######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005388 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: حازم بن محمد بن حسن، ابن حازم القرطاجني، أبو الحسن (المتوفى: 684هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 684 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: منهاج البلغاء وسراج الأدباء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005388 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5388 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5388 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # منهاج البلغاء وسراج الأدباء # المعاني # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا ومولانا محمد. # قال الإمام الحافظ البليغ الحجة في مقام الأدب ومضماره حازم بن محمد ~~القرطاجني. # أو منافرة لها ( ### | ...... # ) إلى ( ### | ...... # ) صحيح ( ### | ...... # ) . ### | المنهاج الأول # في الإبانة عن ماهيات المعاني وأنحاء وجودها ومواقعها, و (ال) تعريف ~~بضروب هيئاتها و (جهات) التصرف فيها وما تعتبر (به) أحوالها في جميع ذلك, ~~من حيث تكون (ملائمة) للنفوس أو منافرة لها. ### | أ- معلم (دال) على طرق (العلم بالمعاني) وحقائقها وأنحاء (النظر) فيها (وبما ينبغي) # أن تعتبر به أحوالها, من جهة ما يرجع إليها وما هو خارج (عنها) ( ### | ...... # ) هنالك موجودات خارج الذهن عن أمثلة لها وجود ( ### | ...... # ) وهي الهيئات النطقية. # لما كانت المعاني إنما (تتحصل) في الأذهان عن الأمور الموجودة في الأعيان ~~وكانت تلك (المعاني) إنما تتحصل في الذهن بأعلام من العبارة توضع للدلالة ( ### | ...... # ) عن علم على صورة صورة منها, فتتمثل بحصول تلك الصورة في ال ( ### | ...... # ) الموجودة في الأعيان التي تلك الصور الحاصلة في الذهن ( ### | ...... # ) كانت تلك الصور الذهنية إنما يتخيل بها ما هي صور ( ### | ...... # ) (خارجة) عن الذهن (بوجه) مخصوص وترتيب مخصوص ( ### | ...... # ) تلك الصور الذهنية في الألفاظ إنما تدل على ( ### | ...... # ) . ### | ...... # ) عليها هو الذي ران على قلوب شعراء المشرق المتأخرين (وأعمى) بصائرهم عن ~~حقيقة الشعر منذ مائتي سنة. فلم يوجد فيهم على طول هذه المدة من نحا نحو ~~الفحول ولا من ذهب مذاهبهم في تأصيل مبادئ الكلام وإحكام وضعه وانتقاء ~~مواده التي يجب نحته منها. فخرجوا بذلك عن مهيع الشعر ودخلوا في محض ~~التكلم. هذا على كثرة المبدعين المتقدمين في الرعيل الأول من قدمائهم ~~والحلبة السابقة زمانا وإحسانا منهم. ### | المنهج الثاني في الإبانة عن طرق اجتلاب المعاني وكيفيات التئامها وبناء بعضها على # بعض, وما تعتبر به أحوالها في جميع ذلك, من حيث تكون ملائمة للنفوس أو ~~منافرة لها. ### | ب- معلم علة طرق العلم باقتباس المعاني وكيفية اجتلابها وتأليف بعضها إلى بعض. # يحب على من أراد جودة التصرف في المعاني وحسن المذهب في اجتلابها والحذق ~~بتأليف بعضها إلى بعض أن ms001 يعرف أن للشعراء أغراضا أول هي الباعثة على قول ~~الشعر. وهي أمور تحدث عنها تأثرات وانفعالات للنفوس, لكون تلك الأمور مما ~~يناسبها ويبسطها أو ينافرها ويقبضها أو لاجتماع البسط والقبض والمناسبة ~~والمنافرة في الأمر من وجهين. فالأمر قد (يبسط) النفس ويؤنسها بالمسرة ~~والرجاء ويقبضها بالكآبة والخوف. وقد يبسطها أيضا بالاستغراب لما يقع فيه ~~من اتفاق بديع. وقد يقبضها ويوحشها بصيرورة الأمر من مبدإ سار إلى مآل غير ~~سار. وإذا ارتيح للأمر من جهة واكترث له من جهة على نحو ما ( ### | ...... # ) جرى مجرى ذلك كانت أقوالا شاجية. ### | 1- # إضاءة: والارتياح للأمر السار إذا كان صادرا عن قاصد لذلك أرضى فحرك إلى ~~المدح. والارتماض للأمر الضار إذا كان صادرا عن قاصد لذلك أغضب فحرك إلى ~~الذم. وتحرك الأمور غير المصودة أيضا, من جهة ما تناسب النفس وتسرها ومن ~~جهة ما تنافرها وتضرها, إلى نزاع إليها أو نزوع عنها وحمد وذم أيضا. وإذا ~~كان الارتياح لسار مستقبل فهو رجاء. وإذا كان الارتماض لضار مستقبل كانت ~~تلك رهبة. وإذا كان الارتماض لانقطاع أمل في شيء كان يؤمل, فإن نحي في ذلك ~~منحى التصبر والتجمل سمي تأسيا أو تسليا, وإن نحي به منحى الجزع والاكتراث ~~سمي تأسفا أو تندما. ويسمى استدفاع المخوف المستقبل استلطافا. وإذا استدفع ~~المتكلم ذلك فأسعف به وضمن وصف الحال في ذلك كلاما سمي إعتابا. والتعزير ~~على الأمر المرتمض منه والملامة فيه تسمى معاتبة. فإن كان الارتياح لأمر ~~شأنه أن يسر محضره إلا أنه يكون بعيدا من المتكلم, من جهة زمان ماض أو ~~مستقبل أو مكان أو إمكان, حرك ذلك إلى الاستراحة لذكره والتشوف إليه, فتكون ~~الأقوال في الأشياء التي علقتها بأغراض النفوس على هذا النحو متنوعة إلى ~~فنون كثيرة نحو التشوقيات والإخوانيات وما جرى مجرى ذلك. # PageV01P001 ### | 2- # تنوير: فقد تبين بهذا أن أغراض الشعر أجناس وأنواع تحتها أنواع. فأما ~~الأجناس الأول فالارتياح والاكتراث وما تركب منهما نحو إشراب الارتياح ~~الاكتراث أو إشراب الاكتراث الارتياح, وهي الطرق الشاجية. والأنواع التي ~~تحت هذه الأجناس هي: ms002 الاستغراب والاعتبار والرضى والغضب والنزاع والنزوع ~~والخوف والرجاء. والأنواع الأخر التي تحت تلك الأنواع هي: المدح والنسيب ~~والرثاء والتذكرات وأنواع المشاجرات وما جرى مجرى هذه الطرق من المقاصد ~~الشعرية. وسيأتي تفصيل هذه الجملة في موضعها في القسم الرابع إن شاء الله. ### | 3- # إضاءة: فمعاني الشعر, على هذا القسم, ترجع إلى وصف أحوال الأمور المحركة ~~إلى القول أو إلى وصف أحوال المتحركين لها أو إلى وصف أحوال المحركات ~~والمحركين معا. وأحسن القول وأكمله ما اجتمع فيه وصف الحالين. ### | 4- # تنوير: ولا يخلو الشيء في جميع تلك الأحوال من أن ينسب إلى الشيء بإيجابه ~~له أو تزال نسبته إليه بسلبه عنه أو ينسب إليه لا على جهة إيجاب ولا سلب ~~ولكن على جهة الاحتمال والإمكان. وكل ذلك لا تخلو أن تكون راجعة إلى ما ~~يرجع إلى الشيء ويخصه في ذاته أو يكون غير راجع إلى ما يخصه في ذاته بل ~~لأمر عرض له من غيره أو لما تدركه منه القوى الحسية أو التصورية أو بحسب ~~نسبته إلى شيء تأخر في زمان أو مكان أو بحسب موقعه من اعتقاد ما أو بحسب ما ~~يجعل شرطه فيه أو بحسب مقايسته بشيء آخر أو بحسب الفرض. ### | 5- # إضاءة: والمتصرف في هذه المعاني لا يخلو من أن يكون مثبتا لشيء ببعض تلك ~~الاعتبارات أو مبطلا أو مسويا بين شيئين أو مباينا بينهما أو مرجحا أو ~~متشككا, ولا يخلو من أن يكون معمما أو خاصا حاصرا أو غير حاصر آخذا للشيء ~~بجملته أو محاشيا بعضه. وللعبارة عن جميع ذلك أدوات وضعت للاختصار. وقد ~~يعبر عن جميع ذلك بغير تلك الأدوات. فهذه وأشباهها من المعاني, التي تدل ~~على مقاصد المتكلم واعتقاداته وأحكامه في التصورات والتصديقات المتعلقات ~~بغرضه, معان ثوان ينوطها بمعاني كلامه لتبين فيها أحكاما وشروطا. ### | 6- # تنوير: وهنا معان أخر, وهي أنحاء المخاطبات مثل أن يكون المتكلم مخبرا أو ~~مستخبرا آمرا أو ناهيا داعيا أو مجيبا. ### | 7- # إضاءة: فقد تبين بهذا أن المعاني صنفان: وصف أحوال الأشياء التي فيها ~~القول, ووصف أحوال ms003 القائلين أو المقول على ألسنتهم, وأن هذه المعاني تلتزم ~~معاني أخر تكون متعلقة بها ومتلبسة بها, وهي كيفيات مآخذ المعاني وموقعها ~~من الوجود أو الفرض أو غير ذلك ونسب بعضها إلى بعض, ومعطيات تحديداتها ~~وتقديراتها, ومعطيات الأحكام والاعتقادات فيها, ومعطيات كيفيات المخاطبة. ### | 8- # تنوير: ويجب على من أراد حسن التصرف في المعاني, بعد معرفة ضروبها التي ~~أجملت ذكرها, أن يعرف وجوه انتساب بعضها إلى بعض. فيقول: إنه قد يوجد لكل ~~معنى من المعاني التي ذكرتها معنى أو معان تناسبه وتقاربه, ويوجد له أيضا ~~معنى أو معان تضاده وتخالفه. وكذلك يوجد لمضاد ه في أكثر الأمر معنى أو ~~معان تناسبه. ومن المتناسبات ما يكون تناسبه بتجاور الشيئين واصطحابهما ~~واتفاق موقعيهما من النفس, ومنه ما تكون المناسبة باشتراك الشيئين في ~~كيفية, ولا يشترط فيه التجاور ولا الاتفاق في الموقع من هوى النفس. وما جعل ~~فيه أحد المتناسبين على هذه الصفة مثالا للآخر ومحاكيا له فهو تشبيه. ### | 9- # إضاءة: فإذا أردت أن تقارن بين المعاني وتجعل بعضها بإزاء بعض وتناظر ~~بينها فانظر مأخذ يمكنك معه أن تكون المعنى الواحد وتوقعه في حيزين, فيكون ~~له في كليهما فائدة, فتناظر بين موقع المعنى في هذا الحيز وموقعه في الحيز ~~الآخر فيكون من اقتران التماثل, أو مأخذا يصلح فيه اقتران المعنى بما ~~يناسبه فيكون هذا من اقتران المناسبة, أو مأخذا يصلح فيه اقتران المعنى ~~بمضادة فيكون (هذه مطابقة أو مقابلة, أو مأخذا يصلح فيه اقتران الشيء بما ~~يناسب) مضاده فيكون هذا مخالفة, أو مأخذا يصلح فيه اقتران الشيء بما يشبهه ~~ويستعار اسم أحدهما للاخر فيكون هذا من تشافع الحقيقة والمجاز. # PageV01P002 ### | 10- # تنوير: وقد يكون المأخذ في العبارة المقترن فيها معنيا بأحد هذه ~~الاقترانات على أن يكون كلا المعنيين عمدة في الكلام وركنا يثلم الغرض ~~إزالته. وقد يكون المأخذ فيها على أن يكون أحد المعنيين عمدة والآخر فضلة ~~أو كالفضلة لضروب من التتميميات والتعريضات وتحقيق صحة مفهوم أحدهما ببيان ~~الصحة في مفهوم الآخر كمن يقول: العفاف فضيلة كما أن الفسوق ms004 رذيلة. ### | 11- # إضاءة: وإذ قد عرفنا كيفية التصرف في المعاني التي لها وجود خارج الذهن ~~والتي جعلت بالفرض بمنزلة ما له وجود خارج الذهن فيجب أيضا أن (يشار) إلى ~~المعاني التي ليس لها وجود خارج الذهن أصلا, وإنما هي أمور ذهنية محصولها ~~صور تقع في الكلام بتنوع طرق التأليف في المعاني والألفاظ الدالة عليها ~~والتقاذف بها إلى جهات من الترتيب والإسناد, وذلك مثل أن تنسب الشيء إلى ~~الشيء على جهة وصفه به أو الإخبار به عنه أو تقديمه عليه في الصورة المصطلح ~~على تسميتها فعلا أو نحو ذلك. فالإتباع والجر وما جرى مجراهما معان ليس لها ~~خارج الذهن وجود لأن الذي خارج الذهن هو ثبوت نسبة شيء إلى شيء أو كون ~~الشيء لا نسبة له على الشيء. فأما أن يقدم عليه أو يؤخر عنه أو يتصرف في ~~العبارة عنه نحوا من هذه التصاريف فأمور ليس وجودها إلا في الذهن خاصة. ### | 12- # تنوير: وإذ قد تبين هذا فيجب أن نشير إلى ما يحسن اعتماده في التصرف في ~~هذه المعاني الذهنية. وإن تعددت في الشيء الواحد بحسب وضعه (و) ترتيبه ~~فالواجب أن يعتمد من تلك الصور المتعددة وإن استوت دلالة ومعنى به يليق ( ### | ...... # ) عبارة لا تسد مسد عبارة في حسن وقع وإن كان مفهومهما واحدا, لان ~~إحداهما أليق بالموضع وأشدهما مناسبة لما وقع في جنبتي الكلام المكتنفتين ~~له أو لما وقع ( ### | ...... # ) إحداهما. ويكون هذا التناسب يقع بين المفهومات أو بين المسموعات الدالة ~~عليها. ### | 13- # إضاءة: ويحسن أيضا أن يقصد تنويع الكلام من جهة الترتيبات الواقعة في ~~عباراته وفي ما دلت عليه بالوضع في جميع ذلك والبعد به عن التواطؤ ~~والتشابه, وأن يؤخذ الكلام من كل مأخذ حتى يكون كل مستجدا بعيد من التكرار, ~~فيكون أخف على النفس وأوقع منها بمحل القبول. ويقتدر على هذا بعرفتة كيفيات ~~تصاريف العبارات وهيآت ترتيبها وترتيب ما دلت عليه, والبصيرة بضروب ~~تركيباتها وشتى مآخذها, وبقوة ملاحظات الخواطر لضروب تلك العبارات وأصناف ~~هيآتها وهيآت ما دلت عليه, وللحيل التي تنتظم بها ms005 تلك العبارات على الهيآت ~~المختارة لمسلك الوزن باختصار أو حشو أو إبدال لفظة مكان لفظة أو تقديم أو ~~تأخير, وبسرعة التنبه للموضع الذي تطابقه العبارة من الوزن في ترتيب ~~الحركات والسكنات فيطبعها في ذلك الموضع ويصلها بما قبلها بزيادة أو نقص أو ~~إبدال أو غير ذلك. وإن اتفق ألا يحتاج في صلتها بما قبلها إلى شيء من ذلك ~~فهو أحسن. ولما كان التصرف في ترتيب العبارات بإزاء التصرف في ترتيب ~~المعاني جعلت هذه الإضاءة الموضحة عن الوجوه التي يجب اعتمادها في جميع ~~ذلك. ### | 14- # تنوير: يشترط في النقلة من بعض هذه المعاني الذهبية إلى بعض أن يكون ذلك ~~غير خارج عن الهيآت التي وقعت للعرب في النقلة من بعض ذلك إلى بعض. ويشترط ~~في المعاني التي خارج الذهن أن ينتقل في أمثلتها الذهبية يكون النظر في ~~صناعة البلاغة من جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه ~~ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيأته ودلالته, ~~ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها, ومن جهة مواقعها من ~~النفوس من جهة هيآتها ودلالاتها على ما خارج الذهن, ومن جهة ما تكون عليه ~~في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها وأمثلة دالة عليها, ~~ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس. # PageV01P003 ### | 15- # إضاءة: وقد تقدم الكلام في ما تكون عليه الألفاظ في أنفسها وبالنظر إلى ~~هيآتها ودلالتها وكيفية مواقع تلك الهيآت بدلالتها من النفوس. وبقي الآن أن ~~نتكلم في المعاني الذهبية وفي بعض ما يحتاج إليه في هذه الصناعة مما يتعلق ~~بالأشياء التي تلك المعاني الذهبية صور لها مما تكون عليه تلك الأشياء وما ~~تكون عليه صورها, ومن جهة مواقعها من النفوس, وكونها مما يستميل النفس أو ~~ينفرها لكونها ملائمة لها أو منافرة, أو بإيهام النفس ذلك فيها بتخييل شعري ~~أو إقناع خطابي وما يكون فيه معونة على تقوية ذلك. ### | 16- # تنوير: وأنا أدرج تفاصيل هذه الجملة في ما أشرعه إثر هذا من ms006 المعالم ~~والمعارف بحسب ما يتوجه إليه النظر في معلم معلم ومعرف معرف من ذلك, لتعرف ~~بذلك الطرق الصحيحة في اعتبار ما تكون عليه أحوال المعاني الذهنية وما هي ~~أمثلة له بالنظر إلى ما يستحسن في كل مذهب من مذاهب هذه الصناعة وما لا ~~يستحسن من ذلك. وقد سلكت من التكلم في جميع ذلك مسلكا لم يسلكه أحد قبلي من ~~أرباب هذه الصناعة لصعوبة مرامه وتوعر سبيل التوصل إليه. هذا على أنه روح ~~الصنعة وعمدة البلاغة. وعلى هذا جريت في أكثر ما تكلمت به فيما عدا هذا ~~القسم من أقسام الكتاب. فإني رأيت الناس لم يتكلموا إلا في بعض ظواهر ما ~~اشتملت عليه تلك الصناعة, (فتجاوزت أنا تلك الظواهر) بعد التكلم في جمل ~~مقنعة مما تعلق بها التكلم في كثير من خفايا هذه الصنعة ودقائقها على حسب ~~ما تقدم وما يأتي إن شاء الله. ### | ب?- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء وجود المعاني. # إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان. ~~فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما ~~أدرك منه, فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ ~~المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم. فصار ~~للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ. فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط ~~تدل على الألفاظ من لم يتهيأ له سمعها من المتلفظ بها صارت رسوم الخط تقيم ~~في الأفهام هيآت الألفاظ فتقوم بها في الأذهان صور المعاني فيكون لها أيضا ~~وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة عليها. ### | 1- # إضاءة: قد تبين أن المعاني لها حقائق موجودة في الأعيان ولها صور موجودة ~~في الأذهان ولها من جهة ما يدل على تلك الصور من الألفاظ وجود في الأفهام, ~~ولها وجود ما يدل على تلك الألفاظ من الخط يقيم صور الألفاظ وصور ما دلت ~~عليه في الأفهام والأذهان. ### | 2- # تنوير: وقد تقدم الكلام في كثير مما يجب معرفته ms007 من المعاني من حيث توجد ~~في الألفاظ. وبقي أن نتكلم الآن فيها من حيث توجد في الأذهان, وأن نشفع ذلك ~~بذكر بعض ما يتعلق بها من جهة وجودها خارج الذهن مما يتأكد معرفته في هذه ~~الصناعة, وأن نستدرك ما لعلنا لم نذكره مما يتعلق بجهة وجودها في الألفاظ. ~~فأما الوجود الذي لها من جهة الخط فليس التكلم فيه من مبادئ هذه الصناعة. ### | ج_ معلم دال على طرق العلم بكيفيات مواقع المعاني من النفوس من جهة ما تكون قوية # الانتساب إلى طرق الشعر المألوفة والأغراض المعروفة عند جمهور من له فهم ~~بالطبع, أو ضعيفة الانتساب إلى ذلك. # لما كان علم البلاغة مشتملا على صناعتي الشعر والخطابة وكان الشعر ~~والخطابة يشتركان في مادة المعاني ويفترقان بصورتي التخييل والإقناع وكان ~~لكلتيهما أن تخيل وأن تقنع في شيء شيء من الموجودات الممكن أن يحيط بها علم ~~إنساني وكان القصد في التخييل والإقناع حمل النفوس على فعل شيء أو اعتقاده ~~أو التخلي عن فعله واعتقاده وكانت النفس إنما تتحرك لفعل شيء أو اعتقاده أو ~~التخلي عن واحد واحد من الفعل والطلب والاعتقاد بأن يخيل لها أو يوقع في ~~غالب ظنها أنه خير أو شر بطريق من الطرق التي يقال بها في الأشياء إنها ~~خيرات أو شرور # PageV01P004 ### | 1- # إضاءة: والأشياء التي يقال فيها إنها خيرات وشرور أو يتوهم أنها كذلك ~~منها أمور يشترك في معرفتها وإدراكها الخاصة والجمهور ومنها أمور ينفرد ~~بإدراكها ومعرفتها الخاصة دون الجمهور_ وكانت علقة جل أغراض الناس وآرائهم ~~بالأشياء التي اشترك الخاصة والجمهور في اعتقادهم أنها خير أو شر, وكان أحق ~~تلك الأشياء بأن يميل الناس إليها أو ينفروا عنها الأشياء التي فطرت النفوس ~~على استذاذها أو التألم منها أو حصل لها ذلك بالاعتياد, وجب أن تكون أعرق ~~المعاني في الصناعة الشعرية ما اشتدت علقته بأغراض الإنسان وكانت دواعي ~~آرائه متوفرة عليه, وكانت نفوس الخاصة والعامة قد اشتركت في الفطرة على ~~الميل إليها أو النفور عنها أو من حصول ذلك إليها بالاعتياد, ووجب ms008 أن يكون ~~ما لم تتوفر دواعي أغراض الإنسان عليه وما انفرد بإدراكه المكتسب الخاصة ~~دون الجمهور غير عريق في الصناعة الشعرية بالنسبة إلى المقاصد المألوفة ~~والمدارك الجمهورية. ### | 2- # تنوير: فأما بالنظر إلى حقيقة الشعر فلا فرق بين ما انفرد به الخاصة دون ~~العامة وبين ما شاركوهم فيه, ولا ميزة بين ما اشتدت علقته بالأغراض ~~المألوفة وبين ما ليس له كبير علقة إذا كان التخييل في جميع ذلك على حد ~~واحد, إذ المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة في أي معنى ~~اتفق ذلك. ### | 3- # إضاءة: ولنبين الآن الطرق التي بها تكون علقة المعاني بالأغراض المألوفة ~~عند الجمهور أكيدة وكيف لا تكون علقتها بذلك متأكدة: فأقول: إن الأقاويل ~~المخيلة لا تخلو من أن تكون المعاني المخيلة فيها مما يعرفه جمهور من يفهم ~~لغتها ويتأثر له, أو مما يعرفه ولا يتأثر له, أو مما يتأثر له إذا عرفه, أو ~~مما لا يعرفه ولا يتأثر له لو عرفه. وأحق هذه الأشياء بأن يستعمل في ~~الأغراض المألوفة من طرق الشعر ما عرف وتؤثر له, أو كان مستعدا لأن يتأثر ~~له إذا عرف وكان في قوة كل واحد من جمهور من جبلته في الفهم صالحة أن يتصور ~~ذلك إذا عرف به وذلك كالأخبار التي يحيل عليها الشعراء. ### | 4- # تنوير: وأحسن الأشياء التي تعرف ويتأثر لها أو يتأثر لها إذا عرفت هي ~~الأشياء التي فطرت النفوس على استلذاذها أو التألم منها أو ما وجد فيه ~~الحالان من اللذة والألم كالذكريات للعهود الحميدة المتصرمة التي توجد ~~النفوس تلتذ بتخيلها وذكرها وتتألم من تقضيها وانصرامها. فإذن طرق الشعر ~~إذا في ثلاث جهات: إما أن تكون مفرحة محضة يذكر فيها لقاء الأحبة في حال ~~وجوده واجتلاء الروض والماء وما ناسبهما والتنغم بمواطن السرور ومجالس ~~الأنس, وإما أن تكون (مفجعة) يذكر فيها التفرق والتوحش وما ناسب ذلك ~~وبالجملة أضداد المعاني المفرحة المنعمة, وإما أن تذكر فيها مستطابات قد ~~انصرمت فيلتذ لتخيلها ويتألم لفقدها فتكون طريقة شاجية. واستقصاء القول في ~~هذا يجيء في ms009 القسم الرابع ولعلي أن أدرج أيضا في هذا القسم فضل بيان لذلك. ### | 5- # إضاءة: فما فطرت نفوس الجمهور على استشعار الفرح منه والحزن أو الشجو أو ~~حصل لها ذلك بالعادة هو المعتمد في الأغراض المألوفة في الشعر والمبنى عليه ~~طرقها. وما لم توجد نفوسهم مفطورة عليه من ذلك بما اعتادته فإنما تقع في ~~الأغراض المألوفة بحسب التبعية لما كانت مفطورة عليه أو معتادة له. وذلك ~~بأن يستدرج مما وجد في النفس بحسب الجبلة والعادة إلى ما وجد بالكسب ~~والاستفادة. وتذكر هذه على أنها بعيدة عن التأثير. فلذلك لا يحسن إيراد مثل ~~هذه الأقاويل في الأغراض المألوفة من الشعر ولا يحسن أن تحاكى الأشياء ~~العريقة في الشعر التي اشترطنا فيها الشروط المتقدمة إلا بمثلها مما توجد ~~فيه تلك الشروط. # PageV01P005 ### | 6- # تنوير: فالمتصورات التي في فطرة النفوس ومعتقداتها العادية أن تجد لها ~~فرحا أو ترحا أو شجوا هي التي ينبغي أن نسميها المتصورات الأصلية. وما لم ~~يوجد ذلك لها في النفوس ولا معتقداتها العادية فهي المتصورات الدخيلة, وهي ~~المعاني التي إنما يكون وجودها بتعلم وتكسب كالأغراض التي لا تقع إلا في ~~العلوم والصناعات والمهن. فالمعاني المتعلقة بهذه الطرق الخاصة ببعض ~~الجماهير لا تحسن في المقاصد العامة المألوفة التي ينحى بها نحو ما يستطيبه ~~الجمهور أو يتأثرون له بالجملة. فإذا استعملت فيها فإنها معيبة لكونها ~~دخيلة في الكلام بحسب الغرض. وإنما تكون أصيلة في الشعر إذا كان غرض الكلام ~~مبنيا على ذلك. فأما إذا لم يكن قصده بنية الكلام على تخييل ما لا يعرفه ~~الجمهور ولا تتأكد علقته بالأغراض, ولكن يورد ذلك على سبيل التبعية على جهة ~~من المحاكاة أو غير ذلك, فإن ذلك غير أصيل في الشعر, ويكون الكلام معيبا ~~بذلك. ### | 7- # إضاءة: والمعاني الشعرية منها ما يكون مقصودا في نفسه بحسب غرض الشعر ~~ومعتمدا إيراده ومنها ما ليس بمعتمد إيراده ولكن يورد على أن يحاكى به ما ~~اعتمد من ذلك أو يحال به عليه أو غير ذلك. ولنسم المعاني التي تكون من متن ~~الكلام ms010 ونفس غرض الشعر المعاني الأول, ولنسم المعاني التي ليست من متن ~~الكلام ونفس الغرض ولكنها أمثلة لتلك أو استدلالات عليها أو غير ذلك لا ~~موجب لإيرادها في الكلام غير محاكاة المعاني الأول بها أو ملاحظة وجه يجمع ~~بينهما على بعض الهيآت التي تتلاقى عليها المعاني ويصار من بعضها إلى بعض ~~المعاني الثواني. فتكون معاني الشعر منقسمة إلى أوائل وثوان. ### | 8- # تنوير: وحق الثواني أن تكون أشهر في معناها من الأول لتستوضح معاني الأول ~~بمعانيها الممثلة بها, أو تكون مساوية لها لتفيدتأكيدا للمعنى. فإن كان ~~المعنى فيها أخفى منه في الأول قبح إيراد الثواني لكونها زيادة في الكلام ~~من غير فائدة, فهي بمنزلة الحشو غير المفيد في اللفظ, ولمناقضة المقصد ~~الشعري في المحاكاة والتخييل يكون إتباع المشتهر بالخفي حيث يقصد زيادة ~~المشتهر شهرة أو تأكيد ما فيه من الاشتهار مناقضا للمقصد من حيث كان الواجب ~~في المحاكاة أن يتبع الشيء بما يفضله في المعنى قصد تمثيله به أو يساويه أو ~~لا يبعد عن مساواته, وهي أدنى مراتب المحاكاة. # فالأول هي التي يكون مقصد الكلام وأسلوب الشعر يقتضيان ذكرها وبينة ~~الكلام عليها. والثواني هي التي لا يقتضي مقصد الكلام وأسلوب الشعر بنية ~~الكلام عليها. ### | 9- # إضاءة: ومن المتصورات ما يليق بحقيقة مقاصد الشعر المألوفة وأغراضه ~~المتداولة, وتصلح أن تورد فيها أوائل وثواني, ومنها ما لا يليق بها ولا ~~يصلح فيها أن تورد أوائل ولكن تورد ثواني على ما تقدم ذكره. فالتي يصلح أن ~~تورد أوائل وثواني هي ما تعلق المتصور فيه بشيء معروف عند الجمهور من شأنهم ~~أن يرتاحوا إليه أو يكترثوا له, كان ذلك الشيء مدركا بالحس أو بغيره. # والتي لا يصلح أن تورد أوائل وتورد ثواني هي ما تعلق التصور فيها بحقيقة ~~شيء لا تعم معرفته جميع الجمهور. ### | 10- # تنوير: فالأصيل في الأغراض المألوفة في الشعر من هذين الصنفين ما صلح أن ~~يقع فيها أولا وثانيا متبوعا وتابعا, لأن هذا يدل على شدة انتسابه إلى طرق ~~الشعر وحسن موقعه منها على كل حال. ms011 وهي المعاني الجمهورية. ولا يمكن أن ~~يتألف كلام بديع عال في الفصاحة إلا منها. # PageV01P006 # والصنف الآخر وهو الذي سميناه بالدخيل لا يأتلف منه كلام عال في البلاغة ~~أصلا إذ من شروط البلاغة والفصاحة حسن الموقع من نفوس الجمهور, وذلك غير ~~موجود في هذا الصنف من المعاني. وأيضا فإنه لا يقع في أغراض الشعر المألوفة ~~إلا (ثانيا وتابعا) . ومن تتبع المعاني الواقعة في الشعر التي مرادها ما ~~ذكرت, وكان له أدنى حظ من البلاغة, واعتبر كلا منها بالقوانين الموضوعة في ~~أصول البلاغة, علم صحة ما قلته. وأنا أقرب على من لم يشد شيئا من علم ~~البلاغة مرام التوصل إلى صحة ما ذكرته, بأن يتتبع في كتب الآداب والبلاغة ~~مذاهب العلماء بالشعر في أي بيت -قالته الشعراء من المتقدمين والمحدثين- أو ~~شعر في كل طريق من طرق الشعر التي منها النسيب والمديح والرثاء والهجاء. ~~فإنه لا يجد مواد ما نص على فضله إلا من المعاني التي ذكرت أنها تقع أولا ~~وثواني, ولا يجد فيها من المواد التي ذكرت أنها لا تقع إلا ثواني شيئا ~~البتة. ولو لم يكن في ذلك إلا أن البصراء بهذه الصناعة, كأبي الفرج قدامة ~~وأضرابه قد نص جميعهم على قبح إيراد المعاني العلمية والصناعية والعبارات ~~المصطلح عليها في جميع ذلك, ونهوا عن إيراد جميع ذلك في الشعر. # وسيأتي في ما أذكره بعد, في هذا القسم إن شاء الله, ما يؤكد صدق القول ~~وصحة المذهب في قبيح تلك المعاني بالنسبة إلى الأغراض المألوفة في الشعر. ### | 11- # إضاءة: وإنما احتجت إلى هذا لأن الطباع منذ اختلت, والأفكار منذ قصرت, ~~والعناية بهذه الصناعة منذ قلت, وتحسين كل من المدعين صناعة الشعر ظنه ~~بطبعه, وظنه أنه لا يحتاج في الشعر إلى أكثر من الطبع, وبنيته على أن كل ~~كلام مقفى موزون شعر, جهالة منه: أن الطباع قد تداخلها من الاختلال والفساد ~~أضعاف ما تداخل الألسنة من اللحن, فهي تستجيد الغث وتستغث الجيد من الكلام ~~ما لم تقمع بردها إلى اعتبار الكلام بالقوانين البلاغية, فيعلم ms012 بذلك ما ~~يحسن وما لا يحسن. # ولا شك أن الطباع أحوج إلى التقويم في تصحيح المعاني والعبارات عنها من ~~الألسنة إلى ذلك في تصحيح مجاري أواخر الكلم, إذ لم تكن العرب تستغني بصحة ~~طباعها وجودة أفكارها عن تسديد طباعها وتقويمها باعتبار معاني الكلام ~~بالقوانين المصححة لها, وجعلها ذلك علما تتدارسه في أنديتها ويستدرك به ~~بعضهم على بعض وتبصير بعضهم بعضا في ذلك. وقد نقل الرواة من ذلك الشيء ~~الكثير لكنه مفرق في الكتب, لو تتبعه متتبع متمكن من الكتب الواقع فيها ذلك ~~لاستخرج منه علما كثيرا موافقا للقوانين التي وضعها البلغاء في هذه ~~الصناعة. ### | 12- # تنوير: وكيف يظن ظان أن العرب, على ما اختصت به من جودة الطباع لنشئهم ~~على الرياضة واستجداد المواضع وانتجاع الرياض العوازب فضلا عن هذه الطباع ~~التي داخلها الفساد منذ زمان واستولى عليها الخلل, كانت تستغني في قولها ~~الشعر الذي هو بالحقيقة شعر ونظمها القصائد التي كانت تسميها أسماط الدهور ~~عن التعليم والإرشاد إلى كيفيات المباني التي يجب أن يوضع عليها الكلام, ~~والتعريف بأنحاء التصرف المستحسن في جميع ذلك, والتنبيه على الجهات التي ~~منها يداخل الخلل المعاني ويقع الفساد في تأليف الألفاظ والمعاني. # وأنت لا تجد شاعرا مجيدا منهم إلا وقد لزم شاعرا آخر المدة الطويلة, ~~وتعلم منه قوانين النظم, واستفاد عنه الدربة في أنحاء التصاريف البلاغية. ~~فقد كان كثير أخذ الشعر عن جميل, وأخذه جميل عن هدبة ابن خشرم, وأخذه هدبة ~~عن بشر بن أبي خازم, وكان الحطيئة قد أخذ علم الشعر عن زهير, وأخذه زهير عن ~~أوس بن حجر, وكذلك جميع شعراء العرب المجيدين المشهورين. فإذا كان أهل ذلك ~~الزمان قد احتاجوا إلى التعلم الطويل فما ظنك بأهل هذا الزمان, بل أية نسبة ~~بين الفريقين في ذلك؟! # PageV01P007 ### | 13- # إضاءة: وأنت تجيد الآن الحريص على أن يكون من أهل الأدب المتصرفين في صوغ ~~قافية أو فقرة من أهل زماننا يرى وصمة على نفسه أن يحتاج مع طبعه إلى تعليم ~~معلم أو تبصير مبصر. فإذا تأتى له تأليف ms013 كلام مقفى موزون, وله القليل الغث ~~منه, بالكثير من الصعوبة, بأى وشمخ, وظن أنه قد سامى الفحول وشاركهم, رعونة ~~منه وجهلا, من حيث ظن أن كل كلام مقفى موزون شعر. وإن مثله في ذلك مثل أعمى ~~أنس قوما يلقطون درا في موضع تشبه حصباؤء الدر في المقدار والهيئة والملمس, ~~فوقع بيده بعض ما يلقطون من ذلك فأدرك هيأته ومقداره وملمسه بحاسة لمسه, ~~فجعل يعني نفسه في لقط الحصباء على أنها در, ولم يدر أن ميزة الجوهر وشرفه ~~إنما هو بصفة أخرى غير التي أدرك. وكذلك ظن هذا أن الشعرية في الشعر إنما ~~هي نظم أي لفظ اتفق كيف اتفق نظمه وتضمينه أي غرض اتفق على أي صفة اتفق, لا ~~يعتبر عنده في ذلك قانون ولا رسم موضوع. وإنما المعتبر عنده إجراء الكلام ~~على الوزن والنفاذ به إلى قافية. فلا يزيد بما يصنعه من ذلك على أن يبدي عن ~~عواره, ويعرب عن قبح مذاهبه في الكلام وسوء اختياره. ### | 14- # تنوير: وإنما احتجت إلى الفرق بين المواد المستحسنة في الشعر والمستقبحة ~~وترديد القول في إيضاح الجهات التي تقبح وإلى ذكر غلط أكثر الناس في هذه ~~الصناعة لأرشد من لعل كلامي يحل منه محل القبول من الناظرين في هذه الصناعة ~~إلى اقتباس القوانين الصحيحة في هذه الصناعة, وأزع كل ذي حجر عما يتعب به ~~فكره ويصم شعره. ### | 15- # إضاءة: واعلم أن من المعاني المعروفة عند الجمهور ما لا يحسن إيراده في ~~الشعر. وذلك نحو المعني المتعلقة بصنائع أهل المهن لضعتها. (فإن غالب) ~~عباراتهم لا يحسن أن تستعار ويعبر بها عن معان تشبهها لأنها مزيلة لطلاوة ~~الكلام وحسن موقعه من النفس. ### | 16- # تنوير: ومن المعاني التي ليست بمعروفة عند الجمهور ما يستحسن إيراده في ~~الشعر, وذلك إذا كان مما فطرت النفوس على الحنين إليه أو التألم منه, ~~وبالجملة على ما تتأثر له النفس تأثر ارتياح أو اكتراث بحسب ما يليق بغرض ~~من ذلك, وكان من أوائلها الأصلية أو ما يناسبها مما هو بها شديد التعلق, ~~ومن شأنه ms014 أن يستطرد منه إليها أبدا كأوصاف البروق. هذا إذا كان في قوة جميع ~~الجمهور أن يعرف المعنى الذي بهذه الصفة إذا ألقي إليه كيفية وقوعه في ~~الوجود ويستحسنه بعد المعرفة, وذلك كالإحالات على الأخبار القديمة ~~المستحسنة وطرف التواريخ المستغربة. فإنها حسنة الموقع من النفوس وفي الشعر ~~ما اشتهر من هذا القبيل, ويعبر عنه بحسان العبارات حتى يعرف الخبر منه ~~مفصلا. ومن قصر عن تفهم شيء من ذلك لم يعوزه وجدان من يفهمه إياه, كما أن ~~اللفظ المستعذب وإن كان لا يعرفه جميع الجمهور مستحسن إيراده في الشعر لأنه ~~مع استعذابه قد يفسر معناه, لمن لا يفهمه, ما يتصل به من سائر العبارة. وإن ~~لم يكن في الكلام ما يفسره لم يعوز أيضا وجدان مفسره لكونه مما يعرفه خاصة ~~الجمهور أو كثير منهم. والإتيان بما يعرف أحسن. # PageV01P008 ### | 17- # إضاءة: وليس الأمر في ما ذكرته كالأمر في المسائل العلمية. فإن أكثر ~~الجمهور لا يمكن تعريفهم إياها, مع أن أحدهم إذا أمكن تعريفه إياها لم يجد ~~لها في نفسه ما يجد للمعاني التي ذكرنا أنها العريقة في طريقة الشعر, لكون ~~تلك المعاني المتعلقة بإدراك الذهن ليس الحسن والقبح والغرابة واضحا فيها ~~وضوحه في ما يتعلق بالحس. وأيضا فإن المعاني التي تتعلق بإدراك الحس هي ~~التي تدور عليها مقاصد الشعر, وتكون مذكورة فيه لأنفسها. والمعاني المتعلقة ~~بإدراك الذهن ليس لمقاصد الشعر حولها مدار. وإنما تذكر بحسب التبعية ~~للمتعلقة بإدراك الحسن لتجعل أمثلة لها, أو ينظر حكم في تلك بحكم في هذه, ~~فيكون التمثيل والتنظير فيهما من قبيل تمثيل الأشهر بالأخفى وتنظير الأظهر ~~بالأخفى. وهذه الحال في التمثيل والتنظير مناقضة للمقصود بهما, إذ المقصود ~~بهما محاكاة الشيء بما النفوس له أشد انفعالا حيث يقصد بسطها نحو شيء أو ~~قبضها عنه. وأيضا فإن المسائل العلمية يستبرد إيرادها في الشعر أكثر الناس ~~ولا يستطيب وقوعها فيه إلا من صار من شدة ولوعه بعلم ما, بحيث يتشوف إلى ~~ذكر مسائل ذلك العلم, ويجب إجراءها ولو في المواطن التي لا ms015 تليق بها ولا ~~تقبلها البتة لكون التفرع الكلي للراحة والأنس والتفرج أو ضد ذلك قد حجر ~~ذكرها. وأكثر الناس يستبردون ذكر الشيء من ذلك, حيث لا يليق, استبرادهم قول ~~القائل: "والله إن كانت إلا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك" في المواطن ~~الذي قالها. ### | 18- # تنوير: وإنما يورد المعاني العلمية في كلامه من يريد التمويه بأنه شاعر ~~عالم. وقد بينا أنه فعل نقيض ما يجب في الشعر. فلم يثبت له أنه قال شعرا ~~إلا عند من لا علم له. وأما العلم فلا يثبت أيضا للشاعر بأن يودع شعره ~~معاني منه. فليس يبعد على الناظم إذا كان قد تصور مسائل من علم وإن قلت أن ~~يعلقها ببعض معاني شعره ويناسب بينها وبين بعض مقاصد نظمه. ### | 19- # إضاءة: ومن كان مقصده أيضا أن يظهر أنه مقتدر على المناسبة بين ~~المتباعدين وأن يغطي بحسن تأليفه ووضعه على ما بينهما من التباين بعض ~~التغطية, فإنه يكد خاطره في ما لا تظهر فيه صناعته ظهورها في غيره, ولا ~~يتوصل بعد ذلك إلى الغرض المقصود بالشعر من تحريك النفوس. فأولى بمن هذه ~~صفته أن يجعل موضوع صنعته ما يتضح فيه حسن صنعته ويكون له تأثير في النفوس ~~وتحريك لها وحسن موقع منها من أن يجعل موضوع صنعته ما لا يدل, مع كونه لا ~~يحرك الجمهور ولا يتضح فيه إبداع الصنعة, دلالة قاطعة. فقد يمكن أن يتدرب ~~إنسان في المناسبة بين بعض الأغراض المقولة في الشعر وبين بعض المعاني ~~العلمية. وتحصل له بمزاولة ذلك والحنكة فيه دربة لا تكون له في تأليف معاني ~~الشعر المحضة والمناسبة بين بعضها وبعض. وقد يمكن أيضا أن يقع ذلك له ~~اتفاقا في بعض المواضع من غير أن يكون له تلك قوة مستمرة في غير ذلك من ~~شعره. فقد بان أن مستعمل هذه المعاني العلمية في شعره يسيء الاختيار, ~~مستهلك لصنعته, مصرف فكره في ما غيره أولى به وأجدى عليه. والولع بنظم هذه ~~المسائل العلمية في الشعر ( ### | .......................................... # ) ( ### | ......... # ) التي يتصور بها الغرض في تلك المعاني الخارجة ms016 عن الذهن على أكمل ما ~~ينبغي وأشده مناسبة للنفس. # فهذه لمحة إجمالية ترشد إلى جهات اقتباس المعاني, وإلى الأنحاء التي ~~تستحسن في تأليفها واقترانها والنقلة من بعضها إلى بعض. ومنع من تفصيل ذلك ~~الاضطرار معه إلى الإطالة الكثيرة. فليتول الناظر تفصيل ذلك بنفسه, فإنه ~~مفيد في هذه الصناعة. وبالله الاستعانة على كل محاولة, وبه التوفيق. ### | د- معرف دال على طرق المعرفة بكيفيات تركيب المعاني وتضاعفها. # إن المعاني قد تكون مفردة الأجزاء ومتضاعفتها, وقد يكون بعض أجزائها ~~مفردا وبعضها مضاعفا. وذلك بحسب تعدد الأفعال الواقعة في المواطن التي يعبر ~~عما وقع فيها أو اتحادها, وبحسب تعدد ما تستند إليه تلك الأفعال أو اتحاده, ~~وبحسب تعدد ما تتوجه لطلبه من المفعولات أو اتحاده. # وما يتركب من جهة التعدد والاتحاد في جميع ذلك, واقتران كل واحد من ~~الأفعال وما تستند غليه, وما تطلبه بالآخر على حال موافقة له في التعدد ~~والاتحاد أو مخالفة, تنقسم ثمانية أقسام: 1- متحد الفاعل, متحد المفعول, ~~متعدد الفعل # PageV01P009 ### | 2- # أو متعدد الفاعل والمفعول, متحد الفعل 3- أو متحد الفعل والفاعل, متعدد ~~المفعول 4- أو متحد الفعل, متعدد الفاعل والمفعول 5- أو متحد المفعول, متحد ~~الفعل, متعدد الفاعل 6- أو متحد المفعول, متعدد الفاعل والفعل 7- أو متحد ~~الجميع 8- أو متعدد الجميع. # ويحتاج الشاعر أن يكون متنبها لصور التقسيمات والتفصيلات والتقطيعات التي ~~تتدرج في هذه الجملة, ويحسن صوغ الكلام عليها وتفصيله إليها, ومتهديا إلى ~~المآخذ المستحسنة في جميع ذلك. ### | 1- # إضاءة: وهذه الأفعال المشترك فيها قد وضعها على أن يصل من الشيء إلى غيره ~~مثل ما وصل إليه من غيره, وقد يتسلسل هذا. ولا ينبغي أن يتجاوز في ذلك ~~المقدار الذي توجب مقاييس البلاغة الوقوف عنده. وقد تقدم ذلك في القسم ~~الأول. ويكون التسلسل أيضا في الأفعال المتعددة للمرفوعات المتعددة على هذا ~~النحو. ولا تحسن الإطالة في ذلك. بل يجب أن يحتال في تفصيل الكلام إلى ~~مقادير لا تسلسل فيها. ### | 2- # تنوير: وقد يشترك الشيئان أيضا في فعل ويكون كلاهما متوجها لفعل الآخر. ~~وهذا إذا كان في قضية واحدة ms017 خففوا بعض ما يقع فيه من التكرار بالكناية ~~والحذف. فإذا كان في قضايا كثيرة تضاعف المقدار الباقي من التكرار بعد ~~الكناية والحذف, فلم يحسن ذلك, على أنه قد يقع فيعدل إذ ذاك عن العبارة ~~التي وقع فيها التكرار -بكونها جملتين يلزم في إحداهما ذكر ما في الأخرى- ~~إلى عبارة مفردة تفيد ما تفيده تلك. وهي صيغتا الفاعل ونحو تضارب وضارب. ~~فحينئذ لا يثقل تضاعف المعاني التي بهذه الصفة. ### | 3- # إضاءة: وقد يكون الكلام المؤتلف من معان كثيرة مما ذكر للأفعال فيه ~~مفعولات, وقد يكون مما لا ذكر فيه لذلك, وقد يكون مؤتلفا من النوعين. # فأما ما تعددت فيه الأفعال ومرفوعاتها ومنصوباتها وتباينت فيحتاج إلى أن ~~يناسب بين المعاني الواقعة بهذه الصفة في وضع عباراتها وتفصيلها إلى مقادير ~~وصور تكون متلائمة الوضع متناسبة التفصيل ليقع في الكلام بذلك خفة وتناسب. ### | 4- # تنوير: فأما ما تلازمت فيه المعاني وارتبطت فطالت فلا يحسن تضاعفها إلا ~~بعد اقتضاب العبارات وتصييرها إلى صيغ مختصرة. وكلما اختلفت جهات الصيغ, في ~~ما لم يذهب به مذهب مناظرة أو تقسيم أو ما ناسب ذلك, كان أحسن. ### | 5- # إضاءة: وتحسن للكلام, أيضا بحسب نسب بعض المعاني الواقعة فيه من بعض, من ~~جهة مواقعها في زمان أو مكان ووضع بعضها في ذلك من بعض, ومن جهة التقاذف ~~بالعبارات إلى تلك الأنحاء, صور أخر ربما وجد مثلها في ما تقدم وربما لم ~~يوجد, لأن الشيء يقع مع الشيء في زمان أو مكان أو يقع بناحية منه وفي زمان ~~غير زمانه متقدم عليه أو متأخر عنه. وقد تكتنف الشيء أشياء من جميع نواحيه. ~~وكذلك تقع مكتنفاته في الزمان سابقة له وتالية. تترتب في القرب والبعد, في ~~الزمان والمكان من أقرب ما يمكن إلى أقصى ما يمكن. وقد يقع الشيء في جميع ~~نواحي الشيء في مرار عدة, أو بأن يكون شيئا يعم جهاته وكذلك في الزمان. ~~ويتركب من هذه الأحوال شتى صور من الكلام. وتكون المعاني الواقعة بهذه ~~الاعتبارات بحسب ما قدمته من تعدد الأفعال وتعدد مرفوعاتها ms018 ومنصوباتها أو ~~اتحاد جميع ذلك أو اتحاد بعض من ذلك وتعدد بعض. فتتضاعف صور المعاني بذلك ~~تضاعفا يعز إحصاؤه. والتركيبات التي بها هيآت العبارات وما تحتها من ~~المعاني من جهة مواقع بعض المعاني من بعض في الأزمنة والأمكنة على ما تقدم ~~راجعة إلى المعاني التي تقدم التعريف بأنها تقع تحديدات في الأزمنة ~~والأمكنة. وكثيرا ما يتأتى في هذه التركيبات تقسيم الكلام وتفصيله على ~~مقادير متعادلة متناسبة. # PageV01P010 ### | 6- # تنوير: وتتضاعف صور العبارات بما يوقع في معانيها من تحديدات ترجع إلى ما ~~تكون عليه في نفوسها, من كونها عامة أو خاصة, كلية أو جزئية. وتتضاعف أيضا ~~بحسب الأحكام الواقعة في المعاني بعد تحديداتها, من نفي وإثبات ومساواة أو ~~ترجيح أو غير ذلك, ومن جهة كيفيات المخاطبات في المعاني وكون ذلك يكون ~~تأدية أو اقتضاء ونحو ذلك. وكل واحد من هذه له صيغ شتى يعبر بها عنه, فمع ~~أن المعاني تتضاعف صورها بحسب ما تقدم فإن هذه الأشياء أيضا مما تتضاعف بها ~~الصيغ والعبارات عن تلك المعاني فيؤدي تنوع صور المعاني والعبارات- بجميع ~~ذلك وبما قد ذكر أيضا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب مما تتكاثر به صور ~~المعاني- إلى وقوع المعاني على هيآت وصور يعز حصرها ولا يتأتى استقصاؤها ~~لكثرتها. وإنما يعرف صحتها من خللها أو حسنها من قبحها بالقوانين الكلية ~~التي تنسحب أحكامها على صنف صنف منها, ومن ضروب بيانها. ويعلم من تلك الجمل ~~كيفية التفصيل. ولا بد مع ذلك من الذوق الصحيح والفكر المائز بين ما يناسب ~~وما لا يناسب وما يصح وما لا يصح بالاستناد إلى تلك القوانين على كل جهة من ~~جهات الاعتبار في ضروب التناسب وغير ذلك مما يقصد تحسين الكلام به. ### | 7- # إضاءة: وللأفكار تفاوت في تصرفها في ضروب المعاني وضروب تركيبها من جميع ~~هذه الجهات التي ذكرت. ويتقوى على ذلك بالطبع الفائق والفكر النافذ الرائق, ~~وبالمعرفة بجميع ما يحتاج إلى معرفته في هذه الصناعة من حفظ الكلام ~~والقوانين البلاغية التي تضمن هذا الكتاب جملة كبيرة منها. ### | 8- # تنوير: وصور ms019 المعاني ضربان: صور متكررة وصور غير متكررة. والتكرار لا يجب ~~أن يقع في المعاني إلا بمراعاة اختلاف ما في الحيزين اللذين وقع فيهما ~~التكرار من الكلام. فلا يخلو أن يكون ذلك إما لمخالفة في الوضع: بأن يقدم ~~في أحد الحيزين ما أخر في الآخر, أو بأن تختلف جهات التعلق في الحيزين, أو ~~بأن يفهم المعنى أولا من جهة من جهات الإبهام ثم يورد مفسرا من الجهة التي ~~وقع فيها الإبهام, أو بأن يجمل ثم يفصل -وهذا يجتمع مع ما قبله من جهة ~~ويفارقه من جهة- أو بأن يفصل ثم يجمل الضرب من المقاصد, أو بأن يورد على ~~صورة من الجمع والتفريق كما يقال: أنت وزيد بحران لكن أنت للعذوبة وذلك ~~للزعوفة أو بأن تبان الجهتان اللتان توافى بهما الضدان على الشيء كقوله: ~~(الطويل -ق- المتدارك) يخشى ويتقى يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق فعلى هذه ~~الأنحاء وما ناسبها يقع التكرار في المعاني فيستحسن. وكثيرا ما تقع ~~التفصيلات والتفسيرات والتقسيمات في المعاني التي تكون من هذا القبيل. ### | 9- # إضاءة: فمن أحكم التصرف في هذا الضرب من المعاني المتكرر والضرب الآخر, ~~وتصرف فيهما من جهات أنواع التركيبات التي أشرنا إليها في ما تقدم من هذا ~~المعرف, كان كلامه ممتعا من كل فن من فنون البلاغة, وكان حسن الموقع من ~~النفوس. # ومن كان له ذهن يتمكن به -له أن يفصل ما أجملت في هذا الباب ويفرع ما ~~أصلت- انتفع بهذا الباب نفعا كثيرا في هذه الصناعة, إذ لم يمكنا نحن أن ~~نتفرع إلى تفريع ذلك وتفصيله وتمثيله. فإن ذلك محوج إلى إطالة كثيرة. وإنما ~~نتحرى أن نعل بين الأبواب أو نقارب العدل في ما نذكره, ليكون كل باب قد ~~تضمن قسطا مقنعا مما يجب. فأما ما وراء الإقناع. فلا يمكن استقصاء ذلك في ~~باب, فإن ذلك يضاعف حجم الكتاب, ويؤدي إلى إقطاع هذه الصناعة من عناية ~~النفس فوق ما يجب لها إذ قدر العناية بالشيء إنما يجب أن يكون بإزاء قدر ~~المستفاد منه, وفائدة هذه الصناعة بحسب ما ms020 سحب عليها الزمان من أذيال ~~الإذالة وألحفها من معرة الخمول قليلة نزرة, بل غنما غاية محكمها إذاية أهل ~~الفدامة له ممن يظن أن له قدما في الفصاحة, وهو منها بمنزلة الحضيض من ~~السماك. فلذلك كان خليقا أن تكون العناية بهذه الصناعة غير بالغة أو تصرف ~~عنها العناية بالجملة. ولا توفيق إلا بالله. ### | ه- معلم دال على طرق العلم باستثارة المعاني من مكامنها واستنباطها من معادنها. # PageV01P011 # لما كانت الموصوفات والأوصاف وجهات انتساب بعضها إلى بعض وجهات تعلق ~~الأغراض بها من ذوي الأغراض لا تحصى كثرة وجب أن تكون المعاني التي هي ~~مركبة من تلك الأوصاف على حسب الأغراض أجدر بأن لا يستطاع إحصاؤها, ولكن ~~يمكن أن ينبه على الطرق التي بها تتطرق الخواطر إليها وتتهدى منها إلى ~~تأليفها. # فأقول: إن الأصل الذي به يتوصل إلى استثارة المعاني واستنباط تركيباتها ~~هو التملؤ من العلم بأوصاف الأشياء وما يتعلق بها من أوصاف غيرها, والتنبه ~~للهيئات التي يكون عليها التآم تلك الأوصاف وموصوفاتها ونسب بعضها إلى بعض ~~أحسن موقعا من النفوس, والتفطن إلى ما يليق بها من ذلك بحسب موضع موضع وغرض ~~غرض. ### | 1- # إضاءة: ولاقتباس المعاني واستثارتها طريقان: أحدهما تقتبس منه لمجرد ~~الخيال وبحث الفكر, والثاني تقتبس منه بسبب زائد على الخيال والفكر. # فالأول يكون بالقوة الشاعرة بأنحاء اقتباس المعاني وملاحظة الوجوه التي ~~منها تلتئم, ويحصل لها ذلك بقوة التخيل والملاحظة لنسب بعض الأشياء من بعض ~~ولما يمتاز به بعضها من بعض ويشارك به بعضها بعضا. ولكون خيالات ما في الحس ~~منتظمة في الفكر على حسب ما هي عليه, لا يتباين فيه ما تشابه في الحس ولا ~~يتشابه فيه ما تباين في الحس. فإذا كانت صور الأشياء قد ارتسمت في الخيال ~~على حسب ما وقعت عليه في الوجود وكانت للنفس قوة على معرفة ما تماثل منها ~~وما تناسب وما تخالف وما تضاد, وبالجملة ما انتسب منها إلى الآخر نسبة ~~ذاتية أو عرضية ثابتة أو منتقلة أمكنها أن تركب من انتساب بعضها إلى بعض ~~تركيبات على ms021 حد القضايا الواقعة في الوجود التي تقدم بها الحس والمشاهدة, ~~وبالجملة الإدراك من أي طريق كان أو التي لم تقع لكن النفس تتصور وقوعها ~~لكون انتساب بعض أجزاء المعنى المؤلف على هذا الحد إلى بعض مقبولا في العقل ~~ممكنا عنده وجوده, وأن تنشئ على ذلك صورا شتى من ضروب المعاني في ضروب ~~الأغراض. ### | 2- # تنوير: والطريق الثاني الذي اقتباس المعاني منه بسبب زائد على الخيال هو ~~ما استند فيه بحث الفكر إلى كلام جرى في نظم أو نثر أو تاريخ أو حديث أو ~~مثل. فيبحث الخاطر فيما يستند إليه من ذلك على الظفر بما يسوغ له معه إيراد ~~ذلك الكلام أو بعضه بنوع من التصرف والتغيير أو التضمين فيحيل على ذلك أو ~~يضمنه أو يدمج الإشارة إليه أو يورد معناه في عبارة أخرى على جهة قلب أو ~~نقل إلى مكان أحق به من المكان الذي هو فيه, أو ليزيد فيه فائدة فيتممه أو ~~يتمم به أو يحسن العبارة خاصة أو يصير المنثور منظوما أو المنظوم منثورا ~~خاصة. فأما من لا يقصد في ذلك إلا الارتفاق بالمعنى خاصة, من غير تأثير من ~~هذه التأثيرات, فإنه البكي الطبع في هذه الصناعة الحقيق بالإقلاع عنها ~~وإراحة خاطره مما لا يجدي عليه غير المذمة والتعب. ### | 3- # إضاءة: وبحثه في ما استند إليه من تاريخ, على أن يناسب بين بعض مقاصد ~~كلامه ويينه, فيحاكيه به أو يحيل به عليه أو يستشهد في ذلك على الحديث ~~بالقديم, ويتصرف فيه بالجملة نحوا من التصاريف التي قدمنا ذكرها. ### | 4- # تنوير: وبحثه فيما استند إليه من حكمة أو مثل على أن يردف معاني كلامه ~~بها مضمنا لها بالجملة أو مشيرا إليها على جهة استدلال أو تعليل أو نحو ~~ذلك. وقد يتصرف المثل بإبرازه في عبارة جديدة لا تشبه عبارته الأولى. وقد ~~تختصر العبارات عن الأمثال فيورد منها في البيت الواحد المثلان والثلاثة. ~~وقد يتمثل بالمثل على غير ما تمثل به الأول. فربما حسن موقعه من الكلام ~~الثاني أكثر من حسنه في الكلام ms022 الأول. فإن كان موقعه في الكلام الأول أحسن ~~عد مورده في الكلام الثاني مسيئا مقصرا. وقد يتصرف في الأمثال والتواريخ ~~والمنظوم والنثور أنحاء من التصرف غير هذه. وإنما ذكرت من ذلك ما تيسر. ### | و معرف دال على طرق المعرفة بما توجد المعاني معه حاضرة منتظمة في الذهن على ما # يجب أن يكون من بعض عائد إلى بعض, وما به يكون كمال التصرف فيها وفي سائر ~~أركان هذه الصناعة على المذهب المختار. # لما كان الشعر لا يتأتى نظمه على أكمل ما يمكن فيه إلا بحصول ثلاثة ~~أشياء, وهي: المهيئات والأدوات والبواعث, وكانت هذه المهيئات تحصل من ~~جهتين: 1- النشء في بقعة معتدلة الهواء, حسنة الوضع, طيبة المطاعم, أنيقة ~~المناظر, ممتعة من كل ما للأغراض الإنسانية به علقه. # PageV01P012 ### | 2- # والترعرع بين الفصحاء الألسنة المستعملين للأناشيد المقيمين للأوزان. # وكان المهيء الأول موجها طبع الناشئ إلى الكمال في صحة اعتبار الكلام ~~محسن الروية في تفصيله وتقديره ومطابقة ما خارج الذهن به إيقاع كل جزء منه ~~في كل نحو ينحى به أحسن مواقعه وأعدلها حتى يكون حسن نشء الكلام مشبها حسن ~~نشء المتكلم به. وقد تكون النشأة حسنة على غير هذا النحو. وذلك بأن تستجد ~~الأهوية للناشئ وترتاد له مواقع المزن ومواضع الكلإ والنبات الغض, ولا يخيم ~~به في الموضع إلا ريثما يصوح كلأه ويغيض ماؤه, فإن الطباع الناشئة أيضا على ~~هذه الحال, وإن لم تكن في الأقاليم المعتدلة, جارية مجرى تلك في سداد ~~الخاطر والتنبه لما يحسن هيآته اللفظية والمعنوي' إلى ما تهدوا. ولو اتفق ~~النشء على هذه الحال من استجداد الأهوية وارتياد الأماكن أزمنة شبابها لأمة ~~تكون أرضهم التي يترددون فيها أحسن الأرض بقعة وأمتعها وأعد لها هواء وكانت ~~دواعيهم تتوفر على جعل الكلام عدة لما يراد من استثارة الأفعال الجمهورية ~~أو كفكفتها بالإقناعات والتخييل المستعملة فيه نحو توفر دواعي العرب إلى ~~ذلك لكانت هذه الأمة أجدر أمة أن تحوز قصبات السبق في الفصاحة وأن تستولي ~~على الأمر الأقصى في ذلك. وأفصح قبائل العرب من ms023 شارف هذه الحال التي وصفنا ~~أو قاربها. # والمهيئ الثاني موجه إياه لحفظ الكلام الفصيح وتحصيل المواد اللفظية ~~والمعرفة بإقامة الأوزان. # وكانت الأدوات تنقسم إلى العلوم المتعلقة بالألفاظ والعلوم المتعلقة ~~بالمعاني. # وكانت البواعث تنقسم إلى أطراب وإلى آمال. وكان كثير من الأطراب إنما ~~يعتري أهل الرحل بالحنين إلى ما عهدوه ومن فارقوه, والآمال إنما تعلق بخدام ~~الدول النافعة وجب ألا تكمل تلك المهيآت للشاعر إلا بطيب البقعة وفصاحة ~~الأمة وكرم الدول ومعاهدة التنقل والرحلة. فقلما برع في المعاني من لم ~~تنشئه بقعة فاضلة, ولا في الألفاظ من لم ينشأ بين أمة فصيحة, ولا في جودة ~~النظم من لم يحمله على مصابرة الخواطر في إعمال الروية الثقة بما يرجوه من ~~تلقاء الدولة, ولا في رقة أسلوب النسيب من لم تشط به عن أحبابه رحلة ولا ~~شاهد موقف فرقة. ### | 1- # إضاءة: ولما كان القول في الشعر لا يخلو من أن يكون وصفا أو تشبيها أو ~~حكمة أو تاريخا احتاج الشاعر أن تكون له معرفة بنعوت الأشياء التي من شأن ~~الشعر أن يتعرض لوصفها, ولمعرفة مجاري أمور الدنيا وأنحاء تصرف الأزمنة ~~والأحوال, وأن تكون له قوة ملاحظة لما يناسب الأشياء والقضايا الواقعة من ~~أشياء أخر تشبهها, وقضايا متقدمة تشبه التي في الحال. ### | 2- # تنوير: ولا يكمل لشاعر قول على الوجه المختار إلا بأن تكون له قوة حافظة ~~وقوة مائزة وقوة صانعة. # فأما القوة الحافظة فهي أن تكون خيالات الفكر منتظمة, ممتازا بعضها عن ~~بعض, محفوظا كلها في نصابه. فإذا أراد مثلا أن يقول غرضا ما في نسيب أو ~~مديح أو غير ذلك وجد خياله اللائق به قد أهبته له القوة الحافظة بكون صور ~~الأشياء مترتبة فيها على حد ما وقعت عليه في الوجود, فإذا أجال خاطره في ~~تصورها فكأنه اجتلى حقائقها. وكثير من خواطر الشعراء تكون معتكرة الخيالات, ~~غير منتظمة التصور, فإذا أجال خاطره في أوصاف الأشياء وخيالاتها اشتبهت ~~عليه واختلطت وأخذ منها غير ما يليق بمقصده وبالموضع الذي يحتاج فيه إلى ~~ذلك. # وكان المنتظم الخيالات ms024 كالناظم الذي تكون عنده أنماط الجواهر مجزأة ~~محفوظة المواضع عنده. فإذا أراد أي حجر شاء على أي مقدار شاء عمد إلى ~~الموضع الذي يعلم أنه فيه فأخذه منه ونظمه. وكذلك من كانت خيالاته وتصوراته ~~منتظمة متميزة فإنه يقصد بملاحظة الخاطر منها إلى ما شاء فلا يعدوه. # والمعتكر الخيالات كناظم تكون جواهره مختلطة, فإذا أراد حجرا على صفة ما ~~تعب فيه تفتيشه, وربما لم يقع على البغية, فنظم في الموضع غير ما يليق به. ~~والمعتكر الخيالات في هذه الحال أجدر بطول السدر لكون الأشياء التي في الحس ~~أوضح من التي في التصور والذهن. ### | 3- # إضاءة: والقوة المائزة هي التي بها يميز الإنسان ما يلائم الموضع والنظم ~~والأسلوب والغرض مما لا يلائم ذلك, وما يصح مما لا يصح. # PageV01P013 # والقوى الصانعة هي القوى التي تتولى العمل في ضم بعض أجزاء الألفاظ ~~والمعاني والتركيبات النظمية والمذاهب الأسلوبية إلى بعض والتدرج من بعضها ~~إلى بعض, وبالجملة التي تتولى جميع ما تلتئم به كليات هذه الصناعة. # وهذه القوى التي هي الحافظة والمميزة والملاحظة والصانعة وما جرى مجراها, ~~في احتياج الشاعر أن تكون موجودة في طبعه على ما سنفصله في القسم الثالث إن ~~شاء الله, هي المعبر عنها بالطبع الجيد في هذه الصناعة ### | ز- معلم دال على طرق العلم بالمناسبة بين بعض المعاني وبعض والمقارنة بين ما تناظر # منها. # إن المعاني منها ما يتطالب بحسب الإسناد خاصة, ومنها ما يتطالب بحسب ~~الإسناد وبحسب انتساب بعض المعاني إلى بعض في أنفسها بكونها أمثالا أو ~~أشباها أو أضدادا أو متقاربات من الأمثال أو الأضداد. # فالنسب الإسنادية تلاحظ الأفكار فيها أربعة أشياء وهي: البيان والمبالغة ~~والمناسبة والمشاكلة التي يكون سببها من الخفاء بحيث قد يتعذر عرفان كنهه. ### | 1- # إضاءة: فأما ما التطالب فيه بحسب انتساب بعض المعاني إلى بعض فلا تخلو ~~النسبة فيه من أن تقع بين المعنيين بواسطة أو بغير واسطة, فأما ما وقعت فيه ~~بغير واسطة فيمكن حصر أنواعه وصوره, وأما ما يقع فيه النسب بواسطة فعزيز ~~حصرها فيه لكون كل ms025 معنى يمكن أن يكون جهة للتطالب بين معنيين بتوسطه, وجهة ~~التطالب هي النسبة. ولقوى النفوس تفاضل في ملاحظة الجهة النبيهة في نسبة ~~معنى إلى معنى والتنبه إليها, ومبحثها في ذلك علة الجهات التي تفيد معاني ~~كالتشبيهات والتتميمات والمبالغات والتعليلات وغير ذلك من ضروب الوجوه التي ~~تكسب الكلام حسنا وإبداعا. ### | 2- # تنوير: واعلم أن النسب الفائقة إذا وقعت بين هذه المعاني المتطالبة ~~بأنفسها على الصور المختارة التي تقدم ذكرها في القسم الأول في الكلام على ~~ما تناظر من الكلم من حيث إن المعاني متناظرة كان ذلك من أحسن ما يقع في ~~الشعر. فإن للنفوس في تقارن المتماثلات وتشافعها والمتشابهات والمتضادات ~~وما جرى مجراها تحريكا وإيلاعا بالانفعال إلى مقتضى الكلام لأن تناصر الحسن ~~في المستحسنين المتماثلين والمتشابهين أمكن من النفس موقعا من سنوح ذلك لها ~~في شيء واحد. وكذلك حال القبح. وما كان أمللك للنفس وأمكن منها فهو أشد ~~تحريكا لها. وكذلك أيضا مثول الحسن إزاء القبيح أو القبيح إزاء الحسن مما ~~يزيد غبطة بالواحد وتخليا عن الآخر لتبين حال بالمثول إزاء ضده. فلذلك كان ~~موقع المعاني المتقابلات من النفس عجيبا. ### | 3- # إضاءة: وإذا كان في كل صورة من هذه المتقابلات زيادة معنى على التقابل ~~المفرد زادت الصيغة حسنا كالقلب الذي يعرض في المتماثلات وذلك كقول بعضهم: ~~(البسيط -ق- المتراكب) # فليعجب الناس مني أن لي بدنا ... لا روح فيه ولي روح بلا بدن # وكإيراد المتشابهات بلفظ التماثل, كقول حبيب: (الخفيف -ق- المترادف) # دمن طالما التقت أدمع ألمز ... ن عليها, وأدمع العشاق ### | 4- # تنوير: واعلم أن التماثل والتشابه والتخالف قد يقع في أشياء كثيرة ~~الوجود, وقد لا تقع هذه النسب إلا في أشياء قليلة, وقد لا توجد واقعة في ~~أكثر من شيئين. فربما وجد متماثلان لا يوجد لهما مماثل ثالث بالجملة, أو ~~بالنسبة على مثل حالهما في الوجود. وكذلك قد يوجد المتشابهان والمتخالفان ~~على مثل هذه الحال. ### | 5- # إضاءة: وكلما كانت المتماثلات أو المتشابهات أو المتخالفات قليلا وجودها ~~وأمكن استيعابها مع ذلك أو استيعاب أشرفها وأشدها تقدما في الغرض ms026 الذي ذكرت ~~من أجله كانت النفوس بذلك أشد إعجابا وأكثر له تحركا. فإن كانت الأمثال أو ~~الأشباه عتيدة الوجود لم يحسن الاستيعاب, ووجب التخطي فيها من الأشرف إلى ~~الأشرف, وكان جديرا ألا يناسب منها إلا بين ذوات الشهرة والمناسبة لغرض ~~الكلام. ولا تجد النفس للمناسبة بين ما كثر وجوده ما تجد لما قل, من الهزة ~~وحسن الموقع, لكونها لا تستغرب جلب العتيد استغرابها لجلب ما عز. # PageV01P014 ### | 6- # تنوير: وإذا كان معنى التماثل أو التشابه منتسبا إلى شيئين أو أشياء ~~مشتركة فيه كان الوجه ألا يعاد ذلك المعنى مع كل واحد من الشيئين أو ~~الأشياء مشتركة فيه كان الوجه ألا يعاد ذلك المعنى مع كل واحد من الشيئين ~~أو الأشياء, وأن يكتفى بذكره مرة مع أحد تلك الأشياء على نحو من العبارة ~~يعنى بها فيه عن التكرار إيثارا للاختصار, فيقدم محل التماثل متناسقة, ~~وتقديمه أحسن. ويتفق على هذا الوجه أن يكون الكلام مع كونه من هذا الباب ~~معدودا في التقسيم كقول التهامي: (الطويل -ق- المتدارك) # أبان لنا من دره يوم ودعا ... عقودا وألفاظا وثغرا وأدمعا # فاكتفى بذكر الدر مرة, وأورد الأشياء المنتسبة إليه إيرادا تقسيميا. وقد ~~يتفق أن ينضاف فيه إلى التقسيم التفسير. كقول الشاعر: (البسيط -ق- ~~المتراكب) # ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى, وأبو سحق, والقمر # وقد يعد من هذا النحو قول البحتري: (البسيط -ق- المترادف) # في حلتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربى ووشي برود. # وقد يسوغ إجراء الشيئين مجرى الأشياء في الاكتفاء بذكر محل التماثل ~~والتشبه مرة وإجراء الأشياء مجرى الشيئين في إعادة محل التماثل مع كل واحد ~~منهما. ### | 7- # إضاءة: وأما المتخالفات والمتضادات فقد تكون الصيغ أيضا فيها تقسيمية ~~وتفسيرية. واستقصاء الكلام في ما أشرنا إليه بهذا المعلم يخرج عن غرض ~~الاختصار والاقتصاد. وأنما أوردت ما أوردت من الكلام فيه كاللمحة الدالة, ~~ومن فهم أصول هذا الباب سهل عليه تتبع فروعه اعتبار مواقع النسب فيها, وهو ~~باب شريف. ### | ح- مأم من مذاهب البلاغة المستشرفة بهذا المعلم وما تقدم في المعلم المفتتح به هذا ms027 # المنهج الذي فيه القول, وهو المذهب الذي تقصد فيه المطابقة. # وذلك بأن يوضع أحد المعنيين المتضادين أو المتخالفين من الآخر وضعا ~~متلائما. وقدامة يخالف في هذه التسمية. فيجعل المطابقة تماثل المادة في ~~لفظين متغايري المعنى, ويسمي تضاد المعنيين تكافؤا. ولا تشاح في الاصطلاح. # ولفظ المطابقة مشتق إما من قولك: هذا لهذا طبق أي مقدار لا يزيد عليه ولا ~~ينقص, وإذا كان حقيقة الطباق مقابلة الشيء بما هو على قدره ومن وفقه سمي ~~المتضادان إذا تقابلا ولاءم أحدهما في الوضع الآخر متطابقين. قال الخليل: ~~"يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حد واحد وألصقتهما." وإما من ~~قولك: طابق الفرس إذا وقعت رجلاه في موضع يديه. قال الجعدي: (المتقارب -ق- ~~المتواتر) # وخيل يطابقن بالدار عين ... طباق الكلاب, يطأن الهراسا ### | 1- # إضاءة: والمطابقة تنقسم إلى محضة وغير محضة. # فالمحضة مفاجأة اللفظ بما يضاده من جهة المعنى كقول جرير: (الكامل -ق- ~~المتدارك) # وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا # فقوله باسط وقابض وخير وشر من المطابقات المحضة. ومن ذلك قول دعبل: ~~(الكامل -ق- المتراكب) # لا تعجبني يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى # وغير المحضة تنقسم إلى مقابلة الشيء بما يتنزل منه منزلة الضد وإلى ~~مقابلة الشيء بما يخالفه. # فأما ما تنزل منزلة الضد فمثل قول الشريف: (الرجز -ق- المترادف) # أبكي ويبسم والدجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره, ودموعي # فتنزل التبسم منزلة الضحك في المطابقة. # وأما المخالف فهو مقارنة الشيء بما يقرب من مضاده كقول عمرو ابن كلثوم: ~~(الوافر -ق- المترادف) # بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا # ومن أبدع ما ضوغفت فيه المطابقة وجاءت العبارة الدالة عليها في أحسن ~~ترتيب وأبدع تركيب قو أبي الطيب المتنبي: (البسيط -ق- المترادف) # أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي # وقد اجتمع في هذا البيت صنفا المطابقة: المحضة وغير المحضة. ### | 2- # تنوير: وقد تكون المطابقة بالإيجاب والسلب كقول السموءل: (الطويل -ق- ~~المترادف) # وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول, حين نقول # وقول البحتري: (الطويل -ق- المتدارك) # تقيض لي من ms028 حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلي الشوق, من حيث أعلم # وقد تقع المطابقة بغير اللفظ الصريح فيها, كقول بعضهم: (الطويل -ق- ~~المتدارك) # PageV01P015 # فإن تقتلوني في الحديد فإنني ... قتلت أخاكم, مطلقا لم يكبل # وقد يوجد في الكلام ما صورته الطباق وليس بمطابقة من جهة المعنى كقول قيس ~~بن الخطيم: (الطويل -ق- المتدارك) # وإني لأغني الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالا وليس بمهتدي ### | 3- # إضاءة: ويجري مجرى المطابقة تخالف وضع الألفاظ لتخالف في وضع المعاني, ~~ولنسبة بعضها من بعض, فيقع بذلك بين جزأين من أجزاء الكلام نسبتان ~~متخالفتان, فيجرى ذلك مجرى المطابقة في الألفاظ المفردة كقول بعضهم: (الرمل ~~-ق- المتدارك) # أنت للمال إذا أصلحته ... فإذا أنفقته فالمال لك # ومن هذا النحو قول بعضهم: "إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير ممن أمنك حتى ~~تلقى الخوف". ويسمى هذا النوع من الكلام التبديل. # وقد تكلم الناس في ضروب المطابقات وبسطوا القول فيها فلا معنى للإطالة إذ ~~قصدنا أن نتخطى ظواهر هذه الصناعة وما فرغ الناس منه إلى ما وراء ذلك مما ~~لم يفرغ منه. ### | ط- مأم من المذاهب المستشرفة بالمعلم المتقدم أيضا وهو مذهب المقابلة. # وإنما تكون المقابلة في الكلام بالتوفيق بين المعاني التي يطابق بعضها ~~بعضا والجمع بين المعنيين اللذين تكون بينهما نسبة تقتضي لأحدهما أن يذكر ~~مع الآخر من جهة ما بينهما من تباين أو تقارب, على صفة من الوضع تلائم بها ~~عبارة أحد المعنيين عبارة الآخر كما لاءم كلا المعنيين في ذلك صاحبه. ### | 1- # إضاءة: وأنواع المقابلات تتشعب. وقل من تجده يفطن لمواقع كثير منها في ~~الكلام. كما أن كثيرا من الناس يعد من المقابلة ما ليس منها. وأكثر ما يشعر ~~به منها مقابلة التضاد والتخالف, كقول الجعدي: (الطويل -ق- المتدارك) # فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا ### | 2- # تنوير: فإذا وضع أحد المعنيين هذه الصفة بإزاء الآخر ومقابلا له كان ~~الكلام بذلك بعضه بعضا, ومنتسبا أواخره إلى أوله. فكان للكلام بذلك حسن ~~موقع من النفس. ### | 3- # إضاءة: وليس يشترط تحاذي عبارتي المعنيين المتقابلين في ms029 طرفي الكلام في ~~الرتبة. وإذا أمكن تقابلهما فهو أحسن. وأنشد قدامة في ما تحاذت فيه ~~العبارة: (الطويل -ق- المتدارك) # فيا عجبا, كيف اتفقنا فناصح ... وفي, ومطوي على الغش غادر # فقابل النصح والوفاء بالغش والغدر. # وأنشد أيضا فيما لم تتخاذ فيه عبارتا المعنيين المتقابلين: (الوافر -ق- ~~المترادف) # أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وسقينا دماءهم الترابا # فما صبروا لضرب عند حرب ... ولا أدوا لحسن يد ثوابا # فقابل ما في صدر البيت الأول بما في عجز الثاني, وما في عجز الأول بما في ~~صدر الثاني. # وأنشد الخفاجي: (الطويل -ق- المتراداف) # جزى الله خيرا ذات بعل تصدقت ... على عزب حتى يكون له أهل # فإنا سنجزيها بحسن فعالها ... إذا ما تزوجنا وليس لها بعل # فجعل في مقابلة أن تكون المرأة ذات بعل وهو لا زوج له أن يكون هو ذا زوج ~~وهي لا بعل لها, وحاجته وهو عزب بحاجتها وهي كذلك, وهذه مقابلة صحيحة. ### | 4- # تنوير: ومن ضروب المقابلة أيضا قول تأبط شرا: (الطويل -ق- المتدارك) # أهز بها في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك # فقابل هز عطفه بالمنحة بهز عطف ممدوحه بالمدحة. # ومن المقابلة الصحيحة قول الفرزدق: (الطويل -ق- المتدارك) # وإنا لتمضي بالأكف رما حنا ... إذا أرعشت أيديكم بالمعالق # ومن صحيح المقابلة في النثر قول هند بنت النعمان: "شكرتك يد نالتها خصاصة ~~بعد نعمة, ولا ملكتك يد نالت ثروة بعد فاقة". وكتب بعضهم: "ولو أن (الأقدار ~~إذ) رمت بك من المراتب في أعلاها بلغت في أفعال السؤدد إلى (ما وازاها) , ~~فوازيت بمساعيك مراقيك وعادلت النعمة عليك بالنعمة فيك, ولكنك قابلت سمو ~~الدرجة بدنو الهمة ورفيع الرتبة بوضيع الشيمة, فعاد علوك بالاتفاق إلى حال ~~دنوك بالاستحقاق وصار جناحك في الانهياض إلى ما عليه قدرك في الانخفاض. فلا ~~لوم على القدر إذ أذنب فيك فأناب وغلط بك فعاد إلى الصواب". # وهذه مقابلات صحيحة كلها. ### | 5- # إضاءة: ومن فساد المقابلة قول أبي عدى: (الخفيف -ق- المترادف) # يا ابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدنيا وغيث الجود # PageV01P016 # لأن غيث الجود ليس مقابلا لزين الدنيا ms030 من طريق المقابلة ولا التضاد. ### | ي- مأم من المذهب المستشرقة بالمعلم المتقدم أيضا وهو التقسيم. # والتقسيم ضروب. فمن ذلك تعديد أشياء ينقسم إليها شيء لا يمكن انقسامه إلى ~~أكثر منها, ومنها تعديد أشياء تكون لازمة عن شيء على سبيل الاجتماع أو ~~التعاقب, ومنها تعديد أشياء تتقاسمها أشياء لا يصلح أن ينسب منها شيء إلا ~~إلى ما نسب غليه من الأشياء المتقاسمة, ومنها تعديد أجزاء من شيء تتقاسمها ~~أشياء أو أجزاء من شيء وتكون الأجزاء المعدودة إما جملة أجزاء الشيء أو ~~أشهر أجزائه وأليقها بغرض الكلام, ويكون كل جزء منها لا يصلح أن ينسب إلى ~~غير ما نسب غليه بالنظر إلى صحة المعنى, ومنها تعديد أشياء محمودة أو ~~مذمومة من شيء متفقة في الشهرة والتناسب. ### | 1- # إضاءة: فما ركب من هذا القسم الأخير وما قبله مما ليس انقسامه إلى ما قسم ~~غليه ضروريا لا تمكن الزيادة عليه ولا النقص منه, فإنه يسمى تقسيما على ~~التسامح, ويسمى أيضا تقطيعا. وما ركب من القسام المتقدمة فإنه التقسيم ~~الصحيح. ### | 2- # تنوير: وينبغي أن يتحرز في القسمة من وقوع النقص فيها أو التداخل أو وقوع ~~الأمرين فيها معا. فإن ذلك مما يعيب المعاني ويسلب بهجتها ويزيل طلاوتها. ~~كما أن القسمة إذا تمت وسلمت من الخلل الداخل فيها من حيث ذكر وطابق حسن ~~تركيب العبارة فيها حسن ترتيب المعاني كان الكلام بذلك أنيق الديباجة قسيم ~~الرواء والهيئة. # واستقصاء الكلام في ما أشرت غليه من أنحاء القسمة وتفصيل القول في تمثيل ~~ما رسمناه في ذلك محوج إلى إطالة تخرج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب. وقد ~~تقدم التعريف بذلك, ولكني سألمع بأمثلة يسيرة من القسمة الصحيحة وما وقع ~~فيه من ذلك عند التكلم في ما تكون عليه المعاني من كمال أو نقص. فليتصفح ~~ذلك في المنهج الرابع, من هذا القسم, إن شاء الله تعالى. # يا- مأم من المذاهب المستشرقة بما تقدم أيضا, وهو مذهب التفسير. # والتفسير أيضا أنواع. فمنه تفسير الإيضاح وهو إرداف معنى فيه إبهام ما ~~بمعنى مماثل له غلا ms031 أنه أوضح منه. ومن ذلك قول أبي الطيب: (الطويل -ق- ~~المتدارك) # ذكي تظنيه طليعة عينه ... يرى قلبه في يومه ما ترى غدا # ومنه تفسير التعليل نحو قول أبي الحسن مهيار ابن مرزويه: (الطويل -ق- ~~المتدارك) # بكيت على الوادي فحرمت ماءه ... وكيف يحل الماء أكثره دم # ومنه تفسير السبب نحو قوله: (الطويل -ق- المتدارك) # يرجى ويتقى ... يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق # ومنه تفسير الغاية, ومنه تفسير التضمن نحو قول ابن الرومي: (الطويل -ق- ~~المترادف) # خبره بالداء, واسأله بحيلته ... تخبر وتسأل أخا فهم وإفهام # ومنه تفسير الإجمال والتفصيل كقول بعضهم: (الطويل -ق- المترادف) # أذكى وأخمد للعداوة والقرى ... نارين: نار وغى, ونار زناد ### | 1- # إضاءة: ويجب أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر المفسر وأن يتحرز في ذلك ~~من نقص المفسر عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى المفسر, أو أن تكون في ذلك ~~زيادة لا تليق بالغرض, أو أن يكون في المفسر زيغ عن سنن المعنى المفسر ~~وعدول عن طريقه حتى يكون غير مناسب له ولو من بعض أنحائه, بل يجهد في أن ~~يكون وفقه من جميع الأنحاء. ### | 2- # تنوير: ومما جاء من التفسير غير وفق للمعنى المفسر قول بعضهم: (الطويل ~~-ق- المتدارك) # فيا أيها الحيران في ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدا # تعال غليه تلق من نور وجهه ضياء, ومن كفيه بحرا من الندى # فمقابلة ما في عجز البيت الأول بما في عجز الثاني غير صحيحة. والتسامح في ~~إيراد التفسير على مثل هذا مخل بوضع المعاني ومذهب لطلاوة الكلام, فينبغي ~~أن يتحرز منه وألا يتسامح في مثله. ### | يب_ مأم من المذاهب المستشرقة بالمعلم المتقدم أيضا وهو مذهب التفريع. # وهو أن يصف الشاعر شيئا بوصف ما. ثم يلتفت على شيء آخر يوصف بصفة مماثلة, ~~أو مشابهة, أو مخالفة لما وصف به الأول, فيستدرج من أحدهما إلى الآخر, ~~ويستطرد به غليه على جهة تشبيه أو مفاضلة أو التفات أو غير ذلك مما يناسب ~~به بين بعض المعاني وبعض, فيكون ذكر الثاني كالفرع عن ذكر الأول. ومن ذلك ~~قول الكميت: (البسيط ms032 -ق- المتراكب) # PageV01P017 # أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفى بها الكلب # وقول ابن المعتز: (الكامل -ق- المتدارك) # وكأن حمرة لونها من خده ... وكأن طيب نسيمها من نشره # حتى إذا صب المزاج تبسمت ... عن ثغرها فحسبته من ثغره # ما زال ينجز لي مواعيد عينه ... فمه, وأحسب ريقه من خمره # وقول الصنوبري: (الكامل -ق- المتدارك) # ما أخطأت نوناته من صدغه ... شبها, ولا ألفاته من قده # فكأنما أنقاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من جلده ### | 1- # إضاءة: وكل معنى فرع عن معنى فقد يكون واقعا معه في حيز واحد, وقد يكون ~~بينهما تباين في ذلك, وقد يكون المأخذ فيهما واحدا, وقد يكون متخالفا, وقد ~~يكون أحدهما موجها من بعض جهات التوجيه نحو النسب الإسنادية على ما وجه ~~غليه الآخر, وقد يكون أحدهما موجها إلى غير ما وجه إليه الآخر, ومن ذلك قول ~~محمد بن وهيب: (الكامل -ق- المتراكب) # طللان طال عليهما الأمد ... درسا فلا علم ولا نضد # لبسا البلى, فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد ### | 2- # تنوير: وينبغي أن يكون النقلة من أحد المعنيين على الآخر فيما قصد فيه ~~التفريع متناسبة, وأن يكون المعنى الثاني مما يحسن اقترانه بالأول ويفيد ~~الكلام حسن موقع من النفس. وما وقع من التفريع غير متناسب الوضع ولا متشاكل ~~الاقتران لم يحس, وكان من قبيل التذييل والحشو الذي لا يحسن. ### | 3- # إضاءة: ولا ينبغي أن يذهب بالمعاني مذهب التفريع في قصيدة بجملتها, ولا ~~أن يتابع ذلك في جملة فصول من القصيد, بل يلمع بذلك في بيت أو فصل غير ~~طويل. وإن وقع ذلك في فصول أو أبيات غير متصلة, بحيث تقع المراوحة بينه ~~وبين غيره من الصناعات, لم يكن مكروها, إذ يتوخى في جميع ذلك تناسب ~~الانتقالات وحسن الاقترانات. وكلما كان الكلام مقتصرا به على فن واحد من ~~الإبداعات, وإن كان حسنا في نفسه, لم يحسن لأن ذلك مؤد على سآمة النفس, فإن ~~شيمتها الضجر مما يتردد والولع بما يتجدد. ### | المنهج الثالث, في الإبانة عما به تتقوم صنعتا الشعر والخطابة من التخييل والإقناع, # والتعريف بأنحاء ms033 النظر في كلتا الصنعتين, من جهة ما به تقومت, وما به ~~تعتبر أحوال المعاني في جميع ذلك, من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة ~~لها. ### | أ?- معلم دال على طرق العلم بما تتقوم به صناعة الشعر من التخييل, وما به تتقوم # صناعة الخطابة من الإقناع, والرفق بين الصناعتين في ذلك. # لما كان كل كلام يحتمل الصدق والكذب غما أن يرد على جهة الإخبار ~~والاقتصاص وإما أن يرد على جهة الاحتجاج والاستدلال, وكان اعتماد الصناعة ~~الخطابية في أقاويلها على تقوية الظن لا على إيقاع اليقين -اللهم إلا أن ~~يعدل الخطيب بأقاويله عن الإقناع إلى التصديق, فإن للخطيب أن يلم بذلك في ~~الحال بين الأحوال من كلامه- واعتماد الصناعة الشعرية على تخييل الأشياء ~~التي يعبر عنها بالأقاويل وبإقامة صورها في الذهن بحسن المحاكاة, وكان ~~التخييل لا ينافي اليقين كما نافاه الظن, لأن الشيء قد يخيل على ما هو عليه ~~وقد يخيل على غير ما هو عليه, وجب أن تكون الأقاويل الخطبية -اقتصادية كانت ~~أو احتجاجية- غير صادقة ما لم يعدل بها عن الإقناع إلى التصديق, لأن ما ~~يتقوم به وهو الظن مناف لليقين, وأن تكون الأقاويل الشعرية اقتصادية كانت ~~أو استدلالية غير واقعة أبدا في طرف واحد من النقيضين اللذين هما الصدق ~~والكذب, ولكن تقع صادقة وتارة كاذبة, إذ ما تتقوم به الصناعة الشعرية وهو ~~التخييل غير مناقض لواحد من الطرفين. فلذلك كان الرأي الصحيح في الشعر أن ~~مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة, وليس يعد شعرا من حيث هو صدق ولا من حيث ~~هو كذب بل من حيث هو كلام مخيل. # PageV01P018 ### | 1- # إضاءة: ولما كانت الأقاويل الصادقة لا تقع في الخطابة بما هي خطابة إلا ~~بأن يعدل بها عن طريقتها الأصلية وكان ما وقع منها في الشعر غير مقصود من ~~حيث هو صدق كما لا تكون الأقاويل الكاذبة فيها مقصودة من حيث هي كذب بل من ~~حيث هي أقاويل مخيلة رأيت ألا أشتغل بحصر الطرق التي بها يماز القول الصادق ~~من غيره وتفصيل القول في ذلك, ms034 فإن ذلك مخرج على محض صناعة المنطق. وإن كنت ~~قد أشرت إلى الأنحاء التي يتعرف منها ذلك إشارة إجمالية لأرشد الناظر في ~~هذه الصناعة إلى جهات الفحص عن ذلك, وأدله على مظان التماسه, فإن الخطيب ~~واجب عليه والشاعر متأكد في حقه أن يعرف الوجوه التي تصير بها الأقاويل ~~الكاذبة موهمة أنها صدق. ### | 2- # تنوير: وإنما يصير القول الكاذب مقنعا وموهما أنه حق بتمويهات واستدراجات ~~ترجع إلى القول أو المقول له. وتلك التمويهات والاستدراجات قد توجد في كثير ~~من الناس بالطبع والحنكة الحاصلة باعتياد المخاطبات التي يحتاج فيها إلى ~~تقوية الظنون في شيء ما أنه على غير ما هو عليه بكثرة سماع المخاطبات في ~~ذلك والتدرب في احتذائها. ### | 3- # إضاءة: والتمويهات تكون في ما يرجع على الأقوال. والاستدرجات تكون بتهيؤ ~~المتكلم بهيئة من يقبل قوله, أو باستمالته المخاطب واستلطافه له بتزكيته ~~وتقريظه, أو باطبائه إياه لنفسه وإحراجه على خصمه حتى يصير بذلك كلامه ~~مقبولا عند الحكم, وكلام خصمه غير مقبول. ### | 4- # تنوير: والتمويهات تكون بطي محل الكذب من القياس عن السامع, أو باغتراره ~~إياه ببناء القياس على مقدمات توهم أنها صادقة لاشتباهها بما يكون صدقا, أو ~~بترتيبه على وضع يوهم أنه صحيح لاشتباهه بالصحيح, أو بوجود الأمرين معا في ~~القياس أعني أن يقع فيه الخلل من جهتي المادة والترتيب معا, أو بإلهاء ~~السامع عن تفقد موضع الكذب وإن كان إلى حيز الوضوح أقرب منه على حيز الخفاء ~~بضروب من الإبداعات والتعجيبات تشغل النفس عن ملاحظة محل الكذب والخلل ~~الواقع في القياس من جهة مادة أو من جهة ترتيب أو من جهة المادة والترتيب ~~معا. ### | 5- # إضاءة: فلما كان كثير من التمويهات التي تكون من غير جهة اشتغال النفوس ~~بالتعجيبات والإبداعات البلاغية عن تفقد محل الكذب يقصدها كثير من الناس ~~بطباعهم ويتهدون إليها بأفكارهم -وإن كان تحصيل القوانين في حصر طرق تلك ~~التمويهات أنفع شيء للخطيب في التوصل إلى الملكة الخطابية- رأيت ألا أشتغل ~~بحصر تلك الطرق عما هو أنسب إلى هذه الصناعة من ذلك عن إبانة ms035 وجوه النظر ~~البلاغي في الأقاويل الخطابية والشعرية من جهة ما يخص كلتا الصناعتين ~~ويعمهما, وأن نشير في ما أشرنا إليه من ذكر طرق التمويهات الخطابية على ما ~~أصله أهل صناعة المنطق كابن سينا وغيره. ### | 6- # تنوير: وليس ترد المقاييس في الأقاويل الشعرية والخطابية المقصود بها ~~البلاغة إلا محذوفة إحدى المقدمتين أو النتيجة في الحمليات, ومحذوفة ~~الاستثناءات والنتائج في الشرطيات المتصلات, لأن القياس كلام تلازمت فيه ~~القضايا فصار مسئما بطوله مع ما يقع فيه من تكرار الأسوار والحد الأوسط ~~وأجزاء النتيجة. وكذلك المقدمات والتوالي في الشرطيات المتصلات يقع فيهما ~~وفيما يتصل بهما التكرار أيضا بما يعاد من أجزائهما في الاستثناء والنتيجة. ~~فلما كان القول القياسي قد لزمه الطول والتكرار لم يكن لهم بد, فيما قصدوا ~~به البلاغة من كلامهم, من أن يعدلوا مقداره ويميطوا تكراره. فإن الكلام إذا ~~خف واعتدل حسن موقعه من النفس, وإذا طال وثقل اشتدت كراهة النفس له. ### | 7- # إضاءة: وليس يحمد في الكلام أيضا أن يكون من الخفة بحيث يوجد فيه طيش, ~~ولا من القصر بحيث يوجد فيه انبتار, لكن المحمود من ذلك ما له حظ من ~~الرصانة لا تبلغ به إلى الاستثقال, وقسط من الكمال لا يبلغ به إلى الإسآم ~~والإضجار. فإن الكلام المتقطع الأجزاء المنبتر التراكيب غير ملذوذ ولا ~~مستحلى, وهو شبه الرشفات المتقطعة التي لا تروي غليلا. والكلام المتناهي في ~~الطول يشبه استقصاء الجرع المؤدي إلى الغصص, فلا شفاء مع التقطيع المخل ولا ~~راحة مع التطويل الممل, ولكن خير الأمور أوساطها. # PageV01P019 ### | 8- # تنوير: ولا يحذف من المقاييس إلا ما يكون في قوة الكلام دليل عليه من ~~مقدمة أو نتيجة أو قضية مستثناة. وهذا المحذوف قد يكون القصد به طي المقدمة ~~التي يظهر فيها الكذب, وقد تكون مقدمات القياس كلها صادقة وتطوى إحداها لما ~~ذكرته من قصد التخفيف خاصة. ### | 9- # إضاءة: وقد يكون اقتضاء ما أبقي من القياس لما أميط عنه اقتضاء صحيحا. ~~وقد يكون غير مقتض له في الحقيقة ويظهر في بادئ الرأي أنه مقتض له على ~~الصحة. ms036 وأكثر ما يكون هذا في الاستثناءات الشرطية نحو قول امرئ القيس: ~~(الطويل -ق- المتدارك) # وإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # ففي قوة هذا الكلام, على ما يترامى إليه غرض القول, أن يكون الاستثناء ~~نقيض المقدم والنتيجة نقيض التالي, أي لكنك لم تسؤك مني خليقة فيوهم أنه ~~منتج: فلا تسلي ثيابي من ثيابك. وهذا استثناء وإنتاج غير صحيحين, وإنما ~~يستعمل هذا في الخطابة على جهة الإقناع. وإنما تصح نتيجة الشرطية المتصلة ~~إذا استثني فيها عين المقدم فأنتج عين التالي, أو استثني نقيض التالي فأنتج ~~نقيض المقدم. والمقدم هي القضية التي تلي حرف الشرط, والتالي هي القضية ~~التي تكون جوابا للشرط. ### | 10- # تنوير: فإذا كان الاستثناء والإنتاج على هذا النحو الذي ذكرته آخرا وكانت ~~القضايا صحيحة مسلمة كان القياس صحيحا وكان لزوم النتيجة لما تقدمها من ~~أجزاء القياس واجبا, لأن القياس قول مؤلف من مقدمات وقضايا إذا كانت مسلمة ~~ورتبت الترتيب الذي يجب في القياس الصحيح لزم عن ذلك القول المرتب لذاته ~~قول آخر يسمى نتيجة. ### | 11- # إضاءة: فما كان من الأقاويل القياسية مبنيا على تخييل وموجودة فيه ~~المحاكاة فهو يعد قولا شعريا, سواء كانت مقدماته برهانية أو جدلية أو ~~خطابية يقينية أو مشتهرة أو مظنونة. وما لم يقع فيه من ذلك بمحاكاة فلا ~~يخلو من أن يكون مبنيا على الإقناع وغلبة الظن خاصة, أو يكون مبنيا على غير ~~ذلك. فإن كان مبنيا على الإقناع خاصة كان أصيلا في الخطابة دخيلا في الشعر ~~سائغا فيه. وما كان مبنيا على غير الإقناع مما ليس فيه محاكاة فإن وروده في ~~الشعر والخطابة عبث وجهالة سواء كان ذلك صادقا أو مشتهرا أو واضح الكذب. ### | 12- # تنوير: وأكثر ما يستدل في الشعر بالتمثيل الخطابي. وهو الحكم على جزئي ~~بحكم موجود في جزئي آخر يماثله, نحو قول حبيب: (البسيط -ق- المتراكب) # أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم # فالأقاويل التي بهذه الصفة خطابية بما يكون فيها من إقناع, شعرية بكونها ~~متلبسة بالمحاكاة والخيالات. ### | 13- # إضاءة: ms037 والاستدلالات الواقعة في الشعر والأمثال المضروبة فيه إنما تجيء ~~تابعة لبعض ما في الكلام, أو لما قد أشير إليه مما هو خارج عنه. فهي إما ~~محاكاة لمتنوعاتها, أو تخييلات فيها أو من أجلها. فكثير من الأمثال أيضا ~~يكون قولا شعريا, ويكون منها ما هو قول حق, ومنها ما ليس بحق كما كان ذلك ~~في المحاكاة والاستدلالات. ### | 14- # تنوير: وإنما اتسع في المحاكيات الشعرية, على هذه الأنحاء التي أشرت ~~غليها وعلى ما نذكره بعد في أصناف المحاكيات وكيفيات التصرف فيها, في لسان ~~العرب خاصة. فلذلك وجب أن توضع لها من القوانين أكثر مما وضعت الأوائل. # فإن الحكيم أرسطاطاليس, وإن كان اعتنى بالشعر بحسب مذاهب اليونانية فيه ~~ونبه على عظيم منفعته وتكلم في قوانين عنه, فإن أشعار اليونانية إنما كانت ~~أغراضا محدودة في أوزان مخصوصة, ومدار جل أشعارهم على خرافات كانوا يضعونها ~~يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود, ويجعلون أحاديثها أمثالا ~~وأمثلة لما وقع في الوجود. وكانت لهم أيضا أمثال في أشياء موجودة نحوا من ~~أمثال كليلة ودمنة ونحوا مما ذكره النابغة من حديث الحية وصاحبها. وكانت ~~لهم طريقة أيضا - وهي كثيرة في أشعارهم - يذكرون فيها انتقال أمور الزمان ~~وتصاريفه, وتنقل الدول وما تجرى عليه أحوال الناس وتؤول إليه. # فأما غير هذه الطرق, فلم يكن لهم فيها كبير تصرف, كتشبيه الأشياء ~~بالأشياء, فإن شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه, وإنما وقع في كلامهم ~~التشبيه في الأفعال لا في ذوات الأفعال. # PageV01P020 # ولو وجد هذا الحكيم أرسطو في شعر اليونانيين ما يوجد في شعر العرب من ~~كثرة الحكم والأمثال, والاستدلالات واختلاف ضروب الإبداع في فنون الكلام ~~لفظا ومعنى, وتبحرهم في أصناف المعاني وحسن تصرفهم في وضعها ووضع الألفاظ ~~بإزائها, وفي إحكام مبانيها واقتراناتها ولطف التفاتاتهم وتتميماتهم ~~واستطراداتهم, وحسن مآخذهم ومنازعهم وتلاعبهم بالأقاويل المخيلة كيف شاؤا, ~~لزاد على ما وضع من القوانين الشعرية. # فإن أبا علي بن سينا قد قال عند فراغه من تلخيص كتابه في الشعر: "هذا هو ~~تلخيص القدر وجد في ms038 هذه البلاد من كتاب الشعر للمعلم الأول. وقد بقي منه ~~شطر صالح ولا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر المطلق وفي علم الشعر, ~~بحسب عادة هذا الزمان, كلاما شديد التحصيل والتفصيل. وأما ها هنا فلنقتصر ~~على هذا المبلغ". انتهى كلام ابن سينا. # وفي كلامه إشارة إلى تفخيم علم الشعر, وما أبدت فيه العرب من العجائب, ~~وإلى كثرة تفاصيل الكلام في ألفاظه ومعانيه ونظمه وأسالبيه, واتساع مجال ~~القول في ذلك. ### | 15- # إضاءة: وقد ذكرت في هذا الكتاب من تفاصيل هذه الصنعة ما أرجو أنه من جملة ~~ما أشار إليه أبو علي ابن سينا. # وقد تركت من ذلك أشياء لم يمكني الكلام فيها لكون بعض أغراض النفس تحث ~~على الانحفار في التأليف وتعجيل الإتمام له, ولأن استقصاء القول في هذه ~~الصناعة محوج إلى إطالة تتخون أزمنة الناظر وتعوقه عما يجب أن يترقى إليه ~~من هذه الصناعة من العلوم النافعة. فإن النظر في أسرار هذه الصناعة مفتاح ~~للنظر في تلك ومرقاة لها. وإنما يجب أن يقتصر في التأليف من هذه الصناعة ~~على ظواهرها ومتوسطاتها, ويمسك عن كثير من خفاياها ودقائقها لأن مرام ~~استقصائها عسير جدا, مضطر إلى الإطالة الكثيرة, ولأن هذه القوانين الظاهرة ~~والمتوسطة أيضا من فهمها وأحكم تصورها وعرفها حق معرفتها أمكنه أن يصير ~~منها إلى خفايا هذه الصنعة ودقائقها, ويعلم كيف الحكم فيما تشعب من فروعها, ~~فيحصل له جميع الصنعة أو أكثرها بطريق مختصر. والله ولي الإرشاد لمن ~~استرشده. ### | 16- # تنوير: وإنما صح أن تقع الأقاويل الصادقة في الشعر, ولم تصح أن تقع في ~~الخطابة ما لم يعدل بها عن الإقناع إلى التصديق, لأن ما تتقوم به صنعة ~~الخطابة, وهو الإقناع, مناقض للأقاويل الصادقة, إذ الإقناع بعيد من التصديق ~~في الرتبة. والشعر لا يناقض اليقين ما يتقوم به وهو التخييل, فقد يخيل ~~الشيء ويمثل على حقيقته. فلذلك وجب أن يكون في الكلام المخيل صدق وغير صدق. ~~ولا يكون في الكلام المقنع ما لم يعدل به إلى التصديق إلا الظن الغالب ~~خاصة, ms039 والظن مناف لليقين. # فالشعر إذن قد تكون مقدماته يقينية ومشهورة ومظنونة. ويفارق البرهان ~~والجدل والخطابة بما فيه من التخييل والمحاكاة, ويختص بالمقدمات المموهة ~~الكذب. فيكون شعرا أيضا ما هذه صفته باعتبار ما فيه من المحاكاة والتخييل, ~~لا من جهة ما هو كاذب, كما لم يكن شعرا من جهة ما هو صدق, بل بما كان فيه ~~أيضا من التخييل. فلاختصاص الشعر باستعمال المحاكاة في المقدمات الكاذبة ما ~~يقصر على النسبة إليه كل كلام مخيل مقدماته كاذبة, فيقال: كلام شعري إذ هو ~~المختص باستعمال المقدمات الكاذبة من حيث يخيل فيها أو بها لا من حيث هي ~~كاذبة. وإن شارك جميع الصنائع في ما اختصت به, وكان له أن يخيل في جميع ~~ذلك, فالتخييل هو المعتبر في صناعته, لا كون الأقاويل صادقة أو كاذبة. ### | ب- معرف دال على المعرفة بماهية الشعر وحقيقته. # الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب على النفس ما قصد تحبيبه إليها, ~~ويكره إليها ما قصد تكريهه, لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه, بما يتضمن ~~من حسن تخييل له, ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيأة تأليف الكلام, ~~أو قوة صدقه أو قوة شهرته, أو بمجوع ذلك. وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من ~~إغراب. فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قوي ~~انفعالها وتأثرها. # PageV01P021 ### | 1- # إضاءة: فأفضل الشعر ما حسنت محاكاته وهيأته, وقويت شهرته أو صدقه, أو خفي ~~كذبه, وقامت غرابته. وإن كان قد يعد حذقا للشاعر اقتداره على ترويج الكذب ~~وتمويه على النفس وإعجالها إلى التأثر له قبل, بإعمالها الروية في ما هو ~~عليه. فهذا يرجع إلى الشاعر وشدة تحيله في إيقاع الدلسة للنفس في الكلام. ~~فأما أن يكون ذلك شيئا يرجع إلى ذات الكلام فلا. # وأردأ الشعر ما كان قبيح المحاكاة والهيئة, واضح الكذب, خليا من الغرابة, ~~وما أجدر ما كان بهذه الصفة ألا يسمى شعرا وإن كان موزونا مقفى, إذ المقصود ~~بالشعر معدوم منه, لأن ما كان بهذه الصفة من الكلام الوارد في الشعر ms040 لا ~~تتأثر النفس لمقتضاه, لأن قبح الهيأة يحول بين الكلام وتمكنه من القلب, ~~وقبح المحاكاة يغطي على كثير من حسن المحاكى أو قبحه ويشغل عن تخيل ذلك. ~~فتجمد النفس عن التأثر له, ووضوح الكذب يزعها عن التأثر بالجملة. ### | 2- # تنوير: فإن حسنت الهيأة والمحاكاة ولم يكن الكذب شديد الوضوح, خادعا ~~النفس عما تستشعره أو تعتقده من الكذب, وحركاها إلى اعتماد الشيء بفعل أو ~~اعتقاد أو التخلي عنه تحريك مغالطة, فهذا أدنى مراتب الشعر إذا لم يعتد بما ~~ذكرناه أولا. ### | 3- # إضاءة: وإنما يرجع الشاعر إلى القول الكاذب حيث يعوزه الصادق والمشتهر ~~بالنسبة إلى مقصده في الشعر. فقد يريد تقبيح حسن وتحسين قبيح, فلا يجد ~~القول الصادق في هذا ولا المشتهر, فيضطر حينئذ إلى استعمال الأقاويل ~~الكاذبة. ### | 4- # تنوير: فأما إذا قصد تحسين حسن وتقبيح قبيح, فإنه متمكن من القول الصادق ~~والمشهور فيهما. وأكثر أقوال الشعراء في هذين القسمين, إذا لم يقصدوا ~~المبالغة في ما يحاكونه ويصفونه, صادقة. اللهم إلا أن يقصدوا المبالغة في ~~تحسين حسن أو تقبيح قبيح فيتجاوزون حدود أوصافه الحقيقية ويحاكونه بما هو ~~أعظم منه حالا أو أحقر ليزيدوا النفوس استمالة إليه أو تنفيرا عنه. ### | 5- # إضاءة: ولا يخلو الشيء الحسن من أن يكون أحسن ما في معناه, أو أن يكون ثم ~~ما هو أحسن منه. وكذلك القبيح قد يوجد أقبح منه أو لا يوجد. فالحسن الذي لا ~~أحسن منه, والقبيح الذي لا أقبح منه, ولا يوجد مساو لهما في معنييهما, لا ~~ينبغي أن يكون الأقوال فيهما صادقة في الأولى والأكثر, فإن محاكاته بما هو ~~دونه تقصير به وليس هناك إلى ما يطمح به. فأما الحسن والقبيح اللذان يوجد ~~في معناها ما هو أعظم منهما أو ما يساويهما, فإن الأقاويل الشعرية ترد ~~فيهما صادقة وكاذبة, بحسب ما يعتمده الشاعر من اقتصاد في الوصف أو مبالغة. ### | 6- # تنوير: وإذا حقق القول وجدت الأقاويل أيضا في تقبيح الحسن وتحسين القبيح ~~قد تكون صادقة لأن كل شيء حسن يقصد محاكاته وتخييله, وإن أحسن ما في معناه, ms041 ~~فقد يوجد فيه وصف مستقبح. وكذلك الشيء القبيح, فإنه وإن كان لا أقبح منه, ~~قد يوجد فيه وصف مستحسن. # فقد قال الجاحظ: " ليس شيء إلا وله وجهان وطريقان. فإذا مدحوا ذكروا أحسن ~~الوجهين, وإذا ذموا ذكروا أقبحهما". # وأنا أذكر الأنحاء التي يترامى إليها صدق الشعر أو كذبه بما يقتضيه أصل ~~الصناعة ويوجبه. وهو الذي يعتمده المطبوعون من الشعراء, وهي ثمانية أنحاء: ~~تحسين حسن لا نظير له. فهذا يجب أن تكون الأقاويل فيه صادقة وكذلك تقبيح ~~القبيح الذي لا نظير له. # وتحسين حسن له نظير. وكثيرا ما يقع في هذا أيضا الصدق إذا اقتصد في ~~أوصافه واقتصر على الوقوف عند حدودها. وكذلك أيضا إن اقتصد في محاكاته ~~بغيره واقتصر به على المشابهة دون الغاية التي يطمح فيها عن محاكاة الشيء ~~بالشيء إلى قول هو هو. # وفرق بين قولك في الشيء: إنه الشيء الآخر, وبين قولك: إنه مثله وشبهه, ~~إذا لم ترد في نفسك معنى التشبيه, وتكون قد حذفت الحرف الدال عليه إيجازا, ~~بل أردت أن يصير به اثنينية شيئين اتحادا. وهذا يكون في المشابهة وغيرها. # قال أبو علي بن سينا: "المجانسة اتحاد في الجنس, والمشاكلة اتحاد في ~~النوع, والمشابهة اتحاد في الكيف, والمساواة اتحاد في الكم, والموازاة ~~اتحاد في الوضع, والمطابقة اتحاد في الأطراف, والهو هو اتحاد في شيء من ~~اثنين يجعل اثنين في الوضع تصير به اثنينيتهما اتحادا بنوع من الاتحادات ~~الواقعة بين اثنين مما قيل". # PageV01P022 # فما وقع من الأوصاف والمحاكاة مقتصدا فيه غير متجاوز فهو قول صدق. فإذا ~~قيل في الشيء: إنه كالشيء, وكان فيه شبه منه , فهو قول حق. لأن الكاف وحروف ~~التشبيه إنما وضعت لأن تدل على الشبه من حيث إنه موجود, قل أو كثر, لا من ~~حيث الكمية, فقد يقوى الشبه ويضعف وتكون المحاكاة مع ذلك صادقة إلا أنها في ~~أحد الحالين أوضح. # وكثير من الناس يغلط فيظن أن التشبيه والمحاكاة من جملة كذب الشعر, وليس ~~كذلك. لأن الشيء إذا أشبه الشيء فتشبيهه به صادق, لأن ms042 المشبه مخبر أن شيئا ~~أشبه شيئا, وكذلك هو بلا شك. ولأن التشبيه بإظهار الحرف وإضماره قول صادق, ~~إذا كان في أحد الشيئين شبه من الآخر -ورد التشبيه في القرآن لأن الماء ~~يشبه السراب بلا شك, والهلال شبيه بالعرجون القديم ولا بد. وكذلك جميع ~~تشبيهات الكتاب العزيز, الشبه فيها ظاهر- فقد تبين أن الوصف والمحاكاة لا ~~يقع الكذب فيهما إلا بالإفراط وترك الاقتصاد. # وحكم تقبيح القبيح الذي له نظير حكم ضده الذي فرغت منه. # وقد يقع الصدق أيضا في تحسين القبيح, ووقوعه في ما هو الغاية في القبح ~~أقل من وقوعه في ما هو دون الغاية من ذلك. وكذلك حكم تقبيح الحسن, فإن ~~الصدق في ما هو الغاية في ذلك أقل منه في ما دونها. # وسيأتي لهذا زيادة بيان. ### | 7- # إضاءة: ولنقسم الآن الكلام الشعري بالنسبة على الصدق والكذب القسمة التي ~~يتبين بها كيف يقع الكذب في صناعة الشعر, وما الذي يسوغ منه وما لا يسوغ. # فأقول: عن الأقاويل الشعرية منها ما هو صدق محض, ومنها ما هو كذب محض, ~~ومنها ما يجتمع فيه الصدق والكذب. # والكذب منه ما يعلم أنه كذب من ذات القول, ومنه ما لا يعلم كذبه من ذات ~~القول. فالذي لا يعلم كذبه من ذات القول ينقسم: على ما لا يلزم علم كذبه من ~~خارج القول, وإلى ما يعلم من خارج القول أنه كذب ولا بد. # فالذي لا يعلم كذبه من ذات القول, وقد لا يكون طريق إلى علمه من خارج ~~أيضا: هو الاختلاق الإمكاني. وأعني بالاختلاق: أن يدعي الإنسان أنه محب ~~ويذكر محبوبا تيمه ومنزلا شجاه, من غير أن يكون كذلك. وعنيت بالإمكان: أن ~~يذكر ما يمكن أن يقع منه ومن غيره من أبناء جنسه, وغير ذلك مما يصفه ~~ويذكره. # والذي يعلم من خارج القول أنه كذب ولا بد: الاختلاق الامتناعي, والإفراط ~~الامتناعي والاستحالي. # والإفراط: هو أن يغلو في الصفة فيخرج بها عن حد الإمكان على الامتناع أو ~~الاستحالة. # وقد فرق بين الممتنع والمستحيل, بأن الممتنع: هو ما ms043 لا يقع في الوجود وإن ~~كان متصورا في الذهن, كتركيب يد أسد على رجل مثلا. # والمستحيل: هو ما لا يصح وقوعه في وجود, ولا تصوره في ذهن ككون الإنسان ~~قائما قاعدا في حال واحدة. # فأما الإفراط الإمكاني فلا يتحقق ما هو عليه من صدق أو كذب, لا من ذات ~~القول ولا من بديهة العقل, بل يستند العقل في تحقق ذلك إلى أمر خارج عنه ~~وعن القول, إلا أن يدل القول على ذلك بالعرض. فلا يعتد بهذا أيضا. وإنما ~~نسميه إفراطا بحسب ما يغلب على الظن. ### | 8- # تنوير: والاختلاق الإمكاني يقع للعرب من جهات الشعر وأغراضه. # وجهات الشعر: هو ما توجه الأقاويل الشعرية لوصفه ومحاكاته مثل: الحبيب, ~~والمنزل, والطيف في طريق النسيب. فمثل هذه الجهات يعتمد وصف ما تعلق بها من ~~الأحوال التي لها علقه بالأغراض الإنسانية, فتكون مسانح لاقتناص المعاني ~~بملاحظة الخواطر ما يتعلق بجهة جهة من ذلك. # والأغراض: هي الهيئات النفسية التي ينحى بالمعاني المنتسبة على تلك ~~الجهات نحوها ويمال بها في صغوها لكون الحقائق الموجودة لتلك المعاني في ~~الأعيان مما يهيء النفس بتلك الهيآت, ومما تطلبه النفس أو تهرب منه, إذا ~~تهيأت بتلك الهيآت. # وسيأتي لهذا فضل بيان في القسم الرابع إن شاء الله. ### | 9- # إضاءة: والاختلاق الامتناعي ليس يقع للعرب في جهة من جهات الشعر أصلا. # وكان شعراء اليونانيين يختلقون أشياء يبنون عليها تخاييلهم الشعرية ~~ويجعلونها جهات لأقاويلهم, ويجعلون تلك الأشياء التي لم تقع في الوجود ~~كالأمثلة لما وقع فيه, ويبنون على ذلك قصصا مخترعا نحو ما تحدث به العجائز ~~الصبيان في أسمارهم من الأمور التي يمتنع وقوع مثلها. # PageV01P023 # وقد قال أبو علي ابن سينا: "وقد كان يستعمل في طراغوذيا أيضا جزيئات في ~~بعض المواضع مخترعة على قياس المسميات الموجودة. ولكن ذلك من النادر ~~القليل. وفي النوادر قد يخترع اسم شيء لا نظير له من الوجود ويوضع بدل معنى ~~كلي". # وقد ذم ابن سينا هذا النوع من الشعر فقال: "ولا يجب أن يحتاج في التخيل ~~الشعري إلى هذه الخرافات ms044 البسيطة التي هي قصص مخترعة". وقال أيضا: "إن هذا ~~ليس مما يوافق جميع الطباع". ### | 10- # تنوير: فأما أغراض الشعر المنوطة بالجهات المذكورة, فإن العرب كانت لها ~~فيها اختلاقات: منها اقتصادية, ومنها إفراطية. والإفراطية منها ممكنة, ~~وممتنعة, ومستحيلة. # فالكذب الاختلاقي في أغراض الشعر لا يعاب من جهة الصناعة لأن النفس قابلة ~~له, إذ لا استدلال على كونه كذبا من جهة القول ولا العقل. فلم يبق إلا أن ~~يعاب من جهة الدين. وقد رفع الحرج عن مثل هذا الكذب أيضا في الدين, فإن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينشد النسيب أمام المدح, فيصغي إليه ويثيب ~~عليه. # والكذب الإفراطي معيب في صنعة الشعر إذا خرج (من) حد الإمكان إلى حد ~~الامتناع أو الاستحالة. # والإفراط: هو القسم الذي يجتمع فيه الصدق والكذب. فإن الشاعر إذا وصف ~~الشيء بصفة موجودة فيه, فأفرط فيها, كان صادقا من حيث وصفه بتلك الصفة, ~~وكاذبا من حيث أفرط فيها وتجاوز الحد. فهذا قد يجيء منه ما يستحسنه بعض ~~أرباب هذه الصنعة. # وسيأتي تفصيل القول في هذا إن شاء الله. # فأما القسم الثالث وهو القول الصادق, فمنه القول المطابق للمعنى على ما ~~وقع في الوجود, ومنه المقصر عن المطابقة بأن يدل على بعض الوصف ويقع دون ~~الغاية التي انتهى إليها الشيء من ذلك الوصف. فهذا النوع من الصدق في الشعر ~~قبيح من جهة الصناعة وما يجب فيها. ### | 11- # إضاءة: فأغراض الشعر إذا منها حاصلة, ومنها مختلفة. والحاصلة منها ما ~~تكون الأقاويل فيها اقتصادية وتقصيرية وإفراطية. وكذلك المختلفة تكون ~~أقاويلها أيضا اقتصادية وتقصيرية وإفراطية, والإفراطية: منها إمكانية ومنها ~~امتناعية ومنها استحالية. يتركب منها عشرة أصناف: صنفان منها صادقان: 1- ~~وهي الحاصلة التي أقاويلها اقتصادية, 2- والحاصلة التي أقاويلها تقصيرية. # وصنف يحتمل الصدق والكذب: وهي الحاصلة التي أقاويلها إمكانية. # وسبعة أصناف كاذبة: 1- وهي الحاصلة التي أقاويلها ممتنعة 2- والحاصلة ~~التي أقاويلها مستحيلة 3- والمختلفة التقصيرية 4- والاقتصادية 5- ~~والإمكانية 6- والامتناعية 7- والاستحالية. # فهذه قسمتها بالنسبة على الصدق والكذب. ### | 12- # تنوير: وتنقسم من جهة ما يستحسن في الشعر ويستساغ, ومن جهة ما ms045 يستساغ ولا ~~يستحسن, ومن جهة ما لا يستساغ ولا يستحسن, على عشرة أقسام: أربعة منها ~~مستحسنة: 1- وهي الحاصلة التي أقاويلها اقتصادية 2- والحاصلة التي أقوالها ~~إمكانية 3- والمختلفة التي أقاويلها اقتصادية 4- والمختلفة التي أقاويلها ~~إمكانية وقسمان منها مستساغان وغير مستحسنين, وهما: 1- الحاصلة التي ~~أقوالها امتناعية, 2- والمختلفة التي أقاويلها امتناعية أيضا. # وأربعة منها غير مستساغة ولا مستحسنة, وهي: 1- الحاصلة التقصيرية 2- ~~والحاصلة الاستحالية, 3- والمختلفة التقصيرية, 4- والمختلفة الاستحالية. # فقد ثبت بهذا أن للاستساغة في الكلام الشعري ستة مذاهب, وللاستحسان أربعة ~~مذاهب, وللصدق ثلاثة مذاهب. # كل هذه المذاهب الاستساغية والاستحسانية والصدقية يقع في جميع أنحاء ~~الشعر الثمانية وهي: تحسين حسن له نظير, وتحسين حسن لا نظير له, وتقبيح ~~قبيح له نظير, وتقبيح قبيح لا نظير له, وتحسين قبيح له نظير, وتقبيح حسن لا ~~نظير له. # فالصدق في جميعها يدخل من ثلاثة مذاهب على ما بينته. وهو أكثر وقوعا في ~~بعض هذه الأنحاء منه في بعض, كما تقدم. # PageV01P024 ### | 13- # إضاءة: وإنما احتجت على إثبات وقوع الأقاويل الصادقة في الشعر لأرفع ~~الشبة الداخلة في ذلك على قوم, حيث ظنوا أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا ~~كاذبة. وهذا قول فاسد قد رده أبو علي ابن سينا في غير ما موضع من كتبه, لأن ~~الاعتبار في الشعر غنما هو التخييل في أي مادة اتفق, لا يشترط في ذلك صدق ~~ولا كذب, بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض. لأن صنعة الشعر هي ~~جودة التأليف وحسن المحاكاة, وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه. # فالصدق والكذب والشهرة والظن أشياء راجعة على المفهومات التي هي شطر ~~الموضوع, فنسبتها إلى المدلولات التي هي المعاني كنسبة العمومية والحوشية ~~والحال الوسطى بينهما والغرابة إلى الأدلة التي هي الألفاظ. وكل هذه ~~الأصناف من الألفاظ تقع في الشعر. وصناعة الشاعر فيها حسن التأليف والهيئة. ~~كما أن كل تلك المواد تقع فيه. وصناعة الشاعر فيها حسن المحاكاة والنسب ~~والاقترانات الواقعة بين المعاني. وكما أن الألفاظ المستعذبة المتوسطة في ~~الاستعمال أحسن ما يستعمل في الشعر لمناسبتها الأسماع والنفوس, وحسن موقعها ~~منهما, ثم ms046 إن الشاعر مع ذلك يستعمل الحوشي والساقط تسامحا واتساعا, حيث ~~تضطره الأوزان والقوافي, فكذلك المعاني التي تكون الأقاويل فيها صادقة أو ~~مشتهرة, أفضل ما يستعمل في الشعر لكونها تحرك النفوس إلى ما يراد منها ~~تحريكا شديدا. # وليست تحرك الأقاويل الكاذبة إلا حيث يكون في الكذب بعض خفاء أو حيث يحمل ~~النفس شدة ولعها بالكلام لفرط ما أبدع فيه على الانقياد لمقتضاه, وإن كان ~~مما يكره ولا يصدق الحاض عليه. ومع هذا فتحريكها دون تحريك الأقاويل ~~الصادقة عام فيها قوي, وتحريك الكذبة خاص فيها ضعيف. وما عم التحريك ~~الصادقة عام فيها قوي, وتحريك الكاذبة خاص فيها ضعيف. وما عم التحريك فيه ~~وقوي كان أخلق بأن يجعل عمدة في الاستعمال حيث يتأتى. كما أن ما عذب من ~~الألفاظ ولم يكن حوشيا ولا عاميا أجدر أن يعتمد في الشعر من غيره. لكن ~~الشاعر أيضا يضطر حيث يريد تحسين قبيح أو تقبيح حسن أو تتميم ناقص بالنسبة ~~على ما يراد منه بالمبالغة في وصفه لتزيد النفوس زيادة الوصف تحريكا, ~~فيستعمل حينئذ الأقاويل الكاذبة وما لا يوقع الصدق كما يستعمل الحوشي ~~والعامي من الألفاظ مضطرا في ذلك, أو مسامحة للفكر في ما يقتضيه من المعاني ~~أو يجتلبه من الألفاظ عفوا دون كد, أو لأن يرى بعض الأحوال المقدرة التي ~~يتخيلها أهز من الأحوال التي وقعت له, فيبني قوله على الحال المخيلة ~~الممكنة دون الواقعة, ليكون الكلام بذلك أشد موقعا من النفس وعلوقا بالقلب. ### | 14- # تنوير: فقد تبين أن أفضل المواد المعنوية في الشعر ما صدق وكان مشتهرا, ~~وأحسن الألفاظ ما عذب ولم يبتذل في الاستعمال. وكلامنا ليس واجبا على ~~الشاعر لزومه, بل مؤثرا حيث يمكن ذلك. وتبين بهذا أن قول من قال: إن مقدمات ~~الشعر لا تكون إلا كاذبة كاذب, وأنه بمنزلة من يقول: إن الألفاظ الشعرية لا ~~تكون إلا حوشية ولا تكون مستعملة, لأن الألفاظ المستعملة والمقدمات الصادقة ~~أولى ما يستعمل في الشعر حيث يمكن ذلك ويكون الوضع والغرض لائقا به. وما ~~مثله في قصر ms047 الشعر على الكذب مع أن الصدق أنجع فيه إذا وافق الغرض إلا مثل ~~من منع من ذي علة ما هو أشد له موافقة بالنسبة إلى شكاته واقتصر به على ~~أدنى ما يوافقه مع التمكن من هذا وذلك. فإن كان هؤلاء الذين رأيهم هذا ~~نفسوا على الشعراء وقوع الصدق في كلامهم, فلا خلق أشد نفاسة من هؤلاء. وإن ~~كان جرى عليهم سهو وغلط في ذلك, فما أجدر هذه الفطر البشرية والفكر ~~الإنسانية بذلك! 15- إضاءة: ولعل الغلط إنما جرى عليهم من حيث ظنوا أن ما ~~وقع من الشعر مؤتلفا من المقدمات الصادقة فهو قول برهاني, وما ائتلف من ~~المشهورات فهو قول جدلي, وما ائتلفت من المظنونات المترجحة الصدق على الكذب ~~فهو قول خطبي, ولم يعلموا أن هذه المقدمات كلها إذا وقع فيها التخييل ~~والمحاكاة كان الكلام قولا شعريا لأن الشعر لا تعتبر فيه المادة, بل ما يقع ~~في المادة من التخييل. # وقد قال أبو علي ابن سينا: "الأقاويل الشعرية مؤتلفة من المقدمات المخيلة ~~من حيث يعتبر تخييلها, كانت صادقة أو كاذبة. وبالجملة تؤلف من المقدمات من ~~حيث لها هيئة وتأليف تقبلها النفس بما فيها من المحاكاة, بل ومن الصدق, فلا ~~مانع من ذلك". # PageV01P025 # فانظر تر كيف قرن هذا الإمام الرئيس صدق الشعر بالمحاكاة, لأن المحاكاة ~~الحسنة في الأقوال الصادقة وحسن إيقاع الاقترانات والنسب بين المعاني مثل ~~التأليف الحسن في الألفاظ الحسنة المستعذبة. # ثم قال ابن سينا: "ولا يلتفت إلى ما يقال من أن البرهانية واجبة والجدلية ~~ممكنة أكثرية والخطابية ممكنة متساوية لا ميل فيها ولا ندرة, والشعرية ~~كاذبة ممتنعة. فليس الاعتبار بذلك, ولا أشار إليه صاحب المنطق". # وقال أبو علي أيضا في موضع آخر: "وليس يجب في جميع المخيلات أن تكون ~~كاذبة, كما لا يجب في المشهورات وما يخالف الواجب قبوله أن تكون لا محالة ~~كاذبة. وبالجملة التخييل المحرك من القول متعلق بالتعجب منه: إما لجودة ~~هيأته أو قوة صدقه أو قوة شهرته أو حسن محاكاته". ### | 16- # تنوير: واعلم أن للأقاويل المتعلقة بمناصحة ms048 ذوي التصافي, والتي لا يليق ~~بها ذلك هي المقصود بها مغاشة ذوي الأضغان. فلا تكون في ما كان نصحا محضا ~~في الأكثر إلا صادقة. # وإن كان لقاصد النصح أيضا أن يتعرض للكذب النافع في طريق النصح, كمن يحذر ~~قوما من عدو يتوقع إناخته عليهم, فإن له أن يقرب البعيد ويكثر القليل في ~~ذلك ليأخذوا لأنفسهم بالحزم والاحتياط. ولا تكون في قصد به الغش إلا كاذبة. # وأكثر ما يمال بالأقاويل الشعرية في صغوى الصدق والكذب بحسب هذين ~~المقصدين في مواطن إدارة الآراء والإشارة بوجوه الحيل والمكائد والتدابير ~~لما يستقبل ويتوقع. # وهذه الأقاويل هي التي يسميها أبو علي ابن سينا "بالمنشوريات". ### | 17- # إضاءة: فقد تبين من هذا ومما قبله أن الشعر له مواطن لا يصلح فيها إلا ~~استعمال الأقاويل الصادقة, ومواطن لا يصلح فيها إلا استعمال الأقاويل ~~الكاذبة, ومواطن يصلح فيها استعمال الصادقة والكاذبة واستعمال الصادقة أكثر ~~وأحسن, ومواطن يحسن فيها استعمال الصادقة والكاذبة واستعمال الكاذبة أكثر ~~وأحسن, ومواطن تستعمل فيها كلتاهما من غير ترجح. فهي خمسة مواطن, لكل مقام ~~منها مقال. # وقد بين أبو علي ابن سينا كون التخييل لا يناقض اليقين وكون القول الصادق ~~في مواطن كثيرة أنجع من الكاذب. فقال: "والمخيل هو الكلام الذي تذعن له ~~النفس فتنبسط لأمور أو تنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار. وبالجملة ~~تنفعل له انفعالا نفسانيا غير فكري, سواء كان المقول مصدقا به. فإن كونه ~~مصدقا به غير كونه مخيلا أو غير مخيل. فإنه قد يصدق بقول من الأقوال ولا ~~ينفعل عنه, فإن قيل مرة أخرى أو على هيئة أخرى انفعلت النفس عنه طاعة ~~للتخيل لا للتصديق. فكثيرا ما يؤثر الانفعال ولا يحدث تصديقا, وربما كان ~~المتيقن كذبه مخيلا. وإن كانت محاكاة الشيء لغيره تحرك النفس وهو كاذب فلا ~~عجب أن تكون صفة الشيء على ما هو عليه تحرك النفس وهو صادق, بل ذلك أوجب, ~~لكن الناس أطوع للتخييل منهم للتصديق. وكثير منهم إذا سمع التصديقات ~~استكرهها وهرب منها. وللمحاكاة شيء من التعجيب ms049 ليس للصدق لأن الصدق المشهور ~~كالمفروغ منه, ولا طراءة له. والصدق المجهول غير ملتفت إليه. والقول الصادق ~~إذا حرف عن العادة وألحق به شيء تستأنس به النفس فربما أفاد التصديق ~~والتخييل معا, وربما شغل التخييل عن الالتفات إلى التصديق والشعور به". # وقد قال أبو نصر في كتاب الشعر: "الغرض المقصود بالأقاويل المخيلة أن ~~ينهض السامع نحو فعل الشيء الذي خيل له فيه أمر ما من طلب له أو هرب عنه". # ثم قال: "سواء صدق بما يخيل إليه من ذلك أم لا كان الأمر في الحقيقة على ~~ما خيل له أو لم يكن". # فأنت ترى هذين الرجلين كيف جعلا التخييل قد يكون بما هو حقيقة في الشيء, ~~وقد يكون بما لا حقيقة له. ### | 18- # تنوير: وإنما غلط في هذا -فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة- ~~قوم من المتكلمين لم يكن لهم علم بالشعر, لا من جهة مزاولته ولا من جهة ~~الطرق الموصلة إلى معرفته. # ولا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه, ولا التفات إلى رأيه فيه. ~~فإنما يطلب الشيء من أهله. وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه. وليس هذا جرحة ~~للمتكلمين ولا قدحا في صناعتهم, فإن تكليفهم أن يعلموا من طريقتهم ما ليس ~~منها شطط. # PageV01P026 # والذي يورطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن, فيحتاجون ~~إلى معرفة ماهية الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدم لهم علم بذلك, فيفزعون ~~إلى مطالعة ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعة. فإذا فرق أحدهم بين التجنيس ~~والترديد, وماز الاستعارة من الإرداف, ظن أنه قد حصل على شيء من هذا العلم, ~~فأخذ يتكلم في الفصاحة بما هو محض الجهل بها. ومثلهم في هذا مثل رجل, شاهدت ~~له هذه القصة التي أذكرها, بمرسيه: وذلك أنه مرض له صاحب كان يعز عليه ويرى ~~في حياته حياته, ولم يكن له علم بالطب والنظر فيها ليعالج صاحبه المريض. ~~فانسلخت عنه ليلة وهو يتعاطى في غدها من المعالجة الطيبة ما لم يكن يتعاطاه ~~في أمسه, إذ ms050 كان قد ظن أنه قد اكتسب معرفة صناعة الطب من ليلته. ثم شرع من ~~صبيحته في معالجة صاحبه المريض, فقضى عليه في اليوم الثاني بثريدة أطعمها ~~إياه رأى أنها تصلح به. # فكما أن هذا الرجل أصبح جالينوسا من ليلته كذلك يريد المتكلم في الفصاحة ~~من المتكلمين أن يصبح من ليلته جاحظا وقدامة إن شاء. (الطويل -ق- المتواتر) # وإن كلام المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل ### | 19- # إضاءة: وكيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في الزمن القريب. ~~وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار فيها! وإنما يبلغ ~~الإنسان منها ما في قوته أن يبلغه. ألا ترى أن كثيرا من العلوم قد نفذ فيها ~~قوم في أزمنة لا تستغرق إلا جزءا يسيرا من العمر؟! وهذا أبو الطيب المتنبي, ~~وهو إمام في الشعر, لم يستقم شعره إلا من مزاولة الصناعة عشرين سنة, ثم ~~زاولها بعد ذلك زمنا طويلا, وتوفي وهو يصيب فيها ويخطئ. وهذا ليس مختصا به ~~وحده, بل كل إمام ناظم أو ناثر هذه غايته, إذ كانت هذه الصناعة تتشعب وجوه ~~النظر فيها إلى ما لا يحصى كثرة. فقلما يتأتى تحصيلها بأسرها والعلم بجميع ~~قوانينها لذلك. وسائرها من العلوم ممكن أن يتحصل كله أوجله. وليس هذا ~~تفضيلا لصناعة البلاغة على غيرها من العلوم, إذ ليس يلزم إذا كان علم أشد ~~تشعبا من علم آخر أن يكون أفضل منه, بل المفاضلة بين العلوم من جهات أخر ~~وعلى ما ذكرته. # فلو قدرنا أن إنسانا ذكيا ينظر في علم من العلوم شهرا أو عاما لتحصلت له ~~من ذلك العلم مسائل محققة, ولا يحصل له في هذا القدر من الزمان من هذه ~~الصناعة شيء يعتد به, إذ أكثر ما يستحسن ويستقبح في علم البلاغة له ~~اعتبارات شتى بحسب المواضع. فقد يحسن في موضع ما يقبح في موضع ويقبح في ~~موضع ما يحسن في موضع, ولا يقف الإنسان على تلك المواضع إلا بطول المزاولة. ~~ولا يشرف الإنسان على جمل من ms051 تلك المواضع يمكنه أن يستنبط بها أحكام ما ~~سواها إلا بكثرة الفحص والتنقيب عما يجب اعتماده في جميع أحوال الصناعة من ~~إيثار ما يجب أن يؤثر وترجيح مت يجب أن يرجح بالنظر إلى الشيء في نفسه أو ~~النظر إلى ما يقترن به أو إلى ما هو خارج عن ذلك مما تقدم التعريف به. ### | ج- معلم دال على طرق العلم بالأشياء المخيلة. # الشعر كلام مخيل موزون, مختص في لسان العرب بزيادة التقفية إلى ذلك. ~~والتئامه من مقدمات مخيلة, صادقة كانت أو كاذبة, لا يشترط فيها -بما هي ~~شعر- غير التخييل. ### | 1- # إضاءة: والتخييل في الشعر يقع من أربعة أنحاء: من جهة المعنى, ومن جهة ~~الأسلوب, ومن جهة اللفظ, ومن جهة النظم والوزن. # وينقسم التخييل بالنسبة إلى الشعر قسمين: تخييل ضروري, وتخييل ليس ~~بضروري, ولكنه أكيد أو مستحب, لكونه تكميلا للضروري وعونا له على ما يراد ~~من إنهاض النفس على طلب الشيء أو الهرب منه. # والتخاييل الضرورية هي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ. والأكيدة ~~والمستحبة تخاييل اللفظ في نفسه وتخاييل الأسلوب وتخاييل الأوزان والنظم, ~~وآكد ذلك تخييل الأسلوب. ### | 2- # تنوير: والتخييل أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه أو ~~أسلوبه ونظامه, وتقوم في خياله صورة أو صور ينفعل لتخيلها وتصورها, أو تصور ~~شيء آخر بها انفعالا من غير روية إلى جهة من الانبساط أو الانقباض. # PageV01P027 ### | 3- # إضاءة: وطرق وقوع التخييل في النفس: إما أن تكون بأن يتصور في الذهن شيء ~~من طريق الفكر وخطرات البال, أو بأن تشاهد شيئا فتذكر به شيئا, أو بأن ~~يحاكى لها الشيء بتصوير نحتي أو خطي أو ما يجرى مجرى ذلك, أو يحاكى لها ~~صوته أو فعله أو هيأته بما يشبه ذلك من صوت أو فعل أو هيأة, أو بأن يحاكى ~~لها معنى بقول يخيله لها -وهذا هو الذي نتكلم فيه نحن في هذا المنهج- أو ~~بأن يوضع لها علامة من الخط تدل على القول المخيل, أو بأن تفهم ذلك ~~بالإشارة. ### | د- معرف دال عل طرق المعرفة بجهات مواقع التخييل من الأقاويل ms052 وما بإزائها من # المعاني وما يحسن أن ينحى بالمحاكاة نحوه من ذلك وما لا يحسن. # وأحسن مواقع التخييل: أن يناط بالمعاني المناسبة للغرض الذي فيه القول ~~متخييل الأمور السارة في التهاني, والأمور المفجعة في المراثي. فإن مناسبة ~~المعنى للحال التي فيها القول وشدة التباسه بها يعاون التخييل على ما يراد ~~من تأثر النفس لمقتضاه. ### | 1- # إضاءة: ويحسن موقع التخييل من النفس, أن يترامى بالكلام على أنحاء من ~~التعجيب, فيقوى بذلك تأثر النفس لمقتضى الكلام. # والتعجب يكون باستبداع ما يثيره الشاعر من لطائف الكلام التي يقل التهدي ~~إلى مثلها. فورودها مستندر مستطرف لذلك: كالتهدي إلى ما يقل التهدي إليه من ~~سبب للشيء تخفى سببيته, أ, غاية له, أو شاهد عليه, أو شبيه له أو معاند, ~~وكالجمع بين مفترقين من جهة لطيفة قد انتسب بها أحدهما على الآخر, وغير ذلك ~~من الوجوه التي من شأن النفس أن تستغربها. ### | 2- # تنوير: ويجب ألا يسلك بالتخييل مسلك السذاجة في الكلام, ولكن يتقاذف ~~بالكلام في ذلك إلى جهات من الوضع الذي تتشافع فيه التركيبات المستحسنة ~~والترتيبات والاقترانات والنسب الواقعة بين المعاني. فإن ذلك مما يشد أزر ~~المحاكاة ويعضدها. ولهذا نجد المحاكاة أبدا يتضح حسنها في الأوصاف الحسنة ~~التناسق, المتشاكلة الاقتران, المليحة التفصيل, وفي القصص الحسن الاطراد, ~~وفي الاستدلال بالتمثيلات والتعليلات, وفي التشبيهات والأمثال والحكم, لأن ~~هذه أنحاء من الكلام قد جرت العادة في أن يجهد في تحسين هيآت الألفاظ ~~والمعاني وترتيباتها فيها. ### | 3- # إضاءة وإذا كان في قوة القول البسيط أو القريب من البساطة أن يتخيل منه ~~أشياء لو وضع اللفظ طبقا لها لم يكن إلا متركبا, حسن الهيئة, جرى مجرى ما ~~قبله في الاستحسان. وذلك كالتشبيه بغير حرف وكالاستعارة وما جرى مجراهما في ~~ذلك. ### | ه- معلم دال على طرق العلم بما تنقسم غليه المحاكاة. # لا يخلو المحاكي من أن يحاكي موجودا بموجود أو بمفروض الوجود مقدره. ~~ومحاكاة الموجود بالموجود لا تخلو من أن تكون محاكاة شيء بما هو من جنسه أو ~~محاكاة شيء بما ليس من جنسه. ومحاكاة ms053 محسوس بغير محسوس, أو غير محسوس ~~بمحسوس, أو مدرك بغير الحس بمثله في الإدراك. وكل ذلك لا يخلو من أن يكون ~~محاكاة معتاد بمعتاد, أو مستغرب بمستغرب, أو معتاد بمستغرب, أو مستغرب ~~بمعتاد. وكلما قرب الشيء مما يحاكى به كان أوضح شبها. وكلما اقترنت الغرابة ~~والتعجيب بالتخييل كان أبدع. ### | 1- # إضاءة: وتنقسم التخاييل والمحاكيات بحسب ما يقصد بها إلى: محاكاة تحسين, ~~ومحاكاة تقبيح, ومحاكاة مطابقة لا يقصد بها إلا ضرب من رياضة الخواطر ~~والملح في بعض الواضع التي يعتمد فيها وصف الشيء ومحاكاته بما يطابقه ~~ويخيله على ما هو عليه. وربما كان القصد بذلك ضربا من التعجيب أو الاعتبار. ~~وربما كانت محاكاة المطابقة في قوة المحاكاة التحسينية أو التقبيحية. فإن ~~أوصاف الشيء الذي يقصد في محاكاته المطابقة لا تخلو من أن تكون من قبيل ما ~~يحمد ويذم وإن قل قسطها مثلا من الحمد والذم. فكأن التخييل بالجملة لم يخل ~~من تحريك النفس إلى استحسان أو إلى استقباح. فلهذا كانت قوة محاكاة ~~المطابقة في كثير من المواضع قوة إحدى المحاكاتين التحسينية أو التقبيحية, ~~لكنها قسم ثالث على كل حال, إذ لم تخلص على تحسين ولا تقبيح. # وقد ذكر هذا أبو علي بن سينا, وقسم المحاكيات هذه القسمة. # PageV01P028 ### | 2- # تنوير: ومما تنقسم غليه المحاكاة -وقد كان يليق بهذه القسمة أن تكون ~~مدرجة في القسم المصدر به هذا المعلم فاستدركناها هنا إذ فاتت هنالك, وقد ~~اندرج في هذه أيضا بعض ما اندرج في تلك- وذلك أن المحاكاة إما أن تكون ~~محاكاة وجود أو محاكاة فرض. وكلتاهما لا تخلو من أن تكون محاكاة مطلقة, أو ~~محاكاة شرط, أو محاكاة إضافية, أو محاكاة تقدير وفرض. ومحاكاة الموجود ~~بالموجود غما أن تكون محاكاة كلي بكلي, أو جزئي بجزئي, أو كلي بجزئي أو ~~جزئي بكلي. وكل قسم من هذه فإما أن يحاكي فيه محسوس بمحسوس, أو محسوس بغير ~~محسوس, أو غير محسوس بمحسوس, أو غير محسوس بغير محسوس. ولا يخلو أن يحاكى ~~الشيء بما هو من نوعه الأقرب, أو جنسه ms054 الأقرب أو الأبعد, أو بغير جنسه. ### | 3- # إضاءة: وينقسم التخييل بالنظر على متعلقاته قسمي: تخيل المقول فيه ~~بالقول, وتخيل أشياء في المقول فيه وفي القول من جهة ألفاظه ومعانيه ونظمه ~~وأسلوب. # فالتخييل الأول يجرى مجرى تخطيط الصور وتشكيلها. والتخييلات الثواني تجرى ~~مجرى النقوش في الصور والتوشية في الأثواب والتفصيل في فرائد العقود ~~وأحجارها. # وقد ذكرت في تأليف الألفاظ واقترانات المعاني, وأذكر بعد هذا إن شاء الله ~~في الهيآت النظمية وضم بعض الأبيات والفصول إلى بعض وفي نسق أجزاء الجهات ~~في أسلاك الأساليب مما يستحسن من ضروب الصيغة والهيئات المستحسنة في جميع ~~ذلك ما تغنى بذكره هناك عن أن أنصه لك هنا. # وتلك الصيغ والهيئات هي التخاييل الثواني. وللنفس بما وقع به من ذلك ~~تشاكل في الكلام ابتهاج لأن تلك الصيغ تنميقات الكلام وتزيينات له. فهي ~~تجرى من الأسماع مجرى الوشي في البرود والتفصيل في العقود من الأبصار. ~~فالنفوس تتخيل بما يخيل لها الشاعر من ذلك محاسن ضروب الزينة فيبتهج لذلك. ~~ولهذا نقلوا إلى بعض الهيئات اللفظية التي من هذا القبيل أسماء الصناعات ~~التي هي تنميقات في المصنوعات. فقالوا الترصيع, والتوشيح, والتسهيم من ~~تسهيم البرود. وكثير من الكلام الذي ليس بشعري باعتبار التخييل الأول يكون ~~شعرا باعتبار التخييل الثواني. وإن غاب هذا كثير من الناس. ### | 4- # تنوير: وتنقسم المحاكاة من جهة ما تخيل الشيء بواسطة أو بغير واسطة ~~قسمين: قسم يخيل لك فيه الشيء نفسه بأوصافه التي تحاكيه, وقسم يخيل لك ~~الشيء في غيره. # وكما أن المحاكي باليد قد يمثل صورة الشيء نحتا أو خطا فتعرف المصور ~~بالصورة, وقد يتخذ مرآة يبدي لك بها تمثال تلك الصورة فتعرف المصور أيضا ~~بتمثال الصورة المتشكل في المرآة فكذلك الشاعر تارة يخيل لك صورة الشيء ~~بصفاته نفسه, وتارة يخيلها لك بصفات شيء آخر هي مماثلة لصفات ذلك الشيء. ~~فلا بد في كل محاكاة من أن يكون جارية على أحد هذين الطريقين: إما أن يحاكى ~~لك الشيء بأوصافه التي تمثل صورته, وإما بأوصاف شيء آخر تماثل تلك ms055 الأوصاف. ~~فيكون ذلك بمنزلة ما قدمت من أن المحاكي للشيء, بأن يضع له تمثالا يعطي به ~~صورة الشيء المحاكي, قد يعطي أيضا هيئة تمثال الشيء وتخطيطه بأن يتخذ له ~~مرآة يبدي صورته فيها. فتحصل المعرفة بما لم يكن يعرف: إما برؤية تمثاله, ~~وإما برؤية صورة تمثاله. فيعرف الشيء بما يحاكيه, أو بما يحاكي ما يحاكيه. ~~وربما ترادفت المحاكاة وبني بعضها على بعض فتبعد الكلام عن الحقيقة بحسب ~~ترادف المحاكاة وأدى (ذلك) إلى الاستحالة. ولذلك لا يستحسن بناء بعض ~~الاستعارات على بعض حتى تبعد عن الحقيقة برتب كثيرة لأنها راجعة إلى هذا ~~الباب. فمحاكاة الشيء نفسه هي المحاكاة التي ليست بواسطة, ومحاكاة الشيء ~~بغيره هي المحاكاة التي بواسطة. ### | 5- # إضاءة: وكل واحدة من المحاكاتين: المتحدة والمزدوجة -أعني أن الواحدة ~~تشتمل على محاكاة الشيء نفسه على حسب ما ألف فيه, ومحاكاة الشيء بغيره على ~~حسب ما ألف فيهما, ومحاكاته فيه على غير ما ألف. وأعني بغير المألوف أن ~~تكون حاله مستغربة. # ومن محاكاة الشيء بغيره على غير ما ألف فيه قول أبي عمر ابن دراج: ~~(البسيط -ق- المترادف) # وسلافة الأعناب يشعل نارها ... تهدي إلي بيانع العناب # فالمألوف أن يذوى النبات الناعم بمجاورة النار لا أن يونع, فأرغب في هذه ~~المحاكاة كما ترى. ### | 6- # تنوير: وللمحاكاة انقسام بحسب تنوعها إلى المألوف والمستغرب ومقابلة ~~بعضها ببعض. فيحصل عن ذلك ستة أقسام: # PageV01P029 ### | 1- # محاكاة حالة معتادة 2- ومحاكاة حالة مستغربة 3- ومحاكاة معتاد بمعتاد 4- ~~ومستغرب بمستغرب 5- ومعتاد بمستغرب 6- ومستغرب بمعتاد. # ومحاكاة الأحوال المستغربة إما أن يقصد بها إنهاض النفوس إلى الاستغراب ~~أو الاعتبار فقط. وإما أن يقصد حملها على طلب الشيء وفعله أو التخلي عن ذلك ~~مع ما تجده من الاستغراب. # وللنفوس تحرك شديد للمحاكيات المستغربة لأن النفس إذا خيل لها في الشيء ~~ما لم يكن معهودا من أمر معجب في مثله وجدت من استغراب ما خيل لها مما لم ~~تعهده في الشيء ما يجده المستطرف لرؤية ما لم يكن أبصره قبل. ووقوع ما لم ~~يعهده في نفسه موقعا ليس أكثر ms056 من المعتاد المعهود. # وفنون الإغراب والتعجيب في المحاكاة كثيرة. وبعضها أقوى من بعض وأشد ~~استيلاء على النفوس وتمكنا من القلوب. ### | 7- # إضاءة: وتنقسم المحاكاة أيضا -من جهة ما تكون مترددة على ألسن الشعراء ~~قديما بها العهد, ومن جهة ما تكون طارئة مبتدعة لم يتقدم بها عهد- قسمين: ~~فالقسم الأول هو التشبيه الذي يقال فيه إنه مخترع. وهذا أشد تحريكا للنفوس ~~إذا قدرنا تساوي قوة التخييل في المعنيين لأنها أنست بالمعتاد فربما قل ~~تأثرها له, وغير المعتاد يفجؤها بما لم يكن به لها استئناس قط فيزعجها إلى ~~الانفعال بديها بالميل إلى الشيء والانقياد إليه أو النفرة عنه والاستعصاء ~~عليه. وأما المعنى في نفسه فحقيقة واحدة. ولا فرق بالنظر إلى حقيقته بين أن ~~يكون جديدا مخترعا وأن يكون قديما متداولا. وإنما الفضل في المعنى المخترع ~~راجع إلى المخترع له وعائد عليه ومبين عن ذكاء ذهنه وحدة خاطره. # وسيأتي لهذا فضل بيان في المنهج الرابع من هذا القسم إن شاء الله. ### | 8- # تنوير: وتنقسم المحاكاة أيضا, بالنظر إلى محاكاة جزء من معنى بجزء من ~~معنى, أو محاكاة معنى بمعنى, أو محاكاة قصة تتضمن معاني بقصة تتضمن معاني, ~~ثلاثة أقسام, الثالث منها تاريخ. ### | 9- # إضاءة: والتخاييل في المعاني منها محاكيات تقع في أمور من جهة ما ترتبت ~~في مكان وحصل لبعضها وضع ونسبة من بعض, فتحاكى على ما وقعت عليه من ذلك. ~~ومنها محاكيات تقع في أمور من جهة ما ترتبت في زمان ووقع فيه بعضها بنسبة ~~من بعض وانتسب شيء منها إلى شيء, فتحاكى أيضا على ما وقعت عليه من ذلك. ### | 10- # تنوير: وإذا خيلت الأمور المترتبة في مكان أو زمان فلا يخلو من أن يتعرض ~~إلى أن ما خيل عليه أمر كلي في ما كان من ذلك الجنس أو مناقضه لمن يعتقد أن ~~ضد ما خيلته المحاكاة حكم كلي. فيستثني المحاكي بعض ذلك الكلي فيخرجه عن ~~ذلك الحكم, أولا يتعرض. فإن تعرض فالقول إن كان متعلقا بأمر للناس به عناية ~~وكان قد خرج في عبارة محكمة حكمة ms057 أو مثل أو جار مجرى الحكمة والمثل, وإن لم ~~يتعرض فالقول اختصاص أو غير ذلك. ### | 11- # إضاءة: ولا تخلو نفوس الأمور بأقوال دالة على خواصها وأعراضها اللاحقة ~~التي تقوم بها في الخواطر هيآت تلك الأمور وتتسق صورها الخيالية, أو تخيل ~~بأن تحاكى بأقوال دالة على خواص أشياء أخر وأعراضها التي بها تنتظم صورها ~~الخيالية في النفس فتجعل الصور المرتسمة من هذه الأشياء المحاكى بها أمثلة ~~لصور الأشياء المحاكاة. ويستدل بوجود الحكم في المثال على وجوده في المثل. ~~فالقول على هذا ينقسم: إلى محاكاة قصص وما جرى مجراه, وإلى محاكاة حكمة, ~~وإلى محاكاة قصص بقصص أو نحوه, وإلى محاكاة قصص بحكمة, ومحاكاة حكمة بحكمة. ~~ولا تحاكى الحكمة بالقصص إلا حيث تكون جزئية لأن الحكمة إذا كانت كلية كانت ~~أعم من القصص, فلا تحاكى لذلك به إلا على جهة الاستدلال التمثيلي. وربما ~~منع من ذلك في بعض المواضع كون الحكمة أشرف من القصص وأجزل موقعا, فلا ~~يفتقر إلى إعانتها بمحاكاة إذا كانت بالغة. فالحكم على هذا إذا استقصيت ~~أركانها وأعرب عنها بلفظ جزل محكم العبارة أنيق النظام خفيف على اللسان ~~مخيل لما دل به عليه محاكاة كانت أمثلة لما قبلها أو لم تكن. ### | و معرف دال على طرق المعرفة بأحكام المحاكيات وما يجب أن يعتبر فيها, والاستبانة # لمناقل الفكر في التخيلات الشعرية, وكيفية التهدي إلى التحسينات ~~والتقبيحات التي ينحى بالأقاويل المخيلة نحوها. # PageV01P030 # قد قدمت أن المحاكاة تنقسم قسمين: محاكاة الشيء نفسه, ومحاكاة الشيء في ~~غيره. وبقي أن نتبين أحكام هذه وأحكام تلك. فلنقدم أحكام محاكاة الشيء ~~نفسه. فأقول: إن الأشياء منها ما يدرك بالحس, ومنها ما ليس إدراكه بالحس. ~~والذي يدركه الإنسان بالحس فهو الذي تتخيله نفسه لأن التخييل تابع للحس, ~~وكل ما أدركته بغير الحس فإنما يرام تخييله بما يكون دليلا على حاله من ~~هيئات الأحوال المطيفة به واللازمة له, حيث تكون تلك الأحوال مما يحس ~~ويشاهد. فيكون تخييل الشيء من جهة ما يستبينه الحس من آثاره والأحوال ~~اللازمة له حال وجوده ms058 والهيئات المشاهدة لما التبس به ووجد عنده. وكل ما لم ~~يحدد من الأمور غير المحسوسة بشيء من هذه الأشياء, ولا خصص بمحكاة حال من ~~هذه الأحوال بل اقتصر على إفهامه بالاسم الدال عليه, فليس يجب أن يعتقد في ~~ذلك الإفهام أنه تخييل شعري أصلا, لأن الكلام كله كان يكون تخييلا بهذا ~~الاعتبار. ### | 1- # إضاءة: فأما الأشياء المدركة بالحس فإنها تخيل بخواصها وأعراضها. وكلما ~~كانت الأعراض في ذلك قريبة شهيرة مناسبة لغرض القول كانت أحسن. ولا يخلو ~~الشيء المخيل من أن يقصد تخييله على الكمال أو يقتصر فيه على أدنى ما ~~يخيله. فإن قصد تخييله على الكمال وجب أن يقصد في محاكاته إلى ذكر خواصه ~~وأعراضه القريبة اللازمة له في جميع أحواله أو اللاحقة له في حال ما من جهة ~~هيئته ومقداره ولونه وملمسه. وربما أردف ذلك بمحاكاة هيئته وحركته أو صوته ~~إن كان مما له ذلك. وإن قصد الاقتصار فيه على أدنى ما يخيله كان الوجه أن ~~يقصد إلى بعض خواص الشيء وأعراضه القريبة الشهيرة فيه, كما يقال الضئيلة ~~الرقشاء, فتتخيل منه الحية. ويستحسن في المحاكاة أن يبدأ بالأصل في الشيء ~~والأشهر فيه. ### | 2- # تنوير: وكل شيء حوكي بما تدركه الحواس فلا يخلو من أن يكون متساوي ~~الأجزاء متماثلها, أو متخالفها متفاوتها. وكلاهما لا يخلو من أن يكون على ~~صفة واحدة من جميع أقطاره, أو على صفات شيء في هيئته أو لونه أو ملمسه. وكل ~~ذلك لا يخلو من أن يكون على شكل واحد في حالي حركته وسكونه أو يكون ما ~~يختلف شكله في الحالين. وكل ذلك يجب أن يعتبر في المحاكاة إذا قصد تخييل ~~الشيء على جميع هيآته وأوصافه وفي جميع أحواله. فلا يخلط ما تعلق بوصف حال ~~من ذلك بما تعلق بحال مغايرة لها. وقد يخيل الشاعر الشيء ببعض أوصافه دون ~~بعض, وعلى ما يكون عليه في بعض أحواله. ### | 3- # إضاءة: وكل ما تختلف أجزاؤه وأقطاره وأشكاله وهيئاته في حال حال من شؤونه ~~فإن المحاكاة فيه لا تخلو من أن تفصل ms059 بحسب الأجزاء والأقطار والأشكال ~~والهيئات وتجعل هذه الأشياء أركانا للكلام تقسم التخاييل إليها, وتبنى ~~المحاكاة عليها كقول امرئ القيس: (المتقارب -ق- المتدارك) إذا أقبلت قلت سر ~~عوفة وقول الأسعر الجعفي: (الرجز -ق- المتدارك) أما إذا استقبلته فتقول هذا ~~مثل سرحان الغضا أو تجعل الشيء المخيل بحسب تباين أجزائه وأقطاره وأشكاله ~~قطبا لمدار الأوصاف المخيلة لهيئة جزء جزء وقطر قطر من أجزاء الشيء ~~وأقطاره, ولكل ما تتنوع إليه أشكاله وهيئاته بحسب اختلاف أحوالها مقرونة ~~بمخيلاتها وما هي محاكاة له في الحقيقة على سبيل التخصيص أو مستغنى عن ذلك. ~~فيكون الكلام على هذا متناسقا متسلسلا, وعلى الوجه الآخر مفصلا مقسما. ~~وكلما كثرت التخاييل زاد التفصيل حسنا. # PageV01P031 ### | 4- # تنوير: وإذا حوكي الشيء جملة أو تفصيلا فالواجب أن تؤخذ أوصافه المتناهية ~~في الشهرة والحسن إن قصد التحسين, وفي الشهرة والقبح إن قصد التقبيح. ويبدأ ~~(في الحسن) بما ظهور الحسن فيه أوضح وما النفس بتقديمه أعنى, ويبدأ في الذم ~~بما ظهور القبح فيه أوضح والنفس بالالتفات إليه أيضا أعنى, وينتقل من الشيء ~~إلى ما يليه في المزية من ذلك. ويكون بمنزلة المصور الذي يصور أولا ما جل ~~من رسوم تخطيط الشيء, ثم ينتقل إلى الأدق فالأدق. وهذا في تخييلات الأشياء ~~المقصود تخييل جزء جزء منها واجب, مثل أن يبدأ بتخييل أعالي الإنسان ويختتم ~~بتخييل أسفله, لاسيما إذا كانت المحاكاة تفصيلية. فإن كانت الأوصاف المخيل ~~بها متفاوتة لم يحسن الجمع بينهما كيفما رتبت إلا باستئناف أحدهما في حيز ~~من الكلام منفصل عن حيز الآخر أو بمنزلة المنفصل, لأن النقلة من الأدنى إلى ~~الأعلى المفاوت طفرة, ومن الأعلى إلى الأدنى المفاوت سقوط وانحطاط. فأما ~~إذا تناسبت الأوصاف فالوجه تقديم ما عناية النفس به أكبر وهو عندها أشهر في ~~الشيء وأظهر فيه بالنسبة على غرض الكلام. # فهذا هو الوجه في المحاكيات والأوصاف إذا تناسبت, وأن يقال منا قال حبيب: ~~(الكامل -ق- المترادف) # إنا غدونا واثقين بواثق ... بالله شمس ضحى وبدر تمام # وكما قال المتنبي: (البسيط -ق- المتراكب) شمس ضحاها هلال ليلتها ويحبون ~~عكس ms060 هذا, لكن هذا هو الوجه الذي كثر في فصيح كلام العرب. # فأما قول القائل: (الرجز -ق- المتدارك) # تالله لا كلمتها ولو أنها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي # فإنما كان النسق ههنا على سبيل الترقي لأن أو يذهب بها حيث يقصد تعجيب ~~المخاطب من زيادة الشيء تعظيما بعد تعظيم أو تحقيرا بعد تحقير مذهب من تخطى ~~الشيء على ما هو أبلغ منه في المعنى. فحسن هذا لما كان هذا المذهب مناسبا ~~لمعنى (أو) وما ينحى بها نحوه. ### | 5- # إضاءة: وإنما قدمت العرب أدنى المعنيين على الآخر في مواضع معلومة من ~~كلامها لمعان أخر: إما لأن الأحقر من جهة ما متقدم على ما هو أجل منه من ~~جهة أخرى, أو لأن أحدهما في ضمن الآخر ويخيل بعض ما خيل لا يكون بينهما ~~تباين إلا من جهة الأزيد والأنقص والأعم والأخص. فذكر القاصر منهما بعد ~~الآخر فضل, فلا يمكن أن يقون به إلا بتقديمه عليه, أو لأن الأحقر بالنسبة ~~إلى غرض الكلام أبلغ نحو قولهم: ما أخذت منه قليلا ولا كثيرا لأن إنكار ~~القليل أبلغ من جهة الجحود فكان القليل لذلك أولى بالتقديم, أو لأن الأحقر ~~يكون فيه استدراج لذكر الأجل وتسبب له, ولمعان أخر يطول ذكرها. وكذلك ~~التغليب في مثل القمرين إنما يغلب الأرجح من جهة الفصاحة أو البلاغة لفظا ~~أو معنى. وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل, قد أغنى عن ذكره هنا ما أوردناه ~~ونورده بعد إن شاء الله من قوانين الفصاحة والبلاغة. فهذا هو القانون الذي ~~يجب أن يعتبر في ترتيب التخييل والأوصاف. # PageV01P032 ### | 6- # تنوير: وإنما وقع الغلط في هذا لقوم من القدماء كانوا فقراء من علم ~~البلاغة على غنائهم من الرواية, ولقوم من أبناء هذا الزمان هم أفقر خلق ~~الله من تلك وهذه, ولمن يريد أن يستنبط قوانين هذه الصناعة من صناعة أخرى ~~لعله لا يحسنها بله هذه, وذلك غير ممكن, فإنما يستنبط الشيء من معدنه ويطلب ~~في مظنته, أو لعل من هذه صفته قد رأى يوما أحدا ممن تكلم في علم البلاغة ms061 قد ~~عاب الانحطاط من الصفة إلى ما يوافقها في نسق واحد من الكلام. فهذا لا يخلو ~~من أن يكون غير عارف بهذه الصناعة مثله, فهو جدير أن يظن أن ضد ذلك حسن وهو ~~البدء بالشيء الأحقر والصيرورة منه إلى الأعظم المفاوت له في غرض يتراميان ~~فيه إلى تحسين شيء واحد أو تقبيحه, أو يكون عارفا بالصنع فيكون قد عاب ما ~~هو جدير بالعيب, وهو يعتقد أن ضده معيب أيضا كذلك لأن كلا الموضعين من وضع ~~التنافر. وما أكثر ما يقع الغلط للناس في هذه الصنعة من هذا الباب! لأن ~~وجوه النظر في ما يحسن ويقبح في هذه الصنعة لا تحصى كثرة. وكل ما يستحسن ~~ويستقبح فإن له اعتبارات شتى بحسب المواضع وما يليق بواحد منها. وبحسب ~~الأغراض والأحوال وتباين المقاصد في جميع ذلك تتشعب طرق الاعتبار في هذه ~~الصناعة إلى ما يعز حصره, فيطالع بعض من لم يتفرغ لهذه الصنعة ولا في طبعه ~~أن يعلمها لو تفرغ لها الشيء التافه من الأقاويل في هذه الصناعة, فيبني ~~نظره فيها على ذلك, وهو قد حفظ شيئا وغابت عنه أشياء. ### | 7- # إضاءة ويجب في محاكاة أجزاء الشيء أن ترتب في الكلام على حسب ما وجدت ~~عليه في الشيء لأن المحاكاة بالمسموعات تجري من السمع مجرى المحاكاة ~~بالمتلونات من البصر. وقد اعتادت النفوس أن تصور لها تماثيل الأشباح ~~المحسوسة ونحوها على ما عليه ترتيبها. فلا يوضع النحر في صور الحيوان إلا ~~تاليا للعنق وكذلك سائر الأعضاء فالنفس تنكر لذلك المحاكاة القولية إذا لم ~~يوال بين أجزاء الصور علة مثل ما وقع فيها, كما تنكر المحاكاة المصنوعة ~~باليد إذا كانت كذلك. فإن وقعت محاكاة على هذا النحو من فساد الترتيب ~~فالواجب أن يعتقد فيها أنها صور جزئية إذا كان كل جزء منها قد خيل على حدته ~~على ما يجب فيه لا صورة كلية لأن المجموع ليس له نظام المجموع, فيجب لهذا ~~أن تعتبر المحاكاة تفاريق. ### | 8- # تنوير: ولا يخلو الشيء من أن يحاكى بأوصاف له شهيرة أو ms062 صفات خاملة أو ~~بمجموعها. ولا تخلو من أن تقع التخاييل في جميع أجزاء الشيء أو في بعضها. ~~والمخيل الذي تقع التخاييل في بعض أجزائه لا يخلو أن تقع في طرف واحد منه, ~~أو في كلا طرفيه, أو فيهما معا وما بينهما. وأحسن التخاييل ما اشتهرت ~~الأوصاف فيه وعمت. ### | 9- # إضاءة: فالمحاكاة التامة في الوصف هي استقصاء الأجزاء التي بموالاتها ~~يكمل تخييل الشيء الموصوف. وفي الحكمة استقصاء أركان العبارة عن جملة أجزاء ~~المعنى الذي جعل مثالا لكيفيات مجاري الأمور والأحوال وما تستمر عليه أمور ~~الأزمنة والدهور. وفي التاريخ استقصاء أجزاء الخبر المحاكى وموالاتها على ~~حد ما انتظمت عليه حال وقوعها, كقول الأعشى: (البسيط -ق- المترادف) # كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار # إذ سامه خطتي خسف, فقال له: ... قل ما شاء, فإني سامع حار # فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار # فشك غير طويل, ثم قال له اقتل أسيرك, إني مانع جاري # فهذه محاكاة تامة, ولو أخل بذكر بعض أجزاء هذه الحكاية لكانت ناقصة, ولو ~~لم يورد ذكرها إلا إجمالا لم تكن محاكاة ولكن إحالة محضة. ### | 10- # تنوير: فأما طريق التهدي إلى تحسينات الأشياء وتقبيحاتها بالمحاكاة فإنه ~~لما كان المقصود بالشعر إنهاض النفوس إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده أو ~~التخلي عن فعله أو طلبه أو اعتقاده بما يخيل لها فيه من حسن أو قبح وجلالة ~~أو خسة وجب أن تكون موضوعات صناعة الشعر الأشياء التي لها انتساب إلى ما ~~يفعله الإنسان ويطلبه ويعتقده. والأقاويل الدالة على تلك الأشياء من حيث ~~تخيل بها تلك الأشياء. فتحسين المحاكاة وتقبيحها إما يتعلقا بفعل أو ~~اعتقاد, أو يتعلقا بالشيء الذي يفعل أو يعتقد. # وطرق تعلقها بالشيء أو فعله أو اعتقاده أربعة: # PageV01P033 ### | 1- # إما أن يحسن الشيء من جهة الدين وما توثره النفس من الثواب على فعل شيء ~~أو اعتقاده وتخاف من العقوبة على تركه وإهماله وإما أن يقبح من ضد ذلك. ### | 2- # وإما أن يحسن من جهة العقل وما يجب أن ms063 يوثره الإنسان من جهة ما هو عاقل ~~ذو أنفة من الجهل والسفاهة وإما أن يقبح من ضد ذلك. ### | 3- # وإما أن يحسن من جهة المروءات والكرم وما توثره النفس من الذكر الجميل ~~والثناء عليه أو يقبح من ضد ذلك. ### | 4- # وإما أن يحسن من جهة الحظ العاجل وما تحرص عليه النفس وتشتهيه مما ينفعها ~~من جهة ما توثر من النعمة وصلاح الحال أو يقبح من ضد ذلك. # فوقوع التحسينات والتقبيحات في التخاييل الشعرية إنما يسلك به أبدا طريق ~~من هذه الأربعة وهي: الدين والعقل والمروءة والشهوة. # ويتعلق التحسين والتقبيح أبدا إما بالشيء الذي يراد الميل إليه أو النفرة ~~عنه, وإما بفعله أو اعتقاده. فإذن التحسينات المتعلقة بالشيء بالنسبة على ~~هذه الطرق أربعة, وبفعله أو اعتقاده أربعة, فتلك ثمانية جهات يتفقدها ~~الشاعر إذا أراد تحسين شيء. # وللتقبيحات أيضا بالنسبة إلى تلك الطرق فيما تعلق بالشيء أربعة مذاهب, ~~وفيما تعلق بفعله أو طلبه أو اعتقاده أربعة أيضا. فهذه أيضا ثماني جهات. # والجهات المزدوجة وهي التي يتعلق التحسين والتقبيح فيها بالشيء وفعله أو ~~اعتقاده معا بالنسبة على تلك الطرق الأربعة أيضا ثمان. # فحصل من هذه الأنحاء التي تتفرع غليها التحسينات والتقبيحات أربع وعشرون ~~صورة. وإذا اعتبر تحسين الشيء نفسه أو تقبيحه بالنظر إلى ما يكون عليه في ~~نفسه وما يرجع إليه, أو بالنسبة على ما يكون منه بسبب مما هو خارج عنه, ومن ~~جهة ما يقع منه أو به فعل, تضاعفت القسمة. ### | 11- # إضاءة: والتحسين والتقبيح يتعلقان بالفعل من جهة ما هو عليه في نفسه, ومن ~~جهة ما تكون عليه الأحوال المطيفة به. والأحوال المطيفة بالفعل هي: 1- ~~الزمان 2- والمكان 3- وما منه الفعل 4- وما إليه الفعل 5- وما به الفعل 6- ~~وما من أجله الفعل 7- وما عنده الفعل. # فقد يكون الفعل حسنا أو قبيحا في نفسه, وقد يكون الحسن والقبح من جهة بعض ~~هذه الأحوال المطيفة. فكل فعل قصد تحسينه أو تقبيحه من جهة ما يرجع غليه في ~~نفسه, أو من جهة ما يرجع إلى الأحوال المطيفة به فإنما ms064 يكون التحسين ~~والتقبيح فيه من جهة ما يكون وفقا لبعض تلك الأشياء التي كأنها غايات ~~تترامى إليها مطالب الناس, أو من جهة ما لا يكون وفقا لها. وتلك الأشياء ~~التي عليها مدار التحسينات والتقبيحات هي: الورع والعقل والمروءة والشهوة ~~في الحظ العاجل. فتحسين الفعل وتقبيحه يقع في كل ركن من هذه الأركان من ~~ثمانية أنحاء على ما تقدمت الإشارة إليه من حيث إن الفعل تطيف به أحوال ~~سبعة. ### | 12- # تنوير: وإنما جعلت التحسين والتقبيح ينصرفان طورا على الشيء نفسه, وتارة ~~على فعله أو اعتقاده أو طلبه, وتارة إلى مجموع ذلك كله, لأن الشيخ إذا عشق ~~جارية جميلة وأردنا أن نصرفه عنها بالأقاويل الشعرية اعتمدنا ذم الفعل وعيب ~~التصابي في حال المشيب وما ناسب هذا. فإن كانت قبيحة أو ممن يجوز تخييل ~~القبح فيها أضفنا إلى ذم تصابي الشيخ ذم قبح الفتاة. فإن كان العاشق شابا ~~اعتمدنا ذم ما في المرأة من قبح خلق وخلائق نحو ما يوصف النساء به من الغدر ~~والملالة وغير ذلك. ولم نقبح عليه العشق في الشباب إلا من جهة عقل أو نحو ~~ذلك. ### | 13- # إضاءة: والتحسينات والتقبيحات الشعرية تميل على أشياء وتنصرف عن أشياء ~~وتكثر في أشياء وتقل في أشياء بحسب ما يكون عليه الشيء من التباس بآداب ~~البشر, وما يكون عليه من نفع أو ضرر, أو لا يكون له التباس يعتد به في تأثر ~~النفوس له من جهة نفع أو ضرر. وقد تقدم التنبيه على أحوال المعاني في جميع ~~ذلك. فليتصفح هنالك, والله الموفق. # PageV01P034 ### | 14- # تنوير: فأما كيفيات مناقل الفكر في التخييلات التي يرام بها إيقاع ~~التحسينات والتقبيحات, وفي التخيلات التي يقصد بها أن تكون أعوانا على ~~إيقاع ذلك فيحصل باقتفاء الخواطر مناقلها في جميع ذلك, بوضع ما يجب في حيز ~~حيز من تلك المناقل على ما يجب من الأجزاء التي منها التئام هذه الصناعة ~~لفظا ومعنى كمال هذه الصناعة على الوجه الذي تكون به مهيأة لحصول الغاية ~~المقصودة بها فهي أن للمخيلين في التخييلات التي يحتاجون غليها ms065 في صناعتهم ~~أحوالا ثمانية. لكل واحدة منها في زمان مزاولة النظم مرتبة لا تتعداها. # الحالة الأولى: يتخيل فيها الشاعر مقاصد غرضه الكلية التي يريد إيرادها ~~في نظمه أو إيراد أكثرها على ما أبينه في القسم الثالث إن شاء الله. # الحال الثانية: أن يتخيل لتلك المقاصد طريقة وأسلوبا أو أساليب متجانسة ~~أو متخالفة ينحو بالمعاني نحوها ويستمر بها على مهايعها. وسيأتي الكلام في ~~الأساليب في القسم الرابع أن شاء الله. # الحال الثالثة: أن يتخيل ترتيب المعاني في تلك الأساليب. ومن أهم هذه ~~التخيلات موضع التخلص والاستطراد. # الحال الرابعة: أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات ~~تليق بها ليعلم ما يوجد في تلك العبارات من الكلم التي تتوازن وتتماثل ~~مقاطعها ما يصلح أن يبني الروي عليه. وفي هذه الحال أيضا يجب أن يلاحظ ما ~~يحق ما يحق أن يجعل مبدأ ومفتتحا للكلام, وربما لحظ في هذه الحال موضع ~~التخلص والاستطراد. ### | 15- # إضاءة: فهذه أربع أحوال في التخاييل الكلية. # والحال الخامسة, وهي أول حال من التخاييل الجزئية: أن يشرع الشاعر في ~~تخيل المعاني معنى معنى بحسب غرض الشعر. # الحال السادسة: أن يتخيل ما يكون زينة للمعنى وتكميلا له. وذلك يكون ~~بتخيل أمور ترجع إلى المعنى من جهة حسن الوضع والاقترانات والنسب الواقعة ~~بين بعض أجزاء المعنى وبعض, وبأشياء خارجة عنه مما يقترن به ويكون عونا له ~~على تحصيل المعنى المقصود به. # والحال السابعة: أن يتخيل, لما يريد أن يضمنه في كل مقدار من الوزن الذي ~~قصد, عبارة توافق نقل الحركات والسكنات فيها ما يجب في ذلك الوزن في العدد ~~والترتيب بعد أن يخيل في تلك العبارات ما يكون محسنا لموقعها من النفوس. # الحال الثامنة: أن يتخيل, في الموضع الذي تقصر فيه عبارة المعنى عن ~~الاستيلاء على جملة المقدار المقفى, معنى يليق أن يكون ملحقا بذلك المعنى, ~~وتكون عبارة المعنى الملحق طبقا لسد الثلمة التي لم يكن لعبارة الملحق به ~~وفاء بها. ومن هذا قول المتنبي: (الطويل -ق- المتدارك) # نهبت من الأعمار ما ms066 لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد # ولا يتفق هذا إلا في بعض المواضع. وهذه الأحوال كلها قد ألمعت في هذا ~~الكتاب بما يجب في كل واحدة منها بحسب ما توسع له هذا الموضوع, إذ لتفصيل ~~القول في جميع ذلك طول كثير, وفي ما ذكرته وأذكره من ذلك إن شاء الله مقنع. ### | 16- # تنوير: فعلى هذا النحو من الانتقال أصل منشأ الشعر. وقد يحصل للشاعر ~~بالطبع البارع وكثرة المزاولة ملكة يكون بها انتقال خاطره في هذه الخيالات ~~أسرع شيء حتى يحسب من سرعة الخاطر أنه لم يشغل فكره بملاحظة هذه الخيالات ~~وإن كانت لا تتحصل له إلا بملاحظتها ولو مخالسة. وكانت هذه الملكة نحوا من ~~ملكة الخاطر, فإنه وإن كان أصل تعلمه القراءة تتبع الحروف وحركاتها ~~وسكناتها مقطعة, فإنه تحصل له ملكة لا يحتاج معها إلى ذلك التتبع. بل يعلم ~~عندها يقع بصره على مجموع الحروف المختطة أي لفظ يدل عيه ذلك المجموع. هذا ~~على أن صناعة مؤلف الكلام كصناعة الناسج تارة ينسج بردا من يومه وتارة حلة ~~من عامه, ولكل قيمته. وإنما يظن أن ليس بين أنماط الكلام هذا التفاوت من ~~جهل لطائف الكلام وخفيت عليه أسرار النظم. ### | ز- معلم دال على طرق العلم بما يخص المحاكاة التشبيهية من الأحكام. # وينبغي أن ينظر في المحاكاة التشبيهية من جهات. فمن ذلك جهة الوجود ~~والفرض. وينبغي أن تكون المحاكاة على الوجه المختار بأمر موجود لا مفروض. # PageV01P035 ### | 1- # إضاءة: ومن ذلك جهة الإدراك. وينبغي أن تكون المحاكاة في الأمور المحسوسة ~~حيث تساعد المكنه من الوجوه المختارة بالأمور المحسوسة. وبها يحسن بأن ~~تحاكي الأمور غير المحسوسة حيث يتأتى ذلك ويكون بين المعنيين انتساب. ~~ومحاكاة المحسوس بغير المحسوس قبيحة. ### | 2- # تنوير: وينبغي أن تكون المحاكاة التي يقصد بها وضوح الشبه منصرفة على جنس ~~الشيء الأقرب كتشبيه أيطل الفرس بأيطل الظبي. والمحاكاة التي يقصد بها ~~التوسع والراحة والقناعة بما تيسر من الشبه منصرفة إلى الجنس الأبعد كتشبيه ~~متن الفرس بالصفاة. # وينبغي أن تكون المحاكاة التي يقصد بها اجتماع وضوح الشبه ms067 وظهور نبل ~~الشاعر وحذقه منصرفة إلى الجنس الذي يلي الجنس الأقرب كتشبيه الأشياء ~~الحيوانية بالأشياء النباتية, نحو تشبيه قلوب الطير رطبة بالعناب, ويابسة ~~بالخشف, وتشبيه غبرة الروق بالقلم المستمد. ### | 3- # إضاءة: وينبغي أن يكون المثال المحاكي به معروفا عند جميع العقلاء أو ~~أكثرهم بالسجية. ولا يحسن أن يكون مما ينكر ويجهل. ### | 4- # تنوير: وينبغي أن تكون الأوصاف التي يشترك فيها المثال والممثل أشهر ~~صفاتها أو من أشهراها. واعتبار هذا الشرط آكد في صفات الممثل به. وينبغي أن ~~تكون الصفات التي يتضادان فيها أخمل صفاتهما. ### | 5- # إضاءة: ويشترط في المحاكاة التي يقصد بها تحريك النفس إلى طلب الشيء أو ~~الهرب منه أن يكون ما يحاكى به الشيء المقصود إمالة النفس نحوه مما تميل ~~النفس إليه, وأن يكون ما يحاكى به الشيء المقصود تنفير النفس عنه مما تنفر ~~النفس عنه أيضا. فإن مثل ما يقصد تحريك النفس على طلبه بما من شأنها أن ~~تهرب عنه, وما قصد تحريكها إلى الهرب منه بما من شأنها أن تطلبه, كان ذلك ~~خطأ وجاريا مجرى التناقض. وذلك مثل قول حبيب: (الطويل -ق- المترادف) # إذا ذاقها, وهي الحياة, رأيته ... يعبس تعبيس المقدم للقتل # فأما المحاكاة التي لا يقصد بها تحسين ولا تقبيح ولكن, محاكاة الشيء بما ~~يطابقه فقط, فالمذهب الأمثل محاكاة الحسن بالحسن والقبيح بالقبيح. وقد ~~يحاكى الشيء الحسن في حيز وبالنسبة إلى غرض بما هو قبيح في حيز آخر ~~وبالنسبة إلى غرض آخر. ولا يقصد في ذلك إلا محاكاتهما من حيث تطابقا. وقد ~~يقصد بذلك ضرب من الإغراب. فيستسهل لذلك تمثيل ما تميل النفس إليه بما تنفر ~~عنه, كقول ابن الرومي: (الرجز -ق- المترادف) # هام وأرغفة وضاء فخمة ... قد أخرجت من جاحم فوار # كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النار # وكأن هذا وما جرى مجراه من عبث المنهومين. ### | 6- # تنوير: واعلم أنه لا تحسن محاكاة ذي مقدار كبير بذي مقدار صغير, ولا ~~محاكاة ذي مقدار صغير بذي مقدار كبير, إذا كان بينهما تفاوت في ذلك. وكذلك ~~لا تحسن محاكاة ذي ms068 لون بذي لون مخالف له ما لم تقصد في ما تفاوت من ذلك وما ~~تخالف محاكاة هيئة فعل أو حال في المحاكاة والمحاكى به. فإذا قصدت محاكاة ~~هيئة بهيئة لم تلتفت إلى تفاوت ما بين الواحد والآخر في المقدار ولا تباين ~~ما بينهما في اللون, ولذلك استحسن تشبيه الذباب بالقادح, لأن المقصود ~~محاكاة إحدى الحالين بالأخرى. فالمحاكاة إنما تعلقت بالهيئة لا بالمقدار. ~~وعلى هذا حمل تشبيه العصا بالجان وهو حية صغيرة كثيرة الهيج والحركة بعد ~~تشبيهها بالثعبان المبين, لأن المقصود في التشبيه محاكاة هيئة الحركة, وليس ~~المقصود محاكاة مقدار هذا بمقدار ذلك. ### | 7- # إضاءة: واعلم أنه إذا اجتمع في المحاكي والمحاكى به أوصاف ثلاثة أو اثنان ~~منها وهي: المقدار والهيئة واللون جاز عكس المحاكاة, وحسن أن تحاكي الشيء ~~بما حاكيته به. ### | 8- # تنوير: واعلم أن الصوت والهيئة إذا اتفقا في متناه في الحقارة ومتناه في ~~العظمة فلا تحسن محاكاة أحدهما بالآخر إلا حيث يقصد غلو في تحقير المحاكي ~~أو تعظيمه. فإذا لم يتفاوتا في ذلك, جازت محاكاة أحدهما بالآخر. وكان ~~الأعظم محاكى به حيث يقصد التعظيم, والأحقر محاكى به حيث يقصد التحقير. ولا ~~يجوز العكس إلا حيث يتقاربان أو يتكافآن. # PageV01P036 ### | 9- # إضاءة: واعلم أن الشيء إذا حوكي بالشيء, والمقصود محاكاة أحد فعليهما ~~بالآخر, وكان في فعل المحاكي تقصير عن فعل المحاكى به, فإنه مستساغ في ~~الشعر أن يحاكى المقصر عنه وأن يجعل مثله أو مربيا عليه إذا كانت الزيادة ~~في ذلك الفعل مستحسنة بالنسبة إلى ما يراد منه من منفعة أو غير ذلك. ومن ~~هذا تشبيه الفرس بالريح والبرق. # ويجوز أن يحاكى الأعظم حالا في الفعل أو المقدار بالأحقر في ذلك أو هذا ~~إذا كان التحقير في الأعظم مستحسنا بالنسبة إلى ما يراد منه. وكأن القسم ~~الأول تكميل وهذا تعديل. ### | ح- معرف دال على طرق المعرفة بالوجوه التي لأجلها حسن موقع المحاكاة من النفس. # لما كانت النفوس قد جبلت على التنبه لأنحاء المحاكاة واستعمالها ~~والالتذاذ بها منذ الصبا, وكانت هذه الجبلة في الإنسان أقوى ms069 منها في سائر ~~الحيوان -فإن بعض الحيوان لا محاكاة فيه أصلا, وبعضها فيه محاكاة يسيرة: ~~إما بالنغم كالببغاء, وإما بالشمائل كالقرد- اشتد ولوع النفس بالتخيل, ~~وصارت شديدة الانفعال له حتى أنها ربما تركت التصديق للتخيل. فأطاعت تخيلها ~~وألغت تصديقها. وجملة الأمر أنها تنفعل للمحاكاة انفعالا من غير رؤية, سواء ~~كان الأمر الذي وقعت المحاكاة فيه على ما خيلته لها المحاكاة حقيقة، أو كان ~~ذلك لا حقيقة له فيبسطها التخييل للأمر أو يقبضها عنه. فلا تقصر في طلبه أو ~~الهرب منه عن درجة المبصر لذلك. فيكون إيثار الشيء أو تركه طاعة للتخييل ~~غير مقصر عن إيثاره أو تركه انقيادا للرؤية. ### | 1- # إضاءة: ومن التذاذ النفوس بالتخيل أن الصور القبيحة المستبشعة عندما قد ~~تكون صورها المنقوشة والمخطوطة والمنحوتة لذيذة إذا بلغت الغاية القصوى من ~~أشبه بما هي أمثلة له، فيكون موقعها من النفوس مستلذا لا لأنها حسنة في ~~أنفسها بل لأنها حسنة المحاكاة لما حوكي بها عند مقايستها به. # قال هذا أبو علي ابن سينا في كتاب الخطابة من كتاب الشفاء. ثم قال: "وهذا ~~كله للمناسبة بين الصورة مثلا وما يحاكيها. وهذه المناسبات أمور في ~~الطبيعة". ### | وقال ابن سينا أيضا في كتاب الشعر من كتاب الشفاء: # "إن النفوس تنشط وتلتذ بالمحاكاة، فيكون ذلك سببا لأن يقع عندها للأمر ~~فصل موقع. والدليل على فرحهم بالمحاكاة أنهم يسرون بتأمل الصور المنقوشة ~~للحيوانات الكريهة المتقزز منها. ولو شاهدوها أنفسها لتنطوا عنها. فيكون ~~المفرح ليس نفس تلك الصورة ولا المنقوش بل كونها محاكاة لغيرها إذا كانت قد ~~أتقنت.؟ ولهذا السبب ما صار التعليم لذيذا لا إلى الفلاسفة فقط بل إلى ~~الجمهور، لما في التعليم من المحاكاة، لأن التعليم تصوير ما للأمر في رقعة ~~النفس. ولهذا ما يكثر سرور الناس بالصور المنقوشة بعد أن يكونوا قد أحسوا ~~الخلق التي هذه أمثالها. فإن لم يحسوها قبل لم تتم لذتهم، بل إنما يلتذون ~~حينئذ قريبا بما يلتذون من نفس محاكاة النقش في كيفيته ووضعه وما يجري ~~مجراه". # ثم قال ابن سينا: ms070 "والسبب الثاني حب الناس للتأليف المتفق أو للألحان ~~طبعا. ثم قد وجدت الأوزان مناسبة للألحان فمالت إليها النفوس وأوجدتها. فمن ~~هاتين العلتين تولدت الشعرية". # وقد تضمن كلام ابن سينا شرطا من شروط المحاكاة لم نذكره اكتفاء بالإشارة ~~إليه في هذا الموضوع. وهو أن الالتذاذ بالتخيل والمحاكاة إنما يكمل بأن ~~يكون قد سبق للنفس إحساس بالشيء المخيل وتقدم لها عهد به. # وبقي أن نبسط الكلام شيئا في تبيين ما للمحاكاة من حسن موقع من النفوس من ~~جهة اقترانها بالمحاسن التأليفية والصيغ المستحسنة البلاغية، وهو الذي أشار ~~إليه أبو علي ابن سينا بالتأليف المتفق. # PageV01P037 # تنوير: فأما السبب في حسن موقع المحاكاة من النفس من جهة اقترانها ~~بالمحاسن التأليفية فهو أنه لما كان للنفس في اجتلاء المعاني في العبارات ~~المستحسنة من حسن الموقع الذي يرتاح له ما لا يكون لها عند قيام المعنى ~~بفكرها من غير طريق السمع، ولا عند ما يوحى إليها المعنى بإشارة، ولا عند ~~ما تجتليه في عبارة مستقبحة، ولهذا نجد الإنسان قد يقوم المعنى بخاطره على ~~جهة التذكر، وقد يشار له إليه، وقد يلقى إليه بعبارة مستقبحة، فلا يرتاح له ~~في واحد من هذه الأحوال. فإذا تلقاه في عبارة بديعة اهتز له وتحرك لمقتضاه، ~~كما أ، العين والنفس تبتهج لاجتلاء ما له شعاع ولون من الأشربة في الآنية ~~التي تشف عنها كالزجاج والبلور ما لم تبتهج لذلك إذا عرض عليها في آنية ~~الحنتم وجب أن تكون الأقاويل الشعرية أشد الأقاويل تحريكا للنفوس، لأنها ~~أشد إفصاحا عما به علقة الأغراض الإنسانية، إذا كان المقصود بها الدلالة ~~على أعراض الشيء ولواحقه التي للآداب بها علقة. # والأقاويل غير الشعرية، وخصوصا ما قصد به التصديق والدلالة على ماهيات ~~الأشياء، إنما تفهم منها في أكثر الأمر تلك اللواحق والأعراض على جهة ~~الالتزام والتضمن. وليس ما يكون نصا على الشيء في تمكين إلقائه من النفس ~~طبقا له مثل ما لا يفهم الشيء منه إلا بطريق ضمن أو لزوم. # وأيضا فإن الأقاويل الشعرية يحسن موقعها من ms071 النفوس من حيث تختار مواد ~~اللفظ وتنتقى أفضلها وتركب التركيب المتلائم المتشاكل وتستقصى بأجزاء ~~العبارات التي هي الألفاظ الدالة على أجزاء المعاني المحتاج إليها حتى تكون ~~حسنة إعراب الجملة والتفاصيل عن جملة المعنى وتفاصيله، يكون التخيل كما ~~قدمت، يجب فيه تخييل أجزاء الشيء عند تخييله حتى تتشكل جملته بتشكل أجزاء، ~~فتقوم صورته بذلك في الخيال الذهني على حد ما هي عليه خارج الذهن، أو أكمل ~~منها إن كانت محتاجة إلى التكميل. # وقد قال أفلاطون في كتاب السياسة له: "إنا لا نلوم مصورا إن صور صورة ~~إنسان فجعل جميع أعضائه على غاية الحسن، فنقول له إنه ليس يمكن أن يكون ~~إنسان على هذه الصورة، وذلك أن المثال ينبغي أ، يكون المثال". # وليس ما سوى الأقاويل الشعرية في حسن الموقع من النفوس مماثلا للأقاويل ~~الشعرية، لأن الأقاويل التي ليست بشعرية ولا خطابية ينحى بها نحو الشعرية ~~لا يحتاج فيها إلى ما يحتاج إليه في الأقاويل الشعرية، إذ المقصود بما ~~سواها من الأقاويل إثبات شيء أو إبطاله أو التعريف بماهيته وحقيقته. # وإنما يثبت الشيء بغيره وربما هو خارج عنه مما له نسبة إلى ما يرجع غليه ~~مما شأنه إذا ألفت العبارة فيه تأليفا محدودا أن ينتقل منه إليه ويصار به ~~إلى معرفة ثباته أو ارتفاعه. وإذا عرف فإنما يعرف بقول يدل على ماهيته ~~المشتركة والخاصة, وليس يدل على اللواحق والأعراض التي بها تشبث الآداب ~~الإنسانية وعلقة الأغراض إلا على جهة التزم. وإذا خيل لك الشيء بالأقاويل ~~المحاكية له فالمقصود محاكاة ما هو عليه من حسن أو قبح بأقاويل تخيل لواحقه ~~وأغراضه التي بها علقة الأغراض, ومحاسن الشيء ومساويه راجعة غليه. فإذا ~~حوكي الشيء بصفاته أو ما هو مثال لصفاته تصور بما يرجع إليه وبما له علقة ~~بالأغراض مما يرجع إليه أو ما هو مثال لما يرجع إليه. وإذا قصد التعريف به ~~أو الاستدلال عليه عرف بما ليس له علقة بالأغراض, واستدل عليه بما هو خارج ~~عنه. # فمحصول ما عدا الأقاويل الشعرية إيقاع تعريف ms072 أو تصديق بما لا تشتد علقته ~~بالأغراض أو لا تكون علقته بالجملة, أو مغالطة السامع وإيهامه أن ذلك واقع ~~من غير أن يكون كذلك. ومحصول الأقاويل الشعرية تصوير الأشياء الحاصلة في ~~الوجود وتمثيلها في الأذهان على ما هي عليه خارج الأذهان من حسن أو قبح ~~حقيقة, أو على غير ما هي عليه تمويها وإيهاما, فأقوال دالة على ما يلحق ~~الأشياء ويعرض لها مما هو خارج عن مقوماتها مما علقة الأغراض الإنسانية به ~~قوية. # PageV01P038 # فالمحصول الأول كحصول العلم مثلا بامتلاء إناء أو خلوه بأن يبصر مثلا ~~يرشح أو يوجد ثقيلا أو يبصر مكفأ ويوجد خفيفا. والمحصول الثاني وهو الذي ~~للأقاويل الشعرية مثل ما تشف لك آنية الزجاج عن صورة ما تحويه. فلذلك صارت ~~الأقاويل الشعرية أشد إبهاجا وتحريكا للنفوس من غيرها. فلشدة منسبة ~~الأقاويل الشعرية للأغراض الإنسانية كانت أشد تحريكا للنفوس وأعظم أثرا ~~فيها. ### | 3- # إضاءة: وليست المحاكاة في كل موضع تبلغ الغاية القصوى من هز النفوس ~~وتحريكها, بل تؤثر فيها بحسب ما تكون عليه درجة الإبداع فيها, وبحسب ما ~~تكون عليه الهيئة النطقية المقترنة بها, وبقدر ما تجد النفوس مستعدة لقبول ~~المحاكاة والتأثر لها. ### | 4- # تنوير: فتحرك النفوس للأقوال المخيلة إنما يكون بحسب الاستعداد, وبحسب ما ~~تكون عليه المحاكاة في نفسها, وما تدعم به المحاكاة وتعضد مما يزيد به ~~المعنى تمويها والكلام حسن ديباجة من أمور ترجع إلى لفظ أو معنى أو نظم أو ~~أسلوب. وقد ذكرت جل كليات تلك الأشياء في هذا الكتاب. ### | 5- # إضاءة: والاستعداد نوعان: استعداد بأن تكون للنفس حال وهوى قد تهيأت بهما ~~لأن يحركها قول ما بحسب شدة موافقته لتلك الحال والهوى كما قال المتنبي: ~~(الخفيف -ق- المترادف) # وإنما تنفع المقالة في المر ... ء, إذا وافقت هوى في الفؤاد # والاستعداد الثاني هو أن تكون النفوس معتقدة في الشعر أنه حكم وأنه غريم ~~يتقاضى النفوس الكريمة الإجابة إلى مقتضاه بما أسلبها من هزة الارتياح لحسن ~~المحاكاة. هكذا كان اعتقاد العرب في الشعر. فكم خطب عظيم هونه عندهم بيت! ~~وكم خطب ms073 هين عظمه بيت آخر!. ولهذا ما كانت ملوكهم ترفع أقدار الشعراء ~~المحسنين, وتحسن مكافأتهم على إحسانهم. وكان لغير العرب بين الأمم في ~~القديم أيضا من العناية بالشعر والتأثر له وحسن الاعتقاد فيه مثل ما كان ~~للعرب. وقد قال أبو علي ابن سينا: "إنهم كانوا ينزلون الشاعر منزلة النبي ~~فينقادون لحكمه ويصدقون بكهانته". هذا على أن العرب انتهت من إحكام الصنعة ~~الجديرة بالتأثير في النفوس إلى ما لم تنته إليه أمة من الأمم, لاضطرارهم ~~إلى التأنق في تأسيس مباني كلامهم وإحكام صنعته بسكناهم البيد البسابس في ~~غير إيالة تربطهم وسياسة تضبطهم. فكانوا أخلق أمة بأن يكثر تنازعهم فيما ~~يقيمون به معايشهم. فاتخذوا الإبل لارتياد الخصب, واتخذوا الخيل للعز ~~والمنعة, واتخذوا الكلام المحكم نظما ونثرا للوعظ والحض على المصالح. ### | 6- # تنوير: ولشدة حاجة العرب إلى تحسين كلامها اختص كلامها بأشياء لا توجد في ~~غيره من ألسن الأمم. فمن ذلك تماثل المقاطع في الأسجاع والقوافي لأن في ذلك ~~مناسبة زائدة, ومن ذلك اختلاف مجاري الأواخر, واعتقاب الحركات على أواخر ~~أكثرها, ونياطتهم حرف الترنم بنهايات الصنف الكثير المواقع في الكلام منها ~~لأن في ذلك تحسينا للكلم بجريان الصوت في نهاياتها, ولأن للنفس في النقلة ~~من بعض الكلمة المتنوعة المجاري إلى بعض على قانون محدود راحة شديدة ~~واستجدادا لنشاط السمع بالنقلة من حال إلى حال, ولها, في حسن اطراده في ~~جميع المجاري على قوانين محفوظة قد قسمت المعاني فيها على المجاري أحسن ~~قسمة, تأثر من جهتي التعجيب والاستلذاذ للقسمة البديعة والوضع المتناسب ~~العجيب. فكان تأثير المجاري المتنوعة وما يتبعها من الحروف المصوتة من أعظم ~~الأعوان على تحسين مواقع المسموعات من النفوس, وخصوصا في القوافي التي ~~استقصت فيها العرب كل هيئة تستحسن من اقترنات بعض الحركات والسكنات والحروف ~~المتماثلة المصوتة وغير المصوتة ببعض, وما تتنوع إليه تلك الاقترنات من ~~ضروب الترتيب. فهذه فضيلة مختصة بلسان العرب. ولهذا قال أبو نصر: "إن ~~الألسن العجمية متى وجد فيها شعر مقفى فإنما يرومون أن يحتذوا فيه حذو ~~العرب. وليس ذلك ms074 موجودا في أشعارهم القديمة". ### | 7- # إضاءة: وإنما التزمت العرب إجراء اللواحق المصوتة على أعقاب الكلم ~~ونهاياتها على قانون قانون في موضع موضع لا يتعدى, في كل موضع منها صورة ~~مخصوصة من المجاري (لوجهين) : # PageV01P039 # أحدهما أنها احتاجت إلى فروق بين المعاني. وقد كان يمكنها أن تجعل لذلك ~~علامات غير اختلاف مجاري الأواخر كما فعل غيرها من الأمم, لكنها اختصرت ~~وجعلت مجاري الأواخر, التي احتاجت إليها لتنويع مجاري القوافي والأسجاع ~~وتحسين نهايات الكلمة بالجملة, فروقا بين المعاني, فاجتمع لها في إجراء ~~الأواخر على ما أجرتها فائدتان. والوجه الثاني في السبب الذي لأجله التزموا ~~إجراء الكلام على قانون قانون بحسب موضع موضع أنهم لو أجروا أواخر الكلم ~~كيف اتفق لم يكن ذلك ملذوذا لأن ذلك أمر لا يرجع على نظام. ولجري الأمور ~~على نظام منضبط محكم موقع عجيب من النفس بحفظ المتكلم لنظام كلامه ومقابلته ~~بضروب هيآته ضروب هيآت المعاني اللائقة بها. ولو كان الأمر في ذلك على غير ~~نظام لما كان للنفوس في ذلك تعجيب, ولكانت الفصاحة مرقاة غير معجزة أحدا. ### | 8- # تنوير: ولنرجع على ما كنا بسبيله من المتكلم فيما تكون عليه النفس من ~~استعداد لقبول المحاكاة والتأثر لها أو غير ذلك. فنقول: إن الاستعداد الذي ~~يكون بانطواء السامع على هوى يكون غرض الكلام المخيل موافقا له فينفعل له ~~بذلك أمر موجود لكثير من الناس في كثير من الأحوال. وأما الاستعداد الذي ~~يكون بأن يعتقد فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقوله فإنه معدوم ~~بالجملة في هذا الزمان, بل كثير من أنذال العالم -وما أكثرهم! - يعتقد أن ~~الشعر نقص وسفاهة. وكان القدماء, من تعظيم صناعة الشعر واعتقادهم فيها ضد ~~ما اعتقده هؤلاء الزعانفة, على حال قد نبه عليها أبو علي ابن سينا فقال: ~~"كان الشاعر في القديم ينزل منزلة النبي, فيعتقد قوله ويصدق حكمه, ويؤمن ~~بكهانته" فانظر إلى تفاوت ما بين الحالين: حال كان ينزل فيها منزلة أشرف ~~العالم وأفضلهم, وحال صار ينزل فيها منزلة أخس العالم وأنقصهم! 9- إضاءة: ~~وإنما هان الشعر على ms075 الناس هذا الهون لعجمة ألسنتهم واختلال طباعهم. فغابت ~~عنهم أسرار الكلام وبدائعه المحركة جملة فصرفوا النقص إلى الصنعة, والنقص ~~بالحقيقة راجع إليهم وموجود فيهم, ولأن طرق الكلام اشتبهت عليهم أيضا. ~~فرأوا أخساء العالم قد تحرفوا باعتفاء الناس واسترفاد سواسية السوق بكلام ~~صوروه في صورة الشعر من جهة الوزن والقافية خاصة, من غير أن يكون فيه أمر ~~آخر من الأمور التي بها يتقوم الشعر. وكأن منزلة الكلام الذي ليس فيه إلا ~~الوزن خاصة من الشعر الحقيقي منزلة الحصير المنسوج من البردي وما جرى مجراه ~~من الحلة المنسوجة من الذهب والحرير, لم يشتركا إلا في النسج كما لم يشترك ~~الكلامان إلا في الوزن. # ولكثرة القائلين المغالطين في دعوى النظم وقلة العارفين بصحة دعواهم من ~~بطلاهم لم يفرق الناس بين المسيء المسف إلى الاسترفاد بما يحدثه وبين ~~المحسن المرتفع عن الاسترفاد بالشعر. فجعلوا قيمتهما متساوية, بل ربما ~~نسبوا إلى المسيء إحسان المحسن وإلى المحسن إساءة المسيء. فصارت نفوس ~~العارفين بهذه الصنعة بعض المعرفة أيضا تستقذر التحلي بهذه الصناعة, إذ ~~نجسها أولئك الأخساء واشتبه على الناس أمرهم وأمر أضدادهم, فأجروهم مجرى ~~واحدا من الاستهانة بهم. فالمعرة لا شك منسحبة على الرفيع في هذه الصنعة ~~بسبب الوضيع. فلذلك هجرها الناس, وحقها أن تهجر. # PageV01P040 ### | 10- # تنوير: ولأن النفوس أيضا قد اعتقدت أن الشعر كله زور وكذب على ما رآه قوم ~~ابن سينا رادا عليهم. وكان يجب على هؤلاء إن كان لهم علم بالشعر ألا يحملهم ~~الحسد فيما قصرت عنه طباعهم على أن يتكلموا في ذلك بغير تحقيق. وكثيرا ما ~~يذم الإنسان ما منعه, شيمة ثعالية, فيحملهم الحسد على الغض من الشعر ومن ~~أهله بإخراجه من الحقائق جملة, وإن كانوا ممن ليس لهم به علم, وما أجدرهم ~~أيضا بهذا! فكان يجب عليهم أن يتعلموا أو لا يتكلموا فيما لم يعملوا. ~~فالناس إذا اعتقدوا هذا الاعتقاد كانوا خلفاء بأن يأخذوا أنفسهم بألا تتحرك ~~للشعر ولا تهتز غليه. وأنت إذا نظرت من تعلم منه شيمة حسد من الكهول ~~والشيوخ الذين ms076 يئسوا من البلاغة في النظم والنثر وجدته إذا أنشدته شعرا ~~حسنا إما شديد الحبوس مربد الوجه لشدة الاغتياط, وإما باديا فيه يسير من ~~الهزة وظاهرا منه أنه يقمع نفسه ويمنعها تسريح العنان في الهزة لئلا يسر ~~بذلك المنشد ولاسيما إن كان الشعر له. فأما الأحداث فمثل هذا الحسد فيهم ~~قليل لأنهم لم يقطعوا يأسهم من إدراك البلاغة, وأيضا فإنهم لا يطالبون ~~أنفسهم في السن الحديثة من الاستكمال والأنفة من النقص في المعارف بما طالب ~~به أنفسهم أولئك. ### | 11- # إضاءة: وربما قال قائل: إذا كانت الأقاويل الشعرية منها ما يخيل الشيء ~~ويمثله نفسه بتعرف صورة الشيء مما أعطاه ومثله القول المخيل, كالذي يحاكي ~~بالدمية صورة امرأة فتعرف صفاتها بها, ومنها ما يترك فيه المعنى المخيل ~~للشيء ويخيل بما يكون مثالا لذلك المعنى, كالذي يتخذ مرآة فيقابل الدمية ~~بها فيريك تمثالها فتعرف أيضا صورة الشيء المحاكى بالدمية بالتمثال الذي ~~يبدو للدمية في المرآة. وقد رأينا من يرى الدمية أو تمثالها في المرآة لا ~~يتحرك لها ولا لتمثالها بنسبة مما كان يتحرك لرؤية الشخص الذي حوكيت صورته ~~بالدمية. فيجب على هذا أن لا يكون التحرك لما يتخيل من الشعر بنسبة من ~~التحرك لمشاهدة الأشياء التي خليت. وأنتم تقولون إن الأقاويل الشعرية ربما ~~كان التحرك لما يتخيل من محاكاتها أشد من التحريك لمشاهدة الشيء الذي حوكي, ~~وابتهاج النفس بما تتخيله من ذلك فوق ابتهاجها بمشاهدة المخيل. فيقال له ~~أولا: إن الدمية والشخص الذي صورت على صورته يختلف اعتبارهما في تحريك ~~النفوس. فالدمية تحركها بالتعجيب من حسن محاكاتها وإبداع الصنعة في تقديرها ~~على ما حكي بها, والشخص الذي هو تمثال له إن كان مستحسنا فإنه يحرك الذي هي ~~تمثال له من هذا الطريق, بل الأمر في الأكثر على ذلك. والقول المخيل قل ما ~~يخلو من التعجيب, بل كأنه مستصحب له من اقل ما يمكن من ذلك في القول المخيل ~~على أكثر ما يمكن. والتعجيب في القول المخيل يكون إما من جهة إبداع محاكاة ~~الشيء وتخييله كما ms077 كان ذلك في الدمية, ويكون من جهة كون الشيء المحاكي من ~~الأشياء المستغربة والأمور المستطرفة. وإذا وقع التعجيب من الجهتين ~~المذكورتين على أتم ما من شأنه أن يوجد فيهما فتلك الغاية القصوى من ~~التعجيب. وللنفوس على ما بلغ هذه الغاية تحريك شديد. ### | 12- # تنوير: ثم يقال لمن اعترض بأن محاكاة الشيء يجب أن يكون التحرك لها أقل ~~من التحرك لمشاهدته أن تمثلنا في المحاكتين بالدمية والمرآة على جهة من ~~التسامح. وإنما ينبغي أن يمثل حسن المحاكاة في القول بأحسن ما يمكن أن يوجد ~~من ضروب تصاوير الأشياء وتماثيلها. فأقول إن من أحسن ما يرى من ذلك تصور ~~أشعة الكواكب والشمع والمصابيح المسرجة في صفحات المياه الصافية الساكنة ~~التموج من الخلجان والأودية والمذانب والأنهار. وكذلك نمثل أفانين شجر ~~الدوح بما ضم من ثمر وزهر في صفحات الماء الصفو إذا كان الدوح مطلا عليه. ~~فإن اقتران طرتي الغدير الدوحية بما يبدو من مثالها في صفاء الماء من أعحب ~~الأشياء وأبهجها منظرا. ونظير ذلك من المحاكاة في حسن الاقتران أن يقرن ~~بالشيء الحقيقي في الكلام ما يجعل مثالا له مما هو شبيه به على جهة من ~~المجاز تمثيلية أو استعارية كقول حبيب: (الخفيف -ق- المترادف) # دمن طالما التقت أدمع ال ... مزن عليها وأدمع العشاق # وقول ابن التنوخي: (الطويل -ق- المترادف) # لما ساءني أن وشحتني سيوفهم ... وأنك لي دون الوشاح وشاح # PageV01P041 # فحسن اقتران أدمع العشاق, وهي حقيقة, بأدمع المزن وهي غير حقيقية, ~~واقتران الوشاح الذي هو حقيقة بالوشاح المراد به التزام المعتنق وهو غير ~~حقيقي يجري في حسن موقعه من السمع والنفس مجرى موقع حسن اقترن الدوح الذي ~~له حقيقة بمثاله في الغدير ولا حقيقة له من العين. فإن المسموعات تجري من ~~السمع مجرى المتلونات من العين. ### | 13- # غضاءة: وأما تخييل الشيء نفسه بالقول المحاكي له فكأن نسبته إلى النفس ~~والسمع نسبة إفصاح الزجاجة عما حوته وإفشائها سر ما أودعته إلى العين من ~~تماثيل الشمع ذوات الأنوار أو الأدواح الخضر ذوات النور في صفحات الماء ما ~~ليس لها ms078 لرؤية صور هذه الأشياء حقيقة, لأن حال معانية أشكال هذه الأشياء في ~~المياه أقل تكررا على الإنسان من مشاهدة حقائق تلك الصور. فهي لها أشد ~~استطرافا. وأيضا فإنه يقع في اقتران تمثال الشيء المستحسن به من التشاكل ~~نحو التشاكل نحو مما يقع بين اقتران بعض المتلونات ببعض. # وأيضا فإن محاكاة الشيء بغيره أطرف من محاكاته بصفات نفسه. وهي أكثر جدة ~~وطراءة منها. فكانت محاكاته بها أطراف من محاكاته بصفات نفسه. # فلهذا وما ذكرنا فيما تقدم ولما نذكره بعد في قوانين المعاني والنظم ~~والأسلوب, وما يقع في كل ذلك من إبداع التخاييل وحسن الهيآت التي هي أعوان ~~للتخاييل المعنوية على ما يراد من تأثر النفوس لها, حسن موقع الأقاويل ~~الشعرية من النفوس. ### | 14- # تنويرك واعلم أن منزلة حسن اللفظ المحاكى به وإحكام تأليف من القول ~~المحاكى به ومن المحاكاة بمنزلة عتاقة الأصباغ وحسن تأليف بعضها إلى بعض ~~وتناسب أوضاعها من الصور التي يمثلها الصانع. # وكما أن الصورة إذا كانت أصباغها رديئة وأوضاعها متنافرة وجدنا العين ~~نابية عنها غير مستلذة لمراعاتها, وإن كان تخطيطها صحيحا, فكذلك الألفاظ ~~الرديئة والتأليف المتنافر, وإن وقعت بها المحاكاة الصحيحة فإنا نجد السمع ~~يتأذى بمرور تلك الألفاظ الرديئة القبيحة التأليف عليها, يشغل النفس تأذي ~~السمع عن التأثر لمقتضى المحاكاة والتخييل. فلذلك كانت الحاجة في هذه ~~الصناعة إلى اختيار اللفظ وإحكام التأليف أكيدة جدا ### | د- المنهج الرابع في الإبانة عن الأحوال التي تعرض للمعاني في جميع مواقعها من # الكلام, فتوجد بها ملائمة للنفوس أو منافرة لها. ### | أ- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في أحوال المعاني وما يجب اعتباره فيها من # جهة ما يرجع إليها في أنفسها أو من جهة ما يقترن بها ويكون لها به علقة. # وأنا أشير على أنحاء النظر في جميع ذلك بإضاءات وتنويرات, من إيراد ~~الآراء البلاغية أرفعها في معلم معلم ومعرف معرف, وأنبه على ما يتأكد ~~التنبيه عليه من ذلك بقول موجز إذ لا ينفسح الوقت الذي للنفس فيه بعض تخل ~~عن الشواغل إلى تسريح ms079 العنان في ذلك. ### | 1- # إضاءة: واعتبار ما تكون عليه المعاني من صحة وكمال ومطابقة للغرض المقصود ~~بها وحسن موقع من النفس يكون بالنظر إلى ما المعنى عليه في نفسه, وبالنظر ~~إلى ما يقترن به من الكلام وتكون له به علقة, وبالنظر إلى الغرض الذي يكون ~~الكلام مقولا فيه, وبالنظر إلى حال الشيء الذي تعلق به القول. ### | 2- # تنوير: والنظر في المعنى من جهة ما يكون عليه في نفسه لا يخلو من أن يكون ~~متعلقا بما يرجع إلى مادته, أو بما يرجع إلى تأليفه, أو بما يرجع إلى ~~مقداره, أو بما يرجع إلى هيئته. وقد تقدم الكلام في كثير مما يحتاج إليه في ~~المعاني من هذه الجهات الأربع. وسأستدرك في هذا النهج ما يكون تتميما لذلك ~~المبدأ وتوطيدا على ذلك الأس, إن شاء الله. ### | 3- # إضاءة: ولا يخلو اعتبار المعنى في جميع ذلك من أن يكون بالنظر إلى ما هو ~~ضروري فيه أو متأكد أو مستحب. والضروري هو ما لا يتم الغرض إلا به. ~~والمتأكد هو الذي يزيد به الكلام حسنا وإن كان قد يستغنى عنه ويكون اعتماده ~~بين الرجاحة على اطراحه. والمستحب هو المائل إلى حيز الرجحان في ذلك. # PageV01P042 ### | 4- # تنوير: وقد أدرجت تفاصيل القول في جميع ذلك في منهج منهج ومعلم معلم من ~~مناهج هذا الكتاب ومعالمه, إذ لم يمكن إدراج ذلك في منهج واحد, لأن ذلك ~~يخرجه إلى مباينة غيره من المناهج في الطول, فيعدل بوضع الكتاب إلى ضد ما ~~قصدنا به من المناسبة والمعادلة. فلذلك اقتصرت في هذا المنهج من النظر في ~~صحة المعاني على ما يقع فيها من إحالة, من جهة نسبة وصف إلى موصوف, ومن جهة ~~تناقض واقع بين متقابلين, أو من جهة تدافع بين المعاني وأغراض الكلام, أو ~~من جهة تباين بين الأوصاف وأحوال الموصوفين. ### | 5- # إضاءة: وكذلك اقتصرت أيضا من النظر في كمال المعاني على الإشارة على بعض ~~جهات الكمال فيها لأن الكمال أيضا يكون بالنظر إلى ما المعنى عليه في نفسه, ~~ويكون بالنظر على ما يكتنفه وتكون ms080 له به علقة, ويكون بالنظر إلى غرض ~~الكلام, ويكون بالنظر إلى حال الشيء الذي فيه القول. ### | 6- # تنوير: وكمال المعنى في نفسه يكون باعتبار استيفاء أجزائه البسيطة, أو ~~استيفاء أجزائه المركبة, لأن المعاني منها ما ينحل إلى أجزاء مركبة, ومنها ~~ما لا ينحل إلا إلى أجزاء بسيطة. وقد تقدم أن أجزاء المعاني قد يكون جميعها ~~متعددا, وقد يتعدد بعضها دون بعض, وأنها قد تتكرر لضروب من المقاصد. وكل ~~ذلك لا يخلو من أن يكون ضروريا بالنظر إلى صحة المعنى وكمال تأديته أو ~~أكيدا فيه أو مستحبا. ### | 7- # إضاءة: وإذا وقع التعداد في المعاني وكان ضروريا بالنسبة على الغرض ~~واستمر في العبارة على نسق متشابه سمي قسمة. وقد يسمى بذلك ما كان متأكدا ~~أو مستحبا, وإن لم يكون ضروريا, على سبيل المسامحة. وأما ما سوى ذلك من ~~أنحاء النظر في كمال المعنى فقد تضمنت التنبيه عليه مواضع كثيرة من هذا ~~الكتاب, فليتأمل هنالك. ### | 8- # تنوير: وتمكن المعنى أيضا يكون بنحو من تلك الاعتبارات, ولم نلمم في هذا ~~الموضع إلا بما يكون التمكن فيه بالنظر إلى ما يواجه به المعنى ويرام ~~التوفيق في الوضع بينهما من جهة ما لأحدهما انتساب إلى الآخر يقتضي ~~المقارنة بينهما, وما عدا ذلك من أنحاء التمكن يتعرف من مواضع أخر من هذا ~~الكتاب. ### | 9- # إضاءة: فأما وضوح المعاني وبيانها وغموضها واستغلاقها فأنا أستقصي في هذا ~~المنهج أنحاء النظر في الوجوه التي بها يكون بيان المعنى أو انبهامه من جهة ~~ما يرجع إليه في نفسه, ومن جهة نسبة اللفظ الدال عليه إلى فهم المخاطب, وإن ~~كان ذكر هذا أليق بالقسم الأول. لكنا قصدنا في هذا المنهج أن يكون القول في ~~جميع ما يكون به انبهام المعاني مستقصى, وأن نتقصى أنحاء النظر من ذلك فيما ~~تقدم الإلماع به من ذلك في المنهج الثالث من القسم الأول. ### | ب- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء النظر في صحة المعاني وسلامتها من الاستحالة # الواقعة بالإفراط في المبالغة. # لا يخلو الشيء المقصود مدحه أو ذمه من أن يوصف ms081 بما يكون فيه واجبا أو ~~ممكنا أو ممتنعا أو مستحيلا. والوصف بالمستحيل أفحش ما يمكن أن يقع فيه ~~جاهل أو غالط في هذه الصناعة. والممتنع قد يقع في الكلام إلا أن ذلك لا ~~يستساغ إلا على جهة من المجاز. والفرق بين الممتنع والمستحيل: أن المستحيل ~~هو الذي لا يمكن وقوعه ولا تصوره, مثل أن يكون شيء طالعا نازلا في حال. ~~والممتنع هو الذي يتصور وإن لم يقع كتركيب عضو من حيوان على جسد من حيوان ~~آخر. ### | 1- # إضاءة: فمدار الأوصاف إذن -بالنظر إلى ما يستساغ ويوثر- إنما هو على ما ~~كان واجبا واقعا, أو ممكنا معتاد الوقوع, أو مقدره. والممكن لا يخلو من أن ~~تتوفر فيه دواعي الإمكان أو أن تقل. وكلما توفرت دواعي الإمكان كان الوصف ~~أوقع في النفس وأدخل في حيز الصحة. ولهذا يقال: ممكن قريب وممكن بعيد. ### | 2- # تنوير: والواجب الثابت الوقوع لا يخلو من أن يكون متناهيا في الخال التي ~~هو عليها, أو قاصرا فيها, أو وسطا بين المتناهي والقاصر. وكل ذلك لا يخلو ~~من أن يكون الوصف به تحسينا للموصوف ومدحا له, أو تقبيحا له وذما. والمدح ~~بالقاصر مما يحسن تقصير في المدح. والذم بالقاصر مما يقبح تقصير في الذم. # PageV01P043 ### | 3- # إضاءة: فبهذا الترتيب يتبين ما يصح ويحسن من المبالغة, وما لا يصح منها ~~ولا يحسن. فإن العلماء بصناعة البلاغة متفقون على أن ما أدى إلى الإحالة ~~قبيح. وقد خالف في هذا جماعة ممن لا تحقيق عنده في هذه الصناعة ولا بصيرة ~~له بها, فاستحسنوا من المبالغة ما خرج عن حد الحقيقة إلى حيز الاستحالة, ~~واحتجوا بمطالبة النابغة حسان بن ثابت بالمبالغة في أوصافه حين أنشده قوله: ~~(الطويل -ق- المتدارك) # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # فقال له: "قللت جفانك وسيوفك, ولو قلت الجفان والسيوف لكان أبلغ". ~~والبصراء بصناعة البلاغة العارفون بما يجب فيها يقولون: إنما طالب النابغة ~~حسانا بمبالغة حقيقة, وهي تكثير الجفان والسيوف. فاستدرك عليه التقصير عما ~~يمكن فيما وصف, ولم يطالبه بتجاوز غاية ms082 الممكن والخروج إلى ما يستحيل. ### | 4- # تنوير: وقد يستساغ الوصف بما يؤدي إلى الإحالة حيث يقصد التهكم بالشيء أو ~~الزراية عليه والإضحاك به. كقول الطرماح: (الطويل -ق- المتدارك) # ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... يكر على صفي تميم لولت # فهذا وأشباهه إنما استعمل على جهة الزراية والإضحاك. فهو مقصود به غرض ~~ما, يسوغ دونه. ### | 5- # إضاءة: وإنما جرى الغلط على كثير من الناس في هذا حيث لم يفرقوا بين ~~الوصف الذي لا يخرج عن حد الإمكان وإن لم يثبت وقوعه, وبين الخارج إلى حيز ~~الاستحالة. وغلطتهم في ذلك أبيات وقعت فيها مبالغات خفيت عليهم فيها جهات ~~الإمكان, فظنوا أنها من الممتنعة أو المستحيلة. # ومثل ذلك من المبالغات التي يمكن أن تتصور لها حقيقة وأن تصرف إلى جهة ~~الإمكان, وإن كان مما يستندر وقوع مثله قول المتنبي: (الطويل -ق- المتدارك) # وأنى اهتدى هذا الرسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل # ومن أي ماء كان يسقي جياده ... ولم تصف من مزج الدماء المناهل # فهذا مستساغ مقبول من حيث يمكن أن تتصور له حقيقة وإن لم تكن واقعة, إذ ~~كانت كثرة الجيوش لا حد لها. ومتى قدرت الزيادة في مقدار منها وإن كثر ~~أمكنت. فجائز أن يغزو أرض قوم من الجيوش ما يصير حزنها سهلا وخيارها وعثا ~~حتى يصير صخرها رهجا وترابها إهبا, فيثور نقعها بأقل حركة أو نفس فلا تسكن ~~القساطل فيها مدة. فأراد المبالغة في جيش ممدوحه فجعله بالغا إلى هذا ~~المقدار. وكذلك سفك الدماء ليس له حد ينتهى إليه. ومتى قدرت الزيادة في ~~مقدار منه أمكنت, فجائز في حق ممدوحه أن يريق من دماء أعدائه ما تكدر منه ~~المياه مدة. فأراد المبالغة في ما أراق هذا الممدوح من دماء الروم, فجعله ~~بالغا إلى ذلك المقدار. # ولا يلزم أبا الطيب أن يكون صادقا في ذلك, لأن صناعة الشعر لها أن تستعمل ~~الكذب إلا أنها لا تتعدى الممكن من ذلك أو الممتنع إلى المستحيل, وإن كان ~~الممتنع فيها أيضا دون الممكن في حسن الموقع من ms083 النفوس. ### | 6- # تنوير: فأما مثل قول أبي الطيب في وصف الأسد: (الكامل -ق- المترادف) # سبق التقاءكه بوثبة هاجم ... لو لم تصادفه لجازك ميلا # فقبيح, غذ لا يمكن في جرم الأسد وقوته من الزيادة ما أمكن في الجيوش ~~والدماء. # وبهذا الاعتبار يتبين لك ما يحسن من المبالغة وما لا يحسن وما يسوغ منها ~~وما لا يسوغ. فمن اعتمده حمده إن شاء الله. ### | ج- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في صحة المعاني وسلامتها من الاستحالة # الواقعة بفساد التقابل. # وجهات التقابل أربعة: 1- جهة الإضافة وهي أن تكون نسبة شيء إلى شيء آخر ~~مخالفة لنسبة ذلك الشيء إليه, مثل الضعف للعشرة بالقياس على نصفها, والأب ~~إلى ابنه, والمولى إلى عبده. ### | 2- # وجهة التضاد كالأبيض والأسود. ### | 3- # وجهة الغنية والعدم كالأعمى والبصير. ### | 4- # وجهة السلب والإيجاب نحو زيد جالس, زيد ليس بجالس. فالجمع بين متقابلين ~~من هذه الأربعة من جهة واحدة تناقض. # PageV01P044 ### | 1- # إضاءة: فإن تقابل المعنيان من جهتين, لم يكن ذلك تناقضا مثل أن يقال إن ~~العشرة ضعف ونصف, لكنها ضعف الخمسة ونصف العشرين. ولو قيل إنها نصف العشرين ~~وضعفها كان محالا. وكذلك قول القائل: زيد بصير القلب أعمى العين صحيح. ولو ~~قيل إنه أعمى العين بصيرها كان محالا. وكذلك في التضاد يصح أن يقال في ~~الفاتر إنه حار عند البارد وبارد عند الحار, ولا يكون حارا باردا عند ~~أحدهما. وكذلك في السلب والإيجاب نحو زيد كريم بالمال, زيد ليس كريما ~~بالجاه, فهذا صحيح. ولا يصح أن يكون كريما بأحدهما غير كريم به في حال ~~واحدة. ### | 2- # تنوير: فضروب التقابل الأربعة إنما يصح منها ما لم يتواف المتقابلان فيه ~~من جهة واحدة, ولكن نيط هذا بجهة وهذا بجهة. # فمن الكلام الذي انصرف فيه أحد المتقابلين بالسلب والإيحاب إلى غير الجهة ~~التي انصرف إليها الآخر, فكان ذلك صحيحا سالما من التناقض, قول ابن الرومي: ~~(الطويل -ق- المترادف) # وليسوا بأجذال الطعان ذوى القنا ... ولكنهم بالحزم والرأي أجذال # ولم يخلقوا أبطال بأس ونجدة ... ولكنهم بالرفق واللين أبطال # فجعلهم أبطالا من جهة وغير أبطال من ms084 جهة، وأجذالا من وجه وغير أجذال من ~~وجه. ### | 3- # إضاءة: وربما تسامح بعضهم في أني يورد معنى في بيت ثم يأتي في بيت آخر ~~بمعنى يقابله على أحد الأنحاء المتقدمة منه التقابل ويجمع بينهما من جهة ~~واحدة، وذلك إذا كان البيت منقطعا عن البيت فيجري البيتين إذا كان كلاهما ~~مستقلا بنفسه مجرى قصيدتين، فكما جاز للشاعر أ، ينقص في قصيدة ما قال في ~~قصيدة أخرى كذلك يجوز له في البيتين المتميز أحدهما عن الآخر. # فأما إذا كان معنى البيت الواحد متعلقا بمعنى البيت الآخر، فإن الجمع بين ~~المتقابلين فيهما من جهة واحدة غير سائغ. وإنما يجوز ذلك مع عدم الاتصال. # وترك التناقض على كل حال أحسن. وقد قال أبو عثمان الجاحظ: "إن الناس ~~يغلطون على العرب ويزعمون أنهم يمدحون بالشيء الذي يهجون به. وهذا باطل، ~~ليس شيء إلا وله وجهان وطريقان. فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين. وإذا ذموا ~~ذكروا أقبحهما". وقال الخفاجي تلميذ أبي العلاء: "إنهم على ذلك يتصرف ~~قولهم. فإن أبا تمام لما وصف يوم لا فراق بالطول فقال: (الكامل -ق- ~~المترادف) # يوم الفراق، لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي جلدا ولا معقولا # علل طوله بما لقي فيه من الوجد لرحيل أحبابه عنه. # وأبو عبادة البحتري لما وصفه بالقصر فقال: (الكامل -ق- المترادف) # ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امرئ بطويل # قصرت مسافته على متزود ... منه لدهر صبابة وعويل # فهما وإن خالف كلاهما صاحبه فقد ذكرا لما ذهبا إليه وجوها يصح عليها ~~الكلام". ### | 4- # تنوير: فمما حمل على التناقض من أقاويل الشعراء قول عبد الرحمن بن عبد ~~الله القس: (الطويل -ق- المتدارك) # أرى هجرها والقتل مثلبين فاقصروا ... ملامكم، والقتل أعفى وأيسر # ومما حمله بعض البلغاء على التناقض، وأوله بعضهم على وجه من الصحة قول ~~زياد الأعجم: (الطويل -ق- المتدارك) # تراه إذا أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم # قال ألو الفرج قدامة: "تناقض من حيث أوجب الكلام للكلب، ثم أعدمه إياه ~~بقوله وهو أعجم". # وقال الخفاجي: "ليس الأعجم هو الذي عدم الكلام ms085 جملة كالأخرس، وإنما هو ~~الذي يتكلم بعجمة. وإذا قيل فلان يتكلم وهو أعجم لم يكن متناقضا". انتهى ~~كلام الخفاجي. # والبيت محتمل وجها آخر من التأويل يصح عليه. وهو أنه قد يعنى بالكلام ما ~~يفهم من إشارة من لا يستطيع النطق وحركاته وشمائله حيث يقصد بذلك إفهام ما ~~في نفسه. # وما أبدع قول ابن دراج عندما ذكر وداع امرأته وما ظهر من الشجو في ألحاظ ~~بنيه الصغير، لما أبصر من حالهما عند ذلك فتبين ذلك في عينيه: (الطويل -ق- ~~المترادف) # عيي بمرجوع الخطاب ولحظه ... بموقع أهواء النفوس خبير ### | 5- # إضاءة: وذهب أبو الفرج قدامة إلى تناقض قول أبي لنواس: (الطويل -ق- ~~المترادف) # كأن بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب في سواد عذار # تردت به ثم انفرى عن أديمها ... تفري ليل عن بياض نهار # PageV01P045 # وقال: "إنه وصف الحباب في البيت الأول بالبياض حين شبهها بالشيب ووصف ~~الخمر بالسواد حين شبهها بسواد العذار، ثم وصف الحباب في البيت الثاني ~~بالسواد حين شببه بتفري الليل ثم وصف الخمر بالبياض حين قال عن بياض نهار، ~~وكون كل واحد من الحباب والخمر أسود أبيض مستحيل". وقد سأل أبو الفرج نفسه ~~فقال: "إن قيل إنه لم يصف الحباب في البيت الثاني بالسواد وإنما شبهه ~~بالليل في تفريه وانسحاره عن النهار دون انفس اللون". وأجاب عن هذا: "بأن ~~أبا نواس قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط لقوله عن بياض نهار". # وقد يحتمل قول أبي نواس وجوها من التأويل لا يكون معها فيه تناقض. # فمن ذلك أن يكون أراد أن يشبه سواد الخمر بالليل والحباب بالنجوم، فلم ~~يتسع له الكلام لهذا التشبيه، فلوح له في البيت الثاني تلويحا لطيفا بقوله: ~~"تفري ليل عن بياض نهار" حيث كانت النجوم في ضمن الليل تفري الليل ونجومه ~~عن بياض النهار. فالضمير في قوله انفرى راجع إلى ما تردت به الخمر من لون ~~السواد المشبه تفريه بتفري الليل، ولو كان لاضمين في قوله انفرى راجعا على ~~الحباب لكان أليق بكلام أبي نواس في ms086 هذه القصيدة أن يقول تحلت به فيجعل ~~الحباب حليا لها على ما جرت عليه عادة الشعراء - فإنا لا نعلم أحدا جعل ~~الحباب رداء- والمشبه ببياض النهار بياض الماء الممزوج بالخمر، شبه تفري ~~سواد الخمر عن بياض الماء الذي جلاه إذ مزج به بتفري الليل عن بياض النهار. ~~وقد يمكن أن يكون في هذا التشبيه غشارة إلى تشبيه الحباب بالنجوم ولم ~~يذكرها لأنها في ضمن الليل وتابعة له في انحساره. وقد يمكن أن يكون الضمير ~~في انفرى راجعا إلى الحباب ويكون قوله تفري ليل في قوة تفري نجوم ليل أو ~~يكون قد اكتفى بذكر الليل لأن النجوم في ضمنه. ### | 6- # تنوير: وليس لقائل أن ينفصل عما ألزمه الفرج قدامة من أن أبا نواس أراد ~~بالبياض نفس اللون بأن يقول: لعله لم يرد بقوله بياض نهار حقيقة اللون، ~~ولكنه استعمله على حد قولهم أقمنا بمكان كذا بياض نهار وأديم ليل، لأن قول ~~القائل أقمنا أديم ليل وبياض نهار معناه أقمنا يوما من أوله إلى آخره وليلة ~~من أولها إلى آخرها. # وقد يقال أيضا أقمت بها أديم يوم كما قال بشر ابن أبي خازم: (الوافر -ق- ~~المترادف) # وباتت ليلة وأديم يوم ... على الممهى، يجز لها الثغام # فالمراد في مثل هذا الاستعمال ببياض يوم مخالف للمراد به في قول أبي ~~نواس، إذا لا يمكن أن يريد تفري ليل عن نهار من أوله إلى آخره. فبياض ~~النهار إذن على ما ألزمه أبو الفرج، ومعنى الشعر على ما تأولناه لا على ما ~~تأوله، إذ المعنى الذي قلناه صحيح والعبارة قابلة له على ما فيها من ~~الاختصار الذي كاد أن يخل بالمقصود. # وكلما أمكن حمل بعض كلام هذه الحلبة المجلية من الشعراء على وجه من الصحة ~~كان ذلك أولى من حمله على الإحالة والاختلال لأنهم من ثبت ثقوب أذهالهم ~~وذكاء أفكارهم واستبحارهم في علوم اللسان وبلوغهم من المعرفة به الغاية ~~القصوى. # وقد قال الخليل بن أحمد: "الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا. ويجوز ~~لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق ms087 المعنى وتقييده ومن تصريف اللفظ وتعقيده ~~ومد المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته واستخراج ما ~~كلت الألسن عن وسفه ونعته والأذهان عن فهمه وإيضاحه. فيقربون البعيد ~~ويبعدون القريب ويحتج بهم ولا يحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة لاحق ~~والحق في صورة الباطل". # فلأجل ما أشار إليه الخليل, رحمه الله, من بعد غايات الشعراء وامتداد ~~آمادهم في معرفة الكلام واتساع مجالهم في جميع ذلك, يحتاج أن يحتال في ~~تخريج كلامهم على وجوه من الصحة, فإنهم قل ما يخفى عليهم ما يظهر لغيرهم, ~~فليسوا يقولون شيئا إلا وله وجه, فلذلك يجب تأول كلامهم على الصحة والتوقف ~~عن تخطئتهم فيما ليس يلوح له وجه. # PageV01P046 # وليس ينبغي أن يعترض عليهم في أقاويلهم إلا من تزاحم رتبته في حسن تأليف ~~الكلام وإبداع النظام رتبتهم. فإنما يكون مقدار فضل التأليف على قدر فضل ~~الطبع والمعرفة بالكلام. وليس كل من يدعي المعرفة باللسان عارفا به في ~~الحقيقة. فإن العارف بالأعراض اللاحقة للكلام التي ليست مقصودة فيه من حيث ~~يحتاج إلى تحسين مسموعه أو مفهومه ليس له معرفة بالكلام على الحقيقة البتة ~~وإنما يعرفه العلماء بكل ما هو مقصود فيه من جهة لفظ أو معنى. وهؤلاء هم ~~البلغاء الذين أصلوه. # فمن جعل ذلك هدي سبيله, ومن اعتمده أحمده. ### | د- معرف دال على طرق المعرفة بما يوضع من المعاني وضع غيره من حيث تكون واجبة أو # ممكنة أو ممتنعة, وما لا يجوز أن يوضع وضع غيره من ذلك. # أما طرق الجد وما لم يقصد المتكلم به مشاجرة ولا مغالبة فلا يوضع فيها ~~واجب وضع ممتنع, ولا الممتنع وضع الواجب, ولا ممكن وضع ممتنع, ولا واجب وضع ~~ممكن, وإنما يوضع الممكن وضع الواجب, ويجوز أن يوضع الممتنع وضع الجائز إذا ~~كان المقصود بذلك ضربا من المبالغة. ### | 1- # إضاءة: فأما طرق الهزل وما يقصد به الإضحاك أو التهكم فإن المعنى قد يوضع ~~في ما وضع جميع ما يخالفه من الجهات المذكورة. وكذلك في الأقاويل التي يقصد ~~بها المشاجرة والمكابرة لأن ms088 مواطن الهزل والضجرة تحتمل من قلة المبالاة ~~بحقائق الكلام ما لا تحتمله مواطن الجد والاعتدال. ### | 2- # تنوير: ولا يجوز وضع شيء من الواجبات أو الممكنات وضع المستحيل, ولا أن ~~يوضع المستحيل وضع شيء من ذلك في موطن جد ولا في موطن هزل ولا في حال ~~اعتدال ولا تحرج. وقد تقدم أن الفرق بين الممتنع والمستحيل هو أن المستحيل ~~لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم مثل كون الشيء أسود أبيض وطالعا نازلا في ~~حال واحدة. والممتنع هو ما يمكن تصوره في الوهم وإن لم يمكن وجوده مثل أن ~~يتصور تركيب بعض أعضاء نوع من الحيوان على جسد نوع آخر. ### | 3- # إضاءة: وقد تكلم الخفاجي في هذا, وأغفل التفرقة بين الأقاويل التي ترد ~~على الأنحاء المتقدمة من جهة ما تقع فيه من المواطن والأحوال, وبين ما يسوغ ~~من ذلك في حال دون حال وموطن دون آخر, وتكلم في ما يسوغ في جميع ذلك ويجوز ~~من جهة ما ينحى بالأقاويل نحوه من مبالغة أو اقتصاد. فأجاز أن يوضع الممتنع ~~وضع الجائز إذا كان في ذلك ضرب من الغلو والمبالغة وهو كما قال, ومنع أن ~~يوضع الجائز وضع الممتنع على كل حال. والصحيح أن ذلك يقع حيث تقصد ~~المبالغة. وربما وضع الجائز وضع الممتنع حيث تقل دواعي الإمكان في جوازه ~~ويكون القصد بذلك ضربا من المبالغة. ### | 4- # تنوير: فأما إذا لم تقصد مبالغة ولا مغالبة فلا يوضع جائز وضع ممتنع ولا ~~ممتنع وضع جائز. ومن أمثلة ذلك فيما لم تقصد فيه مبالغة قول بعضهم: (الطويل ~~-ق- المتدارك) # فإن صورة راقتك فاخبر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر # فبنى على أن مرارة العود أكثر ما تكون عن اليبوسة وأنها في الأخضر على ~~سبيل القلة, والأمر بخلاف ذلك لأن وجود المرارة مع الخضرة هو الأكثر, فكأنه ~~وضع الواجب في الأكثر موضع الجائز في الأقل. وهذا غلط مستقبح في المعاني ~~مؤد إلى انعكاس حقائق المقاصد, فليتحفظ من مثله, فإنه خارج عن جملة ما ~~استسغناه بحسب المواطن والأحوال والمطامح الإفراطية التي ms089 من شأن الشعراء أن ~~ينحرفوا بالمعاني التي وقع فيها وبحسبها عن الحقائق التي يجب في نسبها وفي ~~انتساب بعض مفهوماتها على بعض انحرفا ما لضروب من المقاصد ليس منها موجودا ~~في هذا البيت. ### | ه- معلم دال على طرق العلم بالوجوه التي بها يقع التدافع بين بعض المعاني وبعض. # PageV01P047 # كل قول قصد به محاكاة شيء ونحي بذلك منحى من الأغراض فإنه يجب ألا يتعرض ~~فيه إلى ما هو أليق بمضاد الشيء المحاكى به وأخص به أو أخص بمناسب مضاده, ~~وألا يتعرض في تخييل حال الشيء المحاكى به إلى ما هو أخص بحال مضاد ذلك ~~الشيء أو مناسب مضاده, وألا يتعرض في القول وما دل عليه إلى ما هو أخص ~~بمضاد الغرض الذي نحي به منحاه أو إلى ما هو أخص بمناسب مضاد ذلك الغرض, ~~وألا يتعرض فيه إلى لفظ له عرف فيما يضاد المعنى الذي دل عليه أو الغرض ~~الذي نحي به منحاه أو الشيء الذي قصدت به محاكاته ولا إلى ما يناسب مضادات ~~جميع ذلك, فإن التعرض في القول لما يضاد معناه مدلوله وغرضه, أو إلى ما ~~يناسب تلك المضادات, أو إلى ما له عرف في شيء من ذلك, ضروب من التدافع. ### | 1- # إضاءة: وأكثر ما يقع التعرض في أحد المتضادين إلى ذكر ما هو أليق بالآخر ~~وأخص به إذا كان للمتعرض له علقة بما هو خارج عن غرض القول مما سوى ذلك من ~~أغراض المتكلم أو الموصوف أو المخاطبين, فألم به لأجل تلك العلقة وسها عن ~~كونه قادحا في غرض القول أو فيما يرجع على حال الشيء المحاكي, أو تسومح في ~~ذلك القدر من القدح اختيارا, أو لز على المسامحة فيه اضطرار. ### | 2- # تنوير: فالجهات التي يجب فيها أن يتوقى في الشيء ما هو أخص بمضاده وما ~~جرى مجراها هي جهات التضاد والتخالف في الأفعال والانفعالات والهيئات ~~والأحوال والتمييزات وأغراض الكلام المترامية على أنحاء هذه الأشياء نحو ~~التهنئة والتعزية والمديح والهجاء. ### | 3- # إضاءة: فمن المعاني التي قصد فيها الذم فأورد في العبارة عنها ms090 ما هو أليق ~~بالمدح قول الفرزدق: (الطويل -ق- المتدارك) # بأي رشاء يا جرير وماتح ... تدليت من هامات تلك القماقم # فقال له جرير: "جعلتني أتدلى على قومك". # ومن الأبيات التي وقع فيها سوء أدب حيث يجب حسن الأدب قول جرير: (الرجز ~~-ق- المترادف) # يا بشر حق لوجهك التبشير ... هلا غضبت لنا وأنت أمير # قد كان حقك أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سب جرير # فقال بشر: ما وجد ابن اللخناء رسولا غيري!؟. ### | 4- # تنوير: ومن ذلك أن تأتي العبارة في صورة ما يضاد الغرض, نحو ما حكي من أن ~~بعض الشعراء أنشد الداعي في يوم المهرجان: (الرجز -ق- المتواتر) # تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي, ويوم المهرجان # فأمر بضربه خمسين عصا وقال: "هذا أبلغ في إصلاح أدبه". # ومن ذلك استفتاح أبي نواس قصدته التي هنى فيها الفضل بن يحي ابن خالد ~~بدار ابتناها فقال: (الطويل -ق- المترادف) # أربع البلى إن الخشوع لباد عليك وإني لم أخنك ودادي # فتطير الفضل من ابتدائه, فلما ختم القصيدة بقوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد # استحكمت كراهته لما سمع. فما مر أسبوع حتى نكب بنو برمك. # وحكي أن البحتري أنشد محمدا بن يوسف أو غيره من أمراء الثغور: (الطويل ~~-ق- المتدارك) # لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره # فقال له الممدوح: "بل لك الويل والحرب". على أن هذا البيت روى بالهاء بدل ~~الكاف في قوله لك وهي أشبه من الرواية الأخرى. # وقد أنكر عبد الملك على جرير ما هو دون هذا حين أنشده: (الوافر -ق- ~~المترادف) "أتصحو أم فؤادك غير صاح"؟ . # فقال له الملك: "بل فؤادك". ### | 5- # إضاءة: وقد تكون للعبارة دلالة على أمر مكروه خارج عما جيء بها للدلالة ~~عليه, إما باشتراك وقع في اللفظ, أو بعرف واستعمال حدث فيه ولو للعامة. ~~فيجب أن يتحفظ من ذلك حيث تتهيأ تلك العبارة بنفسها أو مع ما يكتنف بها لأن ~~يفهم منها بحسب الاشتراك الواقع فيها أو بحسب العرف والاستعمال أمر قبيح في ~~حق ms091 ممدوح أو مندوب أو منسوب به أو نحو ذلك مما يكره في حقه القبح. # ومن ذلك قول الصاحب في عضد الدولة: (الطويل -ق- المتدارك) # ضممت على أبناء تغلب تاءها ... فتغلب ما كر الجديدان تغلب # فقال عضد الدولة: " يقي الله! ". # ومما أكد القبح في هذه اللفظة التي هي قوله تغلب وقوعها قافية, فإنها ~~مقطع الكلام وموضع تخلي السامع وتفرغه لتفقد ما مر على سمعه مما وقع فيها. ~~فالسمع أقرب عهدا به, وهو أشد ارتساما فيه. ولو وردت اللفظة التي أنكرها ~~عضد الدولة في أثناء البيت لكان الأمر فيها أسهل. # PageV01P048 ### | 6- # تنوير: ومما يجب التحفظ منه في المواضع التي يجب فيها التباعد عن الفحش ~~وعن كل ما يتطرق به إليه وصون الكلام من جميع ما يكون فيه إذ كان بأمر ~~الريب والرفث, التعرض إلى الأشياء التي يفهم منها ذلك, ولو بعرف عامي أو ~~استعمال لأهل الهزل. # ومما يندرج في هذه الجملة قول المتنبي في أم سيف الدولة: (الوافر ~~-ق-المترادف) # رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال # فلفظة مسبطر بعد قوله للمرأة فوقك قبيحة, ولاسيما بعد أن استعملها ابن ~~حجاج حيث استعملها وعرف ذلك من قوله. # ونحو منه قول مروان ابن أبي حفصة في زبيدة بنت جعفر: (البسيط -ق- ~~المتراكب) # يهزها كل عرق من أرومتها ... يزداد طيبا إذا الأعراق لم تطب # فلفظة عرق بعد قوله يهزها قبيحة بالنظر على ما هو متعارف عند العامة. # وقد كان بعض الشيوخ الذين أخذت عنهم هذه الصناعة يوصي باجتناب الألفاظ ~~التي يفهم منها على حدتها أو مع ما يكتنفها معنى قبيح ولو بالعرف العامي. ### | 7- # إضاءة: وإذا كان في اللفظة عرف في طريق من الطرق الشعرية فالواجب ألا ~~تستعمل في مضاد ذلك الطريق, وذلك كقول حبيب: (الخفيف -ق- المترادف) # يا أبا جعفر جعلت فداكا ... بز حسن الوجوه حسن قفاكا # فالقفا ليس يليق غلا بطريقة الذم. وكذلك الأخدع والقذال. فاستعمال هذه ~~الألفاظ في المدح مكروه. ### | 8- # تنوير: ومن وضع الشيء موضع الشيء موضع ما يضاده ما وقع لكثير من تمني ~~البؤس حيث ms092 يجب تمني النعيم في قوله: (الطويل -ق- المتدارك) # وددت وبيت الله أنك بكرة ... هجان, وأني مصعب ثم نهرب # كلانا به فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدي وأجرب # إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا, فلا ننفك نرمى ونضرب # فقالت له عزة: "لقد أردت بنا الشقاء! أما وجدت أمنية أوطأ من هذه! ؟ ". # ومن أقبح المتمنى وأسوإ المذاهب في ذلك ما ورد في قصيدة أبي صخر في الفصل ~~الذي أوله: "تمنيت من حبي علية, وهو مذكور في أمالي أبي علي وغيرها, فلا ~~وغيرها, فلا معنى للإطالة بإيرادها. ### | 9- # إضاءة: فكل هذه الأشياء, التي نبهنا عليها بهذا المعلم, من وضع ما لا ~~يليق موضع ما يليق. وهو وضع غير مؤثر. # وإنما الوضع المؤثر وضع الشيء الوضع اللائق به, وذلك يكون بالتوافق بين ~~الألفاظ والمعاني والأغراض من جهة ما يكون بعضها في موضعه من الكلام متعلقا ~~ومقترنا بما يجانسه ويناسبه ويلائمه من ذلك. # والوضع الذي لا يؤثر يكون بالتباين بين الألفاظ والمعاني والأغراض من جهة ~~ما يكون بعضها في موضعه من الكلام متعلقا ومقترنا بما يناقضه ويدافعه ~~وينافره. # ولهذه الجملة تفاصيل قد وقعت الإشارة إليها في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ~~فليتأمل ذلك في مظان ذكره, وبالله التوفيق. و- معرف دال على طرق المعرفة ~~بما تكون عليه المعاني من كمال أو نقص. # فأما الكمال في المعاني فباستيفاء أقسامها واستقصاء متمماتها وانتظام ~~العبارات جميع أركانها حتى لا يخل من أركانها بركن ولا يغفل من أقسامها قسم ~~ولا يتداخل بعض الأقسام على بعض. ### | 1- # إضاءة: وقد تقدم الإلماع بطرف من ذكر المتممات. ونحن نذكر في هذا الموضع ~~كيف تقع المعاني كاملة باستيفاء أقسامها وانتظام العبارات جميع أركانها ~~ومتمماتها حتى لا يقع فيها نقص ولا تداخل. فمن المعاني التي وردت القسمة ~~فيه تامة صحيحة قول نصيب: (الطويل -ق- المترادف) # فقال فريق لا, وقال فريقهم نعم ... وفريق قال ويحك ما ندري # ومن المعاني التي وقع التقسيم فيها تاما صحيحا قول الشماخ: (الطويل -ق- ~~المتدارك) # متى ما تقع أرساغة مطمئنة ... على حجر يرفض أو ms093 يتدحرج # لأن الحجر إن كان رخوا ارفض, وإن كان صلبا تدحرج. وليس لقائل أن يقول: ~~إنه غادر قسما ثالثا, وهو أن تكون الأرض رخوة فيسوخ الحجر فيها, فإن الأرض ~~إذا كانت بهذه الصفة لم يقع الحافر عليها وقوع اطمئنان واعتماد, فبقوله ~~مطمئنة صحت القسمة وكملت. # ومن المعاني التي قسمت أتم تقسيم على جهة من التدريج والترتيب قول زهير: ~~(البسيط -ق- المتراكب) # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # PageV01P049 # ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم: "فلم تخل فيما بدأتني به من مجد ~~تأثلته, أو شكر تعجلته, أو أجر ادخرته, أو متجر اتجرته, أو من أن تكون جمعت ~~ذلك كله". ### | 2- # تنوير: ومما انتظمت فيه العبارة جميع أركان المعنى واستوفت غايات المقصد ~~قو الشاعر: (الطويل -ق- المتدارك) # أناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه, عاذوا بالسيوف القواضب # فاستوفى ركني المعنى بقوله: يقبل الحق منهم ويعطوه, فتم المعنى وكمل. ~~ومما ورد المعنى فيه مستوفى من جميع أركانه متمما من جميع جهاته قول ابن ~~الرومي: (البسيط -ق- المتراكب) # عفى كلوم زماني ثم قلمه ... عني فأحفاه, ثم اقتص ما اجترحا # فلم يغادر ركنا من أركان المعنى إلا ذكره, فتم المعنى وجاء في نهاية ~~البلاغة. ### | 3- # إضاءة: ومن المعاني التي وقعت قسمتها ناقصة قول جرير: (البسيط -ق- ~~المترادف) # صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها # فهذه قسمة ناقصة لأنه أخل بالقسم الثالث. وقيل: إن بعض بني حنيفة سئل: من ~~أي الأثلاث هو من بيت جرير؟ ! فقال: من الثلث الملغى. # ومما نقصت قسمته من المعاني بتداخل قسم على قسم قول أبي تمام: (الكامل ~~-ق- المترادف) # قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا # فتداخلت القسمة لأن القبول هي الصبا على ما ذكره جماهير أهل اللغة. ومما ~~تداخلت قسمته أيضا من المعاني قول الآخر: (المتقارب -ق- المتدارك) # أبادر إهلاك مستهللك ... لما لي أو عبث العابث # فأما قول هذيل الأشجعي: (الطويل -ق- المتدارك) # فما برحت ترمي إليه بطرفها ... وتومض أحيانا إذا خصمها غفل # فيحتمل أن يكون من القسمة المتداخلة لن ms094 الإيماء بالطرف والإيماض به سواء. ~~ويحتمل ألا يكون في الكلام تداخل بأن يريد بقوله تومض تبتسم, وهذا الوجه ~~أولى بأن يحمل البيت عليه ليسلم الكلام بذلك من الخلل. ### | ز- معلم دال على طرق بوقوع المعاني المتقاربة متمكنة. # فمما يمكن المعاني أن توضع مواضعها اللائقة بها المهيأة, وألا توضع موضعا ~~غيرها من المعاني أولى به, وإن كان للمعنى الموضوع أيضا موقع من ذلك الموضع ~~لأنه مقصر عن موقع غيره من المعاني فيه. # ومن طريف ما ورد في ذلك قول الفرزدق: (الطويل -ق- المتدارك) # وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم # كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم # وقول ابن هرمة: (المتقارب -ق- المترادف) # وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقد حي بكفي زنادا شحاحا # كتاركة بيضها بالعرا ... وملبسة بيض أخرى جناحا # فإن معنى بيت الفرزدق الثاني مناسب لمعنى بيت ابن هرمة الأول, ومعنى بيت ~~ابن هرمة الثاني مناسب لمعنى بيت الفرزدق الأول, حتى لو أن الفرزدق قال: # وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم # كتاركة بيضها بالعرا ... وملبسة بيض أخرى جناحا # لكان قد وضع الكلام موضعه الذي يليق به, وكان المعنى صحيحا متمكنا, ولو ~~أن ابن هرمة قال: # وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنادا شحاحا # كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم # لكان كلامه صحيحا وتشبيهه واقعا موقعه اللائق به. ### | 1- # إضاءة: ومن هذا الباب ما روي أن أبا الطيب أنشد سيف الدولة قصيدته التي ~~أولها (الطويل -ق- المتدارك) على قدر أهل العزم تأتي العزائم فلما انتهى ~~على قوله: # وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم # قال له سيف الدولة: "قد نقدنا عليك يا أبا الطيب ما نقدنا على امرئ القيس ~~في قوله: (الطويل -ق- المترادف) # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # فقال له المتنبي: "أيها الأمير, عن البزاز لا يعرف ms095 الثوب معرفة الحائك. ~~وإذا صح النقد على امرئ القيس صح علي, وإنما أراد امرؤ القيس أن يقرن ركوب ~~اللذة بركوب اللذة في بيت, وأن يجمع بين الشجاعة والكرم في بيت". فاستحسن ~~سيف الدولة ما قاله, ووصله. # PageV01P050 ### | 2- # تنوير: والنقد الذي أشار إليه سيف الدولة في بيتي المتنبي وبيتي امرئ ~~القيس هو أن صدر البيت الأول من قول امرئ القيس يقضي ظاهر الكلام أن يوصل ~~بعجز البيت الثاني ويوصل صدر البيت الثاني بعجز الأول, وكذلك يظهر في باديء ~~الرأي أن صدر البيت الأول من قول المتنبي يصلح أن يتمم بعجز البيت الثاني ~~ويتمم صدر الثاني بعجز الأول. فيقال في قول امرئ القيس: # كأني لم اركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ويقال في قول أبي الطيب: # وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم ### | 3- # إضاءة: وقد احتج أبو الطيب لامرئ القيس بما أوردناه وبقي أن نبين وجه ~~الحجة في قول أبي الطيب. فنقول: إن أبا الطيب أراد أن يقرن بين أن الردى لا ~~نجاة منه لواقف وبين أن الممدوح وقف ونجا منه, وبين أن الأبطال ريعت ~~وانهزمت وأن سيف الدولة لم يرع ولم ينهزم, وابتسام الثغر وانبلاج الوجه مما ~~يدل على عدم الروع. ### | 4- # تنوير: وإنما قال: "كأنك في جفن الردى وهو نائم" لأنه جعل الردى في هذا ~~الموضع بصورة الناظر المبصر الذي لا يعيب عنه شيء ولا يخفى عليه مقتلو ولأن ~~السبل إلى المهج واضحة له. فلما نجا الممدوح تعجب في سلامته منه وخفائه عنه ~~مع كونه بالموضع الذي يبصر فيه, فقدر سببا لخفائه عنه النوم الشاغل للأجفان ~~عن رؤية ما دنا منها. # وقد يكون عدم التمكن في المعاني من أنحاء أخر قد ذكرت في مواضعها من هذا ~~الكتاب. وإنما نبهت بهذا المعلم على هذا الضرب الواقع في المعاني التي يوضع ~~بعضها بإزاء بعض لنسب تقتضي ذكر ms096 المعنى مع ما يناسبه وإيقاعه على جانب ما ~~يليق به. ### | ح- معرف دال على طرق المعرفة بما يكون من المعاني أصيلا في بابي المدح والذم, وما # ليس منها أصيلا في ذلك. # لما كان الإنسان في جميع ما يحاوله ويسعى نحوه إنما يلتمس حظوظا يكون ~~فيها صلاح لنفسه أو حظوظا فيها صلاح لبدنه, وكان استقصاء الإنسان مصالح ~~نفسه وابتغاؤه لها من كل وجه لا يصل منه على غيره مضرة ولا ظلم, وكان ~~استقصاؤه حظوظ بدنه وطلبه لها من كل وجه يؤدي إلى ضرر غيره وظلمه -والظلم ~~قبيح فما أدى إليه قبيح- وجب لذلك أن يكون الفضل في القناعة من حظوظ البدن ~~بما لا يؤدي على مزاحمة ذي استحقاق وفي الرغبة في جميع حظوظ النفس. # وحظوظ النفس هي التي يكون لها خيرات وكمالات بالنظر على نعيمها الباقي, ~~وحظوظ البدن هي التي تكون لها خيرات وكمالات بالنظر على نعيمها الفاني, ~~فالفاضل من آثر نعيم نفسه الباقي على نعيم بدنه الفاني, ومن أنصف غيره من ~~ذوي الاستحقاق فيما فيه نعيم بدنه الفاني أو آثره بذلك على نفسه. والإيثار ~~أفضل ليعتاض بذلك ما يكون له سببا على النعيم الباقي كالأجر أو ما يتنزل في ~~توهمه منزلة النعيم الباقي كالذكر الجميل. # PageV01P051 ### | 1- # إضاءة: ولما كان للإنسان كمالات في بدنه تحصل عن اعتياد ما يصدر عنها بعد ~~تحصيلها أو ما ينحو نحوها ليحصلها عن اعتياد ما يصدر عنها بعد تحصيلها أو ~~ما ينحو نحوها ليحصلها ملكات تصدر عنها أفعال, وكمالات في نفسه تصدر عنها ~~أو تنحو نحوها أفعال وانفعالات, وكمالات في عقله تصدر عنها تمييزات ~~وإدراكات, وكان الإنسان فيما يصدر عن تلك الكمالات وينحو نحوها لا يخلو من ~~أن يروم حظا يوثر به نفسه على بدنه أو بدنه على نفسه أو غيره على نفسه أو ~~نفسه على غيره, وكان المحمود من ذلك إيثار نفسه على بدنه وإيثار غيره على ~~نفسه, والطرفان الآخران مذمومان, وكانت الأفعال المحمودة والمذمومة من جميع ~~ذلك تختلف رتبها في مقدار ما يجب عليها من الحمد والذم ms097 بحسب اختلاف الأحوال ~~المطيفة بها -والأحوال المطيفة بالأفعال هي: الزمان, والمكان, وما منه ~~الفعل, وما إليه الفعل, وما عنده الفعل, وما به الفعل, وما من أجله الفعل. ~~فأخذ أبي دؤاد الحق من ابنه وإقادته بحاره الذي قتله يربي على كثير مما يجل ~~من فواضل الكرم ونوافه, وإن كان ذلك نصفة منه, وجود كعب على النمري بالجرع ~~التي آثره بها على نفسه حتى مات عطشا في المكان الذي كانا فيه أعظم أثرا في ~~الكرم من وجود غيره بكل حظ جليل لا تعود به السماحة عليه بمثل ما عادت على ~~كعب.- وجب أن يكون الفعل معتبرا بتلك الأحوال المطيفة. فيكون بالنسبة إلى ~~حال منها محمودا، وبالنسبة إلى حال أخرى مذموما، ويكون بالنسبة إلى بعض تلك ~~الأحوال في أعلى درجات الحمد، وتارة في أدنى الدرجات من ذلك، ووسطا بين ~~الحالين. وكذلك تختلف أيضا حاله في درجات الذم بحسب اختلاف تلك الأحوال ~~المطيفة. ### | 2- # تنوير: ولما كانت الأشياء الصادرة عن تكل الكمالات والناحية نحوها منها ~~ما للإنسان أني فعله، ومنها ما ليس إليه أن يفعله بل هو مضطر إليه، وكان ما ~~ليس إليه أن يفعله منه ما يدل على وجود ما للإنسان أن يفعله، ومنه ما لا ~~يدل على وجود ذلك له، والذي يدل على وجود ذلك له ولو بتقوية الظن في ذلك ~~منه ما يدل على وجود الأفعال المحمودة، ومنه ما يدل على وجود الأفعال ~~المذمومة، وجب أن تكون الأشياء التي تدل على وجود الأشياء المحمودة قد ~~تستعمل في الحمد، كما أن الأشياء الدالة على وجود الأفعال المذمومة قد ~~تستعمل في الذم وليت بأصلية في ذلك. ### | 3- # إضاءة: وقد يجري مجرى هذه الأشياء، في كونها يحمد بها لدلالتها على ما ~~يحمد، أشياء أخر خارجة عن أوصاف الشيء المحمود، كذكر كرم الأسرة وشرف السلف ~~لكون فضل الأصل يدل على فضيلة الفرع في كثير من الأمر. ### | 4- # تنوير: وأكثر ما تعتمد العرب به في المدح الأفعال التي تتجشم الأنفس فيها ~~الضرر لنفع غيرها ممن له أدنى استحقاق أو حاجة ms098 على ذلك. ولهذا قال أبو ~~الطيب المتنبي: (البسيط -ق- المترادف) # لولا المشقة ساد الناس كلهم، ... الجود يفقر، والإقدام قتال ### | 4- # إضاءة: والأمور التي تتجشم فيها النفوس المشقة والضرر لتنفع بذلك غيرها ~~وتريحها: إما أن تكون حقوقا ثابتة قبل المتجشم للمشقة فيها فيكون ذلك منه ~~نصفة وعدلا، وإما أن تكون غير واجبة قبله بل يسمح بها تبرعا ويتفضل بها ~~إيثارا فيكون ذلك منه نافلة وفضلا. وأحسن المدح ما كان بهذا الصنف من ~~الأفعال. ### | 6- # تنوير: وقد فرق الناس بين ما يكون المدح أو الذم حقيقيا، وما ليس بحقيقي ~~من ذلك. وقسموا الفضائل التي يكون بها المدح الحقيقي إلى أربع خلال على ما ~~أنا في ذكره. # فمن ذلك قول أبي الفرج قدامة، وقد سبقه القدماء إلى هذه القسمة قال: "لما ~~كانت فضائل الناس، من حيث هم ناس -لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر ~~الحيوان- على ما عليه أهل الألباب، إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة ~~كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيبا وبما سواها مخطئا. وقد قال زهير: ~~(الطويل -ق- المتدارك) # أخي ثقة لا تتلف الخمر ما له ... ولكنه قد يتلف المال نائل # لأنه قد وصفه بالعفة وبقلة إمعانه في اللذات وبأنه لا ينفذ فيها ماله ~~وبإهلاكه ما له في البذل وانحرافه إلى ذلك عن اللذات وذلك هو العدل، ثم ~~قال: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله # أراد أن فرحه بما يعطي أكثر من فرحه بما يأخذ، فزاد في وصف السخاء منه ~~بأن جعله يهش ولا يحلقه مضض ولا تكره لفعله ثم قال: # PageV01P052 # ومن مثل حسن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لخصم يحاوله # فأتي في هذا البيت بالوصف من جهة العقل والشجاعة، فاستوفى ضروب الممادح ~~الأربعة التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة. وزاد ما هو وإن كان داخلا في ~~الأربعة فكثير من الناس لا يعرف وجه دخوله فيها حيث قال أخي ثقة، فوصفه ~~بالوفاء، والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدمنا. # وقد يتفنن الشعراء فيعدون أنواع الفضائل الأربع وأقسامها، وكل ms099 داخل في ~~جملتها، مثل أن يذكروا ثقافة المعرفة والحياء والبيان والسياسة والصدع ~~بالحجة والعلم والحلم عن سفاهة الجهلة وغير ذلك مما يجري هذا المجرى وهي من ~~أقسام العقل، وكذكركم القناعة وقلة الشره وطهارة الإزار وغير ذلك وهي من ~~أقسام العفة، وكذكركم الحماية والأخذ بالثأر والدفاع عن الجار والنكاية في ~~العدو وقتل الأقران والمهابة والسر في المهامة والقفار الموحشة وما شاكل ~~ذلك وهي من أقسام الشجاعة، وكذكركم السماحة والتغابن والانظلام والتبرع ~~بالنائل والإجابة للسائل وقرى الأضياف وما جانس هذه الأشياء وهي من أقسام ~~العدل. # فأما تركيب بعضها مع بعض فيحدث منها ستة أقسام: يحدث من تركيب العقل مع ~~الشجاعة الصبر على الملمات ونوازل الخطوب والوفاء بالوعود، وعن تركيب العقل ~~مع السخاء البر والإنجاز للموعد وما أشبه ذلك، وعن تركيب العقل والعفة ~~التنزه والرغبة عن المساوي والاقتصار على أدنى معيشة وما أشبه ذلك، وعن ~~تركيب الشجاعة مع السخاء الإتلاف والإخلاف وما جانس ذلك، وعن تركيب الشجاعة ~~مع العفة إنكار الفواحش والغيرة على الحرم، وعن تركيب السخاء مع العفة ~~الإسعاف بالقوت والإيثار على النفس وما أشبه ذلك". # قال: "وكل واحد من هذه الفضائل وسط بين طرفين مذمومين". ### | 7- # إضاءة: وإذ قد حكينا كلام أبي الفرج قدامة فلنتبع ذلك بإشارة إلى بيان ~~قوله: "إن كل واحد من هذه الفضائل وسط بين طرفين مذمومين". فأقول: إن الفعل ~~العائد بمنفعة ما إنما يحمد ما لم يعد الإفراط فيه بمضرة وما لم يكن من ~~القلة والتقصير بحيث لا يغني، فإذا وقع وسطا بين هذين الطرفين كان محمودا، ~~ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "خير الأمور أوساطها". ألا ترى أن الكرم ~~إذا أفرط عد سرفا وتبذيرا، والإقدام إذا أفرط فهجم بصاحبه على المتالف في ~~كل حين وموطن عد ذلك تهورا وهوجا، وإذا وقع التقصير عن الإقدام والبذل ~~بالجملة أو وقع من ذلك ما لا اعتداد به عد ذلك بخلا وجبنا. وقد تكون قلة ~~الشيء بحيث لا يوجب عليه حمدا ولا ذما. ### | 8- # تنوير: وجميع تلك الأفعال ونقائصها إنما تعد فضائل أو ms100 رذائل فيستوجب ~~عليها الثناء عليها الثناء المطلق أو الذم المطلق، ويعتقد في صاحبها أنه ~~خير أو شرير، إذا حصلت له فيها ملكة وصارت له عادة لا يفارقها إلى ما ~~ناقضها. فإن وقع الفعل المسمى فضيلة منه ولم يتبعه بمثله ولا تمادى عليه لم ~~يستحق أن يسمى فاضلا ولا أن يثنى عليه الثناء المطلق. وعلى هذا يجب أيضا أن ~~يكون الاعتبار في وقوع الفعل المسمى رذيلة، فاعلم ذلك. ### | 9- # إضاءة: وكان أبو الفرج قدامة يذهب إلى أن المدح بالحسن والجمال والذم ~~بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة ولا ذم على الصحة، ويخطئ من يمدح ~~بهذا ويذم بذلك. ويستدل بانكار عبد الملك بن مروان قول ابن قيس الرقيات: ~~(المنسرح -ق- المتراكب) # يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب # وقد رد عليه هذا الآمدي، وتابعه الخفاجي في الرد عليه. فقال: "إن كان ~~قدامة يعتقد أن ذلك ليس بفضيلة، لما كان الإنسان قد خلق عليه، فهذا حكم ~~الفضائل النفسانية. فإن الكريم قد خلق كريما والشجاع شجاعا. فكما لا يقدر ~~القبيح الوجه أن يستبدل صورة غير صورته، فكذلك الجاهل لا يقدر أن يستفيد ~~عقلا فوق عقله". # PageV01P053 # واعتراضه هذا غير صحيح لأن الحكماء المتكلمين في الفضائل قد أنفقوا على ~~أن الإنسان قد يقدر على أن يكتسب بعض الفضائل بالتطبع وأن يستكمل كثيرا مما ~~نقصه من ذلك بالاعتياد والرياضة ومجاهدة النفس، فينتقل برياضة النفس في ذلك ~~حالا فحالا حتى يصير الصعب قبل التطبع والارتياض سهلا بعدها. وما زال الناس ~~يروضون أخلاقهم بالتأدب والتدرب، فتترقى بذلك في مراتب الفضل درجاتهم ~~وتتهذب بعد الجفاء أخلاقهم. قيل للأحنف ابن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من ~~قيس بن عصم. ولا بد في حصول هذا التطبع من سباق استعداد لتحصيله بالطبع، ~~فيخرج إلى الفعل بعد كونه في القوة. # فأما خلقة الإنسان وصورته فليس في قدرته نقل شيء منها عما وجد عليه. فحمد ~~الإنسان بما يستحسن من هذا القبيل مخادعة له، وذمة بما يستقبح من ذلك تحامل ~~عليه. ويشهد لهذا ما حكاه الرواة من ms101 أن المغيرة ابن حبناء وزيادا الأعجم لم ~~يزالا يتهاجيان حتى غيره زياد بعلل كانت أصابت بعض أهل بيته. فقال المغيرة: ~~"ما ذنبنا فيما ذكره، هذه أدواء، وإنما يعير المرء بما اكستبه". ### | 10- # تنوير: فقد تبين أن رأي من رأى أن المدح بما ليس للإنسان فيه تصرف ولا له ~~قدرة على تغييره عما هو عليه مما هو خارج عن الفضائل الأربع موافق لما حكي ~~عن العرب في ذلك. وإنما يمدح بما هو خارج عن الفضائل الأربع إذا كان مما ~~شأنه أن توجد الفضائل أبدا بوجوده، فتورد كالأدلة على ذلك. ### | ط- معلم دال على طريقة العلم بما يجب أن يعتمد في مدح صنف صنف من الناس. # ويجب أن يقصد في مدح صنف صنف من الناس إلى الوصف الذي يليق به، وأن يعتمد ~~في مدح واحد واحد ممن يراد تقريظه ما يصلح له من تلك الفضائل وما تفرع ~~منها، وأن لا يجعل لاشيء منها حلية لمن لا يستحقه ولا هو من بابه. ### | 1- # إضاءة: فأما مدح الخلفاء فيكون بأفضل ما يتفرع من تلك الفضائل وأجلها ~~وأكملها كنصر الدين وإفاضة العدل وحسن السيرة والسياسة والعلم والحلم ~~والتقى والورع والرأفة والرحمة والكرم والهيبة وما أشبه ذلك. وينبغي أن ~~يتخطى في أوصافهم من جميع ذلك حدود الاقتصاد إلى حدود الإفراط، وأن يترقى ~~عن وصفهم بفعال ما يكون حقا واجبا على تقريظهم بما يكون من ذلك نافلة ~~وفضلا. ### | 2- # تنوير: ومدح الأمراء يكون بالكرم والشجاعة ويمن النقيبة وسداد الرأي ~~والتيقظ والحزم والدهاء وما ناسب ذلك. ويطمح بهم في الأوصاف إلى حيث يليق ~~بمناصبهم وما انتهت غليه ممالكهم حتى تكون رتبة العظماء منهم ثانية عن رتبة ~~الخلفاء، وتتدرج مراتبهم في ذلك على أدنى ما يتميز به الملك عن السوقة. ### | 3- # إضاءة: ومدح الوزراء ومن حل محلهم من الكتاب يكون بالعلم والحلم والكرم ~~وحسن التدبير وتثمير الأموال ونحو ذلك. وينبغي أن يكون المطمح في وصف كل ~~وزير على قدر مستوزره، فيكون لوزراء الخلفاء في ذلك مزية لا تلحق ورتبة لا ~~تسامى حتى إن مراتب ms102 كثير من الملوك ربما قصرت عن مراتبهم، ثم تندرج مراتبهم ~~في ذلك على نحو ما ذكرناه في مراتب الملوك. ### | 4- # تنوير: ومدح القضاة يكون بالعلم والتقى والدين والنزاهة والعدل بين ~~الخصوم وإنصاف المظلوم وما جرى ذلك المجرى. ولهم أيضا مراتب فيما ينبغي أن ~~ينحلوه من الأوصاف، فيطمح بقاء الخلفاء ثم بقضاة الملوك ثم بقضاة الأصقاع ~~الكبار إلى حيث لا يطمح بغيرهم. وينبغي أيضا أن يكون تعظيمهم على قدر عظمهم ~~في علومهم وأديانهم وعقولهم. ### | 5- # إضاءة: فقد تبين من هذا أن أمداح الخلفاء يجب أن تكون نمطا واحدا ينحى ~~بأوصافها أبدا نحو الإفراط، وأن أمداح الأمراء والوزراء والقضاة ومن جرى ~~مجراهم من كبار العلماء ينبغي أن يكون كل واحد منها ثلاثة أنماط: ينحى ~~بالنمط الأعلى منحى الإفراط، وينحى بالنمط الأدنى منحى الاقتصاد، وتكون ~~أوصاف النمط الوسط اقتصادية مشوبة ببعض إفراط وذلك بحسب ما بيناه من اختلاف ~~درجات الممدوحين في ضخامة الخطط وفخامة الولايات. ### | 6- # تنوير: فعلى هذا الترتيب يجب أن يكون المدح، وأن يحافظ على ما يجب ~~اعتماده في امتداح كل طبقة من الممدوحين. فلا يسمى بها إلى الرتب التي ~~فوقها ولا ينحط بها إلى ما دونها. ### | ي- معرف دال على طرق المعرفة بما يكون به وضوح المعاني أو غموضها. # PageV01P054 # إن المعاني وإن كانت أكثر مقاصد الكلام ومواطن القول تقتضي الإعراب عنها ~~والتصريح عن مفهوماتها فقد يقصد في كثير من المواضع إغماضها وإغلاق أبواب ~~الكلام دونها. وكذلك أيضا قد نقصد تأدية المعنى في عبارتين: إحداهما واضحة ~~الدلالة عليه، والأخرى غير واضحة الدلالة لضروب من المقاصد. فالدلالة على ~~المعاني إذن على ثلاثة أضرب: دلالة إيضاح، ودلالة إبهام، ودلالة إيضاح ~~وإبهام معا. ### | 1- # إضاءة: وقد تقدم التعريف بكثير من الوجوه التي بها يكون إيضاح الدلالات ~~على المعاني في مواضع كثيرة من هذا الكتاب. وبقي أن نذكر الآن ما يتيسر لنا ~~ذكره من الوجوه التي يكون في المعاني بوجودها فيها أو في عباراتها إغماض ~~لها وبعد بها عن البيان ليعتمد الشاعر ما يليق بكلامه من تك الوجوه حيث ~~يقصد ms103 كناية أو إلغازا وما شابه ذلك مما لا يقصد في الدلالة عليه التصريح، ~~ولتجتنب تلك الوجوه حيث يقصد التصريح عن المعاني والإبانة عنها حتى يأتي في ~~كل موضع بما يليق به. ### $ 2- تنوير: ووجوه الإغماض في المعاني: منها ما يرجع إلى المعاني أنفسها ومنها ما يرجع إلى الألفاظ والعبارات المدلول بها على المعنى، ومنها ما يرجع على المعاني والألفاظ معا. ### | 3- # إضاءة: فأما ما يرجع إلى المعاني أنفسها فمن ذلك أن يكون المعنى في نفسه ~~دقيقا ويكون الغور فيه بعيدا، أو يكون المعنى مبنيا على مقدمة في الكلام قد ~~صرف الفهم عن التفاتها بعد حيزها من حيز ما بني عليها أو تشاغله بمستأنف ~~الكلام عن فارطه أو غير ذلك مما شأنه أن يثني غروب الأفهام كليلة قاصرة عن ~~تحقق مفهومات الكلام، أو يكون مضمنا معنى علميا أو خبرا تاريخيا أو محالا ~~به على ذلك ومشارا به غليه فيكون فهم المعنى متوقفا على العلم بذلك المضمن ~~العلمي أو الخبري، أو يكون المعنى مضمنا إشارة إلى مثل أو بيت أو كلام سالف ~~بالجملة يجعل بعض ذلك المثل أو البيت جزءا من أجزاء المعنى أو غير ذلك من ~~أنحاء التضمني، أو يكون المعنى قد قصد به الدلالة على بعض ما يلتزمه من ~~المعاني ويكون منه بسبب على جهة الإرداف أو الكناية به عنه أو التلويح به ~~إليه أو غير ذلك - وكلما كان الملتزم بعيدا كان المعنى بعيدا من الفهم- أو ~~يكون المعنى قد وضعت صور التركيب الذهني في أجزائه على غير ما يجب فتنكره ~~الأفهام لذلك، فقد لا تفهمه على وجهه وقد لا تهدى آلى إلى فهمه بالجملة، أو ~~يكون بعض ما يشتمل عليه المعنى مظنة لانصراف الخواطر في فهمه على أنحاء من ~~الاحتمالات، أو يكون المعنى قد اقتصر في تعريف بعض أجزائه أو تخييلها على ~~الإشارة إليه بأوصاف تشترك فيها معه أشياء غير أنها لا توجد مجتمعة غلا ~~فيه. وكلما كانت الأوصاف في مثل هذا مؤتلفة من أعراض الشيء البعيدة لم تتهد ~~الأفكار إلى فهمه ms104 إلا بعد بطء. ### | 4- # تنوير: فأما ما يرجع إلى الألفاظ والعبارات من تلك الوجوه فمثل أن يكون ~~اللفظ حوشيا أو غريبا أو مشتركا فيعرض من ذلك ألا يعلم ما يدل عليه اللفظ ~~أو أن يتخيل أنه دل في الموضع الذي وقع فهي من الكلام على غير ما جيء به ~~للدلالة عليه فيتعذر فهم المعنى لذلك. وقد يتفق مثل هذا بأن يعرض في تركيب ~~اللفظ اشتباه يصير به بمنزلة اللفظ المشترك نحو قول امرئ القيس: (البسيط ~~-ق- المتدارك) =لفتك لأمين على نابل ومن ذلك أن يقع في الكلام تقديم ~~وتأخير، أو يتخالف وضع الإسناد فيصير الكلام مقلوبا، ا, يقع بين بعض ~~العبارة وما يرجع إليها فصل بقافية أو سجع فتخفى جهة التطالب بين الكلامين، ~~أو بأن تفرط العبارة في الطول فيتراخى بعض أجزائها عما يستند إليه وما هو ~~منه بسبب فلا يشعر باستناده إليه واقتضائه له لاسيما إذا وقع في الكلام ~~اعتراضات وفصول وكان مشتملا على أشياء يمكن أن ترجع إلى كل واحد منها ذلك ~~الشيء. ومما يبعد به الشيء عما يستند غليه الصلات والاعتراضات. ومن ذلك أن ~~ترد العبارة التي يقصد انفصال بعض أجزائها عن بعض في صورة المتصلة وأن يرد ~~المتصل في صورة المنفصل، ومن ذلك فرط الإيجاز الذي يكون بقصر أو حذف، وقد ~~تقدم ذكر ذلك. # PageV01P055 ### | 5- # إضاءة: فكل معنى غامض وعبارة مستغلقة فغموضة واستغلاق عبارته راجعان إلى ~~بعض هذه الوجوه المعنوية أو العبارية أو إليهما معا أو إلى ما ناسبهما وجرى ~~مجراهما مما لعلنا لم نذكره من وجوه الإغماض الراجعة على معنى أو عبارة. ~~فعلى هذه الوجوه ووقع بعضها مع بعض في الكلام مدار الأقاويل التي يقصد بها ~~الكنايات والإلغاز وما جرى مجراهما مما لا يقصد فيه الإبانة والتصريح. ### | 6- # تنوير: ويحتاج في موضع التصريح والإبانة أن يتحفظ من وقوع وجه من هذه ~~الوجوه في لفظ أو عبارة. ومتى اضطر وزن أو قافية أو انحصار للكلام في مجال ~~غير متسع له من مقادير الأوزان إلى وقوع شيء من ذلك فليجهد في ms105 ما يرفع ~~الإبهام أ, اللبس الواقع بذلك من القرائن المخلصة للكلام إلى ما نحي به ~~نحوه، فإن ورود المعنى غامضا في كلام قد قصد به الإبانة مما يوعر سبيله ~~ويزيله عن الاعتدال والاستواء مع مناقصته للمقصد. ### | 7- # إضاءة: وجملة الأمر أن اشتكال المعاني وغموضها من جهة ما يرجع إليها أو ~~إلى عباراتها يكون لأمور راجعة إلى مواد المعنى أو مواد العبارة أو إلى ما ~~يكون عليه إجراؤهما من وضع وترتيب أو إلى مقاديرها ترتب من ذلك أو إلى ~~أشياء مضمنة فيهما أو أشياء خارجة عنهما. ### | 8- # تنوير: وإذا قد عددت جملة ما به يكون اشتكال المعاني من جهة ما يرجع ~~إليها أو إلى عباراتها فنذكر بعض وجوه الحيل التي من شأنها أن يماط بوجه ~~وجه منها ما وقع في المعاني من غموض وإشكال بوجه وجه مما به يكون اشتكال ~~المعاني وغموضها ذكرا موجزا على جهة الإشارة والإيماء. ### | 9- # إضاءة: فأما طريق الحيل في إزالة الغموض والاشتكال الواقعين بهذه الأشياء ~~فهي أن يعتاض من الشيء الذي وقع به الإغماض والإشكال أو أن يقرن به ما يزل ~~الغموض والاشتكال. فالاعتياض في المعاني يكون بأخذ مماثلاتها مما يكون في ~~معناه أوضح منها. والاعتياض في الألفاظ يكون بما يماثلها من جهة الدلالة. ~~وقد يكون بين العوض والمعوض منه مع ذلك مخالفة في الوضع مثل وصل المنفصل ~~وفصل المتصل وإطالة القصير وتقصير الطويل، وقد لا يكون ذلك. ### | 10- # وقران الشيء بما يزيل الغموض أو الاشتكال الواقع فيه يكون بأن يتبع الشيء ~~بما يكون شرحا له وتفسيرا من جهة ما يكون في معناه أو تكون دلالته في معنى ~~دلالته أو من جهة ما يناسبه ويشابهه، ويكون بأشياء خارجة عن معنى الشيء إلا ~~أن فيها دلالات على إبانة ما أنبهم في الأشياء المقترنة بها. ### | 11- # إضاءة: ولهذه الجملة تفصيل طويل لا يمكن أن نتقصاه بالتمثيل في وجه وجه ~~من تلك الأشياء التي من قبلها تشتكل المعاني في أنفسها ومن جهة عباراتها إذ ~~بعض الشواغل ومراعاةما اعتمدته في هذا الكتاب من الاكتفاء في ms106 كل باب منه ~~بالإجمال عن التفصيل وباللمحة الدالة عن الجملة الشارحة يمنعان من الزيادة ~~على القسط الواجب فيه بحسب ما اعتمدته، لكني أورد في ما تعلق ببعض ذلك ~~كلاما كنت قيدته فيما تقدم، فإن فيه زيادة إفادة إلى ما ذكرته، فيجعل ~~الناظر وجه النظر والعمل في ما لم أذكره من ذلك بحسب الأمر في ما ذكرته، ~~وليتول اعتبار جميع ذلك في وجه منها بنفسه. فقد أوضحت له السبيل إليها ~~ودمثت له الطريق الدال عليها. # يا-معلم دال على طرق العلم بما يزيل الغموض والاشتكال العارضين في ~~المعاني، من حيث ذكر في المعرف الفارط. # وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ذلك. وأنا شارع في تتميم ذلك وتكميله وإيراد ~~القول فيه مفصلا والتعريف بما لم يجر له ذكر من ذلك. # فأقول: إن المعاني منها ما يقصد أن تكون في غاية من البيان على ما تقدمن ~~ومنها ما يقصد أن تكون في غاية من الإغماض، ومنها ما يقصد أن يقع فيه بعض ~~غموض، ومنها ما يقصد أن يبان من جهة وأن يغمض من جهة. # وبيان المعاني يكون بتعريها من الأوصاف التي تبعدها عن البيان. وتلك ~~الأوصاف تنقسم: إلى ما يرجع إلى المعنى وإلى ما يرجع على اللفظ المعبر عنه. ~~وتلك الأشياء الراجعة إلى المعنى أو إلى العبارة: إما أن تكون راجعة في ~~كليهما إلى مادة أو إلى وضع وترتيب أو إلى مقدرا أو على ما يكون متضمنا ~~لهما أو ملتزما. # PageV01P056 ### | 1- # إضاءة: فمما يرجع إلى المعنى من ذلك: أن يكون المعنى في نفسه دقيقا لطيفا ~~يحتاج على تأمل وفهم، ومنها أن يكون المعنى قد أخل ببعض أجزائه ولم تستوف ~~أقسامه، ومن ذلك أن يكون المعنى مرتبا على معنى آخر لا يمكن فهمه وتصوره ~~إلا به، ومنه أن يكون المعنى منحرفا بالكلام وغرضه عن مقصده الواضح معدولا ~~إليه عما هو أحق بالمحل منه. ### | 2- # تنوير: فأما الوجه الأول وهو أن يكون المعنى في نفسه دقيقا لطيفا يحتاج ~~إلى تأمل وتفهم فيجب في ما كان بهذه الصفة أن يجهد ms107 في تسهيل العبارة ~~المؤدية عن المعنى وبسطها حتى يقابل خفاؤه بوضوحها وغموضه ببيانها حتى تبلغ ~~الغاية المستطاعة في ذلك. فإذا اجتهد الشاعر في توفية العبارة حقها من ~~البيان وقصد بها الإيضاح غاية ما يستطيع فقد أزال عن نفسه اللوم في ذلك ~~ونفى عنها التقصير، ووجب عذره في خفاء المعنى إذ لا يمكن أن يصيره في نفسه ~~جليا. ### | 3- # إضاءة: ويجب أيضا على الشاعر فيما لم يمكنه أن يبين عنه حق الإبانة أن ~~يقرن ذلك المعنى بما يناسبه ويقرب منه من المعاني الجلية ليكون في ذلك دليل ~~على ما انبهم من ذلك المعنى، إذ قد يستدل على المعنى بما يجاوره من المعاني ~~وينبه بعضها على بعض. ### | 4- # تنوير: وأما الوجه الثاني وهو الإخلال ببعض أركان المعنى وترك الاستيفاء ~~لها فهذا يقع للشاعر بأن يذهل عن بعض أركان المعنى أو يجهله، أو بأن يتركه ~~من غير ذهول منه لكن لاضطرار الشعر له بانضمامه على القافية أو لان الوزن ~~غير مساعد له. فإذا طرأ في هذا المعنى غموض من الوجه فهو مما يرجع إلى ~~العبارة. ويخلص من ذلك تسريح عنان الكلام يسيرا. فإن ضاق المجال عن استيفاء ~~أجزاء المعنى في بيت واحد فليكن ذلك في بيت وبعض بيت آخر أو في بيتين، فقد ~~يمكنه استقصاء ما أراده بهذه الطريقة. فإن تعذر عليه الاستقصاء بالجملة ~~فليسقط ذلك المعنى، فإن نقصه نقص في حقه. ولا يزال ذو المعرفة بتصاريف ~~الكلام والدربة بتأليف النظام يضع اللفظة موضع اللفظة ويبدل صيغة مكان صيغة ~~حتى يتأتى له مراده وينال من كمال المعنى بغيته. ### | 5- # إضاءة: وأما الوجه الثالث وهو أن يكون المعنى مرتبا على معنى آخر لا يمكن ~~فهمه إلا به فقد يكون المعنى المبني عليه داخل الكلام وخارجه. ويجب أن يقصد ~~- فيما يبني المعنى عليه مما هو خارج الكلام- الشهرة وأن يحسن الدلالة على ~~ذلك من العبارة وأل يحال بين المعنى وما يبنى عليه مما هو موجود في الكلام ~~بما هو أجنبي عنهما، وأن يحسن مساق الكلام في ذلك حتى يعلم ms108 أن أحدهما بسبب ~~من الآخر. ### | 6- # تنوير: وأما الوجه الرابع: وهو أن يكون المعنى متحرفا بغرض الكلام عن ~~مقصده الواضح معدولا إليه عما هو أحق بالمحل منه حتى يوهم المعنى أن ~~المقصود به ضد ما يدل عليه اللفظ المعبر به عنه. وأكثر الناس يجعلون هذا ~~النوع من الكلام مقلوبا. وبعض الناس يتأول ما ورد من ذلك تأويلا فيه سلامة ~~من القلب، ويرى أن ذلك وإن بعد التأويل أولى من حم الكلام على القلب، إذ ~~العبارة إنما تدل على المعنى بوضع مخصوص وترتيب مخصوص، فإن بدل ذلك الوضع ~~والترتيب زالت تلك الدلالة. وهذا موضع يجب أن يوقف به عند السماع وإلا يقاس ~~عليه لأنه إن كان الكلام مقلوبا، وكانت العبارة مقصودا بها غير ما تدل عليه ~~بوضعها، وسوغ هذا عند حامل الكلام على هذا المذهب أن المقصد من الكلام ~~واضح، وإن كانت العبارة غير دالة عليه، فقد ذهب بالكلام مذهب فاسد وكان ذلك ~~خطأ في العبارة. وفي سعة الكلام مندوحة عن المذاهب الفاسدة. وإن كان الكلام ~~غير مقلوب، ولكنه قصد به معنى آخر غير المعنى الذي يريد به من يجعل الكلام ~~مقلوبا، فذلك أيضا قبيح لأنه وضع المعنى البعيد الذي لم يؤلف موضع المعنى ~~القريب المألوف، فلا يجب أيضا سلوك هذا المذهب. فكلا التأويلين في هذا ~~الباب خارج بالكلام عن المهيع الذي يكون للمعنى فيه موقع من النفس ومكانة ~~مكينة من الفهم. فالواجب في فصيح الكلام أن يكون خاليا منه. # PageV01P057 ### | 7- # إضاءة: ويشبه أن يكون هذا الضرب من الكلام مما غلط فيه من ليس من علية ~~فصحاء العرب وبلغائها (بالحمل) على العلية منهم. فكل امرئ منهم إنما يأتم ~~في الفصاحة بمن فوقه. فإذا وجد المؤتم منهم كلاما لمن يأتم به قد قصد به ~~مقصدا يمكن أن يفهم على خلافه بل ربما كان خلافه أسبق إلى الفهم لكونه أشهر ~~في ما يقال في الغرض المقصود بالكلام, وكان الشاعر قد عدل عن الأشهر إلى ~~الأخفى إما اضطرارا على ذلك أو قصدا على الافتنان في معاني ms109 الكلام والاتساع ~~في مذاهبه -فمن عادتهم أن يأخذوا الكلام من كل مآخذ ويجتلبوا المعاني من كل ~~مجتلب وأن يتلاعبوا بالكلام على وجوه من الصحة- فهم الكلام على خلاف ما ~~قصده القائل ورأى العبارة لا تدل على ما فهم إلا بعد القلب, فظن أن هذا ~~مذهب في الكلام لمن يأتم به, وأن للشاعر أن يعبر عن المعنى بما لا يدل عليه ~~إلا بعد القلب, ويكتفي بما يسبق إلى الأفهام في ذلك فيجعل ذلك مذهبا له ~~فيخطئ فيه. # وعلى هذا النحو وقع كثير من المذاهب الفاسدة في كلام العرب لأن أرداف ~~الفصاحة منهم إذا رأوا لصدورهم استعمالا ما في شيء قاسوا على ذلك ما يرون ~~أنه مماثل لذلك الشيء, وقد تكون بينهما مفارقة من وجه أو أوجه فيغلطون في ~~القياس, وكذلك في كثير مما يتأولونه عليهم. # فلذلك يجب ألا يقبل من الضرائر غلا ما وجد في ما اجتمعت عليه الروايات ~~الصحيحة من كلام علية الفصحاء منهم مما تحقق براعته انتسابه إليهم كقصائد ~~امرئ القيس والنابغة وزهير ومن جرى مجراهم. ### | 8- # تنوير: وقد وقعت أبيات من الشعر حملها قوم على القلب وخرجها آخرون على ~~وجوه يصح الكلام عليها لفظا ومعنى. كقول الحطيئة: (الطويل -ق- المتدارك) # فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره # لأن الحبل إذا أمسك الحافر فالحافر أيضا قد شغل الحبل وأمسكه عن أن يتخلى ~~عنه ويتلفت, فعلى هذا ليس بمقلوب. # وكذلك قول أبي النجم: (الرجز -ق- المتدارك) # قبل دنو الأفق من جوزائه ... لأن الجوزاء إذا دنت من الأفق دنا منها. # وقد حمل قوم قطري بن الفجاءة: (الكامل -ق- المترادف) # ثم انصرفت, وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام # على القلب. قالوا يريد قارح البصيرة جذع الإقدام كما يقال إقدام غر ورأي ~~مجرب. والأحسن في هذا البيت حمله على غير القلب, وذلك على تأويلين: أحدهما ~~أن يريد أن هذا الموطن الذي وصفه كان أعظم موطن حضره وأشد موقف شهده فيئس ~~فيه من الحياة وأيقن بالتلف حين رأى نفسه دريئة للرماح ودمه قد ms110 خضب سرجه ~~ولجامه كما ذكر في هذا الشعر, ثم خلص من هول ذلك الموقف ووقع الأمر على ~~خلاف ما كان وقع في نفسه حين انصرف وقد قتل ولم يقتل, فحدثت له إذاك بصيرة ~~أن الإقدام غير علة للحمام وأن من يركن إلى الإحجام خفية من أن يصاب فليس ~~على بصيرة, إذ لو شهد ما شهدت ثم انصرف مصيبا لا مصابا لحديث له بصيرة بأن ~~السلامة غير مقصورة على مواطن الدعة وأن الهلاك غير موقوف على مواقف ~~المكافحة, وحمله اجتماع الظفر له والسلامة بالإقدام على ألا يركن إلى ~~الإحجام. فعبر عن قرب عهد حدوث البصيرة له عند انصرافه عن تلك الحرب بأن ~~جعل البصيرة جذعة لأن الجذع هو الذي على أول سنة الأخذ في الاستحكام وجعل ~~الإقدام قارحا لأنه كان من سجيته ثابتا قبل البصيرة. ### | 9- # إضاءة: والتأويل الثاني ما حكاه ابن سنان الخفاجي عن أبي العلاء صاعد به ~~عيسى الكاتب أنه جاراه في بعض الأيام في هذا البيت, فقال صاعد: "ما المانع ~~أن يكون مقصوده لم اصب أي لم ألف على هذه الحال بل وجدت على خلافها جذع ~~الإقدام قارح البصيرة, ويكون الكلام على وجه غير مقلوب, فتمكن الدلالة على ~~أن قوله في البيت لم أصب بمعنى لم ألف دون ما يقولون من أن مراده لم أجرح ~~من قوله قبل: # لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى, متخوفا لحمام # لقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة، وأمامي # حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكناف سرجي أو عنان لجامي # ثم انصرفت، وقد أصبت، ولم أصب ... جذع البصيرة، قارح الإقدام # PageV01P058 # فكيف يكون لم يصب وقد خضب بدمه أكناف سرجه ولجامه. فأما قولهم: إنه أراد ~~من دمي أي من دماء قومي وبني عمي فمبالغة منهم في التعسف والعدول عن وجه ~~الكلام ليستمر لهم أن يكون الكلام فاسدا غير صحيح) . # ثم قال الخفاجي: (وهذا الذي ذكره أبو العلاء وسبق له وجه يجب تقبله ~~وإتباعه فيه. وفحوى كلام قطري تدل على أنه أراد أنه جرح ms111 ولم يمت إعلاما أن ~~الإقدام غير علة فيا لحمام وحضا على الشجاعة وبغض الفرار. # وقد حمل قوم قوله سبحانه: (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ~~أولي القوة) ، وقوله تعالى: (وإنه لحب الخير لشديد) على القلب. وحمل الكلام ~~على القلب في غير القرآن إذا أمكن حمله على الاستقامة تعسف شديد، فكيف في ~~الكتاب العزيز والواجب أن تجعل الباء في قوله تعالى بالعصبة للتعدية ويكون ~~المراد - والله أعلم - أن المفاتح تنوء بالعصبة أي تميلها من ثقلها، وهو ~~قولا لقراء، وأن يكون قوله تعالى لشديد بمعنى بخيل، أي أنه لحب المال لبخيل ~~والخير المال) . ### | 10- # تنوير: فكل كلام يمكن حمله على غير القلب بتأويل لا يبعد معناه، فليس يجب ~~حمله على القلب. # وأما ما لا يمكن فيه التأويل فواجب ألا يعمل عليه وأن يوقف عنده. ومنه ~~عقول عروة بن الورد: (الوافر -ق- المترادف) # فلو أني شهدت أبا معاذ ... بمهجته غداتئذ يفوق # فديت بنفسه نفسي ومالي ... فما آلوك إلا ما أطيق # يريد فديت بنفسي، فهذا وأمثاله لا يجب أن يعمل عليه لأنه كلام خطأ على ما ~~قدمناه. ويحتمل أن يكون هذا وما أشبهه مما غيره بعض الرواة لتقارب العبارات ~~واشتباه بعضها ببعض. فقد ينحرف محفوظ الراوي عن أصل وضعه قليلا فلا يشعر ~~بذلك: ألا ترى أن هذا البيت يتأتى تغيير العبارة الواقعة في صدره إلى وضع ~~يدل على مفهوم صحيح فيقال فيه: جعلت فداءه نفسي ومالي. وبدل فديت بنفسه. ### | 11- # إضاءة: وأما ما يرجع إلى اللفظ مما يوقع في المعاني غموضا واشتكالا فمن ~~ذلك أن تكون الألفاظ الدالة على المعنى أو اللفظة الواحدة. # منها حوشية أو غريبة فيتوقف فهم المعنى عليها. والواجب على الشاعر أن ~~يجتنب من هذا ما توغل فيا لحوشية والغرابة ما استطاع حتى تكون دلالته على ~~المعاني واضحة وعبارته مستعذبة. ومتى لزه إلى شيء من ذلك اضطرار وأمكنه أن ~~يقرن باللفظة ما يهتدى به إلى معناها من غير أن يكون ذلك حشوا كان الأمر في ~~ذلك أشبه. ### | 12- # تنوير: ومن ذلك أن تكون ms112 اللفظة أو الألفاظ مشتركة فتدل على معنيين أو ~~أكثر لا في حال واحدة، فيجب للناظم أن ينوط باللفظة أو الألفاظ التي بهذه ~~الصفة من القرائن ما يخلص معناها إلى المفهوم الذي قصده حتى يكون المعنى ~~مستبينا، وذلك حيث يقصد البيان. وينبغي ألا يكثر من هذا النوع حيث يقصد ~~الإبانة عن المعاني. # ومما ورد من ذلك فاضطرب الناس في تأويله قول الحارث بن حلزة: (الخفيف -ق- ~~المترادف) # زعموا أن كل من ضرب العير ... موال لنا وأنى الولاء # فقيل أراد بالعير الوتد وأراد بالضاربين العرب لأنهم كانوا أصحاب عمد، ~~وقيل أراد عير العين وهو ما نتأ منها أي كل من ضرب عير عينه بجفنه، وقيل ~~أراد بالعير ما يطفو على الحوض من الأقذاء وأصله التشديد وهو العاثر ~~والعير، فخفف كما قيل هين وهين، وقيل فيه وجوه أخر غير هذه. ### | 13- # إضاءة: ومن ذلك أن تكون كلمة قد وصلت بحرف أو حذف منها حرف فتتصل بكلمة ~~يحتمل لفظها أن يكون الحرف الموصول بالأول داخلا عليها أو من جملة حروفها ~~أو يكون قد دخل على الثانية حرف يخيل لك أنه صلة للأولى أو تتمة لما نقص ~~منها فيعرض من هذا فهم الكلام على غير وجهه. # ومن هذا قول امرئ القيس: (البسيط -ق- المتدارك) # نطعنهم سلكى ومخلوجة ... لفتك لأمين على نابل # لأن الكاف محتملة أن كون ضميرا مضافا إليها ما قبلها، وأن تكون حرفا جارا ~~لما بعدها. # ومن هذا ما روي من أن الأصمعي أنشد يوما: (الخفيف -ق- المترادف) # لم ينالوا مثل الذي نلت منهم ... وسواء ما نلت منهم ونالوا # ثم قال لأصحابه: كيف أوجب في آخر البيت ما نفى في أوله؟. فقالوا: لا ~~ندري، قال: قد أجلتكم فيه شهرا. قالوا: لو أجلتنا فيه سنة ما علمناه، فقال: ~~إنما هي لمي ترخيم لمياء ثم قال: نالوا مثل الذي نلت منهم، فهذا إيجاب أنهم ~~نالوا وليس بنفي على ما يتوهم سامعه. # PageV01P059 # فيجب أن يتحفظ في الكلام المقصود به البيان نحو وقوع تلك الحروف التي ~~يسبق الوهم إلى أنها مستندة إلى ms113 غير الحيز الذي استندت إليه، فإن الذي ~~مستهلك للمعاني وحاجب للأفكار عن حقائق المقصود بالكلام. ### | 14- # تنوير: ومن ذلل الإخلال بوضع الكلام وإزالة ألفاظه عن مراتبها حتى يصير ~~المتأخر متقدما والمتقدم متأخرا فتتداخل الألفاظ بعضها على بعض فتشكل ~~العبارة ولا يتحقق نظامها قبل التقديم والتأخير ولا يعلم كيف كان. وهذا ~~المذهب رديء جدا في الكلام. # وكان همام بن غالب الفرزدق يكثر من هذا النوع -كأنه كان يقصده - ومنه ~~قوله: (الطويل -ق- المتدارك) # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # يريد وما مثله فيا لناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، ويعني بالمملك ~~هاشما والممدوح خاله فأبوه أبو أمه، فقد أساء العبارة عما أراد. ### | 15- # إضاءة: وإذ قد ذكرنا جملة مما يوقع فيا لمعاني إغماضا من جهاتها أنفسها ~~ومن جهات العبارات، وأتبعت ذكر بعض تلك الوجوه بذكر ما يميط بعض القبح ~~الواقع بها في الكلام، فحقيق أن نصرف عنان القول عما نحن بسبيله من القول ~~في هذا المعلم إلى غير ذلك مما يتعلق بالمعاني، إذ قد تبين أن ما قصد به ~~البيان من القول فواجب أن تجتنب فيه تلك الوجوه المذكورة، وما قصد به ~~الكناية أو الإلغاز والتعمية فهي لائقة به وصالحة له، فليوقع منها في كل ~~نوع من الكنايات وفي كل ضرب من ضروب الإلغاز والتعمية ما يليق ويكون فقيه ~~أكثر غناء من غيره. ### | يب- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء النظر في المعاني من حيث يكون فهمها متوقفا # على أمر من صناعة أو غيرها أو تكون غير متوقفة على شيء من ذلك. # إن معاني منها ما يحتاج في فهمه إلى مقدمة من معرفة صناعة أو حفظ قصة. ~~فالتي لا يحتاج في فهمها إلى مقدمة هي المعاني الجمهورية التي يشترك في ~~فهمها الخاص والعام، وعليها مدار معظم المعاني الواقعة في الأغراض المألوفة ~~من الشعر، وهي مستحسنة فيه. ### | 1- # إضاءة: والمعاني التي يحتاج في فهمها إلى مقدمة ضربان: ضرب يتوقف فهمه ~~على المعرفة بصناعة ما لكون المعنى من تلك الصناعة أو ms114 لكون العبارة الدالة ~~عليه من عبارات أهل تلك الصناعة وضرب يتوقف فهمه على حفظ قصة ما لكون ~~المعنى متعلقا بتلك القصة. ### | 2- # تنوير: فالمعاني التي يتوقف فهمها على المعرفة بصناعة ما لا يحسن إيرادها ~~في الشعر إذا وجد عنها مندوحة، ولا يحسن فيه أيضا أن تؤخذ ألفاظ قد نقلت ~~إلى علم ما فتجعل العبارة بها صالحة لما تدل عليه في ذلك العلم والمتكلم لا ~~يريد إلا المعنى الذي تدل عليه في أصل اللغة وإنما فقصد الإلغاز عن مراده. ~~فهذا لا يحسن فيا لمقاصد التصريحية. ### | 3- # إضاءة: وأما ما يتوقف فهمه على قصد فلا يخلو أن تكون تلط القصة مشهورة أو ~~غير مشهورة، فإن كانت القصة مشهورة فذلك حسن، وإن لك تكن مشهورة فإن ذلك لا ~~يستحسن. ### | 4- # تنوير: فأما المعاني أو العبارات المتعلقة بصنائع أهلا لمهن فينبغي ألا ~~يستعمل شيء منها لأن استعمالها فيا لشعر أشد قبحا من استعمال الألفاظ ~~الساقطة المبتذلة. # فأما المعاني الخارجة عن صنائع أهل المهن وعما يحتاج في فهمه إلى مقدمة ~~فهي التي يجب أن يكثر من استعمالها، فإن منزلها من المعاني منزلة الألفاظ ~~المستعملة المفهومة التي ليست بعامية ساقطة، ولا متوعرة وحشية. وأما ~~المعاني التي يتوقف فهمها على القصص الشهيرة عند الأدباء ومن جرى مجراهم ~~ممن طالع التواريخ والأخبار فمنزلتها من المعاني منزلة استعمال الألفاظ ~~التي ارتفعت عما يفهمه جميع العامة وكان علمها مقصورا على الخاصة. فأما ~~المعاني التي يتوقف فهمها على المعرفة بعلم أو صناعة فمنزلتها من المعاني ~~منزلة استعمال اللفظ الحوشي الذي لا يفهمه إلا الأقل من خاصة الأدباء، ~~وكذلك الإحالة على ما لم يشتهر من الأخبار. # PageV01P060 ### | 5- # إضاءة: وملاحظات الشعراء الأقاصيص والأخبار المستطرفة في أشعارهم ~~ومناسبتهم بين تلك المعاني المتقدمة والمعاني المقاربة لزمان وجودهم، ~~والكائنة فيها التي يبتون عليها أشعارهم مما يحسن في صناعة الشعر. ويجب ~~للشاعر أن يعتمد من ذلك المشهور الذي هو أوضح في معناه من المعنى الذي ~~يناسب بينه وبينه ويعلقه على طريق التشبيه أو التنظير أو المثل أو غير ذلك. ~~ويسمى ما ms115 تسبب إلى ذكره من القصص المتقدمة المأثورة بذكر قصة أو حال معهودة ~~الإحالة لأن الشاعر يحيل بالمعهود على المأثور. ### | 6- # تنوير: وإذا وقعت الإحالة الموقع اللائق بها فهي من أحسن شيء في الكلام، ~~فلتذكر ما مضى من الأمور التي يقل نظيرها في ما هي عليه من الأوصاف التي ~~تميل النفوس أو تنفر عنها موقع عجيب من النفوس. فتتحرك النفوس بما قد ارتسم ~~فيها من صفة القصة الأولى إلى اعتقاد القصة الأخرى على مثل تلك الصفة. هذا ~~إذا كانت الإحالة على سبيل المحاكاة. ### | 7- # إضاءة: وإذ قد تبين هذا فالواجب ألا يستعمل فيا لشعر من الأخبار إلا ما ~~شهر، وألا يستعمل فيه شيء من معاني العلوم والصنائع، ولا شيء من عباراتهم ~~إذا كان الغرض مبنيا على ما هو خارج عن تلك العلوم والصنائع. فأما إذاك أن ~~غرض الشعر مبنيا على وصف أشياء علمية أو صناعية ومحاكاتها والتخييل في شيء ~~شيء منها فإيراد تلك المعاني والعبارات غير معيب في ذلك الغرض، لأن للشاعر ~~أن يحاكي شيئا من جميع الموجودات ويخيل في واحد واحد منها ما تميل إليه ~~النفوس أو تنفر عنه. ### | 8- # تنوير: ومما تسبب فيه إلى ذكر ما ليس الكلام مبنيا عليه من المعاني ~~والكلامية والنحوية قول أبي تمام: (البسيط -ق- المتراكب) # مودة ذهب، أثمارها شبه ... وهمة جوهر، معروفها عرض # لأن الجوهر والعرض من ألفاظ المتكلمين الخاصة بصناعتهم. قوله في ما يرجع ~~إلى صناعة النحو: (الكامل -ق- المترادف) # خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء # وقول أبي العلاء المعري في مثل ذلك: (الطويل -ق- الترادف) # تلاق تفرى عن فراق تذمه ... مآق، وكسير الصحائح في الجمع # وحكي أن عز الدولة قال لندمائه: (لينشدني كل واحد منكم أغزل ما يعرفه من ~~الشعر) . فأنشد كل منهم ما حضره. فلما انتهى القول إلى أبي الخطاب ابن ثابت ~~الصابي -وكان أبو طبيبا - أنشد قول أبي العتاهية: (الخفيف -ق- المترادف) # قال لي أحمد ولم يدر ما بي ... أتحب الغداة عتبة حقا # فتنفست ثم قلت: نعم حبا ... جرى في العروق عرقا فعراق # فقال له بختيار: ms116 (لا تخرج بنا يا أبا الخطاب عن صناعة الطب التي لم ترثها ~~عن كلالة) . # وكان بعض الأدباء إذا سمع قول المهلبي: (الكامل -ق- المترادف) # يا من له رتب ممككنة ... القواعد من فؤادي # قال: (هذا يصلح أن يكون شعر بناء) . # وحكى أبو عثمان الجاحظ قال: (أنشدت أبا شعيب القلال أبيات أبي نواس التي ~~أولها: (الطويل -ق- المتدارك) # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس # فقال: (هذا شعر لو نقرت فيه طن) فوصفه من طريق صناعته. # وقد أوردنا هذه الأمثلة على غير ما أوردها غيرنا. فكل ما انتسب إلى صناعة ~~من الصنائع، انتساب ما ذكر من حيث هو معنى راجع إليها أو عبارة مستعملة ~~فيها، فليس يحسن استعماله في الشعر، إذ الواجب أن يقتصر بالأشياء على ما هي ~~خاصة به، وألا يخلط فن بفن بل يستعمل في كل صناعة ما يخصها ويليق بها، ولا ~~يشاب بها ما ليس منها. ### | يج- معلم دال على طرق العلم بأنحاء النظر في المعاني، من حيث تكون قديمة متداولة، # أو جديدة مخترعة. # إن من المعاني ما يوجد مرتسما في كل فكر ومتصورا في كل خاطر، ومنها ما ~~يكون ارتسامه في بعض الخواطر دون بعض، ومنها ما لا ارتسام له في خاطر وإنما ~~يتهدى إليه بعض الأفكار في وقت ما فيكون من استنباطه. فالقسم الأول هي ~~المعاني التي يقال فيها أنها كثرت وشاعت، والقسم الثاني ما يقال فيه إنه قل ~~أو هو إلى حيز القليل أقرب منه إلى حيز الكثير، والقسم الثالث هو المعنى ~~الذي يقال فيه إنه ندر وعدم نظيره. # PageV01P061 ### | 1- # إضاءة: فأما القسم الأول فهو مثل ما يتداوله الناس من تشبيه الشجاع ~~بالأسد، والكريم بالغمام. وهذا القسم لا سرقة فيه ولا حجر في أخذ معانيه لن ~~النسا في وجدانها ثابتة مرتسخة في خواطرهم سواء ولا فضل فيها لأحد إلا بحسن ~~تأليف اللفظ. فإذا تساوى تأليفا الشاعرين في ذلك فإنه يسمى الاشتراك، وإن ~~فضلت فيه عبارة المتأخر عبارة المتقدم فذلك الاستحقاق لأنه استحق نسبة ~~المعنى إليه بإجادته نظم العبارة ms117 عنه، وإن قصر فيه عمن تقدمه فذلك ~~الانحطاط. ### | 2- # تنوير: فأما القسم الثاني، وهي المعاني التي قلت في أنفسها أو بالإضافة ~~إلى كثرة غيرها فما كان بهذه الصفة فلا تسامح في التعرض إلى شيء منه إلا ~~بشروط: منها أن يركب الشاعر على المعنى معنى آخر، ومنها ما يزيد عليه زيادة ~~حسنة، ومنها أن ينقله إلى موضع أحق به من الموضع الذي هو فيه؛ ومن ذلك أن ~~يقلبه ويسلك به ضد ما سلك الأول، ومن ذلك أن يركب عليه عبارة أحسن من ~~الأولى، وذلك كتحسين الشماخ العبارة عن معنى قول بشر ابن أبي خازم: (الوافر ~~-ق- المترادف) # إذا ما الكرمات رفعن يوما ... وقصر مبتغوها عن مداها # وضاقت أرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها # فجاء الشماخ بهذا المعنى في عبارة أحسن من هذه وأوجز حيث يقول: (الوافر ~~-ق- المترادف) # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # فما وجد فيه شرط من هذه الشروط أو ما جرى مجراها فسائغة مجاذبة الشاعر ~~فيه من تقدمه، وما ليس داخلا تحت تلك الشروط وما جرى مجراها مما يزيد في ~~المعنى زيادة مقبولة فهو سرقة محضة. ### | 3- # إضاءة: وأما القسم الثالث وهو كل ما ندر من المعاني فلم يوجد له نظير؛ ~~وهذه هي المرتبة العليا في الشعر من جهة استنباط المعاني، من بلغها فقد بلغ ~~الغاية القصوى من ذلك، لن ذلك يدل على نفاذ خاطره وتوقد فكره حيث استنبط ~~معنى غريبا واستخرج من مكامن الشعر سرا لطيفا. فإذا ساعدته العبارة في ذلك ~~وكانت في رف صنعتها والحسن الظاهر. وما كان بهذه الصفة فهو متحامى من ~~الشعراء لقلة الطمع فينيله إذ لا يكون المعنى من الغرابة والحسن بحيث مرت ~~العصور وتعاورت ذلك الموصوف الألسنة فلم تتغلغل الأفكار إلى مكمنه إلا وهو ~~من ضيق المجال وبعد الغور بحيث لا يوجد التهدي إلى مثله والتنبه إلى مظنه ~~وجدانه في كل فكر، بل ذلك مقصور على بعض الأفكار وموجود لها في بعض الأحوال ~~دون عض. ### | 4- # تنوير: والمعاني التي بهذه الصفة تسمى العقم، لأنها ms118 لا تلقح ولا تحصل ~~عنها نتيجة ولا يقتدح منها ما يجري مجراها من المعاني فلذلك تحاماها ~~الشعراء وسلموها لأصحابها، علما منهم أن من تعرض لها مفتضح. # ألا ترى أنهم عابوا على ابن الرومي - وحظه من الاختراع الحظ الوافر - ~~تعرضه لقول عنترة: (الكامل -ق -المتدارك) # وخلا الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنم # غردا يسن ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم # بقوله يصف روضة: (الطويل -ق- المتدارك) # وغرد ربعي الذباب خلالها ... كما حثحث النشوان صنجا مشرعا # فكانت لها زنج الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقعا # على أن ابن الرومي قد نحا بالمعنى نحو آخر، حين جعل تغريد الذباب ضربا ~~موقعا على شدوات الطير. وهذا تخييل محرك إلى ما قصد ابن الرومي تحريك ~~النفوس إليه وإبلاغها به. فمثل هذه المعاني النادرة إذا وقع فيها مثل قول ~~ابن الرومي ووقع فيها زيادة ما من جهة، وإن كان فيها تقصير من جهة أخرى، ~~يجب أن يصفح عن قائليها في ما وقع لهم من التقصير إذا وقع لهم بإزاء ذلك ~~زيادة وإن كان ما قصروا عنه أجل مما زادوا. هذا إذا لم يكن بين المقصر عنه ~~والمزيد تفاوت كبير. ### | 5- # إضاءة: وأما من نقل المعنى النادر من غير زيادة فذلك من أقبح السرقات، ~~لأنه تعرض لسرقة ما لا يخفى على أحد انه سرقة. ### | 6- # تنوير: ومن أبرز المعنى النادر في عبارة أشرف من الأولى فقد قاسم الأول ~~الفضل، إذ الفضل في اختراع المعنى للمتقدم، والفضل في تحسين العبارة ~~للمتأخر. والقول الثاني الذي حسنت فيه العبارة بلا شك أفضل من الأول، لأن ~~المعنى لا يؤثر فيه التقدم ولا التأخر شيئا، وإنما ترجع فضيلة التقدم إلى ~~القائل لا القول فيه. # PageV01P062 ### | 7- # إضاءة: فإن زاد المتأخر على التقدم زيادة في المعنى مع تحسين اللفظ فقد ~~استحق المعنى عليه كما استحق الطرماح معنى النابغة حين زاد عليه في قوله: ~~(البسيط -ق- المتراكب) # من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصقيل الفرد # بقوله: (البسيط -ق- المتراكب) # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على ms119 شرف يسل ويغمد # فزاد الطرماح عليه أن جعله مسلولا في حال ظهوره مغمدا في حال إضمار ~~البلاد له. # فمراتب الشعراء فيما يلمون به من المعاني إذن أربعة: اختراع واستحقاق ~~وشركة وسرقة. فالاختراع هو الغاية في الاستحسان، والاستحقاق تال له، ~~والشركة منها ما يساوي الآخر فيه الأول فهذا لا عيب فيه، ومنها ما ينحط فيه ~~الآخر عن الأول فهذا معيب، والسرقة كلها معيبة وإن كان بعضها أشد قبحا من ~~بعض. ### | المباني # بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ### | القسم الثالث في النظم وما تعرف به أحواله من حيث يكون ملائما للنفوس أو منافرا # لها من قوانين البلاغة. ### | المنهج الأول في الإبانة عن قواعد الصناعة النظمية والمآخذ التي هي مداخل إليها، # وما تعتبر به أحوال الصنعة في جميع ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو ~~منافرة لها. ### | أ- معلم دال على طرق العلم بقواعد الصناعة النظمية التي عليها تقوم مباني النظم؛ # وبتصرف الخواطر فيها على ما يجب أن تلتئم صناعة النظام الشعري على ~~الكمال. # النظم صناعة آلتها الطبع. والطبع هو استكمال للنفس في فهم أسرار الكلام، ~~والبصيرة بالمذاهب والأغراض التي من شأن الكلام الشعري أن ينحى به نحوها؛ ~~فإذا أحاطت بذلك علما قويت على صوغ الكلام بحسبه عملا، وكان النفوذ في ~~مقاصد النظم وأغراضه وحسن التصرف في مذاهبه وأنحائه إنما يكونان بقوى فكرية ~~واهتداءات خاطرية تتفاوت فيها أفكار الشعراء. # فأول: تلك القوى وهي عشر: القوة على التشبيه فيما لا يجري على السجية ولا ~~يصدر عن قريحة بما يجري على السجية ويصدر عن قريحة. # الثانية: القوة على تصور كليات الشعر والمقاصد الواقعة فيها والمعاني ~~الواقعة في تلك المقاصد ليتوصل بهذا إلى اختيار ما يجب لها من القوافي ~~ولبناء فصول القصائد على ما يجب نحو ما أشرنا وما نشير إليه. # الثالثة: القوة على تصور صورة للقصيدة تكون بها أحسن ما يمكن وكيف يكون ~~إنشاؤها أفضل من جهة وضع بعض المعاني والأبيات والفصول من بغض؛ بالنظر إلى ~~صدر القصيدة ومنعطفها من ms120 نسيب إلى مدح، وبالنظر إلى ما يجعل خاتمتها إن ~~كانت محتاجة إلى شيء معين في ذلك. # الرابعة: القوة على تخيل المعاني بالشعور بها واجتلابها من جميع جهاتها. # الخامسة: القوة على ملاحظة الوجوه التي بها يقع التناسب بين المعاني ~~وإيقاع تلك النسب بينها. # السادسة: القوة على التهدي إلى العبارات الحسنة الوضع والدلالة على تلك ~~المعاني. # السابعة: القوة على التحيل في تسيير تلك العبارات متزنة وبناء مباديها ~~على نهاياتها ونهاياتها على مباديها. # الثامنة: القوة على الالتفات من حيز إلى حيز والخروج منه إليه والتوصل به ~~إليه. # التاسعة: القوة على تحسين وصل بعض الفصول ببعض والأبيات بعضها ببعض ~~وإلصاق بعض الكلام ببعض على الوجوه التي لا تجد النفوس عنها نبوة. # العاشرة: القوة المائزة حسن الكلام من قبيحة بالنظر إلى نفس الكلام ~~وبالنسبة إلى الموضع الموقع فيه الكلام. فقد يتفق للشاعر أن ينظم بيتين ~~قافيتهما واحدة فيكون أحدهما أحسن في نفسه والآخر أحسن بالنسبة إلى المحل ~~الذي يوقعه فيه من جهة لفظ أو معنى أو نظام أو أسلوب. ففي مثل هذا الموضع ~~يصير المرجوح راجحا والمفضول فاضلا. وكثير ممن ليست له هذه القوة يسقط أحسن ~~مما يثبت بالنسبة إلى المحل. ### | 1- # إضاءة: وللشعراء وذوي الدعوى في مشاركتهم أو وجود بعضها أو عدمها بالجملة ~~ثلاث مراتب. فأهل المرتبة العليا هم الشعراء في الحقيقة. وأهل المرتبة ~~السفلى غير شعراء في الحقيقة. وأهل المرتبة الوسطى شعراء بالنسبة إلى من ~~دونهم، غير شعراء بالنسبة إلى من دونهم. # فأما المرتبة الأولى فتشتمل على ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: الذين حصلت ~~لهم هذه القوى على الكمال في الجملة والكمال في بعض دون بعض. # PageV01P063 # الطبقة الثانية: من كان قسطه من جميع هذه القوى أو من أكثرها متوسطا أو ~~غير بعيد من التوسط. # الطبقة الثالثة: من كانت أقساطه مما حصل له من هذه القوى مع قلتها غير ~~عامة في جميعها. # فالطبقة الأولى هم الذين يقوون على تصور كليات المقولات ومقاصدها ~~ومعانيها بالقوة قبل حصولها بالفعل. فيتأتى لهم بذلك تمكن القوافي وحسن صور ~~القصائد وجودة ms121 بناء بعضها على بعض. # والطبقة الثانية تتصور كثيرا من ذلك وإن لم تبلغ في ذلك مبلغ الطبقة ~~الأولى، فيتأتى لها بذلك كثير مما تأتى للأولى. # والطبقة الثالثة لا تتصور إلا القليل من ذلك كأوائل القصائد وصدورها وما ~~يكون من مقاصد الشعر بمحل عناية من أنفسها، فقد يتفق لهذه الطبقة أيضا أن ~~تبني الكلام والقوافي بناء حسنا. ### | 2- # والمرتبة الثانية: من له أدنى تخيل في المعاني وبعض دربة في إيراد ~~عباراتها متزنة، وإن لم يكن له في القوى الباقية إلا ما يعتد به، فنظم هذا ~~منحط عن نظم من استكمل ما نقصه ومرتفع عن كلام من لا تخيل له في المعاني ~~ولا دربة بالتأليف. ### | 3- # إضاءة: والمرتبة الثالثة وهم الذين لا ينتسبون إلى هذه الصناعة بغير ~~الدعوى: فمنهم طائفة لا تنتقص ولكن تتلصص ولا تتخيل بل تتحيل بالإغارة على ~~المعاني من تقدمها وإبرازها في عبارات أخر، والنمط الثاني لا يتخيل ولا ~~يتحل ولكن يغير ويغير، والنمط الثالث وهم شر العالم نفوسا وأسقطهم همما وهم ~~النقلة للألفاظ والمعاني على صورها في الموضع المنزل منه من غير أن يغيروا ~~في ذلك ما يعتد به. ### | ب- معرف دال على طرق المعرفة بكيفيات مآخذ الشعراء في نظم الكلام وإنشاء مبانيه وما # يقدمونه بين يدي ذلك من تصور أغراض القصائد والمقاصد اللائقة بتلك ~~الأغراض وتصور المعاني المنتسبة إلى تلك المقاصد والمنتمية إليها وتصور ~~العبارات اللائقة بجميع ذلك وإعمال الحيل في تقفيتها ووزنها والإعلام بما ~~يتسببون به إلى إدراك البغية في جميع ذلك. # يجب للشاعر إذا أراد نظم شعر - وكان الزمان له منفسحا والحال مساعدة - أن ~~يأخذ نفسه بوصية أبي تمام الطائي لأبي عبادة البحتري في ذلك ويأتم به. ~~فإنها تضمنت جملا مفيدة بما يحتاج إلى معرفته والعمل بحسبه صاحب هذه ~~الصناعة. # قال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري: (كنت في حداثتي أروم الشعر. وكنت ~~أرجع فيه إلى طبع. ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضابه حتى قصدت أبا ~~تمام وانقطعت فيه إليه واتكلت في تعريفه عليه. فكان أول ms122 ما قال لي: (يا أبا ~~عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم، واعلم أن العادة في ~~الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس ~~قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم. فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ ~~رقيقا والمعنى رشيقا وأكثر فيه من بنات الصبابة وتوجع الكآبة وقلق الأشواق ~~ولوعة الفراق. وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه ~~وأبن معالمه وشرف مقامه وتقاص المعاني واحذر المجهول منها وإياك أن تشين ~~شعرك بالألفاظ الزرية، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام. وإذا ~~عارضك الضجر فأرح نفسك ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب واجعل شهوتك لقول ~~الشعر الذريعة إلى حسن نظمه فإن الشهوة نعم المعين. وجملة الحال أن تعتبر ~~شعرك بما سلف من شعر الماضين. فما استحسنه العلماء فاقصده وما تركوه ~~فاجتنبه ترشد إن شاء الله) . # فقد تضمنت هذه الوصية جملا مما يحتاج إليه في هذا الباب. ### | 1- # إضاءة: وأنا أصل وصية أبي تمام بما يكون تفصيلا لبعض ما أجمل فيها، ~~وتكميلا لما نقص منها. فأقول: إن الناظم إذا اعتمد ما أمره به أبو تمام من ~~اختيار الوقت المساعد وإجمام الخاطر والتعرض للبواعث على قول الشعر والميل ~~مع الخاطر كيف مال فحقيق عليه إذا قصد الروية أن يحضر مقصده في خياله وذهنه ~~والمعاني التي هي عمدة له بالنسبة إلى غرضه ومقصده ويتخيلها تتبعا بالفكر ~~في عبارات بدد، ثم يلحظ ما وقع في جميع تلك العبارات أو أكثرها طرفا أم ~~مهيئا لأن يصير طرفا من الكلم المتماثلة المقاطع الصالحة لن تقع في بناء ~~قافية واحدة. ثم يضع الوزن والروي بحسبها لتكون قوافيه متمكنة تابعة ~~للمعاني لا متبوعة لها. # PageV01P064 ### | 2- # تنوير: ثم يقسم المعاني والعبارات على الفصول ويبدأ منها بما يليق بمقصده ~~أن يبدأ به، ثم يتبعه من الفصول بما يليق أن يتبعه به ويستمر هكذا على ~~الفصول فصلا فصلا، ثم يشرع ي نظم العبارات التي أحضرها في خاطره منتثرة ~~فيصيرها موزونة إما ms123 بأن يبدل فيها كلمة مكان كلمة مرادفة لها أو بان يزيد ~~الكلام ما تكون لزيادته فائدة فيه أو بان ينقص منه ما لا يخل به أو بأن ~~يعدل من بعض تصاريف الكلمة إلى بعضها أو بأن يقدم بعض الكلام ويؤخر بعضا أو ~~بأن يرتكب في الكلام أكثر من واحد من هذه الوجوه. ### | 3- # إضاءة: ولا يخلو عروض الشعر من أن يكون طويلا أو قصيرا أو متوسطا: فأما ~~الطويل فكثيرا ما يفضل مقداره عن المعاني فيحتاج إلى الحشو، وأما القصير ~~فكثيرا ما يضيق عن المعاني ويقصر عنها فيحتاج إلى الاختصار والحذف، وأما ~~المتوسط فكثيرا ما تقع فيه عبارات المعاني مساوية لمقادير الأوزان فلا يفضل ~~عنها ولا تفضل عنه فلا يحتاج فيه إلى حذف ولا حشو، لكنه يشارك الطويل ~~والقصير في الاحتياج فيه إلى الوجوه الباقية إلى: العدل والبدل والتقديم ~~والتأخير أو مجموع أكثر من واحد من ذلك. ### | 4- # تنوير: وللأعاريض اعتبار من جهة ما تليق به من الأغراض واعتبار من جهة ما ~~تليق به من أنماط النظم: فمنها أعاريض فخمة رصينة تصلح لمقاصد الجد كالفخر ~~ونحوه نحو عروض الطويل والبسيط وفئة وكثير من مقصرات ما سواه من الأعاريض. # ومنها أعاريض تليق مقاصد التي تحتاج إلى جزالة نمط النظم يجب أن تنظم في ~~سلك الأعاريض التي من شأن الكلام أن يكون نظمه فيها جزلا نحو عروض (الطويل) ~~والكامل. # وأما المقاصد التي يقصد فيها إظهار الشجو والاكتئاب، فقد يليق بها ~~الأعاريض التي فيها حنان ورقة، وقلما يخلو الكلام (الرقيق) من ضعف مع ذلك، ~~لكن ما قصد به من الشعر هذا المقصد، فمن شانه أن يصفح فيه عن اعتبار القوة ~~والفخامة، لأن المقصود بحسب هذا الغرض أن تحاكى الحال الشاجية بما يناسبها ~~من لفظ ونمط تأليف ووزن. فكانت الأعاريض التي بهذه الصفة غير منافية لهذا ~~الغرض، وذلك نحو المديد والرمل. وسيأتي لهذا زيادة بيان. ### | 5- # إضاءة: واعلم أن الخواطر إذا تصورت فصول القصائد ومعانيها قبلا لشروع فيا ~~لنظم، وقامت بها العبارات عن تلك المعاني قياما وهميا متخيلا، ms124 فقد يوجد في ~~عبارة عبارة منها كلم يصلح أن تقع قوافي تكون كل عبارة منها فيها كلمة في ~~كل ما عداها من العبارات كلمة تماثلها في المقطع، ويوجد فيها أيضا كلم ~~مغايرة مقاطعها المتماثلة لمقاطع الأولى ولا تبلغ الثواني مبلغ الأولى فيا ~~لكثرة، ويوجد فيها أيضا كلم لها مقطع ثالث إلا أنها في قليل من تلك ~~العبارات. ### | 6- # تنوير: فللشعراء بالنظر إلى ما يجب في المطالع وما يجب في القوافي، ~~وبالنظر إلى ملاحظة ما يجب فيها ثلاثة مذاهب: أحدها مذهب المعتنين ~~بالمبادئ. وهو أن يجعل مبدأ كلامه دالا على مقصده، ويفتتح القول بما هو ~~عمدة في غرضه، وينظر في العبارة عن ذلك المعنى أصلح لفظة منها بالقافية؛ ~~فإن كان مقطعها مماثلا لما تكاثر في معاني القصيدة من المقاطع المتماثلة ~~حصلت له البغية في المبدأ والقوافي وتمكن مما أراد، وإن كان المقطع فيا ~~لمبدأ مماثلا للمقاطع المتوسطة في مستأنف العبارات عن معاني القصيدة حصل له ~~أيضا كثير مما أراد واحتال في ما لم يكن فيه من العبارات ما يماثل مقطع ~~المبدأ باجتلاب ما يماثله على جهة إلحاقه بالعبارة ويتحرى أن يكون ذلك ~~مفيدا، فإن لم يماثل مقطع المبدأ إلا المقاطع التي وقعت قليلة فيا لعبارات ~~احتال في وصل ما عز فيه وأبدل المقطع بما يوجد فيه تحرى الإفادة والبعد عن ~~التكلف ما استطاع وأبدل مكان بعض المعاني التي كان يريد أن يقولها معاني ~~مناسبة لها في ما وقع فيها عمدة أو فضلة مفيدة مقطع مماثل لمقطع المبدأ ~~وحذف ما لم يجد منه بدلا، فهذا مذهب. # PageV01P065 ### | 7- # إضاءة: والمذهب الثاني من آثر بنية الروي على ما تكاثر من المقاطع وافتتح ~~بعمدة غرضه. فإن كان في العبارة ما يماثل مقطع الروي حصلت البغية، وإن لم ~~يكن ذلك في العبارة احتال في تذييل العبارة بما يماثل مقاطع الروي إن أمكنه ~~ذلك وتحرى الإفادة فيما ذيل به البعد عن التكلف أو عدل إلى معنى يناسب ذلك ~~المعنى مما يتيسر هل فيه وجود المقطع الموافق. فإن أعوزه ذلك ms125 ركب أحد ~~مركبين: إما يبدأ بأي معنى اتفق مما يتفق فيه وجود الروي متمكنا. وإما أن ~~يترك التصريع ويفتتح بعمدة غرضه كيفما حضرته العبارة ولو واقعا في أولها ~~الخزم. وبهذا المذهب كان الفرزدق يكمل نحو قوله: (الطويل -ق- المتدارك) # منا الذي اختبر الرجال سماحة ... وجودا إذا هب الرياح الزعازع ### | 8- # تنوير: والمذهب الثالث: أن يرجع المبدأ على القوافي في ما كانت فيه ~~المقاطع متوسطة بين الكثرة والقلة، ويرجح القوافي على المبدأ حيث تقل ~~المقاطع. ### | 9- # إضاءة: واعلم أن للشعراء في تهديهم إلى العبارات التي ترد على الأفكار ~~أول ما ترد عليها متزنة منطبعة على مقدار الكلام المقفى ومقطعه وإلى ~~العبارة التي ليست توجد أول ورودها على الأفكار متزنة منطبعة على ما يرد ~~صوغ الكلام بحسبه، لكن توجد قابلة لأدنى تغيير يصيرها منطبعة على ما يراد ~~من ذلك، مراتب ثلاثا: الأولى أن تكون قوة الشاعر الناظمة في أكثر أمرها لا ~~تلاحظ ما يصلح أن يكون عبارة عن المعنى مما ذمة الذكر به ملية عند اقتضائها ~~إياه أول ملاحظتها إلا على الهيئات التي تكون نقل الحركات والسكنات فيها ~~بحسب ما يقتضيه الوزن الذي يريد بناء كلامه عليه فيولج به الخاطر إلى ~~اللسان موزونا. ### | 10- # تنوير: وقد تقتصر هذه القوة التي بهذه الصفة عن هذه الدرجة في كثير من ~~المواضع. وذلك يكون لعوادي ثمان تعرض: أربع منها راجعة إلى الشاعر، وأربع ~~راجعة إلى نفس الشعر. # فأما ما يرجع إلى الشاعر من ذلك فمنها: 1- أن يكون بالخاطر كسل فلا تسمو ~~تلك القوة معه سموها مع النشاط. ### | 2- # وإما أن يكون الخاطر قد شغله تلفت إلى غير الغرض الذي هو آخذ في صوغ ~~العبارة له، وعاقه ذلك عن تسليط تلك القوة عن ضروب ما يقوم فيه من العبارات ~~المتخيلة وإمرارها على ضرب ضرب منها حتى تميز القوة بعرض جميعها حركاته ~~وسكناته ومستمرة على ما يجب في ما بني الكلام عليه من الأوزان مما ليس ~~التركيب في حركاته وسكناته كذلك إذ ذكا من التصور الذهني إلى التلفظ ~~اللساني كامل وذلك التلفت ms126 منه يكون إما إلى جهة معنى يسنح له، وإما إلى جهة ~~معنى قد قدمه فيسنح له فيما يتعلق به أو بالعبارة عنه ما يرفع قبحا ويضاعف ~~حسنا. فينتهز الخاطر الفرصة في تحصيله. ففي حال الانصراف إلى محل الالتفات ~~تتوافق القوة الناظمة عما كانت بسبيله من تصفح العبارة المستمرة الحركات ~~والسكنات على منهاج الوزن الذي بني الكلام عليه والتغلغل إلى استخراجها من ~~غمار العبارات غير المتزنة. ### | 3- # وإما أن يدركه سهو، فينصرف عن الوزن الذي هو آخذ فيه إلى وزن يقاربه على ~~سبيل الغلط. فيكون الخاطر غير آنس بالوزن الذي خرج إليه ولا ولع بالاستمرار ~~على ما لم يتقدم له إلف له ولا سلف له عمل فيه، من شان النفس أن تحرص على ~~إتمامه، ولا استثار فائدة فيه ولعه بما قد ألفه وتقدم له عمل فيه يشتاق إلى ~~إتمامه. فلا ينبعث الخاطر بالقوة انبعاثا يمكنها من ملاحظة ما وضعه من ~~العبارات موافق للوزن المبني بديها، فيتعذر على ها صوغ الكلام بحسب الوزن ~~المخرج إلى السهو، ولو لم يتعذر على هذا التقدير أيضا لم يحصل للناظم ~~البغية مما أراد من الوزن الأول، فوقوع مثل هذا الغلط عائق عن وزن الكلام ~~بحسب العروض المقصود بالقصد الأول على كل حال. وأكثر ما يقع هذا الغلط ~~للفكر أيضا إذا نال منه الكد والكسل، وإن كان هذا إنما يعرض في الأقل، وفي ~~الأوزان المتشابهة نحو مجزو الوافر والهزج. ### | 11- # إضاءة: ولا يعتاص وزن الكلام على المطبوعين إلا حيث يريدون تضمين المعاني ~~الكثيرة في الألفاظ القليلة، أو حيث يريدون صوغ الكلام على هيئات بديعة ~~يحتاج فيها إلى إمرار الفكر على الألفاظ التي يحدس أن ذلك متأت فيها وإلى ~~التنقيب عما يهيئ الكلام بتلك الهيئة من ضروب الترتيبات والوضع. فأما في ما ~~سوى ذلك فالوزن أيسر شيء على من له أدنى بروع في هذه الصناعة. # PageV01P066 ### | 12- # تنوير: ولما ذكرته من انبعاث الخاطر وولعه بما قد ألفه واستثار الفوائد ~~فيه فهو يحرص على إتمامه ما لا يولع بما لم يألفه ولا تقدمت ms127 له استثارة ~~فائدة فيه قد يعتاص القول على الشاعر في مبادئ القصائد وصدورها ويتيسر في ~~أوساطها وأعجازها. هذا على كونه في المبادئ أجم خاطرا وأشد تمكنا من ~~القوافي. ### | 13- # إضاءة: 4- والسبب الرابع من عوادي الشاعر عن التسرع في وزن الكلام أن ~~تكون مواد العبارات في الذكر قليلة فيعز وجود ما يجيء من العبارات عفوا من ~~غير احتيال ولا تكلف لذلك. ### | 14- # وأما ما يرجع إلى الشعر فمن ذلك: 1- أن يكون قدر الوزن فوق قدر المعنى، ~~فيحتاج إلى إعمال الحيلة في ما يستحسن من الحشو، أو من المعاني التي يكون ~~في اقترانها بالمعنى المقصود بالمقصد الأول تحسين للكلام وإبداع في حسن ~~وضعه ونسقه وترتيب بعضه من بعض، فيقل أيضا وجود ما يجيء من العبارات عفوا ~~على هذه الصفة. ### | 2- # أو يكون قد ر المعنى فوق قدر الوزن فيحتاج إلى الحذف والاختصار. ### | 3- # أو يكون المعنى دقيقا داعيا إلى إيراد العبارة عنه على صورة يقل ورودها ~~عفوا. ### | 4- # أو يكون المعنى من المعاني التي العبارات عنها قليلة في اللسان، فلا ~~يتمكن الخاطر من إيراد موزونة إلا بتعمل ومحاولة أو يكون للشاعر اختيار أن ~~يورد المعنى في عبارة مخصوصة لكونها بارعة في نفسها أو بالنسبة إلى ما ~~يليها. ### | 15- # إضاءة: والمرتبة الثانية من ليس له قوة على إحضار العبارة متزنة على ~~البديهية إلا في قليل من المواضع، بل يحضر العبارات بحيث تقبل التغيير ~~والتصيير إلى الوزن المقصود بأدنى سعي. ### | 16- # تنوير: والمرتبة الثالثة من لا يستطيع على إحضار العبارات متزنة أول ~~إحضارها، ويحضرها مع ذلك غير قابلة التغيير إلى الوزن إلا بكد وتعب. ### | 17- # إضاءة: وكذلك القول في رد غير الموزون إلى الوزن بأحد التغييرات، تتفاوت ~~(القدرة) أيضا في الشعراء، فمنهم من يلوح له التغيير الممكن في العبارة ~~بيسر، ومنهم من يلوح له ذلك ببطء، ومنهم من يقع في ذلك بين الطرفين. # وقد قامت أن ضروب التغييرات التي تصير غير الموزون متزنا هي: إسكان متحرك ~~أو تحريك ساكن أو زيادة في اللفظ أو نقص منه أو عدل صيغة إلى أخرى أو ms128 تقديم ~~وتأخير أو إبدال لفظة مكان أخرى أو اجتماع أكثر من واحد من هذه التغييرات. ### | 18- # تنوير: واعلم أن ذا القوة القوية على النظم قد يوجد أبطأ في القول من ذي ~~القوة التي ليست متناهية، وذلك إذا قصد إبعاد الغاية في الروية والتنقيح ~~فتطلب المعاني الشريفة ونزع بها المنازع اللطيفة وجهد في إبرازها من ~~العبارات في صور بديعة؛ فيحتاج في كل ذلك إلى تنقيب وفحص ويحتاج معهما في ~~قليل القول إلى كثير الزمان. فأما إذا كان ذو القوة الفائقة آخذا في مثل ~~نمط ذي القوة القاصرة من الكلام فإن الأقوى قوة منها يربي على الأضعف في ~~سرعة القول؛ ويكون التفاوت بينهما في ذلك على قدر ما بينهما من التفاوت في ~~القوة. فربما نظم الأقوى الثلاثين بيتا فما فوقها خلال ما ينظم الأضعف عشرة ~~الأبيات فما دونها. بل قد يربي عليه إرباء أكثر من هذا. ### | 19- # إضاءة: والعوام ومن جرى مجراهم ممن لم يحل من هذه الصناعة بطائل يغلط في ~~هذا فينسبون سرعة الخاطر إلى الشاعر فيما لا يجب فيه أن ينسب إلى السرعة، ~~وينسبون إليه الإبطاء فيما لا يجب فيه أن ينسب إليه بطء. # ومن هذا ما حكي من أبا العتاهية قال الشاعر كان قدم مع المأمون من ~~خراسان: (في كم تصنع القصيدة؟) . فقال له: (قد أصنع القصيدة تبلغ ثلاثين ~~بيتا في شهر) . فقال أبو العتاهية: (أما إني لا ملي على الجارية من ليلتي ~~خمسمائة بيت) . فقال له الخراساني: (أما مثل قولك: (الهزج -ق -المترادف) # ألا يا عتبة الساعة ... أموت الساعة الساعة # فإني أملي منه ألف بيت إذا شئت) . فانقطع أبو العتاهية وضحك الحاضرون ~~منه. ### | 20- # تنوير: ولا يجب ألا يقتصر على ما للقوة الناظمة من سليم الذوق وما يصح ~~فيه دون ما يصح في العروض، وألا ينظم الكلام إلا بحسب ما يصح فيهما معا ~~ليكون كلامه مع كونه جاريا على أوضح طرق المناسبات موافقا لكلام العرب في ~~جميع ذلك. # PageV01P067 ### | 21- # إضاءة: وأحوال كل واحدة من الطبقات الثلاثة المتقدم ذكرهم قد تختلف في ~~السرعة ms129 في جميع ذلك والإبطاء بحسب ما تكون عليه الخواطر من نشاط أو كسل أو ~~حال بين الحالين، وبحسب ما تكون عليه دواعي الأفكار إلى استعمال الأقاويل ~~الشعرية وإنشائها والأسباب البواعث على ذلك من توفر أو غير ذلك. ### | ج- معلم دال على طرق العلم بكيفية العمل في المروى والمرتجل # ومآخذ القول في الارتجال قريبة سهلة لكون ضيق الوقت يمنع من بعد المذهب ~~في ذلك. ولا يخلو ارتجال من أن يكون مستقصى فيه ما كان من صفات الشيء ~~المقول فيه لائقا بغرض القول أو غير مستقصى. وكلاهما لا يخلو من أن يكون ~~مقرونا فيه بين المعاني المتعلقة بالشيء الموصوف وبين معان أخر يكون لها به ~~علقة ولها إليه نسبة على سبيل تشبيه أو إحالة أو تعليل أو تتميم أو غير ذلك ~~مما يكون به بعض المعاني بسبب من بعض، أو أن تكون المعاني المتعلقة بالشيء ~~الموصوف غير مقترن بها شيء من المعاني. # فأقاويل البديهة إذن أربعة أنماط: 1- قول مستقصى مقترن، 2- ومستقصى غير ~~مقترن، 3- ومقترن غير مستقصى، 4- وغير مستقصى ولا مقترن. # وأفضلها الأول وأدناها الآخر. فعلى أحد هذه الأربعة الأنحاء يتخيل ~~المرتجل ما يريد أن يقوله في وصف الشيء ثم يأخذ في نظم ذلك الشيء على النحو ~~الذي تقدم ذكره وعلى ما نقوله بعد إن شاء الله. ويتسامح في كثير مما يتأنق ~~فيه المروي ويقبل كثيرا مما لا يقبله المهذب المنقح لضيق الوقت عليه ~~واتساعه على ذلك. ### | 1- # إضاءة: فإما الروية فإن المباحث فيها كثيرة والمذاهب فيها بعيدة لكون ~~الزمان فيها يتسع لطلب الغايات المستطاعة من بناء الكلام على ما قدمته من ~~أصناف محاسن الألفاظ والمعاني وإبداع النظم والتأنق في إحكام الأسلوب. ~~والذي يدخل في الروية من تلك الأنماط ثلاثة وهي: المستقصى المقترن والمقترن ~~غير المستقصى والمستقصى غير المقترن. # والنمط الأول هو العريق في طريق الروية. وإذا حقق القول وجد المستقصى ~~المقترن قليل الوقوع في الارتجال. فأنماط الارتجال أيضا كأنها إذا حققت ~~ثلاثة. وهي ما عدا المستقصى المقترن. ### | 2- # تنوير: وللشاعر المروي في كل قسم من ms130 هذه الأقسام الثلاثة أربعة مواطن ~~للبحث: 1- موطن قبل الشروع فيا لنظم، 2- وموطن قي حال الشروع، 3- وموطن عند ~~الفراغ، يبحث فيه عما هو راجع إلى النظم، 4- وموطن بعد ذلك متراخ عن زمان ~~القول يبحث فيه عن معان خارجة عما وقع في النظم لتكمل بها المعاني الواقعة ~~في النظم وتسوفى بها أركان الأغراض ويكمل التئام المقاصد. # فأما الموطن الأول فالغناء (فيه) لقوة التخيل. # والموطن الثاني الغناء فيه للقوة الناظمة. ويعنيها حفظ اللغة وحسن ~~التصرف. # والموطن الثالث الغناء فيه للقوة الملاحظة كل نحو من الأنحاء التي يمكن ~~أن يتغير الكلام إليها، ويعينها حفظ اللغة أيضا وجودة التصرف والبصيرة بطرق ~~اعتبار بعض الألفاظ والمعاني من بعض. # والموطن الرابع الغناء فيه للقوة المستقصية الملتفتة، ويعينها حفظ ~~المعاني والتواريخ وضروب المعارف. ### | 3- # إضاءة: وبعد استقصاء وجوه المباحث في هذه المواطن الأربعة وكمال انتظام ~~القصيدة المرواة، قد يعرضها الناظم على نفسه، فيظهر له بعرضها أمور كانت قد ~~خفيت عنه من إلحاقات وإبدالات وتغيرات وحذف. وقد يعرض للشاعر موضع يرى أنه ~~خليق بالتغيير أو الزيادة فيتعذر عليه ما يليق بالموضع من التغيير أو ~~الزيادة فيرجيء النظر فيه إلى وقت آخر. وقد يعاود النظر في ذلك المرار ~~الكثيرة فلا يتيسر له ما يريد إلا بعد معاودات كثيرة قد تطرأ عله معاودة ~~النظر إلى كتب القصيدة. وربما كان غير ملفت إلى إصلاح ذلك الخلل ونشأ مع ~~فكره إعمال خاطر في ذلك. فيغتنم الفرصة إذاك في إصلاح ذا وشأن الخواطر في ~~هذا عجيب. ### | 4- # تنوير: ومن أصحاب الروية من يجهد في استجداد العبارات والتأنق فيها من ~~جهة الوضع والترتيب. ومنهم من لا يستجد ولا يتأنق. ومنهم من يستجد العبارة ~~دون المعنى أو المعنى دون العبارة، ومن يتأنق في العبارة دون المعنى أو ~~المعنى دون العبارة. # فأما من لا يستجد ولا يتأنق فيه فليس يصدر عن مطبوع بروية. # PageV01P068 # وأعني بالاستجداد الجهد في ألا يواطئ من قبله في مجموع عبارة أو جملة ~~معنى، وبالتأنق طلب الغاية القصوى من الإبداع في وضع بعض أجزاء العبارات ~~والمعاني ms131 من بعض وتحسين هيئات الكلام في جميع ذلك. فإن العبارة إذا استجدت ~~مادتها وتأنق الناظم في تحسين الهيأة التأليفية فيها وقعت من النفوس أحسن ~~موقع. وكذلك الحال في المعاني، فتأمل ذلك. ### | د- معرف دال على طرق المعرفة بكيفية التصرف في مقاصد الشعر وجهاته. # وجهات الأقاويل الشعرية هي ما يكون الكلام منوطا به من الأشياء المقصود ~~وصفها أو الإخبار عنها. والجهات ضربان: ضرب يع في الكلام مقصودا لنفسه. وهو ~~ما كان له بالغرض المقول فيه علقة وله إليه انتساب بوجه يوجب ذكره. # والصنف الثاني ما لم يكن له بالغرض علقة، ولكن له علقة ببعض الجهات ~~المتعلقة بالغرض، فيذكر تابعا لما ذكر معتمدا على جهة إحالة أو محاكاة أو ~~غير ذلك؛ وقد يكون له بالغرض علقة إلا أنه لم يذكر إلا من حيث ما هو تابع ~~لغيره ومتعلق به. ### | 1- # إضاءة: وكانت للأوائل عناية بتعليق الأوصاف بهذه الجهات الثواني. وذلك ~~حيث يكون في قوة الكلام أن يعود من الأوصاف المتعلقة بالثواني ما يفيد ~~مبالغة أو غير ذلك في الجهات الأول. ### | 2- # تنوير: واعلم أن الشعراء تتفاوت طبقاتهم فيا لتصرف في الجهات الأول، ~~وتتفاوت في الجهات الثواني. والتفاوت في الثواني أكثر، لأن الجهات الأول ~~يمكن حصرها في كل فن، وأما الجهات الثواني فقلما يتأتى حصرها لكثرة ما يمكن ~~أن يستطرد من الشيء إليه أو يحال به عليه أو يحاكى به أو يعلق على الجملة ~~به لنسبة في المعنى تقتضي ذلك. # فإذا كانت الجهة الواحدة من الأول يمكن أن يناط بها جهات ثوان كثيرة على ~~أنحاء من الاستدراج والاستطراد وما جرى مجرى ذلك من أنحاء الانتقالات ~~المتنوعة بتنوع المقاصد، وكان كل نحو من ذلك ممكنا أن يذهب فيه إلى ضروب ~~كثيرة من الهيئات الحاصلة عن الترتيب الذهني وعن النسب الواقعة بين بعض ~~المعاني وبعض، صارت الصور الحاصلة عن جميع ذلك في تشفيع معاني الجهات الأول ~~بمعاني الثواني وإردافها بها كثيرة التشعب بعيدة عن الحصر. وعظم التفاوت ~~بين الشعراء في مقدار التصرف في ذلك. وإذا كانوا يتفاوتون في ms132 مقدار التصرف ~~في الجهات الممكن حصرها فهم أجدر بالتفاوت فيما يبعد على الحصر. ### | 3- # إضاءة: فأما تصرفهم في الجهات الأول فمنهم من يقتصر على الجهات الأكيدة ~~في الغرض، ومنهم من يزيد إلى ذلك جهات هي أبعد من غرض الكلام من الجهات ~~المقتصر عليها، ومنهم من لا يستوفي جميع الجهات الأكيدة ويقتصر على ما تيسر ~~له منها. فهذا نوع من التصرف. ### | 4- # تنوير: وهناك تصرف ثان. وهو مقدار ما يتصوره الشاعر من معاني الجهة. ~~والشعراء في ذلك ثلاث طبقات: منهم من في قوته أن يستقصي معاني الجهة إذا ~~شاء، ومنهم من لا يبلغ إلى الاستقصاء ويأتي من ذلك بمقدار كاف، ومنهم من ~~يقصر عن المقدار الكافي. ### | 5- # إضاءة: وهناك تصرف ثالث. وهو ملاحظة ما في الجهة التي عدمت فيها صفات ~~الحسن أو قلت من الأوصاف التي يرى أنها حسنة حقيقية أو تمويها، وملاحظة ما ~~في الجهة التي عدمت فيها صفات القبح أو قلت من الأوصاف التي يرى أنها قبيحة ~~حقيقة أو تمويها، يقصد بذلك تحسين القبح وتقبيح الحسن. ويتمكن من هذا الغرض ~~من حصل له التصرف في الأول والتصرف في الثواني والتصرف في الجمع بين الأول ~~والثواني. ### | 6- # تنوير: والشعراء يختلفون أيضا في هذا: فمنهم من يقوى على حشر ما يمكن أن ~~يوصف به الشيء الحسن من صفة يرى أنها قبيحة حقيقة أو تمويها، وما يمكن أن ~~يوصف به القبيح من صفة يرى أنها حسنة حقيقة أو تمويها، ومنهم من لا يتهدى ~~إلا إلى الشيء القليل من ذلك؛ ومنهم من يتوسط بين الطرفين. # وهذا النوع من المقاصد من مجالات الشعر الضيقة. وكان أقوى الناس عارضة ~~وأكثرهم تصرفا في هذا ابن الرومي. واعتبر قوته على ذلك بما قال في صفة ~~السوداء في الشعر الذي يقول فيه: (المنسرح -ق- المتراكب) # أكسبها الحب أنها صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق # وبما قال في النرجس والورد وبتحسينه التصابي في حال المشيب بشعره الذي ~~أوله: (الخفيف -ق- المترادف) # لاح شيبي فظلت أمرح فيه ... مرح الطرف في اللجام المحلى # PageV01P069 # ونحو من ذلك حسن تصرفه ms133 في الشعر الذي رثى فيه بعض القيان، وهو الذي يقول ~~فيه: (الخفيف -ق- المتراكب) # سيشفع الحور فيه أنك منهن بذاك الدلال والحور ### | 7- # إضاءة: والتصرف في الثواني يتفاوت الشعراء فيه بحسب توفر حظ كل واحد منهم ~~في القوى المتخيلة والشاعرة بالمناسبات الواقعة بين بعض المعاني وبعض ~~المتهدية لأنحاء الانتقالات من الأول إلى الثواني والوجوه التي يكون بها ~~بعضها من بعض بسبب من حيث كان تعليق المعنى الثاني بالأول إنما يكون على ~~هذه الأنحاء: فمنهم من حظه أوفر الحظوظ من ذلك، ومنهم من حظه أدنى الحظوظ، ~~ومنهم وسط بين الطرفين. ### | 8- # تنوير: ومن الشعراء من يحسن القول في جهة واحدة ولا يحسن أن يردف قوله في ~~جهة بقوله في جهة وأن ينتقل من إحداهما إلى الأخرى انتقالا لطيفا، ومنهم من ~~يحسن إرداف الجهة بالجهة المناسبة لها ولا يحسن إردافها بما لا يناسبها فلا ~~تتأتى النقلة لذلك من إحداهما إلى الأخرى إلا بمآخذ في الانتقالات لطيفة ~~ومنازع في الالتفاتات بديعة، ومنهم من يحسن إرداف الجهات بالجهات في جميع ~~ذلك. # وطبقات الشعراء في الإحسان في كل ذلك تتفاوت بحسب ما تكون عليه أفكارهم ~~من التهدي إلى ضروب الانتقالات وأنحاء الالتفاتات. ### | 9- # إضاءة: وللشعراء مذاهب في ما يعتمدون إيقاعه فيا لجهات التي يعتمدون فيها ~~لقول من الأنحاء المستحسنة في الكلام كالوصاف والتشبيهات والحكم والتواريخ. ~~فقل ما يشذ من مستحسن الكلام عن هذه الأنحاء الأربعة شيء. # فمنهم من تشتد عنايته بالأوصاف كالبحتري، وبالتشبيه كابن المعتز، ~~وبالأمثال كالمتنبي، وبالتواريخ كابن دراج القسطلي. # ومنهم من يتوفر قسطه من جميع ذلك كأبي تمام، وإن كان غيره أشف منه في ~~التشبيه والحكم. # ولابن الرومي في الإحاطة بالأوصاف والتشبيهات المجال المتسع، وابن دراج ~~أيضا في الأوصاف والتشبيهات متسع المجال. ### | 10- # تنوير: فأما الأوصاف فتقتبس من الجهات التي القول فيها. وأما التواريخ ~~فتقتبس من غير الجهة التي فيها القول. وأما التشبيهات والحكم فتارة تقتبس ~~من الجهة التي فيها القول وتارة تقتبس من جهة ثانية. # وأنا أذكر ما تتنوع إليه هذه الجناس الأربعة ذكرا إجماليا على سبيل ms134 ~~الإشارة. ### | 11- # إضاءة: أما الأوصاف فإنهما تتنوع إلى وصف مطلق، وإضافي، وشرطي، وفرضي. ~~ولكل واحد منها مواضع يليق بها ولا يصلح فيها غيره. وقد تقدم التعريف بجملة ~~من أحكام الأوصاف وكيفيات التصرف فيها يمكن أن تعرف بها ما جرى مجراها. ~~فكان ذلك مغنيا عن أن نشغل هذا الموضع بإعادة الكلام في ذلك. ### | 12- # تنوير: وأما التشبيهات فمنها ما يتعلق الشبه فيه بالصور والخلق ومنها ما ~~يتعلق الشبه فيه بالأفعال والصفات. وكلا التشبيهين لا يخلو من أن يكون ~~تشبيه الشيء فيه بما هو من نوعه أو بما هو من جنسه الأقرب أو بما هو من ~~جنسه الأبعد أو بما ليس من جنسه. # وتشبيه الشيء بالشيء يكون أن يتفق معه في صفة تكون في أحدهما على حدها في ~~الآخر أو بنسبة منها أو في أكثر من صفة، فأما أن يتفق معه في جميع الصفات ~~فلا يمكن، وإلا فكان يلزم لو اتفق معه في جميع ذلك أن يكون حقيقة هذا حقيقة ~~ذلك من جميع الجهات وذلك غير ممكن. وقد تقدم التعريف بأنحاء التشبيهات ~~وأحكامها وكيفيات التصرف فلا معنى لإعادته أيضا. ### | 13- # إضاءة: وأما التواريخ والقصص فإما أن تكون الإحالة فيها إحالة تذكرة أو ~~إحالة محاكاة أو مفاضلة أو إضراب أو إضافة؛ وقد تكون من جهات أخر غير هذه. # وقد تقدمت الإشارة إلى جمل من الأمور التي بها يتسبب إلى ذكر الأخبار ~~الماضية والقصص السالفة فليتأمل القول في ذلك هنالك. ### | 14- # تنوير: وأما الحكم والأمثال فإما أن تكون الأخبار فيه يجرى الأمور على ~~المعتاد فيها وإما بزوالها في وقت عن المعتاد على جهة الغرابة والندور أو ~~الندور فقط لتوطن النفوس بذلك على ما لا يمكنها التحرز منه أو لا يحسن بها ~~التحرز من ذلك، ولتحذر مما يمكنها التحرز منه ويحسن بها ذلك، ولترغب فيما ~~يجب أن ترغب فيه وترهب مما يجب أن ترهبه، وليقرب عندها ما تستبعده ويبعد ~~لديها ما تستقربه، ولتبين لها أسباب الأمور وجهات اتفاقات البديعة الاتفاق ~~منها. # PageV01P070 # فهذه قوانين في الحكم والأمثال قلما يشذ عنها ms135 من جزئياتها شيء. وقد أجملت ~~القول فيها إجمالا، إذ لم يمكن تفصيله في هذا الموضع، إذ للكلام في تفريع ~~الأمثال المترتبة عن هذه الأصول الكليات مجال متسع. وجريت في ذلك على ما ~~اعتمدته في جميع جهات الكلام والنظر في هذه القوانين الكلية عن تتبع ~~جزئياتها. ### | ه- معلم دال على طرق العلم بتحسين هيآت العبارات والتأنق في اختيار موادها، وإجادة # وضعها ورصفها. # والتهدي إلى العبارات الحسنة يكون بأن تكون للشاعر قوة يستولي فكره بها ~~على جميع الجهات التي يستكمل حسن الكلام بالترامي به إلى كل جهة منها ~~والتباعد عن الجهات التي تضادها. وتلك الجهات هي اختيار المواد اللفظية ~~أولا من جهة ما تحسن في ملافظ حروفها وانتظامها وصيغها ومقاديرها واجتناب ~~ما يقبح في ذلك وقد تقدم، واختيارها أيضا من جهة ما يحسن منها بالنظر إلى ~~الاستعمال وتجنب ما يقبح بالنظر إلى ذلك واختيارها بحسب ما يحسن منها ~~باعتبار طريق من الطرق العرفية وتجنب ما يقبح باعتبار ذلك. ### | 1- # إضاءة: ومن ذلك حسن التأليف وتلاؤمه. والتلاؤم يقع في الكلام على أنحاء: ~~منها أن تكون حروف الكلام بالنظر إلى ائتلاف بعض حروف الكلمة مع بعضها ~~وائتلاف جملة كملة مع جملة كلمة تلاصقها منتظمة في حروف مختارة متباعدة ~~المخارج مترتبة الترتيب الذي يقع فيه خفة وتشاكل ما، ومنها ألا تتفاوت ~~الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال فتكون الواحدة في نهاية الابتذال ~~والأخرى في نهاية الحوشية وقلة الاستعمال، ومنها أن تتناسب بعض صفاتها مثل ~~أن تكون إحداهما مشتقة من الأخرى مع تغاير المعنيين من جهة أو جهات أو ~~تتماثل أوزان الكلم أو تتوازن مقاطعها، ومنها أن تكون كل كلمة قوية الطلب ~~لما يليها من الكلم أليق بها من كل ما يمكن أن يوضع موضعها. ### | 2- # تنوير: وقد تعدم هذه الصفات أو أكثرها من الكلم وتكون مع ذلك متلائمة ~~التأليف لا يدرى من أين وقع فيها التلاؤم ولا كيف وقع، ليس ذلك إلا لنسبة ~~وتشاكل يعرض في التأليف لا يعبر عن حقيقته ولا يعلم ما كنهه، إنما ذلك مثل ~~ما ms136 يقع بين بعض الألحان وبعض وبعض الأصباغ وبعض من النسبة والتشاكل ولا ~~يدرى من أين وقع ذلك. ### | 3- # إضاءة: ومن ذلك التسهل في العبارات وترك التكلف. والتسهل يكون بان تكون ~~الكلم غير متوعرة الملافظ والنقل من بعضها إلى بعض وان يكون اللفظ طبقا ~~للمعنى تابعا له جارية العبارة من جميع أنحائها على أوضح مناهج البيان ~~والفصاحة. هذا إذا لم يكن المقصد إغماض المعاني. ومعرفة تفصيل هذا الإجمال ~~تستفاد من أبواب قد قدمتها. # والتكلف يقع إما بتوعر الملافظ أو ضعف تطالب الكلم أو بزيادة ما لا يحتاج ~~إليه أو نقص ما يحتاج، وإما بتقديم وتأخير، وإما بقلب، وإما بعدل صيغة عن ~~صيغة هي أحق بالموضع منها، وإما بإبدال كلمة مكان كلمة هي أحسن موقعا في ~~الكلام منها. # ومن هذا إبدال الضمير المخاطب من ضمير الغائب في مثل قول الشاعر: (الطويل ~~-ق- المترادف) # فتاتان بالنجم السعيد ولدتما # وقول المتنبي: (الكامل -ق- المترادف) # قوم تفرست المنايا فيكم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام # وإما بتكرار، إما بالحيدة عن معنى تقصر العبارة عنه إلى معنى مؤد عن مثل ~~تأديته تطول العبارة عنه. ### | 4- # تنوير: ومن ذلك إيثار حسن الوضع والمبني وتجنب ما يقبح من ذلك. فمن حسن ~~الوضع اللفظي أن يؤاخى في الكلام بين كلم تتماثل في مواد لفظها أو في صيغها ~~أو في مقاطعها فتحسن بذلك ديباجة الكلام. # وربما دل بذلك في بعض المواضع أو الكلام على آخره. ومن ذلك وضع اللفظ ~~إزاء اللفظ الذي بين معنييهما تقارب وتناظر من جهة ما لأحدهما إلى الآخر ~~انتساب وله به علقة، وحمله عليه في الترتيب. فإن هذا الوضع في تأليف ~~الألفاظ يزيد الكلام بيانا وحسن ديباجة واستدلالا بأوله على آخره. # ومن قبح الوضع والتأليف أن تكون الألفاظ مع عدم تراخيها بعيدة أنحاء ~~التطالب شتيتة النظم متخاذلا بعضها عن بعض كما قال: (الخفيف -ق- المترادف) # لم يضرها، والحمد لله، شيء ... فانثنت نحو عزف نفس ذهول ### | 5- # إضاءة: ومن ذلك ألا يزاد على قدر الحاجة من كل ما يستحسن وألا يجعل ~~التمادي عليه ms137 سببا إلى السآمة له والغرض منه. # PageV01P071 ### | 6- # تنوير: وبقوة التهدي إلى العبارات الحسنة يجتمع في العبارات أن تكون ~~مستعذبة جزلة ذات طلاوة. فالاستعذاب فيها بحسن المواد والصيغ والائتلاف ~~والاستعمال المتوسط. والطلاوة تكون بائتلاف الكلم من حروف صقيلة وتشاكل يقع ~~في التأليف ربما خفي سببه وقصرت العبارة عنه. والجزالة تكون بشدة التطالب ~~بين كلمة وما يجاورها وبتقارب أنماط الكلم في الاستعمال. وسائرها يتعلق ~~بالألفاظ المفردة من الشروط المذكورة التي تطرد الكلم بوجودها فيها أحسن ~~اطراد. # فهذه إشارة إلى ما يجب أن يتفقده الناظم ويلتفت إليه، وعلى قدر قوته، من ~~الجهات التي تحسن منها العبارات أو تقبح، قد أجملت الكلام فيها، وجعلتها ~~كالإحالة على ما قدمته، مما يتعلق بالألفاظ وتأليفها في العبارات عن ~~المعاني. من قابل هذا لإجمال بذلك التفصيل ظفر بالغبية والمراد إن شاء ~~الله. ### | المنهج الثاني في الإبانة عن أنماط الأوزان في التناسب، والتنبيه على كيفيات مباني # الكلام وعلى القوافي وما يليق بكل وزن منها من الأغراض، والإشارة إلى طرف ~~من أحوال القوافي وكيفية بناء الكلام عليها وما تعتبر به أحوال النظم في ~~جميع ذلك من حيث يكون ملائما للنفوس أو منافرا لها. ### | أ- معلم دال على طرق العلم بمجازي الأوزان وأبنيتها وضروب تركيباتها ووضعها. # قد صح بالاعتبارات البلاغية في تناسب المسموعات وانتظامها وترتيباتها ~~وكون المناسبات الوزنية جزءا يدخل تلك الجملة أن الوزان المستعملة الآن عند ~~أهل النظم - مما ثبت استعمال العرب له وما شك في ثباته، وما لم يثبت أصلا ~~بل وضعه المحدثون قياسا على ما وضعته العرب - متركبة من ثلاثة أصناف من ~~الأجزاء خماسيات وسباعيات وتساعيات، وإن لم يتسلم في هذا العروضيون. وليس ~~يجب أن يلتفت إلى تسليهم في ذلك ولا منازعتهم، فإنهم فقراء إلى أن يقتبسوا ~~تصحيح أصول صناعتهم في هذه الصناعة؛ فإن معرفة صناعتهم موقوفة على معرفة ~~جهات التناسب في تأليف بعض المسموعات إلى بعض ووضع بعضها تالية لبعض أو ~~موازية لها في الرتبة. # ومعرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات لا يوصل إليها بشيء من علوم ~~اللسان إلا ms138 بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة الذي تندرج تحت تفاصيل ~~كلياته ضروب التناسب والوضع، فيعرف حال ما خفيت به طرق الاعتبارات من ذلك ~~بحال ما وضحت فيه طرق الاعتبار وتوجد طرقهم في جميع ذلك تترامى إلى جهة ~~واحدة من اعتماد ما يلائم واجتناب ما ينافر. ### | 1- # إضاءة: ولنقل الآن مقالا مختصرا في تعديد التركيبات والأبنية الوزنية ~~التي يصوغ أهل النظم في هذا الزمان الكلام عليها مما ثبت وضعه عن العرب وما ~~لم يثبت وما شك في ثباته. ### | فنقول: إن الأوزان الشعرية منها ما تركب من أجزاء خماسية، ومنها ما تركب من أجزاء # سباعية، ومنها ما تركب من أجزاء تساعية، ومنها ما تركب من أجزاء خماسية ~~وسباعية، ومها ما تركب من أجزاء سباعية وتساعية، ومها ما تركب من خماسية ~~وسباعية وتساعية. ### | 2- # تنوير: فأما ما تركب من الخماسية الساذجة، المتقارب. وبناء شطره على ~~فعولن مكررا أربعا، نحو قول الأعشى همذان: (المتقارب -ق- المترادف) # تقادم عهدك أم الحلال ### | 3- # إضاءة: وأما ما تركب من السباعية الساذجة فإن الشطر فيها على ثلاثة ~~أجزاء، وربما حذفوا الثالث منها أو بعضه. # فمن ذلك الرجز، وبناء شطره من مستفعلن ثلاث مرات، نحو قول جرير: (الرجز ~~-ق- المتدارك) # أقلبن من فهلان أو جنبي خيم # ومنها الكامل، وبناء شطره على متفاعلن ثلاث مرات، نحو قول عنترة: (الكامل ~~-ق- المتدارك) # طال الثواء على رسوم المنزل # ومنها الوافر، وأصل بناء شطره على مفاعلتن ثلاثا إلا أن السبب حذف من ~~نهايتي شطره وأسكن ما قبله فبقي الجزء الثالث على فعولن، فصار تقدير الشطر: ~~مفاعلتن، مفاعلتن، فعولن، نحو قول زهير: (الوافر - -ق المترادف) # لمن طلل برامة لا يريم # ومنها الرمل، وبناء شطره من فاعلاتن ثلاث مرات إلا أنه التزم فيه حذف سبب ~~من جزء العروض - والعروض هي الجزء الذي في نهاية الشطر الأول من البيت - ~~فصار تقدير أشطاره الأول، فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلن، نحو قول نابغة بني ~~شيبان: (الرمل -ق- المتدارك) # حل قلبي من سليمى نبلها # PageV01P072 # ومنها الهزج، وأصل بناء شطره مفاعيلن ثلاث مرات إلا أنه التزم فيه حذف ms139 ~~الجزء الثالث من كلا شطريه، فصار مجموع الوزن مربعا وكلا شطريه مثنى على ~~مفاعيلن، مفاعيلن، كقول الشاعر: (الهزج -ق- المترادف) # صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان ### | 4- # تنوير: وأما ما تركب من التساعية الساذجة فالخبب. وبناء شطره متفاعلتن ~~متفاعلتن مرتان هكذا كقول بعض الشعراء الأندلسيين: (الخبب -ق- المتراكب) # أملت لقاءك في الحلم ... فزجرت العين فلم تنم # ويدخله الإضمار فيصير متفاعلتن في تقدير المتطرف لوقوعه في فيصير إلى ~~مفعولاتن. وعلى هذا يجب أن يتأول التشعيب في الجميع لأن الوتد يصير بخبن ~~السبب الذي قبله جزءا من فاصلة فيسكن رأس الوتد تخفيفا لأن الفواصل قد ~~يستثقل توالي الحركات فيها. فهذا هو الرأي الصحيح في التشعيث. وبه أخذ من ~~حقق من العروضيين إذ لا معنى لقطع الأوتاد في الحشد، لأن القطع في الأوتاد ~~إنما قصد به تنويع الضروب، وإنما يكون ذلك في نهايات الأجزاء لا في صدورها. ~~وهذا الوجه هو بعض الوجوه التي يتبين بها فساد رأى من جعل شطر الخبب مركبا ~~من فاعلن أربع مرات، وزعم أن الخبن التزم في جميع أجزائه وجاز فيها القطع. ~~ولا يلتزم خبن ولا يجوز قطع إلا في عروض أو ضرب. وإنما حملهم على هذا حرصهم ~~على أن يجعلوا الخبب يساوق في ترتيب حركاته وسكناته المتقارب، فيكون نظام ~~كل واحد منهما إذا وضعت له أشكال في الخط أو تصور في الذهن، ثم تأخرت عن ~~مبدأ ذلك النظام إلى أول جزء يلي الجزء الأول الذي هو مبدأ النظام، فبدأت ~~بأول الجزء الثاني واستمررت على جميع النظام ووصلت بآخره الجزء الذي فاتك ~~منه أولا، حصلت بذلك بنية الوزن الآخر وهيأته. فيجعل العروضيون أحد ~~العروضيين بذلك منفكا عن الآخر. وهذا من الأعراض الواقعة في الأوزان من غير ~~قصد، إذ النظام الذي يكون من أجزاء متماثلة إذا ابتدأت برأس أي وتد أو سبب ~~منه خرج لك وزن تام من أجزاء متماثلة، وإذ ابتدأت برأس أي وتد أو سبب منه ~~خرج لك وزن متداخل من جزأين متغايرين، وإذا النظام الذي يكون شطره مؤتلفا ~~من ms140 ثلاثة أجزاء شفع ووتر - قدم الوتر أو وسط أو أخر - إذا ابتدأت برأس أي ~~وتد أو سبب منه خرج لك وزن قد ترتبت أجزاؤه شفعا ووترا على واحد ممن ~~الترتيبات الثلاثة. فنشا من ذلك في النظام المركب أجزاء خماسية متماثلة ~~وزنان، وفي المركب من جزأين متغايرين يعاقب أحدهما الآخر خمسة أوزان، وفي ~~المركب شطره من جزأين متغايرين مكرر أحدهما تسعة أوزان. # وتوجد بعض هذه الأوزان متلائمة خفيفة، وبعضها متنافرة ثقيلة والتنافر ~~والثقل يكون فيها لوجوه: منها أن تقع الأسباب الثقيلة والأوتاد المفروقة في ~~نهايات الأجزاء التي هي مظان اعتمادات وتوقرات ومقاطع أنفاس، فيكون وقوع ~~الحركات هنالك غير ملائم للنفوس وثقيلا عليها. وكذلك وقوع الفواصل في ~~نهايات الشطور، فإنه مستثقل وليس منافرا. # ولذلك يحتمل وقوعها فيا لمقدار القصير والمتوسط نحو المقتضب والخبب ولا ~~يحتمل وقوعها في الطويل نحو الوافر، ولاسيما وقد تكررت في الوافر ثلاثا ولم ~~تقع في الخبب إلا مرتين. ومن تلك الوجوه التي يقع بها التنافر والثقل تشافع ~~الأجزاء الطويلة في أوساط الأشطار ونهاياتها ووقوع الجزء المفرد صدرا، ~~ومنها بناء الوزن على أجزاء كلها يقع الثقيل في نهايته والخفيف في صدره، ~~وذلك مثل أن يركب شطر وزن على فاعلن أربع مرات. # فلهذه الأسباب وما جرى مجراها مما لا يتسع لذكره هذا الموضع اقتضى النظر ~~البلاغي أن يعدل بكثير من تقديرات الأوزان عما قدر به العروضيون، إذ كانوا ~~بطرق التناسب والتنافر حتى أنهم جزأوا كثيرا من الأوزان تجزئة وقعوا بها في ~~حيز الوضع المتنافر. فلذلك حققنا في كل وزن تجزئته المتناسبة، وجعلنا شطر ~~الخبب مبنيا من جزأين تساعيين كلاهما مركب من سبب ثقيل ووتد مفروق ووتد ~~مجموع، إذ كانت القسمة تقتضي هذا الوضع اقتضاء ضروريا إذ كان تركيب الأجزاء ~~من الأسباب والأوتاد لا يخلو من أن يكون بضم سبب إلى وتد فيكون الجزء من ~~ذلك خماسيا، أو بضم سببين إلى وتد فيكون الجزء من ذلك سباعيا، أو بضم سبب ~~إلى وتدين فيكون الجزء من ذلك تساعيا. فباستقصاء هذه القسمة تهدى ms141 إلى وضع ~~عروض الخبب. # PageV01P073 ### | 5- # إضاءة: وإذ قد تبين هذا فينبغي لمن طمحت به همته إلى مرقاة البلاغة ~~المعضودة بالأصول المنطقية والحكمية لوم تسفف به إلى حضيض صناعات اللسان ~~الجزئية المبنية أكثر آرائها على شفا جرف هار ألا يعتقد في وزن من الأوزان ~~أنه مفتقر في وضعه إلى أن يفك من نظام آخر، بل إنما يستنبط الوزن باستقصاء ~~ضروب تركيبات الأسباب والأوتاد واستقصاء ضروب ما يتركب من الأجزاء المؤتلفة ~~من تركيبات الأسباب والأوتاد، ثم يلزمه بعد الوضع أن يوجد وزن آخر أو أوزان ~~سياق نظامها نظامه بان تجعل مبدأها من رؤوس الأسباب والأوتاد متأخرا عن ~~مبدئه على ما تقدم. فلهذا وجب أن يعتقد أن هذه الانفكاكات التي لهذا ~~الأعاريض من الدوائر أمور عارضة لا يفتقر في تصور ماهيات الأعاريض وحقائقها ~~إليها، ولذلك لم يقل بها كثير من العروضيين. ومن أوردها فإنما أوردها على ~~أنها ملحة عرضية لحقت الأوزان اتفاقا لا أنها حقيقة بنيت عليها الأعاريض ~~وضعا واعتمادا. فلهذا يجب ألا يبلغ الحرص بالمتأدب على أن يستقصي جميع ما ~~ينفك من كل دائرة ويروم أن يرد كثيرا من الأوزان إلى ذلك ولو بتجزئة ~~متنافرة ثقيلة كما فعل ذلك العروضيون، بل يجب عليه أن يقدر كل وزن بالتجزئة ~~المتناسبة اللائقة به سواء وجد ذلك الوزن بتلك التجزئة منفكا من بعض ~~الدوائر التي قد وقعت فيها أوزان مستعملة أو وجد أمة وحده غير منفك من وزن ~~مستعمل أو منفك منه وزن مستعمل. فقد بينا أن أكثر الدوائر تنفك منها أوزان ~~غير ملائمة ولا خفيفة. وهناك أيضا دوائر أخر لم يستعمل منها شيء. وهي عزيزة ~~الإحصاء لكثرتها، إذ لكل تركيب من تركيبات الأسباب والأوتاد والجزاء ~~المركبة منها دائرة تخصه. # وضروب التركيبات كثيرة جدا. وإنما استعملت العرب من جميع ذلك ما خف ~~وتناسب وليس يوجد أصلا في ضورب التركيبات والوضع الذي للحركات والسكنات ~~والأجزاء المؤتلفة من ذلك أفضل مما وضعته العرب من الأوزان. وإذا تصفحت ما ~~قلته في ترتيب الحركات والسكنات والمسموعات المستطابة من ضروب ترتيباتها ms142 في ~~مواضع قد تقدمت من هذا الكتاب عرفت صحة ذلك. # ولنرجع الآن ما كنا بسبيله من الإبانة عن ضروب التركيبات الوزنية. ### | 6- # تنوير: فإما الأوزان المتركبة من خماسية وسباعية فإن أصل البناء أشطارها ~~على أربعة أجزاء. فمن ذلك الطويل، وشطره فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن، نحو: ~~(الطويل -ق- المترادف) # صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو # إلا أنهم التزموا حذف الخامس من جزء العروض وهو الجزء الرابع، فلا يثبتون ~~الخامس الساكن إلا في التصريع المقابل لضرب تام، ويستقطعونه في جميع ~~الأعاريض الواقعة في تضاعيف القصيدة، حيث لا تصريع على الصفة المذكورة. ~~وذلك كقول امرئ القيس: (الطويل -ق- المترادف) # وهل يعمن إلا سعيد مخلد # فتقدير جزء العروض في هذا مفاعلن، بغير ياء، ويسمى حذف هذا الساكن الخامس ~~القبض. # ومنها البسيط. وشطره مربع متداخل على نحو وضع الطويل، إلا أن الخامس فيه ~~يسبق السابع، وذلك نحو قول النابغة: (البسيط -ق- المتراكب) # يا دار مية بالعلياء فالسند # وكان أصل شطوره: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن، إلا أنهم التزموا الخبن، ~~وهو حذف الثاني الساكن في فاعلن في جزئي العروض والضرب مع تصريع وغير ~~تصريع. # ومنها المديد. وأصل بناء شطره على أربعة أجزاء إلا أنهم التزموا حذف جزء ~~من عروضه وجزء من ضربه، وهو فاعلن. فصار الشطر: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن، نحو ~~قول مهلمل: (المديد -ق- المترادف) # يا لبكر، انشروا لي كليبا # PageV01P074 # ومنها المقتضب. وأصل بناء شطره: فاعلن مفاعلتن فاعلن مفاعلتن، إلا أن هذا ~~ثقل لكثرة الأوتاد فيه والأسباب وتكرر الفاصلة ووقوعها في النهايات. وقد ~~قدمنا أن ذلك مستثقل. فلهذا لم يستعملوه إلا منصوفا أي محذوف النصف من كل ~~شطر. فهذا هو الصحيح الذي يشهد به السماع والقياس والقوانين البلاغية في ~~اعتبار تناسب التركيبات، إذ الدليل يقوم على أنهم لم يوقعوا الوتد المفروق ~~ولا السبب الثقيل في نهاية جزء خماسي ولا سباعي ولا فيما فوق ذلك، لأنا قد ~~ذكرنا أن قانونهم ألا يضعوا الثقيل في النهايات ولاسيما في أواخر الأجزاء ~~التي هي مظان اعتمادات وتوقرات وتقاطع أنفاس بوقفات خفية أو بينة عليهم ms143 أو ~~روم لذلك وإيماء إليه، وأيضا فإن الزحافات لا تلتزم في غير تنويع الأعاريض ~~الضروب، وقد لزم ذلك التجزئة التي قدر بها أهل العروض المقتضب ووقع ذلك في ~~حشوها فدل على فساد رأيهم، وأيضا فإنهم يلزمهم أن يقابلوا بفعولات فاعلات ~~على أنها من وضع التماثل حيث كان هذان الجزءان قد وضعا في صدر الشطر الأول ~~وصدر الشطر الثاني على أن يتساوقا في الزمان ويتساويا في الترتيب. # وقد وضح في صناعة الموسيقى أن فعولات مضاد لفاعلات كما أن فعولن مضاد ~~لفاعل، لأن الوضع فيهما متخالف، حيث كان أحدهما مفتتحا بمتحرك بعده ساكن ~~ومختتما بساكن بعد متحركين، وكان الآخر مفتتحا بمتحركين بعدهما ساكن ~~ومختتما بمتحرك بعده ساكن. فكانا لذلك متضادين. فكيف يوضع المتضادان وضع ~~المتماثلين في ترتيب يقصد به تناسب المسموع والتنظير بين الأجزاء المتماثلة ~~في الوضع وأن يجعل عمود اللحن؟. # فهذا ينبغي ألا يلتفت إلى ما وضعه أو غيره العروضيون أو الرواة من ~~الأبيات التي تدفعها المقاييس البلاغية والقوانين الموسيقية والأذواق ~~الصحيحة في هذا الوزن وغيره، ونحو ما غيروه من قول القائل: (المقتضب -ق- ~~المتراكب) # جانا مبشرنا ... بالبيان والنذر # فيصيروه بتحريفهم وجهلهم بما يضمحل في أصول وضع الأوزان إلى هذا التغيير ~~الفاسد وهو: # أتانا مبشرنا ... بالبيان والنذر # وذلك ليطر لهم رأيهم الفاسد في ما أثبتوه من التراقب الذي لا يصح ولا ~~يثبت، إذ قد ظهر اضمحلاله في هذا الوزن واضمحلال التجزئة التي توجد فيها ~~الأسباب مهيئة لإمكان وقوع ذلك فيها لولا انه شيء لا معنى له إلا إفساد ~~الوزن والإخلال بوضعه والخروج به عن الوضع الملائم إلى الوضع المنافر ~~بالجملة. ### | 7- # إضاءة: فأما المتركبة من السباعيات المتغايرة فبناء أشطارها على ثلاثة ~~أجزاء مزدوجان ومفرد. # فمن ذلك ما تأخر في بناء المفرد كالسريع، وتجزئته الصحيحة التي تشهد بها ~~القوانين البلاغية: مستفعلن مستفعلن فاعلان، نحو قول حسان: (السريع -ق- ~~المترادف) # ما هاج حسان ربوع المغاني ... ومظعن الحي ومبنى الخيام # ودعوى العروضيين أن نظامه مأخوذ من دائرة المنسرح باطلة للوجوه التي تقدم ~~ذكرها. # وليس الجزء الواقع نهاية ms144 كلا الشطرين من هذا الوزن بمحذوف من غيره ولا ~~مغير من سواه وإنما هو مركب من سبب خفيف ووتد مجموع متضاعف لأن الأرجل التي ~~تتركب منها أجزاء جميع الأوزان ستة أصناف: 1- سبب ثقيل وهو متحركان نحو: ~~بم، لك، 2- وسبب خفيف وهو متحرك بعده ساكن نحو: من، عن، 3- وسبب متوال وهو ~~متحرك يتوالى بعده ساكنان نحو: قال بتسكين اللام، 4- ووتد مفروق وهو ~~متحركان بينهما ساكن نحو: كيف، أين، 5- ووتد مجموع وهو متحركان بعدهما ساكن ~~نحو: لقد، 6- ووتد متضاعف وهو متحركان بعدهما ساكنان نحو: مقال بتسكين ~~اللام. # فالسبب الثقيل والوتد المفروق لا يقع في نهاية جزء، وإنما يقعان في صدور ~~الأجزاء وتضاعيفها. والسبب المتوالي والوتد المتضاعف لا يقعان إلا في ~~نهايات الضروب والأعاريض المصرعة. والسبب الخفيف والوتد المجموع هما اللذان ~~يقعان من صدور الأجزاء وأوساطها وأعجازها كل موقع. ### | 8- # تنوير: ويجب أن تعلم أن العرب استقصت القسمة في تركيب المقارنة بين بعض ~~هذه الأرجل وبعض ووضعها في أوزان أخر غير متقارنة فاعتمدت من ذلك في كل وزن ~~ما كان مناسبا للوضع الخاص به. فبنوا أكثر الأعاريض من أكثر هذه الأرجل ~~تصرفا، وهي الأسباب الخفيفة والأوتاد المجموعة: فمما بنوه على ذلك من ~~الأعاريض: الطويل والبسيط والمديد والمتقارب والرجز والهزج والرمل. # PageV01P075 # ومما بنوه من الأسباب الثقيلة والخفيفة والأوتاد المجموعة: الوافر ~~والكامل. # ومما بنوه من الأسباب الثقيلة والأوتاد المجموعة والمفروقة: الخبب. # ومما بنوه من الأسباب الثقيلة والخفيفة والأوتاد المجموعة والمفروقة: ~~المقتضب، على ما بيناه قبل. # ومما بني على الأسباب الخفيفة والأوتاد المجموعة والمفروقة والمضاعفة ~~الضرب الأول من المجتث. وقد غاب عن العروضيين كونه من المجتث وجعلوه ضربا ~~ثالثا من البسيط وقد روا شطر الضرب منه: مستفعلن فاعلن مستفعلان، مقاييس ~~البلاغة تقتضي أن يكون تقديره: مستفعلن فاعلاتن فاعلان، لوجوه يطول ذكرها. ~~ومنها: أن زيادة المدة في مستفعلان في البسيط لا معنى لها، ومنها أن ~~التجزئة التي قد روابها المحتث- وهي أن يكون أصل شطره: مستفعلن فاعلاتن ~~فاعلاتن - خارجة عن القوانين التي اعتمدتها العرب في تركيب أوزانها، فإنهم ~~لم ms145 يضاعفوا جزءا سباعيا في ما يلي نهايات الأشطار لما قدمناه من استثقال ~~ذلك. وإنما وقع لهم مضاعفا فيا لنهايات وما يليها الخماسي لأنه أخف، نحو ~~العروض المجزوءة المحذوفة من المديد وتقديرها: فاعلاتن فاعلن فاعلن. فلهذا ~~جعلنا نحن تقدير شطر الضرب الأول من المحتث: مستفعلن فاعلاتن فاعلان. فيكون ~~تركيبه على هذا من جزء مفرد وجزأين متضارعين وقع أخفهما في النهاية. # وهذا النحو من الوضع من جملة التركيبات المتناسبة. وهناك ضروب جعلوها من ~~مقصرات البسيط، ويمكن أن ترد إلى هذا، وهي به أليق لأن مجاريها أوفق ~~بمجاريه لأن الخبن في فاعلن من البسيط يحسن ما لا يحسن في تلك المقصرات، ~~فلهذا كانت أنسب إلى المجتث. وأيضا فإن الطويل والبسيط عروضان فاقا ~~الأعاريض في الشرف والحسن وكثرة وجوه الوضع، فإذا أزيل عنهما بعض أجزائهما ~~ذهب الوضع الذي به حسن التركيب وتناهى في التناسب فلم يوجد لمقصراتها طيب ~~لذلك. وغيرهما من الأعاريض قد يوجد في مقصراته ما يكون أطيب منه. فلما كانت ~~مقصرات الطويل والبسيط تنحط عن درجة الوزن التام في ذلك انحطاطا متفاوتا ~~كان لإهمال تلك المقصرات وجه من النظر إذ كانت الأوزان التامة كالآباء وهذه ~~المقصرات المقتضبة كالأبناء. وإذا لم يلد الكريم كريما كان أحسن له أن لا ~~يلد. لكن الناس قد نسبوا الوزن الذي صلح عندنا أن يكون ضربا ثانيا من ~~المجتث إلى البسيط، فلنسامحهم في ذلك. وحكم مخلع البسيط الذي تجيء نهاياته ~~على مثال مفعولن هذا الحكم. وكلاهما صالح أن ينسب إلى المجتث. # فأما الوزن المضارع لهذا المخلع وهو الذي اعتمد المحدثون إجراء نهاياته ~~على مثال فعولن، فليس راجعا إلى واحد من هذه الأوزان. وإنما هو عروض قائم ~~بنفسه مركب شطره من جزأين تساعيين على نحو تركيب الخبب وتقديره: مستفعلاتن ~~مستفعلاتن، وكأنهم يلتزمون حذف السين من الجزء الثاني لأن السواكن في كل ~~وزن إذا توالى منها أربعة ليس بين كل ساكن منها وساكن إلا حركة تأكد حذف ~~الساكن الثالث وحسن الوزن بذلك حسنا كثيرا. # فمما ورد من ذلك محذوف الساكن ms146 قول علي بن الجهم: (اللاحق -ق- المترادف) # بسر من را إمام عدل ... تغرف من جوده البحار # لم تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار # ومما جاء على أصل الوزن قول بعض الأندلسيين: (اللاحق -ق- المترادف) # وحي عني إن فزت حيا ... أمضى مواضيهم الجفون # وقول أبي بكر بن مجبر: (اللاحق -ق- المترادف) # إن سل سيفا بناظريه ... لم تر فينا إلا قتيلا # فمثل هذه النون من قوله (إن فزت) مقبولة في الذوق، وإن كان حذفها أخف. ~~فواجب أن تجعل تجزئة الوزن بحسب ما وجد مقبولا فيه لتسلم أقاويل كثير ممن ~~يوثق بصحة ذوقه من الكسر، لأنه كالمستحيل عليهم. فإن طباعهم لا تقبل ذلك ~~إلا وله وجه. وليس يمكن أن يقع هذا الساكن في مثل قوله: (اللاحق -ق- ~~المترادف) # أقفر من أهله ملحوب # لأن اجتماعها مع اللام في قوله ملحوب لا يقبله الذوق إذا كانت السواكن في ~~ذلك الوزن الذي لا يثبت فيه مثل اللام الساكنة في ملحوب قد تناهت في ~~الكثرة، فكانت أربع أخماس المتحركات، ولا يمكن أن تكون نسبة السواكن من ~~المتحركات أكثر من هذا. فلهذا اقتضى النظر البلاغي أن يجعل وزنا برأسه. ~~وليس أخذ هذا الوزن عن العرب يثبت بل هو مثل الخبب في ذلك. # PageV01P076 ### | 9- # إضاءة: وقد فصلوا أيضا في بعض مقصرات الأوزان أن يوقعوا فيها من اقترانات ~~الأسباب والأوتاد ما لم يوقعوه في مطولاتها. # فمن ذلك اقتران السببين الثقيل والخفيف والوتد المجموع والمضاعف في الضرب ~~السادس من الكامل. وهو الذي آخر أجزائه متفاعلان، واقتران الوتد المجموع ~~والسبب الخفيف والسبب المتوالي في الرمل في الضرب الذي آخر أجزائه فاعليان. ### | 10- # تنوير: ولنرجع إلى ما كنا شرعنا فيه من الكلام في الأوزان المتركبة من ~~السباعيات المتغايرة فنقول: إن عروض السريع وعروض كل وزن كانت غاية ضربه ~~سببا متواليا أو وتدا متضاعفا بان ترد السبب والوتد إلى أصليهما بحذف ~~الساكن الأخير من كليهما. ### | 11- # إضاءة: ومن تركيب السباعيات المتغايرة ما يتوسط فيه المفرد ويتطرف ~~الجزءان المتماثلان كالخفيف، وتقدير كلا شطريه: فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن، ~~نحو قول أبي دهبل: ms147 (الخفيف -ق- المترادف) # صاح حي الإله أهلا ودارا ... عند أصل القناة من جيرون # فأما ما يتقدم فيه المفرد على المزدوجين فمهمل في أوزان العرب، لأن ~~الجزأين المتكررين أثقل من المفرد. فالصدر أولى بهما على قياساتهم، وتصدير ~~الأشطار أيضا بما يظهر فيه التناسب أولى من تصديرها بما لا يظهر فيه تناسب. ~~ولهذا ولاعتبارات أخر أيضا أهملوا هذا الضرب من الأبنية الوزنية. # وقد وضع بعض الشعراء الأندلسيين على هذا البناء وزنا إلا أنه جعل الجزأين ~~المزدوجين خماسيين فرارا من الثقل الواقع بتشافع السباعيين في النهاية، ~~فكان التشافع في ذلك الوضع أخف في الخماسي وذلك قوله: (المديد -ق- ~~المتدارك) # أقصر عن لومي اللائم ... لما درى أنني هائم # تقدير شطره: مستفعلن فاعلن فاعلن. # وقد تقدم أن من مقصرات المديد ما يصير إلى هذا الوضع أعني الوضع الذي ~~يصدر الشطر فيه بالجزء المفرد ويعقب بالجزأين المتشافعين. ### | 12- # تنوير: فأما المتركب من سباعي وتساعي فهو من وضع المتأخرين من شعراء ~~المشرق. جعلوا الجزء المفرد فيه تساعيا والمتشافعين سباعيين، فقدموا ~~التساعي وتلوه بما يناسبه من السباعيات، وجعلوه الجزء الثاني من السباعيين ~~في أكثر استعمال - وهو المستطاب في الذوق والأحسن في الوضع - ينقص عن الأول ~~ليكون كل واحد من الجزاء أخف مما قبله. وتحرروا في ذلك أن يكون كل جزء ~~مناسبا لما قبله، وذلك هو الوزن الذي يسمونه الدبيتي وشطره المستعمل: ~~مستفعلتن مستفعلن مفتعلن، نحو قول القائل: (الدبيتي -ق- المتراكب) # هذا ولهي، وقد كتمت الولها ... صونا لحديث من هوى النفس لها # يا آخر محبتي ويا أولها ... أيام عنائي فيك ما أطولها # وقد يجيء الجزء الأخير على مستفعلن، وهو الأصل، ولكن في الأقل. ويستعمل ~~أيضا مقطوعا فيصير مستفعلن إلى مفعولن نحو قول بعضهم: (الدبيتي -ق- ~~المترادف) # ما أشوقني إلى نسيم الرند ... يشفي كمدى، إذا أتى من نجد # ويشعثون الفاصلة التي في الجزء الأول فيصير مستفعلتن إلى مفعولاتن، نحو ~~قوله: (الدبيتي -ق- المترادف) # شوقي شوقي به ووجدي وجدي ### | 13 - # إضاءة: فأما المتركب من خماسي وسباعي وتساعي فبنته العرب على أن تكون ~~النقلة فيه من الأثقل إلى ms148 الأخف ومن الجزء إلى ما يناسبه فبدأوا بالتساعي ~~وتلوه بسباعي يناسبه وتلوه بخماسي يناسب السباعي، والتزموا الخبن في الضرب ~~وهو جزء القافية. وهذا الوزن هو المنسرح. وبناء شطره: مستفعلاتن مستفعلن ~~فاعلن. والخبن في فاعلن في العروض أحسن. ### | 14- # تنوير: فالأوزان التي ثبت وضعها عن العرب أربعة عشر وزنا. وهي: الطويل، ~~والبسيط، والمديد، والوافر، والكامل، والرجز، والرمل، والهزج، والمنسرح، ~~والخفيف، والسريع، والمتقارب، والمقتضب، والمجتث. وإن كان المقتضب والمجتث ~~لي لهما تلك الشهرة في كلامهم. # والذي يشك في وضع العرب له الخبب. # والذي لم يثبت للعرب أصلا بل هو من وضع المحدثين الوزن الذي يسمى ~~الدبيتي، ولا بأس بالعمل عليه، فإنه مستطرف ووضعه متناسب. # PageV01P077 ### | 15- # إضاءة: فأما الوزن الذي سموه المضارع، فما أرى أن شيا من الاختلاق على ~~العرب أحق بالتكذيب والرد منه، لأنه طباع العرب كانت أفضل من أن يكون هذا ~~الوزن من نتاجها. وما أراه أنتجه إلا شعبة بن برسام خطرت على فكر من وضعه ~~قياسا. فيا ليته لم يضعه ولم يدنس أوزان العرب بذكره معها، فإنه أسخف وزن ~~سمع، فلا سبيل إلى قبوله ولا العمل عليه أصلا. ### | 16- # تنوير: فعلى ما قدمته من ضروب تقادير التجزئة في الأوزان العربية ~~والملحقة بها والمشكوك في كونها عربية أو ملحقة يجب أن يعتمد؛ فإن استيفاء ~~قسمة الوضع المتناسب في الأوزان يقتضي أن تكون تقديرات هذه الأوزان على ~~النحو الذي ذكرته وأن تكون تجزئتها على الصفة التي قدمتها. # فمن كان له أدنى بصيرة لم يتخالجه الشك في أن الصحيح ما ذكرته لاستناد ما ~~قلته إلى علم اللسان الكلي الذي لا تتبين أصول علوم اللسان الجزئية ومباديه ~~إلا فيه، ولكون علم اللسان الكلي منشأ على أصول منطقية وآراء فلسفية ~~موسيقية وغير ذلك. فلذلك كان كلامنا في ذلك أهلا لأن يوثق به ويركن إليه. ### | 17- # إضاءة: وأكثر الأوزان التي ذكرتها تتنوع أعاريضها وضروبها. وذلك إما أن ~~يكون بحذف جزء برأسه، أو بحذف ساكن من وتد أو سبب متطرف في جزء العروض أو ~~الضرب وإسكان ما قبله، أو بحذف ساكن ms149 ضوعف به سبب أو وتد، أو بحذف الوتد أو ~~السبب رأسا، أو بإسكان ما قبل الوتد أو السبب بعد حذفه، أو بالتزام بعض ~~الزحافات في جزأي العروض والضرب، أو بزيادة سبب على جزء الضرب ويسمى ذلك ~~ترفيلا، أو بزيادة ساكن مصوت قبل آخر حرف من جزء الضرب ويسمى ذلك إسباغا ~~وإذالة. ### | 18- # تنوير: ووقوع هذه العلل والتغايير في عروض عروض وضرب وضرب من أعاريض ~~الوزان التي قدمت ذكرها وضروبها على التفصيل يعرفها من تلقاء نفسه من له ~~ذوق صحيح وحصل له قسط مقنع من الاستقراء وشد مع ذلك شيئا من هذه الصناعة. ~~ومن لم يكن له ذوق، فإنهم حصروا عامة ما نوعت العرب إليه نهايات الأشطار من ~~أبنية أوزانها من الأعاريض والضروب. # فإن هذه الصناعة لا يليق بها أن تخرج إلى محض صناعات اللسان الجزئية، وأن ~~تستقصى فيها تفاصيل تلك الصناعات. وإنما نتكلم من ذلك في ما له علقة بصناعة ~~البلاغة أو في ما عسى المتكلم في هذه الصناعة أن يستطرد إليه من ذلك. وأكثر ~~ما يتكلم البليغ أيضا من ذلك في قوانين كلية يمكن أن تستنبط منها أشياء في ~~نصاعات اللسان الجزئية. فلهذا وكلنا ذكر ما وقع من تغيير تغيير في عروض ~~عروض وضرب ضرب من وزن وزن لصاحب صناعة العروض. فليتصفح هنالك، وبالله ~~التوفيق. ### | ب- معرف دال على طرق المعرفة بما وقع في أوزان العرب من ضروب التركيبات المتلائمة، # وأنواع الترتيبات المتناسبة، وما لوحظ فيها مما حسن عندهم أن يهيئوا ~~بهيئته، وبمقدار ما أوقعوه في وزن وزن من ذلك. # لما كان جميع ما يدركه الإنسان لا يخلو من أن يكون شيئا بسيطا لا تنوع ~~فيه أصلا أو يكون له تنوع من جهة ما يكون من الأشياء المركبة، وكانت شيمة ~~النفس التي جبلت عليها حب النقلة من الأشياء التي لها بها استمتاع إلى بعض، ~~كانت جديرة أن تسأم التمادي على الشيء البسيط الذي لا تنوع فيه بنقلها من ~~شيء إلى شيء ما لا تسأم الشيء الذي له تنوع يمكنها معه المراوحة ms150 بين تأمل ~~الشيء وتأمل غيره مما يكون تنوع ذلك الشيء إليه، وإن كانت أيضا تحب النقلة ~~من الشيء المتنوع إلى غيره من المتنوعات لكنها تحتمل من التمادي عليه ما لا ~~تحتمل من التمادي على ما تنوع له أصلا. ### | 1- # إضاءة: وكلما وردت أنواع الشيء ضروبه مترتبة على نظام متشاكل وتأليف ~~متناسب كان ذلك أدعى لتعجيب النفس وإبلاغها بالاستماع من الشيء، ووقع منها ~~الموقع الذي ترتاح له. # PageV01P078 # فلهذا كانت المتحركات والسواكن إذا ركبت منها أجزاء أول، اعني أنها في ~~أول تركيب إلا لا تنحل إلا إلى جزأين بسيطين أو إلى بسيط ومركب في أدنى ~~تركيب - وهذه هي الأسباب والأوتاد - ثم ألف من ضم بعض تلك الأجزاء إلى بعض ~~على الأنحاء المتناسب ثم وضعت في مقادير من المسوعات، تحتمل منها: أربعة ~~أجزاء خماسية أو خماسيين وسباعيين، أو ثلاثة أجزاء سباعية أو سباعيين ~~وسداسيا أو تساعيا وسباعيين أو تساعيا وسباعيا وخماسيا، أو جزأين ثمانيين، ~~أو تساعيين. ونسق في ذلك بعض المتماثلات على بعض أو قورن بين الجزء وما ~~يضارعه على نحوين من الوضع: 1- أحدهما أن يضاعف كلاهما ويراوح بينهما في ~~الوضع فيرد أحدهما أبدا عقب الآخر، فتكون لأحدهما المراتب الأفراد أبدا، ~~مثل أن يقع أولا وثالثا وخامسا وسابعا، وتكون للآخر المراتب الأزواج بأن ~~يقع ثانيا ورابعا وسادسا وثامنا، وذلك نحو الطويل والبسيط. ### | 2- # والآخر أن يوضع أحد المتضارعين متكررا والآخر مفردا، فيقدم المتشافعان ~~على المفرد، أو يوسط المفرد بينهما، أو يؤخران ويقدم المفرد. وهذا الوضع ~~الأخير لم يقع للعرب إلا في فروع الأوزان دون أصولها، لأن هذا الوضع ~~بالنسبة إلى ما قبله قليل التناسب: إذ لا استفتاح فيه بغير مظنة التناسب، ~~وإذ الأثقل فيه موضوع طرفا، وإذ هو من بناء الكثير على القليل، وبناء ~~القليل على الكثير أنسب، اللهم إلا إذا كان الجزء المضاعف يقصر على الجزء ~~المفرد الذي بني عليه، فإن ذلك يستساغ. # وعلى هذا النحو استعملت العرب في فروع أوزانها هذا الوضع. وعلى ذلك قيس ~~ما وضع من الأوزان المحدثة، فضوعف فيه السباعي ms151 بعد التساعي، أو وضع ذلك على ~~نحو لا ينسق فيه بعض المتماثلات على بعض ولا يراوح بين جزء يورد متكررا في ~~مواضع غير متصلة وبين جزء مضارع له يورد أيضا متكررا في المواضع المتخللة ~~لمواضع الآخر، ولا يضاعف فيه أحد الجزأين ويفرد الآخر؛ بل يكون الموضع ~~بالاطراد من بعض المتضارعات إلى بعض والانحدار فيها من الأثقل إلى الأخف ~~والاستمرار في ثلاثة الأجزاء على هذا التدريج. # وقد يقع نقلة الترقي المضادة لهذا الوضع فيا لمضارعات أيضا تناسب في ~~الوضع وحسن مسموع، ولكن في بعض الاقترانات لأسباب موجبة لذلك قد ذكرناها في ~~غير هذا الموضع. ### | 2- # تنوير: والتضارع بين الأجزاء هو أن يكون ترتيب جزء ما يماثل ترتيب صدر ~~جزء نحو فعولن ومفاعيلن، أو يماثل ترتيب الجزء ترتيب عجز جزء آخر نحو فاعلن ~~ومستفعلن، أو تكون نسبة صدر الجزء إلى صدر الجزء فيما ينقص عنه نسبة عجزه ~~إلى عجز الآخر أيضا فيما ينقص عنه نحو فاعلن ومفاعلتن، أو يكون صدر أحدهما ~~يماثل صدر الآخر أو يماثل عجزه عجزه أو صدره عجزه أو عجزه صدره. # والجزء المضاد للجزء هو الذي يكون وضعه مخالفا لوضعه نحو مستفعلن ~~ومفاعيلن. فإن الوتد في أحدهما مقدم على السببين، وفي الآخر مؤخر عنهما، ~~ومثله مفاعلتن ومتفاعلن. # والمنافر هو الذي لا يضارع ولا يضاد وذلك بألا يكون بين الجزأين تقارب في ~~الترتيب ولا تضاد فيه نحو متفاعلن ومفاعيلن. # فالتركيبات المتناسبات إنما تكون باقتران المتماثلات والمتضارعات ولا يقع ~~في اقتران المتضادات والمتنافرات تركيب متناسب أصلا. وقد يكون الجزء مضادا ~~للآخر من وجه، مضارعا له من وجه آخر، مثل فاعلن وفعولن، فإنهما وإن تضادا ~~من جهة الوضع بان قدم في أحدهما ما أخر في الآخر، فقد ضارع أحدهما صاحبه من ~~جهة أن صدره مماثل لعجزه. # ويشترط في التضارع مساواة أكثر الجزأين. فإن كان في جزء يسير منهما أو من ~~أحدهما لم يعتد به. وأحسن التركيب ما وضع فيه أحد المتضارعين مما يلي الحيز ~~الذي ضارعه من صاحبه نحو وضع الطويل والبسيط. ولهذا ms152 رفض مقلوب وضعهما لأن ~~الجزء فيه ليس موضعا مما يلي الجزء الذي ضارعه من صاحبه. # PageV01P079 ### | 3- # إضاءة: فإذا وضعت مقادير من المسموعات مؤلفة من الأجزاء المتقدمة الذكر ~~على الأنحاء الخمسة التي وضعت عليها العرب أبنية أوزانها - وهي: 1- الوضع ~~الذي تتسق فيه المتماثلات نحو المتقارب، 2- أو الذي تتداخل فيه المتضارعات ~~نحو الطويل، 3- أو الذي يتقدم فيه المتشافعان على المفرد نحو السريع، 4- أو ~~الذي يتوسط فيه المفرد بين المتشافعين نحو الخفيف، 5- أو الذي تتسق فيه ~~المتضارعات نسق انحدار؛ وعلى ما يناسب من الوضعين الباقيين، وهو: 1- تقديم ~~المفرد على المتشافعين، 2- ونسق المتضارعات نسق ارتقاء؛ وربعت الخماسيات في ~~نسق المتماثلات في الشطر الموزون وثلثت السباعيات فيه وثنيت الثمانيات ~~والتساعيات في ذلك وربعت المتداخلات من الخماسيات والسباعيات وثلثت الواقعة ~~بتشافع وإفراد، وكذلك المتضارعات أي عدد كانت - كان ذلك مسموعا متناسبا من ~~شأن النفس أن تستطيبه ويداخلها التعجب من تأتي نسقه واطراد هيئاته ~~وترتيباته المحفوظة. # ويسمى ما كان على هذه الصفة شطر بيت. فإن أردف مقدار موضوع على بعض تلك ~~الأنحاء قد تهيأ بتلك الهيأة التي تستطيبها النفس وتستبدعها بمقدار آخر ~~يساويه في الوضع والتراتيب زادت النفس ابتهاجا بذلك أحسن موقع وأكمله ~~مناسبة. وهذا المقدار المجموع من المقدارين هو المسمى بيتا. ### | 4- # تنوير: ولما كان أحق البواعث بأن يكون هو السبب الأول الداعي إلى قول ~~الشعر هو الوجد والاشتياق والحنين إلى المنازل المألوفة وألا فها عند ~~فراقها وتذكر عهودها وعهودهم الحميدة فيها، وكان الشاعر يريد أن يبقي ذكرا ~~أو يصوغ مقالا يخيل فيه حال أحبابه ويقيم المعاني المحاكية لهم ف الأذهان ~~مقام صورهم وهيآتهم ويحاكي فيه جميع أمورهم حتى يجعل المعاني أمثلة لهم ~~ولأحوالهم أحبوا أن يجعلوا الأقاويل - التي يودعونها المعاني المخيلة ~~لأحبابهم المقيمة ف الأذهان صورا هي أمثلة لهم ولأحوالهم - مرتبة ترتيبا ~~يتنزل من جهة موقعه من السمع منزلة ترتيب أحويتهم وبيوتهم. ويوجد فيوضع تلك ~~بالنسبة إلى ما يدركه السمع شبه من وضع هذه بالنسبة إلى ما يدركه البصر. ~~فقد تقدم أن المسموعات تجري من الأسماع مجرى ms153 المرئيات من البصر، وتوجد لحال ~~حال من هذه أشياء من حال حال من تلك. فقصدوا أن يحاكوا البيوت التي كانت ~~أكنان العرب ومساكنها، وهي بيوت الشعر، لكونهم يحنون إلى أدكار ملابسة ~~أحبابهم لها واستصحابهم لها واشتمالها عليهم بالأقاويل التي يقيمون المعاني ~~المنوطة بها في الأذهان مقام صورهم وهيآتهم ويجعلونها أمثلة لهم ولأحوالهم. ~~فيكون اشتمال الأقاويل على تلك المعاني مشبها لاشتمال الأبيات المضروبة على ~~من قصد تمثيله بها وأن تجعل تذكرة له. ويكون ما بين المعنى والقول من ~~ملابسة مثل ما كان بين الساكن والمسكن. ومتى أمكن أن يهيء الشيء الذي يجعل ~~تذكرة لشيء آخر ويقصد به تمثيله في الأفكار بهيأة تشبه هيأة ذلك الشيء ~~المقصود تذكرة من وجوه كثيرة يتسق بها الشبه كان أنجع في التحريك إليه ~~والانصباب في شعب الولوع به. ### | 5- # إضاءة: ولما قصدوا أن يجعلوا هيئات ترتيب الأقاويل الشعرية ونظام أوزانها ~~متنزلة في إدراك البصر تأملوا البيوت فوجدوا لها كسوار وأركانا وأقطار ~~وأعمدة وأسباب وأوتادا. # فجعلوا الجزاء التي تقوم منها أبنية البيوت مقام الكسور لبيوت الشعر. # وجعلوا اطراد الحركات فيها الذي يوجد للكلام به استواء واعتدال بمنزلة ~~أقطار البيوت التي تمتد في استواء. ### | 6- # تنوير: ولما كانت الأوتاد: منها ما ثباته ضروري في إمساك الخباء وتحصينه، ~~ومنها ما في ثباته تحصين ما وقد تحتمل إزالته، جعل الخليل الضروريات من ~~السواكن أوتادا وجعل غير الضرورية أسبابا. والأحسن أن يقال: إن هذه وتلك ~~أوتاد، لكن ثبات إحداهما ضروري في حفظ بنية البيت، فهو بمنزلة الوتد الذي ~~لا بد منه في الخباء، وثبات الأخرى ليس ضروريا في حفظ بنية البيت بل يستقل ~~البيت به ودونه، فهي بمنزلة الأوتاد التي تستعمل في إمساك جوانب البيوت وقد ~~يستغنى عنها. # PageV01P080 # وفي الأسباب ما لا يمكن الاستغناء عنه كألف متفاعلن مع السلامة من ~~الإضمار ونون مفاعلتن مع السلامة من العصب. فسواكن هذه الأسباب مع سلامة ~~الأجزاء ضرورية الثبات في حفظ بنية الوزن، فهي جارية مجرى الأوتاد بل هي ~~أوتاد كما قلناه. وكأن حركة ما قبل كل ms154 وتد منها سبب له، ولكن الخليل سمى كل ~~حركة وساكن مقترن بها لا يعتمد عليه في أكثر المواضع سببا، فإذا اعتمد على ~~ساكن بعد متحركين أو بينهما سمي مجموع ذلك وتدا. ولا تشاح في الألفاظ كما ~~أنه لا حرج على من عدل عما تقتضيه تلك الأسامي في المسميات إذا أراد ~~الإفصاح عن جهات مشابهاتها لما نقلت إليها منه التسمية والتمثيل الصحيح في ~~ذلك. ### | 7- # إضاءة: ولنقل الآن في كيفية تركب الأسباب والأوتاد من المتحركات ~~والسواكن، وكيفية تركب الأجزاء منها، وفي كيفيات مواقع هذه وتلك مطردة وغير ~~مطردة في الوزان، وكيف تتهيأ أجزاء المسموعات التي تقع فيها بالتقاذف بها ~~إلى شتى ترتيباتها بالهيآت التي تصير بها متشكلة بأشكال الأبيات المضروبة. # فأقول: إنه إذا تركبت حركتان كان ذلك سببا ثقيلا نحو لك، لم، فإن زدت ~~عليه ساكنا كان وتدا مجموعا نحو لقد، فإن زدت على ذلك ساكنا ثانيا صار ~~الوتد مضاعفا نحو مقال مسكن اللام، فإن تركب متحرك مع ساكن كان ذلك سببا ~~خفيفا نحو قد، فإن زدت عليه ساكنا ثانيا كان سببا متواليا، فإن زدت على ~~السبب الخفيف الذي لم يتوال متحركا كان وتدا مفروقا نحو كيف. ### | 8- # تنوير: فالسبب الخفيف والوتد المجموع يقعان كل موقع من أوائل الأجزاء ~~وأوساطها وأواخرها. والسبب الثقيل والوتد المفروق لا يقعان إلا في أوائل ~~الأجزاء وأوساطها. والسبب المتوالي والوتد المضاعف لا يقعان إلا في نهايات ~~أجزاء الضروب ومصرعات الأعاريض. وأسباب ذلك معروفة مما تقدم. ### | 9- # إضاءة: وبعض هذه الأجزاء يتركب مع بعض على الإطلاق وذلك الأسباب الخفيفة ~~مع الأوتاد المجموعة والمفروقة. # ومنها ما لا يتركب أحدهما مع الآخر في خماسيات الجزاء وسباعياتها ويتركب ~~فما فوق ذلك، وذلك كالأسباب الثقيلة والأوتاد المفروقة. ولا تتركب معها إلا ~~متقدمة عليها كما أن الأسباب الثقيلة أيضا لا تتركب مع الأوتاد المجموعة ~~إلا متأخرة عنها. # ومنها ما لا يتركب مع جميع الأجزاء إلا متأخر عنه. ومنها السبب المتوالي ~~والوتد المتضاعف. ولا يتركب أحدهما مع الآخر. وتسمى هذه الأجزاء الأرجل. ### | 10- # تنوير: ولا يخلو التركيب ms155 من أن يكون من رجلين سبب ووتد، فيكون الجزء ~~المركب منهما خماسيا إن لم يكن هناك سبب متوالي أو وتد متضاعف، فإن الجزء ~~يكون مع كليهما على ستة أحرف، وكذلك ينفسان جميع الأجزاء إذا وقعا في ~~نهاياتها؛ أو يكون من ثلاثة أرجل ولا يخلو ذلك من أن يكون من سببين ووتد ~~فيكون الجزء سباعيا، أو من سبب ووتدين فيكون الجزء ثمانيا؛ أو يكون من ~~أربعة أرجل فيتركب منها ثلاث تركيبات: 1- سبب وثلاثة أوتاد - وهو تركيب ~~مستثقل غير ملائم، 2- وسببان ووتدان والتركيب منهما ينحل إلى الخماسيات، 3- ~~وتركيب لا يستثقل المتناسب منه ولا ينحل إلى غيره، فالقياس يوجب إثباته ~~وقبوله وهو تساعي نحو مستفعلاتن. ### | 11- # إضاءة: ولنقل الآن في ما قصدوه في وضع الأبنية الشعرية من حيث جعلوا ~~اطراد الحركات في الأوزان واستقامة جرية اللسان عليها واستواء الكلام بها ~~بمنزلة امتداد أقطار البيوت واستقامة واستوائها، وجعلوا السواكن مطردة ~~بمنزلة الأركان. # فأقول: إن أقل ما يعد من توالي المتحركات قطرا المتحركان، فإنه القطر ~~الأصغر. فأما الحركة بين ساكنين فإنها كالفرجة بين طنبين، ويليه القطر ~~الأوسط وهو ثلاثة متحركات، ثم القطر الأكبر وهو أربعة متحركات، وهو أقصى ما ~~يوجد عليه اطراد الحركات في الأوزان. وأقل ما يعد من السواكن ركنا الواحد ~~ثم لاثنان ثم الثلاثة ثم الأربعة وهي أقصى ما يوجد من اطراد السواكن في ~~الأوزان. ### | 12- # تنوير: ولا تستحسن الأركان والأقطار التي تناهت إلى هذا الحد، بل الواجب ~~أن يحذف ثالث السواكن من هذه ويثبت ما يفصل في تلك بين بعض المتحركات وبعض ~~بإعادة السواكن المحذوفة من أثناء ذلك لأن المتحركات لا تنتهي إلى أربعة في ~~الأوزان على اطراد ونسق إلا بحذف بعض السواكن. # PageV01P081 ### | 13- # إضاءة: ويجب أن تعلم أن أبيات الشعر، وإن كانت أوائلها منفصلة عن ~~أوائلها، فإن النظام فيها في تقدير الاتصال على استدارة إذ كان وضع الأوزان ~~الشعرية وترتيبها ترتيبا زمانيا لا يمكنك فيه أن ترجع بالنهاية إلى زمان ~~المبدأ بل تكون بينها فسحة من الزمان ولابد. وترتيب البيت المضروب ترتيب ~~مكاني إذا ms156 بدأت بأي موضع شئت منه ثم درت عليه تأتى لك أن ترجع إلى الموضع ~~الذي بدأت منه بنقلة مستديرة على اتصال من غير أن كون بين المبدإ والنهاية ~~فسحة. والأوزان وإن لم يكن أن يعاد بالنهاية فيها إلى زمان المبدإ فإنها في ~~تقدير ذلك، إذ نسبة سرد الشطر الأول من أي بيت وقع تاليا لبيت بعد الانتهاء ~~إلى قافية البيت المتقدم وإعطاء كل متحرك وساكن منه حقه من التلفظ نسبة سرد ~~الشطر الثاني وإعطاء متحركاته وسواكنه حقوقها من التلفط بعد الانتهاء إلى ~~مقطع الشطر الأول. فلذلك يجب أن يجعل ساكن القافية الأخير مع ما يتقدمه من ~~السواكن أو يتلوه من ذلك في أول البيت التالي له أو على حدته ركنا فاصلا ~~بين ما وقع في صدر جزء القافية الذي هو فيها من اطراد المتحركات الذي هو ~~بمنزلة بعض أقطار البيت التي تمتد بين بعض أركانه وبعض وبين ما وقع من ذلك ~~في صدر الجزء المفتتح به البيت الذي يليه أو وسطه أو آخره. ### | 14- # تنوير: فتجد على هذا أركان الأبيات الباقية على وضعها الأصلي مزدوجة إذ ~~التي في الشطر الأول منها مساوية للتي في الشطر الثاني في العدد. ولا ينقص ~~أحدهما عن الآخر في ذلك إلا بتغيير. فأقصى ما نجدهم بنوا عليه أشطار البيوت ~~ستة أركان. فيكون لمجموع البيت على ذلك اثنا عشر ركنا، وذلك في الكامل وحده ~~لأن بناء شطره من متفاعلن ثلاث مرات، ثم يقطعونه فيصير إلى أحد عشر ركنا ثم ~~يصير بوقوع الحذذ في الأعاريض والضروب إلى عشرة أركان مع السلامة من ~~الإضمار وإلى تسعة بالإضمار. # ويليه في ذلك المربعة الأشطار، كالطويل والبسيط والمتقارب، فإن في كل جزء ~~منها ركنا، فكل واحد منها ثمانية أركان، وتصير أركان الطويل والبسيط ~~بالزحاف إلى اثني عشر. والخبب مثل المربعات الأشطار في أنه مبني على ثمانية ~~أركان. # فأما السباعيات الجزاء المثلثة الأشطار مما لم يقع فيه سبب ثقيل فهي ~~مبنية على ستة أركان، وتصير بإعلالات الضروب إلى خمسة. # ومما بني على أربعة ms157 أركان الوزن الذي قدمت أن المحدثين هم الذين علم من ~~أقوالهم، ولا يبعد أن يكون من وضع العرب فإنه متناسب الوضع، فيجب أن يلحق ~~بما يستعمل من الوزان ولنصطلح على تسميته باللاحق، لهذا المعنى. فقد قدمنا ~~أنه يوجد فيه ساكن لا يوجد في مخلع البسيط ولا يقبله. ويوجد في مخلع البسيط ~~ساكن لا يوجد في هذا اللاحق ولا يقبله، فلهذا حكمنا أنه وزن قائم بنفسه، ~~وبناء شطره: مستفعلاتن مستفعلاتن. # وقد خصوا الرجز بأن أبقوا مشطوره على ثلاثة أركان، وهو أقل ما تقوم منه ~~الأشكال. ويشبه أن يكون هذا بعض ما أوجب احتمالها لاطراد المتحركات في ~~أقطاره لأن الأشكال المثلثة أطول الأشكال عروضا وأقطارا. وكأنهم جعلوا ~~الأبيات المسدسة الوضع وسطا في ذلك حيث ترقوا في ذلك إلى ضعفها وانحطوا إلى ~~نصفها. ### | 15- # إضاءة: ولقائل أن يقول: إن أجزاء الشطور الأول تنزل منزلة ما يلي الأرض ~~من كسور البيت، وإن أجزاء الشطور الثواني تنزل منزلة ما لي السمك منها. ~~ولهذا قد تقصر دائرة نظام الأشطار الثواني في كثير من الضروب عن دائرة نظام ~~الأشطار الأولى نحو ضربي عروض الكامل المقطوع والمضمر، فإن دائرة ما يلي ~~السمك من الأخبية أضيق من دائرة ما يلي الأرض. وليست ملاحظة هذا الوجه في ~~الأوزان بضربه لازب؛ وعلى هذا التقدير يحسن في القافية أن يقال فيها أنها ~~جعلت العروض رأس الخباء وما يعالى به العمود، فأحكمت هيآتها لذلك وجعل ~~العروض القاسم للبيت بنصفين بمنزلة موصل قائمة الخباء العليا بقائمته ~~السفلى، وجعلوا اطراد النظام المتناسب ما بين مبدأ البيت ومنتهى القافية ~~بمنزلة استقامة قوائم البيوت. ومما يقوى أن العروض كموصل القائمتين أن ~~كثيرا من الأعاريض القصار والتي قد نقص بعض أجزائها لا يجعلون لها أعاريض ~~كمشوطرات الرجز أو لا يحافظون على وضعها ولا يرتبطون في ذلك إلى هيآت ~~محفوظة نحو ما ورد في مخلع البسيط لعبيد بن الأبرص وغيره. # PageV01P082 ### | 16- # تنوير: واعلم أن السواكنالتي تنفصل بين قطرين أصليين لا يجوز حذفهما وإن ~~كانت من أسباب. وكذلك الساكن الذي يؤدي حذفه ms158 إلى اتصال قطر ثلاثي أي متسق ~~فيه ثلاث حركات بركن رباعي أي متوالي فيه أربع سواكن؛ فإن هذا أيضا لا يجوز ~~حذفه، وذلك كالنون من مستفعلن في الخفيف. وينبغي أن تسمى هذه الأسباب ~~بالأسباب المضارعة للأوتاد في مواقعها. وأحكام الأوزان تختلف في ما يسوغ ~~حذفه من سواكن الأسباب في الزحاف المفرد والمزدوج بحسب اختلاف أنحاء ~~الاعتمادات على نهايات الأجزاء وبحسب مواقع الأسباب من مواضع تلك ~~الاعتمادات. ولذلك يسوغ من الزحاف المزدوج في سببي البسيط ما لا يسوغ في ~~سببي الطويل. كذلك الزحافات المفردة لا تسوغ في الأسباب حيث تكون مظان ~~اعتمادات وتحصينات للأوزان من توالي ما لا يسوغ فيها. # وهذه لمحة تدل الذكي الألمعي على ما يتفصل إليه القول المجمل فيها بحسب ~~وزن وزن وتجزئة تجزئة. ### | 17- # إضاءة: فهذا الذي قلته في مجاري الأوزان وأنحاء تركيباتها وما يسوغ فيها ~~هو الرأي الصحيح الذي تعضده الآراء البلاغية والقوانين الموسيقية ويشهد به ~~الذوق الصحيح والسماع الشائع عن فصحاء العرب. # فدع عنك ما غيره أو وضعه العروضيون أو الرواة من الأبيات المضمحلة التي ~~لا توجد لها نظير في الأشعار الفصيحة الصحيحة الرواية. فقد رد بعض ~~العروضيين ما استشهد به بعضهم من الأبيات الفاسدة، وزين بعضهم شواهد بعض. ~~وكثير أيضا مما وضع واختلق أو غير جاز عليهم أو على أكثرهم. فلهذا يجب أن ~~لا يقبل شيء يخالف ما قلناه لأنا وضعنا هذه القوانين بحسب ما شهدت به أصول ~~علوم جليلة، بها يتميز الصريح المحض من الزائف البهرج في كل مذهب من مذاهب ~~اللسان ومأخذ من مآخذ البيان. # ولاستقصاء الكلام في صناعة العروض طول لا يحتمله هذا الموضع قد فرعت منه ~~في موضع خاص بصناعة العروض. فمن هنا يعرف تفصيل هذا المجمل. ### | ج - معلم دال على طرق العلم بمقادير تناسب الوزان وما يسوغ فيها من التعابير وما لا # يسوغ على الوجه المختار. # أوزان الشعر منها متناسب تام التناسب متركب التناسب متقابلة متضاعفة، ~~وذلك كالطويل والبسيط. فإن تمام التناسب فيها مقابلة الجزء بمماثله، وتضاعف ~~التناسب هو كون ms159 الأجزاء التي لها (لها) مقابلات أربعة، وتركب التناسب هو ~~كون ذلك في جزأين متنوعين كفعولن ومفاعيلن في الطويل، وتقابل التناسب هو ~~كون كل جزء موضوعا من مقابله في المرتبة التي توازيه، فإن كان الواحد في ~~صدر الشطر الأول كان الآخر في صدر الشطر الثاني، وإن كان ثانيا كان مقابله ~~ثانيا، وإن ثالثا فثالث. فالأعاريض التي بهذه الصفة هي الكاملة الفاضلة. ~~وكلما نقص عروضا شرط من هذه الشروط أو أكثر كان في الرتبة من مقاربة الكلام ~~أو مباعدته بقدر ما نقص منه. ### | 1- # إضاءة: وأوزان الشعر منها سبط، ومنها جعد، ومنها لين، ومنها شديد، ومنها ~~متوسطات بين السباطة والجعودة، وبين الشدة واللين وهي أحسنها. والسبطات هي ~~التي تتوالى فيها ثلاثة متحركات، والجعدة هي التي تتوالى فيها أربعة سواكن ~~من جزأين أو ثلاثة من جزء، وأعني بتواليها ألا يكون بين ساكن منها وآخر إلا ~~حركة. والمعتدلة هي التي تتلاقى فيها ثلاثة سواكن من جزأين، أو ساكنان في ~~جزء. والقوية هي التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على وتد أو سببين، ~~ويكون طرفاه التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على سبب واحد، ويكون طرفاه ~~قابلين للتغيير. وإذا تركب الضعيف مع القوي فربما غطى على ضعفه، وخصوصا إذا ~~حدثت في التركيب جعودة كالحال في الخفيف. فإن تركب الضعيف مع معتدل لم يخف ~~معه ضعفه كالحال في المديد. # PageV01P083 ### | 2- # تنوير: فأما التغييرات اللاحقة للأوزان فمنهما ما يكون بنقص بعض أجزاء ~~الوزن، ومنها ما يكون بزيادة. فأما النقص فضروب الزحاف الواقع في الأسباب ~~بحذف بعض سواكنها وإسكان بعض متحركاتها. وكذلك أيضا قد يقع التغيير في ~~الأوتاد بتسكين أول متحركها، وذلك حيث تكون جزءا من فاصلة لم يتضاعف فيها ~~تغيير، أو بحذف ثواني الأسباب الثقيلة وأوائل الأوتاد المجموعة في صدور ~~البيت ويسمى خرما. وحذف أول الوتد في صدور البيوت أحسن من حذف ثاني السبب ~~الثقيل. ويجب أن يكون لمورد الأبيات، قاصدا إقامة أوزانها، فضل اعتماد ~~وتوقرات وإشباعات الحركات وما ينتسب إليها من الحروف القابلة للمد والإطالة ~~في ما كشف ms160 مواضع المحذوفات ويتصل بها ليكون ذلك سادا مسدها وجاريا مجرى ~~البدل منها. ### | 3- # إضاءة: فأما التغييرات التي تكون بزيادة فمنها ما يقع في القوافي ومنها ~~ما يقع في الأعاريض. فأما ما يقع في القوافي فإن الأعاريض التي يكون لها ~~ضربان: ضرب مقطعه على سبب متوال أو وتد متضاعف، وضرب مقطعه على سبب خفيف ~~غير متوال أن يوالي السبب في بعض الضروب وإن كان ذلك مستقبحا. ويجوز فيما ~~بنيت قافيته على وتد غير متضاعف أن يضاعف الوتد في بعض الضروب من ذلك، وإن ~~كان أيضا ذلك قبيحا. وإنما استساغ بعض العرب هذا لأن العروض تقبل نسق كلا ~~الضربين عليها. وإن وقعت بذلك بين بعض الضروب وبعض مخالفة، فليس ذلك من ~~المخالفة التي يصير بها الجزءان طرفي نقيض في الوضع، بل هما متناسبان لم ~~يختلفا إلا بالأزيد والأنقص. ويشبه أيضا أن يكون العرب إنما تفخم الساكن في ~~هذا الوضع الذي قد يستسيغونه في القوافي إذا كان مما يجري فيه الصوت ويكون ~~التلفظ به قبل الساكن التالي له وأسهل من غيره وأخفى موقعا، ليكون ذلك ~~الساكن توجد فيه مضارعة للحروف المصونة من جهة ما يوجد له بعض تصويت، ويوجد ~~الهواء متسربا مع التلفظ به، وذلك نحو الهاء والعين والحاء والنون وما جرى ~~مجرى ذلك. # ومما ورد من ذلك قول النابغة بن شيبان من قصيدة يقول فيها: (الرمل -ق- ~~المتدارك) # امدح الكأس ومن أعملها ... واهج قوما قتلونا بالعطش # غنما الكاس ربيع باكر ... فإذا ما غاب عنا لم نعش # ثم قال في وصف الخيل: # فبها يحوون أسلاب العدى ... ويصيدون عليها كل وحش # وأورد بيتين آخرين على هذا النحو. # ويجب ألا يعمل على هذا وإن كان وقع في أشعار العرب. # وأما الذي يقع في الأعاريض، فإن العروض التي يمطكن أن تبنى على سبب ~~متوالي أو ووتد متضاعف إذا صرعت يسوغ أن يوقع فيها الكلم التي التقى فيها ~~ساكنان بالإدغام بعد المد فيكون الساكنان نهاية العروض ويكون مبدأ اشطر ~~الثاني ثاني المتضاعفين. وذلك نحو عروض المتقارب وعروض مربع الكامل. ms161 وينبغي ~~أن يسامح الشعراء في هذا وألا يضايقوا فيه حيث يكونون مضطرين إلى ذكر اسم ~~قد لزمه التشديد بعد المد. فأما إذا وجد مندوحة عن ذكر ذلك اللفظ بوجدان ~~مرادف له وما يغني غناءه فينبغي له ألا يركب ذلك ولا يجعله سبيلا إلى ~~انتقاد نظمه مع إضلال ضالة العذر في ذلك. ### | 4- # تنوير: فأما ما رم العروضيون إثباته في متون الوزان من الزيادة التي ~~يسمونها الخزم بالزاي فإنهم غلطوا في ذلك لأن العرب لم تكن تعد تلك ~~الزيادات من متون الأوزان. وإنما كانوا يجعلونها توطئات وتمهيدات ووصلا ~~لإنشاد البيوت وبناء عباراتها عليها، وإن كانت متميزة في التقدير والإيراد ~~عنها بأزمنة قصيرة قد تخفى على السامع فيظن أنهم قد جعلوها من متون ~~الأبيات. وذلك غير ممكن أصلا. فإن الأوزان مما يتقوم به الشعر ويعد من جملة ~~جوهره. والوزن هو أن تكون المقادير المقفاة تتساوى في أزمنة متساوية ~~لاتفاقها في عدد الحركات والسكنات والترتيب. فما حذف من بعضها على بعض ~~الوجوه التي بيناها أمكن أن يتوقر على ما بني منه وأن يتلاقى لتمكين ~~الحركات والسكنات المكتنفة له قدر ما فات من زمان النطق به. فيعتدل ~~المقداران بذلك فيكونان متوازيين. والزيادة على المقدار المساوي لسائر ~~المقادير ليس فيها حيلة يمكن معها تساوي المقدارين المزيد فيه والباقي على ~~أصله. وإنما ساغ ذلك في السواكن حيث كانت أقصر الحروف زمانا، وكان لها أصل ~~ترجع إليه في أبنية الأوزان، فوجدت مقبولة في الأذواق لذلك. # PageV01P084 # فهذا هو الرأي الصحيح في الخزم الذي عول عليه الحذاق بأخذ الكلام عن ~~العرب وفهم مذاهبهم فيه. وقد وجدنا الكتاب والبلغاء يرصعون الأسجاع ~~بالأبيات ويجعلونها مبادي للأبيات والأبيات خواتم لها، حتى ربما أنهم لم ~~يقدموا قبل البيت أكثر من لفظة واحدة وربما اكتفوا في ذلك بواو العطف. ولا ~~يعتقدون أن تلك الألفاظ والحروف من متون. وهكذا كانت مآخذ العرب في ذلك. ~~وإنما خفي هذا المذهب على من جهل مآخذ الكلام ومقاطعه وضروب وضعه وأفانين ~~منازعه. ### | 5- # إضاءة: وإذ قد تبين هذا فلنعد إلى ذكر ms162 ما يستحسن من ضروب الزحاف ويستقبح، ~~ونؤصل في ذلك أصلا يعرف بما يجب أن يعتمد من ذلك عند الحاجة إليه، وما يجب ~~أن يجتنب. فأقول: إن مما يخل بالأوزان من ضروب الزحاف، ويزيل كثيرا من ~~حلاوتها وتناسبها، فيجب أن يجتنب على كل حال، أربعة أشياء: الزحاف المزدوج ~~كله. # والزحاف المؤدي إلى أن يصير الجزء الذي وضع لأن يماثل جزءا آخر ويقابله ~~مضادا له، وقد تقدم التعريف بذلك. # والوجه الثالث السواكن التي تكون أواخر أجزاء هي مظان وقفات واعتمادات ~~ولاسيما إذا كان ذلك نهاية شطر بيت كالسواكن الخيرة من فاعلاتن في عروض ~~الخفيف، والحال في ساكن فاعلاتن الذي في أوائل أشطاره على نحو من ذلك في ~~أنه يقبح حذفه. # والوجه الرابع مما جب اجتنابه من الزحافات حذف السواكن التي يؤدي حذفها ~~إلى توالي ثلاثة متحركات عقيب توالي أربعة سواكن كالنون من مستفعلن في ~~الخفيف. # فهذا هو الرأي الصحيح الذي يشهد بصحته الذوق والقياس والسماع. ### | 6- # تنوير: وجملة ما يجب أن يعتمد في اعتبار مجاري النظم، من جهة ما يزاحف أو ~~يعل من أسبابه وأوتاده، أن يجعل قانون الاعتبار الصحيح في ما يجب أن يؤثر ~~من ذلك أن توجد الوزان جارية من جميع ذلك على ما يحسن في السمع ويلائم ~~الفطرة السليمة الذوق، ويوجد مع ذلك كثيرا مطردا في أشعار فصحاء العرب. ~~فيكون حينئذ موافقا لمجاري كلام العرب الصحيحة مع كونه وفقا للنفوس ~~والأسماع. ومن كان صحيح الذوق وحصر مجال النظر ومواضع البحث في الأعاريض ~~والقوافي ومجاري الأوزان ثم تصفح كلام المجيدين من العرب والمحدثين ونظر ~~منها في كل موضع للنظر، فأثبت ما كان ملائما ومطردا ونفى ما كان منافرا غير ~~مطرد، فقد استضاء بآية التوفيق المبصرة وورد صوب الإصابة من منشإ سحائبه ~~الممطرة. ### | 7- # إضاءة: وأما من لا ذوق له فقلما يتأتى له التوصل إلى تمييز ما يحسن في ~~مجاري الأوزان ومباني النظم مما يقبح فيهما، إذ أكثر من ألف في هاتين ~~الصناعتين مشفق من أن ينسب إلى العرب قبحا في مجرى من ms163 مجاري كلامها إلا في ~~الندرة. فهم يتلقون كل ما روي لهم من كلامهم - صحت الرواية أو لم تصح - ~~بالتسويغ والتحسين. ولا ينسبون إليهم إساءة إلا حيث تعييهم الحيل في ~~الاعتذار عنهم. # فهذا رأي نحوي هو في الطرف مما يراه البلغاء من ألا يتسامح في وقوع ما ~~يقبح وقبوله على أنه غير قبيح لعربي ولا محدث. ولا يعتبر الكلام بالنسبة ~~إلى قائل ولا زمان البتة. وإنما يعتبر بحسب ما هو عليه في نفسه من استيفاء ~~شروط البلاغة والفصاحة بحسب ما وقع فيه أو استيفاء أكثرها أو وقوع أقلها ~~فيه أو عدمها بالجملة منه ووجود نقائضها أو أكثرها. فبهذا النحو يصح ~~الاعتبار. ### | د- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء النظر في بناء الأشعار على أوفق الأوزان لها. # لما كانت الأوزان متركبة من متحركات وسواكن اختلفت بحسب أعداد المتحركات ~~والسواكن في كل وزن منها، وبحسب نسبة عدد المتحركات إلى عدد السواكن، وبحسب ~~وضع بعضها من بعض وترتيبها، وبحسب ما تكون عليه مظان الاعتمادات كلها من ~~قوة أو ضعف أو خفة أو ثقل، وصار لكل وزن بحسب مخالفته لجميع الأوزان في ~~الترتيب والمقدار ومظان الاعتماد ونسبة عدد المتحركات إلى عدد السواكن أو ~~في بعض هذه الأنحاء الأربعة دون بعض، ميزة في السمع وصفة أو صفات تخصه من ~~جهة ما يوجد له رصانة في السمع أو طيش، ومن جهة ما يوجد له سباطة وسهولة أو ~~يوجد له جعودة وتوعر، ومن جهة ما يوجد باهيا أو حقيرا وغير ذلك مما يناسب ~~فيه المسموع المرئي. ولا بد من أن يكون كل وزن مناسبا لغيره من إحدى هذه ~~الجهات مناسبة قريبة أو بعيدة. # PageV01P085 ### | 1- # إضاءة: ولما كانت أغراض الشعر شتى وكان منها ما يقصد به الجد والرصانة ~~وما يقصد به الهزل والرشاقة، ومنها ما يقصد به البهاء والتفخيم وما يقصد به ~~الصغار والتحقير، وجب أن تحاكى تلك المقاصد بما يناسبها من الأوزان ويخيلها ~~للنفوس. فإذا قصد الشاعر الفخر حاكى غرضه بالأوزان الفخمة الباهية الرصينة، ~~وإذا قصد في موضع قصدا هزليا ms164 أو استخفافيا وقصد تحقير شيء أو العبث به حاكى ~~ذلك بما يناسبه من الأوزان الطائشة القليلة البهاء، وكذلك في كل مقصد. ~~وكانت شعراء اليونانيين تلتزم لكل غرض يليق به ولا تتعداه فيه إلى غيره. # وهذا الذي ذكرته في تخييل الأغراض بالأوزان قد نبه عليه ابن سينا في غير ~~موضع من كتبه، من ذلك قوله في الشفاء، وتعديد الأمور التي تجعل القول ~~مخيلا: (والأمور التي تجعل القول مخيلا: منها أمور تتعلق بزمان القول وعدد ~~زمانه وهو الوزن، ومنها أمور تتعلق بالمسموع من القول، ومنها أمور تتعلق ~~بالمفهوم من القول، ومنها أمور تتردد بين المسموع والمفهوم) . ### | 2- # تنوير: والأجزاء التي تأتلف منها مقادير الأوزان: منها ما يتناسب نحو ~~فاعلن وفاعلاتن وفعولن ومفاعيلن، ومنها ما تناسبه على الضد من هذا نحو ~~مستفعلن فاعلن. ألا ترى أن هذين الجزأين يتساوقا من أول خماسي وثاني سبب من ~~السباعي. وكذلك الأجزاء الأول تتساوق الخماسيات والسباعيات منها ما عدا ~~السبب الآخر من السباعيات فإنه يفضل عن ذلك. ومن الأجزاء ما يتدافع ويتخالف ~~نحو مفاعلين مستفعلن. ### | فالتأليف من المتناسبات له حلاوة في المسموع، وما ائتلف من غير المتناسبات # والمتماثلات فغير مستحلى ولا مستطاب. ويجب أن يقال في ما ائتلف على ذلك ~~النحو شعر، وإن كان له نظام محفوظ لأنا نشترط في نظام الشعر أن يكون ~~مستطابا. وما ائتلف من أجزاء تكثر فيها السواكن فإن فيه كزازة وتوعرا. وما ~~ائتلف من أجزاء تكثر فيها المتحركات فإن فيه لدونة وسباطة. والكثير السواكن ~~إذا حذف بعض سواكنه ولم يبلغ ذلك الحذف الإجحاف به اعتل. وهم يقصدون أبدا ~~أن تكون السواكن حائمة حول ثلث مجموع المتحركات والسواكن إما بزيادة قليلة ~~أو نقص ولأن تكون أقل من الثلث أشد ملائمة من أن تكون فوقه. ### | 3- # إضاءة: وما كان متشافع أجزاء الشطر من غير أن يكون متماثل جميعها فهو ~~أكمل الأوزان مناسبة. وما كان متشافع بعض أجزاء الشطر تال له في المناسبة، ~~وما لم يقع في شطره تشافع أدناها درجة في التناسب. وما وقع التشافع ~~والتماثل ms165 في جميعه استثقل ولم يستحل أيضا للتكرار. # فبحسب تضاعف التشافع في الشطر أو اتحاده أو عدمه، وبحسب اتحاد الجنس في ~~جميع أجزائه أو تنوعه، وبحسب قوة المشاكلة والمناسبة بين جزء وجزء وضعفها، ~~وبحسب ما تكون عليه الأجزاء من كزازة أو سباطة أو اعتدال، وبحسب ما يكون ~~عليه مظان الاعتمادات وما تنتهي إليه مقادير الأوزان، تكتسب الأوزان أوصافا ~~من المتانة والجزالة والحلاوة واللين والطلاوة والخشونة والرصانة والطيش ~~وغير ذلك. ### | 4- # تنوير: ومن تتبع كلام الشعراء في جميع الأعاريض وجد الكلام الواقع فيها ~~تختلف أنماطه بحسب اختلاف مجاريها من الأوزان. ووجد الافتنان في بعضها أعم ~~من بعض. فأعلاها درجة في ذلك الطويل والبسيط. ويتلوهما الوافر والكامل. ~~ومجال الشاعر في الكامل أفسح منه في غيره. ويتلو الوافر والكامل عند بعض ~~الناس الخفيف. فأما المديد والرمل ففيهما لين وضع، وقلما وقع كلام فيهما ~~قوي إلا للعرب وكلامهم مع ذلك في غيرهما أقوى. وقد نبه على هذا في المديد ~~أبو الفضل ابن العميد. فأما المنسرح ففي اطراد الكلام عليه بعض اضطراب ~~وتقلقل، وإن كان الكلام فيه جزلا. فأما السريع والرجز ففيهما كزازة. فأما ~~المتقارب فالكلام فيه حسن الاطراد إلا أنه من الأعاريض الساذجة المتكررة ~~الأجزاء. وإنما تستحلى الأعاريض بوقوع التركيب المتلائم فيها. فأما الهزج ~~ففيه مع سذاجته حدة زائدة. فأما المجتث والمقتضب فالحلاوة فيهما قليلة على ~~طيش فيهما. فأما المضارع ففيه كل قبيحة. ولا ينبغي أن يعد من أوزان العرب، ~~وإنما وضع قياسا، وهو قياس فاسد لأنه من الوضع المتنافر على ما تقدم. # PageV01P086 ### | 5- # إضاءة: فالعروض الطويل تجد فيه أبدا بهاء وقوة. وتجد للبسيط سباطة ~~وطلاوة. وتجد للكامل جزالة وحسن اطراد، وللخفيف جزالة ورشاقة، وللمتقارب ~~سباطة وسهولة، وللمديد رقة ولينا مع رشاقة، وللرمل لينا وسهولة. ولما في ~~المديد والرمل من اللين كان أليق بالرثاء وما جرى مجراه منهما بغير ذلك من ~~أغراض الشعر. وقد أشرنا إلى حال ما بقي من الأوزان. ### | 6- # تنوير: ومما يبين لك أن لكل وزن منها طبعا، يصير نمط الكلام مائلا إليه، ~~أن الشاعر ms166 القوي المتين الكلام إذا صنع شعرا على الوافر اعتدل كلامه وزال ~~عنه ما يوجد فيه مع غيره من الأعاريض القوية من قوة العارضة وصلابة النبع. ~~واعتبر ذلك بأبي العلاء فإنه إذا سلك الطويل توعر في كثير من نظمه حتى ~~يتبغض، وإذا سلك الوافر اعتدل كلامه وزال عنه التوعر. وما شئت أن تجد شاعرا ~~إذا قال في المديد والرمل ضعف كلامه وانحط عن طبقته في الوافر كانحطاطها في ~~الوافر عن الطويل إلا وجدت. فهذا يدلك على صحة ما ذكرته. فأما الضعفاء ~~فكلامهم في الوافر وما أشبهه من الأعاريض المتوسطة أقل قبحا. فأما الأعاريض ~~الطويلة التي تفضل عن المعاني فيعبرون فيها بركاكة الحشو وقبح التذليل ~~وتخاذل بعض أجزاء الكلام عن بعض لطوله. وأما الأعاريض القصيرة التي تفضل ~~المعاني عنها فيضطرون فيها إلى التكلف والحذف المخل، فلذلك كان حالهم في ~~نظم الشعر مضادا لحال الأقوياء من الشعراء. ### | 7- # إضاءة: فيجب لما ذكرته أن يعتبرا لكلام الواقع في كل عروض بحسب ما أعتيد ~~فيه أن يكون نمط الكلام عليه، وألا يفضل شاعر وجدت له قصيدة في الطويل ~~والكامل مائلة إلى القوة على شاعر وجدت له قصيدة في المديد أو الرمل مائلة ~~إلى الضعف. فقد يجيء شعر الشاعر الأضعف في الأعاريض التي من شأنها أن يقوى ~~فيها النظم مساويا لشعر الشاعر الأقوى في الأعاريض التي من شأنها أن يضعف ~~فيه النظم، ليس ذلك إلا لشيء يرجع إلى الأعاريض لا إلى الشاعرين. وإنما ~~يطرأ هذا إذا لم يكن بين الناظمين كبير تفاوت. وكذلك الشاعران المتساويان ~~إذا قال أحدهما في وزن من شأن الكلام أن يقوى فيه والآخر في وزن من شأن ~~الكلام أن يضعف فيه ظهر شعر أحدهما أقوى من شعر الآخر من جهة أن عروضه أقوى ~~لا من جهة أن طبقته ارتفعت فوق طبقة صاحبه. ### | 8- # تنوير: وإنما يحكم بتفضيل أحد الشاعرين على الآخر إذا عرف أن كليهما نظم ~~شعره على حال واحدة من النشاط وقوة الباعث وانفساح الوقت. وكانا قد سلكا ~~مسلكا واحدا وذهبا من المقاصد ms167 مذهبا مفردا أو كان مذهب أحدهما مقاربا لمذهب ~~الآخر ومناسبا له، وكان شعرهما في عروض واحد أو عروضين غير بعيد نمط الكلام ~~في أحدهما عن نمطه في الآخر؛ ثم يقاس ما بين الكلامين من البعد بما بين ~~النمطين، فيظهر الترجيح أو المساواة عند ذلك. وللمفاضلة بين الشعراء أحكام ~~كثيرة وشروط تأتي في القسم الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله. ### | ه- معلم دال على طرق العم بما قصد في أبنية القول من أنحاء التناسب وذهب فيها من # مذاهب البلاغة التي يكون لها بها تحصين في الوضع وتحسين في السمع. # فأما ما يجب اعتماده في وضع القوافي وتأصيلها فإن النظر في ذلك من أربع ~~جهات: الجهة الأولى جهة التمكين؛ والثانية جهة صحة الوضع؛ والثالثة جهة ~~كونها تامة أو غير تامة؛ والرابعة جهة اعتناء النفس بما وقع في النهاية ~~لكونها مظنة اشتهار الإحسان أو الإساءة. # ولكون القافية يجب أن يتحفظ فيها من هذه الجهات الأربع قال بعض العرب ~~لبنيه: (اطلبوا الرماح فإنها قرون الخيل وأجيدوا القوافي فإنها حوافر الشعر ~~أي عليها جريانه واطراده، وهي مواقفه. فإن صحت استقامت جريته وحسنت مواقفه ~~ونهاياته) . ### | 1- # إضاءة: فأما من جهة تمكن القافية فقد ألمعت بالوجوه الموصلة إلى ذلك في ~~ما تقدم. ### | 2- # تنوير: وأما من جهة صحة الوضع في القافية فالنظر فيها مستند إلى المعرفة ~~بعلم القوافي. وأنا أشير إلى ما يرشد إلى ذلك مجملا بعون الله. فأقول: إن ~~القوافي لابد فيها من التزام شيء أو أشياء. وتلك الأشياء حروف وحركات ~~وسكون. فقوافي الشعر يجب فيها ضرورة على كل حال إجراء المقطع وهو حرف الروي ~~على الحركة أو السكون. # PageV01P087 ### | 3- # إضاءة: والذي يجب اعتماده في مقاطع القوافي أن تكون حروف الروي في كل ~~قافية من الشعر حرفا واحدا بعينه غير متسامح في إيراد ما يقاربه معه. وقد ~~وقع ذلك لبعض من لا يحفل به من العرب، الذين كانت بضاعتهم في الشعر مزجاة. ~~ومما يوجبه الاختيار أيضا أن تكون حركات حروف الروي من نوع واحد لا يجمع ~~بين رفع وخفض ms168 ولا غير ذلك. وقد وقع الجمع بين ذلك للفصحاء على قبح. ### | 4- # تنوير: ومن ذلك أيضا وجوب التزام حروف العلة الواقعة سواكن بين أقرب ~~متحرك يتلوه ساكن إلى الروي وبين حرف الروي. واختصاص الألف بأول محل من ~~ذلك. وهو ما كان بينه وبين حرف الروي حرف. وتلك الألف المختصة بذلك الموضع ~~تسمى تأسيسا. نحو: (الطويل -ق- المتدارك) # كليني لهم يا أميمة ناصب # وقد وقع ما فيه الألف مع ما ليس فيه على قبح. وأكثر ما وقع من هذا أيضا ~~ما كان الحرف المتحرك الذي بين التأسيس والروي فيه مفتوحا أو مضموما. وهما ~~صيغتان غير عريقتين في الوضع التأسيسي، إذ الوضع العريق في التأسيس أن يكون ~~المتحرك بين التأسيس والروي مكسورا، وأن يكون حرف التأسيس وحرف الروي من ~~كلمة واحدة، فإن كانا من كلمتين جاز أن يقع ما فيه صورة التأسيس مع ما ليس ~~فيه تأسيس في قافية واحدة، ولم يقبح ذلك. ### | 5- # إضاءة: فأما المحل الأقرب إلى القافية من مظان وقوع الحروف التي تلتزم - ~~وهو ما يلي حرف الروي - فتتعاقب فيه الياء مكسورا ما قبلها والواو مضموما ~~ما قبلها ويتواردان على قافية واحدة. وكذلك أيضا يتواردان مفتوحا ما قبلهما ~~معا. هذا على الوجه المختار الذي عليه العمل. وقد جاء ضم ما قبل حرف العلة ~~وفتحه معا، وكذلك كسره وفتحه، وكل ذلك على قبح. ويسمى سنادا. ### | 6- # تنوير: وقد يجيء أيضا مع الياء والواو المفتوح ما قبلهما ما ليس فيه ياء ~~ولا واو على قبح أيضا. فأما إذا كانت الواو مضموما ما قبلها والياء مكسورا ~~ما قبلها فلا يرد معهما ما ليس فيه حرف علة للطول الذي فيهما، إذا كانت ~~حركة ما قبل كليهما من جنسه. فيصير حكمهما حكم الألف في ذلك الموضع في ~~كونها لابد من إعادتها. وتخص الألف في ذلك أنها لا يجوز أن يدخل معها غيرها ~~من حروف العلة. وتمسى الألف المتميزة عن غيرها في هذا الموضع والياء والواو ~~المتواردتان معا أردافا. ### | 7- # إضاءة: ويستحسن في القوافي المقيدة أن تكون حركة ما قبل ms169 الروي إما فتحة ~~ملتزمة وإما ضمة وكسرة متعاقبتين. وقد وردت الفتحة معهما في مقيدات شعراء ~~الإسلام. فأما شعراء الجاهلية فيقل ذلك في قوافي أشعارهم. ### | 8- # تنوير: ويستحسن أيضا في ما كان من كافات الضمائر وتاءات التأنيث مقطع ~~الشعر أن يلتزم قبلها حرف بعينه، ويلتزم فيه حركة بعينها. ويجوز أن لا ~~يلتزم قبل ذلك حرف. فإن لم يلتزم كان الوجه أن تلتزم حركة بعينها، لئلا ~~ينضاف إلى كون الروي ليس بمقطع كلمة وإنما هو حرف زائد يعاد معه كلم مختلفة ~~المقاطع أن يكون ما قبله متغيرا بأنواع الإعراب، فتبعد مقاطع الأبيات بذلك ~~عن التناسب ويقع فيها اختلاف. # ومما التزمت الحركة فيما قبله من ذلك قول الحسين ابن الضحاك: (الطويل -ق- ~~المتدارك) # سقى الله بالقاطول مطرح طرفكا ... وخص بسقياه مناكب قصركا # ولا زالت الأقدار في كل حالة ... عداة لمن عاديت سلما لسلمكا # وقد أجازوا وقوع التغاير بأنواع الحركات وما قبل هذه الحروف الزوائد ~~المقفى بها. ولعل ذلك قياس لا سماع، وهو قبيح كيف ما كان. # فأما هاءات الضمائر وهاءات التأنيث المسكنة وهاءات السكت فلا يكون جميعها ~~إلا صلات لمجاري القوافي، ومجرى القافية هي حركتها. وإذا كانت القافية ~~مطلقة ولم توصل بشيء من هذه الحروف الروادف فإنما تكون صلاتها حروف مد ولين ~~من جنس القافية، وقد يكون إطلاق القافية بالتنوين. ### | 9- # إضاءة: وللقوافي من جهة ما يكون ترتيب الحركات والسكنات فيها صور خمسة، ~~وهي: 1- أن يتوالى في القافية ساكنان من غير فصل بحركة ويسمى المتواتر، ~~نحو: قال بتسكين اللام. ### | 2- # وأن يتوالى فيها ساكنان مفصول بينهما بحركة ويسمى المترادف نحو: أيها ~~الطلل البالي. ### | 3- # وأن يتوالى فيها حركتان نحو منزل ويسمى المتدارك. ### | 4- # وأن يتوالى فيها ثلاث متحركات نحو السند ويسمى المتراكب. ### | 5- # أن يتوالى فيها أربع حركات ولا يكون ذلك إلا في الرجز. # PageV01P088 # والقافية هي ما بين أقرب متحرك يليه ساكن إلى منقطع القافية وبين منتهى ~~مسموعات البيت المقفى. # فهذه إشارة إلى بعض أحكام القوافي وما يجب في مقاطع الأبيات من جهة كونها ~~قوافي. ### | 10- # تنوير: فأما ما يجب في ms170 القافية من جهة عناية النفس بما يقع فيها واشتهار ~~ما تتضمنه مما يحسن أو يقبح فإنه يجب ألا يوقع فيها إلا ما يكون له موقع من ~~النفس بحسب الغرض، وأن يتباعد بها عن المعاني المشنوءة والألفاظ الكريهة ~~ولاسيما ما يقبح من جهة ما يتفاءل به. فإن ما يكره من ذلك إذا وقع في أثناء ~~البيت جاء بعده ما يغطي عليه ويشغل النفس عن الالتفات إليه؛ وإذا جاء ذلك ~~في القافية جاء في أشهر موضع وأشده تلبسا بعناية النفس وبقيت النفس متفرغة ~~لملاحظته والاشتغال به ولم يعقها عنه شاغل، ومثل هذا قول الصاحب في عضد ~~الدولة: (الطويل -ق- المتدارك) # ضممت على أبناء تغلب تاءها ... فتغلب ما كر الجديدان تغلب # فقال له عضد الدولة: (يقي الله) . ### | 11- # إضاءة: فأما ما يجب فيه من جهة كونها مستقلة منفصلة عما بعدها أو متصلة ~~به فلا يخلو الأمر في هذا من أن تكون الكلمة الواقعة في القافية غير مفتقرة ~~إلى ما بعدها ولا مفتقر ما بعدها إليها، أو يكون كلاهما مفتقرا إلى الآخر، ~~أو تكون هي مفتقرة إلى ما بعدها ولا يكون ما بعدها مفتقرا إليها، أو يكون ~~ما بعدها مفتقرا إليها ولا تكون هي مفتقرة إليه. # فالقسم الأول هو المستحسن على الإطلاق. والأقسام الثلاثة أشدها قبحا ~~مناقض القسم المستحسن. ويسمى افتقار أول البيتين إلى الآخر تضمينا لأن تتمة ~~معناه في ضمن الآخر. ### | 12- # تنوير: والتضمين يكثر فيه القبح أو يقل بحسب شدة الافتقار أو ضعفه. وأشد ~~الافتقار افتقار بعض أجزاء الكلمة إلى بعض. وربما صنع شعر قوافيه على هذا ~~الوضع ليعمى موضع القافية وهو قبيح جدا. ويتلوه في شدة الافتقار افتقار أحد ~~جزئي الكلام المركب المفيد إلى الآخر. وأما افتقار العمدة إلى تتمة الفضلة ~~والفضلة إلى الاستناد إلى العمدة فأقل قبحا من ذلك، وإنما يكون هذا حيث ~~تقوم الدلالة على المراد بالإضمار. وافتقار العطوف إلى ما يعطف عليه إذا ~~كان المعطوف كلاما تاما أخف من ذلك وأقل قبحا، فإن كان المعطوف ناقصا كان ~~أمر الإضمار أسهل. ### | 13- # إضاءة: ms171 وإذا اجتمع الإضمار والعطف وكان المعطوف تاما سهل الأمر فيه من ~~جهة العطف وصعب أمر الإضمار. فإن أظهر المضمر لم يعد ذلك تضمينا ولا افتقار ~~وإن كان الكلام عطفا لأن الكلام يستقل بتقدير حذف الحرف العاطف، وأيضا فقد ~~يعطف على المقدر فيقع الحرف العاطف صدرا. ### | 14- # تنوير: ولكون إظهار المضمر يصير الكلام مستقلا غير مفتقر إلى ما قبله قد ~~يحتملون ما في التكرار من ثقل، وذلك مثل قول الخنساء: (البسيط -ق- ~~المترادف) # وإن صخرا لوالينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار # وإن صخر لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # ولو قالت وإنه لتأتم الهداة به فأضمرت لكان البيت ناقصا مفتقرا. فإنما ~~أظهرت لفظ صخر ثانيا وثالثا تباعدا بالكلام عن الافتقار، وقصدا لتعديل ~~أقطاره وحسن تفصيله وتقديره. وهذا يعرف مما تقدم. وربما بسط عذر الشاعر في ~~مثل هذا أيضا كونه يستعذب اسم محبوبه ويريد الإشادة باسم ممدوحه فلا يستثقل ~~ذلك. وهذان أمران لا يحسنان التكرار وإنما يبسطان العذر فيه فقط. ### | معرف دال على طرق المعرفة بتأصيل القوافي وبناء ما قبلها عليها وبنائها على ما # قبلها. # لا يخلو الشاعر من أن يكون يبني أول البيت على القافية أو القافية على أو ~~البيت. وكلا صاحبي هذين المذهبين لا يخلو أن يكون ممن يعتمد أن يقابل بين ~~المعاني ويناظر بينها أو ممن لا يقابل بين شيء منها اعتمادا. # PageV01P089 ### | 1- # إضاءة: فأما معتمد التقابل الذي صدور أبياته مبنية على القوافي فإنه ~~يتأتى له حسن النظم لكون الملاءمة بين أوائل البيوت وما تقدمها - التي هي ~~واجبة في النظم - متأتية له في أكثر الأمر، إذ لكل معنى معان تناظره وتنتسب ~~إليه على جهات من المماثلة والمناسبة والمخالفة والمضادة والمشابهة ~~والمقاسمة. فإذا وضع المعنى في القافية أو ما يلي القافية وحاول أن يقابله ~~ويجعل بإزائه في الصدر معنى على واحد من هذه الأنحاء لم يبعد عليه أن يجد ~~في المعاني ما يكون له علقة بمعنى القافية وانتساب إليه من بعض هذه الجهات، ~~وعلقة بما تقدم من معنى البيت الذي ms172 قبله، أو بأن يقدم على المعنى المقابل ~~لمعنى القافية ما يكون له علقة بما تقدم، يبني نظمه متلائما بهذا. ### | 2- # تنوير: وأما معتمد التقابل الذي قوافيه مبنية على الصدور فإنه يضع المعنى ~~في أول البيت ثم ينظر فيما يمكن أن يكون بنفسه قافية أو ما يمكن أن توصل به ~~قافية مما يكون له بزيادة إفادة في المعنى، فيقابل به المعنى الأول. لكن ~~صاحب هذا المذهب وإن وسع على نفسه أولا، في كونه يختار ما يضعه في صدر بيته ~~ويبني عليه كلامه مما له علقة بما تقدم، فقد ضيق على نفسه بكونه لا يمكن أن ~~يقابل المعنى المتقدم من المعاني المتناظرات إلا بما مقطع عبارته وصيغتها ~~موافق للروي أو بما يمكن أن يوصل بما يصلح للوري بالصيغة والمقطع. والأول ~~معوز جدا، والثاني قريب منه في العوز. فكثيرا ما يتكلف هذا ويسامح نفسه في ~~أخذ المنافر على أنه مخالف أو مناسب، ونحو من هذا قول المتنبي: (الخفيف -ق- ~~المترادف) # كاثرت نائل الأمير من الما ... ل بما نولت من الإيراق ### | 3- # إضاءة: وقليلا ما يذهب هذا المذهب من تنبه لحسن تقابل المعاني وتفطن إلى ~~طريق الوضع فيه واعتمده، أعني أن يبني أعجاز البيوت على صدورها لأنه أصعب ~~شيء بالنسبة إلى وضع التقابل، كما أن الأمر في بناء صدور البيوت على ~~أعجازها بالنسبة إلى وضع التقابل أسهل شيء لأن وجود مناظر أو صلة لمناظر ~~ملتزم أن يكون مقطعه حرفا معينا في صيغة معينة أعز من وجود مناظر أو صلة له ~~غير ملتزم أن يكون مقطعها حرفا معينا بل لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في ~~اليسر والعوز والكثرة والقلة. ### | 4- # تنوير: وإنما يتفق هذا أعني بناء العجز على الصدر لمعتمدي التقابل في ~~الشعر المروى إذا كملت لهم فصول القصائد وحاولوا أن يصلوا بعض الفصول التي ~~لم يتفق أن توصل بدءا ببعض، فعند ذلك تتقارب هذه الأحوال في الصعوبة لأن ~~القوافي قد انحصرت له وضاقت عليه. فإذا بنى على القافية ووضع فيها معنى قد ~~اضطره إليه كون عبارته موافقة للقافية، ms173 وكونها لم تتقدم في قوافي القصيد، ~~فقد يكون ذلك المعنى بعيدا من جملة نهايات فصول القصيدة فضلا عن الموضع ~~الذي اضطر فيه إليه. فلا يجد له مناظرا ولا صلة يكون له أول لها علقة بما ~~تقدم إلا على سبيل التكلف. فربما خالف في هذا الموضع عادته في البناء، فبنى ~~آخر الكلام على أوله، فوضع المعنى المقابل للمعنى المتقدم قريبا من ~~القافية، ثم تطلب ما يصله به مما يصلح أن يكون قافية، ويكون مع ذلك لمعنى ~~البيت الذي يلي تلك القافية ويأتي إثرها علقة بها أو بمقابلها أو بما وقع ~~حشوا بينهما أو بمجموع ذلك، فيبني البيت حينئذ على غير ما عادته أن يبنيه ~~عليه. وربما ترك ملاحظة التقابل في هذا الموضع بالجملة ونظر طريقا آخر ~~يؤديه إلى القافية غير هذا الطريق. ### | 5- # إضاءة: فأما من لا يقابل بين الكلام ومن شانه أن يبني صدور البيوت على ~~أعجازها فإنه يتطلب للكلمة التي يريد وضعها قافية معنى يمكن أن يكون للكلام ~~به علقة بما تقدم، ثم يحتال في زنة العبارة ووضع أولها وضعا يليق بما تقدمه ~~ويناسبه. ### | 6- # تنوير: ومن كان من شانه أن يبني أواخر الأبيات على أوائلها فإنه يتطلب ~~معنى يناسب ما تقدم ويمكن في عبارته مع ذلك أن يتأتى في ما يلائم تلك ~~القافية منها أن تؤخر فتكون القافية. وكثيرا ما تتبع معاني من شأنه هذا ~~ألفاظه في القوافي، وذلك عيب. # PageV01P090 ### | 7- # إضاءة: وقد تختلف حال من يبني أوائلا لكلام على آخره بحسب ما يعرض من ~~أحوال الخاطر. فتارة يبني على القافية جميع البيت، وتارة شطره أو أكثره، ثم ~~يسد الثلمة الباقية بما يناسب الكلام وما تقدمه. وكذلك من يبني آخر الكلام ~~على أوله قد يعرض له نقيض هذه الحال فيبني الكلام من أوله إلى آخره إذا ~~سنحت له القافية بيسر، أو يكمل بناء الشطر الأول أو أكثر من الشطر، ثم يتم ~~الباقي بما تتيسر له فيه القافية. ### | 8- # تنوير: فقد تبين أن الشعراء لهم مذهبان في بناء العشر، وأن كل مذهب له ms174 ~~ثلاثة مآخذ. # فالمذهب المختار - وهو بناء البيت على القافية - يحسن فيه بناء البيت ~~بأسره على القافية إذا لم يحتج فيه إلى مناسب متقدم، أو إذا احتيج وتيسر ~~وجه المناسبة، ويحسن أن يبني عليها من أول الشطر الثاني أو ما يتصل به مما ~~قبله حيث يكون البيت وصلة بين فصلين أو طرفي فصل، ثم يبنى الشطر الأول بعد ~~عدم صعوبة القافية على عبارة تليق بما تقدم عليها وتأخر عنها، وذلك غير ~~عزيز. ### | 9- # إضاءة: فأما بناء أكثر البيت على القافية فيقع فيه التكلف كثيرا، لأنه لا ~~يخلو من أن يكون الطرف المتقدم في المبني من المعنى مناسبا للبيت الذي قبله ~~فيكون ما يقدم عليه لتكميل البيت فضلا لا يحتاج إليه، وإن لم يكن مناسبا ~~لما تقدم فبعيد أن تقع قبله لفظة أو لفظتان تنتسب إليه وإلى ما تقدم ~~انتسابا قويا، فيقع التكلف أيضا. ### | 10- # تنوير: وأما المآخذ الثلاثة في المذهب الثاني فقل ما تخلو من التكلف. ~~وأشدها إعراقا فيا لتكلف ما بني أكثر البيت على أوله ثم استؤنف بعد ذلك ~~النظر في القافية. ### | 11- # إضاءة: وقد يعرض للخواطر في حال جمامها نهز في نظم الكلام فينتظم البيت ~~كله دفعة في غاية السهولة والبعد عن التكلف. واتفاق مثل هذا للمطبوعين ~~كثير. ووجوه اجتلاب الخواطر للكلام وطروه عليها كثيرة. وإنما ذكرت منها ما ~~تيسر. ### | ز- معلم دال على طرق العلم بما يجب في المطالع والمقاطع على رأي من قال هي أوائل # البيوت وأواخرها. # فأما ما يجب في المطالع على رأي من يجعلها استهلالات القصائد فمن ذلك ما ~~يرجع إلى جملة المصراع. وهو أن تكون العبارة فيه حسنة جزلة، وأن يكون ~~المعنى شريفا تاما، وأن تكون الدلالة على المعنى واضحة، وأن تكون الألفاظ ~~الواقعة فيه لاسيما الأولى والواقعة في مقطع المصراع مستحسنة غير كريهة من ~~جهة مسموعها ومفهومها. فإن النفس تكون متطلعة لما يستفتح لها الكلام به. ~~فهي تنبسط لاستقبالها الحسن أولا، وتنقبض لاستقبالها القبيح أولا أيضا. ### | 1- # إضاءة: ومن ذلك ما يرجع إلى الكلمة الواقعة في مقطع المصارع. ms175 ويجب أن ~~تكون مختارة متمكنة حسنة الدلالة على المعنى تابعة له. ويحسن أن يكون ~~مقطعها مماثلا لمقطع الكلمة التي في القافية، وأن يكون ما بين أقرب ساكن ~~منها إلى المقطع من الحركات عدد ما بين أقرب ساكن من كلمة القافية وبين ~~نهايتها من الحركات أيضا، وأن يكون ملتزما فيها من حركة المجرى أو التقييد ~~أو التأسيس والردف والوصل بالضمائر وحروف الإطلاق وغير ذلك مما يلزم ~~القوافي مثل ما التزم في كلمة القافية وسائر قوافي القصيدة التي ذلك ~~المصراع أولها، ليكون البيت بوجدان الشروط التي ذكرت مصرعا. # فإن للتصريع في أوائل القصائد طلاوة وموقعا من النفس لاستدلالها به على ~~قافية القصيدة قبل الانتهاء إليها، ولمناسبة تحصل لها بازدواج صيغتي العروض ~~والضرب وتماثل مقطعها لا تحصل لها دون ذلك. وقد قال حبيب: (الطويل -ق- ~~المتدارك) # وتقفو إلى الجدوى وبجدوى وغنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرع ### | 2- # تنوير: ويجب أن لاحظ فيها جميع ما يجب أن يلاحظ في الكلمة الواقعة قافية ~~على ما أذكره بعد، إن شاء الله. # ويكره أن يكون مقطع المصراع الأول على صيغة يوهم وضعها أنها مصراع ثم ~~تأتي القافية على خلاف ذلك، فيخلف ظن النفس في القافية لذلك. وقد سمي هذا ~~تجميعا. # فهذه إشارة إلى ما يجب في اللفظة الواقعة في مقطع المصراع. ### | 3- # إضاءة: فأما ما يرجع إلى مفتتح المصراع فأن يكون دالا على غرض القصيدة، ~~وأن يكون مع ذلك عذب المسموع، ولا يكون ذلك مما تردد على ألسنة الشعراء فيا ~~لمطالع حتى أخلق وذهبت طلاوته كلفظة خليلي، أو مما اختص به شاعر ولم يتعرض ~~أحد لأخذه منه، كقول امرئ القيس: (قفا نبك) . # PageV01P091 ### | 4- # تنوير: ويستحسن أن يقدم في صدر المصراع ما يكون لطيفا محركا بالنسبة إلى ~~غرض الكلام كالمناجاة والتذكر في النسيب وما جرى مجراهما، وإن قرن ذلك ~~بمعنى من المعاني التي هي أحوال تعتري الإنسان كالتعجب والتشكك نحو قل ~~حبيب: (البسيط -ق- المتراكب) # يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا # وقول المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف) # أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في ms176 المآقي # كان ذلك منزعا بديعا ومأخذا حسنا. ### | 5- # إضاءة: ويجب أن يكون المصراع الثاني مناسبا للمصارع الأول في حسن عبارته ~~وتمامها وشرف معناه بالجملة، ويكون مقطعه على ما ذكرته وأشرت إليه في مقطع ~~المصراع الأول. فأما صدر المصراع الثاني فلا يشترط فيه كثير مما يشترط فيما ~~جاء في صدر المصراع الأول، وإنما حكم صدر المصراع الثاني حكم الألفاظ ~~الواقعة حشوا. واعني بالحشو هنا ما ليس بمبدأ ولا نهاية قد تميز كلاهما ~~بأحكام تخصه. # فهذا إلماع بما يجب في المطالع على الرأي الأول. ### | 6- # تنوير: فأما ما يجب في المقاطع على ذلك الاعتبار وهي أواخر القصائد فأن ~~يتحرى أن يكون ما وقع فيها من الكلام كأحسن ما اندرج في حشو القصيدة، وأن ~~يتحرز فيها من قطع الكلام على لفظ كريه أو معنى منفر للنفس عما قصدت ~~إمالتها إليه أو مميل لها إلى ما قصدت تنفرها عنه. وكذلك يتحفظ في أول ~~البيت الواقع مقطعا للقصيدة من كل ما يكره ولو ظاهره وما توهمه دلالة ~~العبارة أولا وإن رفعت الإبهام آخرا ودلت على معنى حسن، ومن هذا قول ~~المتنبي: (البسيط -ق- المتراكب) # فلا بلغت بها إلا إلى ظفر ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل # وإنما وجب الاعتناء بهذا الموضع لأنه منقطع الكلام وخاتمته. # فالإساءة فيه معفية على كثير من تأثير الإحسان المتقدم عليه في النفس. ~~ولا شيء أقبح من كدر بعد صفو وترميد بعد إنضاج. # فهذا ما يجب في المطالع والمقاطع بهذا الاعتبار على المذهب المختار. ### | 7- # إضاءة: ومن الشعراء من يأخذ فيا لنقيض من هذا فلا يعتني بالمبدأ ولا ~~المقطع. فختم كيفما اتفق ويبدأ كيفما تيسر له. ويعتمد هذا من يريد إعفاء ~~خاطره، أو من يريد أن يظهر أنه لم يعتمد الروية والتنقيح في كلامه وإنما ~~أخذ الكلام أخذا اقتضابيا على الصور التي عن له فيها أولا. فلا يحفل بعدم ~~التصريع ولا يبالي بوقوع خرم في صدر البيت إن وقع له، ليوهم بذلك أنه أعفى ~~قريحته وأن في قوته أن يقول أحسن مما قال. ### | 8- # تنوير: فأما ms177 ما يجب في المطالع والمقاطع على رأي من يقول أنها أول ~~الأبيات وأواخرها فإن مطالع الأبيات يجب أن تكون سالمة من الخرم، غير ~~مفتقرة إلى ما قبلها افتقار يجعلها غير مستقلة بأنفسها أو في قوة المستقلة. ~~وأما ما يستحب فيما كان منها رأس فصل أو خاتمته فإني أذكره بعد - إن شاء ~~الله - في الكلام في تأسيس الفصول وترتيبها. # ومحاشاة مطالع الأبيات من كل ما يكره من جهتي المسموعات والمفهومات ~~مستحبة لأنها أول ما يقرع السمع. فهي رائد ما بعدها إلى القلب. فإذا قبلتها ~~النفس تحركت لقبول ما بعدها، وإن لم تقبلها كانت خليقة أن تنقبض عما بعدها. ~~وعلى نحو ما يشترط فيها من جهة المسموع يشترط فيها من جهة المفهوم. فإن ~~النفس تكون مترقبة لما يرد عليها في استئناف كل فيقبضها ما تستقبله من ~~كراهة المسموع أو المفهوم أولا عن كثير من نشاطها بما يرد بعد. ويحسن ألا ~~تتكرر الألفاظ الواقعة في المطالع على قرب ما أمكنت المندوحة عن ذلك. # وأما ما يجب في المقاطع التي هي أواخر الأبيات فقد ألمعنا من الكلام في ~~ذلك بلمحة دالة وقدمنا ذروا من القول فيه، فليتصفح هنالك، وبالله التوفيق. ### | المنهج الثالث في الإبانة عما يجب في تقدير الفصول وترتيبها ووصل بعضها ببعض وتحسين # هيآتها، وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائما للنفوس ~~أو منافرا لها. ### | أ- معلم دال على طرق العلم بأحكام مباني الفصول وتحسين هيئاتها ووصل بعضها ببعض. # PageV01P092 # العم أن الأبيات بالنسبة إلى الشعر المنظم نظائر الحروف المقطعة من ~~الكلام المؤلف، والفصول المؤلفة من الأبيات نظائر الكلم المؤلفة من الحروف، ~~والقصائد المؤتلفة من الفصول نظائر العبارات المؤلفة من الألفاظ. فكما أن ~~الحروف إذا حسنت حسنت الفصول المؤلفة منها إذا رتبت على ما يجب ووضع بعضها ~~من بعض على ما ينبغي كما أن ذلك في الكلم المفردة كذلك. وكذلك يحسن نظم ~~القصيدة من الفصول الحسان كما يحسن ائتلاف الكلام من الألفاظ الحسان إذا ~~كان تأليفها منها على ما يجب. ms178 وكما أن الكلم لها اعتباران: اعتبار راجع إلى ~~مادتها وذاتها، واعتبار بالنسبة إلى المعنى الذي تدل عليه، كذلك الفصول ~~تعتبر في أنفسها وما يتعلق بهيآتها ووضعها، وتعتبر بحسب الجهات التي تضمنت ~~الفصول الأوصاف المتعلقة بها. # وقد تقدم التعريف بالجهات وأنحائها. وأنا أخض هذا المعلم بالقول فيما يجب ~~اعتماده في الفصول من جهة ما يرجع إلى موادها، وإلى هيآتها في أنفسها وما ~~يجب في وضعها وترتيب بعضها من بعض. وأفرد للكلام في ما يتعلق بذلك من جهة ~~اشتمالها على أوصاف الجهات وعلى الأقاويل المخيلة والمقنعة معرفا أقفو به ~~هذا المعلم. ### | 1- # إضاءة: والكلام في ما يرجع إلى ذوات الفصول وإلى ما يجب في وضعها وترتيب ~~بعضه من بعض يشتمل على أربعة قوانين: القانون الأول: في استجادة مواد ~~الفصول وانتقاء جوهرها. # القانون الثاني: في ترتيب الفصول والمولاة بين بعضها وبعض. # القانون الثالث: في ترتيب ما يقع في الفصول. # القانون الرابع: في ما يجب أن يقدم في الفصول وما يجب أن يؤخر فيها ~~وتختتم به. ### | 2- # تنوير: فأما القانون الأول في استجادة مواد الفصول وانتقاء جوهرها، فيجب ~~أن تكون متناسبة المسموعات والمفهومات حسنة الاطراد غير متخاذلة النسج غير ~~متميز بعضها عن بعض التمييز الذي يجعل كل بيت كأنه منحاز بنفسه لا يشمله ~~وغيره من الأبيات بنية لفظية أو معنوية يتنزل بها منه منزلة الصدر من العجز ~~أو العجز من الصدر. والقصائد التي نسجها على هذا مما تستطاب. وينبغي أن يون ~~نمط نظم الفصل مناسبا للغرض. فتعتمد فيه الجزالة في الفخر مثلا والعذوبة في ~~النسيب، وأن تكون الفصول معتدلة المقادير بين الطول والقصر. وتقصير الفصول ~~سائغ في المقطعات والمقاصد التي يذهب بها مذهب الرشاقة، وتطويلها مستثقل في ~~ذلك. فأما تطويل الفصول سائغ فيها ومحتمل لموافقته مقصد الكلام وكون ~~القصيدة فيها رحب لذلك وسعة. ### | 3- # إضاءة: فأما القانون الثاني وهو ترتيب بعض الفصول إلى بعض، فيجب أن يقدم ~~من الفصول ما يكون للنفس به عناية بحسب الغرض المقصود بالكلام. ويكون مع ~~ذلل متأتيا فيه حسن العبارة اللائقة بالمبدأ. ms179 ويتلوه الأهم فالأهم إلى أن ~~تتصور التقانة ونسبة بين فصلين تدعو إلى تقديم غير الأهم على الأهم. فهناك ~~يترك القانون الأصلي في الترتيب. ### | 4- # تنوير: وتقديم الفصول القصار على الطوال أحسن من أن يكون الأمر بالعكس. ### | 5- # إضاءة: فأما القانون الثالث في تأليف بعض بيوت الفصل إلى بعض فيجب أن ~~يبدأ منها بالمعنى المناسب لما قبله، وإن تأتي مع هذا أن يكون ذلك المعنى ~~هو عمدة معاني الفصل والذي له نصاب الشرف كان أبهى لورود الفصل على النفس، ~~على أن كثيرا من الشعراء يؤخرون المعنى الأشرف ليكون خاتمة الفصل. فأما من ~~يردف المحاكاة ويختمه بأشرف معاني الإقناع. وإلى هذا كان يذهب أبو الطيب ~~المتنبي - رحمه الله - في كثير من كلامه. ### | 6- # تنوير: ويحسن أن يصاغ رأي الفصل صيغة تدل على أنه مبدأ فصل، وإن تمكن مع ~~هذا أن يناط به معنى يحسن موقعه من النفوس بالنسبة إلى الغرض كالتعجب ~~والتمني والدعاء وتعديد العهود السوالف وما أشبه ذلك فهو أحسن. ### | 7- # إضاءة: ويشترط في المذهب المختار أن يكون لمعنى البيت مع كون أوله مبدأ ~~كلام ومصدرا بكلمة لها معنى ابتدائي أن يكون لمعنى البيت علقة بما قبله ~~ونسبة إليه. # PageV01P093 ### | 8- # تنوير: ويجب أن يردف البيت الأول من الفصل بما يكون لائقا به من باقي ~~معاني الفصل مثل أن يكون مقالا له على وجه من جهات التقابل أو بعضه مقابلا ~~لبعضه، أو يكون مقتضى له مثل أن يكون مسببا عنه، أو تفسيرا له، أو محاكي ~~بعض ما فيه ببعض ما في الآخر، أو غير ذلك من الوجوه التي تقتضي ذكر شيء بعد ~~شيء آخر. وكذلك الحكم في ما يتلى به الثاني والثالث إلى آخر الفصل. ### | 9- # إضاءة: وربما ختم الفصل بطرف من أغراض الفصل الذي يليه أو إشارة إلى بعض ~~معانيه. ### | 10- # تنوير: فأما القانون الرابع في وصل بعض الفصول ببعض فالتأليف في ذلك على ~~أربعة أضرب. ### | 1- # ضرب متصل العبارة والغرض. ### | 2- # وضرب متصل العبارة دون الغرض. ### | 3- # وضرب متصل الغرض دون العبارة. ### | 4- # وضرب منفصل الغرض والعبارة. ### | 11- # إضاءة: فأما المتصل العبارة ms180 والغرض فهو الذي يكون فيه لآخر الفصل بأول ~~الفصل الذي يتلوه علقة من جهة الغرض وارتباط من جهة العبارة، بان يكون بعض ~~الألفاظ التي في أحد الفصلين يطلب بعض الألفاظ التي في الآخر من جهة ~~الإسناد والربط. ### | 12- # تنوير: وأما المتصل الغرض المنفصل العبارة فهو الذي يكون أول الفصل فيه ~~رأس كلام، ويكون لذلك الكلام علقة بما قبله من جهة المعنى. # وهذا الضرب إذا نيط برأس الفصل فيه معنى تعجيبي أو دعائي أو غير ذلك مما ~~أشرنا إليه هو أفضل الضروب الأربعة، لكون النفوس تنبسط ويتجدد نشاطها ~~بإشعارها الخروج من شيء إلى شيء واستئناف كلام جديد لها مع ما يشفع به ~~إليها في قبول الكلام من نياطة ما ذكرناه من تعجيب أو دعاء أو غير ذلك مما ~~له بالمعنى علقة بالكلام وتصديره به. وهذا الضرب على كل حال أفضل الضروب ~~الأربعة. وقد يقرن الحرف الرابط بهذا النحو فلا يغض من طلاوته ولا ينقص مما ~~تجده النفس من حلاوته. ### | 13- # إضاءة: فأما الضرب الثالث وهو ما كان منفصل الغرض متصل العبارة فإنه منحط ~~عن الضربين اللذين قبله. ### | 14- # تنوير: فأما الضرب الرابع وهو الذي لا توصل فيه عبارة بعبارة ولا غرض ~~بغرض مناسب له، بل يهجم على الفصل هجوما من غير إشعار به بما قبله ولا ~~مناسبة بين أحدهما والآخر، فإن النظم الذي بهذه الصفة مشتت من كل وجه. ~~وإنما تسامح بعض المجيدين في مثل هذا عند الخروج من نسيب مديح. وربما فعلوا ~~ذلك عند خروجهم منه إلى الذم. # وهذا القدر من الإشارة إلى ما يجب في الفصول، وإن كان قولا إجماليا، مقنع ~~لمن له فكر متصرف يستدل به بما ذكر على ما لم يذكر. ### | ب- معرف دال على طرق المعرفة بما يجب اعتاده في الفصول من جهة اشتمالها على أوصاف # الجهات التي هي مسانح أقناص المعاني ومعاضدة التخييل فيهما بالإقناع على ~~الوضع الذي يليق بذلك ويحسن به موقعه من النفوس. # إن من الشعراء من يقصد المبالغة في تكثير الأوصاف المتعلقة بالجهة التي ~~القول فيها، ms181 فيستقصي من ذلك ما كانت له حقيقة، وربما تجاوز ذلك إلى أن يختل ~~أوصافا يوهم أن لها حقيقة في تلك الجهة من غير أن يكون كذلك في الحقيقة بل ~~على أنحاء من المجاز والتمويه ليبالغ بذلك في تمثيلها للنفس على أحسن أو ~~أقبح ما يمكن بحسب غرض الكلام من حمد أو ذم، ويكون في ذلك بمنزلة من يقصد ~~في المحاكاة والاقتصاصات الكلم التي تعطي المبالغة في الوصف؛ ومنهم من يقصر ~~في أوصاف الجهات على الحقيقة وما قاربها، كما أن فيهم من لا يدل بألفاظه ~~إلا على الحقيقة أو ما قاربها؛ ومنهم من يتوخى تضمين الفصل لحقيقة ما في ~~الجهة، كما فيهم من يتوخى مطابقة اللفظ لحقيقة ما يدل عليه. ### | 1- # إضاءة: وكما أن في الشعراء من يستوعب أركان المعاني كذلك فيهم من يستقصي ~~الأوصاف التي بها يكمل اتساق الفصول، وكما أن فيهم من يكتفي باستيفاء ~~المقدار الذي منه يلتثم المعنى الذي رتبته في أول درجة من استقلال وترك ما ~~وراء حد الاستقلال مما هو كالتتميم والتبيين كذلك فيهم من يأخذ من أوصاف ~~الجهة ما يكون فيه إقناع وكفاية فلا يضمن الفصل أكثر من هذا المقدار. ### | 2 - # تنوير: وكما أن فيهم من يخل بالمعاني ويترك كثيرا من أركانها، وربما أدخل ~~ما ليس منها، كذلك فيهم من يتخطى أوصاف الجهة اللائقة بمقصده ويذكر من ذلك ~~ما تيسر له - أكيدا كان ذلك بالنسبة إلى غرضه أو غير أكيد - فيكون قد أخل ~~بالفصول بالنظر إلى الجهات، وربما أقحم فيها ما لا يصلح بها. # PageV01P094 ### | 3- # إضاءة: وكما أن في الشعراء من يجعل أكثر معانيه وألفاظه مخيلة ولا يعرج ~~على الإقناع الخطابي إلا في قليل من المواضع، وفيهم من يقصد الإقناع في ~~كثير من معانيه - لأن صناعة الشعر تستعمل يسيرا من الأقوال الخطابية كما أن ~~الخطابة تستعمل يسيرا من الأقوال الشعرية لتعتضد المحاكاة في هذه بالإقناع ~~والإقناع في تلك بالمحاكاة. وغنما يعاب الشاعر إذا كان أكثر أقاويله أو ما ~~قارب مساواة الباقي بزيادة قليلة أو نقص خطابية، والخطيب ms182 إذا كانت أقاويله ~~أو ما قارب المساواة بزيادة قليلة أو نقص شعرية. فأما إذا استعملت إحداهما ~~الأقل من الأخرى فإن ذلك يحسن لاعتضاد إحداهما بالأخرى وإراحة النفس ~~وجمومها لتجدد الأقاويل الشعرية بعد الخطابية والخطابية بعد الشعرية عليها ~~وإجمامها بالواحد لتلقى الآخر. - فكذلك في الشعراء أيضا من يجعل أكثر ~~أبياته وما تتضمنه الفصول بالجملة مخيلة ولا يستعمل الإقناع إلا في القليل ~~منها، ومنهم من يستعمل الإقناع في كثير من الأبيات التي تتضمنها فصول ~~القصيدة. # وقد كان أبو الطيب يعتمد هذا كثيرا ويحسن وضع البيت الإقناعي من الأبيات ~~المخيلة لأنه كان يصدر الفصول بالأبيات المخيلة ثم يختمها ببيت إقناعي يعضد ~~به ما قدم من التخييل ويجم النفوس لاستقبال الأبيات المحيلة في الفصل ~~التالي. فكان لكلامه أحسن موقع في النفوس بذلك. ويجب أن يعتمد مذهب أبي ~~الطيب في ذلك، فإنه حسن. ### | 4- # تنوير: والذي يجب أن يعتمده من له قوة يتسنم بها أية شاء من رتب الشعراء ~~في إعطاء الفصول حقها أو فوق حقها أو دون حقها في ما هو فيها بالنظر إلى ~~الجهات بإزاء المبالغة والاستيعاب فيا لعبارات بالنظر إلى المعاني، وهو ~~الاقتصار في ما كانت موصوفاته في أعلى رتبة من الحسن أو القبح على الحقيقة ~~أو ما قاربها مما هو غير مستحيل. هذا إذا قصد تحسين الحسن وتقبيح القبيح. # وما كان في أدنى رتبة منها وقصد تحسينه أو تقبيحه على ذلك النحو فسائغ ~~للشاعر أن يلحقه بذي الرتبة العليا ويصفه بمثل ذلك من الأوصاف التي لا ~~يستحيل تصورها وإن كانت ممتنعة. والمستحسن أن يكون ذلك من الأمور الممكنة. # وإنما ساغ في الشعر وقوع الكذب في الممكنات ولم يسغ في المستحيلات لأن ~~الأمر إذا كان ممكنا سكنت إليه النفس وجاز تمويهه عليها، والمحال تنفر عنه ~~النفس ولا تقبله البتة، فكان مناقضا لغرض الشعر إذ المقصود بالشعر الاحتيال ~~في تحريك النفس لمقتضى الكلام بإيقاعه منها بمحل القبول بما فيه من حسن ~~المحاكاة والهيئة بل ومن الصدق والشهرة في كثير من المواضع. ### | 5- # إضاءة: وأما الاستقصاء ms183 فإنه مستحسن في الجهات التي معانيها مع شرفها ~~قليلة. # فأما الجهات التي تكثر معانيها وليست كلها بشريفة بالنسبة إلى المقصد ~~فإنما يسوغ استقصاؤها في القصائد الطوال كقصائد ابن الرومي. فأما في ~~القصائد القصار والمتوسطة فلا يحسن إلا التخطي إلى الأشرف فالأشرف منها كما ~~وجب التخطي أيضا في المعاني المتناظرات إذا كثرت على ما قدمت. لكن ذلك قد ~~يستساغ في القصائد الطوال، ولكل مقام مقال. ### | 6- # تنوير: وقد يكون الفصل مشتملا على معاني جهتين أو أكثر، ويكن تعليق ~~الوصاف الواقعة فيبعضها ببعض على سبيل محاكاة أو التفات أو غير ذلك. وما ~~جاء غير متكلف من هذا القبيل فهو حسن. ### | 7- # إضاءة: ومن القصائد ما يكون اعتماد الشاعر في فصولها على أن يضمنها معاني ~~جزئية تكون مفهوماتها شخصية، ومنها ما يقصد في فصولها أن تضمن المعاني ~~الكلية التي مفهوماتها جنسية أو نوعية، ومنها ما يقصد في فصولها أن تكون ~~المعاني المضمنة إياها مؤتلفة بين الجزئية والكلية. وهذا هو المذهب الذي ~~يجب اعتماده لحسن موقع الكلام به من النفس. وأحسن ما يكون عليه هيأة الكلام ~~في ذلك أن تصدر الفصول بالمعاني الجزئية وتردف بالمعاني الكلية على جهة ~~تمثل بأمر عام على أمر خاص أو استدلال على الشيء بما هو أعم منه أو نحو ~~ذلك. فكثيرا ما يقع بوضع معاني الفصول على هذه الصفة تعجيب للنفس وانقياد ~~إلى مقتضى الكلام، لكون المعاني الكلية مظنة لوقوع الاقتداء والائتساء بها ~~للسامع أو عدمها حيث يقصد التأنيس بوجودهما أو التنفير من فقدان ذلك، ~~ولوقوع المراوحة التي قدمنا أن فيها استجماما للنفوس. # PageV01P095 # وللكلام في هذا طول لا يحتمله هذا الموضع، إذ قصدنا اقتضاب ما تيسر من ~~هذه القوانين الكلية واعتماد ما معرفته أكيدة في هذه الصناعة من ذلك، فلذلك ~~اكتفينا من القول في ما قصدنا الإبانة عنه بهذه الإضاءة بهذه اللمحة ~~الدالة. ### | ج - مأم من مذاهب البلاغة المستبانة بهذا المنهج وهو مذهب التسويم # إن الحذاق من الشعراء - المهتدين بطباعهم المسددة إلى ضروب الهيئات التي ~~يحسن بها موقع الكلام من النفس ms184 من جهة لفظ أو معنى أو نظم أو أسلوب - لما ~~وجدوا النفوس تسأم التمادي على حال واحدة وتؤثر الانتقال من حال إلى حال، ~~ووجدوها تستريح إلى استئناف الأمر بعد الأمر واستجداد الشيء بعد الشيء. ~~ووجدوها تنفر من الشيء الذي لم يتناه في الكثرة إذا أخذ مأخذا واحدا ساذجا ~~ولم يتحيل فيما يستجد نشاط النفس لقبوله بتنويعه والافتنان في أنحاء ~~الاعتماد به، وتسكن إلى الشيء وإن كان متناهيا في الكثرة إذا أخذ من شتى ~~مآخذه التي من شأنها أن يخرج الكلام بها في معاريض مختلفة واحتيل في ما ~~يستجد نشاط النفس لقبوله من توعيه والافتنان في أنحاء الاعتماد به اعتمدوا ~~في القصائد أن يقسموا الكلام فيها إلى فصول ينحى بكل فصل منها محنى من ~~المقاصد ليكون للنفس في قسمة الكلام إلى تلك الفصول والميل بالأقاويل فيها ~~إلى جهات شتى من المقاصد وأنحاء شتى من المآخذ استراحة واستجداد نشاط ~~بانتقالها من بعض الفصول إلى بعض وترامي الكلام بها إلى أنحاء مختلفة من ~~المقاصد - فالراحة حاصلة بها لافتنان الكلام في شتى مذاهبه المعنوية وضورب ~~مبانيه النظمية - واعتنوا باستفتاحات الفصول وجهدوا في أن يهيؤوها بهيئات ~~تحسن بها مواقعها من النفوس وتوقظ نشاطها لتلتقي ما يتبعها ويتصل بها، ~~وصدروها بالأقاويل الدالة على الهيئات التي من شان النفوس أن تتهيأ بها عند ~~الانفعالات والتأثرات لأمور سارة أو فاجعة أو شاجية أو معجبة بحسب ما يليق ~~بغرض الكلام من ذلك، وقصدوا أن تكون تلك الأقاويل مبادئ كلام من جهة ما نحي ~~بها من أنحاء الوضع أو محكومها لها بحكم المبادئ وإن وصلها بما قبلها واصل ~~لكونها مستقلة بأنفسها من جهة الوضع الذي يخصها، فيكون استئناف الكلام على ~~ذلك النحو وصوغه على تلك الهيآت مجددا لنشاط النفس ومحسنا لموقع الكلام ~~منها. ### | 1- # إضاءة: ولما كان اعتماد ذلك في رؤوس الفصول ووجودها أعلاما عليها وإعلاما ~~بمغزى الشاعر فيها، وكان لفواتح الفصول بذلك بهاء وشهرة وازديان حتى كأنها ~~بذلك ذوات غرر رأيت أن أسمي ذلك بالتسويم وهو أن يعلم على الشيء ms185 وتجعل له ~~سيمى يتميز بها. وقد كثر استعمال ذلك في الوجوه والغرر، كما قال ابن ~~الرومي: (الطويل -ق- المتدارك) # سما سموة نحو المساء بغرة ... مسمومة قد ما بسيمى سجودها # فلذلك كان هذا اللقب لائقا بما وضع عليه. وأيضا فإنا سمينا تحلية أعقاب ~~الفصول بالأبيات الحكمية والاستدلالية بالتحجيل ليكون اقتران صنعة رأس ~~الفصل وصنعة عجزه نحوا من اقتران الغرة بالتحجيل في الفرس. ### | 2- # تنوير: فإذا اطرد للشاعر أن تكون فواتح فصوله على هذه الصفة واستوسق له ~~الإبداع في وضع مباديها على أحسن ما يمكن من ذلك صارت القصيدة كأنها عقد ~~مفصل، وتألفت لها بذلك غرر وأوضاح وكان اعتماد ذلك فيها أدعى إلى ولوع ~~النفس بها وارتسامها في الخواطر لامتياز كل فصل منها بصورة تخصه. ### | 3- # إضاءة: وإذا اتجه أن يكون الانتقال من بعض صدور الفصول إلى بعض على النحو ~~الذي يوجد التابع فيه مؤكدا لمعنى المتبوع ومنتسبا إليه من جهة ما يجتمعان ~~في غرض ومحركا للنفس إلى النحو الذي حركها الأول أو إلى ما يناسب ذلك، كان ~~ذلك أشد تأثيرا في النفوس وأعون على ما يراد من تحسين موقع الكلام منها. ### | 4- # تنوير: وممن كان يحسن الاطراد في تسويم رؤوس الفصول على النحو الذي ذكرته ~~أبو الطيب المتنبي، وذلك نحو قوله: (الطويل -ق- المتدارك) # أغالب فيك الشوق، والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر، والوصل أعجب # فضمن هذا البيت من الفصل الأول تعجيبا من الهجر الذي لا يعاقبه وصل، ثم ~~أكد التعجيب في البيت الثاني الذي هو تتمة الفصل الأول، ثم ذكر من لجاج ~~الأيام في بعد الأحباء وقرب الأعداء، وكان ذلك مناسبا لما ذكر في الهجر. ### | 5- # إضاءة: ثم افتتح الفصل الثاني بالتعجب من وشك بينه وسرعة سيره فقال: # PageV01P096 # ولله سيري ما أقل تئية ... عشية شرقي الحد إلى غرب # فكان هذا الاستفتاح مناسبا للبيتين المتقدمين من جهة التعجب وذكر الرحيل، ~~ثم بين حاله وحال من ودعه عند الوداع. ### | 6- # تنوير: ثم استفتح الفصل الثالث بتذكر العهود السارة وتعديدها فقال: # وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية ms186 تكذب # فكان هذا مناسبا لمفتتح الفصل الثاني في أنه تذكر فيه موطن البين فتلا ~~ذلك بتذكر موطن الوصل والقرب في صدر هذا الفصل الثالث، ثم تمم هذا الفصل ~~بذكر ما اقترن بذلك الوصل من محاذرة الرقبة. ### | 7- # إضاءة: ثم استفتح الفصل الرابع بتذكر الحال التي حاذر فيها الرقبة عند ~~رحيله عن سيف الدولة، فشبه اليوم الذي كان فيه ذلك بليل العاشقين في الطول ~~وفي أنهم يحذرون فيه الرقبة فقال: # ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب # ثم اطرد كلامه في هذا الفصل في وصف الفرس وانتقل فيه من معان جزئية إلى ~~معان كلية يمكن معها أن يعتقد في الكلام انه فصل واحد، وأن يعتقد أنه فصلان ~~ويكون رأس الفصل الثاني قوله: # وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب ### | 8- # تنوير: ثم استفتح الفصل الخامس أو السادس على الاعتبار الثاني بذم الدنيا ~~وما تؤول إليه أحوالها وتعقب به صروفها من مثل ما قدم من ذكر الفراق ~~والبعاد والهجر ومكابدة الأعداء، وتوجع مما يصيب كل بعيد الهم فيها فقال: # لحى الله ذي الدنيا مناخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب # فاطرد له الكلام في جميع ذلك أحسن اطراد، وانتقل في جميع ذلك من الشيء ~~إلى ما يناسبه وإلى ما هو منه بسبب ويجمعه وإياه غرض. فكان الكلام بذلك ~~مرتبا أحسن ترتيب ومفصلا أحسن تفصيل وموضوعا بعضه من بعض أحكم وضع. # فعلى هذا النحو يجب أن تكون المآخذ في استفتاحات الفصول ووضع بعضها من ~~بعض. وهذا الفن من الصناعة ركن عظيم من أركان الصناعة النظمية لا يسمو إليه ~~إلا من قويت مادته وفاق طبعه. وقد أرشدناه إلى السبيل المؤدية إلى حسن ~~التصرف في ذلك. فمن ائتم بما رسمته في ذلك لم يضل إن شاء الله. ### | د- مأم من المذاهب المستشرفة مما تقدم أيضا، وهو مذهب التحجيل. # وإذا ذيلت أواخر الفصول بالأبيات الحكمية والاستدلالية واتضحت شيات ~~المعاني التي بهذه الصفة على أعقابها - فكان لها ذلك بمنزلة التحجيل - زادت ~~الفصول بذلك ms187 بهاء وحسنا ووقعت من النفوس أحسن موقع. ### | 1- # إضاءة: ولا يخلو المعنى الذي يقصد تحلية الفصل به وتحجيله من أن يكون ~~متراميا إلى ما ترامت إليه جملة معاني الفصل إن كان مغزاها واحد أو يكون ~~متراميا إلى ما ترامى إليه بعضها، فيورد على جهة الاستدلال على ما قبله أو ~~على جهة التمثيل. ويكون منحوا به منحى التصديق أو الإقناع، مقصودا به إعطاء ~~حكم كلي في بعض ما تكون عليه مجاري الأمور التي للأغراض الإنسانية علقة بها ~~مما انصرفت إليه مقاصد الفصل ونحي بها نحوه. فيكون في ورود البيت الأخير ~~الذي يتضمن حكما أو استلالا على حكم، إثر المعاني التي لأجلها بين ذلك ~~الحكم أو الاستدلال عليه، إنجاد للمعاني الأول وإعانة لها على ما يراد من ~~تأثر النفوس لمقتضاها. فكان ذلك من أحسن ما يعتمد في الفصول وأزينه لها. ### | 2- # تنوير: وهذا الفن من صناعة النظم شريف جدا. وينبغي أن يكون اللفظ ~~والتركيب فيه سهلا جزلا، وأن تورد القافية فيه متمكنة. وإن كانت مراعاة هذه ~~الأشياء واجبة في غير ذلك من أبيات الشعر فإنها في هذه الأبيات التي تجعل ~~اختتامات للفصول ونصولا على عواملها أوجب. ### | 3- # إضاءة: وممن سبق إلى وضع هذه المعاني المذهوب بها مذهب الحكمة والتمثل في ~~نهايات الفصول ومقاطع القول فيها وسبك القول فيها أحسن سبك زهير، نحو ما ~~تمثل به في آخر مذهبته: (الطويل -ق- المتدارك) # أمن أم أوفى دمنة لم تكلم # ونحو ما ختم به آخر فصل من قصيدته اللامية، وذلك قوله: (الطويل -ق- ~~المترادف) # فما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل # ثم جاء أبو الطيب المتنبي فيا لمولدين فولع بهذا الفن من الصنعة وأخذ ~~خاطره به حتى برز في ذلك وجلى وصار كلامه في ذلك منتميا إلى الطراز الأعلى. # PageV01P097 ### | 4- # تنوير: وينبغي ألا يسرف في الاستنكار من هذا الفن من الصنعة، فإنه مؤد ~~إلى التكلف وسآمة النفس. ولكن يلمع بذلك في بعض نهايات الفصول دون بعض، ~~وبحسب ما ms188 يعن للخاطر من ذلك ويسنح من غير استكراه ولا تكلف في وزن أو قافية ~~أو هيأة نظامية بالجملة. # وإنما يجب أن يقتضب الخاطر من ذلك ما ناسب الغرض ووسعه مقدار الشعر وتمكن ~~فيه رويه ولم يكن قلقا في موضعه من جهة لفظ ولا معنى. وإنما يسنح الكلام ~~على هذا في بعض المواضع. # فلذلك كان اعتماد التمثل والحكمة على أعقاب كل فصل دليلا على التكلف ~~وداعيا إليه. ولذلك عيب كلام قوم من قدماء المولدين حيث اعتمدوا ذلك في ~~أكثر كلامهم، فدل ذلك على التكلف وأوقع في السآمة، ولم يبق للحكمة جدة ولا ~~طراءة. # وإنما يحسن الكلام بالمراوحة بين بعض فنونه وبعض والافتنان في مذاهبه ~~وطرقه، فيزداد حب النفس لما يرد عليها من ذلك إذا كانت زيادته غبا. ### | المنهج الرابع في الإبانة عن كيفية العمل في إحكام مباني القصائد وتحسين هيآتها، # وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائما للنفوس أو ~~منافرا لها. ### | أ- معلم دال على طرق العلم بإحكام مباني القصائد وتحسين هيآتها وما تجب العناية # بالتأنق فيه من ذلك وما تتأكد العناية به وما تتأكد فيه عند قوم ولا ~~تتأكد عند آخرين. # إن من القصائد ما يقصد فيه التقصير، ومنها ما يقصد فيه التطويل، ومنها ما ~~يقصد فيه التوسط بين الطول والقصر. # فأما المقصرات فإن القول فيها إذا كان منقسما إلى غرضين لم يتسع المجال ~~للشاعر لأن يستوفي أركان المقاصد التي بها يكمل التئام القصائد على أفصل ~~هيئاتها، وربما استوفى ذلك الحذاق مع ضيق المجال عليهم باقتضاب الأوصاف ~~الضرورية في الجهات بالنسبة إلى الغرض والتلطف في إبداع النقلة من بعضها ~~إلى بعض على الوجوه الملائمة الموجزة. # فأما المتوسطات والمطولات فالمجال فيها متسع لما يراد من ذلك. ### | 1- # إضاءة: والقصائد: منها بسيطة الأغراض ومنها مركبة. والبسيطة مثل القصائد ~~التي تكون مدحا صرفا أو رثاء صرفا. والمركبة هي التي يشتمل الكلام فيها على ~~غرضين مثل أن تكون مشتملة على نسيب ومديح. وهذا أشد موافقة للنفوس الصحيحة ~~الأذواق لما ذكرناه من ms189 ولع النفوس بالافتنان في أنحاء الكلام وأنواع ~~القصائد. ### | 2- # تنوير: فأما كيفية العمل في القصائد المشتملة على نسيب ومديح فإن كل قول ~~نسيبي لا يخلو من أن يكون متعلقا بوصف المحبوب ومحاكاته أو وصف بعض أحواله ~~وما له بذلك علقة من زمان أو مكان أو غير ذلك، أو يكون متعلقا بوصف المحب ~~أو وصف بعض أحواله وما له بذلك علقة، أو يكون متعلقا بوصف حال تقاسماها ~~معا. # فأكثر ما تبدأ القصائد الأصيلية بما يرجع من ذلك إلى المحب: كالوقوف على ~~الربوع والنظر إلى البروق ومقاساة طول الليل. # وأكثر ما تبدأ بعد هذا بما يرجع إلى المحب والمحبوب معا مما يسوء وقوعه ~~كوصف يوم الفراق وموقف الوداع. # والافتتاح بما يخص المحبوب أقل من ذلك. ### | 3- # إضاءة: ويستحسن إرداف ما يرجع إلى المحب والمحبوب معا مما يشجو وقوعه ~~بذكر بعض ما هو راجع إليهما مما يسر وقوعه، إذ في ذلك ضرب من المقابلة ~~وتدارك للنفوس كم إيلامها بالشاجي الصرف، بأن تعرض عليها المعاني التي تلتذ ~~بتخيل ما يعنى بها وإن آلمها مغيبه أو انقضاؤه. ### | 4- # تنوير: وأحسن ما ابتدئ به من أحوال المحبين ما كان مؤلما من جهة ملذا من ~~أخرى كحال التذكر والاشتياق وعرفان المعاهد. فإن هذه الأحوال وإن كانت ~~مؤلمة للنفوس فإن لكثير من النفوس في تخيل ما يتذكر ويشتاق إليه ويحن إلى ~~عهده لذة ما وتشفيا، يكاد ينقع الغلة من حيث أذكاها ويس النفس من حيث ~~أشجاها وأبكاها. ثم يتدرج من ذلك على ذكر ما يؤلم من بعض الأحوال التي لها ~~علقة بهما معا، ثم إلى ذكر ما يؤلم ويلذ من الأحوال التي لها بهما أيضا ~~علقة، ثم ينتقل من ذلك إلى ما يخص المحبوب من الأوصاف والمحاكاة، ثم يحتال ~~في عطف أعنة الكلام إلى المديح، فهذا هو الموضع التام المتناسب. وهو الذي ~~يعتمده امرؤ القيس في كثير من قصائده. ولا يحسن أن يبدأ بالمؤلم المحض. وقد ~~يقع ذلك لكثير من الشعراء. ويكون الترتيب على غير ما ذكرته، لكن الذي ذكرته ~~أحسن. ms190 # PageV01P098 ### | 5- # إضاءة: فأما المديح المتخلص إليه من نسيب فالوجه أن يصدر بتعديد فضائل ~~الممدوح، وأن يتلى ذلك بتعديد مواطن باسه وكرمه وذكر أيامه في أعدائهم. ~~وإذا للممدوح سلف حسن تشفيع ذكر مآثره، بذكر مآثرهم ثم يختتم بالتيمن ~~للممدوح والدعاء هل بالسعادة ودوام النعمة والظهور على الأعداء وما ناسب ~~ذلك. # والمحدثون أثر اعتمادا لهذا في مقاطع القصائد من القدماء، وإن كان ذلك ~~أيضا موجودا في أشعارهم. ### | 6- # تنوير: فأما القصائد البسيطة فأحسن ما تبدأ به وصف ما يكون في الحال مما ~~له إلى غرض القول انتساب شديد كافتتاح مدح القادم من سفر بتهنئته بالقدوم ~~والتيمن له بذلك، وكافتتاح مدح من ظفر بأعدائه بوصف ذلك وتهنئته به، ثم ~~يتبع ذلك بذكر فضائل الممدوح ونشر محامده، ويستمر في الأغراض التي تغن على ~~الأنحاء التي لا يوجد للكلام معها اضطراب ولا تنافر. ### | 7- # إضاءة: ويجب أن تكون المبادئ جزلة، حسنة المسموع والمفهوم، دالة على غرض ~~الكلام، وجيزة، تامة. وكثيرا ما يستعملون فيها النداء والمخاطبة والاستفهام ~~ويذهبون بها مذاهب من تعجيب أو تهويل أو تقرير أو تشكيك أو غير ذلك مما ~~تقدمت الإشارة إليه فيما سلف. ### | 8- # تنوير: ويجب أن تكون الصدور متناسبة النسج، حسنة الالتفاتات، لطيفة ~~التدرج، مشعشعة الأوصاف بالتشبيهات. ويجب أن يكون التخلص لطيفا، والخروج ~~إلى المدح بديعا. ### | 9- # إضاءة: ويجب أن يكون صدر المديح حسن السبك، عذب العبارات مستطاب المعاني، ~~ليناسب ما اتصل به من النسيب. ويجب أن تعتمد فيه مع ذلك الجزالة والمبالغة ~~في الأوصاف. ### | 10- # تنوير: ومما يجب اعتماده حيث يقع وصف الحرب أن تفخم العبارات وتهول ~~الأوصاف ويحسن الاطراد في اقتصاص ما وقع من ذلك، وأن تراح النفوس حيث يقع ~~التمادي في ذلك بإيراد معاني تستطيبها وتبسط ما قبض منها تهويل وصف الحرب. ~~وتحسن الإحالة على التواريخ في هذا الموضع. ### | 11- # إضاءة: فأما الاختتام فينبغي أن يكون بمعان سارة فيما قصد به التهاني ~~والمديح، وبمعان مؤسية فيما قصد به التعازي والرثاء. وكذلك يكون الاختتام ~~في كل غرض بما يناسبه. وينبغي أن يكون اللفظ فيه مستعذبا والتأليف ms191 جزلا ~~متناسبا، فإن النفس عند منقطع الكلام تكون متفرغة لتفقد ما وقع فيه غير ~~مشتغلة باستئناف شيء آخر. ### | 12- # تنوير: فأما ما تجب العناية بالتأنق فيه على الوجه المختار فتحسين المبدأ ~~والتخلص. وأما ما تتأكد به العناية ولاسيما عند من أخذ بمذهب أيمة المحدثين ~~فتحسين البيت التالي للبيت الأول من القصيدة ليتناصر بذلك حسن المبدأ ومثل ~~هذا قول أبي تمام: (الطويل -ق- المترادف) # شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد # وأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد # ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي: (البسيط -ق- المترادف) # من الجآذر في زي الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب # إن كنت تسأل مثلا في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب # وقوله: (الطويل -ق- المتدارك) # لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي # وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق # وقوله: (الطويل -ق- المتدارك) # فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت غير ميمم # وما منزل اللذات عند بمنزل ... إذا لم أبجل عنده وأكرم # وأكثر ما يتوخون هذا إذا كان البيت الثاني تتمة الفصل الأول. فأما إذا ~~كان الفصل الأول أكثر من بيتين فإنهم يوجهون العناية إلى تحسين نهاية ~~الفصل. وكلما قرب ذلك إلى المبدأ فكان ثانيا أو ثالثا كان أحسن مثل قول أبي ~~تمام - رحمه الله -: (الخفيف -ق- المترادف) # أيها البرق بت بأعلى البراق ... واغد فيها بوابل غيداق # وتعلم بأنه ما لأنوا ... ئك إن لم تروها من خلاق # دمن طالما التقت أدمع المز ... ن عليها وادمع العشاق # وإذا لم يكن البيت الثاني مناسبا للأول في حسنه غض ذلك من بهاء المبدأ ~~وحسن الطليعة، وخصوصا إذا كان فيه قبح من جهة لفظ أو معنى أو نظم أو أسلوب، ~~وذلك نحو قول أبي الطيب المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف) # أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي # PageV01P099 # كيف ترثي التي رأت كل جفن ... راءها غير جفنها غير راق # وتحسين البيت التالي لبيت التخلص إلى المدح يجري من بيت ms192 التخلص مجرى ~~تحسين البيت الثاني من البيت الأول في أن إتباع تحسين أحدهما بتحسين الآخر ~~أكيد. # فأما ما تتأكد به العناية عند قوم ولا تتأكد عند آخرين فمقاطع القصائد ~~وأبياتها الأواخر. وذلك من جهة ما يرجع إلى هيئات الوضع والتأليف والاطراد ~~في الألفاظ والمعاني والنظام والأسلوب. فأما من جهة وقوع لفظ مكروه أو معنى ~~مشنوء في منقطع الكلام فالرأي فيه واحد في أن التحفظ منه واجب على كل ناظم ~~أو ناثر. # فهذه مذاهب الحذاق المطبوعين: تحسين هيئات القصائد وتحصين مبانيها قد ~~أبنتها، فمن سلك ذلك السبيل وذهب ذلك المذهب فقد سرى على سواء المنهج من ~~هذه الصناعة، إن شاء الله. ### | ب- مأم من مذاهب البلاغة المستشرفة بهذا المعلم وهو مذهب الإبداع في الاستهلال. # وتحسين الاستهلالات والمطالع من أحسن شيء في هذه الصناعة، إذ هي الطليعة ~~الدالة على ما بعدها المتنزلة من القصيدة منزلة الوجه والغرة، تزيد النفس ~~بحسنها ابتهاجا ونشاطا لتلقي ما بعدها إن كان بنسبة من ذلك. وربما غطت ~~بحسنها على كثير من التخون الواقع بعدها إذا لم يتناصر الحسن فيما وليها. ### | 1- # إضاءة: ولا يخلو الإبداع في المبادي من أن يكون راجعا إلى ما يقع في ~~الألفاظ من حسن مادة واستواء نسج ولطف انتقال وتشاكل اقتران وإيجاز عبارة ~~وما جرى مجرى ذلك مما يستحسن في الألفاظ، أو إلى ما يرجع إلى المعاني من ~~حسن محاكاة ونفاسة مفهوم وتطبيق مفصل بالنسبة إلى الغرض وما جرى مجرى ذلك ~~مما يستحسن في المعاني، أو إلى ما يرجع إلى النظم من إحكام بنية وإبداع ~~صيغة ووضع وما ناسب ذلك مما يحسن في النظم، أو إلى ما يرجع إلى الأسلوب من ~~حسن منزع ولطيف منحى ومذهب وما جرى مجرى ذلك مما يستحسن في الأساليب. ### | 2- # تنوير: وملاك المر في جميع ذلك أن يكون المفتتح مناسبا لمقصد المتكلم في ~~جميع جهاته. فإذا كان مقصده الفخر كان الوجه أن يعتمد من الألفاظ والنظم ~~والمعاني والأسلوب ما يكون فيه بهاء وتفخيم، وإذا كان المقصد النسيب كان ~~الوجه أن يعتمد ms193 منها ما يكون فيه رقة وعذوبة من جميع ذلك، وكذلك سائر ~~المقاصد. فإن طريقة البلاغة فيها أن تفتتح بما يناسبها ويشبهها من القول من ~~حيث ذكر. ### | 3- # إضاءة: ومما تحسن به المبادئ أن يصدر الكلام بما يكون فيه تنبيه وإيقاظ ~~لنفس السامع أو أن يشرب ما يؤثر فيها انفعالا ويثير لها حالا من تعجيب أو ~~تهويل أو تشويق أو غير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه. ### | 4- # تنوير: وفي الكلام ما له صورة يصير بها لائقا أن يكون رأس كلام ومفتتح ~~قول، ومنه ما لا يليق بالمبادي ولا يكون له هيأة تصلح لها. # ويجب أن يجتلب القول للمبادئ من المعدن الأول. ### | 5- # إضاءة: وأحسن المبادي ما تناصر فيه حسن المصراعين وحسن البيت الثاني على ~~ما تقدم ذكره في العلم قبل هذا. # وأكثر ما وقع الإحسان في المبادئ على هذا النحو للمحدثين. فأما العرب ~~المتقدمون فلم يكن لهم بتشفيع البيت الأول بالثاني كبير عناية. وكثيرا ما ~~كانوا يتسلسلون فيه في ذكر المواضع نحو قول امرئ القيس: (الطويل -ق- ~~المترادف) # فغول، فحليت، فنفي فمنعج ... إلى عاقل، فالجب ذي الأمرات # والرتبة الثانية في حسن المبادي أن يتناصر الحسن في المصراعين دون البيت ~~الثاني، نحو قول أبي الطيب المتنبي: (الخفيف -ق- المترادف) # أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي # والرتبة الثالثة أن يكون المصراع الأول كامل الحسن، ولا يكون المصارع ~~الثاني منافرا له وإن لم يكن مثله في الحسن، ومثل هذا يوجد كثيرا. ### | 6- # إضاءة: وقد تكون المبادي، التي حسن فيها المصراع الأول وكان ما وليه نمطا ~~وسطا في الكلام، من الشرف بما وقع فيها بحيث تفوق المبادي التي تناصر الحسن ~~في مصارعيها والبيت الثاني لهما، وذلك نحو قول امرئ القيس: (الطويل -ق- ~~المتدارك) # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # PageV01P100 # فالمصراع الأول في غاية الإبداع ونهاية الانطباع، وليس المصراع الثاني ~~كذلك، وإن كان له قسط من الفصاحة لأن كثيرا من الشعراء الفحول يجاريه في ~~مثل صيغة المصراع الثاني ويتمم مبدأه بمثل ما تممه به، وليس يجاريه ms194 أحد في ~~كمال المصراع الأول وشرف ما وقع فيه بالنظر إلى ما يجب أن يفتتح به القول ~~في البكاء على الديار. ### | 7- # تنوير: وليس يجب أن يعتبر في حسن المبادي ما وقع الإحسان في مصراعه ~~الثاني إذا كان المصراع الأول قبيحا. ### | 8- # إضاءة: ومما اختير من المبادي قول النابغة: (الطويل -ق- المتدارك) # كليني لهم يا أميمة ناصب # وقول الأعشى: (الطويل -ق- المتدارك) # كفى بالذي تولينه لو تحببا # وقول القطامي: (البسيط -ق- المتركب) # إنا محيوك فاسلم أيها الطلل # وقول بشار: (الطويل -ق- المتدارك) # أبى طلل بالجزع أن يتكلما # وقول حبيب: (البسيط -ق- المتراكب) # يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا # وقول البحتري: (الزجر -ق- المتدارك) # عارضتنا أصلا فقلنا الربرب # ومن المراثي قول الشاعر: (الطويل -ق- المتدارك) # أيا جارنا من يجتمع يتفرق ... ومن يك رهنا للحوادث يغلق # وقول أوس بن حجر: (الخفيف -ق- المتراكب) # أيتها النفس أجملي جزعا # وقول حبيب: (البسيط -ق- المتراكب) # أي القلوب عليكم ليس ينصدع ### | 9- # تنوير: ومما أستحسنه أنا قول منصور النمري: (البسيط -ق- المتراكب) # ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع # وقول أبي الطيب: (الطويل -ق- المتدارك) # أغالب فيك الشوق والشوق أغلب # وقول أبي عمر بن دراج القسطلي: (البسيط -ق- المتراكب) # أهل بالبين، فانهلت مدامعه # وقول يوسف بن هارون: (الرجز -ق- المترادف) # من حاكم بيني وبين عذولي # وقول أبي إسحق بن خفاجة: (الطويل -ق- المتدارك) # لك الله من برق تراءى فسلما # ولو قال قائل: (إنه لم يستفتح في قافية الهمزة بأحسن من قول أبي جعفر بن ~~وضاح: (الرجز -ق- المترادف) # يا سرحة العلمين من تيماء ... حدبت عليك روائم الأنواء # لكان حقيقا أن يصدق وأن يسلم له في ما قال. ### | ج- معرف دال على طرق المعرفة بأنحاء التخلصات من حيز إلى حيز وعطف أعنة الكلام من # جهة إلى أخرى ومن غرض إلى غرض. # اعلم أن الانعطاف بالكلام من جهة إلى أخرى أو غرض إلى آخر لا يخلو من أن ~~يكون مقصودا أولا، فيذكر الغرض الأول لأن يستدرج منه إلى الثاني وتجعل مآخذ ~~الكلام في الغرض الأول صالحة مهيأة لأن يقع بعدها الغرض الثاني ms195 موقعا لطيفا ~~وينتقل من أحدهما إلى الآخر انتقالا مستطرفا، لذكر الغرض الثاني ولا توطئة ~~للصيرورة إليه والاستدراج إلى ذكره بل لا ينوي الغرض الثاني في أول الكلام، ~~وإنما يسنح للخاطر سنوحا بديهيا ويلاحظه الفكر المتصرف بالتفاتاته إلى كل ~~جهة ومنحى من أنحاء الكلام. # فما كان من قبيل هذا القسم الثاني فإنه الذي يعرف بالالتفات. وأما القسم ~~الأول فإن منه ما يكون بصورة الالتفات، ومنه ما لا يكون بتلك الصورة. وفي ~~ما لا يبنى الكلام عليه أيضا من أول ما لا يكون بصورة الالتفات. ### | 1- # إضاءة: والصورة الالتفاتية: هي أن يجمع بين حاشيتي كلامين متباعدي المآخذ ~~والأغراض، وأن ينعطف من إحداهما إلى الأخرى انعطافا لطيفا من غير واسطة، ~~تكون توطئة للصيرورة من أحدهما إلى الآخر على جهة من التحول. # والانعطاف غير الالتفاتي يكون بواسطة، بين المنعطف منه والمنعطف إليه، ~~يوجد الكلام بها مهيئا للخروج من جهة إلى أخرى، وسبب يجعل سبيلا إلى ذلك ~~يشعر به قبل الانتهاء إليه. ### | 2- # تنوير: وأصناف الالتفاتات كثيرة. وأكثر ما يعني المتكلمون في البديع، من ~~ضروبه، ثلاثة أصناف: 1- مما أوهم ظاهره أنه كريه وهو مستحب في الحقيقة ~~فيلتفت الشاعر إلى ذكر ما يزيل ذلك؛ نحو قول عرف بن محلم: (السريع -ق- ~~المترادف) # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان ### | 2- # الثاني أن يلتفت الشاعر عند ذكر شيء إلى ما له في نفسه من غرض جميل أو ~~غير ذلك، فيصرف للكلام إلى جهة ذلك الغرض، نحو قول جرير: (الكامل -ق- ~~المتدار) # طرب الحمام بذي الأراك فهاجني ... لا زلت في غلل وأيك ناضر # PageV01P101 ### | 3- # الثالث أن يلتفت إلى نقض خفي داخل عله في مقصد كلامه أو يخشى تطرق النقض ~~إليه، فيحتال في ما يرفع النقض ويزيل التطرق، ويشير إلى ذلك ملتفتا كقول ~~طافة: (الكامل -ق- الترادف) # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي # وقول ابن المعتز: (الطويل -ق- المتدارك) # صببنا عليها، ظالمين، سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل ### | 3- # إضاءة: وإذ قد تبين أن ما قصد به الاستدراج أولا، أو سنح فيه الالتفات ~~آخرا، كلاهما ms196 منه ما يترامى فيه من الغرض الأول إلى الثاني من بعد على سبيل ~~التدرج، ومنه ما يخلص فيه إلى الشيء مما يليه من الكلام بغير تدرج، فلنذكر ~~الآن مآخذ الشعراء فيما يتدرجون إلى مدحه أو ذمه، أو يخلصون إليه خلوصا ~~التفاتيا على جهة الاستطراد، أو لا يتدرجون إليه ولا يستطردون بل يهجمون ~~على المدح أو الذم هجوما. # وأهل البديع يسمون ما كان الخروج فيه بتدرج تخلصا، وما لم يكن بتدرج ولا ~~هجوم ولكن بانعطاف طارئ على جهة من الالتفات استطرادا، ومثله قول حسان: ~~(الرجز -ق- المترادف) # إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحرث بن هشام # وربما اجتمع التخلص والاستطراد، كقول مسلم: (الطويل -ق- المتدارك) # أجدك لا تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك تنشر # أرقت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحي حين يذكر جعفر # فتخلص إلى مدح يحي واستطرد منه إلى ذكر جعفر. # وإنما أخذ هذا اللقب من استطراد الفارس، وهو أن يريك أنه فر وإنما يريد ~~بذلك اغترار من ينقطع في طلبه، فيسرع الكر إذ ذاك عليه. # ولا ينبغي أن يشترط في الاستطراد ألا يرجع فيه إلى وصف المستطرد من، بل ~~كيف ما وقع الكلام المتحول فيه عن جهة إلى أخرى على النحو الذي ذكرناه ~~مرجوعا فيه إلى وصف المستطرد منه أو غير مرجوع، مستطردا فيه من المستطرد ~~إليه إلى غيره ومن ثان من المستطرد إليها إلى ثالث أو مقتصر على واحد من ~~المستطرد إليها، فإنه استطراد يتنوع بحسب ما يتوجه الكلام بعده إليه. ### | 4- # تنوير: وشعراء المحدثين أحسن مأخذا في التخلص والاستطراد من القدماء، لأن ~~المتقدمين إنما كانت قصارهم في الخروج إلى المديح أن يقول: دع ذا، وعد ~~القول في هذا، أو يصف ناقته ويذكر أن إعمالها إنما كان من اجل قصد الممدوح؛ ~~وعلى أنهم كانوا معتمدين في الخروج على تعدية القول أو تعدية العيس فقد ندر ~~لهم من التخلص ما يستحسن ومن الاستطراد ما لا ينكر الإبداع فيه. وقد كان ~~فيا لمحدثين من يعفي خاطره في الخروج إلى ms197 المديح اقتداء بالمتقدمين فيهجهم ~~على المديح من غير توطئة له كقول البحتري: (الرجز -ق- المتدارك) # تأبى رباه أن تجيب، ولم يكن ... مستخبر ليجيب حتى يفهما # ثم قال: # الله جار بني المدبر كلما ... ذكر الأكارم ما اعف وأكرما ### | 5- # إضاءة: وكلا ضربي الخروج إلى المديح - متصلة بما قبله ومنقطعة - لا يخلو ~~من أن يقفي البيت فيه باسم الممدوح أو المذموم، أو اسم الأب، أو يوضع ذلك ~~في تضاعيف البيت ويقفى البيت بغير ذلك. # وكلما أمكن وضع الاسم في القافية كان أحسن موقعا وأبلغ في اشتهار الاسم، ~~والناس يسمون هذا النوع الشق على الاسم، كقول البحتري: (الرجز -ق- ~~المترادف) # ولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما # PageV01P102 ### | 6- # تنوير: فالذي يجب أن يعتمد في الخروج من غرض إلى غرض أن يكون الكلام غير ~~منفصل بعضه من بعض، وأن يحتال في ما يصل بين حاشيتي الكلام ويجمع بين طرفي ~~القول حتى يلتقي طرفا المدح والنسيب أو غيرهما من الأغراض المتباينة التقاء ~~محكما، فلا يختل نسق الكلام ولا يظهر التباين في أجزاء النظام؛ فإن النفوس ~~والمسامع إذا كانت متدرجة من فن من الكلام إلى فن مشابه له، ومنتقلة من ~~معنى إلى معنى مناسب له، ثم انتقل بها من فن إلى فن مباين له من غير جامع ~~بينهما وملائم بين طرفيهما وجدت النفس في طباعها نفورا من ذلك ونبت عنه، ~~كانت بمنزلة المستمر على طريق سهل، بينا هو يسير فيه عفوا إذ تعرض له في ~~طريقه ما ينقله من سهولة المسلك إلى حزونته ومن لينه إلى خشونته. وكذلك ~~النفوس والأسماع إذا قرعها المديح بعد النسيب دفعة من غير توطئة لذلك، ~~فإنها تستصعبه ولا تستسهله، وتجد نبوة ما في انتقالها إليها من غير احتيال ~~وتلطف في ما يجمع بين حاشيتي الكلام ويصل بين طرفيه الوصل الذي يوجد للكلام ~~به استواء والتئام. ### | د- مأم من مذاهب البلاغة المستشرفة بهذا المعرف وهو مذهب الإبداع في التخلص # والاستطراد # وطريقة التخلص ينحى بها أبدا نحوان: نحو يتدرج فيه إلى ما يراد التخلص ~~إليه وينتقل بتلطف ms198 إليه مما يناسبه ويكون منه بسبب؛ ونحو لا يكون التخلص ~~فيه بتدرج وانتقال من الشيء إلى ما يناسبه ويشبهه ولكن بالتفات الخاطر حيزا ~~من حيز وملاحظته طرفا من طرف، فينعطف إلى ما يريد التخلص إليه بما يكون ~~مناقضا له أو مخالفا أوشك انعطاف من غير مقدمة تشعر بذلك أو واسطة تنظم بين ~~الطرفين ولكن بالخروج من أحدهما والتخلي عنه دفعة إلى الآخر على جهات من ~~المآخذ. وذلك بان يلاحظ في المتخالفين صفة يجتمعان فيها من حيث لا يشعر ~~فيكون ذلك طريق النقلة من أحدهما إلى الآخر على سبيل تشبيه أو محاكاة، أو ~~بأن يضرب عن أحدهما في مقصد ويعتد بالآخر فيه، أو بأن يسلب عن أحدهما ما ~~أوجب للآخر. وقد يكون المأخذ في ذلك على غير هذه الأنحاء مما يعرف في مواضع ~~أخر من هذا الكتاب. ### | 1- # إضاءة: ولا يخلو التخلص من أن يكون في شطر بيت أو في بيت بجملته أو في ~~بيتين. وكلما قرب السبيل في ذلك كان أبلغ وقد يستحسن التخلص الواقع في ~~البيت بأسره ويقع من النفوس أحسن موقع، وذلك حيث يقصد التفخيم وزيادة ~~المعنى بها. فربما قدرت العبارة لذلك على المعاني تقديرا إضافيا، فحسن ذلك. ### | 2- # تنوير: ولا يخلو المتخلص إليه من أن يرد في مبنى القافية ونهاي الكلام ~~الموزون، أو يقع حشوا وتكون التقفية معنى آخر. # وإذا وقع ما يراد التخلص إليه في القافية كان أشهر له وأحسن موقعا من ~~النفس. وليس يحسن ما وقع حشوا من ذلك حسن ما وقع نهاية. وإذا قفي البيت بما ~~يكون تتميما لما وقع من ذلك حشوا كان أحسن من أن يقفى بما ليس له إليه ~~نسبة. وإذا وقع الشيء المتخلص إليه في القافية فهو الذي يسميه الناس الشق ~~على الاسم، وقد تقدم ذكره. ### | 3- # إضاءة: ولا يخلو الاسم في ذلك من أن يكون بسيطا أو مركبا. والمركب لا ~~يخلو من أن يكون في أدنى تركيب، أو يكون في أقصى ما تحتمله الأوزان في ذلك، ~~أو يكون في رتبة وسط بين ms199 الطرفين. # وما كان في أقصى الرتب من ذلك وما يليها من الأوساط فهو الذي يسمى ~~الاطراد، نحو قول دريد بن الصمة: (الطويل -ق- المتدراك) # قتلنا بعيد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب # وربما كان الاطراد على أنحاء أخر من التسلسل في الكلام المتعلق بعضه ~~ببعض، ولا يقال إلا في ما يحسن من ذلك. ### | 4- # تنوير: والأمور التي يجب اعتمادها في التخلص هي التحرز من انقطاع الكلام ~~ومن التضمين والحشو والإخلال واضطراب الكلام وقلة تمكن القافية والنقلة ~~بغير تلطف والاضطرار في ذلك إلى الكناية عما يجب التصريح به والإبانة عنه، ~~والتلطف في ما يوقع الكلام أحسن موقعه ويجريه على أقوم مجاريه من أضداد هذه ~~الأشياء. # PageV01P103 ### | 5- # إضاءة: ومما يجب اعتماده في التخلص: أن يجهد في تحسين البيت التالي لبيت ~~التخلص، فإنه أول الأبيات الخالصة للحمد أو الذم، وأول منقلة من مناقل ~~الفكر في ما تخلصت إليه، فيجب أن يعتمد فيه ما يكون محركا للنفس لتستأنف ~~هزة ونشاطا لتلقي ما يرد، فإن العناية بهذا البيت نحو من العناية بالبيت ~~الثاني من مطلع القصيد، بل ربما كانت الحاجة إلى استثارة الهزة عند ~~الانعطاف آكد منها في استثارة ذلك عند المبدأ، لكون صدر القصيدة وسماعه ~~يذهب بقسط من نشاط النفس ربما لم يكن يسيرا، فكانت الحاجة إلى استثارة ~~النشاط عند أخذه في الضعف آكد من الحاجة إلى استثارته في حال توفره وجمومه. ### | 6- # تنوير: وقد قسم الناس الخروج من جهة ما ينحى به منحى التدرج، أو الانعطاف ~~من غير تدرج، إلى تخلص واستطراد. وتخيروا مما وقع للشعراء في لك فصولا ~~وأبياتا. # فمما اختاروه من باب التخلص قول البحتري: (الطويل -ق- المتدارك) # شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد # كأن يد الفتح بن خاقان أقلبت ... تليها بتلك البارقات الرواعد # وقول محمد بن وهيب: (البسيط -ق- المتراكب) # مازال يلثمني مراشفه ... ويعلني الإبريق والقدح # حتى استرد الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح # وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح # ومما ذهب به مذهب الاستطراد من ذلك ms200 قول همام بن غالب الفرزدق: (الطويل ~~-ق- المتدارك) # ركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب # سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب # إذا أنو نارا يقولون: ليتها، ... وقد حضرت أيديهم، نار غالب # ومما اختير من ذلك قول جرير: (الكامل -ق- المتدارك) # لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل # ومن جيد الاستطراد قول حبيب في وصف الفرس: (البسيط -ق- المترادف) # فلو تراه مشيحا والحصى زيم ... ما بين رجليه من مثنى ووحدان # أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان ### | ه- معلم دال على طق العلم بالفرق بين المقصد والمقطع # إذا كان الشاعر مقتدرا على النفوذ من معاني جهة إلى معاني جهة أو جهات ~~بعيدة منها من غير ظهور تشتت في كلامه، وكان حسن المأخذ في ما يعضد به ~~المعاني التي هي عمدة في كلامه من الأشياء التي يحسن اقترانها بها، بصيرا ~~بأنحاء التدرج من بعض الأغراض والمعاني إلى بعض، بالغا الغاية القصوى في ~~التهدي إلى أحسن ما يمكن أن تكون بنية غرضه وكلامه عليه من المعاني الشديدة ~~العلقة بغرضه والانتساب إلى مقصده وإلى أحسن ما يمكن أن يزين به تلك ~~المعاني المعتمدة ويبهيها مما يكون فيه إفادة مناسبة لما أفادته تلك ~~المعاني فيكون في ذلك تقوية وتكميل لما اعتمد من المعاني الأول أو حياطة ~~لها من الضعف والنقص. ويكون مع ذلك موفيا للمعاني المعتمدة وما ني عليها ~~وألحق بها حقها من المبالغات وحسن الوضع، وكان مع ذلك مقتدرا على وضع ~~العبارات عن جميع ذلك على أحسن ما يمكن أن توضع عليه حتى يتناصر إبداعه في ~~المعاني بإبداعه في العبارات عنها، قبل فيه إنه بعيد المرامي. وهذا إنما ~~يتفق بقوة العارضة ومعانة الطبع وكمال تصرف الفكر. وهؤلاء هم المقصدون من ~~الشعراء المقتدرون على تعليق بعض المعاني ببعض واجتلابها من كل مجتلب. ### | 1- # إضاءة: فأما من لا يقوى من الشعراء على أكثر من أن يجمع خاطره في وصف شيء ~~بعينه ويحضر في فكره جميع ms201 ما انتهى إليه إدراكه من صفاته التي تليق بمقصده ~~ثم يرتب تلك المعاني على الوجه الأحسن فيها ويلاحظ تشكلها في عبارات منتشرة ~~ثم يختار لتلك العبارات من القوافي ما تجيء فيها متمكنة ثم ينظم خارجة عن ~~موصوفها، فهذا لا يقال فيه بعيد المرامي في الشعر، وهؤلاء هم المقطعون من ~~الشعراء. ### | الأسلوب # بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ### | القسم الرابع في الطرق الشعرية وما تنقسم إليه وما ينحى بها نحوه من الأساليب، # والتعريف بمآخذ الشعراء في جميع ذلك وما تعتبر أحوال الكلام المخيل ~~المقفى الموزون في جميع ذلك، من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها من ~~القوانين البلاغية. # PageV01P104 ### | المنهج الأول في الإبانة عن طريق الشعر من حيث تنقسم إلى جد وهزل، وما تعتبر به # أحوالها في كل ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها. # والشعر ينقسم أولا إلى طريق جد وطريق هزل. وله قسمة أخرى من جهة ما تتنوع ~~إليه المقاصد والأغراض، سأذكرها بعد إن شاءا لله. # فأما طريقة الجد فهي مذهب في الكلام تصدر الأقاويل فيه عن مروءة وعقل ~~بنزاع الهمة والهوى إلى ذلك. # وأما طريقة الهزل فإنها مذهب في الكلام تصدر الأقاويل فيه عن مجون وسخف ~~بنزاع الهمة والهوى إلى ذلك. # وأنا أذكر ما تختص به كلتا الطريقتين، وما يسوغ في كل واحدة منهما مما هو ~~خاص أو كالخاص بالأخرى. ### | أ- معلم دال على طرق العلم بما يجب اعتماده في طريقة الجد # فأما ما يجب في طريقة الجد فألا ينحرف في ما كان من الكلام على الجد إلى ~~طريقة الهزل كبير انحراف، أولا ينحرف إلى ذلك بالجملة، لأن الكلام المبني ~~على الجد إنما قصد به إلقاؤه بمحل القبول من أهل الجد. وكثير من أهل الجد ~~يكره طرق الهزل، ومن لا يكرهها منهم كبير كراهة لا نغصه غير منغص على ~~جميعهم، فلذلك يجب ألا يتعرض إليها كبير تعرض، أو لا يتعرض إليها بالجملة ~~في طرق الجد. ### | 1- # إضاءة: وجملة ما يجب أن يتجنب في ms202 ذلك هي الجهات المختصة بالهزل، والمعاني ~~الواقعة في تلك الجهات، والعبارات عن تلك المعاني، والجزء الواحد من ~~العبارة الواقعة في ذلك إذا كانت قد وقعت لشهرة بجهة من جهات الهزل. # ويجب أيضا أن يتحفظ بالنظم الجدي من أن يكون التأليف فيه على صيغة تأليف ~~قد اشتهر وقوعه في طريقة هزلية كأنما قد حذي بذلك حذو هذا. # وجملة الأمر ألا يتعرض فيها إلى منحى من مناحي الهزل - ولو بإشارة - إلا ~~حيث يليق ذلك بالحال والموطن، فيتصور إذ ذاك التعرض إلى ما خف من الهزل، ~~ولكل مقام مقال. ### | 2- # تنوير: وتختص الطريقة الجدية بأن يجتنب فيها الساقط من الألفاظ والمولد، ~~ويقتصر فيها على العربي المحض وعلى التصاريف الصريحة في الفصاحة المطردة في ~~كلامهم. ولا يعرج من ذلك على ما لا يدخل في كلامهم إلا بوجوه تستضعف ~~ويتسامح في إيراد الحوشي والغريب فيها في بعض المواضع. ### | 3- # إضاءة: ويجب في معاني الطريقة الجدية أن تكون النفس فيها طامحة إلى ذكر ~~ما لا يشين ذكره ولا يسقط من مروءة المتكلم، وأن تكون واقفة دون أدنى ما ~~يحتشم من ذكره ذو المروءة أو يكبر نفسه عنه، وأن تطرح من ذلك ما له ظاهر ~~شريف في الجد وباطن خسيس في الهزل. ### | 4- # تنوير: ومما تختص به العبارات في الطريقة الجدية أن يتحرى فيها المتانة ~~والرصانة كما تتحرى في طريقة الهزل الحلاوة والرشاقة. وقد تأخذ الطريقة ~~الجدية بطرف من الرشاقة كما تأخذ الطريقة الهزلية بطرف من المتانة. ### | ب- معرف دال على طرق المعرفة بما يجب أن يعتمد في طريقة الهزل # لما كان أهل طريقة الهزل يشاركون أهل طريقة الجد في كثير من المعاني ~~والعبارات ويستعملون ذلك في كلامهم وطريقتهم بساطا إلى ما يريدونه من معاني ~~الهزل التي هي غاية طريقتهم، وتلك المعاني والعبارات المشترك فيها هي التي ~~هي في أنفسها كلام جدي ليس فيه تعرض لما يقدح في الطريقة الهزلية، ولم يحتج ~~في طريقة الجد إلى شيء يكون لها بساطا من معانيا هزل، وكانت طريقة الهزل ~~بجملتها منافية لأهل طريقة الجد، ms203 ولمك تكن طريقة الجد بجملتها منافية لأهل ~~طريقة الهزل وجب أن تأخذ طريقة الهزل من طريقة الجد أخذا خاصا، وألا تأخذ ~~طريقة الجد من طريقة الهزل شيئا - اللهم - إلا أن يشير مشير إلى غرض من ~~أغراضها مما لا يقدح في طريقة الجد كبير قدح وتكون مع ذلك إشارته في المظنة ~~اللائقة بها، فإن ذا الجد قد يأتي من الهزل بما يخف في بعض المواضع - فإن ~~الكريم قد يطرب، وقد يحتاج إلى إطرابه، ولكل مقام مقال - لكنه يحتاج من بنى ~~كلامه على الجد - ثم أراد أن يلم بشيء من الهزل - أن يتلطف في التدرج من ~~الجد إلى الهزل، وأن يشعر بان ما ألم به من ذلك شيء لا حقيقة له، وإنما هو ~~على جهة المزح والدعابة ليبسط بذلك من النفوس ويحرك. فكثير من معاني الهزل ~~تحرك ذا الجد وتطربه وإن لم يكن من انه. وقد قال ابن الرومي معتذرا عن شيء ~~وقع له من الهزل في قصيدة مدحية: (الخفيف -ق- المترادف) # وأرى أن معشر سيقولو ... ن: سخيف من الرجال لعوب # PageV01P105 # أين عنه، وأين ما يدعيه ... من علوم لحامليها قطوب # ولعمري إن الحكيم وقور ... ولعمري إن الكريم طروب # وقد قال سقراط: (حكاية الهزل لذيذة سخيف أهلها، وحكاية الجد مكروهة، ~~وحكاية الممزوج منهما معتدل. ولا يقبل شاعر يحكي كل جنس، بل نطرده وندفع ~~ملاحته وطيبه، ونقبل على شاعرنا الذي يسلك مسلك الجد فقط) . ### | 1- # إضاءة: ومما تختص به طريقة الهزل ويجب اعتماده فيها أن تكون النفس في ~~كلامها مسفة إلى ذكر ما يقبح أن يؤثر، وألا تقف دون أقصى ما يوقع الحشمة، ~~وألا تكبر عن صغير ولا ترتفع عن نازل، وألا تطرح ما له باطن هزلي وإن كان ~~له ظاهر جدي، وأن ترد ما يفهم منه الجد إلى ما يفهم منه الهزل بتخليص ذلك ~~إلى حيز الهزل بما يجعل مخلصا إلى ذلك من توطئة أو غير ذلك. ويقع مثل هذا ~~بتضمين، ويقع بغير تضمين، وأكثر ما يتفق هذا مع اللفظ المشترك. # ومن هذا النوع تضمين ms204 بعضهم قول مهلهل: (طويل -ق- المترادف) # فلولا الريح أسمع من بنجد ... صليل البيض تقرع بالذكور # أبيات هجاء، فصرف البيت إلى غير مقصد مهلهل حيث وجد الألفاظ المشتركة ~~صالحة لأن يدل بها على ذلك. ### | 2- # تنوير: ومن ذلك أن تتحرى في عباراتها الرشاقة، وألا يتسامح في كثير من ~~التكلف المتسامح فيه في طريقة الجد. ### | 3- # إضاءة: ومن ذلك شيوع استعمال العبارات الساقطة والألفاظ الخسيسة ككثير من ~~ألفاظ الشطار المتماجنين وأهل المهن والعوام والنساء والصبيان على الوجه ~~الذي تقبل به الطريقة ذلك، وربما أوردوا ذلك على سبيل الحكاية. وهذا موجود ~~في مجون أبي نواس كثيرا وغير منقود عليه، ذلك لأنه لائق بالموضع الذي أورده ~~فيه من أشعاره التي بقصد بها الهزل. وليس يسوغ إيراد شيء من ذلك ولا حكايته ~~لمن طريقته الجد. فقد عاب بعض المتكلمين في هذه الصناعة قول أبي نصر ابن ~~نبانة: (الرمل -ق- المترادف) # وقال لنا الزمان: ظلمتموهم ... فقلنا للزمان: دع الفضولا # لأن هذا ليس من نمط ما بنى عليه كلامه من الجد، وهو أشبه بكلام الشطار. ~~ولو ورد مثل هذا في شعر ابن حجاج وأرابه من أهل الهزل والمجون لكان مرضيا ~~مختارا بالنسبة إلى طريقته. ### | 4- # تنوير: ويستساغ في طريقة الهزل استعمال التصاريف التي شاعت في ألسن الناس ~~وتكلم بها المحدثون وإن لم تقع في كلام العرب إلا على ضعف وقلة. فأما العبث ~~في العبارات والزيادة في حروف الكلم على ما سمع من العرب كقول بعضهم: (مقصر ~~الطويل -ق- المترادف) # شر بربت بماخور ... على دف وطنبور # فليس يقع مثل هذا لمن يقصد أن يكون كلامه عربيا. وإنما يقع لمن قصده ~~العبث وشوب الفصاحة باللكنة والعروبة بالعجمة، فليس على مثل هذا كلام. ### | ج- معلم دال على طرق العمل بما تأخذه طريقة الجد من طريقة الهزل. # فأما ما تأخذه طريقة الجد من طريقة الهزل فهي المعاني التي في ذكرها في ~~بعض المواضع إطراب وبسط للنفوس ومذهب في ما خف من الإحماض بحسب الأحوال ~~التي تكون بها مستعدة لقبول ذلك. ### | 1- # إضاءة: وهذه المعاني منها ما لا يقدح في ms205 طريقة الجد كبير قدح، ومنها ما ~~يقدح فيها أعظم القدح. # ومزايا القدح يختلف اعتبارها بحسب ما تكون عليه النفوس من التصميم في ~~الجد أو الاقتصاد والاعتدال فيه. فيجب عند تسامح من طريقته الجد في الإحماض ~~أن يورد من المعاني اللائقة بذلك مقدار ما يناسب طبع المخاطب، فربما عظم ما ~~لم يكن فيه كبير قدح عند المصمم في الجد، وربما صغر عند المقتصد في الجد ~~والمعتدل فيه ما قدحه كبير في ذلك. ولكن يجب على من طريقته الجد أن يكون ما ~~يلم به من الإحماض في تفاريق كلامه والفلتات من أحواله مما لا يعظم قدحه في ~~طريقة الجد. فيجب أن يضرب بها عن الإلمام بالمعاني العظيم قدحها، وعن ~~التعرض لجهات تلك المعاني، وقد تقدم معنى الجهة فيما تقدم. ### | 2- # تنوير: وتشارك طريقة الجد طريقة الهزل في أن ينحى بعباراتها نحو الرشاقة ~~في المواضع التي يحسن ذلك فيها، أو يقال إن طريقة الجد تأخذ هذا من طريقة ~~الهزل لأن طريقة الهزل به أخلق وهو بها أولى وأليق. ### | 3- # إضاءة: وكل كلام اعتمدت فيه المراوحة بين المعاني الجدية وما لا ينافيها ~~كل المنافاة من معاني الهزل فإنه من القسم الممتزج من جد وهزل. وهو الذي ~~تقدمت الإشارة إليه في قول سقراط. # PageV01P106 ### | د- معرف دال على طرق المعرفة بما تأخذه طريقة الهزل من طريقة الجد. # فأما ما تأخذه طريقة الهزل من طريقة الجد، فتأخذ منها المعاني التي ليس ~~فيها تعرض للقدح فيها وجميع ما يتعلق بها من جهات وعبارات ليجعل ذلك بساطا ~~للتدرج إلى الهزل. ### | 1- # إضاءة: وقد تأخذ من معانيها أيضا ما يقدح فيه لكن على جهة حكايتها والرد ~~عليها والتفنيد لها بعد التقرير. وأما أخذ جميع ذلك على جهة صرفه إلى طريقة ~~الهزل بما في العبارة الجدية لذلك من الاحتمال يكون العبارة الجدية يمكن ~~فيها أكثر من مفهوم من قبل اشتراك يكون في بعض العبارات أو إيهام اشتراك ~~يعرض في التركيب أو غير ذلك من الوجوه التي لا يكون الكلام بها نصا على ~~معنى واحد فسائغ ms206 فيها. ### | 2- # تنوير: ومما تأخذه طريقة الهزل من طريقة الجد أيضا إيراد بعض المعاني ~~العلمية على نحو من الإحالة عليها ببعض معاني الهزل والمحاكاة بها، كقول ~~أبي نواس: (المتقارب -ق- المترادف) # صرت له رفعا على الابتداء ... وصار لي نصبا على الحال ### | 3- # إضاءة: وتشارك طريقة الهزل طريقة الجد في الأخذ بطرف من المتانة، أو يكون ~~ذلك مما تأخذه طريقة الهزل منها لأنه أليق بطريقة الجد وأنجع فيها وأكثر ~~استصحابا لها. ### | 4- # تنوير: فهذه قواني مقنعة فيما يتعلق بالطريقة الجدية وما يتعلق بالطريقة ~~الهزلية وما يتعلق بهما معا. ومعرفتها أكيدة في صناعة النقد والبصيرة بطرق ~~الكلام وما يجب بها. فكثير من وجوه النقد والنظر في هذه الصناعة يتعلق بها. ~~وأيضا فإنه إذا أريد الحكم بن شاعرين متماجنين أيهما أشعر أو بين جاد وماجن ~~أيهما أمضى في طريقته وأبرع فيها لم يكن بد من معرفة هذه القوانين فيا ~~لطريقتين، إذ بها يتبين نمط كلامه وإعراقه في الطريقة التي هو مبني عليها ~~وسلامته بحسب ما يجب فيها. فلهذا ألمعت إلى ما يجب فيا لطريقتين ببعض ~~القول، فمن تفهم ذلك وكان اعتباره بحسبه يصب إن شاء الله. ### | المنهج الثاني في الإبانة عن طرق الشعر من حيث تنقسم إلى فنون الأغراض، وما تعتبر # به أحوال الشعر في جميع ذلك من حيث تكون ملائمة أو منافرة لها. ### | أ- معلم دال على طرق العلم بما ينقسم إليه الشعر بحسب ما قصد به من الأغراض. # اختلف الناس في قسمة الشعر: فقسمه بعض من تكلم في ذلك إلى ستة أقسام: مدح ~~وهجاء ونسيب ورثاء ووصف وتشبيه. # وقال بعضهم: الصحيح أن تكون أقسامه خمسة لأن التشبيه راجع إلى معنى ~~الوصف. # وممكن أيضا أن يقول قائل: إن قسم الوصف أيضا داخل في قسم الحمد أو قسم ~~الذم، وإن كان جاعل الوصف قسما غنما يعني الأوصاف التي ليس بالإنسان حاجة ~~إلى حمد موصوفاتها ولا إلى ذمها ولا هي أيضا يصل إليها من ذلك شيء، وإنما ~~القصد بوصفها سبر الخواطر ورياضتها. # وقال بعضهم::أركان الشعر أربعة: الرغبة والرهبة والطرب ms207 والغضب) . وقال ~~بعضهم: (الشعر كلمة فيا لحقيقة راجع إلى معنى الرغبة والرهبة) . # وهذه التقسيمات كلها غير صحيحة لكون كل تقسيم منها لا يخلو من أن يكون ~~فيه نقص أو تداخل. # وأنا أذكر الوجه الصحيح والمأخذ المستقيم في القسمة التي لا نقص فيها ولا ~~تداخل. ### | 1- # إضاءة: فأما طريق معرفة القسمة الصحيحة التي للشعر من جهة أغراضه فهو أن ~~الأقاويل الشعرية لما كان القصد بها استجلاب المنافع واستدفاع المضار ~~ببسطها النفوس إلى ما يراد من ذلك وقبضها عما يراد بما يخيل لها فيه من خير ~~أو شر، وكانت الأشياء التي يرى أنها خيرات أو شرور منها ما حصل ومنها ما لم ~~يحصل، وكان حصول ما من شأنه أن يطلب يسمى ظفرا، وفوته في مظنه الحصول يسمى ~~إخفاقا، وكان حصول ما من شأنه أن يهرب عنه يسمى أداة أو رزءا، وكفايته في ~~مظنه الحصول تسمى نجاة، سمي القول في الظفر والنجاة تهنئة، وسمي القول ~~بالإخفاق إن قصد تسلية النفس عنه تأسيا، وإن قصد تحسرها تأسفا، وسمي القول ~~في الرزء إن قصد استدعاء الجلد على ذلك تعزية، وإن قصد استدعاء الجزع من ~~ذلك سمي تفجيع. فإن كان المظفور به على يدي قاصد للنفع جوزي على ذلك بالذكر ~~الجميل وسمي ذلك مديحا، وإن كان الضار على يدي قاصد لذلك فأدى ذلك إلى ذكر ~~قبيح سمي ذلك هجاء، وإذا كان الرزء بفقد شيء فندب ذلك الشيء سمي ذلك رثاء. # PageV01P107 ### | 2- # تنوير: ولما كانت المنافع كأنها تنقسم إلى ما يكون بالنسبة والملاءمة مثل ~~ما يوجد من مناسبة بعض الصور لبعض النفوس فيحصل لها بمشاهدة تلك الصورة ~~المناسبة لها نعيم وابتهاج - وذلك الابتهاج نوع من المنافع لتلك النفس- ~~وإلى ما يكون بالفعل والاعتماد مثل ما يعتمده الإنسان من إسعاف آخر بطلبته ~~فيكون في إسعافه بها منفعة له، وإلى ما يكون منفعة بالقوة والمال أو بتشفي ~~النفس فقط مثل ما تحل مضرة بعدو إنسان فتنفع ذلك الإنسان بان تضعه له ~~وتقويته على مقاومته والانتصاف منه، وربما لم ينتفع من ذلك إلا ms208 بسرور ~~التشفي فقط، وكانت المضار أيضا تنقسم إلى أضداد ما ذكرته اقتضى ذلك انقسام ~~الذكر الجميل إلى ما يتعلق بالأشياء المناسبة لهوى النفس وسمي ذلك نسيبا، ~~وإلى ما يتعلق بالأشياء المستدعية رضى النفس وسمي ذلك كما تقدم مديحا، وكان ~~ما يتعلق من الذكر القبيح بالأشياء المنافرة لهوى النفس والأشياء المباعدة ~~عن رضاها كلاهما داخل تحت قسمة واحدة وهي الهجاء. ### | 3- # إضاءة: فالطرق قد تختلف بحسب اختلاف المنافع وكذلك بحسب اقتران الأحوال ~~التي للقائلين والمقول فيهم، مثل أن يقترن في القول وصف حال مرتاح بحال ~~مرتاح له أو حال مكترث بحال مكترث له، فتختلف الطرق أيضا بحسب اختلاف ذلك. ~~ألا ترى أن الميزة بين المديح والنسيب إذا لم يتعرض المشبب لوصف حاله غنما ~~هو بأن النسيب يكون بأوصاف مناسبة لهوى النفس ويكون مع ذلك مقترنا به وصف ~~حال توجع المشبب في كثير من الأمر، والمديح يكون بأفعال شريفة دالة على ~~كمال الإنسان مستدعية لرضى النفوس من غير أن يقرن بذلك من صفة حال القائل ~~ما اقترن بالتشبيب. والفرق بين النسيب المقترن به وصف حال توجع ورثاء ~~النساء المقترن به حال توجعه أيضا أن النسيب بموجود والرثاء لمفقود. فهذه ~~أيضا من الجهات التي تختلف الطرق بها. ### | 4- # تنوير: ولما كان ما يهرب منه قد يقع ممن يحتمل منه ذلك ولو أدنى احتمال - ~~فلا يؤاخذ به جملة أو لا يؤاخذ به كبير مؤاخذة، ومنهم من يؤاخذ به أشد ~~المؤاخذة - سمي ما يتعلق من القول بذلك بحسب طبقات من يقع ذلك منهم ونسبتهم ~~إلى القائل معاتبة وتعديدا وتوبيخا وتقريعا. فإن صدر ما يكون منه الهرب من ~~القائل إلى المخاطب ثم أعفاه منه وتعلق القول بذلك سمي إعتابا. فإذن تنقسم ~~الأقوال فيما حصل مما شأنه أن يطلب أو يهرب عنه إلى تهان وما معها، وتعاز ~~وما معها، ومدائح وما معها، وأهاج وما معها. ### | 5- # إضاءة: ولا يخلو الشيء الحاصل مما شأنه أن يطلب أو يهرب عنه من أن يكون ~~ذو العناية به أحدا - كان القائل أو غيره - ويكون ms209 هو حاكيا ذلك عنه، أو ~~يكون قد عني به متنازعان في استجلابه أو مدافعته - كان القائل أحد ~~المتنازعين أو لم يكن - غير أنه يحكي حالهما أو يكون حاكما بينهما، فيكون ~~الكلام على هذا إما اقتصاصا وإما مشاجرة وإما فصلا في مشاجرة؛ وقد تكون ~~المشاجرة والفصل فيها متعلقين بما يستقبل. ### | 6- # تنوير: فأما الأمور التي لم تحصل مما شأنه أن يطلب أو يهرب عنه فلا يخلو ~~من أن يكون المتكلم هو الطالب لها أو الهارب منها من تلقاء السامع، أو يكون ~~السامع هو الطالب لها أو الهارب عنها من تلقاء المتكلم. فما كان من المتكلم ~~إلى السامع مما شأنه أن يطلب يسمى إذا لم يعلم رأيه فيه غرضا، وما كان من ~~تلقاء السامع إلى المتكلم وكان طلبا جزما سمي اقتضاء، فإن كان بتلطف سمي ~~استعطافا، وإن كان يرى أنه قد جاوز الوقت الذي كان يجب فيه سمي استبطاء، ~~فإن كان مما شأنه أن يهرب منه وأنذر به المتكلم من تلقاء نفسه أو من غيره ~~سمي ذلك إبعادا وتهديدا وإنذارا وتخويفا ونحو ذلك. فإن خافه من تلقاء ~~السامع واستدفعه إياه سمي ذلك استعفاء أو استقالة أو ترضيا أو نحو ذلك. # فقد حصل بهذا الاعتبار إذن أقاويل عرضيات وترهيبات وتخويفات واستدفاعيات ~~ومنها الإطماعيات أيضا ومقابلتها وهو ما أطمع القائل فيه أو أيأس منه. # PageV01P108 ### | 7- # إضاءة: وقد يكون الشيء المطلوب أو المهروب منه أحد شيئين فيتشكل على ~~القائل أو السامع فيما يجب أن يطلب وأيهما يجب أن يهرب منه، أو يشتكل ~~الطريق الهادي إلى ذلك فيشير القائل على غيره بالواجب طلبه من ذلك أو ~~يستشير غيره فيكون الكلام على هذا إشارة أو استشارة. وقد يستشير أيضا في ~~الفضل بين المنازعين فينقسم القول على هذا إلى قصص ومشاجرة وحكم وإشارة ~~واستشارة وغرض واقتضاء وكفاية واستكفاء وترغيب وترهيب وإطماع وإياس. وفي كل ~~نحو من هذه المقاصد يطلب ما يجلب سرورا أو حمدا أو يهرب مما يجتلب حزنا أو ~~ذما. # فقد تبين أن أمها الطرق الشعرية أربع، وهي التهاني ms210 وما معها والتعازي وما ~~معها، والمدائح وما معها، والهاجي وما معها، وأن كل ذلك راجع إلى ما الباعث ~~عليه الارتياح، وإلى ما الباعث عليه الاكتراث وإلى ما الباعث عليه الارتياح ~~والاكتراث معا. ### | ب- معرف دال على طرق المعرفة بما يوجد لبعض الخواطر من قوة على التشبه فيما لا يجري # على السجية - من تلك الأغراض - بما يجري على السجية من ذلك. ### | 1- # إضاءة: اعلم أن خير الشعر ما صدر عن فكر ولع بالفن والغرض الذي القول ~~فيه، مرتاح للجهة والمنحى الذي وجه إليه كلامه لإقباله بكليته على ما يقوله ~~وتوفير نشاط الخاطر وحدته بالانصباب معه في شعبه والميل معه حيث مال به ~~هواه. ولهذا كان أفضل النسيب ما صدر عن سجية نفس شجية وقريحة قريحة. وكذلك ~~الإخوانيات والمراثي وما جرى هذا المجرى. ### | 2- # تنوير: وقد تواجد لبعض النفوس قوة تتشبه بها في ما جرت فيه من نسيب وغير ~~ذلك على غير السجية بما جرى فيه على السجية من ذلك، فلا تكاد تفرق بينهما ~~النفوس ولا يماز المطبوع فيها من المتطبع، فإذا انفق مع هذا حسن النظم ~~تناصر الحسن في النظام والمنحى واعتم فلم يكن فيه مقدح. ### | 3- # إضاءة: واعلم أن المنحى الشعري نسيبا كان أو مدحا أو غير ذلك فإن نسبة ~~الكلام المقول فيه إليه نسبة القلادة إلى الجيد، لأن الألفاظ والمعاني ~~كاللآلي، والوزن كالسلك، والمنحى الذي هو مناط الكلام وبه اعتلاقه كالجيد ~~له. فكما أن الحلي يزداد حسنه في الجيد الحسن، فكذلك النظم إنما يظهر حسنه ~~في المنحى الحسن. فلذلك وجب أن يكون من له قوة التشبه المذكورة أكمل في هذه ~~الصناعة ممن ليست له تلك القوة. ### | 4- # تنوير: وكل من قويت فيه هذه القوة فلا يبعد عليه أن يلتفت إلى بعض مناحي ~~شكاة الهوى في أشعارهم الجارين على سجاياهم مما لطف أسلوبه وظرف منزعه، وإن ~~وقع ما كان بهذا الوصف تفاريق في تلك الأشعار، فيحضر ما كان بهذا الوصف في ~~خاطره، ويسلط الفكر والتصور على استبانة الطرق التي من أجلها حسن الكلام في ~~منحاه ms211 وأسلوبه ومنزعه. فإذا استبان تلك الطرق على ما بها من الخفاء على ~~كثير من الأفكار استظهر بالقوة التشبيه على انتهاج مثل تلك الطرق في كلامه، ~~ونصب ما قام بخاطره من تصورها تمثالا يصوغ كلامه بحسبه ومنوالا ينسج نظامه ~~عليه، جاء كأنه هو. ### | 5- # إضاءة: وربما اقتفى من له هذه القوة في منحى كلامه وأسلوبه ومنزعه آثار ~~شعراء لم يتوطأ في مجموع ذلك، لكن حسن منحى كلام هذا ولطف أسلوب كلام ذلك ~~ومنزع كلام الآخر، فأخذ هو من كل واحد منهم ما اختص به وبنى على مجموع ذلك ~~كلامه، وما أجدر أبا الحسن مهيارا الديلمي بان تكون هذه صفته. ### | 6- # تنوير: وهذه القوة تتفاوت فيا لشعراء. فمنهم من له قوة على التشبه في ~~جميع كلامه أو أكثره، ومنهم من لا ينسحب تأثير تلك القوة على جميع كلامه ~~ولا أكثره بل يكون ذلك في بعضه على سبيل الإلماع والندور أو فوق ذلك قليلا. ### | 7- # إضاءة: فأما من ينسحب تأثير تلك القوة على جميع كلامه أو أكثره فهم الذين ~~لا تحتاج فيهم تلك القوة إلى معاونة من أمر خارج عن الذهن من الأمور ~~الباعثة على قول الشعر، لتوفير تلك القوة فيهم على كل حال. ومن أيمة هذا ~~الصنف: الشريف ومهيار وابن خفاجة. # وأما من لا ينسحب تأثير تلك القوة التشبيهية إلا على الأقل من كلامه فهم ~~الذين تحتاج تلك القوة فيهم إلى معاونة بالأمور الباعثة على قول الشعر. فقد ~~توجد تلك البواعث وقد لا توجد، وقد تتوفر في وقت وقد تقل في وقت. # PageV01P109 ### | 8- # تنوير: واعلم أن هذه القوة لا تدرك بحرص ولا تنال بجهد بل قد يمنعها ~~الحريص ويمنحها غير الحريص. واعتبر ذلك بجرير والفرزدق - فإن جريرا على ~~عفته، نسيبه في غاية الرقة وحسن الأسلوب، والفرزدق على عهره وشدة ولوعه ~~بالنساء، نسيبه في نهاية الجفاء وقبح الأسلوب، مع حرصه على أن يرقه ويحسن ~~أسلوب - وحسده لجرير حيث أنشد له فصولا من نسيب منها: (الوافر -ق- ~~المترادف) # متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام # فقال: (قاتله ms212 الله، ما كان أحوجني مع فسقي إلى رقة شعره وما كان أحوجه مع ~~عفته إلى خشونة شعري) . وكان الفرزدق قد أجل عاما في أن يصنع بيتا رقيقا في ~~النسيب، فقال بعد حول: (البسيط -ق- المتدارك) # يا أخت ناجية بن مرة إنني ... أخشى عليك بني إن طلبوا دمي # فغلبه بعد هذه المطاولة طبعه واعتاص عليه ما ليس في قوته. ### | 9- # إضاءة: وقد تحصل بحفظ الكثير مما حسن منحاه وأسلوبه ومنزعه، وروي الذكر ~~من ذلك، وتعليل النفس به أبدا، ومطارحتها القول على نحو من ذلك، والترامي ~~بالخاطر أبدا إلى الجهات من المعارضة لذلك، دربة يوصل بها أيضا إلى التشبه، ~~ولاسيما إذا تفهم ما قلته في الوجوه التي بها تحسين الأساليب والمنازع. ~~فكانت تلك الوجوه متحصلة في ذهنه. فهذه بعض منافع القول في الأساليب ~~والمنازع. لكن من لم يتوصل إلى التشبه إلا بالدربة من غير أن تكون له القوة ~~التي ذكرت فربما وقع له ما يعده ذو القوة البصير بطرق النقد متكلفا أو ~~فاترا، وإن خفي ذلك على أكثر الناس. ### | ج- معلم دال على طرق العلم بما ينقسم إليه الشعر بحسب اختلافات أنحاء التخاطب. # لما كان الكلام أولى الياء بان يجعل دليلا على المعاني التي احتاج الناس ~~إلى تفاهمها بحسب احتياجهم إلى معاونة بعضهم بعضا على تحصيل المنافع وإزاحة ~~المضار وإلى استفادتهم حقائق الأمور وإفادتها وجب أن يكون المتكلم يبتغي ~~إما إفادة المخاطب، أو الاستفادة منه. إما بأن يلقي إليه لفظا يدل المخاطب ~~إما على تأدية شيء من المتكلم إليه بالفعل أو تأدية معرفة بجميع أحواله أو ~~بعضها بالقول، وإما بان يلقي إليه لفظا يدله على اقتضاء شيء منه إلى ~~المتكلم بالفعل أو اقتضاء معرفة بجميع أحواله أو بعضها بالقول؛ وكان الشيء ~~المؤدى بالقول لا يخلو من أن يكون بينا فيقتصر به على الاقتصاص أو يكون ~~مشتكلا فيؤدى على جهات من التفصيل والبيان والاستدلال عليه والاحتجاج له. # فكلام المتكلم فيما يؤديه قسمان: قسم يقع فيه الاستدلال وقسم الاستدلال ~~فيه. # وكلامه فيما يقتضيه من المخاطب قسم واحد ms213 في أكثر الأمر، لأن الإجابة ~~بالاستدلال أو عدمها في ذلك للمخاطب. وليس ذلك من كلام المتكلم إلا أن يحكي ~~ما دار بينه وبين مخاطبه، فيكون ذلك كالتركيب من القسمين، وليس به على ~~الحقيقة لكون ذلك ليس من كلام واحد. ### | 1- # إضاءة: ولا يخلو فيما حكاه من ذلك أن يكون مسلما أو محاجا. فإن كان مسلما ~~فهو الذي أشرنا إليه، وإن كان محاجا كان ذلك من باب المشاجرة. وهو متركب من ~~تأدية المخاطب نقيض ما أداه المتكلم، والمتكلم نقيض ما أداه المخاطب، كما ~~أن باب الإشارة أيضا مركب من تأدية واقتضاء، لأن المتكلم يؤدي إلى المخاطب ~~رأيه ويقتضي قبوله. ### | 2- # تنوير: وجملة ما ينقسم إليه الكلام من جهة ما يقع فيه من تأدية واقتضاء ~~باعتبار البساطة فيهما والتركيب ستة أقسام: 1- تأدية خاصة 2- أو اقتضاء ~~خاصة. ### | 3- # أو تأدية واقتضاء معا. ### | 4- # وتأديتان من المتكلم والمخاطب. ### | 5- # أو اقتضاءان منهما: فكان هذا يكون على جهة من الحيدة بأن يقتضي المتكلم ~~من المخاطب شيئا فيقتضي المخاطب من المتكلم شيئا آخر قل أن يؤدي إلى ~~المتكلم ما اقتضاه. ### | 6- # أو يكون مركبا من اقتضاء المتكلم تتبعه تأدية من المخاطب على جهة السؤال ~~والجواب. # فإذا حكى المتكلم كلام المخاطب مع كلامه، أو حكى كلامهما معا غيرهما، وجد ~~الكلام ينقسم على هذا الاعتبار بحسب البساطة والتركيب ستة أقسام. ### | د- معرف دال على طرق المعرفة بما ينقسم إليه الشعر بحسب إيقاع الحيل الشعرية فيه. # PageV01P110 # والأقاويل الشعرية أيضا تختلف مذاهبها وأنحاء الاعتماد فيها بحسب الجهة ~~أو الجهات التي يعتني الشاعر بها بإيقاع الحيل التي هي عمدة في إنهاض ~~النفوس لفعل شيء أو تركه أو التي هي أعوان للعمدة. وتلك الجهات هي ما يرجع ~~إلى القول نفسه، أو ما يرجع إلى القائل، أو ما يرجع إلى المقول فيه، أو ما ~~يرجع إلى المقول له. والحيلة فيما يرجع إلى القول وإلى المقول فيه وهي ~~محاكاته وتخييله بما يرجع إليه أو بما هو مثال لما يرجع إليه هما عمودا هذه ~~الصناعة، ومما يرجع إلى القائل والمقول له كالأعوان ms214 والدعامات لها. ### | 1- # إضاءة: وتفصيل هذه الجملة أن القول في شيء يصير مقبولا عند السامع في ~~الإبداع في محاكاته وتخييله على حالة توجب ميلا إليه أو نفورا عنه بإبداع ~~الصنعة في اللفظ وإجادة هيأته ومناسبته لما وضع بإزائه وبإظهار القائل من ~~المبالغة في تشكيه أو تظلمه أو غير ذلك وإشراب الكآبة والروعة وغير ذلك ~~كلامه ما يوهم أنه صادق. فيكون ذلك بمنزلة الحال فيمن ادعى أن عدوا وراءه ~~وهو مع ذلك سليب ممتقع اللون، فإن النفوس تميل إلى تصديقه وتقنعها دعواه، ~~أو بان يحتال في انفعال السامع لمقتضى القول باستلطافه وتفريطه بالصفة التي ~~من شأنها أن يكون عنها الانفعال لذلك الشيء المقصود بالكلام ومدحه إياه بان ~~تلك عادته وأنها من أفضل العادات. ### | 2- # تنوير: وقد تعضد هذه الأشياء باستلالات خطبية محضة أو موجود فيها شروط ~~الشعر والخطابة معا يكون المحاكاة توجد فيها مع الإقناع؛ وما كن بهذه الصفة ~~فهو أفضل موقعا في الشعر، والصنف الآخر أيضا قد يقع في الشعر ولا يقدح ذلك ~~فيه لأن صناعة الشعر لها أن تستعمل شيئا من الإقناع كما أن صناعة الخطابة ~~لها أن تستعمل شيئا يسيرا من المتخيلات. ### | 3- # إضاءة: وإذ قد تبين أن الكلام يهيأ للقبول من جهة ما يرجع إليه وما يرجع ~~إلى القائل وما يرجع إلى المقول فيه والمقول له فواجب أن يعلم أن للكلام في ~~كل مأخذ من تلك المآخذ التي بها تعتر النفوس لقبوله هيآت من جهة ما يلحقه ~~من العبارات وما يتكرر فيه من المسموعات الدالة على مأخذ مأخذ من ذلك. ~~فربما أدى الاطراد على نحو من ذلك إلى تكرار يستثقل ويزول به طيب الكلام. ~~وأنا أنبه على ما يكثر في مأخذ مأخذ من ذلك. ### | 4- # تنوير: فأما المأخذ الذي من جهة الحيلة الراجعة إلى القائل فمن شانه أن ~~تقع معه الكلم المستندة إلى ضميري المتكلم كثيرا. فأما ما يرجع إلى السامع ~~من ذلك فكثيرا ما تقع فيها الصيغ الأمرية وما بإزائها. وبالجملة تكثر فيها ~~المسموعات التي هي أعلام على المخاطبة. فأما ms215 ما يرجع إلى المقول به فكثيرا ~~ما تقع فيه الأوصاف والتشبيهات، وأكثر ما يستعمل ذلك مع ضمائر الغيبة. وهم ~~يسأمون الاستمرار على ضمير متكلم أو ضمير مخاطب فينتقلون من الخطاب إلى ~~الغيبة، وكذلك أيضا يتلاعب المتكلم بضميره فتارة يجعله ياء على جهة الإخبار ~~عن نفسه وتارة يجعله كافا أو تاء فيجعل نفسه مخاطبا وتارة يجعله هاء فيقيم ~~نفسه مقام الغائب، فلذلك كان الكلام المتوالي فيه ضمير متكلم أو مخاطب لا ~~يستطاب وغنما يحسن الانتقال من بعضها إلى بعض. ### | 5- # إضاءة: وكذلك لا ينبغي أن يستمر في كلام طويل على وصف حالة ساذجة، بل ~~التركيب في لأحوال واقتران بعضها ببعض مما يجب أن يعتمد، مثل اقتران وصف ~~حالة المحب بوصف حالة المحبوب؛ فإن الترامي بالكلام إلى أنحاء شتى في جهة ~~جهة وتركيب تركيب وصيغة صيغة وضرب بعضه ببعض على الهيآت الملائمة في كل ~~مذهب يذهب فيه ونحو ينحى به ألذ وأطيب من الجمود به على حالة واحدة في كل ~~نحو من أنحاء الكلام. ### | 6- # تنوير: وبحسب الميل به إلى نحو نحو من جميع ما ذكرناه من أنحاء الأقاويل ~~الشعرية وما توجه إليه وتجري عليه من الجهات والمجاري التي أشرت إليها ~~اختلفت طرق الناس في الشعر، ووجد لكل شعر ذوق يخصه وسمة يمتاز بها من غيره. ~~فتباينت طرق الناس وأساليبهم ومنازعهم ومآخذهم في جميع ذلك، لأن طرق ~~التركيب في جميع ذلك لا تنحصر، فلذلك ينبغي أن يقتصر من قسمة الشعر إلى ~~أربعة الأقسام التي ذكرنا. وأما من قسمه إلى مديح ونسيب وهجاء ورثاء فإنما ~~قسمه بحسب الأهم فالأهم والأوقع فالأوقع من الأغراض التي هي أصول بأنفسها ~~أو فروع عن غيرها، لأن وقوع الأقاويل الشعرية في هذه الأغراض أكثر من ~~وقوعها في غيرها. # PageV01P111 ### | 7- # إضاءة: ولما كان الأكثر وقوعا من أغراض الشعر مقاصدهم أشد كان من تلك ~~الأغراض ما يكثر وقوعه وما يقل وما يتوسط. فأما ما كثر وقوعه فكالنسيب ~~والمديح والرثاء وأما ما قل فكالمنافرات ومشاجرات الأعداء ومفاخراتهم ~~ومهاجاتهم، على أن بعضهم قد يكثر من ms216 هذا، وأما ما توسط فكالمعاتبات ~~والاستعطافات والاستعذارات. ### | ه- معلم دال على طرق العلم بما يجب اعتماده فيكل غرض من أغراض الشعر المتقدم تقسيمه # إليه. # قد أشرنا إلى كيفية انقسام الشعر بحسب البساطة والتركيب، ولم يمكن ~~استقصاء أنواع التركيب إذ لا جدوى لذلك. وإنما الواجب أن يعرف الإنسان طرق ~~التركيب، وأن يعرف أمهات تلك الطرق، ويعرف جميع ما يجب في ذلك بالنظر إلى ~~بساطته أو إلى تركيبه ولما هو متركب منه، فيجري كلا على ما يجب فيه ويعتبر ~~فيهما يليق به. # إضاءة: فمما يجب تأصيله في هذا المعلم إعطاء قانون فيما يحسن وما يقبح من ~~الجمع بين كل غرضين متضادين من هذه الأغراض. ويقبح من ذلك أن يكون الغرضان ~~المتضادان كالحمد والذم أو الإبكاء والإطراب قد جمع بين أحدهما والآخر من ~~جهة واحدة ونيطا بمحل واحد وكان ظاهرهما وباطنهما متساويين فيا لتناقض، مثل ~~أن يحمد الإنسان شيئا ويذمه من جهة واحدة ويكون ظاهر الكلام يعطي الحمد ~~والذم معا، وكذلك باطنه. ### | 2- # تنوير: وأما ما يسوغ ويحسن في كثير من المواضع فإن يكون المقصدان عير ~~منصرفين إلى محل واحد أو غير منبعثين من محل واحد. ### | 3- # إضاءة: وأما ما يحسن من ذلك ويعد بديعا فان يكون أحد المتضادين يقصد به ~~في الباطن غير ما يقصد به فيا لظاهر، فيكون في الحقيقة موافقا لمضاده فيما ~~يدل عليه على جهة من المجاز والتأويل، وذلك نحو قول النابغة: (الطويل -ق- ~~المتدارك) # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # فجمع بين الحمد وما يوهم أنه ذم، وهو فيا لحقيقة مدح. # ونقيضه قول ابن الرومي: (الخفيف-ق- المترادف) # خير ما فيهم، ولا خير فيهم ... أنهم غير آثمي المغتاب # فجمع بين الذم وما أوهم قبل استيفاء العبارة بصفته أنه حمد وهو في ~~الحقيقة من أكبر الذم. ### | 4- # تنوير: وأنا أشير إلى بعض ما يجب اعتماده في ما يكثر استعماله من أغراض ~~الشعر وتتعاوره القرائح من فنون الطرق الشعرية البسيطة والمركبة، وأذكر في ~~غرض غرض من ذلك طرفا يستدل به على ما ms217 سواه. # فمن ذلك طريقة المدح، ويجب فيها السمو بكل طبقة من الممدوحين إلى ما يجب ~~لها من الأوصاف، وإعطاء كل حقه من ذلك؛ ويجب أن يتوسط في مقادير الأمداح ~~التي لا يحتاج فيها إلى إطالة في وصف فتح وما يجري مجرى ذلك مما قد تحتمل ~~الإطالة فيه، فإن الإطالة مدعاة إلى السآمة والضجر، وخصوصا إذا كان الممدوح ~~من غلبة نعيم الدنيا عليه بحيث يقل احتماله لذلك ويتأذى به؛ ويجب ألا يمدح ~~رجل إلا بالأوصاف التي تليق به؛ ويجب أن تكون ألفاظ المديح ومعانيه جزلة ~~مذهوبا بها مذهب الفخامة في المواضع التي يصلح بها ذلك، وأن يكون نظمه ~~متينا، وأن تكون فيه مع ذلك عذوبة. ### | 5- # إضاءة: وأما النسيب فيحتاج أن يكون مستعذب الألفاظ حسن السبك حلو المعاني ~~لطيف المنازع سهلا غير متوعر، وينبغي أن يكون مقدار التغزل قبل المدح قصدا ~~لا قصيرا مخلا ولا طويلا مملا. ### | 6- # تنوير: وأما الرثاء فيجب أن يكون شاجي الأقاويل مبكي المعاني مثيرا ~~للتباريح، وأن يكون بألفاظ مألوفة سهلة في وزن متناسب ملذوذ، وان يستفتح ~~فيه بالدلالة على المقصد ولا يصدر بنسيب لأنه مناقض لغرض الرثاء، وإن كان ~~هذا قد وقع للقدماء نحو قصيدة دريد يرثي أخاه التي أولها: (الطويل -ق- ~~المتدارك) # أرث جديد الوصل من أم معبد # وقصيدة النابغة يرثي بعض آل جفنة: (الطويل -ق- المتدارك) # دعاك الهوى واستجهلتك المنازل # وقصيدة عدي بن زيد يرثي ولده علقمة: (السريع -ق- المترادف) # أعرف أمس من لميس طلل ### | 7- # إضاءة: فأما لفخر فجار مجرى المديح ولا يكاد يكون بينهما فرق إلا أن ~~الافتخار مدح يعيده المتكلم على نفسه أو قبيله، وأن المادح يجوز له أن يصف ~~ممدوحه بالحسن والجمال ولا يسوغ للمفتخر أن يصف نفسه بذلك. # PageV01P112 ### | 8- # تنوير: فأما طرق الاعتذار والمعاتبات والاستعطافات وما جرى مجراها فملاك ~~الأمر فيها التلطف والإثلاج إلى كل معتذر إليه أو معاتب أو مستعطف من ~~الطريق الذي يعلم من سجيته أو يقدر تأثره لذلك. ### | 9- # إضاءة: وطريق الهجاء أيضا يقصد فيه ما يعلم أو يقدر أن المهجو يجزع من ~~ذكره ms218 ويتألم من سمعه مما له به علقة. ### | 10- # تنوير: فأما طرق التهاني فيجب أن تعتمد فيها المعاني السارة ولأوصاف ~~المستطابة، وأن يستكثر فيها من التيمن للمهنإ، وأن يؤتى في ذلك بما يقع ~~وفقه، ويتحذر من الإلمام بما يمكن أن يقع منه في نفس المهنى شيء، ويجتنب ~~ذكر ما في سمعه تنغص له. ويحسن في التهاني أن تستفتح بقول يدل على غرض ~~التهنئة، فإن موقع ذلك حسن من النفوس. # فهذه إشارة إلى بعض ما يجب في الطرق العشرية اكتفينا بها عن بسط الكلام ~~في ذلك، إذ لا يخفى على من له أدنى نظر في هذه الصناعة أن ذلك محوج إلى ~~إطالة كثيرة، وكل ما أدى إلى ذلك فإنما أشرنا إليه بقوانين كلية، يعرف بها ~~أحوال الجزئيات من كانت له معرفة بكيفية الانتقالات من الحكم في بعض ~~الأشياء إلى الحكم به في بعض، إذا كان المنتقل إليه مما يشتمل عليه المنتقل ~~منه، أو كانا مشتركين في علة الحكم، أو كانا متماثلين أو متناسبين أو ~~متشابهين. فإنه يحكم للشيء بمثل حكم مماثله، وبمناسب حكم مناسبه، وبمشابه ~~حكم مشابهه، وكذلك بمضاد حكم مضاده. فعلى هذه الأنحاء يجب أن تكون نقلة ~~الناظر في هذه الصناعة مما ذكرناه إلى ما لم نذكره، وبالله التوفيق. ### | المنهج الثالث في الإبانة عن الأساليب الشعرية وأنحاء الاعتمادات فيها، وما يجب أن # تعتبر به أحوالها في جميع ذلك من حيث تكون ملائمة للنفوس أو منافرة لها. ### | أ- معلم دال على طرق العلم بالأساليب الشعرية وما تنوع إليه، وينحى بها نحوه. # إن أساليب الشعر تتنوع بحسب مسالك الشعراء في كل طريقة من طرق الشعر، ~~وبحسب تصعيد النفوس فيها إلى حزونة الخشونة أو تصويبها إلى سهولة الرقة أو ~~سلوكها مذهبا وسطا، بين ما لان وما خشن من ذلك. فإن الكلام منه ما يكون ~~موافقا لأغراض النفوس الضعيفة الكثيرة الإشفاق مما ينوبها أو ينوب غيرها، ~~ومنه ما يكون موافقا للنفوس المقبلة على ما يبسط أنسها المعرضة عما به كلا ~~الفريقين. ### | 1- # إضاءة: فللكلام بحسب هذه الأنحاء المتركبة ms219 في الأسلوب ثلاثة أساليب ينحى ~~بالكلام فيها بحسب البساطة والتركيب عشرة أنحاء يختلف الناس فيما تميل بهم ~~أهواؤهم إليه من ذلك بحسب اختلاف طباعهم وتلك الأنحاء هي: 1- أن يكون أسلوب ~~الكلام مبنيا على الرقة المحضة، 2- أو على الخشونة المحضة، 3- أو على ~~المتوسط بينهما، 4- أو يكون الكلام مبنيا على الرقة ويشوبه بعض ما هو راجع ~~إلى الأسلوب الوسط، 5- أو يكون مبنيا على الوسط ويشوبه بعض ما هو راجع إلى ~~الرقة، 6- أو بعض ما هو راجع إلى الخشونة، 7- أو يكون مبنيا على الخشونة ~~ويشوبه بعض ما يرجع إلى الأسلوب الوسط، 8- أو يكون مبنيا على الرقة ويشوبه ~~بعض الخشونة، 9- أو على الخشونة ويشوبه بعض رقة، 10- أو يكون مبنيا على ~~الأسلوب المتوسط ويشوبه بعض ما هو راجع إلى الطرفين. ### | 2- # تنوير: فأما الأنحاء الثلاثة الأخيرة وهي التي وقع في جميعها الجمع بين ~~طرفين بان تسلط الطرفان أعني الخشونة والرقة على شيء واحد، وكان انبعاثهما ~~من ضمير واحد، فإن هذا يقبح مثل إرداف الرقة في الحب بالخشونة فيه، فإن ~~انصرف أحدهما إلى غير ما انصرف إليه الآخر، وتعلق بغير ما تعلق به ساغ ذلك، ~~مثل ما نجمع بين التغزل والحماسة في شعر واحد. وذلك يكون على ثلاثة أنحاء: ~~1- مقابلة معنى البيت أو شطر بيت غزلي بمعنى بيت أو شطر بيت حماسي. ### | 2- # والنحو الثاني على جهة الالتفات، وذلك أن يكون مثلا يتغزل ويصف نفسه ~~بالإفراط في الرقة والصبابة، فيتوقع أن يظن ظان أن ذلك لضعف نفس منه، ~~فيلتفت إلى ما يدرأ عنه ذلك الظن ويشير إلى ما يدل على ذلك بلفظ مختصر ~~يلحقه في تضاعيف كلامه أو عقبه، وذلك مثل قول الشريف: (الرجز -ق- المتدارك) # مالوا على شعب الرحال وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق # فأشار إلى الشجاعة أثناء الوصف بالرقة بأوجز لفظ وهو قوله: (أيدي الطعان) # PageV01P113 ### | 3- # والنحو الثالث، أن يتحول الشاعر عما له فيه رقة إلى ما له فيه خشونة، ~~وينصرف عن أحد الغرضين إلى الآخر بالجملة، فيصيره غرض كلامه. # فبهذه القوانين يعتبر أسلوب الكلام، فإن كل ms220 كلام شعري لا ينفك عن أحد هذه ~~الأنحاء. فمن يتأملها يجدها كما ذكرت، إن شاء الله. ### | ب- معرف دال على طرق المعرفة بما ينحى بالأساليب نحوه من جهة ما يقصد حسن موقعها من # النفوس. # لما كان الناس بحسب تصاريف أيامهم وتقلب أحوالهم كأنهم ثلاثة أصناف: ~~1-فصنف عظمت لذته، وقلت آلامه حتى كأنه لا يشعر بها، 2- وصنف عظمت آلامه، ~~وقلت لذاته حتى كأنه لا يشعر بها، 3- وصنف تكافأت لذاتهم وآلامهم، وكانت ~~أحوال الصنف الأول أحوالا مفرحة وأحوال الصنف الآخر أحوالا مفجعة وأحوال ~~الصنف الوسط في كثير من الأمر شاجية، وجب أن تكون الأقاويل مقسمة بهذا ~~الاعتبار بحسب البساطة والتركيب إلى سبعة أقسام: 1- أقوال مفرحة، 2- وأقوال ~~شاجية، 3- وأقوال مفجعة، 4- وأقوال مؤتلفة من سارة وشاجية، 5- ومن سارة ~~ومفجعة، 6- ومن شاجية ومفجعة، 7- ومؤتلفة من الثلاث، كانت النفوس تختلف ~~فيما تميل إليه من هذه الأقسام بحسب ما عليه حالها، فإنها ليست تميل إلا ~~إلى الأشبه بما هي فيه، فيجب أن يمال بالقول إلى القسم الذي هو أشبه بحال ~~من قصد بالقول وصنع له، وإن لم يقصد به قصد إنسان فليقتصر به على ذكر ~~الأحوال السارة والمستطابة والشاجية، فإن أحوال جمهور الناس والمتفرغين ~~لسماع الكلام حائمة حول ما ينعم أو يشجو. ### | 1- # إضاءة: فأما ما يجب اعتماده في تحسين الأسلوب من النفوس فذكر أفضل ~~الأحوال الطيبة والسارة وأجدرها يبسط النفوس، وذكر أعلق الأحوال الشاجية ~~بالنفوس وأجدرها بأن ترق لها النفوس، وذكر أدعى الأحوال الفاجعة إلى ~~الإشفاق والجزع حيث يقصد قصد ذلك. ### | 2- # تنوير: والأحوال المستطابة هي التي تكون فيها المدركات منعمة. والتي ~~عليها مدار الشعر من ذلك هي مدركات الحس، مثل أن يذكر العناق واللثم وما ~~ناسب ذلك من الملموسات، والماء والخضرة وما يجري مجراهما من المبصرات، ~~ونسيم الطيب والروض ونحو ذلك من المشمومات، وذكر الخمر ونحوهما من ~~المطعومات، وذكر الغناء والزمر والعزف ونحو ذلك من المسموعات. وهذه تدخل في ~~الأحوال السارة 3- إضاءة: والأحوال السارة نحو مجالس الأنس ومواطن السرور ~~ومشاهد الأعراس والأعياد والمواسم وما ناسب ذلك. ### | 4- # تنوير: والأحوال ms221 الشاجية: منها أحوال أعقبت فيها الوحشة من الأنس والكدر ~~من الصفاء، نحو إعقاب التنعيم بالحبيب بالتألم لفراقه وإعقاب التنعم ~~بالشبيبة بالتألم لفراقها، وإعقاب التنعم بالوطن المؤنس بالتألم لفراقه، ~~وإعقاب التنعم بالزمن المسعد بالمتألم لفراقه؛ ومنها أحوال كان الجور فيها ~~وضع موضع العدل والإساءة موضع الإحسان، فهي شاجية أيضا. ومن هذا تشكي جور ~~الزمان وخون الإخوان وجري الأمور على غير ما يلائم ذا الفضل. # وكثيرا ما كان أبو الطيب المتنبي يقصد هذا الضرب والذي قله من الشاجية. ~~فكان ذلك مما حسن موقعه من النفوس، إذ أكثر الناس لا يخلو عن بعض هذه ~~الأحوال. ### | 5- # إضاءة: والأحوال المفجعة هي التي يذكر فيها الإنسان ما يلحق العالم من ~~الغير والفساد ومآل بني الدنيا إلى ذلك. # وكان أبو العتاهية يلم بذكر هذه الأحوال كثيرا في شعره، بل كان يعتمدها ~~وذلك كثير موجود في شعره. ### | 6- # تنوير: ويجب أن تؤنس النفوس عند استجمامها من توالي المعاني التي من ~~شأنها أن تقبضها بمعان يناسب بينها وبين تلك مما شأنه أن يبسطها. # وكذلك لا ينبغي أن ينحى بالمعاني أبدا منحى واحدا من التخييل أو الإقناع ~~ولكن تردف التخييلية في الطريقة الشعرية بالإقناعية، والإقناعية في الخطابة ~~بالشعرية. # فبالتصريف في المعاني على هذه الأنحاء يحسن موقع الأساليب من النفوس. فمن ~~نحا هذا النحو وحمل كلتا الصناعتين من الأخرى ما تحتمله، وسلك في الطرق ~~الأساليب المسالك المؤثرة المتقدم ذكرها، وذهب بها المذاهب الملائمة ~~للأغراض، وآنس بعض المعاني ببعض، وراوح بينها على النحو المشار إليه، كان ~~جديرا أن ترتاح النفوس لأسلوبه وان يحسن موقعه منها. ### | ج- مأم من المذاهب المستشرفة بهذا المعرف وهو مذهب تأنيس المعاني بعضها ببعض. # PageV01P114 # إنه إذا تمادى استمرار الشاعر في الأسلوب على معان من شان النفس أن تنقبض ~~عنها وتستوحش منها فقد يحق عليه أن يؤنس النفوس من استحياشها ويبسطها من ~~قبضها بمعان يكون حال النفس بها غير تلك الحال لكونها ملائمة للنفوس باسطة ~~لها. فيميل بالأسلوب فيصوغها ويلتفت من جهات تلك المعاني الموحشة إلى جهات ~~هذه المؤنسة ويتلطف فيما ms222 يجمع بين القبيلين من بعض الوصل والمآخذ التي بها ~~ينتقل من بعض المعاني إلى بعض، على ما تقدمت الإشارة إليه في مواضع. ### | 1- # إضاءة: وإنما تتوالى المعاني الموحشة في الأساليب التي تذكر فيها أحوال ~~لا تستطاب إلا لغرض. وذلك مثل ما يذكر من أحوال الخطوب وأوصاف الحروب. فقد ~~يستطيب الإنسان ذكر إيقاع له بأعدائه، وليس كل إنسان يتشفى بذلك تشفيه، ~~وكذلك المراثي قد يقع الإفراط في ذكر المعاني المفجعة فيها من خلصان المرثي ~~أشفى موقع. ### | 2- # تنوير: وليس يستعمل الكلام بالنظر إلى من قصد بالقول أولى ممن اتفق له ~~بالعرض سكون نفس إلى ما تسكن النفوس إليه خاصة بل بالنظر إليه وإلى غيره ~~ممن يقدر مرور ذلك الكلام على سمعه عامة. فلذلك ينبغي أن يشعشع المعاني ~~الموحشة من جهة ما يراد إلقاؤه بمحل القبول من كل سامع بمعان مؤنسة تتعلق ~~بغير الجهة التي تعلقت الموحشة بها، لكن يتلطف فيما يجمع بين القبلين على ~~النحو الذي أشرنا إليه أولا، حتى لا يكون الكلام بذلك منافرا من قصد به ~~قصدا أوليا خاصا أو قصدا ثانيا عام. # ومثل هذا قول المتنبي في ما تعلق بصفة الحرب: (البسيط -ق- المتراكب) # مازال طرفك يجري في دمائهم ... حتى مشى بك مشي الشارب الثمل # ومن ذلك تصوير الشريف الرضي ما يبسط النفس من ذكر الكون والنشء والحمل ~~والرضاع في مظنة ما يقبضها من حالي البلى والهمود، وذلك قوله: (البسيط -ق- ~~المتراكب) # أرسى النسيم بواديكم، ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع # ولا يزال جنين النبت ترضعه ... على قبوركم العراصة الهمع ### | 3- # إضاءة: وينبغي ألا يطرد في هذه المعاني المؤنسة اطراد كثيرا، فإنه خروج ~~بالأسلوب عن مهيعه، ولكن يؤتى من ذلك بالمعنى والمعنيين ونحو ذلك في الفصل ~~بعد الفصل ويلمع كذلك في الموضع بعد الموضع. ### | د- مأم من المذاهب المستشرفة بالعلم المتقدم أيضا، وهو مذهب المراوحة بين المعاني # الشعرية والمعاني الخطابية # قد تقدم الكلام في أن التخييل هو قوام المعاني الشعرية والإقناع هو قوام ~~المعاني الخطابية. واستعمال الإقناعات في الأقاويل الشعرية سائغ، إذا كان ms223 ~~ذلك على جهة الإلماع في الموضع بعد الموضع. كما أن التخاييل سائغ استعمالها ~~في الأقاويل الخطابية في الموضع بعد الموضع. وإنما ساغ لكليهما أن يستعمل ~~يسيرا فيما تتقوم به الأخرى، لأن الغرض في الصناعتين واحد، وهو إعمال ~~الحيلة في إلقاء الكلام من النفوس بمحل القبول لتتأثر لمقتضاه. فكانت ~~الصناعتان متؤاخيتين لأجل اتفاق المقصد والغرض فيهما. فلذلك ساغ للشاعر أن ~~يخطب لكن في الأقل من كلامه، وللخطيب أن يشعر لكن في الأقل من كلامه. ### | 1- # إضاءة: ولما كانت النفوس تحب الافتنان في مذاهب الكلام، وترتاح للنقلة من ~~بعض ذلك إلى بعض، ليتجدد نشاطها بتجدد الكلام عليها، وكانت معاونة الشيء ~~على تحصيل الغاية المقصودة به بما يجدي في ذلك جدواه أدعى إلى تحصيلها من ~~ترك المعاونة، كانت المراوحة بين المعاني الشعرية والمعاني الخطابية أعود ~~براحة النفس، وأعون على تحصيل الغرض المقصود. فوجب أن يكون الشعر المراوح ~~بين معانيه أفضل من الشعر الذي لا مراوحة فيه، وأن تكون الخطبة التي وقعت ~~المراوحة بين معانيها أفضل من التي لا مراوحة فيها. ولتواخي الصناعتين ~~وتداخل أقاويل كلتيهما على الأخرى قال القائل: (الطويل -ق- المتدارك) # وما الشعر إلا خطبة من مؤلف ... يجيء بحق أو يجيء بباطل ### | 2- # تنوير: وينبغي أن تكون الأقاويل المقنعة، الواقعة في الشعر، تابعة ~~لأقاويل مخيلة، مؤكدة لمعانيها، مناسبة لها في ما قصد بها من الأغراض، وأن ~~تكون المخيلة هي العمدة. وكذلك الخطابة ينبغي أن تكون الأقاويل المخيلة ~~الواقعة فيها تابعة لأقاويل مقنعة مناسبة لها مؤكدة لمعانيها، وأن تكون ~~الأقاويل المقنعة هي العمدة. # PageV01P115 ### | 3- # إضاءة: وينبغي ألا يستكثر في كلتا الصناعتين مما ليس أصيلا فيها كالتخييل ~~فيا لخطابة، والإقناع في الشعر، بل يؤتى في كلتيهما باليسير من ذلك على ~~سبيل الإلماع. ### | 4- # تنوير: فإن ساوى بعض الناس بين المخيلات والمقنعات في كلتا الصناعتين، أو ~~حام حول مساواة المخيلات بالمقنعات في الشعر، أو مساواة المقنعات بالمخيلات ~~في الخطابة، كان قد أفرط في كلتا الصنعتين في الاستكثار مما ليس أصيلا فيه ~~ولا مع ذلك مقبولا. ### | 5- # إضاءة: فإن جاوز حد التساوي ms224 في كلتيهما، فجعل عامة الأقاويل الشعرية ~~خطابية، وعامة الأقاويل الخطابية شعرية، كان قد أخرج كلتا الصناعتين عن ~~طريقهما، وعدل بها عن سواء مذهبها، ووجب رد قوله ولنسبة كلامه إلى ما ذهب ~~به من المذاهب المعنوية، ولا إلى ما هيأه به من الهيئات اللفظية. وأن تعد ~~الخطابة في ذلك شعرا، والشعر خطابة، فيكون ظاهر الكلام وباطنه متدافعين، ~~وهو مذهب مذموم في الكلام. # وكان أبو الطيب المتنبي يعتمد المراوحة بين معانيه، ويضع مقنعاتها من ~~مخيلاتها أحس وضع، فيتمم الفصول بها أحسن تتمة، ويقسم الكلام في ذلك أحسن ~~قسمة. ويجب أن يؤتم به في ذلك، فإن مسلكه فيه أوضح المسالك. ### | ه- معلم دال على طرق العلم بكيفية الاستمرار في الأساليب والاطراد عليها وما يحسن # اعتماده فيها. # لما كانت الأغراض الشعرية يوقع في واحد منها الجملة الكبيرة من المعاني ~~والمقاصد، وكانت لتلك المعاني جهات فيها توجد ومسائل منها تقتنى كجهة وصف ~~المحبوب وجهة وصف الخيال وجهة وصف الطلول وجهة وصف يوم النوى وما جرى مجرى ~~ذلك في غرض النسيب، وكانت تحصل للنفس بالاستمرار على تلك الجهات والنقلة من ~~بعضها إلى بعض وبكيفية الاطراد في المعاني صورة وهيأة تسمى الأسلوب، وجب أن ~~تكون نسبة الأسلوب، وجب أن تكون نسبة الأسلوب إلى المعاني نسبة النظم إلى ~~الألفاظ، لأن الأسلوب يحصل عن كيفية الاستمرار في أوصاف جهة جهة من جهات ~~غرض القول وكيفية الاطراد من أوصاف جهة جهة. فكان بمنزلة النظم في الألفاظ ~~الذي هو صورة كيفية الاستمرار في الألفاظ والعبارات والهيئة الحاصلة عن ~~كيفية النقلة من بعضها إلى بعض وما يعتمد فيها من ضروب الوضع وأنحاء ~~الترتيب. # فالأسلوب هيأة تحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيأة تحصل عن ~~التأليفات اللفظية. ### | 1- # إضاءة: ولما كان الأسلوب في المعاني بإزاء النظم في الألفاظ وجب أن يلاحظ ~~فيه من حسن الاطراد والتناسب والتلطف في الانتقال عن جهة إلى جهة والصيرورة ~~من مقصد إلى مقصد ما يلاحظ في النظم من حسن الاطراد من بعض العبارات إلى ~~بعض ومراعاة المناسبة ولطف النقلة. ### | 2- # تنوير: ومما ms225 يجب أن يكون حال الأسلوب فيه على نحو ما يكون النظم عليه ~~ملاحظة الوجوه التي تجعلها معا مخيلين للحال التي يريد تخيلها الشاعر من ~~رقة أو غلطة أو غير ذلك. # فإن النظام اللطيف المأخذ، الرقيق الحواشي، المستعمل فيه الألفاظ العرفية ~~في طريق الغزل، تخيل رقة نفس القائل. ولو وقع ذلك مثلا في طريقة الفخر لم ~~تخيل الغرض، بل تخيل ذلك الألفاظ الجزلة والعبارات الفخمة المتينة القوية. ~~وكذلك لطف الأسلوب ورقته ويخيلان لك أن قائلة عاشق، وخشونة الأسلوب وجفاؤه ~~لا يخيلان ذلك نحو أسلوب الفرزدق في النسيب. ### | 3- # إضاءة: وإنما وجب أن يستعمل في كل طريق الألفاظ المستعملة فيه عرفا، لأن ~~ما كثر استعمال في غرض ما واختص به أو صار كالمختص لا يحسن إيراده في غرض ~~مناقض لذلك الغرض، ولأنه غير لائق به لكونه مألوفا في ضده وغير مألوف فيه، ~~وذلك مثل استعمال السالفة والجيد في النسيب، واستعمال الهادي والكاهل في ~~الفخر والمديح ونحوهما، واستعمال الأخدع والقذال فيا لذم. ### | المنهج الرابع في الإبانة عن المنازع الشعرية وأنحائها وطرق المفاضلة بين الشعراء # في ذلك وغيره من أنحاء التصاريف في هذه الصناعة وما يعتبر به أحوال ~~الكلام وأحوال القائلين في جميع ذلك. ### | أ- معلم دال على طرق العلم بما يجب اعتماده في المنازع الشعرية التي يكون للكلام # بها حسن موقع من النفوس. # ومنازع الشعراء في الشعر تختلف. ويجب أن نبين أولا ما المنزع؟ ثم نبين ~~مذاهب الشعراء في ذلك. فأقول: # PageV01P116 # إن المنازع هي الهيئات الحاصلة عن كيفيات مآخذ الشعراء في أغراضهم، ~~وأنحاء اعتماداتهم فيها، وما يميلون بالكلام نحوه أبدا، ويذهبون به إليه، ~~حتى يحصل بذلك للكلام صورة تقبلها النفس أو تمتنع من قبولها. والذي تقبله ~~النفس من ذلك ما كانت المآخذ فيه لطيفة، والمقصد فيه مستطرفا، وكان للكلام ~~به حسن موقع من النفس. والعين على ذلك أن ينزع بالكلام إلى الجهة الملائمة ~~لهوى النفس من حيث تسرها أو تعجبها أو تشجوها، حيث يكون الغرض مبنيا على ~~ذلك، نحو منزع عبد الله ابن المعتز في ms226 خمرياته، والبحتري في طيفياته، فإن ~~منزعهما، فيما ذهبا إليه من الأغراض، منزع عجيب. ### | 1- # إضاءة: والذي لا تقبله النفس من ذلك ما كان بالضد مما ذكرته. # والناس يختلفون في هذا. فيستحسن بعضهم من المنازع ما لا يستحسنه آخر. ~~وكلم نهم يميل إلى ما وافق هواه. ### | 2- # تنوير: ومن الشعراء من يمشي على نجه غيره في المنزع ويقتفي في ذلك أثر ~~سواه، حتى لا يكون بين شعره وشعر غيره ممن حذا حذوه في ذلك كبير ميزة، ~~ومنهم من اختص بمنزع يتميز به شعره من شعر سواه، نحو منزع مهيار ومنزع ابن ~~خفاجة. # وهذا الامتياز يكون بأحد الطرفين: إما بأن يثر في شعره أبدا الميل إلى ~~جهة لم يؤثر الناس الميل إليها ولم يأخذوا فيها مأخذه، فيتميز شعره بهذا عن ~~شعرهم، وإما أن يسلك أبدا في جميع الجهات التي يميل بكلامه إلى مذهب شاعر ~~واحد ولكن يقتفي أثر واحد في الميل إلى جهة وأثر آخر فيا لميل إلى جهة ~~أخرى، وكذلك في جهة جهة يأخذ بمذهب شاعر شاعر، فتكون طريقته مركبة، فيتميز ~~كلامه بذلك وتصير له صورة مخصوصة. ### | 3- # إضاءة: وقد يعنى بالمنزع أيضا كيفية مأخذ الشاعر في بنية نظمه وصيغة ~~عباراته وما يتخذه أبدا كالقانون في ذلك كمآخذ أبي الطيب في توطئه صدور ~~الفصول للحكم التي يوقعها في نهاياتها، فإن ذلك كله منزع اختص به أو اختص ~~بالإكثار منه والاعتناء به. # وقد يعنى بالمنزع غير ذلك إلا انه راجع إلى معنى ما تقدم، فإنه أبدا لطف ~~مأخذ في عبارات أو معان أو نظم أو أسلوب. # ويستحسن من جميع ذلك ما حسن موقعه من النفوس. ولا يسحن ما كان بالضد من ~~ذلك. ### | 4- # تنوير: ولا يخلو لطف المأخذ في جميع ذلك من أن يكون 1- من جهة تبديل، 2- ~~أو تغيير، 3- أو اقتران بين شيئين، 4- أو نسبة بينهما، 5- أو نقلة من ~~أحدهما إلى الآخر، 6- أو تلويح به إلى جهة وإشارة به إليه. # وهذه الأنحاء الستة من التصرف لا يخلو من أن تكون متعلقة - مما يرجع إلى ~~المعاني الذهنية ms227 - بالتصورات منها، أو بالنسبة الواقعة بين بعضها وبعض، أو ~~بالأحوال المنوطة بها، أو بجهة الأحكام فيها، أو بالمحددات لها، أو بأنحاء ~~التخاطب المتعلق بها. ### | 5- # إضاءة: وهذه الأنحاء التي ينزع بالمعاني إليها: منها ما بتيسر التهدي ~~إليه على أكثر الشعراء، ومنها ما لا يتيسر التهدي إليه إلا على بعضهم. # والذي لا يتهدى إليه إلا بعضهم: منه ما يشترك فيه العربي والمحدث ومنه ما ~~لا يكاد يوجد إلا في شعراء المحدثين. وذلك مثل إسنادهم وإضافتهم ضد الشيء ~~إليه، وكإعمالهم الشيء في مثله، وكإقامتهم الشيء مقام ضده وتنزيلهم له ~~منزلته على جهة من الاعتبار. # فأما إضافة ضد الشيء إليه، فنحو قول أبي الطيب رحمه الله: (الخفيف -ق- ~~المترادف) # صلة الهجر لي، وهجر الوصال # وأما إعمالهم الشيء في مثله فنحو قوله أيضا: (الكامل -ق- المترادف) # أسفي على أسفي الذي دلهتني ... عن علمه فيه علي خفاء # وقوله: (الطويل -ق- المتدارك) # لبست لها كدر العجاج كأنما ... ترى غير صاف أن ترى الجو صافيا # ومن قول الشيباني: (الرجز -ق- المترادف) # واصدد كصدي عن طويل الصد # وأما تنزيل الشيء منزلة ضده على جهة من الاعتبار، فنحو قول المتنبي: ~~(الكامل -ق- المتدارك) # وشكيتي فقد السقام، لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء # ومنه قول الحسين بن الضحاك: (مجزو الخفيف -ق- المتدارك) # كبدي في هواك أس ... قم من أن تقطعا # لم تدع سورة الضنا ... في للسقم موقعا # وكان أبو الطيب المتنبي يستعمل هذه الأنحاء الثلاثة في المعاني ويقصدها ~~في مواضع كثيرة من شعره. ### | 6- # تنوير: فأما إسناد الفعل إلى ما اشتق منه نحو قول المتنبي: (الطويل -ق- ~~المترادف) =أمات الموت؟ أم ذعر الذعر # PageV01P117 # فإنه يوجد في كثير من كلام العرب. # وأكثر ما يقع أيضا في كلام العرب أن يوصف المصدر بالصفة المشتقة لفاعله، ~~وذلك على جهة الاتساع والتجوز كقولهم شعر شاعر. وقد تصف العرب المصدر بصفة ~~نقيضه أو بصفة فاعل نقيضه نحو قول: (الطويل -ق- المتدارك) # ألا يا لقوي للرقاد المسهد # فيكون هذا على أنحاء من التأويل: إما أن يريد للرقاد المصير سهادا، وإما ~~أن يريد للرقاد وقطع به ms228 اتصاله، وإما أن يريد للرقاد الذي شرد وسهد صاحبه ~~فيكون في الكلام حذف مضاف. # وهذا التأويل سائغ في ما قبله. ### | 7- # إضافة: ويجب أن يستعمل من هذه المجازات وأن يذهب من هذه المذاهب في بعيدا ~~من الفهم ولا قلقا في التصور. # ولم يكن من شأن العرب أن تستعمل ذلك، لأن المعنى إذا تصور وكان صحيحا ساغ ~~أن يستعمل في الكلام المصوغ على قوانين العرب، وإن لم يكن لذلك المعنى نظير ~~في كلامهم. # وإنما يجب أن يلتزم في الكلام الجاري على قانون كلام العرب أن تكون مجاري ~~أواخر الكلم وتصاريفها وإسناداتها على حد ما وقعت عليه في كلام العرب بحسب ~~موضع موضع، وأن يوقع كل منها على ما أوقعته العرب، وأن يكون متصلا بما ~~وصلته العرب، إن كان مما شأنه أن يوصل بغيره. # فيتحرز من مثل ما يقع لكثير من أهل هذا الزمان من استعمالهم الباء في مثل ~~قولهم: استبدل كذا بكذا أو أبدل كذا بكذا في غير موضعها، فإن الناس يدخلون ~~الباء على الشيء الذي هو بدل من الآخر، والعرب ليس تدخل الباء في مثل هذا ~~إلا على المبدل منه لا على البدل نحو قوله: (المتقارب -ق- المترادف) # تبدل بالأنس صوت الصدا ... وسجع الحمامة تدعو هديلا # وعلى مثل هذا استعمله فحول المحدثين كقول أبي تمام: (الكامل -ق- ~~المترادف) # فاسلم أمير المؤمنين لأمة ... أبدلتها الإمراع بالإمحال # ومن تتبع مثل هذا الاستعمال مما انحرف الناس فيه عن الاستعمال العري ~~وجده، فليتحزر من ذلك. ### | ب- معرف دال على طرق المعرفة بالمآخذ اللطيفة في المنازع التي ربما خفي الوجه الذي # لأجله حسن الكلام بها # حسن المآخذ، في المنازع التي ينزع بالمعاني والأساليب نحوها، يكون بلطف ~~المذهب في الاستمرار على الأساليب والاطراد في المعاني والإثلاج إلى الكلام ~~من مدخل لطيف. فيوجد للكلام بذلك طلاوة وحسن موقع من النفس لا توجد مع وضعه ~~على خلاف تلك الهيأة والإثلاج إليه من غير ذلك المدخل. وهذا النوع من ~~الكلام لا يكاد يميزه إلا الناقد البصير الجيد الطبع. # ولك أن تعتبر حسن المأخذ ms229 في المعاني والعبارات عنها بقول أبي تمام: ~~(البسيط -ق- المتراكب) # يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا # فلو أخلى المعنى من التعجب واقتصر على إيجاب بعد غاية الدمع لبعدهم لم ~~يكن له من حسن الموقع ما له في هذه العبارة التي أورده فيها. وكذلك أيضا لو ~~عبر عن معنى التعجب بغير هذه العبارة فقال: (ما أبعد غاية دمع العين إن ~~بعدوا) لم يكن له من حسن الموقع ما له في هذه العبارة التي أورده فيها ~~باقتران التعجب بالمعنى في صورة النداء حسن منزع في الكلام ولطف مأخذ فيه. ### | 1- # إضاءة: وقد يرد من حسن المأخذ ما لا يقدر أن يعبر عن الوجه الذي من اجله ~~ولا يعرف كنهه، غير أنه يعرف مأخذ حسن في العبارة من حيث إنك إذا حاولت ~~تغيير العبارة عن وضعها والإثلاج إليها من غير المهيع الذي منه أثلج واضعها ~~وجدت حسن الكلام زائلا بزوال ذلك الوضع والدخول إليه من غير ذلك المدخل، ~~واعتبر ذلك بقول أبي سعيد المخزومي: (البسيط -ق- المتراكب) # ذنبي إلى الخيل كري في جوانبها ... إذا مشى الليث فيها مشي مختتل # فإنك لو غيرت صيغة هذا البيت وأزلتها عن موضعها، فقلت مثلا: (كم أذنبت ~~إلي الخيل بكري في جوانبها) أو غيرته غير هذا التغيير لم نجد له من حسن ~~الموقع من النفس، ما له في صيغته ووضعه الذي وضعه عليه المخزومي. ### | 2- # تنوير: وقد جارانا الكلام في هذا الباب الفقيه العلامة أبو الحسن سهل بن ~~مالك، وكان إماما في هذه الصناعة، وهناك الكاتب الأبرع أبو المطرف ابن ~~عميرة نسيج وحده في البلاغة. # PageV01P118 # فقال أبو الحسن: (إن من المعاني المعبر عنها بالعبارات الحسنة ما تدرك له ~~مع تلك العبارة حسنا لا تدركه له في غيرها من العبارات ولا تقدر أن تعبر ~~عنه الوجه من أجله حسن إيراد ذلك المعنى في تلك العبارة دون غيرها ولا تعرب ~~عنه كنه حقيقته، إنما هو شيء يدركه الطبع السليم والفكر المسدد ولا يستطيع ~~فيه اللسان مجاراة الهاجس) . قال: (وهكذا يتفق في المحسومات، فإني ms230 شهدت ذات ~~مرة مناداة على جارية، وقد بلغت مئتي دينار، فتواقف الناس فيها عن الزيادة، ~~وظهر من الحاضرين فيها بعض زهادة، فدنا إليها سيدها فأسر إليه كلاما فمالت ~~عنه متلفعة بردنها وازدادت بما فعلته حسنا إلى حسنها، فأبدت من الحسن كل سر ~~لطيف، واتقت بأحسن من يد المتجردة عند إسقاط النصيف، فعلت بما فعلت قيمتها ~~وزادت، حتى تضاعفت أو كادت، ليس إلا لحسن ذلك الدل والإشارة، وذلك شيء وإن ~~أدركه الحس فغير معربة عن كنهه العبارة) . # فقال لي أبو المطرف: (لو سمع منك هذا أبو الفرج الجوزي لصنع في ذلك فصلا، ~~وركب على عامله نصلا) . ### | 3- # إضاءة: قد أشرنا إلى بعض ما ينحو الشعراء نحوه فيما يرجع إلى الأمور ~~لفظية أو معنوية أو أسلوبية، وأومأت إلى مذاهبهم في ذلك. وكان ما تعلق من ~~ذلك بالأسلوب هو المعتمد ذكره في هذا المعرف. وكان ذكر ما ليس راجعا إلى ~~الأسلوب من ذلك على جهة التبعية، وذكر الشيء مع ما يناسبه جريا على عادتنا ~~في مواضع كثيرة من هذا الكتاب. فإنا قد نلمع في المعلم الواحد بالإشارة إلى ~~مذاهب جمة من مذاهب البلاغة، ونومئ إلى كل مذهب من ذلك بقول كلي، إذ لو ~~أفردنا لكل مذهب من ذلك تبويبا وترجمة عليه، وسرحنا عنان الكلام في مذهب ~~مذهب من ذلك بعض تسريح لاتسع مجال القول وعظم حجم الكتاب، ولم نقصد ذلك، ~~وإن كنا قد بلغنا به مبلغا كاد أن يخرج بنا إلى الإرباء على ما يجب، إذ ~~أوقات التخلي والنظر لا تنفسح لاستقصاء العلوم. ولكن يجب، أن تناط العناية ~~منها بالمتأكد فالمتأكد. فلذلك اكتفينا من هذا العلم بما لم يكن بد من ~~معرفته لمن أراد النظر فيه. ### | ج- معلم دال على طرق العلم بما يجب أن يعتقد ويقال في المفاضلة بين الشعراء، بحسب # اختلاف الأزمنة والأحوال المهيأة لقول الشعر والباعثة عليه. # إن المفاضلة بين الشعراء الذين أحاطوا بقوانين الصناعة وعرفوا مذاهبها لا ~~يمكن تحقيقها، ولكن إنما يفاضل بينهم على سبيل التقريب وترجيح الظنون. ~~ويكون حكم كل ms231 إنسان في ذلك بحسب ما يلائمه ويميل إليه طبعه، إذ الشعر يختلف ~~في نفسه بحسب اختلاف أنماطه وطرقه، ويختلف بحسب اختلاف الأزمان وما يوجد ~~فيها مما شأن القول الشعري أن يتعلق به، ويختلف بحسب اختلاف الأمكنة وما ~~يوجد فيها مما شأنه أن يوصف، ويختلف بحسب الأحوال وما تصلح له وما يليق بها ~~وما تحمل عليه، ويختلف بحسب اختلاف الأشياء فيما يليق بها وما تحمل عليه، ~~ويختلف بحسب اختلاف الأشياء فيما يليق بها من الأوصاف والمعاني، ويختلف ~~بحسب ما تختص به كل امة من اللغة المتعارفة عندها الجارية على ألسنتها. ### | 1- # إضاءة: ولأن الشعر يختلف بحسب اختلاف أنماطه وطرقه نجد شاعرا يحسن في ~~النمط الذي يقصد فيه الجزالة والمتانة من الشعر ولا يحسن في النمط الذي ~~يقصد به اللطافة والرقة، وآخر يحسن في النمط الذي يقصد به اللطافة والرقة ~~ولا يحسن في النمط الذي يقصد به الجزالة والمتانة. ونجد بعض الشعراء يحسن ~~في طريقة من الشعر كالنسيب مثلا ولا يحسن في طريقة أخرى كالهجاء مثلا، وآخر ~~يكون أمره بالضد من هذا. ### | 2- # تنوير: ولأن الشعر أيضا يختلف بحسب اختلاف الأزمان وما يوجد فيها وما ~~يولع به الناس مما له علقة بشؤونهم، فيصفونه لذلك ويكثرون رياضة خواطرهم ~~فيه، نجد أهل زمان يعنون بوصف القيان والخمر وما ناسب ذلك ويجيدون فيه، ~~وأهل زمان آخر يعنون بوصف الحروب والغارات وما ناسب ذلك ويجيدون فيه، وأهل ~~زمان آخر يعنون بوصف نيران القرى وإطعام الضيف وما ناسب ذلك ويجيدون فيه. # PageV01P119 ### | 3- # إضاءة: ولأن الشعر أيضا يختلف بحسب اختلاف الأمكنة وما يوجد فيها مما ~~شانه أن يوصف من الأشياء المصنوعة أو المخلوقة - وكل يدخل تحت المخلوقة ~~ولكن الناس قد فرقوا هذه التفرقة - نجد بعض الشعراء يحسن في وصف الوحش، ~~وبعضهم يحسن في وصف الروض، وبعضهم يحسن في وصف الخمر، وكذلك في وصف شيء شيء ~~فإنهم يختلفون في الإحسان فيه ويتفاوتون في محاكاته ووصفه على قدر قوة ~~ارتسام نعوت الشيء في خيالاتهم بكثرة ما ألفوه وما تأملوه. ### | 4- # تنوير: ولن الشعر أيضا ms232 يختلف بحسب اختلاف أحوال القائلين وأحوال ما ~~يتعرضون للقول فيه، وبحسب اختلافهم في ما يستعملونه من اللغات، نجد واحدا ~~يحسن في الفخر ولا يحسن في الضراعة، وآخر يحسن في الضراعة ولا يحسن في ~~الفخر؛ ونجد واحدا يحسن في مدح الطبقات الأعلين وآخر لا يحسن إلا في مداح ~~الطبقات الأدنين، ونجد واحدا يحسن في النظم المصوغ من الألفاظ الحوشية ~~والغريبة وآخر لا يحسن إلا في نظم اللغات المستعملة. ### | 5- # إضاءة: وإذا كان الأمر على ما قدمته فواجب أن يضاعف الثناء على الشاعر ~~إذا أحسن في وصف ما ليس معتادا لديه ولا مألوفا في مكانه ولا هو من طريقه ~~ولا مما احتنك فيه ولا مما ألجأنه إليه ضرورة، وكان مع ذلك متكلما باللغات ~~التي يستعملها في كلامه. وبالجملة إذا أخذ في مأخذ ليس مما ألفه ولا اعتاده ~~فإن الشاعر إذا أخذ في مأخذ ليس مما ألفه ولا اعتاده فساوى في الإحسان فيه ~~ومن قد ألفه واعتاده، كان قد أربى عليه في الفضل إرباء كثيرا، وإن كان ~~شعرهما متساويا. ### | 6- # تنوير: فتحري الحقيقة في الحكم بين الشعراء الأعصار والأمصار مما لا ~~يتوصل إلى محض اليقين فيه، ولكن يرجح بعضهم على بعض على سبيل التقريب. ~~وكذلك الحكم بين شاعر وشاعر، فإنه معي على من طالب نفسه بتحري التحقيق ~~وتحصيل اليقين فيه. فإن أحدهما قد يساعده الزمان والمكان والحال والباعث ~~على التغلغل إلى استثارة تخاييل ومحاكاة في شيء لا يساعد الآخر شيء من ذلك ~~عليه. وقد تكون حال الآخر في غير ذلك الشيء بمنزلة حال صاحبه في ذلك الشيء. ~~وقد تختلف حالاهما في اللغة. وتختلف حالاهما في الروية، ومقدار جمام خاطر ~~كل واحد منهما ونشاطه للقول في حال الروية. ولذلك قد يعسر الحكم في ~~المفاضلة بين الشاعرين في جودة الطبع وفضل القريحة، ولكن تمكن المفاضلة بين ~~قولهما إذا اجتمعا في غرض ووزن وقافية. ### | 7- # إضاءة: ولما في المفاضلة بين الشعراء من الإشكال وتوعر سبيل التوصل إلى ~~التحقيق في ذلك اختلفت آراء العلماء في ذلك، وتوقف بعضهم عن القطع ms233 فيه بحكم ~~لا تبقى له معه شبهة ولا مرية، حتى إن أمير المؤمنين عليا ابن أبي طالب، ~~رضي الله عنه، لم يقض في ذلك قضاء جزما. وحسبك برأي أفصح الأمة واعلمها بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، إماما يقتدى به علما ويهتدى عليه. وأنا أورد ~~خبره، رضي الله عنه، في ذلك. # قال أبو الفرج الأصبهاني: أخبرني عمي، قال: حدثنا جعفر بن محمد العاصمي ~~قال حدثني عيينة بن المنهال قال حدثني شداد بن عبيد الله قال حدثني عبيد ~~الله بن الحر العنزي القاضي عن أبي عرادة قال: (كان علي عليه السلام يفطر ~~الناس في شهر رمضان، فإذا فرغ من العشاء تكلم فأقل وأوجز. فاختصم الناس ~~ليلة حتى ارتفعت أصواتهم في أشعر الناس) . # - فقال علي لأبي الأسود الدؤلي: قل يا أبا الأسود. # - فقال أبو الأسود، وكان يتعصب لأبي داؤد: أشعرهم الذي يقول: (الخفيف -ق- ~~المترادف) # ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذي ذو ميعة وإضريح # مخلط مزيل مكر مفر ... منفخ مطرح سبوح خروج # سلهب شرجب كأن رماحا ... حملته، وفي السارة دموج # فأقبل علي - عليه السلام - فقال: كل شعرائكم محسن، ولو جمعهم زمان واحد ~~وغاية واحدة ومذهب واحد في القول لعملنا أيهم أسبق إلى ذلك. وكلهم قد أصاب ~~الذي أراد وأحسن؛ فإن يكن أحد فضلهم فالذي لم يقل رغبة ولا رهبة امرؤ القيس ~~بن حجر، فإنه كان أصحهم بادرة وأجودهم نادرة) فأنت ترى كيف جعل علي، رضي ~~الله عنه، اختلاف الأزمنة وتفاوت الغايات وتباين المذاهب عائقة عن التوصل ~~إلى التحقيق في ذلك. # PageV01P120 ### | 8- # تنوير: فأما من يذهب إلى تفضيل المتقدمين على المتأخرين بمجرد تقدم ~~الزمان فليس ممن تجب مخاطبته في هذه الصناعة، لأنه قد يتأخر أهل زمان عن ~~أهل زمان ثم يكونون أشعر منهم لكون زمانهم يحوش عليهم من أقناص المعاني ~~بسفوره لهم عن أشياء لم تكن في الزمان الأول، ولتوفر البواعث فيه على القول ~~وتفرغ الناس له، كالحال في إجادة الشعراء الذين كانوا في زمان ملوك آل جفنة ~~وملوك لخم، ومن كان في زمانهم من ms234 ملوك العرب وأجوادها، فإن تلك الحلبة ~~تقدمت بالإحسان من تقدمها بالزمان، والسبب في ذلك ما ذكرته. وهذه الحلبة هي ~~حلبة زهير والنابغة والأعشى ومن جرى مجراهم وانخرط في سلكهم. # وقد وقعت في المفاضلة بين الشعراء أقوال لا يعتد بها وآراء لا يحسن ~~الاشتغال بذكرها والرد عليها عما هو أهم من ذلك. فإن تلك الآراء أظهر فسادا ~~لمن له أدنى معرفة بهذه الصناعة من أن يحتاج في ذلك إلى تكلف حجة أو ~~استدلال، وإنما الرأي الصحيح الذي عليه المعول من أن للشعر اعتبارات في ~~الأزمنة والأمكنة والأحوال، فلا يجب أن يقطع بفضل شاعر على آخر بأنه ساواه ~~في جميع ذلك، ثم فضله بالطبع والقريحة. وهذا أمر يتعذر تحري اليقين فيه، ~~وإنما يمكن التقريب والترجيح بينهما بحسب ما يغلب على الظن. ### | 9- # إضاءة: فأما المفاضلة بين جماهير شعراء توفرت لهم الأسباب المهيئة لقول ~~الشعر والأسباب الباعثة على ذلك، وقد أومأت إليها في صدر الكتاب، وبين ~~جماهير شعراء لم تتوفر لهم الأسباب المهيئة ولا البواعث، فلا يجب أن نتوقف ~~فيها بل نحكم حكما جزما أن الذين توفرت لهم الأسباب المهيئة والباعثة أشعر ~~من الذين لم تتوفر لهم. وذلك كما تفضل شعراء العراق على شعراء مصر. ولا ~~نتوقف في ذلك، إذ لا مناسبة بين الفريقين في الإحسان في ذلك، كما لا تناسب ~~بينهم في توفر الأسباب، وإن كان أكثر تلك الأسباب أيضا في الصعق العراقي قد ~~تغير عما كان عليه في الزمان المتقدم. ### | د- معرف دال على طرق المعرفة بمبلغ هذا الكتاب من أصول هذه الصناعة # قد تكلمنا من هذه النصاعة في جملة مقنعة. وبقيت أشياء لا يمكن تتبعها ~~لكثرة تشعبها وتعذر استقصائها، وأشياء يمكن استقصاؤها أو استقصاء عامتها ~~بعد طول. # فأما ما يعز استقصاؤه فذكر ما به يكون كمال الشعر أو تفضيل القول في ~~مهيئات له والأدوات والبواعث عليه. ومن ذلك اعتبار كل نمط من أنماط اللفظ ~~بكل نمط يوقع فيه من أنماط المعاني والنظام والأساليب والأوزان، واعتبار كل ~~نمط من المعاني بكل نمط يصلح ms235 به من أنماط اللفظ والنظام والأساليب ~~والأوزان، واعتبار كل نمط من النظم بما يصلح به من أنماط اللفظ والمعاني ~~والأساليب والأوزان. واعتبار كل نمط من أنماط الأساليب بما يصلح به من ~~أنماط الألفاظ والمعاني والنظام والأوزان واعتبار كل نمط من أنماط الأوزان ~~بما يصلح به من أنماط اللفظ والمعنى والنظم والأسلوب، والتمييز بين ما يكون ~~ملائما لم وضع بإزائه من جميع ذلك وما يكون منافرا لوضعه. PageV01P121 ms236