا غير لم أطالبه بالجواب فقال الهاروني اشهدوا علي انه إن أعاد كلام نفسه ~~سلمت له ما قال وتوفي القاضي أبو بكر المذكور آخر يوم السبت ودفن يوم الأحد ~~لسبع PageV04P269 # بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة ببغداد رحمه ~~الله تعالى وصلى عليه ابنه الحسن ودفنه في داره بدرب المجوس ثم نقل بعد ذلك ~~فدفن في مقبرة باب حرب ورثاه بعض شعراء عصره بقوله (انظر إلى جبل تمشي ~~الرجال به * وانظر إلى القبر ما يحوي من الصلف) (وانظر إلى سالم الإسلام ~~مغتمدا * وانظر إلى درة الإسلام في الصدف) والباقلاني بفتح الباء الموحدة ~~وبعد الألف قاف مكسورة ثم لام الف وبعدها نون هذه النسبة إلى الباقلي وبيعه ~~وفيه لغتان من شدد اللام قصر الألف ومن خففها مد الألف فقال باقلاء وهذه ~~النسبة شاذة لأجل زيادة النون فيها وهو نظير قولهم في ms1108 النسبة إلى صنعاء ~~صنعاني وإلى بهراء بهراني وقد انكر الحريري في كتاب دذرة الغواص هذه النسبة ~~وقال من قصر الباقلي قال في النسبة إليه باقلي ومن مد قال في النسب إليه ~~باقلاوي وباقلائي ولا يقاس على صنعاء وبهراء لأن ذلك شاذ لا يعاج إليه ~~والسمعاني ما انكر النسبة الأولى والله أعلم بالصواب PageV04P270 # 609 أبو الحسين البصري أبو الحسين محمد بن علي بن ~~الطيب البصري المتكلم على مذهب المعتزلة وهو أحد أئمتهم الاعلام المشار ~~إليه في هذا الفن كان جيد الكلام مليح العبارة غزير المادة إمام وقته وله ~~التصانيف الفائقة في أصول الفقه منها المعتمد وهو كتاب كبير ومنه اخذ فخر ~~الدين الرازي كتاب المحصول وله تصفح الأدلة في مجلدين وغرر الأدلة في مجلد ~~كبير وشرح الأصول الخمسة وكتاب في الإمامة وغير ذلك في أصول الدين وأنتفع ~~الناس يكتبه وسكن بغداد وتوفي بها يوم الثلاثاء خامس شهر ربيع الآخر سنة ست ~~وثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى ودفن في مقبرة الشونيزي وصلى عليه ~~القاضي أبو عبد الله الصيمري ولفظه المتكلم تطلق على من يعرف علم الكلام ~~وهو أصول الدين وإنما قيل له علم الكلام لأن أول خلاف وقع في الدين كان في ~~كلام الله عز وجل أمخلوق هو أم غير مخلوق فتكلم الناس فيه فسمي هذا النوع ~~من العلم كلاما اختص به وإن كانت العلوم جميعها تنشر بالكلام هكذا قاله ~~السمعاني PageV04P271 # 610 أبو بكر ابن فورك الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن ~~بن فورك المتكلم الأصولي الأديب النحوي الواعظ الأصبهاني أقام بالعراق مدة ~~يدرس العلم ثم توجه إلى الري فسعت به المبتدعة فراسله أهل نيسأبور والتمسوا ~~منه التوجه إليهم ففعل وورد نيسابور فبنى له بها مدرسة ودارا واحيا الله ~~تعالى به أنواعا من العلوم ولما استوطنها وظهرت بركاته على جماعة المتفقهة ~~وبلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن قريبا من مائة مصنف دعي ~~إلى مدينة غزنة وجرت له بها مناظرات كثيرة ومن كلامه شغل العيال نتيجته ~~متابعة الشهوة بالحلال فما ظنك ms1109 بقضية شهوة الحرام وكان شديد الرد على أصحاب ~~أبي عبد الله بن كرام ثم عاد إلى نيسابور فسم في الطريق فمات هناك ونقل إلى ~~نيسابور ودفن بالحيرة ومشهده بها ظاهر يزار ويستسقى به وتجاب الدعوة عنده ~~وكانت وفاته سنة ست وأربعمائة رحمه الله تعالى وقال أبو القاسم القشيري في ~~الرسالة سمعت ابا علي الدقاق يقول دخلت على أبي بكر ابن فورك عائدا فلما ~~رآني دمعت عيناه فقلت له إن الله سبحانه يعافيك ويشفيك فقال لي تراني أخاف ~~من الموت إنما أخاف مما وراء الموت PageV04P272 # وفورك بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء وبعدها كاف ~~وهواسم علم والحيرة بكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~الراء وبعدها هاء ساكنة وهي المحلة كبيرة كبيرة بنيسأبور ينسب إليعا جماعة ~~من أهل العلم وهي تلتبس بالحيرة التي بظاهر الكوفة وغزنة بفتح الغين ~~المعجمة وسكون الزاي وفتح النون وبعدها هاء ساكنة وهي مدينة عظيمة في أوائل ~~الهند من جهة خراسان 611 الشهرستاني أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد ~~الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني المتكلم على مذهب الأشعري كان إماما ~~مبرزا فقيها متكلما تفقه على أحمد الخوافي المقدم ذكره وعلى أبي نصر ~~القشيري وغيرهما وبرع في الفقه وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري وتفرد ~~فيه وصف كتبا منها كتاب نهاية الإقدام على علم الكلام وكتاب الملل والنحل ~~والمناهج والبينات وكتاب المضارعة وتلخيص الأقسام لمذاهب الأنام وكان كثير ~~المحفوظ حسن المحاورة يعظ الناس ودخل بغداد سنة عشر وخمسمائة واقام بها ~~ثلاث سنين وظهر له قبول كثير عند العوام وسمع الحديث من علي بن أحمد ~~المديني بنيسابور ومن غيره وكتب عنه الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني ~~وذكره في كتاب الذيل PageV04P273 # وكانت ولادته سنة سبع وستين وأربعمائة بشهرستان هكذا ~~وجدته بخطي في مسوداتي وما أدري من اين نقلته وقال ابن السمعاني في كتاب ~~الذيل سألته عن مولده فقال في سنة تسع وسبعين وأربعمائة وتوفي بها أيضا في ~~أواخر شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وقيل سنة ms1110 تسع وأربعين والأول أصح ~~رحمه الله تعالى وذكر في أول كتاب نهاية الإقدام المذكور بيتين وهما (لقد ~~طفت في تلك المعاهد كلها * وسيرت طرفي بين تلك المعالم) (فلم أر إلا واضعا ~~كف حائر * على ذقن أو قارعا سن نادم) ولم يذكر لمن هذان البيتان وقال غيره ~~هما لأبي بكر محمد بن باجة المعروف بابن الصائغ الأندلسي الآتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى وشهرستان بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وفتح الراء وسكون ~~السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون وهو اسم لثلاث ~~مدن الأولى شهرستان خراسان بين نيسابور وخوارزم في آخر حدود خراسان وأول ~~الرمل المتصل بناحية خوارزم وهي المشهورة ومنها أبو الفتح محمد المذكور ~~وأخرجت خلقا كثيرا من العلماء وبناها عبد الله بن طاهر أمير خراسان المقدم ~~ذكره في خلافة المأمون الثانية شهرستان قصبة ناحية سابور من ارض فارس كما ~~ذكره ابن البناء البشاري الثالثة مدينة جي بأصبهان يقال لها شهرستان بينها ~~وبين اليهودية مدينة أصبهان اليوم نحو ميل بها أسواق وهي على نهر زرندورد ~~وبها قبر الإمام الراشد بن المسترشد PageV04P274 # وشهرستان لفظة عجيمة وهي مركبة فمعنى شهر مدينة ومعنى ~~الأستان الناحية فكأنه قال مدينة الناحية ذكر ذلك كله أبو عبد الله ياقوت ~~الحموي في كتابه الذي سماه المشترك وضعا المختلف صقعا وفي بعضه زيادة على ~~ما ذكره ياقوت وكان الشهرستاني المذكور يروي بالإسناد المتصل إلى النظام ~~البلخي العالم المشهور واسمه إبراهيم بن سيار انه كان يقول لو كان للفراق ~~صورة لارتاع لها القلوب ولهد الجبال ولجمر الغضى أقل توهجا من حمله ولو عذب ~~الله أهل النار بالفراق لاستراحوا إلى ما قبله من العذاب وكان يروى للدريدي ~~أيضا باتصال الإسناد إليه قوله (ودعته حين لا تودعه * روحي ولكنها تسير ~~معه) (ثم افترقنا وفي القلوب لنا * ضيق مكان وفي الدموع سعة) وكان يروي ~~للدريدي أيضا مسندا إليه (يا راحلين بمهجة * في الحب متلفة شقيه) (الحب فيه ~~بلية * وبليتي فوق البليه) كل ذلك رواه الحافظ أبو سعد ابن السمعاني ms1111 في ~~كتاب الذيل ثم قال في آخر الترجمة وصل إلي نعيه وانا ببخارا رحمه الله ~~تعالى PageV04P275 # 612 محمد بن إسحاق أبو بكر وقيل أبو عبد الله محمد بن ~~إسحاق بن يسار بن خيار وقيل يسار بن كوتان المطلبي بالولاء المديني صاحب ~~المغازي والسير كان جده يسار مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ~~القرشي سباه خالد بن الوليد من عين التمر وكان محمد المذكور ثبتا في الحديث ~~عند أكثر العلماء واما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته فيها قال ابن ~~شهاب الزهري من أراد المغازي فعليه بابن إسحاق وذكره البخاري في تاريخه ~~وروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال من أراد ان يتبحر في المغازي فهو ~~عيال على ابن إسحاق وقال سفيان بن عيينة ما أدركت أحدا يتهم ابن إسحاق في ~~حديثه وقال شعبة بن الحجاج محمد بن إسحاق أمير المؤمنين يعنى في الحديث ~~ويحكى عن الزهري انه خرج إلى قرية له فاتبعه طلاب الحديث فقال لهم أين أنتم ~~من الغلام الأحول أو قد خلفت فيكم الغلام الأحول يعني ابن إسحاق وذكر ~~الساجي ان أصحاب الزهري كانوا يلجؤون إلى محمد بن إسحاق فيما شكوا فيه من ~~حديث الزهري ثقة منهم بحفظه وحكي عن يحيى بن معين و أحمد بن PageV04P276 # حنبل ويحيى بن سعيد القطان انهم وثقوا محمد بن إسحاق ~~واحتجوا بحديثه وإنما لم يخرج البخاري عنه وقد وثقه وكذلك مسلم بن الحجاج ~~لم يخرج عنه إلا حديثا واحدا في الرجم من اجل طعن مالك بن أنس فيه وإنما ~~طعن مالك فيه لأنه بلغه عنه أنه قال هاتوا حديث مالك فانا طبيب بعلله فقال ~~مالك وما ابن إسحاق إنما هو دجال من الدجاجلة نحن أخرجناه من المدينة يشير ~~والله أعلم إلى أن الدجال لا يدخل المدينة وكان محمد بن إسحاق قد أتى أبا ~~جعفر المنصور وهو بالحيرة فكتب له المغازي فسمع منه أهل الكوفة بذلك السبب ~~وكان يروي عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير وهي امرأة هشام بن ms1112 عروة بن الزبير ~~فبلغ ذلك هشاما فأنكره وقال أهو كان يدخل على امرأتي وحكى الخطيب أبو بكر ~~أحمد ابن علي بن ثابت في تاريخ بغداد ان محمد بن إسحاق رأى أنس بن مالك رضي ~~الله عنه وعليه عمامة سوداء والصبيان خلفه يشتدون ويقولون هذا رجل من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يلقى الدجال وتوفي محمد بن إسحاق ~~ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة وقيل سنة خمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين وقال ~~خليفة بن خياط سنة ثلاث وخمسين وقيل اربع وأربعين والله أعلم والأول أصح ~~رحمه الله تعالى ودفن في مقبرة الخيزران بالجباب الشرقي وهي منسوبة إلى ~~الخيزران أم هارون الرشيد وأخيه الهادي وإنما نسبت إليها لأنها مدفونة بها ~~وهذه المقبرة أقدم المقابر التي بالجانب الشرقي ومن كتبه أخذ عبد الملك بن ~~هشام سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم ذكره وكذلك كل من تكلم في ~~هذا الباب فعليه اعتماده وإليه إسناده والمطلبي نسبة إلى المطلب بن عبد ~~مناف المذكور أولا وقد تقدم الكلام على عين التمر في ترجمة أبي العتاهية ~~PageV04P277 # 613 الترمذي أبو عيسى محمد بن سورة بن عيسى بن موسى بن ~~الضحاك السلمي الضرير البوغي الترمذي الحافظ المشهور أحد الئمة الذين يقتدى ~~بهم في علم الحديث صنف كتاب الجامع والعلل تصنيف رجل متقن وبه كان يضرب ~~المثل وهو تلميذ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وشاركه في بعض شيوخه ~~مثل قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر وابن بشار وغيرهم وتوفي لثلاث عشرة ليلة خلت ~~من رجب ليلة الاثنين سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ وقال السمعاني توفي ~~بقرية بوغ في سنة خمس وسبعين ومائتين وذكره في كتاب الأنساب في نسبة البوغي ~~رحمه الله تعالى وبوغ بضم الباء الموحدة وسكون الواو وبعدها غين معجمة وهي ~~قرية من قرى ترمذ على ستة فراسخ منها وقد تقدم الكلام على الترمذي ~~والاختلاف في كسر التاء وضمها وفتحها في ترجمة أبي جعفر محمد بن أحمد ~~الفقيه الشافعي PageV04P278 # 614 ms1113 ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة ~~الربعي بالولاء القزويني الحافظ المشهور مصنف كتاب السنن في الحديث كان ~~إماما في الحديث عارفا بعلومه وجميع ما يتعلق به ارتحل إلى العراق والبصرة ~~والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري لكتب الحديث وله تفسير القرآن ~~الكريم وتاريخ مليح وكتابه في الحديث أحد الصحاح الستة وكانت ولادته سنة ~~تسع ومائتين وتوفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان ~~سنة ثلاث وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى وصلى عليه اخوه أبو بكر وتولى ~~دفنه أخواه أبو بكر وعبد الله وابنه عبد الله وماجة بفتح الميم والجيم ~~وبينهما ألف وفي الاخر هاء ساكنة والربعي بفتح الراء والباء الموحدة وبعدها ~~عين مهملة هذه النسبة إلى ربيعة وهي اسم لعدة قبائل لا أدري إلى أيها ينسب ~~المذكور والقزويني بفتح القاف وسكون الزاي وكسر الواو وسكون الياء المثناة ~~من تحتها وبعدها نون هذه النسبة إلى قزوين وهي من اشهر مدن عراق العجم خرج ~~منها جماعة من العلماء المعتبرين PageV04P279 # 615 الحاكم بين البيع النيسابوري أبو عبد الله محمد بن ~~عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الطهماني المعروف ~~بالحاكم النيسابوري الحافظ المعروف بابن البيع إمام أهل الحديث في عصره ~~والمؤلف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها كان عالما عارفا واسع العلم تفقه ~~على أبي سهل محمد بن سليمان الصعلوكي الفقيه الشافعي وقد تقدم ذكره ثم ~~أنتقل إلى العراق وقرأ على أبي علي ابن أبي هريرة الفقيه وقد تقدم ذكره ~~أيضا ثم طلب الحديث وغلب عليه فاشتهر به وسمعه من جماعة لا يحصون كثرة فإن ~~معجم شيوخه يقرب من ألفي رجل حتى روى عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه ~~وصنف في علومه ما يبلغ ألفا وخمسمائة جزء منها الصحيحان والعلل والأمالي ~~وفوائد الشيوخ وأمالي العشيات وتراجم الشيوخ واما ما تفرد بإخراجه فمعرفة ~~علوم الحديث وتاريخ علماء نيسابور والمدخل إلى علم الصحيح والمستدرك على ~~الصحيحين وما تفرد به كل من الإمامين ms1114 وفضائل الإمام الشافعي رضي الله عنه ~~PageV04P280 # وله إلى الحجاز والعراق رحلتان وكانت الرحلة الثانية ~~سنة ستين وثلاثمائة وناظر الحفاظ وذاكر الشيوخ وكتب عنهم أيضا وباحث ~~الدارقطني فرضيه وتقلد القضاء بنيسابور في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة في ~~أيام الدولة السامانية ووزارة أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي وقلد ~~بعد ذلك قضاء جرجان فامتنع وكانوا ينفذونه في الرسائل إلى ملوك بني بويه ~~وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بنيسابور وتوفي ~~بها يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة خمس وأربعمائة وقال الخليلي في كتاب الإرشاد ~~توفي سنة ثلاث وأربعمائة وسمع الحديث في سنة ثلاثين واملى بما وراء النهر ~~سنة خمس وخمسين وبالعراق سنة سبع وستين ولازمه الدارقطني وسمع منه أبو بكر ~~القفال الشاشي وانظارهما وحمدويه بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وضم الدال ~~المهملة وسكون الواو وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة والبيع ~~بفتح الباء الموحدة وكسر الياء المثناة من تحتها وتشديدها وبعدها عين مهملة ~~وإنما عرف بالحاكم لتقلده القضاء رحمه الله تعالى PageV04P281 # 616 الحميدي أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد ~~الله بن حميد بن يصل الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي الحافظ المشهور أصله ~~من قرطبة من ربض الرصافة وهو من أهل جزيرة ميورقة روى عن أبي محمد علي بن ~~حزم الظاهري المقدم ذكره وأختص به وأكثر بالخذ عنه وشهر بصحبته وعن أبي عمر ~~يوسف بن عبد البر صاحب كتاب الإستيعاب وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وعن ~~غيرهما من الأئمة ورحل إلى المشرق سنة ثمان وأربعين وأربعمائة فحج وسمع ~~بمكة حرسها الله تعالى وبإفريقية وبالأندلس ومصر والشام والعراق واستوطن ~~بغداد وكان موصوفا بالنباهة والمعرفة والإتقان والدين والورع كانت له نغمة ~~حسنة في قراءة الحديث وذكره الأمير أبو نصر علي بن ماكولا صاحب كتاب ~~الإكمال المقدم ذكره فقال أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي وهو من أهل ~~العلم والفضل والتيقظ وقال لم أر مثله في عفته ونزاهته وورعه وتشاغله ~~بالعلم ولأبي عبد الله المذكور كتاب ms1115 الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم وهو ~~مشهور وأخذه الناس عنه وله أيضا تاريخ علماء الأندلس سماه جذوة المقتبس في ~~مجلد واحد وذكر في خطبته أنه كتبه من حفظه وقد طلب PageV04P282 # ذلك منه ببغداد وكان يقول ثلاثة أشياء من علوم الحديث ~~يجب تقديم التهمم بها كتاب العلل وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدارقطني وكتاب ~~المؤتلف والمختلف وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير أبي نصر ابن ماكولا وكتاب ~~وفيات الشيوخ وليس فيه كتاب وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتابا فقال لي ~~الأمير رتبه على حروف المعجم بعد أن رتبته على السنين قال أبو بكر بن طرخان ~~فشغله عنه الصحيحان إلى أن مات وقال ابن طرخان المذكور أنشدنا أبو عبد الله ~~الحميدي المذكور لنفسه (لقاء الناس ليس يفيد شيئا * سوى الهذيان من قيل ~~وقال) (فأقلل من لقاء الناس إلا * لأخذ العلم أو إصلاح حال) وكان قد أدرك ~~بدمشق الخطيب أبا بكر الحافظ وروى عنه وعن غيره وروى الخطيب أيضا عنه وكانت ~~ولادته قبل العشرين وأربعمائة وتوفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ~~ثمان وثمانين وأربعمائة ببغداد وقال السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة ~~الميورقي إنه توفي في صفر سنة إحدى وتسعين وأربعمائة رحمه الله تعالى هكذا ~~وجدته في المختصر الذي اختصره أبو الحسن علي بن الأثير الجزري المقدم ذكره ~~وكشفت عنه عدة نسخ فوجدته على هذه الصورة لأني توهمت الغلط في نسختي ولم ~~أقدر على مراجعة الأصل الذي لابن السمعاني الذي هذا المختصر منه لأنه لا ~~يوجد في هذه البلاد وبقي في نفسي شيء من التفاوت بين التاريخين فإنه كبير ~~ثم إني كشفت كتاب الذيل للسمعاني فوجدت فيه ان الحميدي المذكور توفي ليلة ~~الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ودفن من الغد ~~في مقبرة باب ابرز بالقرب من قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وصلى عليه أبو ~~بكر محمد بن أحمد بن الحسين الشاشي الفقيه في جامع القصر ثم نقل بعد ذلك ~~PageV04P283 # في صفر سنة إحدى وتسعين ms1116 وأربعمائة إلى مقبرة باب حرب ~~ودفن عند قبر بشر بن الحارث المعروف بالحافي رحمه الله تعالى فلما وقفت في ~~الذيل على هذه الصورة علمت أن الغلط وقع من ابن الأثير في المختصر إما لن ~~النسخة التي اختصرها كانت غلطا من الناسخ فتبع ابن الأثير ذلك الغلط ولم ~~يكشفه من موضع آخر أو لأنه عبر من سطر إلى سطر كما جرت عادة النساخ في بعض ~~الأوقات والله أعلم أي ذلك كان والحميدي بضم الحاء المهملة وفتح الميم ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة هذه النسبة إلى جده حميد ~~المذكور واخبرني بعض أرباب التاريخ انه رأى في بعض التواريخ ان نسبته إلى ~~حميد بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو ليس بصحيح لأن أبا عبد الله ~~المذكور أزدي النسب وعبد الرحمن قرشي زهري فكيف يجتمعان ويصل بفتح الياء ~~المثناة من تحتها وكسر الصاد المهملة وبعدها لام وقد تقدم الكلام على ~~الأزدي وكذلك على ميورقة في ترجمة أبي محمد عبد الجبار بن حمديس الصقلي ~~الشاعر وهي بفتح الميم وضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وفتح الراء ~~والقاف وبعدها هاء ساكنة وهي جزيرة في البحر الغربي قريبة من بر الأندلس ~~PageV04P284 # 617 المازري أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد ~~التميمي المازري الفقيه المالكي المحدث أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ ~~الحديث والكلام عليه وشرح صحيح مسلم شرحا جيدا سماه كتاب المعلم بفوائد ~~كتاب مسلم وعليه بنى القاضي عياض كتاب الإكمال وقد تقدم ذكره وهو تكملة ~~لهذا الكتاب وله كتاب إيضاح المحصول في برهان الأصول وله في الأدب كتب ~~متعددة وكان فاضلا متقنا وتوفي في الثامن عشر من شهر ربيع الأول سنة ست ~~وثلاثين وخمسمائة وقيل توفي يوم الاثنين ثاني الشهر المذكور بالمهدية وعمره ~~ثلاث وثمانون سنة ودفن بالمنستير رحمه الله تعالى والمازري بفتح الميم ~~وبعدها الف ثم زاي مفتوحة وقد تكسر أيضا ثم راء هذه النسبة إلى مازر وهي ~~بليدة بجزيرة صقلية PageV04P285 # 618 الحافظ أبو موسى ms1117 الأصبهاني أبو موسى محمد بن أبي ~~بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد ابن أبي عيسى الأصبهاني المديني ~~الحافظ المشهور كان إمام عصره في الحفظ والمعرفة وله في الحديث وعلومه ~~وتواليف مفيدة وصنف كتاب المغيث في مجلد كمل به كتاب الغريبين للهروي ~~واستدرك عليه وهو كتاب نافع وله كتاب الزيادات في جزء لطيف جعله ذيلا على ~~كتاب شيخه أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الذي سماه كتاب الأنساب وذكر من ~~اهمله وما اقصر فيه ورحل عن أصبهان في طلب الحديث ثم رجع إليها واقام بها ~~وكانت ولادته في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة وتوفي ليلة الأربعاء تاسع ~~جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة كانت وفاته ومولده بأصبهان رحمه ~~الله تعالى والمديني بفتح الميم وكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وبعدها نون هذه النسبة إلى مدينة أصبهان وقد ذكر الحافظ أبو سعد ~~السمعاني في كتاب الأنساب هذه النسبة إلى عدة مدن أولاهن مدينة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والثانية مرو والثالثة نيسابور والرابعة أصبهان ~~والخامسة مدينة المبارك في بقزوين والسادسة في بخارا والسابعة سمرقند ~~والثامنة نسف وذكر أن النسبة إلى هذه المدن كلها المديني وقال أكثر ما ينسب ~~إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم المدني PageV04P286 # 619 محمد بن طاهر المقدسي أبو الفضل محمد بن طاهر بن ~~علي بن أحمد المقدسي الحافظ المعروف بابن القيسراني كان أحد الرحالين في ~~طلب الحديث سمع بالحجاز والشام ومصر والثغور والجزيرة والعراق والجبال ~~وفارس وخوزستان وخراسان واستوطن همذان وكان من المشهورين بالحفظ والمعرفة ~~بعلوم الحديث وله في ذلك مصنفات ومجموعات تدل على غزارة علمه وجودة معرفته ~~وصنف تصانيف كثيرة منها أطراف الكتب الستة وهي صحيح البخاري ومسلم وأبي ~~داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأطراف الغرائب تصنيف الدارقطني وكتاب ~~الأنساب في جزء لطيف وهو الذي ذيله الحافظ بن موسى الأصبهاني المذكور قبله ~~وغير ذلك من الكتب وكانت له معرفة بعلم التصوف وأنواعه متفننا فيه وله فيه ~~تصنيف أيضا وله شعر ms1118 حسن وكتب عنه غير واحد من الحفاظ منهم أبو موسى المذكور ~~وكانت ولادته في السادس من شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ببيت المقدس ~~وأول سماعه سنة ستين وأربعمائة ودخل بغداد سنة سبع وستين وأربعمائة ثم رجع ~~إلى بيت المقدس فأحرم من ثم إلى مكة وتوفي عند قدومه من الحج آخر حجاته يوم ~~الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة ببغداد ودفن في ~~المقبرة العتيقة بالجانب الغربي وقيل توفي يوم الخميس العشرين من الشهر ~~المذكور رحمه الله تعالى PageV04P287 # 181 وكان ولده أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر من ~~المشهورين بعلو الإسناد وكثرة السماع ولم يكن له معرفة بالعلم لكن كان ~~والده قد أسمعه في صباه من جماعة منهم أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الدوني ~~بالري وأبو الفتح عبدوس بن عبد الله بهمذان وأبو عبد الله محمد بن عثمان ~~الكامخي وأبو الحسن مكي ابن منصور السلار وقدم به بغداد فسمع بها من أبي ~~القاسم علي بن أحمد بن ريان وغيره وسكن بعد وفاة أبيه بهمذان وكان يقدم ~~بغداد للحج فحدث بها بأكثر سماعاته وسمع منه الوزير أبو المظفر يحيى بن ~~هبيرة وغيره وكان مولده بالري في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وتوفي يوم ~~الأربعاء شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة بهمذان رحمه الله تعالى ~~والقيسراني بفتح القاف والسين المهملة بينهما ياء مثناة من تحتها ثم راء ~~مفتوحة وبعد الألف نون هذه النسبة إلى قيسرية وهي بليدة بالشام على ساحل ~~البحر وهي الان بيد الفرنج خذلهم الله تعالى قلت ثم استنقذها من أيديهم ~~الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي في شهور سنة ثلاث وستين وستمائة ~~وخربها وهي الآن خراب PageV04P288 # 620 ابن منده أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده ~~العبدي الحافظ المشهور صاحب كتاب تاريخ أصبهان كان أحد الحفاظ الثقات وهم ~~أهل بيت كبير خرج منه جماعة من العلماء ولم يكونوا عبديين وإنما أم الحافظ ~~أبي عبد الله المذكور واسمها برة بنت محمد كانت من بني عبد ms1119 ياليل فنسب إلى ~~أخواله ذكر ذلك الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتاب زيادات الأنساب وقد تقدم ~~ذكره واستوفى رفع نسبها هناك فأضربت عن ذكره لطوله وكذلك ذكره الحازمي في ~~كتاب العجالة لكنه لم يرفع في نسبها وتوفي الحافظ أبو عبد الله المذكور في ~~سنة إحدى وثلاثمائة رحمه الله تعالى ومنده بفتح الميم والدال المهملة ~~بينهما نون ساكنة وفي الآخر هاء ساكنة أيضا وسيأتي ذكر حفيده يحيى بن عبد ~~الوهاب إن شاء الله تعالى PageV04P289 # 621 أبو عبد الله الفربري أبو عبد الله محمد بن يوسف ~~بن مطر بن صالح بن بشر الفربري راوية صحيح البخاري عنه رحل إليه الناس ~~وسمعوا منه هذا الكتاب وكانت ولادته في سنة إحدى وثلاثين ومائتين وتوفي في ~~ثالث شوال سنة عشرين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ونسبته إلى فربر بفتح الفاء ~~والراء وسكون الباء الموحدة وفي آخرها راء ثانية وهي بلدة على طرف جيحون ~~مما يلي بخارا وهو آخر من روى الجامع الصحيح عن البخاري 622 أبو عبد الله ~~الفراوي أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس ~~الصاعدي الفراوي النيسابوري الملقب كمال الدين الفقيه المحدث كان يختلف إلى ~~مجلس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني الفقيه الشافعي صاحب نهاية المطلب ~~وعلق عنه الأصول ونشأ بين الصوفية وكان فقيها محدثا مفننا مناظرا واعظا ~~وكان PageV04P290 # يحمل الطعام إلى المسافرين الواردين عليه ويخدمهم ~~بنفسه مع كبر سنه وخرج حاجا إلى مكة وعقد له مجلس الوعظ ببغداد وسائر ~~البلاد التي توجه إليها وأظهر العلم بالحرمين وعاد إلى نيسابور وقعد ~~للتدريس بالمدرسة الناصحية وقام بإمامة مسجد المطرز وسمع صحيح مسلم من عبد ~~الغافر الفارسي المقدم ذكره وصحيح البخاري من سعيد بن أبي سعيد وسمع من ~~الشيخ أبي إسحاق الشيرازي والحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي وأبي ~~القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري وإمام الحرمين وتفرد برواية عدة كتب ~~للحافظ البيهقي مثل دلائل النبوة والأسماء والصفات والبعث والنشور والدعوات ~~الكبيرة والصغيرة وكان يقال في حقه ms1120 الفراوي ألف راوي وكانت ولادته سنة إحدى ~~وقيل اثنتين وأربعين وأربعمائة بنيسابور وسمع الحديث سنه سبع وأربعين وتوفي ~~ضحوة يوم الخميس الحادي وقيل الثاني والعشرين من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة ~~رحمه الله تعالى والفراوي بضم الفاء وفتح الراء وبعدها الف ثم واو هذه ~~النسبة إلى فراوة وهي بليدة مما يلي خوارزم يقال لها رباط فراوة بناها عبد ~~الله بن طاهر في خلافة المأمون وهو يومئذ أمير خراسان وقد نقدم ذكره ~~PageV04P291 # 623 أبو بكر الآجري أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد ~~الله الآجري الفقيه الشافعي المحدث صاحب كتاب الأربعين حديثا وهي مشهورة به ~~وكان صالحا عابدا وروى عن أبي مسلم الكجي وأبي شعيب الحراني وأحمد بن يحيى ~~الحلواني والمفضل بن محمد الجندي وخلق كثير من أقرانهم ذكره محمد بن إسحاق ~~النديم في كتابه الذي سماه الفهرست وصنف في الفقه والحديث كثيرا وذكره ~~الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخه وقال كان ثقة صدوقا دينا وله ~~تصانيف كثيرة حدث ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة ثم أنتقل إلى مكة فسكنها ~~حتى توفي بها وروى عنه جماعة من الحافظ منهم أبو نعيم الأصبهاني صاحب كتاب ~~حلية الأولياء وغيره واخبرني بعض العلماء انه لما دخل إلى مكة حرسها الله ~~تعالى أعجبته فقال اللهم إرزقني الإقامة بها سنة فسمع هاتفا يقول له بل ~~ثلاثين سنة فعاش بعد ذلك ثلاثين سنة ثم مات بها في المحرم سنة ستين ~~وثلاثمائة قال الخطيب قرأت ذلك على بلاطة قبره بمكة PageV04P292 # والآجري بفتح الهمزة الممدودة وضم الجيم وتشديد الراء ~~هذه النسبة إلى الآجر ولا أعلم لأي معنى نسب إليه ورأيت حاشية على كتاب ~~الصلة صورتها الإمام أبو بكر الآجري نسب إلى قرية من قرى بغداد يقال لها ~~آجر واستوطن مكة حرسها الله تعالى وتوفي بها أول يوم من المحرم سنة ستين ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى 624 الحافظ محمد بن ناصر السلامي أبو الفضل محمد ~~بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر البغدادي الحافظ الأديب المعروف بالسلامي ~~كان حافظ بغداد ms1121 في زمانه وكان له حظ وافر من الأدب وأخذ الأدب عن الخطيب ~~أبي زكرياء التبريزي وخطه في غاية الصحة والإتقان وكان كثير البحث عن ~~الفوائد وإثباتها روى عن الأئمة فأكثروا واخذ عنه علماء عصره منهم الحافظ ~~أبو الفرج ابن الجوزي وأكثر روايته عنه وذكره الحافظ أبو سعد ابن السمعاني ~~في كتبه وكانت ولادته ليلة السبت خامس عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة ~~PageV04P293 # وتوفي ليلة الثلاثاء ثامن عشر شعبان سنة خمسين ~~وخمسمائة ببغداد وأخرج من الغد وصلي عليه بالقرب من جامع السلطان ثلاث مرات ~~وعبر به إلى جامع المنصور فصلي عليه ثم حمل إلى الحربية وصلي عليه ودفن ~~بباب حرب تحت السدرة بجنب أبي منصور ابن الأنباري الواعظ رحمه الله تعالى ~~والسلامي بفتح السين المهملة واللام ألف المخففة وبعدها ميم هذه النسبة إلى ~~مدينة السلام بغداد قال ابن السمعاني كذا كان يكتب لنفسه السلامي يعني ~~الحافظ المذكور 625 الحازمي أبو بكر محمد بن أبي عثمان موسى بن عثمان بن ~~موسى بن عثمان بن حازم الحازمي الهمذاني الملقب زين الدين أحد الحفاظ ~~المتقنين وعباد الله الصالحين حفظ القرآن الكريم وحضر بهمذان أبا الوقت عبد ~~الأول بن عيسى السجزي وسمع بها من أبي منصور شهردار بن شيرويه الديلمي وأبي ~~زرعة طاهر بن محمد المقدسي وأبي العلاء الحسن بن أحمد الحافظ وجماعة كثيرة ~~وتفقه ببغداد على الشيخ جمال الدين واثق بن فضلان وغيره وسمع الحديث ببغداد ~~من أبي الحسين عبد الحق وأبي نصر عبد الرحيم ابني عبد الخالق بن أحمد بن ~~يوسف وأبي الفتح PageV04P294 # عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل وغيرهم ثم عني بنفسه ~~فارتحل في طلبه إلى عدة بلاد من العراق إلى الشام والموصل وبلاد فارس ~~وأصبهان وهمذان وكثير من بلاد أذربيجان وكتب عن أكثر شيوخ هذه البلاد وغلب ~~عليه الحديث وبرع فيه واشتهر به وصنف فيه وفي غيره كتبا مفيدة منها الناسخ ~~والمنسوخ في الحديث وكتاب الفيصل في مشتبه النسبة وكتاب العجالة في النسب ~~وكتاب ما اتفق لفظه وافترق مسماه في ms1122 الأمالكن والبلدان المشتبهة في الخط ~~وكتاب سلسلة الذهب فيما روى الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشافعي رضي ~~الله عنهما وشروط الأئمة وغير ذلك من الكتب النافعة واستوطن بغداد وسكن ~~بالجانب الشرقي ولم يزل مواظب الاشتغال ملازم الخير إلى أن اخترمته المنية ~~وغصن شبابه نضير وذلك في ليلة الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ~~اربع وثمانين وخمسمائة بمدينة بغداد ودفن في المقبرة الشونيزية إلى جانب ~~سمنون بن حمزة مقابل قبر الجنيد رضي الله عنه بعد ان صلى عليه خلق كثير ~~برحبة جامع القصر وحمل إلى الجانب الغربي فصلي عليه مرة أخرى وفرق كتبه على ~~أصحاب الحديث وكانت ولادته في سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة بطريق ~~همذان وحمل إليها ونشأ بها رحمه الله تعالى والحازمي بفتح الحاء المهملة ~~وبعد الألف زاي مكسورة وبعدها ميم هذه النسبة إلى جده حازم المذكور ~~PageV04P295 # 626 الحافظ أبو بكر ابن العربي أبو بكر محمد بن عبد ~~الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي المعافري الأندلسي ~~الإشبيلي الحافظ المشهور ذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة فقال هو الحافظ ~~المستبحر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها لقيته بمدينة إشبيلية ~~ضحوة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ست عشرة وخمسمائة ~~فأخبرني أنه رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد مستهل شهر ربيع الأول سنة ~~خمس وثمانين وأربعمائة وانه دخل الشام ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد ~~الطرطوشي وتفقه عنده ودخل بغداد وسمع بها من جماعة من أعيان مشايخها ثم دخل ~~الحجاز فحج في موسم سنة تسع وثمانين ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر ~~الشاشي وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء والأدباء ثم صدر عنهم ولقي ~~بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين فكتب عنهم واستفاد منهم وافادهم ثم عاد ~~إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين وقدم إلى إشبيلية بعلم كثير لم يدخله أحد قبله ~~ممن كانت له رحلة إلى المشرق وكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها ~~والجمع لها مقدما ms1123 في المعارف كلها متكلما في أنواعها نافذا في جميعها حريصا ~~على أدائها ونشرها PageV04P296 # ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها ويجمع إلى ذلك كله ~~آداب الأخلافق مع حسن المعاشرة ولين الكنف وكثرة الاحتمال وكرم النفس وحسن ~~العهد وثبات الود واستقضي ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته وشدته ونفوذ ~~احكامه وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر ~~العلم وبثه وسألته عن مولده فقال ولدت ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ~~ثمان وستين وأربعمائة وتوفي بالعدوة ودفن بمدينة فأي في شهر ربيع الآخر سنة ~~ثلاث وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى انتهى كلام ابن بشكوال قلت أنا وهذا ~~الحافظ له مصنفات منها كتاب عارضة الأحوذي في شرح الترمذي وغيره من الكتب ~~وكانت ولادته بإشبيلية وقيل إن ولادته كانت سنة تسع وستين وقيل إن وفاته ~~كانت في جمادى الأولى على مرحلة من فاس عند رجوعه من مراكش ونقل إلى فاس ~~ودفن بمقبرة الجياني 182 وتوفي والده بمصر منصرفا عن المشرق في السفرة التي ~~كان ولده المذكور في صحبته وذلك في المحرم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة ~~ومولده سنة خمس وثلاثين وكان من أهل الآداب الواسعة والبراعة والكتابة رحمه ~~الله تعالى وقد تقدم الكلام على المعافري والإشبيلي ومعنى عارضة الأحوذي ~~فالعارضة القدرة على الكلام يقال فلان شديد العارضة إذا كان ذا قدرة على ~~الكلام والأحوذي الخفيف في الشيء لحذقه وقال الأصمعي الأحوذي المشمر في ~~الأمور القاهر لها الذي لا يشذ عليه منها شيء وهو بفتح الهمزة وسكون الحاء ~~المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وفي آخره ياء مشددة PageV04P297 # 627 النقاش المفسر أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن ~~زياد بن هارون بن جعفر بن سند المقرئ المعروف بالنقاش الموصلي الأصل ~~البغدادي المولد والمنشأ وكان عالما بالقرآن والتفسير وصنف في التفسير ~~كتابا سماه شفاء الصدور وصنف غيره فمن ذلك الإشارة في غريب القرآن والموضح ~~- في القرآن ومعانيه وصد العقل والمناسك وفهم المناسك وأخبار القصاص وذم ~~الحسد ودلائل النبوة والأبواب في ms1124 القرآن وإرم ذات العماد والمعجم الأوسط ~~والمعجم الأصغر والمعجم الكبير في إسماء القرآن وقراءاتهم وكتاب السبعة ~~بعللها الكبير وكتاب السبعة الوسط وكتاب السبعة الأصغر وسافر الكثير شرقا ~~وغربا وسمع بالكوفة والبصرة ومكة ومصر والشام والجزيرة والموصل والجبال ~~وخراسان وما وراء النهر وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة وذكر النقاش عند ~~طلحة بن محمد بن جعفر فقال كان يكذب في الحديث والغالب عليه القصص وروى عن ~~جماعة من العلماء ورووا عنه وقال البرقاني كل حديث النقاش مناكير وليس في ~~تفسيره حديث صحيح وكانت ولادته سنة ست وقيل خمس وستين ومائتين وتوفي يوم ~~الثلاثاء ودفن يوم الأربغاء لثلاث خلون من شوال سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ~~رحمه PageV04P298 # الله تعالى ويقال توفي سنة خمسين وقيل اثنتين وخمسين ~~وثلاثمائة والله أعلم والنقاش بفتح النون والقاف المشددة وبعد الألف شين ~~معجمة هذه النسبة إلى من ينقش السقوف والحيطان وغيرهما وكان أبو بكر ~~المذكور في مبدأ أمره يتعاطى هذه الصنعة فعرف بها 628 ابن شنبوذ المقرئ أبو ~~الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ المقرئ البغدادي كان من ~~مشاهير القراء وأعيانهم وكان ذينا وفيه سلامة صدر وفيه حمق وقيل إنه كان ~~كثير اللحن قليل العلم وتفرد بقراءات من الشواذ كان يقرأ بها في المحراب ~~فأنكرت عليه وبلغ ذلك الوزير أبا علي محمد بن مقلة الكاتب المشهور وقيل له ~~إنه يغير حروفا من القرآن ويقرأ بخلاف ما أنزل فاستحضره في أول شهر ربيع ~~الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وأعتقله في داره أياما فلما كان يوم الأحد ~~لسبع خلون من الشهر المذكور استحضر الوزير المذكور القاضي أبا الحسين عمر ~~بن محمد وأبا بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقرئ وجماعة من أهل ~~القرآن واحضر ابن شنبوذ المذكور ونوظر بحضرة الوزير فأغلظ في الخطاب للوزير ~~والقاضي وأبي بكر ابن مجاهد ونسبهم إلى قلة المعرفة وعيرهم بأنهم ما سافروا ~~في طلب العلم كما سافر واستصبى القاضي أبا الحسين المذكور فأمر الوزير أبو ~~علي بضربه فأقيم وضرب سبع ms1125 درر فدعا وهو يضرب على الوزير ابن مقلة بأن يقطع ~~الله يده ويشتت شمله فكان PageV04P299 # الأمر كذلك كما سيأتي في خبر ابن مقلة إن شاء الله ~~تعالى ثم أوقفوه على الحروف التي قيل إنه يقرأ بها فأنكر ما كان شنيعا وقال ~~فيما سواه إنه قرأ به قوم فاستتابوه فتاب وقال إنه قد رجع عما كان يقرؤه ~~وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقراءة المتعارفة ~~التي يقرأ بها تالناس فكتب عليه الوزير محضرا بما قاله وأمره أن يكتب خطه ~~في آخره فكتب ما يدل على توبته ونسخة المحضر سئل محمد بن أحمد المعروف بابن ~~شنبوذ عما حكي عنه أنه يقرؤه وهو * (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله) * فاعترف به وعن * (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) * فاعترف به ~~وعن * (تبت يدا أبي لهب وتب) * فاعترف به وعن * (كالعهن المنفوش) * فاعترف ~~به وعن * (فاليوم ننجيك ببدنك) * فاعترف به وعن * (وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا) * فاعترف به وعن فلما خر تبينت الإنس ان الجن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين فاعترف به وعن * (والليل إذا يغشى ~~والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى) * فاعترف به وعن * (فقد كذبتم ~~فسوف يكون لزاما) * فاعترف به وعن * (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) * فاعترف به وعن * ~~(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) * فاعترف به وكتب الشهود ~~الحاضرون شهاداتهم في المحضر حسبما سمعوه من لفظه وكتب ابن شنبوذ بخطه ما ~~صورته يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ ما في هذه الرقعة صحيح ~~وهو قولي واعتقادي وأشهد الله عز وجل وسائر من حضر على نفسي بذلك وكتب بخطه ~~فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره فأمير المؤمنين في حل من دمي وسعة وذلك يوم ~~الأحد PageV04P300 # لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين ~~وثلاثمائة في مجلس الوزير أبي علي محمد بن ms1126 علي بن مقلة أدام الله توفيقه ~~وكلم أبو أيوب السمسار الوزير أبا علي في أمره وسأله في إطلاقه وعرفه أنه ~~إن صار إلى منزله قتلته العامة وسأله أن ينفذه في الليل سرا إلى المدائن ~~ليقيم بها أياما ثم يدخل إلى منزله ببغداد مستخفيا ولا يظهر بها أياما ~~فأجابه الوزير إلى ذلك وأنفذه إلى المدائن وتوفي يوم الاثنين لثلاث خلون من ~~صفر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ببغداد وقيل غنه توفي في محبسه بدار السلطان ~~رحمه الله تعالى 183 وتوفي أبو بكر ابن مجاهد المذكور يوم الأربعاء لإحدى ~~عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ودفن في تربة له بسوق ~~العطش وكان مولده سنة خمس وأربعين ومائتين رحمه الله تعالى وشنبوذ بفتح ~~الشين المعجمة والنون وضم الباء الموحدة وسكون الواو وبعدها ذال معجمة 629 ~~ابن السماك أبو العباس محمد بن صبيح المذكر مولى بني عجل المعروف بابن ~~السماك القاص الكوفي الزاهد المشهور كان زاهدا عابدا حسن الكلام صاحب مواعظ ~~جمع كلامه وحفظ ولقي جماعة من الصدر الأول واخذ عنهم مثل هشام بن ~~PageV04P301 # عروة والأعمش وغيرهما وروى عن أحمد بن حنبل وأنظاره ~~وهو كوفي قدم بغداد زمن هارون الرشيد فمكث بها مدة ثم رجع إلى الكوفة فمات ~~بها ومن كلامه خف الله كأنك لم تطعه وارج الله كأنك لم تعصه وكان هارون ~~الرشيد قد حلف أنه من أهل الجنة فاستفتى العلماء فلم يفته أحد بأنه من ~~أهلها فقيل له عن ابن السماك المذكور فاستحضره وسأله فقال له هل قدر أمير ~~المؤمنين على معصية فتركها خوفا من الله تعالى فقال نعم كان لبعض الزامي ~~جارية فهويتها وانا إذ ذاك شاب ثم إني ظفرت بها مرة وعزمت على ارتكاب ~~الفاحشة معها ثم إني فكرت في النار وهولها وأن الزنا من الكبائر فأشفقت من ~~ذلك وكففت عن الجارية مخافة من الله تعالى فقال له ابن السماك أبشر يا أمير ~~المؤمنين فإنك من أهل الجنة فقال هارون ومن أين لك هذا فقال من قوله تعالى ms1127 ~~* (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) * ~~(النازعات: 40) فسر هارون بذلك ودخل على بعض الرؤساء يشفع إليه في رجل فقال ~~له إني أتيتك في حاجة وإن الطالب والمطلوب منه عزيزان إن قضيت الحاجة ~~ذليلان إن لم تقضها فاختر لنفسك عز البذل على ذل المنع واختر لي عز النجح ~~على ذل الرد فقضى حاجته ومن كلامه من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها ~~جرعته الآخرة مرارتها بتجافيها عنه وتكلم يوما وجاريته تسمع كلامه فقال لها ~~كيف سمعت كلامي فقالت هو حسن لولا انك تردده فقال أردده كي يفهمه من لم ~~يفهمه فقالت إلى أن يفهمه من لم يفمهه يمله من فهمه واخباره ومواعظه كثيرة ~~وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة بالكوفة رحمه الله تعالى والسماك بفتح السين ~~المهملة والميم المشددة وبعد الألف كاف هذه النسبة إلى بيع السمك وصيده ~~PageV04P302 # 630 أبو طالب المكي أبو طالب محمد بن علي بن عطية ~~الحارثي الواعظ المكي صاحب كتاب قوت القلوب كان رجلا صالحا مجتهدا في ~~العبادة ويتكلم في الجامع وله مصنفات في التوحيد ولم يكن من أهل مكة وإنما ~~كان من أهل اللجبل وسكن مكة فنسب إليها وكان يستعمل الرياضة كثيرا حتى قيل ~~إنه هجر الطعام زمانا واقتصر على أكل الحشائش المباحة فاخضر جلده من كثرة ~~تناولها ولقي جماعة من المشايخ في الحديث وعلم الطريقة واخذ عنهم ودخل ~~البصرة بعد وفاة أبي الحسن ابن سالم فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فوعظ ~~الناس فخلط في كلامه فتركوه وهجروه وقال محمد بن طاهر المقدسي في كتاب ~~الأنساب إن أبا طالب المكي المذكور لما دخل بغداد واجتمع الناس عليه في ~~مجلس الوعظ خلط في كلامه وحفظ عنه أنه قال ليس على المخلوقين أضر من الخالق ~~فبدعه الناس وهجروه وامتنع من الكلام بعد ذلك وله كتب في التوحيد وتوفي لست ~~خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثمانين وثلاثمائة ببغداد ودفن بمقبرة ~~المالكية وقبره بالجانب الشرقي وهنو مشهور هناك يزار رحمه الله تعالى ~~والحارثي بفتح ms1128 الحاء المهملة وبعد الألف راء مكسورة ثم ثاء مثلثة هذه ~~النسبة إلى عدة قبائل منها الحارث ومنها الحارثة ولا أدري إلى أيها ينسب ~~PageV04P303 # أبو طالب المذكور من هذه القبائل والمكي نسبة إلى مكة ~~حرسها الله تعالى 631 ابن سمعون الواعظ أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل ~~بن عنبس بن إسماعيل الواعظ البغدادي المعروف بابن سمعون كان وحيد دهره في ~~الكلام على الخواطر وحسن الوعظ وحلاوة الإشارة ولطف العبارة أدرك جماعة من ~~جلة المشايخ وروى عنهم منهم الشيخ أبو بكر الشبلي رحمه الله تعالى وأنظاره ~~ومن كلامه ما رواه الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد المقدم ذكره قال سمعت ~~ابن سمعون يوما وهو على الكرسي في مجلس وعظه يقول سبحان من انطق باللحم ~~وبصر بالشحم وأسمع بالعظم إشارة إلى اللسان والعين والأذن وهذه من لطائف ~~الإشارات ومن كلامه أيضا رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءة فاستحالت ديانة ~~وله كل معنى لطيف وكان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير ولهم به غرام شديد ~~وإياه عنى الحريري صاحب المقامات في المقامة الحادية والعشرين وهي الرازية ~~بقوله في أوائلها رأيت بها ذات بكرة زمرة أثر زمرة وهم منتشرون انتشار ~~الجراد ومستنون استنان الجياد ومتواصفون واعظا يقصدونه ويحلون ابن سمعون ~~دونه ولم يأت بعده في الوعاظ مثله PageV04P304 # وتوفي في ذي الحجة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وقيل بل ~~توفي يوم الجمعة منتصف ذي القعدة من السنة المذكورة ببغداد ودفن في داره ~~بدرب العتابين لم نقل يوم الخميس حادي عشر رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة ~~ودفن بباب حرب وقيل إن أكفانه لم تكن بليت بعد رحمه الله تعالى وسمعون بفتح ~~السين المهملة وسكون الميم وضم العين المهملة وسكون الواو وبعدها نون قيل ~~إن جده إسماعيل غير اسمه فقيل سمعون وعنبس بفتح العين المهملة وسكون النون ~~وفتح الباء الموحدة وبعدها سين مهملة وهو في الأصل اسم الأسد وبه سمي الرجل ~~وهو فنعل من العبوس والنون زائدة 632 الشيخ أبو عبد الله القرشي أبو عبد ~~الله محمد بن أحمد بن ms1129 إبراهيم القرشي الهاشمي العبد الزاهد الصالح من أهل ~~الجزيرة الخضراء كانت له كرامات ظاهرة ورأيت أهل مصر يحكون عنه أشياء خارقة ~~ورأيت جماعة ممن صحبه وكل منهم قد نما عليه من بركته وذكروا عنه انه وعد ~~جماعته الذين صحبوه مواعيد من الولايات والمناصب العلية وأنها صحت كلها ~~وكان من السادات الأكابر والطراز الأول وهو مغربي وصحب بالمغرب أعلام ~~الزهاد وانتفع بهم فلما وصل إلى مصر أنتفع به من صحبه أو شاهده ثم سافر إلى ~~الشام قاصدا زيارة البيت المقدس فأقام به إلى أن مات في السادس من ذي الحجة ~~سنة تسع وتسعين وخمسمائة PageV04P305 # وصلي عليه بالمسجد الأقصى وهو ابن خمس وخمسين سنة رحمه ~~الله تعالى وقبره ظاهر يقصد للزيارة والتبرك به والجزيرة الخضراء في بر ~~الأندلس مدينة قبالة سبتة من بر العدوة ومن جملة وصاياه لأصحابه سيروا إلى ~~الله تعالى عرجا ومكاسير فإن انتظار الصحة بطالة 633 ابن الأعرابي أبو عبد ~~الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الكوفي صاحب اللغة وهو من موالي ~~بني هاشم فإنه مولى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد ~~المطلب رضي الله عنه وكان أبوه زيادا عبدا سنديا وقيل إنه من موالي بني ~~شيبان وقيل غير ذلك والأول أصح وكان أحول راوية لأشعار القبائل ناسبا وكان ~~أحد العالمين باللغة المشهورين بمعرفتها يقال لم يكن في الكوفيين أشبه ~~برواية البصريين منه وهو ربيب المفضل بن محمد الضبي صاحب المفضليات كانت ~~أمه تحته واخذ الأدب عن أبي معاوية الضرير والمفضل الضبي والقاسم بن معن بن ~~عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الذي ولاه المهدي القضاء والكسائي وأخذ ~~عنه إبراهيم الحربي وأبو العباس PageV04P306 # ثعلب وابن السكيت وغيرهم وناقش العلماء واستدرك عليهم ~~وخطأ كثيرا من نقلة اللغة وكان رأسا في كلام العرب وكان يزعم أن أبا عبيدة ~~والأصمعي لا يحسنان شيئا وكان يقول جائز في كلام العرب أن يعاقبوا بين ~~الضاد والظاء فلا يخطئ من يجعل هذه في موضع هذه وينشد (إلى ms1130 الله أشكو من ~~خليل أوده * ثلاث خلال كلها لي غائض) بالضاد ويقول هكذا سمعته من فصحاء ~~العرب وكان يحضر مجلسه خلق كثير من المستفيدين ويملي عليهم قال أبو العباس ~~ثعلب شاهدت مجلس ابن الأعرابي وكان يحضره زهاء مائة إنسان وكان يسأل ويقرأ ~~عليه فيجيب من غير كتاب ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابا قط ولقد ~~املى على الناس ما يحمل على أجمال ولم ير أحد في علم الشعر أغزر منه ورأى ~~في مجلسه يوما رجلين يتحادثان فقال لأحدهما من أين أنت فقال من إسبيجات ~~وقال للآخر من أين أنت فقال من الأندلس فعجب من ذلك وأنشد (رفيقان شتى الف ~~الدهر بيننا * وقد يلتقي الشتى فيأتلفان) ثم أملى على من حضر مجلسه بقية ~~الأبيات وهي (نزلنا على قيسية يمنية * لها نسب في الصالحين هجان) (فقالت ~~وأرخت جانب الستر بيننا * لأية أرض أم من الرجلان) (فقلت لها أما رفيقي ~~فقومه * تميم واما أسرتي فيماني) (رفيقان شتى ألف الدهر بيننا * وقد يلتقي ~~الشتى فيأتلفان) ومن أماليه ما رواه أبو العباس ثعلب قال أنشدنا ابن ~~الأعرابي محمد بن زياد المذكور PageV04P307 # (سقى الله حيا دون بطنان دارهم * وبورك في مرد هناك ~~وشيب) (وإني وإياهم على بعد دارهم * كخمر بماء في الزجاج مشوب) ومن تصانيفه ~~كتاب النوادر وهو كبير وكتاب الأنواء وكتاب صفة النخل وكتاب صفة الزرع ~~وكتاب النبات وكتاب الخيل وكتاب تاريخ القبائل وكتاب معاني الشعر وكتاب ~~تفسيرالأمثال وكتاب الألفاظ وكتاب نسب الخيل وكتاب نوادر الزبيريين وكتاب ~~نوادر بني فقعس وكتاب الذباب وغيرذلك وأخباره ونوادره وأماليه كثيرة وقال ~~ثعلب سمعت ابن الأعرابي يقول ولدت في الليلة التي مات فيها الإمام أبو ~~حنيفة رضي الله عنه وذلك في رجب سنة خمسين ومائة على الصحيح وتوفي لأربع ~~عشرة ليلة خلت من شعبان وقال الطبري في تاريخه توفي يوم الأربعاء ثالث عشر ~~الشهر المذكور سنة إحدى وثلاثين ومائتين بسر من رأى وقيل سنة ثلاثين ~~ومائتين والأول أصح وصلى عليه القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي المقدم ms1131 ذكره ~~والأعرابي بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الراء وبعد الألف باء ~~موحدة هذه النسبة إلى الأعراب قال أبو بكر محمد بن عزيز السجستاني المعروف ~~بالعزيزي في كتابه الذي فسر فيه غريب القرآن الكريم يقال رجل أعجم وأعجمي ~~أيضا إذا كان في لسانه عجمة وإن كان من العرب ورجل عجمي منسوب إلى العجم إن ~~كان فصيحا ورجل أعرابي إذا كان بدويا وإن لم يكن من العرب ورجل عربي منسوب ~~إلى العرب وإن لم يكن بدويا وإسبيجاب بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وكسر ~~الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الجيم وبعد الألف باء ~~موحدة وهي مدينة من أقصى بلاد الشرق وأظنها من إقليم الصين أو قريبة منه ~~PageV04P308 # وبطنان بضم الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة وبين ~~النونين الف وهو جمع بطن وهو الغامض من الأرض 634 الكلبي أبو النضر محمد بن ~~السائب بن بشر وقيل مبشر بن عمرو الكلبي وقال محمد بن سعد هو محمد بن ~~السائب الكلبي بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عبد العزى بن ~~امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدون ابن كنانة بن عوف بن عذرة ~~بن زيد بن عبد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب ثم كشف كتاب النسب لهشام بن ~~الكلبي فساق نسبهم على هذه الصورة إلا أنه أسقط منه عبد الحارث فقط والباقي ~~صحيح الكوفي صاحب التفسير وعلم النسب كان إماما في هذين العلمين حكى ولده ~~هشام عنه قال دخلت على ضرار بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي بالكوفة ~~وإذا عنده رجل كأنه جرذ يتمرغ في الحر وهو الفرزدق الشاعر فغمزني ضرار وقال ~~سله ممن أنت فسأليه فقال إن كنت نسابا فانسبني فإني من بني تميم فابتدأت ~~أنسب تميما حتى بلغت إلى غالب وهو والد الفرزدق فقلت وولد غالب PageV04P309 # هماما وهو اسم الفرزدق كما سيأتي في ترجمته في حرف ~~الهاء إن شاء الله تعالى فاستوى الفرزدق جالسا وقال والله ما سماني به ~~أبواي ولا ms1132 ساعة من النهار فقلت والله إني لأعرف اليوم الذي سماك فيه أبوك ~~الفرزدق فقال وأي يوم فقلت بعثك في حاجة فخرجت تمشي وعليك مستقة فقال والله ~~لكأنك فرزدق دهقان قرية قد سماها بالجبل فقال صدقت والله ثم قال أتروي شيئا ~~من شعري فقلت لا ولكن أروي لجرير مائة قصيدة فقال تروي لابن المراغة ولا ~~تروي لي والله لأهجون كلبا سنة أو تروي لي كما رويت لجرير فجعلت اختلف إليه ~~اقرأ عليه النقائض خوفا منه وما لي في شيء منها حاجة قلت المستقة بضم الميم ~~وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وهي الفروة طويلة الكم ~~والجمع مساتق وفيها لغة أخرى بفتح التاء وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ~~يصلي وعليه مستقة من سندس وروي عن أنس بن مالك ان ملك الروم أهدى إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مستقة من سندس فلبسها فكأني أنظر إلى يديه قد بدتا ~~ثم بعث بها إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال ابعث بها إلى أخيك ~~النجاشي وقال النضر بن شميل المستقة الجبة الوسعة وكان الكلبي المذكور من ~~أصحاب عبد الله بن سبأ الذي يقول إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يمت ~~وإنه راجع إلى الدنيا وروى عن سفيان الثوري ومحمد بن إسحاق وكانا يقولان ~~حدثنا أبو النضر حتى لا يعرف وشهد الكلبي المذكور دير الجماجم مع عبد ~~الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي PageV04P310 # وشهد جده بشر وبنوه السائب وعبيد وعبد الرحمن وقعة ~~الجمل وصفين مع علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وقتل السائب مع مصعب بن ~~الزبير وفيه يقول ابن ورقاء النخعي (فمن مبلغ عني عبيدا بأنني * علوت أخاه ~~بالحسام المهند) (فإن كنت تبغي العلم عنه فإنه * مقيم لدى الديرين غير ~~موسد) (وعمدا علوت الرأس منه بصارم * فأثكلته سفيان بعد محمد) سفيان ومحمد ~~ابنا السائب وذكر هشام بن الكلبي المذكور في كتاب جمهرة النسب أن جدهم عبد ~~العزى كان جميلا شريفا ms1133 وقد وفد على بعض بني جفنة بأفراس فقبلها وأعجبه ~~حديثه وكان يسامره فقتلت بنو كنانة ابنا له فقال لعبد العزى ائتني بهم فقال ~~إنهم قوم أحرار ليس لي عليهم فضل وكتب إلى قومه ينذرهم فقال في شعر له طويل ~~(جزاني جزاه الله شر جزائه * جزاء سنمار وما كان ذا ذنب) وسنمار هو الذي ~~بنى الخورنق على باب الحيرة للنعمان الأكبر ابن امريء القيس ملك الحيرة ~~فألقاه من أعلاه فقتله وقصته طويلة مشهورة فلا حاجة إلى ذكرها وتوفي محمد ~~الكلبي المذكور سنة ست وأربعين ومائة بالكوفة رحمه الله تعالى وسيأتي ذكر ~~ولده أبي المنذر هشام النسابة في حرف الهاء إن شاء الله تعالى والكلبي بفتح ~~الكاف وسكون اللام وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى كلب بن وبرة وهي قبيلة ~~كبيرة من قضاعة ينسب إليها خلق كثير والمستقة لفظة فارسية معربة ~~PageV04P311 # 635 قطرب أبو علي محمد بن المستنير بن أحمد النحوي ~~اللغوي البصري مولى سالم بن زياد المعروف بقطرب أخذ الأدب عن سيبويه وعن ~~جماعة من العلماء البصريين وكان حريصا على الاشتغال والتعلم وكان يبكر إلى ~~سيبويه قبل حضور أحد من التلامذة فقال له يوما ما أنت إلا قطرب ليل فبقي ~~عليه هذا اللقب وقطرب اسم دويبة لا تزال تدب ولا تفتر وهو بضم القاف وسكون ~~الطاء المهملة وضم الراء وبعدها باء موحدة وكان من أئمة عصره وله من ~~التصانف كتاب معاني القرآن وكتاب الإشتقاق وكتاب القوافي وكتاب النوادر ~~وكتاب الأزمنة وكتاب الفرق وكتاب الأصوات وكتاب الصفات وكتاب العلل في ~~النحو وكتاب الأضداد وكتاب خلق الفرس وكتاب خلق الإنسان وكتاب غريب الحديث ~~وكتاب الهمز وفعل وأفعل والرد على الملحدين في تشابه القرآن وغير ذلك وهو ~~أول من وضع المثلث في اللغة وكتابه وإن كان صغيرا لكن له فضيلة السبق وبه ~~إقتدى أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي المقدم ذكره وكتابه كبير ورأيت ~~مثلثا آخر لشخص آخر تبريزي وليس هو الخطيب أبو زكريا التبريزي الآتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى بل غيره ms1134 ولا أستحضر PageV04P312 # الآن اسمه وهو كبير أيضا وما اقصر فيه وما نهج لهم ~~الطريق إلا قطرب المذكور وكان قطرب معلم أولاد أبي دلف العجلي المقدم ذكره ~~وروى له ابن المنجم في كتاب البارع بيتين وهما (إن كنت لست معي فالذكر منك ~~معي * يراك قلبي وإن غيبت عن بصري) (والعين تبصر من تهوى وتفقده * وباطن ~~القلب لا يخلو من النظر) هذان البيتان مشهوران ولا أعلم أنهما له إلا من ~~هذا الكتاب وتوفي سنة ست ومائتين رحمه الله تعالى ويقال إن اسمه محمد وقيل ~~الحسن بن محمد والأول أصح والله أعلم بالصواب والمستنير بضم الميم وسكون ~~السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وكسر النون وسكون الياء المثناة ~~من تحتها وبعدها راء 636 المبرد أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن ~~عمير بن حسان بن سليمان بن سعد ابن عبد الله بن زيد بن مالك بن الحارث بن ~~عامر بن عبد الله بن بلال بن PageV04P313 # عوف بن أسلم وهو ثمالة بن أحجن بن كعب بن الحارث بن ~~كعب بن عبد الله بن مالك بن النضر بن الأسد بن الغوث وقال ابن الكلبي عوف ~~بن أسلم هو ثمالة والأسد هو الأزد الثمالي الأزدي البصري المعروف بالمبرد ~~النحوي نزل بغداد وكان إماما في النحو واللغة وله التواليف النافعة في ~~الأدب منها كتاب الكامل وكتاب الروضة والمقتضب وغير ذلك أخذ الأدب عن أبي ~~عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني وقد تقدم ذكرهما وأخذ عنه نفطويه وقد ~~تقدم ذكره وغيره من الأئمة وكان المبرد المذكور وأبو العباس أحمد بن يحيى ~~الملقب بثعلب صاحب كتاب الفصيح عالمين متعاصرين قد ختم بهما تاريخ الأدباء ~~وفيهما يقول بعض أهل عصرهما من جملة أبيات وهو أبو بكر بن أبي الأزهر (أيا ~~طالب العلم لاتجهلن * وعذ بالمبرد أو ثعلب) (تجد عند هذين علم الورى * فلا ~~تك كالجمل الأجرب) (علوم الخلائق مقرونة * بهذين في الشرق والمغرب) وكان ~~المبرد يحب الاجتماع في المناظرة بثعلب والاستكثار منه وكان ثعلب يكره ذلك ~~ويمتنع منه ms1135 وحكى أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الفقيه الموصلي وكان ~~صديقهما قال قلت لأبي عبد الله الدينوري ختن ثعلب لم يأبى ثعلب الاجتماع ~~بالمبرد فقال لأن المبرد حسن العبارة حلو الإشارة فصيح اللسان ظاهر البيان ~~وثعلب مذهبه مذهب المعلمين فإذا اجتمعا في محفل حكم للمبرد على الظاهر إلى ~~أن يعرف الباطن وكان المبرد كثير الأمالي حسن النوادر فما أملاه أن المنصور ~~أبا جعفر PageV04P314 # ولى رجلا على الإجراء على العميان والأيتام والقواعد ~~من النساء اللواتي أزوج لهن فدخل على هذا المتولي بعض المتخلفين ومعه ولده ~~فقال له إن رأيت أصلحك الله أن تثبت اسمي مع القواعد فقال له المتولي ~~القواعد نساء فكيف أثبتك فيهن فقال ففي العميان فقال اما هذا فنعم فإن الله ~~تعالى يقول * (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) * ~~(الحج: 46) فقال وثبت ولدي في الأيتام فقال وهذا افعله أيضا فإنه من تكن ~~أنت أباه فهو يتيم فانصرف عنه وقد أثبته في العميان وولده في الأيتام وطلب ~~بعض الأكابر من المبرد معلما لولده فبعث شخصا وكتب معه قد بعثت به وأنا ~~أتمثل فيه (إذا زرت الملوك فإن حسبي * شفيعا عندهم أن يخبروني) ومعنى هذا ~~البيت مأخوذ من كلام أحمد بن يوسف كاتب المأمون وقد أهدى إليه ثوب وشي في ~~يوم نيروز وقد أهديت إلى أمير المؤمنين ثوب وشي يصف نفسه والسلام وحكى عنه ~~أبو بكر ابن أبي الأزهر بشيء طريف في هذا قال حدثني محمد بن يزيد قال قال ~~لي المازني يا أبا العباس بلغني انك تنصرف من مجلسنا فتصير إلى مواضع ~~المجانين والمعالجين فما معناك في ذاك قال فقلت له ان لهم اعزك الله طرائف ~~الكلام وعجائب من الأقسام فقال حدثني بأعجب ما رأيته منهم فقلت دخلت يوما ~~إلى مستقرهم مع ابن أبي خميصة وكان المتقلد عليهم النفقة والمتقلد أحوالهم ~~فرأيت مراتبهم على مقدار بليتهم فمررت على شيخ منهم تلوح صلعته وتبرق ~~بالدهن جبهته وهو جالس على حصير نظيف ووجهه إلى القبلة كأنه يريد ms1136 الصلاة ~~فجاوزته إلى غيره فناداني سبحان الله أين السلام من أولى به انا أو أنت ~~فاستحسنت منه وقلت السلام عليكم فقال لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الرد ~~عليك على أننا نصرف سوء PageV04P315 # أدبك لأحسن جهاته من العذر لأنه كان يقال إن للقادم ~~دهشة اجلس أعزك الله عندنا وأومأ إلى موضع من حصيره ينفضه كأنه يوسعه لي ~~فعزمت على الدنو فناداني ابن أبي خميصة إياك إياك فاحجمت عن ذلك ووقفت ~~ناحية أستجلب مخاطبته وارصد الفائدة منه ثم قال لي وقد رأى معي محبرة يا ~~هذا أرى معك آلة رجلين أرجو ألا تكون أحدهما أتجالس أصحاب الحديث الأغثاث ~~أم الأدباء من أصحاب النحو والشعر قلت الأدباء قال أتعرف ابا عثمان المازني ~~قلت نعم اعرفه معرفة تامة قال أفتعرف الذي يقول فيه (وفتى من مازن * ساد ~~أهل البصرة) (أمه معروفة * وأبوه نكره) قلت لا أعرفه قال أفتعرف غلاما له ~~قد نبغ في هذا العصر معه ذهن وله حفظ وقد برز في النحو وجلس مجلس صاحبه ~~وشاركه فيه يعرف بالمبرد فقلت أنا والله عين الخبير به قال فهل أنشدك شيئا ~~من غثيثات أشعاره قلت لا أحسبه يحسن قول الشعرقال يا سبحان الله أليس الذي ~~يقول (حبذا ماء العناقيد * بريق الغانيات) (بهما ينبت لحمي * ودمي أي نبات) ~~(أيها الطالب أشهى * من لذيذ الشهوات) (كل بماء المزن تفاح * خدود ~~الناعمات) قلت قد سمعته ينشدها في مجلس الأنس قال يا سبحان الله أو يستحب ~~ان ينشد مثل هذا حول الكعبة ما تسمع الناس يقولون في نسبه قلت يقولون إنه ~~من الأزد أزد شنوءة ثم من ثمالة قال قاتله الله ما أبعد غوره أتعرف قوله ~~(سألنا عن ثمالة كل حي * فقال القائلون ومن ثماله) (فقلت محمد بن يزيد منهم ~~* فقالوا زدتنا بهم جهاله) PageV04P316 # (فقال لي المبرد خل قومي * فقومي معشر فيهم نذاله) ~~فقلت أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذل يقولها فيه قال كذب من أدعاها ~~غيره هذا كلام رجل لا نسب له يريد ان يثبت بهذا ms1137 الشعر نسبا له قلت أنت اعلم ~~قال يا هذا قد غلبت بخفة روحك على قلبي وتمكنت من إنصاتك من استحساني وقد ~~أخرت ما كان يجب ان أقدمه الكنية أصلحك الله قلت أبو العباس قال فالاسم قلت ~~محمد قال فالأب قلت يزيد قال قبحك الله أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدمت ~~ذكره ثم وثب باسطا كفه لمصافحتي فرأيت القيد في رجله قد شد إلى خشبة في ~~الأرض فأمنت عند ذلك غائلته فقال لي يا أبا العباس صن نفسك عن الدخول إلى ~~هذه المواضع فليس يتهيأ لك في كل وقت أن تصادف مثلي على مثل هذه الحال ~~الجميلة أنت المبرد أنت المبرد أنت الملبرد وجعل يصفق وقد انقلبت عينه ~~وتغيرت حليته فبادرت مسرعا خوفا من أن يبدر لي منه شيء أو و بادرة وقبلت ~~والله قوله فلم أعاود الدخول إلى محبس ولا غيره وقال أبو العباس المبرد ما ~~تنادر أحد علي ما تنادر به سذاب الوراق فإنني إجتزت يوما به وهو قاعد بباب ~~داره فقال لي إلى اين ولاطفني وعرض علي القرى فقلت له ما عندك فقال عندي ~~أنت وعليه انا يشير إلى اللحم المبرد بالسذاب وذكر ان رجلا عاد المبرد ~~بالبصرة مع جماعة فغنت جارية من وراء ستارة (وقالوا لها هذا حبيبك معرض * ~~فقالت ألا إعراضه أيسر الخطب) (فما هي إلا نظرة بتبسم * فتصطك رجلاه ويسقط ~~للجنب) فطرب كل من حضر إلا المبرد فقال له صاحب المجلس كنت أحق بالطرب ~~فقالت الجارية دعه يا مولاي فإنه سمعني أقول هذا حبيبك معرض فظنني لحنت ولم ~~يعلم أن ابن مسعود قرأ (وهذا بعلي شيخ) (هود: 72) قال فطرب المبرد من قولها ~~إلى أن شق ثوبه PageV04P317 # وكنت رأيت المبرد المذكور في المنام وجرى لي معه قصة ~~عجيبة فأحببت ذكرها وذلك أني كنت بالإسكندرية في بعض شهور سنة ست وثلاثين ~~وستمائة وأقمت بها خمسة اشهر وكان عندي كتاب الكامل للمبرد وكتاب العقد ~~لابن عبد ربه وانا أطالع فيهما فرأيت في العقد في فصل ترجمه بقوله ما ms1138 غلط ~~فيه على الشعراء وذكر أبياتا نسبوا أصحابها فيها إلى الغلط وهي صحيحة وغنما ~~وقع الغلط ممن استدرك عليهم لعدم إطلاعهم على حقيقة الأمر فيها ومن جملة من ~~ذكر المبرد فقال ومثله قول محمد بن يزيد النحوي في كتاب الروضة ورد على ~~الحسن بن هانئ يعني أبا نواس في قوله (وما لبكر بن وائل عصم * إلا بحمقائها ~~وكاذبها) فزعم أنه أراد بحمقائها هبنقة القيسي ولا يقال في الرجل حمقاء ~~وإنما أراد دغة العجلية وعجل في بكر وبها يضرب المثل في الحمق هذا كله كلام ~~صاحب العقد وغرضه أن المبرد نسب أبا نواس إلى الغلط بكونه قال بحمقائها ~~واعتقد أنه أراد هبنقة وهنبقة رجل والرجل لا يقال له حمقاء بل يقال له أحمق ~~وأبو نواس إنما أراد دغه وهي امرأة فالغلط حينئذ من المبرد لا من أبي نواس ~~فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة رأيت في المنام كأني ~~بمدينة حلب في مدرسة القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد وفيها كان ~~اشتغالي بالعلم وكأننا قد صلينا الظهر في الموضع الذي جرت العادة بالصلاة ~~فيه جماعة فلما فرغنا من الصلاة قمت لأخرج فرأيت في آخريات الموضع شخصا ~~واقفا يصلي فقال لي بعض الحاضرين هذا أبو العباس المبرد فجئت إليه وقعدت ~~إلى جانبه أنتظر فراغه فلما فرغ سلمت عليه وقلت له أنا في هذا الزمان أطالع ~~في كتابك الكامل فقال لي رأيت كتابي الروضة فقلت لا وما كنت رأيته قبل ذلك ~~فقال قم حتى أريك إياه فقمت معه وصعد بي إلى بيته فدخلنا فيه ورأيت فيه ~~كتبا PageV04P318 # كثيرة فقعد قدامها يفتش عليه وقعدت أنا ناحية عنه ~~فأخرج منه مجلدا ودفعه إلى ففتحته وتركته في حجري ثم قلت له قد أخذا عليك ~~فيه فقال أي شيء أخذوا فقلت أنك نسبت أبا نواس إلى الغلط في البيت الفلاني ~~وأنشدته إياه فقال نعم غلط في هذا فقلت له أنه لم يغلط بل هو على الصواب ~~ونسبوك أنت إلى الغلط في تغليطه فقال وكيف ms1139 هذا فعرفته ما قال صاحب العقد ~~فعض على رأس سبابته وبقي ساهيا ينظر إلي وهو في صورة خجلان ولم ينطق ثم ~~اتيقظت من منامي وهو على تلك الحال ولم اذكر هذا المنام إلا لغرابته وكانت ~~ولادة المبرد يوم الاثنين عيد الضحى سنة عشر ومائتين وقيل سنة سبع ومائتين ~~وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة وقيل ذي القعدة سنة ست ~~وثمانين وقيل خمس وثمانين ومائتين ببغداد ودفن في مقابر باب الكوفة في دار ~~اشتريت له وصلى عليه أبو محمد يوسف بن يعقوب القاضي رحمه الله تعالى ولما ~~مات نظم فيه وفي ثعلب أبو بكر الحسن بن علي المعروف بابن العلاف المقدم ~~ذكره أبياتا سائرة وكان ابن الجواليقي كثيرا ما ينشدها وهي (ذهب المبرد ~~وانقضت أيامه * وليذهبن إثر المبرد ثعلب) (بيت من الآداب أصبح نصفه * خربا ~~وباقي بيتها فسيخرب). # (فابكوا لما سلب الزمان ووطنوا * للدهر أنفسكم على ما يسلب) (وتزودوا من ~~ثعلب فبكأس ما * شرب المبرد عن قريب يشرب) (وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه * إن ~~كانت الأنفاس مما يكتب) وقريب من هذه الأبيات ما انشده أبو عبد الله الحسين ~~بن علي اللغوي البصري PageV04P319 # النمري لما مات أبو عبد الله محمد بن المعلى الأزدي ~~وكان بينهما تنافس وهي (مضى الأزدي والنمري يمضي * وبعض الكل مقرون ببعض) ~~(أخي والمجتني ثمرات ودي * وإن لم يجزني قرضي وفرضي) (وكانت بيننا أبدا ~~هنات * توفر عرضه منها وعرضي) (وما هانت رجال الأزد عندي * وإن لم تدن ~~أرضهم بأرضي) والثمالي بضم الثاء المثلثة وفتح الميم وبعد اللف لام هذه ~~النسبة إلى ثمالة واسمه عوف بن أسلم وهو بطن من الأزد قال المبرد في كتاب ~~الاشتقاق إنما سميت ثمالة لأنهم شهدوا حربا فني فيها أكثرهم فقال الناس ما ~~بقي منهم إلا ثمالة والثمالة البقية اليسيرة وفي المبرد يقول بعض شعراء ~~عصره وهجا قبيلته بسببه وذكر أبو علي القالي في كتاب الأمالي إنها لعبد ~~الصمد ابن المعذل (سألنا عن ثمالة كل حي * فقال القائلون ومن ثماله) (فقلت ~~محمد بن ms1140 يزيد منهم * فقالوا زدتنا لهم جهاله) (فقال لي المبرد خل عني * ~~فقومي معشر فيهم نذاله) ويقال إن هذه الأبيات للمبرد وكان يشتهي أن يشتهر ~~بهذه القبيلة فصنع هذه الأبيات فشاعت وحصل له مقصوده من الاشتهار وكان ~~كثيرا ما ينشد في مجالسه (يا من تلبس أثوابا يتيه بها * تيه الملوك على بعض ~~المساكين) PageV04P320 # (ما غير الجل اخلاق الحمير ولا * نقش البراذع أخلاق ~~البراذين) والمبرد بضم الميم وفتح الباء الموحدة والراء المشددة وبعدها دال ~~مهملة وهو لقب عرف به وأختلف العلماء في سبب تلقيبه بذلك فالذي ذكره الحافظ ~~أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب الألقاب أنه قال سئل المبرد لم لقبت بهذا ~~اللقب فقال كان سبب ذلك ان صاحب الشرطة طلبني للمنادمة والمذاكرة فكرهت ~~الذهاب إليه فدخلت إلى أبي حاتم السجستاني فجاء رسول الوالي يطلبني فقال لي ~~أبو حاتم ادخل في هذا يعني غلاف مزملة فارغا فدخلت فيه وغطى رأسه ثم خرج ~~إلى الرسول وقال ليس هو عندي فقال أخبرت أنه دخل إليك فقال أدخل الدار ~~وفتشها فدخل فطاف كل موضع في الدار ولم يفطن لغلاف المزملة ثم خرج فجعل أبو ~~حاتم يصفق وينادي على المزملة المبرد المبرد وتسامع الناس بذلك فلهجوا به ~~وقيل إن الذي لقبه بهذا اللقب شيخه أبو عثمان المازني وقيل غير ذلك وهبنقة ~~بفتح الهاء والباء الموحدة والنون المشددة والقاف بعدها هاء ساكنة وهو لقب ~~أبي الودعات يزيد بن ثروان القيسي وقيل كنيته أبو نافع وبه يضرب المثل في ~~الحمق فيقال أحمق من هبنقة القيسي لأنه كان قد شرد له بعير فقال من جاء به ~~فله بعيران فقيل له أتجعل في بعير بعيرين فقال إنكم لا تعرفون حلاوة ~~الوجدان فنسب إلى الحمق لهذا السبب وسارت به الأشعار فمن ذلك قول أبي محمد ~~بن المبارك اليزيدي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في شيبة بن الوليد ~~العبسي عم دقاقة من جملة أبيات PageV04P321 # (عش بجد ولا يضرك نوك * إنما عيش من ترى بالجدود) (رب ~~ذي إربة من المال * وذي عنجهية ms1141 مجدود) (عش بجد وكن هبنفة القيسي * أو مثل ~~شيبة بن الوليد) وسبب نظم اليزيدي في هذه الأبيات انه تناظر هو والكسائي في ~~مجلس المهدي وكان شيبة بن الوليد حاضرا فتعصب للكسائي وتحامل على اليزيدي ~~فهجاه في عدة مقاطيع هذا المقطوع من جملتها ودغة بضم الدال المهملة وفتح ~~الغين المعجمة وبعدها هاء ساكنة واسمها مارية بنت مغنج بفتح الميم وسكون ~~الغين المعجمة وفتح النون وبعدها جيم وقيل معنج بكسر الميم وسكون العين ~~المهملة وباقيه مثل الأول وهو لقب واسمه ربيعة بن سعد بن عجل بن لجيم وهي ~~التي يضرب بها المثل في الحمق قيقال أحمق من دغة وذكر ابن الكلبي في كتاب ~~جمهرة النسب غير هذا فقال في نسب بني العنبر فولد جندب بن العنبر عديا ~~وكعبا وعويجا أمهم مارية بنت ربيعة بن سعد بن عجل ويقال بل هي دغة بنت مغنج ~~بن إياد فجعل مارية غير دغة والله أعلم وإنما نسب إلى الحمق لأنها ولدت ~~فصاح المولود فقالت لإمراة أيفتح الجعر فاه فقالت المرأة نعم ويسب أباه ~~فسارت مثلا والأصل في الجعر انه روث كل ذي مخلب من السباع وقد يستعمل في ~~غيرها بطريق التجوز ودغة لجهلها لما ولدت ظنت انه قد خرج من المعتاد فلما ~~استهل المولود عجبت من ذلك وسألت عنه فهذا كان سبب نسبتها إلى الحمق وكانت ~~متزوجة في بني العنبر بن عمرو بن تميم فبنو العنبر يدعون لذلك بني الجعراء ~~وهذا كله وإن كان خارجا عن المقصود لكنها فوائد غريبة فأحببت ذكرها ~~PageV04P322 # 637 ابن دريد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية ~~بن حنتم بن حسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن وهب بن سلمة بن حاضر بن أسد بن ~~عدي بن عمرو بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عدثان بنعبد الله بن زهران ~~بن كعب بن الحارث ابن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بت الأزد بن الغوث بن ~~نت بن مالك بن زيد بن كهلان بن ms1142 سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الأزدي اللغوي ~~البصري إمام عصره في اللغة والآداب والشعر الفائق قال المسعودي في كتاب ~~مروج الذهب في حقه وكان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر ~~وأنتهى في اللغة وقام مقام الخليل بن أحمد فيها وأورد أشياء في اللغة لم ~~توجد في كتب المتقدمين وكان يذهب بالشعر كل مذهب فطورا يجزل وطورا يرق ~~وشعره أكثر من أن نحصيه أو نأتي على أكثره أو يأتي عليه كتابنا هذا فمن جيد ~~شعره قصيدته المشهورة بالمقصورة التي يمدح بها الشاه ابن ميكال وولده وهما ~~عبد الله بن محمد بن ميكال وولده أبو العباس إسماعيل بن عبد الله ويقال إنه ~~أحاط فيها بأكثر المقصور وأولها PageV04P323 # (إما تري رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدجى) ~~(واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جزل الغضى) ثم قال المسعودي ~~وقد عارضه في هذه القصيدة المعروفة جماعة من الشعراء منهم أبو القاسم علي ~~بن محمد بن أبي الفهم الأنطاكي التنوخي وعدد جمعا ممن عارضها قلت أنا وقد ~~اعتنى بهذه المقصورة خلق من المتقدمين والمتأخرين وشرحوها وتكلموا على ~~ألفاظها ومن أجود شروحها وأبسطها شرح الفقيه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن ~~هشام بن إبراهيم اللخمي السبتي وكان متأخرا توفي في حدود سنة سبعين ~~وخمسمائة وشرحها الإمام أبو عبد الله محمد بن جعفر المعروف بالقزاز صاحب ~~كتاب الجامع في اللغة وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وشرحها غيرهما أيضا ~~ولابن دريد من التصانيف المشهورة كتاب الجمهرة وهو من الكتب المعتبرة في ~~اللغة وله كتاب الاشتقاق وكتاب السرج واللجام وكتاب الخيل الكبير وكتاب ~~الخيل الصغير وكتاب الأنواء وكتاب المقتبس وكتاب الملاحن وكتاب زواد العرب ~~وكتاب اللغات وكتاب السلاح وكتاب غريب القرآن لم يكمله وكتاب المجتبى وهو ~~مع صغر حجمه كثير الفائدة وكذلك الوشاح صغير مفيد وله نظم رائق جدا وكان من ~~تقدم من العلماء يقول ابن دريد اعلم الشعراء واشعر العلماء فمن أول شعر ~~قاله قوله PageV04P324 # (ثوب الشباب ms1143 علي اليوم بهجته * وسوف تنزعه عني يد ~~الكبر) (انا ابن عشرين ما زادت ولا نقصت * إن ابن عشرين من شيب على خطر) ~~ومن مليح شعره قوله (غراء لو جلت الخدود شعاعها * للشمس عند طلوعها لم ~~تشرق) (غصن على دعص تأود فوقه * قمر تألق تحت ليل مطبق) (لو قيل للحسن ~~احتكم لم يعدها * أو قيل خاطب غيرها لم ينطق) (وكأننا في فرعها في مغرب * ~~وكأننا من وجهها في مشرق) (تبدو فيهتف للعيون ضياؤها * الويل حل بمقلة لم ~~تطبق) ولولا خوف الإطالة لذكرت كثيرا من شعره وكانت ولادته بالبصرة في سكة ~~صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين ونشأ بها وتعلم فيها وأخذ عن أبي حاتم ~~السجستاني والرياشي وعبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن أخي الأصمعي وأبي ~~عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني صاحب كتاب المعاني وغيرهم ثم أنتقل عن ~~البصرة مع عمه الحسين عند ظهور الزنج وقتلهم الرياشي كما سبق في ترجمته ~~وسكن عمان وأقام بها اثنتي عشرة سنة ثم عاد إلى البصرة وسكنها زمانا ثم خرج ~~إلى نواحي فارس وصحب ابني ميكال وكانا يومئذ على عمالة فارس وعمل لهما كتاب ~~الجمهرة وقلداه ديوان فارس وكانت تصدر كتب فارس عن رأيه ولا ينفذ امر إلا ~~بعد توقيعه فأفاد معهما أموالا عظيمة وكان مفيدا مبيدا لايمسك درهما سخاء ~~وكرما ومدحهما بقصيدته المقصورة فوصلاه بعشرة ألاف درهم ثم أنتقل من فارس ~~إلى بغداد ودخلها سنة ثمان وثلاثمائة بعد عزل ابني ميكال وأنتقالهما إلى ~~PageV04P325 # خراسان ولما وصل إلى بغداد أنزله علي بن محمد بن ~~الحوارى في جواره وأفضل عليه وعرف الإمام المقتدر خبره ومكانه من العلم ~~فأمر أن يجرى عليه خمسون دينارا في كل شهر ولم تزل جارية عليه إلى حين ~~وفاته وكان واسع الرواية لم ير أحفظ منه وكان يقرأ عليه دواوين العرب ~~فيسابق إلى إتمامها من حفظه وسئل عنه الدارقطني أثقة هو أم لا فقال تكلموا ~~فيه وقيل إنه كان يتسامح في الرواية فيسند إلى كل واحد ما يخطر له وقال أبو ~~منصور الأزهري ms1144 اللغوي دخلت عليه فرأيته سكران فلم أعد إليه وقال ابن شاهين ~~كنا ندخل عليه ونستحيي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفى وذكر أن ~~سائلا سأله شيئا فلم يكن عنده غير دن من نبيذ فوهبه له فأنكر عليه أحد ~~غلمانه وقال تتصدق بالنبيذ فقال لم يكن عندي شيء سواه ثم أهدي له بعد ذلك ~~عشرة دنان من النبيذ فقال أخرجنا دنا فجاءنا عشرة وينسب إليبه من هذه ~~الأمور شيء كثير وعرض له في رأس التسعين من عمره فالج سقي له الترياق فبرئ ~~منه وصح ورجع إلى أفضل أحواله ولم ينكر من نفسه شيئا ورجع إلى إسماع ~~تلامذته وإملائه عليهم ثم عاوده الفالج بعد حول لغذاء ضار تناوله فكان يحرك ~~يديه حركة ضعيفة وبطل من محزمه إلى قدميه فكان إذا دخل عليه الداخل ضج ~~وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي ~~المعروف بالبغدادي المقدم ذكره فكنت أقول في نفسي إن الله عز وجل عاقبه ~~بقوله في قصيدته المقصورة المقدم ذكرها حين ذكر الدهر (مارست من لوهوت ~~الأفلاك من * جوانب الجو عليه ما شكا) وكان يصيح لذلك صياح من يمشي عليه أو ~~يسل بالمسال والداخل بعيد منه وكان مع هذه الحال ثابت الذهن كامل العقل يرد ~~فيما يسأل عنه ردا PageV04P326 # صحيحا قال أبو علي وعاش بعد ذلك عامين وكنت أسأله عن ~~شكوكي في اللغة وهو بهذه الحال فيرد بأسرع من النفس بالصواب وقال لي مرة ~~وقد سألته عن بيت شعر لئن طفئت شحمتا عيني لم تجد من يشفيك من العلم قال ~~أبو علي ثم قال لي يا بني وكذلك قال لي أبو حاتم وقد سألته عن شيء ثم قال ~~لي أبو حاتم وكذلك قال لي الأصمعي وقد سألته وقال أبو علي وآخر شيء سألته ~~عنه جاوبني أن قال لي يا بني حال الجريض دون القريض فكان هذا الكلام آخر ما ~~سمعته منه وكان قبل ذلك كثيرا مايتمثل (فواحزني أن لاحياة لذيذة * ولا عمل ~~يرضى به ms1145 الله صالح) وقال المرزباني قال لي ابن دريد سقطت من منزلي بفارس ~~فانكسرت ترقوتي فسهرت ليلتي فلما كان آخر الليل غمضت عيني فرأيت رجلا طويلا ~~أصفر الوجه كوسجا دخل علي وأخذ بعضادتي الباب وقال أنشدني أحسن ما قلت في ~~الخمر فقلت ما ترك أبو نواس لأحد شيئا فقال أنا أشعر منه فقلت ومن أنت فقال ~~أنا أبو ناجية من أهل الشام وأنشدني (وحمراء قبل المزج صفراء بعده * أتت ~~بين ثوبي نرجس وشقائق) (حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا * عليها مزاجا فاكتست ~~لون عاشق) فقلت له أسأت فقال ولم قلت لأنك قلت وحمراء فقدمت الحمرة ثم قلت ~~بين ثوبي نرجس وشقائق فقدمت الصفرة فهلا قدمتها على الأخرى فقال ما هذا ~~الاستقصاء في هذا الوقت يابغيض وجاء في رواية أخرى أن الشيخ أبا علي ~~الفارسي النحوي قال أنشدني ابن دريد هذين البيتين لنفسه وقال جاءني إبليس ~~في المنام وقال أغرت على أبي PageV04P327 # نواس فقلت نعم فقال أجدت إلا أنك أسأت في شيء ثم ذكر ~~بقية الكلام إلى آخره والله أعلم وتوفي يوم الأربعاء لاثنتين عشرة ليلة ~~بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ببغداد رحمه الله تعالى ودفن ~~بالمقبرة المعروفة بالعباسية من الجانب الشرقي في ظهر سوق السلاح بالقرب من ~~الشارع الأعظم وتوفي في ذلك اليوم أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي ~~المتكلم المعتزلي المقدم ذكره فقال الناس اليوم مات علم اللغة والكلام ~~ويقال إنه عاش ثلاثا وتسعين سنة لاغير ورثاه جحظة البرمكي المقدم ذكره ~~بقوله (فقدت بابن دريد كل فائدة * لما غدا ثالث الأحجار والترب) (وكنت أبكي ~~لفقد الجود منفردا * فصرت أبكي لفقد الجود والأدب) الترب بفتح الراء جمع ~~تربة ودريد بضم الدال المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها دال مهملة وهو تصغير أدرد والأدرد الذي ليس فيه سن وهو تصغير ترخيم ~~وإنما سمي هذا التصغير ترخيما لحذف حرف الهمزة من أوله كما تقول في تصغير ~~أسود سويد وتصغير أزهر زهير وعتاهية بفتح العين المهملة وفتح التاء ms1146 المثناة ~~من فوقها وبعد الألف هاء مكسورة وياء مفتوحة مثناة من تحتها وبعدها هاء ~~ساكنة وحنتم بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها ~~وبعدها ميم والأصل في الحنتم الجرة المدهونة الخضراء وبها سمي الرجل وحمامي ~~بفتح الحاء المهملة والميم الخفيفة وبعد الألف ميم مكسورة ثم ياء قال ~~الأمير أبو نصر ابن ماكولا هو أول من أسلم من آبائه وبقية النسب ~~PageV04P328 # معروف وحمامي من جملة السبعين راكبا الذين خرجوا مع ~~عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة لما بلغهم وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والقصة مشهورة وقد تقدم الكلام على الأزدي وقوله حال الحريض دون ~~القريض هذا مثل مشهور وأول من نطق به عبيد بن الأبرص أحد شعراء الجاهلية ~~لما لقي النعمان بن المنذر اللخمي آخر ملوك الحيرة في يوم بؤسه وعزم على ~~قتله وكان ذلك عادته فأحس به عبيد فاستنشده شيئا من شعره فقال له حال ~~الجريض دون القريض فسارت مثلا والجريض بفتح الجيم وكسر الراء وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها ضاد معجمة وهو الغصة والقريض الشعر فكأنه قال حالت ~~الغصة دون إنشاد الشعر وهذه القصة مشهورة فاقتصرت منها على ذكر خلاصتها 184 ~~وعبيد بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها دال مهملة وهو شاعر مشهور وكان في الولادة من اقران عبد المطلب بن ~~هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم 638 أبو عمر المطرز الزاهد أبو عمر ~~محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المعروف بالمطرز الباوردي الزاهد غلام ثعلب ~~المقدم ذكره أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين PageV04P329 # صحب أبا العباس ثعلبا زمانا فعرف به ونسب إليه وأكثر ~~من الأخذ عنه وأستدرك على كتابه الفصيح جزءا لطيفا سماه فائت الفصيح وشرحه ~~أيضا في جزء آخر وله كتاب اليواقيت وكتاب شرح الفصيح لثعلب وكتاب الجرجاني ~~وكتاب الموضح وكتاب الساعات وكتاب يوم وليلة وكتاب المستحسن وكتاب العشرات ~~وكتاب الشورى وكتاب البيوع وكتاب تفسير أسماء الشعراء وكتاب القبائل وكتاب ~~المكنون والمكتوم ms1147 وكتاب التفاحة وكتاب المداخل وكتاب على المداخل وكتاب ~~النوادر وكتاب فائت العين وكتاب فائت الجمهرة وكتاب ما أنكرته الأعراب على ~~أبي عبيد فيما رواه أو صنفه وكان ينقل غريب اللغة وحوشيها وأكثر ما نقل أبو ~~محمد ابن السيد البطليوسي في كتاب المثلث عنه وحكى عنه غرائب وروى عنه أبو ~~الحسن محمد بن رزقويه وأبو علي ابن شاذان وغيرهم وكانت ولادته سنة إحدى ~~وستين ومائتين وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس ~~وأربعين وقيل أربع وأربعين وثلاثمائة ودفن يوم الاثنين ببغداد في الصفة ~~التي تقابل معروفا الكرخي رضي الله عنه وبينهما عرض الطريق رحمه الله تعالى ~~وكان اشتغاله بالعلوم واكتسابها قد منعه من اكتساب الرزق والتحيل له فلم ~~يزل مضيقا عليه وكان لسعة روايته وغزارة حفظه يكذبه أدباء زمانه في أكثر ~~نقل اللغة ويقولون لو طار طائر لقال أبو عمر حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي ~~ويذكر في معنى ذلك شيئا فأما روايته الحديث فإن المحدثين يصدقونه ويوثقونه ~~وكان أكثر ما يميله من التصانيف يلقيه بلسانه من غير صحيفة يراجعها حتى قيل ~~أنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة من اللغة فلهذا الإكثار نسب إلى الكذب ~~وكان يسأل عن شيء قد تواطأت الجماعة على وضعه PageV04P330 # فيجيب عنه ثم يترك سنة ويسأل عنه فيجيب بذلك الجواب ~~بعينه ومما جرى له في ذلك أن جماعة قصدوه للأخذ عنه فتذاكروا في طريقهم عند ~~قنطرة هناك إكثاره وانه منسوب إلى الكذب بسبب ذلك فقال أحدهم أبا اصحف له ~~اسم هذه القنطرة وأسأله عنها فانظروا ماذا يجيب فلما دخلوا عليه قال له ~~أيها الشيخ ما القبطرة عند العرب فقال كذا وكذا فتضاحكت الجماعة سرا وتركوه ~~شهرا ثم قرروا مع شخص سأله عن القبطرة بعينها فقال أليس سئلت عن هذه ~~المسألة منذ مدة كذا وكذا وأجبت عنها بكذا وكذا فعجبت الجماعة من فطنته ~~وذكائه واستحضاره للمسألة والوقت وإن لم يتحققوا صحة ما ذكره وكان معز ~~الدولة بن بويه قد قلد شرطة بغداد لغلام ms1148 له اسمه خواجا فبلغ أبا عمر الخبر ~~وكان يملي كتاب اليواقيت فلما جلس للإملاء قال أكتبوا ياقوتة خواجا الخواج ~~في أصل لغة العرب الجوع ثم فرع على هذا بابا وأملاه فاستعظم الناس ذلك من ~~كذبه وتتبعوه في كتب اللغة قال أبو علي الحاتمي الكاتب اللغوي أخرجنا في ~~أمالي الحامض عن ثعلب عن ابن الأعرابي الخواج الجوع وكان أبو عمر المذكور ~~يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف فأملى يوما على الغلام نحوا من مائة ~~مسألة في اللغة وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر وحضر أبو بكر بن دريد ~~وأبو بكر ابن الأنباري وأبو بكر ابن مقسم عند القاضي أبي عمر فعرض عليهم ~~تلك المسائل فما عرفوا منها شيئا وأنكروا الشعر فقال لهم القاضي ما تقولون ~~فيها فقال ابن الأنباري أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن ولست أقول شيئا وقال ~~ابن مقسم مثل ذلك وأحتج باشتغاله في القراءات وقال ابن دريد هذه المسائل من ~~موضوعات أبي عمر ولا PageV04P331 # أصل لها ولا لشيء منها في اللغة وانصرفوا وبلغ أبا عمر ~~ذلك فاجتمع بالقاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم ففتح ~~القاضي خزانته واخرج له تلك الدواوين فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة ~~ويخرج لها شاهدا من بعض تلك الدواوين ويعرضه على القاضي حتى استوفى جميعها ~~ثم قال له وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي وكتبهما القاضي بخطه ~~على ظهر الكتاب الفلاني فأحضر القاضي الكتاب فوجد البيتين على ظهره بخطه ~~كما ذكر أبو عمر بلفظه به وقال رئيس الرؤساء وقد رأيت أشياء كثيرة مما ~~استنكر على أبي عمر ونسب فيها إلى الكذب فوجدتها مدونة في كتب أهل اللغة ~~وخاصة في غريب المصنف لأبي عبيد وقال عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي ~~أبو القاسم لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأولين والآخرين أحسن من كلام ~~أبي عمر الزاهد وله كتاب غريب الحديث صنفه على مسند أحمد بن حنبل وكان ~~يستحسنه جدا وقال أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي ms1149 اعتللت فتأخرت عن مجلس أبي ~~عمر الزاهد قال فسأل عني لما تراخت الأيام فقيل له إنه كان عليلا فجاءني من ~~الغد يعودني فاتفق أني كنت قد خرجت من داري إلى الحمام فكتب بخطه على بأبي ~~باسفيداج (واعجب شيء سمعنا به * عليل يعاد فلا يوجد) قال والبيت له وكان ~~مغاليا في حب معاوية وعنده جزء من فضائله وكان إذا ورد عليه من يروم الأخذ ~~عنه ألزمه بقراءة ذلك الجزء وكانت فضائله جمة ومعلوماته غزيرة في هذا القدر ~~كفاية والمطرز بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة وبعدها زاي ~~PageV04P332 # هذه اللفظة تقال لمن يطرز الثياب وكانت صناعة أبي عمر ~~المذكور التطريز فنسب إليها وعرف بهذه الصناعة جماعة من العلماء وكشفت في ~~كتاب الأنساب للسمعاني في ترجمة المطرز عن أبي عمر المذكور فلم يذكره لكنه ~~ذكر أبا القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب المطرز البغدادي الشاعر ~~ويحتمل أن يكون والد أبي عمر المذكور لأن اسمه موافق اسم والده ويحتمل ان ~~يكون غيره لكني لااعرفه وقال وهو مشهور الشعر سائره فمن قوله (ولما وقفنا ~~بالصراة عشية * حيارى لتوديع ورد سلام) (وقفنا على رغم الحسود وكلنا * يفض ~~عن الأشواق كل ختام) (وسوغني عند الوداع عناقه * فلما رأى وجدي به وغرامي) ~~(تلثم مرتابا بفضل ردائه * فقلت هلال بعد بدر تمام) (وقبلته فوق اللثام ~~فقال لي * هي الخمر إلا انها بفدام) لكن السمعاني وإن كان ما ذكره في هذه ~~الترجمة فقد ذكره في ترجمة ثعلب وقال هو غلام ثعلب كما ذكرته أولا 185 قلت ~~ثم بعد هذا بسنين عديدة رأيت بدمشق المحروسة ديوان شعر أبي القاسم عبد ~~الواحد المعروف بالمطرز المذكور وهو بغدادي وأكثر شعره جيد وكانت ولادته ~~سنة اربع وخمسين وثلاثمائة وتوفي ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة تسع ~~وثلاثين وأربعمائة فظهر بهذا أنه ليس والد أبي عمر المذكور وإنما هو مطرز ~~آخر والباوردي بالباء الموحدة وبعد الألف والواو راء ثم دال مهملة وهي ~~بليدة بخراسان يقال لها باورد وأباورد وأبيورد ومنها ms1150 أبو المظفر الأبيوردي ~~الشاعر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى PageV04P333 # 639 الأزهري أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة ~~بن نوح بن أزهر الأزهري الهروي اللغوي الإمام المشهور في اللغة كان فقيها ~~شافعي المذهب غلبت عليه اللغة فاشتهر بها وكان متفقا على فضله وثقته ~~ودرايته وورعه روى عن أبي الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري اللغوي عن أبي ~~العباس ثعلب وغيره ودخل بغداد وأدرك بها أبا بكر ابن دريد ولم يرو عنه شيئا ~~واخذ عن أبي عبد الله إبراهيم ابن عرفة الملقب نفطويه المقدم ذكره وعن أبي ~~بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج النحوي وسيأتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى وقيل إنه لم يأخذ عنه شيئا وكان قد رحل وطاف في ارض العرب في طلب ~~اللغة وحكى بعض الأفاضل أنه رأى بخطه قال امتحنت بالأسر سنة عارضت القرامطة ~~الحاج بالهبير وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربا نشؤوا في البادية ~~يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع ويرجعون إلى اعداد المياه في محاضرهم زمان ~~القيظ ويرعون النعم ويعيشون بألبانها ويتكلمون بطباعهم ولا يكاد يوجد في ~~منطقهم لحن أو خطأ فاحش فبقيت في أسرهم دهرا طويلا وكنا نشتي بالدهناء ~~ونرتبع بالصمان ونقيظ بالستارين واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضا ~~ألفاظا جمة ونوادر كثيرة أوقعت أكثرها في كتابي يعني التهذيب وستراها في ~~مواضعها وذكر في تضاعيف كلامه أنه أقام بالصمان شتوتين ومما رواه أن ~~PageV04P334 # أعرابيا قال اللهم من ظلمني مرة فاجزه ومن ظلمني مرتين ~~فاجزني واجزه ومن ظلمني ثلاث مرات فجزني ولا تجزه وكان أبو منصور المذكور ~~جامعا لشتات اللغة مطلعا على أسرارها ودقائقها وصنف في اللغة كتاب التهذيب ~~وهو من الكتب المختارة يكون أكثر من عشر مجلدات وله تصنيف في غريب الألفاظ ~~التي تستعملها الفقهاء في مجلد واحد وهو عمدة الفقهاء في تفسير ما يشكل ~~عليهم من اللغة المتعلقة بالفقه وكتاب التفسير ورأى ببغداد أبا إسحاق ~~الزجاج وأبا بكر ابن الأنباري ولم ينقل انه أخذ عنهما شيئا وكانت ولادته ~~سنة ms1151 اثنتين وثمانين ومائتين وتوفي في سنة سبعين وثلاثمائة في أواخرها وقيل ~~سنة إحدى وسبعين بمدينة هراة رحمه الله تعالى والأزهري بفتح الهمزة وسكون ~~الزاي وفتح الهاء وبعدها راء هذه النسبة إلى جده أزهر المذكور وقد تقدم ~~الكلام على الهروي والقرامطة نسبتهم إلى رجل من سواد الكوفة يقال له قرمط ~~بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة ولهم مذهب مذموم ~~وكانوا قد ظهروا في سنة إحدى وثمانين ومائتين في خلافة المعتضد بالله وطالت ~~أيامهم وعظمت شوكتهم وأخافوا السبيل واستولوا على بلاد كثيرة وأخبارهم ~~مستقصاة في التواريخ وكانت وقعة الهبير التي أشار إليها في سنة إحدى عشرة ~~وثلاثمائة وكان مقدم القرامطة يوم ذاك أبا طاهر الجنابي القرمطي ولما ظهر ~~على الحجاج قتل بعضهم واسترق آخرين واستولى على جميع أموالهم وذلك في خلافة ~~المقتدر بن المعتضد وقيل كان أول ظهورهم في سنة ثمان وسبعين ومائتين ~~PageV04P335 # وأولهم أبو سعيد الجنابي كان بناحية البحرين وهجر وقتل ~~في سنة إحدى وثلاثمائة قتله خادم له وقتل أبو طاهر المذكور في سنة اثنتين ~~وثلاثين وثلاثمائة والجنابي بفتح الجيم والنون المشددة وبعد الألف باء ~~موحدة هذه النسبة إلى جنابة وهي بلدة بالبحرين بالقرب من سيراف على البحر ~~والهبير بفتح الهاء وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها وبعدها راء ساكنة وهو الموضع المطمئن من الأرض والدهناء بفتح الدال ~~المهملة وسكون الهاء وبعدها نون مفتوحة ثم ألف تمد وتقصر وهي أرض واسعة في ~~بادية العرب في ديار بني تميم وقيل هي سبعة أجبل من الرمل وقيل هي في بادية ~~البصرة في ديار بني سعد والصمان بفتح الصاد المهملة والميم المشددة وبعد ~~الألف نون وهو جبل أحمر ينقاد ثلاث ليال وليس له ارتفاع يجاور الدهناء وقيل ~~إنه قرب رمال عالج وبينه وبين البصرة تسعة أيام والستاران تثنية ستار بكسر ~~السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد االألف راء وهما واديان في ~~ديار بني سعد يقال لهما سودة ويقال لأحدهما الستار الأغبر وللآخر الستار ~~الجابري وفيهما عيون ms1152 فوارة يسقى نخيلهما منها وهذا كله وإن كان خارجا عن ~~المقصود لكنها ألفاظ غريبة فأحببت تفسيرها لئلا تشكل على من يطالع هذا ~~المجموع PageV04P336 # 640 أبو عبد الله اليزيدي أبو عبد الله محمد بن العباس ~~بن محمد بن أبي محمد اليزيدي النحوي وسيأتي ذكر جده أبي محمد يحيى بن ~~المبارك العدوي اليزيدي إن شاء الله تعالى كان محمد المذكور إماما في النحو ~~والأدب ونقل النوادر وكلام العرب ومما رواه ان أعرابيا هوي أعرابية فأهدى ~~إليها ثلاثين شاة وزقا من خمر مع عبد له أسود فأخذ العبد شاة في الطريق ~~فذبحها وأكل منها وشرب بعض الزق فلما جاءها بالباقي عرفت انه خانها في ~~الهدية فلما عزم على الانصراف سألها هل لك من حاجة فأرادت إعلام سيده بما ~~فعله العبد في الطريق فقالت له إقرأ عليه السلام وقل له إن الشهر كان عندنا ~~محاقا وإن سحيما راعي غنمنا جاء مرثوما فلم يعلم العبد ما أرادت بهذه ~~الكناية فلما عاد إلى مولاه أخبره برسالتها ففطن لما ارادته فدعا له ~~بالهراوة وقال لتصدقني وإلا ضربتك بهذه ضربا مبرحا فأخبره الخبر فعفا عنه ~~وهذه من لطائف الكنايات وأحلى الإشارات وروى أبو محمد ابن قتيبة في هذا ~~المعنى عن أبي حاتم عن الأصمعي قال حدثني شيخ من بني العنبر قال أسرت بنو ~~شيبان رجلا من العرب من بني العنبر فقال لهم أرسل إلى أهلي ليفدوني فقالوا ~~ولاتكلم الرسول إلا بين أيدينا فجاءوه برسول فقال له أيت قومي فقل لهم إن ~~الشجر قد اورق وإن النساء قد اشكت قال له أتعقل قال نعم قال فما هذا وأشار ~~بيده فقال هذا الليل فقال أراك تعقل انطلق فقل لأهلي عروا جملي الأصهب ~~واركبوا ناقتي الحمراء واسألوا حارثة عن أمري فأتاهم الرسول فأرسلوا إلى ~~PageV04P337 # حارثة فقص عليه الرسول القصة فلما خلا معهم قال اما ~~قوله أن الشجر قد اورق فإنه يريد ان القوم قد تسلحوا وقوله أن النساء قد ~~اشكت أي اتخذت الشكاء للغزو وهي أسقية وقوله هذا الليل يريد يأتونكم ms1153 مثل ~~الليل أو في الليل وقوله عروا جملي الأصهب يريد ارتحلوا عن الصمان وقله ~~أركبوا ناقتي الحمراء يريد اركبوا الدهناء فلما قال لهم ذلك تحملوا من ~~مكانهم فلما أتاهم القوم لم يجدوا منهم أحدا وحكي عن ابن الأعرابي قال أسرت ~~طيء رجلا شابا من العرب فقدم عليه أبوه وعمه ليفدياه فاشتطوا عليهما في ~~الفداء فأعطيا به عطية لم يرضوا بها فقال أبوه لا والذي جعل الفرقدين ~~يصبحان ويمسيان على جبل طيء لا أزيدكم على ما أعطيتكم ثم انصرفا فقال الأب ~~للعم لقد ألقيت إليه كلمة لئن كان فيه خير لينجون فما لبث أن نجا وطرد قطعة ~~من إبلهم فذهب بها كأنه قال له الزم الفرقدين على جبلي طيء فإنهما طالعان ~~عليه ولا يغيبان عنه والمرثوم بفتح الميم وسكون الراء وضم الثاء المثلثة ~~المكسور النف الملطخ بالدم والرثم البياض في جحفلة الفرس العليا وهو في ~~الزق مستعمل على سبيل الاستعارة وله تصانيف فمن ذلك كتاب الخيل وكتاب مناقب ~~بني العباس وكتاب أخبار اليزييدين وله مختصر في النحو وكان قد استدعي في ~~آخر عمره إلى تعليم أولاد المقتدر بالله فلزمهم مدة ولقيه بعض أصحابه بعد ~~اتصاله بالخليفة فسأله ان يقرئه فقال أنا في شغل عن ذلك وتوفي أبو عبد الله ~~المذكور ليلة الأحد أول الليل لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ~~عشر وثلاثمائة وعمره اثنتان وثمانون سنة وثلاثة أشهر رحمه الله تعالى ~~PageV04P338 # واليزيدي نسبة إلى يزيد بن منصور وسيأتي الكلام على ~~ذلك في ترجمة جده أبي محمد يحيى بن المبارك إن شاء الله تعالى 641 أبو بكر ~~ابن السراج النحوي أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن ~~السراج كان أحد الأئمة المشاهير المجمع على فضله ونبله وجلالة قدره في ~~النحو والآداب أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد المقدم ذكره وغيره وأخذ عنه ~~جماعة من الأعيان منهم أبو سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما ~~ونقل عنه الجوهري في كتاب الصحاح في مواضع عديدة وله التصانيف المشهورة في ms1154 ~~النحو منها كتاب الأصول وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن وإليه ~~المرجع عند اضطراب النقل وأختلافه وكتاب جمل الأصول وكتاب الموجز صغير ~~وكتاب الاشتقاق وكتاب شرح كتاب سيبويه وكتاب احتجاج القراء وكتاب الشعر ~~والشعراء وكتاب الرياح والهواء والنار وكتاب الجمل وكتاب المواصلات وكان ~~يلثغ في الراء فيجعلها غينا فأملى يوما كلاما فيه لفظة بالراء فكتبوها عنه ~~بالغين فقال لا بالغاء لا بالعاء يريد بالراء وجعل يكررها على هذه الصورة ~~PageV04P339 # ورأيت في بعض المجاميع أبياتا منسوبة إليه ولا أتحقق ~~صحتها وهي سائرة بين الناس في جارية كان يهواها وهي (ميزت بين جمالها ~~وفعالها * فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي) (حلفت لنا أن لاتخون عهودنا * ~~فكأنما حلفت لنا ان لا تفي) (والله لا كلمتها ولو أنها * كالبدر أو كالشمس ~~أو كالمكتفي) وبعد الف راغ من هذه الترجمة وجدت هذه الأبيات له ولها قصة ~~عجيبة وهي أن أبا بكر المذكور كان يهوى جارية فجفته فاتفق وصول الإمام ~~المكتفي في تلك الأيام من الرقة فاجتمع الناس لرؤيته فلما رآه أبو بكر ~~أستحسنه وأنشد لأصحابه الأبيات المذكورة ثم إن أبا عبد الله محمد بن ~~إسماعيل بن زنجي الكاتب أنشدها لأبي العباس ابن الفرات وقال هي لابن المعتز ~~وانشدها أبو العباس للقاسم بن عبيد الله الوزير فاجتمع الوزير بالمكتفي ~~وانشده إياها فقال لمن هي فقال لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر فأمر له ~~بألف دينار فوصلت إليه فقال ابن زنجي ما أعجب هذه القصة يعمل أبو بكر ابن ~~السراج أبياتا تكون سببا لوصول الرزق إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ~~وتوفي أبو بكر المذكور يوم الأحد لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى والسراج بفتح السين المهملة والراء المشددة وبعد ~~الألف جيم هذه النسبة إلى عمل السروج PageV04P340 # 642 أبو بكر بن الأنباري أبو بكر محمد بن أبي محمد ~~القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة ابن فروة بن قطن بن ~~دعامة الأنباري ms1155 النحوي صاحب التصانيف في النحو والأدب كان علامة وقته في ~~الأداب وأكثر الناس حفظا لها وكان صدوقا ثقة دينا خيرا من أهل السنة وصنف ~~كتبا كثيرة في علوم القرآن وغريب الحديث والمشكل والوقف والابتداء والرد ~~على من خالف مصحف العامة وكتاب الزهراء ذكره الخطيب في تاريخ بغداد واثنى ~~عليه وقال بلغني انه كتب عنه وأبوه حي وكان يملي في ناحية من المسجد وأبوه ~~في ناحية أخرى 186 وكان أبوه عالما بالأدب موثقا في الرواية صدوقا أمينا ~~سكن بغداد وروى عنه جماعة من العلماء وروى عنه ولده المذكور وله تصانيف فمن ~~ذلك كتاب خلق الإنسان وكتاب خلق الفرس وكتاب الأمثال وكتاب المقصور ~~والممدود وكتاب المؤنث والمذكر وكتاب غريب الحديث وقال أبو علي القالي كان ~~أبو بكر ابن الأنباري يحفظ فيما ذكر ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن ~~الكريم وقيل له قد أكثر الناس من محفوظاتك فكم تحفظ فقال أحفظ ثلاثة عشر ~~صندوقا وقيل إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا للقرآن بأسانيدها وحكى أبو ~~الحسن الدارقطني أنه حضر في مجلس إملائه يوم جمعة فصحف اسما أورده في إسناد ~~حديث إما كان حيان فقال حبان أو حبان فقال حيان PageV04P341 # قال الدارقطني فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته ~~وهم وهبت ان أوقفه على ذلك فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي فذكرت له ~~وهمه وعرفته صواب القول فيه وانصرفت ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه فقال أبو ~~بكر عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في ~~الجمعة الماضية ونبهنا ذلك الشاب على الصواب وهو كذا وعرف ذلك الشاب أنا ~~رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال ومن جملة تصانيفه غريب الحديث قيل إنه ~~خمسة وأربعون ورقة وكتاب شرح الكافي وهو نحو ألف ورقة وكتاب الهاءات نحو ~~ألف ورقة وكتاب الأضداد وكتاب الجاهليات وهو سبعمائة ورقة والمذكر والمؤنث ~~ما عمل أحد أتم منه ورسالة المشكل رد قيها على ابن قتيبة وأبي حاتم وكانت ~~ولادته يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب ms1156 سنة إحدى وسبعين ومائتين ~~وتوفي ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين وقيل سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وتوفي ~~أبوه القاسم سنة سنة اربع وثلاثمائة ببغداد وقيل في صفر سنة خمس وثلاثمائة ~~رحمه الله تعالى وقد تقدم الكلام على الأنباري في ترجمة عبد الرحمن النباري ~~النحوي واملى أبو بكر المذكور في بعض أماليه لبعض العرب (فهلا منعتم إذ ~~منعتم كلامها * خيالا يوافيني على النأي هاديا) (سقى الله أطلالا باكثبة ~~الحمى * وإن كن قد أبدين للناس حاليا) (منازل لو مخرت بهن جنازتي * لقال ~~الصدى يا صاحبي انزلا بيا) PageV04P342 # وأملى أيضا في مجلس الآخر (وبالعرصة البيضاء إن زرت ~~أهلها * مها مهملات ما عليهن سائس) (خرجن لحب اللهو من غير ريبة * عفائف ~~باغي اللهو منهن آيس) 643 أبو العيناء أبو عبد الله محمد بن القاسم بن خلاد ~~بن ياسر بن سليمان الهاشمي بالولاء الضرير مولى أبي جعفر المنصور المعروف ~~بأبي العيناء صاحب النوادر والشعر والأدب أصله من اليمامة ومولده بالأهواز ~~ومنشؤه بالبصرة وبها طلب الحديث وكسب الأدب وسمع من أبي عبيدة والأصمعي ~~وأبي زيد الأنصاري والعتبي وغيرهم وكان من احفظ الناس وأفصحهم لسانا وكان ~~من ظرفاء العالم وفيه من اللسن وسرعة الجواب والذكاء مالم يكن في أحد من ~~نظرائه وله أخبار حسان وأشعار ملاح مع أبي علي الضرير وحضر يوما مجلس بعض ~~الوزراء فتفاوضوا حديث البرامكة وكرمهم وما كانوا عليه من الجود فقال ~~الوزير لأبي العيناء وكان قد بالغ في وصفهم وما كانوا عليه من البذل ~~والإفضال قد أكثرت من ذكرهم ووصفك إياهم وإنما هذا تصنيف الوراقين وكذب ~~المؤلفين فقال له أبو العيناء فلم لا يكذب الوراقون عليك أيها الوزير فسكت ~~الوزير وعجب الحاضرون من إقدامه عليه PageV04P343 # وشكا إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير سوء الحال ~~فقال له أليس قد كتبنا إلى إبراهيم بن المدبر في أمرك قال نعم قد كتبت إلى ~~رجل قد قصر من همته طول الفقر وذل الأسر ومعاناة الدهر فأخفق سعيي وخابت ~~طلبتي فقال عبيد الله أنت إخترته فقال ms1157 وما علي أيها الوزير في ذلك وقد ~~اختار موسى قومه سبعين رجلا فما كان فيهم رشيد واختار النبي صلى الله عليه ~~وسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح كاتبا فرجع إلى المشركين مرتدا وأختار علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه ابا موسى الأشعري حاكما له فحكم عليه وإنما قال ~~ذل الأسرة لأن إبراهيم المذكور كان قد اسره علي بن محمد صاحب الزنج بالبصرة ~~وسجنه فنقب السجن وهرب ودخل على أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الوزير يوما ~~فقال له ما الذي اخرك عنا يا أبا العيناء فقال سرق حماري فقال وكيف سرق قال ~~لم أكن مع اللص فأخبرك قال فهلا اتيتنا على غيره قال قعد بي عن الشراء قلة ~~يساري وكرهت ذلة المكاري ومنه العواري وخاصم علويا فقال له العلوي تخاصمني ~~وأنت تقول كل يوم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فقال لكني أقول الطيبين ~~الطاهرين ولست منهم ووقفت عليه رجل من العامة فلما أحس به قال من هذا ثقال ~~رجل من بني آدم فقال أبو العيناء مرحبا بك أطال الله بقاءك ما كنت أظن هذا ~~النسل إلا قد انقطع وصار يوما إلى باب صاعد بن مخلد فاستأذن عليه فقيل هو ~~مشغول بالصلاة فقال لكل جديد لذة وكان صاعد قبل الوزارة نصرانيا ومر بباب ~~عبد الله ابن منصور وهو مريض وقد صلح فقال لغلامه كيف خبره فقال كما تحب ~~فقال ما لي لا أسمع الصراخ عليه ودعا سائلا ليعشيه فلم يدع شيئا إلا اكله ~~فقال يا هذا دعوتك رحمة فتركتني رحمة ولقيه بعض أصحابه في PageV04P344 # السحر فجعل يتعجب من بكوره فقال أبو العيناء أراك ~~تشركني في الفعل وتفردني بالتعجب وذكر له ان المتوكل قال لولا أنه ضرير ~~لنادمناه فقال إن أعفاني من رؤية الأهلة وقراءة نقوش الفصوص فانا اصلح ~~للمنادمة وقيل له إلى متى تمدح وتهجو فقال ما دام المحسن محسنا والمسيء ~~مسيئا بل أعوذ بالله ان أكون كالعقرب التي تلسب النبي والذمي وذكر الزمخشري ~~في كتاب ربيع ms1158 الأبرار في باب الظلم قال أبو العيناء فقلت قد تضافروا علي ~~وصاروا يدا واحدة فقال * (يد الله فوق أيديهم) * (الفتح: 10) قلت فإن لهم ~~مكرا قال * (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) * (فاطر: 43) قلت هم كثير قال ~~* (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) * ~~(البقرة: 249) وكان بينه وبين ابن مكرم مداعبات فسمع ابن مكرم رجلا يقول من ~~ذهب بصره قلت حيلته فقال ما اغفلك عن أبي العيناء ذهب بصره فعظمت حيلته وقد ~~ألم أبو علي البصير إلى هذا المعنى يشير به إلى أبي العيناء فقال (قد كنت ~~خفت يد الزمان * عليك أن ذهب البصر) (لم أدرأنك بالعمى * تغنى ويفتقر ~~البشر) وسمع ابن مكرم أبا العيناء يقول في بعض دعائه يا رب سائلك فقال يا ~~ابن الفاعلة ومن لست سائلة وقال له ابن مكرم يوما يعرض به كم عدد المكدين ~~بالبصرة فقال له مثل عدد البغائين ببغداد ودخل على ابن ثوابة عقيب كلام جرى ~~بينه وبين أبي الصقر أربى ابن ثوابة عليه فيه فقال له بلغني ما ما جرى بينك ~~وبين أبي الصقر وما منعه من استقصاء الجواب إلا أنه لم يجد عزا فيضعه ولا ~~مجدا فينقصه وبعد فإنه عاف لحمك ان يأكله وسهك دمك ان يسفكه فقال ابن ثوابة ~~وما أنت PageV04P345 # والدخول بيني وبين هؤلاء يا مكدي فقال لا تنكر على ابن ~~ثمانين قد ذهب بصره وجفاه سلطانه ان يعول على إخوانه فيأخذ من أموالهم ولكن ~~أشد من هذا من يستنزل الماء من أصلاب الرجال فيستفرغه في جوفه فيقطع ~~أنسابهم ويعظم أوزارهم فقال ابن ثوابة ما تساب اثنان إلا غلب الأمهما فقال ~~أبو العيناء وبها غلبت أبا الصقر بالأمس فأسكته ودخل على المتوكل في قصره ~~المعروف بالجعفري سنة ست وأربعين ومائتين فقال له ما تقول في دارنا هذه ~~فقال إن الناس بنوا الدور في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك فاستحسن ~~كلامه ثم قال له كيف شربك للخمر قال أعجز عن قليله وافتضح عند كثيره فقال ms1159 ~~له دع هذا عنك ونادمنا فقال أنا رجل مكفوف وكل من في مجلسك يخدمك وانا ~~أحتاج ان أخدم ولست ى من من أن تنظر إلي بعين راض وقلبك علي غضبان أو بعين ~~غضبان وقلبك راض ومتى لم أميز بين هذين هلكت فاختار العافية على التعرض ~~للبلاء فقال بلغنا عنك بذاء في لسانك فقال يا أمير المؤمنين قد مدح الله ~~تعالى وذم فقال * (نعم العبد إنه أواب) * (ص: 44) وقال عز وجل * (هماز مشاء ~~بنميم مناع للخير معتد أثيم) * (القلم: 11) وقال الشاعر (إذا انا بالمعروف ~~لم اثن صادقا * ولم أشتم النكس اللئيم المذمما) (ففيم عرفت الخير والشر ~~باسمه * وشق لي الله المسامع والفما) قال فمن أين أنت قال من البصرة قال ~~فما تقول فيها قال ماؤها أجاج وحرها عذاب وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه ~~جهنم ولما سلم نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد الله الأصبهاني ليستأدي ما ~~عليه من الأموال عاقبه فتلف في مطالبته وذلك في يوم لاثنين لثمان بقين من ~~ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين وفي تلك الليلة بلغ المعتز بالله ابن ~~المتوكل الخبر فاجتمع بعض الرؤساء بأبي العيناء فقال له ما عندك من خبر ~~نجاح PageV04P346 # ابن سلمة فقال أبو العيناء * (فوكزه موسى فقضى عليه) * ~~(القصص: 15) فبلغت كلمته موسى فلقيه في الطريق فتهدده فقال له أبو العيناء ~~* (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس) * (القصص: 19) وكتب إلى بعض ~~الرؤساء وقد وعده بشيء فلم ينجزه ثقتي بك تمنعني من استبطائك وعلمي بشغلك ~~يدعوني إلى إذكارك ولست آمن مع إستحكام ثقتي بطولك والمعرفة بعلو همتك ~~اخترام الأجل فإن الآجال آفات الآمال فسح الله في أجلك وبلغك منتهى أملك ~~والسلام وأحواله ونوادره كثيرة وروي عنه أنه قال كنت يوما جالسا عند أبي ~~الحكم إذ اتاه رجل فقال له وعدتني وعدا فإن رأيت أن تنجزه فقال ما أذكره ~~فقال إن لم تذكره فلأن من تعده مثلي كثير وانا لا أنساه لأن من أسأله مثلك ~~قليل فقال أحسنت لله أبوك وقضى حاجته وكانت ms1160 ولادته سنة إحدى وتسعين ومائة ~~بالأهواز كما تقدم ونشأ بالبصرة وكف بصره وقد بلغ أربعين سنة وكان جده ~~الأكبر لقي علي بن أبي طالب فأعياه في المخاطبة معه فدعا عليه بالعمى له ~~ولولده فكل من عمي من ولد جد أبي العيناء فهو صحيح النسب فيهم هكذا قاله ~~أبو سعيد الطلحي وخرج من البصرة وهو بصير وقدم سر من رأى فاعتلت عيناه فعمي ~~وسكن بغداد مدة وعاد إلى البصرة وتوفي بها في جمادى الآخرة سنة ثلاث ~~وثمانين وقيل اثنتين وثمانين ومائتين وقال ابنه جعفر توفي أبي لعشر ليال ~~خلون من جمادى الأولى ومولده سنة تسعين ومائة والله أعلم رحمه الله تعالى ~~ولقب بأبي PageV04P347 # العيناء لأنه قال لأبي زيد الأنصاري كيف تصغر عينا ~~فقال عيينا يا أبا العيناء فبقي عليه وعيناء بفتح العين المهملة وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وفتح النون وبعدها ألف ممدودة وخلاد بفتح الخاء ~~المعجمة وتشديد اللام ألف وقد تقدم الكلام على اليمامة والأهواز فأغنى عن ~~الإعادة 644 الواقدي أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي المدني مولى ~~بني هاشم وقيل مولى بني سهم بن أسلم كان إماما عالما له التصانيف في ~~المغازي وغيرها وله كتاب الردة ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومحاربة الصحابة رضي الله عنهم لطليحة بن خويلد الأزدي ~~والأسود العنسي ومسيلمة الكذاب وما أقصر فيه سمع من ابن أبي ذئب ومعمر بن ~~راشد ومالك بن أنس والثوري وغيرهم وروى عنه كاتبه محمد بن سعد المذكور ~~عقيبه إن شاء الله تعالى وجماعة من الأعيان وتولى القضاء بشرقي بغداد وولاه ~~المأمون القضاء بعسكر المهدي وضعفوه في الحديث وتكلموا فيه PageV04P348 # وكان المأمون يكرم جانبه ويبالغ في رعايته وكتب إليه ~~مرة يشكو ضائقة لحقته وركبه بسببها دين وعين مقداره في قصته فوقع المأمون ~~فيها بخطه فيك خلتان سخاء وحياء فالسخاء اطلق يديك بتبذير ما ملكت والحياء ~~حملك أن ذكرت لنا بعض دينك وقد أمرنا لك بضعف ما سألت وإن كنا قصرنا عن ms1161 ~~بلوغ حاجتك فبجنايتك على نفسك وإن كنا بلغنا بغيتك فزد في بسطة يدك فإن ~~خزائن الله مفتوحة ويده بالخير مبسوطة وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد ~~ان النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير يا زبير إن مفاتيح الرزق بإزاء ~~العرش ينزل الله سبحانه للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم فمن كثر كثر له ومن ~~قلل قلل عليه قال الواقدي وكنت نسيت الحديث فكانت مذاكرته إياي أعجب إلي من ~~صلته وروى عنه بشر الحافي المقدم ذكره رضي الله عنه حكاية واحدة وهي أنه ~~سمعه يقول ما يكتب للحمى يؤخذ ثلاث ورقات زيتون تكتب يوم السبت وأنت على ~~طهارة على واحدة منها جهنم غرثي وعلى الأخرى جهنم عطشى وعلى الأخرى جهنم ~~مقرورة ثم تجعل في خرقة وتشد على عضد المحموم الأيسر قال الواقدي المذكور ~~جربته فوجدته نافعا هكذا نقل هذه الحكاية أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه ~~الذي وضعه في اخبار بشر الحافي وروى المسعودي في كتاب مروج الذهب أن ~~الواقدي المذكور قال كان لي صديقان أحدهما هاشمي وكنا كنفس واحدة فنالتني ~~ضائقة شديدة وحضر العيد فقالت امرأتي أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس ~~والشدة وأما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي رحمة لهم لأنهم يرون صبيان ~~الجيران قد تزينوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم وهم على هذه الحال من الثياب ~~الرثة فلو احتلت في شيء تصرفه في كسوتهم قال فكتبت إلى صديق لي وهو الهاشمي ~~أسأله التوسعة علي بما حضر فوجه إلي كيسا مختوما ذكر أن فيه ألف درهم ~~PageV04P349 # فما استقر قراري حتى كتب إلي الصديق الاخر يشكو مثل ما ~~شكوت إلى صاحبي الهاشمي فوجهت إليه الكيس بحاله وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه ~~ليلتي مستحييا من امرأتي فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني ولم تعنفني ~~عليه فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته فقال لي ~~اصدقني عما فعلته فيما وجهت به إليك فعرفته الخبر على وجهه فقال لي إنك ~~وجهت إلي وما أملك على الأرض إلا ما ms1162 بعثت به إليك وكتبت إلى صديقنا أسأله ~~المواساة فوجه كيسي بخاتمي قال الواقدي فتواسينا ألف درهم فيما بيننا ثم ~~إنا أخرجنا للمرأة مائة درهم قبل ذلك ونمي الخبر إلى المأمون فدعاني وسألني ~~فشرحت له الخبر فامر لنا بسبعة آلاف دينار لكل واحد منا ألفا دينا وللمرأة ~~ألف دينار وقد ذكر الخطيب في تاريخ بغداد هذه الحكاية وبينها وبين ما ~~ذكرناه هاهنا إختلاف يسير وكانت ولادة الواقدي في أول سنة ثلاثين ومائة ~~وتوفي عشية يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة سنة سبع ومائتين وهو يومئذ قاض ~~ببغداد في الجانب الغربي كذا قاله ابن قتيبة وقال السمعاني كان قاضيا ~~بالجانب الشرقي كما تقدم والله أعلم وصلى عليه محمد بن سماعة التميمي ودفن ~~في مقابر الخيزران وقيل مالت سنة تسع وقيل سنة ست ومائتين والأول أصح وقال ~~الخطيب في تاريخ بغداد في أول ترجمة الواقدي إنه توفي في ذي القعدة وقال في ~~آخر الترجمة إنه مات في ذي الحجة والله أعلم رحمه الله تعالى ورأيت بخطي في ~~مسوداتي أن الواقدي مات وعمره ثماني وسبعون سنة PageV04P350 # والواقدي بفتح الواو وبعد الألف قاف مكسورة ثم دال ~~مهملة هذه النسبة إلى واقد وهو جده المذكور وقد تقدم الكلام على المدني ~~وعسكر المهدي هي المحلة المعروفة اليوم بالرصافة في الجانب الشرقي من بغداد ~~عمرها أبو جعفر المنصور لولده المهدي فنسبت إليه وهذا يؤيد ان الواقدي كان ~~قاضي الجانب الشرقي لا الغربي والله أعلم 645 محمد بن سعد كاتب الواقدي أبو ~~عبد الله محمد بن سعد بن منيع الزهري البصري كاتب الواقدي كان أحد الفضلاء ~~النبلاء الأجلاء صحب الواقدي المذكور قبله زمانا وكتب له فعرف به وسمع ~~سفيان بن عيينة وانظاره وروى عنه أبو بكر ابن أبي الدنيا وأبو محمد الحارث ~~بن أبي أسامة التميمي وغيرهما وصنف كتابا كبيرا في طبقات الصحابة والتابعين ~~والخلفاء إلى وقته فأجاد فيه وأحسن وهو يدخل في خمس عشرة مجلدة وله طبقات ~~أخرى صغرى وكان صدوقا ثقة ويقال اجتمعت كتب الواقدي عند أربعة ms1163 أنفس أولهم ~~كاتبه محمد بن سعد المذكور وكان كثير العلم غزير الحديث والرواية كثير ~~الكتبة كتب PageV04P351 # الحديث والفقه وغيرهما وقال الحافظ أبو بكر الخطيب ~~صاحب تاريخ بغداد في حقه ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على ~~صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته وهو من موالي الحسين بن عبد الله بن ~~عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وتوفي يوم الأحد لأربع خلون من جمادى ~~الآخرة سنة ثلاثين ومائتين ببغداد ودفن في مقبرة باب الشام وهو ابن اثنتين ~~وستين سنة رحمه الله تعالى 646 الدولابي أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد بن ~~سعد الأنصاري بالولاء الوراق الرازي الدولابي كان عالما بالحديث والأخبار ~~والتواريخ سمع الأحاديث بالعراق والشام وروى عن محمد بن بشار وأحمد بن عبد ~~الجبار العطاردي وخلق كثير وروى عنه الطبراني وأبو حاتم ابن حبان البستي ~~وله تصانيف مفيدة في التاريخ ومواليد الزعماء ووفياتهم واعتمد عليه أرباب ~~هذا الفن في النقل وأخبروا عنه في كتبهم ومصنفاتهم المشهورة وبالجملة فقد ~~كان من الأعلام في هذا الشأن وممن يرجع إليه وكان حسن التصنيف وتوفي سنة ~~عشرين وثلاثمائة بالعرج رحمه الله تعالى وروي عنه أنه كان ينشد لعروة بن ~~حزام العذري حيث قال PageV04P352 # (إذا رام قلبي هجرها حال دونه * شفيعان من قلبي لها ~~جدلان) (إذا قال لا قالا بلى ثم أصبحوا * جميعا على الرأي الذي يريان) ~~والدولابي بضم الدال المهملة وفتحها قال السمعاني والفتح أصح وسكون الواو ~~وبعد اللام ألف باء موحدة هذه النسبة إلى الدولاب وهي قرية من اعمال الري ~~وبالأهواز قرية يقال لها الدولاب وبها كانت الوقعة المشهورة للأزارقة ~~وبشرقي بغداد موضع آخر يقال له الدولاب ودولاب الجار أيضا موضع آخر ~~والدولاب الذي يدار ويستعمل بضم الدال وفتحها والعرج بفتح العين المهملة ~~وسكون الراء وبعدها جيم وهي عقبة بين مكة والمدينة على جادة الحاج والعرج ~~أيضا قرية جامعة من نواحي الطائف إليها ينسب العرجي الشاعر وهو عبد الله بن ~~عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان ms1164 رضي الله عنه ولا أعلم هل توفي الدولابي في ~~العرج الأولى أم الثانية وباليمن بلد آخر يقال له سوق العرج والله أعلم ~~PageV04P353 # 647 المرزباني أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى بن ~~سعيد بن عبيد الله الكاتب المرزباني الخراساني الأصل البغدادي المولد صاحب ~~التصانيف المشهورة والمجاميع الغريبة كان راوية للأدب صاحب أخبار وتواليفه ~~كثيرة وكان ثقة في الحديث ومائلا إلى التشيع في المذهب حدث عن عبد الله بن ~~محمد البغوي وأبي بكر ابن أبي داود السجستاني في آخرين وهو أول من جمع ~~ديوان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي واعتنى به وهو صغير الحجم يدخل ~~في مقدار ثلاث كراريس وقد جمعه من بعده جماعة وزادوا فيه أشياء كثيؤة ليست ~~له وكنت حفظت جميع ديوان يزيد لشدة غرامي به وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ~~وستمائة بمدينة دمشق وعرفت صحيحه من المنسوب إليه الذي ليس له وتتبعته حتى ~~ظفرت بصاحب كل أبيات ولولا خوف التطويل لبينت ذلك وشعر يزيد مع قلته في ~~نهاية الحسن ومن أطايب شعره الأبيات العينية التي منها (إذا رمت من ليلى ~~على البعد نظرة * تطفي جوى بين الحشا والأضالع) (تقول نساء الحي تطمع ان ~~ترى * محاسن ليلى مت بداء المطامع) PageV04P354 # (وكيف ترى ليلى بعين ترى بها * سواها وما طهرتها ~~بالمدامع) (وتلتذ منها بالحديث وقد جرى * حديث سواها في خروق المسامع) ~~(أجلك يا ليلى عن العين إنما * أراك بقلب خاشع لك خاضع) ومن لطيف شعره قوله ~~(ولي ولها إذا الكاسات دارت * رقى سحر يفك عرى الهموم) (معاتبة ألذ من ~~الأماني * وبث جوى ارق من النسيم) ومن شعره (وداع دعاني والثريا كأنها * ~~قلائص قد اعنقن خلف فنيق) (وناولني كأسا كان بنانه * مخلقة من نورها بخلوق) ~~(إذا ما سما فيها المزاج حسبتها * نجوم لآل في سماء عقيق) (وقال اغتنم من ~~دهرنا غفلاته * فعقد نظام الدهر غير وثيق) (وإني من لذات دهري لقانع * بحلو ~~حديث أو بمر عتيق) (هما ما هما لم يبق شيء سواهما * حديث صديق أو عتيق ~~رحيق) ms1165 وكانت ولادة المرزباني المذكور في جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ~~ومائتين وقيل سنة ست وتسعين وتوفي يوم الجمعة ثاني شوال سنة أربع وثمانين ~~وقيل سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة والأول أصح رحمه الله تعالى وصلى عليه ~~الفقيه أبو بكر الخوارزمي ودفن في داره بشارع عمرو الرومي ببغداد في الجانب ~~الشرقي وروى عن أبي القاسم البغدادي وأبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن ~~الأنباري وروى عنه أبو عبد الله الصيمري وأبو القاسم التنوخي وأبو محمد ~~الجوهري وغيرهم PageV04P355 # والمرزباني بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح ~~الباء الموحدة وبعد الألف نون هذه النسبة إلى بعض أجداده وكان اسمه ~~المرزبان وهذا الاسم لا يطلق عند العجم إلا على الرجل المقدم العظيم القدر ~~وتفسيره بالعربية حافظ الحد قاله ابن الجواليقي في كتابه المعرب 648 أبو ~~بكر الصولي أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول ~~تكين الكاتب المعروف بالصولي الشطرنجي كان أحد الأدباء الفضلاء المشاهير ~~روى عن أبي داود السجستاني وأبي العباس ثعلب وأبي العباس المبرد وغيرهم ~~وروى عنه أبو الحسن الدارقطني الحافظ وأبو عبيد الله المرزباني المذكور ~~قبله وغيرهما ونادم الراضي وكان أولا يعلمه ثم نادم المقتدر ونادم قبله ~~المكتفي وله التصانيف المشهورة منها كتاب الوزراء وكتاب الورقة وكتاب أدب ~~الكاتب وكتاب الأنواع وكتاب أخبار أبي تمام وكتاب أخبار القرامطة وكتاب ~~الغرر وكتاب أخبار أبي عمرو بن العلاء وكتاب العبادة وكتاب اخبار ابن هرمة ~~وكتاب أخبارالسيد الحميري وكتاب اخبار إسحاق بن إبراهيم وجمع اخبار جماعة ~~من الشعراء ورتبه PageV04P356 # على حروف المعجم وكلهم من الشعراء المحدثين وغير ذلك ~~وكان ينادم الخلفاء وكان أغلب فنونه أخبار الناس وله رواية واسعة ومحفوظات ~~كثيرة وكان حسن الإعتقاد جميل الطريقة مقبول القول وكان أوحد وقته في لعب ~~الشطرنج لم يكن في عصره مثله في معرفته والناس إلى الان يضربون به المثل في ~~ذلك فيقولون لمن يبالغون في حسن لعبه فلان يلعب الشطرنج مثل الصولي ورأيت ~~خلقا كثيرا يعتقدون أن الصولي المذكور هو الذي ms1166 وضع الشطرنج وهو غلط فإن ~~الذي وضعه صصه بن داهر الهندي واسم الملك الذي وضعه له شهرام بكسر الشين ~~المعجمة وكان أردشير ابن بابك أول ملوك الفرس الأخيرة وقد وضع النرد ولذلك ~~قيل له النردشير لأنهم نسبوه إلى واضعه المذكور وجعله مثالا للدنيا وأهلها ~~فرتب الرقعة اثني عشر بيتا بعدد شهور السنة وجعل القطع ثلاثين قطعة ~~بعددايام كل شهر وجعل الفصوص مثل القدر وتقلبه بأهل الدنيا وبالجملة ~~فالكلام في هذا يطول ويخرج عما نحن بصدده فافتخرت الفرس بوضع النرد وكان ~~ملك الهند يومئذ بلهيت فوضع له صصه المذكور الشطرنج فقضت حكماء ذلك العصر ~~بترجيحه على النرد لأمور يطول شرحها ويقال إن صصه لما وضع الشطرنج وعرضه ~~على الملك شهرام المذكور اعجبه وفرح به كثيرا وامر ان يكون في بيوت الديانة ~~ورآه أفضل ما علم لأنه آلة للحرب وعز للدين والدنيا وأساس لكل عدل واظهر ~~الشكر والسرور على ما أنعم عليه في ملكه منه وقال لصصه اقترح علي ما تشتهي ~~فقال له اقترحت ان تضع حبة قمح في البيت الأول ولا تزال تضعفها حتى تنتهى ~~إلى آخرها فمهما بلغ تعطيني فاستصغر الملك ذلك وانكر عليه كونه PageV04P357 # قابله بالنزر اليسير وكان قد اضمر له شيئا كثيرا فقال ~~ما أريد إلا هذا فراده فيه وهو مصر عليه فأجابه إلى مطلوبه وتقدم له به ~~فلما قيل لأرباب الديوان حسبوه فقالوا ما عندنا قمح يفي بهذا ولا بما ~~يقاربه فلما قيل للملك استنكر هذه المقالة واحضر أرباب الديوان وسألهم ~~فقالوا له لو جمع كل قمح في الدنيا ما بلغ هذا القدر فطالبهم بإقامة ~~البرهان على ذلك فقعدوا وحسبوه فظهر له صدق ذلك فقال الملك لصصه أنت في ~~إقتراحك ما أقترحت أعجب حالا من وضعك الشطرنج وطريق هذا التضعيف ان يضع ~~الحاسب في البيت الأول حبة وفي الثاني حبتين وفي الثالث أربع حبات وفي ~~الرابع ثمان حبات وهكذا إلى آخره كلما أنتقل إلى بيت ضاعف ما قبله وأثبته ~~فيه ولقد كان في نفسي من هذه المبالغة ms1167 شيء حتى اجتمع بي بعض حساب ~~الإسكندرية وذكر لي طريقا تبين لي صحة ما ذكروه وأحضر لي ورقة بصورة ذلك ~~وهو انه ضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر فأثبت فيه اثنين وثلاثين ألفا ~~وسبعمائة وثمانيا وستين حبة وقال تجعل هذه الجملة مقدار قدح وقد اعتبرتها ~~فكانت كذلك والعهدة عليه في هذا النقل ثم ضاعف القدح في البيت السابع عشر ~~وهكذا حتى بلغ ويبة في البيت العشرين ثم أنتقل إلى الويبات ومنها إلى ~~الأرادب ولم يزل يضاعفها حتى انتهى في بيت الأربعين إلى مائة الف إردب ~~وأربعة وسبعين ألف إردب وسبعمائة واثنين وستين إردبا وثلثين فقال تجعل هذه ~~الجملة في شونة فإن الشونة لا يكون فيها أكثر من هذا ثم ضاعف الشون إلى بيت ~~الخمسين فكانت الجملة ألفا وأربعا وعشرين شونة فقال تجعل هذه في مدينة فإن ~~المدينة لا يكون فيها أكثر من هذه الشون وأي مدينة يكون فيها هذه الجملة من ~~الشون ثم ضاعف المدن حتى انتهى في البيت الرابع والستين وهو آخر ~~PageV04P358 # أبيات رقعة الشطرنج إلى ستة عشر ألف مدينة وثلاثمائة ~~وأربع وثمانين مدينة وقال تعلم أنه ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد ~~فإن دور كرة الأرض معلوم بطريق الهندسة وهو ثمانية آلاف فرسخ بحيث لو وضعنا ~~طرف حبل على أي موضع كان من الأرض وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا ~~بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض والتقى الطرفان فإذا مسحنا ذلك الحبل ~~كان طوله أربعة وعشرين الف ميل وهي ثمانية آلاف فرسخ وهو قطعي لا شك فيه ~~ولولا خوف التطويل والخروج عن المقصود لبينت ذلك وسأذكره إن شاء الله تعالى ~~في ترجمة بني موسى وتعلم ما في الأرض من المعمور وهو مقدار ربع الكرة بطريق ~~التقريب وقد أنتشر الكلام وخرجنا عن المقصود لكنه ما خلا عن فائدة فإن هذه ~~الطريقة غريبة فأحببت إثباتها ليقف عليها من يستنكر ما قالوه في تضعيف رقعة ~~الشطرنج ويعلم ان ذلك حق وان هذه الطريقة سهلة الاطلاع على حقيقة ms1168 ما ذكروه ~~ولنرجع إلى حديث الصولي حكى المسعودي في كتاب مروج الذهب ان الإمام الراضي ~~بالله أتى في بعض منتزهاته بستانا مونقا وزهرا رائقا فقال لمن حضره ممن كان ~~من ندمائه هل رأيتم منظرا أحسن من هذا فكل اثنى وذهب فيه إلى مدحه ووصف ~~محاسنه وانها لا يفي بها شيء من زهرات الدنيا فقال الراضي لعب الصولي ~~بالشطرنج أحسن من هذا ومن كل ما تصفون ثم قال المسعودي وقد ذكر ان الصولي ~~في بدء دخوله على الإمام المكتفي وقد كان ذكر له تخرجه في اللعب بالشطرنج ~~وكان الماوردي اللاعب متقدما PageV04P359 # عنده متمكنا من قلبه معجبا به للعبه فلما لعبا جميعا ~~بحضرة المكتفي حمل المكتفي حسن رأيه في الماوردي وتقدم الحرمة في الألفة ~~على نصرته وتشجيعه وتنبيهه حتى أدهش ذلك الصولي في أول وهلة فلما اتصل ~~اللعب بينهما وجمع له الصولي متانته وقصد قصده غلبه غلبا لا يكاد يرد عليه ~~شيئا وتبين حسن لعب الصولي للمكتفي فعدل عن هواه ونصرة الماوردي عاد ماء ~~وردك بولا واخبار الصولي ونوادره كثيرة وما جراياته أكثر من أن تحصى ومع ~~فضائله والاتفاق على تفننه في العلوم وخلاعته وظرافته ما خلا من منتقص هجاه ~~هجوا لطيفا وهو أبو سعيد العقيلي فإنه رأى له بيتا مملوءا كتبا قد صفها ~~وجلودها مختلفة الألوان وكان يقول هذه كلها سماعي وإذا احتاج إلى معاودة ~~شيء منها قال يا غلام هات الكتاب الفلاني فقال أبو سعيد المذكور هذه ~~الأبيات (إنما الصولي شيخ * أعلم الناس خزانه) (إن سألناه بعلم * طلبا منه ~~إبانه) (قال يا غلمان هاتوا * رزمة العلم فلانه) وتوفي الصولي المذكور سنة ~~خمس وقيل ست وثلاثين وثلاثمائة بالبصرة مستترا لأنه روى خبرا في حق علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه فطلبته الخاصة والعامة لتقتله فلم تقدر عليه وكان قد ~~خرج من بغداد لإضاقة لحقته وقد سبق الكلام على الصولي في ترجمة إبراهيم بن ~~العباس الصولي وهو عم والد أبي بكر المذكور فليطلب هناك وصصه بصادين ~~مهملتين الأولى منهما مكسورة والثانية ms1169 مشددة مفتوحة وفي الآخر هاء ساكنة ~~وداهر بدال مهملة وبعد الألف هاء مكسورة ثم راء وأردشير بفتح الهمزة وسكون ~~الراء وفتح الدال المهملة وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وفي آخرها راء هكذا قاله الحافظ PageV04P360 # الدارقطني وقال غير الدارقطني ه ذا لفظ عجمي وتفسيره ~~بالعربي دقيق وحليب فأرد دقيق وشير حليب وقيل دقيق وحلاوة وقيل إنه بالزاي ~~لا بالراء والله أعلم وهو الذي اباد ملوك الطوائف ومهد الملك لنفسه واستولى ~~على الممالك وهو جد ملوك الفرس الذين آخرهم يزدجرد وكان انقراض ملكهم في ~~خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة وأخبارهم ~~مشهورة وهؤلاء غير ملوك الفرس الأوائل الذين آخرهم دارا بن دارا الذي قتله ~~الإسكندر ورتب في البلاد ملوك الطوائف وسماهم بذلك لأن كل ملك يحكم على ~~طائفة مخصوصة بعد ان كانت الممالك لرجل واحد وكان اردشير من ملوك الطوائف ~~ثم استقل بالجميع كالعادة الأولى وكانت مدة مملكة ملوك الطوائف أربعمائة ~~سنة ومدة مملكة ملوك الفرس الأواخر أربعمائة سنة ويزدجرد بفتح الياء ~~المثناة من تحتها وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وكسر الجيم وسكون الراء ~~وفي الآخر دال مهملة واما بلهيت ملك الهند فلا أتحقق ضبطه غير اني وجدته ~~مضبوطا بخط الناسخ وقد فتح الباء الموحدة وسكن اللام وفتح الهاء وسكن الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها تاء مثناة من فوقها والله أعلم بصحة ذلك من سقمه ~~PageV04P361 # 649 الحاتمي أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر الكاتب ~~اللغوي البغدادي المعروف بالحاتمي أحد الأعلام المشاهير المطلعين المكثرين ~~أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد غلام ثعلب وقد تقدم ذكره وروى عنه أخبارا ~~وأملاها في مجالس الأدب وروى عن غيره أيضا وأخذ عنه جماعة من النبلاء منهم ~~القاضي أبو القاسم التنوخي المقدم ذكره وغيره وله الرسالة الحاتمية التي ~~شرح فيها ما جرى بينه وبين أبي الطيب المتنبي من إظهار سرقاته وإبانة عيوب ~~شعره ولقد دلت على غزارة مادته وتوفر اطلاعه وحكى في أول الرسالة السبب ~~الحامل له على ms1170 ذلك فقال لما ورد أحمد بن الحسين المتنبي مدينة السلام ~~منصرفا عن مصر ومتعرضا للوزير أبي محمد المهلبي بالتخييم عليه والمقام لديه ~~التحف رداء الكبر وأذال ذيول التيه ونأى بجانبه استكبارا وثنى عطفيه جبرية ~~وازورارا فكان لا يلاقي أحدا إلا اعرض عنه تيها وزخرف القول عليه تمويها ~~تخيل عجبا إليه أن الأدب مقصور عليه وان الشعر بحر لم يرد نمير مائه غيره ~~وروض لم يرد نواره سواه فهو يجني جناه ويقطف قطوفه دون من تعاطاه وكل مجر ~~في الخلاء يسر ولكل نبأ مستقر PageV04P362 # فغبر جاريا على هذه الوتيرة مدة مديدة أجررته رسن ~~البغي فيها فظل يمرح في تيهه حتى إذا تخيل انه السابق الذي لا يجارى في ~~مضمار ولا يساوى عذاره بعذار وانه رب الكلام ومقتض عذارى الألفاظ ومالك زق ~~الفصاحة نثرا ونظما وقريع دهره الذي لا يقارع فضلا وعلما وثقلت وطأته على ~~كثير مما وسم نفسه بميم الأدب وانبط من مائه أعذب مشرب فطأطأ بعض رأسه وخفض ~~بعض جناحه وطامن على التسليم له طرفه وساء معز الدولة أحمد بن بويه المقدم ~~ذكره وقد صورت حاله أن يرد حضرته وهي دار الخلافة ومستقر العز وبيضة الملك ~~رجل صدر عن حضرة سيف الدولة بن حمدان وقد تقدم ذكره أيضا وكان عدوا مباينا ~~لمعز الدولة فلا يلقى أحدا بمملكته يساويه في صناعته وهو ذو النفس الأبية ~~والعزيمة الكسروية والهمة التي لو همت بالدهر لما تصرفت بالأحرار صروفه ولا ~~دارت عليهم دوائره وتخيل الوزير المهلبي رجما بالغيب ان أحدا لا يستطيع ~~مساجلته ولا يرى نفسه كفؤا له ولايضطلع بأعبائه فضلا عن التعلق بشيء من ~~معانيه وللرؤساء مذاهب في تعظيم من يعظمونه وتفخيم من يفخمونه وتكرمة من ~~يراعونه ويكرمونه وربما حالت بهم الحال وأوشكوا عن هذه الخليقة الانتقال ~~وتلك صورة الوزير المهلبي في عوده عن رأيه هذا فيه ولم يكن هناك مزية يتميز ~~بها أبو الطيب عن الهجين الجذع من أبناء الأدب فضلا عن العتيق القارح إلا ~~الشعر ولعمري إن أفنانه كانت فيه رطبة ms1171 ومجانيه عذبة فنهدت له متتبعا عواره ~~ومقلما أظفاره ومذيعا أسراره وناشرا مطاويه ومنتقدا من نظمه ما تسمح فيه ~~ومتحينا أن تجمعنا دار يشار إلى ربها فأجري أنا وهو في مضمار يعرف به ~~السابق من المسبوق واللاحق من المقصر عن اللحوق وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار ~~وزند في كل فضيلة وار وطبع يناسب صفو العقار إذا وشيت بالحباب ووشت بها ~~سرائر الأكواب هذا وغدير الصبا صاف ورداؤه ضاف وديباجة العيش غضة وأرواحه ~~معتلة وغمائمه منهلة وللشبيبة شرة وللإقبال من الدهر غرة والخيل ~~PageV04P363 # تجري يوم الرهان بأقبال أربابها لا بعروقها ونصابها ~~ولكل امرئ حظ من مواتاة زمانه يقضى في ظله أرب ويدرك مطلب ويتوسع مراد ~~ومذهب حتى إذا عدت عن إجتماعنا عواد من الأيام قصدت مستقره وتحتي بغلة ~~سفواء تنظر عن عيني باز وتتشوف بمثل قادمتي نسر وهي مركب رائع وكأنني كوكب ~~وقاد من تحته غمامة يقتادها زمام الجنوب وبين يدي عدة من الغلمان الروقة ~~مماليك وأحرار يتهافتون تهافت فريد الدر عن أسلاكه ولم أورد هذا متبجحا ولا ~~متكثرا بذكره بل ذكرته لأن أبا الطيب شاهد جميعه في الحال ولم ترعه روعته ~~ولا استعطفه زبرجه ولا زادته تلك الجملة الجميلة التي ملت أتهمه طرفه وقلبه ~~إلا عجبا بنفسه وإعراضا عني بوجهه وكان قد أقام هناك سوقا عند أغيلمة لم ~~ترضهم العلماء ولا عركتهم رحى النظراء ولا أنضوا أفكارا في مدارسة الأدب ~~ولا فرقوا بين حلو الكلام ومره وسهله ووعره وإنما غاية أحدهم مطالعة شعر ~~أبي تمام وتعاطي الكلام على نبذ من معانيه وعلى ما تعلقت الرواة مما يجوز ~~فيه فألفيت هناك فتية تأخذ عنه شيئا من شعره فحين أوذن بحضوري وإستؤذن عليه ~~لدخولي نهض من مجلسه مسرعا ووارى شخصه عني مستخفيا وأعجلته نازلا عن البغلة ~~وهو يراني لإنتهائي بها إلى حيث أخذها طرفه ودخلت فأعظمت الجماعة قدري ~~وأجلستني في مجلسه وإذا تحته أخلاق عباءة قد ألحت عليها الحوادث فهي رسوم ~~داثرة وأسلاك متناثرة فلم يكن إلا ريثما جلست فنهضت فوفيته حق ms1172 السلام غير ~~مشاح له في القيام لأنه إنما اعتمد بنهوضه عن الموضع ألا ينهض إلي والغرض ~~كان في لقائه غير ذلك وحين لقيته تمثلت بقول الشاعر (وفي الممشى إليك علي ~~عار * ولكن الهوى منع القرارا) PageV04P364 # فتمثل في بقول الآخر (يشقى رجال ويشقى آخرون بهم * ~~ويسعد الله أقواما بأقوام) (وليس رزق الفتى من فضل حيلته * لكن جدود وأرزاق ~~بأقسام) (كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد * يرمي فيحرزه من ليس بالرامي) ~~وإذا به لابس سبعة أقبية كل قباء منها لون وكنا في وغرة القيظ وجمرة الصيف ~~وفي يوم تكاد ودائع الهامات تسيل فيه فجلست مستوفزا وجلس متحفزا واعرض عني ~~لاهيا وأعرضت عنه ساهيا أؤنب نفسي في قصده واستخف رأيها في تكلف ملاقاته ~~فغبر هنية ثانيا عطفه لا يعيرني طرفه وأقبل على تلك الزعنفة التي بين يديه ~~وكل يومي إليه ويوحي بلحظه ويشير إلى مكاني بيديه ويوقظه من سنته وجهله ~~ويأبى إلا إزورارا ونفارا وعتوا وإستكبارا ثم رأى أن يثني جانبه إلي ويقبل ~~بعض الإقبال علي فأقسمت بالوفاء والكرم فإنهما من محاسن القسم أنه لم يزد ~~على أن قال أيش خبرك فقلت بخير أنا لولا ما جنيته على نفسي من قصدك ووسمت ~~به قدري من ميسم الذل بزيارتك وجشمت رأيي من السعي إلى مثلك ممن لم تهذبه ~~تجربة ولا أدبته بصيرة ثم تحدرت عليه تحدر السيل إلى قرارة الوادي وقلت له ~~ابن لي مم تيهك وخيلاؤك وعجبك وكبرياؤك وما الذي يوجب ما أنت عليه من ~~الذهاب بنفسك والرمي بهمتك إلى حيث يقصر عنه باعك ولا تطول إليه ذراعك هل ~~ها هنا نسب انتسبت إلى المجد به أو شرف علقت بأذياله أو سلطان تسلطت بعزه ~~أو علم تقع الإشارة إليك به إنك لو قدرت نفسك بقدرها أو وزنتها بميزانها ~~ولم يذهب بك التيه مذهبا لما عدوت أن تكون شاعرا مكتسبا فامتقع PageV04P365 # لونه وغص بريقه وجعل يلين في الاعتذار ويرغب في الصفح ~~والإغتفار ويكرر الأيمان أنه لم يثبتني ولا اعتمد التقصير بي فقلت يا هذا ~~إن ms1173 قصدك شريف في نسبه تجاهلت نسبه أو عظيم في أدبه صغرت أدبه أو متقدم عند ~~سلطانه خفضت منزلته فهل المجد تراث لك دون غيرك كلا والله لكنك مددت الكبر ~~سترا على نقصك وضربته رواقا حائلا دون مباحثتك فعاود الاعتذار فقلت لا عذر ~~لك مع الإصرار وأخذت الجماعة في الرغبة إلي في مياسرته وقبول عذره واستعمال ~~الأناة التي تستعملها الحزمة عند الحفيظة وأنا على شاكلة واحدة في تقريعه ~~وتوبيخه وذم خليقته وهو يؤكد القسم أنه لم يعرفني معرفة ينتهز معها الفرصة ~~في قضاء حقي فأقول ألم أستأذن عليك باسمي ونسبي أما كان في هذه الجماعة من ~~كان يعرفني لو كنت جهلتني وهب أن ذلك كذلك ألم تر شارتي أما شممت عطر نشري ~~ألم أتميز في نفسك عن غيري وهو في أثناء ما أخاطبه وقد ملأت سمعه تأنيبا ~~وتفنيدا يقول خفض عليك اكفف من غربك أردد من سورتك استأن فإن الأناة من شيم ~~مثلك فأصحب حينئذ جانبي له ولانت عريكتي في يده واستحييت من تجاوز الغاية ~~التي انتهيت إليها في معاتبته وذلك بعد أن رضته رياضة الصعب من الإبل واقبل ~~علي معظما وتوسع في تقريظي مفخما واقسم انه ينازع منذ ورد العراق ملاقاتي ~~ويعد نفسه بالاجتماع معي ويسوفها التعلق بأسباب مودتي فحين استوفى القول في ~~هذا المعنى استأذن عليه فتى من فتيان الطالبيين الكوفيين فأذن له فإذا حدث ~~مرهف الأعطاف تميل به نشوة الصبا فتكلم فأعرب عن نفسه فإذا لفظ رخيم ولسان ~~حلو وأخلاق فكهة وجواب حاضر وثغر PageV04P366 # باسم في أناة الكهول ووقار المشايخ فأعجبني ما شاهدته ~~من شمائله وملكني ما تبينته من فضله فجاراه أبياتا ومن ها هنا كان افتتاح ~~الكلام بينهما في إظهار سرقاته ومعايب شعره وقد طال الكلام لكنه لزم بعضه ~~بعضا فما أمكن قطعه وهذه الرسالة تشتمل على فوائد جمة فإن كان كما ذكر انه ~~أبان له جميعها في ذلك المجلس فما هذا إلا اطلاع عظيم وقد سماها الموضحة ~~وهي كبيرة تدخل في اثنتي عشرة كراسة شهدت لصاحبها ms1174 بالفضل الباهر مع سرعة ~~الاستحضار وإقامة الشاهد وله كتاب حلية المحاضرة يدخل في مجلدين وفيه أدب ~~كثير أيضا وتوفي الحاتمي المذكور يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وذكر الحاتمي أنه اعتل ~~فتأخر عن مجلس شيخه أبي عمر الزاهد المذكور في أول هذه الترجمة فسأل عنه ~~فقيل له إنه مريض فجاءه يعوده فوجده قد خرج إلى الحمام فكتب على بابه ~~بإسفيداج (واعجب شيء سمعنا به * عليل يعاد فلا يوجد) والحاتمي بفتح الحاء ~~المهملة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها مكسورة وبعدها ميم هذه النسبة إلى ~~بعض أجداده اسمه حاتم PageV04P367 # 650 ابن القوطية أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز بن ~~إبراهيم بن عيسى بن مزاحم المعروف بابن القوطية الأندلسي الإشبيلي الأصل ~~القرطبي المولد والدار سمع بإشبيلية من محمد بن عبد الله بن القوق وحسن بن ~~عبد الله الزبيدي وسعيد بن جابر وغيرهم وسمع بقرطبة من طاهر بن عبد العزيز ~~وابن أبي الوليد الأعرج ومحمد بن عبد الوهاب ابن مغيث وغيرهم كان من أعلم ~~أهل زمانه باللغة العربية وكان مع ذلك حافظا للحديث والفقه والخبر والنادر ~~وأروى الناس للأشعار وأدركهم للأثار لا يلحق شاؤه ولا يشق غباره وكان ~~مضطلعا بأخبار الأندلس مليا برواية سير أمرائها وأحوال فقهائها وشعرائها ~~يملي ذلك عن ظهر قلب وكانت كتب اللغة أكثر ما تقرا عليه وتؤخذ عنه ولم يكن ~~بالظابط لروايته في الحديث والفقه ولا كانت له أصول يرجع إليها وكان ما ~~يسمع عليه من ذلك إنما يحمل على المعنى لا على اللفظ وكان كثيرا ما يقرا ~~عليه ما لا رواية له به على جهة التصحيح وطال عمره فسمع الناس منه طبقة بعد ~~طبقة وروى عنه الشيوخ والكهول وكان قد لقي مشايخ عصره بالأندلس وأخذ عنهم ~~وأكثر من النقل من فوائدهم وصنف الكتب المفيدة في اللغة منها كتاب تصاريف ~~الأفعال وهو PageV04P368 # الذي فتح هذا الباب فجاء من بعده ابن القطاع وتبعه كما ~~سبق في ترجمته وله كتاب ms1175 المقصور والممدود جمع فيه ما لا يحد ولا يوصف ولقد ~~أعجز من يأتي بعده وفاق من تقدمه وكان أبو علي القالي لما دخل الأندلس ~~اجتمع به وكان يبالغ في تعظيمه حتى قال له الحكم بن ناصر لدين الله عبد ~~الرحمن صاحب الأندلس يومئذ من أنبل من رأيته ببلدنا هذا في اللغة فقال محمد ~~ابن القوطية وكان مع هذه الفضائل من العباد النساك وكان جيد الشعر صحيح ~~الألفاظ واضح المعاني حسن المطالع والمقاطع إلا أنه ترك ذلك ورفضه حكى ~~الأديب الشاعر أبو بكر يحيى بن هذيل التميمي انه توجه يوما إلى ضيعة له ~~بسفح جبل قرطبة وهي من بقاع الأرض الطيبة المونقة فصادف أبا بكر ابن ~~القوطية المذكور صادرا عنها وكانت له أيضا هناك ضيعة قال فلما رآني عرج علي ~~واستبشسر بلقائي فقلت له على البديهة مداعبا له (من أين أقبلت يامن لا شبيه ~~له * ومن هو الشمس والدنيا له فلك) فقال فتبسم وأجاب بسرعة (من منزل يعجب ~~النساك خلوته * وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا) قال فما تمالكت أن قبلت يده ~~إذ كان شيخي ومجدته ودعوت له وتوفي أبو بكر المذكور يوم الثلاثاء لسبع بقين ~~من شهر ربيع الأول سنة سبع وستين وثلاثمائة بمدينة قرطبة ودفن يوم الأربعاء ~~وقت صلاة العصر بمقبرة قريش رحمه الله تعالى وقيل إنه توفي في رجب من السنة ~~المذكورة والأول أصح والقوطية بضم القاف وسكون الواو وكسر الطاء المهملة ~~وتشديد الياء المثناة PageV04P369 # من تحتها وبعدها هاء ساكنة هذه النسبة إلى قوط بن حام ~~بن نوح عليه السلام نسب إليه جده أبي بكر المذكور وقوط أبو السودان والهند ~~والسند وهي أم إبراهيم بن عيسى بن مزاحم جد أبي بكر المذكور وهي ابنة وبة ~~بن غيطشة وكان من ملوك الأندلس وعليه وعلى أخويه أرطباس قومس الأندلس وسيدة ~~افتتح طارق مولى موسى بن نصير مع المسلمين بلاد الأندلس وكانت القوطية ~~المذكورة وفدت على هشام بن عبد الملك متظلمة من عمها أرطباس المذكور ~~فتزوجها بالشام عيسى بن مزاحم إلى ms1176 الأندلس وإنساله بها وجاءت القوطية بكتاب ~~هشام إلى الخطاب الشعبي الكلبي وكان عامله على الأندلس بالوصاة عليها فكف ~~عمها عنها وانصفها مما كان لها قبله ورعى حرمتها وتمادت بها الحال وطالت ~~حياتها إلى أيام الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الداخل ~~إلى الأندلس من بني أمية فكانت تدخل عليه وتقضي حاجتها وغلب اسمها على ~~PageV04P370 # ذريتها وعرفوا بها إلى اليوم ذكر ذلك في كتاب الاحتفال ~~في أعلام الرجال مما أنتخبه وألفه في اخبار الفقهاء والعلماء المتأخرين من ~~أهل قرطبة الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عفيف التاريخي بما بسطه ونمقه من ~~ذلك الفقيه أبو بكر الحسن ابن محمد بن مفرج بن عبد الله بن مفرج المعافري ~~القرطبي المعروف بالقبشي حامله عنه قال أبو محمد الرشاطي في كتاب الأنساب ~~عين قبش في الريض الغربي من قرطبة ينسب بذلك أبو عبد الله محمد بن مفرج ~~المعافري القبشي وتوفي ليلة الجمعة خامس شهر رمضان سنة إحدى وسبعين ~~وثلاثمائة قلت وهذا المذكور والد أبي بكر الحسن بن محمد المذكور قبله والله ~~أعلم PageV04P371 # 651 أبو بكر الزبيدي أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد ~~الله بن مذحج بن محمد بن عبد الله بن بشر الزبيدي الإشبيلي نزيل قرطبة كان ~~واحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني ~~والنوادر إلى علم السير والأخبار ولم يكن بالأندلس في فنه مثله في زمانه ~~وله كتب تدل على وفور علمه منها مختصر كتاب العين وكتاب طبقات النحويين ~~واللغويين بالمشرق والأندلس من زمن أبي الأسود الدؤلي إلى زمن شيخه أبي عبد ~~الله النحوي الرباحي وله كتاب الرد على ابن مسرة وأهل مقالته سماه هتك ستور ~~الملحدين وكتاب لحن العامة وكتاب الواضح في العربية وهو مفيد جدا وكتاب ~~الأبنية في النحو ليس لأحد مثله واختاره الحكم المستنصر بالله صاحب الأندلس ~~لتأديب ولده ولي عهده هشام المؤيد بالله فكان الذي علمه الحساب والعربية ~~ونفعه نفعا كثيرا ونال أبو بكر الزبيدي منه دنيا عريضة ms1177 وتولى قضاء إشبيلية ~~وخطة الشرطة وحصل نعمة PageV04P372 # ضخمة لبسها بنوه من بعده زمانا وكان يستعظم أدب المؤيد ~~بالله أيام صباه ويصف رجاحته وحجاه ويزعم أنه لم يجالس قط من أبناء العظماء ~~من أهل بيته وغيره في مثل سنه أذكى منه ولا أحضر يقظة وألطف حسا وأرزن حلما ~~وذكر عنه حكايات عجيبة وكان الزبيدي المذكور شاعرا كثير الشعر فمن ذلك قوله ~~في أبي مسلم ابن فهر (أبا مسلم إن الفتى بجنانه * ومقوله لا بالمراكب ~~واللبس) (وليس ثياب المرء تغني قلامه * إذا كان مقصورا على قصر النفس) ~~(وليس يفيد العلم والحلم والحجا * أبا مسلم طول القعود على الكرسي) وكان في ~~صحبة الحكم المستنصر وترك جاريته بإشبيلية فاشتاق إليها فاستأذنه في العود ~~إليها فلم يأذن له فكتب إليها (ويحك يا سلم لاتراعى * لا بد للبين من زماع) ~~(لا تحسبيني صبرت إلا * كصبر ميت على النزاع) (ما خلق الله من عذاب * أشد ~~من وقفة الوداع) (ما بينها والحمام فرق * لولا المناجاة والنواعي) (إن ~~يفترق شملنا وشيكا * من بعد ما كان ذا اجتماع) (فكل شمل إلى فراق * وكل شعب ~~إلى انصداع) (وكل قرب إلى بعاد * وكل وصل إلى انقطاع) وكان كثيرا ما ينشد ~~(الفقر في أوطاننا غربة * والمال في الغربة أوطان) (والأرض شيء كلها واحد * ~~والناس أخوان وجيران) وكان قد قيد الأدب واللغة على أبي علي البغدادي ~~المعروف بالقالي المقدم ذكره لما دخل الأندلس وسمع من قاسم بن أصبغ وسعيد ~~بن فحلول وأحمد PageV04P373 # ابن سعيد بن حزم وأصله من جند حمص المدينة التي بالشام ~~وتوفي يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة بإشبيلة ~~ودفن ذلك اليوم بعد صلاة الظهر وصلى عليه ابنه أحمد وعاش ثلاثا وستين سنة ~~رحمه الله تعالى ومذحج بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة ~~وبعدها جيم وهو في الأصل اسم أكمة حمراء باليمن ولد عليها مالك بن أدد فسمي ~~باسمها ثم كثر ذلك في تسمية العرب حتى صاروا يسمون بها ويجعلونها علما على ~~المسمى وقطعوا النظر عن تلك ms1178 الأكمة والزبيدي بضم الزاي وفتح الباء الموحدة ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة هذه النسبة إلى زبيد واسمه ~~منبه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج وهو الذي سمي بالأكمة المذكورة وزبيد ~~قبيلة كبيرة باليمن خرج منها خلق كثير من الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم 652 ~~القزاز أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي النحوي المعروف بالقزاز ~~القيرواني كان الغالب عليه علم النحو واللغة والافتنان في التواليف فمن ذلك ~~كتاب الجامع في اللغة وهو من الكتب الكبار المختارة المشهورة وذكر أبو ~~القاسم ابن الصيرفي الكاتب المصري أن أبا عبد الله القزاز المذكور ~~PageV04P374 # كان في خدمة العزيز ابن المعز العبيدي صاحب مصر وصنف ~~له كتبا وقال غيره كان العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر قد تقدم إليه أن ~~يؤلف كتابا يجمع فيه سائر الحروف التي ذكر النحويون أن الكلام كله اسم وفعل ~~وحرف جاء لمعنى وأن يقصد في تأليفه إلى ذكر الحرف الذي جاء لمعنى وأن يجري ~~ما ألفه من ذلك على حروف المعجم قال ابن الجزار وما علمت أن نحويا ألف شيئا ~~من النحو على هذا التأليف فسارع أبو عبد الله القزاز إلى ما أمره العزيز به ~~وجمع المفترق من الكتب النفيسة في هذا المعنى على أقصد سبيل وأقرب مأخذ ~~وأوضح طريق فبلغ جملة الكتاب ألف ورقة ذكر ذلك كله الأمير المختار المعروف ~~بالمسبحي في تاريخه الكبير وله كتاب التعريض ذكر فيه ما دار بين الناس من ~~المعارضين في كلامهم وقال أبو علي الحسن بن رشيق في كتاب الأنموذج إن ~~القزاز المذكور فضح المتقدمين وقطع ألسنة المتأخرين وكان مهيبا عند الملوك ~~والعلماء وخاصة الناس محبوبا عند العامة قليل الخوض إلا في علم دين أو دنيا ~~يملك لسانه ملكا شديدا وكان له شعر مطبوع مصنوع ربما جاء به مفاكهة وممالحة ~~من غير تحفز ولا تحفل يبلغ بالرفق والدعة على الرحب والسعة أقصى ما يحاوله ~~أهل القدرة على الشعر من توليد المعاني وتوكيد المباني علما بتفاصيل الكلام ~~وفواصل النظام فمن ms1179 ذلك قوله (أما ومحل حبك في فؤادي * وقدر مكانه فيه ~~المكين) (لو انبسطت لي الآمال حتى * تصير من عنانك في يميني) (لصنتك في ~~مكان سواد عيني * وخطت عليك من حذر جفوني) (فأبلغ منك غايات الأماني * وآمن ~~فيك آفات الظنون) (فلي نفس تجرع كل يوم * عليك بهن كاسات المنون) ~~PageV04P375 # (إذا أمنت قلوب الناس خافت * عليك خفي ألحاظ العيون) ~~(فكيف وأنت دنياي ولولا * عقاب الله فيك لقلت ديني) ومن شعره أيضا (أضمروا ~~لي ودا ولا تظهروه * يهده منكم إلى الضمير) (ما أبالي إذا بلغت رضاكم * في ~~هواكم لأي حال أصير) وله أيضا (ألا من لركب فرق الدهر شملهم * فمن منجد ~~نائي المحل ومتهم) (كأن الردى خاف الردى في اجتماعهم * فقسمهم في الأرض كل ~~مقسم) وله أيضا (ولنا من أبي الربيع ربيع * ترتعيه هوامل الآمال) (أبدا ~~يذكر العدات وينسى * ماله عندنا من الإفضال) وله أيضا (أحين علمت أنك نور ~~عيني * وأني لا أرى حتى أراكا) (جعلت مغيب شخصك عن عياني * يغيب كل مخلوق ~~سواكا) وذكر له مقاطيع كثيرة غير هذه ثم قال وشعر أبي عبد الله يعني القزاز ~~المذكور أحسن مما ذكرت لكني لم أتمكن من روايته وقد شرطت في هذا الكتاب أن ~~كل ما جئت به من الأشعار على غير جهة الاختيار وكانت وفاته بالحضرة سنة ~~اثنتي عشرة وأربعمائة وقد قارب السبعين رحمه الله تعالى والمراد بالحضرة ~~القيروان فإنها كانت دار المملكة يوم ذاك والقزاز بفتح القاف وزايين بينهما ~~ألف والأولى منهما مشددة هذه النسبة إلى عمل القز وبيعه وقد اشتهر به جماعة ~~PageV04P376 # 653 المسبحي الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي ~~القاسم عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز المعروف بالمسبحي ~~الكاتب الحراني الأصل المصري المولد صاحب التاريخ المشهور وغيره من ~~المصنفات كانت فيه فضائل ولديه معارف ورزق حظوة في التصانيف وكان على زي ~~الأجناد واتصل بخدمة الحاكم بن العزيز العبيدي صاحب مصر ونال منه سعادة ~~وذكر في تاريخه أن أول تصرفه في خدمة الحاكم صاحب مصر كان في ms1180 سنة ثمان ~~وتسعين وثلاثمائة وذكر فيه أيضا أنه تقلد القيس والبهنسا من أعمال الصعيد ~~ثم تولى ديوان الترتيب وله مع الحاكم مجالس ومحاضرات حسبما يشهد بها تاريخه ~~الكبير وجمع مقدار ثلاثين مصنفا منها التاريخ المذكور الذي قال في حقه ~~التاريخ الجليل قدره الذي يستغنى بمضمونه عن غيره من الكتب الواردة في ~~معانيه وهو أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء وما ~~بها من العجائب والأبنية واختلاف أصناف الأطعمة وذكر نيلها وأحوال من حل ~~بها إلى الوقت الذي كتبنا فيه تعليق هذه الترجمة وأشعار الشعراء وأخبار ~~المغنين ومجالس القضاة والحكام والمعدلين والأدباء والمتغزلين وغيرهم ~~PageV04P377 # وهو ثلاثة عشر ألف ورقة ومن تصانيفه كتاب التلويح ~~والتصريح في معاني الشعر وغيره وهو ألف ورقة وكتاب الراح والارتياح ألف ~~وخمسمائة ورقة وكتاب الغرق والشرق في ذكر من مات غرقا وشرقا مائتا ورقة ~~وكتاب الطعام والإدام ألف ورقة وكتاب درك البغية في وصف الأديان والعبادات ~~ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة وقصص الأنبياء عليهم السلام وأحوالهم ألف ~~وخمسمائة ورقة وكتاب المفاتحة والمناكحة في أصناف الجماع ألف ومائتا ورقة ~~وكتاب الأمثلة للدول المقبلة يتعلق بالنجوم والحساب خمسمائة ورقة وكتاب ~~القضايا الصائبة في معاني أحكام النجوم ثلاثة آلاف ورقة وكتاب جونة الماشطة ~~يتضمن غرائب الأخبار والأشعار والنوادر التي لم يتكرر مرورها على الأسماع ~~وهو مجموع مختلف غير مؤتلف ألف وخمسمائة ورقة وكتاب الشجن والسكن في أخبار ~~أهل الهوى وما يلقاه أربابه ألفان وخمسائة ورقة وكتاب السؤال والجواب ~~ثلاثمائة ورقة وكتاب مختار الأغاني ومعانيها وغير ذلك من الكتب وله شعر حسن ~~فمن ذلك أبيات رثى بها أم ولده وهي (ألا في سبيل الله قلب تقطعا * وفادحة ~~لم تبق للعين مدمعا) (أصبرا وقد حل الثرى من أوده * فلله هم ما أشد وأوجعا) ~~(فيا ليتني للموت قدمت قبلها * وإلا فليت الموت أذهبنا معا) وكان المسبحي ~~المذكور قد استزار أبا محمد عبيد الله بن أبي الجوع الأديب الوراق الكاتب ~~المشهور فزاره فعمل المسبحي هذه الأبيات وأنشده إياها على البديهة (حللت ~~فأحللت قلبي ms1181 السرورا * وكاد لفرحته أن يطيرا) (وأمطر علمك سحب السماء * ~~ولولاك ما كان يوما مطيرا) (تضوع نشرك لما وردت * وعاد الظلام ضياء منيرا) ~~PageV04P378 # 187 وكان ابن أبي الجوع المذكور شاعرا أديبا حلوا ~~مقبولا له أشعار كثيرة في المراسلات والمعاتبات والأهاجي وكان نسخه في غاية ~~الجودة وكان ينسخ كل خمسين ورقة بدينار وخطه موجود بأيدي الناس ومرغوب فيه ~~وكانت وفاة ابن أبي الجوع سنة خمس وتسعين وثلاثمائة وكانت ولادة المسبحي ~~المذكور يوم الأحد عاشر رجب سنة ست وستين وثلاثمائة كذا ذكره في تاريخه ~~الكبير وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة 188 وتوفي والده ضحوة ~~نهار الاثنين تاسع شعبان سنة أربعمائة وعمره ثلاث وتسعون سنة وصلي عليه في ~~جامع مصر ودفن في داره رحمهم الله تعالى أجمعين ولما توفي الوالد رثاه ولده ~~المسبحي المذكور بهذه الأبيات (خطب يقل له البكاء وينطوي * عنه العزاء ~~ويظهر المكتوم) (خطب يميت من الصدور قلوبها * أسفا ويقعد تارة ويقيم) (يا ~~دهر قد أنشبت في مخالبا * بالأسودين لوقعهن كلوم) (يا دهر قد ألبستني حلل ~~الأسى * مذ حل شخص في التراب كريم) (لو كنت تقبل فدية لفديت من * رضت عظامي ~~فيه وهو رميم) (يا من يلوم إذا رآني جازعا * من طارق الحدثان فيم تلوم) ~~(بأبي فجعت فأي ثكل مثله * ثكل الأبوة في الشباب أليم) (قد كنت أجزع أن يلم ~~به الردى * أو يعتريه من الزمان هموم) ورثاه جماعة من شعراء عصره ذكرهم ~~ولده في تاريخه وذكر مراثيهم والمسبحي بضم الميم وفتح السين المهملة وكسر ~~الباء الموحدة وفي آخره حاء PageV04P379 # مهملة قال السمعاني في كتاب الأنساب هذه النسبة إلى ~~الجد وعرف بها المسبحي صاحب تاريخ المغاربة ومصر يعني الأمير المذكور 654 ~~ابن حمدون صاحب التذكرة أبو المعالي محمد بن أبي سعد الحسن بن محمد بن علي ~~بن حمدون الكاتب الملقب كافي الكفاة بهاء الدين البغدادي كان فاضلا ذا ~~معرفة تامة بالأدب والكتابة من بيت مشهور بالرياسة والفضل هو وأبوه وأخواه ~~أبو نصر وأبو المظفر وسمع أبو المعالي المذكور من ms1182 أبي القاسم إسماعيل بن ~~الفضل الجرجاني وغيره وصنف كتاب التذكرة وهو من أحسن المجاميع يشتمل على ~~التاريخ والأدب والنوادر والأشعار لم يجمع أحد من المتأخرين مثله وهو مشهور ~~بأيدي الناس كثير الوجود وهو من الكتب الممتعة ذكره العماد الأصبهاني ~~الكاتب في كتاب الخريدة فقال كان عارض العسكر المقتفوي ثم صار صاحب ديوان ~~الزمام المستنجدي وهو كلف باقتناء الحمد وابتناء المجد وفيه فضل ونبل وله ~~على أهل الأدب ظل وألف كتابا سماه التذكرة وجمع فيه الغث والسمين والمعرفة ~~والنكرة فوقف الإمام المستنجد على حكايات ذكرها نقلا من التواريخ توهم في ~~الدولة غضاضة ويعتقد للتعرض بالقدح فيها عراضة فأخذ من دست منصبه وحبس ولم ~~يزل في نصبه إلى أن رمس وذلك في أوائل سنة اثنتين وستين وخمسمائة وأنشدني ~~لنفسه لغزا في مروحة الخيش PageV04P380 # (ومرسلة معقودة دون قصدها * مقيدة تجري حبيس طليقها) ~~(يمر خفيف الريح وهي مقيمة * وتسري وقد سدت عليها طريقها) (لها من سليمان ~~النبي وراثة * وقد عزيت نحو النبيط عروقها) (إذا صدق النوء السماكي أمحلت * ~~وتمطر والجوزاء ذاك حريقها) (تحيتها إحدى الطبائع انها * لذلك كانت كل روح ~~صديقها) وأورد له أيضا (وحاشا معاليك أن تستزاد * وحاشا نوالك أن يقتضى) ~~(ولكنما أستزيد الحظوظ * وإن أمرتني النهى بالرضا) وأورد له أيضا (ياخفيف ~~الرأس والعقل معا * وثقيل الروح أيضا والبدن) (تدعي أنك مثلي طيب * طيب أنت ~~ولكن بلبن) انتهى كلام العماد وقال غيره إنه سمع الحديث كثيرا وروى عن ~~الإمام المستنجد قول أبي حفص الشطرنجي في جارية حولاء (حمدت إلهي إذ بليت ~~بحبها * على حول يغني عن النظر الشزر) (نظرت إليها والرقيب يخالني * نظرت ~~إليه فاسترحت من العذر) وهذا من المعاني النادرة العجيبة والإمام في هذا ~~قول مهيار الديلمي يصف ناقة PageV04P381 # (هواها وراها والسري من أمامها * فهن صحيحات النواظر ~~حول) وكانت ولادة ابن حمدون المذكور في رجب سنة خمس وتسعين وأربعمائة وتوفي ~~يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة سنة اثنتين وستين وخمسمائة ودفن يوم ~~الأربعاء بمقابر قريش ببغداد وكان موته في الحبس 189 وأخوه ms1183 أبو نصر محمد بن ~~الحسن الملقب غرس الدولة كان من العمال وممن يعتقد في أهل الخير والصلاح ~~ويرغب في صحبتهم ولد في صفر سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وتوفي في ذي الحجة ~~سنة خمس وأربعين وخمسمائة ببغداد ودفن بمقابر قريش 190 وكان والدهما من ~~شيوخ الكتاب والعارفين بقواعد التصرف والحساب وله تصنيف في معرفة الأعمال ~~وعمر طويلا وتوفي يوم السبت عاشر جمادى الأولى سنة ست وأربعين وخمسمائة ~~رحمهم الله تعالى أجمعين 655 ابن قريعة القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن ~~المعروف بابن قريعة البغدادي كان قاضي السندية وغيرها من أعمال بغداد ولاه ~~أبو السائب عتبة بن عبيد الله القاضي وكان من إحدى عجائب الدنيا في سرعة ~~البديهة بالجواب عن جميع PageV04P382 # ما يسأل عنه في أفصح لفظ وأملح سجع وكان مختصا بحضرة ~~الوزير أبي محمد المهلبي المقدم ذكره منقطعا إليه وله مسائل وأجوبة مدونة ~~في كتاب مشهور بأيدي الناس وكان رؤساء ذلك العصر وفضلاؤه يداعبونه ويكتبون ~~إليه المسائل الغريبة المضحكة فيكتب الجواب من غير توقف ولا تلبث مطابقا ~~لما سألوه وكان الوزير المذكور يغري به جماعة يضعون له من الأسئلة الهزلية ~~على معان شتى من النوادر الطنزية ليجيب عنها بتلك الأجوبة فمن ذلك ما كتب ~~إليه العباس بن المعلى الكاتب ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زنى ~~بنصرانية فولدت ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر وقد قبض عليهما فما يرى القاضي ~~فيهما فكتب جوابه بديها هذا من أعدل الشهود على الملاعين اليهود بأنهم ~~أشربوا حب العجل في صدورهم حتى خرج من أيورهم ورأى أن يناط برأس اليهودي ~~رأس العجل ويصلب على عنق النصرانية الساق مع الرجل ويسحبا على الأرض وينادى ~~عليهما ظلمات بعضها فوق بعض والسلام ولما قدم الصاحب بن عباد المقدم ذكره ~~إلى بغداد حضر مجلس الوزير المهلبي المقدم ذكره أيضا وكان في المجلس القاضي ~~أبو بكر المذكور فرأى من ظرفه وسرعة أجوبته مع لطافتها ما عظم منه تعجبه ~~وكتب الصاحب إلى أبي الفضل ابن العميد كتابا يقول فيه ms1184 وكان في المجلس شيخ ~~خفيف الروح يعرف بالقاضي ابن قويعة جاراني في مسائل خستها تمنع من ذكرها ~~إلا أني استظرفت من كلامه وقد سأله كهل يتطايب بحضرة الوزير أبي محمد عن حد ~~القفا فقال ما اشتمل عليه جربانك وما زحك فيه إخوانك وأدبك فيه سلطانك ~~وباسطك فيه غلمانك فهذه حدود أربعة PageV04P383 # قلت وجربان الثوب بضم الجيم والراء وتشديد الباء ~~الموحدة وبعدها ألف ثم نون وهي الخرقة العريضة التي فوق القب وهي التي تستر ~~القفا والجربان لفظ فارسي معرب وجميع مسائله على هذا الأسلوب ولولا خوف ~~الإطالة لذكرت جملة منها وقد سرد أبو بكر محمد بن شرف القيرواني الشاعر ~~المشهور في كتابه الذي سماه أبكار الأفكار عدة مسائل وجواباتها من هذه ~~المسائل وتوفي القاضي أبو بكر المذكور يوم السبت لعشر بقين من جمادى الآخرة ~~سنة سبع وستين وثلاثمائة ببغداد وعمره خمس وستون سنة رحمه الله تعالى ~~وقريعة بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها عين ~~مهملة وهو لقب جده كذا حكاه السمعاني والسندية بكسر السين المهملة وسكون ~~النون وكسر الدال المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة ~~وهي قرية على نهر عيسى بين بغداد والأنبار وينسب إليها سندواني ليحصل الفرق ~~بين هذه النسبة والنسبة إلى بلاد السند المجاورة لبلاد الهند PageV04P384 # 656 الوهراني أبو عبد الله محمد بن محرز بن محمد ~~الوهراني الملقب ركن الدين وقيل جمال الدين أحد الفضلاء الظرفاء قدم من ~~بلاده إلى الديار المصرية في أيام السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى وفنه ~~الذي يمت به صناعة الإنشاء فلما دخل البلاد ورأى بها القاضي الفاضل وعماد ~~الدين الأصبهاني الكاتب وتلك الحلبة علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا ~~تنفق سلعته مع وجودهم فعدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل وعمل المنامات ~~والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه وهي كثيرة الوجود بأيدي الناس وفيها ~~دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه ولو لم يكن له فيها إلا المنام ~~الكبير لكفاه فإنه أتى فيه بكل ms1185 حلاوة ولولا طوله لذكرته ثم إن الوهراني ~~المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا وتولى الخطابة بداريا وهي قرية ~~على باب دمشق في الغوطة وتوفي في سنة خمس وسبعين وخمسمائة بداريا رحمه الله ~~تعالى ودفن على باب تربة الشيخ أبي سليمان الداراني نقلت من خط القاضي ~~الفاضل وردت الأخبار من دمشق في سابع عشر رجب بوفاة الوهراني والوهراني ~~بفتح الواو وسكون الهاء وفتح الراء وبعد الألف نون هذه النسبة إلى وهران ~~وهي مدينة كبيرة في أرض القيروان بينها وبين تلمسان PageV04P385 # مسافة يومين وهي على ساحل البحر الشامي وذكر الرشاطي ~~أنها أسست في سنة تسعين ومائتين على يدي محمد بن أبي عون ومحمد بن عبدوس ~~وجماعة وخرج منها جماعة من العلماء وغيرهم وداريا بالدال المهملة وبعد ~~الألف راء مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحتها مشددة 657 فخر الدين بابن ~~تيمية الحراني أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد الخضر بن علي ~~بن عبد الله المعروف بابن تيمية الحراني الملقب فخر الدين الخطيب الواعظ ~~الفقيه الحنبلي كان فاضلا تقرد في بلده بالعلم وكان المشار إليه في الدين ~~لقي جماعة من العلماء واخذ عنهم العلوم وقدم بغداد وتفقه بها على أبي الفتح ~~ابن المني وسمع الحديث بها من شهدة بنت الإبري وابن المقرب وابن البطي ~~وغيرهم وصنف في مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه مختصرا أحسن فيه وله ~~ديوان خطب مشهور وهو في غاية الجودة وله تفسير القرآن الكريم وله نظم حسن ~~وكانت إليه الخطابة بحران ولأهله من بعده ولم يزل امره جاريا على سداد ~~وصلاح حال PageV04P386 # ومولده في أواخر شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ~~بمدينة حران وتوفي بها في حادي عشر صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة رحمه الله ~~تعالى قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي في حقه كان ضنينا بحران متى نبغ فيها ~~أحد لا يزال وراءه حتى يخرجه منها ويبعده عنها ومات في خامس صفر من السنة ~~المذكورة وهذا خلاف ما ذكرته أولا قال وسمعته في ms1186 جامع حران يوم الجمعة بعد ~~الصلاة ينشد (أحبابنا قد نذرت مقلتي * لا تلتقي بالنوم أو نلتقي) (رفقا ~~بقلب مغرم واعطفو * على سقام الجسد المغرق) (كم تمطلوني بليالي اللقا * قد ~~ذهب العمر ولم نلتق) وذكره أبو يوسف محاسن بن سلامة بن خليفة الحراني في ~~تاريخ حران وأثنى عليه ثم قال توفي يوم الخميس بعد العصر عاشر صفر سنة ~~اثنتين وعشرين وستمائة وذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل فقال ~~ورد إربل حاجا في سنة أربع وستمائة وذكر فضله وقال كان يدرس التفسير في كل ~~يوم وهو حسن القصص حلو الكلام مليح الشمائل وله القبول التام عند الخاص ~~والعام وكان أبوه أحد الأبدال والزهاد وتفقه بحران وببغداد وكان حاذقا في ~~المناظرات صنف مختصرات في الفقه وخطبا سلك فيها مسلك ابن نباتة وكان بارعا ~~في تفسير القرآن وجميع العلوم له فيها يد بيضاء وسمع من مشايخ الحديث ~~ببغداد وأنشد له (سلام عليكم مضى ما مضى * فراقي لكم لم يكن عن رضا) ~~PageV04P387 # (سلوا الليل عني مذ غبتم * اجفني بالنوم هل أغمضا) ~~(أأحباب قلبي وحق الذي * بمر الفراق علينا قضى) (لئن عاد عيد اجتماعي بكم * ~~وعوفيت من كارث أمرضا) (لألتقين مطاياكم * بخدي وافرشه في الفضا) (ولو كان ~~حبوا على جبهتي * ولو لفح الوجه جمر الغضى) (فأحيا وأنشد من فرحتي * سلام ~~عليكم مضى ما مضى) ثم قال سألته عن اسم تيمية ما معناه فقال حج أبي أو جدي ~~أنا أشك أيهما قال وكانت امرأته حاملا فلما كان بتيماء رأى جويرية قد خرجت ~~من خباء فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد وضعت جارية فلما رفعوها إليه قال ~~ياتيمية يا تيمية يعني أنها تشبه التي رآها بتيماء فسمي بها أو كلاما هذا ~~معناه وتيماء بفتح التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وفتح الميم وبعدها همزة ممدودة وهي بليدة في بادية تبوك إذا خرج الإنسان من ~~خيبر إليها تكون على منتصف طريق الشام وتيمية منسوبة إلى هذه البليدة وكان ~~ينبغي أن تكون تيماوية لأن ms1187 النسبة إلى تيماء تيماوي لكنه هكذا قال واشتهر ~~كما قال PageV04P388 # 658 أبو منصور العتابي أبو منصور محمد بن علي بن ~~إبراهيم بن زبرج النحوي المعروف بالعتابي كانت له معرفة بالنحو واللغة ~~وفنون الأدب وله الخط المليح الصحيح الذي يتنافس فيه أهل العلم وقرأ الأدب ~~على الشريف أبي السعادات هبة الله بن الشجري الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~وعلى أبي منصور موهوب بن الجواليقي وغيرهما وسمع الحديث من مشايخ وقته وكتب ~~الكثير وكل كتاب يوجد بخطه فهو مرغوب فيه وكانت ولادته في شهر ربيع الأول ~~سنة أربع وثمانين وأربعمائة وتوفي ليلة الثلاثاء الخامس والعشرين من جمادى ~~الأولى سنة ست وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى والعتابي بفتح العين ~~المهملة وتشديد التاء المثناة من فوقها وبعد الألف باء موحدة هذه النسبة ~~إلى العتابيين وهي إحدى محال بغداد في الجانب الغربي منها وكان أبو منصور ~~المذكور قد تركها وسكن في الجانب الشرقي وأما أبو عمرو كلثوم بن عمرو بن ~~أيوب العتابي الشاعر المشهور فهو منسوب إلى عتاب بن سعد زهير بن جشم وكان ~~شاعرا بليغا مجيدا مدح هارون الرشيد وغيره وهو من أهل قنسرين المدينة ~~القديمة التي بالشام مجاورة حلب وكان ينبغي ذكره في هذا الكتاب وإنما أخللت ~~به لأني لم أظفر له بوفاة ومبنى هذا الكتاب على من عرفت وفاته PageV04P389 # 659 المسعودي شارح المقامات أبو سعيد ويقال أبو عبد ~~الله محمد بن أبي السعادات عبد الرحمن بن محمد ابن مسعود بن أحمد بن الحسين ~~بن محمد المسعودي الملقب تاج الدين الخراساني المروروذي البندهي الفقيه ~~الشافعي الصوفي كان أديبا فاضلا اعتنى بالمقامات الحريرية فشرحها وأطال ~~شرحها واستوعب فيه ما لم يستوعبه غيره رأيته في خمس مجلدات كبار لم يبلغ ~~أحد من شراح هذا الكتاب إلى هذا القدر ولا إلى نصفه وهو كتاب مشهور كثير ~~الوجود بأيدي الناس وكان مقيما بدمشق في الخانقاه السميساطية والناس يأخذون ~~عنه بعد أن كان يعلم الملك الأفضل أبا الحسن علي ابن السلطان صلاح الدين ~~وقد تقدم ذكره وحصل ms1188 بطريقه كتبا كثيرة نفيسة غريبة وبها استعان على شرح ~~المقامات وحكى أبو البركات الهاشمي الحلبي قال لما دخل السلطان صلاح الدين ~~إلى حلب في سنة تسع وسبعين وخمسمائة نزل المسعودي المذكور إلى جامع حلب ~~وقعد في خزانة كتبها الوقف واختار منها جملة أخذها لم يمنعه منها مانع ولقد ~~رأيته وهو يحشوها في عدل ولقيت جماعة من أصحابه وسمعت منهم واجازوني ورأيت ~~في تاريخ بعض المتأخرين ان البندهي المذكور كانت ولادته سنة إحدى وعشرين ~~وخمسمائة ونقل بعض الأفاضل من خط البندهي ما صورته PageV04P390 # ولدت وقت المغرب من ليلة الثلاثاء غرة شهر ربيع الآخر ~~سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة والظاهر أن هذا أصح لكونه منقولا من خطه باليوم ~~والشهر وتوفي في ليلة السبت التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول وقيل في ~~مستهل شهر ربيع الآخر سنة أربع وثمانين وخمسمائة بمدينة دمشق ودفن بسفح جبل ~~قاسيون رحمه الله تعالى ووقف كتبه على الخانقاه المذكورة وكان كثيرا ما ~~ينشد (قالت عهدتك تبكي * دما حذار التنائي) (فلم تعوضت عنها * بعد الدماء ~~بماء) (فقلت ما ذاك مني * لسلوة أو عزاء) (لكن دموعي شابت * من طول عمر ~~بكائي) ومثله قول الآخر (قالت سعاد أتبكي * بالدمع بعد الدماء) (فقلت قد ~~شاب دمعي * من طول عمر بكائي) ونسبته بالمسعودي إلى جده المسعود المذكور ~~وقد تقدم الكلام على المروروذي فلا حاجة إلى إعادته والبندهي بفتح الباء ~~الموحدة وسكون النون وفتح الدال المهملة وبعدها هاء هذه النسبة إلى بنج دية ~~من اعمال مروروذ ومعناه بالعربي خمس قرى ويقال في النسبة إليها أيضا ~~الفنجديهي والبنجديهي بالفاء والجيم أو بالباء الموحدة والجيم وخرج منها ~~خلق كثير من العلماء وغيرهم وقاسيون بفتح القاف وبعد الألف سين مهملة ~~مكسورة وياء مثناة من تحتها مضمومة ثم واو ساكنة وبعدها نون وهو جبل مطل ~~على دمشق من جهتها الشمالية فيه المنازل المليحة والمدارس والربط والبساتين ~~وفيه نهر يزيد PageV04P391 # ونهر ثوري في ذيله وفيه جامع كبير بناه مظفر الدين بن ~~زين الدين صاحب إربل المقدم ذكره في حرف الكاف ms1189 رحمه الله تعالى وفيه يقول ~~ابن عنين الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في قصيدته اللامية التي مدح بها سيف ~~الإسلام ابن أيوب صاحب اليمن المذكور في حرف الطاء فإنه تشوق إلى دمشق فيها ~~وذكر مواضع من مستنزهاتها وقال في الجبل المذكور (وفي كبدي من قاسيون حزازة ~~* تزول رواسيه وليس تزول) وهي من غر قصائده ولقد أبدع فيها رحمه الله 660 ~~ابن نقطة أبو بكر محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع بن أبي نصر بن عبد ~~الله الحنبلي المعروف بابن نقطة الملقب معين الدين البغدادي المحدث كان من ~~طلبة الحديث المشهورين به المكثرين من سماعه وكتابته والراحلين في تحصيله ~~دخل خراسان وبلاد الجبل والجزيرة والشام ومصر ولقي المشايخ واخذ عنهم ~~واستفاد منهم وكتب الكثير وعلق التعاليق النافعة وذيل على الإكمال ~~PageV04P392 # كتاب الأمير أبي نصر ابن ماكولا المقدم ذكره وما أقصر ~~فيه وجاء في مجلدين وله كتاب آخر لطيف في الأنساب مثل الذيل على كتابي محمد ~~بن طاهر المقدسي وأبي موسى الأصبهاني الحافظين المقدم ذكرهما وكتاب التقييد ~~لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد وكنت أسمع به في وقته ولم اجتمع به وذكره ~~أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل وعده في جملة من وصل إليها وسمع ~~الحديث بها وأثنى عليه وقال أنشدني لأبي علي محمد بن الحسين بن أبي الشبل ~~البغدادي وهو أحد شعراء العراق المجيدين المتأخرين وقد ذكره ابن الحظيري في ~~كتاب زينة الدهر (لا تظهرن لعاذل أو عاذر * حاليك في الضراء والسراء) ~~(فلرحمة المتوجعين مرارة * في القلب مثل شماتة الأعداء) وتوفي ابن نقطة ~~المذكور في الثاني والعشرين من صفر سنة تسع وعشرين وستمائة ببغداد وهو في ~~سن الكهولة وكنت يومئذ مقيما بمدينة حلب للاشتغال فوصلنا خبر موته رحمه ~~الله تعالى 191 وتوفي أبوه عبد الغني في رابع جمادى الآخرة سنة ثلاث ~~وثمانين وخمسمائة ببغداد ودفن في موضع مجاور لمسجده وكان مشهورا بالتقلل ~~والإيثار ونقطة بضم النون وسكون القاف وفتح الطاء المهملة وبعدها هاء ساكنة ~~192 وتوفي أبو علي ms1190 ابن أبي الشبل المذكور سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة رحمه ~~الله تعالى ذكره العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة PageV04P393 # 661 ابن الدبيثي أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي ~~سعيد بن أبي طالب يحيى بن أبي الحسن علي ابن الحجاج بن محمد بن الحجاج ~~المعروف بابن الدبيثي الفقيه الشافعي المؤرخ الواسطي سمع الحديث كثيرا وعلق ~~تعاليق مفيدة وكانت له محفوظات حسنة وكان يوردها ويستعملها في محاوراته ~~وكان في الحديث وأسماء رجاله والتاريخ من الحفاظ المشهورين والنبلاء ~~المذكورين وصنف كتابا جعله ذيلا على تاريخ أبي سعد عبد الكريم ابن السمعاني ~~الحافظ المقدم ذكره المذيل على تاريخ بغداد للخطيب وذكر فيه ما لم يذكره ~~السمعاني ممن أغفله أو كان بعده وهو في ثلاث مجلدات وما أقصر فيه وصنف ~~تاريخا لواسط وصنف غير ذلك ذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل فقال ورد علينا ~~في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة وهو شيخ حسن وقال انشد لنفسه (خبرت بني ~~الأيام طرا فلم أجد * صديقا صدوقا مسعدا في النوائب) (وأصفيتهم مني الوداد ~~فقابلوا * صفاء ودادي بالقذى والشوائب) (وما اخترت منهم صاحب وإرتضيته * ~~فأحمدته في فعله والعواقب) ولم يزل أبو عبد الله المذكور على اجتهاده ~~وتعليقه إلى أن توفي وكانت ولادته يوم الاثنين السادس والعشرين من رجب سنة ~~ثمان وخمسين PageV04P394 # وخمسمائة بواسط وتوفي يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ~~ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة ببغداد رحمه الله تعالى ودفن بالوردية ~~من الغد والدبيثي بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة هذه النسبة إلى دبيثى وهي قرية بنواحي ~~واسط وأصله من كنجة وقدم جده علي من دبيثي وسكن واسط وبها توالدوا 193 ~~وتوفي والده أبو المعالي سعيد ليلة عيد النحر سنة خمس وثمانين وخمسمائة ~~بواسط ومولده بها في السابع والعشرين من صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة 662 ~~ابن المظفر أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن محمد بن ظفر الصقلي المنعوت ~~بحجة الدين أحد الأدباء الفضلاء صاحب التصانيف الممتعة منها ms1191 كتاب سلوان ~~المطاع في عدوان الاتباع صنفه لبعض القواد بصقلية سنة أربع وخمسين وخمسمائة ~~PageV04P395 # وخير البشر بخير البشر وكتاب الينبوع في تفسير القرآن ~~الكريم وهو كبير وكتاب نجباء الأبناء وكتب الحاشية على درة الغواص للحريري ~~صاحب المقامات وشرح المقامات للحريري وهما شرحان كبير وصغير وغير ذلك من ~~التواليف الظريفة المليحة ورأيت في أول الشرح الذي له يذكر أنه أخبره بها ~~الحافظ أبو الطاهر السلفي عن منشئها الحريري والناس يقولون إن الحافظ ~~السلفي رأى الحريري في جامع البصرة وحوله حلقة وهم يأخذون عنه المقامات ~~فسأل عنه فقيل له إن هذا قد وضع شيئا من الأكاذيب وهو يمليه على الناس ~~فتنكبه ولم يعرج عليه والله أعلم بالصواب وحكي عن الشيخ تاج الدين الكندي ~~المقدم ذكره أنه قال أحلت على ديوان حماة برزق فسرت إليها لأجل ذلك فلما ~~حللتها جمع الجماعة بيني وبين ابن ظفر المذكور وجرت بيننا مناظرة في النحو ~~واللغة عليه مسائل في النحو فلم يمش فيها وكان حاله في اللغة قريبا فلما ~~كاد المجلس يتقوض قال ابن ظفر الشيخ تاج الدين أعلم مني بالنحو وأنا أعلم ~~منه باللغة فقلت الأول مسلم والثاني ممنوع وتفرقنا وكان ابن ظفر قصير ~~القامة دميم الخلقة غير صبيح الوجه ويروى لابن ظفر المذكور شعر فمن ذلك ما ~~وجدته في بعض المجاميع منسوبا إليه وهو (حملتك في قلبي فهل أنت عالم * بأنك ~~محمول وأنت مقيم) (الا إن شخصا في فؤادي محله * وأشتاقه شخص علي كريم) وقد ~~أخذ هذا المعنى من قول بعض العرب (سقى بلدا كانت سليمى تحله * من المزن ما ~~تروى به وتشيم) PageV04P396 # (وان لم أكن من ساكنيه فإنه * يحل به شخص علي كريم) ~~وأورد له العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة عدة مقاطيع فمن ذلك قوله (على ~~قدر فضل المرء تأتي خطوبه * ويعرف عند الصبر في ما يصيبه) (ومن قل فيما ~~يتقيه اصطباره * فقد قل فيما يرتجيه نصيبه) وكانت نشأته بمكة وتنقل في ~~البلاد ومولده بصقلية وسكن آخر الوقت بمدينة حماة وتوفي بها سنة خمس ms1192 وستين ~~وخمسمائة رحمه الله تعالى ولم يزل يكابد الفقر إلى أن مات حتى قيل إنه زوج ~~ابنته في حماة بغير كفء من الحاجة والضرورة وإن الزوج رحل بها عن حماة ~~وباعها في بعض البلاد وظفر بفتح الظاء المعجمة والفاء وبعدها راء وهو ~~المصدر من قولهم ظفر بالشيء يظفر ظفرا إذا فاز به وقد تقدم الكلام على ~~صقلية فلا حاجة إلى إعادته PageV04P397 # 663 العتبي بأبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو ~~بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ~~القرشي الأموي المعروف بالعتبي الشاعر البصري المشهور كان أديبا فاضلا ~~شاعرا مجيدا وكان يروي الأخبار وأيام العرب ومات له بنون فكان يرثيهم وروى ~~عن أبيه وعن سفيان بن عيينة ولوط بن مخنف وروى عنه أبو حاتم السجستاني وأبو ~~الفضل الرياشي وإسحاق بن محمد النخعي وغيرهم وقدم بغداد وحدث بها وأخذ عنه ~~أهلها وكان مستهترا بالشراب ويقول الشعر في عتبة وكان هو وأبوه سيدين ~~أديبين فصيحين وله من التصانيف كتاب الخيل وكتاب أشعار الأعاريب وأشعار ~~النساء اللاتي احببن ثم أبغضن وكتاب الذبيح وكتاب الأخلاق وغير ذلك وقال ~~العتبي المذكور سمعت أعرابيا يقول لرجل إن فلانا وإن ضحك لك فإن عقاربه ~~تسري إليك فإن لم تجعله عدوا في علانيتك فلا تجعله صديقا في سريرتك ~~PageV04P398 # وذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف وابن المنجم في كتاب ~~البارع وروى له (رأين الغواني الشيب لاح بعارضي * فأعرضن عني بالخود ~~النواضر) (وكن متى أبصرنني أو سمعن بي * سعين فرقعن الكوى بالمحاجر) (فإن ~~عطفت عني أعنة أعين * نظرن بأحداق المها والجآذر) (فإني من قوم كريم ثناؤهم ~~* لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر) (خلائف في الإسلام في الشرك قادة * بهم ~~وإليهم فخر كل مفاخر) وفي المجموع الذي بخطي أبيات للشريف الرضي رحمه الله ~~في هذا المعنى وأورد له أيضا (لما رأتني سليمى قاصرا بصري * عنها وفي الطرف ~~عن أمثالها زور) (قالت عهدتك مجنونا فقلت لها * إن الشباب جنون برؤه الكبر) ~~وهذا البيت ms1193 من أمثال السائرة وذكر له المبرد في كتاب الكامل بيتين يرثي ~~بهما بعض أولاده وهما (أضحت بخدي للدموع رسوم * أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم) ~~(والصبر يحمد في المواطن كلها * إلا عليك فإنه مذموم) وهذا البيت أيضا من ~~الأبيات المشهورة وشعره كثير جيد وهو من PageV04P399 # فحول الشعراء المحدثين وتوفي سنة ثمان وعشرين ومائتين ~~رحمه الله تعالى والعتبي بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوقها ~~وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى جده عتبة بن أبي سفيأن المذكور وقد نسب ~~مثل هذه النسبة إلى عتبة بن غزوان الصحابي رضي الله عنه وغيره ويجوز أن ~~تكون نسبته إلى عتبة التي كان يقول الشعر فيها والله أعلم وروي عنه انه كان ~~يقول الزرافة بفتح الزاي وضمها الحيوان المعروف وهي متولدة بين ثلاث ~~حيوانات الناقة الوحشية والبقرة الوحشية والضبعان وهو الذكر من الضباع فيقع ~~الضبعان على الناقة فتأتي بولد بين الناقة والضبع فإذا كان الولد ذكرا وقع ~~على البقرة فتأتي بالزرافة وذلك في بلاد الحبشة ولذلك قيل لها الزرافة ~~والزرافة في الأصل الجماعة فلما تولدت من جماعة قيل لها الزرافة والعجم ~~تسميها اشتر كاو بلنك لأن الأشتر الجمل والكاو البقرة والبانك الضبع 664 ~~أبو بكر الخوارزمي الشاعر أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور ~~ويقال له الطبرخزي أيضا لأن أباه من خوارزم وأمه من طبرستان فركب له من ~~الاسمين نسبة كذا ذكره السمعاني وهو ابن أخت أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ~~صاحب PageV04P400 # التاريخ وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة ابن جرير وأبو بكر ~~المذكور أحد االشعراء المجيدين الكبار المشاهير كان إماما في اللغة ~~والأنساب أقام بالشام مدة وسكن بنواحي حلب وكان مشارا إليه في عصره ويحكى ~~انه قصد حضرة الصاحب ابن عباد وهو بأرجان فلما وصل إلى بابه قال لأحد حجابه ~~قل للصاحب على الباب أحد الأدباء وهو يستأذن في الدخول فدخل الحاجب وأعلمه ~~فقال الصاحب قل له قد ألزمت نفسي ان لا يدخل علي من الأدباء إلا من يحفظ ~~عشرين ألف بيت ms1194 من شعر العرب فخرج إليه الحاجب واعلمه بذلك فقال له أبو بكر ~~إرجع إليه وقل له هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء فدخل الحاجب ~~فأعاد عليه ما قال فقال الصاحب هذا يريد ان يكون أبا بكر الخوارزمي فأذن له ~~في الدخول فدخل عليه فعرفه وانبسط له وأبو بكر المذكور له ديوان رسائل ~~وديوان شعر وقد ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة وذكر قطعة من نثره ثم اعقبها ~~بشيء من نظمه فمن ذلك قوله (رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا * مقيما وإن أعسرت ~~ردت لماما) (فما أنت إلا البدر إن قل ضوؤه * أغب وإن زاد الضياء أقاما) ~~يشير إلى قول ابنة عبيد الله بن مطيع لزوجها يحيى بن طلحة ما رأيت الأم من ~~أصحابك إذا أيسرت لزموك وإذا أعسرت تركوك فقال هذا من كرمهم يأتوننا في حال ~~القوة منا عليهم ويعافوننا في حال الضعف منا عنهم وأنشدني عثمان بن سعيد بن ~~تولوا لنفسه (متواضع كالغصن يدنو مثمرا * فإذا انالك ما عليه ترفعا) ~~PageV04P401 # ومن شعره أيضا (يا من يحاول صرف الراح يشربها * ولايفك ~~لما يلقاه قرطاسا) (الكاس والكيس لم يقض امتلاؤهما * ففرغ الكيس حتى تملأ ~~الكاسا) وفيه يقول أبو سعيد أحمد بن شهيب الخوارزمي (أبو بكر له أدب وفضل * ~~ولكن لا يدوم على الوفاء) (مودته إذا دامت لخل * فمن وقت الصباح إلى ~~المساء) وملحه ونوادره كثيرة ولما رجع من الشام سكن نيسابور ومات بها في ~~منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وذكر شيخنا ابن الأثير في ~~تاريخه أنه توفي سنة ثلاث وتسعين والله أعلم رحمه الله تعالى وكان قد فارق ~~الصاحب ابن عباد غير راض فعمل فيه (لا تحمدن ابن عباد وإن هطلت * يداه ~~بالجود حتى اخجل الديما) (فإنها خطرات من وساوسه * يعطي ويمنع لا بخلا ولا ~~كرما) فبلغ ابن عباد ذلك فلما بلغه خبر موته أنشد (أقول لركب من خراسان ~~قافل * أمات خوارزميكم قيل لي نعم) (فقلت اكتبوا بالجص من فوق قبره * الا ~~لعن الرحمن من كفر النعم) قلت ms1195 هكذا وجدت هذين البيتين منسوبين إلى أبي بكر ~~الخوارزمي المذكور في الصاحب ابن عباد ذكر ذلك جماعة من الأدباء في ~~مجاميعهم وفي مذكراتهم 194 ثم نظرت في كتاب معجم الشعراء تأليف المرزباني ~~فوجدت PageV04P402 # في ترجمة أبي القاسم الأعمى واسمه معاوية بن سفيان وهو ~~شاعر راوية بغدادي أحد غلمان الكسائي اتصل بالحسن بن سهل يؤدب أولاده فعتب ~~عليه في شيء فقال يهجوه (لا تحمدن حسنا بالجود إن مطرت * كفاه غزرا ولا ~~تذممه إن زرما) (فليس يمنع إبقاء على نشب * ولا يجود لفضل الحمد مغتنما) ~~(لكنها خطرات من وساوسه * يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما) والله أعلم بذلك ~~وقد تقدم الكلام على الخوارزمي والطبرخزي بفتح الطاء المهملة والباء ~~الموحدة وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة وبعدها زاي وقد سبق في أول الترجمة ~~الكلام على سبب هذه النسبة 665 السلامي الشاعر أبو الحسن محمد بن عبد الله ~~بن محمد بن محمد بن يحيى بن خليس بن عبد الله ابن يحيى بن عبد الله بن ~~الحارث بن عبد الله بن الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن ~~مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن ~~كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن PageV04P403 # نزار بن معد بن عدنان المخزومي السلامي الشاعر المشهور ~~هو من ولد الوليد ابن الوليد بن المغيرة المخزومي أخي خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه قال الثعالبي في حقه هو من أشعر أهل العراق قولا بالإطلاق وشهادة ~~بالاستحقاق وعلى ما أجريته من ذكره شاهد عدل من شعره والذي كتبت من محاسنه ~~نزه العيون ورقى القلوب ومنى النفوس ومن خبره أنه قال الشعر وهو ابن عشر ~~سنين وأول شيء قال في المكتب (بدائع الحسن فيه مفترقه * واعين الناس فيه ~~متفقه) (سهام ألحاظه مفوقة * فكل من رام لحظه رشقه) (قد كتبت الحسن فوق ~~وجنته * هذا مليح وحق من خلقه) وركب في صباه سمارية في دجلة ولم يكن رأى ms1196 ~~دجلة قبل ذلك فقال (وميدان تجول به خيول * تقود الدارعين ولا تقاد) (ركبت ~~به إلى اللذات طرفا * له جسم وليس له فؤاد) (جرى فظننت ان الأرض وجه * ~~ودجلة ناظر وهو السواد) ونشأ ببغداد وخرج منها إلى الموصل وهو صبي يوم ذاك ~~فوجد بها جماعة من مشايخ الشعراء منهم أبو عثمان الخالدي أحد الخالديين ~~وأبو الفرج الببغاء المقدم ذكره وأبو الحسن التلعفري وغيرهم فلما رأوه ~~عجبوا منه لبراعته مع حداثة سنه فاتهموه بأن الشعر ليس له فقال الخالدي أنا ~~أكفيكم أمره واتخذ دعوة جمع فيها الشعراء واحضر السلامي المذكور معهم فلما ~~توسطوا PageV04P404 # الشراب أخذوا في التفتيش عن بضاعته فلم يلبثوا ان جاء ~~مطر شديد وبرد ستر وجه الأرض فألقى الخالدي نارنجا كان بين أيديهم على ذلك ~~البرد وقال يا أصحابنا هل لكم ان نصف هذا فقال السلامي ارتجالا (لله در ~~الخالدي * الأوحد الندب الخطير) (أهدى لماء المزن عند * جموده نار السعير) ~~(حتى إذا صدر العتاب * إليه عن حر الصدور) (بعثت إليه هدية * عن خاطري أيدي ~~السرور) (لاتعذلوه فإنه * أهدى الخدود إلى الثغور) فلما رأوا ذلك منه ~~أمسكوا عنه وكانوا يصفونه بالفضل ويعترفون له بالإجادة والحذق إلا التلعفري ~~فإنه أقام على قوله الأول حتى قال السلامي فيه (سما التلعفري إلى وصالي * ~~ونفس الكلب تكبر عن وصاله) (ينافي خلقه خلقي وتأبى * فعالي أن تضاف إلى ~~فعاله) (فصنعتي النفيسة في لساني * وصنعته الخسيسة في قذاله) (فإن أشعر فما ~~هو من رجالي * وإن يصفع فما انا من رجاله) وله فيه أهاج كثيرة ودخل السلامي ~~يوما على أبي تغلب وأظنه الحمداني وبين يديه درع فقال صفها لي فارتجل (يا ~~رب سابغة حبتني نعمة * كا فأتها بالسوء غير مفند) (أضحت تصون عن المنايا ~~مهجتي * وظللت أبذلها لكل مهند) PageV04P405 # وهذا المعنى مأخوذ من قول عبد الله بن المعتز في ~~الخمرة المطبوخة وقد سبق ذكر ذلك في ترجمته وهو (وفتني من دار الجحيم ~~بنفسها * وذلك من إحسانها ليس يجحد) وقصد السلامي حضرة الصاحب ابن عباد وهو ~~بأصبهان فأنشده قصيدته ms1197 البائية التي من جملتها (تبسطنا على الآثام لما ~~رأينا العفو من ثمر الذنوب) وهذا البيت من محاسنه وفيه إشارة إلى قول أبي ~~نواس الحسن بن هانئ من جملة أبيات في الزهد وقد تقدم ذكرها في ترجمته وهو ~~قوله (تعض ندامة كفيك مما * تركت مخافة النار السرورا) وفيه إلمام أيضا ~~بقول المأمون لو علم أرباب الجرائم تلذذي بالعفو لتقربوا إلي بالذنوب ولم ~~يزل السلامي عند الصاحب بين خير مستفيض وجاه عريض ونعم بيض إلى أن آثر قصد ~~حضرة عضد الدولة بن بويه بشيراز فحمله الصاحب إليها وزوده كتابا بخطه إلى ~~أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف الكاتب وكان أحد البلغاء وممن يجري عند عضد ~~الدولة مجرى الوزراء ونسخة الكتاب وقد علم مولاي ان باعة الشعر أكثر من عدد ~~الشعر ومن يوثق أن حليته التي يهديها من صوغ طبعه وحلله التي يؤديها من نسج ~~فكره أقل من ذلك وممن خبرته بالامتحان فحمدته وفررته بالاختبار فاخترته أبو ~~الحسن محمد ابن عبد الله السلامي وله بديهة قوية توفي على الروية ومذهب في ~~الإجادة PageV04P406 # يهش السمع لوعيه كما يرتاح الطرف لرعيه وقد امتطى أمله ~~وخير له إلى الحضرة الجليلة رجاء أن يحصل في سواد أمثاله ويظهر معهم بياض ~~حاله فجهزت منه أمير الشعر في موكبه وحليت فرس البلاغة بمركبه وكتابي هذا ~~رائده إلى القطر بل مشرعه إلى البحر فإن رأى مولاي أن يراعي كلامي في بابه ~~ويجعل ذلك من ذرائع إيجابه فعل إن شاء الله تعالى فلما ورد عليه تكفل به ~~أبو القاسم وأفضل عليه وأوصله إلى عضد الدولة حتى انشده قصيدته التي منها ~~(إليك طوى عرض البسيطة جاعل * قصارى المطايا ان يلوح لها القصر) (فكنت ~~وعزمي في الظلام وصارمي * ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر) (وبشرت آمالي بملك ~~هو الورى * ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر) وقد تقدم ذلك في ترجمة عضد ~~الدولة في حرف الفاء فليطلب هناك وقد أخذ القاضي أبو بكر أحمد الأرجاني ~~المقدم ذكره معنى البيت الخير وسبكه في قوله (يا سائلي ms1198 عنه لما ظلت امدحه * ~~هذا هو الرجل العاري من العار) (لو زرته لرأيت الناس في رجل * والدهر في ~~ساعة والأ رض في دار) وهذا البيت وإن كان في معنى ذلك البيت لكن ليس فيه ~~لارشاقته ولا عليه طلاوته وقد استعمل المتنبي أيضا هذا المعنى المذكور لكنه ~~لم يكمله فاتي ببعضه في النصف الأخير من هذا البيت وهو قوله (هي الغرض ~~الأقصى ورؤيتك المنى * ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق) PageV04P407 # رجعنا إلى خبر السلامي مع عضد الدولة فاشتمل عليه ~~بجناح القبول ودفع إليه مفتاح المأمول واختص بخدمته في مقامه وظعنه وتوفر ~~من صلاته حظة وكان عضد الدولة يقول إذا رأيت السلامي في مجلسي ظننت أن ~~عطارد قد نزل من الفلك إلي ووقف بين يدي ولما توفي عضد الدولة في التاريخ ~~المذكور في ترجمته تراجعغ طبع السلامي ورقت حاله ثم ما زالت تتماسك مرة ~~وتتداعى أخرى حتى مات وله في عضد الدولة كل قصيدة بديعة فمن ذلك قوله من ~~جملة قصيد (نبهت ندماني وقد * عبرت بنا الشعرى العبور) (والبدر في أفق ~~السماء * كروضة فيها غدير) (هبوا إلى شرب المدام * فإنما الدنيا غرور) ~~(هبوا فقد عيي الرقيب * فنام وأنتبه السرور) (وأشار إبليس فقلنا * كلنا نعم ~~المشير) (صرعي بمعركة تعف * الوحش عنا والنسور) (نوار روضتنا خدود * ~~والغصون بها خصور) (والعيش استر ما يكون * إذا تهتكت الستور) (طاف السقاة ~~بها كما * أهدت لك الصيد الصقور) (عذراء يكتمها المزاج * كأنها فيه ضمير) ~~(وتظن تحت حبابها * خدا تقبله ثغور) (حتى سجدنا والإمام * أمامنا بم وزير) ~~وله فيه أيضا من جملة أبيات (يزور نائلك العافي وصارمك العاصي * فتحويهما ~~أيد وأعناق) PageV04P408 # (في كل يوم لبيت المجد منك غنى * وثروة ولبيت المال ~~إملاق) وله فيه أيضا (تشبهه المداح في البأس والندى * بمن لو رآه كان أصغر ~~خادم) (ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر * وأمضى وفي خزانه ألف حاتم) ومن شعره ~~أيضا (لما أصيب الخد منك بعارض * أضحى بسلسلة العذار مقيدا) ومن ها هنا أخذ ~~ابن التلعفري قوله (هب ان خدك قد أصيب بعارض ms1199 * فعلام صدغك راح وهو مسلسل) ~~وأنشدني ابن التلعفري وهو الشهاب محمد بن يوسف بن مسعود الشيباني أبياته ~~التي من جملتها هذا البيت وبالجملة فأكثر شعره نخب وغرر وكانت ولادته آخر ~~نهار الجمعة لست خلون من رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة في كرخ بغداد وتوفي ~~يوم الخميس رابع جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ~~والسلامي نسبة إلى دار السلام بغداد وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة محمد بن ~~ناصر الحافظ PageV04P409 # 666 ابن سكرة الشاعر أبو الحسن محمد بن عبد الله بن ~~محمد المعروف بابن سكرة الهاشمي البغدادي الشاعر المشهور وهو من ولد علي بن ~~المهدي بن أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي قال الثعالبي في ترجمته هو ~~شاعر متسع الباع في أنواع الإبداع فائق في قول الطرف والملح على الفحول ~~والأفراد جار في ميدان المجون والسخف ما أراد وكان يقال ببغداد إن زمانا ~~جاد بمثل ابن سكرة وابن حجاج لسخي جدا وما شبها إلا بجرير والفرزدق في ~~عصرهما ويقال إن ديوان ابن سكرة يربي على خمسين ألف بيت فمن بديع تشبيهه ما ~~قاله في غلام رآه وفي يده غصن وعليه زهر وهو (غصن بان بدا وفي اليد منه * ~~غصن فيه لؤلؤ منظوم) PageV04P410 # (فتحيرت بين غصنين في ذا * قمر طالع وفي ذا نجوم) ومن ~~شعره (قالوا التحى وستسلو عنه قلت لهم * هل يحسن الروض ما لم يطلع الزهر) ~~(هل التحى طرفه الساجي فأهجره * أم هل تزحزح عن اجفانه الحور) وله في غلام ~~اعرج (قالوا بليت باعرج فأجبتهم * ألعيب يحدث في غصون البان) (إني أحب ~~حديثه وأريده * للنوم لا للهجري في الميدان) وله أيضا (أنا والله هالك * ~~آيس من سلامتي) (أو أرى القامة التي * قد أقامت قيامتي) وقال أبو الحسن علي ~~بن محمد بن الفتح المعروف بابن أبي العصب ويقال ان العصب الأشناني الملحمي ~~البغدادي الشاعر كتب إلي ابن سكرة الهاشمي (يا صديقا أفادنيه زمان * فيه ضن ~~بالأصدقاء وشح) (بين شخصي وبين شخصك بعد * غير أن الخيال بالوصل سمح) ~~PageV04P411 # (إنما أوجب ms1200 التباعد منا * أنني سكر وانك ملح) فكتب ~~إليه (هل يقول الإخوان يوما لخل شاب منه محض المودة قدح) (بيننا سكر فلا ~~تفسدنه * أم يقولون بيننا وبينك ملح) وله يهجو بعض الرؤساء (تهت علينا ولست ~~فينا * ولي عهد ولا خليفه) (فته وزد ما علي جار * يقطع عني ولا وظيفة) (ولا ~~تقل ليس في عيب * قد تقذف الحرة العفيفه) (والشعر نار بلا دخان * وللقوافي ~~رقى لطيفه) (كم من ثقيل المحل سام * هوت به أحرف خفيفه) (لو هجي المسك وهو ~~أهل * لكل مدح لصار جيفه) وله أيضا (قيل ما أعددت للبرد * فقد جاء بشدة) ~~(قلت دراعة عري * تحتها جبة رعده) وله البيتان اللذان ذكرهما الحريري في ~~المقامة الكرجية وهما (جاء الشتاء وعندي من حوائجه * سبع إذا القطر عن ~~حاجاتنا حبسا) PageV04P412 # (كن وكيس وكانون وكاس طلا * بعد الكباب وكس ناعم وكسا) ~~وقد نسج ابن التعاويذي الآتي ذكره في المحمدين إن شاء الله تعالى على ~~منواله فقال (إذا اجتمعت في مجلس الشرب سبعة * فما الرأي في التأخير عنه ~~صواب) (شواء وشمام وشهد وشادن * وشمع وشاد مطرب وشراب) وقال أبو الثناء ~~محمود بن نعمة بن أرسلان النحوي الشيزري (يقولون كافات الشتاء كثيرة * وما ~~هي إلا واحد غير مفترى) (إذا صح كاف الكيس فالكل حاصل * لديك وكل الصيد ~~يوجد في الفرا) وله في الشباب أيضا (لقد بان الشباب وكان غصنا * له ثمر ~~وأوراق تظلك) (وكان البعض منك فمات فاعلم * متى ما مات بعضك مات كلك) ~~ومحاسن شعره كثيرة وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس ~~وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى 195 وكانت ولادة ابن أبي العصب المذكور ~~بعد سنة خمس وثمانين ومائتين وسمع منه الحسن بن علي الجوهري هذه الأبيات ~~سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وتوفي أبو الثناء محمود بن نعمة المذكور سنة خمس ~~وستين وخمسمائة بدمشق PageV04P413 # وذكر عماد الدين الكاتب في كتاب الخريدة انه رآه بدمشق ~~سنة ثلاث وستين وخمسمائة وأنشده عدة مقاطع له وسكرة بضم السين المهملة ~~وتشديد الكاف وفتح الراء وبعدها هاء ms1201 ساكنة وهي معروفة فلا حاجة إلى تفسيرها ~~667 الشريف الرضي الموسوي الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الطاهر ذي ~~المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى ~~الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنهم المعروف بالموسوي صاحب ديوان الشعر ذكره ~~الثعالبي في كتاب اليتيمة فقال في ترجمته ابتدأ يقول الشعر بعد ان جاوز عشر ~~سنين بقليل وهو اليوم أبدع إنشاء الزمان وانجب سادة العراق يتحلى مع محتده ~~الشريف ومفخره المنيف بأدب ظاهر وفضل باهر وحظ من جميع المحاسن وافر ثم هو ~~أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر على كثرة شعرائهم المفلقين ولو قلت إنه ~~PageV04P414 # أشعر قريش لم ابعد عن الصدق وسيشهد بما أخبر به شاهد ~~عدل من شعره العالي القدح الممتنع عن القدح الذي يجمع إلى السلاسة متانة ~~وإلى السهولة رصانة ويشتمل على معان يقرب جناها ويبعد مداها وكان أبوه ~~يتولى قديما نقابة نقباء الطالبيين ويحكم فيهم أجمعين والنظر في المظالم ~~والحج بالناس ثم ردت هذه الأعمال كلها إلى ولده الرضي المذكور في سنة ثمان ~~وثمانين وثلاثمائة وأبوه حي ومن غرر شعره ما كتبه إلى الإمام القادر بالله ~~أبي العباس أحمد بن المقتدر من جملة قصيدة (عطفا أمير المؤمنين فإننا * في ~~دوحة العلياء لا نتفترق) (ما بيننا يوم الفخار تفاوت * أبدا كلانا في ~~المعالي معرق) (إلا الخلافة ميزتك فإنني * أنا عاطل منها وأنت مطوق) ومن ~~جيد شعره قوله أيضا (رمت المعالي فامتنعن ولم يزل * أبدا يمانع عاشقا ~~معشوق) (وصبرت حتى نلتهن ولم أقل * ضجرا دواء الفارك التطليق) وله من جملة ~~أبيات (يا صاحبي قفا لي واقضيا وطرا * وحدثاني عن نجد بأخبار) (هل روضت ~~قاعة الوعساء أم مطرت * خميلة الطلح ذات البان والغار) (أم هل أبيت ودار ~~دون كاظمة * داري وسمار ذاك الحي سماري) PageV04P415 # (تضوع أرواح نجد من ثيابهم * عند القدوم لقرب العهد ~~بالدار) وديوان شعره كبير يدخل في اربع ms1202 مجلدات وهو كثير الوجود فلا حاجة ~~إلى الإكثار من ذكره وذكر أبو الفتح ابن جني النحوي المقدم ذكره في بعض ~~مجاميعه أن الشريف الرضي المذكور أحضر إلى ابن السيرافي النحوي وهو طفل جدا ~~لم يبلغ عمره عشر سنين فلقنه النحو وقعد معه يوما في حلقته فذاكره بشيء من ~~الإعراب على عادة التعليم فقال له إذا قلنا رأيت عمر فما علامة النصب في ~~عمر فقال له الرضي بغض علي فعجب السيرافي والحاضرون من حدة خاطره وذكر انه ~~تلقن القرآن بعد ان دخل في السن فحفظه في مدة يسيرة وصنف كتابا في معاني ~~القرى ن الكريم يتعذر وجود مثله دل على توسعه في علم النحو واللغة وصنف ~~كتابا في مجازات القرى ن فجاء نادرا في بابه وقد عني بجمع ديوان الشريف ~~الرضي المذكور جماعة وأجود ما جمع الذي جمعه أبو حكيم الخبري ولقد أخبرني ~~بعض الفضلاء أنه رأى في مجموع أن بعض الأدباء إجتاز بدار الشريف الرضي ~~المذكور بسر من رأى وهو لا يعرفها وقد اخنى عليها الزمان وذهبت بهجتها ~~واخلقت ديباجتها وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة وحسن الشارة فوقف عليها ~~متعجبا من صروف الزمان وطوارق الحدثان وثمثل بقول الشريف الرضي المذكور ~~PageV04P416 # (ولقد وقفت على ربوعهم * وطلولها بيد البلى نهب) ~~(فبكيت حتى ضج من لغب * نضوي ولج بعذلي الركب) (وتلفتت عيني فمذ خفيت * عني ~~الطلول تلفت القلب) فمر به شخص وسمعه وهو ينشد الأبيات فقال له هل تعرف هذه ~~الدار لمن هي فقال لا فقال هذه الدار لصاحب هذه الأبيات الشريف الرضي ~~فتعجبا من حسن الاتفاق ولقد أذكرتني هذه الواقعة حكاية هي في معناها ذكرها ~~الحريري في كتاب درة الغواص في أوهام الخواص وهي على ما رواه ان عبيد بن ~~شرية الجرهمي عاش ثلاثمائة سنة وأدرك الإسلام فأسلم ودخل على معاوية بن أبي ~~سفيان بالشام وهو خليفة فقال له حدثني بأعجب ما رأيت فقال مررت ذات يوم ~~بقوم يدفنون ميتا لهم فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول ~~الشاعر (يا قلب ms1203 إنك من أسماء مغرور * فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير) (قد ~~بحت بالحب ما تخفيه من أحد * حتى جرت لك أطلاقا محاضير) (فلست تدري وما ~~تدري أعاجلها * أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير) (فاستقدر الله خيرا وأرضين به ~~* فبينما العسر إذ دارت مياسير) (وبينما المرء في الأحياء مغتبط * إذا هو ~~الرمس تعفوه الأعاصير) (يبكي الغريب عليه ليس يعرفه * وذو قرابته في الحي ~~مسرور) قال فقال لي رجل أتعرف من يقول هذا الشعر فقلت لا قال إن قائله هو ~~الذي دفناه الساعة وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولست PageV04P417 # تعرفه وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس رحما به وأسرهم ~~بموته فقال له معاوية لقد رأيت عجبا فمن الميت قال هو عثير بن لبيد العذري ~~ويقرب من هذا ما ذكره الأمير المسبحي في كتاب الحمة الذي ألفه للظاهر بن ~~الحاكم سنة اثنتي عشرة وأربعمائة قال قال محمود المادرائي كنت متوجها إلى ~~الديوان فدخلنا الأبلة فصعدت من السفينة لحاجة ووقفت على تل رماد عتيق وعن ~~لي ان أنشدت قول الشاعر (يا رب قائلة يوما وقد لغبت * كيف الطريق إلى حمام ~~منجاب) وكان شيخ من أهل الأبلة جالسا على قرب من الموضع فقال لي يا فتى ~~تعرف حمام منجاب قلت لا قال فأنت واقف على مستوقده فعجبت من الاتفاق في ذلك ~~ومثل هاتين القضيتين ما ذكره الخطيب أبو زكريا التبريزي في كتاب شرح ~~الحماسة وذكره غيره أيضا أن عمرو بن شاس الأسدي الشاعر المشهور كانت له ~~امرأة من قومه وابن من أمة سوداء يقال له عرار فكانت تعير به أباه وتؤذيه ~~ويؤذيها فأنكر عمر عليها أذاها وقال (أرادت عرار بالهوان ومن يرد * ~~عرارالعمري بالهوان لقد ظلم) (وغن عرارا إن يكن غير واضح * فإني أحب الجون ~~ذا المنكب العمم) وهي عدة أبيات في الباب الأول من كتاب الحماسة والجون ~~الأسود والعمم التام وكان عرار أحد فصحاء العقلاء وتوجه من عند المهلب بن ~~أبي صفرة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي رسولا في بعض فتوحه فلما مثل بين ms1204 يدي ~~الحجاج لم يعرفه وازدراه فلما استنطقه أبان واعرب ما شاء وبلغ الغاية ~~والمراد في كل ما سئل عنه فأنشد الحجاج متمثلا PageV04P418 # (أرادت عرارا بالهوان ومن يرد * عرارا لعمري بالهوان ~~لقد ظلم) فقال عرار انا أيد الله الأمير عرار فأعجب به وبذلك الاتفاق وشاس ~~المكان الغليظ 196 وعمرو المذكور من أسد بن خزيمة وهو مخضرم أدرك الإسلام ~~وهو شيخ كبير وعرار من قولهم عار الظليم بتشديد الراء يعار عرارا إذا صاح ~~يقول أرادت إمراتي إهانة عرار ومن طلب ذلك من مثله فقد وضع الشيء في غير ~~محله وهو الظلم واجتهد عمرو بن شاس أن يصلح بين امرأته وابنه فلم يمكنه ذلك ~~فطلقها فندم وقال في ذلك شعرا تركته لعدم الحاجة وخشية الإطالة رجعنا إالى ~~ذكر الشريف قال الخطيب في تاريخ بغداد سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله ~~الكاتب بحضرة أبي الحسين ابن محفوظ وكان أوحد الرؤساء يقول سمعت جماعة من ~~أهل العلم بالأدب يقولون الرضي أشعر قريش فقال ابن محفوظ هذا صحيح وقد كان ~~في قريش من يجيد القول إلا أن شعره قليل فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي ~~وكانت ولادته سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ببغداد وتوفي بكرة يوم الأحد سادس ~~المحرم وقيل صفر سنة ست وأربعمائة ة ببغداد ودفن في داره بخط مسجد ~~الأنباريين بالكرخ وقد خربت الدار ودرس القبر ومضى أخوه المرتضى أبو القاسم ~~إلى مشهد موسى بن جعفر لأنه لم يستطع ان ينظر إلى تابوته ودفنه وصلى عليه ~~الوزير فخر الملك في الدار مع جماعة كثيرة رحمه الله تعالى PageV04P419 # 197 وكانت ولادة والده الطاهر ذي المناقب أبي أحمد ~~الحسين سنة سبع وثلاثمائة وتوفي في جمادى الأولى سنة أربعمائة وقيل توفي ~~سنة ثلاث وأربعمائة ببغداد ودفن في مقابر قريش بمشهد باب التبن ورثاه ولده ~~الرضي ورثاه أيضا أبو العلاء المعري بقصيدته التي أولها (أودى فليت ~~الحادثات كفاف * مال المسيف وعنبر المستاف) وهي طويلة أجاد فيها كل الإجادة ~~وقد تقدم ذكر أخيه الشريف المرتضى أبي القاسم علي ms1205 وعبيد بفتح العين المهملة ~~وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة وشرية ~~بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ~~ساكنة والجرهمي بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء وبعدها ميم هذه النسبة إلى ~~جرهم بن قحطان وهي قبيلة كبيرة مشهورة باليمن وعثير بكسر العين المهملة ~~وسكون الثاء المثلثة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها راء وهو في الأصل ~~اسم للغبار وبه سمي الرجل ولبيد اسم علم مشهور فلا حاجة إلى ضبطه وقد تقدم ~~الكلام على العذري والله أعلم PageV04P420 # 668 ابن هانيء الأندلسي أبو القاسم وأبو الحسن محمد بن ~~هانئ الزدي الأنلسي الشاعر المشهور قيل إنه من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة ~~بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي وقيل بل هو من ولد أخيه روح بن حاتم وقد تقدم ~~ذكر يزيد وأخيه روح في ترجمة روح في حرف الراء وكان أبوه هانئ من قرية من ~~قرى المهدية بأفريقية وكان شاعرا أديبا فانتقل إلى الناس فولد له بها محمد ~~المذكور بمدينة إشبيلية ونشأ بها واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل ~~الشعر فمهر فيه وكان حافظا لأشعار العرب وأخبارهم واتصل بصاحب إشبيلية وحظي ~~عنده وكان كثير الانهماك في الملاذ متهما بمذهب الفلاسفة ولما اشتهر عنه ~~ذلك نقم عليه أهل إشبيلية وساءت المقالة في حق الملك بسببه واتهم بمذهبه ~~أيضا فأشار الملك عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره فانفصل عنها ~~وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاما وحديثه طويل وخلاصته انه خرج إلى عدوة المغرب ~~ولقي جوهرا القائد مولى المنصور وقد تقدم ذكره وما جرى له عند توجهه إلى ~~مصر وفتحها للمعز فامتدحه ثم ارتحل إلى جعفر ويحيى ابني علي وقد تقدم ذكر ~~جعفر وكانا بالمسيلة وهي مدينة الزاب وكانا والييها فبالغا في إكرامه ~~والإحسان إليه فنمي خبره إلى المعز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي ~~PageV04P421 # وسيأتي ذكره في هذا الحرف إن شاء الله تعالى فطلبه ~~منهما فلما انتهى إليه بالغ في الإنعام ms1206 عليه ثم توجه المعز إلى الديار ~~المصرية كما سيأتي في خبره فشيعه ابن هانيء المذكور ورجع إلى المغرب لأخذ ~~عياله والالتحاق به فتجهز وتبعه فلما وصل إلى برقة أضافه شخص من أهلها ~~فأقام عنده أياما في مجلس الأنس فيقال إنهم عربدوا عليه فقتلوه وقيل خرج من ~~تلك الدار وهو سكران فنام في الطريق وأصبح ميتا ولم يعرف سبب موته وقيل إنه ~~وجد في سانية من سواني برقة مخنوقا بتكة سراويله وكان ذلك في بكرة يوم ~~الأربعاء لسبع ليال بقين من رجب سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وعمره ست ~~وثلاثون سنة وقيل اثنتان وأربعون رحمه الله تعالى هكذا قيده صاحب كتاب ~~القيروان وأشار إلى أنه كان في صحبة المعز وهو مخالف لما ذكرته أخبار أولا ~~من تشييعه للمعز ورجوعه لأخذ عياله ولما بلغ المعز وفاته وهو بمصر تأسف ~~عليه كثيرا وقال هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ~~ذلك وله في المعز المذكور غرر المدائح ونخب الشعر فمن ذلك قصيدته النونية ~~التي أولها (هل من أعقة عالج يبرين * أم منهما بقر الحدوج العين) (ولمن ~~ليال ما ذممنا عهدها * مذكن إلا انهن شجون) (المشرقات كأنهن كواكب * ~~والناعمات كأنهن غصون) (بيض وما ضحك الصباح وإنها * بالمسك من طرر الحسان ~~لجون) (أدمى لها المرجان صفحة خده * وبكى عليها اللؤلؤ المكنون) ~~PageV04P422 # (اعدى الحمام تأوهي من بعدها * فكأنه فيما سجعن رنين) ~~(بانوا سراعا للهوادج زفرة * مما رأين وللمطين حنين) (فكأنما صبغوا الضحى ~~بقبابهم * أو عصفرت فيه الخدود جفون) (ماذا على حلل الشقيق لوأنها * عن ~~لابسيها في الخدود تبين) (فلأعطشن الروض بعدهم ولا * يرويه لي دمع عليه ~~هتون) (أأعير لحظة العين بهجة منظر * وأخونم إني إذن لخؤون) (لا الجو جو ~~مشرق ولو اكتسى * زهرا ولا الماء المعين معين) (لا يبعدن إذ العبير له ثرى ~~* والبان دوح والشموس قطين) (أيام فيه العبقري مفوف * والسابري مضاعف ~~موضون) (والزاعبيه شرع والمشرفي * ة لمع والمقربات صفون) (والعهد من ظمياء ~~إذ لاقومها * خزر ولا الحرب الزبون زبون) (حزني ms1207 لذاك الجو وهو اسنه * وكنا ~~ذلك الخشف وهو عرين) (هل يديني منه اجرد سابح * مرح وجائله النسوع أمون) ~~(ومهند فيه الفرند كأنه * ردء له خلف الغرار كمين) (عضب المضارب مقفر من ~~أعين * لكنه من أنفس مسكون) (قد كان رشح حديده أجلا وما * صاغت مضاربه ~~الرقاق قيون) (وكأنما يلقى الضريبة دونه * بأس المعز أو اسمه المخزون) ~~ومنها في صفة الخيل (وصواهل لا الهضب يوم مغارها * هضب لا البيد الحزون ~~حزون) (عرفت بساعة سبقها لا انها * علقت بها يوم الرهان عيون) (واجل علم ~~البرق فيها انها * مرت بجانحتيه وهي ظنون) (في الغيث شبه من نداك كأنما * ~~مسحت على الأنواء منك يمين) PageV04P423 # وهذه القصيدة من قصائده الطنانة ولولا طولها لأوردتها ~~كلها وله أيضا (والله لولا أن يسفهني الهوى * ويقول بعض القائلين تصابى) ~~(لكسرت دملجها بضيق عناقه * ورشفت من فيها البرود رضابا) وفي هذا الأنموذج ~~دلالة على علو درجته وحسن طريقته وديوانه كبير ولولا ما فيه من الغلو في ~~المدح والإفراط المفضي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين وليس في المغاربة ~~من هو في طبقته لا من متقدميهم ولا من متأخريهم بل هو اشعرهم على الإطلاق ~~وهو عندهم كاالمتنبي عند المشارقة وكانا متعاصرين وان كان في المتنبي مع ~~أبي تمام من الاختلاف ما فيه وما زلت اتطلب تاريخ وفاة ابن هانئ المذكور من ~~التواريخ والمظان التي يطلب منها فلا أجده وسألت عنه خلقا كثيرا من مشايخ ~~هذا الشأن فلم أجده حتى ظفرت به في كتاب لطيف لأبي علي الحسن بن رشيق ~~القيرواني سماه قراضة الذهب فألفيته كما هو مذكور ها هنا ونقلت مدة عمره من ~~موضع آخر رأيت بعض الأفاضل قد اعتنى بأحواله فجمعها وكتبها في أول ديوانه ~~وذكر مدة العمر ولم يذكر تاريخ الوفاة لأنه ما عثر عليه ويقال إن أبا ~~العلاء المعري كان إذا سمع شعر ابن هانئ يقول ما أشبهه إلا برحى تطحن قرونا ~~لأجل القعقعة التي في ألفاظه ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ ولعمري ما ~~انصفه في هذا ms1208 المقال وما حمله على هذا إلا فرط تعصبه للمتنبي وبالجملة فما ~~كان إلا من المحسنين في النظم والله أعلم PageV04P424 # 669 ابن عمار الأندلسي ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن ~~عمار المهري الأندلسي الشلبي الشاعر المشهور هو وابن زيدون القرطبي المذكور ~~في حرف الهمزة فرسا رهان ورضيعا لبان في التصرف في فنون البيان وهما كانا ~~شاعري ذلك الزمان وكانت ملوك الأندلس تخاف من ابن عمار المذكور لبذاءة ~~لسانه وبراعة إحسانه لا سيما حين اشتمل عليه المعتمد على الله ابن عباد ~~صاحب غرب الأندلس الآتي ذكره في هذا الحرف إن شاء الله تعالى وأنهضه جليسا ~~وسميرا وقدمه وزيرا ومشيرا ثم خلع عليه خاتم الملك ووجهه أميرا وكان قد أتى ~~عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا فتبعته المواكب والمضارب والنجائب ~~والجنائب والكتائب والجنود وضربت خلفه الطبول ونشرت على رأسه الرايات ~~والبنود فملك مدينة تدمير وأصبح راقي منبر وسرير مع ما كان فيه من عدم ~~السياسة وسوء التدبير ثم وثب على مالك رقه ومستوجب شكره ومستحقه فبادر إلى ~~عقوقه وبخس حقه فتحيل المعتمد عليه وسدد سهام المكايد إليه حتى حصل في ~~قبضته قنيصا وأصبح لا يجد محيصا إلى أن قتله المعتمد في قصره ليلا بيده ~~وامر من انزله في ملحده وذلك في سنة سبع وسبعين وأربعمائة بمدينة إشبيلية ~~وكانت ولادته في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وقصته مشهورة ولما ~~PageV04P425 # قتله المعتمد رثاه صاحبه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون ~~الأندلسي المرسي بقوله من جملة قصيدة (عجبا له أبكيه ملء مدامعي * وأقول لا ~~شلت يمين القاتل) وقال أبو نصر الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان لقد رأيت ~~عظمي ساقي ابن عمار قد أخرجا بعد سنين من حفر حفر بجانب القصر وأساودهما ~~بهما ملتفة ولبلتهما مشتفة ما فغرت أفواههما ولا حل التواؤهما فرمق الناس ~~العبر وصدق المكذب الخبر يعني بالساود القيود ومن مشاهير قصائد ابن عمار ~~المذكور قوله (أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى * والنجم قد صرف العنان عن ~~السرى) (والصبح قد اهدى لنا كافوره * لما ms1209 استرد الليل منا العنبرا) ومن ~~مديحها وهي في المعتضد بن عباد (ملك إذا ازدحم الملوك بمورد * ونحاه لا ~~يردون حتى يصدرا) (اندى على الأكباد من قطر الندى * وألذ في الأجفان من سنة ~~الكرى) (قداح زند المجد لا ينفك من * نار الوغى إلا إلى نار القرى) وهي ~~طويلة وفائقة ومن جيد شعره أيضا القصيدة الميمية وهي أيضا في المعتضد بن ~~عباد وأولها PageV04P426 # (علي وإلا ما بكاء الغمائم * وفي وإلا فيم نوح ~~الحمائم) ومنها أيضا في وصف وطنه (كساها الحيا برد الشباب فإنها * بلاد بها ~~عق الشباب تمائمي) (ذكرت بها عهد الصبا فكأنما * قدحت بنار الشوق بين ~~الحيازم) (ليالي لا ألوي عن رشد لائم * عناني ولا أثنيه عن غي هائم) (أنال ~~سهادي من عيون نواعس * وأجني عذابي من غصون نواعم) (وليل لنا بالسد بين ~~معاطف * من النهر ينساب انسياب الأراقم) (تمر علينا ثم عنا كأنها * حواسد ~~تمشي بيننا بالنمائم) (بحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا * هداياه في أيدي ~~الرياح النواسم) (وبتنا ولا واش يحس كأنما * حللنا مكان السر من صدر كاتم) ~~ومن مديحها (ملوك مناخ العز في عرصاتهم * ومثوى المعالي بين تلك المعالم) ~~(هم البيت ما غير الظبا لبنائه * بأس ولا غير القنا بدعائم) (إذا قصر الروع ~~الخطا نهضت بهم * طوال العوالي في طوال المعاصم) (وأيد أبت من أن تؤوب ولم ~~تفز * بجز النواصي أو بحز الغلاصم) (ندامى الوغى يجرون بالموت كأسها * إذا ~~رجعت أسيافهم بالجماجم) (هناك القنا مجرورة من حفائظ * وثم الظبا مهزوزة من ~~عزائم) ومنها (إذا ركبوا فانظره أول طاعن * وإن نزلوا فأرصده آخر طاعم) وهي ~~أيضا طويلة وطنانة PageV04P427 # ومن جملة ذنوبه عند المعتمد بن عباد ما بلغه عنه من ~~هجائه وهجاء أبيه المعتضد في بيتين هما كانا من أكبر أسباب قتله وهما (مما ~~يقبح عندي ذكر اندلس * سماع معتضد فيها ومعتمد) (أسماء مملكة في غير موضعها ~~* كالهر يحكي أنتفاخا صولة الأسد) ومحاسن ابن عمار كثيرة والمهري بفتح ~~الميم وسكون الهاء وبعدها راء هذه النسبة إلى مهرة بن حيدان بن إلحاف ms1210 بن ~~قضاعة وهي قبيلة كبيرة ينسب إليها خلق كثير والشلبي بكسر الشين المعجمة ~~وسكون اللام وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى شلب وهي مدينة بالأندلس على ~~ساحل البحر وتدمير بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الدال المهملة وكسر ~~الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء وهي مدينة مرسية وكان ~~المعتمد ابن عباد قد سير إليها أبا بكر ابن عمار المذكور نائبا عنه فعصى ~~بها ولم يزل المعتمد يحتال عليه حتى وقع في قبضته وقتله بيده كما تقدم أولا ~~وشهرة هذه الواقعة تغني عن الإطالة في تفصيلها وذكر عماد الدين الأصفهاني ~~الكاتب في كتاب الخريدة في ترجمة ابن عمار المذكور وقتله المعتمد وكان أقوى ~~الأسباب لقتله أنه هجاه بشعر ذكر فيه أم بنيه المعروفة بالرميكية وهي أبيات ~~منها (تخيرتها من بنات الهجان * رميكية لا تساوي عقالا) (فجاءت بكل قصير ~~الذراع * لئيم النجارين عما وخالا) قلت وهذه الرميكية كانت سرية المعتمد ~~اشتراها من رميك بن حجاج فنسبت إليه وكان قد اشتراها في أيام أبيه المعتضد ~~فأفرط في الميل إليها وغلبت عليه واسمها اعتماد فاختار لنفسه لقبا يناسب ~~اسمها وهو المعتمد وتوفيت بأغمات قبل المعتمد بأيام ولم ترقأ له عبرة ~~ولافارقته حسرة حتى قضى PageV04P428 # نحبه أسفا وحزنا وهي التي أغرت المعتمد على قتل ابن ~~عمار لكونه هجاها وقيل إن هذا الشعر ليس لابن عمار وإنما نسبته إليه لكي ~~توغر صدر المعتمد عليه والله أعلم 670 أبو بكر ابن الصائغ الأندلسي أبو بكر ~~محمد بن باجه التجيبي الأندلسي السرقسطي المعروف بابن الصائغ الفيلسوف ~~الشاعر المشهور ذكره أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد بن خاقان القيسي صاحب ~~قلائد العقيان في كتابه ونسبه إلى التعطيل ومذهب الحكماء والفلاسفة وانحلال ~~العقيدة وقال في حقه كتابه الذي سماه مطمح الأنفس ما مثاله نظر في كتاب ~~التعاليم وفكر في اجرام الأفلاك وحدود الأقاليم ورفض كتاب الله الحكيم ~~ونبذه من وراء ظهره ثاني عطفه وأراد ابطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه واقتصر على ms1211 الهيئة وانكر ان يكون لنا إلى الله فيئة وحكم ~~للكواكب بالتدبير واجترم على الله اللطيف الخبير واجترأ عند سماع النهي ~~والإيعاد واستهزأ بقوله تعالى * (إن) * PageV04P429 # الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) (القصص: 85) فهو ~~يعتقد ان الزمان دور وان الإنسان نبات أو نور حمامه تمامه واختطافه قطافه ~~قد محي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم ونسي الرحمن لسانه فما يمر عليه له ~~اسم ولقد بالغ ابن خاقان في أمره وجاوز الحد فيما وصفه به من هذه ~~الإعتقادات الفاسدة الله اعلم بكنه حاله وأورد له مقاطيع من الشعر فمن ذلك ~~قوله (أسكان نعمان الأراك تيقنوا * بأنكم في ربع قلبي سكان) (ودوموا على ~~حفظ الوداد فطالما * بلينا بأقوام إذا استؤمنوا خانوا) (سلوا الليل عني مذ ~~تناءت دياركم * هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان) (وهل جردت أسياف برق سماؤكم ~~* فكانت لها إلا جفوني اجفان) وكان قد انشدني هذه الأبيات بعض أشياخ ~~المغاربة الفضلاء بمدينة حلب منسوبة إلى ابن الصائغ المذكور ثم وجدتها بعد ~~ذلك بعينها في ديوان أبي الفتيان محمد بن حيوس الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى فبقيت شاكا فيما أنشدني ذلك الشيخ وقلت لعله وهم في نسبتها إلى ابن ~~الصائغ إلى أن ودتها في كتابه مطمح الأنفس أيضا منسوبة إلى ابن الصائغ ~~المذكور واللع تعالى اعلم لمن هي منهما وله (ضربوا القباب على أقاح روضة * ~~خطر النسيم بها ففاح عبيرا) (وتركت قلبي سار بين حمولهم * دامي الكلوم يسوق ~~تلك العيرا) (هلا سألت أسيرهم هل عندهم * عان يفك لو سألت غيورا) ~~PageV04P430 # (لا والذي جعل الغصون معاطفا * لهم وصاغ الأقحوان ~~ثغورا) (ما مر بي ريح الصبا من بعدهم * إلا شهقت له فعاد سعيرا) ولماحضرته ~~الوفاة كان ينشد (أقول لنفسي حين قابلها الردى * فراغت فرارا منه يسرى إلى ~~يمنى) (قفي تحملي بعض الذي تكرهينه * فقد طالما اعتدت الفرار إلى الأهنا) ~~وتوفي في شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وقيل سنة خمس وعشرين ~~وخمسمائة مسموما في باذنجان بمدجينة فاس رحمه الله تعالى وباجه ms1212 بالباء ~~الموحدة وبعد الألف جيم مشددة ثم هاء ساكنة وهي الفضة بلغة فرنج المغرب ~~والتجيبي بضم التاء المثناة من فوقها وفتحها وكسر الجيم وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها باء موحدة هذه النسبة إلى تجيب وهي أم عدي وسعد ~~ابني أشرس بن شبيب بن سكون نسب ولدها إليها وهي تجيب بنت ثوبان بن سليم بن ~~مذحج والسرقسطي بفتح السين المهملة والراء وضم القاف وسكون السين المهملة ~~وبعدها طاء مهملة هذه النسبة إلى سرقسطة وهي مدينة بالأندلس خرج منها جماعة ~~من العلماء واستولى عليها الفرنج سنة اثنتي عشرة وخمسمائة PageV04P431 # 671 الرصافي الشاعر أبو عبد الله محمد بن غالب الرفاء ~~الأندلسي الرصافي الشاعر المشهور له اشعار ظريفة ومقاصد في النظم لطيفة ~~وشعره سائر في الآفاق ومن أشهر شعره أبياته التي نظمها في غلام صنعته النسج ~~فأجاد فيها كل الإجادة وهي (قالوا وقد أكثروا في حبه عذلي * لو لم تهم ~~بمذال القدر مبتذل) (فقلت لو كان أمري في الصبابة لي * لاخترت ذاك ولكن ليس ~~ذلك لي) (أحببته حببي الثغر عاطره * حلو اللمى ساحر الأجفان والمقل) (غزيلا ~~لم تزل في الغزل جائلة * بنانه جولان الفكر في الغزل) (جذلان يلعب بالمحواك ~~أنمله * على السدى لعب الأيام بالدول) (جذبا بكفيه أو فحصا باخمصه * تخبط ~~الظبي في أشراك محتبل) وله غير هذا المقطوع أشياء رائقة فمن ذلك قوله في ~~غلام يبل عينيه بريقه ويظهر انه يبكي وليس بباك (عذيري من جذلان يبكي كآبة ~~* وأضلعه مما يحاوله صفر) (يبل مآقي زهرتيه بريقه * ويحكي البكا عمدا كما ~~ابتسم الزهر) PageV04P432 # (ويوهم ان الدمع بل جفونه * وهل عصرت يوما من النرجس ~~الخمر) وله أيضا (ومهفهف كالغصن إلا أنه * تتحير الألباب عند لقائه) (أضحى ~~ينام وقد تكلل خده * عرقا فقلت الورد رش بمائه) وتوفي في شهر رمضان سنة ~~اثنتين وسبعين وخمسمائة بمدينة مالقه رحمه الله تعالى والرصافي بضم الراء ~~وفتح الصاد المهملة وبعد الألف فاء هذه النسبة إلى الرصافة وهي بليدة صغيرة ~~بالأندلس عند بلنسية وبالأندلس أيضا بليدة أخرى صغيرة اسمها الرصافة ms1213 وهي ~~عند قرطبة أنشأها عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام بن عبد الملك الأموي أول ~~ملوك الأندلس من بني أمية ويعرف بالداخل لأنه دخل إلى الأندلس من بلاد ~~الشام خوفا من أبي جعفر المنصور العباسي وقصته مشهورة فلما دخلها ملكها ~~وبويع له بقرطبة يوم عيد الأضحى سنة ثمان وثلاثين ومائة وعمره يومئذ خمس ~~وعشرون سنة وبنى هذه الرصافة وسماها برصافة جده هشام بن عبد الملك بن مروان ~~وهي بليدة مشهورة بالشام كذا قاله ياقوت الحموي الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى في كتابه المسمى بالمشترك وضعا المختلف صقعا وذكر ابن الرصافة اسم ~~تسع مواضع وعددها ولولا خوف التطويل لذكرتها غير أنه لم يذكر رصافة بلنسية ~~وبهذه الرصافة تكون عشرة مواضع والله تعالى أعلم PageV04P433 # 672 أبو بكر ابن زهر أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد ~~الملك بن أبي العلاء زهر بن أبي مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان ~~بن زهر الإيادي الأندلسي الإشبيلي كان من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء ~~وزراء نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك ونفذت أوامرهم قال الحافظ ~~أبو الخطاب ابن دحية في كتابه المسمى المطرب من اشعار أهل المغرب وكان ~~شيخنا أبو بكر يعني ابن زهر المذكور بمكان من اللغة مكين ومورد من الطب عذب ~~معين كان يحفظ شعر ذي الرمة وهو ثلث لغة العرب مع الإشراف على جميع أقوال ~~أهل الطب والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب مع سمو النسب وكثرة الأموال ~~والنشب صحبته زمانا طويلا واستفدت منه أدبا جليلا وأنشد من شعره (وموسدين ~~على الأكف خدودهم * قد غالهم نوم الصباح وغالني) (ما زلت اسقيهم وأشرب ~~فضلهم * حتى سكرت ونالهم ما نالني) (والخمر تعلم حين تأخذ ثارها * أني أملت ~~إناءها فأمالني) ثم قال سألته عن مولده فقال ولدت سنة سبع وخمسمائة وبلغتني ~~وفاته PageV04P434 # في آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة رحمه الله تعالى انتهى ~~كلام ابن دحية قلت انا وقد ألم ابن زهر المذكور في هذه الأبيات بقول الرئيس ~~أبي غالب عبيد الله ms1214 بن هبة الله بن الأصباغي وهو (عقرتهم مشمولة لو سالمت * ~~شرابها ما سميت بعقار) (ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت * صرعى تداس بأرجل ~~العصار) (لانت لهم حتى أنتشوا وتمكنت * منهم وصاحت فيهم بالثار) ومن ~~المنسوب إليه أيضا في كتاب جالينوس الحكيم المسمى حيلة البرء وهو من أجل ~~كتبهم وأكبرها قوله (حيلة البرء صنفت لعليل * يترجى الحياة أو لعليله) ~~(فإذا جاءت المنية قالت * حيلة البرء ليس في البرء حيلة) ومن شعر ابن زهر ~~أيضا يتشوق ولدا له صغيرا (ولي واحد مثل فرخ القطا * صغير تخلف قلبي لديه) ~~(نأت عنه داري فيا وحشتا * لذاك الشخيص وذاك الوجيه) (تشوقني وتشوقته * ~~فيبكي علي وأبكي عليه) (لقد تعب الشوق ما بيننا * فمنه إلي ومني إليه) وله ~~وقد شاخ وغلب عليه الشيب (إني نظرت من المرآة إذ جليت * فأنكرت مقلتاي كل ~~ما رأتا) (رأيت فيها شييخا لست اعرفه * وكنت اعهده من قبل ذاك فتى) (فقلت ~~أين الذي كان بالأمس كان هنا * متى ترحل عن هذا المكان متى) (فاستضحكت ثم ~~قالت وهي معجبة * إن الذي أنكرته مقلتاك اتى) (كانت سليمى تنادي يا أخي وقد ~~* صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا) PageV04P435 # والبيت الأخير من هذه الأبيات ينظر إلى قول الأخطل ~~الشاعر المشهور (وإذا دعونك عمهن فإنه * نسب يزيدك عندهن خبالا) (وإذا ~~دعونك يا أخي فإنه * أدنى وأقرب خلة ووصالا) وأوصى انه إذا مات يكتب على ~~قبره هذه الأبيات وفيها إشارة إلى طبه ومعالجته للناس وهي (تأمل بحقك يا ~~واقفا * ولاحظ مكانا دفعنا إليه) (تراب الضريح على وجنتي * كاني لم أمش ~~يوما عليه) (أداوي الأنام حذار المنون * وها انا قد صرت رهنا لديه) وهذه ~~المقاطيع إنما اخذتها من أفواه العلماء منسوبة إلى ابن زهر المذكور والله ~~أعلم بصحتها والعهدة عليهم في نقلها وقال ابن دحية أيضا في حقه والذي انفرد ~~به شيخنا وانقادت لتخيله طباعه وصارت النبهاء فيه خوله وأتباعه الموشحات ~~وهي زبدة الشعر ونخبته وخلاصة جوهره وصفوته وهي من الفنون التي اغربت بها ~~أهل المغرب على أهل المشرق وظهروا ms1215 فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق ~~وأورد له موشحا حسنا 198 وقال في حق جده أبي العلاء زهر إنه كان وزير ذلك ~~الدهر وعظيمه وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه وتوفي ممتحنا من نغلة بين كتفيه سنة ~~خمس وعشرين وخمسمائة بمدينة قرطبة 199 ثم قال في حق جد أبيه عبد الملك إنه ~~رحل إلى المشرق وبه تطبب زمانا طويلا وتولى رياسة الطب ببغداد ثم بمصر ثم ~~بالقيروان ثم استوطن PageV04P436 # مدينة دانية وطار ذكره منها إلى أقطار الأندلس والمغرب ~~واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بذ أهل زمانه ومات بمدينة دانية 200 ثم قال ~~في حق جد جده محمد بن مروان إنه كان عالما بالرأي حافظا للأدب فقيها حاذقا ~~بالفتوى مقدما في الشورى متفننا في الفنون وسيما فاضلا جمع الرواية ~~والدراية وتوفي بطلبيرة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وهو ابن ست وثمانين ~~سنة حدث عنه جماعة من العلماء الأندلسيين ووصفوه بالدين والفضل والجود ~~والبذل رحمه الله تعالى وقد تقدم الكلام على الإيادي وعلى طلبيرة فلا حاجة ~~إلى الإعادة وزهر بضم الزاي وسكون الهاء وبعدها راء وذكر عماد الدين الكاتب ~~في كتاب الخريدة لأبي الطيب ابن البزاز في يعض بني زهر وكنيته أبو زيد ولم ~~يذكر اسمه قوله (قل للوبا أنت وابن زهر * جاوزتما الحد في النكايه) (ترفقا ~~بالورى قليلا * فواحد منكما كفاية) 201 ثم وجدت هذين البيتين لأبي بكر أحمد ~~بن محمد الأبيض وانه توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى والله ~~أعلم PageV04P437 # 673 ابن حيوس الشاعر أبو الفتيان محمد بن سلطان بن ~~محمد بن حيوس بن محمد المرتضى بن محمد بن الهيثم بن عدي بن عثمان الغنوي ~~الملقب مصطفى الدولة الشاعر المشهور كان يدعى بالأمير لأن أباه كان من ~~أمراء العرب وهو أحد الشعراء الشاميين المحسنين ومن فحولهم المجيدين له ~~ديوان شعر كبير لقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم واخذ جوائزهم وكان ~~منقطعا إلى بني مرداس أصحاب حلب ذكر الجوهري في الصحاح في فصل ردس المرداس ~~حجر يرمى به في البئر ليعلم أفيها ms1216 ماء أم لا وبه سمي الرجل وله فيهم ~~القصائد الأنيقة وقضيته مشهورة مع الأمير جلال الدولة وصمصامها أبي المظفر ~~نصر بن محمود ابن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب فإنه ~~كان قد مدح أباه محمود بن نصر فأجازه ألف دينار فلما مات وقام مقامه ولده ~~نصرالمذكور قصده ابن حيوس المذكوربقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه ~~وهي (كفى الدين عزا ما قضاه لك الدهر * فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر) ~~ومنها (ثمانية لم تفترق مذ جمعتها * فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر) ~~PageV04P438 # (يقينك والتقوى وجودك والغنى * ولفظك والمعنى وعزمك ~~والنصر) يذكر فيها وفاة أبيه وتوليته الأمر من بعده بقوله (صبرنا على حكم ~~الزمان الذي سطا * على أنه لولاك لم يكن الصبر) (غزانا ببؤسى لا يماثلها ~~الأسى * تقارن نعمى لا يقوم بها الشكر) ومنها (تباعدت عنكم حرفة لا زهادة * ~~وسرت إليكم حين مسني الضر) (فلاقيت ظل الأمن ما عنه حاجز * يصد وباب العز ~~ما دونه ستر) (وطال مقامي في إسار جميلكم * فدامت معاليكم ودام لي الأسر) ~~(وأنجز لي رب السماوات وعده الكريم * بأن العسر يتبعه اليسر) (فجاد ابن نصر ~~لي بألف تصرمت * وإني عليم أن سيخلفها نصر) (لقد كنت مأمورا ترجى لمثلها * ~~فكيف وطوعا أمرك النهي والأمر) (وما بي إلى الإلحاح والحرص حاجة * وقد عرف ~~المبتاع وانفصل السعر) (واني بآمالي لديك مخيم * وكم من الورى ثاو وآماله ~~سفر) (وعندك ما ابغي بقولي تصنعا * بأيسر ما توليه يستعبد الحر) فلما فرغ ~~من إنشادها قال الأمير نصر والله لو قال عوض قوله سيخلفها نصر سيضعفها نصر ~~لآضعفتها له وأعطاه ألف دينار في طبق فضة وكان قد اجتمع على باب الأمير نصر ~~المذكور جماعة من الشعراء وامتدحوه وتأخرت صلته عنهم ونزل بعد ذلك الأمير ~~نصر إلى دار بولص النصراني وكانت له عادة بغشيان منزله وعقد مجلس الأنس ~~عنده فجاءت الشعراء الذين PageV04P439 # تأخرت جوائزهم إلى باب بولص وفيهم أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن الدويدة المعري الشاعر المعروف فكتبوا ms1217 رقة فيها أبيات اتفقوا على ~~نظمها وقيل بل نظمها ابن الدويدة المذكور وسيروا الورقة إليه والأبيات ~~المذكورة هي (على بابك المحروس منا عصابة * مفاليس فانظر في أمور المفاليس) ~~(وقد قنعت منك الجماعة كلها * بعشر الذي أعطيته لابن حيوس) (وما بيننا هذا ~~التفاوت كله * ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس) فلما وقف عليها الأمير نصر أطلق ~~لهم مائة دينار فقال والله لو قالوا بمثل الذذي أعطيته لابن حيوس لآعطيتهم ~~مثله وذكر العماد في الخريدة أن هذه الأبيات لأبي سالم عبد الله بن أبي ~~الحسن أحمد بن محمد بن الدويدة وانه كان يعرف بالقاق والله أعلم 202 وكان ~~الأمير نصر سخيا واسع العطاء ملك حلب بعد وفاة أبيه محمود في سنة سبع وستين ~~وأربعمائة ولم تطل مدته حتى ثار عليه جماعة من جنده فقتلوه في ثاني شوال ~~سنة ثمان وستين وأربعمائة وقد تقدم ذكر جد أبيه صالح بن مرداس في حرف الصاد ~~وقدم ابن حيوس حلب في شوال سنة اربع وستين وأربعمائة وداره بها هي الدار ~~المعروفة الآن بالأمير علم الدين سليمان بن حيدر ومن محاسن شعر ابن حيوس ~~القصيدة اللامية التي مدح بها أبا الفضائل سابق PageV04P440 # ابن محمود وهو أخو الأمير نصر المذكور ومن مديحها قوله ~~(طالما قلت للمسائل عنكم * واعتمادي هداية الضلال) (إن ترد علم حالهم عن ~~يقين * فالقهم عن مكارم أو نزال) (تلق بيض الأعراض سود مثار * النقع خضر ~~الأكناف حمر النصال) وما أحسن هذا التقسيم الذي اتفق له وقد ألم فيه بقول ~~أبي سعيد محمد بن محمد بن الحسين الرستمي الشاعر المشهور من جملة قصيدة ~~يمدح بها الصاحب بن عباد المقدم ذكره في حرف الهمزة وهي من فاخر الشعر وذلك ~~قوله (من النفر العالين في السلم والوغى * وأهل المعالي والعوالي وآلها) ~~(إذا نزلوا اخضر الثرى من نزولهم * وإن نازلوا احمر القنا من نزالها) هذا ~~والله الشعر الخالص الذي لا يشوبه شيء من الحشو وكان ابن حيوس المذكور قد ~~اثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس فبنى دارا بمدينة ms1218 حلب وكتب على بابها ~~من شعره (دار بنينانها وعشنا بها * في نعمة من آل مرداس) (قوم نفوا بؤسي ~~ولم يتركوا * علي للأيام من باس) (قل لبني الدنيا ألا هكذا * فليصنع الناس ~~مع الناس) وقيل إن هذه الأبيات للأمير الجليل أبي الفتح الحسن بن عبد الله ~~بن عبد الجبار المعروف بابن أبي حصينة الحلبي وهو الصحيح ومن غرر قصائده ~~السائرة قوله PageV04P441 # (هو ذاك ربع المالكية فأربع * واسأل مصيفا عافيا عن ~~مربع) (واستسق للدمن الخوالي بالحمى * غر السحائب واعتذر عن أدمعي) (فلقد ~~فنين أمام دان هاجر * في قربه ووراء ناء مزمع) (لو يخبر الركبان عني حدثوا ~~* عن مقلة عبرى وقلب موجع) (ردي لنا زمن الكثيب فإنه * زمن متى يرجع وصالك ~~يرجع) (لو كنت عالمة بأدنى لوعتي * لرددت أقصى نيلك المسترجع) (بل لو قنعت ~~من الغرام بمظهر * عن مضمر بين الحشى والأضلع) (أعتبت إثر تعتب ووصلت غب * ~~تجنب وبذلت بعد تمنع) (ولو انني أنصفت نفسي صنتها * عن أن أكون كطالب لم ~~ينجع) ومنها (إني دعوت ندى الكرام فلم يجب * فلأشكرن ندى أجاب وما دعي) ~~(ومن العجائب والعجائب جمة * شكر بطيء عن نذى متسرع) ومن شعره أيضا (قفوا ~~في القلى حيث أنتهيتم تذمما * ولا تقتفوا من جار لما تحكما) (أرى كل معوج ~~المودة يصطفى * لديكم ويلقى حتفه من تقوما) (فإن كنتم لم تعدلوا إذ حكمتم * ~~فلا تعدلوا عن مذهب قد تقدما) (حنى الناس من قبل القسي لتقتنى * وثقف مناد ~~القنا ليقوما) (وما ظلم الشيب الملم بلمتي * وإن بزني حظي من الظلم واللمى) ~~(ومحجوبة عزت وعز نظيرها * وإن أشبهت في الحسن والعفة والدمى) (أعنف فيها ~~صبوة قط ما أرعوت * وأسأل عنها معلما ما تكلما) (سلي عنه تخبر عن يقين ~~دموعه * ولا تسألي عن قلبه اين يمما) PageV04P442 # (فقد كان لي عونا على الصبر برهة * وفارقني أيام ~~فارقتم الحمى) (فراق قضى ان لا تأسي بعد ان * مضى منجدا صبري واوغلت متهما) ~~(وفجعة بين مثل صرعة مالك * ويقبح بي أن لا أكون متمما) (خليلي إن لم ~~تسعداني على ms1219 الأسى * فلا أنتما مني ولا أنا منكما) (وحسنتما لي سلوة ~~وتناسيا * ولم تذكرا كيف السبيل إليهما) (سقى الله أيام الصبا كل هاطل * ~~ملث إذا ما الغيث أثجم أنجما) (وعيشا سرقناه برغم رقيبنا * وقد مل من طول ~~السهاد فهوما) وهي طويلة وحكى الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق قال أنشدنا ~~أبو القاسم علي ابن إبراهيم العلوي من حفظه سنة سبع وخمسمائة قال أخذ ~~الأمير أبو الفتيان ابن حيوس بيدي زونحن بحلب وقال ارو عني هذا البيت وهو ~~في شرف الدولة مسلم بن قريش (أنت الذي نفق الثناء بسوقه * وجرى الندى ~~بعروقه قبل الدم) وهذا البيت في غاية المدح وقد تقدم في ترجمة أبي بكر بن ~~الصائغ الأندلسي المذكور الأبيات النونية وكونها منسوبة إليه وهي موجودة في ~~ديوان ابن حيوس المذكور والله أعلم بجلية الحال فيها وكان أبو عبد الله ~~أحمد بن محمد بن الخياط الشاعر المقدم ذكره قد وصل إلى حلب في بعض شهور سنة ~~اثنتين وسبعين وأربعمائة وبها يومئذ أبو الفتيان المذكور فكتب إليه ابن ~~الخياط المذكور قوله (لم يبق عندي ما يباع بدرهم * وكفاك مني منظري عن ~~مخبري) PageV04P443 # (إلا بقية ماء وجه صنتها * عن أن تباع وأين أين ~~المشتري) فقال لو قال وأنت نعم المشتري لكان أحسن وكانت ولادة ابن حيوس يوم ~~السبت سلخ صفر سنة أربع وتسعين وثلاثمائة بدمشق وتوفي في شعبان سنة ثلاث ~~وسبعين وأربعمائة بحلب وهو شيخ أبي عبد الله أحمد بن محمد المعروف بابن ~~الخياط الشاعر المشهور وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته وحيوس بالحاء المهملة ~~المفتوحة والياء المشددة المثناة من تحتها المضمومة والواو الساكنة وبعدها ~~سين مهملة وفي شعراء المغاربة ابن حبوس مثل الأول ولكن بالباء الموحدة ~~المخففة وإنما ذكرته لئلا يتصحف على كثير من الناس بابن حيوس ورأيت خلقا ~~كثيرا يتوهمون ان المغربي يقال له ابن حيوس أيضا وهو غلط والصواب ما ذكرته ~~والله تعالى اعلم 674 الأبيوردي الشاعر أبو المظفر محمد بن أبي العباس أحمد ~~بن محمد بن أبي العباس أحمد بن ms1220 إسحاق ابن أبي العباس الإمام محمد بن إسحاق ~~وهو أبو الفتيان بن أبي الحسن ابن PageV04P444 # أبي مرفوعة بن منصور بن معاوية الأصغر بن محمد بن أبي ~~العباس عثمان بن عنبسة الأصغر بن عتبة بن الأشرف بن عثمان بن عنبسة بن أبي ~~سفيان صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المعاوي ~~الأبيوردي الشاعر المشهور كان من الأدباء المشاهير راوية نسابة شاعرا ظريفا ~~قسم ديوان شعره إلى اقسام منها العراقيات ومنها النجديات ومنها الوجديات ~~وغير ذلك وكان من اخبر الناس بعلم الأنساب نقل عنه الحفاظ الأثبات الثقات ~~وقد روى عنه الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في غير موضع من كتابه ~~الذي وضعه في الأنساب وقال في حقه في ترجمة المعاوي إنه كان أوحد زمانه في ~~علوم عديدة وقد أوردنا عنه في غير موضع من هذا الكتاب أشياء وكان يكتب في ~~نسبه المعاوي وأليق ما وصف به بيت أبي العلاء المعري (وإني وإن كنت الأخير ~~زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل) انتهى كلام المقدسي بعد أن ذكر له ~~أبياتا يفتخر بها لا حاجة بنا إليها وذكره أبو زكريا ابن منده في تاريخ ~~أصبهان فقال فخر الرؤساء أفضل الدولة حسن الإعتقاد جميل الطريقة متصرف في ~~فنون جمة من العلوم عارف بأنساب العرب فصيح الكلام حاذق في تصنيف الكتب ~~وافر العقل كامل الفضل فريد دهره ووحيد عصره وكان فيه تيه وكبر وعزة نفس ~~وكان إذا صلى يقول اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها وذكره الحافظ ابن ~~السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة المعاوي وفي كتاب الذيل وقال كان ينسب ~~إلى معاوية الأصغر المقدم ذكره في عمود نسبه واخبر عنه انه كتب رقعة إلى ~~أمير المؤمنين المستظهر بالله وعلى رأسها PageV04P445 # الخادم المعاوي فكره الخليفة النسبة إلى معاوية فحك ~~الميم من المعاوي ورد الرقعة إليه فصار العاوي ومن محاسن شعره قوله (أقاليم ~~البلاد فأذعنت * لنا رغبة أو رهبة عظماؤها) (فلما أنتهت أيامنا علقت بنا * ~~شدائد أيام قليل رخاؤها) (وكان إلينا ms1221 في السرور ابتسامها * فصار علينا في ~~الهموم بكاؤها) (وصرنا نلاقي النائبات بأوجه * رقاق الحواشي كاد يقطر ~~ماؤها) (إذا ماهممنا أن نبوح بما جنت * علينا الليالي لم يدعنا حياؤها) ~~وقوله أيضا (تنكر لي دهري ولم يدر أنني * أعز وأحداث الزمان تهون) (فبات ~~يريني الخطب كيف أعتداؤه * وبت أريه الصبر كيف يكون) ومن شعره أيضا (وهيفاء ~~لا أصغي إلى من يلومني * عليها ويغريني بها أن أعيبها) (أميل بإحدى مقلتي ~~إذا بدت * إليها وبالأخرى أراعي رقيبها) (وقد غفل الواشي ولم يدر أنني * ~~أخذت لعيني من سليمي نصيبها) PageV04P446 # وله في أبي النجيب عبد الرحمن بن عبد الجبار المراغي ~~وكان من أفراد زمانه فضلا وكان يستعمل في شعره لزوم ما لا يلزم كانت إقامته ~~بثغر حيرة (شعر المراغي وحوشيتم * كعقله أسلمه أسقمه) (يلزم ما ليس له ~~لازما * لكنه يترك ما يلزمه) وله أيضا (أأميم إن لم تسمحي بزيارة * بخلا ~~فجودي بالخيال الطارق) (والله لا تمحو الوشاة ولا النوى * سمة لحبك في ضمير ~~العاشق) قلت ومن معنى البيت الأول أخذ سبط ابن التعاويذي الآتي ذكره قوله ~~من جملة قصيدة (إن كنت ليلى بالسلام بخيلة * فمري الخيال يمر بي فيسلم) ~~(وعدي بوصلك في المنام لعلها * ترجو لقاءك مقلتي فتهوم) ومن نجدياته (نزلنا ~~بنعمان الأراك وللندى * سقيط به ابتلت علينا المطارف) (فبت أعاني الوجد ~~والركب نوم * وقد اخذت مني السرى والتنائف) (واذكر خودا إن دعاني إلى النوى ~~* هواها أجابته الدموع الذوارف) (لها في مغاني ذلك الشعب منزل * لئن أنكرته ~~العين فالقلب عارف) (وقفت به والمع أكثره دم * كاني من جفني بنعمان راعف) ~~وله وقد أخرج من الحلة المزيدية مكرها وكان سنيا PageV04P447 # (أبابل ما واديك بالرفد مفعم * لدينا ولا ناديك بالوفد ~~آهل) (لئن ضقت عنا فالبلاد فسيحة * وحسبك عارا أنني عنك راحل) (لئن كنت ~~بالسحر الحرام مدلة * فعندي من السحر الحلال دلائل) (قواف تعير الأعين ~~النجل سحرها * فكل مكان خيمت فيه بابل) ومن معانيه البديعة قوله من جملة ~~أبيات في صفة الخمرة (ولها من ذاتها طرب * فلهذا يرقص الحبب) ms1222 وله من جملة ~~قصيدة (فسد الزمان فكل من صاحبته * راج ينافق أو مداج خاشي) (وإذا أختبرتهم ~~ظفرت بباطن * متجهم وبظاهر هشاش) وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي تمام الطائي ~~من جملة قصيدة أجاد فيها كل الإجادة (إن شئت إن يسود ظنك كله * فأجله في ~~هذا السواد الأعظم) (ليس الصديق بمن يعيرك ظاهرا * متبسما عن باطن متجهم) ~~وقد خرجنا عن المقصود بالتطويل وله تصانيف كثيرة مفيدة منها تاريخ أبيورد ~~ونسا وكتاب المختلف والمؤتلف وطبقات كل فن وما أختلف وائتلف في أنساب العرب ~~PageV04P448 # وله في اللغة مصنفات كثيرة لم يسبق إلى مثلها وكان حسن ~~السيرة جميل الأثر له معاملة صحيحة وكانت وفاة الأبيوردي المذكور بين الظهر ~~والعصر يوم الخميس العشرين من ربيع الأول سنة سبع وخمسين وخمسمائة بأصبهان ~~مسموما وصلي عليه في الجامع العتيق بها رحمه الله تعالى الأبيوردي بفتح ~~الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الواو وسكون ~~الراء وبعدها دال مهملة هذه النسبة إلى أبيورد ويقال لها أباورد وباورد وهي ~~بليدة بخراسان خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم وذكر السمعاني كتاب ~~الأنساب في ترجمة الكوفني بضم الكاف وسكون الواو وفتح الفاء وبعدها نون هذه ~~النسبة إلى كوفن وهي بليدة صغيرة على ستة فراسخ من أبيورد بخراسان بناها ~~عبد الله بن طاهر وخرج منها جماعة من المحدثين والفضلاء منهم الأديب أبو ~~المظفر محمد بن أحمد الكوفني المعروف بالأديب الأبيوردي والله أعلم ~~PageV04P449 # 675 ابن أبي الصقر الواسطي أبو الحسن محمد بن علي بن ~~الحسن بن عمر المعروف بابن أبي الصقر الواسطي كان فقيها شافعي المذهب تفقه ~~على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى لكنه غلب عليه الأدب والشعر ~~واشتهر به ورأيت له بدمشق ديوان شعر في الخزانة الأشرفية التي في الجامع ~~المشهور في تربته شمال الكلاسة التي هي زيادة في الجامع الكبير والديوان ~~مجلد واحد وكان شديد التعصب للطائفة الشافعية وظهر ذلك في قصائده المعروفة ~~بالشافعية وله في الشيخ أبي إسحاق الشيرازي مراث وكان كاملا في البلاغة ~~والفضل ms1223 وحسن الخط وجودة الشعر وذكره أبو المعالي الحظيري المقدم ذكره في ~~كتاب زينة الدهر وأورد له عدة مقاطيع فمن ذلك قوله (كل رزق ترجوه من مخلوق ~~* يعتريه ضرب من التعويق) (وأنا قائل واستغفر الله * مقال المجاز لا ~~التحقيق) (لست أرضى من فعل إبليس شيئا * غير ترك السجود للمخلوق) وذكر له ~~أيضا (وحرمة الود ما لي عنكم عوض * لأنني ليس لي في غيركم عرض) PageV04P450 # (اشتاقكم وبودي لو يواصلني * لكم خيال ولكن لست اغتمض) ~~(وقد شرطت على قوم صحبتهم * بأن قلبي لكم من دونهم ورضوا) (ومن حديثي بكم ~~قالوا به مرض * فقلت لا زال عني ذلك المرض) وكان قد طعن في السن وضعف عن ~~المشي فصار يتوكأ على عصا فقال في ذلك (كل امرئ إذا تفكرت فيه * وتأملته ~~رأيت ظريفا) (كنت امشي على اثنتين قويا * صرت امشي على ثلاث ضعيفا) قلت ولي ~~أبيات أشير فيها إلى مثل هذا المعنى وهي (يا سائلي عن حالتي * خذ شرحها ~~ملخصا) (قد صرت بعد قوة * تفض أفلاذ الحصى) (أمشي على ثلاثة * أجود ما فيها ~~العصا) ولابن أبي الصقر أيضا في اعتذاره عن ترك القيام لأصدقائه (علة سميت ~~ثمانين عاما * منعتني للأصدقاء القياما) (فإذا عمرو تمهد عذري * عندهم ~~بالذي ذكرت وقاما) وله في كبره أيضا (ولما إلى عشر تسعين صرت * وما لي ~~إليها أب قبل صارا) (تيقنت أني مستبدل * بداري دارا وبالجار جارا) ~~PageV04P451 # (فتبت إلى الله مما مضى * ولن يدخل الله من تاب نارا) ~~وله أيضا وقد حضر عزاء صغير وهو يرتعش من الكبر فتغامز عليه الحاضرون كيف ~~مات الصغير وبقي هذا الشيخ في هذا السن فقال (إذا دخل الشيخ بين الشباب * ~~عزاء وقد مات طفل صغير) (رأيت اعتراضا على الله إذ * توفى الصغير وعاش ~~الكبير) (فقل لابن شهر وقل لابن ألف * وما بين ذلك هذا المصير) وله أيضا في ~~ذلك (ابن أبي الصقر افتكر * وقال في حال الكبر) (والله لولا بولة * تحرقني ~~وقت السحر) (لما ذكرت ان لي ما بين فخذي ذكر) وله كل مقطوع مليح ms1224 وكانت ~~ولادته ليلة الاثنين ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وأربعمائة وتوفي يوم ~~الخميس رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بواسط رحمه الله ~~تعالى PageV04P452 # 676 ابن الهبارية الشريف أبو يعلى محمد بن محمد بن ~~صالح بن حمزة بن عيسى بن محمد بن عبد الله ابن داود بن عيسى بن موسى بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي المعروف بابن الهبارية ~~الملقب نظام الدين البغدادي الشاعر المشهور كان شاعرا مجيدا حسن المقاصد ~~لكنه كان خبيث اللسان كثير الهجاء والوقوع في الناس لا يكاد يسلم من لسانه ~~أحد وذكره العماد الكاتب في الخريدة فقال من شعراء نظام الملك غلب على شعره ~~الهجاء والهزل والسخف وسبك في قالب ابن حجاج وسلك أسلوبه وفاقه في الخلاعة ~~والنظيف من شعره في غاية الحسن انتهى كلام العماد وكان ملازما لخدمة نظام ~~الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق وزير السلطان الب أرسلان وولده ملك ~~شاه وقد تقدم ذكره في حرف الحاء وله عليه الإنعام التام والإدرار المستمر ~~وكان بين نظام الملك وتاج الملك أبي الغنائم بن دارست شحناء ومنافسة كما ~~جرت العادة بمثله بين الؤساء فقال أبو الغنائم لابن الهبارية إن هجوت نظام ~~الملك فلك عندي كذا وأجزل له الوعد فقال كيف اهجو شخصا لا أرى في بيتي شيئا ~~إلا من نعمته فقال لا بد من هذا فعمل PageV04P453 # (لاغرو أن ملك ابن إسحاق * وساعده القدر) (وصفت له ~~الدنيا وخص * أبوالغنائم بالكدر) (فالدهر كدولاب ليس * يدور إلا بالبقر) ~~فبلغت الأبيات نظام الملك فقال هو يشير إلى المثل السائر على السن الناس ~~وهو قولهم أهل طوس بقر وكان نظام الملك من طوس واغضى عنه ولم يقابله على ~~ذلك بل زاد في إفضاله عليه فكانت هذه معدودة من مكارم أخلاق نظام الملك ~~وسعة حلمه وكان مع فرط إحسان نظام الملك إليه يقاسي من غلمانه وأتباعه شر ~~مقاساة لما يعلمونه من بذاءة لسانه فلما اشتد عليه الحال منهم كتب نظام ~~الملك (لذ بنظام ms1225 الحضرتين الرضى * إذا بنو الدهر تحاشوك) (وأجل به عن ~~ناظريك القذى * إذا لئام القوم اعشوك) (واصبر على وحشة غلمانه * لابد للورد ~~من الشوك) وذكر العماد الأصبهاني في الخريدة أنه أنقذ هذه الأبيات مع ولده ~~إلى نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي ولقبه نظام الحضرتين أبو الحسن ومن ~~شعره أيضا (وجهي يرق عن السؤال * وحالتي منه ارق) (دقت معاني الفضل في * ~~وحرفتي منها أدق) ومن معانيه الغريبة قوله في الرد على من يقول أن السفر به ~~يبلغ الوطر (قالوا أقمت وما رزقت وإنما * بالسير يكتسب اللبيب ويرزق) ~~(فأجبتهم ما كل سير نافعا * الحظ ينفع لا الرحيل المقلق) (كم سفرة نفعت ~~وأخرى مثلها * ضرت ويكتسب الحريص ويخفق) (كالبدر يكتسب الكمال بسيره * وبه ~~إذا حرم السعادة يمحق) وله أيضا PageV04P454 # (خذ جملة البلوى ودع تفصيلها * ما في البرية كلها ~~إنسان) (وإذا البياذق في الدسوت تفرزنت * فالرأي أن يتبيذق الفرزان) وله ~~على سبيل الخلاعة والمجون (يقول أبو سعيد إذ رآني * عفيفا منذ عام ما شربت) ~~(على يد أي شيخ تبت قل لي * فقلت على يد الإفلاس تبت) وله في المعنى أيضا ~~(رأيت في النوم عرسي وهي ممسكة * أذني وفي كفها شيء من الأدم) (معوج الشكل ~~مسود به نقط * لكن أسفله في هيئة القدم) (تظل ترفعني كيما ترنخني * فصرت ~~التذ بالإيقاع والنغم) (حتى تنبهت محمر القذال ولو * طال المنام على الشيخ ~~الأديب عمي) وله أيضا (المجلس التاجي دام جماله * وجلاله وكماله بستان) ~~(والعبد فيه حمامة تغريدها * فيه المديح وطوقها الإحسان) وله (وعندي شوق ~~دائم وصبابة * ومن أنا ذا حتى أقول له عندي) (إلى رجل لو أن بعض ذكائه * ~~على كل مولود تكلم في المهد) (فلولا نداه خفت نار ذكائه * عليه ولكن الندى ~~مانع الوقد) وله أيضا PageV04P455 # (دعوه ما شاء فعل * سيان صد أو وصل) (فكم رأينا قبلها ~~* أسود من ذا ونصل) ومحاسنه كثيرة وله كتاب نتائج الفطنة في نظم كليلة ~~ودمنة وقد سبق في ترجمة البارع الدباس في حرف الحاء ذكر الأبيات الدالية ~~وجوابها وما دار ms1226 بينهما وسيأتي في ترجمة الوزير فخر الدولة محمد بن جهير ~~واقعة لطيفة جرت له مع السابق الشاعر المعري إن شاء الله تعالى وديوان شعره ~~كبير يدخل في اربع مجلدات ومن غرائب نظمه كتاب الصادح والباغم نظمه على ~~أسلوب كليلة ودمنة وهو أراجيز وعدد بيوته ألفا بيت نظمها في عشر سنين ولقد ~~أجاد فيه كل الإجادة وسير الكتاب على يد ولده إلى الأمير أبي الحسن صدقة بن ~~منصور بن دبيس الأسدي صاحب الحلة المقدم ذكره في حرف الصاد وختمه بهذه ~~الأبيات وهي (هذا كتاب حسن * تحار فيه الفطن) (أنفقت فيه مده * عشر سنين ~~عده) (منذ سمعت باسمكا * وضعته برسمكا) (بيوته ألفان * جميعها معاني) (لو ~~ظل كل شاعر * وناظم وناثر) (كعمر نوح التالد * في نظم بيت واحد) (من مثله ~~لما قدر * ما كل من قال شعر) (أنفذته مع ولدي * بل مهجتي وكبدي) ~~PageV04P456 # (وأنت عند ظني * أهل لكل من) (وقد طوى إليكا * توكلا ~~عليكا) (مشقة شديده * وشقة بعيده) (ولو تركت جيت * سعيا وما ونيت) (إن ~~الفخار والعلا * إرثك من دون الورى) فأجزل صلته وأسنى جائزته وتوفي ابن ~~الهبارية المذكور بكرمان سنة أربع وخمسمائة هكذا قال العماد الأصبهاني في ~~كتاب الخريدة بعد أن أقام مدة بأصبهان وخرج إلى كرمان وأقام بها إلى آخر ~~عمره وقال ابن السمعاني توفي بعدسنة تسعين وأربعمائة والهبارية بفتح الهاء ~~وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف راء هذه النسبة إلى هبار وهو جد أبي يعلي ~~المذكور لأمه وكرمان بكسر الكاف وقيل بفتحها وسكون الراء وفتح الميم وبعد ~~الألف نون وهي ولاية كبيرة تشتمل على مدن كبار وصغار وخرج منها خلق من ~~الأعيان وهي متصلة بأطراف أعمال خراسان ومن جانبها الاخر البحر والله أعلم ~~PageV04P457 # 677 الخالدي المعروف بابن القيسراني الشاعر أبو عبد ~~الله محمد بن نصر بن صغير بن داغر بن محمد بن خالد بن نصر بن داغر بن عبد ~~الرحمن بن المهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي الخالدي الحلبي الملقب شرف ~~المعالي عدة الدين المعروف بابن القيسراني هكذا املى علي نسبه ms1227 بعض حفدته ~~الشاعر المشهور من الشعراء المجيدين والأدباء المتفننين قرأ الأدب على ~~توفيق بن محمد وأبي عبد الله ابن الخياط الشاعر المقدم ذكره وكان فاضلا في ~~الأدب وعلم الهيئة سمع بحلب من الخطيب أبي طاهر هاشم بن أحمد الحلبي وغيره ~~وسمع منه الحافظان أبو القاسم ابن عساكر وأبو سعد ابن السمعاني وذكراه في ~~كتابيهما وكذلك أبو المعالي الحظيري وذكره في كتاب الملح أيضا وكان هو وابن ~~منير المذكور في حرف الهمزة شاعري الشام في ذلك العصر وجرت بينهما وقائع ~~وما جرايات وملح ونوادر وكان ابن منير ينسب إلى التحامل على الصحابة رضي ~~الله عنهم ويميل إلى التشيع فكتب إليه ابن القيسراني المذكور وقد بلغه أنه ~~هجاه (ابن منير هجوت مني * حبرا أفاب الورى صوابه) PageV04P458 # (ولم تضيق بذاك صدري * فإن لي أسوة الصحابة) ومن محاسن ~~شعره قوله (كم ليلة بت من كاسي وريقته * نشوان امزج سلسالا بسلسال) (وبات ~~لا تحتمي عني مراشفه * كأنما ثغره ثغر بلا والي) وظفرت بديوانه وجميعه بخطه ~~وانا يومئذ بمدينة حلب ونقلت منه أشياء فمن ذلك قوله في مدح خطيب (شرح ~~المنبر صدرا * لتلقيك رحيبا) (أترى ضم خطيبا * منك أم ضمخ طيبا) وهذا ~~الجناس في غاية الحسن ثم وجدت هذين البيتين لأبي القاسم ابن زيد ابن أبي ~~الفتح أحمد بن عبيد بن فضل الموازيني الحلبي المعروف أبوه بالماهر وان ابن ~~القيسراني المذكور أنشدهما للخطيب ابن هاشم لما تولى خطابة حلب فنسبا إليه ~~ورأيت الأول على هذه الصورة وهو (قد زها المنبر عجبا * إذ ترقيت خطيبا) وله ~~في الغزل (بالسفح من لبنان لي * قمر منازله القلوب) (حملت تحيته الشمال * ~~فردها عني الجنوب) (فرد الصفات غريبها * والحسن في الدنياغريب) (لم أنس ~~ليلة قال لي * لما رأى جسدي يذوب) (بالله قل لي من أعلك * يا فتى قلت ~~الطبيب) PageV04P459 # وله أيضا (وقالوا لاح عارضه * وما ولت ولايته) (فقلت ~~عذار من اهوى * أمارته إمارته) ومن معاينه البديعة قوله من جملة قصيدة ~~رائقة (هذا الذي سلب العشاق نومهم * أما ترى عينه ملأى من ms1228 الوسن) وهذا ~~البيت ينظر إلى قول المتنبي في مدح سيف الدولة بن حمدان (نهبت من الأعمار ~~ما لو حويته * لهنئت الدنيا بأنك خالد) وكان كثير الإعجاب بقوله من جملة ~~قصيدة (واهوى الذي له البدر ساجدا * الست ترى في وجهه اثر الترب) وحضر مرة ~~في سماع وكان المغني حسن الغناء فلما طربت الجماعة وتواجدت عمل (والله لو ~~انصف العشاق أنفسهم * فدوك منها بما عزوا وما صانوا) (ما أنت حين تغني في ~~مجالسهم * إلا نسيم الصبا والقوم أغصان) وأنشدني صاحبنا الفخر إسحاق بن ~~المختص الإربلي لنفسه دوبيت وأخبرني أنه كان في سماع وفيه جماعة من أرباب ~~القلوب فلما طابت الجماعة كان هناك فرش منضودة على كراسي فتساقطت قال فعملت ~~في الحال (داعي النغمات حلقة الشوق طرق * وهنا فأجابته شجون وحرق) ~~PageV04P460 # (لو اسمع صخرة لخرت طربا * من نغمته فكيف قطن وخرق) ~~كانت ولادة ابن القيسراني المذكور سنة ثمان وسبعين أربعمائة بعكا وتوفي ~~ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بمدينة ~~دمشق ودفن بمقبرة باب الفراديس رحمه الله تعالى والخلدي بفتح الخاء المعجمة ~~وبعد الألف لام ثم دال مهملة هذه النسبة إلى خالد بن الوليد المخزومي رضي ~~الله عنه هكذا يزعم أهل بيته وأكثر المؤرخين وعلماء الأنساب يقولون إن ~~خالدا رضي الله عنه لم يتصل نسبه بل انقطع منذ زمان والله أعلم والقيسراني ~~بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة والراء وبعد ~~الألف نون هذه النسبة إلى قيسارية وهي بليدة بالشام على ساحل البحر 678 ~~الكيزاني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت بن إبراهيم بن فرح الكناني ~~المقرئ الأديب الشافعي الحامي المصري المعروف بابن الكيزاني الشاعر المشهور ~~كان زاهدا ورعا وبمصر طائفة ينسبون إليه ويعتقدون مقالته وله ديوان شعر ~~أكثره في الزهد ولم أقف عليه وسمعت له بيتا واحدا أعجبني وهو PageV04P461 # (وإذا لاق بالمحب غرام * فكذا الوصل بالحبيب يليق) ~~ويروى له (يا ضني جسمي تحكم أو فدع * ليس في السلوان عن ليلى طمع) (عنفوني ~~والهوى يغلبني ms1229 * وأطالوا العتب لو كان نفع) (سألوني هل يوافي طيفها * إنما ~~يعلم هذا من هجع) وفي شعره أشياء حسنة وتوفي ليلة الثلاثاء التاسع من شهر ~~ربيع الأول وقيل بل توفي في المحرم سنة اثنتين وستين وخمسمائة بمصر ودفن ~~بالقرب من قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه بالقرافة الصغرى ثم نقل إلى سفح ~~المقطم بقرب الحوض المعروف بأم مودود وقبره مشهور هناك يزار وزرته مرارا ~~رحمه الله تعالى والكيزاني بكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~الزاي وبعد الألف نون هذه النسبة إلى عمل الكيزان وبيعها وكان بعض أجداده ~~يصنع ذلك والله أعلم PageV04P462 # 679 الأبله الشاعر أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد ~~الله المولد المعروف بالأبله البغدادي الشاعر المشهور أحد المتأخرين ~~المجيدين جمع في شعره بين الصناعة والرقة وله ديوان شعر بأيدي الناس كثير ~~الوجود وذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال هو شاب ظريف ~~يتزيا بزي الجند رقيق أسلوب الشعر حلو الصناعة رائق البراعة عذب اللفظ أرق ~~من النسيم السحري وأحسن من الوشي التستري وكل ما ينظمه ولو أنه يسير يسير ~~والمغنون يغنون برائقات أبياته عن أصوات القدماء فهم يتهافتون على نظمه ~~المطرب تهافت الطير الحوم على عذب المشرب ثم قال أنشدني لنفسه من قصيدة سنة ~~خمس وخمسين وخمسمائة ببغداد (زار من أحيا بزورته * والدجى في لون طرته) ~~(قمر يثني معانقه * بانة في طي بردته) (بت استجلي المدام على * غرة الواشي ~~وغرته) (يا لها من زورة قصرت * فأماتت طول جفوته) (آه من خصر له وعلى * ~~رشفة من برد ريقته) (يا له في الحسن من صنم * كلنا من جاهليته) PageV04P463 # ومن أبياته السائرة قوله من جملة قصيدة أنيقة (لا يعرف ~~الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلامن يعانيها) ومن رقيق شعره قوله في ~~غزل قصيدة (دعني أكابد لوعتي وأعاني * أين الطليق من الأسير المعاني) (آليت ~~لا ادع الملام يغرني * من بعد ما أخذ الغرام عناني) (أولا تروض العاذلات ~~وقد أرى * روضات حسن في خدود حسان) (ولدي يلتمس السلو ولم ms1230 أزل * حي الصبابة ~~ميت السلوان) (يا برق إن تجف العقيق فطالما * أغنته عنك سحائب الأجفان) ~~(هيهات ان انسى رباك ووقفة * فيها أغير بها على الغيران) (ومهفهف ساجي ~~اللحاظ حفظته * فأضاعني وأطعته فعصاني) (يصمي قلوب العاشقين بمقلة * طرف ~~السنان وطرفها سيان) (خنث الدلال بشعره وبثغره * يوم الوداع أضلني وهداني) ~~(ما قام معتدلا يهز قوامه * إلا وبانت خجلة في البان) (يا أهل نعمان إلى ~~وجناتكم * تعزى الشقائق لا إلى نعمان) (ما يفعل المران من يد قلب * في ~~القلب فعل مرارة الهجران) وهي قصيدة طويلة ومديحها جيد وجميع شعره على هذا ~~الأسلوب والنسق ومخالصة من الغزل إلى المدح في نهاية الحسن وقل نت يلحقه ~~فيها فمن ذلك قوله من قصيدة أولها PageV04P464 # (جنيت جني الورد من ذلك الخد * وعانقت غصن البان من ~~ذلك القد) فلما انتهى إلى مخلصها قال (لئن وقرت يوما بسمعي ملامة * لهند ~~فلا عفت الملامة في هند) (ولا وجدت عيني سبيلا إلى البكا * ولا بت في أسر ~~الصبابة والوجد) (وبحت بما القى ورحت مقابلا * سماحة مجد الدين بالكفر ~~والجحد) وقوله من قصيدة أخرى (فلا وجد سوى وجدي بليلى * ولا مجد كمجد ابن ~~الدوامي) وقوله في أخرى (فأقسم اني أفي الصبابة واحد * وان كمال الدين في ~~الجود واحد) إلى غير ذلك وكانت وفاته على ما قاله ابن الجوزي في تاريخه في ~~جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وقال غيره سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد ودفن في ~~باب أبرز محاذي التاجية رحمه الله تعالى والأبله معروف فلا حاجة إلى ضبطه ~~وإنما قيل له أبله لأنه كان فيه طرف بله وقيل لنه كان في غاية الذكاء وهو ~~من أسماء الأضداد كما قيل للأسود كافور وكان له ميل إلى بعض أبناء البغاددة ~~فعبر على باب داره فوجد خلوة فكتب على الباب قال العماد الكاتب وأنشدنيهما ~~(دارك يا بدر الدجى جنة * بغيرها نفسي ما تلهو) (وقد روي في خبر انه * أكثر ~~أهل الجنة البله) ولابن التعاويذي المذكور بعده فيه هجاء أفحش فيه فأضربت ~~عن ذكره مع أنها أبيات ms1231 جيدة والله أعلم PageV04P465 # 680 ابن التعاويذي الشاعر أبو الفتح محمد بن عبيد الله ~~بن عبد الله الكاتب المعروف بابن التعاويذي الشاعر المشهور كان أبوه مولى ~~لابن المظفر واسمه نشتكين فسماه ولده المذكور عبيد الله وهو سبط أبي محمد ~~المبارك بن المبارك بن علي بن نصر السراج الجوهري الزاهد المعروف بابن ~~التعاويذي وإنما نسب إلى جده المذكور لأنه كفله صغيرا ونشأ في حجره فنسب ~~إليه وكان أبو الفتح المذكور شاعر وقته لم يكن فيه مثله جمع شعره بين جزالة ~~الألفاظ وعذوبتها ورقة المعاني ودقتها وهو في غاية الحسن والحلاوة وفيما ~~اعتقده لم يكن قبله بمائتي سنة من يضاهيه ولا يؤاخذني من يقف على هذا الفصل ~~فإن ذلك يختلف بميل الطباع ولله القائل (وللناس ما فيما يعشقون مذاهب *) ~~وكان كاتبا بديوان المقاطعات ببغداذ وعمي في آخر عمره سنة تسع وسبعين وله ~~في عماه أشعار كثيرة يرثي بها عينيه ويندب زمان شبابه وتصرفه وكان قد جمع ~~ديوانه بنفسه قبل العمى وعمل له خطبة طريفة ورتبه أربعة فصول PageV04P466 # وكل ما جدده بعد ذلك سماه الزيادات فلهذا يوجد ديوانه ~~في بعض النسخ خاليا من الزيادات وفي بعضها مكملا بالزيادات ولما عمي كان ~~باسمه راتب في الديوان فالتمس ان ينقل باسم أولاده فلما نقل كتب إلى الإمام ~~الناصر لدين الله هذه الأبيات يسأله أن يجدد له راتبا مدة حياته وهي (خليفة ~~الله أنت بالدين والدنيا * اوأمر الإسلام مضطلع) (أنت لما سنة الأئمة أعلام ~~الهدى مقتف ومتبع) (قد عدم العدم في زمانك والجور * معا والخلاف والبدع) ~~(فالناس في الشرع والسياسة * والإحسان والعدل كلهم شرع) (يا ملكا يردع ~~الحوادث * والأيام عن ظلمها فترتدع) (ومن له أنعم مكررة * لنا مصيف منها ~~ومرتبع) (أرضي قد أجدبت وليس لمن * أجدب يوما سواك منتجع) (ولي عيال لا در ~~درهم * قد أكلوا دهرهم وما شبعوا) (إذا رأوني ذا ثروة جلسوا * حولي ومالوا ~~إلي واجتمعوا) (وطالما قطعوا حبالي إعراضا * إذا لم تكن معي قطع) (يمشون ~~حولي شتى كأنهم * عقارب كلما سعوا لسعوا) (فمنهم الطفل ms1232 والمراهق والرضيع * ~~يحبو والكهل واليفع) (لا قارح منهم أؤمل أن * ينالني خيره ولا جذع) (لهم ~~حلوق تفضي إلى معد * تحمل في الأكل فوق ما تسع) (من كل رحب المعاء أجوف ~~ناري * الحشا لا يمسه الشبع) (لا يحسن المضغ فهو ينزل في * فيه بلا كلفة ~~ويبتلع) PageV04P467 # (ولي حديث يلهي ويعجب من * يوسع لي خلقه فيستمع) (نقلت ~~رسمي جهلا إلى ولد * لست بهم ماحييت أنتفع) (نظرت في نفعهم وما انا فيه ~~اجتلاب * نفع الأولاد مبتدع) (وقلت هذا بعدي يكون لكم * فما أطاعوا أمري ~~ولا سمعوا) (واختلسوه مني فما تركوا * عيني عليه ولا يدي تقع) (فبئس والله ~~ما صنعت فأضررت * بنفسي وبئس ما صنعوا) (فإن أردتم أمرا يزول به الخصام * ~~من بيننا ويرتفع) (فاستأنفوا لي رسما أعود على * ضنك معاشي به فيتسع) (وإن ~~زعمتم أني أتيت بها * خديعة فالكريم ينخدع) (حاشا لرسمي الكريم ينسخ من * ~~نسخ دواوينكم فينقطع) (فوقعوا لي بما سألت فقد * أطمعت نفسي واستحكم الطمع) ~~(ولا تطيلوا معي فلست ولو * دفعتموني بالراح أندفع) (وحلفوني ان لا تعود ~~يدي * ترفع في نقله ولاتضع) فما ألطف ما توصل به إلى بلوغ مقصوده بهذه ~~الأبيات التي لو ملرت بالجماد لاستمالته وعطفته فأنعم عليه أمير المؤمنين ~~بالراتب فكان يصله بصلة من الخشكار الرديء فكتب إلى فخر الدين صاحب المخزن ~~أبياتا يشكو من ذلك أولها (مولاي فخر الدين أنت إلى الندى * عجل وغيرك محجم ~~متباطي) ومنها (حاشاك ترضى أن تكون جرايتي * كجراية البواب والنفاط) (سوداء ~~مثل الليل سعر قفيزها * ما بين طسوج إلى قيراط) PageV04P468 # (أخنت علي الحادثات وأفرطت * فيها الرداءة أيما إفراط) ~~(قد كدرت حسي المضيء وغيرت * طبعي السليم وعفنت أخلاطي) (فتول تدبيري فقد ~~أنهيت ما * أشكوه من مرضي إلى بقراط) وكان وزير الديوان العزيز شرف الدين ~~أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم التميمي وزير الإمام المستنجد ~~بالله المعروف بابن البلدي وقد عزل أرباب الدواوين وحبسهم وحاسبهم وصادرهم ~~وعاقبهم ونكل بهم فعمل سبط ابن التعاويذي المذكور في ذلك قوله (ياقاصدا ~~بغداد حد عن ms1233 بلدة * للجور فيها زخرة وعباب) (إن كنت طالب حاجة فارجع فقد * ~~سدت على الراجي بها الأبواب) (ليست وما بعد الزمان كعهدها * أيام يعمر ~~ربعها الطلاب) (ويحلها الرؤساء من سادتها * والجلة الأدباء والكتاب) (والهر ~~في أولى حداثته وللأيام * فيها نضرة وشباب) (والفضل في سوق الكرام يباع ~~بالغالي * من الأثمان والآداب) (بادت وأهلوها معا فبيوتهم * ببقاء مولانا ~~الوزير خراب) (وارتهم الأجداث أحيا تهال * جنادل من فوقهم وتراب) (فهم خلود ~~في محابسهم يصب * عليهم بعد العذاب عذاب) (لا يرتجى منها إيابهم وهل * يرجى ~~لسكان القبور إياب) (والناس قد قامت قيامتهم فلا * أنساب بينهم ولا أسباب) ~~(والمرء يسلمه أبوه وعرسه * ويخونه القرباء والأحباب) (لا شافعا تغني ~~شفاعته ولا * جان له مما جناه متاب) PageV04P469 # (شهدوا معادهم فعاد مصدقا * من كان قبل ببعثه يرتاب) ~~(حشر وميزان وعرض جرائد * وصحائف منشورة وحساب) (وبها زبانية تبث على الورى ~~* وسلاسل ومقامع وعذاب) (ما فاتهم من كل ما وعدوا به * في الحشر إلا راحم ~~وهاب) وله في الوزير المذكور (يا رب أشكو إليك ضرا * أنت على كشفه قدير) ~~(أليس صرنا إلى زمان * فيه أبو جعفر وزير) وذكر محب الدين المعروف بابن ~~النجار في تاريخ بغداد أن الإمام المستنجد بالله توفي يوم الاثنين ثامن شهر ~~ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة وتولى بعده ولده المستضيء بأمر الله وجلس ~~للمبايعة يوم الثلاثاء ثاني اليوم المذكور فخرج أستاذ الدار عضد الدين أبو ~~الفرج المذكور عقيب هذا ومعه ابن السيبي فقال له الخليفة قد تقدم أن يستوفى ~~القصاص من هذا وأشار إلى الوزير فأخذ وسحب وقطع أنفه ويده ورجله ثم ضربت ~~رقبته وجمع في ترس وألقي في دجلة وكان هذا الوزير قد قطع أنف أم ابن السيبي ~~المذكور ويد أخيه ورجله في أيام ولايته فاقتص منه في هذا اليوم نعوذ بالله ~~من سوء العاقبة وكتب سبط ابن التعاويذي إلى عضد الدين أبي الفرج محمد بن ~~المظفر وهو من أبناء مواليه يطلب منه شعيرا لفرسه وهو الذي فعل بالوزير ابن ~~البلدي تلك الفعلة المذكورة قبل ms1234 هذا (مولاي يا من له أياد * ليس إلى عدها ~~سبيل) PageV04P470 # (ومن إذا قلت العطايا * فجوده وافر جزيل) (إليه إن ~~جارت الليالي * نأوي وفي ظله نقيل) (إن كميتي العتيق سنا * له حديث معي ~~يطول) (كان شرائي له فضولا لا * فاعجب لما يجلب الفضول) (ظننته حاملا لرحلي ~~* فخاب ظني به الجميل) (ولم أخل للشقاء أني * لثقل اعبائه حمول) (فإن أكن ~~عاليا عليه * فهو على كاهلي ثقيل) (أرجل كالبوم ليس فيه * خير كثير ولا ~~قليل) (ليس له مخبر حميد * ولا له منظر جميل) (وهو حرون وفيه بطء * ولا ~~جواد ولا ذلول) (لا كفل معجب لراء * إذا رآه ولا تليل) (مقصر إن مشى ولكن * ~~إن حضر الأكل مستطيل) (يعجبه التبن والشعير المغسول * وألقت والقصيل) (إذا ~~رآى عكرشا رأيت * اللعاب من شدقه يسيل) (وليس فيه من المعاني * شيء سوى أنه ~~اكول) (فهب له اليوم ما تسنى * وهبه من بعض ما تنيل) (ولا تقل إن ذا قليل * ~~فالجل في عينه جليل) وإنما أوردت هذه المقاطيع من شعره لكونها مستملحة وأما ~~قصائده المشتملة على النسيب والمدح فإنها في غاية الحسن وصنف كتابا سماه ~~الحجبة والحجاب يدخل في مقدار خمس عشرة كراسة وأطال الكلام فيه وهو قليل ~~الوجود وذكر العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة أن ابن التعاويذي المذكور ~~كان PageV04P471 # صاحبه لما كان بالعراق فلما أنتقل العماد إلى الشام ~~واتصل بخدمة السلطان صلاح الدين كتب إليه ابن التعاويذي رسالة وقصيدة يطلب ~~منه فروة وذكر الرسالة وهي قد كلف مكارمه وإن لم يكن للجود عليها كلفه ~~وأتحفه بما وجهه إليه من أمله وهو لعمر الله تحفه أهدى فروة دمشقية سرية ~~نقية يلين لمسها ويزين لبسها ودباغتها نظيفة وخياطتها لطيفة طويلة كطوله ~~سابغة كأنعمه حالية كذكره جميلة كفعله واسعة كصدره نقية كعرضه رفيعة كقدره ~~موشية كنظمه ونثره ظاهرها كظاهره وباطنها كباطنه يتجمل بها اللابس وتتحلى ~~بها المجالس وهي لخادمه سربال وله حرس الله مجده جمال يشكره عليها من لم ~~يلبسها ويثني عليه بها من لم يتدرعها تذهب خميلة وبرها ويبقى حميد ms1235 أثرها ~~ويخلق إهابها وجلدها ويتجدد شكرها وحمدها وقد نظم أبياتا ركب في نظمها ~~الغرر وأهدى بها التمر إلى هجر إلا أنه قد عرض الطيب على عطاره ووضع الثوب ~~في يد بزازه وأحل الثناء في محله وجمع بين الفضل وأهله وهي في حسنه وخفارة ~~كرمه ثم ذكر القصيدة التي أولها (بأبي من ذبت في الحب * له شوقا وصبوه) وهي ~~موجودة في ديوانه وكتب العماد جواب القصيدة على هذا الروي أيضا وهما ~~طويلتان وذكر العماد قبل ذكر الرسالة والقصيدة في حقه هو شاب فيه فضل وآداب ~~ورياسة وكياسة ومروة وأبوة وفتوة جمعني وإياه صدق العقيدة في عقد الصداقة ~~وقد كملت فيه أسباب الظرف واللطف واللباقة ثم أتى بالرسالة والقصيدة ~~وجوابها وهذه الرسالة لم أر مثلها في بابها سوى ما سيأتي في ترجمة بهاء ~~الدين ابن شداد في حرف الياء إن شاء الله تعالى فإن ابن خروف المغربي كتب ~~إليه رسالة بديعة يستجديه فروة قرظ وكانت ولادة ابن التعاويذي المذكور في ~~العاشر من رجب يوم الجمعة سنة تسع عشرة وخمسمائة وتوفي في ثاني شوال سنة ~~أربع وقيل ثلاث PageV04P472 # وثمانين وخمسمائة ببغداد ودفن في باب ابرز رحمه الله ~~تعالى وقال ابن النجار في تاريخه مولده يوم الجمعة وتوفي يوم السبت ثامن ~~عشر شوال والتعاويذي بفتح التاء المثناة من فوقها والعين المهملة وكسر ~~الواو بعد الألف وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم ذال معجمة هذه النسبة ~~إلى كتبه التعاويذ وهي الحروز 203 واشتهر بها أبو محمد المبارك بن المبارك ~~بن السراج التعاويذي البغدادي الزاهد المقدم ذكره في أول هذه الترجمة وكان ~~صالحا ذكره ابن السمعاني في كتاب الذيل وكتاب الأنساب وقال لعل أباه كان ~~يرقي ويكتب التعاويذ وسمع منه ابن السمعاني المذكور وقال سألته عن مولده ~~فقال ولدت في سنة ست وتسعين وأربعمائة بالكرخ وتوفي في جمادى الأولى سنة ~~ثلاث وخمسين وخمسمائة ودفن بمقبرة الشونيزي رحمه الله تعالى وقال السمعاني ~~أنشدني أبو محمد المبارك المذكور لنفسه قوله (اجعل همومك واحدا * وتخل عن ~~كل الهموم) ms1236 (فعساك أن تحظى بما * يغنيك عن كل العلوم) ثم قال قال لي ابن ~~التعاويذي ما قلت من الشعر غير هذين البيتين ونشتكين بضم النون وسكون الشين ~~المعجمة وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وبعدها ياء مثناة من تحتها ~~ساكنة ثم نون وهو اسم أعجمي تسمى به المماليك وقد تقدم في أول الترجمة انه ~~كان من مماليك أحد بني المظفر رئيس الرؤساء وله فيهم مدائح بديعة وأفرد ~~مدائحهم في فصل من الفصول الأربعة المرتبة في ديوانه لكونهم مواليه وكانوا ~~يحسنون إليه والله أعلم PageV04P473 # 5 PageV05P001 # 681 ابن المعلم الشاعر أبو الغنائم محمد بن علي بن ~~فارس بن علي بن عبد الله بن الحسين بن القاسم المعروف بابن المعلم الواسطي ~~الهرثي الملقب نجم الدين الشاعر المشهور كان شاعرا رقيق الشعر لطيف حاشية ~~الطبع يكاد شعره يذوب من رقته وهو أحد من سار شعره وانتشر ذكره ونبه بالشعر ~~قدره وحسن به حاله وأمره وطال في نظم القريض عمره وساعده على قوله زمانه ~~ودهره وأكثر القول في الغزل والمدح وفنون المقاصد وكان سهل الألفاظ صحيح ~~المعاني يغلب على شعره وصف الشوق والحب وذكر الصبابة والغرام فعلق بالقلوب ~~ولطف مكانه عند أكثر الناس ومالوا إليه وحفظوه وتداولوه بينهم واستشهد به ~~الوعاظ واستحلاه السامعون سمعت جماعة من مشايخ البطائح يقولون ما سبب لطافة ~~شعر ابن المعلم إلا أنه كان إذا نظم قصيدة حفظها الفقراء المنتسبون إلى ~~الشيخ أحمد بن الرفاعي المقدم ذكره في حرف الهمزة وغنوا بها في سماعاتهم ~~وطابوا عليها فعادت عليه بركة أنفاسهم ورأيتهم يعتقدون ذلك اعتقادا لا شك ~~عندهم فيه وبالجملة PageV05P005 # فشعره يشبه النوح ولا يسمعه من عنده أدنى هوى إلا فتنه ~~وهاج غرامه وكان بين ابن المعلم المذكور وبين ابن التعاويذي المذكور قبله ~~تنافس وهجاء ابن التعاويذي بأبيات جيمية أجاد فيها ولا حاجة إلى ذكرها ~~ولابن المعلم قصيدة طويلة أولها (ردوا علي شوارد الأظعان * ما الدار إن لم ~~تغن من أوطاني) منها (ولكم بذاك الجزع من متمنع * هزأت معاطفه بغصن البان) ~~(أبدى تلونه ms1237 بأول موعد * فمن الوفي لنا بوعد ثاني) (فمتى اللقاء ودونه من ~~قومه * أبناء معركة وأسد طعان) (نقلوا الرماح وما أظن أكفهم * خلقت لغير ~~ذوابل المران) (وتقلدوا بيض السيوف فما ترى * في الحي غير مهند وسنان) ~~(ولئن صددت فمن مراقبة العدا * ما الصد عن ملل ولا سلوان) (يا ساكني نعمان ~~أين زماننا * بطويلع يا ساكني نعمان) وله من أخرى (كم قلت إياك العقيق فإنه ~~* ضريت جآذره بصيد أسوده) (وأردت صيد مها الحجاز فلم يساعدك * القضاء فرحت ~~بعض صيوده) وله من أخرى (أجيراننا إن الدموع التي جرت * رخاصا على أيدي ~~النوى لغوالي) (أقيموا على الوادي ولو عمر ساعة * كلوث إزار أو كحل عقال) ~~PageV05P006 # (فكم ثم لي من وقفة لو شريتها * بنفسي لم أغبن فكيف ~~بمالي) وله من أخرى (كيف يخفي سر الهوى المستهام * هي حزوى وما الخيام ~~الخيام) (ولئن كانت الخيام وما الناس * بها الناس فالغرام الغرام) وله من ~~أخرى (قسما بما ضمت عليه شفاههم * من قرقف في لؤلؤ مكنون) (إن شارف الحادي ~~العذيب لأقضين * نحبي ومن لي أن تبر يميني) (لو لم يكن آثار ليلى والهوى * ~~بتلاعه ما رحت كالمجنون) وكان سبب عمل هذه القصيدة أن ابن المعلم المذكور ~~والأبله وابن التعاويذي المذكورين قبله لما وقفوا على قصيدة صردر المقدم ~~ذكره في حرف العين التي أولها (أكذا يجازي ود كل قرين * أم هذه شيم الظباء ~~العين) وهي من نخب القصائد وسأذكرها في ترجمة عميد الملك محمد إن شاء الله ~~تعالى أعجبتهم فعمل ابن المعلم من وزنها هذه القصيدة وعمل ابن التعاويذي من ~~وزنها قصيدة أبدع فيها وأرسلها إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ~~تعالى وهو بالشام يمدحه بها وأولها (إن كان دينك في الصبابة ديني * فقف ~~المطي برملتي يبرين) وعمل الأبله قصيدة أخرى وأحسن الكل قصيدة ابن ~~التعاويذي PageV05P007 # وحكي عن ابن المعلم المذكور أنه قال كنت ببغداد فاجتزت ~~يوما بالموضع الذي يجلس فيه أبو الفرج ابن الجوزي للوعظ فرأيت الخلق ~~مزدحمين فسألت بعضهم عن سبب الزحام فقال هذا ابن الجوزي ms1238 الواعظ جالس ولم ~~أكن علمت بجلوسه فزاحمت وتقدمت حتى شاهدته وسمعت كلامه وهو يعظ حتى قال ~~مستشهدا على بعض إشاراته ولقد أحسن ابن المعلم حيث يقول (يزداد في مسمعي ~~تكرار ذكركم * طيبا ويحسن في عيني تكرره) فعجبت من اتفاق حضوري واستشهاده ~~بهذا البيت من شعري ولم يعلم بحضوري لا هو ولا غيره من الحاضرين وهذا البيت ~~من جملة قصيدة له مشهورة ولابن المعلم في أثناء قصيدة أيضا (يوهي قوى جلدي ~~من لا أبوح به * ويستبيح دمي من لا أسميه) (قسا فما في لساني ما يعاتبه * ~~ضعفا بلى في فؤادي ما يقاسيه) وفي يوم وقعة الجمل على البصرة قبل مباشرة ~~الحرب أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عمه عبد الله بن العباس رضي ~~الله عنهما إلى طلحة والزبير رضي الله عنهما برسالة يكفهما عن الشروع في ~~القتال ثم قال له لا تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصا أنفه يركب ~~الصعب ويقول هو الذلول ولكن الق الزبير فإنه ألين عريكة منه وقل له يقول لك ~~ابن خالك عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا مما بدا وعلي رضي الله ~~عنه أول من نطق بهذه الكلمة فأخذ ابن المعلم المذكور هذا الكلام وقال ~~(منحوه بالجزع السلام وأعرضوا * بالغور عنه فما عدا مما بدا) وهذا البيت من ~~جملة قصيدة طويلة ورسالة علي نقلتها من كتاب نهج البلاغة PageV05P008 # ولا حاجة إلى الإطالة بذكر فرائده مع شهرة ديوانه ~~وكثرة وجوده بأيدي الناس وكانت ولادته في ليلة سابع عشر جمادى الآخرة سنة ~~إحدى وخمسمائة وتوفي رابع رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بالهرث رحمه الله ~~تعالى والهرث بضم الهاء وسكون الراء وبعدها ثاء مثلثة وهي قرية من أعمال ~~نهر جعفر بينها وبين واسط نحو عشرة فراسخ وكانت وطنه ومسكنه إلى أن توفي ~~بها رحمه الله تعالى 682 البحراني الشاعر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن ~~محمد بن قائد الملقب موفق الدين الإربلي أصلا ومنشأ البحراني مولدا الشاعر ~~المشهور كان إماما مقدما في علم ms1239 العربية مفننا في أنواع الشعر ومن أعلم ~~الناس بالعروض والقوافي وأحذقهم بنقد الشعر وأعرفهم بجيده من رديئه وأدقهم ~~نظرا في اختياره واشتغل بشيء من علوم الأوائل وحل كتاب إقليدس وبدأ ينظم ~~الشعر وهو صبي صغير بالبحرين جريا على عادة العرب قبل أن ينظر في الأدب وهو ~~شيخ أبي البركات ابن المستوفي صاحب تاريخ إربل المقدم ذكره وعليه اشتغل ~~بعلوم الشعر وبه تخرج وقد ذكره في تاريخه وعدد فضائله وقال كان شيخنا أبو ~~الحرم مكي الماكسيني النحوي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى PageV05P009 # يراجعه في كثير من المسائل المشكلة في النحو وكان يرجع ~~إليه في أجوبة ما يورد عليه وكان قد رحل إلى شهرزور وأقام بها مدة ثم رحل ~~إلى دمشق ومدح السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى بقصيدة طويلة وله ديوان ~~شعر جيد ورسائل حسنة وكان في الشعر في طبقة معاصريه ممن تقدم ذكرهم ومن ~~شعره قصيدة يمدح بها زين الدين ابا المظفر يوسف بن زين الدين صاحب إربل وقد ~~تقدم ذكره في ترجمة أخيه مظفر الدين في حرف الكاف (رب دار بالغضا طال بلاها ~~* عكف الركب عليها فبكاها) (درست إلا بقايا أسطر * سمح الدهر بها ثم محاها) ~~(كان لي فيها زمان وانقضى * فسقى الله زماني وسقاها) (وقفت فيها الغوادي ~~وقفة * ألصقت حر ثراها بحشاها) (وبكت أطلالها نائبة * عن جفوني أحسن الله ~~جزاها) (قل لجيران مواثيقهم * كلما أحكمتها رثت قواها) (كنت مشغوفا بكم إذ ~~كنتم * شجرا لا يبلغ الطير ذراها) (لا تبيت الليل إلا حولها * حرس ترشح ~~بالموت ظباها) (وإذا مدت إلى أغصانها * كف جان قطعت دون جناها) (فتراخى ~~الأمر حتى أصبحت * هملا يطمع فيها من رآها) (تخصب الأرض فلا أقربها * رائدا ~~إلا إذا عز حماها) (لا يراني الله أرعى روضة * سهلة الأكناف من شاء رعاها) ~~(وإذا ما طمع أغرى بكم * عرض اليأس لنفسي فثناها) (فصبابات الهوى أولها * ~~طمع النفس وهذا منتهاها) (لا تظنوا لي إليكم رجعة * كشف التجريب عن عيني ~~عماها) PageV05P010 # (إن زين الدين أولاني يدا * لم تدع لي ms1240 رغبة فيما ~~سواها) وهي طويلة أجاد في مدحها وكان أبوه من أهل إربل وصنعته التجارة وكان ~~يتردد من إربل إلى البحرين ويقيم بها مدة لتحصيل اللآلىء من المغاصات أسوة ~~التجار فاتفق أن ولد له هناك الموفق أبو عبد الله المذكور ثم انتقل إلى ~~إربل فنسب إلى البحرين لهذا السبب وله معنى مليح في غلام اسمه السهم وقد ~~التحى (قالوا التحى السهم قلت حصن * حشاك فالآن لا يطيش) (فالسهم لا ينفذ ~~الرمايا * إلا إذا كان فيه ريش) وتوفي ليلة الأحد ثالث شهر ربيع الآخر سنة ~~خمس وثمانين وخمسمائة بإربل ودفن بمقبرة أهله قبلي البست رحمه الله تعالى ~~قال المطرزي في كتاب المغرب البست كلمة فارسية وهو مفتح الماء في فم النهر ~~والبحراني بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وفتح الراء وبعد الألف ~~نون هذه النسبة إلى البحرين المقدم ذكرها وهي بليدة بالقرب من هجر قال ~~الأزهري وإنما سميت البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى ~~هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في ~~مثلها ولا يغيض ماؤها وهو راكد زعاق وحدث أبو عبيد عن أبي محمد اليزيدي قال ~~سألني المهدي وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين وعن الحصنين لم قالوا ~~حصني وبحراني فقال الكسائي كرهوا أن يقولوا PageV05P011 # حصناني لاجتماع النونين قال وقلت أنا كرهوا أن يقولوا ~~بحري فتشبه النسبة إلى البحر وألبست بفتح الباء الموحدة وسكون السين ~~المهملة وبعدها تاء مثناة من فوقها واد عريض في وسط إربل تجري فيه مياه ~~السيول في الشتاء والربيع وفيه شيء كثير من الحجارة الصغار والله أعلم 683 ~~أبو شجاع الفرضي أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب المعروف بابن الدهان الملقب ~~فخر الدين البغدادي الفرضي الحاسب الأديب هو من أهل بغداد وانتقل إلى ~~الموصل وصحب جمال الدين الأصبهاني الوزير بها ثم تحول إلى خدمة السلطان ~~صلاح الدين فولاه ديوان ميافارقين فلم يمش له بها حال مع واليها فدخل إلى ~~دمشق فأجري له بها رزق لم يكن كافيا ms1241 وكان يزجي به الوقت ثم ارتحل إلى مصر ~~في سنة ست وثمانين وخمسمائة ثم عاد منها إلى دمشق وجعلها دار إقامة وله ~~أوضاع الجداول في الفرائض وغيرها وصنف غريب الحديث في ستة عشر مجلدا لطافا ~~ورمز فيه حروفا يستدل بها على أماكن الكلمات المطلوبة منه وكان قلمه أبلغ ~~من لسانه وجمع تاريخا وغير ذلك وذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ ~~إربل وعده في زمرة الوافدين عليها وقال في حقه عالم فاضل متفنن وله شعر جيد ~~وذكر الأبيات التي PageV05P012 # مدح بها الشيخ تاج الدين أبا اليمن زيد بن الحسن ~~الكندي وقد ذكرتها في ترجمة الكندي وذكره أيضا العماد الكاتب في الخريدة ~~وأثنى عليه وأورد له مقاطيع أحسن فيها فمن ذلك قوله في ابن الدهان المعروف ~~بالناصح أبي محمد سعيد بن المبارك النحوي وقد سبق ذكره وكان مخلا بإحدى ~~عينيه (لا يبعد الدهان إن ابنه * أدهن منه بطريقين) (في عجب البحر فحدث به ~~* بفرد عين وبوجهين) ومنه ما كتبه إلى بعض الرؤساء وقد عوفي من مرضه (نذر ~~الناس يوم برئك صوما * غير أني نذرت وحدي فطرا) (عالما أن يوم برئك عيد * ~~لا أرى صومه ولو كان نذرا) وله غير ذلك أناشيد حسان وكانت له اليد الطولى ~~في النجوم وحل الأزياج وتوفي في صفر سنة تسعين وخمسمائة بالحلة السيفية ~~وكان سبب موته أنه حج من دمشق وعاد على طريق العراق ولما وصل إلى الحلة عثر ~~جمله هناك فأصاب وجهه بعض خشب المحمل فمات لوقته وكان شيخا دميم الخلقة ~~مسنون الوجه مسترسل اللحية خفيفها أبيض تعلوه صفرة رحمه الله تعالى وقيل ~~إنه كان يلقب برهان الدين والله أعلم أي ذلك كان وقد تقدم الكلام على الحلة ~~فلا حاجة إلى إعادته PageV05P013 # 684 ابن عنين الشاعر أبو المحاسن محمد بن نصر بن ~~الحسين بن عنين الأنصاري الملقب شرف الدين الكوفي الأصل الدمشقي المولد ~~الشاعر المشهور كان خاتمة الشعراء لم يأت بعده مثله ولا كان في أواخر عصره ~~من يقاس به ولم يكن شعره مع جودته ms1242 مقصورا على أسلوب واحد بل تفنن فيه وكان ~~غزير المادة من الأدب مطلعا على معظم أشعار العرب وبلغني أنه كان يستحضر ~~نقل كتاب الجمهرة لابن دريد في اللغة وكان مولعا بالهجاء وثلب أعراض الناس ~~وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقا من رؤساء دمشق سماها مقراض الأعراض وكان ~~السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى قد نفاه من دمشق بسبب وقوعه في الناس ~~فلما خرج منها عمل (فعلام أبعدتم أخا ثقة * لم يجترم ذنبا ولا سرقا) (انفوا ~~المؤذن من بلادكم * إن كان ينفى كل من صدقا) وطاف البلاد من الشام والعراق ~~والجزيرة وأذربيجان وخراسان وغزنة PageV05P014 # وخوارزم وما وراء النهر ثم دخل الهند واليمن وملكها ~~يومئذ سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ~~المذكور في حرف الطاء وأقام بها مدة ثم رجع إلى الحجاز والديار المصرية ~~وعاد إلى دمشق وكان يتردد منها إلى البلاد ويعود إليها ولقد رأيته بمدينة ~~إربل في سنة ثلاث وعشرين وستمائة ولم آخذ عنه شيئا وكان قد وصل إليها رسولا ~~عن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق وأقام بها قليلا ~~ثم سافر وكتب من بلاد الهند إلى أخيه وهو بدمشق هذين البيتين والثاني منهما ~~لأبي العلاء المعري استعمله مضمنا فكان أحق به وهما (سامحت كتبك في القطيعة ~~عالما * أن الصحيفة لم تجد من حامل) (وعذرت طيفك في الجفاء لأنه * يسري ~~فيصبح دوننا بمراحل) لله دره فما أحسن ما وقع له هذا التضمين وقد كرر هذا ~~المعنى في مواضع من شعره فمن ذلك قوله من جملة قصيدة طويلة (ألا يا نسيم ~~الريح من تل راهط * وروض الحمى كيف اهتديت إلى الهند) وقوله من أبيات وهو ~~في عدن اليمن (أأحبابنا لا أسأل الطيف زورة * وهيهات أين الديلميات من عدن) ~~الديلميات وتل راهط والحمى أسماء مواضع من ضواحي دمشق والبيت الذي للمعري ~~قبله (وسألت كم بين العقيق إلى الحمى * فعجبت من بعد المدى المتطاول) ~~PageV05P015 # والمعري أخذ هذا المعنى من دعبل بن علي الخزاعي ms1243 الشاعر ~~المقدم ذكره فإنه كان قد هجا الخليفة المعتصم بالله بن هارون الرشيد فطلبه ~~فهرب من العراق إلى الديار المصرية وسكن بأسوان في آخر بلادها وقال في ذلك ~~(وإن امرءا أضحت مطارح سهمه * بأسوان لم يترك من الحزم معلما) (حللت محلا ~~يحسر الطرف دونه * ويعجز عنه الطيف أن يتجشما) وقد خرجنا عن المقصود ولكن ~~ساق الكلام بعضه بعضا ولما مات السلطان صلاح الدين وملك الملك العادل دمشق ~~كان غائبا في السفرة التي نفي فيها فسار متوجها إلى دمشق وكتب إلى الملك ~~العادل قصيدته الرائية يستأذنه في الدخول إليها ويصف دمشق ويذكر ما قاساه ~~في الغربة ولقد أحسن فيها كل الإحسان واستعطفه أبلغ استعطاف وأولها (ماذا ~~على طيف الأحبة لو سرى * وعليهم لو سامحوني بالكرى) ووصف في أوائلها دمشق ~~وبساتينها وأنهارها ومستنزهاتها ولما فرغ من وصف دمشق قال مشيرا إلى النفي ~~منها (فارقتها لا عن رضا وهجرتها * لا عن قلى ورحلت لا متخيرا) (أسعى لرزق ~~في البلاد مشتت * ومن العجائب أن يكون مقترا) (وأصون وجه مدائحي متقنعا * ~~وأكف ذيل مطامعي متسترا) PageV05P016 # ومنها يشكو الغربة وما قاساه فيها (أشكو إليك نوى ~~تمادى عمرها * حتى حسبت اليوم منها أشهرا) (لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى * ~~يعفو ولا جفني يصلفحه الكرى) (أضحي عن الأحوى المريع محلا * وأبيت عن ورد ~~النمير منفرا) (ومن العجائب أن يقيل ظلكم * كل الورى ونبذت وحدي بالعرا) ~~وهذه القصيدة من أحسن الشعر وعندي هي خير من قصيدة أبي بكر ابن عمار ~~الأندلسي التي أولها وهي على وزنها ورويها وقد تقدم ذكر شيء منها في ترجمته ~~(أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى *) فلما وقف عليها الملك العادل أذن له في ~~الدخول إلى دمشق فلما دخلها قال (هجوت الأكابر في جلق * ورعت الوضيع بسب ~~الرفيع) (وأخرجت منها ولكنني * رجعت على رغم أنف الجميع) وكان له في عمل ~~الألغاز وحلها اليد الطولى فمتى كتب إليه بشيء منها حله في وقته وكتب ~~الجواب أحسن من السؤال نظما ولم يكن له غرض في جمع شعره فلذلك ms1244 لم يدونه فهو ~~يوجد مقاطيع في أيدي الناس وقد جمع له بعض أهل دمشق ديوانا صغيرا لا يبلغ ~~عشر ما له من النظم ومع هذا ففيه أشياء ليست له وكان من أظرف الناس وأخفهم ~~روحا وأحسنهم مجونا وله بيت عجيب من جملة قصيدة يذكر فيها أسفاره ويصف ~~توجهه إلى جهة الشرق وهو PageV05P017 # (أشقق قلب الشرق حتى كأنني * أفتش في سودائه عن سنا ~~الفجر) وبالجملة فمحاسن شعره كثيرة وكنت قد رأيته في المنام في بعض شهور ~~سنة تسع وأربعين وستمائة وأنا يوم ذاك بالقاهرة المحروسة وفي يده ورقة ~~حمراء وهي عريضة وفيها مقدار خمسة عشر بيتا تقريبا وهو يقول عملت هذه ~~الأبيات في الملك المظفر صاحب حماة وكان الملك المظفر في ذلك الوقت ميتا ~~أيضا وكان في المجلس جماعة حاضرون فقرأ علينا الأبيات فأعجبني منها بيت ~~فرددته في النوم واستيقظت من المنام وقد علق بخاطري وهو (والبيت لا يحسن ~~إنشاده * إلا إذا أحسن من شاده) وهذا البيت غير موجود في شعره وقد تقدم ~~ذكره في ترجمة الإمام فخر الدين الرازي وأبياته الفائية وكذلك في ترجمة سيف ~~الإسلام وكان وافر الحرمة عند الملوك وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة ~~الملك المعظم ومدة ولاية الملك الناصر ابن المعظم وانفصل عنها لما ملكها ~~الملك الأشرف وأقام في بيته ولم يباشر بعدها خدمة وكانت ولادته بدمشق يوم ~~الاثنين تاسع شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة وتوفي عشية نهار الاثنين ~~لعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وستمائة بدمشق أيضا ودفن من الغد ~~بمسجده الذي أنشأه بأرض المزة وهي بكسر الميم وتشديد الزاي قرية على باب ~~دمشق رحمه الله تعالى قال ابن الدبيثي سمعته يقول إن أصلنا من الكوفة من ~~موضع يعرف بمسجد بني النجار ونحن من الأنصار قلت هكذا نقلته أولا ثم إني ~~زرت قبر بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقابر باب الصغير ظاهر ~~دمشق فلما خرجت من تربته وجدت على الباب قبرا كبيرا فقيل لي هذا قبر ابن ~~عنين فوقفت وترحمت عليه ms1245 PageV05P018 # وعنين بضم العين المهملة وفتح النون وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها نون والله أعلم 685 القائم ابن المهدي أبو القاسم ~~محمد ويدعى نزار ابن المهدي أبي محمد عبيد الله القائم بالمغرب كان أبو ~~القاسم المذكور يلقب بالقائم وقد تقدم ذكر والده المهدي في حرف العين وذكر ~~ولده المنصور إسماعيل في حرف الهمزة وكان أبوه المهدي قد بايع له بولاية ~~العهد في حياته بإفريقية وما معها وكانت الكتب تكتب باسمه والمظلة تحمل على ~~رأسه ولما توفي أبوه في التاريخ المذكور في ترجمته جددت له البيعة وكان ~~جهزه أبوه إلى مصر ليأخذها مرتين المرة الأولى في الثامن عشر من ذي الحجة ~~سنة إحدى وثلاثمائة فوصل إلى الإسكندرية وملكها والفيوم وصار في يده أكثر ~~خراج مصر وضيق على أهلها والمرة الثانية وصل إلى الإسكندرية في شهر ربيع ~~الأول سنة سبع وثلاثمائة في عسكر عظيم فخرج عامل الإمام المقتدر عنها ~~ودخلها القائم المذكور ثم خرج إلى الجيزة في خلق عظيم ووردت الأخبار بذلك ~~إلى بغداد فجهز المقتدر مؤنسا الخادم إلى محاربته بالرجال والأموال فجد في ~~السير فلما وصل إلى مصر كان القائم قد ملك الجيزة والأشمونين وأكثر بلاد ~~الصعيد فتلاقيا وجرت بين العسكرين PageV05P019 # حروب لا توصف ووقع في عسكر القائم الوباء والغلاء فمات ~~الناس والخيل فرجع إلى إفريقية وتبعه عسكر مصر إلى أن تباعد عنهم وكان ~~وصوله إلى المهدية يوم الثلاثاء الثالث من رجب من السنة المذكورة وفي أيامه ~~خرج أبو يزيد مخلد بن كيداد الخارجي وقد تقدم ذكره وما جرى له وكيف مات في ~~الأسر في ترجمة المنصور والشرح في ذلك يطول وكانت ولادة القائم بمدينة ~~سلمية المذكورة في ترجمة والده المهدي في المحرم سنة ثمانين وقيل سنة ~~اثنتين وثمانين وقيل سبع وسبعين ومائتين واستصحبه والده معه عند توجهه إلى ~~بلاد المغرب وتوفي يوم الأحد ثالث عشر شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ~~رحمه الله تعالى بالمهدية وأبو يزيد الخارجي محاصر له فقام بالأمر ولده ~~المنصور إسماعيل وكتم خبر موته خوفا من الخارجي ms1246 أن يطلع عليه فيطمع فيه ~~وكان بالقرب منه على مدينة سوسة فأبقى الأمور على حالها وأكثر من العطايا ~~والصلات ولم يتسم بالخليفة وكانت كتبه تنفذ من الأمير إسماعيل ولي عهد ~~المسلمين والله أعلم PageV05P020 # 686 المعتمد بن عباد ملك الأندلس وأبوه وجده المعتمد ~~على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد بالله أبي عمرو عباد بن الظافر المؤيد ~~بالله أبي القاسم محمد قاضي إشبيلية بن أبي الوليد إسماعيل بن قريش بن عباد ~~بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم اللخمي من ولد النعمان ابن المنذر ~~اللخمي آخر ملوك الحيرة كان المعتمد المذكور صاحب قرطبة وإشبيلية وما ~~والاهما من جزيرة الأندلس وفيه وفي أبيه المعتضد يقول بعض الشعراء (من بني ~~المنذرين وهو انتساب * زاد في فخره بنو عباد) (فتية لم تلد سواها المعالي * ~~والمعالي قليلة الأولاد) وكان بدء أمرهم في بلاد الأندلس أن نعيما وابنه ~~عطافا أول من دخل إليها من بلاد المشرق وهما من أهل العريش المدينة القديمة ~~الفاصلة بين الشام والديار المصرية في أول الرمل من جهة الشام وأقاما بها ~~مستوطنين بقرية بقرب يومين من إقليم طشانه من أرض إشبيلية PageV05P021 # 204 وامتد لعطاف عمود النسب في الولد إلى الظافر محمد ~~بن إسماعيل القاضي فهو أول من نبغ منهم في تلك البلاد وتقدم بإشبيلية إلى ~~أن ولي القضاء بها فأحسن السياسة مع الرعية والملاطفة بهم فرمقته القلوب ~~وكان يحيى بن علي بن حمود الحسني المنعوت بالمعتلي صاحب قرطبة وكان مذموم ~~السيرة فتوجه إلى إشبيلية محاصرا لها فلما نزل عليها اجتمع رؤساء إشبيلية ~~وأعيانها وأتوا القاضي محمدا المذكور وقالوا له أما ترى ما حل بنا من هذا ~~الظالم وما أفسد من أموال الناس فقم بنا نخرج إليه ونملكك ونجعل الأمر إليك ~~ففعل ووثبوا على يحيى فركب إليهم وهو سكران فقتل وتم له الأمر ثم ملك بعد ~~ذلك قرطبة وغيرها من البلاد وقصته مشهورة مع الذي زعم أنه هشام بن الحكم ~~آخر ملوك بني أمية بالأندلس الذي كان المنصور ابن أبي ms1247 عامر قد استولى عليه ~~وحجبه عن الناس وكان يصدر الأمور عن إشارته ولا يمكنه من التصرف وليس له ~~سوى الاسم والخطبة على المنابر فإنه كان قد انقطع خبره مدة نيف وعشرين سنة ~~وجرت أحوال مختلفة في هذه المدة ثم قيل للقاضي محمد المذكور بعد تملكه ~~واستيلائه على البلاد إن هشام بن الحكم في مسجد بقلعة رباح فأرسل إليه من ~~أحضره وفوض الأمر إليه وجعل نفسه كالوزير بين يديه وفي هذه الواقعة يقول ~~الحافظ أبو محمد ابن حزم الظاهري في كتاب نقط العروس أخلوقة لم يقع في ~~الدهر مثلها فإنه ظهر رجل يقال له خلف الحصري بعد نيف وعشرين سنة من موت ~~هشام ابن الحكم المنعوت بالمؤيد وادعى أنه هشام فبويع وخطب له على جميع ~~منابر الأندلس في أوقات شتى وسفك الدماء وتصادمت الجيوش في أمره وأقام ~~المدعي أنه هشام نيفا وعشرين سنة والقاضي محمد بن إسماعيل في رتبة الوزير ~~بين يديه والأمر إليه ولم يزل الأمر كذلك إلى أن توفي المدعو هشاما فاستبد ~~القاضي محمد بالأمر بعده وكان من أهل العلم والأدب والمعرفة التامة بتدبير ~~الدول ولم يزل ملكا مستقلا إلى أن توفي ليلة الأحد لليلة بقيت من جمادى ~~PageV05P022 # الأولى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وقيل إنه عاش إلى ~~قريب الخمسين وأربعمائة ودفن بقصر إشبيلية واختلفوا أيضا في مبدأ استيلائه ~~فقيل سنة أربع عشرة وأربعمائة وهو الذي ذكره العماد الكاتب في الخريدة وقيل ~~أربع وعشرين والله أعلم بالصواب في ذلك كله 205 ولما مات محمد القاضي قام ~~مقامه ولده المعتضد بالله أبو عمرو عباد قال أبو الحسن علي بن بسام صاحب ~~كتاب الذخيرة في حقه ثم أفضى الأمر إلى عباد سنة ثلاث وثلاثين وتسمى أولا ~~بفخر الدولة ثم بالمعتضد قطب رحى الفتنة ومنتهى غاية المحنة من رجل لم يثبت ~~له قائم ولا حصيد ولا سلم منه قريب ولا بعيد جبار أبرم الأمر وهو متناقض ~~وأسد فرس الطلا وهو رابض متهور تتحاماه الدهاة وجبان لا تأمنه الكماة متعسف ~~اهتدى ومنبت قطع فما ms1248 أبقى ثار والناس حرب وضبط شأنه بين قائم وقاعد حتى ~~طالت يده واتسع بلده وكثر عديده وعدده وكان قد أوتي أيضا من جمال الصورة ~~وتمام الخلقة وفخامة الهيئة وسباطة البنان وثقوب الذهن وحضور الخاطر وصدق ~~الحس ما فاق على نظرائه ونظر مع ذلك في الأدب قبل ميل الهوى به إلى طلب ~~السلطان أدنى نظر بأزكى طبع حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من ~~غير تعمد لها ولا إمعان في غمارها ولا إكثار من مطالعتها ولا منافسة في ~~اقتناء صحائفها أعطته سجيته على ذلك ما شاء من تحبير الكلام وقرض قطع من ~~الشعر ذات طلاوة في معان أمدته فيها الطبيعة وبلغ فيها الإرادة واكتتبها ~~الأدباء للبراعة جمع هذه الخلال الظاهرة إلى جود كف بارى السحاب بها وأخبار ~~المعتضد في جميع أفعاله وضروب أنحائه غريبة بديعة وكان ذا كلف بالنساء ~~فاستوسع في اتخاذهن وخلط في جنوسهن فانتهى في ذلك إلى مدى لم يبلغه أحد من ~~نظرائه ففشا نسله لتوسعه في النكاح وقوته عليه فذكر أنه كان له من الولد ~~نحو العشرين ذكورا ومن الإناث مثلهم وأورد له عدة مقاطيع فمن ذلك قوله ~~(شربنا وجفن الليل يغسل كحله * بماء صباح والنسيم رقيق) (معتقة كالتبر أما ~~نجارها * فضخم وأما جسمها فدقيق) PageV05P023 # وقد تقدم في ترجمة أبي بكر محمد بن عمار الأندلسي ذكر ~~شيء من قصيدتيه اللتين مدح المعتضد المذكور بهما إحداهما رائية والأخرى ~~ميمية ولولده المعتمد فيه من جملة أبيات (سميدع يهب الآلاف مبتدئا * ويستقل ~~عطاياه ويعتذر) (له يد كل جبار يقبلها * لولا نداها لقلنا إنها الحجر) ولم ~~يزل في عز سلطانه واغتنام مساره حتى أصابته علة الذبحة فلم تطل مدتها ولما ~~أحس بتداني حمامه استدعى مغنيا يغنيه ليجعل ما يبدأ به فألا فأول ما غنى ~~(نطوي الليالي علما أن ستطوينا * فشعشعيها بماء المزن واسقينا) فتطير من ~~ذلك ولم يعش بعده سوى خمسة أيام وقيل إنه ما غنى منها إلا بخمسة أبيات ~~وتوفي يوم الاثنين غرة جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وأربعمائة ms1249 ودفن ثاني ~~يوم بمدينة إشبيلية رحمه الله تعالى وقام بالمملكة بعده ولده المعتمد على ~~الله أبو القاسم محمد قال أبو الحسن علي بن القطاع السعدي المقدم ذكره في ~~كتاب لمح الملح في حق المعتمد المذكور أندى ملوك الأندلس راحة وأرحبهم ساحة ~~وأعظمهم ثمادا وأرفعهم عمادا ولذلك كانت حضرته ملقى الرحال وموسم الشعراء ~~وقبلة الآمال ومألف الفضلاء حتى إنه لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من ~~أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان يجتمع ببابه وتشتمل عليه حاشيتا جنابه ~~PageV05P024 # وقال ابن بسام في الذخيرة وللمعتمد بن عباد شعر كما ~~انشق الكمام عن الزهر لو صدر مثله عمن جعل الشعر صناعة واتخذه بضاعة لكان ~~رائقا معجبا ونادرا مستغربا فمن ذلك قوله (أكثرت هجرك غير أنك ربما * عطفتك ~~أحيانا علي أمور) (فكأنما زمن التهاجر بيننا * ليل وساعات الوصال بدور) ~~وهذا المعنى ينظر إلى قول بعضهم من جملة أبيات (أسفر ضوء الصبح عن وجهه * ~~فقام خال الخد فيه بلال) (كأنما الخال على خده * ساعة هجر في زمان الوصال) ~~وعزم المعتمد على إرسال حظاياه من قرطبة إلى إشبيلية فخرج معهن يشيعهن ~~فسايرهن من أول الليل إلى الصبح فودعهن ورجع وأنشد أبياتا من جملتها ~~(سايرتهم والليل غفل ثوبه * حتى تبدى للنواظر معلما) (فوقفت ثم مودعا ~~وتسلمت * مني يد الإصباح تلك الأنجما) وهذا المعنى في نهاية الحسن وله في ~~وداعهن أيضا (ولما وقفنا للوداع غدية * وقد خفقت في ساحة القصر رايات) ~~(بكينا دما حتى كأن عيوننا * بجري الدموع الحمر منها جراحات) وهذا ينظر إلى ~~قول القائل (بكيت دما حتى لقد قال قائل * أهذا الفتى من جفن عينيه يرعف) ~~PageV05P025 # وقد سبق في شعر الأبيوردي نظيره ومن شعره أيضا (لولا ~~عيون من الواشين ترمقني * وما أحاذره من قول حراس) (لزرتكم لا أكافيكم ~~بجفوتكم * مشيا على الوجه أو سعيا على الرأس) وكتب إلى نداماه من قصره ~~بقرطبة وقد اصطبحوا بالزهراء يدعوهم إلى الاغتباق عنده (حسد القصر فيكم ~~الزهراء * ولعمري وعمركم ما أساء) (قد طلعتم بها شموسا نهارا * فاطلعوا ~~عندنا بدورا ms1250 مساء) وهذا من بديع المعاني العجيبة والزهراء بفتح الزاي وسكون ~~الهاء وفتح الراء وبعدها همزة ممدودة وهي من عجائب أبنية الدنيا أنشأها أبو ~~المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقب الناصر أحد ملوك بني أمية ~~بالأندلس بالقرب من قرطبة في أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ومسافة ما ~~بينهما أربعة أميال وثلثا ميل وطول الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان ~~وسبعمائة ذراع وعرضها من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع وعدد السواري ~~التي فيها أربعة آلاف سارية وثلاثمائة سارية وعدد أبوابها يزيد على خمسة ~~عشر ألف باب وكان الناصر يقسم جباية البلاد أثلاثا فثلث للجند وثلث مدخر ~~وثلث ينفقه على عمارة الزهراء وكانت جباية الأندلس يومئذ خمسة آلاف ألف ~~دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف ~~وخمسة وستون ألف دينار وهي من أهول ما بناه الإنس وأجله خطرا وأعظمه شأنا ~~ذكر ذلك كله ابن بشكوال المقدم ذكره في حرف الخاء في تاريخ الأندلس ~~PageV05P026 # وكان أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي الداني ~~الشاعر المشهور مائلا إلى بني عباد بطبعه إذ كان المعتمد الذي جذب بضبعه ~~وله فيه المدائح الأنيقة فمن ذلك قصيدة يمدحه بها ويذكر أولاده الأربعة وهم ~~الرشيد عبيد الله والراضي يزيد والمأمون والمؤتمن ومن جملتها قوله ولقد ~~أجاد فيه كل الإجادة وأبدع فيه (يغيثك في محل يغيثك في ردى * يروعك في درع ~~يروقك في برد) (جمال وإجمال وسبق وصولة * كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد) ~~(بمهجته شاد العلا ثم زادها * بناء بأبناء جحاجحة لد) (بأربعة مثل الطباع ~~تركبوا * لتعديل جسم المجد والشرف العد) ومع هذه المكارم والإحسان العام لم ~~يسلموا من لسان طاعن وفيهم يقول أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج ~~اللورقي (تعز عن الدنيا ومعروف أهلها * إذا عدم المعروف في آل عباد) (حللت ~~بهم ضيفا ثلاثة أشهر * بغير قرى ثم ارتحلت بلا زاد) وكان الأذفونش فرذلند ~~ملك الإفرنج بالأندلس قد قوي أمره في ذلك الوقت وكانت ملوك الطوائف من ~~المسلمين هنالك ms1251 يصالحونه ويؤدون إليه ضريبة ثم إنه أخذ طليطلة في يوم ~~الثلاثاء مستهل صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعد حصار شديد وكانت للقادر ~~بالله بن ذي النون وفي أخذها يقول أبو محمد عبد الله بن فرج بن غزلون ~~اليحصبي يعرف بابن العسال الطليطلي وهو مذكور في الصلة لابن بشكوال ~~PageV05P027 # (حثوا رواحلكم يا أهل أندلس * فما المقام بها إلا من ~~الغلط) (السلك ينثر من أطرافه وأرى * سلك الجزيرة منثورا من الوسط) (من ~~جاور الشر لم يأمن عواقبه * كيف الحياة مع الحيات في سفط) وكان المعتمد بن ~~عباد أكبر ملوك الطوائف وأكثرهم بلادا وكان يؤدي الضريبة للأذفونش فلما ملك ~~طليطلة لم يقبل ضريبة المعتمد طمعا في أخذ بلاده وأرسل إليه يتهدده ويقول ~~له تنزل عن الحصون التي بيدك ويكون لك السهل فضرب المعتمد الرسول وقتل من ~~كان معه فبلغ الخبر للأذفونش وهو متوجه لحصار قرطبة فرجع إلى طليطلة لأخذ ~~آلات الحصار فلما سمع مشايخ الإسلام وفقهاؤها بذلك اجتمعوا وقالوا هذه مدن ~~الإسلام قد تغلب عليها الفرنج وملوكنا مشتغلون بمقاتلة بعضهم بعضا وإن ~~استمرت الحال ملك الفرنج جميع البلاد وجاءوا إلى القاضي عبيد الله بن محمد ~~بن أدهم وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين وتشاوروا فيما يفعلونه فقال كل واحد ~~منهم شيئا وآخر ما اجتمع رأيهم عليه أن يكتبوا إلى أبي يعقوب يوسف بن ~~تاشفين ملك الملثمين صاحب مراكش يستنجدونه وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء ~~الله تعالى فاجتمع القاضي بالمعتمد وأخبره بما جرى فوافقهم على أنه مصلحة ~~وقال له تمضي إليه بنفسك فامتنع فألزمه بذلك فقال أستخير الله سبحانه وخرج ~~من عنده وكتب للوقت كتابا إلى يوسف بن تاشفين يخبره بصورة الحال وسيره مع ~~بعض عبيده إليه فلما وصله خرج مسرعا إلى مدينة سبتة وخرج القاضي ومعه جماعة ~~إلى سبتة للقائه وإعلامه بحال المسلمين فأمر بعبور عسكره PageV05P028 # إلى الجزيرة الخضراء وهي مدينة في بر الأندلس وأقام ~~بسبتة وهي في بر مراكش مقابلة الجزيرة الخضراء وسير إلى مراكش يستدعي من ~~تخلف بها من جيشه فلما ms1252 تكاملوا عنده أمرهم بالعبور وعبر آخرهم وهو في عشرة ~~آلاف مقاتل واجتمع بالمعتمد وقد جمع أيضا عساكره وتسامع المسلمون بذلك ~~فخرجوا من كل البلاد طلبا للجهاد وبلغ الأذفونش الخبر وهو بطليطلة فخرج في] ~~أربعين ألف فارس غير ما انضم إليه وكتب الأذفونش إلى الأمير يوسف كتابا ~~يتهدده وأطال الكتاب فكتب يوسف الجواب في ظهره الذي يكون ستراه ورده إليه ~~فلما وقف عليه ارتاع لذلك وقال هذا رجل عازم ثم سار الجيشان والتقيا في ~~مكان يقال له الزلاقة من بلد بطليوس وتصافا وانتصر المسلمون وهرب الأذفونش ~~بعد استئصال عساكره ولم يسلم معه سوى نفر يسير وذلك يوم الجمعة في العشر ~~الأول من شهر رمضان المعظم سنة تسع وسبعين وأربعمائة كذا قال بعضهم والصحيح ~~أن هذه الوقعة كانت في منتصف رجب من السنة المذكورة وهذا العام يؤرخ به في ~~بلاد الأندلس كلها فيقال عام الزلاقة وهذه الواقعة من أشهر الوقائع وثبت ~~المعتمد في ذلك اليوم ثباتا عظيما وأصابه عدة جراحات في وجهه وبدنه وشهد له ~~بالشجاعة وغنم المسلمون دوابهم وسلاحهم ورجع الأمير يوسف إلى بلاده ~~والمعتمد إلى بلاده ثم إن الأمير يوسف عاد إلى الأندلس في العام الثاني ~~وخرج إليه المعتمد وحاصرا بعض حصون الفرنج فلم يقدرا عليه فرحلا عنه وعبر ~~يوسف على غرناطة فخرج إليه صاحبها عبد الله بن بلكين ثم دخل البلد ليخرج ~~إليه التقادم فغدر به يوسف ودخل البلد وأخرج عبد الله ودخل قصره فوجد فيه ~~PageV05P029 # من الأموال والذخائر ما لا يحد ولا يحصى ثم رجع إلى ~~مراكش وقد أعجبه حسن بلاد الأندلس وبهجتها وما بها من المباني والبساتين ~~والمطاعم وسائر أصناف الأموال التي لا توجد في مراكش فإنها بلاد بربر ~~وأجلاف العربان وجعل خواص الأمير يوسف يعظمون عنده بلاد الأندلس ويحسنون له ~~أخذها ويغرون قلبه على المعتمد بأشياء نقلوها عنه فتغير عليه وقصده فلما ~~انتهى إلى سبتة جهز إليه العساكر وقدم عليها سير بن أبي بكر الأندلسي فوصل ~~إلى إشبيلية وبها المعتمد فحاصره أشد محاصرة وظهر من مصابرة ms1253 المعتمد وشدة ~~بأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لم يسمع بمثله والناس بالبلد قد استولى ~~عليهم الفزع وخامرهم الجزع يقطعون سبلها سياحة ويخوضون نهرها سباحة ~~ويترامون من شرفات الأسوار فلما كان يوم الأحد العشرين من رجب سنة أربع ~~وثمانين وأربعمائة هجم عسكر الأمير يوسف البلد وشنوا فيه الغارات ولم ~~يتركوا لأحد شيئا وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم وقبض على ~~المعتمد وأهله وكان قد قتل له ولدان قبل ذلك أحدهما المأمون وكان ينوب عن ~~والده في قرطبة فحصروه بها إلى أن أخذوه وقتلوه والثاني الراضي كان أيضا ~~نائبا عن أبيه في رندة وهي من الحصون المنيعة فنازلوها وأخذوها وقتلوا ~~الراضي ولأبيهما المعتمد فيهما مراث كثيرة وبعد ذلك جرى بإشبيلية على ~~المعتمد ما ذكرناه ولما أخذ المعتمد قيدوه من ساعته وجعل مع أهله في سفينة ~~قال ابن خاقان في قلائد العقيان في هذا الموضع ثم جمع هو وأهله وحملتهم ~~الجواري المنشآت وضمتهم كأنهم أموات بعدما ضاق عنهم القصر وراق منهم العصر ~~والناس قد حشروا PageV05P030 # بضفتي الوادي يبكون بدموع الغوادي فساروا والنوح ~~يحدوهم والبوح باللوعة لا يعدوهم وفي ذلك يقول أبو بكر محمد بن عيسى الداني ~~المعروف بابن اللبانة (تبكي السماء بدمع رائح غادي * على البهاليل من أبناء ~~عباد) ومن جملتها (يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ * في ضم رحلك واجمع فضلة ~~الزاد) وهي قصيدة طويلة لا حاجة إلى ذكرها وفي هذه الحال وصفتها يقول أبو ~~محمد عبد الجبار بن حمديس الصقلي الشاعر المشهور المقدم ذكره (ولما رحلتم ~~بالندى في أكفكم * وقلقل رضوى منكم وثبير) (رفعت لساني بالقيامة قد دنت * ~~فهذي الجبال الراسيات تسير) وهي أبيات كثيرة وهذا المعنى مأخوذ من قول عبد ~~الله بن المعتز في أبي العباس أحمد بن محمد بن الفرات الوزير وقد مات (قد ~~استوى الناس ومات الكمال * وصاح صرف الدهر أين الرجال) (هذا أبو العباس في ~~نعشه * قوموا انظروا كيف تسير الجبال) وقيل إنه أنشدها لما مات الوزير أبو ~~القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب ms1254 والله أعلم بالصواب ثم وجدت القول ~~الثاني هو الصحيح والله أعلم وتألم المعتمد يوما من قيده وضيقه وثقله فأنشد ~~PageV05P031 # (تبدلت من ظل عز البنود * بذل الحديد وثقل القيود) ~~(وكان حديدي سنانا ذليقا * وعضبا رقيقا صقيل الحديد) (وقد صار ذاك وذا ~~أدهما * يعض بساقي عض الأسود) ثم إنهم حملوا إلى الأمير يوسف بمراكش فأمر ~~بإرسال المعتمد إلى مدينة أغمات واعتقله بها ولم يخرج منها إلى الممات قال ~~ابن خاقان ولما أجلي عن بلاده وأعري من طارفه وتلاده وحمل في السفين وأحل ~~في العدوة محل الدفين تندبه منابره وأعواده ولا يدنو منه زواره ولا عواده ~~بقي آسفا تتصعد زفراته وتطرد اطراد المذانب عبراته ولا يخلو بمؤانس ولا يرى ~~إلا عرينا بدلا من تلك المكانس ولما لم يجد سلوا ولم يؤمل دنوا ولم ير وجه ~~مسرة مجلوا تذكر منازله فشاقته وتصور بهجتها فراقته وتخيل استيحاش أوطانه ~~وإجهاش قصره إلى قطانه وإظلام جوه من أقماره وخلوه من حراسه وسماره وفي ~~اعتقاله يقول أبو بكر الداني المذكور قصيدته المشهورة التي أولها (لكل شيء ~~من الأشياء ميقات * وللمنى من مناياهن غايات) (والدهر في صبغة الحرباء ~~منغمس * ألوان حالاته فيها استحالات) (ونحن من لعب الشطرنج في يده * وربما ~~قمرت بالبيدق الشاة) قلت هذا غلط فإن الشاه بالهاء الملك بالعجمي وإذا كان ~~كذلك فلا تسلم له القافية لأنها على حرف التاء ثم قال (انفض يديك من الدنيا ~~وساكنها * فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا) (وقل لعالمها الأرضي قد كتمت * ~~سريرة العالم العلوي أغمات) PageV05P032 # وهي طويلة تقارب خمسين بيتا وله أيضا في حبسه قصيدة ~~عملها بأغمات سنة ست وثمانين وأربعمائة (تنشق رياحين السلام فإنما * أفض ~~بها مسكا عليك مختما) (وقل لي مجازا إن عدمت حقيقة * لعلك في نعمى وقد كنت ~~منعما) (أفكر في عصر مضى لك مشرقا * فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما) (وأعجب من ~~أفق المجرة إذ رأى * كسوفك شمسا كيف أطلع أنجما) (لئن عظمت فيك الرزية أننا ~~* وجدناك منها في المزية أعظما) (قناة سعت للطعن حتى تقصدت * وسيف ms1255 أطال ~~الضرب حتى تثلما) ومنها (بكى آل عباد ولا كمحمد * وأبنائه صوب الغمامة إذ ~~همى) (حبيب إلى قلبي حبيب لقوله * عسى طلل يدنو بهم ولعلما) (صباحهم كنا ~~بهم نحمد السرى * فلما عدمناهم سرينا على عمى) (وكنا رعينا العز حول حماهم ~~* فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى) (وقد ألبست أيدي الليالي محلهم * مناسج ~~سدى الغيث فيها وألحما) (قصور خلت من ساكنيها فما بها * سوى الأدم تمشي حول ~~واقعة الدمى) (يجيب بها الهام الصدى ولطالما * أجاب القيان الطائر ~~المترنما) (كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقى * بها الوفد جمعا والخميس ~~عرمرما) ومنها (حكيت وقد فارقت ملكك مالكا * ومن ولهي أحكي عليك متمما) ~~(مصاب هوى بالنيرات من العلا * ولم يبق في أرض المكارم معلما) (تضيق علي ~~الأرض حتى كأنما * خلقت وإياها سوارا ومعصما) PageV05P033 # (ندبتك حتى لم يخل لي الأسى * دموعا بها أبكي عليك ولا ~~دما) (وإني على رسمي مقيم فإن أمت * سأجعل للباكين رسمي موسما) (بكاك الحيا ~~والريح شقت جيوبها * عليك وناح الرعد باسمك معلما) (ومزق ثوب البرق واكتست ~~الضحى * حدادا وقامت أنجم الجو مأتما) (وحار ابنك الإصباح وجدا فما اهتدى * ~~وغاض أخوك البحر غيضا فما طما) (وما حل بدر التم بعدك دارة * ولا أظهرت شمس ~~الظهيرة مبسما) (قضى الله أن حطوك عن ظهر أشقر * أشم وأن أمطوك أشأم أدهما) ~~وكان قد انفكت عنه القيود فأشار إلى ذلك بقوله منها (قيودك ذابت فانطلقت ~~لقد غدت * قيودك منهم بالمكارم أرحما) (عجبت لأن لان الحديد وقد قسوا * لقد ~~كان منهم بالسريرة أعلما) (سينجيك من نجى من الجب يوسفا * ويؤويك من آوى ~~المسيح بن مريما) وله في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقاطيع ~~وقصائد مطولات يشتمل عليها جزء لطيف صدر عنه في صورة تأليف وهيئة تصنيف ~~سماه نظم السلوك في وعظ الملوك ووفد على المعتمد وهو بأغمات وفادة وفاء لا ~~وفادة استجداء وحكي أنه لما عزم على الانفصال عنه بعث إليه المعتمد عشرين ~~دينارا وشقة بغدادية وكتب معها (إليك النزر من كف الأسير * فإن تقبل ms1256 يكن ~~عين الشكور) (تقبل ما يذوب له حياء * وإن عذرته أحوال الفقير) وهي عدة ~~أبيات قال أبو بكر المذكور فرددتها إليه لعلمي بحاله وأنه لم يترك عنده ~~شيئا وكتبت إليه جوابها وهو PageV05P034 # (سقطت من الوفاء على خبير * فذرني والذي لك في ضميري) ~~(تركت هواك وهو شقيق نفسي * لئن شقت برودي عن غدور) (ولا كنت الطليق من ~~الرزايا * لئن أصبحت أجحف بالأسير) (جذيمة أنت والزباء خانت * وما أنا من ~~يقصر عن قصير) (أسير ولا أسير إلى اغتنام * معاذ الله من سوء المصير) (أنا ~~أدرى بفضلك منك إني * لبست الظل منه في الحرور) ومنها أيضا قوله (تصرف في ~~الندى خيل المعالي * فتسمح من قليل بالكثير) (وأعجب منك أنك في ظلام * ~~وترفع للعفاة منار نور) (رويدك سوف توسعني سرورا * إذا عاد ارتقاؤك للسرير) ~~(وسوف تحلني رتب المعالي * غداة تحل في تلك القصور) (تزيد على ابن مروان ~~عطاء * بها وأزيد ثم على جرير) (تأهب أن تعود إلى طلوع * فليس الخسف ملتزم ~~البدور) ودخل عليه يوما بناته السجن وكان يوم عيد وكن يغزلن للناس بالأجرة ~~في أغمات حتى إن إحداهن غزلت لبيت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة أبيها وهو ~~في سلطانه فرآهن في أطمار رثة وحالة سيئة فصد عن قلبه وأنشد (فيما مضى كنت ~~بالأعياد مسرورا * فساءك العيد في أغمات مأسورا) (نرى بناتك في الأطمار ~~جائعة * يغزلن للناس لا يملكن قطميرا) PageV05P035 # (برزن نحوك للتسليم خاشعة * أبصارهن حسيرات مكاسيرا) ~~(يطأن في الطين والأقدام حافية * كأنها لم تطأ مسكا وكافورا) ومنها أيضا ~~(لا خد إلا ويشكو الجدب ظاهره * وليس إلا مع الأنفاس ممطورا) (قد كان دهرك ~~إن تأمره ممتثلا * فردك الدهر منهيا ومأمورا) (من بات بعدك في ملك يسر به * ~~فإنما بات بالأحلام مغرورا) ودخل عليه وهو في تلك الحال ولده أبو هاشم ~~والقيود قد عضت بساقيه عض الأسود والتوت عليه التواء الأساود السود وهو لا ~~يطيق إعمال قدم ولا يريق دمعا إلا ممتزجا بدم بعد ما عهد نفسه فوق منبر ~~وسرير وفي وسط جنة وحرير ms1257 تخفق عليه الألوية وتشرق منه الأندية فلما رآه بكى ~~وعمل (قيدي أما تعلمني مسلما * أبيت أن تشفق أو ترحما) (دمي شراب لك واللحم ~~قد * أكلته لا تهشم الأعظما) (يبصرني فيك أبو هاشم * فينثني والقلب قد ~~هشما) (ارحم طفيلا طائشا لبه * لم يخش أن يأتيك مسترحما) (وارحم أخيات له ~~مثله * جرعتهن السم والعلقما) (منهن من يفهم شيئا فقد * خفنا عليه للبكاء ~~العمى) (والغير لا يفهم شيئا فما * يفتح إلا لرضاع فما) وكان قد اجتمع عنده ~~جماعة من الشعراء وألحوا عليه في السؤال وهو على تلك الحال فأنشد (سألوا ~~اليسير من الأسير وإنه * بسؤالهم لأحق منهم فاعجب) PageV05P036 # (لولا الحياء وعزة لخمية * طي الحشا لحكاهم في المطلب) ~~وأشعار المعتمد وأشعار الناس فيه كثيرة وقد جاوزنا الحد في تطويل ترجمته ~~وسببه أن قضيته غريبة لم يعهد مثلها ودخل فيها حديث أبيه وجده فطالت وكانت ~~ولادته في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة بمدينة باجة من بلاد ~~الأندلس وملك بعد وفاة أبيه في التاريخ المذكور هناك وخلع في التاريخ ~~المقدم ذكره وتوفي في السجن بأغمات لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال وقيل في ذي ~~الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة رحمه الله تعالى ومن النادر الغريب أنه ~~نودي في جنازته بالصلاة على الغريب بعد عظم سلطانه وجلالة شانه فتبارك من ~~له البقاء والعزة والكبرياء واجتمع عند قبره جماعة من الشعراء الذين كانوا ~~يقصدونه بالمدائح ويجزل لهم المنائح فرثوه بقصائد مطولات وأنشدوها عند قبره ~~وبكوا عليه فمنهم أبو بحر عبد الصمد شاعره المختص به رثاه بقصيدة طويلة ~~أجاد فيها وأولها (ملك الملوك أسامع فأنادي * أم قد عدتك عن السماع عوادي) ~~(لما نقلت عن القصور ولم تكن * فيها كما قد كنت في الأعياد) (أقبلت في هذا ~~الثرى لك خاضعا * وجعلت قبرك موضع الإنشاد) ولما فرغ من إنشادها قبل الثرى ~~ومرغ جسمه وعفر خده فأبكى كل من حضر ويحكى أن رجلا رأى في منامه إثر ~~الكائنة عليه كأن رجلا صعد منبر جامع قرطبة واستقبل الناس وأنشد (رب ركب ms1258 قد ~~أناخوا عيسهم * في ذرى مجدهم حين بسق) PageV05P037 # (سكت الدهر زمانا عنهم * ثم أبكاهم دما حين نطق) ورأى ~~أبو بكر الداني حفيد المعتمد وهو غلام وسيم قد اتخذ الصياغة صناعة وكان ~~يلقب في أيام دولتهم فخر الدولة وهو من الألقاب السلطانية عندهم فنظر إليه ~~وهو ينفخ الفحم بقصبة الصائغ فقال من جملة قصيدة (شكاتنا فيك يا فخر العلا ~~عظمت * والرزء يعظم فيمن قدره عظما) (طوقت من نائبات الدهر مخنقة * ضاقت ~~عليك وكم طوقتنا نعما) (وعاد طوقك في دكان قارعة * من بعدما كنت في قصر حكى ~~إرما) (صرفت في آلة الصواغ أنملة * لم تدر إلا الندى والسيف والقلما) (يد ~~عهدتك للتقبيل تبسطها * فتستقل الثريا أن تكون فما) (يا صائغا كانت العليا ~~تصاغ له * حليا وكان عليه الحلي منتظما) (للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى * ~~أني رأيتك فيه تنفخ الفحما) (وددت إذ نظرت عيني عليك به * لو أن عيني تشكو ~~قبل ذاك عمى) (ما حطك الدهر لما حط من شرف * ولا تحيف من أخلاقك الكرما) ~~(لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا * وقم بها ربوة إن لم تقم علما) (والله ~~لو أنصفتك الشهب لانكسفت * ولو وفى لك دمع العين لانسجما) (أبكى حديثك حتى ~~الدهر حين غدا * يحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما) ولا حاجة إلى الزيادة على ما ~~أودعناه هذه الترجمة واللورقي بضم اللام وسكون الواو والراء وبعدها قاف هذه ~~النسبة إلى لورقة وهي مدينة بالأندلس وهذا الشاعر ذكره في الخريدة وقال عاش ~~بعد الخمسمائة طويلا وأورد كثيرا من شعره وأغمات بفتح الهمزة وسكون الغين ~~المعجمة وفتح الميم وبعد الألف تاء مثناة PageV05P038 # من فوقها وهي بليدة وراء مراكش بينهما مسافة يوم وخرج ~~منهما جماعة مشاهير 206 وأما أبو بكر ابن اللبانة المذكور فما رأيت تاريخ ~~وفاته في شيء من الكتب ولا رأيت من يعلم ذلك لكن رأيت في كتاب الحماسة التي ~~صنفها أبو الحجاج يوسف البياسي المذكور بعد هذا أن ابن اللبانة قدم ميورقة ~~في آخر شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة ومدح ms1259 ملكها مبشر بن سليمان بأبيات ~~أولها (ملك يروعك في حلى ريعانه * راقت برونقه صفات زمانه) وكنت أظن أنه ~~مات قبل المعتمد لأني ما رأيت له فيه مرثية إلى أن رأيت ما قاله البياسي ~~والله تعالى أعلم 687 المعتصم ابن صمادح الأندلسي أبو يحيى محمد بن معن بن ~~محمد بن أحمد بن صمادح المنعوت بالمعتصم التجيبي صاحب المرية وبجاية ~~والصمادحية من بلاد الأندلس 207 كان جده محمد بن أحمد بن صمادح صاحب مدينة ~~وشقة وأعمالها وذلك في أيام المؤيد هشام بن الحكم الأموي المذكور في ترجمة ~~المعتمد بن عباد PageV05P039 # فحاربه ابن عمه منذر بن يحيى التجيبي فاستظهر عليه ~~وعجز عن دفعه لكثرة رجاله وترك له مدينة وشقة وفر بنفسه ولم يبق له بالبلد ~~علقة وكان صاحب رأي ودهاء ولسان وعارضة لم يكن في أصحاب السيوف من يعدله في ~~هذه الخلال في ذلك العصر 208 وكان ولده معن والد المعتصم مصاهرا لعبد ~~العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية فلما قتل زهير مولى أبيه وكان صاحب المرية ~~وثب عبد العزيز على المرية فملكها لكونها كانت لمولاهم فحسده على ذلك مجاهد ~~بن عبد الله العامري المكني أبا الجيش صاحب دانية فخرج قاصدا بلاد عبد ~~العزيز وهو بالمرية مشتغل في تركة زهير فلما سمع بخروج مجاهد خرج من المرية ~~مبادرا لاستصلاحه واستخلف بها صهره ووزيره معن بن صمادح والد المعتصم فخانه ~~في الأمانة وغدر به وطرده عن الإمارة فلم يبق في ملوك الطوائف بالأندلس أحد ~~إلا ذمه على هذه الفعلة إلا أنه تم له الأمر واستتب فلما مات انتقل الملك ~~إلى ولده المعتصم وتسمى بأسماء الخلفاء وكان رحب الفناء جزل العطاء حليما ~~عن الدماء طافت به الآمال واتسع في مدحه المقال وأعملت إلى حضرته الرحال ~~ولزمه جماعة من فحول الشعراء كأبي عبد الله ابن الحداد وغيره وله أشعار ~~حسنة فمن ذلك ما كتبه إلى أبي بكر ابن عمار الأندلسي المقدم ذكره يعاتبه ~~(وزهدني في الناس معرفتي بهم * وطول اختباري صاحبا بعد صاحب) (فلم ترني ~~الأيام ms1260 خلا تسرني * بواديه إلا ساءني في العواقب) (ولا صرت أرجوه لدفع ملمة ~~* من الدهر إلا كان إحدى النوائب) فكتب إليه ابن عمار جوابها وهي أبيات ~~كثيرة فلا حاجة إلى ذكرها ومن شعره أيضا (يا من بجسمي لبعده سقم * ما منه ~~غير الدنو يبريني) PageV05P040 # (بين جفوني والنوم معترك * تصغر عنه حروب صفين) (إن ~~كان صرف الزمان أبعدني * عنك فطيف الخيال يدنيني) ومن هنا أنشد بهاء الدين ~~زهير بن محمد الكاتب المقدم ذكره قوله من جملة قصيدة (بين جفوني والكرى * ~~مذ غبت عني معترك) وله غير ذلك مقاطيع كثيرة ولأبي عبد الله محمد بن أحمد ~~بن خلف بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم المعروف بالحداد القيسي من أهل المرية ~~في مديحه قصائد بديعة فمن ذلك قصيدته التي أولها (لعلك بالوادي المقدس شاطئ ~~* فكالعنبر الهندي ما أنا واطيء) (وإني من رياك واجد ريحهم * فروح الهوى ~~بين الجوانح ناشيء) (ولي في السرى من نارهم ومنارهم * حداة هداة والنجوم ~~طوافيء) (لذلك ما حنت ركابي وحمحمت * عرابي وأوحى سيرها المتباطيء) (فهل ~~هاجها ما هاجني ولعلها * إلى الوجد من نيران قلبي لواجيء) (رويدا فذا وادي ~~لبينى وإنه * لورد لباناتي وإني لظاميء) (ويا حبذا من آل لبنى مواطن * ويا ~~حبذا في أرض لبنى مواطيء) (ميادين تهيامي ومسرح خاطري * فللشوق غايات بها ~~ومبادئ) (ولا تحسبوا غيدا حوتها مقاصر * فتلك قلوب ضمنتها جآجئ) ~~PageV05P041 # (وفي الكلة الزرقاء مكلوء عزة * تحف به زرق العوالي ~~الكواليء) (محاملة السلوان مبعث حسنه * فكل إلى دين الصبابة صابيء) ومنها ~~أيضا (تمنى مدى قرطيه عفر توالع * وتهوى ضيا عينيه عين جوازيء) (وفي ملعب ~~الصدغين أبيض ناصع * تخلله للحسن أحمر قانيء) (أفاتكة الألحاظ ناسكة الهوى ~~* ورعت ولكن لحظ عينك خاطيء) (وآل الهوى جرحى ولكن دماؤهم * دموع هوام ~~والجروح مآقيء) (وكيف أعاني كلم طرفك في الحشا * وليس لتمزيق المهند راقيء) ~~(ومن أين أرجو برء نفسي من الجوى * وما كل ذي سقم من السقم بارئ) ويخرج من ~~هذا إلى المدح وهذه القصيدة طنانة طويلة وقصده أيضا من شعراء الأندلس أبو ms1261 ~~القاسم الأسعد بن بليطة وهو من فحول شعرائهم ومدحه بقصيدته الطائية التي ~~أولها (برامة ريم زارني بعدما شطا * تقنصته في الحلم بالشط فاشتطا) (رعى من ~~أناس في الحشا ثمر الهوى * جنيا ولم يرع العرار ولا الخمطا) ومنها (وقد ذاب ~~كحل الليل في دمع فجره * إلى أن تبدى الصبح كاللمة الشمطا) (كأن الدجى جيش ~~من الزنج نافر * وقد أرسل الإصباح في إثره القبطا) ومنها في صفة الديك ~~PageV05P042 # (كأن أنو شروان أعلاه تاجه * وناظت عليه كف مارية ~~القرطا) (سبى حلة الطاوس حسن لباسه * ولم يكفه حتى سبى المشية البطا) ومنها ~~أيضا (توهم عطف الصدغ نونا بخدها * فباتت بمسك الخال تنقطه نقطا) (غلامية ~~جاءت وقد جعل الدجى * لخاتم فيها فص غالية خطا) (غدت تنقع المسواك في برد ~~ثغرها * وقد ضمخت مسكا غدائرها المشطا) (فقلت أحاجيها بما في جفونها * وما ~~في الشفاه اللعس من حسنها المعطى) (محيرة الألحاظ من غير سكرة * متى شربت ~~ألحاظ عينيك إسفنطا) (أرى صفرة المسواك في حمرة اللمى * وشاربك المخضر ~~بالمسك قد خطا) (عسى قزح قبلته فاخاله * على الشفة اللمياء قد جاء مختلطا) ~~ومنها في المدح قوله (كأن أبا يحيى بن معن أجادها * فعلمها من كفه الوكف ~~والبسطا) (تألف من در وشذر نجاره * فجاءت به العليا على جيدها سمطا) (إذا ~~سار سار المجد تحت لوائه * فليس يحط المجد إلا إذا حطا) (رفيع عماد النار ~~في الليل للسرى * فما يخبط العشواء طارقه خبطا) ومنها أيضا (أقول لركب ~~يمموا مسقط الندى * وقد جاوز الركبان من دونك السقطا) (أفي المجد تبغي لابن ~~معن مناقضا * ومن يوقد المصباح في الشمس قد أخطا) وهي قصيدة طويلة مقدار ~~تسعين بيتا أحسن فيها ناظمها مع وعورة PageV05P043 # مسلك حرف رويها وكان المعتصم المذكور قد اختص بمؤانسة ~~الأمير يوسف بن تاشفين عند عبوره إلى جزيرة الأندلس حسبما شرحناه في ترجمة ~~المعتمد بن عباد المذكور قبله وأقبل عليه أكثر من بقية ملوك الطوائف فلما ~~تغيرت نية الأمير يوسف على المعتمد وجاهره المعتمد بالعصيان شاركه في ذلك ~~المعتصم ووافقه على الخروج ms1262 عن طاعته وعدم الانقياد لأمره فلما قصد الأمير ~~يوسف بلاد الأندلس عزم على خلعهما وقبضهما قال ابن بسام في الذخيرة وكان ~~بين المعتصم وبين الله سريرة أسلفت له عند الحمام يدا مشكورة فمات وليس ~~بينه وبين حلول الفاقرة به إلا أيام يسيرة في سلطانه وبلده وبين أهله وولده ~~حدثني من لا أرد خبره عن أروى بعض مسان حظايا أبيه قالت إني لعنده وهو يوصي ~~بشأنه وقد غلب على أكثر يده ولسانه ومعسكر أمير المسلمين تعني يوسف بن ~~تاشفين يومئذ بحيث نعد خيماتهم ونسمع اختلاط أصواتهم إذ سمع وجبة من ~~وجباتهم فقال لا إله إلا الله نغص علينا كل شيء حتى الموت قالت أروى فدمعت ~~عيني فلا أنسى طرفا إلي يرفعه وإنشاده لي بصوت لا أكاد أسمعه (ترفق بدمعك ~~لا تفنه * فبين يديك بكاء طويل) انتهى كلام ابن بسام وقال محمد بن أيوب ~~الأنصاري في كتابه الذي صنفه للسلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله ~~تعالى في سنة ثمان وستين وخمسمائة في ترجمة المعتصم بن صمادح المذكور بعد ~~أن ذكر طرفا من أخباره وشيئا من أشعاره وحكى صورة حصاره وقوله في مرضه نغص ~~علينا كل شيء حتى الموت ومات يعني المعتصم في أثر ذلك عند طلوع الشمس يوم ~~الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة بالمرية ~~رحمه الله تعالى ودفن في تربة له عند باب الخوخة PageV05P044 # وصمادح بضم الصاد المهملة وفتح الميم وبعد الألف دال ~~مكسورة ثم حاء مهملة وهو الشديد وبليطة والد أبي القاسم الأسعد الشاعر ~~المذكور بكسر الباء الموحدة واللام المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وفتح الطاء المهملة وبعدها هاء ساكنة ولا أعرف معناه وهو بلغة أعاجم ~~الأندلس والتجيبي قد تقدم الكلام عليه وبجاية بفتح الباء الموحدة والجيم ~~وبعد الألف ياء ثم هاء ساكنة وهي مدينة بالأندلس والمرية قد تقدم الكلام ~~عليها والصمادحية منسوبة إلى صمادح المذكور ووشقة بفتح الواو وسكون الشين ~~المعجمة وفتح القاف وبعدها هاء ساكنة بلدة بالأندلس أيضا والله أعلم 688 ms1263 ~~المهدي ابن تومرت أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت المنعوت بالمهدي ~~الهرغي صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي بالمغرب وقد تقدم في ترجمة عبد المؤمن ~~طرف من خبره وكان ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وجدت ~~على PageV05P045 # ظهر كتاب النسب للشريف العابد بخط بعض أهل الأدب من ~~عصرنا نسب ابن تومرت المذكور فنقلته كما وجدته وهو محمد بن عبد الله بن عبد ~~الرحمن بن هود ابن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان بن سفيان بن جابر بن ~~يحيى بن عطاء بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما والله أعلم وهو من جبل السوس في أقصى بلاد المغرب ونشأ ~~هناك ثم رحل إلى المشرق في شبيبته طالبا للعلم فانتهى إلى العراق واجتمع ~~بأبي حامد الغزالي والكيا الهراسي والطرطوشي وغيرهم وحج وأقام بمكة مديدة ~~وحصل طرفا صالحا من علم الشريعة والحديث النبوي وأصول الفقه والدين وكان ~~ورعا ناسكا متقشفا مخشوشنا مخلولقا كثير الإطراق بساما في وجوه الناس مقبلا ~~على العبادة لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة وكان شجاعا فصيحا في ~~لسان العربي والمغربي شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع لا يقنع في ~~أمر الله بغير إظهاره وكان مطبوعا على الالتذاذ بذلك متحملا للأذى من الناس ~~بسببه وناله بمكة شرفها الله تعالى شيء من المكروه من أجل ذلك فخرج منها ~~إلى مصر وبالغ في الإنكار فزادوا في أذاه وطردته الدولة وكان إذا خاف من ~~البطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فينسب إلى الجنون فخرج من مصر إلى ~~الإسكندرية وركب البحر متوجها إلى بلاده وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد ~~المشرق كأنه شرب ماء البحر جميعه كرتين فلما ركب في السفينة شرع في تغيير ~~المنكر على أهل السفينة وألزمهم بإقامة الصلوات وقراءة أحزاب من القرآن ~~العظيم ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية إحدى مدن إفريقية وكان ms1264 ملكها ~~يومئذ الأمير يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس الصنهاجي وذلك في سنة خمس ~~وخمسمائة هكذا وجدته في تاريخ القيروان وقد تقدم في ترجمة الأمير تميم والد ~~يحيى المذكور أن محمد بن تومرت المذكور اجتاز في أيام ولايته بإفريقية عند ~~عوده من PageV05P046 # المشرق وكنت وجدته كذا أيضا والله أعلم بالصواب ولم ~~يرحل إلى المشرق مرتين حتى يحمل ذلك على دفعتين فإن كان عوده في سنة خمس ~~كما ذكرناه فهو في ولاية الأمير يحيى لأن أباه الأمير تميما توفي سنة إحدى ~~وخمسمائة كما تقدم في ترجمته وإنما نبهت عليه لئلا يتوهم الواقف عليه أنه ~~فاتني ذلك وهو متناقض ورأيت في تاريخ القاضي الأكرم ابن القفطي وزير حلب ~~وهو مرتب على السنين ما صورته في هذه السنة وكان آخر سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة خرج محمد بن تومرت من مصر في زي الفقهاء بعد الطلب بها وبغيرها ~~ووصل إلى بجاية والله أعلم بالصواب ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد معلق ~~وهو على الطريق وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة فلا يرى منكرا ~~من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل إليها وكسرها فتسامع به الناس في ~~البلد فجاءوا إليه وقرأوا عليه كتبا من أصول الدين وبلغ خبره الأمير يحيى ~~فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء فلما رأى سمته وسمع كلامه أكرمه وأجله وسأله ~~الدعاء فقال له أصلحك الله لرعيتك ولم يقم بعد ذلك بالمهدية إلا أياما ~~يسيرة ثم انتقل إلى بجاية وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار فأخرج ~~منها إلى بعض قراها واسمها ملالة فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي المقدم ~~ذكره ورأيت في كتاب المغرب عن سيرة ملوك المغرب أن محمد بن تومرت كان ~~PageV05P047 # قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى الجفر وأنه ~~رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس وهو من ذرية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب ~~يسمى باسم ms1265 هجاء حروفه ت ي ن م ل ورأى فيه أيضا أن استقامة ذلك الأمر ~~واستيلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه هجاء اسمه ع ب د م و م ن ~~ويجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة فأوقع الله سبحانه وتعالى في نفسه أنه ~~القائم بأول الأمر وأن أوانه قد أزف فما كان محمد يمر بموضع إلا سأل عنه ~~ولا يرى أحدا إلا أخذ اسمه وتفقد حليته وكانت حلية عبد المؤمن معه فبينما ~~هو في الطريق رأى شابا قد بلغ أشده على الصفة التي معه فقال له محمد وقد ~~تجاوزه ما اسمك يا شاب فقال عبد المؤمن فرجع إليه وقال له الله أكبر أنت ~~بغيتي فنظر في حليته فوافقت ما عنده فقال له ممن أنت فقال من كومية قال أين ~~مقصدك فقال الشرق فقال ما تبغي قال أطلب علما وشرفا قال وجدت علما وشرفا ~~وذكرا اصحبني تنله فوافقه على ذلك فألقى محمد إليه أمره وأودعه سره وكان ~~محمد قد صحب رجلا يسمى عبد الله الونشريسي ففاوضه فيما عزم عليه من القيام ~~فوافقه على ذلك أتم موافقة وكان الونشريسي ممن تهذب وقرأ فقها وكان جميلا ~~فصيحا في لغة العرب وأهل المغرب فتحدثا يوما في كيفية الوصول إلى الأمر ~~المطلوب فقال محمد لعبد الله أرى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن ~~الناس وتظهر من العجز واللكن والحصر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند ~~الناس لنتخذ الخروج عن ذلك واكتساب العلم والفصاحة دفعة واحدة ليقوم ذلك ~~مقام المعجزة عند حاجتنا إليه فنصدق فيما نقوله ففعل عبد الله ذلك ثم إن ~~محمدا استدنى أشخاصا من أهل الغرب أجلادا في القوى الجسمانية أغمارا وكان ~~أميل إلى الأغمار من أولي الفطن والاستبصار فاجتمع له منهم PageV05P048 # ستة سوى عبد الله الونشريسي ثم إنه رحل إلى أقصى ~~المغرب واجتمع بعبد المؤمن بعد ذلك وتوجهوا جميعا إلى مراكش وملكها يومئذ ~~أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين وقد سبق ذكر والده في ترجمة المعتمد بن ~~عباد ms1266 والمعتصم بن صمادح وكان ملكا عظيما حليما ورعا عادلا متواضعا وكان ~~بحضرته رجل يقال له مالك بن وهيب الأندلسي وكان عالما صالحا فشرع محمد في ~~الإنكار على جاري عادته حتى أنكر على ابنة الملك وله في ذلك قصة يطول شرحها ~~وبلغ الملك خبره وأنه يتحدث في تغيير الدولة فتحدث مالك بن وهيب في أمره ~~وقال نخاف من فتح باب يعسر علينا سده والرأي أن يحضر هذا الشخص وأصحابه ~~لنسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلد فأجاب الملك إلى ذلك وكان محمد ~~وأصحابه مقيمين في مسجد خراب خارج البلد فطلبوهم فلما ضمهم المجلس قال ~~الملك لعلماء بلده سلوا هذا الرجل ما يبغي منا فانتدب له قاضي المرية واسمه ~~محمد بن أسود فقال ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل ~~الحليم المنقاد إلى الحق المؤثر طاعة الله تعالى على هواه فقال له محمد أما ~~ما نقل عني فقد قلته ولي من ورائه أقوال وأما قولك إنه يؤثر طاعة الله ~~تعالى على هواه وينقاد إلى الحق فقد حضر اعتبار PageV05P049 # صحة هذا القول عنه ليعلم بتعريه عن هذه الصفة أنه ~~مغرور بما تقولون له وتضرونه به مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة فهل بلغك يا ~~قاضي أن الخمرة تباع جهارا وتمشي الخنازير بين المسلمين وتؤخذ أموال ~~اليتامى وعدد من ذلك شيئا كثيرا فلما سمع الملك كلامه ذرفت عيناه وأطرق ~~حياء ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة لنفسه ولما رأوا ~~سكوت الملك وانخداعه لكلامه لم يتكلم أحد منهم فقال مالك بن وهيب وكان كثير ~~الاجتراء على الملك أيها الملك إن عندي لنصيحة إن قبلتها حمدت عاقبتها وإن ~~تركتها لم تأمن غائلتها فقال الملك ما هي قال إني خائف عليك من هذا الرجل ~~وأرى أنك تعتقله وأصحابه وتنفق عليهم كل يوم دينارا لتكتفي شره وإن لم تفعل ~~ذلك لتنفقن عليه خزائنك كلها ثم لا ينفعك ذلك فوافقه الملك على ذلك فقال له ~~وزيره يقبح منك أن تبكي من موعظة ms1267 هذا الرجل ثم تسيء إليه في مجلس واحد وأن ~~يظهر منك الخوف منه مع عظم ملكك وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه فلما سمع ~~الملك كلامه أخذته عزة النفس واستهون أمره وصرفه وسأله الدعاء وحكى صاحب ~~كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه ~~تلقاء وجهه إلى أن فارقه فقيل له نراك قد تأدبت مع الملك إذ لم توله ظهرك ~~فقال أردت أن لا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ما استطعت انتهى كلامه فلما ~~خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم لا مقام لنا بمراكش مع وجود مالك بن ~~وهيب فما نأمن من أن يعاود الملك في أمرنا فينالنا منه مكروه وإن لنا ~~بمدينة أغمات أخا في الله فنقصد المرور به فلن نعدم منه رأيا ودعاء صالحا ~~واسم هذا الشخص عبد الحق بن إبراهيم وهو من فقهاء PageV05P050 # المصامدة فخرجوا إليه ونزلوا عليه وأخبره محمد خبرهم ~~وأطلعه على مقصدهم وما جرى لهم عند الملك فقال عبد الحق هذا الموضع لا ~~يحميكم وإن أحصن المواضع المجاورة لهذا البلد تين مل وبيننا وبينها مسافة ~~يوم في هذا الجبل فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم فلما سمع محمد بهذا ~~الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر فقصده مع أصحابه فلما ~~أتوه رآهم أهله على تلك الصورة فعلموا أنهم طلاب العلم فقاموا إليهم ~~وأكرموهم وتلقوهم بالترحاب وأنزلوهم في أكرم منازلهم وسأل الملك عنهم بعد ~~خروجهم من مجلسه فقيل له إنهم سافروا فسره ذلك وقال تخلصنا من الإثم بحبسهم ~~ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم وكان قد سار فيهم ذكره فجاءوه من ~~كل فج عميق وتبركوا بزيارته وكان كل من أتاه استدناه وعرض عليه ما في نفسه ~~من الخروج على الملك فإن أجابه أضافه إلى خواصه وإن خالفه أعرض عنه وكان ~~يستميل الأحداث وذوي الغرة وكان ذوو العقل والعلم والحلم من أهاليهم ~~ينهونهم ويحذرونهم من اتباعه ويخوفونهم من سطوة الملك فكان ms1268 لا يتم له مع ~~ذلك حال وطالت المدة وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل وخشي أن ~~يطرأ على أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليه والتخلي عنه ~~فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليعصوا على الملك بسببه فرأى بعض ~~أولاد القوم شقرا زرقا وألوان آبائهم السمرة والكحل فسألهم عن سبب ذلك فلم ~~يجيبوه فألزمهم بالإجابة فقالوا نحن من رعية الملك وله علينا خراج وفي كل ~~سنة تصعد مماليكه إلينا ينزلون في بيوتنا ويخرجونا عنها ويخلون بمن فيها من ~~النساء فتأتي الأولاد على هذه الصفة وما لنا قدرة على دفع ذلك عنا فقال ~~محمد والله إن الموت خير من هذه الحياة وكيف رضيتم بهذا وأنتم أضرب خلق ~~الله بالسيف وأطعنهم بالرمح والحربة فقالوا بالرغم لا بالرضا فقال أرأيتم ~~لو أن ناصرا نصركم على PageV05P051 # أعدائكم ما كنتم تصنعون قالوا كنا نقدم أنفسنا بين ~~يديه للموت قالوا من هو قال ضيفكم يعني نفسه فقالوا السمع والطاعة وكانوا ~~يغالون في تعظيمه فأخذ عليهم العهود والمواثيق واطمأن قلبه ثم قال لهم ~~استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح فإذا جاءوكم على عاداتهم وخلوا بينهم وبين ~~النساء وميلوا عليهم بالخمور فإذا سكروا فأذنوني بهم فلما حضر المماليك ~~وفعل بهم أهل الجبل ما أشار به محمد وكان ليلا فأعلموه بذلك فأمر بقتلهم ~~بأسرهم فلم يمض من الليل سوى ساعة حتى أتوا على آخرهم ولم يفلت منهم سوى ~~مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة له فسمع التكبير عليهم والوقع بهم فهرب ~~من غير الطريق حتى خلص من الجبل ولحق بمراكش وأخبر الملك بما جرى فندم على ~~فوات محمد من يده وعلم أن الحزم كان مع مالك ابن وهيب فيما أشار به فجهز من ~~وقته خيلا بمقدار ما يسع وادي تين مل فإنه ضيق المسلك وعلم محمد أنه لا بد ~~من عسكر يخرج إليهم فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي ومراصده ~~واستنجد لهم بعض المجاورين فلما وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من ~~جانبي الوادي ms1269 مثل المطر وكان ذلك من أول النهار إلى آخره وحال بينهم الليل ~~فرجع العسكر إلى الملك وأعلموه بما تم لهم فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل ~~لتحصنهم فأعرض عنهم وتحقق محمد ذلك منه وصفت له مودة أهل الجبل فعند ذلك ~~استدعى الونشريسي المذكور وقال له هذا أوان إظهار فضائلك دفعة واحدة ليقوم ~~لك مقام المعجزة لنستميل بك قلوب من لا يدخل في الطاعة ثم اتفقا على أنه ~~يصلي الصبح ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في تلك المدة إني ~~رأيت البارحة في منامي وقد نزل بي ملكان من السماء وشقا فؤادي وغسلاه ~~وحشياه علما وحكمة وقرآنا فلما أصبح فعل ذلك وهو فصل يطول شرحه فانقاد له ~~كل صعب القياد وعجبوا من حاله وحفظه القرآن PageV05P052 # في النوم فقال له محمد فعجل لنا البشرى في أنفسنا ~~وعرفنا أسعداء نحن أم أشقياء فقال له أما أنت فإنك المهدي القائم بأمر الله ~~ومن تبعك سعد ومن خالفك هلك ثم قال اعرض أصحابك علي حتى أميز أهل الجنة من ~~أهل النار وعمل في ذلك حيلة قتل بها من خالف أمر محمد وأبقى من أطاعه وشرح ~~ذلك يطول وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لمحمد فلما قتل من قتل علم ~~محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا وأنهم لا تطيب قلوبهم بذلك ~~فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك مراكش إليهم واغتنام أموالهم فسرهم ذلك وسلاهم ~~عن أهلهم وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة يطول شرحه ولسنا بصدد ذلك وخلاصة ~~الأمر أن محمدا لم يزل حتى جهز جيشا عدد رجاله عشرة آلاف بين فارس وراجل ~~وفيهم عبد المؤمن والونشريسي وأصحابه كلهم وأقام هو بالجبل فنزل القوم ~~لحصار مراكش وأقاموا عليها شهرا ثم كسروا كسرة شنيعة وهرب من سلم من القتل ~~وكان فيمن سلم عبد المؤمن وقتل الونشريسي وبلغ محمدا الخبر وهو بالجبل ~~وحضرته الوفاة قبل عود أصحابه إليه فأوصى من حضر أن يبلغ الغائبين أن النصر ~~لهم وأن العاقبة حميدة فلا يضجروا وليعاودوا القتال ms1270 وان الله سبحانه وتعالى ~~سيفتح على أيديهم والحرب سجال وإنكم ستقوون ويضعفون ويقلون وتكثرون وأنتم ~~في مبدأ أمر وهم في آخره ومثل هذه الوصايا وأشباهها وهي وصية طويلة ثم إنه ~~توفي إلى رحمة الله تعالى في سنة أربع وعشرين وخمسمائة ودفن في الجبل وقبره ~~هناك مشهور يزار وهذه السنة تسمى عندهم عام البحيرة وكانت ولادته يوم ~~عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربعمائة وأول ظهوره ودعائه إلى هذا الأمر سنة ~~أربع عشرة وخمسمائة وكان رجلا ربعة قضيفا أسمر عظيم الهامة حديد النظر وقال ~~صاحب كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب في حقه PageV05P053 # (آثاره تنبيك عن أخباره * حتى كأنك بالعيان تراه) قدم ~~في الثرى وهمة في الثريا ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيا ~~أغفل المرابطون حله وربطه حتى دب دبيب الفلق في الغسق وترك في الدنيا دويا ~~أنشأ دولة لو شاهدها أبو مسلم لما كان لعزمه فيها بمسلم وكان قوته من غزل ~~أخت له رغيفا في كل يوم بقليل سمن أو زيت ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه ~~الدنيا ورأى أصحابه يوما وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه فأمر بضم ذلك ~~جميعه وأحرقه وقال من كان يتبعني للدنيا فما له عندي إلا ما رأى ومن تبعني ~~للآخرة فجزاؤه عند الله تعالى وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيبا منيع ~~الحجاب إلا عند مظلمة وله رجل مختص بخدمته والإذن عليه وكان له شعر فمن ذلك ~~قوله (أخذت بأعضادهم إذ نأول * وخلفك القوم إذ ودعوا) (فكم أنت تنهى ولا ~~تنتهي * وتسمع وعظا ولا تسمع) (فيا حجر الشحذ حتى متى * تسن الحديد ولا ~~تقطع) وكان كثيرا ما ينشد (تجرد من الدنيا فإنك إنما * خرجت إلى الدنيا ~~وأنت مجرد) وكان أيضا يتمثل بقول المتنبي (إذا غامرت في شرف مروم * فلا ~~تقنع بما دون النجوم) (فطعم الموت في أمر حقير * كطعم الموت في أمر عظيم ~~وبقوله أيضا (ومن عرف الأيام معرفتي بها * وبالناس روى رمحه غير راحم) ~~(فليس بمرحوم إذا ظفروا به * ولا ms1271 في الردى الجاري عليهم بآثم) وبقوله أيضا ~~PageV05P054 # (وما أنا منهم بالعيش فيهم * ولكن معدن الذهب الرغام) ~~ولم يفتح شيئا من البلاد وإنما قرر القواعد ومهدها ورتب الأحوال ووطدها ~~وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن كما تقدم ذكره في ترجمته والهرغي بفتح ~~الهاء وسكون الراء وبعدها غين معجمة هذه النسبة إلى هرغة وهي قبيلة كبيرة ~~من المصامدة في جبل السوس في أقصى المغرب تنسب إلى الحسن بن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما يقال إنها نزلت في ذلك المكان عندما فتح المسلمون ~~البلاد على يد موسى بن نصير الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وتومرت بضم التاء ~~المثناة من فوقها وسكون الواو وفتح الميم وسكون الراء بعدها تاء مثناة من ~~فوقها أيضا وهو اسم بربري والونشريسي بفتح الواو وسكون النون وفتح الشين ~~المعجمة وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة هذه ~~النسبة إلى ونشريس وهي بليدة بإفريقية من أعمال بجاية بين باجة وقسطنطينة ~~المغرب وتين مل بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة وقد تقدم الكلام على الجفر في ترجمة ~~عبد المؤمن فليكشف من هناك والله أعلم PageV05P055 # 689 أبو بكر الاخشيد أبو بكر محمد بن أبي محمد طغج ~~وتفسيره عبد الرحمن ابن جف بن يلتكين بن فوران بن فوري ابن خاقان الفرغاني ~~الأصل صاحب سرير الذهب المنعوت بالإخشيد صاحب مصر والشام والحجاز أصله من ~~أولاد ملوك فرغانة 209 وكان المعتصم بالله بن هارون الرشيد قد جلبوا إليه ~~من فرغانة جماعة كثيرة فوصفوا له جف وغيره بالشجاعة والتقدم في الحروب فوجه ~~المعتصم من أحضرهم فلما وصلوا إليه بالغ في إكرامهم وأقطعهم قطائع بسر من ~~رأى وقطائع جف إلى الآن معروفة هناك ولم يزل مقيما بها وجاءته الأولاد ~~وتوفي جف ببغداد في الليلة التي قتل فيها المتوكل وكانت ليلة الأربعاء ~~لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين PageV05P056 # 210 فخرج أولاده إلى البلاد يتصرفون ويطلبون لهم معايش ~~فاتصل طغج ms1272 بن جف بلؤلؤ غلام ابن طولون وهو إذ ذاك مقيم بديار مصر فاستخدمه ~~على ديار مصر ثم انحاز طغج إلى جملة أصحاب إسحاق بن كنداج فلم يزل معه إلى ~~أن مات أحمد بن طولون وجرى الصلح بين ولده أبي الجيش خمارويه ابن أحمد بن ~~طولون المقدم ذكره وبين إسحاق بن كنداج ونظر أبو الجيش إلى طغج بن جف في ~~جملة أصحاب إسحاق فأعجب به وأخذه من إسحاق وقدمه على جميع من معه وقلده ~~دمشق وطبرية ولم يزل معه إلى أن قتل أبو الجيش في تاريخه المقدم ذكره فرجع ~~طغج إلى الخليفة المكتفي بالله فخلع عليه وعرف له ذلك وكان وزير الخليفة ~~يومئذ العباس بن الحسن فسام طغج أن يجري في التذلل له مجرى غيره فكبرت نفس ~~طغج عن ذلك فأغرى به المكتفي فقبض عليه وحبسه وابنه أبا بكر محمد بن طغج ~~المذكور فتوفي طغج في السجن وبقي ولده أبو بكر بعده محبوسا مدة ثم أطلق ~~وخلع عليه ولم يزل يراصد العباس بن الحسن الوزير المذكور حتى أخذ بثأر أبيه ~~هو وأخوه عبيد الله في الوقت الذي قتله فيه الحسين بن حمدان ثم خرج أبو بكر ~~وأخوه عبيد الله في سنة ست وتسعين ومائتين وهرب عبيد الله إلى ابن أبي ~~الساج وهرب أبو بكر إلى الشام وأقام متغربا في البادية سنة ثم اتصل بأبي ~~منصور تكين الخزري فكان أكبر أركانه ومما كبر به اسمه سريته إلى النقيب على ~~الجمع الذين تجمعوا على الحجاج لقطع الطريق عليهم وذلك سنة ست وثلاثمائة ~~وهو يومئذ يتقلد عمان وجبال الشراة من قبل تكين المذكور وظفره بهم ومجئ ~~الحاج وقد فرغ من أمرهم بأسر من أسره وقتل من قتله وشرد الباقين وكان قد حج ~~في هذه السنة من دار الخليفة المقتدر بالله امرأة تعرف بعجوز فحدثت المقتدر ~~بالله بما شاهدت PageV05P057 # منه فأنفذ إليه خلعا وزيادة في رزقه ولم يزل أبو بكر ~~في صحبة تكين إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة ثم فارقه بسبب اقتضى ذلك ولا حاجة ms1273 ~~بنا إلى التطويل بذكره وسار إلى الرملة فوردت كتب المقتدر إليه بولاية ~~الرملة فأقام بها إلى سنة ثماني عشرة فوردت كتب المقتدر إليه بولاية دمشق ~~فسار إليها ولم يزل بها إلى أن ولاه القاهر بالله ولاية مصر في شهر رمضان ~~سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ودعي له بها مدة اثنتين وثلاثين يوما ولم يدخلها ~~ثم ولي أبو العباس أحمد بن كيغلغ الولاية الثانية من قبل القاهر أيضا لتسع ~~خلون من شوال سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ثم أعيد إليها أبو بكر محمد بن ~~الإخشيد من جهة الخليفة الراضي بالله بن المقتدر بعد خلع عمه القاهر عن ~~الخلافة وضم إليه البلاد الشامية والجزرية والحرمين وغير ذلك ودخل مصر يوم ~~الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وقيل ~~إنه لم يزل على مصر فقط إلى أن توفي الراضي بالله في سنة تسع وعشرين ~~وثلاثمائة وتولى أخوه المقتفي لأمر الله فضم إليه الشام والحجاز وغير ذلك ~~والله أعلم ثم إن الراضي لقبه بالإخشيد في شهر رمضان المعظم سنة سبع وعشرين ~~وثلاثمائة وإنما لقبه بذلك لأنه لقب ملوك فرغانة وهو من أولادهم كما سبق ~~ذكره في أول هذه الترجمة وتفسيره بالعربي ملك الملوك وكل من ملك تلك ~~الناحية لقبوه بهذا اللقب كما لقبوا كل من ملك بلاد فارس كسرى وملك الترك ~~خاقان وملك الروم قيصر وملك الشام هرقل وملك اليمن تبع وملك الحبشة النجاشي ~~وغير ذلك وقيصر كلمة فرنجية تفسيرها بالعربية شق عنه وسببه أن أمه ماتت في ~~المخاض فشق بطنها وأخرج فسمي قيصر وكان يفتخر بذلك على غيره من الملوك لأنه ~~لم يخرج من الرحم واسمه أغسطس وهو أول ملوك الروم وقد قيل إنه في السنة ~~الثالثة والأربعين من ملكه ولد المسيح PageV05P058 # عيسى عليه السلام وقيل في السنة السابعة عشرة من ملكه ~~فسموا ملوك الروم باسمه والله أعلم ودعي له إخشيد على المنابر بهذا اللقب ~~واشتهر به وصار كالعلم عليه وكان ملكا حازما كثير التيقظ في حروبه ومصالح ~~دولته حسن التدبير ms1274 مكرما للجنود شديد القوى لا يكاد يجر قوسه غيره وذكر ~~محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه الصغير الذي سماه عيون السير ان جيشه ~~كان يحتوي على أربعمائة ألف رجل وأنه كان جبانا وكان له ثمانية آلاف مملوك ~~يحرسه في كل ليلة ألفان منهم ويوكل بجانب خيمته الخدم إذا سافر ثم لا يثق ~~حتى يمضي إلى خيم الفراشين فينام فيها ولم يزل على مملكته وسعادته إلى أن ~~توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع ~~وثلاثين وثلاثمائة بدمشق وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به وقال أبو ~~الحسين الرازي توفي في سنة خمس وثلاثين والله أعلم وكانت ولادته يوم ~~الاثنين منتصف شهر رجب من سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد بشارع باب الكوفة ~~رحمه الله تعالى وهو أستاذ كافور الإخشيدي وفاتك المجنون وقد تقدم ذكر كل ~~واحد منهما في ترجمة مستقلة في هذا الكتاب ثم قام كافور المذكور بتربية ~~ابني مخدومه أحسن قيام وهما أبو القاسم أنوجور وأبو الحسن علي كما تقدم ~~شرحه في ترجمة كافور فأغنى عن إعادته هاهنا فقد ذكرت هناك تاريخ مولد كل ~~واحد منهما ومدة ولايته وتاريخ وفاته على سبيل الاختصار واستوفيت حديث ~~كافور وما كان منه إلى حين وفاته وأن الجند أقاموا بعده أبا الفوارس أحمد ~~بن علي بن الإخشيد المذكور وأحلت بقية الكلام في ذلك على ذكره في هذه ~~الترجمة وكان عمر أبي الفوارس أحمد يوم ذاك إحدى عشرة سنة PageV05P059 # 211 وجعلوا خليفته في تدبير أموره أبا محمد الحسن بن ~~عبيد الله بن طغج ابن جف وهو ابن عم أبيه وكان صاحب الرملة من بلاد الشام ~~وهو الذي مدحه المتنبي بقصيدته التي أولها (أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم * ~~علمت بما بي بين تلك المعالم) وقال في مخلصها (إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك ~~* وإن قلت لم أترك مقالا لعالم) (وإلا فخانتني القوافي وعاقني * عن ابن ~~عبيد الله ضعف العزائم) وما أحسن قوله فيها (أرى دون ما بين الفرات ms1275 وبرقة * ~~ضرابا يمشي الخيل فوق الجماجم) (وطعن غطاريف كأن أكفهم * عرفن الردينيات ~~قبل المعاصم) (حمته على الأعداء من كل جانب سيوف بني طغج بن جف القماقم) ~~(هم المحسنون الكر في حومة الوغي * وأحسن منه كرهم في المكارم) (وهم يحسنون ~~العفو عن كل مذنب * ويحتملون الغرم عن كل غارم) (حييون إلا أنهم في نزالهم ~~* أقل حياء من شفار الصوارم) (ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم * ولكنها ~~معدودة في البهائم) ومنها (كريم نفضت الناس لما بلغته * كأنهم ما جف من زاد ~~قادم) (وكاد سروري لا يفي بندامتي * على تركه في عمري المتقادم) وهي قصيدة ~~طويلة من غرر القصائد ولما تقرر الأمر على هذه القاعدة تزوج الحسن بن عبيد ~~الله ابنة عمه الإخشيد دعوا له على المنابر بعد أبي الفوارس أحمد بن علي ~~وهو بالشام واستمر الحال PageV05P060 # على ذلك إلى يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان ~~من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ودخل إلى مصر رايات المغاربة الواصلين صحبة ~~القائد جوهر المغربي المقدم ذكره وانقرضت الدولة الإخشيدية وكانت مدتها ~~أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما وكان قد قدم ابن عبيد ~~الله من الشام منهزما من القرامطة لما استولوا على الشام ودخل على ابنة عمه ~~التي تزوجها وحكم وتصرف وقبض على الوزير جعفر ابن الفرات وصادره وعذبه ثم ~~سار إلى الشام في مستهل شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ولما ~~سير القائد جوهر المغربي جعفر بن فلاح إلى الشام وملك البلاد حسبما شرحته ~~في ترجمته أسر جعفر بن فلاح أبا محمد ابن عبيد الله وسيره إلى مصر مع جماعة ~~من أمراء الشام إلى القائد جوهر ودخلوا مصر في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين ~~وكان ابن عبيد الله قد أساء إلى أهل مصر في مدة ولايته عليهم فلما وصلوا ~~إلى مصر تركوهم وقوفا مشهورين مقدار سبع ساعات والناس ينظرون إليهم وشمت ~~بهم من في نفسه منهم شيء ثم أنزلوا في مضرب القائد جوهر وجعلوا مع ~~المعتقلين وفي السابع عشر من جمادى ms1276 الأولى أرسل القائد جوهر ولده جعفرا إلى ~~مولاه المعز ومعه هدايا عظيمة تجل عن الوصف وأرسل معه المأسورين الواصلين ~~من الشام وفيهم ابن عبيد الله وحملوا في مركب بالنيل وجوهر واقف ينظر إليهم ~~فانقلب المركب فصاح ابن عبيد الله على القائد جوهر يا أبا الحسن أتريد أن ~~تغرقنا فاعتذر إليه وأظهر التوجع له ثم نقلوا إلى مركب آخر وكانوا مقيدين ~~فلم أقف لهم بعدها على خبر والله أعلم ثم وجدت بعدها في تاريخ العتقي أن ~~الحسن المذكور توفي ليلة الجمعة لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى وسبعين ~~وثلاثمائة وصلى عليه العزيز نزار بن المعز المذكور في القصر بالقاهرة ~~PageV05P061 # وذكر الفرغاني في تاريخه أن ولادة الحسن المذكور في ~~سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وأنه توفي في التاريخ المذكور وأن أبا الفوارس ~~أحمد بن علي المذكور توفي لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة سبع ~~وسبعين وثلاثمائة والله أعلم والإخشيد بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة ~~وكسر الشين المعجمة وبعدها ياء ساكنة مثناة من تحتها ثم دال مهملة وقد تقدم ~~الكلام على تفسير هذه الكلمة وطغج بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة ~~وبعدها جيم وجف بضم الجيم وفتحها وبعدها فاء مشددة ويلتكين بفتح الياء ~~المثناة من تحتها وسكون اللام وكسر التاء المثناة من فوقها وبعدها كاف ~~مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ثم نون وفوران بضم الفاء وفوري بضم الفاء 212 ~~وأما تكين المذكور فإنه ولي مصر ثلاث مرات وتوفي بها في المرة الثالثة يوم ~~السبت لست عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ~~وتولاها بعده أبو بكر الإخشيد كما تقدم ذكره 213 وأما أحمد بن كيغلغ فقد ~~ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة مستقلة وذكر ولايته مصر وقال ~~وجرت بينه وبين محمد بن تكين الخاصة حروب إلى أن خلص الأمر له ثم قدم محمد ~~بن طغج أميرا على مصر من قبل الراضي فسلم إليه مصر وكان أحمد أديبا شاعرا ~~ومن شعره (لا يكن للكاس ms1277 في كفك * يوم الغيث لبث) (أوما تعلم أن الغيث * ساق ~~مستحث) ومن شعره أيضا PageV05P062 # (واعطشا إلى فم * يمج خمرا من برد) (إن قسم الناس ~~فحسبي * بك من كل أحد) 214 ثم قال ومات أخوه إبراهيم بن كيغلغ في مستهل ذي ~~القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة 215 وابنه إسحاق بن إبراهيم هو الذي كان بطرابلس ~~وعاق بها أبا الطيب المتنبي لما قدمها من الرملة يريد أنطاكية ليمدحه فلم ~~يفعل وهجاه بقصيدته التي أولها (لهوى القلوب سريرة لا تعلم * عرضا نظرت ~~وخلت أني أسلم) ثم راح من عنده فبلغه موته بجبلة فقال (قالوا لنا مات إسحاق ~~فقلت لهم * هذا الدواء الذي يشفي من الحمق) وهذه القصيدة والتي قبلها ~~موجودتان في ديوانه فلذلك تركنا ذكرهما وله فيه أيضا غير ذلك من الهجاء ~~تجاوز الله عنا وعنهم أجمعين 690 طغرلبك أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق ~~بن دقاق الملقب ركن الدين طغرلبك أول ملوك السلجوقية كان هؤلاء القوم قبل ~~استيلائهم على الممالك يسكنون فيما PageV05P063 # وراء النهر في موضع بينه وبين بخارى مسافة عشرين فرسخا ~~وهم أتراك وكانوا عددا يجل عن الحصر والإحصاء وكانوا لا يدخلون تحت طاعة ~~سلطان وإذا قصدهم جمع لا طاقة لهم به دخلوا المفاوز وتحصنوا بالرمال فلا ~~يصل إليهم أحد فلما عبر السلطان محمود بن سبكتكين إلى ما وراء النهر وكان ~~سلطان خراسان وغزنة وتلك النواحي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وجد زعيم ~~بني سلجوق قوي الشوكة كثير العدة يتصرف في أمره على المخاتلة والمراوغة ~~وينتقل من أرض إلى غيرها ويغير في أثناء ذلك على تلك البلاد فاستماله وجذبه ~~ولم يزل يخدعه حتى أقدمه إليه فأمسكه وحمله إلى بعض القلاع واعتقله وخرج في ~~إعمال الحيلة في تدبير أمر أصحابه واستشار أعيان دولته في شأنهم فمنهم من ~~أشار بإغراقهم في نهر جيحون وأشار آخرون بقطع إبهام كل رجل منهم ليتعذر ~~عليهم الرمي والعمل بالسلاح واختلفت الآراء في ذلك وآخر ما وقع الاتفاق ~~عليه أن يعبر بهم جيحون إلى أرض خراسان ويفرقهم ms1278 في النواحي ويضع عليهم ~~الخراج ففعل ذلك فدخلوا في الطاعة واستقاموا وأقاموا على تلك الحالة مدة ~~فطمع فيهم العمال وظلموهم وامتدت إليهم أيدي الناس وتهضموا جانبهم وأخذوا ~~من أموالهم ومواشيهم فانفصل منهم ألفا بيت ومضوا إلى بلاد كرمان وملكها ~~يومئذ الأمير أبو الفوارس ابن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه فأقبل ~~عليهم وخلع على وجوههم وعزم على استخدامهم فلم يستتموا عشرة أيام حتى مات ~~أبو الفوارس وخافوا من الديلم وهم أهل ذلك الإقليم فبادروا إلى قصد أصبهان ~~ونزلوا بظاهرها وصاحبها علاء الدولة أبو جعفر بن كاكوية فرغب في استخدامهم ~~فكتب إليه السلطان محمود يأمره بالإيقاع بهم ونهبهم فتواقعوا PageV05P064 # وقتل من الطائفتين جماعة وقصد الباقون أذربيجان وانحاز ~~الذين بخراسان إلى جبل قريب من خوارزم فجرد السلطان محمود جيشا وأرسله في ~~طلبهم فتتبعوهم في تلك المفاوز مقدار سنتين ثم قصدهم محمود بنفسه ولم يزل ~~في أثرهم حتى شردهم وشتتهم ثم توفي محمود عقيب ذلك في التاريخ الآتي ذكره ~~في ترجمته إن شاء الله تعالى وقام بالأمر بعده ولده مسعود فاحتاج إلى ~~الاستظهار بالجيوش فكتب إلى الطائفة التي بأذربيجان لتتوجه إليه فجاءه منهم ~~ألف فارس فاستخدمهم ومضى بهم إلى خراسان فسألوه في أمر الباقين الذين شتتهم ~~والده محمود فراسلهم وشرط عليهم لزوم الطاعة فأجابوه إلى ذلك وأمنهم وحضروا ~~إليه ورتبهم على ما كان والده قد رتبهم أولا ثم دخل مسعود بلاد الهند ~~لاضطراب أحوالها عليه فخلت لهم البلاد وعادوا إلى الفساد وبالجملة فإن ~~الشرح في هذا يطول وجرى هذا كله والسلطان طغرلبك المذكور وأخوه داود ليسا ~~معهم بل كانا في موضعهم من نواحي ما وراء النهر وجرت بينهما وبين ملكشاه ~~صاحب بخارى وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من أصحابهما ودعت حاجتهما إلى ~~اللحاق بأصحابهما الذين بخراسان فكاتبوا مسعودا وسألوه الأمان والاستخدام ~~فحبس الرسل وجرد جيوشا لمواقعة من بخراسان منهم فكانت مقتلة عظيمة ثم إنهم ~~اعتذروا إلى مسعود وبذلوا له الطاعة وضمنوا له أخذ خوارزم من صاحبها فطيب ~~قلوبهم وأفرج عن الرسل ms1279 الواصلين من جهة ما وراء النهر وسألوه أن يفرج عن ~~زعيمهم الذي اعتقله أبوه محمود في أول الأمر فأجابهم إلى سؤالهم وأنزله من ~~تلك القلعة وحمل إلى بلخ مقيدا فاستأذن مسعودا في مراسلة ابني أخيه طغرلبك ~~وداود المقدم ذكرهما فأذن له فراسلهما وحاصل الأمر أنهما وصلا إلى خرسان ~~ومعهما أيضا جيش كبير فاجتمع الجميع وجرت لهم مع ولاة خراسان ونواب مسعود ~~في البلاد أسباب يطول شرحها وخلاصة الأمر أنهم استظهروا عليهم وظفروا بهم ~~وأول شيء ملكوه من البلاد طوس وقيل الري وكان تملكهم في سنة تسع وعشرين ~~وأربعمائة ثم PageV05P065 # بعد ذلك بقليل ملكوا نيسابور إحدى قواعد خراسان في شهر ~~رمضان من السنة المذكورة وكان السلطان طغرلبك المذكور كبيرهم وإليه الأمر ~~والنهي في السلطنة وأخذ أخوه داود المذكور مدينة بلخ وهو والد ألب أرسلان ~~الآتي ذكره إن شاء الله تعالى واتسع لهم الملك واقتسموا البلاد وانحاز ~~مسعود إلى غزنة وتلك النواحي وكانوا يخطبون له في أول الأمر وعظم شأنهم إلى ~~أن راسلهم الإمام القائم بأمر الله وكان الرسول الذي أرسله إليهم القاضي ~~أبا الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي مصنف الحاوي في الفقه وقد تقدم ~~ذكره ثم ملك بغداد والعراق في سادس عشر شهر رمضان المعظم سنة سبع وأربعين ~~وأربعمائة وأوصاهم بتقوى الله تعالى والعدل في الرعية والرفق بهم وبث ~~الإحسان إلى الناس وكان طغرلبك حليما كريما محافظا على الصلوات الخمس في ~~أوقاتها جماعة وكان يصوم الاثنين والخميس ويكثر الصدقات ويبني المساجد ~~ويقول أستحيي من الله سبحانه وتعالى أن أبني لي دارا ولا أبني إلى جانبها ~~مسجدا ومن محاسنه المسطورة أنه سير الشريف ناصر بن إسماعيل رسولا إلى ملكة ~~الروم وكانت إذ ذاك امرأة كافرة فاستأذنها الشريف في الصلاة بجامع ~~القسطنطينية جماعة يوم الجمعة فأذنت له في ذلك فصلى وخطب للإمام القائم ~~وكان رسول المستنصر العبيدي صاحب مصر حاضرا فأنكر ذلك وكان من أكبر الأسباب ~~في فساد الحال بين المصريين والروم ولما تمهدت له البلاد وملك العراق ~~وبغداد سير إلى ms1280 الإمام القائم وخطب ابنته فشق على القائم ذلك واستعفى منه ~~وترددت الرسل بينهما ذكر ذلك في الشذور سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة فلم يجد ~~من ذلك بدا فزوجه بها وعقد العقد بظاهر مدينة تبريز ثم توجه إلى بغداد في ~~سنة خمس وخمسين وأربعمائة ولما دخلها سير طلب الزفاف وحمل مائة ألف دينار ~~برسم حمل القماش ونقله فزفت إليه ليلة الاثنين خامس عشر صفر بدار المملكة ~~وجلست على سرير ملبس بالذهب ودخل إليها السلطان فقبل الأرض بين يديها ولم ~~يكشف PageV05P066 # البرقع عن وجهها في ذلك الوقت وقدم لها تحفا يقصر ~~الوصف عن ضبطها وقبل الأرض وخدم وانصرف وظهر عليه سرور عظيم وبالجملة ~~فأخبار الدولة السلجوقية كثيرة وقد اعتنى بها جماعة من المؤرخين وألفوا ~~فيها تآليف اشتملت على تفاصيل أمرهم وما قصدت من الإتيان بهذه النبذة إلا ~~التنبيه على مبدأ حالهم ليكشف جلية ذلك من يروم الوقوف عليه وتوفي طغرلبك ~~المذكور يوم الجمعة ثامن شهر رمضان المعظم سنة خمس وخمسين وأربعمائة بالري ~~وعمره سبعون سنة ونقل إلى مرو ودفن عند قبر أخيه داود وسيأتي ذكره في ترجمة ~~ولده ألب أرسلان إن شاء الله تعالى وقال ابن الهمداني في تاريخه إنه دفن ~~بالري في تربة هناك وكذا قال السمعاني في الذيل في ترجمة السلطان سنجر ~~المقدم ذكره وحكى وزيره محمد بن منصور الكندري الآتي ذكره عنه أنه قال رأيت ~~وأنا بخرسان في المنام كأنني رفعت إلى السماء وأنا في ضباب لا أبصر معه ~~شيئا غير أني أشم رائحة طيبة وإذا بمناد ينادي أنت قريب من الباري جلت ~~قدرته فاسأل حاجتك لتقضى فقلت في نفسي أسأل طول العمر فقيل لك سبعون سنة ~~فقلت يا رب لا تكفيني فقيل لك سبعون سنة فقلت لا تكفيني فقيل لك سبعون سنة ~~ذكر هذا شيخنا ابن الأثير في تاريخه ولما حضرته الوفاة قال إنما مثلي مثل ~~شاة تشد قوائمها لجز الصوف فتظن أنها تذبح فتضطرب حتى إذا أطلقت تفرح ثم ~~تشد للذبح فتظن أنه لجز الصوف فتسكن فتذبح وهذا ms1281 المرض الذي أنا فيه هو شد ~~القوائم للذبح فمات منه رحمه الله تعالى ولم تقم بنت الإمام القائم في ~~صحبته إلا مقدار ستة أشهر PageV05P067 # ولم يخلف ولدا ذكرا فانتقل ملكه إلى ابن أخيه ألب ~~أرسلان حسبما شرح في ترجمته وماتت زوجته ابنة القائم في سنة ست وتسعين ~~وأربعمائة في سادس المحرم وطغرلبك بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة ~~وضم الراء وسكون اللام وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف وهو اسم علم تركي ~~مركب من طغرل وهو اسم علم بلغة الترك لطائر معروف عندهم وبه سمي الرجل وبك ~~معناه الأمير وسلجوق بفتح السين المهملة وسكون اللام وضم الجيم وسكون الواو ~~وبعدها قاف ودقاق بضم الدال المهملة وبين القافين ألف ساكنة وجيحون بفتح ~~الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها ~~نون وهو النهر العظيم الفاصل ما بين خوارزم وبلاد خراسان وبين بخارى ~~وسمرقند وتلك البلاد فكل ما كان من تلك الناحية فهو ما وراء النهر والمراد ~~بالنهر هو النهر المذكور وهو أحد أنهار الجنة الذي جاء ذكره في الحديث أنه ~~يخرج منها أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فالظاهران النيل والفرات ~~والباطنان سيحون وجيحون وسيحون بفتح السين المهملة وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها نون وهو وراء جيحون فيما يلي ~~بلاد الترك وبينهما مسافة خمسة وعشرين يوما وهذان النهران مع عظمهما وسعة ~~عرضهما يجمدان في زمن الشتاء وتعبر القوافل عليهما بدوابهما وأثقالهما ~~ويقيمان كذلك مقدار ثلاثة أشهر وهذا كله وإن كان خارجا عن مقصودنا لكنه ~~متعلق بما نحن فيه فانتشر الكلام وما يخلو من فائدة يقف عليها من كان ~~يتوقعها ممن بعدت بلاده ولا يعرف صورة الحال PageV05P068 # 691 ألب أرسلان أبو شجاع محمد بن جغري بك داود بن ~~ميكائيل بن سلجوق بن دقاق الملقب عضد الدولة ألب أرسلان وهو ابن أخي ~~السلطان طغرلبك المقدم ذكره وقد تقدم في ترجمة طغرلبك طرف من أخبار والده ~~داود المذكور ولما مات السلطان طغرلبك في التاريخ المذكور ms1282 في ترجمته نص على ~~تولية الأمر لسليمان بن داود أخي ألب أرسلان المذكور ولم ينص عليه إلا لأن ~~أمه كانت عنده فتبع هواها في ولدها فقام سليمان بالأمر وثار عليه أخوه ألب ~~أرسلان وعمه شهاب الدولة قتلمش وجرت بينهم خطوب فلم يتم لسليمان الأمر ~~وكانت النصرة لأخيه ألب أرسلان فاستولى على الممالك وعظمت مملكته ورهبت ~~سطوته وفتح من البلاد ما لم يكن لعمه طغرلبك مع سعة ملك عمه وقصد بلاد ~~الشام فانتهى إلى مدينة حلب وصاحبها يومئذ محمود بن نصر بن صالح بن مرداس ~~الكلابي فحاصره مدة ثم جرت المصالحة بينهما فقال ألب أرسلان لا بد له من ~~دوس بساطي فخرج إليه محمود ليلا ومعه أمه فتلقاهما بالجميل وخلع عليهما ~~وأعادهما إلى البلد ورحل عنها وقال المأموني في تاريخه قيل إنه لم يعبر ~~الفرات في قديم الزمان ولا حديثه في الإسلام ملك تركي قبل ألب أرسلان فإنه ~~أول من عبرها من ملوك الترك ولما عاد عزم على قصد بلاد الترك وقد كمل عسكره ~~مائتي ألف فارس أو يزيدون فمد على جيحون النهر المقدم ذكره جسرا وأقام ~~العسكر PageV05P069 # يعبر عليه شهرا وعبر هو بنفسه أيضا ومد السماط في ~~بليدة يقال لها فربر ولتلك البليدة حصن على شاطيء جيحون في السادس من شهر ~~ربيع الأول سنة خمس وستين وأربعمائة فأحضر إليه أصحابه مستحفظ الحصن ويقال ~~له يوسف الخوارزمي وكان قد ارتكب جريمة في أمر الحصن فحمل إليه مقيدا فلما ~~قرب منه أمر أن تضرب أربعة أوتاد لتشد أطرافه الأربعة إليها ويعذبه ثم ~~يقتله فقال يوسف المذكور ومثلي يفعل به هذه المثلة فغضب ألب أرسلان وأخذ ~~قوسه وجعل فيها سهما وأمر بحل قيده ورماه فأخطأه وكان مدلا برميه وكان ~~جالسا على سريره فنزل عنه فعثر ووقع على وجهه فبادره يوسف المذكور وضربه ~~بسكين كانت معه في خاصرته فوثب عليه فراش أرمني فضربه في رأسه بمرزبة فقتله ~~فانتقل ألب أرسلان إلى خيمة أخرى مجروحا فأحضر وزيره نظام الملك أبا علي ~~الحسن المذكور في حرف ms1283 الحاء وأوصى به إليه وجعل ولده ملك شاه ولي عهده ~~وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ثم توفي يوم السبت عاشر الشهر المذكور وكانت ~~ولادته سنة أربع وعشرين وأربعمائة وكانت مدة ملكه تسع سنين وأشهرا ونقل إلى ~~مرو ودفن عند قبر أبيه داود وعمه طغرلبك ولم يدخل بغداد ولا رآها مع أنها ~~كانت داخلة في ملكه وهو الذي بنى على قبر الإمام أبي حنيفة مشهدا وبنى ~~ببغداد مدرسة أنفق عليها أموالا عظيمة وذكر في كتاب زبدة التواريخ أنه جرح ~~يوم السبت سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وعاش بعد الجراحة ثلاثة أيام ~~والله أعلم وقد تقدم ذكر أبيه وأنه كان صاحب بلخ وتوفي بها في رجب سنة إحدى ~~وخمسين وقيل سنة خمسين وأربعمائة ونقل إلى مرو ودفن بها وقيل إنه توفي بمرو ~~والله أعلم بالصواب وقيل توفي في صفر سنة اثنتين وخمسين PageV05P070 # وأربعمائة ودفن بمدرسة مرو رحمه الله تعالى وقد تقدم ~~ذكر ولده تتش في حرف التاء وألب أرسلان بفتح الهمزة وسكون اللام وبعدها باء ~~موحدة وبقية الاسم معروفة فلا حاجة إلى تفسيرها وهو اسم تركي معناه شجاع ~~أسد فألب شجاع وأرسلان أسد 216 وأما شهاب الدولة قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق ~~فإنه والد سليمان ابن قتلمش جد الملوك أصحاب الروم إلى الآن وكان له حصون ~~وقلاع من جملتها كردكوه وغيرها من عراق العجم وعصى على ابن أخيه ألب أرسلان ~~المذكور وحاربه بالقرب من الري فلما انجلى الأمر وجد قتلمش ميتا لا يدرى ~~كيف كان موته وذلك في المحرم من سنة ست وخمسين وأربعمائة قيل إنه مات من ~~الخوف فشق ذلك على ألب أرسلان والله تعالى أعلم بالصواب 692 محمد بن ملكشاه ~~السلجوقي أبو شجاع محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان المذكور قبله الملقب غياث ~~الدين وقد تقدم في ترجمة جده تتمة نسبه فلا حاجة إلى الإعادة ولما توفي ~~والده ملكشاه اقتسم مملكته أولاده الثلاثة وهم بركياروق وسنجر وقد تقدم ~~ذكرهما ومحمد المذكور ولم يكن لمحمد وسنجر وهما من ms1284 أم واحدة مع وجود ~~بركياروق حديث لأنه كان السلطان المشار إليه وهما كالأتباع له ثم اختلف ~~محمد وبركياروق فدخل محمد المذكور وأخوه سنجر إلى بغداد وخلع عليهما الإمام ~~المستظهر بالله وكان محمد قد التمس من PageV05P071 # أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه سنجر فأجيب إلى ذلك ~~وجلس لهما في قبة التاج وحضر أرباب المناصب وأتباعهم وجلس أمير المؤمنين ~~على سدته ووقف سيف الدولة صدقة بن مزيد صاحب الحلة عن يمين السدة وعلى كتفه ~~بردة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب وأفيض ~~على محمد الخلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها وألبس الطوق والتاج ~~والسوارين وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلده سيفين وأعطاه خمسة أفراس ~~بمراكبها وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع ~~بغداد كجاري عادتهم في ذلك الزمان وتركوا الخطبة لبركياروق لسبب اقتضى ذلك ~~ولا حاجة إلى شرحه لطوله قال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه وكان ~~ذلك في سنة خمس وتسعين وأربعمائة وقال صاحب تاريخ السلجوقية أقيمت الخطبة ~~ببغداد للسلطان محمد في سابع عشر ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ~~ووافقه على ذلك غيره ثم قال الهمداني وكان من الاتفاق العجيب أن خطيب جامع ~~القصر ببغداد لما بلغ إلى الدعاء للسلطان بركياروق وأراد أن يذكره سبق ~~لسانه للسلطان محمد ودعا له فأتى أصحاب بركياروق وشنعوا بما جرى في الديوان ~~العزيز فعزل الخطيب لهذا السبب ورتبوا ولده موضعه فلم تتأخر خطبة السلطان ~~محمد عن هذه الواقعة إلا أياما قلائل وكان ذلك فألا للسلطان محمد وأما ~~بركياروق فإنه كان مريضا وانحدر إلى واسط ثم قوي أمره واستظهر وجرى بينه ~~وبين أخيه محمد مصاف على الري وانكسر محمد وبالجملة فان شرح ذلك يطول وكان ~~السلطان محمد المذكور رجل الملوك السلجوقية وفحلهم وله الآثار الجميلة ~~والسيرة الحسنة والمعدلة الشاملة والبر للفقراء والأيتام والحرب للطائفة ~~الملحدة والنظر في أمور الرعية وذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ ~~إربل وذكر أنه وصل إليها في تاسع ms1285 شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ~~ورحل عنها متوجها إلى الموصل في ثاني عشر الشهر المذكور ثم قال ووجدت في ~~كتاب ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في مخاطبته السلطان محمد بن ملكشاه اعلم ~~يا سلطان PageV05P072 # العالم أن بني آدم طائفتان طائفة غفلاء نظروا إلى ~~مشاهد حال الدنيا وتمسكوا بتأميل العمر الطويل ولم يتفكروا في النفس الأخير ~~وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم لينظروا إلى ماذا يكون مصيرهم ~~وكيف يخرجون من الدنيا ويفارقونها وإيمانهم سالم وما الذي ينزل من الدينا ~~في قبورهم وما الذي يتركون لأعاديهم من بعدهم ويبقى عليهم وباله ونكاله ثم ~~إن السلطان محمدا استقل بالممالك بعد موت أخيه بركياروق في التاريخ المذكور ~~في ترجمته ولم يبق له منازع وصفت له الدنيا وأقام على ذلك مدة ثم مرض زمانا ~~طويلا وتوفي يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة بمدينة أصبهان وعمره سبع وثلاثون سنة وأربعة أشهر وستة أيام وهو ~~مدفون بأصبهان في مدرسة عظيمة وهي موقوفة على الطائفة الحنفية وليس بأصبهان ~~مدرسة مثلها ولما أيس من نفسه أحضر ولده محمدا الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى فقبله وبكى كل واحد منهما وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة وينظر ~~في أمور الناس فقال لوالده إنه يوم غير مبارك يعني من طريق النجوم فقال ~~صدقت ولكن على أبيك وأما عليك فمبارك بالسلطنة فخرج وجلس على التخت بالتاج ~~والسوارين ولم يخلف أحد من الملوك السلجوقية ما خلفه من الذخائر وأصناف ~~الأموال والدواب وغير ذلك مما يطول شرحه رحمه الله تعالى وسيأتي ذكر والده ~~في هذا الحرف إن شاء الله تعالى 217 وتزوج الإمام المقتفي لأمر الله فاطمة ~~ابنة السلطان محمد المذكور وكان الوكيل في قبول النكاح الوزير شرف الدين ~~أبا القاسم علي ابن طراد الزينبي وذلك في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة وحضر ~~أخوها مسعود العقد ونقلت فاطمة ابنة السلطان المذكورة إلى دار الخلافة ~~للزفاف سنة أربع وثلاثين ويقال إنها كانت تقرأ وتكتب ولها التدبير الصائب ms1286 ~~وسكنت في الموضع المعروف بدركاه خاتون وتوفيت في عصمته يوم السبت الثاني ~~والعشرين من شهر ربيع PageV05P073 # الآخر سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ودفنت بالرصافة ~~رحمها الله تعالى والله أعلم بالصواب 693 الملك العادل ابن أيوب أبو بكر ~~محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب بالملك العادل سيف الدين ~~أخو السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى وقد تقدم ذكر والده في حرف ~~الهمزة وسيأتي ذكر أخيه صلاح الدين في حرف الياء إن شاء الله تعالى وكان ~~الملك العادل قد وصل إلى الديار المصرية صحبة أخيه وعمه أسد الدين شيركوه ~~المقدم ذكره وكان يقول لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجت إلى حرمدان ~~فطلبته من والدي فأعطاني وقال يا أبا بكر إذا ملكتم مصر أعطني ملئه ذهبا ~~فلما جاء إلى مصر قال يا أبا بكر أين الحرمدان فرحت وملأته من الدراهم ~~السود وجعلت أعلاها شيئا من الذهب وأحضرته إليه فلما رآه اعتقده ذهبا فقلبه ~~فظهرت الفضة السوداء فقال يا أبا بكر تعلمت من زغل المصريين ولما ملك صلاح ~~الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام ويستدعي منه ~~الأموال للإنفاق في الجند وغيرهم ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن ~~الحمول تأخرت مدة فتقدم السلطان إلى العماد الأصبهاني أن يكتب إلى أخيه ~~الملك العادل يستحثه على إنفاذها حتى قال يسير لنا الحمل من مالنا أو من ~~ماله فلما وصل الكتاب إليه ووقف على هذا الفصل شق عليه PageV05P074 # وكتب إلى القاضي الفاضل يشكو من السلطان لأجل ذلك فكتب ~~القاضي الفاضل جوابه وفي جملته وأما ما ذكره المولى من قوله يسير لنا الحمل ~~من مالنا أو من ماله فتلك لفظة ما المقصود بها من المالك النجعة وإنما ~~المقصود بها من الكاتب السجعة وكم من لفظة فظة وكلمة فيها غلظة جبرت عي ~~الأقلام وسدت خلل الكلام وعلى المملوك الضمان في هذه النكتة وقد فات لسان ~~القلم منها أي سكتة وكان المملوك حاضرا وقد خرجت قوارع الاستحثاث وصرصر ~~البازي وقوة نفس ms1287 العماد قوة نفس البغاث والسلام ولما ملك السلطان مدينة حلب ~~في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة كما تقدم في ترجمة عماد الدين زنكي أعطاها ~~لولده الملك الظاهر غازي المقدم ذكره ثم أخذها منه وأعطاها للملك العادل ~~فانتقل إليها وقصد قلعتها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظم ~~من السنة المذكورة ثم نزل عنها للملك الظاهر غازي ابن السلطان المقدم ذكره ~~لمصلحة وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين وخرج منها في سنة ~~اثنتين وثمانين وخمسمائة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول ثم ~~أعطاه السلطان قلعة الكرك وتنقل في الممالك في حياة السلطان وبعد وفاته ~~وقضاياه مشهورة مع الملك الأفضل والملك العزيز والملك الظاهر فلا حاجة إلى ~~الإطالة بشرحها وآخر الأمر أنه استقل بمملكة الديار المصرية وكان دخوله ~~القاهرة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة ~~واستقرت له القواعد وقال أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل في ترجمة ~~ضياء الدين أبي الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الوزير الجزري ما مثاله ~~وجدت بخطه خطب للملك العادل أبي بكر ابن أيوب بالقاهرة ومصر يوم الجمعة ~~الحادي والعشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة وخطب له بحلب يوم الجمعة ~~حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وملك معها البلاد الشامية ~~والشرقية وصفت له الدنيا ثم ملك بلاد اليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة وسير ~~إليها PageV05P075 # ولد ولده الملك المسعود صلاح الدين أبا المظفر يوسف ~~المعروف بأطسيس ابن الملك الكامل الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان ولده ~~الملك الأوحد نجم الدين أيوب ينوب عنه في ميافارقين وتلك النواحي فاستولى ~~على مدينة خلاط وبلاد أرمينية واتسعت مملكته وذلك في سنة أربع وستمائة ولما ~~تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده فأعطى الملك الكامل الديار المصرية ~~والملك المعظم البلاد الشامية والملك الأشرف البلاد الشرقية والأوحد في ~~المواضع التي ذكرناها وكان ملكا عظيما ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته التجارب ~~حسن السيرة جميل الطوية وافر العقل ms1288 حازما في الأمور صالحا محافظا على ~~الصلوات في أوقاتها متبعا لأرباب السنة مائلا إلى العلماء حتى صنف له فخر ~~الدين الرازي كتاب تأسيس التقديس وذكر اسمه في خطبته وسيره إليه من بلاد ~~خراسان وبالجملة فإنه كان رجلا مسعودا ومن سعادته أنه خلف أولادا لم يخلف ~~أحد من الملوك أمثالهم في نجابتهم وبسالتهم ومعرفتهم وعلو همتهم ودانت لهم ~~العباد وملكوا خيار البلاد ولما مدح ابن عنين المقدم ذكره الملك العادل ~~بقصيدته الرائية المذكور بعضها في ترجمته جاء منها في مديح أولاده ~~المذكورين قوله (وله البنون بكل أرض منهم * ملك يقود إلى الأعادي عسكرا) ~~(من كل وضاح الجبين تخاله * بدرا وإن شهد الوغى فغضنفرا) PageV05P076 # (متقدم حتى إذا النقع انجلى * بالبيض عن سبي الحريم ~~تأخرا) (قوم زكوا أصلا وطابوا محتدا * وتدفقوا جودا وراقوا منظرا) (وتعاف ~~خيلهم الورود بمنهل * ما لم يكن بدم الوقائع أحمرا) (يعشو إلى نار الوغى ~~شغفا بها * ويجل أن يعشو إلى نار القرى) وكم للشعراء فيهم من القصائد ~~المختارة لكن ذكرت هذه لكونها جامعة لجميعهم ومن جملة هذه القصيدة في مدح ~~الملك العادل قوله ولقد أحسن فيه (العادل الملك الذي أسماؤه * في كل ناحية ~~تشرف منبرا) (وبكل أرض جنة من عدله الصافي * أسال نداه فيها كوثرا) (عدل ~~يبيت الذئب منه على الطوى * غرثان وهو يرى الغزال الأعفرا) (ما في أبي بكر ~~لمعتقد الهدى * شك يريب بأنه خير الورى) (سيف صقال المجد أخلص متنه * وأبان ~~طيب الأصل منه الجوهرا) (ما مدحه بالمستعار له ولا * آيات سؤدده حديث ~~يفترى) (بين الملوك الغابرين وبينه * في الفضل ما بين الثريا والثرى) (نسخت ~~خلائقه الحميدة ما أتى * في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا) (ملك إذا خفت ~~حلوم ذوي النهى * في الروع زاد رصانة وتوقرا) (ثبت الجنان تراع من وثباته * ~~وثباته يوم الوغى أسد الشرى) (لفظ يكاد يقول عما في غد * ببديهة أغنته أن ~~يتفكرا) (حلم تخف له الحلوم وراءه * رأي وعزم يحقر الإسكندرا) (يعفو عن ~~الذنب العظيم تكرما * ويصد عن قول الخنا متكبرا) (لا تسمعن ms1289 حديث ملك غيره * ~~يروى فكل الصيد في جوف الفرا) وبالجملة فإنها من القصائد المختارة ولما قسم ~~البلاد بين أولاده كان يتردد بينهم وينتقل إليهم من مملكة إلى PageV05P077 # أخرى وكان في الغالب يصيف بالشام لأجل الفواكه والثلج ~~والمياه الباردة ويشتي في الديار المصرية لاعتدال الوقت فيها وقلة البرد ~~وعاش في أرغد عيش وكان يأكل كثيرا خارجا عن المعتاد حتى يقال إنه يأكل وحده ~~خروفا لطيفا مشويا وكان له في النكاح نصيب وافر وحاصل الأمر أنه كان ممتعا ~~في دنياه وكانت ولادته بدمشق في المحرم سنة أربعين وقيل ثمان وثلاثين ~~وخمسمائة وتوفي في سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة بعالقين ونقل ~~إلى دمشق ودفن بالقلعة ثاني يوم وفاته ثم نقل إلى مدرسته المعروفة به ودفن ~~في التربة التي بها وقبره على الطريق يراه المجتاز من الشباك المركب هناك ~~رحمه الله تعالى وعالقين بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وقاف ~~مكسورة أيضا وياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها نون وهي قرية بظاهر دمشق من ~~الجيدور وكان ذلك عند وصول الفرنج إلى ساحل الشام وقصدوا أولا لقاء الملك ~~العادل فتوجه قدامهم إلى جهة دمشق ليتجهز ويتأهب للقائهم فلما وصل إلى ~~الموضع المذكور توفي به فحينئذ أعرض جميع الفرنج عن دمشق وقصدوا الديار ~~المصرية فكانت وقعة دمياط المشهورة في ذلك التاريخ وتاريخها مضبوط في ترجمة ~~يحيى بن منصور المعروف بابن جراح في حرف الياء وأطسيس بفتح الهمزة وسكون ~~الطاء المهملة وكسر السين المهملة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم سين ثانية ~~وهي كلمة تركية معناها بالعربية ما له اسم ويقال إنما سمي بذلك لأن الملك ~~الكامل ما كان يعيش له ولد فلما ولد هذا المسعود المذكور قال بعض الحاضرين ~~في مجلسه من الأتراك في بلادنا إذا كان الإنسان لا يعيش له ولد سماه أطسيس ~~فسماه أطسيس والناس يقولون PageV05P078 # أقسيس بالقاف وصوابه بالطاء كذا قالوا والله أعلم ثم ~~ظفرت بتاريخ تسلم حلب محررا وهو أن عماد الدين زنكي نزل من قلعتها يوم ~~الخميس الثاني ms1290 والعشرين من صفر وصعد صلاح الدين إليها يوم الاثنين السادس ~~والعشرين من صفر المذكور والله أعلم 694 الملك الكامل الأيوبي أبو المعالي ~~محمد ابن الملك العادل المذكور الملقب بالملك الكامل ناصر الدين قد سبق في ~~ترجمة والده طرف من خبره ولما وصل الفرنج إلى دمياط كما تقدم ذكره كان ~~الملك الكامل في مبدأ استقلاله بالسلطنة وكان عنده جماعة كثيرة من أكابر ~~الأمراء وفيهم عماد الدين أحمد بن المشطوب المذكور في حرف الهمزة فاتفقوا ~~مع أخيه الملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل وانضموا إليه ~~وظهر للملك الكامل منهم أمور تدل على أنهم عازمون على تفويض السلطنة إليه ~~وخلع الملك الكامل واشتهر ذلك بين الناس وكان الملك الكامل يداريهم لكونه ~~في قبالة العدو ولا يمكنه المقافزة والمنافرة وطول نفسه معهم ولم يزل على ~~ذلك حتى وصل إليه أخوه الملك المعظم صاحب دمشق المذكور في حرف العين يوم ~~الخميس تاسع عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة فأطلعه الملك الكامل في ~~الباطن على صورة الحال وأن رأس هذه PageV05P079 # الطائفة ابن المشطوب فجاءه يوما على غفلة إلى خيمته ~~واستدعاه فخرج إليه فقال له أريد أن أتحدث معك سرا في خلوة فركب فرسه وسار ~~معه وهو جريدة وقد جرد المعظم جماعة ممن يعتمد عليهم ويثق إليهم وقال لهم ~~اتبعونا ولم يزل المعظم يشاغله بالحديث ويخرج معه من شيء إلى شيء حتى أبعدا ~~عن المخيم ثم قال له يا عماد الدين هذه البلاد لك ونشتهي أن تهبها لنا ثم ~~أعطاه شيئا من النفقة وقال لأولئك المجردين تسلموه حتى تخرجوه من الرمل فلم ~~يسعه إلا امتثال الأمر لانفراده وعدم القدرة على الممانعة في تلك الحال ثم ~~عاد المعظم إلى أخيه الكامل وعرفه صورة ما جرى ثم جهز أخاه الملك الفائز ~~إلى الموصل لإحضار النجدة منها ومن بلاد الشرق فمات بسنجار وكان ذلك خديعة ~~لإخراجه من البلاد فلما خرج هذان الشخصان من العسكر تحللت عزائم من بقي من ~~الأمراء الموافقين لهما ودخلوا في طاعة الملك الكامل ms1291 كرها لا طوعا وجرى في ~~قضية دمياط ما هو مشهور فلا حاجة إلى الإطالة بذكره ولما ملك الفرنج دمياط ~~وصارت في قبضتهم خرجوا منها قاصدين القاهرة ومصر ونزلوا في رأس الجزيرة ~~التي دمياط في برها وكان المسلمون قبالتهم في القرية المعروفة بالمنصورة ~~والبحر حائل بينهم وهو بحر أشموم ونصر الله تعالى بمنه وجميل لطفه المسلمين ~~عليهم كما هو مشهور ورحل الفرنج عن منزلهم ليلة الجمعة سابع شهر رجب سنة ~~ثمان عشرة وستمائة وتم الصلح بينهم وبين المسلمين في حادي عشر الشهر ~~المذكور ورحل الفرنج عن البلاد في شعبان من السنة المذكورة وكانت مدة ~~إقامتهم في بلاد الإسلام ما بين الشام والديار المصرية أربعين شهرا وسبعة ~~عشر يوما وكفى الله شرهم والحمد لله على ذلك وقد فصلت ذلك في ترجمة يحيى بن ~~جراح فيكشف هناك فلما استراح خاطر الملك الكامل من جهة هذا العدو تفرغ ~~للأمراء الذين كانوا متحاملين عليه فنفاهم عن البلاد وبدد شملهم وشردهم ~~ودخل إلى القاهرة PageV05P080 # وشرع في عمارة البلاد واستخراج الأموال من جهاتها وكان ~~سلطانا عظيم القدر جميل الذكر محبا للعلماء متمسكا بالسنة النبوية حسن ~~الاعتقاد معاشرا لأرباب الفضائل حازما في أموره لا يضع الشيء إلا في موضعه ~~من غير إسراف ولا إقتار وكانت تبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء ~~ويشاركهم في مباحثاتهم ويسألهم عن المواضع المشكلة من كل فن وهو معهم كواحد ~~منهم وكان يعجبه هذان البيتان وينشدهما كثيرا وهما (ما كنت من قبل ملك قلبي ~~* تصد عن مدنف حزين) (وإنما قد طمعت لما * حللت في موضع حصين) وبنى ~~بالقاهرة دار حديث ورتب لها وقفا جيدا وكان قد بنى على ضريح الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه قبة عظيمة ودفن أمه عنده وأجرى إليها من ماء النيل ومدده بعيد ~~وغرم على ذلك جملة عظيمة ولما مات أخوه الملك المعظم صاحب الشام في التاريخ ~~المذكور في ترجمته وقام ولده الملك الناصر صلاح الدين داود مقامه خرج الملك ~~الكامل من الديار المصرية قاصدا أخذ دمشق منه وجاءه ms1292 أخوه الملك الأشرف مظفر ~~الدين موسى الآتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى فاجتمعا على أخذ دمشق بعد ~~فصول جرت يطول شرحها وملك دمشق في أول شعبان سنة ست وعشرين وستمائة وكان ~~يوم الاثنين فلما ملكها دفعها إلى أخيه الملك الأشرف وأخذ عوضها من بلاد ~~الشرق حران والرها وسروج والرقة ورأس عين وتوجه إليها بنفسه في تاسع شهر ~~رمضان المعظم من السنة المذكورة واجتزت بحران في شوال سنة ست وعشرين ~~وستمائة والملك الكامل مقيم بها بعساكر الديار المصرية وجلال الدين خوارزم ~~شاه يوم ذاك يحاصر خلاط وكانت لأخيه الملك الأشرف ثم رجع إلى الديار ~~المصرية ثم تجهز في جيش عظيم وقصد آمد في سنة تسع وعشرين وستمائة فأخذها مع ~~حصن كيفا وتلك البلاد من الملك المسعود ركن الدين مودود بن الملك الصالح ~~PageV05P081 # أبي الفتح محمد بن نور الدين محمد بن فخر الدين قرا ~~أرسلان بن ركن الدولة داود ابن نور الدولة سقمان ويقال سكمان بن أرتق وقد ~~تقدم ذكر جدهم أرتق أخبرني بعض أهل آمد ممن عنده معرفة أن آمد انبرم أمرها ~~وتسليمها إلى الملك الكامل في تاسع عشر ذي الحجة من السنة المذكورة ودخلها ~~ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب في العشرين من الشهر المذكور ودخلها ~~الملك الكامل في مستهل المحرم سنة ثلاثين وستمائة ولما مات الملك الأشرف في ~~التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته جعل ولي عهده أخاه الملك ~~الصالح إسماعيل بن الملك العادل فقصده الملك الكامل وانتزع منه دمشق بعد ~~مصالحة جرت بينهما وذلك في التاسع من جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة ~~وأبقى له بعلبك وأعمالها وبصرى وأرض السواد وتلك البلاد ولما ملك البلاد ~~الشرقية وآمد وتلك النواحي استخلف فيها ولده الملك الصالح نجم الدين أبا ~~المظفر أيوب واستخلف ولده الأصغر الملك العادل سيف الدين أبا بكر بالديار ~~المصرية وقد تقدم في ترجمة الملك العادل أنه سير الملك المسعود إلى اليمن ~~وكان أكبر أولاد الملك الكامل وملك الملك المسعود مكة حرسها الله ms1293 تعالى ~~وبلاد الحجاز مضافة إلى اليمن وكان رحيل الملك المسعود عن الديار المصرية ~~متوجها إلى اليمن يوم الاثنين سابع عشر رمضان المعظم سنة إحدى عشرة وستمائة ~~ودخل مكة شرفها الله تعالى في الثالث من ذي القعدة من السنة وخطب له بها ~~وحج ودخل زبيد وملكها مستهل المحرم سنة اثنتي عشرة ثم ملك مكة شرفها الله ~~تعالى في ربيع الآخر من سنة عشرين وستمائة أخذها من الشريف حسن بن قتادة ~~الحسني واتسعت المملكة للملك الكامل ولقد حكى لي من حضر الخطبة يوم الجمعة ~~بمكة شرفها الله تعالى أنه لما وصل الخطيب إلى الدعاء للملك الكامل قال ~~صاحب مكة وعبيدها واليمن وزبيدها ومصر وصعيدها والجزيرة ووليدها سلطان ~~القبلتين ورب العلامتين خادم الحرمين الشريفين أبو PageV05P082 # المعالي محمد الملك الكامل ناصر الدين خليل أمير ~~المؤمنين وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود ولقد رأيته بدمشق في سنة ثلاث ~~وثلاثين وستمائة عند رجوعه من بلاد الشرق واستنقاذه إياها من يد علاء الدين ~~كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود ابن قلج أرسلان بن سليمان بن ~~قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق السلجوقي صاحب الروم وهي وقعة مشهورة ~~يطول شرحها وفي خدمته يومئذ بضعة عشر ملكا منهم أخوه الملك الأشرف ولم يزل ~~في علو شانه وعظم سلطانه إلى أن مرض بعد أخذ دمشق ولم يركب وكان ينشد في ~~مرضه كثيرا (يا خليلي خبراني بصدق * كيف طعم الكرى فإني عليل) ولم يزل كذلك ~~إلى أن توفي يوم الأربعاء بعد العصر ودفن بالقلعة بمدينة دمشق يوم الخميس ~~الثاني والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة وكنت بدمشق يومئذ وحضرت ~~الصبحة يوم السبت في جامع دمشق لأنهم أخفوا موته إلى وقت صلاة الجمعة فلما ~~حضرت الصلاة قام بعض الدعاة على العريش الذي بين يدي المنبر وترحم على ~~الملك الكامل ودعا لولده الملك العادل صاحب مصر وكنت حاضرا في ذلك الموضع ~~فضج الناس ضجة واحدة وكانوا قد أحسوا بذلك لكنهم لم يتحققوه إلا ذلك اليوم ~~وترتب ابن أخيه الملك الجواد ms1294 مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن الملك ~~العادل في نيابة السلطنة بدمشق عن الملك العادل بن الملك الكامل صاحب مصر ~~باتفاق الأمراء الذين كانوا حاضرين ذلك الوقت بدمشق ثم بنى له تربة مجاورة ~~للجامع ولها شباك إلى الجامع ونقل إليها وكانت ولادته في سنة ست وسبعين ~~وخمسمائة في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول كذا وجدته بخط من يعتني ~~بالتاريخ والله أعلم 218 وتوفي ولده الملك المسعود بمكة شرفها الله تعالى ~~في ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست وعشرين وستمائة ومولده في سنة سبع وتسعين ~~وخمسمائة وكان PageV05P083 # بمكة رجل من المجاورين يقال له الشيخ صديق بن بدر بن ~~جناح من أكراد بلد إربل وكان من كبار الصالحين فلما حضرت الملك المسعود ~~الوفاة أوصى أنه إذا مات لا يجهز بشيء من ماله بل يسلم إلى الشيخ صديق ~~يجهزه من عنده بما يراه فلما مات تولى الشيخ صديق أمره وكفنه في إزار كان ~~أحرم فيه بالحج والعمرة سنين عديدة وجهزه تجهيز الفقراء على حسب قدرته وكان ~~أوصى أنه لا يبنى على قبره شيء بل يدفن في جانب المعلى جبانة مكة شرفها ~~الله تعالى ويكتب على قبره هذا قبر الفقير إلى رحمة الله تعالى يوسف بن ~~محمد بن أبي بكر بن أيوب ففعل به ذلك ثم إن عتيقه الصارم قايماز المسعودي ~~الذي تولى القاهرة بعد ذلك بنى عليه قبة ولما بلغ الملك الكامل ما فعله ~~الشيخ صديق كتب إليه وشكره فقال ما فعلت ما أستحق به الشكر فإن هذا رجل ~~فقير سألني القيام بأمره فساعدته بما يجب على كل أحد القيام به من مواراة ~~الميت فقيل له تكتب جواب الملك الكامل فقال ليس لي إليه حاجة وكان قد سأله ~~أن يسأله حوائجه كلها فما رد عليه الجواب أخبرني بذلك كله من كان حاضرا ~~ويعرف ما يقول والله أعلم 219 وأما ولده الملك العادل فإنه أقام في المملكة ~~إلى يوم الجمعة ثامن ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة فقبض عليه أمراء ~~دولته ms1295 بظاهر بلبيس وطلبوا أخاه الملك الصالح نجم الدين أيوب وكان الصالح قد ~~صالح الملك الجواد على أن أعطاه دمشق وعوضه عنها سنجار وعانة وقدم الصالح ~~دمشق متملكا لها في مستهل جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة ثم إن عمه ~~الملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بعلبك اتفق مع الملك المجاهد أسد ~~الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص على أخذ ~~دمشق اغتيالا وكان الملك الصالح نجم الدين قد خرج منها قاصدا الديار ~~المصرية ليأخذها من أخيه الملك العادل فلما استقر بنابلس وأقام بها مدة جرت ~~هذه الكائنة في سنة سبع وثلاثين وستمائة يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ~~صفر فهجما دمشق PageV05P084 # بعساكرهما وأخذاها وهي قضية مشهورة فلما أخذت دمشق رجع ~~العسكر الذي كان مع الصالح نجم الدين إليها ليدرك كل واحد منهم أهله وبنيه ~~وتركوا الملك الصالح بنابلس وحيدا في نفر قليل من غلمانه وأتباعه فجاءه ~~الملك الناصر ابن الملك المعظم صاحب الكرك وقبض عليه ليلة السبت الثاني ~~والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة وأرسله إلى الكرك واعتقله بها ثم إنه ~~أفرج عنه في ليلة السبت السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم من السنة ~~المذكورة وشرح ذلك يطول واجتمع هو والملك الناصر على نابلس فلما قبض الملك ~~العادل في التاريخ المذكور وطلب الأمراء الملك الصالح نجم الدين أيوب جاءهم ~~ومعه الملك الناصر صاحب الكرك ودخلا القاهرة في الساعة الثانية من يوم ~~الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة وكنت إذ ذاك ~~بالقاهرة وأدخل أخوه الملك العادل في محفة وحوله جماعة كثيرة من الأجناد ~~يحفظونه وحمله من خارج البلد إلى القلعة واعتقله بها عند دخوله في داخل ~~الدور السلطانية وبسط العدل في الرعية وأحسن إلى الناس وأخرج الصدقات ورمم ~~ما تهدم من المساجد وسيرته طويلة ثم إنه أخذ دمشق من عمه الملك الصالح في ~~يوم الاثنين ثامن جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة وأبقى عليه بعلبك ~~ومضى بعد ذلك إلى الشام في سنة ms1296 أربع وأربعين ودخلها في تاسع عشر ذي القعدة ~~من السنة ثم توجه إليها ست وأربعين بعد أن كان عاد إلى مصر ودخل دمشق في ~~أوائل شعبان من السنة وسير العساكر لحصار حمص وقد كان الملك الناصر صاحب ~~حلب أخذها من صاحبها الأشرف ابن صاحب حمص ثم رجع في أوائل سنة سبع وأربعين ~~وهو مريض وقصد الفرنج دمياط وهو مقيم بأشموم ينتظر وصولهم وكان وصولهم ~~إليها PageV05P085 # يوم الجمعة العشرين من صفر سنة سبع وأربعين وستمائة ~~وملكوا بر الجيزة يوم السبت وملكوا دمياط يوم الأحد ثلاثة أيام متوالية لأن ~~العسكر وجميع أهلها تركوها وهربوا منها وانتقل الملك الصالح من أشموم إلى ~~المنصورة ونزل بها وهو في غاية من المرض وأقام بها على تلك الحال إلى أن ~~توفي هناك ليلة الاثنين نصف شعبان من السنة المذكورة وحمل إلى القلعة ~~الجديدة التي في الجزيرة وترك بها في مسجد هناك وأخفي موته مقدار ثلاثة ~~أشهر والخطبة باسمه إلى أن وصل ولده الملك المعظم توران شاه من حصن كيفا ~~على البرية إلى المنصورة فعند ذلك أظهروا موته وخطب لولده المذكور ثم بعد ~~ذلك بني له بالقاهرة إلى جنب مدارسه تربة ونقل إليها في رجب سنة ثمان ~~وأربعين وستمائة وكانت ولادته في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث ~~وستمائة هكذا وجد بخط ابنه مكتوبا ورأيت في مكان آخر أنه ولد في ليلة ~~الخميس الخامس من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وفي مكان آخر أنه ولد في ~~الرابع من المحرم سنة أربع وستمائة والله تعالى أعلم وأمه جارية مولدة ~~سمراء اسمها ورد المنى رحمه الله تعالى وكانت ولادة الملك العادل في ذي ~~الحجة سنة سبع عشرة وستمائة بالمنصورة ووالده في قبالة العدو على دمياط ~~وتوفي في الاعتقال يوم الاثنين ثاني عشر شوال سنة خمس وأربعين وستمائة ~~بقلعة القاهرة ودفن في تربة شمس الدولة خارج باب النصر رحمه الله تعالى هذه ~~الفصول ذكرت خلاصتها ولو فصلتها لطال الشرح والمقصود الاختصار وطلب الإيجاز ~~مع أني كنت حاضرا أكثر وقائعها ms1297 220 وكان للملك العادل المذكور ولد صغير ~~يقال له الملك المغيث مقيما بالقلعة فلما وصل بن عمه الملك المعظم توران ~~شاه إلى المنصورة سير من هناك ونقله إلى قلعة الشوبك فلما جرت الكائنة على ~~المعظم أحضر متسلم قلعة الكرك PageV05P086 # الملك المغيث من الشوبك وسلم إليه الكرك والشوبك وتلك ~~النواحي وهو الآن ملكها ولم يزل مالكا لها إلى سنة إحدى وستين وستمائة فنزل ~~الملك الظاهر ركن الدين بيبرس المذكور في ترجمة القاضي مجلي صاحب كتاب ~~الذخائر بالغور وراسله وبذل له من تسليم البلد بذولا كثيرة وحلف له ويقال ~~إنه ورى في اليمين ولم يستقض فيها فنزل إليه إلى منزله بالطور من الغور ~~فقبض عليه ساعة وصوله وجهزه إلى قلعة الجبل بمصر واعتقله بها 221 وكان ~~للمغيث ولد ينعت بالعزيز فخر الدين عثمان صغير السن فأمره الملك الظاهر ولم ~~يزل في خدمته أميرا إلى أن فتح أنطاكية في شهر رمضان سنة ست وستين وستمائة ~~وتوجه من الشام بعد ذلك إلى مصر فلما دخل إليها قبض عليه واعتقله وهو الآن ~~معتقل بقلعة الجبل المذكورة وهذه قلعة الكرك هي المذكورة في ترجمة القاضي ~~مجلي أيضا وكان الملك الظاهر يخاف على أولاده فكان يبالغ في تحصين القلعة ~~المذكورة ويملؤها بالذخائر والأموال ولما جرى لولده السعيد ما ذكرنا في ~~ترجمة القاضي مجلي وتوجه إلى الكرك نفعته تلك الذخائر ووجدها عونا له على ~~زمانه 222 ولما توفي الملك السعيد ابن الملك الظاهر في الكرك كما ذكرناه في ~~الترجمة المذكورة ملكها بعد أخوه الملك المسعود نجم الدين خضر ابن الملك ~~الظاهر باتفاق ممن كان بها من مماليك أبيه ومن أمرائه وهو الآن متملكها ~~مقيم بها ثم نزل منها بالأمان بعد حصاره فيها في مدة الأمير حسام الدين ~~طرنطاي المنصوري كان نائب المملكة وتقدم العساكر ونزل معه أخوه الملك ~~العادل سلامش بعد أخيه السعيد وتوجه إلى الديار المصرية إلى خدمة السلطان ~~الملك PageV05P087 # المنصور سيف الدين قلاون الصالحي المذكور في ترجمة ~~القاضي مجلي في أوائل هذا الحرف فأحسن السلطان إليهما ms1298 وجعل الملك خضرا ~~وأخاه سلامش أميرين وأقطعهما الإقطاعات الجيدة وأسكنهما بقلعة الجبل ~~المنصور واستمر الأمر على ذلك وهما مختلطان به في جملة أهله ملازمان للركوب ~~مع ولديه السلطان الملك الصالح علاء الدين والملك الأشرف صلاح الدين خليل ~~ولم يزل الأمر كذلك إلى شهور سنة ثمان وثمانين وستمائة فجرى من الأمر ما ~~اقتضى الحال معه القبض على الأميرين نجم الدين خضر وبدر الدين سلامش ~~المذكورين واعتقالهما بقلعة الجبل المنصورة وأما الملك الصالح بن الملك ~~المنصور المذكور فإنه كان ولي عهد أبيه وكان حازما شديد الرأي وتوفي في ~~حياة والده في شهر شعبان سنة سبع وثمانين وستمائة ثم إن والده جعل ولاية ~~العهد إلى ولده الملك الأشرف المذكور وقلده الملك في شهر شوال سنة سبع ~~وثمانين المذكورة وهو من الملوك المشهورين بعلو الهمة والسعادة والحزم ~~وتوفي الملك المنصور قلاون في يوم السبت من شهر ذي القعدة سنة تسع وثمانين ~~وستمائة في دهليزه بمسجد التين وكان قد خرج على نية الغزاة إلى عكا فعرض له ~~مرض فقضى به نحبه وعادت العساكر إلى مستقرها واستقل ولده السلطان الملك ~~الأشرف بالمملكة يجمع المعاقل والبلاد ولم ير في الملوك أكثر سعادة منه ولا ~~أعلى همة ولا أكرم نفسا ولا أكثر وفاء لمن خدمه ولاذ به وفي أيام الملك ~~المنصور فتحت طرابلس الشام يوم الثلاثاء تاسع ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين ~~وستمائة وكان نازلها بنفسه وعساكره وفتحها قهرا بالسيف واستولى القتل ~~والأسر والنهب على أهلها وملك ما جاورها من قلعة جبيل والبترون وغير ذلك ثم ~~إن الملك الأشرف المذكور بعد استقلاله بالملك بمدة يسيرة خرج بنفسه وجمع ~~عساكره وتوجه إلى عكا فنازلها في يوم وكان خروجه من مصر في يوم واجتمع على ~~عكا جميع الناس الجند والمتطوعة وغيرهم وسائر البلاد ويسر الله فتحها في ~~يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى سنة تسعين وستمائة في مثل الساعة من ~~اليوم من الشهر الذي أخذت فيه من المسلمين إلا أن الشهر كان الأولى وأخذت ~~من المسلمين في أيام صلاح الدين ms1299 يوسف بن أيوب في الآخرة سنة سبع وثمانين ~~وخمسمائة وأن PageV05P088 # السلطان الملك الأشرف صلاح الدين أخرج أهلها منها ~~وقتلهم جميعا بالسيف وكذلك الفرنج عملوا بالذي كان فيها من المسلمين لما ~~ملكوها في أيام صلاح الدين فانظروا إلى هذا الاتفاق العجيب في أمور كثيرة ~~لما أخذت من صلاح الدين ملكها صلاح الدين وقتل المسلمون بها ثم قتل ~~الكافرون بها وأخذت من المسلمين ثاني ساعة من يوم الجمعة سابع عشر جمادى ~~الآخرة ثم ملكها المسلمون ثاني ساعة من يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى ~~فسبحان مقدر الأمور ثم انحلت عزائم الفرنج عن أخذ عكا فهرب من كان ببيروت ~~وعثليث وهما حصنان عظيمان لا تتطرق الأوهام إليهما وملكهما المسلمون بحول ~~الله وقوته من غير منازع وملكوا أيضا صيدا وبيروت وحيفا فلم يبق للفرنج على ~~الساحل الشامي قلعة ولا بلد ولا قرية ولا جزيرة إلا وملك المسلمون ذلك ~~جميعه والحمد لله وحده وتوفي المعظم توران شاه يوم الاثنين السابع والعشرين ~~من المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة رحمه الله تعالى والله تعالى أعلم ~~694 ب الملك الكامل الأيوبي أبو المعالي محمد بن أبي بكر الملقب الملك ~~الكامل ناصر الدين صاحب الديار المصرية خطب له اخوته وأهل بيته في بلادهم ~~وضربوا السكة باسمه وكان محبوبا إلى الناس مسعودا مؤيدا في الحروب ولما نزل ~~الفرنج على دمياط في صفر سنة خمس عشرة اتفق لما يريده الله تعالى وفاة ~~والده العادل وجرت أمور مع ذلك أوجبت خروج السلطان ومن معه من المخيم ليلا ~~إلى أشموم حسبما هو مشروح في ترجمة عماد الدين أحمد بن المشطوب المذكور في ~~حرف الهمزة PageV05P089 # وكان الفرنج قد ساروا عن دمياط في الفارس والراجل ~~وقصدوا الملك الكامل فنزلوا مقابله وبينهما بحر أشموم وهم يرمون بمناجيقهم ~~وجروخهم إلى عساكر المسلمين وتيقنوا وكل الناس أنهم يملكون الديار المصرية ~~فوصل الأشرف وتلقاه أخواه الكامل والمعظم واستبشروا به وكافة المسلمين ~~وتوقعوا النصرة على الأعداء الكافرين ووقع الاتفاق أن يبعثوا في بحر المحلة ~~أسطولا يدخل إلى بحر دمياط ms1300 ليمنع الميرة عن الفرنج وأمر السلطان بنصب ~~الجسور وعبر عليها المسلمون إلى جزيرة شرمساح التي الفرنج مخيمون عليها ~~وكسروا النيل عليها وكان النيل في زيادته فركب الماء أكثر تلك الأرض ولم ~~يبق للفرنج جهة يسلكونها غير جهة واحدة ضيقة إن أرادوا العود إلى دمياط ~~وعبرت العساكر وملكوا الطريق ولم يبق لهم خلاص وأيقنوا بالهلكة فراسلوا ~~السلطان الملك الكامل يبذلون له النزول عن دمياط على أن يؤمنهم فأجابهم إلى ~~ذلك وشرط عليهم إطلاق من في أيديهم من أسرى المسلمين وأخذ منهم رهائن ~~ملوكهم على تسليم البلد وتقرر بينهم صلح مدة ثمان سنين وتسلم السلطان دمياط ~~يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب فكانت مدة ملك الفرنج لها سنة ~~وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما وكان يوما مشهودا ومن العجيب أن المسلمين ~~لما تسلموها وصلت للفرنج نجدة في البحر فلو سبقوا المسلمين إليها لامتنعوا ~~من تسليم دمياط ليقضي الله أمرا كان مفعولا فلما دخلها المسلمون لم يجدوا ~~فيها من أهلها إلا آحادا فبعضهم سار عنها باختياره وبعضهم مات وكان الفرنج ~~قد حصنوها تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ترام ولا يوصل إليها وأعاد الله ~~سبحانه وتعالى الحق إلى نصابه ورده إلى أربابه فالله المحمود المشكور على ~~ما أنعم به على الإسلام والمسلمين من كف عادية هذا العدو وكفاهم شره منقبة ~~للملك الكامل جرت في هذه النوبة لما وقع الحصار على مدينة دمياط اتفق أن ~~علجا منهم لعنه الله قد ألهج لسانه بسب النبي صلى الله عليه وسلم معلنا به ~~على خنادقهم ومنكيا لمن يليهم من حرس الإسلام ورجالهم وكان أمره قد استفحل ~~وداء اشتهاره بهذه العظيمة قد أعضل وقد جعل هذا PageV05P090 # الأمر ديدن جهاده وذهب عنه أن الله تعالى ينتقم لنفسه ~~من عتو هذا اللعين وعناده فلما كانت الوقعة المشهورة في شعبان من سنة ست ~~عشرة التي أسر فيها أعلاج الكفر وكنودهم وأفاء الله على أهل دينه عدوهم ~~وعديدهم واستولى منهم على ما يناهز ألفي فارس عرف هذا العلج في جملة من ~~اشتمل ms1301 عليه الاستيلاء منهم حصرا وعدا وعوجل بعقوبة كفره الذي تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا فلما صفد في وثاقه وخرست شقاشق ~~شقاقه أشعر السلطان الملك الكامل بموضعه فتنوعت المشورات بصورة قتل هذا ~~الكافر واللحاق بروحه إلى الجحيم التي هي مأوى الفاجر فصمم الملك الكامل ~~على إرسال هذا العلج مع من يوصله إلى والي المدينة النبوية على ساكنها أفضل ~~الصلاة والسلام وإشعاره بأمره وأن يباشر بذلك المحل الشريف تطهير الأرض من ~~كفره فلما وصل أقيم بين يدي الضريح المطهر ونوجي ذلك المحل الأطهر وذلك في ~~عيد الفطر من السنة المذكورة وقيل يا رسول الله هذا عدو الله وعدوك والمصرح ~~في ملة كفره بسبك وسب صاحبك قد أرسله محمد سلطان مصر ليقتل بين يديك ويشكر ~~الله لما وفقه من مجاهدة الشرك الذين كفروا بما أنزل إليك ورام أن يجعله ~~عبرة لمن انتهك حرمتك واجترأ عليك فتهادته أيدي المنايا ضربا بالسيوف وفرح ~~المؤمنون بنصر الله لدينه على طوائف الشرك وإن رغمت منها الأنوف والحمد لله ~~رب العالمين لا جرم أنه بعد وفاته أثيب على هذا المقصد السديد والتوفيق ~~الذي ما على النعمة به من مزيد ان الانبرور ملك صقلية وغيرها من بلاد ~~الفرنج وهو اليوم أكبر ملوكهم خطرا وكانت بينه وبين الملك الكامل صداقة ~~ومهاداة يألفه بها إلى أن تأكدت له محبته وصار ذبه عن بلاده من طوائف الكفر ~~ديدنه وعادته كان عنده من الأسرى المأخوذين من مدينة ميرقة من الغرب عند ~~استيلائه عليها جماعة فأحضرهم الانبرور بين يديه وقال لهم يا حجاج قد ~~أعتقتكم عن الملك الكامل وسيرهم مع قصاد تقودهم إلى عكا وأمرهم بحل قيودهم ~~عند قبره وإطلاق سبيلهم PageV05P091 # وكانت وفاته بدمشق يوم الأربعاء آخر النهار ودفن يوم ~~الخميس في الساعة الثانية منه وذلك لتسع بقين من شهر رجب سنة خمس وثلاثين ~~وستمائة بالكلاسة رحمه الله تعالى ولما توفي كان ولده الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب بالبلاد الشرقية وهي التي كانت بيده في حياة والده وكان ولده ~~الملك ms1302 العادل سيف الدين أبو بكر بالديار المصرية ولما بلغ بدر الدين لؤلؤ ~~صاحب الموصل وفاة السلطان قصد سنجار مريدا حصارها وبها الملك الصالح نجم ~~الدين فنازلها وزحف إليها فأرسل عليهم الخوارزمية فأوقعوا بهم واستولوا على ~~جميع ما معهم من الأثقال ثم جرت مراسلات آخرها أنهم انقادوا لأمره ودخلوا ~~في طاعته وكانت هذه الواقعة من الوقائع العجيبة ولما كان مستهل جمادى ~~الآخرة وصل الملك الصالح المذكور إلى دمشق ودخلها في الساعة الخامسة من ~~النهار وقد تقدم في ترجمة بهاء الدين زهير المذكور طرف من حديثه وملكه ~~للديار المصرية حسبما شرحناه ثم 695 محمد بن عبد الله بن طاهر أبو العباس ~~محمد بن عبد الله بن طاهر الخزاعي كان شيخا فاضلا وأديبا شاعرا وهو أمير ~~ابن أمير ابن أمير ولي إمارة بغداد في أيام المتوكل وكان مألفا لأهل العلم ~~والأدب وقد أسند حديثا عن أبي الصلت قال أحمد بن يزيد المهلبي كانت لأبي ~~حاجة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فكتب إليه (ألا مبلغ عني الأمير محمدا * ~~مقالا له فضل على القول واسع) PageV05P092 # (لنا حاجة إن أمكنتك قضيتها * وإن هي لم تمكن فعذرك ~~واسع) (فأنت وإن كنت الجواد بعينه * فلست بمعطي الناس ما الله مانع) (فإن ~~يور زند الطاهري فبالحري * وإلا فقد تنبو السيوف القواطع) وقيل كان الحسن ~~بن وهب عند محمد بن عبد الله بن طاهر فعرضت سحابة وبرقت ومطرت فقال كل من ~~حضر فيها شيئا فقال الحسن (هطلتنا السماء هطلا دراكا * عارض المرزمان فيها ~~السماكا) (قلت للبرق إذ توقد فيها * يا زناد السماء من أوراكا) (أحبيب ~~نأيته فجفاكا * فهو العارض الذي استبكاكا) (أم تشبهت بالأمير أبي العباس * ~~في جوده فلست هناكا) قال إبراهيم بن عرفة في سنة ثلاث وخمسين ومائتين لإحدى ~~عشرة ليلة خلت من ذي القعدة انكسف القمر في أول الليل حتى ذهب أكثره فلما ~~انتصف الليل مات محمد بن عبد الله بن طاهر وكان به خراج في حلقه واشتد حتى ~~عولج بالفتائل وفي وفاته يقول أخوه عبد ms1303 الله بن عبد الله بن طاهر (هد ركن ~~الخلافة الموطود * زال عنها السرادق الممدود) (كسف البدر والأمير جميعا * ~~وانجلى البدر والأمير عميد) ودفن في مقابر قريش رحمه الله تعالى ~~PageV05P093 # 696 الوزير ابن الزيات أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن ~~أبان بن حمزة المعروف بابن الزيات وزير لمعتصم كان جده أبان رجلا من أهل ~~جبل من قرية كان بها يقال لها الدسكرة بجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد فسمت ~~بمحمد المذكور همته على ما يأتي ذكره فيه وكان من أهل الأدب الظاهر والفضل ~~الباهر أديبا فاضلا بليغا عالما بالنحو واللغة ذكر ميمون بن هارون الكاتب ~~أن أبا عثمان المازني لما قدم بغداد في أيام المعتصم كان أصحابه وجلساؤه ~~يخوضون بين يديه في علم النحو فإذا اختلفوا فيما يقع فيه الشك يقول لهم أبو ~~عثمان ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب يعني محمد بن عبد الملك المذكور فاسألوه ~~واعرفوا جوابه فيفعلون ويصدر جوابه بالصواب الذي يرتضيه أبو عثمان ويوقفهم ~~عليه وقد ذكره دعبل بن علي الخزاعي المقدم ذكره في كتاب طبقات الشعراء ~~وذكره أبو عبد الله هارون بن المنجم الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في كتاب ~~البارع وأورد له من شعره عدة مقاطيع وكان في أول أمره من جملة الكتاب وكان ~~أحمد بن عمار بن شاذي البصري وزير المعتصم فورد على المعتصم كتاب من بعض ~~العمال فقرأه الوزير عليه وكان في الكتاب ذكر الكلأ فقال له المعتصم ما ~~الكلأ فقال لا أعلم وكان قليل المعرفة بالأدب فقال المعتصم خليفة أمي ووزير ~~عامي وكان المعتصم ضعيف الكتابة ثم قال أبصروا من بالباب من الكتاب فوجدوا ~~PageV05P094 # محمد بن عبد الملك المذكور فأدخلوه إليه فقال له ما ~~الكلأ فقال الكلأ العشب على الإطلاق فإن كان رطبا فهو الخلا فإذا يبس فهو ~~الحشيش وشرع في تقسيم أنواع النبات فعلم المعتصم فضله فاستوزره وحكمه وبسط ~~يده وقد ذكرنا ما كان بينه وبين القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي في ترجمته ~~وحكى أبو عبد الله البيمارستاني أن ms1304 أبا حفص الكرماني كاتب عمرو بن مسعدة ~~كتب إلى محمد بن عبد الملك الزيات المذكور أما بعد فإنك ممن إذا غرس سقى ~~وإذا أسس بنى ليستتم بناء أسه ويجتني ثمرة غرسه وبناؤك في ودي قد وهى وشارف ~~الدروس وغرسك عندي قد عطش وأشفى على اليبوس فتدارك بناء ما أسست وسقي ما ~~غرست فقال البيمارستاني فحدثت بذلك أبا عبد الرحمن العطوي فقال في هذا ~~المعنى يمدح محمد بن عمران بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك ثم وجدت ~~الأبيات في ديوان أبي نواس صنعة الأصبهاني وهي (إن البرامكة الكرام تعلموا ~~* فعل الجميل وعلموه الناسا) (كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا * لا يهدمون ~~لما بنوه أساسا) (وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى * جعلوا لها طول البقاء ~~لباسا) (فعلام تسقيني وأنت سقيتني * كأس المودة من جفائك كأسا) (آنستني ~~متفضلا أفلا ترى * أن القطيعة توحش الإيناسا) وقد تقدم في ترجمة عبد المحسن ~~الصوري هذا المعنى أيضا ولابن الزيات المذكور أشعار رائقة فمن ذلك قوله ~~(سماعا يا عباد الله مني * وكفوا عن ملاحظة الملاح) PageV05P095 # (فإن الحب آخره المنايا * وأوله يهيج بالمزاح) (وقالوا ~~دع مراقبة الثريا * ونم فالليل مسود الجناح) (فقلت وهل أفاق القلب حتى * ~~أفرق بين ليلي والصباح) وله على ما نقلته من خط بعض الأفاضل (ظالم ما علمته ~~* معتد لا عدمته) (مطمع في الوصال ممتنع * حين رمته) (قال إذ أفصح البكاء * ~~بما قد كتمته) (لو بكى طول عمره * بدم ما رحمته) (رب هم طويت فيه * وغيظ ~~كظمته) (وحياة سئمتها * والهوى ما سئمته) وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن ~~ابن الزيات المذكور كان يعشق جارية من جواري القيان فبيعت من رجل من أهل ~~خراسان فأخرجها قال فذهل عقل ابن الزيات حتى غشي عليه ثم إنه أنشأ يقول (يا ~~طول ساعات ليل العاشق الدنف * وطول رعيته للنجم في السدف) (ماذا تواري ~~ثيابي من أخي حرق * كأنما الجسم منه دقة الألف) (ما قال يا أسفا يعقوب من ~~كمد * إلا لطول الذي لاقى من الأسف) (من سره ms1305 أن يرى ميت الهوى دنفا * ~~فليستدل على الزيات وليقف) ومن شعره ما ذكره في كتاب البارع يرثي جاريته ~~وقد خلفت له ابن ثمان سنين وكان يبكي عليها فيتألم بسببه وهو PageV05P096 # (ألا من رأى الطفل المفارق أمه * بعيد الكرى عيناه ~~تنسكبان) (رأى كل أم وابنها غير أمه * يبيتان تحت الليل ينتجيان) (وبات ~~وحيدا في الفراش تجيبه * بلابل قلب دائم الخفقان) (فهبني أطلت الصبر عنها ~~لأنني * جليد فمن للصبر بابن ثمان) (ضعيف القوى لا يعرف الصبر جسمه * ولا ~~يأتسي بالناس في الحدثان) وله ديوان رسائل جيد ومدحه البحتري بقصيدته ~~الدالية وأحسن في وصف خطه وبلاغته وقال في آخرها (وأرى الخلق مجمعين على ~~فضلك * من بين سيد ومسود) (عرف العالمون فضلك بالعلم * وقال الجهال ~~بالتقليد) ولأبي تمام فيه مدائح وجماعة من شعراء عصره ولإبراهيم بن العباس ~~الصولي المقدم ذكره فيه مقاطيع يعبث به فيها فمن ذلك قوله (أخ كنت آوي منه ~~عند ادكاره * إلى ظل آباء من العز شامخ) (سعت نوب الأيام بيني وبينه * ~~فأقلعن منه عن ظلوم وصارخ) (وإني وإعدادي لدهري محمدا * كملتمس إطفاءه نار ~~نافخ) ومن ذلك قوله أيضا (دعوتك عن بلوى ألمت ضرورة * فأوقدت عن طعن علي ~~سعيرها) (وإني إذا أدعوك عند ملمة * كداعية عند القبور نصيرها) وله أيضا ~~فيه (أبا جعفر خف نبوة بعد دولة * وقصر قليلا عن مدى غلوائكا) PageV05P097 # (فإن يك هذا اليوم يوما حويته * فإن رجائي في غد ~~كرجائكا) وله فيه أيضا (قلت لها حين أكثرت عذلي * ويحك أزرت بنا المروءات) ~~(قالت فأين السراة قلت لها * لا تسألي عنهم فقد ماتوا) (قالت ولم ذاك قلت ~~لها * هذا وزير الإمام زيات) وله أيضا فيه (لئن صدرت بي زورة عن محمد * ~~بمنع لقد فارقته ومعي قدري) (أليست يدا عندي لمثل محمد * صيانته عن مثل ~~معروفه شكري) وله فيه أيضا (فإن تكن الدنيا أنالتك ثروة * فأصبحت ذا يسر ~~وقد كنت ذا عسر) (فقد كشف الإثراء منك خلائقا * من اللؤم كانت تحت ثوب من ~~الفقر) وله فيه أيضا (من يشتري مني ms1306 إخاء محمد * أم من يريد إخاءه مجانا) ~~(أم من يخلص من إخاء محمد * وله مناه كائنا من كانا) وله أشياء غير ذلك وما ~~زالت الأشراف تهجى وتمدح وفيه يقول بعضهم ولا أذكره الآن ثم ظفرت به بعد ~~ذلك وهو القاضي أحمد بن أبي دواد الإيادي المقدم ذكره وكان ابن الزيات ~~المذكور قد هجاه بتسعين بيتا فعمل القاضي أحمد فيه بيتين وهما (أحسن من ~~تسعين بيتا سدى * جمعك معناهن في بيت) (ما أحوج الملك إلى مطرة * تغسل عنه ~~وضر الزيت) PageV05P098 # ونسب صاحب العقد هذين البيتين إلى علي بن الجهم والأول ~~حكاه في الأغاني والله تعالى أعلم فأجابه ابن الزيات عن بيتيه بقوله معرضا ~~بأن بعض أجداد القاضي كان يبيع القار (يا أيها الطامع في هجونا * نفسك قد ~~عرضت للموت) (الزيت لا يزري بأحسابنا * أحسابنا معروفة البيت) (قيرتم الملك ~~فلم ننقه * حتى غسلنا القار بالزيت) ولما مات المعتصم وقام بالأمر ولده ~~الواثق هارون أنشد ابن الزيات المذكور (قد قلت إذ غيبوك وانصرفوا * في خير ~~قبر لخير مدفون) (لن يجبر الله أمة فقدت * مثلك إلا بمثل هارون) وأقره ~~الواثق على ما كان عليه في أيام المعتصم بعد أن كان متسخطا عليه في أيام ~~أبيه وحلف يمينا مغلظة أنه ينكبه إذا صار الأمر إليه فلما ولي أمر الكتاب ~~أن يكتبوا ما يتعلق بأمر البيعة فكتبوا فلم يرض ما كتبوه فكتب ابن الزيات ~~نسخة رضيها وأمر بتحرير المكاتبات عليها فكفر عن يمينه وقال عن المال ~~والفدية عن اليمين عوض وليس عن الملك وابن الزيات عوض فلما مات وتولى ~~المتوكل كان في نفسه منه شيء كثير فسخط عليه بعد ولايته بأربعين يوما فقبض ~~عليه واستصفى أمواله وكان سبب قبضه عليه أنه لما مات الواثق بالله أخو ~~المتوكل أشار محمد المذكور بتولية ولد الواثق وأشار القاضي أحمد ابن أبي ~~دواد المذكور بتولية المتوكل وقام في ذلك وقعد حتى عممه بيده وألبسه البردة ~~وقبله بين عينيه وكان المتوكل في أيام الواثق يدخل على الوزير المذكور ~~فيتجهمه ويغلظ عليه ms1307 في الكلام وكان يتقرب بذلك إلى قلب الواثق فحقد المتوكل ~~ذلك عليه فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلا أن يستر أمواله فيفوته ~~فاستوزره ليطمئن وجعل القاضي أحمد يغريه ويجد لذلك عنده موقعا PageV05P099 # فلما قبض عليه ومات في التنور كما سيأتي ذكره لم يجد ~~من جميع أملاكه وضياعه وذخائره إلا ما كانت قيمته مائة ألف دينار فندم على ~~ذلك ولم يجد عنه عوضا وقال للقاضي أحمد أطمعتني في باطل وحملتني على شخص لم ~~أجد عنه عوضا وكان ابن الزيات المذكور قد اتخذ تنورا من حديد وأطراف ~~مساميره المحددة إلى داخل وهي قائمة مثل رؤوس المسال في أيام وزارته وكان ~~يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال فكيفما انقلب واحد ~~منهم أو تحرك من حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه فيجدون لذلك أشد ~~الألم ولم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة وكان إذا قال له أحد منهم أيها ~~الوزير ارحمني فيقول له الرحمة خور في الطبيعة فلما اعتقله المتوكل أمر ~~بإدخاله في التنور وقيده بخمسة عشر رطلا من الحديد فقال يا أمير المؤمنين ~~ارحمني فقال له الرحمة خور في الطبيعة كما كان يقول للناس فطلب دواة وبطاقة ~~فأحضرتا اليه فكتب (هي السبيل فمن يوم إلى يوم * كأنه ما تريك العين في ~~النوم) (لا تجزعن رويدا إنها دول * دنيا تنقل من قوم إلى قوم) وسيرها إلى ~~المتوكل فاشتغل عنها ولم يقف عليها إلا في الغد فلما قرأها المتوكل أمر ~~بإخراجه فجاؤوا إليه فوجدوه ميتا وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وكانت ~~مدة إقامته في التنور أربعين يوما وكان القبض عليه لثمان مضين من صفر من ~~السنة المذكورة ولما مات وجد في التنور مكتوب بخطه قد خطه بالفحم على جانب ~~التنور يقول (من له عهد بنوم * يرشد الصب إليه) PageV05P100 # (رحم الله رحيما * دل عيني عليه) (سهرت عيني ونامت * ~~عين من هنت لديه) وقال أحمد الأحول لما قبض على ابن الزيات تلطفت إلى أن ~~وصلت إليه فرأيته في حديد ثقيل فقلت له يعز علي ما ms1308 أرى فقال (سل ديار الحي ~~من غيرها * وعفاها ومحا منظرها) (وهي الدنيا إذا ما أقبلت * صيرت معروفها ~~منكرها) (إنما الدنيا كظل مائل * نحمد الله كذا قدرها) ولما جعل في التنور ~~قال له خادمه يا سيدي قد صرت إلى ما صرت إليه وليس لك حامد فقال وما نفع ~~البرامكة صنعهم فقال ذكرك لهم هذه الساعة فقال صدقت رحمه الله تعالى 696 ب ~~الوزير ابن الزيات كان شاعرا مجيدا وفاضلا نبيلا وزر لثلاثة خلفاء من بني ~~العباس وهم المعتصم والواثق والمتوكل وكان سبب وزارته ما حكى الصولي عن ~~سعيد بن سلم قال ورد كتاب من الجبل على المعتصم بوصف خصب السنة وكثرة الكلأ ~~فقال لأحمد بن عمار ما الكلأ فلم يعرفه فدعا ابن عبد الملك وسأله عنه فقال ~~ما رطب من النبات فهو كلأ وإذا جف فهو حشيش ويسمى أول ما ينبت الرطب والبقل ~~فقال لأحمد أنت انظر في الأمور والدواوين والأعمال وهذا يعرض علي فعرض عليه ~~أياما ثم استوزره وكان محمد PageV05P101 # المذكور قبل ذلك يلي أمور المطبخ والفرش وكان الواثق ~~لما ولي أمر أن يقوم جميع الناس لابن الزيات ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد ~~فكان ابن أبي دواد يستعجل صلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفة من القيام له في ~~دار السلطان وامتثالا للأمر فصنع ابن الزيات (صلى الضحى لما استقاد عداوتي ~~* وأراه ينسك بعدها ويصوم) (لا تأمنن عداوة مسمومة * تركتك تقعد تارة ~~وتقوم) وقد سبق شيء من خبره معه في ترجمته ومن شعر محمد المذكور في جاريته ~~أم ابنه عمر وقد ماتت (يقول لي الخلان لو زرت قبرها * فقلت وهل غير الفؤاد ~~لها قبر) (على حين لم أحدث فأجهل فقدها * ولم أبلغ السن التي معها الصبر) ~~وشعره كله نخب ونقتصر منه على هذا القدر ففيه كفاية وكان أبوه زياتا إلا ~~أنه كان كثير المال وكان محمد المذكور شديد القسوة صعب العريكة لا يرق لأحد ~~ولا يرحمه وكان يقول الرحمة خور في الطبيعة ووقع يوما على رقعة رجل توسل ~~إليه بقرب ms1309 الجوار منه الجوار للحيطان والتعطف للنسوان فلما أراد المتوكل ~~قتله أحضره وأحضر تنور خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى داخل التنور ~~تمنع من يكون فيه من الحركة كان محمد اتخذه ليعذب فيه من يطالبه وهو أول من ~~عمل ذلك وعذب فيه ابن أسباط المصري وقال أجرينا فيك حكمك في الناس فأجلس ~~فيه فمات بعد ثلاث وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وقيل إنه كتب في ~~التنور بفحمة (من له عهد بنوم * يرشد الصب إليه) (رحم الله رحيما * دل عيني ~~عليه) ودفن ولم يعمق قبره فنبشته الكلاب وأكلته رحمه الله تعالى ~~PageV05P102 # وكان الجاحظ منقطعا إليه فخاف أن يؤخذ مع أسبابه فغاب ~~وكان يقول كدت أكون (...) وحكى ابن أبي العيناء قال كنت عند ابن أبي دواد ~~بعد قتل ابن الزيات فجيء بالجاحظ مقيدا وكان في أسبابه وناحيته وعند ابن ~~أبي دواد محمد بن منصور وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخوزستان فقال ابن أبي ~~دواد للجاحظ ما تأويل هذه الآية * (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد) * (هود 102) فقال تلاوتها تأويلها أعز الله القاضي فقال ~~جيئوا بحداد فقال أعز الله القاضي ليفك عني أو ليزيدني فقال بل ليفك عنك ~~فجيء بالحداد وغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أسره قليلا ~~ففعل فلطمه الجاحظ وقال اعمل عمل شهر في يوم وعمل يوم في ساعة وعمل ساعة في ~~لحظة فان الغرر على ساقي وليس بجذع ولا ساجة فضحك ابن أبي دواد وأهل المجلس ~~منه وقال ابن أبي دواد لمحمد بن منصور أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه 697 أبو ~~الفضل ابن العميد أبو الفضل محمد بن العميد أبي عبد الله الحسين بن محمد ~~الكاتب المعروف بابن العميد والعميد لقب والده لقبوه بذلك على عادة أهل ~~خراسان في إجرائه مجرى التعظيم وكان فيه فضل وأدب وله ترسل وأما ولده أبو ~~الفضل فإنه كان وزير ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه PageV05P103 # الديلمي والد عضد الدولة وقد تقدم ms1310 ذكرهما وتولى وزارته ~~عقيب موت وزيره أبي علي ابن القمي وذلك في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وكان ~~متوسعا في علوم الفلسفة والنجوم وأما الأدب والترسل فلم يقاربه فيه أحد في ~~زمانه وكان يسمى الجاحظ الثاني وكان كامل الرياسة جليل المقدار من بعض ~~أتباعه الصاحب ابن عباد المقدم ذكره ولأجل صحبته قيل له الصاحب وكان له في ~~الرسائل اليد البيضاء قال الثعالبي في كتاب اليتيمة كان يقال بدئت الكتابة ~~بعبد الحميد وختمت بابن العميد وقد تقدم ذكر عبد الحميد وكان الصاحب ابن ~~عباد قد سافر إلى بغداد فلما رجع إليه قال له كيف وجدتها فقال بغداد في ~~البلاد كالأستاذ في العباد وكان يقال له الأستاذ وكان سائسا مدبرا للملك ~~قائما بحقوقه وقصده جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة ومدحوه ~~بأحسن المدائح فمنهم أبو الطيب المتنبي ورد عليه وهو بأرجان ومدحه بقصائد ~~إحداها التي أولها (باد هواك صبرت أو لم تصبرا * وبكاك إن لم يجر دمعك أو ~~جرى) ومنها عند مخلصها (أرجان أيتها الجياد فإنه * عزمي الذي يذر الوشيج ~~مكسرا) (لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله * ما شق كوكبك العجاج الأكدرا) (أمي ~~أبا الفضل المبر أليتي * لأيممن أجل بحر جوهرا) PageV05P104 # (أفتى برؤيته الأنام وحاش لي * من أكون مقصرا أو ~~مقصرا) ومنها (من مبلغ الأعراب أني بعدها * شاهدت رسطاليس والإسكندرا) ~~(ومللت نحر عشارها فأضافني * من ينحر البدر النضار لمن قرى) (وسمعت بطلميوس ~~دارس كتبه * متملكا متبديا متحضرا) (ولقيت كل الفاضلين كأنما * رد الإله ~~نفوسهم والأعصرا) (نسقوا لنا نسق الحساب مقدما * وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا) ~~وهي من القصائد المختارة وقال ابن الهمداني في كتاب عيون السير أعطاه ثلاثة ~~آلاف دينار وقد استعمل أرجان بتخفيف الراء وهي مشددة على ما ذكره الجوهري ~~في كتاب الصحاح والحازمي في كتاب ما اتفق لفظه وافترق مسماه وابن الجواليقي ~~في كتاب المعرب وقد سبق ذكره هذه القصيدة في ترجمة أبي الفضل جعفر بن ~~الفرات وأن المتنبي نظمها فيه وهو بمصر فلما لم يرضه لم ينشده إياها فلما ms1311 ~~توجه إلى بلاد فارس صرفها لابن العميد وكان أبو نصر عبد العزيز بن نباتة ~~السعدي المقدم ذكره قد ورد عليه وهو بالري وامتدحه بقصيدته التي أولها (برح ~~اشتياق وادكار * ولهيب أنفاس حرار) (ومدامع عبراتها * ترفض عن نوم مطار) ~~(لله قلبي ما يجن * من الهموم وما يواري) (لقد انقضى سكر الشباب * وما ~~انقضى وصب الخمار) (وكبرت عن وصل الصغار * وما سلوت عن الصغار) (سقيا ~~لتغليسي إلى * باب الرصافة وابتكاري) PageV05P105 # (أيام أخطر في الصبا * نشوان مسحوب الإزار) (حجي إلى ~~حجر الصراة * وفي حدائقها اعتماري) (ومواطن اللذات أوطاني * ودار اللهو ~~داري) ومنها (لم يبق لي عيش يلذ * سوى معاقرة العقار) (حسبي بألحان قمرت * ~~بهن ألحان القماري) (وإذا استهل ابن العميد * تضاءلت ديم القطار) (خرق صفت ~~أخلاقه * صفو السبيك من النضار) (فكأنما رفدت مواهبه * بأمواج البحار) ~~(وكأن نشر حديثه * نشر الخزامى والعرار) (وكأننا مما تفرق * راحتاه في ~~نثار) (كلف بحفظ السر تحسب * صدره ليل السرار) ومنها (إن الكبار من الأمور ~~* تنال بالهمم الكبار) (وإلى أبي الفضل اتبعت * هواجس النفس السواري) ~~فتأخرت صلته عنه فشفع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة فلم يزده ابن العميد ~~على الإهمال مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه فتوسل إلى أن دخل عليه ~~يوم المجلس وهو حفل بأعيان الدولة ومقدمي أرباب الديوان فوقف بين يديه ~~وأشار إليه بيده وقال أيها الرئيس إني لزمتك لزوم الظل وذللت لك ذل النعل ~~وأكلت النوى المحرق انتظارا لصلتك والله ما بي من الحرمان ولكن شماتة ~~الأعداء قوم نصحوني فاغتششتهم وصدقوني فاتهمتهم فبأي وجه ألقاهم وبأي حجة ~~أقاومهم ولم أحصل من مديح بعد مديح ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس ~~مسقم فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما PageV05P106 # هي إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك ~~وإن الذين هجوا كانوا مثلك فزاحم بمنكبك أعظمهم سناما وأنورهم شعاعا ~~وأشرفهم بقاعا فحار ابن العميد وشده ولم يدر ما يقول فأطرق ساعة ثم رفع ~~رأسه وقال هذا وقت يضيق عن الإطالة ms1312 منك في الاستزادة وعن الإطالة مني في ~~المعذرة وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه فقال ابن ~~نباتة أيها الرئيس هذه نفثة صدر دوي منذ زمان وفضلة لسان قد خرس منذ دهر ~~والغني إذا مطل لئيم فاستشاط ابن العميد وقال والله ما استوجبت هذا العتب ~~من أحد من خلق الله تعالى ولقد نافرت العميد من دون ذا حتى دفعنا إلى قري ~~عائم ولجاج قائم ولست ولي نعمتي فأحتملك ولا صنيعتي فأغضي عليك وإن بعض ما ~~أقررته في مسامعي ينقض مرة الحليم ويبدد شمل الصبر هذا وما استقدمتك بكتاب ~~ولا استدعيتك برسول ولا سألتك مدحي ولا كلفتك تقريضي فقال ابن نباتة صدقت ~~أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب ولا استدعيتني برسول ولا سألتني مدحك ولا ~~كلفتني تقريضك ولكن جلست في صدر ديوانك بأبهتك وقلت لا يخاطبني أحد إلا ~~بالرياسة ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة فاني كاتب ركن الدولة وزعيم ~~الأولياء والحضرة والقيم بمصالح المملكة فكأنك دعوتني بلسان الحال ولم ~~تدعني بلسان المقال فثار ابن العميد مغضبا وأسرع في صحن داره إلى أن دخل ~~حجرته وتقوض المجلس وماج الناس وسمع ابن نباتة وهو في صحن الدار مارا يقول ~~والله إن سف التراب والمشي على الجمر أهون من هذا فلعن الله الأدب إذا كان ~~بائعه مهينا له ومشتريه مماكسا فيه فلما سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه ~~التمسه من الغد ليعتذر إليه ويزيل آثار ما كان منه فكأنما غاص في سمع الأرض ~~وبصرها فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات ثم إني وجدت هذه القصيدة ~~وصورة هذا المجلس منسوبين إلى غير ابن نباتة وكشفت ديوان ابن نباتة فلم أر ~~هذه القصيدة فيه والله أعلم بالصواب ثم PageV05P107 # وجدت في كتاب الوزيرين تأليف أبي حيان التوحيدي هذه ~~القصيدة لأبي محمد عبد الرزاق بن الحسين المعروف بابن أبي الثياب البغدادي ~~اللغوي المنطيقي الشاعر وهذه المخاطبة لشاعر آخر من أهل الكرخ يعرف بممويه ~~والله أعلم وكان أبو الفرج أحمد بن محمد الكاتب ms1313 مكينا عند مخدومه ركن ~~الدولة ابن بويه وله الرتبة العلية لديه وكان ابن العميد لا يوفيه حقه من ~~الإكرام فعاتبه مرارا فلم يفد فكتب إليه (مالك موفور فما باله * أكسبك ~~التيه على المعدم) (ولم إذا جئت نهضنا وإن * جئنا تطاولت ولم تتمم) (وإن ~~خرجنا لم تقل مثل ما * نقول قدم طرفه قدم) (إن كنت ذا علم فمن ذا الذي * ~~مثل الذي تعلم لم يعلم) (ولست في الغارب من دولة * ونحن من دونك في المنسم) ~~(وقد ولينا وعزلنا كما * أنت فلم نصغر ولم تعظم) (تكافأت أحوالنا كلها * ~~فصل على الإنصاف أو فاصرم) وللصاحب ابن عباد فيه مدائح كثيرة وكان ابن ~~العميد قد قدم مرة إلى أصبهان والصاحب فيها فكتب إليه (قالوا ربيعك قد قدم ~~* قلت البشارة إن سلم) (أهو الربيع أخو الشتاء * أم الربيع أخو الكرم) ~~(قالوا الذي بنواله * أمن المقل من العدم) (قلت الرئيس ابن العميد * إذا ~~فقالوا لي نعم) وكان ابن العميد كثير الإعجاب بقول بعضهم PageV05P108 # (وجاءت إلى ستر على الباب بيننا * مجاف وقد قامت عليه ~~الولائد) (لتسمع شعري وهو يقرع قلبها * بوحي تؤديه إليه القصائد) (إذا سمعت ~~مني لطيفا تنفست * له نفسا تنقد منه القلائد) ولابن العميد شعر وما أعجبني ~~الذي وقفت عليه منه حتى أثبته سوى ما ذكره ابن الصابي في كتاب الوزراء وهو ~~قوله (رأيت في الوجه طاقة بقيت * سوداء عيني تحب رؤيتها) (فقلت للبيض إذ ~~تروعها * بالله إلا رحمت وحدتها) (فقل لبث السوداء في وطن * تكون فيه ~~البيضاء ضرتها) وذكر له الأمير أبو الفضل الميكالي في كتاب المنتخل (آخ ~~الرجال من الأباعد * والأقارب لا تقارب) (إن الأقارب كالعقارب * بل أضر من ~~العقارب) وتوفي ابن العميد المذكور في صفر وقيل في المحرم بالري وقيل ~~ببغداد سنة ستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وذكر أبو الحسين هلال بن المحسن ~~بن إبراهيم الصابي في كتاب الوزراء أنه توفي في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ~~وكذا قال جده إبراهيم الصابي في كتاب التاجي والله أعلم وكان أبو الفضل ابن ~~العميد يعتاده ms1314 القولنج تارة والنقرس أخرى تسلمه PageV05P109 # هذه إلى هذه وقال لسائل سأله أيهما أصعب عليك وأشق قال ~~إذا عارضني النقوس فكأني بين فكي سبع يمضغني وإذا اعتراني القولنج وددت لو ~~استبدلت النقرس عنه ويقال إنه رأى أكارا في بستان يأكل خبزا ببصل ولبن وقد ~~أمعن منه فقال وددت لو كنت كهذا الأكار آكل ما أشتهي قلت وهذه شيمة الدنيا ~~قل أن تصفو من الشوائب ورأيت في بعض المجاميع أن الصاحب بن عباد عبر على ~~باب داره بعد وفاته فلم ير هناك أحدا بعد أن كان الدهليز يغص من زحام الناس ~~فأنشد (أيها الربع لم علاك اكتئاب * أين ذاك الحجاب والحجاب) (أين من كان ~~يفزع الدهر منه * فهو اليوم في التراب تراب) (قل بلا رقبة وغير احتشام * ~~مات مولاي فاعتراني اكتئاب) ثم رأيت في كتاب اليميني للعتبي هذه الأبيات ~~وقد نسبها إلى أبي العباس الضبي ثم قال ويقال إنها لأبي بكر الخوارزمي وقد ~~اجتاز بباب الصاحب بن عباد ولا يمكن أن تكون على هذا التقدير للخوارزمي ~~لأنه مات قبل الصاحب كما تقدم ذكره ومثل هذه الحكاية ما حكاه علي بن سليمان ~~قال رأيت بالري دار قوم لم يبق منها إلا رسم بابها وعليه مكتوب (أعجب لصرف ~~الزمان معتبرا * فهذه الدار من عجائبها) (عهدي بها بالملوك زاهية * قد سطح ~~النور في جوانبها) (تبدلت وحشة بساكنها * ما أوحش الدار بعد صاحبها) 223 ~~ولما مات رتب مخدومه ركن الدولة ولده ذا الكفايتين أبا الفتح PageV05P110 # عليا مكانه في دست الوزارة وكان جليلا نبيلا سريا ذا ~~فضائل وفواضل وهو الذي كتب إليه المتنبي الأبيات الخمسة الدالية الموجودة ~~في ديوانه في أثناء مدائح والده ولا حاجة إلى ذكرها وذكره الثعالبي في ~~اليتيمة في ترجمة والده وقال كتب إلى صديق له يستهديه خمرا مستورا عن والده ~~قد اغتنمت الليلة أطال الله بقاءك يا سيدي رقدة من عين الدهر وانتهزت فرصة ~~من فرص العمر وانتظمت مع أصحابي في سمط الثريا فإن لم تحفظ علينا هذا ~~النظام باهداء المدام عدنا كبنات ms1315 نعش والسلام وذكر له مقاطيع من الشعر ولم ~~يزل أبو الفتح المذكور في وزارة ركن الدولة إلى أن توفي في التاريخ المذكور ~~في ترجمته في حرف الحاء وقام بالأمر ولده مؤيد الدولة فاستوزره أيضا وأقام ~~على ذلك مدة مديدة وكانت بينه وبين الصاحب ابن عباد منافسة ويقال إنه أغرى ~~قلب مؤيد الدولة عليه فظهر له منه التنكر والإعراض وقبض عليه في بعض شهور ~~سنة ست وستين وثلاثمائة وله في اعتقاله أبيات شرح فيها حاله وقال الثعالبي ~~اجتاح ماله وقطع في العقوبة أنفه وجز لحيته وقال غيره وقطع يديه فلما أيس ~~من نفسه وعلم أنه لا مخلص له مما هو فيه ولو بذل جميع ما تحتوي عليه يده ~~فتق جيب جبة كانت عليه واستخرج منها رقعة فيها تذكرة بجميع ما كان له ~~ولوالده من الذخائر والدفائن وألقاها في النار فلما علم أنها احترقت قال ~~للموكل به افعل ما أمرت به فوالله لا يصل إلى صاحبك من أموالنا درهم واحد ~~فما زال يعرضه على أنواع العذاب حتى تلف وكان القبض عليه يوم الأحد ثامن ~~عشر ربيع الآخر سنة ست وستين وثلاثمائة وكانت ولادته سنة سبع وثلاثمائة ~~ولما انصرف أهل خراسان في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أيام الغزاة من الري ~~بعد الحادثة التي جرت هناك وهي واقعة مشهورة ودفع الله شرها PageV05P111 # شرع الرئيس أبو الفضل ابن العميد في بناء حائط عظيم ~~حول دار مخدومه ركن الدولة فقال له عارض الجيش هذا كما يقال الشد بعد ~~الضراط فقال ابن العميد هذا أيضا جيد لئلا تنفلت أخرى فاستحسن منه هذا ~~الجواب وفيه يقول بعض أصحابه (آل العميد وآل برمك مالكم * قل المعين لكم ~~وذل الناصر) (كان الزمان يحبكم فبدا له * إن الزمان هو الخؤون الغادر) ~~وتولى موضعه الصاحب ابن عباد وقد تقدم ذكره في ترجمته فينظر هناك في حرف ~~الهمزة وكان أبو الفتح المذكور قبل أن يقتل بمدة قد لهج بانشاد هذين ~~البيتين (دخل الدنيا أناس قبلنا * رحلوا عنها وخلوها لنا) (ونزلناها كما قد ~~نزلوا ms1316 * ونخليها لقوم بعدنا) ومن المنسوب إلى أبي الفتح ابن العميد (يقول ~~لي الواشون كيف تحبها * فقلت لهم بين المقصر والغالي) (ولولا حذاري منهم ~~لصدقتهم * فقلت هوى لم يهوه قط أمثالي) (وكم من شفيق قال مالك واجما * فقلت ~~ترى ما بي وتسأل عن حالي) 224 وكان أبو حيان علي بن محمد التوحيدي البغدادي ~~قد وضع كتابا سماه مثالب الوزيرين ضمنه معايب أبي الفضل ابن العميد المذكور ~~والصاحب PageV05P112 # ابن عباد وتحامل عليهما وعدد نقائصهما وسلبهما ما ~~اشتهر عنهما من الفضائل والإفضال وبالغ في التعصب عليهما وما انصفهما وهذا ~~الكتاب من الكتب المحدودة ما ملكه أحد إلا وتعكست أحواله ولقد جربت ذلك ~~وجربه غيري على ما أخبرني من أثق به وكان أبو حيان المذكور فاضلا مصنفا له ~~من الكتب المشهورة الإمتاع والمؤانسة في مجلدين وكتاب البصائر والذخائر ~~وكتاب الصديق والصداقة في مجلد واحد وكتاب المقابسات في مجلد أيضا وكتاب ~~مثالب الوزيرين في مجلد واحد أيضا وغير ذلك وكان موجودا في السنة ~~الأربعمائة ذكر ذلك في كتاب الصديق والصداقة والتوحيدي بفتح التاء المثناة ~~من فوقها وسكون الواو وكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها دال مهملة ولم أر أحدا ممن وضع كتب الأنساب تعرض إلى هذه النسبة لا ~~السمعاني ولا غيره لكن يقال إن أباه كان يبيع التوحيد ببغداد وهو نوع من ~~التمر بالعراق وعليه حمل بعض من شرح ديوان المتنبي قوله (يترشفن من فمي ~~رشفات * هن فيه أحلى من التوحيد) والله أعلم بالصواب 698 ابن مقلة أبو علي ~~محمد بن علي بن الحسين بن مقلة الكاتب المشهور كان في أول أمره يتولى بعض ~~أعمال فارس ويجبي خراجها وتنقلت أحواله إلى أن استوزره PageV05P113 # الإمام المقتدر بالله وخلع عليه لأربع عشرة ليلة بقيت ~~من شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وثلاثمائة وقبض عليه يوم الأربعاء لأربع ~~عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وثلاثمائة ثم نفاه إلى بلاد ~~فارس بعد أن صادره ثم استوزره الإمام القاهر بالله فأرسل إليه إلى فارس ms1317 ~~رسولا يجيء به ورتب له نائبا عنه فوصل ابن مقلة من فارس بكرة يوم الخميس ~~عيد الأضحى من سنة عشرين وثلاثمائة وخلع عليه ولم يزل وزيره حتى اتهمه ~~بمعاضدة علي بن بليق على الفتك به وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر في أول شعبان ~~من سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ولما ولي الراضي بالله لست خلون من جمادى ~~الأولى من سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة استوزره أيضا لتسع خلون من جمادى ~~الأولى من السنة المذكورة وكان المظفر بن ياقوت مستحوذا على أمور الراضي ~~وكان بينه وبين أبي علي الوزير وحشة فقرر ابن ياقوت المذكور مع الغلمان ~~الحجرية أنه إذا جاء الوزير أبو علي قبضوا عليه وأن الخليفة لا يخالفهم في ~~ذلك وربما سره هذا الأمر فلما حصل الوزير في دهليز دار الخلافة وثب الغلمان ~~عليه ومعهم ابن ياقوت المذكور فقبضوا عليه وأرسلوا إلى الراضي يعرفونه صورة ~~الحال وعددوا له ذنوبا وأسبابا تقضي ذلك فرد جوابهم وهو يستصوب رأيهم فيما ~~فعلوه وذلك في يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة أربع ~~وعشرين وثلاثمائة واتفق رأيهم على تفويض الوزارة إلى عبد الرحمن بن عيسى بن ~~داود بن الجراح فقلده الراضي الوزارة وسلم إليه أبا علي بن مقلة فضربه ~~بالمقارع وجرى عليه من المكاره بالتعليق وغيره من العقوبة شيء كثير وأخذ ~~خطه بألف ألف دينار ثم خلص وجلس بطالا في داره ثم إن أبا بكر محمد بن رائق ~~استولى على الخلافة وخرج عن طاعتها فأنفذ إليه الراضي واستماله وفوض إليه ~~تدبير المملكة وجعله أمير الأمراء ورد إليه تدبير أعمال الخراج والضياع في ~~جميع النواحي وأمر أن يخطب له على جميع PageV05P114 # المنابر فقوي أمره وعظم شأنه وتصرف على حسب اختياره ~~واحتاط على أملاك ابن مقلة المذكور وضياعه وأملاك ولده أبي الحسين فحضر ~~إليه ابن مقلة وإلى كاتبه وتذلل لهما في معنى الإفراج عن أملاكه فلم يحصل ~~منهما إلا على المواعيد فلما رأى ابن مقلة ذلك أخذ في السعي بابن رائق ~~المذكور من كل جهة ms1318 وكتب إلى الراضي يشير عليه بإمساكه والقبض عليه وضمن له ~~أنه متى فعل ذلك وقلده الوزارة استخرج له ثلاثمائة ألف ألف دينار وكانت ~~مكاتبته على يد علي بن هارون المنجم النديم المقدم ذكره فأطمعه الراضي ~~بالإجابة إلى ما سأل وترددت الرسائل بينهما في ذلك فلما استوثق ابن مقلة من ~~الراضي اتفقا على أن ينحدر إليه سرا ويقيم عنده إلى أن يتم التدبير فركب من ~~داره وقد بقي من شهر رمضان ليلة واحدة واختار هذا الطالع لأن القمر يكون ~~تحت الشعاع وهو يصلح للأمور المستورة فلما وصل إلى دار الخليفة لم يمكنه من ~~الوصول إليه واعتقله في حجرة ووجه الراضي من غد إلى ابن رائق وأخبره بما ~~جرى وأنه احتال على ابن مقلة حتى حصله في أسره وترددت بينهما المكاتبات في ~~ذلك فلما كان رابع عشر شوال سنة ست وعشرين وثلاثمائة أظهر الراضي أمر ابن ~~مقلة وأخرجه من الاعتقال وحضر حاجب ابن رائق وجماعة من القواد وتقابلا وكان ~~ابن رائق قد التمس قطع يده اليمنى التي كتب بها تلك المطالعة فلما انتهى ~~كلامهما في المقابلة قطعت يده اليمنى ورد إلى محبسه ثم ندم الراضي على ذلك ~~وأمر الأطباء بملازمته للمداواة فلازموه حتى بريء وكان ذلك نتيجة دعاء أبي ~~الحسن محمد بن شنبوذ المقرئ عليه بقطع اليد وقد تقدم ذكر سبب ذلك في ترجمته ~~وذلك من عجيب الاتفاق وقال أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الطبيب ~~وكان يدخل عليه لمعالجته كنت إذا دخلت عليه في تلك الحال يسألني عن أحوال ~~ولده أبي الحسين فأعرفه استتاره وسلامته فتطيب نفسه ثم ينوح على يده ويبكي ~~ويقول خدمت بها الخلفاء وكتبت بها القرآن الكريم دفعتين تقطع كما تقطع ~~PageV05P115 # أيدي اللصوص فأسليه وأقول له هذا انتهاء المكروه ~~وخاتمة القطوع فينشدني ويقول (إذا ما مات بعضك فابك بعضا * فإن البعض من ~~بعض قريب) ثم عاد وراسل الراضي من الحبس بعد قطع يده وأطمعه في المال وطلب ~~الوزارة وقال إن قطع اليد ليس مما يمنع ms1319 الوزارة وكان يشد القلم على ساعده ~~ويكتب به ولما قدم بجكم التركي من بغداد وكان من المنتمين إلى ابن رائق أمر ~~بقطع لسانه أيضا فقطع وأقام في الحبس مدة طويلة ثم لحقه ذرب ولم يكن له من ~~يخدمه فكان يستقي الماء لنفسه من البئر فيجذب بيده اليسرى جذبة وبفمه ~~الأخرى وله أشعار في شرح حاله وما انتهى أمره إليه ورثاء يده والشكوى من ~~المناصحة وعدم تلقيها بالقبول فمن ذلك قوله (ما سئمت الحياة لكن توثقت * ~~بأيمانهم فبانت يميني) (بعت ديني لهم بدنياي حتى * حرموني دنياهم بعد ديني) ~~(ولقد حطت ما استطعت بجهدي * حفظ أرواحهم فما حفظوني) (ليس بعد اليمين لذة ~~عيش * يا حياتي بانت يميني فبيني) ومن المنسوب إلى ابن مقلة أيضا (لست ذا ~~ذلة إذا عضني الدهر * ولا شامخا إذا واتاني) (أنا نار في مرتقى نفس الحاسد ~~* ماء جار مع الإخوان) وفي الوزير المذكور يقول بعضهم (وقالوا العزل ~~للوزراء حيض * لحاه الله من أمر بغيض) PageV05P116 # (ولكن الوزير أبا علي * من اللائي يئسن من المحيض) ومن ~~شعره أيضا ما قاله الثعالبي في يتيمة الدهر (وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة * في ~~شامخ من عزه المترفع) (قالت لي النفس العروف بقدرها * ما كان أولاني بهذا ~~الموضع) ولم يزل على هذه الحال إلى أن توفي في موضعه يوم الأحد عاشر شوال ~~سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن في مكانه ثم نبش بعد زمان وسلم إلى أهله ~~وكانت ولادته يوم الخميس بعد العصر لتسع بقين من شوال سنة اثنتين وسبعين ~~ومائتين ببغداد رحمه الله تعالى وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة ابن البواب ~~الكاتب وأنه أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى هذه الصورة هو أو ~~أخوه على الخلاف المذكور في ترجمة ابن البواب وأن ابن البواب تبع طريقته ~~ونقح أسلوبه ولابن مقلة ألفاظ منقولة مستعملة فمن ذلك قوله إذا أحببت ~~تهالكت وإذا أبغضت أهلكت وإذا رضيت آثرت وإذا غضبت أثرت ومن كلامه أيضا ~~يعجبني من يقول الشعر تأدبا لا تكسبا ويتعاطى ms1320 الغناء تطربا لا تطلبا وله كل ~~معنى مليح في النظم والنثر وكان ابن الرومي الشاعر المتقدم ذكره يمدحه فمن ~~معانيه المقولة فيه قوله (إن يخدم القلم السيف الذي خضعت * له الرقاب ودانت ~~خوفه الأمم) (فالموت والموت لا شيء يعادله * ما زال يتبع ما يجري به القلم) ~~(كذا قضى الله للأقلام مذ بريت * أن السيوف لها مذ أرهفت خدم) (وكل صاحب ~~سيف دائما أبدا * ما يزال يتبع ما يجري به القلم) 225 وكان أخوه أبو عبد ~~الله الحسن بن علي بن مقلة كاتبا أديبا بارعا والصحيح أنه صاحب الخط المليح ~~ومولده يوم الأربعاء طلوع الفجر سلخ شهر رمضان سنة ثمان وسبعين ومائتين ~~وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان PageV05P117 # وثلاثين وثلاثمائة رحمه الله تعالى 226 وأما ابن رائق ~~فإن الحافظ ابن عساكر ذكر في تاريخ دمشق أنه قدمها في ذي الحجة سنة سبع ~~وعشرين وثلاثمائة وذكر أن الإمام المقتفي بالله ولاه أمر دمشق وأخرج منها ~~بدر بن عبد الله الإخشيدي ثم توجه إلى مصر وتواقع هو وصاحبها محمد بن طغج ~~الإخشيد المقدم ذكره فهزمه الإخشيد فرجع إلى دمشق ثم توجه إلى بغداد وقتل ~~بالموصل سنة ثلاثين وثلاثمائة وقيل إن بني حمدان قتلوه بالموصل قتله ناصر ~~الدولة الحسن المقدم ذكره 699 ابن بقية الوزير أبو الطاهر محمد بن محمد بن ~~بقية بن علي الملقب نصير الدولة وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن ~~بويه المقدم ذكره كان من جلة الرؤساء وأكابر الوزراء وأعيان الكرماء وقد ~~تقدم في ترجمة عز الدولة طرف من خبره في قضية الشمع وأن الشماع لما سئل عن ~~راتب عز الدولة في الشمع كم كان فقال كان راتب وزيره محمد بن بقية ألف من ~~في كل شهر فإذا كان هذا راتب الشمع خاصة مع قلة الحاجة إليه فكم يكون غيره ~~مما تشتد الحاجة إليه وكان من أهل أوانا من أعمال بغداد وكان في أول أمره ~~قد توصل إلى أن صار صاحب مطبخ معز الدولة والد عز الدولة ثم ms1321 تنقل إلى غيرها ~~من الخدم PageV05P118 # ولما مات معز الدولة وأفضى الأمر إلى عز الدولة حسنت ~~حالة عنده ورعى خدمته لأبيه وكان فيه توصل وسعة صدر وتقدم إلى أن استوزره ~~عز الدولة يوم الاثنين لسبع ليال خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وستين ~~وثلاثمائة ثم إنه قبض عليه لسبب اقتضى ذلك يطول شرحه وحاصله أنه حمله على ~~محاربة ابن عمه عضد الدولة فالتقيا على الأهواز وكسر عز الدولة فنسب ذلك ~~إلى رأيه ومشورته وفي ذلك يقول أبو غسان الطبيب بالبصرة (أقام على الأهواز ~~خمسين ليلة * يدبر أمر الملك حتى تدمرا) (فدبر أمرا كان أوله عمى * وأوسطه ~~بلوى وآخره خرا) وكان قبضه يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة ~~سنة ست وستين وثلاثمائة بمدينة واسط وسمل عينيه ولزم بيته وكان في مدة ~~وزارته يبلغ عضد الدولة ابن بويه عنه أمور يسوءه سماعها منها أنه كان يسميه ~~أبا بكر الغددي تشبيها له برجل أشقر أزرق أنمش يسمى أبا بكر كان يبيع الغدد ~~برسم السنانير ببغداد وكان عضد الدولة بهذه الحلية وكان الوزير يفعل ذلك ~~تقربا إلى قلب مخدومه عز الدولة لما كان بينه وبين ابن عمه عضد الدولة من ~~العداوة فلما قتل عز الدولة كما وصفناه في ترجمته وملك عضد الدولة بغداد ~~ودخلها طلب ابن بقية المذكور وألقاه تحت أرجل الفيلة فلما قتل صلبه بحضرة ~~البيمارستان العضدي ببغداد وذلك في يوم الجمعة لست خلون من شوال سنة سبع ~~وستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وقال ابن الهمداني في كتاب عيون السير لما ~~استوزر عز الدولة بختيار ابن بويه ابن بقية المذكور بعد أن كان يتولى أمر ~~المطبخ قال الناس من الغضارة إلى الوزارة وستر كرمه عيوبه وخلع في عشرين ~~يوما عشرين ألف خلعة قال أبو إسحاق الصابي رأيته وهو يشرب في بعض الليالي ~~وكلما لبس خلعة خلعها على أحد الحاضرين فزادت على مائتي خلعة فقالت له ~~مغنيته PageV05P119 # يا سيدي الوزير في هذه الثياب زنابير ما تدعها تثبت ~~على جسمك فضحك وأمر لها ms1322 بحقة حلي وهو أول وزير لقب بلقبين فإن الإمام ~~المطيع لقبه بالناصح ولقبه ولده الطائع بنصير الدولة ولما جرت الحرب بين عز ~~الدولة وابن عمه عضد الدولة قبض عز الدولة عليه وسمله وحمله إلى عضد الدولة ~~مسمولا فشهره عضد الدولة وعلى رأسه برنس ثم أمر بطرحه للفيلة فقتلته ثم ~~صلبه عند داره بباب الطاق وعمره نيف وخمسون سنة ولما صلب رثاه أبو الحسن ~~محمد بن عمر بن يعقوب الأنباري أحد العدول ببغداد بقوله (علو في الحياة وفي ~~الممات * لحق أنت إحدى المعجزات) (كأن الناس حولك حين قاموا * وفود نداك ~~أيام الصلات) (كأنك قائم فيهم خطيبا * وكلهم قيام للصلاة) (مددت يديك نحوهم ~~احتفاء * كمدهما إليهم بالهبات) (ولما ضاق بطن الأرض عن أن * يضم علاك من ~~بعد الممات) (أصاروا الجو قبرك واستنابوا * عن الأكفان ثوب السافيات) ~~(لعظمك في النفوس تبيت ترعى * بحفاظ وحراس ثقات) (وتشعل عندك النيران ليلا ~~* كذلك كنت أيام الحياة) (ركبت مطية من قبل زيد * علاها في السنين ~~الماضيات) (وتلك فضيلة فيها تأس * تباعد عنك تعيير العداة) (ولم أر قبل ~~جذعك قط جذعا * تمكن من عناق المكرمات) (أسأت إلى النوائب فاستثارت * فأنت ~~قتيل ثأر النائبات) (وكنت تجير من صرف الليالي * فعاد مطالبا لك بالترات) ~~(وصير دهرك الإحسان فيه * إلينا من عظيم السيئات) (وكنت لمعشر سعدا فلما * ~~مضيت تفرقوا بالمنحسات) PageV05P120 # (غليل باطن لك في فؤادي * يخفف بالدموع الجاريات) (ولو ~~أني قدرت على قيام * لفرضك والحقوق الواجبات) (ملأت الأرض من نظم القوافي * ~~ونحت بها خلاف النائحات) (ولكني أصبر عنك نفسي * مخافة أن أعد من الجناة) ~~(وما لك تربة فأقول تسقى * لأنك نصب هطل الهاطلات) (عليك تحية الرحمن تترى ~~* برحمات غواد رائحات) ولم يزل ابن بقية مصلوبا إلى أن توفي عضد الدولة في ~~التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الفاء فأنزل عن الخشبة ودفن في موضعه ~~فقال فيه أبو الحسن ابن الأنباري صاحب المرثية المذكورة (لم يلحقوا بك عارا ~~إذ صلبت بلى * باءوا بإثمك ثم استرجعوا ندما) (وأيقنوا أنهم في فعلهم غلطوا ~~* وأنهم ms1323 نصبوا من سؤدد علما) (فاسترجعوك وواروا منك طود علا * بدفنه دفنوا ~~الأفضال والكرما) (لئن بليت فلا يبلى نداك ولا * ينسى وكم هالك ينسى إذا ~~عدما) (تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما * ما زال مالك بين الناس منقسما) قال ~~الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق لما صنع أبو الحسن المرثية التائية كتبها ~~ورماها في شوارع بغداد فتداولتها الأدباء إلى أن وصل الخبر إلى عضد الدولة ~~فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه فقال علي بهذا الرجل ~~فطلب سنة كاملة واتصل الخبر بالصاحب ابن عباد وهو بالري فكتب له الأمان ~~فلما سمع أبو الحسن ابن الأنباري بذكر الأمان قصد حضرته فقال له أنت القائل ~~هذه الأبيات قال نعم قال أنشدنيها من فيك فلما أنشد PageV05P121 # (ولم أر قبل جذعك قط جذعا * تمكن من عناق المكرمات) ~~قام إليه الصاحب وعانقه وقبل فاه وأنفذه إلى عضد الدولة فلما مثل بين يديه ~~قال له ما الذي حملك على مرثية عدوي فقال حقوق سلفت وأياد مضت فجاش الحزن ~~في قلبي فرثيت فقال هل يحضرك شيء في الشموع والشموع تزهر بين يديه فأنشأ ~~يقول (كأن الشموع وقد أظهرت * من النار في كل رأس سنانا) (أصابع أعدائك ~~الخائفين * تضرع تطلب منك الأمانا) فلما سمعها خلع عليه وأعطاه فرسا وبدرة ~~انتهى كلام الحافظ ابن عساكر رحمه الله 227 قلت قوله في الأبيات (ركبت مطية ~~من قبل زيد * علاها في السنين الماضيات) زيد هذا هو أبو الحسين زيد بن زين ~~العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان قد ظهر في ~~أيام هشام بن عبد الملك في سنة اثنتين وعشرين ومائة ودعا إلى نفسه فبعث ~~إليه يوسف بن عمر الثقفي والي العراقين يومئذ جيشا مقدمه العباس المري ~~فرماه رجل منهم بسهم فأصابه فمات وصلب بكناسة الكوفة ونقل رأسه إلى البلاد ~~وقال ابن قانع كان ذلك في صفر سنة إحدى وعشرين ومائة وقيل سنة اثنتين ~~وعشرين ومائة في صفر أيضا بالكوفة ولزيد من العمر ms1324 اثنان وأربعون سنة يومئذ ~~وقال ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب إن زيد بن علي رضي الله عنهما أصابه ~~سهم في جبهته فاحتمله أصحابه وكان ذلك عند المساء ثم دعوا الحجام فانتزع ~~النشابة وسالت نفسه رضي الله عنه وذكر أبو عمرو الكندي في كتاب أمراء مصر ~~أن أبا الحكم ابن أبي الأبيض العبسي قدم إلى مصر برأس زيد PageV05P122 # ابن علي خطيبا يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة ~~سنة اثنتين وعشرين ومائة واجتمع إليه الناس في المسجد وهو صاحب المشهد الذي ~~بين مصر وبركة قارون بالقرب من جامع ابن طولون يقال إن رأسه مدفون به والله ~~أعلم بالصواب 228 وقتل ولده يحيى بن زيد سنة خمس وعشرين ومائة وقصته مشهورة ~~بالجوزجان قتله سالم بن أحوز المازني وقيل جهم بن صفوان صاحب الجهمية وهذه ~~القصيدة اتفق العلماء على أنه لم يعمل في بابها مثلها وقد ذكر أبو تمام ~~أيضا حال المصلوبين في قصيدته التي مدح بها المعتصم لما صلب الأفشين خيذر ~~ابن كاوس مقدم قواده وبابك ومازيار في سنة ست وعشرين ومائتين وقصتهم مشهورة ~~فمنها قوله (ولقد شفى الأحشاء من برحائها * إذ صار بابك جار مازيار) (ثانيه ~~في كبد السماء ولم يكن * كاثنين ثان إذ هما في الغار) (وكأنما انتبذا لكيما ~~يطويا * عن ناطس خبرا من الأخبار) (سود اللباس كأنما نسجت لهم * أيدي ~~السموم مدارعا من قار) (بكروا وأسروا في متون ضوامر * قيدت لهم من مربط ~~النجار) (لا يبرحون ومن رآهم خالهم * أبدا على سفر من الأسفار) وقبل هذا في ~~وصف الأفشين خاصة (رمقوا أعالي جذعه فكأنما * رمقوا الهلال عشية الإفطار) ~~وهي من القصائد الطنانة والأفشين مشهور فلا حاجة إلى ضبطه وهو بكسر الهمزة ~~وفتحها واسمه خيذر بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~الذال المعجمة وبعدها راء وإنما قيدته لأنه يتصحف على كثير من الناس بحيدر ~~بالحاء المهملة PageV05P123 # 229 ومن شعر أبي الحسن الأنباري المذكور في الباقلي ~~الأخضر قوله (فصوص زمرد في غلف در * بأقماع حكت تقليم ظفر) ms1325 (وقد خلع الربيع ~~لها ثيابا * لها لونان من بيض وخضر) وقد ذكره الخطيب في تاريخ بغداد وقال ~~إنه من المقلين في الشعر رحمه الله تعالى 700 الوزير فخر الملك أبو غالب ~~محمد بن علي بن خلف الملقب فخر الملك وزير بهاء الدولة أبي نصر بن عضد ~~الدولة بن بويه وبعد وفاته وزر لولده سلطان الدولة أبي شجاع فناخسرو وكان ~~فخر الملك المذكور من أعظم وزراء آل بويه على الإطلاق بعد أبي الفضل محمد ~~بن العميد والصاحب بن عباد المقدم ذكرهما وكان أصله من واسط وأبوه صيرفيا ~~وكان واسع النعمة فسيح مجال الهمة جم الفضائل والإفضال جزيل العطايا ~~والنوال قصده جماعة من أعيان الشعراء ومدحوه وقرضوه بنخب المدائح منهم أبو ~~نصر عبد العزيز بن نباتة الشاعر المقدم ذكره له فيه قصائد مختارة منها ~~قصيدته النونية التي من جملتها يقول (لكل فتى قرين حين يسمو * وفخر الملك ~~ليس له قرين) (أنخ بجنابه واحكم عليه * بما أملته فأنا الضمين) PageV05P124 # أخبرني بعض علماء الأدب أن بعض الشعراء امتدح فخر ~~الملك بعد هذه القصيدة فأجازه إجازة لم يرضها فجاء الشاعر إلى ابن نباتة ~~وقال له أنت غررتني وأنا ما مدحته إلا ثقة بضمانك فتعطيني ما يليق بمثل ~~قصيدي فأعطاه من عنده شيئا رضي به فبلغ ذلك فخر الملك فسير لابن نباته جملة ~~مستكثرة لهذا السبب ويقرب من معنى هذين البيتين في شدة الوثوق بالعطاء قول ~~المتنبي (وثقنا بأن تعطي فلو لم تجد لنا * لخلناك قد أعطيت من قوة الوهم) ~~ويحكى في هذا المعنى أيضا أن بعض الشعراء مدح بعض الأكابر بقصيدة فلما أصبح ~~كتب إليه (لم أعالجك بالرقاع إلى أن * عاجلتني رقاع أهل الديون) (علموا ~~أنني بمدحك أمسيت * مليا فأصبحوا يرفعوني) ومن جملة مداحه المهيار بن ~~مرزويه الكاتب الشاعر المشهور وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وفيه يقول ~~قصيدته الرائية التي منها (أرى كبدي وقد بردت قليلا * أمات الهم أم عاش ~~السرور) (أم الأيام خافتني لأني * بفخر الملك منها أستجير) ومدائحه كثيرة ~~ولأجله صنف أبو ms1326 بكر محمد بن الحسن الحاسب الكرجي كتاب الفخري في الجبر ~~والمقابلة وكتاب الكافي في الحساب ورأيت في بعض المجاميع أن رجلا شيخا رفع ~~إلى فخر الملك المذكور قصة PageV05P125 # سعى فيها بهلاك شخص فلما وقف فخر الملك عليها قلبها ~~وكتب في ظهرها السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة فإن كنت أجريتها مجرى النصح ~~فخسرانك فيها أكثر من الربح ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور ولولا ~~أنك في خفارة من شيبك لقابلناك بما يشبه مقالك ونردع به أمثالك فاكتم هذا ~~العيب واتق من يعلم الغيب والسلام وذكر أبو منصور الثعالبي في كتاب تتمة ~~يتيمة الدهر للأشرف بن فخر الملك قوله (مر بي الموكب لكنني * لم أر فيه قمر ~~الموكب) (قل لأمير الجيش يا سيدي * ما لأمير الحسن لم يركب) ومحاسن فخر ~~الملك كثيرة ولم يزل في عزه وجاهه وحرمته إلى أن نقم عليه مخدومه سلطان ~~الدولة المذكور بسبب اقتضى ذلك فحبسه ثم قتله بسفح جبل قريب من الأهواز يوم ~~السبت وقيل يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعمائة ~~ودفن هناك ولم يستقص في دفنه فنبشت الكلاب قبره وأكلته ثم أعيد دفن رمته ~~فشفع فيه بعض أصحابه فنقلت عظامه إلى مشهد هناك فدفنت فيه في سنة ثمان ~~وأربعمائة وقال أبو عبد الله أحمد بن القادسي في أخبار الوزراء وكان الوزير ~~فخر الملك قد أهمل بعض الواجبات فعوقب سريعا وذلك أن بعض خواصه قتل رجلا ~~ظلما فتصدت له زوجة المقتول تستغيث فلم يلتفت إليها فلقيته ليلة في مشهد ~~باب التبن وقد حضر للزيارة فقالت له يا فخر الملك القصص التي أرفعها إليك ~~ولا تلتفت إليها صرت أرفعها إلى الله وأنا منتظرة خروج التوقيع من جهته ~~فلما قبض عليه قال لا شك أن توقيعها خرج واستدعي إلى مضرب سلطان الدولة ثم ~~قبض عليه وعدل به إلى خركاه وقد أحيط على أمواله وخزائنه وكراعه وولده ~~وأصحابه وقتل في التاريخ المذكور أعلاه وأخذ من ماله ستمائة ألف دينار ونيف ~~وثلاثون ألف دينار ms1327 وقيل إنه وجد PageV05P126 # له ألف ألف ومائتا ألف دينار منطبعة ورثاه الشريف ~~الرضي بأبيات ما اخترت منها شيئا حتى أثبته هاهنا فسبحان اللطيف الخبير ~~الفعال لما يريد ومولده بواسط يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع ~~الآخر سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وقد استوفى هلال ابن الصابي أخباره في ~~تاريخه والله تعالى أعلم بالصواب 701 أبو نصر ابن جهير أبو نصر محمد بن ~~محمد بن جهير الملقب فخر الدولة مؤيد الدين الموصلي الثعلبي كان ذا رأي ~~وعقل وحزم وتدبير خرج من الموصل لأمر يطول شرحه وصار ناظر الديوان بحلب ثم ~~صرف عنه وانتقل إلى آمد وأقام بها مدة بطالا ثم توصل إلى أن وزر للأمير نصر ~~الدولة أحمد بن مروان الكردي صاحب ميافارقين وديار بكر وقد تقدم ذكر ذلك في ~~ترجمة نصر الدولة وكان نافذ الكلمة مطاع الأمر ولم يزل على ذلك إلى أن توفي ~~نصر الدولة في التاريخ المذكور في ترجمته وقام بالأمر ولده عصام الدين ~~فأقبل عليه وزاد في إكرامه فرتب أمور دولته وأجراها على الأوضاع التي كانت ~~في أيام أبيه ثم خطر له التوجه إلى بغداد فعمل على ذلك وكان يكاتب الإمام ~~القائم بأمر الله ولم يزل يتوصل ويبذل الأموال حتى خرج إليه نقيب النقباء ~~ابن طراد الزينبي فقرر معه ما أراد تقريره ثم خرج لوداعه ويمم إلى بغداد ~~وأرسل PageV05P127 # ابن مروان خلفه من يرده فلم يقدر عليه فلما بلغها تولى ~~وزارة القائم بدلا من أبي الغنائم ابن دارست في سنة أربع وخمسين وأربعمائة ~~ودام فيها إلى أن توفي القائم وتولى ولد ولده المقتدي بأمر الله فأقره على ~~الوزارة مدة سنين ثم عزله عنها يوم عرفة الأمير أبو الغنائم ابن دارست ~~بإشارة الوزير نظام الملك وكان ولده عميد الدولة شرف الدين أبو منصور محمد ~~ينوب عنه فيها فلما عزل والده خرج هو إلى نظام الملك أبي الحسن وزير ملكشاه ~~بن ألب أرسلان السلجوقي المقدم ذكره واسترضاه وأصلح حاله معه وعاد إلى ~~بغداد وتولى الوزارة مكان أبيه وخرج أبوه ms1328 فخر الدولة في سنة ست وسبعين إلى ~~جهة السلطان ملكشاه المذكور باستدعائه إياه فعقد له على ديار بكر وسار معه ~~الأمير أرتق بن أكسب صاحب حلوان المقدم ذكره في جماعة من التركمان والأكراد ~~والأمراء فلما وصلوا إلى ديار بكر فتح ولده أبو القاسم زعيم الرؤساء مدينة ~~آمد بعد حصار شديد ثم فتح أبوه فخر الدولة ميافارقين بعد ثلاثة أشهر من فتح ~~آمد وكان أخذها من ناصر الدولة أبي المظفر منصور بن نظام الدين واستولى على ~~أموال بني مروان وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ومن عجيب الاتفاق أن ~~منجما حضر إلى ابن مروان نصر الدولة وحكم له بأشياء ثم قال له ويخرج على ~~دولتك رجل قد أحسنت إليه فيأخذ الملك من أولادك فأفكر ساعة ثم رفع رأسه إلى ~~فخر الدولة وقال إن كان هذا القول صحيحا فهو الشيخ هذا ثم أقبل عليه وأوصاه ~~على أولاده فكان الأمر كما قال فإنه وصل إلى البلاد وكان فتحها على يديه ~~كما ذكرنا والشرح في ذلك يطول وكان رئيسا جليلا خرج من بيتهم جماعة من ~~الوزراء والرؤساء ومدحهم أعيان الشعراء فمنهم أبو منصور علي بن الحسن ~~المعروف بصردر أنفذ إلى فخر الدولة المذكور من واسط عند تقلده الوزارة ~~قصيدة وهي من مشاهير القصائد وأولها PageV05P128 # (لجاجة قلب ما يفيق غرورها * وحاجة نفس ليس يقضى ~~يسيرها) (وقفنا صفوفا في الديار كأنها * صحائف ملقاة ونحن سطورها) (يقول ~~خليلي والظباء سوانح * أهذا الذي تهوى فقلت نظيرها) (لئن شابهت أجيادها ~~وعيونها * لقد خالفت أعجازها وصدورها) (فيا عجبا منها يصد أنيسها * ويدنو ~~على ذعر إلينا نفورها) (وما ذاك إلا أن غزلان عامر * تيقن أن الزائرين ~~صقورها) (ألم يكفها ما قد جنته شموسها * على القلب حتى ساعدتها بدورها) ~~(نكصنا على الأعقاب خوف إناثها * فما بالها تدعو نزال ذكورها) (ووالله ما ~~أدري غداة نظرننا * أتلك سهام أم كؤوس تديرها) (فإن كن من نبل فأين حفيفها ~~* وإن كن من خمر فأين سرورها) (أيا صاحبي استأذنا لي خمرها * فقد أذنت لي ~~في الوصول خدورها) ms1329 (هباها تجافت عن خليل يروعها * فهل أنا إلا كالخيال ~~يزورها) (وقد قلتما لي ليس في الأرض جنة * أما هذه فوق الركائب حورها) (فلا ~~تحسبا قلبي طليقا فإنما * لها الصدر سجن وهو فيه أسيرها) (يعز على الهيم ~~الخوامس وردها * إذا كان ما بين الشفاه غديرها) (أراك الحمى قل لي بأي ~~وسيلة * توسلت حتى قبلتك ثغورها) ومن مديحها (أعدت إلى جسم الوزارة روحه * ~~وما كان يرجى بعثها ونشورها) (أقامت زمانا عند غيرك طامثا * وهذا الزمان ~~قرؤها وطهورها) (من الحق أن يحبى بها مستحقها * وينزعها مردودة مستعيرها) ~~(إذا ملك الحسناء من ليس كفؤها * أشار عليها بالطلاق مشيرها) وأنشده أيضا ~~لما عاد إلى الوزارة في صفر سنة إحدى وستين وأربعمائة بعد العزل وكان ~~المقتدي بالله قد أعاده إلى الوزارة بعد العزل وقبل الخروج إلى PageV05P129 # السلطان ملكشاه فعمل فيه صردر هذه القصيدة (قد رجع ~~الحق إلى نصابه * وأنت من كل الورى أولى به) (ما كنت إلا السيف سلته يد * ~~ثم أعادته إلى قرابه) (هزته حتى أبصرته صارما * رونقه يغنيه عن ضرابه) ~~(أكرم بها وزارة ما سلمت * ما استودعت إلا إلى أربابه) (مشوقة إليك مذ ~~فارقتها * شوق أخي الشيب إلى شبابه) (مثلك محسود ولكن معجز * أن يدرك ~~البارق في سحابه) (حاولها قوم ومن هذا الذي * يخرج ليثا خادرا من غابه) ~~(يدمي أبو الأشبال من زاحمه * في خيسه بظفره ونابه) (وهل سمعت أو رأيت ~~لابسا * ما خلع الأرقم من إهابه) ومنها (تيقنوا لما رأوها صعبة * أن ليس ~~للجو سوى عقابه) (إن الهلال يرتجى طلوعه * بعد السرار ليلة احتجابه) ~~(والشمس لا يؤيس من طلوعها * وإن طواها الليل في جنابه) (ما أطيب الأوطان ~~إلا أنها * للمرء أحلى أثر اغترابه) (كم عودة دلت على دوامها * والخلد ~~للإنسان في مآبه) (لو قرب الدر على جالبه * ما لجج الغائص في طلابه) (ولو ~~أقام لازما أصدافه * لم تكن التيجان في حسابه) (ما لؤلؤ البحر ولا مرجانه * ~~إلا وراء الهول من عبابه) وهي قصيدة طويلة اقتصرنا منها على هذا القدر وقد ~~سبق في ترجمة ms1330 سابور بن أردشير ثلاثة أبيات كتبها إليه أبو إسحاق ~~PageV05P130 # الصابي لما عاد إلى الوزارة بعد العزل ولم يعمل في هذا ~~الباب مثلها وممن مدحه أيضا القائد أبو الرضا الفضل بن منصور الشريف ~~الفارقي وفيه عمل الأبيات الحائية المشهورة وهي (يا قالة الشعر قد نصحت لكم ~~* ولست أدهى إلا من النصح) (قد ذهب الدهر بالكرام وفي * ذاك أمور طويلة ~~الشرح) (وأنتم تمدحون بالحسن والظرف * وجوها في غاية القبح) (وتطلبون ~~السماح من رجل * قد طبعت نفسه على الشح) (من أجل ذا تحرمون كدكم * لأنكم ~~تكذبون في المدح) (صونوا القوافي فما أرى أحدا * يعثر فيه الرجاء بالنجح) ~~(فإن شككتم فيما أقول لكم * فكذبوني بواحد سمح) (سوى الوزير الذي رياسته * ~~تعرك أذن الزمان بالملح) وكانت ولادة فخر الدولة المذكور في سنة ثمان ~~وتسعين وثلاثمائة بالموصل وتوفي بها في شهر رجب وقيل في المحرم سنة ثلاث ~~وثمانين وأربعمائة ودفن في تل توبة وهو تل في قبالة الموصل يفصل بينهما عرض ~~الشط رحمه الله تعالى وكان قد عاد إلى ديار ربيعة متوليا من جهة ملكشاه ~~أيضا في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة فأول ما ملك نصيبين في شهر رمضان من ~~هذه السنة ثم ملك الموصل وسنجار والرحبة والخابور وديار ربيعة أجمع وخطب له ~~على منابرها نيابة عن الموصل إلى أن توفي 230 وأما ولده عميد الدولة ~~المذكور فقد ذكره محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه فقال انتشر عنه ~~الوقار والهيبة والعفة وجودة الرأي وخدم ثلاثة من الخلفاء ووزر لاثنين منهم ~~وكان عليه رسوم كثيرة وصلات جمة وكان نظام الملك يصفه دائما بأوصاف عظيمة ~~ويشاهده بعين الكافي الشهم ويأخذ رأيه في أهم الأمور ويقدمه على الكفاة ~~والصدور ولم يكن يعاب بأشد من الكبر PageV05P131 # الزائد فإن كلماته كانت محفوظة مع ضنه بها ومن كلمه ~~بكلمة قامت عنده مقام بلوغ الأمل فمن جملة ذلك ما قاله لولد الشيخ الإمام ~~أبي نصر ابن الصباغ اشتغل وتأدب وإلا كنت صباغا بغير أب انتهى كلام ابن ~~الهمداني وكان نظام الملك الوزير قد ms1331 زوجه زبيدة ابنته وكان قد عزل عن ~~الوزارة ثم أعيد إليها بسبب المصاهرة وفي ذلك يقول الشريف أبو يعلي ابن ~~الهبارية المقدم ذكره (قل للوزير ولا تفزعك هيبته * وإن تعاظم واستولى ~~لمنصبه) (لولا ابنة الشيخ ما استوزرت ثانية * فاشكر حرا صرت مولانا الوزير ~~به) ووجدت بخط أسامة بن منقذ المقدم ذكره أن السابق بن أبي مهزول الشاعر ~~المعري قال دخلت العراق واجتمعت بابن الهبارية فقال لي في بعض الأيام امض ~~بنا لنخدم الوزير ابن جهير وكان قد عزل ثم استوزر قال السابق فدخلت معه حتى ~~وقفنا بين يدي الوزير فدفع إليه رقعة صغيرة فلما قرأها تغير وجهه ورأيت فيه ~~الشر وخرجنا من مجلسه فقلت ما كان في الرقعة فقال خير الساعة تضرب رقبتي ~~ورقبتك فأشفقت وقلقت وقلت أنا رجل غريب صحبتك هذه الأيام وسعيت في هلاكي ~~فقال كان ما كان فقصدنا باب الدار لنخرج فردنا البواب فقال أمرت بمنعكما ~~فقال السابق أنا رجل غريب من أهل الشام ما يعرفني الوزير وإنما القصد هذا ~~فقال البواب لا تطول فما إلى خروجك من سبيل فأيقنت بالهلاك فلما خف الناس ~~من الدار خرج إليه غلام معه قرطاس فيه خمسون دينارا وقال قد شكرنا فاشكر ~~فانصرفنا ودفع لي عشرة دنانير منها فقلت ما كان في الرقعة فأنشدني البيتين ~~المذكورين فآليت أن لا أصحبه بعدها ولعميد الدولة شعر ذكره في الخريدة لكنه ~~غير مرضي وذكره ابن السمعاني في كتاب الذيل ومدحه خلق كثير من شعراء عصره ~~وفيه يقول صردر المذكور قصيدته العينية المشهورة التي أولها PageV05P132 # (قد بان عذرك والخليط مودع * وهوى النفوس مع الهوادج ~~يرفع) (لك حيثما سمت الركائب لفتة * أترى البدور بكل واد تطلع) (في ~~الظاعنين من الحمى ظبي له * الأحشاء مرعى والمآقي مكرع) (ممنوع أطراف ~~الجمال رقيبه * حذرا عليه من العيون البرقع) (عهد الحبائل صائدات شبهه * ~~فارتاع فهو لكل حبل يقطع) (لم يدر حامي سربه أني إذا * حرم الكلام له لساني ~~الأصبع) (وإذا الطيوف إلى المضاجع أرسلت * بتحية منه فعيني تسمع) وهذه ~~القصيدة ms1332 طويلة وهي من غرر الشعر وقوله فيها (عهد الحبائل صائدات شبهه * ~~فارتاع فهو لكل حبل يقطع) نظير قول ابن الحمارة الأندلسي (عن النوم سل عينا ~~به طال عهدها * وكان قليلا في ليال قلائل) (إذا ظن وكرا مقلتي طائر الكرى * ~~رأى هدبها فارتاع خوف الحبائل) ولا أدري أيهما أخذ من الآخر لأني لم أقف ~~على تاريخ وفاة ابن الحمارة حتى أعرف عصره ويجوز أن يكون ذلك بطريق التوارد ~~على هذا المعنى من غير أن يأخذ أحدهما من الآخر وعزل عميد الدولة المذكور ~~عن الوزارة وحبس وقيد في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ~~وتوفي في شوال من السنة وإليه كتب أبو الكرم ابن العلاف الشاعر قوله (ولولا ~~مدائحنا لم تبن * فعال المسئ من المحسن) (فهبك احتجبت عن الناظرين * فهلا ~~احتجبت عن الألسن) PageV05P133 # 231 وتوفيت زوجته بنت نظام الملك المذكور في شعبان سنة ~~سبعين وأربعمائة وكان تزوجها في سنة اثنتين وستين وأربعمائة وتوفي سنة ثلاث ~~وتسعين في حصن مقابل لتل بها 232 ولصردر أيضا في زعيم الرؤساء أبي القاسم ~~ابن فخر الدولة قصيدته القافية التي أولها (صبحها الدمع ومساها الأرق * هل ~~بين هذين بقاء للحدق) وهي بديعة مختارة مشهورة فلا حاجة إلى التطويل في ~~الإتيان بها وتولى زعيم الرؤساء أبو القاسم ابن فخر الدولة وزارة الإمام ~~المستظهر بالله في شعبان من سنة ست وتسعين وأربعمائة ولقبه نظام وقيل قوام ~~الدين وجهير بفتح الجيم وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ~~راء وقال السمعاني بضم الجيم وهو غلط يقال رجل جهير بين الجهارة أي ذو منظر ~~ويقال أيضا جهير الصوت بمعنى جهوري الصوت والله تعالى أعلم بالصواب 702 ~~ظهير الدين الروذراوري أبو شجاع محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله بن ~~إبراهيم الملقب ظهير الدين الروذراوري الأصل الأهوازي المولد قرأ الفقه على ~~الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وقرأ الأدب وولي الوزارة للإمام المقتدي بأمر ~~الله بعد عزل عميد PageV05P134 # الدولة أبي منصور ابن جهير المذكور قبله في ترجمة أبيه ~~فخر الدولة وذلك ms1333 في سنة ست وسبعين وأربعمائة وعزل عنها يوم الخميس تاسع عشر ~~صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة وأعيد عميد الدولة ابن جهير ولما قرأ أبو ~~شجاع التوقيع بعزله أنشد (تولاها وليس له عدو * وفارقها وليس له صديق) وخرج ~~بعد عزله ماشيا يوم الجمعة من داره إلى الجامع وانثالت عليه العامة تصافحه ~~وتدعو له وكان ذلك سببا لإلزامه بالقعود في داره ثم خرج إلى روذراور وهي ~~موطنه قديما فأقام هناك مدة ثم خرج إلى الحج في الموسم سنة سبع وثمانين ~~وأربعمائة وخرجت العرب على الركب الذي هو فيه بقرب الربذة فلم يسلم من ~~الرفقة سواه وجاور بعد الحج بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي ~~في النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ودفن بالبقيع عند ~~القبة التي فيها قبر إبراهيم عليه السلام ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكانت ولادته سنة سبع وثلاثين وأربعمائة رحمه الله تعالى قال العماد الكاتب ~~في الخريدة في حقه وكان عصره أحسن العصور وزمانه أنضر الأزمان ولم يكن في ~~الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله صعبا شديدا في أمور الشرع ~~سهلا في أمور الدنيا لا تأخذه في الله لومة لائم ثم قال ذكره ابن الهمداني ~~في الذيل فقال كانت أيامه أوفى الأيام سعادة للدولتين وأعظمها بركة على ~~الرعية وأعمها أمنا وأشملها رخصا وأكملها صحة لم يغادها بؤس ولم تشبها ~~مخافة وقامت للخلافة في نظره من الحشمة PageV05P135 # والاحترام ما أعادت سالف الأيام وكان أحسن الناس خطا ~~ولفظا وذكره الحافظ ابن السمعاني في الذيل فقال كان يرجع إلى فضل كامل وعقل ~~وافر ورزانة ورأي صائب وكان له شعر رقيق مطبوع أدركته حرفة الأدب وصرف عن ~~الوزارة وكلف لزوم البيت فانتقل من بغداد إلى جوار النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأقام بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام إلى حين وفاته وزرت ~~قبره غير مرة عند قبر إبراهيم ابن نبينا صلى الله عليه وسلم بالبقيع ثم قال ~~السمعاني بعد ذلك سمعت من أثق به ms1334 يقول إن الوزير أبا شجاع وقت أن قرب أمره ~~وحان ارتحاله من الدنيا حمل إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عند ~~الحظيرة وبكى وقال يا رسول الله قال الله سبحانه وتعالى * (ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما) * (النساء 64) ولقد جئتك معترفا بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك وبكى ~~ورجع وتوفي من يومه وله شعر حسن مجموع في ديوان فمن ذلك قوله (لأعذبن العين ~~غير مفكر * فيها بكت بالدمع أو فاضت دما) (ولأهجرن من الرقاد لذيذة * حتى ~~يعود على الجفون محرما) (هي أوقعتني في حبائل فتنة * لو لم تكن نظرت لكنت ~~مسلما) (سفكت دمي فلأسفكن دموعها * وهي التي بدأت فكانت أظلما) وإلى هذا ~~المعنى ينظر قول بعضهم (يا عين ما ظلم الفؤاد * ولا تعدى في الصنيع) (جرعته ~~مر الهوى * فمحا سوادك بالدموع) وله أيضا (وإني لأبدي في هواك تجلدا * وفي ~~القلب مني لوعة وغليل) PageV05P136 # (فلا تحسبي أني سلوت فربما * ترى صحة بالمرء وهو عليل) ~~وله أيضا (أيذهب جل العمر بيني وبينكم * بغير لقاء إن ذا لشديد) (فإن يسمح ~~الدهر الخؤون بوصلكم * على فاقتي إني إذا لسعيد) وعمل ذيلا على كتاب تجارب ~~الأمم تأليف أبي علي أحمد بن محمد المعروف بمسكويه وهو التاريخ المشهور ~~بأيدي الناس وقال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه وظهر منه من التلبس ~~في الدين وإظهاره وإعزاز أهله والرأفة بهم والأخذ على أيدي الظلمة ما أذكر ~~به عدل العادلين وكان لا يخرج من بيته حتى يكتب شيئا من القرآن العظيم ~~ويقرأ في المصحف ما تيسر وكان يؤدي زكاة أمواله الظاهرة في سائر أملاكه ~~وضياعه واقطاعه ويتصدق سرا وعرضت عليه رقعة فيها إن الدار الفلانية بدرب ~~القيار فيها امرأة معها أربعة أيتام وهم عراة جياع فاستدعى صاحبا له وقال ~~له مر واكسهم وأشبعهم وخلع أثوابه وحلف لا لبستها ولا دفئت حتى تعود إلي ~~وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم ولم يزل يرعد إلى أن جاء صاحبه وأخبره بذلك ~~وكانت له مبار ms1335 كثيرة والروذراوري بضم الراء وسكون الواو والذال المعجمة ~~وفتح الراء والواو بينهما ألف في آخرها راء أخرى هذه النسبة إلى روذراور ~~وهي بليدة بنواحي همذان والله تعالى أعلم PageV05P137 # 703 عميد الملك الكندري أبو نصر محمد بن منصور بن محمد ~~الملقب عميد الملك الكندري كان من رجال الدهر جودا وسخاء وكتابة وشهامة ~~واستوزره السلطان طغرلبك السلجوقي المقدم ذكره ونال عنده الرتبة العالية ~~والمنزلة الجليلة ولم يكن لأحد من أصحابه معه كلام وهو أول وزير كان لهذه ~~الدولة ولم تكن له منقبة إلا صحبة إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن ~~الشيخ أبي محمد الجويني الفقيه الشافعي صاحب نهاية المطلب على ما ذكره ~~السمعاني في ترجمة أبي المعالي في كتاب الذيل فإنه قال بعد الإطناب في وصف ~~إمام الحرمين وذكر تنقله في البلاد ثم قال وخرج إلى بغداد وصحب العميد ~~الكندري أبا نصر مدة يطوف معه ويلتقي في حضرته بالأكابر من العلماء ~~ويناظرهم وتحنك بهم حتى تهذب في النظر وشاع ذكره وذكره شيخنا ابن الأثير في ~~تاريخه في سنة ست وخمسين وأربعمائة وقال إن الوزير المذكور كان شديد التعصب ~~على الشافعية كثير الوقيعة في الشافعي رضي الله عنه حتى بلغ من تعصبه أنه ~~خاطب السلطان ألب أرسلان السلجوقي في لعن الرافضة على منابر خراسان فأذن في ~~ذلك فلعنهم وأضاف إليهم الأشعرية فأنف من ذلك أئمة خراسان منهم أبو القاسم ~~القشيري وإمام الحرمين الجويني وغيرهما ففارقوا خراسان وأقام إمام الحرمين ~~بمكة شرفها الله تعالى أربع سنين يدرس ويفتي فلهذا قيل له إمام الحرمين ~~فلما جاءت الدولة PageV05P138 # النظامية أحضر من انتزح منهم وأكرمهم وأحسن إليهم وقيل ~~إنه تاب عن الوقيعة في الشافعي فإن صح فقد أفلح وكان عميد الملك ممدحا ~~مقصدا للشعراء مدحه جماعة من أكابر شعراء عصره منهم أبو الحسن علي بن الحسن ~~الباخرزي المقدم ذكره والرئيس أبو منصور علي بن الحسن بن علي بن الفضل ~~الكاتب المعروف بصردر المقدم ذكره أيضا وفيه يقول قصيدته النونية وهي (أكذا ~~يجازى ود كل قرين * أم ms1336 هذه شيم الظباء العين) (قصوا علي حديث من قتل الهوى ~~* إن التأسي روح كل حزين) (ولئن كتمتم مشفقين لقد درى * بمصارع العذري ~~والمجنون) (فوق الركاب ولا أطيل مشبها * بل ثم شهوة أنفس وعيون) (هزت ~~قدودهم وقالت للصبا * هزؤا أعند البان مثل غصوني) (ووراء ذياك المقبل مورد ~~* حصباؤه من لؤلؤ مكنون) (إما بيوت النحل بين شفاههم * منظومة أو حانة ~~الزرجون) (ترمي بعينيك الفجاج مقلبا * ذات الشمال بها وذات يمين) (لو كنت ~~زرقاء اليمامة ما رأت * من بارق حيا على جيرون) (شكواك من ليل التمام وإنما ~~* أرقي بليل ذوائب وقرون) (ومعنف في الوجد قلت له اتئد * فالدمع دمعي ~~والحنين حنيني) (ما نافعي إذ كان ليس بنافعي * جاه الصبا وشفاعة العشرين) ~~(لا تطرقن خجلا للومة لائم * ما أنت أول حازم مفتون) (أأسومهم وهم الأجانب ~~طاعة * وهواي بين جوانحي يعصيني) PageV05P139 # (ديني على ظبياتهم ما يقتضى * فبأي حكم يقتضون رهوني) ~~(وخشيت من قلبي الفرار إليهم * حتى لقد طالبته بضمين) (كل النكال أطيق إلا ~~ذلة * إن العزيز عذابه بالهون) (يا عين مثل قذاك رؤية معشر * عار على ~~دنياهم والدين) (لم يشبهوا الإنسان إلا أنهم * متكونون من الحما المسنون) ~~(نجس العيون فإن رأتهم مقلتي * طهرتها فنزحت ماء جفوني) (أنا إن هم حسبوا ~~الذخائر دونهم * وهم إذا عدوا الفضائل دوني) (لا يشمت الحساد أن مطامعي * ~~عادت إلي بصفقة المغبون) (ما يستدير البدر إلا بعدما * أبصرته في الضمر ~~كالعرجون) (هذا الطريق اللحب زاجر ناقتي * واليم قاذف فلكي المشحون) (فإذا ~~عميد الملك حلى ربعه * ظفرا بفأل الطائر الميمون) (ملك إذا ما العزم حث ~~جياده * مرحت بأزهر شامخ العرنين) (بأغر ما أبصرت نور جبينه * إلا اقتضاني ~~بالسجود جبيني) (تجلو النواظر في نواحي دسته * والسرج بدر دجى وليث عرين) ~~(عمت فضائله البرية فالتقى * شكر الغني ودعوة المسكين) (قالوا وقد شنوا ~~عليه غارة * أصلات جود أم قضاء ديون) (لو كان في الزمن القديم تظلمت * منه ~~الكنوز إلى يدي قارون) (أما خزائن ماله فمباحة * فاستوهبوا من علمه ~~المخزون) (ما الرزق محتاجا بعرصته إلى * طلب ms1337 وليس الأجر بالممنون) (أقسمت ~~أن ألقى المكارم عالما * أني برؤيته أبر يميني) (ساس الأمور فليس يخلي رغبة ~~* من رهبة وبسالة من لين) (كالسيف رونق أثره في متنه * ومضاؤه في حده ~~المسنون) (شهدت علاه أن عنصر ذاته * مسك وعنصر غيره من طين) PageV05P140 # وكان إنشاده إياه هذه القصيدة عند وصول عميد الملك إلى ~~العراق وهو في دست وزارته وعلو منصبه وهذه القصيدة من الشعر الفائق المختار ~~وقد أثبتها بكمالها ما خلا ثلاثة أبيات فإنها لم تعجبني فأهملتها وقد وازن ~~هذه القصيدة جماعة من الشعراء منهم ابن التعاويذي المقدم ذكره وازنه ~~بقصيدته التي أولها (إن كان دينك في الصبابة ديني * فقف المطي برملتي ~~يبرين) وهي من القصائد النادرة وأرسلها من العراق إلى الشام ممتدحا بها ~~السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى ولولا خوف الإطالة لأثبتها ثم ذكرتها ~~في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب فتطلب هناك ووازنه أيضا ابن المعلم ~~المقدم ذكره بقصيدته التي أولها (ما وقفة الحادي على يبرين * وهو الخلي من ~~الظباء العين) وهي أيضا قصيدة جيدة وقد ذكرت بعضها في ترجمته وقد وازنها ~~الأبله أيضا وبالجملة فما قاربها إلا ابن التعاويذي وقد خرجنا عن المقصود ~~ولكن انتشر الكلام فلم يكن بد من استيفائه ولم يزل عميد الملك في دولة ~~طغرلبك عظيم الجاه والحرمة إلى أن توفي طغرلبك في التاريخ المذكور في ~~ترجمته وقام في المملكة ابن أخيه ألب أرسلان المقدم ذكره فأقره على حاله ~~وزاد في إكرامه ورتبته ثم إنه سيره إلى خوارزم شاه ليخطب له ابنته فأرجف ~~أعداؤه أنه خطبها لنفسه وشاع ذلك بين الناس فبلغ عميد الملك الخبر فخاف ~~تغير قلب مخدومه عليه فعمد إلى لحيته فحلقها وإلى مذاكيره فجبها فكان ذلك ~~سبب سلامته من ألب أرسلان وقيل إن السلطان خصاه فلما فعل ذلك عمل أبو الحسن ~~علي بن الحسن الباخرزي المذكور في ترجمته قوله (قالوا محا السلطان عنه ~~بعدكم * سمة الفحول وكان قرما صائلا) PageV05P141 # (قلت اسكتوا فالآن زاد فحولة * لما اغتدى من أنثييه ~~عاطلا) (فالفحل يأنف أن ms1338 يسمى بعضه * أنثى لذلك جذه مستأصلا) وهذا من ~~المعاني الغريبة البديعة ثم إن ألب أرسلان عزله من الوزارة في المحرم من ~~سنة ست وخمسين وأربعمائة لسبب يطول شرحه وفوض الوزارة إلى نظام الملك أبي ~~علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي المقدم ذكره وحبس عميد الملك بنيسابور في ~~دار عميد خراسان ثم نقله إلى مرو الروذ وحبسه في داره فكان في حجرة تلك ~~الدار عياله وكانت له بنت واحدة لا غير فلما أحس بالقتل دخل الحجرة وأخرج ~~كفنه وودع عياله وأغلق باب الحجرة واغتسل وصلى ركعتين وأعطى الذي هم بقتله ~~مائة دينار نيسابورية وقال حقي عليك أن تكفنني في هذا الثوب الذي غسلته ~~بماء زمزم وقال لجلاده قل للوزير نظام الملك بئس ما فعلت علمت الأتراك قتل ~~الوزراء وأصحاب الديوان ومن حفر مهواة وقع فيها ومن سن سنة سيئة فعليه ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ورضي بقضاء الله المحتوم وقتل يوم ~~الأحد سادس عشر ذي الحجة سنة ست وخمسين وأربعمائة وعمره يومئذ نيف وأربعون ~~سنة فعمل في ذلك الباخرزي الشاعر المذكور مخاطبا للسلطان ألب أرسلان (وعمك ~~أدناه وأعلى محله * وبوأه من ملكه كنفا رحبا) (قضى كل مولى منكما حق عبده * ~~فخوله الدنيا وخولته العقبى) ومن العجائب أنه دفنت مذاكيره بخوارزم وأريق ~~دمه بمروالروذ ودفن جسده بقريته كندر وجمجمته ودماغه بنيسابور وحشيت سوأته ~~بالتبن ونقلت إلى كرمان وكان نظام الملك هناك ودفنت ثم وفي ذلك عبرة لمن ~~اعتبر بعد أن كان رئيس عصره رحمه الله تعالى والكندري بضم الكاف وسكون ~~النون وضم الدال المهملة وبعدها راء هذه النسبة إلى كندر وهي قرية من قرى ~~طريثيث بضم الطاء المهملة وفتح PageV05P142 # الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء ~~المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها أيضا وبعدها ثاء مثلثة وهي كورة من ~~نواحي نيسابور خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم والله تعالى أعلم بالصواب ~~704 الوزير الجواد جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الملقب ~~جمال الدين ms1339 المعروف بالجواد الأصفهاني وزير صاحب الموصل كان جده أبو منصور ~~فهادا للسلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~فتأدب ولده وسمت همته فاشتهر أمره وخدم في مناصب علية وصاهر الأكابر فلما ~~ولد له جمال الدين المذكور عني بتأديبه وتهذيبه ثم ترتب في ديوان العرض ~~للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فظهرت ~~كفايته وحمدت طريقته فلما تولى أتابك زنكي بن آق سنقر المقدم ذكره الموصل ~~وما والاها استخدم جمال الدين المذكور وقربه واستصحبه معه إليها فولاه ~~نصيبين فظهرت كفايته وأضاف إليه الرحبة فأبان عن كفاية وعفة وكان من خواصه ~~وأكبر ندمائه فجعله مشرف مملكته كلها وحكمه تحكيما لا مزيد عليه وكان ~~الوزير يومئذ ضياء الدين أبا سعيد بهرام بن الخضر الكفرتوثي استوزره أتابك ~~زنكي في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وتوفي خامس شعبان سنة ست وثلاثين ~~وخمسمائة وهو على وزارته وتولى الوزارة بعده أبو الرضى ابن صدقة وجمال ~~الدين المذكور على وظائفه وكان جمال الدين دمث الأخلاق حسن المحاضرة مقبول ~~المفاكهة فخف على أتابك زنكي المذكور وأعجبه حديثه ومحاورته وجعله من ~~ندمائه PageV05P143 # وعول عليه في آخر مدته في أشراف ديوانه وزاد ماله ولم ~~يظهر منه في أيام أتابك زنكي كرم ولا جود ولا تظاهر بموجود فلما قتل على ~~قلعة جعبر كما تقدم في ترجمته أراد بعض العسكر قتل الوزير المذكور ونهب ~~ماله فتعرضوا له ورموا خيمته بالنشاب فحماه جماعة من الأمراء وتوجه بالعسكر ~~إلى الموصل فرتبه سيف الدين غازي بن أتابك زنكي المقدم ذكره في وزارته وفوض ~~الأمور وتدبير أحوال الدولة إليه وإلى زين الدين علي بن بكتكين والد مظفر ~~الدين صاحب إربل وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة ولده في حرف الكاف فظهر ~~حينئذ جود الوزير المذكور وانبسطت يده ولم يزل يعطي ويبذل الأموال ويبالغ ~~في الإنفاق حتى عرف بالجواد وصار ذلك كالعلم عليه حتى لا يقال له إلا جمال ~~الدين الجواد ومدحه جماعة من الشعراء من جملتهم محمد ms1340 بن نصر بن صغير ~~القيسراني الشاعر المقدم ذكره فإنه قصده بقصيدته المشهورة التي أولها (سقى ~~الله بالزوراء من جانب الغربي * مها وردت عين الحياة من القلب) وهي من ~~القصائد الطنانة وأثر آثارا جميلة وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم من ~~مكان بعيد وعمل الدرج من أسفل الجبل إلى أعلاه وبنى سور مدينة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وما كان خرب من مسجده وكان يحمل في كل سنة إلى مكة شرفها ~~الله تعالى والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام من الأموال والكسوات ~~للفقراء والمنقطعين ما يقوم بهم مدة سنة كاملة وكان له ديوان مرتب باسم ~~أرباب الرسوم والقصاد لا غير ولقد تنوع في فعل الخير حتى جاء في زمنه ~~بالموصل غلاء مفرط فواسى الناس حتى لم يبق له شيء وكان إقطاعه عشر مغل ~~البلاد على جاري عادة وزراء الدولة السلجوقية فأخبر بعض وكلائه أنه دخل ~~عليه يوما فناوله بقياره وقال له بع هذا واصرف ثمنه إلى المحاويج فقال له ~~الوكيل إنه لم يبق عندك سوى هذا البقيار والذي على رأسك وإذا بعت ~~PageV05P144 # هذا ربما تحتاج إلى تغيير البقيار فلا تجد ما تلبسه ~~فقال له إن هذا الوقت صعب كما ترى وربما لا أجد وقتا أصنع فيه الخير كهذا ~~الوقت وأما البقيار فإني أجد عوضه كثيرا فخرج الوكيل وباع البقيار وتصدق ~~بثمنه وله من هذه النوادر أشياء كثيرة وأقام على هذه الحال إلى أن توفي ~~مخدومه غازي في التاريخ المذكور في ترجمته وقام بالأمر من بعده أخوه قطب ~~الدين مودود وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى فاستولى عليه مدة ثم إنه استكثر ~~إقطاعه وثقل عليه أمره فقبض عليه في شهر رجب الفرد سنة ثمان وخمسين ~~وخمسمائة وفي أخبار زين الدين صاحب إربل طرف من خبر قبضه وحبسه في قلعة ~~الموصل ولم يزل مسجونا بها إلى أن توفي في العشر الأخير من شهر رمضان ~~المعظم وقيل شعبان سنة تسع وخمسين وخمسمائة وصلي عليه وكان يوما مشهودا من ~~ضجيج الضعفاء والأرامل والأيتام حول جنازته ms1341 ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين ~~ثم نقل إلى مكة حرسها الله تعالى وطيف به حول الكعبة وكان بعد أن صعدوا به ~~ليلة الوقفة إلى جبل عرفات وكانوا يطوفون به كل يوم مرارا مدة مقامهم بمكة ~~شرفها الله تعالى وكان يوم دخوله مكة يوما مشهودا من اجتماع الخلق والبكاء ~~عليه ويقال إنه لم يعهد عندهم مثل ذلك اليوم وكان معه شخص مرتب يذكر محاسنه ~~ويعدد مآثره إذا وصلوا به إلى المزارات والمواضع المعظمة فلما انتهوا به ~~إلى الكعبة وقف وأنشد (يا كعبة الإسلام هذا الذي * جاءك يسعى كعبة الجود) ~~(قصدت في العام وهذا الذي * لم يخل يوما غير مقصود) ثم حمل إلى مدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ودفن بها بالبقيع بعد أن أدخل PageV05P145 # المدينة وطيف به حول حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~مرارا وأنشد الشخص الذي كان مرتبا معه فقال (سرى نعشه فوق الرقاب وطالما * ~~سرى جوده فوق الركاب ونائله) (يمر على الوادي فتثني رماله * عليه وبالنادي ~~فتبكي أرامله) قلت وهذان البيتان من جملة القصيدة المذكورة في ترجمة المقلد ~~بن نصر بن منقذ الشيزري وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى رحمه الله تعالى 233 ~~وكان ولده أبو الحسن علي الملقب جلال الدين من الأدباء الفضلاء البلغاء ~~الكرماء رأيت له ديوان رسائل أجاد فيه وجمعه مجد الدين أبو السعادات ~~المبارك المعروف بابن الأثير الجزري صاحب جامع الأصول وقد تقدم ذكره وسماه ~~كتاب الجواهر واللآلي من الإملاء المولوي الوزيري الجلالي وكان مجد الدين ~~المذكور في أول أمره كاتبا بين يديه يملي رسائله وإنشاءه عليه وهو كاتب يده ~~وقد أشار مجد الدين إلى ذلك في أول هذا الكتاب وبالغ في وصف جلال الدين ~~المذكور وتقريضه وفضله على كل من تقدم من الفصحاء وذكر أنه كان بينه وبين ~~حيص بيص الشاعر المقدم ذكره مكاتبات ولولا خوف الإطالة لذكرت بعض رسائله ~~وفي جملة ما ذكره أن حيص بيص كتب إليه على يد رجل عليه دين رسالة مختصرة ~~فأتيت بها لقصرها وهي الكرم غامر ms1342 والذكر سائر والعون على الخطوب أكرم ناصر ~~وإغاثة الملهوف من أعظم الذخائر والسلام وكان جلال الدين المذكور وزير سيف ~~الدين غازي بن قطب الدين مودود وقد تقدم ذكره أيضا في حرف الغين وتوفي جلال ~~الدين المذكور سنة أربع وسبعين وخمسمائة بمدينة دنيسر PageV05P146 # وحمل إلى الموصل ثم نقل إلى المدينة على ساكنها أفضل ~~الصلاة والسلام ودفن بها في تربة والده رحمه الله تعالى ودنيسر بضم الدال ~~المهملة وفتح النون وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة ~~وبعدها راء وهي مدينة بالجزيرة الفراتية بين نصيبين ورأس عين تطرقها التجار ~~من جميع الجهات وهي مجمع الطرقات ولهذا قيل لها دنيسر وهي لفظ مركب عجمي ~~وأصله دنياسر ومعناه رأس الدنيا وعادة العجم في الأسماء المضافة أن يؤخروا ~~المضاف عن المضاف إليه وسر بالعجمي رأس والكفرتوثي الوزير المذكور بفتح ~~الكاف وسكون الفاء وفتح الراء وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو ~~وبعدها ثاء مثلثة هذه النسبة إلى كفرتوثا وهي قرية من أعمال الجزيرة ~~الفراتية بين رأس عين ودارا والله أعلم بالصواب 705 العماد الأصفهاني ~~الكاتب أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج محمد بن نفيس الدين أبي ~~الرجا حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله المعروف بابن ~~أخي العزيز وقد تقدم ذكر عمه العزيز في حرف الهمزة المعروف بأله الملقب ~~عماد الدين الكاتب الأصبهاني كان العماد المذكور فقيها شافعي المذهب تفقه ~~بالمدرسة النظامية زمانا PageV05P147 # وأتقن الخلاف وفنون الأدب وله من الشعر والرسائل ما ~~يغني عن الإطالة في شرحه وكان قد نشأ بأصبهان وقدم بغداد في حداثته وتفقه ~~على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز مدرس النظامية وسمع بها الحديث ~~من أبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام وأبي منصور محمد بن عبد الملك ~~بن جيرون وأبي المكارم المبارك بن علي السمرقندي وأبي بكر أحمد بن علي بن ~~الأشقر وغيرهم وأقام بها مدة ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى ~~بن هبيرة ms1343 ببغداد فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط ولم يزل ماشي الحال مدة ~~حياته فلما توفي في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى تشتت ~~شمل أتباعه والمنتسبين إليه ونال المكروه بعضهم وأقام العماد مدة في عيش ~~منكد وجفن مسهد ثم انتقل إلى مدينة دمشق فوصلها في شعبان سنة اثنتين وستين ~~وخمسمائة وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن أتابك ~~زنكي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وحاكمها ومتولي أمورها وتدبير دولتها ~~القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد ابن الشهرزوري المقدم ذكره فتعرف به وحضر ~~مجالسه وذكر لديه مسألة في الخلاف وعرفه الأمير الكبير نجم الدين أبو الشكر ~~أيوب والد السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى وكان يعرف عمه العزيز من ~~قلعة تكريت فأحسن إليه وأكرمه وميزه عند الأعيان والأماثل وعرفه السلطان ~~صلاح الدين من جهة والده ومدحه في ذلك الوقت بدمشق المحروسة وذكر العماد ~~ذلك في كتابه البرق الشامي وأورد القصيدة التي مدحه بها يومئذ ثم إن القاضي ~~كمال الدين نوه بذكره عند السلطان نور الدين وعدد عليه فضائله وأهله لكتابة ~~الإنشاء قال العماد فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي ~~ولا تقدمت لي به دربة ولقد كانت مواد هذه الصناعة عتيدة عنده لكنه لم يكن ~~قد مارسها فجبن عنها في الابتداء فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها وأتى ~~فيها بالغرائب وكان ينشئ الرسائل باللغة العجمية أيضا وحصل بينه وبين صلاح ~~الدين في تلك المدة مودة أكيدة وامتزاج تام PageV05P148 # وعلت منزلته عند نور الدين وصار صاحب سره وسيره إلى ~~دار السلام بغداد رسولا في أيام الإمام المستنجد ولما عاد فوض إليه تدريس ~~المدرسة المعروفة به في دمشق أعني العماد وذلك في شهر رجب سنة سبع وستين ~~وخمسمائة ثم رتبه في اشراف الديوان في سنة ثمان وستين ولم يزل مستقيم الحال ~~رخي البال إلى أن توفي نور الدين في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~وقام ولده الملك الصالح إسماعيل مقامه وكان صغيرا ms1344 فاستولى عليه جماعة كانوا ~~يكرهون العماد فضايقوه وأخافوه إلى أن ترك جميع ما هو فيه وسافر قاصدا ~~بغداد فوصل إلى الموصل ومرض بها مرضا شديدا ثم بلغه خروج السلطان صلاح ~~الدين من الديار المصرية لأخذ دمشق فانثنى عزمه عن قصد العراق وعزم على ~~العود إلى الشام وخرج من الموصل رابع جمادى الأولى سنة سبعين وخمسمائة وسلك ~~طريق البرية فوصل إلى دمشق في ثامن جمادى الآخرة وصلاح الدين يومئذ نازل ~~على حلب ثم قصد خدمته وقد تسلم قلعة حمص في شعبان من السنة فحضر بين يديه ~~وأنشده قصيدة أطال نفسه فيها ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله ~~فاستمر على عطلته مديدة وهو يغشى مجالس السلطان وينشده في كل وقت مدائح ~~ويعرض بصحبته القديمة ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه ~~واعتمد عليه وقرب منه فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين ~~يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع ~~عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية والعماد ملازم الباب ~~بالشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم وصنف التصانيف النافعة من ذلك كتاب ~~خريدة القصر وجريدة العصر جعله ذيلا على زينة الدهر تأليف أبي المعالي سعد ~~بن علي الوراق الحظيري والحظيري جعل كتابه ذيلا على دمية القصر وعصرة أهل ~~العصر للباخرزي والباخرزي جعل كتابه ذيلا على يتيمة الدهر للثعالبي وقد ~~PageV05P149 # تقدم ذكر هؤلاء الثلاثة المؤلفين والثعالبي جعل كتابه ~~ذيلا على كتاب البارع لهارون بن علي المنجم وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~وقد ذكر العماد في خريدته الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة ~~اثنتين وسبعين وخمسمائة وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر ~~والمغرب ولم يترك أحدا إلا النادر الخامل وأحسن في هذا الكتاب وهو في عشر ~~مجلدات وصنف كتاب البرق الشامي في سبع مجلدات وهو مجموع تاريخ وبدأ فيه ~~بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام وما جرى له في خدمة السلطان ~~نور الدين محمود وكيفية تعلقه بخدمة السلطان ms1345 صلاح الدين وذكر شيئا من ~~الفتوحات بالشام وهو من الكتب الممتعة وإنما سماه البرق الشامي لأنه شبه ~~أوقاته في تلك الأيام بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها وصنف كتاب الفتح ~~القدسي في الفتح القدسي في مجلدين يتضمن كيفية فتح البيت المقدس وصنف كتاب ~~السيل على الذيل جعله ذيلا على الذيل لابن السمعاني المقدم ذكره الذي ذيل ~~به تاريخ بغداد تأليف الخطيب البغدادي الحافظ هكذا كنت قد سمعت ثم إني وقفت ~~عليه فوجدته ذيلا على كتابه خريدة القصر المذكور وصنف كتاب نصرة الفترة ~~وعصرة الفطرة في أخبار الدولة السلجوقية وله ديوان رسائل وديوان شعر في ~~أربع مجلدات ونفسه في قصائده طويل وله ديوان صغير جميعه دوبيت وكان بينه ~~وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف فمن ذلك ما يحكى عنه أنه لقيه ~~يوما وهو راكب على فرس فقال له سر فلا كبابك الفرس فقال له الفاضل دام علا ~~العماد وهذا مما يقرأ مقلوبا وصحيحا سواء واجتمعا يوما في موكب السلطان وقد ~~انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء فتعجبا من ذلك فأنشد العماد في ~~الحال (أما الغبار فإنه * مما أثارته السنابك) (والجو منه مظلم * لكن أنار ~~به السنا بك) PageV05P150 # (يا دهر لي عبد الرحيم * فلست أخشى مس نابك) وقد اتفق ~~له الجناس في الأبيات الثلاثة وهو في غاية الحسن وكان القاضي الفاضل قد حج ~~من مصر في سنة أربع وسبعين وخمسمائة وركب البحر في طريقه فكتب إليه العماد ~~طوبى للحجر والحجون من ذي الحجر والحجا منيل الجدا ومنير الدجى ولندي ~~الكعبة من كعبة الندى وللهدايا المشعرات من مشعر الهدى وللمقام الكريم من ~~مقام الكريم ومن حاطم فقار القفر للحطيم ومتى رؤي هرم في الحرم وحاتم ماتح ~~زمزم ومتى ركب البحر البحر وسلك البر البر لقد عاد قس إلى عكاظه وعاد قيس ~~لحفاظه ويا عجبا لكعبة يقصدها كعبة الفضل والإفضال ولقبلة يستقبلها قبلة ~~القبول والإقبال والسلام لقد أبدع في هذه الرسالة وما أودعها من الصناعة ~~لكن الظاهر أنه غلط في قوله قيس لحفاظه ms1346 فإن المشهور أنس الحفاظ وهم أربعة ~~أخوة لكل واحد منهم لقب ولولا خوف الإطالة والانتقال عما نحن بصدده لذكرت ~~قصتهم ولما توفي الوزير عون الدين بن هبيرة اعتقل الديوان العزيز جماعة من ~~أصحابه وكان العماد في جملة من اعتقل لأنه كان ينوب عنه في واسط تلك المدة ~~فكتب من الحبس إلى عماد الدين بن عضد الدين بن رئيس الرؤساء وكان حينئذ ~~أستاذ الدار المستنجدية وذلك في شعبان سنة ستين وخمسمائة من قصيدة (قل ~~للإمام علام حبس وليكم * أولوا جميلكم جميل ولائه) (أوليس إذ حبس الغمام ~~وليه * خلى أبوك سبيله بدعائه) فأمر باطلاقه وهذا معنى مليح غريب وفيه ~~إشارة إلى قضية العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه فإن الغيث قد انقطع في زمن خلافته وأمحلت الأرض ~~فخرج للاستسقاء ومعه PageV05P151 # العباس والناس فلما وقف للدعاء قال اللهم إنا كنا إذا ~~قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا ~~فسقوا وأما الولي فهو المطر الذي يأتي بعد الوسمي وسمي وليا لأنه يلي ~~الوسمي والوسمي مطر الربيع الأول وسمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات وهو ~~منسوب إلى الوسم وقد جمعهما المتنبي في بيت واحد وهو (أمنعمة بالعودة ~~الظبية التي * بغير ولي كان نائلها الوسمي) يعني أنه لم تكن لزيارتها ~~الأولى ثانية وبم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته إلى أن توفي ~~السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى فاختلت أحواله وتعطلت أوصاله ولم يجد ~~في وجهه بابا مفتوحا فلزم بيته وأقبل على الاشتغال بالتصانيف وقد ساق في ~~أوائل البرق الشامي طرفا من ذلك وتقدم في ترجمة ابن التعاويذي ما دار ~~بينهما في طلب الفروة والرسالة والقصيدة وجوابهما وكانت ولادته يوم الاثنين ~~ثاني جمادى الآخرة وقيل في شعبان سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان وتوفي يوم ~~الاثنين مستهل شهر رمضان المعظم سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق ودفن في ~~مقابر الصوفية خارج باب النصر رحمه الله تعالى أخبرني بعض الرؤساء ممن كان ms1347 ~~ملازمه في مدة مرضه أنه كان إذا دخل عليه أحد يعوده أنشده (أنا ضيف بربعكم ~~* أين أين المضيف) (أنكرتني معارفي * مات من كنت أعرف) وأله بفتح الهمزة ~~وضم اللام وسكون الهاء وهو اسم عجمي معناه بالعربي العقاب وهو الطائر ~~المعروف وقد قيل إن العقاب لا يوجد فيه ذكر بل جميعه أنثى وإن الذي يسافده ~~طائر آخر من غير جنسه وقيل إن الثعلب يسافده وهذا من العجائب ولابن عنين ~~الشاعر المقدم ذكره في هجو شخص يقال له ابن سيده PageV05P152 # (ما أنت إلا كالعقاب فأمه * معروفة وله ب مجهول) وهذه ~~إشارة إلى ما نحن فيه والله تعالى أعلم بالصواب 706 الفارابي الفيلسوف أبو ~~نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي التركي الحكيم المشهور صاحب ~~التصانيف في المنطق والموسيقى وغيرهما من العلوم وهو أكبر فلاسفة المسلمين ~~ولم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه والرئيس أبو علي ابن سينا المقدم ذكره ~~بكتبه تخرج وبكلامه انتفع في تصانيفه وكان رجلا تركيا ولد في بلده ونشأ بها ~~وسيأتي الكلام عليها في آخر الترجمة إن شاء الله تعالى ثم خرج من بلده ~~وتنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات ~~غير العربي فشرع في اللسان العربي فتعلمه وأتقنه غاية الإتقان ثم اشتغل ~~بعلوم الحكمة 234 ولما دخل بغداد كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم ~~المشهور وهو شيخ كبير وكان يقرأ الناس عليه فن المنطق وله إذ ذاك صيت عظيم ~~وشهرة وافية ويجتمع في حلقته كل يوم المئون من المشتغلين بالمنطق وهو يقرأ ~~كتاب أرسطاطاليس في المنطق ويملي على تلامذته شرحه فكتب عنه في شرحه سبعون ~~PageV05P153 # سفرا ولم يكن في ذلك الوقت أحد مثله في فنه وكان حسن ~~العبارة في تواليفه لطيف الإشارة وكان يستعمل في تصانيفه البسط والتذليل ~~حتى قال بعض علماء هذا الفن ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم ~~المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر يعني المذكور وكان أبو نصر ~~يحضر ms1348 حلقته في غمار تلامذته فأقام أبو نصر كذلك برهة ثم ارتحل إلى مدينة ~~حران وفيها يوحنا بن حيلان الحكيم النصراني فأخذ عنه طرفا من المنطق أيضا ~~ثم إنه قفل راجعا إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة وتنازل جميع كتب ~~أرسطاطاليس وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها ويقال إنه ~~وجد كتاب النفس لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي إني قرأت هذا ~~الكتاب مائتي مرة ونقل عنه أنه كان يقول قرأت السماع الطبيعي لأرسطاطاليس ~~الحكيم أربعين مرة وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته ويروى عنه أنه سئل من ~~أعلم الناس بهذا الشأن أنت أم أرسطاطاليس فقال لو أدركته لكنت أكبر تلامذته ~~وذكره أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن صاعد القرطبي في كتاب ~~طبقات الحكماء فقال الفارابي فيلسوف المسلمين بالحقيقة أخذ صناعة المنطق عن ~~يوحنا بن حيلان المتوفى بمدينة السلام في أيام المقتدر فبذ جميع أهل ~~الإسلام وأربى عليهم في التحقيق لها وشرح غامضها وكشف سرها وقرب تناولها ~~وجميع ما يحتاج إليه منها في كتب صحيحة العبارة لطيفة الإشارة منبها على ما ~~أعيا الكندي وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعاليم وأوضح القول فيها عن ~~مواد المنطق الخمسة وأفاد وجوه الانتفاع بها وعرف طرق استعمالها وكيف تصرف ~~صورة القياس في كل مادة منها فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية والنهاية ~~الفاضلة ثم له بعد هذا كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها لم ~~يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه فيه ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء ~~به انتهى كلام ابن صاعد وذكر بعد ذلك PageV05P154 # شيئا من تواليفه ومقاصده فيها ولم يزل أبو نصر ببغداد ~~مكبا على الاشتغال بهذا العلم والتحصيل له إلى أن برز فيه وفاق أهل زمانه ~~وألف بها معظم كتبه ثم سافر منها إلى دمشق ولم يقم بها ثم توجه إلى مصر وقد ~~ذكر أبو نصر في كتابه الموسوم ب السياسة المدنية أنه ابتدأ بتأليفه في ~~بغداد وأكمله بمصر ثم عاد إلى دمشق وأقام بها ms1349 وسلطانها يومئذ سيف الدولة بن ~~حمدان فأحسن إليه ورأيت في بعض المجاميع أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة ~~وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف فأدخل عليه وهو بزي الأتراك وكان ~~ذلك زيه دائما فوقف فقال له سيف الدولة اقعد فقال حيث أنا أم حيث أنت فقال ~~حيث أنت فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى ~~أخرجه عنه وكان على رأس سيف الدولة مماليك وله معهم لسان خاص يسارهم به قل ~~أن يعرفه أحد فقال لهم بذلك اللسان إن هذا الشيخ قد أساء الأدب وإني مسائله ~~عن أشياء إن لم يوف بها فاخرقوا به فقال له أبو نصر بذلك اللسان أيها ~~الأمير اصبر فإن الأمور بعواقبها فعجب سيف الدولة منه وقال له أتحسن هذا ~~اللسان فقال نعم أحسن أكثر من سبعين لسانا فعظم عنده ثم أخذ يتكلم مع ~~العلماء الحاضرين في المجلس في كل فن فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى ~~صمت الكل وبقي يتكلم وحده ثم أخذوا يكتبون ما يقوله فصرفهم سيف الدولة وخلا ~~به فقال له هل لك في أن تأكل فقال لا فقال فهل تشرب فقال لا فقال فهل تسمع ~~فقال نعم فأمر سيف الدولة بإحضار القيان فحضر كل ماهر في هذه الصناعة ~~بأنواع الملاهي فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه أبو نصر وقال له أخطأت ~~فقال له سيف الدولة وهل تحسن في هذه الصناعة شيئا فقال نعم ثم أخرج من وسطه ~~خريطة ففتحها وأخرج منها عيدانا وركبها ثم لعب بها فضحك منها كل من كان في ~~المجلس ثم فكها وركبها تركيبا آخر وضرب بها فبكى كل من في المجلس ثم فكها ~~وغير PageV05P155 # تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب ~~فتركهم نياما وخرج ويحكى أن الآلة المسماة القانون من وضعه وهو أول من ~~ركبها هذا التركيب وكان منفردا بنفسه لا يجالس الناس وكان مدة مقامه بدمشق ~~لا يكون غالبا إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض ms1350 ويؤلف هناك كتبه وينتابه ~~المشتغلون عليه وكان أكثر تصنيفه في الرقاع ولم يصنف في الكراريس إلا ~~القليل فلذلك جاءت أكثر تصانيفه فصولا وتعاليق ويوجد بعضها ناقصا مبتورا ~~وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن وأجرى عليه سيف ~~الدولة كل يوم من بيت المال أربعة دراهم وهو الذي اقتصر عليها لقناعته ولم ~~يزل على ذلك إلى أن توفي في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق وصلى عليه سيف ~~الدولة في أربعة من خواصه وقد ناهز ثمانين سنة ودفن بظاهر دمشق خارج باب ~~الصغير رحمه الله تعالى وتوفي متى بن يونس ببغداد في خلافة الراضي هكذا ~~حكاه ابن صاعد القرطبي في طبقات الأطباء وظفرت في مجموع بأبيات منسوبة إلى ~~الفارابي ولا أعلم صحتها وهي (أخي خل حيز ذي باطل * وكن للحقائق في حيز) ~~(فما الدار دار مقام لنا * وما المرء في الأرض بالمعجز) (ينافس هذا لهذا ~~على * أقل من الكلم الموجز) (وهل نحن إلا خطوط وقعن * على نقطة وقع مستوفز) ~~(محيط السماوات أولى بنا * فماذا التنافس في مركز) 235 ورأيت هذه الأبيات ~~في الخريدة منسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الملك الفارقي البغدادي الدار ~~وقال العماد مؤلف الخريدة إنه اجتمع به يوم الجمعة ثامن عشر شهر رجب سنة ~~إحدى وستين وخمسمائة وتوفي بسنيات بعد ذلك PageV05P156 # وطرخان بفتح الطاء المهملة وسكون الراء وفتح الخاء ~~المعجمة وبعد الألف نون وأوزلغ بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الزاي واللام ~~وبعدها غين معجمة وهما من أسماء الترك والفارابي بفتح الفاء والراء وبينهما ~~ألف وبعد الألف الثانية باء موحدة هذه النسبة إلى فاراب وتسمى في هذا ~~الزمان أطرار بضم الهمزة وسكون الطاء المهملة وبين الراءين ألف ساكنة وقد ~~غلب عليها هذا الاسم وهي مدينة فوق الشاش قريبة من مدينة بلاساغون وجميع ~~أهلها على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وهي قاعدة من قواعد مدن الترك ~~ويقال لها فاراب الداخلة ولهم فاراب الخارجة وهي في أطراف بلاد فارس ~~وبلاساغون بفتح الباء الموحدة واللام ألف والسين المهملة ms1351 وبعد الألف غين ~~معجمة ثم واو ساكنة وبعدها نون وهي بلدة في ثغور الترك وراء نهر سيحون ~~المقدم ذكره بالقرب من كاشغر وكاشغر بفتح الكاف وبعد الألف شين معجمة ساكنة ~~ثم غين معجمة مفتوحة وفي آخرها راء وهي من المدن العظام في تخوم الصين ~~والله تعالى أعلم بالصواب 707 ابن زكريا الرازي أبو بكر محمد بن زكريا ~~الرازي الطبيب المشهور ذكر ابن جلجل في تاريخ الأطباء أنه دبر مارستان الري ~~ثم مارستان بغداد في أيام المكتفي ومن PageV05P157 # أخباره أنه كان في شبيبته يضرب بالعود ويغني فلما ~~التحى وجهه قال كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف فنزع عن ذلك ~~وأقبل على دراسة كتب الطب والفلسفة فقرأها قراءة رجل متعقب على مؤلفيها ~~فبلغ من معرفة غوائرها الغاية واعتقد الصحيح منها وعلل السقيم وألف في الطب ~~كتبا كثيرة وقال غيره كان إمام وقته في علم الطب والمشار إليه في ذلك العصر ~~وكان متقنا لهذه الصناعة حاذقا فيها عارفا بأوضاعها وقوانينها تشد إليه ~~الرحال في أخذها عنه وصنف فيها الكتب النافعة فمن ذلك كتاب الحاوي وهو من ~~الكتب الكبار يدخل في مقدار ثلاثين مجلدا وهو عمدة الأطباء في النقل منه ~~والرجوع إليه عند الاختلاف ومنها كتاب الجامع وهو أيضا من الكتب الكبار ~~النافعة وكتاب الأعصاب وهو أيضا كبير وله أيضا كتاب المنصوري المختصر ~~المشهور وهو على صغر حجمه من الكتب المختارة جمع فيه بين العمل والعلم ~~ويحتاج إليه كل أحد وكان قد صنفه لأبي صالح منصور بن نوح بن نصر بن إسماعيل ~~بن أحمد بن أسد بن سامان أحد الملوك السامانية فنسب الكتاب إليه وله غير ~~ذلك تصانيف كثيرة وكلها يحتاج إليها ومن كلامه مهما قدرت أن تعالج بالأغذية ~~فلا تعالج بالأدوية ومهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بدواء مركب ~~ومن كلامه إذا كان الطبيب عالما والمريض مطيعا فما أقل لبث العلة ومن كلامه ~~عالج في أول العلة بما لا تسقط به القوة وذكر القاضي التنوخي في كتاب الفرج ms1352 ~~بعد الشدة في باب من اشتد بلاؤه بمرض فعافاه الله بأيسر سبب وأقاله أن ~~غلاما من بغداد قدم الري وكان ينفث الدم وكان لحقه ذلك في طريقه فاستدعى ~~أبا بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق صاحب الكتب المصنفة فأراه ما ينفث ~~ووصف له ما يجد PageV05P158 # فأخذ الرازي مجسه ورأى قارورته واستوصف حاله منذ ~~ابتداء ذلك به فلم يقم له دليل على سل ولا قرحة ولم يعرف العلة واستنظر ~~الرجل لينظر في الأمر فقامت على العليل القيامة وقال هذا أيأس لي من الحياة ~~لحذق الطبيب وجهله بالعلة فازداد ما به من الألم فولد الفكر للرازي أن عاد ~~إليه فسأله عن المياه التي شربها في طريقه فأخبره أنه شرب من مستنقعات ~~وصهاريج فقام في نفس الرازي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أن علقة كانت في ~~الماء وقد حصلت في معدته وأن ذلك الدم من فعلها وقال له إذا كان في غد جئتك ~~فعالجتك ولم أنصرف حتى تبرأ ولكن بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك لما ~~آمرهم فقال نعم فانصرف الرازي فجمع ملء مركنين كبيرين من طحلب فأحضرهما في ~~غد معه فأراه إياهما وقال له ابلع فقال لا أستطيع فقال للغلمان خذوه ~~فأنيموه ففعلوا به ذلك وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه وأقبل الرازي يدس الطحلب ~~في حلقه ويكبسه كبسا شديدا ويسأله ببلعه ويهدده بأن يضرب إلى أن أبلعه ~~كارها أحد المركنين بأسره والرجل يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء إلى أن ~~قال العليل الساعة أقذف فزاد الرازي في ما يكبسه في حلقه فذرعه القيء فقذف ~~فتأمل الرازي قذفه فإذا فيه علقة وإذا هي لما وصل إليها الطحلب قربت إليه ~~بالطبع وتركت موضعها والتفت على الطحلب ونهض العليل معافى ولم يزل رئيس هذا ~~الشان وكان اشتغاله به على كبر يقال إنه لما شرع فيه كان قد جاوز أربعين ~~سنة من العمر وطال عمره فعمي في آخر مدته وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة ~~رحمه الله تعالى وكان اشتغاله بالطب على الحكيم أبي الحسن علي بن ربن ms1353 ~~الطبري صاحب التصانيف المشهورة منها فردوس الحكمة وغيره وكان مسيحيا ثم ~~أسلم وقد تقدم الكلام على الرازي وأما الملوك السامانية فكانوا سلاطين ما ~~وراء النهر وخراسان وكانوا أحسن الملوك سيرة ومن ولي منهم كان يقال له ~~سلطان السلاطين لا ينعت إلا به PageV05P159 # وصار كالعلم لهم وكان يغلب عليهم العدل والدين والعلم ~~وملك من بينهم جماعة ولم تنقرض دولتهم إلا بدولة السلطان محمود بن سبكتكين ~~الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وكانت مدة ولايتهم مائة سنة وسنتين وستة أشهر ~~وعشرة أيام 236 وكانت وفاة أبي صالح منصور المذكور في شوال سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة وكان قد صنف له الرازي المذكور الكتاب المذكور في حال صغره ~~ليشتغل به ثم رأيت نسخة كتاب المنصوري وعلى ظهره أن المنصور الذي وسم ~~الرازي هذا الكتاب باسمه هو المنصور بن إسحاق بن أحمد بن نوح من ولد بهرام ~~كوس صاحب كرمان وخراسان وكنيته أبو صالح والله أعلم بالصواب وحكى ابن جلجل ~~المقدم ذكره في تاريخه أيضا أن الرازي المذكور صنف لمنصور المذكور كتابا في ~~إثبات صناعة الكيمياء وقصده به من بغداد فدفع له الكتاب فأعجبه وشكره عليه ~~وحباه بألف دينار وقال له أريد أن تخرج هذا الذي ذكرت في هذا الكتاب إلى ~~الفعل فقال له الرازي إن ذلك مما يتمون له المؤن ويحتاج إلى آلات وعقاقير ~~صحيحه وإلى إحكام صنعة ذلك كله وكل ذلك كلفة فقال له منصور كل ما احتجت ~~إليه من الآلات ومما يليق بالصناعة أحضره لك كاملا حتى تخرج عما ضمنته ~~كتلبك إلى العمل فلما حقق عليه كع عن مباشرة ذلك وعجز عن عمله فقال له ~~منصور ما اعتقدت أن حكيما يرضى بتحليل الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة يشغل ~~بها قلوب الناس ويتعبهم فيما لا يعود عليهم من ذلك منفعة ثم قال له قد ~~كافأناك على قصدك وتعبك بما صار إليك من الألف دينار ولا بد من معاقبتك على ~~تخليد الكذب فحمل السوط على رأسه ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه ms1354 حتى ~~يتقطع ثم جهزه وسير به إلى بغداد فكان ذلك الضرب سبب نزول الماء إلى عينيه ~~ولم يسمح بقدحهما وقال قد رأيت الدنيا PageV05P160 # 237 وكانت وفاة والده أبي محمد نوح بن نصر في شهر ربيع ~~الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة 238 وكانت وفاة جده أبي الحسن نصر بن ~~إسماعيل في رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة 239 وكانت وفاة جد أبيه أبي ~~إبراهيم إسماعيل بن أحمد في صفر ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت منه سنة ~~خمس وتسعين ومائتين ببخاري ومولده سنة أربع وثلاثين ومائتين بفرغانة وكان ~~يكتب الحديث ويكرم العلماء 240 وكانت وفاة أحمد بن أسد بن سامان سنة خمسين ~~ومائتين بفرغانة رحمهم الله تعالى وسامان بفتح السين المهملة والميم ~~وبينهما ألف وبعد الألف الثانية نون وهذا وإن كان خارجا عن المقصود لكن ~~مساق الكلام جره وفيه فائدة لا يستغنى عنها والله أعلم بالصواب 708 ابن ~~شاكر أبو عبد الله محمد بن موسى بن شاكر أحد الإخوة الثلاثة الذين ينسب ~~إليهم حيل بني موسى وهم مشهورون بها واسم أخويه أحمد والحسن وكانت لهم همم ~~عالية في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل وأتعبوا أنفسهم في شأنها ~~وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها لهم وأحضروا النقلة من الأصقاع الشاسعة ~~والأماكن البعيدة بالبذل السني فأظهروا عجائب الحكمة وكان الغالب عليهم من ~~العلوم الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم وهو PageV05P161 # الأقل ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشتمل على كل ~~غريبة ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها وهو مجلد واحد ومما ~~اختصوا به في ملة الإسلام وأخرجوه من القوة إلى الفعل وإن كان أرباب ~~الأرصاد المتقدمون على الإسلام قد فعلوه لكنه لم يقل إن أحدا من أهل هذه ~~الملة تصدى له وفعله إلا هم وهو أن المأمون كان مغرى بعلوم الأوائل ~~وتحقيقها ورأى فيها أن دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل كل ثلاثة أميال ~~فرسخ فيكون المجموع ثمانية آلاف فرسخ بحيث لو وضع طرف حبل على أي نقطة كانت ~~من الأرض وأدرنا ms1355 الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك ~~الموضع من الأرض والتقى طرفا الحبل فإذا مسحنا ذلك الحبل كان طوله أربعة ~~وعشرين ألف ميل فأراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك فسأل بني موسى ~~المذكورين عنه فقالوا نعم هذا قطعي فقال أريد منكم أن تعملوا الطريق الذي ~~ذكره المتقدمون حتى نبصر هل يتحرر ذلك أم لا فسألوا عن الأراضي المتساوية ~~في أي البلاد هي فقيل لهم صحراء سنجار في غاية الاستواء وكذلك وطأة الكوفة ~~فأخذوا معهم جماعة ممن يثق المأمون إلى أقوالهم ويركن إلى معرفتهم بهذه ~~الصناعة وخرجوا إلى سنجار وجاءوا إلى الصحراء المذكورة فوقفوا في موضع منها ~~وأخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات وضربوا في ذلك الموضع وتدا وربطوا ~~فيه حبلا طويلا ثم مشوا إلى الجهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف إلى ~~اليمين واليسار حسب الإمكان فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتدا آخر وربطوا ~~فيه حبلا طويلا ومشوا إلى جهة الشمال أيضا كفعلهم الأول ولم يزل ذلك دأبهم ~~حتى انتهوا إلى موضع أخذوا فيه ارتفاع القطب المذكور فوجدوه قد زاد على ~~الارتفاع الأول درجة فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبل فبلغ ستة ~~وستين ميلا وثلثي ميل فعلموا أن كل درجة من درج الفلك يقابلها من سطح الأرض ~~ستة وستون ميلا وثلثان PageV05P162 # ثم عادوا إلى الموضع الذي ضربوا فيه الوتد الأول وشدوا ~~فيه حبلا وتوجهوا إلى جهة الجنوب ومشوا على الاستقامة وعملوا كما عملوا في ~~جهة الشمال من نصب الأوتاد وشد الحبال حتى فرغت الحبال التي استعملوها في ~~جهة الشمال ثم أخذوا الارتفاع فوجدوا القطب الشمالي قد نقص عن ارتفاعه ~~الأول درجة فصح حسابهم وحققوا ما قصدوه من ذلك وهذا إذا وقف عليه من له يد ~~في علم الهيئة ظهر له حقيقته ومن المعلوم أن عدد درج الفلك ثلاثمائة وستون ~~درجة لأن الفلك مقسوم باثني عشر برجا وكل برج ثلاثون درجة فتكون الجملة ~~ثلاثمائة وستين درجة فضربوا عدد درج الفلك في ستة وستين ميلا ms1356 وثلثين أي ~~التي هي حصة كل درجة فكانت الجملة أربعة وعشرين ألف ميل وهي ثمانية آلاف ~~فرسخ وهذا محقق لا شك فيه فلما عاد بنو موسى إلى المأمون وأخبروه بما صنعوا ~~وكان موافقا لما رآه في الكتب القديمة من استخراج الأوائل طلب تحقيق ذلك في ~~موضع آخر فسيرهم إلى أرض الكوفة وفعلوا كما فعلوا في سنجار فتوافق الحسابان ~~فعلم المأمون صحة ما حرره القدماء في ذلك وهذا الفصل هو الذي أشرت إليه في ~~ترجمة أبي بكر محمد بن يحيى الصولي وقلت لولا التطويل لبينت ذلك وكانت لبني ~~موسى المذكورين أوضاع نادرة غريبة ولولا الإطالة لذكرت شيئا منها وتوفي ~~محمد المذكور في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائتين رحمه الله تعالى ~~والله أعلم بالصواب PageV05P163 # 709 البتاني الحاسب أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان ~~الحراني الأصل البتاني الحاسب المنجم المشهور صاحب الزيج الصابي له الأعمال ~~العجيبة والأرصاد المتقنة وأول ما ابتدأ بالرصد في سنة أربع وستين ومائتين ~~إلى سنة ست وثلاثمائة وأثبت الكواكب الثابتة في زيجه لسنة تسع وتسعين ~~ومائتين وكان أوحد عصره في فنه وأعماله تدل على غزارة فضله وسعة علمه وتوفي ~~سنة سبع عشرة وثلاثمائة عند رجوعه من بغداد بموضع يقال له قصر الحضر ولم ~~أعلم أنه أسلم لكن اسمه يدل على إسلامه وله من التصانيف الزيج وهو نسختان ~~أولى وثانية والثانية أجود وكتاب معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك ~~ورسالة في مقدار الاتصالات وكتاب شرح فيه أربعة أرباع الفلك ورسالة في ~~تحقيق أقدار الاتصالات وشرح أربع مقالات بطليموس وغيرذلك والبتاني بفتح ~~الباء الموحدة وقال أبو محمد هبة الله بن الأكفاني بكسرها وبتشديد التاء ~~المثناة من فوقها وبعد الألف نون هذه النسبة إلى بتان وهي ناحية من أعمال ~~حران والحضر بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء وهي مدينة ~~قديمة بالقرب من تكريت بين دجلة والفرات في البرية وكان صاحبها الساطرون ~~فحاصره أردشير بن بابك أول ملوك الفرس وأخذ البلد وقتله وفي ذلك يقول أبو ms1357 ~~دواد الإيادي واسمه حارثة بن حجاج PageV05P164 # وقيل حنظلة بن شرقي (وأرى الموت قد تدلى من الحضر * ~~على رب أهله الساطرون) (صرعته الأيام من بعد ملك * ونعيم وجوهر مكنون) ~~وذكره أيضا عدي بن زيد العبادي في قوله (وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة * ~~تجبى إليه والخابور) وجاء ذكره في الشعر كثيرا وقيل إن الذي حصره سابور ذو ~~الأكتاف وهو الذي ذكره ابن هشام في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والأول أصح والساطرون بفتح السين المهملة وبعد الألف طاء مهملة مكسورة ~~ثم راء مضمومة ثم واو ساكنة وبعدها نون وهو لفظ سرياني ومعناه الملك واسمه ~~ضيزن بفتح الضاد المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الزاي وبعدها ~~نون بن معاوية وضيزن اسم ضم كان في الجاهلية وبه سمي الرجل وهو قضاعي وكان ~~من ملوك الطوائف وإذا اجتمعوا لحرب غيرهم تقدم عليهم لعظمته عندهم فأقام ~~أردشير على حصاره أربع سنين وهو لا يقدر عليه وكان للساطرون ابنة يقال لها ~~نضيرة بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح ~~الراء وبعدها هاء ساكنة وفيها يقول الشاعر (أقفر الحضر من نضيرة فالمرباع * ~~منها فجانب الثرثار) وكانت في غاية الجمال وكانت عادتهم إذا حاضت المرأة ~~أنزلوها إلى الربض PageV05P165 # فحاضت نضيرة فأنزلت إلى ربض الحضر فأشرفت ذات يوم ~~فأبصرت أردشير وكان من أجمل الرجال فهويته فأرسلت إليه أن يتزوجها وتفتح له ~~الحصن واشترطت عليه والتزم لها ما طلبت ثم اختلفوا في السبب الذي دلته عليه ~~حتى فتح الحصن والذي قاله الطبري أنها دلته على طلسم كان في الحصن وكان في ~~علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء ~~ثم ترسل الحمامة فتنزل على سور الحصن فيقع الطلسم فيفتح الحصن ففعل أردشير ~~ذلك واستباح الحصن وخرجه وأباد أهله وقتل الساطرون أباها وسار بنضيرة ~~وتزوجها فبينما هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تتململ لا تنام فدعا ~~بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس فقال لها أردشير ms1358 أهذا الذي أسهرك ~~قالت نعم قال فما كان أبوك يصنع بك قالت كان يفرش لي الديباج ويلبسني ~~الحرير ويطعمني المخ والزبد وشهد أبكار النحل ويسقيني الخمر الصافي قال ~~فكان جزاء أبيك ما صنعت به أنت إلي بذلك أسرع ثم أمر بها فربطت قرون رأسها ~~بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها والحضر إلى الآن آثاره باقية وفيه بقايا ~~عمائر لكنه لم يسكن منذ ذلك الوقت وقد طال الكلام فيه وإنما هي حكاية غريبة ~~فأحببت إثباتها PageV05P166 # ورأيت في تاريخ آخر أنه دخل بغداد وخرج منها وتوفي في ~~الطريق بقصر الحضر في التاريخ المذكور قال ياقوت الحموي في كتابه المشترك ~~قصر الحضر بقرب سامرا من أبنية المعتصم والله تعالى أعلم 710 أبو الوفاء ~~المهندس أبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس البوزجاني ~~الحاسب المشهور أحد الأئمة المشاهير في علم الهندسة وله فيه استخراجات ~~غريبة لم يسبق بها وكان شيخنا العلامة كمال الدين أبو الفتح موسى بن يونس ~~تغمده الله برحمته وهو القيم بهذا الفن يبالغ في وصف كتبه ويعتمد عليها في ~~أكثر مطالعاته ويحتج بما يقوله وكان عنده من تواليفه عدة كتب وله في ~~استخراج الأوتار تصنيف جيد نافع وكانت ولادته يوم الأربعاء مستهل شهر رمضان ~~المعظم سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة بمدينة بوزجان وتوفي سنة سبع وثمانين ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى وبوزجان بضم الباء الموحدة وسكون الواو والزاي ~~وفتح الجيم وبعد الألف نون وهي بليدة بخراسان بين هراة ونيسابور وكان قد ~~قدم العراق سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وكنت وقفت على تاريخ ولادته على هذه ~~الصورة في كتاب الفهرست PageV05P167 # تأليف أبي الفرج ابن النديم ولم يذكر تاريخ وفاته ~~فكتبت هذه الترجمة وذكرت تاريخ الولادة فأخليت بياضا لأجل تاريخ الوفاة ~~لعلي أظفر به فإن قصدي في هذا التاريخ إنما هو ذكر الوفاة كما ذكرته في أول ~~الكتاب ثم إني وجدت تاريخ الوفاة في تاريخ شيخنا ابن الأثير قد ذكرها في ~~هذه السنة المذكورة فألحقتها وكان بين شروعي في هذا التاريخ ms1359 وظفري بالوفاة ~~أكثر من عشرين سنة والله تعالى أعلم 711 الزمخشري صاحب الكشاف أبو القاسم ~~محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري الإمام الكبير في التفسير ~~والحديث والنحو واللغة وعلم البيان كان إمام عصره من غير مدافع تشد إليه ~~الرحال في فنونه أخذ النحو عن أبي مضر منصور وصنف التصانيف البديعة منها ~~الكشاف في تفسير القرآن العزيز لم يصنف قبله مثله و المحاجاة بالمسائل ~~النحوية والمفرد والمركب في العربية والفائق في تفسير الحديث وأساس البلاغة ~~في اللغة وربيع الأبرار وفصوص الأخبار ومتشابه أسامي الرواة والنصائح ~~الكبار والنصائح الصغار وضالة الناشد والرائض في علم الفرائض PageV05P168 # والمفصل في النحو وقد اعتنى بشرحه خلق كثير والأنموذج ~~في النحو والمفرد والمؤلف في النحو ورؤوس المسائل في الفقه وشرح أبيات كتاب ~~سيبويه والمستقصى في أمثال العرب وصميم العربية وسوائر الأمثال وديوان ~~التمثيل وشقائق النعمان في حقائق النعمان وشافي العي من كلام الشافعي رضي ~~الله عنه والقسطاس في العروض ومعجم الحدود والمنهاج في الأصول ومقدمة ~~الآداب وديوان الرسائل وديوان الشعر والرسالة الناصحة والأمالي في كل فن ~~وغير ذلك وكان شروعه في تأليف المفصل في غرة شهر رمضان سنة ثلاث عشرة ~~وخمسمائة وفرغ منه في غرة المحرم سنة خمس عشرة وخمسمائة وكان قد سافر إلى ~~مكة حرسها الله تعالى وجاور بها زمانا فصار يقال له جار الله لذلك وكان هذا ~~الاسم علما عليه وسمعت من بعض المشايخ أن إحدى رجليه كانت ساقطة وأنه كان ~~يمشي في جاون خشب وكان سبب سقوطها أنه كان في بعض أسفاره ببلاد خوارزم ~~أصابه ثلج كثير وبرد شديد في الطريق فسقطت منه رجله وأنه كان بيده محضر فيه ~~شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك خوفا من أن يظن من لم يعلم صورة ~~الحال أنها قطعت لريبة والثلج والبرد كثيرا ما يؤثر في الأطراف في تلك ~~البلاد فتسقط خصوصا خوارزم فإنها في غاية البرد ولقد شاهدت خلقا كثيرا ممن ~~سقطت أطرافهم بهذا السبب فلا يستبعده من لم يعهده ورأيت ms1360 في تاريخ بعض ~~المتأخرين أن الزمخشري لما دخل بغداد واجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله ~~عن سبب قطع رجله فقال دعاء الوالدة وذلك أني في صباي أمسكت عصفورا وربطته ~~بخيط في رجله وأفلت من يدي فأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في ~~الخيط فتألمت PageV05P169 # والدتي لذلك وقالت قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله ~~فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطت عن الدابة فانكسرت ~~الرجل وعملت علي عملا أوجب قطعها والله أعلم بالصحة وكان الزمخشري المذكور ~~معتزلي الاعتقاد متظاهرا به حتى نقل عنه أنه كان إذا قصد صاحبا له واستأذن ~~عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن قل له أبو القاسم المعتزلي بالباب ~~وأول ما صنف كتاب الكشاف كتب استفتاح الخطبة الحمد لله الذي خلق القرآن ~~فيقال إنه قيل له متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه ~~فغيره بقوله الحمد لله الذي جعل القرآن وجعل عندهم بمعنى خلق والبحث في ذلك ~~يطول ورأيت في كثير من النسخ الحمد لله الذي أنزل القرآن وهذا إصلاح الناس ~~لا إصلاح المصنف وكان الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي المقدم ذكره ~~رحمه الله تعالى قد كتب إليه من الإسكندرية وهو يومئذ مجاور بمكة حرسها ~~الله تعالى يستجيزه في مسموعاته ومصنفاته فرد جوابه بما لا يشفي الغليل ~~فلما كان في العام الثاني كتب إليه أيضا مع الحجاج استجازة أخرى اقترح فيها ~~مقصوده ثم قال في آخرها ولا يحوج أدام الله توفيقه إلى المراجعة فالمسافة ~~بعيدة وقد كاتبه في السنة الماضية فلم يجبه بما يشفي الغليل وله في ذلك ~~الأجر الجزيل فكتب إليه الزمخشري جوابه ولولا خوف التطويل لكتبت الاستدعاء ~~والجواب لكن نقتصر على بعض الجواب وهو ما مثلي مع أعلام العلماء إلا كمثل ~~السها مع مصابيح السماء والجهام الصفر من الرهام مع الغوادي الغامرة ~~للقيعان والآكام والسكيت المخلف مع خيل السباق والبغاث مع الطير العتاق وما ~~التلقيب يالعلامة إلا شبه الرقم بالعلامة والعلم مدينة ms1361 أحد بابيها الدراية ~~والثاني الرواية وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة ظلي PageV05P170 # فيه أقلص من ظل حصاة أما الرواية فحديثة الميلاد قريبة ~~الإسناد لم تستند إلى علماء نحارير ولا إلى أعلام مشاهير وأما الدراية فثمد ~~لا يبلغ أفواها وبرض لا يبل شفاها ثم كتب بهد هذا لا يغرنكم قول فلان في ~~ولا قول فلان وعدد جماعة من الشعراء والفضلاء مدحوه بمقاطيع من الشعر ~~وأوردها كلها ولا حاجة إلى الاتيان بها ها هنا فلما فرغ من إيرادها كتب فإن ~~ذلك اغترار منهم بالظاهر المموه وجهل بالباطن المشوه ولعل الذي غرهم مني ما ~~رأوا من حسن منصح للمسلمين وبليغ الشفقة على المستفيدين وقطع المطامع عنهم ~~وإفادة المبار والصنائع عليهم وعزة النفس والربء بها عن الإسفاف للدنيات ~~والإقبال على خويصتي والإعراض عما لا يعنيني فجللت في عيونهم وغلطوا في ~~ونسبوني إلى ما لست منه في قبيل ولا دبير وما أنا فيما أقول بهاضم لنفسي ~~كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى في أبي بكر الصديق رضوان الله عليه ~~بقوله وليتكم ولست بخيركم إن المؤمن ليهضم نفسه وإنما صدقت الفاحص عني وعن ~~كنه روايتي ودرايتي ومن لقيت وأخذت عنه وما بلغ علمي وقصارى فضلي وأطلعته ~~طلع أمري وأفضيت إليه بخبية سري وألقيت إليه عجري وبجري وأعلمته نجمي وشجري ~~وأما المولد فقرية مجهولة من قرى خوارزم تسمى زمخشر وسمعت أبي رحمه الله ~~تعالى يقول اجتاز بها أعرابي فسأل عن اسمها واسم كبيرها فقيل له زمخشر ~~والرداد فقال لا خير في شر ورد ولم يلمم بها ووقت الميلاد شهر الله الأصم ~~في عام سبع وستين وأربعمائة والله المحمود والمصلى عليه محمد وآله وأصحابه ~~هذا آخر الإجازة وقد أطال الكلام فيها ولم يصرح له بمقصوده فيها وما أعلم ~~هل أجازه بعد ذلك أم لا وبيني وبينه في الرواية شخص واحد فإنه أجاز زينب ~~بنت الشعري ولي منها إجازة كما تقدم في ترجمتها في حرف الزاي ومن شعره ~~السائر قوله وقد ذكره السمعاني في الذيل قال أنشدني ms1362 أحمد بن محمود ~~الخوارزمي إملاء بسمرقند قال أنشدنا محمود بن عمر الزمخشري PageV05P171 # لنفسه بخوارزم وذكر الأبيات وهي (ألا قل لسعدى ما لنا ~~فيك من وطر * وما تطلبين النجل من أعين البقر) (فانا اقتصرنا بالذين تضايقت ~~* عيونهم والله يجزي من اقتصر) (مليح ولكن عنده كل جفوة * ولم أر في الدنيا ~~صفاء بلا كدر) (ولم أنس إذ غازلته قرب روضة * إلى جنب حوض فيه للماء منحدر) ~~(فقلت له جئني بورد وإنما * أردت به ورد الخدود وما شعر) (فقال انتظرني رجع ~~طرف أجيء به * فقلت له هيهات مالي منتظر) (فقال ولا ورد سوى الخد حاضر * ~~فقلت له إني قنعت بما حضر) ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر منصورا المذكور أولا ~~(وقائلة ما هذه الدرر التي * تساقط من عينيك سمطين سمطين) (فقلت هو الدر ~~الذي كان قد حشا * أبو مضر أذني تساقط من عيني) وهذا مثل قول القاضي أبي ~~بكر الأرجاني المقدم ذكره ولا أعلم أيهما أخذ من الآخر لأنهما كانا ~~متعاصرين وهو (لم يبكني إلا حديث فراقكم * لما أسر به إلى مودعي) (هو ذلك ~~الدر الذي أودعتم * في مسمعي أجريته من مدمعي) وهذان البيتان من جملة قصيدة ~~طويلة بديعة ومن المنسوب إلى القاضي الفاضل في هذا المعنى (لا تزدني نظرة ~~ثانية * كفت الأولى ووفت ثمني) (لك في قلبي حديث مودع * لا جحدت الحب ما ~~أودعني) (خذه من جفني عقودا إنه * بعض ما أودعته في أذني) ومما أنشده لغيره ~~في كتابه الكشاف عند تفسير قول الله تعالى في سورة البقرة * (إن الله لا ~~يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) * (البقرة 26) PageV05P172 # فإنه قال أنشدت لبعضهم (يا من يرى مد البعوض جناحها * ~~في ظلمة الليل البهيم الأليل) (ويرى عروق نياطها في نحرها * والمخ في تلك ~~العظام النحل) (اغفر لعبد تاب من فرطاته * ما كان منه في الزمان الأول) ~~وكان بعض الفضلاء قد أنشدني هذه الأبيات بمدينة حلب وقال إن الزمخشري ~~المذكور أوصى أن تكتب على لوح قبره هذه الأبيات ثم أنشدني ذلك الفاضل ~~الرئيس ms1363 بيتين وذكر أن صاحبهما أوصى أن يكتبا على قبره وهما (إلهي قد أصبحت ~~ضيفك في الثرى * وللضيف حق عند كل كريم) (فهب لي ذنوبي في قراي فإنها * ~~عظيم ولا يفرى بغير عظيم) وأخبرني بعض الأصحاب أنه رأى بجزيرة سواكن تربة ~~ملكها عزيز الدولة ريحان وعلى قبره مكتوب (يا أيها الناس كان لي أمل * قصر ~~بي عن بلوغه الأجل) (فليتق الله ربه رجل * أمكنه قبل موته العمل) (ما أنا ~~وحدي نقلت حيث ترى * كل إلى ما نقلت ينتقل) وكانت ولادة الزمخشري يوم ~~الأربعاء السابع والعشرين من شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بزمخشر وتوفي ~~ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة ~~رحمه الله تعالى ورثاه بعضهم بأبيات ومن جملتها (فأرض مكة تذري الدمع ~~مقلتها * حزنا لفرقة جار الله محمود) وزمخشر بفتح الزاي والميم وسكون الخاء ~~المعجمة وفتح الشين المعجمة PageV05P173 # وبعدها راء وهي قرية كبيرة من قرى خوارزم وجرجانية بضم ~~الجيم الأولى وفتح الثانية وسكون الراء بينهما وبعد الألف نون مكسورة ~~وبعدها ياء مثناة من تحتها مفتوحة مشددة ثم هاء ساكنة وهي قصبة خوارزم قال ~~ياقوت الحموي في كتاب البلدان يقال لها بلغتهم كركانج وقد عربت فقيل لها ~~الجرجانية وهي على شاطئ جيحون والله تعالى أعلم بالصواب 712 القاضي ~~الأصبهاني أبو طالب محمود بن علي بن أبي طالب بن عبد الله بن أبي الرجا ~~التميمي الأصبهاني المعروف بالقاضي صاحب الطريقة في الخلاف تفقه على الشهيد ~~محمد بن يحيى المقدم ذكره وبرع في الخلاف وصنف فيه التعليقة التي شهدت ~~بفضله وتحقيقه وتبريزه على أكثر نظرائه وجمع فيها بين الفقه والتحقيق وكان ~~عمدة المدرسين في إلقاء الدروس عليها ومن لم يذكرها فإنما كان لقصور فهمه ~~عن إدراك دقائقها واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به وصاروا علماء مشاهير ~~وكان له في الوعظ اليد الطولي وكان متفننا في العلوم خطيبا خطب ودرس ~~بأصبهان مدة وتوفي في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~PageV05P174 # 713 محمود بن سبكتكين أبو القاسم محمود ms1364 بن ناصر الدولة ~~أبي منصور سبكتكين الملقب أولا سيف الدولة ثم لقبه الإمام القادر بالله لما ~~سلطنه بعد موت أبيه يمين الدولة وأمين الملة واشتهر به 241 وكان والده ~~سبكتكين قد ورد مدينة بخارى في أيام نوح بن منصور أحد ملوك السامانية ~~المذكورين في ترجمة أبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب وكان وروده في ~~صحبة أبي إسحاق ابن البتكين وهو حاجبه وعليه مدار أموره فعرفه أركان تلك ~~الدولة بالشهامة والصرامة وتوسموا فيه الارتفاع إلى اليفاع ولما خرج أبو ~~إسحاق المذكور إلى غزنة واليا عليها وسادا مسد أبيه انصرف الأمير سبكتكين ~~بانصرافه على جملته في زعامة رجاله ومراعاة ما وراء بابه فلم يلبث أبو ~~إسحاق بعد موافاتها أن قضى نحبه ولم يبق من ذوي قرابته من يصلح لمكانته ~~واحتاج الناس إلى من يتولى أمورهم فاختلفوا فيمن يصلح لذلك ثم وقع اتفاقهم ~~واجتمعت كلمتهم على تأمير الأمير سبكتكين فبايعوه على ذلك وانقادوا لحكمه ~~فلما تمكن واستحكم شرع في الغزاة والإغارة على أطراف الهند فافتتح قلاعا ~~كثيرة منها وجرت بينه وبين الهنود حروب يقصر الشرح عن وصفها ولم يلبث أن ~~اتسعت رقعة ولايته وعظم حجم جريدته وعمرت أرض خزانته وأشفقت النفوس من ~~هيبته وكان من جملة فتوحاته ناحية بست وكان من PageV05P175 # جملة ما استفاده من صفاياها أبو الفتح علي بن محمد ~~البستي الشاعر المقدم ذكره فإنه كان كاتبا لملك الناحية المذكورة واسمه ~~بابي نور فلما تعلق بخدمته اعتمد عليه في أموره وأسر إليه بأحواله وشرح ذلك ~~يطول وآخر الأمر أن الأمير سبكتكين كان قد وصل إلى مدينة بلخ من طوس فمرض ~~بها واشتاق إلى غزنة فخرج إليها في تلك الحال فمات في الطريق قبل وصوله ~~وذلك في شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ونقل تابوته إلى غزنة ورثاه جماعة ~~من شعراء عصره منهم كاتبه أبو الفتح البستي المذكور بقوله (قلت إذ مات ناصر ~~الدين والدولة * حياه ربه بالكرامه) (وتداعت جموعه بافتراق * هكذا هكذا ~~تكون القيامة) واجتاز بعض الأفاضل بداره بعد موته وقد تشعثت ms1365 فأنشد (عليك ~~سلام الله من منزل قفر * فقد هجت لي شوقا قديما وما تدري) (عهدتك مذ شهر ~~جديدا ولم أخل * صروف الردى تبلى مغانيك في شهر) وكان الأمير المذكور قد ~~جعل ولي عهده من بعده ولده إسماعيل واستخلفه على الأعمال وأوصى إليه بأمور ~~أولاده وعياله وجمع وجوه حجابه وقواده على طاعته ومتابعته وجلس على سرير ~~السلطنة وتحكم واعتبر بيوت الأموال وكان أخوه السلطان محمود بخراسان مقيما ~~بمدينة بلخ وإسماعيل بغزنة فلما بلغه نعي أبيه كتب إلى أخيه إسماعيل ولاطفه ~~في القول وقال له إن أبي لم يستخلفك دوني إلا لكونك كنت عنده وأنا كنت ~~بعيدا عنه ولو أوقف الأمر على حضوري لفاتت مقاصده ومن المصلحة أن نتقاسم ~~الأموال بالميراث وتكون أنت مكانك بغزنة وأنا بخراسان وندبر الأمور ونتفق ~~على المصالح كيلا يطمع فينا عدو ومتى ما ظهر للناس اختلافنا قلت حرمتنا ~~فأبى إسماعيل من PageV05P176 # موافقته على ذلك وكان فيه لين ورخاوة فطمع فيه الجند ~~وتشغبوا عليه وطالبوه بالأموال فاستنفد في مرضاتهم الخزائن ثم خرج محمود ~~إلى هراة وجدد مكاتبة أخيه وهو لا يزداد إلا اعتياصا فدعا محمود عمه بغراجق ~~إلى موافقته فأجابه وكان أخوه أبو المظفر نصر بن سبكتكين أميرا بناحية بست ~~فنهض إليه وعرض عليه الانقياد لمتابعته فلم يتوقف عليه فلما قوي جأشه بعمه ~~وأخيه قصد أخاه إسماعيل بغزنة وهما معه فنازلها في جيش عظيم وجم غفير ~~وحاصرها واشتد القتال عليها ففتحها وانحاز إسماعيل إلى قلعتها متحصنا بها ~~ثم تلطف في طلب الأمان من أخيه محمود فأجابه إلى سؤاله ونزل في حكم أمانه ~~وتسلم منه مفاتيح الخزائن ورتب في غزنة النواب والأكفاء وانحدر إلى بلخ ~~وكان السلطان محمود قد اجتمع بأخيه إسماعيل في مجلس الأنس بعد ظفره به ~~فسأله عما كان في نفسه أنه يعتمده في حقه لو ظفر به فحملته سلامة صدره ~~ونشوة السكر على أن قال كان في عزمي أن أسيرك إلى بعض القلاع موسعا عليك ~~فيما تقترحه من دار وغلمان وجوار ورزق على قدر الكفاية فعامله ms1366 بجنس ما كان ~~قد نواه له وسيره إلى بعض الحصون وأوصى عليه الوالي أن يمكنه من جميع ما ~~يشتهي ولما انتظم الأمر للسلطان محمود كان في بعض بلاد خراسان نواب لصاحب ~~ما وراء النهر من ملوك بني سامان فجرى بين السلطان محمود وبينهم حروب انتصر ~~فيها عليهم وملك بلاد خراسان وانقطعت الدولة السامانية منها وذلك في سنة ~~تسع وثمانين وثلاثمائة واستتب له الملك وسير له الإمام القادر بالله خلعة ~~السلطنة ولقبه بالألقاب المذكورة في أول ترجمته وتبوأ سرير المملكة وقام ~~بين يديه أمراء خراسان سماطين مقيمين برسم الخدمة وملتزمين PageV05P177 # حكم الهيبة وأجلسهم بعد الإذن العام على مجلس الأنس ~~وأمر لكل واحد منهم ولسائر غلمانه وخاصته ووجوه أوليائه وحاشيته من الخلع ~~والصلات ونفائس الأمتعة ما لم يسمع بمثله واتسعت الأمور عن آخرها في كنف ~~إيالته واستوسقت الأعمال في ضمن كفالته وفرض على نفسه في كل عام غزو الهند ~~ثم إنه ملك سجستان في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة بدخول قوادها وولاة أمرها ~~في طاعته من غير قتال ولم يزل يفتح في بلاد الهند حتى انتهى إلى حيث لم ~~تبلغه في الإسلام راية ولم تتل به قط سورة ولا آية فرحض عنها أدناس الشرك ~~وبنى بها مساجد وجوامع وتفصيل حاله يطول شرحه ولما فتح بلاد الهند كتب إلى ~~الديوان العزيز ببغداد كتابا يذكر فيه ما فتحه الله تعالى على يديه من بلاد ~~الهند وأنه كسر الصنم المعروف بسومنات وذكر في كتابه أن هذا الصنم عند ~~الهنود يحيي ويميت ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وأنه إذا شاء أبرأ من جميع ~~العلل وربما كان يتفق لشقوتهم إبلال عليل يقصده فيوافقه طيب الهواء وكثرة ~~الحركة فيزيدون به افتتانا ويقصدونه من أقاصي البلاد رجالا وركبانا ومن لم ~~يصادف منهم انتعاشا احتج بالذنب وقال إنه لم يخلص له الطاعة ولم يستحق منه ~~الإجابة ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجسام اجتمعت لديه على مذهب أهل ~~التناسخ فينشئها فيمن يشاء وأن مد البحر وجزره عبادة له على قدر طاقته ms1367 ~~وكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجونه من كل صقع بعيد ويأتونه من كل فج عميق ~~ويتحفونه بكل مال نفيس ولم يبق في بلاد السند والهند على تباعد أقطارها ~~وتفاوت أديانها ملك ولا سوقة إلا تقرب إلى هذا الصنم بما عز عليه من أمواله ~~وذخائره حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية مشهورة في تلك البقاع وامتلأت ~~خزائنه من أصناف الأموال وفي خدمته من البراهمة ألف رجل يخدمونه وثلاثمائة ~~رجل يحلقون رؤوس حجيجه ولحاهم عند الورود PageV05P178 # عليه وثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنون ويرقصون عند ~~بابه ويجرى من مال الأوقاف المرصدة له لكل طائفة من هؤلاء رزق معلوم وكان ~~بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصنم مسيرة شهر في مفازة موصوفة بقلة ~~المياه وصعوبة المسالك واستيلاء الرمل على طرقها فسار إليها السلطان محمود ~~في ثلاثين ألف فارس جريدة مختارة من بين عدد كثير وأنفق عليهم من الأموال ~~ما لا يحصى فلما وصلوا إلى القلعة وجدوها حصنا منيعا وفتحوها في ثلاثة أيام ~~ودخلوا بيت الصنم وحوله من الأصنام الذهب المرصع بأصناف الجوهر عدة كثيرة ~~محيطة بعرشه يزعمون أنها الملائكة وأحرق المسلمون الصنم المذكور فوجدوا في ~~أذنه نيفا وثلاثين حلقة فسألهم محمود عن معنى ذلك فقالوا كل حلقة عبادة ألف ~~سنة وكانوا يقولون بقدم العالم ويزعمون أن هذا الصنم يعبد منذ أكثر من ~~ثلاثين ألف سنة وكلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة وبالجملة فإن شرح ~~ذلك يطول وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن بعض الملوك بقلاع الهند أهدى ~~له هدايا كثيرة من جملتها طائر على هيئة القمري من خاصيته أنه إذا حضر ~~الطعام وفيه سم دمعت عينا هذا الطائر وجرى منها ماء وتحجر فإذا حك ووضع على ~~الجراحات الواسعة لحمها ذكر ذلك في سنة أربع عشرة وأربعمائة وقد جمع سيرته ~~أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي الفاضل المعروف في كتاب سماه اليميني ~~وهو مشهور وذكر في أوله أن السلطان المذكور ملك الشرق بجنبيه والصدر من ~~العالم ويديه لانتظام الإقليم الرابع بما يليه ms1368 من الثالث والخامس في حوزة ~~ملكه وحصول ممالكها الفسيحة وولايتها العريضة في قبضة ملكه ومصير أمرائها ~~وذوي الألقاب الملوكية من عظمائها تحت حمايته وجبايته واستدرائهم من آفات ~~الزمان بظل ولايته ورعايته وإذعان ملوك الأرض لعزته وارتياعهم بفائض هيبته ~~واحتراسهم على تقاذف الديار PageV05P179 # وتحاجز الأنجاد والأغوار من فاجيء ركضته واستخفاء ~~الهند تحت جيوبها عند ذكره واقشعرارهم لمهب الرياح من أرضه وقد كان مذ لفظه ~~المهد وجفاه الرضاع وانحلت عن لسانه عقدة الكلام واستغنى عن الإشارة ~~بالإفهام مشغول اللسان بالذكر والقرآن مشغوف النفس بالسيف والسنان ممدود ~~الهمة إلى معالي الأمور معقود الأمنية بسياسة الجمهور لعبه مع الأتراب جد ~~وجده مستكد يألم لما لا يعلم حتى يقتله خبرا ويحزن لما يحزن حتى يدمثه قسرا ~~وقهرا وذكر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني المقدم ذكره في ~~كتابه الذي سماه مغيث الخلق في اختيار الأحق أن السلطان محمودا المذكور كان ~~على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وكان مولعا بعلم الحديث وكانوا يسمعون ~~الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع وكان يستفسر الأحاديث فوجد أكثرها ~~موافقا لمذهب الشافعي رضي الله عنه فوقع في خلده حكة فجمع الفقهاء من ~~الفريقين في مرو والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر فوقع ~~الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي رضي الله ~~عنه وعلى مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه لينظر فيه السلطان ويتفكر ويختار ما ~~هو أحسنهما فصلى القفال المروزي وقد تقدم ذكره بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة ~~من الطهارة والسترة واستقبال القبلة وأتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب ~~والفرائض على وجه الكمال والتمام وقال هذه صلاة لا يجوز الإمام الشافعي ~~دونها رضي الله عنه ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة رضي الله عنه فلبس ~~جلد كلب مدبوغا ولطخ ربعه بالنجاسة وتوضأ بنبيذ التمر وكان في صميم الصيف ~~في المفازة واجتمع عليه الذباب والبعوض وكان وضوءه منكسا منعكسا ثم استقبل ~~القبلة وأحرم بالصلاة من غير نية في الوضوء وكبر بالفارسية دو ms1369 بركك سبز ثم ~~نقر PageV05P180 # نقرنين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع وتشهد ~~وضرط في آخره من غير نية السلام وقال أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة فقال ~~السلطان لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك لأن مثل هذه الصلاة لا ~~يجوزها ذو دين فأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة فأمر القفال ~~بإحضار كتب أبي حنيفة وأمر السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين جميعا ~~فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال فأعرض السلطان عن مذهب ~~أبي حنيفة وتمسك بمذهب الشافعي رضي الله عنه انتهى كلام إمام الحرمين وكانت ~~مناقب السلطان محمود كثيرة وسيرته من أحسن السير ومولده ليلة عاشوراء سنة ~~إحدى وستين وثلاثمائة وتوفي في شهر ربيع الآخر وقيل حادي عشر صفر سنة إحدى ~~وقيل اثنتين وعشرين وأربعمائة بغزنة رحمه الله تعالى 242 وقام بالأمر من ~~بعده ولده محمد بوصية من أبيه واجتمعت عليه الكلمة وغمرهم بإنفاق الأموال ~~فيهم وكان أخوه أبو سعيد مسعود غائبا فقدم نيسابور وقد استتب أمر أخيه محمد ~~فراسله ومال الناس إليه لقوة نفسه وتمام هيبته وزعم أن الإمام القادر بالله ~~قلده خراسان ولقبه الناصر لدين الله وخلع عليه وطوقه سوارا فقوي أمره لذلك ~~وكان محمد هذا سئ التدبير منهمكا في ملاذه فأجمع الجند على عزل محمد وتولية ~~الملك لمسعود ففعلوا ذلك وقبضوا على محمد وحملوه إلى قلعة ووكلوا به 243 ~~واستقر الملك للأمير مسعود وجرى له مع بني سلجوق خطوب يطول شرحها وله في ~~ترجمة المعتمد بن عباد حكاية في المنام فلتنظر هناك وقتل سنة ثلاثين ~~وأربعمائة واستولى على المملكة بنو سلجوق وقد تقدم في PageV05P181 # ترجمة السلطان طغرلبك السلجوقي طرف من الخبر وكيفية ما ~~اعتمده السلطان محمود في حقهم وكيف تغلبوا على الأمر وسبكتكين بضم السين ~~المهملة والباء الموحدة وسكون الكاف وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف ~~الثانية وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وتفسير دو بركك سبز ~~ورقتان خضراوان وهو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن ms1370 * (مدهامتان) * الرحمن ~~64 والله تعالى أعلم 714 مغيث الدين السلجوقي أبو القاسم محمود بن محمد بن ~~ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي الملقب مغيث الدين أحد الملوك السلجوقية ~~المشاهير وقد تقدم ذكر والده وجماعة من أهل بيته وسيأتي ذكر جده وغيره منهم ~~إن شاء الله تعالى وتقدم طرف من خبره في ترجمة العزيز أبي نصر أحمد بن حامد ~~الأصبهاني عم العماد الكاتب تولى أبو القاسم المذكور السلطنة بعد وفاة ~~والده وخطب له بها بمدينة بغداد على جاري عادة الملوك السلجوقية يوم الجمعة ~~الثالث والعشرين من المحرم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة في خلافة المستظهر ~~بالله وهو يومئذ في سن الحلم وكان متوقدا ذكاء قوي المعرفة بالعربية حافظا ~~للأشعار والأمثال عارفا بالتواريخ والسير شديد الميل إلى أهل العلم والخير ~~وكان حيص بيص الشاعر المقدم ذكره قد قصده من العراق ومدحه بقصيدته الدالية ~~المشهورة التي أولها (ألق الحدائج ترع الضمر القود * طال السرى وتشكت وخدك ~~البيد) PageV05P182 # (يا ساري الليل لا جدب ولا فرق * فالنبت أغيد والسلطان ~~محمود) (قيل تألفت الأضداد خيفته * فالمورد الضنك فيه الشاء والسيد) وهي ~~طويلة ومن غرر القصائد وأجازه عليها جائزة سنية وقد كان تزوج بنتي عمه ~~السلطان سنجر المقدم ذكره حسبما شرحناه في ترجمة العزيز الأصبهاني واحدة ~~بعد الأخرى وكانت السلطنة في أواخر أيامه قد ضعفت وقلت أموالها حتى عجزوا ~~عن إقامة وظيفة الفقاعي فدفعوا له يوما بعض صناديق الخزانة حتى باعها وصرف ~~ثمنها في حاجته وكان في آخر مدته قد دخل بغداد ثم خرج منها فمرض في الطريق ~~واشتد به المرض وتوفي يوم الخميس خامس عشر شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة ~~رحمه الله تعالى وذكر ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أنه مات خامس عشر شوال ~~سنة أربع وعشرين بباب أصبهان ودفن بها وولي السلطنة أخوه طغرلبك ومات سنة ~~سبع عشرين وتولى أخوه مسعود وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى 244 وابنه محمد ~~شاه بن محمود بن محمد هو الذي حاصر بغداد ومعه زين الدين أبو الحسن علي بن ~~بلتكين ms1371 صاحب إربل في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة وقال شيخنا ابن الأثير في ~~سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة قال ذلك في تاريخه الصغير المعروف بالأتابكي ومات ~~محمد شاه المذكور في ذي الحجة سنة أربع وخمسين وخمسمائة وتاريخ وفاة زين ~~الدين المذكور مذكور في ترجمة ولده مظفر الدين صاحب إربل في حرف الكاف ومات ~~محمد شاه بباب همذان ومولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ~~PageV05P183 # 715 الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن عماد ~~الدين زنكي بن آق سنقر الملقب الملك العادل نور الدين قد تقدم ذكر أبيه في ~~حرف الزاي ولما حاصر أبوه قلعة جعبر حسبما تقدم ذكره في ترجمته كان ولده ~~نور الدين المذكور في خدمته فلما قتل أبوه سار نور الدين وفي خدمته صلاح ~~الدين محمد بن أيوب اليغيساني وعساكر الشام إلى مدينة حلب فملكها في ذلك ~~التاريخ وملك أخوه سيف الدين غازي المذكور في حرف الغين مدينة الموصل وما ~~والاها من تلك النواحي ثم إنه نزل على دمشق محاصرا لها وصاحبها يومئذ مجير ~~الدين أبو سعيد أبق ابن جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين ~~طغتكين وهو أتابك الملك دقاق بن تتش المقدم ذكره في ترجمة تتش في حرف التاء ~~وكان نزوله عليها ثالث صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة وملكها يوم الأحد تاسع ~~الشهر المذكور وعوض مجير الدين أبق عن دمشق حمص ثم أخذها منه وعوضه عنها ~~بالس فانتقل إليها وأقام بها مدة ثم قصد بغداد في أيام الإمام المقتفى وكان ~~أتابكه معين الدين أنر بن عبد الله عتيق جد أبيه ظهير الدين طغتكين الأتابك ~~المقدم ذكره في ترجمة تتش السلجوقي وقد سبق ذكر ظهير الدين طغتكين الأتابك ~~هناك أيضا ثم استولى نور الدين محمود على بقية بلاد الشام من حماة وبعلبك ~~وهو PageV05P184 # الذي بنى سورها ومنبج وما بين ذلك وافتتح من بلاد ~~الروم عدة حصون منها مرعش وبهسنا وتلك الأطراف وكان فتحه لمرعش في ذي ~~القعدة من سنة ثمان وستين وخمسمائة ولبهسنا ms1372 في ذي الحجة من السنة وافتتح ~~أيضا من بلاد الفرنج حارم وكان فتحها في أواخر شهر رمضان سنة تسع وخمسمائة ~~وفتح أعزاز وبانياس وغير ذلك ما تزيد عدته على خمسين حصنا ثم سير الأمير ~~أسد الدين شيركوه المقدم ذكره إلى مصر ثلاث دفعات وملكها السلطان صلاح ~~الدين في الدفعة الثالثة نيابة عنه وضرب باسمه السكة والخطبة وهي قضية ~~مشهورة فلا حاجة إلى لإطالة في شرحها وسيأتي ذلك في ترجمة صلاح الدين إن ~~شاء الله تعالى وكان ملكا عادلا زاهدا عابدا ورعا مستمسكا بالشريعة مائلا ~~إلى أهل الخير مجاهدا في سبيل الله تعالى كثير الصدقات بنى المدارس بجميع ~~بلاد الشام الكبار مثل دمشق وحلب وحماة وحمص وبعلبك ومنبج والرحبة وقد تقدم ~~ذلك في ترجمة الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون وبنى بمدينة الموصل الجامع ~~النوري ورتب له ما يكفيه وبحماة الجامع الذي على نهر العاصي وجامع الرها ~~وجامع منبج وبيمارستان دمشق ودار الحديث بها أيضا وله من المناقب والمآثر ~~والمفاخر ما يستغرق الوصف وكان بينه وبين أبي الحسن سنان بن سليمان بن محمد ~~الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الفرقة الباطنية بالشام ~~وإليه تنسب الطائفة السنانية مكاتبات ومحاورات بسبب المجاورة فكتب إليه نور ~~الدين في بعض الأزمنة كتابا يتهدده فيه ويتوعده لسبب اقتضى ذلك فشق على ~~سنان فكتب PageV05P185 # جوابه أبياتا ورسالة وهما (يا ذا الذي بقراع السيف ~~هددنا * لا قام مصرع جنبي حين تصرعه) (قام الحمام إلى البازي يهدده * ~~واستيقظت لأسود البر أضبعه) (أضحى يسد فم الأفعى بإصبعه * يكفيه ما قد ~~تلاقي منه إصبعه) وقفنا على تفاصيله وجمله وعلمنا ما هددنا به من قوله ~~وعمله فيالله العجب من ذبابة تطن في أذن فيل وبعوضة تعد في التماثيل ولقد ~~قالها من قبلك قوم آخرون فدمرنا عليهم وما كان لهم من ناصرين أو للحق ~~تدحضون وللباطل تنصرون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وأما ما صدر من ~~قولك في قطع رأسي وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي فتلك أماني كاذبة وخيالات ~~غير صائبة ms1373 فإن الجواهر لا تزول بالأعراض كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض ~~كم بين قوي وضعيف ودني وشريف وإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات وعدلنا عن ~~البواطن والمعقولات فلنا أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (ما ~~أوذي نبي ما أوذيت) ولقد علمتم ما جرى على عترته وأهل بيته وشيعته والحال ~~ما حال والأمر ما زال ولله الحمد في الآخرة والأولى إذ نحن مظلومون لا ~~ظالمون ومغصوبون لا غاصبون وإذا جاء الحق زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ~~ولقد علمتم ظاهر حالنا وكيفية رجالنا وما يتمنونه من الفوت ويتقربون به إلى ~~حياض الموت * (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت ~~أيديهم والله عليم بالظالمين) * (الجمعة 6 - 7) وفي أمثال العامة السائرة ~~أو للبط تهددون بالشط فهيئ للبلايا جلبابا وتدرع للرزايا أثوابا فلأظهرن ~~عليك منك ولأفتننهم فيك عنك فتكون كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع مارن ~~PageV05P186 # أنفه بكفه وما ذلك على الله بعزيز وهذه الرسالة نقلت ~~من خط القاضي الفاضل على هذه الصورة ورأيت في نسخة زيادة على هذا وهي فإذا ~~وقفت على كتابنا هذا فكن لأمرنا بالمرصاد ومن حالك على اقتصاد وأقرأ أول ~~النحل وآخر صاد والصحيح أنه كتبها إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ~~والله أعلم ورأيت في بعض النسخ زيادة بيت في أول الأبيات الثلاثة وهو (يا ~~للرجال لأمر هال مفظعه * ما مر قط على سمعي توقعه) وكتب سنان المذكور مرة ~~أخرى إليه وقد جرت بينهما وحشة (بنا نلت هذا الملك حتى تأثلت * بيوتك فيها ~~واشمخر عمودها) (فأصبحت ترمينا بنيل بنا استوى * مغارسها منا وفينا حديدها) ~~وبالجملة فإن محاسن نور الدين كثيرة وكانت ولادته يوم الأحد عند طلوع الشمس ~~سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شوال ~~سنة تسع وستين وخمسمائة بقلعة دمشق بعلة الخوانيق وأشار عليه الأطباء ~~بالفصد فامتنع وكان مهيبا فما روجع ودفن في بيت بالقلعة كان يلازم الجلوس ~~فيه والمبيت أيضا ثم نقل إلى تربته بمدرسته التي أنشأها ms1374 عند باب سوق ~~الخواصين وسمعت من جماعة من أهل دمشق يقولون إن الدعاء عند قبره مستجاب ~~ولقد جربت ذلك فصح رحمه الله تعالى وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن ~~محمد المعروف بابن الأثير اجزري في تاريخه الكبير الذي سماه الكامل في سنة ~~ثمان وخمسين وخمسمائة أن نور الدين المذكور نزل في البقيعة تحت حصن الأكراد ~~في السنة المذكورة محاصرا لحصن الأكراد وعازما على قصد طرابلس وهو في جميع ~~عساكره فاجتمع من الفرنج خلق كثير وكبسوهم في النهار والمسلمون في غفلة ~~عنهم فلم يتمكنوا PageV05P187 # من الاستعداد لهم وهربوا منهم ونجا نور الدين بنفسه ~~وهي وقعة مشهورة معروفة ونزل على بحيرة قدس بالقرب من حمص وبينه وبين ~~الفرنج مقدار أربعة فراسخ فسير إلى حلب وبقية البلاد وأحضروا الأموال ~~الكثيرة وأنفقها ليقوي جيشه ثم يعود إليهم فيستوفي الثار فقال له بعض ~~أصحابه إن في بلادك إدرارات وصدقات وصلات كثيرة على الفقهاء والصوفية ~~والقراء ولو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح فغضب من ذلك غضبا شديدا ~~وقال إني لا أرجو النصر إلا بأولئك فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم كيف أقطع ~~صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطئ وأصرفها إلى من لا ~~يقاتل عني إلا بسهام قد تصيب وتخطيء وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال ~~فكيف يحل أن أعطيه غيرهم وكان أسمر اللون طويل القامة حسن الصورة ليس بوجهه ~~شعر سوى ذقنه 245 وكان قد عهد بالملك إلى ولده الملك الصالح عماد الدين ~~إسماعيل وعمره يوم مات أبوه إحدى عشرة سنة فقام بالأمر من بعده وانتقل من ~~دمشق إلى حلب ودخل قلعتها يوم الجمعة مستهل المحرم سنة سبعين وخمسمائة وخرج ~~السلطان صلاح الدين من مصر وملك دمشق وغيرها من بلاد الشام ولم يبق عليه ~~سوى مدينة حلب ولم يزل الصالح بها إلى أن توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين ~~من رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة وذكروا أنه لم يبلغ عشرين سنة والله أعلم ~~وكان مبدأ مرضه في تاسع شهر ms1375 رجب من السنة المذكورة وحدث له قولنج في مستهل ~~جمادى الأولى وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس وتأسفوا عليه لأنه كان ~~محسنا محمود السيرة ودفن في المقام الذي في القلعة ثم نقل إلى رباطه ~~المعروف به تحت القلعة وهو مشهور هناك رحمه الله تعالى 246 وتوفي مجير ~~الدين أبق المذكور في سنة أربع وستين وخمسمائة ببغداد PageV05P188 # ودفن في داره كذا وجدته في بعض المسودات التي بخطي ~~والله أعلم ومولده يوم الجمعة ثامن شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ببعلبك ~~والله تعالى أعلم 716 مروان بن أبي حفصة أبو السمط وقيل أبو الهندام مروان ~~بن أبي حفصة سليمان بن يحيى ابن أبي حفصة يزيد الشاعر المشهور كان جده أبو ~~حفصة مولى مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي فأعتقه يوم الدار لأنه أبلى ~~يومئذ فجعل عتقه جزاءه وقيل إن أبا حفصة كان يهوديا طبيبا أسلم على يد ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه وقيل على يد مروان بن الحكم ويزعم أهل المدينة ~~أنه كان من موالي السموأل بن عادياء اليهودي المشهور بالوفاء صاحب القصة ~~المشهورة مع امريء القيس بن حجر الشاعر المشهور وأن أبا حفصة سبي من إصطخر ~~وهو غلام فاشتراه عثمان رضي الله عنه ووهبه لمروان بن الحكم ومروان بن أبي ~~حفصة الشاعر المذكور من أهل اليمامة وقدم بغداد ومدح المهدي وهارون الرشيد ~~وكان يتقرب إلى الرشيد بهجاء العلويين ومروان المذكور من الشعراء المجيدين ~~والفحول المقدمين حكى ابن سيف عن أبي خليفة عن ابن سلام قال لما أنشد مروان ~~بن أبي حفصة المهدي قصيدته التي يقول فيها (إليك قسمنا النصف من صلواتنا * ~~مسيرة شهر بعد شهر نواصله) PageV05P189 # (فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا * لديك ولكن أهنأ العيش ~~عاجله) فقال له المهدي قف بحيث أنت كم قصيدتك هذه من بيت قال سبعون بيتا ~~قال فلك سبعون ألفا لا تتم إنشادك حتى يحضر المال فأحضر المال فأنشد ~~القصيدة وقبضه وانصرف ذكره أبو العباس بن المعتز في كتاب طبقات الشعراء ~~فقال في حقه ms1376 وأجود ما قاله مروان قصيدته الغراء اللامية وهي التي فضل بها ~~على شعراء زمانه يمدح فيها معن بن زائدة الشيباني ويقال إنه أخذ منه عليها ~~مالا كثيرا لا يقدر قدره ولم ينل أحد من الشعراء الماضين ما ناله مروان ~~بشعره فمما ناله ضربة واحدة ثلاثمائة ألف درهم من بعض الخلفاء بسبب بيت ~~واحد انتهى كلام ابن المعتز والقصيدة اللامية طويلة تناهز الستين بيتا ~~ولولا خوف الإطالة لذكرتها ولكن نأتي ببعض مديحها وهو في أثنائها (بنو مطر ~~يوم اللقاء كأنهم * أسود لهم في بطن خفان أشبل) (هم يمنعون الجار حتى كأنما ~~* لجارهم بين السماكين منزل) (تجنب لا في القول حتى كأنه * حرام عليه قول ~~لا حين يسأل) (تشابه يوماه علينا فأشكلا * فلا نحن ندري أي يوميه أفضل) ~~(أيوم نداه الغمر أم يوم بؤسه * وما منهما إلا أغر محجل) (بهاليل في ~~الإسلام سادوا ولم يكن * كأولهم في الجاهلية أول) (هم القوم إن قالوا ~~أصابوا وإن دعوا * أجابوا وإن أعطوا أصابوا وأجزلوا) (وما يستطيع الفاعلون ~~فعالهم * وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا) (تلاث بأمثال الجبال حباهم * ~~وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل) PageV05P190 # هذا لعمري هو السحر الحلال المنقح لفظا ومعنى وحقه أن ~~يفضل على شعراء عصره وغيرهم وله في مدائح معن المذكور ومراثيه كل معنى بديع ~~وسيأتي شيء من ذلك في أخبار معن إن شاء الله تعالى وحكى ابن المعتز أيضا عن ~~شراحيل بن معن بن زائدة أنه قال عرضت في طريق مكة ليحيى بن خالد البرمكي ~~وهو في قبة وعديله القاضي أبو يوسف الحنفي وهما يريدان الحج قال شراحيل ~~فإني لأسير تحت القبة إذ عرض له رجل من بني أسد في شارة حسنة فأنشده شعرا ~~فقال له يحيى بن خالد في بيت منها ألم أنهك عن مثل هذا البيت أيها الرجل ثم ~~قال يا أخا بني أسد إذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول وأنشده الأبيات ~~اللامية المقدم ذكرها فقال له القاضي أبو يوسف وقد أعجبته الأبيات جدا من ~~قائل هذه الأبيات يا أبا ms1377 الفضل فقال يحيى يقولها مروان بن أبي حفصة يمدح ~~بها أبا هذا الفتى الذي تحت القبة قال شراحيل فرمقني أبو يوسف بعينيه وأنا ~~راكب على فرس لي عتيق وقال لي من أنت يا فتى حياك الله تعالى وقربك قلت أنا ~~شراحيل بن معن بن زائدة الشيباني قال شراحيل فوالله ما أتت علي ساعة قط ~~كانت أقر لعيني من تلك الساعة ارتياحا وسرورا ويحكى أن ولدا لمروان بن أبي ~~حفصة المذكور دخل على شراحيل المذكور فأنشده (أيا شراحيل من معن بن زائدة * ~~يا أكرم الناس من عجم ومن عرب) (أعطى أبوك أبي مالا فعاش به * فأعطني مثل ~~ما أعطى أبوك أبي) (ما حل قط أبي أرضا أبوك بها * إلا وأعطاه قنطارا من ~~الذهب) فأعطاه شراحيل قنطارا من الذهب ومما يقارب هذه الحكاية ما يروى عن ~~أبي مليكة جرول بن أوس المعروف بالحطيئة الشاعر المشهور لما اعتقله عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه لبذاءة PageV05P191 # لسانه وكثرة هجوه الناس كتب إليه من الاعتقال (ماذا ~~تقول لأفراخ بذي مرخ * حمر الحواصل لا ماء ولا شجر) (ألقيت كاسبهم في قعر ~~مظلمة * فارحم عليك سلام الله يا عمر) (أنت الإمام الذي من بعد صاحبه * ~~ألقت إليك مقاليد النهي البشر) (ما آثروك بها إذا قدموك لها * لكن لأنفسهم ~~قد كانت الأثر) فأطلقه وشرط عليه أن يكف لسانه عن الناس فقال له يا أمير ~~المؤمنين اكتب لي كتابا إلى علقمة بن علاثة لأقصده به فقد منعتني التكسب ~~بشعري وكان علقمة مقيما بحوران وهو من الأجواد المشهورين قال ابن الكلبي في ~~كتاب جمهرة النسب هو علقمة بن علاثة بن عوف بن ربيعة ويقال له الأحوص لصغر ~~عينيه ابن جعفر ابن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن ~~هوازن وكان عمر رضي الله عنه استعمله على حوران فامتنع عمر رضي الله عنه من ~~ذلك فقيل له يا أمير المؤمنين وما عليك من ذلك علقمة ليس من عمالك فتخشى من ~~ذلك أن تأثم وإنما هو رجل ms1378 من المسلمين تشفع بك إليه فكتب له بما أراد فمضى ~~الحطيئة بالكتاب فصادف علقمة قد مات والناس منصرفون من قبره وابنه حاضر ~~فوقف عليه ثم أنشد (لعمري لنعم المرء من آل جعفر * بحوران أمسى علقته ~~الحبائل) (فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت * فما في حياة بعد موتك طائل) ~~(وما كان بيني لو لقيتك سالما * وبين الغنى إلا ليال قلائل) فقال له ابنه ~~كم ظننت أن علقمة كان يعطيك لو وجدته حيا فقال مائة ناقة يتبعها مائة من ~~أولادها فأعطاه ابنه إياها PageV05P192 # والبيتان الأخيران من هذه الثلاثة وجدتهما في ديوان ~~النابغة الذبياني واسمه زياد بن معاوية بن جابر من جملة قصيدة يرثي بها ~~النعمان بن أبي شمر الغساني وأخبار ابن أبي حفصة ونوادره ومحاسنه كثيرة فلا ~~حاجة إلى الإطناب بذكرها وكانت ولادته سنة خمس ومائة وتوفي سنة إحدى ~~وثمانين وقيل سنة اثنتين وثمانين ومائة ببغداد ودفن بمقبرة نصر بن مالك ~~الخزاعي رحمه الله تعالى 247 وحفيده مروان الأصغر وهو أبو السمط مروان بن ~~أبي الجنوب ابن مروان الأكبر المذكور وكان من شعراء عصره المشاهير المقدمين ~~وذكر المبرد في كتاب الكامل طرفا من أخبار عبد الرحمن بن حسان بن ثابت ~~الأنصاري ثم قال ويروى أن عبد الرحمن المذكور لدغه زنبور فجاء أباه يبكي ~~فقال له ما بك قال لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة فقال أبوه قلت الشعر ~~والله ثم قال بعد ذلك وأعرق قوم كانوا في الشعر آل حسان فإنهم كانوا يعدون ~~ستة في نسق كلهم شاعر وهم سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن ~~حرام وبعد هؤلاء في الوقت آل أبي حفصة فإنهم أهل بيت كل واحد منهم شاعر ~~يتوارثونه كابرا عن كابر ويحيى ابن أبي حفصة كنيته أبو جميل وأمه تحيا بنت ~~ميمون يقال إنها من ولد النابغة الجعدي وإن الشعر أتى إلى أبي حفصة بذلك ~~السبب وكل واحد من هؤلاء كان يضرب بلسانه أرنبة أنفه وهو دليل على الفصاحة ~~والبلاغة والله تعالى ms1379 أعلم PageV05P193 # 717 مسلم صاحب الصحيح أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن ~~مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري صاحب الصحيح أحد الأئمة الحفاظ ~~وأعلام المحدثين رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر وسمع يحيى بن يحيى ~~النيسابوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن مسلمة القعنبي ~~وغيرهم وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أهلها وآخر قدومه إليها في سنة تسع ~~وخمسين ومائتين وروى عنه الترمذي وكان من الثقات وقال محمد الماسرجسي سمعت ~~مسلم بن الحجاج يقول صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة ~~وقال الحافظ أبو علي النيسابوري ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في ~~علم الحديث وقال الخطيب البغدادي كان مسلم يناضل عن البخاري حتى أوحش ما ~~بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب ~~الحافظ لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم من الاختلاف إليه فلما وقع ~~بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ ونادى عليه ومنع الناس من ~~الاختلاف إليه حتى هجر وخرج من نيسابور في تلك المحنة قطعه أكثر الناس غير ~~مسلم فإنه لم يتخلف عن زيارته فأنهي إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج ~~على مذهبه قديما وحديثا وأنه عوتب على ذلك بالحجاز والعراق ولم يرجع عنه ~~فلما كان يوم مجلس محمد ابن يحيى قال في آخر مجلسه ألا من قال باللفظ فلا ~~يحل له أن يحضر مجلسنا فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته وقام على رؤوس الناس ~~وخرج من مجلسه وجمع PageV05P194 # كل ما كان كتب منه وبعث به على ظهر حمال إلى باب محمد ~~بن يحيى فاستحكمت بذلك الوحشة وتخلف عنه وعن زيارته وتوفي مسلم المذكور ~~عشية يوم الأحد ودفن بنصر أباذ ظاهر نيسابور يوم الاثنين لخمس وقيل لست ~~بقين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور وعمره خمس وخمسون ~~سنة هكذا وجدته في بعض الكتب ولم أر أحدا من الحفاظ يضبط مولده ولا تقدير ~~عمره وأجمعوا أنه ولد ms1380 بعد المائتين وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان ~~المعروف بابن الصلاح يذكر مولده وغالب ظني أنه قال سنة اثنتين ومائتين ثم ~~كشفت ما قاله ابن الصلاح فإذا هو في سنة ست ومائتين نقل ذلك من كتاب علماء ~~الأمصار تصنيف الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري الحافظ ووقفت على ~~الكتاب الذي نقل منه وملكت النسخة التي نقل منها أيضا وكانت ملكه وبيعت في ~~تركته ووصلت إلي وملكتها وصورة ما قاله بأن مسلم بن الحجاج توفي بنيسابور ~~لخمس بقين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة ~~فتكون ولادته في سنة ست ومائتين والله أعلم رحمه الله تعالى وقد تقدم ~~الكلام على القشيري صاحب الرسالة فأغنى عن الإعادة 248 وأما محمد بن يحيى ~~المذكور فهو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله ابن خالد ابن فارس بن ~~ذؤيب الذهلي النيسابوري وكان أحد الحفاظ الأعيان روى عنه البخاري ومسلم ~~وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة القزويني وكان ثقة مأمونا وكان سبب ~~الوحشة بينه وبين البخاري أنه لما دخل البخاري مدينة نيسابور شعث عليه محمد ~~بن يحيى في مسألة خلق اللفظ وكان قد سمع منه فلم يمكنه ترك الرواية عنه ~~وروى عنه في الصوم والطب والجنائز والعتق وغير ذلك مقدار ثلاثين موضعا ولم ~~يصرح باسمه فيقول حدثنا محمد بن يحيى الذهلي بل يقول حدثنا محمد ولا يزيد ~~عليه ويقول محمد بن عبد الله PageV05P195 # فينسبه إلى جده وينسبه أيضا إلى جد أبيه وتوفي محمد ~~المذكور سنة اثنتين وقيل سبع وقيل ثمان وخمسين ومائتين رحمه الله تعالى ~~والله أعلم 718 مسعود الطريثيثي أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود بن ~~طاهر النيسابوري الطريثيثي الفقيه الشافعي الملقب قطب الدين تفقه بنيسابور ~~ومرو على أئمتها وسمع الحديث من غير واحد ورأى الأستاذ أبا نصر القشيري ~~ودرس بالمدرسة النظامية بنيسابور نيابة عن الجويني وكان قد قرأ القرآن ~~الكريم والأدب على والده وقدم بغداد ووعظ بها وتكلم في المسائل فأحسن وقدم ms1381 ~~دمشق سنة أربعين وخمسمائة ووعظ بها وحصل له قبول ودرس بالمدرسة المجاهدية ~~ثم بالزاوية الغربية من جامع دمشق بعد موت الفقيه أبي الفتح نصر الله ~~المصيصي وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ثم خرج إلى حلب وتولى ~~التدريس مدة في المدرستين اللتين بناهما له نور الدين محمود وأسد الدين ~~شيركوه ثم مضى إلى همذان وتولى التدريس بها ثم رجع إلى دمشق ودرس بالزاوية ~~الغربية وحدث وتفرد برياسة أصحاب الشافعي رضي الله عنه وكان عالما صالحا ~~صنف كتاب الهادي في الفقه وهو مختصر نافع لم يأت فيه إلا بالقول الذي عليه ~~الفتوى وجمع للسلطان صلاح الدين عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في أمور ~~دينه وحفظها أولاده الصغار حتى تترسخ في PageV05P196 # أذهانهم من الصغر قال بهاء الدين ابن شداد في سيرة ~~السلطان ورأيته يعني السلطان وهو يأخذها عليهم وهم يقرؤونها بين يديه من ~~حفظهم وكان متواضعا قليل التصنع مطرحا للتكليف وكانت ولادته سنة خمس ~~وخمسمائة في الثالث عشر من شهر رجب الفرد وتوفي في آخر يوم من شهر رمضان ~~المعظم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق وصلي عليه يوم العيد وكان نهار ~~الجمعة ودفن بالمقبرة التي أنشأها جوار مقبرة الصوفية غربي دمشق وزرت قبره ~~غير مرة رحمه الله تعالى وكان والده من طريثيث وقد تقدم الكلام عليها في ~~ترجمة عميد الملك الكندري فلا حاجة إلى إعادته وهي من نواحي نيسابور وقال ~~بعض أصحابه أنشدنا الشيخ قطب الدين لبعضهم (يقولون إن الحب كالنار في الحشا ~~* ألا كذبوا فالنار تذكو وتخمد) (وما هي إلا جذوة مس عودها * ندى فهي لا ~~تخبو ولا تتوقد) والله تعالى أعلم بالصواب 719 الشريف البياضي الشاعر ~~الشريف أبو جعفر مسعود بن عبد العزيز بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق ~~البياضي الشاعر المشهور هكذا وجدته بخط بعض الحفاظ المتقنين ورأيت ~~PageV05P197 # في أول ديوانه أنه أبو جعفر مسعود بن المحسن بن عبد ~~الوهاب بن عبد العزيز ابن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي ~~بن ms1382 عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي والله أعلم ~~بالصواب وهو من الشعراء المجيدين في المتأخرين وديوان شعره صغير وهو في ~~غاية الرقة وليس فيه من المدائح إلا اليسير فمن أحسن شعره قصيدته القافية ~~التي أولها (إن غاض دمعك والركاب تساق * مع ما بقلبك فهو منك نفاق) (لا ~~تحبسن ماء الجفون فإنه * لك يا لديغ هواهم ترياق) (واحذر مصاحبة العذول ~~فإنه * مغر وظاهر عذله إشفاق) (لا يبعدن زمن مضت أيامه * وعلى متون غصونها ~~أوراق) (أيام نرجسنا العيون ووردنا الغض * الخدود وخمرنا الأرياق) (ولنا ~~بزوراء العراق مواسم * كانت تقام لطيبها أسواق) (فلئن بكت عيني دما شوقا ~~إلى * ذاك الزمان فمثله يشتاق) ومنها (أين الأغيلمة الألى لولاهم * ما كان ~~طعم هوى الملاح يذاق) (وكأنما أرماحهم بأكفهم * أجسامهم ونصولها الأحداق) ~~(شنوا الإغارة في القلوب بأعين * لا يرتجى لأسيرها إطلاق) (واستعذبوا ماء ~~الجفون فعذبوا الأسراء * حتى درت الآماق) (ونمى الحديث بأنهم نذروا دمي * ~~أو لي دم يوم الفراق يراق) وله وهو مما يغني به (كيف يذوي عشب أشواقي * ولي ~~طرف مطير) (إن يكن في العشق حر * فأنا العبد الأسير) PageV05P198 # (أو على الحسن زكاة * فأنا ذاك الفقير) وله وكتبها على ~~مروحة (وارحمتا لي أن حللت بمجلس * ان لحنوا فيه يكون كسادي) وله أيضا (يا ~~ليلة بات فيها البدر معتنقي * إلى الصباح بلا خوف ولا حذر) (كلامه الدر ~~يغني عن كواكبها * ووجهه عوض فيها عن القمر) (فبينما أنا أرعي في محاسنه * ~~سمعي وطرفي إذ أنذرت بالسحر) (ولم يكن عيبها إلا تقاصرها * وأي عيب لها ~~أشنى من القصر) (وددت لو أنها طالت علي ولو * أمددتها بسواد القلب والبصر) ~~والبيت الأخير منها ينظر إلى قول أبي العلاء بن سليمان المعري وهو (يود أن ~~ظلام الليل دام له * وزيد فيه سواد القلب والبصر) وشعره كله على هذا ~~الأسلوب وقد تقدم له بيتان في ترجمة صر در الشاعر وتوفي البياضي المذكور ~~يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة ببغداد ودفن ~~بمقبرة باب أبرز ms1383 وإنما قيل له البياضي لأن أحد أجداده كان في مجلس بعض ~~الخلفاء مع جماعة من العباسيين وكانوا قد لبسوا سوادا ما عداه فإنه كان قد ~~لبس بياضا فقال الخليفة من ذلك البياضي فثبت الاسم عليه واشتهر به وذكر ابن ~~الجوزي في كتاب الألقاب أن صاحب هذه الواقعة هو محمد ابن عيسى بن محمد بن ~~عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم أجمعين ~~وهو الذي يقال له البياضي ورأيت بخط أسامة بن منقذ المقدم ذكره أن الذي ~~لقبه بهذا اللقب هو الخليفة الراضي بالله والله تعالى أعلم PageV05P199 # 720 غياث الدين السلجوقي أبو الفتح مسعود بن محمد بن ~~ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي الملقب غياث الدين أحد ملوك السلجوقية ~~المشاهير وقد تقدم ذكر والده وأخيه محمود وجماعة من أهل بيته كان مسعود ~~المذكور قد سلمه والده في سنة خمس وخمسمائة إلى الأمير مودود ابن التوتكين ~~وجعله صاحب الموصل ليربيه فلما قتل مودود في سنة سبع وخمسمائة وتولى الأمير ~~آق سنقر البرسقي المذكور في حرف الهمزة مكانه سلمه والده إليه أيضا ثم ~~أرسله من بعده إلى جوش بك أتابك الموصل أيضا فلما توفي والده وتولى موضعه ~~ولده محمود المقدم ذكره أخذ جوش بك يحسن لمسعود المذكور الخروج على أخيه ~~محمود وأطمعه في السلطنة ولم يزل على ذلك حتى جمع العساكر واستكثر منها ~~وقصد أخاه والتقيا بالقرب من همذان في ربيع الأول سنة أربع عشرة وخمسمائة ~~وكان النصر لمحمود وقتل في هذه الواقعة الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي وقد ~~سبق شيء من خبره في حرف الحاء ثم تنقلت الأحوال وتقلبت بمسعود المذكور ~~واستقل بالسلطنة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ودخل بغداد واستوزر شرف الدين ~~أنو شروان بن خالد PageV05P200 # القاشاني الذي كان وزير المسترشد وقد تقدم ذكره في ~~ترجمة الحريري صاحب المقامات وكان سلطانا عادلا لين الجانب كبير النفس فرق ~~مملكته على أصحابه ولم يكن له من السلطنة غير الاسم وكان حسن الأخلاق كثير ~~المزاح والانبساط مع الناس فمن ms1384 ذلك أن أتابك زنكي صاحب الموصل أرسل إليه ~~القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري في رسالة فوصل ~~إليه وأقام معه في العسكر فوقف يوما على خيمة الوزير حتى قارب أذان المغرب ~~فعاد إلى خيمته وأذن المغرب وهو في الطريق فرأى إنسانا فقيها في خيمة فنزل ~~إليه فصلى معه فسأله كمال الدين من أين هو فقال أنا قاضي مدينة كذا فقال له ~~كمال الدين القضاة ثلاثة قاضيان في النار وهو أنا وأنت وقاض في الجنة وهو ~~من لا يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم فلما كان من الغد أرسل السلطان ~~وأحضر كمال الدين فلما دخل عليه ورآه ضحك وقال القضاة ثلاثة فقال كمال ~~الدين نعم يا مولانا فقال والله صدقت ما أسعد من لا يرانا ولا نراه ثم أمر ~~به فقضيت حاجته وأعاده من يومه ومن ذلك أنه اجتاز يوما في بعض أطراف بغداد ~~فسمع امرأة تقول لأخرى تعالي انظري إلى السلطان فوقف وقال نقف حتى تجيء هذه ~~الست تنظر إلينا وله مناقب كثيرة وكان مع لين جانبه ما ناوأه أحد وظفر به ~~وقتل من الأمراء الأكابر خلقا كثيرا ومن جملة من قتل الخليفتان المسترشد ~~بالله والراشد لأنه كان قد وقع بينه وبين الخليفة المسترشد وحشة قبل ~~استقلاله في السلطنة فلما استقل استطال نوابه على العراق وعارضوا الخليفة ~~في أملاكه فقويت الوحشة بينهما وتجهز المسترشد وخرج لمحاربته وكان السلطان ~~مسعود بهمذان فجمع جيشا عظيما وخرج للقائه وتصافا بالقرب من همذان فكسر ~~عسكر الخليفة وأسر هو وأرباب دولته وأخذه السلطان مسعود مأسورا وطاف به ~~بلاد أذربيجان وقتل على باب المراغة حسبما شرحناه في ترجمة دبيس بن صدقة ~~وهو الذي خلع الراشد وأقام المقتفي كما هو مشهور PageV05P201 # ثم أقبل مسعود على الاشتغال باللذات والانعكاف على ~~مواصلة وجوه الراحات متكلا على السعادة تعمل له ما يؤثره إلى أن حدث له ~~القيء وعلة الغثيان واستمر به ذلك إلى أن توفي في حادي عشر جمادى الآخرة ~~سنة سبع وأربعين وخمسمائة وقيل يوم ms1385 الأربعاء الثاني والعشرين من الشهر ~~المذكور بهمذان ومات معه سعادة البيت السلجوقي فلم تقم له بعده راية يعتد ~~بها ولا يلتفت إليها (فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما) ~~ودفن في مدرسة بناها جمال الدين إقبال الخادم وقال ابن الأزرق الفارقي في ~~تاريخه رأيت السلطان المذكور ببغداد في السنة المذكورة وسار إلى همذان ومات ~~بباب همذان وحمل إلى أصبهان رحمه الله تعالى وقد تقدم شيء من خبره في ترجمة ~~دبيس بن صدقة صاحب الحلة ومولده يوم الجمعة لثلاث خلون من ذي القعدة سنة ~~اثنتين وخمسمائة ولما ولي السلطنة جرت بينه وبين عمه سنجر المقدم ذكره ~~منازعة ثم خطب له بعد عمه المذكور ببغداد يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت ~~من صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة والله أعلم PageV05P202 # 721 عز الدين مسعود صاحب الموصل أبو الفتح وأبو المظفر ~~مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي ابن آق سنقر أتابك صاحب ~~الموصل الملقب عز الدين قد تقدم خبر جده وجد أبيه وخبر ولده نور الدين ~~أرسلان شاه وغيرهم من أهل بيته وسيأتي ذكر أبيه في هذا الحرف إن شاء الله ~~تعالى ولما توفي والده قام بالملك ولده سيف الدين غازي المقدم ذكره لأنه ~~كان أكبر الإخوة وكان قد خلف هذين الولدين وعماد الدين زنكي صاحب سنجار ~~المذكور عقيب ترجمة جده عماد الدين زنكي وكان عز الدين المذكور مقدم الجيوش ~~في أيام أخيه غازي ولما خرج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية بعد وفاة ~~الملك العادل نور الدين محمود المقدم ذكره وأخذ دمشق وتقدم إلى حلب وحاصرها ~~خاف غازي منه وعلم أنه قد استفحل أمره وعظم شأنه واستشعر أنه متى استحوذ ~~على الشام تعدى الأمر إليه فجهز جيشا عظيما وقدم عليه أخاه عز الدين مسعودا ~~المذكور وسار يريد لقاء السلطان وضرب المصاف معه ليرده عن البلاد فلما بلغ ~~السلطان خروجه رحل عن حلب وذلك في مستهل رجب الفرد سنة سبعين وخمسمائة وسار ~~إلى حمص وأخذ قلعتها وكان قد ms1386 أخذ البلد في جمادى الأولى من السنة المذكورة ~~بعد خروجه من دمشق قاصدا حلب ووصل عز الدين مسعود إلى حلب لينجد ابن عمه ~~الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين صاحب حلب هذا كان في الصورة الظاهرة ~~وفي الباطن كان غرضهم ما ذكرناه من PageV05P203 # خوفهم على بلادهم فانضم إلى عز الدين مسعود عسكر حلب ~~وخرج في جمع كثير ولما عرف السلطان مسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة ~~وراسلهم وراسلوه واجتهد في أن يصالحوه فلم يفعلوا ورأوا أن ضرب المصاف معه ~~ربما نالوا به الغرض الأكبر والمقصود الأوفر والقضاء يجر إلى أمور لا ~~يشعرون بها فقام المصاف بين العسكرين وقضى الله تعالى أن انكسر جيش عز ~~الدين وأسر السلطان جماعة من أمرائه ثم أطلقهم وذلك يوم الأحد التاسع عشر ~~من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة وهذه الواقعة من الوقائع المشهورة ~~ثم سار السلطان عقيب الكسرة إلى حلب ونزل عليها وهي الدفعة الثانية فصالحه ~~الملك الصالح إسماعيل على أخذ المعرة وكفر طاب وبارين ثم رحل عنها وشرح ذلك ~~يطول وتتمة هذه القضية مذكورة في ترجمة أخيه سيف الدين غازي ولما توفي أخوه ~~سيف الدين في التاريخ المذكور في ترجمته استقل عز الدين المذكور بالملك من ~~بعده ولم يزل إلى أن حضرت الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الوفاة في ~~التاريخ المذكور في ترجمة أبيه نور الدين فأوصى بمملكة حلب وما معها لابن ~~عمه عز الدين مسعود المذكور واستحلف له الأمراء والأجناد فلما توفي وبلغ ~~الخبر عز الدين مسعودا بادر متوجها إليها خوفا من صلاح الدين أن يسبقه ~~فيأخذها وكان وصوله إليها في العشرين من شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة ~~وصعد القلعة واستولى على ما بها من الخزائن والحواصل وتزوج أم الملك الصالح ~~في خامس شوال من السنة وأقام بها إلى سادس عشر شوال ثم علم أنه لا يمكنه ~~حفظ الشام والموصل وخاف من جانب صلاح الدين وألح عليه الأمراء في طلب ~~الزيادات وتبسطوا عليه في المطالب وضاق عنهم عطنه وكان المستولي ms1387 على أمره ~~مجاهد الدين قايماز الزيني المقدم ذكره في حرف القاف فرحل عن حلب وخلف بها ~~مظفر الدين ولده ومظفر PageV05P204 # الدين بن زين الدين صاحب إربل المذكور في حرف الكاف ~~ولما وصل إلى الرقة لقيه بها أخوه عماد الدين زنكي صاحب سنجار فقرر معه ~~مقايضة حلب بسنجار وتحالفا على ذلك وسير عماد الدين من يتسلم حلب وسير عز ~~الدين من يتسلم سنجار وفي ثالث عشر المحرم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة صعد ~~عماد الدين إلى قلعة حلب وكان قد تقرر الصلح بين عز الدين المذكور وابن عمه ~~الملك الصالح وبين صلاح الدين على يد قليج أرسلان صاحب الروم وصعد السلطان ~~صلاح الدين إلى الديار المصرية واستناب بدمشق ابن أخيه عز الدين فروخ شاه ~~بن شاهان شاه بن أيوب فلما بلغه خبر وفاة الملك الصالح وهذه الأمور ~~المتجددة عاد إلى الشام وكان وصوله إلى دمشق في سابع عشر صفر سنة ثمان ~~وسبعين وبلغه بها أن رسول عز الدين مسعود وصل إلى الفرنج يحثهم على قتال ~~السلطان ويبعثهم على قصده فعلم أنه قد غدر به ونكث اليمين فعزم على قصد حلب ~~والموصل وأخذ في التأهب للحرب فبلغ عماد الدين صاحب حلب ذلك فسير إلى أخيه ~~صاحب الموصل يعلمه ذلك ويستدعي منه العساكر فسار السلطان صلاح الدين من ~~دمشق ونزل على حلب في ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ~~وأقام عليها ثلاثة أيام ثم رحل في الحادي والعشرين من الشهر ثم جاءه مظفر ~~الدين بن زين الدين صاحب إربل وكان يوم ذلك في خدمة صاحب الموصل وهو صاحب ~~حران وكان قد استوحش من عز الدين مسعود صاحب الموصل وخاف من مجاهد الدين ~~قايماز الزيني المذكور في حرف القاف فالتجأ إلى السلطان صلاح الدين وقطع ~~الفرات وعبر إليه وقوى عزمه على قصد بلاد الجزيرة وسهل أمرها عليه فعبر ~~السلطان صلاح الدين الفرات وأخذ الرها والرقة ونصيبين وسروج ثم أشحن على ~~بلاد الخابور وأقطعها وتوجه إلى الموصل ونزل عليها يوم الخميس حادي عشر رجب ms1388 ~~سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ليحاصرها فأقام أياما وعلم أنه بلد عظيم لا يتحصل ~~منه شيء بالمحاصرة وأن طريق أخذه أخذ قلاعه PageV05P205 # وبلاده وإضعاف أهله على طول الزمان فرحل عنها ونزل على ~~سنجار في سادس عشر شعبان من السنة وأخذها في ثاني شهر رمضان المعظم وأعطاها ~~لابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر المقدم ذكره وشرح ذلك يطول وخلاصة ~~الأمر أنه رجع إلى الشام فكان وصوله إلى حران في أول ذي القعدة ثم عاد إلى ~~منازلة الموصل وكان وصوله إليها في أول شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين ~~ونزلت إليه والدة عز الدين ومعها جماعة من نساء بني أتابك وابنه نور الدين ~~أرسلان شاه بن مسعود وقد سبق ذكره في حرف الهمزة وطلبت منه المصالحة فردها ~~خائبة ظنا منه أن عز الدين أرسلها عجزا عن حفظ الموصل واعتذر بأعذار ندم ~~عليها بعد ذلك وبذل أهل الموصل نفوسهم في القتال لكونه رد النساء والولد ~~بالخيبة فأقام عليها إلى أن أتاه خبر وفاة شاه أرمن ناصر الدين محمد بن ~~إبراهيم بن سكمان القطبي صاحب خلاط وقيام مملوكه بكتمر بالأمر من بعده وطمع ~~فيه من جاوره من الملوك وعزموا على قصده فسير إلى السلطان وأطمعه في خلاط ~~وقرر معه تسليمها إليه وأن يعوضه عنها ما يرضيه وكانت وفاة شاه أرمن يوم ~~الخميس تاسع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة فرحل السلطان صلاح الدين عن ~~الموصل لهذا السبب في العشرين من الشهر المذكور وتوجه نحو خلاط وفي مقدمته ~~مظفر الدين صاحب إربل وهو يوم ذاك صاحب حران وناصر الدين محمد بن أسد الدين ~~شيركوه وهو ابن عم صلاح الدين فنزلوا بالطوانة البليدة التي هي بالقرب من ~~خلاط وسير الرسل إلى بكتمر لتقرير القاعدة فوصلت الرسل إليه وشمس الدين ~~بهلوان بن الذكر صاحب أذربيجان وعراق العجم قد قرب من خلاط ليحاصرها فبعث ~~إليه بكتمر يعرفه أنه إن لم يرجع عنه وإلا سلم البلاد إلى السلطان صلاح ~~الدين فصالحه وزوجه ابنته ورجع عنه وسير بكتمر إلى السلطان ms1389 صلاح الدين ~~يعتذر عما قاله من تسليم خلاط وكان السلطان قد نزل على ميافارقين يحاصرها ~~فقاتلها قتالا شديدا ثم أخذها عن صلح بالخديعة في التاسع والعشرين من ~~PageV05P206 # جمادى الأولى من السنة المذكورة وكان صاحبها قطب الدين ~~ايلغازي بن البي بن كرماس بن غازي بن أرتق فمات وتركها لولده حسام الدين ~~بولق أرسلان وهو طفل صغير فطمع في أخذها من واليها فأخذها ولما أيس السلطان ~~من خلاط عاد إلى الموصل وهي الدفعة الثالثة ونزل بعيدا عنها بموضع يقال له ~~كفر زمار فأقام به مدة وكان الحر شديدا فمرض السلطان مرضا شديدا أشفى على ~~الموت فرحل طالبا حران في مستهل شوال من السنة ولما علم عز الدين مسعود ~~المذكور بمرض السلطان وأنه رقيق القلب انتهز الفرصة وسير القاضي بهاء الدين ~~بن شداد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الياء ومعه بهاء الدين الربيب ~~فوصلا إلى حران في الرسالة والتماس الصلح فأجاب إلى ذلك وحلف يوم عرفة من ~~السنة وقد تماثل للصحة ولم يتغير عن تلك اليمين إلى أن مات رحمه الله تعالى ~~ثم رحل إلى الشام وأمن حينئذ عز الدين مسعود وطابت نفسه ولم يزل على ذلك ~~إلى أن توفي في السابع والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة بعلة ~~الإسهال وكان قد بنى بالموصل مدرسة كبيرة وقفها على الفقهاء الشافعية ~~والحنفية فدفن بهذه المدرسة في تربة هي بداخلها رحمه الله تعالى ورأيت ~~المدرسة والتربة وهي من أحسن المدارس والترب ومدرسة ولده نور الدين أرسلان ~~شاه في قبالتها وبينهما ساحة كبيرة ولما مات خلف ولده نور الدين المذكور ~~وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة ولما مات نور الدين في التاريخ المذكور في ~~ترجمته خلف ولدين أحدهما الملك القاهر عز الدين أبو الفتح مسعود والآخر ~~الملك المنصور عماد الدين زنكي ولما حضرته الوفاة قسم البلاد بينهما فأعطى ~~الملك القاهر وهو الأكبر الموصل وأعمالها وأعطى عماد الدين الشوش والعقر ~~وتلك النواحي PageV05P207 # 249 فأما الملك القاهر فكانت ولادته في سنة تسعين ~~وخمسمائة بالموصل ms1390 وتوفي بها فجأة ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة خمس عشرة وستمائة وكان قد بنى مدرسة أيضا فدفن بها 250 وأما عماد ~~الدين فإنه أخذ بعد موت أخيه الملك القاهر قلعة العمادية ثم أخذت منه وهي ~~من أحسن القلاع بجبل الهكارية من أعمال الموصل وكذلك عدة قلاع مما يجاورها ~~وانتقل إلى إربل وكان زوج ابنة مظفر الدين صاحب إربل فأقام بها زمانا وكنا ~~في جواره وكان من أحسن الناس صورة ثم قبض عليه مظفر الدين لأمر يطول شرحه ~~وسيره إلى سنجار إلى الملك الأشرف ابن الملك العادل الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى فأفرج عنه الملك الأشرف وعاد إلى إربل وقايضه مظفر الدين عن العقر ~~بشهرزور وأعمالها فانتقل إليها وأقام بها إلى أن توفي في حدود سنة ثلاثين ~~وستمائة وخلف ولدا أقام بعده قليلا ثم مات رحمهما الله تعالى ولما مات عز ~~الدين مسعود بن أرسلان شاه خلف ولدين نور الدين أرسلان شاه وكان سمي عليا ~~في حياة جده أرسلان شاه فلما مات جده نور الدين سموه باسمه وناصر الدين ~~محمد 251 فتولى بعده نور الدين المذكور وكان تقدير عمره عشر سنين وبقي بعد ~~أبيه قليلا وتوفي في بقية السنة 252 وتولى أخوه بعده ناصر الدين محمود ~~والمدبر لأمر المملكة بدر الدين لؤلؤ الذي ملك الموصل فيما بعد 253 وتوفي ~~بهلوان بن الذكر المذكور في سلخ ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة رحمه ~~الله تعالى 254 وتوفي والده شمس الدين الذكر الأتابك في أواخر شهر ربيع ~~الآخر سنة سبعين وخمسمائة بنقجوان ودفن بها رحمه الله تعالى وكان أتابك ~~السلطان أرسلان شاه بن طغرلبك بن محمد بن ملكشاه بن محمد السلجوقي ~~PageV05P208 # وبعد الذكر بمقدار شهر توفي أرسلان شاه المذكور بهمذان ~~ودفن بها رحمه الله تعالى 255 وقتل قزل بن الذكر المذكور في أوائل شعبان ~~سنة سبع وثمانين وخمسمائة وكان ملكا كبيرا وهو ابن الذكر المذكور رحمهم ~~الله تعالى أجمعين والله تعالى أعلم بالصواب 722 مطرف الصنعاني أبو أيوب ms1391 ~~مطرف بن مازن الكناني بالولاء وقيل القيسي بالولاء اليماني الصنعاني ولي ~~القضاء بصنعاء اليمن وحدث عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وجماعة كثيرة ~~وروى عنه الإمام الشافعي رضي الله عنه وخلق كثير واختلفوا في روايته فنقل ~~عن يحيى بن معين أنه سئل عنه فقال كذاب وقال النسائي مطرف بن مازن ليس بثقة ~~وقال السعدي مطرف بن مازن الصنعاني يتثبت في حديثه حتى يبلى ما عنده وقال ~~أبو حاتم محمد بن حبان البستي مطرف بن مازن الكناني قاضي اليمن يروي عن ~~معمر وابن جريج روى عنه الشافعي وأهل العراق وكان يحدث بما لم يسمع ويروي ~~ما لم يكتب عمن لم يره ولا تجوز الرواية عنه إلا عند الخواص للاعتبار فقط ~~وقال حاجب ابن سليمان كان مطرف بن مازن قاضي صنعاء وكان رجلا صالحا وذكر ~~عنه حكاية في إبراره قسم من أقسم على أمر شنيع يفعله به وذكر أبو أحمد عبد ~~الله بن عدي الجرجاني أحاديث من رواية مطرف بن مازن وقال لمطرف غير ~~PageV05P209 # ما ذكرت أفراد يتفرد بها عمن يرويها عنه ولم أر فيما ~~يرويه شيئا منكرا وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي أخبرنا أبو سعيد قال ~~حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال الشافعي رضي الله تعالى عنه وقد ~~كان من حكام الآفاق من يستحلف على المصحف وذلك عندي حسن وقال وأخبرني مطرف ~~بن مازن بإسناد لا أحفظه أن ابن الزبير أمر بأن يحلف على المصحف قال ~~الشافعي رضي الله عنه ورأيت مطرفا بصنعاء اليمن يحلف على المصحف وقال غيره ~~قال الشافعي رضي الله عنه ورأيت ابن مازن وهو قاضي صنعاء يغلظ باليمين ~~بالمصحف وتوفي مطرف المذكور بالرقة وقيل بمنبج وكانت وفاته في أواخر خلافة ~~هارون الرشيد وتوفي هارون الرشيد ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة ~~سنة ثلاث وتسعين ومائة بطوس وكانت ولايته يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت ~~من ربيع الأول سنة سبعين ومائة رحمه الله تعالى وهذا مطرف ليس من المشاهير ~~الذين أحتاج إلى ms1392 ذكرهم والذي حملني على ذكره أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي ~~رحمه الله تعالى ذكره في كتاب المهذب في باب اليمين في الدعاوى في فصل ~~التغليظ فقال وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعي رضي الله ~~عنه عن مطرف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف قال ورأيت مطرفا بصنعاء ~~يستحلف على المصحف قال الشافعي رضي الله عنه وهو حسن انتهى كلام صاحب ~~المهذب ورأيت الفقهاء يسألون عن مطرف المذكور ولا يعرفه أحد حتى غلط فيه ~~صاحبنا عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن أبي البركات هبة الله بن أبي الرضى ~~بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعي في كتابه الذي وضعه على المهذب في أسماء ~~رجاله والكلام على غريبه فقال مطرف بن عبد الله بن الشخير ثم قال وتوفي سنة ~~سبع وثمانين يعني للهجرة فيا لله العجب شخص يموت في هذا التاريخ كيف يمكن ~~أن يراه الشافعي رضي الله عنه ومولد الشافعي PageV05P210 # سنة خمسين ومائة بعد موت ابن الشخير بثلاث وستين سنة ~~وما أدري كيف وقع هذا الغلط فلو أنه ما حكى تاريخ وفاته كان يمكن أن يقال ~~ظن أنه أدركه الشافعي ولما انتهيت في هذه الترجمة إلى هذا الموضع رأيت في ~~تاريخ أبي الحسين عبد الباقي بن قانع الذي جعله مرتبا على السنين أن مطرف ~~بن مازن توفي سنة إحدى وتسعين ومائة وهذا يوافق ما قاله الأول من أنه توفي ~~في أواخر خلافة هارون الرشيد والذي أفادني هذه الترجمة على الصورة المحكية ~~في الأول هو الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري نفع الله ~~به ومطرف بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبعدها فاء ~~والباقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه وتقييده 256 وأما مطرف الذي ذكره عماد ~~الدين فهو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وقدان ~~بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن منصور بن ~~عكرمة بن خصفة بن ms1393 قيس عيلان بن مضر بن معد بن عدنان الحرشي كان فقيها وكان ~~لوالده عبد الله صحبة وكان مطرف من أعبد الناس وأنسكهم فذكروا أنه وقع بينه ~~وبين رجل منازعة فرفع يديه وكان ذلك في مسجد البصرة وقال اللهم إني أسألك ~~أن لا يقوم من مجلسه حتى تكفيني إياه فلم يفرغ مطرف من كلامه حتى صرع الرجل ~~فمات وأخذ مطرف وقدموه إلى القاضي فقال القاضي لم يقتله وإنما دعا عليه ~~فأجاب الله دعوته فكان بعد ذلك تتقى دعوته ومات في سنة سبع وثمانين للهجرة ~~وقيل غير ذلك وقال ابن قانع سنة خمس وتسعين والله تعالى أعلم بالصواب ~~PageV05P211 # 723 الواعظ المروزي أبو منصور المظفر بن أبي الحسين ~~أزدشير بن أبي منصور العبادي الواعظ المروزي الملقب قطب الدين المعروف ~~بالأمير كان من أهل مرو وله اليد الطولى في الوعظ والتذكير وحسن العبارة ~~ومارس هذا الفن من صغره إلى كبره ومهر فيه حتى صار ممن يضرب به المثل في ~~ذلك وصار عين ذلك العصر وشهد له الكل بالفضل وحيازة قصب السبق وقدم بغداد ~~فأقام بها قريبا من ثلاث سنين يعقد له فيها مجالس الوعظ ولقي من الخلق ~~قبولا تاما وحظي عند الإمام المقتفي لأمر الله ثم خرج منها رسولا إلى جهة ~~السلطان سنجر بن ملك شاه السلجوقي المقدم ذكره فوصل إلى خراسان ثم عاد إلى ~~بغداد وخرج منها إلى خوزستان في رسالة فمات بعسكر مكرم في سلخ ربيع الآخر ~~يوم الخميس وقيل الاثنين سنة سبع وأربعين وخمسمائة وحمل تابوته إلى بغداد ~~ودفن بها في الشونيزية في حظيرة الشيخ الجنيد بن محمد العبد الصالح رضي ~~الله عنه ومولده في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وسمع الحديث ~~الكثير بنيسابور من أبي علي نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي وأبي عبد ~~الله إسماعيل بن الحافظ عبد الغافر الفارسي وغيرهما وروى عنه الحافظ أبو ~~سعد السمعاني وقال عنه كان صحيح السماع ولم يكن موثوقا به في دينه رأيت منه ~~أشياء وطالعت بخطه رسالة جمعها في إباحة ms1394 شرب الخمر سامحه الله تعالى وعفا ~~عنه وكان والده أبو الحسين يعرف بالأمير أيضا وكان مليح الوعظ حسن السيرة ~~توفي سنة نيف وتسعين وأربعمائة رحمهما الله تعالى والعبادي بفتح العين ~~المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف دال مهملة هذه النسبة إلى سنج ~~عباد وهي قرية من قرى مرو PageV05P212 # وسنج بكسر السين المهملة وسكون النون وبعدها جيم ~~وبأعمال مرو أيضا قرية كبيرة يقال لها سنج منها الفقيه أبو علي السنجي وقد ~~تقدم ذكره في حرف الحاء وتكلمنا على سنج هناك فلا يظن ظان أنهما موضع واحد ~~بل هما قريتان وقد نبه على ذلك جماعة من أرباب هذا الفن وأما أزدشير فقد ~~تقدم الكلام على ضبطه في ترجمة الوزير سابور فلا حاجة إلى إعادته والله ~~تعالى أعلم 724 موفق الدين العيلاني المصري أبو العز مظفر بن إبراهيم بن ~~جماعة بن علي بن شامي بن أحمد بن ناهض بن عبد الرزاق العيلاني الحنبلي ~~المذهب الملقب موفق الدين الشاعر المشهور المصري كان أديبا عروضيا شاعرا ~~مجيدا صنف في العروض مختصرا جيدا دل على حذقه فيه وله ديوان شعر رائق وكان ~~ضريرا فمن شعره (قالوا عشقت وأنت أعمى * ظبيا كحيل الطرف ألمى) (وحلاه ما ~~عاينتها * فنقول قد شغفتك هما) (وخياله بك في المنام * فما أطاف ولا ألما) ~~(من أين أرسل للفؤاد * وأنت لم تنظره سهما) (ومتى رأيت جماله * حتى كساك ~~هواه سقما) PageV05P213 # (والعين داعية الهوى * وبه تنم إذا تنمى) وبأي جارحة ~~وصلت * لوصفه نثرا ونظما) (فأجبت إني موسوي * العشق إنصاتا وفهما) (أهوى ~~بجارحة السماع * ولا أرى ذات المسمى) ولقد أذكرتني هذه الأبيات أبياتا لرجل ~~ضرير أيضا والشيء بالشيء يذكر وهي هذه (وغادة قالت لأترابها * يا قوم ما ~~أعجب هذا الضرير) (أيعشق الإنسان ما لا يرى * فقلت والدمع بعيني غزير) (إن ~~لم تكن عيني رأت شخصها * فإنها قد مثلت في الضمير) ومثل هذا أيضا قول ~~المهذب عمر بن محمد المعروف بابن الشحنة الموصلي الأديب الشاعر المشهور من ~~جملة قصيدة طويلة مدح بها السلطان صلاح الدين يوسف ms1395 بن أيوب والبيت المقصود ~~قوله (وإني امرؤ أحببتكم لمكارم * سمعت بها والأذن كالعين تعشق) وقد أخذ ~~هذا المعنى من قول بشار بن برد الشاعر المقدم ذكره (يا قوم أذني لبعض الحي ~~عاشقة * والأذن تعشق قبل العين أحيانا) وكان الوزير صفي الدين أبو محمد عبد ~~الله بن علي عرف بابن شكر قد عاد من الشام إلى مصر فخرج أصحابه للقائه إلى ~~الخشبي المنزلة المجاورة للعباسة فكتب مظفر المذكور إليه هذه الأبيات يعتذر ~~من تأخره عن الخروج إليه وهي (قالوا إلى الخشبي سرنا على عجل * نلقى الوزير ~~جميعا من ذوي الرتب) PageV05P214 # (ولم تسر أيها الأعمى فقلت لهم * لم أخش من تعب ألقى ~~ولا نصب) (وإنما النار في قلبي لوحشته * فخفت أجمع بين النار والخشب) وهذا ~~المعنى مطروق لكنه استعمله حسنا وأخبرني أحد أصحابه أن شخصا قال له رأيت في ~~بعض تواليف أبي العلاء المعري ما صورته أصلحك الله وأبقاك لقد كان من ~~الواجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي لكي نحدث عهدا بك يا زين الأخلاء ~~فما مثلك من غير عهدا أو غفل وسأله من أي الأبحر هذا وهل هو بيت واحد أم ~~أكثر فإن كان أكثر فهل أبياته على روي واحد أم هي مختلفة الروي قال فأفكر ~~فيه ثم أجابه بجواب حسن فلما قال لي المخبر ذلك قلت له اصبر علي حتى أنظر ~~فيه ولا تقل ما قاله ثم أفكرت فيه فوجدته يخرج من بحر الرجز وهو المجزوء ~~منه وتشتمل هذه الكلمات على أربع أبيات على روي اللام وهي على صورة يسوغ ~~استعمالها عند العروضيين ومن لا يكون له معرفة بهذا الفن فإنه ينكرها لأجل ~~قطع الموصول منها ولا بد من الإتيان بها لتظهر صورة ذلك وهي (أصلحك الله ~~وأبقاك * لقد كان من ال) (واجب أن تأتينا اليوم * إلى منزلنا ال) (خالي لكي ~~نحدث عهدا * بك يا زين الأخل) (لاء فما مثلك من * غير عهدا أو غفل) وهذا ~~إنما يذكره أهل هذا الشأن للمعاياة لا لأنه من الأشعار المستعملة فلما ~~استخرجته ms1396 عرضته على ذلك الشخص فقال هكذا قاله مظفر الأعمى وقال الشيخ زكي ~~الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المحدث المصري رحمه الله ~~تعالى أخبرني الأديب موفق الدين مظفر الضرير الشاعر المصري أنه دخل على ~~القاضي السعيد بن سناء الملك قلت وسيأتي ذكره إن PageV05P215 # شاء الله تعالى واسمه هبة الله قال فقال لي يا أديب قد ~~صنعت نصف بيت ولي أيام أفكر فيه ولا يأتي لي تمامه فقلت وما هو فأنشدني ~~(بياض عذاري من سواد عذاره *) قال مظفر فقلت قد حصل تمامه وأنشدت (كما جل ~~ناري فيه من جلناره *) فاستحسنه وجعل يعمل عليه فقلت في نفسي أقوم وإلا ~~يعمل المقطوع من كيسي وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود لكن الكلام يسوق بعضه ~~بعضا وكتب مظفر المذكور لتقي الدين ومدحه جماعة هو منهم فخلع على الجميع ~~ولم يخلع عليه (العبد مملوك مولانا وخادمه * مظفر الشاعر الأعمى حليف ضني) ~~(يقبل الأرض إجلالا لمالكه * رقا وينهي إليه بعد كل هنا) (أن القميص جميع ~~الناس قد بصروا * به وما منهم يعقوب غير أنا) وله يوم رمي الشواني (يا أيها ~~الملك المسرور آمله * هذي شوانيك ترمى يوم سراء) (كأنما هي عقبان بها ظمأ * ~~طارت من البحر وانقضت على الماء) وله في يوم لعبها (مولاي هذه الشواني في ~~ملاعبها * مثل الشواهين بين السهل والجبل) (تسقي مجاذيفها ماء وتنفضه * نفض ~~العقاب جناحيها من البلل) وله يصف فانوس الجامع العتيق بمصر (أرى علما ~~للناس في الصوم ينصب * على جامع ابن العاص أعلاه كوكب) PageV05P216 # (وما هو في الظلماء إلا كأنه * على رمح زنجي سنان ~~مذهب) (ومن عجب أن الثريا سماؤها * مع الليل تلهي كل من يترقب) (فطورا ~~تحييه بباقة نرجس * وطورا يحييها بكأس تلهب) (وما الليل إلا قانص لغزالة * ~~بفانوس نار نحوها يتطلب) (ولم أر صيادا على البعد قبله * إذا قربت منه ~~الغزالة يهرب) وشعره كثير وكانت ولادة مظفر المذكور لخمس بقين من جمادى ~~الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمصر وتوفي بها سحر يوم السبت التاسع من ~~المحرم ms1397 سنة ثلاث وعشرين وستمائة ودفن من الغد بسفح المقطم رحمه الله تعالى ~~والعيلاني بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد اللام ألف ~~نون هذه النسبة إلى قيس عيلان وقيل قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن عدنان ~~فمن قال إنه قيس عيلان فقد اختلفوا في عيلان ماذا فمنهم من قال هو اسم فرس ~~كان له فأضيف إليه وقيل اسم كلب كان له وقيل اسم رجل كان قد حضنه صغيرا ~~وإنما أضيف إلى عيلان لأنه كان في عصره شخص يقال له قيس كبة بضم الكاف ~~وتشديد الباء الموحدة وهو اسم فرس كانت له أيضا فكان كل واحد منهما يضاف ~~إلى ما له ليتميز عن الآخر والله أعلم وقد قيل إن قيس عيلان اسمه الناس ~~بالنون وهو أخو إلياس بالياء جد النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم ~~بالصواب PageV05P217 # 725 الهرا النحوي أبو مسلم معاذ بن مسلم الهرا النحوي ~~الكوفي من موالي محمد بن كعب القرظي قرأ عليه الكسائي وروى الحديث عنه ~~وحكيت عنه في القراءات حكايات كثيرة وصنف في النحو كثيرا ولم يظهر له شيء ~~من التصانيف وكان يتشيع وله شعر كشعر النحاة وكان في عصره مشهورا بالعمر ~~الطويل وكان له أولاد وأولاد أولاد فمات الكل وهو باق وحكى بعض كتابه قال ~~صحبت معاذ بن مسلم زمانا فسأله رجل ذات يوم كم سنك فقال ثلاث وستون قال ثم ~~مكث بعد ذلك سنين وسأله كم سنك فقال ثلاث وستون فقلت أنا معك منذ إحدى ~~وعشرين سنة وكلما سألك أحد كم سنك تقول ثلاث وستون فقال لو كنت معي إحدى ~~وعشرين سنة أخرى ما قلت إلا هذا وقال عثمان بن أبي شيبة رأيت معاذ بن مسلم ~~الهرا وقد شد أسنانه بالذهب من الكبر وفيه يقول أبو السري سهل بن أبي غالب ~~الخزرجي الشاعر المشهور (إن معاذ بن مسلم رجل * ليس لميقات عمره أمد) (قد ~~شاب رأس الزمان واكتهل * الدهر وأثواب عمره جدد *) (قل لمعاذ إذا مررت به * ~~قد ضج من ms1398 طول عمرك الأبد) (يا بكر حواء كم تعيش وكم * تسحب ذيل الحياة يا ~~لبد) (قد أصبحت دار آدم خربت * وأنت فيها كأنك الوتد) PageV05P218 # (تسأل غربانها إذا نعبت * كيف يكون الصداع والرمد) ~~(مصححا كالظليم ترفل في * برديك مثل السعير تتقد) (صاحبت نوحا ورضت بغلة ذي ~~* القرنين شيخا لولدك الولد *) (فارحل ودعنا لأن غايتك الموت * وإن شد ركنك ~~الجلد *) قوله تسحب ذيل الحياة يا لبد فهذا لبد آخر نسور لقمان بن عاد وكان ~~لقمان قد سيره قومه وهم عاد الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز إلى ~~الحرم يستقي لها فلما هلكت عاد خير لقمان بين أن يعيش عمر سبع بعرات سمر أو ~~عمر سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر فاختار النسور فكان يأخذ الفرخ ~~عند خروجه من البيضة فيربيه فيعيش ثمانين سنة وهكذا حتى هلك منها ستة وبقي ~~السابع فسمي لبدا فلما كبر وعجز عن الطيران كان يقول له لقمان انهض لبد ~~فلما هلك لبد مات لقمان وقد ذكرت العرب لبدا في أشعارها كثيرا فمن ذلك قول ~~النابغة الذبياني (أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا * أخنى عليها الذي أخنى ~~على لبد) رجعنا إلى حديث معاذ لما مات بنوه وحفدته قال (ما يرتجي في العيش ~~من قد طوى * من عمره الذاهب تسعينا) (أفنى بنيه وبنيهم فقد * جرعه الدهر ~~الأمرينا) (لا بد أن يشرب من حوضهم * وإن تراخى عمره حينا) وكان معاذ ~~المذكور صديقا للكميت بن زيد الشاعر المشهور قال محمد بن سهل راوية الكميت ~~صار الطرماح الشاعر إلى خالد بن عبد الله القسري أمير PageV05P219 # العراقين وهو بواسط فامتدحه فأمر له بثلاثين ألف درهم ~~وخلع عليه حلتي وشي لا قيمة لهما فبلغ ذلك الكميت فعزم على قصده فقال له ~~معاذ الهرا لا تفعل فلست كالطرماح فإنه ابن عمه وبينكما بون أنت مضري وخالد ~~يمني متعصب على مضر وأنت شيعي وهو أموي وأنت عراقي وهو شامي فلم يقبل ~~إشارته وأبى إلا قصد خالد فقصده فقالت اليمانية لخالد قد جاء الكميت وقد ~~هجانا بقصيدة ms1399 نونية فخر فيها علينا فحبسه خالد وقال في حبسه صلاح لأنه يهجو ~~الناس ويتأكلهم فبلغ ذلك معاذا فغمه فقال (نصحتك والنصيحة إن تعدت * هوى ~~المنصوح عز لها القبول) (فخالفت الذي لك فيه رشد * فغالت دون ما أملت غول) ~~(فعاد خلاف ما تهوى خلافا * له عرض من البلوى طويل) فبلغ الكميت قوله فكتب ~~إليه (أراك كمهدي الماء للبحر حاملا * إلى الرمل من يبرين متجرا رملا) ثم ~~كتب تحته قد جرى علي القضاء فما الحيلة الآن فأشار عليه أن يحتال في الهرب ~~وقال له إن خالدا قاتلك لا محالة فاحتال بامرأته وكانت تأتيه بالطعام وترجع ~~فلبس ثيابها وخرج كأنه هي فلحق بمسلمة بن عبد الملك فاستجار به وقال ( ~~(خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل * إليك على تلك الهزاهز والأزل) (علي ثياب ~~الغانيات وتحتها * عزيمة رأى أشبهت سلة النصل) فكان ذلك سبب نجاته من خالد ~~وسأل شخص معاذا عن مولده فقال ولدت في أيام يزيد بن عبد الملك أو في أيام ~~عبد الملك وكان يزيد بن عبد الملك قد تولى بعد موت عمر بن عبد العزيز في ~~شهر رجب سنة إحدى ومائة وتوفي في شعبان سنة خمس ومائة PageV05P220 # فهذه المدة هي أيامه وأما أبوه عبد الملك فإنه تولى ~~بعد أبيه مروان في شهر رمضان المعظم سنة خمس وستين للهجرة ومات سنة ست ~~وثمانين فهذه مدته وتوفي معاذ سنة تسعين ومائة وقيل في السنة التي نكبت ~~فيها البرامكة وهي سنة سبع وثمانين ومائة وهو الأصح رحمه الله تعالى وكان ~~يكنى أبا مسلم فولد له ولد سماه عليا فصار يكنى به والهرا بفتح الهاء ~~وتشديد الراء وبعدها ألف مقصورة وإنما قيل له ذلك لأنه كان يبيع الثياب ~~الهروية فنسب إليها 257 وأما أبو السري الشاعر صاحب الأبيات الدالية ~~المذكورة فإنه نشأ بسجستان وادعى رضاع الجن وأنه صار إليهم ووضع كتابا ذكر ~~فيه أمر الجن وحكمتهم وأنسابهم وأشعارهم وزعم أنه بايعهم للأمين بن هارون ~~الرشيد ولي العهد فقربه الرشيد وابنه الأمين وزبيدة أم الأمين وبلغ معهم ms1400 ~~وأفاد منهم وله أشعار حسان وضعها على الجن والشياطين والسعالي وقال له ~~الرشيد إن كنت رأيت ما ذكرت لقد رأيت عجبا وإن كنت ما رأيته لقد وضعت أدبا ~~وأخباره كلها غريبة عجيبة والله أعلم بالصواب 726 ابن طرارا الجريري القاضي ~~أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حماد بن داود المعروف بابن ~~طرارا الجريري النهرواني كان فقيها أديبا شاعرا عالما بكل فن ولي القضاء ~~ببغداد بباب الطاق نيابة عن ابن صبر القاضي وروى عن جماعة من الأئمة منهم ~~أبو القاسم البغوي وأبو بكر بن أبي داود ويحيى بن PageV05P221 # صاعد وأبو سعيد العدوي وأبو حامد محمد بن هارون ~~الحضرمي وغيرهم وأخذ الأدب عن أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة ~~المعروف بنفطويه وغيره وروى عنه جماعة من الأئمة أيضا منهم أبو القاسم ~~الأزهري والقاضي أبو الطيب الطبري الفقيه الشافعي وأحمد بن علي التوزي ~~وأحمد بن عمر بن روح وذكر أحمد بن عمر بن روح أن أبا الفرج المذكور حضر في ~~دار لبعض الرؤساء وكان هناك جماعة من أهل العلم والأدب فقالوا له في أي نوع ~~من العلوم نتذاكر فقال أبو الفرج لذلك الرئيس خزانتك قد جمعت أنواع العلوم ~~وأصناف الأدب فإن رأيت أن تبعث الغلام إليها تأمره أن يفتح بابها ويضرب ~~بيده إلى أي كتاب رأى منها فيحمله ثم يفتحه وينظر في أي العلوم هو فنتذاكره ~~ونتجارى فيه قال ابن روح وهذا يدل على أن أبا الفرج كان له أنسة بسائر ~~العلوم وكان أبو محمد عبد الباقي يقول إذا حضر القاضي أبو الفرج فقد حضرت ~~العلوم كلها وقال لو أوصى رجل بثلث ماله لأعلم الناس لوجب أن يدفع إلى أبي ~~الفرج المعافى وكان ثقة مأمونا في روايته وله شعر حسن فمن ذلك ما رواه عنه ~~القاضي أبو الطيب الطبري الفقيه الشافعي وهو (ألا قل لمن كان لي حاسدا * ~~أتدري على من أسأت الأدب) (أسأت على الله في فعله * لأنك لم ترض لي ما وهب) ~~(فجازاك عنه بأن ms1401 زادني * وسد عليك وجوه الطلب) وذكره الشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي في كتاب طبقات الفقهاء وأثنى عليه ثم قال وأنشدني قاضي بلدنا أبو ~~علي الداودي قال أنشدني أبو الفرج لنفسه (أأقتبس الضياء من الضباب * وألتمس ~~الشراب من السراب) PageV05P222 # (أريد من الزمان النذل بذلا * وأريا من جنى سلع وصاب) ~~(أرجي أن ألاقي لاشتياقي * خيار الناس في زمن الكلاب) ومن شعره أيضا (مالك ~~العالمين ضامن رزقي * فلماذا أملك الخلق رقي) (قد قضى لي بما علي وما لي * ~~خالقي جل ذكره قبل خلقي) (صاحبي البذل والندى في يساري * ورفيقي في عسرتي ~~حسن رفق) (وكما لا يرد عجزي رزقي * فكذا لا يجر رزقي حذقي) وذكر أنه عملها ~~في معنى قول علي بن الجهم (لعمرك ما كل التعطل ضائر * ولا كل شغل فيه للمرء ~~منفعه) (إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى * عليك سواء فاغتنم راحة الدعه) ~~ومن غريب ما اتفق له ما حكاه أبو عبد الله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين ~~المقدم ذكره قال قرأت بخط أبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني حججت سنة ~~وكنت بمنى أيام التشريق فسمعت مناديا ينادي يا أبا الفرج فقلت لعله يريدني ~~ثم قلت في الناس خلق كثير ممن يكنى أبا الفرج ولعله ينادي غيري فلم أجبه ~~فلما رأى أنه لا يجيبه أحد نادى يا أبا الفرج المعافى فهممت أن أجيبه ثم ~~قلت قد يتفق أن يكون آخر اسمه المعافى ويكنى أبا الفرج فلم أجبه فرجع فنادى ~~يا أبا الفرج المعافى بن زكريا النهرواني فقلت لم يبق شك في مناداته إياي ~~إذ ذكر اسمي وكنيتي واسم أبي وبلدي الذي أنسب إليه فقلت ها أنا ذا فما تريد ~~قال لعلك من نهروان الشرق فقلت نعم فقال نحن نريد نهروان الغرب فعجبت من ~~اتفاق الاسم والكنية واسم الأب وما أنتسب PageV05P223 # إليه وعلمت أن بالمغرب موضعا يسمى النهروان غير ~~النهروان الذي بالعراق ولأبي الفرج المذكور عدة تصانيف ممتعة في الأدب ~~وغيره وكتاب الجليس الأنيس تصنيفه أيضا وكانت ولادته يوم الخميس لسبع خلون ~~من شهر ms1402 رجب سنة ثلاث وقيل خمس وثلاثمائة وتوفي يوم الاثنين الثامن عشر من ~~ذي الحجة سنة تسعين وثلاثمائة بالنهروان رحمه الله تعالى وطرارا بفتح الطاء ~~المهملة والراء وبعد الألف راء ثانية مفتوحة ثم ألف مقصورة وبعضهم يكتبه ~~بالهاء بدلا من الألف فيقول طرارة والله أعلم والجريري بفتح الجيم وكسر ~~الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء هذه النسبة إلى الإمام محمد ~~بن جرير الطبري المقدم ذكره وإنما نسب إليه لأنه كان على مذهبه مقلدا له ~~وقد تقدم في ترجمته أنه كان مجتهدا صاحب مذهب مستقل وكان له أتباع وأخذ ~~بمذهبه جماعة منهم أبو الفرج المذكور وقد سبق الكلام على النهرواني فأغنى ~~عن الإعادة والله تعالى أعلم 727 المعز العبيدي أبو تميم معد الملقب المعز ~~لدين الله بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله قد تقدم ذكر والده ~~وجده جد أبيه وطرف من أخبارهم وكان PageV05P224 # المعز المذكور قد بويع بولاية العهد في حياة أبيه ~~المنصور إسماعيل ثم جددت له البيعة بعد وفاته في التاريخ المذكور في ترجمته ~~ودبر الأمور وساسها وأجراها على أحسن أحكامها إلى يوم الأحد سابع ذي الحجة ~~سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة فجلس يومئذ على سرير ملكه ودخل عليه الخاصة ~~وكثير من العامة وسلموا عليه بالخلافة وتسمى بالمعز ولم يظهر على أبيه حزنا ~~ثم خرج إلى بلاد إفريقية يطوف فيها ليمهد قواعدها ويقرر أسبابها فانقاد له ~~العصاة من أهل تلك البلاد ودخلوا في طاعته وعقد لغلمانه وأتباعه على ~~الأعمال واستندب لكل ناحية من يعلم كفايته وشهامته وضم إلى كل واحد منهم ~~جمعا كبيرا من الجند وأرباب السلاح ثم جهز أبا الحسن جوهرا القائد المذكور ~~في حرف الجيم ومعه جيش كثيف ليفتح ما استعصى عليه من بلاد المغرب فسار إلى ~~فاس ثم منها إلى سجلماسة ففتحها ثم توجه إلى البحر المحيط وصاد من سمكه ~~وجعله في قلال الماء وأرسله إلى المعز ثم رجع إلى المعز ومعه صاحب سجلماسة ~~وصاحب فاس أسيرين في قفصي حديد والشرح في ذلك يطول وخلاصة ms1403 الأمر أنه ما رجع ~~القائد جوهر إلى مولاه المعز إلا وقد وطد له البلاد وحكم على أهل الزيغ ~~والعناد من باب إفريقية إلى البحر المحيط في جهة الغرب وفي جهة الشرق من ~~باب إفريقية إلى أعمال مصر ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته ~~وخطب له في جمعته وجماعته إلا مدينة سبتة فإنها بقيت لبني أمية أصحاب ~~الأندلس ولما وصل الخبر إلى المعز المذكور بموت كافور الإخشيدي صاحب مصر ~~حسبما شرحناه في ترجمته من هذا الكتاب تقدم المعز إلى القائد جوهر المذكور ~~PageV05P225 # ليتجهز للخروج إلى مصر فخرج أولا إلى جهة المغرب ~~لإصلاح أموره وكان معه جيش عظيم وجمع قبائل العرب الذين يتوجه بهم إلى مصر ~~وجبى القطائع التي كانت على البربر فكانت خمسمائة ألف دينار وخرج المعز ~~بنفسه في الشتاء إلى المهدية فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير وعاد ~~إلى قصره ولما عاد جوهر بالرجال والأموال وكان قدومه على المعز يوم الأحد ~~لثلاث بقين من المحرم سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة أمره المعز بالخروج إلى ~~مصر فخرج ومعه أنواع القبائل وقد ذكرت في ترجمة جوهر تاريخ خروجه وتاريخ ~~وصوله إلى مصر فأغنى عن الإعادة مفصلا ها هنا وأنفق المعز في العسكر المسير ~~صحبته أموالا كثيرة حتى أعطى من ألف دينار إلى عشرين دينارا وغمر الناس ~~بالعطاء وتصرفوا في القيروان وصبرة في شراء جميع حوائجهم ورحلوا ومعه ألف ~~حمل من المال والسلاح ومن الخيل والعدد ما لا يوصف وكان بمصر في تلك السنة ~~غلاء عظيم ووباء حتى مات في مصر وأعمالها في تلك المدة ستمائة ألف إنسان ~~على ما قيل ولما كان منتصف شهر رمضان المعظم سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ~~وصلت البشارة إلى المعز بفتح الديار المصرية ودخول عساكره إليها ثم وصلته ~~النجب بعد ذلك تخبر بصورة الفتح وكانت كتب جوهر ترد إلى المعز باستدعائه ~~إلى مصر وتحثه كل وقت على ذلك ثم سير إليه يخبره بانتظام الحال بمصر والشام ~~والحجاز وإقامة الدعوة له بهذه المواضع فسر المعز ms1404 بذلك سرورا عظيما ولما ~~تقررت قواعده بالديار المصرية استخلف على إفريقية بلكين بن زيري بن مناد ~~الصنهاجي المذكور في حرف الباء وخرج المعز متوجها بأموال جليلة المقدار ~~ورجال عظيمة الأخطار وكان خروجه من المنصورية دار ملكه يوم PageV05P226 # ذاك يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين ~~وثلاثمائة وانتقل إلى سردانية وأقام بها ليجتمع رجاله وأتباعه ومن يستصحبه ~~معه وفي هذه المنزلة عقد العهد لبلكين في التاريخ المذكور في ترجمته ورحل ~~عنها يوم الخميس خامس صفر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ولم يزل في طريقه ~~يقيم بعض الأوقات في بعض البلاد أياما ويجد السير في بعضها وكان اجتيازه ~~على برقة ودخل الإسكندرية يوم السبت لست بقين من شعبان من السنة المذكورة ~~وركب فيها ودخل الحمام وقدم عليه بها قاضي مصر وهو أبو طاهر محمد ابن أحمد ~~وأعيان أهل البلاد وسلموا عليه وجلس لهم عند المنارة وخاطبهم بخطاب طويل ~~يخبرهم فيه أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه ولا لمال وإنما أراد إقامة ~~الحق والحج والجهاد وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة ويعمل بما أمر به جده ~~صلى الله عليه وسلم ووعظهم وأطال حتى بكى بعض الحاضرين وخلع على القاضي ~~وبعض الجماعة وحملهم وودعوه وانصرفوا ثم رحل منها في أواخر شعبان ونزل يوم ~~السبت ثاني شهر رمضان المعظم على ميناء ساحل مصر بالجيزة فخرج إليه القائد ~~جوهر وترجل عند لقائه وقبل الأرض بين يديه وبالجيزة أيضا اجتمع به الوزير ~~أبو الفضل جعفر بن الفرات المذكور في حرف الجيم وأقام المعز هناك ثلاثة ~~أيام وأخذ العسكر في التعدية بأثقالهم إلى ساحل مصر ولما كان يوم الثلاثاء ~~لخمس خلون من شهر رمضان المعظم من السنة عبر المعز النيل ودخل القاهرة ولم ~~يدخل مصر وكانت قد زينت له وظنوا أنه يدخلها وأهل القاهرة لم يستعدوا ~~للقائه لأنهم بنوا الأمر على دخوله مصر أولا ولما دخل القاهرة ودخل القصر ~~ودخل مجلسا منه خر ساجدا لله تعالى ثم صلى ركعتين وانصرف الناس عنه وهذا ~~المعز هو الذي ms1405 تنسب إليه القاهرة فيقال القاهرة المعزية لأنه الذي بناها ~~القائد جوهر له PageV05P227 # وفي يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ~~أربع وستين عزل المعز القائد جوهرا عن دواوين مصر وجباية أموالها والنظر في ~~سائر أمورها وقد ذكرنا في ترجمة الشريف عبد الله بن طباطبا ما دار بينه ~~وبين المعز من السؤال عن نسبه وما أجابه به وما اعتمده بعد الدخول إلى ~~القصر وكان المعز عاقلا حازما سريا أديبا حسن النظر في النجامة وينسب إليه ~~من الشعر قوله (لله ما صنعت بنا * تلك المحاجر في المعاجر) (أمضى وأقضى في ~~النفوس * من الخناجر في الحناجر) (ولقد تعبت ببينكم * تعب المهاجر في ~~الهواجر) وينسب إليه أيضا (أطلع الحسن من جبينك شمسا * فوق ورد في وجنتيك ~~أطلا) (وكأن الجمال خاف على الورد * جفافا فمد بالشعر ظلا) وهو معنى غريب ~~بديع وقد مضى ذكر ولده تميم وشئ من شعره وسيأتي ذكر ولده العزيز نزار في ~~حرف النون إن شاء الله تعالى وكانت ولادته بالمهدية يوم الاثنين حادي عشر ~~شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة وتوفي يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ربيع ~~الآخر وقيل الثالث عشر وقيل لسبع خلون منه سنة خمس وستين وثلاثمائة ~~بالقاهرة رحمه الله تعالى ومعد بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الدال ~~المهملة والله تعالى أعلم PageV05P228 # 728 المستنصر العبيدي أبو تميم معد الملقب المستنصر ~~بالله بن الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم بن العزيز بن المعز لدين الله ~~المذكور قبله وقد تقدم بقية النسب بويع بالأمر بعد موت والده الظاهر وذلك ~~يوم الأحد النصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة وجرى على أيامه ما لم ~~يجر على أيام أحد من أهل بيته ممن تقدمه ولا تأخره منها قضية أبي الحارث ~~أرسلان البساسيري المقدم ذكره في حرف الهمزة فإنه لما عظم أمره وكبر شأنه ~~ببغداد قطع خطبة الإمام القائم وخطب للمستنصر المذكور وذلك في سنة خمسين ~~وأربعمائة ودعا له على منابرها مدة سنة ومنها أنه ثار في أيامه علي بن محمد ms1406 ~~الصليحي المقدم ذكره وملك بلاد اليمن كما شرحنا ودعا للمستنصر على منابرها ~~بعد الخطبة وهو مشهور فلا حاجة إلى الإطالة في شرحه ومنها أنه أقام في ~~الأمر ستين سنة وهذا أمر لم يبلغه أحد من أهل بيته ولا من بني العباس ومنها ~~أنه ولي الأمر وهو ابن سبع سنين ومنها أن دعوتهم لم تزل قائمة بالمغرب منذ ~~قام جدهم المهدي المقدم ذكره إلى أيام المعز المذكور قبله ولما توجه المعز ~~إلى مصر واستخلف بلكين بن زيري حسبما شرحناه كانت الخطبة في تلك النواحي ~~جارية على عادتها لهذا البيت إلى أن قطعها المعز بن باديس الآتي ذكره إن ~~شاء الله تعالى في أيام PageV05P229 # المستنصر المذكور وذلك في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ~~وقال في تاريخ القيروان إن ذلك كان في سنة خمس وثلاثين والله تعالى أعلم ~~بالصواب وفي سنة تسع قطع اسمه واسم آبائه من الحرمين الشريفين وذكر اسم ~~المقتدي خليفة بغداد والشرح في ذلك يطول ومنها أنه حدث في أيامه الغلاء ~~العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف عليه السلام وأقام سبع سنين وأكل ~~الناس بعضهم بعضا حتى قيل إنه بيع رغيف واحد بخمسين دينارا وكان المستنصر ~~في هذه الشدة يركب وحده وكل من معه من الخواص مترجلون ليس لهم دواب ~~يركبونها وكانوا إذا مشوا تساقطوا في الطرقات من الجوع وكان المستنصر ~~يستعير من ابن هبة صاحب ديوان الإنشاء بغلته ليركبها صاحب مظلته وآخر الأمر ~~توجهت أم المستنصر وبناته إلى بغداد من فرط الجوع وذلك في سنة اثنتين وستين ~~وأربعمائة وتفرق أهل مصر في البلاد وتشتتوا ولم يزل هذا الأمر على شدته حتى ~~تحرك بدر الجمالي والد الأفضل أمير الجيوش من عكا وركب البحر حسبما شرحناه ~~في ترجمة ولده الأفضل شاهنشاه وجاء إلى مصر وتولى تدبير الأمور فانصلحت ~~وشرح ذلك يطول وكانت ولادة المستنصر صبيحة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة ~~بقيت من جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة وتوفي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ~~ليلة بقيت من ذي الحجة سنة سبع وثمانين ms1407 وأربعمائة رحمه الله تعالى قلت وهذه ~~الليلة هي ليلة عيد الغدير أعني ليلة الثامن عشر من ذي الحجة وهو غدير خم ~~بضم الخاء وتشديد الميم ورأيت جماعة كثيرة يسألون عن هذه الليلة متى كانت ~~من ذي الحجة وهذا المكان بين مكة والمدينة وفيه غدير ماء ويقال إنه غيضة ~~هناك ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من PageV05P230 # مكة شرفها الله تعالى عام حجة الوداع ووصل إلى هذا ~~المكان وآخى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال علي مني كهارون من موسى ~~اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وللشيعة به ~~تعلق كبير وقال الحازمي هو واد بين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير عنده ~~خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة وشدة الحر ~~وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته وسيأتي ذكر الباقين كل واحد في موضعه إن ~~شاء الله تعالى والله أعلم بالصواب 729 معروف الكرخي أبو محفوظ معروف بن ~~فيروز وقيل الفيروزان وقيل علي الكرخي الصالح المشهور وهو من موالي علي بن ~~موسى الرضا وقد تقدم ذكره وكان أبواه نصرانيين فأسلماه إلى مؤدبهم وهو صبي ~~فكان المؤدب يقول له قل ثالث ثلاثة فيقول معروف بل هو الواحد فضربه المعلم ~~على ذلك ضربا مبرحا فهرب منه وكان أبواه يقولان ليته يرجع إلينا على أي دين ~~شاء فنوافقه عليه ثم إنه أسلم على يد علي بن موسى الرضا ورجع إلى أبويه ~~PageV05P231 # فدق الباب فقيل له من بالباب فقال معروف فقيل له على ~~أي دين فقال على الإسلام فأسلم أبواه وكان مشهورا بإجابة الدعوة وأهل بغداد ~~يستسقون بقبره ويقولون قبر معروف ترياق مجرب وكان سري السقطي المقدم ذكره ~~تلميذه وقال له يوما إذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى فأقسم عليه بي وقال ~~سري السقطي رأيت معروفا الكرخي في النوم كأنه تحت العرش والباري جلت قدرته ~~يقول لملائكته من هذا وهم يقولون أنت أعلم يا ربنا منا فقال هذا معروف ms1408 ~~الكرخي سكر من حبي فلا يفيق إلا بلقائي وقال معروف قال لي بعض أصحاب داود ~~الطائي إياك أن تترك العمل فإن ذلك الذي يقربك إلى رضا مولاك فقلت وما ذلك ~~العمل قال دوام الطاعة لمولاك وحرمة المسلمين والنصيحة لهم وقال محمد بن ~~الحسين سمعت أبي يقول رأيت معروفا الكرخي في النوم بعد موته فقلت له ما فعل ~~الله بك فقال غفر لي فقلت بزهدك وورعك فقال لا بل بقبول موعظة ابن السماك ~~ولزومي الفقر ومحبتي للفقراء وكانت موعظة ابن السماك ما رواه معروف قال كنت ~~مارا بالكوفة فوقفت على رجل يقال له ابن السماك وهو يعظ الناس فقال في خلال ~~كلامه من أعرض عن الله بكليته أعرض عنه الله جملة ومن أقبل على الله تعالى ~~بقلبه أقبل الله تعالى برحمته عليه وأقبل بوجوه الخلق إليه ومن كان مرة ~~ومرة فالله تعالى يرحمه وقتا ما فوقع كلامه في قلبي وأقبلت على الله تعالى ~~وتركت جميع ما كنت عليه إلا خدمة مولاي علي بن موسى الرضا وذكرت هذا الكلام ~~لمولاي فقال يكفيك هذا موعظة إن اتعظت وقد تقدم ذكر ابن السماك في المحمدين ~~وقيل لمعروف في مرض موته أوص فقال إذا مت فتصدقوا بقميصي فإني أريد أن أخرج ~~من الدنيا عريانا كما دخلتها عريانا ومر معروف بسقاء وهو PageV05P232 # يقول رحم الله من يشرب فتقدم وشرب وكان صائما فقيل له ~~ألم تك صائما قال بلى ولكن رجوت دعاءه وأخبار معروف ومحاسنه أكثر من أن تعد ~~وتوفي سنة مائتين وقيل إحدى ومائتين وقيل أربع ومائتين ببغداد وقبره مشهور ~~بها يزار رحمه الله تعالى والكرخي بفتح الكاف وسكون الراء وبعدها خاء معجمة ~~هذه النسبة إلى الكرخ وهو اسم تسع مواضع ذكرها ياقوت الحموي في كتابه ~~وأشهرها كرخ بغداد والصحيح أن معروفا الكرخي منه وقيل إنه من كرخ جدان بضم ~~الجيم وتشديد الدال المهملة وبعد الألف نون وهي بليدة بالعراق تفصل بين ~~ولاية خانقين وشهرزور والله تعالى أعلم بالصواب 730 المعز بن باديس ~~الصنهاجي المعز بن ms1409 باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد الحميري ~~الصنهاجي صاحب إفريقية وما والاها من بلاد المغرب وقد سبق تمام نسبه عند ~~ذكر ولده الأمير تميم وكان الحاكم صاحب مصر قد لقبه شرف الدولة وسير له ~~تشريفا وسجلا يتضمن اللقب المذكور وذلك في ذي الحجة سنة سبع وأربعمائة وكان ~~ملكا جليلا عالي الهمة محبا لأهل العلم كثير العطاء وكان واسطة عقد بيته ~~وقد تقدم ذكر أبيه وجده وجد أبيه ومدحه الشعراء وانتجعه الأدباء وكانت ~~حضرته محط بني الآمال وكان مذهب أبي حنيفة رضي الله PageV05P233 # عنه بإفريقية أظهر المذاهب فحمل المعز المذكور جميع ~~أهل المغرب على التمسك بمذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه وحسم مادة ~~الخلاف في المذاهب واستمر الحال في ذلك إلى الآن وقد تقدم في خبر المستنصر ~~بالله العبيدي أن المعز المذكور قطع خطبته وخلع طاعته فلما فعل ذلك خطب ~~للإمام القائم بأمر الله خليفة بغداد فكتب إليه المستنصر يتهدده ويقول له ~~هلا اقتفيت آثار آبائك في الطاعة والولاء في كلام طويل فأجابه المعز إن ~~آبائي وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن تملكه أسلافك ولهم عليهم من الخدم ~~أعظم من التقديم ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم واستمر على قطع الخطبة ولم ~~يخطب بعد ذلك بإفريقية لأحد من المصريين إلى اليوم وأخبار المعز كثيرة ~~وسيرته مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة وله شعر قليل لم أقف منه على شيء وكان ~~المعز يوما جالسا في مجلسه وعنده جماعة من الأدباء وبين يديه أترجة ذات ~~أصابع فأمرهم المعز أن يعملوا فيها شيئا فعمل أبو علي الحسن بن رشيق ~~القيرواني الشاعر المقدم ذكره (أترجة سبطة الأطراف ناعمة * تلقى العيون ~~بحسن غير منحوس) (كأنما بسطت كفا لخالقها * تدعو بطول بقاء لابن باديس) ~~فاستحسن ذلك منه وفضله على من حضر من الجماعة الأدباء وكانت ولادته ~~بالمنصورية ويقال لها صبرة من أعمال إفريقية يوم الخميس لخمس مضين من جمادى ~~الأولى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وملك بعد أبيه باديس في التاريخ المذكور ~~في ترجمته وبويع بالمحمدية ms1410 من أعمال إفريقية أيضا يوم السبت لثلاث مضين من ~~ذي الحجة سنة ست وأربعمائة وتوفي رابع شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة ~~بالقيروان من مرض أصابه وهو ضعف الكبد ولم تطل مدة أحد من أهل بيته في ~~الولاية كمدته ورثاه أبو علي الحسن بن PageV05P234 # رشيق المقدم ذكره بأبيات على روي الكاف أضربت عن ذكرها ~~خوف الإطالة وهذا المعز لا يعرف له اسم سوى المعز مع أني كشفت عنه كشفا ~~تاما من الكتب وأفواه العلماء وأهل المغرب فلم يذكر أحد سوى المعز ولا تعرف ~~كنيته أيضا والظاهر أن هذا اسمه فإن أهل بيته لم يكن فيهم من تلقب حتى يقال ~~هذا لقب فأثبته على قدر ما وجدته والله تعالى أعلم بالصواب 731 أبو عبيدة ~~معمر بن المثنى أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء تيم قريش البصري ~~النحوي العلامة قال الجاحظ في حقه لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم ~~بجميع العلوم منه وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف كان الغريب أغلب عليه ~~وأخبار العرب وأيامها وكان مع معرفته ربما لم يقم البيت إذا أنشده حتى ~~يكسره وكان يخطئ إذا قرأ القرآن الكريم نظرا وكان يبغض العرب وألف في ~~مثالبها كتبا وكان يرى رأي الخوارج وقال غيره إن هارون الرشيد أقدمه من ~~البصرة إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائة وقرأ عليه بها أشياء من كتبه ~~وأسند الحديث إلى هشام بن عروة وغيره وروى عنه علي بن المغيرة الأثرم وأبو ~~عبيد القاسم بن سلام المقدم PageV05P235 # ذكره وأبو عثمان المازني وأبو حاتم السجستاني وعمر بن ~~شبة النميري وغيرهم وقد تقدم ذكر هؤلاء جميعهم وقال أبو عبيدة أرسل إلي ~~الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه فقدمت عليه وكنت أخبر عن تجبره ~~فأذن لي فدخلت عليه وهو في مجلس طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره ~~فرش عالية لا يرتقى عليها إلا بكرسي وهو جالس على الفرش فسلمت عليه ~~بالوزارة فرد وضحك إلي واستدناني حتى جلست معه على فرشه ثم سألني ms1411 وبسطني ~~وتلطف بي وقال أنشدني فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية فقال لي قد عرفت ~~أكثر هذه وأريد من ملح الشعر فأنشدته فطرب وضحك وزاد نشاطا ثم دخل رجل في ~~زي الكتاب وله هيئة حسنة فأجلسه إلى جانبي وقال له أتعرف هذا قال لا فقال ~~هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل ~~وقرظه لفعله هذا ثم التفت إلي وقال لي كنت إليك مشتاقا وقد سئلت عن مسألة ~~أفتأذن لي أن أعرفك إياها قلت هات فقال قال الله تعالى * (طلعها كأنه رؤوس ~~الشياطين) * (الصافات 65) وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله وهذا ~~لم يعرف قال فقلت إنما كلم الله العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امريء ~~القيس (أيقتلني والمشرفي مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال) وهم لم يروا ~~الغول قط ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به فاستحسن الفضل ذلك ~~واستحسنه السائل وأزمعت منذ ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا ~~وأشباهه ولما يحتاج إليه من علمه ولما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي ~~سميته المجاز وسألت عن الرجل فقيل لي هو من كتاب الوزير وجلسائه وقال أبو ~~عثمان المازني سمعت أبا عبيدة يقول أدخلت على هارون الرشيد PageV05P236 # فقال لي يا معمر بلغني أن عندك كتابا حسنا في صفة ~~الخيل أحب أن أسمعه منك فقال الأصمعي وما تصنع بالكتب يحضر فرس ونضع أيدينا ~~على عضو عضو منه ونسميه ونذكر ما فيه فقال الرشيد يا غلام فرس فأحضر فرس ~~فقام الأصمعي فجعل يضع يده على عضو عضو منه ويقول هذا كذا قال فيه الشاعر ~~كذا حتى انقضى قوله فقال لي الرشيد ما تقول فيما قال فقلت أصاب في بعض ~~وأخطأ في بعض والذي أصاب فيه مني تعلمه والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى ~~به وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه كتاب المجاز فقال يتكلم في كتاب ~~الله تعالى برأيه فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو فركب حماره ms1412 في ذلك ~~اليوم ومر بحلقته فتزل عن حماره وسلم عليه وجلس عنده وحادثه ثم قال له أبا ~~سعيد ما تقول في الخبز أي شيء هو فقال هو الذي تخبزه وتأكله فقال أبو عبيدة ~~فقد فسرت كتاب الله تعالى برأيك فإن الله تعالى قال * (وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا) * (يوسف 26) فقال الأصمعي هذا شيء بان لي فقلته ~~ولم أفسره برأيي فقال أبو عبيدة والذي تعيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه ~~ولم نفسره برأينا وقام فركب حماره وانصرف وزعم الباهلي صاحب كتاب المعاني ~~أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر وإذا ~~أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر لأن الأصمعي كان حسن الإنشاد ~~والزخرفة لرديء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبح وإن الفائدة عنده مع ~~ذلك قليلة وإن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمة ولم ~~يكن أبو عبيدة يفسر الشعر وقال المبرد كان أبو زيد الأنصاري أعلم من ~~الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو وكانا بعده يتقاربان وكان أبو عبيدة أكمل القوم ~~وكان علي بن المديني يحسن ذكر أبي عبيدة ويصحح روايته وقال كان لا يحكي عن ~~العرب إلا الشيء PageV05P237 # الصحيح وحمل أبو عبيدة والأصمعي إلى هارون الرشيد ~~للمجالسة فاختار الأصمعي لأنه كان أصلح للمنادمة وكان أبو نواس يتعلم من ~~أبي عبيدة ويصفه ويشنأ الأصمعي ويهجره فقيل له ما تقول في الأصمعي فقال ~~بلبل في قفص قيل له فما تقول في خلف الأحمر فقال جمع علوم الناس وفهمها قيل ~~فما تقول في أبي عبيدة فقال ذاك أديم طوي على علم وقال إسحاق بن إبراهيم ~~النديم الموصلي يخاطب الفضل بن الربيع يمدح أبا عبيدة ويذم الأصمعي (عليك ~~أبا عبيدة فاصطنعه * فإن العلم عند أبي عبيدة) (وقدمه وآثره عليه * ودع عنه ~~القريد بن القريده) وكان أبو عبيدة إذا أنشد بيتا لا يقيم وزنه وإذا تحدث ~~أو قرأ لحن اعتمادا منه لذلك ويقول النحو محدود ولم يزل يصنف حتى مات ms1413 ~~وتصانيفه تقارب مائتي تصنيف فمنها كتاب مجاز القرآن الكريم وكتاب غريب ~~القرآن وكتاب معاني القرآن وكتاب غريب الحديث وكتاب الديباج وكتاب التاج ~~وكتاب الحدود وكتاب خراسان وكتاب خوارج البحرين واليمامة وكتاب الموالي ~~وكتاب البله وكتاب الضيفان وكتاب مرج راهط وكتاب المنافرات وكتاب القبائل ~~وكتاب خبر البراض وكتاب القرائن وكتاب البازي وكتاب الحمام وكتاب الحيات ~~وكتاب العقارب وكتاب النواكح وكتاب PageV05P238 # النواشز وكتاب حضر الخيل وكتاب الأعيان وكتاب بيان ~~باهلة وكتاب أيادي الأزد وكتاب الخيل وكتاب الإبل وكتاب الإنسان وكتاب ~~الزرع وكتاب الرحل وكتاب الدلو وكتاب البكرة وكتاب السرج وكتاب اللجام ~~وكتاب الفرس وكتاب السيف وكتاب الشوارد وكتاب الاحتلام وكتاب مقاتل الفرسان ~~وكتاب مقاتل الأشراف وكتاب الشعر والشعراء وكتاب فعل وأفعل وكتاب المثالب ~~وكتاب خلق الإنسان وكتاب الفرق وكتاب الخف وكتاب مكة والحرم وكتاب الجمل ~~وصفين وكتاب بيوتات الغرب وكتاب اللغات وكتاب الغارات وكتاب المعاتبات ~~وكتاب الملاومات وكتاب الأضداد وكتاب مآثر العرب وكتاب مآثر غطفان وكتاب ~~أدعية العرب وكتاب مقتل عثمان رضي الله عنه وكتاب أسماء الخيل وكتاب العققة ~~وكتاب قضاة البصرة وكتاب فتوح الأهواز وكتاب فتوح أرمينية وكتاب لصوص العرب ~~وكتاب أخبار الحجاج وكتاب قصة الكعبة وكتاب الحمس من قريش وكتاب فضائل ~~الفرس وكتاب ما تلحن فيه العامة وكتاب السواد وفتحه وكتاب من شكر من العمال ~~وحمد وكتاب الجمع والتثنية وكتاب المجلة الأولى والثانية وكتاب البيضة ~~وكتاب الأوس والخزرج وكتاب محمد وإبراهيم ابني عبد الله ابن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين وكتاب الأيام الصغير خمسة وسبعون ~~يوما وكتاب الأيام الكبير ألف ومائتا يوم وكتاب أيام بني مازن وأخبارهم ~~وغير ذلك من الكتب النافعة ولولا خوف الإطالة لذكرت جميعها PageV05P239 # ولما جمع كتاب المثالب قال له رجل مطعون النسب بلغني ~~أنك عبت العرب جميعها فقال وما يضرك أنت من ذلك بريء يعني أنه ليس منهم ~~وقال أبو عبيدة لما قدمت على الفضل بن الربيع قال لي من أشعر الناس فقلت ~~الراعي قال وكيف فضلته على غيره ms1414 فقلت لأنه ورد على سعيد ابن عبد الرحمن ~~الأموي فوصله في يومه الذي لقيه فيه وصرفه فقال يصف حاله معه (وأنضاء تحن ~~إلى سعيد * طروقا ثم عجلن ابتكارا) (حمدن مناخه وأصبن منه * عطاء لم يكن ~~عدة ضمارا) فقال الفضل ما أحسن ما اقتضيتنا يا أبا عبيدة ثم غدا إلى هارون ~~الرشيد فأخرج لي صلة وأمر لي بشيء من ماله وصرفني وكان أبو عبيدة من موالي ~~بني عبيد الله بن معمر التيمي وقال له بعض الأجلاء تقع في الناس فمن أبوك ~~فقال أخبرني أبي عن أبيه أنه كان يهوديا من أهل باجروان فمضى الرجل وتركه ~~وكان أبو عبيدة جباها لم يكن بالبصرة أحد إلا وهو يداجيه ويتقيه على عرضه ~~وخرج إلى بلاد فارس قاصدا موسى بن عبد الرحمن الهلالي فلما قدم عليه قال ~~لغلمانه احترزوا من أبي عبيدة فإن كلامه كله دق ثم حضر الطعام فصب بعض ~~الغلمان على ذيله مرقة فقال له موسى قد أصاب ثوبك مرق وأنا أعطيك عوضه عشر ~~ثياب فقال أبو عبيدة لا عليك فإن مرقكم لا يؤذي أي ما فيه دهن ففطن لها ~~موسى وسكت وكان الأصمعي إذا أراد دخول المسجد قال انظروا لا يكون فيه ذاك ~~يعني أبا عبيدة خوفا من لسانه فلما مات لم يحضر جنازته أحد لأنه لم يكن ~~يسلم من لسانه شريف ولا غيره وكان وسخا ألثغ مدخول النسب مدخول الدين يميل ~~إلى مذهب الخوارج PageV05P240 # قال أبو حاتم السجستاني كان أبو عبيدة يكرمني على أنني ~~من خوارج سجستان وقال الثوري دخلت المسجد على أبي عبيدة وهو ينكت الأرض ~~جالسا وحده فقال لي من القائل (أقول لها وقد جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو ~~تستريحي) فقلت له قطري بن الفجاءة فقال فض الله فاك هلا قلت هو لأمير ~~المؤمنين أبي نعامة ثم قال لي اجلس واكتم علي ما سمعت مني قال فما ذكرته ~~حتى مات قلت أنا وهذه الحكاية فيها نظر لأن البيت من جملة أبيات لعمرو ابن ~~الإطنابة الخزرجي الأنصاري والإطنابة أمه واسم ms1415 أبيه زيد مناة لا يكاد يخالف ~~فيه أحد من أهل الأدب فإنها أبيات مشهورة للشاعر المذكور وذكر المبرد في ~~كتاب الكامل أن معاوية بن أبي سفيان الأموي قال اجعلوا الشعر أكبر همكم ~~وأكثر آدابكم فإن فيه مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم فلقد رأيتني يوم الهرير ~~وقد عزمت على الفرار فما ردني إلا قول ابن الإطنابة الأنصاري (أبت لي عفتي ~~وأبى بلائي * وأخذي الحمد بالثمن الربيح) (وإجشامي على المكروه نفسي * ~~وضربي هامة البطل المشيح) (وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو ~~تستريحي) (لأدفع عن مآثر صالحات * وأحمي بعد عن عرض صريح) رجعنا إلى حديث ~~أبي عبيدة وكان لا يقبل شهادته أحد من الحكام لأنه كان يتهم بالميل إلى ~~الغلمان قال الأصمعي دخلت أنا وأبو عبيدة يوما المسجد فإذا على الأسطوانة ~~التي PageV05P241 # يجلس إليها أبو عبيدة مكتوب على نحو من سبعة أذرع (صلى ~~الإله على لوط وشيعته * أبا عبيدة قل بالله آمينا) فقال لي يا أصمعي امح ~~هذا فركبت على ظهره ومحوته بعد أن أثقلته إلى أن قال أثقلتني وقطعت ظهري ~~فقلت له قد بقيت الطاء فقال هي شر حروف هذا البيت وقيل إنه لما ركب ظهره ~~وأثقله قال له عجل فقال قد بقي لوط فقال من هذا نفر وكان الذي كتب البيت ~~أبو نواس الحسن بن هانئ المقدم ذكره وقيل إنه وجدت رقاع في مجلس أبي عبيدة ~~هذا البيت فيها وبعده (فأنت عندي بلا شك بقيتهم * منذ احتلمت وقد جاوزت ~~سبعينا) وقال الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في باب الأسماء والكنى ~~والألقاب سأل رجل أبا عبيدة عن اسم رجل فما عرفه فقال كيسان أنا أعرف الناس ~~به هو خداش أو خراش أو رياش أو شيء آخر فقال أبو عبيدة ما أحسن ما عرفته ~~فقال إي والله وهو قرشي أيضا قال فما يدريك قال أما ترى كيف احتوشته ~~الشينات من كل جانب وأخبار أبي عبيدة كثيرة وكانت ولادته في رجب سنة عشر ~~ومائة في الليلة التي توفي فيها الحسن البصري رضي الله عنه ms1416 وقد تقدم ذكره ~~وقيل في سنة إحدى عشرة ومائة وقيل أربع عشرة وقيل ثمان وقيل تسع والأول أصح ~~والذي يدل عليه أن الأمير جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس بن ~~عبد المطلب رضي الله عنه سأله عن مولده فقال قد سبقني إلى الجواب عن مثل ~~هذا عمر بن أبي ربيعة المخزومي وقد قيل له متى ولدت فقال في الليلة التي ~~مات فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأي خير رفع وأي شر وضع وإني ولدت في ~~الليلة التي مات فيها الحسن البصري وجوابي PageV05P242 # جواب عمر بن أبي ربيعة وقد تقدم في ترجمة ابن أبي ~~ربيعة هذا الجواب منسوبا إلى الحسن البصري رضي الله عنه فلينظر هناك وتوفي ~~سنة تسع ومائتين بالبصرة وقيل سنة إحدى عشرة وقيل سنة عشر وقيل سنة ثلاث ~~عشرة ومائتين رحمه الله تعالى وكان سبب موته أن محمد بن القاسم بن سهل ~~النوشجاني أطعمه موزا فمات منه ثم أتاه أبو العتاهية فقدم إليه موزا فقال ~~له ما هذا يا أبا جعفر قتلت أبا عبيدة بالموز وتريد أن تقتلني به لقد ~~استحليت قتل العلماء وأبو عبيدة بضم العين المهملة وإثبات الهاء في آخره ~~بخلاف القاسم بن سلام المقدم ذكره فإنه أبو عبيد بغير هاء ومعمر بفتح ~~الميمين بينهما عين مهملة وفي آخره الراء والمثنى بضم الميم وفتح الثاء ~~المثلثة وتشديد النون المفتوحة وفي آخره ياء مثناة من تحتها وباجروان التي ~~والده منها بفتح الباء الموحدة وبعد الألف جيم مفتوحة ثم راء ساكنة وبعدها ~~واو مفتوحة وبعد الألف نون وهو اسم لقرية من بلاد البليخ من أعمال الرقة ~~واسم لمدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها فيما قيل عين الحياة التي ~~وجدها الخضر عليه السلام وغالب ظني أن أبا عبيدة من هذه المدينة وقيل إن ~~باجروان اسم للقرية التي استطعم أهلها موسى والخضر عليهما السلام ~~والنوشجاني بضم النون وسكون الواو والشين المعجمة وفتح الجيم وبعد الألف ~~نون هذه النسبة إلى نوشجان وهي بلدة من ms1417 بلاد فارس والله تعالى أعلم بالصواب ~~PageV05P243 # 732 معن بن زائدة أبو الوليد معن بن زائدة بن عبد الله ~~بن زائدة بن مطر بن شريك بن الصلب بضم الصاد المهملة وسكون اللام وآخره ~~الباء الموحدة واسمه عمرو بن قيس بن شراحيل بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان ~~الشيباني وبقية النسب معروف وقال ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب هو معن بن ~~زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ~~ذهل ابن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن ~~هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان كان ~~جوادا شجاعا جزل العطاء كثير المعرف ممدحا مقصودا حكى الأصمعي قال وفد ~~أعرابي على معن بن زائدة فمدحه وطال مقامه على بابه ولم يحصل له جائزة فعزم ~~على الرحيل فخرج معن راكبا فقام إليه وأمسك بزمام دابته وقال (وما في يديك ~~الخير يا معن كله * وفي الناس معروف وعنك مذاهب) (ستدري بنات العم ما قد ~~أتيته * إذا فتشت عند الإياب الحقائب) فأمر معن بإحضار خمس نوق من كرام ~~إبله وأوقرهم له ميرة وبرا PageV05P244 # وثيابا وقال انصرف يا ابن أخي في حفظ الله إلى بنات ~~عمك فلئن فتشن الحقائب ليجدن فيها ما يسرهن فقال له صدقت وبيت الله وقد سبق ~~في ترجمة مروان بن أبي حفصة الشاعر طرف من أخباره وكان مروان خصيصا به ~~وأكثر مدائحه فيه وكان معن في أيام بني أمية متنقلا في الولايات ومنقطعا ~~إلى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين فلما انتقلت الدولة إلى ~~بني العباس وجرى بين أبي جعفر المنصور وبين يزيد بن عمر المذكور من محاصرته ~~بمدينة واسط ما هو مشهور وسيأتي في ترجمة يزيد المذكور طرف من هذه الواقعة ~~إن شاء الله تعالى أبلى يومئذ معن مع يزيد بلاء حسنا فلما قتل يزيد خاف معن ~~من ms1418 المنصور فاستتر عنه مدة وجرى له مدة استتاره غرائب فمن ذلك ما حكاه ~~مروان بن أبي حفصة الشاعر المذكور قال أخبرني معن بن زائدة وهو يومئذ متولي ~~بلاد اليمن أن المنصور جد في طلبي وجعل لمن يحملني إليه مالا قال فاضطررت ~~لشدة الطلب إلى أن تعرضت للشمس حتى لوحت وجهي وخففت عارضي ولبست جبة صوف ~~وركبت جملا وخرجت متوجها إلى البادية لأقيم بها قال فلما خرجت من باب حرب ~~وهو أحد أبواب بغداد تبعني أسود متقلد بسيف حتى إذا غبت عن الحرس قبض على ~~خطام الجمل فأناخه وقبض على يدي فقلت له ما بك فقال أنت طلبة أمير المؤمنين ~~فقلت ومن أنا حتى أطلب فقال أنت معن ابن زائدة فقلت له يا هذا اتق الله عز ~~وجل وأين أنا من معن فقال دع هذا فوالله إني لأعرف بك منك فلما رأيت منه ~~الجد قلت له هذا جوهر قد حملته معي بأضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي ~~فخذه ولا تكن سببا في سفك دمي قال هاته فأخرجته إليه فنظر فيه ساعة وقال ~~صدقت في قيمته ولست قابله حتى أسألك عن شيء فإن صدقتني أطلقتك PageV05P245 # فقلت قل قال إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت ~~مالك كله قط قلت لا قال فنصفه قلت لا قال فثلثه قلت لا حتى بلغ العشر ~~فاستحييت وقلت أظن أني قد فعلت هذا قال ما ذاك بعظيم أنا والله راجل ورزقي ~~من أبي جعفر المنصور كل شهر عشرون درهما وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير وقد ~~وهبته لك ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس ولتعلم أن في هذه الدنيا ~~من هو أجود منك فلا تعجبك نفسك ولتحقر بعد هذا كل جود فعلته ولا تتوقف عن ~~مكرمة ثم رمى العقد في حجري وترك خطام الجمل وولى منصرفا فقلت يا هذا قد ~~والله فضحتني ولسفك دمي أهون علي مما فعلت فخذ ما دفعته لك فإني غني عنه ~~فضحك وقال أردت أن تكذبني في مقالي هذا والله لا أخذته ms1419 ولا آخذ لمعروف ثمنا ~~أبدا ومضى لسبيله فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن يجيء به ما شاء ~~فما عرفت له خبرا وكأن الأرض ابتلعته ولم يزل معن مستترا حتى كان يوم ~~الهاشمية وهو يوم مشهور ثار فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور فوثبوا ~~عليه وجرت مقتلة بينهم وبين أصحاب المنصور بالهاشمية وهي مدينة بناها ~~السفاح بالقرب من الكوفة ذكر غرس النعمة بن الصابي في كتاب الهفوات ما ~~مثاله لما فرغ السفاح من بناء مدينته بالأنبار وذلك في ذي القعدة سنة أربع ~~وثلاثين ومائة وكان معن متواريا بالقرب منهم فخرج متنكرا معتما ملثما وتقدم ~~إلى القوم وقاتل قدام المنصور قتالا أبان فيه عن نجدة وشهامة وفرقهم فلما ~~أفرج عن المنصور PageV05P246 # قال له من أنت ويحك فكشف لثامه فقال أنا طلبتك يا أمير ~~المؤمنين معن بن زائدة فأمنه المنصور وأكرمه وكساه وزينه وصار من خواصه ثم ~~دخل عليه بعد ذلك في بعض الأيام فلما نظر إليه قال هيه يا معن تعطي مروان ~~بن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله (معن بن زائدة الذي زيدت به * شرفا على ~~شرف بنو شيبان) فقال كلا يا أمير المؤمنين إنما أعطيته على قوله في هذه ~~القصيدة (ما زلت يوم الهاشمية معلنا * بالسيف دون خليفة الرحمن) (فمنعت ~~حوزته وكنت وقاءه * من وقع كل مهند وسنان) فقال أحسنت يا معن وقال له يوما ~~يا معن ما أكثر وقوع الناس في قومك فقال يا أمير المؤمنين (إن العرانين ~~تلقاها محسدة * ولا ترى للئام الناس حسادا) ودخل عليه يوما وقد أسن فقال له ~~كبرت يا معن فقال في طاعتك يا أمير المؤمنين فقال وإنك لجلد فقال على ~~أعدائك يا أمير المؤمنين فقال وفيك بقية فقال هي لك يا أمير المؤمنين وعرض ~~هذا الكلام على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة فقال ويح هذا ما ترك ~~لربه شيئا وأشهر قصائد مروان فيه وأحسنها القصيدة اللامية التي ذكرت بعضها ~~في ترجمة مروان وهي طويلة تزيد على خمسين ms1420 بيتا ولولا خوف الإطالة لذكرتها ~~وله فيه من قصيدة (قد آمن الله من خوف ومن عدم * من كان معن له جارا من ~~الزمن) (معن بن زائدة الموفي بذمته * والمشتري المجد بالغالي من الثمن) ~~(يرى العطايا التي تبقى محامدها * غنما إذا عدها المعطي من الغبن) ~~PageV05P247 # (بنى لشيبان مجدا لا زوال له * حتى تزول ذرى الأركان ~~من حضن) حضن بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة وبعدها نون اسم جبل عظيم ~~بين نجد وتهامة بينه وبين تهامة مرحلة يقال في المثل أنجد من رأى حضنا وله ~~ذكر كثير في الأشعار والأخبار ودخل على معن بعض الفصحاء يوما فقال له إني ~~لو أردت أن استشفع إليك ببعض من يثقل عليك لوجدت ذلك سهلا ولكني استشفعت ~~إليك بقدرك واستغنيت بفضلك فإن رأيت أن تضعني من كرمك بحيث وضعت نفسي من ~~رجائك فافعل وإني لم أكرم نفسي عن مسألتك فأكرم وجهي عن ردك ولمعن أشعار ~~جيدة وأكثرها في الشجاعة وقد ذكره أبو عبد الله ابن المنجم في كتاب البارع ~~وأورد له عدة مقاطيع فمن ذلك قوله في خطاب ابن أخي عبد الجبار بن عبد ~~الرحمن وقد رآه يتبختر بين السماطين وكان قبل ذلك لقي الخوارج ففر منهم ~~(هلا مشيت كذا غداة لقيتهم * وصبرت عند الموت يا خطاب) (نجاك خوار العنان ~~كأنه * تحت العجاج إذا استحث عقاب) (وتركت صحبك والرماح تنوشهم * وكذاك من ~~قعدت به الأحساب) وقال أبو عثمان المازني النحوي حدثني صاحب شرطة معن قال ~~بينما أنا على رأس معن إذا هو براكب يوضع فقال معن ما أحسب الرجل يريد غيري ~~ثم قال لحاجبه لا تحجبه قال فجاء حتى مثل بين يديه وأنشد (أصلحك الله قل ما ~~بيدي * فما أطيق العيال إذ كثروا) (ألح دهر رمى بكلكله * فأرسلوني إليك ~~وانتظروا) قال فقال معن وأخذته الأريحية لا جرم والله لأعجلن أوبتك ثم قال ~~PageV05P248 # يا غلام ناقتي الفلانية وألف دينار فادفعها إليه ~~فدفعها إليه وهو لا يعرفه هكذا روى هذا الخطيب في تاريخه وأخبار معن ~~ومحاسنه كثيرة وكان قد ms1421 ولي سجستان في أواخر أمره وانتقل إليها وله فيها ~~آثار وماجرايات وقصده الشعراء بها فلما كانت سنة إحدى وخمسين وقيل اثنتين ~~وخمسين وقيل ثمان وخمسين ومائة كان في داره صناع يعملون له شغلا فاندس ~~بينهم قوم من الخوارج فقتلوه بسجستان وهو يحتجم ثم تتبعهم ابن أخيه يزيد بن ~~مزيد بن زائدة الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فقتلهم بأسرهم وكان قتله ~~بمدينة بست ولما قتل معن رثاه الشعراء بأحسن المراثي فمن ذلك قول مروان بن ~~أبي حفصة شاعره المذكور وهي قصيدة من أفخر الشعر وأحسنه وأولها (مضى لسبيله ~~معن وأبقى * مكارم لن تبيد ولن تنالا) (كأن الشمس يوم أصيب معن * من ~~الإظلام ملبسة جلالا) (هو الجبل الذي كانت نزار * تهد من العدو به الجبالا) ~~(وعطلت الثغور لفقد معن * وقد يروي بها الأسل النهالا) (وأظلمت العراق ~~وأورثتها * مصيبته المجللة اختلالا) (وظل الشام يرجف جانباه * لركن العز ~~حين وهى فمالا) (وكادت من تهامة كل أرض * ومن نجد تزول غداة زالا) (فإن يعل ~~البلاد له خشوع * فقد كانت تطول به اختيالا) (أصاب الموت يوم أصاب معنا * ~~من الأحياء أكرمهم فعالا) (وكان الناس كلهم لمعن * إلى أن زار جفرته عيالا) ~~PageV05P249 # (ولم يك طالب للعرف ينوي * إلى غير ابن زائدة ارتحالا) ~~(مضى من كان يحمل كل ثقل * ويسبق فيض نائله السؤالا) (وما عمد الوفود لمثل ~~معن * ولا حطوا بساحته الرحالا) (ولا بلغت أكف ذوي العطايا * يمينا من يديه ~~ولا شمالا) (وما كانت تجف له حياض * من المعروف مترعة سجالا) (لأبيض لا يعد ~~المال حتى * يعم به بغاة الخير مالا) (فليت الشامتين به فدوه * وليت العمر ~~مد له فطالا) (ولم يك كنزه ذهبا ولكن * سيوف الهند والحلق المذالا) (ومارنة ~~من الخطي سمرا * ترى فيهن لينا واعتدالا) (وذخرا من محامد باقيات * وفضل ~~تقى به التفضيل نالا) ومنها (مضى لسبيله من كنت ترجو * به عثرات دهرك أن ~~تقالا) (فلست بمالك عبرات عين * أبت بدموعها إلا انهمالا) (وفي الأحشاء منك ~~غليل حزن * كحر النار تشتعل اشتعالا) (وقائلة رأت جسمي ms1422 ولوني * معا عن ~~عهدها قلبا فحالا) (أرى مروان عاد كذي نحول * من الهندي قد فقد الصقالا) ~~(رأت رجلا براه الحزن حتى * أضر به وأورثه خبالا) (فقلت لها الذي أنكرت مني ~~* لفجع مصيبة أنكى وعالا) (وأيام المنون لها صروف * تقلب بالفتى حالا ~~فحالا) ومنها PageV05P250 # (كأن الليل واصل بعد معن * ليالي قد قرن به فطالا) ~~(فلهف أبي عليك إذا العطايا * جعلن منى كواذب واعتلالا) (ولهف أبي عليك إذا ~~اليتامى * غدوا شعثا كأن بهم سلالا) (ولهف أبي عليك إذا القوافي * لممتدح ~~بها ذهبت ضلالا) (ولهف أبي عليك لكل هيجا * لها تلقي حواملها السخالا) ~~(أقمنا باليمامة إذ يئسنا * مقاما لا نريد له زيالا) (وقلنا أين نرحل بعد ~~معن * وقد ذهب النوال فلا نوالا) (وما شهد الوقائع منك أمضى * وأكرم مقدما ~~وأشد بالا) (سيذكرك الخليفة غير قال * إذا هو في الأمور بلا الرجالا) (ولا ~~ينسى وقائعك اللواتي * على أعدائه جعلت وبالا) (ومعتركا شهدت به حفاظا * ~~وقد كرهت فوارسه النزالا) (حباك أخو أمية بالمراثي * مع المدح الذي قد كان ~~قالا) (أقام وكان نحوك كل عام * يطيل بواسط الرحل اعتقالا) (وألقى رحله ~~أسفا وآلى * يمينا لا يشد له حبالا) وهذه المرثية من أحسن المراثي وقال عبد ~~الله بن المعتز في كتاب طبقات الشعراء دخل مروان بن أبي حفصة على جعفر ~~البرمكي فقال له ويحك أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة فقال بل أنشدك مديحي ~~فيك فقال جعفر أنشدني مرثيتك في معن فأنشأ يقول (وكان الناس كلهم لمعن * ~~إلى أن زار حفرته عيالا) حتى فرغ من القصيدة وجعل جعفر يرسل دموعه على خديه ~~فلما فرغ قال له جعفر هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله شيئا قال ~~PageV05P251 # لا قال جعفر فلو كان معن حيا ثم سمعها منك كم كان ~~يثيبك عليها قال أصلح الله الوزير أربعمائة دينار قال جعفر فانا نظن أنه ~~كان لا يرضى لك بذلك قد أمرنا لك عن معن رحمه الله تعالى بالضعف مما ظننت ~~وزدناك نحن مثل ذلك فاقبض من الخازن ألفا ms1423 وستمائة دينار قبل أن تنصرف إلى ~~رحلك فقال مروان يذكر جعفرا وما سمح به عن معن (نفحت مكافئا عن قبر معن * ~~لنا مما تجود به سجالا) (فعجلت العطية يا ابن يحيى * لنادبه ولم ترد ~~المطالا) (فكافأ عن صدى معن جواد * بأجود راحة بذل النوالا) (بنى لك خالد ~~وأبوك يحيى * بناء في المكارم لن ينالا) (كأن البرمكي بكل مال * تجود به ~~يداه يفيد مالا) ثم قبض المال وانصرف وحكى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ~~الأغاني عن محمد البيذق النديم أنه دخل على هارون الرشيد فقال له أنشدني ~~مرثية مروان بن أبي حفصة في معن ابن زائدة فأنشده بعض هذه القصيدة فبكى ~~الرشيد قال وكان بين يديه سكرجة فملأها من دموعه ويقال إن مروان بعد هذه ~~القصيدة المرثية لم ينتفع بشعره فإنه كان إذا مدح خليفة أو من دونه قال له ~~أنت قلت في مرثيتك (وقلنا أين نرحل بعد معن * وقد ذهب النوال فلا نوالا) ~~فلا يعطيه الممدوح شيئا ولا يسمع قصيدته حدث الفضل بن الربيع قال رأيت ~~مروان بن أبي حفصة وقد دخل على المهدي بعد موت معن بن زائدة في جماعة من ~~الشعراء فيهم سلم الخاسر وغيره فأنشده مديحا فقال له من أنت فقال شاعرك ~~مروان بن أبي حفصة PageV05P252 # فقال له المهدي ألست القائل (وقلنا أين نرحل بعد معن ~~*) وأنشده البيت المذكور وقد جئت تطلب نوالنا وقد ذهب النوال لا شيء لك ~~عندنا جروا برجله قال فجروا برجله حتى أخرجوه فلما كان في العام المقبل ~~تلطف حتى دخل مع الشعراء وإنما كانت الشعراء تدخل على الخلفاء في ذلك الحين ~~في كل عام مرة قال فمثل بين يديه وأنشده قصيدته التي أولها (طرقتك زائرة ~~فحي خيالها * بيضاء تخلط بالحياء دلالها) (قادت فؤادك فاستقاد ومثلها * قاد ~~القلوب إلى الصبا فأمالها) فأنصت له حتى بلغ إلى قوله (هل تطمسون من السماء ~~نجومها * بأكفكم أو تسترون هلالها) وقد تقدم ذكر بعضها في ترجمة مروان قال ~~فأنصت له المهدي ولم يزل يزحف كلما سمع شيئا ms1424 فشيئا منها حتى صار على البساط ~~إعجابا بما سمع ثم قال له كم بيت هي فقال مائة بيت فأمر له بمائة ألف درهم ~~وهذا يخالف ما ذكرناه في ترجمته لكنه يختلف باختلاف الروايات ويقال إنها ~~أول مائة ألف أعطيها شاعر في خلافة بني العباس قال الفضل بن الربيع فلم ~~تلبث الأيام أن أفضت الخلافة إلى هارون الرشيد ولقد رأيت مروان ماثلا مع ~~الشعراء بين يديه وقد أنشده شعرا فقال له من أنت فقال شاعرك مروان بن أبي ~~حفصة فقال له ألست القائل في معن كذا وأنشده البيت ثم قال خذوا بيده ~~فأخرجوه فإنه لا شيء له عندنا ثم تلطف حتى دخل عليه بعد ذلك فأنشده فأحسن ~~جائزته PageV05P253 # ومن المراثي التادرة أيضا أبيات الحسين بن مطير بن ~~الأشيم الأسدي في معن ابن زائدة أيضا وهي من أبيات الحماسة (ألما على معن ~~وقولا لقبره * سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا) (فيا قبر معن كيف واريت جوده * ~~وقد كان منه البر والبحر مترعا) (ويا قبر معن أنت أول حفرة * من الأرض خطت ~~للمكارم مضجعا) (بلى قد وسعت الجود والجود ميت * ولو كان حيا ضقت حتى ~~تصدعا) (فتى عيش في معروفه بعد موته * كما كان بعد السيل مجراه مرتعا) ~~(ولما مضى معن مضى الجود وانقضى * وأصبح عرنين المكارم أجدعا) وقد سبق لمعن ~~في ترجمة الصاحب بن عباد نادرة مستظرفة فلا حاجة إلى إعادتها هنا ولولا خوف ~~الإطالة لأتيت من محاسنه بكل نادرة بديعة 258 والحوفزان بن شريك الشيباني ~~الموصوف بالكرم والشجاعة أخو جده مطر بن شريك وإنما قيل له الحوفزان لأن ~~قيس بن عاصم المنقري حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته ومعنى حفزه أي دفعة من ~~خلفه واسم الحوفزان الحارث بن شريك وقيل إن الذي حفزه بسطام بن قيس ~~الشيباني والأول أصح والله تعالى أعلم بالصواب PageV05P254 # 733 مقاتل صاحب التفسير أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن ~~بشير الأزدي بالولاء الخراساني المروزي أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل ~~بغداد وحدث بها وكان مشهورا بتفسير كتاب ms1425 الله العزيز وله التفسير المشهور ~~وأخذ الحديث عن مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح المقدم ذكره وأبي إسحاق ~~السبيعي وقد تقدم ذكره أيضا والضحاك بن مزاحم ومحمد ابن مسلم الزهري وغيرهم ~~وروى عنه بقية بن الوليد الحمصي وعبد الرزاق بن همام الصنعاني المقدم ذكره ~~وحرمي بن عمارة وعلي بن الجعد وغيرهم وكان من العلماء الأجلاء حكي عن ~~الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال الناس كلهم عيال على ثلاثة على مقاتل ~~بن سليمان في التفسير وعلى زهير ابن أبي سلمى في الشعر وعلى أبي حنيفة في ~~الكلام وروي أن أبا جعفر المنصور كان جالسا فسقط عليه الذباب فطيره فعاد ~~إليه وألح عليه وجعل يقع على وجهه وأكثر من السقوط عليه مرارا حتى أضجره ~~فقال المنصور انظروا من بالباب فقيل له مقاتل بن سليمان فقال علي به فأذن ~~له فلما دخل عليه قال له هل تعلم لماذا خلق الله تعالى الذباب قال نعم ليذل ~~الله عز وجل به الجبابرة فسكت المنصور وقال إبراهيم الحربي قعد مقاتل بن ~~سليمان فقال سلوني عما دون العرش فقال له رجل آدم صلى الله عليه وسلم حين ~~حج من حلق رأسه فقال له ليس هذا من علمكم ولكن الله تعالى أراد أن يبتليني ~~لما أعجبتني نفسي وقال PageV05P255 # سفيان بن عيينة قال مقاتل بن سليمان يوما سلوني عما ~~دون العرش فقال له إنسان يا أبا الحسن أرأيت الذرة والنملة معاها في مقدمها ~~أو في مؤخرها قال فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له قال سفيان فظننت أنها ~~عقوبة عوقب بها وقد اختلف العلماء في أمره فمنهم من وثقه في الرواية ومنهم ~~من نسبه إلى الكذب قال بقية بن الوليد كنت كثيرا أسمع شعبة بن الحجاج وهو ~~يسأل عن مقاتل فما سمعته قط ذكره إلا بخير وسئل عبد الله بن المبارك عنه ~~فقال رحمه الله لقد ذكر لنا عنه عبادة وروي عن عبد الله بن المبارك أيضا ~~أنه ترك حديثه وسئل إبراهيم الحربي عن مقاتل هل سمع ms1426 من الضحاك ابن مزاحم ~~شيئا فقال لا مات الضحاك قبل أن يولد مقاتل بأربع سنين وقال مقاتل أغلق علي ~~وعلى الضحاك باب أربع سنين قال إبراهيم وأراد بقوله باب يعني باب المدينة ~~وذلك في المقابر وقال إبراهيم أيضا ولم يسمع مقاتل عن مجاهد شيئا ولم يلقه ~~وقال أحمد بن سيار مقاتل بن سليمان كان من أهل بلخ وتحول إلى مرو وخرج إلى ~~العراق وهو متهم متروك الحديث مهجور القول وكان يتكلم في الصفات بما لا تحل ~~الرواية عنه وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني مقاتل بن سليمان كان دجالا ~~جسورا وقال أبو عبد الرحمن النسائي الكذابون المعروفون بوضع الحديث على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة ابن أبي يحيى بالمدينة والواقدي ببغداد ~~ومقاتل بن سليمان بخراسان ومحمد بن سعيد ويعرف بالمصلوب بالشام وذكر وكيع ~~يوما مقاتل بن سليمان فقال كان كذابا وقال أبو بكر الآجري سألت أبا داود ~~سليمان بن الأشعث عن مقاتل بن سليمان فقال تركوا حديثه وقال عمرو بن علي ~~الفلاس مقاتل بن سليمان كذاب متروك الحديث وقال البخاري مقاتل بن سليمان ~~سكتوا عنه وقال في موضع آخر لا شيء البتة وقال يحيى بن معين مقاتل بن ~~سليمان ليس حديثه بشيء وقال أحمد بن حنبل مقاتل بن سليمان صاحب التفسير ما ~~يعجبني أن أروي عنه PageV05P256 # شيئا وقال أبو حاتم الرازي هو متروك الحديث وقال زكريا ~~بن يحيى الساجي مقاتل بن سليمان من أهل خراسان قالوا كان كذابا متروك ~~الحديث وقال أبو حاتم محمد بن حبان البستي مقاتل بن سليمان كان يأخذ عن ~~اليهود والنصارى علم القرآن العزيز الذي يوافق كتبهم وكان مشبها يشبه الرب ~~بالخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث وبالجملة فإن الكلام في حقه كثير وقد ~~خرجنا عن المقصود لكن أردت ذكر اختلاف أقاويل العلماء في شأنه وتوفي سنة ~~خمسين ومائة بالبصرة رحمه الله تعالى وقد تقدم الكلام على الأزدي والمروزي ~~فأغنى عن الإعادة 734 شبل الدولة أبو الهيجاء مقاتل بن عطية بن مقاتل ~~البكري الحجازي ms1427 الملقب شبل الدولة كان من أولاد أمراء العرب فوقع بينه وبين ~~إخوته وحشة أوجبت رحيله عنهم ففارقهم ووصل إلى بغداد ثم خرج إلى خراسان ~~وانتهى إلى غزنة وعاد إلى خراسان واختص بالوزير نظام الملك وصاهره ولما قتل ~~نظام الملك رثاه أبو الهيجاء المذكور ببيتين تقدم ذكرهما في ترجمته ثم عاد ~~إلى بغداد وأقام بها مدة وعزم على قصد كرمان مسترفدا وزيرها ناصر الدين ~~مكرم بن العلاء وكان من الأجواد المشاهير فكتب إلى الإمام المستظهر بالله ~~قصة يلتمس فيها الإنعام عليه بكتاب إلى الوزير المذكور مضمونه الإحسان إليه ~~فوقع المستظهر على رأس قصته يا أبا الهيجاء أبعدت النجعة أسرع الله بك ~~الرجعة وفي ابن العلاء مقنع وطريقه في الخير PageV05P257 # مهيع وما يسديه إليك تستحلي ثمرة شكره وتستعذب مياه ~~بره والسلام فاكتفى أبو الهيجاء بهذه الأسطر واستغنى عن الكتاب وتوجه إلى ~~كرمان فلما وصلها قصد حضرة الوزير واستأذن في الدخول فأذن له فدخل عليه ~~وعرض على رأيه القصة فلما رآها قام وخرج عن دسته إجلالا لها وتعظيما ~~لكاتبها وأطلق لأبي الهيجاء ألف دينار في ساعته ثم عاد إلى دسته فعرفه أبو ~~الهيجاء أن معه قصيدة يمدحه بها فاستنشده إياها فأنشده (دع العيس تذرع عرض ~~الفلا * إلى ابن العلاء وإلا فلا) فلما سمع الوزير هذا البيت أطلق له ألف ~~دينار أخرى ولما أكمل إنشاده القصيدة أطلق له ألف دينار أخرى وخلع عليه ~~وقاد إليه جوادا بمركبه وقال له دعاء أمير المؤمنين مسموع مرفوع وقد دعا لك ~~بسرعة الرجوع وجهزه بجميع ما يحتاج إليه فرجع إلى بغداد وأقام بها قليلا ثم ~~سافر إلى ما وراء النهر وعاد إلى خراسان ونزل إلى مدينة هراة وهوي بها ~~امرأة وأكثر من التشبيب فيها ثم رحل إلى مرو واستوطنها ومرض في آخر عمره ~~وتسودن وحمل إلى البيمارستان وتوفي به في حدود سنة خمس وخمسمائة رحمه الله ~~تعالى وكان من جملة الأدباء الظرفاء وله النظم البديع الرائق وبينه وبين ~~العلامة أبي القاسم الزمخشري المقدم ذكره مكاتبات ومداعبات وكتب إليه ms1428 قبل ~~الاجتماع به (هذا أديب كامل * مثل الدراري درره) (زمخشري فاضل * أنجبه ~~زمخشره) (كالبحر إن لم أره * فقد أتاني خبره) فكتب إليه الزمخشري (شعره ~~أمطر شعري شرفا * فاعتلى منه ثياب الحسد) PageV05P258 # (كيف لا يستأسد النبت إذا * بات مسقيا بنوء الأسد) وله ~~كل مقطوع لطيف رحمه الله تعالى والوزير المذكور هو الذي تقدم ذكره في ترجمة ~~أبي إسحاق إبراهيم الغزي الشاعر المشهور فإنه قصده بكرمان وامتدحه بقصيدة ~~بائية طنانة ذكرت منها في ترجمة الغزي بيتين هما من الشعر العجيب وضمنهما ~~المعنى الغريب وأول هذه القصيدة (ورود ركايا الدمع يكفي الركائبا * وشم ~~تراب الربع يشفي الترائبا) (إذا شمت من برق العقيق عقيقه * فلا تنتجع دون ~~الجفون السحائبا) ومنها عند الخروج إلى المديح (وعيس لها برهان عيسى بن ~~مريم * إذا قتل الفج العميق المطالبا) (يرقصهن الآل إما طوافيا * تراهن في ~~آذيه أو رواسبا) (سوانح كالبنيان تحسب أنني * مسحت المطايا إذ مسحت ~~السباسبا) (تنسمن من كرمان عرفا عرفنه * فهن يلاعبن النشاط لواغبا) (يرين ~~وراء الخافقين من المنى * مشارق لم يؤبه لها ومغاربا) (إلى ماجد لم يقبل ~~المجد وارثا * ولكن سعى حتى حوى المجد كاسبا) (تبسم ثغر الدهر منه بصاحب * ~~إذا جد لم يصحب سوى العزم صاحبا) ومنها (تصيخ له الأسماع ما دام قائلا * ~~وتعنو له الأبصار ما دام كاتبا) (ولم أر ليثا خادرا قبل مكرم * ينافس في ~~العليا ويعطي الرغائبا) (ولو لم يكن ليثا مع الجود لم يكن * إذا صال ~~بالأقلام صارت مخالبا) PageV05P259 # ومنها (إذا زان قوما بالمناقب واصف * ذكرنا له فضلا ~~يزين المناقبا) (له الشيم الشم التي لو تجسمت * لكانت لوجه الدهر عينا ~~وحاجبا) (ثنى نحو شمطاء الوزارة طرفه * فصارت بأدنى لحظة منه كاعبا) (تناول ~~أولاها وما مد ساعدا * وأحرز أخراها وما قام واثبا) وهي من غرر القصائد وفي ~~هذا الأنموذج منها دلالة على الباقي 735 المقلد العقيلي أبو حسان المقلد بن ~~المسيب بن رافع بن المقلد بن جعفر بن عمرو بن المهنا عبد الرحمن بن بريد ~~بالتصغير ابن عبد الله بن زيد ms1429 بن قيس بن جوثة بن طهفة بن حزن بن عقيل بن ~~كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العقيلي الملقب ~~حسام الدولة صاحب الموصل كان أخوه أبو الدواد محمد بن المسيب أول من تغلب ~~على الموصل وملكها من أهل هذا البيت وذلك في سنة ثمانين وثلاثمائة وتزوج ~~بهاء الدولة أبو نصر ابن عضد الدولة بن بويه الديلمي ابنته فلما مات أبو ~~الدواد في سنة سبع وثمانين قام أخوه المقلد المذكور بالملك من بعده وكان ~~أعور وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن ذلك في سنة ست وثمانين وأن أبا ~~الدواد لما توفي طمع PageV05P260 # المقلد في الملك فلم يساعده بنو عقيل وقدموا أخاه عليا ~~لكبر سنه ثم توصل بالخديعة حتى ملك وأطال القول في ذلك فاختصرته وهذا حاصله ~~وقال غير ابن الأثير إنه كان فيه عقل وسياسة وحسن تدبير فغلب على سقي ~~الفرات واتسعت مملكته ولقبه الإمام القادر بالله وكناه وأنفذ إليه باللواء ~~والخلع فلبسها بالأنبار واستخدم من الديلم والأتراك ثلاثة آلاف رجل وأطاعته ~~خفاجة وكان فيه فضل ومحبة لأهل الأدب وينظم الشعر حكى أبو الهيجاء ابن ~~عمران بن شاهين قال كنت أساير معتمد الدولة أبا المنيع قرواش بن المقلد ~~المذكور ما بين سنجار ونصيبين فنزلنا ثم استدعاني بعد الزوال وقد نزل بقصر ~~هناك يعرف بقصر العباس بن عمرو الغنوي وكان مطلا على بساتين ومياه كثيرة ~~فدخلت عليه فوجدته قائما يتأمل كتابة على الحائط فقرأتها فإذا هي (يا قصر ~~عباس بن عمرو * كيف فارقك ابن عمرك) (قد كنت تغتال الدهور * فكيف غالك ريب ~~دهرك) (واها لعزك بل لجودك * بل لمجدك بل لفخرك) وتحتها مكتوب وكتب علي بن ~~عبد الله بن حمدان بخطه في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة قلت وهذا الكاتب هو ~~سيف الدولة بن حمدان ممدوح المتنبي وقد تقدم ذكره قال الراوي وكان تحت ذلك ~~مكتوب (يا قصر ضعضعك الزمان * وحط من علياء فخرك) (ومحا محاسن أسطر * شرفت ~~بهن متون جدرك) (واها لكاتبها الكريم * وقدره ms1430 الموفي بقدرك) وتحت الأبيات ~~مكتوب وكتب الغضنفر بن الحسن بن علي بن حمدان بخطه في سنة اثنتين وستين ~~وثلاثمائة قلت وهذا الكاتب هو عدة الدولة بن ناصر الدولة الحسن بن عبد الله ~~بن حمدان ابن أخي سيف الدولة وقد سبق ذكر PageV05P261 # والده أيضا في حرف الحاء وتحت ذلك مكتوب (يا قصر ما ~~فعل الألى * ضربت قبابهم بعقرك) (أخنى الزمان عليهم * وطواهم بطويل نشرك) ~~(واها لقاصر عمر من * يختال فيك وطول عمرك) وتحته مكتوب وكتب المقلد بن ~~المسيب بن رافع بخطه في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قلت وهذا الكاتب هو ~~المقلد المذكور صاحب هذه الترجمة وتحت ذلك مكتوب (يا قصر ما صنع الكرام * ~~الساكنون قديم عصرك) (عاصرتهم فبذذتهم * وشأوتهم طرا بصبرك) (ولقد أثار ~~تفجعي * يا ابن المسيب رقم سطرك) (وعلمت أني لاحق * بك دائب في قفو أثرك) ~~وتحته مكتوب وكتب قرواش بن المقلد بن المسيب بخطه في سنة إحدى وأربعمائة ~~قال الراوي فعجبت من ذلك وقلت لقرواش الساعة كتبت هذا فقال نعم وقد هممت ~~بهدم القصر فإنه مشئوم قد دفن الجماعة فدعوت له بالسلامة وانصرفت ورحلت بعد ~~ثلاثة أيام ولم يهدم القصر 259 وهذا العباس بن عمرو الغنوي من أهل تل بني ~~سيار الذي بين الرقة ورأس عين بالقرب من حصن مسلمة بن عبد الملك بن مروان ~~الحكمي وكان يتولى اليمامة والبحرين وسيره المعتضد بالله لحرب القرامطة في ~~أول أمرهم فقاتلوه وكسروه وأسروه ثم أطلقوه فرجع إلى المعتضد ودخل بغداد ~~ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة سبع وثمانين ومائتين وقال ~~أبو عبد الله العظيمي الحلبي في تاريخه الصغير مات العباس بن عمرو الغنوي ~~في سنة خمسين وثلاثمائة ومن العجائب أنه توجه إليهم في عشرة آلاف فقتل ~~الجميع وسلم وحده وعمرو بن الليث الصفار حارب إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان ~~PageV05P262 # وهو في خمسين ألفا فأخذوه ونجا الباقون وكان بين ما ~~كتبه سيف الدولة وبين ما كتبه قرواش سبعون سنة وقد سبق نظير هذه الحكاية في ~~ترجمة عبد الملك ms1431 بن عمير وما جرى له مع عبد الملك ابن مروان فلينظر هناك ~~وبينما المقلد المذكور في مجلس أنسه وهو بالأنبار إذ وثب عليه غلام تركي ~~فقتله وذلك في صفر سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ويقال إنه مدفون على الفرات ~~بمكان يقال له شيفيا بين الأنبار وهيت وحكي أن هذا التركي سمعه وهو يقول ~~لرجل ودعه وهو يريد الحج إذا جئت ضريح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقف ~~عنده وقل له عني لولا صاحباك لزرتك ولما مات رثاه الشريف الرضي بقصيدتين ~~ورثاه جماعة من الشعراء 260 وكان ولده معتمد الدولة أبو المنيع قرواش غائبا ~~عنه ثم تقلد الأمر من بعده وكان له عمان ينازعانه في الأمر أحدهما أبو ~~الحسن ابن المسيب والآخر أبو مرح مصعب بن المسيب فتوفي أبو الحسن سنة ~~اثنتين وتسعين وتوفي أبو مرح سنة سبع وتسعين فتفرد قرواش بالملك واستراح ~~خاطره منهما وكانت له بلاد الموصل والكوفة والمدائن وسقي الفرات وخطب في ~~بلاده للحاكم صاحب مصر وسيأتي ذكره في سنة إحدى وأربعمائة ثم رجع عن ذلك ~~ووصلت الغز إلى الموصل ونهبوا دار قرواش وأخذوا منها ما يزيد على مائتي ألف ~~دينار فاستنجد بنور الدولة أبي الأغر دبيس بن صدقة المقدم ذكره فأنجده ~~واجتمعا على محاربة الغز فنصروا عليهم وقتل الكثير منهم ومدحه أبو علي ابن ~~الشبل البغدادي الشاعر المشهور بقصيدة ذكر فيها هذه الواقعة فمنها قوله ~~PageV05P263 # (نزهت أرضك عن قبور جسومهم * فغدت قبورهم بطون الأنسر) ~~(من بعد ما وطئوا البلاد وظفروا * من هذه الدنيا بكل مظفر) (فضوا رتاج السد ~~عن يأجوجه * ولقوا ببأسك سطوة الإسكندر) وكان قرواش المذكور يلقب مجد الدين ~~وهو ابن أخت الأمير أبي الهيجاء الهذباني صاحب إربل وكان أديبا شاعرا ظريفا ~~وله أشعار سائرة فمن ذلك ما أورده له أبو الحسن الباخرزي في أول كتاب دمية ~~القصر وهو قوله (لله در النائبات فإنها * صدأ اللئام وصيقل الأحرار) (ما ~~كنت إلا زبرة فطبعنني * سيفا وأطلق صرفهن غراري) وأورد له أيضا (من كان ~~يحمد أو يذم مورثا ms1432 * للمال من آبائه وجدوده) (فأنا امرؤ لله أشكر وحده * ~~شكرا كثيرا جالبا لمزيده) (لي أشقر ملء العنان مغاور * يعطيك ما يرضيك من ~~مجهوده) (ومهند عضب إذا جردته * خلت البروق تموج في تجريده) (ومثقف لدن ~~السنان كإنما * أم المنايا ركبت في عوده) (وبذا حويت المال إلا أنني * سلطت ~~جود يدي على تبديده) ما أحسن هذا الشعر وأمتنه ومن المنسوب إليه أيضا ~~(وآلفة للطيب ليست تغبه * منعمة الأطراف لينة اللمس) PageV05P264 # (إذا ما دخان الند من جيبها علا * على وجهها أبصرت ~~غيما على شمس) 261 وذكر الباخرزي المذكور في مدينة القصر أيضا لأبي جوثة ~~ابن عم الأمير قرواش المذكور (قوم إذا اقتحموا العجاج رأيتهم * شمسا وخلت ~~وجوههم أقمارا) (لا يعدلون برفدهم عن سائل * عدل الزمان عليهم أو جارا) ~~(وإذا الصريخ دعاهم لملمة * بذلوا النفوس وفارقوا الأعمارا) (وإذا زناد ~~الحرب أخمد نارها * قدحوا بأطراف الأسنة نارا) 262 ومن جملة شعراء دمية ~~القصر أيضا الطاهر الجزري وقد مدح قرواشا المذكور بقوله وهو في نهاية الحسن ~~في باب الاستطراد (وليل كوجه البرقعيدي ظلمة * وبرد أغانيه وطول قرونه) ~~(سريت ونومي فيه نوم مشرد * كعقل سليمان بن فهد ودينه) (على أولق فيه مضاء ~~كأنه * أبو جابر في طيشه وجنونه) (إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه * سنا وجه ~~قرواش وضوء جبينه) ولشرف الدين ابن عنين الشاعر المقدم ذكره على هذا ~~الأسلوب في فقيهين كانا بدمشق ينبز أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس (البغل ~~والجاموس في جدليهما * قد أصبحا عظة لكل مناظر) (برزا عشية ليلة فتباحثا * ~~هذا بقرنيه وذا بالحافر) (ما أتقنا غير الصياح كأنما * لقنا جدال المرتضى ~~بن عساكر) PageV05P265 # (لفظ طويل تحت معنى قاصر * كالعقل في عبد اللطيف ~~الناظر) (اثنان ما لهما وحقك ثالث * إلا رقاعة مدلويه الشاعر) ولقد حكى لي ~~بعض الأصحاب أنه سأل ابن عنين عن أبيات الطاهر الجزري واستحسن بناءه عليها ~~فحلف أنه ما كان سمعها والله أعلم 263 ومدلويه المذكور لقب كان ينبز به ~~الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن بدر بن الحسن بن المفرج ms1433 بن بكار ~~الشاعر المعروف بابن النابلسي وكان مقيما بدمشق ولابن عنين فيه عدة مقاطيع ~~هجو وتوفي في منتصف صفر سنة تسع عشرة وستمائة بدمشق المحروسة ودفن بباب ~~الصغير رحمه الله تعالى وذكر في كتاب الدمية أيضا للطاهر الجزري المذكور ~~أبياتا لطيفة أحببت ذكرها وهي (انظر إلى حظ ابن شبل في الهوى * إذ لا يزال ~~لكل قلب شائقا) (شغل النساء عن الرجال وطالما * شغل الرجال عن النساء ~~مراهقا) (عشقوه أمرد والتحى فعشقنه * الله أكبر ليس يعدم عاشقا) ثم وجدت في ~~كتاب الخريدة في ترجمة أبي نصر ابن النحاس الحلبي البيتين الأخيرين من هذه ~~الأبيات الثلاثة وقال أورده أبو الصلت في الحديقة له يعني لابن النحاس ~~والله أعلم رجعنا إلى حديث الأمير قرواش وكان كريما وهابا نهابا جاريا على ~~سنن العرب نقل أنه جمع بين أختين في النكاح فلامته العرب على ذلك فقال ~~خبروني ما الذي نستعمله مما PageV05P266 # تبيحه الشريعة وكان يقول ما في رقبتي غير خمسة أو ستة ~~من أهل البادية قتلتهم فأما الحاضرة فما يعبأ الله بهم ودامت إمارة قرواش ~~مدة خمسين سنة فوقع بينه وبين أخيه بركة بن المقلد وكان خارج البلد فقبض ~~بركة عليه في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وقيده وحبسه في الجراحية إحدى ~~قلاع الموصل وتولى مكانه 264 ولقب بركة بزعيم الدولة وأقام في الإمارة ~~سنتين وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين 265 فقام مقامه ابن أخيه أبو ~~المعالي قريش بن أبي الفضل بدران بن المقلد وكان بدران المذكور صاحب نصيبين ~~وتوفي في رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة فأول ما فعل قريش أنه قتل عمه ~~قرواشا المذكور في محبسه في مستهل رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة ودفن بتل ~~توبة شرقي الموصل وكان فصيحا شاعرا كريما شجاعا وقرواش بكسر القاف وسكون ~~الراء وفتح الواو وبعد الألف شين معجمة وهو فعوال من القرش وهو في اللغة ~~الكسب والجمع وبه سميت قريش أيضا لأنها كانت تعاني التجارة واجتمع قريش مع ~~أرسلان البساسيري المقدم ذكره على نهب دار الخلافة ثم ms1434 إن الإمام القائم ~~بأمر الله جرى على سجيته في الحلم وكتب إلى السلطان طغرلبك المقدم ذكره في ~~المحمدين ليرضى عنه وورد الخبر بعد ذلك بموته أعني قريش بن بدران في سنة ~~ثلاث وخمسين وأربعمائة في أوائلها بالطاعون بمدينة نصيبين وكان عمره إحدى ~~وخمسين سنة 266 وولي بعده إمارة بني عقيل ولده أبو المكارم مسلم بن قريش ~~الملقب شرف الدولة وكان قد طمع في الاستيلاء على بغداد بعد وفاة السلطان ~~طغرلبك السلجوقي المقدم ذكره ثم رجع عن ذلك واستولى على ديار ربيعة ومضر ~~وملك حلب وأخذ الأتاوة من بلاد الروم وقصد دمشق وحاصرها وكاد يأخذها ~~PageV05P267 # فبلغه أن حران عصى عليه أهلها فرحل إليهم وحاربوه ~~ففتحها وقتل خلقا كثيرا من أهلها وذلك في سنة ست وسبعين وأربعمائة واتسعت ~~له المملكة ولم يكن من أهل بيته من ملك مثله وكانت سيرته من أحسن السير ~~وأعدلها وكانت الطرقات آمنة في بلاده ومن جملة ما نقل عنه أن ابن حيوس ~~الشاعر المقدم ذكره مات عنده وخلف أكثر من عشرة آلاف دينار فحمل ذلك على ~~خزانته فرده وقال لا يتحدث عني أحد أنني أعطيت شاعرا مالا ثم شرهت فيه ~~وأخذته وأنه دخل خزانتي مال جمع من أوساخ الناس وكان يصرف الجزية في جميع ~~بلاده إلى الطالبيين ولا يأخذ منها شيئا وهو الذي عمر سور الموصل وكان ~~ابتداء عمارته يوم الأحد ثالث شوال سنة أربع وسبعين وفرغ من عمارته في ستة ~~أشهر وأخباره كثيرة وجرى بينه وبين سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب الروم ~~مصاف قتل فيه على باب أنطاكية في خامس عشر صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ~~يوم الجمعة وغمره خمس وأربعون سنة وشهور هكذا قاله محمد بن عبد الملك ~~الهمداني في كتابه الذي سماه المعارف المتأخرة وذكر أيضا ابن الصابي في ~~تاريخه أن مولد مسلم بن قريش يوم الجمعة الثالث والعشرين من رجب سنة اثنتين ~~وثلاثين وأربعمائة والله أعلم وذكر المأموني في تاريخه أنه وثب عليه خادم ~~من خواصه فخنقه في الحمام وذكر له واقعة في ms1435 ذلك وذلك في سنة أربع وسبعين ~~والله أعلم بالصواب 267 ورتب السلطان ملكشاه السلجوقي المقدم ذكره ولده أبا ~~عبد الله محمدا في الرحبة وحران وسروج وبلد الخابور وزوجه أخته زليخا بنت ~~السلطان ألب أرسلان وكان والده مسلم بن قريش اعتقل أخاه أبا سالم إبراهيم ~~ابن قريش بقلعة سنجار مدة أربع عشرة سنة فلما هلك مسلم وتقرر أمر ولده محمد ~~في الإمارة اجتمع أهله على إبراهيم المذكور فأخرجوه وقدموه عليهم ثم اعتقله ~~ملكشاه وولى ابن أخيه محمدا المذكور فلما مات ملكشاه أطلق PageV05P268 # وجمع إبراهيم العرب وحارب تاج الدولة تتش السلجوقي ~~المذكور في حرف التاء بمكان يعرف بالمصنع وقتله تاج الدولة تتش صبرا في سنة ~~ست وثمانين وأربعمائة 268 ومن أمراء بني عقيل أيضا أبو الحارث مهارش بن ~~المجلي بن عليب ابن قيان بن شعيب بن المقلد الأكبر بن جعفر بن عمرو بن ~~المهنا المذكور في أول هذه الترجمة ومهارش المذكور هو صاحب الحديثة وهو ~~الذي نزل عليه الإمام القائم في قصة البساسيري لما خرج من بغداد وبالغ في ~~إكرامه وإجلاله والإحسان إليه وأقام عنده سنة وهي واقعة مشهورة فلا حاجة ~~إلى شرحها وكان مهارش المذكور كثير الصدقة والصلوات ملازم الجمع والجماعات ~~وتوفي في صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة وعمره ثمانون سنة رحمهم الله أجمعين ~~736 مخلص الدولة ابن منقذ أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الملقب ~~مخلص الدولة والد الأمير سديد الدولة أبي الحسن علي صاحب قلعة شيزر المقدم ~~ذكره كان رجلا نبيل القدر سائز الذكر رزق السعادة في بنيه وحفدته وقد تقدم ~~في ترجمة ولده المذكور طرف من بدء أمرهم وكيف ملك القلعة المذكورة وكان ~~والده مقلد المذكور في جماعة كثيرة من أهل بيته مقيمين بالقرب من ~~PageV05P269 # قلعة شيزر عند جسر بني منقذ المنسوب إليهم وكانوا ~~يترددون إلى حلب وحماة وتلك النواحي ولهم بها الآدر النفيسة والأملاك ~~المثمنة وذلك كله قبل أن ملكوا قلعة شيرز وكان ملوك الشام يكرمونهم ويبجلون ~~أقدارهم وشعراء عصرهم يقصدونهم ويمدحونهم وكان فيهم جماعة ms1436 أعيان رؤوساء ~~كرماء علماء وقد سبق ذكر أسامة بن منقذ وهو من أحفاده ولم يزل مخلص الدولة ~~في رياسته وجلالته إلى أن توفي في ذي الحجة سنة خمسين وأربعمائة بحلب وحمل ~~إلى كفر طاب ورأيت في ديوان ابن سنان الخفاجي الشاعر عقيب أشعار له في ~~المذكور يقول ما صورته وقال يرثيه وقد توفي في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ~~وأربعمائة والله أعلم بالصواب رحمه الله تعالى ورثاه القاضي أبو يعلى حمزة ~~بن عبد الرزاق بن أبي حصين بهذه القصيدة وهي من فائق الشعر وأنشدها لولده ~~أبي الحسن علي المذكور وسأذكرها كلها إن شاء الله تعالى وإن كانت طويلة ~~لكنها غريبة قليلة الوجود بأيدي الناس وما رأيت أحدا قط يحفظ منها إلا ~~أبياتا يسيرة فأحببت ذكرها لذلك وهي هذه (ألا كل حي مقصدات مقاتله * وآجل ~~ما يخشى من الدهر عاجله) (وهل يفرح الناجي السليم وهذه * خيول الردى قدامه ~~وحبائله) (لعمر الفتى إن السلامة سلم * إلى الحين والمغرور بالعيش آمله) ~~(فتسلب أثواب الحياة معارها * ويقضي غريم الدين ما هو ماطله) (مضى قيصر لم ~~تغن عنه قصوره * وجدل كسرى ما حمته مجادله) PageV05P270 # (وما صد هلكا عن سليمان ملكه * ولا منعت منه أباه ~~سرابله) (ولم يبق إلا من يروح ويغتدي * على سفر ينأى عن الأهل قافله) (وما ~~نفس الإنسان إلا خزامة * بأيدي المنايا والليالي مراحله) (فهل غال بدءا ~~مخلص الدولة الردى * وهل تنزوي عمن سواه غوائله) (ولكنه حوض الحمام ففارط * ~~إليه وتال مسرعات رواحله) (لقد دفن الأقوام أروع لم تكن * بمدفونة طول ~~الزمان فضائله) (سقى جدثا هالت عليه ترابه * أكفهم طل الغمام ووابله) (ففيه ~~سحاب يرفع المحل هدبه * وبحر ندى يستغرق البر ساحله) (كأن ابن نصر سائرا في ~~سريره * حبي من الوسمي أقشع هاطله) (يمر على الوادي فتثني رماله * عليه ~~وبالنادي فتبكي أرامله) (سرى نعشه فوق الرقاب وطالما * سرى جوده فوق الركاب ~~ونائله) (أناعيه إن النفوس منوطة * بقولك فانظر ما الذي أنت قائله) (بفيك ~~الثرى لم تدر من حل بالثرى * جهلت وقد يستصغر الأمر ms1437 جاهله) (هو السيد ~~المهتز للتم بدره * وللجود عطفاه وللطعن عامله) (أفاض عيون الناس حتى كأنما ~~* عيونهم مما تفيض أنامله) (فيا عين سحي لا تشحي بسائل * على ماجد لم يعرف ~~الشح سائله) (متى يسألوه المال تند بنانه * وإن يسألوه الضيم تبد عوامله) ~~(وكم عاد عنه بالخسار مقنع * وكم نال منه قانع ما يحاوله) (له الغلب القاضي ~~على كل باسل * يجالده أو كل خصم يجادله) (محاسنه في روضة طلها الندى * ~~ولكنه في المجد مات مساجله) (فيا عمره أنى قصرت ولم تطل * منازله بل كفه بل ~~حمائله) (جرت تحته العلياء ملء فروجها * إلى غاية طالت على من يطاوله) ~~PageV05P271 # (فما مات حتى نال أقصى مراده * كما يستسر البدر تمت ~~منازله) (فتى طالما يعتاده الجيش عافيا * فينزله أو عاديا فينازله) (صفوح ~~عن الجاني وصفحة سيفه * إذا هي لم تقتله فالصفح قاتله) (وأدمى عسيب الطرف ~~بعدك هلبه * وعادته أن يقذف الدم كاهله) (فيا طرفه ما كان عجزك حاملا * أدى ~~صارم لو أن ظهرك حامله) (لقد كثر الملبوس بعد مروع * جرت ببيان المشكلات ~~شواكله) (إذا ظن لا يخطي كأن ظنونه * على ما يضل الناس عنه دلائله) (فلا ~~رحلت عنه نوازل رحمة * ضحاه بها موصولة وأصائله) (وروى ثراه منهل العفو في ~~غد * فقد روت العافين أمس مناهله) (قضى الله أن يرزا الأمير وهذه * صوافنه ~~موقورة ومناصله) (وكل فتى كالبرق إبريق غمده * إذا شامه أو كالذبالة ذابله) ~~(فليت ظباه صلت اليوم خلفه * وظلت على غير الصيام صواهله) (بني منقذ صبرا ~~فإن مصابكم * يصاب به حافي الأنام وناعله) (لقد جل حتى كل واجد لوعة * إذا ~~لج فيها ليس يوجد عاذله) (إذا صوحت أيدي الرجال فأنتم * بني منقذ روض الندى ~~وخمائله) (وإن فر من وزر الزمان مفرح * فإنكم أوزاره ومعاقله) (وصاحب علي ~~الصبر عنه فما غوى * مصاحب صبر عن حبيب يزايله) (وما نام حتى قام منك وراءه ~~* أخو يقظات وافر العزم كامله) (كأنكما نوءان في فلك العلا * فطالعه هذا ~~وذلك آفله) PageV05P272 # (وما كفلوك الأمر إلا لعلمهم * قيامك بالأمر الذي أنت ~~كافله) ms1438 (سعيت إلى نيل المكارم سعيه * ولو كنت لا تسعى كفتك فواضله) (ولم تر ~~أن ترقى بما كان فاعلا * أجل إنما المرفوع بالفعل فاعله) (لعمرك إني في ~~الذي عن كله * شريك عنان ناصح الود ناخله) (وكيف خلو القلب من ذلك الهوى * ~~وقد خلدت بين الشغاف دواخله) نجزت القصيدة بتمامها وكمالها وقد تقدم في ~~ترجمة الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر مرثية رثاه بها الفقيه عمارة اليمني ~~وهي على وزن هذه المرثية ورويها ولم أذكر منها هناك سوى أبيات قلائل لكثرة ~~وجود ديوان عمارة بأيدي الناس وهذه لا تكاد توجد بكمالها فلهذا أتممتها ~~هاهنا وقد تقدم منها ذكر بيتين في ترجمة الوزير جمال الدين أبي جعفر محمد ~~المعروف بالجواد الأصبهاني وزير الموصل 269 وتوفي أخوه أبو الغيث منقذ بن ~~نصر بن منقذ سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ورثاه الشيخ الأديب أبو محمد عبد ~~الله بن محمد بن سعيد بن يحيى بن الحسين بن محمد بن الربيع بن سنان بن ~~الربيع الخفاجي الحلبي الشاعر المشهور صاحب الديوان الشعر بقوله وهو من ~~شعره القديم زمن الصبا (غربت خلائقك الحسان غريبة * ورمى الزمان دنوها ~~ببعاد) (ذهبت كما ذهب الربيع وخلفت * فيض الدموع حرارة الأكباد) والخفاجي ~~المذكور رثى مخلص الدولة المذكور أيضا بقصيدة طويلة رائية ومدحه بأخرى ~~حائية أجاد فيهما وتركتهما لطولهما والله تعالى أعلم بالصواب PageV05P273 # 737 مكي بن أبي طالب أبو محمد مكي بن أبي طالب بن حموش ~~بن محمد بن مختار القيسي المقرئ أصله من القيروان وانتقل إلى الأندلس وسكن ~~قرطبة وهو من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية كان حسن الفهم والخلق جيد ~~الدين والعقل كثير التواليف في علم القرآن محسنا لذلك مجودا للقراءات السبع ~~عالما بمعانيها ولد بالقيروان عند طلوع الشمس أو قبل طلوعها بقليل لسبع ~~بقين من شعبان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وقال أبو عمرو المقرئ الداني إنه ~~ولد سنة أربع وخمسين ونشأ بالقيروان وترعرع وسافر إلى مصر وهو ابن ثلاث ~~عشرة سنة واختلف بها إلى المؤدبين والعارفين بعلوم الحساب ثم رجع ms1439 إلى ~~القيروان وكان إكماله لاستظهار القرآن بعد كماله وفراغه من الحساب وغيره من ~~الآداب وذلك في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ثم عاد إلى مصر ثانية بعد ~~استكماله القراءات بالقيروان وذلك في سنة سبع وسبعين فحج في تلك السنة حجة ~~الإسلام ثم ابتدأ بالقراءات على أبي الطيب عبد المنعم بن عبيد الله بن ~~غلبون الحلبي المقرئ نزيل مصر بمصر في أول سنة ثمان وسبعين فقرأ عليه بقية ~~السنة وبعض سنة تسع ورجع إلى القيروان وقد بقي عليه بعض القراءات ثم عاد ~~إلى مصر مرة ثالثة في سنة اثنتين وثمانين فاستكمل ما بقي له ثم عاد إلى ~~القيروان في سنة ثلاث وثمانين وأقام بها يقرئ إلى سنة سبع وثمانين ثم خرج ~~إلى مكة وأقام بها إلى آخر سنة تسعين وحج أربع حجج متوالية ثم رجع من مكة ~~في سنة إحدى وتسعين فوصل إلى مصر ثم رحل منها إلى القيروان في سنة اثنتين ~~وتسعين ثم ارتحل إلى الأندلس وقدمها في رجب سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وجلس ~~للاقراء بجامع قرطبة PageV05P274 # فانتفع به خلق كثير وجودوا عليه القرآن وعظم اسمه في ~~البلدة وجل فيها قدره ونزل عند دخوله قرطبة في مسجد النخيلة الذي بالزقاقين ~~عند باب العطارين فأقرأ به ثم نقله المظفر عبد الملك بن أبي عامر إلى جامع ~~الزاهرة وأقرأ فيه حتى انصرمت دولة آل عامر فنقله محمد بن هشام المهدي إلى ~~المسجد الخارج بقرطبة وأقرأ فيه مدة الفتنة كلها إلى أن قلده أبو الحسن ابن ~~جهور الصلاة والخطبة بالمسجد الجامع بعد وفاة يونس بن عبد الله وكان ضعيفا ~~عليها على أدبه وفهمه وأقام في الخطابة إلى أن مات رحمه الله تعالى وكان ~~خيرا فاضلا متواضعا متدينا مشهورا بإجابة الدعاء وله في ذلك أخبار فمن ذلك ~~ما حكاه أبو عبد الله الطرفي المقرئ قال كان عندنا بقرطبة رجل فيه بعض ~~الحدة وكان له على الشيخ أبي محمد المذكور تسلط وكان يدنو منه إذا خطب ~~فيغمزه ويحصي عليه سقطاته وكان الشيخ كثيرا ما يتلعثم ويتوقف ms1440 فحضر ذلك ~~الرجل في بعض الجمع وجعل يحد النظر إلى الشيخ ويغمزه فلما خرج معنا ونزل في ~~الموضع الذي كان يقرأ فيه قال لنا أمنوا على دعائي ثم رفع يديه وقال اللهم ~~اكفنيه اللهم اكفنيه فأمنا قال فأقعد ذلك الرجل وما دخل الجامع بعد ذلك ~~اليوم وله تصانيف كثيرة نافعة فمنها الهداية إلى بلوغ النهاية في معاني ~~القرآن الكريم وتفسيره وأنواع علومه وهو سبعون جزءا ومنتخب الحجة لأبي علي ~~الفارسي ثلاثون جزءا وكتاب التبصرة في القراءات في خمسة أجزاء وهو من أشهر ~~تواليفه والموجز في القراءات جزءان وكتاب PageV05P275 # المأثور عن مالك في أحكام القرآن وتفسيره عشرة أجزاء ~~وكتاب الرعاية لتجويد القراءة أربعة أجزاء وكتاب اختصار أحكام القرآن أربعة ~~أجزاء وكتاب الكشوف عن وجوه القراءات وعللها عشرون جزءا وكتاب الإيضاح ~~لناسخ القرآن ومنسوخه ثلاثة أجزاء وكتاب الإيجاز في ناسخ القرآن ومنسوخه ~~جزء وكتاب الزاهي في اللمع الدالة على مستعملات الإعراب أربعة أجزاء وكتاب ~~التنبيه على أصول قراءة نافع وذكر الاختلاف عنه جزءان وكتاب الانتصاف فيما ~~رده على أبي بكر الأدفوي وزعم أنه غلط فيه في كتاب الإبانة ثلاثة أجزاء ~~وكتاب الرسالة إلى أصحاب الأنطاكي في تصحيح المد لورش ثلاثة أجزاء وكتاب ~~الإبانة عن معاني القراءة جزء وكتاب الوقف على كلا وبلى في القرآن جزءان ~~وكتاب الاختلاف في عدد الأعشار جزء وكتاب الإدغام الكبير في المخارج جزء ~~وكتاب بيان الصغائر والكبائر جزء وكتاب الاختلاف في الذبيح من هو جزء وكتاب ~~دخول حروف الجر بعضها مكان بعض جزء وكتاب تنزيه الملائكة عن الذنوب وفضلهم ~~على بني آدم جزء وكتاب الياءات المشددة في القرآن والكلام جزء وكتاب اختلاف ~~العلماء في النفس والروح جزء وكتاب إيجاب الجزاء على قاتل الصيد في الحرم ~~خطأ على مذهب الإمام مالك والحجة في ذلك جزء وكتاب مشكل غريب القرآن ثلاثة ~~أجزاء وكتاب بيان العمل في الحج أول الإحرام إلى زيارة قبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جزء وكتاب فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا جزء وكتاب ~~التذكرة ms1441 لاختلاف القراء جزء وكتاب تسمية الأحزاب جزء وكتاب منتخب كتاب ~~الإخوان لابن وكيع جزءان وكتاب الحروف المدغمة جزءان وكتاب شرح التمام ~~والوقف أربعة أجزاء وكتاب مشكل المعاني والتفسير خمسة عشر جزءا وكتاب هجاء ~~المصاحف جزءان وكتاب الرياض مجموع خمسة أجزاء وكتاب المنتقى في الأخبار ~~أربعة أجزاء وله في القراءات واختلاف القراء وعلوم PageV05P276 # القرآن تصانيف كثيرة ولولا خوف التطويل لاستوعبت ذكرها ~~وتوفي يوم السبت عند صلاة الفجر ودفن يوم الأحد ضحوة لليلتين خلتا من ~~المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بقرطبة ودفن بالربض وصلى عليه ولده أبو ~~طالب محمد رحمه الله تعالى وحموش بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم المضمومة ~~وسكون الواو وبعدها شين معجمة وقد تقدم الكلام على القيسي والقيروان وقرطبة ~~فأغنى عن الإعادة 270 وأبو الطيب عبد المنعم بن غلبون المقرئ المصري ~~المذكور في هذه الترجمة ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة فقال كان على دينه ~~وفضله وعلمه بالقرآن ومعانيه وإعرابه متفننا في سائر علوم الأدب أنشدت له ~~قصيدة منها قوله (عليك باقلال الزيارة إنها * إذا كثرت كانت إلى الهجر ~~مسلكا) (ألم تر أن الغيث يسأم دائما * ويطلب بالأيدي إذا هو أمسكا) وقال ~~غير الثعالبي ولد أبو الطيب المذكور في رجب سنة تسع وثلاثمائة وتوفي بمصر ~~يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثمائة رحمه الله تعالى ~~PageV05P277 # 738 مكي الماكسيني النحوي أبو الحرم مكي بن ريان بن ~~شبة بن صالح الماكسيني المولد الموصلي الدار المقرئ النحوي الضرير الملقب ~~صائن الدين كان والده يصنع الأنطاع بماكسين ومات فقيرا لم يخلف شيئا وترك ~~ولده أبا الحرم المذكور وأمه وبنتا فلم تقدر أمه على القيام بمصالحه بسبب ~~الفقر وتضجرت منه ففارقها وخرج من بلده وقصد الموصل واشتغل بها بعلم القرآن ~~والأدب ثم رحل إلى بغداد واجتمع بأئمة الأدب وقرأ على أبي محمد ابن الخشاب ~~وابن العصار وابن الأنباري وأبي محمد سعيد بن الدهان وقد تقدم ذكرهم ثم عاد ~~إلى الموصل وتصدر بها للإفادة وأخذ الناس عنه وانتشر ذكره في البلاد وبعد ~~صيته وانتفع ms1442 به خلق كثير وذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل ~~فقال هو جامع فنون الأدب وحجة كلام العرب المجمع على دينه وعقله والمتفق ~~على علمه وفضله رحل إلى بغداد ولقي بها مشايخ النحو واللغة والحديث وكان ~~واسع الرواية قد نصب نفسه للانتفاع عليه بالقرآن العزيز وجميع ضروب الأدب ~~ثم قال وأنشدني من شعره وكان قد اشتغل عليه بالموصل أعني ابن المستوفي ~~المذكور (سئمت من الحياة فلم أردها * تسالمني وتشجيني بريقي) (عدوي لا يقصر ~~في أذائي * ويفعل مثل ذلك بي صديقي) PageV05P278 # (وقد أضحت لي الحدباء دارا * وأهل مودتي بلوى العقيق) ~~والحدباء كنية الموصل ومن شعره أيضا (إذا احتاج النوال إلى شفيع * فلا ~~تقبله تضح قرير عين) (إذا عيف النوال لفرد من * فأولى أن يعاف لمنتين) وله ~~أيضا (على الباب عبد يسأل الإذن طالبا * به أدبا لا أن نعماك تحجب) (فإن ~~كان إذن فهو كالخير داخل * عليك وإلا فهو كالشر يذهب) وهذا مأخوذ من قول ~~بعضهم (على الباب عبد من عبيدك واقف * بنعماك مغمور بشكرك معترف) (أيدخل ~~كالإقبال لا زلت مقبلا * مدى الدهر أم مثل الحوادث ينصرف) ثم قال ابن ~~المستوفي وكان قد أضر وهو ابن ثمان أو تسع سنين وكان أبدا يتعصب لأبي ~~العلاء المعري ويطرب إذا قريء عليه شعره للجامع بينهما من العمى والأدب ~~فسلك مسلكه في النظم انتهى كلام ابن المستوفي قلت وحكى لي بعض من أخذ عنه ~~أنه لما كان ببلده كان جيرانهم ومعارفهم يسمونه مكيك تصغير مكي فلما ارتحل ~~واشتغل وحصل اشتاقت نفسه إلى وطنه فعاد إليه فتسامع به من بقي ممن كان ~~يعرفه فزاروه وفرحوا به لكونه فاضلا من أهل بلدهم وبات تلك الليلة فلما كان ~~سحر خرج إلى الحمام فسمع امرأة في غرفتها تقول لأخرى ما تدرين من جاء فقالت ~~لا فقالت مكيك ابن فلانة فقال والله لا قعدت في بلد أدعى فيه مكيك وسافر من ~~غير تربث بعد أن كان قد نوى الإقامة بها مدة وعاد إلى الموصل ثم ~~PageV05P279 # خرج إلى الشام في ms1443 أواخر عمره لزيارة بيت المقدس فانتهى ~~إليه وقضى منه وطره ورجع إلى الموصل من حلب وكان دخوله إلى الموصل في شهر ~~رمضان وتوفي ليلة السبت السادس من شوال سنة ثلاث وستمائة بالموصل وخلف ولدا ~~صغيرا ودفن بصحراء باب الميدان في مقبرة المعافى بن عمران جوار أبي بكر ~~القرطبي وابن الدهان النحوي رحمهم الله تعالى ويقال إنه مات مسموما من جهة ~~صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه المقدم ذكره في حرف الهمزة لسبب اقتضى ~~ذلك والله أعلم وريان بفتح الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف ~~نون وشبة بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعد هاء ساكنة ~~والماكسيني بفتح الميم وبعد الألف كاف مكسورة وسين مهملة مكسورة أيضا ثم ~~ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها نون هذه النسبة إلى ماكسين وهي بليدة من ~~أعمال الجزيرة الفراتية على نهر الخابور وهي على صغرها تشابه المدن في حسن ~~بنائها ومنازلها 739 مكحول الشامي أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الشامي ~~من سبي كابل ذكره ابن ماكولا في كتاب الإكمال في ترجمة شاذل فقال في نسبه ~~وهو مكحول بن أبي PageV05P280 # مسلم واسمه شهراب ابن شاذل بن سند بن سروان بن بزدك بن ~~يغوب ابن كسرى قال ابن عائشة كان مولى لامرأة من قيس وكان سنديا لا يفصح ~~وقال الواقدي كان مولى لامرأة من هذيل وقيل هو مولى سعيد بن العاص وقيل ~~مولى لبني ليث قال الخطيب كان جده شاذل من أهل هراة فتزوج ابنة ملك من ملوك ~~كابل ثم هلك عنها وهي حامل فانصرفت إلى أهلها فولدت شهراب فلم يزل في ~~أخواله بكابل حتى ولد له مكحول فلما ترعرع سبي ثم وقع إلى سعيد ابن العاص ~~فوهبه لامرأة من هذيل فأعتقته وكان معلم الأوزاعي المقدم ذكره في حرف ~~الهمزة وسعيد بن عبد العزيز قال الزهري العلماء أربعة سعيد بن المسيب ~~بالمدينة والشعبي بالكوفة والحسن البصري بالبصرة ومكحول بالشام ولم يكن في ~~زمنه أبصر منه بالفتيا وكان لا يفتي حتى يقول لا حول ms1444 ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم هذا رأي والرأي يخطئ ويصيب وسمع أنس بن مالك وواثلة بن الأسقع ~~وأبا هند الداري وغيرهم وكان مقامه بدمشق وكان في لسانه عجمة ظاهرة ويبدل ~~بعض الحروف بغيره قال نوح بن قيس سأله بعض الأمراء عن القدر فقال أساهر أنا ~~يريد أساحر أنا وكان يقول بالقدر ورجع عنه وقال معقل بن عبد الأعلى القرشي ~~سمعته يقول لرجل ما فعلت تلك الهاجة يريد الحاجة وهذه العجمة تغلب على أهل ~~السند PageV05P281 # 271 يحكى عن أبي عطاء السندي الشاعر المشهور واسمه ~~مرزوق وهو من موالي أسد بن خزيمة أنه كان في لسانه هذه العجمة فاجتمع حماد ~~الراوية وحماد عجرد الشاعر المقدم ذكرهما وحماد بن الزبرقان النحوي وبكر بن ~~مصعب المزني في بعض الليالي ليتذاكروا فقالوا ما بقي شيء إلا وقد تهيأ لنا ~~في مجلسنا هذا فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي ليحضر عندنا ويكمل به المجلس ~~فأرسلوا إليه فقال حماد بن الزبرقان أيكم يحتال لأبي عطاء حتى يقول جرادة ~~وزج وشيطان وإنما اختار له هذه الألفاظ لأنه كان يبدل من الجيم زايا ومن ~~الشين سينا فقال حماد الراوية أنا أحتال في ذلك فلم يلبثوا أن جاءهم أبو ~~عطاء فقال لهم هياكم الله يريد حياكم الله فقالوا له مرهبا مرهبا يريدون ~~مرحبا مرحبا على لغته فقالوا له ألا تتعشى فقال قد تعسيت فهل عندكم نبيذ ~~نشرب فقالوا نعم فأتوا له بنبيذ فشرب حتى استرخى فقال له حماد الراوية يا ~~أبا عطاء كيف معرفتك باللغز فقال هسن يريد حسن فقال له ملغزا في جرادة (فما ~~صفراء تكنى أم عوف * كان رجيلتيها منجلان) فقال زرادة فقال صدقت ثم قال ~~ملغزا في زج (فما اسم حديدة في الرمح ترسى * دوين الصدر ليست بالسنان) فقال ~~أبو عطاء زز فقال حماد أصبت ثم قال ملغزا في مسجد بجوار بني شيطان وهو ~~بالبصرة (أتعرف مسجدا لبني تميم * فويق الميل دون بني أبان) PageV05P282 # فقال هو في بني سيطان فقال أحسنت ثم تنادموا وتفاكهوا ~~إلى سحرة ms1445 في أرغد عيش وهذا أبو عطاء من الشعراء المجيدين وكان عبدا أخرب ~~والأخرب المشقوق الأذن وله في كتاب الحماسة مقاطيع نادرة ولولا خشية ~~التطويل والخروج عن المقصود لذكرت جملة من شعره ونوادره وتوفي مكحول ~~المذكور سنة ثماني عشرة وقيل ثلاث عشرة وقيل ست عشرة وقيل اثنتي عشرة وقيل ~~أربع عشرة ومائة رضي الله عنه وكابل بفتح الكاف وبعد الألف باء موحدة ~~مضمومة ثم لام وهي ناحية معروفة ببلاد السند 740 ملكشاه السلجوقي أبو الفتح ~~ملكشاه بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق الملقب ~~جلال الدولة وقد تقدم ذكر أبيه وجماعة من أهل بيته ولما توفي أبوه في ~~التاريخ المذكور في ترجمته كان ملكشاه المذكور في صحبته ولم يصحبه قبلها في ~~سفر غير هذه المرة فولي الأمر من بعده بوصية والده وتحليف الأمراء والأجناد ~~على طاعته ووصى وزيره نظام الملك أبا علي الحسن المقدم ذكره في حرف الحاء ~~على تفرفة البلاد بين أولاده ويكون مرجعهم إلى ملكشاه المذكور ففعل ذلك ~~وعبر بهم نهر جيحون راجعا إلى PageV05P283 # البلاد وقد شرحت الواقعة في ترجمة والده فلا حاجة إلى ~~الإعادة فلما وصل إلى البلاد وجد بعض أعمامه وهو قاروت بك صاحب كرمان قد ~~خرج عليه فعاجله وتصافا بالقرب من همذان فنصره الله عليه وانهزم عمه فتبعه ~~بعض جند ملكشاه فأسروه وحملوه إلى ملكشاه فبذل التوبة ورضي بالاعتقال وأن ~~لا يقتل فلم يجبه ملكشاه إلى ذلك فأنفذ له خريطة مملوءة من كتب أمرائه ~~وأنهم حملوه على الخروج عن طاعته وحسنوا له ذلك فدعا السلطان بالوزير نظام ~~الملك فأعطاه الخريطة ليفتحها ويقرأ ما فيها فلم يفتحها وكان هناك كانون ~~نار فرمى الخريطة فيه فاحترقت الكتب فسكنت قلوب العساكر وأمنوا ووطنوا ~~أنفسهم على الخدمة بعد أن كانوا قد خافوا من الخريطة لأن أكثرهم كان قد ~~كاتبه وكان ذلك سبب ثبات قدم ملكشاه في السلطنة وكانت هذه معدودة في جميل ~~آراء نظام الملك ثم إن ملكشاه أمر بقتل عمه فخنق بوتر قوسه واستقرت ms1446 القواعد ~~للسلطان وفتح البلاد واتسعت عليه المملكة وملك ما لم يملكه أحد من ملوك ~~الإسلام بعد الخلفاء المتقدمين فكان في مملكته جميع بلاد ما وراء النهر ~~وبلاد الهياطلة وباب الأبواب والروم وديار بكر والجزيرة والشام وخطب له على ~~جميع منابر الإسلام سوى بلاد المغرب فإنه ملك من كاشغر وهي مدينة في أقصى ~~بلاد الترك إلى بيت المقدس طولا ومن القسطنطينية إلى بلاد الخزر وبحر الهند ~~عرضا وكان قد قدر لممالكه ملك الدينا وكان من أحسن الملوك سيرة حتى كان ~~يلقب بالسلطان العادل وكان منصورا في الحروب ومغرما بالعمائر فحفر كثيرا من ~~الأنهار وعمر على كثير من البلدان الأسوار وأنشأ في المفاوز رباطات وقناطر ~~وهو الذي عمر جامع السلطان ببغداد ابتدأ بعمارته في المحرم من سنة خمس ~~وثمانين وأربعمائة وزاد في دار السلطنة بها وصنع بطريق مكة مصانع وغرم ~~عليها أموالا كثيرة خارجة عن الحصر وأبطل المكوس والخفارات في جميع البلاد ~~وكان لهجا بالصيد حتى قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة PageV05P284 # آلاف فتصدق بعشرة آلاف دينار بعد أن نسي كثيرا منه ~~وقال إنني خائف من الله سبحانه وتعالى لإزهاق الأرواح لغير مأكلة وصار بعد ~~ذلك كلما قتل صيدا تصدق بدينار وخرج من الكوفة لتوديع الحاج فجاوز العذيب ~~وشيعهم بالقرب من الواقصة وصاد في طريقه وحشا كثيرا فبنى هناك منارة من ~~حوافر الحمر الوحشية وقرون الظباء التي صادها في ذلك الطريق والمنارة باقية ~~إلى الآن وتعرف بمنارة القرون وذلك في سنة ثمانين وأربعمائة وكانت السبل في ~~أيامه ساكنة والمخاوف آمنة تسير القوافل من ما وراء النهر إلى أقصى الشام ~~وليس معها خفير ويسافر الواحد والاثنان من غير خوف ولا رهب وحكى محمد بن ~~عبد الملك الهمداني في تاريخه أن السلطان ملكشاه المذكور توجه لحرب أخيه ~~تكش فاجتاز بمشهد علي بن موسى الرضا رضي الله عنهما بطوس ودخل مع نظام ~~الملك الوزير وصليا فيه وأطالا الدعاء ثم قال لنظام الملك بأي شيء دعوت قال ~~دعوت الله تعالى أن ينصرك ويظفرك بأخيك ms1447 فقال أما أنا فلم أدع بهذا بل قلت ~~اللهم انصر أصلحنا للمسلمين وأنفعنا للرعية ثم قال الهمداني أيضا عقيب هذا ~~وحكي أن واعظا دخل عليه ووعظه فكان من جملة ما حكى له أن بعض الأكاسرة ~~اجتاز منفردا عن عسكره على باب بستان فتقدم إلى الباب وطلب ماء يشربه ~~فأخرجت له صبية إناء فيه ماء السكر والثلج فشربه واستطابه فقال لها هذا كيف ~~يعمل فقالت إن قصب السكر يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا فيخرج منه هذا الماء ~~فقال ارجعي وأحضري شيئا آخر وكانت الصبية غير عارفة به ففعلت فقال في نفسه ~~الصواب أن أعوضهم عن هذا المكان وأصطفيه لنفسي فما كان بأسرع من خروجها ~~باكية وقالت إن نية سلطاننا قد تغيرت فقال ومن أين علمت ذلك قالت كنت آخذ ~~من هذا ما أريد من غير تعسف والآن PageV05P285 # فقد اجتهدت في عصر القصب فلم يسمح ببعض ما كان يأتي ~~فعلم صدقها فرجع عن تلك النية ثم قال لها ارجعي الآن فإنك تبلغين الغرض ~~وعقد على نفسه أن لا يفعل ما نواه فخرجت الصبية ومعها ما شاءت من ماء السكر ~~وهي مستبشرة فقال السلطان للواعظ فلم لا تذكر للرعية أن كسرى اجتاز على ~~بستان فقال للناطور ناولني عنقودا من الحصرم فقال له ما يمكنني ذلك فإن ~~السلطان لم يأخذ حقه ولا تجوز لي خيانته فعجب الحاضرون من مقابلته الحكاية ~~بمثلها ومعارضته بما أوجب الحق له ما أوجب الحق عليه وحكى الهمداني أيضا أن ~~سواديا لقيه وهو يبكي فسأله السلطان عن سبب بكائه فقال ابتعت بطيخا ~~بدريهمات لا أملك غيرها فلقيني ثلاثة أغلمة أتراك فأخذوه مني ومالي حيلة ~~سواه فقال أمسك واستدعى فراشا وكان ذلك عند باكورة البطيخ وقال له إن نفسي ~~قد تاقت إلى البطيخ فطف في العسكر وانظر من عنده شيء فأحضره فعاد ومعه بطيخ ~~فقال عند من رأيته قال عند الأمير فلان فأحضره وقال من أين لك هذا البطيخ ~~فقال جاء به الغلمان فقال أريدهم الساعة فمضى وقد عرف نية السلطان ms1448 فيهم ~~فهربهم وعاد فقال لم أجدهم فالتفت إلى السوادي وقال هذا مملوكي وقد وهبته ~~لك حين لم يحضر القوم الذين أخذوا متاعك والله لئن خليته لأضربن عنقك فأخذه ~~السوادي بيده وأخرجه من بين يدي السلطان فاشترى الأمير نفسه بثلاثمائة ~~دينار وعاد السوادي وقال يا سلطان قد بعت المملوك بثلاثمائة دينار فقال أو ~~قد رضيت قال نعم قال امض مصاحبا وكانت البركة واليمن مقرونين بناصيته فكان ~~إذا يدخل أصبهان أو بغداد أو أي بلد من البلاد كان دخل مع عدد لا يحصى ~~لكثرته فيرخص السعر وتنحط أثمان الأشياء عما كانت عليه قبله ويكتسب ~~المتعيشون مع عسكره الكسب الكثير وحكى الهمداني أيضا أنه أحضرت إليه مغنية ~~وهو بالري فأعجب بها PageV05P286 # واستطاب غناءها فهم بها فقالت يا سلطان إني أغار على ~~هذا الوجه الجميل أن يعذب بالنار وإن الحلال أيسر وبينه وبين الحرام كلمة ~~فقال صدقت واستدعى القاضي فتزوجها منه وابتنى بها وتوفي عنها وقال صاحب ~~الدول المنقطعة ومن جملة ما سعى تاج الملك في نظام الملك الوزير أن قال ~~للسلطان إنه ينفق في كل سنة على أرباب المدارس والرباطات ثلاثمائة ألف ~~دينار ولو جيش بها جيشا لبلغ باب القسطنطينية فاستحضر النظام واستفسره عن ~~الحال فقال يا سلطان العالم اني أنا رجل شيخ ولو نودي علي لما زادت قيمتي ~~على ثلاثة دنانير وأنت حدث لو نودي عليك لما زادت قيمتك على ثلاثين دينارا ~~وقد أعطاك الله تعالى وأعطاني بك ما لم يعطه أحدا من خلقه أفلا نعوضه عن ~~ذلك في حملة دينه وحفظة كتابه ثلاثمائة ألف دينار ثم إنك تنفق على الجيوش ~~المحاربة في كل سنة أضعاف هذا المال مع أن أقواهم وأرماهم لا تبلغ رميته ~~ميلا ولا يضرب بسيفه إلا ما قرب منه وأنا أجيش لك بهذا المال جيشا تصل من ~~الدعاء سهامه إلى العرش لا يحجبها شيء عن الله تعالى فبكى السلطان وقال يا ~~أبت استكثر من الجيش والأموال مبذولة لك والدنيا بين يديك وعيون محاسنه ~~أكثر من أن تحصى وحكى ms1449 الهمداني أيضا أن نظام الملك الوزير وقع للملاحين ~~الذين عبروا بالسلطان والعسكر نهر جيحون على العامل بأنطاكية وذلك لسعة ~~المملكة وكان مبلغ أجرة المعابر أحد عشر ألف دينار وتزوج الإمام المقتدي ~~بأمر الله أمير المؤمنين ابنة السلطان وكان السفير في الخطبة الشيخ أبا ~~إسحاق الشيرازي صاحب المهذب والتنبيه رحمه الله تعالى وأنفذه الخليفة إلى ~~نيسابور لهذا السبب فإن السلطان كان هناك فلما وصل إليه أدى الرسالة ونجز ~~الشغل قال الهمداني أيضا وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد في أقل من أربعة ~~أشهر وناظر إمام الحرمين هناك فلما PageV05P287 # أراد الانصراف من نيسابور خرج إمام الحرمين للوداع ~~وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق وظهر له في خراسان منزلة عظيمة وكانوا ~~يأخذون التراب الذي وطئته بغلته فيتبركون به وكان زفاف ابنة السلطان إلى ~~الخليفة في سنة ثمانين وأربعمائة وفي صبيحة دخولها عليه أحضر الخليفة ~~المقتدي عسكر السلطان على سماط صنعه لهم كان فيه أربعون ألف منا سكرا وفي ~~بقية هذه السنة في ذي القعدة منها رزق الخليفة ولدا من ابنة السلطان سماه ~~أبا الفضل جعفرا وزينت بغداد لأجله وكان السلطان قد دخل إلى بغداد دفعتين ~~وهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته وليس للخليفة فيها سوى الاسم ~~فلما عاد إليها الدفعة الثالثة دخلها في أوائل شوال سنة خمس وثمانين ~~وأربعمائة وخرج من فوره إلى ناحية دجيل لأجل الصيد فاصطاد وحشا وأكل من ~~لحمه فابتدأت به العلة وافتصد فلم يكثر من إخراج الدم فعاد إلى بغداد مريضا ~~ولم يصل إليه أحد من خاصته فلما دخلها توفي ثاني يوم دخوله وهو السادس عشر ~~من شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة وكانت ولادته في التاسع من جمادى الأولى ~~سنة سبع وأربعين وأربعمائة رحمه الله تعالى وقيل إنه سم في خلال تخلل به ~~وحمل تابوته إلى أصبهان ودفن بها في مدرسة عظيمة موقوفة على طائفة الشافعية ~~والحنفية ولم يشهد أحد جنازته ببغداد ولا صلي عليه في الصورة الظاهرة ولا ~~جلسوا للعزاء ولا حذف عليه ذنب فرس كعادة ms1450 أمثاله بل كأنه اختلس من العالم ~~ومن عجيب الاتفاق أنه لما دخل بغداد في هذه المرة وكان للخليفة المقتدي ~~ولدان أحدهما الإمام المستظهر بالله والآخر أبو الفضل جعفر ابن بنت السلطان ~~وقد تقدم ذكر ولادته وكان الخليفة قد بايع لولده المستظهر بالله بولاية ~~العهد من بعده لأنه كان الأكبر فألزم السلطان الخليفة أن يخلعه ويجعل ابن ~~بنته جعفرا ولي العهد ويسلم بغداد إليه ويخرج الخليفة إلى البصرة فشق ذلك ~~PageV05P288 # على الخليفة وبالغ في استنزال السلطان عن هذا الرأي ~~فلم يفعل فسأل المهلة عشرة أيام ليتجهز فأمهله فقيل إن الخليفة في تلك ~~الأيام جعل يصوم ويطوي وإذا أفطر جلس على الرماد للإفطار وهو يدعو الله ~~سبحانه وتعالى على السلطان فمرض السلطان في تلك الأيام ومات وكفي الخليفة ~~أمره وتزوج ابنه الإمام المستظهر بالله ابنة السلطان خاتون العصمة في سنة ~~اثنتين وخمسمائة وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة الملوك وهم بركياروق وسنجر ~~ومحمد كل واحد له ترجمة في حرفه رحمهم الله تعالى أجمعين وكاشغر بفتح الكاف ~~وبعد الألف شين معجمة ساكنة وغين معجمة مفتوحة وبعدها راء وقد ذكرت أين هي ~~فلا حاجة إلى الإعادة وهي قصبة بلاد تركستان والواقصة بفتح الواو وبعد ~~الألف قاف مكسورة وبعدها صاد مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة وهي منزل معروف ~~بطريق مكة يقال لها واقصة الحرون والباقي معروف فلا حاجة إلى تفسيره والله ~~أعلم بالصواب 741 منصور الفقيه أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي ~~المصري الفقيه الشافعي الضرير أصله من رأس عين البلدة المشهورة بالجزيرة ~~وأخذ الفقه عن أصحاب الشافعي رضي الله عنه وعن أصحاب أصحابه وله مصنفات في ~~المذهب مليحة منها PageV05P289 # الواجب والمستعمل والمسافر والهداية وغير ذلك من الكتب ~~وله شعر جيد سائر وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى في طبقات ~~الفقهاء وأنشد له (عاب التفقه قوم لا عقول لهم * وما عليه إذا عابوه من ~~ضرر) (ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة * أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر) ومن ~~هنا أخذ ms1451 أبو العلاء المعري قوله من قصيدته المشهورة (والنجم تستصغر الأبصار ~~رؤيته * والذنب للطرف لا للنجم في الصغر) ومن شعره أيضا (لي حيلة فيمن ينم ~~* وليس في الكذاب حيله) (من كان يخلق ما يقول * فحيلتي فيه قليله) وله أيضا ~~(الكلب أحسن عشرة * وهو النهاية في الخساسه) (ممن ينازع في الرياسة * قبل ~~أوقات الرياسة) وحكي أنه أصابته مسغبة في سنة شديدة القحط فرقي سطح داره ~~ونادى بأعلى صوته في الليل (الغياث الغياث يا أحرار * نحن خلجانكم وأنتم ~~بحار) (إنما تحسن المواساة في الشدة * لا حين ترخص الأسعار) فسمعه جيرانه ~~فأصبح على بابه مائة حمل بر وحكاياته وأخباره مشهورة وتوفي في جمادى الأولى ~~سنة ست وثلاثمائة بمصر PageV05P290 # وقال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات إنه مات قبل العشرين ~~والثلثمائة رحمه الله تعالى وذكره القاضي أبو عبد الله القضاعي في كتاب خطط ~~مصر فقال أصله من رأس عين وسكن الرملة وقدم إلى مصر وسكنها وتوفي سنة ست ~~وثلاثمائة وكان فقيها جليل القدر متصرفا في كل علم شاعرا مجيدا لم يكن في ~~زمانه مثله بمصر وكان من أكرم الناس على أبي عبيد القاضي حتى كان منهما ما ~~كان بسبب المسألة وكان لأبي عبيد في كل عشية مجلس يذاكر فيه رجلا من أهل ~~العلم ويخلو به خلا عشية الجمعة فإنه كان يخلو بنفسه فيها فكان من العشايا ~~عشية يخلو فيها بمنصور وعشية يخلو فيها بأبي جعفر الطحاوي وعشية يخلو فيها ~~بمحمد بن الربيع الجيزي وعشية يخلو فيها بعفان بن سليمان وعشية يخلو فيها ~~بالسجستاني وعشية يخلو فيها للنظر مع الفقهاء وربما حدث فجرى بينه وبين ~~منصور في بعض العشايا ذكر الحامل المطلقة ثلاثا ووجوب نفقتها فقال أبو عبيد ~~زعم قوم أن لا نفقة لها في الثلاث وأن نفقتها في الطلاق غير الثلاث فأنكر ~~ذلك منصور وقال قائل هذا ليس من أهل القبلة ثم انصرف منصور فحدث بذلك أبا ~~جعفر الطحاوي فحكاه أبو جعفر لأبي عبيد فأنكره وبلغ ذلك منصورا فقال أنا ~~أكذبه واجتمع الناس عند القاضي وتواعدوا ms1452 لحضور ذلك فلما حضروا لم يتكلم أحد ~~فابتدأ أبو عبيد وقال ما أريد أحدا يدخل علي ما أريد منصورا ولا نصارا ولا ~~منتصرا قوم عميت قلوبهم كما عميت أبصارهم يحكون عنا ما لم نقله فقال له ~~منصور قد علم الله أنك قلت كذا وكذا فقال أبو عبيد كذبت فقال له منصور قد ~~علم الله الكاذب ونهض فلم يأخذ أحد بيده غير أبي بكر ابن الحداد فإنه أخذ ~~بيده وخرج معه حتى ركب وزاد الأمر فيما بينهما وتعصب الأمير ذكا وجماعة من ~~الجند وغيرهم لمنصور وتعصب للقاضي جماعة وشهد على منصور محمد بن الربيع ~~الجيزي بكلام سمعه منه يقال إن منصورا حكاه عن النظام فقال القاضي إن شهد ~~عليه آخر مثل ما شهد به عليه محمد بن الربيع ضربت عنقه فخاف PageV05P291 # على نفسه ومات في جمادى الأولى من السنة المذكورة وخاف ~~أبو عبيد أن يصلي عليه لأجل الجند الذين تعصبوا لمنصور فتأخر عن جنازته ~~لهذا السبب وحضرها الأمير ذكا وابن بسطام صاحب الخراج وأوعب الناس ولم ~~يتخلف كبير أحد وذكر لأبي عبيد أن منصورا قال عند موته (قضيت نحبي فسر قوم ~~* حمقى بهم غفلة ونوم) (كأن يومي علي حتم * وليس للشامتين يوم) (تموت قبلي ~~ولو بيوم * ونحن يوم النشور توم) فأطرق أبو عبيد ساعة ثم قال (فقد فرحنا ~~وقد شمتنا * وليس للشامتين لوم) والله أعلم بالصواب 742 الحاكم العبيدي أبو ~~علي المنصور الملقب الحاكم بأمر الله بن العزيز بن المعز بن المنصور بن ~~القائم ابن المهدي صاحب مصر وقد تقدم ذكر أجداده وجماعة من أحفاده وسيأتي ~~ذكر أبيه في حرف النون إن شاء الله تعالى وكلهم كانوا يتسمون بالخلفاء ~~وتولى الحاكم المذكور عهد أبيه في حياته وذلك في شعبان سنة ثلاث وثمانين ~~وثلاثمائة ثم استقل بالأمر يوم وفاة والده على ما سيأتي في تاريخه إن شاء ~~الله تعالى وكان جوادا بالمال سفاكا للدماء قتل عددا كثيرا من أماثل ~~PageV05P292 # أهل دولته وغيرهم صبرا وكانت سيرته من أعجب السير ~~يخترع كل وقت أحكاما ms1453 يحمل الناس على العمل بها منها أنه أمر الناس في سنة ~~خمس وتسعين وثلاثمائة بكتب سب الصحابة رضوان الله عليهم في حيطان المساجد ~~والقياسر والشوارع وكتب إلى سائر عمال الديار المصرية يأمرهم بالسب ثم أمر ~~بقطع ذلك ونهى عنه وعن فعله في سنة سبع وتسعين ثم تقدم بعد ذلك بمدة يسيرة ~~بضرب من يسب الصحابة وتأديبه ثم يشهره ومنها أنه أمر بقتل الكلاب في سنة ~~خمس وتسعين وثلاثمائة فلم ير كلب في الأسواق والأزقة والشوارع إلا قتل ~~ومنها أنه نهى عن بيع الفقاع والملوخيا وكبب الترمس المتخذة لها والجرجير ~~والسمكة التي لا قشر لها وأمر بالتشديد في ذلك والمبالغة في تأديب من يتعرض ~~لشيء منه فظهر على جماعة أنهم باعوا أشياء منه فضربوا بالسياط وطيف بهم ثم ~~ضربت أعناقهم ومنها أنه في سنة اثنتين وأربعمائة نهى عن بيع الزبيب قليله ~~وكثيره على اختلاف أنواعه ونهى التجار عن حمله إلى مصر ثم جمع بعد ذلك منه ~~جملة كثيرة وأحرق جميعها ويقال إن مقدار النفقة التي غرموها على إحراقه ~~كانت خمسمائة دينار وفي هذه السنة منع من بيع العنب وأنفذ الشهود إلى ~~الجيزة حتى قطعوا كثيرا من كرومها ورموها في الأرض وداسوها بالبقر وجمع ما ~~كان في مخازنها من جرار العسل فكانت خمسة آلاف جرة وحملت إلى شاطيء النيل ~~وكسرت وقلبت في بحر النيل وفي هذه السنة أمر النصارى واليهود إلا الخيابرة ~~بلبس العمائم السود وأن يعمل النصارى في أعناقهم الصلبان ما يكون طوله ~~ذراعا ووزنه خمسة أرطال وأن تحمل اليهود في أعناقهم قرامي PageV05P293 # الخشب على وزن صلبان النصارى ولا يركبوا شيئا من ~~المراكب المحلاة وأن تكون ركبهم من الخشب ولا يستخدموا أحدا من المسلمين ~~ولا يركبوا حمارا لمكار مسلم ولا سفينة نوتيها مسلم وأن يكون في أعناق ~~النصارى إذا دخلوا الحمام الصلبان وفي أعناق اليهود الجلاجل ليتميزوا عن ~~المسلمين ثم أفرد حمامات اليهود والنصارى من حمامات المسلمين وحط على ~~حمامات النصارى الصلبان وعلى حمامات اليهود القرامي وذلك في سنة ثمان ~~وأربعمائة ms1454 وفيها أمر بهدم الكنيسة المعروفة بقمامة وجميع الكنائس بالديار ~~المصرية ووهب جميع ما فيها من الآلات وجميع ما لها من الأرباع والأحباس ~~لجماعة من المسلمين وتتابع إسلام جماعة من النصارى وفي هذه السنة نهى عن ~~تقبيل الأرض له وعن الدعاء له والصلاة عليه في الخطب والمكاتبات وأن يجعل ~~عوض ذلك السلام على أمير المؤمنين وفي سنة أربع وأربعمائة أمر أن لا ينجم ~~أحد ولا يتكلم في صناعة النجوم وأن ينفى المنجمون من البلاد فحضر جميعهم ~~إلى القاضي مالك بن سعيد الحاكم بمصر كان وعقد عليهم توبة وأعفوا من النفي ~~وكذلك أصحاب الغناء وفي شعبان من هذه السنة منع النساء من الخروج إلى ~~الطرقات ليلا ونهارا ومنع الأساكفة من عمل الخفاف للنساء ومحيت صورهن من ~~الحمامات ولم تزل النساء ممنوعات عن الخروج إلى أيام ولده الظاهر المقدم ~~ذكره وكانت مدة منعهن سبع سنين وسبعة أشهر وفي شعبان سنة إحدى عشرة ~~وأربعمائة تنصر جماعة ممن كان أسلم من النصارى وأمر ببناء ما كان قد هدم من ~~كنائسهم ورد ما كان أخذ من أحباسها وبالجملة فهذه نبذة PageV05P294 # من أحواله وإن كان شرحها يطول وكان أبو الحسن علي ~~المعروف بابن يونس المنجم قد صنع له الزيج المشهور المعروف بالحاكمي وهو ~~زيج كبير مبسوط ونقلت من خط الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي رحمه الله ~~تعالى أن الحاكم المذكور كان جالسا في مجلسه العام وهو حفل بأعيان دولته ~~فقرأ بعض الحاضرين قوله تعالى * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * (النساء 65) ~~والقاريء في أثناء ذلك يشير إلى الحاكم فلما فرغ من القراءة قرأ شخص آخر ~~يعرف بابن المشجر وكان رجلا صالحا * (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن ~~الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب ~~شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله ~~لقوي عزيز) * (الحج 73) فلما أنهى ms1455 قراءته تغير وجه الحاكم ثم أمر لابن ~~المشجر المذكور بمائة دينار ولم يطلق للآخر شيئا ثم إن بعض أصحاب ابن ~~المشجر قال له أنت تعرف خلق الحاكم وكثرة استحالاته وما نأمن أن يحقد عليك ~~وأنه لا يؤاخذك في هذا الوقت ثم يؤاخذك بعد هذا فتتأذى معه ومن المصلحة ~~عندي أن تغيب عنه فتجهز ابن المشجر للحج وركب في البحر فغرق فرآه صاحبه في ~~النوم فسأله عن حاله فقال ما أقصر الربان معنا أرسى بنا على باب الجنة رحمه ~~الله تعالى وذلك ببركة جميل نيته وحسن قصده ومن أخباره المستطرفة التي تدخل ~~في أبواب الفرج بعد الشدة ما حدث به بعض الرؤساء أن ولي الدولة ابن خيران ~~استحضره الحاكم ذات يوم وقال له يا ولي الدولة إني أريد أن أزوج مملوكي ~~فلانا على جاريتي فلانة بعد عتقهما وكذلك آخر لأخرى فخذ هاتين الشقتين ~~واخطب فيهما خطبتين حسنتين وانسق الصداق والمهر بعد ذلك على ما تقتضيه ~~صناعة الوراق وبكر إلينا من الفجر PageV05P295 # ولا تتأخر فقبل ذلك من الحاكم بالسمع والطاعة وانصرف ~~ووصل إلى داره بمصر وأسهر نفسه واستنتج قريحته وجود فكرته وعمل ما أشار له ~~في الكتابين ولم يزل في السهر إلى وقت السحر فاستحثه الرسل فقام ليتوضأ ~~ويتهيأ إليه فعثرت رجله في المحبرة فتطرطش الكتابين فلطم وجهه ووقع مغشيا ~~عليه وانقبض أهله وعلم أنه مقتول فوصى أهله الوصية التامة وركب وأخذ ~~الكتابين في كمه مطويين ولم يزل إلى أن دخل من باب القاهرة ووصل إلى القصر ~~مغلسا والرسل والحجاب منتظرون قدومه وحين وصل أذن له في الدخول فوجد الحاكم ~~في الإيوان الكبير جالسا على سرير وبين يديه طشطان وعليهما قوارتان فلما ~~رأى الحاكم قبل الأرض ووقف صامتا فقال له يا ولي الدولة اكشف هذين الطشطين ~~فكشف عنهما فإذا في كل منهما رأس رجل ورأس امرأة فقال هؤلاء اطلعنا منهم ~~على قضية منحوسة وفساد لا ينبغي الصبر عليه ففعلنا بهم ما فعلنا وتلك ~~الثوبان خذهما فصلهما لأهلك امض لشأنك فخرج من بين ms1456 يديه مغشيا عليه فأقام ~~في الديوان إلى أن سكنت نفسه وهدأ روعه وكتب إلى أهله رقعة يأمرهم فيها ~~بالسكون والسكوت إلى أن يجتمع بهم والحاكم المذكور هو الذي بنى الجامع ~~الكبير بالقاهرة بعد أن كان قد شرع فيه والده العزيز بالله كما سيأتي ذكره ~~في ترجمته إن شاء الله تعالى وأكمله وأبده وبنى جامع راشدة بظاهر مصر وكان ~~شروعه في عمارته يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين ~~وثلاثمائة وكان متولي بنائه الحافظ أبا محمد عبد الغني بن سعيد والمصحح ~~لمحرابه أبا الحسن علي بن يونس المنجم وقد تقدم ذكرهما وأنشأ عدة مساجد ~~بالقرافة وغيرها وحمل إلى الجوامع من المصاحف والآلات الفضية والستور ~~والحصر السامان ما له قيمة طائلة وكان يفعل الشيء وينقضه وخرج عليه في سنة ~~خمس وتسعين وثلاثمائة أبو ركوة الوليد بن هشام العثماني PageV05P296 # الأندلسي وكان خروجه في نواحي برقة ومال إليه خلق عظيم ~~وسير إليه الحاكم المذكور جيشا كبيرا وانتصر عليهم وملك ثم تكاثروا عليه ~~وأمسكوه ويقال إنه قتل من أصحابه مقدار سبعين ألفا وكان قبضهم إياه في سنة ~~سبع وتسعين وحمل إلى الحاكم فشهره وقتله يوم الأحد السابع والعشرين من ~~جمادى الآخرة من السنة وحديثه مستوفى في تاريخ ابن الصابي وكانت ولادته ~~بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين ~~وثلاثمائة وكان يحب الانفراد والركوب على بهيمة وحده فاتفق أنه خرج ليلة ~~الاثنين السابع والعشرين من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة إلى ظاهر مصر ~~وطاف ليلته كلها وأصبح عند قبر الفقاعي ثم توجه إلى شرقي حلوان ومعه ~~ركابيان فأعاد أحدهما مع تسعة من العرب السويديين ثم أعاد الركابي الآخر ~~وذكر هذا الركابي أنه خلفه عند القبر والمقصبة وبقي الناس على رسمهم يخرجون ~~يلتمسون رجوعه ومعهم دواب الموكب إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور ثم خرج ~~يوم الأحد ثاني ذي القعدة مظفر صاحب المظلة وخطى الصقلبي ونسيم متولي الستر ~~وابن بشتكين التركي صاحب الرمح وجماعة من الأولياء الكتاميين والأتراك ~~فبلغوا ms1457 دير القصير والموضع المعروف بسلوان ثم أمعنوا في الدخول في الجبل ~~فبينما هم كذلك إذ أبصروا حماره الأشهب الذي كان راكبا عليه المدعو بالقمر ~~وهو على قرنة الجبل وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما وعليه سرجه ولجامه ~~فتتبعوا الأثر فإذا أثر الحمار في الأرض وأثر راجل خلفه وراجل PageV05P297 # قدامه فلم يزالوا يقصون هذا الأثر حتى انتهوا إلى ~~البركة التي في شرقي حلوان فنزل إليها بعض الرجالة فوجد فيها ثيابه وهي سبع ~~جباب ووجدت مزررة لم تحل أزرارها وفيها آثار السكاكين فأخذت وحملت إلى ~~القصر بالقاهرة ولم يشك في قتله مع أن جماعة من المغالين في حبهم السخيفي ~~العقول يظنون حياته وأنه لا بد أن سيظهر ويحلفون بغيبة الحاكم وتلك خيالات ~~هذيانية ويقال إن أخته دست عليه من يقتله لأمر يطول شرحه والله أعلم وابن ~~المشجر بضم الميم وفتح الشين المعجمة والجيم المشددة وبعدها راء وحلوان بضم ~~الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الواو وبعد الألف نون وهي قرية مليحة كثيرة ~~النزه فوق مصر بمقدار خمسة أميال كان يسكنها عبد العزيز بن مروان بن الحكم ~~الأموي لما كان واليا بمصر نيابة عن أخيه عبد الملك أيام خلافته وبها توفي ~~وبها ولد ولده عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه PageV05P298 # 743 الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور الملقب الآمر ~~بأحكام الله بن المستعلي بن المستنصر بن الظاهر ابن الحاكم العبيدي المذكور ~~قبله وقد تقدم بقية نسبه وسبق ذكر والده في الأحمدين في حرف الهمزة وبويع ~~الآمر بالولاية يوم مات أبوه في التاريخ المذكور في ترجمته وقام بتدبير ~~دولته الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش المذكور في حرف الشين وكان وزير والده ~~وقد ذكرنا في ترجمته طرفا من أخبار الآمر المذكور ولما اشتد الآمر وفطن ~~لنفسه قتل الأفضل حسبما تقدم شرحه واستوزر المأمون أبا عبد الله محمد بن ~~أبي شجاع فاتك بن أبي الحسن مختار المعروف بابن فاتك البطائحي فاستولى هذا ~~الوزير عليه وقبح سمعته وأساء السيرة ولما كثر ذلك منه قبض عليه الآمر أيضا ms1458 ~~ليلة السبت رابع شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة واستصفى جميع أمواله ثم ~~قتله في رجب سنة إحدى وعشرين وصلب بظاهر القاهرة وقتل معه خمسة من إخوته ~~أحدهم يقال له المؤتمن وكان متكبرا متجبرا خارجا عن طوره وله أخبار مشهورة ~~ثم ظهر في مدة القبض على المأمون المصادرات على يد الراهب المسمى أبا شجاع ~~بن قسا فلم يبق أحد إلا وناله بمكروه من ضرب ونهب مال وكان هذا الراهب ~~الملعون في ابتداء حاله يخدم ولي الدولة أبا البركات بن يحيى بن أبي الليث ~~ثم اتصل بالآمر وبذل له في مصادرة قوم من النصارى مائة ألف دينار فأطلق يده ~~فيهم وتسلسل الحال إلى أن عم البلاد جميع رؤساء مصر وقضاتها وكتابها ~~PageV05P299 # وشهودها وسوقتها إلى أن صادر رجلا حمالا فأخذ عشرين ~~دينارا ثمن جمل باعه لم يكن يملك سواه وارتفع عنده إلى أن كان يستعمل بتنس ~~ودمياط ملابس مخصوصة من الصوف الأبيض معلمة بالذهب فكان يلبسها ويلبس فوقها ~~الدماقس والديباج وكان يتطيب من المسك بعدة من المثاقيل كل يوم وكان يشم ~~رائحة طيبه من مكان بعيد وكان يركب الحمر بالسروج المحلاة بالذهب والفضة ~~ويدخل إلى دهليز القاعة المعروفة بلباس الخطباء بالجامع العتيق بمصر فيجلس ~~هناك ويستدعي الناس للمصادرة وأقام كذلك مدة إلى أن قتل في سنة ثلاث وعشرين ~~على يد المقداد الوالي بمصر ثم صلب عند الجسر ذكر أنه لما قبض على دار ~~الراهب وجد فيها مكان فيه ثمانمائة طراحة جدد لم تستعمل قدرت إلى السقف هذا ~~نوع واحد قليل الاستعمال فكيف ما عداه من الديباج وأنواع المتاع الفاخر ~~وكان الآمر سئ الرأي جائر السيرة مستهترا متظاهرا باللهو واللعب وفي أيامه ~~أخذ الفرنج مدينة عكا في شعبان سنة سبع وتسعين وأربعمائة وأخذوا طرابلس ~~الشام بالسيف يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين ~~وخمسمائة وكان أخذهم لها بالسيف ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا نساءها ~~وأطفالها وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها وكتب دار علمها وما كان في ~~خزائن ms1459 أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصى وعوقب من بقي من أهلها واستصفيت ~~أموالهم ثم وصلتها نجدة المصريين بعد فوات الأمر فيها وفي هذه السنة ملكوا ~~عرقة وكان نزولهم عليها أول شعبان من السنة المذكورة وفيها ملكوا بانياس ~~وفيها تسلموا جبيل بالأمان وتسلموا قلعة تبنين يوم الجمعة لثمان بقين من ذي ~~الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة ثم تسلموا مدينة صور يوم الاثنين لسبع بقين ~~من جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وخمسمائة وكان الوالي بها من جهة الأتابك ~~ظهير الدين طغتكين المذكور في حرف التاء PageV05P300 # في ترجمة تتش بن ألب أرسلان وكان يومئذ صاحب دمشق وما ~~والاها ولما ملكوا صور ضربوا السكة باسم الآمر المذكور مدة ثلاث سنين ثم ~~قطعوا ذلك وأخذوا بيروت يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ثلاث ~~وخمسمائة بالسيف وأخذوا صيدا لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسمائة ~~273 وفي أيام الآمر أيضا سنة أربع وخمسمائة وقيل سنة إحدى عشرة والله أعلم ~~قصد بردويل الإفرنجي الديار المصرية ليأخذها وانتهى إلى الفرما ودخلها ~~وأحرقها وأحرق جامعها ومساجدها وأبواب البلد وقتل بها رجلا مقعدا وابنته ~~فذبحها على صدره ورحل عنها وهو مريض فهلك في الطريق قبل وصوله إلى العريش ~~فشق أصحابه بطنه ورموا حشوته هناك فهي ترجم إلى اليوم ورجلوا بجثته فدفنوها ~~بقمامة وسبخة بردويل التي في وسط الرمل على طريق الشام منسوبة إلى بردويل ~~المذكور والحجارة الملقاة هناك والناس يقولون هذا قبر بردويل وإنما هو هذه ~~الحشوة وكان بردويل صاحب البيت المقدس وعكا ويافا وعدة بلاد من ساحل الشام ~~وهو الذي أخذ هذه البلاد المذكورة من المسلمين وفي هذه السنة أيضا خرج ~~المهدي محمد بن تومرت المقدم ذكره من مصر وصاحبها الآمر المذكور إلى بلاد ~~المغرب في زي الفقهاء وجرى له هناك ما سبق شرحه في ترجمته وكانت ولادة ~~الآمر يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم وقيل ثاني المحرم سنة تسعين وأربعمائة ~~بالقاهرة وتولى وعمره خمس سنين ولما انقضت أيامه خرج من القاهرة صبيحة يوم ~~الثلاثاء ثالث ذي ms1460 القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ونزل إلى مصر وعدى على ~~الجسر إلى الجزيرة التي قبالة مصر فكمن له قوم بالأسلحة وتواعدوا على قتله ~~في السكة التي يمر فيها إلى فرن هناك فلما مر بهم وثبوا PageV05P301 # عليه فعلبوا عليه بأسيافهم وكان قد جاوز الجسر وحده مع ~~عدة قليلة من غلمانه وبطانته وخاصته وشيعته فحمل في النيل في زورق ولم يمت ~~وأدخل القاهرة وهو حي وجئ به إلى القصر من ليلته فمات ولم يعقب وهو العاشر ~~من أولاد المهدي عبيد الله القائم بسجلماسة المقدم ذكره وانتقل الأمر إلى ~~ابن عمه الحافظ عبد المجيد المقدم ذكره رحمهم الله تعالى وكان قبيح السيرة ~~ظلم للناس وأخذ أموالهم وسفك دماءهم وارتكب المحذورات واستحسن القبائح ~~المحظورات فابتهج الناس بقتله وكان ربعة شديد الأدمة جاحظ العينين حسن الخط ~~والمعرفة والعقل وأما المأمون ابن البطائحي الوزير المذكور فهو الذي بنى ~~الجامع الأقمر بالقاهرة سنة خمس عشرة وخمسمائة وكان الأفضل ابن أمير الجيوش ~~قد شرع في عمارة جامع النيل بظاهر مصر عند الرصد المطل على بركة حبش في سنة ~~ثمان وتسعين وأربعمائة ولم يكمله فأكمله المأمون بعده في مدة وزارته والله ~~أعلم بالصواب 744 قطب الدين مودود قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن ~~آق سنقر المعروف بالأعرج صاحب الموصل وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة أخيه ~~نور الدين محمود صاحب الشام وذكر أولاده الثلاثة وهم سيف الدين غازي الذي ~~تولى السلطنة بعده وعز الدين مسعود وعماد الدين زنكي صاحب سنجار واستوعبت ~~في PageV05P302 # ترجمة غازي ما جرى من نور الدين عقيب موت قطب الدين ~~المذكور وأنه قصد الموصل ثم قرر أمر غازي المذكور فيها ورتب أحوال أولاد ~~أخيه كلهم وفي تلك السفرة بنى نور الدين الجامع النوري داخل الموصل وهو ~~مشهور هناك يقام فيه الجمعة وكان سبب عمارته ما حكاه العماد الأصبهاني في ~~البرق الشامي عند ذكره لوصول نور الدين إلى الموصل أنه كان بالموصل خربة ~~متوسطة البلد واسعة وقد أشاعوا عنها ما ينفر القلوب منها وقالوا ms1461 ما شرع في ~~عمارتها إلا من ذهب عمره ولم يتم على مراده أمره فأشار عليه الشيخ الزاهد ~~معين الدين عمر الملا وكان من كبار الصالحين بابتياع الخربة وبنائها جامعا ~~وأنفق فيها أموالا جزيلة ووقف على الجامع ضيعة من ضياع الموصل وكان قطب ~~الدين قد تولى السلطنة بالموصل وتلك البلاد عقيب موت أخيه سيف الدين غازي ~~الأكبر المقدم ذكره أيضا وكان حسن السيرة عادلا في حكمه وفي دولته عظم شأن ~~جمال الدين محمد الوزير الأصبهاني المعروف بالجواد المقدم ذكره وهو الذي ~~قبض عليه حسبما سبق شرحه وكان مدبر دولته وصاحب رأيه الأمير زين الدين علي ~~كجك والد مظفر الدين صاحب إربل وكان نعم المدبر والمشير لصلاحه وخيره وحسن ~~مقاصده مع شجاعة تامة وفروسية مشهورة وقد تقدم أيضا ذكره في ترجمة ولده ~~مظفر الدين في حرف الكاف ولم يزل قطب الدين المذكور على سلطنته ونفاذ كلمته ~~إلى أن توفي في شوال سنة خمس وستين وخمسمائة وقيل في الثاني والعشرين من ذي ~~الحجة من السنة المذكورة وذكر أسامة بن منقذ في كتاب له صغير ذكر فيه من ~~أدركه في عمره من ملوك البلاد أن قطب الدين المذكور توفي سلخ ربيع الآخر ~~سنة ست وستين وخمسمائة وليس بصحيح فإن أخاه نور الدين كان بالموصل في شهر ~~ربيع الآخر وجاءته رسل الخليفة وهو مخيم على الموصل في الشهر المذكور ولم ~~يتوجه نور الدين إليها إلا بعد وفاة أخيه قطب الدين وكانت وفاته بالموصل ~~ومدة عمره أكثر من أربعين سنة بقليل وخلف عدة أولاد وأكثرهم ملك البلاد وقد ~~تقدم ذكر أبيه وجده وجماعة من أهل بيته رحمهم الله تعالى PageV05P303 # 745 مؤرج السدوسي أبو فيد مؤرج بن عمرو بن الحارث بن ~~ثور بن حرملة بن علقمة بن عمرو بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة ~~السدوسي النحوي البصري أخذ العربية عن الخليل بن أحمد وروى الحديث عن شعبة ~~بن الحجاج وأبي عمرو ابن العلاء وغيرهما وكان يقول قدمت من البادية ولا ~~معرفة لي بالقياس ms1462 في العربية وإنما كانت معرفتي قريحة وأول ما تعلمت القياس ~~في حلقة أبي زيد الأنصاري بالبصرة ودخل الأخفش سعيد بن مسعدة على محمد بن ~~المهلب فقال له محمد من أين جئت فقال الأخفش من عند القاضي يحيى بن أكثم ~~قال فما جرى عنده قال سألني عن الثقة المأمون المقدم من أصحاب الخليل بن ~~أحمد من هو ومن الذي كان يوثق بعلمه فقلت النضر بن شميل وسيبويه ومؤرج ~~السدوسي وكان الغالب على مؤرج المذكور اللغة والشعر وله عدة تصانيف منها ~~كتاب الأنواء وهو كتاب حسن وكتاب غريب القرآن وكتاب جماهير القبائل وكتاب ~~المعاني وغير ذلك واختصر نسب قريش في مجلد لطيف سماه حذف نسب قريش وكان قد ~~رحل مع المأمون من العراق إلى خراسان وسكن مدينة مرو وقدم نيسابور وأقام ~~بها وكتب عنه مشايخها وكان له شعر فمن ذلك ما أنشده هارون بن علي بن يحيى ~~المنجم في كتابه المسمى ب البارع وهو (روعت بالبين حتى ما أراع له * ~~وبالمصائب من أهلي وجيراني) PageV05P304 # (لم يترك الدهر لي علقا أضن به * إلا اصطفاه بنأي أو ~~بهجران) ثم قال ابن المنجم المذكور وهذان البيتان من أملح ما قيل في معناها ~~ومثلهما في معناهما لبعض المحدثين (وفارقت حتى ما أراع من النوى * وإن غاب ~~جيران علي كرام) (فقد جعلت نفسي على اليأس تنطوي * وعيني على هجر الصديق ~~تنام) ومن هاهنا أخذ ابن التعاويذي المقدم ذكره قوله (وها أنا لا قلبي يراع ~~لفائت * فيأسى ولا يلهيه حظ فيفرح) وهذا البيت من جملة قصيدة يذكر فيها ~~توجعه لذهاب بصره فمنها قوله مشيرا إلى زوجته (وباكية لم تشك فقدا ولا رمى ~~* بجيرتها الأدنين نأي مطوح) (رمتها يد الأيام في ليث غابها * بفادح خطب ~~والحوادث تفدح) (رأت جللا لا الصبر يجمل بالفتى * على مثله يوما ولا الحزن ~~يقبح) (فلا غرو أن تبكي الدماء لكاسب * لها كان يسعى في البلاد ويكدح) ~~(عزيز عليها أن تراني جاثما * وما لي في الأرض البسيطة مسرح) (وأن لا أقود ~~العيس تنفح في البرى ms1463 * وجرد المذاكي في الأعنة تمرح) (أظل حبيسا في قرارة ~~منزل * رهين أسى أمسي عليه وأصبح) (مقامي منه مظلم الجو قاتم * ومسعاي ضنك ~~وهو صمحان أفيح) (أقاد به قود الجنيبة مسمحا * وما كنت لولا غدرة الدهر ~~أسمح) (كأني ميت لا ضريح لجنبه * وما كل ميت لا أبالك يضرح) PageV05P305 # (وها أنا لا قلبي يراع لفائت * فيأسى ولا يلهيه حظ ~~فيفرح) (فلله نصل فل مني غراره * وعود شباب عاد وهو مصوح) (وسقيا لأيام ~~ركبت بها الهوى * جموحا ومثلي في هوى الغيد يجمح) (وماضي صبا قضيت منه ~~لبانتي * خلاسا وعين الدهر زرقاء تلمح) (ليالي لي عند الغواني مكانة * ~~فألحاظها ترنو إلي وتطمح) (وليلى بها أضعاف ما بي من الهوى * أعرض بالشكوى ~~لها فتصرح) وهي طويلة طنانة يمدح بها الإمام الناصر لدين الله خليفة بغداد ~~وقال المرزباني وجدت بخط محمد بن العباس اليزيدي ما مثاله أهدى أبو فيد ~~مؤرج السدوسي إلى جدي محمد بن أبي محمد كساء فقال جدي فيه يمدحه (سأشكر ما ~~أولى ابن عمرو مؤرج * وأمنحه حسن الثناء مع الود) (أغر سدوسي نماه إلى ~~العلى * أب كان صبا بالمكارم والمجد) (أتينا أبا فيد نؤمل سيبه * ونقدح ~~زندا غير كأب ولا صلد) (فأصدرنا بالري والبذل واللهى * وما زال محمود ~~المصادر والورد) (كساني ولم أستكسه متبرعا * وذلك أهنى ما يكون من الرفد) ~~(كسانيه فضفاضا إذا ما لبسته * تروحت مختالا وجرت عن القصد) (كساء جمال إن ~~أردت جمالة * وثوب شتاء إن خشيت من البرد) (ترى حبكا فيه كأن اطرادها * ~~فرند حديث صقله سل من غمد) (سأشكر ما عشت السدوسي بره * وأوصي بشكر للسدوسي ~~من بعدي) وأخبار مؤرج كثيرة وقال ابن النديم وجدت بخط عبد الله بن المعتز ~~مؤرج بن عمرو السدوسي كان من أصحاب الخليل بن أحمد وتوفي سنة خمس وتسعين ~~ومائة في اليوم الذي توفي فيه أبو نواس وهذا إنما يستقيم على قول من ذهب ~~إلى أن أبا نواس PageV05P306 # توفي سنة خمس وتسعين ومائة وقد سبق الخلاف فيه ورأيت ~~في كتاب الأنوار في أوله ما ms1464 مثاله قال أبو علي إسماعيل بن يحيى بن المبارك ~~اليزيدي قرأنا هذا الكتاب على المؤرج بجرجان ثم قدمنا مع المأمون العراق ~~سنة أربع ومائتين فخرج المؤرج إلى البصرة ثم مات بها رحمه الله تعالى وهذا ~~خلاف للأول والله أعلم بالصواب وأما مؤرج فلا خلاف أنه مات في هذه السنة ~~وقد ذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف وغيره وفيد بفتح الفاء وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة وهو في الأصل ورد الزعفران وقيل هو ~~الزعفران بعينه ومؤرج بضم الميم وفتح الواو المهموزة وكسر الراء المشددة ~~وبعدها جيم وهو اسم فاعل من قولهم أرجت بين القوم إذا أغريت بينهم وقد تقدم ~~الكلام على السدوسي في ترجمة قتادة في حرف القاف وقيل إن اسمه مرثد ومؤرج ~~لقب له ومرثد بفتح الميم والثاء المثلثة وراء ساكنة وفي الآخر دال مهملة ~~قال الجوهري في كتاب الصحاح يقال رثدت المتاع نضدته ووضعت بعضه على بعض أو ~~إلى جنب بعض ثم قال بعد ذلك تركت بني فلان مرتثدين ما تحملوا بعد أي ناضدين ~~متاعهم قال ابن السكيت ومنه اشتق مرثد وهو اسم رجل والمرثد اسم من أسماء ~~الأسد وكان مؤرج يقول اسمي وكنيتي غريبان اسمي مؤرج والعرب تقول أرجت بين ~~القوم و أرشت وأنا أبو فيد والفيد ورد الزعفران ويقال فاد الرجل يفيد فيدا ~~إذا مات والله أعلم بالصواب PageV05P307 # 746 موسى الكاظم أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ~~بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنهم أحد الأئمة الاثني عشر رضي الله عنهم أجمعين قال الخطيب في تاريخ ~~بغداد كان موسى يدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده روي أنه دخل مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد سجدة في أول الليل وسمع وهو يقول في ~~سجوده عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة ~~فجعل يرددها حتى أصبح وكان سخيا كريما وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث ~~إليه ms1465 بصرة فيها ألف دينار وكان يصر الصرر ثلاثمائة دينار وأربعمائة دينار ~~ومائتي دينار ثم يقسمها بالمدينة وكان يسكن المدينة فأقدمه المهدي بغداد ~~وحبسه فرأى في النوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يقول يا محمد (فهل ~~عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) (محمد 22) قال الربيع ~~فأرسل إلي ليلا فراعني ذلك فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية وكان أحسن الناس ~~صوتا وقال علي بموسى بن جعفر فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جنبه وقال يا أبا ~~الحسن إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم يقرأ ~~علي كذا فتؤمنني أن تخرج علي أو على أحد من أولادي فقال والله PageV05P308 # لا فعلت ذلك ولا هو من شأني قال صدقت أعطه ثلاثة آلاف ~~دينار ورده إلى أهله إلى المدينة قال الربيع فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلا ~~وهو في الطريق خوف العوائق وأقام بالمدينة إلى أيام هارون الرشيد فقدم ~~هارون منصرفا من عمرة شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة فحمل موسى معه إلى ~~بغداد وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه وذكر أيضا أن هارون الرشيد حج فأتى ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم زائرا وحوله قريش ورؤساء القبائل ومعه موسى ~~بن جعفر فقال السلام عليك يا رسول الله يا ابن عم افتخارا على من حوله فقال ~~موسى السلام عليك يا أبت فتغير وجه هارون الرشيد وقال هذا هو الفخر يا أبا ~~الحسن حقا انتهى كلام الخطيب وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ~~في كتاب مروج الذهب في أخبار هارون الرشيد إن عبد الله بن مالك الخزاعي كان ~~على دار هارون الرشيد وشرطته فقال أتاني رسول الرشيد وقتا ما جاءني فيه قط ~~فانتزعني من موضعي ومنعني من تغيير ثيابي فراعني ذلك فلما صرت إلى الدار ~~سبقني الخادم فعرف الرشيد خبري فأذن لي في الدخول عليه فدخلت فوجدته قاعدا ~~على فراشه فسلمت عليه فسكت ساعة فطار عقلي وتضاعف الجزع علي ثم قال ms1466 يا عبد ~~الله أتدري لم طلبتك في هذا الوقت قلت لا والله يا أمير المؤمنين قال إني ~~رأيت الساعة في منامي كأن حبشيا قد أتاني ومعه حربة فقال إن خليت عن موسى ~~بن جعفر الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة فاذهب فخل عنه قال فقلت يا أمير ~~المؤمنين أطلق موسى بن جعفر ثلاثا قال نعم امض الساعة حتى تطلق موسى بن ~~جعفر وأعطه ثلاثين ألف درهم وقل له إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحب ~~وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك لك قال فمضيت إلى الحبس لأخرجه ~~فلما رآني موسى PageV05P309 # وثب إلي قائما وظن أني قد أمرت فيه بمكروه فقلت لا تخف ~~فقد أمرني بإطلاقك وأن أدفع لك ثلاثين ألف درهم وهو يقول لك إن أحببت ~~المقام قبلنا فلك كل ما تحب وإن أحببت الانصراف إلى المدينة فالأمر في ذلك ~~مطلق لك وأعطيته ثلاثين ألف درهم وخليت سبيله وقلت له لقد رأيت من أمرك ~~عجبا قال فإني أخبرك بينما أنا نائم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا موسى حبست مظلوما فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في ~~الحبس فقلت بأبي وأمي ما أقول قال قل يا سامع كل صوت ويا سابق الفوت ويا ~~كاسي العظام لحما ومنشرها بعد الموت أسألك بأسمائك الحسنى وباسمك الأعظم ~~الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين يا حليما ذا ~~أناة لا يقوى على أناته يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا ولا يحصى عددا ~~فرج عني فكان ما ترى وله أخبار ونوادر كثيرة وكانت ولادته يوم الثلاثاء قبل ~~طلوع الفجر سنة تسع وعشرين ومائة وقال الخطيب سنة ثمان وعشرين بالمدينة ~~وتوفي لخمس بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة وقيل سنة ست وثمانين ببغداد ~~وقيل إنه توفي مسموما وقال الخطيب توفي في الحبس ودفن في مقابر الشونيزيين ~~خارج القبة وقبره هناك مشهور يزار وعليه مشهد عظيم فيه قناديل الذهب والفضة ~~وأنواع الآلات والفرش ما ms1467 لا يحد وهو في الجانب الغربي وقد سبق ذكر أبيه ~~وأجداده وجماعة من أحفاده رضي الله عنهم وأرضاهم وكان الموكل به مدة حبسه ~~السندي بن شاهك جد كشاجم الشاعر المشهور PageV05P310 # 747 كمال الدين ابن يونس أبو الفتح موسى بن أبي الفضل ~~يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد الملقب كمال الدين الفقيه الشافعي ~~تفقه بالموصل على والده ثم توجه إلى بغداد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وأقام ~~بالمدرسة النظامية يشتغل على المعيد بها السديد السلماسي المقدم ذكره وكان ~~المدرس بها يومئذ الشيخ رضي الدين أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن ~~محمد بن العباس القزويني فقرأ الخلاف والأصول وبحث الأدب على الكمال أبي ~~البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري المقدم ذكره فتميز ومهر وكان قد قرأ ~~أولا على الشيخ أبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى وهو بالموصل ثم أصعد إلى الموصل وعكف على الاشتغال ودرس بعد وفاة ~~والده في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى في موضعه بالمسجد ~~المعروف بالأمير زين الدين صاحب إربل وهذا المسجد رأيته وهو على وضع ~~المدرسة ويعرف الآن بالمدرسة الكمالية لأنه نسب إلى كمال الدين المذكور ~~لطول إقامته به ولما اشتهر فضله انثال عليه الفقهاء وتبحر في جمع الفنون ~~وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وتفرد بعلم الرياضة ولقد رأيته بالموصل في ~~شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة وترددت إليه دفعات عديدة لما كان بينه ~~وبين الوالد رحمه الله من المؤانسة والمودة الأكيدة ولم يتفق لي الأخذ عنه ~~لعدم الإقامة وسرعة الحركة إلى الشام وكان الفقهاء يقولون إنه يدري أربعة ~~PageV05P311 # وعشرين فنا دراية متقنة فمن ذلك المذهب وكان فيه أوحد ~~الزمان وكان جماعة من الطائفة الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم ويحل لهم مسائل ~~الجامع الكبير أحسن حل مع ما هي عليه من الإشكال المشهور وكان يتقن فني ~~الخلاف العراقي والبخاري وأصول الفقه وأصول الدين ولما وصلت كتب فخر الدين ~~الرازي إلى الموصل وكان بها ms1468 إذ ذاك جماعة من الفضلاء لم يفهم أحد منهم ~~اصطلاحه فيها سواه وكذلك الإرشاد للعميدي لما وقف عليها حلها في ليلة واحدة ~~وأقرأها على ما قالوه وكان يدري فن الحكمة المنطق والطبيعي والإلهي وكذلك ~~الطب ويعرف فنون الرياضة من أقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي ~~المجسطي لفظة يونانية معناها بالعربي الترتيب ذكر ذلك الوكري في كتابه ~~وأنواع الحساب المفتوح منه والجبر والمقابلة والأرثماطيقي وطريق الخطأين ~~والموسيقى والمساحة معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في ظواهر هذه العلوم دون ~~دقائقها والوقوف على حقائقها وبالجملة فلقد كان كما قال الشاعر (وكان من ~~العلوم بحيث يقضى * له في كل فن بالجميع) واستخرج في علم الأوفاق طرقا لم ~~يهتد إليها أحد وكان يبحث في العربية والتصريف بحثا تاما مستوفى حتى إنه ~~كان يقرئ كتاب سيبويه والإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي والمفصل للزمخشري ~~وكان له في التفسير والحديث وأسماء الرجال وما يتعلق به يد جيدة وكان يحفظ ~~من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم والأشعار والمحاضرات شيئا كثيرا وكان أهل ~~الذمة يقرءون عليه التوراة والإنجيل ويشرح لهما هذين الكتابين شرحا يعترفون ~~PageV05P312 # أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله وكان في كل فن من ~~هذه الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه وبالجملة فإن مجموع ما كان يعلمه ~~من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه قد جمعه ولقد جاءنا الشيخ أثير ~~الدين المفضل بن عمر بن المفضل الأبهري صاحب التعليقة في الخلاف والزيج ~~والتصانيف المشهورة من الموصل إلى إربل في سنة ست وعشرين وستمائة وقبلها في ~~خمس وعشرين وستمائة ونزل بدار الحديث وكنت أشتغل عليه بشيء من الخلاف ~~فبينما أنا يوما عنده إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد وكان فاضلا فتجاريا في ~~الحديث زمانا وجرى ذكر الشيخ كمال الدين في أثناء الحديث فقال له الأثير ~~لما حج الشيخ كمال الدين ودخل بغداد كنت هناك فقال نعم فقال كيف كان إقبال ~~الديوان العزيز عليه فقال ذلك الفقيه ما أنصفوه على قدر استحقاقه فقال ~~الأثير ما هذا إلا عجب ms1469 والله ما دخل إلى بغداد مثل الشيخ فاستعظمت منه هذا ~~الكلام وقلت له يا سيدنا كيف تقول كذا فقال يا ولدي ما دخل إلى بغداد مثل ~~أبي حامد الغزالي ووالله ما بينه وبين الشيخ نسبة وكان الأثير على جلالة ~~قدره في العلوم يأخذ الكتاب ويجلس بين يديه يقرأ عليه والناس يوم ذاك ~~يشتغلون في تصانيف الأثير ولقد شاهدت هذا بعيني وهو يقرأ عليه كتاب المجسطي ~~ولقد حكى لي بعض الفقهاء أنه سأل الشيخ كمال الدين عن الأثير ومنزلته في ~~العلوم فقال ما أعلم فقال وكيف هذا يا مولانا وهو في خدمتك منذ سنين عديدة ~~ويشتغل عليك فقال لأني مهما قلت له تلقاه بالقبول وقال نعم يا مولانا فما ~~جاذبني في مبحث قط حتى أعلم حقيقة فضله ولا شك أنه كان يعتمد هذا القدر مع ~~الشيخ تأدبا وكان معيدا عنده في المدرسة البدرية وكان يقول ما تركت بلادي ~~وقصدت الموصل إلا للاشتغال على الشيخ PageV05P313 # وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن ~~المعروف بابن الصلاح المقدم ذكره يبالغ في الثناء على فضائله وتعظيم شأنه ~~وتوحده في العلوم فذكره يوما وشرع في وصفه على عادته فقال له بعض الحاضرين ~~يا سيدنا على من اشتغل ومن كان شيخه فقال هذا الرجل خلقه الله تعالى عالما ~~إماما في فنونه لا يقال على من اشتغل ولا من شيخه فإنه أكبر من هذا وحكى لي ~~بعض الفقهاء بالموصل أن ابن الصلاح المذكور سأله أن يقرأ عليه شيئا من ~~المنطق سرا فأجابه إلى ذلك وتردد إليه مدة فلم يفتح عليه فيه بشيء فقال له ~~يا فقيه المصلحة عندي أن تترك الاشتغال بهذا الفن فقال له ولم ذاك يا ~~مولانا فقال لأن الناس يعتقدون فيك الخير وهم ينسبون كل من اشتغل بهذا الفن ~~إلى فساد الاعتقاد فكأنك تفسد عقائدهم فيك ولا يحصل لك من هذا الفن شيء ~~فقبل إشارته وترك قراءته ومن يقف على هذه الترجمة فلا ينسبني إلى المغالاة ~~في حق الشيخ ومن كان من ms1470 أهل تلك البلاد وعرف ما كان عليه الشيخ عرف أني ما ~~أعرته وصفا ونعوذ بالله من الغلو والتساهل في النقل ولقد ذكره أبو البركات ~~المبارك بن المستوفي المقدم ذكره في تاريخ إربل فقال هو عالم مقدم ضرب في ~~كل علم وهو في علم الأوائل كالهندسة والمنطق وغيرهما ممن يشار إليه حل ~~أقليدس والمجسطي على الشيخ شرف الدين المظفر بن محمد بن المظفر الطوسي ~~الفارابي يعني صاحب الأصطرلاب الخطي المعروف بالعصا ثم قال ابن المستوفي ~~وردت عليه مسائل من بغداد في مشكلات هذا العلم فحلها واستصغرها ونبه على ~~براهينها بعد أن احتقرها وهو في الفقه والعلوم PageV05P314 # الإسلامية نسيج وحده ودرس في عدة مدارس بالموصل وتخرج ~~عليه خلق كثير في كل فن ثم قال أنشدنا لنفسه وأنفذها إلى صاحب الموصل يشفع ~~عنده (لئن شرفت أرض بمالك رقها * فمملكة الدنيا بكم تتشرف) (بقيت بقاء ~~الدهر أمرك نافذ * وسعيك مشكور وحكمك منصف) (ومكنت في حفظ البسيطة مثل ما * ~~تمكن في أمصار فرعون يوسف) قلت أنا ولقد أنشدني هذه الأبيات عنه أحد ~~أصحابنا بمدينة حلب وكنت بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وبها رجل فاضل في ~~علوم الرياضة فأشكل عليه مواضع في مسائل الحساب والجبر والمقابلة والمساحة ~~واقليدس فكتب جميعها في درج وسيرها إلى الموصل ثم بعد أشهر عاد جوابه وقد ~~كشف عن خفيها وأوضح غامضها وذكر ما يعجز الإنسان عن وصفه ثم كتب في آخر ~~الجواب فليمهد العذر في التقصير في الأجوبة فإن القريحة جامدة والفطنة ~~خامدة قد استولى عليها كثرة النسيان وشغلتها حوادث الزمان وكثير مما ~~استخرجناه وعرفناه نسيناه بحيث صرنا كأنا ما عرفناه وقال لي صاحب المسائل ~~المذكورة ما سمعت مثل هذا الكلام إلا للأوائل المتقنين لهذه العلوم ما هذا ~~من كلام أبناء هذا الزمان وحكى لي الشيخ الفقيه الرياضي علم الدين قيصر بن ~~أبي القاسم عبد الغني بن مسافر الحنفي المصري المعروف بتعاسيف وكان إماما ~~في علوم الرياضة قال لما أتقنت علوم الرياضة بالديار المصرية ودمشق تاقت ~~نفسي إلى الاجتماع بالشيخ كمال ms1471 الدين لما كنت أسمعه من تفرده بهذه العلوم ~~فسافرت إلى الموصل قصد الاجتماع به فلما حضرت في خدمته وجدته على حلية ~~الحكماء المتقدمين وكنت PageV05P315 # قد طالعت أخبارهم فسلمت عليه وعرفته قصدي له للقراءة ~~عليه فقال لي في أي العلوم تريد تشرع فقلت في الموسيقى فقال مصلحة هو فلي ~~زمان ما قرأه أحد علي فأنا أوثر مذاكرته وتجديد العهد به فشرعت فيه ثم في ~~غيره حتى شققت عليه أكثر من أربعين كتابا في مقدار ستة أشهر وكنت عارفا ~~بهذا الفن لكن كان غرضي الانتساب في القراءة إليه وكان إذا لم أعرف المسألة ~~أوضحها لي وما كنت أجد من يقوم مقامه في ذلك وقد أطلت الشرح في نشر علومه ~~ولعمري لقد اختصرت ولما توفي أخوه الشيخ عماد الدين محمد المقدم ذكره تولى ~~الشيخ المدرسة العلائية موضع أخيه ولما فتحت المدرسة القاهرية تولاها ثم ~~تولى المدرسة البدرية في ذي الحجة سنة عشرين وستمائة وكان مواظبا على إلقاء ~~الدروس والإفادة وحضر في بعض الأيام دروسه جماعة من المدرسين أرباب الطيالس ~~وكان العماد أبو علي عمر بن عبد النور بن ماجوج بن يوسف الصنهاجي اللزني ~~النحوي البجائي حاضرا فأنشد على البديهة قوله (كمال كمال الدين للعلم ~~والعلى * فهيهات ساع في مساعيك يطمع) (إذا اجتمع النظار في كل موطن * فغاية ~~كل أن تقول ويسمعوا) (فلا تحسبوهم من غناء تطيلسوا * ولكن حياء واعترافا ~~تقنعوا) وللعماد المذكور فيه أيضا (تجر الموصل الأذيال فخرا * على كل ~~المنازل والرسوم) (بدجلة والكمال هما شفاء * لهيم أو لذي فهم سقيم) (فذا ~~بحر تدفق وهو عذب * وذا بحر ولكن من علوم) وكان الشيخ سامحه الله تعالى ~~يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة PageV05P316 # عليه وكانت تعتريه غفلة في بعض الأحيان لاستيلاء ~~الفكرة عليه بسبب هذه العلوم فعمل فيه العماد المذكور (أجدك أن قد جاد بعد ~~التعبس * غزال بوصل لي وأصبح مؤنسي) (وعاطيته صهباء من فيه مزجها * كرقة ~~شعري أو كدين ابن يونس) وقد خرجنا عن المقصود إلى ما لا حاجة بنا إليه ~~وكانت ms1472 ولادته يوم الخميس خامس صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة بالموصل وتوفي ~~بها رابع عشر شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة ودفن في تربتهم المعروفة بهم ~~عند تربة عناز خارج باب العراق وقد سبق ذكر ولده شرف الدين أحمد في حرف ~~الهمزة وأخيه عماد الدين في حرف الميم وسيأتي ذكر والده في حرف الياء إن ~~شاء الله تعالى رحمهم الله أجمعين ولما كنت أتردد إلى خدمته بالموصل أوقع ~~الله في نفسي أنه إن رزقت ولدا ذكرا سميته باسمه ثم سافرت في بقية السنة ~~المذكورة إلى الشام وأقمت به عشر سنين ثم سافرت إلى الديار المصرية في سنة ~~ثلاث وثلاثين وستمائة وتقلبت الأحوال ثم حصل التأهل فرزقني الله ولدي ~~الأكبر في بكرة يوم السبت حادي عشر صفر سنة إحدى وخمسين وستمائة بالقاهرة ~~المحروسة فسميته موسى وعجبت من موافقته للشيخ في الولادة في الشهر والسنة ~~فكان بين مولدهما سنة وذكرت ذلك للشيخ الحافظ زكي الدين عبد العظيم المحدث ~~فعجب من هذا الاتفاق وجعل يكرر التعجب ويقول والله ان هذا لشيء غريب 274 ~~وتوفي الشيخ رضي الدين القزويني مدرس المدرسة النظامية المذكور PageV05P317 # في أول هذه الترجمة في الثالث والعشرين من المحرم سنة ~~تسعين وخمسمائة وكانت ولادته في شهر رمضان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بقزوين ~~وموته بها أيضا ولولا خوف الإطالة لذكرت من مناقب الشيخ كمال الدين ما ~~يستغرق الوصف وقد تقدم الكلام على الصنهاجي وأما اللزني فهو بفتح اللام ~~وسكون الزاي وبعدها نون هذه النسبة إلى لزنة وهي قبيلة من البربر تسكن ~~بالقرب من بجاية من عمل إفريقية 275 وتوفي علم الدين تعاسيف المذكور يوم ~~الأحد ثالث عشر رجب من سنة تسع وأربعين وستمائة بدمشق ودفن خارج باب شرقي ~~ثم نقل إلى باب الصغير ومولده في سنة أربع وسبعين وخمسمائة بأصفون من شرقي ~~صعيد مصر رحمه الله تعالى 748 موسى بن نصير أبو عبد الرحمن موسى بن نصير ~~اللخمي بالولاء صاحب فتح الأندلس كان من التابعين رضي الله عنهم وروى عن ~~تميم الداري رضي الله ms1473 عنه PageV05P318 # وكان عاقلا كريما شجاعا ورعا تقيا لله تعالى لم يهزم ~~له جيش قط 276 وكان والده نصير على حرس معاوية بن أبي سفيان ومنزلته عنده ~~مكينة ولما خرج معاوية لقتال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يخرج معه ~~فقال له معاوية ما منعك من الخروج معي ولي عندك يد لم تكافئني عليها فقال ~~لم يمكني أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري فقال ومن هو قال الله عز وجل فقال ~~وكيف لا أم لك قال وكيف لا أعلمك هذا فأعض وأمص قال فأطرق معاوية مليا ثم ~~قال أستغفر الله ورضي عنه وكان عبد الله بن مروان أخو عبد الملك بن مروان ~~واليا على مصر وإفريقية فبعث إليه ابن أخيه الوليد بن عبد الملك أيام ~~خلافته يقول له أرسل موسى بن نصير إلى إفريقية وذلك في سنة تسع وثمانين ~~للهجرة وقال الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس إن موسى ابن ~~نصير تولى إفريقية والمغرب سنة سبع وسبعين فأرسله إليها فلما قدمها ومعه ~~جماعة من الجند بلغه أن بأطراف البلاد جماعة خارجين عن الطاعة فوجه ولده ~~عبد الله فأتاه بمائة ألف رأس من السبايا ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى ~~فأتاه بمائة ألف رأس قال الليث بن سعد فبلغ الخمس ستين ألف رأس وقال أبو ~~شبيب الصدفي لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير ووجد أكثر مدن ~~إفريقية خالية لاختلاف أيدي البربر عليها وكانت البلاد في قحط شديد فأمر ~~الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين وخرج بهم إلى الصحراء ومعه سائر ~~الحيوانات وفرق بينها وبين أولادها فوقع البكاء والصراخ والضجيج وأقام على ~~ذلك إلى منتصف النهار ثم صلى وخطب بالناس ولم يذكر الوليد بن عبد الملك ~~فقيل له ألا تدعو لأمير المؤمنين فقال هذا مقام لا يدعى فيه لغير ~~PageV05P319 # الله عز وجل فسقوا حتى رووا ثم خرج موسى غازيا وتتبع ~~البربر وقتل فيهم قتلا ذريعا وسبى سبيا عظيما وسار حتى انتهى إلى السوس ms1474 ~~الأدنى لا يدافعه أحد فلما رأى بقية البربر ما نزل بهم استأمنوا وبذلوا له ~~الطاعة فقبل منهم وولى عليهم واليا واستعمل على طنجة وأعمالها مولاه طارق ~~بن زياد البربري ويقال إنه من الصدف وترك عنده تسعة عشر ألف فارس من البربر ~~بالأسلحة والعدد الكاملة وكانوا قد أسلموا وحسن إسلامهم وترك موسى عندهم ~~خلقا يسيرا من العرب لتعليم البربر القرآن وفرائض الإسلام ورجع إلى إفريقية ~~ولم يبق بالبلاد من ينازعه من البربر ولا من الروم فلما استقرت له القواعد ~~كتب إلى طارق وهو بطنجة يأمره بغزو بلاد الأندلس في جيش من البربر ليس فيه ~~من العرب إلا قدر يسير فامتثل طارق أمره وركب البحر من سبتة إلى الجزيرة ~~الخضراء من بر الأندلس وصعد إلى جبل يعرف اليوم بجبل طارق لأنه نسب إليه ~~لما حصل عليه وكان صعوده إليه يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين ~~وتسعين للهجرة في اثني عشر ألف فارس من البربر خلا اثنى عشر رجلا وذكر عن ~~طارق أنه كان نائما في المركب وقت التعدية وأنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم والخلفاء الأربعة رضي الله عنهم يمشون على الماء حتى مروا به فبشره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء ~~بالعهد ذكر ذلك ابن بشكوال المقدم ذكره في حرف الخاء في تاريخ الأندلس وكان ~~صاحب طليطلة ومعظم بلاد الأندلس ملك يقال له لذريق ولما احتل طارق بالجبل ~~المذكور كتب إلى موسى بن نصير إني فعلت ما أمرتني به وسهل الله سبحانه ~~وتعالى بالدخول فلما وصل كتابه إلى موسى ندم على تأخره PageV05P320 # وعلم أنه إن فتح نسب الفتح إليه دونه فأخذ في جمع ~~العساكر وولى على القيروان ولده عبد الله وتبعه فلم يدركه إلا بعد الفتح ~~وكان لذريق المذكور قد قصد عدوا له واستخلف في المملكة شخصا يقال له تدمير ~~وإلى هذا الشخص تنسب بلاد تدمير بالأندلس وهي مرسية وما والاها وهي خمسة ~~مواضع تسمى بهذا الاسم واستولى الفرنج على مرسية سنة اثنتين ms1475 وخمسين وستمائة ~~فلما نزل طارق من الجبل بالجيش الذي معه كتب تدمير إلى لذريق الملك إنه قد ~~وقع بأرضنا قوم لا ندري من السماء هم أم من الأرض فلما بلغ ذلك لذريق رجع ~~عن مقصده في سبعين ألف فارس ومعه العجل يحمل الأموال والمتاع وهو على سريره ~~بين دابتين عليه قبة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد فلما بلغ طارقا دنوه ~~قام في أصحابه فحمد الله سبحانه وتعالى وأثنى عليه بما هو أهله ثم حث ~~المسلمين على الجهاد ورغبهم في الشهادة ثم قال أيها الناس أين المفر والبحر ~~من ورائكم والعدو أمامكم فليس لكم والله إلا الصدق والصبر واعلموا أنكم في ~~هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللئام وقد استقبلكم عدوكم بجيشه ~~وأسلحته وأقواته موفورة وأنتم لا وزر لكم غير سيوفكم ولا أقوات لكم إلا ما ~~تستخلصونه من أيدي أعدائكم وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا ~~لكم أمرا ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب برعبها منكم الجراءة عليكم فادفعوا عن ~~أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية فقد ألقت به إليكم ~~مدينته المحصنة وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن لكم إن سمحتم بأنفسكم للموت ~~وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها ~~النفوس أبدأ فيها بنفسي واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم ~~بالأرفه الألذ طويلا فلا ترغبوا PageV05P321 # بأنفسكم عن نفسي فيما حظكم فيه أوفر من حظي وقد بلغكم ~~ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان الرافلات في الدر ~~والمرجان والحلل المنسوجة بالعقيان المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان ~~وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عربانا ورضيكم لملوك هذه ~~الجزيرة أصهارا وأختانا ثقة منه بارتياحكم للطعان واستماحكم بمجالدة ~~الأبطال والفرسان ليكون حظه معكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه ~~بهذه الجزيرة ويكون مغنمها خالصا لكم من دونه ومن دون المسلمين سواكم والله ~~تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين واعلموا أني أول مجيب ~~إلى ms1476 ما دعوتكم إليه وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية قومه ~~لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره ~~ولن يعوزكم بطل عاقل تسندون أمركم إليه وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني ~~في عزيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عليه واكتفوا المهم من فتح هذه الجزيرة ~~بقتله فإنهم بعده يخذلون فلما فرغ طارق من تحريض أصحابه على الصبر في قتال ~~لذريق وأصحابه وما وعدهم من النيل الجزيل انبسطت نفوسهم وتحققت آمالهم وهبت ~~ريح النصر عليهم وقالوا قد قطعنا الآمال مما يخالف ما عزمت عليه فاحضر إليه ~~فأنا معك وبين يديك فركب طارق وركبوا وقصدوا مناخ لذريق وكان قد نزل بمتسع ~~من الأرض فلما تراءى الجمعان نزل طارق وأصحابه فباتوا ليلتهم في حرس إلى ~~الصبح فلما أصبح الفريقان تلببوا وعبوا كتائبهم وحمل لذريق على سريره وقد ~~رفع على رأسه رواق ديباج يظله وهو مقبل في غاية من البنود والأعلام ~~PageV05P322 # وبين يديه المقاتلة والسلاح وأقبل طارق وأصحابه عليهم ~~الزرد ومن فوق رؤوسهم العمائم البيض وبأيديهم القسي العربية وقد تقلدوا ~~السيوف واعتقلوا الرماح فلما نظر إليهم لذريق قال أما والله إن هذه الصور ~~التي رأينا ببيت الحكمة ببلدنا فداخله منهم رعب ونتكلم هاهنا على بيت ~~الحكمة ما هو ثم نتكلم على حديث هذه الواقعة وأصل خبر بيت الحكمة أن ~~اليونان وهم الطائفة المشهورة بالحكمة كانوا يسكنون ببلاد المشرق قبل عهد ~~الإسكندر فلما ظهرت الفرس واستولت على البلاد وزاحمت اليونان على ما كان ~~بأيديهم من الممالك انتقل اليونان إلى جزيرة الأندلس لكونها طرفا في آخر ~~العمارة ولم يكن لها ذكر يوم ذاك ولا ملكها أحد من الملوك المعتبرة ولا ~~كانت عامرة وكان أول من عمر فيها واختطها أندلس بن يافث بن نوح عليه السلام ~~فسميت باسمه ولما عمرت الأرض بعد الطوفان كان صورة المعمور منها عندهم على ~~شكل طائر رأسه المشرق والجنوب والشمال جناحاه وما بينهما بطنه والمغرب ذنبه ~~فكانوا يزدرون المغرب لنسبته إلى أخس أجزاء الطائر قلت وجرى ms1477 في مجلس الحافظ ~~أبي طاهر السلفي نادرة تصلح أن نذكرها هاهنا وهي أن أبا إسحاق إبراهيم بن ~~عبد الله المعروف بابن الجمش البلبيسي كان في مجلسه وعبد العزيز الشريشي ~~يقرأ حديث عمرو بن العاص خلقت الدنيا على صورة طير الحديث المذكور فقال ~~الشريشي لأبي إسحاق يمازحه اسمع يا أبا إسحاق وشر ما في الطير ذنبه فقال ~~أبو إسحاق هيهات ما عرفت أنت ما كان ذلك الطائر المشبه كان طاووسا وما فيه ~~أحسن من ذنبه وكانت اليونان لا ترى فناء الأمم بالحروب لما ترى فيه من ~~الإضرار والاشتغال PageV05P323 # عن العلوم التي كان أمرها عندهم من أهم الأمور فلذلك ~~انحازوا من بين يدي الفرس إلى الأندلس فلما صاروا إليها أقبلوا على عمارتها ~~فشقوا الأنهار وبنوا المعاقل وغرسوا الجنات والكروم وشيدوا الأمصار وملؤوها ~~حرثا ونسلا وبنيانا فعظمت وطابت حتى قال قائلهم لما رأى بهجتها إن الطائر ~~الذي صورت العمارة على شكله وكان المغرب ذنبه كان طاوسا معظم جماله في ذنبه ~~فاغتبطوا بها أتم اغتباط واتخذوا دار الملك والحكمة بها مدينة طليطلة لأنها ~~وسط البلاد وكان أهم الأمور عندهم تحصينها عمن يتصل به خبرها من الأمم ~~فنظروا فإذا ليس ثم من يحسدهم على أرغد العيش إلا أرباب الشظف والشقاء وهم ~~يوم ذاك طائفتان العرب والبربر فخافوهم على جزيرتهم المعمورة فعزموا أن ~~يتخذوا لدفع هذين الجنسين من الناس طلسما فرصدوا لذلك أرصادا ولما كان ~~البربر بالقرب منهم وليس بينهم سوى تعدية البحر ويرد عليهم منهم طوائف ~~منحرفة الطباع خارجة عن الأوضاع ازدادوا منهم نفورا وكثر تحذيرهم من ~~مخالطتهم في نسب أو مجاورة حتى انبث ذلك في طبائعهم وصار بعضهم مركبا في ~~غرائزهم فلما علم البربر عداوة أهل الأندلس لهم وبغضهم أبغضوهم وحسدوهم فلا ~~تجد أندلسيا إلا مبغضا بربريا ولا بربريا إلا مبغضا أندلسيا إلا أن البربر ~~أحوج إلى أهل الأندلس من أهل الأندلس إلى البربر لكثرة وجود الأشياء ~~بالأندلس وعدمها ببلاد البربر وكان بنواحي غرب جزيرة الأندلس ملك يوناني ~~بجزيرة يقال لها قادس وكانت له ms1478 ابنة في غاية الجمال فتسامع بها ملوك ~~الأندلس وكانت جزيرة الأندلس كثيرة الملوك لكل بلدة أو بلدتين ملك تناصفا ~~منهم في ذلك فخطبها كل واحد منهم وكان أبوها يخشى من تزويجها لواحد منهم ~~وإسخاط PageV05P324 # الباقين فتحير في أمره وأحضر ابنته المذكورة وكانت ~~الحكمة مركبة في طباع القوم ذكورهم وإناثهم ولذلك قيل إن الحكمة نزلت من ~~السماء على ثلاثة أعضاء من أهل الأرض على أدمغة اليونان وأيدي أهل الصين ~~وألسنة العرب فلما حضرت بين يديه قال لها يا بنية إني قد أصبحت في حيرة من ~~أمري قالت وما حيرك قال قد خطبك جميع ملوك الأندلس ومتى أرضيت واحدا أسخطت ~~الباقين فقالت اجعل الأمر إلي تخلص من اللوم قال وما تصنعين قالت أقترح ~~لنفسي أمرا من فعله كنت زوجته ومن عجز عنه لم يحسن به السخط قال وما الذي ~~تقترحين قالت أقترح أن يكون ملكا حكيما قال نعم ما اخترتيه لنفسك وكتب في ~~أجوبة الملوك الخطاب إني جعلت الأمر إليها فاختارت من الأزواج الملك الحكيم ~~فلما وقفوا على الأجوبة سكت عنها كل من لم يكن حكيما وكان في الملوك رجلان ~~حكيمان فكتب كل واحد منهما إليه أنا الرجل الحكيم فلما وقف على كتابيهما ~~قال يا بنية بقي الأمر على إشكاله وهذان ملكان حكيمان أيهما أرضيته أسخطت ~~الآخر قالت سأقترح على كل واحد منهما أمرا يأتي به فأيهما سبق إلى الفراغ ~~مما التمسته تزوجت به قال وما الذي تقترحين عليهما قالت إننا ساكنون بهذه ~~الجزيرة ونحن محتاجون إلى رحى تدور بها وإني مقترحة على أحدهما إدارتها ~~بالماء العذب الجاري إليها من ذلك البر ومقترحة على الآخر أن يتخذ طلسما ~~يحصن به جزيرة الأندلس من البربر فاستظرف أبوها اقتراحها وكتب إلى الملكين ~~بما قالته ابنته فأجابا إلى ذلك وتقاسماه على ما اختارا وشرع كل واحد في ~~عمل ما ندب إليه من ذلك فأما صاحب الرحى فإنه عمد إلى خرز عظام اتخذها من ~~الحجارة ونضد PageV05P325 # بعضها في بعض في البحر المالح الذي بين جزيرة الأندلس ms1479 ~~والبر الكبير في الموضع المعروف بزقاق سبتة وسد الفروج التي بين الحجارة ~~بما اقتضته حكمته وأوصل تلك الحجارة من البر إلى الجزيرة وآثارها باقية إلى ~~اليوم في الزقاق الذي بين سبتة والجزيرة الخضراء وأكثر أهل الأندلس يزعمون ~~أن هذا أثر قنطرة كان الإسكندر قد عملها ليعبر عليها الناس من سبتة إلى ~~الجزيرة والله أعلم أي القولين أصح فلما تم تنضيد الحجارة للملك الحكيم جلب ~~إليها الماء العذب من موضع عال في الجبل بالبر الكبير وسلطه في ساقية محكمة ~~البناء وبني بجزيرة الأندلس رحى على هذه الساقية وأما صاحب الطلسم فإنه ~~أبطأ عمله بسبب انتظار الرصد الموافق لعمله غير أنه أعمل أمره وأحكمه ~~وابتنى بنيانا مربعا من حجر أبيض على ساحل البحر في رمل حفر أساسه إلى أن ~~جعله تحت الأرض بمقدار ارتفاعه فوق الأرض ليثبت فلما انتهى البناء المربع ~~إلى حيث اختار صور من النحاس الأحمر والحديد المصفى المخلوطين بأحكم الخلط ~~صورة رجل بربري له لحية وفي رأسه ذؤابة من شعر جعد قائم في رأسه لجعودتها ~~متأبط بصورة كساء قد جمع طرفيه على يده اليسرى بألطف تصوير وأحكمه في رجليه ~~نعل وهو قائم في رأس البناء على مستدق بمقدار رجليه فقط وهو شاهق في الهواء ~~طوله نيف عن ستين ذراعا أو سبعين وهو محدد الأعلى إلى أن ينتهي إلى ما سعته ~~قدر الذراع وقد مد يده اليمنى بمفتاح قفل قابضا عليه مشيرا إلى البحر كأنه ~~يقول لا عبور وكان من تأثير هذا الطلسم في البحر الذي تجاهه أنه لم ير قط ~~ساكنا ولا كانت تجرى فيه قط سفينة بربري حتى سقط المفتاح من يده وكان ~~الملكان العاملان للرحى والطلسم يتسابقان إلى التمام من عملهما إذ كان ~~بالسبق يستحق التزويج وكان صاحب الرحى قد فرغ لكنه يخفي أمره عن صاحب ~~الطلسم حتى لا يعلم به فيبطل عمل الطلسم وكان يود عمل الطلسم حتى ~~PageV05P326 # يحظى بالمرأة والرحى والطلسم فلما علم اليوم الذي يفرغ ~~صاحب الطلسم في آخره أجرى الماء بالجزيرة من أوله ms1480 وأدار الرحى واشتهر ذلك ~~واتصل الخبر بصاحب الطلسم وهو في أعلاه يصقل وجهه وكان الطلسم مذهبا فلما ~~تحقق أنه مسبوق ضعفت نفسه فسقط من أعلى البناء ميتا وحصل صاحب الرحى على ~~الرحى والمرأة والطلسم وكان من تقدم من ملوك اليونان يخشى على جزيرة ~~الأندلس من البربر للسبب الذي قدمنا ذكره فاتفقوا وعملوا الطلسمات في أوقات ~~اختاروا أرصادها وأودعوا تلك الطلسمات تابوتا من الرخام وتركوه في بيت ~~بمدينة طليطلة وركبوا على ذلك البيت بابا وأقفلوه وتقدموا إلى كل من ملك ~~منهم بعد صاحبه أن يلقي على ذلك الباب قفلا تأكيدا لحفظ ذلك البيت فاستمر ~~أمرهم على ذلك ولما كان وقت انقراض دولة اليونان ودخول العرب والبربر إلى ~~جزيرة الأندلس وذلك بعد مضي ستة وعشرين ملكا من ملوك اليونان من يوم عملهم ~~الطلسمات بمدينة طليطلة وكان الملك لذريق المذكور السابع والعشرين من ~~ملوكهم فلما جلس في ملكه قال لوزرائه وأهل الرأي من دولته قد وقع في نفسي ~~من أمر هذا البيت الذي عليه ستة وعشرون قفلا شيء وأريد أن أفتحه لأنظر ما ~~فيه فإنه لم يعمل عبثا فقالوا أيها الملك صدقت لم يعمل عبثا ولا أقفل سدى ~~بل المصلحة أن تلقي عليه قفلا كما فعل من تقدمك من الملوك وكانوا آباءك ~~وأجدادك ولم يهملوا هذا فلا تهمله وسر سيرهم فقال إن نفسي تنازعني إلى فتحه ~~ولا بد لي منه فقالوا إن كنت تظن فيه مالا فقدره ونحن نجمع لك من أموالنا ~~نظيره ولا تحدث علينا بفتحه حدثا لا نعرف عاقبته فأصر على ذلك وكان رجلا ~~مهيبا فلم يقدروا على مراجعته وأمر بفتح الأقفال وكان على كل قفل مفتاحه ~~معلقا فلما فتح الباب لم ير في البيت شيئا إلا مائدة عظيمة من ذهب وفضة ~~مكللة بالجواهر وعليها مكتوب PageV05P327 # هذه مائدة سليمان بن داود عليهما السلام ورأى في البيت ~~ذلك التابوت وعليه قفل ومفتاحه معلق ففتحه فلم يجد فيه سوى رق وفي جوانب ~~التابوت صور فرسان مصورة بأصباغ محكمة التصوير على أشكال العرب وعليهم ms1481 ~~الفراء وهم معممون على ذوائب جعد ومن تحتهم الخيل العربية وبأيديهم القسي ~~العربية وهم متقلدون بالسيوف المحلاة معتقلون بالرماح فأمر بنشر ذلك الرق ~~فإذا فيه متى فتح هذا البيت وهذا التابوت المقفلان بالحكمة دخل القوم الذين ~~صورهم في التابوت إلى جزيرة الأندلس وذهب ملك اليونان من أيديهم ودرست ~~حكمتهم فهذا هو بيت الحكمة المقدم ذكره فلما سمع لذريق ما في الرق ندم على ~~ما فعل وتحقق انقراض دولتهم فلم يلبث إلا قليلا حتى سمع أن جيشا وصل من ~~المشرق جهزه ملك العرب يستفتح بلاد الأندلس انتهى الكلام على بيت الحكمة ~~ونعود الآن إلى تتمة حديث لذريق وجيش طارق بن زياد فلما رأى طارق لذريق قال ~~لأصحابه هذا طاغية القوم فحمل وحمل أصحابه معه فتفرقت المقاتلة من بين يدي ~~لذريق فخلص إليه طارق وضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره فلما رأى ~~أصحابه مصرع ملكهم اقتحم الجيشان وكان النصر للمسلمين ولم تقف هزيمة ~~اليونان على موضع بل كانوا يسلمون بلدا بلدا ومعقلا معقلا فلما سمع بذلك ~~موسى بن نصير المذكور أولا عبر الجزيرة بمن معه ولحق بمولاه طارق فقال له ~~يا طارق إنه لن يجازيك الوليد بن عبد الملك على بلائك بأكثر من أن يبيحك ~~جزيرة الأندلس فاستبحه هنيئا مريئا فقال طارق أيها الأمير والله لا أرجع عن ~~قصدي هذا ما لم أنته إلى البحر المحيط وأخوض فيه بفرسي يعني البحر الشمالي ~~الذي تحت بنات نعش فلم يزل طارق PageV05P328 # يفتح وموسى معه إلى أن بلغ جليقية وهي على ساحل البحر ~~المحيط ثم رجع قال الحميدي في جذوة المقتبس إن موسى بن نصير نقم على طارق ~~إذ غزا بغير إذنه وسجنه وهم بقتله ثم ورد عليه كتاب الوليد بإطلاقه فأطلقه ~~وخرج معه إلى الشام وكان خروج موسى من الأندلس وافدا على الوليد يخبره بما ~~فتح الله سبحانه وتعالى على يديه وما معه من الأموال في سنة أربع وتسعين ~~للهجرة وكان معه مائدة سليمان بن داود عليهما السلام التي وجدت في طليطلة ~~على ms1482 ما حكاه بعض المؤرخين فقال كانت مصنوعة من الذهب والفضة وكان عليها طوق ~~لؤلؤ وطوق ياقوت وطوق زمرد وكانت عظيمة بحيث إنها حملت على بغل قوي فما سار ~~قليلا حتى تفسخت قوائمه وكان معه تيجان الملوك الذين تقدموا من اليونان ~~وكلها مكللة بالجواهر واستصحب ثلاثين ألف رأس من الرقيق ويقال إن الوليد ~~كان قد نقم عليه أمرا فلما وصل إليه وهو بدمشق أقامه في الشمس يوما كاملا ~~في يوم صائف حتى خر مغشيا عليه وقد أطلنا هذه الترجمة كثيرا لكن الكلام ~~انتشر فلم يمكن قطعه مع أني تركت الأكثر وأتيت بالمقصود وقال الليث بن سعد ~~ان موسى بن نصير حين فتح الأندلس كتب إلى الوليد ابن عبد الملك إنها ليست ~~الفتوح ولكنها الجنة ولما وصل موسى إلى الشام ومات الوليد بن عبد الملك ~~وقام من بعده سليمان أخوه وحج في سنة سبع وتسعين للهجرة وقيل سنة تسع ~~وتسعين حج معه موسى بن نصير ومات في الطريق بوادي القرى وقيل بمر الظهران ~~على اختلاف فيه وكانت ولادته في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة ~~تسع عشرة للهجرة رحمه الله تعالى PageV05P329 # 749 الملك الأشرف موسى الأيوبي أبو الفتح موسى ابن ~~الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب الملقب الملك الأشرف مظفر الدين ~~أول شيء ملكه من البلاد مدينة الرها سيره إليها والده من الديار المصرية في ~~سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ثم أضيفت إليه حران وكان محبوبا إلى الناس مسعودا ~~مؤيدا في الحروب من يومه لقي نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل المذكور في ~~حرف الهمزة وكان يوم ذاك من الملوك المشاهير الكبار وتواقعا في مصاف فكسره ~~وذلك في سنة ستمائة يوم السبت تاسع عشر شوال بموضع يقال له بين النهرين من ~~أعمال الموصل وهي وقعة مشهورة فلا حاجة إلى تفصيلها ولما توفي أخوه الملك ~~الأوحد نجم الدين أيوب صاحب خلاط وميافارقين وتلك النواحي أخذ الملك الأشرف ~~مملكته مضافة إلى ملكه وتوفي الملك الأوحد في شهر ربيع الأول سنة ms1483 تسع ~~وستمائة وكانت وفاته بملازكرد من أعمال خلاط ودفن بها وكان الملك الأوحد قد ~~ملك خلاط في سنة أربع وستمائة فاتسعت حينئذ مملكته وبسط العدل على الناس ~~وأحسن إليهم إحسانا لم يعهدوه ممن كان قبله وعظم وقعه في قلوب الناس وبعد ~~صيته وكان قد ملك نصيبين الشرق في سنة ست وستمائة وأخذ سنجار سنة سبع عشرة ~~في رابع جمادى الأولى ورأيت في موضع آخر أنه أخذها في مستهل صفر من السنة ~~والله أعلم وكذلك الخابور وملك معظم بلاد الجزيرة وكان يتنقل PageV05P330 # فيها وأكثر إقامنه بالرقة لكونها على الفرات ولما مات ~~ابن عمه الملك الظاهر غازي صاحب حلب في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف ~~الغين عزم عز الدين كيكاوس بن غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود ~~بن قليج أرسلان صاحب الروم على قصد حلب فسير أرباب الأمر بحلب إلى الملك ~~الأشرف وسألوه الوصول إليهم لحفظ البلد فأجابهم إلى سؤالهم وتوجه إليهم ~~وأقام بالياروقية بظاهر حلب مدة ثلاث سنين وجرت له مع صاحب الروم وابن عمه ~~الملك الأفضل بن صلاح الدين صاحب سميساط وقائع مشهورة لا حاجة إلى الإطالة ~~في شرحها ولما أخذت الفرنج دمياط في سنة ست عشرة وستمائة حسبما شرحناه في ~~ترجمة الملك الكامل توجهت جماعة من ملوك الشام إلى الديار المصرية لإنجاد ~~الملك الكامل وتأخر عنه الملك الأشرف لمنافرة كانت بينهما فجاءه أخوه الملك ~~المعظم المقدم ذكره في حرف العين بنفسه وأرضاه ولم يزل يلاطفه حتى استصحبه ~~معه فصادف عقيب وصوله إليها بأشهر كما ذكرناه في ترجمة الكامل محمد انتصار ~~المسلمين على الفرنج وانتزاع دمياط من أيديهم وكانوا يرون ذلك بسبب يمن ~~غرته وكان وصوله إليها في المحرم سنة ثماني عشرة وستمائة واستناب أخاه ~~الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل في خلاط فعصى عليه فقصده في ~~عساكره وأخذها منه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين ~~وستمائة ولما مات الملك المعظم في التاريخ المذكور في ترجمته قام بالأمر من ~~بعده ولده الملك ms1484 الناصر صلاح الدين داود فقصده عمه الملك الكامل من الديار ~~المصرية ليأخذ دمشق منه فاستنجد بعمه الملك الأشرف وكان يومئذ ببلاد الشرق ~~فوصل إليه واجتمع به في دمشق ثم خرج منها متوجها إلى أخيه الملك الكامل ~~واجتمع به وجرى الاتفاق بينهما على أخذ دمشق من الملك الناصر وتسليمها إلى ~~الملك الأشرف ويبقى للملك الناصر الكرك والشوبك ونابلس وبيسان وتلك النواحي ~~وينزل الملك الأشرف عن حران والرها وسروج والرقة ورأس عين ويسلمها إلى ~~الملك الكامل فاستتب الحال على ذلك PageV05P331 # وتسلم الملك الكامل دمشق لاستقبال شعبان من السنة ~~بنوابه ورحل الناصر إلى بلاده التي بقيت عليه يوم الجمعة ثاني عشر شعبان ثم ~~دخل الملك الكامل إلى دمشق في سادس عشر الشهر المذكور وعاد وخرج إلى مكانه ~~الذي كان فيه ثم دخل هو والأشرف إلى القلعة في ثامن عشر شعبان ثم سلمها إلى ~~أخيه الملك الأشرف على ما تقرر بينهما في أواخر شعبان من سنة ست وعشرين ~~وستمائة وانتقل الملك الكامل إلى بلاده التي تسلمها بالشرق ليكشف أحوالها ~~ويرتب أمورها واجتزت في التاريخ المذكور بحران وهو بها وانتقل الأشرف إلى ~~دمشق واتخذها دار إقامة وأعرض عن بقية البلاد ونزل جلال الدين خوارزم شاه ~~على خلاط وحاصرها وضايقها أشد مضايقة وأخذها في جمادى الآخرة من سنة ست ~~وعشرين من نواب الملك الأشرف وهو مقيم بدمشق ولم يمكنه في ذلك الوقت قصدها ~~للدفع عنها لأعذار كانت له ثم عقيب ذلك دخل إلى بلاد الروم باتفاق مع ~~سلطانها علاء الدين كيقباذ أخي عز الدين كيكاوس المذكور وتعاقد على قصد ~~خوارزم شاه وضرب المصاف معه فإن صاحب الروم أيضا كان يخاف على بلاده منه ~~لكونه مجاوره فتوجها نحوه في جيش عظيم من جهة الشام والشرق في خدمة الملك ~~الأشرف وعسكر صاحب الروم والتقوا بين خلاط وأرزنكان بموضع يقال له يا ~~للرحمان في يوم الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة وانكسر ~~خوارزم شاه وهي واقعة مشهورة وعادت خلاط إلى الملك الأشرف وقد خربت ثم رجع ms1485 ~~إلى الشام وتوجه إلى الديار المصرية وأقام عند أخيه الملك الكامل مدة ثم ~~خرج في خدمته قاصدين آمد ونزلوا عليها وفتحوها في مدة يسيرة وذلك في سنة ~~تسع وعشرين وستمائة وأضافها الملك الكامل إلى ممالكه ببلاد الشرق ورتب فيها ~~ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب المذكور في ترجمة PageV05P332 # والده وفي خدمته الطواشي شمس الدين صواب الخادم ~~العادلي ثم عاد كل واحد إلى بلاده ثم كانت واقعة ببلاد الروم والدربندات في ~~أواخر سنة إحدى وثلاثين وستمائة وهي مشهورة ورجع الكامل والأشرف ومن معهما ~~من الملوك بغير حصول مقصود ولما رجعا خرج عسكر صاحب الروم على بلاد الكامل ~~بالشرق فأخذها وأخرجها ثم عاد الكامل والأشرف وأتباعهما ومن معهما من ~~الملوك إلى بلاد الشرق واستنقذوها من نواب صاحب الروم ثم رجعوا إلى دمشق في ~~سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وكنت يومئذ بدمشق وفي تلك الوقعة رأيت الكامل ~~والأشرف وكانا يركبان معا ويلعبان بالكرة في الميدان الأخضر الكبير كل يوم ~~وكان شهر رمضان فكانا يقصدان بذلك تعبير النهار لأجل الصوم ولقد كنت أرى من ~~تأدب كل واحد منهما مع الآخر شيئا كثيرا ثم وقعت بينهما وحشة وخرج الأشرف ~~عن طاعة الكامل ووافقته الملوك بأسرها وتعاهد هو وصاحب الروم وصاحب حلب ~~وصاحب حماة وصاحب حمص وأصحاب الشرق على الخروج على الملك الكامل ولم يبق مع ~~الملك الكامل سوى ابن أخيه الملك الناصر صاحب الكرك فإنه توجه إلى خدمته ~~بالديار المصرية فلما تحالفوا وتحزبوا واتفقوا وعزموا على الخروج على الملك ~~الكامل مرض الملك الأشرف مرضا شديدا وتوفي يوم الخميس رابع المحرم سنة خمس ~~وثلاثين وستمائة بدمشق ودفن بقلعتها ثم نقل إلى التربة التي أنشئت له ~~بالكلاسة في الجانب الشمالي من جامع دمشق وكانت ولادته سنة ثمان وسبعين ~~وخمسمائة بالديار المصرية بالقاهرة وقيل بقلعة الكرك رحمه الله تعالى وقد ~~ذكرت في ترجمة أخيه الملك المعظم عيسى ما ذكره سبط ابن الجوزي في مولدهما ~~وتوفي أخوه شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين في رجب سنة خمس وأربعين وستمائة ~~بميافارقين هذه ms1486 خلاصة أحواله وكان سلطانا كريما حليما واسع الصدر كريم ~~الأخلاق كثير العطاء لا يوجد في خزانته شيء من المال مع اتساع مملكته ولا ~~تزال PageV05P333 # عليه الديون للتجار وغيرهم ولقد رأى يوما في دواة ~~كاتبه وشاعره الكمال أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن النبيه المصري ~~قلما واحدا فأنكر عليه ذلك فأنشده في الحال دوبيت (قال الملك الأشرف قولا ~~رشدا * أقلامك يا كمال قلت عددا) (جاوبت لعظم كتب ما تطلقه * تحفى فتقط فهي ~~تفنى أبدا) ويقال إنه طرب ليلة في مجلس أنسه على بعض الملاهي فقال لصاحب ~~الملهى تمن علي فقال تمنيت مدينة خلاط فأعطاها له وكان نائبه بها الأمين ~~حسام الدين المعروف بالحاجب علي بن حماد الموصلي فتوجه ذلك الشخص إليه ~~ليتسلمها منه فعوضه الحاجب عنها جملة كثيرة من المال وصالحه عنها وكان له ~~في ذلك غرائب وكان يميل إلى أهل الخير والصلاح ويحسن الاعتقاد فيهم وبنى ~~بدمشق دار حديث فوض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين عثمان المعروف بابن الصلاح ~~المقدم ذكره وكان بالعقيبة ظاهر دمشق خان يعرف بابن الزنجاري قد جمع أنواع ~~أسباب الملاذ ويجري فيه من الفسوق والفجور ما لا يحد ولا يوصف فقيل له عنه ~~إن مثل هذا لا يليق أن يكون في بلاد المسلمين فهدمه وعمره جامعا غرم عليه ~~جملة مستكثرة وسماه الناس جامع التوبة كأنه تاب إلى الله تعالى وأناب مما ~~كان فيه وجرت في خطابته نكتة لطيفة أحببت ذكرها وهي أنه كان بمدرسة ست ~~الشام التي خارج البلد إمام يعرف بالجمال السبتي أعرفه شيخا حسنا ويقال كان ~~في صباه يلعب بشيء من الملاهي وهي التي تسمى الجغانة ولما كبر حسنت طريقته ~~وعاشر العلماء وأهل الصلاح حتى صار معدودا في الأخيار فلما احتاج الجامع ~~المذكور إلى خطيب ذكر للملك الأشرف جماعة وشكر الجمال المذكور فتولى خطابته ~~فلما توفي تولى موضعه العماد الواسطي الواعظ وكان يتهم باستعمال الشراب ~~وكان صاحب دمشق يومئذ الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل بن أيوب ~~فكتب إليه الجمال عبد PageV05P334 # الرحيم ms1487 المعروف بابن زويتينة الرحبي أبياتا وهي (يا ~~مليكا أوضح الحق لدينا وأبانه *) (جامع التوبة قد قلدني منه أمانه *) (قال ~~قل للملك الصالح * أعلى الله شانه) (يا عماد الدين يا من * حمد الناس ~~زمانه) (كم إلى كم أنا في ضر وبؤس وإهانه) (لي خطيب واسطي * يعشق الشرب ~~ديانه) (والذي قد كان من قبل * يغني بجغانه) (فكما نحن فما زلنا * وما نبرح ~~حانه) (ردني للنمط الأول * واستبق ضمانه) وهذه الأبيات في بابها في غاية ~~الظرف وكان ابن الزويتنية المذكور قد PageV05P335 # وصل إلى الديار المصرية في رسالة من عند صاحب حمص ~~وأنشدني هذه الأبيات وحكى السبب الحامل عليها وذلك في بعض شهور سنة سبع ~~وأربعين وستمائة ومدح الملك الأشرف أعيان شعراء عصره وخلدوا مدائحه في ~~دواوينهم فمنهم شرف الدين محمد بن عنين وقد سبق ذكره والبهاء أسعد السنجاري ~~وقد سبق ذكره أيضا والشرف راجح الحلي وقد ذكرته في ترجمة الملك الظاهر 277 ~~والكمال ابن النبيه المذكور وكانت وفاته سنة تسع عشرة وستمائة بمدينة ~~نصيبين الشرق وعمره تقديرا مقدار ستين سنة كذا أخبرني صهره بالقاهرة 278 ~~والمهذب محمد بن أبي الحسين بن يمن بن علي بن أحمد بن محمد بن عثمان ابن ~~عبد الحميد الأنصاري المعروف بابن الأردخل الموصلي الشاعر المشهور ومولده ~~سنة سبع وسبعين وخمسمائة بالموصل وتوفي في شهر رمضان سنة ثمان وعشرين ~~وستمائة بميافارقين رحمه الله تعالى وغير هؤلاء خلق كثير والله أعلم ~~بالصواب PageV05P336 # 750 موسى بن عبد الملك الأصبهاني أبو عمران موسى بن ~~عبد الملك بن هشام الأصبهاني صاحب ديوان الخراج كان من جلة الرؤساء وفضلاء ~~الكتاب وأعيانهم تنقل في الخدم في أيام جماعة من الخلفاء وكان إليه ديوان ~~السواد وغيره في أيام المتوكل وكان مترسلا وله ديوان رسائل وقد سبق طرف من ~~خبره مع أبي العيناء في ترجمته وما دار بينهما من المحاورة في قضية نجاح بن ~~سلمة وله شعر رقيق حسن فمن ذلك قوله (لما وردنا القادسية * حيث مجتمع ~~الرفاق) (وشممت من أرض الحجاز * نسيم أنفاس العراق) (أيقنت لي ms1488 ولمن أحب * ~~بجمع شمل واتفاق) (وضحكت من فرح اللقاء * كما بكيت من الفراق) (لم يبق لي ~~إلا تجشم * هذه السبع الطباق) (حتى يطول حديثنا * بصفات ما كنا نلاقي) يروى ~~لما وردنا الثعلبية وكلتاهما من منازل الحاج على طريق العراق والثعلبية ~~منسوبة إلى ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن ~~نزار بن معد بن عدنان قاله ابن الكلبي في جمهرة النسب PageV05P337 # ولهذه الأبيات حكاية مستطرفة أحببت ذكرها هاهنا وقد ~~سردها الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس وغيره من أرباب ~~تواريخ المغاربة وهي أن أبا علي الحسن بن الأشكري المصري قال كنت رجلا من ~~جلاس الأمير تميم بن أبي تميم وممن يخف عليه جدا وهذا تميم هو أبو المعز بن ~~باديس المذكور في حرف التاء قال فأرسلني إلى بغداد فابتعت له جارية رائقة ~~فائقة الغناء فلما وصلت إليه دعا جلساءه قال وكنت فيهم ثم مدت الستارة ~~وأمرها بالغناء فغنت (وبدا له من بعد ما اندمل الهوى * برق تألق موهنا ~~لمعانه) (يبدو كحاشية الرداء ودونه * صعب الذرا متمنع أركانه) (فمضى لينظر ~~كيف لاح فلم يطق * نظرا إليه وصده سجانه) (فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه * ~~والماء ما سمحت به أجفانه) وهذه الأبيات ذكرها صاحب الأغاني للشريف أبي عبد ~~الله محمد بن صالح الحسني قال ابن الأشكري فأحسنت الجارية ما شاءت فطرب ~~الأمير تميم ومن حضر ثم غنت (سيسليك عما فات دولة مفضل * أوائله محمودة ~~وأواخره) (ثنى الله عطفيه وألف شخصه * على البر مذ شدت عليه مآزره) قال ~~فطرب الأمير تميم ومن حضر طربا شديدا قال ثم غنت (أستودع الله في بغداد لي ~~قمرا * بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه) وهذا البيت لمحمد بن زريق الكاتب ~~البغدادي من جملة قصيدة طويلة PageV05P338 # قال الراوي فاشتد طرب الأمير تميم وأفرط جدا ثم قال ~~لها تمني ما شئت فقالت أتمنى عافية الأمير وسلامته فقال والله لا بد أن ~~تتمني فقالت على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى قال نعم فقالت ms1489 أتمنى أن أغني ~~بهذه النوبة ببغداد قال فانتقع لون الأمير تميم وتغير وجهه وتكدر المجلس ~~وقام وقمنا قال ابن الأشكري فلقيني بعذ خدمه وقال لي ارجع فالأمير يدعوك ~~فوجدته جالسا ينتظرني فسلمت وقمت بين يديه فقال لي ويحك رأيت ما امتحنا به ~~فقلت نعم أيها الأمير فقال لا بد من الوفاء لها ولا أثق في هذا بغيرك فتأهب ~~لتحملها إلى بغداد فإذا غنت هناك فاصرفها فقلت سمعا وطاعة قال ثم قمت ~~فتأهبت وأمرها بالتأهب وأصحبها جارية سوداء له تعادلها وتخدمها وأمر بناقة ~~ومحمل فأدخلت فيه وجعلتها معي وصرت إلى مكة مع القافلة وقضينا حجنا ثم ~~دخلنا في قافلة العراق وسرنا فلما وردنا القادسية أتتني السوداء وقالت لي ~~تقول لك سيدتي أين نحن فقلت لها نزول بالقادسية فانصرفت إليها وأخبرتها فلم ~~أنشب أن سمعت صوتها قد ارتفع بالغناء وغنت الأبيات المذكورة قال فتصايح ~~الناس من أقطار القافلة أعيدي بالله أعيدي قال فما سمع لها كلمة قال ثم ~~نزلنا الياسرية وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة ينزل ~~الناس بها فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد فلما كان وقت الصباح وإذا ~~بالسوداء قد أتتني مذعورة فقلت مالك قالت إن سيدتي ليست بحاضرة فقلت ويلك ~~وأين هي قالت والله ما أدري قال فلم أحس لها أثرا بعد ذلك ودخلت بغداد ~~وقضيت حوائجي منها وانصرفت إلى الأمير تميم فأخبرته خبرها فعظم ذلك عليه ~~واغتم له غما شديدا ثم ما زال بعد ذلك ذاكرا لها واجما عليها والقادسية ~~بفتح القاف وبعد الألف دال مهملة مكسورة وسين مهملة مكسورة أيضا وبعدها ياء ~~مثناة من تحتها مشددة ثم هاء ساكنة وهي قرية فوق الكوفة PageV05P339 # وعندها كانت الوقعة المشهورة في زمن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه والياسرية بفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف سين مهملة ~~مكسورة وراء مكسورة أيضا وبعدها ياء مثناة من تحتها مشددة ثم هاء ساكنة وقد ~~ذكرنا أين هي فلا حاجة إلى الإعادة وحكى إسحاق بن إبراهيم أخو زيد بن ~~إبراهيم ms1490 أنه كان يتقلد بلاد السيروان نيابة عن موسى بن عبد الملك المذكور ~~فاجتاز به إبراهيم بن العباس الصولي الشاعر المقدم ذكره وهو يريد خراسان ~~والمأمون يوم ذاك بها وقد بايع بالعهد علي بن موسى الرضا وهي قضية مشهورة ~~وقد امتدحه إبراهيم المذكور بقصيدة ذكر فيها آل علي وأنهم أحق بالخلافة من ~~غيرهم قال إسحاق بن إبراهيم المذكور فاستحسنت القصيدة وسألت إبراهيم بن ~~العباس أن ينسخها ففعل ووهبته ألف درهم وحملته على دابة وتوجه إلى خراسان ~~ثم تراخت الأيام إلى زمن المتوكل فتولى إبراهيم المذكور موضع موسى بن عبد ~~الملك المذكور وكان يحب أن يكشف أسباب موسى فعزلني وأمر أن تعمل مؤامرة ~~فعملت وحضرت للمناظرة عنها فجعلت أحتج بما لا يدفع فلا يقبله ونحتكم إلى ~~الكتاب فلا يلتفت إلى حكمهم ويسمعني في خلال ذلك غليظ الكلام إلى أن أوجب ~~الكتاب اليمين على باب من الأبواب فحلفت فقال ليست يمين السلطان عندك يمينا ~~لأنك رافضي فقلت له تأذن لي في الدنو منك فأذن لي فقلت له ليس لي مع تعريضك ~~بمهجتي للقتل صبر وهذا المتوكل إن كتبت إليه بما أسمعه منك لم آمنه على ~~نفسي وقد احتملت كل ما جرى سوى الرفض والرافضي من زعم أن علي بن أبي طالب ~~أفضل من العباس وأن ولده أحق من ولد العباس بالخلافة قال ومن هو ذاك قلت ~~أنت وخطك عندي به فأخبرته بالشعر الذي عمله في المأمون وذكر فيه علي بن ~~موسى فوالله ما هو إلا أن قلت له ذلك حتى سقط في يده ثم قال لي PageV05P340 # أحضر الدفتر الذي بخطي فقلت له هيهات لا والله أو توثق ~~لي بما أسكن إليه أنك لا تطالبني بشيء مما جرى على يدي وتخرق هذه المؤامرة ~~ولا تنظر لي في حساب فحلف لي على ذلك بما سكنت إليه وخرق العمل المعمول ~~فأحضرت له الدفتر فوضعه في خفه وانصرفت وقد زالت عني المطالبة ولموسى ~~المذكور أخبار كثيرة أضربت عن ذكرها طلبا للاختصار وتوفي في شوال سنة ست ~~وأربعين ms1491 ومائتين رحمه الله تعالى والسيروان بكسر السين المهملة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وفتح الراء والواو وبعد الألف نون وهي كورة ماسبذان من ~~أعمال الجبل وماسبذان بفتح الميم وبعد الألف سين مهملة وباء موحدة وذال ~~معجمة والجميع مفتوح وبعد الألف نون وهي قرية كان يسكنها المهدي بن المنصور ~~أبي جعفر والد هارون الرشيد وبها توفي وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة ~~الشاعر المقدم ذكره (وأكرم قبر بعد قبر محمد * نبي الهدى قبر بماسبذان) ~~(عجبت لأيد هالت الترب فوقه * ضحى كيف لم ترجع بغير بنان) والسيروان اسم ~~لأربعة مواضع هذا أحدها وبلاد الجبل عبارة عن عراق العجم الفاصل بين عراق ~~العرب وخراسان وبلاده المشهورة أصبهان وهمذان والري وزنجان PageV05P341 # 751 أبو منصور الجواليقي أبو منصور موهوب بن أبي طاهر ~~أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي البغدادي الأديب اللغوي كان إماما في فنون ~~الأدب وهو من مفاخر بغداد قرأ الأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي الآتي ~~ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى ولازمه وتتلمذ له حتى برع في فنه وهو ~~متدين ثقة غزير الفضل وافر العقل مليح الخط كثير الضبط صنف التصانيف ~~المفيدة وانتشرت عنه مثل شرح أدب الكاتب والمعرب ولم يعمل في جنسه أكبر منه ~~وتتمة درة الغواص تأليف الحريري صاحب المقامات سماه التكملة فيما يلحن فيه ~~العامة إلى غير ذلك وكان يختار في بعض مسائل النحو مذاهب غريبة وكان في ~~اللغة أمثل منه في النحو وخطه مرغوب فيه يتنافس الناس في تحصيله والمغالاة ~~فيه وكان إماما للإمام المقتفي بالله يصلي به الصلوات الخمس وألف له كتابا ~~لطيفا في علم العروض وجرت له مع الطبيب هبة الله بن صاعد المعروف بابن ~~التلميذ النصراني الآتي ذكره إن شاء الله تعالى واقعة عنده وهي أنه لما حضر ~~إليه للصلاة به ودخل عليه أول دخلة فما زاده على أن قال السلام على أمير ~~المؤمنين ورحمة الله تعالى فقال ابن التلميذ وكان حاضرا قائما بين يدي ~~المقتفي وله إدلال الخدمة والصحبة ما هكذا ms1492 يسلم على أمير المؤمنين ~~PageV05P342 # يا شيخ فلم يلتفت ابن الجواليقي إليه وقال للمقتفي يا ~~أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى له خبرا في صورة ~~السلام ثم قال يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل ~~إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المرضي لما لزمته كفارة الحنث لأن ~~الله تعالى ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان فقال له صدقت ~~وأحسنت فيما فعلت وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه وسمع ~~ابن الجواليقي من شيوخ زمانه وأكثر أخذ الناس عنه علما جما وينسب إليه من ~~الشعر شيء قليل فمن ذلك ما رأيته منسوبا إليه في بعض المجاميع ولم أتحققه ~~له وهو (ورد الورى سلسال جودك فارتووا * ووقفت خلف الورد وقفة حائم) (حيران ~~أطلب غفلة من وارد * والورد لا يزداد غير تزاحم) ثم وجدت هذين البيتين لابن ~~الخشاب من جملة أبيات وحكى ولده أبو محمد إسماعيل وكان أنجب أولاده قال كنت ~~في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر والناس يقرؤون عليه فوقف ~~عليه شاب وقال يا سيدي قد سمعت بيتين من الشعر ولم أفهم معناهما وأريد أن ~~تسمعهما مني وتعرفني معناهما فقال قل فأنشده (وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ~~* وهجره النار يصليني به النارا) (فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة * إن لم ~~يزرني وبالجوزاء إن زارا) قال إسماعيل فلما سمعهما والدي قال يا بني هذا ~~شيء من معرفة علم النجوم وتسييرها لا من صنعة أهل الأدب فانصرف الشاب من ~~غير حصول فائدة واستحيا والدي من أن يسأل عن شيء ليس عنده منه علم وقام ~~وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير ~~الشمس والقمر فنظر في ذلك وحصل معرفته ثم جلس ومعنى البيت المسؤول عنه أن ~~الشمس إذا كانت في آخر القوس كان الليل في غاية الطول لأنه يكون آخر فصل ~~الخريف وإذا كانت في آخر الجوزاء PageV05P343 # كان الليل في ms1493 غاية القصر لأنه آخر فصل الربيع فكأنه ~~يقول إذا لم يزرني فالليل عندي في غاية الطول وإن زارني كان الليل عندي في ~~غاية القصر والله أعلم ولبعض شعراء عصره فيه وفي المغربي مفسر المنامات ~~وذكرها في الخريدة لحيص بيص هكذا وجدتها في مختصر الخريدة للحافظ (كل ~~الذنوب ببلدتي مغفورة * إلا اللذين تعاظما أن يغفرا) (كون الجواليقي فيها ~~ملقيا * أدبا وكون المغربي معبرا) (فأسير لكنته يمل فصاحة * وغفول يقظته ~~يعبر عن كرى) ونوادره كثيرة وكانت ولادته سنة ست وستين وأربعمائة وتوفي يوم ~~الأحد منتصف المحرم سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب حرب رحمه ~~الله تعالى بعد أن صلى عليه قاضي القضاة الزينبي بجامع القصر والجواليقي ~~نسبة إلى عمل الجوالق وبيعها وهي نسبة شاذة لأن الجموع لا ينسب إليها بل ~~ينسب إلى آحادها إلا ما جاء شاذا مسموعا في كلمات محفوظة مثل قولهم رجل ~~أنصاري في النسبة إلى الأنصار والجواليق في جمع جوالق شاذ لأن الياء لم تكن ~~موجودة في مفرده والمسموع فيه جوالق بضم الجيم وجمعه جوالق بفتح الجيم وهو ~~باب مطرد قالوا رجل حلاحل إذا كان وقورا وجمعه حلاحل وشجر عدامل إذا كان ~~قديما وجمعه عدامل ورجل عراعر وهو السيد وجمعه عراعر ورجل علاكد إذا كان ~~شديدا وجمعه علاكد وله نظائر كثيرة وهو اسم أعجمي معرب والجيم والقاف لا ~~يجتمعان في كلمة واحدة عربية البتة PageV05P344 # 752 رضي الدين النيسابوري أبو الحسن المؤيد بن محمد بن ~~علي الطوسي الأصل النيسابوري الدار المحدث الملقب رضي الدين كان أعلى ~~المتأخرين إسنادا لقي جماعة من الأعيان وأخذ عنهم وسمع صحيح مسلم من الفقيه ~~أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي المقدم ذكره وهو آخر من بقي من أصحابه ~~وسمع صحيح البخاري من أبي بكر وجيه بن طاهر بن محمد الشحامي وأبي الفتوح ~~عبد الوهاب بن شاه ابن أحمد الشاذياخي وسمع الموطأ رواية أبي مصعب إلا ما ~~استثني منه من أبي محمد هبة الله بن سهل بن عمر البسطامي المعروف بالسندي ~~وسمع تفسير القرآن ms1494 الكريم تصنيف أبي إسحاق الثعلبي من أبي العباس محمد ~~الطوسي المعروف بعباسة وسمع أيضا من جماعة من شيوخ نيسابور منهم الفقيه أبو ~~محمد عبد الجبار ابن محمد الخواري وأم الخير فاطمة بنت أبي الحسن علي بن ~~المظفر بن زعبل وحدث بالكثير ورحل إليه من الأقطار ولنا منه إجازة كتبها من ~~خراسان باستدعاء الوالد رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة عشر وستمائة ~~وإنما ذكرته لشهرته وتفرده في آخر عصره وكانت ولادته سنة أربع عشرين ~~وخمسمائة ظنا وتوفي ليلة العشرين من شوال سنة سبع عشرة وستمائة بنيسابور ~~ودفن من الغد رحمه الله تعالى ثم بعد إثبات هذه الترجمة على هذه الصورة ~~بسنين رأيت بخط الشيخ المؤيد PageV05P345 # المذكور في إجازة وقد رفع نسبه فقال كتبه المؤيد بن ~~محمد بن علي بن الحسن ابن محمد بن أبي صالح الطوسي 753 الألوسي أبو سعيد ~~المؤيد بن محمد بن علي بن محمد الألوسي الشاعر المشهور كان من أعيان شعراء ~~عصره كثير الغزل والهجاء ومدح جماعة من رؤساء العراق وله ديوان شعر وكان ~~منقطعا إلى الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة وله فيه مدائح جيدة ذكره محب ~~الدين ابن النجار في تاريخ بغداد فقال هو عطاف بن محمد ابن علي بن أبي سعيد ~~الشاعر المعروف بالمؤيد ولد بألوس قرية بقرب الحديثة ونشأ بدجيل ودخل بغداد ~~وصار جاووشا في أيام المسترشد بالله وهجاه ابن الفضل الشاعر بأبيات ثم إن ~~المؤيد نظم الشعر فأكثر منه حتى عرف به ومدح وهجا وكان قد لجأ إلى خدمة ~~السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه وقد تقدم ذكره قال وتفسح في ذكر الإمام ~~المقتفي وأصحابه بما لا ينبغي فقبض عليه وسجن وذكره العماد الكاتب في كتاب ~~الخريدة فقال ترفع قدره وأثرى حاله ونفق شعره وكان له قبول حسن واقتنى ~~أملاكا وعقارا وكثر رياشه وحسن معاشه ثم عثر به الدهر عثرة صعب منها ~~انتعاشه وبقي في حبس الإمام المقتفي أكثر من عشر سنين إلى أن خرج في أول ~~خلافة الإمام المستنجد PageV05P346 # سنة خمس ms1495 وخمسين وخمسمائة ولقيته حينئذ وقد غشي بصره من ~~ظلمة المطمورة التي كان فيها محبوسا وكان زيه زي الأجناد وسافر إلى الموصل ~~وله شعر حسن غزل وأسلوب مطرب بنظم معجب وقد يقع له من المعاني المبتكرة ما ~~يندر فمن ذلك قوله في صفة القلم (ومثقف يغني ويفني دائما * في طوري الميعاد ~~والإيعاد) (قلم يفل الجيش وهو عرمرم * والبيض ما سلت من الأغماد) (وهبت له ~~الآجام حين نشا بها * كرم السيول وهيبة الآساد) قلت أنا ولقد رأيت هذه ~~الأبيات منسوبة إلى غيره والله أعلم بالصواب ولم يقل في القلم أحسن من هذا ~~المعنى ولبعضهم في القلم أيضا وهو في هذا المعنى (وأرقش مرهوب الشباة مهفهف ~~* يشتت شمل الخطب وهو جميع) (تدين له الآفاق شرقا ومغربا * وتعنو له ~~أفلاكها وتطيع) (حمى الملك مفطوما كما كان يحتمي * به الأسد في الآجام وهو ~~رضيع) ولبعضهم أيضا في هذا المعنى (له قلم كقضاء الإله * بالسعد طورا ~~وبالنحس ماضي) (فما فارق الأسد في حالتيه * يبيسا وذا ورقات غضاض) (ففي كف ~~ليث الوغى في الندى * وفي وجه ليث الشرى في الغياض) ومعنى البيت الثالث ~~مأخوذ من قول بعضهم في وصف طنبور (وطنبور مليح الشكل يحكي * بنغمته الفصيحة ~~عندليبا) (روى لما ذوى نغما فصاحا * حواها في تقلبه قضيبا) (كذا من عاشر ~~العلماء طفلا * يكون إذا نشا شيخا أديبا) PageV05P347 # وهذه معنى مطروق أكثرت الشعراء استعماله فمن ذلك قول ~~بعضهم وهو أبو محمد عبد الله بن قاضي ميلة (جاءت بعود يناغيها ويسعدها * ~~انظر بدائع ما يأتي به الشجر) (غنت عليه ضروب الطير ساجعة * حينا فلما ذوى ~~غنى به البشر) (فلا يزال عليه الدهر مصطخب * يهيجه الأعجمان الطير والوتر) ~~ولبعضهم في المعنى أيضا (وعود له نوعان من لذة المنى * فبورك جان يجتنيه ~~وغارس) (تغنت عليه وهو رطب طيورها * وغنت عليه قينة وهو يابس) ولولا خوف ~~الإطالة والخروج عما نحن بصدده لذكرت عدة مقاطيع في هذا المعنى ولبهاء ~~الدين زهير المقدم ذكره من قصيدة يمدح بها اقسيس بن الملك الكامل (وتهتز ~~أعواد المنابر ms1496 باسمه * فهل ذكرت أيامها وهي أغصان) 279 ثم قال العماد في ~~بقية الترجمة وكان ولده محمد ذكيا له شعر حسن هاجر إلى الملك العادل نور ~~الدين بالشام سنة أربع وستين وكان يومئذ بصرخد فمرض فأنفذه إلى دمشق فمات ~~في الطريق بقرية يقال لها رشيدة انتهى كلام العماد ومن شعر المؤيد المذكور ~~من جملة قصيدة له رحمه الله تعالى (فيا بردها من نفحة حاجرية * على حر صدر ~~ليس تخبو سمائمه) (ويا حسنه طيفا وشى نور وجهه * بطيفي فغطاني من الشعر ~~فاحمه) (يجول وشاحاه على غصن بانة * سقاها الحيا فاخضر واهتز ناعمه) ~~PageV05P348 # (فلما رمى في شملنا الصبح بالنوى * ولم يبق منها غير ~~معنى ألازمه) (وقفت بحزوى وهي منها معالم * قواء وجسمي قد تعفت معالمه) ~~(وقوف بناني في يميني ولم أقف * وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه) (ولم يبق لي ~~رسما بجسمي صدودها * فيشجى بدمعي كلما انهل طاسمه) (ولا مقلة أبقت فتغرم ~~نظرة * بثانية والمتلف الشيء غارمه) (فلله وجدي في الركاب كأنه * دموعي وقد ~~حنت بليل روازمه) (وقد مد من كف الثريا هلالها * فقبلته حتى تهاوت مناظمه) ~~وهي قصيدة طويلة أجاد فيها وقد وازن بها قصيدة المتنبي في سيف الدولة ابن ~~حمدان التي أولها (وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه * بأن تسعدا والدمع أشفاه ~~ساجمه) وقد استعمل في قصيدته أنصاف أبيات من قصيدة المتنبي على وجه التضمين ~~وأكثر شعره جيد وله أيضا من جملة أبيات قالها وهو محبوس (رحلوا فأفنيت ~~الدموع تشوقا * من بعدهم وعجبت إذ أنا باقي) (وعلمت أن العود يقطر ماؤه * ~~عند الوقود لفرقة الأوراق) (وأبيت مأسورا وفرحة ذكركم * عندي تعادل فرحة ~~الإطلاق) (لا تنكر البلوى سواد مفارقي * فالحرق يحكم صنعة الحراق) وكانت ~~ولادته سنة أربع وتسعين وأربعمائة بألوس ونشأ بها وتوفي يوم الخميس الرابع ~~والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة بالموصل وكان خروجه من ~~بغداد سنة ست وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى PageV05P349 # ولما ذكرت تاريخ ولاية المستنجد ذكرت نكتة غريبة أحببت ~~ذكرها وهو ما أخبرني به بعض مشايخ العراق الفضلاء ms1497 أن المستنجد رأى في منامه ~~في حياة والده المقتفي كأن ملكا نزل من السماء فكتب في كفه أربع خاءات فلما ~~استيقظ طلب معبر الرؤيا فقص عليه ما رآه فقال له تلي الخلافة في سنة خمس ~~وخمسين وخمسمائة فكان الأمر كذلك وكان ذلك قبل وفاة والده بمدة والألوسي ~~بضم الهمزة واللام وبعدها واو ساكنة ثم سين مهملة هذه النسبة إلى ألوس وهي ~~ناحية عند حديثة عانة على الفرات هكذا ذكره عز الدين بن الأثير المقدم ذكره ~~فيما استدركه على الحافظ ابن السمعاني لأنه قال ألوس موضع بالشام في الساحل ~~عند طرسوس وهو بغدادي الدار والمنشأ لأنه دخل بغداد في صباه وقيدها ابن ~~النجار الآلسي ومد الهمزة وضم اللام والله أعلم 754 المهلب بن أبي صفرة أبو ~~سعيد المهلب بن أبي صفرة كانت له بنت اسمها صفرة وبها كان يكنى واسمه ظالم ~~بن سراق بن صبح بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن ~~الأزد ويقال الأسد بالسين الساكنة ابن عمران بن عمرو مزيقياء ابن عامر ماء ~~السماء بن امريء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد الأزدي العتكي البصري قال ~~الواقدي كان أهل دبا أسلموا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV05P350 # ثم ارتدوا بعده ومنعوا الصدقة فوجه إليهم أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه عكرمة بن أبي جهل المخزومي رضي الله عنه فقاتلهم ~~فهزمهم وأثخن فيهم القتل وتحصن فلهم في حصن لهم وحصرهم المسلمون ثم نزلوا ~~على حكم حذيفة بن اليمان فقتل مائة من رؤسائهم وسبى ذراريهم وبعثهم إلى أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه وفيهم أبو صفرة غلام ولم يبلغ فأعتقهم أبو بكر رضي ~~الله عنه وقال اذهبوا حيث شئتم فتفرقوا فكان أبو صفرة ممن نزل البصرة وقال ~~ابن قتيبة في كتاب المعارف هذا الحديث باطل أخطأ فيه الواقدي لأن أبا صفرة ~~لم يكن في هؤلاء ولا رآه أبو بكر قط وإنما وفد على عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه وهو شيخ أبيض ms1498 الرأس واللحية فأمره أن يخضب فخضب وكيف يكون غلاما في زمن ~~أبي بكر وقد ولد المهلب وهو من أصاغر ولده قبل وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم بسنتين وقد كان في ولده من ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~بثلاثين سنة أو أكثر وكان المهلب المذكور من أشجع الناس وحمى البصرة من ~~الخوارج وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز استقصى أبو العباس المبرد في كتابه ~~الكامل أكثرها فهي تسمى بصرة المهلب لذلك ولولا طولها وانتشار وقائعها ~~لذكرت طرفا منها وكان سيدا جليلا نبيلا روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير ~~أيام خلافته بالحجاز والعراق وتلك النواحي وهو يومئذ بمكة فخلا به عبد الله ~~يشاوره فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب القرشي الجمحي ~~فقال من هذا الذي قد شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا قال أو ما تعرفه قال ~~لا قال هذا سيد أهل العراق قال فهو المهلب بن أبي صفرة قال نعم فقال المهلب ~~من هذا يا أمير المؤمنين قال هذا سيد قريش فقال فهو عبد الله بن صفوان قال ~~نعم PageV05P351 # قال ابن قتيبة في المعارف ولم يكن يعاب بشيء إلا ~~بالكذب وفيه قيل راح يكذب ثم قال ابن قتيبة بعد هذا وأنا أقول كان المهلب ~~أتقى الناس لله عز وجل وأشرف وأنبل من أن يكذب ولكنه كان محربا وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة وكان يعارض الخوارج بالكلمة فيوري بها ~~عن غيرها يرهب بها الخوارج وكانوا يسمونه الكذاب ويقولون راح يكذب وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حربا ورى بغيرها وقال أبو العباس المبرد ~~في الكامل في شرح أبيات رمي فيها المهلب بالكذب ما صورته وقوله الكذاب لأن ~~المهلب كان فقيها وكان يعلم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قوله كل كذب يكتب كذبا إلا ثلاثة الكذب في الصلح بين الرجلين وكذب الرجل ~~لامرأته يعدها وكذب الرجل في الحرب يتوعد ويتهدد ms1499 وكان المهلب ربما صنع ~~الحديث ليشد به أمر المسلمين ويضعف به من أمر الخوارج وكان حي من الأزد ~~يقال لهم الندب إذا رأوا المهلب رائحا قالوا قد راح المهلب يكذب وفيه يقول ~~رجل منهم (أنت الفتى كل الفتى * لو كنت تصدق ما تقول) وذكر المبرد في كتاب ~~الكامل في أواخره في فصل قتال الخوارج وما جرى بين المهلب والأزارقة وكانت ~~ركب الناس قديما من الخشب فكان الرجل يضرب بركابه فينقطع فإذا أراد الضرب ~~والطعن لم يكن له معين أو معتمد فأمر المهلب فضربت الركب من الحديد فهو أول ~~من أمر بطبعها وأخبار المهلب كثيرة وتقلبت به الأحوال وآخر ما ولي خراسان ~~من جهة الحجاج بن يوسف الثقفي المقدم ذكره فإنه كان أمير العراقين وضم إليه ~~عبد الملك بن مروان خراسان وسجستان فاستعمل على خراسان المهلب المذكور وعلى ~~سجستان PageV05P352 # عبيد الله بن أبي بكرة فورد المهلب خراسان واليا عليها ~~سنة تسع وسبعين للهجرة وكان قد أصيب بعينه على سمرقند لما فتحها سعيد بن ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ~~فإنه كان معه في تلك الغزوة وفي تلك الغزوة تلك قلعت عين سعيد أيضا وفيها ~~قلعت أيضا عين طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات ~~المشهور بالكرم والجود وفي ذلك يقول المهلب (لئن ذهبت عيني لقد بقيت نفسي * ~~وفيها بحمد الله عن تلك ما ينسي) (إذا جاء أمر الله أعيا خيولنا * ولا بد ~~أن تعمى العيون لدى الرمس) وقيل إن المهلب قلعت عينه على الطالقان ولم يزل ~~المهلب واليا بخراسان حتى أدركته الوفاة هناك ولما حضره أجله عهد إلى ولده ~~يزيد الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وأوصاه بقضايا وأسباب ومن جملة ما قال ~~له يا بني استعقل الحاجب واستظرف الكاتب فإن حاجب الرجل وجهه وكاتبه لسانه ~~ثم توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين للهجرة بقرية يقال لها زاغول من ~~أعمال مرو الروذ من ولاية خراسان رحمه الله تعالى ms1500 وله كلمات لطيفة وإشارات ~~مليحة تدل على مكارمه ورغبته في حسن السمعة والثناء الجميل فمن ذلك قوله ~~الحياة خير من الموت والثناء الحسن خير من الحياة ولو أعطيت ما لم يعطه أحد ~~لأحببت أن تكون لي أذن أسمع بها ما يقال في غدا إذا مت وقد قيل إن هذا ~~الكلام لولده يزيد والله أعلم وكان المهلب يقول لبنيه يا بني أحسن ثيابكم ~~ما كان على غيركم وقد أشار إلى هذا أبو تمام الطائي فيما كتبه إلى من يطلب ~~منه كسوة (فأنت العليم الطب أي وصية * بها كان أوصى في الثياب المهلب) ~~PageV05P353 # وقد ذكر الطبري في تاريخه أنه توفي سنة اثنتين وثمانين ~~والله أعلم والكلام على وفاته مذكور في ترجمة ابنه يزيد فلينظر هناك فإنه ~~مستوفى ولما حضرته الوفاة جمع من حضره من بنيه ودعا بسهام فحزمت ثم قال ~~أترونكم كاسريها مجمعة قالوا لا قال أفترونكم كاسريها مفرقة قالوا نعم قال ~~هكذا الجماعة ثم مات ولما مات رثاه الشعراء وأكثروا وفي ذلك يقول نهار بن ~~توسعة الشاعر المشهور (ألا ذهب الغزو المقرب للغنى * ومات الندى والجود بعد ~~المهلب) (أقاما بمرو الروذ لا يبرحانها * وقد قعدا من كل شرق ومغرب) وخلف ~~المهلب عدة أولاد نجباء كرماء أجوادا أمجادا وقال ابن قتيبة في كتاب ~~المعارف ويقال إنه وقع إلى الأرض من صلب المهلب ثلاثمائة ولد وقد تقدم في ~~حرف الراء ذكر حفيديه روح ويزيد ابني حاتم بن قبيصة بن المهلب وسيأتي ذكر ~~يزيد في حرف الياء إن شاء الله تعالى 280 ومن سراة أولاده أبو فراس المغيرة ~~وكان أبوه يقدمه في قتال الخوارج وله معهم وقائع مأثورة تضمنتها التواريخ ~~أبلى فيها بلاء أبان عن نجدته وشهامته وصرامته وتوجه صحبة أبيه إلى خراسان ~~واستنابه عنه بمرو الشاهجان وتوفي بها في حياة أبيه سنة اثنتين وثمانين في ~~شهر رجب ورثاه أبو أمامة زياد الأعجم وهو زياد بن سليمان ويقال ابن جابر ~~وهو ابن عبد القيس الشاعر المشهور بقصيدته الحائية السائرة التي أولها (قل ~~للقوافل والغزاة ms1501 إذا غزوا * للباكرين وللمجد الرائح) (إن السماحة والمروءة ~~ضمنا * قبرا بمرو على الطريق الواضح) (فإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم ~~الهجان وكل طرف سابح) (وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخا دم ~~وذبائح) (واظهر ببزته وعقد لوائه * واهتف بدعوة مصلتين شرامح) PageV05P354 # (آب الجنود معاقبا أو قافلا * وأقام رهن حفيرة وضرائح) ~~(وأرى المكارم يوم زيل بنعشه * زالت بفضل فواضل ومدائح) (رجفت لمصرعه ~~البلاد وأصبحت * منا القلوب لذاك غير صحائح) (الآن لما كنت أكرم من مشى * ~~وافتر نابك عن شباة القارح) (وتكاملت فيك المروءة كلها * وأعنت ذلك بالفعال ~~الصالح) (وكفى بنا حزنا ببيت حله * أخرى المنون فليس عنه بنازح) (فعفت ~~منابره وحط سروجه * عن كل طامحة وطرف طامح) (وإذا يناح على امريء فلتعلمن * ~~أن المغيرة فوق نوح النائح) (تبكي المغيرة خيلنا ورماحنا * والباكيات برنة ~~وتصايح) (مات المغيرة بعد طول تعرض * للقتل بين أسنة وصفائح) (وإذا الأمور ~~على الرجال تشابهت * وتنوزعت بمغالق ومفاتح) (فتل السحيل بمبرم ذي مرة * ~~دون الرجال بفضل عقل راجح) (وأرى الصعالك للمغيرة أصبحت * تبكي على طلق ~~اليدين مسامح) (كان الربيع لهم إذا انتجعوا الندى * وخبت لوامع كل برق ~~لائح) (كان المهلب بالمغيرة كالذي * ألقى الدلاء إلى قليب المائح) (فأصاب ~~جمة ما استقى فسقى له * في حوضه بنوازع وموانح) (أيام لو يحتل وسط مفازة * ~~فاضت معاطشها بشرب سائح) (إن المهلب لن يزال لها فتى * يمري قوادم كل حرب ~~لاقح) (بالمقربات لواحقا آطالها * تجتاب سهل سباسب وصحاصح) (متلببا تهفو ~~الكتائب حوله * ملح المتون من النضيح الراشح) (ملك أغر متوج يسمو له * طرف ~~الصديق بغض طرف الكاشح) (رفاع ألوية الحروب إلى العدا * بسعود طير سوانح ~~وبوارح) PageV05P355 # وهذه القصيدة من غرر القصائد ونخبها ولولا خوف الإطالة ~~لأثبتها كلها وهي طويلة تزيد على خمسين بيتا وقد ذكرها أبو علي القالي ~~المقدم ذكره في حرف الهمزة في كتابه الذي جعله ذيلا على أماليه وتكلم علي ~~بعض أبياتها وقال إنها قد تنسب إلى الصلتان العبدي الشاعر المشهور ولكن ~~الأصح أنها لزياد الأعجم والبيت الثاني منها تستشهد ms1502 به النحاة في كتبهم على ~~جواز تذكير المؤنث إذا لم يكن له فرج حقيقي وهو أشهر بيت في هذه القصيدة ~~لكثرة استعمالهم له وقد أخذ بعض الشعراء معنى البيت الثالث والرابع فقال ~~(احملاني إن لم يكن لكما عقر * إلى جنب قبره فاعقراني) (وانضحا من دمي عليه ~~فقد كان * دمي من نداه لو تعلمان) 281 وصاحب هذين البيتين هو الشريف أبو ~~محمد الحسن بن محمد بن علي بن أبي الضوء العلوي الحسيني نقيب مشهد باب ~~التبن ببغداد وهما من جملة قصيدة يرثى بها النقيب الطاهر والد عبيد الله ~~ذكر ذلك العماد الكاتب في كتاب الخريدة وقال أيضا إن الشريف أبا محمد ~~المذكور توفي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ببغداد رحمه الله تعالى ثم بعد ~~وقوفي على ما ذكره العماد في الخريدة وجدت هذين البيتين في كتاب معجم ~~الشعراء تأليف المرزباني لأحمد بن محمد الخثعمي وكنيته أبو عبد الله ويقال ~~أبو العباس ويقال إنه الحسن وكان يتشيع ويهاجي البحتري وكان المغيرة بن ~~المهلب المذكور قد مزق قباء ديباجا كان على زياد الأعجم فقال زياد في ذلك ~~(لعمرك ما الديباج مزقت وحده * ولكنما مزقت عرض المهلب) PageV05P356 # فبلغ ذلك المهلب فأرضاه واستعطفه وذكر أبو الحسين علي ~~بن أحمد السلامي في كتاب تاريخ ولاة خراسان أن رجلا سمع من زياد الأعجم هذه ~~القصيدة قبل أن يسمعها المهلب فجاء إلى المهلب فأنشده إياها فأعطاه مائة ~~ألف درهم ثم أتاه زياد الأعجم فأنشده إياها فقال له قد أنشدنيها رجل قبلك ~~فقال إنما سمعها مني فأعطاه مائة ألف درهم وللمهلب عقب كثير بخراسان يقال ~~لهم المهالبة وفيهم يقول بعض شعراء الحماسة وهو الأخنس الطائي يمدح المهلب ~~(نزلت على آل المهلب شاتيا * بعيدا عن الأوطان في الزمن المحل) (فما زال بي ~~معروفهم وافتقادهم * وبرهم حتى حسبتهم أهلي) والوزير أبو محمد المهلبي ~~المقدم ذكره في حرف الحاء من نسله أيضا رحمهم الله أجمعين وفي أوائل هذه ~~الترجمة أسماء تحتاج إلى الضبط والكلام عليها فأما العتيك والأزد فقد تقدم ~~الكلام عليهما وأما ms1503 مزيقياء فهو بضم الميم وفتح الزاي وسكون الياء المثناة ~~من تحتها وكسر القاف وفتح الياء الثانية وبعدها همزة ممدودة وهو لقب عمرو ~~المذكور وكان من ملوك اليمن وإنما لقب بذلك لأنه كان يلبس كل يوم حلتين ~~منسوجتين بالذهب فإذا أمسى مزقهما وخلعهما وكان يكره أن يعود فيهما ويأنف ~~أن يلبسهما أحد غيره وهو الذي انتقل من اليمن إلى الشام لقصة يطول شرحها ~~والأنصار من ولده وهم الأوس والخزرج وحكى أبو عمر ابن عبد البر صاحب كتاب ~~الاستيعاب في كتابه الذي سماه القصد الأمم في أنساب العرب والعجم وهو كتاب ~~لطيف الحجم أن الأكراد من نسل عمرو مزيقياء PageV05P357 # المذكور وأنهم وقعوا إلى أرض العجم فتناسلوا بها وكثر ~~ولدهم فسموا الكرد وقال بعض الشعراء في ذلك وهو يعضد ما قاله أبو عمر ابن ~~عبد البر (لعمرك ما الأكراد أبناء فارس * ولكنه كرد بن عمرو بن عامر) وأما ~~أبوه عامر فإنما لقب بماء السما لجوده وكثرة نفعه فشبه بالغيث وأما المنذر ~~بن ماء السماء اللخمي أحد ملوك الحيرة فإن أباه امرؤ القيس بن عمرو بن عدي ~~وماء السماء أمه وهي بنت عوف بن جشم بن النمر بن قاسط وإنما قيل لها ماء ~~السماء لحسنها وجمالها وأما دبا بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها ~~ألف مقصورة وهو اسم موضع بين عمان والبحرين أضيفت جماعة من الأزد إليه لما ~~نزلوه وكان الأزد عند تفرقهم حسبما ذكرناه في أول هذه الترجمة أضيفت كل ~~طائفة إلى شيء يميزها عن غيرها فقيل أزددبا وأزد شنوءة وأزد عمان وأزد ~~السراة ومرجع الكل إلى الأزد المذكور فلا يظن ظان أن الأزد مختلف باختلاف ~~المضافين إليه وقد قال الشاعر وهو النجاشي واسمه قيس بن عمرو بن مالك ابن ~~حزن بن الحارث بن كعب بن الحارث الحارثي (وكنت كذي رجلين رجل صحيحة * ورجل ~~بها ريب من الحدثان) (فأما التي صحت فأزد شنوءة * وأما التي شلت فأزد عمان) ~~ولما هزم المهلب قطري بن الفجاءة المقدم ذكره بعث إلى مالك بن بشير فقال ~~إني ms1504 موفدك إلى الحجاج فسر فإنما هو رجل مثلك وبعث إليه بجائزة فردها وقال ~~إنما الجائزة بعد الاستحقاق وتوجه فلما دخل على الحجاج قال ما اسمك قال ~~مالك بن بشير قال ملك وبشارة ثم قال كيف تركت المهلب قال أدرك ما أمل وأمن ~~ما خاف قال فكيف هو بجنده PageV05P358 # قال والد رؤوف قال كيف رصاهم عنه قال وسعهم بالفضل ~~وأقنعهم بالعدل قال كيف تصنعون إذا لقيتم عدوكم قال نلقاهم بجدنا فنقطع ~~فيهم ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا قال فما حال قطري بن الفجاءة قال كادنا ~~بمثل ما كدناه به قال فما منعكم من اتباعه قال رأينا المقام من ورائه خيرا ~~من اتباعه قال فأخبرني عن ولد المهلب قال رعاة البيات حتى يؤمنوه وحماة ~~السرح حتى يردوه قال أيهم أفضل قال ذلك إلى أبيهم قال لتقولن قال هم كحلقة ~~مفرغة لا يعلم طرفاها قال أقسمت عليك هل رويت في هذا الكلام قال ما أطلع ~~الله أحدا على غيبه فقال الحجاج لجلسائه هذا والله الكلام المطبوع لا ~~الكلام المصنوع قلت كان حق هذا الفصل أن يكون متقدما لكنه كذا وقع والله ~~تعالى أعلم بصوابه وصحته 755 مهيار الديلمي أبو الحسين مهيار بن مرزويه ~~الكاتب الفارسي الديلمي الشاعر المشهور كان مجوسيا فأسلم ويقال إن إسلامه ~~كان على يد الشريف الرضي أبي الحسن محمد الموسوي المقدم ذكره وهو شيخه ~~وعليه تخرج في نظم الشعر وقد وازن كثيرا من قصائده وذكر شيخنا ابن الأثير ~~الجزري في تاريخه أنه أسلم في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة فقال له أبو ~~القاسم ابن برهان يا مهيار قد انتقلت بأسلوبك في النار من زاوية إلى زاوية ~~فقال وكيف ذاك قال كنت مجوسيا فصرت تسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في شعرك PageV05P359 # وكان شاعرا جزل القول مقدما على أهل وقته وله ديوان ~~شعر كبير يدخل في أربع مجلدات وهو رقيق الحاشية طويل النفس في قصائده ذكره ~~الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد وأثنى عليه وقال كنت أراه يحضر جامع ~~المنصور ms1505 في أيام الجمعات يعني ببغداد ويقرأ عليه ديوان شعره ولم يقدر لي ~~أسمع منه شيئا وذكره أبو الحسن الباخرزي المقدم ذكره في كتاب دمية القصر ~~فقال في حقه هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر وكاتب تجلى تحت كل كلمة من ~~كلماته كاعب وما في قصيدة من قصائده بيت يتحكم عليه لو وليت وهي مصبوبة في ~~قوالب القلوب وبمثلها يعتذر الزمان المذنب عن الذنوب ثم عقب هذا الكلام ~~بذكر مقاطيع من شعره وأبيات من جملة قصائده وذكره أبو الحسن علي بن بسام في ~~كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة وبالغ في الثناء عليه وذكر شيئا من شعره ~~ومن نظمه المشهور قصيدته التي أولها (سقى دارها بالرقمتين وحياها * ملث ~~يحيل الترب في الدار أموالها) ومنها (وكيف بوصل الحبل من أم مالك * وبين ~~بلادينا زرود وحبلاها) (يراها بعين الشوق قلبي على النوى * فيحظى ولكن من ~~لعيني برؤياها) (فلله ما أصفى وأكدر حبها * وأبعدها مني الغداة وأدناها) ~~(إذا استوحشت عيني أنست بأن أرى * نظائر تصبيني إليها وأشباها) (وأعتنق ~~الغصن الرطيب لقدها * وأرشف ثغر الكأس أحسبه فاها) (ويوم الكئيب استشرفت لي ~~ظبية * مولهة قد ضل بالقاع خشفاها) (يدله خوف الثكل حبة قلبها * فتزداد ~~حسنا مقلتاها وليتاها) (فما ارتاب طرفي فيك يا أم مالك * على صحة التشبيه ~~أنك إياها) PageV05P360 # (فإن لم تكوني خدها وجبينها * فإنك أنت الجيد أو أنت ~~عيناها) (ألوامه في حب دار عزيزة * يشق على رجم المطامع مرماها) (دعوه ~~ونجدا إنها شأن قلبه * فلو أن نجدا تلعة ما تعداها) (وهبكم منعتم أن يراها ~~بعينه * فهل تمنعون القلب أن يتمناها) (وليل بذات الأثل قصر طوله * سرى ~~طيفها آها لذكرته آها) (تخطت إلي الهول مشيا على الهوى * وأخطاره لا يصغر ~~الله ممشاها) (وقد كاد أسداف الدجى أن تضلها * فما دلها إلا وميض ثناياها) ~~وله من أبيات (إن التي علقت قلبك حبها * راحت بقلب منك غير علوق) (عقدت ~~ضمان وفائها من خصرها * فوهى كلا العقدين غير وثيق) ومن سائر شعره أيضا ~~قوله رحمه الله تعالى (بكر ms1506 العارض تحدوه النعامي * فسقاك الري يا دار ~~أماما) (وتمشت فيك أنفاس الصبا * يتناجين بأنفاس الخزامي) ومنها (وبجرعاء ~~الحمى قلبي فعج * بالحمى واقرأ على قلبي السلاما) (وترجل فتحدث عجبا * أن ~~قلبا سار عن جسم أقاما) (قل لجيران الغضى آها على * طيب عيش بالغضى لو كان ~~داما) (نصل العام ولا ننساكم * وقصارى الوجد أن نسلخ عاما) (حملوا ريح ~~الصبا نشركم * قبل أن تحمل شيحا وثماما) PageV05P361 # (وابعثوا أشباحكم لي في الكرى * إن أذنتم لجفوني أن ~~تناما) وهي قصيدة طويلة نقتصر من أطايبها على هذا القدر طلبا للاختصار ومن ~~رقيق شعره قصيدته التي منها (أرقت فهل لهاجعة بسلع * على الأرقين أفئدة ~~ترق) (نشدتك بالمودة يا ابن ودي * فإنك بي من ابن أبي أحق) (أسل بالجزع ~~دمعك إن عيني * إذا استبررتها دمعا تعق) (وإن شق البكاء على المعافى * فلم ~~أسألك إلا ما يشق) وله في القناعة وقد أحسن فيها كل الاحسان (يلحى على ~~البخل الشحيح بماله * أفلا تكون بماء وجهك أبخلا) (أكرم يديك عن السؤال ~~فإنما * قدر الحياة أقل من أن تسألا) (ولقد أضم إلي فضل قناعتي * وأبيت ~~مشتملا بها متزملا) (وأري العدو على الخصاصة شارة * تصف الغنى فيخالني ~~متمولا) (وإذا امرؤ أفنى الليالي حسرة * وأمانيا أفنيتهن توكلا) ومن بديع ~~مدائحه قوله من جملة قصيدة (وإذا رأوك تفرقت أرواحهم * فكأنما عرفتك قبل ~~الأعين) (وإذا أردت بأن تفل كتيبة * لاقيتها فتسم فيها واكتن) وله من جملة ~~قصيدة أبيات تتضمن العتب PageV05P362 # (إذا صور الإشفاق لي كيف أنتم * وكيف إذا ما عن ذكري ~~صرتم) (تنفست عن عتب فؤادي مفصح * به ولساني للحفاظ يجمجم) (وفي في ماء من ~~بقايا ودادكم * كثيرا به من ماء وجهي أرقتم) (أضم فمي ضنا عليه وبينه * ~~وبين انسكاب ريثما أتكلم) وديوانه مشهور فلا حاجة إلى الإطالة في إيراد ~~محاسنه ويعجبني كثيرا قوله من جملة قصيدة طويلة بيت واحد وهو (بنا أنتم من ~~ظاعنين وخلفوا * قلوبا أبت أن تعرف الصبر عنهم) وتوفي ليلة الأحد لخمس خلون ~~من جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وفي تلك ms1507 السنة توفي الرئيس أبو ~~علي ابن سينا الحكيم المشهور حسبما تقدم ذكره في ترجمته رحمهما الله تعالى ~~ورأيت في بعض التواريخ أنه توفي سنة ست وعشرين والأول أصح والله أعلم وذكر ~~الباخرزي المذكور في كتابه الدمية أيضا ولده الحسين بن مهيار ونسب إليه ~~القصيدة الحائية التي من جملتها (يا نسيم الريح من كاظمة * شد ما هجت البكا ~~والبرحا) وهي قصيدة طويلة وهي من مشاهير قصائد مهيار ولا أعلم من أين وقع ~~له هذا الغلط ومهيار بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الياء المثناة من تحتها ~~وبعد الألف راء ومرزويه بفتح الميم وسكون الراء وفتح الزاي والواو وبعدها ~~ياء مثناة من تحتها ثم هاء ساكنة وهما اسمان فارسيان لا أعرف معناهما ~~PageV05P363 # حرف النون PageV05P365 # 756 نافع مولى ابن عمر أبو عبد الله نافع مولى عبد ~~الله بن عمر رضي الله عنهم كان ديلميا وأصابه مولاه عبد الله بن عمر في ~~غزاته وهو من كبار الصالحين التابعين سمع مولاه وأبا سعيد الخدري وروى عنه ~~الزهري وأيوب السختياني ومالك بن أنس رضي الله عنهم وهو من المشهورين ~~بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به ومعظم حديث ابن ~~عمر عليه دار وقال مالك كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا ~~أسمعه من أحد وأهل الحديث يقولون رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ~~سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ~~رحمه الله تعالى في كتاب المهذب في باب الوليمة والنثر عن نافع قال كنت ~~أسير مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فسمع زمارة راع فوضع إصبعيه في ~~أذنيه ثم عدل عن الطريق فلم يزل يقول يا نافع أتسمع حتى قلت لا فأخرج ~~إصبعيه عن أذنيه ثم رجع إلى الطريق ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صنع وفي هذا الأثر إشكال تسأل عنه الفقهاء وهو أن ابن عمر كيف سد ~~أذنيه PageV05P367 # عن استماع صوت الزمارة ولم ms1508 يأمر مولاه نافعا بفعل ذلك ~~بل مكنه منه وكان يسأله كل وقت هل انقطع الصوت أم لا وقد أجابوا عن الإشكال ~~بأن نافعا حينئذ كان صبيا فلم يكن مكلفا حتى يمنعه من الاستماع ويرد على ~~هذا الجواب سؤال آخر وهو أن الصحيح أن إخبار الصبي غير مقبول فكيف ركن ابن ~~عمر إلى إخباره في انقطاع الصوت وهذا الأثر يعضد حجة من قال إن رواية الصبي ~~مقبولة وفي ذلك خلاف مشهور وليس هذا موضع الكلام عليه وأخبار نافع كثيرة ~~وتوفي سنة سبع عشرة وقيل سنة عشرين ومائة رضي الله عنه 757 نافع المقرئ أبو ~~رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم مولى جعونة بن شعوب الشجعي المقرئ ~~المدني أحد القراء السبعة كان إمام أهل المدينة والذي صاروا إلى قراءته ~~ورجعوا إلى اختياره وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة رضوان الله عليهم ~~وكان محتسبا فيه دعابة وكان أسود شديد السواد قال ابن أبي أويس قال لي مالك ~~رضي الله عنه قرأت على نافع وقال الأصمعي قال لي نافع أصلي من أصبهان هكذا ~~قاله الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان وكان قرأ على أبي ميمونة مولى أم ~~سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له راويان ورش وقنبل وقد سبق ~~ذكرهما في حرف العين وتوفي PageV05P368 # نافع المذكور سنة تسع وخمسين وقيل غير ذلك بالمدينة ~~والأول أصح وقيل إن كنيته أبو الحسن وقيل أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن ~~وقيل أبو نعيم والله أعلم بالصواب وجعونة بفتح الجيم وسكون العين المهملة ~~وفتح الواو والنون وبعدها هاء ساكنة وهو في الأصل اسم الرجل القصير ثم سمي ~~به الرجل وإن لم يكن قصيرا وجعل علما عليه وكان جعونة حليف حمزة بن عبد ~~المطلب وقيل حليف العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما وقيل حليف بني هاشم ~~وشعوب بفتح الشين المعجمة وضم العين المهملة وسكون الواو وبعدها باء موحدة ~~وهو في الأصل اسم المنية والشجعي بكسر الشين المعجمة وسكون الجيم وبعدها ~~عين مهملة ms1509 هذه النسبة إلى بني شجع وهم من بني عامر بن ليث ولم يتعرض ~~السمعاني إلى ذكر هذه النسبة 758 المطرزي أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم ~~عبد السيد بن علي المطرزي الفقيه الحنفي النحوي الأديب الخوارزمي كانت له ~~معرفة تامة بالنحو واللغة والشعر وأنواع الأدب قرأ ببلده على أبيه وعلى أبي ~~المؤيد الموفق بن أحمد بن محمد المكي خطيب خوارزم وغيرها وسمع الحديث من ~~أبي عبد الله محمد بن علي بن أبي سعد التاجر PageV05P369 # وغيره وكان تام المعرفة بفنه رأسا في الاعتزال داعيا ~~إليه ينتحل مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في الفروع فصيحا وكان في ~~الفقه فاضلا وله عدة تصانيف نافعة منها شرح المقامات للحريري وهو على ~~وجازته مفيد محصل للمقصود وله كتاب المغرب تكلم فيه على الألفاظ التي ~~يستعملها الفقهاء من الغريب وهو للحنفية بمثابة كتاب الأزهري للشافعية وما ~~أقصر فيه فإنه أتى جامعا للمقاصد وله المعرب في شرح المغرب وهو كبير وقليل ~~الوجود وله الاقناع في اللغة ومختصر الاقناع ومختصر إصلاح المنطق والمصباح ~~في النحو والمقدمة المشهورة في النحو أيضا وله غير ذلك وانتفع الناس به ~~وبكتبه ودخل بغداد حاجا سنة إحدى وستمائة وكان معتزلي الاعتقاد وجرى له ~~هناك مباحث مع جماعة من الفقهاء وأخذ أهل الأدب عنه وكان سائر الذكر مشهور ~~السمعة بعيد الصيت وله شعر فمن ذلك وفيه صناعة (وزند ندى فواضله وري * ورند ~~ربا فضائله نضير) (ودر جلاله أبدا ثمين * ودر نواله أبدا غزير) وله أيضا ~~(وإني لأستحيي من المجد أن أرى * حليف غوان أو أليف أغاني) وله أيضا (تعامى ~~زماني عن حقوقي وإنه * قبيح على الزرقاء تبدي تعاميا) (فإن تنكروا فضلي فإن ~~رغاءه * كفى لذوي الأسماع منكم مناديا) وله أشعار كثيرة يستعمل فيها ~~التجانيس وكانت ولادته في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بخوارزم وهو كما ~~يقال خليفة الزمخشري فإنه توفي في تلك السنة بتلك البلدة كما سبق في ترجمته ~~PageV05P370 # وتوفي المطرزي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من جمادى ~~الأولى سنة عشر وستمائة بخوارزم ms1510 أيضا رحمه الله تعالى ورثي بأكثر من ~~ثلاثمائة قصيدة عربية وفارسية والمطرزي بضم الميم وفتح الطاء المهملة ~~وتشديد الراء وكسرها وبعدها زاي هذه النسبة إلى من يطرز الثياب ويرقمها ولا ~~أعلم هل كان يتعاطى ذلك بنفسه أم كان في آبائه من يتعاطى ذلك فنسب له والله ~~أعلم 282 وتوفي شيخه الموفق بن أحمد الخطيب المذكور في حادي عشر صفر الخير ~~سنة ثمان وستين وخمسمائة بخوارزم رحمه الله تعالى 759 نزار العبيدي أبو ~~المنصور نزار الملقب العزيز بالله ابن المعز بن المنصور بن القائم بن ~~المهدي العبيدي صاحب مصر وبلاد المغرب قد تقدم ذكر والده وأجداده وولده ~~وأحفاده ولي العهد بمصر يوم الخميس رابع شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة واستقل بالأمر بعد وفاة أبيه وكان يوم الجمعة حادي عشر الشهر ~~المذكور وفيه الخلاف المذكور في ترجمته وسترت وفاة أبيه وسلم عليه بالخلافة ~~وكان كريما شجاعا حسن العفو عند المقدرة وقصته مع أفتكين التركي غلام معز ~~الدولة مشهورة وعفا عنه لما ظفر به وكان قد غرم في محاربته مالا جزيلا ولم ~~يؤاخذه بما صدر منه وقد سبق في ترجمة عضد الدولة بن بويه PageV05P371 # المقدم ذكره في حرف الفاء طرف من خبره فلا حاجة إلى ~~إعادته وهي قضية تدل على حلمه وحسن عفوه وذكر الأمير المختار المعروف ~~بالمسبحي أنه الذي اختط أساس الجامع بالقاهرة مما يلي باب الفتوح وحفر وبني ~~وبديء بعمارته سنة ثمانين وثلاثمائة في شهر رمضان ثم قال المسبحي أيضا وفي ~~أيامه بني قصر البحر بالقاهرة الذي لم يبن مثله في شرق ولا غرب وقصر الذهب ~~وجامع القرافة والقصور بعين شمس وكان أسمر أصهب الشعر أعين أشهل العين عريض ~~المنكبين حسن الخلق قريبا من الناس لا يؤثر سفك الدماء بصيرا بالخيل ~~والجارح من الطير محبا للصيد مغرى به وبصيد السباع ويعرف الجوهر والبز وكان ~~أديبا فاضلا ذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر وأورد له شعرا ~~قاله في بعض الأعياد وقد وافق موت بعض أولاده وعقد عليه المآتم ms1511 وهو (نحن ~~بنو المصطفى ذوو محن * يجرعها في الحياة كاظمنا) (عجيبة في الأنام محنتنا * ~~أولنا مبتلى وخاتمنا) (يفرح هذا الورى بعيدهم * طرا وأعيادنا مآتمنا) ثم ~~قال بعد فصل طويل وسمعت الشيخ أبا الطيب يحكى أن المرواني صاحب الأندلس كتب ~~إليه نزار صاحب مصر كتابا يسبه فيه ويهجوه فكتب إليه أما بعد فإنك قد ~~عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك والسلام فاشتد على نزار وأفحمه عن ~~الجواب وذكر أبو الحسن الروحي في كتاب تحفة الظرفاء في تاريخ الخلفاء أن ~~هذه PageV05P372 # الواقعة كانت بين الحكم المستنصر بالله بن عبد الرحمن ~~الناصر لدين الله وهو المرواني صاحب الأندلس وبين العزيز المذكور وأن ~~المستنصر كتب إلى العزيز يسبه ويهجوه فكتب إليه العزيز هذه الكلمات والله ~~أعلم بالصواب وقد تقدم في ترجمة جده المهدي عبيد الله طرف من أخبار نسبهم ~~والطعن فيه وأكثر أهل العلم بالنسب لا يصححونه وقد تقدم في ترجمة الشريف ~~أبي محمد عبد الله بن طباطبا ما دار بينه وبين المعز والد هذا العزيز في ~~أمر النسب وما أجاب به المعز وصار هذا كالمستفيض بين الناس وفي مبادي ولاية ~~العزيز المذكور صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها مكتوب (إنا ~~سمعنا نسبا منكرا * يتلى على المنبر في الجامع) (إن كنت فيما تدعي صادقا * ~~فاذكر أبا بعد الأب الرابع) (وإن ترد تحقيق ما قلته * فانسب لنا نفسك ~~كالطائع) (أو لا دع الأنساب مستورة * وادخل بنا في النسب الواسع) (فإن ~~أنساب بني هاشم * يقصر عنها طمع الطامع) وإنما قال فانسب لنا نفسك كالطائع ~~لأن هذه القضية جرت في خلافة الطائع لله خليفة بغداد وصعد العزيز يوما آخر ~~المنبر فرأى ورقة فيها مكتوب (بالظلم والجور قد رضينا * وليس بالكفر ~~والحماقه) PageV05P373 # (إن كنت أعطيت علم غيب * فقل لنا كاتب البطاقة) وإنما ~~كتب هذا لأنهم كانوا يدعون علم المغيبات وأخبارهم في ذلك مشهورة ولأبي ~~الرقعمق أحمد بن محمد الأنطاكي المقدم ذكره قصيدة رائية يمدح بها العزيز ~~المذكور وهي من أجود مدائحه فيه وزادت مملكته على مملكة أبيه ms1512 وفتحت له حمص ~~وحماة وشيزر وحلب وخطب له أبو الدواد محمد بن المسيب وهو أخو المقلد بن ~~المسيب العقيلي صاحب الموصل بالموصل وأعمالها في المحرم سنة اثنتين وثمانين ~~وثلاثمائة وضرب اسمه على السكة والبنود وخطب له باليمن ولم يزل في سلطانه ~~وعظم شانه إلى أن خرج إلى بلبيس متوجها إلى الشام فابتدأت به العلة في ~~العشر الأخير من رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة ولم يزل مرضه يزيد وينقص حتى ~~ركب يوم الأحد لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة إلى الحمام بمدينة ~~بلبيس وخرج منها إلى منزل الأستاذ أبي الفتوح برجوان المقدم ذكره وكان صاحب ~~خزائنه بالقصر فأقام عنده وأصبح يوم الاثنين فاشتد به الوجع يومه ذلك ~~وصبيحة نهار الثلاثاء وكان مرضه من حصاة وقولنج فاستدعى القاضي محمد بن ~~النعمان وأبا محمد الحسن بن عمار الكتامي الملقب أمين الدولة وهو أول من ~~تلقب من المغاربة وكان شيخ كتامة وسيدها وخاطبهما بما خاطبهما به في أمر ~~ولده الملقب الحاكم المقدم ذكره ثم إستدعى ولده المذكور وخاطبه أيضا بذلك ~~ولم يزل العزيز المذكور في الحمام والأمر يشتد به إلى بين الصلاتين من ذلك ~~النهار وهو الثلاثاء الثامن والعشرون من شهر رمضان سنة ست وثمانين ~~وثلاثمائة فتوفي في مسلخ الحمام هكذا قال المسبحي وقال صاحب تاريخ القيروان ~~إن الطبيب وصف له دواء يشربه في PageV05P374 # حوض الحمام وغلط فيه فشربه فمات من ساعته ولم ينكتم ~~موته ساعة واحدة وترتب موضعه ولده الحاكم أبو علي المنصور المقدم ذكره وبلغ ~~الخبر أهل القاهرة فخرج الناس غداة الأربعاء لتلقي الحاكم فدخل البلد وبين ~~يديه البنود والرايات وعلى رأسه المظلة يحملها ريدان الصقلبي المذكور في ~~ترجمة برجوان فدخل القصر بالقاهرة عند اصفرار الشمس ووالده العزيز بين يديه ~~في عمارية وقد خرجت قدماه منها وأدخلت العمارية القصر وتولى غسله القاضي ~~محمد بن النعمان ودفن عند أبيه المعز في حجرة من القصر وكان دفنه عند ~~العشاء الآخرة وأصبح الناس يوم الخميس سلخ الشهر والأحوال مستقيمة وقد نودي ~~في البلد ms1513 أن لا مؤنة ولا كلفة وقد أمنكم الله تعالى على أموالكم وأرواحكم ~~فمن عارضكم أو نازعكم فقد حل ماله ودمه وكانت ولادة العزيز المذكور يوم ~~الخميس رابع عشر المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة بالمهدية من أرض ~~إفريقية وقال الفرغاني في تاريخه الصغير كان مولد العزيز بالله يوم الأحد ~~لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم من السنة المذكورة وقال المختار المسبحي ~~صاحب التاريخ المشهور قال لي الحاكم وقد جرى ذكر والده العزيز يا مختار ~~استدعاني والدي قبل موته وهو عاري الجسم وعليه الخرق والضماد فاستدناني ~~وقبلني وضمني إليه وقال وأغمي عليك يا حبيب قلبي ودمعت عيناه ثم قال امض يا ~~سيدي والعب فأنا في عافية قال فمضيت والتهيت بما يلتهي به الصبيان من اللعب ~~إلى أن نقل الله سبحانه وتعالى العزيز إليه قال فبادر إلي برجوان وأنا على ~~جميزة كانت في الدار فقال انزل ويحك الله الله فينا وفيك قال فنزلت فوضع ~~العمامة بالجوهر على رأسي وقبل لي الأرض وقال السلام على أمير المؤمنين ~~ورحمة الله تعالى PageV05P375 # وبركاته قال وأخرجني حينئذ إلى الناس على تلك الهيئة ~~فقبل جميعهم لي الأرض وسلموا علي بالخلافة وأخباره كثيرة والاختصار أولى ~~رحمه الله تعالى 760 نصر الخبزأرزي أبو القاسم نصر بن أحمد بن نصر بن مأمون ~~البصري المعروف بالخبزأرزي الشاعر المشهور كان أميا لا يتهجى ولا يكتب وكان ~~يخبر خبز الأرز بمربد البصرة في دكان وكان ينشد أشعاره المقصورة على الغزل ~~والناس يزدحمون عليه ويتطرفون باستماع شعره ويتعجبون من حاله وأمره وكان ~~أبو الحسين محمد بن محمد المعروف بابن لنكك البصري الشاعر المشهور مع علو ~~قدره عندهم ينتاب دكانه ليسمع شعره واعتنى به وجمع له ديوانا وكان نصر ~~المذكور قد وصل إلى بغداد وأقام بها دهرا طويلا وذكره الخطيب في تاريخه ~~وقال قرأ عليه ديوانه وروى عنه مقطعات من شعره المعافى بن زكريا الجريريء ~~وأحمد بن منصور بن محمد بن حاتم النوشري وعد جماعة رووا عنه وذكره الثعالبي ~~في كتاب اليتيمة وأورد له مقاطيع فمن ms1514 ذلك قوله (خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ~~* بأكرم من مولى تمشى إلى عبد) PageV05P376 # (أتى زائرا من غير وعد وقال لي * أجلك عن تعليق قلبك ~~بالوجد) (فما زال نجم الوصل بيني وبينه * يدور بأفلاك السعادة والسعد) ~~(فطورا على تقبيل نرجس ناظر * وطورا على تعضيض تفاحة الخد) وأورد له أيضا ~~(ألم يكفني ما نالني من هواكم * إلى أن طفقتم بين لاه وضاحك) (شماتتكم بي ~~فوق ما قد أصابني * وما بي دخول النار بي طنز مالك) وذكر له أيضا (كم أناس ~~وفوا لنا حين غابوا * وأناس جفوا وهم حضار) (عرضوا ثم أعرضوا واستمالوا * ~~ثم مالوا وجاوروا ثم جاروا) (لا تلمهم على التجني فلو لم * يتجنوا لم يحسن ~~الاعتذار) ومن شعره أيضا (وكان الصديق يزور الصديق * لشرب المدام وعزف ~~القيان) (فصار الصديق يزور الصديق * لبث الهموم وشكوى الزمان) ومن شعره ~~أيضا (كم أقاسي لديك قالا وقيلا * وعدات تترى ومطلا طويلا) (جمعة تنقضي ~~وشهر يولي * وأمانيك بكرة وأصيلا) (إن يفتني منك الجميل من الفعل * تعاطيت ~~عنك صبرا جميلا) PageV05P377 # (والهوى يستزيد حالا فحالا * وكذا ينسلي قليلا قليلا) ~~(ويك لا تأمنن صروف الليالي * إنها تترك العزيز ذليلا) (فكأني بحسن وجهك قد ~~صاحت * به اللحية الرحيل الرحيلا) (فتبدلت حين بدلت بالنور * ظلاما وساء ~~ذاك بديلا) (فكأن لم تكن قضيبا رطيبا * وكأن لم تكن كثيبا مهيلا) (عندها ~~يشمت الذي لم تصله * ويكون الذي وصلت خليلا) وله أيضا (رأيت الهلال ووجه ~~الحبيب * فكانا هلالين عند النظر) (فلم أدر من حيرتي فيهما * هلال الدجى من ~~هلال البشر) (ولولا التورد في الوجنتين * وما راعني من سواد الشعر) (لكنت ~~أظن الهلال الحبيب * وكنت أظن الحبيب القمر) وقال أحمد بن منصور بن محمد بن ~~حاتم النوشري أنشدنا أبو القاسم نصر ابن أحمد الخبزأرزي لنفسه (بات الحبيب ~~منادمي * والسكر يصبغ وجنتيه) (ثم اغتدى وقد ابتداء * صبغ الخمار بمقلتيه) ~~(وهبت له عيني الكرى * وتعوضت نظرا إليه) (شكرا لإحسان الزمان * كما ~~يساعدني عليه) وذكر الخطيب في تاريخ بغداد ما مثاله حكى أبو محمد عبد الله ~~بن محمد ms1515 الأكفاني البصري قال خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني الشاعر ~~PageV05P378 # وأبي الحسين ابن لنكك وأبي عبد الله المفجع وأبي الحسن ~~السباك في بطالة عيد وأنا يومئذ صبي أصحبهم فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن ~~أحمد الخبزأرزي وهو جالس يخبز على طابقه فجلست الجماعة عنده يهنونه بالعيد ~~ويتعرفون خبره وهو يوقد السعف تحت الطابق فزاد في الوقود فدخنهم فنهضت ~~الجماعة عند تزايد الدخان فقال نصر بن أحمد لأبي الحسين ابن لنكك متى أراك ~~يا أبا الحسين فقال له أبو الحسين إذا اتسخت ثيابي وكانت ثيابه يومئذ جددا ~~على أنقى ما يكون من البياض للتجمل بها في العيد فمشينا في سكة بني سمرة ~~حتى انتهينا إلى دار أبي أحمد ابن المثنى فجلس أبو الحسين ابن لنكك وقال يا ~~أصحابنا إن نصرا لا يخلي هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله فيه ~~ويجب أن نبدأه قبل أن يبدأنا واستدعى دواة وكتب (لنصر في فؤادي فرط حب * ~~أنيف به على كل الصحاب) (أتيناه فبخرنا بخورا * من السعف المدخن للثياب) ~~(فقمت مبادرا وظننت نصرا * أراد بذاك طردي أو ذهابي) (فقال متى أراك أبا ~~حسين * فقلت له إذا اتسخت ثيابي) وأنفذ الأبيات إلى نصر فأملى جوابها ~~فقرأناه فإذا هو قد أجاب (منحت أبا الحسين صميم ودي * فداعبني بألفاظ عذاب) ~~(أتى وثيابه كقتير شيب * فعدن له كريعان الشباب) (ظننت جلوسه عندي لعرس * ~~فجدت له بتمسيك الثياب) (فقلت متى أراك أبا حسين * فجاوبني إذا اتسخت ~~ثيابي) (فإن كان الترفه فيه خير * فلم يكنى الوصي أبا تراب) PageV05P379 # وحكى أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم ~~الخالديان الشاعران المشهوران في كتاب الهدايا والتحف أن الخبزأرزي أهدى ~~إلى ابن يزداد والي البصرة فصا وكتب معه (أهديت ما لو أن أضعافه * مطرح ~~عندك ما بانا) (كمثل بلقيس التي لم يبن * إهداؤها عند سليمانا) (هذا امتحان ~~لك إن ترضه * بان لنا أنك ترضانا) والشيء بالشيء يذكر وجدت في هذا الكتاب ~~نادرة طريفة فأحببت ذكرها وهي كان بأصبهان رجل حسن ms1516 النعمة واسع النفس كامل ~~المروءة يقال له سماك بن النعمان وكان يهوى مغنية من أهل أصبهان لها قدر ~~ومعنى تعرف بأم عمرو فلإفراط حبه إياها وصبابته بها وهبها عدة من ضياعه ~~وكتب عليه بذلك كتبا وحمل الكتب إليها على بغل فشاع الخبر بذلك وتحدث الناس ~~به واستعظموه وكان بأصبهان رجل متخلف بين الركاكة يهوى مغنية أخرى فلما ~~اتصل به ذلك ظن بجهله وقلة عقله أن سماكا أهدى إلى أم عمرو جلودا بيضا لا ~~كتابة فيها وأن هذا من الهدايا التي تستحسن ويجل موقعها عند من تهدى إليه ~~فابتاع جلودا كثيرة وحملها على بغلين لتكون هديته ضعف هدية سماك وأنفذها ~~إلى التي يحب فلما وصلت الجلود إليها ووقفت على الخبر فيها تغيظت عليه ~~وكتبت إليه رقعة تشتمه وتحلف أنها لا تكلمه أبدا وسألت بعض الشعراء أن يعمل ~~أبياتا في هذا المعنى لتودعها الرقعة ففعل وكانت الأبيات (لا عاد طوعك من ~~عصاكا * وحرمت من وصل مناكا) (فلقد فضحت العاشقين * بقبح ما فعلت يداكا) ~~PageV05P380 # (آرأيت من يهدي الجلود * إلى عشيقته سواكا) (وأظن أنك ~~رمت أن * تحكي بفعلك ذا سماكا) (ذاك الذي أهدى الضياع * لأم عمرو والصكاكا) ~~(فبعثت منتنة كأنك * قد مسحت بهن فاكا) (من لي بقربك يا رقيع * ولست أهوى ~~أن أراكا) (لكن لعلي أن أقطع * ما بعثت على قفاكا) ونقلت من هذا الكتاب ~~أيضا أن اللبادي الشاعر خرج من بعض مدن أذربيجان يريد أخرى وتحته مهر له ~~رائع وكانت السنة مجدبة فضمه الطريق وغلاما حدثا على حمار له قال فحادثته ~~فرأيته أديبا راوية للشعر خفيف الروح حاضر الجواب جيد الحجة فسرنا بقية ~~يومنا فأمسينا إلى خان على ظهر الطريق فطلبت من صاحبه شيئا نأكله فامتنع أن ~~يكون عنده شيء فرفقت به إلى أن جاءني برغيفين فأخذت واحدا ودفعت إلى ذلك ~~الغلام الآخر وكان غمي على المهر أن يبيت بغير علف أعظم من غمي على نفسي ~~فسألت صاحب الخان عن الشعير فقال ما أقدر منه على حبة واحدة فقلت فاطلب لي ~~وجعلت له ms1517 جعيلة على ذلك فمضى وجاءني بعد طويل وقال قد وجدت مكوكين عند رجل ~~حلف بالطلاق أنه لا ينقصهما عن مائة درهم فقلت ما بعد يمين الطلاق كلام ~~فدفعت إليه خمسين درهما فجاءني بمكوك فعلقته على دابتي وجلست أحادث الفتى ~~وحماره واقف بغير علف فأطرق مليا ثم قال تسمع أيدك الله أبياتا حضرت الساعة ~~فقلت هاتها فأنشد (يا سيدي شعري نفاية شعركا * فلذاك نظمي ما يقوم بنثركا) ~~(وقد انبسطت إليك في إنشاد ما * هو في الحقيقة قطرة من بحركا) PageV05P381 # (آنستني وسررتني وبررتني * وجعلت أمري من مقدم أمركا) ~~(وأريد أذكر حاجة إن تقضها * أك عبد مدحك ما حييت وشكركا) (أنا في ضيافتك ~~العشية ها هنا * فاجعل حماري في ضيافة مهركا) فضحكت واعتذرت إليه من إغفالي ~~أمر حماره وابتعت المكوك الآخر بخمسين درهما ودفعته إليه وبالجملة فقد ~~خرجنا عن المقصود وأخبار نصر المذكور ونوادره كثيرة وتوفي سنة سبع عشرة ~~وثلاثمائة رحمه الله تعالى وتاريخ وفاته فيه نظر لأن الخطيب ذكر في تاريخه ~~أن أحمد ابن منصور النوشري المذكور سمع منه سنة خمس وعشرين وثلاثمائة لكن ~~نقلت تاريخ وفاته على هذه الصورة من تاريخ ابن الأزرق الفارقي والله أعلم ~~والخبزأرزي بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي وبعدها همزة ~~ثم راء ثم زاي وفتح الهمزة وضمها وتشديد الزاي وتخفيفها في الأرز يختلف ~~باختلاف اللغات في هذه الكلمة وفيها ست لغات الواحدة بضم الهمزة والراء ~~وتشديد الزاي والأخرى بفتح الهمزة والباقي مثل الأولى والثالثة أرز بضم ~~الهمزة وسكون الراء وتخفيف الزاي والرابعة مثل الثالثة لكن الراء مضمومة ~~والخامسة رز بضم الراء وتشديد الزاي والسادسة رنز بضم الراء وسكون النون ~~وتخفيف الزاي وإنما نسب نصر المذكور هذه النسبة لأنه كان يتعاطى هذه الحرفة ~~كما تقدم ذكره في أول هذه الترجمة ابن لنكك بفتح اللام وسكون النون وكافين ~~متواليين وهو لفظ أعجمي معناه بالعربي أعيرج تصغير أعرج لأن كلمة لنك ~~معناها أعرج وعادة العجم إذا صغروا اسما ألحقوا في أخره كافا ومربد البصرة ~~بكسر الميم وسكون ms1518 الراء وفتح الباء الموحدة وبعدها دال مهملة وهو اسم موضع ~~بالبصرة مشهور وهو في الأصل اسم لكل مكان تحبس فيه الإبل وغيرها ثم صار ~~علما على الموضع المذكور PageV05P382 # 761 أبو المرهف النميري أبو المرهف نصر بن منصور بن ~~الحسن بن جوشن بن منصور بن حميد بن أثال بن ورد بن عطاف بن بشر بن جندل بن ~~عبيد الراعي بن الحصين بن معاوية بن جندل ابن قطن بن ربيعة بن عبد الله بن ~~الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن هوازن بن منصور بن ~~عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر ابن نزار بن معد بن عدنان النميري ~~الضرير الشاعر المشهور قدم بغداد في صباه وسكنها إلى حين وفاته وحفظ القرآن ~~المجيد وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وسمع الحديث من ~~القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وأبي البركات عبد الوهاب بن ~~المبارك الأنماطي وأبي الفضل محمد بن ناصر وغيرهم وقرأ الأدب على أبي منصور ~~ابن الجواليقي وقال الشعر ومدح الخلفاء والوزراء والأكابر وحدث وكان زاهدا ~~ورعا حسن المقاصد في الشعر له ديوان شعر وذكره العماد الأصبهاني في كتاب ~~الخريدة وذكر شيئا من شعره وأورد نسبه على هذه الصورة وقال هو الذي أملاه ~~علي وعبيد الراعي المذكور في عمود نسبه هو الشاعر المشهور صاحب الديوان ~~الشعر وكان بينه وبين جرير مهاجاة PageV05P383 # وكان أبو المرهف المذكور قد كف بصره بالجدري وعمره ~~أربع عشرة سنة وذكر له العماد في الخريدة هذا المقطوع من شعره وهو (ترى ~~يتألف الشمل الصديع * وآمن من زماني ما يروع) (وتأنس بعد وحشتنا بنجد * ~~منازلنا القديمة والربوع) (ذكرت بأيمن العلمين عصرا * مضى والشمل ملتئم ~~جميع) (فلم أملك لدمعي رد غرب * وعند الشوق تعصيك الدموع) (ينازعني إلى ~~خنساء قلبي * ودون لقائها بلد شسوع) (وأخوف ما أخاف على فؤادي * إذا ما ~~أنجد البرق اللموع) (لقد حملت من طول التنائي * عن الأحباب ما لا أستطيع) ~~وشعره فيه رقة وجزالة وكان ms1519 ببغداد كثير الانقطاع إلى الوزير عون الدين ابن ~~هبيرة الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وله فيه مدائح وكانت ولادته يوم ~~الثلاثاء بعد العصر ثالث عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة بالرقة وتوفي ~~يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ~~ببغداد ودفن بباب حرب رحمه الله تعالى والنميري بضم النون وفتح الميم وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها راء هذه النسبة إلى نمير بن عامر المذكور في ~~عمود النسب في أول الترجمة والباقي معروف PageV05P384 # 762 ابن قلاقس أبو الفتوح نصر الله بن عبد الله بن ~~مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس اللخمي الأزهري الإسكندري الملقب ~~القاضي الأعز الشاعر المشهور كان شاعرا مجيدا وفاضلا نبيلا ولم يكن له لحية ~~بل كان سناطا وقيل فيه أشعار بسبب ذلك فأضربت عن ذكرها لفحشها صحب الشيخ ~~الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السلفي المقدم ذكره وانتفع بصحبته وله فيه ~~غرر المدائح وقد تضمنها ديوانه وكان الحافظ المذكور كثيرا ما يثني عليه ~~ويتقاضاه بمديحه وقصد القاضي الفاضل عبد الرحيم المقدم ذكره بقصيدة موسومة ~~أحسن فيها كل الإحسان وأولها (ما ضر ذاك الريم أن لا يريم * لو كان يرثي ~~لسليم سليم) (وما على من وصله جنة * إلا أرى من صده في جحيم) (أعندما همت ~~به روضة * أعل جسمي لأكون النسيم) (رقيم خد نام عن ساهر * ما أجدر النوم ~~بأهل الرقيم) (وكيف لا يصرم ظبي وقد * سمعت في النسبة ظبي الصريم) (وعاذل ~~دام ودام الدجى * بهيمة نادمتها في بهيم) PageV05P385 # (يغيظني وهو على رسله * والمرء في غيظ سواه حليم) (قلت ~~له لما عدا طوره * والقلب مني في العذاب الأليم) (اعذر فؤادي إنه شاعر * من ~~حبه في كل واد يهيم) (يا رب خمر فمه كاسها * لم أقتنع من شربها بالشميم) ~~(أتبعت رشفا قبلا عندها * وقلت هذا زمزم والحطيم) (فافتر إما عن أقاحي ~~الربا * يضحك أو در العقود النظيم) (أو كان قد قبل مستحسنا * ما قبل الفاضل ~~عبد الرحيم) وكان كثير الحركات والأسفار ms1520 وفي ذلك يقول (والناس كثر ولكن لا ~~يقدر لي * ألا مرافقة الملاح والحادي) وفي آخر وقته دخل بلاد اليمن وامتدح ~~بمدينة عدن أبا الفرج ياسر بن أبي الندى بلال بن جرير المحمدي وزير محمد ~~وأبي السعود ولدي عمران بن محمد بن الداعي سبأ بن أبي السعود بن زريع بن ~~العباس اليامي صاحب بلاد اليمن فأحسن إليه وأجزل صلته وفارقه وقد أثرى من ~~جهته فركب البحر فانكسر المركب به وغرق جميع ما كان معه بجزيرة الناموس ~~بالقرب من دهلك وذلك يوم الجمعة خامس ذي القعدة سنة ثلاث وستين وخمسمائة ~~فعاد إليه وهو عريان فلما دخل عليه أنشده قصيدته التي أولها (صدرنا وقد ~~نادى السماح بنا ردوا * فعدنا إلى مغناك والعود أحمد) وهذه القصيدة من ~~القصائد المختارة ولو لم يكن فيها سوى هذا البيت لكفاه ثم أنشده بعد ذلك ~~قصيدة يصف فيها غرقه وأولها PageV05P386 # (سافر إذا حاولت قدرا * سار الهلال فصار بدرا) (والماء ~~يكسب ما جرى * طيبا ويخبث ما استقرا) (وبنقلة الدرر النفيسة * بدلت بالبحر ~~نحرا) ومنها (يا راويا عن ياسر * خبرا ولم يعرفه خبرا) (اقرأ بغرة وجهه * ~~صحف المنى إن كنت تقرا) (والثم بنان يمينه * وقل السلام عليك بحرا) (وغلطت ~~في تشبيهه * بالبحر فاللهم غفرا) (أوليس نلت بذا غنى * جما ونلت بذاك فقرا) ~~(وعهدت هذا لم يزل * مدا وذاك يعود جزرا) وهي قصيدة طويلة أحسن فيها كل ~~الإحسان ومعنى البيت الثاني منها مأخوذ من قول بديع الزمان صاحب المقامات ~~المقدم ذكره في حرف الهمزة في أول رسالة قد ذكرتها في ترجمته وهي الماء إذا ~~طال مكثه ظهر خبثه والبيت الثالث من هذه القصيدة أيضا مأخوذ من قول صردر ~~الشاعر المقدم ذكره في حرف العين وهو (قلقل ركابك في الفلا * ودع الغواني ~~للخدور) (فمحالفو أوطانهم * أمثال سكان القبور) (لولا التنقل ما ارتقت * ~~درر البحور إلى النحور) وله في جارية سوداء وهو معنى غريب (رب سوداء وهي ~~بيضاء معنى * نافس المسك عندها الكافور) (مثل حب العيون يحسبه الناس * ~~سوادا وإنما هو نور) PageV05P387 # ومحاسن ms1521 ابن قلاقس نادرة وكانت ولادته بثغر الإسكندرية ~~يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وتوفي ثالث ~~شوال سنة سبع وستين وخمسمائة بعيذاب رحمه الله تعالى ودخل صقلية في شعبان ~~سنة ثلاث وستين وكان وصوله إلى اليمن سنة خمس وستين وكان بصقلية بعض القواد ~~يقال له القائد أبو القاسم ابن الحجر فاتصل به وأحسن إليه وصنف له كتابا ~~سماه الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم وأجاد فيه ولما فارق صقلية راجعا ~~إلى الديار المصرية وكان في زمن الشتاء ردته الريح إلى صقلية فكتب إلى أبي ~~القاسم المذكور (منع الشتاء من الوصول * مع الرسول إلى دياري) (فأعادني ~~وعلى اختياري * جاء من غير اختياري) (ولربما وقع الحمار * وكان من غرض ~~المكاري) وقلاقس بقافين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبينهما لام ألف وفي ~~آخره سين مهملة وهو جمع قلقاس بضم القاف وهو معروف واللخمي تقدم الكلام ~~عليه وكذلك الأزهري وعيذاب بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وفتح الذال المعجمة وبعد الألف باء موحدة وهي بليدة على شاطئ بحر جدة ~~يعدي منها الركب المصري المتوجه إلى الحجاز على طريق قوص في ليلة واحدة في ~~أغلب الأوقات فيصل إلى جدة ومنها إلى مكة حرسها الله تعالى مسافة ~~PageV05P388 # يوم وبجدة قبر أم البشر حواء رضي الله عنها على ما ~~يقال وقبرها هناك ظاهر يزار وياسر المذكور قتله شمس الدولة توران شاه ~~المقدم ذكره عند دخوله اليمن 763 ضياء الدين ابن الأثير أبو الفتح نصر الله ~~بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف ~~بابن الأثير الجزري الملقب ضياء الدين كان مولده بجزيرة ابني عمر ونشأ بها ~~وانتقل مع والده إلى الموصل في رجب سنة تسع وسبعين وخمسمائة وبها اشتغل ~~وحصل العلوم وحفظ كتاب الله الكريم وكثيرا من الأحاديث النبوية وطرفا صالحا ~~من النحو واللغة وعلم البيان وشيئا كثيرا من الأشعار حتى قال في أول كتابه ~~الذي سماه الوشي المرقوم ما مثاله وكنت حفظت من الأشعار القديمة والمحدثة ms1522 ~~ما لا أحصيه كثرة ثم اقتصرت بعد ذلك على شعر الطائيين حبيب بن أوس يعني أبا ~~تمام وأبي عبادة البحتري وشعر أبي الطيب المتنبي فحفظت هذه الدواوين ~~الثلاثة وكنت أكرر عليها بالدرس مدة سنين حتى تمكنت من صوغ المعاني وصار ~~الإدمان لي خلقا وطبعا وإنما ذكر هذا الفصل في معرض أن المنشيء ينبغي أن ~~يجعل PageV05P389 # دأبه في الترسل حل المنظوم ويعتمد عليه في هذه الصناعة ~~ولما كملت لضياء الدين المذكور الأدوات قصد جناب الملك الناصر صلاح الدين ~~تغمده الله برحمته في شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وخمسمائة فوصله ~~القاضي الفاضل لخدمة صلاح الدين في جمادى الآخرة من السنة وأقام عنده إلى ~~شوال من السنة ثم طلبه ولده الملك الأفضل نور الدين من والده فخيره صلاح ~~الدين بين الإقامة في خدمته والانتقال إلى ولده ويبقى المعلوم الذي قرره له ~~باقيا عليه فاختار ولده فمضى إليه وكان يومئذ شابا فاستوزره ولده الملك ~~الأفضل نور الدين على المقدم ذكره رحمه الله تعالى وحسنت حاله عنده ولما ~~توفي السلطان صلاح الدين واستقل ولده الملك الأفضل بمملكة دمشق استقل ضياء ~~الدين المذكور بالوزارة وردت أمور الناس إليه وصار الاعتماد في جميع ~~الأحوال عليه ولما أخذت دمشق من الملك الأفضل وانتقل إلى صرخد حسبما شرحناه ~~في ترجمته وكان ضياء الدين قد أساء العشرة مع أهلها وهموا بقتله فأخرجه ~~الحاجب محاسن بن عجم مستخفيا في صندوق مقفل عليه ثم صار إليه وصحبه إلى مصر ~~لما استدعي لنيابة ابن أخيه الملك المنصور وقد تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة ~~الملك الأفضل فأغنى عن الإعادة ولما قصد الملك العادل الديار المصرية ~~وأخذها من ابن أخيه كما ذكرناه هناك وتعوض الملك الأفضل البلاد الشرقية ~~وخرج من مصر لم يخرج ضياء الدين في خدمته لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا ~~يقصدونه فخرج منها PageV05P390 # مستترا وله في كيفية خروجه مستخفيا رسالة طويلة شرح ~~فيها حاله وهي موجودة في ديوان رسائله وغاب عن مخدومه الملك الأفضل مديدة ~~ولما استقر الأفضل في ms1523 سميساط عاد إلى خدمته وأقام عنده مدة ثم فارقه في ذي ~~القعدة من سنة سبع وستمائة واتصل بخدمة أخيه الملك الظاهر صاحب حلب المقدم ~~ذكره فلم يطل مقامه عنده ولا انتظم أمره وخرج مغضبا وعاد إلى الموصل فلم ~~يستقم حاله فورد إربل فلم يستقم حاله فسافر إلى سنجار ثم عاد إلى الموصل ~~واتخذها دار إقامته واستقر وكتب الإنشاء لصاحبها ناصر الدين محمود ابن ~~الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه المقدم ذكره في حرف ~~الهمزة وأتابكه يومئذ الأمير بدر الدين لؤلؤ أبو الفضائل النوري وذلك في ~~سنة ثماني عشرة وستمائة ولقد ترددت إلى الموصل من إربل أكثر من عشر مرات ~~وهو مقيم بها وكنت أود الاجتماع به لآخذ عنه شيئا ولما كان بينه وبين ~~الوالد رحمه الله تعالى من المودة الأكيدة فلم يتفق ذلك ثم فارقت بلاد ~~المشرق وانتقلت إلى الشام وأقمت به مقدار عشر سنين ثم انتقلت إلى الديار ~~المصرية وهو في قيد الحياة ثم بلغني بعد ذلك خبر وفاته وأنا بالقاهرة ~~وسيأتي تاريخه في أواخر الترجمة إن شاء الله تعالى ولضياء الدين من ~~التصانيف الدالة على غزارة فضله وتحقيق نبله كتابه الذي سماه المثل السائر ~~في أدب الكاتب والشاعر وهو في مجلدين جمع فيه فأوعب ولم يترك شيئا يتعلق ~~بفن الكتابة إلا ذكره ولما فرغ من تصنيفه كتبه الناس عنه فوصل إلى بغداد ~~منه نسخة فانتدب له الفقيه الأديب عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة ~~الله بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المدائني وتصدى لمؤاخذته والرد عليه ~~وعنته في ذلك وجمع هذه المؤاخذات في كتاب سماه الفلك الدائر على المثل ~~السائر فلما أكمله وقف عليه أخوه موفق الدين أبو المعالي أحمد ويدعى القاسم ~~أيضا فكتب إلى أخيه المذكور قوله PageV05P391 # (المثل السائر يا سيدي * صنفت فيه الفلك الدائرا) (لكن ~~هذا فلك دائر * تصير فيه المثل السائرا) 283 وكانت ولادة عز الدين المذكور ~~بالمدائن يوم السبت مستهل ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة وتوفي ms1524 في بغداد ~~سنة خمس وخمسين وستمائة 284 وتوفي أخوه موفق الدين المذكور ببغداد في سنة ~~ست وخمسين وستمائة بعد أن أخذها التتر بقليل وكانا فقيهين أديبين فاضلين ~~لهما أشعار مليحة ومولد الموفق المذكور في جمادى الآخرة وقيل في شهر ربيع ~~الأول سنة تسعين وخمسمائة بالمدائن وله كتاب الوشي المرقوم في حل المنظوم ~~وهو مع وجازته في غاية الحسن والإفادة وله كتاب المعاني المخترعة في صناعة ~~الإنشاء وهو أيضا نهاية في بابه وله مجموع اختار فيه شعر أبي تمام والبحتري ~~وديك الجن والمتنبي وهو في مجلد واحد كبير وحفظه مفيد وقال أبو البركات ابن ~~المستوفي في تاريخ إربل نقلت من خطه في آخر هذا الكتاب المختار ما مثاله ~~(تمتع به علقا نفيسا فإنه اختيار * بصير بالأمور حكيم) (أطاعته أنواع ~~البلاغة فاهتدى * إلى الشعر من نهج إليه قويم) وله أيضا ديوان ترسل في عدة ~~مجلدات والمختار منه في مجلد واحد ومن جملة رسائله ما كتبه إلى مخدومه وقد ~~سافر في زمن الشتاء والبرد الشديد وينهي أنه سار عن الخدمة وقد ضرب الدجن ~~فيه مضاربه وأسبل عليه ذوائبه وجعل كل قرارة حفيرا وكل ربوة غديرا وخط كل ~~أرض خطا وغادر كل جانب شطا كأنه يوازي يد مولانا في شيمة كرمها والتثاث صوب ~~ديمها والمملوك يستغفر الله من هذا التمثيل العاري عن فائدة التحصيل وفرق ~~بين ما يملأ الوادي بمائه ومن يملأ النادي بنعمائه وليس ما ينبت زهرا يذهبه ~~المصيف أو تمرا يأكله الخريف كمن ينبت ثروة تغوث الأعطاف ويأكل المرتبع ~~والمصطاف ثم استمر على مسير يقاسي الأرض ووحلها والسماء ووبلها ولقد جاد ~~حتى أضجر وأسرف حتى اتصل بره بالعقوق وما خاف PageV05P392 # المملوك لمع البوارق كما خاف لمع البروق ولم يزل من ~~مواقع قطره في حرب ومن شدة برده في كرب والسلام ولما سمع صاحبنا الحسام ~~عيسى بن سنجر بن بهرام المعروف بالحاجري الإربلي المقدم ذكره هذا المعنى ~~وهو قوله ومن شدة برده في كرب أعجبه ونظم أبياتا ومن جملتها بيت أودعه هذا ~~المعنى ms1525 وهو (ويلاه من برد رضاب له * أشكو إلى العذال منه الحريق) ومن وقف ~~على هذا البيت ربما يتشوق إلى الوقوف على بقية الأبيات وهي قليلة فلا بأس ~~بذكرها وهي (بين لوي الجزع ووادي العقيق * من لا إلى السلوان عنه طريق) ~~(جان جنى النحلة من ريقه * حلو التثني والثنايا رشيق) (لو لم تكن وجنته جنة ~~* ما أنبتت ذاك العذار الأنيق) (ويلاه من برد رضاب له * أشكو إلى العذال ~~منه الحريق) (واعجبا يفعل بي في الهوى * ما تفعل الأعداء وهو الصديق) (روحي ~~فدى الظبي الذي قده * يفعل فعل السمهري الدقيق) وقد سبق في ترجمة النفيس ~~القطرسي في حرف الهمزة بيت من جملة أبياته الكافية يتضمن هذا المعنى وهو ~~قوله (أحرقت يا ثغر الحبيب * حشاي لما ذقت بردك) وأصل هذا المعنى لابن ~~التعاويذي المقدم ذكره في بيت من جملة قصيدته النونية المشهورة وهو (يذكي ~~الجوى بارد من ثغره شبم * ويوقظ الوجد طرف منه وسنان) PageV05P393 # ومن رسائل ضياء الدين ما كتبه عن مخدومه إلى الديوان ~~العزيز من جملة رسالة وهي ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العباس فهي ~~خير دولة أخرجت للزمن كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس ولم يجعل شعارها ~~من لون الشباب إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم وأنها لا تزال محبوة من أبكار ~~السعادة بالحب الذي لا يسلى والوصل الذي لا يصرم وهذا معنى اخترعه الخادم ~~للدولة وشعارها وهو مما لم تخطه الأقلام في صحفها ولا أجالته الخواطر في ~~أفكارها ولعمري ما أنصف ضياء الدين في دعواه الاختراع لهذا المعنى وقد سبقه ~~إليه ابن التعاويذي في قصيدته السينية التي مدح بها الإمام الناصر لدين ~~الله أبا العباس أحمد أول يوم جلس في دست الخلافة وهو يوم الأحد مستهل ذي ~~القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة وأول القصيدة (طاف يسعى بها على الجلاس * ~~كقضيب الأراكة المياس) ومنها عند المخلص وهو المقصود بالذكر هاهنا (يا نهار ~~المشيب من لي وهيهات * بليل الشبيبة الديماس) (حال بيني وبين لهوي وأطرا * ~~بي دهر أحال صبغة رأسي) ms1526 (ورأى الغانيات شيبي فأعرضن * وقلن السواد خير ~~لباس) (كيف لا يفضل السواد وقد أضحى * شعارا على بني العباس) ولا شك أن ~~ضياء الدين زاد على هذا المعنى لكن ابن التعاويذي هو الذي فتح الباب وأوضح ~~السبيل فسهل على ضياء الدين سلوكه وله من جملة رسائله في ذكر العصا التي ~~يتوكأ عليها الشيخ الكبير وهو معنى غريب وهذا لمبتدأ ضعفي خبر ولقوس ظهري ~~وتر وإن كان إلقاؤها دليلا على الإقامة فإن حملها دليل على السفر وله في ~~وصف المسلوبين من جملة كتاب يتضمن البشرى بهزيمة الكفار وهو فسلبوا وعاضتهم ~~الدماء PageV05P394 # عن اللباس فهم في صورة عار وزيهم زي كأس وما أسرع ما ~~خيط لهم لباسها المحمر غير أنه لم يجب عليهم ولم يزر وما لبسوه حتى لبس ~~الإسلام شعار النصر الباقي على الدهر وهو شعار نسجه السنان الخارق لا الصنع ~~الحاذق ولم يغب عن لابسه إلا ريثما غابت البيض في الطلى والهام وألف الطعن ~~بين ألف الخط واللام وأول هذا الفصل مأخوذ من قول البحتري (سلبوا وأشرقت ~~الدماء عليهم * محمرة فكأنهم لم يسلبوا) وله رسالة يصف فيها الديار المصرية ~~وهي طويلة ومن جملتها فصل في صفة نيلها وقت زيادته وهو معنى بديع غريب لم ~~أقف لغيره على أسلوبه وهو قوله وعذب رضابه فضاهى جنى النحل واحمر صفيحه ~~فعلمت أنه قد قتل المحل وهذا المعنى نهاية في الحسن ثم إني وجدت هذا المعنى ~~لبعض العرب وقد أخذ ضياء الدين منه وهو قوله (لله قلب ما يزال يروعه * برق ~~الغمامة منجدا أو مغورا) (ما احمر في الليل البهيم صفيحه * متجردا إلا وقد ~~قتل الكرى) ولقد أحسن في أخذه وتلطف في نقله إلى هذا المعنى ومثله قول عبد ~~الله ابن المعتز المقدم ذكره في غلام أرمد (قالوا اشتكت عينه فقلت لهم * من ~~كثرة القتل مسها الوصب) (حمرتها من دماء من قتلت * والدم في النصل شاهد ~~عجب) PageV05P395 # وله كل معنى مليح في الترسل وكان يعارض القاضي الفاضل ~~في رسائله فإذا أنشأ رسالة أنشأ مثلها وكان ms1527 بينهما مكاتبات ومجاوبات ولم ~~يكن له في النظم شيء حسن وسأذكر منه أنموذجا وهو (ثلاثة تعطي الفرح * كأس ~~وكوب وقدح) (ما ذبح الزق لها * إلا وللهم ذبح) وكان كثيرا ما ينشد (قلب ~~كفاه من الصبابة أنه * لبى دعاء الظاعنين وما دعي) (ومن الظنون الفاسدات ~~توهمي * بعد اليقين بقاءه في أضلعي) وهذان البيتان من جملة أبيات للفقيه ~~عمارة اليمني المقدم ذكره ومحاسنه كثيرة وقد طال الشرح وذكره أبو البركات ~~ابن المستوفي في تاريخ إربل وبالغ في الثناء عليه وقال ورد إربل في شهر ~~ربيع الأول سنة إحدى عشرة وستمائة وكانت ولادته بجزيرة ابني عمر في يوم ~~الخميس العشرين من شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وتوفي في إحدى الجماديين ~~سنة سبع وثلاثين وستمائة ببغداد وقد توجه إليها رسولا من جهة صاحب الموصل ~~وصلي عليه من الغد بجامع القصر ودفن بمقابر قريش في الجانب الغربي بمشهد ~~موسى بن جعفر رضي الله عنهما قال أبو عبد الله محمد بن النجار البغدادي في ~~تاريخ بغداد توفي يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة ~~وهو أخبر لأنه صاحب هذا الفن وقد مات عندهم PageV05P396 # وقد تقدم ذكر أخويه مجد الدين أبي السعادات المبارك ~~وأبي الحسن علي الملقب عز الدين وكان الإخوة الثلاثة فضلاء نجباء رؤساء لكل ~~واحد منهم تصانيف نافعة رحمهم الله تعالى 285 وكان لضياء الدين المذكور ولد ~~نبيه له النظم والنثر الحسن وصنف عدة تصانيف نافعة من مجاميع وغيرها ورأيت ~~له مجموعا جمعه للملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب وأحسن فيه وذكر فيه ~~جملة من نظمه ونثره ورسائل أبيه ومولده بالموصل في شهر رمضان سنة خمس ~~وثمانين وخمسمائة وتوفي بكرة نهار الاثنين ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين ~~وعشرين وستمائة واسمه محمد ولقبه الشرف رحمه الله تعالى 764 النضر بن شميل ~~أبو الحسن النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عبدة بن زهير السكب ~~الشاعر ابن عروة بن حليمة بن حجر بن خزاعي بن مازن ابن مالك بن عمرو ms1528 بن ~~تميم التميمي المازني النحوي البصري كان عالما بفنون من العلم صدوقا ثقة ~~صاحب غريب وفقه وشعر ومعرفة بأيام العرب ورواية الحديث وهو من أصحاب الخليل ~~بن أحمد ذكره أبو عبيدة في كتاب مثالب أهل البصرة فقال ضاقت المعيشة على ~~النضر بن شميل البصري PageV05P397 # بالبصرة فخرج يريد خراسان فشيعه من أهل البصرة نحو من ~~ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو عروضي أو أخباري فلما ~~صار بالمربد جلس فقال يا أهل البصرة يعز علي فراقكم ووالله لو وجدت كل يوم ~~كيلجة باقلى ما فارقتكم قال فلم يكن أحد فيهم يتكلف له ذلك فسار حتى وصل ~~خراسان فأفاد بها مالا عظيما وكانت إقامته بمرو وقد سبق في أخبار القاضي ~~عبد الوهاب المالكي نظير هذه الحكاية لما خرج من بغداد وسمع من هشام بن ~~عروة وإسماعيل بن أبي خالد وحميد الطويل وعبد الله ابن عون وهشام بن حسان ~~وغيرهم من التابعين وروى عنه يحيى بن معين وعلي ابن المديني وكل من أدركه ~~من أئمة عصره ودخل نيسابور غير مرة وأقام بها زمانا وسمع منه أهلها وله مع ~~المأمون بن هارون الرشيد لما كان مقيما بمرو حكايات ونوادر لأنه كان يجالسه ~~فمن ذلك ما حكاه الحريري في كتاب درة الغواص في أوهام الخواص في قوله ~~ويقولون هو سداد من عوز فيلحنون في فتح السين والصواب أن يقال بالكسر وقد ~~جاء في أخبار النحويين أن النضر بن شميل المازني استفاد بإفادة هذا الحرف ~~ثمانين ألف درهم وساق خبره وذكر إسنادا انتهى فيه إلى محمد بن ناصح ~~الأهوازي قال حدثني النضر بن شميل قال كنت أدخل على المأمون في سمره فدخلت ~~ذات ليلة وعلي ثوب مرقوع فقال يا نضر ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير ~~المؤمنين في هذه الخلقان قلت يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف وحر مرو شديد ~~فأتبرد بهذه الخلقان قال لا ولكنك قشف ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر ~~النساء فقال حدثنا هشيم عن مجالد عن ms1529 الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~PageV05P398 # قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج الرجل ~~المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز فأورده بفتح السين قال فقلت صدق ~~يا أمير المؤمنين هشيم حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن علي بن أبي طالب ~~رضوان الله عليه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج الرجل ~~المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز قال وكان المأمون متكئا فاستوى ~~جالسا وقال يا نضر كيف قلت سداد قلت لأن السداد ها هنا لحن قال أو تلحنني ~~قلت إنما لحن هشيم وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه قال فما الفرق ~~بينهما قلت السداد بالفتح القصد في الدين والسبيل والسداد بالكسر البلغة ~~وكل ما سددت به شيئا فهو سداد قال أو تعرف العرب ذلك قلت نعم هذا العرجي ~~يقول (أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر) فقال المأمون قبح ~~الله من لا أدب له وأطرق مليا ثم قال ما مالك يا نضر قلت أريضة لي بمرو ~~أتصاببها وأتمززها قال أفلا نفيدك مالا معها قلت إني إلى ذلك لمحتاج قال ~~فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب ثم قال كيف تقول إذا أمرت أن يترب قلت ~~أتربه قال فهو ماذا قلت مترب قال فمن الطين قلت طنه قال فهو ماذا قلت مطين ~~قال هذه أحسن من الأولى ثم قال يا غلام أتربه وطنه ثم صلى بنا العشاء وقال ~~لخادمه تبلغ معه إلى الفضل بن سهل قال فلما قرأ الفضل الكتاب قال يا نضر إن ~~أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فيه فأخبرته ولم ~~أكذبه فقال لحنت أمير المؤمنين فقلت كلا إنما لحن هشيم وكان لحانة فتبع ~~أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ألفاظ PageV05P399 # الفقهاء ورواة الآثار ثم أمر لي بثلاثين ألف درهم ~~فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني والبيت الذي استشهد به هو لعبد الله ~~بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي ms1530 العرجي الشاعر المشهور وهو من جملة أبيات ~~له وهي هذه الأبيات (أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر) (وصبر ~~عند معترك المنايا * وقد شرعت أسنتها لنحري) (أجرر في الجوامع كل يوم * ~~فيالله مظلمتي وقسري) (كأني لم أكن فيهم وسيطا * ولم تك نسبتي في آل عمرو) ~~(عسى الملك المجيب لمن دعاه * سينجيني فيعلم كيف شكري) (فأجزي بالكرامة أهل ~~ودي * وأجزي بالضغائن أهل وتري) والعرجي بفتح العين وسكون الراء وفي آخرها ~~جيم هذه النسبة إلى العرج وهو موضع بمكة سمي به وقال ابن الأثير في كتاب ~~تهذيب النسب العرج بين مكة والمدينة وليس بمكة والله أعلم وقال إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي لما حبس المنصور عبد الله بن علي كان يكثر التمثل بقول ~~العرجي (أضاعوني وأي فتى أضاعوا *) فبلغ ذلك المنصور فقال هو أضاع نفسه ~~بسوء فعله فكانت أنفسنا عندنا أبر من نفسه قال إسحاق وقال الأصمعي مررت ~~بكناس بالبصرة يكنس كنيفا ويغني (أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة ~~وسداد ثغر) PageV05P400 # فقلت أما سداد الكنيف فأنت ملي به وأما الثغر فلا علم ~~لنا كيف أنت فيه وكنت حديث السن وأردت العبث به فأعرض عني مليا ثم أقبل علي ~~متمثلا يقول (وأكرم نفسي إنني إن أهنتها * وحقك لم تكرم على أحد بعدي) فقلت ~~والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها له فقال لي والله إن من ~~الهوان لشرا مما أنا فيه فقلت وما هو قال الحاجة إليك وإلى أمثالك وكان سبب ~~عمله هذه الأبيات أن محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد ~~الملك لما كان والي مكة حبس العرجي المذكور لأنه كان يشبب بأمه جيداء وهي ~~من بني الحارث بن كعب ولم يكن ذلك لمحبته إياها بل ليفضح ولدها المذكور ~~وأقام في حبسه تسع سنين ثم مات فيه بعد أن ضربه بالسياط وشهره بالأسواق ~~فعمل هذه الأبيات في السجن قال إسحاق وكان الوليد بن يزيد مضطغنا على محمد ~~بن هشام أشياء كانت تبلغه عنه في هشام فلما ولي ms1531 الخلافة قبض عليه وعلى أخيه ~~إبراهيم بن هشام وأشخص إلى الشام ثم دعا بالسياط فقال له محمد أسألك ~~بالقرابة فقال وأي قرابة بيني وبينك هل أنت إلا من أشجع قال فأسألك بصهر ~~عبد الملك قال فلم تحفظه قال يا أمير المؤمنين قد نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن تضرب قريش بالسياط إلا في حد قال ففي حد أضربك وقود أنت ممن ~~سن ذلك على العرجي وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان فما راعيت حق جده ~~ولا نسبته إلى هشام ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر وأنا ولي ثأره اضرب يا غلام ~~فضربهما ضربا مبرحا وأثقلا بالحديد ووجههما إلى يوسف بن عمر بالكوفة وأمر ~~باستقصائهما وتعذيبهما حتى يتلفا PageV05P401 # وكتب إليه احتبسهما مع ابن النصرانية يعني خالدا ~~القسري إن عاش أحد منهما فعذبهما عذابا شديدا وأخذ منهما مالا عظيما حتى لم ~~يبق فيهما موضع للضرب وكان محمد بن هشام مطروحا فإذا أرادوا أن يقيموه ~~أخذوا بلحيته فجذبوه بها ولما اشتد الحال بهما تحامل إبراهيم لينظر في وجه ~~محمد فوقع عليه فماتا جميعا ومات خالد القسري معهما في يوم واحد قال إسحاق ~~غنيت الرشيد يوما في عرض الغناء (أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة ~~وسداد ثغر) فقال لي ما كان سبب العرجي حتى قال الشعر فأخبرته بخبره من أوله ~~إلى آخره إلى أن مات فرأيته يتغير كلما مر به شيء فأتبعته بحديث مقتل ابني ~~هشام فجعل وجهه يسفر وغضبه يسكن فلما انقضى الحديث قال يا إسحاق والله لولا ~~ما حدثتني به من فعل الوليد لما تركت أحدا من بني مخزوم إلا قتلته بالعرجي ~~وقد خرجنا عن المقصود ونرجع الآن إلى تتمة أخبار النضر بن شميل فمن ذلك ما ~~حكاه الحريري في درة الغواص أيضا في أوائل الكتاب في قوله ويقولون للمريض ~~مسح الله ما بك بالسين والصواب فيه مصح بالصاد فقال ويحكى أن النضر بن شميل ~~المازني مرض فدخل عليه قوم يعودونه فقال له رجل منهم يكنى أبا صالح مسح ~~الله ms1532 ما بك فقال لا تقل مسح بالسين ولكن قل مصح بالصاد أي أذهبه وفرقه أما ~~سمعت قول الأعشى (وإذا ما الخمر فيها أزبدت * أفل الإزباد فيها ومصح) فقال ~~له الرجل إن السين قد تبدل من الصاد كما يقال الصراط والسراط PageV05P402 # وسقر وصقر فقال له النضر فإذا أنت أبو سالح ويشبه هذه ~~النادرة ما حكي أيضا أن بغض الأدباء جوز بحضرة الوزير أبي الحسن بن الفرات ~~أن تقام السين مقام الصاد في كل موضع فقال له الوزير أتقرأ * (جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) * (الرعد 23) أم من سلح ~~فخجل الرجل وانقطع انتهى كلام الحريري قلت أنا والذي ذكره أرباب اللغة في ~~جواز إبدال الصاد من السين أن كل كلمة كان فيها سين وجاء بعدها أحد الحروف ~~الأربعة وهي الطاء والخاء والغين والقاف فيجوز إبدال السين بالصاد فنقول في ~~السراط الصراط وفي سخر لكم صخر وفي مسغبة مصغبة وفي سيقل صيقل وقس على هذا ~~كله ولم أر في شيء من كتب اللغة من ذكر هذا وحكى فيه خلافا سوى الجوهري في ~~كتاب الصحاح في لفظة صدغ فإنه قال وربما قالوا السدغ بالسين قال قطرب محمد ~~بن المستنير إن قوما من بني تميم يقال لهم بلعنبر يقلبون السين صادا عند ~~أربعة أحرف عند الطاء والقاف والغين والخاء إذا كن بعد السين ولا يبالي ~~أثانية كانت أم ثالثة أم رابعة بعد أن تكون بعدها يقولون سراط وصراط وبسطة ~~وبصطة وسيقل وصيقل وسرقت وصرقت ومسغبة ومصغبة ومسدغة ومصدغة وسخر لكم وصخر ~~لكم والسخب والصخب انتهى كلامه في هذا الفصل وأخبار النضر كثيرة والاختصار ~~أولى وله تصانيف كثيرة فمن ذلك كتاب في الأجناس على مثال الغريب وسماه كتاب ~~الصفات قال علي بن الكوفي الجزء الأول منه يحتوي على خلق الإنسان والجود ~~والكرم وصفات النساء والجزء الثاني يحتوي على الأخبية والبيوت وصفة الجبال ~~والشعاب والجزء الثالث يحتوي على الإبل فقط والجزء الرابع يحتوي على الغنم ~~والطير والشمس والقمر والليل والنهار والألبان والكمأة والآبار والحياض ms1533 ~~والأرشية والدلاء وصفة الخمر والجزء الخامس PageV05P403 # يحتوي على الزرع والكرم والعنب وأسماء البقول والأشجار ~~والرياح والسحاب والأمطار وله كتاب السلاح وكتاب خلق الفرس وكتاب الأنواء ~~وكتاب المعاني وكتاب غريب الحديث وكتاب المصادر وكتاب المدخل إلى كتاب ~~العين للخليل بن أحمد وغير ذلك من التصانيف وتوفي في سلخ ذي الحجة سنة أربع ~~ومائتين وقيل في أولها وقيل سنة ثلاث ومائتين بمدينة مرو من بلاد خراسان ~~وبها ولد ونشأ بالبصرة فلذلك نسب إليها رحمه الله تعالى والنضر بفتح النون ~~وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء وشميل بضم الشين المعجمة وفتح الميم وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها لام وخرشة بفتح الخاء المعجمة والراء والشين ~~المعجمة وكلثوم بضم الكاف والثاء المثلثة وبينهما لام ساكنة وعبدة بفتح ~~العين والدال المهملة وبينهما باء موحدة وهاء ساكنة والسكب بفتح السين ~~المهملة وسكون الكاف وبعدها باء موحدة وإنما قيل له سكب لقوله (برق يضيء ~~خلال البيت أسكوب *) وحليمة بفتح الحاء المهملة وكسر اللام وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وقال ابن الجوزي في كتاب الألقاب في ترجمة السكب هو زهير ~~بن عروة ابن جلهمة والله أعلم بالصواب وجلهمة بضم الجيم والهاء وبينهما لام ~~ساكنة وهو في الأصل اسم لجنب الوادي يقال له جلهمة وجلهة بفتح الجيم والهاء ~~بغير ميم وبه سمي الرجل وحجر بضم الحاء المهملة وبعدها جيم ساكنة ثم راء ~~PageV05P404 # وخزاعي بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي وبعد الألف عين ~~مهملة مكسورة ثم ياء مشددة تشبه ياء النسب والباقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه ~~765 الإمام أبو حنيفة أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه الفقيه ~~الكوفي مولى تيم الله ابن ثعلبة وهو من رهط حمزة الزيات كان خزازا يبيع ~~الخز وجده زوطي من أهل كابل وقيل من أهل بابل وقيل من أهل الأنبار وقيل من ~~أهل نسا وقيل من أهل ترمذ وهو الذي مسه الرق فأعتق وولد ثابت على الإسلام ~~وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت ~~بن ms1534 النعمان بن المرزبان من أبناء فارس من الأحرار والله ما وقع علينا رق قط ~~ولد جدي سنة ثمانين وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو صغير ~~فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب ذلك ~~لعلي فينا والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه الفالوذج في يوم المهرجان النيروز PageV05P405 # فقال مهرجونا كل يوم هكذا قال الخطيب في تاريخه والله ~~تعالى أعلم وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة رضوان الله عليهم وهم أنس بن ~~مالك وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة وأبو ~~الطفيل عامر بن واثلة بمكة ولم يلق أحدا منهم ولا أخذ عنه وأصحابه يقولون ~~لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم ولم يثبت ذلك عند أهل النقل وذكر الخطيب في ~~تاريخ بغداد أنه رأى أنس بن مالك رضي الله عنه وأخذ الفقه عن حماد بن أبي ~~سليمان وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار والهيثم ~~بن حبيب الصواف ومحمد بن المنكدر ونافعا مولى عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما وهشام بن عروة وسماك بن حرب وروى عنه عبيد الله بن المبارك ووكيع بن ~~الجراح والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم وكان عالما عاملا ~~زاهدا عابدا ورعا تقيا كثير الخشوع دائم التضرع إلى الله تعالى ونقله أبو ~~جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد فأراده على أن يوليه القضاء فأبى فحلف ~~عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل فحلف المنصور ليفعلن فحلف أبو حنيفة ~~أن لا يفعل وقال إني لن أصلح إلى قضاء فقال الربيع بن يونس الحاجب ألا ترى ~~أمير المؤمنين يحلف فقال أبو حنيفة أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر ~~مني على كفارة أيماني وأبى أن يلي فأمر به إلى الحبس في الوقت والعوام ~~يدعون أنه تولى عدد اللبن أياما ليكفر بذلك عن يمنه ولم يصح هذا من جهة ms1535 ~~النقل وقال الربيع رأيت المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء وهو يقول ~~اتق الله ولا ترعي PageV05P406 # أمانتك إلا من يخاف الله والله ما أنا مأمون الرضا ~~فكيف أكون مأمون الغضب ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددتني أن تغرقني في الفرات ~~أو تلي الحكم لاخترت أن أغرق ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك ولا أصلح ~~لذلك فقال له كذبت أنت تصلح فقال له قد حكمت لي على نفسك كيف يحل لك أن ~~تولي قاضيا على أمانتك وهو كذاب وحكى الخطيب أيضا في بعض الروايات أن ~~المنصور لما بنى مدينته ونزلها ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد ~~الرصافة أرسل إلى أبي حنيفة فجيء به فعرض عليه قضاء الرصافة فأبى فقال له ~~إن لم تفعل ضربتك بالسياط قال أو تفعل قال نعم فقعد في القضاء يومين فلم ~~يأته أحد فلما كان في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر فقال الصفار لي ~~على هذا درهمان وأربعة دوانيق ثمن تور صفر فقال أبو حنيفة اتق الله وانظر ~~فيما يقول الصفار قال ليس له علي شيء فقال أبو حنيفة للصفار ما تقول فقال ~~استحلفه لي فقال أبو حنيفة للرجل قل والله الذي لا إله إلا هو فجعل يقول ~~فلما رآه أبو حنيفة معتمدا على أن يقول قطع عليه وضرب بيده إلى كمه فحل صرة ~~وأخرج درهمين ثقيلين وقال للصفار هذان الدرهمان عوض عن باقي تورك فنظر ~~الصفار إليهما وقال نعم فأخذ الدرهمين فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة ~~فمرض ستة أيام ثم مات وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين ~~أراده أن يلي القضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية فأبى ~~عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط كل يوم عشرة أسواط وهو على الامتناع فلما ~~رأى ذلك خلى سبيله وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه إذا ذكر ذلك بكى وترحم ~~على أبي حنيفة وذلك بعد أن ضرب أحمد على القول بخلق القرآن PageV05P407 # وقال إسماعيل بن ms1536 حماد بن أبي حنيفة مررت مع أبي ~~بالكناسة فبكى فقلت له يا أبت ما يبكيك فقال يا بني في هذا الموضع ضرب ابن ~~هبيرة أبي عشرة أيام في كل يوم عشرة أسواط على أن يلي القضاء فلم يفعل ~~والكناسة بضم الكاف موضع بالكوفة قال الفضل بن غانم كان أبو يوسف مريضا ~~شديد المرض فعاده أبو حنيفة مرارا فصار إلى آخر مرة فرآه ثقيلا فاسترجع ثم ~~قال لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصيب الناس به ليموتن معك علم كثير ~~ثم رزق العافية وخرج من الغد فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه فارتفعت ~~نفسه وانصرفت وجوه الناس إليه فعقد لنفسه مجلسا في الفقه وقصر عن لزوم مجلس ~~أبي حنيفة فسأل عنه فأخبر أنه عقد لنفسه مجلسا وأنه يلقي كلامك فيه فدعا ~~رجلا كان له عنده قدر فقال سر إلى مجلس يعقوب فقل له ما تقول في رجل دفع ~~إلى قصار ثوبا ليقصره بدرهم فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب فقال له ~~القصار ما لك عندي شيء وأنكره ثم إن رب الثوب رجع إليه فدفع له الثوب ~~مقصورا أله أجرة فإن قال لك له أجرة فقل له أخطأت وإن قال لا أجرة له فقل ~~أخطأت فسار إليه وسأله فقال أبو يوسف له أجرة فقال أخطأت فنظر ساعة ثم قال ~~لا أجرة له فقال له أخطأت فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة فقال ما ~~جاء بك إلا مسألة القصار قال أجل قال سبحان الله من قعد يفتي الناس وعقد ~~مجلسا يتكلم في دين الله وهذا قدره لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات ~~فقال يا أبا حنيفة علمني فقال إن كان قصره بعد ما غصبه فلا أجرة لأنه قصر ~~لصاحبه ثم قال من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه وكان أبو حنيفة ~~حسن الوجه حسن المجلس شديد الكرم حسن المواساة لإخوانه وكان ربعة من الرجال ~~وقيل كان طوالا تعلوه سمرة أحسن PageV05P408 # الناس منطقا وأحلاهم نغمة وذكر ms1537 الخطيب في تاريخه أن ~~أبا حنيفة رأى في المنام كأنه ينبش قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث ~~من سأل ابن سيرين فقال ابن سيرين صاحب هذه الرؤيا يثور علما لم يسبقه إليه ~~أحد قبله قال الشافعي رضي الله عنه قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة فقال نعم ~~رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته وروى حرملة بن ~~يحيى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال الناس عيال على هؤلاء الخمسة من أراد ~~أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة وكان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه ~~ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير ابن أبي سلمى ومن أراد أن ~~يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق ومن أراد أن يتبحر في النحو ~~فهو عيال على الكسائي ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل بن ~~سليمان هكذا نقله الخطيب في تاريخه وقال يحيى بن معين القراءة عندي قراءة ~~حمزة والفقه فقه أبي حنيفة على هذا أدركت الناس وقال جعفر بن ربيع أقمت على ~~أبي حنيفة خمس سنين فما رأيت أطول صمتا منه فإذا سئل عن الفقه تفتح وسال ~~كالوادي وسمعت له دويا وجهارة في الكلام وكان إماما في القياس قال علي بن ~~عاصم دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذ من شعره فقال للحجام تتبع مواضع ~~البياض فقال الحجام لا تزد فقال ولم قال لأنه يكثر قال فتتبع مواضع السواد ~~لعله يكثر وحكيت لشريك هذه الحكاية فضحك وقال لو ترك أبو حنيفة قياسه لتركه ~~مع الحجام PageV05P409 # وقال عبد الله بن رجاء كان لأبي حنيفة جار بالكوفة ~~إسكاف يعمل نهاره أجمع حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله وقد حمل لحما فطبخه ~~أو سمكة فيشويها ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غرد بصوت وهو يقول ~~(أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر) فلا يزال يشرب ويردد هذا ~~البيت حتى يأخذه النوم ms1538 وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل ليلة وأبو حنيفة كان ~~يصلي الليل كله ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه فقيل أخذه العسس منذ ليال وهو ~~محبوس فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد وركب بغلته واستأذن على الأمير فقال ~~الأمير ايذنوا له وأقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ببغلته ~~ففعل ولم يزل الأمير يوسع له في مجلسه وقال ما حاجتك فقال لي جار إسكاف ~~أخذه العسس منذ ليال يأمر الأمير بتخليته فقال نعم وكل من أخذ في تلك ~~الليلة إلى يومنا هذا فأمر بتخليتهم أجمعين فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي ~~وراءه فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه وقال يا فتى أضعناك فقال لا بل حفظت ~~ورعيت جزاك الله خيرا عن حرمة الجوار ورعاية الحق وتاب الرجل ولم يعد إلى ~~ما كان عليه وقال ابن المبارك رأيت أبا حنيفة في طريق مكة وشوي لهم فصيل ~~سمين فاشتهوا أن يأكلوه بخل فلم يجدوا شيئا يصبون فيه الخل فتحيروا فرأيت ~~أبا حنيفة وقد حفر في الرمل حفرة وبسط عليها السفرة وسكب الخل على ذلك ~~الموضع فأكلوا الشواء بالخل فقالوا تحسن كل شيء فقال عليكم بالشكر فإن هذا ~~شيء ألهمته لكم فضلا من الله عليكم PageV05P410 # وحكى الحسن بن زياد قال دفن رجل مالا في موضع ثم نسي ~~في أي موضع دفنه فلم يقع عليه فجاء إلى أبي حنيفة فشكا إليه فقال له أبو ~~حنيفة ما هذا فقه فأحتال لك ولكن اذهب فصل الليلة ففعل الرجل ولم يقم إلا ~~أقل من ربع الليل حتى ذكر الموضع فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره فقال له قد ~~علمت أن الشيطان لا يدعك تصلي حتى يذكرك فهلا أتممت ليلتك شكرا لله عز وجل ~~وقال ابن شبرمة كنت شديد الازراء على أبي حنيفة فحضر الموسم وكنت حاجا ~~يومئذ فاجتمع إليه قوم يسألونه فوقفت من حيث لا يعلم من أنا فجاءه رجل فقال ~~يا أبا حنيفة قصدتك أسألك عن أمر أهمني وأزعجني قال وما هو قال لي ولد ms1539 وليس ~~لي غيره فإن زوجته طلق وإن سريته أعتق وقد عجزت عن هذا فهل من حيلة قال له ~~نعم اشتر الجارية التي يرضاها لنفسه ثم زوجها منه فإن طلق رجعت إليك ~~مملوكتك وإن أعتق أعتق ما لا يملك وإن ولدت ثبت نسبه لك فعلمت أن الرجل ~~فقيه من يومئذ وكففت عن ذكره إلا بخير وقال ابن المبارك أيضا قلت لسفيان ~~الثوري يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ما سمعته يغتاب عدوا ~~له قط فقال هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها وقال أبو يوسف دعا أبو ~~جعفر المنصور أبا حنيفة فقال الربيع صاحب المنصور وكان يعادي أبا حنيفة يا ~~أمير المؤمنين هذا أبو حنيفة يخالف جدك كان عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما يقول إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين جاز ~~الاستثناء وقال أبو حنيفة لا يجوز الاستثناء إلا متصلا باليمين فقال أبو ~~حنيفة يا أمير المؤمنين إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جندك بيعة قال ~~وكيف قال يحلفون لك PageV05P411 # ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم فضحك ~~المنصور وقال يا ربيع لا تتعرض لأبي حنيفة فلما خرج أبو حنيفة قال له ~~الربيع أردت أن تشيط بدمي قال لا ولكنك أردت أن تشيط بدمي فخلصتك وخلصت ~~نفسي وكان أبو العباس الطوسي سئ الرأي في أبي حنيفة وكان أبو حنيفة يعرف ~~ذلك فدخل أبو حنيفة على المنصور وكثر الناس فقال الطوسي اليوم أقتل أبا ~~حنيفة فأقبل عليه فقال يا أبا حنيفة إن أمير المؤمنين يدعو الرجل فيأمره ~~بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو أيسعه أن يضرب عنقه فقال يا أبا العباس أمير ~~المؤمنين يأمر بالحق أم بالباطل فقال بالحق قال أنفذ الحق حيث كان ولا تسأل ~~عنه ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه إن هذا أراد أن يوثقني فربطته وقال يزيد ~~بن الكميت كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى فقرأ بنا علي بن ms1540 الحسين ~~المؤذن ليلة في العشاء الأخيرة سورة * (إذا زلزلت) * وأبو حنيفة خلفه فلما ~~قضى الصلاة وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يتفكر ويتنفس فقلت أقوم ~~لا يشتغل قلبه بي فلما خرجت تركت القنديل ولم يكن فيه إلا زيت قليل فجئت ~~وقد طلع الفجر وهو قائم وقد أخذ بلحية نفسه وهو يقول يا من يجزي بمثقال ذرة ~~خير خيرا ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شرا أجر النعمان عبدك من النار ومما ~~يقرب منها من السوء وأدخله في سعة رحمتك قال فأذنت وإذا القنديل يزهر وهو ~~قائم فلما دخلت قال لي تريد أن تأخذ القنديل قلت قد أذنت لصلاة الغداة فقال ~~اكتم علي ما رأيت وركع ركعتين وجلس حتى أقمت الصلاة وصلى معنا الغداة على ~~وضوء أول الليل PageV05P412 # وقال أسد بن عمرو صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة ~~الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة وكان عامة ليلة يقرأ جميع القرآن في ~~ركعة واحدة وكان يسمع بكاؤه في الليل حتى يرحمه جيرانه وحفظ عليه أنه ختم ~~القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة وقال إسماعيل بن حماد بن أبي ~~حنيفة عن أبيه لما مات أبي سألنا الحسن ابن عمارة أن يتولى غسله ففعل فلما ~~غسله قال رحمك الله وغفر لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة ولم تتوسد يمينك في ~~الليل منذ أربعين سنة وقد أتعبت من بعدك وفضحت القراء ومناقبه وفضائله ~~كثيرة وقد ذكر الخطيب في تاريخه منها شيئا كثيرا ثم أعقب ذلك بذكر ما كان ~~الأليق في تركه والإضراب عنه فمثل هذا الإمام لا يشك في دينه ولا في ورعه ~~وتحفظه ولم يكن يعاب بشيء سوى قلة العربية فمن ذلك ما روي أن أبا عمرو بن ~~العلاء المقرئ النحوي المقدم ذكره سأله عن القتل بالمثل هل يوجب القود أم ~~لا فقال لا كما هو قاعدة مذهبه خلافا للإمام الشافعي رضي الله عنه فقال له ~~أبو عمرو ولو قتله بحجر المنجنيق فقال ولو قتله بأبا قبيس يعني ms1541 الجبل المطل ~~على مكة حرسها الله تعالى وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة ~~من يقول إن الكلمات الست المعربة بالحروف وهي أبوه وأخوه وحموه وهنوه وفوه ~~وذو مال أن إعرابها يكون في الأحوال الثلاث بالألف وأنشدوا في ذلك (إن ~~أباها وأبا أباها * قد بلغا في المجد غايتاها) وهي لغة الكوفيين وأبو حنيفة ~~من أهل الكوفة فهي لغته والله أعلم وهذا وإن كان خروجا عن المقصود لكن ~~الكلام ارتبط بعضه ببعض فانتشر وكانت ولادة أبي حنيفة سنة ثمانين للهجرة ~~وقيل سنة إحدى وستين PageV05P413 # والأول أصح وتوفي في رجب وقيل في شعبان سنة خمسين ~~ومائة وقيل لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة وقيل سنة احدى ~~وخمسين وقيل ثلاث وخمسين والأول أصح وكانت وفاته ببغداد في السجن ليلي ~~القضاء فلم يفعل هذا هو الصحيح وقيل إنه لم يمت في السجن وقيل توفي في ~~اليوم الذي ولد فيه الإمام الشافعي رضي الله عنهما ودفن بمقبرة الخيزران ~~وقبره هناك مشهور يزار وزوطى بضم الزاي وسكون الواو وفتح الطاء المهملة ~~وبعدها ألف مقصورة وهو اسم نبطي وكابل بفتح الكاف وضم الباء الموحدة بعد ~~الألف وبعدها لام وهي ناحية معروفة من بلاد الهند ينسب إليها جماعة من ~~العلماء وغيرهم وأما بابل والأنبار فهما معروفان فلا حاجة إلى الكلام ~~عليهما 286 وبنى شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة ~~السلطان ملك شاه السلجوقي على قبر الإمام أبي حنيفة مشهدا وقبة وبنى عنده ~~مدرسة كبيرة للحنفية ولما فرغ من عمارة ذلك ركب إليها في جماعة من الأعيان ~~ليشاهدوها فبيناهم هناك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر مسعود المعروف ~~بالبياضي الشاعر المقدم ذكره وأنشده (ألم تر أن العلم كان مبددا * فجمعه ~~هذا المغيب في اللحد) (كذلك كانت هذه الأرض ميتة * فأنشرها فعل العميد أبي ~~سعد) فأجازه أبو سعد جائزة سنية ولهذا أبي سعد مدرسة بمدينة مرو وله عدة ~~ربط وخانات في المفاوز وكان كثير الخير وعمل المعروف وانقطع في آخر ms1542 عمره عن ~~الخدمة ولزم بيته وكانوا يراجعونه في الأمور وتوفي في المحرم سنة أربع ~~وستين وأربعمائة بأصبهان رحمه الله تعالى وكان بناء المشهد والقبة في سنة ~~تسع وخمسين وأربعمائة وقد تقدم في ترجمة PageV05P414 # ألب أرسلان محمد والد السلطان ملك شاه أنه بنى مشهدا ~~على قبر الإمام أبي حنيفة وكذلك وجدته في بعض التواريخ وقد غاب عني الآن من ~~أين نقلته ثم وجدت بعد ذلك أن الذي بنى المشهد والقبة أبو سعد المذكور ~~والظاهر أن أبا سعد بناهما نيابة عن ألب أرسلان المذكور وهو كان المباشر ~~كما جرت عادة النواب مع ملوكهم فتسبت العمارة إليه بهذه الطريق ويدل على ~~ذلك أن تاريخ العمارة في أيام ألب أرسلان وأبو سعد كان مستوفيا في أيامه ثم ~~استمر على وظيفته في أيام ولده ملك شاه وهذا إنما ذكرته لنجمع بين النقلين ~~والله أعلم 766 القاضي النعمان أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد الله محمد بن ~~منصور بن أحمد بن حيون أحد الأئمة الفضلاء المشار إليهم ذكره الأمير ~~المختار المسبحي في تاريخه فقال كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل على ~~ما لا مزيد عليه وله عدة تصانيف منها كتاب اختلاف أصول المذاهب وغيره انتهى ~~كلام المسبحي في هذا الموضع وكان مالكي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الإمامية ~~وصنف كتاب ابتداء PageV05P415 # الدعوة للعبيديين وكتاب الأخبار في الفقه وكتاب ~~الاقتصار في الفقه أيضا وقال ابن زولاق في كتاب أخبار قضاة مصر في ترجمة ~~أبي الحسن علي بن النعمان المذكور ما مثاله وكان أبوه النعمان بن محمد ~~القاضي في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه وعالما بوجوه الفقه ~~وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر الفحل والمعرفة بأيام الناس مع عقل ~~وإنصاف وألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف وأملح سجع وعمل في ~~المناقب والمثالب كتابا حسنا وله ردود على المخالفين له رد على أبي حنيفة ~~وعلى مالك والشافعي وعلى ابن سريج وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لأهل ~~البيت رضي الله عنهم وله القصيدة الفقهية لقبها ms1543 بالمنتخبة وكان أبو حنيفة ~~المذكور ملازما صحبة المعز أبي تميم معد بن منصور المقدم ذكره ولما وصل من ~~إفريقية إلى الديار المصرية كان معه ولم تطل مدته ومات في مستهل رجب سنة ~~ثلاث وستين وثلاثمائة بمصر وذكر أحمد بن محمد بن عبد الله الفرغاني في سيرة ~~القائد جوهر أنه توفي في ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة من السنة وصلى عليه ~~المعز وذكر ابن زولاق في تاريخه بعد ذكر وفاة المعز وذكر أولاده وقضاة ~~المعز فقال قاضيه الواصل معه من المغرب أبو حنيفة النعمان بن محمد الداعي ~~ولما وصل إلى مصر وجد جوهرا قد استخلف على القضاء أبا طاهر الذهلي البغدادي ~~فأقره انتهى كلام ابن زولاق 287 وكان والده أبو عبد الله محمد قد عمر ويحكي ~~أخبارا كثيرة نفيسة حفظها وعمره أربع سنين وتوفي في رجب سنة إحدى وخمسين ~~وثلاثمائة وصلى عليه ولده أبو حنيفة المذكور ودفن في باب سلم وهو أحد أبواب ~~القيروان وكان عمره مائة وأربع سنين PageV05P416 # 288 وكان لأبي حنيفة أولاد نجباء سروات فمنهم أبو ~~الحسن علي بن النعمان أشرك المعز المذكور بينه وبين أبي طاهر محمد بن أحمد ~~بن عبد الله بن نصر بن بحير بن صالح بن أسامة الذهلي قاضي مصر في الحكم ولم ~~يزالا مشتركين فيه إلى أن توفي المعز وقام بالأمر ولده العزيز نزار وقد ~~تقدم ذكره أيضا فرد إلى القاضي أبي الحسن المذكور أمر الجامعين ودار الضرب ~~وهما على الاشتراك في الحكم واستمرا على ذلك إلى أن لحقت القاضي أبا طاهر ~~المذكور رطوبة عطلت شقه ومنعته من الحركة والسعي إلا محمولا فركب العزيز ~~المذكور إلى الجزيرة التي بين مصر والجيزة في مستهل صفر سنة ست وستين ~~وثلاثمائة فحمل أبو طاهر إليه فلقيه والشهود معه عند باب الصناعة فرآه ~~نحيلا وسأله استخلاف ولده أبي العلاء بسبب ما يجده من الضعف فحكي عن العزيز ~~أنه قال ما بقي إلا أن تقددوه ثم قلد العزيز ثالث هذا اليوم القاضي أبا ~~الحسن علي بن النعمان المذكور القضاء ms1544 مستقلا فركب إلى جامع القاهرة وقريء ~~سجله ثم عاد إلى الجامع العتيق بمصر وقريء سجله وكان القارئ أخاه أبا عبد ~~الله محمد ابن النعمان وكان في سجله القضاء بالديار المصرية والشام ~~والحرمين والمغرب وجميع مملكة العزيز والخطابة والإمامة والعيار في الذهب ~~والفضة والموازين والمكاييل ثم انصرف إلى داره في جمع عظيم ولم يتأخر عنه ~~أحد وأقام القاضي أبو طاهر المذكور منقطعا في بيته عليلا وأصحاب الحديث ~~يترددون إليه ويسمعون عليه إلى أن توفي سلخ ذي القعدة سنة سبع وستين ~~وثلاثمائة وسنة ثمان وثمانون سنة ومدة ولايته ست عشرة سنة وسبعة عشر يوما ~~وأذن له العزيز أيضا أن ينظر في الأحكام في هذه المدة فلم يكن فيه فضل وكان ~~قد حكم في الجانب الغربي ببغداد أيضا مدة ثم انتقل إلى مصر ثم إن القاضي ~~أبا الحسن استخلف في الحكم أخاه أبا عبد الله محمدا وفوض إليه الحكم بدمياط ~~وتنيس والفرما والجفار فخرج إليها واستخلف بها ثم عاد ثم سافر العزيز إلى ~~الشام في سنة سبع وستين وسافر معه القاضي أبو الحسن المذكور وجلس أخوه محمد ~~مكانه للحكم بين الناس PageV05P417 # وكان القاضي أبو الحسن المذكور مفننا في عدة فنون منها ~~علم القضاء والقيام به بوقار وسكينة وعلم الفقه والعربية والأدب والشعر ~~وأيام الناس وكان شاعرا مجيدا في الطبقة العليا ومن شعره ما رواه له أبو ~~منصور الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر وهو قوله (ولي صديق ما مسني عدم * مذ ~~وقعت عينه على عدمي) (أغنى وأقنى وما يكلفني * تقبيل كف له ولا قدم) (قام ~~بأمري لما قعدت به * ونمت عن حاجتي ولم ينم) وأورد له الثعالبي أيضا في ~~المعنى (صديق لي له أدب * صداقة مثله نسب) (رعى لي فوق ما يرعى * وأوجب فوق ~~ما يجب) (فلو نقدت خلائقه * لبهرج عندها الذهب) وأورد له أبو الحسن ~~الباخرزي المقدم ذكره في كتاب دمية القصر وأوردها أيضا أبو محمد ابن زولاق ~~في كتاب أخبار قضاة مصر في ترجمة أبي الحسن المذكور أبياتا أحسن فيها كل ~~الإحسان ms1545 وهي (رب خود عرفت في عرفات * سلبتني بحسنها حسناتي) (حرمت حين ~~أحرمت نوم عيني * واستباحت حماي باللحظات) (وأفاضت مع الحجيج ففاضت * من ~~جفوني سوابق العبرات) (ولقد أضرمت على القلب جمرا * محرقا إذ مشت إلى ~~الجمرات) (لم أنل من منى منى النفس حتى * خفت بالخيف أن تكون وفاتي) ~~PageV05P418 # ولم يزل أبو الحسن المذكور مستمرا على أحكامه وافر ~~الحرمة عند العزيز حتى أصابته الحمى وهو بالجامع ينظر في الأحكام فقام من ~~وقته ومضى إلى داره وأقام عليلا أربعة عشر يوما وتوفي في يوم الاثنين لست ~~خلون من رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وأخرج تابوته من الغد إلى العزيز ~~وهو معسكر بسطح الجب عند الموضع المعروف الآن بالبركة فوضع التابوت بالمسجد ~~المعروف بالبئر والجميزة وسار العزيز إليه من مخيمه حتى صلى عليه في المسجد ~~وردت الجنازة إلى داره بالحمراء فدفن فيها والحمراء محلة بمصر وهي ثلاث ~~حمراوات وإنما قيل لها الحمراء لنزول الروم بها وأرسل العزيز إلى أخيه أبي ~~عبد الله محمد المذكور في هذه الترجمة وكان ينوب عن أخيه أبي الحسن كما ~~ذكرنا فقال له إن القضاء لك من بعد أخيك ولا تخرجه عن هذا البيت وكانت مدة ~~ولاية أبي الحسن تسع سنين وخمسة أشهر وأربعة أيام وكانت ولادته بالمغرب في ~~شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة رحمه الله تعالى 289 وأقامت مصر ~~بغير قاض ينظر فيها ثمانية عشر يوما لأن أبا عبد الله كان مريضا ثم خف عنه ~~المرض فركب في وقته إلى معسكر العزيز يوم الخميس لثمان بقين من رجب ثم عاد ~~من عنده إلى الجامع العتيق بمصر في يوم الجمعة وقد قلده العزيز القضاء وخلع ~~عليه وقلده سيفا فلم يقدر على النزول في الجامع لضعفه من العلة فسار إلى ~~داره ونزل ولده وجماعة من أهل بيته إلى الجامع العتيق بمصر وقريء سجله بعد ~~صلاة الجمعة وكان مثل سجل أخيه أبي الحسن في جميع ولايته وفي ذي القعدة سنة ~~أربع وسبعين وثلاثمائة استخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز على ms1546 القضاء ~~بالإسكندرية بأمر العزيز وخلع عليه العزيز وفي يوم الجمعة مستهل جمادى ~~الأولى سنة خمس وسبعين عقد القاضي محمد بن النعمان المذكور نكاح ولده أبي ~~القاسم عبد العزيز المذكور على ابنة القائد أبي PageV05P419 # الحسن جوهر المقدم ذكره في حرف الجيم وكان العقد في ~~مجلس العزيز ولم يحضره إلا خواصه وكان الصداق ثلاثة آلاف دينار والكتاب ~~ثوبا مصمتا وكان المعز أبو تميم معد والد العزيز المذكور قد تقدم وهو ~~بالمغرب إلى القاضي أبي حنيفة النعمان المذكور في أول الترجمة بعمل أسطرلاب ~~فضة وأن يجلس مع الصائغ أحد ثقاته فأجلس أبو حنيفة ولده المذكور محمدا فلما ~~فرغ الأسطرلاب حمله أبو حنيفة إلى المعز فقال له من أجلست معه فقال ولدي ~~محمدا فقال هو قاضي مصر فكان كما قال لأن المعز كانت تحدثه نفسه أبدا بأخذ ~~مصر فلهذا تلفظ بهذا الكلام ووافقته السعادة مع المقادير وقال القاضي محمد ~~المذكور كان المعز إذا رآني وأنا صبي بالمغرب يقول لولده العزيز هذا قاضيك ~~وكان محمد جيد المعرفة بالأحكام مفننا في علوم كثيرة حسن الأدب والدراية ~~بالأخبار والشعر وأيام الناس وله شعر فمن ذلك قوله (أيا مشبه البدر بدر ~~السماء * لسبع وخمس مضت واثنتين) (ويا كامل الحسن في نعته * شغلت فؤادي ~~وأسهرت عيني) (فهل لي من مطمع أرتجيه * وإلا انصرفت بخفي حنين) (ويشمت بي ~~شامت في هواك * ويفصح لي ظلت صفر اليدين) (فإما مننت وإما قتلت * فأنت ~~القدير على الحالتين) وكتب إليه عبد الله بن الحسن الجعفري السمرقندي ~~(تعادلت القضاة علا فأما * أبو عبد الإله فلا عديل) (وحيد في فضائله غريب * ~~خطير في مفاخره جليل) (تألق بهجة ومضى اعتزاما * كما يتألق السيف الصقيل) ~~(فيقضي والسداد له حليف * ويعطي والغمام له رسيل) (لو اختبرت قضاياه لقالوا ~~* يؤيده عليها جبرئيل) (إذا رقي المنابر فهو قس * وإن حضر المشاهد فالخليل) ~~فكتب إليه القاضي محمد المذكور PageV05P420 # (قرأنا من قريضك ما يروق * بدائع حاكها طبع رقيق) (كأن ~~سطورها روض أنيق * تضوع بينها مسك فتيق) (إذا ما أنشدت أرجت وطابت * ~~منازلها بها ms1547 حتى الطريق) (وإنا تائقون إليك فاعلم * وأنت إلى زيارتنا تتوق) ~~(فواصلنا بها في كل يوم * فأنت بكل مكرمة حقيق) وقال ابن زولاق في أخبار ~~قضاة مصر ولم نشاهد بمصر لقاض من القضاة من الرياسة ما شاهدناه لمحمد بن ~~النعمان ولا بلغنا ذلك عن قاض بالعراق ووافق ذلك استحقاقا لما فيه من العلم ~~والصيانة والتحفظ وإقامة الحق والهيبة وفي المحرم سنة ثلاث وثمانين ~~وثلاثمائة استخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز المذكور في الأحكام بالقاهرة ~~ومصر على الدوام بعد أن كان ينظر فيها يوم الاثنين والخميس لا غير فصار ~~يسمع البينات ويحكم ويسجل وكان يخلفه أولا ولد أخيه وهو أبو عبد الله ~~الحسين بن علي بن النعمان فصرفه لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع وسبعين ~~واستخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز المذكور في الاثنين والخميس خاصة ~~وارتفعت رتبة القاضي محمد عند العزيز حتى أصعده معه إلى المنبر يوم عيد ~~النحر سنة خمس وثمانين ولما توفي العزيز في التاريخ المذكور في ترجمته تولى ~~غسله القاضي محمد المذكور وقام بالأمر من بعده ولده الحاكم المقدم ذكره ~~فأقر القاضي محمدا على أشغاله وزادت منزلته عنده رفعة وبسط يده ولما حصلت ~~له المنزلة والمكنة من الدولة كثرت علله ولازمه النقرس والقولنج فكان أكثر ~~أوقاته عليلا والأستاذ أبو الفتوح برجوان المقدم ذكره على جلالته وعظم شأنه ~~يعوده كل وقت ثم تزايدت علته وتوفي ليلة الثلاثاء بعد العشاء الآخرة رابع ~~صفر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وركب الحاكم إلى داره بالقاهرة وصلى عليه ~~فيها ووقف على دفنه ثم انصرف إلى قصره PageV05P421 # وكانت ولادته يوم الأحد لثلاث خلون من صفر سنة أربعين ~~وثلاثمائة بالمغرب ووهب الحاكم داره لبعض أصحابه فنقل القاضي محمد المذكور ~~إلى داره التي بمصر يوم الأربعاء لتسع خلون من شهر رمضان من هذه السنة ثم ~~نقل عشية الجمعة لعشر خلون من شهر رمضان المذكور إلى مقبرة أخيه وأبيه ~~بالقرافة رحمهم الله تعالى 290 ولما مات القاضي محمد أبو عبد الله المذكور ~~أقامت مصر بغير قاض أكثر ms1548 من شهر ثم قلد الحاكم صاحب مصر القضاء أبا عبد ~~الله الحسين بن علي بن النعمان الذي كان ينوب عن عمه القاضي محمد أبي عبد ~~الله المذكور وصرفه واستخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز وقد تقدم ذكر ذلك ~~في هذه الترجمة وكانت ولاية الحسين المذكور لست خلون من شهر ربيع الأول سنة ~~تسع وثمانين وثلاثمائة واستمر في الحكم إلى يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان ~~سنة أربع وتسعين فصرف بابن عمه أبي القاسم عبد العزيز بن محمد المقدم ذكره ~~ثم ضربت عنق الحسين بن علي بن النعمان المذكور يوم الأحد سادس المحرم سنة ~~خمس وتسعين في حجرته وأحرقت جثته وذلك بأمر الحاكم لقصة يطول شرحها 291 ~~واستقل أبو القاسم في الأحكام وضم إليه الحاكم النظر في المظالم ولم يجتمعا ~~قبله لأحد من أهله وعلت رتبته عند الحاكم وأصعده معه على المنبر يوم عيد ~~الفطر بعد قائد القواد وكذلك في عيد النحر وتصلب في الأحكام وتشدد على من ~~عانده من رؤساء الدولة ورسم على جماعة ممن وجب عليه حق فامتنع من الخروج ~~منه ولم يزل قاضيا في جميع ما فوضه إليه الحاكم إلى أن صرفه عن ذلك جميعه ~~يوم الجمعة سادس عشر رجب سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وفوض القضاء إلى أبي ~~الحسن مالك بن سعيد بن مالك الفارقي وأخرجه عن أهل بيت النعمان PageV05P422 # ثم إن الحاكم أمر الأتراك بقتل القاضي أبي القاسم عبد ~~العزيز المذكور والقائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر وأبي علي إسماعيل أخي ~~القائد فضل بن صالح فقتلوهم ضربا بالسيوف في ساعة واحدة لأمر يطول شرحه ~~وذلك يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة رحمهم ~~الله تعالى وكانت ولادة أبي القاسم عبد العزيز المذكور يوم الاثنين مستهل ~~ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلاثمائة 292 وأما القاضي أبو طاهر المذكور ~~فقال أبو منصور أحمد بن عبد الله ابن أحمد الفرغاني المصري في تاريخه إنه ~~كان كثير الرواية حسن المجالسة شيخ مع الشيوخ كهل مع الكهول شاب ms1549 مع الشباب ~~وتوفي لليلة بقيت من ذي القعدة سنة سبع وستين وثلاثمائة رحمهم الله تعالى ~~767 السيدة نفيسة السيدة نفيسة ابنة أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق ~~رضي الله عنه وقيل بل دخلت مع أبيها الحسن وإن قبره بمصر لكنه غير مشهور ~~وإنه كان واليا على المدينة من قبل أبي جعفر المنصور وأقام بالولاية مدة ~~خمس سنين ثم غضب عليه فعزله واستصفى كل شيء له وحبسه ببغداد فلم يزل محبوسا ~~حتى مات المنصور وولي المهدي فأخرجه من محبسه ورد عليه كل شيء ذهب له ولم ~~يزل معه فلما حج المهدي كان في جملته فلما انتهى إلى الحاجر مات هناك وذلك ~~PageV05P423 # في سنة ثمان وستين ومائة وهو ابن خمس وثمانين سنة وصلى ~~عليه علي بن المهدي والحاجر على خمسة أميال من المدينة وقيل إنه توفي ~~ببغداد ودفن بمقبرة الخيزران والصحيح أنه مات بالحاجر هكذا قاله الخطيب في ~~تاريخه والله أعلم وكانت نفيسة من النساء الصالحات التقيات ويروى أن الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه لما دخل مصر في التاريخ المذكور في ترجمته حضر إليها ~~وسمع عليها الحديث وكان للمصريين فيها اعتقاد عظيم وهو إلى الآن باق كما ~~كان ولما توفي الإمام الشافعي رضي الله عنه أدخلت جنازته إليها وصلت عليه ~~في دارها وكانت مقيمة في موضع مشهدها اليوم ولم تزل به إلى أن توفيت في شهر ~~رمضان سنة ثمان ومائتين ولما ماتت عزم زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر الصادق ~~على حملها إلى المدينة ليدفنها هناك فسأله المصريون بقاءها عندهم فدفنت في ~~الموضع المعروف بها الآن بين القاهرة ومصر عند المشاهد وهذا الموضع كان ~~يعرف يومذاك بدرب السباع فخرب الدرب ولم يبق هناك سوى المشهد وقبرها معروف ~~بإجابة الدعاء عنده وهو مجرب رضي الله عنها PageV05P424 # تذييل استمر الاعتماد في هذا الجزء على المخطوطات التي ~~ذكرت في مقدمة الجزء الرابع ولكنا زدنا عليها مخطوطتين وهما (1) مخطوطة ms1550 آيا ~~صوفيا رقم 3533 وقد رمزت لها بالحرف ص على أن يتذكر القارئ أنها ليست هي ص ~~المذكورة في الجزءين الأول والثاني كما أنها ليست من أسرتها وإنما الشركة ~~بينهما انتماؤهما إلى مكتبة واحدة وحسب وتبدأ ص بترجمة أبي تميم معد رقم ~~727 الصفحة 224 من هذا الجزء وتقع في 193 ورقة وفي كل صفحة من صفحاتها 21 ~~سطرا ومعدل الكلمات في السطر الواحد 12 كلمة وخطها نسخي واضح لا بأس بالضبط ~~فيه وميزتها الكبرى أنها تمثل الدور الأول من عمل المؤلف وتنتهي بتلك ~~الخاتمة التي يعلن فيها أنه توقف عن عمله دون أن يتم حرف الياء وأن لديه ~~مسودات أخرى أعدها لكتاب مطول يكون في أكثر من عشرة أسفار وهذا يعني أن آخر ~~ترجمة فيها هي ترجمة يحيى بن خالد البرمكي والنسخة ليست مؤرخة وعلى الورقة ~~الأولى أنها الجزء الرابع من الوفيات وقد كتب عليها تملك واحد تملكه الفقير ~~إلى الله تعالى محمد بن علي بن عمر الصفدي الحنفي عفا الله عنه بالشراء ~~الشرعي من القاضي بهاء الدين بن أبي سالم الحموي (2) مخطوطة نور عثمانية ~~رقم 3076 ورمزها ع وتبدأ بترجمة الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت رقم 765 ~~الصفحة 405 PageV05P425 # من هذا الجزء وهي في 308 ورقات في كل صفحة من صفحاتها ~~25 سطرا ومعدل الكلمات في السطر الواحد 11 كلمة والخط أيضا نسخي واضح ونسبة ~~الضبط حسنة وهي تحوي تراجم الكتاب حتى آخره حسب الشكل الأخير الذي وضعه فيه ~~مؤلفه وقد نسخت سنة 725 على يد علي بن جمعة بن أبي الحسن بن حسان ثم بخط ~~مختلف أنها قوبلت بالنسخة التي في الخزانة العالية المولوية السلطانية ~~الملكية المؤيدية في أوقات آخرها العشرين من ذي القعدة سنة ثماني وعشرين ~~وسبعمائة بحسب الطاقة PageV05P426 # 6 PageV06P001 # حرف الواو PageV06P005 # 768 واصل بن عطاء أبو حذيفة واصل بن عطاء المعتزلي ~~المعروف بالغزال مولى بني ضبة وقيل مولى بني مخزوم كان أحد الأئمة البلغاء ~~المتكلمين في علوم الكلام وغيره وكان يلثغ بالراء فيجعلها غينا ms1551 قال أبو ~~العباس المبرد في حقه في كتاب الكامل كان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب وذلك ~~أنه ألثغ قبيح اللثغة في الراء فكان يخلص كلامه من الراء ولا يفطن لذلك ~~لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه ففي ذلك يقول الشاعر من المعتزلة وهو ~~أبو الطروق الضبي يمدحه بإطالة الخطب واجتنابه الراء على كثرة ترددها في ~~الكلام حتى كأنها ليست فيه (عليم بإبدال الحروف وقامع * لكل خطيب يغلب الحق ~~باطله) وقال آخر PageV06P007 # (ويجعل البر قمحا في تصرفه * وخالف الراء حتى احتال ~~للشعر) (ولم يطق مطرا والقول يعجله * فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر) ومما ~~يحكى عنه وقد ذكر بشار بن برد فقال أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من ~~يقتله أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج ~~بطنه على مضجعه ثم لا يكون إلا سدوسيا أو عقيليا فقال هذا الأعمى ولم يقل ~~بشار ولا ابن برد ولا الضرير وقال من أخلاق الغالية ولم يقل المغيرية ولا ~~المنصورية وقال لبعثت ولم يقل لأرسلت وقال على مضجعه ولم يقل على مرقده ولا ~~على فراشه وقال يبعج ولم يقل يبقر وذكر بني عقيل لأن بشارا كان يتوالى ~~إليهم وذكر بني سدوس لأنه كان نازلا فيهم وذكر السمعاني في كتاب الأنساب في ~~ترجمة المعتزلي أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري رضي الله عنه ~~فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر وقالت الجماعة ~~بأنهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال إن ~~الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين فطرده الحسن عن ~~مجلسه فاعتزل عنه وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعهما معتزلون وقد ~~أحلت في ترجمة عمرو بن عبيد على هذا الموضع في تبيين الاعتزال ولأي معنى ~~سموا بهذا الاسم وقد ذكرت في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي أنه الذي سماهم ~~بذلك وكان واصل بن عطاء المذكور يضرب به المثل في إسقاطه حرف الراء من ~~كلامه واستعمل الشعراء ms1552 ذلك في شعرهم كثيرا فمنه قول أبي محمد الخازن من ~~جملة قصيدة طنانة طويلة يمدح بها الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد المقدم ~~ذكره وهو PageV06P008 # (نعم تجنب لا يوم العطاء كما * تجنب ابن عطاء لفظة ~~الراء) وقال آخر في محبوب له ألثغ (أعد لثغة لو أن واصل حاضر * ليسمعها ما ~~أسقط الراء واصل) وقال آخر (أجعلت وصلي الراء لم تنطق به * وقطعتني حتى ~~كأنك واصل) لله دره ما أحسن قوله (وقطعتني حتى كأنك واصل *) وقال آخر (فلا ~~تجعلني مثل همزة واصل * فيلحقني حذف ولا راء واصل) وقال أبو عمر يوسف بن ~~هارون الكندي الأندلسي القرطبي الرمادي الشاعر المشهور إلا أنه لم يتعرض ~~إلى ذكر واصل وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعمائة (لا الراء تطمع في الوصال ولا ~~أنا * الهجر يجمعنا فنحن سواء) (فإذا خلوت كتبتها في راحتي * وقعدت منتحبا ~~أنا والراء) وهذا الباب متسع فلا حاجة إلى الإطالة فيه ويكفي منه هذا ~~الأنموذج وقد عمل الشعراء في اللثغة التي هي إبدال الثاء من السين شعرا ~~كثيرا فمن ذلك ما يعزى لأبي نواس ولم أجدها في ديوانه والله أعلم إلا أن ~~تكون في رواية علي بن حمزة الأصبهاني فإنها أكثر الروايات ولم أكشف هذه ~~الأبيات منها وهي أبيات حلوة ظريفة (وشادن ساءلت عن اسمه * فقال لي إثمي ~~مرداث) (بيات يعاطني سخامية * وقال لي قد هجع الناث) (أما ترى حثن أكاليلنا ~~* زينها النثرين والآث) PageV06P009 # (فعدت من لثغته ألثغا * فقلت أين الطاث والكاث) ولو ~~شرعت في ذكر ما قيل على هذا النمط لطال الشرح ولم أجد في لثغة الراء إلا ~~قليلا فمن ذلك قول بعضهم (أما وبياض الثغر ممن أحبه * ونقطة خال الخد في ~~عطفة الصدغ) (لقد فتنتني لثغة موصلية * رمتني في تيار بحر هوى اللثغ) ~~(ومستعجم الألفاظ عقرب صدغه * مسلطة دون الأنام على لدغي) (يكاد أصم الصم ~~عند حديثه * إلى اللثغة الغناء من لفظه يصغي) (يقول وقد قبلت واضح ثغره * ~~وكان الذي أهوى ونلت الذي أبغي) (وقد نفضت كأس الحميا وأظهرت * على خده ms1553 من ~~لونها أحسن الصبغ) (تغفق فغشف الخمغ من كغم غيقتي * يزيدك عند الشغب سكغا ~~على سكغ) ولقد أجاد هذا الشاعر وجمع في البيت الأخير راءات كثيرة وأبدلها ~~بالغين وللخبز أرزي الشاعر المقدم ذكره في غلام يلثغ بالراء أيضا لكنه لم ~~يستعمل اللثغة إلا في آخر البيت الأخير من الأربعة أبيات (وشاذن بالكرخ ذي ~~لثغة * وإنما شرطي في اللثغ) (ما أشبه الزنبور في خصره * حتى حكى العقرب في ~~الصدغ) (في فمه درياق لدغ إذا * أحرق قلبي شدة اللدغ) (إن قلت في ضمي له ~~أين هو * تفديك روحي قال لا أدغي) وقد تسلسل الكلام وخرجنا عن المقصود من ~~أخبار واصل بن عطاء وكان طويل العنق جدا بحيث كان يعاب به وفيه يقول بشار ~~بن برد الشاعر المشهور المقدم ذكره PageV06P010 # (ماذا منيت بغزال له عنق * كنقنق الدو إن ولى وإن ~~مثلا) (عنق الزرافة ما بالي وبالكم * تكفرون رجالا كفروا رجلا) وكانت ~~بينهما منافسات وأحقاد وقد تقدم كلام واصل في حق بشار وقال المبرد في كتاب ~~الكامل لم يكن واصل بن عطاء غزالا ولكنه كان يلقب بذلك لأنه كان يلازم ~~الغزالين ليعرف المتعففات من النساء فيجعل صدقته لهن ثم قال وكان طويل ~~العنق ويروى عن عمرو بن عبيد أنه نظر إليه من قبل أن يكلمه فقال لا يصلح ~~هذا ما دامت عليه هذه العنق وله من التصانيف كتاب أصناف المرجئة وكتاب في ~~التوبة وكتاب المنزلة بين المنزلتين وكتاب خطبته التي أخرج منها الراء ~~وكتاب معاني القرآن وكتاب الخطب في التوحيد والعدل وكتاب ما جرى بينه وبين ~~عمرو ابن عبيد وكتاب السبيل إلى معرفة الحق وكتاب في الدعوة وكتاب طبقات ~~أهل العلم والجهل وغير ذلك وأخباره كثيرة وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة ~~بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وتوفي سنة إحدى وثمانين ومائة رحمه الله ~~تعالى PageV06P011 # 769 وثيمة ابن الفرات أبو يزيد وثيمة بن موسى بن ~~الفرات الوشاء الفارسي الفسوي كان قد خرج من بلده إلى البصرة ثم سافر إلى ~~مصر وارتحل منها إلى الأندلس ms1554 تاجرا وكان يتجر في الوشي وصنف كتابا في أخبار ~~الردة وذكر فيه القبائل التي ارتدت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والسرايا التي سيرها إليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وصورة مقاتلتهم وما ~~جرى بينهم وبين المسلمين في ذلك ومن عاد منهم إلى الإسلام وقتال مانعي ~~الزكاة وما جرى لخالد بن الوليد المخزومي رضي الله عنه مع مالك بن نويرة ~~اليربوعي أخي متمم بن نويرة الشاعر المشهور صاحب المراثي المشهورة في أخيه ~~مالك وصورة قتله وما قاله متمم من الشعر في ذلك وما قاله غيره وهو كتاب جيد ~~يشتمل على فوائد كثيرة وقد تقدم في ترجمة أبي عبد الله محمد الواقدي أنه ~~صنف في الردة كتابا أيضا أجاد فيه ولم أعرف لوثيمة المذكور من التصانيف سوى ~~هذا الكتاب وهو رجل مشهور ذكره أبو الوليد ابن الفرضي صاحب تاريخ الأندلس ~~في كتابه وذكره الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس وأبو ~~سعيد ابن يونس في تاريخ مصر وأبو سعد السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة ~~الوشاء فقال كان يتجر في الوشي وهو نوع من الثياب المعمولة PageV06P012 # من الإبريسم فعرف به جماعة منهم وثيمة المذكور ثم إن ~~وثيمة عاد من الأندلس إلى مصر ومات بها يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى ~~الآخرة سنة سبع وثلاثين ومائتين رحمه الله تعالى (293) وقال أبو سعيد ابن ~~يونس المصري في تاريخه كان لوثيمة ولد يقال له أبو رفاعة عمارة بن وثيمة ~~حدث عن أبي صالح كاتب الليث بن سعد وعن أبيه وثيمة وغيرهما وصنف تاريخا على ~~السنين وحدث به ومولده بمصر وتوفي ليلة الخميس لست بقين من جمادى الآخرة ~~سنة تسع وثمانين ومائتين ووثيمة بفتح الواو وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وفتح الميم وبعدها هاء ساكنة والوثيمة في الأصل الجماعة ~~من الحشيش والطعام والوثيمة الصخرة وبها سمي الرجل والله أعلم بالصواب ~~والوثيمة أيضا الحجر الذي يقدح النار تقول العرب في أيمانها والذي أخرج ~~العذق من الجريمة والنار من الوثيمة ms1555 العذق بفتح العين المهملة النخلة ~~والجريمة النواة وأما الفارسي والفسوي فقد تقدم الكلام عليهما في ترجمة ~~الشيخ أبي علي الفارسي النحوي وأرسلان البساسيري فأغنى عن الإعادة وإذ ~~ذكرنا متمم بن نويرة وأخاه مالكا فلا بد من ذكر طرف من أخبارهما فإنها ~~مستملحة (294) كان مالك بن نويرة المذكور رجلا سريا نبيلا يردف الملوك ~~وللردافة موضعان أحدهما أن يردفه الملك على دابته في صيد أو غيره من مواضع ~~الأنس والموضع الثاني أنبل وهو أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم فينظر ~~بين الناس بعده وهو الذي يضرب به المثل فيقال مرعى ولا كالسعدان وماء ولا ~~كصداء وفتى ولا كمالك وكان فارسا شاعرا مطاعا في قومه وكان فيه خيلاء وتقدم ~~وكان ذا لمة كبيرة وكان يقال له الجفول وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيمن قدم PageV06P013 # من العرب فأسلم فولاه النبي صلى الله عليه وسلم صدقة ~~قومه ولما ارتدت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الزكاة كان ~~مالك المذكور من جملتهم ولما خرج خالد بن الوليد رضي الله عنه لقتالهم في ~~خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه نزل على مالك وهو مقدم قومه بني يربوع ~~وقد أخذ زكاتهم وتصرف فيها فكلمه خالد في معناها فقال مالك إني آتي بالصلاة ~~دون الزكاة فقال له خالد أما علمت أن الصلاة والزكاة معا لا تقبل واحدة دون ~~أخرى فقال مالك قد كان صاحبك يقول ذلك قال خالد وما تراه لك صاحبا والله ~~لقد هممت أن أضرب عنقك ثم تجاولا في الكلام طويلا فقال له خالد إني قاتلك ~~قال أو بذلك أمرك صاحبك قال وهذه بعد تلك والله لأقتلنك وكان عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما وأبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه حاضرين فكلما خالدا ~~في أمره فكره كلامهما فقال مالك يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي ~~يحكم فينا فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا فقال خالد لا أقالني ~~الله إن أقلتك وتقدم إلى ms1556 ضرار بن الأزور الأسدي بضرب عنقه فالتفت مالك إلى ~~زوجته أم متمم وقال لخالد هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال فقال له ~~خالد بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام فقال مالك أنا على الإسلام فقال خالد ~~يا ضرار اضرب عنقه فضرب عنقه وجعل رأسه أثفية لقدر وكان من أكثر الناس شعرا ~~كما تقدم ذكره فكانت القدر على رأسه حتى نضج الطعام وما خلصت النار إلى ~~شواه من كثرة شعره قال ابن الكلبي في جمهرة النسب قتل مالك يوم البطاح وجاء ~~أخوه متمم فكان يرثيه وقبض خالد امرأته فقيل إنه اشتراها من الفيء وتزوج ~~بها وقيل إنها اعتدت بثلاث حيض ثم خطبها إلى نفسه فأجابته فقال لابن عمر ~~وأبي قتادة رضي الله عنهما يحضران النكاح فأبيا وقال له ابن عمر رضي الله ~~عنه PageV06P014 # تكتب إلى أبي بكر رضي الله عنه وتذكر له أمرها فأبى ~~وتزوجها فقال في ذلك أبو زهير السعدي (ألا قل لحي أوطئوا بالسنابك * تطاول ~~هذا الليل من بعد مالك) (قضى خالد بغيا عليه لعرسه * وكان له فيها هوى قبل ~~ذلك) (فأمضى هواه خالد غير عاطف * عنان الهوى عنها ولا متمالك) (وأصبح ذا ~~أهل وأصبح مالك * إلى غير شيء هالكا في الهوالك) (فمن لليتامى والأرامل ~~بعده * ومن للرجال المعدمين الصعالك) (أصيبت تميم غثها وسمينها * بفارسها ~~المرجو تحت الحوارك) ولما بلغ الخبر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قال عمر ~~لأبي بكر رضي الله عنه إن خالدا قد زنى فارجمه قال ما كنت لأرجمه فإنه تأول ~~فأخطأ قال فإنه قتل مسلما فاقتله به قال ما كنت لأقتله به إنه تأول فأخطأ ~~قال فاعزله قال ما كنت لأشيم سيفا سله الله عليهم أبدا هكذا سرد هذه ~~الواقعة وثيمة المذكور والواقدي في كتابيهما والعهدة عليهما (295) وكان ~~أخوه متمم بن نويرة وكنيته أبو نهشل الشاعر المشهور كثير الانقطاع في بيته ~~قليل التصرف في أمر نفسه اكتفاء بأخيه مالك وكان أعور دميما فلما بلغه مقتل ~~أخيه حضر إلى مسجد رسول الله صلى الله ms1557 عليه وسلم وصلى الصبح خلف أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه فلما فرغ من صلاته واستند في محرابه قام متمم فوقف ~~بحذائه واتكأ على سية قوسه ثم أنشد (نعم القتيل إذا الرياح تناوحت * خلف ~~البيوت قتلت يا ابن الأزور) (أدعوته بالله ثم غدرته * لو هو دعاك بذمة لم ~~يغدر) وأومأ إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال والله ما دعوته ولا غدرته ~~PageV06P015 # (ولنعم حشو الدرع كان وحاسرا * ولنعم مأوى الطارق ~~المتنور) (لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه * حلو شمائله عفيف المئزر) ثم بكى ~~وانحط على سية قوسه فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء فقام إليه عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فقال لوددت أنك رثيت زيدا أخي بمثل ما رثيت به مالكا ~~أخاك فقال يا أبا حفص والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته ~~فقال عمر رضي الله عنه ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته وكان زيد بن الخطاب ~~رضي الله عنه قتل شهيدا يوم اليمامة وكان عمر رضي الله عنه يقول إني لأهش ~~للصبا لأنها تأتيني من ناحية أخي زيد ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال لو ~~كنت أقول الشعر كما تقول لرثيت أخي كما رثيت أخاك ويروى أن متمما رثى زيدا ~~فلم يجد فقال له عمر رضي الله عنه لم ترث زيدا كما رثيت مالكا فقال إنه ~~والله ليحركني لمالك ما لا يحركني لزيد وقال له عمر رضي الله عنه يوما إنك ~~لجزل فأين كان أخوك منك فقال كان والله أخي في الليلة ذات الأزيز والصراد ~~يركب الجمل الثفال ويجنب الفرس الجرور وفي يده الرمح الثقيل وعليه الشملة ~~الفلوت وهو بين المزادتين حتى يصبح وهو متبسم والأزيز بفتح الهمزة وزاءين ~~الأولى منهما مكسورة وبينهما ياء مثناة من تحتها صوت الرعد والصراد بضم ~~الصاد المهملة وتشديد الراء وفتحها وبعد الألف دال مهملة غيم رقيق لا ماء ~~فيه والثفال بفتح الثاء المثلثة والفاء وهو الجمل البطيء في سيره لا يكاد ~~يمشي من ثقله ms1558 والجرور بفتح الجيم على وزن فعول الفرس الذي يمنع القياد ~~والشملة الفلوت التي لا تكاد تثبت على لابسها PageV06P016 # والمزادة الراوية وهي معروفة وقال له عمر رضي الله عنه ~~يوما خبرنا عن أخيك قال يا أمير المؤمنين لقد أسرت مرة في حي من أحياء ~~العرب فأخبر أخي فأقبل فلما طلع على الحاضر ما كان أحد قاعدا إلا قام على ~~رجليه وما بقيت امرأة إلا وتطلعت من خلال البيوت فما نزل عن جملة حتى لقوه ~~بي برمتي فحلني هو فقال عمر رضي الله عنه إن هذا لهو الشرف والرمة بضم ~~الراء المهملة الحبل البالي ومنه قولهم دفع إليه الشيء برمته أصله أن رجلا ~~دفع إلى رجل بعيرا بحبل في عنقه فقيل ذلك لكل من دفع شيئا بجملته وقال متمم ~~أيضا لعمر رضي الله عنه أغار حي من أحياء العرب على حي أخي مالك وهو غائب ~~فجاءه الصريخ فخرج في آثارهم على جمل يسوقه مرة ويركبه أخرى حتى أدركهم على ~~مسيرة ثلاث وهم آمنون فما هو إلا أن رأوه فأرسلوا ما في أيديهم من الأسرى ~~والنعم وهربوا فأدركهم أخي فاستسلموا جميعا حتى كتفهم وصدر بهم إلى بلاده ~~مكتوفين فقال عمر رضي الله عنه قد كنا نعلم سخاءه وشجاعته ولم نعلم كل ما ~~تذكره وله فيه المراثي النادرة فمن ذلك أبياته الكافية وهي في كتاب الحماسة ~~في باب المراثي (لقد لامني عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع ~~السوافك) (فقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى والدكادك) (فقلت ~~له إن الشجا يبعث الشجا * فدعني فهذا كله قبر مالك) وله فيه قصيدته العينية ~~وهي طويلة بديعة ومن جملتها قوله PageV06P017 # (وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن ~~يتصدعا) (وعشنا بخير في الحياة وقبلنا * أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا) ~~(فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا) (296) وقد يتشوف ~~الواقف على هذا الكتاب إلى الوقوف على شيء من أخبار جذيمة المذكور ونديميه ~~وهو بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة وسكون الياء المثناة ms1559 من تحتها وفتح ~~الميم وبعدها هاء ساكنة وكنيته أبو مالك جذيمة بن مالك بن فهم بن دوس بن ~~الأزد الأزدي صاحب الحيرة وما والاها وهو الأبرش والوضاح وإنما قيل له ذلك ~~لأنه كان أبرص فكانت العرب تهابه أن تنسبه إلى البرص فعرفته بأحد هذين ~~الوصفين وهو من ملوك الطوائف وكان بعد عيسى عليه السلام بثلاثين سنة وكان ~~من تيهه لا ينادم إلا الفرقدين وكان له ابن أخت يقال له عمرو بن عدي بن نصر ~~بن ربيعة بن الحارث ابن مالك اللخمي ويقال له عمم لأنه أول من اعتم ابن ~~نمارة بن لخم وبقية النسب معروف واسم الأخت المذكورة رقاش وكان جذيمة شديد ~~المحبة له فاستهوته الجن وأقام زمانا يتطلبه فلم يجده فأقبل رجلان من بني ~~القين يقال لأحدهما مالك والآخر عقيل ابنا فارح بن مالك بن كعب بن القين ~~واسمه النعمان بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن ~~عمران بن الحاف بن قضاعة وسمي القين بعبد كان له فحضنه فاشتهر به فصادفا ~~عمرا في البرية وهو أشعث الرأس طويل الأظفار سئ الحال فعرفاه وحملاه إلى ~~خاله جذيمة بعد أن لما شعثه وأصلحا حاله فقال لهما جذيمة من فرط سروره به ~~احتكما علي فقالا منادمتك ما بقيت وبقينا فقال ذلك لكما فهما نديماه اللذان ~~يضرب بهما المثل ويقال إنهما نادماه أربعين سنة لم يعيدا عليه حديثا حدثاه ~~به وإياهما عنى أبو خراش الهذلي بقوله في مرثية أخيه عروة (تقول أراه بعد ~~عروة لاهيا * وذلك رزء لو علمت جليل) PageV06P018 # (فلا تحسبي أني تناسيت عهده * ولكن صبري يا أميم جميل) ~~(ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا * نديما صفاء مالك وعقيل) هذه خلاصة حديثهم ~~وإن كان فيه طول وإنما قصدت الإيجاز وذكر أبو علي القالي في كتابه الذي ~~جعله ذيلا على أماليه أن متمما المذكور قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وكان به معجبا فقال يا متمم ما يمنعك من الزواج لعل الله تعالى أن ms1560 ينشر منك ~~ولدا فإنكم أهل بيت قد درجتم فتزوج امرأة من أهل المدينة فلم تحظ عنده ولم ~~يحظ عندها فطلقها ثم قال (أقول لهند حين لم أرض عقلها * أهذا دلال العشق أم ~~أنت فارك) (أم الصرم تهوين فكل مفارق * علي يسير بعد ما بان مالك) فقال له ~~عمر رضي الله عنه ما تنفك تذكر مالكا على كل حال فلم يمض على هذا الأمر إلا ~~قليل حتى طعن عمر رضي الله عنه ومتمم بالمدينة فرثى عمر رضي الله عنه ~~وبالجملة فإنه لم ينقل عن أحد من العرب ولا غيرهم أنه بكى على ميته ما بكى ~~متمم على أخيه مالك حكى الواقدي في كتاب الردة أن عمر رضي الله عنه قال ~~لمتمم ما بلغ من حزنك على أخيك فقال له لقد مكثت سنة لا أنام بليل حتى أصبح ~~ولا رأيت نارا رفعت بليل إلا ظننت نفسي ستخرج أذكر بها نار أخي كان يأمر ~~بالنار فتوقد حتى يصبح مخافة أن يبيت ضيفه قريبا منه فمتى يرى النار يأوي ~~إلى الرحل ولهو بالضيف يأتي مجتهدا أسر من القوم يقدم عليهم القادم لهم من ~~السفر البعيد فقال عمر رضي الله عنه أكرم به وحكى الواقدي أيضا أنه قال له ~~ما لقيت على أخيك من الحزن والبكاء قال كانت عيني هذه قد ذهبت وأشار إليها ~~فبكيت بالصحيحة وأكثرت PageV06P019 # البكاء حتى أسعدتها العين الذاهبة وجرت بالدموع فقال ~~عمر رضي الله عنه إن هذا لحزن شديد ما يحزن هكذا أحد على هالكه وقد ضربت ~~الشعراء الأمثال بمالك وأخيه متمم في أشعارهم فمن ذلك قول ابن حيوس الشاعر ~~المقدم ذكره من جملة قصيدة (وفجعة بين مثل صرعة مالك * ويقبح بي أن لا أكون ~~متمما) ومنه قول أبي بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة في ~~قصيدته التي يرثي بها المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية لما قبض عليه يوسف بن ~~تاشفين حسبما شرحناه في ترجمة المعتمد وهو قوله (حكيت وقد فارقت ملكك مالكا ~~* ومن ولهي أحكي عليك متمما) ومن ms1561 ذلك أيضا قول بعضهم وأظنه ابن منير ~~المذكور في حرف الهمزة وهو أيضا من جملة أبيات ثم حققت قائله وهو نجم الدين ~~أبو الفتح يوسف ابن الحسين بن محمد عرف بابن المجاور الدمشقي (أيا مالكي في ~~القلب منك نويرة * وإنسان عيني في هواك متمم) ومنه قول أبي الغنائم ابن ~~المعلم الشاعر المقدم ذكره من جملة أبيات يصف فيها منزلا ويدعو له بالسقيا ~~فقال (سقاه الحيا قبلي وجئت متمما * فلو مالك فيه دعيت متمما) ومنه قول ~~القاضي السعيد ابن سيناء الملك (بكيت بكلتا مقلتي كأنني * أتمم ما قد فات ~~عين متمم) وهذا باب يطول شرحه وقد جاوزنا الحد بالخروج عما نحن بصدده ومتمم ~~بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ميمان الأولى منهما مشددة ~~مكسورة وصدا في قولهم ماء ولا كصدا فيه ثلاث لغات صدا بضم الصاد ~~PageV06P020 # المهملة وتشديد الدال المهملة وألف مقصورة وصداء مثل ~~الأول لكن الصاد مفتوحة والألف ممدودة فمن ضم قصر ومن فتح مد واللغة ~~الثالثة صدءاء بتخفيف الدال وهمزتين متواليتين والصاد مفتوحة وهي بئر ~~معروفة مشهورة ماؤها عذب نمير والله أعلم 770 البحتري أبو عبادة الوليد بن ~~عبيد بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم ~~بن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن ~~عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طيء بن أدد ابن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن ~~يعرب بن قحطان الطائي البحتري الشاعر المشهور ولد بمنبج وقيل بزردفنة وهي ~~قرية من قراها ونشأ وتخرج بها ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء ~~أولهم المتوكل على الله وخلقا كثيرا من الأكابر والرؤساء وأقام ببغداد دهرا ~~طويلا ثم عاد إلى الشام وله أشعار كثيرة ذكر فيها حلب وضواحيها وكان يتغزل ~~بها وقد روى عنه أشياء من شعره أبو العباس المبرد ومحمد بن خلف بن المرزبان ~~والقاضي أبو عبد الله المحاملي ومحمد بن أحمد الحكيمي ms1562 وأبو بكر الصولي ~~وغيرهم PageV06P021 # قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي رأيت البحتري ها ~~هنا عندنا قبل أن يخرج إلى العراق يجتاز بنا في الجامع من هذا الباب وأومأ ~~إلى جنبي المسجد يمدح أصحاب البصل والباذنجان وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه ~~ثم كان منه ما كان وعلوة التي شبب بها في كثير من أشعاره هي بنت زريقة ~~الحلبية وزريقة أمها وحكى أبو بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في أخبار أبي ~~تمام الطائي أن البحتري كان يقول أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أني صرت ~~إلى أبي تمام وهو بحمص فعرضت عليه شعري وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده ~~وعرض عليه شعره فلما سمع شعري أقبل علي وترك سائر الناس فلما تفرقوا قال لي ~~أنت أشعر من أنشدني فكيف حالك فشكوت خلة فكتب إلى أهل معرة النعمان وشهد لي ~~بالحذق وشفع لي إليهم وقال لي امتدحهم فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا ~~لي أربعة آلاف درهم فكانت أول مال أصبته وقال أبو عبادة المذكور أول ما ~~رأيت أبا تمام وما كنت رأيته قبلها أني دخلت إلى أبي سعيد محمد بن يوسف ~~فامتدحته بقصيدتي التي أولها (أأفاق صب من هوى فأفيقا * أم خان عهدا أم ~~أطاع شفيقا) فأنشدته إياها فلما أتممتها سر بها وقال لي أحسن الله إليك يا ~~فتى فقال له رجل في المجلس هذا أعزك الله شعري علقه هذا الفتى فسبقني به ~~إليك فتغير أبو سعيد وقال لي يا فتى قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن ~~تمت به إلينا ولا تحمل نفسك على هذا فقلت هذا شعري أعزك PageV06P022 # الله فقال الرجل سبحان الله يا فتى لا تقل هذا ثم ~~ابتدأ فأنشد من القصيدة أبياتا فقال لي أبو سعيد نحن نبلغك ما تريد ولا ~~تحمل نفسك على هذا فخرجت متحيرا لا أدري ما أقول ونويت أن أسأل عن الرجل من ~~هو فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال لي جنيت عليك فاحتمل أتدري من هذا ~~فقلت لا قال ms1563 هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام فقم إليه فقمت إليه ~~فعانقته ثم أقبل علي يقرظني ويصف شعري وقال إنما مزحت معك فلزمته بعد ذلك ~~وكثر عجبي من سرعة حفظه وروى الصولي أيضا في كتابه المذكور أن أبا تمام ~~راسل أم البحتري في التزوج بها فأجابته وقالت له اجمع الناس للإملاك فقال ~~الله أجل من أن يذكر بيننا ولكن نتصافح ونتسافح وقيل للبحتري أيما أشعر أنت ~~أم أبو تمام فقال جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه وكان يقال لشعر ~~البحتري سلاسل الذهب وهو في الطبقة العليا ويقال إنه قيل لأبي العلاء ~~المعري أي الثلاثة أشعر أبو تمام أم البحتري أم المتنبي فقال حكيمان ~~والشاعر البحتري ولعمري ما أنصفه ابن الرومي في قوله (والفتى البحتري يسرق ~~ما قال * ابن أوس في المدح والتشبيب) (كل بيت له يجود معناه * فمعناه لابن ~~أوس حبيب) وقال البحتري أنشدت أبا تمام شيئا من شعري فأنشدني بيت أوس ابن ~~حجر (إذا مقرم منا ذرا حد نابه * تخمط فينا ناب آخر مقرم) PageV06P023 # وقال نعيت إلي نفسي فقلت أعيذك بالله من هذا فقال إن ~~عمري ليس يطول وقد نشأ لطيء مثلك أما علمت أن خالد بن صفوان المنقري رأى ~~شبيب بن شيبة وهو من رهطه وهو يتكلم فقال يا بني نعى نفسي إلي إحسانك في ~~كلامك لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله قال فمات أبو تمام ~~بعد سنة من هذا وقال البحتري أنشدت أبا تمام شعرا لي في بعض بني حميد وصلت ~~به إلى مال له خطر فقال لي أحسنت أنت أمير الشعر بعدي فكان قوله هذا أحب ~~إلي من جميع ما حويته وقال ميمون بن هارون رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن ~~جابر بن داود البلاذري المؤرخ وحاله متماسكة فسألته فقال كنت من جلساء ~~المستعين فقصده الشعراء فقال لست أقبل إلا ممن قال مثل قول البحتري في ~~المتوكل (ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما * في وسعه لمشى ms1564 إليك المنبر) فرجعت إلى ~~داري وأتيته وقلت قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري فقال هاته فأنشدته (ولو ~~أن برد المصطفى إذ لبسته * يظن لظن البرد أنك صاحبه) (وقال وقد أعطيته ~~ولبسته * نعم هذه أعطافه ومناكبه) فقال ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به ~~فرجعت فبعث إلي سبعة آلاف دينار وقال ادخر هذه للحوادث من بعدي ولك علي ~~الجراية والكفاية ما دمت حيا وللمتنبي في هذا المعنى (لو تعقل الشجر التي ~~قابلتها * مدت محيية إليك الأغصنا) PageV06P024 # وسبقهما أبو تمام بقوله (لو سعت بقعة لإعظام نعمى * ~~لسعى نحوها المكان الجديب) والبيت الذي للبحتري من جملة قصيدة طويلة أحسن ~~فيها كل الإحسان يمدح بها أبا الفضل جعفرا المتوكل على الله ويذكر خروجه ~~لصلاة عيد الفطر وأولها (أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر * وألام من كمد عليك ~~وأعذر) والأبيات التي يرتبط بها البيت المقدم ذكره هي (بالبر صمت وأنت أفضل ~~صائم * وبسنة الله الرضية تفطر) (فانعم بيوم الفطر عينا إنه * يوم أغر من ~~الزمان مشهر) (أظهرت عز الملك فيه بجحفل * لجب يحاط الدين فيه وينصر) (خلنا ~~الجبال تسير فيه وقد غدت * عددا يسير بها العديد الأكثر) (فالخيل تصهل ~~والفوارس تدعي * والبيض تلمع والأسنة تزهر) (والأرض خاشعة تميد بثقلها * ~~والجو معتكر الجوانب أغبر) (والشمس طالعة توقد في الضحى * طورا ويطفيها ~~العجاج الأكدر) (حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى * ذاك الدجى وانجاب ذاك العثير) ~~(فافتن فيك الناظرون فإصبع * يومى إليك بها وعين تنظر) (يجدون رؤيتك التي ~~فازوا بها * من أنعم الله التي لا تكفر) (ذكروا بطلعتك النبي فهللوا * لما ~~طلعت من الصفوف وكبروا) (حتى انتهيت إلى المصلى لابسا * نور الهدى يبدو ~~عليك ويظهر) (ومشيت مشية خاشع متواضع * لله لا يزهى ولا يتكبر) (فلو ان ~~مشتاقا تكلف غير ما * في وسعه لمشى إليك المنبر) PageV06P025 # (أيدت من فصل الخطاب بحكمة * تنبي عن الحق المبين ~~وتخبر) (ووقفت في برد النبي مذكرا * بالله تنذر تارة وتبشر) هذا القدر هو ~~المقصود مما نحن فيه وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة ms1565 والسهل ~~الممتنع فلله دره ما أسلس قياده وأعذب ألفاظه وأحسن سبكه وألطف مقاصده وليس ~~فيه من الحشو شيء بل جميعه نخب وديوانه موجود وشعره سائر فلا حاجة إلى ~~الإكثار منه هاهنا لكن نذكر من وقائعه ما يستظرف فمن ذلك أنه كان له غلام ~~اسمه نسيم فباعه فاشتراه أبو الفضل الحسن بن وهب الكاتب وقد سبق ذكر أخيه ~~سليمان في حرف السين ثم إن البحتري ندم على بيعه وتتبعته نفسه فكان يعمل ~~فيه الشعر ويذكر أنه خدع وأن بيعه لم يكن من مراده فمن ذلك قوله (أنسيم هل ~~للدهر وعد صادق * فيما يؤمله المحب الوامق) (ما لي فقدتك في المنام ولم تزل ~~* عون المشوق إذا جفاه الشائق) (أمنعت أنت من الزيارة رقبة * منهم فهل منع ~~الخيال الطارق) (اليوم جاز بي الهوى مقداره * في أهله وعلمت أني عاشق) ~~(فليهنئ الحسن بن وهب أنه * يلقى أحبته ونحن نفارق) وله فيه أشعار كثيرة ~~ومن أخباره أنه كان بحلب شخص يقال له طاهر بن محمد الهاشمي مات أبوه وخلف ~~له مقدار مائة ألف دينار فأنفقها على الشعراء والزوار في سبيل الله فقصده ~~البحتري من العراق فلما وصل إلى حلب قيل له إنه قد قعد في بيته لديون ركبته ~~فاغتم البحتري لذلك غما شديدا وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه فلما وصلته ~~ووقف عليها بكى ودعا بغلام له وقال له بع داري فقال له أتبيع دارك وتبقى ~~على رؤوس الناس فقال لا بد من بيعها فباعها PageV06P026 # بثلاثمائة دينار فأخذ صرة وربط فيها مائة دينار ~~وأنفذها إلى البحتري وكتب إليه معها رقعة فيها هذه الأبيات (لو يكون الحباء ~~حسب الذي أنت * لدينا به محل وأهل) (لحبيت اللجين والدر واليا * قوت حثوا ~~وكان ذاك يقل) (والأديب الأريب يسمح بالعذر * إذا قصر الصديق المقل) فلما ~~وصلت الرقعة إلى البحتري رد الدنانير وكتب إليه (بأبي أنت والله للبر أهل * ~~والمساعي بعد وسعيك قبل) (والنوال القليل يكثر إن شاء * مرجيك والكثير يقل) ~~(غير أني رددت برك إذ كان * ربا منك والربا ms1566 لا يحل) (وإذا ما جزيت شعرا ~~بشعر * قضي الحق والدنانير فضل) فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة وضم ~~إليها خمسين دينارا أخرى وحلف أنه لا يردها عليه وسيرها فلما وصلت إلى ~~البحتري أنشأ يقول (شكرتك إن الشكر للعبد نعمة * ومن يشكر المعروف فالله ~~زائده) (لكل زمان واحد يقتدى به * وهذا زمان أنت لا شك واحده) وكان البحتري ~~كثيرا ما ينشد لشاعر أنسي اسمه ويعجبه قوله (حمام الأراك ألا فأخبرينا * ~~لمن تندبين ومن تعولينا) (فقد شقت بالنوح منا القلوب * وأبكيت بالندب منا ~~العيونا) (تعالي نقم مأتما للهموم * ونعول إخواننا الظاعنينا) (ونسعدكن ~~وتسعدننا * فإن الحزين يواسي الحزينا) ثم إني وجدت هذه الأبيات لنبهان ~~الفقعسي من العرب وكان البحتري قد اجتاز بالموصل وقيل برأس عين ومرض بها ~~مرضا PageV06P027 # شديدا وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه فوصف له يوما ~~مزورة ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه فقال للغلام اصنع هذه المزورة وكان ~~بعض رؤساء البلد عنده حاضرا وقد جاء يعوده فقال ذاك الرئيس هذا الغلام ما ~~يحسن طبخها وعندي طباخ من صفته وصفته وبالغ في حسن صنعته فترك الغلام عملها ~~اعتمادا على ذلك الرئيس وقعد البحتري ينتظرها واشتغل الرئيس عنها ونسي ~~أمرها فلما أبطأت عنه وفات وقت وصولها إليه كتب إلى الرئيس (وجدت وعدك زورا ~~في مزورة * حلفت مجتهدا إحكام طاهيها) (فلا شفى الله من يرجو الشفاء بها * ~~ولا علت كف ملق كفه فيها) (فاحبس رسولك عني أن يجيء بها * فقد حبست رسولي ~~عن تقاضيها) وأخباره ومحاسنه كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة ولم يزل شعره غير ~~مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف وجمعه أيضا علي بن حمزة ~~الأصبهاني ولم يرتبه على الحروف بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام ~~وللبحتري أيضا كتاب حماسة على مثال حماسة أبي تمام وله كتاب معاني الشعر ~~وكانت ولادته سنة ست وقيل خمس ومائتين وتوفي سنة أربع وثمانين وقيل خمس ~~وثمانين وقيل ثلاث وثمانين ومائتين والأول أصح والله أعلم وقال ابن الجوزي ~~في كتاب أعمار ms1567 الأعيان توفي البحتري وهو ابن ثمانين سنة والله أعلم بالصواب ~~وكان موته بمنبج وقيل بحلب والأول أصح وقال الخطيب في تاريخ بغداد إنه كان ~~يكنى أبا الحسن وأبا عبادة فأشير عليه في أيام المتوكل أن يقتصر على أبي ~~عبادة فإنها أشهر ففعل PageV06P028 # وأهل الأدب كثيرا ما يسألون عن قول أبي العلاء المعري ~~(وقال الوليد النبع ليس بمثمر * وأخطأ سرب الوحش من ثمر النبع) فيقولون من ~~هو الوليد المذكور وأين قال النبع ليس بمثمر ولقد سألني عنه جماعة كثيرة ~~والمراد بالوليد هو البحتري المذكور وله قصيدة طويلة يقول فيها (وعيرتني ~~سجال العدم جاهلة * والنبع عريان ما في فرعه ثمر) وهذا البيت هو المشار ~~إليه في بيت المعري وإنما ذكرت هذا لأنه فائدة تستفاد وعبيد الله وأخوه أبو ~~عبادة ابنا يحيى بن الوليد البحتري اللذان مدحهما المتنبي في قصائده هما ~~حفيدا البحتري الشاعر المذكور وكانا رئيسين في زمانهما والبحتري بضم الباء ~~الموحدة وسكون الحاء المهملة وضم التاء المثناة من فوقها وبعدها راء هذه ~~النسبة إلى بحتر وهو أحد أجداده كما تقدم ذكره في عمود نسبه وزردفنة بفتح ~~الزاي وسكون الراء وفتح الدال المهملة وسكون الفاء وفتح النون وبعدها هاء ~~ساكنة وهي قرية من قرى منبج بالقرب منها ومنبج بفتح الميم وسكون النون وكسر ~~الباء الموحدة وبعدها جيم وهي بلدة بالشام بين حلب والفرات بناها كسرى لما ~~غلب على الشام وسماها منبه فعربت فقيل منبج ولكونها وطن البحتري كان يذكرها ~~في شعره كثيرا فمن ذلك قوله في آخر قصيدة طويلة يخاطب بها الممدوح وهو أبو ~~جعفر محمد ابن حميد بن عبد الحميد الطوسي PageV06P029 # (لا أنسين زمنا لديك مهذبا * وظلال عيش كان عندك سجسج) ~~(في نعمة أوطنتها وأقمت في * أفيائها فكأنني في منبج) وكان البحتري مقيما ~~بالعراق في خدمة المتوكل والفتح بن خاقان وله الحرمة التامة فلما قتلا كما ~~هو مشهور في أمرهما رجع إلى منبج وكان يحتاج للترداد إلى الوالي بسبب مصالح ~~أملاكه ويخاطبه بالأمير لحاجته إليه ولا تطاوعه نفسه إلى ذلك فقال ms1568 قصيدة ~~منها (مضى جعفر والفتح بين مرمل * وبين صبيغ بالدماء مضرج) (أأطلب أنصارا ~~على الدهر بعدما * ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي) (أولئك ساداتي الذين ~~بفضلهم * حلبت أفاويق الربيع المثجج) (مضوا أمما قصدا وخلفت بعدهم * أخاطب ~~بالتأمير والي منبج) وذكر المسعودي في مروج الذهب أن هارون الرشيد اجتاز ~~ببلاد منبج ومعه عبد الملك بن صالح وكان أفصح ولد العباس في عصره فنظر إلى ~~قصر مشيد وبستان معتمر بالأشجار كثير الثمار فقال لمن هذا فقال هو لك ولي ~~بك يا أمير المؤمنين قال وكيف بناء هذا القصر قال دون منازل أهلي وفوق ~~منازل الناس قال فكيف مدينتك قال عذبة الماء باردة الهواء صلبة الموطأ ~~قليلة الأدواء قال فكيف ليلها قال سحر كله انتهى كلام المسعودي (297) وعبد ~~الملك المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن ~~العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكانت منبج إقطاعا له وكان مقيما بها ~~وتوفي سنة تسع وتسعين ومائة بالرقة رحمه الله تعالى وله بلاغة وفصاحة أضربت ~~عن ذكرها خوف الإطالة وذكر ياقوت الحموي في كتابه المشترك باب السقيا خمسة ~~مواضع PageV06P030 # ثم قال في آخر هذا الباب والخامس قرية على باب منبج ~~ذات بساتين وهي وقف على ولد البحتري الشاعر وقد ذكرها أبو فراس ابن حمدان ~~في شعره 771 الوليد بن طريف الشاري الوليد بن طريف بن الصلت بن طارق بن ~~سيحان بن عمرو بن فدوكس ابن عمرو بن مالك الشيباني هكذا ذكره أبو سعد ~~السعماني في كتاب الأنساب في موضعين أحدهما في ترجمة الأراقم والآخر في ~~ترجمة السيحاني بكسر السين المهملة الشاري أحد الشجعان الطغاة الأبطال كان ~~رأس الخوارج وكان مقيما بنصيبين والخابور وتلك النواحي وخرج في خلافة هارون ~~الرشيد وبغى وحشد جموعا كثيرة فأرسل إليه هارون الرشيد جيشا كثيفا مقدمه ~~أبو خالد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء ~~الله تعالى فجعل يخاتله ويماكره وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد فأغروا به ms1569 ~~الرشيد وقالوا إنه يراعيه لأجل الرحم وإلا فشوكة الوليد يسيرة وهو يواعده ~~وينتظر ما يكون من أمره فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب وقال لو وجهت أحد الخدم ~~لقام بأكثر مما تقوم به ولكنك مداهن متعصب PageV06P031 # وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن أخرت مناجزة الوليد ~~ليبعثن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين فلقي الوليد فظهر عليه فقتله ~~وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة عشية أول خميس في شهر رمضان وهي واقعة مشهورة ~~تضمنتها التواريخ وكان للوليد المذكور أخت تسمى الفارعة وقيل فاطمة تجيد ~~الشعر وتسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها صخر فرثت الفارعة أخاها الوليد ~~بقصيدة أجادت فيها وهي قليلة الوجود ولم أجد في مجاميع كتب الأدب إلا بعضها ~~حتى إن أبا علي القالي لم يذكر منها في أماليه سوى أربعة أبيات فاتفق أني ~~ظفرت بها كاملة فأثبتها لغرابتها مع حسنها وهي هذه (بتل نهاكى رسم قبر كأنه ~~* على جبل فوق الجبال منيف) (تضمن مجدا عد مليا وسؤددا * وهمة مقدام ورأي ~~حصيف) (فيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنك لم تحزن على ابن طريف) (فتى لا ~~يحب الزاد إلا من التقى * ولا المال إلا من قنا وسيوف) (ولا الذخر إلا كل ~~جرداء صلدم * معاودة للكر بين صفوف) (كأنك لم تشهد هناك ولم تقم * مقاما ~~على الأعداء غير خفيف) (ولم تستلم يوما لورد كريهة * من السرد في خضراء ذات ~~رفيف) (ولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح * وسمر القنا ينكزنها بأنوف) (حليف ~~الندى ما عاش يرضى به الندى * فإن مات لا يرضى الندى بحليف) (فقدناك فقدان ~~الشباب وليتنا * فديناك من فتياننا بألوف) PageV06P032 # (وما زال حتى أزهق الموت نفسه * شجى لعدو أو لجا ~~لضعيف) (ألا يا لقومي للحمام وللبلى * وللأرض همت بعده برجوف) (ألا يا ~~لقومي للنوائب والردى * ودهر ملح بالكرام عنيف) (وللبدر من بين الكواكب إذ ~~هوى * وللشمس لما أزمعت بكسوف) (ولليث كل الليث إذ يحملونه * إلى حفرة ~~ملحودة وسقيف) (إلا قاتل الله الحشى حيث أضمرت * فتى كان للمعروف غير عيوف) ~~(فإن يك أرداه ms1570 يزيد بن مزيد * فرب زحوف لفها بزحوف) (عليه سلام الله وقفا ~~فإنني * أرى الموت وقاعا بكل شريف) ولها فيه مرات كثيرة فمن ذلك قولها فيه ~~أيضا (ذكرت الوليد وأيامه * إذ الأرض من شخصه بلقع) (فأقبلت أطلبه في ~~السماء * كما يبتغي أنفه الأجدع) (أضاعك قومك فليطلبوا * إفادة مثل الذي ~~ضيعوا) (لو أن السيوف التي حدها * يصيبك تعلم ما تصنع) (نبت عنك إذ جعلت ~~هيبة * وخوفا لصولك لا تقطع) وكان الوليد يوم المصاف ينشد (أنا الوليد بن ~~طريف الشاري * قسورة لا يصطلى بناري) (جوركم أخرجني من داري *) ويقال إنه ~~لما انكسر جيش الوليد وانهزم تبعه يزيد بنفسه حتى لحقه على مسافة بعيدة ~~فقتله وأخذ رأسه ولما قتله وعلمت بذلك أخته المذكورة لبست عدة حربها وحملت ~~على جيش يزيد فقال يزيد دعوها ثم خرج فضرب PageV06P033 # بالرمح فرسها وقال اغربي غرب الله عينك فقد فضحت ~~العشيرة فاستحيت وانصرفت وطريف بفتح الطاء المهملة وكسر الراء وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها فاء وتل نهاكى أظنه في بلد نصيبين وهو موضع ~~الواقعة المذكورة والخابور نهر معروف أوله من رأس عين وآخره عند قرقيسيا ~~يصب في الفرات وعلى هذا النهر مدن صغار تشبه الكبار في عمارة بلادها ~~وأسواقها وكثرة خيراتها وهو مشهور فلا حاجة إلى ضبطه والشاري بفتح الشين ~~المعجمة وبعد الألف راء وهو واحد الشراة وهم الخوارج وإنما سموا بذلك ~~لقولهم إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة ~~الجائرة (297) والخنساء اسمها تماضر بضم التاء المثناة من فوقها وفتح الميم ~~وبعد الألف ضاد مكسورة معجمة وبعدها راء وهي ابنة عمرو بن الشريد السلمي ~~والخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع الأرنبة ولذلك قيل لها الخنساء لأنها ~~كانت على هذه الصفة وأخبارها مع أخيها مشهورة في مراثيها وغيرها وقد سبق ~~طرف من أخبار أخيها صخر في ترجمة أبي أحمد العسكري في حرف الحاء وقد اختلف ~~في موضع قبره فقيل إنه مدفون عند عسيب وهو جبل مشهور ببلاد الروم وإن القبر ~~الذي هناك ينسب ms1571 إلى امرئ القيس بن حجر الكندي الشاعر المشهور ليس لامرىء ~~القيس وإنما هو لصخر المذكور وقيل إن كل واحد من امرئ القيس وصخر مدفون ~~هناك وقال الحافظ أبو بكر الحازمي المقدم ذكره في كتاب ما اتفق لفظه وافترق ~~مسماه إن عسيبا جبل حجازي ودفن عنده صخر أخو الخنساء فعلى هذا يكون عسيب ~~اسما لجبلين أحدهما بالروم وهو الأشهر والآخر بالحجاز وكان من لوازم ياقوت ~~الحموي أن يذكره في كتابه الذي وضعه في البلاد المشتركة الأسماء ولم أجده ~~ذكره فيه والله أعلم PageV06P034 # 772 وهب بن منبه أبو عبد الله وهب بن منبه اليماني ~~صاحب الأخبار والقصص وكانت له معرفة بأخبار الأوائل وقيام الدنيا وأحوال ~~الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وسير الملوك وذكر عنه ابن قتيبة في كتاب ~~المعارف أنه كان يقول قرأت من كتب الله تعالى اثنين وسبعين كتابا ورأيت له ~~تصنيفا ترجمه بذكر الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم ~~وأشعارهم في مجلد واحد وهو من الكتب المفيدة وكان له إخوة منهم همام بن ~~منبه كان أكبر من وهب وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو معدود من جملة ~~الأبناء ومعنى قولهم فلان من الأبناء أن أبا مرة سيف بن ذي يزن الحميري ~~صاحب اليمن لما استولت الحبشة على ملكه توجه إلى كسرى أنوشروان ملك الفرس ~~يستنجده عليهم وقصته في ذلك مشهورة وخبره طويل وخلاصة الأمر أنه سير معه ~~سبعة آلاف وخمسمائة فارس من الفرس جعل مقدمهم وهرز هكذا قاله ابن قتيبة ~~وقال محمد بن إسحاق لم يسير معه PageV06P035 # سوى ثمانمائة فارس فغرق منهم في البحر مائتان وسلم ~~ستمائة قال أبو القاسم السهيلي والقول الأول أشبه بالصواب إذ يبعد مقاومة ~~الحبشة بستمائة فارس فلما وصل الجيش إلى اليمن جرت الواقعة بينهم وبين ~~الحبشة فاستظهرت الفرس عليهم وأخرجوهم من البلاد وملك سيف ابن ذي يزن ووهرز ~~وأقاموا أربع سنين وكان سيف بن ذي يزن قد اتخذ من أولئك الحبشة خدما فخلوا ~~به يوما وهو في متصيد له فزرقوه بحرابهم فقتلوه ms1572 وهربوا في رؤوس الجبال ~~وطلبهم أصحابه فقتلوهم جميعا وانتشر الأمر باليمن ولم يملكوا عليهم أحدا ~~غير أن أهل كل ناحية ملكوا عليهم رجلا من حمير فكانوا كملوك الطوائف حتى ~~أتى الله بالإسلام ويقال إنها بقيت في أيدي الفرس ونواب كسرى فيها وبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وباليمن من قواد أبرويز عاملان أحدهما فيروز ~~الديلمي والآخر داذويه وأسلما وهما اللذان دخلا على الأسود العنسي مع قيس ~~بن المكشوح لما ادعى الأسود النبوة باليمن وقتلوه والقصة في ذلك مشهورة فلا ~~حاجة إلى ذكرها والمقصود من هذا كله أن جيش الفرس لما استوطن اليمن تأهلوا ~~ورزقوا الأولاد فصار أولادهم وأولاد أولادهم يدعون الأبناء لأنهم من أبناء ~~أولئك الفرس وكان طاوس العالم المقدم ذكره منهم أيضا وقد أومأت إلى ذلك في ~~ترجمته ولم أشرحه كما فعلت هاهنا وأخبار وهب شهيرة فلا حاجة إلى ذكر شيء ~~منها ويكفي في هذا الموضع ذكر هذه الفائدة وتوفي وهب المذكور في المحرم سنة ~~عشر وقيل أربع عشرة وقيل ست عشرة ومائة بصنعاء اليمن وعمره تسعون سنة رضي ~~الله عنه وقد تقدم الكلام على صنعاء في ترجمة عبد الرزاق الصنعاني وفي هذه ~~الترجمة أسماء أعجمية لو قيدتها لطال الشرح وهي مشهورة فتركها لذلك ~~PageV06P036 # 773 أبو البختري أبو البختري وهب بن وهب بن وهب بن ~~كثير بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ~~بن كلاب القرشي الأسدي المدني حدث عن عبيد الله بن عمر العمري وهشام بن ~~عروة بن الزبير وجعفر ابن محمد الصادق وغيرهم وروى عنه رجاء بن سهل ~~الصاغاني وأبو القاسم ابن سعيد بن المسيب وغيرهما وكان متروك الحديث مشهورا ~~بوضعه انتقل من المدينة إلى بغداد في خلافة هارون الرشيد فولاه القضاء ~~بعسكر المهدي في شرقي بغداد وقد تقدم الكلام على هذا الموضع في ترجمة ~~الواقدي في حرف الميم ثم عزله وولاه القضاء بمدينة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بعد بكار بن عبد الله الزبيري وجعل إليه ms1573 ولاية حربها مع القضاء ثم ~~عزله فقدم بغداد وأقام بها إلى أن توفي وذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ~~ترجمة القاضي أبي يوسف يعقوب ابن إبراهيم الحنفي أنه كان قاضي القضاة في ~~بغداد فلما مات ولى الرشيد مكانه أبا البختري وهب بن وهب القرشي وكان فقيها ~~أخباريا ناسبا جوادا سريا سخيا يحب المديح ويثيب عليه العطاء الجزيل وكان ~~إذا أعطى قليلا أو كثيرا أتبعه عذرا إلى صاحبه وكان يتهلل عند طلب الحاجة ~~إليه حتى لو رآه من لا يعرفه لقال هذا الذي قضيت حاجته وكان جعفر الصادق بن ~~محمد الباقر المقدم ذكره قد تزوج بأمه بالمدينة وله PageV06P037 # عنه روايات وأسانيد واسم أمه عبدة بنت علي بن يزيد بن ~~بركة بن عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت عقيل بن أبي ~~طالب وقد ذكره الخطيب في تاريخ بغداد وبالغ في تقريظه والثناء عليه وقال ~~دخل عليه شاعر فأنشده (إذا افتر وهب خلته برق عارض * تبعق في الأرضين أسعده ~~السكب) (وما ضر وهبا ذم من خالف الملا * كما لا يضر البدر ينبحه الكلب) ~~(لكل أناس من أبيهم ذخيرة * وذخر بني فهر عقيد الندى وهب) قال فاستهل أبو ~~البختري ضاحكا وسر سرورا شديدا ثم دعا عونا له فأسر إليه شيئا فأتاه بصرة ~~فيها خمسمائة دينار فدفعها إليه وحكى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني ~~في ترجمة أبي دلف العجلي قال أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال كنا عند ~~أبي العباس المبرد يوما وعنده فتى من ولد أبي البختري وهب بن وهب القاضي ~~أمرد حسن الوجه وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال فقال المبرد ~~لابن أبي البختري أعرف لجدك قصة طريفة من الكرم حسنة لم يسبق إليها فقال ~~وما هي قال دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذا غير الذي ~~كانوا يشربون منه فقال فيهم (نبيذان في مجلس واحد * لإيثار مثر على مقتر) ~~(فلو كان فعلك ذا في الطعام * لزمت قياسك ms1574 في المسكر) (ولو كنت تطلب شأو ~~الكرام * صنعت صنيع أبي البختري) (تتبع إخوانه في البلاد * فأغنى المقل عن ~~المكثر) PageV06P038 # فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه بثلثماثة دينار ~~قال ابن عمار فقلت له قد فعل جد هذا الفتى في مثل هذا المعنى ما هو أحسن من ~~هذا قال وما فعل قلت بلغه أن رجلا افتقر بعد ثروة فقالت له امرأته افترض في ~~الجند فقال (إليك عني فقد كلفتني شططا * حمل السلاح وقول الدار عين قف) ~~(أمن رجال المنايا خلتني رجلا * أمسي وأصبح مشتاقا إلى التلف) (تمشي ~~المنايا إلى غيري فأكرهها * فكيف أمشي إليها بارز الكتف) (حسبت أن نزال ~~القرن من خلقي * أو أن قلبي في جنبي أبي دلف) فأحضره أبو دلف ثم قال كم ~~أملت امرأتك أن يكون رزقك قال مائة دينار قال وكم أملت أن تعيش قال عشرين ~~سنة قال فذلك على ما أملت امرأتك في مالنا دون مال السلطان وأمر بإعطائه ~~إياه قال فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل وانكسر ابن أبي البختري انكسارا ~~شديدا انتهى كلام صاحب الأغاني في هذا الفصل وقد سبق في ترجمة أبي دلف ~~القاسم ابن عيسى العجلي ذكر هذه الأبيات وقائلها وصورة الحال وبينها وبين ~~هذه الرواية اختلاف يسير (298) وأما الأبيات الأولى التي في أبي البختري ~~فهي لأبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطية العطوي الشاعر المشهور ~~ونسبته بالعطوي إلى جده عطية المذكور وهو من البصرة من موالي بني ليث بن ~~بكر بن عبد مناة بن كنانة وكان معتزليا وله ديوان شعر وروى الخطيب أيضا في ~~تاريخه أن أبا البختري قال لأن أكون في قوم أعلم مني أحب إلي من أكون في ~~قوم أنا أعلم منهم لأني إن كنت أعلمهم لم أستفد وإن كنت مع من هم أعلم مني ~~استفدت وروى أيضا في تاريخه أن هارون الرشيد لما قدم المدينة أعظم أن يرقى ~~منبر PageV06P039 # رسول الله صلى الله عليه وسلم في قباء ومنطقة فقال أبو ~~البختري حدثني جعفر بن محمد يعني جعفر ms1575 الصادق عن أبيه قال نزل جبريل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعليه قباء ومنطقة مخنجرا بخنجر فقال المعافى ~~التميمي (ويل وغول لأبي البختري * إذا توافى الناس للمحشر) (من قوله الزور ~~وإعلانه * بالكذب في الناس على جعفر) (والله ما جالسه ساعة * للفقه في بدو ~~ولا محضر) (ولا رآه الناس في دهره * يمر بين القبر والمنبر) (يا قاتل الله ~~ابن وهب لقد * أعلن بالزور وبالمنكر) (يزعم أن المصطفى أحمدا * أتاه جبريل ~~التقي البري) (عليه خف وقبا أسود * مخنجرا في الحقو بالخنجر) وحكى جعفر ~~الطيالسي أن يحيى بن معين وقف على حلقته وهو يحدث بهذا الحديث عن جعفر ~~الصادق فقال له كذبت يا عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~فأخذني الشرط فقلت لهم هذا يزعم أن رسول رب العالمين جبريل نزل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعليه قباء قال فقالوا لي هذا والله قاض كذاب ~~وأفرجوا عني وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف وكان أبو البختري ضعيفا في ~~الحديث وقال الخطيب في تاريخه قال إبراهيم الحربي قيل لأحمد بن حنبل تعلم ~~أحدا روى لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح فقال ما روى هذا إلا ذاك الكذاب ~~أبو البختري وله من التصانيف كتاب الروايات كتاب طسم وجديس كتاب ~~PageV06P040 # صفة النبي صلى الله عليه وسلم كتاب فضائل الأنصار كتاب ~~الفضائل الكبير ويحتوي على جميع الفضائل كتاب نسب ولد إسماعيل عليه السلام ~~ويحتوي على قطعة من الأحاديث والقصص وأخباره ومحاسنه كثيرة وتوفي سنة ~~مائتين للهجرة ببغداد في خلافة المأمون رحمه الله تعالى وقد ذكره ابن قتيبة ~~في كتاب المعارف في موضعين عقد له أولا ترجمة وتكلم على حاله ثم ذكره في ~~ثلاثة أسماء في نسق أبو البحتري وهب بن وهب بن وهب وعد معه في ملوك الفرس ~~بهرام بن بهرام بن بهرام وفي الطالبيين حسن بن حسن ابن حسن وفي غسان الحرث ~~الأصغر بن الحرث الأعرج بن الحرث الأكبر هؤلاء الذين ذكرهم ابن قتيبة وقد ~~جاء ms1576 في المتأخرين أبو حامد الغزالي وهو محمد بن محمد بن محمد وقد سبق ذكره ~~في المحمدين وأبو البختري بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح ~~التاء المثناة من فوقها وبعدها راء وهو مأخوذ من البخترة التي هي الخيلاء ~~وهو يتصحف على كثير من الناس بالبحتري وهو الشاعر المقدم ذكره وزمعة بفتح ~~الزاي والميم والعين المهملة وبعدها هاء ساكنة وهي في الأصل اسم للهنة ~~الزائدة من وراء الظلف وبها سمي الرجل وقد تقدم الكلام على الأسدي والمدني ~~قلت وبعد الفراغ من هذه الترجمة ظفرت بنكتة ينبغي إلحاقها بها وهي أن أبا ~~البختري المذكور قال كنت أدخل على هارون الرشيد وابنه القاسم الملقب ~~بالمؤتمن بين يديه فكنت أدمن النظر إليه عند دخولي وخروجي فقال له بعض ~~ندمائه ما أرى أبا البختري إلا يحب رؤوس الحملان ففطن له الرشيد فلما دخلت ~~عليه قال أراك تدمن النظر إلى أبي القاسم تريد أن تجعل انقطاعك إليه قلت ~~أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترميني بما ليس في وأما إدماني ~~PageV06P041 # النظر إليه فلأن جعفرا الصادق رضي الله تعالى عنه روى ~~بإسناده عن آبائه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث يزدن في قوة النظر ~~النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإلى الوجه الحسن نقلتها من خط القاضي ~~كمال الدين ابن العديم من مسودة تاريخه والله تعالى أعلم بالصواب ~~PageV06P042 # حرف الهاء PageV06P043 # 774 ابن الشجري الشريف أبو السعادات هبة الله بن علي ~~بن محمد بن حمزة الحسني المعروف بابن الشجري البغدادي كان إماما في النحو ~~واللغة وأشعار العرب وأيامها وأحوالها كامل الفضائل متضلعا من الآداب صنف ~~فيها عدة تصانيف فمن ذلك كتاب الأمالي وهو أكبر تواليفه وأكثرها إفادة ~~أملاه في أربعة وثمانين مجلسا وهو يشتمل على فوائد جمة من فنون الأدب وختمه ~~بمجلس قصره على أبيات من شعر أبي الطيب المتنبي تكلم عليها وذكر ما قاله ~~الشراح فيها وزاد من عنده ما سنح له وهو من الكتب الممتعة ولما فرغ من ~~إملائه حضر إليه أبو محمد عبد ms1577 الله المعروف بابن الخشاب المقدم ذكره والتمس ~~منه سماعه عليه فلم يجبه إلى ذلك فعاداه ورد عليه في مواضع من الكتاب ونسبه ~~فيها إلى الخطأ فوقف أبو السعادات المذكور على ذلك الرد فرد عليه في رده ~~وبين وجوه غلطه وجمعه كتابا سماه الانتصار وهو على صغر حجمه مفيد جدا وسمعه ~~عليه الناس وجمع أيضا كتابا سماه الحماسة ضاهى به حماسة أبي تمام الطائي ~~وهو كتاب غريب مليح أحسن فيه وله في النحو عدة تصانيف وله ما اتفق لفظه ~~واختلف معناه وشرح اللمع لابن جني وشرح التصريف الملوكي PageV06P045 # وكان حسن الكلام حلو الألفاظ فصيحا جيد البيان ~~والتفهيم وقرأ الحديث بنفسه على جماعة من الشيوخ المتأخرين مثل أبي الحسن ~~المبارك بن عبد الجبار ابن أحمد بن القاسم الصيرفي وأبي علي محمد بن سعيد ~~بن نبهان الكاتب وغيرهما وذكره الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتاب الذيل ~~وقال اجتمعنا في دار الوزير أبي القاسم علي بن طراد الزينبي وقت قراءاتي ~~عليه الحديث وعلقت عنه شيئا من الشعر في المدرسة ثم مضيت إليه وقرأت عليه ~~جزءا من أمالي أبي العباس ثعلب النحوي وحكى أبو البركات عبد الرحمن بن ~~الأنباري النحوي المقدم ذكره في كتابه الذي سماه مناقب الأدباء أن العلامة ~~أبا القاسم محمود الزمخشري المقدم ذكره لما قدم بغداد قاصدا الحج في بعض ~~أسفاره مضى إلى زيارة شيخنا أبي السعادات ابن الشجري ومضينا معه إليه فلما ~~اجتمع به أنشده قول المتنبي (واستكبر الأخبار قبل لقائه * فلما التقينا صغر ~~الخبر الخبر) ثم أنشده بعد ذلك (كانت مساءلة الركبان تخبرنا * عن جعفر بن ~~فلاح أحسن الخبر) (ثم التقينا فلا والله ما سمعت * أذني بأحسن مما قد رأى ~~بصري) وهذا البيتان قد تقدم ذكرهما في ترجمة جعفر بن فلاح وهما منسوبان ~~PageV06P046 # إلى أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي وقد تقدم ذكره ~~أيضا وينسبان إلى غيره أيضا والله أعلم قال ابن الأنباري فقال العلامة ~~الزمخشري روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم عليه زيد الخيل ms1578 قال ~~له يا زيد ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا رأيته دون ما ~~وصف لي غيرك قال ابن الأنباري فخرجنا من عنده ونحن نعجب كيف يستشهد الشريف ~~بالشعر والزمخشري بالحديث وهو رجل عجمي وهذا الكلام وإن لم يكن عين كلام ~~ابن الأنباري فهو في معناه لأني لم أنقله من الكتاب بل وقفت عليه منذ زمان ~~وعلق معناه بخاطري وإنما ذكرت هذا لأن الناظر فيه قد يقف على كتاب ابن ~~الأنباري فيجد بين الكلامين اختلافا فيظن أني تسامحت في النقل وكان أبو ~~السعادات المذكور نقيب الطالبيين بالكرخ نيابة عن والده الطاهر وله شعر حسن ~~فمن ذلك قصيدة يمدح بها الوزير نظام الدين أبا نصر المظفر بن علي ابن محمد ~~بن جهير وأولها (هذي السديرة والغدير الطافح * فاحفظ فؤادك إنني لك ناصح) ~~(يا سدرة الوادي الذي إن ضله الساري * هداه نشره المتفاوح) (هل عائد قبل ~~الممات لمغرم * عيش تقضى في ظلالك صالح) (ما أنصف الرشأ الضنين بنظرة * لما ~~دعا مصغي الصبابة طامح) (شط المزار به وبوئ منزلا * بصميم قلبك فهو دان ~~نازح) (غصن يعطفه النسيم وفوقه * قمر يحف به ظلام جانح) (وإذا العيون ~~تساهمته لحاظها * لم يرو منه الناظر المتراوح) (ولقد مررنا بالعقيق فشاقنا ~~* فيه مراتع للمها ومسارح) PageV06P047 # (ظلنا به نبكي فكم من مضمر * وجدا أذاع هواه دمع سافح) ~~(مرت الشؤون رسومها فكأنما * تلك العراص المقفرات نواضح) (يا صاحبي تأملا ~~حييتما * وسقى دياركما الملث الرائح) (أدمى بدت لعيوننا أم ربرب * أم خرد ~~أكفالهن رواجح) (أم هذه مقل الصوار رنت لنا * خلل البراقع أم قنا وصفائح) ~~(لم يبق جارحة وقد واجهننا * إلا وهن لها بهن جوارح) (كيف ارتجاع القلب من ~~أسر الهوى * ومن الشقاوة أن يراض القارح) (لو بله من ماء ضارج شربة * ما ~~أثرت للوجد فيه لواقح) ومن هاهنا يخرج إلى المديح فأضربت عنه خوف الإطالة ~~ولم يكن المقصود إلا إثبات شيء من نظمه ليستدل به على طريقه فيه ومن شعره ~~أيضا (هل الوجد خاف والدموع شهود * وهل ms1579 مكذب قول الوشاة جحود) (وحتى متى ~~تفني شؤونك بالبكا * وقد حد حدا للبكاء لبيد) (وإني وإن جفت قناتي كبرة * ~~لذو مرة في النائبات جليد) وفيه إشارة إلى أبيات لبيد بن ربيعة العامري ~~(تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر) (فقوما فنوحا ~~بالذي تعلمانه * ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر) (وقولا هو المرء الذي لا ~~صديقه * أضاع ولا خان العهود ولا غدر) PageV06P048 # (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا ~~فقد اعتذر) وإلى هذا أشار أبو تمام الطائي بقوله (ظعنوا فكان بكاي حولا ~~بعدهم * ثم ارعويت وذاك حكم لبيد) وقال الشريف أبو السعادات المذكور أنشدني ~~أبو إسماعيل الحسين الطغرائي قلت قد تقدم ذكره لنفسه (إذا لم تكن ملكا ~~مطاعا * فكن عبدا لمالكه مطيعا) (وإن لم تملك الدنيا جميعا * كما تهواه ~~فاتركها جميعا) (هما سببان من ملك ونسك * ينيلان الفتى الشرف الرفيعا) (فمن ~~يقنع من الدنيا بشيء * سوى هذين عاش بها وضيعا) وكان بين أبي السعادات ~~المذكور وبين أبي محمد الحسن بن أحمد بن محمد ابن جكينا البغدادي الحريمي ~~الشاعر المشهور وهو المذكور في ترجمة أبي محمد القاسم بن علي الحريري صاحب ~~المقامات تنافس جرت العادة بمثله بين أهل الفضائل فلما وقف على شعره عمل ~~فيه قوله (يا سيدي والذي يعيذك من * نظم قريض يصدا به الفكر) (مالك من جدك ~~النبي سوى * أنك ما ينبغي لك الشعر) وشعره وماجراياته كثيرة والاختصار أولى ~~PageV06P049 # وكانت ولادته في شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة وتوفي ~~يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ودفن ~~من الغد في داره بالكرخ من بغداد رحمه الله تعالى والشجري بفتح الشين ~~المعجمة والجيم وبعدها راء هذه النسبة إلى شجرة وهي قرية من أعمال المدينة ~~على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وشجرة أيضا اسم رجل وقد سمت به العرب ومن ~~بعدها وقد انتسب إليه خلق كثير من العلماء وغيرهم ولا أدري إلى من ينتسب ~~الشريف المذكور منهما هل نسبته إلى القرية أم ms1580 إلى أحد أجداده كان اسمه شجرة ~~والله أعلم وقد تقدم الكلام على الكرخ في ترجمة معروف الكرخي رضي الله عنه ~~فأغنى عن إعادته 775 البديع الاسطرلابي أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن ~~يوسف وقيل أحمد المنعوت بالبديع الأسطرلابي الشاعر المشهور أحد الأدباء ~~الفضلاء كان وحيد زمانه في عمل الآلات الفلكية متقنا لهذه الصناعة وحصل له ~~من جهة عملها مال جزيل في خلافة الإمام المسترشد ولما مات لم يخلفه في شغله ~~مثله وقد ذكره أبو المعالي الحظيري في كتابه الذي سماه زينة الدهر وذكره ~~العماد الأصبهاني في كتاب PageV06P050 # الخريدة وكل منهما أثنى عليه وأورد عدة مقاطيع من شعره ~~فمن ذلك قوله (أهدي لمجلسه الكريم وإنما * أهدي له ما حزت من نعمائه) ~~(كالبحر يمطره السحاب وما له * فضل عليه لأنه من مائه) وهذان البيتان من ~~أسير شعره وقد قيل إنهما لغيره وله أيضا (أذاقني حمرة المنايا * لما اكتسى ~~خضرة العذار) (وقد تبدى السواد فيه * وكارتي بعد في العيار) هكذا وجدت هذين ~~البيتين في زينة الدهر تأليف أبي المعالي الحظيري منسوبين إلى البديع ~~المذكور ورأيت في موضع آخر أنهما لأبي محمد ابن جكينا المذكور في ترجمة ~~الشريف أبي السعادات ابن الشجري والله أعلم وهذه العبارة من اصطلاح ~~البغاددة فإنهم يقولون كارتي في العيار بمعنى أنه ناشب معه لم يتخلص منه ~~والكارة عندهم في الدقيق بمثابة الجملة في ديار مصر ومن شعره (قال قوم ~~عشقته أمرد الخد * وقد قيل إنه نكريش) (قلت فرخ الطاوس أحسن ما كان * إذا ~~ما علا عليه الريش) قوله نكريش لفظة عجمية والأصل فيها نيك ريش معناها لحية ~~جيدة وهو على ما تقرر من اصطلاح العجم أنهم يقدمون ويؤخرون في ألفاظهم ~~المركبة فنيك جيد وريش لحية وكان كثير الخلاعة يستعمل المجون في أشعاره حتى ~~يفضي به إلى الفحش في اللفظ فلهذا اقتصرت له على هذه النبذة مع كثرة شعره ~~وكان قد جمعه PageV06P051 # ودونه واختار ديوان ابن حجاج ورتبه على مائة وأحد ~~وأربعين بابا وجعل كل باب في فن من ms1581 فنون شعره وقفاه وسماه درة التاج من شعر ~~ابن حجاج وكان ظريفا في جميع حركاته وتوفي سنة أربع وثلاثين وخمسمائة بعلة ~~الفالج ودفن بمقبرة الوردية بالجانب الشرقي من بغداد رحمه الله تعالى ~~والأسطرلابي بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وضم الطاء المهملة وبعدها راء ~~ثم لام ألف ثم باء موحدة هذه النسبة إلى الأسطرلاب وهو الآلة المعروفة قال ~~كوشيار بن لبان بن باشهري الجيلي صاحب كتاب الزيج في رسالته التي وضعها في ~~علم الأسطرلاب إن الأسطرلاب كلمة يونانية معناها ميزان الشمس وسمعت بعض ~~المشايخ يقول إن لأب اسم الشمس بلسان اليونان فكأنه قال أسطر الشمس إشارة ~~إلى الخطوط التي فيه وقيل إن أول من وضعه بطليموس صاحب المجسطي وكان سبب ~~وضعه له أنه كان معه كرة فلكية وهو راكب فسقطت منه فداستها دابته فخسفتها ~~فبقيت على هيئة الأسطرلاب وكان أرباب علم الرياضة يعتقدون أن هذه الصورة لا ~~ترسم إلا في جسم كري على هيئة الأفلاك فلما رآه بطليموس على تلك الصورة علم ~~أنه يرتسم في السطح ويكون نصف دائرة ويحصل منه ما يحصل من الكرة فوضع ~~الأسطرلاب ولم يسبق إليه وما اهتدى أحد من المتقدمين إلى أن هذا القدر ~~يتأتى في الخط ولم يزل الأمر مستمرا على استعمال الكرة والأسطرلاب إلى أن ~~استنبط الشيخ شرف الدين الطوسي المذكور في ترجمة الشيخ كمال الدين ابن يونس ~~رحمهما الله تعالى وهو شيخه في فن الرياضة أن يضع المقصود من الكرة ~~والأسطرلاب في خط فوضعه وسماه العصا وعمل له رسالة بديعة وكان قد أخطأ في ~~بعض هذا الوضع فأصلحه الشيخ كمال الدين المذكور PageV06P052 # وهذبه والطوسي أول من أظهر هذا في الوجود ولم يكن أحد ~~من القدماء يعرفه فصارت الهيئة توجد في الكرة التي هي جسم لأنها تشتمل على ~~الطول والعرض والعمق وتوجد في السطح الذي هو مركب من الطول والعرض بغير عمق ~~وتوجد في الخط الذي هو عبارة عن الطول فقط بغير عرض ولا عمق ولم يبق سوى ~~النقطة ولا يتصور أن يعمل فيها ms1582 شيء لأنها ليست جسما ولا سطحا ولا خطا بل هي ~~طرف الخط كما أن الخط طرف السطح والسطح طرف الجسم والنقطة لا تتجزأ فلا ~~يتصور أن يرتسم فيها شيء وهذا وإن كان خروجا عما نحن بصدده لكنه أيضا فائدة ~~والاطلاع عليه أولى من إهماله وسياق الكلام جره والله تعالى أعلم 776 ابن ~~القطان البغدادي أبو القاسم هبة الله بن الفضل بن القطان عبد العزيز بن ~~محمد بن الحسين بن علي ابن أحمد بن الفضل بن يعقوب بن يوسف بن سالم المعروف ~~بابن القطان الشاعر المشهور البغدادي قد سبق شيء من شعره وطرف من خبره في ~~ترجمة حيص بيص في حرف السين وفي ترجمة ابن السوادى في أواخر حرف العين وكان ~~أبو القاسم المذكور قد سمع الحديث من جماعة من المشايخ وسمع PageV06P053 # عليه وكان غاية في الخلاعة والمجون كثير المزاح ~~والمداعبات مغرى بالولوع بالمتعجرفين والهجاء لهم وله في ذلك نوادر ووقائع ~~وحكايات ظريفة وله ديوان شعر وقد ذكره أبو سعد السمعاني في كتاب الذيل فقال ~~شاعر مجود مليح الشعر رقيق الطبع إلا أن الغالب عليه الهجاء وهو ممن يتقى ~~لسانه ثلاب ثم قال كتبت عنه حديثين لا غير وعلقت عنه مقطعات من شعره (299) ~~وذكر الحافظ السلفي أباه أبا عبد الله الفضل بن عبد العزيز وقال إن بعض ~~أولاد المحدثين سأله عن مولده فقال سنة ثماني عشرة وأربعمائة ليلة الجمعة ~~رابع عشر رجب وقال أبو غالب شجاع بن فارس الذهلي مات يوم الأربعاء ودفن من ~~الغد لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بمقبرة معروف ~~الكرخي رضي الله عنه وذكر العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة أبا ~~القاسم المذكور فقال وكان مجمعا على ظرفه ولطفه وله ديوان شعر أكثره جيد ~~وعبث فيه بجماعة من الأعيان وثلبهم ولم يسلم منه أحد لا الخليفة ولا غيره ~~وأخبرني بعض المشايخ أنه رآه وقال كنت يومئذ صبيا فلم آخذ عنه شيئا لكنني ~~رأيته قاعدا على طرف دكان عطار ببغداد والناس يقولون هذا ابن ms1583 الفضل الهجاء ~~وسمع الحديث من جماعة منهم أبوه وأبو طاهر محمد بن الحسن الباقلاني وأبو ~~الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون الأمين وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد ~~بن طلحة بن محمد بن عثمان الكرخي وغيرهم وله مع حيص بيص ماجرايات فمن ذلك ~~أن الحيص بيص خرج ليلة من دار الوزير شرف الدين أبي الحسن علي بن طراد ~~الزينبي فنبح عليه جرو كلب PageV06P054 # وكان متقلدا سيفا فوكزه بعقب السيف فمات فبلغ ذلك ابن ~~الفضل المذكور فنظم أبياتا وضمنها بيتين لبعض العرب قتل أخوه ابنا له فقدم ~~إليه ليقتاد منه فألقى السيف من يده وأنشدهما والبيتان المذكوران يوجدان في ~~الباب الأول من كتاب الحماسة ثم إن ابن الفضل المذكور عمل الأبيات في ورقة ~~وعلقها في عنق كلبة لها أجر ورتب معها من طردها وأولادها إلى باب دار ~~الوزير كالمستغيثة فأخذت الورقة من عنقها وعرضت على الوزير فإذا فيها (يا ~~أهل بغداد إن الحيص بيص أتى * بفعلة أكسبته الخزي في البلد) (هو الجبان ~~الذي أبدى تشاجعه * على جري ضعيف البطش والجلد) (وليس في يده مال يديه به * ~~ولم يكن ببواء عنه في القود) (فأنشدت جعدة من بعدما احتسبت * دم الأبيلق ~~عند الواحد الصمد) (أقول للنفس تأساء وتعزية * إحدى يدي أصابتني ولم ترد) ~~(كلاهما خلف من فقد صاحبه * هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي) والبيت الثالث ~~مأخوذ من قول بعضهم (قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا * من لؤم أحسابهم أن ~~يقتلوا قودا) وهو من جملة أبيات في الكراس الذي أوله لقي بشار وينظر في ~~الحماسة وهذا التضمين في غاية الحسن ولم أسمع مثله مع كثرة ما يستعمل ~~الشعراء PageV06P055 # التضمين في أشعارهم إلا ما أنشدني الشيخ مهذب الدين ~~أبو طالب محمد المعروف بابن الخيمي المذكور في ترجمة الشيخ تاج الدين ~~الكندي في حرف الزاي لنفسه وأخبرني أنه كان بدمشق وقدم رسم السلطان بحلق ~~لحية شخص له وجاهة بين الناس فحلق نصفها وحصلت فيه شفاعة فعفا عنه في ~~الباقي فعمل فيه ولم يصرح ms1584 باسمه بل رمزه وستره وهو (زرت ابن آدم لما قيل قد ~~حلقوا * جميع لحيته من بعد ما ضربا) (فلم أر النصف محلوقا فعدت له * مهنئا ~~بالذي منها له وهبا) (فقام ينشدني والدمع يخنقه * بيتين ما نظما مينا ولا ~~كذبا) (إذا أتتك لحلق الذقن طائفة * فاخلع ثيابك منها ممعنا هربا) (وإن ~~أتوك وقالوا إنها نصف * فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا) والبيتان الأخيران منها ~~في كتاب الحماسة أيضا في باب مذمة النساء لكن الأول منهما فيه تغيير فإن ~~بيت الحماسة (لا تنكحن عجوزا إن أتيت بها * واخلع ثيابك منها ممعنا هربا) ~~وحضر ليلة الحيص بيص وابن الفضل المذكور على السماط عند الوزير في شهر ~~رمضان فأخذ ابن الفضل قطاة مشوية وقدمها إلى الحيص بيص فقال الحيص بيص ~~للوزير يا مولانا هذا الرجل يؤذيني فقال الوزير كيف ذلك قال لأنه يشير إلى ~~قول الشاعر (تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا * ولو سلكت سبل المكارم ضلت) ~~وكان الحيص تميميا كما تقدم في ترجمته وهذا البيت للطرماح بن حكيم الشاعر ~~وهو من جملة أبيات وبعد هذا البيت PageV06P056 # (أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى * خلال المخازي عن ~~تميم تجلت) (ولو أن برغوثا على ظهر قملة * يكر على صفي تميم لولت) ودخل ابن ~~الفضل المذكور يوما على الوزير المذكور الزينبي وعنده الحيص فقال قد عملت ~~بيتين ولا يمكن أن يعمل لهما ثالث لأنني قد استوفيت المعنى فيهما فقال له ~~الوزير هاتهما فأنشده (زار الخيال نحيلا مثل مرسله * فما شفاني منه الضم ~~والقبل) (ما زارني قط إلا كي يوافقني * على الرقاد فينفيه ويرتحل) فالتفت ~~الوزير إلى الحيص وقال له ما تقول في دعواه فقال إن أعادهما سمع الوزير ~~لهما ثالثا فقال له الوزير أعدهما فأعادهما فوقف الحيص بيص لحظة ثم أنشد ~~(وما درى أن نومي حيلة نصبت * لطيفه حين أعيا اليقظة الحيل) فاستحسن الوزير ~~ذلك منه وسمعت لبعض المعاصرين ولم أتحقق أنها له حتى أعينه وقد أخذ هذا ~~المعنى ونظمه وأحسن فيه وهو (ياضرة القمرين من لمتيم * أرديته ms1585 وأحلت ذاك ~~على القضا) (وحياة حبك لم ينم عن سلوة * بل كان ذلك للخيال تعرضا) (لا ~~تأسفي إن زار طيفك في الكرى * ما كان إلا مثل شخصك معرضا) ثم وجدت هذه ~~الأبيات لأبي العلاء بن أبي الندى المعروف ولما هجا قاضي القضاة جلال الدين ~~الزينبي بالقصيدة الكافية المقدم ذكرها PageV06P057 # في ترجمة ابن السوادي ولولا طولها لذكرتها سير إليه ~~أحد الغلمان فأحضره وصفعه وحبسه فلما طال حبسه كتب إلى مجد الدين ابن ~~الصاحب أستاذ الدار الخليفتية (إليك أظل مجد الدين أشكو * بلاء حل لست له ~~مطيقا) (وقوما بلغوا عني محالا * إلى قاضي القضاة الندب سيقا) (فأحضرني ~~بباب الحكم خصم * غليظ جرني كما وزيقا) (وأخفق نعله بالصفع رأسي * إلى أن ~~أوجس القلب الخفوقا) (على الخصم الأداء وقد صفعنا * إلى أن ما تهدينا ~~الطريقا) (فيا مولاي هب ذا الإفك حقا * أيحبس بعد ما استوفى الحقوقا) ولما ~~خرج من الحبس أنشد (عند الذي طرف بي أنه * قد غض من قدري وآذاني) (فالحبس ~~ما غير لي خاطرا * والصفع ما لين آذاني) وقد سبق في ترجمة الحيص أبياته ~~الميمية في هجوه وجواب الحيص عنها ولما ولي الزينبي المذكور الوزارة دخل ~~عليه ابن الفضل المذكور والمجلس محتفل بأعيان الرؤساء وقد اجتمعوا للهناء ~~فوقف بين يديه ودعا له وأظهر الفرح والسرور ورقص فقال الوزير لبعض من يفضي ~~إليه بسره قبح الله هذا الشيخ فإنه يشير برقصه إلى ما تقول العامة في ~~أمثالها ارقص للقرد في زمانه وقد نظم هذا المعنى في أبيات وكتبها إلى بعض ~~الرؤساء وهي (يا كمال الدين الذي * هو شخص مشخص) (والرئيس الذي به * ذنب ~~دهري يمحص) (خذ حديثي فإنه * نبأ سوف يرخص) PageV06P058 # (كلما قلت قد تبغدد * قومي تحمصصوا) (ليس إلا ستر يشال ~~* وباب مجصص) (وغواش على الرؤوس * عليها المقرنص) (والرواشين والمناظر * ~~والخيل ترقص) (وأنا القرد كل يوم * لكلب أبصبص) (كل من صفق الزمان * له قمت ~~أرقص) (محن لا يفيد ذا النون * منها التبرصص) (فمتى أسمع النداء * وقد جا ~~مخلص) ومثل هذا قول بعضهم (إذا ms1586 رأيت امرءا وضيعا * قد رفع الدهر من مكانه) ~~(فكن له سامعا مطيعا * معظما من عظيم شانه) (فقد سمعنا بأن كسرى * قد قال ~~يوما لترجمانه) (إذا زمان السباع ولى * فارقص للقرد في زمانه) وحكي أنه دخل ~~مرة على بعض أهل بغداد وقد تولى ولاية كبيرة لم يكن من أهلها فسلم عليه ~~ودعا له وهنأه بالولاية وأظهر الفرح والسرور ثم خرج فقال بعض الحاضرين هذا ~~يشير إلى قول الناس في أمثالهم ارقص للقرد في زمانه وله القصيدة الرائية ~~المشهورة التي جمع فيها خلقا من الأكابر ونبز كل واحد منهم بشيء وفيها يقول ~~PageV06P059 # (تكريت تعجزنا ونحن بجهلنا * نمضي لنأخذ ترمذا من ~~سنجر) ومنها البيت السائر وهو (نسب إلى العباس ليس شبيهه * في الضعف غير ~~الباقلاء الأخضر) وأنشدني له بعض أصحابنا المتأدبين قوله (سعى إحسانه بيني ~~* وبين الدهر بالصلح) (أياد ملأت بيتي * على بيت من المدح) ودخل يوما على ~~الوزير ابن هبيرة وعنده نقيب الأشراف وكان ينسب إلى البخل وكان في شهر ~~رمضان والحر شديد فقال له الوزير أين كنت فقال في مطبخ سيدي النقيب فقال له ~~ويحك أيش عملت في شهر رمضان في المطبخ فقال وحياة مولانا كسرت الحر فتبسم ~~الوزير وضحك الحاضرون وخجل النقيب وهذا الكلام على اصطلاح أهل تلك البلاد ~~فإنهم يقولون كسرت الحر في الموضع الفلاني إذا اختار موضعا باردا يقيل فيه ~~وقصد دار بعض الأكابر في بعض الأيام فلم يؤذن له في الدخول فعز عليه ~~فأخرجوا من الدار طعاما وأطعموه كلاب الصيد وهو يبصره فقال مولانا يعمل ~~بقول الناس لعن الله شجرة لا تظل أهلها وقعد يوما مع زوجته يأكل طعاما فقال ~~لها اكشفي رأسك ففعلت وقرأ * (قل هو الله أحد) * الإخلاص 1 فقالت له ما ~~الخبر فقال إن المرأة إذا كشفت رأسها لم تحضر الملائكة عليهم السلام وإذا ~~قرئ * (قل هو الله أحد) * هربت الشياطين وأنا أكره الزحمة على المائدة ~~وأخباره كثيرة وكانت ولادته سنة سبع وسبعين وأربعمائة وقال السمعاني سألته ~~عن مولده فقال ولدت ضاحي نهار يوم ms1587 الجمعة السابع من ذي الحجة سنة ثمان ~~وسبعين وتوفي يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين ~~PageV06P060 # وخمسمائة ببغداد ودفن بمقبرة معروف الكرخي رحمه الله ~~تعالى وقال السمعاني توفي يوم عيد الفطر والله أعلم ولولا إيثار الاختصار ~~لذكرت من أحواله ومضحكاته شيئا كثيرا فإنه كان آية في هذا الباب وقوله في ~~الأبيات الدالية (ولم يكن ببواء عنه في القود *) فالبواء بفتح الباء ~~الموحدة وبعدها الواو والهمزة ممدودة ومعناها السواء يقال دم فلان بواء لدم ~~فلان إذا كان مكافئا له وجعدة المذكورة في هذه الأبيات أيضا بفتح الجيم ~~والدال المهملة وبينهما عين مهملة ساكنة وفي الأخير هاء ساكنة وهو اسم من ~~أسماء الكلبة هكذا سمعته ولم أره في شيء من كتب اللغة بل الذي قاله أرباب ~~اللغة إن أبا جعدة كنية الذئب وجعدة اسم النعجة كني الذئب بها لمحبته إياها ~~والله أعلم والمتوثي بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوقها وسكون الواو ~~وبعدها ثاء مثلثة هذه النسبة إلى متوث وهي بلدة بين قرقوب وكورة الأهواز ~~777 ابن سناء الملك القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد ~~أبي الفضل جعفر بن المعتمد سناء الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن ~~محمد السعدي الشاعر المشهور المصري صاحب الديوان الشعر البديع والنظم ~~الرائق أحد الفضلاء الرؤساء النبلاء وكان كثير التخصص والتنعم وافر السعادة ~~محظوظا من الدنيا أخذ الحديث عن الحافظ أبي الطاهر أحمد بن محمد بن أحمد ~~السلفي الأصبهاني رحمه الله تعالى PageV06P061 # واختصر كتاب الحيوان للجاحظ وسمى المختصر روح الحيوان ~~وهي تسمية لطيفة وله كتاب مصايد الشوارد وله ديوان جميعه موشحات سماه دار ~~الطراز وجمع شيئا من الرسائل الدائرة بينه وبين القاضي الفاضل وفيه كل معنى ~~مليح واتفق في عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين وكان لهم مجالس يجري ~~بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها ودخل في ذلك الوقت إلى مصر شرف ~~الدين ابن عنين المقدم ذكره في المحمدين فاحتفلوا به وعملوا له دعوات ~~وكانوا يجتمعون على أرغد عيش ms1588 وكانوا يقولون هذا شاعر الشام وجرت لهم محافل ~~سطرت عنهم ولولا خشية التطويل لذكرت بعضها ومن محاسن شعره بيتان من جملة ~~قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل رحمه الله تعالى وهما (ولو أبصر النظام جوهر ~~ثغرها * لما شك فيه أنه الجوهر الفرد) (ومن قال إن الخيزرانة قدها * فقولوا ~~له إياك أن يسمع القد) ومن شعره أيضا (لا الغصن يحكيك ولا الجؤذر * حسنك ~~مما كثروا أكثر) (يا باسما أبدى لنا ثغره * عقدا ولكن كله جوهر) (قال لي ~~اللاحي أما تسمع * فقلت يا لاحي أما تبصر) وله يتغزل بجارية عمياء ~~PageV06P062 # (شمس بغير الشعر لم تحتجب * وفي سوى العينين لم تكسف) ~~(مغمدة المرهف لكنها * تجرح بالجفن بلا مرهف) (رأيت منها الخلد في جؤذر * ~~ومقلتي يعقوب في يوسف) وله في غلام ضرب ثم حبس (بنفسي من لم يضربوه لريبة * ~~ولكن ليبدو الورد في سائر الغصن) (ولم يودعوه السجن إلا مخافة * من العين ~~أن تعدو على ذلك الحسن) (وقالوا له شاركت في الحسن يوسفا * فشاركه أيضا في ~~الدخول إلى السجن) وله في غلام جميل الصورة حفر حومة التلاق فأصابه حجر ~~فانكسرت أسنانه فقال (نثر الدهر عقد ثغر حبيبي * فدموعي عليه تحكي انتثاره) ~~(كل سن كالأقحوانة كانت * فغدت بالدماء كالجلناره) (كان في حومة التلاق وما ~~كان * بعيدا في جملة النظارة) (فأتته الأحجار شوقا وزارته * فلا مرحبا بتلك ~~الزيارة) (كيف ينسى الفؤاد ثغر حبيب * حسدتني عليه تلك الحجارة) وله من ~~جملة أبيات (وما كان تركي حبه عن ملالة * ولكن لأمر يوجب القول بالترك) ~~(أراد شريكا في الذي كان بيننا * وإيمان قلبي قد نهاني عن الشرك) ~~PageV06P063 # وله أيضا (يا عاطل الجيد إلا من محاسنه * عطلت فيك ~~الحشا إلا من الحزن) (في سلك جسمي در الدمع منتظم * فهل لجيدك في عقد بلا ~~ثمن) (لا تخش منى فإني كالنسيم ضني * وما النسيم بمخشي على الغصن) وهذا ~~البيت مأخوذ من قول ابن قلاقس وقد تقدم ذكره في ترجمته وهو (أعندما همت به ~~روضة * أعل جسمي لأكون النسيم) ومن نثره في وصف النيل ms1589 في سنة كان ناقصا ولم ~~يوف الزيادة التي جرت بها العادة يقال إنه كتبه من جملة رسالة إلى القاضي ~~الفاضل وهو وأما أمر الماء فإنه نضبت مشارعه وتقطعت أصابعه وتيمم العمود ~~لصلاة الاستسقاء وهم المقياس من الضعف بالاستلقاء وهذا من أحسن ما يوصف به ~~نقصان النيل وكان بمصر شاعر يقال له أبو المكارم هبة الله بن وزير بن مقلد ~~الكاتب فبلغ القاضي السعيد المذكور عنه أنه هجاه فأحضره إليه وأدبه وشتمه ~~وكتب إليه نشو الملك أبو الحسن علي بن مفرج المعري الأصل المصري الدار ~~والوفاة المعروف بابن المنجم الشاعر المعروف (قل للسعيد أدام الله نعمته * ~~صديقنا ابن وزير كيف تظلمه) (صفعته إذ غدا يهجوك منتقما * فكيف من بعد هذا ~~ظلت تشتمه) (هجو بهجو وهذا الصفع فيه ربا * والشرع ما يقتضيه بل يحرمه) ~~PageV06P064 # (فإن تقل ما لهجو عنده ألم * فالصفع والله أيضا ليس ~~يؤلمه) ولما مدح السعيد المذكور شمس الدولة توران شاه أخا السلطان صلاح ~~الدين المقدم ذكره في حرف التاء بقصيدته التي أولها (تقنعت لكن بالحبيب ~~المعمم * وفارقت لكن كل عيش مذمم) تعصب عليه جماعة من شعراء مصر وعابوا هذا ~~الاستفتاح وهجنوه فكتب إليه ابن الذروي الشاعر المذكور في ترجمة سيف الدولة ~~المبارك بن منقذ (قل للسعيد مقال من هو معجب * منه بكل بديعة ما أعجبا) ~~(لقصيدك الفضل المبين وإنما * شعراؤنا جهلوا به المستغربا) (عابوا التقنع ~~بالحبيب ولو رأى * الطائي ما قد حكته لتعصبا) ونوادر القاضي السعيد كثيرة ~~وتوفي في العشر الأول من شهر رمضان سنة ثمان وستمائة بالقاهرة وذكر صاحبنا ~~الكمال ابن الشعار في عقود الجمان أنه توفي يوم الأربعاء رابع الشهر ~~المذكور رحمه الله تعالى وذكره العماد الكاتب في كتاب الخريدة فقال كنت عند ~~القاضي الفاضل في خيمته بمرج الدلهمية ثامن عشر ذي القعدة سنة سبعين يعني ~~وخمسمائة فأطلعني على قصيدة له كتبها إليه من مصر وذكر أن سنه لم يبلغ إلى ~~عشرين سنة فأعجبت بنظمه ثم ذكر القصيدة العينية التي أولها (فراق قضى للهم ~~والقلب بالجمع * وهجر ms1590 تولى صلح عيني مع الدمع) وعلى هذا التقدير يكون مولده ~~في حدود سنة خمسين وخمسمائة وقيل PageV06P065 # إنه ولد سنة ثمان وأربعين والله أعلم ثم قال العماد ~~بعد الفراغ من ذكر هذه القصيدة ثم وصل يعني القاضي السعيد المذكور إلى ~~الشام في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وخمسمائة في الخدمة الفاضلية فوجدته في ~~الذكاء آية قد أحرز في صناعة النظم والنثر غاية تلقى عرابة العربية له ~~باليمين راية وقد ألحفه الإقبال الفاضلي في الفضل قبولا وجعل طين خاطره على ~~الفطنة مجبولا وأنا أرجو أن ترقى في الصناعة رتبته وتغزر عند تمادي أيامه ~~في العلم نغبته وتصفو من الصبا منقبته وتروى بماء الدربة رويته وتستكثر ~~فوائده وتؤثر قلائده (300) وتوفي والده جعفر في منتصف شهر رمضان سنة ثمانين ~~وخمسمائة ثم رأيت بخط بعض أصحابنا ممن له عناية بهذا الفن أنه توفي يوم ~~الثلاثاء خامس ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين ومولده منتصف شوال سنة خمس ~~وعشرين وخمسمائة والله أعلم (301) وأما أبو المكارم هبة الله بن وزير بن ~~مقلد الشاعر المصري المذكور في هذه الترجمة فإن عماد الدين الأصبهاني ذكره ~~في كتاب الخريدة وقال عدت إلى مصر في سنة ست وتسعين وخمسمائة فسألت عنه ~~فأخبرت بوفاته رحمه الله تعالى PageV06P066 # 778 هبة الله البوصيري أبو القاسم وأبو الكرم هبة الله ~~بن علي بن مسعود بن ثابت بن هاشم بن غالب بن ثابت الأنصاري الخزرجي ~~المنستيري الأصل المصري المولد والدار المعروف بالبوصيري كان أديبا كاتبا ~~له سماعات عالية وروايات تفرد بها وألحق الأصاغر بالأكابر في علو الإسناد ~~ولم يكن في آخر عصره في درجته مثله وسمع بقراءة الحافظ أبي الطاهر السلفي ~~وإبراهيم بن حاتم الأسدي على أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني إمام ~~الجامع العتيق بمصر رحمهم الله تعالى أجمعين والبوصيري المذكور آخر من روى ~~في الدنيا كلها عن أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني المذكور وأبي ~~الحسين علي بن الحسين ابن عمر الفراء الموصلي وأبي عبد الله محمد بن بركات ~~هلال السعيدي ms1591 النحوي سماعا وروى أيضا عن أبي الفتح سلطان بن إبراهيم بن ~~المسلم المقدسي وهو آخر من روى عنه سماعا في الأرض كلها وسمع عليه الناس ~~وأكثروا ورحلوا إليه من البلاد وكان جده مسعود قدم من المنستير إلى بوصير ~~فأقام بها إلى أن عرف فضله في دولة المصريين فطلب إلى مصر وكتب في ديوان ~~الإنشاء وولد له علي والد أبي القاسم المذكور بمصر واستقروا بها وشهروا ~~وكان أبو القاسم يسمى سيد الأهل أيضا لكن هبة الله أشهر وكانت ولادته سنة ~~ست وخمسمائة بمصر وقيل بل ولد يوم الخميس خامس ذي القعدة سنة خمسمائة وتوفي ~~في الليلة الثانية من صفر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة PageV06P067 # ودفن بسفح المقطم رحمه الله تعالى وقال ياقوت الحموي ~~في كتاب البلدان المشتركة الأسماء إنه مات في شوال رحمه الله تعالى ~~والخزرجي بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها جيم هذه النسبة ~~إلى الخزرج وهو أخو الأوس بفتح الهمزة وسكون الواو وبعدها سين مهملة وهما ~~ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء وتمام النسب معروف ~~وهما ابنا قيلة بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح اللام وبعدها ~~هاء ساكنة ومن ذريتهما أنصار النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة والمنستير ~~بضم الميم وفتح النون وسكون السين المهملة وكسر التاء المثناة من فوقها ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء وهي بليدة بإفريقية بناها هرثمة ~~بن أعين الهاشمي في سنة ثمانين ومائة وكان هارون الرشيد قد ولاه إفريقية ~~وقدم إليها يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين ومائة ~~وقد تقدمت الحوالة على هذا الموضع في ترجمة الأمير تميم بن المعز بن باديس ~~وبوصير بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الصاد المهملة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها راء وتعرف ببوصير قوريدس ويقال كوريدس وهي بليدة ~~بأعمال البهنسا من صعيد مصر وقد تقدم الكلام في ترجمة عبد الحميد الكاتب ~~على بوصير الفيوم وبالجيزة أيضا بليدة يقال لها بوصير السدر وبكورة ~~السمنودية ms1592 أيضا بليدة يقال لها بوصير فهذا الاسم يشترك فيه أربعة بلاد ~~والكل بالديار المصرية والمنستير معبد بين المهدية وسوسة يأوي إليه ~~الصالحون المنقطعون للعبادة PageV06P068 # وفيه قصور شبيهة بالخانقاهات وعلى تلك القصور سور واحد ~~ذكره ياقوت في كتابه والله أعلم 779 أمين الدولة ابن التلميذ أبو الحسن هبة ~~الله بن أبي الغنائم صاعد بن هبة الله بن إبراهيم بن علي المعروف بابن ~~التلميذ النصراني الطبيب الملقب أمين الدولة البغدادي ذكره العماد ~~الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال سلطان الحكماء وبالغ في الثناء عليه وقال ~~هو مقصد العالم في علم الطب بقراط عصره وجالينوس زمانه ختم به هذا العلم ~~ولم يكن في الماضين من بلغ مداه في الطب عمر طويلا وعاش نبيلا جليلا ورأيته ~~وهو شيخ بهي المنظر حسن الرواء عذب المجتلى والمجتنى لطيف الروح ظريف الشخص ~~بعيد الهم عالي الهمة ذكي الخاطر مصيب الفكر حازم الرأي شيخ النصارى ~~وقسيسهم ورأسهم ورئيسهم وله في النظم كلمات رائقة وحلاوة جنية وغزارة بهية ~~ومن شعره في الميزان لغزا (ما واحد مختلف الأسماء * يعدل في الأرض وفي ~~السماء) (يحكم بالقسط بلا رياء * أعمى يري الإرشاد كل راء) (أخرس لا من علة ~~وداء * يغنى عن التصريح بالإيماء) (يجيب إن ناداه ذو امتراء * بالرفع ~~والخفض عن النداء) (يفصح إن علق في الهواء *) PageV06P069 # فقوله مختلف الأسماء يعني ميزان الشمس وهو الأسطرلاب ~~وسائر آلات الرصد وهو معنى قوله يحكم في الأرض وفي السماء وميزان الكلام ~~النحو وميزان الشعر العروض وميزان المعاني المنطق وهذه الميزان والمكيال ~~والذراع وغير ذلك ثم ذكربعد ذلك جملة من مقاطيع شعره نأتي بذكر بعضها إن ~~شاء الله تعالى وذكر في ترجمة الحكيم معتمد الملك أبي الفرج يحيى بن ~~التلميذ النصراني الطبيب ما مثاله وكان أبو الحسن ابن صاعد حين توفي معتمد ~~الملك أبو الفرج قام مقامه وهو ابن بنته فنسب إليه وعرف به وذكر في كتاب ~~أنموذج الأعيان من شعراء الزمان فيمن أدرك بالسماع أو بالعيان أن ابن ~~التلميذ المذكور كان متفننا في العلوم ذا رأي ms1593 رصين وعقل متين وطالت خدمته ~~للخلفاء والملوك وكانت منادمته أحسن من التبر المسبوك والدر في السلوك ~~اجتمعت به مرارا في آخر عمره وكنت أعجب في أمره كيف حرم الإسلام مع كمال ~~فهمه وغزارة عقله وعلمه والله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يريد بحكمه وكان ~~إذا ترسل استطال وسطا وإذا نظم وقع بين أرباب النظم وسطا وأورد شيئا من ~~شعره أيضا وذكره أبو المعالي الحظيري المقدم ذكره في حرف السين في كتابه ~~زينة الدهر وأورد له مقاطيع فمن ذلك قوله (يا من رماني عن قوس فرقته * بسهم ~~هجر على تلافيه) (ارض لمن غاب عنك غيبته * فذاك ذنب عقابه فيه) وذكر العماد ~~في الخريدة البيت الثاني منسوبا إلى أبي محمد ابن جكينا البغدادي وضم إليه ~~بعده (لو لم ينله من العقاب سوى * بعدك عنه لكان يكفيه) PageV06P070 # وذكر له الحظيري أيضا (عاتبت إذ لم يزر خيالك والنوم * ~~بشوقي إليك مسلوب) (فزارني منعما وعاتبني * كما يقال المنام مقلوب) ومما ~~ذكر له العماد في الخريدة قال وأنشدني أبو المعالي هبة الله بن الحسن بن ~~محمد بن المطلب قال أنشدني أبو الحسن ابن التلميذ لنفسه (كانت بلهنية ~~الشبيبة سكرة * فصحوت واستأنفت سيرة مجمل) (وقعدت أرتقب الفناء كراكب * عرف ~~المحل فبات دون المنزل) والثاني منهما ذكره ابن المنجم في كتاب البارع ~~لمسلم بن الوليد الأنصاري وذكر أن أبا محمد ابن جكينا المذكور مرض فقصده ~~ليعالجه فعالجه فلما عوفي أعطاه دراهم فعمل فيه (لما تيممته وبي مرض * إلى ~~التداوي والبرء محتاج) (آسى وواسى فعدت أشكره * فعل امرئ للهموم فراج) ~~(فقلت إذ برني وأبرأني * هذا طبيب عليه زرباج) وعمل فيه أيضا في المعنى ~~(جاد واستنقذ المريض وقد كاد * ضني أن يلف ساقا بساق) (والذي يدفع المنون ~~عن النفس * جدير بقسمة الأرزاق) وقصد مرة أن يعبر إليه دجلة ليداويه فكتب ~~إليه PageV06P071 # (إن امرأ القيس الذي * هام بذات المحمل) (كان شفاه ~~عبرة * وعبرة تصلح لي) وكان ابن جكينا المذكور قد عمي في آخر عمره وجرت ~~بينهما منافرة في أمر واشتهى ms1594 مصالحته فكتب إليه (وإذا شئت أن تصالح بشار * ~~بن برد فاطرح عليه أباه) فسير إليه ما طلب واسترضاه وكانت له معه وقائع ~~كثيرة وإنما كتب إليه هذا البيت لأن بشار بن برد كان أعمى كما تقدم ذكره في ~~ترجمته فلما عمي شبه نفسه به وكان مطلوبه بردا ومعنى قوله فاطرح عليه أباه ~~لأن عادة أهل بغداد إذا أراد الإنسان أن يصالح من خاصمه والخصم ممتنع يقال ~~له اطرح عليه فلانا بمعنى ادخل عليه به ليشفع له وقد حصلت له التورية في ~~هذا البيت ومن الشعر المنسوب إليه وهو مشهور قوله ثم وجدتهما للناصح ابن ~~الدهان النحوي الموصلي (تعس القياس فللغرام قضية * ليست على نهج الحجى ~~تنقاد) (منها بقاء الشوق وهو بزعمهم * عرض وتفنى دونه الأجساد) وقوله أيضا ~~وذكر العماد في الخريدة أن هذين البيتين لأبي علي المهندس المصري وهما ~~(تقسم قلبي في محبة معشر * بكل فتى منهم هواي منوط) (كأن فؤادي مركز وهم له ~~* محيط وأهوائي إليه خطوط) وقوله أيضا (جوده كالطبيب فينا يداوي * سوء ~~أحوالنا بحسن الصنيع) PageV06P072 # (فهو كالموميا إذا انكسر العظم * ومثل الترياق ~~للملسوع) ثم وجدت هذين البيتين في ديوان ابن حجاج الشاعر وقوله في ولده ~~سعيد (حبي سعيدا جوهر ثابت * وحبه لي عرض زائل) (به جهاتي الست مشغولة * ~~وهو إلى غيري بها مائل) وكان أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر المقدم ذكره قد ~~نقه من المرض وهو يعالجه فكتب إليه يشكو جوعه وقد نهاه عن استعمال الغذاء ~~إلا بأمره والذي كتبه (أنا جوعان فأنقذني * من هذي المجاعة) (فرجي في ~~الكسرة الخبز * ولو كانت قطاعه) (لا تقل لي ساعة تصبر * مالي صبر ساعة) ~~(فخواي اليوم لا يقبل * في الخبز شفاعه) فوقف ابن التلميذ على هذه الأبيات ~~وكتب إليه جوابها (هكذا أضياف مثلي * يتشاكون المجاعة) (غير أني لست أعطيك ~~* مضرا بشفاعة) (فتعلل بسويق * فهو خير من قطاعه) (بحياتي قل كما نرسمه * ~~سمعا وطاعة) فلما وصلت الأبيات إلى ابن أفلح كتب (إن مرسومك عندي * قد ~~توخيت استماعه) PageV06P073 # (غير أني لم ms1595 أقل من * نيتي سمعا وطاعة) (ودفعت الجوع ~~والله * فلم أسطع دفاعه) (فاكفني كلفته الآن * وأربحني صداعه) فكتب إليه ~~ابن التلميذ (أنا في الشعر ضعيف الطبع * منزور البضاعة) (ولك الخاطر قد ~~أوتي * طبعا وصناعه) (ومتى لم تكف شر الجوع * لم أكف صداعه) (فعلى اسم الله ~~قدم * أخذه من بعد ساعة) (302) وكان بين ابن التلميذ المذكور وبين أوحد ~~الزمان أبي البركات هبة الله ابن علي بن ملكان الحكيم المشهور صاحب كتاب ~~المعتبر في الحكمة تنافر وتنافس كما جرت العادة بمثله بين أهل كل فضيلة ~~وصنعة ولهما في ذلك أمور ومجالس مشهورة وكان يهوديا ثم أسلم في آخر عمره ~~وأصابه الجذام فعالج نفسه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوعها فبالغت في ~~نهشه فبرئ من الجذام وعمي وقصته في ذلك مشهورة فعمل فيه ابن التلميذ ~~المذكور (لنا صديق يهودي حماقته * إذا تكلم تبدو فيه من فيه) (يتيه والكلب ~~أعلى منه منزلة * كأنه بعد لم يخرج من التيه) PageV06P074 # وكان ابن التلميذ كثير التواضع وأوحد الزمان متكبرا ~~فعمل فيهما البديع الأسطرلابي المقدم ذكره (أبو الحسن الطبيب ومقتفيه * أبو ~~البركات في طرفي نقيض) (فهذا بالتواضع في الثريا * وهذا بالتكبر في الحضيض) ~~ولابن التلميذ في الطب تصانيف مليحة فمن ذلك كتاب أقراباذين وهو نافع في ~~بابه وبه عمل أطباء هذا الزمان وله كناش وحواش على كليات ابن سينا وغير ذلك ~~(303) وكان شيخه في الطب أبا الحسن هبة الله بن سعيد صاحب التصانيف ~~المشهورة منها كتاب التلخيص والمغني في الطب وهو جزء واحد وكتاب الإقناع ~~وهو أربعة أجزاء وقد انتقدوا عليه هذه التسمية وقالوا كان ينبغي أن يكون ~~الأمر بالعكس لأن المغني هو الذي يغني عن غيره فكان الكتاب الأكبر أولى ~~بهذا الاسم والإقناع هو الذي تقع القناعة به فالمختصر أولى بهذا الاسم وله ~~كل شيء مليح من تصنيف في طب أو أدب وكان حسن السمت كثير الوقار حتى قيل إنه ~~لم يسمع منه بدار الخلافة مدة ترداده إليها شيء من المجون سوى مرة واحدة ~~بحضرة المقتفي الخليفة ms1596 وذلك أنه كان له راتب بدار القوارير ببغداد فقطع ولم ~~يعلم به الخليفة فاتفق أنه كان عنده يوما فلما عزم على القيام لم يقدر عليه ~~إلا بكلفة ومشقة من الكبر فقال له المقتفي كبرت يا حكيم فقال نعم يا مولانا ~~وتكسرت قواريري وهذا في اصطلاح أهل بغداد أن الإنسان إذا كبر يقال تكسرت ~~قواريره فلما قال الحكيم هذه اللفظة قال الخليفة هذا الحكيم لم أسمع منه ~~PageV06P075 # هزلا منذ خدمنا فاكشفوا قضيته فكشفوها فوجدوا راتبه ~~بدار القوارير قد انقطع فطالعوا الخليفة بذلك فتقدم بردها عليه وكان الذي ~~قد قطعه الوزير عون الدين بن هبيرة وزاده إقطاعا آخر وأخباره كثيرة وتوفي ~~في صفر سنة ستين وخمسمائة ببغداد وقد ناهز المائة من عمره وقال ابن الأزرق ~~الفارقي في تاريخه مات ابن التلميذ في عيد النصارى وكان قد جمع من سائر ~~العلوم ما لم يجتمع في غيره ولم يبق ببغداد من الجانبين من لم يحضر البيعة ~~وشهد جنازته وليس في هذه الترجمة ما يحتاج إلى التقييد سوى ملكان جد أوحد ~~الزمان وهو بفتح الميم والكاف وبينهما لام ساكنة وبعد الألف نون وقد تقدم ~~في ترجمة ابن الجواليقي ما دار بينهما بحضرة الإمام المقتفي قلت وبعد فراغي ~~من ترجمة أمين الدولة ابن التلميذ المذكور وقفت على كتاب جمعه شيخنا موفق ~~الدين أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف البغدادي وجعله سيرة لنفسه وجميعه بخطه ~~وذكر في أوائله ابن التلميذ ووصفه بالعلم في صناعة الطب وإصابته ثم قال ~~ومنها أنه أحضرت إليه امرأة محمولة لا يعرف أهلها في الحياة هي أم في ~~الممات وكان الزمان شتاء فأمر بتجريدها وصب عليها الماء المبرد صبا متتابعا ~~كثيرا ثم أمر بنقلها إلى مجلس دفئ قد PageV06P076 # بخر بالعود والند ودفئت بأصناف الفراء ساعة فعطست ~~وتحركت وقعدت وخرجت ماشية مع أهلها إلى منزلها ومنها أنه أتي مرة بمريض ~~يعرق دما في زمن الصيف فسأل تلاميذه قدر خمسين نفسا فلم يعرفوا المرض فأمره ~~بأكل خبز شعير مع باذنجان مشوي ففعل ذلك ثلاثة أيام ms1597 فبرئ وسأله أصحابه عن ~~العلة فقال إن دمه قد رق ومسامه قد انفتحت وهذا الغذاء من شأنه تغليظ الدم ~~وتكثيف المسام ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي المدرسة النظامية فإذا مرض ~~فقيه نقله إليه وقام في مرضه عليه فإذا أبل وهب له دينارين وصرفه (304) ~~وذكر شيخنا موفق الدين قبل هذا أن ولد أمين الدولة المذكور كان شيخه وانتفع ~~به وكان شيخا قد ناهز ثمانين سنة ولديه تجربة فاضلة وغوص على أسرار الطبيعة ~~يرى الأمراض كأنها من وراء زجاج لا يعتريه فيها ولا في مداواتها شك وكان ~~أكثر ما يصف المفردات أو ما يقل تركيبه ولم أر من يستحق اسم الطب غيره وكان ~~يقول ينبغي للعاقل أن يختار من اللباس مالا تحسده عليه العامة ولا تحتقره ~~فيه الخاصة وكذا كان لباسه الأبيض الرفيع ثم قال وخنق في دهليز داره الثلث ~~الأول من الليل وكان قد أسلم قبل موته وفي نفسي عليه حسرات رحمه الله تعالى ~~نقلته ملخصا PageV06P077 # 780 هارون ابن المنجم أبو عبد الله هارون بن علي بن ~~يحيى بن أبي منصور المنجم البغدادي الأديب الفاضل وقد تقدم ذكر ولده علي في ~~حرف العين وكان هارون المذكور حافظا راوية للأشعار حسن المنادمة لطيف ~~المجالسة صنف كتاب البارع في أخبار الشعراء المولدين وجمع فيه مائة وواحدا ~~وستين شاعرا وافتتحه بذكر بشار بن برد العقيلي وختمه بمحمد بن عبد الملك ~~ابن صالح واختار فيه من شعر كل واحد عيونه وقال في أوله إني لما عملت كتابي ~~في أخبار الشعراء المولدين ذكرت ما اخترته من أشعارهم وتحريت في ذلك ~~الاختيار أقصى ما بلغته معرفتي وانتهى إليه علمي والعلماء تقول دل على عاقل ~~اختياره وقالوا اختيار الرجل من وفور عقله وقال بعضهم شعر الرجل قطعة من ~~كلامه وظنه قطعة من عقله واختياره قطعة من علمه وطول الكلام في هذا وذكر أن ~~هذا الكتاب مختصر من كتاب ألفه قبل هذا في هذا الفن وأنه كان طويلا فحذف ~~منه أشياء واقتصر على هذا القدر وبالجملة فإنه ms1598 من الكتب النفيسة فإنه يغني ~~عن دواوين الجماعة الذين ذكرهم فإنه مخض أشعارهم وأثبت منها زبدتها وترك ~~زبدها وهذا الكتاب هو الذي ذكرته في ترجمة العماد الكاتب الأصبهاني وقلت إن ~~كتاب الخريدة وكتاب الحظيري والباخرزي والثعالبي فروع عليه وهو الأصل الذي ~~نسجوا على منواله وله كتاب النساء وما جاء فيهن من الخبر ومحاسن ما قيل ~~فيهن من الشعر PageV06P078 # والكلام الحسن ولم أظفر له بشيء من الشعر حتى أورده ~~وذكر هو في كتابه البارع المذكور أباه أبا الحسن علي بن يحيى بن أبي منصور ~~وسرد له مقاطيع وقد ذكرته في ترجمة مفردة في حرف العين فلينظر هناك ثم ~~أردفه بذكر أخيه يحيى بن علي بن يحيى وعد له جملة مقاطيع أوردها ولا حاجة ~~بنا إلى ذكرها في هذا الموضع بل نذكرها في ترجمته إن شاء الله تعالى وتوفي ~~أبو عبد الله المذكور سنة ثمان وثمانين ومائتين وهو حدث السن رحمه الله ~~تعالى وسيأتي ذكر أخيه يحيى بن علي في حرف الياء إن شاء الله تعالى وكان ~~أبو منصور جد أبيه منجم أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين وكان مجوسيا (305) ~~وكان ابنه يحيى متصلا بذي الرياستين الفضل بن سهل المقدم ذكره وكان الفضل ~~يعمل برأيه في أحكام النجوم فلما حدثت الكائنة على الفضل حسبما ذكرناها في ~~ترجمته صار يحيى المذكور منجم المأمون ونديمه فاجتباه واختص به ورغبه في ~~الإسلام فأسلم على يده فصار بذلك مولاه وهم أهل بيت منهم جماعة من الفضلاء ~~والأدباء والشعراء وجالسوا الخلفاء ونادموهم وقد عقد لهم الثعالبي في كتاب ~~اليتيمة بابا مستقلا وذكر فيه جماعة منهم رحمهم الله تعالى وتوفي يحيى ~~المذكور بحلب عند خروج المأمون إلى طرسوس ودفن بها في مقابر قريش فقبره ~~هناك مكتوب عليه اسمه PageV06P079 # 781 هشام بن عروة أبو المنذر هشام بن عروة بن الزبير ~~بن العوام القرشي الأسدي قد تقدم ذكر أبيه في حرف العين وكان هشام أحد ~~تابعي المدينة المشهورين المكثرين في الحديث المعدودين من أكابر العلماء ~~وجلة التابعين وهو معدود في الطبقة ms1599 الرابعة من أهل المدينة رضي الله عنهم ~~وسمع عمه عبد الله بن الزبير وابن عمر رضي الله عنهما ورأى جابر ابن عبد ~~الله الأنصاري وأنس بن مالك وسهل بن سعد وقيل إنه رأى ابن عمر ولم يسمع منه ~~وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وسفيان الثوري ومالك ابن أنس وأيوب ~~السختياني وابن جريج وعبيد الله بن عبد الله بن عمر والليث ابن سعد وسفيان ~~بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان ووكيع وغيرهم وقدم الكوفة أيام أبي جعفر ~~المنصور فسمع منه الكوفيون وكانت ولادته سنة إحدى وستين للهجرة وقال أبو ~~إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد الذهلي ولد عمر بن عبد العزيز وهشام بن عروة ~~والزهري وقتادة والأعمش ليالي قتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهما وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين للهجرة وقدم بغداد على المنصور ~~وتوفي بها سنة ست وأربعين ومائة وقيل سنة خمس وأربعين وقيل سنة سبع رضي ~~الله عنه وصلى عليه المنصور ودفن بمقبرة الخيزران بالجانب الشرقي وقيل ~~PageV06P080 # بل قبره بالجانب الغربي خارج السوق نحو باب قطربل وراء ~~الخندق على مقابر باب حرب وهو ظاهر هناك معروف وعليه لوح منقوش أنه قبر ~~هشام بن عروة ومن قال إنه بالجانب الشرقي قال إن القبر الذي بالجانب الغربي ~~هو قبر هشام بن عروة المروزي صاحب عبد الله بن المبارك والله أعلم وله عقب ~~بالمدينة وبالبصرة وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن المنصور قال له يوما يا ~~أبا المنذر تذكر يوم دخلت عليك أنا وإخوتي الخلائف وأنت تشرب سويقا بقصبة ~~يراع فلما خرجنا من عندك قال لنا أبونا اعرفوا لهذا الشيخ حقه فإنه لا يزال ~~في قومكم بقية ما بقي فقال لا أذكر ذلك يا أمير المؤمنين فلما خرج هشام قيل ~~له يذكرك أمير المؤمنين ما تمت به إليه فتقول لا أذكره فقال لم أكن أذكر ~~ذلك ولم يعودني الله في الصدق إلا خيرا وروي عنه أنه دخل على المنصور فقال ~~يا أمير المؤمنين اقض عني ms1600 ديني قال وكم دينك قال مائة ألف قال وأنت في فقهك ~~وفضلك تأخذ دينا مائة ألف ليس عندك قضاؤها فقال يا أمير المؤمنين شب فتيان ~~من فتياننا فأحببت أن أبوئهم وخشيت أن ينتشر علي من أمرهم ما أكره فبوأتهم ~~واتخذت لهم منازل وأولمت عنهم ثقة بالله وبأمير المؤمنين قال فردد عليه ~~مائة ألف استعظاما لها ثم قال قد أمرنا لك بعشرة آلاف فقال يا أمير ~~المؤمنين أعطني ما أعطيت وأنت طيب النفس فإني سمعت أبي يحدث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال من أعطى عطية وهو بها طيب النفس بورك للمعطي ~~وللمعطى قال فإني طيب النفس بها وأهوى إلى يد المنصور PageV06P081 # يريد أن يقبلها فمنعه وقال يا ابن عروة إنا نكرمك عنها ~~ونكرمها عن غيرك وأخباره كثيرة رضي الله عنه 782 هشام ابن الكلبي أبو ~~المنذر هشام بن أبي النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبي النسابة ~~الكوفي قد تقدم ذكر أبيه في المحمدين وما جرى له مع الفرزدق الشاعر وحدث ~~هشام عن أبيه وروى عنه ابنه العباس وخليفة بن خياط ومحمد بن سعد كاتب ~~الواقدي ومحمد بن أبي السري البغدادي وأبو الأشعث أحمد بن المقدام وغيرهم ~~وكان من أعلم الناس بعلم الأنساب وله كتاب الجمهرة في النسب وهو من محاسن ~~الكتب في هذا الفن وكان من الحفاظ المشاهير ذكر الخطيب في تاريخ بغداد عنه ~~أنه دخل بغداد وحدث بها وأنه قال حفظت ما لم يحفظه أحد ونسيت ما لم ينسه ~~أحد كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن فدخلت بيتا وحلفت أن لا أخرج منه حتى ~~أحفظ القرآن فحفظته في ثلاثة أيام ونظرت يوما في المرآة فقبضت على لحيتي ~~لآخذ ما دون القبضة فأخذت ما فوق القبضة وله من التصانيف شيء كثير فمن ذلك ~~كتاب حلف عبد المطلب وخزاعة وكتاب حلف الفضول وكتاب حلف تميم وكلب وكتاب ~~PageV06P082 # المنافرات وكتاب بيوتات قريش وكتاب فضائل قيس عيلان ~~وكتاب الموءودات وكتاب بيوتات ربيعة وكتاب الكنى وكتاب شرف ms1601 قصي وولده في ~~الجاهلية والإسلام وكتاب ألقاب قريش وكتاب ألقاب اليمن وكتاب المثالب وكتاب ~~النوافل وكتاب ادعاء زياد معاوية وكتاب أخبار زياد بن أبيه وكتاب صنائع ~~قريش وكتاب المشاجرات وكتاب المعاتبات وكتاب ملوك الطوائف وكتاب ملوك كندة ~~وكتاب افتراق ولد نزار وكتاب تفريق الأزد وكتاب طسم وجديس وتصانيفه تزيد ~~على مائة وخمسين تصنيفا وأحسنها وأنفعها كتابه المعروف بالجمهرة في معرفة ~~الأنساب ولم يصنف في بابه مثله وكتابه الذي سماه المنزل في النسب أيضا وهو ~~أكبر من الجمهرة وكتاب الموجز في النسب وكتاب الفريد صنفه للمأمون في ~~الأنساب وكتابه الملوكي صنفه لجعفر بن يحيى البرمكي في النسب أيضا وكان ~~واسع الرواية لأيام الناس وأخبارهم فمن روايته أنه قال اجتمعت بنو أمية عند ~~معاوية بن أبي سفيان فعاتبوه في تفضيل عمرو بن العاص وادعاء زياد بن أبيه ~~فتكلم معاوية ثم حرك عمرا على الكلام فقال في بعض كلامه أنا الذي أقول في ~~يوم صفين (إذا تخازرت وما بي من خزر * ثم كسرت العين من غير عور) (ألفيتني ~~ألوى بعيد المستمر * أحمل ما حملت من خير وشر) (كالحية الصماء في أصل الشجر ~~*) PageV06P083 # أما والله ما أنا بالواني ولا الفاني وإني أنا الحية ~~الصماء التي لا يسلم سليمها ولا ينام كليمها وإني أنا المرء إن همزت كسرت ~~وإن كويت أنضجت فمن شاء فليشاور ومن شاء فليؤامر مع أنهم والله لو عاينوا ~~من يوم الهرير ما عاينت أو لو ولوا ما وليت لضاق عليهم المخرج ولتفاقم بهم ~~المنهج إذ شد علينا أبو الحسن وعن يمينه وشماله المباشرون من أهل البصائر ~~وكرام العشائر فهناك والله شخصت الأبصار وارتفع الشرار وتقلصت الخصي إلى ~~مواضع الكلى وقارعت الأمهات عن ثكلها وذهلت عن حملها واحمرت الحدق واغبر ~~الأفق وألجم العرق وسال العلق وثار القتام وصبر الكرام وخام اللئام وذهب ~~الكلام وأزبدت الأشداق وكثر العناق وقامت الحرب على ساق وحضر الفراق ~~وتضاربت الرجال بأغماد سيوفها بعد فناء من نبلها وتقصف من رماحها فلا يسمع ~~يومئذ إلا التغمغم من الرجال والتحمحم ms1602 من الخيل ووقع السيوف على الهام كأنه ~~دق غاسل بخشبته على منصبه ندأب ذلك يوما حتى ظعن الليل بغسقه وأقبل الصبح ~~بفلقه ثم لم يبق من القتال إلا الهرير والزئير لعلمتم أني أحسن بلاء وأعظم ~~غناء وأصبر على اللأواء منكم وإني وإياكم كما قال الشاعر (وأغضي على أشياء ~~لو شئت قلتها * ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا) (وإن كان عودي من نضار فإنني ~~* لأكرمه من أن أخاطر خروعا) والمأثور عنه كثير وتوفي سنة أربع ومائتين ~~وقيل سنة ست والأول أصح والله أعلم بالصواب رحمه الله تعالى PageV06P084 # 783 هشام صاحب الكسائي أبو عبد الله هشام بن معاوية ~~الضرير النحوي الكوفي صاحب أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي أخذ عنه كثيرا من ~~النحو وله فيه مقالة تعزى إليه وله فيه تصانيف عديدة فمن ذلك كتاب الحدود ~~وهو صغير وكتاب المختصر وكتاب القياس وغير ذلك وكان إسحاق بن إبراهيم بن ~~مصعب قد كلم المأمون يوما فلحن في بعض كلامه فنظر إليه المأمون ففطن لما ~~أراد فخرج من عنده وجاء إلى هشام المذكور فتعلم عليه النحو قال أبو مالك ~~الكندي توفي هشام بن معاوية الضرير النحوي سنة تسع ومائتين رحمه الله تعالى ~~PageV06P085 # 784 الفرزدق أبو فراس همام وقال ابن قتيبة في طبقات ~~الشعراء هميم بالتصغير ابن غالب وكنيته أبو الأخطل ابن صعصعة بن ناجية بن ~~عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم واسمه بحر بن مالك واسمه عوف سمي ~~بذلك لجوده ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر التميمي المعروف ~~بالفرزدق الشاعر المشهور صاحب جرير (306) كان أبوه غالب من جلة قومه ~~وسرواتهم وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس ولأبيه مناقب مشهورة ~~ومحامد مأثورة فمن ذلك أنه أصاب أهل الكوفة مجاعة وهو بها فخرج أكثر الناس ~~إلى البوادي فكان هو رئيس قومه وكان سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه ~~واجتمعوا بمكان يقال له صوأر في أطراف السماوة من بلاد كلب على مسيرة يوم ~~من الكوفة وهو بفتح ms1603 الصاد المهملة وسكون الواو وفتح الهمزة وبعدها راء فعقر ~~غالب لأهله ناقة وصنع منها طعاما وأهدى إلى قوم من بني تميم لهم جلالة ~~جفانا من ثريد ووجه إلى سحيم جفنة فكفأها وضرب الذي أتاه بها وقال أنا ~~مفتقر إلى طعام غالب إذا نحر هو ناقة نحرت أنا أخرى فوقعت المنافرة بينهما ~~وعقر سحيم لأهله ناقة فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين فعقر سحيم ~~لأهله ناقتين PageV06P086 # فلما كان اليوم الثالث عقر غالب ثلاثا فعقر سحيم ثلاثا ~~فلما كان اليوم الرابع عقر غالب مائة ناقة فلم يكن عند سحيم هذا القدر فلم ~~يعقر شيئا وأسرها في نفسه فلما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة قال بنو ~~رياح لسحيم جررت علينا عار الدهر هلا نحرت مثل ما نحر وكنا نعطيك مكان كل ~~ناقة ناقتين فاعتذر بأن إبله كانت غائبة وعقر ثلاثمائة ناقة وقال للناس ~~شأنكم والأكل وكان ذلك في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاستفتي في ~~حل الأكل منها فقضى بحرمتها وقال هذه ذبحت لغير مأكلة ولم يكن المقصود منها ~~إلا المفاخرة والمباهاة فألقيت لحومها على كناسة الكوفة فأكلتها الكلاب ~~والعقبان والرخم وهي قصة مشهورة وعمل فيها الشعراء أشعارا كثيرة فمن ذلك ~~قول جرير يهجو الفرزدق وهو بيت تستشهد به النحاة في كتبهم وهو من جملة ~~قصيدة (تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا) ومن ~~ذلك قول المحل أخي بني قطن بن نهشل (وقد سرني أن لا تعد مجاشع * من المجد ~~إلا عقر ناب بصوأر) وكان غالب المذكور أعور (307) وسحيم المذكور هو ابن ~~وثيل بن عمرو بن جوين بن وهيب بن حميري الشاعر الذي يقول (أنا ابن جلا ~~وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني) PageV06P087 # وهذا البيت من جملة أبيات وله ديوان شعر صغير والوثيل ~~الرشاء الضعيف وقيل الليف وكان الفرزدق كثير التعظيم لقبر أبيه فما جاءه ~~أحد واستجار به إلا نهض معه وساعده على بلوغ غرضه فمن ذلك ما حكاه المبرد ~~في كتاب الكامل أن الحجاج ms1604 بن يوسف الثقفي لما ولى تميم بن زيد القيني بلاد ~~السند دخل البصرة فجعل يخرج من أهلها من شاء فجاءت عجوز إلى الفرزدق فقالت ~~إني استجرت بقبر أبيك وأتت منه بحصيات فقال ما شأنك قالت إن تميم ابن زيد ~~خرج بابن لي معه ولا قرة لعيني ولا كاسب علي غيره فقال لها وما اسم ابنك ~~فقالت خنيس فكتب إلى تميم مع بعض من شخص (تميم بن زيد لا تكونن حاجتي * ~~بظهر فلا يعيا علي جوابها) (وهب لي خنيسا واحتسب فيه منة * لعبرة أم ما ~~يسوغ شرابها) (أتتني فعاذت يا تميم بغالب * وبالحفرة السافي عليها ترابها) ~~(وقد علم الأقوام أنك ماجد * وليث إذا ما الحرب شب شهابها) فلما ورد الكتاب ~~على تميم تشكك في الاسم فلم يعرف أخنيس أم حبيش ثم قال انظروا من له مثل ~~هذا الاسم في عسكرنا فأصيب ستة ما بين خنيس وحبيش فوجه بهم إليه وحضر يوما ~~الفرزدق ونصيب الشاعر المشهور عند سليمان بن عبد الملك الأموي وهو يومئذ ~~خليفة فقال سليمان للفرزدق أنشدني شيئا وإنما أراد سليمان أن ينشده مدحا له ~~فأنشده في مدح أبيه (وركب كأن الريح تطلب عندهم * لها ترة من جذبها ~~بالعصائب) (سروا يخبطون الريح وهي تلفهم * إلى شعب الأكوار ذات الحقائب) ~~(إذا آنسوا نارا يقولون إنها * وقد خصرت أيديهم نار غالب) PageV06P088 # فأعرض سليمان عنه كالمغضب فقال نصيب يا أمير المؤمنين ~~ألا أنشدك في رويها ما لعله لا يتضع عنها قال هات فأنشده (أقول لركب صادرين ~~لقيتهم * قفا ذات أوشال ومولاك قارب) (قفوا خبروني عن سليمان إنني * ~~لمعروفه من أهل ودان طالب) (فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت ~~عليك الحقائب) فقال سليمان للفرزدق كيف تراه فقال هو أشعر أهل جلدته ثم قام ~~وهو يقول (وخير الشعر أشرفه رجالا * وشر الشعر ما قال العبيد) (308) وكان ~~نصيب عبدا أسود لرجل من أهل وادي القرى فكاتب على نفسه ومدح عبد العزيز بن ~~مروان فاشترى ولاءه وكنيته أبو الحجناء وقيل أبو محجن وللفرزدق في مفاخر ms1605 ~~أبيه أشياء كثيرة (309) وأما جده صعصعة بن ناجية فإنه كان عظيم القدر في ~~الجاهلية واشترى ثلاثين موءودة منهن بنت لقيس بن عاصم المنقري وفي ذلك يقول ~~الفرزدق يفتخر به (وجدي الذي منع الوائدات * وأحيا الوئيد فلم يوأد) وهو ~~أول من أسلم من أجداد الفرزدق وقد ذكره في كتاب الاستيعاب في جملة الصحابة ~~رضوان الله عليهم أجمعين وقد اختلف العلماء أهل المعرفة بالشعر في الفرزدق ~~وجرير والمفاضلة بينهما والأكثرون على أن جريرا أشعر منه وكان بينهما من ~~المهاجاة والمعاداة ما هو PageV06P089 # مشهور وقد جمع لهما كتاب يسمى النقائض وهو من الكتب ~~المشهورة وكان جرير قد هجاه بقصيدته الرائية التي من جملتها (وكنت إذا حللت ~~بدار قوم * ظعنت بخزية وتركت عارا) فاتفق بعد ذلك أن الفرزدق نزل بامرأة من ~~أهل المدينة وجرى له معها قضية يطول شرحها وخلاصة الأمر أنه راودها عن ~~نفسها بعد أن كانت قد أضافته وأحسنت إليه فامتنعت عليه فبلغ الخبرعمر بن ~~عبد العزيز رضي الله عنه وهو يومئذ والي المدينة فأمر بإخراجه من المدينة ~~فلما أخرج وأركبوه ناقته ليسفروه قال قاتل الله ابن المراغة يعني جريرا ~~كأنه شاهد هذا الحال حيث قال وكنت إذا حللت بدار قوم... وأنشد البيت ~~المذكور وشهد الفرزدق عند بعض القضاة شهادة فقال له قد أجزنا شهادتك ثم قال ~~لأصحاب القضية زيدونا في الشهود فقيل للفرزدق حين انفصل عن مجلس القاضي إنه ~~لم يجز شهادتك فقال وما يمنعه من ذلك وقد قذفت ألف محصنة ومن شعره المشهور ~~قوله وهو مقيم بالمدينة (هما دلتاني من ثمانين قامة * كما انقض باز أقتم ~~الريش كاسره) (فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا * أحي فيرجى أم قتيل ~~نحاذره) (فقلت ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا * وأقبلت في أعجاز ليل أبادره) ~~(أحاذر بوابين قد وكلا بنا * وأسود من ساج تصر مسامره) فلما بلغت جريرا ~~الأبيات عمل من جملة قصيدة طويلة (لقد ولدت أم الفرزدق فاجرا * فجاءت ~~بوزواز قصير القوادم) PageV06P090 # (يوصل حبليه إذا جن ليله * ليرقى إلى جاراته بالسلالم) ~~(تدليت تزني من ms1606 ثمانين قامة * وقصرت عن باع العلا والمكارم) (هو الرجس يا ~~أهل المدينة فاحذروا * مداخل رجس بالخبيثات عالم) (لقد كان إخراج الفرزدق ~~عنكم * طهورا لما بين المصلى وواقم) فلما وقف الفرزدق على هذه القصيدة ~~جاوبه بقصيدة طويلة يقول في جملتها (وإن حراما أن أسب مقاعسا * بآبائي الشم ~~الكرام الخضارم) (ولكن نصفا لو سببت وسبني * بنو عبد شمس من مناف وهاشم) ~~(أولئك أمثالي فجئني بمثلهم * وأعبد أن أهجو كليبا بدارم) ولما سمع أهل ~~المدينة أبيات الفرزدق المذكورة أولا اجتمعوا وجاءوا إلى مروان بن الحكم ~~الأموي وكان يومئذ والي المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان الأموي فقالوا ~~له ما يصلح أن يقال مثل هذا الشعر بين أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد أوجب على نفسه الحد فقال مروان لست أحده أنا ولكن أكتب إلى من يحده ثم ~~أمره بالخروج من المدينة وأجله ثلاثة أيام وفي ذلك يقول الفرزدق (توعدني ~~وأجلني ثلاثا * كما وعدت لمهلكها ثمود) ثم كتب مروان إلى عامله يأمره فيه ~~أن يحده ويسجنه وأوهمه أنه قد كتب له بجائزة ثم ندم مروان على ما فعل فوجه ~~عنه سفيرا وقال إني قلت شعرا فاسمعه ثم أنشده (قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ~~* إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس) PageV06P091 # (ودع المدينة إنها مرهوبة * واقصد لمكة أو لبيت ~~المقدس) (وإذا اجتنيت من الأمور عظيمة * فخذن لنفسك بالزماع الأكيس) قوله ~~فاجلس أي اقصد الجلساء وهي نجد وسميت بذلك لارتفاعها لأن الجلوس في اللغة ~~هو الارتفاع ولما وقف الفرزدق على الأبيات فطن لما أراد مروان فرمى الصحيفة ~~وقال (يا مرو إن مطيي محبوسة * ترجو الحباء وربها لم ييأس) (وحبوتني بصحيفة ~~مختومة * يخشى على بها حباء النقرس) (ألق الصحيفة يا فرزدق لا تكن * نكدا ~~كمثل صحيفة المتلمس) وإذ ذكرنا صحيفة المتلمس فقد يتشوف الواقف على هذا ~~الكتاب أن يعلم قصتها (310) ومن خبرها أن المتلمس واسمه جرير بن عبد المسيح ~~بن عبد الله ابن زيد بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلى بن أحمس بن ضبيعة ms1607 الأضجم ~~ابن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وإنما لقب بالمتلمس لقوله من جملة قصيدة ~~(فهذا أوان العرض حي ذبابه * زنابيره والأزرق المتلمس) وهو بضم الميم وفتح ~~التاء المثناة من فوقها واللام وكسر الميم الثانية وتشديدها وبعدها سين ~~مهملة كان قد هجا عمرو بن هند اللخمي ملك الحيرة وهجاه أيضا طرفة بن العبد ~~البكري الشاعر المشهور وهو ابن أخت المتلمس المذكور فاتصل PageV06P092 # هجوهما بعمرو بن هند المذكور فلم يظهر لهما شيئا من ~~التغير ثم مدحاه بعد ذلك فكتب لكل واحد منهما كتابا إلى عامله بالحيرة ~~وأمره بقتلهما إذا وصلا إليه وأوهمهما أنه قد كتب لهما بصلة فلما وصلا إلى ~~الحيرة قال المتلمس لطرفة كل واحد منا قد هجا الملك ولو أراد أن يعطينا ~~لأعطانا ولم يكتب لنا إلى الحيرة فهلم ندفع كتبنا إلى من يقرؤها فإن كان ~~فيها خير دخلنا الحيرة وإن كان فيها شر فررنا قبل أن يعلم بمكاننا فقال ~~طرفة بن العبد ما كنت لأفتح كتاب الملك فقال المتلمس والله لأفتحن كتابي ~~ولأعلمن ما فيه ولا أكون كمن يحمل حتفه بيده فنظر المتلمس فإذا غلام قد خرج ~~من الحيرة فقال له أتقرأ يا غلام فقال نعم فقال هلم فاقرأ هذا الكتاب فلما ~~نظر إليه الغلام قال ثكلت المتلمس أمه فقال لطرفة افتح كتابك فما فيه إلا ~~مثل ما في كتابي فقال إن كان اجترأ عليك فلم يكن ليجترئ علي ويوغر صدور ~~قومي بقتلي فألقى المتلمس صحيفته في نهر الحيرة وفر إلى الشام ودخل طرفة ~~الحيرة فقتل وقصته في ذلك مشهورة فصار يضرب المثل بصحيفة المتلمس لكل من ~~قرأ صحيفة فيها قتله وإلى هذا أشار الحريري في المقامة العاشرة بقوله ~~ففضضتها فعل المتلمس من مثل صحيفة المتلمس وللأبله الشاعر المقدم ذكره في ~~المحمدين قصيدة يقول فيها (يقرا المتيم من صحيفة خده * في الهجر مثل صحيفة ~~المتلمس) رجعنا إلى تتمة خبر الفرزدق ثم خرج هاربا حتى أتى سعيد بن العاص ~~الأموي وعنده الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضي ms1608 الله عنهم فأخبرهم الخبر ~~فأمر له كل واحد منهم PageV06P093 # بمائة دينار وراحلة وتوجه إلى البصرة وقيل لمروان ~~أخطأت فيما فعلت فإنك عرضت عرضك لشاعر مضر فوجه وراءه رسولا ومعه مائة ~~دينار وراحلة خوفا من هجائه ومن أخبار الفرزدق أنه حكى أنه نزل في بعض ~~أسفاره في بادية وأوقد نارا فرآها ذئب فأتاه فأطعمه من زاده وأنشد (وأطلس ~~عسال وما كان صاحبا * دعوت بناري موهنا فأتاني) (فلما أتى قلت ادن دونك ~~إنني * وإياك في زادي لمشتركان) (فبت أقد الزاد بيني وبينه * على ضوء نار ~~مرة ودخان) (وقلت له لما تكشر ضاحكا * وقائم سيفي في يدي بمكان) (تعش فإن ~~عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان) (وأنت امرؤ يا ذئب والغدر ~~كنتما * أخيين كانا أرضعا بلبان) (ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى * رماك بسهم ~~أو شباة سنان) وكان قد أنشد سليمان بن عبد الملك الأموي قصيدة ميمية فلما ~~انتهى منها إلى قوله (ثلاث واثنتان فهن خمس * وسادسة تميل إلى شمام) (فبتن ~~بجانبي مصرعات * وبت أفض أغلاق الختام) (كأن مفالق الرمان فيه * وجمر غضا ~~قعدن عليه حام) فقال له سليمان قد أقررت عندي بالزنا وأنا إمام ولا بد من ~~إقامة الحد عليك فقال الفرزدق ومن أين أوجبت علي يا أمير المؤمنين فقال ~~بقول الله تعالى * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * ~~النور 2 PageV06P094 # فقال الفرزدق إن كتاب الله يدرؤه عني بقوله تعالى * ~~(والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون) * الشعراء 224 فأنا قلت ما لم أفعل فتبسم سليمان وقال أولى لك ~~وتنسب إليه مكرمة يرجى له بها الجنة وهي أنه لما حج هشام بن عبد الملك في ~~أيام أبيه فطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام ~~فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أعيان أهل الشام ~~فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي ~~الله ms1609 عنهم وقد تقدم ذكره وكان من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا فطاف بالبيت ~~فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم فقال رجل من أهل الشام من ~~هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة فقال هشام لا أعرفه مخافة أن يرغب فيه ~~أهل الشام وكان الفرزدق حاضرا فقال أنا أعرفه فقال الشامي من هذا يا أبا ~~فراس فقال (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم) (هذا ~~ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم) (إذا رأته قريش ~~قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم) (ينمى إلى ذروة العز التي قصرت * ~~عن نيلها عرب الإسلام والعجم) (يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما ~~جاء يستلم) (في كفه خيزران ريحه عبق * من كف أروع في عرنينه شمم) (يغضي ~~حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم) PageV06P095 # (ينشق نور الهدى عن نور غرته * كالشمس ينجاب عن ~~إشراقها الظلم) (مشتقة من رسول الله نبعته * طابت عناصره والخيم والشيم) ~~(هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا) (الله شرفه قدما ~~وعظمه * جرى بذاك له في لوحه القلم) (فليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف ~~من أنكرت والعجم) (كلتا يديه غياث عم نفعهما * تستوكفان ولا يعروهما عدم) ~~(سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه اثنان حسن الخلق والشيم) (حمال أثقال ~~أقوام إذا فدحوا * حلو الشمائل تحلو عنده نعم) (ما قال لا قط إلا في تشهده ~~* لولا التشهد كانت لاءه نعم) (لا يخلف الوعد مأمون نقيبته * رحب الفناء ~~أريب حين يعتزم) (عم البرية بالإحسان فانقشعت * عنها الغياية والإملاق ~~والعدم) (من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم) (إن عد أهل ~~التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم) (لا يستطيع جواد بعد ~~غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا) (هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت * والأسد ~~أسد الشرى والبأس محتدم) (لا ينقص العسر بسطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا ~~وإن عدموا) (مقدم بعد ذكر ms1610 الله ذكرهم * في كل بدء ومختوم به الكلم) (يأبى ~~لهم أن يحل الذم ساحتهم * خيم كريم وأيد بالندى هضم) (أي الخلائق ليست في ~~رقابهم * لأولية هذا أو له نعم) (من يعرف الله يعرف أولية ذا * والدين من ~~بيت هذا ناله الأمم) PageV06P096 # فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب وحبس الفرزدق وأنفذ له ~~زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردها وقال مدحته لله تعالى لا للعطاء فقال ~~إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده فقبلها وقال محمد بن حبيب المقدم ~~ذكره صعد الوليد بن عبد الملك المنبر فسمع صوت ناقوس فقال ما هذا قيل ~~البيعة فأمر بهدمها وتولى بعض ذلك بيده فتتابع الناس يهدمون فكتب إليه ~~الأخرم ملك الروم إن هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك فإن يكونوا أصابوا ~~فقد أخطأت وإن تكن أصبت فقد أخطأوا فقال من يجيبه فقال الفرزدق تكتب إليه * ~~(وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) * الأنبياء 78 وأخبار ~~الفرزدق كثيرة والاختصار أولى وتوفي بالبصرة سنة عشر ومائة قبل جرير ~~بأربعين يوما وقيل بثمانين يوما وقال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب شذور ~~العقود إنهما توفيا سنة إحدى عشرة ومائة وقال السكري إن الفرزدق لقي علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه وتوفي سنة عشر وقيل اثنتي عشرة وقيل أربع عشرة ومائة ~~وقال ابن قتيبة في طبقات الشعراء إن الفرزدق أصابته الدبيلة فقدم به البصرة ~~وأتى الطبيب فسقاه قارا أبيض فجعل يقول أتعجلون لي القار وأنا في الدنيا ~~ومات وقد قارب المائة والله أعلم وقد سبق في ترجمة جرير ما قاله جرير لما ~~بلغه وفاة الفرزدق فأغنى عن الإعادة رحمهما الله تعالى وذكر المبرد في كتاب ~~الكامل قال التقى الحسن البصري والفرزدق PageV06P097 # في جنازة فقال الفرزدق للحسن أتدري ما يقول الناس يا ~~أبا سعيد يقولون اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس قال الحسن كلا ~~لست بخيرهم ولست بشرهم ولكن ما أعددت ms1611 لهذا اليوم قال شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله مذ ستون سنة فيزعم بعض التميمية أن الفرزدق رؤي ~~في المنام فقيل له ما صنع بك ربك فقال غفر لي فقيل بأي شيء فقال بالكلمة ~~التي نازعتها الحسن وهمام بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى وناجية بالنون ~~والجيم المكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها وعقال بكسر العين المهملة وفتح ~~القاف ومحمد بن سفيان هو أحد الثلاثة الذين سموا بمحمد في الجاهلية وذكرهم ~~ابن قتيبة في كتاب المعارف وقال السهيلي في كتاب الروض الأنف لا يعرف في ~~العرب من تسمى بهذا الاسم قبله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة طمع آباؤهم ~~حين سمعوا بذكر محمد صلى الله عليه وسلم وبقرب زمانه وأنه يبعث في الحجاز ~~أن يكون ولدا لهم ذكرهم ابن فورك في كتاب الفصول وهم محمد بن سفيان بن ~~مجاشع جد جد الفرزدق الشاعر والآخر محمد بن أحيحة بن الجلاح وهو أخو عبد ~~المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمه والآخر محمد بن حمران من ~~ربيعة وكان آباء هؤلاء قد وفدوا على بعض الملوك وكان عنده علم الكتاب الأول ~~فأخبرهم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وباسمه وكان كل واحد منهم قد ~~خلف امرأته حاملا فنذر كل واحد منهم إن ولد له ذكر أن يسميه محمدا ففعلوا ~~ذلك وأما مجاشع فهو بضم الميم وفتح الجيم وبعد الألف شين معجمة مكسورة ثم ~~عين مهملة PageV06P098 # ودارم بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مكسورة ~~وبعدها ميم وبقية النسب معروف والفرزدق بفتح الفاء والراء وسكون الزاي وفتح ~~الدال المهملة وبعدها قاف وهو لقب عليه واختلف كلام ابن قتيبة في تلقيبه به ~~فقال في أدب الكاتب الفرزدق قطع العجين واحدتها فرزدقة وإنما لقب به لأنه ~~كان جهم الوجه وقال في كتاب طبقات الشعراء إنما لقب بالفرزدق لغلظه وقصره ~~شبه بالفتيتة التي تشربها النساء وهي الفرزدقة والقول الأول أصح لأنه كان ~~أصابه جدري في وجهه ثم برأ منه فبقي وجهه جهما ms1612 متغضنا ويروى أن رجلا قال له ~~يا أبا فراس كأن وجهك أحراح مجموعة فقال له تأمل هل ترى فيها حر أمك ~~والأحراح بحاءين مهملتين جمع حرح وهو الفرج فحذفت في المفرد حاؤه الثانية ~~فبقي حرا ومتى جمع عادت الحاء الثانية فقالوا أحراح لأن الجموع ترد الأشياء ~~إلى أصولها وكانت زوجة الفرزدق ابنة عمه وهي النوار بفتح النون ابنة أعين ~~ابن ضبيعة بن عقال المجاشعي وجدها ضبيعة هو الذي عقر الجمل الذي كانت عليه ~~عائشة أم المؤمنين يوم وقعة الجمل رضي الله عنها وكان قد خطبها يعني النوار ~~رجل من قريش فبعثت إلى الفرزدق تسأله أن يكون وليها إذ كان ابن عمها فقال ~~إن بالشام من هو أقرب مني إليك وما أنا آمن أن يقدم قادم منهم فينكر ذلك ~~علي فأشهدي أنك قد جعلت أمرك إلي ففعلت فخرج الشهود وقال لهم قد أشهدتكم ~~أنها جعلت أمرها لي وأنا أشهدكم أني قد تزوجتها على مائة ناقة حمراء سود ~~الحدق فغضبت من ذلك واستعدت عليه وخرجت إلى عبد الله بن الزبير وأمر الحجاز ~~والعراق يومئذ إليه وخرج الفرزدق أيضا فأما النوار فنزلت على خولة بنت ~~منظور بن زبان PageV06P099 # الفزاري امرأة عبد الله بن الزبير فرققتها وسألتها ~~الشفاعة لها وأما الفرزدق فنزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير وهو ابن ~~خولة المذكورة ومدحه فوعده الشفاعة فتكلمت خولة في النوار وتكلم حمزة في ~~الفرزدق فأنجحت خولة وأمر عبد الله بن الزبير أن لا يقربها حتى يصيرا إلى ~~البصرة فيحتكما إلى عامله عليها فخرجا وقال الفرزدق في ذلك (أما بنوه فلم ~~تنجح شفاعتهم * وشفعت بنت منظور بن زبانا) (ليس الشفيع الذي يأتيك متزرا * ~~مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا) ثم إن الفرزدق اتفق معها وبقي زمانا لا يولد ~~له ولد ثم ولد له بعد ذلك عدة أولاد وهم لبطة وسبطة وحبطة وركضة وزمعة ~~وكلهم من النوار وليس لواحد من ولده عقب إلا من النساء وقال ابن خالويه ومن ~~أولاد الفرزدق كلطة وجلطة والله أعلم ثم إن ms1613 الفرزدق طلق النوار لأمر يطول ~~شرحه فندم على ذلك وله فيها أشعار فمنها قوله (ندمت ندامة الكسعي لما * غدت ~~مني مطلقة نوار) (وكانت جنتي فخرجت منها * كآدم حين أخرجه الضرار) وله في ~~ذلك أخبار ونوادر يطول شرحها وليس هذا موضع استيفائه ومات للفرزدق ابن صغير ~~فصلى عليه ثم التفت إلى الناس فقال (وما نحن إلا مثلهم غير أننا * أقمنا ~~قليلا بعدهم وترحلوا) فمات بعد ذلك بأيام قلائل PageV06P100 # 785 هلال ابن المحسن الصابىء أبو الحسن هلال بن المحسن ~~بن أبي إسحاق إبراهيم بن هلال بن إبراهيم ابن زهرون بن حيون الصابىء ~~الحراني الكاتب هو حفيد أبي إسحاق الصابىء صاحب الرسائل المشهورة وقد سبق ~~ذكر جده في حرف الهمزة سمع هلال المذكور أبا علي الفارسي النحوي المقدم ~~ذكره وعلي بن عيسى الرماني المقدم ذكره أيضا وأبا بكر أحمد بن محمد بن ~~الجراح الخراز وغيرهم وذكره الخطيب في تاريخ بغداد وقال كتبنا عنه وكان ~~صدوقا وكان أبوه المحسن صابئيا على دين جده إبراهيم فأسلم هلال المذكور في ~~آخر عمره وسمع من العلماء في حال كفره لأنه كان يطلب الأدب ورأيت له تصنيفا ~~جمع فيه حكايات مستملحة وأخبارا نادرة وسماه كتاب الأماثل والأعيان ومنتدى ~~العواطف والإحسان وهو مجلد واحد ولا أعلم هل صنف سواه أم لا (311) وكان ~~ولده غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال المذكور ذا فضائل جمة وتآليف نافعة ~~منها التاريخ الكبير المشهور ومنها الكتاب الذي سماه الهفوات النادرة من ~~المغفلين الملحوظين والسقطات الباردة من المغفلين المحظوظين جمع فيه كثيرا ~~من الحكايات التي تتعلق بهذا الباب فمما نقلته منه أن عبد الله بن علي بن ~~عبد الله بن العباس رضي الله عنه وهو عم السفاح PageV06P101 # وأبي جعفر المنصور أنفذ إلى ابن أخيه السفاح في أول ~~ولايتهم مشيخة من أهل الشام يطرفه بعقولهم واعتقادهم وأنهم حلفوا أنهم ما ~~علموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة يرثونه غير بني أمية حتى وليتم ~~أنتم ونقلت منه أيضا حكاية وإن كانت سخيفة لكنها ظريفة ولا ms1614 بد في المجاميع ~~من الإحماض ومزج الهزل بالجد والحكاية المذكورة هي أن أبا سعيد ماهك ابن ~~بندار المجوسي الرازي كان من كبار كتاب الديلم المشهور تجلفهم الشائعة فيه ~~أخبارهم وكان يكتب لعلي بن سامان أحد قواد الديلم فأراد الوزير أبو محمد ~~المهلبي أن ينفذ ماهك في بعض الخدم فقال له وقد أراد الخروج من عنده يا أبا ~~سعيد لا تبرح من الدار حتى أوقفك على شيء أريده معك فقال السمع والطاعة ~~لأمر سيدنا الوزير ونهض من بين يديه فقال الوزير هذا رجل مجنون وربما طال ~~بي الشغل وضاق صدره فانصرف فتقدموا إلى البواب أن لا يدعه يخرج من الباب ~~فجلس ماهك طويلا وأراد دخول الخلاء فقام يطلب ذلك فرأى الأخلية مقفلة وكان ~~قد تقدم الوزير بذلك وقال كانت دار أبي جعفر الصيمري منتنة الرائحة لأجل ~~خلاء كان بها لعامة الناس فوجد ماهك الخلاء الخاص غير مقفل وعليه ستر مسبل ~~فرفع الستر ليدخل فجاء الفراش فمنعه ودفعه فقال يا هذا أليس هذا خلاء فقال ~~بلى فقال أريد أن أعمل فيه حاجتي فلم تمنعني قال هذا خلاء خاص لا يدخله غير ~~الوزير قال فبقية الأخلية مقفلة فكيف أعمل وقد جئت أخرج فمنعني البواب ~~فأخرى في ثيابي فقال الفراش استأذن في دخول الخلاء ليتقدم لك بذلك ويفتح لك ~~أحد الأخلية فتقضي حاجتك فاشتد به الأمر فكتب إلى الوزير رقعة وقال فيها قد ~~احتاج عبد سيدنا الوزير ماهك إلى بعض ما يحتاج إليه الناس PageV06P102 # ولا يحسن ذكره والفراش يقول لا تدخل والبواب يقول لا ~~تخرج وقد تحير العبد في البين والأمر في الشدة فإن رأى سيدنا الوزير أن ~~يفسح لعبده بأن يعمل ما يحتاج إليه في خلائه فعل إن شاء الله تعالى والسلام ~~ودفع الرقعة إلى بعض الحجاب فأوصلها إلى الوزير فلم يعلم ما أراد بالرقعة ~~فاستعلم ما الصورة فعرف بها فضحك واستلقى على ظهره ووقع على ظهر الرقعة ~~يخرى أبو سعيد أعزه الله بحيث يختار إن شاء الله تعالى فجاءه الحاجب بها ~~فأخذه ms1615 ودفعه إلى الفراش وقال هذا ما طلبت وهو توقيع سيدنا الوزير فقال ~~الفراش التوقيعات يقرؤها أبو العلاء ابن أبرونا كاتب ديوان الدار وأنا لا ~~أحسن أن أكتب ولا أقرأ فصاح ماهك في الدار هات من يقرأ في الدار صك الخرا ~~فضحك فراش آخر وأخذ بيده وحمله إلى بعض الحجر حتى قضى حاجته ونقلت من هذا ~~الكتاب أيضا أن أرطأة بن سهية دخل على عبد الملك ابن مروان وكان قد أدرك ~~الجاهلية والإسلام فرآه عبد الملك شيخا كبيرا فاستنشده ما قاله في طول عمره ~~فأنشده (رأيت المرء تأكله الليالي * كأكل الأرض ساقطة الحديد) (وما تبغي ~~المنية حين تأتي * على نفس ابن آدم من مزيد) (واعلم أنها ستكر حتى * توفي ~~نذرها بأبي الوليد) فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه لأنه كان يكنى أبا ~~الوليد وعلم أرطأة بسهوه وزلته فقال يا أمير المؤمنين إني أكنى بأبي الوليد ~~وصدقه الحاضرون فسري عن عبد الملك قليلا PageV06P103 # ونقلت منه أيضا أن أبا العلاء صاعد بن مخلد كاتب ~~الموفق قرأ على الموفق كتابا فلم يفهم معناه وقرأه الموفق ففهمه فقال فيه ~~عيسى بن القاشي (أرى الدهر يمنع من جانبه * ويهدي الحظوظ إلى عائبه) (وكم ~~طالب سببا مجلبا * فأعيا عناه على طالبه) (ومن عجب الدهر أن الأمير * أصبح ~~أكتب من كاتبه) والموفق المذكور هو ابن أحمد طلحة بن المتوكل وهو والد ~~المعتضد الخليفة العباسي ونقلت منه أيضا أن أعرابيا شهد الموقف مع عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال الأعرابي فصاح به صائح من خلفه يا خليفة رسول الله ~~ثم قال يا أمير المؤمنين فقال رجل من خلفي دعاه باسم ميت مات والله أمير ~~المؤمنين فالتفت إليه فإذا هو رجل من بني لهب بكسر اللام وهم من بني النضر ~~ابن الأزد وهم أزجر قوم وقد أشار كثير عزة إلى ذلك في قوله (سألت أخا لهب ~~ليزجر زجره * وقد صار زجر العالمين إلى لهب) قال الأعرابي فلما وقفنا لرمي ~~الجمار إذا حصاة قد صكت صلعة عمر رضي الله عنه ms1616 فأدمته فقال قائل أشعر والله ~~أمير المؤمنين والله لا يقف هذا الموقف بعدها فالتفت إليه فإذا هو اللهبي ~~بعينه فقتل عمر رضي الله عنه قبل الحول PageV06P104 # وهذه الحكاية في كتاب الكامل أيضا وقوله دعاه باسم ميت ~~إنما قال ذلك لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقال له خليفة رسول الله ~~فلما توفي وتولى عمر رضي الله عنه قيل له خليفة خليفة رسول الله فقال ~~للصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين هذا أمر يطول شرحه فإن كل من يتولى ~~يقال له خليفة من كان قبله حتى يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما ~~أنتم المؤمنون وأنا أميركم فقيل له يا أمير المؤمنين فهو أول من دعي بهذا ~~الاسم وكان لفظ الخليفة مختصا بأبي بكر الصديق رضي الله عنه فلهذا قال دعاه ~~باسم ميت وذكر عمر بن شبة المقدم ذكره في أخبار البصرة عن الشعبي أن أول من ~~دعا لعمر رضي الله عنه على المنبر أبو موسى الأشعري بالبصرة وهو أول من كتب ~~لعبد الله أمير المؤمنين فقال عمر إني لعبد الله وإني لعمر وإني لأمير ~~المؤمنين وقال عوانة أول من سماه أمير المؤمنين عدي بن حاتم الطائي وأول من ~~سلم عليه بها المغيرة بن شعبة وقال غيره جلس عمر يوما فقال والله ما ندري ~~كيف نقول أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا خليفة أبي بكر ~~فأنا خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن جاء بعدي يقال له خليفة ~~خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل اسم قالوا الأمير قال كلكم ~~أمير قال المغيرة نحن المؤمنون وأنت أميرنا فأنت أمير المؤمنين قال فأنا ~~أمير المؤمنين والله أعلم وقد خرجنا عن المقصود وكانت ولادة هلال المذكور ~~في شوال سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وتوفي ليلة الخميس سابع عشر شهر رمضان ~~سنة ثمان وأربعين وأربعمائة رحمه الله تعالى PageV06P105 # 786 الهيثم بن عدي أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي بن ~~عبد الرحمن بن زيد بن ms1617 أسيد بن جابر ابن عدي بن خالد بن خيثم بن أبي حارثة ~~بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث ~~بن جلهمة وهو طيء الطائي الثعلي البحتري الكوفي كان راوية أخباريا نقل من ~~كلام العرب وعلومها وأشعارها ولغاتها الكثير وكان أبوه نازلا بواسط وكان ~~خيرا وكان الهيثم يتعرض لمعرفة أصول الناس ونقل أخبارهم فأورد معايبهم ~~وأظهرها وكانت مستورة فكره لذلك ونقل عنه أنه ذكر العباس بن عبد المطلب رضي ~~الله عنه بشيء فحبس لذلك عدة سنين ويقال إنه نقل عنه زورا ولبسوا عليه ما ~~لم يقله وكان قد صاهر قوما فلم يرضوه فأذاعوا ذلك عنه وحرفوا الكلام وكان ~~يرى رأي الخوارج وله من الكتب المصنفة كتاب المثالب وكتاب المعمرين وكتاب ~~بيوتات العرب وكتاب بيوتات قريش وكتاب هبوط آدم عليه السلام وافتراق العرب ~~ونزولها منازلها وكتاب نزول العرب بخراسان والسواد وكتاب نسب طي وكتاب مديح ~~أهل الشام وكتاب تاريخ العجم وبني أمية وكتاب من تزوج من الموالي في العرب ~~وكتاب الوفود وكتاب PageV06P106 # خطط الكوفة وكتاب ولاة الكوفة وكتاب تاريخ الأشراف ~~الكبير وكتاب تاريخ الأشراف الصغير وكتاب طبقات الفقهاء والمحدثين وكتاب ~~كنى الأشراف وكتاب خواتيم الخلفاء وكتاب قضاة الكوفة والبصرة وكتاب المواسم ~~وكتاب الخوارج وكتاب النوادر وكتاب التاريخ على السنين وكتاب أخبار الحسن ~~بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ووفاته وكتاب أخبار الفرس وكتاب عمال ~~الشرط لأمراء العراق وغير ذلك من التصانيف واختص بمجالسة المنصور والمهدي ~~والهادي والرشيد وروى عنهم قال الهيثم قال لي المهدي ويحك يا هيثم إن الناس ~~يخبرون عن الأعراب شحا ولؤما وكرما وسماحا وقد اختلفوا في ذلك فما عندك ~~فقلت على الخبير سقطت خرجت من عند أهلي أريد ديار فرائد لي ومعي ناقة ~~أركبها إذ ندت فذهبت فجعلت أتبعها حتى أمسيت فأدركتها ونظرت فإذا خيمة ~~أعرابي فأتيتها فقالت ربة الخباء من أنت فقلت ضيف فقالت وما يصنع الضيف ~~عندنا إن الصحراء لواسعة ثم قامت إلى بر ms1618 فطحنته ثم عجنته وخبزته وقعدت ~~فأكلت ولم ألبث أن أقبل زوجها ومعه لبن فسلم ثم قال من الرجل فقلت ضيف فقال ~~مرحبا حياك الله فدخل الخباء وملأ قعبا من لبن ثم أتاني به وقال اشرب فشربت ~~شرابا هنيئا فقال ما أراك أكلت شيئا وما أراها أطعمتك فقلت لا والله فدخل ~~إليها مغضبا وقال ويلك أكلت وتركت ضيفك فقالت وما أصنع به أطعمه طعامي ~~وجاراها في الكلام حتى شجها ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقتي فنحرها فقلت ما ~~صنعت عافاك الله فقال لا والله ما يبيت ضيفي جائعا ثم جمع حطبا وأجج نارا ~~وأقبل يكبب ويطعمني ويأكل ويلقي إليها ويقول كلي لا أطعمك الله حتى إذا ~~أصبح تركني ومضى فقعدت مغموما فلما تعالى النهار أقبل ومعه بعير ما يسأم ~~الناظر أن ينظر إليه فقال هذا مكان ناقتك ثم زودني من ذلك اللحم ~~PageV06P107 # ومما حضره وخرجت من عنده فضمني الليل إلى خباء فسلمت ~~فردت صاحبة الخباء السلام وقالت من الرجل فقلت ضيف فقالت مرحبا بك حياك ~~الله وعافاك فنزلت ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته ثم خبزته خبزة روتها ~~بالزبد واللبن ثم وضعته بين يدي فقالت كل واعذر فلم ألبث أن أقبل أعرابي ~~كريه الوجه فسلم فرددت عليه السلام فقال من الرجل قلت ضيف قال وما يصنع ~~الضيف عندنا ثم دخل إلى أهله فقال أين طعامي فقالت أطعمته الضيف فقال ~~أتطعمين الضيف طعامي فتجاريا الكلام فرفع عصاه وضرب بها رأسها فشجها فجعلت ~~أضحك فخرج إلي فقال ما يضحكك قلت خير فقال والله لتخبرني فأخبرته بقضية ~~المرأة والرجل اللذين نزلت عندهما قبله فأقبل علي وقال إن هذه التي عندي هي ~~أخت ذلك الرجل وتلك التي عنده أختي فبت ليلتي متعجبا وانصرفت ويقرب من هذه ~~الحكاية ما روي أن رجلا من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية فجاءه ~~سائل فرده خائبا وكان الرجل مترفا فوقع بينه وبين امرأته فرقة وذهب ماله ~~وتزوجت امرأته فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية جاءه سائل ms1619 ~~فقال لامرأته ناوليه الدجاجة فناولته ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول ~~فأخبرته بالقصة فقال الزوج الثاني أنا والله ذلك المسكين الأول الذي خيبني ~~فحول الله نعمته وأهله إلي لقلة شكره وحكى الهيثم أيضا قال صار سيف عمرو بن ~~معد يكرب الزبيدي الذي كان يسمى بالصمصامة إلى موسى الهادي بن المهدي وكان ~~عمرو قد وهبه لسعيد ابن العاص الأموي فتوارثه ولده إلى أن مات المهدي ~~واشتراه موسى الهادي منهم بمال جليل وكان من أوسع بني العباس كفا وأكثرهم ~~عطاء فجرد الصمصامة وجعلها بين يديه وأذن للشعراء فدخلوا عليه ودعا بمكتل ~~فيه بدرة وقال قولوا في هذا السيف فبدر ابن يامين البصري وأنشد PageV06P108 # (حاز صمصامة الزبيدي من بين * جميع الأنام موسى ~~الأمين) (سيف عمرو وكان فيما سمعنا * خير ما أغمدت عليه الجفون) (أخضر ~~اللون بين حديه برد * من ذباح تبين فيه المنون) (أوقدت فوقه الصواعق نارا * ~~ثم شابت فيه الزعاف القيون) (فإذا ما سللته بهر الشمس * ضياء فلم تكد ~~تستبين) (ما يبالي من انتضاه لضرب * أشمال سطت به أم يمين) (يستطير الأبصار ~~كالقبس المشعل * ما تستقر فيه العيون) (وكأن الفرند والجوهر الجاري * في ~~صفحتيه ماء معين) (نعم مخراق ذي الحفيظة في الهيجاء * يعصى به ونعم القرين) ~~فقال الهادي أصبت والله ما في نفسي واستخفه السرور فأمر له بالمكتل والسيف ~~فلما خرج من عنده قال للشعراء إنما حرمتم من أجلي فشأنكم والمكتل ففي السيف ~~غنائي فاشتري منه السيف بمال جزيل وقال المسعودي في كتاب مروج الذهب اشتراه ~~الهادي منه بخمسين ألفا ولم يذكر من هذه الأبيات إلا بعضها والذباح بضم ~~الذال المعجمة وفتح الباء الموحدة وبعد الألف حاء مهملة وهو نبت قتال ~~لسميته وقد جاء كثيرا في الشعر ويعصى بفتح الصاد يقال عصي بكسر الصاد يعصى ~~إذا ضرب بالسيف وهو خلاف عصى يعصى إذا ارتكب الذنب وحكى المسعودي في مروج ~~الذهب في ولاية هشام بن عبد الملك أن الهيثم بن عدي المذكور روى عن عمر بن ~~هانىء الطائي قال خرجت مع عبد الله ms1620 ابن علي وهو عم السفاح والمنصور ~~فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحا ما فقد منه إلا خرمة ~~أنفه فضربه عبد الله ثمانين سوطا PageV06P109 # ثم أحرقه واستخرجنا سليمان بن عبد الملك من أرض دابق ~~فلم نجد منه شيئا إلا صلبه وأضلاعه ورأسه فأحرقناه وفعلنا ذلك بغيرهما من ~~بني أمية وكانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق فأخرجنا الوليد بن عبد ~~الملك فما وجدنا في قبره لا قليلا ولا كثيرا واحتفرنا عن عبد الملك فما ~~وجدنا إلا شؤون رأسه ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه إلا عظما ~~واحدا ووجدنا مع لحده خطا أسود كأنما خط بالرماد بالطول في لحده ثم تتبعنا ~~قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم (312) وكان سبب فعل عبد ~~الله ببني أمية هذا الفعل أن زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنهم وقد سبق ذكره في ترجمة الوزير محمد بن بقية خرج على ~~هشام بن عبد الملك وسمت نفسه إلى طلب الخلافة وتبعه خلق من الأشراف والقراء ~~فحاربه يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~فانهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة فقاتلهم أشد قتال وهو يقول متمثلا ~~(ذل الحياة وعز الممات * وكلا أراه طعاما وبيلا) (فإن كان لا بد من واحد * ~~فسيري إلى الموت سيرا جميلا) وحال المساء بين الفريقين فانصرف زيد مثخنا ~~بالجراح وقد أصابه سهم في جبهته فطلبوا من ينزع النصل فأتي بحجام من بعض ~~القرى فاستكتموه أمره فاستخرج النصل فمات من ساعته فدفنوه في ساقية ماء ~~وجعلوا على قبره التراب والحشيش وأجروا الماء على ذلك وحضر الحجام مواراته ~~فعرف الموضع فلما أصبح مضى إلى يوسف منتصحا له فدله على موضع قبره فاستخرجه ~~يوسف وبعث رأسه إلى هشام فكتب إليه هشام أن اصلبه عريانا PageV06P110 # فصلبه يوسف كذلك ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أمية ~~يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم من جملة أبيات (صلبنا لكم زيدا ms1621 على جذع نخلة * ~~ولم أر مهديا على الجذع يصلب) وبنى تحت خشبته عمودا ثم كتب هشام إلى يوسف ~~يأمره بإحراقه وتذريته في الرياح وكان ذلك في سنة إحدى وعشرين وقيل اثنتين ~~وعشرين ومائة وذكر أبو بكر ابن عياش وجماعة من الأخباريين أن زيدا أقام ~~مصلوبا خمس سنين عريانا فلم ير أحد له عورة سترا من الله سبحانه وتعالى له ~~وقال بعضهم إن العنكبوت نسج على عورته وذلك بالكناسة بالكوفة فلما كان في ~~أيام الوليد ابن يزيد وظهر ولده يحيى بن زيد بخراسان وهي واقعة مشهورة كتب ~~الوليد إلى عامله بالكوفة أن أحرق زيدا بخشبته ففعل ذلك وأذرى رماده في ~~الرياح على شاطىء الفرات والله تعالى أعلم أي ذلك كان فهذا الذي حمل عبد ~~الله بن علي على ما فعله ببني أمية انتصارا لبني عمه وانتقاما لهم بنظير ما ~~فعل بهم وقال الهيثم أيضا استعملت على صدقات بني فزارة فجاءني رجل منهم ~~فقال أريك عجبا فقلت بلى فانطلق إلى جبل شاهق فإذا فيه صدع فقال لي ادخل ~~فقلت إنما يدخل الدليل قال فدخل فاتبعته ودخل معنا أناس فكان ربما ضاق ~~الجبل واتسع فإذا نحن بضوء فدنونا منه وإذا خرق ذاهب في الأرض وإذا عكاكيز ~~في الجبل فجذبناها فإذا هي سهام عاد وإذا كتاب منقور في الجبل مقدار إصبعين ~~أو أكثر وإذا هو كتاب بالعربية وهو (ألا هل إلى أبيات سفح بذي اللوى * لوى ~~الرمل فاصدقن النفوس معاد) (بلاد لنا كانت وكنا نحبها * إذ الناس ناس ~~والبلاد بلاد) وروي أن أبا نواس الحسن بن هانىء الحكمي الشاعر المقدم ذكره ~~حضر PageV06P111 # مجلس الهيثم بن عدي في حداثته والهيثم لا يعرفه فلم ~~يستدنه ولا قرب مجلسه فقام مغضبا فسأل الهيثم عنه فخبر باسمه فقال إنا لله ~~هذه والله بلية لم أجنها على نفسي قوموا بنا إليه لنعتذر فصاروا إليه ودق ~~الباب عليه وتسمى له فقال ادخل فدخل فإذا هو قاعد يصفي نبيذا له وقد أصلح ~~بيته بما يصلح به مثله فقال المعذرة إلى الله ms1622 تعالى وإليك والله ما عرفتك ~~وما الذنب إلا لك حيث لم تعرفنا نفسك فنقضي حقك ونبلغ الواجب من برك فأظهر ~~له قبول العذر فقال الهيثم أستعهدك من قول يسبق منك في فقال ما قد مضى فلا ~~حيلة فيه ولك الأمان فيما استأنف فقال وما الذي مضى جعلت فداك قال بيت مر ~~وأنا فيما ترى يعني من الغضب قال فتنشدنيه فدافعه فألح عليه فأنشده (يا ~~هيثم بن عدي لست للعرب * ولست من طيىء إلا على شغب) (إذا نسبت عديا في بني ~~ثعل * فقدم الدال قبل العين في النسب) فقام من عنده ثم بلغه بعد ذلك بقية ~~الأبيات وهي (للهيثم بن عدي في تلونه * في كل يوم له رجل على خشب) (فما ~~يزال أخا حل ومرتحل * إلى الموالي وأحيانا إلى العرب) (له لسان يزجيه ~~بجوهره * كأنه لم يزل يغدى على قتب) (كأنني بك فوق الجسر منتصبا * على جواد ~~قريب منك في الحسب) (حتى نراك وقد درعته قمصا * من الصديد مكان الليف ~~والكرب) (لله أنت فما قربى تهم بها * إلا اجتلبت لها الأنساب من كثب) فعاد ~~الهيثم إلى أبي نواس وقال له يا سبحان الله أليس قد أمنتني وجعلت لي عهدا ~~أن لا تهجوني فقال إنهم يقولون ما لا يفعلون PageV06P112 # وأخبار الهيثم كثيرة وقد أطلنا الشرح وكانت ولادته قبل ~~سنة ثلاثين ومائة وتوفي غرة المحرم سنة ست وقيل سبع ومائتين وقال ابن قتيبة ~~في كتاب المعارف سنة تسع ومائتين والله تعالى أعلم بالصواب رحمه الله تعالى ~~وله عقب ببغداد وقال السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة البحتري إنه توفي ~~سنة تسع ومائتين بفم الصلح وله ثلاث وتسعون سنة وزاد غيره أن وفاته كانت ~~عند الحسن بن سهل وقد تقدم في ترجمة بوران أن زواجها بالمأمون كان في هذا ~~التاريخ بهذا الموضع والظاهر أنه كان في جملة من حضر فتوفي هناك وقد تقدم ~~الكلام على الطائي والبحتري والثعلي بضم الثاء المثلثة وفتح العين المهملة ~~وبعدها لام هذه النسبة إلى ثعل بن عمرو بن الغوث ms1623 بن طيء وقد تقدم تتمة هذه ~~النسبة في ترجمة البحتري في حرف الواو فلتنظر هناك وتنسب إلى ثعل المذكور ~~عدة بطون منها بحتر وسلامان وغيرهما (313) ومن هذه القبيلة عمرو بن المسبح ~~الثعلي الذي قدم على سول الله صلى الله عليه وسلم في وفود العرب فأسلم ~~بالمدينة وهو ابن مائة وخمسين سنة وكان أرمى العرب وفيه يقول امرؤ القيس ~~حندج بن حجر الكندي الشاعر المشهور (رب رام من بني ثعل * مخرج كفيه من ~~ستره) PageV06P113 # وهذا من جملة ما استشهد به ابن قتيبة في كتاب طبقات ~~الشعراء على قرب زمن امرئ القيس من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه ~~كان قبله بمقدار أربعين سنة هذا خلاصة ما قاله والله أعلم PageV06P114 # حرف الياء PageV06P115 # 787 ياروق التركماني ياروق بن أرسلان التركماني كان ~~مقدما جليل القدر في قومه وإليه تنسب الطائفة الياروقية من التركمان وكان ~~عظيم الخلقة هائل المنظر سكن بظاهر حلب في جهتها القبلية وبنى على شاطىء ~~قويق فوق تل مرتفع هو وأهله وأتباعه أبنية كثيرة مرتفعة وعمائر متسعة وتعرف ~~الآن بالياروقية وهي شبه القرية وسكنها هو ومن معه وهي إلى اليوم معمورة ~~مسكونة آهله يتردد إليها أهل حلب في أيام الربيع ويتنزهون هناك في الخضرة ~~وعلى قويق وهو موضع كثير الانشراح والأنس وتوفي ياروق المذكور في المحرم ~~سنة أربع وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى هكذا ذكره بهاء الدين المعروف ~~بابن شداد في سيرة السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى وياروق بفتح الياء ~~المثناة من تحتها وبعد الألف راء مضمومة ثم واو ساكنة وفي الآخر قاف وقويق ~~بضم القاف وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف وهو نهر ~~صغير بظاهر حلب يجري في الشتاء والربيع وينقطع في الصيف وقد ذكرته الشعراء ~~في أشعارهم كثيرا خصوصا أبا عبادة البحتري فإنه كرر PageV06P117 # ذكره في عدة قصائد فمن ذلك قوله في جملة قصيدة (يا برق ~~أسفر عن قويق فطرتى * حلب فأعلى القصر من بطياس) (عن منبت الورد المعصفر ~~صبغه * في كل ناحية ومجرى ms1624 الآس) (أرض إذا استوحشت ثم أتيتها * حشدت علي ~~فأكثرت إيناسي) وبطياس بفتح الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة وفتح الياء ~~المثناة من تحتها وبعد الألف سين مهملة وهي قرية كانت بظاهر حلب ودثرت ولم ~~يبق لها اليوم أثر وكان صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي ~~الله عنهم قد بنى بها قصرا وسكنه هو وبنوه وهو بين النيرب والصالحية وهما ~~قريتان في شرقي حلب وكان القصر على الرابية المشرفة على النيرب ولم يبق منه ~~في هذا الزمان سوى آثار دارسة هكذا وجدته مضبوطا بخط بعض الفضلاء من أهل ~~حلب والله أعلم PageV06P118 # 788 ياقوت الموصلي أبو الدر ياقوت بن عبد الله الموصلي ~~الكاتب الملقب أمين الدين المعروف بالملكي نسبة إلى السلطان أبي الفتح ~~ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه الأكبر نزل الموصل وأخذ النحو عن أبي ~~محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان النحوي وقرأ عليه من تصانيفه ~~جملة وكان ملازمه وقرأ عليه ديوان المتنبي والمقامات الحريرية وغير ذلك ~~وكتب الكثير وانتشر خطه في الآفاق وكان في نهاية الحسن ولم يكن في آخر ~~زمانه من يقاربه في حسن الخط ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله مع ~~فضل غزير ونباهة تامة وكان مغرى بنقل الصحاح للجوهري فكتب منها نسخا كثيرة ~~كل نسخة في مجلد واحد رأيت منها عدة نسخ وكل نسخة تباع بمائة دينار وكتب ~~عليه خلق كثير وانتفعوا به وكانت له سمعة كبيرة PageV06P119 # في زمانه وقصده الناس من البلاد وسير إليه من بغداد ~~النجيب أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي بكر الواسطي قصيدة مدحه بها ولم ~~يكن رآه بل على السماع به وهي قصيدة جيدة في بابها ووصف حسن خطه فأبلغ وهي ~~(أين غزلان عالج والمصلى * من ظباء سكن نهر المعلى) (أبتلك الكثبان أغصان ~~بان * وبدور من أفقها تتجلى) (أم لتلك الغزلان حسن وجوه * لو تراءت للحزن ~~أصبح سهلا) (أين حوذانها من النرجس الغض * إذا ناجز النسيم استقلا) (أين ~~ذاك العرار من ms1625 صبغة الورد * إذا جاده الغمام وطلا) (أبجرعائها كواكب نارنج ~~* دنا في غصونه فتدلى) (أنقيب لماء دجلة كفؤ * كذب القاسطون حاشا وكلا) ~~(الدار السلام في الأرض شبه * معجز أن ترى لبغداد مثلا) (كل يوم تبدي وجوها ~~خلاف الأمس * حسنا كأنما هي حبلى) (وصبايا يصبو الحليم إليهن * إذا ما خطرن ~~شكلا ودلا) (يعتصبن العصائب الناصريات * فيحللن منك عقدا وحلا) (ليس يرقبن ~~فيك إلا ولا يعرفن * شيئا غير الصحاح وإلا) (مربع للقلوب فيه ربيع * متوال ~~إذا الربيع تولى) (بلدة تستفاد فيها المعالي * والمعاني علما وجدا وهزلا) ~~(لم يفتها من الكمال سوى ياقوت * لو أنها به تتحلى) PageV06P120 # (من لها أن يضوع نشر أمين الدين * فيها وحسبها ذاك ~~فضلا) (لو رجت أن يزورها لانبرى الصامت * فيها يقول أهلا وسهلا) (ولئن وافت ~~الرواة برياه * إليها فإن رؤياه أحلى) (بحر جود له الأكارم تتلو * وجواد ~~عنه المكارم تتلى) (جامع شارد العلوم ولولاه * لكانت أم الفضائل ثكلى) (ذو ~~يراع تخاف صولته الأسد * وتعنو له الكتائب ذلا) (وإذا افتر ثغره عن سواد * ~~في بياض فالبيض والسمر خجلى) (يقظ في حراسة الملك لا يعمل * سهما ولا يجرد ~~نصلا) (إنما يبعث البلاغة أرسالا * إذا كانت الصحائف رسلا) (فيعيد الجبار ~~ممتلئا خوفا * لما قد أمل فيها وأملى) (وتراه طورا يجيل يديه * بقداح ~~العلوم فصلا ففصلا) (مثل وشي الرياض أو كنظيم الدر * يزهى خطا ولفظا ونقلا) ~~(فاتئد يا مريد مثل أمين الدين * مهلا أتعبت نفسك مهلا) (سيدي يا أخا ~~السماح وظثر المجد * وابن العلى ورب المعلى) (أنت بدر والكاتب ابن هلال * ~~كأبيه لا خير فيمن تولى) (إن يكن أولا فإنك بالتفضيل * أولى لقد سبقت وصلى) ~~(يا أمين الدين الذي جمع الله * به للسماح والفضل شملا) (أنا من قاده ~~الثناء إلى حبك * حتى يظل لا يتسلى) (وإذا أسجل الثناء بقاض * صار فيه أخو ~~الشهادة عدلا) (فارض بكرا ما راض قط أبوها * فكره بابنة ليخطب بعلا) ~~PageV06P121 # (لا جزاء يريد عنها ولا أجرا * ولكن رآك للمدح أهلا) ~~(ودعاه إليك داعي وداد * جاء يبغي من حسن رأيك ms1626 وصلا) (وإذا ما تعذر القرب ~~فالقلب * كفيل به ورأيك أعلى) (فابق واسلم ما جرد الأفق جيشا * من ظلام ~~وجرد الصبح نصلا) وتوفي أمين الدين المذكور بالموصل سنة ثماني عشرة وستمائة ~~وقد أسن وتغير خطه من الكبر رحمه الله تعالى 789 ياقوت الرومي أبو الدر أبو ~~الدر ياقوت بن عبد الله الرومي الملقب مهذب الدين الشاعر المشهور مولى أبي ~~منصور الجيلي التاجر اشتغل بالعلم وأكثر من الأدب واستعمل قريحته في النظم ~~فأجاد فيه ولما تميز ومهر سمى نفسه عبد الرحمن وكان مقيما بالمدرسة ~~النظامية ببغداد وعده ابن الدبيثي في كتاب الذيل في جملة من اسمه عبد ~~الرحمن وذكر أنه نشأ ببغداد وحفظ القرآن العزيز وقرأ شيئا من الأدب وكتب ~~خطا حسنا وقال الشعر وأكثر النظم منه في الغزل والتصابي وذكر المحبة وراق ~~شعره وتحفظه الناس وأورد له مقطوعا من الشعر وذكر أنه أنشده إياه وهو ~~PageV06P122 # (خليلي لا والله ما جن غاسق * وأظلم إلا حن أو جن ~~عاشق) وبقيته في المجموع الصغير وأشعاره سائرة يتغنى بها وهي رقيقة لطيفة ~~فمن ذلك قوله (إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا * فكل ما تدعي زور وبهتان) ~~(وكيف تأنس أو تنسى خيالهم * وقد خلا منهم ربع وأوطان) (لا أوحش الله من ~~قوم نأوا فنأى * عن النواظر أقمار وأغصان) (ساروا فسار فؤادي إثر ظعنهم * ~~وبان جيش اصطباري ساعة بانوا) (لا افتر ثغر الثرى من بعد بعدهم * ولا ترنح ~~أيك لا ولا بان) (أجرى دموعي وأذكى النار في كبدي * غداة بينهم هم وأحزان) ~~(طوفان نوح ثوى في مقلتي وفي * طي الحشا لخليل الله نيران) (لو كابد الصخر ~~ما كابدت من كمد * فيكم لجاد له أحد ولبنان) (وذاب يذبل من وجدي ورض على * ~~رضوى ولان لما ألقاه ثهلان) (يا من تملك رقي حسن بهجته * سلطان حسنك مالي ~~منه إحسان) (كن كيف شئت فمالي عنك من بدل * أنت الزلال لقلبي وهو ظمآن) ومن ~~شعره أيضا (ألا مبلغ وجدي بها وغرامي * ومهد إلى دار السلام سلامي) (نسيم ~~الصبا بلغ تحية مشئم ms1627 * إلى معرق لم يرع عهد ذمامي) (وصف بعض أشواقي إليه ~~لعله * يرق لذلي في الهوى وهيامي) (أيا رحبة الزوراء لي فيك شادن * نفى ~~بعده من مقلتي منامي) (بديع جمال بان صبري لبينه * وعرضني إعراضه لحمامي) ~~PageV06P123 # (يصد إذا ما صد عن عيني الكرى * ويمزج دمعي هجره ~~بمدامي) (حياتي وموتي في يديه وجنتي * وناري وريي في الهوى وأوامي) (ففي ~~بعده عني وفاتي وقربه * حياتي وإسعادي ونيل مرامي) (ومن وجنتيه نار وجدي ~~وخصره * نحولي ومن سقم الجفون سقامي) (فكن عاذري يا عاذلي فدلاله * دليل ~~على وجدي به وغرامي) ورأيت كثيرا من الفقهاء بالشام وبلاد الشرق يحفظون له ~~قصيدة أولها (جسدي لبعدك يا مثير بلابلي * دنف بحبك ما أبل بلى بلي) (يا من ~~إذا ما لام فيه لوائمي * أوضحت عذري بالعذار السائل) (أأجيز قتلي في الوجيز ~~لقاتلي * أم حل في التهذيب أم في الشامل) (أم في المهذب أن يعذب عاشق * ذو ~~مقلة عبرى ودمع هاطل) (أم طرفك الفتاك قد أفتاك في * تلف النفوس بسحر طرف ~~بابلي) وهي أكثر من هذا لكن هذا القدر هو الذي أستحضره في هذا الوقت منها ~~وأنشدني له بعض الأدباء بمدينة حلب أبياتا منها قوله (ألست من الولدان أحلى ~~شمائلا * فكيف سكنت القلب وهو جهنم) ثم قال وقد انتقدوا عليه في بغداد في ~~هذا البيت فأفكرت فيه ثم قلت له لعل الانتقاد من جهة أنه ما يلزم من كونه ~~أحلى شمائل من الولدان أنه لا يكون في جهنم فإنه قد يكون أحلى شمائل منهم ~~وليس الممتنع إلا أن يكون الولدان في جهنم فقال نعم هذا هو الذي أخذ عليه ~~وأخبرني بعض الأفاضل بمدينة إربل في سنة خمس وعشرين وستمائة قال كنت ببغداد ~~في سنة عشرين وستمائة بالمدرسة النظامية فقعدت يوما PageV06P124 # على بابها إلى جانب أبي الدر المذكور ونحن نتذاكر ~~الأدب إذ جاء شيخ ضعيف القوى والحال يتوكأ على عصا فجلس قريبا منا فقال لي ~~أبو الدر أتعرف هذا فقلت لا فقال هذا مملوك الحيص بيص الذي يقول فيه (تشربش ~~أو ms1628 تقمص أو تقبى * فلن تزداد عندي قط حبا) (تملك بعض حبك كل قلبي * فإن ترد ~~الزيادة هات قلبا) قال فجعلت أنظر إليه وأفكر فيما كان عليه وما آل حاله ~~إليه ولقد طلبت أنا هذين البيتين في ديوان الحيص بيص فلم أجدهما فيه والله ~~أعلم ولأبي الدر المذكور ديوان شعر سمعت أنه صغير ولم أقف عليه بل على ~~مقاطيع كثيرة منه وشعره متداول بالعراق وبلاد الشرق والشام ويكفي منه هذا ~~القدر وقد تقدم في حرف الخاء في ترجمة الشيخ الخضر بن عقيل الإربلي له ~~ثلاثة أبيات دالية ثم إني ملكت من ديوانه نسختين في سنة سبع وستين وستمائة ~~بدمشق المحروسة وهو صغير الحجم يدخل في عشر كراريس ورأيت في بعض التواريخ ~~المتأخرة أن أبا الدر المذكور وجد ميتا بمنزله ببغداد في الثاني عشر من ~~جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة وقال الناس إنه كان قد توفي قبل ~~ذلك بأيام رحمه الله تعالى وقال ابن النجار في تاريخ بغداد وجد أبو الدر في ~~داره ميتا يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى من السنة وكان قد أخرج من ~~النظامية فسكن في دار بدرب دينار الصغير ولم يعلم متى مات وأظنه ناطح ~~الستين والله أعلم PageV06P125 # والرومي بضم الراء وسكون الواو وبعدها ميم هذه النسبة ~~إلى بلاد الروم وهو إقليم مشهور متسع كثير البلاد وها هنا نكتة غريبة يحتاج ~~إليها ويكثر السؤال عنها وهي أن أهل الروم يقال لهم بنو الأصفر واستعملته ~~الشعراء في أشعارهم فمن ذلك قول عدي بن زيد العبادي من جملة قصيدته ~~المشهورة (وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم * لم يبق منهم مذكور) ولقد تتبعت ~~ذلك كثيرا فلم أجد ما يشفي الغليل حتى ظفرت بكتاب قديم اسمه اللفيف ولم ~~يكتب عليه اسم مؤلفه فنقلت منه ما صورته عن العباس عن أبيه قال انخرم ملك ~~الروم في الزمان الأول فبقيت منه امرأة فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم شر ~~فاصطلحوا على أن يملكوا أول من يشرف عليهم فجلسوا مجلسا لذلك وأقبل رجل من ~~اليمن ms1629 معه عبد له حبشي يريد الروم فأبق العبد منه فأشرف عليهم فقالوا ~~انظروا في أي شيء وقعتم فزوجوه تلك المرأة فولدت غلاما فسموه الأصفر ~~فخاصمهم المولى فقال الغلام صدق أنا عبده فأرضوه فأعطوه حتى رضي فبسبب ذلك ~~قيل للروم بنو الأصفر لصفرة لون الولد لكونه مولدا بين الحبشي والمرأة ~~البيضاء والله أعلم PageV06P126 # 790 ياقوت الحموي أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله ~~الرومي الجنس والمولد الحموي المولى البغدادي الدار الملقب شهاب الدين أسر ~~من بلاده صغيرا وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر ابن أبي نصر إبراهيم ~~الحموي وجعله في الكتاب لينتفع به في ضبط تجائره وكان مولاه عسكر لا يحسن ~~الخط ولا يعلم شيئا سوى التجارة وكان ساكنا ببغداد وتزوج بها وأولد عدة ~~أولاد ولما كبر ياقوت المذكور قرأ شيئا من النحو واللغة وشغله مولاه ~~بالأسفار في متاجره فكان يتردد إلى كيش وعمان وتلك النواحي ويعود إلى الشام ~~ثم جرت بينه وبين مولاه نبوة أوجبت عتقه فأبعده عنه وذلك في سنة ست وتسعين ~~وخمسمائة فاشتغل بالنسخ بالأجرة وحصلت له بالمطالعة فوائد ثم إن مولاه بعد ~~مديدة ألوى عليه وأعطاه شيئا وسفره إلى كيش ولما عاد كان مولاه قد مات فحصل ~~شيئا مما كان في يده وأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به وبقيت بيده ~~بقية جعلها رأس ماله وسافر بها وجعل بعض تجارته كتبا وكان متعصبا على علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وكان قد طالع PageV06P127 # شيئا من كتب الخوارج فاشتبك في ذهنه منه طرف قوي وتوجه ~~إلى دمشق في سنة ثلاث عشرة وستمائة وقعد في بعض أسواقها وناظر بعض من يتعصب ~~لعلي رضي الله عنه وجرى بينهما كلام أدى إلى ذكره عليا رضي الله عنه بما لا ~~يسوغ فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه فسلم منهم وخرج من دمشق منهزما ~~بعد أن بلغت القضية إلى والي البلد فطلبه فلم يقدر عليه ووصل إلى حلب خائفا ~~يترقب وخرج عنها في العشر الأول أو الثاني من جمادى الآخرة سنة ثلاث ms1630 عشرة ~~وستمائة وتوصل إلى الموصل ثم انتقل إلى إربل وسلك منها إلى خراسان وتحامى ~~دخول بغداد لأن المناظر له بدمشق كان بغداديا وخشي أن ينقل قوله فيقتل فلما ~~انتهى إلى خراسان أقام بها يتجر في بلادها واستوطن مدينة مرو مدة وخرج عنها ~~إلى نسا ومضى إلى خوارزم وصادفه وهو بخوارزم خروج التتر وذلك في سنة ست ~~عشرة وستمائة فانهزم بنفسه كبعثه يوم الحشر من رمسه وقاسى في طريقه من ~~المضايقة والتعب ما كان يكل عن شرحه إذا ذكره ووصل إلى الموصل وقد تقطعت به ~~الأسباب وأعوزه دنيء المآكل وخشن الثياب وأقام بالموصل مدة مديدة ثم انتقل ~~إلى سنجار وارتحل منها إلى حلب وأقام بظاهرها في الخان إلى أن مات في ~~التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ونقلت من تاريخ إربل الذي عني بجمعه ~~أبو البركات ابن المستوفي المقدم ذكره أن ياقوتا المذكور قدم إربل في رجب ~~سنة سبع عشرة وستمائة وكان مقيما بخوارزم وفارقها للواقعة التي جرت فيها ~~بين التتر والسلطان محمد بن تكش خوارزم شاه وكان قد تتبع التواريخ وصنف ~~كتابا سماه إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء يدخل في أربعة جلود كبار ذكر ~~في أوله قال وجمعت في هذا PageV06P128 # الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين واللغويين ~~والنسابين والقراء المشهورين والأخباريين والمؤرخين والوراقين المعروفين ~~والكتاب المشهورين وأصحاب الرسائل المدونة وأرباب الخطوط المنسوبة المعينة ~~وكل من صنف في الأدب تصنيفا أو جمع فيه تأليفا مع إيثار الاختصار والإعجاز ~~في نهاية الإيجاز ولم آل جهدا في إثبات الوفيات وتبيين المواليد والأوقات ~~وذكر تصانيفهم ومستحسن أخبارهم والإخبار بأنسابهم وشئ من أشعارهم في تردادي ~~إلى البلاد ومخالطتي للعباد وحذفت الأسانيد إلا ما قل رجاله وقرب مناله مع ~~الاستطاعة لإثباتها سماعا وإجازة إلا أنني قصدت صغر الحجم وكبر النفع وأثبت ~~مواضع نقلي ومواطن أخذي من كتب العلماء المعول في هذا الشأن عليهم والمرجوع ~~في صحة النقل إليهم ثم ذكر أنه جمع كتابا في أخبار الشعراء المتأخرين ~~والقدماء ومن تصانيفه أيضا كتاب معجم البلدان ms1631 وكتاب معجم الشعراء وكتاب ~~معجم الأدباء وكتاب المشترك وضعا المختلف صقعا وهو من الكتب النافعة وكتاب ~~المبدأ والمآل في التاريخ وكتاب الدول ومجموع كلام أبي علي الفارسي وعنوان ~~كتاب الأغاني والمقتضب في النسب يذكر فيه أنساب العرب وكتاب أخبار المتنبي ~~وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف وذكر القاضي الأكرم جمال الدين أبو ~~الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم ابن عبد الواحد الشيباني القفطي وزير صاحب ~~حلب كان رحمه الله تعالى في كتابه الذي سماه إنباه الرواة على أنباه النحاة ~~أن ياقوتا المذكور كتب إليه رسالة من الموصل عند وصوله إليها هاربا من ~~التتر يصف فيها حاله وما جرى له معهم وهي بعد البسملة والحمدلة كان المملوك ~~ياقوت بن عبد الله الحموي قد كتب هذه الرسالة من الموصل في سنة سبع عشرة ~~وستمائة حين PageV06P129 # وصوله من خوارزم طريد التتر أبادهم الله تعالى إلى ~~حضرة مالك رقه الوزير جمال الدين القاضي الأكرم أبي الحسن علي بن يوسف بن ~~إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني ثم التيمي تيم بني شيبان بن ثعلبة بن عكابة ~~أسبغ الله عليه ظله وأعلى في درج السيادة محله وهو يومئذ وزير صاحب حلب ~~والعواصم شرحا لأحوال خراسان وأحواله وإيماء إلى بدء أمره بعد ما فارقه ~~ومآله وأحجم عن عرضها على رأيه الشريف إعظاما وتهيبا وفرارا من قصورها عن ~~طوله وتجنبا إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلي النظم والنثر فوجدهم مسارعين ~~إلى كتبها متهافتين على نقلها وما يشك أن محاسن مالك الرق حلتها وفي أعلى ~~درج الإحسان أحلتها فشجعه ذلك على عرضها على مولاه وللآراء علوها في تصفحها ~~والصفح عن زللها فليس كل من لمس درهما صيرفيا ولا كل من اقتنى درا جوهريا ~~وها هي ذه بسم الله الرحمن الرحيم أدام الله على العلم وأهليه والإسلام ~~وبنيه ما سوغهم وحباهم ومنحهم وأعطاهم من سبوغ ظل المولى الوزير أعز الله ~~أنصاره وضاعف مجده واقتداره ونصر ألويته وأعلامه وأجرى بإجراء الأرزاق في ~~الآفاق أقلامه وأطال بقاه ورفع إلى عليين علاه ms1632 في نعمة لا يبلى جديدها ولا ~~يحصى عددها ولا عديدها ولا ينتهي إلى غاية مديدها ولا يفل حدها ولا حديدها ~~ولا يقل وادها ولا وديدها وأدام دولته للدنيا والدين يلم شعثه ويهزم كرثه ~~ويرفع مناره ويحسن بحسن أثره آثاره ويفتق نوره وأزهاره وينير نواره ويضاعف ~~أنواره وأسبغ ظله للعلوم وأهليها والآداب ومنتحليها والفضائل وحامليها يشيد ~~بمشيد فضله بنيانها ويرصع بناصع مجده تيجانها ويروض بيانع علائه زمانها ~~ويعظم بعلو همته الشريفة بين البرية شأنها ويمكن في أعلى درج الاستحقاق ~~إمكانها ومكانها PageV06P130 # ويرفع بنفاذ الأمر قدره للدول الإسلامية والقواعد ~~الدينية يسوس قواعدها ويعز مساعدها ويهين معاندها ويعضد بحسن الإيالة ~~معاضدها وينهج بجميل المقاصد مقاصدها حتى تعود بحسن تدبيره غرة في جبهة ~~الزمان وسنة يقتدي بها من طبع على العدل والإحسان يكون له أجرها ما دام ~~الملوان وكر الجديدان وما أشرقت من الشرق شمس وارتاحت إلى مناجاة حضرته ~~الباهرة نفس وبعد فالمملوك ينهي إلى المقر العالي المولوي والمحل الأكرم ~~العلي أدام الله سعادته مشرقة النور مبلغة السول واضحة الغرر بادية الحجول ~~ما هو مكتف بالأريحية المولوية عن تبيانه مستغن بما منحتها من صفاء الآراء ~~عن إمضاء قلمه لإيضاحه وبيانه قد أحسبه ما وصف به عليه الصلاة والسلام ~~المؤمنين وإن من أمتي لمكلمين وهو شرح ما يعتقده من الولاء ويفتخر به من ~~التعبد للحضرة الشريفة والاعتزاء قد كفته تلك الألمعية عن إظهار المشتبه ~~بالملق مما تجنه الطوية لأن دلائل غلو المملوك في دين ولائه في الآفاق ~~واضحة وطبعة سكة إخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة وإيمانه ~~بشرائع الفضل الذي طبق الآفاق حتى أصبح بها بناء المكارم متين وتلاوته ~~لأحاديث المجد القريبة الأسانيد بالمشاهدة لديه مبين ودعاء أهل الآفاق إلى ~~المغالاة في الإيمان بإمامة فضله الذي تلقاه باليمين وتصديقه بملة سؤدده ~~الذي تفرد بالتوخي لنظم شارده وضم متبدده بعرق الجبين حتى لقد أصبح للفضل ~~كعبة لم يفترض حجها على من استطاع إليها السبيل ويقتصر بقصدها على ذوي ~~القدرة دون المعتر وابن السبيل فإن ms1633 لكل منهم حظا يستمده ونصيبا يستعد به ~~ويعتده فللعظماء الشرف الضخم من معينه وللعلماء اقتناء الفضائل من قطينه ~~وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغض جفونه PageV06P131 # وفرضوا من مناسكه للجبهة الشريفة السلام والتبجيل ~~وللكف البسيطة الاستلام والتقبيل وقد شهد الله تعالى للمملوك أنه في سفره ~~وحضره وسره وعلنه وخبره ومخبره شعاره تعطير مجالس الفضلاء ومحافل العلماء ~~بفوائد حضرته والفضائل المستفادة من فضلته افتخارا بذلك بين الأنام وتطريزا ~~لما يأتي به في أثناء الكلام (إذا أنا شرفت الورى بقصائدي * على طمع شرفت ~~شعري بذكره) * (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) * الحجرات 17 لا حرمنا الله معاشر ~~أوليائه مواد فضائله المتتالية ولا أخلانا كافة عبيده من أياديه المتوالية ~~اللهم رب الأرض المدحية والسماوات العلية والبحار المسجرة والرياح المسخرة ~~اسمع ندائي واستجب دعائي وبلغنا في معاليه ما نؤمله ونرتجيه بمحمد النبي ~~وصحبه وذويه وقد كان المملوك لما فارق الجناب الشريف وانفصل عن مقر العز ~~اللباب والفضل المنيف أراد استعتاب الدهر الكالح واستدرار خلف الزمن الغشوم ~~الجامح اغترارا بأن في الحركة بركة والاغتراب داعية الاكتساب والمقام على ~~الإقتار ذل وأسقام وحلس البيت في المحافل سكيت (وقفت وقوف الشك ثم استمر بي ~~* يقيني بأن الموت خير من الفقر) (فودعت من أهلي وبالقلب ما به * وسرت عن ~~الأوطان في طلب اليسر) (وباكية للبين قلت لها اصبري * فللموت خير من حياة ~~على عسر) PageV06P132 # (سأكسب مالا أو أموت ببلدة * يقل بها فيض الدموع على ~~قبري) فامتطى غارب الأمل إلى الغربة وركب مركب التطواف مع كل صحبة قاطعا ~~الأغوار والأنجاد حتى بلغ السد أو كاد فلم يصحب له دهره الحرون ولا رق له ~~زمانه المفتون (إن الليالي والأيام لو سئلت * عن عيب أنفسها لم تكتم ~~الخبرا) فكأنه في جفن الدهر قذى أو في حلقه شجا يدافعه نيل الأمنية حتى ~~أسلمه إلى ربقة المنية (لا يستقر بأرض أو يسير إلى * أخرى بشخص قريب عزمه ~~نائي) (يوما بحزوى ms1634 ويوما بالعقيق ويوما * بالعذيب ويوما بالخليصاء) (وتارة ~~ينتحي نجدا وآونة * شعب الحزون وحينا قصر تيماء) وهيهات مع حرفة الأدب بلوغ ~~وطر أو إدراك أرب ومع عبوس الحظ ابتسام الدهر الفظ ولم أزل مع الزمان في ~~تفنيد وعتاب حتى رضيت من الغنيمة بالإياب والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ~~ويزجيها ويعلل المعيشة ويرجيها متقنعا بالقناعة والعفاف مشتملا بالنزاهة ~~والكفاف غير راض بذلك السمل ولكن مكره أخاك لا بطل متسليا بإخوان قد ارتضى ~~خلائقهم وأمن بوائقهم عاشرهم بالألطاف ورضي منهم بالكفاف لا خيرهم يرتجى ~~ولا شرهم يتقى (إن كان لا بد من أهل ومن وطن * فحيث آمن من ألقى ويأمنني) ~~قد زم نفسه أن يستعمل طرفا طماحا وأن يركب طرفا جماحا وأن PageV06P133 # يلحف بيض طمع جناحا وأن يستقدح زندا واريا أو شحاحا ~~(وأدبني الزمان فلا أبالي * هجرت فلا أزار ولا أزور) (ولست بقائل ما عشت ~~يوما * أسار الجند أم رحل الأمير) وكان المقام بمرو الشاهجان المفسر عندهم ~~بنفس السلطان فوجد بها من كتب العلوم والآداب وصحائف أولى الأفهام والألباب ~~ما شغله عن الأهل والوطن وأذهله عن كل خل صفي وسكن فظفر منها بضالته ~~المنشودة وبغية نفسه المفقودة فأقبل عليها إقبال النهم الحريص وقابلها ~~بمقام لا مزمع عنها ولا محيص فجعل يرتع في حدائقها ويستمتع بحسن خلقها ~~وخلائقها ويسرح طرفه في طرفها ويتلذذ بمبسوطها ونتفها واعتقد المقام بذاك ~~الجناب إلى أن يجاور التراب (إذا ما الدهر بيتني بجيش * طليعته اغتمام ~~واغتراب) (شننت عليه من جهتي كمينا * أميراه الذبالة والكتاب) (وبت أنص من ~~شيم الليالي * عجائب من حقائقها ارتياب) (بها أجلو همومي مستريحا * كما جلى ~~همومهم الشراب) إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب والويل المبير والتباب ~~وكانت لعمر الله بلادا مونقة الأرجاء رائقة الأنحاء ذات رياض أريضة وأهوية ~~صحيحة مريضة قد تغنت أطيارها فتمايلت طربا أشجارها وبكت أنهارها فتضاحكت ~~أزهارها وطاب روح نسيمها فصح مزاج إقليمها ولعهدي بتلك الرياض الأنيقة ~~والأشجار المتهدلة الوريقة وقد ساقت إليها أرواح الجنائب زقاق خمر السحائب ~~فسقت مروجها ms1635 مدام الطل فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحل فلما رويت من ~~تلك الصهباء أشجاره رنحها من النسيم خماره فتدانت ولا تداني المحبين ~~وتعانقت ولا عناق PageV06P134 # العاشقين يلوح من خلالها شقائق قد شابه اشتقاق الهوى ~~بالعليل فشابه شفتى غادتين دنتا للتقبيل وربما اشتبه على النحرير بائتلاف ~~الخمر وقد انتابه رشاش القطر ويريه بهارا يبهر ناضره فيرتاح إليه ناظره ~~كأنه صنوج من العسجد أو دنانير من الإبريز تنقد ويتخلل ذلك أقحوان تخاله ~~ثغر المعشوق إذا عض خد عاشق فلله درها من نزهة رامق ولون وامق وجملة أمرها ~~أنها كانت أنموذج الجنة بلا مين فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ العين قد اشتملت ~~عليها المكارم وارجحنت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم فكم فيها من حبر ~~راقت حبره ومن إمام توجت حياة الإسلام سيره آثار علومهم على صفحات الدهر ~~مكتوبة وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة وإلى كل قطر مجلوبة فما من ~~متين علم وقويم رأي إلا ومن شرقهم مطلعه ولا من مغربة فضل إلا وعندهم مغربه ~~وإليهم منزعه وما نشأ من كرم أخلاق بلا اختلاق إلا وجدته فيهم ولا إعراق في ~~طيب أعراق إلا اجتليته من معانيهم أطفالهم رجال وشبابهم أبطال ومشايخهم ~~أبدال شواهد مناقبهم باهرة ودلائل مجدهم ظاهرة ومن العجب العجاب أن سلطانهم ~~المالك هان عليه ترك تلك الممالك وقال لنفسه الهوى لك وإلا فأنت في الهوالك ~~وأجفل إجفال الرال وطفق إذا رأى غير شيء ظنه رجلا بل رجال * (كم تركوا من ~~جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين) * الدخان 26 لكنه عز ~~و جل لم يورثها قوما آخرين تنزيها لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين بل ~~ابتلاهم فوجدهم شاكرين وبلاهم فألفاهم صابرين فألحقهم بالشهداء الأبرار ~~ورفعهم إلى درجات PageV06P135 # المصطفين الأخيار * (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) * البقرة 216 ~~فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد وتحكم في تلك الأبشار أولو الزيغ ~~والعناد فأصبحت تلك القصور كالممحو من السطور ms1636 وأمست تلك الأوطان مأوى ~~الأصداء والغربان تتجاوب في نواحيها البوم وتتناوح في أراجيها الريح السموم ~~ويستوحش فيها الأنيس ويرثي لمصابها إبليس (كأن لم يكن فيها أوانس كالدمى * ~~وأقيال ملك في بسالتهم أسد) (فمن حاتم في جوده وابن مامة * ومن أحنف إن عد ~~حلم ومن سعد) (تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا * لنا عبرة تدمي الحشا ولمن ~~بعد) فإنا لله وإنا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر وتهدم العمر وتفت في ~~العضد وتوهي الجلد وتضاعف الكمد وتشيب الوليد وتنخب لب الجليد وتسود القلب ~~وتذهل اللب فحينئذ تقهقر المملوك على عقبه ناكسا ومن الأوبة إلى حيث تستقر ~~فيه النفس بالآمن آيسا بقلب واجب ودمع ساكب ولب عازب وحلم غائب وتوصل وما ~~كاد حتى استقر بالموصل بعد مقاساة أخطار وابتلاء واصطبار وتمحيص الأوزار ~~وإشراف غير مرة على البوار والتبار لأنه مر بين سيوف مسلولة وعساكر مفلولة ~~ونظام عقود محلولة ودماء مسكوبة مطلولة وكان شعاره كلما علا قتبا أو قطع ~~سبسبا * (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) * الكهف 62 فالحمد لله الذي أقدرنا ~~على الحمد وأولانا نعما تفوت الحصر والعد وجملة الأمر أنه لولا فسحة في ~~الأجل لعز أن يقال سلم البائس أو وصل ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون ~~وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار PageV06P136 # أو يزيدون وخلف خلفه جل ذخيرته ومستمد معيشته (تنكر لي ~~دهري ولم يدر أنني * أعز وأحداث الزمان تهون) (وبات يريني الخطب كيف ~~اعتداؤه * وبت أريه الصبر كيف يكون) وبعد فليس للملوك ما يسلي به خاطره ~~ويعزي به قلبه وناظره إلا التعلل بإزاحة العلل إذا هو بالحضرة الشريفة مثل ~~(فاسلم ودم وتمل العيش في دعة * ففي بقائك ما يسلي عن السلف) (فأنت للمجد ~~روح والورى جسد * وأنت در فلا تأسى على الصدف) والمملوك الآن بالموصل مقيم ~~يعالج لما حزبه من هذا الأمر المقعد المقيم يزجي وقته ويمارس حرفته وبخته ~~يكاد يقول له باللسان القويم * (تالله إنك لفي ضلالك القديم) * يوسف 95 ~~يذيب نفسه في تحصيل أغراض هي ms1637 لعمر الله أعراض من صحف يكتبها وأوراق ~~يستصحبها نصبه فيها طويل واستمتاعه بها قليل ثم الرحيل وقد عزم بعد قضاء ~~نهمته وبلوغ بعض وطر قرونته أن يستمد التوفيق ويركب سنن الطريق عساه أن ~~يبلغ أمنتيه من المثول بالحضرة وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة ويلقى عصا ~~الترحال بفنائها الفسيح ويقيم تحت ظل كنفها إلى أن يصادفه الأجل المريح ~~وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها كما ينتمي إليها في غيبتها إن مدت ~~السعادة بضبعه وسمح له الدهر بعد الخفض برفعه فقد ضعفت قواه عن درك الآمال ~~وعجز عن معاركة الزمان والنزال إذ ضمت البسيطة إخوانه وحجب الجديدان أقرانه ~~ونزل المشيب بعذاره وضعفت منة أوطاره وانقض باز الشيب على غراب شبابه فقنصه ~~وأكب نهار الحلم على ليل الجهل فوقصه وتبدلت محاسنه عند أحبابه مساوي وخصصه ~~واستعاض PageV06P137 # من حلة الشباب القشيب خلق الكبر والمشيب (وشباب بان ~~مني وانقضى * قبل أن أقضي منه أربي) (ما أرجي بعده إلا الفنا * ضيق الشيب ~~علي مطلبي) ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات وما أقل غناء الباكي ~~على من عد في الرفات (تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت * معارفه عندي من ~~النكرات) (إذا ذكرتها النفس حنت صبابة * وجادت شؤون العين بالعبرات) (إلى ~~أن أتى دهر يحسن ما مضى * ويوسعني تذكاره حسرات) (فكيف ولما يبق من كأس ~~مشربي * سوى جرع في قعره كدرات) (وكل إناء صفوه في ابتدائه * وفي القعر ~~مزجا حمأة وقذاة) والمملوك يتيقن أنه لا ينفق هذا الهذر الذي مضى إلا النظر ~~إليه بعين الرضا ولرأي المولى الوزير الصاحب كهف الورى في المشارق والمغارب ~~فيما يلاحظه منه بعادة مجده مزيد مناقب ومراتب والسلام ولقد طالت هذه ~~الترجمة بسبب طول الرسالة ولم يمكن قطعها وقال صاحبنا الكمال ابن الشعار ~~الموصلي في كتاب عقود الجمان أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف ~~بابن النجار البغدادي صاحب تاريخ بغداد قال أنشدني ياقوت المذكور لنفسه في ~~غلام تركي قد رمدت عينه وعليها وقاية سوداء (ومولد للترك تحسب وجهه * بدرا ms1638 ~~يضيء سناه بالإشراق) (أرخى على عينيه فضل وقاية * ليرد فتنتها عن العشاق) ~~PageV06P138 # (تلله لو أن السوابغ دونها * نفذت فهل لوقاية من واق) ~~وكانت ولادة ياقوت المذكور في سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة ببلاد الروم ~~هكذا قاله وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة في ~~الخان بظاهر مدينة حلب حسبما قدمنا ذكره في أول الترجمة رحمه الله تعالى ~~وكان قد وقف كتبه على مسجد الزيدي الذي بدرب دينار ببغداد وسلمها إلى الشيخ ~~عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير صاحب التاريخ الكبير فحملها إلى هناك ~~ولما تميز ياقوت المذكور واشتهر سمى نفسه يعقوب وقدمت حلب للاشتغال بها في ~~مستهل ذي القعدة سنة وفاته وذلك عقيب موته والناس يثنون عليه ويذكرون فضله ~~وأدبه ولم يقدر لي الاجتماع به 791 الحافظ ابن معين أبو زكريا يحيى بن معين ~~بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المري البغدادي الحافظ المشهور كان ~~إماما عالما حافظا متقنا قيل إنه من قرية نحو الأنبار تسمى نقياي وكان أبوه ~~كاتبا لعبد الله بن مالك وقيل إنه كان على خراج الري فمات فخلف لابنه يحيى ~~المذكور ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم فأنفق جميع المال على الحديث حتى لم ~~يبق له نعل يلبسه وسئل يحيى المذكور كم كتبت من الحديث فقال كتبت بيدي ~~PageV06P139 # هذه ستمائة ألف حديث وقال راوي هذا الخبر وهو أحمد بن ~~عقبة وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة ألف وستمائة ألف ~~وخلف من الكتب مائة قمطر وثلاثين قمطرا وأربعة حباب شرابية مملوءة كتبا وهو ~~صاحب الجرح والتعديل وروى عنه الحديث كبار الأئمة منهم أبو عبد الله محمد ~~بن إسماعيل البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري وأبو داود ~~السجستاني وغيرهم من الحفاظ وكان بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل رضي الله ~~عنه من الصحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور ولا ~~حاجة إلى الإطالة فيه وروى عنه هو وأبو خيثمة وكانا من أقرانه ms1639 وقال علي بن ~~المديني انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير وقتادة وعلم الكوفة إلى ~~أبي إسحاق والأعمش وانتهى علم الحجاز إلى ابن شهاب وعمرو بن دينار وصار علم ~~هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة وشعبة ومعمر وحماد بن سلمة وأبي ~~عوانة ومن أهل الكوفة إلى سفيان الثوري وسفيان بن عيينة ومن أهل الحجاز إلى ~~مالك بن أنس ومن أهل الشام إلى الأوزاعي وانتهى علم هؤلاء إلى محمد بن ~~إسحاق وهشيم ويحيى بن سعيد وابن أبي زائدة ووكيع وابن المبارك وهو أوسع ~~هؤلاء علما وابن مهدي ويحيى بن آدم وصار علم هؤلاء جميعا إلى يحيى بن معين ~~وقال أحمد بن حنبل كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث وكان يقول ~~صاحبنا رجل خلقه الله لهذا الشأن يظهر كذب الكذابين يعني يحيى بن معين وقال ~~ابن الرومي ما سمعت أحدا قط يقول الحق في المشايخ غير يحيى ابن معين وغيره ~~كان يتحامل بالقول PageV06P140 # وقال يحيى ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته عليه ~~وأحببت أن أبين أمره وما استقبلت رجلا في وجهه بأمر يكرهه ولكن أبين له ~~خطأه فيما بيني وبينه فإن قبل ذلك وإلا تركته وكان يقول كتبنا عن الكذابين ~~وسجرنا به التنور وأخرجنا به خبزا نضيجا وكان ينشد (المال يذهب حله وحرامه ~~* طرا وتبقى في غد آثامه) (ليس التقي بمتق لإلهه * حتى يطيب شرابه وطعامه) ~~(ويطيب ما يحوي وتكسب كفه * ويكون في حسن الحديث كلامه) (نطق النبي لنا به ~~عن ربه * فعلى النبي صلاته وسلامه) وقد ذكره الدارقطني فيمن روى عن الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه وقد سبق في ترجمة الشافعي خبره معه وما جرى بينه وبين ~~الإمام أحمد بن حنبل في ذلك وسمع أيضا من عبد الله بن المبارك وسفيان بن ~~عيينة وكان يحج فيذهب إلى مكة على المدينة ويرجع إلى المدينة فلما كان آخر ~~حجة حجها خرج على المدينة ورجع على المدينة فأقام بها ثلاثة أيام ثم خرج ~~حتى نزل ms1640 المنزل مع رفقائه فباتوا فرأى في النوم هاتفا يهتف به يا أبا زكريا ~~أترغب عن جواري فلما أصبح قال لرفقائه امضوا فإني راجع إلى المدينة فمضوا ~~ورجع فأقام بها ثلاثا ثم مات فحمل على أعواد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكانت وفاته لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين هكذا ~~قاله الخطيب في تاريخ بغداد وهو غلط قطعا لما تقدم ذكره وهو أنه خرج إلى ~~مكة للحج ثم رجع إلى المدينة ومات بها ومن يكون قد حج كيف يتصور أن يموت ~~بذي القعدة من تلك السنة فلو ذكر أنه توفي في ذي الحجة لأمكن وكان يحتمل أن ~~يكون هذا غلطا من الناسخ لكني وجدته في PageV06P141 # نسختين على هذه الصورة فيبعد أن يكون من الناسخ والله ~~أعلم ثم ذكر بعد ذلك أن الصحيح أنه مات قبل أن يحج وعلى هذا يستقيم ما قاله ~~من تاريخ الوفاة ثم نظرت في كتاب الإرشاد في معرفة علماء الحديث تأليف أبي ~~يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل الخليلي الحافظ أن ~~يحيى ابن معين المذكور توفي لسبع ليال بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة ~~فعلى هذا يكون قد حج وذكر الخطيب أيضا أن مولده كان آخر سنة ثمان وخمسين ~~ومائة ثم قال بعد ذكر وفاته إنه بلغ سبعا وسبعين سنة إلا عشرة أيام وهذا ~~أيضا لا يصح من جهة الحساب فتأمله ورأيت في بعض التواريخ أنه عاش خمسا ~~وسبعين سنة والله أعلم بالصواب وصلى عليه والي المدينة ثم صلي عليه مرارا ~~ودفن بالبقيع وكان بين يدي جنازته رجل ينادي هذا الذي كان ينفي الكذب عن ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثاه بعض المحدثين فقال (ذهب العليم ~~بعيب كل محدث * وبكل مختلف من الإسناد) (وبكل وهم في الحديث ومشكل * يعيا ~~به علماء كل بلاد) رضي الله عنه ومعين بفتح الميم وكسر العين المهملة وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وبسطام بكسر الباء الموحدة وسكون السين ms1641 ~~المهملة وفتح الطاء المهملة وبعد الألف ميم والباقي معروف فلا حاجة إلى ~~ضبطه ورأيت في بعض التواريخ أنه يحيى بن معين بن غياث بن زياد بن عون بن ~~بسطام مولى الجنيد بن عبد الرحمن الغطفاني المري أمير خراسان من قبل هشام ~~ابن عبد الملك الأموي والأول أشهر وأصح أعني النسب والمري بضم الميم وتشديد ~~الراء هذه النسبة إلى مرة غطفان وهو مرة PageV06P142 # ابن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان وهي ~~قبيلة كبيرة مشهورة وفي العرب عدة قبائل تنسب إليها يقال لكل واحدة منها ~~مرة وأما نقياي فقال ابن السمعاني في كتاب الأنساب إنها بفتح النون وكسر ~~القاف أو فتحها وبعدها ياء مفتوحة تحتها نقطتان وبعد الألف ياء ثانية وهي ~~من قرى الأنبار منها يحيى بن معين النقيايي قال الخطيب ويقال إن فرعون كان ~~من أهل هذه القرية والله أعلم 792 يحيى بن يحيى الليثي أبو محمد يحيى بن ~~يحيى بن كثير بن وسلاس وقيل وسلاسن ابن شمال بن منغايا الليثي أصله من ~~البربر من قبيلة يقال لها مصمودة تولى بني ليث فنسب إليهم وجده كثير يكنى ~~أبا عيسى وهو الداخل إلى الأندلس وسكن قرطبة وسمع بها من زياد بن عبد ~~الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بشبطون القرطبي موطأ مالك بن أنس رضي الله ~~عنه وسمع من يحيى ابن مضر القيسي الأندلسي ثم رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان ~~وعشرين سنة فسمع من مالك بن أنس الموطأ غير أبواب في كتاب الاعتكاف شك في ~~PageV06P143 # سماعه فيها فأثبت روايته فيها عن زياد وسمع بمكة من ~~سفيان بن عيينة وبمصر من الليث بن سعد وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن ~~القاسم وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك ~~وملازمته له وكان مالك يسميه عاقل الأندلس وسبب ذلك فيما يروى أنه كان في ~~مجلس مالك مع جماعة من أصحابه فقال قائل قد حضر الفيل فخرج أصحاب مالك كلهم ~~لينظروا إليه ولم يخرج يحيى فقال له ms1642 مالك ما لك لا تخرج فتراه لأنه لا يكون ~~بالأندلس فقال إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك ولم أجىء ~~لأنظر إلى الفيل فأعجب به مالك وسماه عاقل أهل الأندلس ثم إن يحيى عاد إلى ~~الأندلس وانتهت إليه الرياسة بها وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد وتفقه ~~به جماعة لا يحصون عددا وروى عنه خلق كثير وأشهر روايات الموطأ وأحسنها ~~رواية يحيى المذكور وكان مع إمامته ودينه معظما عند الأمراء مكينا عفيفا عن ~~الولايات متنزها جلت رتبته عن القضاء فكان أعلى قدرا من القضاة عند ولاة ~~الأمر هناك لزهده في القضاء وامتناعه منه قال أبو محمد علي بن أحمد المعروف ~~بابن حزم الأندلسي المقدم ذكره مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة ~~والسلطان مذهب أبي حنيفة فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف يعقوب صاحب أبي ~~حنيفة وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى كانت القضاة من قبله فكان لا يولي ~~قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إليه ~~وإلى مذهبه ومذهب مالك ابن أنس عندنا في بلاد الأندلس فإن يحيى بن يحيى كان ~~مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة فكان لا يلي قاض في أقطار بلاد ~~الأندلس إلا بمشورته واختياره ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه ~~والناس سراع إلى PageV06P144 # الدنيا فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به على أن ~~يحيى بن يحيى لم يل قضاء قط ولا أجاب إليه وكان ذلك زائدا في جلالته عندهم ~~وداعيا إلى قبول رأيه لديهم وحكى أحمد بن أبي الفياض في كتابه قال كتب ~~الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي المعروف بالربضي صاحب الأندلس إلى ~~الفقهاء يستدعيهم إليه فأتوا إلى القصر وكان عبد الرحمن المذكور قد نظر في ~~شهر رمضان إلى جارية له كان يحبها حبا شديدا فعبث بها ولم يملك نفسه أن وقع ~~عليها ثم ندم ندما شديدا فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته فقال يحيى ~~بن يحيى يكفر ذلك بصوم شهرين متتابعين ms1643 فلما بدر يحيى بهذه الفتيا سكت بقية ~~الفقهاء حتى خرجوا من عنده فقال بعضهم لبعض وقالوا ليحيى ما لك لم تفته ~~بمذهب مالك فعنده أنه مخير بين العتق والطعام والصيام فقال لو فتحنا له هذا ~~الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا ~~يعود ولما انفصل يحيى عن مالك ليعود إلى بلاده ووصل إلى مصر رأى عبد الرحمن ~~بن القاسم يدون سماعه عن مالك فنشط للرجوع إلى مالك ليسمع منه المسائل التي ~~كان ابن القاسم دونها عنه فرحل رحلة ثانية فألفى مالكا عليلا فأقام عنده ~~إلى أن مات وحضر جنازته فعاد إلى ابن القاسم وسمع منه سماعه من مالك ذكر ~~ذلك أبو الوليد ابن الفرضي في تاريخه وذكر أيضا فيه ما مثاله وانصرف يحيى ~~بن يحيى إلى الأندلس فكان إمام وقته وواحد بلاده وكان رجلا عاقلا قال محمد ~~بن عمر بن لبابة فقيه الأندلس عيسى بن دينار وعالمها عبد الملك بن حبيب ~~وعاقلها يحيى بن يحيى PageV06P145 # وكان يحيى ممن اتهم ببعض الأمر في الهيج فخرج إلى ~~طليطلة ثم استأمن فكتب له الأمير الحكم أمانا وانصرف إلى قرطبة وكان أحمد ~~بن خالد يقول لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلها الإسلام من ~~الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى وقال ابن بشكوال في ~~تاريخه كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة وكان قد أخذ في نفسه وهيئته ومقعده ~~هيئة مالك وحكي عنه أنه قال أخذت ركاب الليث بن سعد فأراد غلامه أن يمنعني ~~فقال دعه ثم قال لي الليث خدمك أهل العلم فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك ~~ثم قال وتوفي يحيى بن يحيى في رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين وقبره بمقبرة ~~ابن عياش يستسقى به وهذه المقبرة بظاهر قرطبة وزاد أبو عبد الله الحميدي في ~~كتاب جذوة المقتبس أن وفاته كانت لثمان بقين من الشهر المذكور وقال أبو ~~الوليد ابن الفرضي في تاريخه إنه توفي سنة ثلاث وثلاثين ms1644 وقيل سنة أربع ~~وثلاثين في رجب والله أعلم بالصواب وأما وسلاس فهو بكسر الواو وسينين ~~مهملتين الأولى منهما ساكنة وبينهما لام ألف ويزاد فيه نون فيقال وسلاسن ~~ومعناه بالبربرية يسمعهم وشمال بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم وبعد الألف ~~لام ومنغايا بفتح الميم وسكون النون وفتح الغين المعجمة وبعد الألف ياء ~~معجمة باثنتين من تحتها وبعدها ألف مقصورة ومعناه عندهم قاتل هذا والله ~~أعلم وقد تقدم الكلام على الليثي والبربري ومصمودة والله أعلم PageV06P146 # 793 يحيى بن أكثم أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن ~~قطن بن سمعان بن مشنج التميمي الأسيدي المروزي من ولد أكثم بن صيفي التميمي ~~حكيم العرب كان عالما بالفقه بصيرا بالأحكام ذكره الدارقطني في أصحاب ~~الشافعي رضي الله عنه وقال الخطيب في تاريخ بغداد كان يحيى بن أكثم سليما ~~من البدعة ينتحل مذهب أهل السنة سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة ~~وغيرهما وقد مر ذكره في ترجمة سفيان وما دار بينهما وروى عنه أبو عيسى ~~الترمذي وغيره وقال طلحة بن محمد بن جعفر في حقه يحيى بن أكثم أحد أعلام ~~الدنيا ومن قد اشتهر أمره وعرف خبره ولم يستتر عن الكبير والصغير من الناس ~~فضله وعلمه ورياسته وسياسته لأمره وأمر أهل زمانه من الخلفاء والملوك واسع ~~العلم بالفقه كثير الأدب حسن العارضة قائم بكل معضلة وغلب على المأمون حتى ~~لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعا وكان المأمون ممن برع في العلوم فعرف من ~~حال يحيى بن أكثم وما هو عليه من العلم والعقل ما أخذ بمجامع قلبه ~~PageV06P147 # حتى قلده القضاة وتدبير أهل مملكته فكانت الوزراء لا ~~تعمل في تدبير الملك شيئا إلا بعد مطالعة يحيى بن أكثم ولا نعلم أحدا غلب ~~على سلطانه في زمانه إلا يحيى بن أكثم وأحمد بن أبي داود وسئل رجل من ~~البلغاء عن يحيى بن أكثم وابن أبي داود أيهما أنبل فقال كان أحمد يجد مع ~~جاريته وابنته ويحيى يهزل مع خصمه وعدوه وكان يحيى سليما من البدعة ms1645 ينتحل ~~مذهب أهل السنة بخلاف أحمد بن أبي داود وقد تقدم في ترجمته طرف من اعتقاده ~~وتعصبه للمعتزلة وكان يحيى يقول القرآن كلام الله فمن قال إنه مخلوق يستتاب ~~فإن تاب وإلا ضربت عنقه وذكر الفقيه أبو الفضل عبد العزيز بن علي بن عبد ~~الرحمن الأشنهي الملقب زين الدين في كتاب الفرائض في آخر المسائل الملقبات ~~وهي الرابعة عشرة المعروفة بالمأمونية وهي أبوان وابنتان لم تقسم التركة ~~حتى ماتت إحدى البنتين وخلفت من في المسألة سميت مأمونية لأن المأمون أراد ~~أن يولي رجلا على القضاء فوصف له يحيى بن أكثم فاستحضره فلما حضر دخل عليه ~~وكان دميم الخلق فاستحقره المأمون لذلك فعلم ذلك يحيى فقال يا أمير ~~المؤمنين سلني إن كان القصد علمي لا خلقي فسأله عن هذه المسألة فقال يا ~~أمير المؤمنين الميت الأول رجل أم امرأة فعرف المأمون أنه قد عرف المسألة ~~فقلده القضاء وهذه المسألة إن كان الميت الأول رجلا تصح المسألتان من أربعة ~~وخمسين وإن كانت امرأة لم يرث الجد في المسألة الثانية شيئا لأنه أبو أم ~~فتصح المسألتان من ثمانية عشر سهما PageV06P148 # وذكر الخطيب في تاريخ بغداد أن يحيى بن أكثم ولي قضاء ~~البصرة وسنه عشرون سنة ونحوها فاستصغره أهل البصرة فقالوا كم سن القاضي ~~فعلم أنه قد استصغر فقال أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي صلى ~~الله عليه وسلم قاضيا على مكة يوم الفتح وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه ~~به النبي صلى الله عليه وسلم قاضيا على أهل اليمن وأنا أكبر من كعب بن سور ~~الذي وجه به عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيا على أهل البصرة فجعل جوابه ~~احتجاجا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولى عتاب بن أسيد مكة بعد ~~فتحها وله إحدى وعشرون سنة وقيل ثلاث وعشرون وكان إسلامه يوم فتح مكة وقال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أصحبك وأكون معك فقال أو ما ترضى أن أستعملك ~~على آل الله ms1646 تعالى فلم يزل عليهم حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~وبقي يحيى سنة لا يقبل بها شاهدا فتقدم إليه أحد الأمناء فقال أيها القاضي ~~قد وقفت الأمور وتريثت الأحوال فقال وما السبب قال في ترك القاضي قبول ~~الشهود فأجاز في ذلك اليوم منها سبعين شاهدا وقال غير الخطيب كانت ولاية ~~القاضي يحيى بن أكثم القضاء بالبصرة سنة اثنتين ومائتين وقد سبق في ترجمة ~~حماد بن أبي حنيفة أن يحيى المذكور ولي البصرة بعد إسماعيل بن حماد بن أبي ~~حنيفة وذكر عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة أن يحيى عزل عن قضاء البصرة في ~~سنة عشرين ومائتين وتولى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وحدث محمد بن منصور ~~قال كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة فقال يحيى بن ~~أكثم لي ولأبي العيناء بكرا غدا إليه فإن رأيتما للقول وجها فقولا وإلا ~~فاسكتا PageV06P149 # إلى أن أدخل قال فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو ~~مغتاظ متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر ~~رضي الله عنه وأنا أنهى عنهما ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن ~~منصور وقال رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن فأمسكنا فجاء يحيى ~~بن أكثم فجلس وجلسنا فقال المأمون ليحيى مالي أراك متغيرا فقال هو غم يا ~~أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام قال وما حدث فيه قال النداء بتحليل الزنا ~~قال الزنا قال نعم المتعة زنا قال ومن أين قلت هذا قال من كتاب الله عز وجل ~~وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى * (قد أفلح المؤمنون) * ~~إلى قوله * (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) * المؤمنون 1 7 يا ~~أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك ms1647 يمين قال لا قال فهي الزوجة التي عند الله ~~ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها قال لا قال فقد صار متجاوز هذين من ~~العادين وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن ~~الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال أمرني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أمر بها ~~فالتفت إلينا المأمون فقال أمحفوظ هذا من حديث الزهري فقلنا نعم يا أمير ~~المؤمنين رواه جماعة منهم مالك رضي الله عنه فقال أستغفر الله نادوا بتحريم ~~المتعة فنادوا بها قال أبو إسحاق إسماعيل ابن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن ~~زيد بن درهم الأزدي القاضي الفقيه المالكي PageV06P150 # البصري وقد ذكر يحيى بن أكثم فعظم أمره وقال كان له ~~يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله وذكر هذا اليوم وكانت كتب يحيى في الفقه ~~أجل كتب فتركها الناس لطولها وله كتب في الأصول وله كتاب أورده على ~~العراقيين سماه كتاب التنبيه وبينه وبين داود بن علي مناظرات كثيرة ولقيه ~~رجل وهو يومئذ على القضاء فقال أصلح الله القاضي كم آكل قال فوق الجوع ودون ~~الشبع فقال فكم أضحك قال حتى يسفر وجهك ولا يعلو صوتك قال فكم أبكي قال لا ~~تمل من البكاء من خشية الله تعالى قال فكم أخفي عملي قال ما استطعت قال فكم ~~أظهر منه قال مقدار ما يقتدي بك البر الخير ويؤمن عليك قول الناس قال الرجل ~~سبحان الله قول قاطن وعمل ظاعن وكان يحيى من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور ~~رأيت في بعض المجاميع أن أحمد بن أبي خالد الأحول وزير المأمون وقف بين يدي ~~المأمون وخرج يحيى بن أكثم من بعض المستراحات فوقف فقال له المأمون اصعد ~~فصعد وجلس على طرف السرير معه فقال أحمد يا أمير المؤمنين إن القاضي يحيى ~~صديقي وممن أثق به في جميع أموري وقد تغير عما عهدته منه فقال المأمون يا ~~يحيى إن فساد ms1648 أمر الملوك بفساد خاصتهم وما يعدلكما عندي أحد فما هذه الوحشة ~~بينكما فقال له يحيى يا أمير المؤمنين والله أنه ليعلم أني له على أكثر مما ~~وصف ولكنه لما رأى منزلتي منك هذه المنزلة خشي أن أتغير له يوما فأقدح فيه ~~عندك فأحب أن يقول لك هذا ليأمن مني وإنه والله لو بلغ نهاية مساءتي ما ~~ذكرته بسوء عندك أبدا فقال المأمون أكذلك هو يا أحمد قال نعم يا أمير ~~المؤمنين قال أستعين بالله عليكما فما رأيت أتم دهاء ولا أعظم فطنة منكما ~~PageV06P151 # ولم يكن فيه ما يعاب به سوى ما كان يتهم به من الهنات ~~المنسوبة إليه الشائعة عنه والله أعلم بحاله فيها وذكر الخطيب في تاريخه ~~أنه ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه ما يرميه الناس به فقال سبحان الله ~~سبحان الله من يقول هذا وأنكر ذلك إنكارا شديدا وذكر عنه أيضا أنه كان يحسد ~~حسدا شديدا وكان مفننا فكان إذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث ~~وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام ~~ليقطعه ويخجله فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكي حافظ فناظره فرآه مفننا ~~فقال له نظرت في الحديث قال نعم قال ما تحفظ من الأصول قال أحفظ عن شريك عن ~~أبي إسحاق عن الحارث أن عليا رضي الله عنه رجم لوطيا فأمسك ولم يكلمه ثم ~~قال الخطيب أيضا ودخل على يحيى بن أكثم ابنا مسعدة وكانا على نهاية الجمال ~~فلما رآهما يمشيان في الصحن أنشأ يقول (يا زائرينا من الخيام * حياكما الله ~~بالسلام) (لم تأتياني وبي نهوض * إلى حلال ولا حرام) (يحزنني أن وقفتما بي ~~* وليس عندي سوى الكلام) ثم أجلسهما بين يديه وجعل يمازحهما حتى انصرفا ~~ويقال إنه عزل عن الحكم بسبب هذه الأبيات ورأيت في بعض المجاميع أن يحيى بن ~~أكثم مازح الحسن بن وهب المذكور في ترجمة أخيه سليمان بن وهب وهو يومئذ صبي ~~فلاعبه ثم جمشه فغضب الحسن فأنشد يحيى ms1649 (أيا قمرا جمشته فتغضبا * وأصبح لي ~~من تيهه متجنبا) PageV06P152 # (إذا كنت للتجميش والعض كارها * فكن أبدا يا سيدي ~~متنقبا) (ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة * وتجعل منها فوق خديك عقربا) (فتقتل ~~مسكينا وتفتن ناسكا * وتترك قاضي المسلمين معذبا) وقال أحمد بن يونس الضبي ~~كان زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى ابن أكثم القاضي وكان غلاما جميلا ~~متناهي الجمال فقرص القاضي خده فخجل الغلام واستحيا وطرح القلم من يده فقال ~~له يحيى خذ القلم واكتب ما أملي عليك ثم أملى الأبيات المذكورة والله أعلم ~~وقال إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار سمعت أبا العيناء في مجلس أبي ~~العباس المبرد يقول كنت في مجلس أبي عاصم النبيل وكان أبو بكر ابن يحيى بن ~~أكثم حاضرا فنازع غلاما فارتفع الصوت فقال أبو عاصم مهيم فقالوا هذا أبو ~~بكر ين يحيى بن أكثم ينازع غلاما فقال إن يسرق فقد سرق أب له من قبل هكذا ~~ذكره الخطيب في تاريخه وذكر الخطيب أيضا في تاريخه أن المأمون قال ليحيى ~~المذكور من الذي يقول (قاض يرى الحد في الزناء ولا * يرى على من يلوط من ~~باس) قال أو ما يعرف أمير المؤمنين من القائل قال لا قال يقوله الفاجر أحمد ~~بن أبي نعيم الذي يقول (لا أحسب الجور ينقضي وعلى الأمة * وال من آل عباس) ~~قال فأفحم المأمون خجلا وقال ينبغي أن ينفي أحمد بن أبي نعيم إلى السند ~~وهذان البيتان من جملة أبيات أولها PageV06P153 # (أنطقني الدهر بعد إخراس * لنائبات أطلن وسواسي) (يا ~~بؤس للدهر لا يزال كما * يرفع ناسا يحط من ناس) (لا أفلحت أمة وحق لها * ~~بطول نكس وطول إتعاس) (ترضى بيحيى يكون سائسها * وليس يحيى لها بسواس) (قاض ~~يرى الحد في الزناء ولا * يرى على من يلوط من باس) (يحكم للأمرد الغرير على ~~* مثل جرير ومثل عباس) (فالحمد لله كيف قد ذهب العدل * وقل الوفاء في ~~الناس) (أميرنا يرتشي وحاكمنا * يلوط والرأس شر ما راس) (لو صلح الدين ~~فاستقام لقد * قام على الناس كل ms1650 مقياس) (لا أحسب الجور ينقضي وعلى الأمة * ~~وال من آل عباس) وظني أنها أكثر من هذا ولكن الخطيب لم يذكر إلا هذا القدر ~~ونقلت من أمالي أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري المقدم ذكره أن القاضي ~~يحيى بن أكثم قال لرجل يأنس به ويمازحه ما تسمع الناس يقولون في قال ما ~~أسمع إلا خيرا قال ما أسألك لتزكيني قال أسمعهم يرمون القاضي بالأبنة قال ~~فضحك وقال اللهم غفرا المشهور عنا غير هذا وحكى أبو الفرج الأصبهاني في ~~كتاب الأغاني ليحيى المذكور وقائع في هذا الباب وأن المأمون لما تواتر ~~النقل عن يحيى بهذا أراد امتحانه فأخلى له مجلسا واستدعاه وأوصى مملوكا ~~خزريا يقف عندهما وحده فإذا خرج المأمون يقف المملوك ولا ينصرف وكان ~~المملوك في غاية الحسن فلما اجتمعا بالمجلس وتحادثا قام المأمون كأنه يقضي ~~حاجة فوقف المملوك فتجسس المأمون عليهما PageV06P154 # وكان قد قرر معه أن يعبث بيحيى علما منه أن يحيى لا ~~يتجاسر عليه خوفا من المأمون فلما عبث به المملوك سمعه المأمون وهو يقول ~~لولا أنتم لكنا مؤمنين فدخل المأمون وهو ينشد (وكنا نرجي أن نرى العدل ~~ظاهرا * فأعقبنا بعد الرجاء قنوط) (متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها * وقاضي ~~قضاة المسلمين يلوط) وهذان البيتان لأبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب وراشد ~~له فيه مقاطيع كثيرة وذكر المسعودي في مروج الذهب في ترجمة المأمون جملة من ~~أخبار يحيى في هذا الباب أضربنا عن ذكرها ومما يناسب حكاية المأمون مع يحيى ~~بسؤاله عن البيت لمن هو وإجابة يحيى ببيت آخر من القصيدة ما يروى أن معاوية ~~بن أبي سفيان الأموي لما مرض مرض موته واشتدت علته وحصل اليأس منه دخل عليه ~~بعض أولاد علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يعوده ولا أستحضر الآن من هو ~~فوجده قد استند جالسا يتجلد له لئلا يشتفي به فضعف عن القعود فاضطجع وأنشد ~~(وتجلدي للشامتين أريهم * أني لريب الدهر لا أتضعضع) فقام العلوي من عنده ~~وهو ينشد (وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة ms1651 لا تنفع) فعجب ~~الحاضرون من جوابه وهذان البيتان من جملة قصيدة طويلة لأبي ذؤيب خويلد بن ~~خالد الهذلي يرثي بها بنيه وكان قد هلك له خمس بنين في عام واحد أصابهم ~~الطاعون PageV06P155 # وكانوا هاجروا معه إلى مصر وهلك أبو ذؤيب المذكور في ~~طريق مصر وقيل في طريق إفريقية مع عبد الله بن الزبير ثم وجدت في كتاب فلك ~~المعاني لابن الهبارية في الباب التاسع من الكتاب المذكور أن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنهما دخل على معاوية في علته فقال أسندوني ثم تمثل ~~ببيت أبي ذؤيب وأنشد البيت المذكور فسلم الحسين ثم أنشد البيت الثاني والله ~~أعلم وذكرها أبو بكر ابن داود الظاهري في كتاب الزهرة منسوبة إلى الحسين بن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنهما والله أعلم قلت ولم يذكر ابن الهبارية ولا ~~الظاهري أنه كان في علة الموت ولا يمكن ذلك لأن الحسن توفي قبل معاوية ~~والحسين لم يحضر وفاة معاوية لأنه كان بالحجاز ومعاوية توفي بدمشق ثم وجدت ~~في أول كتاب التعازي تأليف أبي العباس المبرد هذه القصة جرت للحسين بن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان والظاهر أن ابن الهبارية ~~منه نقلها ومثل ذلك أيضا ما يحكى أن عقيل بن أبي طالب هاجر أخاه عليا رضي ~~الله عنه والتحق بمعاوية فبالغ معاوية في بره وزاد في إكرامه إرغاما لعلي ~~رضي الله عنه فلما قتل علي واستقل معاوية بالأمر ثقل عليه أمر عقيل فكان ~~يسمعه ما يكره لينصرف عنه فبينما هو يوما في مجلس حفل بأهل الشام إذ قال ~~معاوية أتعرفون أبا لهب الذي نزل في حقه قوله تعالى * (تبت يدا أبي لهب) * ~~المسد 1 من هو فقال أهل الشام لا فقال معاوية هو عم هذا وأشار إلى عقيل ~~فقال عقيل في الحال أتعرفون امرأته التي قال الله في حقها * (وامرأته حمالة ~~الحطب في جيدها حبل من مسد) * المسد 4 من هي فقالوا لا PageV06P156 # قال هي عمة هذا ms1652 وأشار إلى معاوية وكانت عمته أم جميل ~~بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف زوجة أبي لهب بن عبد العزى وهي ~~المشار إليها في هذه السورة فكان ذلك من الأجوبة المسكتة ويقرب من هذا أيضا ~~أن بعض الملوك حاصر بعض البلاد وكان معه عساكر عظيمة بكثرة الرجال والخيل ~~والعدد فكتب الملك المحاصر إلى صاحب البلد كتابا يشير إليه بأنه يسلم البلد ~~إليه ولا يقاتله وذكر ما جاء به من الرجال والأموال والآلات ومن جملة ~~الكتاب قوله تعالى * (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) * النمل 18 فلما ~~وصل الكتاب إلى صاحب البلد وتأمله وقرأه على خواصه قال من يجاوب عن هذا ~~فقال بعض الكتاب تكتب إليه * (فتبسم ضاحكا من قولها) * النمل 19 فاستحسن ~~الحاضرون جوابه ومثل هذا أيضا ما حكاه ابن رشيق القيرواني في كتاب الأنموذج ~~وهو أن عبد الله بن إبراهيم بن المثنى الطوسي المعروف بابن المؤدب المهدوي ~~الأصل القيرواني البلد الشاعر المشهور كان مغرى بالسياحة وطلب الكيمياء ~~والأحجار وكان محروما مقترا عليه متلافا إذا أفاد شيئا فخرج مرة يريد جزيرة ~~صقلية فأسره الروم في البحر وأقام مدة طويلة إلى أن هادن ثقة الدولة يوسف ~~بن عبد الله بن محمد بن أبي الحسين القضاعي صاحب صقلية الروم وبعث إليه ~~بالأسرى فكان عبد الله المذكور فيمن بعث فامتدح عبد الله المذكور ثقة ~~PageV06P157 # الدولة بقصيدة شكره فيها على صنعه ورجا صلته فلم يصله ~~بشيء أرضاه وكانت فيه رغبة فتكلم وطلب طلبا شديدا وهو مستخف عند بعض من ~~يعرف من أهل صناعته وطالت المدة فخرج سكران يشتري نقلا فما شعر إلا وقد أخذ ~~وحمله صاحب الشرطة حتى أدخله على ثقة الدولة فقال له ما الذي بلغني يا بائس ~~قال المحال أيد الله سيدنا الأمير قال ومن هو الذي يقول في شعره (فالحر ~~ممتحن بأولاد الزنا *) قال هو الذي يقول (وعداوة الشعراء بئس المقتنى *) ~~فتنمر ساعة ثم ms1653 أمر له بمائة رباعي وأخرجه من المدينة كراهية أن تقوم عليه ~~نفسه فيعاقبه بعد أن عفا عنه فخرج منها وهذا المستشهد به عجزا بيتين من شعر ~~المتنبي في قصيدته النونية التي يمدح بها بدر بن عمار وأولها (الحب ما منع ~~الكلام الألسنا * وألذ شكوى عاشق ما أعلنا) وهي من مشاهير قصائده وأول ~~العجز الأول (وأنه المشير عليك في بضلة * فالحر ممتحن بأولاد الزنا) وأول ~~العجز الثاني (ومكايد السفهاء واقعة بهم * وعداوة الشعراء بئس المقتنى) ~~PageV06P158 # وإذ قد ذكرنا ثقة الدولة المذكور فنذكر قصيدة أبي محمد ~~عبد الله بن محمد التنوخي المعروف بابن قاضي ميلة التي مدحه بها في عيد ~~النحر وهي قصيدة بديعة لا توجد بكمالها في أيدي الناس ولقد ظفرت بها في ظهر ~~كتاب ولم يكن عندي منها سوى البعض ولا سمعت أحدا يروي منها إلا ذلك القدر ~~فأحببت إثباتها لحسنها وغرابتها وهي هذه (يذيل الهوى دمعي وقلبي المعنف * ~~وتجني جفوني الوجد وهو المكلف) (وإني ليدعوني إلى ما شنفته * وفارقت مغناه ~~الأغن المشنف) (وأحور ساجي الطرف أما وشاحه * فصفر وأما وقفه فموقف) (يطيب ~~أجاج الماء من نحو أرضه * يحيي ويندى ريحه وهو حرجف) (وأيأسني من وصله أن ~~دونه * متالف تسري الريح فيها فتتلف) (وغيران يجفو النوم كي لا يرى لنا * ~~إذا نام شملا في الكرى يتألف) (يظل على ما كان من قرب دارنا * وغفلته عما ~~مضى يتأسف) (وجون بمزن الرعد يستن ودقه * يرى برقه كالحية الصل تطرف) (كأني ~~إذا ما لاح والرعد معول * وجفن السحاب الجون بالماء يذرف) (سليم وصوت الرعد ~~راق وودقه * كنفث الرقى من سوء ما أتكلف) (ذكرت به ريا وما كنت ناسيا * ~~فأذكر لكن لوعة تتضعف) (ولما التقينا محرمين وسيرنا * بلبيك ربا والركائب ~~تعسف) (نظرت إليها والمطي كأنما * غواربها منها معاطس رعف) (فقالت أما منكن ~~من يعرف الفتى * فقد رابني من طول ما يتشوف) (أراه إذا سرنا يسير حذاءنا * ~~ونوقف أخفاف المطي فيوقف) PageV06P159 # (فقلت لتربيها ابلغاها بأنني * بها مستهام قالتا ~~نتلطف) (وقولا لها يا أم عمرو أليس ms1654 ذا * منى والمنى في خيفه ليس يخلف) ~~(تفاءلت في أن تبذلي طارف الوفا * بأن عن لي منك البنان المطرف) (وفي عرفات ~~ما يخبر أنني * بعارفة من عطف قلبك أسعف) (وأما دماء الهدي فهي هدى لنا * ~~يدوم ورأي في الهوى يتألف) (وتقبيل ركن البيت إقبال دولة * لنا وزمان ~~بالمودة يعطف) (فأوصلتا ما قلته فتبسمت * وقالت أحاديث العيافة زخرف) ~~(بعيشي ألم أخبركما أنه فتى * على لفظه برد الكلام المفوف) (فلا تأمنا ما ~~اسطعتما كيد نطقه * وقولا ستدري أينا اليوم أعيف) (إذا كنت ترجو في منى ~~الفوز بالمنى * ففي الخيف من إعراضنا تتخوف) (وقد أنذر الإحرام أن وصالنا * ~~حرام وأنا عن مزارك نصدف) (وهذا وقذفي بالحصى لك مخبر * بأن النوى بي عن ~~ديارك تقذف) (وحاذر نفارى ليلة النفر إنه * سريع فقل من بالعيافة أعرف) ~~(فلم أر مثلينا خليلي مودة * لكل لسان ذو غرارين مرهف) (أما إنه لولا أغن ~~مهفهف * وأشنف براق وأحور أوطف) (لراجع مشتاق ونام مسهد * وأيقن مرتاب ~~وأقصر مدنف) (وعاذلة في بذل ما ملكت يدي * لراج رجاني دون صحبي تعنف) (تقول ~~إذا أفنيت مالك كله * وأحوجت من يعطيكه قلت يوسف) (أغر قضاعي يكاد نواله * ~~لكثرة ما يدعو إلى الشكر يجحف) (إذا نحن أخلفنا مخايل ديمة * وجدنا حيا ~~معروفه ليس يخلف) (سعى وسعى الأملاك في طلب العلا * ففاز وأكدوا إذ أخف ~~وأقطفوا) PageV06P160 # (ويقظان شاب البطش باللين والتقى * بكفيه ما يرجى وما ~~يتخوف) (حسام على من ناصب الدين مصلت * وستر على من راقب الله مغدف) ~~(يسايره جيشان رأي وفيلق * ويصحبه سيفان عزم ومرهف) (مطل على من شاءه ~~فكأنما * على حكمه صرف الردى يتصرف) (يرى رأيه ما لا ترى عين غيره * ويفري ~~به ما ليس يفري المثقف) (رعى الله من ترعى حمى الدين عينه * ويحمي حمى ~~الإسلام والليل أغضف) (ومن وعده في مسرح الحمد مطلق * وإيعاده في ذمة الحلم ~~موقف) (ومن يضرب الأعداء هبرا فينثني * صناديدهم والبيض بالهام تقذف) ~~(رماهم بمجر ضعضع الأرض رزه * كأن الروابي منه بالنبل تدلف) (كأن الردينيات ~~في رونق الضحى ms1655 * أراقم في طام من الآل تزحف) (يعود الدجى من بيضه وهو أبيض ~~* ويبدو الضحى من نقعه وهو أكلف) (ويحجب نور الشمس بالنقع عنهم * ففعل ~~الظبا في هامهم لا يكيف) (لهم كل عام منك جاءوك فيلق * يسائل عنهم بالعوالي ~~فيلحف) (إذا ما طووا كشحا على قرح عامهم * وبلوا من الآلام أنشأت تقرف) ~~(فكم من أغم الوجه غاو تركته * وهاديه من عثنون لحييه أكثف) (هوى المقضب ~~الماضي بمهواه فانثنى * صريعا تراه حبترا وهو أسقف) (لعمري لقد عاديت في ~~الله طالبا * رضاه وقد أبليت ما الله يعرف) (أطالبتهم في الأهل حتى تركتهم ~~* فرادى وفي الأديان حتى تحنفوا) (فيا ثقة الملك الذي الملك سهمه * يراش ~~لأكباد الأعادي ويرصف) (هنيئا لك العيد الذي منك حسنه * يروق ومن أوصافك ~~الغر يوصف) (بدا معلم الأرجاء يزهى كأنما * على عطفه وشي العراق المشفف) ~~(أتى بعد حول زائرا عن تشوق * وقد كان ذا طرف للقياك يطرف) PageV06P161 # (فطوقته عزا وشنفته به * فلاح لنا وهو المحلى المشنف) ~~(وقابله بالسعد نجلك جعفر * فيا لك من عيد بملكين تتحف) (فلا زلت تستجدى ~~فتولي وترتجى * فتكفي وتستدعى لخطب فتكشف) نجزت القصيدة (314) وكان لثقة ~~الدولة المذكور ولد يدعى تاج الدولة جعفر بن ثقة الدولة وكان أديبا شاعرا ~~وله الأبيات السائرة في غلامين على أحدهما ثوب ديباج أحمر وعلى الآخر ثوب ~~ديباج أسود وهي (أرى بدرين قد طلعا * على غصنين في نسق) (وفي ثوبين قد صبغا ~~* صباغ الخد والحدق) (فهذا الشمس في شفق * وهذا البدر في غسق) وكان عمله ~~لهذه الأبيات في سنة سبع وعشرين وخمسمائة ولما توجه المأمون إلى مصر وذلك ~~في سنة سبع عشرة ومائتين دخلها لعشر خلون من المحرم وخرج منها سلخ صفر من ~~السنة كان معه القاضي يحيى بن أكثم فولاه قضاء مصر وحكم بها ثلاثة أيام ثم ~~خرج مع المأمون وعده ابن زولاق في جملة قضاة مصر لذلك وروي عن يحيى بن أكثم ~~أنه قال اختصم إلي في الرصافة الجد الخامس يطلب ميراث ابن ابن ابن ابنه ~~وكان عبد الصمد بن ms1656 أبي مروة بن المعذل بن غيلان بن المحارب بن البحتري ~~PageV06P162 # العبدي البصري الشاعر المشهور يلازم الترداد إلى ~~القاضي يحيى المذكور ويغشى مجلسه وكان بعض الأحيان لا يقدر على الوصول إليه ~~إلا بعد مشقة ومذلة يقاسيها فانقطع عنه فلامته زوجته في ذلك مرارا فأنشدها ~~(تكلفني إذلال نفسي لعزها * وهان عليها أن أهان لتكرما) (تقول سل المعروف ~~يحيى بن أكثم * فقلت سليه رب يحيى بن أكثما) ولم تزل الأحوال تختلف عليه ~~وتتقلب به إلى أيام المتوكل على الله فلما عزل القاضي محمد بن القاضي أحمد ~~بن أبي داود عن القضاء فوض الولاية إلى القاضي يحيى وخلع عليه خمس خلع ثم ~~عزله في سنة أربعين ومائتين وأخذ أمواله وولى في رتبته جعفر بن عبد الواحد ~~بن جعفر بن سليمان بن علي ابن عبد الله بن العباس الهاشمي فجاء كاتبه إلى ~~القاضي يحيى فقال له سلم الديوان فأبى فقال شاهدان عدلان على أمير المؤمنين ~~أنه أمرني بذلك فأخذ منه الديوان قهرا وغضب عليه المتوكل فأمر بقبض أملاكه ~~وألزم منزله ثم حج وحمل أخته معه وعزم على أن يجاور فلما اتصل به رجوع ~~المتوكل له بدا له في المجاورة ورجع يريد العراق فلما وصل إلى الربذة توفي ~~بها يوم الجمعة منتصف ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين ومائتين وقيل غرة سنة ~~ثلاث وأربعين ودفن هناك رحمه الله تعالى وعمره ثلاث وثمانون سنة وأكثم بفتح ~~الهمزة وسكون الكاف وفتح الثاء المثلثة وبعدها ميم وهو العظيم البطن ~~والشبعان أيضا يقال بالثاء المثلثة والتاء المثناة من فوقها ومعناهما واحد ~~ذكره في كتاب المحكم وحكى أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن سعيد قال كان ~~يحيى بن أكثم القاضي صديقا لي وكان يودني وأوده فمات يحيى فكنت أشتهي أن ~~أراه في المنام فأقول ما فعل الله بك فرأيته ليلة في المنام فقلت ما فعل ~~الله بك PageV06P163 # قال غفر لي إلا أنه وبخني ثم قال لي يا يحيى خلطت علي ~~في الدنيا فقلت يا رب اتكلت على حديث حدثني به ms1657 أبو معاوية الضرير عن الأعمش ~~عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنك قلت إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة بالنار فقال قد عفوت عنك يا ~~يحيى وصدق نبيي إلا أنك خلطت علي في دار الدنيا هكذا ذكره أبو القاسم ~~القشيري في الرسالة وقطن بفتح القاف والطاء المهملة وبعدها نون وسمعان بفتح ~~السين المهملة ومشنج كشفت عنه كثيرا من الكتب وأرباب هذه الصناعة فلم أقف ~~منه على حقيقة ثم وجدت في نسخة من تاريخ بغداد للخطيب وهي صحيحة مسموعة وقد ~~قيد هذا الاسم بضم الميم وفتح الشين المعجمة وفتح النون المشددة وفي آخره ~~جيم هذا أقصى ما قدرت عليه والله أعلم بالصواب ثم وجدته في المختلف ~~والمؤتلف لعبد الغني بن سعيد كما قيل هاهنا الأسيدي بضم الهمزة وفتح السين ~~المهملة وكسر الياء المثناة من تحتها وتشديدها وبعدها دال مهملة هذه النسبة ~~إلى أسيد وهو بطن من تميم يقال له أسيد بن عمرو بن تميم وقد تقدم الكلام ~~على التميمي والمروزي والربذة بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة ~~وبعدها هاء ساكنة وهي قرية من قرى المدينة على طريق الحاج ينزلونها عند ~~عبورهم عليها وهي التي نفى عثمان بن عفان أبا ذر الغفاري رضي الله عنهما ~~إليها وأقام بها حتى PageV06P164 # مات وقبره ظاهر هناك يزار وميلة بكسر الميم وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة وهي بليدة من أعمال ~~إفريقية (315) وتوفي جعفر بن عبد الواحد القاضي المذكور ويكنى أبا عبد الله ~~سنة ثمان وخمسين ومائتين وقيل سنة ثمان وستين وقيل سنة تسع وستين بطرسوس ~~رحمه الله تعالى 794 يحيى بن معاذ الواعظ أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي ~~الواعظ أحد رجال الطريقة ذكره أبو القاسم القشيري في الرسالة وعده من جملة ~~المشايخ وقال في حقه نسيج وحده في وقته له لسان في الرجاء خصوصا وكلام في ~~المعرفة خرج إلى بلخ وأقام بها مدة ورجع إلى نيسابور ومات بها ms1658 ومن كلامه ~~كيف يكون زاهدا من لا ورع له تورع عما ليس لك ثم ازهد فيما لك وكان يقول ~~الجوع للمريدين رياضة وللتائبين تجربة وللزهاد سياسة وللعارفين مكرمة ~~والوحدة جليس الصديقين والفوت أشد من الموت لأن الفوت انقطاع عن الحق ~~والموت انقطاع عن الخلق والزهد ثلاثة أشياء القلة والخلوة والجوع ومن خان ~~الله في السر هتك ستره في العلانية PageV06P165 # وسمع إسحاق بن سليمان الرازي ومكي بن إبراهيم البلخي ~~وعلي بن محمد الطنافسي وروى عنه الغرباء من أهل الري وهمذان وخراسان أحاديث ~~مسندة قليلة وذكره الخطيب في تاريخ بغداد فقال قدم بغداد واجتمع إليه بها ~~مشايخ الصوفية والنساك ونصبوا له منصة وأقعدوه عليها وقعدوا بين يديه ~~يتحاورون فتكلم الجنيد فقال له يحيى اسكت يا خروف ما لك والكلام إذا تكلم ~~الناس وكان له إشارات وعبارات حسنة فمن كلامه الكلام الحسن حسن وأحسن من ~~الكلام معناه وأحسن من معناه استعماله وأحسن من استعماله ثوابه وأحسن من ~~ثوابه رضا من يعمل له ومن كلامه حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر ولا تنقص ~~بالجفاء وكان يقول من لم يكن ظاهره مع العوام فضة ومع المريدين ذهبا ومع ~~العارفين المقربين درا وياقوتا فليس من حكماء الله المريدين وكان يقول أحسن ~~شيء كلام صحيح من لسان فصيح في وجه صبيح كلام دقيق يستخرج من بحر عميق على ~~لسان رجل رفيق وكان يقول إلهي كيف أنساك وليس لي رب سواك إلهي لا أقول لا ~~أعود لأني أعرف من نفسي نقض العهود ولكني أقول لا أعود لا أعود لعلي أموت ~~قبل أن أعود ومن دعائه اللهم إن كان ذنبي قد أخافني فإن حسن ظني بك قد ~~أجارني اللهم سترت علي في الدنيا ذنوبا أنا إلى سترها في القيامة أحوج وقد ~~أحسنت بي إذ لم تظهرها لعصابة من المسلمين فلا تفضحني في ذلك اليوم على ~~رؤوس العالمين يا أرحم الراحمين PageV06P166 # ودخل على علوي ببلخ زائرا له ومسلما عليه فقال له ~~العلوي أيد الله الأستاذ ما تقول فينا أهل البيت ms1659 قال ما أقول في طين عجن ~~بماء الوحي وغرس بماء الرسالة فهل يفوح منهما إلا مسك الهدى وعنبر التقى ~~فحشا العلوي فاه بالدر ثم زاره من الغد فقال يحيى بن معاذ إن زرتنا فبفضلك ~~وإن زرناك فلفضلك فلك الفضل زائرا ومزورا ومن كلامه ما بعد طريق إلى صديق ~~ولا استوحش في طريق من سلك فيه إلى حبيب ومن كلامه مسكين ابن آدم لو خاف ~~النار كما يخاف الفقر دخل الجنة وقال ما صحت إرادة أحد قط فمات حتى حن إلى ~~الموت واشتهاه اشتهاء الجائع إلى الطعام لارتداف الآفات واستيحاشه من الأهل ~~والإخوان ووقوعه فيما يتحير فيه صريح عقله وقال من لم ينظر في الدقيق من ~~الورع لم يتصل إلى الجليل من العطاء وقال ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال إن ~~لم تنفعه فلا تضره وإن لم تسره فلا تغمه وإن لم تمدحه فلا تذمه وقال عمل ~~كالسراب وقلب من التقوى خراب وذنوب بعدد الرمل والتراب ثم تطمع في الكواعب ~~الأتراب هيهات أنت سكران بغير شراب ما أكملك لو بادرت أملك ما أجلك لو ~~بادرت أجلك ما أقواك لو خالفت هواك وله في هذا الباب كل كلام مليح وتوفي ~~سنة ثمان وخمسين ومائتين بنيسابور رحمه الله تعالى وقال PageV06P167 # محمد بن عبد الله قرأت على اللوح في قبر يحيى بن معاذ ~~الرازي مات حكيم الزمان يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى وبيض وجهه ~~وألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لست عشرة ليلة خلت من ~~جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين ومائتين 795 يحيى بن منده أبو زكريا يحيى بن ~~عبد الوهاب ابن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده ~~بن الوليد بن منده بن بطه بن استندار بن جهار بخت ابن فيرزان واسم منده ~~إبراهيم ومنده لقب وقيل إن اسم الفيرزان استندار والله أعلم العبدي كان من ~~الحفاظ المشهورين وأحد أصحاب الحديث المبرزين وقد سبق ذكر جده أبي عبد الله ~~محمد في حرف ms1660 الميم وهو أبو زكريا بن أبي عمرو بن أبي عبد الله بن أبي محمد ~~بن أبي يعقوب من أهل أصبهان وهو محدث ابن محدث ابن محدث ابن محدث ابن محدث ~~وكان جليل القدر وافر الفضل واسع الرواية ثقة حافظا فاضلا مكثرا صدوقا ~~PageV06P168 # كثير التصانيف حسن السيرة بعيد التكلف أوحد بيته في ~~عصره خرج التخاريج لنفسه ولجماعة من الشيوخ الأصبهانيين وسمع أبا بكر محمد ~~بن عبد الله بن زيد الضبي وأبا طاهر محمد بن أحمد ابن محمد بن عبد الرحيم ~~الكاتب وأبا منصور محمد بن عبد الله بن فضلويه الأصبهاني وأباه أبا عمرو ~~وعميه أبا الحسن عبيد الله وأبا القاسم عبد الرحمن وأبا العباس أحمد بن ~~محمد بن أحمد بن النعمان القضاعي وأبا عبد الله محمد ابن علي بن محمد ~~الجصاص وأبا بكر محمد بن علي بن الحسين الجوزداني وأبا طاهر أحمد بن محمود ~~الثقفي ورحل إلى نيسابور وسمع بها أبا بكر أحمد بن منصور بن خلف المقرئ ~~وأبا بكر أحمد بن الحسين البيهقي وبهمذان أبا بكر محمد بن عبد الرحمن بن ~~محمد النهاوندي وبالبصرة أبا القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد الشاهد وعبد ~~الله بن الحسين السعداني وجماعة كثيرة سواهم وصنف تاريخ أصبهان وغيره من ~~الجموع ودخل بغداد حاجا وحدث بها وأملى بجامع المنصور وكتب عنه الشيوخ منهم ~~أبو الفضل محمد بن ناصر وعبد القادر بن أبي صالح الجيلي وأبو محمد عبد الله ~~بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب النحوي في خلق كثير لشهرته وبيته وروى ~~عنه أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي الحافظ وأبو الحسن علي بن ~~أبي تراب الزيكوني الخياط البغدادي وأبو طاهر يحيى بن عبد الغفار بن الصباغ ~~وأبو الفضل محمد بن هبة الله بن العلاء الحافظ وجماعة كثيرة وذكره الحافظ ~~ابن السمعاني في كتاب الذيل وقال كتب لي الإجازة بجميع مسموعاته ثم قال ~~سألت عنه أبا القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ فأثنى عليه ووصفه بالحفظ ~~والمعرفة والدراية ثم قال سمعت أبا بكر محمد ms1661 PageV06P169 # ابن أبي نصر بن محمد اللفتواني الحافظ يقول بيت ابن ~~منده بدىء بيحيى وختم بيحيى يريد في معرفة الحديث والعلم والفضل وذكره ~~الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي المقدم ذكره في مساق ~~تاريخ نيسابور فقال أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب ابن منده رجل فاضل من بيت ~~العلم والحديث المشهور في الدنيا سافر وأدرك المشايخ وسمع منهم وصنف على ~~الصحيحين وكان يروي بإسناده المتصل إلى بعض العلماء أنه قال كثرة الضحك ~~أمارة الحمق والعجلة من ضعف العقل وضعف العقل من قلة الرأي وقلة الرأي من ~~سوء الأدب وسوء الأدب يورث المهانة والمجون طرف من الجنون والحسد داء لا ~~دواء له والنمائم تورث الضعائن وكان يروي بالإسناد المتصل إلى الأصمعي أنه ~~قال دخلت في البادية إلى مسجد فقام الإمام يصلي فقرأ * (إنا أرسلنا نوحا ~~إلى قومه) * نوح 1 وأرتج عليه فجعل يرددها ويقول * (إنا أرسلنا نوحا إلى ~~قومه) * فقال أعرابي من ورائه وهو قائم يصلي يا هذا إن لم يذهب نوح فأرسل ~~غيره وكان يحيى المذكور كثيرا ما ينشد لبعضهم (عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ~~* وللمشتري دنياه بالدين أعجب) (وأعجب من هذين من باع دينه * بدنيا سواه ~~فهو من ذين أخيب) وكانت ولادته في غداة يوم الثلاثاء تاسع عشر شوال سنة ~~أربع وثلاثين وأربعمائة وتوفي يوم عيد النحر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ~~بأصبهان ومولده بها أيضا رحمه الله تعالى ولم يخلف في بيت ابن منده بعده ~~مثله وقال ابن نقطة في كتابه إكمال الإكمال توفي يوم السبت ثاني عشر ذي ~~الحجة من سنة إحدى عشرة وخمسمائة وذكر أن مولد أبيه عبد الوهاب PageV06P170 # سنة ست وثمانين وثلاثمائة وتوفي في جمادى الآخرة من ~~سنة خمس وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى وقد سبق الكلام على ضبط أسماء ~~أجداده في ترجمة جده أبي عبد الله محمد رحمه الله تعالى 796 ابن سعدون ~~القرطبي أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي القرطبي الملقب سابق ~~الدين أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم ms1662 القرآن الكريم والحديث ~~والنحو واللغة وغير ذلك خرج من الأندلس في عنفوان شبابه وقدم ديار مصر فسمع ~~بالإسكندرية أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي وبمصر أبا صادق ~~مرشد بن يحيى ابن القاسم المدني المصري وأبا طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني ~~المعروف بالسلفي وغيرهم ودخل بغداد سنة سبع عشرة وخمسمائة وقرأ بها القرآن ~~الكريم على الشيخ أبي محمد عبد الله بن علي المقرئ المعروف بابن بنت الشيخ ~~أبي منصور الخياط وسمع عليه كتبا كثيرة منها كتاب سيبويه وقرأ الحديث على ~~أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزار المعروف بقاضي المارستان وأبي القاسم ~~ابن الحصين وأبي العز ابن كادش وغيرهم وكان دينا ورعا عليه وقار وهيبة ~~وسكينة وكان ثقة صدوقا ثبتا نبيلا PageV06P171 # قليل الكلام كثير الخير مفيدا أقام بدمشق مدة واستوطن ~~الموصل ورحل عنها إلى أصبهان ثم عاد إلى الموصل وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر ~~وذكره الحافظ ابن السمعاني في كتاب الذيل وقال إنه اجتمع به بدمشق وسمع منه ~~مشيخة أبي عبد الله الرازي وانتخب عليه أجزاء وسأله عن مولده فقال ولدت في ~~سنة ست وثمانين وأربعمائة بمدينة قرطبة من ديار الأندلس ورأيت في بعض الكتب ~~أن مولده سنة سبع وثمانين والأول أصح وكان شيخنا القاضي بهاء الدين أبو ~~المحاسن يوسف بن رافع بن تميم المعروف بابن شداد قاضي حلب رحمه الله تعالى ~~يفتخر برؤيته وقراءته عليه وسيأتي ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى وقال ~~كنا نقرأ عليه بالموصل ونأخذ عنه وكنا نرى رجلا يأتي إليه كل يوم فيسلم ~~عليه وهو قائم ثم يمد يده إلى الشيخ بشيء ملفوف فيأخذه الشيخ من يده ولا ~~نعلم ما هو ويتركه ذلك الرجل ويذهب ثم تقفينا ذلك فعلمنا أنها دجاجة مسموطة ~~كانت برسم الشيخ في كل يوم يبتاعها له ذلك الرجل ويسمطها ويحضرها وإذا دخل ~~الشيخ إلى منزله تولى طبخها بيده وذكر في كتابه الذي سماه دلائل الأحكام ~~أنه لازم القراءة عليه إحدى عشرة سنة آخرها سنة سبع وستين وخمسمائة وكان ms1663 ~~الشيخ أبو بكر القرطبي المذكور كثيرا ما ينشد مسندا إلى أبي الخير الكاتب ~~الواسطي رواهما بالإسناد المتصل إليه أنهما له (جرى قلم القضاء بما يكون * ~~فسيان التحرك والسكون) (جنون منك أن تسعى لرزق * ويرزق في غشاوته الجنين) ~~وقال أنشدنا أبو الوفاء عبد الباقي بن وهب بن حسان قال أنشدنا أبو عبد الله ~~محمد بن منيع بمصر لنفسه (لي حيلة فيمن ينم * وليس في الكذاب حيله) ~~PageV06P172 # (من كان يخلق ما يقول * فحيلتي فيه قليله) وتوفي الشيخ ~~أبو بكر المذكور بالموصل في يوم عيد الفطر من سنة سبع وستين وخمسمائة رحمه ~~الله تعالى 797 يحيى بن يعمر النحوي أبو سليمان وقيل أبو سعيد يحيى بن يعمر ~~العدواني الوشقي النحوي البصري كان تابعيا لقي عبد الله بن عمر وعبد الله ~~بن عباس رضي الله عنهم ولقي غيرهما وروى عنه قتادة بن دعامة السدوسي وإسحاق ~~بن سويد العدوي وهو أحد قراء البصرة وعنه أخذ عبد الله بن أبي إسحاق ~~القراءة وانتقل إلى خراسان وتولى القضاء بمرو وكان عالما بالقرآن الكريم ~~والنحو ولغات العرب وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي المقدم ذكره يقال إن ~~أبا الأسود لما وضع باب الفاعل والمفعول به زاد فيه رجل من بني ليث أبوابا ~~ثم نظر فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه فيمكن أن يكون هو يحيى ~~بن يعمر المذكور إذ كان عداده في بني ليث لأنه حليف لهم وكان شيعيا من ~~الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم ~~PageV06P173 # حكى عاصم بن أبي النجود المقرئ المقدم ذكره أن الحجاج ~~بن يوسف الثقفي بلغه أن يحيى بن يعمر يقول إن الحسن والحسين رضي الله عنهما ~~من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحيى يومئذ بخراسان فكتب الحجاج ~~إلى قتيبة بن مسلم والي خراسان وقد تقدم ذكره أيضا أن ابعث إلي بيحيى بن ~~يعمر فبعث به إليه فقام بين يديه فقال أنت الذي تزعم أن الحسن والحسين من ~~ذرية رسول ms1664 الله صلى الله عليه وسلم والله لألقين الأكثر منك شعرا أو لتخرجن ~~من ذلك قال فهو أماني إن خرجت قال نعم قال فإن الله جل ثناؤه يقول * ~~(ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى) ~~* الآية الأنعام 85 قال وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ~~ومحمد صلوات الله عليه وسلامه فقال له الحجاج ما أراك إلا قد خرجت والله ~~لقد قرأتها وما علمت بها قط وهذا من الاستنباطات البديعة الغريبة العجيبة ~~فلله دره ما أحسن ما استخرج وأدق ما استنبط قال عاصم ثم إن الحجاج قال له ~~أين ولدت فقال بالبصرة قال أين نشأت قال بخراسان قال فهذه العربية أنى هي ~~لك قال رزق قال خبرني عني هل ألحن فسكت فقال أقسمت عليك فقال أما إذ سألتني ~~أيها الأمير فإنك ترفع ما يوضع وتضع ما يرفع فقال ذلك والله اللحن السيء ~~قال ثم كتب إلى قتيبة إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك ~~والسلام وروى ابن سلام عن يونس بن حبيب قال قال الحجاج ليحيى بن يعمر ~~أتسمعني ألحن قال في حرف واحد قال في أي قال في القرآن قال ذلك أشنع ثم قال ~~له ما هو قال تقول * (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم) * إلى قوله * (أحب إليكم) ~~* التوبة 24 فتقرؤها بالرفع PageV06P174 # قال ابن سلام كأنه لما طال الكلام نسي ما ابتدأ به ~~فقال الحجاج لا جرم لا تسمع لي لحنا قال يونس فألحقه بخراسان وعليها يزيد ~~بن المهلب بن أبي صفرة والله أعلم أي ذلك كان قال ابن الجوزي في كتاب شذور ~~العقود في سنة أربع وثمانين للهجرة نفى الحجاج يحيى بن يعمر لأنه قال له هل ~~ألحن فقال تلحن لحنا خفيا فقال أجلتك ثلاثا فإن وجدتك بعد بأرض العراق ~~قتلتك فخرج وحكى أبو عمرو نصر بن علي عن نوح بن قيس قال حدثنا عثمان بن ~~محصن ms1665 قال خطب أمير بالبصرة فقال اتقوا الله فإنه من يتق الله فلا هورات ~~عليه فلم يدروا ما قال الأمير فسألوا يحيى بن يعمر فقال الهورات الضياع ~~يقول من اتقى الله فليس عليه ضياع قال القزاز في كتاب الجامع الهورات ~~المهالك واحدها هورة قال الراوي فحدثت بهذا الحديث الأصمعي فقال هذا شيء لم ~~أسمع به قط حتى كان الساعة منك ثم قال إن كلام العرب لواسع لم أسمع بذا قط ~~وحكى الأصمعي قال حدثنا أبي قال كتب يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وهو ~~بخراسان إلى الحجاج بن يوسف كتابا يقول فيه إنا لقينا العدو فاضطررناهم إلى ~~عرعرة الجبل ونحن بالحضيض فقال الحجاج ما لابن المهلب ولهذا الكلام فقيل له ~~إن ابن يعمر عنده فقال فذاك إذا وكان يحيى بن يعمر يعمل الشعر وهو القائل ~~(أبى الأقوام إلا بغض قومي * قديما أبغض الناس السمينا) وقال خالد الحذاء ~~كان لابن سيرين مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر وكان ينطق بالعربية المحضة ~~واللغة الفصحى طبيعة فيه غير متكلف وأخباره ونوادره كثيرة وتوفي سنة تسع ~~وعشرين ومائة رحمه الله تعالى ويعمر بفتح الياء المثناة من تحتها والميم ~~وبينهما عين مهملة وفي الأخير PageV06P175 # راء وقيل بضم الميم والأول أصح وأشهر ويعمر بفتح الميم ~~مضارع قولهم عمر الرجل بفتح العين وكسر الميم إذا عاش زمنا طويلا وإنما سمي ~~بذلك تفاؤلا بطول العمر كما سمي يحيى بذلك أيضا والعدواني بفتح العين ~~المهملة والواو وبينهما دال مهملة ساكنة وبعد الألف نون هذه النسبة إلى ~~عدوان واسمه الحارث بن عمرو بن قيس عيلان وإنما قيل له عدوان لأنه عدا على ~~أخيه فهم فقتله والوشقي بفتح الواو وسكون الشين المعجمة وبعدها قاف هذه ~~النسبة إلى وشقة بن عوف بن بكر بن يشكر بن عدوان المذكور 798 أبو زكريا ~~الفراء أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي المعروف ~~بالفراء الديلمي الكوفي مولى بني أسد وقيل مولى بني منقر كان أبرع الكوفيين ~~وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب حكي ms1666 عن أبي العباس ثعلب أنه قال لولا ~~الفراء لما كانت عربية لأنه خلصها وضبطها ولولا الفراء لسقطت العربية لأنها ~~كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم ~~وقرائحهم فتذهب وأخذ النحو عن أبي الحسن الكسائي وهو والأحمر المقدم ذكره ~~من PageV06P176 # أشهر أصحابه وأخصهم به ولما عزم الفراء على الاتصال ~~بالمأمون كان يتردد إلى الباب فبينما هو ذات يوم على الباب إذ جاء أبو بشر ~~ثمامة بن الأشرس النميري المعتزلي وكان خصيصا بالمأمون قال ثمامة فرأيت ~~أبهة أديب فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا وفاتشته عن النحو ~~فشاهدته نسيج وحده وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم ~~وبالنجوم ماهرا وبالطب خبيرا وبأيام العرب وأشعارها حاذقا فقلت له من تكون ~~وما أظنك إلا الفراء فقال أنا هو فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون فأمر ~~بإحضاره لوقته وكان سبب اتصاله به وقال قطرب دخل الفراء على الرشيد فتكلم ~~بكلام لحن فيه مرات فقال جعفر بن يحيى البرمكي إنه قد لحن يا أمير المؤمنين ~~فقال الرشيد للفراء أتلحن فقال الفراء يا أمير المؤمنين إن طباع أهل البدو ~~الإعراب وطباع أهل الحضر اللحن فإذا تحفظت لم ألحن وإذا رجعت إلى الطبع ~~لحنت فاستحسن الرشيد قوله وقال الخطيب في تاريخ بغداد إن الفراء لما اتصل ~~بالمأمون أمره أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العربية وأمر أن ~~يفرد في حجرة من حجر الدار ووكل به جواري وخدما يقمن بما يحتاج إليه حتى لا ~~يتعلق قلبه ولا تتشوف نفسه إلى شيء حتى إنهم كانوا يؤذونه بأوقات الصلوات ~~وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين فكان يملي والوراقون يكتبون حتى ~~صنف الحدود في سنتين وأمر المأمون بكتبه في الخزائن فبعد أن PageV06P177 # فرغ من ذلك خرج إلى الناس وابتدأ بكتاب المعاني قال ~~الراوي وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني فلم نضبطهم ~~فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا فلم يزل يمليه حتى أتمه ولما فرغ من ~~كتاب المعاني خزنه الوراقون عن ms1667 الناس ليكسبوا به وقالوا لا نخرجه إلا لمن ~~أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم فشكا الناس إلى الفراء فدعا الوراقين ~~فقال لهم في ذلك فقالوا إنما صحبناك لننتفع بك وكل ما صنفته فليس بالناس ~~إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب فدعنا نعيش به فقال قاربوهم تنتفعوا ~~وتنفعوا فأبوا عليه فقال سأريكم وقال للناس إني ممل كتاب معان أتم شرحا ~~وأبسط قولا من الذي أمليت فجلس يملي فأملى الحمد في مائة ورقة فجاء ~~الوراقون إليه وقالوا نحن نبلغ الناس ما يحبون فنسخوا كل عشرة أوراق بدرهم ~~وكان سبب إملائه كتاب المعاني أن أحد أصحابه وهو عمر بن بكير كان يصحب ~~الحسن بن سهل المقدم ذكره فكتب إلى الفراء إن الأمير الحسن لا يزال يسألني ~~عن أشياء من القرآن لا يحضرني عنها جواب فإن رأيت أن تجمع لي أصولا وتجعل ~~ذلك كتابا يرجع إليه فعلت فلما قرأ الكتاب قال لأصحابه اجتمعوا حتى أملي ~~عليكم كتابا في القرآن وجعل لهم يوما فلما حضروا خرج إليهم وكان في المسجد ~~رجل يؤذن فيه وكان من القراء فقال له اقرأ فقرأ فاتحة الكتاب ففسرها حتى مر ~~في القرآن كله على ذلك يقرأ الرجل والفراء يفسره وكتابه هذا نحو ألف ورقة ~~وهو كتاب لم يعمل مثله ولا يمكن أحدا أن يزيد عليه وكان المأمون قد وكل ~~الفراء يلقن ابنيه النحو فلما كان يوما أراد الفراء PageV06P178 # أن ينهض إلى بعض حوائجه فابتدرا إلى نعل الفراء ~~يقدمانه له فتنازعا أيهما يقدمه فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردا ~~فقدماها وكان المأمون له على كل شيء صاحب خبر فرفع ذلك الخبر إليه فوجه إلى ~~الفراء فاستدعاه فلما دخل عليه قال من أعز الناس قال ما أعرف أعز من أمير ~~المؤمنين قال بلى من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى ~~رضي كل واحد أن يقدم له فردا قال يا أمير المؤمنين لقد أردت منعهما عن ذلك ~~ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة ms1668 سبقا إليها أو أكسر نفوسهما عن شريعة حرصا ~~عليها وقد روي عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين ~~ركابيهما حين خرجا من عنده فقال له بعض من حضر أتمسك لهذين الحدثين ~~ركابيهما وأنت أسن منهما فقال له اسكت يا جاهل لا يعرف الفضل لأهل الفضل ~~إلا ذوو الفضل فقال له المأمون لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعتبا ~~وألزمتك ذنبا وما وضع ما فعلاه من شرفهما بل رفع من قدرهما وبين عن جوهرهما ~~ولقد ظهرت لي مخيلة الفراسة بفعلهما فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرا عن ثلاث ~~عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه العلم وقد عوضتهما بما فعلاه عشرين ألف ~~دينار ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما وقال الخطيب أيضا كان محمد بن ~~الحسن الفقيه ابن خالة الفراء وكان الفراء يوما جالسا عنده فقال الفراء قل ~~رجل أنعم النظر في باب من العلم فأراد غيره إلا سهل عليه فقال له محمد يا ~~أبا زكريا قد أنعمت النظر في العربية فنسألك عن باب من الفقه فقال هات على ~~بركة الله تعالى قال ما تقول في رجل صلى فسها فسجد سجدتين للسهو فسها فيهما ~~ففكر الفراء ساعة ثم قال لا شيء عليه فقال له محمد ولم قال لأن التصغير ~~عندنا لا تصغير له وإنما السجدتان تمام الصلاة فليس للتمام تمام فقال محمد ~~ما ظننت آدميا يلد مثلك PageV06P179 # وقد سبقت هذه الحكاية في ترجمة الكسائي ونبهت عليها ثم ~~بما ذكرته هاهنا وكان الفراء لا يميل إلى الاعتزال وحكى سلمة بن عاصم عن ~~الفراء قال كنت أنا وبشر المريسي المقدم ذكره في بيت واحد عشرين سنة ما ~~تعلم مني شيئا ولا تعلمت منه شيئا وقال الجاحظ دخلت بغداد حين قدمها ~~المأمون في سنة أربع ومائتين وكان الفراء يحبني وأشتهي أن يتعلم شيئا من ~~علم الكلام فلم يكن له فيه طبع وقال أبو العباس ثعلب كان الفراء يجلس للناس ~~في مسجده إلى جانب منزله وكان يتفلسف في تصانيفه حتى يسلك ms1669 في ألفاظه كلام ~~الفلاسفة وقال سلمة بن عاصم إني لأعجب من الفراء كيف كان يعظم الكسائي وهو ~~أعلم بالنحو منه وقال الفراء أموت وفي نفسي شيء من حتى لأنها تخفض وترفع ~~وتنصب ولم ينقل من شعره غير هذه الأبيات وقد رواها أبو حنيفة الدينوري عن ~~أبي بكر الطوال وهي (يا أميرا على جريب من الأرض * له تسعة من الحجاب) ~~(جالسا في الخراب يحجب فيه * ما سمعنا بحاجب في خراب) (لن تراني لك العيون ~~بباب * ليس مثلي يطيق رد الحجاب) ثم وجدت هذه الأبيات لابن موسى المكفوف ~~والله أعلم بالصواب ومولد الفراء بالكوفة وانتقل إلى بغداد وجعل أكثر مقامه ~~بها وكان شديد طلب المعاش لا يستريح في بيته وكان يجمع طول السنة فإذا كان ~~في PageV06P180 # آخرها خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يوما في أهله ~~يفرق عليهم ما جمعه ويبرهم وله من التصانيف الكتابان المقدم ذكرهما وهما ~~الحدود والمعاني وكتابان في المشكل أحدهما أكبر من الآخر وكتاب البهي وهو ~~صغير الحجم ووقفت عليه بعد أن كتبت هذه الترجمة ورأيت فيه أكثر الألفاظ ~~التي استعملها أبو العباس ثعلب في كتاب الفصيح وهو في حجم الفصيح غير أنه ~~غيره ورتبه على صورة أخرى وعلى الحقيقة ليس لثعلب في الفصيح سوى الترتيب ~~وزيادة يسيرة وفي كتاب البهي أيضا ألفاظ ليست في الفصيح قليلة وليس في ~~الكتابين اختلاف إلا في شيء قليل لا غير وله كتاب اللغات وكتاب المصادر في ~~القرآن وكتاب الجمع والتثنية في القرآن وكتاب الوقف والابتداء وكتاب ~~المفاخر وكتاب آلة الكاتب وكتاب النوادر وكتاب الواو وغير ذلك من الكتب ~~وقال سلمة بن عاصم أملى الفراء كتبه كلها حفظا لم يأخذ بيده نسخة إلا في ~~كتابين كتاب ملازم وكتاب يافع ويفعة قال أبو بكر الأنباري ومقدار الكتابين ~~خمسون ورقة ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة وقد مدحه محمد بن الجهم ~~بقصيدة على روي الواو الموصولة بالهاء المكسورة أضربت عن ذكرها خوف الإطالة ~~وتوفي الفراء سنة سبع ومائتين في طريق مكة وعمره ثلاث وستون ms1670 سنة رحمه الله ~~تعالى والفراء بفتح الفاء وتشديد الراء وبعدها ألف ممدودة وإنما قيل له ~~فراء ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها لأنه كان يفري الكلام ذكر ذلك الحافظ ~~السمعاني في كتاب الأنساب وعزاه إلى كتاب الألقاب PageV06P181 # وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتابه أن زيادا والد ~~الفراء كان أقطع لأنه حضر وقعة الحسين بن علي رضي الله عنهما فقطعت يده في ~~تلك الحرب وهذا عندي فيه نظر لأن الفراء عاش ثلاثا وستين سنة فتكون ولادته ~~سنة أربع وأربعين ومائة وحرب الحسين كانت سنة إحدى وستين للهجرة فبين حرب ~~الحسين وولادة الفراء أربع وثمانون سنة فكم قد عاش أبوه فإن كان الأقطع جده ~~فيمكن والله أعلم ومنظور بفتح الميم وسكون النون وضم الظاء المعجمة وسكون ~~الواو وبعدها راء وقد تقدم الكلام على الديلمي وبني أسد وأما بنو منقر فهو ~~بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف وبعدها راء وهو منقر بن عبيد بن مقاعس ~~واسمه الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم بن مر وهي قبيلة ~~كبيرة ينسب إليها خلق كثير من الصحابة رضوان الله عليهم وغيرهم ومنها خالد ~~بن صفوان وشبيب بن شيبة وصفوان وشيبة ابنا عبد الله بن عمرو بن الأهتم ~~المنقري وهما أعني خالدا وشبيبا المشهوران بالفصاحة والبلاغة والخطابة ~~ولخالد مجالس مشهورة مع أمير المؤمنين السفاح ولشبيب مع المنصور والمهدي ~~وغيرهما وقد تقدم ذكر خالد وشبيب في ترجمة البحتري في حرف الواو ~~PageV06P182 # 799 أبو محمد اليزيدي أبو محمد يحيى بن المبارك بن ~~المغيرة العدوي المعروف باليزيدي المقرئ النحوي اللغوي صاحب أبي عمرو بن ~~العلاء المقرئ البصري وهو الذي خلفه في القيام بالقراءة بعده سكن بغداد ~~وحدث بها عن أبي عمرو بن العلاء وابن جريج وغيرهما وروى عنه محمد ابنه وأبو ~~عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وجماعة من أولاده وحفدته ~~وأبو عمرو الدوري وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل وأبو شعيب السوسي وعامر بن ~~عمر الموصلي وأبو خلاد سليمان بن خلاد وغيرهم ms1671 وخالف أبا عمرو في حروف يسيرة ~~من القراءة اختارها لنفسه وكان يؤدب أولاد يزيد بن منصور بن عبد الله بن ~~يزيد الحميري خال المهدي وإليه كان ينتسب ثم اتصل بهارون الرشيد فجعل ولده ~~المأمون في حجره فكان يؤدبه وكان ثقة وهو أحد القراء الفصحاء العالمين ~~بلغات العرب والنحو وكان صدوقا وله التصانيف الحسنة والنظم الجيد وشعره ~~مدون وصنف كتاب نوادر في اللغة على مثال كتاب نوادر الأصمعي الذي صنفه ~~لجعفر البرمكي وفي مثل عدد ورقه وأخذ علم العربية وأخبار الناس عن أبي عمرو ~~PageV06P183 # والخليل بن أحمد ومن كان معاصرهما وحكي عن أبي حمدون ~~الطيب بن إسماعيل قال شهدت ابن أبي العتاهية وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي ~~قريبا من ألف جلد عن أبي عمرو بن العلاء خاصة ويكون ذلك عشرة آلاف ورقة لأن ~~تقدير الجلد عشر ورقات وأخذ عن الخليل من اللغة أمرا عظيما وكتب عنه العروض ~~في ابتداء وضعه له إلا أن اعتماده على أبي عمرو لسعة علم أبي عمرو باللغة ~~وكان أبو محمد المذكور يعلم الصبيان بحذاء دار أبي عمرو بن العلاء وكان أبو ~~عمرو يدنيه ويميل إليه لذكائه وكان أبو محمد المذكور صحيح الرواية وله من ~~التصانيف كتاب النوادر المقدم ذكره وكتاب المقصور والممدود ومختصر في النحو ~~وكتاب النقط والشكل وقال ابن المنادي أكثرت من السؤال عن أبي محمد اليزيدي ~~ومحله من الصدق ومنزلته من الثقة لعدة من شيوخنا بعضهم أهل عربية وبعضهم ~~أهل قرآن وحديث فقالوا هو ثقة صدوق لا يدفع عن سماع ولا يرغب عنه في شيء ~~غير ما يتوهم عليه من الميل إلى المعتزلة وقد روى عنه الغريب أبو عبيد ~~القاسم بن سلام وكفى به وما ذاك إلا عن معرفة منه به وكان يجلس في أيام ~~الرشيد مع الكسائي في مجلس واحد ويقرئان الناس وكان الكسائي يؤدب الأمين ~~وهو يؤدب المأمون فأما الأمين فإن أباه أمر الكسائي أن يأخذ عليه بحرف حمزة ~~وأما المأمون فإن أباه أمر أبا محمد أن يأخذ عليه بحرف أبي ms1672 عمرو وقال ~~الأثرم دخل اليزيدي يوما على الخليل بن أحمد وهو جالس على وسادة فأوسع له ~~وأجلسه معه فقال له اليزيدي أحسبني ضيقت عليك فقال الخليل ما ضاق موضع على ~~اثنين متحابين والدنيا لا تسع متباغضين PageV06P184 # وسأل المأمون اليزيدي عن شيء فقال لا وجعلني الله فداك ~~يا أمير المؤمنين فقال لله درك ما وضعت الواو قط في موضع أحسن من موضعها في ~~لفظك هذا ووصله وحمله وقال اليزيدي دخلت على المأمون يوما والدنيا غضة ~~وعنده نعم تغنيه وكانت من أجمل أهل دهرها فأنشدت (وزعمت أني ظالم فهجرتني * ~~ورميت في قلبي بسهم نافذ) (فنعم هجرتك فاغفري وتجاوزي * هذا مقام المستجير ~~العائذ) (هذا مقام فتى أضر به الهوى * قرح الجفون بحسن وجهك لائذ) (ولقد ~~أخذتم من فؤادي أنسه * لا شل ربي كف ذاك الآخذ) فاستعادها المأمون الصوت ~~ثلاث مرات ثم قال يا يزيدي أيكون شيء أحسن مما نحن فيه قلت نعم يا أمير ~~المؤمنين قال وما هو قلت الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم الجليل فقال ~~أحسنت وصدقت ووصلني وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها فكأني أنظر إلى البدر ~~وقد أخرجت والمال يفرق وشكا اليزيدي إلى المأمون حاجة أصابته ودينا لحقه ~~فقال ما عندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه بلغت به ما تريد فقال يا أمير ~~المؤمنين إن الأمر قد ضاق علي وإن غرمائي قد أرهقوني فاحتل لي فأفكر ~~المأمون واستقر الأمر على أن يحضر اليزيدي إلى الباب إذا جلس المأمون في ~~مجلس الأنس وعنده ندماؤه ويكتب رقعة يطلب فيها الدخول أو إخراج بعض الندماء ~~إليه فلما جلس المأمون حضر اليزيدي إلى الباب ودفع للخادم رقعة مختومة ~~فأدخلها إلى PageV06P185 # المأمون ففضها فإذا فيها مكتوب (يا خير إخوان وأصحاب * ~~هذا الطفيلي على الباب) (فصيروني واحدا منكم * أو أخرجوا لي بعض أصحابي) ~~فقرأها المأمون على من حضر وقال ما ينبغي أن يدخل مثل هذا الطفيلي على مثل ~~هذا الحال فأرسل إليه المأمون يقول له دخولك في مثل هذا الوقت متعذر فاختر ~~لنفسك من ms1673 أحببت أن تنادمه فلما وقف على الرسالة قال ما أرى لنفسي اختيارا ~~سوى عبد الله بن طاهر فقال له المأمون قد وقع الاختيار عليك فصر إليه فقال ~~يا أمير المؤمنين فأكون شريك الطفيلي فقال ما يمكنني رد أبي محمد عن أمره ~~فإن أحببت أن تخرج إليه وإلا فافتد نفسك منه فقال على عشرة آلاف درهم فقال ~~لا أحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك فلم يزل يزيده عشرة آلاف على عشرة آلاف ~~والمأمون يقول لا أرضى له بذلك حتى بلغ مائة ألف درهم فقال له المأمون ~~فعجلها له فكتب له بها إلى وكيله ووجه رسولا وأرسل إليه المأمون وهو يقول ~~قبض هذا المبلغ في مثل هذه الحال أصلح لك من منادمته على مثل حاله فقبل ذلك ~~منه وكان ظريفا في جميع أحواله وحكى أبو أحمد ابن جعفر البلخي في كتابه أن ~~اليزيدي المذكور سأل الكسائي عن قول الشاعر (ما رأينا خربا نقر * عنه البيض ~~صقر) (لا يكون العير مهرا * لا يكون المهر مهر) الخرب بفتح الخاء المعجمة ~~والراء وفي آخرها الباء الموحدة الذكر من PageV06P186 # الحبارى والعير بفتح العين المهملة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وبعدها راء وهو الذكر من حمر الوحش فقال الكسائي يجب أن ~~يكون مهر منصوبا على أنه خبر كان ففي البيت على هذا التقدير إقواء فقال ~~اليزيدي الشعرصواب لأن الكلام قد تم عند قوله لا يكون الثانية وهي مؤكدة ~~للأولى ثم استأنف الكلام فقال المهر مهر وضرب بقلنسوته الأرض وقال أنا أبو ~~محمد فقال له يحيى بن خالد البرمكي أتكتني بحضرة أمير المؤمنين والله إن ~~خطأ الكسائي مع حسن أدبه لأحسن من صوابك مع سوء أدبك فقال اليزيدي إن حلاوة ~~الظفر أذهبت عني التحفظ قلت أنا قول الكسائي في البيت إقواء ليس بجيد فإن ~~اصطلاح أرباب علم القوافي أن الإقواء يختص باختلاف الإعراب في حرف الروي ~~بالرفع والجر لا غير بأن يكون أحد البيتين مرفوعا والآخر مجرورا فأما إذا ~~كان الاختلاف بالنصب مع الرفع والجر فإن ذلك يسمى ms1674 إصرافا لا إقواء وإلى هذا ~~أشار أبو العلاء المعري في قوله من جملة قصيدة طويلة يرثي بها الشريف ~~الطاهر والد الرضي والمرتضى المقدم ذكرهما وهو في صفة نعيب الغراب (بنيت ~~على الإيطاء سالمة من الإقواء * والإكفاء والإصراف) وهذا البيت متعلق بما ~~قبله ولا يظهر معناه إلا بذكر ما تقدم ولا حاجة بنا إلى ذكره هاهنا بل ~~ذكرنا موضع الاستشهاد لا غير وقد قيل إن الإصراف من جملة أنواع الإقواء ~~فعلى هذا يستقيم ما قاله الكسائي وهذا الفصل وإن كان دخيلا لكنه ما خلا من ~~فائدة وغالب شعر اليزيدي جيد وقد ذكره هارون بن المنجم المقدم ذكره ~~PageV06P187 # في كتاب البارع وأورد له عدة مقاطيع فمن ذلك قوله يهجو ~~الأصمعي الباهلي المقدم ذكره (أبن لي دعي بني أصمع * متى كنت في الأسرة ~~الفاضلة) (ومن أنت هل أنت إلا امرؤ * إذا صح أصلك من باهله) ثم قال ابن ~~المنجم وهذا البيت من نادر أبيات المحدثين في الهجاء قلت أنا وهذا مأخوذ من ~~قول حماد عجرد في بشار بن برد يهجوه (نسبت إلى برد وأنت لغيره * وهب أن ~~بردا ناك أمك من برد) وله في الهجاء أيضا (استبق ود أبي المقاتل * حين تدنو ~~من طعامه) (سيان كسر رغيفه * أو كسر عظم من عظامه) (ويصوم كرها ضيفه * لم ~~ينو أجرا في صيامه) وقد سبق في ترجمة أبي العباس المبرد مقطوع من شعره في ~~شيبة بن الوليد وكان له أخبار ونوادر فمن ذلك ما رواه أنه أخذ رجل ادعى ~~النبوة فأتي به إلى المهدي فقال له أنت نبي فقال نعم فقال وإلى من بعثت ~~فقال وهل تركتموني أذهب إلى أحد ساعة بعثت وضعتموني في الحبس فضحك المهدي ~~واستتابه وكان لليزيدي خمسة بنين وكلهم علماء أدباء شعراء رواة لأخبار ~~الناس وهم أبو عبد الله محمد وإبراهيم وأبو القاسم إسماعيل وأبو عبد الرحمن ~~عبد الله وأبو يعقوب إسحاق وكلهم ألف في اللغة والعربية (316) وكان محمد ~~أسنهم وأشعرهم وهو القائل فيما رواه دعبل بن علي الخزاعي المقدم ذكره من ms1675 ~~جملة أبيات (أتظعن والذي تهوى مقيم * لعمرك إن ذا خطر عظيم) PageV06P188 # (إذا ما كنت للحدثان عونا * علي مع الزمان فمن ألوم) ~~(شقيت به فما أنا عنه سال * ولا هو إذ شقيت به رحيم) وهو القائل (يا بعيد ~~الدار موصولا * بقلبي ولساني) (ربما باعدك الدهر * فأدنتك الأماني) وله ~~أشعار كثيرة جيدة وكان يؤدب المأمون مع أبيه وثقل سمعه في آخر عمره فانقطع ~~فاستحضره المأمون فقال لم أرك منذ أيام فقال وجدت في سمعي ثقلا وأنا أكره ~~أن أتعبك استفهاما إذا سمعت عن غير فهم فقال أنت الآن أطيب ما تكون فما شئت ~~أن نسمعك أسمعناك وما احتشمناك فيه أسررناه عنك فأنت غائب شاهد وكان قد خرج ~~مع المأمون إلى خراسان وأقام بخدمته في مدينة مرو ثم بقي إلى أيام المعتصم ~~وخرج معه إلى مصر فتوفي بها رحمه الله تعالى وأما والده أبو محمد المذكور ~~فإنه توفي سنة اثنتين ومائتين رحمه الله تعالى بخراسان والظاهر أنه كان ~~بمرو فإنه كان قد خرج في صحبة المأمون من بغداد وكانت إقامة المأمون بمرو ~~ثم وجدت في طبقات القراء لأبي عمرو الداني أنه توفي في التاريخ المذكور ~~بمرو ثم قال بعد ذلك وقال ابن المنادي وقيل أنه بلغ من السن دون المائة ~~بأعوام يسيرة ومات بالبصرة ودفن بها والأول أصح والله أعلم وقد تقدم في حرف ~~الميم ذكر حفيده أبي عبد الله محمد بن العباس بن أبي محمد اليزيدي المذكور ~~وشرح طرف من أخباره وفضله وتاريخ وفاته والعدوي بفتح العين والدال ~~المهملتين والواو هذه النسبة إلى عدي بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس ~~بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهي قبيلة كبيرة مشهورة ولم يكن أبو محمد ~~المذكور منهم وإنما كان من PageV06P189 # مواليهم كان جده المغيرة مولى لامرأة من بني عدي فنسب ~~إليهم وقد سبق في أول هذه الترجمة ذكر سبب نسبته إلى يزيد ومن هو يزيد ~~فأغنى عن الإعادة وفي ذريته جماعة كثيرة أفاضل مشاهير أصحاب تصانيف وأشعاره ~~رائقة ms1676 مشهورة ولولا خوف الإطالة لذكرت شيئا منها (317) واليزيديون يفتخرون ~~بالكتاب الذي وضعه إبراهيم بن أبي محمد المذكور في اللغة وسماه كتاب ما ~~اتفق لفظه وافترق معناه جمع فيه كل الألفاظ المشتركة في الاسم المختلفة في ~~المسمى ورأيته في أربع مجلدات وهو من الكتب النفيسة يدل على غزارة علم ~~مؤلفه وسعة اطلاعه وله غير ذلك تواليف حسنة نافعة وكذلك بقية اليزيديين ~~صنفوا كتبا مشهورة مشكورة (318) وكان يزيد الحميري خال المهدي مقدما في ~~دولة بني العباس ولي للمنصور البصرة واليمن ومات في سنة خمس وستين ومائة ~~بالبصرة وفيه قال بشار بن برد الشاعر المقدم ذكره (أبا خالد قد كنت سباح ~~غمرة * صغيرا فلما شبت خيمت بالشاطي) (وكنت جوادا سابقا ثم لم تزل * تأخر ~~حتى جئت تخطو مع الخاطي) (فأنت بما تزداد من طول رفعة * وتنقص من مجد كذاك ~~بإفراط) (كسنور عبد الله بيع بدرهم * صغيرا فلما شب بيع بقيراط) قلت لقد ~~كشفت عن سنور عبد الله المظان وسألت أهل المعرفة بهذا الشأن فما عرفت الخبر ~~عن ذلك ولا عثرت له على أثر والله أعلم ثم ظفرت بقول الفرزدق وهو (رأيت ~~الناس يزدادون يوما * ويوما في الجميل وأنت تنقص) PageV06P190 # (كمثل الهر في صغر يغالى * به حتى إذا ما شب يرخص) ومن ~~هاهنا أخذ بشار قوله وليس المراد هرا بعينه بل كل هر تكون قيمته في صغره ~~وينقص منها في كبره والله أعلم 800 الخطيب التبريزي اللغوي أبو زكريا يحيى ~~بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني التبريزي المعروف بالخطيب أحد ~~أئمة اللغة كانت له معرفة تامة بالأدب من النحو واللغة وغيرهما قرأ على ~~الشيخ أبي العلاء المعري وأبي القاسم عبيد الله بن علي الرقي وأبي محمد ~~الدهان اللغوي وغيرهم من أهل الأدب وسمع الحديث بمدينة صور من الفقيه أبي ~~الفتح سليم بن أيوب الرازي ومن أبي القاسم عبد الكريم ابن محمد بن عبد الله ~~بن يوسف الدلال السياري البغدادي وأبي القاسم عبيد الله بن علي وغيرهم وروى ~~عنه الخطيب الحافظ أبو ms1677 بكر أحمد بن علي بن ثابت صاحب تاريخ بغداد والحافظ ~~أبو الفضل محمد بن ناصر وأبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي وأبو الحسن سعد ~~الخير بن محمد بن سهل الأندلسي وغيرهم من الأعيان وتخرج عليه خلق كثير ~~وتتلمذوا له وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب الذيل وكتاب الأنساب ~~PageV06P191 # وعدد فضائله ثم قال سمعت أبا منصور محمد بن عبد الملك ~~بن الحسن بن خيرون المقرئ يقول أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي ما كان ~~بمرضي الطريقة وذكر عنه أشياء ثم قال وذاكرت أنا مع أبي الفضل محمد بن ناصر ~~الحافظ بما ذكره ابن خيرون فسكت وكأنه ما أنكر ما قال ثم قال ولكن كان ثقة ~~في اللغة وما كان ينقله وصنف في الأدب كتبا مفيدة منها شرح الحماسة وكتاب ~~شرح ديوان المتنبي وكتاب شرح سقط الزند وهو ديوان أبي العلاء المعري وشرح ~~المعلقات السبع وشرح المفضليات وله تهذيب غريب الحديث وتهذيب إصلاح المنطق ~~وله في النحو مقدمة حسنة والمقصود منها أسرار الصنعة وهي عزيزة الوجود وله ~~كتاب الكافي في علم العروض والقوافي وكتاب في إعراب القرآن سماه الملخص ~~رأيته في أربع مجلدات وشروحه لكتاب الحماسة ثلاثة أكبر وأوسط وأصغر وله غير ~~ذلك من التواليف وقد سبق في ترجمة الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت ~~الحافظ ذكره وما دار بينهما عند قراءته عليه بدمشق فلينظر هناك ودرس الأدب ~~بالمدرسة النظامية ببغداد وكان سبب توجهه إلى أبي العلاء المعري أنه حصلت ~~له نسخة من كتاب التهذيب في اللغة تأليف أبي منصور الأزهري في عدة مجلدات ~~لطاف وأراد تحقيق ما فيها وأخذها عن رجل عالم باللغة فدل على المعري فجعل ~~الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى المعرة ولم يكن له ما يستأجر ~~به مركوبا فنفذ العرق من ظهره إليها فأثر فيها البلل وهي ببعض الوقوف ~~ببغداد وإذا رآها من لا يعرف صورة الحال فيها ظن أنها غريقة وليس بها سوى ~~عرق الخطيب المذكور هكذا وجدت هذه الحكاية مسطورة ms1678 في كتاب PageV06P192 # أخبار النحاة الذي ألفه القاضي الأكرم ابن القفطي ~~الوزير بمدينة حلب كان رحمه الله تعالى والله أعلم بصحة ذلك وكان الخطيب ~~المذكور قد دخل مصر في عنفوان شبابه فقرأ عليه بها الشيخ أبو الحسن طاهر بن ~~بابشاذ النحوي المقدم ذكره شيئا من اللغة ثم عاد إلى بغداد واستوطنها إلى ~~الممات وكان يروي عن أبي الحسن محمد بن المظفر ابن نحرير البغدادي جملة من ~~شعره فمن ذلك قوله على ما حكاه السمعاني في كتاب الذيل في ترجمة الخطيب وهي ~~من أشهر أشعاره (خليلي ما أحلى صبوحي بدجلة * وأطيب منه بالصراة غبوقي) ~~(شربت على الماءين من ماء كرمة * فكانا كدر ذائب وعقيق) (على قمري أفق وأرض ~~تقابلا * فمن شائق حلو الهوى ومشوق) (فما زلت أسقيه وأشرب ريقه * وما زال ~~يسقيني ويشرب ريقي) (وقلت لبدر التم تعرف ذا الفتى * فقال نعم هذا أخي ~~وشقيقي) وهذه الأبيات من أملح الشعر وأطرفه والبيت الأخير منها يستمد من ~~معنى قول أبي بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة الأندلسي في ~~مدح المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية المقدم ذكره من جملة قصيدة طويلة (سألت ~~أخاه البحر عنه فقال لي * شقيقي إلا أنه الساكن العذب) ما كفاه أنه جعله ~~شقيق البحر حتى رجحه عليه فقال الساكن العذب والبحر مضطرب ملح وهذا من خالص ~~المدح وأبدعه وأول هذه القصيدة PageV06P193 # (بكت عند توديعي فما علم الركب * أذاك سقيط الطل أم ~~لؤلؤ رطب) (وتابعها سرب وإني لمخطىء * نجوم الدياجي لا يقال لها سرب) وهي ~~قصيدة طويلة ولولا خوف الإطالة والخروج عما نحن بصدده لذكرتها كلها ولكن ~~يكفي منها هذا الأنموذج وكان الخطيب أيضا يروي عن ابن نحرير المذكور من ~~شعره قوله (يا نساء الحي من مضر * إن سلمى ضرة القمر) (إن سلمى لا فجعت بها ~~* أسلمت طرفي إلى السهر) (فهي إن صدت وإن وصلت * مهجتي منها على خطر) ~~(وبياض الشعر أسكنها * من سواد القلب والبصر) وللخطيب المذكور شعر فمن ذلك ~~قوله (فمن يسأم من الأسفار يوما * فإني قد ms1679 سئمت من المقام) (أقمنا بالعراق ~~على رجال * لئام ينتمون إلى لئام) وقال الخطيب المذكور كتب إلي العميد ~~الفياض (قل ليحيى بن علي * والأقاويل فنون) (غير أني لست من يكذب * فيها ~~ويخون) (أنت عين الفضل إن مد * إلى الفضل عيون) (أنت من عز به الفضل * وقد ~~كاد يهون) (فقت من كان وأتعبت * لعمري من يكون) (قد مضى فيك قران * ومضت ~~فيه قرون) (وإذا قيس بك الكل * فصحو ودجون) PageV06P194 # (وإذا فتش عنهم * فالأحاديث شجون) (قد سمعنا ورأينا * ~~فسهول وحزون) (ووزنا بك من كان * فقيل وقيون) (أين شيبان وأزد * كل ما زال ~~ظنون) (إنك الأصل ومن دونك * في العلم غصون) (إنك البحر وأعيان * ذوي الفضل ~~عيون) (ليس كالسيف وإن حلي * في الحكم الجفون) (ليس كالفذ المعلى * ليس ~~كالبيت الحجون) (ليس كالجد وإن آنس * هزل ومجون) (ليس في الحسن سواء * أبدا ~~بيض وجون) (ليس كالأبكار في اللطف * وإن راقتك عون) (قلت للحساد كونوا * ~~كيف شئتم أن تكونوا) (سبق الزائد بالفضل * فعزوا أو فهونوا) (دمت ما خالف ~~في الحد * حراك وسكون) (وتلقاك المنى ما * قر بالطير الوكون) (إن ودي لك ~~عما * يصم الود مصون) (ليس لي فيه ظهور * تتنافى أو بطون) (بل لقلبي فيك صب ~~* بالمصافاة يكون) (غلق الرهن وقد تغلق * في الحب رهون) (ومن الناس أمين * ~~في هواه وخؤون) PageV06P195 # وقال ابن الجواليقي قال لنا شيخنا الخطيب أبو زكريا ~~فكتبت أنا إلى العميد الفياض المذكور هذه الأبيات (قل للعميد أخي العلا ~~الفياض * أنا قطرة من بحرك الفياض) (شرفتني ورفعت ذكرى بالذي * ألبستنيه من ~~الثنا الفضفاض) (ألبستني حلل القريض تفضلا * فرفلت منها في علا ورياض) (إني ~~أتيتك بالحصى عن لؤلؤ * أبرزته من خاطر مرتاض) (وبخاطري عن مثل ذاك توقف * ~~ما إن يكاد يجود بالأبعاض) (أيعارض البحر الغطامط جدول * أم درة تنقاس ~~بالرضراض) (يا فارس النظم المرصع جوهرا * والنثر يكشف غمة الأمراض) (يرمي ~~به الغرض البعيد وقد غدا * فكري يقصر عن مدى الأغراض) (لا تلزمني من ثنائك ~~موجبا * حقا فلست لحقه بالقاضي) (فلقد عجزت عن القريض وربما ms1680 * أعرضت عنه ~~أيما إعراض) (أنعم علي ببسط عذري إنني * أقررت عند نداك بالإنفاض) وكانت ~~ولادته سنة إحدى وعشرين وأربعمائة وتوفي فجأة يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا ~~من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسمائة ببغداد ودفن في مقبرة باب أبرز رحمه ~~الله تعالى وبسطام بكسر الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء ~~المهملة وبعد الألف ميم وقد تقدم الكلام على الشيباني والتبريزي فأغنى عن ~~الإعادة PageV06P196 # 801 الزواوي أبو الحسين يحيى بن عبد المعطي بن عبد ~~النور الزواوي الملقب زين الدين النحوي الحنفي كان أحد أئمة عصره في النحو ~~واللغة وسكن دمشق زمانا طويلا واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به وصنف ~~تصانيف مفيدة منها الألفية في النحو ومنها الفصول في النحو أيضا ثم إن ~~الملك الكامل أرغبه في الانتقال إلى مصر فسافر إليها وتصدر بالجامع العتيق ~~بمصر لإقراء الأدب وقرر له على ذلك جار ولم يزل إلى أن توفي سلخ ذي القعدة ~~سنة ثمان وعشرين وستمائة بالقاهرة ودفن من الغد على شفير الخندق بقرب تربة ~~الإمام الشافعي رضي الله عنه وقبره هناك ظاهر ومولده سنة أربع وستين ~~وخمسمائة رحمه الله تعالى والزواوي بفتح الزاي وبين الواوين ألف هذه النسبة ~~إلى زواوة وهي قبيلة كبيرة بظاهر بجاية من أعمال إفريقية ذات بطون وأفخاذ ~~والله أعلم PageV06P197 # 802 يحيى بن المنجم النديم أبو أحمد يحيى بن علي بن ~~يحيى بن أبي منصور المعروف بالمنجم واسمه أبان حسيس ين وريد بن كاد بن ~~مهابنداد حسيس بن فروخ داد بن أساد ابن مهر حسيس بن يزدجرد كان في أول أمره ~~نديم الموفق أبي أحمد طلحة ابن المتوكل على الله والموفق المذكور هو والد ~~المعتضد بالله ولم يل الموفق الخلافة بل كان نائبا عن أخيه المعتمد على ~~الله ولم يزل في محاربة القرامطة وأمره في ذلك مشهور وقصته طويلة وليس هذا ~~موضع ذكرها ثم إن يحيى المذكور نادم الخلفاء بعد الموفق واختص بمنادمة ~~المكتفي بالله ابن المعتضد وعلت رتبته عنده وتقدم على خواصه وجلسائه وكان ~~متكلما معتزلي الاعتقاد وله في ms1681 ذلك كتب كثيرة وكان له مجلس يحضره جماعة من ~~المتكلمين بحضرة المكتفي وصنف كتبا كثيرة فمن ذلك كتاب الباهر في أخبار ~~شعراء مخضرمي الدولتين ابتدأ فيه ببشار بن برد وآخر من أثبت فيه مروان بن ~~أبي حفصة ولم يتمه وتممه ولده أبو الحسن أحمد بن يحيى وعزم على أن يضيف إلى ~~كتاب أبيه سائر الشعراء المحدثين فذكر منهم أبا دلامة ووالبة بن الحباب ~~ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس وأبا علي البصير (318) وكان أبو الحسن أحمد ~~المذكور متكلما فقيها على مذهب أبي جعفر PageV06P198 # الطبري وله كتب صنفها منها كتاب أخبار أهله ونسبهم في ~~الفهرس وكتاب الإجماع في الفقه على مذهب أبي جعفر الطبري وكتاب المدخل إلى ~~مذهب الطبري ونصرة مذهبه وكتاب الأوقات وغير ذلك وليحيى المذكور مع المعتضد ~~وقائع ونوادر فمن ذلك ما حكاه أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في ~~كتاب مروج الذهب عن يحيى المذكور أنه قال كنت يوما بين يدي المعتضد وهو ~~مغضب فأقبل بدر مولاه وكان شديد الغرام به فلما رآه من بعيد ضحك وقال يا ~~يحيى من الذي يقول من الشعراء (في وجهه شافع يمحو إساءته * من القلوب وجيه ~~حيثما شفعا) فقلت يقوله الحكم بن عمرو الشاري فقال لله دره أنشدني هذا ~~الشعر فأنشدته (ويلي على من أطار النوم فامتنعا * وزاد قلبي على أوجاعه ~~وجعا) (كأنما الشمس من أعطافه لمعت * حسنا أو البدر من أزراره طلعا) ~~(مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت * منه الذنوب ومعذور بما صنعا) (في وجهه شافع ~~يمحو إساءته * من القلوب وجيه حيثما شفعا) وذكر أبو الفتح كشاجم الشاعر ~~المشهور في كتابه الذي سماه المصايد والمطارد في الفصل الذي ذكر فيه صيد ~~الأسد بالنشاب ما مثاله حدث أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم النديم ~~نديم المكتفي بالله قال وجد علي أمير المؤمنين المكتفي بالله منصرفه من ~~الرقة لركوبي الماء منها إلى المرحلة الأولى قبل أن يركبه هو وذلك أن أبا ~~العباس أحمد بن عبد الصمد حملني على ذلك PageV06P199 # وسألني ms1682 أن أكون معه في سفينة ففعلت ولم أظن أن المكتفي ~~ينكر ذلك ولا يحتمل تأخيري عنه وإخلالي به فلما صرنا إلى الدالية أمر بأن ~~أرد منها إلى قرقيسيا وأقيم بها حتى أصيد سبعا وأحدره إليه فردني ورد معي ~~عدة من المغنين كانوا قد ركبوا الماء فكتبت إليه بأبيات فلم تعطفه فرجعت ~~إلى الرحبة وأقمت عند أبي محمد عبد الله بن الحسين بن سعد القطربلي في قصف ~~وشرب وصبوح وغبوق وهو على غاية السرور بمقامي عنده وكان معنا أبو جعفر محمد ~~بن سليمان بن محمد بن عبد الملك الزيات فكتبت من الرحبة كتابا إلى الوزير ~~أبي الحسين القاسم بن عبيد الله وأنفذت فيه شعرا أسأله أن يقرأه على ~~المكتفي وهو (نفس الدهر أن نسر وأن يسعدنا * بالأحبة الاجتماع) (فرماني ~~وإخوة لي بسهم * نفر النفس فهي منه شعاع) (فرددنا إلى وراء ومر الناس * ~~قدما فاشتدت الأوجاع) (لو سمعنا بمثل ما نالنا أفزعنا * منه في سوانا ~~السماع) (كلفونا صيد السباع وإنا * لبخير إن لم تصدنا السباع) (إن عصينا ~~فواجب أي قوم * كلفوا فوق طوقهم فأطاعوا) (كل شيء يجوز تكليفه الإنسان * ~~إلا ما كان لا يستطاع) (لم تزل تمزح الملوك ولكن * مع ذاك المزاح جود وساع) ~~(وتوانى الوزير عنا فضعنا * في سبيل الإله حق مضاع) (قد مددنا الأيدي إليه ~~وأضحت * عائذات بفضله الأطماع) (شافع لا يخاف ردا إذا ما * رد عما تريده ~~الشفاع) (عبثات الملوك ينبعها الأنس * وأثمارها عطايا تباع) PageV06P200 # (أولنا يا ولي دولته خيرا * لديه فالخير النفاع) وأنفذ ~~الكتاب مع محمد بن سليمان الخرائطي في الخرائط فلم يضعه القاسم من يده حتى ~~دخل على المكتفي فقرأه عليه وأنشده الأبيات فاستحسنها وقال يكتب الساعة ~~بتخلية سبيله وحمله إلينا فلم يكن أسرع من أن وافاني الرسول فوافيت وأنشدت ~~المكتفي ببغداد (عاد ليلي القصير في كرخ بغداد * بقرقيسيا علي طويلا) ~~(أجميلا أن تتركوني وتمضون * رهينا بها غريبا ذليلا) (مفردا بالعقاب مشترك ~~الذنب * فصبرا حسبي بربي وكيلا) (إن قضى الله لي رجوعا إلى بغداد * لا ~~هالكا بغمي ms1683 قتيلا) (وأراني الخليفة المكتفي بالله * وابن الخلائف المأمولا) ~~(كالذي قد عهدت لا معرضا عني * ولا واجدا ولا مستحيلا) (كل شيء أسامة هين ~~عندي * إذا الرأي منه كان جميلا) فاستحسنها ورق لشكواي بها حتى تبينت ذلك ~~في وجهه وكلامه وأخبار يحيى ومحاسنه كثيرة وكانت ولادته سنة إحدى وأربعين ~~ومائتين وتوفي ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ~~ثلاثمائة رحمه الله تعالى وقد تقدم ذكر والده علي وأخيه هارون وابن أخيه ~~علي ولم أرفع في نسبهم إلا في هذه الترجمة لأني لم أظفر بالنسب على هذه ~~الصورة إلا لما وصلت إلى هذا الموضع فنقلته كما وجدته من كتاب الفهرست لأبي ~~الفرج محمد بن إسحاق النديم ولم أضبط شيئا من أسماء أجداده لأني لم أتحقق ~~فيها شيئا فنقلتها كما وجدتها PageV06P201 # 803 أبو بكر ابن بقي الشاعر أبو بكر يحيى بن محمد بن ~~عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور صاحب الموشحات البديعة ~~قال الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي في كتاب مطمح الأنفس في حق أبي بكر ~~المذكور إنه كان نبيل النثر والنظام كثير الارتباط في سلكه والانتظام أحرز ~~خصالا وطرز محاسنه بكرا وآصالا وجرى في ميدان الإحسان إلى أبعد أمد وبنى من ~~المعارف على أثبت عمد إلا أن الأيام حرمته وقطعت حبل رعايته وصرمته ولم تتم ~~له وطرا ولم تسجم عليه من الحظوة مطرا ولا نولته من الحرمة نصيبا ولا ~~أنزلته مرعى خصيبا فصار راكب صهوات وقاطع فلوات لا يستقر يوما ولا يستحسن ~~قوما مع توهم لا يظفره بأمان وتقلب ذهن كواهي الجمان إلا أن يحيى بن علي بن ~~القاسم نزعه عن ذلك الطيش وأقطعه جانبا من العيش وأرقاه إلى سمائه وسقاه ~~صوب نعمائه وفيأه ظلاله وبوأه أثر النعمة يجوس خلاله فصرف فيه أقواله وشرف ~~بقوافيه نواله وأفرده منها بأنفس در وقلد لبته منها بقصائد غر وذكر الفتح ~~بن محمد بن عبيد الله القيسي المذكور في حقه أيضا في كتاب PageV06P202 # قلائد العقيان هو رافع راية القريض ms1684 وصاحب آية التصريح ~~فيه والتعريض أقام شرائعه وأظهر روائعه وصار عصيه طائعه إذا نظم أزرى بنظم ~~العقود وأتى بأحسن من رقم البرود ضفا عليه حرمانه وما صفا له زمانه انتهى ~~كلام الفتح وقد أثبت لأبي بكر المذكور هذا المقطوع من الشعر ولم أر الفتح ~~ذكره في واحد من كتابيه المذكورين مع أنه من أحسن شعره وأشهره وهو (بأبي ~~غزال غازلته مقلتي * بين العذيب وبين شطي بارق) (وسألت منه زيارة تشفي ~~الجوى * فأجابني منها بوعد صادق) (بتنا ونحن من الدجى في خيمة * ومن النجوم ~~الزهر تحت سرادق) (عاطيته والليل يسحب ذيله * صهباء كالمسك الفتيق لناشق) ~~(وضممته ضم الكمي لسيفه * وذؤابتاه حمائل في عاتقي) (حتى إذا مالت به سنة ~~الكرى * زحزحته عني وكان معانقي) (أبعدته عن أضلع تشتاقه * كي لا ينام على ~~وساد خافق) (لما رأيت الليل آخر عمره * قد شاب في لمم له ومفارق) (ودعت من ~~أهوى وقلت تأسفا * أعزز علي بأن أراك مفارقي) وقد ذكر بعض هذه الأبيات ~~الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه المطرب من أشعار أهل المغرب ~~ومن شعره قصيدة يمدح بها يحيى بن علي بن القاسم المذكور في هذه الترجمة وهي ~~طويلة ومن مديحها قوله (نوران ليسا يحجبان عن الورى * كرم الطباع ولا جمال ~~المنظر) (وكلاهما جمعا ليحيى فليدع * كتمان نور علائه المتشهر) PageV06P203 # (في كل أفق من جميل ثنائه * عرف يزيد على دخان المجمر) ~~(رد في شمائله ورد في جوده * بين الحديقة والغمام الممطر) (ندب عليه من ~~الوقار سكينة * فيها حفيظة كل ليث مخدر) (مثل الحسام إذا انطوى في غمده * ~~ألقى المهابة في نفوس الحضر) (أربى على الغيث الملث لأنه * أعطى كما أعطى ~~ولم يستعبر) (أزرى على البحر الخضم لأنه * في كل كف منه خمسة أبحر) (أقبلت ~~مرتادا لجودك إنه * صوب الغمامة بل زلال الكوثر) (ورأيت وجه النجح عندك ~~أبيضا * فركبت نحوك كل لج أخضر) (يجري إليك بنا سفين أتلع * مثل البعير ~~مخزم في المنخر) (وبنات أعوج قد برمن بصحبتي * مما قطعن من اليباب ms1685 المقفر) ~~وأورد له صاحب قلائد العقيان مقطوعا وهو (يا أقتل الناس ألحاظا وأطيبهم * ~~ريقا متى كان فيك الصاب والعسل) (في صحن خدك وهو الشمس طالعة * ورد يزيدك ~~فيه الراح والخجل) (إيمان حبك في قلبي يجدده * من خدك الكتب أو من لحظك ~~الرسل) (إن كنت تجهل أني عبد مملكة * مرني بما شئت آتيه وأمتثل) (لو اطلعت ~~على قلبي وجدت به * من فعل عينيك جرحا ليس يندمل) وذكره العماد الكاتب في ~~الخريدة وأورد له عدة مقاطيع ثم أعاد ذكره في آخر الكتاب وأورد له (ومشمولة ~~في الكأس تحسب أنها * سماء عقيق رصعت بالكواكب) PageV06P204 # (بنت كعبة اللذات في حرم الصبا * فحج إليها اللهو من ~~كل جانب) ومحاسنه في الشعر كثيرة وتوفي سنة أربعين وخمسمائة رحمه الله ~~تعالى وبقي بفتح الباء الموحدة وكسر القاف وتشديد الياء 804 الخطيب الحصكفي ~~أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد الملقب معين الدين المعروف ~~بالخطيب الحصكفي صاحب الديوان الشعر والخطب والرسائل ولد بطنزة ونشأ بحصن ~~كيفا وقدم بغداد فاشتغل بالأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي المقدم ذكره ~~وأتقنه حتى مهر فيه وقرأ الفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وأجاد ~~فيه ثم رحل عن بغداد راجعا إلى بلاده ونزل ميافارقين واستوطنها وتولى بها ~~الخطابة وكان إليه أمر الفتوى بها واشتغل عليه الناس وانتفعوا بصحبته وذكره ~~العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال في حقه كان علامة الزمان في علمه ~~ومعري العصر في نثره ونظمه له الترصيع البديع والتجنيس النفيس والتطبيق ~~والتحقيق واللفظ الجزل الرقيق والمعنى السهل PageV06P205 # العميق والتقسيم المستقيم والفضل السائر المقيم ثم قال ~~العماد بعد كثرة الثناء عليه وتعداد محاسنه وكنت أحب لقاءه وأحدث نفسي عند ~~وصولي إلى الموصل به وأنا شغف بالاستفادة كلف بمجالسة الفضلاء للاستزادة ~~فعاق دون لقائه بعد الشقة وضعفي عن تحمل المشقة ثم ذكر له عدة مقاطيع فمن ~~ذلك قوله (وخليع بت أعذله * ويرى عذلي من العبث) (قلت إن الخمر مخبثة * قال ~~حاشاها من الخبث) (قلت فالأرفاث تتبعها * قال طيب العيش ms1686 في الرفث) (قلت ~~منها القيء قال أجل * شرفت عن مخرج الحدث) (وسأجفوها فقلت متى * قال عند ~~الكون في الجدث) قلت أنا ولقد أخذ الخطيب المذكور قوله (شرفت عن مخرج الحدث ~~*) من قول بعضهم ولا أعرفه لكنها أبيات سائرة وهي (ولائم لامني في الخمر ~~قلت له * إني سأشربها حيا وفي جدثي) (فأسقني قهوة حمراء صافية * صرفا حراما ~~فإني غير مكترث) (فإن يكن حللوها بالطبيخ ففي * حشاي نار تبقيها على الثلث) ~~(قالوا فلم تتقاياها فقلت لهم * إني أنزهها عن مخرج الحدث) ثم قال العماد ~~الأصبهاني وأنشدني له بعض الفضلاء ببغداد خمسة أبيات كالخمسة السيارات ~~مستحسنات مطبوعات مصنوعات وهي (أشكو إلى الله من نارين واحدة * في وجنتيه ~~وأخرى منه في كبدي) PageV06P206 # (ومن سقامين سقم قد أحل دمي * من الجفون وسقم حل في ~~جسدي) (ومن نمومين دمعي حين أذكره * يذيع سرى وواش منه بالرصد) (ومن ضعيفين ~~صبري حين أذكره * ووده ويراه الناس طوع يدي) (مهفهف رق حتى قلت من عجب * ~~أخصره خنصري أم جلده جلدي) ومن مليح شعره أبيات في هجو مغن وهي (ومسمع ~~غناؤه * يبدل بالفقر الغنى) (شهدته في عصبة * رضيتهم لي قرنا) (أبصرته فلم ~~تخب * فراستي لما دنا) (وقلت من ذا وجهه * كيف يكون محسنا) (ورمت أن أروح ~~للظن * به ممتحنا) (فقلت من بينهم * هات أخي غن لنا) (ويوم سلع لم يكن * ~~يومي بسلع هينا) (فانشال منه حاجب * وحاجب منه انحنى) (وامتلأ المجلس من * ~~فيه نسيما منتنا) (أوقع إذ وقع في الأنفس * أسباب العنا) (وقال لما قال من ~~* يسمع في ظل الفنا) (وما اكتفى باللحن والتخليط * حتى لحنا) (هذا وكم ~~تكشخن الوغد * وكم تقرنننا) (يوهم زمرا أنه * قطعه ودندنا) PageV06P207 # (وصاح صوتا نافرا * يخرج عن حد البنا) (وما درى محضره ~~* ماذا على القوم جنى) (فذا يسد أنفه * وذا يسد الأذنا) (ومنهم جماعة * ~~تستر عنه الأعينا) (فاغتظت حتى كدت من * غيظ أبث الشجنا) (وقلت يا قوم ~~اسمعوا * إما المغني أو أنا) (أقسمت لا أجلس أو * يخرج هذا من هنا) (جروا ~~برجل الكلب إن * السقم ms1687 هذا والضنا) (قالوا لقد رحمتنا * وذدت عنا المحنا) ~~(فحزت في إخراجه * راحة نفسي والثنا) (وحين ولى شخصه * قرأت فيهم معلنا) ~~(الحمد لله الذي * أذهب عنا الحزنا) ولم أسمع مع كثرة ما قيل في هذا الباب ~~مثل هذا المقطوع في هذا المعنى وللخطيب المذكور أيضا في هذا المعنى (ومسمع ~~قوله بالكره مسموع * محجب عن بيوت الناس ممنوع) (غنى فبرق عينيه وحرك لحييه ~~* فقلنا الفتى لا شك مصروع) (وقطع الشعر حتى ود أكثرنا * أن اللسان الذي في ~~فيه مقطوع) (لم يأت دعوة أقوام بأمرهم * ولا مضى قط إلا وهو مصفوع) وقد سبق ~~له في ترجمة الشيخ الشاطبي في حرف القاف مقطوع لغز في نعش وهو معنى مليح ~~وأكثر شعره على هذا الأسلوب في اللطافة وجودة المقاصد PageV06P208 # وكان يتشيع وهو في شعره ظاهر وكان بمدينة آمد شابان ~~بينهما مودة أكيدة ومعاشرة كثيرة فركب أحدهما ظاهر البلد وطرد فرسه فتقنطر ~~فمات وقعد الآخر يستعمل الشراب فشرق فمات في ذلك النهار فعمل فيهما بعض ~~الأدباء (تقاسما العيش صفوا والردى كدرا * وما عهدنا المنايا قط تقتسم) ~~(وحافظا الود حتى في حمامهما * وقلما في المنايا تحفظ الذمم) فلما وقف ~~الخطيب المذكور على البيتين قال هذا الشاعر قصر إذ لم يذكر سبب موتهما وقد ~~قلت فيهما (بنفسي أخيان من آمد * أصيبا بيوم مشوم عبوس) (دهى ذا كميت من ~~الصافنات * وهذا كميت من الخندريس) قلت ولو قال (دهى ذا كميت من الصافنات * ~~وهذا كميت من الصافيات) لكان أحسن لأجل المجانسة وكان يجعل البيت الأول ~~(بنفسي أخيان من آمد * أصيبا بيوم شديد الأذاة) أو ما يناسب هذا ثم وجدت ~~البيتين الأولين في كتاب الجنان تأليف القاضي الرشيد ابن الزبير المقدم ~~ذكره في حرف الهمزة وقد نسبهما إلى الفقيه أبي علي الحسن بن أحمد المعلم ~~المعري لكن هكذا وجدت الحكاية بخط PageV06P209 # بعض المتأدبين والله أعلم وللخطيب المذكور الخطب ~~المليحة والرسائل المنتقاة ولم يزل على رياسته وجلالته وإفادته إلى أن توفي ~~سنة إحدى وقيل ثلاث وخمسين وخمسمائة وكانت ولادته في حدود سنة ms1688 ستين ~~وأربعمائة رحمه الله تعالى والحصكفي بفتح الحاء وسكون الصاد المهملة وفتح ~~الكاف وفي آخرها فاء هذه النسبة إلى حصن كيفا وهي قلعة حصينة شاهقة بين ~~جزيرة ابني عمر وميافارقين وكان القياس أن ينسبوا إليه الحصني وقد نسبوا ~~إليه أيضا كذلك لكن إذا نسبوا إلى اسمين أضيف أحدهما إلى الآخر ركبوا من ~~مجموع الاسمين اسما واحدا ونسبوا إليه كما فعلوا هاهنا وكذلك نسبوا إلى رأس ~~عين رسعني وإلى عبد الله وعبد شمس وعبد الدار عبدلي وعبشمي وعبدري وكذلك كل ~~ما هو نظيره وأما طنزة بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي في آخرها ~~هاء ساكنة فهي بليدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة العمرية خرج منها جماعة ~~من المحدثين وغيرهم ونسبوا إليها (319) قال عماد الدين الأصبهاني الكاتب في ~~كتاب الخريدة منها إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الطنزي وهو القائل (وإني ~~لمشتاق إلى أرض طنزة * وإن خانني بعد التفرق إخواني) (سقى الله أرضا لو ~~ظفرت بتربها * كحلت به من شدة الشوق أجفاني) ثم قال عماد الدين المذكور بعد ~~هذا كان الشاعر حيا في شهر رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة PageV06P210 # 805 يحيى بن تميم الصنهاجي أبو طاهر يحيى بن تميم بن ~~المعز بن باديس الحميري الصنهاجي صاحب إفريقية وما والاها قد تقدم ذكر ~~والده ورفعت نسبه هناك وتقدم ذكر جماعة من أجداده في هذا الكتاب وكانت ~~ولاية الأمير يحيى المذكور بالمهدية خلافة عن أبيه تميم يوم الجمعة لأربع ~~بقين من شهر ذي الحجة سنة سبع وتسعين وأربعمائة والطالع الدرجة السابعة من ~~الجدي ثم استقل بالأمر يوم وفاة والده وقد سبق ذلك في ترجمته وكان عمر ~~الأمير يحيى يوم الاستقلال ثلاثا وأربعين سنة وستة أشهر وعشرين يوما وركب ~~على العادة وأهل دولته محتفون به ورجع إلى قصره فغير لباس جميع أهل الدولة ~~من الخواص والجند بخلع سنية وكانوا قد غيروا لباسهم لموت أبيه ووهب للأجناد ~~والعبيد أموالا كثيرة ووعدهم مواعد سارة ورأيت في كتاب الجمع والبيان في ~~أخبار القيروان الذي ألفه ولد أخيه ms1689 عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد ~~بن تميم بن المعز بن باديس أن الأمير تميما قبل وفاته بمدة يسيرة دعا ولده ~~يحيى المذكور وكان في دار الإمارة مع خاصته وجلسائه فمضى يحيى ومن معه إليه ~~فوجدوا تميما في بيت المال فأمرهم بالجلوس ثم قال لأحدهم قم فادخل ذلك ~~البيت وخذ منه الكتاب الذي صفته كذا في مكان كذا فقام وأتى به فإذا هو كتاب ~~ملحمة فقال له PageV06P211 # عد من أوله كذا وكذا ورقة واقرأ الصفحة التي تنتهي ~~إليها فقرأها وإذا فيها الملك المغدور وهو الطويل القامة الذي على وركه ~~الأيمن خال وفي جنبه الأيسر شامة فقال الأمير تميم أطبق الكتاب واردده إلى ~~موضعه ففعل ثم قال تميم أما العلامتان فقد رأيتهما وبقيت علي الثالثة قم ~~أنت يا شريف وأنت يا فلان حتى تحققا عندي خبر العلامة الثالثة فقاموا وقام ~~يحيى معهم إلى موضع مستور عن تميم فكشف لهم عن جسمه فرأوا شامة على جنبه ~~الأيسر هلالية الشكل فأتوا تميما فعرفوه فقال لم أعطه أنا شيئا الله تعالى ~~الذي أعطاه ثم قال إني أخبركم بحديث عجيب وذلك أنه عرض علي النخاس والدته ~~فاستحسنتها ومالت نفسي إليها فاشتريتها وسلمتها إلى خدام القصر وأمرت ~~النخاس أن يرجع إلى قبض الثمن ثم دبرت في مال طيب حلال أخرج ثمنها منه ~~فبينما أنا مفكر في ذلك إذ سمعت السائل يصيح ويرفع صوته في الإذن على ~~مطالعتي فأخرجت رأسي من الطاق وقلت له ما شأنك فقال كنت الساعة أحفر في قصر ~~المهدي إذ وجدت صندوقا عليه قفل فتركته على حاله وجئت مطالعا بأمره فأنفذت ~~معه من أثق به فإذا فيه أثواب مذهبات الأعلام قد أفناها الدهر فأمرت بسبك ~~أعلامها فلم تزد ولم تنقص عن ثمن الجارية فتعجب الحاضرون من ذلك ودعوا له ~~ثم أمر لهم بدنانير وكساء وانصرفوا قال عبد العزيز المذكور وقد أدركت هذا ~~الكتاب المشار إليه عند السلطان الحسن رحمه الله تعالى يعني الحسن بن علي ~~بن يحيى المذكور وحكى عن الكتاب ms1690 أمورا وقضايا ذكر أنها ستكون وكانت كما ذكر ~~رجعنا إلى حديث يحيى ولما جلس في الملك قام بالأمر وعدل في الرعية وفتح ~~قلاعا لم يتمكن أبوه من فتحها قال عبد العزيز المذكور في تاريخه وفي أيامه ~~يعني يحيى PageV06P212 # وصل إلى المهدية من طرابلس المهدي محمد بن تومرت ~~المقدم ذكره قادما من الحج فنزل بمسجد قبلي مسجد السبت فاجتمع إليه جماعة ~~من أهل المهدية وقرأوا عليه كتبا في علم أصول الدين وشرع في تغيير المنكر ~~فرفع أمره إلى يحيى فأحضره وجماعة من الفقهاء فرأى ما هو عليه من الخشوع ~~والتقشف والعلم فسأله الدعاء فقال له أصلحك الله لرعيتك ونفع بها ذريتك ~~وأقام مدة يسيرة بالمهدية ثم انتقل إلى المنستير فأقام بها مدة ثم انتقل ~~إلى بجاية وقد تقدم في ترجمة والده الأمير تميم أن محمد بن تومرت المذكور ~~اجتاز بتلك البلاد في أيامه والله تعالى أعلم أي ذلك كان ثم قال عبد العزيز ~~وفي سنة سبع وخمسمائة أتى إلى المهدية قوم غرباء فقصدوا يحيى بمطالعة زعموا ~~فيها أنهم من أهل الصناعة الكبيرة من الواصلين إلى نهايتها فأذن لهم ~~بالدخول عليه فلما مثلوا بين يديه طالبهم بأن يظهروا له من الصناعة ما يقف ~~عليه فقالوا نحن نزيل من القصدير التدخين والصرير حتى يرجع لا فرق بينه ~~وبين الفضة لمولانا من السروج والقصب والبنود والأواني قناطير من الفضة ~~يجعل عوضا منها ما يريده ويستعمل جميع ذلك في مهماته وسألوه أن يكون ذلك في ~~خلوة فأجابهم وأحضرهم للعمل ولم يكن عند الأمير يحيى سوى الشريف أبي الحسن ~~علي والقائد إبراهيم قائد الأعنة وكانوا هم ثلاثة وكانت بينهم أمارة ~~فأمكنتهم الفرصة فقال أحدهم دارت البوتقة فتواثبوا وقصد كل واحد منهم واحدا ~~بسكاكينهم فأما الذي قصد الأمير يحيى فقال أنا سراج وكان يحيى جالسا على ~~مصطبة فضربه فجاءت على أم رأسه فقطعت طاقات في العمامة ولم تؤثر في رأسه ~~واسترخت يده بالسكين على صدره فخدشته وضربه يحيى برجله فألقاه على ظهره ~~فسمع الخدم الجلبة ففتحوا باب ms1691 القصر من عندهم فدخل يحيى وأغلق الباب دونهم ~~وأما الشريف فلم يزل به الذي قصده حتى قتله وأما القائد إبراهيم فإنه شهر ~~سيفه ولم يزل يقاتل الثلاثة وكسر الجند الباب الذي كان بينهم ودخلوا ~~فقتلوهم وكان زيهم زي أهل الأندلس فقتل في البلد جماعة ممن PageV06P213 # يلبس ذلك الزي وخرج الأمير يحيى في الحال ومشى في ~~البلد وسكن الفتنة وكان يحيى عادلا في دولته ضابطا لأمور رعيته عارفا بخرجه ~~ودخله مدبرا في جميع ذلك على ما يوجبه النظر العقلي ويقتضيه الرأي الحكمي ~~ونعته في الملاحم الملك المغدور وتحقق له هذا النعت بهذه الواقعة التي ~~ذكرناها وكان كثير المطالعة لكتب الأخبار والسير عارفا بها رحيما للضعفاء ~~شفيقا على الفقراء يطعمهم في الشدائد فيرفق بهم ويقرب أهل العلم والفضل من ~~نفسه وساس العرب في بلاده فهابوه وانكفت أطماعهم وكان له نظر حسن في صناعة ~~النجوم والأحكام وكان حسن الوجه على حاجبه شامة أشهل العينين مائلا في قده ~~إلى الطول دقيق الساقين وكان عنده جماعة من الشعراء قصدوه ومدحوه وخلدوا ~~مديحه في دواوينهم ومن جملة شعرائه أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي ~~الصلت الشاعر المقدم ذكره أقام تحت كنفه بعد أن جاب الأرض وتقاذفت به ~~البلدان وله صنف الرسالة المشهورة التي وصف فيها مصر وعجائبها وشعراءها ~~وغير ذلك وله فيه مدائح كثيرة أجاد فيها وأحسن وله أيضا مدائح في ولده أبي ~~الحسن علي وولد ولده الحسن بن علي ومن جملة قوله من مديحه قصيدة (وارغب ~~بنفسك إلا عن ندى ووغى * فالمجد أجمع بين البأس والجود) (كدأب يحيى الذي ~~أحيت مواهبه * ميت الرجاء بإنجاز المواعيد) (معطي الصوارم والهيف النواعم ~~والجرد * الصلادم والبزل الجلاعيد) (أشم أشوس مضروب سرادقه * على أشم بفرع ~~النجم معقود) (إذا بدا بسرير الملك محتبيا * رأيت يوسف في محراب داوود) (من ~~أسرة تخذوا الماذي لبسهم * واستوطنوا صهوات الضمر القود) (محسدون على أن لا ~~نظير لهم * وهل رأيت عظيما غير محسود) PageV06P214 # (وإن تكن جمعتكم أسرة كرمت * فليس في كل عود نفحة ~~العود) ms1692 (أقول للراكب المزجي مطيته * يطوي بها الأرض من بيد إلى بيد) (لا ~~تترك الماء عدا في مشارعه * وتطلب الري من صم الجلاميد) (هذي موارد يحيى ~~غير ناضبة * وذا الطريق إليها غير مسدود) (حكم سيوفك فيما أنت طالبه * ~~فللسيوف قضاء غير مردود) وله فيه غير ذلك ولما كان يوم الأربعاء وهو عيد ~~النحر سنة تسع وخمسمائة توفي يحيى فجأة وذلك أن منجمه قال يوما له إن في ~~تسيير مولدك في هذا النهار عليك عكسا فلا تركب فامتنع من الركوب وخرج ~~أولاده ورجال دولته إلى المصلى فلما انقضت الصلاة حضر رجال الدولة على ما ~~جرت به العادة للسلام وقرأ القراء القرآن وأنشد الشعراء وانصرفوا إلى ~~الإيوان فأكل الناس وقام يحيى إلى مجلس الطعام فلما وصل إلى باب المجلس ~~أشار إلى جارية من حظاياه فاتكأ عليها فما خطا من باب البيت سوى ثلاث خطوات ~~حتى وقع ميتا وكان ولده علي نائبه على سفاقس وهي بلدة من أعمال إفريقية ~~وللشعراء فيها شعر فمن ذلك قول بعضهم وهو علي بن حبيب يصف بحرها في مده ~~وجزره (سقيا لأرض سفاقس * ذات المصانع والمصلى) (بلد يكاد يقول حين * وروده ~~أهلا وسهلا) (وكأن ماء البئر حين * تراه ينضب ثم يملا) (صب يريد زيارة * ~~فإذا رأى الرقباء ولى) فأحضر وعقدت له الولاية ودفن يحيى في القصر على ما ~~جرت به العادة ثم نقل بعد سنة إلى قصر السيدة بالمنستير وهي بلدة بأفريقية ~~أيضا وخلف ثلاثين ولدا ذكورا PageV06P215 # (320) وأما علي المذكور القائم مقام أبيه يحيى فإن ~~مولده بمدينة المهدية صبيحة يوم الأحد لخمس عشرة ليلة خلت من صفر سنة تسع ~~وتسعين وأربعمائة وكان أبوه قد ولاه سفاقس فلما مات أبوه اجتمع أعيان دولته ~~على كتاب كتبوه عن أبيه إليه يأمره بالوصول إليه مسرعا فوصله الكتاب ليلا ~~فخرج لوقته ومعه طائفة من أمراء العرب وجد في السير فوصل الظهر من يوم ~~الخميس الثاني من يوم العيد ودخل القصر ولم يقدم شيئا على تجهيز أبيه ~~والصلاة عليه ودفنه وفي صبيحة يوم الجمعة ms1693 ثالث عشر ذي الحجة جلس للناس ~~فدخلوا عليه وسلموا بالإمارة ثم ركب في جيوشه وجموعه ثم عاد إلى قصره وفي ~~أيامه توجه أخوه أبو الفتوح ابن يحيى إلى الديار المصرية ومع زوجته بلارة ~~بنت القاسم وولده العباس صغير على الثدي فوصل إلى الإسكندرية فأنزل وأكرم ~~بأمر الآمر صاحب مصر يومئذ فأقام بها مدة يسيرة وتوفي فتزوجت بعده زوجته ~~بلارة بالعادل بن السلار واسمه علي المقدم ذكره في هذا الكتاب في حرف العين ~~وشب العباس وقدمه الحافظ صاحب مصر وولي الوزارة بعد العادل المذكور وذكر ~~شيخنا ابن الأثير في تاريخه في حوادث سنة اثنتين وخمسمائة حديث الثلاثة ~~الذين جاءوا إلى يحيى في معنى الكيمياء فقال كان مجيئهم في هذه السنة وأنهم ~~لما وثبوا على يحيى وجرى ما ذكرته قبل هذا صادف ذلك مجيء أبي الفتوح ~~المذكور وأصحابه إلى القصر وعليهم السلاح فمنعوا من الدخول وثبت عند يحيى ~~أن ذلك كان باتفاق بينهم فأخرج أبو الفتوح وزوجته وهي ابنة عمه إلى قصر ~~زياد ووكل بهما إلى أن مات يحيى وملك ابنه علي فسيرهما في البحر إلى الديار ~~المصرية فوصلا إلى الإسكندرية انتهى كلامه ولم تزل أمور علي بن يحيى جارية ~~على السداد إلى أن توفي يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس ~~عشرة وخمسمائة ودفن في القصر PageV06P216 # بعد أن فوض الأمر من بعده إلى ولده أبي يحيى الحسن بن ~~علي بن يحيى (321) ومولد الحسن المذكور بمدينة سوسة في رجب سنة اثنتين ~~وخمسمائة فكان عمره يوم ولايته اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر ولما كان ثاني ~~يوم وفاة أبيه خرج للناس فسلموا عليه وهنئوه بما صار إليه ثم ركب والجيوش ~~محتفة به وجرت في أيامه وقائع وأمور يطول شرحها فمن ذلك أن رجار الفرنجي ~~صاحب صقلية أخذ طرابلس الغرب عنوة بالسيف في يوم الثلاثاء سادس المحرم سنة ~~إحدى وأربعين وخمسمائة وقتل أهلها وسبى الحريم والأطفال وأخذ الأموال ثم ~~شرع في عمارتها وتحصينها بالرجال والعدد ثم أخذ المهدية يوم الاثنين ثاني ~~عشر ms1694 صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وذلك أن الحسن بن علي لما علم عجزه عن ~~مقاومته خرج من المهدية هاربا وقد استصحب ما خف عليه حمله من النفائس وخرج ~~أهل البلد أيضا هاربين إلا من أقعده العجز عن الهرب فدخل إليه الفرنج ~~وملكوه وصادفوا فيه من الأموال والذخائر ما لا يعد ولا يحصى وكان عدة من ~~ملك من أهل بيتهم وأولهم زيري المقدم ذكره في حرف الزاي إلى هذا الحسن بن ~~علي تسعة ملوك ومدة ولايتهم مائتا سنة وثمان سنين وانقرضت دولة بني باديس ~~ثم إن الحسن بن علي توجه نحو المعلقة وهي قلعة حصينة بإفريقية تجاور تونس ~~وكان صاحبها أبا محفوظ محرز بن زياد أحد أمراء العرب فأقام عنده قليلا ثم ~~ظهر له منه الضجر والسآمة فعزم على قصد الديار المصرية ليكون عند الحافظ ~~العبيدي صاحبها يومئذ فنمي خبره إلى نائب رجار بالمهدية فجعل عليه العيون ~~وعمل عشرين شينيا ليمسكه في البحر فبلغ الحسن ذلك فرجع عن هذا الرأي ثم قصد ~~أن يتوجه إلى جهة عبد المؤمن بن علي بمراكش وأنفذ ثلاثة من أولاده إلى صاحب ~~بجاية وهي آخر أعمال إفريقية ليستأذنه في الوصول إليه وبعد ذلك يتوجه إلى ~~عبد المؤمن فأضمر له الغدر وخاف من اجتماعه PageV06P217 # بعبد المؤمن أن يتفقا على ما فيه ضرره فكتب إليه كتابا ~~على يد أولاده يقول له لا حاجة لك في الرواح إلى عبد المؤمن ونحن نفعل معك ~~ونصنع وأجزل له من المواعيد الحسنة فتوجه إليه فلما قرب من بجاية لم يخرج ~~للقائه وعدل به إلى الجزائر وهي بلدة فوق بجاية من جهة الغرب وأنزلوه بها ~~في مكان لا يليق بمثله ورتبوا له من الإقامة ما لا يصلح لبعض أتباعه ومنعوه ~~من التصرف وكان وصوله إلى الجزائر في المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة ثم ~~إن عبد المؤمن فتح بجاية في سنة سبع وأربعين وهرب صاحبها إلى القسطنطينية ~~(322) ثم إن رجار صاحب صقلية هلك في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ثمان ~~وأربعين وخمسمائة (323) ولما ms1695 هلك رجار ملك بعده ابنه غنيم بن رجار وعليه ~~قدم أبو الفتوح نصر الله بن قلاقس الشاعر المقدم ذكره ومدحه وأجازه وذلك في ~~سنة ثلاث وستين وخمسمائة (324) ولما هلك غنيم ملكت ابنته وهي أم الأنبرور ~~ملك ألمانية في زماننا ثم هلكت أم الأنبرور وخلفته صغيرا فملك واستمر ملكه ~~وكان عاقلا فاضلا وبينه وبين الملك الكامل صاحب مصر مراسلات وغيرها ~~PageV06P218 # ثم إن عبد المؤمن وصل إلى المهدية وملكها بعد جهد جهيد ~~وكان دخوله إليها بكرة يوم عاشوراء سنة خمس وخمسين وخمسمائة فولى بها نائبا ~~وكان الحسن بن علي قد وصل صحبته فرتبه مع النائب لتدبير أمورها لكونه عارفا ~~بأحوالها وأقطعه بها ضيعتين وأعطاه دورا سكنها هو وأولاده وأتباعه ولم أقف ~~على تاريخ وفاة الحسن بن علي المذكور (325) ثم قتل محرز بن زياد المذكور في ~~وقعة سطيف يوم الخميس في العشر الأوسط من ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة وهذا الحسن بن علي هو الذي صنف له أبو الصلت أمية بن عبد العزيز ~~بن أبي الصلت كتاب الحديقة 806 يحيى بن خالد البرمكي أبو الفضل يحيى بن ~~خالد بن برمك وزير هارون الرشيد وقد تقدم ذكر ولديه جعفر والفضل كل واحد ~~منهما في بابه وكان جدهم برمك من مجوس بلخ وكان يخدم النوبهار وهو معبد كان ~~للمجوس بمدينة بلخ توقد فيه النيران واشتهر برمك المذكور وبنوه بسدانته ~~وكان برمك عظيم المقدار عندهم ولم أعلم هل أسلم أم لا (326) وساد ابنه خالد ~~وتقدم في الدولة العباسية وتولى الوزارة لأبي PageV06P219 # العباس السفاح بعد أبي سلمة حفص الخلال المقدم ذكره ~~وقد ذكرته في ترجمة جعفر وذكرت هناك تاريخ وفاته وقال أبو الحسن المسعودي ~~في كتاب مروج الذهب لم يبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جوده ورأيه وبأسه ~~وعلمه وجميع خلاله لا يحيى في رأيه ووفور عقله ولا الفضل ابن يحيى في جوده ~~ونزاهته ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحة لسانه ولا محمد بن يحيى في سروه ~~وبعد همته ولا موسى بن يحيى ms1696 في شجاعته وبأسه ولما بعث أبو مسلم الخراساني ~~قحطبة بن شبيب الطائي لمحاربة يزيد بن عمر ابن هبيرة الفزاري عامل مروان بن ~~محمد على العراقيين وكان خالد بن برمك في جملة من كان معه فنزلوا في طريقهم ~~بقرية فبينما هم على سطح بعض دورها يتغدون إذ نظروا إلى الصحراء وقد أقبل ~~منها أقاطيع الوحش من الظباء وغيرها حتى كادت تخالط العسكر فقال خالد ~~لقحطبة أيها الأمير ناد في الناس ومرهم أن يسرجوا ويلجموا قبل أن تهجم ~~عليهم الخيل فقام قحطبة مذعورا فلم ير شيئا يروعه فقال يا خالد ما هذا ~~الرأي فقال قد نهد إليك العدو أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت إن وراءها ~~لجمعا كثيفا فما ركبوا حتى رأوا الغبار ولولا خالد لهلكوا PageV06P220 # وأما يحيى فإنه كان من النبل والعقل وجميع الخلال على ~~أكمل حال وكان المهدي بن أبي جعفر المنصور قد ضم إليه ولده هارون الرشيد ~~وجعله في حجره فلما استخلف هارون عرف له حقه وقال له يا أبت أنت أجلستني في ~~هذا المجلس ببركتك ويمنك وحسن تدبيرك وقد قلدتك الأمر ودفع له خاتمه وفي ~~ذلك يقول الموصلي وأظنه إبراهيم النديم أو ابنه إسحاق (ألم تر أن الشمس ~~كانت سقيمة * فلما ولي هارون أشرق نورها) (بيمن أمين الله هارون ذي الندى * ~~فهارون واليها ويحيى وزيرها) وكان يعظمه وإذا ذكره قال أبي وجعل إصدار ~~الأمور وإيرادها إليه إلى أن نكب البرامكة فغضب عليه وخلده في الحبس إلى أن ~~مات فيه وقتل ابنه جعفرا حسبما تقدم شرحه في ترجمته وكان من العقلاء ~~الكرماء البلغاء ومن كلامه ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها الهدية ~~والكتاب والرسول وكان يقول لولده اكتبوا أحسن ما تسمعون واحفظوا أحسن ما ~~تكتبون وتحدثوا بأحسن ما تحفظون وكان يقول الدنيا دول والمال عارية ولنا ~~بمن قبلنا أسوة وبمن بعدنا عبرة وقال الفضل بن مروان المقدم ذكره سمعت يحيى ~~بن خالد يقول من لم أحسن إليه فأنا مخير فيه ومن أحسنت إليه فأنا مرتهن به ~~وقال القاضي يحيى ms1697 بن أكثم سمعت المأمون يقول لم يكن كيحيى بن خالد وكولده ~~أحد في الكفاية والبلاغة والجود والشجاعة ولقد صدق القائل حيث يقول (أولاد ~~يحيى أربع * كأربع الطبائع) (فهم إذا اختبرتهم * طبائع الصنائع) قال القاضي ~~فقلت له يا أمير المؤمنين أما الكفاية والبلاغة والسماحة PageV06P221 # فنعرفها فيهم ففي من الشجاعة فقال في موسى بن يحيى وقد ~~رأيت أن أوليه ثغر السند وقال إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي المقدم ذكره ~~حدثني أبي قال أتيت يحيى بن خالد بن برمك فشكوت إليه ضيقة فقال ويحك ما ~~أصنع بك ليس عندنا في هذا الوقت شيء ولكن هاهنا أمر أدلك عليه فكن فيه رجلا ~~قد جاءني خليفة صاحب مصر يسألني أن أستهدي صاحبه شيئا وقد أبيت ذلك عليه ~~فألح علي وقد بلغني أنك قد أعطيت بجاريتك فلانة ثلاثة آلاف دينار فهو ذا ~~أستهديه إياها وأخبره أنها قد أعجبتني فإياك أن تنقصها من ثلاثين ألف دينار ~~وانظر كيف تكون قال فوالله ما شعرت إلا بالرجل وافاني فساومني بالجارية ~~فقلت له لا أنقصها من ثلاثين ألف دينار فلم يزل يساومني حتى بذل لي عشرين ~~ألف دينار فلما سمعتها ضعف قلبي عن ردها فبعتها وقبضت العشرين ألفا ثم صرت ~~إلى يحيى بن خالد فقال لي كيف صنعت في بيعك الجارية فأخبرته وقلت والله ما ~~ملكت نفسي أن أجبت إلى العشرين ألفا حين سمعتها فقال إنك لخسيس فخذ جاريتك ~~بارك الله لك فيها وهذا خليفة صاحب فارس قد جاءني في مثل هذا فإذا ساومك ~~بها فلا تنقصها من خمسين ألف دينار فإنه لا بد أن يشتريها منك بذلك فجاءني ~~الرجل فاستمت عليه خمسين ألف دينار فلم يزل يساومني حتى أعطاني ثلاثين ألف ~~دينار فضعف قلبي عن ردها ولم أصدق بها فأوجبتها ثم صرت إلى يحيى بن خالد ~~فقال لي بكم بعت الجارية فأخبرته فقال ويحك ألم تؤدبك الأولى عن الثانية ~~قال فقلت والله ضعفت عن رد شيء لم أطمع فيه قال فقال هذه جاريتك فخذها إليك ~~قال فقلت جارية أفدت ms1698 بها خمسين ألف دينار ثم أملكها أشهدك أنها حرة وأني قد ~~تزوجتها هكذا رأيت هذه الحكاية ثم نظرت في كتاب أخبار الوزراء تأليف ~~الجهشياري فقال إن يحيى قال لإبراهيم الموصلي لا تقبل أقل من مائة ألف ~~دينار وأنه باعها بخمسين ألف دينار وقال له في المرة الثانية PageV06P222 # لا تقبل أقل من خمسين ألف دينار فباعها بثلاثين ألف ~~دينار وقال الأصمعي دخلت على يحيى يوما فقال يا أصمعي هل لك زوجة فقلت لا ~~فقال فجارية فقلت لكم منة فأمر بإخراج جارية غاية في الحسن والجمال والظرف ~~فقال لها قد وهبتك لهذا وقال يا أصمعي خذها فشكرته ودعوت له فلما رأت ~~الجارية ذلك بكت وقالت يا سيدي تدفعني إلى هذا فما ترى من سماجته وقبحه ~~فقال لي هل لك أن أعوضك عنها ألفي دينار قلت ما أكره ذلك ودخلت الجارية إلى ~~داره فقال لي أنكرت على هذه الجارية أمرا فأردت أن أعاقبها بك ثم رحمتها ~~فقلت له هلا أعلمتني حتى كنت لحقت بالباب على صورتي الأصلية من غير أن أسرح ~~لحيتي وأصلح عمتي وأتطيب وأتجمل فضحك وأمر لي بألف دينار أخرى وحكى إسحاق ~~النديم أيضا قال كانت صلات يحيى بن خالد إذا ركب لمن تعرض له مائتي درهم ~~فركب ذات يوم فتعرض له أديب شاعر وأنشده (يا سمي الحصور يحيى أتيحت * لك من ~~فضل ربنا جنتان) (كل من مر في الطريق عليكم * فله من نوالكم مائتان) (مائتا ~~درهم لمثلي قليل * هي منكم للقابس العجلان) قال له يحيى صدقت وأمر بحمله ~~إلى داره فلما رجع من دار الخلافة سأله عن حاله فذكر أنه تزوج وقد أخذ ~~بواحدة من ثلاث إما أن يؤدي المهر وهو أربعة آلاف وإما أن يطلق وإما أن ~~يقيم جاريا للمرأة يكفيها إلى أن يتهيأ له نقلها فأمر له يحيى بأربعة آلاف ~~للمهر وبأربعة آلاف لثمن منزل وبأربعة آلاف لما يحتاج إليه المنزل وبأربعة ~~آلاف للبنية وبأربعة آلاف يستظهر بها فأخذ عشرين ألفا وانصرف PageV06P223 # وقال محمد بن مناذر الشاعر حج ms1699 هارون الرشيد ومعه ابناه ~~الأمين محمد والمأمون عبد الله وحج معه يحيى بن خالد وابناه الفضل وجعفر ~~فلما صاروا بالمدينة جلس الرشيد ومعه يحيى بن خالد فأعطى الناس عطاءهم ثم ~~جلس الأمين ومعه الفضل فأعطاهم العطاء ثم جلس المأمون ومعه جعفر بن يحيى ~~فأعطاهم عطاياهم وكان أهل المدينة يسمون ذاك العام عام الأعطية الثلاثة ولم ~~يروا مثل ذلك قط فقلت في ذلك (أتانا بنو الأملاك من آل برمك * فيا طيب ~~أخبار ويا حسن منظر) (لهم رحلة في كل عام إلى العدى * وأخرى إلى البيت ~~العتيق المطهر) (إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت * بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر) ~~(فتظلم بغداد وتجلو لنا الدجى * بمكة ما حجوا ثلاثة أقمر) (فما خلقت إلا ~~لجود أكفهم * وأقدامهم إلا لأعواد منبر) (إذا راض يحيى الأمر ذلت صعابه * ~~فناهيك من راع له ومدبر) (ترى الناس إجلالا له وكأنهم * غرانيق ماء تحت باز ~~مصرصر) وذكر الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عمر ~~الواقدي أنه قال كنت حناطا بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها ~~فتلفت الدراهم فشخصت إلى العراق فقصدت يحيى بن خالد فجلست في دهليزه وأنست ~~بالخدم والحجاب وسألتهم أن يوصلوني إليه فقالوا إذا قدم الطعام إليه لم ~~يحجب عنه أحد ونحن ندخلك عليه ذلك الوقت فلما حضر طعامه أدخلوني فأجلسوني ~~معه على المائدة فسألني من أنت وما قصتك فأخبرته فلما رفع الطعام وغسلنا ~~أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز من ذلك فلما صرت إلى الموضع الذي يركب ~~منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار فقال الوزير يقرأ عليك السلام ويقول ~~لك استعن بهذا على أمرك PageV06P224 # وعد إلينا في اليوم الثاني فأخذته وانصرفت وعدت في ~~اليوم الثاني فجلست معه على المائدة فأنشأ يسألني كما سألني في اليوم الأول ~~فلما رفع الطعام دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز مني فلما صرت إلى الموضع الذي ~~يركب منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار فقال لي الوزير يقرأ عليك ~~السلام ويقول لك ms1700 استعن بهذا على أمرك وعد إلينا في غد فأخذته وانصرفت وعدت ~~في اليوم الثالث كما أمر فأعطيت مثل الذي أعطيت في اليوم الأول والثاني ~~فلما كان في اليوم الرابع أعطيت الكيس كما أعطيت قبل ذلك وتركني بعد ذلك ~~أقبل رأسه وقال إنما منعتك ذلك لأنه لم يكن وصل إليك من معروفي ما يوجب هذا ~~فالآن قد لحقك بعض النفع مني يا غلام أعطه الدار الفلانية يا غلام افرش له ~~الفرش الفلاني يا غلام أعطه مائتي ألف درهم يقضي دينه بمائة ألف ويصلح شأنه ~~بمائة ألف ثم قال لي الزمني وكن في داري فقلت أعز الله الوزير لو أذنت لي ~~بالشخوص إلى المدينة لأقضي الناس أموالهم ثم أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق ~~بي قال قد فعلت وأمر بتجهيزي فشخصت إلى المدينة فقضيت ديني ثم رجعت إليه ~~فلم أزل في ناحيته ودخل عليه يوما أبو قابوس الحميري فأنشده (رأيت يحيى أتم ~~الله نعمته * عليه يأتي الذي لم يأته أحد) (ينسى الذي كان من معروفه أبدا * ~~إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد) فقضى حوائجه ووصله بجملة من المال قلت قد حل ~~هذا البيت الثاني شرف الدولة مسلم بن قريش وقد قال له رجل لا تنس أيها ~~الأمير حاجتي فقال إذا قضيتها أنسيتها PageV06P225 # ولمسلم بن الوليد الأنصاري في يحيى بن خالد (أجدك هل ~~تدرين إن رب ليلة * كأن دجاها من قرونك ينشر) (صبرت لها حتى تجلت بغرة * ~~كغرة يحيى حين يذكر جعفر) وكان يحيى يقول إذا أقبلت الدنيا فأنفق فإنها لا ~~تفنى وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى وقال ذكر النعمة من المنعم تكدير ~~ونسيان المنعم عليه كفر وتقصير وقال النية الحسنة مع العذر الصادق يقومان ~~مقام النجح وقال إذا أدبر الأمر كان العطب في الحيلة وقال الحسن بن سهل ~~المقدم ذكره من غيرته الولاية لإخوانه علمنا أن الولاية أكبر منه أخذنا ذلك ~~عن صاحب ديوان المكارم أبي علي يحيى بن خالد بن برمك ولما عزم جعفر على ~~بناء قصره شاور أباه يحيى ms1701 بن خالد فيه فقال هو قميصك إن شئت فوسعه وإن شئت ~~فضيقه وأتاه وهو يبني داره فإذا الصناع يبيضون حيطانها فقال إنك تعطي الذهب ~~بالفضة فقال جعفر ليس كل أوان يكون ظهور الذهب أصلح ولكن هل ترى عيبا قال ~~نعم مخالطتها لدور السفل والسوقة وكان ليحيى كاتب يختص بخدمته ويقرب من ~~حضرته فعزم على ختان ولده فاحتفل له الناس على طبقاتهم وهاداه أعيان الدولة ~~ووجوه الكتاب والرؤساء على اختلاف منازلهم وكان له صديق قد اختلت أحواله ~~وضاقت يده عما يريده لذلك مما دخل فيه غيره فعمد إلى كيسين كبيرين نظيفين ~~فجعل في أحدهما ملحا وفي الآخر أشنانا مكفرا وكتب معهما رقعة نسختها لو تمت ~~الإرادة لأسعفت بالعادة ولو ساعدت المكنة على بلوغ الهمة لاتبعت السابقين ~~إلى برك وتقدمت المجتهدين في كرامتك لكن قعدت القدرة عن البغية وقصرت الجدة ~~عن مباراة أهل النعمة وخفت أن تطوى صحائف البر PageV06P226 # وليس لي فيها ذكر فأنفذت المبتدأ بيمنه وبركته ~~والمختتم بطيبه ونظافته صابرا على ألم التقصير ومتجرعا غصص الاقتصار على ~~اليسير فأما ما لم أجد إليه السبيل في قضاء حقك فالقائم فيه بعذري قول الله ~~عز و جل * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج) * التوبة 91 والسلام فلما حضر يحيى بن خالد الوليمة عرض عليه ~~كاتبه الهدايا جميعها حتى الكيسين والرقعة فاستظرفها وأمر أن يملأ الكيسان ~~مالا ويردا عليه فكان ذلك أربعة آلاف دينار وقال رجل ليحيى والله لأنت أحلم ~~من الأحنف بن قيس فقال له لا تقرب إلي من أعطاني فوق حقي ونادى إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي أحد غلمانه فلم يجبه فقال سمعت يحيى بن خالد يقول يدل على ~~حلم الرجل سوء أدب غلمانه وكان يحيى يساير الرشيد يوما فوقف له رجل فقال يا ~~أمير المؤمنين عطبت دابتي فقال الرشيد يعطى خمسمائة درهم فغمزه يحيى فلما ~~نزلوا قال له الرشيد يا أبت أومأت إلي بشيء ولم أعرفه فقال مثلك لا يجري ~~هذا القدر على لسانه ms1702 إنما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف عشرة آلاف ألف فقال إذا ~~سئلت مثل هذا كيف أقول فقال تقول يشترى له دابة وبالجملة فإن أخبارهم كثيرة ~~ولا يحتمل هذا المختصر الإطالة أكثر من هذا ولما قتل هارون الرشيد جعفر بن ~~يحيى البرمكي كما ذكرناه في حرف الجيم من هذا الكتاب نكب البرامكة وحبس ~~يحيى وابنه الفضل كما ذكرناه في حرف الفاء من هذا الكتاب وكان حبسهما في ~~الرافقة وهي الرقة القديمة تجاور الرقة الجديدة وهي البلد المشهور الآن على ~~شاطىء الفرات ويقال لهما الرقتان تغليبا لأحد الاسمين على الآخر كما قيل ~~العمران والقمران وغير ذلك PageV06P227 # وحكى الجهشياري في كتاب أخبار الوزراء أن يحيى بن خالد ~~اشتهى في وقت من الأوقات في محبسه وهو مضيق عليه سكباجة فلم يطلق له ~~اتخاذها إلا بمشقة فلما فرغ منها سقطت القدر من يد المتخذ لها فانكسرت ~~فأنشد يحيى أبياتا يخاطب بها الدنيا ومضمونها اليأس وقطع الأطماع ولم يزل ~~يحيى في حبس الرافقة إلى أن مات في الثالث من المحرم سنة تسعين ومائة فجأة ~~من غير علة وهو ابن سبعين سنة وقيل أربع وسبعين وصلى عليه ابنه الفضل ودفن ~~في شاطىء الفرات في ربض هرثمة ووجد في جيبه رقعة فيها مكتوب بخطه قد تقدم ~~الخصم والمدعي عليه في الأثر والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجور ولا ~~يحتاج إلى بينة فحملت الرقعة إلى الرشيد فلم يزل يبكي يومه كله وبقي أياما ~~يتبين الأسى في وجهه رحمهما الله تعالى وكان يحيى يجري على سفيان الثوري ~~رضي الله عنه في كل شهر ألف درهم وكان سفيان يقول في سجوده اللهم إن يحيى ~~كفاني أمر دنياي فاكفه أمر آخرته فلما مات يحيى رآه بعض إخوانه في النوم ~~فقال له ما صنع الله بك قال غفر لي بدعاء سفيان وقيل إن صاحب هذه القضية هو ~~سفيان ابن عيينة لا سفيان الثوري والله تعالى أعلم قال الجهشياري ندم ~~الرشيد على ما كان منه في أمر البرامكة وتحسر على ما فرط منه ms1703 في أمرهم ~~وخاطب جماعة من إخوانه بأنه لو وثق منهم بصفاء النية منهم لأعادهم إلى ~~حالهم وكان الرشيد كثيرا ما يقول حملونا على نصحائنا وكفاتنا وأوهمونا أنهم ~~يقومون مقامهم فلما صرنا إلى ما أرادوا لم يغنوا عنا وأنشد PageV06P228 # (أقلوا علينا لا أبا لأبيكم * من اللوم أو سدوا المكان ~~الذي سدوا) قلت هذا البيت للحطيئة الشاعر وبعده (أولئك قوم إن بنوا أحسنوا ~~البنا * وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا) قلت وذكر الزمخشري في كتاب ربيع ~~الأبرار ما مثاله إنه وجد تحت فراش يحيى بن خالد البرمكي رقعة فيها مكتوب ~~(وحق الله إن الظلم لوم * وإن الظلم مرتعه وخيم) (إلى ديان يوم الدين نمضي ~~* وعند الله تجتمع الخصوم) PageV06P229 # 807 الوزير ابن هبيرة أبو المظفر الوزير عون الدين ~~يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة بن سعد بن الحسين بن أحمد بن الحسن بن جهم ~~بن عمرو بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان وهو الحارث بن شريك بن عمرو بن قيس ~~بن شرحبيل بن مرة بن همام ابن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن ~~علي بن بكر بن وائل بن قاسط ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ~~ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني الملقب عون الدين هكذا ساق نسبه ~~جماعة منهم ابن الدبيثي في تاريخه وابن القادسي في كتاب الوزراء وغيرهما ~~وإنما أخرج له هذا النسب بعد سنين من وزارته وذكره الشعراء في مدائحهم وهو ~~من قرية من بلاد العراق تعرف بقرية بني أوقر بالقاف من أعمال دجيل وهي دور ~~عرمانيا بالعين المهملة والياء المثناة من تحت وتعرف الآن بدور الوزير نسبة ~~إليه وكان والده من أجنادها PageV06P230 # ودخل بغداد في صباه واشتغل بالعلم وجالس الفقهاء ~~والأدباء وكان على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وسمع الحديث وحصل ~~من كل فن طرفا وقرأ الكتاب العزيز وختمه بالقراءات والروايات وقرأ النحو ~~واطلع على أيام العرب وأحوال الناس ولازم الكتابة وحفظ ألفاظ البلغاء ms1704 وتعلم ~~صناعة الإنشاء وكانت قراءته الأدب على أبي منصور ابن الجواليقي وتفقه على ~~أبي الحسين محمد بن محمد الفراء وصحب الشيخ أبا عبد الله محمد ابن يحيى بن ~~علي بن مسلم بن موسى بن عمران الزبيدي الواعظ وسمع الحديث النبوي من أبي ~~عثمان إسماعيل بن محمد بن قيلة الأصبهاني ومن أبي القاسم هبة الله بن محمد ~~بن الحسين الكاتب ومن بعدهما وحدث عن الإمام المقتفي لأمر الله أمير ~~المؤمنين وعن غيره وسمع منه خلق كثير منهم الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي ~~وأول ولايته الإشراف بالأقرحة الغربية ثم نقل إلى الإشراف على الإقامات ~~المخزنية ثم قلد الإشراف بالمخزن ولم يطل في ذلك مكثه حتى قلد في سنة ~~اثنتين وأربعين كتابة ديوان الزمام ثم ترقى إلى الوزارة وكان سبب توليته ~~الوزارة ما حكاه الذي جمع سيرته أنه قال من جملة ما رفع قدر الوزير ونقله ~~إلى الوزارة ما جرى من مسعود البلالي شحنة بغداد نيابة عن السلطان مسعود بن ~~محمد بن ملكشاه السلجوقي وكان مسعود أحد الخدم الخصيان الحبشيين الكبار من ~~أمراء دولته من سوء أدبه في الحضرة وخروجه عن معتاد الواجب وانتشار مفسدي ~~أصحابه وكان وزير الخليفة إذ ذاك قوام الدين أبو القاسم علي بن صدقة ابن ~~علي بن صدقة قد كتب عن الخليفة إلى السلطان مسعود عدة كتب يعتمد الإنكار ~~على مسعود البلالي على ما صدر منه فلم يرجع بجواب فلما قلد عون الدين ابن ~~هبيرة كتابة ديوان الزمام خاطب الخليفة في مكاتبة السلطان مسعود بالقضية ~~فوقع إليه قد كان الوزير كتب في ذلك عدة كتب فلم يجيبوه فراجع عون الدين في ~~ذلك سؤاله إلى أن أجيب فكتب من إنشائه رسالة وهي طويلة فأضربت عن ذكرها ~~وحاصل الأمر فيها أنه دعا له وأذكره ما كان أسلافه PageV06P231 # يعاملون الخلفاء به من حسن الطاعة والتأدب معهم والذب ~~عنهم ممن يفتات عليهم وشكا من مسعود البلالي وأنه كاتب في ذلك عدة دفعات ~~وما جاءه جواب وأطال القول في ذلك وكان هذا في سنة ms1705 اثنتين وأربعين وخمسمائة ~~في شهر ربيع الآخر فما مضى على هذا إلا قليل حتى عاد الجواب بالاعتذار ~~والذم لمسعود البلالي والإنكار لما اعتمده فاستبشر المقتفي بإشارة عون ~~الدين وعظم سروره بذلك وحسن موقع عون الدين من قلبه ولم يزل عنده مكينا حتى ~~استوزره قال مصنف السيرة وكان أيضا من جملة أسباب وزارته أنه في سنة ثلاث ~~وأربعين وصل إلى بغداد الأمير ابن ألقش المسعودي صاحب اللحف وهو صقع ~~بالعراق ويلدكز السلطاني وقصداها في جموع كثيرة وصدر منهم فتن عظيمة ~~تضمنتها التواريخ فشرع الوزير قوام الدين بن صدقة في تدبير الحال فأخفق ~~مسعاه فحينئذ استأذن عون الدين الخليفة في أمرهم فأذن له في ذلك فخاطب ~~هؤلاء الخارجين على الخليفة وأحسن التدبير في ذلك حتى كف شرهم ثم قوي عليهم ~~حتى نهبت العامة أموالهم وجرت المقادير بهذه الأحوال لرفع ابن هبيرة ووضع ~~الوزير ابن صدقة فإنه عند انقضاء هذا المهم استدعى الخليفة المقتفي عون ~~الدين بمطالعة على يد أميرين من أمراء الدولة فتبين بقراءته لها التباشير ~~في أسرته فركب إلى دار الخليفة في جماعته وتسامع الناس بوزارته ولما وصل ~~إلى باب الحجرة استدعي فدخل وقد جلس له المقتفي بميمنة التاج فقبل الأرض ~~وسلم وتحدثا ساعة بما لم يحط به غيرهما علما ثم خرج وقد جهزوا له التشريف ~~على عادة الوزراء فلبسه ثم استدعي ثانيا فقبل الأرض ودعا بدعاء أعجب ~~الخليفة ثم أنشده (سأشكر عمرا ما تراخت منيتي * أيادي لم تمنن وإن هي جلت) ~~(رأى خلتي من حيث يخفى مكانها * فكانت بمرأى منه حتى تجلت) قلت وهذان ~~البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي المقدم ذكره وهي PageV06P232 # ثلاثة أبيات والثاني منهما بعد الأول (فتى غير محجوب ~~الغنى عن صديقه * ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت) ولما أنشد عون الدين هذين ~~البيتين غير نصف البيت الثاني منهما فإن الشاعر قال (فكانت قذى عينيه حتى ~~تجلت *) فما رأى أنه يخاطب الخليفة بهذه العبارة فغيره تأدبا ثم إن عون ~~الدين خرج فقدم له حصان أدهم سائل الغرة محجل ms1706 وعليه من الحلى ما جرت به ~~عادتهم مع الوزراء والشرح في ذلك يطول فاختصرته وخرج بين يديه أرباب ~~المناصب وأعيان الدولة وأمراء الحضرة وجميع خدام الخلافة وسائر حجاب ~~الديوان والطبول تضرب أمامه والمسند وراءه محمول على عادتهم في ذلك حتى دخل ~~الديوان ونزل على طرف الديوان وجلس في الدست وقام لقراءة عهده الشيخ سديد ~~الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم ابن الأنباري ولولا خوف الإطالة ~~لذكرت العهد فإنه بديع في بابه لكن قصدي الاقتصار فأعرضت عن ذكره وهو مشهور ~~في أيدي الناس فلما فرغ من قراءته قرأ القراء وأنشد الشعراء وتولى الوزارة ~~يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر من سنة أربع وأربعين وخمسمائة وكان لقبه ~~جلال الدين فلما ولي الوزارة لقبوه عون الدين وكان عالما فاضلا ذا رأي صائب ~~وسريرة صالحة وظهر منه في أيام ولايته ما شهد له بكفايته وحصن مناصحته فشكر ~~له ذلك ولحظه بعين الرعاية وتوفرت له أسباب السعادة وكان مكرما لأهل العلم ~~يحضر مجلسه الفضلاء على اختلاف فنونهم ويقرأ عنده الحديث عليه وعلى الشيوخ ~~بحضوره ويجري من البحث والفوائد ما يكثر ذكره وصنف كتبا فمن ذلك كتاب ~~الإفصاح عن شرح معاني الصحاح وهو يشتمل على تسعة عشر كتابا شرح الجمع بين ~~الصحيحين وكشف عما فيه من الحكم النبوية وكتاب المقتصد بكسر الصاد المهملة ~~وشرحه أبو PageV06P233 # محمد ابن الخشاب النحوي المشهور في أربع مجلدات شرحا ~~مستوفى واختصر كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت وله كتاب العبادات في الفقه ~~على مذهب الإمام أحمد وأرجوزة في المقصور والممدود وأرجوزة في علم الخط ~~وغير ذلك وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير ~~الجزري في تاريخه الصغير الأتابكي في فصل حصار الملك محمد وزين الدين بغداد ~~وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة أن المقتفي لأمر الله جد في ~~حفظ بغداد وقام وزيره عون الدين بن هبيرة في هذا الأمر المقام الذي يعجز ~~عنه غيره قال وأمر المقتفي فنودي ببغداد من جرح وقت ms1707 القتال فله خمسة دنانير ~~فكان كل من جرح يوصل ذلك إليه فحضر بعض العامة عند الوزير مجروحا فقال ~~الوزير هذا جرح صغير لا تستحق عليه شيئا فعاد إلى القتال فضرب في جوفه ~~فخرجت أمعاؤه فعاد إلى الوزير فقال يا مولانا الوزير يرضيك هذا فضحك منه ~~وأمر له بصلة وأحضر له من يعالجه انتهى كلام ابن الأثير قلت وهذا محمد هو ~~ابن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي وزين الدين هو أبو الحسن علي بن ~~بكتكين المعروف بكجك والد مظفر الدين صاحب إربل وقال غير ابن الأثير إن ~~الملك اسمه محمد شاه وإن هذه القضية كانت في سنة اثنتين وخمسين والله أعلم ~~ذكر ذلك ابن الجوزي في كتاب شذور العقود وهو أخبر لأنها بلده وهو بها وقد ~~ذكرت محمد شاه في ترجمة أبيه وتوفي الإمام المقتفي لأمر الله أبو عبد الله ~~محمد بن المستظهر ليلة الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة ~~وبويع ولده المستنجد بالله أبو PageV06P234 # المظفر يوسف فدخل عليه وبايعه وأقره على وزارته وأكرمه ~~وكان خائفا منه أن يعزله فلم يعزله ولم يتعرض له ولم يزل مستمرا في وزارته ~~إلى حين وفاته ومدحه جماعة من أماثل شعراء عصره منهم أبو الفوارس سعد بن ~~محمد المعروف بابن صيفي الملقب حيص بيص المقدم ذكره وله فيه مدائح منتخبة ~~فمن ذلك قوله (يهز حديث الجود ساكن عطفه * كما هز شرب الحي صهباء قرقف) ~~(ويرسو إذا طاشت حبا القوم واغتدت * صعاب الذرا من زعزع الخطب ترجف) (صروم ~~الدنايا هاجر كل سبة * ولكنه بالمجد صب مكلف) (يضيق بأدنى العار ذرعا وصدره ~~* بأهوال ما يدني من الحمد نفنف) (إذا قيل عون الدين يحيى تألق الغمام * ~~وماس السمهري المثقف) وكانت عوائدهم في بغداد في شهر رمضان أن الأعيان ~~يحضرون سماط الخليفة عند الوزير وهم يسمون السماط الطبق وكان حيص بيص في ~~جملة من يحضر الطبق وكانت نفسه أبية وهمته عربية وإذا أحضروا الطبق تخطاه ~~وقعد فوقه من أرباب المراتب جماعة ليس فيهم فضل فيجد في ms1708 نفسه لذلك مشقة ~~عظيمة فكتب إلى الوزير عون الدين يستعفيه من الحضور (يا باذل المال في عدم ~~وفي سعة * ومطعم الزاد في صبح وفي غسق) (وحاشر الناس أغنتهم فواضله * إلى ~~مزيد من النعماء مندفق) (في كل بيت خوان من مكارمه * يميرهم وهو يدعوهم إلى ~~الطبق) (فاض النوال فلولا خوف منعمة * من بأس عدلك نادى الناس بالغرق) (وكل ~~أرض بها صوب وساكبة * حتى الوغى من نجيع الخيل والعرق) PageV06P235 # (صن منكبي عن زحام إن غضبت له * تمكن الطعن من عرضي ~~ومن خلقي) (وإن رضيت به فالذل منقصة * فكم تكلفته حملا فلم أطق) (أنا ~~المريض بأحداث وسورتها * وليس غير إبائي حافظ رمقي) (وهبه لي كعطاياك التي ~~كثرت * فالجود بالعز فوق الجود بالورق) (إن اصفرار مجن الشمس من حزن * على ~~علاها لمرماها إلى الأفق) (وإن توهم قوم أنه حمق * فربما اشتبه التوقير ~~بالحمق) وأهدي إلى الوزير عون الدين دواة بلور مرصعة بمرجان وفي مجلسه ~~جماعة منهم حيص بيص فقال الوزير يحسن أن يقال في هذه الدواة شيء من الشعر ~~فقال بعض الحاضرين وكان ضريرا ولم أقف على اسمه (ألين لداود الحديد كرامة * ~~يقدره في السرد كيف يريد) (ولان لك البلور وهي حجارة * ومعطفه صعب المرام ~~شديد) فقال حيص بيص إنما وصفت صانع الدواة ولم تصفها فقال الوزير من عير ~~غير فقال الحيص بيص (صيغت دواتك من يوميك فاشتبها * على الأنام ببلور ~~ومرجان) (فيوم سلمك مبيض بفيض ندى * ويوم حربك قان بالدم القاني) ثم وجدت ~~البيتين الأولين في كتاب الجنان تأليف القاضي الرشيد أحمد ابن الزبير ~~الغساني المذكور في أوائل هذا الكتاب ونسبهما إلى القاضي الرشيد أحمد بن ~~قاسم الصقلي قاضي مصر وذكر أنه دخل على الأفضل شاهان شاه أمير الجيوش بمصر ~~وقد تقدم ذكره أيضا فرأى بين يديه دواة من PageV06P236 # عاج محلاة بمرجان فقال بديها (ألين لداود الحديد كرامة ~~* يقدره في السرد كيف يريد) (ولان لك المرجان وهو حجارة * على أنه صعب ~~المرام شديد) ومدحه أبو عبد الله محمد بن بختيار المعروف بالأبله الشاعر ms1709 ~~المقدم ذكره بقصائد عديدة منها وهي أحسنها فلهذا ذكرتها (ولع النسيم وبانة ~~الجرعا * وصفاك إلا الحلي والودعا) (يا دمية ضاقت خلاخلها * عنها وضقت ~~بحبها ذرعا) (قد كنت ذا دمع وذا جلد * فبقيت لا جلدا ولا دمعا) (صيرت جسمي ~~للضنى سكنا * وسكنت بعد تبالة الجزعا) (يا من رأى أدماء سانحة * قلبي لها ~~لا المنحنى مرعى) (لاثت بمثل الغصن مئزرها * وجلت بعود أراكة طلعا) (وإذا ~~تراجعك الكلام فلا * تعدد لأيام الصبا رجعي) (ولقد سعت بالكأس تصبحني * ~~سكرى اللواحظ وعثة المسعى) (في مستنير الزهر ما صنعت * أبراده عدن ولا ~~صنعا) (باكرت مفترعا ثراه وما * ركب الحمام لبانة فرعا) (سلت عليه البارقات ~~ظبا * لبس الغدير لخوفها درعا) (يا عاذلي إن شئت تسمعني * عذلا فشق لصخرة ~~سمعا) (طبعا جبلت على الغرام كما * جبل الوزير على الندى طبعا) PageV06P237 # وخرج بعد هذا إلى المديح فأضربت عنه ولولا خوف الإطالة ~~لذكرته ومدحه أبو الفتح محمد بن عبد الله سبط ابن التعاويذي المقدم ذكره ~~بقصيدة واحدة وهي (سقاها الحيا من أربع وطلول * حكت دنفي من بعدهم ونحولي) ~~(ضمنت لها أجفان عين قريحة * من الدمع مدرار الشؤون همول) (لئن حال رسم ~~الدار عما عهدته * فعهد الهوى في القلب غير محيل) (خليلي قد هاج الغرام ~~وشاقني * سنا بارق بالأجرعين كليل) (ووكل طرفي بالسهاد تنظري * قضاء ملي ~~بالديون مطول) (إذا قلت قد أنحلت جسمي صبابة * تقول وهل حب بغير نحول) (وإن ~~قلت دمعي بالأسى فيك شاهدي * تقول شهود الدمع غير عدول) (فلا تعذلاني إن ~~بكيت صبابة * على ناقض عهد الوفاء ملول) (فأبرح ما يمنى به الصب في الهوى * ~~ملال حبيب أو ملام عذول) (ودون الكثيب الفرد بيض عقائل * لعبن بألباب لنا ~~وعقول) (غداة التقت ألحاظها وقلوبنا * فلم تجل إلا عن دم وقتيل) (ألا حبذا ~~وادي الأراك وقد وشت * برياك ريحا شمأل وقبول) (وفي أبرديه كلما اعتلت ~~الصبا * شفاء فؤاد بالغرام عليل) (دعوت سلوا فيك غير مساعدي * وحاولت صبرا ~~عنك غير جميل) (تعرفت أسباب الهوى وحملته * على كاهل للنائبات حمول) (فلم ~~أحظ في ms1710 حب الغواني بطائل * سوى رعي ليل بالغرام طويل) ومنها (إلى كم تمنيني ~~الليالي بماجد * رزين وقار الحلم غير عجول) PageV06P238 # (أهز اختيالا في هواه معاطفي * وأسحب تيها في ثراه ~~ذيولي) (لقد طال عهدي بالنوال وإنني * لصب إلى تقبيل كف منيل) (وإن ندى ~~يحيى الوزير لكافل * بها لي وعون الدين خير كفيل) وكان عون الدين كثيرا ما ~~ينشد (ما ناصحتك خبايا الود من أحد * ما لم ينلك بمكروه من العذل) (مودتي ~~لك تأبى أن تسامحني * بأن أراك على شيء من الزلل) وذكر الشيخ شمس الدين أبو ~~المظفر يوسف بن قزغلي بن عبد الله سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن ~~الجوزي في تاريخه الذي سماه مرآة الزمان ورأيته بدمشق في أربعين مجلدا ~~وجميعه بخطه وكان أبوه قزغلي مملوك عون الدين ابن هبيرة المذكور وزوجه بنت ~~الشيخ جمال الدين أبي الفرج المذكور فأولدها شمس الدين فولاؤه له أنه سمع ~~مشايخه ببغداد يحكون أن عون الدين قال كان سبب ولايتي المخزن أنني ضاق ما ~~بيدي حتى فقدت القوت أياما فأشار علي بعض أهلي أن أمضي إلى قبر معروف ~~الكرخي رضي الله عنه فأسأل الله تعالى عنده فإن الدعاء عنده مستجاب قال ~~فأتيت قبر معروف فصليت عنده ودعوت ثم خرجت لأقصد البلد يعني بغداد فاجتزت ~~بقطفتا قلت وهي محلة من محال بغداد قال فرأيت مسجدا مهجورا فدخلت لأصلي فيه ~~ركعتين وإذا بمريض ملقى على بارية فقعدت عند رأسه وقلت ما تشتهي فقال ~~سفرجلة قال فخرجت إلى بقال هناك فرهنت عنده مئزري على سفرجلتين وتفاحة ~~وأتيته بذلك فأكل من السفرجلة ثم قال أغلق باب المسجد فأغلقته فتنحى عن ~~البارية وقال احفر هاهنا فحفرت وإذا بكوز فقال خذ هذا فأنت أحق به فقلت أما ~~لك وارث فقال لا وإنما كان لي أخ وعهدي به بعيد وبلغني أنه مات ونحن من ~~الرصافة PageV06P239 # قال وبينا هو يحدثني إذ قضى نحبه فغسلته وكفنته ودفنته ~~ثم أخذت الكوز وفيه مقدار خمسمائة دينار وأتيت إلى دجلة لأعبرها وإذا بملاح ~~في سفينة عتيقة ms1711 وعليه ثياب رثة فقال معي معي فنزلت معه وإذا به من أكثر ~~الناس شبها بذلك الرجل فقلت من أين أنت فقال من الرصافة ولي بنات وأنا ~~صعلوك قلت فما لك أحد قال لا كان لي أخ ولي عنه زمان ما أدري ما فعل الله ~~به قال فقلت ابسط حجرك فبسطه فصببت المال فيه فبهت فحدثته الحديث فسألني أن ~~آخذ نصفه فقلت لا والله ولا حبة ثم صعدت إلى دار الخليفة وكتبت رقعة فخرج ~~عليها إشراف المخزن ثم تدرجت إلى الوزارة وقال جدي الشيخ أبو الفرج في كتاب ~~المنتظم وكان الوزير يسأل الله تعالى الشهادة ويتعرض لأسبابها وكان صحيحا ~~يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى من سنة ستين وخمسمائة فنام ليلة الأحد في ~~عافية فلما كان في وقت السحر قاء فأحضر طبيبا كان يخدمه فسقاه شيئا فيقال ~~إنه سمه فمات وسقي الطبيب بعده بنحو ستة أشهر سما فكان يقول سقيت كما سقيت ~~ومات الطبيب وقال في المنتظم أيضا وكنت ليلة مات الوزير نائما على سطح مع ~~أصحابي فرأيت في المنام كأني في دار الوزير وهو جالس فدخل رجل بيده حربة ~~قصيرة فضربه بها بين أنثييه فخرج الدم كالفوارة فضرب الحائط فالتفت فإذا ~~بخاتم من ذهب ملقى فأخذته وقلت لمن أعطيه أنتظر خادما يخرج فأعطيه إياه ~~وانتبهت وحدثت أصحابي بالرؤيا فلم أستتم الحديث حتى جاء رجل فقال مات ~~الوزير فقال بعض الحاضرين هذا محال أنا فارقته أمس العصر وهو في كل عافية ~~وجاء آخر وصح الحديث وقال لي ولده لا بد أن تغسله فأخذت في غسله ورفعت يده ~~لأغسل مغابنه قلت PageV06P240 # المغابن مطاوي البدن مثل الإبط وغيره واحدها مغبن بفتح ~~الميم وكسر الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة قال فسقط الخاتم من يده فحين ~~رأيت الخاتم تعجبت من المنام قال ورأيت في وقت غسله آثارا في وجهه وجسده ~~تدل على أنه مسموم فلما خرجت جنازته غلقت أسواق بغداد ولم يتخلف عن جنازته ~~أحد وصلي عليه في جامع القصر وحمل إلى باب البصرة فدفن ms1712 في مدرسته التي ~~أنشأها وقد دثرت الآن ورثاه جماعة من الشعراء انتهى كلام أبي الفرج ابن ~~الجوزي وقال مؤلف سيرة الوزير المذكور إن سبب موته كان بلغما ثار بمزاجه ~~وقد خرج مع المستنجد للصيد فسقي مسهلا فقصر عن استفراغه فدخل إلى بغداد يوم ~~الجمعة سادس جمادى الأولى راكبا متحاملا إلى المقصورة لصلاة الجمعة فصلى ~~بها وعاد إلى داره فلما كان وقت صلاة الصبح عاوده البلغم فوقع مغشيا عليه ~~فصرخ الجواري فأفاق فسكتهن وبلغ الخبر ولده عز الدين أبا عبد الله محمدا ~~وكان ينوب عنه في الوزارة فبادر إليه فلما دخل عليه قال له قد بث أستاذ ~~الدار عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس ~~الرؤساء المعروف بابن المسلمة جماعة ليستعلم ما هذا الصياح فتبسم الوزير ~~على ما هو عليه من تلك الحال وأنشد (وكم شامت بي عند موتي جهالة * بظلم يسل ~~السيف بعد وفاتي) (ولو علم المسكين ما ذا يناله * من الضر بعدي مات قبل ~~مماتي) ثم تناول مشروبا فاستفرغ به ثم استدعى بماء فتوضأ للصلاة وصلى قاعدا ~~فسجد فأبطأ عن القعود من السجود فحركوه فإذا هو ميت فطولع به الإمام ~~المستنجد فأمر بدفنه PageV06P241 # وخلف ولدين أحدهما عز الدين المذكور والآخر شرف الدين ~~أبو الوليد مظفر وأما مولده فقد ذكر أبو عبد الله محمد بن القادسي في تاريخ ~~الوزراء أنه ولد في سنة سبع وتسعين وأربعمائة على ما ذكره من لفظه رحمه ~~الله تعالى قال بعضهم رأيته في المنام بعد موته فسألته عن حاله فقال (قد ~~سئلنا عن حالنا فأجبنا * بعد ما حال حالنا وحجبنا) (فوجدنا مضاعفا ما كسبنا ~~* ووجدنا ممحصا ما اكتسبنا) ولما بلغ خبر موته عضد الدين ابن المظفر أستاذ ~~الدار المذكور كان بحضرته سبط ابن التعاويذي المذكور قبل هذا وهو من موالي ~~بني المظفر فإن أباه كان مملوكا لبعض بني المظفر واسمه نشتكين فسماه ابنه ~~عبد الله فأراد سبط ابن التعاويذي أن يتقرب إلى عضد الدين لعلمه ما بينه ms1713 ~~وبين الوزير فأنشد مرتجلا (قال لي والوزير قد مات قوم * قم لنبكي أبا ~~المظفر يحيى) (قلت أهون عندي بذلك رزأ * ومصابا وابن المظفر يحيا) وقال آخر ~~ولا أذكر اسمه الآن لكنه من الشعراء المشاهير (أيا رب مثل الماجد ابن هبيرة ~~* يموت ويحيا مثل يحيى بن جعفر) (يموت بيحيى كل فضل وسؤدد * ويحيا بيحيى كل ~~جهل ومنكر) والمقصود أن محاسنه كانت كثيرة وقد أطلت هذه الترجمة حتى ~~استوفيت مقاصدها ورأيت في كتاب النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس تأليف ~~أبي الخطاب ابن دحية غلطة أحببت التنبيه عليها في هذا الكتاب كي لا يقف ~~عليها PageV06P242 # أحد فيظنه مصيبا فيما ذكره وهو أنه قال في خلافة ~~المقتفي لأمر الله ما مثاله وسعد بوزيره أبي المظفر عون الدين يحيى بن محمد ~~بن هبيرة من ولد الأمير الكبير أبي حفص عمر بن هبيرة وقد ذكر المؤرخون ~~فضائل جده التي حازها عون الدين من بعده ثم ذكر مكرمة جرت لعمر بن هبيرة ~~الفزاري أمير العراقين في دولة بني أمية وظن ابن دحية المذكور أن الوزير ~~المذكور من ذرية ذلك المتقدم وعجبت منه من ذلك فإن الوزير شيباني النسب كما ~~شرحناه في أول الترجمة وذاك فزاري النسب كما يأتي في ترجمة ولده يزيد بن ~~عمر ابن هبيرة إن شاء الله تعالى وأين شيبان من فزارة ولا شك أنه ما أوقعه ~~في هذا الأمر إلا ما رآه في نسب الوزير فقد جاء فيه عمر بن هبيرة فتوهم أن ~~هذا هو ذاك وليس الأمر كما توهمه ومثل ابن دحية لا يعذر فقد كان حافظا ~~ومطلعا على أمور الناس وهذا الأمر واضح لكن الخطأ موكل بالإنسان (327) قلت ~~وأكثر من جرى ذكره في هذه الترجمة قد تقدم ذكره في هذا التاريخ وأفردت لكل ~~واحد منهم بترجمة مستقلة سوى الشيخ الزبيدي فإنه كان كبير القدر يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر وما انتفع الوزير إلا بصحبته وما ذكرته في هذا ~~التاريخ فينبغي التنبيه عليه إذ مثله لا يهمل وكان دخوله بغداد في سنة ms1714 تسع ~~وخمسمائة وتوفي في شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة رحمه الله تعالى ~~وقال أبو عبد الله ابن النجار في تاريخ بغداد كان مولده بزبيد في ليلة ~~الأربعاء الثاني والعشرين من المحرم سنة ستين وأربعمائة وتوفي ليلة الاثنين ~~مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة ودفن بمقبرة جامع المنصور ~~ببغداد رحمه الله تعالى وقول الآخر (أيا رب مثل الماجد ابن هبيرة * يموت ~~ويحيا مثل يحيى بن جعفر) 328) فالمراد به أبو الفضل يحيى بن أبي القاسم عبد ~~الله بن محمد بن المعمر ابن جعفر الملقب زعيم الدين تولى النظر بالمخزن في ~~جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة إلى سنة سبع وستين ففيها ناب في ~~الوزارة بعد عزل PageV06P243 # أبي الفرج ابن المظفر ولم يزل على ذلك إلى أن توفي ~~وكان مشكورا محمود الطريقة محبا لأهل العلم وكانت ولادته ليلة الجمعة بعد ~~العشاء الأخير التاسع والعشرين من صفر سنة إحدى عشرة وخمسمائة وتوفي ليلة ~~العشرين من شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد ودفن من الغد في ~~الحربية بتربة له رحمه الله تعالى 808 ابن زبادة أبو طالب يحيى بن أبي ~~الفرج سعيد بن أبي القاسم هبة الله بن علي بن فرغلي ابن زبادة الشيباني ~~الكاتب المنشيء الواسطي الأصل البغدادي المولد والدار والوفاة الملقب قوام ~~الدين وقيل عميد الدين كان من الأعيان الأماثل والصدور الأفاضل انتهت إليه ~~المعرفة بأمور الكتابة والإنشاء والحساب مع مشاركته في الفقه وعلم الكلام ~~والأصول وغير ذلك وله النظم الجيد جالس أبا منصور ابن الجواليقي وقرأ عليه ~~وعلى من بعده وسمع الحديث من جماعة وخدم الديوان من صباه إلى أن توفي عدة ~~خدمات وكان مليح العبارة في الإنشاء جيد الفكرة حلو الترصيع لطيف الإشارة ~~وكان الغالب عليه في رسائله العناية بالمعاني أكثر من طلب التسجيع وله ~~رسائل بليغة وشعر رائق وفضله أشهر من أن يذكر PageV06P244 # وتولى النظر بديوان البصرة وواسط والحلة ولم يزل على ~~ذلك إلى أن طلب من واسط والحلة ولم يزل على ذلك إلى المحرم ms1715 سنة خمس وسبعين ~~وخمسمائة ورتب حاجبا بباب النوبي وقلد النظر في المظالم ثم عزل عن ذلك في ~~شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين ثم أعيد إليه في جمادى الأولى سنة اثنتين ~~وثمانين فلما قتل أستاذ الدار وهو مجد الدين أبو الفضل هبة الله بن علي بن ~~هبة الله بن محمد بن الحسن المعروف بابن الصاحب وكان قتله يوم السبت تاسع ~~عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ترتب ابن زبادة المذكور مكانه ثم ~~عزل في سنة خمس وثمانين وعاد إلى واسط فأقام بها إلى أن استدعي في شهر ~~رمضان سنة اثنتين وتسعين وقلد ديوان الإنشاء في يوم الاثنين الثاني ~~والعشرين من شهر رمضان ثم رد إليه النظر في ديوان المقاطعات فكان على ذلك ~~إلى حين وفاته وكان حسن السيرة محمود الطريقة متدينا حدث بشيء يسير وكتب ~~الناس عنه كثيرا من نظمه ونثره فمن ذلك قوله (باضطراب الزمان ترتفع الأنذال ~~فيه حتى يعم البلاء *) (وكذا الماء ساكنا فإذا حرك ثارت من قعره الأقذاء *) ~~وله أيضا (إني لأعظم ما تلقونني جلدا * إذا توسطت هول الحادث النكد) (كذلك ~~الشمس لا تزداد قوتها * إلا إذا حصلت في زبرة الأسد) وكتب إلى الإمام ~~المستنجد يهنيه بالعيد (يا ماجدا جل قدرا أن نهنيه * لنا الهناء بظل منك ~~ممدود) PageV06P245 # (الدهر أنت ويوم العيد منك وما * في العرف أنا نهني ~~الدهر بالعيد) وله أيضا (إن كنت تسعى للسعادة فاستقم * تنل المراد ولو سموت ~~إلى السما) (ألف الكتابة وهو بعض حروفها * لما استقام على الجميع تقدما) ~~وله أيضا (لا تغبطن وزيرا للملوك وإن * أناله الدهر منهم فوق همته) (واعلم ~~بأن له يوما تمور به الأرض * الوقور كما مارت لهيبته) (هارون وهو أخو موسى ~~الشقيق له * لولا الوزارة لم يأخذ بلحيته) وله كل معنى مليح وله ديوان ~~رسائل وقفت عليه في بلادنا ولم يحضرني شيء منه كي أثبته هاهنا وقال أبو عبد ~~الله محمد بن سعيد الدبيثي في تاريخه أنشدنا أبو طالب يحيى ابن سعيد بن هبة ~~الله يعني ابن ms1716 زبادة المذكور من حفظه قال أنشدني أبو بكر أحمد بن محمد ~~الأرجاني لما قدم بغداد علينا في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة لنفسه قلت وهو ~~ناصح الدين أبو بكر أحمد الأرجاني المقدم ذكره قوله (ومقسومة العينين من ~~دهش النوى * وقد راعها بالعيس رجع حداء) (تجيب بإحدى مقلتيها تحيتي * وأخرى ~~تراعي أعين الرقباء) (رأت حولها الواشين طافوا فغيضت * لهم دمعها واستعصمت ~~بحياء) (فلما بكت عيني غداة وداعهم * وقد روعتني فرقة القرناء) (بدت في ~~محياها خيالات أدمعي * فغاروا وظنوا أن بكت لبكائي) PageV06P246 # وكتب إليه أبو الغنائم محمد بن علي المعروف بابن ~~المعلم الهرثي الشاعر المقدم ذكره وقد عزل عن نظر واسط (ولأنت إن لم يبلل ~~الغيث الثرى * تروي الورى بسماحك الهتان) (لم يعزلوك عن البلاد لحالة * ~~تدعو إلى النقصان والشنآن) (بل مذ رأوا آثار جودك زاخرا * حفظوا بلادهم من ~~الطوفان) قلت وحكى لي الوجيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف ~~باب سويد التاجر التكريتي قال كان الشيخ محيي الدين أبو المظفر يوسف بن ~~الحافظ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي الواعظ المشهور قد توجه رسولا من ~~بغداد إلى الملك العادل بن الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب سلطان ~~مصر في ذلك الوقت وكان أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل ~~محبوسا في قلعة الكرك يومئذ وقد شرحت ذلك في ترجمة الكامل في هذا التاريخ ~~قال الوجيه فلما عاد محيي الدين راجعا إلى بغداد وقدم دمشق كنت بها فدخلت ~~عليه أنا والشيخ أصيل الدين أبو الفضل عباس بن عثمان ابن نبهان الإربلي ~~وكان رئيس التجار في عصره وجلسنا نتحدث معه فقال قد حلفت الملك الناصر داود ~~صاحب الكرك أن لا يخرج الملك الصالح من الحبس إلا بأمر أخيه الملك العادل ~~قال فقال له الأصيل يا مولانا هذا بأمر الديوان العزيز فقال محيي الدين وهل ~~هذا يحتاج إلى إذن هذا اقتضته المصلحة ولكن أنت تاريخ يا أصيل فقال يعني ~~مولانا أني قد كبرت وما أدري ما أقول وأنا ms1717 أحكي لمولانا حكاية في هذا ~~المعنى أعرفها من غرائب الحكايات قال هات فقال كان ابن رئيس الرؤساء ناظر ~~واسط يحمل في كل شهر حمل واسط وهو ثلاثون ألف دينار لا يمكن أن يتأخر يوما ~~واحدا عن العادة فتعذر في بعض الأشهر كمال الحمل فضاق صدره لذلك وذكره ~~PageV06P247 # لنوابه فقالوا له يا مولانا هذا ابن زبادة عليه من ~~الحقوق أضعاف ذلك ومتى حاسبته قام بما يتم الحمل وزيادة فاستدعاه وقال له ~~لم لا تؤدي كما يؤدي الناس فقال أنا معي خط الإمام المستنجد بالمسامحة قال ~~هل معك خط مولانا الإمام الناصر قال لا قال قم واحمل ما يجب عليك قال ما ~~ألتفت إلى أحد ولا أحمل شيئا ونهض من المجلس فقال النواب لابن رئيس الرؤساء ~~أنت صاحب الوسادتين وناظر النظار وما على يدك يد ومن هو هذا حتى يقابلك ~~بمثل هذا القول ولو كبست داره وأخذت ما فيها ما قال لك أحد شيئا وحملوه ~~عليه حتى ركب بنفسه وأجناده وكان ابن زبادة يسكن قبالة واسط وقدموا إلى ابن ~~رئيس الرؤساء السفن حتى يعبر إليه وإذا بزبزب قد قدم من بغداد فقال ما قدم ~~هذا إلا في مهم ننظر ما هو ثم نعود إلى ما نحن بسببه فلما دنا من الزبزب ~~فإذا فيه خدم من خدام الخليفة فصاحوا به الأرض الأرض فقبل الأرض وناولوه ~~مطالعة وفيها قد بعثنا خلعة ودواة لابن زبادة فتحمل الخلعة على رأسك ~~والدواة على صدرك وتمشي راجلا إليه وتلبسه الخلعة وتجهزه إلينا وزيرا فحمل ~~الخلعة على رأسه والدواة على صدره ومشى إليه راجلا فلما رآه ابن زبادة ~~أنشده ابن رئيس الرؤساء (إذا المرء حي فهو يرجي ويتقي * وما يعلم الإنسان ~~ما في المغيب) وأخذ يعتذر إليه فقال له ابن زبادة لا تثريب عليكم اليوم ~~وركب في الزبزب إلى بغداد وما علموا أن أحدا أرسلت إليه الوزارة غيره فلما ~~وصل إلى بغداد كان أول ما نظر فيه أن عزل ابن رئيس الرؤساء عن نظر واسط قال ~~هذا ما يصلح ms1718 لهذا المنصب ثم قال الأصيل ولا يأمن مولانا أن يخرج الملك ~~الصالح ويملك ويعود إليه رسولا ويقع وجهك في وجهه وتستحي منه فأنشده محيي ~~الدين قوله (وحتى يؤوب القارظان كلاهما * وينشر في الموتى كليب لوائل) فما ~~كان إلا مديدة حتى خرج الملك الصالح من حبس الكرك وملك مصر وكان ما كان قلت ~~وكنت بمصر ومحيي الدين بها رسول إلى الملك PageV06P248 # العادل وقبض العادل وجاء الصالح فخرج محيي الدين ~~التقاه وشاهدت ذلك هكذا ذكر لي الوجيه هذه الحكاية وفيها غلط إما من الوجيه ~~أو من الأصيل فإن ابن زبادة ما ولي الوزارة ولا تولى إلا ما ذكرته في أوائل ~~ترجمته فإن كان هذا صحيحا فيكون ذلك لما طلب للإنشاء كما شرحته والله أعلم ~~بالصواب قال ابن الدبيثي المذكور سألت أبا طالب ابن زبادة عن مولده فقال ~~ولدت يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ~~وتوفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة ~~وصلي عليه بجامع القصر ودفن بالجانب الغربي بمشهد الإمام موسى بن جعفر رضي ~~الله عنهما يعني ببغداد وزبادة بفتح الزاي هو القطعة من الزباد الذي يتطيب ~~النسوان به والله أعلم 809 يحيى بن نزار المنبجي أبو الفضل يحيى بن نزار بن ~~سعيد المنبجي ذكره الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن السمعاني في كتاب الذيل ~~على تاريخ الخطيب المختص ببغداد فقال له شعر مطبوع غير متكلف وكتب لي ~~أبياتا من شعره وسمعت منه وسألته عن مولده فقال ولدت في المحرم من سنة ست ~~وثمانين وأربعمائة بمنبج وأورد له مقاطيع أنشده إياها فمن ذلك قوله ~~PageV06P249 # (وأغيد غض زاد خط عذاره * لعاشقه في همه والبلابل) ~~(تموج بحار الحسن في وجناته * فتقذف منها عنبرا في السواحل) (وتجري بخديه ~~الشبيبة ماءها * فتنبت ريحانا جنوب الجداول) قلت وقد خطر لي على هذا مأخذ ~~وهو أنه جعل في البيت الثاني بحار الحسن تموج في وجناته فكيف يقول في البيت ~~الثالث وتجري بخديه الشبيبة ماءها وما مقدار ماء الشبيبة بالنسبة ms1719 إلى بحار ~~الحسن وما كفى هذا حتى جعلها جداول والجداول الأنهار وأين الأنهار من ~~البحار ثم إنه في البيت الثاني قد شبه العذار بالعنبر فكيف يجعله في البيت ~~الثالث ريحانا وأين العنبر من الريحان وإن كان كل واحد من العنبر والريحان ~~قد جرت عادة الشعراء أن يشبهوا به العذار ولكن في مقطوع واحد من الشعر ما ~~لهم عادة يجمعون بينهما وكنت قد سمعت في زمن الاشتغال بالأدب بيتين ~~استحسنتهما ولم أعرف قائلهما وهما (يا عاذلي في حب ذي عارض * ما البلد ~~المخصب كالماحل) (يموج بحر الحسن في خده * فيقذف العنبر في الساحل) فلما ~~كان في أوائل سنة اثنتين وسبعين وستمائة وقفت بالقاهرة المحروسة على مجلد ~~من كتاب السيل والذيل تأليف عماد الدين الكاتب الأصبهاني وقد جعله ذيلا على ~~كتابه خريدة القصر فرأيت فيه ترجمة يحيى بن نزار المنبجي المذكور وقد ذكر ~~له مقدار عشرة أبيات يمدح بها السلطان نور الدين محمود ابن زنكي رحمه الله ~~تعالى وفي جملة الأبيات البيت الثاني من هذين البيتين فعلمت أن الذي نظم ~~ذلك المعنى في البيت الثاني من الثلاثة هو الذي نظم هذين البيتين في هذه ~~الأبيات التي ذكرها في كتاب السيل ثم بعد ذلك بقليل جاءني صاحبنا جمال ~~الدين أبو المحاسن يوسف بن أحمد المعروف بالحافظ اليغموري PageV06P250 # فتذاكرنا وجرى ذكر البيتين وقال إنهما لعماد الدين أبي ~~المناقب حسام ابن عزى بن يونس المحلي نزيل دمشق وذكر أنه سمعهما منه ~~وادعاهما لنفسه فقلت له البيت الذي فيه المعنى ليس له بل هو ليحيى بن نزار ~~المنبجي ويكون العماد المحلي قد نظم البيت الأول وجعله توطئة للثاني ~~واستعمله على وجه التضمين كما جرت العادة في مثله لكنه كان ينبغي أن ينبه ~~على أنه تضمين كي لا يعتقد من يقف عليهما أنهما له فإن البيت الأول ليس في ~~جملة أبيات يحيى المنبجي التي مدح بها نور الدين رحمه الله تعالى ثم من بعد ~~ذلك خطرت لي مؤاخذة على العماد المحلي فإنه قال في بيته الذي جعله ms1720 توطئة ~~للثاني (ما البلد المخصب كالماحل *) والخصب والمحل إنما يكون بسبب النبات ~~وعدمه والبيت الثاني الذي هو التضمين شبه العذار بالعنبر وأين النبات من ~~العنبر فالتوطئة بين البيتين ليست بملائمة وهذه المؤاخذة مثل المؤاخذة ~~المتقدمة على الأبيات الثلاثة وكنت وقفت على بيتين للعماد المحلي المذكور ~~أيضا أنشدنيهما عنه جماعة وهما (قيل لي من هويت قد عبث الشعر * بخديه قلت ~~ما ذاك عاره) (جمرة الخد أحرقت عنبر الخال * فمن ذلك الدخان عذاره) وسنح لي ~~عليهما مؤاخذة مثل المؤاخذة المذكورة وهي أنه لما قيل له إن الشعر عبث ~~بخديه ما أنكر ذلك بل قال ما ذاك عاره فقد وافق على أنه شعر غاية ما في ~~الباب أنه قال هذا الشعر ما هو عاره فكيف يقول بعد هذا جمرة الخد أحرقت ~~عنبر الخال إلى آخره فجعل العذار دخان العنبر وأين دخان العنبر من الشعر بل ~~كان ينبغي أن يقول لهم هذا ما هو شعر بل هو دخان العنبر حتى يتم له المعنى ~~وقد نظم صاحبنا ورفيقنا في الاشتغال بحلب عون الدين أبو الربيع سليمان ابن ~~بهاء الدين عبد المجيد ابن العجمي الحلبي بيتين ألم فيهما بهذا المعنى وهما ~~PageV06P251 # (لهيب الخد حين بدا لعيني * هوى قلبي عليه كالفراش) ~~(فأحرقه فصار عليه خالا * وها أثر الدخان على الحواشي) وقد أحسن في هذا ~~المعنى وخلص من تلك المؤاخذة لكن وقع في مؤاخذة أخرى وهي أنه جعل العذار ~~دخان احتراق قلبه والعماد جعله دخان عنبر الخال وبين الدخانين بون كبير ~~فهذا طيب الرائحة وذاك كريه الرائحة وقد سبق في ترجمة عبد الله بن صارة ~~الشنتريني بيتان أبدع فيهما وهما (ومهفهف رقت حواشي حسنه * فقلوبنا وجدا ~~عليه رقاق) (لم يكس سالفه العذار وإنما * نفضت عليه صباغها الأحداق) والأصل ~~في هذا الباب كله قول أبي إسحاق إبراهيم الصابي الكاتب في غلامه الأسود ~~واسمه يمن وقد سبق ذكر الأبيات في ترجمته من هذا الكتاب والمقصود منها ~~هاهنا قوله في أولها (لك وجه كأن يمناي خطته * بلفظ تمله آمالي) (فيه معنى ms1721 ~~من البدور ولكن * نفضت صبغها عليه الليالي) وبيتا عون الدين فيهما إلمام ~~بقول أبي الحسين أحمد بن منبر الطرابلسي المقدم ذكره (لا تخالوا الخال يعلو ~~خده * قطرة من دم جفني نطفت) (ذاك من نار فؤادي جذوة * فيه ساخت وانطفت ثم ~~طفت) قلت وقد خرجنا عن المقصود وانتشر الكلام لكن ما خلا من فائدة ~~PageV06P252 # وقال أبو سعد السمعاني أيضا أنشدني يحيى بن نزار ~~المنبجي لنفسه (لو صد عني دلالا أو معاتبة * لكنت أرجو تلافيه وأعتذر) (لكن ~~ملالا فلا أرجو تعطفه * جبر الزجاج عسير حين ينكسر) وله غير هذا نظم مليح ~~ومعان لطيفة وقال أبو الفرج صدقة بن الحسين بن الحداد في تاريخه المرتب على ~~السنين ما مثاله سنة أربع وخمسين وخمسمائة في ليلة الجمعة سادس ذي الحجة ~~مات يحيى بن نزار المنبجي ببغداد ودفن بالوردية قيل إنه وجد في أذنه ثقلا ~~فاستدعى إنسانا من الطرقية فامتص أذنه فخرج شيء من مخه فكان سبب موته رحمه ~~الله تعالى وقال السمعاني هو أخو أبي الغنائم التاجر المعروف وذكر أبا ~~الغنائم ووصفه وأثنى عليه في ترجمة مستقلة في كتاب الذيل أيضا رحمه الله ~~تعالى (329) وأما العماد المحلي فإنه كان أديبا لطيفا على ما يحكى عنه من ~~النوادر وله نظم مليح في المقطعات دون القصائد وكان يحفظ المقامات وشرحها ~~وتوفي ليلة الأربعاء عاشر شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وستمائة بدمشق ~~ودفن بمقابر الصوفية وعرف بابن الجمال وولد في سنة ستين وخمسمائة تقديرا ~~بقوص ونشأ بالمحلة فنسب إليها ثم وجدت في مسوداتي بخطي بيتا منسوبا إلى ~~الوجيه أبي الحسن علي بن يحيى بن الحسين بن أحمد المعروف بابن الذروي ~~الأديب الشاعر وهو (عذاره دخان ند خاله * وريقه من ماء ورد خده) ثم وجدت ~~منسوبا إلى ابن سناء الملك المقدم ذكره والصحيح أنها لأسعد PageV06P253 # ابن مماتي المقدم ذكره أيضا (سمراء قد أزرت بكل أسمر * ~~بلونها ولينها وقدها) (أنفاسها دخان ند خالها * وريقها من ماء ورد خدها) ~~(لو كتب البدر إلى خدمتها * ملطفا ترجمه بعبدها) ورأيت للمهذب ms1722 أبي نصر محمد ~~بن محمد بن إبراهيم بن الخضر الحلبي المعروف بابن البرهان الحاسب المنجم ~~الطبري (ومهفهف راقت نضارة وجهه * فالعين تنظر منه أحسن منظر) (أصلى بنار ~~الخد عنبر خاله * فبدا العذار دخان ذاك العنبر) فعلمت أن العماد المحلى ~~إنما أخذ ذلك المعنى من أحد هؤلاء والله سبحانه وتعالى أعلم 810 تاج الدين ~~ابن الجراح أبو الحسين يحيى بن أبي علي منصور بن الجراح بن الحسين بن محمد ~~بن داود بن الجراح المصري وهذه الزيادة في نسبه وجدتها بخط بعض الأدباء ولا ~~أتحققها والأول أصح الكاتب المنعوت تاج الدين كتب في ديوان PageV06P254 # الإنشاء بالديار المصرية مدة طويلة وكتب الكثير وكان ~~خطه في غاية الجودة وكان فاضلا أديبا متقنا له فطرة حسنة وشعر فائق ورسائل ~~أنيقة سمع الحديث بثغر الإسكندرية المحروسة على الحافظ أبي طاهر السلفي ~~وأبي الثناء حماد بن هبة الله الحراني وحدث وسمع الناس عليه وله لغز في ~~الدملج الذي تلبسه النساء وهو بديع في بابه فأحببت ذكره وهو نثر ما شيء ~~قلبه حجر ووجه قمر إن نبذته صبر واعتزل البشر وإن أجعته رضي بالنوى وانطوى ~~على الخوى وإن أشبعته قبل قدمك وصحب خدمك وإن غلفته ضاع وإن أدخلته السوق ~~أبى أن يباع وإن أظهرته جمل المتاع وأحسن الإمتاع وإن شددت ثانيه وحذفت منه ~~القافية كدر الحياة وأوجب التخفيف في الصلاة وأحدث في وقت العصر الضجر ووقت ~~الفجر الخدر وجمع بين حسن العقبى وقبح الأثر هذا وإن فصلته دعا لك وأبقى ما ~~إن ركبته هالك وربما بلغك آمالك وكثر مالك وأحسن بعون المساكين مالك ~~والسلام قلت وهذا اللغز قد يقف عليه من لا يعرف طريق حله فيعسر عليه تفسيره ~~فيحتاج إلى الإيضاح فأقول أما قول ما شيء قلبه حجر فمراده قلب حروف دملج ~~فإنا إذا قلبنا هذه الحروف يخرج منها جلمد وهو الحجر وقوله ووجهه قمر يريد ~~أنه مستدير كالقمر وقوله إن نبذته صبر واعتزل البشر فالبشر جمع بشرة ~~فالإنسان إذا ألقى الدملج عنه صبر واعتزل بشرته إذ ليس ms1723 فيه أهلية المنع فهو ~~يصبر ويعتزل المكان الذي كان فيه وقوله وإن أجعته رضي بالنوى فالنوى لفظ ~~مشترك يقع على البعد وعلى نوى التمر وعادتهم في بلاد العراق أن يطحنوا نوى ~~التمر والرطب والبسر ويعلفوا به البقر وقصد هاهنا هذه التورية فإن الدملج ~~إذ أخرج من العضد أو من الساق فقد جاع لأنه يكون فارغ الجوف ويرضى بالنوى ~~الذي هو البعد عن عضو صاحبه ويقولون فلان يرضى بالنوى إذا كان فقيرا لا يجد ~~ما يتبلغ به فهو يجتزىء بمص النوى وهذا يفعله أهل PageV06P255 # الحجاز والبلاد المجدبة كثيرا لقلة الأقوات عندهم فقد ~~استعمل صاحب هذا اللغز لفظة النوى في هذين المعنيين وهذه هي التورية وقوله ~~وانطوى على الخوى فالخوى هو الخلو وإذا كان فارغ الجوف فهو خاو وقوله وإن ~~أشبعته قبل قدمك مراده بالإشباع هنا لبس الدملج فإن صاحبه إذا لبسه فقد ملأ ~~جوفه ويكون فوق القدم فكأنه يقبله وقوله وصحب خدمك فيه تورية أيضا فإن ~~الخدم جمع خادم وهذا الجمع قليل الاستعمال لهذا الواحد فإنه لا يقال فاعل ~~وجمعه فعل إلا في ألفاظ مسموعة مثل خادم وخدم وغائب وغيب وحارس وحرس وجامد ~~وجمد وغير ذلك فهو موقوف على السماع وخدم جمع خدمة أيضا وهو سير يشد في رسغ ~~البعير تشد إليه سريحة النعل وبه سمي الخلخال خدمة لأنه ربما كان من سيور ~~يركب فيه الذهب والفضة ويجمع على خدام أيضا وقوله وإن غلفته ضاع هذا فيه ~~تورية أيضا فإن التغليف أن يجعل للشيء غلافا والتغليف استعمال الطيب أيضا ~~وقوله ضاع فيه تورية أيضا فإنه يقال ضاع الشيء من الضياع وضاع الطيب إذا ~~عبقت رائحته وقوله وإن أدخلته السوق أبى أن يباع فالسوق جمع ساق وفيه ~~التورية أيضا لأن السوق موضع البيع والشراء والسوق كما ذكرناه وقوله أبى أن ~~يباع لأن العادة أنه لا يباع إلا إذا أخرج من العضو الذي هو فيه ولا يباع ~~قبل إخراجه فكأنه قبل الإخراج أبى البيع وقوله وإن أظهرته جمل المتاع وأحسن ~~الإمتاع فهذا ظاهر ms1724 لا حاجة له إلى تفسير وقوله وإن شددت ثانيه وهو الميم ~~وحذفت منه القافية وهي الجيم فيبقى الدمل وهو يكدر الحياة بألمه ويوجب ~~التخفيف في الصلاة للألم أيضا وقوله وأحدث في وقت العصر الضجر فالعصر فيه ~~التورية أيضا لأنه اسم للصلاة وهو مصدر لفعل عصر وكذلك الفجر لأنه اسم ~~للصبح وهو مصدر لفعل فجر فالإنسان في وقت عصر الدمل يحصل له الضجر والقلق ~~وإذا فجره وخلص منه حصل له الخدر والراحة وقوله وجمع بين حسن العقبى وقبح ~~الأثر فقصد المقابلة بين الحسن والقبح ولا شك أن عقبى انفجار الدمل حسنة ~~وإن كان الأثر الذي يبقى في المكان قبيحا وقوله PageV06P256 # وإن فصلته دعا لك معناه أنك إذا فصلت أحد النصفين من ~~لفظ الدملج من النصف الآخر فالنصف الأول منه دم وهو دعاء للإنسان بالدوام ~~وقوله وأبقى ما إن ركبته هالك فالباقي منه لج واللج هو لج البحر وإن كان ~~النصف من الدملج مخففا ولج البحر مشددا لكنهم يغتفرون مثل هذا في الألغاز ~~والتصاحيف والأحاجي ولا يبالون به ولا شك أن ركوب البحر أمر هائل فلهذا قال ~~هالك وربما بلغك آمالك لأنه يوصل الإنسان إلى الموضع الذي يقصده وقوله وكثر ~~مالك معناه إذا ركبه الإنسان للتجارة وقوله وأحسن بعون المساكين مآلك فعون ~~المساكين هو السفينة كما قال الله تعالى * (أما السفينة فكانت لمساكين ~~يعملون في البحر) * الكهف 79 فهي عون لهم على حاجتهم وسد خلتهم ومآل الشيء ~~عاقبة أمره والله تعالى أعلم قلت وفي اللغز ثماني لغات لغز بضم اللام وسكون ~~الغين ولغز بضمهما ولغز بضم اللام وفتح الغين ولغز بفتح اللام وسكون الغين ~~ولغز بفتحهما وألغوزة بضم الهمزة وسكون اللام وضم الغين ولغيزي بضم اللام ~~وتشديد الغين مع القصر ولغيزاء مثل الأول إلا أن الغين مخففة ومفتوحة ~~والألف ممدودة والله أعلم وقد طال الكلام لكن الحاجة دعت إليه كي لا يبقى ~~فيه التباس على سامعه ورأيت في مجموع بخط بعض الفضلاء بيتين منسوبين إليه ~~وهما هذان (أمد كفي إلى البيضاء أقلعها ms1725 * من لحيتي فتفديها بسوداء) (هذي ~~يدي وهي مني لا تطاوعني * على مرادي فما ظني بأعدائي) وكانت ولادة المذكور ~~في ليلة السبت خامس عشر شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وتوفي في خامس ~~شعبان سنة ست عشرة وستمائة بدمياط والعدو المخذول محاصرها رحمه الله تعالى ~~وجراح بفتح الجيم وتشديد الراء وبعد الألف حاء مهملة ثم إن العدو ملك دمياط ~~يوم الثلاثاء السابع والعشرين من الشهر المذكور والله أعلم PageV06P257 # ونقلت من خط الشيخ مهذب الدين أبي طالب محمد بن علي ~~اللغوي المعروف بابن الخيمي الحلي نزيل مصر أن العدو نزل قبالة دمياط يوم ~~الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول سنة خمس عشرة وستمائة ونزل البر الشرقي يوم ~~الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة من السنة وأخذ الثغر يوم الثلاثاء السادس ~~والعشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة واستعيدت منهم يوم الأربعاء تاسع ~~عشر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة ومدة نزولهم عليها إلى أن انفصلوا عنها ثلاث ~~سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما ومن الاتفاق العجيب نزولهم عليها يوم ~~الثلاثاء وإحاطتهم بها يوم الثلاثاء وملكهم لها يوم الثلاثاء وقد جاء في ~~الخبر أن الله تعالى خلق المكروه يوم الثلاثاء ولفظة دمياط سريانية وأصلها ~~بالذال المعجمة ويقولونه ذمط وتفسيره القدرة الربانية وكأنه إشارة إلى مجمع ~~البحرين العذب والملح والله تعالى أعلم 811 جمال الدين ابن مطروح أبو الحسن ~~يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين بن ~~مطروح الملقب جمال الدين من أهل صعيد مصر ونشأ هناك وأقام بقوص مدة وتنقلت ~~به الأحوال في الخدم والولايات ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبي ~~الفتح أيوب الملقب نجم الدين ابن السلطان PageV06P258 # الملك الكامل ابن السلطان الملك العادل بن أيوب وكان ~~إذ ذاك نائبا عن أبيه الملك الكامل بالديار المصرية ولما اتسعت مملكة ~~الكامل بالبلاد المصرية بل بالبلاد الشرقية فصار له آمد وحصن كيفا وحران ~~والرها والرقة ورأس عين وسروج وما انضم إلى ذلك سير إليها ولده الملك ~~الصالح المذكور نائبا عنه ms1726 وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة فكان ابن مطروح ~~المذكور في خدمته ولم يزل يتنقل في تلك البلاد إلى أن وصل الملك الصالح إلى ~~مصر مالكا لها وكان دخوله القاهرة يوم الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة ~~سنة سبع وثلاثين وستمائة ثم وصل ابن مطروح بعد ذلك إلى الديار المصرية في ~~أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة فرتبه السلطان ناظرا في الخزانة ولم يزل ~~يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك الملك الصالح دمشق في الدفعة الثانية وكان ~~ذلك في جمادى الأولى من سنة ثلاث وأربعين وستمائة ثم إن السلطان بعد ذلك ~~رتب لدمشق نوابا فكان ابن مطروح في صورة وزير لها ومضى إليها وحسنت حالته ~~وارتفعت منزلته ثم إن الملك الصالح توجه إلى دمشق فوصلها في شعبان سنة ست ~~وأربعين وجهز عسكرا إلى حمص لاستنقاذها من يدي نواب الملك الناصر أبي ~~المظفر يوسف الملقب صلاح الدين ابن الملك العزيز ابن الملك الظاهر ابن ~~السلطان صلاح الدين صاحب حلب فإنه كان قد انتزعها من صاحبها الملك الأشرف ~~مظفر الدين أبي الفتح موسى ابن الملك المنصور إبراهيم ابن الملك المجاهد ~~أسد الدين شيركوه عنوة وكان منتميا إلى الملك الصالح فخرج من مصر لاسترداد ~~حمص له فعزل ابن مطروح عن ولايته بدمشق وسيره مع العسكر المتوجه إلى حمص ~~وأقام الملك الصالح بدمشق إلى أن ينكشف له ما يكون من أمر حمص فبلغه أن ~~الفرنج قد اجتمعوا بجزيرة قبرص على عزم قصد الديار المصرية فسير إلى عسكره ~~المحاصرين بحمص وأمرهم أن يتركوا ذلك المقصد ويعودوا لحفظ الديار المصرية ~~فعاد بالعسكر وابن مطروح في الخدمة والملك PageV06P259 # الصالح متغير عليه متنكر له لأمور نقمها عليه وطرق ~~الفرنج البلاد في أوائل سنة سبع وأربعين وملكوا دمياط يوم الأحد الثاني ~~والعشرين من صفر من السنة وخيم الملك الصالح بعسكره على المنصورة وابن ~~مطروح مواظب على الخدمة مع الإعراض عنه ولما مات الملك الصالح ليلة النصف ~~من شعبان سنة سبع وأربعين بالمنصورة وصل ابن مطروح إلى مصر وأقام بها ms1727 في ~~داره إلى أن مات هذه جملة حاله على الإجمال وكانت أدواته جميلة وخلاله ~~حميدة جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية وكان بيني وبينه مودة أكيدة ~~ومكاتبات في الغيبة ومجالس في الحضرة تجري فيها مذاكرات أدبية لطيفة وله ~~ديوان شعر أنشدني أكثره فمن ذلك قوله في أول قصيدة طويلة (هي رامة فخذوا ~~يمين الوادي * وذروا السيوف تقر في الإغماد) (وحذار من لحظات أعين عينها * ~~فلكم صرعن بها من الآساد) (من كان منكم واثقا بفؤاده * فهناك ما أنا واثق ~~بفؤادي) (يا صاحبي ولي بجرعاء الحمى * قلب أسير ما له من فادي) (سلبته مني ~~يوم بانوا مقلة * مكحولة أجفانها بسواد) (وبحي من أنا في هواه ميت * عين ~~على العشاق بالمرصاد) (وأغن مسكي اللمى معسوله * لولا الرقيب بلغت منه ~~مرادي) (كيف السبيل إلى وصال محجب * ما بين بيض ظبا وسمر صعاد) (في بيت شعر ~~نازل من شعره * فالحسن منه عاكف في بادي) (حرسوا مهفهف قده بمثقف * فتشابه ~~المياس بالمياد) (قالت لنا ألف العذار بخده * في ميم مبسمه شفاء الصادي) ~~وهي طويلة اقتصرت منها على هذا القدر للاختصار PageV06P260 # ومن ذلك قوله (علقته من آل يعرب لحظه * أمضى وأفتك من ~~سيوف عريبه) (أسكنته في المنحنى من أضلعي * شوقا لبارق ثغره وعذيبه) (يا ~~عائبي ذاك الفتور بطرفه * خلوه لي أنا قد رضيت بعيبه) (لدن وما مر النسيم ~~بعطفه * أرج وما نفح العبير بجيبه) وكان في بعض أسفاره قد نزل في طريقه ~~بمسجد وهو مريض فقال (يا رب إن عجز الطبيب فداوني * بلطيف صنعك واشفني يا ~~شافي) (أنا من ضيوفك قد حسبت وإن من * شيم الكرام البر بالأضياف) ووجدت بعد ~~موته رقعة فيها مكتوب هذان البيتان وأخبرني أنه جرى بينه وبين أبي الفضل ~~جعفر بن شمس الخلافة الشاعر المقدم ذكره منازعة في بيت هو من جملة قصيدته ~~التي أولها (من لي بغصن باللحاظ ممنطق * حلو الشمائل واللمى والمنطق) (مثري ~~الروادف مملق من خصره * أسمعت في الدنيا بمثر مملق) والبيت الذي قد وقع فيه ~~النزاع قوله (وأقول يا ms1728 أخت الغزال ملاحة * فتقول لا عاش الغزال ولا بقي) ~~فزعم ابن شمس الخلافة أن هذا البيت له من جملة قصيدة هي في ديوانه وعمل كل ~~واحد منهما محضرا شهد فيه جماعة بأن البيت له وحلف لي ابن مطروح أن البيت ~~له وكان محترزا في أقواله ولم تعرف منه الدعوى بما ليس له والله المطلع على ~~السرائر وأنشدني له بعض أصحابنا قال أنشدني لنفسه PageV06P261 # (يا من لبست عليه أثواب الضنى * صفرا موشعة بحمر ~~الأدمع) (أدرك بقية مهجة لو لم تذب * أسفا عليك نفيتها عن أضلعي) وكان في ~~مدة انقطاعه في داره وضيق صدره بسبب عطلته وكثرة كلفه قد حدث في عينيه ألم ~~انتهى به إلى مقاربة العمى وكنت أجتمع به في كل وقت فتأخرت عنه مديدة لعذر ~~أوجب ذلك وكنت في ذلك الوقت أنوب في الحكم بالقاهرة المحروسة عن قاضي ~~القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف بن الحسن ابن علي الحاكم بالديار ~~المصرية المعروف بقاضي سنجار فكتب إلي ابن مطروح يقول (يا من إذا استوحش ~~طرفي له * لم يخل قلبي منه من أنس) (والطرف والقلب على ما هما * عليه مأوى ~~البدر والشمس) وله من جملة قصيدة طويلة (ملك الملاح ترى العيون * عليه ~~دائرة يطق) (ومخيم بين الضلوع * وفي الفؤاد له سبق) والبيت الأول مأخوذ من ~~قول المتنبي (وخصر تثبت الأبصار فيه * كأن عليه من حدق نطاقا) واليطق بفتح ~~الياء المثناة من تحتها والطاء المهملة وبعدها قاف وهو عبارة عن جماعة من ~~الجند يبيتون كل ليلة حول خيمة الملك محيطين به يحرسونه إذا كان مسافرا وهو ~~لفظ تركي والسبق بفتح السين المهملة والباء الموحدة وبعدها قاف وهي خيمة ~~الملك إذا كان مسافرا فإنه تقدم له خيمة إلى المنزلة التي يتوجه إليها حتى ~~إذا جاءها كانت مجهزة له ينزل فيها ولا يتوقف على انتظار وصول الخيمة التي ~~PageV06P262 # كان بها في تلك المنزلة التي رحل منها وله بيتان ~~ضمنهما بيت المتنبي وأحسن فيهما وهما (إذا ما سقاني ريقه وهو باسم * تذكرت ~~ما بين العذيب ms1729 وبارق) (ويذكرني من قده ومدامعي * مجر عوالينا ومجرى ~~السوابق) وهذا المعنى للمتنبي في أول قصيدة بديعة طويلة وهي (تذكرت ما بين ~~العذيب وبارق * مجر عوالينا ومجرى السوابق) وكانت بينه وبين بهاء الدين ~~زهير المقدم ذكره في حرف الزاي صحبة قديمة من زمن الصبا وإقامتهما ببلاد ~~الصعيد حتى كانا كالأخوين وليس بينهما فرق في أمور الدنيا ثم اتصلا بخدمة ~~الملك الصالح وهما على تلك المودة وبينهما مكاتبات بالأشعار فيما يجري لهما ~~فأخبرني بهاء الدين زهير أن جمال الدين ابن مطروح كتب إليه بعض الأيام يطلب ~~منه درج ورق وكان قد ضاق به الوقت وأظنهما كانا ببلاد الشرق معا (أفلست يا ~~سيدي من الورق * فجد بدرج كعرضك اليقق) (وإن أتى بالمداد مقترنا * فمرحبا ~~بالخدود والحدق) قال بهاء الدين زهير وقد فتح الراء من الورق وكسرها تنبيها ~~على حاله فكتبت إليه (مولاي سيرت ما رسمت به * وهو يسير المداد والورق) ~~(وعز عندي تسيير ذاك وقد * شبهته بالخدود والحدق) PageV06P263 # وقد سبق في ترجمة بهاء الدين ذكر بيتين كتبهما ابن ~~مطروح إلى بهاء الدين وذكرت السبب في نظم ذينك البيتين على ما حكاه لي بهاء ~~الدين ثم بعد ذلك وصل إلى الديار المصرية من الموصل بعض الأدباء وجرى حديث ~~ما ذكره لي بهاء الدين زهير وأنه أنشدني بيت ابن الحلاوي وهو قوله (تجيزها ~~وتجيز المادحين بها * فقل لنا أزهير أنت أم هرم) فقال ذلك الأديب هذه ~~القصيدة أنشدنيها ناظمها ابن الحلاوي ونحن بالموصل وأروي عنه هذا البيت على ~~خلاف هذه الرواية فإنه أنشدني (تجيدها ثم تجدو من أتاك بها * فقل لنا أزهير ~~أنت أم هرم) فما أدري هل ابن الحلاوي أنشدها أولا كما رواه بهاء الدين زهير ~~ثم غير البيت كما رواه هذا الأديب أم حصل الغلط لأحدهما والله تعالى أعلم ~~مع أن كل واحد من الطريقين حسن وقصة زهير بن أبي سلمى المزني الشاعر ~~الجاهلي المشهور معلومة فلا حاجة إلى شرحها والخروج عما نحن بصدده فإنه كان ~~يمدح هرم بن سنان المري أحد أمراء ms1730 العرب في الجاهلية وكان هرم كثير العطاء ~~له حتى آلى على نفسه أنه لا يسلم عليه زهير إلا أعطاه غرة من ماله فرسا أو ~~بعيرا أو عبدا أو أمة فأجحف ذلك بهرم فجعل زهير يمر بالجماعة فيهم هرم ~~فيقول عموا صباحا خلا هرما وخيركم تركت PageV06P264 # ونعود إلى ما كنا فيه من حديث ابن مطروح بلغني أنه كتب ~~قبل ارتفاع درجته رقعة تتضمن شفاعة في قضاء شغل بعض أصحابه أرسلها إلى بعض ~~الرؤساء فكتب ذلك الرئيس في جوابه هذا الأمر فيه علي مشقة فكتب جوابه ثانيا ~~لولا المشقة فلما وقف عليها ذلك الرئيس قضى شغله وفهم ما قصده وهو قول ~~المتنبي (لولا المشقة ساد الناس كلهم * الجود يفقر والإقدام قتال) وهذا من ~~لطيف الإشارات وأنشدني الأديب الفاضل جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد ~~العظيم ابن يحيى بن محمد بن علي المعروف بالجزار المصري قصيدة بديعة مدح ~~بها جمال الدين ابن مطروح المذكور وهي بديعة طويلة فاقتصرت منها على ذكر ~~غزلها وهو هذا (هو ذا الربع ولي نفس مشوقه * فاحبس الركب عسى أقضي حقوقه) ~~(فقبيح بي في شرع الهوى * بعد ذاك البر أن أرضى عقوقه) (لست أنسى فيه ليلات ~~مضت * مع من أهوى وساعات أنيقه) (ولئن أضحى مجازا بعدهم * فغرامي فيه ما ~~زال حقيقة) (يا صديقي والكريم الحر في * مثل هذا الوقت لا ينسى صديقه) (ضع ~~يدا منك على قلبي عسى * أن تهدي بين جنبي خفوقه) (فاض دمعي مذ رأى ربع ~~الهوى * ولكم فاض وقد شام بروقه) (نفد اللؤلؤ من أدمعه * فغدا ينثر في ~~الترب عقيقه) (قف معي واستوقف الركب فإن * لم يقف فاتركه يمضي وطريقه) ~~PageV06P265 # (فهي أرض قلما يلحقها * آمل والركب لم أعدم لحوقه) ~~(طالما استجليت في أرجائها * من يتيه البدر إذ يدعى شقيقه) (يفضح الورد ~~احمرارا خده * وتود الخمر لو تشبه ريقه) (فبه الحسن خليق لم يزل * والمعالي ~~بابن مطروح خليقه) وكانت ولادته يوم الاثنين ثامن رجب سنة اثنتين وتسعين ~~وخمسمائة بأسيوط وتوفي ليلة الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع ms1731 وأربعين وستمائة ~~بمصر ودفن بسفح الجبل المقطم وحضرت الصلاة عليه ودفنه وأوصى أن يكتب عند ~~رأسه دوبيت نظمه في مرضه وهو (أصبحت بقعر حفرة مرتهنا * لا أملك من دنياي ~~إلا كفنا) (يا من وسعت عباده رحمته * من بعض عبادك المسيئين أنا) ومما ذكر ~~أنه وجد في رقعة مكتوبة تحت رأسه بعد موته (أتجزع م الموت هذا الجزع * ~~ورحمة ربك فيها الطمع) (ولو بذنوب الورى جئته * فرحمته كل شيء تسع) رحمه ~~الله تعالى (330) وتوفي قاضي القضاة بدر الدين يوسف المذكور يوم السبت رابع ~~عشر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة بالقاهرة ودفن في تربته المجاورة لمدرسته ~~بالقرافة الصغرى وأخبرني مرارا عديدة أنه ولد في شهر ربيع الأول سنة ثمان ~~وخمسمائة في جبال إربل وهو زرزاري النسب رحمه الله تعالى وأسيوط بضم الهمزة ~~وسكون السين المهملة وضم الياء المثناة من تحتها وبعدها واو ساكنة ثم طاء ~~مهملة وهي بليدة بالصعيد الأعلى من ديار مصر ومنهم من يسقط الهمزة ويضم ~~السين فيقول سيوط والله تعالى أعلم PageV06P266 # 812 ابن جزلة صاحب المنهاج أبو علي يحيى بن عيسى بن ~~جزلة الطبيب صاحب كتاب المنهاج الذي رتبه على الحروف وجمع فيه أسماء ~~الحشائش والعقاقير والأدوية وغير ذلك شيئا كثيرا كان نصرانيا ثم أسلم وصنف ~~رسالة في الرد على النصارى وبيان عوار مذاهبهم ومدح فيها الإسلام وأقام ~~الحجة على أنه الدين الحق وذكر فيها ما قرأه في التوراة والإنجيل من ظهور ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي مبعوث وأن اليهود والنصارى أخفوا ذلك ~~ولم يظهروه ثم ذكر فيها معايب اليهود والنصارى وهي رسالة حسنة أجاد فيها ~~وقرئت عليه في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وأربعمائة وكان سبب إسلامه أنه كان ~~يقرأ على أبي علي ابن الوليد المعتزلي ويلازمه فلم يزل يدعوه إلى الإسلام ~~ويذكر له الدلائل الواضحة حتى هداه الله تعالى وحسن إسلامه وهو تلميذ أبي ~~الحسن سعيد ابن هبة الله بن الحسن وبه انتفع في الطب وكان له نظر في علم ~~الأدب وكتب الخط الجيد وصنف ms1732 للإمام المقتدي بأمر الله كثيرا من الكتب فمن ~~ذلك كتاب تقويم الأبدان وكتاب منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان وكتاب ~~الإشارة قي تلخيص العبارة ورسالة في مدح الطب وموافقته للشرع والرد على من ~~طعن عليه ورسالة كتبها إلى إليا القس لما أسلم وغير ذلك من التصانيف وهو من ~~المشاهير في علم الطب وعمله وذكره أبو المظفر يوسف سبط أبي الفرج ابن ~~الجوزي في تاريخه الذي سماه مرآة الزمان فقال إنه لما أسلم استخلفه أبو ~~الحسن القاضي ببغداد في كتب السجلات وكان يطبب PageV06P267 # أهل محلته ومعارفه بغير أجرة ويحمل إليهم الأشربة ~~والأدوية بغير عوض ويتفقد الفقراء ويحسن إليهم ووقف كتبه قبل وفاته وجعلها ~~في مشهد أبي حنيفة رضي الله عنه ذكر هذا كله في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة ~~وعادته أن يذكر الإنسان ويشرح أحواله في سنة وفاته فإن كتابه مرتب على ~~السنين وذكر صاحب كتاب البستان الجامع لتواريخ الزمان أن ابن جزلة مات سنة ~~ثلاث وتسعين وأربعمائة وزاد أبو الحسن الهمذاني في أواخر شعبان نقله عنه ~~ابن النجار في تاريخ بغداد وذكر غيره أن إسلامه كان في سنة ست وستين ~~وأربعمائة زاد ابن النجار في تاريخه يوم الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة ~~رحمه الله تعالى وجزلة بفتح الجيم وسكون الزاي وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة ~~والله تعالى أعلم 813 السهروردي المقتول أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك ~~الملقب شهاب الدين السهروردي الحكيم المقتول بحلب وقيل اسمه أحمد وقيل ~~كنيته اسمه وهو أبو الفتوح وذكر أبو العباس أحمد بن أبي أصيبعة الخزرجي ~~الحكيم في كتاب طبقات الأطباء أن اسم السهروردي المذكور عمر ولم يذكر اسم ~~أبيه والصحيح الذي ذكرته أولا فلهذا بنيت الترجمة عليه فإني وجدته بخط ~~جماعة من أهل المعرفة بهذا الفن وأخبرني به جماعة أخرى لا أشك في معرفتهم ~~PageV06P268 # فقوي عندي ذلك فترجمت عليه والله أعلم كان المذكور من ~~علماء عصره قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ مجد الدين الجيلي بمدينة ~~المراغة من أعمال أذربيجان إلى أن برع فيهما وهذا ms1733 مجد الدين الجيلي هو شيخ ~~فخر الدين الرازي وعليه تخرج وبصحبته انتفع وكان إماما في فنونه وقال في ~~طبقات الأطباء كان السهروردي المذكور أوحد أهل زمانه في العلوم الحكمية ~~جامعا للفنون الفلسفية بارعا في الأصول الفقهية مفرط الذكاء فصيح العبارة ~~وكان علمه أكثر من عقله ثم ذكر أنه قتل في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة ~~والصحيح ما سنذكره في أواخر هذه الترجمة إن شاء الله تعالى وعمره نحو ست ~~وثلاثين سنة ثم قال ويقال إنه كان يعرف علم السيمياء وحكى بعض فقهاء العجم ~~أنه كان في صحبته وقد خرجوا من دمشق قال فلما وصلنا إلى القابون القرية ~~التي على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى حلب لقينا قطيع غنم مع تركماني ~~فقلنا للشيخ يا مولانا نريد من هذه الغنم رأسا نأكله فقال معي عشرة دراهم ~~خذوها واشتروا بها رأس غنم وكان هناك تركماني فاشترينا منه رأسا بها ومشينا ~~قليلا فلحقنا رفيق له وقال ردوا هذا الرأس خذوا أصغر منه فإن هذا ما عرف ~~يبيعكم يساوي هذا الرأس أكثر من ذلك وتقاولنا نحن وإياه فلما عرف الشيخ ذلك ~~قال لنا خذوا الرأس وامشوا وأنا أقف معه وأرضيه فتقدمنا نحن وبقي الشيخ ~~يتحدث معه ويطيب قلبه فلما أبعدنا قليلا تركه وتبعنا وبقي التركماني يمشي ~~خلفه ويصيح به وهو لا يلتفت إليه فلما لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى ~~وقال أين تروح وتخليني وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه وبقيت في يد ~~التركماني ودمها يجري فبهت التركماني وتحير في أمره فرمى اليد وخاف فرجع ~~الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا وبقي التركماني راجعا وهو يتلفت ~~PageV06P269 # إليه حتى غاب عنه ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده ~~اليمنى منديلا لا غير قلت ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة والله أعلم بصحتها ~~وله تصانيف فمن ذلك كتاب التنقيحات في أصول الفقه وكتاب التلويحات وكتاب ~~الهياكل وكتاب حكمة الإشراق وله الرسالة المعروفة بالغربة الغريبة على مثال ~~رسالة الطير لأبي علي ابن ms1734 سينا ورسالة حي بن يقظان لابن سينا أيضا وفيها ~~بلاغة تامة أشار فيها إلى حديث النفس وما يتعلق بها على اصطلاح الحكماء ومن ~~كلامه الفكر في صورة قدسية يتلطف بها طالب الأريحية ونواحي القدس دار لا ~~يطؤها القوم الجاهلون وحرام على الأجساد المظلمة أن تلج ملكوت السماوات ~~فوحد الله وأنت بتعظيمه ملآن واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان ولو كان ~~في الوجود شمسان لانطمست الأركان فأبى النظام أن يكون غير ما كان (فخفيت ~~حتى قلت لست بظاهر * وظهرت من سعتي على الأكوان) آخر (لو علمنا أننا ما ~~نلتقي * لقضينا من سليمى وطرا) اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف وتنسب ~~إليه أشعار فمن ذلك ما قاله في النفس على مثال أبيات ابن سينا العينية وهي ~~مذكورة في ترجمته في حرف الحاء واسمه الحسين فقال هذا الحكيم (خلعت هياكلها ~~بجرعاء الحمى * وصبت لمغناها القديم تشوقا) PageV06P270 # (وتلفتت نحو الديار فشاقها * ربع عفت أطلاله فتمزقا) ~~(وقفت تسائله فرد جوابها * رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللقا) (فكأنما برق ~~تألق بالحمى * ثم انطوى فكأنه ما أبرقا) ومن شعره المشهور (أبدا تحن إليكم ~~الأرواح * ووصالكم ريحانها والراح) (وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم * وإلى لذيذ ~~لقائكم ترتاح) (وارحمة للعاشقين تكلفوا * ستر المحبة والهوى فضاح) (بالسر ~~إن باحوا تباح دماؤهم * وكذا دماء البائحين تباح) (وإذا هم كتموا تحدث عنهم ~~* عند الوشاة المدمع السفاح) (وبدت شواهد للسقام عليهم * فيها لمشكل أمرهم ~~إيضاح) (خفض الجناح لكم وليس عليكم * للصب في خفض الجناح جناح) (فإلى لقاكم ~~نفسه مرتاحة * وإلى رضاكم طرفه طماح) (عودوا بنور الوصل من غسق الجفا * ~~فالهجر ليل والوصال صباح) (صافاهم فصفوا له فقلوبهم * في نورها المشكاة ~~والمصباح) (وتمتعوا فالوقت طاب بقربكم * راق الشراب ورقت الأقداح) (يا صاح ~~ليس على المحب ملامة * إن لاح في أفق الوصال صباح) (لا ذنب للعشاق إن غلب ~~الهوى * كتمانهم فنما الغرام وباحوا) (سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها * لما ~~دروا أن السماح رباح) PageV06P271 # (ودعاهم داعي الحقائق دعوة * فغدوا بها مستأنسين ~~وراحوا) (ركبوا على سنن ms1735 الوفا فدموعهم * بحر وشدة شوقهم ملاح) (والله ما ~~طلبوا الوقوف ببابه * حتى دعوا وأتاهم المفتاح) (لا يطربون بغير ذكر حبيبهم ~~* أبدا فكل زمانهم أفراح) (حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم * فتهتكوا لما رأوه ~~وصاحوا) (أفناهم عنهم وقد كشفت لهم * حجب البقا فتلاشت الأرواح) (فتشبهوا ~~إن لم تكونوا مثلهم * إن التشبه بالكرام فلاح) (قم يا نديم إلى المدام ~~فهاتها * في كاسها قد دارت الأقداح) (من كرم إكرام بدن ديانة * لا خمرة قد ~~داسها الفلاح) وله في النظم والنثر أشياء لطيفة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها ~~وكان شافعي المذهب ويلقب بالمؤيد بالملكوت وكان يتهم بانحلال العقيدة ~~والتعطيل ويعتقد مذهب الحكماء المتقدمين واشتهر ذلك عنه فلما وصل إلى حلب ~~أفتى علماؤها بإباحة قتله بسبب اعتقاده وما ظهر لهم من سوء مذهبه وكان أشد ~~الجماعة عليه الشيخين زين الدين ومجد الدين ابني جهبل وقال الشيخ سيف الدين ~~الآمدي المقدم ذكره في حرف العين اجتمعت بالسهروردي في حلب فقال لي لا بد ~~أن أملك الأرض فقلت من أين لك هذا قال رأيت في المنام كأني شربت ماء البحر ~~فقلت لعل هذا يكون اشتهار العلم وما يناسب هذا فرأيته لا يرجع عما وقع في ~~نفسه ورأيته كثير العلم قليل العقل ويقال إنه لما تحقق القتل كان كثير ما ~~ينشد (أرى قدمي أراق دمي * وهان دمي فها ندمي) والأول مأخوذ من قول أبي ~~الفتح علي بن محمد البستي المقدم ذكره (إلى حتفي مشى قدمي * أرى قدمي أراق ~~دمي) PageV06P272 # (فلم أنفك من ندم * وليس بنافعي ندمي) وكان ذلك في ~~دولة الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين رحمه الله فحبسه ثم خنقه بإشارة ~~والده السلطان صلاح الدين وكان ذلك في خامس رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة ~~بقلعة حلب وعمره ثمان وثلاثون سنة وذكره القاضي بهاء الدين المعروف بابن ~~شداد قاضي حلب في أوائل سيرة صلاح الدين وقد ذكر حسن عقيدته فقال كان كثير ~~التعظيم لشعائر الدين وأطال الكلام في ذلك ثم قال ولقد أمر ولده صاحب حلب ~~بقتل شاب نشأ ms1736 يقال له السهروردي قيل عنه إنه معاند للشرائع وكان قد قبض ~~عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره وعرف السلطان به فأمر بقتله فقتله ~~وصلبه أياما ونقل سبط ابن الجوزي في تاريخه عن ابن شداد المذكور أنه قال ~~لما كان يوم الجمعة بعد الصلاة سلخ ذي الحجة سنة سبع وثمانين وخمسمائة أخرج ~~الشهاب السهروردي ميتا من الحبس بحلب فتفرق عنه أصحابه قلت وأقمت بحلب سنين ~~للاشتغال بالعلم الشريف ورأيت أهلها مختلفين في أمره وكل واحد يتكلم على ~~قدر هواه فمنهم من ينسبه إلى الزندقة والإلحاد ومنهم من يعتقد فيه الصلاح ~~وأنه من أهل الكرامات ويقولون ظهر لهم بعد قتله ما يشهد له بذلك وأكثر ~~الناس على أنه كان ملحدا لا يعتقد شيئا نسأل الله تعالى العفو العافية ~~والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة وأن يتوفانا على مذهب أهل الحق ~~والرشاد وهذا الذي ذكرته في تاريخ قتله هو الصحيح وهو خلاف ما نقلته في أول ~~هذه الترجمة وقد قيل إن ذلك كان في سنة ثمان وثمانين وليس بشيء أيضا وحبش ~~بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة وأميرك بفتح الهمزة ~~وبعدها ميم مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة PageV06P273 # وبعدها راء مفتوحة ثم كاف وهو اسم أعجمي معناه أمير ~~تصغير أمير وهم يلحقون الكاف في آخر الاسم للتصغير وقد تقدم الكلام على ~~سهرورد في ترجمة الشيخ أبي النجيب عبد القاهر السهروردي فليطلب منه إن شاء ~~الله تعالى 814 يزيد بن القعقاع القارئ أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ ~~مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي عتاقة ويعرف أبو جعفر المذكور ~~بالمدني أخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعن مولاه ~~عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعن أبي هريرة رضي الله عنه وسمع عبد الله ~~بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ومروان بن الحكم ويقال قرأ على زيد بن ~~ثابت رضي الله عنه وروى القراءة عنه عرضا نافع بن عبد الرحمن بن أبي ms1737 نعيم ~~وسليمان ابن مسلم بن جماز وعيسى بن وردان الحذاء وعبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم وله قراءة قال أبو عبد الرحمن النسائي يزيد بن القعقاع ثقة وكان يقرئ ~~الناس بالمدينة قبل وقعة الحرة وقال محمد بن القاسم المالكي أبو جعفر يزيد ~~بن القعقاع مولى أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~ويقال إنه جندب بن فيروز مولى عبد الله بن عياش المخزومي وكان من أفضل ~~الناس وقال سليمان بن مسلم أخبرني أبو جعفر يزيد بن القعقاع أنه كان يقرئ ~~في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الحرة وكانت الحرة على ~~PageV06P274 # رأس ثلاث وستين سنة من مقدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة وأخبرني أنه كان يمسك المصحف على مولاه عبد الله بن عياش وكان ~~من أقرأ الناس وكنت أرى كل يوم ما يقرأ وأخذت عنه قراءته وأخبرني أنه أتي ~~به إلى أم سلمة رضي الله عنها وهو صغير فمسحت على رأسه ودعت له بالبركة قال ~~سليمان المذكور وسألته متى أقرأت القرآن فقال أقرأت أو قرأت فقلت لا بل ~~أقرأت فقال هيهات قبل الحرة في زمان يزيد بن معاوية وكانت الحرة بعد وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث وخمسين سنة وقال نافع بن أبي نعيم لما ~~غسل أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ بعد وفاته نظروا ما بين نحره إلى ~~فؤاده مثل ورقة المصحف فما شك أحد ممن حضره أنه نور القرآن وقال سليمان بن ~~مسلم أخبرني أبو جعفر يزيد بن القعقاع حين كان نافع يمر به فيقول أترى هذا ~~كان يأتيني وهو غلام له ذؤابة فيقرأ علي ثم كفرني وهو يضحك قال سليمان ~~وقالت أم ولد أبي جعفر إن ذلك البياض الذي كان بين نحره وفؤاده صار غرة بين ~~عينيه وقال سليمان رأيت أبا جعفر بعد موته في المنام وهو على الكعبة فقلت ~~له أبا جعفر قال نعم اقرىء إخواني عني السلام وأخبرهم أن الله تعالى جعلني ~~من الشهداء ms1738 الأحياء المرزوقين واقرىء أبا حازم السلام وقل له يقول لك أبو ~~جعفر الكيس الكيس فإن الله عز و جل وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات وقال ~~مالك بن أنس رحمه الله تعالى كان أبو جعفر القارئ رجلا صالحا بفتي الناس ~~بالمدينة وقال خليفة بن خياط مات أبو جعفر يزيد بن القعقاع سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة بالمدينة وقال غيره مات سنة ثمان وعشرين ومائة وقال أبو علي ~~الأهوازي في أول كتاب الإقناع في القراءات قال ابن جماز ولم يزل أبو جعفر ~~إمام الناس في القراءة إلى أن توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة بالمدينة ~~PageV06P275 # وقيل إنه توفي في سنة ثلاثين ومائة والله أعلم قلت وقد ~~تكرر ذكر الحرة في هذه الترجمة في مواضع وقد يتشوف إلى الوقوف على معرفة ~~ذلك من لا علم له به والحرة في الأصل اسم لكل أرض ذات حجارة سود فمتى كانت ~~بهذه الصفة قيل لها حرة والحرار كثيرة والمراد بهذه الحرة حرة وأقم بالقاف ~~المكسورة وهي بالقرب من المدينة في جهتها الشرقية كان يزيد بن معاوية بن ~~أبي سفيان في مدة ولايته قد سير إلى المدينة جيشا مقدمه مسلم بن عقبة المري ~~فنهبها وخرج أهلها إلى هذه الحرة فكانت الوقعة بها وجرى فيها ما يطول شرحه ~~وهو مسطور في التواريخ حتى قيل إنه بعد وقعة الحرة ولدت أكثر من ألف بكر من ~~أهل المدينة ممن ليس لهن أزواج بسبب ما جرى فيها من الفجور ثم إن مسلم بن ~~عقبة المري لما قتل أهل المدينة وتوجه إلى مكة نزل به الموت بموضع يقال له ~~ثنية هرشى فدعا حصين بن نمير السكوني وقال له يا برذعة الحمار إن أمير ~~المؤمنين عهد إلي إن نزل بي الموت أن أوليك وأكره خلافه عند الموت ثم إنه ~~أوصى إليه بأمور يعتمدها ثم قال لئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرة إني إذا ~~لشقي وأما وأقم فإنه اسم أطم من آطام المدينة والأطم بضم الهمزة والطاء ~~المهملة شبيه بالقصر وكان مبنيا عند هذه الحرة فأضيفت ms1739 الحرة إليه فقيل حرة ~~وأقم والله أعلم PageV06P276 # 815 يزيد بن رومان أبو روح يزيد بن رومان القارئ مولى ~~آل الزبير بن العوام المدني أخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن عياش بن أبي ~~ربيعة المخزومي وسمع ابن عباس وعروة بن الزبير رضي الله عنهم وروى القراءة ~~عنه عرضا نافع ابن أبي نعيم قال يحيى بن معين يزيد بن رومان ثقة وقال وهب ~~بن جرير حدثنا أبي قال رأيت محمد بن سيرين ويزيد بن رومان يعقدان الآي في ~~الصلاة وقال يزيد بن رومان كنت أصلي إلى جنب نافع بن جبير بن مطعم فيغمزني ~~فأفتح عليه ونحن نصلي وروى يزيد أنه كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة في شهر رمضان وتوفي يزيد في سنة ثلاثين ~~ومائة رحمه الله تعالى ورومان بضم الراء وسكون الواو وبعدها ميم ثم ألف ~~ونون PageV06P277 # 816 يزيد بن المهلب أبو خالد يزيد بن المهلب بن أبي ~~صفرة الأزدي قد تقدم ذكر أبيه في حرف الميم ورفعت نسبه وتكلمت عليه فأغنى ~~عن الإعادة هاهنا ذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف وجماعة من المؤرخين أنه ~~لما مات أبوه في التاريخ المذكور في ترجمته كان قد استخلف ولده يزيد مكانه ~~ويزيد ابن ثلاثين سنة يومئذ فعزله عبد الملك بن مروان برأي الحجاج بن يوسف ~~الثقفي وولى مكانه في خراسان قتيبة بن مسلم الباهلي قلت وقد تقدم ذكره في ~~حرف القاف وصار يزيد في يد الحجاج قلت وكان الحجاج زوج أخته هند بنت المهلب ~~وكان الحجاج يكره يزيد لما يرى فيه من النجابة فيخشى منه لا يترتب مكانه ~~فكان يقصده بالمكروه في كل وقت كي لا يثب عليه وكان الحجاج في كل وقت يسأل ~~المنجمين ومن يعاني هذه الصناعة عمن يكون مكانه فيقولون رجل اسمه يزيد فلا ~~يرى من هو أهل لذلك سوى يزيد المذكور والحجاج يومئذ أمير العراقين وكذا وقع ~~فإنه لما مات الحجاج ولي يزيد مكانه هذا قول المؤرخين نعود إلى تتمة ms1740 ما ~~ذكره في المعارف قال فعذبه الحجاج وهرب يزيد من حبسه إلى الشام يريد سليمان ~~بن عبد الملك فأتاه فشفع له إلى أخيه PageV06P278 # الوليد بن عبد الملك فأمنه وكف عنه ثم ولاه سليمان ~~خراسان حين أفضت إليه الخلافة فافتتح جرجان ودهستان وأقبل يريد العراق ~~فتلقاه موت سليمان ابن عبد الملك فصار إلى البصرة فأخذه عدي بن أرطأة ~~فأوثقه وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فحبسه عمر فهرب من حبسه ~~وأتى البصرة ومات عمر فخالف يزيد وخلع يزيد بن عبد الملك فوجه إليه أخاه ~~مسلمة فقتله وقال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير ~~يزيد بن المهلب ولي إمرة البصرة لسليمان بن عبد الملك ثم نزعه عمر بن عبد ~~العزيز وولى عدي بن أرطأة وقدم به على عمر مسخوطا عليه حكى عن أنس بن مالك ~~وعمر بن عبد العزيز وأبيه المهلب وروى عنه ابنه عبد الرحمن وأبو عيينة ابن ~~المهلب وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم وقال الأصمعي إن الحجاج قبض على يزيد ~~وأخذه بسوء العذاب فسأله أن يخفف عنه العذاب على أن يعطيه كل يوم مائة ألف ~~درهم فإن أداها وإلا عذبه إلى الليل قال فجمع يوما مائة ألف درهم ليشتري ~~بها عذابه في يومه فدخل عليه الأخطل الشاعر فقال (أبا خالد بادت خراسان ~~بعدكم * وصاح ذوو الحاجات أين يزيد) (فلا مطر المروان بعدك مطرة * ولا اخضر ~~بالمروين بعدك عود) (فما لسرير الملك بعدك بهجة * ولا لجواد بعد جودك جود) ~~قوله في البيت الثاني فلا مطر المروان ولا اخضر بالمروين هما تثنية مرو ~~إحداهما مرو الشاهجان وهي العظمى والأخرى مرو الروذ وهي الصغرى وكلتاهما ~~مدينتان مشهورتان بخراسان وقد تكرر ذكرهما في هذا الكتاب قال فأعطاه مائة ~~الألف فبلغ ذلك الحجاج فدعا به وقال يا مروزي أكل هذا الكرم وأنت بهذه ~~الحالة قد وهبت لك عذاب اليوم وما بعده PageV06P279 # قلت هكذا ذكر ابن عساكر والمشهور أن صاحب هذه الواقعة ~~والأبيات هو الفرزدق ثم إني رأيت هذه الأبيات ms1741 في ديوان زياد الأعجم والله ~~أعلم بالصواب وذكر الحافظ أيضا أن يزيد لما هرب من الحجاج قاصدا سليمان بن ~~عبد الملك وهو يومئذ بالرملة فاجتاز في طريقه بالشام على أبيات عرب فقال ~~لغلامه استقنا هؤلاء لبنا فأتاه بلبن فشربه فقال أعطهم ألف درهم فقال ~~الغلام إن هؤلاء لا يعرفونك قال لكني أعرف نفسي أعطهم ألف درهم فأعطاهم ~~وقال الحافظ أيضا حج يزيد بن المهلب فطلب حلاقا فجاء فحلق رأسه فأمر له ~~بألف درهم فتحير ودهش وقال هذا الألف أمضي إلى أمي فلانة أشتريها فقال ~~أعطوه ألفا آخر فقال امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد بعدك فقال أعطوه ألفين ~~آخرين وقال المدائني وكان سعيد بن عمرو بن العاص مؤاخيا ليزيد بن المهلب ~~فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد منع الناس من الدخول إليه فأتاه سعيد فقال ~~يا أمير المؤمنين لي على يزيد خمسون ألف درهم وقد حلت بيني وبينه فإن رأيت ~~أن تأذن لي فأقتضيه فأذن له فدخل عليه فسر به يزيد وقال كيف دخلت إلي ~~فأخبره سعيد فقال والله لا تخرج إلا وهي معك فامتنع سعيد فحلف يزيد ~~ليقبضنها فوجه إلى منزله حتى حمل إلى سعيد خمسون ألف درهم وزاد ابن عساكر ~~فقال وفي ذلك قال بعضهم (فلم أر محبوسا من الناس ماجدا * حبا زائرا في ~~السجن غير يزيد) (سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازه * بخمسين ألفا عجلت لسعيد) ~~وذكر أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب الجليس والأنيس عن عبد ~~الله الكوفي قال أغرم سليمان بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن غزاة ~~PageV06P280 # في البحر ألف ألف درهم فمشى إلى يزيد بن المهلب وقد ~~ولي العراق عثمان بن حيان المري والقعقاع بن خالد العبسي والهذيل بن زفر بن ~~الحارث الكلابي وغيرهم من قيس فلما انتهوا إلى باب سرادق يزيد أذن لهم ~~الحاجب في دخولهم وأعلمهم أنه يغسل رأسه فلما فرغ خرج في مستقة فألقى نفسه ~~على فراشه ثم قال ما ألف بينكم فقال عثمان هذا ابن هبيرة ms1742 شيخنا وسيدنا كان ~~الوليد حمل معه مالا حيث وجه إلى البحر فأعطاه جنده فخرج عليه من غرمه ألف ~~ألف درهم فقلنا يزيد سيد أهل اليمن ووزير لسليمان وصاحب العراق ومن قد يحمل ~~أمثالها عمن ليس بأمثالنا ووالله لو وسعتها أموال قيس لاحتملناها ثم تكلم ~~القعقاع فقال يا ابن المهلب هذا خير ساقه الله إليك وليس أحد أولى به منك ~~فافعل به كبعض فعلاتك الأولى فلن يصدك عن قضاء هذا الحق ضيق ولا تبخل وقد ~~أتيناك مع ابن هبيرة فيما حمل فهب لنا أموالنا واستر في العرب عورتنا ثم ~~تكلم الهذيل بن زفر فقال يا ابن المهلب إني لو وجدت من الممشى إليك بدا لما ~~مشيت إليك لأن أموالك بالعراق وإنما أتيتنا خائفا ثم أقمت فينا ضيفا ثم ~~تخرج من عندنا محروسا وأيم الله لئن تركناك بالشام لنأتينك بالعراق وما ~~هاهنا أقرب في الحظوة وأوجب للذمام ثم تكلم ابن خيثمة فقال إني لأقول لك يا ~~ابن المهلب ما قال هؤلاء أخبرني إن أنت عجزت عن احتمال ما على ابن هبيرة ~~فعلى من المعول لا والله ما عند قيس له مكيال ولا في أموالهم متسع ولا عند ~~الخليفة له فرج ثم تكلم ابن هبيرة فقال أما أنا فقد قضيت حاجتي رددت أم ~~أنجحت لأنه ليس لي أمامك متقدم ولا خلفك متأخر وهذه حاجة كانت في نفسي ~~فقضيتها فضحك يزيد بن المهلب وقال إن التعذر أخو البخل ولا اعتذار فاحتكموا ~~فقال القعقاع نصف المال فقال يزيد قد فعلت يا غلام غذاءك قال فجيء بالطعام ~~PageV06P281 # فأبقينا أكثر مما أفرغنا فلما فرغنا أمر بتطييبنا ~~وأجاد الكسوة لنا قال ثم خرجنا حتى إذا مررنا قال ابن هبيرة فأخبروني عما ~~بقي من يحمله بعد ابن المهلب لقد صغر الله أقداركم وأخطاركم والله ما يدري ~~يزيد ما بين النصف والتمام وما هما عنده إلا سواء ارجعوا إليه فكلموه في ~~الباقي قال وقد كان يزيد ظن بهم أن سيرجعون إليه في التمام فقال للحاجب إذا ~~عادوا فأدخلهم فلما عادوا ms1743 أدخلهم فقال لهم يزيد إن ندمتم أقلناكم وان ~~استقللتم زدناكم فقال له ابن هبيرة يا ابن المهلب إن البعير إذا أوقر ~~أثقلته أذناه وأنا بما بقي مثقل فقال قد حملتها عنك ثم ركب إلى سليمان فقال ~~يا أمير المؤمنين إنك إنما رشحتني لتبلغ بي وإني لا أضيق عن شيء اتسع له ~~مالك وما في أيدينا فواضلك يصطنع بها الناس وتبنى بها المكارم ولولا مكانك ~~قلقنا بالصغير ثم قال له أنه أتاني ابن هبيرة بوجوه أصحابه فقال له سليمان ~~أمسك إياك في مال الله عنده خب ضب جموع منوع جزوع هلوع هيه فصنعت ماذا قال ~~حملتها عنه قال احملها إذن إلى بيت مال المسلمين قال والله ما حملتها خدعة ~~وأنا حاملها بالغداة ثم حملها فلما أخبر سليمان بذلك دعا يزيد فلما رآه ضحك ~~وقال ذكت بك ناري ووريت بك زنادي غرمها علي وحمدها لك قد وفت لي يميني ~~فأرجع المال إليك ففعل وقال يزيد يوما والله للحياة أحب من الموت ولثناء ~~حسن أحب إلي من الحياة ولو أني أعطيت ما لم يعطه أحد لأحببت أن يكون لي أذن ~~أسمع غدا ما يقال في إذا أنا مت كريما وقد سبق ذكر هذا الكلام في ترجمة ~~أبيه المهلب وأنه من كلامه لا من كلام ابنه يزيد والله أعلم وقال أبو الحسن ~~المدائني باع وكيل ليزيد بن المهلب بطيخا جاءه من مغل بعض أملاكه بأربعين ~~ألف درهم فبلغ ذلك يزيد فقال له تركتنا بقالين PageV06P282 # أما كان في عجائز الأزد من تقسمه فيهن ومدحه عمر بن ~~لجأ بشعر يقول فيه (آل المهلب قوم إن نسبتهم * كانوا الأكارم آباء وأجدادا) ~~(كم حاسد لهم يعيا بفضلهم * وما دنا من مساعيهم ولا كادا) (إن العرانين ~~تلقاها محسدة * ولا ترى للئام الناس حسادا) (لو قيل للمجد حد عنهم وخلهم * ~~بما احتكمت من الدنيا لما حادا) (إن المكارم أرواح يكون لها * آل المهلب ~~دون الناس أجسادا) وقال الأصمعي قدم على يزيد بن المهلب قوم من قضاعة فقال ~~رجل منهم (والله ms1744 ما ندري إذا ما فاتنا * طلب لديك من الذي نتطلب) (ولقد ~~ضربنا في البلاد فلم نجد * أحدا سواك إلى المكارم ينسب) (فاصبر لعادتك التي ~~عودتنا * أو لا فأرشدنا إلى من نذهب) فأمر له بألف دينار فلما كان في العام ~~المقبل وفد عليه فأنشده (ما لي أرى أبوابهم مهجورة * وكأن بابك مجمع ~~الأسواق) (حابوك أم هابوك أم شاموا الندى * بيدك فانتجعوا من الآفاق) (إني ~~رأيتك للمكارم عاشقا * والمكرمات قليلة العشاق) فأمر له بعشرة آلاف درهم ~~وأجمع علماء التاريخ على أنه لم يكن في دولة بني أمية أكرم من بني المهلب ~~كما لم يكن في دولة بني العباس أكرم من البرامكة والله أعلم وكان لهم في ~~الشجاعة أيضا مواقف مشهورة وحكى ابن الجوزي في كتاب الأذكياء أن يزيد بن ~~المهلب وقعت PageV06P283 # عليه حية فلم يدفعها عن نفسه فقال له أبوه ضيعت العقل ~~من حيث حفظت الشجاعة ولما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ~~على الحجاج وقصته مشهورة أتى تستر فاجتمع إليه جماعة فذكروا يوما آل المهلب ~~ووقعوا فيهم فقال عبد الرحمن لحريش بن هلال القريعي وكان في القوم ما لك يا ~~أبا قدامة لا تتكلم فقال والله ما أعلم أحدا أصون لنفسه في الرخاء ولا أبذل ~~لها في الشدة منهم وقدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي على المهلب فرأى بنيه قد ~~ركبوا عن آخرهم فقال أنس الله الإسلام بتلاحقكم أما والله لئن لم تكونوا ~~أسباط نبوة إنكم لأسباط ملحمة ومات ابن لحبيب بن المهلب بن أبي صفرة فقدم ~~أخاه يزيد ليصلي عليه فقيل له أتقدمه وأنت أسن منه والميت ابنك فقال إن أخي ~~قد شرفه الناس وشاع فيهم له الصيت ورمته العرب بأبصارها فكرهت أن أضع منه ~~ما رفعه الله تعالى ونظر مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى يزيد بن المهلب ~~وهو يمشي وعليه حلة يسحبها فقال له ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله ~~فقال يزيد أما تعرفني فقال بلى أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة ms1745 وأنت بين ~~ذلك حامل عذرة قلت وقد نظم هذا المعنى أبو محمد عبد الله بن محمد البسامي ~~الخوارزمي فقال (عجبت من معجب بصورته * وكان من قبل نطفة مذره) (وفي غد بعد ~~حسن صورته * يصير في الأرض جيفة قذره) (وهو على عجبه ونخوته * ما بين ثوبيه ~~يحمل العذره) (331) وذكر الحافظ المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير في ~~ترجمة أبي خداش مخلد بن يزيد بن المهلب أن مخلدا أحد الأسخياء الممدوحين ~~وفد على PageV06P284 # عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يكلمه في أمر أبيه ~~يزيد وقد حبسه عمر وكان أبوه قد ولاه جرجان فاجتاز في طريقه بالكوفة فأتاه ~~حمزة بن بيض الحنفي الشاعر المشهور في جماعة من أهل الكوفة فقام بيد يديه ~~وأنشده (أتيناك في حاجة فاقضها * وقل مرحبا يجب المرحب) (ولا لا تكلنا إلى ~~معشر * متى يعدوا عدة يكذبوا) (فإنك في الفرع من أسرة * لهم خضع الشرق ~~والمغرب) (وفي أدب فيهم ما نشأت * فنعم لعمرك ما أدبوا) (بلغت لعشر مضت من ~~سنيك * ما بلغ السيد الأشيب) (فهمك فيها جسام الأمور * وهم لداتك أن ~~يلعبوا) (وجدت فقلت ألا سائل * فيسأل أو راغب يرغب) (فمنك العطية للسائلين ~~* وممن ببابك أن يطلبوا) فقال له هات حاجتك فقضاها وقيل أمر له بمائة ألف ~~درهم وقدم على مخلد رجل كان قد زاره قبل ذلك فأجازه وقضى حقه فلما عاد إليه ~~قال له مخلد ألم تكن أتيتنا فأجزناك قال بلى قال فماذا ردك قال قول الكميت ~~فيك (سألناه الجزيل فما تلكأ * وأعطى فوق منيتنا وزادا) (فأعطى ثم أعطى ثم ~~عدنا * فأعطى ثم عدت له فعادا) (مرارا ما أعود إليه إلا * تبسم ضاحكا وثنى ~~الوسادا) فأضعف له ما كان أعطاه وقال قبيصة بن عمر المهلبي كان يزيد بن ~~المهلب قد فتح جرجان وطبرستان وأخذ صول وهو رئيس من رؤسائهم قلت كان صاحب ~~جرجان PageV06P285 # وهو جد إبراهيم بن العباس الصولي وأبي بكر محمد بن ~~يحيى الصولي الأديبين الشاعرين المشهورين قال فأصاب يزيد أموالا كثيرة ~~وعروضا كثيرة فكتب إلى سليمان ms1746 بن عبد الملك إني قد فتحت طبرستان وجرجان ولم ~~يفتحهما أحد من الأكاسرة ولا أحد ممن كان بعدهم غيري وإني باعث إليك بقطران ~~عليها الأموال والهدايا يكون أولها عندك وآخرها عندي فلما مات سليمان وأفضت ~~الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعده أخذه عمر بهذه العدة ~~لسليمان فحبسه فقدم ابنه مخلد على عمر قال قبيصة المهلبي وهب مخلد من لدن ~~خروجه من مرو الشاهجان إلى أن ورد دمشق ألف ألف درهم فلما أراد مخلد الدخول ~~على عمر لبس ثيابا مستنكرة وقلنسوة لاطية فقال له عمر لقد شمرت فقال له إذا ~~شمرتم شمرنا وإذا أسبلتم أسبلنا ثم قال له ما بالك قد وسع الناس عفوك حبست ~~هذا الشيخ فإن تكن عليه بينة عادلة فاحكم عليه وإلا فيمينه أو فصالحه على ~~ضياعه فقال يزيد أما اليمين فلا تتحدث العرب أن يزيد بن المهلب صبر عليها ~~ولكن ضياعي فيها وفاء لما يطلب ومات مخلد وهو ابن سبع وعشرين سنة فقال عمر ~~لو أراد الله بهذا الشيخ خيرا لأبقى له هذا الفتى ويقال إن مخلد بن يزيد ~~أصابه الطاعون فمات وصلى عليه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ثم قال اليوم ~~مات فتى العرب وأنشد متمثلا (على مثل عمرو تذهب النفس حسرة * وتضحي وجوه ~~القوم مغبرة سودا) ورثاه حمزة بن بيض الحنفي المقدم ذكره بأبيات منها ~~(وعطلت الأسرة منك إلا * سريرك يوم تحجب بالثياب) (وآخر عهدنا بك يوم يحثى ~~* عليك بدابق سهل التراب) وقال الفرزدق يرثيه (وما حملت أيديهم من جنازة * ~~ولا ألبست أثوابها مثل مخلد) PageV06P286 # (أبوك الذي تستهزم الخيل باسمه * وإن كان فيها قيد شهر ~~مطرد) (وقد علموا إذ شد حقويه أنه * هو الليث ليث الغاب لا بالمعرد) قلت ~~وهذا يدل على أن مخلد بن يزيد مات في حدود سنة مائة للهجرة لأن عمر بن عبد ~~العزيز ولي الخلافة في صفر سنة تسع وتسعين وتوفي في رجب سنة إحدى ومائة وقد ~~مات عنده وصلى عليه ويدل على أن موت ms1747 مخلد كان بدابق ما تقدم من مرثية حمزة ~~بن بيض ودابق قرية من أعمال حلب من جانبها الشمالي وإليها ينسب المرج الذي ~~يقال له مرج دابق وبه كانت وفاة سليمان بن عبد الملك وقبره هناك مشهور ~~ونعود إلى ذكر يزيد قال أبو جعفر الطبري في تاريخه الكبير إن المغيرة بن ~~المهلب كان نائبا عن أبيه بمرو وعمله كله ومات في رجب سنة اثنتين وثمانين ~~كما ذكرناه في ترجمة المهلب فأتى الخبر يزيد وعلم أهل المعسكر ولم يعلموا ~~المهلب وأحب يزيد أن يعلمه من النساء فصرخن فقال المهلب ما هذا فقيل مات ~~المغيرة فاسترجع وجزع حتى ظهر جزعه عليه فلامه بعض خاصته فدعا يزيد فوجه ~~إلى مرو وجعل يوصيه بما يعمل ودموعه تنحدر على لحيته وكتب الحجاج إلى ~~المهلب يعزيه عن المغيرة وكان سيدا (332) قلت وكان للمغيرة ابن اسمه بشر ~~ذكره أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة في الباب الأول وأورد من شعره قوله ~~في يزيد (جفاني يزيد والمغيرة قد جفا * وأمسى يزيد لي قد أزور جانبه) ~~PageV06P287 # (وكلهم قد نال شبعا لبطنه * وشبع الفتى لؤم إذا جاع ~~صاحبه) (فيا عم مهلا واتخذني لنوبة * تنوب فإن الدهر جم نوائبه) (أنا السيف ~~إلا أن للسيف نبوة * ومثلي لا تنبو عليك مضاربه) (على أي باب أبتغي الإذن ~~بعد ما * حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه) رجعنا إلى تتمة كلام الطبري وكان ~~المهلب يوم مات المغيرة مقيما بكش وراء النهر لحرب أهلها فسار يزيد في ستين ~~فارسا فلقيهم خمسمائة من الترك في المفازة وحاصل الأمر أنه جرى بينهم قتال ~~شديد ورمي يزيد في ساقه ثم إن المهلب صالح أهل كش على فدية وانصرف عنهم ~~متوجها إلى مرو فلما وصل إلى زاغول قرية من أعمال مرو الروذ أصابته الشوصة ~~فدعا ولده حبيبا ومن حضر من ولده ودعا بسهام فحزمت وقال أفترونكم كاسريها ~~مجتمعة فقالوا لا قال أفترونكم كاسريها مفترقة قالوا نعم قال هكذا الجماعة ~~ثم أوصاهم وصية طويلة لا حاجة إلى ذكرها ثم قال في آخرها ms1748 وقد استخلفت يزيد ~~وجعلت حبيبا على الجند حتى يقدم بهم على يزيد فلا تخالفوا يزيد فقال له ~~ولده المفضل لو لم تقدمه لقدمناه ومات المهلب حسبما شرحناه في ترجمته وأوصى ~~إلى حبيب فصلى عليه حبيب ثم سار إلى مرو فكتب يزيد إلى عبد الملك بوفاة ~~المهلب واستخلافه إياه فأقره الحجاج ثم إنه عزله في سنة خمس وثمانين ~~واستعمل أخاه المفضل وكان سبب ذلك أن الحجاج وفد على عبد الملك فمر في ~~منصرفه بدير فنزله فقيل له إن بهذا الدير شيخا من أهل الكتب عالما فدعا به ~~وقال يا شيخ هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن فقال نعم نجد ما مضى ~~PageV06P288 # من أمركم وما أنتم فيه وما هو كائن قال أفمسمى أم ~~موصوفا قال كل ذلك موصوف بغير اسم واسم بغير صفة قال فما تجدون صفة أمير ~~المؤمنين قال نجده في زماننا الذي نحن فيه أنه ملك أقرع من يقم لسبيله يصرع ~~قال ثم من قال رجل يقال له الوليد قال ثم ماذا قال رجل اسمه اسم نبي يفتح ~~به على الناس قلت وهو سليمان بن عبد الملك قال أفتعلم ما ألي قال نعم قال ~~فمن يليه بعدي قال رجل يقال له يزيد قال في حياتي أم بعد موتي قال لا أدري ~~قال أفتعرف صفته قال يغدر غدرة لا أعرف غير هذا قال فوقع في نفسه أنه يزيد ~~بن المهلب وارتحل فسار سبعا وهو وجل من قول الشيخ وقدم فكتب إلى عبد الملك ~~يستعفيه من العراق فكتب إليه قد علمت الذي تغزو وأنك تريد أن تعلم رأيي فيك ~~ثم إن الحجاج أجمع على عزل يزيد فلم يجد لذلك سببا حتى قدم الخيار بن سبرة ~~وكان من فرسان المهلب وكان مع يزيد فقال له الحجاج أخبرني عن يزيد فقال حسن ~~الطاعة لين السيرة قال كذبت اصدقني عنه فقال الله أجل وأعظم قد أسرج ولم ~~يلجم قال صدقت واستعمل الخيار على عمان بعد ذلك ثم كتب إلى عبد الملك يذم ~~يزيد ms1749 وآل المهلب وخلاصة الأمر أنه كرر القول مع عبد الملك في ذلك إلى أن ~~كتب إليه عبد الملك قد أكثرت في يزيد وآل المهلب فسم لي رجلا يصلح لخراسان ~~فسمى له مجاعة بن سعد السعدي فكتب إليه عبد الملك إن رأيك الذي دعاك إلى ~~استفساد آل المهلب هو الذي دعاك إلى مجاعة بن سعد السعدي فانظر لي رجلا ~~حازما ماضيا لأمرك فسمى قتيبة بن مسلم الباهلي فكتب إليه وله فبلغ يزيد أن ~~الحجاج عزله فقال لأهل بيته من ترون الحجاج يولي خراسان قالوا رجلا من ثقيف ~~قال PageV06P289 # كلا والله ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده فإذا قدمت ~~عليه ولى غيره وأخلق بقتيبة بن مسلم قال فلما أذن عبد الملك للحجاج في عزل ~~يزيد كره أن يكتب بعزله فكتب إليه أن استخلف أخاك المفضل وأقبل فاستشار ~~يزيد حصين بن المنذر فقال له أقم واعتل فإن أمير المؤمنين حسن الرأي فيك ~~وإنما أتيت من الحجاج فإن أقمت ولم تعجل رجوت أن يكتب إليه أن يقر يزيد ~~فقال إنا أهل بيت بورك لنا في الطاعة وأنا أكره المعصية والخلاف وأخذ في ~~الجهاز فأبطأ ذلك على الحجاج فكتب إلى أخيه المفضل إني قد وليتك خراسان ~~فجعل المفضل يستحث يزيد فقال له يزيد إن الحجاج لا يقرك بعدي وإنما دعاه ~~إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه قال بل حسدتني قال يزيد أنا لا أحسدك ولكن ~~ستعلم وخرج يزيد في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين فعزل الحجاج المفضل ~~وولى قتيبة بن مسلم الباهلي وقيل فيروز بن حصين وقال حصين بن منذر ليزيد ~~المذكور (أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فأصبحت مسلوب الإمارة نادما) (فما أنا ~~بالباكي عليك صبابة * وما أنا بالداعي لترجع سالما) فلما قدم قتيبة خراسان ~~قال لحصين كيف قلت ليزيد قال قلت (أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فنفسك ول ~~اللوم إن كنت لائما) (فإن يبلغ الحجاج أن قد عصيته * فإنك تلقى أمره ~~متفاقما) قال فماذا أمرته به فعصاك قال أمرته أن لا يدع صفراء ولا ms1750 بيضاء ~~إلا حملها إلى الأمير وفي تولية قتيبة وعزل يزيد قال عبد الله بن همام ~~السلولي (أقتيب قد قلنا غداة أتيتنا * بدل لعمرك من يزيد أعور) (إن المهلب ~~لم يكن كأبيكم * هيهات شأنكم أدق وأحقر) PageV06P290 # (شتان من بالصنج أدرك والذي * بالسيف شمر والحروب ~~تسعر) (حولان باهلة الألى في ملكهم * مات الندى فيهم وعاش المنكر) قوله بدل ~~أعور هذا مثل يضرب للمذموم يتولى بعد الرجل المحمود يقال بدل أعور وخلف ~~أعور وقوله من بالصنج أدرك يقال إن قتيبة كان يضرب بالصنج في بدء أمره ~~وقوله حولان باهلة جمع أحول وكان قتيبة أحول وهذا الجمع مثل قولهم أسود ~~وسودان وأحمر وحمران وغير ذلك وقد قيل إن هذه الأبيات ليست لعبد الله بن ~~همام وإنها لنهار بن توسعة اليشكري والله أعلم ثم ذكر الطبري في سنة تسعين ~~أن الحجاج خرج إلى الأكراد الذين غلبوا على عامة أرض فارس فخرج بيزيد معه ~~وأخويه المفضل وعبد الملك وجعل عليهم في العسكر كهيئة الخندق وجعلهم في ~~فسطاط قريبا منه وجعل عليهم حرسا من أهل الشام وأغرمهم ستة آلاف ألف وأخذ ~~يعذبهم وكان يزيد يصبر صبرا حسنا وكان الحجاج يغيظه ذلك فقيل له إنه رمي ~~بنشابة فثبت أصلها في ساقه فهو لا يمسها شيء إلا صاح فإن حركت أدنى شيء ~~سمعت صوته فأمر أن يعذب به ويرهق ساقه فلما فعل به ذلك صاح وأخته هند عند ~~الحجاج فلما سمعت صياح يزيد صاحت وناحت فطلقها ثم إنه كف عنهم وأقبل ~~يستأديهم فأخذوا يؤدون وهم يعملون في المخلص من مكانهم فبعثوا إلى مروان بن ~~المهلب وهو بالبصرة يأمرونه أن يضمر لهم الخيل ويري الناس أنه إنما يريد ~~بيعها ويعرضها على البيع ويغلي بها كي لا تشترى فتكون لنا عدة إن نحن قدرنا ~~أن ننجو من هاهنا ففعل ذلك مروان بن المهلب وحبيب بالبصرة يعذب أيضا فأمر ~~يزيد بالحرس فصنع لهم طعام كثير فأكلوا وأمر لهم بشراب فسقوا وكانوا ~~متشاغلين به ولبس PageV06P291 # يزيد ثياب طباخه ووضع على لحيته لحية بيضاء ms1751 وخرج فرآه ~~بعض الحرس فقال كأن هذه مشية يزيد فجاء حتى استعرض وجهه ليلا فرأى بياض ~~اللحية فانصرف عنه وقال هذا شيخ وخرج المفضل على أثره ولم يفطن له فجاؤوا ~~إلى سفينة وقد هيؤوها في البطائح وبينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخا فلما ~~انتهوا إلى السفينة أبطأ عليهم عبد الملك وشغل عنهم فقال يزيد للمفضل اركب ~~فإنه لاحق فقال المفضل وكان عبد الملك أخاه لأمه لا والله لا أبرح حتى يجيء ~~عبد الملك ولو رجعت إلى السجن فأقام يزيد حتى جاءهم عبد الملك وركبوا في ~~السفينة وساروا ليلتهم حتى أصبحوا ولما أصبح الحرس علموا بذهابهم فرفع ذلك ~~إلى الحجاج ففزع لذلك الحجاج وذهب وهمه أنهم ذهبوا قبل خراسان وبعث البريد ~~إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمره أن يستعد لهم وبعث إلى أمراء الثغور ~~والكور أن يرصدوهم ويستعدوا وبعث إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بهم وأنه ~~لا يراهم أرادوا إلا خراسان ولم يزل الحجاج يظن بيزيد ما صنع كان يقول إني ~~لأظنه يحدث نفسه بمثل الذي صنع ابن الأشعث قلت ابن الأشعث هو عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وكان قد خرج على عبد الملك بن مروان وقصته ~~مشهورة مذكورة في التواريخ قال الطبري ولما دنا يزيد من البطائح استقبلته ~~الخيل وقد هيئت لهم فخرجوا عليهم ومعهم دليل فأخذ بهم على السماوة وأتي ~~الحجاج بعد يومين فقيل له إنما أخذ الرجل طريق الشام وهذه الخيل حسرى في ~~الطريق وقد أتى من رآهم متوجهين في البر فبعث إلى الوليد يعلمه بذلك ومضى ~~يزيد حتى قدم فلسطين فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي وكان كريما على ~~سليمان بن عبد الملك وجاء وهيب حتى دخل على سليمان فقال إن يزيد وإخوته ~~عندي وقد أتوا هرابا من الحجاج متعوذين بك فقال أتني بهم فهم آمنون لا يوصل ~~PageV06P292 # إليهم أبدا وانا حي فجاء بهم حتى دخلوا عليه فكانوا في ~~مكان أمن وكتب الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك إن آل ms1752 المهلب خانوا مال الله ~~وهربوا مني ولحقوا بسليمان فلما بلغ الوليد مكانه عند سليمان أخيه هون عليه ~~بعض ما كان في نفسه وطار غضبا للمال الذي ذهبوا به وكتب سليمان إلى أخيه ~~الوليد إن يزيد بن المهلب عندي وقد آمنته وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف كان ~~الحجاج أغرمهم ستة آلاف ألف فأدى ثلاثة آلاف ألف وبقيت ثلاثة آلاف ألف فهي ~~علي فكتب إليه لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي فكتب إليه لئن أنا بعثت ~~به لأجيئن معه فأنشدك الله أن لا تفضحني ولا أن تخفرني فكتب إليه الوليد ~~والله لئن جئتني به لا أؤمنه فقال يزيد ابعثني إليه فوالله ما أحب أن أوقع ~~بينك وبينه عداوة وحربا ولا أن يتشاءم بي لكما الناس ابعث إليه بي وأرسل ~~معي ابنك واكتب إليه بألطف ما قدرت عليه فأرسل ابنه أيوب معه وكان الوليد ~~أمره أن يبعث به إليه في وثاق فبعثه إليه وقال لابنه إذا أردت أن تدخل عليه ~~فادخل أنت ويزيد في سلسلة على الوليد ففعل ذلك حتى انتهيا إلى الوليد فدخلا ~~عليه فلما رأى الوليد ابن أخيه مع يزيد في سلسلة قال والله لقد بلغنا من ~~سليمان ثم إن الغلام دفع كتاب أبيه إلى عمه وقال يا أمير المؤمنين نفسي ~~فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة ~~في جوارنا لمكاننا منك ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك ~~وقرأ الكتاب لعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سليمان بن عبد الملك أما ~~بعد يا أمير المؤمنين فوالله إني لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك ~~فأنزلته وأجرته فأنك لا تذل جاري ولا تخفر جواري بل إني لم أجر إلا سامعا ~~مطيعا حسن البلاء والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته وبعد فقد بعثت به ~~إليك فإن كنت إنما تغزو قطيعتي والإخفار لذمتي والإبلاغ في مساءتي فقد قدرت ~~إن أنت فعلت ذلك وأنا أعيذك بالله من اجترار ms1753 قطيعتي وانتهاك حرمتي وترك يدي ~~وصلتي فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك ولا متى يفرق ~~PageV06P293 # الموت بيني وبينك فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله ~~سروره أن لا يأتي علينا أجل الوفاة إلا وهو لي واصل ولحقي مؤد وعن مساءتي ~~نازع فليفعل والله يا أمير المؤمنين ما أصبحت لشيء من أمور الدنيا بعد تقوى ~~الله تعالى فيها بأسر مني برضاك وسرورك ولرضاك مما ألتمس به رضوان الله فإن ~~كنت يا أمير المؤمنين تريد يوما من الدهر مسرتي وصلتي وكرامتي وإعظام حقي ~~فتجاوز لي عن يزيد وكل ما طلبته به فهو علي فلما قرأ كتابه قال لقد شققنا ~~على سليمان ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه ثم تكلم يزيد فحمد الله تعالى وأثنى ~~عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال يا أمير المؤمنين إن بلاءكم ~~عندنا أحسن البلاء فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه ومن يكفر فلسنا كافريه وقد كان ~~من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام ~~في المشارق والمغارب ما إن المنة فيه عظيمة فقال له اجلس فجلس فآمنه وكف ~~عنه ورجع إلى سليمان وسعى إخوته في المال الذي عليه وكتب إلى الحجاج إني لم ~~أصل إلى يزيد وأهل بيته مع سليمان فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلي فيهم فلما ~~رأى ذلك الحجاج كف عنهم وكان أبو عيينة عند الحجاج عليه ألف ألف درهم ~~فتركها له وكف عن حبيب بن المهلب واقام يزيد عند سليمان تسعة أشهر في أرغد ~~عيش وأنعم بال لا تأتي سليمان هدية إلا أرسل نصفها إليه وقال بعض جلساء ~~يزيد له لم لا تتخذ لك دارا فقال وما أصنع بها ولي دار حاصلة مجهزة على ~~الدوام فقال له وأين هي قال إن كنت متوليا فدار الإمارة وإن كنت معزولا ~~فالسجن ومن كلام يزيد ما يسرني أن أكفى أمور دنياي كلها ولي الدنيا ~~بحذافيرها فقيل له ولم ذاك فقال لأني أكره عادة العجز ثم إن الحجاج مات ms1754 في ~~شوال سنة خمس وتسعين للهجرة وقيل كانت وفاته لخمس ليال بقين من شهر رمضان ~~من السنة وعمره ثلاث وخمسون سنة PageV06P294 # وقيل أربع وخمسون ولما حضرته الوفاة استخلف يزيد بن ~~أبي كبشة على الحرب والصلاة بالمصرين البصرة والكوفة وولى خراجهما يزيد بن ~~أبي مسلم فأقرهما الوليد وكذلك فعل بكل من استخلف الحجاج وقيل بل الوليد هو ~~الذي ولاهما وكانت ولاية الحجاج بالعراقين عشرين سنة ثم توفي الوليد بن عبد ~~الملك يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين للهجرة بدير مران قلت ~~وهو بسفح جبل قاسيون ظاهر دمشق ودفن في مقابر باب الصغير ظاهر دمشق وبويع ~~سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي مات فيه أخوه الوليد وفي هذه السنة أعني ~~سنة ست وتسعين عزل سليمان بن عبد الملك يزيد ابن أبي مسلم عن العراق وأمر ~~عليه يزيد بن المهلب وقال خليفة بن خياط جمع ليزيد المصران يعني الكوفة ~~والبصرة سنة سبع وتسعين والله أعلم وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج ~~وأمره أن يعذب آل أبي عقيل قلت هم رهط الحجاج قال ويبسط عليهم العذاب فأخذ ~~صالح آل أبي عقيل فكان يعذبهم وكان يلي عذابهم عبد الملك بن المهلب وكان ~~الوليد قد عزم على خلع أخيه سليمان عن ولاية العهد ويجعل ولي عهده ولده عبد ~~العزيز بن الوليد وتابعه على ذلك الحجاج وقتيبة بن المسلم الباهلي والي ~~خراسان الذي تولى بعد يزيد بن المهلب كما سبق ذكره قبل هذا فلما ولي سليمان ~~الخلافة خافه قتيبة بن مسلم وتوهم أن يعزله ويولي خراسان يزيد ابن المهلب ~~فكتب إلى سليمان كتابا يهنئه بالخلافة ويعزيه عن الوليد ويعلمه بلاءه ~~وطاعته لعبد الملك والوليد وأنه على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة ~~والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان وكتب إليه كتابا آخر يعلمه فيه فتوجه ~~ومكانه وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته في صدورهم ويذم المهلب وآل المهلب ~~ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه وكتب كتابا ثالثا فيه ~~PageV06P295 # خلعه ms1755 وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة وقال له ~~ادفع إليه هذا الكتاب فإن كان يزيد بن المهلب حاضرا فقرأه ثم ألقاه إليه ~~فادفع إليه هذا الكتاب وإن قرأ الأول فاحتبسه ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس ~~الكتابين الآخرين قال فقدم رسول قتيبة بن مسلم على سليمان وعنده يزيد بن ~~المهلب فدفع إليه الكتاب فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد فدفع إليه الكتاب الآخر ~~فقرأه ثم رماه إلى يزيد فأعطاه الكتاب الثالث فقرأه فتمعر لونه ثم دعا بطين ~~فختمه ثم أمسكه بيده وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى كان في الكتاب الأول ~~وقيعة في يزيد بن المهلب وذكر غدره وكفره وقلة شكره وفي الكتاب الثاني ثناء ~~على يزيد وفي الكتاب الثالث لئن لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمنني لأخلعنك ~~خلع النعل ولأملأنها عليك خيلا ورجلا ثم إن سليمان أمر برسول قتيبة أن ينزل ~~بدار الضيافة فلما أمسى دعا به سليمان وأعطاه صرة فيها دنانير وقال هذه ~~جائزتك وهذا عهد صاحبك على خراسان فسر وهذا رسول معك بعهده فخرج الباهلي ~~ومعه رسول سليمان فلما كان بحلوان تلقاهم الناس بخلع قتيبة فرجع رسول ~~سليمان ودفع العهد إلى رسول قتيبة فوصل به إليه فاستشار إخوته فقالوا لا ~~يثق بك سليمان بعد هذا ثم إن قتيبة قتل كما ذكرته في ترجمته في حرف القاف ~~مع الاختصار لأن الشرح في ذلك يطول ثم إن يزيد بن المهلب نظر في نفسه لما ~~تولى العراق فقال إن العراق قد أخربها الحجاج وأنا اليوم رحا أهل العراق ~~ومتى قدمتها وأخذت الناس PageV06P296 # بالخراج وعذبتهم عليه صرت مثل الحجاج أدخل على الناس ~~الحرب وأعيد عليهم تلك الشجون التي قد عافاهم الله منها ومتى لم آت سليمان ~~بمثل ما جاء به الحجاج لم يقبل مني فأتى يزيد سليمان فقال أدلك على رجل ~~بصير بالخراج توليه إياه وهو صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم فقال قد ~~قبلنا رأيك فأقبل يزيد إلى العراق وكان صالح قدم العراق قبل قدوم يزيد ونزل ~~واسطا ولما ms1756 قدم يزيد خرج الناس يتلقونه فلم يخرج صالح حتى قرب يزيد من ~~المدينة ثم خرج إليه وبين يديه أربعمائة من أهل الشام فلقي يزيد وسايره ~~فلما دخل المدينة قال له صالح قد فرغت لك هذه الدار فنزل يزيد ومضى صالح ~~حتى أتى منزله وضيق صالح على يزيد فلم يملكه شيئا واتخذ يزيد ألف خوان يطعم ~~الناس عليها فأخذها صالح فقال له يزيد اكتب ثمنها علي واشترى متاعا كثيرا ~~وصك صكاكا إلى صالح لباعتها منه فلم ينفذه فرجعوا إلى يزيد فغضب وقال هذا ~~عملي بنفسي فلم يلبث أن جاء صالح فأوسع له يزيد فجلس وقال ليزيد ما هذه ~~الصكاك إن الخراج لا يقوم لها ولقد أنفذت لك منذ أيام صكاكا بمائة ألف ~~وعجلت لك أرزاقك وسألت مالا فأعطيتك فهذا لا يقوم له شيء ولا يرضي أمير ~~المؤمنين وتؤخذ به فقال له يزيد يا أبا الوليد أجز هذه الصكاك هذه المرة ~~وضاحكه فقال إني أجيزه فلا تكثرن علي قال لا ولما ولى سليمان يزيد العراق ~~لم يوله خراسان فقال سليمان لعبد الملك ابن المهلب كيف أنت يا عبد الملك إن ~~وليتك خراسان قال يجدني أمير المؤمنين حيث يحب ثم أعرض سليمان عن ذلك وكتب ~~عبد الملك إلى رجال من خاصته بخراسان إن أمير المؤمنين عرض علي ولاية ~~خراسان فبلغ الخبر إلى أخيه يزيد وقد ضجر بالعراق وقد ضيق عليه صالح بن عبد ~~الرحمن فليس يصل معه إلى شيء فدعا يزيد عبد الله بن الأهتم فقال إني أريدك ~~لأمر قد أهمني وقد أحببت أن تكفينيه قال مرني بما أحببت قال أنا فيما ~~PageV06P297 # ترى من الضيق وقد أضجرني ذلك وخراسان شاغرة وقد بلغني ~~أن أمير المؤمنين ذكرها لعبد الملك بن المهلب فهل من حيلة قال نعم سرحني ~~إلى أمير المؤمنين فإني أرجو أن آتيك بعهده عليها قال فاكتم ما أخبرتك به ~~وكتب إلى سليمان كتابين أحدهما يذكر له فيه أمر العراق وأثنى فيه على ابن ~~الأهتم وذكر له علمه بها ووجه ابن الأهتم وحمله ms1757 على البريد وأعطاه ثلاثين ~~ألفا وسار سبعا فقدم بكتاب يزيد على سليمان فدخل عليه وهو يتغدى فجلس ناحية ~~فأتي بدجاجتين فأكلهما ثم قال له سليمان لك مجلس بعد هذا تعود إليه ثم دعا ~~به بعد ثالثة فقال له سليمان إن يزيد بن المهلب كتب إلي يذكر علمك بالعراق ~~وبخراسان ويثني عليه فكيف علمك بها قال أنا أعلم الناس بها بها ولدت وبها ~~نشأت قال ما أحوج أمير المؤمنين إلى مثلك يشاوره في أمرها فأشر علي برجل ~~أوليه خراسان قال أمير المؤمنين أعلم بمن يريد يولي فإن ذكر منهم أحدا ~~أخبرته برأيي فيه هل يصلح أم لا فسمى سليمان رجلا من قريش فقال ليس من رجال ~~خراسان فسمى عبد الملك ابن المهلب فقال لا حتى عدد رجالا فكان في آخر من ~~ذكر وكيع ابن أبي سود فقال يا أمير المؤمنين وكيع رجل شجاع صارم مقدام وليس ~~بصاحبها ومع هذا إنه لم يقد ثلاثمائة قط فرأى لأحد عليه طاعة قال صدقت ويحك ~~فمن لها قال رجل أعلمه لم تسمه قال فمن هو قال لا أبوح باسمه إلا أن يضمن ~~لي أمير المؤمنين ستر ذلك وأن يجيرني منه إن علم قال نعم سمه لي قال يزيد ~~بن المهلب قال ذلك بالعراق والمقام بها أحب إليه من المقام بخراسان قال قد ~~علمت يا أمير المؤمنين ولكن تكرهه فيستخلف على العراق رجلا ويسير قال أصبت ~~الرأي فكتب عهد يزيد ابن المهلب على خراسان وكتب إليه إن ابن الأهتم كما ~~ذكرت من عقله ودينه وفضله ورأيه ودفع الكتاب وعهد يزيد إليه فسار سبعا فقدم ~~على يزيد فقال له ما وراءك فأعطاه الكتاب فقال ويحك أعندك خبر فأعطاه العهد ~~فأمر يزيد بالجهاز للمسير من ساعته ودعا ابنه مخلدا فقدمه إلى خراسان فسار ~~من يومه ثم سار يزيد إلى خراسان فأقام بها ثلاثة أشهر أو أربعة ثم غزا ~~جرجان PageV06P298 # وطبرستان ودهستان وفتحها وذلك في سنة ثمان وتسعين وقتل ~~من أصحاب يزيد على حصار بعض قلاع جرجان خمسة آلاف ms1758 رجل فحلف يزيد يمينا ~~مغلظة أنه ليقتلنهم حتى تطحن الرحى بدمائهم فأكثر من قتلهم وكانت الدماء لا ~~تجري حتى صب عليها الماء فجرت فطحنت وأكل مما طحنت بدمائهم ثم مات سليمان ~~بن عبد الملك يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر سنة تسع وتسعين للهجرة وقيل ~~لعشر ليال مضين من صفر والله أعلم بالصواب بدابق قرية من شمالي حلب وعهد ~~إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فعزل عمر في هذه السنة يزيد بن المهلب ~~عن العراق وجعل مكانه عدي بن أرطأة الفزاري فأخذ يزيد وأوثقه وبعث به إلى ~~عمر بن عبد العزيز وقد كان عمر يبغض يزيد وأهل بيته ويقول هؤلاء جبابرة ولا ~~أحب مثلهم وكان يزيد يبغض عمر ويقول إني لأظنه مرائيا ولما وصل يزيد سأله ~~عمر عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان فقال كنت من سليمان بالمكان الذي ~~قد رأيت وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به وقد علمت أن سليمان لم يكن ~~ليأخذني بشيء مما سمعت ولا بأمر أكرهه فقال عمر ما أجد في أمرك إلا حبسك ~~فاتق الله وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها فرده إلى محبسه ~~وذكر البلاذري في كتاب فتوح البلدان في الفصل المتضمن حديث جرجان وطبرستان ~~أن يزيد بن المهلب لما فرغ من أمر جرجان سار إلى خراسان فتلقته الهدايا ثم ~~ولى ابنه مخلدا خراسان وانصرف إلى سليمان فكتب إليه إن معه خمسة وعشرين ألف ~~ألف درهم فوقع الكتاب في يد عمر بن عبد العزيز فأخذ يزيد به وحبسه والله ~~أعلم وبعث عمر إلى الجراح بن عبد الله الحكمي فسرحه إلى خراسان ثم قدم ~~PageV06P299 # مخلد بن يزيد على عمر وجرى بينهما ما سبق ذكره فلما ~~خرج مخلد بن يزيد قال عمر هذا عندي خير من أبيه فلم يلبث مخلد إلا قليلا ~~حتى مات ولما أبي يزيد أن يؤدي المال إلى عمر ألبسه جبة صوف وحمله على جمل ~~ثم قال سيروا به إلى دهلك قلت وهي جزيرة في ms1759 بحر عيذاب بالقرب من سواكن كان ~~الخلفاء يحبسون بها من نقموا عليه قال فلما أخرج يزيد مروا به على الناس ~~فجعل يزيد يقول مالي عشيرة يذهب بي إلى دهلك إنما يذهب إلى دهلك بالفاسق ~~المريب سبحان الله أما لي عشيرة فدخل على عمر سلامة ابن نعيم الخولاني وقال ~~يا أمير المؤمنين أردد يزيد إلى محبسه فإني أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه ~~فإني رأيت قومه قد غضبوا له فرده إلى محبسه ولم يزل في محبسه حتى بلغه مرض ~~عمر وقيل إن عدي بن أرطأة سلمه إلى وكيع بن حسان بن أبي سود التميمي مغلولا ~~مقيدا في سفينة ليوصله إلى عين التمر حتى يحمل إلى عمر فعرض لوكيع ناس من ~~الأزد لينتزعوه منه فوثب وكيع وانتضى سيفه وقطع قلس السفينة وأخذ سيف يزيد ~~بن المهلب وحلف بطلاق امرأته ليضربن عنقه إن لم يتفرقوا عنه فناداهم يزيد ~~وأعلمهم بيمين وكيع فتفرقوا ومضى به حتى سلمه إلى الجند الذين بعين التمر ~~وحمله الجند إلى عمر فحبسه ولما كان يزيد في حبس عمر دخل عليه الفرزدق فرآه ~~مقيدا فأنشده (أصبح في قيدك السماحة والجود * وحمل الديات والحسب) (لا بطر ~~إن ترادفت نعم * وصابر في البلاء محتسب) فقال له يزيد ويحك ماذا صنعت أسأت ~~إلي قال ولم ذاك قال تمدحني وأنا على هذه الحالة فقال له الفرزدق رأيتك ~~رخيصا فأحببت أن أسلف فيك بضاعتي فرمى يزيد إليه بخاتمه وقال شراؤه ألف ~~دينار وهو ربحك إلى أن يأتيك رأس المال واستمر في حبسه إلى أن مرض عمر في ~~سنة إحدى ومائة فخاف PageV06P300 # يزيد بن المهلب من يزيد بن عبد الملك بن مروان أن يلي ~~الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن المهلب لما ولي العراق قد عذب ~~آل أبي عقيل وهم رهط الحجاج كما سبق ذكره وكانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف ~~بن الحكم بن أبي عقيل عند يزيد بن عبد الملك وهي أم الوليد بن يزيد فاسق ~~بني أمية وهي بنت أخي ms1760 الحجاج وكان يزيد بن عبد الملك قد عاهدها لئن أمكنه ~~الله من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقا فكان يخشى ذلك فأخذ يعمل في ~~المهرب فبعث إلى مواليه فأعدوا له إبلا وكان مرض عمر في دير سمعان فلما ~~اشتد مرض عمر نزل يزيد من محبسه وخرج حتى أتى المكان الذي فيه إبله وقد ~~واعدهم إليه فاحتمل وخرج فلما جاز كتب إلى عمر إني والله لو علمت أنك تبقى ~~ما خرجت من محبسي ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك فقال عمر اللهم إن كان ~~يريد بهذه الأمة شرا فاكفهم شره واردد كيده في نحره ومضى يزيد بن المهلب ~~وزعم الواقدي أن يزيد بن المهلب إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر قلت وجدت ~~في مسودة تاريخ القاضي كمال الدين ابن العديم الحلبي أن عمر حبس يزيد بن ~~المهلب وابنه معاوية بحلب وهربا منها والله أعلم (333) ثم توفي عمر بن عبد ~~العزيز يوم الجمعة وقيل الأربعاء لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة ~~رحمه الله تعالى بدير سمعان وقيل إنه مات لعشر بقين من رجب من السنة وهو ~~ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر وقيل إنه مات بخناصرة وأمه أم عاصم بنت عاصم بن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان يقال له أشج بني أمية وذلك أن دابة من ~~PageV06P301 # دواب أبيه كانت شجته قال نافع مولى ابن عمر كنت أسمع ~~ابن عمر كثيرا يقول ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ ~~الأرض عدلا قال سالم الأفطس إن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام ~~بدمشق فأتى أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فضمته ~~إليها وجعلت تمسح الدم عن وجهه ودخل أبوه عليها على تلك الحال فأقبلت عليه ~~تعذله وتلومه وتقول ضيعت ابني ولم تضم إليه خادما ولا حاضنا يحفظه من مثل ~~هذا فقال لها اسكتي يا أم عاصم فطوبى لك إن كان أشج بني أمية وقال حماد ms1761 بن ~~زيد إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بعجوز تبيع لبنا معها في سوق اللبن ~~فقال لها يا عجوز لا تغشي المسلمين وزوار بيت الله تعالى ولا تشوبي اللبن ~~بالماء فقالت نعم يا أمير المؤمنين ثم مر بها بعد ذلك فقال لها يا عجوز ألم ~~أتقدم إليك أن لا تشوبي اللبن بالماء فقالت والله ما فعلت فقالت ابنة لها ~~من داخل الخباء أغشا وكذبا جمعت على نفسك فسمعها عمر رضي الله عنه فهم ~~بمعاقبة العجوز فتركها لكلام ابنتها ثم التفت إلى بنيه فقال أيكم يتزوج هذه ~~فلعل الله عز و جل يخرج منها نسمة طيبة مثلها فقال عاصم بن عمر أنا أتزوجها ~~فزوجها إياه فولدت له أم عاصم فتزوج أم عاصم عبد العزيز بن مروان فولدت له ~~عمر بن عبد العزيز ثم تزوج بعدها حفصة وفيها قيل ليست حفصة من نساء أم عاصم ~~وذكر الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي بن عبد الله سبط الشيخ جمال ~~الدين أبي الفرج ابن الجوزي في كتاب جوهرة الزمان في تذكرة السلطان عن ابن ~~عمر رضي الله عنهما قال بينما أبي يعس بالمدينة إذ سمع امرأة وهي تقول ~~لابنتها يا بنية قومي فشوبي اللبن بالماء فقالت يا أماه أما سمعت منادي ~~أمير المؤمنين أنه نادى أن لا يشاب اللبن بالماء فقالت وأين أنت من مناديه ~~الساعة فقالت إذا لم يرني مناديه ألم يرني رب مناديه وفي رواية أخرى قالت ~~والله ما كنت لأطيعه في الملا وأعصيه في الخلا قال فبكى عمر رضي الله عنه ~~فلما أصبح دعا بالمرأة وبابنتها وسأل هل لها زوج فقالت ليس لها زوج فقال يا ~~عبد الله تزوج هذه فلو كانت PageV06P302 # بي حاجة إلى النساء لتزوجتها فقلت أنا في غنى عنها ~~فقال يا عاصم تزوجها فتزوجها فجاءت بابنة فحملت بعمر بن عبد العزيز ولما ~~مات عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ولي مكانه يزيد بن عبد الملك بن ~~مروان ثم إن يزيد بن المهلب ms1762 لحق بالبصرة فغلب عليها وأخذ عامل يزيد بن عبد ~~الملك وهو عدي بن أرطأة الفزاري فحبسه وخلع يزيد بن عبد الملك ورام الخلافة ~~لنفسه فجاءته إحدى حظاياه وقبلت الأرض بين يديه وقالت السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين فأنشدها (رويدك حتى تنظري عم تنجلي * عماية هذا العارض المتألق) ~~قلت وهذا البيت من جملة أبيات لبشر بن قطية الأسدي قلت ولا حاجة إلى تفصيل ~~الحال فيه فإن شرحه يطول وهذه خلاصته ثم إن يزيد بن عبد الملك جهز لقتاله ~~أخاه مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس ابن الوليد بن عبد الملك ومعهما ~~الجيش وخرج يزيد بن المهلب للقائهم واستخلف على البصرة ولده معاوية بن يزيد ~~وعنده الرجال والأموال والأسرى وقدم بين يديه أخاه عبد الملك بن المهلب ~~وسار حتى نزل العقر قلت هي عقر بابل وهي عند الكوفة بالقرب من كربلاء ~~الموضع الذي قتل فيه الحسين رضي الله عنه والعقر بفتح العين المهملة وسكون ~~القاف وبعدها راء وهو في الأصل اسم القصر والمواضع المسماة بالعقر أربعة ~~أحدها هذا ولا حاجة إلى ذكر الباقي وقد ذكرها ياقوت الحموي في كتابه الذي ~~سماه المشترك وضعا قال الطبري ثم أقبل مسلمة بن عبد الملك حتى نزل على يزيد ~~بن المهلب فاصطفوا ثم اقتتل القوم فشد أهل البصرة على أهل الشام فكشفوهم ثم ~~إن أهل الشام كروا عليهم فكشفوهم وكان على مقدمة جيش يزيد أخوه PageV06P303 # عبد الملك فلما انكشف جاء إلى أخيه يزيد وكان الناس ~~يبايعون يزيد بن المهلب وكانت مبايعته على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم وأن لا تطأ الجنود بلادهم ولا بيضتهم ولا تعاد عليهم سيرة الفاسق ~~الحجاج وكان مروان بن المهلب بالبصرة يحرض الناس على حرب أهل الشام ويسرح ~~الناس إلى أخيه يزيد وكان الحسن البصري رضي الله عنه يثبط الناس عن يزيد بن ~~المهلب فقال يوما في مجلسه يا عجبا لفاسق من الفاسقين ومارق من المارقين ~~غبر برهة من دهره يهتك لله في هؤلاء القوم كل حرمة ويركب ms1763 له فيهم كل معصية ~~ويأكل ما أكلوا ويقتل من قتلوا حتى إذا منعوه لماظة كان يتلمظها قال أنا ~~لله غضبان فاغضبوا ونصب قصبا عليها خرق وتبعه رجراجة رعاع هباء ما لهم ~~أفئدة وقال أدعوكم إلى سنة عمر بن عبد العزيز ألا وإن من سنة عمر أن توضع ~~رجلاه في قيد ثم يوضع حيث وضعه عمر فقال له رجل أتعذر أهل الشام يا أبا ~~سعيد يعني بني أمية فقال أنا أعذرهم لا عذرهم الله والله لقد حدث ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم إني حرمت ~~المدينة بما حرمت به بلدك مكة فدخلها أهل الشام ثلاثا لا يغلق لها باب إلا ~~أحرق بما فيه حتى إن الأقباط والأنباط ليدخلون على نساء قريش فينتزعون ~~خمرهن من رؤوسهن وخلاخلهن من أرجلهن سيوفهم على عواتقهم وكتاب الله تعالى ~~تحت أرجلهم أنا أقتل نفسي لفاسقين تنازعا هذا الأمر والله لوددت أن الأرض ~~أخذتهما خسفا جميعا فبلغ ذلك يزيد بن المهلب فأتى الحسن هو وبعض بني عمه ~~إلى حلقته في المسجد متنكرين فسلما عليه ثم خلوا به فاشرأب الناس ينظرون ~~إليهم فلاحاه يزيد فدخل في ملاحاتهما ابن عم يزيد فقال له الحسن وما أنت ~~وذاك يا ابن اللخناء فاخترط سيفه ليضربه به فقال يزيد ما تصنع قال أقتله ~~فقال له يزيد اغمد سيفك فوالله لو فعلت لانقلب من معنا علينا قلت ويزيد بن ~~المهلب المذكور هو الذي عناه ابن دريد في مقصورته PageV06P304 # المعروفة بالدريدية بقوله (وقد سما قبلي يزيد طالبا * ~~شأو العلا فما وهى ولا ونى) وكل من شرح الدريدية تكلم على هذا البيت وشرح ~~قصته وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ اجتمع هو ومسلمة بن عبد الملك ثمانية ~~أيام حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشرة مضت من صفر سنة اثنتين ومائة أمر ~~مسلمة أن تحرق السفن فأحرقت والتقى الجمعان وشبت الحرب فلما رأى الناس ~~الدخان وقيل لهم أحرق الجسر انهزموا فقيل ليزيد قد انهزم الناس فقال مم ms1764 ~~انهزموا فقيل له أحرق الجسر فلم يلبث أحد فقال قبحهم الله بق دخن عليه فطار ~~وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار وجاءه من أخبره أن أخاه حبيبا قد قتل فقال ~~لا خير في العيش بعد حبيب قد كنت والله أبغض الحياة بعد الهزيمة فوالله ما ~~ازددت لها إلا بغضا امضوا قدما قال أصحابه فعلمنا أن الرجل قد استقتل وأخذ ~~من يكره القتال ينكص وأخذوا يتسالون وبقيت معه جماعة حسنة وهو يزدلف فكلما ~~مر بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه وعن سنن أصحابه فجاء أبو ~~رؤبة المرجىء وقال ذهب الناس فهل لك أن تنصرف إلى واسط فإنها حصن تنزلها ~~ويأتيك مدد أهل البصرة ويأتيك أهل عمان والبحرين في السفن وتضرب خندقا فقال ~~له قبح الله رأيك ألي تقول ذا الموت أيسر علي من ذلك فقال له فإني أتخوف ~~عليك أما ترى ما حولك من جبال الحديد فقال له فأنا أباليها أجبال حديد كانت ~~أو جبال نار اذهب عنا إن كنت لا تريد قتالا معنا وأقبل على مسلمة لا يريد ~~غيره حتى إذا دنا منه دعا مسلمة بفرسه ليركبه فعطفت عليه خيول أهل الشام ~~وعلى أصحابه فقتل يزيد بن المهلب وقتل معه أخوه محمد وجماعة من أصحابه وقال ~~القحل بفتح القاف وسكون الحاء PageV06P305 # المهملة وآخره لام ابن عياش الكلبي لما نظر إلى يزيد ~~يا أهل الشام هذا والله يزيد لأقتلنه أو ليقتلني إن دونه ناسا فمن يحمل معي ~~يكفيني أصحابه حتى أصل إليه فقال له ناس من أصحابه نحن نحمل معك فحملوا ~~بأجمعهم فاضطربوا ساعة وسطع الغبار وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا وعن ~~القحل بن عياش بآخر رمق فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد وجاء برأس يزيد ~~مولى لبني مرة فقيل له أنت قتلته فقال لا وفي أثناء الوقعة نظر الحواري بن ~~زياد إلى برذون عائر فقال الله أكبر هذا برذون الفاسق ابن المهلب قد قتله ~~الله إن شاء الله فطلبوه فأتي مسلمة برأسه فلم يعرف الرأس فقال حسان ms1765 النبطي ~~مهما ظننتم فلا تظنوا أن الرجل هرب ولقد قتل فقال مسلمة وما علامة ذلك فقال ~~إني سمعته أيام ابن الأشعث يقول قبح الله ابن الأشعث هبوه غلب على أمره ~~أكان يغلب على الموت ألا مات كريما (334) قلت ذكر الأمير أبو نصر ابن ~~ماكولا في باب الفحل والقحل والعجل ما مثاله وأما القحل فمثل الفحل إلا أن ~~أوله قاف فهو القحل بن عياش بن حسان بن عثمير بن شراحيل بن عزيز قتل يزيد ~~بن المهلب وقتله يزيد ضرب كل واحد منهما صاحبه فقتله فلما أتي به إلى مسلمة ~~لم يعرف ولم ينكر فقيل له مر برأسه فليغسل ثم ليعمم ففعل به ذلك فعرفه فبعث ~~به إلى أخيه يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقال ~~خليفة بن خياط ولد يزيد بن المهلب سنة ثلاث وخمسين وتوفي مقتولا يوم الجمعة ~~لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة اثنتين ومائة والله أعلم بالصواب ولما ~~جاءت هزيمة يزيد واسط أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيرا ~~كانوا في يديه فضربوا أعناقهم منهم عدي بن أرطأة ثم خرج PageV06P306 # وقد قال له القوم ويحك إنا لا نراك تقتلنا إلا أن أباك ~~قد قتل ثم أقبل حتى أتى البصرة معه المال والخزائن وجاء المفضل بن المهلب ~~واجتمع جميع أهل المهلب بالبصرة وقد كانوا يتخوفون الذي كان فأعدوا السفن ~~البحرية وتجهزوا بكل الجهاز وأراد معاوية بن يزيد أن يتأمر على آل المهلب ~~فاجتمعوا وأمروا عليهم المفضل بن المهلب وقالوا المفضل أكبرنا سنا وإنما ~~أنت غلام حدث السن كبعض فتيان أهلك فلم يزل المفضل عليهم حتى خرجوا إلى ~~كرمان وبكرمان فلول كثيرة فاجتمعوا إلى المفضل وبعث مسلمة بن عبد الملك في ~~طلب آل المهلب وطلب الفلول فأدركوهم في عقبة بفارس فاشتد قتالهم فقتل ~~المفضل وجماعة من خواصه ثم قتل آل المهلب من عند آخرهم إلا أبا عيينة ~~وعثمان بن المفضل فإنهما نجوا ولحقا بخاقان ورتبيل وبعث مسلمة برؤوسهم إلى ~~أخيه ms1766 يزيد وهو على حلب فلما نصبوا خرج لينظر إليهم فقال لأصحابه هذا رأس ~~عبد الملك هذا رأس المفضل والله لكأنه جالس معي يحدثني وقال غير الطبري لما ~~حمل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك نال منه بعض جلسائه فقال له ~~مه إن يزيد طلب جسيما وركب عظيما ومات كريما ولما فرغ مسلمة من حرب آل ~~المهلب جمع له أخوه يزيد ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة ولما ~~قتل يزيد بن المهلب رثاه شاعره ثابت قطنة بمراث كثيرة حسنة منها قوله (كل ~~القبائل بايعوك على الذي * تدعو إليه وتابعوك وساروا) (حتى إذا اشتجر القنا ~~وتركتهم * رهن الأسنة أسلموك وطاروا) PageV06P307 # (إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن * عارا عليك ورب قتل عار) ~~(335) قلت وهذا ثابت قطنة من شعراء خراسان وفرسانهم وذهبت عينه فكان يحشوها ~~قطنة فسمي ثابت قطنة وقد كان يزيد بن المهلب استعمله على بعض كور خراسان ~~فلما علا المنبر أرتج عليه فلم ينطق حتى نزل فدخل عليه الناس فقال (فإن لا ~~أقم فيكم خطيبا فإنني * بسيفي إذا جد الوغى لخطيب) فقالوا لو كنت قلت هذا ~~على المنبر لكنت أخطب الناس ذكره ابن قتيبة في كتاب طبقات الشعراء وقال ابن ~~الكلبي في جمهرة النسب هو ثابت بن كعب بن جابر بن كعب بن كزمان بن طرفة بن ~~وهب بن مازن بن يم بن الأسد بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو ~~مزيقياء بن عامر ماء السماء وفيه يقول صاحب الفيل الحنفي وكانا يتهاجيان ~~(أبا العلاء لقد لاقيت معضلة * يوم العروبة من كرب وتخنيق) (تلوي اللسان ~~إذا رمت الكلام به * كما هوى زلق من شاهق النيق) (لما رمتك عيون الناس ~~ضاحية * أنشأت تجرض لما قمت بالريق) وقال غير الطبري إن الذي قتل يزيد بن ~~المهلب هو الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي وقال الكلبي نشأت والناس يقولون ~~ضحى بنو أمية بالدين يوم كربلاء وبالكرم يوم العقر وقال محمد بن واسع لما ~~جاء نعي يزيد أشتهي باكية ms1767 عمانية تندب لي قتلى آل المهلب وقال عباد بن عباد ~~مكثنا نيفا وعشرين سنة بعد قتلى آل المهلب لا تولد فينا جارية ولا يموت منا ~~غلام وقال خليفة بن خياط سنة اثنتين ومائة فيها قتل يزيد بن المهلب يوم ~~PageV06P308 # الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر وهو ابن تسع ~~وأربعين سنة رحمه الله تعالى فلقد كان من النجباء الكرماء العظماء الفرسان ~~وروي أن مسلمة بن عبد الملك دخل على أخيه يزيد بن عبد الملك حين خلعه يزيد ~~بن المهلب فرآه في ثوب مصبوغ فقال له أتلبس مثل هذا وأنت ممن قيل فيه (قوم ~~إذا حاربوا شدوا مآزرهم * دون النساء ولو باتت بأطهار) فقال مسلمة ذاك ونحن ~~نحارب أكفاءنا من قريش فأما إن نعق ناعق فلا ولا كرامة قلت وهذا البيت ~~للأخطل التغلبي النصراني الشاعر المشهور 817 يزيد بن أبي مسلم الثقفي ~~مولاهم أبو العلاء يزيد بن أبي مسلم دينار الثقفي مولاهم كان مولى الحجاج ~~ابن يوسف الثقفي وكاتبه وكان فيه كفاية ونهضة قدمه الحجاج بسببهما وقد تقدم ~~في ترجمة يزيد بن المهلب أن الحجاج لما حضرته الوفاة استخلفه على الخراج ~~بالعراق فلما مات الحجاج أقره الوليد بن عبد الملك على حاله ولم يغير عليه ~~شيئا وقيل إن الوليد هو الذي ولاه بعد موت الحجاج وقال الوليد يوما مثلي ~~ومثل الحجاج وابن أبي مسلم كرجل ضاع منه درهم فوجد دينارا ولما مات الوليد ~~وتولى أخوه سليمان عزل يزيد بن أبي مسلم وبعث مكانه PageV06P309 # يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي المذكور قبله وأحضر ~~إليه يزيد بن أبي مسلم في جامعة وكان رجلا قصيرا دميما قبيح الوجه عظيم ~~البطن تحتقره العين فلما نظر إليه سليمان قال أنت يزيد بن أبي مسلم قال نعم ~~أصلح الله أمير المؤمنين قال لعن الله من أشركك في أمانته وحكمك في دينه ~~قال لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنك رأيتني والأمور مدبرة عني ولو رأيتني ~~والأمور مقبلة علي لاستعظمت ما استصغرت ولاستجللت ما احتقرت فقال سليمان ~~قاتله ms1768 الله فما أسد عقله وأعضب لسانه ثم قال سليمان يا يزيد أترى صاحبك ~~الحجاج يهوي بعد في نار جهنم أم قد استقر في قعرها فقال يزيد لا تقل ذلك يا ~~أمير المؤمنين فإن الحجاج عادى عدوكم ووالى وليكم وبذل مهجته لكم فهو يوم ~~القيامة عن يمين عبد الملك وعن يسار الوليد فاجعله حيث أحببت وفي رواية ~~أخرى إنه يحشر غدا بين أبيك وأخيك فضعهما حيث شئت قال سليمان قاتله الله ~~فما أوفاه لصاحبه إذا اصطنعت الرجال فلتصطنع مثل هذا فقال رجل من جلساء ~~سليمان يا أمير المؤمنين اقتل يزيد ولا تستبقه فقال يزيد من هذا فقالوا ~~فلان بن فلان قال يزيد والله لقد بلغني أن أمه ما كان شعرها يوازي أذنيها ~~فما تمالك سليمان أن ضحك وأمر بتخليته ثم كشف عنه سليمان فلم يجد عليه ~~خيانة دينارا ولا درهما فهم باستكتابه فقال له عمر بن عبد العزيز أنشدك ~~الله يا أمير المؤمنين أن تحيي ذكر الحجاج باستكتابك كاتبه فقال يا أبا حفص ~~إني كشفت عنه فلم أجد عليه خيانة فقال عمر أنا أوجدك من هو أعف عن الدينار ~~والدرهم منه فقال سليمان من هذا فقال إبليس ما مس دينارا ولا درهما بيده ~~وقد أهلك هذا الخلق فتركه سليمان وحدث جويرية بن أسماء أن عمر بن عبد ~~العزيز بلغه أن يزيد بن أبي مسلم في جيش من جيوش المسلمين فكتب إلى عامل ~~الجيش أن يرده وقال إني PageV06P310 # لأكره أن أستنصر بجيش هو فيهم ونقل الحافظ أبو القاسم ~~المعروف بابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة يزيد المذكور عن يعقوب أنه قال ~~في سنة إحدى ومائة أمر يزيد بن أبي مسلم على إفريقية ونزع إسماعيل بن عبيد ~~الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم فسار أحسن سيرة وفي سنة اثنتين ومائة ~~قتل يزيد وقال الطبري في تاريخه الكبير وكان سبب ذلك أنه كان فيما ذكر عزم ~~أن يسير فيهم بسيرة الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن ~~كان أصله ms1769 من السواد من أهل الذمة فأسلم بالعراق ممن ردهم إلى قرارهم ~~ورساتيقهم ووضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم على كفرهم ~~فلما عزم على ذلك توامروا فأجمع رأيهم على قتله فقتلوه وولوا على أنفسهم ~~الوالي الذي كان قبل يزيد بن أبي مسلم وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك إنا لم ~~نخلع أيدينا عن الطاعة ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى به الله ~~والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك إنني لم أرض ~~ما صنع يزيد بن أبي مسلم وأقر محمد بن يزيد على إفريقية وكان ذلك في سنة ~~اثنتين ومائة قال الوضاح بن خيثمة أمرني عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ~~بإخراج قوم من السجن وفيهم يزيد بن أبي مسلم فأخرجتهم وتركته فحقد علي وإني ~~بإفريقية إذ قيل قدم يزيد واليا فهربت منه وعلم بمكاني وأمر بطلبي فظفر بي ~~وحملت إليه فلما رآني قال طالما سألت الله تعالى أن يمكنني منك فقلت وأنا ~~والله لطالما سألت الله أن يعيذني منك فقال ما أعاذك الله والله لأقتلنك ~~والله لأقتلنك ولو سابقني فيك ملك الموت لسبقته ثم دعا بالسيف والنطع فأتي ~~بهما وأمر بالوضاح فأقيم على النطع وكتف وقام وراءه رجل بالسيف وأقيمت ~~الصلاة فخرج يزيد إليها فلما سجد أخذته السيوف ودخل إلى الوضاح من قطع ~~كتافه وأطلقه وأعيد إلى الولاية محمد بن يزيد مولى الأنصار والله أعلم ~~PageV06P311 # قلت كان الوضاح حاجب عمر بن عبد العزيز فلما مرض أمر ~~الوضاح بإخراج المحابيس فأخرجهم سوى يزيد المذكور فلما مات عمر هرب الوضاح ~~إلى إفريقية خوفا من يزيد وجرى ما جرى وكان مرض عمر بخناصرة هكذا قاله ~~الطبري محمد بن يزيد وابن عساكر قال إسماعيل بن عبيد الله والله أعلم ~~بالصواب وقوله وأحضر إليه يزيد بن أبي مسلم في جامعة فالجامعة الغل لأنها ~~تجمع اليدين إلى العنق وقوله وكان رجلا قصيرا دميما الدميم بالدال المهملة ~~القبيح المنظر ومنه قول عمر رضي الله عنه ms1770 لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم ~~فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن وأما الذميم بالذال المعجمة فإنه المذموم ~~وكذا قول ابن الرومي الشاعر المشهور (كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسدا ~~وبغيا إنه لدميم) بالدال المهملة أيضا وإنما قيدته بالضبط لأنه يتصحف على ~~الناس كثيرا وخناصرة بضم الخاء المعجمة ثم نون وبعد الألف صاد مهملة مكسورة ~~ثم راء بعدها هاء وهي بلدة قديمة من أعمال الأحص من ولاية حلب من جهتها ~~القبلية بشرق بالقرب من قنسرين كان عمر بن عبد العزيز أميرا بها من جهة عبد ~~الملك بن مروان ثم من جهة سليمان بن عبد الملك وهي التي عناها المتنبي ~~بقوله (أحب حمصا إلى خناصرة * وكل نفس تحب محياها) وذكرها عدي بن الرقاع ~~العاملي الشاعر المشهور في قصيدته الدالية المشهورة فقال (وإذا الربيع ~~تتابعت أنواؤه * فسقى خناصرة الأحص وجادها) PageV06P312 # 818 يزيد بن عمر بن هبيرة أبو خالد يزيد بن أبي المثنى ~~عمر بن هبيرة بن معية بن سكين بن خديج ابن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن ~~فزارة ونسب فزارة معروف فلا حاجة إلى الإطالة بذكره قال ابن دريد معية ~~تصغير معي وهو الواحد من أمعاء البطن وقد ردوا على ابن دريد هذا القول ~~فقالوا بل صوابه أنه تصغير معاوية وسكين بضم السين المهملة وفتح الكاف ~~وخديج بفتح الخاء المعجمة وبغيض بفتح الباء الموحدة والباقي معلوم لا حاجة ~~إلى ضبطه ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه الكبير أن أصله من ~~الشام وأنه ولي قنسرين للوليد بن يزيد بن عبد الملك وكان مع مروان بن محمد ~~آخر ملوك بني أمية يوم غلب على دمشق وجمع له ولاية العراق مولده سنة سبع ~~وثمانين وذكره ابن عياش في تسمية من ولي العراق وجمع له المصران وهما ~~البصرة والكوفة وكذلك ذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف في تسمية من ولي ~~العراقين وعد الولاة الذين جمع لهم العراقان فكان أولهم زياد بن أبيه الذي ~~استلحقه معاوية بن أبي سفيان وآخرهم يزيد بن عمر ms1771 بن هبيرة صاحب هذه الترجمة ~~ثم قال ولم يجمع العراقان لأحد بعد هؤلاء وذكره أيضا قبل هذا في ترجمة أبيه ~~عمر فقال وكان أبو جعفر المنصور حصر يزيد بواسط شهورا ثم آمنه وافتتح البلد ~~صلحا وركب إليه يزيد في أهل بيته وكان أبو جعفر يقول لا يعز ملك هذا فيه ثم ~~قتله PageV06P313 # وقال خليفة بن خياط وفي سنة ثمان وعشرين ومائة وجه ~~مروان بن محمد يزيد بن عمر بن هبيرة واليا على العراق وذلك قبل قتل الضحاك ~~يعني ابن قيس الشيباني الخارجي فسار حتى نزل هيت وكان سخيا جسيما طويلا ~~خطيبا أكولا شجاعا وكان فيه حسد وذكره أبو جعفر الطبري في تاريخه في سنة ~~ثمان وعشرين ومائة فقال وفي هذه السنة وجه مروان بن محمد يزيد بن عمر بن ~~هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج ثم ذكر في سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة خروج قحطبة بن شبيب أحد دعاة بني العباس لما أظهروا أمرهم بخراسان ~~وتلك النواحي وكان أبو مسلم الخراساني المقدم ذكره في حرف العين أعظم ~~الأعوان وأصل تلك القضية حتى انتظمت أمورها كما هو مشهور وقد سبق في ترجمة ~~أبي مسلم طرف من هذا الحديث ولا حاجة إلى التطويل فيه وكان خروج قحطبة بأرض ~~العراق وقصد محاربة يزيد بن عمر بن هبيرة وجرت وقائع يطول شرحها وحاصل ~~الأمر أن قحطبة خاض الفرات عند الفلوجة القرية المشهورة بالعراق ليقاتل ابن ~~هبيرة وكان في قبالته فغرق قحطبة في عشية الأربعاء عند غروب الشمس لثمان ~~خلون من المحرم من هذه السنة وقام ولده الحسن بن قحطبة مقامه في تقدمة ~~الجيش وهي واقعة مشهورة طويلة وليس هذا موضع ذكرها وكان معن بن زائدة ~~الشيباني المقدم ذكره من أتباع يزيد بن هبيرة المذكور ومن أكبر أعوانه في ~~الحروب وغيرها فيقال إنه في تلك الليلة ضرب قحطبة ابن شبيب بالسيف على رأسه ~~وقيل على عاتقه فوقع في الماء فأخرجوه حيا فقال إن مت فادفنوني في الماء ~~لئلا يقف أحد على خبري وقيل في ms1772 غرقه غير ذلك والله أعلم PageV06P314 # عدنا إلى حديث ابن هبيرة وكان من خبره أن جيوش خراسان ~~التي كان مقدمها قحطبة ثم ولده الحسن من بعد استظهرت عليه فهزمت عسكره ولحق ~~ابن هبيرة بمدينة واسط فتحصن فيها ثم وصل أبو العباس عبد الله بن محمد بن ~~علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه الملقب بالسفاح ~~وأخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد الملقب بالمنصور من الحميمة بضم الحاء ~~المهملة القرية التي كانت مسكن بني العباس في أطراف الشام من أرض البلقاء ~~إلى الكوفة وبها جماعة من أشياعهم ونوابهم ومن قام معهم بإقامة دولتهم ~~وإزالة دولة بني أمية التي أميرها إذ ذاك مروان ابن محمد بن مروان بن الحكم ~~الأموي المعروف بالجعدي والمنبوز بالحمار آخر ملوكهم فلما وصلوا إلى الكوفة ~~بويع أبو العباس السفاح بها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر ربيع ~~الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقيل إن المبايعة كانت في شهر ربيع الأول ~~والأول أصح وظهر أمر بني العباس وقويت شوكتهم وأدبرت دولة بني مروان فعند ~~ذلك وجه السفاح أخاه أبا جعفر المنصور إلى واسط لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة ~~فجاء المنصور إلى المعسكر الذي مقدمه الحسن بن قحطبة وهو مقابل يزيد بن ~~هبيرة بواسط فنزل فيه قال أبو جعفر الطبري في تاريخه الكبير وجرت السفراء ~~بين أبي جعفر المنصور وبين ابن هبيرة حتى جعل له أمانا وكتب به كتابا فمكث ~~يشاور فيه العلماء أربعين ليلة حتى رضيه ابن هبيرة ثم أخذه إلى أبي جعفر ~~فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس السفاح فأمر بإمضائه له وكان رأى أبي جعفر ~~الوفاء له بما أعطاه وكان أبو العباس السفاح لا يقطع أمرا دون أبي مسلم ~~الخراساني صاحب الدعوة وكان لأبي مسلم عين على السفاح يكتب إليه بأخباره ~~كلها PageV06P315 # فكتب أبو مسلم إلى السفاح إن الطريق السهل إذا ألقيت ~~فيه الحجارة فسد لا والله لا صلح طريق فيه ابن هبيرة ولما تم الكتاب خرج ~~ابن ms1773 هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة من البخارية فأراد أن يدخل الحجرة ~~على دابته فقام إليه الحاجب فقال مرحبا أبا خالد انزل راشدا وقد أطاف ~~بالحجرة عشرة آلاف من أهل خراسان فنزل ودعا له بوسادة ليجلس عليها ثم دعا ~~له بالقواد فدخلوا ثم قال له الحاجب ادخل أبا خالد فقال أنا ومن معي فقال ~~إنما استأذنت لك وحدك فقام فدخل ووضعت له وسادة وحادثه ساعة ثم قام وأتبعه ~~أبو جعفر بصره حتى غاب عنه ثم مكث يقيم عنه يوما ويأتيه يوما في خمسمائة ~~فارس وثلاثمائة راجل فقال يزيد بن حاتم لأبي جعفر أيها الأمير إن ابن هبيرة ~~ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من سلطانه شيء فقال أبو جعفر للحاجب قل ~~لابن هبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته فقال له الحاجب ذلك فتغير وجهه ~~وجاء في حاشيته نحوا من ثلاثين فقال له الحاجب كأنك تأتي متأهبا فقال إن ~~أمرتم أن نمشي إليكم مشينا فقال ما أردنا بك استخفافا ولا أمر الأمير بما ~~أمر به إلا نظرا لك فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة وقال محمد بن كثير كلم ابن ~~هبيرة يوما أبا جعفر فقال يا هياه أو يا أيها المرء ثم رجع فقال أيها ~~الأمير إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به حديث فسبقني لساني بما لم ~~أرده وألح أبو العباس السفاح على أبي جعفر يأمره بقتله وهو يراجعه فكتب ~~إليه والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك ثم يقتله فأزمع على ~~قتله فبعث أبو جعفر من ختم بيوت المال ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة ~~فحضروا وخرج الحاجب من عند أبي جعفر وطلب ابن الحوثرة ومحمد بن نباتة وهما ~~من الأعيان فقاما فدخلا وقد أجلس أبو جعفر ثلاثة من خواصه في مائة من ~~جماعته في حجرة فنزعت PageV06P316 # سيوفهما وكتفا ثم أدخلوا بعدهما اثنين ففعل بهما كذلك ~~وبعدهم جماعة أخرى فعل بهم كذلك فقال موسى بن عقيل أعطيتمونا عهد الله ثم ~~خستم به إنا ms1774 لنرجو أن يدرككم الله وجعل ابن نباتة يضرط في لحية نفسه فقال ~~له ابن الحوثرة إن هذا لا يغني عنك شيئا فقال كأني كنت أنظر إلى هذا فقتلوا ~~وأخذت خواتيمهم وانطلق حازم والهيثم بن شعبة والأغلب ابن سالم في نحو من ~~مائة فأرسلوا إلى ابن هبيرة إنا نريد هذا المال فقال ابن هبيرة لحاجبه ~~انطلق فدلهم عليه فأقاموا عند كل بيت نفرا ثم جعلوا ينظرون في نواحي الدار ~~ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه عمرو بن أيوب وحاجبه وعدة من مواليه وبني ~~له صغير في حجره فجعل ينكر نظرهم فقال أقسم بالله إن في وجوه القوم لشرا ~~فأقبلوا نحوه فقام حاجبه في وجوههم فقال وراءكم فضربه الهيثم بن شعبة على ~~حبل عاتقه فصرعه وقاتل ابنه داود فقتل وقتل مواليه ونحى الصبي من حجره وقال ~~دونكم هذا الصبي وخر ساجدا فقتل وهو ساجد ومضوا برؤوسهم إلى أبي جعفر فنادى ~~بالأمان للناس وقال أبو عطاء السندي واسمه مرزوق وقيل أفلح مولى بني أسد ~~يرثي ابن هبيرة (ألا إن عينا لم تجد يوم واسط * عليك بجاري دمعها لجمود) ~~(عشية قام النائحات وشققت * جيوب بأيدي مأتم وخدود) (فإن تمس مهجور الفناء ~~فربما * أقام به بعد الوفود وفود) (وإنك لم تبعد على متعهد * بلى كل من تحت ~~التراب بعيد) قلت وهذه المرثية ذكرها أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة في ~~باب المراثي قلت إلى هنا انتهى ما نقلته من تاريخ الطبري مقتضبا فإنني ~~جمعته من PageV06P317 # عدة مواضع حتى انتظم على هذه الصورة وأما غير الطبري ~~فإنه قال لما قدم أبو جعفر على الحسن بن قحطبة تحول له الحسن من سرادقه ~~فأنزله فيه وأقاموا يقتتلون أياما وثبت معن بن زائدة مع ابن هبيرة وطال ~~الحصار عليهم وكان أبو جعفر المنصور يقول ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل ~~النساء وبلغ ابن هبيرة ذلك فأرسل إليه أنت القائل كذا ابرز إلي لترى فأرسل ~~إليه المنصور ما أجد لك ولي مثلا إلا كأسد لقي خنزيرا فقال له الخنزير ~~بارزني ms1775 فقال الأسد ما أنت لي بكفؤ فإن بارزتك فنالني منك سوء كان عارا وإن ~~قتلتك قتلت خنزيرا فلم أحصل على حمد ولا في قتلك فخر فقال له الخنزير لئن ~~لم تبارزني لأعرفن السباع أنك جبنت عني فقال الأسد احتمال عار كذبك أيسر من ~~تلطيخ براثني بدمك ثم إن المنصور كاتب القواد وفهم ابن هبيرة فطلب الصلح ~~فأجابه المنصور وكتبوا كتاب الصلح والأمان وبعثه المنصور إلى أخيه السفاح ~~فأمضاه وكتب فيه فإن غدر ابن هبيرة أو نكث فلا عهد له ولا أمان وكان من رأي ~~المنصور الوفاء له وقال أبو الحسن المدائني لما كتب المنصور بينه وبين ابن ~~هبيرة كتاب الصلح خرج إلى المنصور وبينه وبينه ستر فقال ابن هبيرة أيها ~~الأمير إن دولتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجنبوهم مرارتها تصل محبتكم ~~إلى قلوبهم ويعذب ذكركم على ألسنتهم وما زلنا منتظرين لدعوتكم قال فرفع ~~المنصور الستر بينه وبينه وقال في نفسه عجبا لمن يأمرني بقتل مثل هذا وصار ~~ابن هبيرة يخرج إلى المنصور في آخر أمره في ثلاثة من أصحابه يتغدى ويتعشى ~~عنده وكان يثني له وساده فيقال إنه كان يكاتب عبد الله بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويدعو إليهم وإلى خلع السفاح وجاءه كتاب ~~أبي مسلم يحثه على قتل ابن هبيرة فكتب السفاح إلى المنصور يأمره بقتله فقال ~~لا أفعل وله في عنقي بيعة وأيمان فلا أضيعها بقول أبي مسلم فكتب السفاح ما ~~أقتله بقول أبي مسلم بل بنكثه وغدره ودسيسه إلى آل أبي طالب وقد أبيح لنا ~~PageV06P318 # دمه فلم يجبه المنصور وقال هذا فساد الملك فكتب إليه ~~السفاح لست مني ولست منك إن لم تقتله فقال المنصور للحسن بن قحطبة اقتله ~~أنت فامتنع فقال خازم بن خزيمة أنا أقتله فدخل عليه في جماعة من قواد ~~خراسان وهو في القصر وعنده ابنه داود وكاتبه ومواليه وعليه قميص مصري ~~وملاءة موردة وعنده الحجام وهو يريد أن يحجمه فلما رآهم سجد فقتلوه وقتلوا ~~ابنه وكاتبه ms1776 ومن كان معه وحملوا رأسه إلى المنصور وكان معن بن زائدة غائبا ~~عند السفاح فسلم وبعث المنصور برأسه إلى السفاح وكان ذلك في سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة قال الهيثم بن عدي لما قتل ابن هبيرة قال بعض الخراسانيين ~~لبعض أصحاب ابن هبيرة ما كان أكبر رأس صاحبكم فقال له الرجل أمانكم له كان ~~أكبر وذكر الخطيب أبو زكريا التبريزي في كتاب شرح الحماسة في باب المراثي ~~عند ذكره أبيات أبي عطاء السندي الدالية المقدم ذكرها التي رثى بها يزيد ~~المذكور فقال وكان المنصور قد حلف له وأكد الأيمان فلما قتله وحمل رأسه ~~إليه قال المنصور للحرسي أترى طينة رأسه ما أعظمها فقال الحرسي طينة أيمانه ~~أعظم من طينة رأسه وهدم المنصور قصر واسط وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه ~~الكبير كان ابن هبيرة إذا أصبح أتي بعس قلت العس بضم العين المهملة وبعدها ~~سين مهملة مشددة هو القدح الكبير قال وفيه لبن قد حلب على عسل وأحيانا سكر ~~فيشربه فإذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تحل الصلاة فيصلي ثم يدخل فيحركه ~~اللبن فيدعو بالغداء فيأكل دجاجتين وناهضين ونصف جدي وألوانا من اللحم ~~والناهض بالنون وبعد الهاء المكسورة ضاد معجمة وهو الفرخ من الحمام قال ثم ~~يخرج فينظر في أمور الناس إلى نصف النهار PageV06P319 # ثم يدخل فيدعو جماعة من خواصه وأعيان الناس ويدعو ~~بالغداء فيتغدى ويضع منديلا على صدره ويعظم اللقم ويتابع فإذا فرغ من ~~الغداء تفرق من كان عنده ودخل إلى نسائه حتى يخرج إلى صلاة الظهر ثم ينظر ~~بعد الظهر في أمور الناس فإذا صلى العصر وضع له سرير ووضعت الكراسي للناس ~~فإذا أخذ الناس مجالسهم أتوهم بعساس اللبن والعسل وألوان الأشربة قلت ~~والعساس بكسر العين جمع عس وقد تقدم الكلام عليه ثم توضع السفرة والطعام ~~للعامة ويوضع له ولأصحابه خوان مرتفع فيأكل معه الوجوه إلى المغرب ثم ~~يتفرقون للصلاة ثم تأتيه سماره فيحضرون مجلسا يجلسون فيه حتى يدعوهم ~~فيسامروه حتى يذهب عامة الليل وكان يسأل في كل ms1777 ليلة عشر حوائج فإذا أصبحوا ~~قضيت وكان رزقه ستمائة ألف درهم فكان يقسم كل شهر في أصحابه من قومه ومن ~~الفقهاء والوجوه وأهل البيوتات فقال عبد الله بن شبرمة الضبي القاضي الفقيه ~~الكوفي وكان من سماره (إذا نحن أعتمنا ومال بنا الكرى * أتانا بإحدى ~~الراحتين عياض) وعياض بوابه وإحدى الراحتين الدخول أو الانصراف ولم يكن له ~~منديل فكان إذا دعا بالمنديل قام الناس وقال شيخ من قريش أذن يزيد بن عمر ~~بن هبيرة في يوم صائف شديد الحر للناس فدخل عليه وعليه قميص خلق مرقوع ~~الجيب فجعلوا ينظرون إليه ويعجبون منه ففطن لهم فتمثل بقول إبراهيم بن هرمة ~~(قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه * خلق وجيب قميصه مرقوع) وحكي أن شريك بن عبد ~~الله النميري سايره يوما فبدرت دابة شريك فقال له يزيد غض من لجامها فقال ~~شريك إنها مكتوبة أصلح الله الأمير فقال PageV06P320 # له يزيد ذهبت حيث أردت قول يزيد غض من لجامها يشير إلى ~~قول جرير (فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا) فعرض له شريك ~~بقول ابن دارة (لا تأمنن فزاريا خلوت به * على قلوصك واكتبها بأسيار) وكان ~~بنو فزارة في العرب يرمون بإتيان الإبل وأخباره ومحاسنه كثيرة مشهورة وقال ~~خليفة بن خياط قتل ابن هبيرة بواسط يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي ~~القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة رحمه الله تعالى وقال أبو جعفر الطبري في ~~تاريخه توفي الحسن بن قحطبة في سنة إحدى وثمانين ومائة 819 يزيد بن حاتم ~~المهلبي أبو خالد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي قد ~~سبق ذكر بقية نسبه في ترجمة جده المهلب بن أبي صفرة وقد ذكرت أخاه روح ابن ~~حاتم في حرف الراء وعم أبيه يزيد بن المهلب ومن ولده الوزير أبو ~~PageV06P321 # محمد الحسن بن محمد المهلبي المقدم ذكره وهم أهل بيت ~~كبير اجتمع فيه خلق كثير من الأعيان الأمجاد النجباء ذكر ابن جرير الطبري ~~في تاريخه أن الخليفة أبا جعفر ms1778 المنصور عزل حميد ابن قحطبة عن ولاية مصر ~~فولاها نوفل بن الفرات ثم عزله وولى يزيد بن حاتم وذلك في سنة ثلاث وأربعين ~~ومائة ثم إن المنصور عزله عن مصر في سنة اثنتين وخمسين ومائة وجعل مكانه ~~محمد بن سعيد وقال أبو سعيد ابن يونس في تاريخه ولي يزيد بن حاتم مصر في ~~سنة أربع وأربعين ومائة وزاد غيره في منتصف ذي القعدة ثم إن المنصور خرج ~~إلى الشام وزيارة بيت المقدس في سنة أربع وخمسين ومن هناك سير يزيد بن حاتم ~~إلى إفريقية لحرب الخوارج الذين قتلوا عامله عمر ابن حفص وجهز معه خمسين ~~ألف مقاتل واستقر يزيد المذكور واليا بإفريقية من يومئذ وكان وصوله إليها ~~واستظهاره على الخوارج في سنة خمس وخمسين ودخل مدينة القيروان في هذا ~~التاريخ وكان جوادا سريا مقصودا ممدحا قصده جماعة من الشعراء فأحسن جوائزهم ~~وكان أبو أسامة ربيعة بن ثابت الأسدي الرقي وقيل إنه من موالي سليم قد قصد ~~يزيد بن أسيد بضم الهمزة وفتح السين المهملة ابن زافر ابن أسماء بن أسيد بن ~~قنفذ بن جابر بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس ابن بهثة بن سليم بن ~~منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو ~~يومئذ وال على أرمينية وكان قد وليها زمانا طويلا لأبي جعفر المنصور ثم من ~~بعده لولده المهدي وكان يزيد المذكور من أشراف قيس وشجعانهم ومن ذوي الآراء ~~الصائبة ومدحه ربيعة المذكور بشعر أجاد فيه فقصر في حقه ومدح يزيد بن حاتم ~~المذكور فبالغ في الإحسان إليه فقال ربيعة قصيدة يفضل فيها يزيد بن حاتم ~~على يزيد بن أسيد وكان PageV06P322 # في لسان يزيد بن أسيد تمتمة فعرض بذكرها في هذه ~~الأبيات فقال (حلفت يمينا غير ذي مثنوية * يمين امرئ آل بها غير آثم) ~~(لشتان ما بين اليزيدين في الندى * يزيد سليم والأغر ابن حاتم) (يزيد سليم ~~سالم المال والفتى * أمحو الأزد للأموال غير مسالم) (فهم الفتى ms1779 الأزدي ~~إتلاف ماله * وهم الفتى القيسي جمع الدراهم) (فلا يحسب التمتام أني هجوته * ~~ولكنني فضلت أهل المكارم) (فيا أيها الساعي الذي ليس مدركا * بسماته سعي ~~البحور الخضارم) (سميت ولم تدرك نوال ابن حاتم * لفك أسير واحتمال العظائم) ~~(كفاك بناء المكرمات ابن حاتم * ونمت وما الأزدي عنها بنائم) (فيا ابن أسيد ~~لا تسام ابن حاتم * فتفرغ إن ساميته سن نادم) (هو البحر إن كلفت نفسك خوضه ~~* تهافكت في أذيه المتلاطم) (تمنيت مجدا في سليم سفاهة * أماني خال أو ~~أماني حالم) (ألا إنما آل المهلب غرة * وفي الحرب قادات لكم بالخزائم) (هم ~~الأنف في الخرطوم والناس بعدهم * مناسم والخرطوم فوق المناسم) (قضيت لكم آل ~~المهلب بالعلا * وتفضيلكم حق على كل حالم) (لكم شيم ليست لخلق سواكم * سماح ~~وصدق البأس عند الملاحم) (مهينون للأموال فيما ينوبكم * منا عيش دفاعون عن ~~كل جارم) قال دعبل بن علي الخزاعي المقدم ذكره قلت لمروان بن أبي حفصة ~~الشاعر وقد تقدم ذكره أيضا يا أبا السمط من أشعركم جماعة المحدثين قال ~~أسيرنا بيتا قلت ومن هو قال الذي يقول (لشتان ما بين اليزيدين في الندى * ~~يزيد سليم والأغر ابن حاتم) PageV06P323 # وكنت قد ذكرت بعض هذه الأبيات في ترجمة أخيه روح بن ~~حاتم ثم إني ظفرت بها أكمل من تلك فأحببت أن أفرد له ترجمة وأذكر ما جرى له ~~لأن مثله لا يصلح لأن يكون ضميمة في ترجمة أخيه وكان ربيعة بن ثابت الرقي ~~قد قصده قبل هذه المرة فلم ير منه من الإحسان ما كان يرجوه فنظم أبياتا من ~~جملتها (أراني ولا كفران لله راجعا * بخفي حنين من نوال ابن حاتم) ولما عقد ~~أبو جعفر المنصور ليزيد المهلبي المذكور على بلاد إفريقية وليزيد السلمي ~~المذكور على ديار مصر خرجا معا فكان يزيد المهلبي يقوم بكفاية الجيشين فقال ~~ربيعة الرقي المذكور (يزيد الخير إن يزيد قومي * سميك لا يجود كما تجود) ~~(تقود كتيبة ويقود أخرى * فترزق من تقود ومن يقود) قلت وهذا يدل على أن ~~ربيعة المذكور مولى ms1780 بني سليم لقوله يزيد قومي والله أعلم وقدم أشعب المشهور ~~بالطمع على يزيد وهو بمصر فجلس في مجلسه ودعا بغلامه فساره فقام أشعب فقبل ~~يده فقال له يزيد لم فعلت هذا فقال إني رأيتك تسار غلامك فظننت أنك قد أمرت ~~لي بشيء فضحك منه وقال ما فعلت هذا ولكنني أفعل ووصله وأحسن إليه وقال ~~الطرطوشي في كتاب سراج الملوك قال سحنون ين سعيد كان يزيد بن حاتم حكيما ~~يقول والله ما هبت شيئا قط هيبتي لرجل ظلمته وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا ~~الله تعالى فيقول حسبك الله الله بيني وبينك وذكر أبو سعد السمعاني في كتاب ~~الأنساب أن المشهر التميمي الشاعر وفد على يزيد بن حاتم بإفريقية فأنشده ~~PageV06P324 # (إليك قصرنا النصف من صلواتنا * مسيرة شهر ثم شهر ~~نواصله) (فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا * لديك ولكن أهنأ البر عاجله) فأمر ~~يزيد بوضع العطاء في جنده وكان معه خمسون ألف مرتزق فقال من أحب أن يسرني ~~فليضع لزائري هذا من عطائه درهمين فاجتمع له مائة ألف درهم وضم يزيد إلى ~~ذلك مائة ألف درهم أخرى ودفعها إليه قلت ثم وجدت البيتين المذكورين لمروان ~~بن أبي حفصة والله أعلم وقد ذكره الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في ~~تاريخ دمشق فقال بعد ذكر أحواله وولاياته إن يزيد بن حاتم قال لجلسائه ~~استنقوا لي ثلاثة أبيات فقال صفوان بن صفوان من بني الحارث بن الخزرج أفيك ~~فقال فيمن شئتم فكأنها كانت في كمه (لم أدر ما الجود إلا ما سمعت به * حتى ~~لقيت يزيدا عصمة الناس) (لقيت أجود من يمشي على قدم * مفضلا برداء الجود ~~والباس) (لو نيل بالجود مجد كنت صاحبه * وكنت أولى به) ثم كففت فقال أتمم ~~من آل عباس فقلت لا يصلح فقال لا يسمعن هذا منك أحد وقال يموت بن المزرع ~~قال لي الأصمعي يوما وقد جئته مسلما إلى أن ذكر الشعراء المحسنين المداحين ~~من المولدين فقال لي يا أبا عثمان ابن المولى من المحسنين المداحين ولقد ms1781 ~~أسهرني في ليلتي هذه حسن مديحه يزيد بن حاتم حيث يقول (وإذا تباع كريمة أو ~~تشترى * فسواك بائعها وأنت المشتري) (وإذا تخيل من سحابك لامع * سبقت ~~مخيلته يد المستمطر) PageV06P325 # (وإذا صنعت صنيعة أتممتها * بيدين ليس نداهما بمكدر) ~~(وإذا الفوارس عددت أبطالها * عدوك في أبطالهم بالخنصر) ولما قدم عليه ابن ~~المولى المذكور أنشده وهو أمير مصر (يا واحد العرب الذي * أضحى وليس له ~~نظير) (لو كان مثلك آخر * ما كان في الدنيا فقير) فدعا يزيد بخازنه وقال كم ~~في بيت مالي قال فيه من العين والورق ما مبلغه عشرون ألف دينار فقال ادفعها ~~إليه ثم قال يا أخي المعذرة إلى الله تعالى وإليك والله لو أن في ملكي ~~غيرها لما أدخرتها عنك وهذا ابن المولى هو أبو عبد الله محمد بن مسلم وعرف ~~بابن المولى وروى الأصمعي أيضا أن يزيد لما كان بإفريقية جاءه البشير يخبره ~~أنه ولد له مولود بالبصرة فقال قد سميته المغيرة وكان عنده المشهر التميمي ~~فقال بارك الله لك أيها الأمير فيه وبارك له في بنيه كما بارك لجده في أبيه ~~ولم يزل يزيد واليا بإفريقية إلى أن توفي بها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ~~ليلة بقيت من شهر رمضان سنة سبعين ومائة بالقيروان ودفن بباب سلم واستخلف ~~على إفريقية ولده داود بن يزيد فعزله هارون الرشيد في سنة اثنتين وسبعين ~~ومائة وولاها عمه روح بن حاتم المقدم ذكره PageV06P326 # 820 يزيد بن مزيد الشيباني أبو خالد وأبو الزبير يزيد ~~بن مزيد بن زائدة وهو ابن أخي معن ابن زائدة الشيباني المقدم ذكره وقد ~~استوفيت ذكر نسبه هناك فلا حاجة إلى إعادته هاهنا كان يزيد المذكور من ~~الأمراء المشهورين والشجعان المعروفين كان واليا بأرمينية فعزله عنها هارون ~~الرشيد سنة اثنتين وسبعين ومائة ثم ولاه إياها وضم إليها أذربيجان في سنة ~~ثلاث وثمانين وقد سبق طرف من خبره في ترجمة الوليد بن طريف الشيباني ~~الخارجي فإنه الذي تولى محاربته وقتله ذكر أرباب التاريخ أن الوليد بن طريف ~~الشيباني لما خرج ms1782 على هارون الرشيد ببلاد الجزيرة وهي فيما بين الفرات وشط ~~الموصل وذلك في سنة ثمان وسبعين ومائة وكثر جمعه من الشراة حتى انتشروا في ~~تلك البلاد ونهض إليهم عامل ديار ربيعة فقتلوه وصاروا إلى ديار مضر فحصروا ~~عبد الملك بن صالح بن علي العباسي بالرقة فاستشار هارون الرشيد يحيى بن ~~خالد البرمكي فيمن يوجهه لحرب الوليد بن طريف فقال له يحيى بن خالد البرمكي ~~وجه موسى بن حازم التميمي فإن فرعون كان اسمه الوليد فغرقه موسى عليه ~~السلام فوجهه إليه الرشيد في جيش كثيف فلاقاه الوليد في أصحابه فهزمه ~~الوليد وقتله فلما بلغ الرشيد ذلك وجه إليه معمر بن عيسى العبدي فكانت ~~بينهما عدة وقائع بناحية دارا من ديار ربيعة فلما اتصل ذلك وكثرت جموع ~~الوليد وظهر هذا الظهور العظيم قال الرشيد ليس لها إلا الأعرابي يزيد بن ~~مزيد الشيباني فقال بكر بن النطاح الشاعر PageV06P327 # (لا تبعثن إلى ربيعة غيرها * إن الحديد بغيره لا يفلح) ~~فوجه الرشيد إليه يزيد المذكور في عسكر ضخم وأمره بمناجزته فقصده يزيد وجعل ~~الوليد يراوغه ويزيد يتبعه وكان الوليد ذا مكر ودهاء ثم كانت بينهما حرب ~~صعبة وبلغ الرشيد مماطلة يزيد بن مزيد له فوجه إليه خيلا بعد خيل ثم بعث ~~إليه من يعنفه فسار يزيد في طلبه ثم نزل يصلي الصبح فلم يستتم صلاته حتى ~~طلع الوليد عليه في عسكره واصطفت الخيلان وتزاحف الناس فلما شبت الحرب ~~ناداه يزيد يا وليد ما حاجتك إلى التستر بالرجال ابرز إلي قال نعم والله ~~فبرز الوليد وبرز إليه يزيد ووقف العسكران فلم يتحرك منهما أحد فتطاردا ~~ساعة وكل واحد منهما لا يقدر على صاحبه حتى مضت ساعات من النهار فأمكنت ~~يزيد فيه الفرصة فضرب رجله فسقط وصاح بخيله فسقطوا عليه واحتزوا رأسه ذكر ~~أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن القراب الهروي في تاريخه أن ~~الوليد بن طريف قتله يزيد بن مزيد بالحديثة من أرض الجزيرة قلت وهذه ~~الجزيرة هي الجزيرة الفراتية والحديثة بالقرب من عانة وتعرف ms1783 بحديثة النورة ~~وهي على فراسخ من الأنبار وهي غير حديثة الموصل ووجه يزيد برأس الوليد إلى ~~الرشيد وبكتاب الفتح مع ابنه أسد بن يزيد وفي ذلك يقول أبو الوليد مسلم بن ~~الوليد الأنصاري الشاعر المشهور وكان منقطعا إلى يزيد ومختصا به (سل ~~الخليفة سيفا من بني مطر * يمضي فيخترق الأجسام والهاما) (لولا يزيد ومقدار ~~له سبب * عاش الوليد مع العامين أعواما) (أكرم به وبآباء له سلفوا * أبقوا ~~من المجد أياما وأياما) PageV06P328 # ولما انصرف يزيد إلى باب الرشيد قدمه ورفع مرتبته وقال ~~له يا يزيد ما أكثر أمراء المؤمنين في قومك قال نعم إلا أن منابرهم الجذوع ~~يعني الجذوع التي يصلبون عليها إذا قتلوا وكان قتل الوليد في سنة تسع ~~وسبعين ومائة كما سبق ذكره في ترجمته ورثته أخته بتلك الأبيات الفائية ~~المذكورة هناك وقالت أخته الفارعة فيه أيضا (يا بني وائل لقد فجعتكم * من ~~يزيد سيوفه بالوليد) (لو سيوف سوى سيوف يزيد * قاتلته لاقت خلاف السعود) ~~(وائل بعضها يقتل بعضا * لا يفل الحديد غير الحديد) وقد روي أن هارون ~~الرشيد لما جهز يزيد بن مزيد إلى حرب الوليد بن طريف أعطاه ذا الفقار سيف ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال له خذه يا يزيد فإنك ستنصر به فأخذه ومضى ~~وكان من هزيمة الوليد وقتله ما قد شرحناه وفي ذلك يقول مسلم بن الوليد ~~الأنصاري من جملة قصيدة يمدح بها يزيد بن مزيد المذكور (أذكرت سيف رسول ~~الله سنته * وبأس أول من صلى ومن صاما) يعني بأس علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه إذ كان هو الضارب به وقد ذكر هشام بن الكلبي في كتاب جمهرة النسب شيئا ~~يتعلق بذي الفقار وهي فائدة يحسن ذكرها هاهنا فإنه قال في نسب قريش منبه ~~ونبيه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم القرشي كانا سيدي بني ~~سهم في الجاهلية قتلا يوم بدر كافرين وكانا من المطعمين والعاص ابن نبيه ~~قتل مع أبيه وكان له ذو الفقار قتله علي بن ms1784 أبي طالب رضي الله PageV06P329 # عنه يوم بدر وأخذه منه وقال غير ابن الكلبي إن ذا ~~الفقار أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه والفقار بفتح ~~الفاء جمع فقارة الظهر يقال في جمعها فقار وفقارات ويقال ذو الفقار بكسر ~~الفاء أيضا والفقار جمع فقرة بكسر الفاء وسكون القاف ولم يأت مثله في ~~الجموع إلا قولهم إبرة وإبار رجعنا إلى حديث ذي الفقار وكان سبب وصوله إلى ~~هارون الرشيد فيما ذكره أبو جعفر الطبري بإسناد متصل إلى عمر بن المتوكل عن ~~أمه وكانت أمه تخدم فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ~~قالت كان ذو الفقار مع محمد بن عبد الله ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه يوم قتل في محاربته لجيش أبي جعفر المنصور العباسي ~~والواقعة مشهورة فلما أحس محمد بالموت دفع ذا الفقار إلى رجل من التجار كان ~~معه وكان له عليه أربعمائة دينار وقال له خذ هذا السيف فإنك لا تلقى أحدا ~~من آل أبي طالب إلا أخذه منك وأعطاك حقك فكان السيف عند ذلك التاجر حتى ولي ~~جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ~~اليمن والمدينة فأخبر عنه فدعا بالرجل فأخذ منه السيف وأعطاه أربعمائة ~~دينار فلم يزل عنده حتى قام المهدي ابن المنصور واتصل خبره به فأخذه ثم صار ~~إلى موسى الهادي ثم إلى أخيه هارون الرشيد وقال الأصمعي رأيت الرشيد بطوس ~~متقلدا سيفا فقال يا أصمعي ألا أريك ذا الفقار قلت بلى جعلني الله فداك ~~فقال استل سيفي هذا فاستللته فرأيت فيه ثماني عشرة فقارة PageV06P330 # قلت خرجنا عن المقصود فلنرجع إلى تتمة حديث يزيد بن ~~مزيد ذكر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي في تاريخ بغداد أن ~~يزيد المذكور دخل على الرشيد فقال له الرشيد يا يزيد من الذي يقول فيك (لا ~~يعبق الطيب كفيه ومفرقه * ولا يمسح عينيه من الكحل) ms1785 (قد عود الطير عادات ~~وثقن بها * فهن يتبعنه في كل مرتحل) فقال لا أدري يا أمير المؤمنين قال ~~أفيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله فانصرف خجلا فقال لحاجبه من الباب ~~من الشعراء فقال مسلم بن الوليد الأنصاري قال ومنذ كم هو مقيم بالباب قال ~~منذ زمان طويل منعته من الوصول إليك لما عرفته من إضاقتك قال أدخله فأدخله ~~فأنشده هذه القصيدة حتى ختمها فقال للوكيل بع ضيعتي الفلانية وأعطه نصف ~~ثمنها واحتبس نصفا لنفقتنا فباعها بمائة ألف درهم فأعطى مسلما خمسين ألفا ~~ورفع الخبر إلى الرشيد فاستحضر يزيد وسأله عن الخبر فأعلمه الحديث فقال قد ~~أمرت لك بمائتي ألف درهم لتسترجع الضيعة بمائة ألف درهم وتزيد الشاعر خمسين ~~ألفا وتحبس خمسين ألفا لنفسك قال أبو بكر ابن الأنباري قال أبي سرق مسلم بن ~~الوليد هذا المعنى من قول النابغة الذبياني حيث يقول (إذا ما غزوا بالجيش ~~حلق فوقهم * عصائب طير تهتدي بعصائب) (يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم * من ~~الضاريات بالدماء الدوارب) (جوانح قد أيقن أن قبيله * إذا ما التقى الجمعان ~~أول غالب) (لهن عليهم عادة قد عرفنها * إذا عرض الخطي فوق الكواثب) ~~PageV06P331 # الكواثب بالثاء المثلثة وبعدها الباء الموحدة جمع ~~كاثبة وهي ما يقرب من منسج الفرس أمام قربوس السرج قلت وأول قصيدة مسلم بن ~~الوليد الأنصاري (أجررت حبل خليع في الصبا غزل * وقصرت همم العذال عن عذلي) ~~ومن مديحها (حاط الخلافة سيف من بني مطر * أقام قائمه من كان ذا ميل) (كم ~~صائل في ذرا علياء مملكة * لولا يزيد بني شيبان لم يصل) (ناب الإمام الذي ~~يفتر عنه إذا * ما افترت الحرب عن أنيابها العصل) (يفتر عند افترار الحرب ~~مبتسما * إذا تغير وجه الفارس البطل) (ينال بالرفق ما يعيا الرجال به * ~~كالموت مستعجلا يأتي على مهل) (لا يرحل الناس إلا عند حجرته * كالبيت يضحي ~~إليه ملتقى السبل) (يكسو السيوف نفوس الناكثين به * ويجعل الهام تيجان ~~القنا الذبل) (يغدو فتغدو المنايا في أسنته * شوارعا تتحدى الناس بالأجل) ~~(إذا طغت فئة ms1786 عن عب طاعته * عبا لها الموت بين البيض والأسل) (تراه في ~~الأمن في درع مضاعفة * لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل) وذكر أبو الفرج ~~الأصبهاني في كتاب الأغاني في ترجمة مسلم بن الوليد الأنصاري قال يزيد بن ~~مزيد أرسل إلي الرشيد يوما في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي فأتيته لابسا سلاحي ~~مستعدا لأمر إن أراده فلما رآني ضحك إلي وقال من الذي يقول فيك PageV06P332 # (تراه في الأمن في درع مضاعفة * لا يأمن الدهر أن يدعى ~~على عجل) (لله من هاشم في أرضه جبل * وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل) فقلت لا ~~أعرفه يا أمير المؤمنين فقال سوأة لك من سيد قوم يمدح بمثل هذا الشعر ولا ~~يعرف قائله وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله هو مسلم بن الوليد ~~فانصرفت ودعوت به ووصلته ووليته قلت وهذان البيتان من جملة القصيدة التي ~~ذكرت منها الأبيات التي قبلها وقد روي أن عمه معن بن زائدة كان يقدمه على ~~أولاده فعاتبته امرأته في ذلك وقالت له كم تقدم يزيد ابن أخيك وتؤخر بنيك ~~ولو قدمتهم لتقدموا ولو رفعتهم لارتفعوا فقال لها إن يزيد قريب مني وله علي ~~حق الولد إذ كنت عمه وبعد فإن بني ألوط بقلبي وأدنى من نفسي ولكني لا أجد ~~عندهم من الغناء ما عنده ولو كان ما يضطلع به يزيد في بعيد لصار قريبا أو ~~عدو لصار حبيبا وسأريك في هذه الليلة ما تبسطين به عذري يا غلام اذهب فادع ~~جساسا وزائدة وعبد الله وفلانا وفلانا حتى أتى على جميع أولاده فلم يلبثوا ~~أن جاءوا في الغلائل المطيبة والنعال السندية وذلك بعد هدأة من الليل ~~فسلموا وجلسوا ثم قال معن يا غلام ادع يزيد فلم يلبث أن دخل عجلا وعليه ~~سلاحه فوضع رمحه بباب المجلس ثم دخل فقال له معن ما هذه الهيئة يا أبا ~~الزبير فقال جاءني رسول الأمير فسبق وهمي إلى أنه يريدني لمهم فلبست سلاحي ~~وقلت إن كان الأمر كذلك مضيت ولم أعرج وإن كان ms1787 على غير ذلك فنزع هذه الآلة ~~عني من أيسر شيء فقال معن انصرفوا في حفظ الله فلما خرجوا قالت زوجته قد ~~تبين لي عذرك فأنشد متمثلا (نفس عصام سودت عصاما * وعلمته الكر والأقداما) ~~(وصيرته ملكا هماما *) وإلى هذه الحالة أشار مسلم بن الوليد بقوله تراه في ~~الأمن في درع مضاعفة............... PageV06P333 # وقد روي أن مسلم بن الوليد لما انتهى في إنشاء هذه ~~القصيدة إلى هذا البيت قال له يزيد بن مزيد الممدوح هلا قلت كما قال أعشى ~~بكر بن وائل في مديح قيس بن معدي كرب (وإذا تجيء كتيبة ملموسة * شهباء ~~تجتنب الكماة نزالها *) (كنت المقدم غير لابس جنة * بالسيف تضرب معلما ~~أبطالها) فقال مسلم قولي أحسن من قوله لأنه وصفه بالخرق وأنا وصفتك بالحزم ~~الخرق بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبعدها قاف وهو الاسم من عدم معرفة ~~العمل قلت وقيس الذي مدحه الأعشى هو والد الأشعث بن قيس الكندي أحد الصحابة ~~رضوان الله عليهم قلت وقد تقدم الكلام على قوله (قد عود الطير عادات وثقن ~~بها *) وأنه أخذ هذا المعنى من أبيات النابغة البائية التي تقدم ذكرها وقد ~~وافقه في أخذ هذا المعنى جماعة منهم أبو نواس قال عمر الوراق سمعت أبا نواس ~~ينشد قصيدته الرائية التي أولها (أيها المنتاب من عفره * لست من ليلي ولا ~~سمره) (لا أذود الطير عن شجر * قد بلوت المر من ثمره) فحسدته عليها فلما ~~بلغ إلى قوله (وإذا مج القنا علقا * وتراءى الموت في صوره) (راح في ثنيي ~~مفاضته * أسد يدمى شبا ظفره) PageV06P334 # (تتأي الطير غدوته * ثقة بالشبع من جزره) قلت له ما ~~تركت للنابغة شيئا حيث يقول (إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم * عصائب طير ~~تهتدي بعصائب) فقال اسكت فلئن أحسن الاختراع لما أسأت الاتباع وأخذ هذا ~~المعنى أبو تمام حبيب بن أوس الطائي فقال (وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى * ~~بعقبان طير في الدماء نواهل) (أقامت على الرايات حتى كأنها * من الجيش إلا ~~أنها لم تقاتل) وقال المتنبي أيضا (يطمع الطير فيهم طول ms1788 أكلهم * حتى تكاد ~~على أحيائهم تقع) وللمتنبي أيضا في صفة جيش وقد ألم بهذا المعنى (وذي لجب ~~لا ذو الجناح أمامه * بناج ولا الوحش المثار بسالم) (تمر عليه الشمس وهي ~~ضعيفة * تطالعه من بين ريش القشاعم) (إذا ضوءها لاقى من الطير فرجة * تدور ~~فوق البيض مثل الدراهم) ولما كان يزيد واليا على اليمين قصده أبو الشمقمق ~~مروان بن محمد مولى مروان بن محمد الجعدي آخر ملوك بني أمية الشاعر المشهور ~~الكوفي وكنيته أبو محمد وكان مشهورا بأبي الشمقمق وهو في حال رثة وكان ~~راجلا فمدحه وشرح حاله بقوله (رحل المطي إليك طلاب الندى * ورحلت نحوك ناقة ~~نعليه) PageV06P335 # (إذا لم تكن لي يا يزيد مطية * فجعلتها لي في السفار ~~مطيه) (تخدي أمام اليعملات وتغتلي * في السير تترك خلفها المهريه) (من كل ~~طاوية الصوى مزورة * قطعا لكل تنوفة دويه) ومنها (تنتاب أكرم وائل في بيتها ~~* حسبا وقبة مجدها مبنيه) (أعني يزيدا سيف آل محمد * فراج كل شديدة مخشيه) ~~(يوماه يوم للمواهب والجدا * خضل ويوم دم وخطف منيه) (ولقد أتيتك واثقا بك ~~عالما * أن لست تسمع مدحة بنسيه) فقال صدقت يا شمقمقي ولست أقبل مدحه ~~بنسيئة أعطوه ألف دينار ومدحه أبو الفضل منصور بن سلمة النمري الشاعر ~~المشهور بقصيدة طويلة بائية أحسن فيها كل الإحسان منها قوله (لو لم يكن ~~لبني شيبان من حسب * سوى يزيد لفاتوا الناس بالحسب) (ما أعرف الناس أن ~~الجود مدفعة * للذم لكنه يأتي على النشب) وذكر أبو العباس المبرد في كتاب ~~الكامل أن يزيد بن مزيد المذكور نظر إلى رجل ذي لحية عظيمة وقد تلففت على ~~صدره وإذا هو خاضب فقال له إنك من لحيتك في مؤنة فقال أجل ولذلك أقول (لها ~~درهم للدهن في كل ليلة * وآخر للحناء يبتدران) (ولولا نوال من يزيد بن مزيد ~~* لصوت في حافاتها الجلمان) قلت الجلمان بفتح الجيم واللام تثنية جلم وهو ~~المقص PageV06P336 # وقال له هارون الرشيد يوما يا يزيد إني قد أعددتك لأمر ~~كبير فقال يا أمير المؤمنين إن الله تعالى ms1789 قد أعد لك مني قلبا معقودا ~~بنصيحتك ويدا مبسوطة لطاعتك وسيفا مشحوذا على عدوك فإذا شئت فقل وذكر ~~المسعودي في كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر أن هذه المقالة دارت بين هارون ~~الرشيد ومعن بن زائدة عم يزيد المذكور ثم قال بعد هذا وقيل إن هذا الكلام ~~من كلام يزيد بن مزيد قلت أنا وهذا لا يمكن أن يكون بين الرشيد ومعن أصلا ~~لأن معنا قتل في خلافة أبي جعفر المنصور حسبما تقدم ذكره في ترجمته على ~~الاختلاف في السنة وهو بعد الخمسين ومائة فكيف يمكن أن يقول له الرشيد ذلك ~~والرشيد ولي الخلافة في سنة سبعين ومائة وذكر ابن أبي عون في كتاب الأجوبة ~~المسكتة أن الرشيد قال ليزيد المذكور في لعب الصوالجة كن مع عيسى بن جعفر ~~فأبى يزيد فغضب الرشيد وقال تأنف أن تكون معه فقال قد حلفت لأمير المؤمنين ~~أن لا أكون عليه في جد ولا هزل ورأيت في بعض المجاميع حكاية عن بعضهم أنه ~~قال كنت مع يزيد بن مزيد فإذا صائح في الليل يا يزيد بن مزيد فقال يزيد علي ~~بهذا الصائح فلما جيء به قال له ما حملك على أن ناديت بهذا الاسم فقال نفقت ~~دابتي ونفذت نفقتي وسمعت قول الشاعر فتيمنت به فقال وما قال الشاعر فأنشد ~~(إذا قيل من للمجد والجود والندى * فناد بصوت يا يزيد بن مزيد) فلما سمع ~~يزيد مقالته هش له وقال له أتعرف يزيد بن مزيد قال لا والله قال أنا هو ~~وأمر له بفرس أبلق كان معجبا به وبمائة دينار PageV06P337 # وقد أطلنا القول في هذه الترجمة لكن الكلام شجون يتعلق ~~بعضه ببعض ومحاسن يزيد كثيرة وتوفي في سنة خمس وثمانين ومائة ورثاه أبو ~~محمد عبد الله ابن أيوب التيمي الشاعر المشهور وقيل بل هذه المرثية لأبي ~~الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر المذكور والصحيح أنها للتيمي ~~المذكور وهي (أحقا أنه أودى يزيد * تبين أيها الناعي المشيد) (أتدري من ~~نعيت وكيف فاهت * به شفتاك كان بها الصعيد) (أحامي ms1790 المجد والإسلام أودى * ~~فما للأرض ويحك لا تميد) (تأمل هل ترى الإسلام مالت * دعائمه وهل شاب ~~الوليد) (وهل شيمت سيوف بني نزار * وهل وضعت عن الخيل اللبود) (وهل تسقي ~~البلاد ثقال مزن * بدرتها وهل يخضر عود) (أما هدت لمصرعه نزار * بلى وتقوض ~~المجد المشيد) (وحل ضريحه إذ حل فيه * طريف المجد والحسب التليد) (أما ~~والله ما تنفك عيني * عليك بدمعها أبدا تجود) (وإن تجمد دموع لئيم قوم * ~~فليس لدمع ذي حسب جمود) (أبعد يزيد تختزن البواكي * دموعا أو يصان لها ~~خدود) (لتبكك قبة الإسلام لما * وهت أطنابها ووهى العمود) (ويبكي شاعر لم ~~يبق دهر * له نشبا وقد كسد القصيد) (فإن يهلك يزيد فكل حي * فريس للمنية أو ~~طريد) (لقد عزى ربيعة أن يوما * عليها مثل يومك لا يعود) قلت وهذا البيت ~~الأخير قد استعمله الشعراء كثيرا فمن ذلك قول مطيع ابن إياس يرثي يحيى بن ~~زياد الحارثي من جملة أبيات (فاذهب بمن شئت إذ ذهبت به * ما بعد يحيى في ~~الرزء من ألم) PageV06P338 # وقول أبي نواس يرثي الأمين (وكنت عليه أحذر الموت وحده ~~* فلم يبق لي شيء عليه أحاذر) وقول إبراهيم بن العباس الصولي يرثي ابنه ~~(أنت السواد لمقلة * تبكي عليك وناظر) (من شاء بعدك فليمت * فعليك كنت ~~أحاذر) وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني في ترجمة مسلم بن الوليد ~~بإسناد متصل إلى أحمد بن أبي سعد قال أهديت إلى يزيد بن مزيد جارية وهو ~~يأكل فلما رفع يده من الطعام وطئها فلم ينزل عنها إلا ميتا وهو ببردعة فدفن ~~في مقابر بردعة وكان مسلم بن الوليد معه في جملة أصحابه فقال يرثيه (قبر ~~ببردعة استمر ضريحه * خطرا تقاصر دونه الأخطار) (أبقى الزمان على ربيعة ~~بعده * حزنا لعمر الله ليس بعار) (سلكت بك العرب السبيل إلى العلا * حتى ~~إذا سبق الردى بك حاروا) (نفضت بك الأحلاس آمال الغنى * واسترجعت زوارها ~~الأمصار) (فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة * أثنى عليها السهل والأوعار) قد قيل ~~إن هذا البيت الأخير أبلغ شيء قيل ms1791 في المراثي وهذه الأبيات في كتاب الحماسة ~~في باب المراثي وبردعة بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبعدها دال مهملة ثم ~~عين مهملة وهي مدينة من أقصى بلاد أذربيجان قلت هكذا رأيته في التواريخ ~~PageV06P339 # وأهل تلك البلاد يقولون بردعة من إقليم إران والله ~~أعلم ويقال برذعة أيضا بالذال المعجمة وكذلك بردعة الدابة يقال بالدال ~~والذال وقد قيل إن مسلم بن الوليد إنما رثى بهذه الأبيات يزيد بن أحمد ~~السلمي وقيل بل رثى بها مالك بن علي الخزاعي وإن أول الأبيات (قبر بحلوان ~~استسر ضريحه *) لأن الذي قيلت فيه مات بحلوان بضم الحاء المهملة وهي آخر ~~مدينة بأرض السواد من أعمال العراق والله أعلم بالصواب في ذلك كله وذكر أبو ~~عبيد الله المرزباني في كتاب معجم الشعراء أن أبا البلهاء عمير بن عامر ~~مولى يزيد بن مزيد الشيباني هو القائل (نعم الفتى فجعت به إخوانه * يوم ~~البقيع حوادث الأيام) (سهل الفناء إذا حللت ببابه * طلق اليدين مؤدب ~~الخدام) (وإذا رأيت صديقه وشقيقه * لم تدر أيهما ذوو الأرحام) وذكر أبو ~~تمام الطائي هذه الأبيات في كتاب الحماسة في باب المراثي لمحمد بن بشير ~~الخارجي وقيل ابن يسير بالسين المهملة وهو فعيل من اليسر وبشير من البشارة ~~وهو من خارجة عدوان قبيلة وليس من الخوارج والله أعلم بالصواب في ذلك كله ~~ورثاه منصور النمري وهي في كتاب الحماسة بقوله (أبا خالد ما كان أدهى مصيبة ~~* أصابت معدا يوم أصبحت ثاويا) (لعمري لئن سر الأعادي فأظهروا * شماتا لقد ~~مروا بربعك خاليا) (فإن يك أفنته الليالي وأوشكت * فإن له ذكرا سيفني ~~اللياليا) PageV06P340 # وكان ليزيد ولدان نجيبان جليلان سيدان (336) أحدهما ~~خالد بن يزيد وهو ممدوح أبي تمام الطائي وله فيه أحسن المدائح وقد تضمنها ~~ديوانه فلا حاجة إلى ذكر شيء منها لشهرة ديوانه (337) والآخر محمد بن يزيد ~~كان موصوفا بالكرم وأنه لا يرد طالبا فإن لم يحضره مال لم يقل لا بل يعد ثم ~~يعجل العدة ومدحه أحمد بن أبي فنن صالح بن سعيد بقوله ثم وجدت ms1792 هذه الأبيات ~~لأبي الشيص الخزاعي في كتاب البارع (عشق المكارم فهو مشتغل بها * والمكرمات ~~قليلة العشاق) (وأقام سوقا للثناء ولم تكن * سوق الثناء تعد في الأسواق) ~~(بث الصنائع في البلاد فأصبحت * تجبى إليه محامد الآفاق) وكان خالد بن يزيد ~~قد تولى الموصل من جهة المأمون فوصل إليها وفي صحبته أبو الشمقمق الشاعر ~~الذي ذكرته في هذه الترجمة فلما دخل خالد إلى الموصل نشب اللواء الذي لخالد ~~في سقف باب المدينة فاندق فتطير خالد من ذلك فأنشده أبو الشمقمق ارتجالا ~~(لما كان مندق اللواء لريبة * تخشى ولا سوء يكون معجلا) (لكن هذا الرمح ~~أضعف متنه * صغر الولاية فاستقل الموصلا) فبلغ الخليفة ما جرى فكتب إلى ~~خالد بن يزيد قد زدنا في ولايتك ديار ربيعة كلها لكون رمحك استقل الموصل ~~ففرح بذلك وأجزل جائزة أبي الشمقمق ولما انتقض أمر أرمينية في أيام الواثق ~~جهز إليها خالد بن يزيد المذكور في PageV06P341 # جيش عظيم فاعتل في الطريق ومات في سنة ثلاثين ومائتين ~~ودفن بمدينة دبيل أرمينية رحمهم الله أجمعين 821 يزيد ابن مفرغ الحميري أبو ~~عثمان يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ بن ذي العشيزة بن الحارث ابن دلال بن ~~عوف بن عمرو بن يزيد بن مرة بن مرثد بن مسروق بن زيد ابن يحصب الحميري ~~وبقية النسب من يحصب معروفة فلا حاجة إلى ذكرها هكذا ساق هذا النسب ابن ~~الكلبي في كتاب جمهرة النسب غير أنه لم يذكر كنية يزيد بل ذكرها صاحب ~~الأغاني وأكثر العلماء يقولون هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ ويسقطون زيادا ~~(338) وقال صاحب الأغاني إنما لقب جده مفرغا لأنه راهن على سقاء من لبن ~~يشربه كله فشربه حتى فرغه فسمي مفرغا وذكر في ترجمة حفيده السيد الحميري في ~~كتاب الأغاني أيضا أن ابن عائشة قال مفرغ هو ربيعة ومفرغ لقبه ومن قال ~~ربيعة بن مفرغ فقد أخطأ والله أعلم وقال الفضل ابن عبد الرحمن النوفلي كان ~~مفرغ المذكور حدادا باليمن فعمل لامرأة قفلا وشرط عليها عند فراغه منه ms1793 أن ~~تجيئه بلبن كرش ففعلت فشرب منه ووضعه فقالت له رد علي الكرش فقال ما عندي ~~شيء أفرغه فيه قالت لا بد منه ففرغه في جوفه فقالت إنك لمفرغ فعرف به وهو ~~PageV06P342 # من حمير فيما يزعم أهله وذكر ابن الكلبي وأبو عبيدة أن ~~مفرغا كان شعابا بتبالة قلت تبالة بفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها باء ~~موحدة ثم ألف ولام وفي آخرها هاء وهي بليدة على طريق اليمن للخارج من مكة ~~وهذا المكان كثير الخصب له ذكر في الأخبار والأمثال والأشعار وهي أول ولاية ~~وليها الحجاج بن يوسف الثقفي ولم يكن رآها قبل ذلك فخرج إليها فلما قرب ~~منها سأل عنها فقيل له إنها وراء تلك الأكمة فقال لا خير في ولاية تسترها ~~أكمة ورجع عنها محتقرا لها وتركها فضربت العرب بها المثل وقالت للشيء ~~الحقير أهون من تبالة على الحجاج قال الراوي فادعى يزيد أنه من حمير وهو ~~حليف آل خالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي وقيل إنه كان عبدا للضحاك بن عبد ~~عوف الهلالي فأنعم عليه وكان يزيد شاعرا غزلا محسنا (339) والسيد الحميري ~~الشاعر المشهور من ولده وهو إسماعيل بن محمد بن بكار بن يزيد المذكور كذا ~~ذكره ابن ماكولا في كتاب الإكمال ولقبه السيد وكنيته أبو هاشم وهو من كبار ~~الشيعة وله في ذلك أخبار وأشعار مشهورة ومن محاسن شعر يزيد المذكور قوله من ~~جملة قصيدة يمدح بها مروان بن الحكم الأموي وكان قد أحسن مروان إليه ~~(وأقمتم سوق الثناء ولم تكن * سوق الثناء تقام في الأسواق) (فكأنما جعل ~~الإله إليكم * قبض النفوس وقسمة الأرزاق) والبيت الأول من هذين البيتين ~~تقدم ذكره في ترجمة يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني منسوبا إلى أحمد بن أبي ~~فنن يمدح به خالد بن يزيد بن مزيد المذكور من جملة أبيات والله أعلم ~~بالصواب في ذلك ولما ولي سعيد بن عثمان بن عفان رضي الله عنه خراسان عرض ~~على PageV06P343 # يزيد بن مفرغ أن يصحبه فأبى ذلك وصحب عباد بن زياد ms1794 بن ~~أبيه فقال له سعيد أما إذ أبيت أن تصحبني وآثرت صحبة عباد فاحفظ ما أوصيك ~~به إن عبادا رجل لئيم فإياك والدالة عليه وإن دعاك إليها من نفسه فإنها ~~خدعة منه لك عن نفسك وأقلل زيارته فإنه ملول ولا تفاخره وإن فاخرك فإنه لا ~~يحتمل لك ما كنت أحتمله ثم دعا سعيد بمال فدفعه له وقال له استعن به على ~~سفرك فإن صح لك مكانك من عباد وإلا فمكانك عندي ممهد فائتني ثم سار سعيد ~~إلى خراسان وخرج ابن مفرغ مع عباد فلما بلغ عبيد الله بن زياد أمير ~~العراقين صحبة يزيد أخاه عبادا شق عليه فلما سار عباد شيعه أخوه عبيد الله ~~وشيعه الناس وجعلوا يودعونه فلما أراد عبيد الله أن يودع أخاه دعا ابن مفرغ ~~فقال له إنك سألت عبادا أن يصحبك فأجابك وقد شق علي فقال له ولم أصلحك الله ~~قال لأن الشاعر لا يقنعه من الناس ما يقنع بعضهم من بعض لأنه يظن فيجعل ~~الظن يقينا ولا يعذر في موضع العذر وإن عبادا يقدم على أرض حرب فيشتغل ~~بحروبه وخراجه عنك فلا تعذره أنت وتكسونا شرا وعارا فقال له لست كما ظن ~~الأمير وإن لمعروفه عندي لشكرا كثيرا وإن عندي إن أغفل أمري عذرا ممهدا ~~فقال لا ولكن تضمن لي إن أبطأ عنك ما تحبه أن لا تعجل عليه حتى تكتب إلي ~~قال نعم قال امض إذا على الطائر الميمون قال فقدم عباد خراسان وقيل سجستان ~~فاشتغل بحروبه وخراجه فاستبطأه ابن مفرغ ولم يكتب لأخيه عبيد الله بن زياد ~~يشكوه كما ضمن له ولكنه بسط لسانه فذمه وهجاه وكان عباد كبير اللحية كأنها ~~جوالق فسار ابن مفرغ مع عباد فدخلت الريح فيها فنفشتها فضحك ابن مفرغ وقال ~~لرجل من لخم كان إلى جنبه (ألا ليت اللحى كانت حشيشا * فنعلفها خيول ~~المسلمينا) فسعى به اللخمي إلى عباد فغضب من ذلك غضبا شديدا وقال لا تجمل ~~بي عقوبته في هذه الساعة مع صحبته لي وما أؤخرها إلا ms1795 لأشفي نفسي ~~PageV06P344 # منه فإنه كان يقوم فيشتم أبي في عدة مواضع وبلغ الخبر ~~ابن مفرغ فقال إني لأجد ريح الموت من عباد ثم دخل عليه فقال أيها الأمير ~~إني قد كنت مع سعيد بن عثمان وقد بلغك رأيه في وجميل أثره علي وقد اخترتك ~~عليه فلم أحظ منك بطائل وأريد أن تأذن لي بالرجوع فلا حاجة لي في صحبتك ~~فقال له أما اختيارك إياي فقد اخترتك كما اخترتني واستصحبتك حين سألتني وقد ~~أعجلتني عن بلوغ حجتي فيك وطلبت الإذن لترجع إلى قومك فتفضحني فيهم وأنت ~~على الإذن قادر بعد أن أقضي حقك وبلغ عبادا أنه يسبه ويذكره وينال من عرضه ~~فدس إلى قوم كان لهم عليه دين أن يقدموه إليه ففعلوا فحبسه وأضر به ثم بعث ~~إليه بعني الأراكة وبردا وكانت الأراكة قينة لابن مفرغ وبرد غلامه رباهما ~~وكان شديد الضن بهما فبعث إليه ابن مفرغ مع الرسول أيبيع المرء نفسه وولده ~~فأخذهما عباد منه وقيل إنه باعهما عليه فاشتراهما رجل من أهل خراسان فلما ~~دخلا منزله قال له برد وكان داهية أديبا أتدري ما اشتريت قال نعم اشتريتك ~~وهذه الجارية قال لا والله ما اشتريت إلا العار والدمار والفضيحة أبدا ما ~~حييت فجزع الرجل وقال له كيف ذاك ويلك قال نحن ليزيد ابن مفرغ ووالله ما ~~أصاره إلى هذه الحال إلا لسانه وشره أفتراه يهجو عبادا وهو أمير خراسان ~~وأخوه عبيد الله أمير العراقين وعمه الخليفة معاوية بن أبي سفيان في أن ~~استبطأه ويمسك عنك وقد ابتعتني وابتعت هذه الجارية وهي نفسه التي بين جنبيه ~~ووالله ما أرى أحدا أدخل بيته أشأم على نفسه وأهله مما أدخلته منزلك فقال ~~أشهدك أنك وإياها له فإن شئتما أن تمضيا إليه فامضيا وعلى أني أخاف على ~~نفسي إن بلغ ذلك ابن زياد وإن شئتما أن تكونا له عندي فافعلا قال فاكتب ~~إليه بذلك فكتب الرجل إلى ابن مفرغ إلى الحبس بما فعله فكتب إليه يشكر فعله ~~وسأله أن يكونا عنده حتى يفرج ms1796 الله عنه وقال عباد لحاجبه ما أرى هذا يعني ~~ابن مفرغ يبالي بالمقام في الحبس PageV06P345 # فبع فرسه وسلاحه وأثاثه واقسم ثمنها بين غرمائه ففعل ~~ذلك وبقيت عليه بقية حبسه بها فقال ابن مفرغ في بيعهما (شريت بردا ولو ملكت ~~صفقته * لما تطلبت في بيع له رشدا) (لولا الدعي ولولا ما تعرض لي * من ~~الحوادث ما فارقته أبدا) (يا برد ما مسنا دهر أضر بنا * من قبل هذا ولا ~~بعنا له ولدا) معنى شريت بعت وهو من الأضداد يقع على الشراء والبيع ~~والأبيات أكثر من هذا فتركت الباقي وعلم ابن مفرغ أنه إن أقام على ذم عباد ~~وهجائه وهو في حبسه زاد نفسه شرا فكان يقول للناس إذا سألوه عن حبسه ما ~~سببه رجل أدبه أميره ليقوم من أوده ويكف من غربه وهذا لعمري خير من جر ~~الأمير ذيله على مداهنة صاحبه فلما بلغ ذلك عبادا رق له وأخرجه من السجن ~~فهرب حتى أتى البصرة ثم خرج منها إلى الشام وجعل يتنقل في مدنها هاربا ~~ويهجو زيادا وولده فمن ذلك قوله في ترك سعيد بن عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~واتباعه عباد بن زياد وذكر بيع برد عليه (أصرمت حبلك من أمامه * من بعد ~~أيام برامه) (فالريح تبكي شجوها * والبرق يضحك في الغمامة) (لهفي على الأمر ~~الذي * كانت عواقبه ندامه) (تركي سعيدا ذا الندى * والبيت ترفعه الدعامة) ~~(ليثا إذا شهد الوغى * ترك الهوى ومضى أمامه) (فتحت سمرقند له * وبنى ~~بعرصتها خيامه) (وتبعت عبد بني علاج * تلك أشراط القيامة) (جاءت به حبشية * ~~سكاء تحسبها نعامه) (من نسوة سود الوجوه * ترى عليهن الدمامه) (وشريت بردا ~~ليتني * من بعد برد كنت هامه) PageV06P346 # (هامة إذ تدعو صدى * بين المشقر واليمامة) (فالهول ~~يركبه الفتى * حذر المخازي والسآمه) (والعبد يقرع بالعصا * والحر تكفيه ~~الملامه) قلت قوله وتبعت عبد بني علاج بنو علاج بطن من ثقيف وسيأتي ذكره ~~عند ذكر الحارث بن كلدة في هذه الترجمة إن شاء الله تعالى قاله أبو بكر ابن ~~دريد في كتاب ms1797 الاشتقاق وأنشد عليه (آل أبي بكرة استفيقوا * هل تعدك الشمس ~~بالسراج) (إن ولاء النبي أعلى * من دعوة في بني علاج) وهذا القول له سبب ~~يذكر عند ذكر أبي بكرة نفيع بن الحارث في هذه الترجمة إن شاء الله تعالى ~~وقوله في البيت الآخر سكاء تحسبها نعامة يقال أذن سكاء إذا كانت صغيرة ~~والسكاء أيضا التي لا أذن لها والعرب تقول كل سكاء تبيض وكل شرفاء تلد ~~والشرفاء التي لها أذن طويلة والسكاء بفتح السين المهملة وتشديد الكاف ~~والشرفاء بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وبعدها فاء والضابط عندهم فيه أن ~~كل حيوان له أذن ظاهرة فإنه يلد وكل حيوان ليست له أذن ظاهرة فإنه يبيض قال ~~الراوي ثم إن ابن مفرغ لج في هجاء بني زياد حتى تغنى أهل البصرة في أشعاره ~~فطلبه عبيد الله طلبا شديدا حتى كاد يؤخذ فلحق بالشام واختلف الرواة فيمن ~~رده إلى ابن زياد فقال بعضهم رده معاوية بن أبي سفيان وقال بعضهم بل رده ~~يزيد بن معاوية والصحيح أنه يزيد لأن عبادا إنما ولي سجستان في أيام يزيد ~~PageV06P347 # قلت ثم ذكر صاحب الأغاني عقيب هذا الفصل أن سعيد بن ~~عثمان ابن عفان رضي الله عنه دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال له علام ~~جعلت ولدك يزيد ولي عهدك دوني فوالله لأبي خير من أبيه وأمي خير من أمه ~~وأنا خير منه وقد وليناك فما عزلناك وبنا نلت ما نلت فقال له معاوية أما ~~قولك إن أباك خير من أبيه فقد صدقت لعمر الله إن عثمان لخير مني وأما قولك ~~إن أمك خير من أمه فحسب المرأة أن تكون في بيت قومها وأن يرضاها بعلها ~~وينجب ولدها وأما قولك إنك خير من يزيد فوالله يا بني ما يسرني أن لي بيزيد ~~ملء الغوطة مثلك وأما قولك إنكم وليتموني فما عزلتموني فما وليتموني وإنما ~~ولاني من هو خير منكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأقررتموني وما كنت بئس ~~الوالي لكم لقد قمت بثاركم وقتلت قتلة ms1798 أبيكم وجعلت الأمر فيكم وأغنيت ~~فقيركم ورفعت الوضيع منكم فكلمه يزيد في أمره فولاه خراسان رجعنا إلى حديث ~~ابن مفرغ قال الراوي ولم يزل يتنقل في قرى الشام ويهجو بني زياد وأشعاره ~~تنقل إلى البصرة فكتب عبيد الله بن زياد أمير العراق إلى معاوية وقيل إلى ~~يزيد وهو الأصح يقول إن ابن مفرغ هجا زيادا وبني زياد بما هتكه في قبره ~~وفضح بنيه طول الدهر وتعدى إلى أبي سفيان فقذفه بالزنا وسب ولده وهرب من ~~سجستان وطلبته حتى لفظته الأرض وهرب من الشام يتمضغ لحومنا ويهتك أعراضنا ~~وقد بعثت إليك بما قد هجانا به لتنتصف لنا منه ثم بعث بجميع ما قاله ابن ~~مفرغ فيهم فأمر يزيد بطلبه فجعل يتنقل في البلاد حتى لفظته الشام فأتى ~~البصرة ونزل على الأحنف بن قيس قلت وهو الذي يضرب به المثل في الحلم وقد ~~سبق ذكره واسمه الضحاك قال فاستجار PageV06P348 # به فقال له الأحنف إني لا أجير على ابن سمية فأغرك ~~وإنما يجير الرجل على عشيرته وأما على سلطانه فلا ثم إنه مشى على غيره فلم ~~يجره أحد فأجاره المنذر بن الجارود العبدي وكانت ابنته تحت عبيد الله بن ~~زياد وكان المنذر من أكرم الناس عليه فاغتر بذلك وأدل بموضعه منه وطلبه ~~عبيد الله وقد بلغه وروده البصرة فقيل له أجاره المنذر بن الجارود فبعث ~~عبيد الله إلى المنذر فأتاه فلما دخل عليه بعث عبيد الله بالشرط فكسبوا ~~داره وأتوه بابن مفرغ فلم يشعر ابن الجارود إلا بابن مفرغ قد أقيم على رأسه ~~فقام ابن الجارود إلى عبيد الله فكلمه فيه فقال أذكرك الله أيها الأمير أن ~~تخفر جواري فإني قد أجرته فقال عبيد الله يا منذر الله ليمدحن أباك ويمدحنك ~~وقد هجاني وهجا أبي ثم تجيره علي لاها الله لا يكون ذلك أبدا ولا أغفرها له ~~فغضب المنذر فقال له لعلك تدلي بكريمتك عندي إن شئت والله لأبيتها بتطليق ~~البتة فخرج المنذر من عنده وأقبل عبيد الله على ابن مفرغ فقال له ms1799 بئس ما ~~صحبت به عبادا فقال بل بئس ما صحبني عباد اخترته على سعيد بن عثمان وأنفقت ~~على صحبته جميع ما أملكه وظننت أنه لا يخلو من عقل زياد وحلم معاوية وسماحة ~~قريش فعدل عن ظني كله ثم عاملني بكل قبيح وتناولني بكل مكروه من حبس وغرم ~~وشتم وضرب فكنت كمن شام برقا خلبا في سحاب جهام فأراق ماءه طمعا فيه فمات ~~عطشا وما هربت من أخيك إلا لما خفت أن يجري في ما يندم عليه وقد صرت الآن ~~في يديك فشأنك فاصنع بي ما شئت فأمر بحبسه وكتب إلى يزيد بن معاوية يسأله ~~أن يأذن له في قتله فكتب إليه يزيد إياك وقتله ولكن تناوله بما ينكله ويشد ~~سلطانك ولا يبلغ نفسه فإن له عشيرة هي جندي وبطانتي ولا ترضى بقتله مني ولا ~~تقنع إلا بالقود منك فاحذر ذلك واعلم أنه الجد منهم ومني وأنك مرتهن بنفسه ~~ولك في دون تلفها مندوحة تشفي من الغيظ فورد الكتاب على عبيد الله فأمر ~~بابن مفرغ فسقي نبيذا حلوا قد خلط معه الشبرم وقيل التربذ فأسهل بطنه فطيف ~~به وهو على PageV06P349 # تلك الحال وقرن بهرة وخنزيرة فجعل يسلخ والصبيان ~~يتبعونه ويصيحون وألح عليه ما يخرج منه حتى أضعته فسقط فقيل لعبيد الله لا ~~نأمن أن يموت فأمر به أن يغسل ففعلوا فلما اغتسل قال (يغسل الماء ما فعلت ~~وقولي * راسخ منك في العظام البوالي) فرده عبيد الله إلى الحبس وقيل لعبيد ~~الله كيف اخترت له هذه العقوبة فقال لأنه سلخ علينا فأحببت أن تسلخ ~~الخنزيرة عليه وكان فيما قاله ابن مفرغ في عباد بن زياد من جملة أبيات ~~عديدة (إذا أودى معاوية بن حرب * فبشر شعب قفيك بانصداع) (فأشهد أن أمك لم ~~تباشر * أبا سفيان واضعة القناع) (ولكن كان أمرا فيه لبس * على وجل شديد ~~وارتياع) وقال أيضا (ألا أبلغ معاوية بن صخر * مغلغلة عن الرجل اليماني) ~~(أتغضب أن يقال أبوك عف * وترضى أن يقال أبوك زاني) (فأشهد أن رحمك من زياد ms1800 ~~* كرحم الفيل من ولد الأتان) (وأشهد أنها ولدت زيادا * وصخر من سمية غير ~~دان) قلت قوله فأشهد أن رحمك من زياد البيت الثالث أخذه من قول أبي الوليد ~~وقيل أبي عبد الرحمن حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه في بيت من جملة ~~أبيات وهي قوله (لعمرك إن إلك من قريش * كإل السقب من رأل النعام) الإل ~~بكسر الهمزة وتشديد اللام وهو الرحم والسقب بفتح السين PageV06P350 # المهملة وسكون القاف وبعدها باء موحدة وهو الذكر من ~~ولد الناقة والرأل بفتح الراء وبعدها همزة وفي آخره لام وهو ولد النعام ~~(340) وهذه الأبيات قالها حسان في أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن ~~هاشم وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وكان أخاه من الرضاعة أرضعتهما ~~حليمة ابنة أبي ذؤيب السعدية وكان من أكثر الناس شبها برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان له فيه هجاء وكان حسان يجاوب عنه فمن ذلك هذه الأبيات ~~الميمية المقدم ذكره ومنها قوله (ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة فقد برح ~~الخفاء) (هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء) (أتهجوه ولست له ~~بكفء * فشركما لخيركما الفداء) (فإن أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم ~~وقاء) وقوله فشركما لخيركما الفداء فيه كلام لأهل العلم لأجل شر وخير ~~لأنهما من أداة التفضيل وتقتضي المشاركة وإنما أجابه حسان بأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم له في ذلك قلت والجماعة الذين كانوا يشبهون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أهله خمسة أبو سفيان المذكور والحسن بن علي بن أبي طالب ~~وجعفر بن أبي طالب وقثم بن العباس بن عبد المطلب والسائب بن عبيد بن عبد ~~يزيد بن هاشم ابن المطلب بن عبد مناف وهو جد الإمام الشافعي رضي الله عنهم ~~أجمعين ثم إن أبا سفيان أسلم عام الفتح وكان ذلك في السنة الثامنة من ~~الهجرة وحسن إسلامه وخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وحنين ~~ولما انهزم المسلمون يوم حنين كان أبو سفيان أحد السبعة ms1801 الذين ثبتوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى رجع إليهم المسلمون وكانت النصرة لهم وكسبوا ~~من الغنائم ستة آلاف رأس من الرقيق ثم من النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ~~فأطلقهم والشرح في ذلك يطول وليس هذا موضعه وكان أبو سفيان PageV06P351 # المذكور يومئذ ممسكا لجام بغلة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم يفارقها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إني لأرجو أن يكون ~~فيه خلف من حمزة بن عبد المطلب وشهد له بالجنة فقال أبو سفيان بن الحارث من ~~شباب أهل الجنة أو سيد فتيان أهل الجنة والله أعلم وأكثر العلماء يقولون ~~اسمه كنيته ليس له اسم سواها وقيل إن اسمه المغيرة وقيل المغيرة أخوه وهو ~~أبو سفيان لا غير ويقال إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منذ أسلم حياء منه لما تقدم من هجائه رجعنا إلى حديث ابن مفرغ وهو من شعراء ~~الحماسة وهو القائل (ألا طرقتنا آخر الليل زينب * عليك سلام هل لما فات ~~مطلب) قيل أراد بالليل الشباب (وقالت تجنبنا ولا تقربننا * فكيف وأنتم ~~حاجتي أتجنب) (يقولون هل بعد الثلاثين ملعب * فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب) ~~(لقد جل خطب الشيب إن كان كلما * بدت شيبة يعرى من اللهو مركب) وذكر ~~المظفري الأندلسي في تاريخه الكبير في جملة هذه الأبيات (فلو أن لحمي إذ ~~وهى لعبت به * كرام ملوك أو أسود وأذؤب) (لهون من وجدي وسلى مصيبتي * ~~ولكنما أودى بلحمي أكلب) PageV06P352 # (341) ولما بلغ الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهما وفاة معاوية ابن أبي سفيان وبيعة ولده يزيد بن معاوية عزم على قصد ~~الكوفة بمكاتبة جماعة من أهلها كما هو مشهور في هذه الواقعة التي قتل فيها ~~الحسين رضي الله عنه فكان في تلك المدة يتمثل كثيرا بقول يزيد بن مفرغ ~~المذكور من جملة أبيات (لا ذعرت السوام في غلس الصبح * مغيرا ولا دعيت ~~يزيدا) (يوم أعطي على المخافة ضيما * والمنايا يرصدنني أن أحيدا) فعلم من ~~سمع ذلك منه ms1802 أنه سينازع يزيد بن معاوية في الأمر فخرج الحسين إلى الكوفة ~~وأميرها يومئذ عبيد الله بن زياد فلما قرب منها سير إليه جيشا مقدمه عمر بن ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقتل الحسين رضي الله عنه بالطف وجرى ما جرى ~~وروي أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى الحسين رضي الله عنه إني لأظن في رأسك ~~نزوة ولا بد لك من إظهارها وددت لو أدركتها فأغتفرها لك وروي عن عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه أنه قال لو كنت من قتلة الحسين وغفر الله لي وأدخلني ~~الجنة لما دخلتها حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عبيد الله بن ~~زياد لحارثة بن بدر الغداني ما تقول في وفي الحسين يوم القيامة قال يشفع له ~~أبوه وجده صلى الله عليه وسلم ويشفع لك أبوك وجدك فاعرف من هاهنا ما تريد ~~نقلت من كتاب تاريخ شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قزغلي المعروف بسبط ~~الحافظ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي الواعظ الذي سماه مرآة الزمان ~~ورأيته بخطه في أربعين مجلدا بدمشق وقد رتبه على السنين فقال في السنة ~~التاسعة والخمسين للهجرة بعد أن قص حديث يزيد بن مفرغ مع بني PageV06P353 # زياد فقال في آخر الحديث ومات يزيد بن مفرغ في سنة تسع ~~وستين يعني للهجرة والله أعلم وقال أبو اليقظان في كتاب النسب مات عباد بن ~~زياد في سنة مائة للهجرة بجرود قلت وجرود بفتح الجيم وضم الراء وسكون الواو ~~وبعدها دال مهملة وهي قرية من أعمال دمشق من جهة حمص ويكون في أرضها من ~~حمير الوحش شيء كثير يجاوز الحصر ولما وصل بعض عسكر الديار المصرية إلى ~~الشام في أثناء سنة ستين وستمائة وتوجهوا بعسكر الشام إلى أنطاكية وكنت ~~يومئذ بدمشق أقاموا عليها قليلا ثم عادوا فدخلوا دمشق في سلخ شعبان من ~~السنة وأخبرني بعضهم بقضية غريبة يصلح أن تذكر هاهنا لغرابتها وهي أنهم ~~نزلوا على جرود المذكورة واصطادوا من الحمر الوحشية شيئا كثيرا على ms1803 ما ~~قالوا فذبح واحد من الجماعة حمارا وطبخ لحمه الطبخ المعتاد فلم ينضج ولا ~~قارب النضج فزاد في الحطب والإيقاد فلم يؤثر فيه شيئا ومكث يوما كاملا يفعل ~~ذلك وهو لا يفيد فقام شخص من الجند وأخذ الرأس يقلبه فوجد على أذنه وسما ~~فقرأه فإذا هو بهرام جور فلما وصلوا إلى دمشق أحضروا تلك الأذن عندي فوجدت ~~الوسم ظاهرا وقد رق شعر الأذن إلى أن بقي كالهباء وبقي موضع الوسم أسود وهو ~~بالقلم الكوفي (342) وهذا بهرام جور من ملوك الفرس وكان قبل مبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم بزمان طويل وكان من عاداته أنه إذا كثر عليه ما يصطاده وسمه ~~وأطلقه والله أعلم كم كان عمر الحمار لما وسمه والله يعلم لو تركوه ولم ~~يذبحوه كم كان يعيش وعلى الجملة فإن حمار الوحش من الحيوانات المعمرة وهذا ~~الحمار لعله عاش ثمانمائة سنة أو أكثر وهذه جرود في أرضها جبل المدخن ~~المشهور وقد ذكره أبو نواس في قصيدته التي ذكر فيها المنازل لما قصد الخصيب ~~بمصر فقال PageV06P354 # (ووافين إشراقا كنائس تدمر * وهن إل رعن المدخن صور) ~~والمدخن بضم الميم وبالدال المهملة وفتح الخاء المعجمة المشددة وبعدها نون ~~وسمي المدخن لأنه لا يزال عليه مثل الدخان من الضباب ثم بعد هذا وجدت في ~~كتاب مفاتيح العلوم تأليف محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الخوارزمي أن بهرام ~~جور بن بهرام بن سابور الجنود بن سابور ذي الأكتاف سمي بهرام جور لأنه كان ~~مولعا بصيد العير وهو الحمار الوحشي والأهلي أيضا انتهى كلامه ثم إني حسبت ~~مدة ملكهم بعد هذا فكانت إلى سنة الهجرة النبوية مقدار مائتين وست عشرة سنة ~~فقد عاش هذا الحمار منذ وسمه بهرام جور إلى أن ذبح في سنة ستين وستمائة ~~مقدار ثمانمائة سنة وأكثر والله أعلم قلت وقد تكرر في هذه الترجمة حديث ~~زياد وبنيه وسمية وأبي سفيان ومعاوية وهذه الأشعار التي قالها يزيد بن مفرغ ~~فيهم ومن لا يعرف هذه الأسباب قد يتشوف إلى الاطلاع عليها فنورد ms1804 منها شيئا ~~مختصرا فأقول (343) إن أبا الجبر الملك الذي ذكره أبو بكر ابن دريد في ~~المقصورة المشهورة في البيت الذي يقوله فيها وهو (وخامرت نفس أبي الجبر ~~الجوى * حتى حواه الحتف فيمن قد حوى) كان أحد ملوك اليمن واسمه كنيته وقيل ~~هو أبو الجبر يزيد بن شرحبيل الكندي وقيل أبو الجبر بن عمرو وتغلب عليه ~~قومه فخرج إلى بلاد فارس يستجيش كسرى عليهم فبعث معه جيشا من الأساورة فلما ~~صاروا إلى كاظمة ونظروا إلى وحشة بلاد العرب وقلة خيرها قالوا إلى أين نمضي ~~مع هذا PageV06P355 # فعمدوا إلى سم فدفعوه إلى طباخه ووعدوه بالإحسان إليه ~~أن ألقى ذلك السم في طعام الملك ففعل ذلك فما استقر الطعام في جوفه حتى ~~اشتد وجعه فلما علم الأساورة ذلك دخلوا عليه فقالوا له إنك قد بلغت إلى هذه ~~الحالة فاكتب لنا إلى الملك كسرى أنك قد أذنت لنا في الرجوع فكتب لهم بذلك ~~ثم إن أبا الجبر خف ما به فخرج إلى الطائف البليدة التي بالقرب من مكة وكان ~~بها الحارث بن كلدة طبيب العرب الثقفي فعالجه فأبرأه فأعطاه سمية بضم السين ~~المهملة وفتح الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وفي آخره هاء وعبيدا بضم ~~العين المهملة تصغير عبد وكان كسرى قد أعطاهما أبا الجبر في جملة ما أعطاه ~~ثم ارتحل أبو الجبر يريد اليمن فانتقضت عليه العلة فمات في الطريق (344) ثم ~~إن الحارث بن كلدة الثقفي زوج عبيدا المذكور سمية المذكورة فولدت سمية ~~زيادا على فراش عبيد وكان يقال له زياد بن عبيد وزياد بن سمية وزياد ابن ~~أبيه وزياد ابن أمه وذلك قبل أن يستلحقه معاوية كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى وولدت سمية أيضا أبا بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة المذكور ويقال نفيع ~~بن مسروح وهو الصحابي المشهور بكنيته رضي الله عنه وولدت أيضا شبل بن معبد ~~ونافع بن الحارث وهؤلاء الإخوة الأربعة هم الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة ~~بالزنا وسيأتي خبر ذلك بعد الفراغ من حديث زياد إن ms1805 شاء الله تعالى وكان أبو ~~سفيان صخر بن حرب الأموي والد معاوية بن أبي سفيان يتهم في الجاهلية ~~بالترداد إلى سمية المذكورة فولدت سمية زيادا في تلك المدة لكنها ولدته على ~~فراش زوجها عبيد ثم إن زيادا كبر وظهرت منه النجابة والبلاغة وهو أحد ~~الخطباء المشهورين في العرب بالفصاحة والدهاء والعقل الكثير حتى إن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كان قد استعمل أبا موسى الأشعري رضي الله عنه على ~~البصرة فاستكتب زياد ابن أبيه ثم إن زيادا قدم على عمر رضي الله عنه من عند ~~أبي موسى فأعجب به عمر رضي الله عنه فأمر له بألف درهم ثم تذكرها بعدما مضى ~~فقال لقد ضاع ألف أخذها زياد فلما PageV06P356 # قدم عليه بعد ذلك قال له ما فعل ألفك يا زياد قال ~~اشتريت بها عبيدا فأعتقته يعني أباه قال ما ضاع ألفك يا زياد هل أنت حامل ~~كتابي إلى أبي موسى في عزلك عن كتابته قال نعم يا أمير المؤمنين إن لم يكن ~~ذلك عن سخطة قال ليس عن سخطة قال فلم تأمره بذلك قال كرهت أن أحمل على ~~الناس فضل عقلك واستكتب أبو موسى بعد زياد أبا الحصين ابن أبي الحر العنبري ~~فكتب إلى عمر رضي الله عنه كتابا فلحن في حرف منه فكتب إليه أن قنع كاتبك ~~سوطا وكان عمر رضي الله عنه إذا وفد إليه من البصرة رجل أحب أن يكون زيادا ~~ليشفيه من الخبر وكان عمر رضي الله عنه قد بعثه في إصلاح فساد وقع باليمن ~~فرجع من وجهه وخطب خطبة لم يسمع الناس مثلها فقال عمرو ابن العاص أما والله ~~لو كان هذا الغلام من قريش لساق العرب بعصاه فقال أبو سفيان والله إني ~~لأعرف الذي وضعه في رحم أمه فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن هو ~~يا أبا سفيان قال أنا قال مهلا أبا سفيان فقال أبو سفيان (أما والله لولا ~~خوف شخص * يراني يا علي من الأعادي) (لأظهر سره صخر ms1806 بن حرب * ولم يكن ~~المقالة عن زياد) (وقد طالت مجاملتي ثقيفا * وتركي فيهم ثمر الفؤاد) فلما ~~صار الأمر إلى علي رضي الله عنه وجه زيادا إلى فارس فضبط البلاد وحمى وجبى ~~وأصلح الفساد فكاتبه معاوية يروم إفساده على علي رضي الله عنه فلم يفعل ~~ووجه بكتابه إلى علي وفيه شعر تركته فكتب إليه علي إنما وليتك ما وليتك ~~وأنت أهل لذلك عندي ولن تدرك ما تريده مما أنت فيه إلا بالصبر واليقين ~~وإنما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر رضي الله عنه لا تستحق بها نسبا ولا ~~ميراثا وإن معاوية يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه فاحذره ثم احذره ~~والسلام فلما قرأ زياد الكتاب قال شهد لي أبو الحسن PageV06P357 # ورب الكعبة فذلك الذي جرأ زيادا ومعاوية على ما صنعا ~~فلما قتل علي رضي الله عنه وتولى ولده الحسن رضي الله عنه ثم فوض الأمر إلى ~~معاوية كما هو مشهور أراد معاوية استمالة زياد إليه وقصد تأليف قلبه ليكون ~~معه كما كان مع علي رضي الله عنه فتعلق بذلك القول الذي صدر من أبيه بحضرة ~~علي وعمرو بن العاص فاستلحق زيادا في سنة أربع وأربعين للهجرة فصار يقال له ~~زياد بن أبي سفيان فلما بلغ أخاه أبا بكرة أن معاوية استلحقه وأنه رضي ذلك ~~حلف يمينا أن لا يكلمه أبدا وقال هذا زنى أمه وانتفى من أبيه والله ما علمت ~~سمية رأت أبا سفيان قط ويله ما يصنع بأم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم أيريد أن يراها فإن حجبته فضحته وإن رآها فيا لها مصيبة ~~يهتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمة عظيمة وحج زياد في زمن معاوية ~~ودخل المدينة فأراد الدخول على أم حبيبة لأنها أخته على زعمه وزعم معاوية ~~ثم ذكر قول أخيه أبي بكرة فانصرف عن ذلك وقيل إن أم حبيبة حجبته ولم تأذن ~~له في الدخول عليها وقيل أنه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة وقال ms1807 جزى الله ~~أبا بكرة خيرا فما يدع النصيحة على حال وقدم زياد على معاوية وهو نائب عنه ~~PageV06P358 # وحمل معه هدايا جليلة من جملتها عقد نفيس فأعجب به ~~معاوية فقال زياد يا أمير المؤمنين دوخت لك العراق وجبيت لك برها وبحرها ~~وحملت إليك لبها وسرها وكان يزيد بن معاوية جالسا فقال له أما إنك إذ فعلت ~~ذلك فإنا نقلناك من ثقيف إلى قريش ومن عبيد إلى أبي سفيان ومن القلم إلى ~~المنابر فقال له معاوية حسبك وريت بك زنادي وقال أبو الحسن المدائني أخبرنا ~~أبو الزبير الكاتب عن ابن إسحاق قال اشترى زياد أباه عبيدا فقدم زياد على ~~عمر رضي الله عنه فقال له ما صنعت بأول شيء أخذت من عطائك قال اشتريت به ~~أبي قال فأعجب ذلك عمر رضي الله عنه وهذا ينافي استلحاق معاوية إياه والله ~~أعلم ولما ادعى معاوية زيادا دخل عليه بنو أمية وفيهم عبد الرحمن بن الحكم ~~أخو مروان بن الحكم الأموي فقال يا معاوية لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت ~~بهم علينا قلة وذلة فأقبل معاوية على أخيه مروان بن الحكم وقال أخرج عنا ~~هذا الخليع فقال مروان والله إنه لخليع ما يطاق قال معاوية والله لولا حلمي ~~وتجاوزي لعلمت أنه يطاق ألم يبلغني شعره في وفي زياد ثم قال لمروان أسمعنيه ~~فقال (ألا أبلغ معاوية بن صخر * لقد ضاقت بما تأتي اليدان) (أتغضب أن يقال ~~أبوك عف * وترضى أن يقال أبوك زان) وقد تقدم ذكر بقية هذه الأبيات منسوبة ~~إلى يزيد بن مفرغ وفيها خلاف هل هي ليزيد بن مفرغ أم لعبد الرحمن بن الحكم ~~فمن رواها لابن مفرغ روى البيت الأول على تلك الصورة ومن رواها لعبد الرحمن ~~رواها على هذه الصورة ولما استلحق معاوية زيادا وقربه وأحسن إليه وولاه صار ~~من أكبر الأعوان على بني علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى قيل إنه لما كان ~~أمير العراقين طلب رجلا من أصحاب الحسن بن علي رضي الله عنهما يعرف بابن ~~سرح ms1808 وكان في الأمان الذي كتب لأصحاب الحسن رضي الله عنه لما نزل ~~PageV06P359 # عن الخلافة لمعاوية فكتب الحسن إلى زياد من الحسن إلى ~~زياد أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا لأصحابنا من الأمان وقد ذكر لي ابن سرح ~~أنك عرضت له فأحب أن لا تعرض له إلا بخير والسلام فلما أتاه الكتاب وقد بدأ ~~فيه بنفسه ولم ينسبه إلى أبي سفيان غضب وكتب إليه من زياد ابن أبي سفيان ~~إلى الحسن أما بعد فإنه أتاني كتابك في فاسق تؤويه الفساق من شيعتك وشيعة ~~أبيك وأيم الله لأطلبنه ولو كان بين جلدك ولحمك وإن أحب الناس إلي لحما أن ~~آكله للحم أنت منه فلما قرأه الحسن رضي الله عنه بعث به إلى معاوية فلما ~~قرأه غضب وكتب إلى زياد من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد أما بعد فإن الحسن ~~بن علي بعث إلي كتابك إليه جواب كتابه كان إليك في ابن سرح فأكثرت التعجب ~~منه وقد علمت أن لك رأيين رأي من أبي سفيان ورأي من سمية فأما رأيك من أبي ~~سفيان فحلم وحزم وأما رأيك من سمية فكما يكون رأي مثلها ومن ذلك كتابك إلى ~~الحسن تسميه وتعرض له بالفسق ولعمري لأنت أولى بذلك منه فإن كان الحسن بدأ ~~بنفسه ارتفاعا عنك فإن ذلك لن يضعك وأما تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك فحظ ~~دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك فإذا أتاك كتابي فخل ما بيدك لابن سرح ~~ولا تعرض له فيه فقد كتبت إلى الحسن يخيره إن شاء أقام عنده وإن شاء رجع ~~إلى بلده وإنه ليس لك عليه سبيل بيد ولا لسان وأما كتابك إلى الحسن باسمه ~~ولا تنسبه إلى أبيه فإن الحسن ويحك ممن لا يرمى به الرجوان أفاستصغرت أباه ~~وهو علي ابن أبي طالب أم إلى أمه وكلته وهي فاطمة بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذلك أفخر له إن كنت عقلت والسلام قوله لا يرمى به الرجوان بفتح ~~الراء الجيم ms1809 وهو لفظ مثنى ومعناه المهالك قلت وقد رويت هذا الحكاية على ~~صورة أخرى وهي كان سعيد PageV06P360 # ابن سرح مولى كريز بن حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه فلما قدم زياد ابن أبيه الكوفة واليا عليها أخافه ~~وطلبه فأتى المدينة فنزل على الحسين بن علي رضي الله عنه فقال له الحسين ما ~~السبب الذي أشخصك وأزعجك فذكر له قضيته وصنيع زياد به فكتب إليه الحسين أما ~~بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم فهدمت داره ~~وأخذت ماله وعياله فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره واردد عليه ماله ~~وعياله فإني قد أجرته فشفعني فيه فكتب إليه زياد من زياد بن أبي سفيان إلى ~~الحسين بن فاطمة أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه باسمك قبل اسمي وأنت ~~طالب حاجة وأنا سلطان وأنت سوقة وكتابك إلي في فاسق لا يؤويه إلا فاسق مثله ~~وشر من ذلك توليه أباك وقد آويته إقامة منك على سوء الرأي ورضى بذلك وأيم ~~الله لا تسبقني إليه ولو كان بين جلدك ولحمك فإن أحب لحم إلي أن آكله للحم ~~أنت منه فأسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك ~~وإن قتلته لم أقتله إلا بحبه أباك فلما قرأ الحسين رضي الله عنه الكتاب كتب ~~إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح وكتابه إلى زياد فيه وإجابة زياد إياه ولف ~~كتابه في كتابه وبعث به إليه وكتب الحسين إلى زياد من الحسين بن فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زياد بن سمية عبد بني ثقيف الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر فلما قرأ معاوية كتاب الحسين رضي الله عنه ضاقت به الشام ~~وكتب إلى زياد أما بعد فإن الحسين بن علي بعث إلي بكتابك جواب كتابه إليك ~~في ابن سرح فأكثرت التعجب منه وعلمت أن لك رأيين أحدهما من أبي سفيان وآخر ~~من سمية فأما الذي من أبي ms1810 سفيان فحلم وحزم وأما الذي من سمية فكما يكون رأي ~~مثلها ومن ذلك كتابك إلى الحسين تشتم أباه وتعرض له بالفسق ولعمري لأنت ~~أولى بالفسق من الحسين ولأبوك إذ كنت تنسب إلى عبيد أولى بالفسق من أبيه ~~وإن كان الحسين بدأ بنفسه ارتفاعا عنك فإن ذلك لم يضعك وأما تشفيعه فيما ~~شفع إليك فيه فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك فإذا قدم عليك كتابي ~~هذا فخل ما في يدك لسعيد بن سرح وابن له PageV06P361 # داره ولا تعذر له واردد عليه ماله فقد كتبت إلى الحسين ~~أن يخبر صاحبه بذلك فإن شاء أقام عنده وإن شاء رجع إلى بلده فليس لك عليه ~~سلطان بيد ولا لسان وأما كتابك إلى الحسين باسمه واسم أمه لا تنسبه إلى ~~أبيه فإن الحسين ويلك ممن لا يرمى به الرجوان أإلى أمه وكلته لا أم لك فهي ~~فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلك أفخر له إن كنت تعقل والسلام ~~وقال عبيد الله بن زياد ما هجيت بشيء أشد على من قول ابن مفرغ (فكر ففي ذاك ~~إن فكرت معتبر * هل نلت مكرمة إلا بتأمير) (عاشت سمية ما عاشت وما علمت * ~~أن ابنها من قريش في الجماهير) وقال قتادة قال زياد لبنيه وقد احتضر ليت ~~أباكم كان راعيا في أدناها وأقصاها ولم يقع بالذي وقع به قلت فبهذا الطريق ~~كان ينظم ابن مفرغ هذه الأشعار في زياد وبنيه ويقول إنهم أدعياء حتى قال في ~~زياد وأبي بكرة ونافع أولاد سمية (إن زيادا ونافعا وأبا * بكرة عندي من ~~أعجب العجب) (هم رجال ثلاثة خلقوا * في رحم أنثى وكلهم لأب) (ذا قرشي كما ~~يقول وذا * مولى وهذا بزعمه عربي) (345) وهذه الأبيات تحتاج إلى زيادة ~~إيضاح فأقول قال أهل العلم بالأخبار إن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن ~~أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة ابن عوف بن قسي وهو ثقيف هكذا ساق هذا النسب ~~ابن الكلبي في كتاب الجمهرة وهو ms1811 طبيب العرب المشهور ومات في أول الإسلام ~~وليس يصح إسلامه وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن أبي وقاص ~~PageV06P362 # أن يأتي الحارث يستوصفه في مرض نزل به فدل ذلك على أنه ~~جائز أن يشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله وكان ولده الحارث بن ~~الحارث من المؤلفة قلوبهم وهو معدود في جملة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~ويقال إن الحارث بن كلدة كان رجلا عقيما لا يولد له وإنه مات في خلافة عمر ~~رضي الله عنه (346) ولما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف قال ~~أيما عبد تدلى إلي فهو حر فنزل أبو بكرة رضي الله عنه من الحصن في بكرة قلت ~~وهي بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وبعدها راء ثم هاء وهي التي تكون على ~~البئر وفيها الحبل يستقى به والناس يسمونها بكرة بفتح الكاف وهو غلط إلا أن ~~صاحب كتاب مختصر العين حكاها بالفتح أيضا وهي لغة ضعيفة لم يحكها غيره قال ~~فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرة لذلك وكان يقول أنا مولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأراد أخوه نافع أن يدلي نفسه في البكرة أيضا فقال ~~له الحارث بن كلدة أنت ابني فأقم فأقام ونسب إلى الحارث وكان أبو بكرة قبل ~~أن يحسن إسلامه ينسب إلى الحارث أيضا فلما حسن إسلامه ترك الانتساب إليه ~~ولما هلك الحارث بن كلدة لم يقبض أبو بكرة من ميراثه شيئا تورعا هذا عند من ~~يقول إن الحارث أسلم وإلا فهو محروم من الميراث لاختلاف الدين فلهذا قال ~~ابن مفرغ الأبيات الثلاثة البائية لأن زيادا ادعى أنه قرشي باستلحاق معاوية ~~له وأبو بكرة اعترف بولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ونافع كان يقول إنه ~~ابن الحارث بن كلدة الثقفي وأمهم واحدة وهي سمية المذكورة وهذا سبب نظم ~~البيتين في آل أبي بكرة كما تقدم ذكره وعلاج جد الحارث بن كلدة كما ذكرته ~~PageV06P363 # هذه قصة زياد وأولاده ذكرتها مختصرة قلت ms1812 إلا أن قول ~~ابن مفرغ في البيت الثاني وكلهم لأب ليس بجيد فإن زيادا ما نسبه أحد إلى ~~الحارث ابن كلدة بل هو ولد عبيد لأنه ولد على فراشه وأما أبو بكرة ونافع ~~فقد نسبا إلى الحارث فكيف يقول وكلهم لأب فتأمله وذكر ابن النديم في كتابه ~~الذي سماه الفهرست أن أول من ألف كتابا في المثالب زياد ابن أبيه فإنه لما ~~طعن عليه وعلى نسبه عمل ذلك لولده وقال لهم استظهروا به على العرب فإنهم ~~يكفون عنكم وأما حديث المغيرة بن شعبة الثقفي والشهادة عليه فإن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كان قد رتب المغيرة أميرا على البصرة وكان يخرج من دار ~~الإمارة نصف النهار وكان أبو بكرة المذكور يلقاه فيقول أين يذهب الأمير ~~فيقول في حاجة فيقول إن الأمير يزار ولا يزور قالوا وكان يذهب إلى امرأة ~~يقال لها أم جميل بنت عمرو وزوجها الحجاج بن عتيك بن الحارث بن وهب الجشمي ~~وقال ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب هي أم جميل بنت الأفقم بن محجن بن أبي ~~عمرو بن شعيثة ابن الهزم وعدادهم في الأنصار وزاد غير ابن الكلبي فقال ~~الهزم بن رؤيبة ابن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن ~~هوازن والله أعلم قال الراوي فبينما أبو بكرة في غرفة مع إخوته وهم نافع ~~وزياد المذكوران وشبل بن معبد والجميع أولاد سمية المذكورة فهم إخوة لأم ~~وكانت أم جميل المذكورة في غرفة أخرى قبالة هذه الغرفة فضربت الريح باب ~~غرفة أم جميل ففتحته ونظر القوم فإذا هم بالمغيرة مع المرأة على هيئة ~~الجماع فقال أبو بكرة هذه بلية قد ابتليتم بها فانظروا فنظروا حتى أثبتوا ~~فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال له إنه قد كان ~~من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا قال وذهب المغيرة ليصلي بالناس الظهر ~~PageV06P364 # ومضى أبو بكرة فقال لا والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما ~~فعلت فقال الناس دعوه ms1813 فليصل فإنه الأمير واكتبوا بذلك إلى عمر رضي الله عنه ~~فكتبوا إليه فأمرهم أن يقدموا عليه جميعا المغيرة والشهود فلما قدموا عليه ~~جلس عمر رضي الله عنه فدعا بالشهود والمغيرة فتقدم أبو بكرة فقال له رأيته ~~بين فخذيها قال نعم والله لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها فقال له ~~المغيرة لقد ألطفت في النظر فقال أبو بكرة لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به ~~فقال عمر رضي الله عنه لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها ولوج المرود ~~في المكحلة فقال نعم أشهد على ذلك فقال فاذهب عنك مغيرة ذهب ربعك ثم دعا ~~نافعا فقال له علام تشهد قال على مثل شهادة أبي بكرة قال لا حتى تشهد أنه ~~ولج فيها ولوج الميل في المكحلة قال نعم حتى بلغ قذذه قلت القذذ بالقاف ~~المضمومة وبعدها ذالان معجمتان وهي ريش السهم قال الراوي فقال له عمر رضي ~~الله عنه اذهب مغيرة ذهب نصفك ثم دعا الثالث فقال له على ما تشهد فقال على ~~مثل شهادة صاحبي فقال له عمر رضي الله عنه اذهب عنك مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك ~~ثم كتب إلى زياد وكان غائبا فقدم فلما رآه جلس له في المسجد واجتمع عنده ~~رؤوس المهاجرين والأنصار فلما رآه مقبلا قال إني أرى رجلا لا يخزي الله على ~~لسانه رجلا من المهاجرين ثم إن عمر رضي الله عنه رفع رأسه إليه فقال ما ~~عندك يا سلح الحبارى فقيل إن المغيرة قام إلى زياد فقال لا مخبأ لعطر بعد ~~عروس قلت وهذا مثل العرب لا حاجة إلى الكلام عليه فقد طالت هذه الترجمة ~~كثيرا قال الراوي فقال له المغيرة يا زياد اذكر الله تعالى واذكر موقف يوم ~~القيامة فإن الله تعالى وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي إلا أن ~~تتجاوز إلى ما لم تر مما رأيت فلا يحملنك سوء منظر رأيته على أن تتجاوز إلى ~~ما لم تر فوالله لو كنت بين بطني وبطنها ما رأيت أن يسلك ذكري فيها ms1814 قال ~~فدمعت عينا زياد واحمر وجهه وقال يا أمير PageV06P365 # المؤمنين أما إن أحق ما حق القوم فليس عندي ولكن رأيت ~~مجلسا وسمعت نفسا حثيثا وانتهازا ورأيته مستبطنها فقال عمر رضي الله عنه ~~رأيته يدخل كالميل في المكحلة فقال لا وقيل قال زياد رأيته رافعا رجليها ~~فرأيت خصييه تتردد إلى بين فخذيها ورأيت حفزا شديدا وسمعت نفسا عاليا فقال ~~عمر رضي الله عنه رأيت يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة فقال لا فقال عمر ~~رضي الله عنه الله أكبر قم إليهم فاضربهم فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين ~~وضرب الباقين وأعجبه قول زياد ودرأ الحد عن المغيرة فقال أبو بكرة بعد أن ~~ضرب أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا فهم عمر رضي الله عنه أن يضربه حدا ثانيا ~~فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن ضربته فارجم صاحبك فتركه واستتاب ~~عمر أبا بكرة فقال إنما تستتيبني لتقبل شهادتي فقال أجل فقال لا أشهد بين ~~اثنين ما بقيت في الدنيا فلما ضربوا الحد قال المغيرة الله أكبر الحمد لله ~~الذي أخزاكم فقال عمر رضي الله عنه بل أخزى الله مكانا رأوك فيه وذكر عمر ~~بن شبة في كتاب أخبار البصرة أن أبا بكرة لما جلد أمرت أمه بشاة فذبحت ~~وجعلت جلدها على ظهره فكان يقال ما ذاك إلا من ضرب شديد وحكى عبد الرحمن بن ~~أبي بكرة أن أباه حلف لا يكلم زيادا ما عاش فلما مات أبو بكرة كان قد أوصى ~~أن لا يصلي عليه زياد وأن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم آخى بينهما وبلغ ذلك زيادا فخرج إلى الكوفة وحفظ المغيرة بن شعبة ~~ذلك لزياد وشكره ثم إن أم جميل وافقت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالموسم ~~والمغيرة هناك فقال له عمر أتعرف هذه المرأة يا مغيرة قال نعم هذه أم كلثوم ~~بنت علي فقال له عمر أتتجاهل علي والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك وما رأيتك ~~إلا خفت أن ms1815 أرمى بحجارة من السماء قلت ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في أول ~~باب عدد الشهود في كتاب المهذب وشهد على المغيرة ثلاثة أبو بكرة ونافع وشبل ~~بن معبد PageV06P366 # وقال زياد رأيت استا تنبو ونفسا يعلو ورجلين كأنهما ~~أذنا حمار ولا أدري ما وراء ذلك فجلد عمر الثلاثة ولم يحد المغيرة قلت وقد ~~تكلم الفقهاء على قول علي رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه إن ضربته فارجم ~~صاحبك فقال أبو نصر ابن الصباغ المقدم ذكره وهو صاحب كتاب الشامل في المذهب ~~يريد أن هذا القول إن كان شهادة أخرى فقد تم العدد وإن كان هو الأول فقد ~~جلدته عليه والله أعلم وذكر عمر بن شبة في أخبار البصرة أن العباس بن عبد ~~المطلب رضي الله عنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أقطعني البحرين فقال ومن يشهد لك بذلك قال المغيرة بن شعبة ~~فأبى أن يجيز شهادته قلت وقد طالت هذه الترجمة وسببه أنها اشتملت على عدة ~~وقائع فدعت الحاجة إلى الكلام على كل واحدة منها فانتشر القول لأجل ذلك وما ~~خلا عن فوائد 822 يزيد بن الطثرية الشاعر المشهور أبو المكشوح يزيد بن سلمة ~~بن سمرة بن سلمة الخير بن قشير بن كعب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة المعروف ~~بابن الطثرية الشاعر المشهور هكذا ساق نسبه أبو عمرو الشيباني وإنما قيل ~~لجده سلمة الخير لأنه كان لقشير ولد آخر يقال له سلمة الشر قال وقد قيل إنه ~~يزيد بن المنتشر بن PageV06P367 # سلمة وذكر ابن الكلبي أنه يزيد بن الصمة أحد بني سلمة ~~الخير بن قشير وذكر البصريون أنه من ولد الأعور بن قشير ذكر أبو الحسن علي ~~بن عبد الله الطوسي في أول ديوان يزيد بن الطثرية المذكور وكان الطوسي قد ~~اعتنى به وجمعه فقال كان ابن الطثرية شاعرا مطبوعا عاقلا فصيحا كامل الأدب ~~وافر المروءة لا يعاب ولا يطعن عليه وكان سخيا شجاعا له أصل ومحل في قومه ~~من ms1816 قشير وكان من شعراء بني أمية مقدما عندهم وقال غير الطوسي كان يزيد بن ~~الطثرية يسمى مودقا سمي بذلك لحسن وجهه وحسن شعره وحلاوة حديثه فكانوا ~~يقولون إنه إذا جلس بين النساء ودقهن يقال استودقت المرأة وودقت إذا مالت ~~إلى الفحل لأجل الجماع والأصل في هذه اللفظة أن تكون لذوات الحافر ثم نقلت ~~إلى بني آدم وهي بالدال المهملة والقاف والمودق هو الذي يجعل النساء يملن ~~عليه وكان يزيد كثيرا ما يجلس عند النساء ويتحدث معهن ويقال إنه كان عنينا ~~لا يأتي النساء وليس له عقب وهو من أعيان الشعراء ذكره أبو تمام الطائي في ~~كتاب الحماسة في عدة مواضع فمن ذلك قوله في باب النسيب (عقيلية أما ملاث ~~إزارها * فدعص وأما خصرها فبتيل) (تقيظ أكناف الحمى ويظلها * بنعمان من ~~وادي الأراك مقيل) (أليس قليلا نظرة إن نظرتها * إليك وكل ليس منك قليل) ~~(فيا خلة النفس التي ليس دونها * لنا من أخلاء الصفاء خليل) (ويا من كتمنا ~~حبه لم يطع به * عدو ولم يؤمن عليه دخيل) (أما من مقام أشتكي غربة النوى * ~~وخوف العدا فيه إليك سبيل) (فديتك أعدائي كثير وشقتي * بعيد وأشياعي لديك ~~قليل) (فلا تحملي ذنبي وأنت ضعيفة * فحمل دمي يوم الحساب ثقيل) PageV06P368 # (وكنت إذا ما جئت جئت بعلة * فأفنيت علاتي فكيف أقول) ~~(فما كل يوم لي بأرضك حاجة * ولا كل يوم لي إليك رسول) وكان أبو الفرج ~~الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني قد جمع شعر يزيد ابن الطثرية أيضا في ديوان ~~وأورد له قوله (ألا بأبي من قد برى الجسم حبه * ومن هو موموق إلى حبيب) ~~(ومن هو لا يزداد إلا تشوقا * وليس يرى إلا عليه رقيب) (وإني وإن أحموا علي ~~كلامها * وحالت أعاد دوننا وحروب) (لمثن على ليلى ثناء يزينها * قواف ~~بأفواه الرجال تطيب) (أليلى احذري نقض القوى لا يزل لنا * على النأي ~~والهجران منك نصيب) (وكوني على الواشين لداء شغبة * كما أنا للواشي ألد ~~شغوب) (فإن خفت ألا تحكمي مرة الهوى * فردي فؤادي والمزار قريب) وأورد ms1817 له ~~أيضا (بنفسي من لو مر برد بنانه * على كبدي كانت شفاء أنامله) (ومن هابني ~~في كل شيء وهبته * فلا هو يعطيني ولا أنا سائله) وأما أبو الحسن الطوسي ~~فإنه أورد له (وإني لأستحيي من الله أن أرى * رديفا لوصل أو علي رديف) (وأن ~~أرد الماء الموطأ حنيه * وأتبع وصلا منك وهو ضعيف) قلت ورأيت في موضع آخر ~~بعد البيت الأول PageV06P369 # (وإني للماء المخالطه القذى * وإن كثرت وراده لعيوف) ~~وأورد له الطوسي أيضا (ألا رب راج حاجة لا ينالها * وآخر قد تقضى له وهو ~~جالس) (يجول لها هذا وتقضى لغيره * وتأتي الذي تقضى له وهو آيس) وأورد له ~~أيضا من جملة أبيات (برغمي أطيل الصد عنها إذا نأت * أحاذر أسماعا عليها ~~وأعينا) (أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكنا) وأورد ~~له أيضا أبياتا منها قوله (وقولا إذا عدت ذنوبا كثيرة * علينا تجناها ذري ~~ما تغيبا) (هبيني امرأ إما بريئا ظمته * وإما مسيئا تاب بعد وأعتبا) (فلما ~~أبت لا تقبل العذر وارتمى * بها كذب الواشين شأوا مغربا) (تعزيت عنها ~~بالسلو ولم أكن * لمن ضن عني بالمودة أقربا) (وكنت كذي داء تبغى لدائه * ~~طبيبا فلما لم يجده تطببا) وأورد له أبو عبد الله المرزباني في كتاب معجم ~~الشعراء وهي في الحماسة أيضا وقد رويت أيضا لعبد الله بن الدمينة الخثعمي ~~والله أعلم (بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له * ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب) ~~(ولم يعتذر عذر البرىء ولم تزل * به رعدة حتى يقال مريب) وأورد له ~~المرزباني في المعجم أيضا (حننت إلى ريا ونفسك باعدت * مزارك من ريا ~~وشعباكما معا) PageV06P370 # (فما حسن أن تأتي الأمر طائعا * وتجزع أن داعى الصبابة ~~أسمعا) (قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى * وقل لنجد عندنا أن يودعا) (ولما ~~رأيت البشر أعرض دوننا * وجالت بنات الشوق يحنن نزعا) (بكت عيني اليمنى ~~فلما زجرتها * عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا) (تلفت نحو الحي حتى وجدتني * ~~وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا) (وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ms1818 * على كبدي من ~~خشية أن تقطعا) (وليست عشيات الحمى برواجع * عليك ولكن خل عينيك تدمعا) قلت ~~وهي أبيات في غاية الرقة واللطافة وذكرها أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة ~~في أول باب النسيب وقال إنها للصمة بن عبد الله القشيري والله أعلم بالصواب ~~في ذلك وقال أبو عمر يوسف بن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب في أخبار ~~الصحابة رضي الله عنهم وقد تقدم ذكره في كتاب بهجة المجالس ما مثاله للصمة ~~بن عبد الله القشيري (أما وجلال الله لو تذكرينني * كذكريك ما كفكفت للعين ~~مدمعا) (فقالت بلى والله ذكرا لو أنه * يصب على الصخر الأصم تصدعا) ثم قال ~~بعد ذلك وأكثرهم ينسبون إليه في هذا الشعر (حننت إلى ريا ونفسك باعدت * ~~مزارك من ريا وشعباكما معا) وذكر الأبيات بكمالها كما ذكرها في الحماسة ~~وبعد الفراغ منها قال ومنهم من ينسبها إلى قيس بن ذريح وإلى المجنون أيضا ~~والأكثر أنها للصمة والله أعلم PageV06P371 # قلت فقد وقع الاختلاف في أن هذه الأبيات العينية هل هي ~~ليزيد بن الطثرية أم للصمة بن عبد الله القشيري أم لقيس بن ذريح أم للمجنون ~~والله أعلم قلت وذكره المرزباني أيضا في كتاب المونق فقال أنشدني أبو ~~الخنبش لابن الطثرية (وحنت قلوصي بعد هذا صبابة * فيا روعة ما راع قلبي ~~حنينها) (فقلت لها صبرا فكل قرينة * مفارقها لا بد يوما قرينها) وأورد له ~~أيضا (كيف العزاء وأنت أومق من مشى * والنفس معولة ودارك نائيه) (بيديك ~~قتلي إن أردت منيتي * وشفاء نفسي إن أردت شفائيه) (ولقد عرفت فما أويت ~~لمدنف * ما النفس عنك وإن نأيت بساليه) وأورد له أيضا (إذا نحن جئنا لم ~~تجمل بزينة * حذار الأعادي وهي باد جمالها) (ولا نبتديها بالسلام ولم نقل * ~~لهم من توقي شرهم كيف حالها) وأورد له أشياء كثيرة غير هذا فنقتصر على هذا ~~القدر وقال أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب أنساب الأشراف ~~بعد ما ذكر مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي الحكمي ms1819 ~~ووقائع جرت في سنة ست وعشرين ومائة فكان في أثناء ذلك وقعة قتل فيها ~~المندلث ابن إدريس الحنفي وقتل معه يزيد بن الطثرية المذكور على قرية يقال ~~لها الفلج بفتح الفاء واللام وفي آخره الجيم وأظنها من قرى اليمامة ثم وجدت ~~في كتاب أبي بكر الحازمي الذي صنفه في أسماء المواضع أن فلج بفتح الفاء ~~واللام وآخره جيم قرية عظيمة لبني جعدة بها منبر يقال لها فلج الأفلاج ~~PageV06P372 # من ناحية اليمامة وقال غيره فلج بينها وبين هجر التي ~~هي قصبة البحرين ستة أيام وبينها وبين مكة تسعة أيام والله أعلم وذكر أبو ~~إسحاق الزجاج في كتاب معاني القرآن الكريم في سورة الفرقان أن الرس قرية ~~باليمامة يقال لها فلج فتكون هي هذه القرية على ما قال وأما الذي جاء في ~~قول الشاعر (وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد) ~~فإنه بفتح الفاء وسكون اللام وهو واد بين البصرة وحمى ضرية وضرية قرية على ~~القرب من مكة شرفها الله تعالى وأما فلجة الذي جاء في شعر بعض العرب (ألا ~~حبذا أعلام فلجة بالضحى * وخيم روابي جلهتيها المنصب) (يقولون ملح ماء قلجة ~~آجن * أجل هو مملوح إلى القلب طيب) فهذا الاسم يقع على موضعين أحدهما منزل ~~بين مكة والبصرة والثاني موضع بالعقيق وكانت به الواقعة في السنة التي قتل ~~فيها الوليد بن يزيد الأموي المذكور رجعنا إلى ما كنا فيه وكان قتل الوليد ~~في جمادى الآخرة يوم الخميس لليلتين بقيتا منها من سنة ست وعشرين ومائة ~~بالبخراء بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعد الراؤ ألف ممدودة ~~وذكر أبو الحسن الطوسي المذكور في هذه الواقعة أن الراية كانت مع يزيد بن ~~الطثرية فلما قتل المندلث وهرب أصحابه ثبت يزيد بن الطثرية بالراية وكانت ~~عليه جبة خز فتشبثت في عشرة قلت PageV06P373 # وهي بضم العين المهملة وفتح الشين وبعدها راء مفتوحة ~~ثم هاء وهي شجرة لها صمغ من شجر العضاه قال فعثر فضربه بنو حنيفة حتى قتلوه ~~قلت وذكر ms1820 هذه الواقعة بعد قتل الوليد في التاريخ المذكور فيكون قتل يزيد ~~ابن الطثرية بين تاريخ قتل الوليد بن يزيد وبين آخر سنة ست وعشرين ومائة ~~والله أعلم وذكر أبو الفرج الأصبهاني في أول الديوان الذي جمعه من شعر يزيد ~~بن الطثرية أن بني حنيفة قتلته في خلافة بني العباس والأول أصح ولما قتل ~~ابن الطثرية رثاه القحيف بن حمير بن سليم الندى بن عبد الله العقيلي بقوله ~~(ألا تبكي سراة بني قشير * على صنديدها وعلى فتاها) (أبا المكشوح بعدك من ~~يحامي * ومن يزجي المطي على وجاها) ورثى القحيف أيضا الوليد بن يزيد ورثاه ~~أخوه ثور بن سلمة بقوله (أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري * مقيما وقد غالت ~~يزيد غوائله) وهي من الشعر المختار وذكر أبو تمام الطائي في الحماسة أن هذه ~~الأبيات لأخته زينب بنت الطثرية وقيل إنها لأمه والله أعلم وذكر الطوسي ~~المذكور أن هذه الواقعة كانت بالعقيق وقال ياقوت الحموي في كتاب المشترك ~~وضعا إن العقيق عشرة مواضع قال الأصمعي الأعقة الأودية التي تشقها السيول ~~ثم عد المواضع فقال الثالث عقيق عارض بأرض اليمامة وهو واد واسع مما يلي ~~العرمة تندفق فيه شعاب العارض وفيه عيون وقرى ثم قال والعقيق من قرى ~~اليمامة لبني عقيل وهو عقيق نمرة في طريق اليمن من اليمامة PageV06P374 # قلت فيحتمل أن يكون المراد بقوله بطن العقيق في هذا ~~البيت العقيق الأول ويحتمل العقيق الثاني والله أعلم وإنما كني ابن الطثرية ~~بأبي المكشوح لأنه كان على كشحه كي نار والكشح بفتح الكاف وسكون الشين ~~المعجمة وبعدها الحاء المهملة وهي الخاصرة والطثرية بفتح الطاء المهملة ~~وسكون الثاء المثلثة وبعدها راء ثم ياء النسب وهاء التأنيث وهي أمه ينسب ~~يزيد المذكور إليها وهي من بني طثر بن عنز بن وائل والطثر الخصب وكثرة ~~اللبن يقال إن أمه ولدت في عام هذا وصفه وقيل بل ولدته في عام هذا شأنه ~~ويقال إن أمه كانت مولعة بإخراج زبد اللبن فسميت الطثرية وطثرة اللبن زبدته ~~والله أعلم قلت وهذا ms1821 الكلام في النفس منه شيء فإنهم قالوا إن أمه من بني ~~طثر ابن عنز بن وائل فعلى هذا تكون أمه منسوبة إلى هذه القبيلة فلا معنى ~~حينئذ لقولهم إن أمه ولدت في عام هذا وصفه أو ولد هو في عام هذا شأنه أو أو ~~كانت أمه تخرج الزبد من اللبن فتأمله إلا أن يكون عندهم فيه خلاف هل هو ~~منسوب إلى القبيلة أم إلى هذا المعنى الثاني والله أعلم بالصواب في ذلك ~~ويروى لزينب بنت الطثرية أخت يزيد المذكور شيء كثير من الشعر فمن ذلك قولها ~~في المديح (أشم إذا ما جئت للعرف طالبا * حباك بما تحنو عليه أنامله) (ولو ~~لم يكن في كفه غير روحه * لجاد بها فليتق الله سائله) وينسب هذان البيتان ~~إلى زياد الأعجم أيضا والبيت الثاني منهما يوجد في ديوان أبي تمام الطائي ~~أيضا في قصيدته التي أولها (أجل أيها الربع الذي خف آهله * لقد أدركت فيك ~~النوى ما تحاوله) والله أعلم بالصواب PageV06P375 # 823 الماجشون أبو يوسف يعقوب بن أبي سلمة دينار وقيل ~~ميمون الملقب بالماجشون القرشي التيمي من موالي آل المنكدر من أهل المدينة ~~سمع ابن عمر رضي الله عنهما وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن المنكدر وعبد ~~الرحمن بن هرمز الأعرج روى عنه ابناه يوسف وعبد العزيز وابن أخيه عبد ~~العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة وقال يعقوب بن شيبة الماجشون يعقوب بن أبي ~~سلمة مولى آل الهدير وكان يعقوب مع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في ~~ولاية عمر المدينة يحدثه ويأنس به فلما استخلف عمر رضي الله عنه قدم عليه ~~الماجشون فقال له عمر إنا تركناك حيث تركنا لبس الخز فانصرف عنه وذكره محمد ~~بن سعد في كتاب الطبقات وقال يعقوب بن شيبة قال مصعب وكان الماجشون يعين ~~ربيعة الرأي على أبي الزناد لأن أبا الزناد كان معاديا لربيعة الرأي فكان ~~أبو الزناد يقول مثلي ومثل الماجشون مثل ذئب كان يلح على أهل قرية فيأكل ~~صبيانهم فاجتمعوا له وخرجوا في ms1822 طلبه فهرب منهم فانقطعوا عنه إلا صاحب فخار ~~فإنه ألح في طلبه فوقف له الذئب فقال هؤلاء أعذرهم فأنت ما لي ولك ما كسرت ~~لك فخارة قط والماجشون ما كسرت له كبرا ولا بربطا قط وقال ابن الماجشون عرج ~~بروح الماجشون فوضعناه على سرير الغسل PageV06P376 # وقلنا للناس نروح به فدخل غاسل إليه يغسله فرأى عرقا ~~يتحرك في أسفل قدمه فأقبل علينا وقال أرى عرقا يتحرك ولا أرى أن أعجل عليه ~~فاعتللنا على الناس بالأمر الذي رأيناه وفي الغد جاء الناس وغدا الغاسل ~~عليه فرأى العرق على حاله فاعتذرنا إلى الناس فمكث ثلاثا على حاله ثم إنه ~~استوى جالسا فقال آتوني بسويق فأتي به فشربه فقلنا له خبرنا ما رأيت قال ~~نعم عرج بروحي فصعد بي الملك حتى أتى سماء الدنيا فاستفتح ففتح له ثم هكذا ~~في السماوات حتى انتهى بي إلى السماء السابعة فقيل له من معك قال الماجشون ~~فقيل له لم يأن له بعد بقي من عمره كذا كذا سنة وكذا كذا شهرا وكذا كذا ~~يوما وكذا كذا ساعة ثم هبط فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر عن ~~يمينه وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه فقلت للملك الذي معي من ~~هذا قال هذا عمر بن عبد العزيز قلت إنه لقريب المقعد من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال إنه عمل بالحق في زمن الجور وإنهما عملا بالحق في زمن الحق ~~ذكر هذا يعقوب بن شيبة في ترجمة الماجشون وذكر أبو الحسن محمد بن أحمد بن ~~القواس الوراق أن يعقوب الماجشون مات سنة أربع وستين ومائة رحمه الله تعالى ~~هذا كله نقلته من تاريخ الحافظ أبي القاسم المعروف بابن عساكر الذي جعله ~~تاريخا لدمشق وذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف في ترجمة محمد بن المنكدر أن ~~الماجشون من مواليه واسمه يعقوب وكان فقيها ثم قال بعد ذلك وكان للماجشون ~~أخ يقال له عبد الله بن أبي سلمة (347) وابنه عبد العزيز بن عبد الله يكنى ms1823 ~~أبا عبد الله توفي ببغداد وصلى عليه المهدي ودفنه في مقابر قريش وذلك في ~~سنة أربع وستين ومائة قلت وقد تقدم في هذا الكتاب ترجمة ولده عبد الملك بن ~~عبد العزيز بن PageV06P377 # عبد الله وذكرت ما قاله العلماء في معنى الماجشون ~~فأغنى عن الإعادة هاهنا والله أعلم قوله ما كسرت له كبرا ولا بربطا الكبر ~~بفتح الكاف والباء الموحدة وبعدها راء وهو طبل ذو وجه واحد والبربط بفتح ~~الباءين الموحدتين بينهما راء ساكنة وفي آخره طاء مهملة وهو نوع من العود ~~الذي للغناء وأصله بر وهو الصدر بالفارسي وبط الطائر المعروف فلما كان هذا ~~الملهى يشبه صدر البط سمي به واسمه بالعربي العود والمزهر أيضا بكسر الميم ~~وسكون الزاي وفتح الهاء وبعدها راء وبالعجمي البربط كما ذكرناه 824 القاضي ~~أبو يوسف صاحب أبي حنيفة القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس ~~بن سعد بن حبتة الأنصاري وسعد بن حبتة أحد الصحابة رضي الله عنهم وهو مشهور ~~في الأنصار بأمه وهي حبته بنت مالك من بني عمرو بن عوف وأما أبو سعد ابن ~~حبتة فهو عوف بن بحير بن معاوية بن سلمى بن بجيلة حليف بني عمرو بن عوف ~~الأنصاري هكذا ساق نسب سعد بن حبتة في الاستيعاب وأما الخطيب أبو بكر ~~البغدادي فإنه قال في تاريخه هو سعد بن بجير بن معاوية بن قحافة بن بليل بن ~~سدوس بن عبد مناف بن أبي PageV06P378 # أسامة بن سحمة بن سعد بن عبد الله بن قداد بن ثعلبة بن ~~معاوية بن زيد بن الغوث بن بجيلة كان القاضي أبو يوسف المذكور من أهل ~~الكوفة وهو صاحب أبي حنيفة رضي الله عنه كان فقيها عالما حافظا سمع أبا ~~إسحاق الشيباني وسليمان التيمي ويحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش وهشام بن ~~عروة وعطاء بن السائب ومحمد بن إسحاق بن يسار وتلك الطبقة وجالس محمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن ثابت وكان الغالب ~~عليه مذهب أبي حنيفة ms1824 وخالفه في مواضع كثيرة روى عنه محمد بن الحسن الشيباني ~~الحنفي وبشر بن الوليد الكندي وعلي بن الجعد وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين ~~في آخرين وكان قد سكن بغداد وتولى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء المهدي ~~وابنه الهادي ثم هارون الرشيد وكان الرشيد يكرمه ويجله وكان عنده حظيا ~~مكينا وهو أول من دعي بقاضي القضاة ويقال إنه أول من غير لباس العلماء إلى ~~هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان وكان ملبوس الناس قبل ذلك شيئا ~~واحدا لا يتميز أحد عن أحد بلباسه ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ~~وعلي ابن المديني في ثقته في النقل وذكر أبو عمر ابن عبد البر صاحب كتاب ~~الاستيعاب في كتابه الذي سماه كتاب الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء أن ~~أبا يوسف المذكور كان حافظا وأنه كان يحضر المحدث ويحفظ خمسين ستين حديثا ~~ثم يقوم فيمليها على الناس وكان كثير الحديث وقال محمد بن جرير الطبري ~~وتحامى حديثه قوم من أهل الحديث من أجل غلبة الرأي عليه وتفريعه الفروع ~~والأحكام مع صحبة السلطان وتقلده القضاء وحكى أبو بكر الخطيب البغدادي في ~~تاريخ بغداد أن أبا يوسف قال PageV06P379 # كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقل رث الحال فجاء أبي ~~يوما وأنا عند أبي حنيفة فانصرفت معه فقال يا بني لا تمد رجلك مع أبي حنيفة ~~فإن أبا حنيفة خبزه مشوي وأنت تحتاج إلى المعاش فقصرت عن كثير من الطلب ~~وآثرت طاعة أبي فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني فجعلت أتعاهد مجلسه فلما كان ~~أول يوم أتيته بعد تأخري عنه قال لي ما شغلك عنا قلت الشغل بالمعاش وطاعة ~~والدي فجلست فلما انصرف الناس دفع إلي صرة وقال استمتع بها فنظرت فإذا فيها ~~مائة درهم فقال لي الزم الحلقة وإذا فرغت هذه فأعلمني فلزمت الحلقة فلما ~~مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى ثم كان يتعاهدني وما أعلمته بخلة قط ولا ~~أخبرته بنفاد شيء وكأنه كان يخبر ينفادها حتى استغنيت وتمولت ثم قال الخطيب ms1825 ~~وحكي أن والد أبي يوسف مات وخلف أبا يوسف طفلا صغيرا وأن أمه هي التي أنكرت ~~عليه حضور حلقة أبي حنيفة ثم روى الخطيب أيضا بإسناد متصل إلى علي بن الجعد ~~قال أخبرني أبو يوسف القاضي قال توفي أبي وخلفني صغيرا في حجر أمي فأسلمتني ~~إلى قصار أخدمه فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع فكانت ~~أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي فتذهب بي إلى القصار وكان أبو حنيفة ~~يعنى بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم فلما كثر ذلك على أمي وطال ~~عليها هربي قالت لأبي حنيفة ما لهذا الصبي فساد غيرك هذا صبي يتيم لا شيء ~~له وإنما أطعمه من مغزلي وآمل أن يكسب دانقا يعود به على نفسه فقال لها أبو ~~حنيفة مري يا رعناء ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق فانصرفت عنه ~~وقالت له أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك ثم لزمته فنفعني الله تعالى بالعلم ~~ورفعني حتى تقلدت القضاء وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته فلما كان ~~في بعض الأيام قدم إلى هارون فالوذجة فقال لي يا يعقوب كل منها فليس في كل ~~يوم يعمل لنا مثلها فقلت وما هذه يا أمير المؤمنين فقال هذه فالوذجة بدهن ~~الفستق PageV06P380 # فضحكت فقال لي مم ضحكك فقلت خيرا أبقى الله أمير ~~المؤمنين قال لتخبرني وألح علي فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعجب من ~~ذلك وقال لعمري إن العلم لينفع دنيا ودينا وترحم على أبي حنيفة وقال كان ~~ينظر بعين عقله مالا يراه بعين رأسه وحكى علي بن المحسن التنوخي عن أبيه عن ~~جده قال كان سبب اتصال أبي يوسف بالرشيد أنه كان قدم بغداد بعد موت أبي ~~حنيفة رحمه الله تعالى فحنث بعض القواد في يمين فطلب فقيها يستفتيه فجيء ~~بأبي يوسف فأفتاه أنه لم يحنث فوهب له دنانير وأخذ له دارا بالقرب منه ودخل ~~القائد يوما على الرشيد فوجده مغموما فسأله عن سبب غمه فقال شيء من أمر ms1826 ~~الدين قد حزنني فاطلب فقيها كي أستفتيه فجاءه بأبي يوسف قال أبو يوسف فلما ~~دخلت إلى ممر بين الدور رأيت فتى حسنا عليه أثر الملك وهو في حجرة محبوس ~~فأومأ إلي بأصبعه مستغيثا فلم أفهم منه إرادته وأدخلت إلى الرشيد فلما مثلت ~~بين يديه سلمت ووقفت فقال لي ما اسمك فقلت يعقوب أصلح الله أمير المؤمنين ~~قال ما تقول في إمام شاهد رجلا يزني هل يحده قلت لا فحين قلتها سجد الرشيد ~~فوقع لي أنه قد رأى بعض أهله على ذلك وأن الذي أشار إلي بالاستغاثة هو ~~الزاني ثم قال الرشيد من أين قلت هذا قلت لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~ادرأوا الحدود بالشبهات وهذه شبهة يسقط الحد معها قال وأي شبهة مع المعاينة ~~قلت ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى والحدود لا تكون بالعلم ~~وليس لأحد أخذ حقه بعلمه فسجد مرة أخرى وأمر لي بمال جزيل وأن ألزم الدار ~~فما خرجت حتى جاءتني هدية الفتى وهدية أمه وجماعته وصار ذلك أصلا للنعمة ~~ولزمت الدار فكان هذا الخادم يستفتيني وهذا يشاورني ولم يزل حالي يقوى عند ~~الرشيد حتى قلدني القضاء قلت وهذا يخالف ما نقلته قبل هذا من أنه ولي ~~القضاء لثلاثة من الخلفاء والله أعلم بالصواب PageV06P381 # وقال طلحة بن محمد بن جعفر أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر ~~الفضل وهو صاحب أبي حنيفة وأفقه أهل عصره ولم يتقدمه أحد في زمانه وكان ~~النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر وأول من وضع الكتب في أصول الفقه ~~على مذهب أبي حنيفة وأملى المسائل ونشرها وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض ~~وقال عمار بن أبي مالك ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف لولا أبو ~~يوسف ما ذكر أبو حنيفة ولا محمد بن أبي ليلى ولكنه هو نشر قولهما وبث ~~علمهما وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة مرض أبو يوسف في زمن أبي حنيفة ~~مرضا خيف عليه منه فعاده أبو حنيفة ونحن معه فلما ms1827 خرج من عنده وضع يده على ~~عتبة بابه وقال إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها وأومأ إلى الأرض وقال ~~أبو يوسف سألني الأعمش عن مسألة فأجبته فيها فقال لي من أين لك هذا فقلت من ~~حديثك الذي حدثتناه أنت ثم ذكرت له الحديث فقال لي يا يعقوب إني لأحفظ هذا ~~الحديث قبل أن يجتمع أبواك وما عرفت تأويله حتى الآن وقال هلال بن يحيى كان ~~أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب وكان أقل علومه الفقه ولم يكن ~~في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف وذكر أبو الفرج المعافى بن زكريا ~~النهرواني في كتاب الجليس والأنيس عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال مضى أبو ~~يوسف القاضي ليسمع المغازي من محمد بن إسحاق أو من غيره وأخل بمجلس أبي ~~حنيفة أياما فلما أتاه قال له أبو حنيفة يا أبا يوسف من كان صاحب راية ~~جالوت فقال له أبو يوسف إنك إمام وإن لم تمسك عن هذا سألتك والله على رؤوس ~~الملإ أيما PageV06P382 # كان أول وقعة بدر أو أحد فإنك لا تدري أيهما كان قبل ~~الآخر فأمسك عنه وذكر في الكتاب المذكور أيضا عن علي بن الجعد أن القاضي ~~أبا يوسف كتب يوما كتابا وعن يمينه إنسان يلاحظ ما يكتبه ففطن له أبو يوسف ~~فلما فرغ من الكتابة التفت إليه وقال له هل وقفت على شيء من خطأ فقال لا ~~والله ولا حرف واحد فقال له أبو يوسف جزيت خيرا حيث كفيتنا مؤونة قراءته ثم ~~أنشد (كأنه من سوء تأديبه * أسلم في كتاب سوء الأدب) وقال حماد بن أبي ~~حنيفة رأيت أبا حنيفة يوما وعن يمينه أبو يوسف وعن يساره زفر وهما يتجادلان ~~في مسألة فلا يقول أبو يوسف قولا إلا أفسده زفر ولا يقول زفر قولا إلا ~~أفسده أبو يوسف إلى وقت الظهر فلما أذن المؤذن رفع أبو حنيفة يده فضرب بها ~~فخذ زفر وقال لا تطمع في رياسة ببلدة فيها أبو يوسف وقضى لأبي يوسف على زفر ms1828 ~~ولم يكن بعد أبي يوسف في أصحاب أبي حنيفة مثل زفر وقال طاهر بن أحمد ~~الزبيدي كان يجلس إلى أبي يوسف رجل فيطيل الصمت فقال له أبو يوسف ألا تتكلم ~~فقال بلى متى يفطر الصائم فقال إذا غابت الشمس فقال فإن لم تغب إلى نصف ~~الليل فضحك أبو يوسف وقال أصبت في صمتك وأخطأت أنا في استدعاء نطقك ثم تمثل ~~(عجبت لإزراء الغبي بنفسه * وصمت الذي قد كان بالقول أعلما) (وفي الصمت ستر ~~للغبي وإنما * صحيفة لب المرء أن يتكلما) ومن كلام أبي يوسف صحبة من لا ~~يخشى العار عار يوم القيامة وكان يقول رؤوس النعم ثلاثة فأولها نعمة ~~الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها PageV06P383 # والثانية نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها ~~والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها وقال علي بن الجعد سمعت أبا ~~يوسف يقول العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك وأنت إذا أعطيته كلك من ~~إعطائه البعض كنت على غرر وكان أبو يوسف راكبا وغلامه يعدو وراءه فقال له ~~رجل أتستحل أن تعدي غلامك وراءك لم لا تركبه فقال له أيجوز عندك أن أسلم ~~غلامي مكاريا قال نعم قال أبو يوسف فيعدو معي كما كان يعدو لو كان مكاريا ~~وقال يحيى بن عبد الصمد خوصم أمير المؤمنين الهادي إلى القاضي أبي يوسف في ~~بستانه وكان الحكم في الظاهر للهادي وفي الباطن خلاف ذلك فقال الهادي ~~للقاضي أبي يوسف ما صنعت في الأمر الذي نتنازع إليك فيه فقال خصم أمير ~~المؤمنين يسألني أن أحلف أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا على حق فقال له ~~الهادي وترى ذلك قال فقد كان ابن أبي ليلى يراه فقال أردد البستان عليه ~~وإنما احتال عليه أبو يوسف لعلمه أن الهادي لا يحلف وقال بشر بن الوليد ~~الكندي قال لي القاضي أبو يوسف بينا أنا البارحة قد أويت إلى فراشي فإذا ~~داق يدق الباب دقا شديدا فأخذت علي إزاري وخرجت فإذا هرثمة بن أعين فسلمت ~~عليه فقال ms1829 أجب أمير المؤمنين فقلت يا أبا حاتم لي بك حرمة وهذا وقت كما ترى ~~ولست آمن أن يكون أمير المؤمنين قد دعاني لأمر من الأمور فإن أمكنك أن تدفع ~~بذلك إلى غد فلعله أن يحدث له رأي فقال ما لي إلى ذلك سبيل قلت كيف كان ~~السبب PageV06P384 # قال خرج إلي مسرور الخادم فأمرني أن آتي بك أمير ~~المؤمنين فقلت تأذن لي أن أصب علي ماء وأتحنط فإن كان أمر من الأمور كنت قد ~~أحكمت شأني وإن رزق الله العافية فلن يضرني فأذن لي فدخلت فلبست ثيابا جددا ~~وتطيبت بما أمكن من الطيب ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين ~~هارون الرشيد فإذا مسرور واقف فقال له هرثمة قد جئت به فقلت لمسرور يا أبا ~~هاشم خدمتي وحرمتي وميلي وهذا وقت ضيق فتدري لم طلبني أمير المؤمنين قال لا ~~فقلت فمن عنده قال عيسى بن جعفر قلت ومن قال ما عندهما ثالث ثم قال لي مر ~~فإذا صرت في الصحن فإنه في الرواق وهو ذاك جالس فحرك رجلك بالأرض فإنه ~~سيسألك فقل أنا قال أبو يوسف فجئت ففعلت ذلك فقال من هذا فقلت يعقوب فقال ~~ادخل فدخلت فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جعفر فسلمت فرد السلام علي وقال ~~أظننا روعناك فقلت إي والله وكذلك من خلفي فقال اجلس فجلست حتى سكن روعي ثم ~~التفت إلي وقال يا يعقوب تدري لم دعوتك قلت لا قال دعوتك لأشهدك على هذا ان ~~عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع وسألته أن يبيعها فأبى والله لئن لم ~~يفعل لأقتلنه قال أبو يوسف فالتفت إلى عيسى فقلت له وما بلغ الله بجارية ~~تمنعها أمير المؤمنين وتنزل نفسك هذه المنزلة قال فقال لي عجلت علي في ~~القول قبل أن تعرف ما عندي قلت وما في هذا من الجواب قال إن علي يمينا ~~بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها فالتفت ~~إلي الرشيد فقال هل له في ذلك من مخرج ms1830 قلت نعم قال وما هو قلت يهب لك نصفها ~~ويبيعك نصفها فيكون لم يهب ولم يبع فقال عيسى ويجوز ذلك قلت نعم قال فأشهدك ~~أني قد وهبت له نصفها وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار فقال له الرشيد ~~قبلت الهبة واشتريت نصفها بمائة ألف دينار ثم طلب منه الجارية فأتى ~~بالجارية وبالمال فقال خذها يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيها فقال ~~الرشيد يا يعقوب PageV06P385 # بقيت واحدة فقلت وما هي فقال هي مملوكة ولا بد أن ~~تستبرأ ووالله لئن لم أبت معها ليلتي هذه إني أظن أن نفسي ستخرج فقلت يا ~~أمير المؤمنين تعتقها وتتزوجها فإن الحرة لا تستبرأ قال فإني قد أعتقتها ~~فمن يزوجنيها فقلت أنا فدعا بمسرور وحسين فخطبت وحمدت الله تعالى ثم زوجته ~~إياها على عشرين ألف دينار ودعا بالمال فدفعه إليها ثم قال لي يا يعقوب ~~انصرف ورفع رأسه إلى مسرور فقال يا مسرور فقال لبيك فقال احمل إلى يعقوب ~~مائتي ألف درهم وعشرين تختا ثيابا فحمل ذلك معي قال بشر بن الوليد فالتفت ~~إلي أبو يوسف وقال هل رأيت بأسا فيما فعلت فقلت لا فقال خذ حقك منها قلت ~~وما حقي فقال العشر قال بشر فشكرته ودعوت له وذهبت لأقوم فإذا بعجوز قد ~~دخلت فقالت يا أبا يوسف إن بنتك تقرئك السلام وتقول لك والله ما وصل إلي في ~~ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي قد عرفته وقد حملت إليك النصف ~~منه وخلفت الباقي لما أحتاج إليه فقال رديه فوالله لا قبلتها أخرجتها من ~~الرق وزوجتها أمير المؤمنين وترضى لي بهذا قال بشر فلم نزل نطلب إليه أنا ~~وعمومتي حتى قبلها وأمر لي منها بألف دينار وقال أبو عبد الله اليوسفي إن ~~أم جعفر زبيدة ابنة جعفر زوجة الرشيد كتبت إلى أبي يوسف ما ترى في كذا وأحب ~~الأشياء إلي أن يكون الحق فيه كذا فأفتاها بما أحبت فبعثت إليه بحق فضة فيه ~~حقاق فضة مطبقات في كل واحد لون من الطيب وفي ms1831 جام دراهم وسطها جام فيه ~~دنانير فقال له جليس له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهديت له هدية ~~فجلساؤه شركاؤه فيها فقال أبو يوسف ذاك حين كانت الهدايا اللبن والتمر وقال ~~يحيى بن معين كنت عند أبي يوسف القاضي وعنده جماعة من أصحاب الحديث وغيرهم ~~فوافته هدية أم جعفر احتوت على تخوت دبيقي ومصمت وشرب وطيب وتماثيل ند وغير ~~ذلك فذاكرني رجل بحديث PageV06P386 # رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتته هدية وعنده قوم ~~جلوس فهم شركاؤه فيها فسمعه أبو يوسف فقال أبي تعرض ذاك إنما قاله النبي ~~صلى الله عليه وسلم والهدايا يومئذ الأقط والتمر والزبيب ولم تكن الهدايا ~~ما ترون يا غلام أشل إلى الخزاين ونقلت من كتاب اسمه اللفيف ولم يذكر فيه ~~من هو مصنفه قال كان عبد الرحمن بن مسهر أخو علي بن مسهر قاضيا على المبارك ~~قلت وهي بضم الميم وبعدها باء موحدة وبعد الألف راء مفتوحة وبعدها كاف وهي ~~بليدة بين بغداد وواسط على شاطىء دجلة قال فبلغ القاضي خروج الرشيد إلى ~~البصرة ومعه أبو يوسف القاضي في الحراقة فقال عبد الرحمن القاضي لأهل ~~المبارك أثنوا علي عند أمير المؤمنين وعند القاضي أبي يوسف فأبوا عليه ذلك ~~فلبس ثيابه وقلنسوة طويلة وطيلسانا أسود وجاء إلى الشريعة فلما أقبلت ~~الحراقة رفع صوته وقال يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضينا قاضي صدق ثم مضى ~~إلى شريعة أخرى فقال مثل مقالته الأولى فالتفت هارون إلى أبي يوسف وقال يا ~~يعقوب هذا شر قاض في الأرض قاض في موضع لا يثني عليه إلا رجل واحد فقال له ~~أبو يوسف وأعجب من هذا يا أمير المؤمنين هو القاضي يثني على نفسه قال فضحك ~~هارون وقال هذا أظرف الناس هذا لا يعزل أبدا وكان الرشيد إذا ذكره يقول هذا ~~لا يعزل أبدا وقيل لأبي يوسف أتولي مثل هذا القضاء فقال إنه أقام ببابي مدة ~~وشكا إلي الحاجة فوليته وقال أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب صاحب ms1832 ~~كتاب الفصيح أخبرني بعض أصحابنا قال قال الرشيد لأبي يوسف بلغني أنك تقول ~~إن هؤلاء الذين يشهدون عندك وتقبل أقوالهم متصنعة فقال نعم يا أمير ~~المؤمنين قال وكيف ذاك قال لأن من صح ستره وخلصت أمانته لم يعرفنا ولم ~~نعرفه ومن ظهر أمره وانكشف خبره لم يأتنا ولم نقبله وبقيت هذه الطبقة وهم ~~هؤلاء المتصنعة الذين أظهروا الستر وأبطنوا غيره فتبسم الرشيد وقال صدقت ~~وقال محمد بن سماعة سمعت أبا يوسف في اليوم الذي مات فيه يقول PageV06P387 # اللهم إنك تعلم أني لم أجر في حكم حكمت فيه بين اثنين ~~من عبادك تعمدا ولقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله ~~عليه وسلم وكل ما أشكل علي جعلت أبا حنيفة بيني وبينك وكان عندي والله ممن ~~يعرف أمرك ولا يخرج عن الحق وهو يعلمه قلت وهذا الكلام مأخوذ من قول أبي ~~محمد عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد رؤي ~~يمسح على خفيه فقيل له تمسح قال نعم قد مسح عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن ~~جعل عمر بينه وبين الله فقد استوثق ذكر هذا ابن قتيبة في كتاب المعارف في ~~ترجمة علي رضي الله عنه وأخبار أبي يوسف كثيرة وأكثر الناس من العلماء على ~~تفضيله وتعظيمه وقد نقل الخطيب البغدادي في تاريخه الكبير ألفاظا عن عبد ~~الله بن المبارك ووكيع بن الجراح ويزيد بن هارون ومحمد بن إسماعيل البخاري ~~وأبي الحسن الدارقطني وغيرهم ينبو السمع عنها فتركت ذكرها والله أعلم بحاله ~~وكانت ولادة القاضي أبي يوسف سنة ثلاث عشرة ومائة وتوفي يوم الخميس أول وقت ~~الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة ببغداد وقيل ~~إنه توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة والأول أصح وولي القضاء سنة ست وستين ~~ومائة ومات وهو على القضاء رحمه الله تعالى (348) وأما ولده يوسف فإنه كان ~~قد نظر في الرأي وفقه وسمع الحديث من يونس بن أبي إسحاق السبيعي والسري ms1833 بن ~~يحيى وغيرهما وولي القضاء بالجانب الغربي من بغداد في حياة أبيه وصلى ~~بالناس الجمعة في مدينة المنصور بأمر هارون الرشيد ولم يزل على القضاء إلى ~~أن مات في رجب سنة اثنتين وتسعين ومائة ببغداد وذكر الخطيب البغدادي أن أبا ~~يوسف القاضي لما مات ولى الرشيد مكانه PageV06P388 # أبا البختري وهب بن وهب القرشي قلت وقد تقدم ذكره في ~~حرف الواو وكان أبو يعقوب الخريمي الشاعر المشهور صديقا لأبي يوسف ولابنه ~~يوسف فلما توفي أبو يوسف سمع الخريمي رجلا يقول اليوم مات الفقه فأنشد ~~الخريمي (يا ناعي الفقه إلى أهله * أن مات يعقوب ولا يدري) (لم يمت الفقه ~~ولكنه * حول من صدر إلى صدر) (ألقاه يعقوب إلى يوسف * فزال من طيب إلى طهر) ~~(فهو مقيم فإذا ما ثوى * حل وحل الفقه في قبر) رحمهما الله تعالى وخنيس بضم ~~الخاء المعجمة تصغير أخنس وهو الذي تأخر أنفه عن وجهه مع ارتفاع قليل في ~~الأرنبة فالرجل أخنس والمرأة خنساء وهذا التصغير يسمى تصغير ترخيم وحقيقته ~~أن تحذف منه الحروف الزوائد ويصغر الباقي كما قالوا أزهر وزهير وأسود وسويد ~~وأحمد وحميد وغير ذلك وحبتة بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها ~~تاء مثناة من فوقها ثم هاء ساكنة وكشفت عن معنى هذا الاسم في عدة مواضع من ~~كتب اللغة وغيرها فلم أجده وبحير بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة ~~وقيل هو بضم الباء وبالجيم المفتوحة والأول أصح والباقي معروف لا حاجة إلى ~~ضبطه (349) وسعد بن حبتة من جملة من استصغر يوم أحد هو والبراء بن عازب ~~وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم فردهم النبي صلى الله عليه وسلم ورآه النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهو يقاتل قتالا شديدا مع حداثة PageV06P389 # سنه فدعاه وقال له من أنت فقال سعد بن حبتة فقال أسعد ~~الله جدك ومسح على رأسه رضي الله عنه وخنيس هو صاحب جهارسوج خنيس بالكوفة ~~وهو لفظ عجمي تفسيره بالعربي أربع طرق لأن هذا المكان رحبة مربعة تفترق إلى ~~أربع جهات ms1834 والله تعالى أعلم 825 يعقوب الحضرمي أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن ~~زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي بالولاء البصري المقرئ المشهور وهو ~~أحد القراء العشرة وهو المقرئ الثامن وله في القراءات رواية مشهورة منقولة ~~عنه وهو من أهل بيت العلم بالقراءات والعربية وكلام العرب والرواية الكثيرة ~~للحروف والفقه وكان من أقرإ القراء وأخذ عنه عامة حروف القرآن مسندا وغير ~~مسند من قراة الحرميين والعراقيين وأهل الشام وغيرهم وأخذ هو القراءة عرضا ~~عن سلام بن سليمان الطويل ومهدي بن ميمون وأبي الأشهب العطاردي وغيرهم وروى ~~عن حمزة حروفا وسمع الحروف من أبي الحسن الكسائي وسمع من جده زيد بن عبد ~~الله وشعبة وأما إسناده في القراءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ~~قرأ على سلام المذكور وقرأ سلام على عاصم بن أبي النجود وقرأ عاصم على أبي ~~عبد الرحمن السلمي وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وقرأ علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى القراءة عن PageV06P390 # يعقوب المذكور عرضا جماعة منهم روح بن عبد المؤمن ~~ومحمد بن المتوكل وأبو حاتم السجستاني وغيرهم وسمع منه الزعفراني واقتدى به ~~في اختياره عامة البصريين بعد أبي عمرو بن العلاء فهم أو أكثرهم على مذهبه ~~وكان طاهر بن عبد المنعم بن غلبون إمام الجامع بالبصرة لا يقرأ إلا بقراءة ~~يعقوب وقال أبو الحسين ابن المنادي قرأ يعقوب على أبي عمرو وغلط في ذلك ~~وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن يعقوب ~~الحضرمي فقال صدوق وسئل أبو حاتم الرازي عنه فقال صدوق وقال أبو حاتم ~~السجستاني كان يعقوب الحضرمي أعلم من أدركنا ورأينا بالحروف والاختلاف في ~~القرآن الكريم وتعليله ومذاهبه ومذاهب النحو في القرآن الكريم وله كتاب ~~سماه الجامع جمع فيه عامة اختلاف وجوه القراءات ونسب كل حرف إلى من قرأ به ~~وبالجملة فإنه كان إمام أهل البصرة في عصره في القراءات وكان يأخذ أصحابه ~~بعدد ms1835 آي القرآن العزيز فإذا أخطأ أحدهم في العدد أقامه وتوفي يعقوب المذكور ~~في ذي الحجة وقيل في جمادى الأولى سنة خمس ومائتين وهو الأصح وعاش هو وأبوه ~~إسحاق وجده زيد كل واحد منهم ثمانيا وثمانين سنة رحمهم الله أجمعين (350) ~~وأما جد أبيه عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي فإنه كان من الأئمة الأعلام ~~المشار إليه في علومهم قال أبو عبيدة معمر بن المثنى أول من وضع العربية ~~أبو الأسود الدؤلي ثم ميمون الأقرن ثم عنبسة الفيل ثم عبد الله بن أبي ~~إسحاق الحضرمي وقد جاء في رواية أخرى أن عنبسة قبل ميمون والله أعلم ~~بالصواب وكان في زمان عبد الله بن أبي إسحاق عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمرو ~~بن العلاء ومات عبد الله قبلهما PageV06P391 # وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتاب المقتبس في ~~أخبار النحويين أن المبرد قال أجمعت العلماء باللغة أن أول من وضع العربية ~~أبو الأسود الدؤلي وأنه لقن ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم أخذ ~~النحو عن أبي الأسود عنبسة بن معدان المهري وأخذه عنه ميمون الأقرن وأخذه ~~عنه عبد الله الحضرمي وأخذه عنه عيسى بن عمر وأخذه عنه الخليل بن أحمد ~~وأخذه عنه سيبويه وأخذه عنه الأخفش وكان بلال بن أبي بردة بن أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه قد جمع بين عبد الله وأبي عمرو بن العلاء وبلال يومئذ ~~متولي البصرة قال أبو عمرو فغلبني ابن أبي إسحاق بالهمز فنظرت فيه بعد ذلك ~~وبالغت فيه وكان عبد الله كثيرا ما يأخذ على الفرزدق الغلط في شعره فقال ~~الفرزدق والله لأهجونه ببيت يسير بين أهل الأدب ويتمثلون به فعمل (فلو كان ~~عبد الله مولى هجوته * ولكن عبد الله مولى مواليا) وإنما قال الفرزدق ذلك ~~لأن عبد الله مولى الحضرميين وهم حلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف والحليف ~~عند العرب مولى ولهم على ذلك شواهد ولولا خوف الإطالة لذكرت طرفا من ذلك ~~لكن ليس هذا موضع ذكره PageV06P392 # 826 أبو عوانة الحافظ ms1836 أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم بن يزيد النيسابوري ثم الإسفرايني الحافظ صاحب المسند الصحيح ~~المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج كان أبو عوانة أحد الحفاظ الجوالين ~~والمحدثين المكثرين طاف الشام ومصر والبصرة والكوفة وواسط والحجاز والجزيرة ~~واليمن وأصبهان والري وفارس قال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في ~~تاريخ دمشق سمع أبو عوانة بدمشق يزيد بن محمد بن عبد الصمد وإسماعيل بن ~~محمد بن قيراط وشعيب بن شعيب بن إسحاق وغيرهم وبمصر يونس بن عبد الأعلى ~~وابن أخي ابن وهب والمزني والربيع ومحمدا وسعدا ابني عبد الحكم وبالعراق ~~سعدان بن نصر والحسن الزعفراني وعمر بن شبة وغيرهم وبخراسان محمد ابن يحيى ~~الذهلي ومسلم بن الحجاج ومحمد بن رجاء السندي وغيرهم وبالجزيرة علي بن حرب ~~وغيره روى عنه أبو بكر الإسماعيلي وأحمد بن علي الرازي وأبو علي الحسين بن ~~علي وأبو أحمد ابن علي وسليمان الطبراني ومحمد بن يعقوب ابن إسماعيل الحفاظ ~~وأبو الوليد الفقيه وابنه أبو مصعب محمد بن أبي عوانة وحج خمس مرات وقال ~~كنت بالمصيصة فكتب إلي أخي محمد بن إسحاق فكان في كتابه (فإن نحن التقينا ~~قبل موت * شفينا النفس من مضض العتاب) (وإن سبقت بنا أيدي المنايا * فكم من ~~عاتب تحت التراب) وقال أبو عبد الله الحاكم أبو عوانة من علماء الحديث ~~وأثباتهم ومن PageV06P393 # الرحالة في أقطار الأرض لطلب الحديث توفي سنة ست عشرة ~~وثلاثمائة وقال حمزة بن يوسف السهمي روى بجرجان سنة اثنتين وتسعين ومائتين ~~قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر حدثني الشيخ الصالح الأصيل أبو عبد الله ~~محمد بن محمد بن عمر ابن الصفار الإسفرايني قال قبر أبي عوانة بإسفرايين ~~مزار العالم ومتبرك الخلق وبجنب قبره قبر الراوية عنه أبي نعيم عبد الملك ~~ابن الحسن الأزهري الإسفرايني في مشهد واحد داخل المدينة على يسار الداخل ~~من باب نيسابور من إسفرايين وقريب من مشهده مشهد الإمام الأستاذ أبي إسحاق ~~الإسفرايني على يمين الداخل من باب نيسابور وبجنب قبره قبر الأستاذ أبي ~~منصور البغدادي ms1837 الإمام الفقيه المتكلم صاحبه الصاحب بالجنب حيا وميتا ~~المتظاهرين لنصرة الدين بالحجج والبراهين سمعت جدي الإمام عمر ابن الصفار ~~رحمه الله تعالى ونظر إلى القبور حول قبر الإمام الأستاذ أبي إسحاق وأشار ~~إلى المشهد وخارج المشهد وقال قد قيل هاهنا من الأئمة والفقهاء على مذهب ~~الإمام الشافعي رضي الله عنه أربعون إماما كل واحد منهم لو تصرف في المذهب ~~وأفتى برأيه واجتهاده يعني على مذهب الشافعي لكان حقيقا بذلك والعوام ~~يتقربون إلى مشهد الأستاذ أبي إسحاق أكثر مما يتقربون إلى أبي عوانة وهم لا ~~يعرفون قدر هذا الإمام الكبير المحدث أبي عوانة لبعد العهد بوفاته وقرب ~~العهد بوفاة الأستاذ أبي إسحاق وأبو عوانة هو الذي أظهر لهم مذهب الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه بإسفرايين بعد ما رجع عن مصر وأخذ العلم عن أبي ~~إبراهيم المزني رحمه الله تعالى وكان جدي إذا وصل إلى مشهد الأستاذ رأيته ~~لا يدخله احتراما بل كان يقبل عتبة المشهد وهي مرتفعة بدرجات ويقف ساعة على ~~هيئة التعظيم والتوقير ثم يعبر عنه كالمودع لعظيم عظيم الهيبة وإذا وصل إلى ~~مشهد أبي عوانة كان أشد تعظيما له وإجلالا وتوقيرا ويقف أكثر من ذلك رحمهم ~~الله تعالى أجمعين وعوانة بفتح العين المهملة وبعد الألف نون وقد تقدم ~~الكلام على النيسابوري والإسفرايني فلا حاجة إلى الإعادة PageV06P394 # 827 ابن السكيت أبو يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن ~~السكيت صاحب كتاب إصلاح المنطق وغيره ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ~~فقال حكى عن أبي عمرو إسحاق بن مرار الشيباني ومحمد بن مهنا ومحمد بن صبح ~~ابن السماك الواعظ حكى عنه أحمد بن فرح المقرئ ومحمد بن عجلان الأخباري ~~وأبو عكرمة الضبي وأبو سعيد السكري وميمون بن هارون الكاتب وغيرهم وكان ~~يؤدب أولاد المتوكل وقال قال محمد ابن السماك من عرف الناس داراهم ومن ~~جهلهم ماراهم ورأس المداراة ترك المماراة وروى ابن السكيت أيضا عن الأصمعي ~~وأبي عبيدة والفراء وجماعة غيرهم وكتبه جيدة صحيحة منها إصلاح المنطق وكتاب ~~الألفاظ وكتاب في ms1838 معاني الشعر وكتاب القلب والإبدال ولم يكن له نفاذ في علم ~~النحو وكان يميل في رأيه واعتقاده إلى مذهب من يرى تقديم علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه قال أحمد بن عبيد شاورني ابن السكيت في منادمة المتوكل فنهيته ~~فحمل قولي على الحسد وأجاب إلى ما دعي إليه من المنادمة فبينا هو مع ~~المتوكل يوما جاء المعتز والمؤيد فقال المتوكل يا يعقوب أيما أحب إليك ~~PageV06P395 # ابناي هذان أم الحسن والحسين فغض ابن السكيت من ابنيه ~~وذكر من الحسن والحسين رضي الله عنهما ما هما أهله فأمر الأتراك فداسوا ~~بطنه فحمل إلى داره فمات بعد غد ذلك اليوم وكان ذلك في سنة أربع وأربعين ~~ومائتين وقال عبد الله بن عبد العزيز وكان نهى يعقوب عن اتصاله بالمتوكل ~~(نهيتك يا يعقوب عن قرب شادن * إذا ماسطا أربى على كل ضيغم) (فذق واحس ما ~~استحسيته لا أقول إذ * عثرت لعا بل لليدين وللفم) وحكي أن الفراء سأل ~~السكيت عن نسبه فقال خوزي أصلحك الله من دورق قلت بفتح الدال المهملة وبعد ~~الواو الساكنة راء ثم قاف وهي بليدة من أعمال خوزستان قال من كور الأهواز ~~قلت والأهواز من خوزستان أيضا قال فبقي الفراء أربعين يوما في بيته لا يظهر ~~لأحد من أصحابه فسئل عن ذلك فقال سبحان الله أستحي أن أرى السكيت لأنني ~~سألته عن نسبه فصدقني وفيه بعض القبح قال أبو الحسن الطوسي كنا في مجلس أبي ~~الحسن علي اللحياني وكان عازما على أن يملي نوادره ضعف ما أملى فقال يوما ~~تقول العرب مثقل استعان بذقنه فقام إليه ابن السكيت وهو حدث فقال يا أبا ~~الحسن إنما هو مثقل استعان بدفيه يريدون الجمل إذا نهض بحمله استعان بجنبيه ~~فقطع الإملاء فلما كان المجلس الثاني أملى فقال تقول العرب وهو جاري مكاشري ~~فقام له ابن السكيت فقال أعزك الله وما معنى مكاشري إنما هو هو مكاسري كسر ~~بيتي إلى كسر بيته قال فقطع اللحياني الإملاء فما أملى بعد ذلك شيئا وقال ~~أبو ms1839 العباس المبرد ما رأيت للبغداديين كتابا أحسن من كتاب ابن السكيت في ~~المنطق وقال أحمد بن محمد بن أبي شداد شكوت إلى ابن السكيت ضائقة فقال هل ~~قلت شيئا قلت لا قال فأقول أنا ثم أنشدني PageV06P396 # (نفسي تروم أمورا لست مدركها * ما دمت أحذر ما يأتي به ~~القدر) (ليس ارتحالك في كسب الغنى سفرا * لكن مقامك في ضر هو السفر) وقال ~~ابن السكيت كتب رجل إلى صديق له قد عرضت لي قبلك حاجة فإن نجحت فالفاني ~~منها حظي والباقي حظك وإن تعذرت فالخير مظنون بك والعذر مقدم لك والسلام ~~ونقل من خطه ما مثاله عرض سلمان بن ربيعة الباهلي الخيل فمر عمرو بن معدي ~~كرب الزبيدي على فرس له فقال سلمان هذا الفرس هجين فقال عمرو بل هو عتيق ~~فقال سلمان هو هجين فقال عمرو هو عتيق فأمر سلمان فعطش ثم دعا بطست فيه ماء ~~ودعا بخيل عتاق فشربت وجاء فرس عمرو فثنى يده وشرب وهذا صنيع الهجين فقال ~~له سلمان أترى فقال عمرو أجل الهجين يعرف الهجين فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب ~~رضي الله عنه فكتب إلى عمرو قد بلغني ما قلت لأميرك وبلغني أن لك سيفا ~~تسميه الصمصامة وعندي سيف أسميه مصمما وأيم الله لئن وضعته على هامتك لا ~~أقلع حتى أبلغ به رهابتك فإن سرك أن تعلم أحق ما أقول فعد والسلام الرهابة ~~على وزن السحابة عظم في الصدر مشرف على البطن مثل اللسان والله أعلم وقال ~~أبو عثمان المازني اجتمعت بابن السكيت عند محمد بن عبد الملك الزيات الوزير ~~فقال محمد بن عبد الملك سل أبا يوسف عن مسألة فكرهت ذلك وجعلت أتبأطا ~~وأدافع مخافة أن أوحشه لأنه كان لي صديقا فألح علي محمد بن عبد الملك وقال ~~لم لا تسأله فاجتهدت في اختيار مسألة سهلة لأقارب يعقوب فقلت له ما وزن ~~نكتل من الفعل من قول الله تعالى * (فأرسل) * PageV06P397 # معنا أخانا نكتل) يوسف 63 فقال لي نفعل قلت ينبغي أن ~~يكون ماضيه كتل فقال لا ms1840 ليس هذا وزنه إنما هو نفتعل فقلت له نفتعل كم حرف ~~هو قال خمسة أحرف قلت فنكتل كم حرفا هو قال أربعة أحرف فقلت أيكون أربعة ~~أحرف بوزن خمسة أحرف فانقطع وخجل وسكت فقال محمد بن عبد الملك فإنما تأخذ ~~كل شهر ألفي درهم على أنك لا تحسن وزن نكتل قال فلما خرجنا قال لي يعقوب يا ~~أبا عثمان هل تدري ما صنعت فقلت له والله لقد قاربتك جهدي وما لي في هذا ~~ذنب قلت وذكر أبو الحسن ابن سيده هذه الحكاية في أول خطبة كتابه المحكم في ~~اللغة لكنه قال إن ذلك كان بين يدي المتوكل والله أعلم وقال غير ابن عساكر ~~كان يعقوب بن السكيت يؤدب مع أبيه بمدينة السلام في درب القنطرة صبيان ~~العامة حتى احتاج إلى الكسب فجعل يتعلم النحو وحكى عن أبيه أنه كان قد حج ~~فطاف بالبيت وسعى وسأل الله تعالى أن يعلم ابنه النحو فتعلم النحو واللغة ~~وجعل يختلف إلى قوم من أهل القنطرة فأجروا له كل دفعة عشرة دراهم وأكثر حتى ~~اختلف إلى بشر وهارون ابني هارون أخوين كانا يكتبان لمحمد بن عبد الله بن ~~طاهر الخزاعي فما زال يختلف إليهما وإلى أولادهما دهرا فاحتاج ابن طاهر إلى ~~رجل يعلم أولاده وجعل ولده في حجر إبراهيم بن إسحاق المصعبي فرتب يعقوب ~~وجعل له رزقا خمسمائة درهم ثم جعلها ألف درهم وقال أبو العباس ثعلب كان ابن ~~السكيت يتصرف في أنواع العلوم وكان أبوه رجلا صالحا وكان من أصحاب أبي ~~الحسن الكسائي حسن المعرفة بالعربية وكان سبب قعود يعقوب للناس وقصدهم إياه ~~أنه عمل شعر أبي النجم العجلي وجرده فقلت ادفعه لي لأنسخه فقال يا أبا ~~العباس حلفت بالطلاق PageV06P398 # أنه لا يخرج من يدي ولكنه بين يديك فانسخه واحضر يوم ~~الخميس فلما وصلت إليه عرف بي فحضر بحضوري قوم ثم انتشر ذلك فحضر الناس ~~وقال ثعلب أيضا أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ~~ابن السكيت وكان المتوكل قد ms1841 ألزمه تأديب ولده المعتز بالله فلما جلس عنده ~~قال له بأي شيء يحب الأمير أن نبدأ يريد من العلوم فقال المعتز بالانصراف ~~قال يعقوب فأقوم قال المعتز فأنا أخف نهوضا منك وقام فاستعجل فعثر بسراويله ~~فسقط والتفت إلى يعقوب خجلا وقد احمر وجهه فأنشد يعقوب (يصاب الفتى من عثرة ~~بلسانه * وليس يصاب المرء من عثرة الرجل) (فعثرته في القول تذهب رأسه * ~~وعثرته بالرجل تبرأ في مهل) فلما كان من الغد دخل يعقوب على المتوكل فأخبره ~~بما جرى فأمر له بخمسين ألف درهم وقال قد بلغني البيتان وكان يعقوب يقول ~~أنا أعلم من أبي بالنحو وأبي أعلم مني بالشعر واللغة وقال الحسين بن عبد ~~المجيب الموصلي سمعت ابن السكيت يقول في مجلس أبي بكر بن أبي شيبة (ومن ~~الناس من يحبك حبا * ظاهر الحب ليس بالتقصير) (فإذا ما سألته عشر فلس * ~~ألحق الحب باللطيف الخبير) وكان لابن السكيت شعر وهو مما تثق النفس به فمن ~~ذلك قوله (إذا اشتملت على اليأس القلوب * وضاق لما به الصدر الرحيب) ~~(وأوطنت المكاره واستقرت * وأرست في أماكنها الخطوب) (ولم تر لانكشاف الضر ~~وجها * ولا أغنى بحيلته الأريب) PageV06P399 # (أتاك على قنوط منك غوث * يمن به اللطيف المستجيب) ~~(وكل الحادثات إذا تناهت * فموصول بها فرج قريب) وكان العلماء يقولون إصلاح ~~المنطق كتاب بلا خطبة وأدب الكاتب تأليف ابن قتيبة خطبة بلا كتاب لأنه طول ~~الخطبة وأودعها فوائد وقال بعض العلماء ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة ~~مثل إصلاح المنطق ولا شك أنه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من ~~اللغة ولا نعرف في حجمه مثله في بابه وقد عني به جماعة فاختصره الوزير أبو ~~القاسم الحسين بن علي المعروف بابن المغربي المقدم ذكره وهذبه الخطيب أبو ~~زكريا التبريزي وتكلم على الأبيات المودعة فيه ابن السيرافي وهو كتاب مفيد ~~ولابن السكيت من التصانيف أيضا كتاب الزبرج وكتاب الألفاظ وكتاب الأمثال ~~وكتاب المقصور والممدود وكتاب المذكر والمؤنث وكتاب الأجناس وهو كبير وكتاب ~~الفرق وكتاب السرج واللجام وكتاب ms1842 فعل وأفعل وكتاب الحشرات وكتاب الأصوات ~~وكتاب الأضداد وكتاب الشجر والنبات وكتاب الوحوش وكتاب الإبل وكتاب النوادر ~~وكتاب معاني الشعر الكبير وكتاب معاني الشعر الصغير وكتاب سرقات الشعراء ~~وما اتفقوا عليه وغير ذلك من الكتب ومع شهرته لا حاجة إلى الإطالة في ذكر ~~فضله وقد روي في قتله غير ما ذكرته أولا فقيل إن المتوكل كان كثير التحامل ~~على علي بن أبي طالب وأبيه الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين وقد تقدم في ~~ترجمة أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن بسام أبيات تدل على هذا أيضا ~~وكان ابن السكيت من المغالين في محبتهم والتوالي لهم فلما قال له المتوكل ~~تلك المقالة قال ابن السكيت والله إن قنبر خادم علي رضي الله عنه خير ~~PageV06P400 # منك ومن ابنيك فقال المتوكل سلوا لسانه من قفاه ففعلوا ~~ذلك به فمات وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ~~ومائتين وقيل سنة ست وأربعين وقيل سنة ثلاث وأربعين والله أعلم بالصواب ~~وبلغ عمره ثمانيا وخمسين سنة ولما مات سير المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف ~~درهم وقال هذه دية والدك رحمه الله تعالى وقال أبو جعفر أحمد بن محمد ~~المعروف بابن النحاس النحوي كان أول كلام المتوكل مع ابن السكيت مزاحا ثم ~~صار جدا وقيل إن المتوكل أمره أن يشتم رجلا من قريش وأن ينال منه فلم يفعل ~~فأمر القرشي أن ينال منه فأجابه ابن السكيت فقال له المتوكل أمرتك فلم تفعل ~~فلما شتمك فعلت وأمر به فضرب وحمل من عنده وقيذا صريعا والله أعلم أي ذلك ~~كان وقد تقدم في ترجمة عبد الله بن المبارك مثل هذه القضية لما سئل عن ~~معاوية وعمر بن عبد العزيز وأيهما أفضل والسكيت بكسر السين المهملة والكاف ~~المشددة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم تاء مثناة من فوقها وعرف بذلك لأنه ~~كان كثير السكوت طويل الصمت وكل ما كان على وزن فعيل أو فعليل فإنه مكسور ~~الأول وقوله خوزي بضم الخاء المعجمة وبعد الواو زاي ms1843 هذه النسبة إلى خوزستان ~~وهو إقليم بين البصرة وبلاد فارس PageV06P401 # 828 يعقوب الصفار أبو يوسف يعقوب بن الليث الصفار ~~الخارجي قد أكثر أهل التاريخ من ذكر هذا الرجل وذكر أخيه عمرو وما ملكا من ~~البلاد وقتلا من العباد وما جرى للخلفاء معهما من الوقائع وقد اخترت من ذلك ~~ما أودعته في هذه الأوراق فأقول قال أبو عبد الله بن محمد الأزهر الأخباري ~~حدثني علي بن محمد وكان عالما بأمور يعقوب بن الليث الصفار ومحاربته وأول ~~أمره أنه وأخاه عمرا كانا صفارين في حداثتهما وكانا يظهران الزهد وأن رجلا ~~من أهل سجستان كان مشهورا بالتطوع في قتال الخوارج يقال له صالح بن النضر ~~الكناني المطوعي من أهل بست فصحباه وحظيا به فقتلت الخوارج الذين يقال لهم ~~الشراة أخا يعقوب المذكور وأقام صالح المذكور يعقوب المذكور مقام الخليفة ~~ثم هلك صالح فتولى مكانه درهم بن الحسين من المطوعة أيضا فصار يعقوب مع ~~درهم كما كان مع صالح ثم إن صاحب خراسان احتال لدرهم حتى ظفر به فحمل إلى ~~بغداد فحبس بها ثم أطلق وخدم السلطان ثم لزم بيته يظهر النسك والحج ~~والاقتصاد حتى غلظ أمر يعقوب وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد ~~المعروف بابن الأثير في PageV06P402 # تاريخه في سنة سبع وثلاثين ومائتين ابتداء أمر يعقوب ~~المذكور فقال في هذه السنة تغلب إنسان من أهل بست اسمه صالح بن النضر ~~الكناني على سجستان ومعه يعقوب بن الليث فعاد طاهر بن عبد الله بن طاهر بن ~~الحسين أمير خراسان واستنقذها منه ثم ظهر بها إنسان اسمه درهم بن الحسين من ~~المطوعة فغلب عليها وكان غير ضابط لأمور عسكره وكان يعقوب بن الليث قائد ~~عسكره فلما رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه اجتمعوا على يعقوب بن الليث وملكوه ~~أمرهم لما رأوا من تدبيره وحسن سيايته وقيامه بأمرهم فلما تبين ذلك له لم ~~ينازعه في الأمر وسلمه إليه واعتزل عنه فاستبد يعقوب بالأمر وضبط البلاد ~~وقويت شوكته وقصدته العساكر من كل ناحية فصار من ms1844 أمره ما سنذكره رجعنا إلى ~~تمام ما ذكره علي بن محمد بن أحمد قال فلما دخل درهم بن الحسين بغداد تولى ~~يعقوب أمر المطوعة وحارب الخوارج الشراة فرزق الظفر بهم حتى أفناهم وأخرب ~~ضياعهم وأطاعه أصحابه بمكره ودهائه طاعة لم يطيعوها أحدا كان قبله ثم اشتدت ~~شوكته وزادت صولته فغلب على سجستان وهراة وبوشنج وما والاها وكان الترك ~~بتخوم سجستان وملكهم رتبيل ويسمى هذا القبيل من الترك الدراري فحرضه أهل ~~سجستان على قتالهم وأعلموه أنهم أضر من الشراة الخوارج وأوجب محاربة فغزا ~~الترك فقتل رتبيل ملكهم وقتل ثلاثة من ملوكهم بعد رتبيل ويسمى كل ملك لهم ~~رتبيل وانصرف يعقوب إلى سجستان وقد حمل رؤوسهم مع رؤوس ألوف منهم فرهبته ~~الملوك الذين حوله منهم ملك المولتان وملك PageV06P403 # الرخج وملك الطبسين وملك زابلستان وملك السند ومكران ~~وغيرهم وأذعنوا له وكان قصده هراة وبوشنج في سنة ثلاث وخمسين ومائتين وأمير ~~خراسان يومئذ محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي وعامله ~~عليها محمد بن أوس الأنباري فخرج لمحاربته في تعبئة وبأس شديد وزي جميل ~~فحاربه وأحسن مقاومته حتى احتال له يعقوب فحال بينه وبين دخول المدينة وهي ~~بوشنج وانحاز ابن أوس منهزما فقيل أنه لم يقاتله أحد أحسن مواقفته كما ~~أحسنها ابن أوس ودخل يعقوب بوشنج وهراة وصارت المدينتان في يده وظفر بجماعة ~~من الطاهرية وهم المنسوبون إلى طاهر بن الحسين الخزاعي فحملهم إلى سجستان ~~حتى وجه المعتز بالله الخليفة إليه المعروف بابن بلعم وهو رجل من الشيعة ~~برسالة وكتاب فأطلقهم قال ابن الأزهر الأخباري المذكور حدثني محمد بن عبد ~~الله بن مروان قال حدثني ابن بلعم المذكور قال صرت إليه بكتاب أمير ~~المؤمنين المعتز بالله إلى زرنج قلت وهي بفتح الزاي والراء وسكون النون ~~وبعدها جيم وهي كرسي بلاد سجستان قال ابن بلعم فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت ~~ولم أسلم عليه وجلست بين يديه من غير أمره ودفعت الكتاب إليه فلما أخذه قلت ~~له قبل كتاب أمير المؤمنين فلم ms1845 يقبله وفضه فتراجعت القهقرى إلى باب مجلسه ~~الذي كان فيه ثم قلت السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله فأعجبه ذلك وأحسن ~~مثواي ووصلني وأطلق الطاهرية وقال ابن بلعم المذكور أيضا دخلت على يعقوب ~~الصفار يوما فقال لي ينبغي أن يجيئنا رجل من ناحية فارس مستأمن ومعه ثلاثة ~~أنفس أو أربعة بل هو تمام الخمسة قال فأنكرت هذا منه وأمسك فما علمت إلا ~~وحاجبه قد دخل فسلم وقال أيها الأمير بالباب رجل مستأمن ومعه أربعة أنفس ~~PageV06P404 # فقال أدخله فدخل وسلم وقال أيها الأمير معي أربعة أنفس ~~فأذن لهم فدخلوا عليه فالتفت إلى الحاجب وقلت قد أخذتم في المخاريق فحلف لي ~~أيمانا مغلظة أنهم جاؤوا بغتة ما علم بهم أحد من الناس وسألت يعقوب بعد ذلك ~~وقلت له أيها الأمير لقد رأيت منك عجبا في أمر المستأمنة فكيف علمت بهم ~~فقال أخبرك أني فكرت في أمر فارس ورأيت غرابا واقفا بإزاء طريقها واختلجت ~~إحدى أصابع رجلي ثم تبع بعضها بعضا فعلمت أنه عضو غير شريف وأنه سيأتينا من ~~ذلك الصقع قوم مستأمنة أو رسل ليسوا بأجلة فكانوا هؤلاء وقال علي بن الحكم ~~سألت يعقوب بن الليث الصفار عن الضربة التي على وجهه وهي منكرة على قصبة ~~أنفه ووجنته فذكر أن ذلك أصابه في بعض وقائع الشراة وأنه طعن رجلا منهم ~~فرجع عليه فضربه هذه الضربة فسقط نصف وجهه حتى رد وخيط قال فمكثت عشرين ~~يوما في فمي أنبوبة قصب وفمي مفتوح لئلا يتقرح رأسي وكان يصب في حلقي الشيء ~~بعد الشيء من الغذاء قال حاجبه وقد كان مع هذه الضربة يخرج ويعبي أصحابه ~~للحرب ويقاتل وأرسل يعقوب إلى المعتز بالله هدية سنية من جملتها مسجد فضة ~~مخلع يصلي فيه خمسة عشر إنسانا وسأل أن يعطى بلاد فارس ويقرر عليه خمسة عشر ~~ألف ألف درهم على أن يتولى إخراج علي بن الحسين بن قريش وكان على فارس ثم ~~شخص يعقوب من سجستان في أثر كتابه إلى المعتز يريد كرمان ثم نزل بم قلت ms1846 وهي ~~بالباء الموحدة المفتوحة وبعدها ميم مخففة وهي الحد الفاصل بين سجستان ~~وكرمان قال وكان بكرمان العباس بن الحسين بن قريش أخو علي بن الحسين ~~المذكور ومعه أحمد بن الليث الكردي فخرجا عن كرمان يريدان شيراز وقدم يعقوب ~~أخاه علي بن الليث إلى السيرجان قلت وهي بكسر السين المهملة وسكون الياء ~~المثناة من تحتها ثم راء وجيم وبعد الألف نون وهي مدينة كرمان قال وضم إليه ~~جماعة PageV06P405 # فأقام هو على بم فرد أحمد بن الليث الكردي إليه من ~~الطريق في جمع كثير من الأكراد وغيرهم فصاروا إلى درابجرد قلت وهي بفتح ~~الدال المهملة ثم راء وألف وبعدها باء موحدة ثم جيم مكسورة ثم راء وبعدها ~~دال مهملة وهذا الاسم يقع بالاشتراك على ثلاثة مواضع الأول كورة عظيمة ~~مشهورة بفارس قصبتها درابجرد والثاني قرية بفارس أيضا من أعمال إصطخر فيها ~~معدن الزئبق فيحتمل أن يكون مصيرهم إلى الأولى أو إلى الثانية وأما الثالثة ~~فهو موضع بنيسابور ولا يحتمل مصيرهم إليه لأنه بخراسان فلا تعلق له بفارس ~~قال الراوي فظفر أحمد بن الليث بجماعة من أصحاب يعقوب يطلبون العلف فقتل ~~بعضهم وهرب منهم جماعة ووجه أحمد بن الليث برؤوس من قتل من أصحاب يعقوب إلى ~~فارس فنصب علي بن الحسين رؤوسهم فبلغ الخبر يعقوب فدخل كرمان فندب علي بن ~~الحسين لمحاربته طوق بن المغلس في خمسة آلاف من الأكراد سوى من تقدم مع ~~أحمد بن الليث الكردي وسار طوق حتى نزل على مدينة إياس من عمل كرمان فورد ~~عليه كتاب يعقوب يعلمه أنه أخطأ إذ دخل عملا ليس إليه فرد عليه طوق أنت ~~بعمل الصفر أعلم منك بعمل الحروب فعظم ذلك على يعقوب وكان في عسكر طوق ~~ثلاثمائة رجل من الأبناء فوافى يعقوب مدينة إياس فأوقع بطوق وقتل أصحابه ~~وهزم من بقي منهم وصبر الأبناء الثلثمائة حتى أشجوا يعقوب فأعطاهم الأمان ~~فلم يقبلوا حتى قتلوا عن آخرهم وقتل يعقوب في هذه الوقعة ألفي رجل وأسر ~~ألفا وأسر طوق بن المغلس وقيده بقيد ms1847 خفيف ووسع عليه في مطعمه وغيره واستخرج ~~منه الأموال ورحل يعقوب عن إياس ودخل عمل فارس فخندق علي بن الحسين على ~~نفسه بشيراز وذلك PageV06P406 # في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع ~~الآخر سنة خمس وخمسين ومائتين وكتب علي بن الحسين إلى يعقوب يعلمه أن طوق ~~بن المغلس فعل ما فعل من غير أمره وأنه لم يأمره بمحاربته وقال له إن كنت ~~تطلب كرمان فقد خلفتها وراءك وإن كنت تطلب فارس فكتاب من أمير المؤمنين ~~بتسليم العمل لأنصرف فرد عليه يعقوب إن كتابا من السلطان معه لا يتهيأ أن ~~يوصله حتى يدخل البلد وإنه إن أخلى له البلد فقد ودع وأزاح علته وإلا ~~فالسيف بيننا والموعد مرج سنكان وهو مرج واسع بينه وبين شيراز ثلاثة فراسخ ~~وكتب صاحب البريد ووجوه البلد إلى يعقوب يعلمونه أنه ما ينبغي له مع ما وهب ~~له الله تعالى من التطوع والديانة وقتل الخوارج ونفيهم عن بلاد خراسان ~~وسجستان التسرع إلى سفك الدماء لأن علي بن الحسين لن يسلم البلد إلا بكتاب ~~الخليفة واعتد أهل شيراز للحصار وقد كانت المنهزمة من أصحاب طوق أسروا ~~ثلاثة أنفس من أصحاب يعقوب فحبسهم علي بن الحسين وقد كان طوق وقت خروجه إلى ~~يعقوب اشترى دارا بشيراز بسبعين ألف درهم وقدر للنفقة عليها مالا فكتب طوق ~~إلى ابنه لا تقطع البناء عن الدار فإن الأمير يعقوب قد أكرمني وأحسن إلي ~~وسأل في إطلاق الثلاثة المأسورين من أصحاب يعقوب وكان يعقوب سأله ذلك ~~ليطلقه إذا وافوا إليه فقال علي بن الحسين اكتبوا إلى يعقوب ليصلب طوق بن ~~المغلس وإن أقل عبد من عبيده أكبر عنده منه وسأل يعقوب طوق بن المغلس عن ~~أمور علي بن الحسين فضعف أمره عنده فتقرب طوق إلى يعقوب بمال عنده بشيراز ~~وأنه يكتب إلى أهله في حمله إليه ليقوى به على حربه فأمره يعقوب أن يفعل ~~ذلك فكتب إلى ابنه فوقع الكتاب في يد علي بن الحسين فأخذ المال وغيره من ~~دار طوق ms1848 وحمله إلى داره وزحف يعقوب واحتشد علي بن الحسين قال أحمد بن الحكم ~~قال لي يعقوب أخبرني عن علي بن الحسين أمسلم PageV06P407 # هو قلت نعم قال أفرأيت مسلما يوجه بالأكراد الكفار إلى ~~بلاد المسلمين فيقتلونهم ويحملون نساءهم ويأخذون أموالهم ألم تعلم أن أحمد ~~ابن الليث الكردي قتل بكرمان سبعمائة إنسان على دم واحد وافتض الأكراد ~~مائتي بكر من أهل البيوتات وحملوا معهم نحو ألفي امرأة إلى بلادهم أفرأيت ~~مسلما يرضى بهذا قال قلت فعل أحمد هذا من غير أمره ثم قال له يعقوب في بعض ~~مناظراته قل لعلي بن الحسين إن معي قوما أحرارا جئت بهم وليس يتأتى لي ردهم ~~إلا بما يحبون فوجه إلي بما يرضيهم ووجه لي في نفسي ما يشبه مثلي من البر ~~فإذا فعلت فأنا أخوك وعونك على من حاربك وأدفع لك كرمان تأكلها وأنصرف إلى ~~عملي وارتحل يعقوب فنزل قرية يقال لها خوزاستان ووافى أحمد بن الحكم إلى ~~علي بن الحسين يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الأولى من السنة وعلى يده ~~كتاب يعقوب قال ابن الحكم فلم يفهم علي بن الحسين شيئا مما جئت به من الدهش ~~وحاصل الكتاب بعد الدعاء له فهمت كتابك وذكرك ورودي هذا البلد العظيم خطره ~~بغير إذن أمير المؤمنين فإني لست ممن تطمع نفسه في محاولة ظلم ولا ممن ~~يمكنه ذلك وقد أسقطت عنك مؤونة الاهتمام في هذا الباب فإن البلد لأمير ~~المؤمنين ونحن عبيده نتصرف بأمره في أرضه وسلطانه وفي طاعة الله وطاعته وقد ~~استمعت من رسولك ورجعت إليه في جواب ما عملته وأدائه ما يورده عليك مما ~~رجوت لنا ولك فيه صلاحا فإن استعملته ففيه السلامة إن شاء الله تعالى وإن ~~أبيت فإن قدر الله تعالى نافذ لا محيص عنه ونحن نعتصم بالله من الهلكة ~~ونعوذ به من دواعي البغي ومصارع الخذلان ونرغب إليه في السلامة دينا ودنيا ~~بلطفه مد الله في عمرك وكتب يوم الاثنين لليلة خلت من جمادى الأولى سنة خمس ~~وخمسين ومائتين PageV06P408 # ثم تزاحف ms1849 الفريقان وقد اجتمع في عسكر علي بن الحسين ~~خمسة عشر ألف إنسان ووجه أحمد بن الليث الطلائع وذلك في غداة الأربعاء ~~لأربع خلون من الشهر المذكور ولما كان يوم الخميس وافت طلائع يعقوب ثم ~~التقى الجيشان فحملوا حملة وفي الثانية أزالوا أصحاب علي بن الحسين عن ~~مواضعهم وصدقت المجالدة فانهزموا ومروا على وجهوهم لا يلوي أحد على أحد ~~وعلي بن الحسين يتبع أصحابه ويصيح فيهم أن ارجعوا وقفوا يناشدهم الله تعالى ~~فلم يلتفتوا إليه وبقي في عدة من أصحابه فوافت المنهزمة أبواب شيراز مع ~~العصر يوم الخميس المذكور وكانت الوقعة بعد الظهر فضاقت عليهم الأبواب ~~فمروا على وجوههم في نواحي شيراز وبلغت هزيمتهم الأهواز وكانت القتلى معهم ~~منهم مقدار خمسة آلاف وأصابت علي بن الحسين ثلاث ضربات واعتورته أسياف ~~أصحاب يعقوب وسقط عن دابته فأرادوا قتله فأعلمهم أنه علي بن الحسين فأخذوا ~~عمامته ووضعوها في وسطه وقادوه إلى يعقوب وطلب الذي أسره الثواب من يعقوب ~~فأمر له بعشرة آلاف درهم فأبى أن يأخذها فقال إنما جئتني بكلب أسرته مالك ~~عندي غيرها فانصرف الرجل وقنع يعقوب عليا عشرة أسواط بيده وأخذ حاجبه ~~بلحيته فنتف أكثرها وأمر يعقوب أن يقيد بقيد فيه عشرون رطلا وصيره مع طوق ~~بن المغلس في الخيمة وكان قد أنفذ إلى ابن المغلس وقيده أيضا وصار يعقوب من ~~فوره إلى شيراز وتفرق أصحاب علي بن الحسين في النواحي ثم دخل يعقوب إلى ~~شيراز والطبول تضرب بين يديه وظن أهل شيراز يؤذيهم ويستحل دماءهم وأموالهم ~~بحربهم فلم ينطق أحد لأنه كان وعد أصحابه إن هو ظفر أن يطلقهم وينهب شيراز ~~وبلغ القوم ذلك فلزموا بيوتهم ورجع يعقوب من ليلته إلى عسكره بعد أن طاف ~~شيراز فلما أصبح نادى بالأمان ليخرجوا إلى الأسواق فخرج الناس ونادى في ~~كتاب PageV06P409 # علي بن الحسين أن برئت الذمة ممن آواهم وحضرت الجمعة ~~فأمر الخطيب فدعا للإمام المعتز بالله ولم يدع لنفسه فقيل له في ذلك فقال ~~الأمير لم يقدم بعد وقال إنما مقامي عندكم ms1850 عشرة أيام ثم أرجع إلى عمل ~~سجستان وبعث أخاه إلى منزل علي بن الحسين فأحضر الفرش والأثاث وفتش على ~~الأموال فلم يقف عليها فأحضر عليا فتهدده وتوعده فذكر أنه يدلهم على المال ~~فحمل إلى منزله فاستخرج أربعمائة بدرة وقيل إنه أخذ منه ألف بدرة وعوض ~~يعقوب أصحابه من نهب شيراز كل رجل ثلاثمائة درهم ثم عذب يعقوب عليا بأنواع ~~العذاب وعصر أنثييه وشد الجوزتين على صدغيه فقال علي قد أخذت ما أخذت أخذت ~~مني فرشي وقيمته أربعون ألف دينار وألح عليه بالعذاب وأعلمه أنه لا يقنعه ~~منه دون ثلاثين ألف ألف دينار وخلط ووسوس من شدة العذاب وقيده بأربعين رطلا ~~فدلهم على موضع في داره فاستخرجوا منه أربعة آلاف ألف درهم وجوهرا كثيرا ثم ~~ألح عليه بالعذاب وسلمه إلى الحسن بن درهم فضربه وعذبه وشتمه وعذب طوق بن ~~المغلس أيضا وحسبهما في بيت واحد وارتحل يعقوب من شيراز يوم السبت لليلتين ~~بقيتا من جمادى الأولى من السنة إلى بلاده وحمل علي بن الحسين وطوق بن ~~المغلس معه فلما أتى كرمان ألبسهما المصبغ من الثياب وقنعهما بمقانع ونادى ~~عليهما وحسبهما ومضى إلى سجستان وخلع الخليفة المعتز بالله لثلاث خلون من ~~رجب من هذه السنة وتولى الخلافة الإمام المهتدي بالله في ذلك اليوم وخلع ~~المهتدي بالله مع صلاة الظهر من يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ~~ست وخمسين ومائتين وبويع المعتمد على الله ولم يكن ليعقوب الصفار في خلافة ~~المهتدي كبير أمر بل كان PageV06P410 # يغزو ويحارب من يليه من الملوك بسجستان وأعمالها ~~ويتطرف كور خراسان وما قرب من قوهستان ونواحي هراة وبوشنج وما اتصل بسجستان ~~ثم عاد يعقوب إلى بلاد فارس وجبى غلاتها ورجع بثلاثين ألف ألف درهم وصار ~~إلى سجستان وأقام محمد بن واصل بفارس يتولى الحرب والخراج ويكاتب الخليفة ~~ويحمل بعض ما يجبى من الأموال فكان مقدار ما يحمل في السنة خمسة آلاف ألف ~~درهم من الخراج ببلاد فارس وكان مقيما بها غلبة عليها ولو أمكن الخليفة ~~صرفه ms1851 عنها ببعض أوليائه لما أقره ثم ورد الخبر في جمادى الآخرة من سنة ثمان ~~وخمسين ومائتين بدخول يعقوب مدينة بلخ ثم خرج منها ودخل نيسابور في ذي ~~القعدة من سنة تسع وخمسين ومائتين واحتاط على محمد بن طاهر الخزاعي أمير ~~خراسان وجميع الطاهرية ثم خرج عنها في المحرم من سنة ستين ومائتين ومعه ~~محمد بن طاهر مقيدا ونيف وستون من أهله وتوجه نحو جرجان للقاء الحسن بن زيد ~~العلوي أمير طبرستان وجرجان ولما بلغ الحسن بن زيد أن يعقوب يقصده أخذ من ~~أموال الخراج ثلاثة عشر ألف ألف درهم بقايا وسلفا وتخلص من جرجان إلى ~~طبرستان ودخل يعقوب جرجان ووجه من أصحابه من أخذ سارية طبرستان وكان بجرجان ~~يعلق على دوابه كل يوم ألف قفيز شعيرا ثم خرج يعقوب إلى طبرستان وخرج إليه ~~الحسن بن زيد في خلق كثير وأعلم يعقوب أصحابه أنه يقتل من انهزم منهم وتقدم ~~بنفسه للحرب فتبعه خمسمائة من عبيده فحمل على الحسن وأصحابه حملة واحدة ~~فكانت الهزيمة على القوم وكان الحسن بن زيد قد أعد في كل قرية في طريقه ~~لانهزامه برذونا وبغلا لأنه كان رجلا ثقيلا كثير اللحم وتلاحق أصحاب يعقوب ~~به فتبع الحسن بن زيد في خمسة آلاف خيل جريدة وأخذ يعقوب مما كان مع الحسن ~~بن زيد ثلاثمائة وقر مالا أكثرها عين وظفر بجماعة من آل أبي طالب فأساء ~~إليهم وأسرهم وكانت الوقعة يوم الاثنين لأربع بقين من رجب سنة ستين ومائتين ~~PageV06P411 # ثم تقدم يعقوب فدخل آمل قلت وهي بالهمزة الممدودة ~~والميم المضمومة وبعدها لام وهي كرسي بلاد طبرستان قال وهرب الحسن بن زيد ~~إلى مدينة يقال لها سالوس فلم يجد من أهلها ما كان يعرفه منهم فتنحى عنهم ~~ثم خرج يعقوب من آمل فطلب الحسن بن زيد فرحل مرحلة واحدة وبلغه الخبر أن ~~الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر قد دخل مرو الروذ ومعه صاحب خوارزم في ~~ألفي تركي فانزعج يعقوب لذلك وقصر من الإيغال في طلب الحسن بن ms1852 زيد فرجع ~~وكتب إلى أمير الري في ذي الحجة من سنة ستين يأمره أن يخرج من الري ويعلمه ~~أن أمير المؤمنين قد ولاه إياه فبلغ ذلك الخليفة فأنكره وعاقب غلمانه الذين ~~كانوا ببغداد بالحبس وأخذ الأموال ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائتين ويعقوب ~~ببلاد طبرستان فخرج في المحرم يريد جرجان فلحقه الحسن بن زيد من ناحية ~~البحر فيمن اجتمع إليه من الديلم وأهل الجبال وطبرستان فشعث من يعقوب وقتل ~~من لحق من أصحابه فانهزم يعقوب إلى جرجان فجاءت بها زلزلة عظيمة قتلت من ~~أصحابه ألفي إنسان ورجعت طبرستان إلى الحسن بن زيد وهي آمل وسارية وما يتصل ~~بهما وأقام يعقوب بجرجان يعسف أهلها بالخراج ويأخذ أموال الناس ودامت ~~الزلزلة ثلاثة أيام وأتى جماعة من أهل جرجان إلى بغداد فسئلوا عن يعقوب ~~الصفار فذكروه بالجبروت والعسف فعزم الخليفة على النهوض إليه واستعد لذلك ~~ولما رجع الصفار إلى جوار الري ورجع الحاج عن الموسم كتب الخليفة المعتمد ~~على الله إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين وهو يومئذ متولي ~~العراق بأن يجمع الحاج من أهل خراسان وطبرستان وجرجان والري ويقرأ عليهم ~~كتابا منه إليه فجمع الحاج القادمين من أقاصي البلاد وقرأ عليهم كتاب أمير ~~المؤمنين بالوقوع في الصفار وعمل ثلاثين نسخة ودفع إلى أهل كل كورة نسخة ~~لتذيع الأخبار بهذه النسخ في الآفاق ونمي الخبر إلى يعقوب الصفار بما كان ~~من حبس غلمانه وما كان من جمع الحاج في دار عبيد الله وما دفع PageV06P412 # إليه من النسخ وانكشف له رأي الخليفة في قصده فرجع إلى ~~نيسابور وإنما رجع لأنه لم يجد عدة تصلح للقاء الخليفة ولما دخل إلى ~~نيسابور أساء إلى أهلها بأخذ الأموال ورجع يريد جهة سجستان في جمادى الأولى ~~من سنة إحدى وستين ومائتين ولما رجع إلى سجستان خرجت كتب الخليفة إلى أصحاب ~~الممالك بخراسان وذوي الجاه والعدد بتولية كل رجل ناحية فوردت الكتب وأصحاب ~~الصفار متفرقون في كور خراسان ثم إن الصفار وصل إلى عسكر مكرم ms1853 من أعمال ~~خوزستان وكاتب الخليفة وسأله ولاية خراسان وبلاد فارس وما كان مضموما إلى ~~آل طاهر بن الحسين الخزاعي من الكور وشرطتي بغداد وسر من رأى وأن يعقد له ~~على طبرستان وجرجان والري وأذربيجان وقزوين وأن يعقد له على كرمان وسجستان ~~والسند وأن يحضر من قرئت عليهم الكتب التي نسخت في دار عبيد الله بن عبد ~~الله بن طاهر ويقرأ عليهم خلاف ما قرىء عليهم أولا من ذكره ليبطل ذلك ~~الكتاب بهذا الكتاب ففعل ذلك الموفق بالله أبو أحمد طلحة بن المتوكل على ~~الله وهو أخو الخليفة المعتمد على الله والد المعتضد بالله الخليفة القائم ~~بعد عمه المعتمد على الله وكان الموفق مستوليا على الأمور كلها وليس ~~للمعتمد معه سوى اسم الخلافة لا غير وأجابه إلى ما طلب وجمع الناس وقرأ ~~عليهم ما أحبه الصفار وأجيب إلى الولاية التي طلبها واضطربت الموالي بسر من ~~رأى من إجابة الخليفة إلى ما طلبه الصفار وتحركوا ثم إن الصفار لم يلتفت ~~إلى ما أجيب إليه من ذلك ودخل السوس وهي أيضا مدينة من أعمال خوزستان ~~بالقرب من عسكر مكرم ولما دخلها عزم على محاربة الخليفة المعتمد وتأهب له ~~الخليفة لينحدر إليه في دجلة ثم تقدم الصفار وتقدم إليه عسكر الخليفة وقد ~~كانت الموالي ارتابت واتهمت الأمير الموفق وتوهمت أن إقبال الصفار بسبب ما ~~أنفذ إليه من الكتب وإلا فأي عجيب أعجب من خارج قصد من زرنج كرسي سجستان ~~وهي الحد الفاصل بين السند والترك وخراسان والوصول إلى بلاد العراق لمحاربة ~~الخليفة وهو في جيوشه وعدده وتقادم مملكته في شرق الأرض وغربها والصفار ~~منفرد PageV06P413 # بجيشه ليس معه من يعضده ولا يشاركه في هذا الأمر ولما ~~بلغ الخليفة ذلك دعا ببرد النبي صلى الله عليه وسلم وقضيبه وأخذ القوس ~~ليكون أول من رمى ولعن الصفار فطابت أنفس الموالي ولما كان صبيحة الأحد ~~لتسع خلون من رجب وردت عساكر الصفار في التعبية إلى موضع يقال له اصطربند ~~وهي قرية بين السيب ودير العاقول من النهروان الأوسط ms1854 وجمع أصحابه ليحمل بهم ~~وتقدم بنفسه كما كان يفعل قبل ذلك وأقبل وعليه دراعة ديباج سوداء ولما ~~تواقف الصفان خرج من الموالي خشتج القائد فقام بين الصفين وقال لأصحاب ~~الصفار يا أهل خراسان وسجستان ما عرفناكم إلا بطاعة السلطان وتلاوة القرآن ~~وحج البيت وطلب الإنكار وإن دينكم لا يتم إلا باتباع الإمام وما نشك أن هذا ~~الملعون قدموه عليكم وقال لكم إن السلطان قد كتب إليه بالحضور وهذا السلطان ~~قد خرج لمحاربته فمن آثر منكم الحق وتمسك بدينه وشرائع الإسلام فلينفرد عنه ~~إذ كان شاقا للعصا محاربا للسلطان فلم يجيبوه عن كلامه وكان هذا خشتج شجاعا ~~مقداما ولما تخلص محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أمير خراسان ~~من أسر الصفار وقد تقدم ذكر أسره وحمله مقيدا قال له خشتج يا آل طاهر ~~اشتريتمونا بأموالكم وأهديتمونا إلى ولد العباس فاستخلفونا وملكونا الضياع ~~والأموال حتى قدنا الجيوش وحاربنا عن بيضة الإسلام فلم نخرج من الدنيا حتى ~~حاربنا الصفار عنك يا والي خراسان مع مولانا أمير المؤمنين وخلصناك بعد ~~الأسر والقيد الثقيل من مدينة إلى مدينة على بغل إكاف ورددناك من العراق ~~إلى خراسان فالحمد لله على ما تفضل به مولانا من خلاصك وأولانا هذا الفعل ~~الجميل فيك PageV06P414 # رجعنا إلى تتمة خبر الصفار قال الراوي وحزر عسكر ~~الصفار فكانت مساحة معسكره ميلا في ميل وكانت دوابهم في غاية الفراهة وقيل ~~إن جمعهم كان يزيد على عشرة آلاف إنسان ووضع الخليفة العطاء في الجند وقطع ~~ما في الطريق من الشجر والدغل واستعدوا للحرب وجدوا فيها وشمروا وقيل ما هو ~~إلا أن تنصروا أو تنهزموا فلا ترجع دولتكم إليكم ووقف الخليفة المعتمد ~~بنفسه وإلى جانب ركابه محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني وقد ~~تقدم ذكر جده يزيد بن مزيد ووقف معه جماعة اكتنفوا الخليفة من أهل البأس ~~والنجدة وتقدم بين يديه الرماة بالنشاب وكشف الموفق أخو الخليفة رأسه وقال ~~أنا الغلام الهاشمي وحمل على أصحاب الصفار وقتل ms1855 بين الطائفتين خلق كثير ~~فلما رأى الصفار تلك الحال ولى راجعا تاركا أمواله وخزائنه وذخائره ومر على ~~وجهه فلم تتبعه العساكر وما أفلت من أصحابه رجل إلا بسهم أصابه وأدركهم ~~الليل فتساقطوا في الأنهار لازدحامهم وثقل الجراح بهم قال أبو الساج داود ~~ابن دوست الذي تنسب إليه الأجناد الساجية ببغداد للصفار لما انهزم ما رأيت ~~معك شيئا من تدبير الحروب وكيف كنت تغلب الناس فإنك جعلت ثقلك وأموالك ~~وأسراك أمامك وقصدت بلدا على قلة المعرفة منك به وبمغايصه وأنهاره بغير ~~دليل وقاتلت يوم الأحد والريح عليك وسرت من السوس إلى واسط في أربعين يوما ~~وأحوال العساكر مختلة فلما توافت عددهم وجاءتهم أموالهم واستحكم أمرهم عليك ~~أقبلت من واسط إلى دير العاقول في يومين وتأخرت عند إمكان الفرصة وأقبلت ~~تعدو في موضع التثبت فقال الصفار لم أعلم أني أحارب ولم أشك في الظفر ~~وتوهمت أن الرسل ترد علي فبدروا الأمر فأتيت بما قدرت عليه قلت هذا آخر ما ~~نقلته من كلام ابن الأزهر مع الاختصار PageV06P415 # ونقلت من تاريخ أبي الحسين عبيد الله بن أحمد بن أبي ~~طاهر الذي جعله ذيلا على تاريخ أبيه في أخبار ببغداد وقد أطال القول فيه ~~فاختصرته وحذفت ما تكرر منه فقال كان وثوب يعقوب بن الليث على درهم وغلبته ~~على سجستان يوم السبت لخمس خلون من المحرم سنة سبع وأربعين ومائتين وكانت ~~ولاية درهم بن نضر كذا ثلاث سنين بعد إخراجه صالح بن النضر وهو رجل من بني ~~كنانة من سجستان في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين ومائتين ولم يزل يعقوب الصفار ~~مقيما بسجستان يحارب الشراة والأتراك ويظهر أنه متطوعي حتى كانت سنة ثلاث ~~وخمسين ومائتين فخرج إلى هراة ثم قصد بوشنج وحاصرها وأخذها عنوة وكان ذلك ~~في خلافة المعتز ومات المعتز ويعقوب على حاله ولم يزل على ذلك إلى أيام ~~المعتمد على الله ثم دخل بلخ وخرج منها ثم وصل إلى رامهرمز وهو يظهر الطاعة ~~للخليفة المعتمد وذلك في المحرم من سنة اثنتين وستين ومائتين ms1856 ثم أرسل رسله ~~إلى المعتمد فدخلوا بغداد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من السنة ~~المذكورة ثم صار إلى واسط وأقام بها نائبا عنه ثم صار إلى دير العاقول يوم ~~السبت لثمان خلون من رجب ثم صار إلى اصطربند فنزل بها ولما اتصل خبره ~~بالمعتمد وأنه يقصد بغداد جمع أصحابه من الأطراف وخرج من سر من رأى قاصدا ~~لمحاربته ودخل بغداد يوم الأحد لخمس بقين من ذي الحجة من السنة قال أبو ~~الفرج كاتب القاضي أبي عمر لما نهض الخليفة لمحاربة الصفار لم تزل كتبه ~~تسير إليه من الطريق يؤمر بالانصراف ويحذر سوء عاقبة فعله وأن أمير ~~المؤمنين قد نهض إليه في العدد والعدد وكتب الصفار واردة بأني قد علمت نهوض ~~أمير المؤمنين ليشرفني وينبه على موقعي منه ثم عبى الخليفة جيشه للقتال على ~~القرية المذكورة وأرسلوا الماء على طريق الصفار فكان سبب هزيمته فإنهم ~~أخذوا عليه الطريق وهو لا يدري واصطف الفريقان ولم PageV06P416 # يزل القوم يحمل بعضهم على بعض حتى انهزم الصفار فغنم ~~الناس من أثقاله غنيمة عظيمة وتوهموا أن ذلك حيلة منه ومكر ولولا ذلك ~~لاتبعوه ولقد حدثني من حضر ذلك أن رشق الجند الموالي كان في ذلك الوقت ~~عشرين ألف سهم وانصرف الخليفة مسرورا بما فتح الله عليه وكان ممن تخلص من ~~أسره ذلك اليوم أبو عبد الله محمد بن طاهر أمير خراسان وجاء إلى الخليفة ~~وهو في قيده ففك الخليفة عنه القيد وخلع عليه خلعة سلطانية وذكر المعتمد ~~ذلك النهار أنه رأى تلك الليلة في المنام كأن إنسانا كتب على صدره * (إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا) * الفتح 1 وقص الرؤيا على خواصه وقال لهم قد وثقت ~~بنصر الله تعالى وقبل الوقعة وردت كتب الصفار إلى الخليفة وفيها خضوع وتضرع ~~ويخبر بأنه لم يجئ إلا لخدمة أمير المؤمنين والتشرف بالمثول بين يديه ~~والنظر إليه وأن يموت تحت ركابه فقال المعتمد نحن في مخاريق الصفار بعد ~~أعلموه أنه ما له عندي إلا السيف وأمر الخليفة بالكتاب إلى ms1857 أبي أحمد عبيد ~~الله بن عبد الله بن طاهر وهو عم محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر يخبره ~~بالفتح وخلاص ابن أخيه محمد بن طاهر فكتب إليه وهو يومئذ يتولى الشرطة ~~ببغداد نيابة عن ابن أخيه المذكور فإنه كان يتولى خراسان وشرطتي بغداد وسر ~~من رأى وفي الكتاب فصول طويلة وحاصله أنه عدد ذنوب الصفار وما قابله به ~~الخليفة من الإحسان والإنعام وأنه قلده خراسان والبلاد التي تقدم ذكرها قبل ~~هذا وأنه رفع مرتبته وأمر بتكنيته في كتبه وأقطعه الضياع السنية ولم يبق ~~شيء مما يقدر فيه استصلاحه إلا فعله فما زاده ذلك إلا البغي والطغيان ~~والتمس أشياء إن رد عنها قصد أبواب أمير المؤمنين لإثارة الفتنة وابتغاء ~~الغلبة فلم ير أمير المؤمنين إجابته إلى ما التمسه وتابع الكتب بالرجوع إلى ~~أعماله الجليلة التي ولاه إياها وحذره التعرض لزوال النعم التي أنعم الله ~~عليه بها فقد خالفه وعصاه وخرج عن طاعته وعرفه أنه إن أقام على المصير إلى ~~الباب فقد عصاه وخرج عن طاعته ثم وجه إليه في ذلك مرة بعد أخرى مع جماعة ~~PageV06P417 # من القضاة والفقهاء والقواد وقدر بتوجههم إليه أنه ~~يرجع إلى ما هو ألزم به وأوجب عليه فأقام على سبيل واحد في البغي والعناد ~~والعصيان ولم يثنه الإرشاد ولم يزل استحواذ الشيطان عليه يقوده إلى الحين ~~ويصده عن سبيل النجاة إلى مهاوي الهلكة فلما تبين أمير المؤمنين ذلك منه ~~رأي أن يقضي عليه في أمر مثله فنهض متوكلا على الله تعالى معتمدا على ~~كفايته لدفع الملعون عما يحاوله وهو يغذ السير إلى المصرع الذي سبق به قضاء ~~الله تعالى فيه حتى توسط الطريق بين مدينة السلام وواسط وأظهر أعلاما على ~~بعضها الصلبان واستنجد أهل الشرك على أهل الإيمان وبارز الله بسريرته ~~ليسلمه بجريرته وفارق شرائع الإسلام وأحكامه نقضا للعهود ونكثا وخفرا للذمة ~~وإعلانا للمشاقة فقدم أمير المؤمنين أخاه الموفق بالله أحمد ولي عهد ~~المسلمين ومعه جماعة من موالي أمير المؤمنين الذين أخلصوا لله طاعتهم وثبت ms1858 ~~في المحاماة عن دولته بصائرهم وأتبعهم أمير المؤمنين الرغبة إلى الله تعالى ~~في تأييدهم ونصرهم على عدوهم ولعنه أمير المؤمنين في الأوقات والمواقف التي ~~علم الله صدق نيته فيها وألحقه وبالها ووقف أمير المؤمنين يتأمل ما يكون من ~~أخيه ومواليه وأوليائه ويواصل الإمداد والجيوش إليهم وكان الموفق بالله في ~~قلب العسكر وظهر الملعون عدو الله في أشياع ضلالته قد ادرع العصيان وتسربل ~~البغي واعتمد على وفور حشده وكثرة أتباعه فلما تراءى الجمعان شهر عدو الله ~~وأشياع ضلالته السلاح وأسرعوا إلى موالي أمير المؤمنين وأوليائه وشرعت في ~~الملعون وضلاله سيوف الحق باترة ورماحه طاعنة وسهامه نافذة حتى أثخن ~~الملعون بالجراح ورأى أتباع ضلالته ما حل به فبادروا بالويل والثبور وأكب ~~عليهم موالي أمير المؤمنين وأوليائه يقتلون فيهم ويأسرون منهم وعجل الله ~~إلى النار من جماعته من لا يحصى عدده ولم يزل الأمر كذلك حتى انتزع أبو عبد ~~الله محمد بن طاهر مولى أمير المؤمنين سالما من أيديهم وحسروا عن مستقرهم ~~فولى الباقون منهزمين مفلولين لا يلوون على شيء وأسلم الله تعالى الملعون ~~وهم وما كانوا حووه وملكوه في سالف الأيام التي أملى الله تعالى لهم فيها ~~أقطار الأرض من الأموال والأمتعة والأثاث والإبل PageV06P418 # والدواب والبغال والحمير فأفاءه الله على الموالي ~~وسائر الأولياء وملكهم إياه وصاروا به إلى رحالهم وعلى الجملة فإن هذا ~~الكاتب أطال القول في ذلك فاختصرته ثم كتب في آخره وكتبه عبيد الله بن يحيى ~~يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة اثنتين وستين ومائتين ثم قال ~~هذا المؤرخ بعد هذا ومضى الصفار منهزما إلى واسط يتخطف أصحابه أهل القرى ~~وتؤخذ أسلحتهم واسلابهم ولم تتبعه الموالي مخافة رجعته ولاشتغالهم بالكسب ~~والنهب فأمسكوا عنه ورجع الخليفة إلى معسكره ثم رجع الصفار إلى السوس وجبى ~~الأموال ثم قصد تستر وحاصرها وأخذها ورتب فيها نائبا وكثر جمعه ثم رحل إلى ~~فارس في شوال وكان الخليفة قد رجع إلى المدائن وأقام بها يومين ثم رحل إلى ~~بغداد ومنها إلى سر من ms1859 رأى ودخلها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان ~~ثم ذكر المؤرخ بعد هذا وورد الخبر على الخليفة بوفاة يعقوب بن الليث الصفار ~~يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال والذي أصيب في بيوت أمواله من ~~العين أربعة آلاف ألف دينار ومن الورق خمسون ألف ألف درهم ووافى أحمد بن ~~أبي الأصبغ يوم الخميس لسبع بقين من شوال وقد كان الخليفة أنفذه ليصلح أمر ~~يعقوب فانصرف من عند يعقوب فلما قرب من واسط اتصل به وفاة يعقوب وقد كان ~~قلد خراسان وفارس وكرمان والري وقم وأصبهان وصيرت إليه الشرطتان ببغداد وسر ~~من رأى على أن يوليها من أحب وعلى أن يوجه ثلثي ما يجبى من خراج البلاد ~~التي يتولاها من جميع الأعمال وتولى أخوه عمرو بن الليث مكانه باجتماع عسكر ~~يعقوب عليه ووردت كتب عمرو إلى الموفق أخي الخليفة المعتمد على الله بالسمع ~~والطاعة وأن يتولى ما كان أخوه يتولاه فأجيب إلى سؤاله وولاه في ذي القعدة ~~من السنة PageV06P419 # قلت سياقة هذا التاريخ يدل على أن يعقوب الصفار توفي ~~في بقية سنة اثنتين وستين ومائتين لأنه حكى الوقعة في هذه السنة وأن يعقوب ~~انهزم ثم قال عقيب هذا وورد الخبر بوفاة يعقوب في شوال ولم يذكر السنة فيدل ~~على موته في تلك السنة والذي أعرفه من عدة تواريخ خلاف هذا فإن أبا الحسين ~~السلامي ذكر في كتاب تاريخ أخبار ولاة خراسان في أول الفصل المختص بعمرو بن ~~الليث الصفار فقال كان سبب وفاة يعقوب بن الليث أنه أصابه القولنج فأشير ~~عليه بالعلاج فامتنع منه واختار الموت عليه فمات بجنديسابور من خوزستان يوم ~~الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال من سنة خمس وستين ومائتين قال أبو ~~الوفاء الفارسي رأيت على قبر يعقوب بن الليث صحيفة وقد كتبوا عليها (ملكت ~~خراسانا وأكناف فارس * وما كنت من ملك العراق بآيس) (سلام على الدنيا وطيب ~~نسيمها * إذا لم يكن يعقوب فيها بجالس) ورأيت بخطي في جملة مسوداتي أن ~~يعقوب بن الليث ms1860 الصفار توفي سنة خمس وستين ومائتين بالأهواز وحمل تابوته ~~إلى جنديسابور فدفن بها وكتب على قبره هذا قبر يعقوب المسكين وكتب يعده ~~(أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر) (وسالمتك ~~الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر) ورأيت بخطي أيضا في ~~موضع آخر أنه توفي بجنديسابور ودفن بميدانه والله أعلم وهو قاصد العراق في ~~التاريخ المذكور وكانت وفاته بعلة القولنج وأخبره طبيبه أن لا دواء له إلا ~~الحقنة فامتنع منها واختار الموت عليها وكانت مدة علته بالقولنج والفواق ~~ستة عشر يوما ومدة تغلبه على سجستان وتلك النواحي أربع عشرة سنة وشهورا ~~PageV06P420 # وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه في سنة خمس وستين ~~ومائتين أنه مات فيها يعقوب بن الليث في تاسع عشر شوال من السنة وذكر حديث ~~القولنج وامتناعه من الحقنة وأنه مات بجنديسابور من كور الأهواز قلت وهي من ~~أعمال خوزستان بين العراق وبلاد فارس وقال شيخنا أيضا وكان الخليفة المعتمد ~~قد أنفذ إليه رسولا يترضاه ويستميله ويقلده أعمال فارس فوصل الرسول إليه ~~ويعقوب مريض فجلس له وجعل عنده سيفا ورغيفا من خبز الخشكار ومعه بصل وأحضر ~~الرسول فأدى الرسالة وقال له قل للخليفة إني عليل فإن مت فقد استرحت منك ~~واسترحت مني وإن عوفيت فليس بيني وبينك إلا هذا السيف حتى آخذ بثأري أو ~~تكسرني وتفقرني فأعود إلى هذا الخبز والبصل وعاد الرسول فلم يلبث يعقوب أن ~~مات وقال بن حوقل في كتاب المسالك والممالك إن جنديسابور مدينة حصينة واسعة ~~الخير وبها نخل وزروع كثيرة ومياه وقطنها يعقوب بن الليث الصفار لخصبها ~~واتصالها بالمير الكثيرة وكان الحسن بن زيد العلوي يسمى يعقوب السندان ~~لثباته وكان قل أن يرى متبسما وكان عاقلا حازما وكان يقول كل من عاشرته ~~أربعين يوما ولا تعرف أخلاقه لا تعرفها في أربعين سنة (351) ولما تولى عمرو ~~أحسن في التدبير والسياسة غاية الإحسان حتى يقال ما أدرك في حسن السياسة ~~للجنود والهداية إلى قوانين المملكة منذ زمن طويل مثل عمرو ms1861 بن الليث وذكر ~~السلامي في كتاب أخبار خراسان شيئا كثيرا من كفايته ونهضته وقيامه بقواعد ~~الولاية فتركته طليا للاختصار وذكر أنه كان ينفق في الجند في كل ثلاثة أشهر ~~مرة ويحضر بنفسه على ذلك وأن عارض الجيش يقعد والأموال بين يديه والجند ~~بأسرهم حاضرون وينادي المنادي أولا باسم عمرو بن الليث فتقدم دابته إلى ~~العارض بجميع آلة الفارس فيفتقدها ويأمر بوزن ثلاثمائة درهم باسم عمرو ~~فتحمل إليه في صرة فيأخذ الصرة فيقبلها ويقول الحمد لله الذي وفقني لطاعة ~~أمير المؤمنين حتى استوجبت منه الرزق ثم يضعها في خفه فتكون لمن ينزع خفه ~~ثم يدعى بعد ذلك PageV06P421 # بأصحاب الرسوم على مراتبهم فيستعرضون بآلاتهم التامة ~~وبدوابهم الفره ويطالبون بجميع ما يحتاج إليه الفارس والراجل من صغير آلة ~~وكبيرها فمن أخل بإحضار شيء منها حرموه رزقه فاعترض يوما فارسا كانت دابته ~~في غاية الهزال فقال له عمرو يا هذا تأخذ مالنا تنفقه على امرأتك فتسمنها ~~وتهزل دابتك التي عليها تحارب وبها تجد الأرزاق امض فليس لك عندي شيء فقال ~~له الجندي جعلت لك الفداء لو اعترضت امرأتي لاستسمنت دابتي فضحك عمرو وأمر ~~بإعطائه وقال استبدل بدابتك قلت ذكر القاضي كمال الدين المعروف بابن العديم ~~الحلبي رحمه الله تعالى في تاريخ حلب حكاية يليق أن أذكرها هاهنا لأنها مثل ~~هذه الحكاية وهي كان كسرى أنوشروان بن قباذ قد ولى رجلا من الكتاب نبيها ~~معروفا بالعقل والكفاية يقال له بابك بن النهروان ديوان الجند فقال لكسرى ~~أيها الملك إنك قد قلدتني أمرا من صلاحه أن تحتمل لي بعض الغلظة في الأمور ~~وهي عرض الجنود في كل أربعة أشهر وآخذ كل طبقة بكمال آلتها ومحاسبة ~~المؤدبين على ما يأخذون على تأديب الرجال بالفروسية والرمي والنظر في ~~مبالغتهم في ذلك وتقصيرهم فإن ذلك ذريعة إلى إجراء السياسة مجاريها فقال ~~كسرى ما المجاب بما سأل بأحظى من المجيب لاشتراكهما في فضله وانفراد المجيب ~~بعد بالراحة حقق مقالتك فأمر فبنيت له في موضع العرض مصطبة وبسط له عليها ~~الفرش ms1862 الفاخرة ثم جلس ونادى مناديه لا يبقين أحد من المقاتلة إلا حضر للعرض ~~فاجتمعوا ولم ير كسرى فأمرهم فانصرفوا وفعل ذلك في اليوم الثاني ولم ير ~~كسرى فيهم فأمرهم فانصرفوا فنادى في اليوم الثالث أيها الناس لا يتخلفن من ~~المقاتلة أحد ولا من أكرم بالتاج والسرير فإنه عرض لا رخصة فيه ولا محاباة ~~وبلغ كسرى ذلك فتسلح بسلاحه ثم ركب فاعترض على بابك وكان الذي يؤخذ به ~~الفارس تجفافا ودرعا وجوشنا وبيضة ومغفرا وساعدين وساقين ورمحا وترسا وجزرا ~~تلزمه منطقة وطبرزينا وعمودا وجعبة فيها قوسان بوتريهما وثلاثين نشابة ~~ووترين PageV06P422 # ملفوفين يعلقهما الفارس في مغفره ظهريا فاعترض كسرى ~~على بابك بسلاح تام خلا الوترين اللذين يستظهر بهما فلم يجز بابك على اسمه ~~فذكر كسرى الوترين فعلقهما في مغفره واعترض على بابك فأجاز على اسمه وقال ~~لسيد الكماة أربعة آلاف درهم ودرهم وكان أكثر ماله من الرزق أربعة آلاف ~~درهم ففضل كسرى بدرهم واحد فلما قام بابك من مجلسه دخل على كسرى فقال أيها ~~الملك لا تلمني على ما كان من إغلاظي فما أردت به إلا الدربة للمعدلة ~~والإنصاف وحسم مادة المحاباة قال كسرى ما أغلظ علينا أحد فيما يريد به ~~إقامة أودنا وصلاح ملكنا إلا احتملنا له غلظته كاحتمال الرجل شرب الدواء ~~الكريه لما يرجوه من منفعته رجعنا إلى تتمة أخبار عمرو بن الليث الصفار قال ~~السلامي أيضا كان رافع بن هرثمة تبعا لأبي ثور وكان أبو ثور أحد قواد محمد ~~بن طاهر الخزاعي فلما وافى يعقوب الصفار نيسابور كان أبو ثور من جملة من ~~مايل يعقوب على محمد بن طاهر فلما انصرف يعقوب إلى سجستان صحبه أبو ثور ~~ومعه رافع بن هرثمة وكان رجلا طويل اللحية كريه الوجه قليل الطلاقة فدخل ~~يوما إلى يعقوب فلما خرج من عنده قال يعقوب إني لا أميل إلى هذا الرجل ~~فليلحق بحيث شاء فباع رافع جميع آلاته ثم انصرف إلى منزله بيامين وهي من ~~قرى كنج رستاق وأقام هناك إلى أن استقدمه أحمد بن ms1863 عبد الله الخجستاني ~~وخجستان من جبل هراة من قرى بادغيس وكان الخجستاني من أتباع يعقوب الصفار ~~ثم خلع طاعته وتغلب على نيسابور وبسطام في سنة إحدى وستين ومائتين وكان ~~يظهر الميل إلى الطاهرية مستميلا بذلك قلوب أهل نيسابور إليه حتى إنه كان ~~يكتب في كتبه أحمد بن عبد الله الطاهري PageV06P423 # ثم كتب الخجستاني إلى رافع بن هرثمة وهو في بلده ~~يستقدمه فقدم عليه فجعله صاحب جيشه وللخجستاني حروب ومواقف مشهورة وليس ~~الغرض ذكر شيء منها هاهنا ثم إن غلامين من غلمانه اتفقا عليه وقتلاه وقد ~~سكر ونام وذلك في ليلة الأربعاء لست بقين من شوال سنة ثمان وستين ومائتين ~~وكان رافع بن هرثمة غائبا فقدم بعد ذلك على جيش الخجستاني فقدموه عليهم ~~وبايعوه بمدينة هراة وقيل بنيسابور ثم عزل الموفق بالله عمرو بن الليث ~~الصفار عن ولاية خراسان وجعلها لأبي عبد الله محمد بن طاهر الخزاعي في سنة ~~إحدى وسبعين ومائتين وهو مقيم ببغداد فاستخلف محمد بن طاهر عليها رافع بن ~~هرثمة ما خلا أعمال ما وراء النهر فإن الموفق بالله أقر عليها نصر بن أحمد ~~بن أسد الساماني خليفة لمحمد بن طاهر ثم وردت كتب الموفق على رافع بقصد ~~جرجان وطبرستان وكانتا للحسن ابن زيد العلوي وتوفي سنة سبعين ومائتين ~~واستولى عليهما أخوه محمد ابن زيد فجاءه رافع في سنة أربع وسبعين ففارقها ~~محمد بن زيد إلى استراباذ فحاصره بها رافع مدة سنتين ثم فارقها ليلا في نفر ~~يسير إلى بلاد الديلم واستولى رافع على طبرستان في سنة سبع وسبعين ومائتين ~~ثم توفي الخليفة المعتمد على الله في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وتولى ~~الخلافة بعده المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق المذكور وولى ~~المعتضد أبا إبراهيم إسماعيل بن أحمد الساماني ما وراء النهر بعد وفاة أخيه ~~نصر بن أحمد المذكور قلت وكانت وفاة نصر لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة تسع ~~وسبعين بسمرقند قال وعزل رافع بن هرثمة عن خراسان وولاها عمرو بن الليث ~~وبقي رافع بالري ms1864 ثم إنه هادن الملوك المجاورين له ليستعين بهم على عمرو بن ~~الليث فلما تم له ذلك خرج إلى نيسابور فواقعه عمرو بن الليث في شهر ربيع ~~الآخر من سنة ثلاث وثمانين وهزمه عمرو وتبعه إلى PageV06P424 # أبيورد وقصد رافع أن يخرج منها إلى هراة أو مرو فعلم ~~عمرو أن مقصده سرخس فقصدها عمرو ليأخذ عليه الطريق فعلم رافع ذلك فخرج من ~~أبيورد ومعه دليل فأخذ به على جبال طوس حتى أورده باب نيسابور فدخلها فعاد ~~عمرو إليها وحاصره بها فانهزم رافع وأصحابه ووصل إلى نواحي خوارزم على ~~الجمازات وحمل ما كان معه من آلة ومال في شرذمة قليلة وذلك يوم السبت لخمس ~~بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائتين فوجه إليه أمير خوارزم نائبا ~~يقوم بخدمته وما يحتاج إليه إلى أن يصل خوارزم فوجده النائب في خف من ~~أصحابه فقتله لسبع خلون من شوال يوم الجمعة سنة ثلاث وثمانين وحز رأسه ~~وحمله إلى عمرو بن الليث وهو بنيسابور فأنفذ عمرو رأسه إلى المعتضد بالله ~~ولم يكن رافع ابن هرثمة وإنما هرثمة زوج أمه فانتسب رافع إليه لأنه أشهر ~~ورافع ابن تومرد وقال ابن جرير الطبري في تاريخه في سنة ثلاث وثمانين وفي ~~يوم الجمعة لثمان بقين من ذي القعدة قرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن ~~هرثمة وقدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع إلى بغداد يوم الخميس لأربع خلون ~~من المحرم سنة أربع وثمانين ومائتين على المعتضد فأمر بنصبه في الجانب ~~الشرقي إلى الظهر ثم تحويله إلى الجانب الغربي بقية النهار إلى الليل ثم ~~ردوه إلى دار السلطان قال السلامي وصفت خراسان إلى شط جيحون لعمرو بن الليث ~~قلت وقد مدح البحتري الشاعر المشهور رافع بن هرثمة وكناه أبا يوسف في مديحه ~~وأرسلها إليه فأرسل له عشرين ألف درهم وهو بالعراق قال السلامي ولما وجه ~~عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة إلى المعتضد سأل أن يولوه عمل ما وراء ~~النهر مثل ما كان برسم عبد الله بن طاهر ms1865 فوعدوه بذلك ثم أرسل إليه المعتضد ~~هدايا فوصلته وهو في نيسابور فأبى أن يقبلها دون الوفاء بما وعدوه من تولية ~~أعمال ما وراء النهر فكتب الرسول إلى المكتفي بالله بن المعتضد وكان بالري ~~وعنده جماعة من خواص أبيه بما سأله عمرو فأنفذوا إليه العهد بها فحمل إليه ~~العهد والهدايا التي سيرها له المعتضد بالله PageV06P425 # وامتنع من أخذها وكان في الهدايا سبع دسوت خلع فوضعت ~~بين يديه وأفاض عليه الرسول الخلع واحدة بعد أخرى وكلما لبس خلعة صلى ~~ركعتين ثم وضع العهد قدامه فقال ما هذا قال الذي سألته فقال عمرو ما أصنع ~~به فإن إسماعيل ابن أحمد لا يسلم إلي ذلك إلا بمائة ألف سيف فقال أنت سألته ~~فشمر الآن لتتولى العمل في ناحيته فأخذ العهد وقبله ووضعه بين يديه ثم أنفذ ~~عمرو إلى الرسول ومن معه سبعمائة ألف درهم وصرفهم ثم جهز عمرو جيشا إلى ~~إسماعيل بن أحمد فعبر إسماعيل إليهم نهر جيحون وقاتلهم فقتل بعضهم وهزم ~~الباقين وعمرو بن الليث الصفار في نيسابور وكانت الوقعة يوم الاثنين لاثنتي ~~عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وثمانين ومائتين وعاد إسماعيل إلى بخارا وهي ~~من أعمال ما وراء النهر قال السلامي انتدب عمرو بن الليث لمحاربة إسماعيل ~~محمد بن بشر فلما عبر إسماعيل جيحون دخل موسى السجزي على محمد بن بشر وهو ~~يحلق رأسه فقال له هل استأذنت إسماعيل في حلق رأسك يعني أن رأسه لإسماعيل ~~لأنه انتصب لمحاربته فقال له محمد اغرب عني لعنك الله ثم تحاربوا من الغد ~~فانكشف أصحاب بشر وقبضوا عليه وحز رأسه في جملة سائر الرؤوس وحملوها إلى ~~إسماعيل وأدخلوا جماعة من أصحابه ليميزوا الرؤوس عن رأس ابن بشر فأعلم ~~بعضهم إسماعيل بما قال موسى السجزي لابن بشر فتعجب مما جرى الفأل به وذكر ~~الطبري في تاريخه في سنة سبع وثمانين ومائتين ما مثاله وفي يوم الأربعاء ~~لخمس بقين من جمادى الأولى ورد كتاب فيما ذكر على السلطان أنه كانت بين ~~إسماعيل بن أحمد وبين ms1866 عمرو بن الليث وقعة فأسر عمرا واستباح عسكره وكان من ~~خبر عمرو وإسماعيل أن عمرا سأل السلطان أن يوليه ما وراء النهر فولاه ذلك ~~ووجه إليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع واللواء على ما وراء النهر لمحاربة ~~إسماعيل بن أحمد فكتب إليه إسماعيل إنك قد وليت PageV06P426 # دنيا عريضة وأنا في يدي ما وراء النهر وأنا في ثغر ~~فاقنع بما في يدك واتركني مقيما بهذا الثغر فأبى إجابته إلى ذلك وذكر له من ~~أمر نهر بلخ وشدة عبوره فقال عمرو لو أشاء أن أسكره ببدر الأموال وأعبره ~~لفعلت فلما يئس إسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه من التناء والدهاقين ~~وعبر النهر إلى الجانب الغربي وجاء عمرو بن الليث فنزل بلخ وأخذ إسماعيل ~~عليه النواحي فصار كالمحاصر وندم على ما فعل وطلب المحاجزة فيما ذكر فأبى ~~إسماعيل عليه ذلك ولم يكن بينهم قتال كثير حتى هزم عمرو فولى هاربا ومر ~~بأجمة في طريقه قيل له إنها أقرب فقال لعامة من معه امضوا في الطريق الواضح ~~ومضى في نفر يسير فدخل الأجمة ووحلت به دابته فوقعت ولم يكن له في نفسه ~~حيلة ومضى من معه ولم يلووا عليه وجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيرا فلما بلغ ~~المعتضد ما جرى مدح إسماعيل وذم عمرا وقال يقلد أبو إبراهيم إسماعيل كل ما ~~في يد عمرو ويوجه إليه بالخلع ثم ذكر الطبري أيضا في سنة ثمان وثمانين ما ~~مثاله وفي أول جمادى الأولى يوم الخميس أدخل عمرو بن الليث بغداد وذكر لي ~~أن إسماعيل بن أحمد خيره بين المقام عنده أسيرا وبين توجيهه إلى أمير ~~المؤمنين فاختار توجيهه إلى أمير المؤمنين فوجهه وقال السلامي في أخبار ~~خراسان ثم خرج عمرو إلى بلخ فلاقاه بها إسماعيل فهزمه وقبض عليه وذلك يوم ~~الثلاثاء النصف من ربيع الأول سنة سبع وثمانين ومائتين وأنفذه مقيدا إلى ~~سمرقند قلت وهي من بلاد ما وراء النهر أيضا وهذا النهر هو جيحون قال وضم ~~إليه أخاه أبا يوسف ليخدمه إلى أن ورد عليه من ms1867 عند المعتضد عبد الله بن ~~الفتح بعهد خراسان واللواء والتاج والخلع في سنة ثمان وثمانين وقدم معه ~~إنسان ليتولى حمل عمرو بن PageV06P427 # الليث إلى بغداد فسلمه إسماعيل إليه فحمله وقال ابن ~~أبي طاهر المذكور قبل هذا في تاريخه إن عمرو بن الليث الصفار انهزم وقتل ~~خلق كثير من أصحابه وكانت الوقعة على باب بلخ يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ~~ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وثمانين ومائتين وقبل ذلك هرب ابن أبي ~~ربيعة كاتب عمرو بن الليث إلى إسماعيل بن أحمد ومعه قائد من قواده في خلق ~~كثير فأصبح عمرو في يوم الوقعة وقد عرف الخبر ثم كثر هرب أصحابه إلى ~~إسماعيل فضعف قلب عمرو وهرب واشتغل إسماعيل بالعسكر وبعث في طلب عمرو جيشا ~~فوجده واقفا على فرس فقبضوا عليه وسيره إسماعيل إلى المعتضد وأخبره بما جرى ~~وأنه سيره إلى سمرقند حتى يرد عليه أمر أمير المؤمنين فاشتد سرور الخليفة ~~بذلك وقلد الخليفة إسماعيل ما كان مقلده عمرو مضافا إلى عمله وتوجه عبد ~~الله بن الفتح إلى إسماعيل في طلب عمرو فلما وصل إلى إسماعيل وجه إليه ~~فأحضر عمرا فقيده وأرسله وإلى جانبه رجل من أصحاب إسماعيل بيده سيف مشهور ~~وقيل لعمرو إن تحرك في أمرك أحد رمينا رأسك إليهم فلم يتحرك أحد ووصلوا إلى ~~النهروان يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وحل ~~قيد عمرو فلما كان يوم الخميس مستهل جمادى الأولى ركب الجند للقائه وعمرو ~~في القبة قد أرخى جلالها عليه فلما بلغ باب السلامة أنزل عمرو من القبة ~~وألبس دراعة ديباج وبرنس السخط وحمل على جمل له سنامان يقال له إذا كان ~~ضخما على هذه الصورة الفالج في غاية الارتفاع وكان عمرو قد أهداه فيما أهدى ~~للخليفة وقد ألبس الجمل الديباج وحلي بذوائب وأرسان مفضضة وأدخل بغداد ~~فاشتقها في الشارع الأعظم إلى دار الخليفة بقصر الحسني وعمرو رافع يديه ~~يدعو ويتضرع دهاء منه فرقت له العامة وأمسكت عن الدعاء عليه ثم أدخل على ms1868 ~~الخليفة وقد جلس له واحتفل به فوقف بين يديه ساعة وبينهما قدر خمسين ذراعا ~~وقال له هذا ببغيك يا عمرو ثم أخرج من PageV06P428 # بين يديه إلى حجرة قد أعدت له وكان أخوه يعقوب الصفار ~~قد تزوج امرأة من العرب من بلد سجستان فلما توفي يعقوب تزوجها أخوه عمرو ثم ~~توفيت ولم تخلف ولدا وكان لها ألف وسبعمائة جارية قال بعضهم كنت عند أبي ~~علي الحسين بن محمد بن الفهم المحدث فدخل رجل من أصحاب الحديث فقال له يا ~~أبا علي رأيت عمرو بن الصفار أمس على جمل فالج من الجمال التي كان أهداها ~~عمرو منذ ثلاث سنين للخليفة فأنشد أبو علي (وحسبك بالصفار نبلا وعزة * يروح ~~ويغدو في الجيوش أميرا) (حباهم بأجمال ولم يدر أنه * على جمل منها يقاد ~~أسيرا) وعمل في ذلك علي بن محمد بن نصر بن بسام الشاعر المقدم ذكره (أيها ~~المغتر بالدنيا * أما أبصرت عمرا) (أركب الفالج بعد الملك * والعزة قسرا) ~~(وعليه برنس للسخط * إذلالا وقهرا) (رافعا كفيه يدعو * الله إسرارا وجهرا) ~~(أن ينجيه من القتل * وأن يعمل صفرا) قال الطبري وتوفي المعتضد بالله ليلة ~~الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين وتولى ~~الخلافة ولده المكتفي بالله أبو محمد علي وكان غائبا في الرقة عند موت أبيه ~~فقدم بغداد وأمر يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الآخرة من السنة ~~المذكورة بهدم المطامير التي كان أبوه احتفرها لأهل الجرائم ومات عمرو بن ~~الليث الصفار في غد هذا اليوم ودفن بالقرب من القصر الحسني وقد كان المعتضد ~~عند موته لما امتنع من الكلام أمر بقتل عمرو بالإيماء والإشارة ووضع يده ~~على رقبته وعلى عينه أي اذبحوا الأعور PageV06P429 # وكان عمرو أعور فلم يفعل صافي الحرمي ذلك وهو الذي ~~أمره المعتضد بقتله وإنما امتنع من قتله لعلمه بحال المعتضد وقرب وفاته ~~وكره قتل عمرو ولما دخل المكتفي بغداد سأل فيما قيل القاسم بن عبيد الله عن ~~عمرو أحي هو فقال نعم فسر بحياته وقال أريد أن ms1869 أحسن إليه وكان عمرو يهدي ~~إلى المكتفي ويبره برا كثيرا أيام مقامه بالري في حياة أبيه المعتضد فذكر ~~أن القاسم كره سؤاله عنه ودس إليه من قتله وكانت مدة مملكته اثنتين وعشرين ~~سنة تقريبا قلت وإنما قيل ليعقوب الصفار لأنه كان يعمل الصفر وهو النحاس ~~وهو بضم الصاد المهملة وسكون الفاء وبعدها راء وكان أخوه عمرو يكري الحمير ~~حكى شيخ من الصفارين قال كان يعقوب وهو غلام في دكانه يتعلم عمل الصفر ولم ~~أزل أتأمل بين عينيه وهو صغير ما آل أمره إليه قيل له وكيف ذلك قال ما ~~تأملته قط من حيث لا يعلم بتأملي إياه إلا وجدته مطرقا إطراق ذي همة وفكر ~~وروية فكان من أمره ما كان وقال علي بن المرزبان الأصفهاني الكاتب سألت بعض ~~أصحاب بني الصفار عن عمرو بن الليث أخي يعقوب بن الليث الصفار وصناعته وعمر ~~يومئذ محبوس بمدينة السلام فسكت عني فلما توفي عمرو قال لي كنت سألتني عن ~~عمرو وصناعته ولم يكن من الحزم إخبارك وهو يرجى ويخشى فاعلم الآن أنه لم ~~يزل مكاريا إلى أن عظم شأن أخيه يعقوب وتمكن من خراسان فلحق به وترك إكراء ~~الحمير قلت ذكر جماعة من أرباب التواريخ في كتبهم أن أبا أحمد عبيد الله ~~ابن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي المقدم ذكره في هذا الكتاب كان ~~يقول عجائب الدنيا ثلاث جيش العباس بن عمرو الغنوي يؤسر العباس وحده وينجو ~~من القتل ثم يطلق ويقتل جميع جيشه وكانوا عشرة آلاف وجيش عمرو بن الليث ~~يؤسر عمرو وحده ويموت في السجن ويسلم جميع جيشه وكانوا PageV06P430 # خمسين ألفا وأنا أترك في بيتي بطالا ويتولى ابني أبو ~~العباس الجسرين ببغداد (352) قلت وكان من حديث العباس بن عمرو الغنوي أن ~~القرامطة لما اشتد أمرهم وانتشروا في البلاد وبالغوا في الفتك أرسل إليهم ~~المعتضد بالله في سنة سبع وثمانين ومائتين جيشا مقدمه العباس المذكور فأسره ~~أبو سعيد القرمطي رئيس القرامطة في الوقعة وأسر جميع من معه من الجيش وفي ms1870 ~~اليوم الثاني من الوقعة أحضر أبو سعيد القرمطي الأسرى فقتلهم بأسرهم ~~وأحرقهم وأطلق العباس فجاء إلى المعتضد وحده وكان ذلك في آخر شعبان من ~~السنة وكانت الوقعة بين البصرة والبحرين وهي قصة طويلة مشهورة وهذا خلاصتها ~~إذ ليس هذا موضع التطويل في شرحها وسيأتي ذكرها مع الاستقصاء في التاريخ ~~الكبير إن شاء الله تعالى قلت والبيتان المذكوران قبل هذا وأنهما مكتوبان ~~على قبر يعقوب الصفار وآخر البيت الأول منهما (وما كنت من ملك العراق بآيس ~~*) هذا نصف بيت من جملة أبيات ترنم بها معاوية بن أبي سفيان الأموي لما ~~تغلب على الشام وجاءه جرير بن عبد الله البجلي برسالة من علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه وكان علي إذ ذاك مقيما بالكوفة فلما أدى جرير الرسالة إلى ~~معاوية وانفض المجلس أمر معاوية بنزول جرير في مكان قريب منه وجعل يترنم ~~بهذه الأبيات تلك الليلة ليسمع جرير فيعيد ذلك على علي رضي الله عنه ~~والأبيات المشار إليها هي (تطاول ليلي واعتراني وساوسي * لآت أتى بالترهات ~~البسابس) (أتاني جرير والحوادث جمة * بتلك التي فيها اجتداع المعاطس) ~~(أكايده والسيف بيني وبينه * ولست لأثواب الدني بلابس) (إن الشام أعطت طاعة ~~يمنية * تواصفها أشياخها في المجالس) PageV06P431 # (فإن يفعلوا أصدم عليا بجبهة * تفت عليه كل رطب ويآبس) ~~(وإني لأرجو خير ما نال نائل * وما أنا من ملك العراق بآيس) قلت الترهات ~~بضم التاء المثناة من فوقها وتشديد الراء وبعد الهاء والألف تاء ثانية ~~والبسابس بفتح الباء الموحدة وبعدها سين مهملة وبعد الألف باء ثانية مكسورة ~~ثم سين ثانية وهي الباطل وأصل الترهات الطرق الصغار غير الجادة تتشعب عنها ~~الواحدة ترهة فارسي معرب ثم استعير في الباطل فقيل الترهات البسابس والجبهة ~~الخيل والجبهة الجماعة من الناس أيضا فكأنه قال أصدره بالخيل والرجال ~~والباقي معروف لا حاجة إلى تفسيره (353) ورأيت بخط بعض أهل هذا الفن أن ~~عمرو بن الليث لما أسر ملك بعده بلاد فارس حفيده طاهر بن محمد بن عمرو بن ~~الليث المذكور لاثنتي عشرة ليلة ms1871 بقيت من صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين ثم ~~قبض عليه غلام جده سبك السبكري في سنة ست وتسعين ومائتين ومعه أخوه يعقوب ~~بن محمد وبعث بهما إلى مدينة السلام (354) ثم ولي بعده الليث بن علي بن ~~الليث وهو ابن أخي يعقوب وعمرو بن الليث المذكورين كان تغلب على بلاد ~~سجستان في سنة ست وتسعين ومائتين وجرى بين سبك السبكري وطاهر بن محمد ~~المذكور ما جرى واستقرت البلاد بيد السبكري فاستخلف الليث المذكور على ~~سجستان أخاه المعدل بن الليث وسار إلى بلاد فارس فهرب السبكري منه يطلب من ~~الخليفة النجدة فجرد المقتدر بالله الجيوش في شهر رمضان سنة ست وتسعين وقدم ~~عليها مؤنسا المظفر وبدرا الكبير والحسين بن حمدان والتقوا مع الليث بن علي ~~فانهزم جيشه وأسر هو وأخوه محمد وابنه إسماعيل وعاد مؤنس إلى بغداد ومعه ~~الأسرى في المحرم سنة سبع وتسعين وشهر الليث بن علي على الفيل وولي المعدل ~~ابن علي بن الليث على سجستان فسار إليه أحمد بن إسماعيل الساماني في خلق ~~كثير من الفارس والراجل فأخذ منه البلاد ثم ملك سبك السبكري الصفار مدة ثم ~~حمل معه محمد بن علي بن الليث إلى بغداد وانقضى أمر الصفارية والله أعلم ~~PageV06P432 # حرف الياء PageV07P001 # 829 المنصور الموحدي أبو يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف ~~بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي صاحب بلاد المغرب قد تقدم ذكر ~~جده عبد المؤمن وسيأتي ذكر أبيه يوسف إن شاء الله تعالى كان صافي السمرة ~~جدا إلى الطول ما هو جميل الوجه أفوه أعين شديد الكحل ضخم الأعضاء جهوري ~~الصوت جزل الألفاظ من أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثا وأكثرهم إصابة بالظن ~~مجربا للأمور ولي وزارة أبيه فبحث عن الأحوال بحثا شافيا وطالع مقاصد ~~العمال والولاة وغيرهم مطالعة أفادته معرفة جزيئات الأمور ولما مات أبوه في ~~التاريخ الآتي في ترجمته إن شاء الله تعالى اجتمع رأي أشياخ الموحدين وبني ~~عبد المؤمن على تقديمه فبايعوه وعقدوا له الولاية ودعوه أمير المؤمنين ~~كأبيه وجده ولقبوه ms1872 بالمنصور فقام بالأمر أحسن قيام وهو الذي أظهر أبهة ~~ملكهم ورفع راية الجهاد ونصب ميزان العدل وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع ~~ونظر في PageV07P003 # أمور الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين كما أقامها في سائر الناس ~~أجمعين فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات ولما مات أبوه كان معه في ~~الصحبة فباشر تدبير المملكة من هناك وأول ما رتب قواعد بلاد الأندلس فأصلح ~~شأنها وقرر المقاتلين في مراكزها ومهد مصالحها في مدة شهرين وأمر بقراءة ~~البسملة في أول الفاتحة في الصلوات وأرسل بذلك إلى سائر بلاد الإسلام التي ~~في مملكته فأجاب قوم وامتنع آخرون ثم عاد إلى مراكش التي هي كرسي ملكهم ~~فخرج عليه علي بن إسحاق بن محمد بن علي بن غانية الملثم من جزيرة ميورقة في ~~شعبان سنة ثمانين وملك بجاية وما حولها فجهز إليه الأمير يعقوب عشرين ألف ~~فارس وأسطولا في البحر ثم خرج بنفسه في أول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ~~فاستعاد ما أخذ من البلاد ثم عاد إلى مراكش وفي سنة ست وثمانين بلغه أن ~~الفرنج ملكوا مدينة شلب وهي في غرب جزيرة الأندلس فتجهز إليها بنفسه ~~وحاصرها وأخذها وأنفذ في الوقت جيشا من الموحدين ومعه جماعة من العرب ~~ففتحوا أربع مدن من بلاد الفرنج كانوا قد أخذوها من المسلمين قبل ذلك ~~بأربعين سنة وخافه صاحب طليطلة وسأله الصلح فصالحه خمس سنين وعاد إلى مراكش ~~فلما انقضت مدة الهدنة ولم يبق منها سوى القليل خرجت طائفة من الفرنج في ~~جيش كثيف إلى بلاد المسلمين فنهبوا وسبوا وعاثوا عيثا فظيعا فانتهى الخبر ~~إلى الأمير يعقوب وهو بمراكش فتجهز لقصدهم في جحفل عرمرم من قبائل الموحدين ~~والعرب واحتفل وجاز إلى الأندلس وذلك في سنة PageV07P004 # إحدى وتسعين وخمسمائة فعلم الفرنج به فجمعوا خلقا ~~كثيرا من أقاصي بلادهم وأدانيها وأقبلوا نحوه قلت ورأيت بدمشق في أواخر سنة ~~ثمان وستين وستمائة جزءا بخط الشيخ تاج الدين عبد الله بن حمويه شيخ الشيوخ ~~كان بها ms1873 وكان قد سافر إلى مراكش وأقام بها مدة وكتب فصولا تتعلق بتلك ~~الدولة فمن ذلك فصل يتعلق بهذه الوقعة فينبغي ذكره ها هنا فقال لما انقضت ~~الهدنة بين الأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المملكة ~~الغربية وبين الأذفونش الفرنجي صاحب غرب جزيرة الأندلس وقاعدة مملكته يومئذ ~~طليطلة وذلك في أواخر سنة تسعين وخمسمائة عزم الأمير يعقوب وهو حينئذ ~~بمراكش على التوجه إلى جزيرة الأندلس لمحاربة الفرنج وكتب إلى ولاة الأطراف ~~وقواد الجيوش بالحضور وخرج إلى مدينة سلا ليكون اجتماع العساكر بظاهرها ~~فاتفق أنه مرض مرضا شديدا حتى أيس منه أطباؤه فتوقف الحال عن تدبير ذلك ~~الجيش فحمل الأمير يعقوب إلى مراكش فطمع المجاورون له من العرب وغيرهم في ~~البلاد وعاثوا فيها وأغاروا على النواحي والأطراف وكذلك فعل الأذفونش فيما ~~يليه من بلاد المسلمين بالأندلس واقتضى الحال تفرقة جيوش الأمير يعقوب شرقا ~~وغربا واشتغلوا بالمدافعة والممانعة فكثر طمع الأذفونش في البلاد وبعث ~~رسولا إلى الأمير يعقوب يتهدد ويتوعد ويطلب بعض الحصون PageV07P005 # المتاخمة له من بلاد الأندلس وكتب إليه رسالة من إنشاء ~~وزير له يعرف بابن الفخار وهي باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض وصلى الله ~~على السيد المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح أما بعد فإنه لا يخفى على ~~ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل لازب أنك أمير الملة الحنيفية كما أني أمير الملة ~~النصرانية وقد علمت الآن ما عليه رؤساء أهل الأندلس من التخاذل والتواكل ~~وإهمال الرعية وإخلادهم إلى الراحة وأنا اسومهم بحكم القهر وجلاء الديار ~~واسبي الذراري وامثل بالرجال ولا عذر لك في التخلف عن نصرهم إذا أمكنتك يد ~~القدرة وأنتم تزعمون أن الله تعالى فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم ~~فالآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد ~~منا لا تستطيعون دفاعا ولا تملكون امتناعا وقد حكي لي عنك أنك أخذت في ~~الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال وتماطل نفسك عاما بعد عام تقدم رجلا وتؤخر ~~أخرى فلا أدري ms1874 أكان الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما وعد ربك ثم قيل لي إنك لا ~~تجد إلى جواز البحر سبيلا لعلة لا يسوغ لك التقحم معها وها أنا أقول لك ما ~~فيه الراحة لك وأعتذر لك وعنك على أن تفي بالعهود والمواثيق والاستكثار من ~~الرهان وترسل إلى جملة من عبيدك بالمراكب والشواني والطرائد والمسطحات ~~وأجوز بجملتي إليك وأقاتلك في أعز الأماكن لديك فإن كانت لك فغنيمة كبيرة ~~جلبت إليك وهدية عظيمة مثلت بين يديك وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك ~~واستحقيت إمارة PageV07P006 # الملتين والحكم على البرين والله تعالى يوفق للسعادة ~~ويسهل الإرادة لا رب غيره ولا خير إلا خيره إن شاء الله تعالى فلما وصل ~~كتابه إلى الأمير يعقوب مزقه وكتب على ظهر قطعة منه * (ارجع إليهم ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) * النمل ~~37 الجواب ما ترى لا ما تسمع (ولا كتب إلا المشرفية عنده * ولا رسل إلا ~~الخميس العرمرم) قلت وهذا البيت للمتنبي ثم أمر بكتب الاستنفار واستدعى ~~الجيوش من الأمصار وضرب السرادقات بظاهر البلد من يومه وجمع العساكر وسار ~~إلى البحر المعروف بزقاق سبتة فعبر فيه إلى الأندلس وسار إلى أن دخل بلاد ~~الفرنج وقد أعتدوا واحتشدوا وتأهبوا فكسرهم كسرة شنيعة وذلك في سنة اثنتين ~~وتسعين وخمسمائة انتهى ما نقلته من الجزء المذكور قلت ثم وجدت في كتاب ~~تذكير العاقل وتنبيه الغافل تأليف أبي الحجاج يوسف بن محمد بن إبراهيم ~~الأنصاري البياسي هذه المكاتبة وجوابها قد كتبها الأذفونش بن فرذلند إلى ~~أمير المسلمين يوسف بن تاشفين الآتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى وجواب ~~يوسف على هذه الصورة أيضا والله أعلم قلت وذكر البياسي بعد هذا ما يدل على ~~أنه نقلها من خط ابن الصيرفي الكاتب المصري فإن كان كذلك فما يمكن أن تكون ~~هذه الرسالة إلى يعقوب ابن يوسف لأن ابن الصيرفي متقدم التاريخ على زمان ~~يعقوب بكثير والله أعلم PageV07P007 # ورأيت جماعة من فضلاء المغاربة ينكرون هذا التاريخ ~~ويذكرون ما ms1875 نشرحه إن شاء الله تعالى وهو أن الفرنج جمعوا جمعا عظيما وقصدوه ~~وبلغ الأمير يعقوب خبر مسيرهم وكثرة جموعهم فما هاله ذلك وجد في السير ~~نحوهم حتى التقوا في شمال قرطبة على قرب قلعة رباح في مرج الحديد وفيه نهر ~~يشقه فعبر إلى منزلة الفرنج وصافهم وذلك يوم الخميس التاسع من شعبان سنة ~~إحدى وتسعين وخمسمائة واقتفى في ذلك طريقة أبيه وجده فإنهما أكثر ما كانوا ~~يصافون يوم الخميس ومعظم حركاتهم في صفر ووقع القتال وبرزت الأبطال وصبرت ~~الرجال فأمر الأمير يعقوب فرسان الموحدين وأمراء العرب أن يحملوا ففعلوا ~~وانهزم الفرنج وعمل فيهم السيف فاستأصلهم قتلا وما نجا ملكهم إلا في نفر ~~يسير ولولا دخول الليل لم يبق منهم أحد وغنم المسلمون أموالهم حتى قيل إن ~~الذي حصل لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع وأما الدواب على اختلاف ~~أنواعها فلم يحصر لها عدد ولم يسمع في بلاد الأندلس بكسرة مثلها ومن عادة ~~الموحدين أنهم لا يأسرون مشركا محاربا إن ظفروا به ولو كان ملكا عظيما بل ~~تضرب رقابهم كثروا أو قلوا فلما أصبح جيش المسلمين اتبعوهم فألفوهم قد ~~أخلوا قلعة رباح لما داخلهم من الرعب فملكها الأمير يعقوب وجعل فيها واليا ~~وجيشا ولكثرة ما حصل له من الغنائم لم يمكنه الدخول إلى بلاد الفرنج في ذلك ~~الوقت فعاد إلى مدينة طليطلة وحاصرها وقاتلها أشد قتال وقطع أشجارها وشن ~~الغارات على بلادها وأخذ من أعمالها حصونا كثيرة وقتل رجالها وسبى حريمها ~~وخرب مبانيها وهدم أسوارها وترك الفرنج في أسوأ حال ولم يبرز إليه أحد من ~~المقاتلة PageV07P008 # ثم رجع إلى إشبيلية وأقام إلى أثناء سنة ثلاث وتسعين ~~فعاد إلى بلاد الفرنج مرة ثالثة وفعل فيها كفعله المتقدم فلم يبق للفرنج ~~قدرة على لقائه وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فأرسلوا إليه يلتمسون منه الصلح ~~فأجابهم إلى ذلك لما اتصل به من أخبار علي بن إسحاق الميورقي المقدم ذكره ~~في هذه الترجمة فإنه كان قد خرج على بلاد إفريقية وخرب أكثر بلادها وتوجه ms1876 ~~نحو الغرب وسولت له نفسه النزول على بجاية لما علمه من اشتغال الأمير يعقوب ~~بجزيرة الأندلس والجهاد فيها وتأخره عن بلاد المغرب مدة ثلاث سنين فأوقع ~~الصلح بينه وبين ملوك بلاد الأندلس جميعا على ما اختاره لمدة خمس سنين ثم ~~عاد إلى مراكش في أواخر سنة ثلاث وتسعين ولما وصل إليها أمر باتخاذ الأحواض ~~والروايا وآلات السفر للتوجه إلى بلاد إفريقية فاجتمع إليه مشايخ الموحدين ~~وقالوا له يا سيدنا قد طالت غيبتنا بالأندلس فمنا من له خمس سنين ومنا من ~~له ثلاث سنين وغير ذلك فتنعم علينا بالمهلة هذا العام وتكون الحركة في أول ~~سنة خمس وتسعين فأجابهم إلى سؤالهم وانتقل إلى مدينة سلا وشاهد ما فيها من ~~المتنزهات المعدة له وكان قد بنى بالقرب من المدينة المذكورة مدينة عظيمة ~~سماها رباط الفتح على هيئة الإسكندرية في اتساع الشوارع وحسن التقسيم ~~وإتقان البناء وتحسينه وتحصينه وبناها على البحر المحيط الذي هناك وهي على ~~نهر سلا مقابلة لها من البر القبلي وطاف تلك البلاد وتنزه فيها ثم رجع إلى ~~مراكش قلت وبعد هذا اختلفت الروايات في أمره فمن الناس من يقول إنه ترك ما ~~كان فيه وتجرد وساح في الأرض حتى انتهى إلى بلاد الشرق وهو مستخف لا يعرف ~~ومات خاملا ومنهم من يقول إنه لما رجع PageV07P009 # إلى مراكش كما ذكرناه توفي في غرة جمادى الأولى وقيل ~~في شهر ربيع الآخر في سابع عشرة وقيل في غرة صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة ~~بمراكش وقيل إنه مات بمدينة سلا والله أعلم وكانت ولادته على ما ذكر هو ~~ليلة الأربعاء رابع شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وخمسمائة رحمه الله ~~تعالى ولم ينقل شيء من أحواله بعد ذلك إلى حين وفاته قلت ثم حكى لي جمع ~~كثير بدمشق في شهر شوال سنة ثمانين وستمائة أن بالقرب من المجدل البليدة ~~التي من أعمال البقاع العزيزي قرية يقال لها حمارة وإلى جانبها مشهد يعرف ~~بقبر الأمير يعقوب ملك المغرب وكل أهل تلك النواحي متفقون على ms1877 ذلك وليس ~~عندهم فيه خلاف وهذا القبر بينه وبين المجدل مقدار فرسخين من جهتها القبلية ~~بغرب والله أعلم وكان ملكا جوادا عادلا متمسكا بالشرع المطهر يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر كما ينبغي من غير محاباة ويصلي بالناس الصلوات الخمس ويلبس ~~الصوف ويقف للمرأة وللضعيف ويأخذ لهم بالحق وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق ~~ليرحم عليه من يمر به وسمعت عنه حكاية يليق أن نذكرها ها هنا وهي أن الأمير ~~الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص عمر والد الأمير أبي زكريا ~~يحيى ابن عبد الواحد صاحب إفريقية كان قد تزوج أخت الأمير يعقوب المذكور ~~وأقامت عنده ثم جرت بينهما منافرة فجاءت إلى بيت أخيها الأمير يعقوب فسير ~~الأمير عبد الواحد طلبها فامتنعت عليه فشكا الأمير عبد الواحد ذلك إلى قاضي ~~الجماعة بمراكش وهو القاضي أبو عبد الله محمد ابن علي بن مروان فاجتمع ~~القاضي المذكور بالأمير يعقوب وقال له PageV07P010 # إن الشيخ أبا محمد عبد الواحد يطلب أهله فسكت الأمير ~~يعقوب ومضى على ذلك أيام ثم إن الشيخ عبد الواحد اجتمع بالقاضي المذكور في ~~قصر الأمير يعقوب بمراكش وقال له أنت قاضي المسلمين وقد طلبت أهلي فما ~~جاءوني فاجتمع القاضي بالأمير يعقوب وقال له يا أمير المؤمنين الشيخ عبد ~~الواحد قد طلب أهله مرة وهذه الثانية فسكت الأمير يعقوب ثم بعد ذلك بمدة ~~لقي الشيخ عبد الواحد القاضي بالقصر المذكور وقد جاء إلى خدمة الأمير يعقوب ~~فقال له يا قاضي المسلمين قد قلت لك مرتين وهذه الثالثة أنا أطلب أهلي وقد ~~منعوني عنهم فاجتمع القاضي بالأمير يعقوب وقال له يا مولانا إن الشيخ عبد ~~الواحد قد تكرر طلبه لأهله فإما أن تسير إليه أهله وإلا فاعزلني عن القضاء ~~فسكت الأمير يعقوب وقيل إنه قال له يا أبا عبد الله ما هذا إلا جد كبير ثم ~~استدعى خادما وقال له في السر تحمل أهل الشيخ عبد الواحد إليه فحملت إليه ~~في ذلك النهار ولم يتغير على القاضي ولا قال له ms1878 شيئا يكرهه وتبع في ذلك حكم ~~الشرع المطهر وانقاد لأوامره وهذه حسنة تعد له وللقاضي أيضا فإنه بالغ في ~~إقامة منار العدل وكان الأمير أبو يوسف يعقوب المذكور يشدد في إلزام الرعية ~~بإقامة الصلوات الخمس وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر وقتل العمال الذين ~~تشكو الرعايا منهم وأمر برفض فروع الفقه وأن العلماء لا يفتون إلا بالكتاب ~~العزيز والسنة النبوية ولا يقلدون أحدا من الأئمة المجتهدين المتقدمين بل ~~تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب ~~والحديث والإجماع والقياس ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا ~~إلى البلاد وهم على ذلك الطريق مثل أبي الخطاب ابن دحية وأخيه أبي عمر ~~ومحيي الدين ابن العربي نزيل دمشق وغيرهم PageV07P011 # وكان يعاقب على ترك الصلاة ويأمر بالنداء في الأسواق ~~بالمبادرة إليها فمن غفل عنها أو اشتغل بمعيشته عزره تعزيرا بليغا وكان قد ~~عظم ملكه واتسعت دائرة سلطنته حتى إنه لم يبق بجميع أقطار بلاد المغرب من ~~البحر المحيط إلى برقة إلا من هو في طاعته وداخل في ولايته إلى غير ذلك من ~~جزيرة الأندلس وكان محسنا محبا للعلماء مقربا للأدباء مصغيا إلى المدح ~~مثيبا عليه وله ألف أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي كتابه الذي سماه ~~صفوة الأدب وديوان العرب في مختار الشعر وهو مجموع مليح أحسن في اختياره كل ~~الإحسان وإلى الأمير يعقوب تنسب الدنانير اليعقوبية المغربية وكان قد أرسل ~~إليه السلطان صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب الآتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى رسولا من بني منقذ في سنة سبع وثمانين وخمسمائة ليستنجده على الفرنج ~~الواصلين من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وساحل الشام ولم يخاطبه بأمير ~~المؤمنين بل خاطبه بأمير المسلمين فعز ذلك عليه ولم يجبه إلى ما طلبه منه ~~(355) والرسول المذكور هو شمس الدولة أبو الحارث عبد الرحمن بن نجم الدولة ~~أبي عبد الله محمد بن مرشد وقد سبق في ترجمة عمه أسامة بن منقذ تتمة نسبه ~~هكذا ذكره الحافظ زكي الدين ms1879 عبد العظيم المنذري في كتاب الوفيات وقال توفى ~~في سنة ستمائة بالقاهرة ومولده في شيزر سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة وله نظم ~~ونثر PageV07P012 # رجعنا إلى حديث يعقوب 356)) وكان من شعراء دولته أبو ~~بكر يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مجبر الأندلسي المرسي ولقد نظرت ~~في ديوانه فوجدت أكثر مدائحه في الأمير يعقوب فمن ذلك قوله (أتراه يترك ~~الغزلا * وعليه شب واكتهلا) (كلف بالغيد ما عقلت * نفسه السلوان مذ عقلا) ~~(غير راض عن سجية من * ذاق طعم الحب ثم سلا) (أيها اللوام ويحكم * إن لي عن ~~لومكم شغلا) (ثقلت عن لومكم أذن * لم يجد فيها الهوى ثقلا) (تسمع النجوى ~~وإن خفيت * وهي ليست تسمع العذلا) (نظرت عيني لشقوتها * نظرات وافقت أجلا) ~~(غادة لما مثلت لها * تركتني في الهوى مثلا) (هي بزتني الشباب فقد * صار في ~~أجفانها كحلا) (أبطل الحق الذي بيدي * سحر عينيها وما بطلا) (عرضت دلا فإذ ~~فطنت * بولوعي أعرضت خجلا) (وبدا لي أنها وجلت * من هنات تبعث الوجلا) ~~(حسبت أني سأحرقها * إذ رأت رأسي قد اشتعلا) (يا سراة الحي مثلكم * يتلافى ~~الحادث الجللا) (قد نزلنا في جواركم * فشكرنا ذلك النزلا) (ثم واجهنا ~~ظباءكم * فلقينا الهول والوهلا) PageV07P013 # (أضمنتم أمن جيرتكم * ثم ما آمنتم السبلا) (واردتم غصب ~~أنفسهم * فبثثتم بينها المقلا) (ليتنا خضنا السيوف ولم * نلق تلك الأعين ~~النجلا) (عارضتنا منكم فئة * أحدثت في عهدنا دخلا) (ثعليات جفونهم * وهم لم ~~يعرفوا ثعلا) (أشرعوا الأعطاف ناعمة * حين أشرعنا القنا الذبلا) (واستفزتنا ~~عيونهم * فخلعنا البيض والأسلا) (ورمتنا بالسهام فلم * نر إلا الحلي ~~والحللا) (نصروا بالحسن فانتبهوا * كل قلب بالهوى جذلا) (عطلتني الغيد من ~~جلدي * وأنا حليتها الغزلا) (حملت نفسي على فتن * سمتها صبرا فما احتملا) ~~(ثم قالت سوف نتركها * سلبا للحب أو نفلا) (قلت أما وهي قد علقت * بأمير ~~المؤمنين فلا) (ما عدا تأميلها ملكا * من رآه أدرك الأملا) (أودع الإحسان ~~صفحته * ماء بشر ينقع الغللا) (فإذا ما الجود حركه * فاض من يمناه فانهملا) ~~قلت وهي قصيدة طويلة عدد أبياتها مائة وسبعة ms1880 ابيات فنقتصر منها على هذا ~~المقدار وكانت وفاة هذا الشاعر في سنة سبع وثمانين وخمسمائة بمراكش وهو ابن ~~ثلاث وخمسين سنة ودخل الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الأسود ~~الشاعر على الأمير يعقوب فأنشده PageV07P014 # (أزال حجابه عني وعيني * تراه من المهابة في حجاب) ~~(وقربني تفضله ولكن * بعدت مهابة عند اقترابي) وكانم: بكسم النون جنس من ~~السودان وهم بنو عم تكرور وكل واحدة من هاتين القبيلتين لا تنسب إلى أب ولا ~~أم وإنما كانم اسم بلدة بنواحي غانة وهي دار ملك السودان الذين بجنوب الغرب ~~فسمي هذا الجنس باسم هذه البلدة وتكرور اسم للأرض التي هم فيها وسمي جنسهم ~~باسم أرضهم والجميع من بني كوش بن حام بن نوح عليه السلام والله أعلم (357) ~~ولما حضرت الوفاة الأمير يعقوب المذكور وقضى نحبه بايع الناس ولده أبا عبد ~~الله محمد بن يعقوب وتلقب بالناصر ونهض إلى إفريقية فهزم الميورقي المذكور ~~وارتجع المهدية من نوابه وقد كان استولى عليها في مدة اشتغال الأمير يعقوب ~~بالأعداء ثم تحرك محمد بن يعقوب إلى جزيرة الأندلس فكانت وقعة العقاب في ~~سنة تسع وستمائة وتوفى محمد سنة ست عشرة وستمائة لعشر خلون من شعبان ومولده ~~في سنة ست وسبعين وخمسمائة والمغاربة يقولون إن محمد بن يعقوب المذكور أوصى ~~عبيده المشتغلين بحراسة بستانه بمراكش أن كل من ظهر لهم بالليل فهو مباح ~~الدم لهم ثم أراد أن يختبر قدر أمره لهم فتنكر وجعل يمشي في البستان ليلا ~~فعندما رأوه جعلوه غرضا لرماحهم فجعل يقول أنا الخليفة أنا الخليفة فما ~~تحققوه حتى هلك والله أعلم بصحة ذلك (358) ثم ولي بعده ولده أبو يعقوب يوسف ~~بن محمد بن الأمير يعقوب وتلقب PageV07P015 # المستنصر بالله ومولده أول شوال سنة أربع وتسعين ولم ~~يكن في بني عبد المؤمن أحسن وجها منه ولا أبلغ في المخاطبة إلا أنه كان ~~مشغوفا براحته فلم يبرح عن حضرته فضعفت الدولة في أيامه ومات في شوال أو ذي ~~القعدة سنة عشرين وستمائة ولم يخلف ولدا (359) فاتفق أرباب الدولة ms1881 على ~~تولية أبي محمد عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن لكبر سنه ووفور عقله فلم ~~يحسن التدبير ولا دارى أهل دولته فخلعوه وخنقوه بعد تسعة اشهر من ولايته ~~ولما تولى عبد الواحد بمراكش كان بالأندلس أبو محمد عبد الله بن الأمير ~~يعقوب المذكور فامتنع بمرسية ورأى أنه أحق بالأمر من عبد الواحد وخرج إلى ~~ما في جهته من بلاد الأندلس فاستولى عليها بغير كلفة وتلقب بالعادل فلما ~~خنق عبد الواحد بمراكش ثارت الفرنج بالأندلس على عبد الله المذكور وتواقعوا ~~وانهزم أصحابه هزيمة شنيعة وهرب هو وركب البحر يريد مراكش وترك بإشبيلية ~~أخاه ابا العلا إدريس بن الأمير يعقوب وقاسى عبد الله شدائد في طريقه إلى ~~مراكش من العربان فلما وصلها اضطربت أحواله وقبض عليه أهل مراكش (360) ~~وتفاوضوا فيمن يقدمونه فوقع اختيارهم على أبي زكريا يحيى بن الناصر محمد بن ~~يعقوب وهو إذ ذاك كما يقل وجهه غر لم يجرب الأمور فلم يلبث إلا أياما قلائل ~~حتى ورد الخبر من الأندلس أن ابا العلا إدريس بن الأمير يعقوب ادعى الخلافة ~~بإشبيلية وبايعه أهل الأندلس ثم آل أمره إلى أن حصره العرب بمراكش وهزموا ~~عسكره مرة بعد أخرى حتى ضجر منه أهل مراكش وتشاءموا به وأخرجوه عنهم فهرب ~~إلى جيل درن ثم راسل في الباطن جماعة من أهل مراكش ليعود إليها ويقتل من ~~بها من أعوان أبي العلا إدريس فحضر إليها وقتل المذكورين (361) وجاء أبو ~~العلا من الأندلس وقد خرج عليه بها الأمير محمد بن يوسف PageV07P016 # ابن هود الجذامي ودعا إلى بني العباس فمال إليه الناس ~~ورجعوا عن أبي العلا إدريس فانتهى إلى مراكش ويحيى بها فتواقعوا وانهزم ~~يحيى من أبي العلاء إلى الجبل واستولى أبو العلا على مراكش وجمع يحيى رجالا ~~وقصد ابا العلا بمراكش فهزمه أبو العلا مرارا وأضعف جماعته فألجأته الضرورة ~~إلى الاستجارة بقوم في حصن بجهة تلمسان وكان لغلام منهم عنده ثأر بأبيه ~~فرصده يوما وهو راكب فطعنه فقتله واستبد أبو العلا بالأمر وتلقب بالمأمون ~~وكان شجاعا ms1882 حازما صارما فتاكا ثم إن ابا العلا مات في الغزو حتف أنفه ولم ~~أتحقق تاريخ وفاته ثم أخبرني بعض أهل بلادهم أنه توفى سنة ثلاثين وستمائة ~~والله أعلم (362) وأخفى ولده موته حتى دبر أمره وبلغ مأمنه وهو أبو محمد ~~عبد الواحد ابن أبي العلا إدريس وتلقب بالرشيد وتقدم بعد موت أبيه وغلب على ~~أخيه الأكبر واستبد بالأمر وكان أبوه أبو العلاء قد أزال اسم المهدي أبي ~~عبد الله محمد بن تومرت المقدم ذكره من الخطبة يوم الجمعة فأعاده ولده ~~الرشيد المذكور واستمال به قلوب جماعته وتحبب إليهم وكان إلى سنة إحدى ~~وأربعين وستمائة ملك المغرب الأقصى وبعض الأندلس ولم اعلم ما وراء ذلك حتى ~~أذكره وبعد تسطير هذه الترجمة كتب لي بعض أهل مراكش ممن عنده فضيلة ومعرفة ~~وكان قريب عهد ببلاده فأخبرني أن الرشيد المذكور توفي غريقا في صهريج بستان ~~له بحضرة مراكش في سنة أربعين وستمائة وكتم حاجبه أمره مدة فجهل لذلك شهر ~~وفاته (363) وولي بعده أخوه لأبيه المعتضد ويعرف بالسعيد وهو أبو الحسن علي ~~ابن إدريس ثم خرج إلى ناحية تلمسان وحاصر قلعة بينها وبين تلمسان ~~PageV07P017 # مسافة يوم واحد وقتل هناك على ظهر فرسه في صفر سنة ست ~~وأربعين وستمائة (36 ) وولي بعده المرتضى أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم بن ~~يوسف في شهر ربيع الآخر من السنة وفي الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس ~~وستين وستمائة دخل الواثق أبو العلا إدريس بن أبي عبد الله يوسف بن عبد ~~المؤمن المعروف بأبي دبوس مراكش وهرب المرتضى إلى آزمور وهي من نواحي مراكش ~~فقبض عليه عامله بها وبعث إلى الواثق بذلك فأمره الواثق بقتله فقتله في ~~العشر الأخير من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وستمائة بموضع يقال له كتامة ~~بعده عن مراكش ثلاثة أيام (365) وأقام الواثق ثلاث سنين وقتل في الحرب التي ~~كانت بينه وبين بني مرين ملوك تلمسان وانقرضت دولة بني عبد المؤمن وكان قتل ~~الواثق في المحرم سنة ثمان وستين بموضع بينه وبين مراكش مسيرة ms1883 ثلاثة أيام ~~في جهتها الشمالية واستولى بنو مرين على ملكهم وملكهم الآن أبو يوسف يعقوب ~~بن عبد الحق بن حمامة والله تعالى أعلم (366) وأما علي بن إسحاق الميورقي ~~فقد تكرر ذكره في هذه الترجمة وكان أبوه أبو إبراهيم إسحاق بن حمو بفتح ~~الحاء المهملة وبعدها ميم مشددة مضمومة ثم واو ابن علي ويعرف بابن غانية ~~الصنهاجي صاحب ميورقة ومنورقة ويابسة وهي ثلاث جزائر متجاورة في البحر ~~الغربي فتوفي في سنة ثمانين وخمسمائة وخلف أربعة بنين وهم أبو عبد الله ~~محمد توجه بعد موت أبيه إلى الموحدين بالأندلس فأعطوه مدينة دانية وأحسنوا ~~إليه غاية الإحسان وأبو الحسن علي وأبو زكريا يحيى خرجا إلى بلاد إفريقية ~~وفعلا الأفاعيل العجيبة المشهورة بين الناس من الحروب والعيث في البلاد ~~فمات علي ولا أعلم تاريخ وفاته لكنه كان حيا في سنة إحدى وتسعين واستمر ~~يحيى على حاله فطالت مدته وذكره الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري في ~~كتاب الوفيات فقال خرج من ميورقة في شعبان PageV07P018 # سنة ثمانين وخمسمائة واستولى على بلاد كثيرة وكان ~~مشهورا بالشجاعة والإقدام وتوفي في أواخر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة في ~~البرية من قطر تلمسان وكان خروجه على بني عبد المؤمن (367) وبقي أصغر ~~الإخوة وهو أبو محمد عبد الله ملك ميورقة إلى سنة تسع وتسعين وخمسمائة فجهز ~~إليه الناصر محمد بن يعقوب المذكور أسطولا نزل بساحل ميورقة فبرز إليهم ~~وكان شجاعا كريما فعثر به فرسه فسقط إلى الأرض فقتلوه وحملوا رأسه إلى ~~مراكش وعلقوا جثته على السور وأخذوا ميورقة وبقيت بأيديهم إلى أن تغلب ~~الفرنج عليها في سنة سبع وعشرين وستمائة وفعلوا فيها العظائم من القتل ~~والأسر وغير ذلك والأذفونش: بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الفاء ~~وسكون الواو وبعدها نون ثم شين معجمة وهو اسم لأكبر ملوك الفرنج وهو صاحب ~~طليطلة 830 يعقوب بن داود أبو عبد الله يعقوب بن داود بن عمر بن طهمان ~~السلمي بالولاء مولى أبي صالح عبد الله بن خازم السلمي والي خراسان كان ~~يعقوب PageV07P019 # المذكور ms1884 كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي خرج هو وأخوه محمد على أبي جعفر ~~المنصور بالبصرة ونواحيها وقتلا في سنة خمس وأربعين ومائة وقصتهما مشهورة ~~في التواريخ وليس هذا موضع ذكرها وكان أبوه داود بن طهمان وإخوته كتابا ~~لنصر بن سيار عامل خراسان من جهة بني أمية ولما مات داود نشأ ولداه علي ~~ويعقوب المذكور أهل أدب وفضل وافتنان في صنوف العلوم ولما ظهر المنصور على ~~إبراهيم بن عبد الله المذكور ظفر بيعقوب بن داود المذكور فحبسه في المطبق ~~في سنة أربع وأربعين ومائة وقيل في سنة ست وأربعين ومائة قلت ولعله الأصح ~~لأن إبراهيم قتل في سنة خمس وأربعين كما ذكرناه إلا أن يكون قد ظفر بيعقوب ~~قبل قتل إبراهيم وذلك في أول خروجه والله أعلم وكان يعقوب سمحا جوادا كثير ~~البر والصدقة واصطناع المعروف وذكره دعبل بن علي الخزاعي الشاعر المشهور في ~~كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء وكان مقصودا ممدحا مدحه أعيان شعراء عصره ~~مثل أبي الشيص الخزاعي وسنم الخاسر وأبي حنش وغيرهم ولما مات المنصور وقام ~~بالأمر ولده المهدي جعل يعقوب يتقرب إليه حتى أدناه واعتمد عليه وعلت ~~منزلته عنده وعظم شأنه حتى خرج كتابه إلى الدواوين أن أمير المؤمنين المهدي ~~قد آخى يعقوب بن داود فقال في ذلك سلم بن عمرو المعروف بالخاسر (قل للإمام ~~الذي جاءت خلافته * تهدى إليه بحق غير مردود) (نعم القرين على التقوى أعنت ~~به * أخوك في الله يعقوب بن داود) PageV07P020 # وحج المهدي في سنة ستين ومائة ويعقوب معه وفي سنة إحدى ~~وستين تقدم إليه بتوجيه الأمناء إلى العمال في جميع الآفاق ففعل ذلك فلم ~~يكن ينفذ شيء من الكتب للمهدي حتى يرد كتاب من يعقوب إلى أمينه بإنفاذه ~~وكان وزير المهدي ابا عبيد الله معاوية بن عبد الله بن يسار الأشعري ~~الطبراني صاحب مربعة عبيد الله ببغداد وكان جده يسار مولى عبد الله بن عضاه ~~الأشعري فلم يزل الربيع ms1885 بن يونس المقدم ذكره في حرف الراء يسعى به إلى ~~المهدي وصحح على ابنه الزندقة فقتله المهدي وكان الربيع بعد ذلك يقبح أمره ~~عنده ويقول له لا تثق به بعد قتلك ابنه ويذكر كفاية يعقوب ابن داود حتى ~~عزله عن الوزارة وأفرده في ديوان الرسائل واستوزر يعقوب في سنة ثلاث وستين ~~ثم إن المهدي عزل ابا عبيد الله عن ديوان الرسائل في سنة سبع وستين ورتب ~~فيه الربيع بن يونس المذكور وكان أبو عبيد الله يصل إلى المهدي على عادته ~~رعاية منه لخدمته فقال في ذلك علي بن الخليل الكوفي من جملة أبيات (قل ~~للوزير أبي عبيد الله هل من باقيه) (يعقوب يلعب بالأمور * وأنت تنظر ناحية) ~~(أدخلته فعلا عليك كذاك شؤم الناصيه) (وأخذت حتفك جاهدا * بيمينك ~~المتراخية) وغلب يعقوب على أمور المهدي كلها وكان المنصور قد خلف في بيوت ~~المال تسعمائة ألف ألف درهم وستين ألف درهم وكان الوزير أبو عبيد الله بشير ~~على المهدي بالاقتصاد في الإنفاق وحفظ الأموال فلما عزل PageV07P021 # وولي يعقوب زين له هواه فأنفق الأموال وأكب على اللذات ~~والشرب وسماع الغناء واشتغل يعقوب بالتدبير ففي ذلك يقول بشار بن برد ~~الشاعر المشهور المقدم ذكره في حرف الباء (بني أمية هبوا طال نومكم * إن ~~الخليفة يعقوب بن داود) (ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا * خليفة الله بين ~~الزق والعود) وكان أبو حارثة النهدي يتقلد خزن بيوت الأموال فلما خلت من ~~المال دخل إلى المهدي ومعه المفاتيح وقال له إذا كنت قد أنفقت جميع الأموال ~~فما معنى هذه المفاتيح معي مر من يقبضها مني فقال له المهدي دعها معك فإن ~~الأموال تأتيك ثم سير في استحثاث الأموال فوردت عليه في مدة يسيرة وقصر في ~~النفقات قليلا فتوفرت الأموال وتشاغل أبو حارثة في قبض ما ورد عليه وتصحيحه ~~فلم يدخل إلى المهدي ثلاثة أيام فقال المهدي ما فعل هذا الأعرابي الأحمق ~~فخبر بالسبب في تأخره فدعا به وقال له ما أخرك عنا فقال ورود الأموال فقال ~~يا أحمق توهمت ms1886 أن الأموال لا تأتينا فقال يا أمير المؤمنين إن الحادث لو ~~حدث واحتيج إلى المال ولم يصلح إلا به لم ينتظر حتى يوجه في حمل الأموال ~~وروي أن المهدي حج في بعض السنين فمر بميل وعليه كتابة فوقف وقرأه فإذا هو ~~(لله درك يا مهدي من رجل * لولا اتخاذك يعقوب بن داود) فقال لمن معه اكتب ~~تحته على رغم أنف الكاتب لهذا وتعسا لجده فلما انصرف وقف على الميل فقلنا ~~لم يقف عليه إلا لشيء قد علق بقلبه من ذلك الشعر فكان كذلك لأنه أوقع ~~بيعقوب بعد قليل PageV07P022 # وكثرت الأقوال في يعقوب ووجد أعداؤه مقالا فيه وذكروا ~~خروجه على المنصور مع إبراهيم بن عبد الله العلوي وعرفه بعض خدمه أنه سمعه ~~يقول بنى هذا الرجل مستنزها أنفق عليه خمسين ألف ألف درهم من أموال ~~المسلمين وكان المهدي قد بنى عيسى باد وأراد المهدي أمرا فقال له يعقوب هذا ~~يا أمير المؤمنين من السرف فقال له ويلك وهل يحسن السرف إلا بأهل الشرف ~~وكان يعقوب قد ضجر مما كان فيه وسأل المهدي الإقالة وهو يمتنع ثم إن المهدي ~~أراد أن يمتحنه في ميله إلى العلوية فدعا به يوما وهو في مجلس فرشه موردة ~~وعليه ثياب موردة وعلى رأسه جارية على رأسها ثياب موردة وهو مشرف على بستان ~~فيه شجر فيه صنوف الأوراد فقاله له يا يعقوب كيف ترى مجلسنا هذا قال على ~~غاية الحسن فمتع الله أمير المؤمنين به فقال له جميع ما فيه لك وهذه ~~الجارية لك ليتم سرورك وقد أمرت لك بمائة ألف درهم فدعا له فقال له المهدي ~~ولي إليك حاجة فقام يعقوب قائما وقال يا أمير المؤمنين ما هذا القول إلا ~~لموجدة وأنا أستعيذ بالله من سخطك فقال أحب أن تضمن لي قضاءها فقال السمع ~~والطاعة فقال له والله فقال والله ثلاثا فقال له ضع يدك على رأسي واحلف به ~~ففعل ذلك فلما استوثق منه قال له هذا فلان بن فلان رجل من العلوية أحب أن ~~تكفيني ms1887 مؤونته وتريحني منه فخذه إليك فحوله إليه وحول إليه الجارية وما كان ~~في المجلس والمال فلشدة سروره بالجارية جعلها في مجلس تقرب منه ليصل إليها ~~ووجه فأحضر العلوي فوجده لبيبا فهما فقال له ويحك يا يعقوب تلقى الله تعالى ~~بدمي PageV07P023 # وأنا رجل من ولد فاطمة رضي الله عنها بنت محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقال له يعقوب يا هذا أفيك خير فقال إن فعلت خيرا معي شكرت ~~ودعوت لك فقال له خذ هذا المال وخذ أي طريق شئت فقال طريق كذا وكذا آمن لي ~~فقال له امض مصاحبا وسمعت الجارية الكلام كله فوجهت مع بعض خدمها به وقالت ~~قل له هذا فعل الذي آثرته على نفسك بي وهذا جزاؤك منه فوجه المهدي فشحن ~~الطريق حتى ظفر بالعلوي وبالمال ثم وجه إلى يعقوب فأحضره فلما رآه قال ما ~~حال الرجل قال قد أراحك الله منه قال مات قال نعم قال والله قال والله قال ~~فضع يدك على رأسي فوضع يده على رأسه وحلف له به فقال يا غلام أخرج إلينا من ~~في هذا البيت ففتح بابه عن العلوي والمال بعينه فبقي يعقوب متحيرا وامتنع ~~الكلام عليه فما دري ما يقول فقال له المهدي لقد حل دمك ولو آثرت إراقته ~~لأرقته ولكن احبسوه في المطبق فحبسوه وامر بأن يطوى عنه خبره وعن كل أحد ~~فأقام فيه سنتين وشهورا في أيام المهدي وجميع أيام الهادي موسى بن المهدي ~~وخمس سنين وشهورا من أيام هارون الرشيد ثم ذكر يحيى بن خالد البرمكي أمره ~~وشفع فيه فأمر باخراجه فأخرج وقد ذهب بصره فأحسن إليه الرشيد ورد ماله ~~وخيره المقام حيث يريد فاختار مكة فأذن له في ذلك فأقام بها حتى مات في سنة ~~سبع وثمانين ومائة ولما أطلق يعقوب سأل عن جماعة من إخوانه فأخبر بموتهم ~~فقال (لكل أناس مقبر بفنائهم * فهم ينقصون والقبور تزيد) (هم جيرة الأحياء ~~أما محلهم * فدان وأما الملتقى فبعيد) قلت هذان البيتان في باب المراثي في ~~كتاب الحماسة PageV07P024 # قلت هكذا ms1888 ذكر تاريخ وفاته محمد بن عبدوس الكوفي ~~المعروف بالجهشياري في كتابه تاريخ الوزراء وذكر غيره أن يعقوب بن داود مات ~~في سنة اثنتين وثمانين ومائة والله أعلم بالصواب وقال عبد الله بن يعقوب بن ~~داود أخبرني أبي أن المهدي حبسه في بئر وبنى عليها قبة قال فمكثت فيها خمس ~~عشرة سنة وكان يدلى لي فيها كل يوم رغيف خبز وكوز ماء وأوذن بأوقات الصلوات ~~فلما كان في رأس ثلاث عشرة سنة أتاني آت في منامي فقال (حنا على يوسف رب ~~فأخرجه * من قعر جب وبيت حوله غمم) قال فحمدت الله تعالى وقلت أتاني الفرج ~~ثم مكثت حولا لا أرى شيئا فلما كان رأس الحول الثاني أتاني ذلك الآتي ~~فأنشدني (عسى فرج يأتي به الله إنه * له كل يوم في خليقته أمر) قال ثم أقمت ~~حولا آخر لا أرى شيئا ثم أتاني ذلك الآتي بعد الحول فقال (عسى الكرب الذي ~~أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب) (فيأمن خائف ويفك عان * ويأتي أهله ~~النائي الغريب) فلما أصبحت نوديت فطننت أني أوذن بالصلاة فدلي لي حبل أسود ~~وقيل لي اشدد به وسطك ففعلت وأخرجت فلما قابلت الضوء عشي بصري فانطلقوا بي ~~فأدخلت على الرشيد فقيل لي سلم على أمير المؤمنين فقلت السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين ورحمة الله وبركاته المهدي فقال الرشيد لست به فقلت السلام على ~~أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الهادي فقال لست به فقلت السلام على أمير ~~المؤمنين ورحمة الله PageV07P025 # وبركاته فقال الرشيد فقلت الرشيد فقال يا يعقوب بن ~~داود إنه والله ما شفع فيك إلي أحد غير أني حملت الليلة صبية لي على عنقي ~~فذكرت حملك إياي على عنقك فرثيت لك من المحل الذي كنت به فأخرجتك وكان ~~يعقوب يحمل الرشيد وهو صغير يلاعبه (368) ولما حبس المهدي يعقوب رتب في ~~الوزارة أبا جعفر الفيض بن أبي صالح وكان من غلمان عبد الله بن المقفع وكان ~~شديد الكبر وكان أبوه نصرانيا وفيه يقول الشاعر (يا حابسي عن حاجتي ظالما * ~~أحوجك ms1889 الله إلى الفيض) (ذاك الذي يأتيك معروفه * كأنما يمشي على البيض) ~~وطهمان بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء وبعدها ميم وبعد الألف نون (369) ~~وكانت ولادة أبي عبيد الله معاوية الأشعري في سنة مائة وتوفي سنة سبعين ~~ومائة وقيل في سنة تسع وستين وقيل مات في الوقت الذي مات فيه موسى الهادي ~~وكانت وفاته ببغداد ودفن في مقابر قريش وتوفي الفيض في سنة ثلاث وسبعين ~~ومائة وتولى الوزارة بعده الربيع بن يونس وقد سبق ذكره في ترجمة بشار ابن ~~برد الشاعر وذكر أن يعقوب بن داود أعان على قتله (370) ولما مات يعقوب رثاه ~~أبو حنش الهلالي وقيل النميري واسمه حضير ابن قيس البصري وعاش مائة سنة ~~بأبيات هي في كتاب الحماسة أولها (يعقوب لا تبعد وجنبت الردى * فليبكين ~~زمانك الرطب الثرى) PageV07P026 # 831 يعقوب بن كلس أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن إبراهيم ~~بن هارون بن داود بن كلس وزير العزيز نزار بن المعز العبيدي صاحب مصر ~~المقدم ذكرهما كان يعقوب أولا يهوديا يزعم أنه من ولد هارون بن عمران أخي ~~موسى بن عمران عليهما السلام وقيل إنه كان يزعم أنه من ولد السموال بن ~~عاديا اليهودي صاحب الحصن المعروف بالأبلق وهو المشهور بالوفاء وقصته مع ~~امرئ القيس الكندي الشاعر المشهور مشهورة مستفيضة بين العلماء في الوفاء له ~~في ودائعه وكان يعقوب المذكور قد ولد ببغداد ونشأ بها عند باب القز وتعلم ~~الكتابة والحساب وسافر به أبوه من بغداد إلى الشام وأنفذه إلى مصر سنة إحدى ~~وثلاثين وثلاثمائة فانقطع إلى بعض خواص الأستاذ كافور الإخشيدي المقدم ذكره ~~فجعله كافور على عمارة داره ثم صار ملازما لباب داره فرأى كافور من نجابته ~~وشهامته وصيانته ونزاهته وحسن إدراكه ما نفق عليه فاستحضره وأجلسه في ~~ديوانه الخاص وكان يقف بين يديه ويخدم ويستوفي الأعمال والحسابات ويدخل يده ~~في كل شيء ثم PageV07P027 # لم تزل أحواله تتزايد مع كافور حتى صار الحجاب ~~والأشراف يقومون له ويكرمونه ولم تتطلع نفسه إلى اكتساب مال وأرسل له كافور ~~شيئا فرده عليه ms1890 وأخذ منه القوت خاصة وتقدم كافور إلى سائر الدواوين أن لا ~~يمضي دينار ولا درهم إلا بتوقيعه فوقع في كل شيء وكان يبر ويصل من اليسير ~~الذي أخذه هذا كله وهو على دينه ثم إنه أسلم يوم الاثنين لثماني عشرة ليلة ~~خلت من شعبان سنة ست وخمسين وثلاثمائة ولزم الصلاة ودراسة القرآن الكريم ~~ورتب لنفسه رجلا من أهل العلم شيخا عارفا بالقرآن المجيد والنحو حافظا ~~لكتاب السيرافي فكان يبيت عنده ويصلي به ويقرأ عليه ولم تزل حاله تزيد ~~وتنمي مع كافور إلى أن توفي كافور في التاريخ المذكور في ترجمته وكان أبو ~~الفضل جعفر بن الفرات المقدم ذكره في حرف الجيم وزير كافور يحسده ويعاديه ~~فلما مات كافور قبض ابن الفرات على جميع الكتاب وأصحاب الدواوين وقبض على ~~يعقوب بن كلس في جملتهم فلم يزل يتوصل ويبذل الأموال حتى أفرج عنه فلما خرج ~~من الاعتقال اقترض من أخيه ومن غيره مالا وتجمل به وسار مستخفيا قاصدا بلاد ~~المغرب فلقي القائد جوهر بن عبد الله الرومي مولى المعز العبيدي المقدم ~~ذكره في الطريق وهو متوجه بالعساكر والخزائن إلى الديار المصرية ليملكها ~~فرجع في الصحبة وقيل إنه استمر على قصده وانتهى إلى إفريقية وتعلق بخدمة ~~المعز العبيدي المقدم ذكره ثم رجع إلى الديار المصرية ولم يزل يترقى إلى أن ~~ولي الوزارة للعزيز نزار بن المعز معد وعظمت منزلته عنده وأقبلت عليه ~~الدنيا وانثال الناس عليه ولازموا بابه ومهد قواعد الدولة وساس أمورها أحسن ~~سياسة ولم يبق لأحد معه كلام وكان في أيام المعز PageV07P028 # يتصرف في الخدم الديوانية ثم انتقل إلى العزيز من بعده ~~وتولى وزارة العزيز يوم الجمعة ثامن عشر رمضان سنة ثمان وستين وثلاثمائة ~~وقال ابن زولاق في تاريخه بعد ذكر المعز وتاريخ وفاته ما مثاله وممن وزر ~~للمعز الوزير يعقوب بن كلس وهو أول من وزر للدولة الفاطمية في الديار ~~المصرية وكان من جملة كتاب كافور فلما وصل المعز أحسن في خدمته وبالغ في ~~طاعته إلى أن استوزره هذا آخر ms1891 كلام ابن زولاق وقال غيره كان يعقوب يحب أهل ~~العلم ويجمع عنده العلماء ورتب لنفسه مجلسا في كل ليلة جمعة يقرأ فيه بنفسه ~~مصنفاته على الناس وتحضره القضاة والفقهاء والقراء والنحاة وجميع أرباب ~~الفضائل وأعيان العدول وغيرهم من وجوه الدولة وأصحاب الحديث فإذا فرغ من ~~مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح وكان في داره قوم يكتبون القرآن الكريم ~~وآخرون يكتبون كتب الحديث والفقه والأدب حتى الطب ويعارضون ويشكلون المصاحف ~~وينقطونها وكان من جملة جلسائه الحسين بن عبد الرحيم المعروف بالزلازلي ~~مصنف كتاب الأسجاع ورتب في داره القراء والأئمة يصلون في مسجد اتخذه في ~~داره وأقام في داره مطابخ لنفسه ولجلسائه ومطابخ لغلمانه وحاشيته وأتباعه ~~وكان ينصب كل كل يوم خوانا لخاصته من أهل العلم والكتاب وخواص اتباعه ومن ~~يستدعيه وينصب موائد عديدة يأكل عليها الحجاب وبقية الكتاب والحاشية وصنع ~~في داره ميضأة للطهور بثمانية بيوت تختص بمن يدخل داره من الغرباء وكان ~~يجلس كل يوم عقب صلاة الصبح ويدخل عليه الناس للسلام وتعرض عليه رقاع الناس ~~في الحوائج والظلامات وقرر عند مخدومه العزيز جماعة جعلهم قوادا يركبون ~~بالمواكب والعبيد ولا يخاطب واحد منهم إلا بالقائد وكان من جملة هؤلاء ~~القواد القائد أبو الفتوح فضل بن صالح الذي تنسب إليه منية القائد فضل وهي ~~بليدة بالأعمال الجيزية من الديار المصرية PageV07P029 # ثم إن الوزير المذكور شرع في تحصين داره ودور غلمانه ~~بالدروب والحرس والسلاح والعدد وعمرت ناحيته بالأسواق وأصناف ما يباع من ~~الأمتعة ومن المطعوم والمشروب والملبوس ويقال إن داره كانت بالقاهرة في ~~موضع مدرسة الوزير صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر ~~المختصة بالطائفة المالكية وإن الحارة المعروفة بالوزيرية التي بالقاهرة ~~داخل باب سعادة منسوبة إلى أصحابه لأنهم كانوا يسكنونها وكان الوزير أبو ~~الفضل ابن الفرات المقدم ذكره يغدو إليه ويروح ويعرض عليه محاسبات القوم ~~الذين يريد محاسبتهم ويعول عليه فيها ويجلس معه في مجلسه وربما حبسه ~~لمؤاكلته فيأكل معه بعد أن جرى عليه منه ما سبق ذكره ms1892 وكانت هيبته عظيمة ~~وجوده وافرا وأكثر الشعراء من مدائحه ولقد نظرت في ديوان أبي حامد أحمد بن ~~محمد الأنطاكي المنبوز بأبي الرقعمق الشاعر المقدم ذكره فوجدت أكثر مديحه ~~في الوزير المذكور والقصيدة التي نقلت بعضها في ترجمته مدح بها الوزير ~~المذكور ورأيت في تاريخ الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم ~~المعروف بالمسبحي المقدم ذكره فصلا طويلا يتعلق بشرح حال الوزير المذكور ~~ومعظم ما ذكرته ها هنا نقلته منه وصنف الوزير المذكور كتابا في الفقه مما ~~سمعه من المعز وولده العزيز وجلس في شهر رمضان سنة تسع وستين وثلاثمائة ~~مجلسا حضره العام والخاص وقرأ فيه الكتاب بنفسه على الناس وحضر هذا المجلس ~~الوزير أبو الفضل ابن الفرات المذكور وجلس في الجامع العتيق جماعة يفتون ~~الناس من هذا الكتاب وسمعت من جماعة من المصريين يقولون إن الوزير المذكور ~~كانت PageV07P030 # له طيور فائقة أصيلة مختارة تسبق كل طائر يسابقها وكان ~~لمخدومه العزيز طيور أيضا سابقة فاخرة فسابقه العزيز يوما ببعض الطيور فسبق ~~طائر الوزير فعز ذلك على العزيز ووجد أعداؤه سبيلا إلى الطعن فيه فقالوا ~~للعزيز إنه قد اختار من كل صنف أجوده وأعلاه ولم يبق منه إلا أدناه حتى ~~الحمام وقصدوا بذلك الإغراء به حسدا منهم لعله يتغير عليه فاتصل ذلك ~~بالوزير فكتب إلى العزيز (قل لأمير المؤمنين الذي * له العلا والنسب ~~الثاقب) (طائرك السابق لكنه * جاء وفي خدمته حاجب) فأعجبه ذلك منه وسري عنه ~~ما كان وجده عليه هكذا ذكره القاضي الرشيد ابن الزبير المقدم ذكره في كتاب ~~الجنان وذكر غيره أن هذين البيتين لولي الدولة أبي محمد أحمد بن علي ~~المعروف بابن خيران الكاتب الشاعر المصري وقد سبق ذكره في ترجمة أبي الحسن ~~علي بن أحمد بن نوبخت الشاعر وإنما لم أفرده بترجمة لأني لم أظفر بتاريخ ~~وفاته وقد التزمت في هذا الكتاب أني لا اذكر إلا من وقفت على تاريخ وفاته ~~وذكر أبو القاسم علي بن منجب بن سليمان الكاتب المعروف بابن الصيرفي المصري ~~في جزء سماه ms1893 الإشارة إلى من نال الوزارة ذكر فيه وزراء المصريين إلى عصره ~~وابتدأ بذكر يعقوب المذكور فقال كان كاتبا يهوديا صائنا لنفسه محافظا على ~~دينه جميل المعاملة مع التجار فيما يتولاه واتصل بخدمة كافور الإخشيدي فحمد ~~خدمته ورد إليه زمام ديوانه بمصر والشام فضبطه له على حسب إرادته وكان سبب ~~حظوته عنده أن يهوديا قال PageV07P031 # له إن في دار ابن البلدي بالرملة ثلاثين ألف دينار ~~مدفونة وقد توفي فكتب يعقوب إلى كافور رقعة يقول فيها إن في دار ابن البلدي ~~بالرملة عشرين ألف دينار مدفونة في موضع أعرفه وأنا اخرج أحملها فأجابه إلى ~~ذلك وأنفذ معه البغال لحملها وورد الخبر بموت بكير بن هرواز التاجر فجعل ~~إليه النظر في تركته واتفق موت يهودي بالفرما ومعه أحمال كتان فأخذها ~~وفتحها فوجد فيها عشرين ألف دينار فكتب إلى كافور بذلك فتبرك به وكتب إليه ~~بحملها فباع الكتان وحمل الجميع وسار إلى الرملة فحفر الدار التي لابن ~~البلدي وأخرج المال وهو ثلاثون ألف دينار فكتب إلى كافور عرفت الأستاذ أنها ~~عشرون ألف دينار ووجدت ثلاثين ألف دينار فازداد محله من قلبه وتصوره بالثقة ~~ونظر في تركة ابن هرواز واستقصى وحمل منها مالا كثيرا فأرسل إليه كافور صلة ~~كثيرة فأخذ منها ألف درهم ورد الباقي وقال هذه كفايتي فزاد أمره عنده حتى ~~إنه كان يشاوره في أكثر أموره وقال عبد الله أخو مسلم العلوي رأيت يعقوب ~~قائما يسار كافور فلما مضى قال لي أي وزير بين جنبيه وسار إلى المغرب وخدم ~~المعز وتولى أمور العزيز في مستهل شهر رمضان سنة ثمان وستين وثلاثمائة ~~ولقبه بالوزارة وأمر أن لا يخاطبه أحد إلا بها ولا يكاتب إلا بذلك ثم ~~اعتقله في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة في القصر فأقام معتقلا شهورا ثم أطلقه ~~في سنة أربع وسبعين ورده إلى ما كان عليه ووجدت رقعة في دار الوزير المذكور ~~في سنة ثمانين وثلاثمائة وهي السنة التي توفي فيها ونسختها (احذروا من ~~حوادث الأزمان * وتوقوا طوارق الحدثان) PageV07P032 # (قد أمنتم من ms1894 الزمان ونمتم * رب خوف مكمن في أمان) ~~فلما قرأها قال لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم واجتهد أن يعرف كاتبها فلم ~~يقدر على ذلك ولما اعتل علة الوفاة آخر السنة المذكورة ركب إليه العزيز ~~عائدا وقال له وددت أنك تباع فأبتاعك بملكي أو تفدى فأفديك بولدي فهل من ~~حاجة توصي بها يا يعقوب فبكى وقبل يده وقال أما فيما يخصني فأنت ارعى لحقي ~~من أن أسترعيك إياه وأرأف على من أخلفه من أن أوصيك به ولكني أنصح لك فيما ~~يتعلق بدولتك سالم الروم ما سالموك واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ولا ~~تبق على مفرج بن دغفل بن جراح إن عرضت لك فيه فرصة ومات فأمر العزيز أن ~~يدفن في داره وهي المعروفة بدار الوزارة بالقاهرة داخل باب النصر في قبة ~~كان بناها وصلى عليه وألحده بيده في قبره وانصرف حزينا لفقده وأمر بغلق ~~الدواوين أياما بعده وكان إقطاعه من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار ووجد ~~له من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام ووجد له جوهر بأربعمائة ألف دينار ~~وبز من كل صنف بخمسمائة ألف دينار وكان عليه للتجار ستة عشر ألف دينار ~~فقضاها عنه العزيز من بيت المال وفرقت على قبره وذكره الحافظ ابن عساكر في ~~تاريخ دمشق فقال كان يهوديا من أهل بغداد خبيثا ذا مكر وله حيل ودهاء وفيه ~~فطنة وذكاء وكان في قديم أمره خرج إلى الشام فنزل الرملة وصار بها وكيلا ~~فكسر أموال التجار وهرب إلى مصر فتاجر كافورا الإخشيدي فرأى منه فطنة ~~وسياسة ومعرفة بأمر الضياع فقال لو كان مسلما لصلح أن يكون وزيرا فطمع في ~~الوزارة فأسلم يوم جمعة في جامع مصر فلما عرف الوزير أبو الفضل جعفر بن ~~الفرات أمره قصده فهرب إلى المغرب واتصل بيهود كانوا مع الملقب بالمعز وخرج ~~معه إلى مصر فلما مات الملقب بالمعز وقام ولده الملقب بالعزيز استوزر ابن ~~كلس في سنة خمس وستين وثلاثمائة فلم PageV07P033 # يزل مدبر أمره إلى أن هلك في ذي الحجة ms1895 سنة ثمانين ~~وثلاثمائة وقال غيره ابتدأ المرض بالوزير المذكور يوم الأحد الحادي ~~والعشرين من ذي القعدة سنة ثمانين وثلاثمائة وأخذته سكتة ثم تزايد به المرض ~~واشتد وانطلق لسانه ثم توفي ليلة الأحد على صباح الاثنين لخمس خلون من ذي ~~الحجة من السنة المذكورة وكفن في خمسين ثوبا واجتمع الناس كلهم من القصر ~~إلى داره وخرج العزيز وعليه الحزن ظاهر وركب بغلته بغير مظلة وكانت عادته ~~أنه لا يركب إلا بها وصلى عليه وبكى وحضر مواراته ويقال إنه كفن وحنط بما ~~مبلغه عشرة آلاف دينار وذكر من سمع العزيز وهو يقول واطول أسفي عليك يا ~~وزير وبكى عليه القائد جوهر بكاء شديدا وإنما كان بكاؤه على نفسه لأنه عاش ~~بعده سنة واحدة وغدا الشعراء إلى قبره ويقال إنه رثاه مائة شاعر وأخذت ~~قصائدهم وأجيزوا وقيل إنه مات على دينه وكان يظهر الإسلام والصحيح أنه اسلم ~~وحسن إسلامه وقال يوما وقد ذكر اليهود في مجلسه كلاما يسوء اليهود سماعه ثم ~~بين عوراتهم وفساد مذهبهم وأنهم على غير شيء وأن اسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في التوراة وهم يجحدونه وكانت ولادته في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة ~~ببغداد عند باب القز رحمه الله تعالى وكلس بكسر الكاف واللام المشددة ~~وبعدها سين مهملة والسموأل بن عادياء بفتح السين المهملة والميم وسكون ~~الواو وبعدها همزة مفتوحة ثم لام وعادياء بعين مهملة وبعد الألف دال مهملة ~~مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها وبعدها همزة ممدودة وأما القائد جوهر فقد ~~تقدم ذكره في ترجمته (371) وأما القائد فضل فإنه كان رجلا نبيلا كريما ~~ممدحا وإليه تنسب PageV07P034 # منية القائد فضل البليدة التي في أعمال الجيزة التي ~~قبالة مصر وفيه يقول أبو القاسم عبيد الغفار شاعر دولة الحاكم بن العزيز ~~المذكور (إنما الفضل غرة * في وجوه المدائح) (أريحي رياحه * عبقات الروائح) ~~(كعبة الجود كفه * بين غاد ورائح) (إنما تصلح الأمور * برأي ابن صالح) وكان ~~مكينا في دولة الحاكم المذكور ثم نقم عليه وحبسه وضربت عنقه في محبسه يوم ~~السبت عشية ms1896 لإحدى وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ~~ولم يظهر منه جزع ولف في حصير وأخرج من الحجرة التي كان محبوسا بها رحمه ~~الله تعالى (372) وأما أبو القاسم الشاعر المذكور فإن الحاكم قتله مع جماعة ~~من الأعيان في يوم الأحد السادس والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين ~~وثلاثمائة وأحرقهم بالنار وكان قتل الجميع في حجرة واحدة والله أعلم 83 ~~يعقوب بن صابر المنجنيقي أبو يوسف يعقوب بن صابر بن بركات بن عمار بن علي ~~بن الحسين بن علي بن حوثرة الحراني الأصل البغدادي المولد والدار المنجنيقي ~~الملقب نجم الدين الشاعر المشهور ذكره أبو عبد الله محمد بن سعيد المعروف ~~بابن الدبيثي في تاريخه الذي جعله ذيلا لتاريخ الحافظ أبي سعد عبد الكريم ~~بن PageV07P035 # السمعاني الذي ذيله على تاريخ بغداد تأليف الحافظ أبي ~~بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي وقد سبق ذكر كل واحد من هؤلاء الثلاثة في ~~هذا التاريخ فقال ابن الدبيثي كان يعقوب المذكور متقدما على أهل صناعته ~~يعني في صنعة المنجنيق وما يتعلق به وكان فيه فضل ويقول الشعر سمع شيئا من ~~الحديث من أبي المظفر ابن السمرقندي وأبي منصور ابن الشطرنجي علقت عنه شيئا ~~من شعره أنشدني أبو يوسف يعقوب بن صابر لنفسه (قبلت وجنته فألفت جيده * ~~خجلا ومال بعطفه المياس) (فانهل من خديه فوق عذاره * عرق يحاكي الطل فوق ~~الآس) (فكأنني استقطرت ورد خدوده * بتصاعد الزفرات من أنفاسي) سألته عن ~~مولده فقال في ضحى نهار الاثنين رابع محرم سنة أربع وخمسين وخمسمائة وقال ~~غير ابن الدبيثي كان ابن صابر المنجنيقي جنديا في ابتداء أمره مقدما على ~~المنجنيقيين بمدينة السلام ببغداد ولم يزل مغرى بآداب السيف والقلم وصناعة ~~السلاح والرياضة واشتهر بذلك ولم يلحقه أحد من أبناء زمانه في درايته وفهمه ~~لذلك وصنف فيه كتابا سماه عمدة السالك في سياسة الممالك ولم يتممه وهو مليح ~~في معناه يتضمن أحوال الحروب وتعبيتها وفتح الثغور وبناء المعاقل وأحوال ~~الفروسية والهندسة والمصابرة على القلاع والحصار والرياضة ms1897 الميدانية والحيل ~~الحربية وفنون العلاج بالسلاح وعمل أداة الحرب والكفاح وصنوف الخيل وصفتها ~~وقد قسم هذا الكتاب ورتبه أبوابا كل باب منه يشتمل على فصول وكان شيخا هشا ~~مليحا لطيفا فكها طيب المحاورة شريف النفس متواضعا فيه تودد وبشر وسكون وهو ~~مع ذلك شاعر مكثر مجيد ذو PageV07P036 # معان مبتكرة يقصد الشعر ويعمل المقاطيع وجمع من شعره ~~كتابا مختصرا سماه مغاني المعاني ومدح الخلفاء وكانت له منزلة لطيفة عند ~~الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد خليفة العصر ذلك الوقت قلت وكانت ~~أخباره في حياته متواصلة إلينا وأشعاره تنقلها الرواة عنه ويحكون وقائعه ~~وماجراياته وما ينظم في ذلك من الأشعار الرائقة والمعاني البديعة ولم تتفق ~~لي رؤيته مع المجاورة وقرب الدار من الدار لأنه كان ببغداد ونحن بمدينة ~~إربل وهما متجاورتان لكن لكثرة اطلاعي على أخباره وما يتفق له من النظم ~~المنقول عنه في وقته كأني كنت معاشره وما زلت مشغوفا بشعره مستعذبا أسلوبه ~~فيه واجتمعت بخلق كثير من أصحابه والناقلين عنه منهم صاحبنا الشيخ عفيف ~~الدين أبو الحسن علي بن عدلان المعروف بالمترجم الموصلي فإنه أنشدني له ~~شيئا كثيرا فمن ذلك قوله (كلفت بعلم المنجنيق ورميه * لهدم الصياصي وافتتاح ~~المرابط) (وعدت إلى نظم القريض لشقوتي * فلم أخل في الحالين من قصد حائط) ~~وأنشدني عنه أيضا وذكر أنه لم يسبق إليه لا تكن واثقا بمن كظم الغيظ ~~اغتيالا وخف غرار الغرور (فالظبا المرهفات أقتل ما كانت * إذا غاض ماؤها في ~~الصدور) وأنشدني له أيضا في جارية سوداء كان يهواها وهي حبشية (وجارية من ~~بنات الحبوش * بذات جفون صحاح مراض) (تعشقتها للتصابي فشبت * غراما ولم أك ~~بالشيب راض) (وكنت أعيرها بالسواد * فصارت تعيرني بالبياض) PageV07P037 # وأنشدني عنه أيضا (وجارية عبرت للطواف * وعبرتها حذرا ~~تدمع) (فقلت ادخلي البيت لا تجزعي * ففيه الأمان لمن يجزع) (سدانته لبني ~~شيبة * فقالت ومن شيبة افزع) وأنشدني عنه في غلام يتعلم السباحة في دجلة ~~بغداد وقد لبس تبان أزرق وشد على ظهره شكوة منفوخة كما جرت عادة من يتعلم ms1898 ~~العوم فقال في ذلك (يا للرجال شكايتي من شكوة * أضحت تعانق من أحب وأعشق) ~~(جمعت هوى كهواي إلا أنها * تطفو ويثقلني الغرام فأغرق) (ويغيرني التبان ~~عند عناقه * أردافه فهو العدو الأزرق) وقال صاحبنا الكمال ابن الشعار ~~الموصلي صاحب كتاب عقود الجمان أنشدني ابن صابر لنفسه هذه الأبيات لكنه روى ~~البيت الثاني منها على صورة أخرى فقال (حملت هوى كهواي فهي بوصله * تطفو ~~ويبكيني الغرام فأغرق) وهذا من المعاني النادرة فإن العرب إذا وصفت العدو ~~بشدة العداوة قالت هو عدو أزرق وقد جاء هذا في كلامهم وأشعارهم كثيرا ~~واستعمله الحريري في المقامة الرابعة عشرة فقال فمذ أغبر العيش الأخضر ~~وأزور المحبوب الأصفر اسود يومي الأبيض وابيض فودي الأسود حتى رثى لي العدو ~~الأزرق فحبذا الموت الأحمر ورأيت في بعض الرسائل ولا أتحقق الآن صاحبها قد ~~أوردنا ظبا الحديد الأخضر في ماء الوريد PageV07P038 # الأحمر من عدو الله الأزرق من بني الأصفر وهو باب متسع ~~فلا حاجة إلى الإطالة في ذكر شواهده وأنشدني عنه أيضا في جماعة من الصوفية ~~أضافهم فأكلوا جميع ما قدمه لهم فكتب إلى شيخهم يذكر حاله معهم (مولاي يا ~~شيخ الرباط الذي * أبان عن فضل وعلياء) (إليك أشكو جور صوفية * باتوا ضيوفي ~~وأودائي) (أتيتهم بالزاد مستأثرا * وبت تشكو الجوع أحشائي) (مشوا على الخبز ~~ومن عادة الزهاد أن يمشوا على الماء) (وهم إلى الآن ضيوفي فجد * لهم بخبز ~~وبحلواء) (أو لا فخذهم واكفنيهم فما * يحسن في مثلهم رائي) وأنشدني عنه في ~~الصوفية أيضا (قد لبس الصوف لترك الصفا * مشايخ العصر لشرب العصير) (الرقص ~~والشاهد من شأنهم * شر طويل تحت ذيل قصير) وأنشدني عنه أيضا وهو من المعاني ~~المستطرفة (قالوا نراه يسل شعر عذاره * وسباله مستهترا بزواله) (فتسل عنه ~~وخذ حبيبا غيره * فأجبتهم لا زلت عبد وصاله) (هل يحسن السلوان عن حب يرى * ~~أن لا يفارقني بنتف سباله) وأنشدني له غير ابن عدلان وقال لما كبر ابن صابر ~~وضعفت حركته صار إذا مشى يتوكأ على عصا فقال في ذلك PageV07P039 # (ألقيت عن ms1899 يدي العصا * زمن الشبيبة للنزول) (وحملتها ~~لما دعا * داعي المشيب إلى الرحيل) وكان ببغداد شخص يقال له ابن بشران وكان ~~كثير الأراجيف فمنع من ذلك فقعد على الطريق ينجم فقال فيه ابن صابر (إن ابن ~~بشران ولست ألومه * من خيفة السلطان صار منجما) (طبع المشوم على الفضول فلم ~~يطق * في الأرض إرجافا فأرجف في السما) قلت وأنشدني الأديب شهاب الدين أبو ~~عبد الله محمد بن يوسف بن سالم المعروف بابن التلعفري لنفسه في بعض ليالي ~~شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة بالقاهرة المحروسة وهو من شعراء العصر ~~المجيدين (يا شيب كيف وما انقضى زمن الصبا * عاجلت مني اللمة السوداء) (لا ~~تعجلن فوالذي جعل الدجى * من ليل طرتي البهيم ضياء) (لو أنها يوم الحساب ~~صحيفتي * ما سر قلبي كونها بيضاء) فقلت له قد أغرت على بيت نجم الدين ابن ~~صابر حتى إنك قد أخذت معظم لفظه وجميع معناه والوزن والروي وهو قوله (لو أن ~~لحية من يشيب صحيفة * لمعاده ما اختارها بيضاء) فحلفت أنه لم يسمع هذا ~~البيت إلا بعد عمله للأبيات المذكورة والله أعلم بذلك وهذا البيت لابن صابر ~~من جملة أبيات وهي (قالوا بياض الشيب نور ساطع * يكسو الوجوه مهابة وضياء) ~~(حتى سرت وخطاته في مفرقي * فوددت أن لا أفقد الظلماء) (وعدلت أستبقي ~~الشباب تعللا * بخضابها فصبغتها سوداء) (لو أن لحية من يشيب صحيفة * لمعاده ~~ما اختارها بيضاء) PageV07P040 # وأخبرني بعض الأدباء أن ابن صابر كتب إلى بعض الرؤساء ~~ببغداد (ما جئت أسألك المواهب مادحا * إني لما أوليتني لشكور) (لكن أتيت عن ~~المعالي مخبرا * لك أن سعيك عندها مشكور) ووقفت بالقاهرة على كراريس فيها ~~شعره وقد أجاد في كل ما نظمه ورأيت فيها البيتين المشهورين المنسوبين إلى ~~جماعة من الشعراء ولا يعرف قائلهما على الحقيقة وهما (ألقني في لظى فإن ~~أحرقتني * فتيقن أن لست بالياقوت) (جمع النسج كل من حاك لكن * ليس داود فيه ~~كالعنكبوت) فعمل ابن صابر جوابهما (أيها المدعي الفخار دع الفخر لذي ~~الكبرياء والجبروت) (نسج داود لم ms1900 يفد ليلة الغار * وكان الفخار للعنكبوت) ~~(وبقاء السمند في لهب النار * مزيل فضيلة الياقوت) (وكذاك النعام يلتقم ~~الجمر وما الجمر للنعام بقوت) قلت وعلى البيتين الأولين نظم جماعة من ~~الشعراء المعاصرين لنا أبياتا فمن ذلك قول الكمال أبي محمد القاسم بن ~~القاسم بن عمرو بن منصور الواسطي نزيل حلب صاحب شرح المقامات (حق دود القز ~~يبني * فوقه ثم يموت) (بعد ما سدى وقد صار * يسدي العنكبوت) وقول المهذب ~~أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن بن يمن الأنصاري المعروف بابن الأردخل ~~الموصلي نزيل ميافارقين PageV07P041 # (أقول وقد قالوا نراك مقطبا * إذا ما ادعى دين الهوى ~~غير أهله) (يحق لدود القز يقتل نفسه * إذا جاء بيت العنكبوت بمثله) وهذا ~~ينظر إلى قول بعضهم (إذا شوركت في أمر بدون * فلا يلحقك عار أو نفور) (ففي ~~الحيوان يشترك اضطرارا * أرسطاليس والكلب العقور) وقول الآخر (وللزنبور ~~والبازي جميعا * لدى الطيران أجنحة وخفق) (ولكن بين ما يصطاد باز * وما ~~يصطاده الزنبور فرق) قلت وعلى ذكر دود القز ينبغي أن يذكر ما يقال عن ~~السرفة بضم السين المهملة وبعدها راء ساكنة ثم فاء قال الجوهري في كتاب ~~الصحاح هي دويبة تتخذ لنفسها بيتا مربعا من دقاق العيدان تضم بعضها إلى بعض ~~بلعابها على مثال الناووس ثم تدخل فيه وتموت يقال في المثل هو أصنع من سرفة ~~وذكر لي بعض الفضلاء أن السرفة هي الأرضة والله أعلم ومما ينبغي أن يلحق ~~بالأبيات المقدم ذكرها قول بعضهم (إن أعوز الحاذق فاستبدلوا * مكانه أخرق ~~لم يحذق) (فلاعب الشطرنج من دأبه * وضع حصاة موضع البيدق) والأصل في هذا ~~كله قول المتنبي (وشر ما قنصته راحتي قنص * شهب البزاة سواء فيه والرخم) ~~ويقرب منه قول أبي العلاء المعري أيضا (وهل يذخر الضرغام قوتا ليومه * إذا ~~ادخر النمل الطعام لعامه) قلت وفي هذه الأبيات الأوائل ما يحتاج إلى زيادة ~~إيضاح فليس PageV07P042 # كل من يقف عليها يفهم معناها أما البيت الأول وما ذكره ~~من أمر الياقوت فإن الياقوت من خاصيته أن النار لا تؤثر ms1901 فيه وإلى هذا أشار ~~الحريري في المقامة السابعة والأربعين بقوله من جملة ثلاثة أبيات (وطالما ~~أصلي الياقوت جمر غضا * ثم انطفا الجمر والياقوت ياقوت) (وقال آخر في غلام ~~له اسمه ياقوت (ياقوت ياقوت قلبي المستهام به * من المروءة أن لا يمنع ~~القوت) (سكنت قلبي وما تخشى تلهبه * وكيف يخشى لهيب النار ياقوت) وقد جاء ~~هذا كثيرا في الشعر لكن الاختصار أولى وأما قول ابن صابر في الجواب في ~~البيت الثاني نسج داود لم يفد ليلة الغار إلى آخره فهذا إشارة إلى مهاجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فإنهما خافا من ~~مشركي مكة أن يتبعوهما فدخلا غار ثور بالثاء المثلثة وثور جبل بين مكة ~~والمدينة بالقرب من مكة ونسج العنكبوت في الحال على باب الغار فلما وصل ~~المشركون إليه ورأوا أثر العنكبوت على الباب قالوا ليس ها هنا أحد فإنه لو ~~دخله أحد ما كان العنكبوت نسج عليه في الحال لأن المشركين بادروا إليهما ~~ليلحقوهما فأخفى الله سبحانه وتعالى أمرهما وهي من جملة معجزات النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقوله في البيت الثالث وبقاء السمند في لهب النار إلى آخره ~~السمند بفتح السين المهملة والميم وبعد النون الساكنة دال مهملة ويقال ~~السمندل أيضا بزيادة اللام ذكروا أنه طائر يقع في النار فلا تؤثر فيه ويعمل ~~من ريشة مناديل وتحمل إلى هذه البلاد فإذا اتسخت المنديل طرحت في النار ~~فتأكل النار الوسخ الذي عليها ولا تحترق المنديل ولا تؤثر النار فيها ولقد ~~رأيت منه قطعة ثخينة منسوجة على هيئة حزام الدابة وهي في طول الحزام وعرضه ~~فجعلوها على النار فما عملت فيه فغمسوا أحد جوانبه في الزيت PageV07P043 # ثم تركوه على فتيلة السراج فاشتعل وبقي زمانا طويلا ~~يشتعل ثم اطفأوه وهو على حاله ما تغير فيه شيء ويقولون إنه يجلب من بلاد ~~الهند وإن هذا الطائر يكون هناك وفيه نكتة ينبغي أن تذكر ها هنا وهي أن طرف ~~تلك القطعة لما وضعوه على السراج تركوه زمانا ms1902 طويلا والنار لا تعلق فيه ~~فقال بعض الحاضرين هذا ما تعمل فيه النار ولكن اغمسوا هذا الطرف في الزيت ~~ثم اجعلوه على النار ففعلوا ذلك فاشتعل فظهر من هذا أن النار لا تؤثر فيه ~~على تجرده بل لا بد من غمسه في شيء من الأدهان ثم رأيت بخط شيخنا موفق ~~الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي في كتابه الذي جعله لنفسه سيرة أنه قدم ~~للملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب قطعة سمندل عرض ذراع في طول ذراعين ~~فصاروا يغمسونها في الزيت ويوقدونها حتى يتقد الزيت وترجع بيضاء كما كانت ~~والله أعلم ومثله السرفوت دويدة تعشش في كور الزجاج في حال توقده واضطرامه ~~وتبيض فيه وتفرخ ولا تعمل بيتها إلا في موضع النار المستمرة الدائمة فسبحان ~~خالق كل شيء وهي بفتح السين المهملة والراء وضم الفاء وسكون الواو وبعدها ~~تاء مثناة من فوقها وأما البيت الرابع الذي ذكر فيه النعام وأنه يلتقم ~~الجمر فهذا شيء شاهدناه كثيرا وهو معروف بين الناس وليس بغريب وبالجملة فقد ~~خرجنا عن المقصود لكن الكلام اتصل بعضه ببعض فانتشر وتوفي ابن صابر المذكور ~~في ليلة الثامن والعشرين من صفر من سنة ست وعشرين وستمائة ببغداد ودفن ليلة ~~الجمعة غربيها بالمقبرة الجديدة بباب المشهد المعروف بموسى بن جعفر رضي ~~الله عنهما PageV07P044 # وأخبرني الشهاب ابن التلعفري المذكور أن مولده في ~~الخامس والعشرين من جمادى الآخرة بالموصل سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة وتوفي ~~في عاشر شوال سنة خمس وسبعين وستمائة بمدينة حماة وأنشد قبيل موته لنفسه ~~وهو آخر شعره (إذا ما بات من ترب فراشي * وبت مجاور الرب الكريم) (فهنوني ~~أصيحابي وقولوا * لك البشرى قدمت على رحيم) وحوثرة بفتح الحاء المهملة ~~وسكون الواو وفتح الثاء المثلثة وبعدها راء ثم هاء وهي في الأصل اسم لحشفة ~~الذكر وبها سمي الإنسان قال ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب سمي ربيعة بن ~~عمرو بن عوف بن بكر بن وائل بن حوثرة لأنه حج فمر بامرأة معها لها فاستامها ~~فأكثرت فقال والله لو ms1903 أدخلت حوثرتي فيه يعني كمرته لملأته فسمي حوثرة ~~والمنجنيقي بفتح الميم وسكون النون وفتح الجيم وكسر النون الثانية وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها قاف هذه النسبة إلى المنجنيق وهو معروف وإذ ~~قد جرى ذكره ينبغي الكلام عليه ففيه أشياء غريبة منها أنه من جملة الآلات ~~المنقولة المستعملة والقاعدة في هذا الباب أن تكون ميمه مكسورة إلا ما شذ ~~عن ذلك في ألفاظ قليلة مثل منخل ومدهن ومسعط وغير ذلك مع أبن الجواليقي في ~~كتاب المعرب حكى فيه أربع لغات فتح الميم وكسرها على القاعدة ومنجنوق ~~بالواو بدل الياء ومنجليق باللام عوض النون الثانية وحكى في الميم والنون ~~الأولى ثلاثة أقوال قيل إنهما أصليتان وقيل زائدتان وقيل الميم أصلية ~~والنون زائدة والله أعلم وهم اسم أعجمي فإن الجيم والقاف لا يجتمعان في ~~كلمة عربية مثل الجرموق والجردق والجوسق والجلاهق والقبج وغير ذلك وهذا باب ~~مطرد وكذلك الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربية PageV07P045 # مثل الصهريج والجص والصاج والجصطل وغير ذلك وهو أيضا ~~باب مطرد وإذا جمعناه حذفنا إحدى النونين فإن حذفنا النون الأولى قلنا ~~مجانيق وإن حذفنا النون الثانية قلنا مناجيق وقال الجوهري في كتاب الصحاح ~~الأصل في المنجنيق من جي نيك تفسيره بالعربي ما أجودني قلت فتفسير من أنا ~~وتفسير جي أيش وتفسير نيك جيد أي أنا أيش جيد قال الجوهري ثم عرب فقيل ~~منجنيق وذكر ابن قتيبة من كتاب المعارف وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل ~~أن أول من وضع المنجنيق جذيمة الأبرش ملك العرب وبلد الحيرة في ذلك الزمان ~~وقال الواحدي في تفسيره الوسيط في سورة الأنبياء إن المشركين لما عزموا على ~~إحراق إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وأضرموا النار لم يدروا كيف ~~يلقونه فيها فجاءهم إبليس لعنه الله تعالى فدلهم على المنجنيق وهو أول ~~منجنيق وضع فوضعوه فيه ثم رموه والله أعلم وهذا الفصل كله وإن كان خارجا عن ~~المقصود لكنه ما يخلوا عن فائدة فلذلك بسطت القول فيه 883 موفق الدين ابن ~~يعيش أبو البقاء ms1904 يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا بن محمد بن علي بن ~~المفضل بن عبد الكريم بن محمد بن يحيى بن حيان القاضي بن بشر بن حيان ~~PageV07P046 # الأسدي الموصلي الأصل الحلبي المولد والمنشأ الملقب ~~موفق الدين النحوي ويعرف بابن الصائغ قرأ النحو على أبي السخاء فتيان ~~الحلبي وأبي العباس المغربي النيروزي وسمع الحديث على أبي الفضل عبد الله ~~بن أحمد الخطيب الطوسي بالموصل وعلى أبي محمد عبد الله بن عمر بن سويدة ~~التكريتي وبحلب من أبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي والقاضي أبي الحسن أحمد ~~بن محمد بن الطرسوسي وخالد بن محمد بن نصر بن صغير القيسراني وبدمشق على ~~تاج الدين الكندي وغيرهم وحدث بحلب وكان فاضلا ماهرا في النحو والتصريف رحل ~~من حلب في صدر عمره قاصدا بغداد ليدرك أبا البركات عبد الرحمن بن محمد ~~المعروف بابن الأنباري المقدم ذكره وتلك الطبقة بالعراق وبلاد الجزيرة فلما ~~وصل إلى الموصل بلغه خبر وفاته وقد ذكرت تاريخ موته في ترجمته فأقام ~~بالموصل مديدة وسمع الحديث بها ثم رجع إلى حلب ولما عزم على التصدر للإقراء ~~سافر إلى دمشق واجتمع بالشيخ تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي ~~الإمام المشهور وقد تقدم ذكره في حرف الزاي وسأله عن مواضع مشكلة في ~~العربية وعن إعراب ما ذكره أبو محمد الحريري في المقامة العاشرة المعروفة ~~بالرحبية وهو قوله في أواخرها حتى إذا لألأ الأفق ذنب السرحان وآن انبلاج ~~الفجر وحان فاستبهم جواب هذا المكان على الكندي هل الأفق وذنب السرحان ~~مرفوعان أو منصوبان أو الأفق مرفوع وذنب السرحان منصوب أو على العكس وقال ~~له قد علمت قصدك وأنك أردت إعلامي بمكانتك من هذا العلم وكتب له خطه بمدحه ~~والثناء عليه ووصف تقدمه في الفن الأدبي قلت وهذه المسألة يجوز فيها الأمور ~~الأربعة والمختار منها نصب PageV07P047 # الأفق ورفع ذنب السرحان وقد ذكر ذلك تاج الدين أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الرحمن المقدم ذكره المعروف بالبندهي في كتاب شرح ~~المقامات ولولا خوف الإطالة ms1905 لبينت ذلك ولما وصلت إلى حلب لأجل الاشتغال ~~بالعلم الشريف وكان دخولي إليها يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة سنة ست ~~وعشرين وستمائة وهي إذ ذاك أم البلاد مشحونة بالعلماء والمشتغلين وكان ~~الشيخ موفق الدين المذكور شيخ الجماعة في الأدب لم يكن فيهم مثله فشرعت في ~~القراءة عليه وكان يقرئ بجامعها في المقصورة الشمالية بعد العصر وبين ~~الصلاتين بالمدرسة الرواحية وكان عنده جماعة قد تنبهوا وتميزوا به وهم ~~ملازمون مجلسه لا يفارقونه في وقت الإقراء وابتدأت بكتاب اللمع لابن جني ~~فقرأت عليه معظمها مع سماعي لدروس الجماعة الحاضرين وذلك في أواخر سنة سبع ~~وعشرين وما أتممتها إلا على غيره لعذر اقتضى ذلك وكان حسن التفهيم لطيف ~~الكلام طويل الروح على المبتدىء والمنتهي وكان خفيف الروح ظريف الشمائل ~~كثير المجون مع سكينة ووقار ولقد حضرت يوما حلقته وبعض الفقهاء يقرأ عليه ~~اللمع لابن جني فقرأ بيت ذي الرمة في باب النداء (أيا ظبية الوعساء بين ~~جلاجل * وبين النقا آأنت أم أم سالم) فقال له الشيخ إن هذا الشاعر لشدة ~~ولهه في المحبة وعظم وجده بهذه المحبوبة أم سالم وكثرة مشابهتها للغزال كما ~~جرت عادة الشعراء في تشبيههم النساء الصباح الوجوه بالغزلان والمها اشتبه ~~عليه الحال فلم يدر هل هي امرأة أم ظبية فقال آأنت أم أم سالم وأطال الشيخ ~~موفق الدين القول في ذلك وبسطه بأحسن عبارة بحيث يفهمه البليد البعيد الذهن ~~وذلك الفقيه منصت مقبل على كلامه بكليته حتى يتوهم من يراه على تلك الصورة ~~أنه قد تعقل جميع ما قاله فلما فرغ الشيخ من شرحه قال له الفقيه يا مولانا ~~أيش في المرأة الحسناء يشبه الظبية فقال له الشيخ قول منبسط تشبهها في ~~PageV07P048 # ذنبها وقرونها فضحك الحاضرون وخجل الفقيه وما عدت ~~رايته حضر مجلسه قلت وجلاجل بفتح الجيم وضمها اسم مكان والثانية جيم أيضا ~~وكنا يوما نقرأ عليه بالمدرسة الرواحية فجاءه رجل من الأجناد وبيده مسطور ~~بدين وكان الشيخ له عادة بالشهادة في المكاتيب الشرعية فقال له يا مولانا ~~اشهد ms1906 علي في هذا المسطور فأخذه الشيخ من يده وقرأ أوله أقرت فاطمة فقال له ~~الشيخ أنت فاطمة فقال له الجندي لا يا مولانا الساعة تحضر وخرج إلى باب ~~المدرسة فأحضرها وهو يتبسم من كلام الشيخ ويقرب من هذا ما تقدم ذكره في ~~ترجمة عامر الشعبي أن شخصا دخل عليه وعنده امرأة فقال أيكما الشعبي فقال له ~~هذه وكنا يوما نقرأ عليه في داره فعطش بعض الحاضرين وطلب من الغلام ماء ~~فأحضره له فلما شرب قال ما هذا إلا ماء بارد فقال له الشيخ لو كان خبزا ~~حارا كان أحب إليك وكنا يوما عنده بالمدرسة الرواحية فجاء المؤذن وأذن قبل ~~العصر بساعة جيدة فقال له الحاضرون أيش هذا يا شيخ وأين وقت العصر فقال ~~الشيخ موفق الدين دعوه عسى أن يكون له شغل فهو مستعجل وكان يوما عند القاضي ~~بهاء الدين المعروف بابن شداد قاضي حلب الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فجرى ~~ذكر زرقاء اليمامة وأنها كانت ترى الشيء من المسافة البعيدة حتى قيل تراه ~~من مسيرة ثلاثة أيام فجعل الحاضرون يقولون ما علموه من ذلك فقال الشيخ موفق ~~الدين أنا أرى الشيء من مسافة شهرين فتعجب الكل من قوله وما أمكنهم أن ~~يقولوا له شيئا فقال له القاضي كيف هذا يا موفق الدين فقال لأني أرى الهلال ~~فقال PageV07P049 # له كان قلت مسافة كذا كذا سنة قال لو قلت هذا عرف ~~الجماعة الحاضرون غرضي وكان قصدي الإبهام عليهم وله نوادر كثيرة يطول ذكرها ~~وكنت يوما عنده وقد قدم من الموصل رجل من فضلاء المغاربة في علم الأدب فحضر ~~حلقته وبحث في دروسه بحث رجل فاضل وجرى ذكر مباحث جرت له بالموصل مع جماعة ~~من أدبائها وقال كنت عند ضياء الدين نصر الله بن الأثير الجزري قلت وقد سبق ~~ذكره قال فتحاورنا وتناشدنا فأنشدته قول بعض المغاربة قلت هذه الأبيات ذكر ~~أبو إسحاق الحصري أنها لبعض مشايخ القيروان رواها عنه ولم يعينه وهي ~~(ومعذرين كأن نبت خدودهم * أقلام مسك تستمد خلوقا) ms1907 (قرنوا البنفسج بالشقيق ~~ونضدوا * تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا) (فهم الذين إذا الخلي رآهم * وجد الهوى ~~بهم إليه طريقا) قلت ونصف البيت الثاني مثل قول ابن الذروي المصري في ~~أبياته التي سبق ذكرها في ترجمة المبارك بن منقذ وهو قوله (جلا تحت ياقوت ~~اللمى ثغر لؤلؤ * رطيبا وابدى شاربا من زمرد) ومن المنسوب إلى أبي محمد ~~الحسن بن علي المعروف بابن وكيع التنيسي المقدم ذكره في حرف الحاء (جوهري ~~الأوصاف يقصر عنه * كل فهم وكل ذهن دقيق) PageV07P050 # (شارب من زمرذ وثنايا * لؤلؤ فوقها فم من عقيق) وذكرت ~~بهذه الأبيات بيتين كنت أحفظهما ويحسن ذكرهما بعد هذا وهما (لما وقفنا ~~للوداع وصار ما * كنا نظن من النوى تحقيقا) (نثروا على ورق الشقائق لؤلؤا * ~~ونثرت من فوقها البهار عقيقا) وكذاك بيت الوأواء الدمشقي (فأمطرت لؤلؤا من ~~نرجس فسقت * وردا وعضت على العناب بالبرد) وكذا قول محمد بن سعيد العامري ~~الدمشقي وقيل إنها لابن كيغلغ (لما اعتنقنا للوداع وأعربت * عبراتنا عنا ~~بدمع ناطق) (فرقن بين معاجر ومحاجر * وجمعن بين بنفسج وشقائق) (وأنا الفداء ~~لظبية أحداقنا * موصولة من وجهها بحدائق) وينسب إلى أبي الفتح الحسن بن أبي ~~حصينة الحلبي الشاعر المشهور من هذا أيضا (ولما وقفنا للوداع وقلبها * ~~وقلبي يفيضان الصبابة والوجدا) (بكت لؤلؤا رطبا وفاضت مدامعي * عقيقا فصار ~~الكل في نحرها عقدا) وأنشدني صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام الحاجري ~~الإربلي المقدم ذكره لنفسه (ولما التقينا ومن الزمان * رأى دمع عيني دما في ~~المآقي) PageV07P051 # (فقال وعهدي به لؤلؤا * ايجري عقيقا وهذا التلاقي) ~~(فقلت حبيبي لا تعجبن * جعلت فدى لك ميتا وباقي) (فتلك أوائل دمع الوداع * ~~وهذي أواخر دمع الفراق) وكان الشيخ موفق الدين المذكور كثيرا ما ينشد ~~منسوبا إلى أبي علي الحسن ابن رشيق المقدم ذكره ثم كشفت ديوانه فلم أجد هذه ~~الأبيات فيه والله أعلم وهي (وقد كنت لا آتي إليك مخاتلا * لديك ولا أثني ~~عليك تصنعا) (ولكن رأيت المدح فيك فريضة * علي إذا كان المديح تطوعا) (فقمت ~~بما لم يخف عنك ms1908 مكانه * من القول حتى ضاق مما توسعا) (فلا تتخالجك الظنون ~~فإنها * مآثم واترك في للصلح موضعا) (فلو غيرك الموسوم عندي بريبة * لأعطيت ~~فيه مدعي القول ما ادعى (فوالله ما طولت بالقول فيكم * لسانا ولا غرضت للذم ~~مسمعا) (ولكنني أكرمت نفسي فلم تهن * وأجللتها من أن تذل وتخضعا) (فباينت ~~لا أن العداوة باينت * وقاطعت لا أن الوفاء تقطعا) قلت وقيد قيل في هذا ~~الباب شيء كثير ولا حاجة إلى الإطالة وشرح الشيخ موفق الدين كتاب المفصل ~~لأبي القاسم الزمخشري شرحا مستوفى وليس في جملة الشروح مثله وشرح تصريف ~~الملوكي لابن جني شرحا مليحا وانتفع به خلق كثير من أهل حلب وغيرها حتى إن ~~الرؤساء الذين كانوا بحلب ذلك الزمان كانوا تلامذته وكانت ولادته لثلاث ~~خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة PageV07P052 # بحلب وتوفي بها في سحر الخامس والعشرين من جمادى ~~الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة ودفن من يومه بتربته بالمقام المنسوب إلى ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه ورحمه الله تعالى 834 يموت بن ~~المزرع أبو بكر يموت بن المزرع بن يموت بن عيسى بن موسى بن سيار بن حكيم بن ~~جبلة بن حصن بن اسود بن كعب بن عامر بن عدي بن الحارث بن الديل بن عمرو بن ~~غنم بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن ~~أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان العبدي البصري قلت وجدت في كتاب ~~جمهرة النسب تأليف ابن الكلبي عند ذكره حكيم بن جبلة المذكور وقد ساق نسبه ~~على هذه الصورة وفي الحاشية مكتوب ما مثاله من ولد حكيم بن جبلة المذكور ~~يموت بن المزرع ابن يموت وقد ساق نسبه على هذه الصورة حتى ألحقه بحكيم بن ~~جبلة المذكور والعهدة عليه في ذلك ورأيت بخطي في مسوداتي يموت بن المزرع بن ~~يموت بن عدس بن سيار بن المزرع بن الحارث بن ثعلبة بن PageV07P053 # عمرو بن ضمرة بن دلهاث بن وديعة بن بكر بن ms1909 وديعة بن ~~لكيز بن أفصى المذكور والله أعلم بالصواب في ذلك وكان يموت قد سمى نفسه ~~محمدا وذكره الخطيب البغدادي في تاريخه الكبير في المحمدين ثم ذكره في حرف ~~الياء وقال هو يموت وهو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ وقد تقدم ذكره قدم يموت ~~بن المزرع بغداد في سنة إحدى وثلاثمائة وهو شيخ كبير وحدث بها عن أبي عثمان ~~المازني وأبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي ونصر بن علي الجهمضي وعبد ~~الرحمن أبن أخي الأصمعي ومحمد بن يحيى الأزدي وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان ~~الزيادي وغيرهم روى عنه أبو بكر الخرائطي وأبو الميمون ابن راشد وأبو الفضل ~~العباس بن محمد الرقي وأبو بكر ابن مجاهد المقرئ وأبو بكر ابن الأنباري ~~وغيرهم وكان أديبا أخباريا وله ملح ونوادر وكان لا يعود مريضا خوفا أن ~~يتطير من اسمه وكان يقول بليت بالاسم الذي سماني أبي به فاني إذا عدت مريضا ~~فاستأذنت عليه فقيل من هذا قلت أنا ابن المزرع وأسقطت اسمي ومدحه منصور ~~الفقيه الضرير الشاعر المشهور بقوله (أنت تحيا والذي يكره أن تحيا يموت) ~~(أنت صنو النفس بل أنت لروح النفس قوت) (أنت للحكمة بيت * لا خلت منك ~~البيوت) فمن أخباره أنه قال أخبرني أبو الفضل الرياشي قال سمعت الأصمعي ~~يقول كان سخط هارون الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله ابن ~~العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في سنة ثمان وثمانين ومائة PageV07P054 # ولقد كنت عند الرشيد وقد أتي بعبد الملك يرفل في قيوده ~~فلما نظر الرشيد إليه قال له هيه يا عبد الملك كأني والله أنظر إلى شؤبوبها ~~قد همع وإلى عارضها قد لمع وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس ~~بلا غلاصم مهلا مهلا بني هاشم فبي والله سهل لكم الوعر وصفا لكم الكدر ~~وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها فخذوا حذاركم مني قبل حلول داهية خبوط ~~باليد والرجل فقال له عبد الملك أفذا أتكلم أم توأما فقال بل توأما فقال ~~اتق الله ms1910 يا أمير المؤمنين فيما ولاك وراقبه في رعاياك التي استرعاك فقد ~~سهلت والله لك الوعور وجمعت على خوفك ورجائك الصدور وكنت كما قال أخو بني ~~جعفر بن كلاب (ومقام ضيق فرجته * بلسان وبيان وجدل) (لو يقوم الفيل أو ~~فياله * زل عن مثل مقامي وزحل) قال فأراد يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من ~~مقدار عبد الملك عند الرشيد فقال له يا عبد الملك بلغني أنك حقود فقال له ~~أصلح الله الوزير إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي فإنهما لباقيان في ~~قلبي قال الأصمعي فالتفت الرشيد إلي وقال يا أصمعي حررها فوالله ما احتج ~~أحد للحقد بمثل ما احتج به عبد الملك ثم أمر به فرد إلى محبسه قال الأصمعي ~~ثم التفت الرشيد إلي وقال يا أصمعي والله لقد نظرت إلى موضع السيف من عنقه ~~مرارا ويمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله قلت وعبد الله بن صالح قد ~~ذكرته في ترجمة أبي عبادة الوليد البحتري الشاعر المشهور ونبهت على تاريخ ~~وفاته وروى يموت بن المزرع أيضا أن أحمد بن محمد بن عبيد الله أبا الحسن ~~PageV07P055 # الكاتب المعروف بابن المدبر الضبي الرستيساني كان إذا ~~مدحه شاعر فلم يرض شعره قال لغلامه امض به إلى المسجد الجامع ولا تفارقه ~~حتى يصلي مائة ركعة ثم أطلقه فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدين فجاءه ~~أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل فاستأذنه في ~~النشيد فقال له قد عرفت الشرط قال نعم ثم أنشده (أردنا في أبي حسن مديحا * ~~كما بالمدح تنتجع الولاة) (وقلنا أكرم الثقلين طرا * ومن كفاه دجلة ~~والفرات) (فقالوا يقبل المدحات لكن * جوائزه عليهن الصلاة) (فقلت لهم وما ~~تغني صلاتي * عيالي إنما الشأن الزكاة) (فيأمر لي بكسر الصاد منها * فتصبح ~~لي الصلاة هي الصلات) فضحك ابن المدبر واستظرفه وقال من اين أخذت هذا فقال ~~من قول أبي تمام الطائي (هن الحمام فإن كسرت عيافة * من حائهن فإنهن حمام) ~~فاستحسن ذلك وأحسن صلته (373) وكان أحمد بن المدبر يتولى ms1911 الخراج بمصر فحبسه ~~أحمد بن طولون في سنة خمسة وستين ومائتين ومات في حبسه في صفر سنة سبعين ~~ومائتين وقيل بل قتله ابن طولون والله أعلم والمدبر بكسر الباء الموحدة ~~المشدة وحدث ابن المزرع أيضا عن خاله أبي عثمان الجاحظ أنه قال طلب المعتصم ~~جارية كانت لمحمود بن الحسن الشاعر المشهور المعروف بالوراق وكانت تسمى ~~نشوى وكان شديد الغرام بها وبذل في ثمنها سبعة آلاف PageV07P056 # دينار فامتنع محمود من بيعها لأنه كان يهواها أيضا ~~فلما مات محمود اشتريت الجارية للمعتصم من تركته بسبعمائة دينار فلما دخلت ~~عليه قال لها كيف رأيت تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف بسبعمائة قالت أجل ~~إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته المواريث فإن سبعين دينارا لكثيرة في ثمني ~~فضلا عن سبعمائة فخجل المعتصم من كلامها وقال ابن المزرع حدثني من رأى قبرا ~~بالشام عليه مكتوب لا يغترن أحد بالدنيا فإني ابن من كان يطلق الريح إذا ~~شاء ويحبسها إذا شاء وبحذائه قبر عليه مكتوب كذب الماص بظر أمه لا يظن أحد ~~أنه ابن سليمان بن داود عليهما السلام إنما هو ابن حداد يجمع الريح في الزق ~~ثم ينفخ بها الجمر قال فما رأيت قبلها قبرين يتشاتمان والله أعلم ولابن ~~المزرع أخبار وحكايات ونوادر ولسنا نقصد الإطاله بل الإيجار حسب الإمكان ~~إلا أن ينتشر الكلام (374) وكان له ولد يدعى أبا نضلة مهلهل بن يموت بن ~~المزرع وكان شاعرا مجيدا ذكره المسعودي في كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر ~~فقال في حقه هو من شعراء هذا الزمان وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وفيه ~~يقول أبوه مخاطبا له (مهلهل قد حلبت شطور دهري * وكافحني بها الزمن العنوت) ~~(وحاربت الرجال بكل ريع * فأذعن لي الحثالة والرتوت) (فأوجع ما أجن عليه ~~قلبي * كريم غته زمن غتوت) (كفى حزنا بضيعة ذي قديم * وأبناء العبيد لها ~~البخوت) PageV07P057 # (وقد أسهرت عيني بعد غمض * مخافة أن تضيع إذا فنيت) ~~(وفي لطف المهيمن لي عزاء * بمثلك إن فنيت وإن بقيت) (فجب في الأرض وابغ ~~بها علوما * ولا ms1912 تقطعك جائحة سبوت) (وإن بخل العليم عليك يوما * فذل له ~~وديدنك السكوت) (وقل بالعلم كان أبي جوادا * يقال ومن أبوك فقل يموت) (يقر ~~لك الأباعد والأداني * بعلم ليس يجحده البهوت) وكان يموت قد قدم مصر مرارا ~~وآخر قدومه إليها في سنة ثلاث وثلاثمائة وخرج في سنة اربع وثلاثمائة قال ~~أبو سعيد ابن يونس الصدفي المصري في تاريخه المختص بالغرباء مات يموت بن ~~المزرع سنة أربع وثلاثمائة بدمشق وقال أبو سليمان بن زبر في تاريخه إنه مات ~~في سنة ثلاث وثلاثمائة بطبرية الشام والله أعلم وأما ولده مهلهل فإن الخطيب ~~ذكره في تاريخ بغداد وقال هو شاعر مليح الشعر في الغزل وغيره وسكن بغداد ~~وسمع منه وكتب عنه شعره أبو بعضة إبراهيم بن محمد المعروف بتوزون ثم قال ~~الخطيب أخبرني التنوخي قال قال لنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن العباس ~~الأخباري حضرت في سنة ست وعشرين وثلاثمائة مجلس تحفة القوالة جارية أبي عبد ~~الله ابن عمر البازيار وإلى جانبي عن يسرتي أبو نضلة مهلهل بن يموت بن ~~المزرع وعن يميني أبو القاسم بن أبي الحسن البغدادي فغنت تحفة من وراء ~~الستارة بهذه الأبيات (بي شغل به عن الشغل عنه * بهواه وإن تشاغل عني) (ظن ~~بي جفوة فأعرض عني * وبدا منه ما تخوف مني) (سره أن أكون فيه حزينا * ~~فسروري إذا تضاعف حزني) فقال لي أبو نضلة هذا الشعر لي فسمعه أبو القاسم ~~وكان ينحرف PageV07P058 # عن أبي نضلة فقال قل له إن كان هذا الشعر له يزيد فيه ~~بيتا فقلت له ذلك على وجه جميل فقال (هو في الحسن فتنة قد أصارت * فتنتي في ~~هواه من كل فن) ومن المنسوب إلى مهلهل أيضا (جلت محاسنه عن كل تشبيه * وجل ~~عن واصف في الناس يحكيه) (انظر إلى حسنه واستغن عن صفتي * سبحان خالقه ~~سبحان باريه) (النرجس الغض والورد الجني له * والأقحوان النضير النضر في ~~فيه) (دعا بألحاظه قلبي إلى عطبي * فجاءه مسرعا طوعا يلبيه) (مثل الفراشة ~~تأتي إذ ترى لهبا * إلى السراج ms1913 فتلقي نفسها فيه) وذكر له الخطيب شعرا غير ~~هذا فأضربت عن ذكره والمزرع بضم الميم وفتح الزاي وبعدها راء مشددة مفتوحة ~~ثم عين مهملة هكذا قاله لي الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن ~~عبد القوي بن عبد الله المنذري رحمه الله تعالى (375) وأما حكيم بن جبلة ~~المذكور في عمود هذا النسب فإنه بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف ويقال أيضا ~~بضم الحاء وفتح الكاف ويقال جبلة وجبل وكان من أعوان علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ولما بويع علي بالخلافة بايعه طلحة بن عبيد الله التيمي والزبير ~~بن العوام الأسدي رضي الله عنهما فعزم علي رضي الله عنه على تولية الزبير ~~البصرة وتولية طلحة اليمن فخرجت مولاة لعلي فسمعتهما يقولان ما بايعناه إلا ~~بألسنتنا وما بايعناه بقلوبنا فأخبرت مولاها بذلك فقال أبعدهما الله تعالى ~~ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وبعث إلى البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري وإلى ~~اليمن PageV07P059 # عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ~~فاستعمل ابن حنيف حكيم بن جبلة المذكور على شرطة البصرة ثم إن طلحة والزبير ~~لحقا بمكة وفيها عائشة رضي الله تعالى عنها فاتفقوا وقصدوا البصرة وفيها ~~ابن حنيف المذكور فأتى حكيم بن جبلة إلى ابن حنيف وأشار عليه بمنعهم من ~~دخول البصرة فأبى وقال ما أدري ما رأي أمير المؤمنين في ذلك فدخولها ~~وتلقاهم الناس فوقفوا في مربد البصرة وتكلموا في قتل عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه وبيعة علي رضي الله تعالى عنه فرد عليهم رجل من عبد القيس فنالوا ~~منه ونتفوا لحيته وترامى الناس بالحجارة واضطربوا فجاء حكيم بن جبلة إلى ~~ابن حنيف ودعاه إلى قتالهم فأبى ثم أتى عبد الله بن الزبير إلى مدينة الرزق ~~ليرزق أصحابه من الطعام الذي فيها وغدا حكيم بن جبلة في سبعمائة من عبد ~~القيس فقاتله فقتل حكيم وسبعون رجلا من أصحابه وروي أن ابن جبلة قال ~~لامرأته وكانت من الأزد لأعملن بقومك اليوم عملا يكونون به حديثا للناس ~~فقالت ms1914 له أظن قومي سيضربونك اليوم ضربة تكون حديثا للناس فلقيه رجل يقال له ~~سحيم فضرب عنقه فبقي معلقا بجلدة فاستدار رأسه فبقي مقبلا بوجهه على دبره ~~وكان ذلك قبل وصول علي رضي الله عنه بجيوشه إليهم ثم قدم عليهم وتقابل ~~الجيشان يوم الخميس النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين للهجرة عند موضع ~~قصر عبيد الله بن زياد ثم كانت الوقعة العظمى المشهورة بوقعة الجمل يوم ~~الخميس لعشر بقين من الشهر المذكور وكان أول قدومهم وقتل حكم بن جبلة قبل ~~ذلك بأيام في هذا الشهر أيضا وقتل بيبن الفريقين مقدار عشرة آلاف آلاف وقتل ~~طلحة والزبير رضي الله عنهما في ذلك اليوم لكنه بغير قتال ولولا خوف ~~الإطالة لشرحته وقال المأموني في تاريخه وقيل إن أهل المدينة علموا بيوم ~~الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس وفيه كان القتال وذلك أن نسرا مر بما ~~PageV07P060 # حول المدينة ومعه شيء معلق فتأمله الناس فوقع فإذا كف ~~فيها خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ثم إن كل من بين مكة والمدينة ~~ممن قرب من البصرة أو بعد علموا بالوقعة مما نقلت النسور إليهم من الأيدي ~~والأقدام قلت وذكر كشاجم في كتاب المصايد والمطارد أن العقاب ألقت كف عبد ~~الرحمن بمكة وكذلك ذكره في كتاب المهذب في الفقه في باب الصلاة على الميت ~~وذكر ابن الكلبي وأبو اليقظان في كتابيهما أن العقاب ألقتها باليمامة والله ~~أعلم بالصواب 835 أبو يعقوب البويطي أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي ~~صاحب الشافعي رضي الله عنه كان واسطة عقد جماعته وأظهرهم نجابة اختص به في ~~حياته وقام مقامه في الدرس والفتوى بعد وفاته سمع الأحاديث النبوية من عبد ~~الله بن وهب الفقيه المالكي المقدم ذكره ومن الإمام الشافعي وروى عنه أبو ~~إسماعيل الترمذي وإبراهيم بن إسحاق الحربي والقاسم بن المغيرة الجوهري ~~وأحمد بن منصور الرمادي وغيرهم وكان قد حمل في أيام الواثق بالله من مصر ~~إلى بغداد في مدة المحنة وأريد على القول بخلق القرآن ms1915 PageV07P061 # الكريم فامتنع من الإجابة إلى ذلك فحبس ببغداد ولم يزل ~~في السجن والقيد حتى مات وكان صالحا متنسكا عابدا زاهدا قال الربيع بن ~~سليمان رأيت البويطي على بغل في عنقه غل وفي رجليه قيد وبين الغل والقيد ~~سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلا وهو يقول إنما خلق الله سبحانه ~~الخلق بكن فإذا كانت كن مخلوقة فكأن مخلوقا خلق مخلوقا فوالله لأموتن في ~~حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قوم في حديدهم ~~ولئن أدخلت عليه لأصدقنه يعني الواثق وقال أبو عمر ابن عبد البر الحافظ في ~~كتاب الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء إن ابن أبي الليث الحنيفي قاضي مصر ~~كان يحسده ويعاديه فأخرجه في وقت المحنة في القرآن العظيم فيمن اخرج من مصر ~~إلى بغداد ولم يخرج من أصحاب الشافعي غيره وحمل إلى بغداد وحبس فلم يجب إلى ~~ما دعي إليه في القرآن وقال هو كلام الله غير مخلوق وحبس ومات في السجن ~~وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب طبقات الفقهاء كان أبو يعقوب ~~البويطي إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى ~~يبلغ باب السجن فيقول له السجان أين تريد فيقول أجيب داعي الله فيقول ارجع ~~عافاك الله فيقول أبو يعقوب اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني وقال ~~أبو الوليد بن أبي الجارود كان البويطي جاري فما كنت أنتبه ساعة من الليل ~~إلا سمعته يقرأ ويصلي وقال الربيع كان أبو يعقوب أبدا يحرك شفتيه بذكر الله ~~تعالى وما PageV07P062 # رأيت أحدا أنزع بحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب ~~البويطي وقال الربيع أيضا كان لأبي يعقوب منزلة من الشافعي وكان الرجل ربما ~~يسأله عن المسألة فيقول له سل ابا يعقوب فإذا أجابه أخبره فيقول هو كما قال ~~وقال أيضا ربما جاء رسول صاحب الشرطة إلى الشافعي فيوجه أبا يعقوب البويطي ~~ويقول هذا لساني وقال الخطيب البغدادي في تاريخه لما مرض الشافعي مرضه الذي ~~مات ms1916 فيه جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي فقال البويطي ~~أنا أحق به منك وقال ابن عبد الحكم أنا أحق بمجلسه منك فجاء أبو بكر ~~الحميدي وكان في تلك الأيام بمصر فقال قال الشافعي ليس أحد أحق بمجلسي من ~~يوسف بن يحيى وليس أحد من أصحابي أعلم منه فقال له ابن عبد الحكم كذبت فقال ~~الحميدي كذبت أنت وكذب أبوك وكذبت أمك وغضب ابن عبد الحكم فترك مجلس ~~الشافعي وتقدم فجلس في الطاق وترك طاقا بين مجلس الشافعي ومجلسه وجلس ~~البويطي في مجلس الشافعي في الطاق الذي كان يجلس فيه وقال أبو العباس محمد ~~بن يعقوب الأصم رأيت أبي في المنام فقال لي يا بني عليك بكتاب البويطي فليس ~~في الكتب أقل خطأ منه وقال الربيع بن سليمان كنت عند الشافعي أنا والمزني ~~وأبو يعقوب البويطي فنظر إلينا فقال لي أنت تموت في الحديث وقال للمزني هذا ~~لو ناظره الشيطان قطعه أو جدله وقال للبويطي أنت تموت في الحديد قال الربيع ~~فدخلت على البويطي أيام المحنة فرأيته مقيدا إلى أنصاف ساقيه مغلولة يداه ~~إلى عنقه وقال الربيع أيضا كتب إلي أبو يعقوب من السجن إنه ليأتي علي أوقات ~~لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي فإذا قرأت كتابي PageV07P063 # هذا فأحسن خلقك مع أهل حلقتك واستوص بالغرباء خاصة ~~خيرا فكثيرا ما كنت أسمع الشافعي رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت (أهين لهم ~~نفسي لأكرمها بهم * ولن تكرم النفس التي لا تهينها) وأخباره كثيرة وتوفي ~~يوم الجمعة قبل الصلاة في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين في القيد والسجن ~~ببغداد وقيل إنه توفي سنة اثنتين وثلاثين والأول أصح رحمه الله تعالى وقال ~~ابن القراب في تاريخه توفي يوم الثلاثاء في رجب والله أعلم والبويطي بضم ~~الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها طاء مهملة ~~هذه النسبة إلى بويط وهي قرية من أعمال الصعيد الأدنى من ديار مصر ويوسف ~~فيه ست لغات ضم السين وفتحها وكسرها ms1917 مع الواو وضم السين وفتحها وكسرها مع ~~الهمزة عوض الواو فالمجموع ست لغات والياء أوله مضمومة في اللغات الست ~~وسيأتي نظيره في يونس PageV07P064 # 836 أبو القاسم ابن كج القاضي أبو القاسم يوسف بن أحمد ~~بن يوسف بن كج الكجي الدينوري كان أحد أئمة الشافعية صحب ابا الحسين ابن ~~القطان وحضر مجلس أبي القاسم عبد العزيز الداركي وجمع بين رياسة العلم ~~والدنيا وارتحل الناس إليه من الآفاق للاشتغال عليه بالدينور رغبة في علمه ~~وجودة نظره وله وجه في مذهب الشافعي رضي الله عنه وصنف كتبا كثيرة انتفع ~~بها الفقهاء قال أبو سعد ابن السمعاني لما انصرف أبو علي الحسين بن شعيب ~~السنجي من عند الشيخ أبي حامد الإسفرايني اجتاز به فرأى علمه وفضله فقال له ~~يا أستاذ الاسم لأبي حامد والعلم لك فقال ذاك رفعته بغداد وحطتني الدينور ~~وتولى القضاء ببلده وكانت له نعمة كثيرة وقتله العيارون بالدينور في ليلة ~~السابع والعشرين من شهر رمضان سنة خمس وأربعمائة رحمه الله تعالى وكج بكاف ~~مفتوحة وجيم مشددة وقد تقدم الكلام على الدينور فأغنى عن الإعادة والكجي ~~نسبة إلى جده المذكور PageV07P065 # 837 ابن عبد البر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن ~~عبد البر بن عاصم النمري القرطبي إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق ~~بهما روى بقرطبة عن أبي القاسم خلف بن القاسم الحافظ وعبد الوارث بن سفيان ~~وسعيد نصر وأبي محمد ابن عبد المؤمن وأبي عمر الباجي وأبي عمر الطلمنكي ~~وأبي الوليد ابن الفرضي وغيرهم وكتب إليه من أهل المشرق أبو القاسم السقطي ~~المكي وعبد الغني بن سعيد الحافظ وأبو ذر الهروي وأبو محمد ابن النحاس ~~المصري وغيرهم قال القاضي أبو علي ابن سكرة سمعت شيخنا القاضي أبا الوليد ~~الباجي يقول لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر ابن عبد البر في الحديث وقال ~~الباجي أيضا أبو عمر أحفظ أهل المغرب وقال أبو علي الحسين بن أحمد بن محمد ~~الغساني الأندلسي الجياني المقدم ذكره ابن عبد البر شيخنا من أهل ms1918 قرطبة بها ~~طلب الفقه ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم الفقيه الإشبيلي وكتب ~~بين يديه ولزم أبا الوليد ابن الفرضي الحافظ وعنه أخذ كثيرا من علم الحديث ~~ودأب في PageV07P066 # طلب العلم وافتن به وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من ~~رجال الأندلس وألف في الموطأ كتبا مفيدة منها كتاب التمهيد لما في الموطأ ~~من المعاني والأسانيد ورتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم وهو كتاب ~~لم يتقدمه أحد إلى مثله وهو سبعون جزءا قال أبو محمد ابن حزم لا أعلم في ~~الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه ثم صنع كتاب الاستذكار لمذاهب ~~علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار شرح فيه الموطأ ~~على وجهه ونسق أبوابه وجمع في أسماء الصحابة رضي الله عنهم كتابا جليلا ~~مفيدا سماه الاستيعاب وله كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته ~~وحمله وكتاب الدرر في اختصار المغازي والسير وكتاب العقل والعقلاء وما جاء ~~في أوصافهم وله كتاب صغير في قبائل العرب وأنسابهم وغير ذلك من تواليفه ~~وكان موفقا في التأليف معانا عليه ونفع الله به وكان مع تقدمه في علم الأثر ~~وبصره بالفقه ومعاني الحديث له بسطة كبيرة في علم النسب وفارق قرطبة وجال ~~في غرب الأندلس مدة ثم تحول إلى شرق الأندلس وسكن دانية من بلادها وبلنسية ~~وشاطبة في أوقات مختلفة وتولى قضاء الأشبونة وشنترين في أيام ملكها المظفر ~~بن الأفطس وصنف كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس في ثلاثة أسفار جمع فيه ~~أشياء مستحسنة تصلح للمذاكرة والمحاضرة من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأى في منامه انه دخل الجنة ورأى فيها عذقا مدلى فأعجبه وقال لمن هذا فقيل ~~لأبي جهل فشق ذلك عليه وقال ما لأبي جهل والجنة والله لا يدخلها أبدا فإنها ~~لا تدخلها PageV07P067 # إلا نفس مؤمنة فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مسلما فرح ~~به وقام إليه وتأول ذلك العذق عكرمة ابنه ومنه أيضا أنه قيل لجعفر بن محمد ~~يعني ms1919 الصادق كم تتأخر الرؤيا قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم كأن كلبا ~~أبقع بلغ في دمه فكان شمر ابن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي رضي الله عنه ~~وكان أبرص فكان تأخير الرؤيا بعد خمسين سنة ومن ذلك أيضا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى رؤيا فقصها على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال يا أبا بكر ~~رأيت كأني أنا وأنت نرقى درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف فقال يا رسول الله ~~يقبضك الله تعالى إلى رحمته ومغفرته وأعيش بعدك سنتين ونصفا ومن ذلك أن بعض ~~أهل الشام قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا ~~ومع كل واحد منهما فريق من النجوم قال مع أيهما كنت قال مع القمر قال مع ~~الآية الممحوة لا عملت لي عملا أبدا فعزله وقتل مع معاوية بن أبي سفيان ~~بصفين وقالت عائشة رضي الله عنها رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجري فقال ~~لها أبوها أبو بكر الصديق رضي الله عنه إن صدقت رؤياك دفن في بيتك ثلاثة من ~~خير أهل الأرض فلما دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها قال لها أبو بكر ~~هذا أحد أقمارك وهو خيرها ومنه أيضا أن أعرابيا وقيل هو الحطيئة الشاعر ~~أراد سفرا فقال لامرأته (عدي السنين لغيبتي وتصبري * وذري الشهور فإنهم ~~قصار) فأجابته (اذكر صبابتنا إليك وشوقنا * وارحم بناتك إنهن صغار) فأقام ~~وترك سفره PageV07P068 # وقال الهيثم بن عدي قال لي صالح بن حيان من أفقه ~~الشعراء فقلت اختلف في ذلك فقال أفقه الشعراء وضاح اليمن حيث يقول (إذا قلت ~~هاتي نوليني تبسمت * وقالت معاذ الله من فعل ما حرم) (فما نولت حتى تضرعت ~~عندها * وأعلمتها ما أرخص الله في اللمم) ومنه أيضا قيل لأسلم بن زرعة إن ~~انهزمت من أصحاب مرداس غضب عليك الأمير عبيد الله بن زياد فقال لأن يغضب ~~علي وأنا حي خير من أن يرضى عني وأنا ميت ومنه أيضا سب أعرابي أعرابيا فسكت ~~فقيل له لم ms1920 سكت عنه فقال ليس لي علم بمساويه وكرهت أن ابهته بما ليس فيه ~~(ثالبني عمرو وثالبته * قد أثم المثلوب والثالب) قلت له خيرا وقال الخنا * ~~كل على صاحبه كاذب) وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما إذا قال فيك رجل ما ~~لا يعلم من الخير أوشك أن يقول فيك ما لا يعلم من الشر ومنه أيضا ذكر ~~المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال كان والله أفضل من أن ~~يخدع وأعقل من أن يخدع ومنه أيضا روي أنه لما أهبط الله تعالى آدم عليه ~~السلام إلى الأرض أتاه جبريل عليه السلام فقال يا آدم إن الله عز وجل قد ~~أحضرك ثلاث خصال لتختار منهن واحدة وتتخلى عن ثنتين قال وما هن قال الحياء ~~والدين والعقل قال آدم إني قد اخترت العقل فقال جبريل للحياء والدين ارتفعا ~~فقد اختار العقل قالا لا لا نرتفع قال ولم أعصيتما قالا لا ولكن أمرنا أن ~~لا نفارق العقل حيث كان PageV07P069 # وقال عبد الملك بن عبد الحميد من أبيات (الماء في دار ~~عثمان له ثمن * والخبز فيها له شأن من الشان) (عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن ~~* لكنه يشتهي حمدا بمجان) (والناس أكيس من أن يحمدوا أحدا * حتى يروا عنده ~~آثار إحسان) ومن كتاب بهجة المجالس أيضا قال الرياشي خرج الناس بالبصرة ~~ينظرون هلال شهر رمضان فرآه رجل واحد منهم ولم يزل يومىء إليه حتى رآه معه ~~غيره وعاينوه فلما كان هلال الفطر جاز الجماز صاحب النوادر إلى ذلك الرجل ~~فدق عليه الباب فقال قم أخرجنا مما أدخلتنا فيه (376) قلت وهذا الجماز هو ~~أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء ابن ريان مولى أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه وهو ابن أخت سلم الخاسر قال السمعاني في حقه كان خبيث اللسان ~~حسن النادرة وكان أكبر من أبي نواس وقيل في نسبه غير ذلك والجماز لقبه وهو ~~بفتح الجيم وتشديد الميم وبعد الألف زاي فمن نوادره أنه قال أصبحت في ms1921 يوم ~~مطير فقالت لي امرأتي أي شيء يطيب في هذا اليوم فقلت لها الطلاق فسكتت عني ~~ودخل عليه يوما بعض إخوانه وقد طبخ وغرف الطعام فقال الداخل سبحان الله ما ~~أعجب أسباب الرزق فقال الجماز الحرمان والله أعجب منه امرأته طالق إن ذقته ~~وقال له السروي الشاعر ولدت امرأتي البارحة ولدا كأنه دينار منقوش فقال له ~~الجماز لاعن أمه وللجماز شعر أيضا ذكره في كتاب الورقة فمن ذلك ما كتبه إلى ~~صاحب له وكان يلازم الجامع ثم انقطع عنه (هجرت المسجد الجامع والهجر له ~~ريبه) PageV07P070 # (فلا نافلة تأتي * ولا تشهد مكتوبه) (وأخبارك تأتينا * ~~على الأعلام منصوبه) (فإن زدت من الغيبة زدناك من الغيبة) ومنه أيضا قال ~~أردشير احذروا صولة الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع واعلموا أن الكرام أصبر ~~نفوسا واللئام أصبر أجساما قلت هذا كله نقلته من بهجة المجالس وفيه كفاية ~~فلا حاجة إلى الإطالة وتوفي الحافظ أبو عمر المذكور يوم الجمعة آخر يوم من ~~شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة بمدينة شاطبة من شرق الأندلس وقال ~~صاحبه أبو الحسن طاهر بن مفوز المعافري وهو الذي صلى عليه سمعت أبا عمر ابن ~~عبد البر يقول ولدت يوم الجمعة والإمام يخطب لخمس بقين من شهر ربيع الآخر ~~سنة ثمان وستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وقد تقدم في ترجمة الخطيب أبي ~~بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الحافظ أنه كان حافظ الشرق وابن عبد البر ~~حافظ الغرب وماتا في سنة واحدة وهما إمامان في هذا الفن والنمري بفتح النون ~~والميم وبعدها راء هذه النسبة إلى النمر بن قاسط بفتح النون وكسر الميم ~~وإنما تفتح الميم في النسبة خاصة وهي قبيلة كبيرة مشهورة وقد تقدم الكلام ~~على القرطبي وشاطبة فأغنى عن الإعادة وذكر أبو عمر المذكور أن والده أبا ~~محمد عبد الله بن محمد بن عبد البر توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمانين ~~وثلاثمائة ومولده سنة ثلاثين وثلاثمائة رحمه الله تعالى (377) وكان ولده ~~أبو محمد عبد الله بن يوسف ms1922 من أهل الأدب البارع PageV07P071 # والبلاغة وله رسائل وشعر فمن شعره قوله (لا تكثرن ~~تأملا * واحبس عليك عنان طرفك) (فلربما أرسلته * فرماك في ميدان حتفك) قيل ~~إنه مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة 838 أبو محمد يوسف بن الحسن السيرافي ~~أبو محمد يوسف بن أبي سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي ~~اللغوي الإخباري الفاضل ابن الفاضل قد تقدم ذكر أبيه الحسن في حرف الحاء ~~كان أبو محمد المذكور عالما بالنحو وتصدر في مجلس أبيه بعد موته في التاريخ ~~المذكور في ترجمته وخلفه على ما كان عليه وقد كان يفيد الطلبة في حياة أبيه ~~وأكمل كتاب ابنه الذي سماه الإقناع وهو كتاب جليل نافع في بابه فإن أباه ~~كان قد شرح كتاب سيبويه كما تقدم في ترجمته وظهر له بالاطلاع والبحث في حال ~~التصنيف ما لم يظهر لغيره ممن يعاني هذا الشأن وصنف بعد ذلك الإقناع فكأنه ~~ثمرة استفادته حال البحث والتصنيف ومات قبل إتمامه فكمله ولده يوسف المذكور ~~وإذا تأمله المنصف لم يجد بين اللفظين والقصدين تفاوتا كثيرا ثم صنف يوسف ~~المذكور عدة كتب في شرح أبيات استشهادات كتب مشهورة مثل شرح أبيات كتاب ~~سيبويه وهو الغاية في بابه وبسطه وشرح PageV07P072 # أبيات إصلاح المنطق وأجاد فيه وشرح أبيات المجاز لأبي ~~عبيدة وأبيات معاني الزجاج وشرح ابيات غريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن ~~سلام إلى غير ذلك وكانت كتب اللغة تقرأ عليه مرة رواية ومرة دراية وقرئ ~~عليه كتاب البارع للمفضل بن سلمة وهو كتاب كبير في عدة مجلدات هذب به كتاب ~~العين في اللغة المنسوب إلى الخليل بن أحمد المقدم ذكره وأضاف إليه من ~~اللغة طرفا صالحا ونقل من ظهر نسخه بكتاب إصلاح المنطق قال أبو العلاء ~~المعري حدثني عبد السلام البصري خازن دار العلم ببغداد وكان لي صديقا صدوقا ~~قال كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي وبعض أصحابه يقرأ عليه اصلاح المنطق ~~لابن السكيت فمضى بيت حميد بن ثور (ومطوية الأقراب أما نهارها * فسبت وأما ~~ليلها فذميل) فقال ms1923 أبو سعيد ومطوية اصلحه بالخفض ثم التفت إلينا فقال هذه ~~واو رب فقلت أطال الله بقاء القاضي إن قبله ما يدل على الرفع فقال وما هو ~~فقلت (أتاك بي الله الذي أنزل الهدى * ونور وإسلام عليك دليل) ومطوية ~~الأقراب فعاد وأصلحه وكان ابنه أبو محمد حاضرا فتغير وجهه لذلك فنهض لساعته ~~ووقته والغضب يستطير في شمائله إلى دكانه وكان سمانا فباعها واشتغل بالعلم ~~إلى أن برع فيه وبلغ الغاية فعمل شرح إصلاح المنطق قال أبو العلاء وحدثني ~~من رآه وبين يديه أربعمائة ديوان وهو يعمل هذا الكتاب ولم يزل أمره على ~~سداد واشتغال وإفادة إلى أن توفي ليلة الأربعاء لثلاث PageV07P073 # بقين من شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ~~وعمره خمس وخمسون سنة وشهور ودفن من الغد وصلى عليه أبو بكر محمد بن موسى ~~الخوارزمي ذكر ذلك هلال بن المحسن ابن الصابي الكاتب في تاريخه وقال غيره ~~مولده في سنة ثلاثين وثلاثمائة وتوفي يوم الاثنين لثلاث بقين من الشهر ~~المذكور والله أعلم رحمه الله تعالى وكان دينا صالحا ورعا متقشفا وكان بينه ~~وبين أبي طالب أحمد بن بكر العبدي النحوي المقدم ذكره مباحث ومناظرات ~~منقولة بين الناس وليس هذا موضع ذكرها وقد تقدم الكلام في ترجمة أبيه على ~~السيرافي فلا حاجة إلى إعادته ها هنا وقال ابن حوقل في كتاب المسالك ~~والممالك سيراف فرضة عظيمة لفارس وهي مدينة جليلة أبنيتها ساج متصل إلى جبل ~~يطل على البحر وليس بها ماء ولا زرع ولا ضرع وهي من أغنى بلاد فارس بالقرب ~~من جنابة ونجيرم والله أعلم ومن سيراف ينتهي الإنسان على ساحل البحر إلى ~~حصن ابن عمارة وهو حصن منيع على نحر البحر وليس بجميع فارس حصن أمنع منه ~~ويقال إن صاحبه هو الذي قال الله تعالى في حقه * (وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا) * الكهف 79 وقال غير ابن حوقل كان اسم هذا الملك الجلندي بضم ~~الجيم واللام وسكون النون وفتح الدال المهملة وبعدها ألف وإليه أشار بعضهم ~~يخاطب ms1924 بعض الظلمة (كان الجلندي ظالما * وأنت منه أظلم) وقيل غير ذلك والله ~~أعلم PageV07P074 # 839 يوسف النجيرمي أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن إسماعيل ~~بن خرزاذ النجيرمي اللغوي البصري نزيل مصر هو من أهل بيت فيه جماعة من ~~الفضلاء الأدباء ما منهم إلا من هو ماهر في اللغة كامل الأدوات متقن لها ~~روى أبو يعقوب المذكور عن أبي يحيى زكريا بن يحيى بن خلاد الساجي وطبقته ~~وروى عنه أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي وغيره وكان يوسف أمثل أهل بيته ~~وله خط ليس بالجيد في الصورة وهو في غاية الصحة وكذلك خطوط جماعته قريبة ~~منه ولأهل مصر رغبة وتنافس كثير في خطه حتى بلغت نسخة من ديوان جرير بخطه ~~عشرة دنانير وأكثر ما تروى الكتب القديمة في اللغة والأشعار العربية وأيام ~~العرب في الديار المصرية من طريقه فإنه كان راوية لها عارفا بها وكان أهل ~~بيته يرتزقون بمصر من التجارة في الخشب وكان أبو عبد الله محمد بن بركات بن ~~هلال السعيدي النحوي المصري قد أخذ اللغة من أصحاب أبي يعقوب المذكور وأدرك ~~أبا يعقوب ولم يأخذ عنه شيئا لأنه رآه وهو صبي قال الموفق أبو الحجاج يوسف ~~بن الخلال المصري كاتب الإنشاء الآتي ذكره إن شاء الله تعالى قال لي ابن ~~بركات PageV07P075 # رأيت أبا يعقوب وهو ماش في طريق القرافة وهو شيخ أسمر ~~اللون كث اللحية مدور العمامة بيده كتاب وهو يطالع فيه في مشيته وهذا الذي ~~ذكره ابن بركات فيه نظر فان الحافظ أبا إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله ~~المعروف بالحبال ذكره في كتاب الوفيات الذي جمعه فقال توفي أبو يعقوب بن ~~خرزاذ النجيرمي يوم الثلاثاء رابع المحرم سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وقال ~~غيره ولد أبو يعقوب يوسف النجيرمي يوم عرفة من سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ~~رحمه الله تعالى وابن بركات المذكور ولد بمصر في سنة عشرين وأربعمائة وتوفي ~~بها في سنة عشرين وخمسمائة وكان نحوي مصر هكذا قاله الموفق ابن الخلال ~~المذكور فكيف يمكن أن يرى ms1925 أبا يعقوب وقد كان ابن بركات في تاريخ وفاة ~~النجيرمي في السنة الثالثة من عمره لكن لعله رأى ولده والله أعلم وقال ~~القاضي الفاضل ليس في شعر ابن بركات المذكور أحسن من هذين البيتين وعملهما ~~في مسافر العطار (يا عنق الإبريق من فضة * ويا قوام الغصن الرطب) (هبك ~~تجافيت فأقصيتني * تقدر أن تخرج من قلبي) وكان ابن بركات قد أخذ النحو عن ~~ابن بابشاذ النحوي المقدم ذكره في حرف الطاء وذكره القاضي الرشيد بن الزبير ~~في كتاب الجنان وأثنى عليه وخرزاذ بضم الخاء المعجمة والراء المشددة وبعدها ~~زاي وبعد الألف ذال معجمة قلت هكذا يضبط أهل الحديث هذا الاسم وهو لفظ ~~أعجمي وتفسير زاذ بالعربي ابن وأما خر بتشديد الراء فليس له معنى ~~PageV07P076 # إلا أن يكون أهل العربية قد غيروه كما جرت عادتهم في ~~ذلك فيكون أصله خار بالألف وهو الشوك فيكون خارزاذ معناه ابن الشوك وخرشيذ ~~أيضا الشمس فان كانوا أرادوا هذا وحذفوا شيذ فيحتمل وعلى الجملة فإنهم ~~يتلاعبون بالأسماء العجمية والله أعلم بالصواب ثم وجدت في كتاب البلدان ~~تأليف البلاذري في الفصل المتضمن حديث بلاد فارس وأعمالها أرض أردشير خره ~~ثم قال ومعنى أردشير خره ولد أردشير بها قلت وأردشير بن بابك بن ساسان أول ~~ملوك الفرس كما هو مشهور بين الناس وعلى هذا يكون معنى خرزاذ بها ولد كما ~~هو عادتهم في التقديم والتأخير وتقدير الكلام ولد بها أي بالناحية أو غير ~~ذلك والله أعلم والنجيرمي بفتح النون وكسر الجيم وسكون الياء المثناة من ~~تحتها وفتح الراء وفي آخرها ميم هذه النسبة إلى نجيرم ويقال نجارم قال أبو ~~سعد السمعاني في كتاب الأنساب هي محلة بالبصرة وقال غيره هي قرية في بر ~~البصرة في طريق فارس عند سيراف والله أعلم بالصواب وكذا هي في كتب المسالك ~~والممالك وهي على بحر فارس وظاهر الحال أن جماعة من أهلها دخلوا البصرة ~~وسكنوا هذا المحلة فسميت باسم بلدهم والله أعلم PageV07P077 # 840 يوسف بن وهرة الهمذاني يوسف بن أيوب بن يوسف ms1926 بن ~~الحسين بن وهرة أبو يعقوب الهمذاني الفقيه العالم الزاهد الجليل الرباني ~~صاحب المقامات والكرامات قدم بغداد في صباه بعد الستين وأربعمائة ولازم ~~الشيخ إبا إسحاق الشيرازي المقدم ذكره وتفقه عليه حتى برع في أصول الفقه ~~والمذهب والخلاف وسمع الحديث من القاضي أبي الحسين محمد بن علي ابن المهتدي ~~بالله وأبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون وأبي جعفر محمد بن أحمد بن ~~المسلمة وطبقتهم وسمع بأصبهان وسمرقند وكتب أكثر ما سمعه ثم زهد في ذلك ~~ورفضه واشتغل بالزهد والعبادة والرياضة والمجاهدة حتى صار علما من أعلام ~~الدين يهتدي به الخلق إلى الله تعالى وقدم بغداد في سنة خمس عشرة وخمسمائة ~~وحدث بها وعقد بها مجلس الوعظ بالمدرسة النظامية وصادف بها قبولا عظيما من ~~الناس قال أبو الفضل صافي بن عبد الله الصوفي الشيخ الصالح حضرت مجلس شيخنا ~~يوسف الهمذاني في النظامية وكان قد اجتمع العالم فقام فقيه يعرف بابن ~~السقاء وآذاه وسأله عن مسألة فقال له الإمام يوسف اجلس فإني أجد من كلامك ~~رائحة الكفر ولعلك تموت على غير دين الإسلام قال أبو الفضل PageV07P078 # فاتفق أنه بعد هذا القول بمدة قدم رسول نصراني من ملك ~~الروم إلى الخليفة فمضى إليه ابن السقاء وسأله أن يستصحبه وقال له يقع لي ~~أن أترك دين الإسلام وادخل في دينكم فقبله النصراني وخرج معه إلى ~~القسطنطينية والتحق بملك الروم وتنصر ومات على النصرانية قال الحافظ أبو ~~عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي في تاريخ بغداد في ~~ترجمة يوسف الهمذاني المذكور سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرئ ~~يقول كان ابن السقاء قارئا للقرآن الكريم مجودا في تلاوته حدثني من رآه ~~بالقسطنطينية ملقى على دكة مريضا وبيده خلق مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه ~~قال فسألته هل القرآن باق على حفظك فقال ما اذكر منه إلا آية واحدة * (ربما ~~يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) * الحجر 2 والباقي أنسيته نعوذ بالله من ~~سوء القضاء وزوال نعمته وحلول نقمته ونسأله ms1927 الثبات على دين الإسلام آمين ~~آمين آمين قال أبو سعد ابن السمعاني يوسف بن أيوب الهمذاني من أهل بوزنجرد ~~قرية من قرى همذان مما يلي الري الإمام الورع التقي المتنسك العامل بعلمه ~~والقائم بحقه صاحب الأحوال والمقامات الجليلة وإليه انتهت تربية المريدين ~~الصادقين واجتمع برباطه بمدينة مرو جماعة من المنقطعين إلى الله تعالى ما ~~لا يتصور أن يكون في غيره من الربط مثلهم وكان من صغره إلى كبره على طريقة ~~مرضية وسداد واستقامة خرج من قريته إلى بغداد وقصد الإمام أبا إسحاق ~~الشيرازي وتفقه عليه ولازمه مدة مقامه ببغداد حتى برع في الفقه وفاق أقرانه ~~خصوصا في علم النظر وكان الشيرازي يقدمه على جماعة كثيرة من أصحابه مع صغر ~~سنه لعلمه بزهده وحسن سيرته واشتغاله بما يعنيه ثم ترك كل ما كان فيه من ~~المناظرة وخلا بنفسه واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى ودعوة الخلق ~~إليها وإرشاد الأصحاب PageV07P079 # إلى الطريق المستقيم نزل مرو وسكنها وخرج إلى هراة ~~وأقام بها مدة ثم سئل الرجوع إلى مرو في آخر عمره فأجاب ورجع إليها وخرج ~~إلى هراة ثانيا وعزم على الرجوع إلى مرو في آخر عمره وخرج منها متوجها إلى ~~مرو فأدركته منيته بباميين بين هراة وبغشور في شهر ربيع الأول سنة خمس ~~وثلاثين وخمسمائة ودفن ثم نقل بعد ذلك إلى مرو وكان مولده تقديرا لا تحقيقا ~~في سنة أربعين أو إحدى وأربعين وأربعمائة ببوزنجرد رحمه الله تعالى قلت هذا ~~كله نقلته من تاريخ ابن النجار المذكور مقتضبا وفيه ألفاظ تحتاج إلى إيضاح ~~أما وهرة فهو بفتح الواو والهاء والراء وفي آخره هاء ثانية وهو اسم جده ~~المذكور ولا أعرف معناه بالعربي والقسطنطينية بضم القاف وسكون السين ~~المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون النون وكسر الطاء الثانية وسكون الياء ~~المثناة من تحتها وكسر النون وفتح الياء الثانية وفي آخرها هاء ساكنة وهي ~~أعظم مدائن الروم بناها قسطنطين ملك الروم وهو أول من تنصر من ملوك الروم ~~فنسبت المدينة إليه وأما بوزنجرد فهو ms1928 بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح ~~الزاي والنون وكسر الجيم وسكون الراء وبعدها دال مهملة وهي قرية من قرى ~~همذان على مرحلة منها مما يلي ساوة كذا قال أبو سعد السمعاني في كتاب ~~الأنساب وأما مرو فقد تقدم الكلام عليها وأما باميين بالباء الموحدة وبعد ~~الألف ميم مفتوحة ثم ياء مثناة من تحتها مكسورة وبعدها ياء ثانية ساكنة ثم ~~نون فهي بليدة بخراسان كما ذكرها PageV07P080 # وهراة قد تقدم الكلام عليها وأنها إحدى كراسي خراسان ~~فإنها أربعة نيسابور وهراة ومرو وبلخ وبغشور بفتح الباء الموحدة وسكون ~~الغين المعجمة وضم الشين المعجمة وبعد الواو الساكنة راء وهي بليدة بخراسان ~~أيضا بين مرو وهراة وقد تقدم في ترجمة الحسين بن مسعود الفراء الفقيه ~~البغوي أنه منسوب إليها 841 الأعلم الشنتمرى أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن ~~عيسى النحوي المعروف بالأعلم من أهل شنتمرية الغرب رحل إلى قرطبة في سنة ~~ثلاث وثلاثين وأربعمائة وأقام بها مدة وأخذ عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد ~~بن زكرياء الإفليلي وأبي سهل الحراني وأبي بكر مسلم بن أحمد الأديب وكان ~~عالما بالعربية واللغة ومعاني الأشعار حافظا لجميعها كثير العناية بها حسن ~~الضبط لها مشهورا بمعرفتها وإتقانها أخذ الناس عنه كثيرا وكانت الرحلة في ~~وقته إليه وقد أخذ عنه أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني ~~المقدم ذكره وغيره وكف بصره في آخر عمره وشرح كتاب الجمل في النحو لأبي ~~القاسم الزجاجي وشرح ابيات الجمل في كتاب مفرد وساعد شيخه ابن الإفليلي ~~المذكور على شرح ديوان المتنبي وغالب ظني أنه شرح الحماسة فقد PageV07P081 # كان عندي شرح الحماسة للشنتمري في خمس مجلدات وقد غاب ~~عني الآن من كان مصنفه وأظنه هو والله أعلم وقد أجاد فيه وتوفي سنة ست ~~وسبعين وأربعمائة بمدينة إشبيلية من جزيرة الأندلس وكانت ولادته في سنة عشر ~~وأربعمائة رحمه الله تعالى وذكر أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني ~~الإشبيلي خطيب جامعها قال مات أبي أبو عبد الله محمد بن شريح يوم الجمعة ms1929 ~~منتصف شوال سنة ست وسبعين وأربعمائة فسرت إلى الشيخ الأستاذ أبي الحجاج ~~الأعلم فأعلمته بوفاته فإنهما كانا كالأخوين محبة وودادا فلما أعلمته انتحب ~~وبكى كثيرا واسترجع ثم قال لا أعيش بعده إلا شهرا فكان كذلك ورأيت بخط ~~الرجل الصالح العالم محمد بن خير المقرئ الأندلسي رحمه الله تعالى أن أبا ~~الحجاج المذكور إنما قيل له الأعلم لأنه كان مشقوق الشفة العليا شقا فاحشا ~~قلت ومن كان مشقوق الشفة العليا يقال له أعلم والفعل الماضي منه علم بكسر ~~اللام يعلم بفتحها علما بفتحها أيضا والمرأة علماء إذا كانت كذلك فإن كان ~~مشقوق الشفة السفلى يقال له أفلح بالفاء والحاء المهملة والفعل منه كما ~~تقدم في الأعلم يقال فلح بكسر اللام يفلح فلحا بفتحها فيهما وهذه القاعدة ~~مطردة في العيوب والعاهات كلها أن تكون عين الفعل الماضي مكسورة وفي ~~المضارع والمصدر مفتوحة تقول خرس يخرس خرسا وبرص يبرص برصا وعمي يعمى عمى ~~وكذلك جميعه واسم الفاعل منه على أفعل مثل أخرس وأبرص وأعمى وكذلك أعلم ~~وافلح (378) وكان أبو يزيد سهيل بن عمرو القرشي العامري رضي الله عنه أعلم ~~فلما أسر يوم بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دعني أنزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيبا أبدا قال صلى الله عليه وسلم دعه ~~فعسى أن يقوم مقاما تحمده وكان سهيل من الخطباء الفصحاء PageV07P082 # البلغاء وهو الذي جاء في صلح الحديبية وعلى يده انبرم ~~الصلح ثم إنه أسلم وحسن إسلامه والمقام الذي وعد به صلى الله عليه وسلم ~~لسهيل هو أنه لما قبض صلى الله عليه وسلم كان سهيل بمكة فارتدت جماعة من ~~العرب وحصل عندهم اختلاف فقام سهيل خطيبا وسكن الناس ومنعهم من الاختلاف ~~فكان هذا هو المقام المحمود وقول عمر رضي الله عنه دعني أنزع ثنيته فلا ~~يقوم عليك خطيبا أبدا فإنما قال ذلك لأنه إذا كان مشقوق الشفة العليا ونزعت ~~ثنيته تعذر عليه الكلام إلا بمشقة وكلفة فهذا الذي قصده عمر رضي الله عنه ms1930 ~~وكان عنترة بن شداد العبسي الفارس المشهور أفلح فكان يقال له الفلحاء لفلحة ~~كانت به وإنما ذهبوا به إلى تأنيث الشفة والله أعلم وشنتمرية بفتح الشين ~~المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها والميم وكسر الراء وبعدها ~~ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة وهي مدينة بالأندلس في غربها ~~والحديبية بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وبعدها ياء ساكنة مثناة من ~~تحتها ثم باء موحدة مكسورة ثم ياء ثانية مفتوحة وفي آخرها هاء ساكنة وهو ~~موضع بين مكة والمدينة كانت به بيعة الرضوان ويروى بتشديد الياء الأخيرة ~~أيضا PageV07P083 # 842 بهاء الدين عرف بابن شداد أبو المحاسن يوسف بن ~~رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتاب الأسدي قاضي حلب المعروف بابن شداد ~~الملقب بهاء الدين الفقيه الشافعي توفي أبوه وهو صغير السن فنشأ عند أخواله ~~بني شداد فنسب إليهم وكان شداد جده لأمه وكان يكنى أولا أبا العز ثم غير ~~كنيته وجعلها أبا المحاسن كما ذكرته ولد بالموصل ليلة العاشر من شهر رمضان ~~سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وحفظ بها القرآن الكريم في صغره ثم قدم الشيخ أبو ~~بكر يحيى بن سعدون القرطبي المقدم ذكره إلى الموصل فلازمه وقرأ عليه بالطرق ~~السبع وأتقن عليه فن القراءات قال أبو المحاسن المذكور في بعض تواليفه أول ~~من أخذت عنه شيخي الحافظ صائن الدين أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد ~~الأزدي القرطبي رحمه الله تعالى فاني لازمت القراءة عليه إحدى عشرة سنة ~~فقرأت عليه معظم ما رواه من كتب القراءات وقراءة القرآن العظيم ورواية ~~الحديث وشروحه والتفسير حتى كتب لي حظه شهد لي بأنه ما قرأ عليه أحد أكثر ~~مما قرأت وعندي خطه بجميع ما قرأت عليه في قريب من كراسين وفهرست ما رواه ~~جميعه عندي وأنا أرويه عنه ومما يشتمل عليه فهرست البخاري ومسلم من عدة طرق ~~وغالب كتب PageV07P084 # الحديث وغالب كتب الأدب وغيره وآخر روايتي عنه شرح ~~الغريب لأبي عبيد القاسم بن سلام قرأته عليه في ms1931 مجالس آخرها في العشر ~~الأخير من شعبان سنة سبع وستين وخمسمائة قلت وهي السنة التي مات فيها الشيخ ~~القرطبي حسبما ذكرته في ترجمته (379) ثم قال ومنهم الشيخ أبو البركات عبد ~~الله بن الخضر بن الحسين المعروف بابن الشيرجي سمعت عليه بعض تفسير الثعلبي ~~وأجازني أن أروي عنه جميع ما رواه على اختلاف أنواع الروايات وكتب لي خطه ~~بذلك في فهرست سماعي مؤرخا بخامس جمادى الأولى سنة ست وستين وخمسمائة وكان ~~مشهورا بعلمي الحديث والفقه ولي قضاء البصرة ودرس بالأتابكية القديمة يعني ~~بالموصل (380) ومنهم الشيخ مجد الدين أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد ~~بن عبد القاهر الطوسي الخطيب بالموصل وهو مشهور بالرواية حتى يقصد لها من ~~الآفاق وعاش نيفا وتسعين سنة قلت وكانت ولادة أبي الفضل ابن الطوسي الخطيب ~~المذكور في منتصف صفر سنة سبع وثمانين وأربعمائة ببغداد بباب المراتب وتوفي ~~ليلة الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بالموصل ودفن ~~بمقبرة باب الميدان رحمه الله تعالى رجعنا إلى تتمة كلام أبي المحاسن ابن ~~شداد وسمعت عليه يعني على الخطيب المذكور كثيرا من مسموعاته وأجاز لي جميع ~~ما رواه في السادس والعشرين من رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ومنهم القاضي ~~فخر الدين أبو الرضا سعيد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري سمعت عليه مسند ~~الشافعي رضي الله عنه ومسند أبي عوانة ومسند أبي يعلى الموصلي وسنن أبي ~~داود وكتب لي خطه بذلك وهو في فهرستي PageV07P085 # وسمعت عليه الجامع لأبي عيسى الترمذي وأجاز لي رواية ~~ما رواه وكتب لي خطة بذلك في شوال سنة سبع وستين وخمسمائة (381) ومنهم ~~الحافظ مجد الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي الأشيري ~~الصنهاجي أجاز لي جميع ما يرويه على اختلاف أنواعه وفي فهرستي خطه بذلك ~~مؤرخا بشهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة وفهرسته عندي بذلك قلت توفي أبو ~~محمد عبد الله الأشيري المذكور في شوال سنة إحدى وستين وخمسمائة بالشام ~~ودفن ببعلبك رحمه الله تعالى ظاهر باب ms1932 حمص شمالي البلد ومنهم الحافظ سراج ~~الدين أبو بكر محمد بن علي الجياني قرأت عليه صحيح مسلم من أوله إلى آخره ~~بالموصل والوسيط للواحدي وأجاز لي رواية ما يرويه في تاريخ سنة تسع وخمسين ~~وخمسمائة فهذه أسماء من حضر في خاطري وقد سمعت من جماعة لم يحضرني روايتهم ~~عند جمع هذا الكتاب كشهدة الكاتبة في بغداد وأبي المغيث في الحربية والشيخ ~~رضي الدين القزويني المدرس بالنظامية وجماعة شذت عني طرقهم فلم أذكرهم إذ ~~كان في هؤلاء غنية هذا آخر ما ذكره عن نفسه وقال غيره إنه قرأ الفقه على ~~أبي البركات عبد الله ابن االشيرجي المذكور فقيه الموصل وكان عالما زاهدا ~~متقشفا وتوفي في جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وخمسمائة بالموصل ودفن ~~بظاهرها ثم اشتغل بالخلاف على الضياء ابن أبي حازم صاحب محمد بن يحيى ~~الشهيد النيسابوري ثم باحث في الخلاف متفنني أصحابه كالفخر النوقاني ~~والبروي والعماد النوقاني والسيف الخواري والعماد الميانجي ثم انحدر إلى ~~بغداد بعد التأهل التام ونزل بالمدرسة النظامية وترتب فيها PageV07P086 # معيدا بعد وصوله إليها بقليل وأقام معيدا نحو أربع ~~سنين والمدرس بها يوم ذاك أبو نصر أحمد بن عبد الله بن محمد الشاشي وكانت ~~ولاية ابن الشاشي المذكور التدريس بالنظامية في شهر ربيع الآخر من سنة ست ~~وستين وخمسمائة وعزل عنها في سلخ شهر رجب سنة تسع وستين وتولاها بعده رضي ~~الدين أبو الخير أحمد بن إسماعيل القزويني في التاريخ المذكور وأبو المحاسن ~~المذكور مستمر بها على الإعادة وكان رفيقه في الإعادة السديد محمد السلماسي ~~وقد تقدم ذكره ثم اصعد إلى الموصل في سنة تسع وستين فترتب مدرسا في المدرسة ~~التي أنشأها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري المقدم ذكره ~~ولازم الاشتغال وانتفع به جماعة وله كتاب في الأقضية سماه ملجأ الحكام عند ~~التباس الأحكام ذكر في أوائله أنه حج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وزار ~~البيت المقدس والخليل عليه أفضل الصلاة والسلام بعد الحج والزيارة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ثم دخل دمشق ms1933 والسلطان صلاح الدين محاصر قلعة كوكب فذكر ~~أنه سمع بوصوله فاستدعاه إليه فظن أنه يسأله عن كيفية قتل الأمير شمس الدين ~~ابن المقدم فإنه كان أمير الحاج في تلك السنة من جهة صلاح الدين وقتل على ~~جبل عرفات لأمر يطول شرحه وليس هذا موضع ذكره فلما دخل عليه ذكر أنه قابله ~~بالإكرام التام وما زاد على السؤال عن الطريق ومن كان فيه من مشايخ العلم ~~والعمل وسأله عن جزء من الحديث ليسمعه عليه فأخرج له جزءا جمع فيه أذكار ~~البخاري وأنه قرأه عليه بنفسه فلما خرج من عنده تبعه عماد الدين الكاتب ~~الأصفهاني وقال له السلطان PageV07P087 # يقول لك إذا عدت من الزيارة وعزمت على العود تعرفنا ~~بذلك فلنا إليك مهم فأجابه بالسمع والطاعة فلما عاد عرفه بوصوله فاستدعاه ~~وجمع له في تلك المدة كتابا يشتمل على فضائل الجهاد وما أعد الله سبحانه ~~وتعالى للمجاهدين يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة فخرج إليه واجتمع به على ~~بقيعة حصن الأكراد وقدم له الكتاب الذي جمعه وقال إنه كان عزم على الانقطاع ~~في مشهد بظاهر الموصل إذا وصل إليها ثم إنه اتصل بخدمة صلاح الدين في مستهل ~~جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس ~~الشريف ولما كنت متولي الحكم بدمشق المحروسة جاءني في بعض شهور سنة ست ~~وستين وستمائة إسجال قد ثبت مضمونه عند القاضي أبي المحاسن المذكور وهو ~~يومئذ قاضي العسكر الصلاحي وقد انقطع ثبوته بموت شهوده فتعذر إثباته عندي ~~لذلك وتأملته إلى آخره لأنني استغربته فقد كان شيخنا وأخذنا عنه كثيرا وحصل ~~الانتفاع بصحبته عدنا إلى بقية ما ذكره أبو المحاسن المذكور فقال إنه كان ~~قد حضر إلى خدمة صلاح الدين في صحبة شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن ~~إسماعيل والقاضي محيي الدين ابن الشهرزوري لما وصلا إليه في رسالة واتفق في ~~تلك الدفعة وفاة البهاء الدمشقي المدرس كان بمصر في مدرسة منازل العز وخطيب ~~مصر وأن صلاح الدين عرض عليه تدريس المدرسة المذكورة فلم يفعل ms1934 وأنه حضر عند ~~السلطان دفعة ثانية في رسالة من الموصل وهو على حران وكان صلاح الدين مريضا ~~يومئذ وذكر أنه لما توفي صلاح الدين كان حاضرا وتوجه إلى حلب لجمع كلمة ~~الإخوة أولاد صلاح الدين وتحليف بعضهم لبعض وأن الملك الظاهر غياث الدين بن ~~صلاح الدين صاحب حلب كتب إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح ~~الدين صاحب دمشق يطلبه منه فأجابه إلى ذلك فأرسله الظاهر إلى مصر لاستحلاف ~~أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح PageV07P088 # الدين وعرض عليه الظاهر الحكم بحلب فلم يوافق على ذلك ~~فلما عاد من هذه الرسالة كان القاضي بحلب قد مات فعرض عليه فأجاب هكذا ذكره ~~في كتابه ملجأ الحكام وذكر القاضي كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد ~~المعروف بابن العديم في تاريخه الصغير الذي سماه زبدة الحلب في تاريخ حلب ~~ما مثاله وفي سنة إحدى وتسعين يعني وخمسمائة اتصل القاضي بهاء الدين أبو ~~المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بخدمة الملك الظاهر وقدم إليه إلى حلب وولاه ~~قضاءها ووقوفها وعزل عن قضائها زين الدين ابا البيان نبا ابن البانياسي ~~نائب محيي الدين ابن الزكي وحل عنده بهاء الدين في رتبة الوزارة والمشاورة ~~انتهى كلامه قلت وهذا القاضي نبا هو ابن الفضل بن سليمان الحميري يعرف ~~بيتهم بدمشق ببيت البانياسي وكان السلطان صلاح الدين قد ولى القاضي محيي ~~الدين أبا المعالي محمد بن الزكي الدمشقي المقدم ذكره القضاء بحلب فاستناب ~~فيها زين الدين نبا ابن البانياسي المذكور واستمر بها إلى التاريخ المذكور ~~وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس وليس بها من العلماء إلا نفر يسير ~~فاعتنى أبو المحاسن المذكور بترتيب أمورها وجمع الفقهاء بها وعمرت في أيامه ~~المدارس الكثيرة وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعا جيدا يحصل منه جملة ~~مستكثرة ولم يكن له خرج كثير فإنه لم يولد له ولا كان له أقارب فتوفر له ~~شيء كثير فعمر مدرسة بالقرب من باب العراق قبالة مدرسة نور الدين محمود بن ms1935 ~~زنكي رحمه الله تعالى الشافعية ورأيت تاريخ عمارتها مكتوبا على سقف مسجدها ~~وهو الموضع المعد لإلقاء الدروس وذلك في سنة إحدى وستمائة ثم عمر في جوارها ~~دارا للحديث النبوي وجعل بين المكانين تربة برسم دفنه فيها ولها بابان باب ~~إلى المدرسة PageV07P089 # وباب إلى دار الحديث وشباكان إلى الجهتين وهما ~~متقابلان بحيث إن الذي يقف في أحد المكانين يرى من يكون في المكان الآخر ~~ولما صارت حلب على هذه الصورة قصدها الفقهاء من البلاد وحصل بها الاشتغال ~~والاستفادة وكثر الجمع بها وكان بين والدي رحمه الله تعالى وبين القاضي أبي ~~المحاسن المذكور مؤانسة كثيرة وصحبة صحيحة المودة من زمن الاشتغال بالموصل ~~فجئت إليه وكان أخي قد سبقني بمدة قليلة وكتب سلطان بلدنا الملك المعظم ~~مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين رحمه الله تعالى المقدم ذكره ~~في حرف الكاف كتابا بليغا في حقنا يقول فيه أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين ~~الولدين وأنهما ولدا أخي وولدا أخيك ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد وصية وأطال ~~القول في ذلك فتفضل القاضي أبو المحاسن وتلقانا بالقبول والإكرام وأحسن حسب ~~الإمكان وعمل ما يليق بمثله وأنزلنا في مدرسته ورتب لنا أعلى الوظائف ~~وألحقنا بالكبار مع الشبيبة في السن والابتداء في الاشتغال وقد تقدم في ~~ترجمة الشيخ موفق الدين ابن يعيش النحوي تاريخ دخولي إلى حلب فأغنى عن ~~الإعادة ولم نزل عنده إلى أن توفي في التاريخ الآتي ذكره ولم يكن بمدرسته ~~في ذلك الزمان درس عام لأنه كان المدرس بنفسه وكان قد طعن في السن وضعف عن ~~الحركة وحفظ الدروس وإلقائها فرتب أربعة من الفقهاء الفضلاء برسم الإعادة ~~والجماعة يشتغلون عليهم وكنت أنا وأخي نقرأ على الشيخ جمال الدين أبي بكر ~~الماهاني لأنه كان من بلدنا ورفيق والدنا في الاشتغال عند الشيخ عماد الدين ~~أبي حامد محمد بن يونس المقدم ذكره فمات في ثالث شوال سنة سبع وعشرين ~~وستمائة وقد نيف على ثمانين سنة فترددت إلى الشيخ نجم الدين أبي عبد ms1936 الله ~~محمد بن أبي بكر بن علي المعروف بابن الخباز الموصلي الفقيه PageV07P090 # الإمام وهو إذ ذاك مدرس المدرسة السيفية فقرأت عليه من ~~أول كتاب الوجيز للغزالي إلى الإقرار وعلى الجملة فقد خرجنا عما نحن بصدده ~~بسبب اتصال الكلام وكان القاضي أبو المحاسن المذكور بيده حل الأمور وعقدها ~~لم يكن لأحد معه في الدولة كلام وكان سلطانها الملك العزيز ابا المظفر محمد ~~بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين وهو صغير السن تحت حجر الطواشي شهاب ~~الدين أبي سعيد طغرل وهو أتابكة ومتولي تدبير الدولة بإشارة القاضي أبي ~~المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة ~~ورعاية كبيرة خصوصا جماعة مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان ويفطرون ~~في شهر رمضان على سماطه وكنا نسمع عليه الحديث ونتردد إليه في داره فقد ~~كانت له قبة تختص به وهو شتوية لا يجلس في الصيف والشتاء إلا فيها لأن ~~الهرم كان قد أثر فيه حتى صار كفرخ الطائر من الضعف لا يقدر على الحركة ~~للصلاة وغيرها إلا بمشقة عظيمة وكانت النزلات تعتريه في دماغه فلا يفارق ~~تلك القبة وفي الشتاء يكون عنده منقل كبير عليه من الفحم والنار شيء كثير ~~ومع هذا كله فلا يزال مزكوما وعليه الفرجية البرطاسي والثياب الكثيرة وتحته ~~الطراحة الوثيرة فوق البسط ذوات الخمائل الثخنية بحيث إنا كنا نجد عنده ~~الحر والكرب وهو لا يشعر به لكثرة استيلاء البرودة عليه من الضعف وكان لا ~~يخرج لصلاة الجمعة إلا في شدة القيظ وإذا قام إلى الصلاة بعد الجهد يكاد ~~يسقط ولقد كنت أنظر إلى ساقيه إذا وقف للصلاة وكأنهما عودان رقيقان لا لحم ~~عليهما وكان عقيب صلاة الجمعة يسمع المصلون عنده الحديث عليه وكان يعجبه ~~ذلك وكان حسن المحاضرة جميل المذاكرة والأدب غالب عليه وكان كثيرا ما ينشد ~~في مجالسه (إن السلامة من ليلى وجارتها * أن لا تمر على حال بناديها) ~~PageV07P091 # وكان يتمثل أيضا كثيرا بقول صردر الشاعر المقدم ذكره ~~في حرف العين وهذا البيت من ms1937 جملة قصيدة طويلة وهو (وعهودهم بالرمل قد نقضت ~~* وكذاك ما يبنى على الرمل) فأنشده في بعض الأيام فقال له بعض أصحابنا ~~الحاضرين يا مولانا قد استعمل ابن المعلم العراقي هذا المعنى استعمالا ~~مليحا فقال ابن المعلم هو أبو الغنائم فقال نعم فقال صاحبنا كان كيف قال ~~فأنشده (نقضوا العهود وحق ما يبنى على * رمل اللوى بيد الهوى أن ينقضا) ~~فقال ما أقصر ولقد تلطف في قوله بيد الهوى فقال له يا مولانا وقد استعمله ~~في قصيدة أخرى فقال هات فأنشده (ولم يبن على الرمل * فكيف انتقض العهد) ~~فاستحسنه وكان كثيرا ما ينشد أبيات أبي الفوارس سعد بن محمد المعروف بحيص ~~بيص المقدم ذكره وكان يقول إنه سمعها منه ويرويها عنه وقد تقدم ذكرها في ~~ترجمة الحيص بيص فأغنى عن الإعادة وأولها (لا تضع من عظيم قدر وإن كنت ~~مشارا إليه بالتعظيم) وكان يقول أنشدني القاضي الفاضل لبعضهم ونحن نزول على ~~قلعة صفد (قلت للنزلة لما * أن المت بلهاتي) (بحياتي خل حلقي * فهو دهليز ~~حياتي) قلت هذان البيتان منسوبان إلى ابن الهبارية المقدم ذكره والله أعلم ~~PageV07P092 # وكان كلما نظر إلى نفسه على تلك الحال من الضعف والعجز ~~عن القيام والقعود والصلاة وسائر الحركات ينشد (من يتمن العمر فليدرع * ~~صبرا على فقد أحبائه) (ومن يعمر ير في نفسه * ما يتمناه لأعدائه) ثم وجدت ~~هذين البيتين للظهير أبي إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر قاضي السلامية ~~المقدم ذكره في هذا الكتاب والله أعلم ذكر ذلك صاحبنا الكمال ابن الشعار ~~الموصلي في كتابه عقود الجمان في ترجمة الظهير المذكور وهذا ينظر إلى قول ~~أبي العلاء المعري (تدعو بطول العمر أفواهنا * لمن تناهى القلب في وده) ~~(يسر إن مد بقاء له * وكل ما يكره في مده) والأصل في هذا قول لبيد بن ربيعة ~~العامري (كانت قناتي لا تلين لغامز * فألانها الإصباح والإمساء) (ودعوت ربي ~~بالسلامة جاهدا * ليصحني فإذا السلامة داء) ودخل عليه يوما رجل من أهل ~~الغرب يقال له أبو الحجاج يوسف وكان قريب العهد ms1938 ببلاده ورد حلب في تلك ~~الأيام وكان فاضلا في الأدب والحكمة فلما رآه على تلك الهيئة من الهزال ~~والنحافة أنشده (لو يعلم الناس ما في أن تعيش لهم * بكوا لأنك من ثوب الصبا ~~عاري) (ولو أطاقوا انتقاصا من حياتهم * لما فدوك بشيء غير أعمار) ~~PageV07P093 # فأعجبه ذلك ودمعت عيناه وشكر له وقال لي بعض أصحابنا ~~سمعته يوما وهو يحكي للجماعة الحاضرين عنده قال لما كنا في المدرسة ~~النظامية ببغداد اتفق أربعة خمسة من الفقهاء المشتغلين على استعمال حب ~~البلاذر لأجل سرعة الحفظ والفهم فاجتمعوا ببعض الأطباء وسألوه عن مقدار ما ~~يستعمل الإنسان منه وكيف يستعمله ثم اشتروا القدر الذي قال لهم الطبيب ~~وشربوه في موضع خارج عن المدرسة فحصل لهم الجنون وتفرقوا وتشتتوا ولم يعلم ~~ما جرى عليهم وبعد أيام جاء إلى المدرسة واحد منهم وكان طويلا وهو عريان ~~ليس عليه شيء يستر عورته وعلى رأسه بقيار كبير له عذبة طويلة خارجة عن ~~العادة وقد ألقاها وراءه فوصلت إلى كعبه وهو ساكت عليه السكينة والوقار لا ~~يتكلم ولا يعبث فقام إليه من كان حاضرا من الفقهاء وسألوه عن الحال فقال ~~لهم كنا قد اجتمعنا وشربنا حب البلاذر فأما أصحابي فإنهم جنوا وما سلم منهم ~~إلا أنا وحدي وصار يظهر العقل العظيم والسكون وهم يضحكون منه وهو لا يشعر ~~بهم ويعتقد أنه سالم مما أصاب أصحابه وهو على تلك الحالة لا يفكر فيهم ولا ~~يلتفت إليهم وأخبرني جماعة مما كانوا عنده قبل وصولنا إليه أنه قدم عليه ~~الأديب نظام الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف بن مسعود القيسي القرطبي ~~المعروف بابن خروف الشاعر المعروف فكتب إليه رسالة وفي أولها أبيات يستجديه ~~فروة قرظ وهي (بهاء الدين والدنيا * ونور المجد والحسب) (طلبت مخافة ~~الأنواء * من نعماك جلد أبي) (وفضلك عالم أني * خروف بارع الأدب) (حلبت ~~الدهر أشطره * وفي حلب صفا حلبي) PageV07P094 # ذو الحسب الباهر والنسب الزاهر يسحب ذيول سيراء السراء ~~ويحب النحاة من أجل الفراء ويمن على الخروف النبيه بجلد أبيه ms1939 قانيء الصباغ ~~قريب عهد بالدباغ ما ضل طالب قرظه ولا ضاع بل ذاع ثناء صانعه وضاع أثيث ~~خمائل الصوف يهزأ من الرياح بكل هوجاء عصوف إذا طهر إهابه يخافه البرد ~~ويهابه ما في الثياب له ضريب إذ نزل الجليد والضريب ولا في اللباس له نظير ~~إذا عري من ورقه الغصن النضير لا كطيلسان ابن حرب ولا جلد عمرو الممزق ~~بالضرب كأنه من جلد حمل الجرباء الذي يراعي البدر والنجم لا من جلد السخلة ~~الجرباء التي ترعى الشجر والنجم فرجي النوع أرجى الضوع ليكون تارة لحافا ~~وتارة بردا وهو في الحالين يحيى حرا ويميت بردا لا زال مهديه سعيدا ينجز ~~للأولياء وعدا وللأعداء وعيدا إن شاء الله تعالى والسلام قلت وقد ذكرت في ~~ترجمة أبي الفتح محمد سبط ابن التعاويذي رسالة كتبها إلى عماد الدين الكاتب ~~الأصفهاني المقدم ذكره يطلب منه فروة قرظ أيضا وكل واحدة من الرسالتين ~~بديعة في بابها وفي هذه الرسالة كلام يحتاج إلى إيضاح وهو قوله لا كطيلسان ~~ابن حرب وهو مثل مشهور بين الأدباء فإذا كان الشيء باليا شبهوه بطيلسان ابن ~~حرب ولذلك سبب لا بد من ذكره وهو أن أحمد بن حرب ابن أخي يزيد المهلبي أعطى ~~أبا علي إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه البصري الحمدوي الشاعر الأديب ~~طيلسانا خليعا فعمل فيه الحمدوي مقاطيع عديدة ظريفة سارت عنه وتناقلتها ~~الرواة فمن ذلك قوله من أبيات PageV07P095 # (يا ابن حرب كسوتني طيلسانا * مل من صحبة الزمان فصدا) ~~(طال ترداده إلى الرفو حتى * لو بعثناه وحده لتهدى) وقوله أيضا من ابيات ~~(لقد حالف الرفاء حتى كأنه * يحاول منه أن يعلمه الرفوا) وقوله أيضا (يا ~~ابن حرب كسوتني طيلسانا * أنحلته الأزمان فهو سقيم) (فإذا ما رفوته قال ~~سبحانك * محيي العظام وهي رميم) وقوله أيضا (يا ابن حرب أطلت وتري برفوى * ~~طيلسانا قد كنت عنه غنيا) (فهو في الرفو آل فرعون في العرض * على النار ~~بكرة وعشيا) وله فيه أيضا ( (رأينا طيلسانك يا ابن حرب * يزيد المرء ذا ~~الضعة اتضاعا) ms1940 (إذا الرفاء أصلح منه بعضا * تداعى بعضه الباقي انصداعا) ) ~~(يسلم صاحبي فيقد شبرا * به وأقد في ردي ذراعا) (أجيل الطرف في طرفيه طولا ~~* وعرضا ما أرى إلا رقاعا) (فلست أشك أن قد كان دهرا * لنوح في سفينته ~~شراعا) (وقد غنيت إذ أبصرت منه * بقاياه على كتفي تداعى) (قفي قبل التفرق ~~يا ضباعا * ولا يك موقف منك الوداعا) وقال فيه أيضا وكتبها إلى بعض الرؤساء ~~(دعني أبكي كسوتي إذ ودعت * فلأزمعن على البكا إذ أزمعت) (يا ابن الحسين ~~أما ترى دراعتي * سملا تردت بالبلى وتدرعت) PageV07P096 # (فيها من التمزيق ما لو أنه * مرت بها ريح الصبا ~~لتقشعت) (تحكي تخرق طيلساني إنها * منه تعلمت البلى فتضعضعت) (لا فرج ~~الرحمن عنه إنه * أعدى ثيابي كلها فتقطعت) (فلتحمد الله الجبال فإنها * لو ~~قارنته تخشعت وتصدعت) (وله فيه أيضا (يا ابن حرب كسوتني طيلسانا * يزرع ~~الرفو فيه وهو سباخ) (مات رفاؤه ومات بنوه * وبدا الشيب في بنيهم وشاخوا) ~~وقال فيه أيضا (طيلسان لو كان لفظا إذن ما * شك خلق في أنه بهتان) (فهو ~~كالطور إذ تجلى له الله فدكت قواه والأركان) (كم رفوناه إذ تمزق حتى * بقي ~~الرفو وانقضى الطيلسان) وله فيه أيضا (يا ابن حرب إني أرى في زوايا * بيتنا ~~مثل من كسوت جماعه) (طيلسان رفوته ورفوت الرفو منه وقد رقعت رقاعه) (فأطاع ~~البلى فصار خليعا * ليس يعطي الرفاء في الرفو طاعه) (فإذا سائل رآني فيه * ~~ظن أني فتى من أهل الصناعة) (وله فيه أيضا (قل لابن حرب طيلسانك * قوم نوح ~~منه أحدث) (هو طيلسان لم يزل * عمن مضى من قبل يورث) (فإذا العيون لحظنه * ~~فكأنه باللحظ يحرث) (يودي إذا لم أرفه * فإذا رفوت فليس يلبث) (كالكلب إن ~~تحمل عليه الدهر أو تتركه يلهث) PageV07P097 # ويقال إنه عمل في هذا الطيلسان مائتي مقطوع في كل ~~مقطوعة معنى بديع (وكان الأصل الذي حمل الحمدوي المذكور على عمل هذه ~~المقاطيع أنه وقف على أبيات عملها أبو حمران السلمي بضم الحاء المهملة في ~~طيلسانه وكان قد أخلق حتى بلي ms1941 فقال فيه (يا طيلسان أبي حمران قد برمت * منك ~~الحياة فما تلتذ بالعمر) (في كل يومين رفاء يجدده * هيهات ينفع تجديد مع ~~الكبر) (إذا ارتداه لعيد أو لجمعته * تنكب الناس لا يبلى من النظر) وهذا ~~البيت الثالث أخذه من قول النظام بفتح النون وتشديد الظاء المعجمة أبي ~~إسحاق إبراهيم بن سيار البلخي المتكلم المعتزلي في وصف غلام رقيق البشرة ~~(رق فلو بزت سرابيله * علقه الجو من اللطف) (يجرحه الناس بألحاظهم * ويشتكي ~~الإيماء بالكف) وأنشدني بعض الأدباء بمدينة الموصل في شهر رمضان سنة ست ~~وعشرين وستمائة في هذا المعنى لبعض الشعراء (توهمها طرفي فأصبح خدها * وفيه ~~مكان الوهم من نظري أثر) (وصافحها قلبي فأدمى بنانها * فمن لمس قلبي في ~~أناملها عقر) وأنشدني الشيخ أيدمر الصوفي المسمى إبراهيم لنفسه دوبيت في ~~هذا المعنى (كلفت صبا العراق لما خطرت * أن تحمل لي تحية ما قدرت) (قالت لي ~~خيفتي على وجنته * إن جزت بها جرحتها فاعتذرت) ولبعض الأدباء الفقراء من ~~جملة أبيات شكا فيها رقة حاله ورثاثة ثيابه ما يقرب من هذا المعنى وهو قوله ~~(ولي ثياب رثاث لست أغسلها * أخاف أعصرها تجري مع الماء) PageV07P098 # وقد قيل في هذا المعنى شيء كثير والاختصار أولى والله ~~أعلم وأما قوله ولا جلد عمرو الممزق بالضرب فيريد قول النحاة ضرب زيدا عمرا ~~فإنهم أبدا يستعملون هذا المثال ولا يمثلون بغيره فكأنهم يمزقون جلده بكثرة ~~الضرب عدنا إلى ما كنا عليه وكان القاضي أبو المحاسن المذكور يسلك طريق ~~البغاددة في ترتيبهم وأوضاعهم وحتى إنه كان يلبس ملبوسهم والرؤساء الذين ~~يترددون إليه كانوا ينزلون عن دوابهم على قدر أقدارهم لكل واحد منهم مكان ~~معين لا يتعداه ثم إنه تجهز إلى الديار المصرية لإحضار ابنة الملك الكامل ~~ابن الملك العادل للملك العزيز صاحب حلب وكان قد عقد نكاحه عليها فسافر في ~~أول سنة تسع وعشرين أواخر سنة ثمان وعشرين وستمائة وعاد وقد جاء بها في شهر ~~رمضان من السنة ولما وصل كان قد استقل الملك العزيز بنفسه ورفعوا عنه الحجر ms1942 ~~ونزل الأتابك طغرل من القلعة إلى داره تحت القلعة واستولى على الملك العزيز ~~جماعة من الشباب الذي كانوا يعاشرونه ويجالسونه فاشتغل بهم ولم ير القاضي ~~أبو المحاسن وجها يرتضيه فلازم داره إلى حين وفاته وهو باق على الحكم ~~وإقطاعه جار عليه غاية ما في الباب أنه لم يبق له حديث في الدولة ولا كانوا ~~يراجعونه في الأمور فصار يفتح بابه لإسماع الحديث كل يوم بين الصلاتين وظهر ~~عليه الخرف بحيث إنه صار إذا جاءه الإنسان لا يعرفه وإذا عاد قام يسأل عنه ~~ولا يعرفه واستمر على هذه الحال مديدة ثم مرض أياما قلائل وتوفي يوم ~~الأربعاء رابع عشر صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى بحلب ~~ودفن في التربة المقدم ذكرها وحضرت الصلاة عليه ودفنه وما جرى بعد ذلك ~~(وصنف كتاب ملجأ الحكام عند التباس الأحكام يتعلق بالأقضية في مجلدين وكتاب ~~دلائل الأحكام تكلم فيه على الأحاديث المستنبط PageV07P099 # منها الأحكام في مجلدين وكتاب الموجز الباهر في الفقه ~~وغير ذلك وكتاب سيرة صلاح الدين ابن أيوب رحمه الله تعالى وجعل داره خانقاه ~~للصوفية لأنه لم يكن له وارث ولازم الفقهاء والقراء تربته مدة طويلة يقرأون ~~عند قبره وكان قد قرر قدام كل واحد من الشباكين المذكورين اللذين للتربة ~~سبعة قراء وكان غرضه أن يقرأ عنده كل ليلة ختمة كاملة فكان كل واحد من ~~القراء الأربعة عشر يقرأ نصف سبع بعد صلاة العشاء الآخرة وفارقت حلب متوجها ~~إلى الديار المصرية في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ~~وستمائة والأمور جارية على هذه الأوضاع ثم بعد ذلك تغيرت تلك الأمور ~~وانتقضت قواعدها وزال جميع ذلك على ما بلغني (382) وتوفي الشيخ نجم الدين ~~ابن الخباز المذكور في السابع من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة بحلب ~~ودفن ظاهرها خارج باب أربعين وحضرت الصلاة عليه ودفنه رحمه الله تعالى وكان ~~مولده في التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وخمسمائة ~~بالموصل (383) وتوفي الأتابك شهاب الدين طغرل المذكور ليلة الاثنين الحادية ms1943 ~~عشرة من محرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بحلب ودفن بمدرسته الحنفية خارج باب ~~أربعين وكان خادما أرمني الجنس أبيض حسن السيرة محمود الطريقة وحضرت الصلاة ~~عليه ودفنه رحمه الله تعالى (384) وتوفي أبو الحسن ابن الخروف الأديب ~~المذكور بحلب في سنة أربع وستمائة مترديا في جب PageV07P100 # 843 يوسف بن عمر الثقفي أبو عبد الله يوسف بن عمر بن ~~محمد بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي وقد تقدم ذكر بقية نسبه في ~~ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي فإنه ابن ابن عم الحجاج يجتمعان في الحكم بن ~~أبي عقيل قال خليفة بن خياط ولى هشام بن عبد الملك يوسف بن عمر اليمن ~~فقدمها لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست ومائة فلم يزل واليا بها حتى كتب ~~إليه هشام في سنة عشرين ومائة بولايته على العراق فاستخلف على اليمن ابنه ~~الصلت ابن يوسف وقال البخاري كانت ولاية يوسف بن عمر العراق سنة إحدى ~~وعشرين ومائة إلى سنة أربع وعشرين وقال غيره لما أراد هشام بن عبد الملك ~~صرف خالد بن عبد الله القسري عن العراق كان قد جاءه رسول يوسف ابن عمر ~~الثقفي من اليمن فدعا هشام بالرسول وقال له إن صاحبك قد تعدى طوره وسأل فوق ~~قدره وأمر بتخريق ثيابه وضربه أسواطا وقال له امض إلى صاحبك فعل الله به ~~وصنع ودعا بسالم اليمامي مولى سالم بن عنبسة بن عبد الملك وكان على ديوان ~~الرسائل وقال له اكتب إلى يوسف ابن عمر بشيء أمره به واعرض الكتاب علي فمضى ~~سالم ليكتب ما أمره به وخلا هشام بنفسه وكتب كتابا صغيرا بخطه إلى يوسف بن ~~عمر PageV07P101 # وفيه سر إلى العراق فقد وليتك إياه وإياك أن يعلم بك ~~أحد واشفني من ابن النصرانية يعني خالدا ومن عماله وأمسك الكتاب بيده وحضر ~~سالم بالكتاب الذي كتبه وعرضه عليه فغافله وجعل الكتاب الصغير في طية وختمه ~~ودفعه إلى سالم وقال له ادفعه إلى رسول يوسف ففعل ذلك وانفصل الرسول فلما ~~وصل إلى يوسف قال ms1944 له ما وراءك قال الشر أمير المؤمنين ساخط عليك وقد أمر ~~بتخريق ثيابي وضربي ولم يكتب جواب كتبك وهذا كتاب بخط صاحب الديوان ففض ~~الكتاب وقرأه فلما بلغ إلى آخره وقف على الكتاب الصغير فاستخلف ابنه الصلت ~~وسار إلى العراق وقد كان يخلف سالما الكاتب على ديوان الرسائل بشير بن أبي ~~طلحة من أهل الأردن وكان فطنا فلما وقف على ما كان من هشام قال هذه حيلة ~~وقد ولى يوسف بن عمر العراق فكتب إلى عياض عامل أجمة سالم وكان وادا له إن ~~أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني فإذا أتاك فالبسه واحمد الله تعالى ~~وأعلم طارقا بذلك وكان عامل خالد بن عبد الله القسري على الكوفة وما يليها ~~ثم ندم بشير على ما كان منه فكتب إلى عياض إن القوم قد بدا لهم في البعثة ~~إليك بالثوب اليماني فعرف عياض أيضا طارقا بذلك فقال طارق الخبر في الكتاب ~~الأول ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر أمره وركب من ساعته إلى خالد فخبره ~~الخبر فقال له فما ترى قال أرى أن تركب من ساعتك هذه إلى أمير المؤمنين ~~فإنه إذا رآك استحيا منك وزال شيء إن كان في نفسه عليك فلم يقبل ذلك فقال ~~له فتأذن لي أن أصير إلى حضرته وأضمن له مال جميع هذه السنة قال وما مبلغ ~~ذلك قال مائة ألف ألف درهم وآتيك بعهدك قال ومن أين هذه الأموال والله ما ~~أملك عشرة آلاف درهم فقال أتحمل أنا وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم ~~وكان سعيد يتقلد سقي الفرات والزينبي وابان بن الوليد عشرين ألف ألف درهم ~~ونفرق الباقي على باقي العمال فقال له إني إذا للئيم أن أسوغ قوما شيئا ثم ~~ارجع عليهم PageV07P102 # به فقال له إنما نقيك ونقي أنفسنا ببعض أموالنا وتبقى ~~النعمة عليك وعلينا بك ونستأنف طلب الدنيا خير من أن نطالب بالأموال وقد ~~حصلت عند تجار أهل الكوفة فيتقاعسوا عنا ويتربصوا بنا فنقتل وتذهب أنفسنا ~~وتحصل الأموال لهم يأكلونها فأبى خالد ms1945 ذلك عليه فودعه وقال هذا آخر العهد ~~بك ووافاهم يوسف بن عمر فمات طارق في العذاب ولقي خالد وجميع عماله كل شر ~~ومات منهم في العذاب بشر كثير وكان ما استخرج يوسف من خالد وأسبابه تسعين ~~ألف ألف درهم قلت وقد تقدم طرف من خبر خالد بن عبد الله القسري في ترجمته ~~فتطلب منه وقد تقدم في ترجمة عيسى بن عمر الثقفي النحوي ذكر يوسف ابن عمر ~~المذكور وما جرى له معه في الوديعة وقال أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر ~~البلاذري في كتاب أنساب الأشراف وأخبارهم إن هشام بن عبد الملك كان قد تغير ~~على خالد بن عبد الله القسري أمير العراق لأمور نقلت عنه فحقد عليه منها ~~كثرة أمواله وأملاكه ومنها أنه كان يطلق لسانه في حق هشام بما يكرهه وغير ~~ذلك من الأسباب فعزم على عزله وأخفى ذلك وكان يوسف بن عمر الثقفي عامله على ~~اليمن فكتب هشام إليه بخطه يأمره أن يقبل في ثلاثين من أصحابه إلى الكوفة ~~وكتب مع الكتاب بعهده على العراق فخرج يوسف حتى صار إلى الكوفة في سبعة عشر ~~يوما فعرس قريبا منها وقد ختن طارق خليفة خالد القسري على الخراج ولده ~~فأهدي إليه ألف عتيق وألف وصيف وألف وصيفة سوى المال والثياب وغير ذلك فجاء ~~رجل إلى طارق فقال له إني رأيت قوما أنكرتهم وزعموا أنهم سفار وصار يوسف بن ~~عمر إلى دور بني ثقيف فأمر بعض الثقفيين فجمع له من قدر عليه من مضر ففعل ~~فدخل يوسف المسجد مع الفجر فأمر المؤذن بالإقامة فقال حتى يأتي الإمام ~~PageV07P103 # فانتهره فأقام وتقدم يوسف فصلى وقرأ * (إذا وقعت ~~الواقعة) * الواقعة 1 و * (سأل سائل) * المعارج 1 ثم أرسل إلى خالد وطارق ~~وأصحابهما فأخذوا وإن القدور لتغلي وقال أبو عبيدة حبس يوسف خالدا فصالحه ~~أبان بن الوليد عنه وعن أصحابه على تسعة آلاف ألف درهم ثم ندم يوسف وقيل له ~~لو لم تقبل هذا المال لأخذت منه مائة ألف ألف درهم فقال ما ms1946 كنت لأرجع عن ~~شيء رهنت به لساني وأخبر أصحاب خالد خالدا فقال أسأتم حين أعطيتموه هذا ~~المال في أول وهلة ما يؤمنني أن يأخذها ثم يرجع عليكم فارجعوا إليه فأتوه ~~فقالوا إنا أخبرنا خالدا بما فارقناك عليه من المال فذكر أنه ليس عنده فقال ~~أنتم أعلم وصاحبكم فأما أنا فلا أرجع عليكم وإن رجعتم لم أمنعكم قالوا فإنا ~~قد رجعنا قال فوالله لا أرضى بتسعة آلاف ألف ولا بمثلها ومثلها فذكر ثلاثين ~~ألف ألف ويقال مائة ألف ألف وقال أشرس مولى بني أسد وكان تاجرا ليوسف بن ~~عمر أتانا كتاب هشام فقرأه يوسف فكتمنا ما فيه وقال أريد العمرة فخرج وأنا ~~معه واستخلف ابنه الصلت على اليمن فما كلم أحدا منا بكلمة واحدة حتى انتهى ~~إلى العذيب فأناخ وقال يا أشرس أين دليلك فقلت هو ذا فسأله عن الطريق فقال ~~هذه طريق المدينة وهذه طريق العراق فقلت والله ما هي بأيام عمرة فلم يتكلم ~~حتى أناخ بين الحيرة والكوفة في بعض الليل ثم استلقى على ظهره ورفع إحدى ~~رجليه على الأخرى وقال (فما لشتنا العيس أن قذفت بنا * نوى غربة والعهد غير ~~قديم) ثم قال يا أشرس ابغني إنسانا أسائله فأتيته برجل فقال سله عن ابن ~~النصرانية يعني خالدا القسري فقلت ما فعل خالد قال في الحمة اشتكى فخرج ~~إليها فقال سله عن طارق فقال ختن بنيه فهو يطعم الناس بالحيرة وخليفته عطية ~~بن مقلاص يطعم الناس بالكوفة PageV07P104 # قال خل عن الرجل ثم ركب فأناخ بالرحبة ودخل المسجد ~~فصلى يوسف ثم استلقى على ظهره فمكثنا ليلا طويلا ثم جاء المؤذنون وزياد بن ~~عبيد الله الحارثي يومئذ على الكوفة خليفة لخالد فأذنوا ثم سلموا وخرج زياد ~~فأقيمت الصلاة فذهب زياد ليتقدم فقال يوسف يا أشرس نحه فقلت يا زياد تأخر ~~الأمير فتأخر زياد وتقدم يوسف وكان حسن القراءة فصيحا فقرأ (إذا وقعت ~~الواقعة) * (سأل سائل بعذاب واقع) * فصلى الفجر وتقدم القاضي فحمد الله ~~وأثنى عليه ودعا للخليفة وقال ما اسم أميركم ms1947 فأخبر فدعا له بالصلاح فما ~~تفرق أهل الصلاة حتى جاء الناس ولم يبرح يوسف حتى بعث إلى خالد وإلى أبان ~~بن الوليد بفارس وإلى بلال بن أبي بردة بالبصرة وإلى عبد الله بن أبي بردة ~~بسجستان وأمر هشام أن تعزل عمال خالد جميعهم إلا الحكم بن عوانة وكان على ~~السند فأقره حتى قتل هو وزيد بن علي في يوم واحد قتله ناكهر ولما أتى خالد ~~قيل له الأمير يوسف قال دعوني من أميركم أحي هو أمير المؤمنين قيل نعم فقال ~~لا بأس علي فلما قدم بخالد على يوسف حبسه وضرب يزيد بن خالد ثلاثين سوطا ~~فكتب هشام إلى يوسف أعطي الله عهدا لئن شاكت خالدا شوكة لأضربن عنقك فخل ~~سبيله بثقله وعياله فأتى الشام فلم يزل مقيما به يغزو الصوائف حتى مات هشام ~~وقيل إن يوسف استأذن هشاما في بسط العذاب على خالد فلم يأذن له حتى ألح ~~عليه بالرسل واعتل بانكسار الخراج لما صار إليه وإلى عماله منه فإذن له فيه ~~مرة واحدة وبعث حرسيا يشهد ذلك وحلف لئن أتى على خالد أجله ليقتلنه به فدعا ~~به يوسف وجلس على دكان بالحيرة وحضر الناس وبسط عليه العذاب فلم يكلمه خالد ~~حتى شتمه يوسف وقال يا ابن الكاهن يعني شقا أحد أجداد خالد وهو الكاهن ~~المشهور قلت كما تقدم في ترجمة خالد قال فقال له خالد إنك لأحمق تعيرني ~~بشرفي لكنك ابن السباء إنما كان أبوك يسبأ الخمر قلت معناه يبيع الخمر قال ~~ثم رد خالدا إلى محبسه فأقام ثمانية عشر شهرا ثم كتب إليه هشام PageV07P105 # يأمره بتخلية سبيله في شوال سنة إحدى وعشرين ومائة ~~وخرج خالد ومعه جماعة من أهله وغيرهم حتى أتى القرية وهي من أرض الرصافة ~~فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم وصفر لا يأذن له هشام في ~~القدوم عليه قال الهيثم بن عدي وخرج زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن ~~علي ابن أبي طالب رضي الله عنه على يوسف بن عمر ms1948 فكتب يوسف إلى هشام إن أهل ~~هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعا حتى كانت همة أحدهم قوت يومه ~~فلما ولي خالد العراق قواهم بالأموال حتى تاقت أنفسهم إلى طلب الخلافة وما ~~خرج زيد إلا بإذن خالد وما مقامه بالقرية إلا لأنها مدرجة الطريق فهو يسأل ~~عن أخباره فقال هشام للرسول كذبت وكذب صاحبك ومهما اتهمنا به خالدا فإنا لا ~~نتهمه في طاعته وأمر بالرسول فوجئت عنقه وبلغ الخبر خالدا فصار إلى دمشق ~~وقال أبو الحسن المدائني أمر يوسف بن عمر ببلال بن أبي بردة بن أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه وكان بلال عامل خالد القسري على البصرة فعذب فضمن ~~ثلاثمائة ألف درهم وأخذ منه كفلاء فأخفرهم وهرب إلى الشام فيقال إن غلامه ~~أراد أن يشتري له دراجا فعرف ويقال بل شوى له غلامه دراجا فأحرقه فضربه ~~فسعى به فأتي به يوسف بن عمر فأمر به فأقيم في الشمس فقال أدنوني من أمير ~~المؤمنين فله علي ما طلب فأبى ورده إلى يوسف فعذبه حتى قتله وقال أخوه عبد ~~الله بن أبي بردة للسجان ارفع اسمي في الموتى فرفعه فقال يوسف أرنيه ميتا ~~فغمه السجان حتى مات ويقال بل كان بلال الذي سأل السجان رفع اسمه في الموتى ~~والمقتول في العذاب عبد الله والله أعلم بذلك وقال يونس النحوي ما قتل ~~بلالا إلا دهاؤه سأل السجان أن يرفع اسمه في الموتى PageV07P106 # ويعطيه مالا فقال يوسف اعرض الموتى علي فغمه حتى مات ~~وعرضه عليه ميتا وقال المدائني ولى يوسف بن عمر صالح بن كريز ولاية فخرجت ~~عليه ثلاثون ألفا فحبس بها وبلال بن أبي بردة يومئذ محبوس فقال له بلال إن ~~على العذاب سالما ويلقب رتبيل فإياك أن تقول له رتبيل فإنه يكره ذلك وجعل ~~بلال يردد عليه القول في ذلك فعذبه سالم فنسي اسمه وكنيته وجعل يقول له يا ~~رتبيل اتق الله يا رتبيل اتق الله وكرر عليه القول في ذلك من ألم العذاب ~~وهو يقول اقتل من ms1949 غيظه عليه فلما خلي عنه قال له بلال ألم أنهك عن رتبيل ~~فقال وهل أوقعني في رتبيل غيرك أنا ما كنت أعرف رتبيل لولا أنت وما تدع شرك ~~في سراء ولا ضراء وقال المدائني أيضا كان على شرط يوسف بن عمر العباس بن ~~سعد المري وكان كاتبه قحذم بن سليمان بن ذكوان وزياد بن عبد الرحمن مولى ~~ثقيف وعلى حرسه وحجابته جندب وفيه يقول الشاعر (أتانا أمير شديد النكال * ~~لحاجب حاجبه حاجب) وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخ دمشق بلغني ~~أن يوسف بن عمر كان قد أخذ مع آل الحجاج بن يوسف الثقفي ليعذب ويطلب منه ~~المال فقال أخرجوني لأسأل فدفع إلى الحارث بن مالك الجهضمي يطوف به وكان ~~مغفلا فانتهى به إلى دار لها بابان فقال يوسف دعني أدخل هذه الدار فإن فيها ~~عمة لي أسألها فأذن له فدخل وخرج من الباب الآخر وهرب وذلك في خلافة سليمان ~~بن عبد الملك وكان يوسف يسلك طرائق ابن عم أبيه الحجاج بن يوسف في الصرامة ~~والشدة في الأمور وأخذ الناس بالمشاق ولم يزل على ذلك إلى حين عزله وذكر ~~عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار البصرة أن يوسف بن عمر وزن درهما فنقص ~~حبة فكتب إلى دور الضرب بالعراق فضرب PageV07P107 # أهلها فأحصي في تلك الحبة مائة ألف سوط ضربها الناس ~~وكان يوسف مذموما في عمله أخرق سئ السيرة وكان جوادا فكان يطعم الناس على ~~خمسمائة خوان أقصاها وأدناها سواء يأكل منها الشامي والعراقي وعلى كل خوان ~~فرنية عليها السكر فنفد السكر من فرنية فتكلم أهلها فضرب الخباز ثلاثمائة ~~سوط والناس يأكلون فكان الخباز يتخذ الخرائط فيها السكر فكلما نفد زادوا ~~وروى الحكم بن عوانة الكلبي عن أبيه قال لم يؤيد الملك بمثل كلب ولم تعل ~~المنابر بمثل قريش ولم تطلب الترات بمثل تميم ولم ترع الرعايا بمثل ثقيف ~~ولم تسد الثغور بمثل قيس ولم تهج الفتن بمثل ربيعة ولم يجب الخراج بمثل ~~اليمن وقال الأصمعي قال يوسف بن ms1950 عمر لرجل ولاه عملا يا عدو الله أكلت مال ~~الله فقال له فمال من آكل منذ خلقت وإلى الساعة والله لو سألت الشيطان ~~درهما واحدا ما أعطانيه وكان يوسف بن عمر قد استعمل على خراسان نصر بن سيار ~~الليثي وبقي إلى آخر أيام بني أمية وقضاياه ووقائعه مع أبي مسلم الخراساني ~~مشهورة في مواضعها وفيه وفي يوسف يقول سوار بن الأشعر (أضحت خراسان بعد ~~الخوف آمنة * من ظلم كل غشوم الحكم جبار) (لما أتى يوسفا أخبار ما لقيت * ~~اختار نصرا لها نصر بن سيار) وقال سماك بن حرب بعث إلي يوسف بن عمر وهو ~~أمير العراق أن عاملا لي كتب إلي إني قد زرعت لك كل خق ولق فما هما فقلت إن ~~الخق ما اطمأن من الأرض واللق ما ارتفع منها انتهى كلامه قلت وذكر الجوهري ~~في كتاب الصحاح أن الخق الغدير إذا جف وتقلع واللق الشق المستطيل وقيل الخق ~~حفرة غامضة في الأرض والخق بضم الخاء المعجمة وتشديد القاف واللق بضم اللام ~~وتشديد القاف والله أعلم PageV07P108 # وكان يوسف بن عمر من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة ~~كانت لحيته تجوز سرته وكان يضرب به المثل في التيه والحمق وذكر ذلك حمزة ~~الأصبهاني في كتاب الأمثال فقال قولهم أتيه من أحمق ثقيف هو يوسف ابن عمر ~~كان أتيه أحمق عربي أمر ونهى في دولة الإسلام فمن حمقه أن حجاما أراد أن ~~يحجمه فارتعدت يده فقال لحاجبه قل لهذا البائس لا تخف وما رضي أن يقول له ~~بنفسه وكان الخياط إذا أراد أن يفصل ثيابه فإن قال يحتاج إلى زيادة ثوب آخر ~~أكرمه وحباه وإن فضل شيء أهانه وأقصاه لأنه يكون قد نبه على قصره ودمامته ~~واستمر يوسف على ولاية العراق بقية مدة هشام بن عبد الملك فلما توفي في يوم ~~الأربعاء لست خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة بالرصافة من أرض ~~قنسرين وبها قبره وكان عمره خمسا وخمسين سنة وقيل أربعا وخمسين وقيل اثنتين ~~وخمسين سنة والله أعلم وكنيته ms1951 أبو الوليد تولى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن ~~عبد الملك بعده فأقر يوسف ابن عمر على ولايته بالعراق وقتل الوليد المذكور ~~يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة وكان قد عزم ~~على عزل يوسف ابن عمر وتولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي ~~وكانت أم الوليد بن يزيد المذكور أم الحجاج بنت محمد بن يوسف فالحجاج عمها ~~فكتب الوليد إلى يوسف بن عمر إنك قد كنت كتبت إلي تذكر أن خالد بن عبد الله ~~القسري أخرب العراق وكنت مع ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل وينبغي أن تكون قد ~~عمرت البلاد حتى رددتها إلى ما كانت عليه فاشخص إلينا وصدق ظننا بك فيما ~~تحمله إلينا بعمارتك البلاد حتى نعرف فضلك على غيرك لما بينا وبينك من ~~القرابة فإنك خالنا وأحق الناس بالتوفير علينا وقد علمت ما زدنا لأهل الشام ~~في العطاء وما وصلنا أهل بيتنا به لجفوة هشام إياهم حتى أضر ذلك ببيوت ~~الأموال PageV07P109 # فخرج يوسف بن عمر بنفسه إلى الوليد بن يزيد وحمل من ~~الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحمل من العراق مثله فقدم وخالد بن عبد ~~الله القسري محبوس فلقيه حسان النبطي ليلا وأخبره أن الوليد قد عزم على ~~تولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج وأنه لا بد له من إصلاح أمر وزرائه فقال ~~يوسف ليس عندي شيء فقال له حسان عندي خمسمائة ألف درهم فإن شئت فهي لك وإن ~~شئت فارددها إذا تيسرت فقال له يوسف أنت أعلم بالقوم ومنازلهم من الوليد ~~ففرقها على قدر علمك فيهم ففعل فقدم يوسف والقوم يعظمونه وقرر يوسف بن عمر ~~مع أبان بن عبد الرحمن النميري أن يشتري خالد بن عبد الله القسري بأربعين ~~ألف ألف درهم فقال الوليد ليوسف ارجع إلى عملك فقال أبان له ادفع إلي خالدا ~~وأدفع إليك أربعين ألف ألف درهم فقال الوليد ومن يضمن عنك هذا المال فقال ~~يوسف فقال ليوسف أتضمن عنه فقال يوسف ادفعه إلي ms1952 فأنا أستأديه خمسين ألف ألف ~~درهم فدفعه إليه فحمله في محمل بغير وطاء وقدم به إلى العراق فقتله كما ~~شرحته في ترجمته ولما قتل الوليد بن يزيد وتولى بعده ابن عمه يزيد بن ~~الوليد بن عبد الملك وأطاعه أهل الشام وانبرم له الأمر ندب لولاية العراق ~~عبد العزيز بن هارون ابن عبد الملك بن دحية بن خليفة الكلبي فقال له عبد ~~العزيز لو كان معي جند لقبلت فتركه وولاها منصور بن جمهور وأما أبو مخنف ~~فإنه قال قتل الوليد بن يزيد بالبخراء في التاريخ المذكور وبويع يزيد بن ~~الوليد بدمشق وسار منصور بن جمهور من البخراء في اليوم الذي قتل فيه الوليد ~~إلى العراق وهو سابع سبعة فبلغ خبره يوسف بن عمر فهرب وقدم منصور بن جمهور ~~الحيرة في أيام خلت من رجب فأخذ بيوت الأموال وأخرج العطاء لأهل العطاء ~~والأرزاق وولى العمال بالعراق وأقام بقية أيام رجب وشعبان ورمضان وانصرف ~~لأيام بقيت منه ولما هرب يوسف بن عمر سلك طريق السماوة حتى أتى إلى البلقاء ~~فاستخفى بها وكان أهله مقيمين فيها فلبس زي النساء وجلس بينهن PageV07P110 # وبلغ يزيد بن الوليد خبره فأرسل إليه من يحضره فوصلوا ~~إليه فوجدوه بعد أن فتشوا عليه كثيرا جالسا على تلك الهيئة بين نسائه ~~وبناته فجاء به في وثاق فحبسه يزيد عند الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد ~~وكان يزيد ابن الوليد قد حبسهما عند قتله أباهما في الخضراء وهي دار بدمشق ~~مشهورة قبلي جامعها وقد خربت الآن ومكانها معروف عندهم ثم إن يزيد بن ~~الوليد عزل منصور بن جمهور عن ولاية العراق وولاها عبد الله بن عمر بن عبد ~~العزيز فأقام يوسف بن عمر في السجن بقية مدة يزيد بن الوليد إلى أن مات في ~~ذي الحجة على الخلاف الكثير فيه هل مات في أول الشهر أو في عاشره أو بعد ~~العاشر أو في سلخ ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائة وجعل ولي عهده أخاه ~~إبراهيم بن الوليد ومن بعده عبد العزيز بن ms1953 الحجاج بن عبد الملك واستمر يوسف ~~بن عمر في سجنه مدة ولاية إيراهيم بن الوليد فجاء مروان بن محمد آخر ملوك ~~بني أمية بأهل الجزيرة الفراتية وقنسرين وغلب على الأمر وخلع إبراهيم بن ~~الوليد وتولى مكانه وقتل عبد العزيز بن الحجاج ابن عبد الملك وكانت ولاية ~~إبراهيم أربعة أشهر وخلع في شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائة وقيل كانت ~~ولايته سبعين يوما لا غير وكان يزيد بن خالد بن عبد الله القسري مع إبراهيم ~~بن الوليد فلما ظهر أمر مروان بن محمد والتقى عسكره وعسكر إبراهيم وهرب ~~عسكر إبراهيم ودخلوا دمشق ومروان وراءهم خافت جماعة إبراهيم أن يدخل مروان ~~فيخرج الحكم وعثمان ابني الوليد من السجن ويجعل لهما الأمر فلا يستبقيا ~~أحدا ممن أعان على قتل أبيهما فأجمع رأيهم على قتلهما فأرسلوا يزيد بن خالد ~~القسري ليتولى فانتدب يزيد المذكور مولى أبيه وهو أبو الأسد في جماعة من ~~أصحابه فدخلوا السجن وشدخوا الغلامين بالعمد وأخرجوا يوسف بن عمر فضربوا ~~عنقه لكونه قتل خالد ابن عبد الله القسري والد يزيد المذكور كما شرحناه في ~~ترجمة خالد وذلك في سنة سبع وعشرين ومائة وهو ابن نيف وستين سنة ولما قتل ~~أخذوا رأسه عن جسده وشدوا في رجليه حبلا فجعل الصبيان يجرونه PageV07P111 # في شوارع دمشق فتمر المرأة به فترى جسدا صغيرا فتقول ~~في أي شيء قتل هذا الصبي المسكين لما ترى من صغر جثته قال بعضهم رأيت يوسف ~~بن عمر وفي مذاكيره حبل وهو يجر بدمشق ثم رأيت بعد ذلك يزيد ابن خالد ~~القسري قاتله وفي مذاكيره حبل وهو يجر في ذلك الموضع وقد قيل إنه قتل في ~~العشر الوسط من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة والله أعلم 844 يوسف بن ~~تاشفين أبو يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني أمير المسلمين وملك الملثمين وهو ~~الذي اختط مدينة مراكش وقد تقدم في ترجمة المعتمد محمد بن عباد والمعتصم ~~محمد بن صمادح الملكين ببلاد الأندلس طرف من أخباره وما جرى لهما معه وكيف ~~أخذ ms1954 بلادهما واستأسر ابن عباد وحبسه في أغمات وقد استوفيت الكلام عليه هناك ~~ونبهت عليه الآن ليعلم الواقف عليه أن هذا الملك هو ذلك وأنه عظيم الشان ~~كبير السلطان ذكر أرباب التواريخ شيئا من أحواله فاخترت في هذا الكتاب ما ~~وجدته في كتاب المعرب عن سيرة ملك المغرب لأنه أوعب في حديثه من غيره لكنه ~~لم يذكر مؤلفه حتى أذكره غير أنه قال في أول النسخة التي PageV07P112 # نقلت منها هذا الفصل إنه كتبها في سنة تسع وسبعين ~~وخمسمائة وفرغ منها في غرة ذي القعدة من السنة بالموصل وهو في مجلد واحد ~~لطيف فاخترت منه مقتضبا ما مثاله كان بر المغاربة الجنوني لقبيلة تسمى ~~زنانة برابر فخرج عليهم من جنوبي المغرب من البلاد المتاخمة لبلاد السودان ~~الملثمون يقدمهم أبو بكر ابن عمر منهم وكان رجلا ساذجا خير الطباع مؤثرا ~~لبلاده على بلاد المغرب غير ميال إلى الرفاهية وكانت ولاة المغرب من زنانة ~~ضعفاء لم يقاوموا الملثمين فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل ~~البحر المحيط فلما حصلت البلاد لأبي بكر ابن عمر المذكور سمع أن عجوزا في ~~بلاده ذهبت لها ناقة في غارة فبكت وقالت ضيعنا أبو بكر ابن عمر بدخوله إلى ~~بلاد المغرب فحمله ذلك على أن استخلف على بلاد المغرب رجلا من أصحابه اسمه ~~يوسف بن تاشفين ورجع إلى بلاده الجنوبية وكان يوسف هذا رجلا شجاعا عادلا ~~مقداما اختط بالمغرب مدينة مراكش وكان موضعها مكمنا للصوص وكان ملكا لعجوز ~~مصمودية تمدنه منها فلما تمهدت له البلاد تاق إلى العبور إلى جزيرة الأندلس ~~وكانت محصنة بالبحر فأنشأ شواني ومراكب وأراد العبور إليها فلما علم ملوك ~~الأندلس بما يروم من ذلك أعدوا له عدة من المراكب والمقاتلة وكرهوا إلمامه ~~بجزيرتهم إلا أنهم استهولوا جمعه واستصعبوا مدافعته وكرهوا أن يصبحوا بين ~~عدوين الفرنج من شماليهم والملثمون من جنوبيهم وكانت الفرنج تشد وطأتهات ~~عليهم إلا أن ملوك الأندلس كانت ترهب الفرنج باظهار تشد موالاتهم لملك ~~المغرب يوسف بن تاشفين وكان له اسم ms1955 كبير لنقله دولة زناته وملك الغرب إليه ~~في اسرع وقت وكان قد ظهر لأبطال الملثمين في المعارك ضربات بالسيوف تقد ~~الفارس وطعنات تنظم الكلى فكان لهم بذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين ~~لقتالهم وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظل يوسف بن تاشفين ويحذرونه على ~~PageV07P113 # ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم فلما رأوا عزيمته ~~متقدمة على العبور أرسل بعضهم إلى بعض وكاتبوهم يستنجدون آراءهم في أمره ~~وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لأنه كان أشجع القوم وأكبرهم مملكة ~~فوقع اتفاقهم على مكاتبته وقد تحققوا أنه يقصدهم يسألونه الإعراض عنهم ~~وأنهم تحت طاعته فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتابا هو أما بعد فإنك إن ~~أعرضت عنا نسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ~~ولم ننسب إلى وهن وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا فاختر لنفسك أكرم نسبتيك ~~فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة وإن في استبقائك ذوي البيوت ~~ما شئت من دوام لأمرك وثبوت والسلام فلما جاءه الكتاب مع تحف وهدايا وكان ~~يوسف بن تاشفين لا يعرف اللسان العربي لكنه كان يجيد فهم المقاصد وكان له ~~كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية فقال له أيها الملك هذا الكتاب من ~~ملوك الأندلس يعظمونك فيه ويعرفونك أنهم أهل دعوتك وتحت طاعتك ويلتمسون منك ~~ألا تجعلهم في منزلة الأعادي فإنهم مسلمون وهم من ذوي البيوتات فلا تغير ~~بهم وكفى بهم من وراءهم من الأعداء الكفار وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر ~~فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل المغرب فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه فما ~~ترى أنت فقال أيها الملك اعلم أن تاج الملك وبهجته وشاهده الذي لا يرد بابه ~~خليق بما حصل في يده من الملك أن يعفو إذا استعفي وأن يهب إذا استوهب وكلما ~~وهب جزيلا كان أعظم لقدره فإذا عظم قدره تأصل ملكه وإذا تأصل ملكه تشرف ~~الناس بطاعته وإذا كانت طاعته شرفا جاءه الناس ولم يتجشم المشقة إليهم وكان ~~وارث الملك ms1956 من غير إهلاك لآخرته واعلم أن بعض الملوك الأكابر والحكماء ~~البصراء بطريق تحصيل الملك قال من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك البلاد ~~فلما ألقى الكاتب هذا الكلام إلى يوسف بن تاشفين بلغته فهمه وعلم أنه صحيح ~~فقال للكاتب أجب القوم واكتب بما يجب في ذلك واقرأ PageV07P114 # علي كتابك فكتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف ~~بن تاشفين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية من سالمكم وسلم إليكم وحكمه ~~التأييد والنصر فيما حكم عليكم وإنكم مما بأيديكم من الملك في أوسع إباحة ~~مخصوصون منا بأكرم وإيثار وسماحة فاستديموا وفاءنا بوفائكم واستصلحوا ~~إخاءنا باصلاح إخائكم والله ولي التوفيق لنا ولكم والسلام فلما فرغ من ~~كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه فاستحسنه وقرن به يوسف بن تاشفين ~~درقا لمطية مما لا يكون إلا في بلاده قلت اللمطية بفتح اللام وسكون الميم ~~وبعدها طاء مهملة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة هذه النسبة ~~إلى لمطة وهي بليدة عند السوس الأقصى بينها وبين سجلماسة عشرون يوما قاله ~~ابن حوقل في كتاب المسالك والممالك وهي معدن الدرق اللمطية ولا يوجد مثلها ~~في الدنيا على ما يقال والله أعلم قال وأنفذ ذلك إليهم فلما وصلهم كتابه ~~أحبوه وعظموه وفرحوا بولايته ملك المغرب وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج ~~وأزمعوا إن رأوا من ملك الفرنج ما يريبهم أن يجيزوا إليه يوسف بن تاشفين ~~ويكونوا من أعوانه على ملك الفرنج فتحصل ليوسف بن تاشفين برأي وزيره ما ~~أراد من محبة أهل الأندلس له وكفاه الحرب لهم وإن الأذفونش بن فرذلند صاحب ~~طليطلة قاعدة ملك الفرنج أخذ يجوس خلال الديار ويفتتح بلاد الأندلس ويشتط ~~على ملوكهم بطلب البلاد منهم وخصوصا المعتمد بن عباد فإنه كان مقصودا فيه ~~وقد تقدم في ترجمة المعتمد ذكر تاريخ أخذه طليطلة والأبيات التي قيلت في ~~ذلك فنظر المعتمد في أمره فرأى أن الأذفونش قد داخله طمع فيما يلي بلاده ~~فأجمع أمره على استدعاء يوسف بن تاشفين على العبور ms1957 على ما فيه من الخطر ~~وعلم أن مجاورة غير الجنس مؤذنة بالبوار وأن الفرنج والملثمين ضدان له إلا ~~أنه قال إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الأمرين أمر الملثمين ولأن ~~يرعى أولادنا جمالهم أحب إليهم من أن يرعوا خنازير الفرنج ولم يزل هذا ~~الرأي نصب عينيه مهما اضطر إليه PageV07P115 # وأن الأذفونش خرج في بعض السنين يتخلل بلاد الأندلس في ~~جمع كبير من الفرنج فخافه ملوك الأندلس على البلاد وأجفل أهل القرى ~~والرساتيق من بين يديه ولجأوا إلى المعاقل فكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف ~~بن تاشفين يقول له إن كنت مؤثرا للجهاد فهذا أوانه فقد خرج الأذفونش إلى ~~البلاد فأسرع في العبور إليه ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك وكان يوسف بن ~~تاشفين على أتم أهبة فشرع في عبور عساكره فلما أبصر ملوك الأندلس عبور أهل ~~المغرب يطلبون الجهاد وكانوا قد وعدوا من أنفسهم بالمساعدة أعدوا أيضا ~~للخروج فلما رأى الأذفونش اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح ~~فاستنفر الفرنجية للخروج فخرجوا في عدد لا يحصيه إلا الله تعالى ولم تزل ~~الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلا ورجلا من الفريقين ~~كل أناس قد التفوا على ملكهم فلما عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها ~~وامر بعبور الجمال فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء ~~ولم يكن أهل الجزيرة رأوا قط جملا ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت ~~أصواتها وكانت تذعر منها وتقلق وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأي مصيب ~~كان يحدق بها معسكره وكان يحضرها الحرب فكانت خيل الفرنج تحجم عنها فلما ~~تكاملت العساكر بالجزيرة قصدت الأذفونش وكان نازلا بمكان أفيح من الأرض ~~يسمى الزلاقة بالقرب من بطليوس قال البياسي بين المكانين أربعة فراسخ وقال ~~أيضا إن يوسف بن تاشفين قدم بين يدي حربة كتابا على مقتضى السنة يعرض عليه ~~الدخول في الإسلام أو الحرب أو الجزية ومن فصول كتابه وبلغنا يا أذفونش أنك ~~دعوت في الاجتماع بك ms1958 وتمنيت أن يكون لك فلك تعبر البحر عليها إلينا فقد ~~أجزناه إليك وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك وسترى عاقبة دعائك * (وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال) * غافر 50 فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه جاش ~~بحر غيظه وزاد في طغيانه وأقسم أنه لا يبرح من موضعه حتى يلقاه PageV07P116 # ثم إن ابن تاشفين ومن معه قصدوا الزلاقة فلما وافاها ~~المسلمون نزلوا تجاه الفرنج بها فاختار المعتمد بن عباد أن يكون هو المصادم ~~لهم أولا وأن يكون يوسف بن تاشفين إذا انهزم المعتمد بعسكره بين أيديهم ~~وتبعوه يميل عليهم بعساكره وتتألف معه عساكر الأندلس فلما عزموا على ذلك ~~وفعلوه خذل الفرنج وخالطتهم عساكر المسلمين واستحر القتل فيهم فلم يفلت ~~منهم غير الأذفونش في دون الثلاثين من أصحابه فلحق ببلده على أسوأ حال فغنم ~~المسلمون من أسلحته وخيله وأثاثه ما ملأ أيديهم خيرا قلت وكانت الوقعة في ~~يوم الجمعة الخامس عشر من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة وقيل في شهر رمضان ~~في العشر الأواخر من السنة والله أعلم وقال البياسي كان حلول العساكر ~~الإسلامية بالجزيرة الخضراء في المحرم سنة تسع وسبعين وأربعمائة فحكي أن ~~موضع المعترك على اتساعه ما كان فيه موضع قدم إلا على جسد أو دم وأقامت ~~العساكر بالموضع أربعة أيام حتى جمعت الغنائم فلما حصلت عف عنها يوسف بن ~~تاشفين وآثر بها ملوك الأندلس وعرفهم ان مقصوده إنما كان الغزو لا النهب ~~فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف ابن تاشفين لهم بالمغانم استكرموه وأحبوه ~~وشكروا له ثم إن يوسف بن تاشفين أزمع الرجوع إلى بلاده وكان عند قصده ~~ملاقاة الأذفونش تحرى المسير بالعراء من غير أن يمر بمدينة أو رستاق حتى ~~نزل الزلاقة تجاه الأذفونش وهناك اجتمع بعساكر الأندلس وذكر أبو الحجاج ~~يوسف بن محمد البياسي في كتاب تذكير العاقل وتنبيه الغافل أن ابن تاشفين ~~نزل على أقل من فرسخ من عسكر العدو في يوم الأربعاء وكان الموعد في ~~المناجزة يوم السبت الأدنى فغدو الأذفونش ومكر فلما كان ms1959 سحر يوم الجمعة ~~منتصف رجب من العام أقبلت طلائع ابن عباد والروم في أثرها والناس على ~~طمأنينة فبادر ابن عباد للركوب وانبث الخبر في العساكر فماجت بأهلها ووقع ~~البهت ورجفت الأرض وصارت الناس PageV07P117 # فوضى على غير تعبية ولا أهبة ودهمتهم خيل العدو فقمرت ~~ابن عباد وحطمت ما تعرض لها وتركت الأرض حصيدا خلفها وصرع ابن عباد وأصابه ~~جرح أشواه وفر رؤساء الأندلس وأسلموا محلاتهم وظنوا أنها وهية لا ترفع ~~ونازلة لا تدفع وظن الأذفونش أن أمير المسلمين في المنهزمين ولم يعلم أن ~~العاقبة للمتقين فركب أمير المسلمين وأحدق به أنجاد خيله ورجاله من صنهاجة ~~ورؤساء القبائل فعمدوا إلى محلة الأذفونش فاقتحموها ودخلوها وقتلوا حاميتها ~~وضربت الطبول فاهتزت الأرض وتجاوبت الآفاق وتراجع الروم إلى محلتهم بعد أن ~~علموا أن أمير المسلمين فيها فصدموا أمير المسلمين فافرج لهم عنها ثم كر ~~فأخرجهم منها ثم كروا عليه فأفرج لهم عنها ولم تزل الكرات بينهم تتوالى إلى ~~أن أمر أمير المسلمين حشمة السودان فترجل منهم زهاء أربعة آلاف ودخلوا ~~المعترك بدرق اللمط وسيوف الهند ومزاريق الزان فطعنوا الخيل فرمحت بفرسانها ~~وأحجمت عن أقرانها وتلاحق الأذفونش بأسود نفدت مزاريقه بالقذف فأهوى ليضربه ~~بالسيف فلصق به الأسود وقبض على أعنته وانتضى خنجرا كان منتطقا به فأثبته ~~في فخذه فهتك حلق درعه وشك فخذه مع بداد سرجه وكان وقوت الزوال من ذلك ~~اليوم فهبت ريح النصر وأنزل الله سكينته على المسلمين ونصر دينه وصدقوا ~~الحملة على الأذفونش وأصحابه فأخرجوهم عن محلتهم فولوا ظهورهم وأعطوا ~~أعناقهم والسيوف تصفعهم إلى أن لحقوا بربوة لجأوا إليها واعتصموا بها ~~وأحدقت بهم الخيل فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة ~~وأفلتوا بعدما نشبت فيهم أظفارهم واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من ~~الأثاث والآنية والمضارب والأسلحة وأمر ابن عباد بضم رؤوس قتلى الروم فنشر ~~منها أمامه كالتل العظيم ثم كتب ابن عباد إلى ولده الرشيد كتابا وأطار به ~~الحمام يوم السبت سادس عشر المحرم يخبره بالنصر وقد روي أيضا أن ms1960 أمير ~~المسلمين طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده فوصل كتابه إلى المرية ~~في هذا المعنى وذكر فيه أن جماعة أفتوه PageV07P118 # بجواز طلب ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقال أهل المرية لقاضي بلدهم وهو أبو عبد الله ابن الفراء أن يكتب جوابه ~~وكان هذا القاضي من الدين والورع على ما ينبغي فكتب إليه أما بعد ما ذكره ~~أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك وأن أبا الوليد الباجي ~~وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه اقتضاها وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره ولا ~~يشك في عدله فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~بضجيعه في قبره ولا من لا يشك في عدله فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك ~~بمنزلته في العدل فالله سائلهم عن تقلدهم فيك وما اقتضاها عمر حتى دخل مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد من بيت مال ~~المسلمين ينفقه عليهم فلتدخل المسجد الجامع هنالك بحضرة أهل العلم وتحلف أن ~~ليس عندك درهم واحد ولا في بيت مال المسلمين وحينئذ تستوجب ذلك والسلام ~~ولما قضى أمير المسلمين من هذه الوقعة ما قضى أمر عساكره بالمقام وأن تشن ~~الغارات على بلاد الفرنج وأمر عليهم سير ابن أبي بكر وطلب الرجوع في طريقه ~~فتكرم له المعتمد بن عباد فعرج به إلى بلاده وسأله أن ينزل عنده فأجابه ~~يوسف إلى ذلك فلما انتهى إلى إشبيلية مدينة المعتمد وكانت من أجمل المدن ~~منظرا ونظر إلى موضوعها على نهر عظيم مستبحر تجري فيه السفن بالبضائع جالبة ~~من بر المغرب وحاملة إليه فر في غربية رستاق عظيم مسيرة عشرين فرسخا يشتمل ~~على آلاف من الضياع كلها تين وعنب وزيتون وهذا الموضع هو المسمى شرف ~~إشبيلية وتمير بلاد المغرب كلها من هذه الأصناف وفي جانب المدينة قصور ~~المعتمد وأبيه المعتضد في غاية الحسن والبهاء وفيها أنواع ما يحتاج ms1961 إليه من ~~المطعوم والمشروب والملبوس والمفروش وغير ذلك فأنزل المعتمد يوسف بن تاشفين ~~في أحدها وتولى من إكرامه وخدمته ما أوسع شكر ابن تاشفين له وكان مع ابن ~~تاشفين أصحاب له ينبهونه على تأمل تلك الحال وما هي عليه من النعمة ~~والإتراف PageV07P119 # ويغرونه باتخاذ مثلها لنفسه ويقولون له إن فائدة الملك ~~قطع العيش فيه بالتنعم واللذة كما هو المعتمد وأصحابه وكان يوسف بن تاشفين ~~مقتصدا في أموره غير متطاول ولا مبذر متنوق في صنوف الملاذ بالأطعمة وغيرها ~~وكان قد ذهب صدر عمره في بلاده في شظف العيش فأنكر على مغريه بذلك الإسراف ~~وقال الذي يلوح من أمر هذا الرجل يعني المعتمد أنه مضيع لما في يده من ~~الملك لأن هذه الأموال التي تعينه على هذه الأحوال لا بد أن يكون لها أرباب ~~لا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل أبدا فأخذه بالظلم وأخرجه في هذه ~~الترهات وهذا من أفحش الاستهتار ومن كانت همته في هذا الحد من التصرف فيما ~~لا يعدو الاجوفين متى يستجد همة في حفظ بلاده وضبطها وحفظ رعيته والتوفر ~~على مصالحها ثم إن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذاته هل تختلف ~~فتنقص عما هي عليه في بعض الأوقات فقيل له بل كل زمانه على هذا قال أفكل ~~أصحابه وأنصاره على عدوه ومنجديه على الملك ينال حظا من ذلك قالوا لا قال ~~فكيف ترون رضاهم عنه قالوا لا رضا لهم عنه فاطرق يوسف وسكت فأقام يوسف عند ~~المعتمد على تلك الحال أياما وفي بعض تلك الأيام استأذن رجل على المعتمد ~~فدخل وهو ذو هيئة رثة وكان من أهل البصائر فلما دخل عليه قال له أصلحك الله ~~أيها الملك إن من أوجب الواجبات شكر النعمة وإن من شكر النعمة إهداء ~~النصائح وإني رجل من رعيتك حالي في دولتك إلى الاختلال أقرب منها إلى ~~الاعتدال لكنني ملتزم لك من النصيحة ما يستوجبه الملك على رعيته فمن ذلك ~~خبر وقع في أذني من بعض أصحاب ضيفك ms1962 هذا يوسف بن تاشفين يدل على أنهم يرون ~~أنفسهم وملكهم أحق بهذه النعمة منك وقد رأيت رأيا فإن آثرت الإصغاء إليه ~~قلته قال له المعتمد قله قال رأيت أن هذا الرجل الذي أطلعته على ملكك رجل ~~مستأسد على الملوك قد حطم ببر العدوة زناتة وأخذ الملك من أيديهم ولم يبق ~~على أحد منهم ولا يؤمن أن يطمح إلى الطماعية في ملكك بل في ملك جزيرة ~~الأندلس كلها بما قد عاينه من بلهنية PageV07P120 # عيشك وإنه لمتخيل في مثل حالك سائر ملوك الأندلس وإن ~~له من الولد والأقارب ممن يؤثر مسراتهم من يود له الحلول بما أنت فيه من ~~خصب الجناب وقد أودى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم وأعدمك منه أقوى ناصر ~~عليه لو احتجت إليه فقد كان لك منه أقوى عضد وأوقى مجن وبعد أن فات الأمر ~~في الأذفونش لا يفتك الحزم فيما هو ممكن اليوم قال له المعتمد وما هو الحزم ~~اليوم قال أن تجمع أمرك على قبض ضيفك هذا واعتقاله في قصرك وتجزم أنك لا ~~تطلقه حتى يأمر كل من بجزيرة الأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء حتى لا ~~يبقى منهم بالجزيرة طفل ثم تتفق أنت وملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر من ~~سفينة تجري فيه بغزاة له ثم بعد ذلك تستحلفه بأغلظ الإيمان ألا يضمر في ~~نفسه عودا إلى هذه الجزيرة إلا باتفاق منكم ومنه وتأخذ منه على ذلك رهائن ~~فإنه يعطيك من ذلك ما تشاء فنفسه أعز عليه من جميع ما تلتمس منه فعند ذلك ~~يقنع هذا الرجل ببلاده التي لا تصلح إلا له وتكون قد استرحت منه بعدما ~~استرحت من الأذفونش وتقيم في موضعك على خير حال ويرتفع ذكرك عند ملوك ~~الأندلس وأهل الجزيرة ويتسع ملكك وتنسب بهذا الاتفاق لك إلى سعادة وحزم ~~وتهابك الملوك ثم اعمل بعد هذا ما يقتضيه حزمك في محاورة من عاملته هذه ~~المعاملة واعلم أنه قد تهيأ لك من هذا أمر سماوي تتفانى الأمم وتجري بحار ~~الدم دون حصول مثله ms1963 فلما سمع المعتمد كلام الرجل استصوبه وجعل يفكر في ~~انتهاز هذه الفرصة وكان للمعتمد ندماء قد انهمكوا معه في اللذات فقال أحدهم ~~لهذا الرجل الناصح ما كان المعتمد على الله وهو إمام أهل المكرمات ممن ~~يعامل بالحيف ويغدر بالضيف فقال له الرجل إنما الغدر أخذ الحق من يد صاحبه ~~لا دفع الرجل عن نفسه المحذور إذا ضاق به قال ذلك النديم لضيم مع وفاء خير ~~من حزم مع جفاء ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه فشكر له المعتمد ~~ووصله بصلة وانصرف واتصل هذا الخبر بيوسف بن تاشفين فأصبح عاديا فقدم له ~~المعتمد الهدايا السنية والتحف الفاخرة فقبلها PageV07P121 # ثم رحل فعبر من الجزيرة الخضراء إلى سبتة قلت وهو ~~المكان المعروف بزقاق سبتة يعدي الناس فيه من أحد البرين إلى الآخر أعني بر ~~الأندلس وبر العدوة وقد تقدم الكلام على هذا المكان قال ولما عبر يوسف إلى ~~بر العدوة أقام عسكره بجزيرة الأندلس ريثما استراح ثم تبع آثار الأذفونش ~~فتوغل في بلاده ولما رجع الأذفونش إلى موضعه سأل عن أصحابه وشجعانه وأبطال ~~عسكره فوجد أكثرهم قد قتلوا ولم يسمع إلا نياح الثكالى عليهم فلم يأكل ولم ~~يشرب حتى مات هما وغما ولم يخلف إلا بنتا جعل الأمر إليها فتحصنت بمدينة ~~طليطلة وأما عسكر ابن تاشفين فإنهم في غارتهم هذه كسبوا من المغانم ما لا ~~يحد ولا يوصف وأنفذوا ذلك إلى بر العدوة واستأذن أميرهم سير ابن أبي بكر ~~يوسف بن تاشفين في المقام بجزيرة الأندلس وأعلمه أنه قد افتتح معاقل في ~~الثغور ورتب بها مستحفظين ورجالا يغنون فيها وأنه لا يستقيم لهذه الجيوش أن ~~تقيم بالثغور في ضنك من العيش تصابح العدو وتماسيه وتحظى ملوك الأندلس من ~~الأرياف برغد العيش فكتب إليه ابن تاشفين يأمره باخراج ملوك الأندلس من ~~بلادهم وإلحاقهم بالعدوة فمن استعصى عليه منهم قاتله ولا ينفس عنه حتى ~~يخرجه وليبدأ منهم بمجاوري الثغور ولا يتعرض للمعتمد بن عباد ما لم يستول ~~على البلاد ثم يولي تلك البلاد أمراء ms1964 عسكره وأكابرهم فابتدأ سير ابن أبي ~~بكر بملوك بني هود من ملوك الأندلس ليستنزلهم من معقلهم وهي روطة قلت هي ~~بضم الراء وسكون الواو ثم طاء مهملة بعدها هاء قلعة منيعة من عاصمات الذرا ~~ماؤها ينبوع في أعلاها وكان بها من الأقوات والذخائر المختلفات ما لا تفنيه ~~الأزمان فلم يقدر عليها فرحل عنها ثم جند أجنادا على صور الفرنج وأمرهم أن ~~يقصدوا هذه القعلة مغيرين عليها ويكمن هو وأصحابه بالقرب منها ففعلوا ذلك ~~فرآهم صاحب القلعة فاستضعفهم ونزل في طلبهم فخرج سير ابن أبي بكر فقبض عليه ~~وتسلم القلعة ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس فسلموا إليه ولحقوا بالعدوة ثم ~~نازل بني صمادح بالمرية وكانت قلعتهم حصينة PageV07P122 # إلا أنهم لم يكن عندهم أجناد ولا أنجاد من الرجال ~~فزحفوا عليهم وغلبوهم فلما علم المعتصم بن صمادح أنه مغلوب دخل قصره فأدركه ~~أسف قضى عليه فمات من ليلته فاشتغل أهله به فسلموا المدينة ثم نازلوا ~~المتوكل عمر بن الأفطس ببطليوس وكان رجلا شجاعا عظيم القدر كبير البيت وكان ~~أبوه المظفر بالله أبو بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة التجيبي من فحول ~~العلماء وكان ملكا له تصانيف أعظمها وأشهرها الكتاب المنسوب إليه وهو ~~المظفري في علم التاريخ وكانت مدينته بطليوس من أجمل البلاد لم يذعن ولا ~~أقبل على غير المدافعة والقتال إلى أن خامر عليه أصحابه فقبض عليه باليد ~~وعلى ولدين له فقتلوا صبرا وحمل أولاده الأصاغر إلى مراكش وسائر ملوك ~~الجزيرة سلموا وتحولوا إلى بر العدوة إلا ما كان من المعتمد بن عباد فإن ~~سير ابن أبي بكر لما فرغ من ملوك الجزيرة كتب إلى يوسف بن تاشفين أنه لم ~~يبق بالجزيرة من ملوكها غير المعتمد بن عباد فارسم في أمره بما تراه فأمره ~~بقصده وأن يعرض عليه التحول إلى بر العدوة بأهله وماله فإن فعل فبها ونعمت ~~وإن أبى فنازله فلما عرض عليه سير ابن أبي بكر ذلك لم يعطه جوابا فنازله ~~وحاصره اشهرا ثم دخل عليه البلد قهرا واستخرجه ms1965 من قصره قسرا فحمل إلى ~~العدوة مقيدا فأنزل بأغمات وأقام بها إلى أن مات ولم يعتقل من ملوك الأندلس ~~غيره وتسلم سير ابن أبي بكر الجزيرة كلها واستحوذ عليها فمات يوسف بن ~~تاشفين في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وأفضى الملك إلى ولده أبي ~~الحسن علي بن يوسف وكان رجلا حليما وقورا صالحا عدلا منقادا للحق والعلماء ~~تجبى إليه الأموال من البلاد لم يزعزعه عن سريره قط حادث ولا طاف به مكروه ~~قلت قد تقدم في ترجمة أبي نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان القيسي ~~صاحب قلائد العقيان أنه جمع الكتاب المذكور باسم إبراهيم بن يوسف بن تاشفين ~~PageV07P123 # وأن الذي أشار بقتل الفتح المذكور هو علي بن يوسف بن ~~تاشفين المذكور ثم ولي بعده ولده تاشفين بن علي بن يوسف وعلى يده انقرض ~~ملكهم وسيأتي شرح ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى وقد تقدم في أوائل هذه ~~الترجمة أن يوسف بن تاشفين هو الذي اختط مدينة مراكش قال صاحب هذا الكتاب ~~الذي نقلت منه هذه الترجمة في آخر الكتاب إن مراكش مدينة عظيمة بناها ~~الأمير يوسف بن تاشفين بموضع كان اسمه مراكش معناه امش مسرعا بلغة المصامدة ~~كان ذلك الموضع مأوى اللصوص وكان المارون فيه يقولون لرفقائهم هذه الكلمة ~~فعرف الموضع بها وقال غير مؤلف هذا الكتاب بنى ابن تاشفين مدينة مراكش في ~~سنة خمس وستين وأربعمائة قاله أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه ~~النبراس في خلافة القائم بأمر الله قال وكانت مزرعة لأهل نفيس فاشتراها ~~منهم بماله الذي خرج به من الصحراء ونفيس بفتح النون وتشديد الفاء وسكون ~~الياء المثناة من تحتها جبل مطل على مراكش قلت وهي بنواحي أغمات في المغرب ~~الأقصى وذلك أنه لما توطنت نفسه على الملك وأطاعته قبائل البربر وذهب من ~~يخالفه من لمتونة سمت همته إلى بناء هذه المدينة وكان في موضعها قرية صغيرة ~~في غابة من الشجر وبها قوم من البربر فاختطها يوسف وبنى بها القصور ms1966 ~~والمساكن الأنيقة وهي في مرج فسيح وحولها جبال على فراسخ منها وبالقرب منها ~~جبل لا يزال عليه الثلج وهو الذي يعتدل مزاجها وحرها وفي سنة أربع وستين ~~وأربعمائة نزل يوسف على مدينة فاس وكانت إذ ذاك من قواعد بلاد المغرب ~~العظام وضيق على أهلها ثم أخذها فأقر العامة بها ونفى البربر والجند بعد أن ~~حبس بعضهم وقتل بعضهم فعند ذلك قوي شأنه وتمكن بالمغرب الأقصى والأدنى ~~سلطانه مع ما صار بيده من بلاد جزيرة الأندلس كما شرحناه وكان حازما سائسا ~~للأمور ضابطا PageV07P124 # لمصالح مملكته مؤثرا لأهل العلم والدين كثير المشورة ~~لهم وبلغني أن الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي تغمده الله تعالى ~~برحمته لما سمع ما هو عليه من الأوصاف الحميدة وميله إلى أهل العلم عزم على ~~التوجه إليه فوصل إلى الإسكندرية وشرع في تجهيز ما يحتاج إليه فوصله خبر ~~وفاته فرجع عن ذلك العزم وكنت وقفت على هذا الفصل في بعض الكتب وقد ذهب عني ~~في هذا الوقت أين وجدته وكان يوسف معتدل القامة أسمر اللون نحيف الجسم خفيف ~~العارضين دقيق الصوت وكان يخطب لبني العباس وهو أول من تسمى بأمير المسلمين ~~ولم يزل على حاله وعزه وسلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين لثلاث خلون من ~~المحرم سنة خمسمائة وعاش تسعين سنة ملك منها مدة خمسين سنة رحمه الله تعالى ~~وذكر شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله سنة خمسمائة فيها ~~توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك المغرب والأندلس وكان حسن السيرة ~~خيرا عادلا يميل إلى أهل العلم والدين ويكرمهم ويحكمهم في بلاده ويصدر عن ~~آرائهم وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام فمن ذلك أن ثلاثة نفر ~~اجتمعوا فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها وتمنى الآخر عملا يعمل فيه لأمير ~~المسلمين وتمنى الآخر زوجته وكانت أحسن من النساء ولها الحكم في بلاده ~~فبلغه الخبر فأحضرهم وأعطى متمني المال ألف دينار واستعمل الآخر وقال للذي ~~تمنى زوجته يا جاهل ما حملك على هذا الذي لا ms1967 تصل إليه ثم أرسله إليها ~~فتركته في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه في كل يوم طعاما واحدا ثم أحضرته ~~وقالت له ما أكلت في هذه الأيام قال طعاما واحدا فقالت له كل النساء شيء ~~واحد وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته (385) وأما ولده علي المذكور فإنه توفي ~~لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ومولده في حادي عشر رجب سنة ست ~~وسبعين وأربعمائة PageV07P125 # وقد سبق ذكر طرف من حديثه في ترجمة محمد بن تومرت ~~المهدي فيكشف عنه ولما خرج عبد المؤمن بن علي المقدم ذكره قاصدا جهة البلاد ~~المغربية ليأخذها من علي بن يوسف بن تاشفين المذكور كان مسيره على طريق ~~الجبال فسير علي بن يوسف ولده تاشفين ليكون في قبالة عبد المؤمن ومعه جيش ~~فساروا في السهل وأقاموا على هذا مدة فتوفي علي بن يوسف في أثنائها في ~~التاريخ المذكور فقدم أصحابه ولده إسحاق بن علي وجعلوه نائب أخيه تاشفين ~~على مراكش وكان صبيا وظهر أمر عبد المؤمن ودانت له الجبال وفيها غمارة ~~وتالدة والمصامدة وهم أمم لا تحصى فخاف تاشفين بن علي واستشعر القهر وتيقن ~~أن دولتهم ستزول فأتى مدينة وهران وهي على البحر وقصد أن يجعلها مقره فإن ~~غلب عن الأمر ركب منها في البحر إلى برالأندلس يقيم بها كما أقامت بنو أمية ~~بالأندلس عند انقراض دولتهم بالشام وبقية البلاد وفي ظاهر وهران ربوة على ~~البحر تسمى صلب الكلب وبأعلاها رباط يأوي إليه المتعبدون وفي ليلة السابع ~~والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة صعد تاشفين إلى ذلك الرباط ~~ليحضر الختم في جماعة يسيرة من خواصه وكان عبد المؤمن بجمعه في تاجرة وهي ~~وطنه كما ذكرته في ترجمته واتفق أنه أرسل منسرا إلى وهران فوصلوها في اليوم ~~السادس والعشرين من شهر رمضان ومقدمهم الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى صاحب ~~المهدي فكمنوا عشية وأعلموا بانفراد تاشفين في ذلك الرباط فقصدوه وأحاطوا ~~به وأحرقوا بابه فأيقن الذين فيه بالهلاك فخرج تاشفين راكبا فرسه وشد الركض ~~عليه ليثب ms1968 الفرس النار وينجو فترامى الفرس نازيا لروعته ولم يملكه اللجام ~~حتى تردى من جرف هنالك إلى جهة البحر على حجارة في وعر فتكسر تاشفين وهلك ~~في الوقت وقتل الخواص الذين كانوا معه وكان عسكره في ناحية أخرى لا علم لهم ~~بما جرى في الليل PageV07P126 # وجاء الخبر بذلك إلى عبد المؤمن فوصل إلى وهران وسمى ~~ذلك الموضع الذي فيه الرباط صلب الفتح ومن ذلك الوقت نزل عبد المؤمن من ~~الجبل إلى السهل ثم توجه إلى تلمسان وهي مدينتان قديمة ومحدثة بينهما شوط ~~فرس ثم توجه إلى فاس فحاصرها وأخذها في سنة أربعين وخمسمائة ثم قصد مراكش ~~في سنة إحدى وأربعين فحاصرها أحد عشر شهرا وفيها إسحاق بن علي وجماعة من ~~مشايخ دولتهم قدموه بعد موت أبيه علي بن يوسف بن تاشفين نائبا عن أخيه ~~تاشفين فأخذها وقد بلغ القحط من أهلها الجهد وأخرج إليه إسحاق بن علي ومعه ~~سير بن الحاج وكان من الشجعان وخواص دولتهم وكانا مكتوفين وإسحاق دون ~~البلوغ فعزم عبد المؤمن أن يعفو عن إسحاق لصغر سنه فلم يوافقه خواصه وكان ~~لا يخالفهم فخلى بينهم وبينهما فقتلوهما ثم نزل عبد المؤمن في القصر وذلك ~~في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وانقرضت دولة بني تاشفين قلت وقد ذكرت في ~~ترجمة المعتمد بن عباد أن يوسف بن تاشفين عاد إلى الأندلس في العام الثاني ~~من وقعة الزلاقة وذكرت ها هنا ما يدل على أنه ما عاد إليها وإنما نوابه هم ~~الذين أخذوا بلاد الأندلس له فقد يعتقد الواقف على هذا الكتاب أن هذا ~~متناقض والعذر في هذا أنني وجدته في ترجمة ابن عباد على تلك الصورة ووجدته ~~في هذه الترجمة على هذه الصورة والله أعلم بالصواب ثم رأيت في كتاب تذكير ~~العاقل تأليف أبي الحجاج يوسف البياسي أن ابن تاشفين لما جاز البحر قصد ~~إشبيلية فخرج ابن عباد إلى لقائه ومعه الضيافة والإقامة ثم خرج من إشبيلية ~~بقضه وقضيضه قاصدا بطليوس وجرت الواقعة المذكورة ثم عاد ابن تاشفين إلى ~~بلاده وان ms1969 ابن عباد جاز البحر ومضى إليه في سنة إحدى وثمانين واستنجده على ~~ما يجاوره من بلاد العدو فأكرمه ابن تاشفين وأجابه إلى إنجاده ثم عاد ابن ~~عباد إلى بلاده واستعد للعدو ولحقه ابن تاشفين في رجب من سنة إحدى وثمانين ~~ثم خرج الأذفونش في جيش كثيف وكان ملوك الأندلس قد اجتمعوا عند PageV07P127 # ابن تاشفين فلما رأى ما فعله من الاستعداد بالجمع ~~الكثير رحل عن مكانه وأوهمه خواصه أن ملوك الأندلس يفرون عنه ويخلون بينه ~~وبين الأذفونش فأصغى إلى كلامهم وعمل في نفسه قولهم فأخذ في الحركة إلى ~~البرية وتحرك الجميع بحركته وجاز البحر عائدا إلى بلاده وقد وغر صدره على ~~ملوك الأندلس وتبين لهم تغيره عليهم وخافوه فشرعوا في تحصين بلادهم وتحصيل ~~القوات وراسل بعضهم الأذفونش ليكون عونا له خوفا من ابن تاشفين فأجابه ~~الأذفونش بالإعانة والمساعدة وكان قد سير له هدايا وألطافا كثيرة فقبلها ~~منه وحلف له على جميع ما التمس منه واتصل ذلك بابن تاشفين فاستشاط غيظا ثم ~~ابن تاشفين جاز البحر مرة ثالثة وقصد قرطبة وهي لابن عباد فوصلها في جمادى ~~الأولى سنة ثلاث وثمانين وقد سبقه إليها ابن عباد فخرج إليه بالضيافة وجرى ~~معه على عادته ثم إن ابن تاشفين أخذ غرناطة من صاحبها عبد الله بن بلكين بن ~~باديس بن حبوس وحبسه فطمع ابن عباد في غرناطة وأن ابن تاشفين يعطيه إياها ~~فعرض له بذلك فأعرض عنه ابن تاشفين وخاف ابن عباد منه وعمل على الخروج عنه ~~فقال له إنه جاءته كتب من إشبيلية وهم خائفون من العدو المجاور لهم ~~واستأذنه في العود إليها فأذن له فعاد ثم رجع ابن تاشفين إلى بلاده وجاز ~~البحر في شهر رمضان من سنة ثلاث وثمانين وأقام ببلاده إلى أن دخلت سنة أربع ~~وثمانين ثم عزم على العبور إلى الأندلس لمنازلة ابن عباد وبلغ ذلك ابن عباد ~~فأخذ في التأهب والاستعداد ووصل ابن تاشفين إلى سبتة وجمع العساكر الكثيرة ~~وقدم عليهم سير بن أبي بكر فجازوا البحر وضايقوا بلاد ms1970 ابن عباد فاستصرخ ~~بالأذفونش فلم يلتفت إليه وكان ما ذكرته والله أعلم وفي هذه الترجمة ذكر ~~الملثمين فيحتاج إلى الكلام عليه والذي وجدته أن أصل هؤلاء القوم من حمير ~~بن سبأ وهم أصحاب خيل وإبل وشاء ويسكنون الصحارى الجنوبية وينتقلون من ماء ~~إلى ماء كالعرب وبيوتهم من الشعر والوبر وأول من جمعهم وحرضهم على القتال ~~وأطعمهم في تملك PageV07P128 # البلاد عبد الله بن ياسين الفقيه وقتل في حرب جرت مع ~~برغواطة وقام مقامه أبو بكر ابن عمر الصنهاجي الصحراوي المقدم ذكره ومات في ~~حرب السودان وقد ذكرنا حديث يوسف بن تاشفين وسبب تقدمه وهو الذي سمى أصحابه ~~المرابطين وهم قوم يلتثمون ولا يكشفون وجوههم فلذلك سموهم الملثمين وذلك ~~سنة لهم يتوارثونها خلفا عن سلف وسبب ذلك على ما قيل أن حمير كانت تتلثم ~~لشدة الحر والبرد يفعله الخواص منهم فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم وقيل ~~كان سببه أن قوما من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم ~~فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا ~~النساء في زي الرجال إلى ناحية ويقعدوا هم في البيوت ملثمين في زي النساء ~~فإذا أتاهم العدو ظنوهم النساء فيخرجون عليهم ففعلوا ذلك وثاروا عليهم ~~بالسيوف فقتلوهم فلزموا اللثام تبركا بما حصل لهم من الظفر بالعدو وقال ~~شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله وقيل إن سبب ~~اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى ~~بيوتهم ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء فلما تحقق المشايخ أنه ~~العدو أمروا النساء أن تلبس ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن ~~ويلبسن السلاح ففعلن ذلك وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء ~~بالبيوت فلما اشرف العدو رأى جمعا عظيما فظنه رجالا وقالوا هؤلاء عند ~~حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت والرأي أن نسوق النعم ونمضي فإن اتبعونا ~~قاتلناهم خارجا عن حريمهم فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال ~~الحي فبقي العدو بينهم ms1971 وبين النساء فقتلوا من العدو وأكثروا وكان من قبل ~~النساء أكثر فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من ~~الشاب ولا يزيلونه ليلا ولا نهارا PageV07P129 # ومما قيل في اللثام (قوم لهم درك العلا في حمير * وإن ~~انتموا صنهاجة فهم هم) (لما حووا إحراز كل فضيلة * غلب الحياء عليهم ~~فتلثموا) وكان يوسف بن تاشفين مقدم جيش أبي بكر ابن عمر الصنهاجي وخرج من ~~سجلماسة في سنة اربع وخمسين وأربعمائة وكان أبو بكر ابن عمر قد أتى سجلماسة ~~في سنة ثلاث وخمسين وحاصرها وقاتل أهلها أشد قتال وأخذها ثم رتب عليها يوسف ~~بن تاشفين فكان ما كان 845 يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب أبو يعقوب يوسف ~~بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي صاحب المغرب وقد تقدم ذكر ~~أبيه عبد المؤمن في حرف العين وذكر ولده يعقوب قبل هذا ولما توفي والده في ~~التاريخ المذكور في ترجمته وخلع محمد بن عبد المؤمن استقل ولده يوسف بالملك ~~وكان ولي العهد قبله أخوه محمد بن عبد المؤمن ونقش على الدنانير اسمه وكان ~~ذلك باستخلاف أبيه وتحليفه الجند له فظهر منه اشتغال بالراحة وانهماك في ~~البطالة فخلعه يوسف وكان له أخ آخر اسمه أبو حفص عمر ولاه جزيرة الأندلس ~~وكان يوسف المذكور فقيها حافظا متقنا لأن أباه هذبه وقرن به وباخوته أكمل ~~رجال الحرب والمعارف فنشأوا في ظهور الخيل بين أبطال الفرسان وفي قراءة ~~العلم بين أفاضل العلماء وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر PageV07P130 # من ميله إلى الأدب وبقية العلوم وكان جماعا مناعا ~~ضابطا لخراج مملكته عارفا بسياسة رعيته وكان ربما يحضر حتى لا يكاد يغيب ~~ويغيب حتى لا يكاد يحضر وله في غيبته نواب وخلفاء وحكام قد فوض الأمور ~~إليهم لما علم من صلاحهم لذلك والدنانير اليوسفية المغربية منسوبة إليه ~~فلما مهدت له الأمور واستقرت قواعد ملكه دخل إلى جزيرة الأندلس لكشف مصالح ~~دولته وتفقد أحوالها وكان ذلك في سنة ست وستين وخمسمائة وفي صحبته مائة ألف ~~فارس ms1972 من العرب والموحدين فنزل بإشبيلية (386) فخافه الأمير أبو عبد الله ~~محمد بن سعد بن محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش صاحب شرق الأندلس مرسية ~~وما انضاف إليها وحمل على قلبه فمرض مرضا شديدا ومات وقيل إن أمه سقته السم ~~لأنه كان قد أساء العشرة مع أهله وخواصه وكبراء دولته فنصحته وأغلظت عليه ~~في القول فتهددها وخافت بطشه فعملت عليه فقتلته بالسم وكان موته في التاسع ~~والعشرين من رجب سنة سبع وستين وخمسمائة بإشبيلية ومولده في سنة ثماني عشرة ~~وخمسمائة في قلعة من أعمال طرطوشة يقال لها بنشكله وهي من الحصون المنيعة ~~ولما مات محمد بن سعد جاء أولاده وقيل إخوته إلى الأمير يوسف ابن عبد ~~المؤمن وهو بإشبيلية فسلموا إليه جميع بلاد شرق الأندلس التي كانت لأبيهم ~~وقيل لأخيهم فأحسن إليهم الأمير يوسف وتزوج أختهم وأصبحوا عنده في أعز مكان ~~ثم إن الأمير يوسف شرع في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الفرنج وكانوا قد ~~استولوا عليها فاتسعت مملكته بالأندلس وصارت سراياه تصل مغيرة إلى باب ~~طليطلة وهي كرسي بلادهم وأعظم قواعدهم ثم إنه حاصرها فاجتمع الفرنج كافة ~~عليه واشتد الغلاء في عسكره فرجع عنها وعاد إلى مراكش وفي سنة خمس وسبعين ~~قصد بلاد إفريقية وفتح مدينة قفصة ثم دخل حزيرة الأندلس في سنة ثمانين ومعه ~~جمع كثيف وقصد غربي بلادها PageV07P131 # فحاصر مدينة شنترين شهرا فأصابه مرض فمات منه في شهر ~~ربيع الأول سنة ثمانين وخمسمائة وحمل في تابوت إلى إشبيلية رحمه الله تعالى ~~وكان قد استخلف ولده أبا يوسف يعقوب بن يوسف المقدم ذكره وذكر شيخنا ابن ~~الأثير في تاريخه أن يوسف مات من غير وصية بالملك لأحد من أولاده فاتفق رأي ~~قواد الموحدين وأولاد عبد المؤمن على تمليك ولده يعقوب فملكوه في الوقت ~~الذي مات فيه أبوه لئلا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من بلاد العدو ~~وكان خلع أخيه أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن في شعبان سنة ثمان وخمسين ~~واستبد يوسف حينئذ بالأمر واجتمع أكابر أصحابهم ms1973 على خلعه وتولية الأمير ~~يوسف وقد روي له شعر لكنه ليس بالجيد فلم أذكر منه شيئا وأما محمد بن سعد ~~ابن مردنيش المذكور فيروى له ((وحقها إنها جفون * تسل من لحظها المنون) (لا ~~صبر عنها ولا عليها * الموت من دونها يهون) (لأركبن الهوى إليها * يكون في ~~ذاك ما يكون) (387) قلت ثم وجدت هذه الأبيات في كتاب الملح لابن القطاع وقد ~~نسبها إلى أبي جعفر أحمد بن صمادح البني والله أعلم وقال البياسي في حماسته ~~هو أبو جعفر أحمد بن الحسين بن خلف بن البني اليعمري الأبدي والله أعلم إلا ~~إنه لم يذكر هذه الأبيات ثم أورد البياسي لأبي جعفر المذكور (صدني عن حلاوة ~~التشييع * اجتنابي مرارة التوديع) (لم يقم أنس ذا بوحشة هذا * فرأيت الصواب ~~ترك الجميع) PageV07P132 # وله في صفة قنديل (وقنديل كأن الضوء فيه * محاسن من ~~أحب وقد تجلى) (أشار إلى الدجى بلسان أفعى * فشمر ذيله فرقا وولى) ولما مات ~~أبو يعقوب المذكور رثاه الأديب أبو بكر يحيى بن مجبر الشاعر المقدم ذكره في ~~ترجمة يعقوب بن يوسف هذا بقصيدة طويلة أجاد فيها وأولها (جل الأسى فأسل دم ~~الأجفان * ما ذي الشؤون لغير هذا الشان) ومردنيش بفتح الميم وسكون الراء ~~وفتح الدال المهملة وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها شين ~~معجمة وهو بلغة الفرنج اسم العذرة وبنشكله بضم الباء الموحدة والنون وسكون ~~الشين المعجمة وضم الكاف وفتح اللام وبعدها هاء والباقي معروف لا حاجة إلى ~~ضبطه والبني في نسب الشاعر المذكور بكسر الباء الواحدة وتشديد النون ~~والأبدي بضم الهمزة وتشديد الباء الموحدة وبعدها دال مهملة هذه النسبة إلى ~~بلدة بالأندلس من كورة جيان بناها عبد الرحمن بن الحكم وجددها ابنه محمد ~~قلت ولما فرغت من ترجمة يوسف بن عبد المؤمن صاحب هذه الترجمة وجدت مجموعا ~~بخط العماد بن جبريل أخي العلم المصري ناظر بيت المال بالديار المصرية وقد ~~تقدم ذكره في ترجمة أبي إسحاق العراقي الفقيه المذكور في أوائل هذا الكتاب ~~وفيه فوائد من أخبار المغاربة وغيرهم ms1974 فنقلت منه ما يضاف إلى هذه الترجمة ~~وهو PageV07P133 # أن عبد المؤمن كان في حياته قد عهد إلى أكبر أولاده ~~وهو محمد وبايعه الناس وكتب ببيعته إلى البلاد فلما مات عبد المؤمن لم يتم ~~له الأمر لأنه كان على أمور لا يصلح معها للمملكة من إدمان شرب الخمر ~~واختلال الرأي وكثرة الطيش وجبن النفس ويقال إنه مع هذا كله كان به ضرب من ~~الجذام واضطرب أمره واختلف الناس عليه فخلع وكانت مدة ولايته خمسة وأربعين ~~يوما وذلك في شعبان من سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وكان الذي سعى في خلعه ~~أخويه يوسف وعمر ابني عبد المؤمن ولما تم خلعه دار الأمر بين الأخوين ~~المذكورين وهما من نجباء أولاد عبد المؤمن ومن ذوي الرأي وتأخر عنهما أبو ~~حفص عمر وسلم الأمر إلى أخيه يوسف فبايعه الناس واتفقت عليه الكلمة وكان ~~أبيض تعلوه حمرة شديد سواد الشعر مستدير الوجه أفوه أعين إلى الطول ما هو ~~في صوته جهارة رقيق حواشي اللسان حلو الألفاظ حسن الحديث طيب المجالسة أعرف ~~الناس كيف تكلمت العرب وأحفظهم لأيامها في الجاهلية والإسلام صرف عنايته ~~إلى ذلك ولقي فضلاء إشبيلية أيام ولايته لها ويقال إنه كان يحفظ صحيح ~~البخاري وكان شديد الملوكية بعيد الهمة سخيا جوادا استغنى الناس في أيامه ~~وكان يحفظ القرآن العظيم مع جملة من الفقه ثم طمح إلى علم الحكمة وبدأ من ~~ذلك بعلم الطب وجمع من كتب لحكمة شيئا كثيرا (388) وكان ممن صحبه من ~~العلماء بهذا الشأن أبو بكر محمد بن الطفيل كان متحققا لجميع أجزاء الحكمة ~~قرأ على جماعة من أهلها منهم أبو بكر ابن الصائغ المعروف بابن باجة وغيره ~~ولابن الطفيل هذا تصانيف كثيرة وكان PageV07P134 # حريصا على الجمع بين علم الشريعة والحكمة وكان مفننا ~~ولم يزل يجمع إليه العلماء من كل فن من جميع الأقطار ومن جملتهم أبو الوليد ~~محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي ولما استوثق ليوسف الأمر وملك بلاد ~~مردنيش من الأندلس خرج من إشبيلية قاصدا بلاد الأذفونش من الأندلس ms1975 أيضا ~~فنزل على مدينة له تسمى وبذة فأقام محاصرا لها شهورا إلى أن اشتد عليهم ~~الحصار وعطشوا فراسلوه في تسليم المدينة وأن يعطيهم الأمان على نفوسهم ~~فامتنع عن ذلك فلما اشتد بهم العطش سمع لهم في بعض الليالي لغط عظيم وأصوات ~~هائلة وذلك أنهم اجتمعوا بأسرهم ودعوا الله تعالى فجاءهم مطر عظيم ملأ ما ~~كان عندهم من الصهاريج فارتووا وتقووا على المسلمين فانصرف عنهم إلى ~~إشبيلية بعد أن هادنهم مدة سبع سنين وكان يرتفع إليه في كل سنة من خراج ~~إشبيلية وقر مائة وخمسين بغلا خارجا عما يرتفع إليه من خراج بقية البلاد في ~~بر العدوة وفي بر الأندلس وفي سنة تسع وسبعين تجهز للغزو في جيش عظيم وعبر ~~إلى جزيرة الأندلس ونزل إشبيلية كعادتهم في إصلاح شأنهم ثم رحل إلى شنترين ~~وهي بليدة في غرب الأندلس وهي في غاية المنعة والحصانة فحاصرها وضيق عليها ~~فلم يقدر عليها وهجم الشتاء وخاف المسلمون من البرد وزيادة مد النهر فلا ~~يقدرون على العبور وتنقطع عنهم المادة فأشاروا عليه بالرجوع إلى إشبيلية ~~فإذا طاب الزمان عاد غليها فقبل ذلك منهم وقال نحن راحلون غدا إن شاء الله ~~تعالى ولم ينتشر هذا الحديث لأنه قاله في مجلس الخاصة فكان أول من قوض ورحل ~~أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن الخطيب PageV07P135 # المالقي وكان من أهل العلم والفضل فلما رآه الناس قد ~~قوض خباءه قوضوا أيضا ثقة به لمكانه من الدولة ومعرفته بأسرارها فعبر تلك ~~الليلة أكثر العسكر على النهر خشية الزحام وطلبا لجيد المنازل ولم يبق إلا ~~من كان بقرب خباء الأمير يوسف بن عبد المؤمن ولا علم له بذلك فلما رأى ~~الروم عبور العسكر وبلغهم من جواسيسهم ما عزم عليه الأمير يوسف وأصحابه ~~خرجوا منتهزين الفرصة وحملوا حتى انتهوا إلى جهة الأمير يوسف فقتل على بابه ~~خلق كثير من أعيان الجند وخلصوا إلى الأمير يوسف فطعنوه تحت سرته طعنة كانت ~~سبب منيته وتداركهم الناس فانهزم الروم وجعل الأمير يوسف في محفة ms1976 وعبر به ~~النهر ولم يسر به سوى ليلتين ومات في الثالثة فلما وصلوا به إلى إشبيلية ~~صبروه وصيروه في تابوت وحملوه إلى تين مل ودفن هناك عند أبيه عبد المؤمن ~~والمهدي محمد بن تومرت وكانت وفاته يوم السبت لسبع خلون من رجب سنة ثمانين ~~وخمسمائة وكان قبل موته بأشهر ينشد هذا البيت ويردده في أوقات كثيرة (طوى ~~الجديدان ما قد كنت أنشره * وأنكرتني ذوات الأعين النجل) وقام بعده بالأمر ~~ولده أبو يوسف يعقوب بويع في حياة أبيه وقيل إن أشياخ الدولة اتفقوا على ~~تقديمه بعد وفاة أبيه والله أعلم (389) وكان الأديب أبو العباس أحمد بن عبد ~~السلام الكواريي وكواريا قبيلة من البربر منازلهم بضواحي مدينة فاس وقيل إن ~~هذه القبيلة إنما يقال لها جراوة بفتح الجيم وقد تبدل الجيم كافا فيقال لها ~~كراوة والنسبة إليها جراوي وكراوي وكان هذا الأديب نهاية في حفظ الأشعار ~~القديمة والمحدثة وتقدم في هذا الشأن وجالس به عبد المؤمن ثم ولده يوسف ثم ~~ولده يعقوب PageV07P136 # وجمع كتابا يحتوي على فنون الشعر على وضع الحماسة لأبي ~~تمام الطائي وسماه صفوة الأدب وديوان العرب وهو كثير الوجود بأيدي الناس ~~وهو عند أهل المغرب كالحماسة عند أهل المشرق والمقصود من ذكر هذا الأديب ~~أنه كانت له نوادر نادرة وملح مستظرفة عند أهل الأدب فمن ذلك أنه حضر يوما ~~إلى باب دار الأمير يوسف المذكور وهناك الطبيب سعيد الغماري وغمارة بضم ~~الغين المعجمة قبيلة من البربر أيضا فقال الأمير يوسف لبعض خدمه انظر من ~~بالباب من الأصحاب فخرج الخادم إلى الباب ثم عاد إليه فقال أحمد الكواريي ~~وسعيد الغماري فقال الأمير يوسف من عجائب الدنيا شاعر من كورايا وطبيب من ~~غمارة فبلغ ذلك الكواريي فقال * (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه) * يس 78 أعجب ~~منهما والله خليفة من كومية فيقال إن الأمير يوسف لما بلغه ذلك قال أعاقبه ~~بالحلم عنه والعفو ففيه تكذيبه ومن شعره من جملة قصيدة مدح بها الأمير يوسف ~~المذكور وهو بديع غريب (إن الإمام هو الطبيب ms1977 وقد شفى * علل البرية ظاهرا ~~ودخيلا) (حمل البسيطة وهي تحمل شخصه * كالروح توجد حاملا محمولا) ومن شعره ~~أيضا في ذم أهل فاس وهي مدينة بالمغرب فيما بين سبتة ومراكش (مشى اللؤم في ~~الدنيا طريدا مشردا * يجوب بلاد الله شرقا ومغربا) (فلما اتى فاسا تلقاه ~~أهلها * وقالوا له أهلا وسهلا ومرحبا) وله كل شعر مليح وكان شيخا مسنا جاوز ~~ثمانين سنة وتوفي في آخر أيام الأمير يعقوب ابن الأمير يوسف وقد ذكرت وفاة ~~الأمير يعقوب في ترجمته فيكشف منها وله مديح في الأمير عبد المؤمن بن علي ~~وأولاده إلى آخر زمنه رحمه الله تعالى PageV07P137 # وأما شنترين بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح ~~التاء المثناة من فوقها وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ~~نون فهي مدينة في غرب الأندلس وذكر ابن حوقل في كتاب المسالك والممالك أن ~~شنترين على البحر المحيط وبها يقع العنبر ولا يعلم ببلد الروم والمحيط عنبر ~~يقع في غير هذا الموضع وشئ وقع بالشام ويقع بشنترين في وقت من السنة دابة ~~تحك الحجارة في وسط البحر فيقع بها وبرة في لين الخز ولون الذهب فيجمع منه ~~ما يغزل وينسج ثيابا ويتلون الثوب ألوانا وتحجر عليه ملوك بني أمية ~~بالأندلس فلا ينقل ولا يشترى فتزيد قيمة الثوب على ألف دينار لعزته وحسنه ~~والله أعلم قلت وحكى لي بعض الفضلاء من أهل الأندلس أنه رأى قطعة من هذه ~~الثياب هناك وأراد أن يصفها لي فما قدر أن يعبر عنها ثم قال لكنها أرفع ~~وانعم من نسج العنكبوت فتعالى الله ما أجل قدرته وألطف حكمته وأحسن صنعته ~~وكيف خص كل صقع بنوع من الغرائب سبحانه وتعالى ولله در أبي نواس حيث قال ~~(وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد) PageV07P138 # 846 السلطان صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب بن ~~شاذي الملقب الملك الناصر صلاح الدين صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية ~~والفراتية واليمنية قد تقدم في هذا الكتاب ذكر أبيه أيوب وجماعة من أولاده ~~وعمه أسد الدين شيركوه ms1978 أخيه الملك العادل أبي بكر محمد وجماعة من أولاده ~~وغيرهم من أهل بيته وصلاح الدين كان واسطة العقد وشهرته أكبر من أن تحتاج ~~إلى التنبيه عليه اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دوين بضم الدال ~~المهملة وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وهي بلدة في ~~آخر عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج وأنهم أكراد روادية بفتح الراء ~~والواو وبعد الألف دال مهملة ثم ياء مثناة من تحتها مشددة وبعدها هاء ~~والروادية بطن من الهذبانية بفتح الهاء والذال المعجمة وبعد الألف نون ~~مكسورة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء وهي قبيلة كبيرة من الأكراد ~~وقال لي رجل فقيه عارف بما يقول وهو من أهل دوين إن على باب دوين قرية يقال ~~لها أجدانقان بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون ~~مفتوحة وقاف مفتوحة وبعد الألف الثانية نون أخرى وجميع أهلها أكراد روادية ~~ومولد أيوب والد صلاح الدين PageV07P139 # بها وشاذي أخذ ولديه أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب ~~وخرج بهما إلى بغداد ومن هناك نزلوا تكريت ومات شاذي بها وعلى قبره قبة ~~داخل البلد ولقد تتبعت نسبتهم كثيرا فلم أجد أحدا ذكر بعد شاذي ابا آخر حتى ~~إني وقفت على كتب كثيرة بأوقاف وأملاك باسم شيركوه وأيوب فلم أر فيها سوى ~~شيركوه بن شاذي وأيوب بن شاذي لا غير وقال لي بعض كبراء بيتهم هو شاذي بن ~~مروان وقد ذكرت ذلك في ترجمة أيوب وشيركوه ورأيت مدرجا رتبة الحسن بن غريب ~~بن عمران الحرشي يتضمن أن أيوب بن شاذي بن مروان بن أبي علي بن عنترة بن ~~الحسن بن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز بن هدبة بن الحصين بن ~~الحارث بن سنان بن عمرو بن مرة بن عوف بن اسامة بن بيهس بن الحارث صاحب ~~الحمالة ابن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد ~~ابن ذبيان بن بغيض ms1979 بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن الياس ابن مضر ~~بن نزار بن معد بن عدنان ثم رفع بعد هذا النسب حتى انتهى إلى آدم عليه ~~السلام ثم ذكر بعد ذلك أن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز يقال إنه ~~ممدوح المتنبي ويعرف بالخراساني وفيه يقول من جملة قصيدته (شرق الجو ~~بالغبار إذا سار * علي بن أحمد القمقام) وأما حارثة بن عوف بن أبي حارثة ~~صاحب الحمالة فهو الذي حمل الدماء بين عبس وذبيان وشاركه في الحمالة خارجة ~~بن سنان أخو هرم بن PageV07P140 # سنان وفيهما قال زهير بن أبي سلمى المزني قصائد منها ~~قوله (على مكثريهم حق من يعتريهم * وعند المقلين السماحة والبذل) (وهل ينبت ~~الخطي إلا وشيجه * وتغرس إلا في منابتها النخل) هذا آخر ما ذكره في المدرج ~~وكان قد قدمه إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق ~~وسمعه عليه هو وولده الملك الناصر صلاح الدين أبو المفاخر داود ابن الملك ~~المعظم وكتب لهما بسماعهما عليه في آخر رجب سنة تسع عشرة وستمائة والله ~~أعلم انتهى ما نقلته من المدرج ورأيت في تاريخ حلب الذي جمعه القاضي كمال ~~الدين أبو القاسم عمر بن أحمد المعروف بابن العديم الحلبي بعد أن ذكر ~~الاختلاف في نسبهم فقال وقد كان المعز إسماعيل بن سيف الإسلام ابن أيوب ملك ~~اليمن ادعى نسبا في بني أمية وادعى الخلافة وسمعت شيخنا القاضي بهاء الدين ~~عرف بابن شداد يحكي عن السلطان صلاح الدين أنه أنكر ذلك وقال ليس لهذا أصل ~~أصلا قلت ذكر شيخنا الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن ~~الأثير الجزري صاحب التاريخ الكبير في تاريخه الصغير الذي صنفه للدولة ~~الأتابكية ملوك الموصل في فصل يتعلق بأسد الدين شيركوه ومسيره إلى الديار ~~المصرية فقال كان أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وهو الأكبر ابنا شاذي ~~من بلد دوين وأصلهما من الأكراد الروادية قد قدما العراق وخدما مجاهد الدين ~~بهروز بن عبد ms1980 الله الغياثي شحنة بالعراق (390) قلت وهذا مجاهد الدين كان ~~خادما روميا أبيض اللون تولى شحنة بالعراق من جهة السلطان مسعود بن غياث ~~الدين محمد بن ملكشاه السلجوقي المقدم PageV07P141 # ذكره وذكر والده وجماعة من أهل بيته وكان صاحب همة في ~~عمل المصالح الجليلة وعمارة البلاد واسع الصدر والصبر في البذول والإنفاقات ~~والمطاولة والمراجعة إذا امتنع عليه الغرض وكانت تكريت إقطاعا له وكان خادم ~~السلطان محمد والد مسعود المذكور وبنى في بغداد رباطا وقف عليه وقفا جيدا ~~ومات يوم الأربعاء الثالث والعشرين من رجب سنة أربعين وخمسمائة وبهروز بكسر ~~الباء الموحدة وسكون الهاء وضم الراء وسكون الواو وبعدها زاي وهو لفظ عجمي ~~معناه يوم جيد على التقديم والتأخير على عادة كلام العجم قال شيخنا ابن ~~الأثير فرأى مجاهد الدين في نجم الدين أيوب عقلا ورأيا حسنا وحسن سيرة ~~فجعله دزدار تكريت إذ هي له قلت دزدار بضم الدال المهملة وسكون الزاي وفتح ~~الدال المهملة وبعد الألف راء وهو لفظ عجمي معناه حافظ القلعة وهو الوالي ~~ودزه بالعجمي القلعة ودار الحافظ فسار إليها ومعه أخوه أسد الدين شيركوه ~~فلما انهزم اتابك الشهيد عماد الدين زنكي بالعراق من قراجا قلت وهي وقعة ~~مشهورة خلاصتها أن مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي المقدم ذكره وعماد ~~الدين زنكي صاحب الموصل قصدا حصار بغداد في أيام الإمام المسترشد فأرسل إلى ~~قراجا الساقي واسمه برس صاحب بلاد فارس وخوزستان يستنجد به فأتاه وكبس ~~عسكرهما وانهزما بين يديه وانكسرا وذكر في تاريخ الدولة السلجوقية أنها ~~كانت في شهر ربيع الآخر يوم الخميس ثاني عشر الشهر المذكور من سنة ست ~~وعشرين وخمسمائة على تكريت وقال أسامة بن منقذ المقدم ذكره في كتابه الذي ~~ذكر فيه البلاد وملوكها الذين كانوا في زمانه إنه حضر هذه الوقعة مع زنكي ~~في التاريخ المذكور ذكر ذلك في موضعين أحدهما في ترجمة إربل والثاني في ~~ترجمة تكريت PageV07P142 # رجعنا إلى ما كنا فيه فوصل زنكي إلى تكريت فخدمه نجم ~~الدين أيوب وأقام له السفن فعبر دجلة ms1981 هناك وتبعه أصحابه فأحسن نجم الدين ~~إليهم وسيرهم وبلغ ذلك بهروز فسير إليه وأنكر عليه وقال له كيف ظفرت بعدونا ~~فأحسنت إليه وأطلقته ثم إن أسد الدين قتل إنسانا بتكريت لكلام جرى بينهما ~~فأرسل مجاهد الدين إليهما فأخرجهما من تكريت فقصدا عماد الدين زنكي قلت ~~وكان إذ ذاك صاحب الموصل قال فأحسن عماد الدين إليهما وعرف لهما خدمتهما ~~وأقطعهما إقطاعا حسنا وصارا من جملة جنده فلما فتح عماد الدين زنكي بعلبك ~~جعل نجم الدين دزدارها فلما قتل زنكي قلت وقد سبق ذكر ذلك في ترجمته قال ~~فحصره عسكر دمشق قلت وكان صاحب دمشق يومئذ مجير الدين أبق بن محمد بن بوري ~~ابن الأتابك ظهير الدين طغتكين وهو الذي حاصره نور الدين محمود بن زنكي في ~~دمشق وأخذها منه قال شيخنا ابن الأثير فأرسل نجم الدين أيوب إلى سيف الدين ~~غازي بن زنكي صاحب الموصل وقد قام بالملك بعد والده ينهي إليه الحال ويطلب ~~منه عسكرا ليرحل صاحب دمشق عنه وكان سيف الدين في ذلك الوقت في أول ملكه ~~وهو مشغول بإصلاح ملوك الأطراف المجاورين له فلم يتفرغ له وضاق الأمر على ~~من في بعلبك من الحصار فلما رأى نجم الدين أيوب الحال وخاف أن تؤخذ قهرا ~~أرسل في تسليم القلعة وطلب إقطاعا ذكره فأجيب إلى ذلك وحلف له صاحب دمشق ~~عليه وسلم القلعة ووفى له صاحب دمشق بما حلف عليه من الإقطاع والتقدم وصار ~~عنده من أكبر الأمراء واتصل أخوه أسد الدين شيركوه بالخدمة النورية بعد قتل ~~أبيه زنكي قلت هو نور الدين محمد بن زنكي صاحب حلب وكان يخدمه في أيام ~~والده فقربه نور الدين وأقطعه وكان يرى منه في الحروب آثارا PageV07P143 # يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته فصارت له حمص والرحبة ~~وغيرهما وجعله مقدم عسكره قلت ثم خرج شيخنا ابن الأثير بعد هذا إلى حديث ~~سفر أسد الدين إلى الديار المصرية وما تجدد لهم هناك وليس هذا موضع هذا ~~الفصل بل نتم حديث صلاح الدين صاحب هذه الترجمة من ms1982 مبدأ أمره حتى نصير إلى ~~آخره إن شاء الله تعالى ويندرج فيه حديث المملكة وما صار حالهم إليه وإن ~~كان قد سبق في ترجمة أسد الدين شيركوه طرف من أخبارهم لكن ما أستوفيته هناك ~~اعتمادا على استيفائه ها هنا إن شاء الله تعالى قلت اتفق أرباب التواريخ أن ~~صلاح الدين مولده سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بقلعة تكريت لما كان أبوه ~~وعمه بها والظاهر أنهم ما أقاموا بها بعد ولادة صلاح الدين إلا مدة يسيرة ~~لأنه قد سبق القول أن نجم الدين وأسد الدين لما خرجا من تكريت كما شرحناه ~~وصلا إلى عماد الدين زنكي فأكرمهما وأقبل عليهما ثم إن عماد الدين زنكي قصد ~~حصار دمشق فلم تحصل له فرجع إلى بعلبك فحصرها أشهرا وملكها في رابع عشر صفر ~~سنة أربع وثلاثين وخمسمائة كما ذكره أسامة بن منقذ المقدم ذكره في كتابه ~~الذي ذكر فيه البلاد وملوكها وذكر أبو يعلى حمزة بن أسد المعروف بابن ~~القلانسي الدمشقي في تاريخه الذي جعله ذيلا على تاريخ أبي الحسين هلال ابن ~~الصابي أن عماد الدين حاصر بعلبك يوم الخميس العشرين من ذي الحجة سنة ثلاث ~~وثلاثين ثم ذكر في مستهل سنة أربع وثلاثين أنه ورد الخبر بفراغ عماد الدين ~~من ترتيب بعلبك وقلعتها وترميم ما تشعث منها والله أعلم وإذا كان كذلك ~~فيكون قد خرجوا من تكريت في بقية سنة اثنتين وثلاثين التي ولد فيها صلاح ~~الدين أو في سنة ثلاث وثلاثين لأنهما أقاما عند عماد الدين بالموصل ثم لما ~~حاصر دمشق وبعدها بعلبك وأخذها رتب فيها نجم الدين أيوب وذلك في أوائل سنة ~~أربع وثلاثين PageV07P144 # كما شرحته فيتعين أن يكون خروجهم من تكريت في المدة ~~المذكورة تقديرا والله أعلم قلت ثم أخبرني بعض أهل بيتهم وقد سألته هل تعرف ~~متى خرجوا من تكريت فقال سمعت جماعة من أهلنا يقولون إنهم أخرجوا منها في ~~الليلة التي ولد فيها صلاح الدين فتشاءموا به وتطيروا منه فقال بعضهم لعل ~~فيه الخيرة وما تعلمون فكان كما قال ms1983 والله أعلم ولم يزل صلاح الدين تحت كنف ~~أبيه حتى ترعرع ولما ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي دمشق في ~~التاريخ المذكور في ترجمته لازم نجم الدين أيوب خدمته وكذلك ولده صلاح ~~الدين وكانت مخايل السعادة عليه لائحة والنجابة تقدمه من حاله إلى حالة ~~ونور الدين يرى له ويؤثره ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف ~~والاجتهاد في أمور الجهاد حتى تجهز للمسير مع عمه شيركوه إلى الديار ~~المصرية كما سنشرحه إن شاء الله تعالى وجدت في بعض تواريخ المصريين أن شاور ~~المقدم ذكره هرب من الديار المصرية من الملك المنصور أبي الأشبال ضرغام بن ~~عامر بن سوار الملقب فارس المسلمين اللخمي المنذري لما استولى على الدولة ~~المصرية وقهره وأخذ مكانه في الوزارة كعادتهم في ذلك وقتل ولده الأكبر طي ~~بن شاور فتوجه شاور إلى الشام مستغيثا بالملك العادل نور الدين أبي القاسم ~~محمود بن زنكي وذلك في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ودخل دمشق في ~~الثالث والعشرين من ذي القعدة من السنة فوجه نور الدين معه الأمير أسد ~~الدين شيركوه بن شاذي في جماعة من عسكره كان صلاح الدين في جملتهم في خدمة ~~عمه وهو كاره للسفر معهم وكان لنور الدين في إرسال هذا الجيش غرضان أحدهما ~~قضاء حق شاور لكونه قصده ودخل عليه مستصرخا والثاني أنه أراد استعلام أحوال ~~مصر فإنه كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند وأحوالها في غاية الاختلال ~~فقصد الكشف عن حقيقة ذلك PageV07P145 # وكان كثير الاعتماد على شيركوه لشجاعته ومعرفته ~~وأمانته فانتدبه لذلك وجعل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين مقدم ~~عسكره وشاور معهم فخرجوا من دمشق في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين فدخلوا ~~مصر واستولوا على الأمر في رجب من السنة وقال شيخنا القاضي بهاء الدين أبو ~~المحاسن يوسف المعروف بابن شداد المقدم ذكره في كتابه الذي وسمه باسيره ~~صلاح الدين إنهم دخلوا مصر في ثاني جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ~~والقول الأول أصح لأن الحافظ أبا ms1984 طاهر السلفي ذكر في معجم السفر أن الضرغام ~~بن سوار قتل في سنة تسع وخمسين وخمسمائة وزاد غيره فقال يوم الجمعة الثامن ~~والعشرين من جمادى الآخرة من السنة عند مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها ~~فيما بين القاهرة ومصر واحتز رأسه وطيف به على رمح وبقيت جثته هناك ثلاثة ~~أيام تأكل منها الكلاب ثم دفن عند بركة الفيل وعمرت عليه قبة قلت والقبة ~~إلى الآن باقية في موضعها تحت الكبش المستجد بناؤه ورأيت فيها جماعة من ~~الفقراء الجوالقية مقيمين وقد قيل إن الضرغام إنما قتل في رجب من سنة تسع ~~وخمسين وقد اتفقوا على أن الضرغام إنما قتل عند قدوم أسد الدين شيركوه ~~وشاور إلى مصر فما يمكن أن يكون دخولهم مصر في سنة ثمان وخمسين لأن الضرغام ~~لا خلاف في قتله في سنة تسع وخمسين وأنه كان في أول وصولهم والحافظ السلفي ~~أخبر بذلك لأنه كان مقيما في البلاد أول وصولهم وهو اضبط لهذه الأمور من ~~غيره لأن هذا فنه وهو من أقعد الناس به ولما وصل أسد الدين وشاور إلى ~~الديار المصرية واستولوا عليها وقتلوا PageV07P146 # الضرغام وحصل لشاور مقصودة وعاد إلى منصبه وتمهدت ~~قواعده واستمرت أموره غدر بأسد الدين شيركوه واستنجد بالفرنج عليه وحصروه ~~في بلبيس وكان أسد الدين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها وأنها مملكة بغير ~~رجال تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال فطمع فيها وعاد إلى الشام في ~~الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسين وقال شيخنا ابن شداد في السابع ~~والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين بناء على ما قرره أولا أن دخولهم ~~البلاد كان في سنة ثمان وخمسين وأقام أسد الدين بالشام مدة مفكرا في تدبير ~~عوده إلى مصر محدثا نفسه بالملك لها مقررا قواعد ذلك مع نور الدين إلى سنة ~~اثنتين وستين وخمسمائة وبلغ شاور حديثه وطمعه في البلاد فخاف عليها وعلم أن ~~أسد الدين لا بد له من قصدها فكاتب الفرنج وقرر معهم أنهم يجيئون إلى ~~البلاد ويمكنهم منها تمكينا ms1985 كليا ليعينوه على استئصال أعدائه وبلغ نور ~~الدين وأسد الدين مكاتبة شاور للفرنج وما تقرر بينهم فخافا على الديار ~~المصرية أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد فتجهز أسد الدين وأنفذ معه ~~نور الدين العساكر وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين وكان توجههم من الشام ~~في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة وكان وصول أسد الدين إلى ~~البلاد مقارنا لوصول الفرنج إليها واتفق شاور والمصريون بأسرهم والفرنج على ~~أسد الدين وجرت حروب كثيرة ووقعات شديدة وانفصل الفرنج عن البلاد وانفصل ~~أسد الدين أيضا راجعا إلى الشام وكان سبب عود الفرنج أن نور الدين جرد ~~العساكر إلى بلادهم وأخذ المنيطرة منهم في رجب من هذه السنة وعلم الفرنج ~~ذلك فخافوا على بلادهم فعادوا إليها وكان سبب عود أسد الدين إلى الشام ضعف ~~عسكره بسبب مواقعة الفرنج والمصريين وما عانوه من الشدائد وعاينوه من ~~الأهوال وما PageV07P147 # عاد حتى صالح الفرنج على أن ينصرفوا كلهم عن مصر وعاد ~~إلى الشام في بقية السنة وقد انضاف إلى قوة الطمع في الديار المصرية شدة ~~الخوف عليها من الفرنج لعلمه بأنهم قد كشفوها كما قد كشفها وعرفوها كما ~~عرفها فأقام بالشام على مضض وقلبه قلق والقضاء يقوده إلى شيء قدر لغيره وهو ~~لا يشعر بذلك وكان عوده في ذي القعدة من هذه السنة إلى الشام وقيل إنه عاد ~~في ثامن عشر شوال من السنة والله أعلم ورأيت في بعض المسودات التي بخطي ولا ~~أعلم من أين نقلته أن أسد الدين لما طمع في الديار المصرية توجه إليها في ~~سنة اثنتين وستين وسلك طريق وادي الغزلان وخرج عند إطفيح فكانت فيها وقعة ~~البابين عند الأشمونين وتوجه صلاح الدين إلى الإسكندرية فاحتمى بها وحاصره ~~شاور في جمادى الآخرة من السنة ثم عاد أسد الدين من جهة الصعيد إلى بلبيس ~~وتم الصلح بينه وبين المصريين وسيروا له صلاح الدين فساروا إلى الشام ثم إن ~~أسد الدين عاد إلى مصر مرة ثالثة قال شيخنا ابن شداد وكان سبب ذلك ms1986 أن ~~الفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم وخرجوا يريدون الديار المصرية ناكثين لجميع ما ~~استقر مع المصريين وأسد الدين طمعا في البلاد فلما بلغ ذلك أسد الدين ونور ~~الدين لم يسعهما الصبر دون أن سارعا إلى قصد البلاد أما نور الدين فبالمال ~~والرجال ولم يمكنه المسير بنفسه خوفا على البلاد من الفرنج ولأنه كان قد ~~حدث له نظر إلى جانب الموصل بسبب وفاة علي بن بكتكين قلت هو زين الدين والد ~~السلطان مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل وقد تقدم ذكره في ترجمة ولده كوكبوري ~~قال فإنه توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وخمسمائة وسلم ما كان في يده من ~~الحصون لقطب الدين أتابك ما عدا إربل فإنها كانت له من أتابك زنكي وأما أسد ~~الدين فبنفسه وماله وإخوته وأهله ورجاله ولقد PageV07P148 # قال لي السلطان صلاح الدين قدس الله روحه كنت أكره ~~الناس للخروج في هذه الدفعة وما خرجت مع عمي باختياري وهذا معنى قوله تعالى ~~* (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) * البقرة 216 وكان شاور لما أحس بخروج ~~الفرنج إلى مصر على تلك القاعدة سير إلى أسد الدين يستصرخه ويستنجده فخرج ~~مسرعا وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة ولما ~~علم الفرنج بوصول أسد الدين إلى مصر على اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا ~~راجعين على أعقابهم ناكصين وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان ~~وكان وعدهم بمال في مقابله ما خسروه من النفقة فلم يوصل إليهم شيئا وعلقت ~~مخاليب أسد الدين في البلاد وعلم أنه متى وجد الفرنج رخصة أخذوا البلاد وأن ~~شاور يلعب به تارة وبالفرنج أخرى وملاكها فقد كانوا على البدعة المشهورة ~~وتحقق أسد الدين انه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور فأجمع ~~رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه وكان الأمراء الواصلون مع أسد الدين ~~يترددون إلى خدمة شاور وهو يخرج في الأحيان إلى أسد الدين يجتمع به وكان ~~يركب على عادة وزرائهم بالطبل والبوق والعلم ولم ms1987 يتجاسر على قبضه أحد من ~~الجماعة إلا السلطان بنفسه وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكبا وسار إلى ~~جانبه وأخذ بتلابيبه وأمر العسكر بأن قصدوا أصحابه ففروا ونهبهم العسكر ~~وأنزل شاور إلى خيمة مفردة وفي الحال ورد توقيع على يد خادم خاص من جهة ~~المصريين يقول لا بد من رأسه جريا على عادتهم في وزرائهم فحز رأسه وأرسل ~~إليهم وسيروا إلى أسد الدين خلع الوزارة فلبسها وسار ودخل القصر وترتب ~~وزيرا وذلك في سابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة ودام آمرا ~~وناهيا والسلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى مباشر الأمور مقرر لها لمكان ~~كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من ~~السنة المذكورة فمات أسد الدين قلت وقد تقدم حديث أسد الدين PageV07P149 # وصورة موته فلا حاجة إلى شرحها ها هنا وكذلك وفاة شاور ~~وهذا كله نقلته من كلام شيخنا ابن شداد في سيرة صلاح الدين ولكنني أتيت منه ~~بالمقصود وحذفت الباقي ورأيت بخطي في جملة مسوداتي أن أسد الدين دخل ~~القاهرة يوم الأربعاء سابع شهر ربيع الآخر من سنة أربع وستين وخمسمائة وخرج ~~إليه العاضد عبد الله العبيدي آخر ملوك مصر المقدم ذكره وتلقاه وحضر يوم ~~الجمعة التاسع من الشهر إلى الإيوان وجلس إلى جانب العاضد وخلع عليه وأظهر ~~له شاور ودا كثيرا فطلب منه أسد الدين مالا ينفقه في عسكره فدافعه فأرسل ~~إليه أن الجند تغيرت قلوبهم عليه بسبب عدم النفقة فإذا خرجت فكن على حذر ~~منهم فلم يكترث شاور بكلامه وعزم أن يعمل دعوة يستدعي إليها أسد الدين ~~والعساكر الشامية ويقبض عليهم فأحس أسد الدين بذلك فاتفق صلاح الدين وعز ~~الدين جورديك النوري وغيرهما على قتل شاور وأعلموا أسد الدين فنهاهم عنه ~~وخرج شاور إلى أسد الدين وكانت خيامهم على شاطيء النيل بالمقس فلم يجده في ~~جهته وكان قد راح إلى زيارة تربة الإمام الشافعي رضي الله عنه بالقرافة ~~فقال شاور نمضي إليه فالتقوه فساروا جميعا فاكتنفه صلاح الدين وجورديك ~~وأنزلاه عن ms1988 فرسه وكتفوه فهرب أصحابه فأخذوه أسيرا ولم يمكنهم قتله بغير إذن ~~نور الدين وجعلوه في خيمة ورسموا عليه جماعة فأرسل العاضد يأمرهم بقتله ~~فقتلوه وسيروا رأسه على رمح إلى العاضد وذلك يوم السبت لسبع عشرة ليلة خلت ~~من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة وقيل إن أسد الدين لم يحضر ذلك بل لما ~~قصد شاور جهة أسد الدين لقيه صلاح الدين وجورديك ومعهما بعض العسكر فسلم ~~بعضهم على بعض وساروا ثم فعلا به هذه الفعلة والله أعلم ثم إن العاضد ~~استدعى أسد الدين عقيب قتل شاور وكان في الخيم PageV07P150 # فدخل القاهرة فرأى جمعا كبيرا من من العامة فخافهم ~~فقال لهم إن مولانا العاضد امركم بنهب دار شاور فتفرقوا ومضوا لنهبها ودخل ~~على العاضد فتلقاه وأفاض عليه خلع الوزارة ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش ~~ثم إنه مات يوم الأحد لسبع بقين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بعلة ~~الخوانيق وقيل إنه سم في حنك الوزارة لما خلع عليه وكانت وفاته بالقاهرة ~~ودفن بدار الوزارة ثم نقل إلى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة ~~والسلام فكانت مدة وزارته شهرين وخمسة أيام وقيل إن أسد الدين دخل على ~~العاضد يوم الاثنين التاسع عشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة والله ~~أعلم قلت قد تقدم في ترجمة كل واحد من شاور وأسد الدين ذكر شيء من هذه ~~الأمور التي ذكرتها ها هنا وإنما أعدت الكلام فيها لأني استوفيتها ها هنا ~~أكثر من هناك وأيضا فان المقصود في هذا كله ذكر سيرة صلاح الدين وتنقلاته ~~وما جرى له من أول أمره إلى آخره فأحببت ذكر ذلك على سياقة واحدة كي لا ~~ينقطع الكلام فيبقى أبتر فأقول ذكر المؤرخون أن أسد الدين لما مات استقرت ~~الأمور بعده للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وتمهدت القواعد ومشى الحال ~~على أحسن الأوضاع وبذل الأموال وملك قلوب الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها ~~وشكر نعمة الله تعالى عليه فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص بقميص ~~الجد والاجتهاد ms1989 وما زال على قدم الخير وفعل ما يقربه إلى الله تعالى إلى أن ~~مات قال شيخنا ابن شداد سمعته يقول رحمه الله تعالى لما يسر لي الله الديار ~~المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل لأنه أوقع ذلك في نفسي ومن حين استتب له ~~الأمر ما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وبلادهما ~~PageV07P151 # وغشي الناس من سحائب الإفضال والإنعام ما لم يؤرخ عن ~~غير تلك الأيام وهذا كله وهو وزير متابع القوم لكنه يقول بمذهب أهل السنة ~~غارس في البلاد أهل الفقه والعلم والتصوف والدين والناس يهرعون إليه من كل ~~صوب ويفدون عليه من كل جانب وهو لا يخيب قاصدا ولا يعدم وافدا إلى سنة خمس ~~وستين وخمسمائة ولما عرف نور الدين استقرار أمر السلطان بمصر أخذ حمص من ~~نواب أسد الدين وذلك في رجب سنة أربع وستين ولما علم الفرنج ما جرى من ~~المسلمين وعساكرهم وما تم للسلطان من استقامة الأمر بالديار المصرية علموا ~~أنه يملك بلادهم ويخرب ديارهم ويقلع آثارهم لما حدث له من القوة والملك ~~واجتمع الفرنج والروم جميعا وقصدوا الديار المصرية فقصدوا دمياط ومعهم آلات ~~الحصار وما يحتاجون إليه من العدد ولما سمع فرنج الشام ذلك اشتد امرهم ~~فسرقوا حصن عكار من المسلمين وأسروا صاحبها وكان مملوكا لنور الدين يقال له ~~خطلخ العلم دار وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة خمس وستين ولما رأى نور ~~الدين ظهور الفرنج ونزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم فنزل على الكرك محاصرا ~~لها في شعبان من السنة المذكورة فقصده فرنج الساحل فرحل عنها وقصد لقاءهم ~~فلم يقفوا له ثم بلغه وفاة مجد الدين ابن الداية وكانت وفاته بحلب في شهر ~~رمضان سنة خمس وستين فاشتغل قلبه لأنه كان صاحب أمره وعاد يطلب الشام فبلغه ~~أمر الزلازل بحلب التي أخربت كثيرا من البلاد وكانت في ثاني عشر شوال منها ~~فسار يطلب حلب فبلغه خبر موت أخيه قطب الدين بالموصل قلت وقد ذكرت ذلك في ~~ترجمته واسمه مودود قال وبلغه ms1990 الخبر وهو بتل باشر فسار من ليلته طالبا بلاد ~~الموصل ولما بلغ صلاح الدين قصد الفرنج دمياط استعد لهم بتجهيز الرجال ~~وجميع PageV07P152 # الآلات إليها ووعدهم بالإمداد بالرجال إن نزلوا عليهم ~~وبالغ في العطايا والهبات وكان وزيرا متحكما لا يرد أمره في شيء ثم نزل ~~الفرنج عليها واشتد زحفهم وقتالهم عليها وهو رحمه الله يشن عليهم الغارات ~~من خارج والعسكر يقاتلهم من داخل ونصر الله تعالى المسلمين به وبحسن تدبيره ~~فرحلوا عنها خائبين فأحرقت مناجيقهم ونهبت آلاتهم وقتل من رجالهم خلق كثير ~~واستقرت قواعد صلاح الدين وسير طلب والده نجم الدين أيوب ليتم له السرور ~~وتكون قصته مشاكلة لقصة يوسف الصديق عليه السلام فوصل والده إليه في جمادى ~~الآخرة من سنة خمس وستين قلت هكذا ذكر ابن شداد تاريخ وصوله إلى مصر ~~والصواب فيه هو الذي ذكرته في ترجمته وسلك معه من الأدب ما جرت به عادته ~~وألبسه الأمر كله فأبى أن يلبسه وقال يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر ~~إلا وأنت كفء له ولا ينبغي أن يغير موضع السعادة فحكمه في الخزائن كلها ولم ~~يزل وزيرا حتى مات العاضد في التاريخ المقدم ذكره قلت أكثر ما ذكرته في هذا ~~الفصل منقول من كلام شيخنا ابن شداد في سيرة صلاح الدين وفيه زوائد من ~~غيرها والذي ذكره شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير المذكور قبل هذا في ~~تاريخه الأتابكي أن كيفية ولاية صلاح الدين أن جماعة من الأمراء النورية ~~الذين كانوا بمصر طلبوا التقدم على العساكر وولاية الوزارة يعني بعد موت ~~أسد الدين منهم الأمير عين الدولة الياروقي وقطب الدين حسرو بن تليل وهو ~~ابن أخي أبي الهيجاء الهذباني الذي كان صاحب إربل قلت هو صاحب المدرسة ~~القطبية التي بالقاهرة ومنهم سيف الدين علي بن أحمد الهكاري وجده كان صاحب ~~القلاع الهكارية قلت هو المعروف بالمشطوب والد عماد الدين أحمد بن المشطوب ~~وقد تقدم ذكره في ترجمة مستقلة PageV07P153 # قال ومنهم شهاب الدين محمود الحارمي وهو خال صلاح ~~الدين وكل واحد ms1991 من هؤلاء يخطبها لنفسه وقد جمع ليغالب عليها فأرسل العاضد ~~صاحب مصر غلى صلاح الجين وأمره بالحضور في قصره ليخلع عليه خلع الوزارة ~~ويوليه الأمر بعد عمه وكان الذي حمل العاضد على ذلك ضعف صلاح الدين فإنه ظن ~~أنه إذا لوي صلاح الدين وليس له عسكر ولا رجال كان في ولايته مستضعفا يحكم ~~عليه ولا يجسر على المخالفة وأنه يضع على العسكر الشامي من يستميلهم إليه ~~فإذا صار معه البعض أخرج الباقين وتعود البلاد إليه وعنده من العساكر ~~الشامية من يحميها من الفرنج ونور الدين والقصة مشهورة أردت عمرا وأراد ~~الله خارجة قلت هذا المثل مشهور بين العلماء وسيأتي الكلام عليه بعد الفراغ ~~من هذه الترجمة إن شاء الله تعالى عدنا إلى تمام الكلام الأول فامتنع صلاح ~~الدين وضعفت نفسه عن هذا المقام فألزمه وأخذ كارها إن الله ليعجب من قوم ~~يقادون إلى الجنة بالسلاسل فلما حضر في القصر خلع عليه خلع الوزارة الجبة ~~والعمامة وغيرهما ولقب الملك الناصر وعاد إلى دار أسد الدين فأقام بها ولم ~~يلتفت إليه أحد من أولئك الأمراء الذين يريدون الأمر لأنفسهم ولا خدموه ~~وكان الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري معه قلت وقد سبق ذكره في ترجمة مفردة ~~قال ابن الأثير فسعى مع سيف الدين علي بن أحمد حتى أماله إليه وقال له إن ~~هذا الأمر لا يصل إليك مع وجود عين الدولة والحارمي وابن تليل فمال إلى ~~صلاح الدين ثم قصد شهاب الدين الحارمي وقال له إن هذا صلاح الدين هو ابن ~~أختك وملكه لك وقد استقام الأمر له فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه ولا ~~يصل إليك ولم يزل به حتى أحضره أيضا عنده وحلفه له ثم عدل إلى PageV07P154 # قطب الدين وقال له إن صلاح الدين قد أطاعه الناس ولم ~~يبق غيرك وغير الياروقي وعلى كل حال فيجمع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من ~~الأكراد فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك ووعده وزاد في إقطاعه فأطاع صلاح ~~الدين أيضا وعدل ms1992 على عين الدولة الياروقي وكان أكبر الجماعة وأكثرهم جمعا ~~فلم تنفعه رقاه ولا نفذ فيه سحره وقال أنا لا أخدم يوسف أبدا وعاد إلى نور ~~الدين ومعه غيره فأنكر عليهم فراقه وقد فات الأمر ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه وهو نائب عن الملك العادل نور الدين ~~والخطبة لنور الدين في البلاد كلها ولا يتصرفون إلا عن أمره وكان نور الدين ~~يكاتب صلاح الدين بالأمير الاصفهسلار ويكتب علامته في الكتب تعظما أن يكتب ~~اسمه وكان لا يفرده في كتاب بل يكتب الأمير الإصفهسلار صلاح الدين وكافة ~~الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا وكذا واستمال صلاح الدين قلوب الناس ~~وبذل الأموال مما كان أسد الدين قد جمعه وطلب من العاضد شيئا يخرجه فلم ~~يمكنه منعه فمال الناس إليه وأحبوه وقويت نفسه على القيام بهذا الأمر ~~والثبات فيه وضعف أمر العاضد فكان كالباحث عن حتفه بظلفه قال ابن الأثير في ~~تاريخه الكبير قد اعتبرت التواريخ ورأيت كثيرا من التواريخ الإسلامية فرأيت ~~كثيرا ممن يبتدئ الملك تنتقل الدولة عن صلبه إلى بعض أهله وأقاربه منهم في ~~أول الإسلام معاوية بن أبي سفيان أول من ملك من أهل بيته فانتقل الملك عن ~~أعقابه إلى بني مروان من بني عمه ثم من بعده السفاح أول من ملك من بني ~~العباس انتقل الملك من أعقابه إلى أخيه المنصور ثم السامانية أول من استبد ~~فيهم نصر بن أحمد فانتقل الملك عنه إلى أخيه إسماعيل بن أحمد وأعقابه ثم ~~يعقوب بن الليث الصفار وهو أول PageV07P155 # من ملك من أهل بيته وانتقل الملك عنه إلى أخيه عمرو ~~واعقابه ثم عماد الدولة بن بويه أول من ملك من أهل بيته ثم انتقل الملك عنه ~~إلى أخويه معز الدولة وركن الدولة ثم السلجوقية أول من ملك منهم طغرل بك ثم ~~انتقل الملك إلى أولاد أخيه داود ثم هذا شيركوه كما ذكرناه انتقل الملك إلى ~~ولد أخيه نجم الدين أيوب ولولا خوف الإطالة لذكرنا أكثر من هذا والذي ms1993 أظنه ~~السبب في ذلك أن الذي يكون أول دولته يكثر القتل فيأخذ الملك وقلوب من كان ~~فيه متعلقة به فلهذا يحرم الله أعقابه ويفعل ذلك لأجلهم عقوبة له نعود إلى ~~ذكر صلاح الدين وأرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه أخوته فلم ~~يجبه إلى ذلك وقال أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد ثم إن الفرنج ~~اجتمعوا ليسيروا إلى مصر فسير نور الدين العساكر وفيهم إخوة صلاح الدين ~~منهم شمس الدولة توران شاه بن أيوب قلت وقد تقدم ذكره في ترجمة مستقلة قال ~~وهو أكبر من صلاح الدين فلما أراد أن يسير قال له نور الدين إن كنت تسير ~~إلى مصر وتنظر إلى أخيك أنه يوسف الذي كان يقوم في خدمتك وأنت قاعد فلا تسر ~~فإنك تفسد البلاد وأحضرك حينئذ وأعاقبك بما تستحقه وإن كنت تنظر إليه صاحب ~~مصر وقائم مقامي وتخدمه بنفسك كما تخدمني فسر إليه واشدد أزره وساعده على ~~ما هو بصدده فقال أفعل معه من الخدمة والطاعة ما يتصل بك إن شاء الله تعالى ~~فكان معه كما قال ثم قال شيخنا ابن الأثير بعد هذا بأوراق في فصل يتعلق ~~بانقراض الدولة المصرية وإقامة الدولة العباسية بها في المحرم سنة سبع ~~وستين وخمسمائة فقال PageV07P156 # قطعت خطبة العاضد صاحب مصر وخطب فيها للإمام المستضيء ~~بأمر الله أمير المؤمنين وكان السبب في ذلك أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ~~ثبت قدمه في مصر وزال المخالفون له وضعف أمر العاضد ولم يبق من العساكر ~~المصرية أحد كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره بقطع الخطبة ~~العاضدية وإقامة الخطبة العباسية فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر ~~وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى دولة المصريين فلم يصغ نور الدين ~~إلى قوله وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاما لا فسحة له فيه واتفق أن العاضد مرض ~~وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة فاستشار أمراءه كيف الابتداء ~~بالخطبة العباسية فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار ms1994 بها ومنهم من خاف ذلك ~~إلا أنه لا يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين وكان قد دخل إلى مصر إنسان عجمي ~~يعرف بالأمير العالم وقد رأيناه بالموصل كثيرا فلما رأى ما هم فيه من ~~الإحجام قال أنا أبتدىء بها فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل ~~الخطيب ودعا للمستضيء بأمر الله فلم ينكر أحد ذلك فلما كان الجمعة الثانية ~~أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة ~~للمستضيء بأمر الله ففعلوا ذلك ولم ينتطح فيها عنزان وكتب بذلك إلى سائر ~~ديار المصرية وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك وقالوا ~~إن سلم فهو يعلم وإن توفي فلا ينبغي أن ننغص عليه هذه الأيام التي بقيت من ~~أجله فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء واستولى ~~على قصره وجميع ما فيه وكان قد رتب فيه قبل وفاة العاضد بهاء الدين قراقوش ~~وهو خصي يحفظه قلت وقد تقدم ذكره في ترجمة أيضا قال وجعله كأستاذ دار ~~العاضد فحفظ ما فيه حتى تسلمه صلاح الدين ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد ~~ووكل بحفظهم وجعل أولاده وعمومته وأبناءهم PageV07P157 # في إيوان في القصر وجعل عندهم من يحفظهم وأخرج من كان ~~من العبيد والإماء فأعتق البعض ووهب البعض وباع البعض وأخلى القصر من أهله ~~وسكانه فسبحان من لا يزول ملكه ولا يغيره ممر الأيام وتعاقب الدهور ولما ~~اشتد مرض العاضد أرسل يستدعي صلاح الدين فظن أن ذلك خديعة فلم يمض إليه ~~فلما توفي علم صدقة فندم على تخلفه عنه وكان ابتداء الدولة العبيدية ~~بافريقية والمغرب في ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين وأول من ظهر منهم ~~المهدي أبو محمد عبيد الله وبنى المهدية وملك إفريقية كلها قلت هكذا ذكر ~~شيخنا ابن الأثير تاريخ استيلاء المهدي عبيد الله على إفريقية والصواب فيه ~~هو الذي ذكرته في ترجمته فيكشف منه ثم إنه قال ولما مات المهدي عبيد الله ~~قام بالأمر بعده ولده القائم أبو القاسم محمد ms1995 ثم ذكرهم واحدا واحدا حتى ~~انتهى إلى العاضد المذكور فقال وانقرضت دولتهم فكانت مدة دولتهم مائتي سنة ~~وستا وستين سنة وكان مقامهم بمصر مائتي سنة وثماني سنين وملك منهم أربعة ~~عشر وهم المهدي والقائم والمنصور والمعز والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر ~~والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد آخرهم قلت وقد ذكرت كل ~~واحد من هؤلاء بترجمة مستقلة في هذا الكتاب فمن اختار الوقوف على أحوالهم ~~فليطلبه في اسمه ولا حاجة إلى ذكره ها هنا قال شيخنا ابن الأثير وقد أتينا ~~على ذكر ما أجملناه مستقصى في التاريخ الكبير يعني كتابه الذي سماه الكامل ~~وهو مشهور ومن أنفع الكتب في بابه قال ولما استولى صلاح الدين على القصر ~~وأمواله وذخائره اختار منه منه ما أراد ووهب أهله وأمراءه وباع منه كثيرا ~~وكان فيه من الجواهر والأعلاق النفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك قد جمع ~~على طول السنين وممر الدهور فمنه القضيب الزمرذ طوله نحو قبضة ونصف والجبل ~~PageV07P158 # الياقوت وغيرهما ومن الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة ~~والخطوط الجيدة نحو مائة ألف مجلد ولما خطب للمستضيء بأمر الله بمصر أرسل ~~نور الدين إليه يعرفه ذلك فحل عنده أعظم محل وسير إليه الخلع الكاملة مع ~~عماد الدين صندل المقتفوي إكراما له لأن عماد الدين كان كبير المحل في ~~الدولة العباسية وكذلك أيضا سير خلعا لصلاح الدين إلا أنها أقل من خلع نور ~~الدين وسيرت الأعلام السود لتنصب على المنابر وكانت هذه أول أهبة عباسية ~~دخلت مصر بعد استيلاء العبيدين عليها انتهى ما قاله شيخنا ابن الأثير قلت ~~ولما وصل الخبر إلى الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن ابن الإمام ~~المستنجد وهو والد الإمام الناصر لدين الله بما تجدد من أمر مصر وعود ~~الخطبة والسكة بها باسمه بعد انقطاعها بمصر هذه المدة الطويلة نظم أبو ~~الفتح محمد سبط ابن التعاويذي المقدم ذكره قصيدة طنانة مدح بها الإمام ~~المستضيء وذكر هذا الفتوح المتجدد له وفتوح بلاد اليمن أيضا وهلاك الخارجي ~~بها الذي سمى نفسه المهدي ms1996 وذلك في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وكان صلاح ~~الدين قد أرسل له من ذخائر مصر وأسلاب المصريين شيئا كثيرا وأولها (قل ~~للسحاب إذا مرتهيد الجنائب فارجحن) (عج باللوى فاسمح بدمعك للمعاهد والدمن) ~~(يا منزل الأنس الجميع وملعب الحي الأغن) (سكنت بك الآرام من بعد الأحبة ~~والسكن) (أين استقلت بالحبيب ركابة ومتى ظعن) (شوقي إلى زمن الحمى سقي ~~الغوادي من زمن) PageV07P159 # (شوق المغرب شردته يد البعاد عن الوطن) (ولقد عهدتك ~~والزمان * بشملنا بك ما فطن) (وثراك ما اغبرت مسارحه * وماؤك ما أجن) ~~(وظباؤك الأتراب لي * وطر وتربك لي وطن) (لام العذول وما درى * وجدي ~~وبلبالي بمن) (وجدي بمن فضح القضيب وأخجل الرشأ الأغن) (ما ضر من هو فتنتي ~~* لو كان يرحم من فتن) (دمعي طليق في محبته * وقلبي مرتهن) (يا محنتي أودى ~~الصدود * بعاشق بك ممتحن) (غاذرته وقفا على العبرات بعدك والحزن) (كلف ~~الفؤاد معذبا * بين الإقامة والظعن) (عطفا على قرح الجفون * بعيد عهد ~~بالوسن) (لا تبخلي فالبخل يذهب * بهجة الوجه الحسن) (ولرب ليل بت فيه صريع ~~باطية ودن) (أختال من مرح وأسحب فضل ذيلي والردن) (مع مخطف لدن القوام * ~~إذا انثنى رخص البدن) (لكنني كفرت ليلة زرته عني وعن) (بمدائحي للمستضيء * ~~أبي محمد الحسن) (المستقر من الخلافة * في الشواهق والقنن) ومنها (يا جاريا ~~في العدل من * سنن النبي على سنن) (يا جامعا خلق النبوة * والخلافة في قرن) ~~PageV07P160 # (دانت لهيبتك الممالك * والمعاقل والمدن) (بالمشرفيات ~~الصوارم * والمثقفة اللدن) (وأتتك اسلاب الملوك * من الصعيد إلى عدن) (سلب ~~الدعي بأرض مصر والمضلل في اليمن) (مما اقتناه ذو رعين في القديم وذو يزن) ~~(وشفيت منهم بالظبا * تلك الضغائن والإحن) (لم تغن عنهم حين رعتهم الحصون ~~ولا الجنن) (أمست سباياهم تقاد * أذلة قود البدن) (غادرت عرض بلادهم * غرض ~~النوائب والمحن) (في كل يوم من جيوشك * غارة فيها تشن) (وأعدت سر الأولياء ~~* المؤمنين بها علن) (ورحضت ما ابقته آثار * الخوارج من درن) (فكأن دعوتهم ~~على * تلك المنابر لم تكن) وهي طويلة فتقتصر منها على هذا القدر ففيه ms1997 كفاية ~~ومدحه أيضا بقصيدة أخرى أشار فيها إلى هذا المعنى وليس على خاطري من هذه ~~القصيدة سوى غزلها فأحببت ذكره لكونه في غاية الحسن واللطافة وهو (أهلا ~~بطلعة زائر * فضح الدجى بضيائها) (سمح الزمان بوصلها * فدنت على عدوائها) ~~(باتت تعاطيني المدام * وكنت من أكفائها) (فسكرت من ألحاظها * وغنيت عن ~~صهبائها) (بيضاء قتلي دأبها * في نأيها وثوائها) PageV07P161 # (فإذا دنت بجفونها * وإذا نأت بجفائها) (لا تلتقي ابدا ~~مواعدها * بيوم وفائها) (الشمس من ضراتها * والبدر من رقبائها) (والصبح فوق ~~لثامها * والليل تحت ردائها) (مضرية تنمى إذا انتسبت إلى حمرائها) (باتت ~~وأطراف الرماح * تجول حول خبائها) (فالموت دون فراقها * والموت دون لقائها) ~~(ولقد مررت بربعها * بعد النوى وفنائها) (والعين في الأطلال ساكنة * على ~~أطلائها) (فوقفت أنشد في مطالعها * بدور سمائها) (وبكيت حتى كدت أعطف بانتي ~~جرعائها) (يا موحش العين التي * أنست بطول بكائها) (غادرت بين جوانحي * ~~نفسا تموت بدائها) (تشتاق عيني أن تراك * وأنت في سودائها) (فإذا بخلت ~~بنظرة * سمحت بجمة مائها) (فكأنها كف الخليفة أسلبت بعطائها) وبعد هذا شرع ~~في المديح وابدع فيها جميعها وسأذكر بعد هذا عند أواخر هذه الترجمة شيئا من ~~مدائحه في صلاح الدين إن شاء الله تعالى فقد كان يسير قصائده إليه من بغداد ~~فتصل أولا إلى القاضي الفاضل ومعها مديح للفاضل وهو الذي يعرض قصائده على ~~صلاح الدين رحمه الله تعالى ثم ذكر شيخنا ابن الأثير بعد هذا فصلا يتضمن ~~حصول الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنا فقال وفي سنة سبع وستين أيضا ~~حدث PageV07P162 # ما أوجب نفرة نور الدين عن صلاح الدين وكان الحادث أن ~~نور الدين أرسل إلى صلاح الدين يأمره بجمع العساكر المصرية والمسير بها إلى ~~بلد الفرنج والنزول على الكرك ومحاصرته ليجمع هو أيضا عساكره ويسير إليه ~~ويجتمعا هناك على حرب الفرنج والاستيلاء على بلادهم فبرز صلاح الدين من ~~القاهرة في العشرين من المحرم وكتب إلى نور الدين يعرفه أن رحيله لا يتأخر ~~وكان نور الدين قد جمع عساكره وتجهز وأقام ينتظر ورود الخبر ms1998 من صلاح الدين ~~برحيله ليرحل هو فلما أتاه الخبر بذلك رحل من دمشق عازما على قصد الكرك ~~فوصل إليه وأقام ينتظر وصول صلاح الدين أليه فأرسل كتابه يعتذر فيه عن ~~الوصول باختلال البلاد المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلويين وأنهم ~~عازمون على الوثوب بها وأنه يخاف عليها مع البعد عنها فعاد إليها فلم يقبل ~~نور الدين عذره وكان سبب تقاعده أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور ~~الدين فحيث لم يمتثل أمر نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده وعزم على الدخول ~~إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها فبلغ الخبر إلى صلاح الدين فجمع أهله وفيهم ~~والده نجم الدين أيوب وخاله شهاب الدين الحارمي ومعهم سائر الأمراء وأعلمهم ~~ما بلغه عن عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر منه واستشارهم فلم يجبه أحد ~~منهم بشيء فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين قلت وقد تقدم ذكره في ~~ترجمة مستقلة قال وقال إذا جاء قاتلناه وصددناه عن البلاد ووافقه غيره من ~~أهله فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه وكان ذا رأي ومكر وعقل وقال ~~لتقي الدين اقعد وسبه وقال لصلاح الدين أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك أتظن ~~أن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا فقال لا فقال والله لو رأيت ~~أنا وهذا خالك شهاب الدين نور الدين لم يمكنا إلا أن نترجل له ونقبل الأرض ~~بين يديه ولو أمرنا أن نضرب عنقك PageV07P163 # بالسيف لفعلنا فإذا كنا نحن هكذا كيف يكون غيرنا وكل ~~من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر على الثبات ~~على سرجه ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه وهذه البلاد له وقد ~~اقامك فيها وإن أراد عزلك فأي حاجة له إلى المجيء يأمرك بكتاب مع نجاب حتى ~~تقصد خدمته ويولي بلاده من يريد وقال للجماعة كلهم قوموا عنا ونحن مماليك ~~نور الدين وعبيده يفعل بنا ما يريد فتفرقوا على هذا وكتب أكثرهم إلى نور ~~الدين بالخبر ms1999 ولما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له أنت جاهل قليل المعرفة ~~تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما في نفسك فإذا سمع نور الدين أنك عازم ~~على منعه عن البلاد جعلك أهم الأمور إليه وأولاها بالقصد ولو قصدك لم تر ~~معك أحدا من هذا العسكر وكانوا أسلموك إليه وأما الآن بعد هذا المجلس ~~فسيكتبون إليه ويعرفونه قولي وتكتب أنت إليه وترسل في المعنى وتقول أي حاجة ~~إلى قصدي يجبي نجاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك ~~واستعمل ما هو أهم عنده والأيام تندرج والله في كل وقت في شان والله لو ~~أراد نور الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو اقتل ~~ففعل صلاح الدين ما أشار به والده فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن ~~قصده وكان الأمر كما قال نجم الدين أيوب وتوفي نور الدين ولم يقصده وهذا ~~كان من أحسن الآراء وأجودها انتهى ما ذكره ابن الأثير وقال شيخنا ابن شداد ~~في السيرة لم يزل صلاح الدين على قدم بسط العدل ونشر الإحسان وإفاضة ~~الإنعام على الناس إلى سنة ثمان وستين وخمسمائة فعند ذلك خرج بالعسكر يريد ~~بلاد الكرك والشوبك وإنما بدأ بها لأنها كانت أقرب إليه وكانت في الطريق ~~تمنع من يقصد الديار المصرية وكان لا يمكن أن تعبر قافلة حتى يخرج هو بنفسه ~~يعبرها فأراد PageV07P164 # توسيع الطريق وتسهيلها فحاصرها في هذه السنة وجرى بينه ~~وبين الفرنج وقعات وعاد ولم يظفر منها بشيء ولما عاد بلغه خبر وفاة والده ~~نجم الدين أيوب قبل وصوله إليه قلت وقد ذكرت تاريخ وفاته في ترجمته قال ~~ولما كانت سنة تسع وستين رأى قوة عسكره وكثرة عدده وكان بلغه أن باليمن ~~إنسانا استولى عليها وملك حصونها يسمى عبد النبي بن مهدي فسير أخاه توران ~~شاه فقتله وأخذ البلاد منه وقد بسطت القول في ذلك في ترجمته ثم توفي نور ~~الدين في سنة تسع وستين حسبما شرحته في ترجمته فلا ms2000 حاجة إلى الإعادة وبلغ ~~صلاح الدين أن إنسانا يقال له الكنز جمع بأسوان خلقا عظيما من السودان وزعم ~~أنه يعيد الدولة المصرية وكان أهل مصر يؤثرون عودهم فانضافوا إلى الكنز ~~المذكور فجهز صلاح الدين إليه جيشا كثيفا وجعل مقدمه أخاه الملك العادل ~~وساروا فالتقوا وكسروهم وذلك في السابع من صفر سنة سبعين وخمسمائة واستقرت ~~له قواعد الملك وكان نور الدين رحمه الله قد خلف ولده الملك الصالح إسماعيل ~~المذكور في ترجمة أبيه وكان بدمشق عند وفاة أبيه وكان بقلعة حلب شمس الدين ~~علي بن الداية وشاذبخت وكان ابن الداية قد حدث نفسه بأمور فسار الملك ~~الصالح من دمشق إلى حلب فوصل إلى ظاهرها في المحرم من سنة سبعين ومعه سابق ~~الدين فخرج بدر الدين حسن ابن الداية فقبض على سابق الدين ولما دخل الملك ~~الصالح القلعة قبض على شمس الدين وأخيه حسن المذكور وأودع الثلاثة السجن ~~وفي ذلك اليوم قتل أبو الفضل ابن الخشاب لفتنة جرت بحلب وقيل بل قتل قبل ~~قبض أولاد الداية بيوم لأنهم تولوا تدبير ذلك ثم إن صلاح الدين بعد وفاة ~~نور الدين علم أن ولده الملك الصالح صبي PageV07P165 # لا يستقل بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك واختلفت ~~الأحوال بالشام وكاتب شمس الدين ابن المقدم صلاح الدين فتجهز من مصر في جيش ~~كثيف وترك بها من يحفظها وقصد دمشق مظهرا أنه يتولى مصالح الملك الصالح ~~فدخلها بالتسليم في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة ~~وتسلم قلعتها وكان أول دخوله دار أبيه قلت وهي الدار المعروفة بالشريف ~~العقيقي وهي اليوم في قبالة المدرسة العادلية مشهورة هناك بالعقيقي قال ~~واجتمع الناس إليه وفرحوا به وأنفق في ذلك اليوم مالا جليلا واظهر السرور ~~بالدمشقيين وصعد القلعة وسار إلى حلب فنازل حمص وأخذ مدينتها في جمادى ~~الأولى من السنة ولم يشتغل بقلعتها وتوجه إلى حلب ونازلها في يوم الجمعة ~~سلخ جمادى الأولى من السنة وهي الوقعة الأولى ثم إن سيف الدين غازي بن قطب ~~الدين مودود بن عماد ms2001 الدين زنكي صاحب الموصل لما أحس بما جرى علم أن الرجل ~~قد استفحل أمره وعظم شأنه وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرت قدمه ~~في الملك وتعدى الأمر إليه فأنفذ عسكرا وافرا وجيشا عظيما وقدم عليه أخاه ~~عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود وساروا يريدون لقاءه ليردوه عن البلاد ~~فلما بلغ صلاح الدين ذلك رحل عن حلب في مستهل رجب من السنة عائدا إلى حماة ~~ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها ووصل عز الدين مسعود إلى حلب وأخذ معه عسكر ابن ~~عمه الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب يومئذ وخرجوا في جمع عظيم فلما عرف ~~صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد ~~أن يصالحوه فما صالحوه ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما نالوا به غرضهم ~~والقضاء يجر إلى أمور وهم بها لا يشعرون فتلاقوا فقضى الله تعالى أن ~~انكسروا بين يديه واسر جماعة منهم فمن عليهم وذلك في تاسع شهر رمضان من ~~PageV07P166 # السنة عند قرون حماة ثم سار عقيب كسرتهم ونزل على حلب ~~وهي الدفعة الثانية فصالحوه على أخذ المعرة وكفر طاب وبارين ولما جرت هذه ~~الوقعة كان سيف الدين غازي يحاصر أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار وعزم على ~~أخذها منه لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين وكان قد قارب أخذها فلما بلغه ~~الخبر وأن عسكره انكسر خاف أن يبلغ أخاه عماد الدين الخبر فيشتد أمره ويقوى ~~جأشه فراسله وصالحه ثم سار من وقته إلى نصيبين واهتم بجمع العساكر والإنفاق ~~فيها وسار إلى البيرة وعبر الفرات وخيم على الجانب الشامي وراسل ابن عمه ~~الصالح بن نور الدين صاحب حلب حتى تستقر له قاعدة يصل عليها ثم إنه وصل إلى ~~حلب وخرج الملك الصالح إلى لقائه واقام على حلب مدة وصعد قلعتها جريدة ثم ~~نزل وسار إلى تل السلطان قلت وهي منزلة بين حماة وحلب قال ومعه جمع كبير ~~وأرسل صلاح الدين إلى مصر طلب عسكرها فوصل إليه وسار به حتى نزل ms2002 على قرون ~~حماة ثم تصافوا بكرة نهار الخميس العاشر من شوال سنة إحدى وسبعين وجرى قتال ~~عظيم وانكسرت ميسرة صلاح الدين بمظفر الدين بن زين الدين قلت هو صاحب إربل ~~المقدم ذكره قال فإنه كان على ميمنة سيف الدين فحمل صلاح الدين بنفسه ~~فانكسر القوم وأسر منهم جمعا من كبار الأمراء فمن عليهم واطلقهم وعاد سيف ~~الدين إلى حلب فأخذ منها خزائنه وسار حتى عبر الفرات وعاد إلى بلاده ومنع ~~صلاح الدين من تتبع القوم ونزل في بقية ذلك اليوم في خيامهم فإنهم تركوا ~~أثقالهم وانهزموا ففرق صلاح الدين الاصطبلات ووهب الخزائن وأعطى خيمة سيف ~~الدين لابن أخيه عز الدين فرخشاه قلت هو ابن شاهان شاه ابن أيوب وهو أخو ~~تقي الدين عمر صاحب حماة وفرخشاه صاحب بعلبك وهو والد الملك الأمجد بهرام ~~شاه صاحب بعلبك قال وسار إلى منبج فتسلمها ثم سار إلى قلعة عزاز يحاصرها ~~وذلك PageV07P167 # في رابع ذي القعدة من سنة إحدى وسبعين وعليها وثب ~~جماعة من الإسماعيلية على صلاح الدين فنجاه الله سبحانه منهم وظفره بهم ~~وأقام عليها حتى أخذها في رابع عشر ذي الحجة من السنة ثم سار فنزل على حلب ~~في سادس عشر الشهر المذكور وأقام عليها مدة ثم رحل عنها وكانوا قد أخرجوا ~~له ابنة صغيرة لنور الدين سألته عزاز فوهبها لها ثم عاد صلاح الدين إلى مصر ~~ليتفقد أحوالها وكان مسيره إليها في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وسبعين ~~وكان أخوه شمس الدولة توران شاه قد وصل إليه من اليمن فاستخلفه بدمشق ثم ~~تأهب للغزاة وخرج يطلب الساحل حتى وافى الفرنج على الرملة وذلك في أوائل ~~جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وكانت الكسرة على المسلمين في ذلك اليوم قلت ~~وذلك لأمر يطول شرحه قال فلما انهزموا لم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه ~~فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا في الطريق وتبددوا وأسر منهم جماعة منهم ~~الفقيه عيسى الهكاري وكان ذلك وهنا عظيما جبره الله تعالى بوقعة حطين ~~المشهورة وأما الملك الصالح ms2003 صاحب حلب فإنه تخبط أمره وقبض على كمشتكين صاحب ~~دولته وطلب منه تسليم حارم إليه فلم يفعل فقتله فلما سمع الفرنج بقتله ~~نزلوا على حارم طمعا فيها وذلك في جمادى الآخرة من السنة فلما رأى أهل ~~قلعتها الخطر من جهة الفرنج سلموها إلى الملك الصالح في العشر الأواخر من ~~شهر رمضان من السنة فرحل الفرنج عنها واقام صلاح الدين بمصر حتى لم شعثه ~~وشعث أصحابه من اثر كسرة الرملة ثم بلغه تخبط الشام فعزم على العود إليه ~~واهتم بالغزاة فوصله رسول قليج أرسلان صاحب الروم يلتمس الصلح ويتضرر من ~~الأرمن فعزم على قصد بلاد ابن لاون قلت وهي بلاد سيس الفاصلة بين حلب ~~والروم من جهة الساحل قال لينصر قليج أرسلان عليه فتوجه إليه واستدعى عسكر ~~حلب لأنه كان في الصلح أنه متى استدعاه حضر إليه ودخل بلد ابن لاون واخذ في ~~طريقه حصنا واخربه ورغبوا إليه في الصلح فصالحهم ورجع عنهم ثم سأله قليج ~~أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم فأجاب إلى PageV07P168 # ذلك وحلف صلاح الدين في عاشر جمادى الأولى سنة ست ~~وسبعين وخمسمائة ودخل في الصالح قليج أرسلان والمواصلة وعاد بعد تمام الصلح ~~إلى دمشق ثم منها إلى مصر ثم توفي الملك الصالح بن نور الدين في التاريخ ~~المذكور في ترجمة والده وكان قد استحلف أمراء حلب وأجنادها لابن عمه عز ~~الدين مسعود صاحب الموصل قلت وقد تقدم ذكره وهو ابن قطب الدين مودود فلما ~~مات سيف الدين في التاريخ المذكور في ترجمته قام مقامه أخوه عز الدين مسعود ~~المذكور قال فلما بلغ عز الدين خبر موت الملك الصالح وانه أوصى له بحلب ~~بادر إلى التوجه إليها خوفا أن يسبقه صلاح الدين فيأخذها فكان أول قادم ~~إليها مظفر الدين بن زين الدين قلت هو صاحب إربل وكان إذ ذاك صاحب حران وهو ~~مضاف إلى المواصلة لأن تلك البلاد كانت لهم قال فوصلها مظفر الدين في ثالث ~~شعبان سنة سبع وسبعين وفي العشرين منه وصلها عز الدين مسعود وصعد إلى ms2004 ~~القلعة فاستولى على ما فيها من الحواصل وتزوج أم الملك الصلح في خامس شوال ~~من السنة قلت ثم إن شيخنا ابن شداد ذكر بعد هذا أمورا ذكرتها في ترجمة عز ~~الدين مسعود بن مودود وترجمة أخيه عماد الدين زنكي وترجمة تاج الملوك بوري ~~أخي صلاح الدين فلا حاجة إلى إعادتها ها هنا فمن أراد الوقوف عليها يكشفها ~~في هذه التراجم قلت وحاصل الأمر أن عز الدين مسعودا قايض أخاه عماد الدين ~~زنكي PageV07P169 # صاحب سنجار عن حلب بسنجار وخرج عز الدين عن حلب ودخلها ~~عماد الدين زنكي فجاءه صلاح الدين وحاصره فلم يقدر عماد الدين على حفظ حلب ~~وكان نزول صلاح الدين على حلب في السادس والعشرين من المحرم سنة تسع وسبعين ~~وخمسمائة وقال ابن شداد نزل عليها في سادس عشر المحرم والله أعلم فتحدث ~~عماد الدين زنكي مع الأمير حسام الدين طمان بن غازي بن يلمي بن تنجول من ~~جبل سلور بحلب في السر بما يفعله فأشار عليه بأن يطلب منه بلادا وينزل له ~~عن حلب بشرط أن يكون له جميع ما في القلعة من الأموال فقال له عماد الدين ~~وهذا كان في نفسي ثم اجتمع حسام الدين طمان بصلاح الدين في السر على تقرير ~~القاعدة في ذلك فأجابه صلاح الدين إلى ما طلب ودفع له سنجار والخابور ~~ونصيبين وسروج ودفع لطمان الرقة لسفارته بينهما وحلف صلاح الدين على ذلك في ~~سابع عشر صفر من السنة وكان صلاح الدين قد نزل على سنجار وأخذها في ثامن ~~شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وأعطاها لابن أخيه تقي الدين عمر فلما جرى الصلح ~~على هذه الصورة أعطاها عماد الدين وتسلم صلاح الدين قلعة حلب وصعد إليها ~~يوم الاثنين السابع والعشرين من صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة وأقام بها حتى ~~رتب أمورها ثم رحل عنها في الثاني والعشرين من شهر ربيع الاخر من السنة ~~وجعل فيها ولده الملك الظاهر المقدم ذكره في ترجمة مستقلة وكان صبيا وولى ~~القلعة سيف الدين يازكوج الأسدي وجعله يرتب ms2005 مصالح ولده ثم سار صلاح الدين ~~إلى دمشق في التاريخ المذكور قال ابن شداد وتوجه من دمشق لقصد محاصرة الكرك ~~في الثالث من رجب من السنة وسير إلى أخيه الملك العادل وهو بمصر يستدعيه ~~ليجتمع به على الكرك فسار إليه بجمع كثير وجيش عظيم واجتمع به على الكرك في ~~رابع شعبان من السنة فلما بلغ الفرنج الخبر حشدوا خلقا كثيرا وجاءوا إلى ~~الكرك ليكونوا في PageV07P170 # قبالة عسكر المسلمين فخاف صلاح الدين على الديار ~~المصرية فسير إليها ابن أخيه تقي الدين عمر ورحل عن الكرك في سادس عشر ~~شعبان من السنة واستصحب أخاه الملك العادل معه ودخل دمشق في الرابع ~~والعشرين من شعبان من السنة وأعطاه حلب ودخلها في يوم الجمعة الثاني ~~والعشرين من شهر رمضان من السنة وخرج الملك الظاهر ويازكوج ودخلا دمشق في ~~يوم الاثنين الثامن والعشرين من شوال من السنة وكان الملك الظاهر أحب ~~أولاده إليه لما فيه من الخلال الحميدة ولم يأخذ منه حلب إلا لمصلحة رآها ~~في ذلك الوقت وقيل إن العادل أعطاه على أخد حلب ثلاثمائة ألف دينار يستعين ~~بها على الجهاد والله أعلم ثم إن صلاح الدين رأى أن عود الملك العادل إلى ~~مصر وعود الملك الظاهر إلى حلب أصلح قيل كان سبب ذلك أن الأمير علم الدين ~~سليمان بن جندر قال لصلاح الدين وكان بينهما مؤانسة قبل أن يتملك البلاد ~~وقد سايره يوما وكان من أمراء حلب والملك العادل لا ينصفه ويقدم عليه غيره ~~وكان صلاح الدين قد مرض على حصار الموصل وحمل إلى حران وأشفى على الهلاك ~~فلما عوفي رجع إلى الشام واجتمعا في المسير قال له وكان صلاح الدين قد أوصى ~~لكل واحد من أولاده بشيء من البلاد بأي رأي كنت تظن أن وصيتك تمضى كأنك كنت ~~خارجا إلى الصيد وتعود فلا يخالفونك أما تستحي أن يكون الطائر أهدى منك إلى ~~لمصلحة قال وكيف ذاك وهو يضحك قال إذا أراد الطائر أن يعمل عشا لفراخه قصد ~~أعالي الشجر ليحمي فراخه وأنت ms2006 سلمت الحصون إلى أهلك وجعلت أولادك على الأرض ~~هذه حلب وهي أم البلاد بيد أخيك وحماة بيد ابن أخيك تقي الدين وحمص بيد ابن ~~أسد الدين وابنك الأفضل مع تقي الدين بمصر يخرجه متى شاء وابنك الآخر مع ~~أخيك في خيمة يفعل به ما أراد فقال له صدقت واكتم هذا الأمر ثم أخذ حلب من ~~أخيه وأعطاها ابنه الملك الظاهر وأعطى الملك العادل بعد ذلك حران والرها ~~PageV07P171 # وميافارقين ليخرجه من الشام ويتوفر الشام على أولاده ~~فكان ما كان قلت وقد تقدم في ترجمة عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود صاحب ~~الموصل فصل يتعلق بنزول صلاح الدين على الموصل وحصارها ثلاث مرار ولم يقدر ~~عليها قال شيخنا ابن الأثير في تاريخه إنه نزل عليها في الدفعة الثالثة ~~وكان زمن الشتاء وعزم على المقام وإقطاع جميع بلاد الموصل وكان نزوله في ~~شعبان من سنة إحدى وثمانين وخمسمائة فأقام شعبان وشهر رمضان وترددت الرسل ~~بينه وبين صاحبها فينما هو كذلك مرض صلاح الدين فعاد إلى حران ولحقته الرسل ~~بالإجابة إلى ما طلب وتم الصلح على أن يسلم إليه صاحب الموصل شهرزور ~~وأعمالها وولاية القرابلي وما وراء الزاب من الأعمال وأن يخطب له على ~~المنابر وينقش اسمه على السكة فلما حلف أرسل صلاح الدين نوابه وتسلم البلاد ~~التي استقرت القاعدة على تسليمها وطال المرض على صلاح الدين بحران واشتد به ~~حتى أيسوا منه فحلف الناس لأولاده وكان عنده منهم الملك العزيز عماد الدين ~~عثمان وأخوه العادل جاءه من حلب وهو ملكها يومئذ وجعل لكل واحد شيئا من ~~البلاد وجعل الملك العادل وصيا على الجميع ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق في ~~المحرم من سنة اثنتين وثمانين ولما كان مريضا بحران كان عنده ناصر الدين ~~محمد ابن عمه شيركوه وله من الإقطاع حمص والرحبة فسار من عنده إلى حمص ~~واجتاز بحلب وأحضر جماعة من الأحداث ووعدهم وأعطاهم مالا ولما وصل إلى حمص ~~راسل جماعة من أهل دمشق ووعدهم على تسليم دمشق إليه إذا مات ms2007 صلاح الدين ~~فعوفي ولم يمض قليل حتى مات ناصر الدين ليلة عيد النحر من السنة فإنه شرب ~~PageV07P172 # الخمر فأكثر منه فأصبح ميتا وقيل إن صلاح الدين وضع ~~عليه إنسانا فحضر عنده ونادمه وسقاه سما فلما أصبحوا من الغد لم يروا ذلك ~~الشخص وكان يقال له الناصح بن العميد فسألوا عنه فقالوا إنه سار من ليلته ~~وكان هذا مما قوى الظن والله أعلم فلما توفي أعطى إقطاعه لولده شيركوه ~~وعمره اثنتا عشرة سنة وخلف من الأموال والدواب والأثاث شيئا كثيرا فحضر ~~صلاح الدين إلى حمص واستعرض تركته وأخذ أكثرها ولم يترك إلا ما لا خير فيه ~~ثم قال شيخنا بعد هذا كله وبلغني أن شيركوه حضر عند صلاح الدين بعد موت ~~أبيه بسنة فقال له إلى أين بلغت في القرآن فقال له * (إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا) * النساء 10 فعجب الجماعة ~~وصلاح الدين من ذكائه والله أعلم بصحة ذلك قال ابن شداد ولما وصل صلاح ~~الدين إلى دمشق عقيب مرضه وإبلاله سير طلب أخاه الملك العادل فخرج من حلب ~~جريدة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثمانين ~~ومضى إلى دمشق فأقام في خدمة السلطان صلاح الدين وجرت بينهما أحاديث ~~ومراجعات وقواعد تتقرر إلى جمادى الآخرة من السنة فاستقر الأمر على عود ~~الملك العادل إلى مصر وأخذت حلب منه وسار الملك الظاهر إليها فدخل قلعتها ~~يوم السبت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وقد ذكرت في ترجمة الملك الظاهر أنه ~~دخل حلب مالكا لها في مثل يوم وفاته وعينت هناك التاريخ واسم اليوم هكذا ~~وجدته وما أدري من اين نقلته وسلم السلطان ولده الملك العزيز إلى العادل ~~وجعله أتابكه قال ابن شداد قال لي الملك العادل لما استقرت هذه القاعدة ~~اجتمعت بخدمة PageV07P173 # الملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما وقلت للملك ~~العزيز اعلم يا مولاي ان السلطان أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر وأنا أعلم ~~أن المقدمين كثير وما يخلو أن يقال عني ms2008 ما لا يجوز ويخوفوك مني فإن كان لك ~~عزم أن تسمع منهم فقل لي حتى لا أجيء فقال كيف يتهيأ لي أن أسمع منهم أو ~~أرجع إلى رأيهم ثم التفت إلى الملك الظاهر وقلت له أنا أعرف أن أخاك ربما ~~سمع في أقوال المقدمين وأنا فما لي إلا أنت وقد قنعت منك بمنبج متى ضاق ~~صدري من جانبه فقال مبارك وذكر لي كل خير وزوج السلطان ولده الملك الظاهر ~~غازية خاتون ابنة أخيه الملك العادل ودخل بها يوم الأربعاء السادس والعشرين ~~من شهر رمضان من السنة ثم كانت وقعة حطين المباركة على المسلمين قال وكانت ~~في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة في وسط ~~نهار الجمعة وكان كثيرا ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند الصلاة تبركا ~~بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر فسار في ذلك الوقت بمن اجتمع له من ~~العساكر الإسلامية وكانت تجوز العد والحصر على تعبية حسنة وهيشة جميلة وكان ~~قد بلغه عن العدو أنه اجتمع في عدة كثيرة بمرج صفورية بأرض عكا عندما بلغهم ~~اجتماع العساكر الإسلامية فسار ونزل على بحيرة طبرية ثم رحل ونزل على طبرية ~~على سطح الجبل ينتظر قصد الفرنج له إذا بلغهم نزوله بالموضع المذكور فلم ~~يتحركوا ولا خرجوا من منزلتهم وكان نزولهم بالموضع المذكور يوم الأربعاء ~~الحادي والعشرين من شهر ربيع الاخر فلما رآهم لا يتحركون نزل جريدة على ~~طبرية وترك الأطلاب على حالها قبالة العدو ونازل طبرية وهجمها وأخذها في ~~ساعة واحدة وانتهب الناس ما بها وأخذوا في القتل والسبي والحريق وبقيت ~~القلعة محتمية بمن فيها PageV07P174 # ولما بلغ العدو ما جرى على طبرية قلقوا لذلك ورحلوا ~~نحوها فبلغ السلطان ذلك فترك على طبرية من يحاصر قلعتها ولحق بالعسكر ~~فالتقى بالعدو على سطح جبل طبرية الغربي منها وذلك في يوم الخميس الثاني ~~والعشرين من شهر ربيع الآخر وحال الليل بين العسكرين قياما على مصاف إلى ~~بكرة يوم الجمعة الثالث والعشرين منه فركب العسكران وتصادما والتحم القتال ms2009 ~~واشتد الأمر وذلك بأرض قرية تعرف بلوبيا وضاق الخناق بالعدو وهم سائرون ~~كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون وقد أيقنوا بالويل والثبور وأحست نفوسهم ~~أنهم في غد يومهم ذلك من زوار القبور ولم تزل الحرب تضطرم والفارس مع قرنه ~~يصطدم ولم يبق إلا الظفر ووقع الوبال على من كفر فحال بينهم الليل بظلامه ~~وبات كل واحد من الفريقين في سلاحه إلى صبيحة يوم السبت فطلب كل من ~~الفريقين مقامه وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد ~~العدو وأنهم لا ينجيهم إلا الاجتهاد في الجهاد فحملت أطلاب المسلمين من ~~جميع الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة رجل واحد فألقى الله الرعب في قلوب ~~الكافرين وكان حقا عليه نصر المؤمنين ولما أحس القومص بالخذلان هرب منهم في ~~أوائل الأمر وقصد جهة صور وتبعه جماعة من المسلمين فنجا منهم وكفى الله شره ~~وأحاط المسلمون بالكافرين من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وحكموا فيهم ~~السيوف وسقوهم كأس الحمام وانهزمت طائفة منهم فتبعها أبطال المسلمين فلم ~~ينج منها أحد واعتصمت طائفة منهم بتل يقال له تل حطين وهي قرية عندها قبر ~~النبي شعيب عليه السلام فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران واشتد بهم ~~العطش وضاق بهم الأمر حتى كانوا يستسلمون للأمر خوفا من القتل لما مر بهم ~~فأسر PageV07P175 # مقدموهم وقتل الباقون وكان ممن سلم من مقدميهم الملك ~~جفري وأخوه والبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك وابن الهنفري وابن صاحبه ~~طبرية ومقدم الديوية وصاحب جبيل ومقدم الاسبتار قال ابن شداد ولقد حكي لي ~~من أثق به أنه رأى بحوران شخصا واحدا معه نيف وثلاثون أسيرا قد ربطهم بطنب ~~خيمة لما وقع عليهم من الخذلان ثم إن القومص الذي هرب في أول الأمر وصل إلى ~~طرابلس فأصابه ذات الجنب فهلك منها وأما مقدما الاسبتار والديوية فان ~~السلطان قتلهما وقتل من بقي من صنفهما حيا وأما البرنس أرناط فان السلطان ~~كان قد نذر أنه إن ظفر به قتله وذلك لأنه كان قد عبر به عند الشوبك قوم من ms2010 ~~الديار المصرية في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الصلح الذي بينه وبين ~~المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم وبلغ السلطان ~~فحملته حميته ودينه على أن يهدر دمه ولما فتح الله تعالى عليه بنصره جلس في ~~دهليز الخيمة لأنها لم تكن نصبت بعد وعرضت عليه الأسارى وسار الناس يتقربون ~~إليه بمن في أيديهم منهم وهو فرح بما فتح الله تعالى على يده للمسلمين ~~ونصبت له الخيمة فجلس فيها شاكرا لله تعالى على ما أنعم به عليه واستحضر ~~الملك جفري وأخاه والبرنس أرناط وناول السلطان جفري شربة من جلاب وثلج فشرب ~~منها وكان على أشد حال من العطش ثم ناولها البرنس وقال السلطان للترجمان قل ~~للملك أنت الذي سقيته وإلا أنا فما سقيته وكان من جميل عادة العرب وكريم ~~أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن فقصد السلطان بقوله ~~ذلك ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عينه لهم فمضوا بهم إليه فأكلوا شيئا ثم عادوا ~~بهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم فاستحضرهم PageV07P176 # وأقعد الملك في دهليز الخيمة واستحضر البرنس أرناط ~~وأوقفه بين يديه وقال له ها أنا أنتصر لمحمد منك ثم عرض عليه الإسلام فلم ~~يفعل فسل النيمجاه فضربه بها فحل كتفه وتمم قتله من حضر وأخرجت جثته ورميت ~~على باب الخيمة فلما رآه الملك على تلك الحال لم يشك في أنه يلحقه به ~~فاستحضره وطيب قلبه وقال له لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك وأما هذا ~~فإنه تجاوز الحد وتجرأ على الأنبياء صلوات الله عليهم وبات الناس في تلك ~~الليلة على أتم سرور ترتفع أصواتهم بحمد الله وشكره وتهليله وتكبيره حتى ~~طلع الفجر ثم نزل السلطان على طبرية يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع ~~الآخر وتسلم قلعتها في ذلك النهار وأقام عليها إلى يوم الثلاثاء ثم رحل ~~طالبا عكا فكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر وقاتلها بكرة ~~يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين فأخذها ms2011 واستنقذ من كان بها ~~من أسارى المسلمين وكانوا أكثر من أربعة آلاف نفس واستولى على ما فيها من ~~الأموال والذخائر والبضائع لأنها كانت مظنة التجار وتفرقت العساكر في بلاد ~~الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة فأخذوا نابلس وحيفا ~~وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوها من الرجال لأن القتل والأسر ~~أفنى كثيرا منهم ولما استقرت قواعد عكا وقسم أموالها وأساراها سار يطلب ~~تبنين فنزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب ~~عليها المناجيق وضيق بالزحف خناق من فيها وكان فيها أبطال معدودون وفي ~~دينهم متشددون فقاتلوا قتالا شديدا ونصره الله سبحانه عليهم فتسلمها منهم ~~يوم الأحد ثامن عشرة عنوة وأسر من بقي فيها بعد القتل ثم رحل عنها إلى صيدا ~~فنزل عليها وتسلمها في غد يوم نزوله عليها وهو يوم الأربعاء العشرون من ~~جمادى الأولى وأقام عليها ريثما قرر قواعدها وسار حتى أتى بيروت فنازلها ~~ليلة الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى وركب عليها المجانيق وداوم ~~الزحف والقتال حتى أخذها في يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر المذكور ~~PageV07P177 # وتسلم أصحابه جبيل وهو على بيروت ولما فرغ باله من هذا ~~الجانب رأى قصد عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد ان نزل عليها ثم رأى أن ~~العسكر قد تفرق في الساحل وذهب كل واحد يحصل لنفسه وكانوا قد ضرسوا من ~~القتال وملازمة الحرب والنزال وكان قد اجتمع في صور من بقي في الساحل من ~~الفرنج فرأى أن قصده عسقلان أولى لأنها أيسر من صور فاتى عسقلان ونزل عليها ~~يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة من السنة وتسلم في طريقه إليها مواضع ~~كثيرة كالرملة والداروم وأقام في عسقلان المناجيق وقاتلها قتالا شديدا ~~وتسلمها في يوم السبت سلخ جمادى الآخرة من السنة وأقام عليها إلى أن تسلم ~~أصحابه غزة وبيت جبريل والنطرون بغير قتال وكان بين فتح عسقلان وأخذ الفرنج ~~لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة فإنهم كانوا أخذوها من المسلمين في السابع ~~والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ms2012 وخمسمائة هكذا ذكره شيخنا ابن ~~شداد في السيرة وذكر الشهاب ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه المشترك وضعا ~~المختلف صقعا أنهم أخذوها من المسلمين في رابع عشر جمادى الآخرة من السنة ~~قال ابن شداد لما تسلم عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمر عن ساق الجد ~~والاجتهاد في قصد القدس المبارك واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في ~~الساحل فسار نحوه معتمدا على الله تعالى مفوضا أمره إليه منتهزا الفرصة في ~~فتح باب الخير الذي حث على انتهازه بقوله صلى الله عليه وسلم من فتح له باب ~~خير فلينتهزه فإنه لا يعلم متى يغلق دونه وكان نزوله عليه في يوم الأحد ~~الخامس عشر من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكان نزوله بالجانب الغربي ~~وكان معه من كان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة وحزر أهل الخبرة ممن ~~كان معه من كان فيه من المقاتلة فكانوا يزيدون على ستين ألفا خارجا عن ~~النساء والصبيان ثم انتقل PageV07P178 # لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين ~~من رجب ونصب المناجيق وضايق البلد بالزحف والقتال حتى أخذ النقب في السور ~~مما يلي وادي جهنم ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع ~~له عنهم وظهرت لهم أمارات فتح المدينة وظهور المسلمين عليهم وكان قد اشتد ~~روعهم لما جرى على أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر وعلى حصونهم من التخريب ~~والهدم وتحققوا أنهم صائرون إلى ما صار أولئك إليه فاستكانوا وأخلدوا إلى ~~طلب الأمان واستقرت القاعدة بالمراسلة من الطائفتين وكان تسلمه في يوم ~~الجمعة السابع والعشرين من رجب وليلته كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في ~~القرآن الكريم فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسر الله تعالى عوده إلى ~~المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم صلى الله عليه وسلم وهذه علامة قبول ~~هذه الطاعة من الله تعالى وكان فتحه عظيما شهده من أهل العلم خلق ومن أرباب ~~الخرق والزهد عالم وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسره الله تعالى على يده من ~~فتوح الساحل وقصده ms2013 القدس قصده العلماء من مصر والشام بحيث لم يتخلف أحد ~~منهم وارتفعت الأصوات بالضجيج بالدعاء والتهليل والتكبير وصليت فيه الجمعة ~~يوم فتحه وخطب الخطيب قلت وقد تقدم في ترجمة القاضي محيي الدين محمد بن علي ~~المعروف بابن الزكي ذكر الخطبة التي خطب بها ذلك اليوم فيكشف منه ورأيت في ~~رسالة القاضي الفاضل المعروفة بالقدسية أن الخطبة أقيمت يوم الجمعة رابع ~~شعبان والله أعلم وإذ قد ذكرنا فتوح القدس وقد تقدم ذكر الخطبة التي خطب ~~يوم الجمعة بها يليق أن نذكر الرسالة التي كتبها القاضي الفاضل إلى الإمام ~~الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن الإمام المستضيء بأمر الله تتضمن ~~الفتوح فإنها بديعة بليغة في بابها ولم أذكرها بكمالها بل اخترت منها ~~أحسنها وتركت الباقي لأنها طويلة وهي PageV07P179 # أدام الله تعالى أيام الديوان العزيز النبوي ولا زال ~~مظفر الجد بكل جاحد غنيا بالتوفيق عن رأي كل رائد موقوف المساعي على اقتناء ~~مطلقات المحامد مستيقظ النصر والنصل في جفنه راقد وارد الجود والسحاب على ~~الأرض غير وارد متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر واحد ماضي حكم ~~العدل بعزم لا يمضي إلا بنبل غوي وريش راشد لا زالت غيوث فضله إلى الأولياء ~~أنواء إلى المراتع وأنوارا إلى المساجد وبعوث رعبه إلى الإعداء خيلا إلى ~~المراقب وخيالا إلى المراقد كتب الخادم هذه الخدمة تلو ما صدر عنه مما كان ~~يجري مجرى التباشير لصبح هذه العزمة والعنوان لكتاب وصف النعمة فإنها بحر ~~للأقلام فيه سبح طويل ولطف لحمل الشكر فيه عبء ثقيل وبشرى للخواطر في شرحها ~~مآرب ويسرى للأسرار في إظهارها مسارب ولله تعالى في إعادة شكره رضا وللنعمة ~~الراهنة به دوام لا يقال معه هذا مضى ولقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن ~~مصايرها وقد استتبت عقائد أهله على أبين بصائرها وتقلص ظل رجاء الكافر ~~المبسوط وصدق الله أهل دينه فلما وقع الشرط وقع المشروط وكان الدين غريبا ~~فهو الآن في وطنه والفوز معروضا فقد بذلت الأنفس في ثمنه وأمر أمر الحق ms2014 ~~وكان مستضعفا وأهل ربعه وكان قد عيف حين عفا وجاء أمر الله وأنوف أهل الشرك ~~راغمة وأدلجت السيوف إلى الآجال وهي نائمة وصدق وعد الله في إظهار دينه على ~~كل دين واستطارت له أنوار أبانت أن الصباح عندها جنان الجنين واسترد ~~المسلمون تراثا كان عنهم آبقا وظفروا يقظة بما لم يصدقوا أنهم يظفرون به ~~طيفا على النأي طارقا واستقرت على الأعلى أقدامهم وخفقت على الأقصى أعلامهم ~~وتلاقت على الصخرة قبلهم وشفيت بها وإن كانت صخرة كما تشفى بالماء غللهم ~~ولما قدم الدين عليها عرف منها سويداء قلبه وهنأ كفؤها الحجر الأسود بين ~~عصمتها من الكافر بحربه PageV07P180 # وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه العظمى ولا يقاسى ~~تلك البؤسى إلا رجاء هذه النعمى ولا يناجز من يستمطله في حربه ولا يعاتب ~~بأطراف القنا من يتعادى في عتبه إلا لتكون الكلمة مجموعة فتكون كلمة الله ~~هي العليا وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا وكانت الألسن ~~ربما سلقته فأنضج قلوبها بالاحتقار وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها ~~فأطفأها بالاحتمال والاصطبار ومن طلب خطيرا خاطر ومن رام صفقة رابحة جاسر ~~ومن سما لأن يجلي غمرة غامر وإلا فإن القعود يلين تحت نيوب الأعداء المعاجم ~~فيعضها ويضعف في أيديها مهز القوائم فيفضها هذا إلى كون القعود لا يقضى به ~~فرض الله في الجهاد ولا يرعى به حقه في العباد ولا يوفى به واجب التقليد ~~الذي يطوقه الخادم من أئمة قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون وخلفاء كانوا في ~~مثل هذا اليوم يسألون لا جرم أنهم أورثوا سرهم وسريرهم خلفهم الأطهر ونجلهم ~~الأكبر وبقيتهم الشريفة وطليعتهم المنيفة وعنوان صحيفة فضلهم لا عدم سواد ~~القلم وبياض الصحيفة فما غابوا لما حضر ولا غضوا لما نظر بل وصلهم الأجر ~~لما كان به موصولا وشاطروها العمل لما كان عنه منقولا ومنه مقبولا وخلص ~~إليهم إلى المضاجع فاطمأنت به جنوبها وإلى الصحائف ما عبقت به جيوبها وفاز ~~منها بذكر لا يزال الليل به سميرا والنهار به بصيرا والشرق يهتدي ms2015 بأن داره ~~بل إن بدا نور من ذاته هتف به الغرب بأنواره فإنه نور لا تكنه أغساق السدف ~~وذكر لا توازيه أوراق الصحف وكتب الخادم هذا وقد أظفر الله بالعدو الذي ~~تشظت قناته شققا وطارت PageV07P181 # فرقه فرقا وفل سيفه فصار عصا وصدعت حصاته وكان الأكثر ~~عددا وحصى وكلت حملاته وكان قدرا يضرب فيه العنان بالعنان وعقوبة من الله ~~ليس لصاحب يديها يدان وعثرت قدمه وكانت الأرض لها حليفة وغضت عينه وكانت ~~عيون السيوف دونها كثيفة ونام جفن سيفه وكانت يقظته تريق نطف الكرى من ~~الجفون وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة بالمنون وأصبحت ~~الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث والرب الفرد الواحد وكان عندهم الثالث ~~وبيوت الكفر مهدومة ونيوب الشرك مهتومة وطوائفه المحامية مجمعة على تسليم ~~القلاع الحامية وشجعانه المتوافية مذعنة لبذل القطائع الوافية لا يرون في ~~ماء الحديد لهم عصرة ولا في نار الأنفة لهم نصرة قد ضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة وبدل الله مكان السيئة الحسنة ونقل بيت عبادته من أيدي أصحاب ~~المشأمة إلى أيدي أصحاب الميمنة وقد كان الخادم لقيهم اللقاة الأولى فأمده ~~الله بمداركته وأنجده بملائكته فكسرهم كسرة ما بعدها جبر وصرعهم صرعة لا ~~ينتعش بعدها بمشيئة الله كفر وأسر منهم من أسرت به السلاسل وقتل منهم من ~~قتلت به المناصل وأجلت المعركة عن صرعى من الخيل والسلاح والكفار وعن أصناف ~~يخيل بأنه قتلهم بالسيوف الأفلاق والرماح الأكسار فنيلوا بثار من السلاح ~~ونالوه أيضا بثار فكم أهله سيوف تقارضن الضراب بها حتى عادت كالعراجين وكم ~~أنجم قنا تبادلت الطعان حتى صارت كالمطاعين وكم فارسية ركض عليها فارسها ~~الشهم إلى اجل فاختلسه وفغرت تلك القوس فاها فإذا فوها قد نهش القرن على ~~بعد المسافة وافترسه فكان اليوم مشهودا وكانت الملائكة شهودا وكان الضلال ~~صارخا وكان الإسلام PageV07P182 # مولودا وكانت ضلوع الكفار لنار جهنم وقودا وأسر الملك ~~وبيده أوثق وثائقه وآكد وصله بالدين وعلائقه وهو صليب الصلبوت وقائد أهل ~~الجبروت ما دهموا قط بأمر إلا وقام بين دهمائهم ms2016 يبسط لهم باعه وكان مد ~~اليدين في هذه الدفعة وداعه لا جرم أنهم يتهافت على ناره فراشهم ويجتمع في ~~ظل ضلاله خشاشهم ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه ويرونه ميثاقا ~~يبنون عليه أشد عهد وأوثقه ويعدونه سورا تحفر حوافر الخيل خندقه وفي هذا ~~اليوم أسرت سراتهم ودهيت دهاتهم ولم يفلت منهم معروف إلا القومص وكان لعنه ~~الله مليا يوم الظفر بالقتال ومليا يوم الخذلان بالاحتيال فنجا ولكن كيف ~~وطار خوفا من أن يلحقه منسر الرمح أو جناح السيف ثم أخذه الله تعالى بعد ~~أيام بيده وأهلكه لموعده فكان لعدتهم فذلك وانتقل من ملك الموت إلى مالك ~~وبعد الكسرة مر الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية ~~السوداء صبغا البيضاء صنعا الخافقة هي وقلوب أعدائها الغالبة هي وعزائم ~~أوليائها المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها النشر وأشارت بأنامل العذبات إلى ~~وجه النصر فافتتح بلاد كذا وكذا وهذه كلها أمصار ومدن وقد تسمى البلاد ~~بلادا وهي مزارع وفدن كل هذه ذوات معاقل ومعاقر وبحار وجزائر وجوامع ومنابر ~~وجموع وعساكر يتجاوزها الخادم بعد أن يحرزها ويتركها وراءه بعد أن ينتهزها ~~ويحصد منها كفرا ويزرع إيمانا ويحط من جوامعها صلبا ويرفع أذانا ويبدل ~~المذابح منابر والكنائس مساجد ويبوىء أهل القرآن بعد أهل الصلبان للقتال عن ~~دين الله مقاعد ويقر عينه وعيون أهل الإسلام أن يعلق النصر منه ومن عسكره ~~بجار ومجرور وأن يظفر بكل سور ما كان يخاف زلزاله ولا زياله إلى يوم النفخ ~~في الصور ولما لم يبق إلا القدس وقد اجتمع إليه كل طريد منهم وشريد واعتصم ~~PageV07P183 # بمنعتها كل قريب منهم وبعيد وظنوا أنها من الله ~~مانعتهم وأن كنيستها إلى الله شافعتهم فلما نزلها الخادم رأى بلدا كبلاد ~~وجمعا كيوم التناد وعزائم قد تأليت وتألفت على الموت فنزلت بعرصته وهان ~~عليها مورد السيف وأن تموت بغصته فزاول البلد من كل جانب فإذا أودية عميقة ~~ولجج وعر غريقة وسور قد انعطف عطف السوار وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من ~~عقر ms2017 الدار فعدل إلى جهة أخرى كان للطالع عليها معرج وللخيل فيها متولج فنزل ~~عليها وأحاط بها وقرب منها وضرب خيمته بحيث يناله السلاح بأطرافه ويزاحمه ~~السور باكنافه وقابلها ثم قاتلها ونزلها ثم نازلها وبرز إليها ثم بارزها ~~وحاجزها ثم ناجزها وضمها ضمة ارتقب بعدها الفتح وصدع جمعها فإذا هم لا ~~يبصبرون على عبودية الحد عن عنق الصفح فراسلوه ببذل قطيعة إلى مدة وقصدوا ~~نظرة من شدة وانتظارا لنجدة فعرفهم الخادم في لحن القول وأجابهم بلسان ~~الطول وقدم المنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون عصيها وحبالها وأوتر لهم ~~قسيها التي ترمي ولا تفارقها سهامها ولكن تفارق سهامها نصالها فصافحت السور ~~فإذا سهمها في ثنايا شرفاتها سواك وقدم النصر نسرا من المنجنيق يخلد إخلاده ~~إلى الأرض ويعلو علوه إلى السماك فشج مرادع أبراجها وأسمع صوت عجيجها صم ~~أعلاجها ورفع منار عجاجها فأخلى السور من السيارة والحرب من النظارة وأمكن ~~النقاب أن يسفر للحرب النقاب وأن يعيد الحجر إلى سيرته الأولى من التراب ~~فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله وحل عقده بضربه الأخرق الدال على ~~لطافة أنملة وأسمع الصخرة الشريفة أنينه واستغاثته إلى أن كادت ترق لمقتله ~~وتبرأ بعض الحجارة من بعض واخذ الخراب عليها موثقا فلن تبرح الأرض وفتح من ~~السور باب سد من نجاتهم أبوابا PageV07P184 # وأخذ ينقب في حجره فقال عنده الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا فحينئذ يئس الكفار من أصحاب الدور كما يئس الكفار من أصحاب القبور ~~وجاء أمر الله وغرهم بالله الغرور وفي الحال خرج طاغية كفرهم وزمام أمرهم ~~ابن بارزان سائلا أن يؤخذ البلد بالسلم لا بالعنوة وبالأمان لا بالسطوة ~~وألقى بيده إلى التهلكة وعلاه ذل الهلكة بعد عز المملكة وطرح جنبه على ~~التراب وكان جنبا لا يتعاطاه طارح وبذل مبلغا من القطيعة لا يطمح إليها أمل ~~طامح وقال ها هنا أسارى مسلمون يتجاوزون الألوف وقد تعاقد الفرنج على أنهم ~~إن هجمت عليهم الدار وحملت الحرب على ظهورهم الأوزار بدىء بهم فعجلوا وثنى ~~بنساء الفرنج وأطفالهم فقتلوا ثم ms2018 استقتلوا بعد ذلك فلا يقتل خصم إلا بعد أن ~~ينتصف ولا يفل سيف من يد إلا بعد أن تقطع أو ينقصف فأشار الأمراء بأخذ ~~الميسور من البلد المأسور فإنه لو أخذ حربا فلا بد أن يتقحم الرجال الأنجاد ~~ويقال كفوا عنها في آخر أمر قد نيل من أوله المراد وكانت الجراح في العساكر ~~قد تقدم منها ما اعتقل الفتكات وأثقل الحركات فقبل منهم المبذول عن يد وهم ~~صاغرون وانصرف أهل الحرب عن قدرة وهم ظاهرون وملك الإسلام خطة كان عهده بها ~~دمنة سكان فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان لا جرم أن الله تعالى أخرجهم ~~منها وأهبطهم وأرضى أهل الحق وأسخطهم فإنهم خذلهم الله حموها بالأسل ~~والصفاح وبنوها بالعمد والصفاح وأودعوا الكنائس بها وبيوت الديوية ~~والاسبتارية فيها بكل غريبة من الرخام الذي يطرد ماؤه ولا ينطرد لألاؤه قد ~~لطف الحديد في تجزيعه وتفتن في توشيعه إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد ~~كالذهب الذي فيه نعيم عتيد فما ترى إلا مقاعد كالرياض لها من بياض الترخيم ~~رقراق وعمدا كالأشجار لها من التنبيت أوراق وأوعز الخادم برد الأقصى إلى ~~عهده المعهود وأقام له من الأئمة من PageV07P185 # يوفيه ورده المورود وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع ~~شعبان فكادت السماوات يتفطرن للسجود لا للوجوم والكواكب منها تنتثر للطرب ~~لا للرجوم ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة وطهرت قبور ~~الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها وجهرت ~~الألسنة بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه ~~الأشرف من المنبر فرحب به ترحيب من بر بمن بر وخفق علماه في حفافيه فلو طار ~~سرورا لطار بجناحيه وكتاب الخادم وهو مجد في استفتاح بقية الثغور واستشراح ~~ما ضاق بتمادي الحرب من الصدور فان قوى العساكر قد استنفدت مواردها وأيام ~~الشقاء قد مردت مواردها والبلاد المأخوذة المشار إليها قد جاست العساكر ~~خلالها ونهبت ذخائرها وأكلت غلالها فهي بلاد ترفد ولا تسترفد وتجم ولا ~~تستنفد يتفق عليها ولا ينفق ms2019 منها وتجهز الأساطيل لبحرها وتقام المرابط ~~بساحلها ويدأب في عمارة أسوارها ومرمات معاقلها وكل مشقة بالإضافة إلى نعمة ~~الفتح محتملة وأطماع الفرنج بعد ذلك غير مرجئة ولا معتزلة فان يدعوا دعوة ~~يرجو الخادم من الله أنها لا تسمع ولن يكفوا أيديهم من أطراف البلاد حتى ~~تقطع وهذه البشائر لها تفاصيل لا تكاد من غير الألسنة تتشخص ولا بما سوى ~~المشافهة تتخلص فلذلك نفذ الخادم لسانا شارحا ومبشرا صادحا يطالع بالخبر ~~على سياقته ويعرض جيش المسرة من طليعته إلى ساقته وهو فلان والله الموفق ~~هذا ى خر الرسالة الفاضلية وكان في عزمي اختصارها والاقتصار على محاسنها ~~فلما شرعت فيها قلت في نفسي عسى أن يقف عليها من يؤثر الوقوف على جميعها ~~فأكملتها ورجعت عن الرأي الأول وهي قليلة الوجود PageV07P186 # في أيدي الناس وكانت النسخة التي نقلتها منها سقيمة ~~ولقد اجتهدت في تحريرها حتى صحت على هذه الصورة حسب الإمكان وقد عمل عماد ~~الدين الأصبهاني الكاتب رسالة في فتح القدس أيضا فلم أر التطويل بكتابتها ~~فتركتها وجمع كتابا سماه الفتح القسي في الفتح القدسي وهو في مجلدين ذكر ~~فيه جميع ما جرى في هذه الواقعة ورأيت منذ زمان رسالة مليحة أنشأها ضياء ~~الدين أبو الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الجزري رحمه الله تعالى ~~المقدم ذكره في حرف النون تتضمن فتح القدس أيضا وكل واحد من أرباب صناعة ~~الإنشاء كان يريد يمتحن خاطره بما يعمل في ذلك والقاضي الفاضل رئيس هذا ~~الفن وإذا شرع في شيء من هذا الباب لا يستطيع أحد أن يجاريه ولا يباريه ~~فلهذا أثبت رسالته ورفضت غيرها خوف الإطالة وكان قد حضر الرشيد أبو محمد ~~عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن مفرج النابلسي الشاعر المشهور هذا الفتح ~~فأنشد السلطان صلاح الدين قصيدته التي أولها (هذا الذي كانت الآمال تنتظر * ~~فليوف لله أقوام بما نذروا) وهي طويلة تزيد على مائة بيت يمدحه ويهنيه ~~بالفتح وإذ قد نجزالمطلوب من هذا الأمر فلنرجع إلى تتمة ما ذكره شيخنا بهاء ~~الدين ms2020 بن شداد في السيرة الصلاحية قال ونكس الصليب الذي كان على قبة الصخرة ~~وكان شكلا عظيما ونصر الله الإسلام على يده نصرا عزيزا PageV07P187 # قلت وقد تقدم في ترجة أرتق طرف من أخبار القدس وأن ~~الأفضل أمير الجيوش بمصر أخذه من ولديه سقمان وإيل غازي ثم إن الفرنج ~~استولوا عليه يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعين ~~وأربعمائة وقيل في ثاني شعبان وقيل يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر ~~رمضان من السنة ولم يزل بأيديهم حتى استنقذه منهم صلاح الدين في التاريخ ~~المذكور نعود إلى كلام ابن شداد وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على نفسهم عن ~~كل رجل عشرين دينارا وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية عن كل صغير ذكر أو ~~أنثى دينارا واحدا فمن أحضر قطيعته نجا بنفسه وإلا أخذ أسيرا وأفرج عمن كان ~~بالقدس من أسارى المسلمين وكانوا خلقا عظيما وأقام به يجمع الأموال ويفرقها ~~على الأمراء والرجال ويحبو بها الفقهاء والعلماء والزهاد والوافدين عليه ~~وتقدم بايصال من قام بقطيعته إلى مأمنه وهي مدينة صور ولم يرحل عنه ومعه من ~~المال الذي جبي له شيء وكان يقارب مائتي ألف دينار وعشرين ألفا وكان رحيله ~~عنه يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان من السنة ولما فتح القدس حسن عنده ~~قصد صور وعلم أنه إن أخر أمرها ربما عسر عليه فسار نحوها حتى أتى عكا فنزل ~~عليها ونظر في أمورها ثم رحل عنها متوجها إلى صور في يوم الجمعة خامس شهر ~~رمضان من السنة فنزل قريبا منها وسير لإحضار آلات القتال ولما تكاملت عنده ~~نزل عليها في ثاني عشر الشهر المذكور وقاتلها وضايقها قتالا عظيما واستدعى ~~أصطول مصر فكان يقاتلها في البر والبحر ثم سير من حاصر هونين فسلمت في ~~الثالث والعشرين من شوال من السنة ثم خرج أصطول صور في الليل فكبس أصطول ~~المسلمين وأخذوا PageV07P188 # المقدم والريس وخمس قطع للمسلمين وقتلوا خلقا كثيرا من ~~رجال المسلمين وذلك في السابع والعشرين من الشهر المذكور وعظم ذلك على ~~السلطان وضاق ms2021 صدره وكان الشتاء قد هجم وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من ~~القتال لكثرة الأمطار فجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه ~~بالرحيل لتستريح الرجال ويجتمعوا للقتال فرحل عنها وحملوا من آلات الحصار ~~ما أمكن وأحرقوا الباقي الذي عجزوا عن حمله لكثرة الوحل والمطر وكان رحيله ~~يوم الأحد ثاني ذي القعدة من السنة وتفرقت العساكر وأعطى كل طائفة منها ~~دستورا وسار كل قوم إلى بلادهم وأقام هو مع جماعة من خواصه بمدينة عكا إلى ~~أن دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة ثم نزل على كوكب في أوائل المحرم من ~~السنة ولم يبق معه من العسكر إلا القليل وكان حصنا حصينا وفيه الرجال ~~والأقوات فعلم أنه لا يؤخذ إلا بقتال شديد فرجع إلى دمشق ودخلها في سادس ~~عشر شهر ربيع الأول من السنة قال ابن شداد ولما كان على كوكب وصلت إلى ~~خدمته ثم فارقته ومضيت لزيارة القدس والخليل عليه أفضل الصلاة والسلام ~~ودخلت دمشق يوم دخول السلطان إليها قلت وقد ذكرت هذا في ترجمته قال وأقام ~~بدمشق خمسة أيام ثم بلغه أن الفرنج قصدوا جبيل واغتالوها فخرج مسرعا وكان ~~قد سير يستدعي العساكر من جميع المواضع وسار يطلب جبيل فلما عرف الفرنج ~~بخروجه كفوا عن ذلك وكان بلغه وصول عماد الدين صاحب سنجار ومظفر الدين بن ~~زين الدين وعسكر الموصل إلى حلب قاصدين خدمته والغزاة معه فسار نحو حصن ~~الأكراد PageV07P189 # قال ابن شداد في السيرة إنه اتصل بخدمة السلطان في ~~مستهل جمادى الأولى من سنة أربع وثمانين وجميع ما ذكرته فهو بروايتي عمن ~~أثق به ومن ها هنا ما أسطر إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق إليه خبرا ~~يقارب العيان قال لما كان يوم الجمعة رابع جمادى الأولى دخل السلطان بلاد ~~العدو على تعبية حسنة ورتب الأطلاب وسارت الميمنة أولا ومقدمها عماد الدين ~~زنكي والقلب في الوسط والميسرة في الأخير ومقدمها مظفر الدين ابن زين الدين ~~فوصل إلى انطرسوس ضاحي نهار الأحد سادس جمادى الأولى فوقف قبالتها ينظر ~~إليها لأن قصده ms2022 كان جبلة فاستهان بأمرها وعزم على قتالها فسير من رد ~~الميمنة وأمرها بالنزول على جانب البحر والميسرة على الجانب الآخر ونزل هو ~~موضعه والعساكر محدقة بها من البحر إلى البحر وهي مدينة راكبة على البحر ~~ولها برجان كالقلعتين فركبوا وقاربوا البلد وزحفوا واشتد القتال وباغتوها ~~فما استتم نصب الخيام حتى صعد لمسلمون سورها وأخذوها بالسيف وغنم المسلمون ~~جميع من بها وما بها وأحرق البلد واقام عليها إلى رابع عشر جمادى الأولى ~~وسلم أحد البرجين إلى مظفر الدين فما زال يحاربه حتى أخربه واجتمع به ولده ~~الملك الظاهر لأنه كان قد طلبه فجاءه في عسكر عظيم ثم سار يريد جبلة وكان ~~وصوله إليها في ثاني عشر جمادى الأولى وما استتم نزول العسكر عليها حتى أخذ ~~البلد وكان فيه مسلمون مقيمون وقاض يحكم بينهم وقوتلت القلعة قتالا شديدا ~~ثم سلمت بالأمان في يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى من السنة واقام عليها ~~إلى الثالث والعشرين منه ثم سار عنها إلى اللاذقية وكان نزوله عليها يوم ~~الخميس الرابع والعشرين من جمادى الأولى وهو بلد مليح خفيف على القلب غير ~~مسور وله ميناء مشهور وله قلعتان متصلتان على تل يشرف على البلد واشتد ~~القتال إلى PageV07P190 # آخر النهار فأخذ البلد دون القلعتين وغنم الناس منه ~~غنيمة عظيمة لأنه كان بلد التجار وجدوا في أمر القلعتين بالقتال والنقوب ~~حتى بلغ طول النقب ستين ذراعا وعرضه أربعة اذرع فلما رأى أهل القلعتين ~~الغلبة لاذوا بطلب الأمان وذلك في عشية يوم الجمعة الخامس والعشرين من ~~الشهر والتمسوا الصلح على سلامة نفوسهم وذراريهم ونسائهم وأموالهم ما خلا ~~التظال والذخائر والسلاح وآلات الحرب فأجابهم إلى ذلك ورفع العلم الإسلامي ~~عليها يوم السبت وأقام عليها إلى يوم الأحد السابع والعشرين من الشهر فرحل ~~عنها إلى صهيون فنزل عليها يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من الشهر واجتهد ~~في القتال فأخذ البلد يوم الجمعة ثاني جمادى الآخرة ثم تقدموا إلى القلعة ~~وصدقوا القتال فلما عاينوا الهلاك طلبوا الأمان فأجابهم إليه بحيث يؤخذ من ~~الرجل ms2023 عشرة دنانير ومن المرأة خمسة دنانير ومن كل صغير ديناران الذكر ~~والأنثى سواء واقام السلطان بهذه الجهة حتى أخذ عدة قلاع منها بلاطنس ~~وغيرها من الحصون المنيعة المتعلقة بصهيون ثم رحل عنها وأتى بكأس وهي قلعة ~~حصينة على العاصي ولها نهر يخرج من تحتها وكان النزول عليها يوم الثلاثاء ~~سادس جمادى الآخرة وقاتلوها قتالا شديدا إلى يوم الجمعة تاسع الشهر ثم يسر ~~الله فتحها عنوة فقتل أكثر من بها وأسر الباقون وغنم المسلمون جميع ما كان ~~فيها ولها قليعة تسمى الشغر وهي في غاية المنعة يعبر إليها منها بجسر وليس ~~عليها طريق فسلطت المناجيق عليها من جميع الجوانب ورأوا أنهم لا ناصر لهم ~~فطلبوا الأمان وذلك يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر ثم سألوا المهلة ثلاثة ~~أيام فأمهلوا وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني على قلتها يوم الجمعة ~~سادس عشر الشهر ثم سار إلى برزية وهي من الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب ~~بها PageV07P191 # المثل في بلاد الفرنج تحيط بها أودية من جميع جوانبها ~~وعلوها خمسمائة ونيف وسبعون ذراعا وكان نزوله عليها يوم السبت الرابع ~~والعشرين من الشهر ثم اخذها عنوة يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه ثم سار ~~إلى دربساك فنزل عليها يوم الجمعة ثامن رجب وهي قلعة منيعة وقاتلها قتالا ~~شديدا ورقي العلم الإسلامي عليها يوم الجمعة الثاني والعشرين من رجب ~~وأعطاها الأمير علم الدين سليمان بن جندر وسار عنها بكرة يوم السبت الثالث ~~والعشرين من الشهر ونزل على بغراس وهي قلعة حصينة بالقرب من أنطاكية ~~وقاتلها مقاتلة شديدة وصعد العلم الإسلامي عليها في ثاني شعبان وراسله أهل ~~أنطاكية في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر العسكر من البيكار وكان الصلح معهم ~~لا غير على أن يطلقوا كل أسير عندهم والصلح إلى سبعة أشهر فإن جاءهم من ~~ينصرهم وغإا سلموا البلد ثم رحل السلطان فسأله ولده الملك الظاهر صاحب حلب ~~أن يجتاز به فأجابه إلى ذلك فوصل حلب في حادي عشر شعبان واقام بالقلعة ~~ثلاثة أيام وولده يقوم بالضيافة حق القيام ms2024 وسار من حلب فاعترضه تقي الدين ~~عمر ابن أخيه وأصعده إلى قلعة حماة وصنع له طعاما وأحضر له سماعا من جنس ما ~~تعمل الصوفية وبات فيها ليلة واحدة وأعطاه جبلة واللاذقية وسار على طريق ~~بعلبك ودخل دمشق قبل شهر رمضان بأيام يسيرة ثم سار في أوائل شهر رمضان يريد ~~صفد فنزل عليها ولم يزل القتال حتى تسلمها بالأمان في رابع عشر شوال وفي ~~شهر رمضان المذكور سلمت الكرك سلمها نواب صاحبها وخلصوه بذلك لأنه كان في ~~الأسر من نوبة حطين PageV07P192 # قلت هكذا ذكره وهذا لا ينتظم مع ما قبله فقد تقدم قبل ~~هذا أن البرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك أسر في وقعة حطين ثم قتله السلطان ~~بيده فيكشف عن ذلك في مكان آخر ليحقق قال ثم سار إلى كوكب وضايقوها ~~وقاتلوها مقاتلة شديدة والأمطار متواترة والوحول متضاعفة والرياح عاصفة ~~والعدو متسلط بعلو مكانه فلما تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان فأجابهم ~~إليه وتسلمها منهم في منتصف ذي القعدة من السنة ثم نزل إلى الغور وأقام ~~بالمخيم بقية الشهر وأعطى الجماعة دستورا وسار مع أخيه الملك العادل يريد ~~زيارة القدس ووداع أخيه لأنه كان متوجها إلى مصر ودخل القدس في ثامن ذي ~~الحجة وصلى بها العيد وتوجه في حادي عشر ذي الحجة إلى عسقلان لينظر في ~~أمورها وأخذها من أخيه العادل وعوضه عنها الكرك ثم مر على بلاد الساحل ~~يتفقد أحوالها ثم دخل عكا فأقام بها معظم المحرم من سنة خمس وثمانين يصلح ~~أمورها ورتب بها الأمير بهاء الدين قراقوش واليا وأمره بعمارة سورها وسار ~~إلى دمشق فدخلها في مستهل صفر من السنة وأقام بها إلى شهر ربيع الأول من ~~السنة ثم خرج إلى شقيف أرنون وهو موضع حصين فخيم في مرج عيون بالقرب من ~~الشقيف في سابع عشر شهر ربيع الأول وأقام أياما يباشر قتاله كل يوم ~~والعساكر تتواصل إليه فلما تحقق صاحب الشقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه ~~بنفسه فلم يشعر به إلا وهو قائم على باب خيمته ms2025 فأذن له PageV07P193 # في دخوله إليه واكرمه واحترمه وكان من أكبر الفرنج ~~وعقلائهم وكان يعرف بالعربية وعنده اطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث ~~وكان حسن التأتي لما حضر بين يدي السلطان وأكل معه الطعام ثم خلا به وذكر ~~أنه مملوكه وتحت طاعته وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب واشترط أن يعطى ~~موضعا يسكنه بدمشق فإنه بعد ذلك لا يقدر على مساكنه الفرنج وإقطاعا يقوم به ~~وبأهله وشروطا غير ذلك فأجابه إلى ذلك وفي أثناء شهر ربيع الأول وصله الخبر ~~بتسليم الشوبك وكان السلطان قد أقام عليه جمعا يحاصرونه مدة سنة كاملة إلى ~~أن نفذ زاد من كان فيه فسلموه بالأمان ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما ~~قاله صاحب الشقيف كان خديعة فرسم عليه ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا ~~عليها يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة خمس وثمانين وفي ذلك اليوم سير صاحب ~~الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة وأتى عكا ودخلها بغتة لتقوى قلوب من ~~بها وسير استدعى العساكر من كل ناحية فجاءته وكان العدو بمقدار ألفي فارس ~~وثلاثين ألف راجل ثم تكاثر الفرنج واستفحل أمرهم وأحاطوا بعكا ومنعوا من ~~يدخل إليها ويخرج وذلك يوم الخميس سلخ رجب فضاق صدر السلطان لذلك ثم اجتهد ~~في فتح الطريق إليها لتستمر السابلة بالميرة والنجدة وشاور الأمراء فاتفقوا ~~على مضايقة العدو لينفتح الطريق ففعلوا ذلك وانفتح الطريق وسلكه المسلمون ~~ودخل السلطان عكا فأشرف على أمورها ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة ~~أيام وتأخر الناس إلى تل العياضية وهو مشرف على عكا وفي هذه المنزلة توفي ~~الأمير حسام الدين طمان المقدم ذكره في هذه الترجمة وذلك ليلة نصف شعبان من ~~سنة خمس وثمانين وخمسمائة وكان من الشجعان PageV07P194 # ثم إن شيخنا ابن شداد ذكر بعد هذا وقعات ليس لنا غرض ~~في ذكرها وتطول هذه الترجمة باستيفاء الكلام فيها إذ ليس الغرض سوى المقاصد ~~لا غير وإنما ذكرت فتوحات هذه الحصون لأن الحاجة قد تدعو إلى الوقوف على ~~تواريخها مع أني ms2026 لم أذكر إلا ما يكثر التطلع إلى الوقوف عليه وأضربت عن ~~الباقي قال ابن شداد سمعت السلطان ينشد وقد قيل له إن الوخم قد عظم بمرج ~~عكا وإن الموت قد فشا في الطائفتين (اقتلاني ومالكا * واقتلا مالكا معي) ~~يريد بذلك أنه قد رضي أن يتلف إذا أتلف الله أعداءه قلت وهذا البيت له سبب ~~يحتاج إلى شرح وذلك أن مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي كان من ~~الشجعان والأبطال المشهورين وهو من خواص أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه تماسك في يوم وقعة الجمل المشهورة هو وعبد الله بن الزبير بن العوام ~~وكان أيضا من الأبطال وابن الزبير يومئذ مع خالته عائشة أم المؤمنين وطلحة ~~والزبير رضي الله عنهم أجمعين وكانوا يحاربون عليا رضي الله عنه فلما ~~تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته وركب صدره وفعلا ذلك ~~مرارا وابن الزبير ينشد (اقتلاني ومالكا * واقتلا مالكا معي) يريد الأشتر ~~النخعي هذه خلاصة القول في ذلك وإن كانت القصة طويلة وهي في التواريخ ~~مبسوطة وقال عبد الله بن الزبير لاقيت الأشتر النخعي يوم الجمل فما ضربته ~~ضربة حتى ضربني ستا أو سبعا ثم أخذ برجلي فألقاني في الخندق وقال ~~PageV07P195 # والله لولا قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~اجتمع منك عضو إلى عضو ابدا وقال أبو بكر بن أبي شيبة أعطت عائشة رضي الله ~~عنها الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم وقيل ~~أيضا إن الأشتر دخل على عائشة رضي الله عنها بعد وقعة الجمل فقالت له يا ~~أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة فأنشدها (أعائش لولا أنني كنت ~~طاويا * ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا) (غداة ينادي والرماح تنوشه * بآخر ~~صوت اقتلوني ومالكا) (فنجاه مني أكله وشبابه * وخلوة جوف لم يكن متماسكا) ~~وقال زجر بن قيس دخلت مع عبد الله بن الزبير الحمام فإذا في رأسه ضربة لو ~~صب فيها قارورة دهن لاستقر فقال لي أتدري ms2027 من ضربني هذه الضربة قلت لا قال ~~ابن عمك الأشتر النخعي رجعنا إلى ما كنا عليه قال ابن شداد ثم إن الفرنج ~~جاءهم الأمداد من داخل البحر واستظهروا على الجماعة الإسلامية بعكا وكان ~~فيهم الأمير سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب الهكاري والأمير بهاء ~~الدين قراقوش الخادم الصلاحي وضايقوهم أشد مضايقة إلى أن غلبوا عن حفظ ~~البلد فلما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من سنة سبع وثمانين ~~وخمسمائة خرج من عكا رجل عوام ومعه كتب من المسلمين يذكرون حالهم وما هم ~~فيه وأنهم قد تيقنوا الهلاك ومتى أخذوا البلد عنوة ضربت رقابهم وأنهم ~~صالحوا على أن يسلموا البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدة والأسلحة ~~والمراكب ومائتي ألف دينار وخمسمائة أسير مجاهيل ومائة أسير معينين من ~~جهتهم PageV07P196 # وصليب الصلبوت على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين وما معهم ~~من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم وضمنوا للمركيس لأنه كان ~~الواسطة في هذا الأمر أربعة آلاف دينار ولما وقف السلطان على الكتب المشار ~~إليها أنكر ذلك إنكارا عظيما وعظم عليه هذا الأمر وجمع أهل الرأي من أكابر ~~دولته وشاورهم فيما يصنع واضطربت ى راؤه وتقسم فكره وتشوش حاله وعزم على أن ~~يكتب في تلك الليلة مع العوام وينكر عليهم المصالحة على هذا الوجه وهو ~~يتردد في هذا فلم يشعر إلا وقد ارتفعت أعلام العدو وصلبانه وناره وشعاره ~~على سور البلد وذلك في ظهيرة يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من السنة ~~وصاح الفرنج صيحة عظيمة واحدة وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد حزنهم ووقع ~~فيهم الصياح والعويل والبكاء والنحيب ثم ذكر ابن شداد بعد هذا أن الفرنج ~~خرجوا من عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها وساروا على الساحل والسلطان وعساكره ~~في قبالتهم إلى أن وصلوا إلى أرسوف فكان بينهما قتال عظيم ونال المسلمين ~~منه وهن شديد ثم ساروا على تلك الهيئة تتمة عشر منازل من مسيرهم من عكا ~~فأتى السلطان الرملة وأتاه من أخبره بأن القوم على عزم عمارة يافا وتقويتها ~~بالرجال والعدد ms2028 والآلات فأحضر السلطان أرباب مشورته وشاورهم في أمر عسقلان ~~وهل الصواب خرابها أم بقاؤها فاتفقت آراؤهم أن يبقى الملك العادل في قبالة ~~العدو ويتوجه هو بنفسه ويخربها خوفا من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها ~~وهي عامرة ويأخذ بها القدس وتنقطع بها طريق مصر وامتنع العسكر من الدخول ~~وخافوا مما جرى على المسلمين بعكا ورأوا أن حفظ القدس أولى فتعين خرابها من ~~عدة جهات وكان هذا الاجتماع يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة سبع وثمانين ~~وخمسمائة فسار إليها سحرة الأربعاء ثامن عشر الشهر قال ابن شداد وتحدث معي ~~في معنى خرابها بعد أن تحدث PageV07P197 # مع ولده الملك الأفضل في أمرها أيضا ثم قال لأن أفقد ~~ولدي جميعهم أحب إلي من أن أهدم منها حجرا ولكن إذا قضى الله تعالى ذلك ~~وكان فيه مصلحة للمسلمين فما الحيلة في ذلك قال ولما اتفق الرأي على ~~إخرابها أوقع الله تعالى في نفسه ذلك وأن المصلحة فيه لعجز المسلمين عن ~~حفظها وشرع في إخرابها سحرة يوم الخميس التاسع عشر من شعبان من السنة وقسم ~~السور على الناس وجعل لكل أمير وطائفة من العسكر بدنة معلومة وبرجا معينا ~~يخربونه ودخل الناس البلد ووقع فيهم الضجيج والبكاء وكان بلدا خفيفا على ~~القلب محكم الأسوار عظيم البناء مرغوبا في سكنه فلحق الناس على خرابه حزن ~~عظيم وعظم عويل أهل البلد عليه لفراق أوطانهم وشرعوا في بيع ما لا يقدرون ~~على حمله فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد وباعوا اثني عشر طير دجاج ~~بدرهم واحد واختبط البلد وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم وتشتتوا ~~فذهب قوم منهم إلى مصر وقوم إلى الشام وجرت عليهم أمور عظيمة واجتهد ~~السلطان وأولاده في خراب البلد كي لا يسمع العدو فيسرع إليه ولا يمكن من ~~إخرابه وبات الناس على أصعب حال وأشد تعب مما قاسوه في خرابها وفي تلك ~~الليلة وصل من جانب الملك العادل من أخبر أن الفرنج تحدثوا معه في الصلح ~~وطلبوا جميع البلاد الساحلية فرأى السلطان أن ذلك ms2029 مصلحة لما علم من نفس ~~الناس من الضجر من القتال وكثرة ما عليهم من الديون وكتب إليه يأذن له في ~~ذلك وفوض الأمر إلى رايه وأصبح يوم الجمعة العشرين من شعبان وهو مصر على ~~الخراب واستعمل الناس عليه وحثهم على العجلة فيه واباحهم ما في الهري الذي ~~كان مدخرا للميرة خوفا من هجوم الفرنج والعجز عن نقله وأمر بإحراق البلد ~~فأضرمت النيران في بيوته وكان سورها عظيما ولم يزل الخراب يعمل في البلد ~~إلى سلخ شعبان من السنة وأصبح يوم الاثنين مستهل شهر رمضان أمر ولده الملك ~~الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه لأجل ~~الإحراق PageV07P198 # وفي يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان أتى الرملة ثم خرج ~~إلى لد وأشرف عليها وامر باخرابها وإخراب قلعة الرملة ففعل ذلك وفي يوم ~~السبت ثالث عشر شهر رمضان تأخر السلطان بالعسكر إلى جهة الجبل ليتمكن الناس ~~من تسيير دوابهم لإحضار ما يحتاجون إليه ودار السلطان حول النطرون وهي قلعة ~~منيعة فأمر باخرابها وشرع الناس في ذلك ثم ذكر ابن شداد بعد هذا أن ~~الانكتار وهو من أكابر ملوك الفرنج سير رسوله إلى الملك العادل يطلب ~~الاجتماع به فأجابه إلى ذلك واجتمعا يوم الجمعة ثامن عشر شوال من السنة ~~وتحادثا معظم ذلك النهار وانفصلا عن مودة أكيدة والتمس الانكتار من العادل ~~أن يسأل السلطان أن يجتمع به فذكر العادل ذلك للسلطان فاستشار أكابر دولته ~~في ذلك ووقع الاتفاق على أنه إذا جرى الصلح بيننا يكون الاجتماع بعد ذلك ثم ~~وصل رسول الانكتار وقال إن الملك يقول إني أحب صداقتك ومودتك وأنت تذكر أنك ~~أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك فأريد أن تكون حكما بيني وبينه وتقسم ~~البلاد بيني وبينه ولا بد أن يكون لنا علقة بالقدس وأطال الحديث في ذلك ~~فأجابه السلطان بوعد جميل وأذن له في العود في الحال وتأثر لذلك تأثرا ~~عظيما قال ابن شداد وبعد انفصال الرسول قال لي السلطان متى صالحناهم لم ~~تؤمن غائلتهم ولو حدث بي حادث ms2030 الموت ما كانت تجتمع هذه العساكر وتقوى ~~الفرنج والمصلحة أن لا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا ~~الموت هذا كان رأيه وإنما غلب على الصلح قال ابن شداد ثم ترددت الرسل بينهم ~~في الصلح وأطال القول في ذلك فتركته إذ لا حاجة إليه وجرت بعد ذلك وقعات ~~أضربت عن ذكرها لطول الكلام فيها وحاصل الأمر أنه تم الصلح بينهم وكانت ~~الأيمان يوم PageV07P199 # الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين ~~وخمسمائة ونادى المنادي بانتظام الصلح وأن البلاد الإسلامية والنصرانية ~~واحدة في الأمن والمسالمة فمن شاء من كل طائفة يتردد إلى بلاد الطائفة ~~الأخرى من غير خوف ولا محذور وكان يوما مشهودا نال الطائفتين فيه من المسرة ~~ما لا يعلمه إلا الله تعالى وقد علم الله تعالى أن الصلح لم يكن عن مرضاته ~~وإيثاره ولكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر ومظاهرتهم بالمخالفة وكان ~~مصلحة في علم الله تعالى فإنه اتفقت وفاته بعد الصلح فلو اتفق ذلك في أثناء ~~وقعاته كان الإسلام على خطر ثم أعطى للعساكر الواردة عليه من البلاد ~~البعيدة برسم النجدة دستورا فساروا عنه وعزم على الحج لما فرغ باله من هذه ~~الجهة وتردد المسلمون إلى بلادهم وجاءوا هم إلى بلاد المسلمين وحملت ~~البضائع والمتاجر إلى البلاد وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس وتوجه ~~السلطان إلى القدس ليتفقد أحوالها وأخوه الملك العادل إلى الكرك وابنه ~~الملك الظاهر إلى حلب وابنه الأفضل إلى دمشق واقام السلطان بالقدس يقطع ~~الناس ويعطيهم دستورا ويتأهب للمسير إلى الديار المصرية وانقطع شوقه عن ~~الحج ولم يزل كذلك إلى أن صح عنده مسير مركب الانكتار متوجها إلى بلاده في ~~مستهل شوال فعند ذلك قوي عزمه أن يدخل الساحل جريدة يتفقد القلاع البحرية ~~إلى بانياس ويدخل دمشق ويقيم بها أياما قلائل ويعود إلى القدس ومنه إلى ~~الديار المصرية قال شيخنا ابن شداد وأمرني بالمقام في القدس إلى حين عوده ~~لعمارة مارستان أنشأه به وتكميل المدرسة التي أنشأها فيه وسار منه ضاحي ~~نهار ms2031 الخميس السادس من شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ولما فرغ من افتقاد ~~أحوال القلاع وإزاحة خللها دخل دمشق بكرة PageV07P200 # الأربعاء سادس عشر شوال وفيها أولاده الملك الأفضل ~~والملك الظاهر والملك الظافر مظفر الدين الخضر المعروف بالمشعر وأولاده ~~الصغار وكان يحب البلد ويؤثر الإقامة فيه على سائر البلاد وجلس للناس في ~~بكرة يوم الخميس السابع والعشرين منه وحضروا عندهم وبلوا شوقهم منه وأنشده ~~الشعراء ولم يتخلف أحد عنه من الخاص والعام وأقام ينشر جناح عدله يوهطل ~~سحاب إنعامه وفضله ويكشف مظالم الرعايا فلما كان يوم الاثنين مستهل ذي ~~القعدة عمل الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر لأنه لما وصل إلى دمشق وبلغه ~~حركة السلطان أقام بها ليتملى بالنظر إليه ثانيا وكأن نفسه كانت قد أحست ~~بدنو أجله فودعه في تلك الدفعة مرارا متعددة ولما عمل الملك الأفضل الدعوة ~~أظهر فيها من الهمم العالية ما يليق بهمته وكأنه أراد بذلك مجازاته ما خدمه ~~به حين وصل إلى بلده وحضر الدعوة المذكورة أرباب الدنيا والآخرة وسأل ~~السلطان الحضور فحضر جبرا لقلبه وكان يوما مشهودا على ما بلغني ولما تصفح ~~الملك العادل أحوال الكرك وأصلح ما قصد إصلاحه فيه سار قاصدا إلى البلاد ~~الفراتية فوصل إلى دمشق في يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة وخرج السلطان ~~إلى لقائه وأقام يتصيد حوالي غباغب إلى الكسوة حتى لقيه وسارا جميعا ~~يتصيدان وكان دخولهما إلى دمشق آخر نهار يوم الأحد حادي عشر ذي الحجة سنة ~~ثمان وثمانين وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده ويتفرجون في ~~أراضي دمشق ومواطن الصبا وكأنه وجد راحة مما كان به من ملازمة التعب والنصب ~~وسهر الليل وكان ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه ونسي عزمه إلى مصر وعرضت ~~له أمور أخر وعزمات غير ما تقدم قال ابن شداد ووصلني كتابه إلى القدس ~~يستدعيني لخدمته وكان شتاء شديدا ووحلا عظيما فخرجت من القدس في يوم الجمعة ~~الثالث والعشرين PageV07P201 # من المحرم سنة تسع وثمانين وكان الوصول إلى دمشق في ~~يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر من ms2032 السنة وركب السلطان لملتقى الحاج يوم الجمعة ~~خامس عشر صفر وكان ذلك آخر ركوبه ولما كان ليلة السبت وجد كسلا عظيما وما ~~تنصف الليل حتى غشيته حمى صفراوية وكانت في باطنه أكثر منها في ظاهره وأصبح ~~يوم السبت متكسلا عليه اثر الحمى ولم يظهر ذلك للناس لكن حضرت عنده أنا ~~والقاضي الفاضل ودخل ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده وأخذ يشكو قلقه في ~~الليل وطاب له الحديث إلى قريب الظهر ثم انصرفنا وقلوبنا عنده فتقدم إلينا ~~بالحضور على الطعام في خدمة ولده الملك الأفضل ولم تكن للقاضي الفاضل في ~~ذلك عادة فانصرف ودخلت إلى الإيوان القبلي وقد مد السماط وابنه الملك ~~الأفضل قد جلس في موضعه فانصرفت وما كانت لي قوة في الجلوس استيحاشا له ~~وبكى في ذلك اليوم جماعة تفاؤلا لجلوس ولده في موضعه ثم أخذ المرض يتزيد من ~~حينئذ ونحن نلازم التردد طرفي النهار وندخل إليه أنا والقاضي الفاضل في ~~النهار مرارا وكان مرضه في رأسه وكان من أمارات انتهاء العمر غيبة طبيبه ~~الذي كان قد عرف مزاجه سفرا وحضرا ورأى الأطباء فصده ففصدوه في الرابع ~~فاشتد مرضه وقلت رطوبات بدنه وكان يغلب عليه اليبس ولم يزل المرض يتزايد ~~حتى انتهى إلى غاية الضعف واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن ولم يزل ~~يتزايد ويغيب ذهنه ولما كان التاسع حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب ~~واشتد الخوف في البلد وخاف الناس ونقلوا أقمشتهم من الأسواق وعلا الناس من ~~الكآبة والحزن ما لا تمكن حكايته ولما كان العاشر من مرضه حقن دفعتين وحصل ~~من الحقن بعض الراحة وفرح الناس بذلك ثم اشتد مرضه وأيس منه الأطباء ثم شرع ~~الملك الأفضل في تحليف الناس ثم إنه توفي بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء ~~السابع والعشرين من صفر PageV07P202 # سنة تسع وثمانين وخمسمائة وكان يوم موته يوما لم يصب ~~الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم وغشي ~~القلعة والملك والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله تعالى وبالله لقد كنت ms2033 أسمع ~~من الناس أنهم يتمنون فداء من يعز عليهم بنفوسهم وكنت أتوهم أن هذا الحديث ~~على ضرب من التجوز والترخص إلى ذلك اليوم فاني علمت من نفسي ومن غيري أنه ~~لو قبل الفداء لفدي بالأنفس ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء وغسله الدولعي ~~(391) قلت الدولعي المذكور هو ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد ابن ~~ياسين بن زيد بن قائد بن جميل التغلبي الأرقمي الدولعي الشافعي خطيب جامع ~~دمشق توفي في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وسئل عن ~~مولده فقال في سنة سبع وخمسمائة ثم ذكر غير هذا والله أعلم ودفن بمقابر ~~الشهداء بباب الصغير قال وأخرج بعد صلاة الظهر رحمه الله في تابوت مسجى ~~بثوب فوط فارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم الضجيج وأخذ الناس في البكاء ~~والعويل وصلوا عليه أرسالا ثم أعيد إلى الدار التي في البستان وهي التي كان ~~متمرضا بها ودفن في الصفة الغربية منها وكان نزوله في حفرته قريبا من صلاة ~~العصر ثم أطال ابن شداد القول في ذلك فحذفته خوفا من الملالة وأنشد في آخر ~~السيرة بيت أبي تمام الطائي وهو (ثم انقضت تلك السنون وأهلها * فكأنها ~~وكأنهم أحلام) PageV07P203 # رحمه الله تعالى وقدس روحه فلقد كان من محاسن الدنيا ~~وغرائبها وذكر سبط ابن الجوزي في تاريخه في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ما ~~مثاله وفي خامس المحرم خرج صلاح الدين من مصر فنزل البركة قاصدا الشام وخرج ~~أعيان الدولة لوداعه وأنشده الشعراء أبياتا في الوداع فسمع قائلا يقول في ~~ظاهر الخيمة (تمتع من شميم عرار نجد * فما بعد العشية من عرار) فطلب القائل ~~فلم يوجد فوجم السلطان وتطير الحاضرون فكان كما قال فإنه اشتغل ببلاد الشرق ~~والفرنج ولم يعد بعدها إلى مصر قلت وهذا البيت من جملة أبيات في الحماسة في ~~باب النسيب وذكر شيخنا عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير هذه القضية ~~على صورة أخرى فقال ومن عجيب ما يحكى من التطير أنه لما برز عن القاهرة ~~أقام بخيمته ms2034 حتى تجتمع العساكر وعنده أعيان دولته والعلماء وأرباب الآداب ~~فمن بين مودع له وسائر معه وكل واحد منهم يقول شيئا في الوداع والفراق وفي ~~الحاضرين معلم لبعض أولاده فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد هذا البيت ~~فانقبض صلاح الدين وتطير بعد انبساطه وتنكد المجلس على الحاضرين فلم يعد ~~إليها إلى أن مات مع طول المدة وذكر ابن شداد أيضا في أوائل السيرة أنه مات ~~ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية وجرما ~~واحدا ذهبا صوريا ولم يخلف ملكا لا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا ~~مزرعة وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب ~~بطاقة مضمونها * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * الأحزاب ~~PageV07P204 # 21 * (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) * الحج 1 كتبت إلى ~~مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه وجعل فيه الخلف في ~~الساعة المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا وقد حفرت الدموع المحاجر ~~وبلغت القلوب الحناجر وقد ودعت أباك ومخدومي وداعا لا تلاقي بعده وقد قبلت ~~وجهه عني وعنك وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة راضيا عن ~~الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المعدة ~~ما لم يدفع البلاء ولا ملك يرد القضاء وتدمع العين ويخشع القلب ولا نقول ~~إلا ما يرضي الرب وإنا عليك لمحزونون يا يوسف وأما الوصايا فما تحتاج إليها ~~والآراء فقد شغلني المصاب عنها وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما ~~عدمتم إلا شخصه الكريم وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو ~~الهول العظيم والسلام قلت لله دره فلقد أبدع في هذه الرسالة الوجيزة مع ما ~~تضمنته من المقاصد السديدة في مثل تلك الحالة التي يذهل فيها الإنسان عن ~~نفسه قلت وقد ذكرت كل واحد من أولاده المذكورين وهم الأفضل والظاهر والعزيز ~~في ترجمة مستقلة وعينت تاريخ مولده وموته سوى الملك الظافر المشهور بالمشمر ~~فإني لم أذكر له ترجمة مستقلة ms2035 وقد ذكرته ها هنا فيحتاج إلى ذكر شيء من ~~أحواله فأقول (392) لقبه مظفر الدين وكنيته أبو الدوام وأبو العباس الخضر ~~وإنما قيل له المشمر لأن أباه رحمه الله تعالى لما قسم البلاد بين أولاده ~~الكبار قال وأنا مشمر فغلب عليه هذا اللقب وكان مولده بالقاهرة في سنة ثمان ~~وستين وخمسمائة في خامس شعبان وهو شقيق الملك الأفضل وتوفي في جمادى الأولى ~~سنة سبع وعشرين وستمائة بحران عند ابن عمه الملك الأشرف ابن الملك العادل ~~ولم يكن الأشرف يومئذ ملكا وإنما كان مجتازا بها عند دخوله بلاد الروم لأجل ~~الخوارزمية PageV07P205 # قال غير ابن شداد ثم إن السلطان صلاح الدين رحمه الله ~~تعالى بقي مدفونا بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة في شمالي الكلاسة التي هي ~~شمالي جامع دمشق ولها بابان أحدهما إلى الكلاسة والآخر في زقاق غير نافذ ~~وهو مجاور المدرسة العزيزية قلت ولقد دخلت إلى هذه القبة من الباب الذي في ~~الكلاسة وقرأت عنده وترحمت عليه وأحضر لي القيم ومتولي القبة بقجة فيها ~~ملبوس بدنه وكان في جملته قباء أصفر قصير ورأس كميه بأسود فتبركت به قال ثم ~~نقل من مدفنه بالقلعة إلى هذه القبة في يوم عاشوراء وكان الخميس من سنة ~~اثنتين وتسعين وخمسمائة ورتب عنده القراء ومن يخدم المكان ثم إن ولده الملك ~~العزيز عماد الدين عثمان المقدم ذكره لما أخذ دمشق من أخيه الملك الأفضل ~~بنى إلى جانب هذه القبة المدرسة العزيزية ووقف عليها وقفا جيدا وللقبة ~~المذكورة شباك إلى هذه المدرسة وهي من أعيان مدارس دمشق وزرت قبره في أول ~~جمعة من شهر رمضان سنة ثمانين وستمائة فقرأت على صندوق قبره بعد تاريخ ~~وفاته ما مثاله اللهم فارض عن تلك الروح وافتح له أبواب الجنة فهي آخر ما ~~كان يرجوه من الفتوح وذكر قيم المكان أن هذا من كلام القاضي الفاضل قلت ~~ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن بها شيء من المدارس فإن ~~الدولة المصرية كان مذهبها مذهب الإمامية فلم يكونوا يقولون ms2036 بهذه الأشياء ~~فعمر في القرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي رضي الله ~~عنه وقد تقدم ذكرها في ترجمة نجم الدين الخبوشاني وبنى مدرسة بالقاهرة في ~~جوار المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما وجعل عليها وقفا ~~كبيرا وجعل دار سعيد السعداء خادم المصريين خانقاه ووقف عليها وقفا طائلا ~~وجعل دار عباس المذكور في ترجمة الظافر العبيدي والعادل ابن السلار مدرسة ~~للحنفية وعليها وقف جيد أيضا PageV07P206 # والمدرسة التي بمصر المعروفة بزين التجار وقفا على ~~الشافعية ووقفها جيد أيضا وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستانا وله وقف جيد ~~وله بالقدس مدرسة أيضا وقفها كثير وخانقاه بها أيضا وله بمصر مدرسة ~~للمالكية ولقد فكرت في نفسي في أمور هذا الرجل وقلت إنه سعيد في الدنيا ~~والآخرة فإنه فعل في الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكبيرة ~~وغيرها ورتب هذه الأوقاف العظيمة وليس فيها شيء منسوبا إليه في الظاهر فإن ~~المدرسة التي في القرافة ما يسميها الناس إلا بالشافعي والمجاورة للمشهد لا ~~يقولون إلا المشهد والخانقاه لا يقولون إلا خانقاه سعيد السعداء والمدرسة ~~الحنفية لا يقولون أيضا إلا مدرسة السيوفية والتي بمصر لا يقولون إلا مدرسة ~~زين التجار والتي بمصر مدرسة المالكية وهذه صدقة السر على الحقيقة والعجب ~~أن له بدمشق في جوار البيمارستان النوري مدرسة يقال لها الصلاحية فهي ~~منسوبة إليه وليس لها وقف وله بها مدرسة للمالكية أيضا ولا تعرف به وهذه ~~النعم من ألطاف الله تعالى به وكان مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة ~~العظيمة كثير التواضع واللطف قريبا من الناس رحيم القلب كثير الاحتمال ~~والمداراة وكان يحب العلماء وأهل الخير ويقربهم ويحسن إليهم وكان يميل إلى ~~الفضائل ويستحسن الأشعار الجيدة ويرددها في مجالسه حتى قيل إنه كان كثيرا ~~ما ينشد قول أبي منصور محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن إسحاق الحميري ~~وقيل إنها لأبي محمد أحمد بن علي بن خيران العامري كان أميرا بالمرية من ~~بلاد الأندلس وكان جده خيران من سبي المنصور بن أبي عامر فنسب ms2037 إليه والله ~~أعلم وهي هذه (وزارني طيف من أهوى على حذر * من الوشاة وداعي الصبح قد ~~هتفا) (فكدت أوقظ من حولي به فرحا * وكاد يهتك ستر الحب بي شعفا) (ثم ~~انتبهت وآمالي تخيل لي * نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا) وقيل إنه كان أيضا ~~يعجبه قول نشؤ الملك أبي الحسن علي بن مفرج PageV07P207 # المعروف بابن المنجم المعري الأصل المصري الدار ~~والوفاة وهو في خضاب الشيب ولقد أحسن فيه (وما خضب الناس البياض لقبحه * ~~وأقبح منه حين يظهر ناصله) (ولكنه مات الشباب فسودت * على الرسم من حزن ~~عليه منازله) قالوا فكان إذا قال ولكنه مات الشباب يمسك كريمته وينظر إليها ~~ويقول أي والله مات الشباب وذكر العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة ~~أن السلطان صلاح الدين في أول ملكه كتب إلى بعض أصحابه بدمشق هذين البيتين ~~(أيها الغائبون عنا وإن كنتم لقلبي بذكركم جيرانا) (إنني مذ فقدتكم لأراكم ~~* بعيون الضمير عندي عيانا) وأما القصيدتان اللثات ذكرت أن سبط ابن ~~التعاويذي أنفذهما إليه من بغداد فإن إحداهما وازن بها قصيدة صردر المقدم ~~ذكره وقد ذكرت منها أبياتا في ترجمة الوزير الكندري وأولها (أكذا يجازى ود ~~كل قرين) وقصيدة سبط ابن التعاويذي أولها (إن كان دينك في الصبابة ديني * ~~فقف المطي برملتي يبرين) (والثم ثرى لو شارفت بي هضبة * أيدي المطي لثمته ~~بجفوني) (وانشد فؤادي في الظباء معرضا * فبغير غزلان الصريم جنوني) ~~(ونشيدتي بين الخيام وإنما * غالطت عنها بالظباء العين) (لولا العدا لم أكن ~~عن ألحاظها * وقدودها بجوازىء وغصون) PageV07P208 # (لله ما اشتملت عليه قبابهم * يوم النوى من لؤلؤ ~~مكنون) (من كل تائهة على أترابها * في الحسن غانية عن التحسين) (خود ترى ~~قمر السماء إذا بدت * ما بين سالفة لها وجبين) (غادين ما لمعت بروق ثغورهم ~~* إلا استهلت بالدموع شؤوني) (إن تنكروا نفس الصبا فلأنها * مرت بزفرة قلبي ~~المحزون) (وإذا الركائب في الحبال تلفتت * فحنينها لتلفتي وحنيني) (يا سلم ~~إن ضاعت عهودي عندكم * فأنا الذي استودعت غير أمين) (أو عدت مغبونا فما أنا ~~في الهوى ms2038 * لكم بأول عاشق مغبون) (رفقا فقد عسف الفراق بمطلق العبرات في ~~أسر الغرام رهين) (ما لي ووصل الغانيات أرومه * ولقد بخلن علي بالماعون) ~~(وعلام أشكو والدماء مطاحة * بلحاظهن إذا لوين ديوني) (هيهات ما للبيض في ~~ود امرئ * أرب وقد أربى على الخمسين) (ومن البلية أن تكون مطالبي * جدوى ~~بخيل أو وفاء خؤون) (ليت الضنين على المحب بوصله * لقن السماحة من صلاح ~~الدين) وأما القصيدة الثانية فهي (حتام أرضى في هواك وتغضب * وإلى متى تجني ~~علي وتعتب) (ما كان لي لولا ملالك زلة * لما مللت زعمت أني مذنب) (خذ في ~~أفانين الصدود فإن لي * قلبا على العلات لا يتقلب) (أتظنني أضمرت بعدك سلوة ~~* هيهات عطفك من سلوي أقرب) (لي فيك نار جوانح ما تنطفي * حرقا وماء مدامع ~~ما تنضب) (أنسيت أياما لنا ولياليا * للهو فيها والبطالة ملعب) (أيام لا ~~الواشي يعد ضلالة * ولهي عليك ولا العذول يؤنب) PageV07P209 # (قد كنت تنصفني المودة راكبا * في الحب من أخطاره ما ~~أركب) (واليوم أقنع أن يمر بمضجعي * في النوم طيف خيالك المتأوب) (ما خلت ~~أن جديد أيام الصبا * يبلى ولا ثوب الشبيبة يسلب) (حتى انجلى ليل الغواية ~~واهتدى * ساري الدجى وانجاب ذلك الغيهب) (وتنافر البيض الحسان فأعرضت * عني ~~سعاد وأنكرتني زينب) (قالت وريعت من بياض مفارقي * ونحول جسمي بان منك ~~الأطيب) (إن تنقمي سقمي فخصرك ناحل * أو تنكري شيبي فثغرك أشنب) قلت لله ~~دره فلقد أجاد في هذا المعنى كل الإجادة غير أنه قد ظن أن الشنب بياض الثغر ~~وعليه بني هذا المعنى حتى تم له مقصوده فإنها لما عيرته بالسقم قابلها ~~بنحول الخصر فقال لها إن كنت نحيلا فخصرك أيضا نحيل فلما أنكرت شيبه قابلها ~~بأن ثغرها أشنب فكأنه قال لها بياض شيبي في مقابلة ثغرك الأشنب وليس الأمر ~~كما أظن فان الشنب في اللغة ليس البياض وإنما هو حدة الأسنان ويقال بردها ~~وعذوبتها والصحيح أنه حدتها وهو دليل على الحداثة لأن الأسنان في أول ~~طلوعها تكون حادة فإذا مرت عليها السنون احتكت وذهبت ms2039 حدتها وهذا المعنى ~~ينظر إلى قول النابغة الذبياني في جملة قصيدته المشهورة وهو (ولا عيب فيهم ~~غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب) وقد تقدم ذكر هذا البيت في ~~ترجمة عروة بن الزبير فيكشف هناك ومثله أيضا ما أنشدني بهاء الدين زهير بن ~~محمد الكاتب المقدم ذكره لنفسه من جملة أبيات وهو قوله (ما فيه من عيب سوى ~~* فتور عينيه فقط) PageV07P210 # رجع (يا طالبا بعد المشيب غضارة * من عيشه ذهب الزمان ~~المذهب) (أتروم بعد الأربعين تعدها * وصل الدمى هيهات عز المطلب) (ومن ~~السفاه وقد شآك طلابة * يفعا تطلبه وفودك أشيب) (لولا الهوى العذري يا دار ~~الهوى * ما هاج لي طربا وميض خلب) (كلا ولا استجدبت أخلاف الحيا * وندى ~~صلاح الدين هام صيب) وقد مدحه جميع شعراء عصره وانتجعوه من البلاد فمنهم ~~العلم الشاتاني واسمه الحسن وقد تقدم ذكره مدحه بقصيدته الرائية التي أولها ~~(أرى النصر مقرونا برايتك الصفرا * فسر واملك الدنيا فأنت بها أحرى) ومدحه ~~المهذب أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر المعروف بابن الشحنة الموصلي ~~الشاعر المشهور بقصيدته التي أولها (سلام مشوق قد براه التشوق * على جيرة ~~الحي الذين تفرقوا) وعدة أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتا وفيها البيتان ~~السائران أحدهما (وإني امرؤ أحببتكم لمكارم * سمعت بها والأذن كالعين تعشق) ~~وقد أخذه من قول بشار بن برد المقدم ذكره وهو (يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ~~* والأذن تعشق قبل العين أحيانا) والبيت الثاني من قصيدة ابن الشحنة قوله ~~(وقالت لي الآمال إن كنت لاحقا * بأبناء أيوب فأنت الموفق) ومما قيل فيه ~~لبعض أهل المشرق PageV07P211 # (الله أكبر جاء القوس باريها * ورام أسهم دين الله ~~راميها) (فكم لمصر على الأمصار من شرف * باليوسفين فهل أرض تدانيها) (فإن ~~يعقوب هزت جيدها طربا * وبابن أيوب هزت عطفها تيها) (قل للملوك تخلى عن ~~ممالكها * فقد أتي آخذ الدنيا ومعطيها) فلما أنشدها إياه أعطاه ألف دينار ~~(ومدحه ابن قلاقس وابن الذروي وابن المنجم وابن سناء الملك وابن الساعاتي ~~والبحراني الإربلي وابن ms2040 دهن الحصى الموصلي ومحمد بن إسماعيل ابن حمدان ~~الحيزاني وغير هؤلاء وقد ذكرت أكثر هذه الجماعة في هذا التاريخ وعذري في ~~تطويل هذه الترجمة قول المتنبي (وقد أطال ثنائي طول لابسه * إن الثناء على ~~التنبال تنبال) التنبال الرجل القصير وهو بكسر التاء المثناة من فوقها ~~وبعدها نون ساكنة وباء موحدة وبعد الألف لام قلت قد تقدم في هذه الترجمة ~~عند ذكر إرسال العاضد إلى صلاح الدين وطلبه إياه ليخلع عليه ويوليه الوزارة ~~ذكر المثل المشهور وهو أردت عمرا وأراد الله خارجة وقد يقف عليه من لا يعرف ~~سبب هذا المثل ولا المراد منه فأحببت أن اشرحه كيلا يحتاج من يقف عليه إلى ~~كشفه من مكان آخر فأقول (393) عمرو المذكور هو عمرو بن العاصي بن وائل بن ~~هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي ~~PageV07P212 # كنيته أبو عبد الله وقيل أبو محمد أحد الصحابة رضي ~~الله عنهم أسلم سنة ثمان من الهجرة قبل فتح مكة ومكة فتحها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في شهر رمضان من هذه السنة وقيل بل أسلم بين الحديبية وخيبر ~~والأول أصح وقدم هو وخالد بن الوليد المخزومي وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة ~~القرشي العبدري على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة مسلمين فلما ~~دخلوا عليه ونظر إليهم قال لهم قد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها وقال الواقدي قدم ~~عمرو بن العاصي مسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلم عند ~~النجاشي ملك الحبشة وقدم معه عثمان بن طلحة وخالد بن الوليد فقدموا المدينة ~~في صفر سنة ثمان من الهجرة وقيل إنه لم يأت من أرض الحبشة إلا معتقدا ~~الإسلام وذلك أن النجاشي قال له يا عمرو كيف يعزب عنك أمر ابن عمك فوالله ~~إنه لرسول الله حقا قال أتحقق ذلك قال أي والله فأطعني فخرج من عنده مهاجرا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية ms2041 ~~إلى الشام يدعو أخوال أبيه إلى الإسلام فبلغ السلاسل من بلاد قضاعة وهو ماء ~~بأرض جذام وبذلك سميت تلك الغزوة ذات السلاسل وكان معه ثلاثمائة رجل فخاف ~~عمرو فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فأمده بجيش مائتي فارس ~~من المهاجرين والأنصار أهل الشرف فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأمر ~~عليهم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فلما قدموا على عمرو بن العاصي قال ~~أنا أميركم وإنما أنتم مددي فقال أبو عبيدة بل أنت أمير من معك وأنا أمير ~~من معي فأبى عمرو فقال أبو عبيدة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى ~~إذا قدمت على عمرو فتطاوعا ولا تختلفا فان خالفتني أطعتك قال عمرو فإني ~~أخالفك فسلم إليه أبو عبيدة وصلى خلفه في الجيش كله وكانوا خمسمائة وولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاصي على عمان فلم يزل عليها حتى ~~قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سنة اثنتي عشرة بعث أبو بكر رضي الله ~~عنه عمرو بن العاصي ويزيد PageV07P213 # ابن أبي سفيان الأموي وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن ~~حسنة إلى الشام وسار إليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه من العراق وأول شيء ~~فتحوا من الشام بصرى صلحا وتوفي أبو بكر رضي الله عنه واستخلف عمر رضي الله ~~عنه فولى أبا عبيدة على الجيش وفتح الله تعالى عليه الشام فولى يزيد بن أبي ~~سفيان على فلسطين وهي كورة قصبتها الرملة ولما مات أبو عبيدة استخلف معاذ ~~بن جبل ومات معاذ فاستخلف يزيد بن أبي سفيان ومات يزيد فاستخلف أخاه معاوية ~~بن أبي سفيان وكتب إليه عمر رضي الله عنه بعهده على ما كان عليه أخوه يزيد ~~وكان موت هؤلاء كلهم في طاعون عمواس في سنة ثماني عشرة للهجرة وعمواس بفتح ~~العين المهملة والميم وفي آخرها سين مهملة وهي قرية بالشام بين نابلس ~~والرملة وكان الطاعون بها في العام المذكور وقيل بل مات يزيد بن أبي سفيان ms2042 ~~في ذي الحجة من سنة تسع عشرة بدمشق والله أعلم وذلك بعد فتح قيسارية وكان ~~عمر رضي الله عنه قد ولى عمرو بن العاصي بعد موت يزيد بن أبي سفيان فلسطين ~~والأردن وولى معاوية دمشق وبعلبك والبلقاء وولى سعيد بن عامر بن حذيم حمص ~~ثم جمع الشام كلها لمعاوية وكتب إلى عمرو فسار إلى مصر فافتتحها في سنة ~~عشرين للهجرة فلم يزل عليها واليا حتى مات عمر رضي الله عنه فأقره عثمان ~~رضي الله عنه عليها أربع سنين أو نحوها ثم عزله وولى عبد الله بن سعد بن ~~أبي سرح العامري وكان أخا عثمان رضي الله عنه من الرضاعة فاعتزل عمرو بن ~~العاصي في ناحية فلسطين وكان يأتي المدينة أحيانا فلما قتل عثمان رضي الله ~~عنه سار إلى معاوية باستجلاب معاوية إياه وشهد صفين مع معاوية وكان منه في ~~صفين وقضية التحكيم ما هو مشهور عند أهل العلم بهذا الفن وكان قد طلب من ~~معاوية أنه إذا تم له الأمر يوليه مصر وكتب إليه في بعض أيام طلبه ~~PageV07P214 # (معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن ~~كيف تصنع) (فان تعطني مصرا فأربح بصفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع) ثم ولاه ~~معاوية مصر فلم يزل بها أميرا إلى أن مات يوم عيد الفطر من سنة ثلاث ~~وأربعين للهجرة وقيل سنة اثنتين وأربعين وقيل سنة ثمان وأربعين وقيل سنة ~~إحدى وخمسين والأول أصح وعمره تسعون سنة ودفن بسفح المقطم وصلى عليه ابنه ~~عبد الله ولما رجع صلى بالناس العيد ثم عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن ~~العاصي وولى أخاه عتبة بن أبي سفيان فمات عتبة بعد سنة أو نحوها فولى ~~معاوية مسلمة بن مخلد وكان عمرو بن العاصي من فرسان قريش وأبطالهم في ~~الجاهلية وكان من الدهاة في أمور الدنيا المقدمين في الرأي وكان عمر رضي ~~الله عنه إذا استضعف رجلا في رأيه قال أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد يريد ~~خالق الأضداد وذكر أبو العباس المبرد في كتاب ms2043 الكامل أن عمرو بن العاصي لما ~~حضرته الوفاة دخل عليه ابن عباس رضي الله عنهما فقال له يا أبا عبد الله ~~كنت أسمعك كثيرا ما تقول وددت لو رأيت رجلا عاقلا حضرته الوفاة حتى أسأله ~~عما يجد فكيف تجد فقال أجد كأن السماء مطبقة على الأرض وكأني بينهما وكأنما ~~أتنفس من خرت إبرة ثم قال اللهم خذ مني حتى ترضى فدخل عليه ولده عبد الله ~~فقال له يا ولدي خذ ذلك الصندوق قال لا حاجة لي به فقال إنه مملوء مالا ~~فقال لا حاجة لي به فقال ليته مملوء بعرا ثم رفع يديه وقال اللهم إنك أمرت ~~فعصينا ونهيت فارتكبنا فلا بريء فأعتذر ولا قوي فأنتصر ولكن لا إله إلا أنت ~~ثم فاظ قلت يقال فاظ وفاض بالظاء والضاد أي مات قال الشاعر PageV07P215 # (لا يدفنون منهم من فاظا) (394) وأما خارجة المذكور في ~~هذا المثل فإنه خارجة بن حذافة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج ~~بن عدي بن كعب القرشي العدوي شهد فتح مصر واختط بمصر وكان أمير ربع المدد ~~الذين أمد بهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاصي في فتح مصر وكان ~~على شرط مصر في إمرة عمرو ابن العاصي لمعاوية بن أبي سفيان الأموي قتله ~~خارجي بمصر سنة أربعين للهجرة وهو يحسب أنه عمرو بن العاصي هكذا قاله ابن ~~يونس في تاريخ مصر وذكره في كتاب الإستيعاب لابن عبد البر وساق نسبه على ~~هذه الصورة ثم قال يقال إنه كان يعد بألف فارس ذكر بعض أهل النسب والأخبار ~~أن عمرو بن العاصي كتب إلى عمر رضي الله عنه يستمده بثلاثة آلاف فارس فأمده ~~بخارجة بن حذافة والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود الكندي وشهد خارجة ~~فتح مصر وقيل إنه كان قاضيا لعمرو بن العاصي بها وقيل إنه كان على شرطة ~~عمرو ولم يزل بها إلى أن قتل قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين كانوا انتدبوا ~~لقتل علي بن أبي طالب رضي الله ms2044 عنه ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاصي ~~فأراد الخارجي قتل عمرو فقتل خارجة هذا وهو يظنه عمرا وذلك أنه كان استخلفه ~~عمرو بن العاصي على صلاة الصبح ذلك اليوم فلما قتله أخذ وأدخل على عمرو ~~فقال من هذا الذي أدخلتموني عليه فقالوا عمرو بن العاصي فقال ومن قتلت ~~فقالوا خارجة فقال أردت عمرا وأراد الله خارجة وقد قيل إن الخارجي الذي ~~قتله لما أدخل على عمرو قال له عمرو أردت عمرا وأراد الله خارجة والله أعلم ~~من قال ذلك منهما والذي قتل خارجة هذا رجل من بني العنبر بن عمرو بن تميم ~~يقال له داذويه وقيل إنه مولى لبني العنبر وقد قيل إن خارجة الذي قتله ~~الخارجي بمصر PageV07P216 # على أنه عمرو بن العاصي رجل يسمى خارجة من بني سهم رهط ~~عمرو بن العاصي وليس بشيء انتهى ما قاله صاحب الاستيعاب وقال غيره إن عمرو ~~بن العاصي أصابه شيء في بطنه فتخلف في منزله تلك الليلة وكان خارجة يعشي ~~الناس فضربه الخارجي وكان عمرو يقول ما نفعني بطني قط إلا تلك الليلة قلت ~~فهذا أصل المثل في قولهم أردت عمرا وأراد الله خارجة وإلى هذا أشار أبو ~~محمد عبد المجيد بن عبدون الأندلسي في قصيدته التي رثى بها بني الأفطس ملوك ~~بطليوس وأولها (الدهر يفجع بعد العين بالأثر *) بقوله (وليتها إذ فدت عمرا ~~بخارجة * فدت عليا بمن شاءت من البشر) وهي من غرر القصائد جمعت تاريخا ~~كثيرا وشرحها الأديب أبو مروان عبد الملك بن عبد الله بن بدرون الحضرمي ~~الشلبي شرحا مستوفى وهذا البيت يحتاج إلى شرح أيضا وهو من تتمة الكلام على ~~المثل المذكور لكني أذكره مختصرا فإنه طويل ذكر أهل علم التاريخ أن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه لما بويع بالخلافة في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه خرج عليه من قاتله في وقعة الجمل وقد ذكرت طرفا من هذه ~~الوقعة في ترجمة يموت بن المزرع ساقها الكلام هناك فذكرت المقصود منه ms2045 ثم ~~كانت وقعة صفين عند خروج معاوية بن أبي سفيان الأموي وعمرو بن العاصي على ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتوحه إليهم من العراق وجاءوه من الشام ~~والتقوا على صفين وهو موضع على شاطىء الفرات بالقرب من الرحبة وهي واقعة ~~مشهورة وكانت في سنة سبع وثلاثين من الهجرة ولما غلب PageV07P217 # أهل الشام طلبوا من علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~التحكيم فأجابهم إليه بعد معاودات كثيرة فخرج على علي جماعة من أصحابه ~~وقالوا حكمت في دين الله ولا حكم إلا لله ورحلوا إلى النهروان فمضى إليهم ~~وقاتلهم واستأصلهم إلا اليسير منهم وهي أيضا واقعة مشهورة بقتال الخوارج ~~ولما طال الأمر في ذلك اجتمعوا وقالوا إن عليا ومعاوية وعمرو بن العاصي قد ~~أفسدوا امر هذه الأمة فلو قتلناهم لعاد الأمر إلى حقه فقال عبد الرحمن اين ~~ملجم المرادي أنا أقتل عليا قالوا فكيف لك بذلك قال اغتاله وقال الحجاج بن ~~عبد الله الصريمي أنا أقتل معاوية ويعرف هذا الصريمي بالبرك وقال داذوية ~~وقيل زاذويه وقد تقدم الكلام عليه في الكلام على خارجة بن حذافة أنا أقتل ~~عمرا وأجمعوا آراءهم على أن يكون ذلك في ليلة واحدة فدخل ابن ملجم الكوفة ~~وعلي رضي الله عنه بها فاشترى سيفا بألف درهم وسقاه السم حتى لفظه فلما خرج ~~علي لصلاة الصبح كان ابن ملجم قد كمن له فضربه على رأسه وقال الحكم لله يا ~~علي لا لك وقيل إنه ضربه وهو في صلاة الصبح وذلك في صبيحة الجمعة لسبع عشرة ~~ليلة مضت من شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة وقيل غير هذا التاريخ وقدم ~~البرك الصريمي على معاوية بدمشق فضربه فجرح أليته وهو في الصلاة ويقال إنه ~~قطع عرق النسل فما أحبل بعدها وأما عمرو فقد سبق الكلام عليه عند قتل خارجة ~~وهذا تفسير المثل والبيت الشعر على سبيل الاختصار والله أعلم PageV07P218 # 847 الموفق بن الخلال الكاتب أبو الحجاج يوسف بن محمد ~~المعروف بابن الخلال الملقب بالموفق صاحب ديوان الإنشاء بمصر ms2046 في دولة ~~الحافظ أبي الميمون عبد المجيد العبيدي المقدم ذكره ومن بعده قال عماد ~~الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة في حقه هو ناظر مصر وإنسان ناظره ~~وجامع مفاخره وكان إليه الإنشاء وله قوة على الترسل يكتب كما يشاء عاش ~~كثيرا وعطل في آخر عمره وأضر ولزم بيته إلى أن تعوض منه القبر وتوفي بعد ~~ملك الملك الناصر مصر بثلاث أو أربع سنين وذكر له عدة مقاطيع من الشعر نورد ~~شيئا منها بعد هذا إن شاء الله تعالى وذكره ضياء الدين أبو الفتخ نصر الله ~~المعروف بابن الأثير الجزري ثم الموصلي المقدم ذكره في الفصل الأول من ~~كتابه الذي سماه الوشي المرقوم في حل المنظوم فقال حدثني القاضي الفاضل عبد ~~الرحيم بن علي البيساني رحمه الله تعالى بمدينة دمشق في سنة ثمان وثمانين ~~وخمسمائة وكان إذ ذاك كاتب الدولة الصلاحية فقال كان فن الكتابة بمصر في ~~زمن الدولة العلوية غضا طريا وكان لا يخلوا ديوان المكاتبات من رأس يرأس ~~PageV07P219 # مكانا وبيانا ويقيم لسلطانه بقلمه سلطانا وكان من ~~العادة أن كلا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشدا شيئا من علم الأدب ~~أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرب ويرى ويسمع قال ~~فأرسلني والدي وكان إذ ذاك قاضيا بثغر عسقلان إلى الديار المصرية في أيام ~~الحافظ وهو أخد خلفائها وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات وكان الذي يرأس ~~به في تلك الأيام رجلا يقال له ابن الخلال فلما حضرت الديوان ومثلت بين ~~يديه وعرفته من أنا وما طلبتي رحب بي وسهل ثم قال لي ما الذي أعددت لفن ~~الكتابة من الآلات فقلت ليس عندي شيء سوى أني أحفظ القرآن الكريم وكتاب ~~الحماسة فقال في هذا بلاغ ثم أمرني بملازمته فلما ترددت إليه وتدربت بين ~~يديه أمرني بعد ذلك أن أحل شعر الحماسة فحللته من أوله إلى آخره ثم أمرني ~~أن أحله مرة ثانية فحللته انتهى ما ذكره ابن الأثير قلت وبعد أن نقلت ما ~~قاله ضياء الدين ابن الأثير على ms2047 هذه الصورة اجتمع بي من له عناية بالأدب ~~خصوصا هذا الفن وهو من أعرف الناس بأحوال القاضي الفاضل وقال لي هذا الذي ~~ذكره ابن الأثير ما يمكن تصحيحه ولعله قد غلط في النقل فإن القاضي الفاضل ~~لم يدخل إلى الديار المصرية إلا في أيام الظافر ابن الحافظ وكان وصوله ~~إليها مع أبيه في أمر يختص بهم ثم إني وجدت في بعض تعاليقي بخطي وما أدري ~~من أين نقلته أن القاضي الأشرف والد القاضي الفاضل كان من أهل عسقلان وكان ~~ينوب في الحكم والنظر بمدينة بيسان فدخل إلى مصر في زمان الظافر بن الحافظ ~~لكلام جرى بينه وبين والي الناحية من أجل كند كبير كان عندهم PageV07P220 # له قيمة كثيرة فداجى الوالي في حقه وأطلقه فاستدعى ~~الوالي إلى مصر لذلك وطولب بمال طائل فاحتمى ببعض أمراء الدولة وجعلوا ~~الأقاويل في حق القاضي الأشرف فاستدعى وصودر إلى أن لم يبق له شيء ولم يكن ~~معه من الأولاد سوى القاضي الفاضل فحمل على قلبه وتوفي بالقاهرة ليلة الأحد ~~حادي عشر شهر ربيع الأول من سنة ست وأربعين وخمسمائة ودفن بسفح المقطم ثم ~~توجه القاضي الفاضل إلى ثغر الإسكندرية وحضر عند ابن حديد قاضي البلد ~~وناظره فعرفه بوالده فعرفه بالسمعة واستكتبه وأخذ الفرنج عسقلان فحضر إخوته ~~إليه وكانت مكاتبات ابن حديد ترد إلى مصر بخطه وهي في غاية البلاغة فحسده ~~كتاب الإنشاء بها على فضله وخافوا من تقدمه عليهم فسعوا إلى الظافر به ~~فقالوا إنه قصر في المكاتبة وكان صاحب ديوان الإنشاء القاضي الإثير ابن ~~بنان فيحكى أنه دخل على الظافر فقال له تكتب إلى ابن حديد بقطع يد كاتبه ~~فتعصب له ابن بنان وقال يا مولانا هذا الرجل ما منه تقصير وإنما حسده هؤلاء ~~الكتاب فسعوا به ليؤذيه مولانا قال له الظافر فتكتب إلى ابن حديد ليرسله ~~إلينا ويكتب لنا قال ابن بنان وكنت بعد ذلك في مجلس الظافر فرأيت القاضي ~~الفاضل وقد حضر وهو قائم بين يديه ثم استخدمه والله أعلم وقال العماد ms2048 في ~~الخريدة أنشدني مرهف بن أسامة بن منقذ قال أنشدني الموفق بن الخلال لنفسه ~~من قصيدة (عذبت ليال بالعذيب حوالي * وخلت مواقف بالوصال خوالي) ~~PageV07P221 # (ومضت لذاذات تقضى ذكرها * تصبي الخلي وتستهيم السالي) ~~(وجلت موردة الخدود فأوثقت * في الصبوة الخالي بحسن الخال) (قالوا سراة بني ~~هلال أصلها * صدقوا كذاك البدر فرع هلال) قال العماد في الخريدة أيضا ونقلت ~~من كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان قلت وهو تأليف الرشيد بن الزبير المقدم ~~ذكره من شعر ابن الخلال قوله (وأغن سيف لحاظه * يفري الحسام بحده) (فضح ~~الصوارم واللدان * بقده وبقده) (عجب الورى لما حييت * وقد منيت ببعده) ~~(وبقاء جسمي ناحلا * يصلى بوقدة صده) (كبقاء عنبر خاله * في نار صفحة خده) ~~وقوله (اما اللسان فقد أخفى وقد كتما * لو أمكن الجفن كف الدمع حين همى) ~~(أصبتم بسهام اللحظ مهجته * فهل يلام إذا أجرى الدموع دما) (قد صار بالسقم ~~من تعذيبكم علما * ولم يبح بالذي من جوركم علما) (فما على صامت أبدى لصدكم ~~* في كل جارحة منه السقام فما) وأورد له في الشمعة (وصحيحة بيضاء تطلع في ~~الدجى * صبحا وتشفي الناظرين بدائها) PageV07P222 # (شابت ذوائبها أوان شبابها * واسود مفرقها أوان ~~فنائها) (كالعين في طبقاتها ودموعها * وسوادها وبياضها وضيائها) وذكر ~~العماد في الخريدة أيضا في ترجمة القاضي أبي المعالي عبد العزيز بن الحسين ~~بن الجباب أبياتا كتبها ابن الجباب المذكور إلى الرشيد ابن الزبير في نكبة ~~جرت للموفق بن الخلال المذكور وقال العماد كان خاله ولم يذكر أيهما خال ~~الآخر وكان ابن الجباب قد حصل له بسبب نكبة ابن الخلال صداع والأبيات ~~المشار إليها (تسمع مقالي يا ابن الزبير * فأنت خليق بأن تسمعه) (بلينا بذي ~~نسب شابك * قليل الجدى في زمان الدعه) (إذا ناله الخير لم نرجه * وإن صفعوه ~~صفعنا معه) وهذا من قول حصين بن خصفة السعدي الخارجي يخاطب قطري بن الفجاءة ~~رئيس الخوارج المقدم ذكره (وأنت الذي لا نستطيع فراقه * حياتك لا نفع وموتك ~~ضائر) ثم إني كشفت عن قول العماد كان خاله ولم يبينه ms2049 فوجدت ابن الخلال ~~المذكور خال ابن الجباب المذكور وذكر العماد أيضا في كتاب السيل والذيل ~~الذي جعله ذيلا على كتاب الخريدة ابن الخلال أيضا وأورد له (وغزال نار ~~وجنته * أذكت النيران في كبدي) (وله طرف لواحظه * نصرت شوقي على جلدي) ~~(قذفت عيني سوالفه * فتوارت منه بالزرد) PageV07P223 # والبيت الأخير مأخوذ من قول أبي محمد الحسن بن جكينا ~~البغدادي الشاعر المشهور (طرفك يرمي قلبي بأسهمه * فما لخديك تلبس الزردا) ~~وقد روي لغيره أيضا والله أعلم ثم وجدت في كتاب خريدة القصر تأليف عماد ~~الدين الكاتب الأصفهاني لعبد السلام بن الجكر المعروف بابن الصواف الواسطي ~~(لو كان أمري إلي أو بيدي * أعددت لي قبل بينك العددا) (طرفك يرمي قلبي ~~بأسهمه * فما لخديك تلبس الزردا) (ريقته الشهد والدليل على * ذلك نمل بخده ~~صعدا) وذكر أبو الحسن علي بن ظافر الأزدي المصري في كتاب بدائع البدائة أن ~~أبا القاسم ابن هانىء الشاعر المتأخر هجا ابن الخلال المذكور وبلغه هجوه ~~فأضمر له حقدا واتفق بعض المواسم التي جرت عادة ملوك مصر بالحضور فيه ~~لاستماع المدائح فجلس الحافظ أبو الميمون عبد المجيد ملك مصر إذ ذاك فأنشده ~~الشعراء وانتهت النوبة إلى ابن هانىء المذكور فأنشد وأجاد فيما قاله فقال ~~الحافظ للموفق المذكور كيف تسمع فأثنى عليه واستجاد شعره وبالغ في وصفه ثم ~~قال له ولو لم يكن له ما يمت به إلا انتسابه إلى أبي القاسم ابن هانىء شاعر ~~هذه الدولة ومظهر مفاخرها وناظم مآثرها لولا بيت أظهره منه الضجر عند دخوله ~~هذه البلاد فقال له الحافظ ما هو فتحرج من إنشاده فأبى الحافظ إلا أن ينشده ~~وفي أثناء ذلك صنع بيتا وهو PageV07P224 # (تبا لمصر فقد صارت خلافتها * عظما تنقل من كلب إلى ~~كلب) فعظم ذلك على الحافظ وقطع صلته وكاد يفرط في عقوبته والله أعلم ولم ~~يزل ابن الخلال بديوان الإنشاء إلى أن طعن في السن وعجز عن الحركة فانقطع ~~في بيته ويقال إن القاضي الفاضل كان يرعى له حق الصحبة والتعليم فكان يجري ~~عليه ما ms2050 يحتاج إليه إلى أن مات في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست ~~وستين وخمسمائة رحمه الله تعالى 848 الرمادي الشاعر أبو عمر يوسف بن هارون ~~الكندي المعروف بالرمادي الشاعر المشهور ذكره الحافظ أبو عبد الله الحميدي ~~في كتاب جذوة المقتبس فقال أظن أحد آبائه كان من أهل رمادة موضع بالمغرب ~~شاعر قرطبي كثير الشعر سريع القول مشهور عند الخاصة والعامة هنالك لسلوكه ~~في فنون من المنظوم مسالك تنفق عند الكل حتى كان كثير من شيوخ الأدب في ~~وقته يقولون فتح الشعر بكندة وختم بكندة يعنون امرأ القيس والمتنبي ويوسف ~~بن هارون وكانا متعاصرين واستدللت على ذلك بمدحه أبا علي PageV07P225 # إسماعيل بن القاسم القالي عند دخوله الأندلس بالقصيدة ~~التي أولها (من حاكم بيني وبين عذولي * الشجو شجوي والعويل عويلي) وكان ~~وصول أبي علي القالي إلى الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة قلت وقد سبق ذكر ~~ذلك في ترجمته ثم ذكر له الحميدي وقائع وعدة مقاطيع من الشعر وأنه ألف ~~كتابا في الطير وسجن مدة قلت وقد ذكر أبو منصور الثعالبي في كتاب يتيمة ~~الدهر الأبيات التي مدح بها يوسف بن هارون أبا علي القالي وأورد له بعد ~~البيت المذكور قوله (في أي جارحة أصون معذبي * سلمت من التعذيب والتنكيل) ~~(إن قلت في بصري فثم مدامعي * أو قلت في كبدي فثم غليلي) (وثلاث شيبات نزلن ~~بمفرقي * فعلمت أن نزولهن رحيلي) (طلعت ثلاثا في نزول ثلاثة * واش ووجه ~~مراقب وثقيل) (فعزلنني عن صبوتي فلئن ذللت * لقد سمعت بذلة المعزول) قلت ثم ~~خرج بعد هذا إلى المدح وكان قد وصف الصيد والروض فقال (روض تعاهده السحاب ~~كأنه * متعاهد من عهد إسماعيل) (قسه إلى الأعراب تعلم أنه * أولى من ~~الأعراب بالتفضيل) (حازت قبائلهم لغات فرقت * فيهم وحاز لغات كل قبيل) ~~(فالشرق خال بعده فكأنما * نزل الخراب بربعه المأهول (وكأنه شمس بدت في ~~غربنا * وتغيبت عن شرقهم بأفول) PageV07P226 # (يا سيدي هذا ثنائي لم أقل * زورا ولا عرضت بالتنويل) ~~(من كان يأمل نائلا فأنا امرؤ * لم أرج ms2051 غير القرب في تأميلي) وله في غلام ~~ألثغ من جملة أبيات (لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا * الهجر يجمعنا فنحن ~~سواء) (فإذا خلوت كتبتها في راحتي * وبكيت منتحبا أنا والراء) وله فيه أيضا ~~(أعد لثغة في الراء لو أن واصلا * تسمعها ما أسقط الراء واصل) قلت وهذا ~~واصل هو واصل بن عطاء المقدم ذكره في حرف الواو وقد ذكرت هناك هذا الشاعر ~~وشيئا من شعره قلت وذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة فقال يوسف بن هارون ~~الرمادي الشاعر من أهل قرطبة يكنى أبا عمر كان شاعر أهل الأندلس المشهور ~~المقدم على الشعراء روى عن أبي علي البغدادي يعني القالي كتاب النوادر من ~~تأليفه وقد أخذ عنه أبو عمر ابن عبد البر قطعه من شعره رواها عنه وضمنها ~~بعض تواليفه قال ابن حيان وتوفي سنة ثلاث وأربعمائة يوم العنصره فقيرا ~~معدما ودفن بمقبرة كلع انتهى كلامه قلت يوم العنصرة يوم مشهور ببلاد ~~الأندلس وهو موسم للنصارى كالميلاد وغيره وهو اليوم الرابع والعشرون من ~~حزيران فيه ولد يحيى بن زكريا عليهما السلام والعنصرة بفتح العين المهملة ~~وسكون النون وفتح الصاد المهملة والراء وفي آخرها هاء وفي هذا اليوم حبس ~~الله تعالى الشمس على يوشع بن نون عليه السلام حين بعثه موسى عليه الصلاة ~~والسلام وكان PageV07P227 # يوشع ابن أخته إلى أريحا لقتال الجبابرة فقتلهم وبقيت ~~منهم بقية فخشي أن يحول الليل بينه وبينهم فسأل الله تعالى أن يحبس عليهم ~~الشمس حتى يفرغ فحبسها بدعائه وقد ذكر الشعراء ذلك في أشعارهم كثيرا فقال ~~أبو تمام الطائي الشاعر المشهور من جملة قصيدة طويلة (فردت علينا الشمس ~~والليل راغم * بشمس لهم من جانب الخدر تطلع) (نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى ~~* لبهجتها ثوب السماء المجزع) (فوالله ما أدري أأحلام نائم * ألمت بنا أم ~~كان في الركب يوشع) وقال أبو العلاء المعري من جملة قصيدة طويلة أيضا ~~(ويوشع رد بوحا بعض يوم * وأنت متى سفرت رددت بوحا) وبوح بالباء الموحدة ~~وسكون الواو وبعدها حاء مهملة اسم من ms2052 أسماء الشمس وكذلك يوح بالياء المثناة ~~من تحتها وأريحا بفتح الهمزة وكسر الراء ثم ياء ساكنة وبعدها حاء مهملة ثم ~~ألف مقصورة بلدة بين القدس والشريعة من أرض الشام وهي قريبة من مدائن لوط ~~عليه السلام والرمادي بفتح الراء والميم وبعد الألف دال مهملة وبعدها ياء ~~النسب هذه النسبة إلى الرمادة قال ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه المشترك ~~وضعا المختلف صعقا في باب الرمادة عشرة مواضع وعدها PageV07P228 # فقال الثالث رمادة المغرب ينسب إليها يوسف بن هارون ~~الكندي الرمادي الشاعر القرطبي وكلع بفتح الكاف واللام وبعدها عين مهملة ~~وهي مقبرة قرطبة والله أعلم وذكر ابن سعيد في كتاب المغرب في أشعار أهل ~~المغرب أن الرمادي المذكور اكتسب صناعة الأدب من شيخه أبي بكر يحيى بن هذيل ~~الكفيف علم أدباء الأندلس وهو القائل (لا تلمني على الوقوف بدار * أهلها ~~صبروا السقام ضجيعي) (جعلوا لي إلى هواهم سبيلا * ثم سدوا على باب الرجوع) ~~ثم قال وتوفي يحيى بن هذيل المذكور في سنة ست أو خمس وثمانين وثلاثمائة وهو ~~ابن ست وثمانين رحمه الله تعالى PageV07P229 # 849 ابن الدري يوسف بن درة الشاعر المعروف بابن الدري ~~الموصلي الأصل كان شابا ذكيا ذكره أبو شجاع محمد بن علي بن الدهان في ~~تاريخه وقال إنه هلك مع الحاج سنة خمس وأربعين وخمسمائة لما خرجت عليهم زعب ~~وقد ذكره عماد الدين الكاتب الأصبهاني في كتاب خريدة القصر وذكره أبو ~~المعالي سعد بن علي الحظيري المقدم ذكره في كتاب زينة الدهر ومن مشهور شعره ~~قوله في رجل أرجل وقد أحسن فيه (مدور الكعب فاتخذه * لتل غرس وثل عرش) (لو ~~نظرت عينه الثريا * أخرجها في بنات نعش) وله غير هذا أشياء حسنة قال شيخنا ~~الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري في ~~مختصر كتاب الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني الذي عمله PageV07P230 # في الأنساب ما مثاله قلت الزعبي بكسر الزاي وسكون ~~العين المهملة وآخره باء موحدة نسبة إلى زعب بن مالك بن خفاف ms2053 بن امرئ القيس ~~بن بهثة بن سليم بطن مشهور من سليم وهذه زعب هي التي أخذت الحاج سنة خمس ~~وأربعين وخمسمائة فهلك منهم خلق كثير قتلا وجوعا وعطشا ثم إن الله تعالى ~~رمى زعبا بالقلة والذلة بعده إلى الآن ودره بضم الدال المهملة والدرى ~~بفتحها وتشديد الراء وبعدها ألف مقصورة 850 أبو المحاسن الشواء أبو المحاسن ~~يوسف بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالشواء ~~الملقب شهاب الدين الكوفي الأصل الحلبي المولد والمنشأ والوفاة كان أديبا ~~فاضلا متقنا لعلم العروض والقوافي شاعرا يقع له في النظم معان بديعة في ~~البيتين والثلاثة وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلدات وكان زيه على زي ~~الحلبيين الأوائل في اللباس والعمامة المشقوقة وكان كثير الملازمة لحلقة ~~الشيخ تاج الدين أبي القاسم أحمد بن هبة الله بن سعد الله بن سعيد بن سعد ~~بن مقلد المعروف بابن الجبراني الحلبي النحوي PageV07P231 # اللغوي الفاضل وأكثر ما أخذ الأدب عنه وبصحبته انتفع ~~وعاشر التاج أبا الفتح مسعود بن أبي الفضل النقاش الحلبي الشاعر المشهور ~~زمانا وتخرج عليه في عمل الشعر وكان بيني وبين الشهاب الشواء مودة أكيدة ~~ومؤانسة كثيرة ولنا اجتماعات في مجالس نتذاكر فيها الأدب وأنشدني كثيرا من ~~شعره وما زال صاحبي منذ أواخر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة إلى حين وفاته وقبل ~~ذلك كنت أراه قاعدا عند ابن الجبراني المذكور في موضع تصدره بجامع حلب وكان ~~يكثر التمشي في الجامع أيضا على جاري عادتهم في ذلك كما يعملون في جامع ~~دمشق ولم يكن بيننا إذ ذاك معرفة وكان حسن المحاورة مليح الإيراد مع السكون ~~والتأني وجميل التأتي وأول شيء أنشدني من شعره قوله (هاتيك يا صاح ربا لعلع ~~* ناشدتك الله فعرج معي) (وانزل بنا بين بيوت النقا * فقد غدت آهلة المربع) ~~(حتى نطيل اليوم وقفا على الساكن أو عطفا على الموضع) PageV07P232 # وأنشدني لنفسه أيضا (ومهفهف عني الزمان بخده * فكساه ~~ثوبي ليله ونهاره) (لا مهدت عذري محاسن وجهه * إن غض عندي منه غض ms2054 عذاره) ~~وأنشدته يوما في أثناء مناشدة جرت بيننا قول شرف الدين أبي المحاسن محمد ~~المعروف بابن عنين الدمشقي المقدم ذكره في صدر جهان المعروف بابن مازه ~~البخاري وقيل السرخسي (مال ابن مازة دونه لعفاته * خرط القتادة أو منال ~~الفرقد) (مال لزوم الجمع يمنع صرفه * في راحة مثل المنادى المفرد) فقال هذا ~~ليس بجيد فقلت له ولم ذاك فقال ليس من شرط المنادى المفرد أن يكون مضموما ~~ولا بد فقد يكون المنادى مفردا ولا يكون مضموما بأن يكون نكرة غير معين كما ~~تقول يا رجلا ولكن أنا أعمل في هذا شيئا ثم إننا اجتمعنا بعد ذلك في الجامع ~~فقال قد عملت في ذلك المعنى شيئا فاسمعه ثم أنشد (لنا خليل له خلال * تعرب ~~عن أصله الأخس) (أضحت له مثل حيث كف * وددت لو أنها كأمس) فقلت له وهذا ~~أيضا فيه كلام فقال وما هو فقلت حيث فيها لغات فمن العرب من يبنيها على ~~الضم ومنهم من يبنيها على الفتح ومنهم من يبنيها على الكسر وفيها لغات أخر ~~غير هذه وأما أمس فمنهم من يبنيها على الكسر ومنهم من يقول إنها اسم معرب ~~لكنه لا ينصرف وأنشدوا على هذه اللغة (لقد رأيت عجبا مذ أمسا * عجائزا مثل ~~السعالي خمسا) PageV07P233 # هذا إذا كانت معرفة فأما إذا كانت نكرة فإنها معربة ~~قولا واحدا فسكت وكان كثيرا ما يستعمل العربية في شعره فمن ذلك قوله ولا ~~أدري هل أنشدنيه أم لا فإنه أنشدني شيئا كثيرا من شعره وما ضبطت كل ما ~~أنشدني وكذلك كل شيء اذكره بعد هذا لا أتحقق الحال في سماعي منه فأورده ~~مهملا فمنه (وكنا خمس عشرة في التئام * على رغم الحسود بغير آفة) (فقد ~~أصبحت تنوينا وأضحى * حبيبي لا تفارقه الإضافة) وله أيضا في غلام أرسل أحد ~~صدغيه وعقد الآخر (أرسل صدغا ولوى قاتلي * صدغا فأعيا بهما واصفه) (فخلت ذا ~~في خده حية * تسعى وهذا عقربا واقفه) (ذا ألف ليست لوصل وذا * واو ولكن ~~ليست العاطفة) ومن هذا النمط ما أنشدنيه ms2055 بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب ~~المقدم ذكره رحمه الله تعالى لنفسه من جملة أبيات وهو (عسى عطفة بالوصل يا ~~واو صدغه * علي فإني أعرف الواو تعطف) ولأبي المحاسن الشواء أيضا قوله ~~(ناديت وهو الشمس في شهرة * والجسم للخفية كالفيء) يا زاهيا أعرف من مضمر * ~~صل واهيا أنكر من شيء) وله في المديح PageV07P234 # (فتى فاق الورى كرما وبأسا * عزيز الجار مخضر الجناب) ~~(ترى في السلم منه غيث جود * وفي يوم الكريهة ليث غاب) (إذا ما سل صارمه ~~لحرب * أراك البرق في كف السحاب) وله أيضا في شخص لا يكتم السر (لي صديق ~~غدا وإن كان لا ينطق إلا بغيبة أو محال) (أشبه الناس بالصدى إن تحدثه حديثا ~~أعاده في الحال) وله أيضا (قالوا حبيبك قد تضوع نشره * حتى غدا منه الفضاء ~~معطرا) _ (فأجبتهم والخال يعلو خده * أو ما ترون النار تحرق عنبرا) قلت وقد ~~تقدم في ترجمة يحيى بن نزار المنيجي عدة مقاطيع من شعر العماد المحلي وغيره ~~وفيها إلمام بهذا المعنى ولأبي المحاسن أيضا (هواك يا من له اختيال * ما لي ~~على مثله احتيال) (قسمة افعاله لحيني * ثلاثة مالها انتقال) (وعدك مستقبل ~~وصبري * ماض وشوقي إليك حال) وله أيضا (فديت بنفسي رأس عين ومن فيها * وبيض ~~السواقي حول زرق سواقيها) (إذا راقني منها جواري عيونها * أراق دمي منها ~~عيون جواريها) وله أيضا (إن كان قد حجبوه عني غيرة * منهم عليه فقد قنعت ~~بذكره) PageV07P235 # (كالمسك ضاع لنا وضاع مكانه * عنا فأغنى نشره عن نشره) ~~وله في غلام قد ختن (هنأت من اهواه عند ختانه * فرحا وقلبي قد عراه وجوم) ~~(يفديك من ألم ألم بك امرؤ * يخشى عليك إذا ثناك نسيم) (أمعذبي كيف استطعت ~~على الأذى * جلدا وأجزع ما يكون الريم) (لو لم تكن هذي الطهارة سنة * قد ~~سنها من قبل إبراهيم) (لفتكت جهدي بالمزين إذ غدا * في كفه موسى وأنت كليم) ~~ومعظم شعره على هذا الأسلوب وقد أوردت منه أنموذجا فيه كفاية وكان من ~~المغالين في التشيع وأكثر أهل ms2056 حلب ما كانوا يعرفونه إلا بمحاسن الشواء ~~والصواب فيه هو الذي ذكرته ها هنا وأن اسمه يوسف وكنيته أبو المحاسن وبعد ~~هذا رأيت في كتاب عقود الجمان الذي وضعه صاحبنا الكمال ابن الشعار الموصلي ~~وقد بنى ترجمة المذكور على يوسف وكنيته أبو المحاسن وكان صاحبه وأخذ عنه ~~كثيرا من شعره وهو من أخبر الناس بحاله وأعلم ذلك في وقته وكان مولده ~~تقديرا في سنة اثنتين وستين وخمسمائة فإنه كان لا يحقق مولده وتوفي يوم ~~الجمعة تاسع عشر المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة بحلب ودفن ظاهرها بمقبرة ~~باب أنطاكية غربي البلد ولم أحضر الصلاة عليه لعذر عرض لي في ذلك الوقت ~~رحمه الله تعالى فلقد كان نعم الصاحب PageV07P236 # (395) وأما شيخه ابن الجبراني المذكور فهو طائي بحتري ~~وكان من قرية من اعمال عزاز يقال لها جبرين قورسطايا نسب إليها هكذا أخبر ~~عن نفسه وكان متضلعا من علم الأدب خصوصا اللغة فإنها كانت غالبة عليه وكان ~~متبحرا فيها وكان له تصدر في جامع حلب في لمقصورة الشرقية على صحن الجامع ~~قبالة المقصورة التي يصلي فيها قضاة حلب يوم الجمعة ولقد كنت يوما قاعدا في ~~هذه المقصورة عند الدرابزين الذي إلى جهة الصحن وإذا به قد حضر ومعه جماعة ~~من أصحابه وفيهم الشهاب أبو المحاسن الشواء المذكور وجلس إلى المحراب ~~الصغير الذي في هذه المقصورة وهو موضع تصدره فجعلت بالي من كلامه وأنا في ~~ذلك الوقت مشتغل بالأدب فسمعته يتكلم في قاعدة الأفعال الثلاثية التي أولها ~~واو وهي على فعل بكسر العين مثل وجل وغيره وأن مضارعه فيه اربع لغات يوجل ~~وييجل وياجل وييجل إلا ما شذ من الأفعال الثمانية التي هي ورم وورث وورع ~~ووري وومق ووثق ووفق وولي فإن مضارعها أيضا بالكسر كماضيها وشذ من ذلك ~~قولهم وسع يسع ووطىء يطأ وإنما انفتح هذان الفعلان في المضارع لأجل حرفي ~~الحلق وأطال الكلام في ذلك بما لم أقدر على حفظه في ذلك الوقت ولم أسمع منه ~~غير هذا الفصل وكان مولده يوم الأربعاء ms2057 الثاني والعشرين من شوال سنة إحدى ~~وستين وخمسمائة وتوفي يوم الاثنين سابع رجب من سنة ثمان وعشرين وستمائة ~~بحلب ودفن في سفح جبل جوشن رحمه الله تعالى PageV07P237 # 851 البياسي صاحب الحماسة أبو الحجاج يوسف بن محمد بن ~~إبراهيم الأنصاري البياسي أحد فضلاء الأندلس وحفاظها المتقنين كان أديبا ~~بارعا فاضلا مطلعا على اقسام كلام العرب من النظم والنثر وراويا لوقائعها ~~وحروبها وأيامها بلغني أنه كان يحفظ كتاب الحماسة تأليف أبي تمام الطائي ~~والأشعار الستة وديوان أبي تمام المذكور وديوان أبي الطيب المتنبي وسقط ~~الزند ديوان أبي العلاء المعري إلى غير ذلك من الأشعار من شعراء الجاهلية ~~والإسلام وتنقل في بلاد الأندلس وطاف بأكثرها ولما قدم من جزيرة الأندلس ~~إلى مدينة تونس جمع للأمير أبي زكريا يحيى بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي ~~حفص عمر صاحب إفريقية رحمهم الله أجمعين كتابا سماه الإعلام بالحروب ~~الواقعة في صدر الإسلام ابتدأ فيه بمقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وختمه ~~بخروج الوليد بن طريف الشاري على هارون الرشيد ببلاد الجزيرة الفراتية وقد ~~ذكرت ترجمة الوليد المذكور وخبره وما جرى له ومقتله على يد يزيد بن مزيد بن ~~زائدة الشيباني وذكرت يزيد المذكور في ترجمة مستقلة أيضا قبل هذا واستوفيت ~~القصة في الترجمتين ورأيت هذا الكتاب وطالعته وهو في مجلدين أجاد في تصنيفه ~~وكلامه فيه كلام عارف بهذا الفن PageV07P238 # ورأيت له أيضا كتاب الحماسة في مجلدين وقد قرئت النسخة ~~عليه وعليها خطه كتبه في أواخر شهر ربيع الآخر سنة خمسين وستمائة وقال في ~~آخر الكتاب وكان الفراغ من تأليفه وترتيبه بمدينة تونس حرسها الله تعالى في ~~شوال سنة ست وأربعين وستمائة ونقلت من أوله بعد الحمدلة ما مثاله أما بعد ~~فإني قد كنت في أوان حداثتي وزمان شبيبتي ذا ولوع بالأدب ومحبة في كلام ~~العرب ولم أزل متتبعا لمعانيه ومفتشا عن قواعده ومبانيه إلى أن حصلت لي ~~جملة منه لا يسع الطالب المجتهد جهلها ولا يصلح بالناظر في هذا العلم إلى ~~أن يكون عنده ms2058 مثلها وحملتني المحبة في ذلك العلم والولوع به على أن جمعت ~~مما اخترته واستحسنته من أشعار العرب جاهليها ومخضرميها وإسلاميها ومولدها ~~ومن اشعار المحدثين من أهل المشرق والأندلس وغيرهم ما تحسن به المحاضرة ~~وتجمل عليه المناظرة ثم إني رأيت أن بقاءها دون أن تدخل تحت قانون يجمعها ~~وديوان يؤلفها مؤذن بذهابها ومؤد إلى فسادها فرأيت أن اضم مختارها وأجمع ~~مستحسنها تحت أبواب تقيد نافرها وتضم نادرها ونظرت في ذلك فلم أجد أقرب ~~تبويب ولا أحسن ترتيب مما بوبه ورتبه أبو تمام حبيب بن أوس رحمه الله تعالى ~~في كتابه المعروف بكتاب الحماسة وحسن الاقتداء به والتوخي لمذهبه لتقدمه في ~~هذه الصناعة وانفراده منها بأوفر حظ وأنفس بضاعة فاتبعت في ذلك مذهبه ونزعت ~~منزعه وقرنت الشعر بما يجانسه ووصلته بما يناسبه ونقحت ذلك واخترته على قدر ~~استطاعتي وبلوغ جهدي وطاقتي قلت وأطال القول بعد هذا بما لا حاجة بنا إلى ~~ذكره ونقلت منه شيئا فمن ذلك ما ذكره في باب المراثي قال أبو علي القالي ~~البغدادي أنشدنا أبو بكر ابن دريد قال أنشدنا أبو حاتم السجستاني (ألا في ~~سبيل الله ماذا تضمنت * بطون الثرى واستودع البلد القفر) PageV07P239 # (بدور إذا الدنيا دجت أشرقت بهم * وإن أجدبت يوما ~~فايديهم القطر) (فيا شامتا بالموت لا تشمتن بهم * حياتهم فخر وموتهم ذكر) ~~(حياتهم كانت لأعدائهم عمى * وموتهم للفاخرين بهم فخر) (أقاموا بظهر الأرض ~~فاخضر عودها * وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الطهر) ونقلت من باب النسيب قول ~~العباس بن الأحنف المقدم ذكره (تحمل عظيم الذنب ممن تحبه * وإن كنت مظلوما ~~فقل أنا ظالم) (فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى * يفارقك من تهوى وأنفك ~~راغم) وقول الوأواء الدمشقي هكذا قال وغالب ظني انها لأبي فراس ابن حمدان ~~والله أعلم (بالله ربكما عوجا على سكني * وعاتباه لعل العتب يعطفه) (وعرضا ~~بي وقولا في حديثكما * ما بال عبدك بالهجران تتلفه) (فإن تبسم قولا في ~~ملاطفة * ما ضر لو بوصال منك تسعفه) (وإن بدا لكما من سيدي غضب * فغالطاه ~~وقولا ms2059 ليس نعرفه) وقول المجنون (تعلقت ليلى وهي بكر صغيرة * ولم يبد ~~للأتراب من ثديها حجم) (صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا * إلى اليوم لم نكبر ~~ولم تكبر البهم البهم الصغار من أولاد الضأن الواحدة بهمة بفتح الباء ~~الموحدة PageV07P240 # وسكون الهاء وهذان البيتان يستدل بهما النجاة على ~~انتصاب الحال من الفاعل والمفعول به معا بلفظ واحد فان صغيرين انتصب على ~~الحال من التاء في قوله تعلقت وهي فاعلة ومن ليلى وهي مفعولة ومثله قول ~~عنترة العبسي (متى ما تلقني فردين ترجف * روانف أليتيك وتستطارا) نصب فردين ~~على الحال من ضمير الفاعل والمفعول في تلقني ذكره ابن الأنباري في كتاب ~~أسرار العربية في باب الحال وقال الوأواء الدمشقي أيضا ذكره في حماسته ~~البياسي المذكور أيضا (وزائر راع كل الناس منظره * أحلى من الأمن عند ~~الخائف الوجل) (ألقى على الليل ليلا من ذوائبه * فهابه الصبح أن يبدو من ~~الخجل) (أراد بالقتل هجري فاستجرت به * فاستل بالوصل روحي من يدي أجلي) ~~(فصرت فيه أمير العاشقين فقد * صارت ولاية أهل العشق من قبلي) وقال علي بن ~~عطية البلنسي ابن الزقاق (ومرتجة الأعطاف أما قوامها * فلدن وأما ردفها ~~فرداح) (ألمت فبات الليل من قصر بها * يطير وما غير السرور جناح) (وبت وقد ~~زارت بأنعم ليلة * تعانقني حتى الصباح صباح) (على عاتقي من ساعديها حمائل * ~~وفي خصرها من ساعدي وشاح) وقال أحمد بن الحسين بن خلف المعروف بابن البني ~~اليعمري قلت PageV07P241 # هو المقدم ذكره في ترجمة يوسف بن عبد المؤمن صاحب ~~المغرب وكان قد أخرجه صاحب ميورقة وسيره في البحر فساروا يومهم فهبت عليهم ~~الريح فردتهم فقال (أحبتنا الأولى عتبوا علينا * فأقصونا وقد أزف الوداع) ~~(لقد كنتم لنا جذلا وأنسا * فهل في العيش بعدكم انتفاع) (أقول وقد صدرنا ~~بعد يوم * أشوق بالسفينة أم نزاع) (إذا طارت بنا حامت عليكم * كأن قلوبنا ~~فيها شراع) وقال الواثق بالله وله فيه غناء (ما كنت أعرف ما في البين من ~~حزن * حتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن) (قامت تودعني والدمع يغلبها ms2060 * فجمجمت ~~بعض ما قالت ولم تبن) (مالت علي تفديني وترشفني * كما يميل نسيم الريح ~~بالغصن) (فأعرضت ثم قالت وهي باكية * يا ليت معرفتي إياك لم تكن) وأورد في ~~باب القرى والأضياف والفخر والمديح قول أبي الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج ~~اللورقي (عجبا لمن طلب المحامد * وهو يمنع ما لديه) (ولباسط آماله * للمجد ~~لم يبسط يديه) (لم لا أحب الضيف أو * أرتاح من طرب إليه) (والضيف يأكل رزقه ~~* عندي ويحمدني عليه) ومما ينسب إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال حين كف بصره PageV07P242 # (إن يأخذ الله من عيني نورهما * ففي لساني وقلبي منهما ~~نور) ) (قلبي ذكي وذهني غير ذي دخل * وفي فمي صارم كالسيف مطرور) وذكر في ~~باب الهجاء والعتاب وما يتعلق بهما لأبي العالية أحمد بن مالك الشامي (أذم ~~بغداد والمقام بها * من بعد ما خبرة وتجريب) (ما عند أملاكها لمرتقب * رفد ~~ولا فرجة لمكروب) (خلوا سبيل العلى لغيرهم * ونازعوا في الفسوق والحوب) ~~(يحتاج راجي النجاح عندهم * إلى ثلاث من بعد تقريب) (كنوز قارون أن تكون له ~~* وعمر نوح وصبر أيوب) وأنشد أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأبي العطاف ~~الكوفي صالح بن عبد الرحمن بن نشيط (يا ابن الوليد أبن لنا * إن البيان له ~~حدود) (مالي أراك مسيبا * اين السلاسل والقيود) (أغلا الحديد بأرضكم * أم ~~ليس يضبطك الحديد) قلت إلى هنا نقلت من كتاب الحماسة المذكور وفيه كفاية إذ ~~كان الغرض إيراد شيء من أخبار هذا الرجل ليستدل به على معرفته في الشعر ~~وكان مولده يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ~~وخمسمائة وتوفي يوم الأحد الرابع من ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وستمائة ~~بمدينة تونس رحمه الله تعالى والبياسي بفتح الباء الموحدة والياء المشددة ~~المثناة من تحتها هذه النسبة PageV07P243 # إلى بياسة وهي مدينة كبيرة بالأندلس معدودة في كورة ~~جيان هكذا قاله ياقوت الحموي في كتابه المشترك وضعا 852 يونس بن حبيب أبو ~~عبد الرحمن يونس بن حبيب النحوي قال أبو ms2061 عبيد الله المرزباني في كتابه ~~المقتبس في أخبار النحويين هو مولى ضبة وقيل هو مولى بني ليث بن بكر بن عبد ~~مناة بن كنانة وقيل مولى بلال بن هرمي من بني ضبيعة بن بجالة وهو من أهل ~~جبل ومولده سنة تسعين ومات سنة اثنتين وثمانين ومائة وكان يقول اذكر موت ~~الحجاج وقيل مولده سنة ثمانين وأنه رأى الحجاج وعاش مائة سنة وسنتين وقيل ~~عاش ثمانيا وتسعين سنة وقال غير المرزباني أخذ يونس الأدب عن أبي عمرو بن ~~العلاء وحماد ابن سلمة وكان النحو أغلب عليه وسمع من العرب وروى سيبويه عنه ~~كثيرا وسمع منه الكسائي والفراء وله قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها وكان ~~من الطبقة الخامسة في الأدب وكانت حلقته بالبصرة ينتابها الأدباء وفصحاء ~~العرب وأهل البادية قال أبو عبيدة معمر بن المثنى اختلفت إلى يونس أربعين ~~سنة PageV07P244 # أملأ كل يوم الواحي من حفظه وقال أبو زيد الأنصاري ~~النحوي جلست إلى يونس بن حبيب عشر سنين وجلس إليه قبلي خلف الأحمر عشرين ~~سنة وقال يونس قال لي رؤبة بن العجاج حتام تسألني عن هذه البواطل وأزخرفها ~~لك أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك وليونس من الكتب التي صنفها كتاب معاني ~~القرآن الكريم وكتاب اللغات وكتاب الأمثال وكتاب النوادر الصغير وقال إسحاق ~~بن إبراهيم الموصلي عاش يونس مائة سنة وستين وقيل عاش ثمانيا وتسعين سنة ~~وقيل ثمانيا وثمانين سنة لم يتزوج ولم يتسر ولم تكن له همة إلا طلب العلم ~~ومحادثة الرجال وقال يونس لو تمنيت أن أقول الشعر لما تمنيت أن أقول إلا ~~مثل قول عدي بن زيد العبادي (أيها الشامت المعير بالدهر * أأنت المبرأ ~~الموفور) قلت وهذا البيت من جملة ابيات سائرة بين الأدباء فيها مواعظ وعبر ~~وبعد هذا البيت (أم لديك العهد القديم من الأيام * بل أنت جاهل مغرور) (من ~~رأيت المنون أخلدن أم من * ذا عليه من أن يضام خفير) (أين كسرى كسرى الملوك ~~أنو شروان * أم اين قبله سابور) (وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم ms2062 * لم يبق ~~منهم مذكور) (وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة * تجنبى إليه والخابور) (شاده ~~مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور) (لم يهبه صرف الزمان فباد الملك * ~~عنه فبابه مهجور) (وتفكر رب الخورنق إذا اشرف * يوما وللهدى تفكير) ~~PageV07P245 # (سره ملكه وكثرة ما يملك * والبحر معرضا والسدير) ~~(فارعوى قلبه فقال وما غبطة * حي إلى الممات يصير) (ثم بعد الفلاح والملك ~~والأمة * وارتهم هناك القبور) (ثم صاروا كأنهم ورق جف فألوت * به الصبا ~~والدبور) قلت وهذه الأبيات تحتاج إلى تفسير طويل ولو شرعت فيه لطال الكلام ~~وخرجنا عن المقصود فان أكثرها يتعلق بالتاريخ وفيها شيء يتعلق بالأدب ~~فاقتصرت على الإتيان بالغرض وتركت الباقي خوفا من الإطالة فلعل الشرح يدخل ~~في أربع خمس كراريس وليس هذا موضعه وروى محمد بن سلام الجمحي عن يونس أنه ~~قال ما بكت العرب على شيء في أشعارها كبكائها على الشباب وما بلغت كنهه ~~فاتبع هذا الكلام منصور النمري فقال من جملة قصيدة طويلة يمدح بها هارون ~~الرشيد بيتا وهو (ما كنت أوفي شبابي كنه غرته * حتى انقضى فإذا الدنيا له ~~تبع) (وقال يونس تقول العرب فرقة الأحباب سقم الألباب وأنشد (شيئان لو بكت ~~الدماء عليهما * عيناي حتى يؤذنا بذهاب) (لم يبلغا المعشار من حقيهما * شرخ ~~الشباب وفرقة الأحباب) وقال يونس لم يقل لبيد في الإسلام سوى بيت واحد وهو ~~PageV07P246 # (الحمد لله إذ لم يأتني أجلي * حتى لبست من الإسلام ~~سربالا) قال أبو عبيدة معمر بن المثنى قدم جعفر بن سليمان العباسي من عند ~~المهدي الخليفة فبعث إلى يونس بن حبيب فقال له أنا وأمير المؤمنين اختلفنا ~~في هذا البيت (والشيب ينهض في السواد كأنه * ليل يصيح بجانبيه نهار) فما ~~الليل والنهار فقال يونس الليل الليل الذي تعرف والنهار النهار الذي تعرف ~~فقال زعم المهدي أن الليل فرخ الكروان والنهار فرخ الحبارى فقال أبو عبيدة ~~القول في البيت ما قاله يونس والذي قاله المهدي معروف في الغريب من اللغة ~~وقال يونس كان جبلة بن عبد الرحمن يخرج إلى ms2063 طباخه الرقاع يستدعي بها الطعام ~~وفيها الألفاظ الغربية الحوشية فلا يدري الطباخ ما فيها حتى يمضي بها إلى ~~ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر وغيرهما يفسرون ما فيها من الألفاظ فإذا عرف ~~الطباخ ما فيها أتاه بما استدعاه فقال له يوما ويحك إني أصوم معك فقال له ~~الطباخ سهل كلامك حتى يسهل طعامك فيقول يا ابن اللخناء أفأدع عربيتي لعيك ~~وكان يونس من أهل جبل وهي بليدة على دجلة بين بغداد وواسط وكان لا يؤثر أن ~~ينسب إليها فلقيه رجل من بني أبي عمير فقال له يا أبا عبد الرحمن ما تقول ~~في جبل أتنصرف أم لا فشتمه يونس فالتفت العميري فلم ير أحدا يشهده عليه حتى ~~إذا كان من الغد وجلس للناس أتاه العميري فقال يا أبا عبد الرحمن ما تقول ~~في جبل أتنصرف أم لا فقال له يونس الجواب ما قلته لك أمس PageV07P247 # وجبل بفتح الجيم وضم الباء الموحدة المشددة كذا قاله ~~الحافظ ابن السمعاني في كتاب الأنساب وهذه جبل منها أبو الخطاب الجبلي ~~الشاعر المشهور ومن شعره قوله (كم جبت نحوك مهمها لو لم يعن * شوقي عليه ~~لما قدرت أجوبه) (وركبت أخطارا إليك مخوفة * ولحبذا خطر إليك ركوبه) قال ~~السمعاني وتوفي أبو الخطاب المذكور في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ~~وكان بينه وبين أبي العلاء المعري مشاعرة وكتب إليه أبو العلاء قصيدته التي ~~أولها (غير مجد في ملتي واعتقادي) قلت وهذا غلط منه بل كتبها أبو العلاء ~~المعري إلى أبي حمزة الحسن بن عبد الله الفقيه الحنفي قاضي منبج كان وقد ~~ذكر ذلك الفقيه القاضي كمال الدين عرف باين العديم الحلبي وحبيب اسم أمه ~~ولهذا لا يصرفونه فإنه لا يعرف له أب ويقال إنه ولد ملاعنة ويقال إنه اسم ~~أبيه فينصرف والله أعلم وكذلك محمد ابن حبيب النسابة أيضا ودخل يونس المسجد ~~يوما وهو يتهادى بين اثنين من الكبر فقال له رجل كان يتهمه في مودته بلغت ~~ما أرى يا أبا عبد الرحمن فقال PageV07P248 # هو الذي ms2064 ترى لا بلغته فأخذ هذا المعنى جماعة من ~~الشعراء فنظموه وقال أبو الخطاب زياد بن يحيى مثل يونس كمثل كوز ضيق الرأس ~~لا يدخله شيء إلا بعسر فإذا دخله لم يخرج منه يعني أنه لا ينسى شيئا وقد ~~ذكرت تاريخ مولده وموته في أول الترجمة وقيل إنه توفي سنة ثلاث وثمانين ~~وقيل خمس وثمانين وقال عبد الباقي بن قانع سنة أربع وثمانين ومائة والله ~~أعلم وقيل إنه عاش ثمانيا وتسعين سنة رحمه الله تعالى 853 يونس بن عبد ~~الأعلى الصدفي أبو موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن ~~حيان الصدفي المصري الفقيه الشافعي أحد أصحاب الشافعي رضي الله عنه ~~والمكثرين في الرواية عنه والملازمة له وكان كثير الورع متين الدين وكان ~~علامة في علم الأخبار والصحيح والسقيم لم يشاركه في زمانه في هذا أحد وقد ~~سبق في هذا لكتاب ذكر حفيده أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد ابن يونس وهو ~~المنجم المشهور صاحب الزيج وكل واحد منهما إمام في فنة PageV07P249 # وأخذ يونس القراءة عرضا عن ورش وسقلاب بن شيبة ومعلى ~~بن دحية عن نافع وعن علي بن أبي كيسة عن سليم عن حمزة بن حبيب الزيات وسمع ~~سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب المصري وروى القراءة عنه مواس بن سهل ~~ومحمد بن الربيع وأسامة بن أحمد ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد ابن جرير ~~الطبري وغيرهم وكان محدثا جليلا وذكره أبو عبد الله القضاعي في كتاب خطط ~~مصر فقال كان من أفضل أهل زمانه وكان من العقلاء يروى عن الشافعي رضي الله ~~عنه أنه قال ما رأيت بمصر أعقل من يونس بن عبد الأعلى وصحب الشافعي وأخذ ~~عنه الحديث والفقه وحدث بهما عنه جماعة وله حبس في ديوان الحكم وعقب وله ~~دار مشهورة في خطة الصدف مكتوب عليها اسمه وتاريخها سنة خمس عشرة ومائتين ~~وكان أحد الشهود بمصر أقام شاهدا ستين سنة وذكر غير القضاعي أن يونس بن عبد ~~الأعلى روى عنه الإمام مسلم ms2065 بن الحجاج القشيري وأبو عبد الرحمن النسائي ~~وأبو عبد الله ابن ماجة وغيرهم وقال أبو الحسن ابن زولاق في كتاب أخبار ~~قضاة مصر إن القاضي بكار بن قتيبة لما تولى قضاء مصر وتوجه إليها من بغداد ~~لقي في طريقه محمد ابن الليث قاضي مصر كان قبله بالجفار خارجا من مصر إلى ~~العراق مصروفا فقال له بكار أنا رجل غريب وأنت قد عرفت البلد فدلني على ما ~~أشاوره وأسكن إليه فقال له عليك برجلين أحدهما عاقل وهو PageV07P250 # يونس بن عبد الأعلى فاني سعيت في دمه فقدر علي فحقن ~~دمي والآخر أبو هارون موسى بن عبد الرحمن بن القاسم فإنه رجل زاهد فقال له ~~بكار صف لي الرجلين فقال له أما يونس فرجل طوال أبيض ووصفه ووصف موسى فلما ~~دخل بكار مصر ودخل الناس إليه دخل شيخ فيه صفة يونس فرفعه بكار واقبل يحدثه ~~ويقول يا ابا موسى في كل حديثه فبينا بكار كذلك إذ قيل له قد جاء يونس ~~فأقبل على الرجل وقال له يا هذا من أنت وما سكوتك كذا لو افشيت إليك سرا لي ~~ثم دخل يونس فأكرمه ورفعه وأتاه موسى بن عبد الرحمن فاختص بهما وأخذ رأيهما ~~وقيل إن موسى المذكور اختص به القاضي بكار وكان يتبرك به لزهده فقال له ~~يوما يا أبا هارون من أين المعيشة قال من وقف وقفه أبي فقال له بكار أيكفيك ~~قال قد تكفيت به وقد سألتي القاضي فأريد أن أساله قال سل قال هل ركب القاضي ~~دين بالبصرة حتى تولى بسببه القضاء قال لا قال فهل رزق ولدا أحوجه إلى ذلك ~~قال لا ما نكحت قط قال فهل لك عيال كثيرة قال لا قال فهل أجبرك السلطان ~~وعرض عليك العذاب وخوفك قال لا قال فضربت آباط الإبل من البصرة إلى مصر ~~لغير حاجة ولا ضرورة لله علي لا دخلت عليك ابدا فقال يا أبا هارون أقلني ~~أنت بدأت بالمسألة ولو سكت لسكت ثم انصرف عنه ولم يعد إليه بعدها وقال يونس ms2066 ~~رأيت في المنام قائلا يقول لي إن اسم الله الأكبر لا إله إلا الله ونقلت من ~~كتاب المنتظم في أخبار من سكن المقطم قال في ترجمة يونس المذكور ومن ~~حكاياته التي حكاها عن غيره أن رجلا جاء إلى نحاس فقال له أسلفني ألف دينار ~~إلى أجل فقال له النحاس من يضمن المبلغ قال الله تعالى فأعطاه ألف دينار ~~فسافر بها الرجل PageV07P251 # يتجر فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه فحبسه عدم الريح ~~فعمل تابوتا وجعل فيه ألف دينار وأغلقه وسمره وألقاه في البحر فقال اللهم ~~هذا الذي ضمنته لي فخرج صاحب المال ينتظر قدوم الذي معه المال فرأى سوادا ~~في البحر فقال ايتوني بهذا فأتي بالتابوت ففتحه فإذا فيه ألف دينار ثم إن ~~الرجل جمع ألفا بعد ذلك وطابت الريح فجاء إلى النحاس وسلم عليه فقال له ~~النحاس من أنت فقال أنا صاحب الألف هذه ألفك فقال النحاس لا اقبلها منك حتى ~~تخبرني ما صنعت بها فأخبره بالذي صنع وأن الريح لم تطب فقال له النحاس قد ~~أدى الله عز وجل عنك الألف ووصلت وله أخبار كثيرة وروايات مأثورة وكان يونس ~~يروي للشافعي رضي الله عنه (ما حك جلدك مثل ظفرك * فتول أنت جميع أمرك) ~~(وإذا قصدت لحاجة * فاقصد لمعترف بقدرك) وقال يونس قال لي الشافعي رضي الله ~~عنه يا يونس دخلت بغداد قلت لا قال ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس وقال ~~يونس سمعت من الشافعي كلمة لا تسمع إلا من مثله وهي رضى الناس غاية لا تدرك ~~فانظر ما فيه صلاح نفسك في أمر دينك ودنياك فالزمه وقال علي بن قديد كان ~~يونس بن عبد الأعلى يحفظ الحديث ويقوم به وذكره أبو عبد الرحمن أحمد بن ~~شعيب النسوي فقال هو ثقة وقال غيره ولد يونس في ذي الحجة سنة سبعين ومائة ~~وتوفي يوم الثلاثاء ليومين PageV07P252 # بقيا من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين وهي ~~السنة التي مات فيها المزني رحمه الله تعالى وكانت وفاته بمصر ودفن بمقابر ~~الصدف ms2067 وقبره مشهور بالقرافة (396) وأما أبوه عبد الأعلى فإنه يكنى أبا سلمة ~~وكان رجلا صالحا ومن كلامه من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه ~~وقال ولده يونس والأمر عندي كما قال وتوفي عبد الأعلى المذكور في المحرم ~~سنة إحدى ومائتين ومولده سنة إحدى وعشرين ومائة (397) وأما ابنه أبو الحسن ~~أحمد بن يونس والد أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد صاحب تاريخ مصر فان ابنه ~~أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد ذكر في تاريخه أنه ولد في ذي القعدة سنة ~~أربعين ومائتين وتوفي يوم الجمعة أول يوم من رجب سنة اثنتين وثلاثمائة وقال ~~هو عديد للصدف وليس من أنفس الصدف ولا من مواليهم والصدفي بفتح الصاد ~~والدال المهملتين وبعدهما فاء هذه النسبة إلى الصدف بكسر الدال وذكر ~~السهيلي أنه بكسر الدال وفتحها وإنما فتحوا الدال في النسب مع كسرها في غير ~~النسب كي لا يوالوا بين كسرتين قبل ياءين كما قالوا في النسبة إلى النمر ~~نمري وغير ذلك واختلفوا في اسم الصدف فقيل هو مالك بن سهيل بن عمرو بن قيس ~~هكذا قاله القضاعي في كتاب الخطط وزاد السمعاني في كتاب الأنساب على هذا ~~النسب فقال الصدف بن سهيل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس ابن ~~وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع ابن حمير ~~بن سبأ وقال الدارقطني واسم الصدف شهال بن دعمي بن زياد بن حضرموت وقال ~~الحازمي في كتاب العجالة في النسب هو PageV07P253 # عمرو بن مالك والله أعلم وقال القضاعي دعوتهم مع كندة ~~وإنما سمي الصدف لأنه صدف بوجهه عن قومه حين أتاهم سيل العرم فأجمعوا على ~~ردمه فصدف عنهم بوجهه تلقاء حضرموت فسمي الصدف وقيل إنما سمي الصدف لأنه ~~كان رجلا شجاعا لا يذعن لأحد من العرب فبعث إليه بعض ملوك غسان رسولا ليقدم ~~به عليه فعدا على الرسول فقتله وخرج هاربا فبعث الملك إليه رجلا في خيل ~~عظيمة فكان كلما جاء ms2068 حيا من أحياء العرب سأل عن الصدف فيقولون صدف عنا وما ~~رأينا له وجها فسمي الصدف من يومئذ ثم لحق بكندة فنزل فيهم قال أرباب علم ~~النسب أكثر الصدف بمصر وبلاد المغرب والله أعلم قلت قد خرجنا عن المقصود ~~لكنه ما يخلو عن فائدة 854 رضي الدين الإربلي أبو الفضل يونس بن محمد بن ~~منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عائد بن كعب بن قيس الملقب ~~رضي الدين الإربلي والد الشيخين عماد الدين أبي حامد محمد وكمال الدين أبي ~~الفتح موسى وقد تقدم ذكرهما قلت هكذا وجدت نسبه بخط بعض أصحابنا المتأدبين ~~ولم أعلم من اين له هذه الزيادة والذي أعرفه من نسبه هو الذي ذكرته في ~~ترجمة ولديه والله أعلم كان الشيخ يونس المذكور من أهل إربل ومولده بها ~~وقدم الموصل PageV07P254 # فتفقه بها على تاج الإسلام أبي عبد الله الحسين بن نصر ~~المعروف بابن خميس الكعبي الجهني المقدم ذكره وسمع عليه كثيرا من كتبه ~~ومسموعاته ثم انحدر إلى بغداد وتفقه بها على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد ~~بن عمر المعروف بابن الرزاز مدرس النظامية ثم أصعد إلى الموصل وتديرها ~~وصادف بها قبولا تاما عند المتولي بها الأمير زين الدين أبي الحسن علي بن ~~بكتكين والد الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل المقدم ذكره في حرف الكاف ~~وفوض له تدريس مسجده المعروف به وجعل نظره إليه فكان يدرس ويفتي ويناظر ~~وتقصده الطلبة للاشتغال عليه والمباحثة مع ولديه المذكورين ولم يزل على قدم ~~الفتوى والتدريس والمناظرة إلى أن توفي بالموصل يوم الاثنين سادس المحرم ~~سنة ست وسبعين وخمسمائة وسمعت بعض خواصهم يقول توفي سنة خمس وسبعين وأما ~~ولده الشيخ كمال الدين فكان يقول بل توفي سنة ست وسبعين وهو أعلم بذلك ودفن ~~بتربته المجاورة لمسجد زين الدين المذكور رحمه الله تعالى وكان عمره ثمانيا ~~وستين سنة وقد تقدم ذكر حفيده أيضا شرف الدين أحمد بن الشيخ كمال الدين ~~موسى بن يونس المذكور رحمهم الله ms2069 تعالى وعلى الجملة فإنه خرج من بيتهم ~~جماعة من الفضلاء وانتفع بهم أهل تلك البلاد وغيرهم وكانوا مقصودين من بلاد ~~العراق والعجم وغيرها رحمهم الله تعالى أجميعن وله شعر فمن ذلك قوله (لها ~~زورة في كل عام وتارة * تمر شهور الحول لا نتجمع) (وصال وصد لا لشيء سوى ~~انها * على خلق الدنيا تجود وتمنع) وله غير ذلك والله أعلم PageV07P255 # 855 يونس المخارقي يونس بن يوسف بن مساعد الشيباني ثم ~~المخارقي شيخ الفقراء اليونسية وهم منسوبون إليه ومعروفون به وكان رجلا ~~صالحا وسألت جماعة من أصحابه عن شيخه من كان فقالوا لم يكن له شيخ بل كان ~~مجذوبا وهم يسمون من لا شيخ له بالمجذوب يريدون بذلك أنه جذب إلى طريق ~~الخير والصلاح ويذكرون له كرامات أخبرني الشيخ محمد بن أحمد بن عبيد كان قد ~~رآه وهو صغير وذكر أن أباه أحمد كان صاحبه فقال كنا مسافرين والشيخ يونس ~~معنا فنزلنا في الطريق على عين بوار وهي التي يجلب منها الملح البواري وهي ~~بين سنجار وعانة قال وكانت الطريق مخوفة فلم يقدر أحد منا أن ينام من شدة ~~الخوف ونام الشيخ يونس فلما انتبه قلت له كيف قدرت تنام فقال لي والله ما ~~نمت حتى جاء إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وتدرك القفل فلما أصبحنا ~~رحلنا سالمين ببركة الشيخ يونس قال وعزمت مرة على دخول نصيبين وكنت عند ~~الشيخ يونس في قريته فقال إذا دخلت البلد فاشتر لأم مساعد كفنا قال وكانت ~~في عافية وهي أم ولده فقلت له وما بها حتى نشتري لها كفنا فقال ما يضر فذكر ~~أنه لما عاد وجدها قد ماتت وذكر له غير هذا من الأحوال والكرامات ~~PageV07P256 # وأنشد له مواليا وهو (أنا حميت الحمى وأنا سكنتو فيه * ~~وأنا رميت الخلايق في بحار التيه) (من كان يبغي العطا مني أنا أعطيه * انا ~~فتى ما أداني من به تشبيه) وذكر لي الشيخ محمد المذكور أن الشيخ يونس توفي ~~سنة تسع عشرة وستمائة في قريته وهي القنية من أعمال ms2070 دارا وهي بضم القاف ~~وفتح النون وتشديد الياء المثناة من تحتها تصغير قناة وقبره مشهور بها يزار ~~وكان قد ناهز تسعين سنة من عمره رحمه الله تعالى PageV07P257 # قال المصنف ما مثاله نجز الكتاب الذي سميته وفيات ~~الأعيان وأنباء أبناء الزمان بحمد الله ومنه وذلك في يوم الاثنين العشرين ~~من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وستمائة بالقاهرة المحروسة يقول الفقير ~~إلى الله تعالى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان مؤلف هذا ~~الكتاب إنني كنت قد شرعت في هذا الكتاب في التاريخ المذكور في أوله على ~~الصورة التي شرحها هناك مع استغراق الأوقات في فصل القضايا الشرعية ~~والأحكام الدينية بالقاهرة المحروسة فلما انتهيت فيه إلى آخر ترجمة يحيى بن ~~خالد ابن برمك حصلت لي حركة إلى الشام المحروس في خدمة الركاب العالي ~~المولوي السلطاني المجاهدي المرابطي المفاخري المؤيدي المنصوري الغياثي ~~المنعمي المحسني الملكي الظاهري ركن الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين ~~أبي الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين خلد الله سلطانه وشيد بدوام دولته ~~قواعد الملك وثبت أركانه وكان الخروج من القاهرة المحروسة يوم الأحد سابع ~~شوال سنة تسع وخمسين وستمائة ودخلنا دمشق يوم الاثنين سابع ذي القعدة من ~~السنة المذكورة وقلدني الأحكام بالبلاد الشامية يوم الخميس ثامن ذي الحجة ~~من السنة المذكورة فتراكمت الأشغال وكثرت الموانع الصارفة عن إتمام هذا ~~الكتاب فاقتصرت على ما كنت قد اثبته من ذلك وختمت الكتاب واعتذرت في آخره ~~بهذه الشواغل عن إكماله وقلت إن قدر الله تعالى مهلة في الأجل وتسهيلا في ~~العمل أستأنف يكون كتابا جامعا لجميع ما تدعو الحاجة إليه في هذا الباب ~~PageV07P258 # ثم حصل الانفصال عن الشام والرجوع إلى الديار المصرية ~~وكان مدة المقام بدمشق المحروسة مدة عشر سنين كوامل لا تزيد يوما ولا تنقص ~~يوما فاني دخلتها في التاريخ المذكور وخرجت منها بكرة نهار الخميس ثامن ذي ~~القعدة من سنة تسع وستين وستمائة فلما وصلت إلى القاهرة صادفت بها كتبا كنت ~~أوثر الوقوف عليها وما كنت أتفرغ لها فلما ms2071 صرت أفرغ من حجام ساباط بعد أن ~~كنت أشغل من ذات النحيين كما يقال في هذين المثلين طالعت تلك الكتب وأخذت ~~منها حاجتي ثم تصديت لإتمام هذا الكتاب حتى كمل على هذه الصورة وأنا على ~~عزم الشروع في الكتاب الذي وعدت به إن قدر الله تعالى ذلك والله يعين عليه ~~ويسهل الطرق المؤدية إليه فمن وقف على هذا الكتاب من أهل العلم ورأى فيه ~~شيئا من الخلل فلا يعجل بالمؤاخذة فيه فاني توخيت فيه الصحة حسبما ظهر لي ~~مع أنه كما يقال أبى الله أن يصح إلا كتابه لكن هذا جهل المقل وبذل ~~الاستطاعة وما يكلف الإنسان إلا ما تصل قدرته إليه وفوق كل ذي علم عليم وقد ~~تقدم في أول هذا الكتاب الاعتذار عن الدخول في هذا الأمر والحامل عليه ~~فأغنى عن إعادته ها هنا والله يستر عيوبنا بستر كرمه الضافي ولا يكدر علينا ~~ما منحنا من مشرع أغضائه النمير الصافي إن شاء الله تعالى# PageV07P259 #####ENDNOTES# ms2072