######OpenITI# #META# Date: 2021-04-15 #META# 010.AuthorNAME :: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي #META# 022.BookVOLS :: #META# 011.AuthorBORN :: 626 #META# 011.AuthorDIED :: 684 #META# 043.EdPUBLISHER :: عالم الكتب, .n.d #META# 020.BookTITLE :: الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 030.LibURI ::Shamela_0002215 #META#Header#End# # PageV00P000 # ### | # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم. الحمد لله فالق ~~الإصباح وفارق أهل الغي من أهل الصلاح وسائق السحاب الثقال بهبوب الرياح ~~ومنزل الفرقان على عبده يوم الكفاح ببيض الصفاح محذرا من دار البوار وحاثا ~~على دار الفلاح المنزه في عظيم علائه عن مشابهة الأرواح ومشاكلة الأشباح، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة زاكية الأرباح يوم القداح. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله والحرمات تستباح وحزب الكفر قد عم ~~الفجاج والبطاح فلم يزل - صلى الله عليه وسلم - يرشد إلى الحق بالحجاج ~~الوضاح وسمهرية الرماح حتى أعلن مناديه في ناديه وباح، وظهر دين الله على ~~جميع الأديان فطار في الآفاق بقادمة كقادمة الجناح صلى الله عليه وعلى آله ~~وأصحابه وأزواجه ومحبيه ما أزال الظلم الحنادس ضوء الصباح صلاة نحوز بها ~~أعلى رتب النجاح ونخلص بها من دركات الإثم والجناح. # (أما بعد) فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا ~~وعلوا اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان أحدهما المسمى بأصول الفقه وهو ~~في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة ~~وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم ~~والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة ~~وخبر الواحد وصفات المجتهدين، والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة ~~العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في ~~الشريعة # PageV01P002 # ما لا يحصى ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه. # وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل، ~~وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر ~~الفقيه، ويشرف ويظهر رونق الفقه ويعرف وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها ~~تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع وحاز قصب السبق من ~~فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية ~~تناقضت عليه الفروع واختلفت وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت ms001 نفسه لذلك ~~وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى وانتهى العمر ولم تقض نفسه ~~من طلب مناها ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها ~~في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب. # وأجاب الشاسع البعيد وتقارب وحصل طلبته في أقرب الأزمان وانشرح صدره لما ~~أشرق فيه من البيان فبين المقامين شأو بعيد وبين المنزلتين تفاوت شديد، وقد ~~ألهمني الله تعالى بفضله أن وضعت في أثناء كتاب الذخيرة من هذه القواعد ~~شيئا كثيرا مفرقا في أبواب الفقه كل قاعدة في بابها وحيث تبنى عليها ~~فروعها. # ثم أوجد الله تعالى في نفسي أن تلك القواعد لو اجتمعت في كتاب وزيد في ~~تلخيصها وبيانها والكشف عن أسرارها وحكمها لكان ذلك أظهر لبهجتها ورونقها، ~~وتكيفت نفس الواقف عليها بها مجتمعة أكثر مما إذا رآها مفرقة، وربما لم يقف ~~إلا على اليسير منها هنالك لعدم استيعابه لجميع أبواب الفقه، وأينما يقف ~~على قاعدة ذهب عن خاطره ما قبلها بخلاف اجتماعها وتظافرها، فوضعت هذا ~~الكتاب للقواعد خاصة وزدت قواعد كثيرة ليست في الذخيرة وزدت ما وقع منها في ~~الذخيرة بسطا وإيضاحا فإني في الذخيرة رغبت في كثرة النقل للفروع؛ لأنه أخص ~~بكتب الفروع، وكرهت أن أجمع بين ذلك وكثرة البسط في المباحث والقواعد فيخرج ~~الكتاب إلى حد يعسر على الطلبة تحصيله أما هنا فالعذر زائل والمانع ذاهب ~~فأستوعب ما يفتح الله به إن شاء الله تعالى وجعلت مبادئ المباحث في القواعد ~~بذكر الفروق والسؤال عنها بين فرعين أو قاعدتين فإن وقع السؤال عن الفرق ~~بين الفرعين فبيانه بذكر قاعدة أو قاعدتين يحصل بهما الفرق. # وهما المقصودتان، وذكر الفرق وسيلة لتحصيلهما وإن وقع السؤال عن الفرق ~~بين القاعدتين فالمقصود تحقيقهما، ويكون تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما ~~أولى من تحقيقهما بغير ذلك فإن ضم القاعدة إلى ما يشاكلها في الظاهر ~~ويضادها في الباطن أولى؛ لأن الضد يظهر حسنة الضد وبضدها تتميز الأشياء ~~وتقدم قبل هذا كتاب لي سميته كتاب الأحكام في الفرق بين ms002 الفتاوى والأحكام ~~وتصرف القاضي والإمام ذكرت في هذا الفرق أربعين مسألة جامعة # PageV01P003 # لأسرار هذه الفروق وهو كتاب مستقل يستغنى به عن ~~الإعادة هنا فمن شاء طالع ذلك الكتاب فهو حسن في بابه وعوائد الفضلاء وضع ~~كتب الفروق بين الفروع، وهذا في الفروق بين القواعد وتلخيصها فله من الشرف ~~على تلك الكتب شرف الأصول على الفروع وسميته لذلك أنوار البروق في أنواء ~~الفروق ولك أن تسميه كتاب الأنوار والأنواء أو كتاب الأنوار والقواعد ~~السنية في الأسرار الفقهية كل ذلك لك وجمعت فيه من القواعد خمسمائة وثمانية ~~وأربعين قاعدة أوضحت كل قاعدة بما يناسبها من الفروع حتى يزداد انشراح ~~القلب لغيرها. # (فائدة) سمعت بعض مشايخي الفضلاء يقول فرقت العرب بين فرق بالتخفيف وفرق ~~بالتشديد الأول في المعاني والثاني في الأجسام، ووجه المناسبة فيه أن كثرة ~~الحروف عند العرب تقتضي كثرة المعنى أو زيادته أو قوته، والمعاني لطيفة ~~والأجسام كثيفة فناسبها التشديد وناسب المعاني التخفيف مع أنه قد وقع في ~~كتاب الله تعالى خلاف ذلك قال الله تعالى {وإذ فرقنا بكم البحر} [البقرة: ~~50] فخفف في البحر وهو جسم. # وقال تعالى {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] وجاء على ~~القاعدة قوله تعالى {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] وقوله ~~تعالى {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102] و ~~{تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1] ولا نكاد نسمع من الفقهاء ~~إلا قولهم ما الفارق بين المسألتين، ولا يقولون ما الفرق بينهما بالتشديد، ~~ومقتضي هذه القاعدة أن يقول السائل افرق لي بين المسألتين ولا يقول فرق لي ~~ولا بأي شيء تفرق مع أن كثيرا يقولونه في الأفعال دون اسم الفاعل، وقد آن ~~الشروع في الكتاب مستعينا بالله تعالى على خلوص النية وحصول البغية وأسأله ~~بعظيم جلاله وكمال علائه أن يجعله نافعا لي ولعباده، وأن ييسر ذلك علي ~~وعليهم بمنه وكرمه إنه على كل شيء قدير. # (الفرق الأول بين الشهادة والرواية) ابتدأت بهذا الفرق بين هاتين ~~القاعدتين لأني أقمت أطلبه نحو ثمان ms003 سنين فلم أظفر به، وأسأل الفضلاء عن ~~الفرق بينهما وتحقيق ماهية كل واحدة منهما فإن كل واحدة منهما خبر فيقولون ~~الفرق بينهما أن الشهادة يشترط فيها العدد والذكورية والحرية بخلاف # PageV01P004 # الرواية فإنها تصح من الواحد والمرأة والعبد فأقول ~~لهم اشتراط ذلك فيها فرع تصورها وتمييزها عن الرواية فلو عرفت بأحكامها ~~وآثارها التي لا تعرف إلا بعد معرفتها لزم الدور وإذا وقعت لنا حادثة غير ~~منصوصة من أين لنا أنها شهادة حتى يشترط فيها ذلك فلعلها من باب الرواية ~~التي لا يشترط فيها ذلك فالضرورة داعية لتمييزهما، وكذلك إذا رأينا الخلاف ~~في إثبات شهر رمضان هل يكتفى فيه بشاهد أم لا بد من شاهدين، ويقول الفقهاء ~~في تصانيفهم منشأ الخلاف في ذلك هل هو من باب الرواية أو من باب الشهادة. # وكذلك إذا أخبره عدل بعدد ما صلى قالوا ذلك بعينه، وأجروا الخلاف فيهما ~~لم تتصور حقيقة الشهادة والرواية وتميز كل واحدة منهما عن الأخرى لا يعلم ~~اجتماع الشائبتين منهما في هذه الفروع، ولا يعلم أي الشائبتين أقوى حتى ~~يرجح مذهب القائل بترجيحها، ولعل أحد القائلين ليس مصيبا وليس في الفروع ~~إلا إحدى الشائبتين أو أحد الشبهين والآخر منفي أو الشبهان معا منفيان، ~~والقول بتردد هذه الفروع بينهما ليس صوابا بل يكون الفرع مخرجا على قاعدة ~~أخرى غير هاتين، وهذا جميعه إنما يتلخص إذا علمت حقيقة كل واحدة منهما من ~~حيث هي هي فحينئذ يتصور هنا اشتراط العدد، ولا يقبل في ذلك الفرع العدل ~~الواحد ويعتقد أنه مخرج على الشبهين المذكورين وأي القولين أرجح إما مع ~~الجهل بحقيقتهما فلا يتأتى شيء من ذلك، وتبقى هذه الفروع مظلمة ملتبسة ~~علينا، ولم أزل كذلك كثير القلق والتشوف إلى معرفته ذلك حتى طالعت شرح ~~البرهان للمازري - رضي الله عنه - فوجدته ذكر هذه القاعدة وحققها وميز بين ~~الأمرين من حيث هما، واتجه تخريج تلك الفروع اتجاها حسنا. # وظهر أي الشبهين أقوى، وأي القولين أرجح، وأمكننا من قبل أنفسنا إذا ~~وجدنا خلافا محكيا ولم يذكر سبب ms004 الخلاف فيه أن نخرجه على وجود الشبهين فيه ~~إن وجدناهما ونشترط ما نشترطه ونسقط ما نسقطه، ونحن على بصيرة في ذلك كله، ~~فقال - رحمه الله - الشهادة والرواية خبران غير أن المخبر عنه إن كان أمرا ~~عاما لا يختص بمعين فهو الرواية كقوله - عليه الصلاة والسلام - «إنما ~~الأعمال بالنيات» والشفعة فيما لا يقسم لا يختص بشخص معين بل ذلك على جميع ~~الخلق في جميع الأعصار والأمصار بخلاف قول العدل عند الحاكم لهذا عند هذا ~~دينار إلزام لمعين لا يتعداه إلى غيره فهذا هو الشهادة المحضة، والأول هو ~~الرواية المحضة ثم تجتمع الشوائب بعد ذلك # PageV01P005 # ووجه المناسبة بين الشهادة واشتراط العدد حينئذ وبقية ~~الشروط أن إلزام المعين تتوقع فيه عداوة باطنية لم يطلع عليها الحاكم فتبعث ~~العدو على إلزام عدوه ما لم يكن لازما له. # فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه آخر إبعادا لهذا الاحتمال، فإذا اتفقا في ~~المقال قرب الصدق جدا بخلاف الواحد ويناسب أيضا اشتراط الذكورية من وجهين: ~~أحدهما أن إلزام المعين سلطان وغلبة وقهر واستيلاء تأباه النفوس الأبية ~~وتمنعه الحمية وهو من النساء أشد نكاية لنقصانهن فإن استيلاء الناقص أشد في ~~ضرر الاستيلاء فخفف ذلك عن النفوس بدفع الأنوثة الثاني أن النساء ناقصات ~~عقل ودين فناسب أن لا ينصبن نصبا عاما في موارد الشهادات # PageV01P006 # لئلا يعم ضررهن بالنسيان والغلط بخلاف الرواية؛ لأن ~~الأمور العامة تتأسى فيها النفوس ويتسلى بعضها ببعض فيخف الألم وتقع ~~المشاركة غالبا في الرواية لعموم التكليف والحاجة، فيروى مع المرأة غيرها ~~فيبعد احتمال الغلط ويطول الزمان في الكشف عن ذلك إلى يوم القيامة، فيظهر ~~مع طول السنين خلل إن كان بخلاف الشهادة تنقضي بانقضاء زمانها، وتنسى بذهاب ~~أوانها فلا يطلع على غلطها ونسيانها ولا يتهم أحد في عداوة جميع الخلق إلى ~~يوم القيامة فلا يحتاج إلى الاستظهار بالغير فيكفي الواحد. # وأما الحرية فلأن النفوس الأبية تأبى قهرها بالعبيد الأدنى، ويخف ذلك ~~عليها بالأحرار وسراة الناس، ولأن الرق يوجب الضغائن والأحقاد بسبب ما فات ~~من الحرية والاستقلال بالكسب ms005 والمنافع فربما بعثه ذلك على الكذب على المعين ~~وإذايته، وذلك للخلائق يبعد القصد إليه في مجاري العادات فهذا تحقيق ~~البابين. # ووجه المناسبة في الاشتراط في الشهادة دون الرواية وحينئذ نقول # PageV01P007 # الخبر ثلاثة أقسام رواية محضة كالأحاديث النبوية ~~وشهادة محضة كإخبار الشهود عن الحقوق على المعينين عند الحاكم ومركب من ~~الشهادة والرواية وله صور أحدها الإخبار عن رؤية هلال رمضان من جهة أن ~~الصوم لا يختص بشخص معين بل عام على جميع المصر أو أهل الآفاق على الخلاف ~~في أنه هل يشترط في كل قوم رؤيتهم أم لا فهو من هذا الوجه رواية لعدم ~~الاختصاص بمعين وعموم الحكم ومن جهة أنه حكم يختص بهذا العام دون ما قبله ~~وما بعده وبهذا القرن من الناس دون القرون الماضية والآتية صار فيه خصوص ~~وعدم عموم فأشبه الشهادة. # وحصل الشبهان فجرى الخلاف وأمكن ترجيح أحد الشبهين على الآخر، واتجه ~~الفقه في المذهبين فإن عضد أحد الشبهين حديث أو قياس تعين المصير إليه # وثانيها القائف في إثبات الأنساب بالخلق هل يشترط فيه العدد أم لا قولان ~~لحصول الشبهين من جهة أنه يخبر أن زيدا ابن عمر وليس ابن خالد وهو حكم جرى ~~على شخص معين لا يتعداه إلى غيره فأشبه الشهادة فيشترط العدد ومن جهة أن ~~القائف منتصب انتصابا عاما للناس أجمعين أشبه الرواية فيكفي الواحد غير أن ~~شبه الشهادة هنا أقوى للقضاء على المعين وتوقع العداوة والتهمة في الشخص ~~المعين، وكونه منتصبا انتصابا عاما مشترك بينه وبين الشاهد فإنه منتصب لكل ~~من تتعين # PageV01P008 # عليه شهادة يؤديها عند الحاكم، فهذا الشبه ضعيف فإن ~~قلت: الفرق بينه وبين الشاهد أن القائف يختص بقبيلة معينة وهم بنو مدلج ~~فينصب الحاكم منهم من يراه أهلا لذلك فدخول نصب الحاكم لذلك واجتهاده وتوسط ~~نظره يبعد احتمال العداوة ويخفف الضغينة في قلب المحكوم عليه بخلاف الشاهد ~~فإن من تعينت عليه شهادة أداها وإن كان مجهولا عند الحاكم، ويأتي من يزكيه ~~وينفذ الحكم ولا يتوسط نظر الحاكم فتقوى داعية العداوة وتنفر ms006 النفوس من ~~سلطنة المخبر عليها بالإلزام قلت هو فرق حسن وهو المستند لمعتقدي ترجيح شبه ~~الرواية غير أن الفرق قد رجح في النفس إضافة الحكم إلى المشترك دونه لقوته ~~ألا ترى أن القائف قد يقبل قوله من غير نصب الإمام لذلك الشخص كما «قبل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول مجزز المدلجي في نسب أسامة بن زيد» ~~ولم ينقل لنا أنه نصبه لذلك، ولو وجد من الناس أو من القبائل في عصر من ~~الأعصار من يودعه الله تعالى تلك الخاصية التي أودعها في بني مدلج قبل قوله ~~أيضا فعلمنا أن عند كثرة البحث والكشف تقوى شائبة الشهادة، وهذا البحث كله ~~وهذا الترجيح إنما تمكنا منه عند معرفتنا بحقيقة الشهادة والرواية من حيث ~~هما ولو لم يحصل كلام المازري صعب علينا ذلك، وانسد الباب وانحسم الفقه ~~ورجعنا إلى التقليد الصرف الذي لا يعقل معناه وثالثها المترجم للفتاوى ~~والخطوط. # قال مالك: يكفي الواحد وقيل لا بد من اثنين ومنشأ الخلاف حصول الشبهين ~~أما شبه الرواية فلأنه نصب نصبا عاما للناس أجمعين لا يختص نصبه بمعين. # وأما شبه الشهادة فلأنه يخبر عن معين من الفتاوى والخطوط لا يتعدى إخباره ~~ذلك الخط المعين أو الكلام المعين ويأتي السؤال بالفارق المتقدم والبحث ~~بعينه في القائف، ورابعها المقوم للسلع وأروش الجنايات والسرقات والغصوب ~~وغيرها. # قال مالك يكفي الواحد في التقويم إلا أن يتعلق بالقيم حد كالسرقة فلا بد ~~من اثنين وروي لا بد من اثنين في كل موضع ومنشأ الخلاف حصول ثلاثة أشباه: ~~شبه الشهادة لأنه إلزام لمعين وهو ظاهر وشبه الرواية؛ لأن المقوم متصد لما ~~لا يتناهى كما تقدم في المترجم والقائف وهو ضعيف؛ لأن # PageV01P009 # الشاهد كذلك وشبه الحاكم لأن حكمه ينفذ في القيمة، ~~والحاكم ينفذه وهو أظهر من شبه الرواية فإن تعلق بإخباره حد تعين مراعاة ~~الشهادة لوجهين: أحدهما قوة ما يفضي إليه هذا الإخبار وينبني عليه من إباحة ~~عضو آدمي معصوم، وثانيهما أن الخلاف في كونه رواية أو شهادة شبهة يدرأ بها ms007 ~~الحد، وخامسها القاسم قال مالك يكفي الواحد والأحسن اثنان. # وقال أبو إسحاق التونسي لا بد من اثنين وللشافعية في ذلك قولان ومنشأ ~~الخلاف شبه الحكم أو الرواية أو الشهادة والأظهر شبه الحكم؛ لأن الحاكم ~~استنابه في ذلك وهو المشهور عندنا وعند الشافعية أيضا وسادسها إذا أخبره ~~عدل بعدد ما صلى هل يكتفى فيه بالواحد أم لا بد من اثنين وشبه الحاكم هنا ~~منتف فإن قضايا الحاكم لا تدخل في العبادات بل شبه الرواية أو الشهادة. # أما الرواية فلأنه لم يخبره عن إلزام حكم لمخلوق عليه بل الحق لله تعالى ~~فأشبه إخباره عن السنن والشرائع، وأما شبه الشهادة فلأنه إلزام لمعين لا ~~يتعداه وهو الأظهر، وسابعها أطلق الأصحاب القول في المخبر عن نجاسة الماء ~~أنه يكفي فيه الواحد، وكذلك الخارص وقال مالك يقبل قول القاسم بين اثنين. # وقال ابن القاسم لا يقبل قول القاسم؛ لأنه شاهد على فعل نفسه ويقلد ~~المؤذن الواحد في الإخبار عن الوقت، وكذلك الملاح ومن صناعته في الصحراء في ~~الإخبار عن القبلة إذا كان عدلا يغلب في هذه الفروع شبه الرواية # PageV01P010 # أما المخبر عن النجاسة فلشبهه بالمفتي والمفتي لم ~~أعلم فيه خلافا أنه يكفي فيه الواحد؛ لأنه ناقل عن الله تعالى لخلقه ~~كالراوي للسنة، ولأنه وارث للنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يكفي وحده وكذلك وارثه فالمخبر عن النجاسة أو ~~الصلاة كذلك مبلغ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير أن هاهنا فرقا وهو ~~أن المفتي لا يخبر عن وقوع السبب الموجب للحكم بل عن الحكم من حيث هو حكم ~~الذي يعم الخلائق إلى يوم القيامة، والمخبر عن النجاسة أو الصلاة مخبر عن ~~وقوع سبب جزئي في شخص جزئي. # وهذا شبه شديد بالشهادة أمكن ملاحظته، وكذلك الخارص إن جعل حاكما يتجه لا ~~راويا، والحاكم يكفي فيه الواحد وهو ظاهر كلام الأصحاب فيه وفي الساعي أن ~~تصرفهما تصرف الحاكم، والقاسم أيضا كذلك إن استنابه الحاكم فشائبة الحاكم ~~ظاهرة وإن انتدبه الشريكان ms008 أمكن أن يقال إنه من باب التحكيم والمؤذن مخبر ~~عن وقوع السبب، وهو أوقات الصلوات فإنها أسبابها فأشبه المخبر عن وقوع سبب ~~الملك من البيع والهبة وغيرهما فمن هذا الوجه فارق المفتي. # وكان ينبغي أن لا يقبل إلا اثنان، ويغلب شائبة الشهادة؛ لأنها إخبار عن ~~سبب جزئي في وقت جزئي غير أني لم أره مشترطا # PageV01P011 # وهو حجة حسنة للشافعية في الاكتفاء في هلال رمضان ~~بالواحد فإنها إخبار عن سبب جزئي في وقت جزئي يعمان أهل البلد، والأذان لا ~~يعم أهل الأقطار بل لكل قوم زوالهم وفجرهم وغروبهم وهو أولى باعتبار شائبة ~~الشهادة بخلاف هلال رمضان عممه المالكية والحنفية في جميع أهل الأرض ولم ~~يجعلوا لكل قوم رؤيتهم كما قاله الشافعية فالمخبر عن رؤية الهلال على قاعدة ~~المالكية أشبه بالرواية من المؤذن فينبغي أن يقبل الواحد قياسا على المؤذن ~~بطريق الأولى لتوفر العموم في الهلال، وهنا سؤالان مشكلان على المالكية ~~أحدهما التفرقة بين المؤذن يقبل فيه الواحد وبين المخبر عن هلال رمضان لا ~~يقبل فيه الواحد. # وقد تقدم تقريره وثانيهما حصول الإجماع في أوقات الصلوات على أنها مختصة ~~بأقطارها بخلاف الأهلة مع أن الجميع يختلف باختلاف الأقطار عند العلماء ~~بهذا الشأن فقد يطلع الهلال في بلد دون غيره بسبب البعد عن المشرق والقرب ~~منه فإن البلد الأقرب إلى المشرق هو بصدد أن لا يرى فيه الهلال ويرى في ~~البلد الغربي بسبب مزيد السير الموجب لتخلص الهلال من شعاع الشمس فقد لا ~~يتخلص في البلد الشرقي فإذا كثر سيره، ووصل إلى الآفاق الغربية تخلص فيه ~~فيرى الهلال في المغرب دون المشرق وهذا مبسوط في كتب هذا العلم ولهذا ما من ~~زوال لقوم إلا وهو غروب لقوم وطلوع الشمس عند قوم ونصف الليل عند قوم، وكل ~~درجة تكون الشمس فيها فهي متضمنة لجميع أوقات الليل والنهار لأقطار مختلفة ~~فإذا قاست الشافعية الهلال على أوقات الصلوات اتجه القياس وعسر الفرق وهو ~~مشكل، والحق أنه يعتبر لكل قوم رؤيتهم وهلالهم كما يعتبر لكل قوم فجرهم ms009 ~~وزوالهم فإن قلت الجواب عن الأول أن المعاني الكلية قد يستثنى منها بعض ~~أفرادها بالسمع، وقد ورد الحديث الصحيح بقوله - عليه السلام - «إذا شهد ~~عدلان فصوموا وأفطروا وانسكوا» فاشترط عدلين في وجوب الصوم ومع تصريح صاحب ~~الشرع باشتراط عدلين لا يلزمنا بالعدل الواحد شيء ولا يسمع الاستدلال ~~بالمناسبات في إبطال النصوص الصريحة وعن الثاني أن الأذان عدل به عن صيغة ~~الخبر إلى صفة العلامة على الوقت. # ولذلك كان المؤذن لا يقول دخل وقت الصلاة بل يقول كلمات أخر جعلها صاحب ~~الشرع علامة ودليلا على دخول الوقت، فأشبهت ميل الظل وزيادته من دلالتهما ~~على دخول الوقت فكما لا يشترط ميلان في الظل ولا زيادتان لا يشترط عدلان ~~ولا مؤذنان وكذلك آلة واحدة من آلات الأوقات تكفي، ولا يقول أحد إنه يشترط ~~أسطرلابان ولا ميزانان للشمس؛ لأن ذلك علامة مفيدة، وكذلك الأذان يكفي فيه ~~الواحد لأنه علامة # PageV01P012 # قلت هذا بحث حسن غير أن الجواب عن الأول أنه يدل ~~بمفهومه لا بمنطوقه فإن منطوقه أن الشاهدين يجب عندهما، ومفهومه أن أحدهما ~~لا يكفي من جهة مفهوم الشرط وإذا كان الاستدلال به إنما هو من جهة المفهوم ~~فنقول القياس الجلي مقدم على منطوق اللفظ على أحد القولين لمالك وغيره من ~~العلماء فينبغي أن يقدم على المفهوم قولا واحدا؛ لأن القاضي أبا بكر وغيره ~~يقول المفهوم ليس بحجة مطلقا. # وهو ضعيف جدا فلا يندفع به القياس الجلي وعن الثاني بأنه يشكل بما إذا ~~قال لنا المؤذن من غير أذان طلع الفجر فإنا نقلده وهو خبر صرف مع أن قوله ~~في الأذان: حي على الصلاة معناه أقبلوا إليها فهو يدل بالالتزام على دخول ~~وقتها، وكذلك حي على الفلاح. # وأما المخبر بالقبلة فليس مخبرا عن وقوع سبب بل عن حكم متأبد فإن نصب جهة ~~الكعبة المعظمة قياما للناس أمر عام في جميع الأعصار والأمصار لا يختلف ~~بخلاف المؤذن لا يتعدى حكمه وإخباره ذلك الوقت فالمخبر عن القبلة أشبه ~~بالرواية من المؤذن فتأمل هذه الفروق وهذه الترجيحات فهي ms010 حسنة، وكلها إنما ~~ظهرت بعد معرفة حقيقة الشهادة والرواية فلو خفيتا ذهبت هذه المباحث جملتها ~~ولم يظهر التفاوت بين القريب منها للقواعد والبعيد # PageV01P013 # وثامنها المخبر عن قدم العيب أو حدوثه في السلع عند ~~التحاكم في الرد بالعيب أطلق الأصحاب القول فيه أنه شهادة، وأنه يشترط فيه ~~العدد؛ لأنه حكم جزئي على شخص معين لشخص معين، وأنه متجه غير أن ذلك يعكر ~~على قولهم أنه إذا لم يوجد المسلمون قبل فيه أهل الذمة من الأطباء ونحوهم، ~~قاله القاضي أبو الوليد وغيره قالوا لأن هذا طريقه الخبر فيما ينفردون ~~بعلمه. # وهذا مشكل من وجهين أحدهما أن الكفار لا مدخل لهم في الشهادة على أصولنا ~~خلافا لأبي حنيفة في الوصية في السفر وشهادة بعضهم على بعض، وكذلك لا مدخل ~~لهم في الرواية فكيف يصرحون بالشهادة مع قبول الكفرة فيها، وثانيهما أن ~~قولهم إن هذا أمر ينفردون بعلمه لا عذر فيه حاصل فإن كل شاهد إنما يخبر عما ~~علمه مع إمكان مشاركة غيره له فيه وهؤلاء الكفار يعلمون هذه الأمراض مع ~~إمكان مشاركة غيرهم معهم في العلم بذلك فما أدري وجه المناسبة بين قبول ~~قولهم وبين هذا المعنى مع أن كل شاهد كذلك فتأمل ذلك، وتاسعها قال ابن ~~القصار قال مالك يجوز تقليد الصبي والأنثى والكافر الواحد في الهدية ~~والاستئذان مع أنه إخبار يتعلق بجزئي في الهدية والمهدي والمهدى إليه فهو ~~على خلاف القواعد، ووقع هذا الفرع عند الشافعية وخرجوه بأن المعتمد في هذه ~~الصور ليس هذه الإخبارات بمجردها بل هي مع ما يحتف بها من القرائن، ولربما ~~وصلت إلى حد القطع وهذه إشارة منهم إلى أنه من باب الشهادة غير أنه استثني ~~منها لوجود القرائن التي تنوب مناب العدول مع عموم البلوى في ذلك، ودعوى ~~الضرورة إليه فلو كان أحدنا لا يدخل بيت صديقه حتى يأتي بعدلين يشهدان له ~~بإذنه له في ذلك أو لا يبعث بهديته إلا مع عدلين لشق ذلك على الناس ولا غرو ~~في الاستثناء من القواعد لأجل الضرورات، وعاشرها ms011 نقل ابن حزم في مراتب ~~الإجماع له إجماع الأمة على قبول قول المرأة الواحدة في إهداء الزوجة ~~لزوجها ليلة العرس مع أنه إخبار عن تعيين مباح جزئي لجزئي. # ومقتضاه أن لا يقبل فيه إلا رجلان؛ لأنها شهادة تتعلق بالنكاح الذي هو من ~~أحكام الأبدان التي لا يقبل فيها النساء إلا لضرورة غير أن هذه الصورة ~~اجتمع فيها قرائن الأحوال من اجتماع الأهل والأقارب وندرة التدليس والغلط ~~في مثل هذا مع شهرته وعدم المسامحة فيه ودعوى ضرورات الناس # PageV01P014 # إلى ذلك كما تقدم في الاستئذان والهدية، فهذه عشر ~~مسائل تحرر قاعدتي الشهادة والرواية بوجود أشباههما فيها، وتؤكد ذلك تأكدا ~~واضحا في نفس الفقيه بحيث يسهل عليه بعد ذلك تخريج جميع فروع القاعدتين ~~عليهما، ومعرفة الفرع القريب من القاعدة من البعيد عنها ولنقتصر على هذه ~~العشر خشية الإطالة. # (تنبيه) # قال ابن القصار قال مالك يقبل قول القصاب في الذكاة ذكرا كان أو أنثى ~~مسلما أو كتابيا ومن مثله يذبح وليس هذا من باب الرواية أو الشهادة بل ~~القاعدة الشرعية أن كل أحد مؤتمن على ما يدعيه فإذا قال الكافر هذا مالي أو ~~هذا العبد رقيق لي صدق في ذلك كله، وكذلك إذا قال هذه ذكية فهو مؤتمن فيه ~~كما لو ادعى أي سبب من الأسباب المقررة للملك من الإرث والاكتساب بالصناعة ~~والزراعة وغير ذلك فهو مؤتمن إذ كل أحد مؤتمن على ما يدعيه مما هو تحت يده ~~في أنه مباح له أو ملكه؛ لأنه لا يروي لنا دينا ولا يشهد عندنا في إثبات ~~حكم بل هذا من باب التأمين المطلق كما أن المسلم إذا قال هذا ملكي أو هذه ~~أمتي لم نعده راويا لحكم شرعي، وإلا لاشترطنا فيه العدالة ولا شاهدا بل ~~نقبله منه. # وإن كان أفسق الناس فليس هذا من الفروع المترددة بين القاعدتين فتأمل ذلك ~~فإن قلت ما قررته من أن الشهادة حقيقتها التعلق بجزئي، والرواية حقيقتها ~~التعلق بكلي لا يطرد ولا ينعكس أما الشهادة المجمع عليها من غير اجتماع شبه ms012 ~~الرواية معها فقد تقع في الأمر الكلي العام الذي لا يختص بأحد كالشهادة ~~بالوقف على الفقراء والمساكين إلى يوم القيامة والنسب المتفرع بين الأنساب ~~إلى يوم القيامة، وكون الأرض عنوة أو صلحا ينبني عليها أحكام الصلح أو ~~أحكام العنوة من كونها طلقا إلى يوم القيامة أو وقفا إلى يوم القيامة كما ~~قاله مالك إلى غير ذلك من النظائر كما اختصت الشهادة بجزئي، وأما الرواية ~~فقد بينا أنها في الأمور الجزئية في الإخبار عن النجاسة وأوقات الصلوات ~~وغيرها مما تقدم بيانه. # وإذا وقع كل واحد منهما في الجزئي والكلي لم تكن نسبة أحدهما إلى الجزئي ~~أو الكلي أولى من # PageV01P015 # العكس فتفسد الضوابط ويعود اللبس والسؤال كما تقدم ~~قلت أما ما ذكر من فروع الشهادة فالعموم فيها إنما جاء بطريق العرض والتبع ~~ومقصودها الأول إنما هو جزئي أما الوقف فالمقصود بالشهادة فيه الواقف ~~وإثبات ذلك عليه وهو شخص معين ينتزع منه مال معين فكان ذلك شهادة ثم اتفق ~~أن الموقوف عليه فيه عموم وليس ذلك من لوازم الوقف فإن الوقف قد يكون على ~~معين كما لو وقف على ولده أو زيد ثم من بعده لغيره فالعموم أمر عارض ليس ~~متقررا شرعا في أصل هذا الحكم. # وأما النسب فالمقصود به إنما هو الإلحاق بالشخص المعين أو استحقاق ~~الميراث للشخص المعين ثم تفرعه بعد ذلك ليس مقصود الشهادة إنما هو من ~~الأحكام الشرعية التابعة للمقصود بالشهادة كما أن الشهادة إذا وقعت بأن هذا ~~رقيق لزيد قبل فيه الشاهد واليمين وإن تبع ذلك لزوم القيمة لمن قتله دون ~~الدية وسقوط العبادات عنه واستحقاق إكسابه للسيد مع أن الشاهد لم يقصد سقوط ~~العبادات عنه، وليس سقوط العبادات مما تدخل فيه الشهادات فضلا عن الشاهد ~~واليمين، وكذلك الشهادة بتزويج زيد المرأة المعينة شهادة بحكم جزئي على ~~المرأة لزوجها المشهود له وهو جزئي، وإن تبع ذلك تحريمها على غيره وإباحة ~~وطئها له مع أن التحريم والإباحة شأنهما الرواية دون الشهادة وغير ذلك من ~~النظائر فقد يثبت على سبيل ms013 التبع ما لا يثبت متأصلا فلا يضر ذلك في الضوابط ~~المذكورة في الشهادة والرواية، وأما كون الأرض عنوة أو صلحا فهذا لم أر ~~لأصحابنا فيه نقلا فيما أظن. # وأمكن أن يقال فيه إنه يكفي فيه خبر الواحد، وإنه من باب الرواية لعدم ~~الاختصاص في المحكوم عليه، وأمكن أن يقال إنه من باب الشهادة لخصوص المحكوم ~~فيه وهو الأرض فإنها جزئية لا يتعداها الحكم إلى غيرها فقد اجتمع فيهما ~~الشبهان، وأمكن التردد وأما ما تقدم من النقوض على الرواية فقد تقدم ~~تخريجها والجواب عنها. # (مسألة) # أخبرني بعض شيوخي المعتبرين أنه رأى منقولا أنه إذا روى العدل العبد ~~حديثا يتضمن عتقه أنه تقبل روايته فيه وإن تضمنت نفعه؛ لأن العموم موجب ~~لعدم التهمة في الخصوص مع وازع العدالة، وهذه المسألة تنبه على أن باب ~~الرواية بعيد عن التهم جدا، وأنه سبب عدم اشتراط العدد في باب الرواية # (مسألة) قال أصحابنا وغيرهم من العلماء إذا تعارضت البينتان في الشهادة ~~يقبل الترجيح بالعدالة وهل ذلك مطلقا أو في # PageV01P016 # أحكام الأموال خاصة وهو المشهور أو لا يقضى بذلك ~~مطلقا ثلاث أقوال، والمشهور أنه لا يرجح بكثرة العدد. # والفرق أن الحكومات إنما شرعت لدرء الخصومات ورفع التظالم والمنازعات، ~~فلو رجحنا بكثرة العدد لأمكن للخصم أن يقول أنا أزيد في عدد بينتي فنمهله ~~حتى يأتي بعدد آخر فإذا أتى به قال خصمه: أنا أزيد في العدد الأول فنمهله ~~حتى يأتي بعدد آخر أيضا فيطول النزاع، وينتشر الشغب ويبطل مقصود الحكم. # أما الترجيح بالأعدلية فلا يمكن الخصم أن يسعى في أن تصير بينته أعدل من ~~بينة خصمه بالديانة والعلم والفضيلة فلا تنتشر الخصومات ولا يطول زمانها ~~لانسداد الباب عليه، وأما العدد فليس بابه منسدا فيقدر أن يأتي بمن يشهد له ~~ولو بالزور والحاكم لا يعلم ذلك، والأعدلية لا تستفاد إلا من الحاكم فلا ~~تسلط للخصم على زيادتها فانسد الباب. # (فائدة) # الشهادة خبر والرواية خبر والدعوى خبر والإقرار خبر والنتيجة خبر ~~والمقدمة خبر والتصديق خبر فما الفرق بين هذه ms014 الحقائق وبأي شيء تتميز مع ~~اشتراكها كلها في مطلق الخبرية. # والجواب أما الشهادة والرواية فقد تقدم الكلام عليهما، وإما الدعوى فهي ~~خبر عن حق يتعلق بالمخبر على غيره، والإقرار خبر عن حق يتعلق بالمخبر ويضر ~~به وحده عكس الدعوى الضارة لغيره. ولذلك أن الإقرار متى أضر بغير المخبر ~~أسقطنا من ذلك الوجه كإقراره بأن عبده وعبد غيره حران، ويسمى الإقرار ~~المركب والنتيجة هي خبر نشأ عن دليل، وقبل أن يحصل عليه يسمى مطلوبا ~~والمقدمة هي خبر هو جزء دليل والتصديق هو القدر المشترك بين هذه الصورة ~~كلها يسمى بأحسن عارضيه لفظا؛ لأنه يقال لقائله صدقت أو كذبت فكان يمكن أن ~~يسمى تكذيبا غير أنه سمي بأحسن عارضيه لفظا # (فائدة) # معنى شهد في لسان العرب ثلاثة أمور متباينة شهد بمعنى حضر ومنه شهد بدرا ~~أو شهدنا صلاة العيد قال أبو علي ومنه قوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} [البقرة: 185] قال معناه من حضر منكم المصر في الشهر فليصمه، أو من ~~حضر منكم الشهر في المصر فليصمه فإن الصوم لا يلزم المسافر فالمقصود إنما ~~هو الحاضر المقيم فهذا أحد مسميات شهد، والمعنى الثاني شهد بمعنى أخبر ومنه ~~شهد عند الحاكم أي أخبر بما يعتقد في حق المشهود له وعليه، والمعنى الثالث ~~شهد بمعنى علم ومنه قوله تعالى {والله على كل شيء شهيد} [المجادلة: 6] أي ~~عليم ووقع التردد لبعض العلماء في قوله تعالى {شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل ~~عمران: 18] هل هو من باب العلم؛ لأن الله يعلم ذلك أو من باب الخبر؛ لأن ~~الله تعالى أخبر عباده عن ذلك فهو محتمل للأمرين فهذه الثلاثة هي معاني ~~شهد. # (فائدة) # معنى روى حمل وتحمل فراوي الحديث تحمله وحمله عن شيخه، ولذلك قال العلماء ~~إن إطلاق الراوية على المزادة التي يحمل فيها الماء على الجمل مجاز من باب ~~مجاز المجاورة؛ لأن الراوية بناء مبالغة لمن كثر منه الحمل والذي يحمل ~~ويكثر ms015 منه الحمل إنما هو الجمل فهذا الاسم إنما يستحقه حقيقة ولغة الجمل، ~~وإطلاقه على المزادة مجاز من باب مجاز المجاورة لما بينها وبين الجمل من ~~المجاورة وليس هو من باب أروى الرباعي حتى يستحقه الماء دون الجمل؛ لأن اسم ~~الفاعل منه مرو لا راوية، وإنما يأتي راوية من الثلاثي فهذه فوائد # PageV01P017 # لفظية تتعلق بلفظي الشهادة والرواية حسن ذكرها بعد ~~تحقيق معناهما. # (الفرق الثاني بين قاعدتي الإنشاء والخبر) # الذي هو جنس الشهادة والرواية والدعوى وما ذكرها معها فيما تقدم أما ~~الخبر فهو المحتمل للتصديق والتكذيب لذاته، والتصديق هو قولنا له صدقت ~~والتكذيب هو قولنا له كذبت، وهما غير الصدق والكذب فإن التصديق والتكذيب هو ~~قول وجودي مسموع والصدق يرجع إلى مطابقة الخبر، والكذب يرجع إلى عدم ~~مطابقته فهما نسبة وإضافة والنسب والإضافات عدمية فوقع الفرق بينهما ~~بالوجود والعدم ومن وجه آخر إن الصدق والكذب هو المخبر عنه في التصديق ~~والتكذيب؛ لأن الصدق والكذب تابع للخبر والتصديق # PageV01P018 # والتكذيب تابع للصدق والكذب فيقع الفرق بينهما فرق ما ~~بين المخبر عنه والخبر والمتعلق والمتعلق به. # وقولنا لذاته احتراز من تعذر الصدق أو الكذب فيه لأجل المخبر به أو ~~المخبر عنه، فالأول كخبر الله تعالى أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو ~~خبر مجموع الأمة فإنه لا يقبل الكذب، والثاني كقولنا الواحد نصف الاثنين ~~فإنه لا يقبل الكذب أو الواحد نصف العشرة فإنه لا يقبل الصدق، ولكن جميع ~~هذه الإخبارات بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن المخبر به أو المخبر عنه ~~تقبلهما من حيث هي إخبار، فهذا هو حد الخبر الضابط له فإن قلت الصدق والكذب ~~ضدان والضدان يستحيل اجتماعهما فلا يقبل محلهما إلا أحدهما أما هما معا ~~فلا، وإذا كان المحل لا يقبل إلا أحدهما كان المتعين في الحد هو صيغة # PageV01P019 # أو التي هي لأحد الشيئين دون الواو التي هي للشيئين ~~معا، وهذا هو اختيار إمام الحرمين والأول اختيار القاضي أبي بكر، ولأن ~~الصدق والكذب نوعان للخبر، والنوع لا يعرف إلا بعد معرفة ms016 الجنس فلو عرف ~~الجنس به لزم الدور. # قلت: الجواب عن الأول أن الصواب هو اختيار القاضي أبي بكر - رحمه الله - ~~في صيغة الواو؛ لأنه لا يلزم من تنافي المقبولين تنافي القبولين ألا ترى أن ~~الممكن قابل للوجود والعدم لذاته، وهما نقيضان متنافيان والقبولان يجب ~~اجتماعهما له؛ لأنه لو وجد أحد القبولين دون الآخر للزم من نفي ذلك القبول ~~ثبوت استحالة ذلك المقبول الآخر فإن كان ذلك المستحيل هو الوجود لزم أن ~~يكون ذلك الممكن مستحيلا والمقرر أنه ممكن هذا خلف. # وإن كان المستحيل هو العدم لزم أن يكون ذلك الممكن واجب الوجود لا ممكن ~~الوجود هذا خلف فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن تنافى ~~المقبولان فتتعين الواو، وإنما الشبهة التي وقعت لإمام الحرمين التباس ~~القبولين بالمقبولين، وأنه يلزم من تعذر اجتماع المقبولين تعذر اجتماع ~~القبولين، وليس كذلك ولذلك نقول كل جسم قابل لجميع الأضداد وقبولاته كلها ~~مجتمعة له، وإنما المتعاقبة على سبيل البدل هي المقبولات لا القبولات فتأمل ~~ذلك، ويتقوى ذلك ويتضح بأن الإمكان والوجوب والاستحالة أحكام واجبة الثبوت ~~لمحالها لازمة لها، والإلزام انقلاب الممكن واجبا أو مستحيلا وبالعكس، وذلك ~~محال وإذا كانت لازمة لمحالها واللازم لا يفارق الملزوم فالمقبولات لا ~~تفارقها فهي مجتمعة فيها # PageV01P020 # والجواب عن الثاني أن المقصود بالحد إنما هو شرح لفظ ~~المحدود وبيان نسبته إليه فإن قولنا الإنسان هو الحيوان الناطق حد صحيح مع ~~أن السامع يجب أن يكون عالما بالحيوان وبالناطق إلا لكان حدنا وقع ~~بالمجهول، والتحديد بالمجهول لا يصح فهو حينئذ عالم بالحيوان وبالناطق ومتى ~~كان عالما بهما كان عالما بالإنسان، فإنه لا معنى للإنسان إلا هما، وإذا ~~كان عالما بالإنسان تعين انصراف التعريف والحد إلى بيان نسبة اللفظ؛ لأنه ~~إذا سمع لفظ الإنسان فعلم أن له مسمى ما مجملا لم يعلم تفصيله فبسطنا نحن ~~ذلك المسمى أو قلنا له هو الحيوان الناطق الذي أنت تعرفه فلم يحصل له بالحد ~~إلا بيان نسبة اللفظ وخروجه من حيز الإجمال إلى حيز التفصيل والبيان كذلك ms017 ~~هاهنا يعلم السامع معنى التصديق والتكذيب، ولا يعلم مدلول لفظ الخبر ~~فبسطناه نحن له وفصلناه وقلنا له مدلول هذا اللفظ هو الذي يدخله التصديق ~~والتكذيب اللذان تعرفهما فانشرح له ما كان مجملا. # ولذلك قال العلماء في حد الحد هو القول الشارح وعلى هذا يزول الدور عن ~~جميع الحدود إذا كان مدركها هذا المدرك نحو قولهم العلم معرفة المعلوم على ~~ما هو به مع توقف المعلوم على العلم؛ لأنه مشتق منه، والأمر هو القول ~~المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به مع أن المأمور والمأمور به مشتقان من ~~الأمر فهذا آخر القول في حد الخبر. # وأما حد الإنشاء وبيان حقيقته فهو القول الذي بحيث يوجد به مدلوله في نفس ~~الأمر أو متعلقه فقولنا يوجد به مدلوله احتراز مما إذا قال قائل السفر علي ~~واجب فيوجبه الله تعالى عليه عقوبة له فإن الوجوب في هذه الصورة لم يثبت ~~بهذا اللفظ بل بإيجاب الشارع بخلاف إزالة العصمة بالطلاق والملك بالبيع ~~وغير ذلك من صيغ الإنشاء فإنها توجب مدلولاتها. # وإن لم تقترن بها نية ولا أمر آخر من قبل الشارع # PageV01P021 # وقولنا هو القول الذي بحيث يوجد، ولم نقل يوجب احتراز ~~من صيغ الإنشاء إذا صدرت من سفيه أو فاقد الأهلية فإنها في تلك الصورة لا ~~يترتب عليها مدلولها، ولا توجب حكما ولكن ذلك لأمر خارج عنها لكنها بالنظر ~~إلى ذاتها مع قطع النظر عن الأمور الخارجية توجد مدلولاتها فلذلك قلنا بحيث ~~يوجد أي شأنها ذلك ما لم يمنع مانع أو يعارض معارض وقولنا في نفس الأمر ~~احتراز من الخبر فإنه يوجب مدلوله في اعتقاد السامع فإن القائل إذا قال قام ~~زيد أفادنا هذا القول اعتقاد أنه قام، ولم يفد هذا القول القيام في نفس ~~الأمر بخلاف صيغ الإنشاء فإنها تفيد مدلولاتها في نفس الأمر وفي اعتقاد ~~السامع فصارت خصيصتها هي الإفادة في نفس الأمر أما في اعتقاد السامع فهو ~~أمر مشترك بينها وبين الخبر ولا يحصل به التمييز، وقولنا أو متعلقه لتندرج ~~الإنشاءات بكلام النفس ms018 فإن كلام النفس لا دلالة فيه ولا مدلول، وإنما فيه ~~متعلق ومتعلق خاصة وسيأتي بيانه في مسائل الإنشاء فيقع الفرق على هذا ~~البيان بين الخبر والإنشاء # PageV01P022 # من أربعة أوجه. # والوجه الأول أن الإنشاء سبب لمدلوله والخبر ليس سببا لمدلوله فإن العقود ~~أسباب لمدلولاتها ومتعلقاتها بخلاف الأخبار. الوجه الثاني أن الإنشاءات ~~يتبعها مدلولها، والأخبار تتبع مدلولاتها أما تبعية مدلول الإنشاءات فإن ~~الطلاق والملك مثلا إنما يقعان بعد صدور صيغة الطلاق والبيع. # وأما أن الخبر تابع لمخبره فنعني بالتبعية أنه تابع لتقرر مخبره في زمانه ~~ماضيا كان أو حاضرا أو مستقبلا فقولنا قام زيد تبع لقيامه في الزمان ~~الماضي، وقولنا هو قائم تبع لقيامه في الحال، وقولنا سيقوم الساعة تبع ~~لتقرر قيامه في الاستقبال، وليس المراد بالتبعية التبعية في الوجود، وإلا ~~لما صدق ذلك إلا في الماضي فقط فإن الحاضر مقارن فلا تبعية لحصول المساواة ~~والمستقبل وجوده بعد الخبر فكان متبوعا لا تابعا فكذا ينبغي أن يفهم معنى ~~قول الفضلاء: الخبر تابع لمخبره، ومثله قولهم: العلم تابع لمعلومه أي تابع ~~لتقرره في زمانه ماضيا كان المعلوم أو حاضرا أو مستقبلا فإنا نعلم الحاضرات ~~والمستقبلات كما نعلم الماضيات، والعلم في الجميع تبع لمعلومه فالعلم بأن ~~الشمس تطلع غدا فرع وتابع لتقرر طلوعها في مجاري العادات. # الوجه الثالث: أن الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب فلا يحسن أن يقال لمن ~~قال لامرأته أنت طالق ثلاثا صدق ولا كذب إلا أن يريد به الإخبار عن طلاق ~~امرأته. # وكذلك لمن قال لعبده أنت حر وغير ذلك من صيغ الإنشاء بخلاف الخبر فإنه ~~قابل للتصديق والتكذيب، وقد تقدم تقريره في حد الخبر. الوجه الرابع أن ~~الإنشاء لا يقع إلا منقولا عن أصل الوضع في صيغ العقود والطلاق والعتاق ~~ونحوها، وقد يقع إنشاء في الوضع الأول كالأوامر والنواهي فإنها تنشئ الطلب ~~بالوضع اللغوي الأول، والخبر يكفي فيه الوضع الأول في جميع صوره فقول الرجل ~~لامرأته أنت طالق ثلاثا لا يفيد طلاق امرأته بالوضع الأول بل أصل هذه ~~الصيغة أنه ms019 أخبر عن طلاقها ثلاثا، وأن لا يلزمه شيء كما يتفق له في بعض ~~أحواله إذا سألته امرأته بعد الطلاق فيقول لها أنت طالق ثلاثا إعلاما لها ~~بتقدم الطلاق فهذا هو أصل الصيغة، وإنما صارت تفيد الطلاق بسبب النقل ~~العرفي عن الإخبار إلى الإنشاء وكذلك جميع هذه الصيغ # (تنبيه) # اعتقد جماعة من الفقهاء أن قولنا في حد الخبر أنه المحتمل للصدق والكذب ~~أن هذا الاحتمال لهما استفاده الخبر من الوضع اللغوي، وأن # PageV01P023 # الوضع اقتضى ذلك وليس كذلك بل لا يحتمل الخبر من حيث ~~الوضع إلا الصدق خاصة وتقريره أن العرب إنما وضعت الخبر للصدق دون الكذب ~~لإجماع النحاة والمتحدثين على اللسان أن معنى قولنا قام زيد حصول القيام في ~~الزمان الماضي، ولم يقل أحد أن معناه صدور القيام أو عدمه بل جزم الجميع ~~بالصدور. # وكذلك جميع الأفعال الماضية وكذلك الأفعال المستقبلة نحو قولنا سيقوم زيد ~~معناه صدور القيام عنه في الزمن المستقبل عينا لا أن معناه صدور القيام أو ~~عدمه، وكذلك أسماء الفاعلين والمفعولين كقولنا زيد قائم معناه أنه موصوف ~~بالقيام عينا، وكذلك المجرورات نحو زيد في الدار معناه لغة استقراره فيها ~~دون عدم استقراره لم يختلف في ذلك اثنان من أئمة العربية فعلمنا أن اللغة ~~إنما هي الصدق دون الكذب فإن قلت فما معنى قولكم: إنه يحتمل الصدق والكذب ~~على هذا التقرير الذي اقتضى أن الصدق متعين له فلا يحتمل إلا إياه قلت: ~~معناه أن ذلك يأتيه من جهة المتكلم لا من جهة الوضع فإن المتكلم قد يستعمله ~~صدقا على وفق الوضع وقد يستعمله كذبا على خلاف مطابقة الوضع، وقولنا في ~~الشيء إنه يحتمل الشيء الفلاني أعم من كونه يحتمله من جهة مخصوصة معينة، بل ~~إذا احتمله من أي جهة كانت فقد احتمله فإذا احتمله من جهة المتكلم فقد ~~احتمله من حيث الجملة كقولنا في الممكن إنه قابل للوجود والعدم لا نريد أنه ~~يقبل الوجود من سبب معين بل من أي جهة كانت وأي سبب كان كذلك هاهنا، ونظير ~~قولنا ms020 في الخبر أنه يحتمل الصدق والكذب قولنا في الكلام إنه يحتمل الحقيقة ~~والمجاز، وأجمعنا على # PageV01P024 # أن المجاز ليس من الوضع الأول، وكذلك الكذب فالمجاز ~~والكذب إنما يأتيان من جهة المتكلم لا من جهة الوضع، والذي للوضع هو الصدق ~~والحقيقة فتأمل ذلك. # (تنبيه) # قولنا في حد الخبر إنه المحتمل للتصديق والتكذيب إنما يصح على مذهب ~~الجمهور الذين لا يشترطون في حقيقة الكذب القصد إليه بل يكتفون بعدم ~~مطابقته للمخبر عنه في نفس الأمر. وقال الجاحظ وغيره يشترط في حقيقة الكذب ~~القصد إليه وعدم المطابقة فعلى رأي هؤلاء ينقسم الخبر إلى صدق وهو المطابق ~~وكذب وهو غير المطابق الذي قصد إلى عدم مطابقته وإلى ما ليس بصدق ولا كذب ~~وهو غير المطابق الذي لم يقصد إلى عدم مطابقته فهذا القسم الثالث لا يكون ~~عندهم صدقا ولا كذبا ولا يحتملهما مع أنه خبر فيصير الحد غير جامع عندهم ~~فيكون فاسدا لنا. # قوله - عليه الصلاة والسلام - «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» ~~فجعله إذا حدث بكل ما سمعه كاذبا؛ لأنه فيه غير مطابق في الغالب، وإن كان ~~لم يعرفه حتى يقصد إليه فدل ذلك على عدم اعتبار القصد في الكذب، وقوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» مفهومه ~~أن من كذب غير متعمد لا يستحق النار فدل ذلك على تصور حقيقة الكذب من غير # PageV01P025 # قصد إليه، وهو المطلوب احتجوا بقوله تعالى {أفترى على ~~الله كذبا أم به جنة} [سبأ: 8] فقسم الكفار قوله - عليه الصلاة والسلام - ~~إلى الكذب وإلى الجنون الذي لا يتصور معه القصد مع اعتقادهم عدم المطابقة ~~في القسمين فدل ذلك على أنه لا يسمى كذبا إلا إذا قصد لعدم مطابقته. # والجواب لا نسلم أنهم قسموا قوله - عليه الصلاة والسلام - إلى مطلق الكذب ~~والجنون بل إلى الافتراء وهو أخص من الكذب فإن الكذب قد يكون مخترعا من جهة ~~الكاذب لم يسمعه من غيره فهذا هو الافتراء وما تبع فيه غيره لا يقال له ~~افتراء فهم قسموا ms021 الكذب إلى نوعيه المفترى وغيره لا أنهم قسموا الكلام إلى ~~الكذب وغيره فلا يحصل مقصود الخصم، وهذا كقولنا في زيد هو تعمد الكذب أم لم ~~يتعمده أو نقول هو ابتدأ هذا الكذب وتعمده أو اتبع فيه غيره أو نطق به غفلة ~~من غير قصد، ومعلوم أنه إذا صرح بمثل هذا لا يدل على اشتراط القصد في حقيقة ~~الكذب. . # PageV01P026 ### | (فصل) الإنشاء ينقسم إلى ما اتفق الناس عليه وإلى ما ~~اختلفوا فيه فالمجمع عليه أربعة أقسام: # (القسم الأول) القسم نحو قولنا أقسم بالله لقد قام زيد ونحوه فإن مقتضى ~~هذه الصيغة أنه أخبر بالفعل المضارع أنه سيكون منه قسم في المستقبل فكان ~~ينبغي أن لا تلزمه كفارة بهذا القول؛ لأنه وعد بالقسم لا قسم كقول القائل ~~أعطيك درهما فإنه وعد بالإعطاء لكن لما وقع الاتفاق على أنه بهذا اللفظ ~~أقسم، وأن موجب القسم يلزمه دل ذلك على أنه أنشأ به القسم لا أنه أخبر به ~~عن وقوعه في المستقبل، وهذا أمر اتفق عليه الجاهلية والإسلام، ولذلك لا ~~يحتمل التصديق والتكذيب وجميع لوازم الإنشاء موجودة فيه فدل ذلك على أنه ~~إنشاء، ولذلك يقول فيه من أحاط بذلك من فضلاء النحاة القسم جملة إنشائية ~~يؤكد بها جملة خبرية. # (القسم الثاني) الأوامر والنواهي إنشاء متفق عليه في الجاهلية والإسلام ~~فإن قول القائل افعل لا تفعل يتبعه إلزام الفعل أو الترك، ويترتب عليه ولا ~~يحتمل التصديق والتكذيب ولا يقبل لوازم الخبر، ويلزمه جميع لوازم الإنشاء ~~فيكون إنشاء. # (القسم الثالث) الترجي نحو لعل الله يأتينا بخير والتمني نحو ليت لي مالا ~~فأنفق منه، والعرض نحو ألا تنزل عندنا فتصيب خيرا، والتحضيض وصيغه أربع وهي ~~ألا وهلا ولو ما ولولا نحو ألا تشتغل بالعلم وهلا اشتغلت به ولو ما اشتغلت ~~به فإن هذه الصيغ كلها للطلب ويتبعها الطلب، ويترتب عليها ولا تقبل التصديق ~~ولا التكذيب فهي كالأوامر والنواهي إنشاء كما تقدم. # (القسم الرابع) النداء نحو يا زيد اختلف فيه النحاة هل فيه فعل مضمر ~~تقديره أنادي زيدا أو ms022 الحرف وحده مفيد للنداء؟ فقيل على الأول لو كان الفعل ~~مضمرا والتقدير أنادي زيدا لقبل التصديق والتكذيب، أجاب المبرد عن ذلك بأن ~~الفعل مضمر ولا يلزم قبوله التصديق والتكذيب؛ لأنه إنشاء والإنشاء لا ~~يقبلهما ويؤكد الإنشاء في النداء أنه طلب لحضور المنادى، والطلب إنشاء نحو ~~الأوامر والنواهي فهو مما اتفق على أنه إنشاء لكن الخلاف في الإضمار وعدمه ~~فقط فهذه الأقسام متفق عليها في الجاهلية والإسلام. # (وأما المختلف فيه) هل هو إنشاء أو خبر فهي صيغ العقود نحو بعت واشتريت ~~وأنت حر وامرأتي # PageV01P027 # طالق ونحو ذلك. قالت الحنفية إنها إخبارات على أصلها ~~اللغوي، وقال غيرهم إنها إنشاءات منقولة عن الخبر إليه احتج هؤلاء بأمور: # (أحدها) أنها لو كانت إخبارا لكانت كاذبة؛ لأنه لم يبع قبل ذلك الوقت ولم ~~يطلق، والكذب لا عبرة به لكنها معتبرة فدل ذلك على أنها ليست إخبارا بل ~~إنشاء لحصول لوازم الإنشاء فيها من استتباعاته لمدلولاتها وغير ذلك من ~~اللوازم. # (وثانيها) أنها لو كانت إخبارا لكانت إما كاذبة ولا عبرة بها أو صادقة ~~فتكون متوقفة على تقدم أحكامها فحينئذ إما أن تتوقف عليها أيضا فيلزم الدور ~~أو لا تتوقف عليها فيلزم أن يطلق امرأته أو يعتق عبده، وهو ساكت وذلك خلاف ~~الإجماع. # (وثالثها) أنها لو كانت إخبارا فإما أن تكون خبرا عن الماضي أو الحاضر ~~وحينئذ يتعذر تعليقها على الشرط؛ لأن من شرط الشرط أن لا يتعلق إلا بمستقبل ~~أو خبر عن المستقبل وحينئذ لا يزيد على التصريح بذلك، وهو لو صرح وقال ~~لامرأته ستصيرين طالقا لم تطلق بهذا اللفظ، وكذلك ما في معناه. # (ورابعها) أنه لو قال للمطلقة الرجعية أنت طالق لزمه طلقة أخرى مع أن ~~إخباره صادق باعتبار الطلقة المتقدمة فلا حاجة إلى طلقة أخرى لكن لما لزمه ~~طلقة أخرى دل ذلك على أن هذه الصيغة منشئة للطلاق. # (وخامسها) قوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] والأمر بالطلاق لا ~~يمكن أن يكون عائدا على التحريم فإن التحريم صفة من صفات الله تعالى وكلامه ~~النفساني لا يتعلق ms023 به كسب ولا اختراع فتعيين صرفه لأمر آخر يقتضيه ويستلزمه # PageV01P028 # توفية باللفظ الدال على الطلب، وما ذلك إلا قول ~~القائل أنت طالق فدل ذلك على أن هذه الصيغة سبب التحريم، ويترتب عليها ~~التحريم ولا نعني بكونها إنشاء إلا ذلك. # (وسادسها) أن الإنشاء هو المتبادر في العرف إلى الفهم فوجب أن يكون ~~منقولا إليه كسائر المنقولات، والجواب قالت الحنفية أما الأول فإنما يلزم ~~أن يكون كذبا أن لو لم يقدر فيها صاحب الشرع تقدم مدلولاتها قبل النطق بها ~~بالزمن الفرد لضرورة تصديق المتكلم بها لكن الإضمار أولى من النقل لما تقرر ~~في علم الأصول، ولأن جواز الإضمار في الكلام مجمع عليه، والنقل مختلف فيه ~~والمجمع عليه أولى ومتى كان المدلول مقدرا قبل الخبر كان الخبر صادقا، فلا ~~يلزم الكذب ولا النقل للإنشاء، وبقيت إخبارات على موضوعاتها اللغوية وعملنا ~~بالأصل في عدم النقل وأنتم خالفتموه. وعن الثاني أن الدور غير لازم؛ لأن ~~النطق باللفظ لا يتوقف على شيء، وبعده يقدر تقدم المدلول وبعد تقدير ~~المدلول يحصل الصدق ويلزم الحكم، فالصدق متوقف مطلقا واللفظ متوقف عليه ~~مطلقا، والتقدير متوقف على النطق ويتوقف عليه الصدق فههنا ثلاثة أمور ~~مترتبة بعضها على بعض، وليس فيها ما هو قبل الآخر وبعده حتى يلزم الدور بل ~~هي كالابن والأب والجد في الترتيب والتوقف فاندفع الدور. # وعن الثالث أنا نلتزم أنها إخبارات عن الماضي، ولا يتعذر التعليق وبيانه ~~أن الماضي له تفسير أن أحدهما ماض تقدم مدلوله قبل النطق به من غير تقدير ~~فهذا يتعذر تعليقه؛ لأن معنى التعليق # PageV01P029 # توقيف أمر في دخوله في الوجود على دخول أمر آخر في ~~الوجود، وهو الشرط وما دخل في الوجود وتحقق لا يمكن توقيف دخوله في الوجود ~~على غيره فلأجل ذلك تعذر تعليق الماضي المحقق، وثانيهما ماض بالتقدير لا ~~بالتحقيق فهذا يصح تعليقه وتقديره أنه إذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت ~~الدار فقد أخبر عن ارتباط طلاق امرأته بدخول الدار فيقدر صاحب الشرع هذا ~~الارتباط قبل نطقه به بالزمن الفرد ms024 لضرورة تصديقه، وإذا قدر الارتباط قبل ~~النطق صار الإخبار عن الارتباط ماضيا؛ لأن حقيقة الماضي هو الذي مخبره قبل ~~خبره، وهذا كذلك بالتقدير فيكون ماضيا مع التعليق فقد اجتمع المضي والتعليق ~~بهذا التفسير، ولم يناف المضي التعليق فتأمله فهو دقيق في باب التقديرات، ~~وعن الرابع أن المطلقة الرجعية إذا قال لها أنت طالق إن أراد الإخبار عن ~~الطلقة الماضية لم تلزمه طلقة ثانية. # وإن لزم الإخبار عن طلقة ثانية فهو إخبار كاذب لعدم تقدم وقوع ثانية ~~فيحتاج للتقدير لضرورة التصديق فتلزمه الثانية بالتقدير كالأولى فقولكم إن ~~المطلقة الرجعية تستغني عن التقدير غير مسلم بل هي وغيرها سواء، وإنما يلزم ~~الفرق بينها وبين غيرها إذا كان قوله أنت طالق إخبارا عن الطلقة الأولى، ~~وليس كذلك، وعن الخامس أن الأمر عندنا متعلق بإيجاد خبر يقدر الشرع قبله ~~الطلاق فيلزم الطلاق لا إنشاء الطلاق حتى يكون اللفظ سببا كما ذكرتموه بل ~~خبرا صرفا مع التقدير، وهذا أمر ممكن متصور فلا حاجة إلى مخالفة الأصل ~~بالنقل والعدول عن اللغة الصريحة فهذه أجوبة حسنة للحنفية # (وأما الوجه السادس) فلا يتأتى الجواب عنه إلا بالمكابرة فإن المبادرة # PageV01P030 # للإنشاء والعدول عن الخبر مدرك لنا بالعقول بالضرورة ~~ولا نجد في أنفسنا أن القائل لامرأته أنت طالق أنه يحسن تصديقه وتكذيبه بما ~~ذكروه من التقدير والبحث في هذا المقام يعتمد التناصف في الوجدان، فمن لم ~~ينصف يقل ما شاء. # وأما الأجوبة المتقدمة عن بقية الوجوه فمتجهة صحيحة، والسادس هو العمدة ~~المحققة والله أعلم. فهذا تلخيص هذه المباحث من الجهتين على أتم الوجوه ولم ~~أرها لأحد من الحنفية والشافعية ولا غيرهم على هذا الوجه وكل ذلك من فضل ~~الله تعالى. # ثم أوشح ما تقدم بمسائل جليلة ومباحث جميلة وهي ست: # (المسألة الأولى) مما يتوهم أنه إنشاء وليس كذلك وهو الظهار في قول ~~القائل لامرأته أنت علي كظهر أمي يعتقد الفقهاء أنه إنشاء للظهار كقوله أنت ~~طالق إنشاء للطلاق فإن البابين في الإنشاء سواء، وليس كذلك وبيانه من وجوه ~~أحدها أنه ms025 قد تقدم أن من خصائص الإنشاء عدم قبوله # PageV01P031 # للتصديق والتكذيب والله سبحانه وتعالى يقول {الذين ~~يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول وزورا} [المجادلة: 2] فكذبهم الله في ثلاثة مواطن ~~بقوله تعالى {ما هن أمهاتهم} [المجادلة: 2] فنفى تعالى ما أثبتوه ومن قال ~~لامرأته أنت طالق لا يحسن أن يقال له ما هي مطلقة، وإنما يحسن ذلك إذا أخبر ~~عن تقدم طلاقها ولم يتقدم فيها طلاق فدل ذلك على أن قول المظاهر خبر لا ~~إنشاء، والموطن الثاني في قوله تعالى {وإنهم ليقولون منكرا من القول} ~~[المجادلة: 2] والإنشاء للتحريم لا يكون منكرا بدليل الطلاق، وإنما يكون ~~منكرا إذا جعلناه خبرا فإنه حينئذ كذب والكذب منكر والموطن الثالث قوله ~~تعالى وزورا والزور هو الخبر الكذب فيكون قولهم كذبا وهو المطلوب، وإذا ~~كذبهم الله في هذه المواطن دل ذلك على أن قولهم خبر لا إنشاء. # (وثانيها) أنا أجمعنا على أن الظهار محرم، وليس للتحريم مدرك إلا أنه كذب ~~والكذب لا يكون إلا في الخبر فيكون خبرا فإن قلت الطلاق الثلاث إنشاء وهو ~~محرم فلا يستدل بالتحريم على الخبر قلت: الطلاق محرم لا للفظه بل للجمع بين ~~الطلقات الثلاث من غير ضرورة، وأما تحريم الظهار فلأجل اللفظ وليس في اللفظ ~~ما يقتضي التحريم إلا كونه كذبا؛ لأن الأصل عدم غيره، ومتى كان كذبا كان ~~خبرا؛ لأن التكذيب من خصائص الخبر. # (وثالثها) أن الله # PageV01P032 # تعالى شرع فيه الكفارة، وأصل الكفارة أن تكون زاجرة ~~ماحية للذنب فدل ذلك على التحريم وإنما يثبت التحريم إذا كان كذبا كما تقدم ~~من بقية التقرير. # (ورابعها) قول الله تعالى بعد ذكر الكفارة {ذلكم توعظون به} [المجادلة: ~~3] والوعظ إنما يكون عن المحرمات فإذا جعلت الكفارة وعظا دل ذلك على أنها ~~زاجرة لا ساترة، وأنه حصل هنالك ما يقتضي الوعظ وما ذلك إلا الظهار المحرم ~~فيكون محرما لكونه كذبا فيكون خبرا كما تقدم في التقرير. # (وخامسها) قوله تعالى في الآية {وإن الله لعفو غفور} ms026 [المجادلة: 2] ~~والعفو والمغفرة إنما يكونان في المعاصي فدل ذلك على أنه معصية ولا مدرك ~~للمعصية إلا كونه كذبا والكذب لا يكون إلا في الخبر فيكون خبرا وهو ~~المطلوب. # (فإن قلت) بل هو إنشاء من وجوه: # (أحدها) أن كتب المحدثين والفقهاء متظافرة على أن الظهار كان طلاقا في ~~الجاهلية فجعله الله تعالى في الإسلام تحريما تحله الكفارة كما تحل الرجعة ~~تحريم الطلاق والحديث في أبي داود ورد في ذلك، وهو «أن خويلة بنت مالك قالت ~~ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشكو ~~إليه وهو - عليه السلام - يجادلني فيه ويقول اتقي الله فإنه ابن عمك فما ~~برحت حتى نزل قوله تعالى {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} ~~[المجادلة: 1] الآية فقال ليعتق رقبة قالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين ~~قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فيطعم ستين مسكينا قالت ~~ما عنده من شيء يتصدق به قال فإني سأعينه بفرق من تمر قلت يا رسول الله ~~وأنا سأعينه بفرق آخر قال قد أحسنت فاذهبي وأطعمي عنه ستين مسكينا وارجعي ~~إلى ابن عمك» وروي في بعض طرق هذا الحديث أنها قالت «إنه قد أكل شبابي ~~ونثرت له بطني فلما كبرت # PageV01P033 # سني ظاهر مني ولي صبية صغار إن ضمهم إليه ضاعوا وإن ~~ضممتهم إلي جاعوا» قوله - عليه السلام - «أطعمي وارجعي إلى ابن عمك» يقتضي ~~أنه قبل نزول الآية كان الحال يقتضي أنها لا ترجع إليه بطريق من الطرق وهذا ~~هو الطلاق المؤبد. # والطلاق إنشاء فيكون الظهار كذلك؛ لأنه كان عندهم طلاقا والأصل عدم النقل ~~والتغيير ومن ادعاه فعليه الدليل. # (وثانيها) أنه مندرج في حد الإنشاء فيكون إنشاء؛ لأنه لفظ يترتب عليه ~~التحريم فيكون سببا له والإنشاء من خصائصه أنه سبب لمدلوله وثبوت خصيصية ~~الشيء يقتضي ثبوته فيكون إنشاء كالطلاق. # (وثالثها) أنه لفظ يستتبع أحكاما تترتب عليه من التحريم والكفارة وغيرهما ~~فوجب أن يكون إنشاء كالطلاق والعتاق وغير ذلك من صيغ ms027 الإنشاء فإن خروج هذا ~~اللفظ عن باب الإنشاء بعيد جدا لا سيما وقد نص الفقهاء على أن له صريحا ~~وكناية كالطلاق وغيره. # (والجواب عن الأول) أن قولهم أنه كان طلاقا في الجاهلية لا يقتضي أنهم ~~كانوا ينشئون الطلاق بل يقتضي ذلك أن العصمة في الجاهلية تزول عند النطق به ~~فمجاز أن يكون زوالها؛ لأنه إنشاء كما قلتم أو لأنه كذب وجرت عادتهم أن من ~~أخبر بهذا الخبر الكذب لا تبقى امرأته في عصمته متى التزم بجاهليتهم، وليس ~~في حال الجاهلية ما يأبى ذلك بل لعبهم في أحوالهم أكثر من ذلك فقد التزموا ~~أن الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد تصير سائبة، فمجاز أن يلتزموا ذهاب ~~العصمة عند كذب خاص، ويقوي هذا الاحتمال القرآن الكريم بقوله تعالى {ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} [المجادلة: 2] الآية كما تقدم فإن ~~التكذيب من خصائص الخبر فيكون ظهارهم خبرا كذبا التزموا عقيبه ذهاب العصمة ~~كسائر ملتزماتهم الباطلة، وقد عدها العلماء نحو عشرين نوعا من التحريمات ~~التزموها بغير سبب يقتضيها من جهة الشرائع. # وذلك مبسوط في غير هذا الكتاب (فإن قلت) الآية لا تؤكد هذا الاحتمال فإن ~~الفعل فيها مضارع لا ماض، فقال يظاهرون ولم يقل ظاهروا بصيغة الماضي حتى ~~يتناول الجاهلية بل هو خاص بمن يفعل ذلك في المستقبل بعد نزول الآية أو حال ~~نزولها. # (قلت) بل يتناول الجميع؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم ذلك ~~وأدخل المظاهر الماضية في عموم الآية من أوس بن الصامت ولو لم يكن للماضي ~~والمستقبل لما فعل ذلك - عليه السلام - ولقول العلماء إنه كان طلاقا فأقر ~~تحريما تحله الكفارة وعلى ما يقوله السائل يكون بابا آخر تجدد في الشريعة ~~غير ما تقدم في الجاهلية، والعرب قد تستعمل الفعل المضارع للحالة المستمرة ~~كقولهم يعطي ويمنع ويصل ويقطع تريد هذا شأنه أبدا في الماضي والحال ~~والاستقبال، ومنه «قول خديجة - رضي الله عنها - لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إن الله لن يخزيك أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل ms028 # PageV01P034 # الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق» أي هذا ~~شأنك وسجيتك في جميع عمرك، وعلى هذا تنتظم الآية على الجميع. # (وعن الثاني) أن ترتب التحريم على الظهار ممنوع بل الذي في الآية تقديم ~~الكفارة على الوطء كتقديم الطهارة على الصلاة فإذا قال الشارع تطهر قبل أن ~~تصلي لا يقال الصلاة محرمة بل ذلك نوع من الترتيب كتقديم الإيمان على ~~الفروع وتقديم الإيمان بالصانع على تصديق الرسل سلمنا أن الظهار يترتب عليه ~~تحريم لكن التحريم عقيب الشيء قد يكون؛ لأن ذلك الشيء اقتضاه بدلالته عليه ~~كالطلاق مع تحريم الوطء، وهذا هو الإنشاء وقد يكون ترتب التحريم عقب القول ~~أو الفعل لا بدلالة اللفظ عليه بل عقوبة كما ترتب تحريم الإرث على القاتل ~~عمدا أو ليس القتل إنشاء لتحريم الإرث وترتب التعزير على الخبر الكذب ~~وإسقاط العدالة والعزل من الولاية وغير ذلك من الأحكام فهذا الترتيب كله ~~بالوضع الشرعي لا بدلالة اللفظ، والإنشاء إنما هو أن يكون ذلك اللفظ وضع ~~لذلك التحريم، ويدل عليه كصيغ العقود فسببية القول أعم من كونه سببا ~~بالإنشاء فكل إنشاء سبب وليس كل سبب من القول إنشاء بدليل ما يترتب على ~~الإخبارات الكاذبة من الأحكام الشرعية، وقد نصب الشارع تلك الإخبارات ~~أسبابا لتلك الأحكام وإذا كانت السببية أعم لا يستدل بمطلق السببية على ~~الإنشاء فإن الأعم لا يستلزم الأخص فظهر الفرق بين ترتب التحريم على الطلاق ~~وبين ترتبه على الظهار فتأمل ذلك. # فإن الجهات مختلفة جدا ونحن نقول التحريم والكفارة الكل عقوبة على الكذب ~~في الظهار (وعن الثالث) أنه قياس في الأسباب فلا يصح سلمنا صحته لكنه قياس ~~على خلاف النص الصريح من القرآن المخبر عن كونه كذبا، والكذب بالضرورة لا ~~يكون في الإنشاء وإذا كان على خلاف نص القرآن لا يسمع. # وأما قول الفقهاء له صريح وكناية كما قالوه في الطلاق فذلك إشارة إلى ~~تفاوت مراتب الكذب فالصريح منه أقبح وأشنع فيكون أولى بترتب الأحكام عليه، ~~وهذا بخلاف تفرقتهم بين الصريح والكناية في الطلاق فإن ذلك ms029 يرجع إلى تفاوت ~~الدلالة على التحريم فالبابان مختلفان فتأمل ذلك. # (فإن قلت) فقد قالوا إن صريح الظهار وكنايته ينصرف للطلاق بخلاف صريح ~~الطلاق وكنايته # PageV01P035 # لا ينصرف للظهار فدل على أن ثم أصلا ينصرف عنه إلى ~~الطلاق، وما ذلك الأصل إلا النقل العرفي الذي نقل الظهار من الإخبار إلى ~~الإنشاء، وهذا هو ظاهر قولهم يفهم عنهم ذلك في الظهار كما يفهم في الطلاق. # (قلت) النقل في هذا الموضع مختلف، قال ابن يونس: إذا نوى بالظهار الطلاق ~~فهو ظهار دون الطلاق وقد قصد الناس في أول الإسلام الطلاق فصرفه الله تعالى ~~إلى الظهار بإنزال الآية قال محمد إنما هو فيمن سمى الظهر عند مالك وإلا ~~فيلزمه ما نوى وإن لم ينو فظهار ولا ينوي عند عبد الملك من شبه بالأجنبية. # وإن نوى الظهار، قال ابن القاسم تحريم ذوات المحارم متأبد فلا يكون ~~التشبيه به أضعف من الأجنبية، وقال أبو الطاهر إن عري لفظ الظهار عن النية ~~جرى على الخلاف في انعقاد اليمين بغير نية، أما إن شبه بمحرمة لا على ~~التأبيد، وذكر الظهر فهل يكون طلاقا قصرا للظهار على مورده أو ظهارا قياسا ~~على ذوات الأرحام قولان وإن لم يذكر الظهر فأربعة أقوال ظهار وإن أراد ~~الطلاق وعكسه وظهار إلا أن يريد الطلاق فيكون طلاقا وعكسه وفي الجواهر إن ~~نوى بالصريح الطلاق فعن ابن القاسم يكون طلاقا ثلاثا ولا ينوي في أقل من ~~ذلك. # وقال سحنون ينوي وأما الكناية الظاهرة فظهار إلا أن يريد التحريم فتحريم، ~~ولا يقبل قوله لم أرد ظهارا ولا طلاقا لأجل الظهور، والكناية الخفية ظهار ~~إن أراده وإلا فلا قال ابن يونس قال مالك إن نوى بقوله أنت كأمي أو مثل أمي ~~أو أنت أمي الطلاق واحدة وهي البتة وإن لم تكن له نية فظهار، وقال الأبهري ~~كنايات الظهار تنصرف للطلاق؛ لأنه أقوى منه وكنايات الطلاق لا تنصرف للظهار ~~لضعفه؛ لأنه تحريم ينحل بالكفارة. # وقال محمد لا ينصرف الظهار في الأمة إلا أن يكون ينصرف في الزوجة إلى ms030 ~~الطلاق، وقال في الجلاب لا ينصرف صريح الطلاق وكناياته بالنية إلى الظهار، ~~ولا ينصرف صريح الظهار بالنية إلى الطلاق وتنصرف كنايات الظهار بالنية إلى ~~الطلاق فهذه نصوص القوم كما ترى، أما قول ابن يونس إذا نوى بالظهار الطلاق ~~يكون ظهارا فهو بناء على قاعدة، وهي أن كل ما هو صريح في باب لا ينصرف إلى ~~غيره بالنية؛ لأن النية أثرها إنما هو تخصيص العمومات أو تقييد المطلقات ~~فهي إنما تدخل في المحتملات، وإذا نقلت صريحا عن بابه فهو نسخ وإبطال ~~بالكلية، والنسخ لا يكون بالنية وأما قوله قد قصد الناس بالظهار الطلاق في ~~أول الإسلام فجعله الله ظهارا فغير متجه؛ لأن ذلك ابتداء شرع ولم يكن تصرفا ~~في مشروع. # والمتقدم ليس شرعا إنما هو اعتقاد الجاهلية ونحن نتكلم في صريح شرعي يصرف ~~عن بابه بعد مشروعيته، ولما قصد أولئك الطلاق لم يتعرضوا لمشروع؛ لأن الشرع ~~جاء بعد ذلك بنزول الآية فليس هذا من هذا الباب. # وقول أبي الطاهر إن عري لفظ الظهار من النية جرى على الخلاف في انعقاد ~~اليمين بغير نية يريد بالنية هنا الكلام النفساني أي يتكلم بكلامه النفساني ~~في نفسه كما يتكلم بلسانه، وأما قوله إن لم يذكر الظهر من الأجنبية فأقوال ~~أربعة: # (أحدها) أنه ظهار وإن أراد الطلاق وعكسه فهما بناء على قربه من الصراحة ~~فلا ينصرف للطلاق أو طلاق؛ لأنه شأن الأجنبية فإنها لا تحرم إلا بالطلاق ~~وهذه الملاحظة هي التي توجب القولين الآخرين غير أنه قدم النية على اللفظ ~~لضعف اللفظ بعدم ذكر الظهر فعدمت # PageV01P036 # الصراحة فعملت النية. # وأما قول ابن القاسم ينوي في الصريح ويكون طلاقا ثلاثا فبناء منه على أن ~~الظهار تحريم ومن ألفاظ الطلاق الثلاث عنده أنت حرام وهو عنده يلزم به ~~الثلاث ولا ينوي فيه، وهو ضعيف على ما يأتي تقريره، وهذا أشد منه ضعفا لأن ~~المدرك هنالك إنما هو الوضع العرفي، وإن العادة اقتضت أنهم إنما يستعملون ~~الحرام في الثلاث. # وأما هاهنا فليس ثم عادة في استعمال الظهار في ms031 الطلاق الثلاث وإذا انتفى ~~الوضع العادي انتفت الصراحة المانعة من إعمال النية فالتسوية بين البابين ~~باطلة، والصواب قول سحنون وتقبل نيته فيما أراده من الطلاق وهاتان ~~الروايتان خلاف المذهب الذي عليه الفتيا ومشهور قول ابن القاسم والمنقول عن ~~مالك أنه لا ينصرف للطلاق بالنية شيء على القاعدة المتقدمة. # وأما قول مالك إن نوى بقوله أنت كأمي الطلاق واحدة فهي البتة يريد الثلاث ~~فبناء على لفظ التحريم، وأنه موضوع للثلاث وقد تقدم ضعفه. # وأما قول الأبهري وابن الجلاب أن كناية الأضعف تنصرف للأقوى من غير عكس ~~فضعيف؛ لأن النية ليس من شرطها أن تنقل للأقوى بل من شأنها النقل للأضعف ~~والأقوى، ألا ترى أنها تخصص العموم وثبوته أقوى لعموم الحنث فلا يصير يحنث ~~إلا بالبعض. # وهذه توسعة وتخفيف، وكذلك نقيد المطلق فإذا قال والله لا ألبس ثوبا ونوى ~~كتانا لا يبر به وقد كان قبل النية يبر بغيره وهو تضييق ومقتضى الفقه ~~اعتبار النية في الأقوى والأضعف لقوله - عليه الصلاة والسلام - «إنما ~~الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ولم يفرق بين الأقوى وغيره فهو لو ~~نوى بالصريح من الطلاق طلق الولد أو من الوثاق أفادته نيته في الفتوى ~~مطلقا، وفي القضاء إن صدقته القرينة مع أن طلق الولد أسقط عنه الحكم ~~بالكلية والإسقاط بالكلية أخف من النقل عن الطلاق إلى الظهار فقد نقلت ~~النية إلى الأخف. # وعدم الحكم بالكلية إذا تقررت الأقوال والقريب منها للفقه والبعيد منه، ~~فأقول ليس في قولهم إن الظهار له صريح وكناية أنه إنشاء، ألا ترى أن القذف ~~فيه الصريح والكناية مع أن صريح القذف إنما هو خبر صرف إجماعا فإن قوله أنت ~~زنيت بفلانة ليس إنشاء للزنى بل إخبارا عنه إما كاذب أو صادق ومع ذلك فهو ~~صريح، فكذلك هاهنا لفظ الظهار خبر وهو صريح في الإخبار عن التشبيه الذي ~~نفاه الله تعالى وجعله كذبا وزورا، ومن اللفظ ما يشير إلى هذا التشبيه من ~~غير تصريح فهو الكناية كالتعريض في القذف مثل قوله: ما أنا ms032 بزان ولا أمي ~~بزانية. فهذا آخر البحث في هذه المسألة، ولم أر أحدا في المذهب تعرض لها ~~على هذا الوجه بل ظاهر كلامهم أن الظهار إنشاء كالطلاق، والله أعلم بمرادهم ~~غير أن الذي تقتضيه القواعد أوضحته لك غاية الإيضاح. # (المسألة الثانية) إذا قال لامرأته أنت طالق ولا نية له المتبادر إلى ~~الإفهام في بادئ الرأي أنه يلزمه الطلاق بالوضع اللغوي، وأن صريح الطلاق # PageV01P037 # يفيد الطلاق بالوضع اللغوي بخلاف الكنايات، وليس كذلك ~~بل إنما يفيد ذلك بالوضع العرفي، وهذا اللفظ إنما وضع لغة للخبر عن كونها ~~طالقا وهو لو أخبر عن كونها طالقا لم يلزمه طلاق قصد الكذب أو الصدق، ألا ~~ترى أنه لو تقدم طلاقها فسأل عنها هل هي مطلقة أو باقية في العصمة فقال هي ~~طالق جوابا لهذا السؤال لم يلزمه بهذا طلقة ثانية وإن كانت رجعية في العدة، ~~وإنما يلزم الطلاق بقوله أنت طالق بالإنشاء الذي هو وضع عرفي لا لغوي ألا ~~ترى أن لفظ الطلاق الطاء واللام والقاف موضوعة في اللغة لإزالة مطلق القيد، ~~يقال لفظ مطلق ووجه طلق وحلال طلق وأطلق فلان من الحبس وانطلقت بطنه وإزالة ~~قيد العصمة أحد أنواع القيد، فكان ينبغي إذا أتى اللفظ الدال على إزالة ~~القيد العام المطلق أن يزول الخاص كما إذا زال الحيوان زال الإنسان، ومع ~~ذلك فقد فرق الفقهاء بين قوله أنت طالق وبين قوله أنت منطلقة، وألزموا ~~بالأول الطلاق من غير نية، ولم يلزموا بالثاني إلا بالنية ولم يكتفوا ~~بالوضع الأول، وما ذلك إلا أن لفظ طالق نقل للإنشاء ولم ينقل منطلقة له، ~~فلو اتفق زمان ينعكس الحال فيه ويصير منطلقة موضوعا للإنشاء وطالق مهجورا ~~لا يستعمل إلا على الندرة لم يلزمه الطلاق بطالق إلا بالنية وألزمناه ~~بمنطلقة بغير نية # PageV01P038 # عكس ما نحن عليه اليوم فعلمنا أن لفظ الطلاق لم يوجب ~~إزالة العصمة بالوضع اللغوي بل بالعرف الإنشائي (فإن قلت) ليس الطلاق ~~وإزالة العصمة أمرا اختص به بالشريعة بل العرب كانت تنكح وتطلق، وقد كانت ~~تطلق بالظهار ms033 ولفظ الطلاق معروف عند العرب قبل البعثة فتكون إزالة العصمة ~~بالوضع اللغوي السابق على الشريعة لا بأمر يتجدد بعد الشريعة. # (قلت) مسلم أن الطلاق وإزالة العصمة كانا معلومين قبل البعثة النبوية عند ~~العرب، والإنشاءات عند العرب أيضا تتقدم على الشريعة وتكون عرفية ألا ترى ~~أن الرواية والبحر والغائط والخلا ألفاظ كانت العرب تستعملها قبل البعثة، ~~ومع ذلك فقد نص أئمة اللغة على أنها مجازات لغوية وحقائق عرفية فإن العوائد ~~قد تحدث مع طول الأيام بعث الله نبينا أم لا فالجاهلية تحدث لها عوائد كما ~~تحدث لنا ومن هذا عقود المعاوضات كانوا يتداولونها إنشاءات وألفاظ عرفية ~~منقولة ومن ذلك القسم إنشاء عرفي وهو متقدم في الجاهلية فلا تنافي بين ~~قولنا الطلاق إنشاء عرفي وبين كونه في الجاهلية قبل الإسلام، وإنما القصد ~~أن يعلم أن لفظ الطلاق إنما أزال العصمة بغير الوضع اللغوي بل بالوضع ~~العرفي، وإنما هو مجاز عن اللغة لا حقيقة، وفائدة الفرق أنه إنما يفيد زوال ~~العصمة بالعرف والعوائد، وأنها مدرك إفادته كذلك لتنقلنا معها كيف تنقلت؛ ~~لأنها المدرك، وإذا كان الموجب هو الوضع اللغوي وجب الثبوت معه وإلزام ~~الطلاق به حتى تطرأ عادة ناسخة لاقتضاء ذلك فيكون اللزوم هو الأصل حتى يطرأ ~~الناسخ المبطل، وإذا قلنا إنها توجب بالعادة كان الأصل هو عدم اللزوم # PageV01P039 # من قبل اللغة حتى يثبت اللزوم من جهة العرف كما في ~~منطلقة ليس فيه إلا مجرد اللغة فلا جرم لا يزال ينفى عنه اللزوم حتى يتحقق ~~النقل العرفي، ويظهر أثر هذا الفرق فيما يتنازع فيه من ألفاظ الطلاق صريحا ~~أو كناية، فيكون الحق في صورة النزاع هو عدم اللزوم حتى يثبته النقل العرفي ~~فلا يلزمه طلاق بخلاف ما لو قلنا باللغة كان الحق في المتنازع فيه هو ~~اللزوم حتى يثبت الناسخ، وهذا فرق عظيم وأثر عظيم يحتاج إليه الفقيه فيما ~~يعرض له من الألفاظ. # (المسألة الثالثة) وقع في المذهب لمالك - رحمه الله - ولأصحابه في كتاب ~~التهذيب وغيره أن قول القائل حبلك على غاربك قال ms034 فيها مالك يلزمه الطلاق ~~الثلاث ولا تقبل نيته إن أراد أقل منها وخلية وبرية وبائنة قال مني أو منك ~~أو لم يقل أو أبنتك أو رددتك قال ابن عبد العزيز ثلاث في المدخول بها ولا ~~ينوي في أقل منها، وينوي في غير المدخول بها في طلقة فأكثر فإن لم ينو ~~فثلاث. # وقال ربيعة الخلية والبرية والبائن ثلاث في المدخول بها وواحدة في غير ~~المدخول بها، قال ابن القاسم وأما قوله أنا منك بائن أو أنت مني بائنة فلا ~~ينوي قبل الدخول ولا بعده بل يلزمه الثلاث، وإذا قال في الخلية والبرية ~~والبائن لم أرد طلاقا فإن تقدم من كلامه ما يكون هذا جوابا له صدق، وإلا ~~فلا فهذا كله نقل التهذيب. # وقال الشافعي النية نافعة فيما ينويه من تعدد وقال أبو حنيفة إن نوى ~~الثلاث لزمه الثلاث أو واحدة فواحدة بائنة، وكذلك قولاهما في حبلك على ~~غاربك. # وقال ابن حنبل يقع الطلاق بالخلية والبرية والبائن وحبلك على غاربك ~~والحقي بأهلك والبتة والبتلة بغير نية لشهرتها، ويلزم بالخلية والبرية # PageV01P040 # والحرام والحقي بأهلك وحبلك على غاربك ولا سبيل لي ~~عليك وأنت علي حرام واذهبي فتزوجي وغطي شعرك وأنت حرة الثلاث. # قال أبو حنيفة في ذلك كله واحدة بائنة قال ابن العربي من أصحابنا في كتاب ~~القبس له الصحيح أن حبلك على غاربك والبائن والخلية والبرية والبتلة والبتة ~~واحدة ولا تزيد على قولك أنت طالق، وفي الترمذي عن ابن كنانة عن أبيه عن ~~جده قال «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله إني طلقت ~~امرأتي ألبتة فقال ما أردت فقلت واحدة فقال هي ما أردت فردها إليه» ، قال ~~ابن يونس قال ابن القاسم إن قال وهبت لك صداقك يلزمه ألبتة ولا ينوي. # وقال مالك في الكتاب إذا قال بائن مني أو بريء أو خلية لا يصدق في عدم ~~إرادته الطلاق إلا بقرينة تصدقه، وإذا قال كل حلال علي حرام تحرم عليه ~~أزواجه نواهن أم لا إلا أن يخرجهن بنيته أو ms035 بلفظه ولا يحرم عليه غيرهن، قال ~~ابن يونس قال أصبغ الحلال علي حرام أو حرام علي ما أحله الله أو كل ما ~~انقلب إليه حرام كله تحريم. # وقال ابن عبد الحكم في حرام لا شيء عليه إذا كان في بلد لا يريدون به ~~الطلاق، وقال ابن القاسم: إن أراد بقوله أنت حرام الكذب بالإخبار عن كونها ~~حراما وهي حلال حرمت ولا ينوي. قال صاحب الاستذكار في الحرام أحد عشر قولا ~~قال مالك: يلزمه الثلاث في المدخول بها وينوي في غير المدخول بها، وقال ~~الشافعي: لا يلزمه شيء حتى ينوي واحدة فتكون رجعية. # وإن نوى تحريمها بغير طلاق لزمه كفارة يمين ولا يكون موليا، وقال أبو ~~حنيفة إن نوى الطلاق فواحدة وإن نوى اثنتين أو الثلاث فواحدة بائنة، وإن لم ~~ينو فكفارة يمين وهو مول، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وقال سفيان إن نوى ~~واحدة فبائنة أو الثلاث فالثلاث أو يمينا فيمين ولا فرقة ولا يمين بكذبة لا ~~شيء فيها. # وقال الأوزاعي له ما نوى وإلا فيمين تكفر وقال إسحاق: كفارة الظهار ولا ~~يطؤها حتى يكفر، وقيل يمين يكفرها ما يكفر اليمين لقول الله تعالى {يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إلى قوله {قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] «وكان - عليه السلام - قد حرم سريته مارية» ~~وقال الشعبي تحريم المرأة كتحريم المال لا شيء فيه لقوله تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] وقيل واحدة ~~بائنة، وقال سعيد بن جبير عتق رقبة، وقال ابن عباس يمين مغلظة وفي الجواهر ~~المشهور لزوم الثلاث وينوي في غير المدخول بها. # وقال عبد الملك لا ينوي وقال ابن عبد الحكم ينوي واحدة في غير المدخول ~~بها وعن مالك واحدة بائنة وإن كانت مدخولا بها. # قال الإمام أبو عبد الله المازري: وأصل اختلاف الأصحاب في الألفاظ أن ~~اللفظ إن تضمن البينونة والعدد نحو أنت طالق ثلاثا لزم الثلاث ولا ينوي ~~اتفاقا في المدخول بها وغير ms036 المدخول بها، أو يدل على البينونة فقط فينظر هل ~~تمكن البينونة بالواحدة أو تتوقف على الثلاث إذا لم تكن معارضة فيه خلاف أو ~~يدل على عدد غالبا، ويستعمل في غيره نادرا فيحمل على الغالب عند عدم النية ~~وعلى النادر مع وجودها في الفتوى وإن تساوى الاستعمال أو تقارب قبلت نيته ~~في الفتوى والقضاء فإن # PageV01P041 # عدمت النية فقيل يحمل على الأقل استصحابا للبراءة ~~الأصلية، وقيل على الأكثر احتياطا، والمشهور في الحرام أنها تدل على ~~البينونة، وأنها لا تحصل في المدخول بها إلا بالثلاث وفي غيرها بالواحدة ~~ولكونها غالبة في الثلاث حملت قبل الدخول على الثلاث وينوي في الأقل، ~~والقول بعدم البينونة بناء على عدم ثبوتها ووضعها للثلاث في العرف كقوله ~~أنت طالق ثلاثا، والقول بالواحدة البائنة مطلقا بناء على حصول البينونة قبل ~~الدخول وبعد الدخول، وأنها لا تفيد عددا. # ونقل عن ابن مسلمة واحدة رجعية بناء على أنها كالطلاق قال وعلى هذه ~~القاعدة تتخرج الفتاوى في الألفاظ قلت معنى التحريم في اللغة المنع فقوله ~~أنت علي حرام معناه الإخبار عن كونها ممنوعة فهو كذب لا يلزم فيه إلا ~~التوبة في الباطن والتعزير في الظاهر كسائر أنواع الكذب ليس في مقتضاها لغة ~~إلا ذلك، وكذلك خلية معناه في اللغة الإخبار عن الخلاء، وأنها فارغة وأما ~~مم هي فارغة فلم يتعرض اللفظ له، وكذلك بائن معناه لغة المفارقة في الزمان ~~أوالمكان، وليس فيه تعرض لزوال العصمة فهي إخبارات صرفة ليس فيها تعرض ~~للطلاق ألبتة من جهة اللغة فهي إما كاذبة وهو الغالب وإما صادقة إن كانت ~~مفارقة له في المكان، ولا يلزم بذلك طلاق كما لو صرح وقال لها أنت في مكان ~~غير مكاني، وحبلك على غاربك معناه الإخبار عن كونها حبلها على كتفها، وأصله ~~أن الإنسان إذا كان يرعى بقرة وقصد التوسعة عليها في المرعى ترك حبلها من ~~يده ووضعه على غاربها وهو كتفها فتنتقل في المرعى كيف شاءت فإذا لم تكن ~~هناك نية كان إخباره عن كون المرأة كذلك كذبا # PageV01P042 # وإن ms037 قصد الاستعارة والمجاز والتشبيه بينها وبين ~~البقرة في أنها تصير مطلقة التصرف لا حجر عليها من قبل الأزواج بسبب زوال ~~العصمة كما تبقى البقرة في مرعاها كذلك فهذا لا يتحقق إلا مع النية كسائر ~~المجازات إذا فقدت فيها النية كان اللفظ منصرفا بالوضع للحقيقة فيصير كذبا. # وكذلك جميع ما ذكر من ألفاظ الطلاق فحينئذ إنما تصير هذه الألفاظ موجبة ~~لما ذكره مالك - رحمه الله - بنقل العرف لها في رتب أحدها أن ينقلها العرف ~~عن الإخبار إلى الإنشاء. # وثانيها أن ينقلها لرتبة أخرى وهي زوال العصمة بالإنشاء الذي هو إنشاء ~~خاص أخص من مطلق الإنشاء؛ لأنه لا يلزم من نقلها للإنشاء أن تفيد زوال ~~العصمة؛ لأن أصل الإنشاء أعم من زوال العصمة فقد يصدق بإنشاء البيع أو ~~العتق أو غير ذلك. # والقاعدة أن الدال على الأعم غير دال على الأخص فلا تدل بنقلها إلى أصل ~~الإنشاء على زوال العصمة بل لا بد من نقلها إلى خصوصه فتفيد زوال العصمة ~~حينئذ، وثالثها أن ينقلها العرف إلى الرتبة الخاصة من العدد، وهي الثلاث ~~فإن زوال العصمة أعم من زوالها بالعدد الثالث فهذه رتب ثلاث لا بد من نقل ~~العرف اللفظ إليها حتى يفيد اللفظ الثلاث فهذه الرتب التي أشار إليها ~~الإمام أبو عبد الله المازري - رحمه الله - بقوله إما أن يكون اللفظ يفيد ~~البينونة أو البينونة مع العدد أو أصل الطلاق # PageV01P043 # غير أنه قد بقيت في القاعدة التي أشار إليها أغوار لم ~~يفصح بها، وهو يريدها وهي أمور أحدها أن هذه الألفاظ عرفية لا لغوية، وأنها ~~تفيد بالنقل العرفي لا بالوضع اللغوي، وثانيها أن مجرد الاستعمال من غير ~~تكرر لا يكفي في النقل بل لا بد من تكرر الاستعمال إلى غاية يصير المنقول ~~إليه يفهم بغير قرينة. # ويكون هو السابق إلى الفهم دون غيره، وهذا هو المجاز الراجح فقد يتكرر ~~اللفظ في مجازه ولا يكون منقولا ولا مجازا راجحا ألبتة كاستعمال لفظ الأسد ~~في الرجل الشجاع والبحر في العالم أو السخي والضحى أو ms038 الشمس والقمر والغزال ~~في جميل الصورة، وذلك يتكرر على ألسنة الناس تكرارا كثيرا، ومع ذلك التكرار ~~الذي لا يحصى عدده لم يقل أحد إن هذه الألفاظ صارت منقولة بل لا تحمل عند ~~الإطلاق إلا على الحقائق اللغوية حتى يدل دليل على أنها أريد بها هذه ~~المجازات، ولا بد في كل مجاز منها من النية والقصد إلى استعمال اللفظ فيه ~~فعلمنا حينئذ أن النقل لا بد أن يكون بتكرر الاستعمال فيه إلى حد يصير ~~المتبادر منه للذهن والفهم هو المجاز الراجح المنقول إليه دون الحقيقة ~~اللغوية فهذا ضابط في النقل لا بد منه فإذا أحطت به علما ظهر لك الحق في ~~هذه الألفاظ، وهو أنا لا نجد أحدا في زماننا يقول لامرأته عند إرادة ~~تطليقها حبلك على غاربك ولا أنت برية ولا وهبتك لأهلك هذا لم نسمعه قط من ~~المطلقين ولو سمعناه وتكرر ذلك على سمعنا لم يكف ذلك في اعتقادنا أن هذه ~~الألفاظ منقولة كما تقدم تقريره، وأما لفظ الحرام فقد اشتهر في زماننا في ~~أصل إزالة العصمة فيفهم من قول القائل أنت علي حرام أو الحرام يلزمني أنه ~~طلق امرأته أما أنه طلقها ثلاثا فإنا لا نجد في أنفسنا أنهم يريدون ذلك في ~~الاستعمال هذا قوله فيما يتعلق بمصر والقاهرة. # فإن كان هناك بلد آخر تكرر الاستعمال عندهم في الحرام أو غيره من الألفاظ ~~الثلاث حتى صار هذا العدد هو المتبادر من اللفظ، فحينئذ يحسن إلزام الطلاق ~~الثلاث بذلك اللفظ، وإياك أن تقول إنا لا نفهم منه إلا الطلاق الثلاث؛ لأن ~~مالكا - رحمه الله - قاله أو لأنه مسطور في كتب الفقه؛ لأن ذلك غلط بل لا ~~بد أن يكون ذلك الفهم حاصلا لك من جهة الاستعمال والعادة كما يحصل لسائر ~~العوام كما في لفظ الدابة والبحر والرواية فالفقيه والعامي في هذه الألفاظ ~~سواء في الفهم لا يسبق إلى إفهامهم إلا المعاني المنقول إليها فهذا هو ~~الضابط لا فهم ذلك من كتب الفقه فإن النقل إنما يحصل باستعمال الناس لا ms039 ~~بتسطير ذلك في الكتب بل المسطر في الكتب تابع لاستعمال الناس فافهم ذلك # PageV01P044 # إذا تقرر ذلك فيجب علينا أمور أحدها أن نعتقد أن ~~مالكا أو غيره من العلماء إنما أفتى في هذه الألفاظ بهذه الأحكام؛ لأن ~~زمانهم كان فيه عوائد اقتضت نقل هذه الألفاظ للمعاني التي أفتوا بها فيها ~~صونا لهم عن الزلل، وثانيها أنا إذا وجدنا زماننا عريا عن ذلك وجب علينا أن ~~لا نفتي بتلك الأحكام في هذه الألفاظ؛ لأن انتقال العوائد يوجب انتقال ~~الأحكام كما نقول في النقود وفي غيرها فإنا نفتي في زمان معين بأن المشتري ~~تلزمه سكة معينة من النقود عند الإطلاق؛ لأن تلك السكة هي التي جرت العادة ~~بالمعاملة بها في ذلك الزمان فإذا وجدنا بلدا آخر وزمانا آخر يقع التعامل ~~فيه بغير تلك السكة تغيرت الفتيا إلى السكة الثانية، وحرمت الفتيا بالأولى ~~لأجل تغير العادة. # وكذلك القول في نفقات الزوجات والذرية والأقارب وكسوتهم تختلف بحسب ~~العوائد، وتنتقل الفتوى فيها وتحرم الفتوى بغير العادة الحاضرة، وكذلك ~~تقدير العواري بالعوائد وقبض الصدقات عند الدخول أو قبله أو بعده في عادة ~~نفتي أن القول قول الزوج في الإقباض؛ لأنه العادة وتارة بأن القول قول ~~المرأة في عدم القبض إذا تغيرت العادة أو كانوا من أهل بلد ذلك عادتهم، ~~وتحرم الفتيا لهم بغير عادتهم ومن أفتى بغير ذلك كان خارقا للإجماع فإن ~~الفتيا بغير مستند مجمع على تحريمها، وكذلك التلوم للخصوم في تحصيل الديون ~~للغرماء وغير ذلك مما هو مبني على العوائد مما لا يحصى عدده متى تغيرت فيه ~~العادة تغير الحكم بإجماع المسلمين، وحرمت الفتيا بالأول وإذا وضح لك ذلك ~~اتضح لك أن ما عليه المالكية وغيرهم من الفقهاء من الفتيا من هذه الألفاظ ~~بالطلاق الثلاث هو خلاف الإجماع، وأن من توقف منهم عن ذلك ولم يجر ~~المسطورات في الكتب على ما هي عليه بل لاحظ تنقل العوائد في ذلك أنه على ~~الصواب سالم من هذه الورطة العظيمة فتأمل ذلك # PageV01P045 # ومن الأغوار التي لم ينبه عليها ms040 الإمام أبو عبد الله ~~المازري أن المفتي إذا جاءه رجل يستفتيه عن لفظة من هذه الألفاظ وعرف بلد ~~المفتي في هذه الألفاظ الطلاق الثلاث أو غيره من الأحكام لا يفتيه بحكم ~~بلده بل يسأله هل هو من أهل بلد المفتي فيفتيه حينئذ بحكم ذلك البلد. # أو هو من بلد آخر فيسأله حينئذ عن المشتهر في ذلك البلد فيفتيه به، ويحرم ~~عليه أن يفتيه بحكم بلده كما لو وقع التعامل ببلد غير بلد الحاكم حرم على ~~الحاكم أن يلزم المشتري بسكة بلده بل بسكة بلد المشتري إن اختلفت السكتان ~~فهذه قاعدة لا بد من ملاحظتها وبالإحاطة بها يظهر لك غلط كثير من الفقهاء ~~المفتين فإنهم يجرون المسطورات في كتب أئمتهم على أهل الأمصار في سائر ~~الأعصار، وذلك خلاف الإجماع وهم عصاة آثمون عند الله تعالى غير معذورين ~~بالجهل لدخولهم في الفتوى وليسوا أهلا لها ولا عالمين بمدارك الفتاوى ~~وشروطها واختلاف أحوالها، فالحق حينئذ أن أكثر هذه الألفاظ التي تقدم ذكرها ~~ليس فيها إلا الوضع اللغوي، وأنها كنايات خفية لا يلزم بها طلاق ولا غيره ~~إلا بالنية وإن لم تكن له نية لم يلزمه شيء حتى يحصل فيها نقل عرفي كما ~~تقدم بيانه فيجب اتباع ذلك النقل على حسب ما نقل اللفظ إليه من بينونة أو ~~عدد أو غير ذلك فهذا هو دين الله تعالى الحق الصريح والفقه الصحيح. # (قاعدة) المجاز لا يدخل في النصوص بل في الظواهر فقط فمن أطلق العشرة ~~وأراد السبعة فهو مخطئ لغة ومن أطلق صيغ العموم وأراد الخصوص فهو مصيب لغة؛ ~~لأنها ظواهر وأسماء الأعداد عندهم نصوص لا يجوز دخول المجاز فيها ألبتة. # (قاعدة) كل لفظ لا يجوز دخول المجاز فيه لا تؤثر النية في صرفه عن ~~موضوعه؛ لأن النية لا تصرف اللفظ إلى معنى إلا إذا كان يجوز الصرف إليه لغة ~~هذه قاعدة شرعية والأولى قاعدة لغوية فبنيت الشرعية على اللغوية وهي ~~القاعدة الشرعية المحمدية # PageV01P046 # وعلى هاتين القاعدتين ترتب قول مالك ومن وافقه من ~~العلماء بأن ms041 القائل أنت حرام أو ألبتة أو غير ذلك من الألفاظ لا ينوي في ~~أقل من الثلاث بناء على أن اللفظ نقل إلى العدد المعين وهو الثلاث فصار من ~~جملة أسماء الأعداد وأسماء الأعداد لا يدخلها المجاز فلا تسمع فيها النية ~~للقاعدتين المتقدمتين. # وبهذا يظهر لك الفرق بين قول القائل أنت طالق ثلاثا، ويريد اثنتين لا ~~تسمع نيته في القضاء ولا في الفتوى أو يريد أنها طلقت ثلاث مرات من الولد ~~فتسمع نيته في الفتيا دون القضاء؛ لأن الأول أدخل النية في لفظ العدد ~~فامتنع، والثاني أدخل النية في اسم جنس الطلاق فحوله لطلق الولد وبقي العدد ~~في ذلك الجنس الذي تحول إليه اللفظ لم يتعرض له بالنية فدخل المجاز في اسم ~~الجنس لا في العدد، والمجاز في أسماء الأجناس جائز بخلاف أسماء الأعداد ~~فقبلت النية في رفع الطلاق بجملته لتحويله لجنس آخر، ولم تقبل في رفع بعضه. # وهذا يظهر في بادئ الرأي بطلانه، وأن النية إذا قبلت في رفع الكل أولى أن ~~تقبل في رفع البعض والسر ما تقدم تقريره. # فإن قلت ما ذكرته من الحق متعين اتباعه فما سبب اختلاف الصحابة - رضي ~~الله عنهم - في هذه الألفاظ ومن بعدهم من العلماء وكيف ساغ الخلاف مع وضوح ~~هذا المدرك وقلت سبب اختلافهم - رضي الله عنهم - اختلافهم في تحقيق وقوع ~~النقل العرفي هل وجد فيتبع أو لم يوجد فيتبع موجب اللغة، وإذا وجد النقل ~~فهل وجد في أصل الطلاق فقط أو فيه مع البينونة أو مع العدد كما تقدم تقريره ~~وإذا لم يوجد نقل عرفي وبقي موجب اللغة فهل يلاحظ نصوص اقتضت الكفارة في ~~مثل هذا أم لا أو القياس على بعض الأحكام فيكون المدرك هو القياس لا النص ~~فهذا هو سبب اختلافهم - رضي الله عنهم - مع اتفاقهم على هذه المدارك ~~المذكورة غير أنه لم يتضح وجودها عند بعضهم، واتضح عند البعض الآخر. # وأما لو وقع الاتفاق على وجودها وقع الاتفاق على الحكم وارتفع الخلاف فلا ~~تنافي بين صحة هذه المدارك ms042 وبين اختلافهم في وجودها وترتب الحكم عليها فإن ~~قلت فلعل مدرك # PageV01P047 # مالك نص أو قياس فتستمر فتاويه في بعض الأعصار ~~والأمصار ولا يلزم تغييرها بتغير العوائد فإن ذلك إنما يلزم فيما مدركه ~~العوائد أما ما هو بالنصوص أو الأقيسة فيتأبد فيكون المفتي بموجبات ~~المنقولات في الكتب مصيبا لا مخطئا، ولا يجتمع بمالك حتى يسأله عما في نفسه ~~ومع الاحتمال لا تتعين التخطئة. # ويجب اتباع موجب المنقولات عن الأئمة من غير اعتراض؛ لأنا مقلدون لهم - ~~رضي الله عنهم - لا معترضون عليهم ومتى وجدنا فتاويهم وجهلنا مدركها ~~نقلناها كما وجدناها لمن يسألنا عن المذهب فإنا مقلدون لا مجتهدون. # قلت: الجواب عن هذا السؤال من وجوه الأول الاستقراء فإنا لسنا جاهلين ~~باللغة إلى حد لا نعلم مدلول هذه الألفاظ لغة مع أنها من الألفاظ المشهورة ~~لا من الحوشية، وقد تقدم أن اللغة إنما تقتضي الخبر لا ما ذكروه من ~~الإنشاء، ولا يمكن أن يكون مدركهم القياس فإنا نعلم مسائل الطلاق وشرائط ~~القياس، وليس فيها ما يقتضي القياس على ما ذكروه وليس فيها آية من كتاب ~~تقتضي أكثر مما قاله القائلون بالكفارة التي دل عليها آية التحريم، ~~والأحاديث لم نجد أحدا من العلماء روى في هذه الأحكام حديثا. # وقد وقعت هذه المسألة بين الصحابة وبين التابعين - رضي الله عنهم - ولم ~~نجد أحدا في كتب الفقه والخلاف روى عن أحد منهم أنه روى في ذلك حديثا فلم ~~يبق سوى العوائد الثاني أن الإمام أبا عبد الله المازري إمام الفقه وأصوله ~~وحافظ متقن العلم الحديث وفنونه، وله في جميع ذلك اليد البيضاء والرتبة ~~العالية، وقد تقدم ما قاله في هذه المسألة من القواعد، وأشار إلى أن سبب ~~الخلاف فيها نقل العوائد كما تقدم بسطه فكفى به قدوة في مدرك هذه الشروع ~~ومعتمدا في ضوابطها وتلخيصها، وقد تابعه في ذلك جماعة من الشيوخ والمصنفين ~~ولم نجد لهم مخالفا فكان ذلك إجماعا من أئمة المذهب فالتشكيك بعد ذلك في ~~المدرك إنما هو طلب للجهل وسبيل لغواية التضليل. # الثالث ms043 أن قاعدة الفقهاء وعوائد الفضلاء أنهم إذا ظفروا للنوع بمدرك ~~مناسب وفقدوا غيره جعلوه معتمدا لذلك الفرع في حق الإمام المجتهد الأول ~~الذي أفتى بذلك الفرع وفي حقهم أيضا في الفتيا والتخريج واستقراء أحوال ~~الفقهاء في مسلك النظر. # وتحرير الفروع يقتضي الجزم بذلك فكذلك يجب هاهنا، ونحن استقرينا هذه ~~المسائل فلم نجد لها مدركا مناسبا إلا العوائد فوجب جعلها مدرك الأئمة ~~إفتاء وتخريجا، والعدول عن ذلك بعد ذلك إنما هو التزام للجهالة من غير معنى ~~مناسب ويؤيد ذلك أنا في كلام الشرع إذا ظفرنا بالمناسبة جزمنا بإضافة الحكم ~~إليها مع تجويز أن لا يكون الحكم كذلك عقلا لكن الاستقراء أوجب لنا ذلك، ~~ولا نعرج على غير ما وجدناه ولا نلتزم التعبد مع وجود المناسب هذا مما أجمع ~~عليه الفقهاء القياسون وأهل النظر والرأي والاعتبار فأولى أن نفعل ذلك في ~~كلام غير صاحب الشريعة بل نحمل كلام العلماء على المناسب لتلك الفتاوى ~~السالم # PageV01P048 # عن المعارض نعم إذا وجدنا مناسبين تعارضا أو مدركين ~~تقابلا فحينئذ يحسن التوقف وهذا تقرير ظاهر في دفع هذا السؤل. # (المسألة الرابعة) إن الإنشاء كما يكون بالكلام اللساني يكون بالكلام ~~النفساني ولذلك صور: (الصورة الأولى) أن الله سبحانه وتعالى أنشأ السببية ~~في زوال الشمس لوجوب الظهر، وأنزل القرآن الكريم دالا على ما قام بذاته من ~~هذا الإنشاء بقوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] فإن الكتب ~~المنزلة عندنا أدلة الأحكام لا نفس الأحكام، وإلا يلزم اتحاد الدليل ~~والمدلول وقس على ذلك جميع الأسباب الشرعية، وكذلك القول في الشروط كالحول ~~في الزكاة والطهارة في الصلاة، وكذلك الموانع الشرعية كالكفر من الميراث ~~والحدث من الصلاة وغير ذلك من الموانع، وما ورد من الكتاب والسنة في ذلك ~~إنما هو أدلة على ما قام بذات الله تعالى. الصورة الثانية الأحكام الخمسة ~~الشرعية وهي الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة كلها قائمة بذات ~~الله تعالى عند أهل الحق، والكتاب والسنة وغير ذلك من أدلة الشرع إنما هي ~~أدلة على ما قام بذات الله تعالى ms044 من ذلك، وكذلك الواحد منا إذا قال لغلامه ~~اسرج الدابة فقد أنشأ في نفسه إيجابا وطلبا للإسراج قبل الدلالة عليه ~~بلفظه، وكذلك النهي وغير ذلك غير أن إنشاء الخلق لهذه الأمور حادث وفي حق ~~الله تعالى قديم فإن قلت كيف يتصور الإنشاء القديم وليس في الأزل من يطلب ~~منه شيء، ولأنك قررت في الفرق بين الإنشاء والخبر أن الإنشاء لا بد وأن ~~يكون طارئا على الخبر، ووصف الطروء يأبى الأزلية. # (قلت) الجواب عن الأول أن الله تعالى يوجب في الأزل على زيد المعين على ~~تقدير وجوده مجتمع الشرائط مزال الموانع، وذلك غير ممتنع كما يجد أحدنا في ~~نفسه طلب تحصيل العلم والفضائل من ولدان رزقه وهو الآن لا ولد له فيتقدم ~~منا الطلب على وجود المطلوب، وتقدم الطلب على المطلوب منه لا غرو فيه، وعن ~~الثاني أن ذلك الفرق إنما هو بين الإنشاء والخبر اللغويين باعتبار الوضع ~~اللغوي، أما في الكلام النفساني فلا ترتيب بينهما بل هما نوعان لمطلق ~~الكلام النفسي فإنه واحد، ويختلف باختلاف متعلقاته فإن تعلق بأحد النقيضين ~~الوجود أو العدم على وجه التبع فهو الخبر، وإن تعلق بأحدهما على وجه ~~الترجيح فإن كان في طرف الوجود فهو الإيجاب أو العدم فهو التحريم أو تعلق ~~بالتسوية # PageV01P049 # بينهما فهو الإباحة ولا ترتيب بين هذه الأنواع بل ~~بينها وبين أصل الكلام رتبة عقلية لا زمانية؛ لأن العقل يقضي بتقديم العام ~~على الخاص بالرتبة تقديما عقليا لا زمانيا فلا تلزم منافاة الأزل للإنشاء ~~النفساني ولا الحدوث فإن قلت لم لا يجوز أن تكون هذه الأمور إخبارات عن ~~إرادة وقوع العقاب على من خالف وعصى ولا تكون إنشاءات. # (قلت) ذلك باطل لوجوه: أحدها أن الخبر يقبل التصديق والتكذيب وهذه الأمور ~~لا تحتملها فهي إنشاءات، وثانيها أنها لو كانت إخبارات للزم الخلف فيها ~~لحصول العفو عن العصاة إما تفضلا من الله تعالى من غير سبب من المكلف أو ~~بسبب هو التوبة لكن ذلك محال على الله تعالى فلا يكون خبرا عن ذلك، وثالثها ms045 ~~أنه قد تقرر في علم الكلام أن إرادة الله تعالى واجبة النفوذ فلو كانت ~~إخبارات عن إرادة العقاب لوجب عقاب كل عاص، وليس كذلك لإجماعنا على حصول ~~العفو في كثير من الصور التي لا تحصى، والنصوص الدالة على ذلك من الكتاب ~~والسنة لقوله تعالى {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} ~~[الشورى: 25] ولقوله - عليه السلام - «الندم توبة والإسلام يجب ما قبله» ، ~~الصورة الثالثة قوله تعالى في جزاء الصيد {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: ~~95] فاختلف العلماء فيها فقال الشافعي - رضي الله عنه - لا يتصور الحكم ~~فيما أجمع عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - فإن الحكم لا بد فيه من ~~الاجتهاد ولا اجتهاد في مواقع الإجماع؛ لأنه سعي في تخطئة المجمعين فيكون ~~العام مخصوصا بصور الإجماع. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - النص باق على عمومه غير أن الواجب في ~~الصيد إنما هو القيمة على طريق الفاصل الشاهد، ويدل على ذلك أمور أحدها ~~قوله تعالى {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] فجعل الجزاء للمثل ~~لا للصيد نفسه، فالنعم واجبة في المثل الذي هو القيمة لا للصيد نفسه، ~~وثانيها أنه لو حمل الجزاء على الصيد نفسه لزم التخصيص وعلى ما ذكرنا لا ~~يلزم التخصيص. # وذلك لأن قوله تعالى {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] عام في ~~جميع أنواع الصيد فلو حمل الجزاء على الصيد خرج منه ما لا مثل له من النعم ~~كالعصافير والنمل وغيرها، وإذا قلنا بالقيمة وجب في جميع ذلك القيمة فلا ~~تخصيص وهو أولى فيجب المصير إليه، وثالثها أن الله تعالى اشترط الحكمين، ~~وذلك إنما يتأتى إذا قلنا بالقيمة فإنه لا يلزم إجماع الصحابة رضوان الله ~~عليهم على تقويم صيد أن لا نقومه نحن بعد ذلك فإن أفراد النوع الواحد تختلف ~~قيمتها ولا يغني تقويم عن تقويم فيبقى العموم على عمومه في الصحابة ومن ~~بعدهم أما لو جعلنا في الصيد الجزاء مع أنهم قد أجمعوا على أن في الضبع شاة ~~وفي البقرة الوحشية بقرة وفي النعامة بدنة ms046 وغير ذلك من الصور التي يفرض ~~حصول الإجماع فيها فإن ذلك يتعين # PageV01P050 # ولا يبقى للحكم منا والاجتهاد بعد ذلك معنى ألبتة إلا ~~في الصور التي لم يقع فيها إجماع كالفيل وغيره من أفراد الصيد فيلزم ~~التخصيص وهو على خلاف الأصل، ورابعها أنه متلف من المتلفات فتجب فيه القيمة ~~كسائر المتلفات، وقال مالك - رحمه الله - الواجب في الصيد مثله من النعم ~~بطريق الأصالة ثم يقوم الصيد ويقع التخيير بين المثل والإطعام والصوم كما ~~تقرر في كتب الفقه وهذا هو الصحيح. # والجواب عما قاله الشافعي - رضي الله عنه - ما تقرر من الفرق بين الفتوى ~~والحكم وبين المفتي والحاكم من أن الحكم إنشاء لنفس ذلك الإلزام إن كان ~~الحكم فيه أو لنفس تلك الإباحة والإطلاق إن كان الحكم فيها كحكم الحاكم بأن ~~الموات إذا بطل إحياؤه صار مباحا لجميع الناس، والفتوى بذلك إخبار صرف عن ~~صاحب الشرع وأن الحاكم ملزم والمفتي مخبر، وأن نسبتهما لصاحب الشرع كنسبة ~~نائب الحاكم والمترجم عنه فنائبه ينشئ أحكاما لم تتقرر عند مستنيبه بل ~~ينشئها على قواعده كما ينشئها الأصل، ولا يحسن من مستنيبه أن يصدقه فيما ~~حكم به ولا يكذبه بل يخطئه أو يصوبه باعتبار المدرك الذي اعتمده، والمترجم ~~يخبر عما قاله الحاكم لمن لا يعرف كلام الحاكم لعجمة أو لغير ذلك من موانع ~~الفهم فللحاكم أن يصدقه إن صدق، ويكذبه إن كذب، وهذا المترجم لا ينشئ حكما ~~بل يخبر عن الحاكم فقط وقد وضعت في هذا الفرق كتابا سميته بالأحكام في ~~الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام وفيه أربعون مسألة تتعلق ~~بتحقيق هذا الفرق وهو كتاب نفيس إذا تقرر معنى الحكم، فالحكمان في زماننا ~~ينشئان الإلزام على قاتل الصيد فإن كانت الصورة مجمعا عليها كان الإجماع ~~مدركا له ومع ذلك فهم منشئون وإن لم يكن فيها إجماع فهو أظهر ويعتمدون على ~~النصوص والأقيسة، فلا حاجة إلى التخصيص بل يبقى النص على عمومه، والحكم في ~~زماننا عام في الجميع، والجواب عما قاله أبو حنيفة أن الآية ms047 قرئت {فجزاء} ~~[المائدة: 95] بالتنوين فيكون الجزاء للصيد و {مثل ما قتل من النعم} ~~[المائدة: 95] نعت له. # ويكون الواجب هو المثل من النعم والقراءتان منزلتان في كتاب الله تعالى ~~غير أن قراءة التنوين صريحة فيما ذكرناه وقراءة الإضافة محتملة لما ذكرناه ~~ولما ذكرتموه فيجب حملها على ما ذكرناه جمعا بين القراءتين وهو أولى من ~~التعارض، وعن الثاني أن الضمير في قوله تعالى {ومن قتله} [المائدة: 95] ~~يحمل على الخصوص ويبقى الظاهر على عمومه من غير تخصيص كما في قوله تعالى ~~{إلا أن يعفون} [البقرة: 237] خاص بالرشيدات والمطلقات على عمومه من غير ~~تخصيص، وكذلك قوله تعالى {وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة: 228] خاص بالرجعيات ~~مع بقاء المطلقات على عمومه وعن الثالث ما تقدم من أن الحكمين ينشئان ~~الإلزام، وأنه لا ينافي حكم الصحابة - رضوان الله عليهم - ولولا ذلك لكان ~~حكم الصحابة - رضي الله عنهم - ردا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فإنه - عليه السلام - حكم في الضبع بشاة وقد حكم فيها الصحابة أيضا فلولا ~~ما ذكرناه لامتنع حكمهم، وعن الرابع أن جزاء الصيد ليس من باب الجوابر بل ~~من باب الكفارات لقوله تعالى {أو كفارة طعام مساكين} [المائدة: 95] فسماه ~~كفارة فبطل القياس إذا تقررت المذاهب والمدارك وأجوبتها، وتعين فيها الحق ~~وأنه إنشاء في الجميع كانت هذه المسألة من # PageV01P051 # مسائل الإنشاء فتفطن لها فهي مشكلة جدا، ومن لم يحط ~~علما بحقيقة حكم الحاكم ويعلم الفرق بينه وبين المفتي علما واضحا أشكلت ~~عليه هذه المسألة، وتعذر عليه الجواب عن إجماع الصحابة، وكيف يجمع بين ~~الإجماع السابق والحكم اللاحق. # المسألة الخامسة اختلف العلماء في الطلاق بالقلب من غير نطق، واختلفت ~~عبارات الفقهاء فيه فمنهم من يقول في الطلاق بالنية قولان وهم الجمهور، ~~ومنهم من يقول اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه ففيه قولان وهذه ~~عبارة صاحب الجلاب والعبارتان غير مفصحتين عن المسألة فإن من نوى طلاق ~~امرأته، وعزم عليه وصمم ثم بدا له لا يلزمه طلاق إجماعا فقولهم في الطلاق ~~بالنية قولان متروك الظاهر إجماعا، وكذلك ms048 من اعتقد أن امرأته مطلقة، وجزم ~~بذلك ثم تبين له خلاف ذلك لم يلزمه طلاق إجماعا، وإنما العبارة الحسنة ما ~~أتى بها صاحب الجواهر، وذكر أن ذلك معناه الكلام النفساني ومعناه إذا أنشأ ~~الطلاق بقلبه بكلامه النفساني ولم يلفظ به بلسانه فهو موضع الخلاف، وكذلك ~~أشار إليه القاضي أبو الوليد بن رشد وقال إنهما إن اجتمعا أعني النفساني ~~واللساني لزم الطلاق. # فإن انفرد أحدهما عن صاحبه فقولان فصارت النية لفظا مشتركا فيه بين معان ~~مختلفة في اصطلاح أرباب المذهب، يطلق على القصد والكلام النفساني فيقولون ~~صريح الطلاق لا يحتاج إلى النية إجماعا، وهو يحتاج إلى النية إجماعا وفي ~~احتياجه إلى النية قولان، وهو تناقض ظاهر لكنهم يريدون بالأول قصد استعمال ~~اللفظ في موضوعه فإن ذلك إنما يحتاج إليه في الكناية دون الصريح، ويريدون ~~بالثاني القصد للنطق بصيغة الصريح احترازا عن النائم ومن يسبقه لسانه، ~~ويريدون بالثالث الكلام النفساني وقد بسطت هذه المباحث في كتاب الأمنية في ~~إدراك النية إذا تقرر أن الطلاق ينشأ بالكلام النفساني فقد صارت هذه ~~المسألة من مسائل الإنشاء في كلام النفس، وكذلك اليمين أيضا وقع الخلاف ~~فيها هل تنعقد بإنشاء كلام النفس وحده أو لا بد من اللفظ وبهذا التقرير ~~يظهر فساد قياس من قاس لزوم الطلاق بكلام النفس عن الكفر والإيمان فإنه ~~يكفي فيهما كلام النفس، وقع ذلك في الجلاب وغيره. # ووجه الفساد أن هذا إنشاء، والكفر لا يقع بالإنشاء وإنما يقع بالإخبار ~~والاعتقاد وكذلك الإيمان والاعتقاد من باب العلوم والظنون لا من باب الكلام ~~وهما بابان مختلفان فلا يقاس أحدهما على الآخر ومن وجه آخر هو أن الصحيح في ~~الإيمان أنه لا يكفي فيه مجرد الاعتقاد بل لا بد من النطق باللسان مع ~~الإمكان على مشهور مذاهب العلماء كما حكاه القاضي عياض في الشفاء وغيره ~~فينعكس هذا القياس على قائسه على هذا التقرير، ويقول وجب أن يفتقر إلى ~~اللفظ قياسا على الإيمان بالله تعالى إن سلم له أن البابين واحد، فكيف وهما ~~مختلفان والقياس ms049 إنما يجري في المتماثلات. # PageV01P052 # المسألة السادسة في بيان الفرق بين الصيغ التي يقع ~~بها الإنشاء الواقع اليوم في العادة أن الشهادة تصح بالمضارع دون الماضي ~~واسم الفاعل فيقول الشاهد أشهد بكذا عندك أيدك الله ولو قال شهدت بكذا، أو ~~أنا شاهد بكذا لم يقبل منه، والبيع يصح بالماضي دون المضارع عكس الشهادة ~~فلو قال: أبيعك بكذا أو قال أبايعك بكذا لم ينعقد البيع عند من يعتمد على ~~مراعاة الألفاظ كالشافعي، ومن لا يعتبرها لا كلام معه، وإنشاء الطلاق يقع ~~بالماضي نحو طلقتك ثلاثا واسم الفاعل نحو أنت طالق ثلاثا دون المضارع نحو ~~أطلقك ثلاثا، وسبب هذه الفروق بين الأبواب النقل العرفي من الخبر إلى ~~الإنشاء فأي شيء نقلته العادة لمعنى صار صريحا في العادة لذلك المعنى ~~بالوضع العرفي فيعتمد الحاكم عليه لصراحته ويستغني المفتي عن طلب النية معه ~~لصراحته أيضا وما هو لم تنقله العادة لإنشاء ذلك المعنى يتعذر الاعتماد ~~عليه لعدم الدلالة اللغوية والعرفية، فنقلت العادة في الشهادة المضارع وحده ~~وفي الطلاق والعتاق اسم الفاعل والماضي فإن اتفق وقت آخر تحدث فيه عادة ~~أخرى تقتضي نسخ هذه العادة وتجدد عادة أخرى اتبعنا الثانية وتركنا الأولى ~~ويصير الماضي في البيع والمضارع في الشهادة على حسب ما تجدده العادة فتأمل ~~ذلك واضبطه فمن لم يعرف الحقائق العرفية وأحكامها يشكل عليه الفرق وبهذا ~~التقرير يظهر قول مالك - رحمه الله - ما عده الناس بيعا فهو بيع نظرا إلى ~~أن المدرك هو تجدد العادة غير أن للشافعية أن يقولوا إن ذلك مسلم، ولكن ~~يشترط وجود اللفظ المنقول أما مجرد الفعل والمعاطاة الذي يقصده مالك ~~فممنوع. ### | (فصل) # قد تقدم تذييل الإنشاء بمسائل توضحه وهي حسنة في بابها فنذيل الخبر أيضا ~~بثمان مسائل غريبة مستحسنة في بابها تكون طرفة للواقف. المسألة الأولى إذا ~~قال كل ما قلته في هذا البيت كذب ولم يقل شيئا في ذلك البيت قيل هذا القول ~~يلزم منه أمران محالان عقلا: أحدهما ارتفاع الصدق والكذب عن الخبر وهما ~~خصيصة من خصائصه، وارتفاع ms050 خصيصة الشيء عنه مع بقائه محال بيانه أن هذا ~~الخبر لا يكون صدقا؛ لأن الصدق هو الخبر المطابق، والمطابقة أمر نسبي لا ~~يكون إلا بين شيئين، ولم يتقدم له في هذا البيت # PageV01P053 # خبر آخر حتى تقع المطابقة بينه وبين هذا الخبر فلا ~~يكون صدقا. # وأما أنه ليس بكذب فلأن الكذب هو عدم المطابقة بين الخبر والمخبر عنه، ~~وعدم المطابقة بين الشيئين فرع تقررهما. # ولم يتقدم في هذا البيت خبر صدق حتى يكون الإخبار عنه بأنه كذب كذبا فلا ~~يكون هذا الخبر صدقا ولا كذبا وهو محال؛ لأنه خبر والخبر لا بد أن يكون ~~صدقا أو كذبا، والمحال الثاني أنه لا يلزم من هذا الخبر ارتفاع النقيضين ~~وارتفاعهما محال عقلا لأنه خبر والخبر لا بد أن يكون صدقا أو كذبا، بيانه ~~أن الصدق عبارة عن المطابقة، والكذب عبارة عن عدم المطابقة، والمطابقة ~~وعدمها نقيضان وقد تقدم أن هذا الخبر ليس بصدق ولا كذب فيكون النقيضان قد ~~ارتفعا عنه وهو محال، وهذا الإشكال من الأسئلة الصعبة الدقيقة التي يحتاج ~~الجواب عنها إلى فكر دقيق ونظر عويص. # والجواب أن نختار أن هذا الخبر كذب، وتقريره أن الكذب هو القول الذي ليس ~~بمطابق وعدم المطابقة يصدق بطريقين: أحدهما أن يوجد في نفس الأمر المخبر ~~عنه على خلاف ما في الخبر كمن قال زيد قائم وهو ليس بقائم فهذا كذب؛ لأنه ~~قول غير مطابق، وثانيهما أن لا يوجد في # PageV01P054 # نفس الأمر شيء ألبتة فيصدق أيضا عدم المطابقة لعدم ما ~~يطابقه الخبر لا لمخالفته لما وجد كما أن الله تعالى لو خلق زيدا وحده في ~~العالم صدق عليه أنه لم يوافق أحدا في معتقده. # وأنه لم يخالف أحدا في معتقده فإن الموافقة والمخالفة للغير فرع وجود ذلك ~~الغير فإذا لم يوجد ذلك الغير انتفت الموافقة له والمخالفة كذلك نقول هاهنا ~~لما لم يوجد خبر آخر في هذا البيت صدق على هذا الخبر وهو قوله: كل ما قلته ~~في هذا البيت كذب أنه غير مطابق لانتفاء ما ms051 تقع المطابقة معه فهو كذب جزما، ~~وكذلك ينبغي لك أن تفهم من قولنا أن الكذب هو القول الذي ليس بمطابق هذا ~~المعنى العام الذي يصدق بطريقين وجد شيء يخالفه الخبر أو لم يوجد شيء ألبتة ~~غير أن غالب الاستعمال هو القسم الأول، والمذهب المشهور أنه لا واسطة بين ~~الصدق والكذب بناء على هذا المعنى العام، وكذلك نجيب عن ارتفاع النقيضين ~~بأن نقول الواقع منهما عدم المطابقة بالتفسير العام المتقدم، ذكره ومثل هذا ~~الخبر قوله كل ما تكلمت به في جميع عمري كذب، وكان لم يكذب قط فهذا الخبر ~~كذب قطعا؛ لأنه إن أراد الأخبار المتقدمة في عمره فهو كاذب؛ لأنها كانت ~~صدقا وإن أراد هذا الأخير وحده فهو ليس بصدق لعدم خبر آخر يطابقه، وهو قد ~~أخبر أنه غير مطابق لنفسه فهو مخبر أن خبره هذا الأخير خبران: أحدهما غير ~~مطابق للآخر وهو ليس خبرين فيكون كذبا قطعا سواء أراد الأخبار المتقدمة أو ~~أراد هذا الخبر هذا الذي اعتمده الإمام فخر الدين وغيره # PageV01P055 # والذي أعتقده أن هذا الخبر لا يقطع بكذبه لجواز أن ~~يريد الخبر الأخير وحده ويكون عدم مطابقته لعدم ما تمكن المطابقة معه فهو ~~غير مطابق بالمعنى الأعم كما تقدم تقريره. # فقوله إنه كذب صدق على هذا التقرير فلا يقطع بكذب هذا الخبر لهذا ~~الاحتمال فإن كذب في جملة عمره أو في جميع ما قاله في هذا البيت، ثم قال كل ~~ما تكلمت به في عمري صدق أو جميع ما قلته في هذا البيت صدق فإن أراد ما ~~تقدم منه قبل هذا الخبر فهو كاذب، وإن أراد هذا الخبر فهو كاذب أيضا فإن ~~الصدق مطابقة الخبر لغيره، والخبر عن الخبر بأنه صدق يقتضي تقدم رتبة ~~المخبر عنه عن الخبر، وتأخر الشيء عن نفسه بالرتبة محال، وإن أراد المجموع ~~من الأخبار المتقدمة وهذا الخبر فالمطابقة لم تحصل أيضا في الجميع فهو كذب ~~أيضا، وكذب ولم يتأت هنا في الخبر الأخير ما تأتى لنا فيه إذا قال: أنا ~~كاذب فيه ms052 لأن الصدق يشترط فيه المطابقة فيحتاج فيه إلى شيئين حتى تحصل ~~المطابقة بينهما أما إذا قال أنا كاذب فيه فقد ادعى عدم المطابقة وهي تصدق ~~بطريقين إما بمخبر عنه غير مطابق، وإما بعدم المخبر عنه بالكلية كما تقدم ~~تقريره فلا جرم أمكننا أن نجعل الخبر الواحد كذبا ولم يمكنا أن نجعله صدقا ~~فتأمل هذا الفرق ولاحظ فيه أن الكذب أعم، والأعم قد يوجد حيث لا يوجد ~~الأخص، وأما الإمام فخر الدين وغيره فقد سوى بين البابين وقصر الكذب في عدم ~~المطابقة على أحد قسميه # PageV01P056 # وقال إذا قال أنا كاذب في الخبر الأخير هو كاذب لتأخر ~~الخبر عن المخبر عنه بالرتبة، وتأخر الشيء عن نفسه محال لكن الكذب أعم مما ~~ادعاه كما تقدم بيانه فلا يلزم ما قاله. # (المسألة الثانية) وعد الله تعالى ووعيده وقع لابن نباتة في خطبة " الحمد ~~لله الذي إذا وعد وفى وإذا أوعد تجاوز وعفا " وحسن ذلك عنده ما جرت العوائد ~~به من التمدح بالوفاء في الوعد والعفو في الوعيد. # قال الشاعر: # وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # تمدح بهما، وقد أنكر العلماء على ابن نباتة ذلك، وتقرير الإنكار أن كلامه ~~هذا يشعر بثبوت الفرق بين وعد الله تعالى ووعيده. # والفرق بينهما محال عقلا؛ لأنه إن أريد بالوعد والوعيد صورة اللفظ وما دل ~~عليه بوضعه اللغوي من العموم فإنهما سواء في جواز دخول التخصيص فيهما، فكما ~~دخل التخصيص في قوله تعالى {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] بمن ~~عفي عنه تفضلا أو بالتوبة أو غير ذلك فلم ير شرا مع عمله له فكذلك دخل ~~التخصيص في قوله تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] بمن حبط ~~عمله بردته وسوء خاتمته أو أخذت أعماله في الظلامات بالقصاص وغيره، فلم ير ~~خيرا مع أنه عمله، وكذلك جميع إخبارات الوعيد والوعد يخرج منها من لم يرد ~~باللفظ ويبقى المراد فلا فرق بينهما من هذا الوجه، وإن أريد بالوعد والوعيد ~~من أريد بالخطاب ومن قصد بالإخبار ms053 عنه بالنعيم أو العقاب فيستحيل أن من ~~أراده الله تعالى بالخبر أن لا يقع مخبره. # وإلا لحصل الخلف المستحيل عقلا على الله تعالى بل يجب حصول النعيم لمن ~~أراده الله تعالى بالإخبار عن نعيمه وحصول العقاب لمن أراده الله تعالى ~~بالإخبار عن عقابه لئلا يلزم الخلف فحينئذ لا فرق بينهما أيضا فإن قلت إن ~~أريد بالوعيد صورة العموم وهو قابل للتخصيص وبالوعد من أريد بالخطاب فإنه ~~يتعين فيه الوفاء بذلك الموعود يندفع المحال، وتصح هذه العبارة قلت هذا ~~يمكن غير أنه يوهم أن الله تعالى يعفو عمن أريد بالوعيد ولا يقتصر المفهوم ~~على التخصيص فقط كما جرت به العادة من التمدح بالعفو وإن أكذب أحدنا نفسه ~~كما قال الشاعر: # فإن الكذب جائز علينا ... ونمدح به ويحسن منا في مواطن # وهو محال على الله تعالى وإذا أوهم مثل هذا حرم إطلاقه؛ لأن إطلاق ما ~~يوهم محالا على الله تعالى حرام. # (المسألة الثالثة) إذا فرضنا رجلا صادقا على الإطلاق وهو زيد فقلنا # PageV01P057 # زيد ومسيلمة الحنفي صادقان أو كاذبان استحال في هذا ~~الخبر أن يكون صادقا، وإلا لصدق مسيلمة في قولنا هما صادقان أو لكذب زيد في ~~قولنا هما كاذبان. # ويستحيل أيضا أن يكون هذا الخبر كاذبا للزوم صدق مسيلمة في قولنا هما ~~كاذبان أو كذب زيد في قولنا هما صادقان، لكن كذب زيد محال لأن الفرض خلافه ~~وإذا ارتفع عنه الصدق والكذب لزم ارتفاع النقيضين كما تقدم تقريره قبل هذا ~~فيمن قال: أنا كاذب في بيت لم يتكلم فيه إلا بهذا الكلام وقد تقدم مبسوطا، ~~ويلزم أيضا وجود الخبر بدون خصيصته وهو قبول الصدق والكذب وهو محال أيضا. # والجواب قال الإمام فخر الدين في باب الإخبار أن هذا الخبر في قوة خبرين ~~فإذا قلنا زيد ومسيلمة صادقان فتقديره زيد صادق ومسيلمة صادق والأول خبر ~~صادق والثاني خبر كاذب، وكذلك إذا قلنا كاذبان صدق مفهوم الكذب في مسيلمة ~~وكذب في زيد، وهذا الجواب يبطل بتضييق الفرض بأن نقول المجموع صادق أو كاذب ~~ونجعل ms054 الخبر عن المجموع، وهو مفرد في اللفظ أو يقول المتكلم أردت المجموع ~~والإخبار عنه، ولم أرد الإخبار عن كل واحد منهما فيبطل هذا الجواب. # والجواب الحق أن نلتزم في قولنا هما صادقان أنه كذب، وتقريره أن الكذب ~~نقيض الصدق كما تقدم تقريره فإنه عدم المطابقة الذي هو نقيض المطابقة، ~~والمتكلم أخبر عن حصول المطابقة في المجموع وفي كل واحد منهما، وليست كذلك ~~لأن الحقيقة تنتفي بانتفاء جزئها فتنتفي المطابقة في المجموع بنفيها في ~~أحدهما ولا نشك أنها منفية في أحدهما فيكون الحق نفي المطابقة في المجموع ~~فيكون الخبر كذبا، وكذلك إذا قلنا هما كاذبان فإنا أخبرنا عن ثبوت عدم ~~المطابقة في كل واحد منهما، وإذا قال قائل العدم يشمل زيدا وعمرا كذب خبره ~~هذا بوجود أحدهما فإن مجموع العدمين ينتفي بانتفاء جزئه كما ينتفي مجموع ~~الثبوت، وقد أشار فخر الدين إلى أن الخبر يكون كذبا غير أنه لم يبسط ~~تقريره. # (المسألة الرابعة) إذا قلنا الإنسان وحده ناطق وكل ناطق حيوان فإنه ينتج ~~الإنسان وحده حيوان، وهذا خبر كاذب مع أن متقدماته صحيحة فكيف ينتج الصادق ~~الخبر الكاذب، وذلك إن جوزناه يبطل علينا باب الاستدلال. # والجواب أن الفساد إنما جاء من جهة أن المقدمة الأولى هي مقدمتان التفت ~~إحداهما بالأخرى إحداهما سالبة والأخرى موجبة فإن قولنا الإنسان وحده ناطق ~~معناه أنه ناطق # PageV01P058 # وغيره غير ناطق هذا هو مدلول وحده لغة فإن جعلنا ~~مقدمة الدليل هي الموجبة وحدها صح الكلام فإنه يصير الإنسان ناطقا، وكل ~~ناطق حيوان فينتج كل إنسان حيوان ولا محال في هذا. # وإن جعلنا مقدمة القياس هي السالبة لم يصح الإنتاج لفوات شرطه وهو أن ~~الشكل الأول من شرطه أن تكون صغراه موجبة وهذه سالبة فلا يصح ألا ترى أنك ~~إذا قلت لا شيء من الإنسان بحجر، وكل حجر جسم كانت النتيجة لا شيء من ~~الإنسان بجسم وهو باطل فلا بد أن تكون مقدمة القياس في هذا الشكل موجبة إذا ~~كانت صغرى وهذا الكلام قد جعلت فيه سالبة فلذلك ms055 حصل فيه أمر محال، وإن ~~جعلنا مجموع المقدمتين مقدمة واحدة امتنع أيضا فإنه لا قياس عن ثلاث ~~مقدمات، ويلزم الفساد من كون إحداهما سالبة كما تقدم. # (المسألة الخامسة) نقول الفول يغذو الحمام والحمام يغذو البازي فالفول ~~يغذو البازي المقدمتان صادقتان والخبر الذي أنتجتاه كاذب وهو قولنا الفول ~~يغذو البازي فإنه لا يأكل إلا اللحم فكيف ينتج الصادق الكاذب؟ وذلك يخل ~~بنظام الاستدلال. # والجواب أن الفساد جاء من جهة عدم اتحاد الوسط فإن قلنا الفول يغذو ~~الحمام الأصل أن نقول وكل ما يغذو الحمام يغذو البازي ولم نأخذه بل أخذنا ~~مفعول المحمول وضابط اتحاد الوسط الذي هو شرط الإنتاج أن تأخذ عين الخبر في ~~المقدمة الأولى فنجعله مبتدأ في الثانية، وهنا لم تأخذه بل أخذت مفعوله ~~وجعلته مبتدأ في الثانية فلم يتحد الوسط وإذا لم يتحد الوسط لم يحصل ~~الإنتاج، ونظيره أن تقول زيد مكرم خالدا وخالد مكرم عمرا ينتج زيد مكرم ~~عمرا، وذلك غير لازم لجواز أن يكون زيد عدوا لعمرو فلم يكرمه، وعلى هذا ~~السؤال متى أخذت مفعول الوسط بطل الإنتاج، ومتى أخذته نفسه فهو الذي يحصل ~~به الإنتاج، ويصدق معه الخبر فتأمل # (المسألة السادسة) تقول كل زوج عدد والعدد إما زوج أو فرد ينتج الزوج إما ~~زوج أو فرد، والإخبار عن كون الزوج منقسما إلى الزوج والفرد كاذب فإن ~~المنقسم إلى شيئين لا بد وأن يكون مشتركا بينهما والزوج ليس مشتركا فيه بين ~~الزوج والفرد فالمقدمات صادقة والخبر الذي أنتجته كاذب فيلزم المحال كما ~~تقدم. # والجواب أن المحال إنما نشأ من جهة أن المقدمة الثانية في هذا الشكل من ~~شرطها أن تكون كلية، وقولنا العدد إما زوج أو فرد قضية منفصلة نص أرباب ~~المنطق على أنها إنما تكون كلية بأزمانها وأوضاعها فإن لم تقع الإشارة إلى # PageV01P059 # أن ذلك الحكم ثابت لذلك المحكوم عليه في جميع الأحوال ~~وعلى جميع التقادير، وإلا لم تكن كلية إذا تقرر هذا فنقول ما تريد بقولك ~~العدد إما زوج أو فرد تريد العدد في ms056 أي حالة كان أو من حيث الجملة فإن أردت ~~الأول كان معنى كلامك العدد في حالة كونه زوجا هو منقسم إلى الزوج والفرد، ~~وذلك كاذب وإن وقع حالة كونه فردا انقسم إليهما أيضا، وذلك كاذب أيضا فهذه ~~المقدمة كاذبة ضرورة على هذا التقدير وإن أردت بالعدد العدد من حيث الجملة ~~فهو إشارة إلى القدر المشترك بين جميع الأعداد فإن القدر المشترك ينقسم إلى ~~أنواع، وذلك صادق غير أنها إذا صدقت المقدمة على هذا التقدير كانت جزئية ~~فإن المشترك يكفي في تحققه صورة واحدة، وإذا كانت جزئية بطل شرط الإنتاج ~~وهو كون المقدمة الثانية كلية فظهر حينئذ أن هذه المقدمة الثانية إما كاذبة ~~أو فات فيها شرط الإنتاج، وعلى التقديرين لا تصح النتيجة ولا يوثق بالخبر ~~الناشئ من هذا التركيب. # (المسألة السابعة) تقول الوتد في الحائط والحائط في الأرض ينتج قوله ~~الوتد في الأرض وهو خبر كاذب، فإن الوتد ليس في الأرض فقد أنتج الصادق ~~الكاذب فيلزم المحال كما تقدم. # والجواب أن هذا الكلام فيه توسع وهو قولك الحائط في الأرض فإنه لم يغب ~~بجملته في الأرض بل أبعاضه فهو مجاز من باب إطلاق الجزء على الكل فلو كان ~~اللفظ حقيقة، وأن جملة الحائط في الأرض كان الوتد في الأرض خبرا، وكان ~~الخبر حقا كقولنا المال في الكيس والكيس في الصندوق فالمال في الصندوق وهذا ~~خبر حق؛ لأنه ليس فيه توسع بخلاف الحائط في الأرض فإن قلت ظرف الزمان ~~والمكان ليس من شرطه الإحاطة كقوله تعالى {له ما في السماوات وما في الأرض} ~~[البقرة: 255] والمراد ما على ظهرهما وكقوله تعالى {وهو الذي في السماء إله ~~وفي الأرض إله} [الزخرف: 84] وهو إنما يعبد فوق ظهرهما فاللفظ حقيقة وكذلك ~~إذا قلنا زيد عندك حقيقة وإن لم يغب في المكان الذي أنت فيه، وكذلك زيد في ~~الزمان ليس معناه الإحاطة لأن معنى الزمان هو اقتران حادث بحادث والاقتران ~~نسبة وإضافة لم تحط بزيد كإحاطة ثوبه إنما هي في تينك الحادثين لا ~~يتعداهما، وكذلك إذا ms057 فسرنا الزمان بحركات الأفلاك فإن الحركة قائمة في ~~الفلك لم تحط بزيد وغيره من حوادث الأرض بل المحيط هو الفلك وحده فظهر ~~حينئذ أن تسمية الزمان والمكان ظرفين ليس معنى ذلك الغيبة فيهما وإحاطتهما ~~بالمظروف فبطل ما ذكرتموه من التوسع، وبطل أيضا ما يعتقده كثير من النحاة ~~من الظرفية الحقيقية قلت إذا # PageV01P060 # ألزمت هذا أقول الوتد في الأرض حقيقة، ويكون الخبر ~~صادقا ولا محال حينئذ، والسؤال والإشكال إنما جاء من قبل أن الوتد ليس ~~مغيبا في الأرض، أما على هذا التقدير فلا يلزم إشكال ولا يضرنا إلزام ما ~~ذكرته فالسؤال ذاهب على كل تقدير وهو المقصود. # (المسألة الثامنة) قولنا هذا الجبل ذهب لأن كل من قال إنه ذهب قال إنه ~~جسم وكل من قال إنه جسم صادق ينتج أن كل من قال إنه ذهب صادق، وهذا الخبر ~~كاذب مع صدق المقدمات وبهذا النمط يستدل على أن كل ما في العالم ذهب وياقوت ~~وحيوان وجميع أنواع المحالات تقريرها بهذا الدليل، وهذه مغلطة عظيمة. # والجواب عنها من وجوه: أحدها أن قول القائل إن هذا الجبل ذهب محال وكذب ~~المحال يلزمه المحال فيكون المحال في النتيجة إنما نشأ من هذا المحال فنحن ~~نلتزم أنه ذهب على هذا التقدير المحال ولا محذور، وإنما المحذور كونه ذهبا ~~في نفس الأمر، وثانيها أنا لا نسلم أنه يقول إنه جسم فإن قوله هو ذهب محال ~~والمحال يجوز أن يلزمه المحال وهو كون الذهب ليس بجسم فتبطل المقدمة الأولى ~~فلا تلزم النتيجة، وثالثها أنا لا نسلم صحة المقدمات، ونسلم أنه صادق لكنه ~~قد تقدم من قوله أمران: أحدهما قوله إنه ذهب والآخر قوله إنه جسم فهو صادق ~~في قوله إنه جسم لا في قوله إنه ذهب فلا يحصل المقصود للسائل ولا سيما، ~~وقولنا صادق لفظ مطلق يصدق بفرد وصورة واحدة وقد بيناها فاندفع الإشكال ~~فهذه نبذة من الأخبار مشكلة لا يتحدث فيها إلا الفضلاء النبلاء لتوقف ~~سؤالها وجوابها على دقائق من العلوم، وقد تذكر في سياق المغلطات فيعسر ms058 ~~الجواب عنها، وقد اتضح منها جملة هاهنا توجب الإعانة على فهم غيرها والله ~~المستعان لا رب غيره. # (الفرق الثالث بين الشرط اللغوي وغيره) من الشروط العقلية والشرعية ~~والعادية فإن أكثر الناس يعتقدون أن الكل معنى واحد وأن اللفظ مقول عليها ~~بالتواطؤ وأن المعنى واحد وليس كذلك بل للشروط اللغوية قاعدة مباينة لقاعدة ~~الشروط الأخر ولا يظهر الفرق بين القاعدتين إلا بيان حقيقة الشرط والسبب ~~والمانع أما السبب فهو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه # PageV01P061 # العدم لذاته أما القيد الأول فاحتراز من الشرط فإنه ~~لا يلزم من وجوده شيء إنما يؤثر عدمه في العدم والقيد الثاني احتراز من ~~المانع فإن المانع لا يلزم من عدمه شيء إنما يؤثر وجوده في العدم والقيد ~~الثالث احتراز من مقارنة وجود السبب عدم الشرط أو وجود المانع فلا يلزم ~~الوجود أو إخلافه بسبب آخر حالة عدمه فلا يلزم العدم وأما الشرط فهو الذي ~~يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ولا يشتمل على ~~شيء من المناسبة في ذاته بل في غيره فالقيد الأول احتراز من المانع فإنه لا ~~يلزم من عدمه شيء والقيد الثاني احتراز من السبب فإنه يلزم من وجوده الوجود ~~والقيد الثالث احتراز من مقارنة وجوده لوجود السبب فيلزم الوجود ولكن ليس ~~ذلك لذاته بل لأجل السبب أو قيام المانع فيلزم العدم لأجل المانع لا لذات ~~الشرط والقيد الرابع احتراز من جزء العلة فإنه يلزم من عدمه العدم ولا يلزم ~~من وجوده وجود ولا عدم غير أنه مشتمل على جزء المناسبة فإن جزء المناسب ~~مناسبة. # وأما المانع فهو الذي يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم ~~لذاته فالقيد الأول احتراز من السبب فإنه يلزم من وجوده الوجود والقيد ~~الثاني احتراز من الشرط والقيد الثالث احتراز من مقارنة عدمه لعدم الشرط ~~فيلزم العدم أو وجود السبب فيلزم الوجود لكن بالنظر لذاته لا يلزم شيء من ~~ذلك إذا تقرر ذلك يظهر أن المعتبر من المانع ms059 وجوده ومن الشرط عدمه ومن ~~السبب وجوده وعدمه والثلاثة تصلح الزكاة مثالا لها فالسبب النصاب والحول ~~شرط والدين مانع إذا ظهرت حقيقة كل واحد من السبب والشرط والمانع يظهر أن ~~الشروط اللغوية أسباب بخلاف غيرها من الشروط العقلية كالحياة مع العلم أو ~~الشرعية كالطهارة مع الصلاة أو العادية كالسلم مع صعود السطح فإن هذه ~~الشروط يلزم من عدمها العدم في المشروط ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم ~~فقد يوجد المشروط عند وجودها كوجوب الزكاة عند دوران الحول الذي هو شرط وقد ~~يعدم لمقارنة الدين لدوران الحول مع وجود النصاب. # وأما الشروط اللغوية التي هي التعاليق كقولنا إن دخلت الدار فأنت طالق ~~يلزم من الدخول الطلاق ومن عدم الدخول عدم الطلاق إلا أن يخلفه سبب آخر ~~كالإنشاء بعد التعليق وهذا هو شأن # PageV01P062 # السبب أن يلزم من عدمه العدم إلا أن يخلفه سبب آخر ~~فإذا ظهر أن الشروط اللغوية أسباب دون غيرها فإطلاق اللفظ على القاعدتين ~~أمكن أن يقال بطريق الاشتراك لأنه مستعمل فيهما والأصل في الاستعمال ~~الحقيقة وأمكن أن يقال بطريق المجاز في أحدهما لأن المجاز أرجح من الاشتراك ~~وأمكن أن يقال بطريق التواطؤ باعتبار قدر مشترك بينها وهو توقف الوجود على ~~الوجود مع قطع النظر عما عدا ذلك فإن المشروط العقلي وغيره يتوقف دخوله في ~~الوجود على وجود شرطه ووجود شرطه لا يقتضيه والمشروط اللغوي يتوقف وجوده ~~على وجود شرطه ووجود شرطه يقتضيه ثم إن الشرط اللغوي يمكن التعويض عنه ~~والإخلاف والبدل كما إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم يقول ~~لها: أنت طالق ثلاثا فيقع الثلاث بالإنشاء بدلا عن الثلاث المعلقة وكقوله: ~~إن أتيتني بعبدي الآبق فلك هذا الدينار ولك أن تعطيه إياه قبل أن يأتي ~~بالعبد هبة فتخلف الهبة استحقاقه إياه بالإتيان بالعبد ويمكن إبطال شرطيته ~~كما إذ أنجز الطلاق فإن التنجيز إبطال للتعليق وكما إذا اتفقنا على فسخ ~~الجعالة والشروط العقلية لا يقتضي وجودها وجودا ولا تقبل البدل والإخلاف ~~ولا تقبل إبطال الشرطية ms060 إلا الشرعية خاصة فإن الشرع قد يبطل شرطية الطهارة ~~والستارة عند معارضة التعذر أو غيره فهذه ثلاثة فروق اقتضاء الوجود والبدل ~~والإبطال إذا تخلص الفرق بين القاعدتين وتميزت كل واحدة منهما عن الأخرى ~~فنوشح ذلك بذكر مسائل من الشروط اللغوية فيها مباحث دقيقة وأمور غامضة ~~وإشارات شريفة تكون الإحاطة بها حلية للفضلاء وجمالا للعلماء ولنقتصر من ~~ذلك على ثمان مسائل. . # (المسألة الأولى) أنشد بعض الفضلاء ما يقول الفقيه أيده الله: ولا زال ~~عنده إحسان في فتى علق الطلاق بشهر قبل ما قبل قبله رمضان اعلم أن هذا ~~البيت من نوادر الأبيات وأشرفها معنى وأدقها فهما وأغربها استنباطا لا يدرك ~~معناه إلا العقول السليمة والأفهام المستقيمة والفكر الدقيقة من أفراد ~~الأذكياء وآحاد الفضلاء والنبلاء بسبب أنه بيت واحد وهو مع صعوبة معناه ~~ودقة مغزاه مشتمل على ثمانية أبيات في الإنشاد بالتغيير والتقديم والتأخير ~~بشرط استعمال الألفاظ في حقائقها دون مجازاتها مع التزام صحة الوزن على ~~القانون اللغوي وكل بيت مشتمل على مسألة من الفقه في التعاليق الشرعية ~~والألفاظ اللغوية وتلك المسألة صعبة المغزى. # PageV01P063 # وعرة المرتقى ومشتمل على سبعمائة مسألة وعشرين مسألة ~~من المسائل الفقهية والتعاليق اللغوية بشرط التزام المجاز في الألفاظ ~~وإطراح الحقائق والإعراض عن ضابط الوزن وقانون الشعر بأن يطول البيت نحوا ~~من ضعفه ويحصل هذا العدد العظيم من هذه اللفظات الثلاث وتبديلها بأضدادها ~~واستعمالها في مجازاتها وتنقلها في التقديم والتأخير مفترقة ومجتمعة على ما ~~سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وقد وقع هذا البيت لشيخنا الإمام الصدر ~~العالم جمال الفضلاء رئيس زمانه في العلوم وسيد وقته في التحصيل والمفهوم ~~جمال الدين الشيخ أبي عمرو بأرض الشام وأفتى فيه وتفنن وأبدع فيه ونوع - ~~رحمه الله - وقدس روحه الكريمة وها أنا قائل لك لفظه الذي وقع لي بفصه ونصه ~~ثم أذكر بعد ذلك ما وهبه الله تعالى لي من فضله قال: - رحمه الله - هذا ~~البيت من المعاني الدقيقة الغريبة التي لا يعرفها في مثل هذا الزمان أحد ~~وقد سئلت عن هذه ms061 المسألة بمصر وأجبت بما فيه كفاية ثم سئلت عنها بدمشق ~~فقلت: هذا البيت ينشد على ثمانية أوجه لأن ما بعد قبل الأول قد يكون قبلين ~~وقد يكون بعدين. # وقد يكون مختلفين فهذه أربعة أوجه كل منها قد يكون قبله قبل وقد يكون ~~قبله بعد صارت ثمانية فاذكر قاعدة ينبني عليها تفسير الجميع وهي أن كل ما ~~اجتمع فيه قبل وبعد فألغهما لأن كل شهر حاصل بعد ما هو قبله وحاصل قبل ما ~~هو بعده فلا يبقى حينئذ إلا بعده رمضان فيكون شعبان أو قبله رمضان فيكون ~~شوالا فلم يبق إلا ما جميعه قبل أو جميعه بعد فالأول هو الشهر الرابع من ~~رمضان لأن معنى ما قبل قبله رمضان شهر تقدم رمضان قبل شهرين قبله وذلك ذو ~~الحجة والثاني هو الرابع أيضا ولكن على العكس لأن معنى بعد ما بعد بعده ~~رمضان شهر تأخر رمضان بعد شهرين بعده وذلك جمادى الأخيرة فإذا تقرر ذلك ~~فقبل ما قبل قبله رمضان ذو الحجة وقيل ما بعد بعده رمضان شعبان لأن المعنى ~~بعده رمضان وذلك شعبان وبعد ما قبل قبله رمضان شوال لأن المعنى قبله رمضان ~~وذلك شوال وقبل ما بعد قبله رمضان شوال لأن المعنى أيضا قبله رمضان وذلك ~~شوال فهذه الأربعة الأول ثم اجر الأربعة الأخر على ما تقدم فإن بعد ما قبل ~~قبله رمضان شوال لأن المعنى قبله رمضان وذلك شوال وبعد ما بعد بعده رمضان ~~وذلك جمادى الأخيرة لأن ما بعد بعده شعبان وبعده رمضان فهو جمادى الأخيرة ~~وبعد ما قبل بعده رمضان شعبان لأن المعنى بعده رمضان وذلك شعبان وبعد ما ~~بعد قبله رمضان شعبان لأن المعنى بعده رمضان وذلك شعبان قلت: هذا نص ما ~~وجدته مكتوبا عنه - رحمه الله - في تعليق علق عنه في مسائله النادرة التي ~~سئل عنها. # وبقيت أمور لم يتعرض لها الشيخ - رحمه الله - فينبغي زيادتها وإيضاحها ~~ليتكمل بذلك بيان المسألة إن شاء الله تعالى أحدها زيادة إيضاح كون البيت ~~ثمانية في التصوير فإنه للبيت ms062 أصل وفرع فأصله اجتماع ثلاث قبلات وتفرع سبعة ~~أخرى: أحدها أن يبدل الجميع بالبعدات نحو بعد ما بعد بعده فهذه الصورة ~~الثانية. الثالثة أن يبدل من قبل الأخيرة فقط نحو قبل ما قبل بعده. الرابعة ~~أن يبدل من # PageV01P064 # الثاني والثالث دون الأول نحو قبل ما بعد بعده. ~~الخامسة أن يوسط البعد بين قبلين. السادسة أن يعمد إلى البعدات الثلاثة ~~فيعمل فيها كما عملنا في القبلات فنقول بعد ما بعد قبله. # السابعة أن يبدل من البعدين الأخيرين دون الأول نحو بعد ما قبل قبله. ~~الثامنة أن يوسط القبل بين البعدين كما وسطنا البعد بين القبلين فيكون بعد ~~ما قبل بعده فحدث لنا عن القبلات الثلاث أربع مسائل وعن البعدات الثلاث ~~أربع مسائل بالإبدال على التدريج والتوسط كما تقدم تمثيله. وثانيها أن ما ~~في البيت لم يتحدث الشيخ - رحمه الله - عليها ولا على إعرابها وهل تختلف ~~هذه الفتاوى مع بعض التقادير فيها أم لا؟ فأقول إن ما يصح فيها ثلاثة أوجه: ~~أن تكون زائدة، وموصولة، ونكرة موصوفة، ولا تختلف الفتاوى مع شيء من ذلك بل ~~تبقى الأحكام على حالها فالزائدة نحو قولنا قبل قبل قبله رمضان فلا يعتد ~~بها أصلا وتبقى الفتاوى كما تقدم والموصولة تقديرها قبل الذي استقر قبل ~~قبله رمضان فيكون الاستقرار العامل في قبل الذي بعد ما هو صلتها والفتاوى ~~على حالها وتقدير النكرة الموصوفة قبل شيء استقر قبل قبله رمضان فيكون ~~الاستقرار العامل في الظرف الكائن بعد ما هو صفة لها وهي نكرة مقدرة بشيء ~~فهذا تقدير ما في البيت وإعرابها. # وثالثها أن هذه القبلات والبعدات ظروف زمان ومظروفاتها الشهور هاهنا ففي ~~كل قبل أو بعد شهر هو المستقر فيه مع أن اللغة تقبل غير هذه المظروفات لأن ~~القاعدة أنا إذا قلنا قبله رمضان احتمل أن يكون شوالا فإن رمضان قبله ~~واحتمل أن يكون يوما واحدا من شوال فإن رمضان قبله فلو قال القائل: رمضان ~~قبل يوم عيد الفطر لصدق ذلك وكان حقيقة لغوية لا مجازا لكن هذه ms063 المسائل ~~بنيت على أن المظروف شهر تام بقرينة السياق ولضرورة الضمير في قبله العائد ~~على الشهر المسئول عنه فإذا كان شوالا وهو قد قال قبله رمضان تعذر أن يحمل ~~على بعض الشهر إلا على المجاز فإن بعض الشهر أو يوم الفطر وحده ليس هو ~~شوالا بل بعض شوال فيلزم المجاز لكن الفتاوى في هذا البيت مبنية على ~~الحقيقة هذا تقرير قبله الأخير الذي صحبه الضمير وأما قبل المتوسط فليس معه ~~ضمير يضطرنا إلى ذلك بل علمنا أن مظروفه شهر بالدليل العقلي لأن رمضان إذا ~~كان قبل قبل الشهر المسئول عنه وتعين أن أحد القبلين وهو الذي أضيف إلى ~~الضمير مظروفه شهر تعين أن مظروف القبل المتوسط شهر أيضا لأنه ليس بين ~~شهرين من جميع الشهور أقل من شهر يصدق عليه أنه قبل شهر وبعد شهر بل لا ~~يوجد بين شهرين عربيين إلا شهر فلذلك تعين أن مظروف هذه الظروف شهور تامة ~~وقولي عربيين احتراز من القبطية فإن أيام النسيء تتوسط بين مسرى وتوت ~~ورابعها أن قاعدة العرب أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة كقول أحد حاملي ~~الخشبة مثل طرفك فجعل طرف الخشبة طرفا له لأجل الملابسة قاله صاحب المفصل ~~وأنشد في هذا المعنى: # إذا كوكب الخرقاء لاح بسحره # فأضاف الكوكب إليها لأنها كانت تقوم لعملها عند طلوعه ونحو ذلك من ~~الإضافات ومنه قوله تعالى {ولا نكتم # PageV01P065 # شهادة الله} [المائدة: 106] أضيف الشهادة إليه بسبب ~~أنه تعالى شرعها لا لأنه شاهد ولا مشهود عليه. # وكذلك دين الله ونفخنا فيه من روحنا {ولله على الناس حج البيت} [آل ~~عمران: 97] فالإضافة في الجميع مختلفة المعاني وهي حقيقية في الجميع ~~باعتبار معنى عام وهو كما قال صاحب المفصل بأدنى ملابسة إذا تقررت هذه ~~القاعدة فهذه القبلات والبعدات المضاف بعضها إلى بعض تحتمل من حيث اللغة أن ~~يكون كل ظرف أضيف لمجاوره أو لمجاور مجاوره أو لمجاور مجاور مجاوره على رتب ~~ثلاث أو أكثر من ذلك فيكون الشهر الذي قبل رمضان هو ربيع فإن ربيعا قبل ms064 ~~رمضان بالضرورة ويومنا هذا قبل يوم القيامة بالضرورة وهو كله حقيقة غير أن ~~الظروف التي في البيت حملت على المجاور الأول لأنه الأسبق إلى الفهم مع أن ~~غيره حقيقة أيضا فهذه الملاحظة لا بد منها في هذه الفتاوى وخامسها أن تعلم ~~أنك إذا قلت قبل ما قبل قبله رمضان فالقبل الأول هو عين رمضان لأنه مستقر ~~في ذلك الظرف وكذلك بعد ما بعد بعده رمضان فالبعد الأول هو رمضان لأنه ~~مستقر فيه ومتى كان القبل الأول هو رمضان فالقبلان الكائنان بعده شهران ~~آخران يتقدمان على الشهر المسئول عنه. # وكذلك في بعد ما بعد بعده رمضان البعدان الأخيران شهران آخران يتأخران عن ~~الشهر المسئول عنه فالرتب دائما في البيت أربع الشهر المسئول عنه وثلاثة ~~ظروف لغيره هذا لا بد منه ثم ها هنا نظر آخر وهو أنا إذا قلنا: قبل ما بعد ~~بعده رمضان فهل نجعل هذه الظروف متجاورة على ما نطق بها في اللفظ فيتعين أن ~~يكون الشهر المسئول عنه هو رمضان فإن كل شيء فرض له أبعاد كثيرة متأخرة عنه ~~فهو قبل جميعها فرمضان قبل بعده وبعد بعده وجميع ما يفرض من ذلك إلى الأبد ~~فهو قبل تلك الظروف كلها الموصوفة ببعد وإن كانت غير متناهية وكذلك يصدق ~~أيضا أنه بعد قبله وقبل قبله إلى الأزل وما لا يتناهى من القبلات فيكون ~~رمضان أيضا ويبطل ما قاله الشيخ - رضي الله عنه - فإنه عين في الأول شوالا ~~وفي الثاني شعبان ومقتضى ما ذكرته لك من النظر أن يكون الشهر المسئول عنه ~~هو رمضان في المسألتين أو نقول مقتضى اللغة خلاف هذا التقرير وأن لا تكون ~~هذه الظروف المنطوق بها مرتبة على ما هي عليه في اللفظ بل قولنا ما بعد ~~بعده فبعد الأولى المتوسطة بين قبل وبعد متأخرة في المعنى وقبل المتقدمة ~~متوسطة بين البعدين منطبقة على بعد الأخيرة. # وتكون بعد الأخيرة بعد وقبل معا وليس ذلك محالا لأنه بالنسبة إلى شهرين ~~واعتبارين وتقرير ذلك أن العرب إذا قالت: غلام ms065 غلام غلامي فهؤلاء الأرقاء ~~منعكسون في المعنى فالغلام الأول المقدم ذكره هو الغلام الأخير الذي ملكه ~~عبد عبد عبدك لا أنه عبدك والغلام الأخير هو عبدك الأول الذي ملكته فملك هو ~~عبدا آخر ملك ذلك العبد الآخر العبد المقدم ذكره وكذلك إذا قلت: صاحب صاحب ~~صاحبي فالمبدوء به هو أبعد الثلاثة عنك والأقرب إليك هو الأخير والمتوسط ~~متوسط هذا هو مفهوم اللغة في هذه الإضافات على هذا الترتيب إذا عرفت هذا ~~فنقول: قولنا قبل ما بعد بعده رمضان هو شعبان وهو كما قال الشيخ - رحمه ~~الله - لأن شعبان بعده رمضان وبعد بعده شوال فقولنا قبل مجاور لبعده ~~الأخيرة لأنه لم يقل قبل بعده بل قبل بعد بعده فجعل قبل # PageV01P066 # مضافا في المعنى لبعد ومتأخرا عن بعد وهو البعد ~~الثاني فيكون رمضان قبل البعد الثاني والبعد الثاني هو شوال فالواقع قبله ~~رمضان وليس لنا شهر بعده بعدان رمضان قبل البعد الأخير إلا شعبان فإن قلت ~~فرمضان حينئذ هو قبل البعد الأخير وهو شوال باعتبار البعد الأول كما بينته ~~فيلزم أن يكون قبل وبعد وهو محال لأن القبل والبعد ضدان واجتماع الضدين في ~~الشيء الواحد محال قلت: مسلم أنهما ضدان وأنهما اجتمعا في شيء واحد وهو ~~رمضان ولكن باعتبار إضافتين فيكون رمضان قبل باعتبار شوال وبعد باعتبار ~~شعبان كما يكون المسلم صديقا للمؤمنين عدوا للكافرين فتجتمع فيه الصداقة ~~والعداوة باعتبار فريقين وذلك ممكن وليس بمحال إنما المحال لو اتحدت ~~الإضافة ولم تتحد إذا تقرر لك هذا فتيقن أن لو زدنا في لفظ بعد لفظة أخرى ~~منه فقلنا: قبل ما بعد بعد بعده رمضان تعين أن يكون الشهر المسئول عنه رجبا ~~وإن جعلنا البعدات أربعة تعين أن يكون جمادى الأخيرة أو خمسة تعين أن يكون ~~جمادى الأولى، أو ستة تعين أن يكون ربيعا الآخر. # وكذلك كلما زدت بعد انتقلت إلى شهر قبل فإن هذه الظروف شهور كما تقدم ~~تقريره فيخرج لك على هذا الضابط مسائل غير متناهية غير المسائل الثمانية ~~التي في البيت ms066 وإذا وصلت إلى أكثر من اثني عشر ظرفا فقد دارت السنة معك ~~فربما عدت إلى عين الشهر الذي كنت قلته في المسألة ولكن من سنة أخرى وكذلك ~~يكون الحال في السنين إذا كثرت فتأمل ذلك هذا كله إذا قلنا: قبل ما بعد ~~بعده رمضان فإن عكسنا وقلنا: بعد ما قبل قبله رمضان فمقتضى جعلنا الظروف ~~متجاورة على ما هي عليه في اللفظ يكون الشهر المسئول عنه رمضان فإن كل شيء ~~بعد جميع ما هو قبله وبعد قبلاته وإن كثرت والشيخ - رحمه الله - قد قال: ~~أنه شوال بناء على ما تقدم وهو أن القبل الأول متقدم على البعد الأول ~~والبعد الأول متوسط مضاف للبعد الأخير المضاف للضمير العائد على الشهر ~~المسئول عنه فنفرض شهرا وهو شوال فقبله رمضان وقبل رمضان شعبان والسائل قد ~~قال: إن رمضان بعد أحد القبلين والقبل الآخر بعده وليس لنا شهر قبله شهران ~~الثاني منهما رمضان إلا شوالا فيتعين ويكون رمضان موصوفا بأنه بعد باعتبار ~~شعبان وبأنه قبل باعتبار شوال ولا تضاد كما تقدم جوابه فإن زدنا في لفظة ~~قبل لفظة أخرى فقلنا: بعد ما قبل قبله رمضان كان الشهر المسئول عنه هو ذو ~~القعدة فإن رمضان أضيف لقبل قبل قبلين وهما شوال وذو القعدة فإن جعلنا لفظ ~~قبل أربعا كان ذا الحجة، أو خمسا كان المحرم كما تقدم تقريره في لفظ بعد، ~~غير أنك تنتقل في لفظ بعد تقدما، وفي لفظ قبل تأخرا، فإن بعد للاستقبال. # فكلما كثرت كثر الاستقبال، ورمضان هو مضاف للآخر منه فيتعين بعد الشهر ~~المسئول عنه في الماضي حتى يتأخر رمضان في الاستقبال فيضاف للبعد الأخير ~~وينتقل في لفظ قبل إذا كثر متأخرا لأن قبل للماضي ورمضان مضاف للقبل ~~المجاور له دون الشهر المسئول عنه فيكون للشهر المسئول عنه قبلات كثيرة ~~رمضان بعد الأول منها وبقية القبلات بين رمضان والشهر المسئول عنه فيتعين ~~الانتقال للاستقبال بحسب كثرة لفظات قبل وإذا قلنا بعد ما بعد بعده رمضان ~~يتعين جمادى الآخرة # PageV01P067 # لأن السائل قد ms067 نطق بثلاث بعدات غير الشهر المسئول عنه ~~فرجب البعد الأول وشعبان البعد الثاني ورمضان البعد الثالث والرابع هو ~~الشهر المسئول عنه المتقدم عليها وذلك جمادى الآخرة وإذا قلنا: قبل ما قبل ~~قبله رمضان تعين ذو الحجة لأن السائل قد نطق بثلاث من لفظ قبل فقبل ذي ~~الحجة ذو القعدة وقبل ذي القعدة شوال وقبل شوال رمضان وهو ما قاله السائل ~~وأما قبل ما بعد بعده أو بعد ما قبل قبله فقد تقدم أن كل شيء هو قبل ما هو ~~بعده وبعد ما هو قبله وإذا اتحد العين صار معنى الكلام بعده رمضان أو قبله ~~رمضان فيكون المسئول عنه شعبان في الأول وشوال في الثاني، وسادسها في تقريب ~~أجوبة المسائل اعلم أن جميع الأجوبة الثانية منحصرة في أربعة أشهر طرفان ~~وواسطة فالطرفان جمادى الأخيرة وذو الحجة والوسط شوال وشعبان، وتقريب ضبطها ~~أن جميع البيت إن كان قبل فالجواب بذي الحجة، أو بعد فالجواب جمادى ~~الأخيرة. # أو تركب من قبل وبعد فمتى وجدت في الآخر قبل بعده أو بعد قبله فالشهر ~~مجاور لرمضان، فإن كل شيء هو قبل بعده وبعد قبله، فالكلمة الأولى إن كانت ~~حينئذ قبل فهو شوال لأن المعنى قبله رمضان أو بعد فهو شعبان لأن التقدير ~~بعده رمضان هذا إن اجتمع آخر البيت قبل وبعد فإن اجتمع قبلان أو بعدان ~~وقبلهما مخالف لهما ففي البعدين شعبان وفي القبلين شوال، فشوال ثلاثة ~~وشعبان ثلاثة هذه الستة هي الواسطة المتوسطة بين جمادى وذي الحجة. ### | (فصل) # هذا تقرير البيت على هذه الطريقة من التزام الحقيقة والوزن، وأما ~~على خلافهما من التزام المجاز وعدم النظم بل يكون الكلام نثرا فتصير ~~المسائل والأجوبة سبعمائة وعشرين مسألة، وتقرير ذلك بتقديم بيت من الشعر ~~مشتمل على أربعين ألف بيت من الشعر وثلاثمائة بيت وعشرين بيتا من الشعر ~~نظمه الفقيه الإمام الفاضل المتقن العلامة زين الدين المغربي ونبه على هذا ~~المعنى فيه ولخص حساب عدده وهو قوله: # بقلبي حبيب مليح ظريف ... بديع جميل رشيق لطيف # وهو من ms068 بحر المتقارب ثمانية أجزاء كل جزء منها في كلمة يمكن أن ينطق بها ~~مكان صاحبتها فتجعل كل كلمة في ثمانية مواضع من البيت فالكلمتان الأوليان ~~يتصور منهما صورتان بالتقديم والتأخير. # ثم تأخذ الثالثة فتحدث منها مع الأوليين ستة أشكال بأن تعملها قبل ~~الأوليين وبعدهما ثم تقلبهما وتعملها قبلهما وبعدهما ثم تعملها بينهما على ~~التقديم والتأخير فتحدث الستة فيكون السر فيه أنا ضربنا الاثنين الأولين في ~~مخرج الثالث واثنان في ثلاثة بستة ثم تأخذ الرابع وتورده على هذه الستة وكل ~~واحد منها ثلاثة فيحصل من كل صورة منها أربعة بأن تعمل الرابع قبل كل ثلاثة ~~وبعد أولها وبعد ثانيها وبعد ثالثها فتصير الستة أربعة وعشرين، وكذلك تفعل ~~بالخامس والسادس إلى الثامن، ومتى حدثت صورة أضفنا إليها بقية البيت فتبقى ~~الأولى ثمانية وكذلك بقية الصور فيأتي العدد المذكور من الآلاف بيوتا تامة ~~كل بيت منها ثمانية وبيان ذلك أن تضرب أربعة وعشرين في مخرج الخامس وهو ~~خمسة تكون مائة # PageV01P068 # وعشرين تضربها في مخرج السادس وهو ستة تكون سبعمائة ~~وعشرين تضربها في مخرج السابع وهو سبعة تكون خمسة آلاف وأربعين تضربها في ~~مخرج الثامن وهو ثمانية تكون أربعين ألفا وثلاثمائة وعشرين بيتا من الشعر ~~وهو المطلوب. # (مسألة) هي فائدة حسنة أكثر الفقهاء يبحث عن ترتيب الوضوء وتنكيسه ولا ~~يعلم كم يحصل من صور الوضوء مرتبا ومنكسا والمتحصل من ذلك أربعة وعشرون ~~وضوءا مرتبا ومنكسا على سبيل الحصر من غير زيادة وتقريره بالطريق المتقدم ~~في البيت بأن تقول الوجه واليدان يتصور فيهما صورتان بالتقديم والتأخير ثم ~~تأخذ الرأس فيحدث منه مع الوجه واليدين ستة وضوآت بأن تعمل الرأس قبل الوجه ~~واليدين وبعدهما ثم تقلبهما وتعمله قبلهما وبعدهما ثم تعمل الرأس بين الوجه ~~واليدين على التقديم والتأخير فيحدث ستة وضوآت بأن تضيف لكل صورة تحدث ~~الرجلين حتى يكمل الوضوء وهو من ضرب الاثنين في مخرج الثالث واثنان في ~~ثلاثة بستة ثم تأخذ الرجلين تضمهما إلى هذه الستة وضوآت وكل واحد منها ~~ثلاثة أعضاء فتصير كل ms069 صورة منها أربعة بأن تعمل الرجلين قبل الثلاثة وبعد ~~الأول وبعد الثاني وبعد الثالث فتصير الستة أربعة وعشرين. # وذلك هو جميع ما يتصور من الوضوء وصوره في الوجود فإذا تقررت هذه الطريقة ~~من الحساب والضرب فنقول معنا في البيت ثلاثة من لفظ قبل وثلاثة من لفظ بعد ~~فنجمع بين الستة ويبطل الوزن حينئذ لطول البيت ولعدم صورة الشعر فنقول قبل ~~ما قبل قبل بعد ما بعد بعده رمضان ثم لنا أن ننوي بكل قبل وبكل بعد شهرا من ~~شهور السنة أي شهر كان من غير مجاورة ولا التفات إلى ما بينهما من عدد ~~الشهور ويكون الكلام مجازا عربيا فإن أي شهر أخذته فبينه وبين الشهر الآخر ~~الذي نسبته إليه بالقبلية أو البعدية علاقة من جهة أنه من شهور السنة معه ~~أو هو قبله من حيث الجملة أو بعده من حيث الجملة أو هو شبيه بما قبله من ~~جهة أنه شهر وغير ذلك من العلاقات المصححة للمجاز، ثم إنا نعمد إلى هذه ~~الستة فنأخذ منها اثنين فتحدث منهما صورتان ونعتبرهما شهرين من شهور السنة ~~فتظهر نسبتهما إلى رمضان ويظهر من ذلك الشهر المسئول عنه ثم نورد عليهما ~~لفظة أخرى من لفظ قبل وبعد إلى آخر السنة ومتى أفضى الأمر إلى التداخل بين ~~صورتين في شهر نوينا به شهرا آخر من شهور السنة حتى تحصل المغايرة فيحصل ~~لنا من هذه الستة ألفاظ ما يحصل لنا من ستة أجزاء من البيت وهي سبعمائة ~~وعشرون مسألة وإن زدت في لفظ القبل أو البعد كما تقدم في بسط الكلام على ~~البيت وصل الكلام إلى أربعين ألف مسألة وأكثر على حسب الزيادة فتأمل ذلك ~~فهو من طرف الفضائل والفضلاء ونوادر الأذكياء والنبهاء. # (المسألة الثانية) قال الشيخ أبو الحسن اللخمي المالكي في كتاب الظهار من ~~تبصرته إذا قال: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانا # PageV01P069 # غدا قال ابن عبد الحكم: أن كلمة اليوم حنث وغدا لا ~~يحنث لأن وقوع الطلاق بكلام غد بعد إن كانت اليوم زوجة يقتضي ms070 اجتماع العصمة ~~وعدمها فإذا كلمه اليوم اجتمع الشرط والمشروط في ظرف واحد فيمكن ترتب ~~أحدهما على الآخر وقيل: يلزمه الحنث إن كلمه غدا ويقدر تقدم الطلاق في زمن ~~عدمه فيمكن ترتب أحدهما على الآخر وقال ابن القاسم: إذا قال: إن تزوجتك ~~فأنت طالق غدا فإنه إن تزوجها قبل الغد طلقت عليه أو بعده لم تطلق لفوات ~~يوم الطلاق وفي الجواهر إذا قال: أنت طالق يوم يقدم فلان فيقدم نصف النهار ~~تطلق من أوله ولم يحك خلافا فإن كان المعلق عليه القدوم فهو تقديم الحكم ~~على شرطه أو اليوم فلا قال ابن يونس قول ابن عبد الحكم خلاف أصل مالك بل ~~يلزمه الطلاق إذا قال: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانا غدا كما تقدم قلت: ~~ومقتضى قول ابن يونس أمران: أحدهما أن المشهور اللزوم خلاف ما نقله اللخمي ~~الثاني أنها تطلق من أول النهار كما تقدم النقل في الجواهر فيتقدم الطلاق ~~على لفظ التعليق وعلى الشرط معا هذه نصوص مذهبنا في هذه المسألة. # وقال الغزالي في الوسيط له إذا قال: أنت طالق بالأمس وقال: قصدت إيقاع ~~الطلاق بالأمس لم يقع لأن حكم اللفظ لا يتقدم عليه وقيل: يقع في الحال لأن ~~وقوعه بالأمس يقتضي وقوعه في الحال فيسقط المتعذر ويثبت الحال وقيل: لا يقع ~~شيء لأن حكم اللفظ لا يتقدم عليه. # وإن قال: إن مات فلان فأنت طالق قبله بشهر إن مات قبل مضي شهر لم يقع ~~طلاق لئلا يتقدم الحكم على اللفظ أو بعد شهر فيقع الطلاق قبله بشهر وكذلك ~~إذا قال: إن قدم فلان أو دخلت الدار فأنت طالق قبله بشهر قال: وقال أبو ~~حنيفة: يلزم الطلاق في الموت دون الدخول والقدوم قال: وهو تحكم قال الشيخ ~~أبو إسحاق في المهذب إذا قال: إن قدم زيد فأنت طالق ثلاثا قبل قدومه بشهر ~~ثم خالعها ثم قدم زيد بطل الخلع لأنا تيقنا تقدم الطلاق الثلاث عليه ثم ~~إنهم أردفوا ذلك بأن قالوا إذا قال: لها إن قدم زيد فأنت طالق ms071 قبل قدومه ~~بسنة فقدم بعد ذلك بسنة أن العدة تنقضي عند حصول الشرط أو قبله ولا تعتد ~~بعد ذلك لأنا تبينا وقوع الطلاق من سنة كما لو ثبت أنه طلقها من سنة فإنها ~~لا تستأنف عدة ويقتضي قولهم أن يرجع عليها بما كان ينفقه عليها إن كان ~~الطلاق بائنا أو بما أنفقه بعد انقضاء العدة على زعمهم إن كان رجعيا مع أن ~~الأمة مجمعة على أنها زوجة مستقرة العصمة مباحة الوطء إلى حين قدوم زيد. # وهذا هو الذي صرح لي به أعيانهم ومشايخهم المعاصرون في تقرير هذه المسألة ~~قلت: والحق في هذه المسألة وقوع الطلاق متقدما على القدوم الذي جعل شرطا ~~وعلى لفظ التعليق وزمانه وقولهم حكم اللفظ لا يتقدم عليه لا يتم وقياسهم ~~على قوله أنت طالق # PageV01P070 # أمس لا يصح وبيان ذلك ببيان ثلاث قواعد:. # القاعدة الأولى أن الأسباب الشرعية: قسمان قسم قدره الله تعالى في أصل ~~شرعه وقدر له مسببا معينا فليس لأحد فيه زيادة ولا نقص كالهلال لوجوب الصوم ~~وأوقات الصلوات والعصم والأملاك في الرقيق والبهائم لوجوب النفقات وعقود ~~البياعات والهبات والصدقات لإنشاء الأملاك وغير ذلك من الأسباب والمسببات. ~~وقسم وكله الله تعالى لخيرة المكلفين. # فإن شاءوا جعلوه سببا وإن شاءوا لم يجعلوه سببا وحصر جعلهم لذلك في طريق ~~واحد وهو التعليق كدخول الدار وقدوم زيد لم يجعل الله ذلك سببا لطلاق امرأة ~~أحد ولا لعتق عبده والمكلف جعل ذلك سببا للطلاق والعتق بالتعليق عليه خاصة ~~فلو قال: جعلته سببا من غير تعليق لم ينفذ ذلك ولم يعتبر فهذا القسم خير ~~الله تعالى فيه وفي مسببه أي شيء شاء المكلف جعله من طلاق أو عتق كثيرا أو ~~قليلا قريب الزمان أو بعيده بخلاف الأول. القاعدة الثانية المقدرات لا ~~تنافي المحققات بل يجتمعان ويثبت مع كل واحد منهما لوازمه وأحكامه ويشهد ~~لذلك مسائل: أحدها أن الأمة إذا اشتراها شراء صحيحا أبيح وطؤها بالإجماع ~~إلى حين الاطلاع على العيب والرد به. # وإن قلنا: الرد بالعيب نقض للعقد من أصله ms072 ارتفعت الإباحة المترتبة عليه ~~مع أنها واقعة بالإجماع وكذلك العقد واقع أيضا ورفع الواقع محال عقلا ~~والمحال عقلا لا يرد الشرع بوقوعه فيتعين أن يكون معنى هذا الارتفاع تقديرا ~~لا تحقيقا لأن قاعدة التقادير الشرعية إعطاء الموجود حكم المعدوم أو ~~المعدوم حكم الموجود فيحكم صاحب الشرع بأن العقد الموجود والإباحة المترتبة ~~عليه وجميع آثاره في حكم العدم وإن كانت موجودة ولا تنافي بين ثبوت الشيء ~~حقيقة وعدمه حكما كقربات الكفار والمرتدين موجودة حقيقة ومعدومة حكما ~~والنية في الصلاة إلى آخرها موجودة حكما ومعدومة حقيقة عكس الأول وكذلك ~~الإيمان والإخلاص وغيرهما يحكم بوجودهما وإن عدما عدما حقيقيا وقد بسطت ذلك ~~في كتاب الأمنية في إدراك أحكام النية فظهر أن المقدرات لا تنافي المحققات. # PageV01P071 # وثانيها أنه إذا قال له أعتق عبدك عني فأعتقه فإنا ~~نقدر دخوله في ملكه قبل عتقه بالزمن الفرد تحقيقا للعتق عنه وثبوت الولاء ~~له مع أن الواقع عدم ملكه له إلى كمال العتق ولم يقل أحد إنا تبينا أنه كان ~~يملكه قبل العتق. وثالثها دية الخطأ تورث عن المقتول ومن ضرورة الإرث ثبوت ~~الملك في الموروث للموروث المقتول فيقدر ملكه للدية قبل موته بالزمن الفرد ~~ليصح الإرث ونحن نقطع بعدم ملكه للدية حال حياته فقد اجتمع الملك المقدر ~~وعدمه المحقق ولم يتنافيا ولا نقول إنا بينا تقدم الملك للدية قبل الموت ~~ورابعها أن صوم التطوع يصح عندهم بنية من الزوال وتنعطف هذه النية تقديرا ~~إلى الفجر مع أن الواقع عدم النية ولا يقال: تبينا أنه كان نوى قبل الفجر ~~لأن الفرض خلافه ونظائر ذلك كثيرة مذكورة في كتاب الأمنية فظهر أن المقدرات ~~لا تنافي المحققات. # (القاعدة الثالثة) أن الحكم كما يجب تأخره عن سببه يجب تأخره عن شرطه ومن ~~فرق بينهما فقد خالف الإجماع فلفظ التعليق هو سبب مسببه ارتباط الطلاق ~~بقدوم زيد فالقدوم هو السبب المباشر للطلاق واللفظ هو سبب السبب وعلى هذا ~~يكون أضعف من السبب المباشر فإذا جوزوا تقديمه على السبب القوي فليجز على ~~السبب ms073 الضعيف بطريق الأولى وإن جعلوا القدوم شرطا امتنع التقدم أيضا. # PageV01P072 # إذا تقررت هذه القواعد فنقول: ليس في تقديم الطلاق ~~على زمن اللفظ وزمن القدوم تقديم للمسبب على السبب ولا المشروط على الشرط ~~لأن عند وجود الشرط الذي هو القدوم مثلا يترتب عليه مشروطه بوصف الانعطاف ~~على الأزمنة التي قبله على حسب ما علقه فهذا الانعطاف متأخر عن الشرط ولفظ ~~التعليق كما أن انعطاف النية عندهم على النصف الأول من النهار إذا وقعت نصف ~~النهار متأخر عن إيقاعها فالانعطاف على الزمان الماضي متأخر عن الشرط وسببه ~~ولا يقال في المنعطفات إنا تبينا تقدم الطلاق حقيقة في الماضي بل لم يكشف ~~الغيب عن طلاق حقيقي في الماضي ألبتة وإنما يحسن ذلك حيث نجهل أمرا حقيقيا ~~ثم نعلمه كما حكمنا بوجوب النفقة بناء على ظهور الحمل ثم ظهر أنه نفخ أو ~~حكمنا بوفاة المفقود ثم علمنا حياته ونحو ذلك أما الانعطافات فليست من هذا ~~القبيل بل نجزم بعد الانعطاف بعدم المنعطف حقيقة في الزمن الذي انعطف فيه ~~وإنما هو ثابت فيه تقريرا وبهذا التقرير يظهر أن العدة من يوم القدوم لأنه ~~يوم لزوم الطلاق وتحريم الفرج أما قبل ذلك فالإباحة بالإجماع والعدة التي ~~أجمعنا عليها هي التي تتبع المحقق لا المقدر. # PageV01P073 # ومن الأمور الصعبة التي ألزموها أن الوطء الواقع قبل ~~الانعطاف وطء شبهة لا إباحة محققة ووجود السبب المبيح السالم عن معارضة ~~الطلاق يأبى ذلك فإن قالوا: تقدير الطلاق يمنع ثبوت الزوجية للإباحة قلنا: ~~المقدرات لا تنافي المحققات والتقدير لا ينافي العقد ولا يعارضه في اقتضائه ~~الإباحة فظهر أنه لم يتقدم على الشرط ولا على اللفظ وكيف ينكرون ذلك وهم ~~يقولون: الرد بالعيب نقض للعقل من أصله مع أن الرد بالعيب سبب للنقض وقد ~~تقدم قبله على سبيل الانعطاف وإذا عقلوا ذلك في مواطن فليعقلوها في البقية ~~وأما قياسهم على قوله: أنت طالق منذ شهر فالفرق أن الأسباب الموضوعة في أصل ~~الشرع استقل صاحب الشرع بمسبباتها ولم يجعل فيها انعطافات بل كل سبب ms074 يترتب ~~عليه مسببه بعده والتعاليق موكولة لخيرة المكلف ومقتضى التفويض لخيرة ~~المكلف أن له أن يجعل فيها الانعطاف فلا يلزم من التزام الانعطاف حيث خير ~~المكلف أن يلزمه حيث الحجر عليه فلو قال له: بعتك من شهر لم يتقدم الملك ~~شهرا وكذلك بقية الأسباب كما تقدم تقريره في القواعد ولا يلزم من مخالفة ~~اللفظ حيث الحجر أن لا يجري اللفظ على ظاهره ويعمل بمقتضاه حيث عدم المعارض ~~فما ذكرناه أرجح بالأصل ثم إنهم نقضوا أصلهم في المسألة نفسها بتقديمه على ~~القدوم وهو سبب أو شرط للطلاق بل هو السبب القريب واللفظ هو السبب البعيد ~~والجرأة على البعيد أولى. # (المسألة الثالثة) مسألة الدور قال أصحابنا إذا قال: إن وقع عليك طلاقي ~~فأنت طالق قبله ثلاثا فطلقها لزمه الثلاث أي عدد طلقه منجزا كملنا عليه ~~الثلاث وقال الغزالي في الوسيط: لا يلزمه شيء عند ابن الحداد لأنه لو وقع ~~لوقع مشروطه وهو تقدم الثلاث ولو وقع مشروطه لمنع وقوعه لأن الثلاث تمنع ما ~~بعدها فيؤدي إثباته إلى نفيه فلا يقع وقال أبو زيد: يقع المنجز ولا يقع ~~المعلق لأنه علق محالا وقيل: يقع في المدخول بها الثلاث أي شيء نجزه تنجز ~~وكمل من المعلق قال: ومن صور الدور أن يقول: إن طلقتك طلقة أملك بها الرجعة ~~فأنت طالق قبلها طلقتين وإن وطئتك وطئا مباحا فأنت طالق قبله # PageV01P074 # ثلاثا وإن أبنتك أو ظاهرت منك أو فسخت نكاحك أو ~~راجعتك فأنت طالق قبله ثلاثا أو يقول لأمته إن تزوجتك فأنت حرة قبله لأنه ~~يخاف أن يعتقها فلا يتزوج بها ولا تجبر على ذلك فتعلق الحرية على العقد مع ~~أن العقد متوقف على الحرية فعلى تصحيح الدور تنحسم هذه التصرفات ويمتنع ~~وقوعها في الوجود. والمقصود من المسائل المسألة الأولى فنقول: البحث فيها ~~مبني على قواعد ثلاث # (القاعدة الأولى:) أن من شرط الشرط إمكان اجتماعه مع المشروط لأن حكمة ~~السبب في ذاته وحكمة الشرط في غيره فإذا لم يمكن اجتماعه معه لا تحصل فيه ~~حكمته. # القاعدة ms075 الثانية: أن اللفظ إذا دار بين المعهود في الشرع وبين غيره حمل ~~على المعهود في الشرع لأنه الظاهر كما لو قال: إن صليت فأنت طالق فإنا ~~نحمله على الصلاة الشرعية دون الدعاء وكذلك نظائره. القاعدة الثالثة: من ~~القواعد أن من تصرف فيما يملك وفيما لا يملك نفذ تصرفه فيما يملك دون ما لا ~~يملك إذا تقررت هذه القواعد فنقول: قوله إن طلقتك إما أن يحمل على اللفظ أو ~~على المعنى الذي هو التحريم فإن حمل على اللفظ فهو خلاف الظاهر والمعهود في ~~الشرع وهو مخالف للقاعدة الثانية وإن حمل على التحريم وأبقينا التعليق على ~~صورته تعذر اجتماع الشرط مع مشروطه فيلزم مخالفة القاعدة الأولى فيسقط من ~~الثلاثة المتقدمة التي هي المشروط ما به وقع التباين فإن أوقع واحدة أسقطنا ~~واحدة لأن اثنتين تجتمعن مع واحدة أو أوقع اثنتين أسقطنا اثنتين لأن واحدة ~~تجتمع مع اثنتين فإذا أسقطنا المنافي وجب أن يلزمه الباقي فتكمل الثلاث فمن ~~قال لامرأته وامرأة جاره: أنتما طالقتان تطلق امرأته وحده أو عبده وعبد زيد ~~حران يعتق عبده وحده فينفذ تصرفه في جميع ما يملكه مما يتناوله لفظه كذلك ~~ها هنا الذي ينافي به الشرط لا يملكه شرعا للقاعدة الأولى فسقط كامرأة ~~الغير وعبده وينفذ تصرفه فيما يملكه مما تناوله لفظه فيلزمه جميع الباقي ~~بعد إسقاط المنافي فيلزمه الثلاث للقاعدة الثالثة وعلى رأي ابن الحداد ~~فتلزمه مخالفة إحدى هذه الثلاث قواعد. # وهذه المسألة هي المعروفة بالسريجية ويحسبها بعضهم إجماعا فإنها قال بها: ~~ثلاثة عشر من أصحاب الشافعي وهو ساقط لأن ثلاثة عشر غير منعقد بهم بالنسبة ~~إلى عدد من قال بخلافهم لأنهم مئون بل آلاف وكان الشيخ عز الدين بن عبد ~~السلام - رحمه الله - يقول: هذه المسألة لا يصح التقليد فيها والتقليد فيها ~~فسوق لأن القاعدة أن قضاء القاضي ينقض إذا خالف أحد أربعة أشياء: الإجماع ~~أو القواعد أو النصوص أو القياس الجلي وما لا نقره شرعا إذا تأكد بقضاء ~~القاضي أولى بأن لا نقره شرعا إذا ms076 لم يتأكد وإذا لم نقره شرعا حرم التقليد ~~فيه لأن التقليد في غير شرع ضلال وهذه المسألة على خلاف ما تقدم من القواعد ~~فلا يصح التقليد فيها وهذا بيان حسن ظاهر وبه يظهر الحكم في بقية مسائل ~~الدور التي هي من هذا الجنس. # (المسألة الرابعة) قال الغزالي في الوسيط: إذا قال إن حلفت بطلاقك فأنت ~~طالق ثم قال: إن دخلت الدار # PageV01P075 # فأنت طالق طلقت في الحال لأن تعليقه على الدخول حلف ~~بخلاف إذا طلعت الشمس لم يكن هذا حلفا لأن الحلف ما يتصور فيه منع واستحثاث ~~قلت كما قال - عليه الصلاة والسلام - «الطلاق والعتاق من أيمان الفساق» ونص ~~العلماء على أن تعليق الطلاق منهي عنه ولم يفصلوا ومقتضى ذلك أن يحنث في ~~الحالين. # (المسألة الخامسة) قال الشافعي في المهذب وغيره: إذا قال: إن بدأتك ~~بالكلام فأنت طالق وقالت هي: إن بدأتك بالكلام فعبدي حر فكلمها وكلمته لم ~~تطلق ولم يعتق العبد لأن يمينه انحلت بيمينها ويمينها انحلت بكلامه فلم ~~تبدأ هي ولا هو بكلام. # (المسألة السادسة) في التهذيب لمالك - رحمه الله - أنت طالق إن شاء الله ~~يلزمه الطلاق الآن بخلاف إن شاء هذا الحجر ونحوه وسوى أبو حنيفة والشافعي ~~في عدم اللزوم وقال سحنون: يلزمه في الحجر ونحوه لأنه يعد نادما أو هازلا ~~وهذه المسألة مبنية على أربع قواعد: # (القاعدة الأولى) كل من له عرف يحمل كلامه على عرفه كقوله - عليه السلام ~~- «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» يحمل على الصلاة في عرفه - عليه السلام - ~~دون الدعاء وكذلك قوله - عليه السلام - «من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف» ~~يحمل على الحلف الشرعي وهو الحلف بالله تعالى لأن الحلف بالطلاق والعتاق ~~جعلهما - عليه السلام - من أيمان الفساق فلا يحمل الحديث المتقدم عليها. # (القاعدة الثانية) كما شرع الله تعالى الأحكام شرع مبطلاتها ودوافعها ~~فشرع الإسلام وعقد الذمة سببين لعصمة الدماء والردة والحرابة وزنى المحصن ~~وحرابة الذمي روافع والسبي سبب الملك والعتق رافع له ولا يلزم من شرعه رافع ~~لحكم سبب أن يرفع ms077 حكم غيره فالاستثناء بالمشيئة شرعه رافعا لحكم اليمين ~~لقوله - عليه السلام - عاد كمن لم يحلف فلا يلزم أن يكون رافعا لحكم العتق ~~والتعليق كما أن التطليق رافع لحكم النكاح ولا يرفع حكم اليمين وكذلك سائر ~~الروافع وليس إطلاق لفظ اليمين على البابين بالتواطؤ حتى يعم الحكم بل ~~بالاشتراك أو المجاز في التعليق بالطلاق وغيره والذي يسمى يمينا # PageV01P076 # حقيقة إنما هو القسم ولو أقسم بالطلاق ونحوه لم يلزمه ~~شيء وإذا كان البابان مختلفين لا يعم الحكم. # (القاعدة الثالثة) مشيئة الله تعالى واجبة النفوذ فلذلك كل عدم ممكن يعلم ~~وقوعه نعلم أن الله تعالى أراده وكل وجود ممكن يعلم وقوعه نعلم أن الله ~~تعالى أراده فتكون مشيئة الله تعالى معلومة قطعا وأما مشيئة غيره فلا تعلم ~~غايته أن يخبرنا وخبره إنما يفيد الظن فظهر بطلان ما يروى عن مالك وجماعة ~~من العلماء من أنه علق الطلاق على مشيئة من لم تعلم مشيئته بخلاف التعليق ~~على مشيئة البشر ويجعل ذلك سبب عدم لزوم الطلاق والأمر بالعكس. # (القاعدة الرابعة) الشرط وجوابه لا يتعلقان إلا بمعدوم مستقبل فإذا قال: ~~إن دخلت الدار فأنت طالق يحمل على دخول مستقبل وطلاق لم يقع قبل التعليق ~~إجماعا والمشيئة قد جعلت شرطا ولا بد لها من مفعول والتقدير إن شاء الله ~~طلاقك فأنت طالق فمفعولها إما أن يكون الطلاق الذي صدر منه في الحال أو ~~طلاقا في المستقبل فإن كان الأول فنحن نقطع أن الله تعالى أراده في الأزل ~~فقد تحقق الشرط في الأزل وهذه الشروط أسباب يلزم من وجودها الوجود فيلزم أن ~~تطلق في أول أزمنة الإمكان وقبول المحل عند أول النكاح ولم يقل به أحد. # PageV01P077 # وإن كان المفعول طلاقا مستقبلا فيكون التقدير إن شاء ~~الله طلاقك في المستقبل فأنت طالق فالمشروط لهذا الشرط يلزم أن يكون ~~مستقبلا لأن المرتب على المستقبل مستقبل فلا تطلق في الحال وإن كان المعنى ~~إن شاء الله طلاقك في المستقبل بعد هذا الطلاق الملفوظ به الآن فلا ينفذ ~~طلاق حتى يلفظ بالطلاق ms078 مرة أخرى فينفذ هذا وعلى التقديرين لا تطلق الآن فإن ~~قلت: هذا لازم في مشيئة زيد إذا لم يحصل بلفظ في المستقبل لا ينفذ هذا قلت: ~~الفرق أن مشيئة الله تعالى مؤثرة في حدوث مفعولها فإذا لم يحدث لفظ الطلاق ~~انقطع بعدم مشيئة الله تعالى ومشيئة زيد غير مؤثرة بل هي كدخول الدار فكما ~~إذا تجدد دخول الدار نفذ الطلاق كذلك إذا تجددت مشيئة زيد فإن قلت: لم لا ~~يجوز أن يكون مفعول المشيئة نفوذ هذا الطلاق لا لفظا آخر يحدث في المستقبل؟ ~~قلت: يجوز ذلك من حيث اللغة وهو مفعول صحيح غير أنه يلزم من ذلك لزوم ~~الطلاق ونفوذه أول أزمنة الإمكان من أول النكاح ولم يقله أحد فإن الله ~~تعالى شرع الأسباب ليرتب عليها مسبباتها فمن باع # PageV01P078 # وقال: إن شاء الله نفوذ هذا البيع نفذ قلنا له: قد ~~شاء الله ذلك في الأزل وينفذ البيع إجماعا فكذلك ها هنا وقال القاضي عبد ~~الوهاب: هذه المسألة مخرجة على استثناء الكل من الكل بجامع أنه مبطل على ~~رأي الشافعي فيلغو الجميع والفرق أن الشرط لم يتعين العبث فيه واللغو لأن ~~التعليق على الممتنع من غرض العقلاء وإن بطلت جملة المشروط قال الله تعالى ~~{ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] قلت: أما ~~استثناء الكل من الكل فعبث فظهر بهذه القواعد وبهذا التقدير أن الحق في هذه ~~المسألة عدم لزوم الطلاق في الحال لا بسبب ما قاله الشافعي أن الاستثناء ~~رافع لليمين بل لما ذكرناه من مقتضى هذا التعليق وتفاصيله. # (المسألة السابعة) قال مالك في التهذيب: إذا قال: إن فعلت كذا فعلي ~~الطلاق إن شاء الله لا ينفعه الاستثناء قال ابن يونس: قال عبد الملك: إن ~~أعاده على الفعل دون الطلاق نفعه وأنت طالق إلا أن يبدو لي لا ينفعه ~~الاستثناء وأنت طالق إن فعلت كذا إلا أن يبدو لي فذلك له إن أراد الفعل ~~خاصة وفي الجلاب إن كلمت زيدا فعلي المشي إلى بيت الله إن شاء ms079 الله لا ~~ينفعه الاستثناء إن أعاده على الحج وإن أعاده على كلام زيد نفعه قلت: اعلم ~~أن هذه المواضع لا يدرك حقيقتها إلا الفحول من العلماء أو من يفتح الله ~~عليه من نفس فضله وسعة رحمته ما شاء وما الفرق بين إعادة الإرادة القديمة ~~والحادثة على الفعل أو غيره وها أنا أكشف لك عن السر في هذه المسائل ببيان ~~قاعدة وهي أن الله تعالى شرع بعض أسباب الأحكام في أصل الشريعة ولم يكله ~~إلى مكلف كالزوال ورؤية الهلال والإتلاف للضمان ومنها ما وكله لخيرة خلقه ~~فإن شاءوا جعلوه سببا وإلا فلا يكون سببا وهي التعليقات كلها فدخول الدار ~~ليس سببا لطلاق امرأة أحد ولا لعتق عبده في أصل الشرع إلا أن يريد المكلف ~~ذلك فيجعله سببا بالتعليق عليه وكل ما وكل للمكلف سببيته لا يكون سببا إلا ~~بجعله وجزمه بذلك الجعل. # إذا تقررت هذه القاعدة فنقول: قول # PageV01P079 # عبد الملك إن أعاده على الفعل نفعه معناه إن أراد أن ~~ذلك الفعل المعلق عليه لم أجزم بجعله سببا للطلاق بل فوضت وجعلت سببيته إلى ~~مشيئة الله تعالى إن شاء جعله سببا وإلا فلا وعلى هذا التقدير لا يكون ~~الفعل سببا فلا يلزم به شيء إجماعا ولا يكون هذا خلافا لمالك وابن القاسم ~~مع أن صاحب المقدمات أبا الوليد بن رشد حكاه خلافا وقال: الحق عدم اللزوم ~~قياسا على اليمين بالله تعالى إذا أعاد الاستثناء على الفعل وهذا يشعر بأن ~~ابن القاسم يوافق في اليمين بالله تعالى ويخالف في الطلاق فيكون هذا إشكالا ~~آخر أما إذا حمل قول عبد الملك على ما ذكرته فلا إشكال ويصير المدرك مجمعا ~~عليه وإلا فلا تعقل المسألة ألبتة ولا يصير لها حقيقة. # PageV01P080 # وقوله أنت طالق إلا أن يبدو لي لا ينفعه لأن الطلاق ~~جعله الله تعالى سببا لقطع العصمة في أصل الشرع فقد زالت العصمة بتحققه كره ~~المكلف أو أحب فمشيئته لغو وإذا علق الطلاق على فعل وأعاد قوله إلا أن يبدو ~~لي عليه خاصة ومعناه أني ms080 لم أصمم على جعل الفعل سببا بل الأمر موقوف على ~~إرادة تحدث في المستقبل فذلك ينفعه لما تقدم أن كل سبب موكول إلى إرادته لا ~~يكون إلا بتصميمه على مشيئته وإرادته لذلك وكذلك قول صاحب الجلاب إن أعاد ~~الاستثناء على كلام زيد نفعه وعلى الحج لم ينفعه معناه أني لم أجزم بجعل ~~كلام زيد سببا للزوم الحج بل ذلك موكول لمشيئة الله تعالى فلا يكون سببا ~~فلا يلزم الحج بكلامه فإذا أعاده على الحج فقد جزم بسببية كلام زيد فترتب ~~عليه مسببه والاستثناء لا يكون رافعا كما تقدم فهذا سر هذه المسائل وهو من ~~نفائس العلم فافهمه. # (المسألة الثامنة) في الجواهر أنت طالق إن كلمت زيدا إن دخلت الدار وهو ~~تعليق التعليق فإن كلمت زيدا أولا تعلق طلاقها بالدخول لأنه شرط في اعتبار ~~الشرط الأول قال الشيخ أبو إسحاق في المهذب: هذا يسميه أهل النحو اعتراض ~~الشرط على الشرط فإن دخلت الدار ثم كلمت زيدا طلقت وإن كلمت زيدا أولا ثم ~~دخلت الدار لم تطلق لأنه جعل دخول الدار شرطا في كلام زيد فوجب تقديمه عليه ~~وإن قال: إن أعطيتك إن وعدتك إن سألتني فأنت طالق لم تطلق حتى يوجد السؤال ~~ثم الوعد ثم العطاء لأنه شرط في الوعد بالعطية وشرط في العطية السؤال وكان ~~معناه إن سألتني فوعدتك فأعطيتك فأنت طالق ووافقه الغزالي على ذلك في ~~الوسيط ولم يحكيا خلافا وذكر إمام الحرمين المسألة في النهاية واختار ~~مذهبنا وأن التعليق مع عدم الواو يكون كالعطف بالواو وضابط مذهب الشافعي أن ~~الشروط إن وقعت كما نطق بها لم تطلق وإن عكسها المتقدم متأخر والمتأخر ~~متقدم طلقت ولم أر هذا لأصحابنا بل ما تقدم وفي المسألة غور بعيد مبني على ~~قاعدتين يظهر منهما مذهب الشافعي فنذكرهما ونذكر ما وقع في القرآن الكريم ~~من ذلك وفي كلام العرب ليتضح الحق في هذه المسألة فهي من أطاريف المسائل: ~~القاعدة الأولى من الشروط اللغوية # PageV01P081 # أسباب يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم فإن ~~قوله ms081 إن دخلت الدار فأنت طالق يلزم من دخولها الدار الطلاق ومن عدم دخولها ~~عدم الطلاق وهذا هو حقيقة السبب كما تقدم بيانه بخلاف الشروط العقلية ~~كالحياة مع العلم. # والشرعية كالطهارة مع الصلاة والعادية كنصب السلم مع صعود السطح لا يلزم ~~من وجودها شيء ويلزم من عدمها العدم فالحي قد يعلم وقد لا يعلم والمتطهر قد ~~تصح صلاته وقد لا تصح وإذا نصب السلم فقد يصعد للسطح وقد لا يصعد نعم يلزم ~~من عدم هذه الشروط عدم هذه المشروطات. # وإذا تقرر أن الشروط اللغوية أسباب فنقول: القاعدة الثانية أن تقدم ~~المسبب على سببه لا يعتبر كالصلاة قبل الزوال وإذا تقررت القاعدتان فنقول: ~~إذا قال إن كلمت زيدا إن دخلت الدار معناه عند الشافعية أني جعلت كلام زيد ~~سبب طلاقك وشرطه اللغوي غير أني قد جعلت سبب اعتباره والشرط فيه دخول الدار ~~فإن وقع الكلام أولا فلا تطلق به لأنه وقع قبل سبب اعتباره فيلغى كالصلاة ~~قبل الزوال فلا بد من إيقاعه بعد دخول الدار حتى يقع بعد سببه فيعتبر ~~كالصلاة بعد الزوال هذا مدركهم وهو مدرك حسن وأصحابنا وإمام الحرمين يلاحظ ~~أنا أجمعنا على أن المعطوف بالواو يستوي الحال فيه تقدم أو تأخر وكذلك عند ~~عدمه لأن الإنسان قد يعطف الكلام بعضه على بعض من غير حرف عطف ويكون في ~~معنى حرف العطف كقولنا جاء زيد جاء عمرو وسيأتي في الاستشهاد ما يعضد ذلك. # فهذا سر فقه الفريقين وأما ما يشهد لهم من القرآن الكريم فقوله تعالى في ~~سورة هود {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ~~هو ربكم وإليه ترجعون} [هود: 34] فإرادة الله تعالى متقدمة على إرادة البشر ~~من الأنبياء وغيرهم فالمتقدم لفظا متأخر وقوعا ولا يمكن خلاف ذلك فهذه ~~الآية تشهد لمذهب الشافعي - رضي الله عنه - وقوله تعالى {وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها} [الأحزاب: 50] فالظاهر أن ~~إرادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متأخرة عن هبتها ms082 فإنها تجري مجرى ~~القبول في العقود وهبتها لنفسها إيجاب كما تقول: من وهبك شيئا للمكافأة ~~لزمك أن تكافئه عليه إن أردت قبول تلك الهبة ويحتمل أن تكون إرادة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - متقدمة وإذا فهمت المرأة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقصد ذلك منها وهبت نفسها له فهذه الآية محتملة للمذهبين ~~وهي ظاهرة في مذهب مالك وإمام الحرمين وأما الشعر فقول ابن دريد: # فإن عثرت بعدها إن والت ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا # PageV01P082 # ومعلوم أن العثور مرة ثانية إنما يكون بعد الخلوص من ~~الأولى فالمتقدم لفظا متأخر وقوعا كما قاله الشافعية وكذلك أنشد ابن مالك ~~النحوي في هذا الباب: # إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عز زانها كرم # والاستغاثة إنما تكون بعد الذعر فالمتقدم لفظا متأخر معنى فالبيتان ~~يشهدان للشافعية. # ولو قال القائل: إن تتجر إن تربح في تجارتك فتصدق بدينار لكان كلاما ~~عربيا مع أن المتقدم في اللفظ متقدم في الوقوع وكذلك إن طلقت المرأة إن ~~انقضت عدتها حل لها الزواج فالمتقدم لفظا متقدم في الوقوع ولما كانت المواد ~~تختلف في ذلك والجميع كلام عربي جعله مالك سواء لأن الأصل عدم سببية الثاني ~~في الأول بل الثاني لا بد منه في وقوع ذلك المشروط تقدم أو تأخر. # (فائدة) قال ابن مالك في شرح مقدمته لما ذكر هذه المادة وهي اعتراض الشرط ~~على الشرط قال: الشرط الثاني لا جواب له وإنما الجواب للأول خاصة والثاني ~~جرى مع الأول مجرى الفضلة والتتمة كالحال وغيرها من الفضلات وصدق - رحمه ~~الله - فإن هذا الشرط الثاني إنما اعتباره في الأول لا في الطلاق الذي جعل ~~مشروطا فذكر الشرط الأول سد مسد جوابه. # (فائدة) فإن نسق هذا النسق عشرة شروط فأكثر فعلى رأي الشافعية لا بد أن ~~ينعكس هذا العدد كله على ترتيبه كما تقدم في السؤال والوعد والعطية لأن ~~العاشر سبب في التاسع فيقع قبله والتاسع سبب في الثامن فيقع قبله والثامن ~~سبب في السابع فيقع قبله ms083 وكذلك البقية فلا بد أن يكون وقوعها هكذا العاشر ~~ثم التاسع ثم الثامن ثم السابع ثم السادس ثم الخامس إلى الأول فيقع آخرا ~~ومتى اختل ذلك في الوقوع اختل المشروط وعلى رأي المالكية لا بد من وقوع ~~الجميع كيفما وقعت يقع. # (تفريع) أذكر فيه المعطوفات من الشروط فإن قال: إن أكلت وإن لبست فأنت ~~طالق فلا ترتيب بين هذين الشرطين باتفاق الفرق بل أيهما وقع قبل صاحبه ~~اعتبر ولا بد من وقوع الآخر بعده فإنهما معا جعلا شرطين في الطلاق ولم يجعل ~~أحدهما شرطا في الآخر. # والجواب لهما معا بخلاف القسم الأول الجواب للأول فقط # PageV01P083 # فإن قال: إن أكلت فلبست فأنت طالق تعين أن يكون ~~المتأخر متأخرا والمتقدم متقدما عكس المنسوق بغير حرف العطف وهو كقوله ~~تعالى {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ~~[النساء: 25] فالزنى منهن متأخر كما هو في اللفظ وكذلك إن أكلت ثم لبست وإن ~~أكلت حتى إن لبست يقتضي اللفظ تأخير اللبس مع تكرر الأكل قبله لأن القاعدة ~~أن المغيا لا بد أن يثبت قبل الغاية ويتكرر إليها وإن أكلت بل إن لبست فأنت ~~طالق لا يلزمه الطلاق إلا باللبس وقد ألغي الأكل بالإضراب عنه ببل والشرط ~~الثاني وحده وإن لم تأكلي لكن إن لبست فأنت طالق فالشرط الثاني وحده وقد ~~ألغي الأول بلكن لأنها للاستدراك وإن أكلت لا إن لبست فأنت طالق فالشرط ~~الأول وحده ولا تطلق إلا به لأن لا لإبطال الثاني وإن أكلت أو لبست فأنت ~~طالق فالشرط أحدهما لا بعينه فأيهما وقع لزم به الطلاق وكذلك أنت طالق أما ~~إن أكلت وأما إن شربت أي تعليق طلاقه متنوع بهذين النوعين فيلزم الطلاق ~~بأحدهما ولم يبق من حروف العطف إلا أم وهي متعذرة في هذا الباب لأنها ~~للاستفهام والمستفهم غير جازم بشيء والمعلق لا بد أن يكون جازما فالجمع ~~بينهما محال وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق في المهذب هذه الفروع بالواو والفاء ~~وثم وصرح في الواو بأنها تطلق ms084 بكل واحد منهما طلقة قال: لأن حروف الشرط قد ~~تكرر فوجب لكل واحد منهما جزاء فتطلق بكل واحد منهما طلقة وما قاله غير ~~لازم بل يكون حرف العطف يقتضي مشاركة الثاني للأول في أنه شرط في هذا ~~الجزاء والتشريك بالعاطف إنما يقتضي أصل المعنى دون متعلقاته وظروفه ~~وأحواله فإذا قلت: مررت بزيد قائما وعمرو لم يلزم أنك مررت بعمرو قائما ~~أيضا كذلك نص عليه النحاة وكذلك مررت بزيد يوم الجمعة أو أمامك وعمرو. # PageV01P084 # لا يلزم التشريك إلا في أصل المرور فقط وكذلك اشتريت ~~هذا الثوب بدرهم والفرس لا يلزم الاشتراك في الدرهم لأنه متعلق بل في أصل ~~الفعل خاصة ومقتضى هذه القاعدة أن التشريك إنما يلزم في هذه المسألة في أصل ~~الشرطية دون ما بعده من الجزاء فالتزام التشريك في الجميع التزام ما لم ~~يلزم وبقي في الفاء وثم مراعاة التعقيب في الفاء والتراخي في ثم لم أرهم ~~تعرضوا له وقالوا: إن لم يقع الثاني عقيب الأول في صورة الفاء لم يقع طلاق ~~ولا إن لم يتراخ الثاني عن الأول في صورة ثم لم يقع طلاق وذلك هو مقتضى ~~اللغة غير أنهم قد يكونون لم يعتبروا ذلك لأن العادة ألغته وأمر الأيمان ~~مبني على العوائد. # (الفرق الرابع بين قاعدتي إن ولو الشرطيتين) أن إن لا تتعلق إلا بمعدوم ~~مستقبل ولو تتعلق بالماضي تقول إن دخلت الدار فأنت طالق فلا تريد دخولا ~~تقدم بل مستقبلا ولا طلاقا تقدم بل مستقبلا وإن وقع خلاف ذلك أول وتقول في ~~لو: لو جئتني أمس أكرمتك اليوم ولو جئتني أمس أكرمتك أمس فالمعلق والمعلق ~~عليه ماضيان وذلك متعذر في إن بل إذا وقع في شرطها أو جوابها فعل ماض كان ~~مجازا مؤولا بالمستقبل نحو إن جاء زيد أكرمته فهذان الفعلان الماضيان ~~مؤولان بمستقبل تقديره إن يجئ زيد أكرمه ثم أطرز الفرق بأربع عشرة مسألة ~~غريبة جليلة. # PageV01P085 # المسألة الأولى قال الله تعالى حكاية عن عيسى - عليه ~~السلام -: {إن كنت قلته فقد علمته} [المائدة: 116] فجعل الشرط وجزاءه ms085 ~~ماضيين. # والجواب عنه من وجهين: أحدهما أنه قد قال بعض المفسرين: إن ذلك وقع منه ~~في الدنيا وأن سؤال الله تعالى له قبل أن يدعي ذلك عليه فيكون التقدير إن ~~أكن أقله فأنت تعلمه فهما مستقبلان لا ماضيان وقيل: سؤال الله تعالى له ~~يكون يوم القيامة وهذا القول هو المشهور فيكونان مستقبلين لا ماضيين قال ~~ابن السراج: يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين تقديرهما أن يثبت في المستقبل ~~أني قلته في الماضي يثبت أنك تعلم ذلك وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في ~~المستقبل معلوما فيحسن التعليق عليه ويؤكد القول الأول أن السؤال كان في ~~الدنيا من الآية نفسها قوله تعالى {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم} ~~[المائدة: 116] فصيغة إذ للماضي وقال للماضي فإذا أخبر الله محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - بهذين اللفظين الماضيين دل ذلك على تقدم هذا القول في زمن ~~عيسى - عليه السلام - في الدنيا والقول الثاني يتأول هذين اللفظين ~~بالمستقبل ويقول: لما كان خبر الله تعالى واقعا في المستقبل قطعا صار من ~~جهة تحققه يشبه الماضي فعبر عنه بلفظ الماضي كما قاله تعالى {أتى أمر الله} ~~[النحل: 1] يريد يوم القيامة وتقديره يأتي أمر الله تعالى فائدة جميلة ~~جليلة إذا تقرر أن الشرط وجزاءه لا يتعلقان إلا بمستقبل معدوم فاعلم أن ذلك ~~في لسان العرب عشر حقائق: الشرط وجزاؤه والأمر والنهي. # والدعاء والوعد والوعيد والترجي والتمني والإباحة فتأمل هذه العشرة لا ~~تجد منها واحدا يتصور في ماض ولا حاضر سؤال كان يورده الشيخ عز الدين بن ~~عبد السلام قدس الله روحه في «قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له: كيف ~~نصلي عليك فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد» فكان يقول: قاعدة ~~العرب تقتضي أن المشبه بالشيء يكون أخفض رتبة منه وأعظم أحواله أن يكون ~~مثله وها هنا شبهنا عطية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعطية إبراهيم - ~~عليه السلام - فإن صلاة الله ms086 سبحانه # PageV01P086 # معناه الإحسان فإن الدعاء الذي هو حقيقة اللفظ محال ~~فتعين حمله على مجازه وهو الإحسان لأن الدعاء إحسان فيكون من مجاز التشبيه ~~أو لأن الإحسان متعلق الدعاء ومطلوبه فيكون من باب التعبير بالمتعلق عن ~~المتعلق فإذا تقرر هذا فنحن نعلم أن إحسان الله تعالى لنبيه محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - أعظم من إحسانه لإبراهيم - عليه السلام - وتشبيهه به ~~يقتضي خلاف ذلك فما وجه التشبيه وكان يجيب - رحمه الله تعالى - عن هذا ~~السؤال فيقول: التشبيه وقع بين المجموعين مجموع المعطى لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولآله ومجموع المعطى لإبراهيم - عليه السلام - وآله وآل ~~إبراهيم - عليه السلام - أنبياء وآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليسوا بأنبياء فعطية إبراهيم - عليه السلام - ذلك أعني المجموع يقسم عليه ~~وعلى آله ويقسم المجموع المعطى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه ~~وعلى آله فتكون الأجزاء الحاصلة لآل إبراهيم - عليه السلام - أعظم من ~~الأجزاء الحاصلة لآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكون الفاضل لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم من الفاضل لإبراهيم - عليه السلام - ~~فيكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من إبراهيم وهو المطلوب. # ويندفع السؤال وكنا نستعظم هذا الجواب ونستحسنه ثم بعد وفاته رحمة الله ~~عليه لما ظهرت لي هذه القاعدة وهي أن هذه (العشرة حقائق) في لسان العرب لا ~~تتعلق إلا بالمعدوم المستقبل ظهر أن الجواب يحسن من هذه القاعدة وأن جواب ~~الشيخ - رحمه الله - مستدرك وتقريره أن الدعاء لا يتعلق إلا بمعدوم مستقبل ~~كسائر أنواع الطلب وقولنا اللهم صل دعاء فلا يتعلق إلا بعطية لم تعط لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - معدومة فإن طلب تحصيل الحاصل محال فالحاصل له ~~- عليه الصلاة والسلام - لم يتعلق به طلب ألبتة لكونه موجودا حاصلا وبهذا ~~الموجود الحاصل له - عليه السلام - حصل التفضيل له - عليه السلام - على ~~إبراهيم - عليه السلام - فيكون الواقع قبل دعائنا مواهب ربانية لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من خير الدنيا والآخرة لم يدركها أحد من الأنبياء ms087 ~~ولم يصل إليها ونحن نطلب له - عليه السلام - زيادة على ذلك تكون تلك ~~الزيادة مثل المواهب الحاصلة لإبراهيم - عليه السلام - فنحن لو تخيلناها ~~أقل المواهب الحاصلة لإبراهيم - عليه السلام - لم يلزم من ذلك التفضيل له ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ومثال ذلك من العادات أن يعطي الملك لرجل ألف دينار ويعطي لآخر مائة ثم ~~نطلب نحن من الملك أن يزيد صاحب الألف على الألف مثل ما أعطى صاحب المائة ~~فإذا فعل ذلك كان الحاصل مع صاحب الألف ألفا ومائة ومع صاحب المائة مائة ~~ومعلوم أن ذلك لا يخل بعطية صاحب الألف في ألفه بل المائة زيادة على ما وقع ~~به التفضيل أولا كذلك ها هنا فهذا جواب حسن سديد بناء على القاعدة في أن ~~الدعاء لا يتعلق إلا بمستقبل معدوم ولا يحتاج إلى ذلك التعب والتفصيل الذي ~~ذكره الشيخ مع أنه لا يصح فإنه جعل متعلق الطلب جميع ما حصل لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فيلزم تعلق الطلب بالواقع وهو # PageV01P087 # محال إذ يلزم عليه تحصيل الحاصل وهو غير جائز. # والجواب الحق هو هذا الثاني والعجب أنا طول أعمارنا نقول: ما أمرنا به ~~وهو اللهم صل على محمد وصلى الله على محمد من غير تشبيه بإبراهيم ولا بغيره ~~ومعلوم من قواعد العرب أن الفعل في سياق الإثبات لا يتناول إلا أصل المعنى ~~وأنه مطلق لا عام ومن المعلوم أن أصل الإحسان ليس في الرتبة مثل الإحسان ~~المشبه بإحسانه تعالى لإبراهيم - عليه السلام - فإذا كنا نقتصر على مطلق ~~الإحسان من غير إشكال ويكون ذلك حسنا من غير خلل فأولى أن يحسن منا طلب ~~الإحسان المشبه بإحسان حصل لعظيم من العظماء فإنه أضعاف أصل الإحسان وما ~~المحسن لطلبنا مطلق الإحسان من غير تشبيه إلا أنا نطلب الزيادة التي لم تكن ~~أعطيت قبل دعائنا وطلب الزيادة على الإعطاء العظيم لا يخل بصاحب العطية ~~العظيمة الذي نحن نسأل له الزيادة والعجب من تنبه الشيخ لإيراد السؤال في ~~الحديث المروي ولم يدرك أنه ms088 يرد في الصلاة المطلقة وهي أولى بإيراد السؤال ~~فيها إن كان صحيحا فتأمله وتأمل ما ذكرته أنا فهو حسن إن شاء الله تعالى. # PageV01P088 # المسألة الثانية) قوله تعالى {ولو أنما في الأرض من ~~شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز ~~حكيم} [لقمان: 27] وقاعدة لو إذا دخلت على ثبوتين عادا نفيين أو على نفيين ~~عادا ثبوتين أو على نفي وثبوت فالنفي ثبوت والثبوت نفي كقولنا لو جاءني زيد ~~لأكرمته فهما ثبوتان فما جاءك ولا أكرمته. # ولو لم يستدن لم يطالب فهما نفيان والتقدير أنه استدان وطولب ولو لم يؤمن ~~أريق دمه والتقدير أنه آمن ولم يرق دمه وبالعكس لو آمن لم يقتل تقديره لم ~~يؤمن فقتل. # فإذا تقررت هذه القاعدة فيلزم أن تكون كلمات الله تعالى نفدت وليس كذلك ~~لأن لو دخلت هنا على ثبوت أولا ونفي أخيرا فيكون الثبوت الأول نفيا وهو ~~كذلك فإن الشجر ليست أقلاما ويلزم أن النفي الأخير ثبوت فتكون نفدت وليس ~~كذلك ونظير هذه الآية قوله - عليه السلام - «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله ~~لم يعصه» يقتضي أنه خاف وعصى مع الخوف وهو أقبح فيكون ذلك ذما لكن الحديث ~~سيق للمدح وعادة الفضلاء يتولعون بالحديث كثيرا أما الآية فقليل من يتفطن ~~لها وذكر الفضلاء في الحديث أجوبة أما الآية الكريمة فلم أر لأحد فيها شيئا ~~ويمكن تخريجها على ما قالوه في الحديث غير أني ظهر لي جواب عن الجميع هو ~~حسن سأذكره إن شاء الله تعالى بعد ذكري لأجوبة الناس لأن من سبق أولى ~~بالتقديم أما أجوبة الناس في الحديث فقال الأستاذ ابن عصفور: لو في الحديث ~~بمعنى إن لمطلق الربط # PageV01P089 # وأن لا يكون نفيها ثبوتا ولا ثبوتها نفيا فيندفع ~~الإشكال وقال شمس الدين الخسرو شاهي: إن لو في أصل اللغة لمطلق الربط وإنما ~~اشتهرت في العرف في انقلاب ثبوتها نفيا وبالعكس والحديث إنما ورد بمعنى ~~اللفظ في اللغة. # وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الشيء الواحد ms089 قد يكون له سبب واحد ~~فينتفي عند انتفائه وقد يكون له سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدمه لأن ~~السبب الثاني يخلفه السبب الأول كقولنا في زوج هو ابن عم لو لم يكن زوجا ~~لورث أي بالتعصيب فإنهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر وكذلك ها ~~هنا الناس في الغالب إنما لم لم يعصوا لأجل الخوف فإذا ذهب الخوف عنهم عصوا ~~لاتحاد السبب في حقهم فأخبر - عليه السلام - أن صهيبا - رضي الله عنه - ~~اجتمع في حقه سببان يمنعانه من المعصية الخوف والإجلال فلو انتفى الخوف في ~~حقه لانتفى العصيان للسبب الآخر وهو الإجلال وهذا مدح عظيم جليل لصهيب ~~وكلام حسن. # وأجاب غيرهم بأن الجواب محذوف تقديره لو لم يخف الله عصمه الله ودل على ~~ذلك قوله لم يعصه وهذه الأجوبة تأتي في الآية غير الثالث فإن عدم نفاد ~~كلمات الله تعالى وأنها غير متناهية أمر ثابت لها لذاتها وما بالذات لا ~~يعلل بالأسباب فتأمل ذلك هذا كلام الفضلاء الذي اتصل بي والذي ظهر لي أن لو ~~أصلها أن تستعمل للربط بين شيئين كما تقدم ثم إنها أيضا تستعمل لقطع الربط ~~فتكون جوابا لسؤال محقق أو متوهم وقع فيه ربط فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ~~ذلك الربط كما لو قال القائل: لو لم يكن زيد زوجا لم يرث فتقول له أنت: لو ~~لم يكن زوجا لم يحرم تريد أن ما ذكره من الربط # PageV01P090 # بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحق فمقصودك قطع ربط ~~كلامه لا ارتباط كلامك وتقول لو لم يكن زيد عالما لأكرم أي لشجاعته جوابا ~~لسؤال سائل تتوهمه أو سمعته وهو يقول: إنه إذا لم يكن عالما لم يكرم فيربط ~~بين عدم العلم وعدم الإكرام فتقطع أنت ذلك الربط وليس مقصودك أن تربط بين ~~عدم العلم والإكرام لأن ذلك ليس بمناسب ولا من أغراض العقلاء ولا يتجه ~~كلامك إلا على عدم الربط كذلك الحديث لما كان الغالب على الناس أن يرتبط ~~عصيانهم بعدم خوفهم وأن ذلك في الأوهام ms090 قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- هنا الربط وقال: «لو لم يخف الله لم يعصه» وكذلك لما كان الغالب على ~~الأوهام أن الشجر كلها إذا صارت أقلاما والبحر المالح مع غيره مدادا يكتب ~~به يقول الوهم ما يكتب بهذا شيء إلا نفد وما عساه أن يكون قطع الله تعالى ~~هذا الربط وقال ما نفدت وهذا الجواب أصلح من الأجوبة المتقدمة من وجهين: ~~أحدهما شموله لهذين الموضعين وبعضها لم يشمل كما تقدم بيانه وثانيهما أن لو ~~بمعنى أن خلاف الظاهر ومخالف للعرف وادعاء النقل خلاف الأصل والظاهر وحذف ~~الجواب خلاف الظاهر وما ذكرته من الجواب ليس فيه مخالفة للعرف فإن أهل ~~العرف يستعملون ما ذكرته ولا # PageV01P091 # يفهمون غيره في تلك الموارد ويعم هذا الجواب الواجب ~~لذاته كصفات الله وكلماته والممكن القابل للتعليل كطاعة صهيب - رضي الله ~~عنه -. # (المسألة الثالثة) أن النحاة والأصوليين قد نصوا على أن إن لا يعلق عليها ~~إلا مشكوك فيه فلا نقول: إن غربت الشمس فأتيني بل إذا غربت الشمس وإذا يعلق ~~عليها المشكوك والمعلوم فتقول: إذا دخلت الدار فأنت حر وإن دخلت الدار فأنت ~~حر ومقتضى هذه القاعدة أن يتعذر ورودها في كتاب الله تعالى مضافة إلى الله ~~تعالى فإن الله تعالى بكل شيء عليم مع أنها وردت كقوله تعالى {إن كنتم إياه ~~تعبدون - وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} [البقرة: 114 - 23] وغير ~~ذلك من التعليقات وهو كثير جدا مع أن قوله تعالى إن كنتم في ريب خطاب مع ~~أهل الكفر فالله تعالى يعلم أنهم في ريب وهم يعلمون ويجزمون أنهم في ريب ~~ومع ذلك فالتعليق حسن. # والجواب عن هذا السؤال أن الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية بل ~~الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب ~~وعلى منوالهم فكل ما كان في عادة العرب حسنا أنزل في القرآن على ذلك الوجه ~~أو قبيحا في لسان العرب لم ينزل في القرآن توفية بكون القرآن عربيا وتحقيقا ~~لذلك فيكون الضابط ms091 أن كل ما شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه بين الناس ~~حسن تعليقه بإن من قبل الله تعالى ومن قبل غيره سواء كان معلوما للمتكلم أو ~~للسامع أو لا ولذلك يحسن من الواحد منا أن يقول: إن كان زيد في الدار ~~فأكرمه مع أنه يعلم أنه في الدار لأن حصول زيد في الدار شأنه أن يكون في ~~العادة مشكوكا فيه فهذا هو الضابط لما يعلق على إن، فلا فرق حينئذ بين ما ~~يرد من قبل الله عز وجل في كتابه وبين ما يرد من كلام الناس من هذا الوجه ~~فاندفع الإشكال فإن قلت: فيلزم على هذا أن لا يصح قولنا أن يكون الواحد نصف ~~العشرة فالعشرة اثنان وإن يكن نصف الخمسة فالخمسة زوج لأن هذه الأمور لا ~~يشك فيها عادة بل تقطع بأن الواحد نصف الاثنين ولا يكون نصف الخمسة مع أن ~~هذا الكلام عربي وملازمته صحيحة ومعنى معتبر قلت: كون الواحد نصف العشرة ~~أمر ليس في الواقع بل أمر يفرضه العقل ويقدره الوهم ومعناه متى فرض الواحد ~~نصف العشرة أو نصف الخمسة كان اللازم على هذا الفرض المحال هذا اللازم ~~المحال فإن فرض المحال واقع جائز فيجوز أن يلزمه المحال وإذا كان التعليق ~~إنما هو على أمر مفروض والفرض والتقدير ليس أمرا لازما في الواقع بل يجوز ~~أن يقع وأن لا يقع فصار من قبيل المشكوك فيه فلأجل ذلك حسن تعليقه بإن ~~فتأمل هذه المواضع فإنها في بادئ الرأي مشكلة # PageV01P092 # ينحل إشكالها بما قررناه. # (المسألة الرابعة) مقتضى ما تقدم من أن الشرط لا يكون إلا بأمر معدوم ~~مستقبل وأن جزاءه أيضا كذلك وأنها أمور عشرة في لسان العرب كذلك كما تقدم ~~تقريره أن لا يصح تعليق صفات الله تعالى نحو علمه وإرادته فإن الله تعالى ~~في الأزل بكل شيء عليم وقدر كل شيء في الأزل من جميع الموجودات الممكنات ~~والمعدومات ويستحيل أن يتأخر شيء من ذلك عن الأزل فيستحيل تعليقه حينئذ ~~وجعله شرطا لكنه ورد في كتاب الله ms092 تعالى معلقا على الشرط كقوله عز وجل {ولو ~~نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} [الزخرف: 60] {ولو شئنا لآتينا ~~كل نفس هداها} [السجدة: 13] {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون} [النحل: 40] {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها} [الإسراء: 16] ~~و {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} [النساء: 133] و {إن يعلم الله ~~في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} [الأنفال: 70] وفي السنة «من يرد ~~الله به خيرا يفقهه في الدين» ومن ها هنا شرطية فإن قلت: كيف تورد السؤال ~~بلو مع أنك قد قدمت أن من خصائصها أنها تدخل على الماضي فلا يكون الاستقبال ~~فيها لازما حتى يرد بها السؤال؟ قلت من خصائصها أنها قد تدخل على الماضي ~~ولكن لا يمنع دخولها على المستقبل. # ونحن نعلم ها هنا أنها إنما دخلت على المستقبل من جهة الواقع فإنه تعالى ~~لو شاء جعلنا ملائكة لكنا ملائكة لكنا لسنا ملائكة فعلمنا أن هذا ليس ماضيا ~~وكذلك بقية الآيات فالسؤال بها لازم. # والجواب عنه أن تعلق إرادة الله تعالى وعلمه بالأشياء قسمان: قسم واقع ~~وقسم مقدر مفروض ليس واقعا فالواقع هو أزلي لا يمكن جعل شيء منه شرطا ألبتة ~~والمقدر هو الذي جعل # PageV01P093 # شرطا وتقدير الكلام في هذه المواضع متى فرض إرادتنا ~~أن نردكم ملائكة كنتم ملائكة ومتى فرض إرادتنا لهداية نفس اهتدت ومتى فرض ~~إرادتنا لكون شيء كان ومتى فرض إرادتنا لإهلاك قرية وكان السبب في إهلاكها ~~أمر مترفيها فيفسقون ومتى فرض علم الله تعالى بأن فيكم خيرا آتاكم خيرا مما ~~أخذ منكم وكذلك بقية هذه النظائر فجميع المعلق عليه من تعلق صفات الله ~~تعالى إنما هو مفروض مقدر لا أنه واقع والفرض والتقدير أمر متوقع في ~~المستقبل ليس أزليا فلذلك حسن التعليق فيه على الشرط فإن قلت بل هذا ~~التقدير أزلي والله تعالى يعلم في الأزل أنه لو شاء لجعلنا ملائكة ولو شاء ~~هداية نفس لاهتدت والعلم تابع للمعلوم فيكون العلم بهذا التقدير فرع تحقق ~~التقدير لكن العلم ms093 بذلك أزلي فيكون التقدير أزليا فيمتنع تعليقه قلت: ~~الواقع في الأزل هو العلم بارتباط الهداية والعلم بارتباط الشيء بالشيء لا ~~يقتضي وقوع ذينك الشيئين ولا أحدهما لأن الله تعالى يعلم في الأزل ارتباط ~~الري بالشرب والشبع بالأكل فعلمه تعالى بهذه الأشياء أزلي. # وهذه الأشياء حادثة كذلك ها هنا يعلم الله سبحانه في الأزل ارتباط ~~الهداية بفرض إرادة الله تعالى لها فيكون العلم بذلك قديما والمعلوم وهو ~~هذان الأمران حادثان ومعنى قولنا العلم تابع للمعلوم أي تابع لتقديره في ~~زمانه ماضيا كان أو حاضرا أو مستقبلا فنعلم أن القيامة تقوم فعلمنا حاضر ~~ومعلومنا مستقبل لكن المتقدم على علمنا بالرتبة العقلية هو تقدير المعلوم ~~في زمانه لا ذات المعلوم فتأمل ذلك وأثبته أيضا في قولهم الخبر تابع للمخبر ~~بهذا التفسير فإن قلت: الارتباط بين إرادة الله تعالى الهداية والهداية ~~أزلي فإن هذا الارتباط واجب عقلا والواجبات العقلية لا تقبل العدم وما لا ~~يقبل العدم أزلي فالارتباط أزلي وقد جعل شرطا مع أنه أزلي قلت: لم يجعل ~~الارتباط شرطا بل المرتبط به خاصة وهو # PageV01P094 # المشيئة المفروضة أما الارتباط بها فلم يجعل شرطا ~~أصلا ولا تنافي بين قدم الارتباط وحدوث المرتبط والمرتبط به ألا ترى أن ~~الارتباط واقع بين الأجسام والأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق وأن هذا الارتباط واجب عقلا لا يقبل العدم ومع ذلك فالأجسام ~~والأعراض حادثة وسره أن الارتباط حكم ونسبة وإضافة لا تقبل الوجود الخارجي ~~بل الذهني فقط كالإمكان والاستحالة حكمان أزليان والممكنات حادثة. # (المسألة الخامسة) نص القاضي عبد الوهاب وغيره من العلماء على أن حيث ~~وأين من صيغ العموم فيلزم على هذا إذا قال لها: حيث وجدتك أو أين وجدتك ~~فأنت طالق فوجدها طلقت ثم وجدها في عدتها مرارا أن تطلق عليه ثلاثا لأجل ~~العموم وكذلك القول في متى ولا يلزم بها إلا طلقة واحدة وهو مشكل لأن مقتضى ~~نصهم على العموم التكرير تحقيقا للعموم والفرق بين المطلق والعام فإن ~~المطلق هو الذي يقتصر منه على فرد ألا ms094 ترى أن كلما لما كانت للعموم تكرر ~~الطلاق بتكرر المعلق عليه في قوله كلما دخلت الدار فأنت طالق فتكرر دخولها ~~في عدتها طلقت ثلاثا فكيف الجمع بين العموم وأنه لا يلزم إلا طلقة واحدة ~~وما الفرق بين متى ما وكلما وما معنى ما فيهما؟ . # والجواب مبني على قاعدة وهي أن التعليق ينقسم إلى أربعة أقسام: عام على ~~عام ومطلق على مطلق ومطلق على عام وعام على مطلق القسم الأول وهو تعليق عام ~~على عام فهو نحو كلما دخلت # PageV01P095 # الدار فأنت طالق علق جميع الطلقات على جميع الدخلات ~~على وجه التفريق لإفراد الطلاق على إفراد الدخول لا على وجه اجتماع أفراد ~~الطلاق لكل فرد من إفراد الدخول فلا جرم لزم بكل دخلة طلقة. # والقسم الثاني تعليق مطلق على مطلق نحو إن دخلت الدار فأنت طالق وإذا ~~دخلت الدار فأنت طالق علق مطلق الطلاق على مطلق الدخول فإذا وجد مطلق ~~الدخول لزم مطلق الطلاق وانحلت يمينه وإن وإذا في ذلك سواء غير أن الفرق ~~بينهما من وجوه أخر وهو أن إذا تدل على الزمان مطابقة والشرط يعرض لها ~~فيلزم في بعض الصور وقد تعرى عن الشرط وتستعمل ظرفا مجردا كقوله تعالى ~~{والليل إذا يغشى} [الليل: 1] {والنهار إذا تجلى} [الليل: 2] فهي في موضع ~~نصب على الحال ومعناه أقسم بالليل حالة غشيانه وبالنهار حالة تجليه لأنها ~~أكمل الحالات والقسم تعظيم للمقسم به وتعظيم الشيء في أعظم حالاته مناسب ~~وأما إن فتدل على الشرط مطابقة وعلى الزمان التزاما عكس إذا فإن الدخول لا ~~بد له من زمان بطريق اللزوم فهما متعاكسان من هذا الوجه وإن استويا في ~~الإطلاق وبقيت أمور أخر تختص بها إذا نحو الأسمية وغيرها لا يناسب ذكرها ~~هنا. # (القسم الثالث) تعليق مطلق على عام نحو متى وأين وحيث فهذه من صيغ العموم ~~في الزمان والمكان نحو أنت طالق أبدا فإنه يلزم طلقة واحدة فكأنه قال: أنت ~~طالق في جميع الأزمنة أو في جميع البقاع طلقة واحدة كما لو صرح بقوله أنت ~~طالق ms095 في جميع الأيام أو في كل الأيام طلقة واحدة وهذه الصيغ هي أبلغ صيغ ~~العموم ومع ذلك لو صرح بها لم تلزمه إلا طلقة واحدة # PageV01P096 # وكما تقول: الحج واجب في كل العمر مرة واحدة فتصرح ~~بالعموم في العمر وتريده ومع ذلك فمظروفه حجة واحدة. # وهو مطلق الحج فكما أنه إذا حج حجة واحدة في عمره يبقى بقية عمره لا ~~يلزمه فيها حج كذلك إذا لزمه بزمان واحد في متى وأين أو في بقعة واحدة في ~~حيث طلقة واحدة فتبقى بقية الأزمنة والبقاع لا يلزمه فيها طلاق فتأمل ذلك ~~فأمكن الجمع بين قول العلماء أن هذه الصيغ للعموم وأنه لا يلزم فيها إلا ~~طلقة واحدة فإن قلت: فإذا لم يلزمه بإذا إلا طلقة واحدة ولا في متى إلا ~~طلقة واحدة فكيف يظهر أثر العموم وإذا لم يظهر أثر العموم كيف يقضى به ونحن ~~إنما قضينا بالعموم في قول القائل مثلا من دخل داري فله درهم إلا بظهور أثر ~~ذلك فإن كل من دخل يستحق ومن أحرم استحق مانعه الذم فإذا ذهبت هذه الآثار ~~واتحدت الأحكام بين المطلقات والعمومات وكان الطلاق في زمن غير معين على ~~سبيل البدل في القسمين وأن ذلك الزمان غير معين فيهما كان القول بالعموم في ~~أحدهما والإطلاق في الآخر تحكما محضا والتحكم المحض لا عبرة به والعلماء ~~برآء من ذلك ومن أين فهم العلماء العموم على هذا التقدير فعاد الإشكال؟ قلت ~~سؤال حسن قوي والجواب عنه من وجهين: # (أحدهما) ظواهر النصوص الدالة على ذلك منها قوله تعالى {فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] لا يفهم منه إلا الأمر بقتلهم في جميع البقاع ~~وثانيها قوله تعالى في الآية الأخرى {حيث ثقفتموهم} [النساء: 91] لا يفهم ~~منه إلا ذلك وثالثها قوله تعالى {أينما تكونوا يدرككم الموت} [النساء: 78] ~~معناه في أي بقعة كنتم ورابعها قوله تعالى {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: ~~4] معناه علمه سبحانه وتعالى محيط بالخلائق # PageV01P097 # في أي بقعة كانوا ونظائره كثيرة في الكتاب العزيز ~~والسنة وكلام العرب وإذا كان ms096 لا يفهم من هذه الصيغ إلا العموم دل ذلك على ~~وضعها له. # (الوجه الثاني) الدال على كونها للعموم أن القاعدة في جميع صيغ العموم أن ~~اسم الجنس إذا أضيف عم نحو قوله - عليه السلام - «هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته» لا يفهم منه إلا الحكم بالطهورية على جميع أفراد الماء وجميع أفراد ~~الميتة وأين وحيث كل واحد منهما اسم جنس المكان وهما مضافان لما بعدهما بل ~~الإضافة لازمة لهما فيكونان للعموم فإن قلت: ذلك يبطل بإذا وإذ وعند ووراء ~~وقدام وبقية الجهات الست وغير وسوى وشبه ومثل ونحوها مما لا يكاد يستعمل ~~إلا مضافا فإنها ليست للعموم مع وجود الإضافة التي هي في حيث وأين قلت: ~~التزم أن الجميع للعموم. # وتقريره أن كل الذي هو أقوى صيغ العموم إنما يعم فيما أضيف إليه خاصة ~~فإذا قلت: كل رجل له درهم إنما يعم الرجال ولو قلت: كل حيوان إنما عم ~~الحيوانات كلها ولو قلنا: كل نبي اختص بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ~~فلا يتعدى العموم ما أضيف إليه إذا تقرر هذا فنقول: إذا قال القائل: إذا ~~زالت الشمس فأنت حر يقتضي العموم في زمن الزوال خاصة ولا مانع من القول ~~بأنه للعموم وكذلك إذا قلت: آتيك إذا جاء زيد عام في جميع زمان مجيء زيد ~~وكذلك عندك مال يتناول جميع حوزتك وكذلك قوله تعالى {ما عندكم ينفد وما عند ~~الله باق} [النحل: 96] عام في جميع بقاعنا المشتملة على أموالنا ومملوكاتنا ~~وكذلك وراءك وأمامك يتناول جميع البقاع التي هي وراءك وأمامك من غير حد ولا ~~نهاية وكذلك كل حد أشير إليه من ذلك كان اللفظ فيه حقيقة وكان اللفظ ~~متناولا له وكذلك بقية الجهات الست عامة في مسمياتها # PageV01P098 # وأما غير وشبه وسوى ومثل فإنها لا تتعرف بالإضافة على ~~ما نص عليه النحاة وما لا يتعرف بالإضافة كان وجود الإضافة فيه كعدمها ~~فلذلك لم يعم بخلاف أين وحيث فإن قلت: لم نجد أحدا عد هذه الصيغ كلها من ~~صيغ العموم في كتب الأصول وكتب النحو. ms097 # (قلت) : كفاهم في التنبيه عليها قولهم اسم الجنس إذا أضيف عم إذا تقرر أن ~~حيث وأين من صيغ العموم فيصير معنى أنت طالق حيث جلست مثل قوله أنت طالق في ~~جميع البقاع أو في كل البقاع ومعلوم أنه لو صرح بذلك للزمه طلقة واحدة ~~ويكون العموم ثابتا للظرف وكذلك ها هنا فصح قول العلماء أن حيث وأين للعموم ~~وأن اللازم طلقة واحدة ولا يتنافى ذلك ولا يتناقض # PageV01P099 # (القسم الرابع) الذي بقي من التقسيم في القاعدة وهو ~~تعليق عام على مطلق فيكون معناه التزام جميع الطلاق في زمن فرد فهذا القسم ~~الحكم فيه أن يلزم من ذلك العموم ثلاث ويسقط ما عداها كما لو قال: لها أنت ~~طالق طلقات لا نهاية لها في العدد إن دخلت الدار فقد صرح بالعموم مع ~~الإطلاق في الزمان فيلزمه ثلاث تطليقات ويسقط الباقي فهذا القسم موجود في ~~اللغة بهذا اللفظ ونحوه من الألفاظ المركبة ولم أجده بلفظ مفرد كما هو في ~~كلما وأما الفرق بين كلما ومتى وأينما وحيثما أن ما في الجميع زمانية فمعنى ~~قوله كلما دخلت الدار فأنت طالق كل زمان تدخلين الدار فأنت طالق في ذلك ~~الزمان فجعل جميع الأزمنة كل فرد منها ظرفا لحصول طلقة فيتكرر الطلاق في ~~تلك الظروف توفية باللفظ. # ومقتضاه حتى يحصل في كل زمان طلقة أما متى ما فمتى للزمان المبهم لا ~~للمعين حتى نص النحاة على منع قولنا متى تطلع الشمس فإن زمن طلوع الشمس ~~متعين فيمتنع السؤال عنه بمتى بخلاف قولك متى يقدم زيد فإن زمن قدوم زيد ~~مبهم وإذا كان معناها الزمان المبهم وما أيضا معناها الزمان فيصير معنى ~~الكلام زمان زمان تدخلين الدار فأنت طالق ومعلوم أنه لو صرح بهذا لكان في ~~معنى إعادة اللفظ وأن لا فرق بينه وبين قوله زمان تدخلين الدار أنت فيه ~~طالق بخلاف قولك كلما فإنها تقتضي الإحاطة والشمول لجميع أفراد ما دخلت ~~عليه والتكرار فيه كقولك كلما أكرمت زيدا أكرمني أي إكرامه يتكرر بتكرر ~~إكرامي وأما حيثما ms098 وأينما فهو مكان أضيف إلى زمان وتقديره مكان زمان دخولك ~~الدار أنت طالق فيه ومعلوم أنه لو # PageV01P100 # صرح بهذا لم يفهم منه التكرار بل تطلق في جميع ذلك ~~المكان طلقة واحدة فهذا هو البحث الكاشف عن هذه الحقائق والفروق بينها ~~وبذلك يتضح الفقه فيها. # (المسألة السادسة) نص الأصحاب على أن الطلاق يتكرر في قوله كل امرأة ~~أتزوجها من هذا البلد فهي طالق قالوا: إن الطلاق يتكرر بتكرر النساء من ذلك ~~البلد وأن القائل كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي أن الكفارة لا تتكرر ~~عليه وأنه بزواج امرأة واحدة تنحل يمينه مع تصريحه بالعموم في الصورتين وفي ~~التهذيب إن تزوجتكن فإنكن علي كظهر أمي لا يتكرر الظهار ومن دخلت منكن ~~الدار فهي علي كظهر أمي تتكرر الكفارة وكلما تزوجت فالمرأة التي أتزوجها هي ~~علي كظهر أمي وكذلك أيتكن كلمتها فهذه الفروع مشتركة في صيغ العموم مع ~~اختلاف الأحكام فيحتاج إلى سر الفرق بينها باعتبار القواعد والجواب أن ~~الطلاق حكم يثبت لأفراد العموم كثبوت القتل لجميع أفراد المشركين والحل ~~لجميع أفراد البيع. # وأما الظهار فالكفارة فيه للنطق بالكلام الزور عقوبة لقائله فإذا قال: كل ~~امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي فقد كذب كذبة واحدة فتجب عليه كفارة واحدة ~~ولا نظهر إلى العموم الذي هو متعلق القول الكذب كما لو قال: والله إن كل ~~إنسان جماد فإنها كذبة واحدة متعلقة بعموم أو قال: والله ليس في الدار أحد ~~من إخوتك فوجد الجميع فيها فإنما تلزمه كفارة واحدة نظرا لاتحاد اليمين ~~والحنث فكذلك ها هنا وأما تكرر الكفارة في كلما وقوله منكن وأيتكن فعلى ~~خلاف القياس. # والقاعدة تقتضي أن لا تتكرر عليه الكفارة غير أنه لما اشتهر لفظ الظهار ~~في موجب الكفارة لوحظت الكفارة في مقصد المظاهر كأنها حقيقة عرفية فيكون قد ~~التزم تكررها في كلمة كلما وأشار بمن إلى التبعيض فكأنه قال: علي الكفارة ~~في كل بعض منكن وأي الأفراد فيكون قد التزم الكفارة في كل فرد وأما كل فهي ~~ظاهرة في ms099 الإحاطة والشمول والكل في بعض أحوالها ألا ترى أن النفي إذا تقدم ~~عليها كان معناها الكل فلو قلت: ما قبضت كل المال لكان معنى كلامك أنك لم ~~تقبض الجميع بل بعضه وكذلك ما كل عدد زوج وما كل حيوان إنسان نص النحاة على ~~أنك ناف للمجموع من حيث هو مجموع لا لكل واحد واحد بخلاف أي فإنها للحكم ~~على كل واحد واحد وهذه كلها تكلفات والفقه يقتضي # PageV01P101 # عدم التكرار بناء على أن الكذب هو الموجب كما تقدم ~~تقريره في فرق الإنشاء والإخبار. # (المسألة السابعة) إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم قال لها ~~أنت طالق ثلاثا قال مالك - رحمه الله -: تنحل يمينه وقال الشافعي - رضي ~~الله عنه -: يبقى التعليق حتى يتزوجها بعقد ثان وعلى مذهب مالك - رحمه الله ~~- إشكالان: أحدهما أنه يلزم وجود المشروط بدون شرطه وهو خلاف الإجماع ~~وثانيهما: أنه خصص المعلق بالطلاق المملوك مع أن لفظ التعليق لم يتقاض ذلك ~~ولا سيما على قاعدته في صحة التعليق قبل الملك في إن تزوجتك فأنت طالق ~~ثلاثا. # والجواب عن الأول بناء على قاعدة وهي أن صاحب الشرع لما جعل للمكلف ~~التعليق على دخول الدار جعل له حل ذلك التعليق بالتنجيز خاصة فإذا نجز بطلت ~~شرطية الدخول للطلاق فبقي غير مشروط فما وجد المشروط دون شرطه قط وعن ~~الثاني أن لفظ التعليق يتقاضى التصرف في المملوك فقط لأن طلاق المرأة إنما ~~يكون مما هي موثوقة فيه وإنما هي موثوقة في عصمته الحاضرة دون غيرها فكان ~~الطلاق خاصا بهذه العصمة فلم يتناول التعليق غيرها إلا بدليل الأصل عدمه، ~~ثم يتأكد ذلك بما يرد على الشافعي - رضي الله عنه - من جهة أنه يلزم أن ~~يكون الزوج مالكا لست طلقات ثلاث منجزات وثلاث معلقات والذي أجمع الناس ~~عليه أنه إنما يملك ثلاثا فقط والأصل عدم ملكه للزائد فإذا أجمع الناس على ~~وقوع المنجز تعين إبطال التعليق في المعلق حتى يقع في المعلق بعد شرط. # (المسألة الثامنة) الشرط ينقسم إلى ما لا يقع ms100 إلا دفعة كالنية وإلى ما لا ~~يقع إلا متدرجا كالحول وقراءة السورة وإلى ما يقبل الأمرين كإعطاء عشرة ~~دراهم. # قال الإمام فخر الدين في كتابه المحصول: فإن كان الشرط وجود هذه الحقائق ~~اعتبر من الأول والثالث اجتماع أجزائه ووجودها في زمن واحد لإمكان ذلك ~~واعتبر من الثاني وجود آخر أجزائه لأنه الممكن فيه أما وجود الحقيقة بجملة ~~أجزائها فذلك مستحيل وإن كان الشرط عدم هذه الحقائق اعتبره من الجميع أول ~~أزمنة العدم لصدق العدم حينئذ على الجميع ويرد عليه سؤالان: الأول أن ~~القائل إن أعطيتني عشرة دراهم فأنت حر لا فرق في العرف بين أن يعطيها ~~مجموعة أو درهما بعد درهم والأيمان محمولة على العرف فاشتراطه اجتماع ~~الجميع # PageV01P102 # في زمن واحد غير لازم بل يعد أهل العرف والعادة أن من ~~أعطى كل يوم درهما فأعطى عشرة في عشرة أياما أنه معط لعشرة ويصدق ذلك أيضا ~~لغة فإن مسمى إعطائه العشرة أعم من كونه بصفة الاجتماع والافتراق الثاني أن ~~جعل عدمها شرطا تارة يكون بلم وتارة يكون بلما الموضوعين لنفي الماضي أو ~~بما وليس الموضوعين لنفي الحال أو بلا ولن الموضوعين لنفي المستقبل فنسلم ~~له الاقتصار على مسمى العدم في الأربعة الأول أما لا ولن فقد نص سيبويه ~~وغيره على أنهما موضوعان لعموم نفي المستقبل وأن لن أبلغ في عموم النفي ~~للمستقبل فإذا قلنا {لا يموت فيها ولا يحيا} [الأعلى: 13] وقول الله تبارك ~~وتعالى {لن تراني} [الأعراف: 143] عام في سلب الموت والحياة والرؤية في ~~جميع أزمنة الاستقبال فإن جعل المعلق للشرط عدمها بصيغة لن أو لا كان الشرط ~~استغراق العدم لجميع أزمنة العمر أو الزمان الذي عينه المعلق لا مطلق العدم ~~في مطلق الزمان خلافا له فتخرج لا ولن عن دعواه مع أن لم تستعمل في العرف ~~لذلك فإذا قال: إن لم تقرأ سورة البقرة في هذه السنة فأنت مذموم لا يفهم ~~منه استيعاب العدم لجميع أجزاء السنة حتى لو قرأها في آخر السنة صدق حصول ~~قراءتها ولم يكن الشرط متحققا. ms101 # (المسألة التاسعة) اتفق الفقهاء على الاستدلال بقوله تعالى {ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] {إلا أن يشاء الله} [الكهف: 24] ووجه ~~الدليل منه في غاية الإشكال فإن الآية ليست للتعليق وأن المفتوحة ليست ~~للتعليق فما بقي في الآية شيء يدل على التعليق مطابقة ولا التزاما فكيف يصح ~~الاستدلال بشيء لا يدل مطابقة ولا التزاما وطول الأيام يحاولون الاستدلال ~~بهذه الآية ولا يكاد يتفطن لوجه الدليل منها وليس فيها إلا استثناء وأن هي ~~الناصبة لا الشرطية ولا يتفطن أيضا لهذا الاستثناء من أي شيء هو وما هو ~~المستثنى منه فتأمله فهو في غاية الإشكال وهو الأصل في اشتراط المشيئة عند ~~النطق بالأفعال. # والجواب أن تقول: هذا استثناء من الأحوال والمستثنى منه حالة من الأحوال ~~وهي محذوفة قبل أن الناصبة وعاملة فيها أعني الحال عاملة في أن الناصبة ~~وتقديره ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا في حالة من الأحوال إلا معلقا بأن ~~يشاء الله ثم حذفت معلقا والباء من أن وهي تحذف معها كثيرا فيكون النهي ~~المتقدم مع إلا المتأخر قد حصرت القول في هذه الحال دون سائر الأحوال فتختص ~~هذه الحال بالإباحة وغيرها بالتحريم وترك المحرم واجب وليس هناك شيء # PageV01P103 # يترك به الحرام إلا هذه الحال فتكون واجبة فهذا مدرك ~~الوجوب وأما مدرك التعليق فهو قولنا معلقا فإنه يدل على أنه تعلق في تلك ~~الحال كما إذا قال له: لا تخرج إلا ضاحكا فإنه يفيد الأمر بالضحك حالة ~~الخروج وانتظم معلقا مع أن بالباء المحذوفة واتجه الأمر بالتعليق على ~~المشيئة من هذه الصيغة عند الوعد بالأفعال فافهم ذلك فإنه من المواضع ~~العسيرة الفهم والتقدير فرع من هذا التقدير لو قال لامرأته: علقت طلاقك على ~~دخول الدار طلقت بدخول الدار كما لو قال لها: أنت طالق إن دخلت الدار ولو ~~قال لها: جعلت دخول الدار سببا لطلاقك لم تطلق بدخول الدار إلا أن يريد ~~بالجعل التعليق فإن صاحب الشرع جعل له أن يجعل دخول الدار سببا لطلاق ~~امرأته بطريق واحد ms102 وهو التعليق خاصة فإن أراد نصبه بغير التعليق كما جعل ~~صاحب الشرع الزوال سببا لوجوب الظهر والهلال سببا لوجوب الصوم فليس ذلك له ~~فافهم ذلك. # (المسألة العاشرة) قد يذكر الشرط للتعليل دون التعليق وضابطه أمران: ~~المناسبة وعدم انتفاء المشروط عند انتفائه فيعلم أنه ليس بشرط مثاله قوله ~~تعالى {واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون} [النحل: 114] والشكر واجب ~~مع العبادة ومع عدمها ومعنى الكلام أنكم موصوفون بصفة تحث على الشكر وتبعث ~~عليه وهي العبادة والتذلل فافعلوا ذلك فإنه متيسر لوجود سببه عندكم ومنه ~~قوله - عليه الصلاة والسلام - «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~ضيفه» معناه أن تصديق الوعد والوعيد في ذلك حاث عليه وإلا فالكفار مخاطبون ~~بفروع الشريعة على الصحيح فيؤمرون بإكرام الضيف مع عدم هذا الشرط وهو كثير ~~في الكتاب والسنة ومنه قولك: أطعني إن كنت ابني لست تشك في بنوته بل تنبهه ~~على الصفة الباعثة على الطاعة. # (المسألة الحادية عشر) قوله تعالى {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن ~~اتقيتن فلا تخضعن بالقول} [الأحزاب: 32] قال جماعة من أرباب علم البيان ~~وأهل التفسير أن الوقف عند قوله لستن كأحد من النساء # PageV01P104 # ويبدأ بالشرط ويكون جوابه ما بعده وهو قوله فلا تخضعن ~~بالقول دون ما قبله بل حكم الله تعالى بتفضيلهن على النساء مطلقا من غير ~~شرط وهو أبلغ في مدحهن ويكون جواب الشرط ما بعده ويستقيم اللفظ والمعنى. # (المسألة الثانية عشر) يجوز حذف جواب الشرط إن كان في الكلام ما يدل عليه ~~فيجعل الدليل نفس الجواب وليس هو الجواب كقوله تعالى {وإن يكذبوك فقد كذبت ~~رسل من قبلك} [فاطر: 4] فإن تكذيب من قبله لا يتوقف على هذا الشرط بل سبق ~~وتقدم وتقدير الجواب وإن يكذبوك فتسل فقد كذبت رسل من قبلك فتكذيب من قبله ~~دليل على تسليته وسبب تسليته قائم مقامه وإلا فالماضي لا يعلق على المستقبل ~~ونظائره كثيرة في كتاب الله تعالى. # (المسألة الثالثة عشر) جرت عادة الفقهاء والأصوليين بحمل العموم على ع ~~مومه دون سببه ms103 وهو المشهور في المسألة فيستدلون أبدا بظاهر العموم وإن كان ~~في غير مورد السبب وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: يجب أن ~~يستثنى من ذلك ما إذا كان السبب شرطا نحو قوله {إن تكونوا صالحين فإنه كان ~~للأوابين غفورا} [الإسراء: 25] فالأوابون عام في كل أواب ماضيا أو حاضرا أو ~~مستقبلا قال - رحمه الله - فيجب في هذا العموم أن يتخصص بنا لأن القاعدة ~~الشرعية أن صلاحنا لا يكون سببا للمغفرة في حق غيرنا من الأمم ومن تأمل ~~القواعد قطع بذلك فيتعين أن يكون التقدير إن تكونوا صالحين فإنه كان ~~للأوابين منكم غفورا. # (المسألة الرابعة عشر) جرت عادة الفقهاء في الكفارات هل هي على التخيير ~~أو على الترتيب أن يقولوا إذا ورد النص # PageV01P105 # بصيغة أو فهي على التخيير كقوله تعالى {فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} [المائدة: ~~89] وإن كان النص بصيغة من الشرطية فهي على الترتيب كقوله تعالى {فمن لم ~~يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا} [المجادلة: 4] ولا تكاد تجد فقيها ينازع في هذا وهو غير صحيح ~~وبيانه أن مقتضى ما ذكروه أن يكون قوله تعالى {فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان} [البقرة: 282] أن لا تجوز شهادة رجل وامرأتين إلا عند عدم ~~الرجلين وقد أجمعت الأمة على جوازه عند وجود الرجلين وأن عدمهما ليس شرطا ~~فنستفيد من هذه الآية سؤالين عظيمين: أحدهما أن الصيغة لا تقتضي الترتيب ~~وثانيهما أن لا يلزم من عدم الشرط عدم المشروط وهو خلاف الإجماع وهو ها هنا ~~كذلك. # وكذلك قولنا إن لم يكن العدد زوجا فهو فرد وإن لم يكن فردا فهو زوج مع ~~أنه لا يتوقف العدد الزوج على عدم الفرد ولا الفرد على عدم الزوج بل هو ~~واجب الثبوت في نفسه وجد الآخر أم لا وإذا انتفى الشرط وهو قولنا إن لم يكن ~~العدد زوجا كانت الخمسة فردا قطعا فإن وجود الزوجية في العدد لا ينافي ms104 ~~الفردية فيه ووجود الفردية فيه لا ينافي الزوجية فيه فعدم هذا الشرط لا أثر ~~له ألبتة في عدم هذا المشروط وكقولنا إن لم يكن هذا جمادا فهو إما نبات أو ~~حيوان وإن لم يكن هذا الحيوان ناطقا فهو بهيم مع أن البهيم في نفسه لا ~~يتوقف على عدم الناطق بل إذا فرض الناطق ناطقا كان البهيم بهيما بالضرورة ~~وبهذا يعلم أن نظائره كثيرة جدا ولا ترتيب فيها ولم يلزم فيها من عدم الشرط ~~عدم المشروط بل المشروط حق في نفسه ووقع سواء وجد هذا الشرط أم لا فإن قلت: ~~عدم الزوجية عن العدد شرط في ثبوت الفردية له فلو كان زوجا لم تثبت له ~~الفردية فقد لزم من عدم الشرط عدم المشروط وكذلك بقية النظائر قلت: ليس ~~مراد الناس من هذه الإطلاقات إثبات شرطية عدم الزوجية في الفردية بل الزوج ~~زوج في نفسه لذاته من غير شرط وكذلك الفرد # PageV01P106 # ولا نقول يشترط في كون العشرة زوجا عدم الفردية عنها ~~فإنها لا تقبل الفردية أيضا فكيف تتوهم الشرطية والمعترض في موطن العقل ~~قاطع وجازم بثبوت ذلك المعنى في نفسه وجوبا ذاتيا وإنما يقصد العقلاء في ~~ذلك الموطن الذي يقبل النقيض بل مقصود الناس في هذه المواطن والموارد بيان ~~انحصار تلك المادة في المذكور فأنت تقول: إذا انتفى الفرد بقي العدد محصورا ~~في الزوج. # وإذا انتفى الزوج بمعنى إن لم يكن الواقع من العدد ما هو زوج تعين أن ~~يكون الواقع ما هو فرد ولأجل ذلك لا يقولون ذلك إلا في المواطن التي يصح ~~فيها الحصر فلا يقولون: إن لم يكن إنسانا فهو فرس لعدم انحصار الباقي من ~~الحيوان بعد الإنسان في الفرس ولو كان المقصود ما ذكرتموه من الشرطية لكان ~~الكلام صحيحا فإن عدم الإنسانية شرط في الفرسية لتعذر اجتماعهما بل لما كان ~~المقصود بيان الحصر بطل الكلام لعدم الحصر في المذكور فتأمل هذا الموضع فهو ~~صعب دقيق وعلى هذا يكون المراد في الآية انحصار الحجة التامة من الشهادة ~~بعد الرجلين ms105 في الرجل والمرأتين فإنه لا حجة تامة من الشهادة في الشريعة ~~إلا الرجلين والرجل والمرأتين هذا هو المجمع عليه وأما شهادة الصبيان ~~وشهادة أربع نسوة عند الشافعي وشهادة المرأتين وحدهما فيما ينفردان فيه ~~كالولادة فهذه الآية حجة على بطلانها لدلالتها على الحصر في الرجل ~~والمرأتين إلا أن يقال إن الآية إنما سيقت في إثبات الديون والأموال لا ~~الأبدان وجميع هذه الصور في أحكام الأبدان فالحصر حق في الأموال ولم يخالفه ~~أحد ولا تدل على بطلان هذه الصور وأما الشاهد واليمين والنكول وغير ذلك فلم ~~تكمل فيه الحجة من الشهادة بل لا شهادة فيه ألبتة كاليمين والنكول أو بعضه ~~شهادة فقط كالشاهد واليمين فلا توجد حجة تامة مجمع عليها إلا بتينك الحجتين ~~فإذا فرض عدم أحدهما تعين الحصر في الأخرى وإذا وضح لك أن الشرط كما يستعمل ~~في الترتيب فكذلك يستعمل في إثبات الحصر. # والكل حقيقة لغوية فيكون التعليق أعم من الدلالة على الترتيب والدال على ~~الأعم غير دال على الأخص كالحيوان لا يدل على الإنسان والإنسان لا يدل على ~~الرجل والرجل لا يدل على المؤمن فلا يستقيم الاستدلال بصيغة التعليق التي ~~هي أعم من الترتيب على الترتيب بل لا بد من قرائن أخرى وضمائم تضاف لصيغة ~~التعليق حتى تفيد الترتيب وأن ضابط ما يتوقف فيه المشروط على الشرط الشرط ~~الذي لا يراد به الحصر أما متى أريد به الحصر فلا فافهم هذا الموضع فهو من ~~نفائس العلم وجوهره ودقيق المباحث وفيه التنبيه على أنه لا يلزم من عدم ~~الشرط عدم المشروط وأن استدلال الفقهاء به على الترتيب لا يصح كما وضح لك ~~بيانه والله أعلم. # PageV01P107 # الفرق الخامس بين قاعدتي الشرط والاستثناء في الشريعة ~~ولسان العرب) في أن الشرط لا يجوز تأخير النطق به في الزمان ويجوز في ~~الاستثناء ذلك على قول وأن الاستثناء لا يجوز في الشريعة. # ولا في لسان العرب أن يرفع جميع المنطوق به ويبطل حكمه نحو له عندي عشرة ~~إلا عشرة بالإجماع ويجوز أن يدخل الشرط في ms106 كلام يبطل جميعه بالإجماع كقوله ~~أنتن طوالق إن دخلتن الدار فلا تدخل واحد منهن فيبطل جميع الطلاق فيهن ~~وأكرم بني تميم إن أطاعوا الله أو إن جاءوك فلا يجيء أحد فيبطل جميع الأمر ~~بسبب هذا الشرط ولولا هذا الشرط لعم الحكم الجميع فقد باين الشرط الاستثناء ~~في هذه الأحكام ويعم جميع الجمل المنطوق بها بخلاف الاستثناء على قول فإنه ~~يحمل على الجملة الأخيرة على قول نحو أكرم بني تميم وأكرم القوم واخلع ~~عليهم فقد باين الشرط الاستثناء في هذه الأحكام والفرق بين اشتراكهما في أن ~~كل واحد منهما فضلة في الكلام ويتم الكلام دونه فينبغي أن يمتنع إبطال جملة ~~الحكم فيهما تحقيقا لمقتضى اللغة أو يجوز فيهما تسوية بين البابين لكن ~~الفرق أن الاستثناء يخرج من الكلام ما ليس بمراد عما هو مراد فهمه من غير ~~المراد ولعله لو بقي مع المراد لم يختل الحكم # PageV01P108 # وأما الشروط اللغوية فهي أسباب كما تقدم بيانه والسبب ~~متضمن لمقصد المتكلم وهو المصلحة التي لأجلها نصب شرطا وجعل عدمه مؤثرا في ~~العدم فإذا كان متضمنا لمقصد المتكلم والمقاصد شأنها تعجيل النطق وشأنها أن ~~تعم جميع الجمل تكثيرا لمصلحة ذلك المقصد بخلاف الاستثناء إذا لم يعجل به ~~لم يفت به مقصد بل حصل ما ليس بمقصد وذلك فرق عظيم وأما إبطال جميع الكلام ~~بالشرط فلأن الإبطال حالة النطق به غير معلوم فيستتبع الشرط في الجميع فلا ~~يبطل من الكلام شيء وقد يفوت الشرط في الجميع فيبطل الجميع وقد يفوت في ~~البعض فيبطل البعض دون البعض فهذه الأقسام كلها محتملة حالة النطق ولم ~~يتعين منها الإبطال لا للكل ولا للبعض بخلاف الاستثناء الوارد على جميع ~~الكلام يعد الناطق به نادما مقدما على الهذر من القول وما لا فائدة فيه ولا ~~يقول أحد ذلك في الشرط لعدم تعينه وهذا فرق عظيم بينهما في الإبطال وعدمه ~~فظهر الفرق بينهما في الثلاثة الأحكام الجائزة في الشرط الممتنعة في ~~الاستثناء لغة وشرعا. # (الفرق السادس بين قاعدتي توقف الحكم على سببه ms107 وتوقفه على شرطه) فنقول: ~~الحكم إذا ورد مع وصفين ومنع صاحب الشرع من الحكم بدونهما بأي طريق يعلم أن ~~أحدهما سبب والأخر شرط مع اشتراكهما في التوقف عليهما وانتفاء الحكم عند ~~انتفاء كل واحد منهما كوجوب الزكاة عند النصاب والحول فلم قلتم إن النصاب ~~سبب والحول شرط ولم لا عكستم أو سويتم. # والجواب أن الفرق بينهما يعلم بأن الشرط مناسب في غيره والسبب مناسب في ~~ذاته فإن النصاب مشتمل على الغنى ونعمة الملك في نفسه والحول ليس كذلك بل ~~مكمل لنعمة الملك بالتمكن من التنمية في جميع الحول ونبسط ذلك بقاعدة وهي ~~أن الشرع إذا رتب الحكم عقيب أوصاف فإن كانت كلها مناسبة في ذاتها قلنا: ~~الجميع علة ولا نجعل بعضها شرطا كورود القصاص مع القتل العمد العدوان، ~~المجموع علة وسبب؛ لأن الجميع مناسب في ذاته وإن كان البعض مناسبا في ذاته ~~دون البعض. # قلنا: المناسب في ذاته هو السبب والمناسب في غيره هو الشرط كما تقدم ~~مثاله فهذا ضابط الشرط والسبب والفرق بينهما وتحريره. # (الفرق السابع بين قاعدتي أجزاء العلة والعلل المجتمعة) إذا ورد الحكم ~~عقيب أوصاف بم يعلم أنها أجزاء علة أو أنها علل مجتمعة وأي فرق بينهما. # والجواب أن الحكم إذا ثبت عقيب أوصاف ينظر إن كان صاحب الشرع رتب ذلك ~~الحكم مع كل وصف منها إذا انفرد قلنا: هي علل مجتمعة # PageV01P109 # كوجوب الوضوء على من بال ولامس وأمذى فإن كل واحد ~~منها إذا انفرد استقل بوجوب الوضوء وكإجبار الأب لابنته البكر معلل بالصغر ~~والبكارة على الخلاف في ذلك فإذا اجتمعت ترتب الحكم الذي هو الإجبار وإن ~~انفرد الصغر وحده ترتب الحكم وأجبرت الصغيرة الثيب على الخلاف في ذلك وتجبر ~~البكر الكبيرة المعنسة على الخلاف. # وإن وجدنا صاحب الشرع لا يرتب الحكم مع كل واحد منها قلنا: هي علة واحدة ~~مركبة من تلك الأوصاف كالقتل العمد العدوان فبهذا يعلم الفرق بين هاتين ~~القاعدتين وهو ضابطهما وتحريرهما. # (الفرق الثامن بين قاعدتي جزء العلة والشرط) فإن كل واحد منهما ms108 يلزم من ~~عدمه عدم الحكم ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه فتلتبس قاعدة جزء ~~العلة بقاعدة الشرط والفرق بينهما أن الشرط مناسبته في غيره كما تقدم ~~تقريره في الحول في الزكاة وجزء العلة مناسبته في نفسه كجزء النصاب مشتمل ~~على جزء الغنى في ذاته وكأحد أوصاف القتل العمد العدوان مشتمل على مناسبة ~~العقوبة في ذاته فبهذا يعرف كل واحد منهما فيقضى عليه بأنه جزء علة أو شرط. # (الفرق التاسع بين قاعدتي الشرط والمانع) أن الشرط لا بد من تقدمه قبل ~~الحكم وعدمه يوجب العدم في جميع الأحوال التي هو فيها شرط وأما المانع فهو ~~قدر وقع في الشريعة على ثلاثة أقسام القسم الأول ما يمنع ابتداء الحكم ~~وانتهاءه كالرضاع فإنه يمنع ابتداء النكاح ويقطع استمراره إذا طرأ عليه بأن ~~يتزوجها في المهد وترضع من أمه فتصير أخته فيبطل النكاح بينهما والقسم ~~الثاني يمنع ابتداء الحكم دون استمراره كالاستبراء فإنه يمنع ابتداء العقد ~~على المستبرأة فإن طرأ على النكاح بأن تكره على الزنى يجب استبراؤها على ~~الزوج خشية اختلاط نسبه بالمتولد من الزنى ولأنه يلاعن حينئذ إذا تبين له ~~أن الولد من الزنى وتجب عليه الملاعنة ولا يبطل النكاح فهذا يمنع ابتداء ~~النكاح فقط والقسم الثالث مختلف فيه هل يلحق بالأول فيمتنع فيهما أو ~~بالثاني فلا يمتنع التمادي بخلاف المبادي وله صور: الصورة الأولى وجد أن ~~الماء يمنع من التيمم ابتداء على الصحيح. # فإن طرأ الماء بعد الدخول في الصلاة فهل يبطلها أم لا فيه؟ خلاف بين ~~العلماء الصورة الثانية الطول يمنع من نكاح الأمة ابتداء على الصحيح فإن ~~طرأ الطول بعد النكاح للأمة فهل يبطله أم لا؟ خلاف الصورة الثالثة وضع اليد ~~على الصيد يمنع منه الإحرام ابتداء فإن تقدم وضع اليد على الصيد في زمن ~~الحل ثم طرأ الإحرام المانع فهل يمنع من استمرار وضع اليد على الصيد؟ خلاف ~~فقيل: يجب إرساله وقيل: لا يجب. # PageV01P110 # (الفرق العاشر بين قاعدتي الشرط وعدم المانع) فإن ~~القاعدة أن عدم المانع ms109 يعتبر في ترتيب الحكم ووجود الشرط أيضا معتبر في ~~ترتيب الحكم مع أن كل واحد منهما لا يلزمه منه الحكم فقد يعدم الحيض ولا ~~تجب الصلاة ويعدم الدين ولا تجب الزكاة لأجل الإغماء في الأول وعدم النصاب ~~في الثاني وكلاهما يلزمه من فقده أنه العدم ولا يلزم من تقرره وجود ولا عدم ~~فهما في غاية الالتباس ولذلك لم أجد فقيها إلا وهو يقول عدم المانع شرط ولا ~~يفرق بين عدم المانع والشرط ألبتة وهذا ليس بصحيح بل الفرق بينهما يظهر ~~بتقرير قاعدة وهي أن كل مشكوك فيه ملغي في الشريعة فإذا شككنا في السبب لم ~~نرتب عليه حكما أو في الشرط لم نرتب الحكم أيضا أو في المانع رتبنا الحكم ~~فالأول كما إذا شك هل طلق أم لا بقيت العصمة فإن الطلاق هو سبب زوال العصمة ~~وقد شككنا فيه فتستصحب الحال المتقدمة وإذا شككنا هل زالت الشمس أم لا لا ~~تجب الظهر ونظائره كثيرة وأما الشرط فكما إذا شككنا في الطهارة فإنا لا ~~نقدم على الصلاة وأما المانع فكما إذا شككنا في أن زيدا قبل وفاته ارتد أم ~~لا فإنا نورث منه استصحابا للأصل لأن الكفر مانع من الإرث وقد شككنا فيه ~~فنورث فهذه قاعدة مجمع عليها وهي أن كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم الذي يجزم ~~بعدمه فإن قلت: كيف تدعي الإجماع في هذه القاعدة ومذهبك أن من شك في الحدث ~~بعد تقرر الطهارة أن الوضوء يجب فلم يجعل ملك المشكوك فيه كالمتحقق العدم ~~بل هذا مذهب الشافعي رضي الله عنهم أجمعين. # قلت: القاعدة مجمع عليها وإنما انعقد الإجماع هنا على مخالفتها لأجل ~~الإجماع على اعتبارها وبيان هذا الكلام مع أنه مستغلق متناقض الظاهر أن ~~الإجماع منعقد على شغل الذمة بالصلاة والبراءة للذمة من الواجب تتوقف على ~~سبب مبرئ إجماعا والقاعدة أن الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط ضرورة ~~فالشك في الطهارة يوجب الشك في الصلاة الواقعة سببا مبرئا فإن اعتبرنا هذه ~~الصلاة سببا مبرئا كما قاله الشافعي فقد ms110 اعتبرنا المشكوك فيه ولم نصيره ~~كالمحقق العدم وهو خلاف القاعدة المتفق عليها وإن اعتبرنا هذا الحدث ~~المشكوك فيه كما قاله مالك فقد اعتبرنا مشكوكا فيه ولم نصيره كالمحقق العدم ~~وهو خلاف القاعدة المجمع عليها فكلا المذهبين يلزم عليه مخالفة القاعدة ~~فتعين الجزم بمخالفتها وأن هذا الفرع لا يساعد على إعمالها واعتبارها من ~~جميع الوجوه وأنه لا بد من مخالفتها من بعض الوجوه فمالك خالفها في الحدث ~~والشافعي في الصلاة التي سبب براءة الذمة. # لكن مذهب مالك أرجح إذ لا بد من المخالفة لهذه القاعدة فإن الطهارة من ~~باب الوسائل والصلاة من باب المقاصد وانعقد الإجماع على أن الوسائل أخفض ~~رتبة من المقاصد فكانت العناية بالصلاة وإلغاء المشكوك فيه وهو السبب ~~المبرئ منها أولى من رعاية الطهارة وإلغاء الحدث الواقع لها فظهر أن هذا ~~الفرع لا بد فيه # PageV01P111 # من مخالفة هذه القاعدة جزما فلذلك انعقد الإجماع على ~~مخالفتها لأجل اعتبارها بحسب الإمكان وإنما يبقى النظر على مخالفتها من أي ~~الوجوه أولى وقد ظهر أن مذهب مالك أرجح في مخالفتها فظهر حينئذ أن القاعدة ~~مجمع عليها وأن الضرورة دعت لمخالفتها في هذا الفرع وتعذرت مراعاتها فإذا ~~تقررت هذه القاعدة فنقول لو كان عدم المانع شرطا لاجتمع النقيضان فيما إذا ~~شككنا في طريان المانع وبيانه أن القاعدة أن الشك في أحد النقيضين يوجب ~~الشك في الآخر بالضرورة فمن شك في وجود زيد في الدار فقد شك في عدمه من ~~الدار بالضرورة فالشك في أحد النقيضين يوجب الشك في الآخر فإذا شككنا في ~~وجود المانع فقد شككنا في عدمه بالضرورة وعدمه شرط عند هذا القائل. # فنقول: قد شككنا في الشرط أيضا فإذا اجتمع الشك في المانع والشرط اقتضى ~~شكنا في الشرط الذي هو عدم المانع أن لا نرتب الحكم بناء على ما تقدم ~~واقتضى شكنا في المانع أن نرتب بناء على ما تقدم في القاعدة فنرتب الحكم ~~ولا نرتبه وذلك جمع بين النقيضين وإنما جاءنا هذا المحال من اعتقادنا أن ~~عدم المانع شرط فيجب ms111 أن نعتقد أنه ليس بشرط وإذا كان ليس بشرط ظهر الفرق ~~بين عدم المانع والشرط وهو المطلوب. # (الفرق الحادي عشر بين قاعدتي توالي أجزاء المشروط مع الشرط وبين توالي ~~المسببات مع الأسباب) بنصب المثال وتحقيق البحث في ذلك فإذا قال: إن تزوجتك ~~فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي فتزوجها لزمه الطلاق وبانت منه وحرمت عليه به ~~ولزمه الظهار أيضا فإذا عقد عليها لا يطؤها حتى يكفر وإذا قال لها: أنت ~~طالق ثلاثا وأنت علي كظهر أمي لم يلزمه الظهار لأنه قد تقدمه تحريمها ~~بالطلاق فهو صادق في لفظ التحريم بالظهار فلا تلزمه كفارة لأن الكفارة إنما ~~وجبت لكذبه كما تقدم أول الكتاب في الفرق بين الإنشاء والخبر ففي الصورتين ~~تقدم التحريم ولزمه الظهار في إحدى الصورتين دون الأخرى والسر في ذلك الفرق ~~بين قاعدتي ترتيب المشروطات مع الشروط وترتيب المسببات مع الأسباب وذلك أن ~~القائل إذا قال: إن دخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر فدخل الدار فإنه لا ~~يمكننا أن نقول لزمه الطلاق قبل العتق ولا العتق قبل الطلاق بل وقعا مرتبين ~~على الشرط الذي هو دخول الدار من غير ترتيب فلم يتعين تقديم أحدهما ولو قال ~~لعبده: أنت حر ثم قال لامرأته: أنت طالق لجزمنا أنه طلق بعد العتق وأن ~~العتق متقدم لأن تقديم سبب العتق هو قوله أنت حر اقتضى تقدم العتق لأنه ~~مسببه فكذلك إذا قال: إن # PageV01P112 # تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي لا نقول إن ~~الطلاق تقدم على الظهار حتى نمنعه بل الشرط اقتضاهما اقتضاء واحدا فلا ~~ترتيب في ذلك بخلاف قوله أنت طالق ثلاثا وأنت علي كظهر أمي تقدم سبب ~~التحريم الذي هو الطلاق الثلاث فقضينا بتقدمه على الظهار فمنعه فظهر الفرق ~~بين ترتب أجزاء الشرط ومسببات الأسباب وإنما نظير المشروطات بشرط واحد ~~المسببات لسبب واحد لا المسببات لأسباب عديدة كما نقول إذا قال: أنت طالق ~~ثلاثا هذا اللفظ سبب تحريمها إلا بعد زوج وسبب لإباحة أختها ولا نقول إن ~~أحد الحكمين متقدم على ms112 الآخر ولا بعده. # (الفرق الثاني عشر بين قاعدتي الترتيب بالأدوات اللفظية والترتيب ~~بالحقيقة الزمانية) قد التبس الفرق بينهما على جمع كثير من الفضلاء ووقعت ~~مباحث ردية بناء على اللبس بينهما وتقرير الفرق أن الزمان أجزاؤه سيالة ~~مترتبة بذاتها عقلا مستحيلة الاجتماع فلا يتصور أن يوجد أمس الدابر مع ~~اليوم الحاضر ولا أول النهار مع آخره ولا جزء من أجزاء الزمان وإن قل مع ~~غيره من الأجزاء الزمانية وإذا كان الزمان مرتب الأجزاء والأفعال والأقوال ~~واقعة في الزمان ومنقسمة على أجزائه فالواقع في الزمان الماضي من الأقوال ~~والأفعال متقدم على الواقع في الحاضر والمستقبل والواقع منها في الحاضر ~~متأخر عن الماضي ومتقدم على المستقبل وكذلك القول في كل جزء من أجزاء ~~الزمان أنه إذا اشتمل على قول أو فعل كان ذلك القول أو الفعل متقدما على ~~الواقع في الزمان الذي بعده ومتأخرا عن الواقع في الزمن الذي قبله فظهر أن ~~ترتيب أجزاء الزمان يقتضي ترتيب الأقوال والأفعال الواقعة فيها وأن الواقع ~~في المرتب مرتب عقلا لا بوضع لغوي اقتضى ذلك بل ذلك بالعقل الصرف وأما ~~الترتيب بالأدوات اللفظية فهو بالفاء وثم وحتى والسين وسوف ولم ولا ولن وما ~~ونحوها. # فإذا قلت: قام زيد فعمرو كان قيام زيد متقدما على قيام عمرو أو ثم عمرو ~~فكذلك مع تراخ أو قام القوم حتى عمرو يقتضي أيضا تأخر قيام عمرو بسبب أن ~~حتى حرف غاية والقاعدة أن المغيا لا بد أن يثبت قبل الغاية ثم يصل إليها ~~كقولك سرت حتى طلع الفجر فالسير ثابت قبل الفجر متكرر إلى طلوع الفجر وكذلك ~~شأن جميع الغايات وإذا كان قيام عمرو غاية وغاية الشيء طرفه وآخره فيكون ~~متأخرا عن الأول ضرورة وإذا # PageV01P113 # قلت سيقوم زيد وسوف يقوم عمرو وكان قيام زيد قبل قيام ~~عمرو وعمرو بعده لأن سوف أكثر تنفيسا من السين وإذا قلت: لم يقم زيد ولا ~~يقوم عمرو ولن يقوم كان عدم قيام زيد في الماضي وعدم قيام عمرو في المستقبل ~~فقد ترتب العدمان بسبب ms113 أن لن ولا موضوعان لنفي المستقبل ولم ولما موضوعان ~~لنفي الماضي وما وليس موضوعان لنفي الحال ولما كان الماضي والحال والمستقبل ~~مترتبة كان اللفظ الدال على وقوع العدم في واحد منها دالا على الترتيب ~~بالنسبة إلى الآخر فتأمل ذلك فهذا هو الترتيب الذي لا يستقل العقل به بل ~~يستفاد من الوضع اللغوي وربما اختلفت فيه اللغات وربما تبدلت بالنقل العرفي ~~والعقل لا يقبل الاختلاف ولا التبدل إذا تقرر الفرق بين الترتيب بالحقيقة ~~الزمانية وبين الترتيب بالأدوات اللفظية فأذكر ثلاث مسائل دالة على هاتين ~~القاعدتين وأوجه الصواب في تلك المسائل ومن وافق القواعد ومن خالفها. # (المسألة الأولى) قال مالك - رحمه الله تعالى - إذا قال لغير المدخول ~~بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق لزمه الطلاق الثلاث وقال الشافعي: لا ~~يلزمه إلا طلقة واحدة وهو الحق واتفق الإمامان على أنه إذا قال: أنت طالق ~~فأنت طالق أو ثم أنت طالق في غير المدخول بها لا يلزمه إلا طلقة واحدة قال ~~مالك - رحمه الله -. # وفي النسق بالواو إشكال فحصل له فيها توقف ولم يتوقف الشافعي - رضي الله ~~عنه - بل ألزم في الواو طلقة واحدة وهو الحق بسبب أن الزمان يقتضي الترتيب ~~كما تقدم تقريره فقد بانت بالطلقة الأولى قبل نطقه بالطلقة الثانية فلا ~~يلزم لأجل البينونة كما لو قال: فأنت طالق ولا ينبغي أن يثبت في الواو ~~حينئذ إشكال أصلا بل نجزم بتقدم ما نطق به قبلها على ما نطق به بعدها فتبين ~~فلا يلزمه غير الأولى المعطوف عليها بالواو دون المعطوفة بالواو فهذا هو ~~الحق المقطوع به الذي لا تسع مخالفته وأما قول الأصحاب إنه طلق بالأولى ~~ثلاثا ثم فسره بعده ذلك أو بالقياس على قوله أنت طالق ثلاثا فإن الثلاث ~~تعتبر باتفاق ويلزمكم بقوله أنت طالق ثلاثا فإن مقتضى مذهب الشافعي أنه لا ~~تلزمه الثلاث لأنها بانت بقوله أنت طالق أن تبين فلا يلزمه بعد ذلك بقوله ~~ثلاثا شيء والجواب عن الأول أن الكلام في هذا المسألة مع عدم النية فقولهم ms114 ~~نوى ثم فسر لا يستقيم بل إن نوى انعقد الإجماع بين الإمامين على لزوم ما ~~نواه فهذا المدرك باطل قطعا. # وأما القياس على قوله مع عدم نيته أنت طالق ثلاثا فباطل أيضا بسبب فرق ~~عظيم مأخوذ من قاعدة كلية لغوية وهو أن كل لفظ لا يستقل بنفسه إذا لحق لفظا ~~مستقلا بنفسه صار المستقل بنفسه غير مستقل بنفسه ولهذه القاعدة عشرة مثل: # (المثال الأول) إذا قال: له عندي عشرة إلا اثنين لا يلزمه إلا ثمانية مع ~~أن الأقارير عند الحكام في غاية الضيق والحرج ولا تقبل فيها النيات ولا ~~المجازات وما سببه إلا أن قوله عندي عشرة وإن كان كلاما مستقلا بنفسه غير ~~أنه لحقه قوله إلا اثنين وهو كلام لو نطق به وحده لم يستقل فيصير الأول غير ~~مستقل بنفسه وصار المجموع إقرارا بالثمانية فقط ولغا اعتبار اللفظ الأول # PageV01P114 # على سبيل الاستقلال. # (المثال الثاني) قول الحالف والله لا لبست ثوبا كتانا لا يحنث بغير ~~الكتان إجماعا مع أن قوله لا لبست ثوبا عام في ثياب الكتان وغيرها فإذا نطق ~~بقوله كتانا وصف العموم بهذه الصفة المقتضية للتخصيص ولا نية له اختص الحنث ~~بثياب الكتان وحدها بسبب أن قوله لا لبست ثوبا وإن كان كلاما مستقلا بنفسه ~~غير أنه لحقه كتانا وهو لفظ مفرد لا يستقل بنفسه فصار الأول غير مستقل ~~بنفسه وصار المجموع لا يفيد إلا ثياب الكتان وغير ثياب الكتان لم ينطق بها ~~بطريق من الطرق فلا يحنث بها # (المثال الثالث) قول القائل: والله لا كلمته حتى يعطيني حقي فأعطاه حقه ~~ثم كلمه لا يحنث إجماعا بسبب أن قوله لا كلمته وإن كان يقتضي استغراق ~~الأزمان إلى آخر العمر فقد لحقه قوله حتى يعطيني حقي وهو لفظ لو نطق به ~~وحده لم يستقل بنفسه فلما لحق ما هو مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وصار ~~المجموع يقتضي نفي الكلام إلى هذه الغاية فقط وما عداها لا يدخل في اليمين ~~ألبتة باللفظ من غير نية. # (المثال الرابع) قوله والله: ms115 لا كلمتك إن جئتني في الدار أو أنت طالق ~~ثلاثا إن دخلت الدار لا يلزمه قبل الدخول للدار طلاق إجماعا بسبب أن قوله ~~أنت طالق ثلاثا وإن كان كلاما يستقل بنفسه لكنه لما لحق به ما لا يستقل ~~بنفسه صيره غير مستقل بنفسه. # (المثال الخامس) لو قال: اقتلوا المشركين في شهر رمضان لاختص قتلهم ~~برمضان ولو لم يذكره ويقيد به لقتلوا في جميع السنة غير أن المجرور لما لم ~~يستقل بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه وخصصه. # (المثال السادس) لو قال: اقتلوا المشركين أمام زيد لاختص قتلهم بتلك ~~الجهة ومن وجد في غيرها لا يقتل ألبتة لما لم يستقل بنفسه صير الأول غير ~~مستقل بنفسه. # (المثال السابع) لو قال: اقتلوا المشركين عراة لاختص قتلهم بحالة العري ~~ولو لم ينطق به لقتلوا في جميع الأحوال لكنه لما لم يكن كلاما مستقلا بنفسه ~~صير الأول غير مستقل بنفسه. # (المثال الثامن) ليقتل المشركون وزيد أي مع زيد فلا يقتلون إلا إذا وجدوا ~~معه واللفظ قبل ذلك كان يقتضي قتلهم مطلقا لكنه لما لم يكن كلاما مستقلا ~~بنفسه صير الأول غير مستقل بنفسه. # (المثال التاسع) اقتلوا المشركين إذهابا لغيظكم فلا يقتلون بغير هذه ~~العلة ولا بدونها وكانوا قبل ذلك يقتلون مطلقا لكنه لما لم يستقل بنفسه صير ~~الأول غير مستقل بنفسه. # (المثال العاشر) اقتلوا المشركين طلوع الفجر فيمتنع قتلهم في غير هذا ~~الظرف وكانوا يقتلون قبل هذا القيد في جميع الظروف لكنه لما لم يستقل بنفسه ~~صير الأول غير مستقل بنفسه وكذلك البدل والتمييز فهذه اثنا عشر الشرط ~~والغاية والاستثناء والصفة وظرف الزمان وظرف المكان والمجرور والمفعول معه ~~والمفعول من أجله والحال والبدل والتمييز فإذا وضحت هذه القاعدة بمثلها ~~فنقول إذا قال: أنت طالق ثلاثا فإن ثلاثا تفسير لا يستقل بنفسه فيصير الأول ~~غير مستقل بنفسه فلا يلزم به شيء ولا تبين قبل النطق # PageV01P115 # بقوله ثلاثا وقوله أنت طالق أنت طالق أنت طالق الثاني ~~مستقل بنفسه فلا يكر على الأول بالإيقاف والإبطال فتبين بالأول ms116 قبل النطق ~~بالثاني فلا يلزم بالثاني شيء وهذا فرق عظيم ومع هذا الفرق لا يثبت القياس ~~فظهر أن هذه المسألة في غاية الإشكال في مذهب مالك - رحمه الله - وينبغي لو ~~قضى بها قاض لنقض قضاؤه ويمتنع التقليد فيها لوضوح بطلانها. # (المسألة الثانية) ما يروى «أن خطيبا قال عند رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال: رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بئس خطيب القوم أنت» استدل بهذا الحديث من يقول الواو ~~للترتيب ولا دليل فيه لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره بأن يرتب ~~بالحقيقة الزمانية وأن ينطق بلفظ الله أولا ثم يذكر الرسول - عليه السلام - ~~ثانيا فيحصل الترتيب بالتقديم الدال على الاهتمام والتعظيم وقد فات بسبب ~~جمعهما في الضمير فلذلك ذمه لا لأنه لم ينطق بالواو فسقط الاستدلال بهذا ~~الحديث. # (المسألة الثالثة) قوله عز من قائل {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ~~[البقرة: 158] قال الصحابة - رضي الله عنهم -: نبدأ بما بدأ الله به فاستدل ~~به من يقول الواو للترتيب ولا حجة فيه لأن البداءة صرحت بالتقديم بالحقيقة ~~الزمانية المجمع عليها فلم قال هذا المستدل بأن البداءة مضافة لما ذكره من ~~الواو. # (الفرق الثالث عشر بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين وضابط كل واحد ~~منهما وتحقيقه بحيث لا يلتبس بغيره) فنقول: الأفعال قسمان: منها ما تتكرر ~~مصلحته بتكرره ومنها ما لا تتكرر مصلحته بتكرره فالقسم الأول شرعه صاحب ~~الشرع على الأعيان تكثيرا للمصلحة بتكرر ذلك الفعل كصلاة الظهر فإن مصلحتها ~~الخضوع لله تعالى وتعظيمه ومناجاته والتذلل له والمثول بين يديه والتفهم ~~لخطابه والتأدب بآدابه وهذه المصالح تتكرر كلما كررت الصلاة والقسم الثاني ~~كإنقاذ الغريق إذا شاله إنسان فالنازل بعد ذلك في البحر لا يحصل شيئا من ~~المصلحة فجعله صاحب الشرع على الكفاية نفيا للعبث في الأفعال وكذلك كسوة ~~العريان وإطعام الجيعان ونحوهما فهذا ضابط القاعدتين وبه تعرفان وأذكر أربع ~~مسائل # PageV01P116 # لتحقيق القاعدتين. # (المسألة الأولى) أن الكفاية والأعيان كما يتصوران ms117 في الواجبات يتصوران ~~في المندوبات كالآذان والإقامة والتسليم والتشميت وما يفعل بالأموات من ~~المندوبات فهذه على الكفاية والتي على الأعيان كالوتر والفجر وصيام الأيام ~~الفاضلة وصلاة العيدين والطواف في غير النسك والصدقات. # (المسألة الثانية) يكفي في سقوط المأمور به على الكفاية ظن الفعل لا ~~وقوعه تحقيقا. # فإذا غلب على ظن هذه الطائفة أن تلك فعلت سقط عن هذه وإذا غلب على ظن تلك ~~أن هذه فعلت سقط عن تلك وإذا غلب على ظن كل واحدة منهما فعل الأخرى سقط ~~الفعل عنهما سؤال إذا كان الوجوب متقررا على جميع الطوائف فكيف سقط عمن لم ~~يفعل بفعل غيره مع أن فرض الكفاية يقع في الفعل البدني والقاعدة أن الأفعال ~~البدنية لا يجزئ فيها فعل أحد عن أحد وهاهنا أجزأ كصلاة الجنازة والجهاد ~~مثلا وكيف سوى الشرع بين من فعل ومن لم يفعل جوابه أن السقوط هنا ليس ~~بنيابة الغير كما ذكره السائل في القاعدة بل من قاعدة أخرى وهي سقوط الوجوب ~~عن المكلف لعدم حكمة الوجوب لا لأن الغير ناب عن غيره فإذا شال زيد الغريق ~~سقط عن جميع الناس الوجوب لأنه لو بقي لبقي لغير فائدة وحكمة لأن الحكمة ~~حفظ حياة الغريق وقد حصلت فلم تبق بعد ذلك حكمة يثبت الوجوب لأجلها فهذا هو ~~سبب السقوط عن غير الفاعل لا النيابة والتسوية فسبب السقوط عن الفاعل فعله ~~وعن غير الفاعل المعنى المذكور وأما التسوية بين الفاعل وغير الفاعل فما ~~ذلك إلا في معنى السقوط لا في الثواب بل الفاعل يثاب وغير الفاعل لا ثواب ~~له على فعل الغير ألبتة نعم إن كان نوى الفعل فله ثواب نيته. # (المسألة الثالثة) نقل صاحب الطراز أن اللاحق بالمجاهدين وقد كان سقط ~~الفرض عنه يقع فعله فرضا بعدما لم يكن واجبا عليه وطرد غيره هذه القاعدة في ~~جميع فروض الكفاية كمن يلحق بمجهز الأموات من الأحياء وبالساعين في تحصيل ~~العلم من الطلاب فإن ذلك الطالب يقع فعله واجبا وعلل ذلك بأن مصلحة الوجوب ~~لم تحصل ms118 بعد وما وقعت إلا بفعل الجميع فوجب أن يكون فعل الجميع واجبا لأن ~~الواجب يتبع المصالح ويختلف ثوابهم بحسب مساعيهم. # (سؤال) هذه المسألة نقض كبير على حد الواجب بأي حد حددتموه فإن هذا ~~اللاحق بالمجاهدين أو غيرهم كان له الترك إجماعا من غير ذم ولا لوم ولا ~~استحقاق عقاب ومع ذلك فقد وصفتم فعله بالوجوب فقد اجتمع الوجوب وعدم الذم ~~على تركه وذلك يناقض حدود الواجب كلها وهذا سؤال صعب فيلزم إما بطلان تلك ~~الحدود أو بطلان هذه القاعدة والكل صعب جدا والجواب عن هذا السؤال أن نقول: ~~الوجوب في هذه الصور مشروط بالاتصال والاجتماع مع الفاعلين فلا جرم إن ترك ~~مع الاجتماع أثم والترك مع الاجتماع لا يتصور إلا إذا ترك الجميع والعقاب ~~حينئذ متحقق والقاعدة أن الوجوب المشروط بشرط ينتفي عند انتفاء ذلك الشرط ~~فإذا كان منفردا. # PageV01P117 # عنهم يكون شرط الوجوب مفقودا فيذهب الوجوب ولا عجب أن ~~يكون الوجوب مشروطا بشرط الاتصال ومفقودا عند الانفصال كما تقول لزيد: إن ~~اتصلت بعصمة امرأتك أو بقرابة وجبت عليك النفقة. # وإن انفصلت منها لا تجب النفقة فإن عاودتها وجبت وإن فارقتها سقطت كذلك ~~أيضا هاهنا متى اجتمع مع القوم الخارجين للجهاد تقرر الوجوب فإذا أراد أن ~~يفارقهم قلنا لك ذلك فإذا فارقهم بطل الوجوب كذلك أبدا فاندفع السؤال فتأمل ~~ذلك فالسؤال جيد والجواب جيد. # (المسألة الرابعة) مقتضى ما قررتم من ضابط قاعدة فرض الكفاية وقاعدة فرض ~~الأعيان أن لا تكون صلاة الجنازة فرض كفاية وأن تشرع إعادتها كما قال ~~الشافعي - رضي الله عنه - فإن مصلحتها المغفرة للميت ولم تحصل بالقطع ~~والجواب أن مصلحة صلاة الجنازة إما المغفرة ظنا أو قطعا والثاني باطل ~~لتعذره فتعين الأول وقد حصلت المغفرة ظنا بالطائفة الأولى فإن الدعاء مظنة ~~الإجابة فاندرجت صلاة الجنازة في فروض الكفاية وامتنعت الإعادة لحصول ~~المصلحة التي هي معتمد الوجوب كما قاله: مالك ولم تبق إلا مصلحة تكثير ~~الدعاء وهي مصلحة ندبية غير أن الشافعي - رحمه الله - يساعد على أن صلاة ~~الجنازة ms119 لا يتنفل بها ولا تقع إلا واجبة ولا تقع مندوبة أصلا فامتنعت ~~الإعادة وكانت هذه القاعدة وهي تعذر الندب فيها حجة عليه. # (الفرق الرابع عشر بين قاعدتي المشقة المسقطة للعبادة والمشقة التي لا ~~تسقطها) وتحرير الفرق بينهما أن المشاق قسمان: أحدهما لا تنفك عنه العبادة ~~كالوضوء والغسل في البرد والصوم في النهار الطويل والمخاطرة بالنفس في ~~الجهاد ونحو ذلك فهذا القسم لا يوجب تخفيفا في العبادة لأنه قرر معها ~~وثانيهما المشاق التي تنفك العبادة عنها وهي ثلاثة أنواع: نوع في الرتبة ~~العليا كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع فيوجب التخفيف لأن حفظ هذه ~~الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة فلو حصلنا هذه العبادة لثوابها لذهب ~~أمثال هذه العبادة ونوع في المرتبة الدنيا كأدنى وجع في أصبع # PageV01P118 # فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة لشرف ~~العبادة وخفة هذه المشقة النوع الثالث مشقة بين هذين النوعين فما قرب من ~~العليا أوجب التخفيف وما قرب من الدنيا لم يوجبه وما توسط يختلف فيه لتجاذب ~~الطرفين له فعلى تحرير هاتين القاعدتين تتخرج الفتاوى في مشاق العبادات. # فائدة قال بعض العلماء: تختلف المشاق باختلاف رتب العبادات فما كان في ~~نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها فإن العموم بكثرته يقوم ~~مقام العظم كما يسقط التطهر من الخبث في الصلاة التي هي أهم العبادات بسبب ~~التكرار كثوب المرضع ودم البراغيث وكما سقط الوضوء فيها بالتيمم لكثرة عدم ~~الماء والحاجة إليه أو العجز عن استعماله وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع ~~تؤثر فيه المشاق الخفيفة وتحرير هاتين القاعدتين يطرد في الصلاة وغيرها من ~~العبادات وأبواب الفقه فكما وجدت المشاق في الوضوء ثلاثة أقسام متفق على ~~عدم اعتباره ومتفق على اعتباره ومختلف فيه فكذلك تجده في الصوم والحج ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوقان الجائع للطعام عند حضور الصلاة ~~والتأذي بالرياح الباردة في الليلة الظلماء والمشي في الوحل وغضب الحكام ~~وجوعهم المانعين من استيفاء الفكر وغير ذلك وكذلك الغرر والجهالة في البيع ~~ثلاثة أقسام ms120 واعتبر ذلك في جميع أبواب الفقه. # (سؤال) ما ضابط المشقة المؤثرة في التخفيف من غيرها فإنا إذا سألنا ~~الفقهاء يقولون ذلك # PageV01P119 # يرجع إلى العرف فيحيلون على غيرهم ويقولون: لا نجد ~~ذلك ولم يبق بعد الفقهاء إلا العوام وهم لا يصح تقليدهم في الدين ثم إن ~~الفقهاء من جملة أهل العرف فلو كان في العرف شيء لوجدوه معلوما لهم أو ~~معروفا. # (جوابه) هذا السؤال له وقع عند التحقيق وإن كان سهلا في بادي الرأي ~~وينبغي أن يكون الجواب عنه إن لم يرد فيه الشرع بتحديد يتعين تقريبه بقواعد ~~الشرع لأن التقريب خير من التعطيل فيما اعتبره الشرع فنقول: يجب على الفقيه ~~أن يفحص عن أدنى مشاق تلك العبادة المعينة فيحققه بنص أو إجماع أو استدلال ~~ثم ما ورد عليه بعد ذلك من المشاق مثل تلك المشقة أو أعلى منها جعله مسقطا ~~وإن كان أدنى منها لم يجعله مسقطا مثاله التأذي بالقمل في الحج مبيح للحلق ~~بالحديث الوارد عن كعب بن عجرة فأي مرض آذى مثله أو أعلى منه أباح وإلا فلا ~~والسفر مبيح للفطر بالنص فيعتبر به غيره من المشاق. # (سؤال) آخر ما لا ضابط له ولا تحديد وقع في الشرع على قسمين: قسم اقتصر ~~فيه على أقل ما تصدق عليه تلك الحقيقة فمن باع عبدا واشترط أنه كاتب يكفي ~~في هذا الشرط مسمى الكتابة ولا يحتاج إلى المهارة فيها في تحقيق هذا الشرط ~~وكذلك شروط السلم في سائر الأوصاف وأنواع الحرف يقتصر على مسماها دون مرتبة ~~معينة منها والقسم الآخر ما وقع مسقطا للعبادات لم يكتف الشرع في إسقاطها ~~بمسمى تلك المشاق بل لكل عبادة مرتبة معينة من مشاقها المؤثرة في إسقاطها ~~فما الفرق بين العبادات والمعاملات. # (جوابه) العبادات مشتملة على مصالح العباد ومواهب ذي الجلال وسعادة الأبد ~~فلا يليق تفويتها بمسمى المشقة مع يسارة احتمالها ولذلك كان ترك الترخص في ~~كثير من العبادات أولى ولأن تعاطي العبادة مع المشقة أبلغ في إظهار ~~الطواعية وأبلغ في التقرب ولذلك قال: - عليه ms121 السلام - «أفضل العبادات ~~أحزها» أي أشقها وقال: «أجرك على قدر نصبك» وأما المعاملات فتحصل مصالحها ~~التي بذلت الأعواض فيها بمسمى حقائق الشرع والشروط بل التزام غير ذلك يؤدي ~~إلى كثرة الخصام ونشر الفساد وإظهار العناد. # ويلحق بتحرير هاتين القاعدتين الفرق بين قاعدة الصغائر وقاعدة الكبائر ~~والفرق بين قاعدة الكبائر وقاعدة الكفر وما الفرق بين أعلى رتب الصغائر ~~وأدنى رتب # PageV01P120 # الكبائر وما الفرق بين أعلى رتب الكبائر وأدنى رتب ~~الكفر وهذه مواضع شاقة الضبط عسيرة التحرير وفيها غوامض صعبة على الفقيه ~~والمفتي عند حلول النوازل في الفتاوى والأقضية واعتبار حال الشهود في ~~التجريح وعدمه وأنا أخص من ذلك ما تيسر وما لا أعرفه وعجزت قدرتي عنه فحظي ~~منه معرفة إشكاله فإن معرفة الإشكال علم في نفسه وفتح من الله تعالى فأقول: ~~إن الكبيرة قد اختلف فيها هل تختص ببعض الذنوب والمعاصي أم لا فقال إمام ~~الحرمين وغيره: إن كل معصية كبيرة نظرا إلى من عصي بها وكأنهم كرهوا أن ~~تسمى معصية الله تعالى صغيرة إجلالا له تعالى وتعظيما لحدوده مع أنهم ~~وافقوا في الجرح أنه لا يكون بمطلق المعصية وأن من الذنوب ما يكون قادحا في ~~العدالة ومنها ما لا يكون قادحا هذا مجمع عليه وإنما الخلاف في التسمية ~~والإطلاق. # وقال جماعة: بل الذنوب منقسمة إلى صغائر وكبائر وهذا هو الأظهر من جهة ~~الكتاب والسنة والقواعد أما الكتاب فقوله تعالى {وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان} [الحجرات: 7] فجعل الكفر رتبة والفسوق رتبة ثانية والعصيان يلي ~~الفسوق وهو الصغائر فجمعت الآية بين الكفر والكبائر والصغائر وتسمى بعض ~~المعاصي فسقا دون البعض وأما السنة فقوله - عليه السلام - «الكبائر سبع» ~~وعدها إلى آخرها فخص الكبائر ببعض الذنوب وأما القواعد فلأن ما عظمت مفسدته ~~ينبغي أن يسمى كبيرة تخصيصا له باسم يخصه وعلى هذا القول الكبيرة ما عظمت ~~مفسدتها والصغيرة ما قلت مفسدتها فيكون ضابط ما ترد به الشهادة أن يحفظ ما ~~ورد في السنة أنه كبيرة فيلحق به ما في معناه وما قصر عنه في ms122 المفسدة لا ~~يقدح في الشهادة # PageV01P121 # فورد في الحديث الصحيح في مسلم وغيره أنه - عليه ~~السلام - «قيل له: ما أكبر الكبائر يا رسول الله؟ فقال: - عليه السلام - أن ~~تجعل لله ندا وهو خلقك قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خوف أن يأكل معك قلت: ~~ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك» وفي حديث آخر «اجتنبوا السبع الموبقات ~~قيل: وما هن يا رسول الله قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات ~~المؤمنات وأكل الربا وشهادة الزور» وفي بعض الأحاديث وعقوق الوالدين وفي ~~حديث آخر واستحلال بيت الله الحرام وقال بعض العلماء: كل ما نص الله عليه ~~أو رسوله - عليه السلام - وتوعد عليه أو رتب عليه حدا أو عقوبة فهو كبيرة ~~ويلحق به ما في معناه مما ساواه في المفسدة وثبت في الصحيح «أنه - عليه ~~السلام - جعل القبلة في الأجنبية صغيرة» فيلحق بها ما في معناها فتكون ~~صغيرة لا تقدح في العدالة إلا أن يصر عليها فإنه لا كبيرة مع استغفار ولا ~~صغيرة مع إصرار. # (سؤال) ما ضابط قاعدة الإصرار المصير الصغيرة كبيرة وما عدد التكرار ~~المحصل لذلك وكذلك ما ضابط قاعدة تناول المباحات المخلة بالشهادة كالأكل في ~~السوق وغيره جوابه قال بعض العلماء: ينظر في ذلك إلى ما يحصل من ملابسة ~~الكبيرة من عدم الوثوق بفاعلها ثم ينظر إلى الصغيرة فمتى حصل من تكرارها مع ~~البقاء على عدم التوبة والندم ما يوجب عدم الوثوق به في دينه وإقدامه على ~~الكذب في الشهادة فاجعل ذلك قادحا وما لا فلا وكذلك الأمور المباحة متى ~~تكررت. # PageV01P122 # ومتى تكررت الصغيرة مع تخلل التوبة والندم أو من ~~أنواع مختلفة مع عدم اشتمال القلب على العزم على العودة لا يقدح في الشهادة ~~إذا تحرر بالتقريب الكبائر من الصغائر وأن ذلك يرجع إلى عظم المفسدة فنرجع ~~إلى تحرير ما يعلم به الكفر من الكبائر فنقول: أصل الكفر اهتضام جانب ~~الربوبية ولكن ليس ذلك على الإطلاق ms123 فقد يكون الاهتضام بالكبيرة أو بالصغيرة ~~وليستا كفرا بل لا بد من الوصول إلى رتبة خاصة من ذلك وتحريرها أن الكفر ~~قسمان: متفق عليه ومختلف فيه هل هو كفر أم لا فالمتفق عليه نحو الشرك بالله ~~وجحد ما علم من الدين بالضرورة كجحد وجوب الصلاة والصوم ونحوهما والكفر ~~الفعلي نحو إلقاء المصحف في القاذورات وجحد البعث أو النبوات أو وصفه تعالى ~~بكونه لا يعلم أو لا يريد أو ليس بحي ونحوه وأما المختلف فيه فكالتجسيم وأن ~~العبد يخلق أفعاله وأن إرادة الله تعالى ليست. # PageV01P123 # بواجبة النفوذ وأنه تعالى في جهة وأنه ليس بمنزه ونحو ~~ذلك من اعتقادات أرباب الأهواء فلمالك والشافعي وأبي حنيفة والقاضي أبي بكر ~~الباقلاني والأشعري فيهم قولان بالتكفير وعدمه. # وفي التكفير بترك الصلاة قولان قال: مالك والشافعي ليس كفرا وقال ابن ~~حنبل كفر وقال: القاضي أبو بكر من كفر جملة الصحابة فهو كافر لأن تكفيرهم ~~يلزم منه إبطال الشريعة لأنهم أصلها وعنهم أخذت وقال: الشيخ أبو الحسن ~~الأشعري إرادة الكفر كفر وبناء كنيسة يكفر فيها بالله كفر لأنه إرادة الكفر ~~ومن قتل نبيا بقصد إماتة شريعته مع تصديقه فهو كافر ولعل غير القاضي ~~والأشعري يوافقهما في هذه الصورة ومن المجمع عليه فيما علمت قضية إبليس ~~وأنه كفر بها وليس الكفر بسبب ترك السجود ومخالفة الأمر وإلا كان يلزم أن ~~كل عاص كافر وليس الأمر كذلك بل إنما كفر إبليس بنسبة الله تعالى إلى الجور ~~وأنه أمر بالسجود لمن هو أولى أن يسجد له وأن ذلك ليس عدلا لقوله {أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] فهذا منه إشارة إلى ~~التجوير والتسفيه ومن نسب الله تعالى إلى ذلك فلا شك في كفره فهذه الجراءة ~~على الله تعالى هي سبب كفره ولا يقال: إنما كفر بسبب الكبر على آدم لقوله ~~أنا خير منه فإنه كان يلزم منه أن كل متكبر كافر وليس الأمر كذلك نعم أن من ~~تكبر على الله تعالى وعن أن يكون مطيعا له ms124 في أوامره فهو كافر وبالجملة ~~فعلى الفقيه أن يستقرئ كتب الفقهاء في المسائل التي يكفر بها المتفق عليها ~~والمختلف فيها فإذا كمل استقراؤه نظر إلى أقربها إلى عدم التكفير بالنظر ~~السديد إن كان من أهل النظر في هذه المسائل فإنه ليس كل الفقهاء له أهلية ~~النظر في مسائل التكفير. # PageV01P124 # فإذا صح ذلك اعتقد حينئذ أن تلك الرتبة أدنى رتبة ~~التكفير وأن ما دونها أعلى رتبة للكبائر وكذلك إذا استقرأ رتب الكبائر ~~المتفق عليها والمختلف فيها فإذا كمل استقراؤه نظر إلى أقلها مفسدة جعلها ~~أدنى رتب الكبائر والتي دونها هي أعلى رتب الصغائر وأكمل البحث في هذا ~~الموطن بذكر مسألتين. # (المسألة الأولى) اتفق الناس على أن السجود للصنم على وجه التذلل ~~والتعظيم له كفر ولو وقع مثل ذلك في حق الولد مع والده تعظيما له وتذللا أو ~~في حق الأولياء والعلماء لم يكن كفرا والفرق عسير فإن قلت السجود للوالد ~~والعالم يقصد به التقرب إلى الله تعالى فلذلك لم يكن كفرا قلت: وكذلك ~~السجود للصنم فقد كانوا يقولون {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ~~[الزمر: 3] فقد صرحوا بقصد التقرب إلى الله تعالى بذلك السجود فإن قلت الله ~~تعالى أمر بتعظيم الآباء والعلماء ولم يأمر بتعظيم الأصنام بل نهى عنه ~~فلذلك كان كفرا قلت إن كان السجودان في المسألتين متساويين في المفسدة ~~استحال في عادة الله أن يأمر بما هو كفر في بعض المواطن لقوله تعالى {ولا ~~يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7] أي لا يشرعه دينا ومعناه أن الفعل المشتمل ~~على فساد الكفر لا يؤذن فيه ولا يشرع فلا يقال: إن الله تعالى شرع ذلك في ~~حق الآباء والعلماء دون الأصنام. # PageV01P125 # وحقيقة الكفر في نفسه معلومة قبل الشريعة وليست ~~مستفادة من الشرع ولا تبطل حقيقتها بالشريعة ولا تصير غير كفر فحينئذ الفرق ~~مشكل وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يستشكل هذا المقام ويعظم ~~الإشكال فيه. # (المسألة الثانية) نسبة الأفعال إلى الكواكب فيها أقسام: أحدها أن يقال: ~~إنها مدبرة العالم وموجدة ms125 لما فيه ولا شيء وراءها ولا خفاء أن هذا كفر ~~وثانيها أن يقال: إنها فاعلة الآثار في هذا العالم والله سبحانه وتعالى هو ~~المؤثر الأعظم معها فتكون نسبتها إلى أفعالها كنسبة الحيوان إلى أفعاله على ~~رأي المعتزلة وقد قالت المعتزلة: إن كل حيوان يوجد أفعاله بقدرته مستقلا ~~دون الله تعالى وإن قدرة الله تعالى لا تتعلق بمقدوره فالقائل بأن الكواكب ~~كذلك فهل لا نكفره كما أنا لا نكفر المعتزلة على الصحيح من مذاهب العلماء ~~وأن أهل القبلة لا يكفر أحد منهم وهذا القول كان يختاره الشيخ عز الدين بن ~~عبد السلام ومن يقول: الفرق بين الكواكب والحيوانات فلا يكفر معتقد أن ~~الإنسان وغيره من الحيوان يخلق أفعاله لأن التذلل والعبودية ظاهرة عليه فلا ~~يحصل من ذلك كبير اهتضام لجانب الربوبية ويكفر معتقد أن الكواكب فعالة فعلا ~~حقيقيا لأنها في العالم العلوي وأحوالها غائبة عن البشر فربما أدى ذلك إلى ~~اعتقاد استقلالها وفتح أبواب الكفر المجمع عليه والضلال وهذا كان يقوله بعض ~~الفقهاء المعاصرين للشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله تعالى - ~~وثالثها أن يقال: إنها فاعلة فعلا عاديا لا حقيقيا وإن الله تعالى أجرى ~~عادته أن يخلق عندها إذا تشكلت بشكل مخصوص في أفلاكها وتكون في أحوالها ~~وربط الأسباب بها كحال الأدوية والأغذية في العالم السفلي. # PageV01P126 # باعتبار الربط العادي لا الفعل الحقيقي وهذا القسم لم ~~أر أحدا كفر به بل أثم وأخطأ فقط بناء على أن الاستقراء لم يدل على ذلك بل ~~لو كان وقوع ذلك معها أكثريا غالبا كالأدوية أمكن اعتقاد ذلك وجوازه شرعا ~~لكن وجدنا العادة غير منضبطة في ذلك ولا هي أكثرية فكان اعتقاد ذلك خطأ كمن ~~اعتقد أن عقارا معينا يبرئه من الحمى ولم تدل التجربة فيه على ذلك فإن هذا ~~الاعتقاد يكون خطأ. # (الفرق الخامس عشر بين قاعدة الأمر المطلق وقاعدة مطلق الأمر وكذلك الحرج ~~المطلق ومطلق الحرج والعلم المطلق ومطلق العلم والبيع المطلق ومطلق البيع ~~وجميع هذه النظائر من هذه المادة فالقاعدتان مفترقتان ms126 في جميع هذه النظائر) ~~وتقريره أن نقول: إذا قلنا: البيع المطلق فقد أدخلنا الألف واللام على ~~البيع فحصل بسبب ذلك العموم الشامل لجميع أفراد البيع بحيث لم يبق بيع إلا ~~دخل فيه ثم وصفناه بعد ذلك بالإطلاق بمعنى أنه لم يقيد بقيد يوجب تخصيصه من ~~شرط أو صفة أو غير ذلك من اللواحق للعموم مما يوجب تخصيصه فيبقى على عمومه ~~فيتحصل أن البيع المطلق لم يدخله تخصيص مع عموم في نفسه أما إذا قلنا: مطلق ~~البيع فقد أشرنا بقولنا مطلق إلى القدر المشترك بين أنواع جميع البياعات ~~وهو مسمى البيع الذي يصدق بفرد من أفراده ثم أضيف هذا المطلق المشار إليه ~~إلى البيع ليتميز عن مطلق الحيوان ومطلق الأمر ومطلق غيره ومطلقات جميع ~~الحقائق فأضفناه للتمييز فقط وهو المشترك خاصة الذي يصدق بفرد واحد من ~~أفراد البيع # PageV01P127 # فظهر الفرق بين البيع المطلق ومطلق البيع وبه يصدق ~~قولنا إن مطلق البيع حلال إجماعا والبيع المطلق لم يثبت فيه الحل بالإجماع ~~بل بعض البياعات حرام إجماعا ويصدق أن زيدا حصل له مطلق المال ولو بفلس ولم ~~يحصل له المال المطلق وهو جميع ما يتمول من الأموال التي لا نهاية لها ~~وكذلك مطلق النعيم والنعيم المطلق فالأول حاصل دون الثاني ويعلم بذلك الفرق ~~في بقية النظائر. # (الفرق السادس عشر بين قاعدة أدلة مشروعية الأحكام وبين قاعدة أدلة وقوع ~~الأحكام) فأدلة مشروعية الأحكام محصورة شرعا تتوقف على الشارع وهي نحو ~~العشرين وأدلة وقوع الأحكام هي الأدلة الدالة على وقوع الأحكام أي وقوع ~~أسبابها وحصول شروطها وانتفاء موانعها فأدلة مشروعيتها الكتاب والسنة ~~والقياس والإجماع والبراءة الأصلية وإجماع المدينة وإجماع أهل الكوفة على ~~رأي والاستحسان والاستصحاب والعصمة والأخذ بالأخف وفعل الصحابي وفعل أبي ~~بكر وعمر وفعل الخلفاء الأربعة وإجماعهم والإجماع السكوتي وإجماع لا قائل ~~بالفرق فيه وقياس لا فارق ونحو ذلك مما قرر في أصول الفقه وهي نحو العشرين ~~يتوقف كل واحد منها على مدرك شرعي يدل على أن ذلك الدليل نصبه صاحب الشرع ~~لاستنباط الأحكام ms127 وأما أدلة وقوعها فهي غير منحصرة فالزوال مثلا دليل ~~مشروعيته سببا لوجوب الظهر عنده قوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ~~[الإسراء: 78] ودليل وقوع الزوال وحصوله في العالم الآلات الدالة عليه وغير ~~الآلات كالأسطرلاب والميزان وربع الدائرة والشكارية والزرقالية والبنكام ~~والرخامة البسيطة والعيدان المركوزة في الأرض وجميع آلات الظلال وجميع آلات ~~المياه وآلات الطلاب كالطنجهارة وغيرها من آلات الماء وآلات الزمان وعدد ~~تنفس الحيوان إذا قدر بقدر الساعات وغير ذلك من الموضوعات والمخترعات التي ~~لا نهاية لها وكذلك جميع الأسباب والشروط والموانع لا تتوقف على نصب من جهة ~~الشرع بل المتوقف سببية السبب وشرطية الشرط # PageV01P128 # ومانعية المانع أما وقوع هذه الأمور فلا يتوقف على ~~نصب من جهة صاحب الشرع ولا تنحصر تلك الأدلة في عدد ولا يمكن القضاء عليها ~~بالتناهي. # (الفرق السابع عشر بين قاعدة الأدلة وبين قاعدة الحجاج) أما الأدلة فقد ~~تقدمت وتقدم انقسامها إلى أدلة المشروعية وأدلة الوقوع وأما الحجاج فهي ما ~~يقضي به الحكام ولذلك قال: - عليه السلام - «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته ~~من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه» فالحجاج تتوقف على نصب من جهة صاحب ~~الشرع وهي البينة والإقرار والشاهد واليمين والشاهد والنكول واليمين ~~والنكول والمرأتان واليمين والمرأتان والنكول والمرأتان فيما يختص بالنساء ~~وأربع نسوة عند الشافعي وشهادة الصبيان ومجرد التحالف عند مالك فيقتسمان ~~بعد أيمانهما عند تساويهما عند مالك فذلك نحو عشرة من الحجاج هي التي يقضي ~~بها الحاكم فالحجاج أقل من الأدلة الدالة على المشروعية وأدلة المشروعية ~~أقل من أدلة الوقوع كما تقدم فائدة هذه الثلاثة الأنواع موزعة في الشريعة ~~على ثلاث طوائف فالأدلة يعتمد عليها المجتهدون والحجاج يعتمد عليها الحكام ~~والأسباب يعتمد عليها المكلفون كالزوال ورؤية الهلال ونحوهما. # (الفرق الثامن عشر بين قاعدة ما يمكن أن ينوى قربة وقاعدة ما لا يمكن أن ~~ينوى قربة) أما ما لا يمكن أن ينوى قربة فقسمان: أحدهما النظر الأول المفضي ~~إلى العلم بثبوت صانع العالم فإن هذا النظر انعقد الإجماع على أنه لا ms128 يمكن ~~أن ينوى التقرب به فإن قصد التقرب إلى الله تعالى بالفعل فرع اعتقاد وجوده ~~وهو قبل النظر الموصل لذلك لا يعلم ذلك فتعذر عليه القصد للتقرب وهو كمن ~~ليس له شعور بحصول ضيف كيف يتصور منه القصد إلى إكرامه فالنظر الأول يستحيل ~~فيه قصد التقرب وثانيهما فعل الغير تمتنع النية فيه فإن النية مخصصة للفعل ~~ببعض جهاته من الفرض والنفل وغير ذلك من رتب العبادات وذلك يتعذر على ~~الإنسان في فعل غيره بل إنما يتأتى ذلك منه في فعل نفسه # PageV01P129 # وما عدا هذين القسمين تمكن نيته ثم الذي تمكن نيته ~~منه ما شرعت فيه النية ومنه ما لم تشرع فيه النية ثم انقسمت الشرعية بعد ~~ذلك إلى مطلوب وغير مطلوب فغير المطلوب لا ينوى من حيث هو غير مطلوب بل ~~يقصد بالمباح التقوي على مطلوب كما يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل فمن ~~هذا الوجه تشرع نيته لا من جهة أنه مباح والمطلوب في الشريعة قسمان نواه ~~وأوامر فالنواهي لا يحتاج فيها إلى النية شرعا بل يخرج الإنسان من عهدة ~~المنهي عنه بمجرد تركه وإن لم يشعر به فضلا عن القصد إليه نعم إن نوى ~~بتركها وجه الله العظيم حصل له الثواب وصار الترك قربة. # وأما الأوامر فقسمان أيضا. منها: ما تكون صور أفعالها كافية في تحصيل ~~مصالحها فلا يحتاج إلى النية كدفع الديون ورد المغصوب ونفقات الزوجات ~~والأقارب وعلف الدواب ونحو ذلك فهذا القسم مستغن عن النية شرعا فمن دفع ~~دينه غافلا عن قصد التقرب به أجزأ عنه ولا يفتقر إلى إعادته مرة أخرى نعم ~~إن قصد في هذه الصور كلها امتثال أمر الله تعالى حصل له الثواب وإلا فلا. ~~القسم الثاني: ما لا تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته فهذا القسم هو ~~المحتاج إلى النية كالعبادات فإن الصلاة شرعت لتعظيم الرب تعالى وإجلاله ~~والتعظيم إنما يحصل بالقصد ألا ترى أنك لو صنعت ضيافة لإنسان فأكلها غيره ~~من غير قصدك لكنت معظما للأول دون الثاني بسبب قصدك ms129 فما لا قصد فيه لا ~~تعظيم فيه فيلزم أن العبادات كلها يشترط فيها القصد لأنها إنما شرعت لتعظيم ~~الله تعالى فهذا ضابط ما تمكن فيه النية وما لا تمكن فيه النية وضابط ما ~~يحتاج إلى النية مما يمكن وما لا يحتاج شرعا وهذه المباحث مستوعبة في كتاب ~~الأمنية في إدراك النية ومبسوطة أكثر من هذا وهناك مسائل من هذا الباب ~~كثيرة وها أنا أذيل هذا الفرق بأربع مسائل: # (المسألة الأولى) تقدم أن الإنسان لا ينوي إلا فعل نفسه وما هو مكتسب له ~~وذلك. # PageV01P130 # يشكل بأننا ننوي الفرض والنفل مع أن فرضية الظهر مثلا ~~ونفلية الضحى ليستا من فعلنا ولا من كسبنا بل حكمان شرعيان والأحكام ~~الشرعية صفة الله تعالى وكلامه ليست مفوضة للعباد فكيف صحت النية في ~~الأحكام والجواب عنه أن النية تتعلق بغير المكتسب تبعا للمكتسب أما ~~استقلالا فلا وبهذا نجيب عن سؤال صعب وهو أن الإمام ينوي الإمامة في الجمعة ~~وغيرها مع أن فعل الإمام مساو لفعل المنفرد وإذا لم تكن الإمامة فعلا زائدا ~~فهذه نية بلا منوي فلا تتصور والجواب عنه أن متعلق النية كونه مقتدى به ~~وهذا وإن لم يكن من فعله لكن صحت نيته تبعا لما هو من فعله. # (المسألة الثانية) كثير من الفقهاء يعتقد أن الذي نسي صلاة من الخمس وشك ~~في عينها فإنه يصلي خمسا فيقول هذا متردد في نيته ولا تصح النية في التردد ~~فتكون هذه مستثناة من القاعدة وليس كما قالوا بل الشك نصبه الشارع سببا ~~لإيجاب خمس صلوات فهو جازم بوجوب الخمس عليه لوجود سببها الذي هو الشك. # (المسألة الثالثة) النية لا تحتاج إلى نية قال جماعة من الفضلاء لئلا ~~يلزم من ذلك التسلسل ولا حاجة إلى التعليل بالتسلسل بل النية من القاعدة ~~المتقدمة وهي أن صورتها كافية في تحصيل مصلحتها # PageV01P131 # لأن مصلحتها التمييز وهو حاصل بها سواء قصد ذلك أو لم ~~يقصد فاستغنت عن النية # (المسألة الرابعة) قال بعض الفقهاء إذا قصد الإنسان صلاة الظهر مثلا فإذا ~~قال في ms130 نفسه نويت فرض صلاة الظهر مثلا خرجت سنن صلاة الظهر عن أن تكون ~~منوية فلا يثاب عليها وما قاله أحد فيتعين عليه حينئذ أن يقصد لما في الظهر ~~من فرض فينويه وإلى ما فيه من سنة فينويه حتى تبرأ ذمته بالأول ويثاب ~~بالثاني ولم يقل أحد باشتراط نيتين فما الجواب عنه والجواب أن ينوي فرض ~~صلاة الظهر أو صلاة الظهر وتكفي هذه النية المجملة في انسحابها على فروض ~~الصلاة وسننها فإن الشرع لم يشترط التفصيل في النية ولذلك إنه لا يلزمه أن ~~ينوي عدد السجدات وغيرها من أجزاء الصلاة بل يكفي بانسحاب النية على ذلك ~~على وجه الإجمال. # (الفرق التاسع عشر بين قاعدتي ما تشرع فيه البسملة وما لا تشرع فيه ~~البسملة) أفعال العباد ثلاثة أقسام منها ما شرعت فيه البسملة ومنها ما لا ~~تشرع فيه البسملة ومنها ما تكره فيه فالأول كالغسل والوضوء والتيمم على ~~الخلاف وذبح النسك وقراءة القرآن ومنه مباحات ليست بعبادات كالأكل والشرب ~~والجماع والثاني كالصلوات والآذان والحج والعمرة وكالأذكار والدعاء والثالث ~~كالمحرمات لأن الغرض من التسمية حصول البركة في الفعل المبسمل عليه والحرام ~~لا يراد تكبيره وكذلك المكروه وهذه الأقسام تتحصل من تفاريع أبواب الفقه في ~~المذهب فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية من القربات وما لم تشرع فيه فقد وقع ~~البحث فيه مع جماعة من الفضلاء وعسر تحرير ذلك وضبطه وإن بعضهم قد قال: ~~إنها لم تشرع في الأذكار وما ذكر معها لأنها بركة في نفسها فورد عليه قراءة ~~القرآن فإنها من أعظم القربات والبركات مع أنها شرعت فيه فالقصد من هذا ~~الفرق بيان عسره والتنبيه على طلب البحث عن ذلك فإن الإنسان قد يعتقد أن ~~هذا لا إشكال فيه فإذا نبه على الإشكال استفاده وحثه ذلك على طلب جوابه ~~والله تعالى خلاق على الدوام يهب فضله لمن يشاء في أي وقت شاء # (الفرق العشرون بين قاعدة الصوم وقاعدة غيره من الأعمال الصالحة) ورد في ~~الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms131 - أنه قال: «كل عمل ابن ~~آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» فصححه صاحب الشرع بهذه الإضافة ~~الموجبة للتشريف له على غيره مع أن الفتاوى على أن الصلاة أفضل. # PageV01P132 # منه وذلك في الحديث أيضا قال: - عليه الصلاة والسلام ~~- «أفضل أعمالكم الصلاة» وعن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه كتب ~~إلى عماله إن أهم أموركم عندي الصلاة الأثر المشهور ومع ذلك فلا بد لهذه ~~الإضافة والتخصيص من فارق أوجب ذلك وذكر العلماء - رضي الله عنهم - فيه ~~فروقا أحدها: أنه أمر خفي لا يمكن أن يطلع عليه فلذلك نبه على شرفه بخلاف ~~الصلاة والجهاد وغيرهما وأورد عليه الإيمان والإخلاص وأعمال القلوب الحسنة ~~كلها خفية مع أن الحديث تناولها بعمومه وثانيهما أن جوف الإنسان يبقى خاليا ~~فيحصل له شبه وصف الربوبية فإن الصمد هو الذي لا جوف له على أحد الأقوال ~~فيه ويرد عليه الاشتغال بالعلوم فإن العلم من أجل صفات الرب تعالى فمن حصله ~~فقد حصل له شبه عظيم وكذلك الانتقام من المجرمين والإحسان إلى المؤمنين ~~وتعظيم الأولياء والصالحين وكل ذلك إذا صدر من العبد كان فيه التخلق بأخلاق ~~رب العالمين ومع ذلك فهو مفضل عليها بعموم الحديث المتقدم وثالثها أنه اختص ~~بترك الإنسان لشهواته وملاذه في فرجه وفمه وذلك أمر عظيم يوجب الثناء ~~والتشريف بالإضافة المذكورة ويرد عليه أن الجهاد أعظم في ذلك فإن الإنسان ~~فيه مؤثر مهجته وجسده وحياته فيذهب جميع الشهوات تبعا لذهاب الحياة وكذلك ~~الحج يترك فيه العبد المخيط والمحيط والطيب والتنظيف ويفارق الأوطان ~~والأوطار والأهل والأولاد والإخوان ويرتكب الأخطار في الأسفار ومع ذلك فهو ~~بجميع ذلك مفضل عليه بعموم الحديث ورابعها أن جميع العبادات وقع التقرب بها ~~لغير الله تعالى إلا الصوم فإنه لم يتقرب به لغير الله تعالى فلذلك خصص ~~بالإضافة وورد عليه أن الصوم أيضا وقع التقرب به إلى الكواكب فيما يتعاطاه ~~أرباب الاستخدامات للكواكب وخامسها أن الصوم يوجب تصفية الفكر وصفاء العقل ~~وضعف القوى الشهوانية بسبب الجوع وقلة الغذاء ولذلك ms132 قال: - عليه السلام - ~~«لا تدخل الحكمة جوفا ملئ طعاما» وفي حديث آخر «البطنة تذهب بالفطنة» ولا ~~شك أن صفاء العقل وضعف الشهوة البهيمية مما يوجب حصول المعارف الربانية ~~والأحوال السنية وهذه مزية عظيمة توجب التشريف بالإضافة المخصوصة ويرد عليه ~~أن الصلاة ومناجاة الرب سبحانه وتعالى والمراقبة له في ذلك والتزام الأدب ~~معه والخضوع لديه مما يوجب حصول المعارف والأحوال والمواهب الربانية لقوله ~~تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} ~~[العنكبوت: 69] {ويجعل لكم نورا تمشون به} [الحديد: 28] إلى غير ذلك من ~~الآيات الدالة على أن الأعمال الصالحة دالة على سبب المواهب والنور ~~والهداية وجزيل الفضائل فينبغي أن يكون مترتبا على الصلاة أكثر إذا وقعت من ~~المكلف على وجهها لقوله تعالى فيما حكاه نبيه - صلى الله عليه وسلم - عنه ~~«من تقرب إلي شبرا تقربت. # PageV01P133 # إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن ~~أتاني مشيا أتيته هرولة» والمصلي يتقرب أكثر فيكون فضل الله عليه أعظم وذكر ~~مع هذه الوجوه وجوه أخر كلها ضعيفة غير سالمة من النقص ولم أر فيه فرقا تقر ~~به العين ويسكن إليه القلب غير أني أوقفتك على أكثر ما قيل فيه مما هو قوي ~~المناسبة وما يرد على ذلك وأنت من وراء الفحص والبحث عن ذلك. # (الفرق الحادي والعشرون بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى وقاعدة ~~الحمل على أول أجزائه أو الكلية على جزئياتها وهو العموم على الخصوص) وهذا ~~المعنى قد التبس على جمع كثير من فقهاء المذهب وغيرهم وهذا الموضع أصله ~~إطلاق وقع في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الاسم هل يقتضي الاقتصار على ~~أوله أم لا؟ قولان فلما وقع هذا الإطلاق للأصوليين عمل جماعة من الفقهاء ~~على تخريج الفروع عليه على خلاف ما تقتضيه هذه القاعدة ولا بد من بيان ~~قاعدتين: # (القاعدة الأولى) تحقيق الجزئي ما هو وله معنيان: أحدهما كل شخص من نوع ~~كزيد وعمرو وغيرهما من أفراد الإنسان وكذلك كل شخص من نوع كالفرس المعين من ~~نوع الفرس ms133 والحجر المعين من نوع الحجارة ونحو ذلك وثانيهما ما اندرج تحت ~~كلي هو وغيره وهذا أعم من الأول فإنه يصدق بالأشخاص كزيد وعمرو لاندراجهما ~~تحت مفهوم الإنسان والحيوان وغيرهما ويصدق أيضا على الأنواع والأجناس التي ~~ليست بأشخاص لاندراجها تحت كلي هي وغيرها فالإنسان يندرج تحت الحيوان مع ~~الفرس والحيوان مع النبات مندرج تحت النامي والنامي والجماد مندرجان تحت ~~الجسم فهذان هما معنى الجزئي. # (القاعدة الثانية) بيان الجزء وهو الذي لا يعقل إلا بالقياس إلى كل فالكل ~~مقابل للجزء والكلي مقابل للجزئي فالخمسة من العشرة جزء والحيوان من ~~الإنسان جزء والإنسان كل لتركبه من الحيوان والناطق وهاهنا قاعدة وهي أن ~~اللفظ الدال على الكل دال على جزئه في الأمر وخبر الثبوت بخلاف النهي وخبر ~~النفي فإذا أوجب الله تعالى ركعتين فقد أوجب ركعة # PageV01P134 # وإذا قلنا عند زيد نصاب فعنده عشرة دنانير أما إذا ~~نهى الله تعالى عن ثلاث ركعات في الصبح فلا يلزم منه النهي عن ركعتين وإذا ~~قلنا ليس عنده نصاب لا يلزم أن لا يكون عنده عشرة دنانير بل تسعة عشر والسر ~~في ذلك أن النهي يعتمد إعدام الحقيقة وعدم الحقيقة يصدق بعدم جزء واحد منها ~~ولا يتوقف عدمها على عدم جميع أجزائها كما يعدم النصاب بدينار فكذلك خبر ~~النفي أما ثبوت الحقيقة فيتوقف على ثبوت جميع أجزائها فلا يثبت النصاب إلا ~~بثبوت جميع عشرين دينارا وكذلك الأمر بتحصيل المركب يتوقف على تحصيل جميع ~~الأجزاء فلا تحصل الركعتان حتى تتحصل كل واحدة منهما فلذلك دل الأمر وخبر ~~الثبوت على ثبوت الجزء دون النهي وخبر النفي # PageV01P135 # واللفظ الدال على الكلي لا يدل على جزئي من جزئياته ~~مطلقا من غير تفصيل بل إنما يفهم الجزئي من أمر آخر غير اللفظ فإذا قلنا: ~~في الدار جسم لا يدل ذلك على أنه حيوان. # وإذا قلنا: فيها حيوان لا يدل ذلك على أنه إنسان وإذا قلنا: فيها إنسان ~~لا يدل ذلك على أنه مؤمن أو كافر وإذا قلنا: فيها مؤمن لا يدل ذلك على ms134 أنه ~~زيد إذا تقررت هذه القاعدة ظهر أن حمل اللفظ على أدنى مراتب جزئياته لا ~~تكون فيه مخالفة للفظه لعدم دلالته على غير هذا الجزئي أما إذا حملنا اللفظ ~~على أقل الأجزاء فقد خالفنا اللفظ فإنه يدل على الجزء الآخر وما أتينا به ~~ومخالفة لفظ صاحب الشرع لا تجوز بخلاف الأول فإذا قال الله تعالى صوموا ~~رمضان فمن عمد إلى الاقتصار على أقل أجزائه فقد خالف لفظ صاحب الشرع بخلاف ~~ما إذا قال الله تعالى اعتقوا رقبة فعمدنا إلى رقبة تساوي عشرة وتركنا ~~الرقبة التي تساوي ألفا لا نكون مخالفين للفظ صاحب الشرع وبهذا يظهر بطلان ~~قول من يخرج الخلاف في غسل الذكر من المذي هل يقتصر فيه على الحشفة أم لا ~~بد من جملته على هذه القاعدة لأن هذا اقتصار على جزء لا جزئي فهو كالاقتصار ~~على يوم من رمضان فلا يصح وكذلك تخريج الخلاف في التيمم هل هو إلى الكوعين ~~أو إلى المرفقين أو إلى الإبطين على هذه القاعدة لا يصح أيضا فإن الكوع جزء ~~اليد لا جزئي منها فكان كالاقتصار على يوم من رمضان وكل ما هو من هذا ~~القبيل من التخريج ليس بصحيح فتأمله فهو كثير في مذهب مالك وغيره من # PageV01P136 # المذاهب وكذلك حمل اللفظ العام على بعض أفراده ترك ~~لظاهر العموم من غير دليل وهو باطل إجماعا فيجتنب في هذا الباب حمل الكل ~~على بعض أجزائه وحمل الكلية على بعض جزئياتها فهو حمل العام على بعض ~~الخصوصيات فهذه كلها تخريجات باطلة بل التخريج الصحيح في فروع منها فرع ~~الحضانة هل تستحقه الأم إلى الإثغار أو إلى البلوغ قولان يناسب تخريجهما ~~على القاعدة بسبب أن قوله - عليه السلام - «أنت أحق به ما لم تنكحي» كما ~~جاء في الحديث المشهور يقتضي ثبوت الأحقية لها إما غاية معينة فلم يذكرها ~~صاحب الشرع غير غاية تتعلق بها هي وبحالها وهي عدم الزواج إما غاية تتعلق ~~بحاله هو فلم يذكرها صاحب الشرع بل الأحقية فقط وهي تصدق بطرفين فأدناهما ~~الإثغار ms135 وأعلاهما البلوغ فإذا حملنا الحضانة على الإثغار لا نكون مخالفين ~~لمقتضى لفظ الأحقية باعتبار حاله فقد وفينا بالقاعدة مع عدم مخالفة اللفظ. # فإن قلت: فقد خولفت الغاية المقولة بالنسبة إلى حالها هي وهي عدم الزواج ~~قلت: مسلم لكن هذه الغاية هي إشارة إلى المانع وأن زواجها مانع من ترتب ~~الحكم على سببه والمانع وعدمه لا مدخل لهما في ترتب الأحكام بل في عدم ~~ترتبها كما تقدم أن المؤثر في المانع إنما هو وجوده في العدم لا عدمه في ~~الوجود والتخريج إنما وقع فيما اقتضاه اللفظ من موجب الحكم وسببه # PageV01P137 # وما يترتب عليه الثبوت ومنها التفرقة بين الأمة ~~وولدها اختلف العلماء فيه أيضا هل يمنع ذلك إلى البلوغ أو الإثغار وهو ~~المشهور في هذا دون الأول وتخريجه على القاعدة متيسر أيضا حسن بسبب أن قوله ~~- عليه السلام - «لا توله والدة على ولدها» عام في الوالدات والمولودين من ~~جهة أن والدة نكرة في سياق النفي فتعم وولدها اسم جنس أضيف فيعم وعام في ~~الزمان أيضا من جهة أن لا لنفي الاستقبال على جهة العموم ومنه {لا يموت ~~فيها ولا يحيا} [طه: 74] فإن ذلك يعم الأزمنة المستقبلة غير أنه مطلق في ~~أحوال الولد لأن القاعدة أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال. # وإذا كان مطلقا في الأحوال فهو يتناول أمرا كليا يصدق في رتبة دنيا وهي ~~الإثغار ورتبة عليا وهي البلوغ فإذا خرج الخلاف على القاعدة من هذا الوجه ~~استقام لأنه حمل اللفظ على أدنى مراتب جزئياته ولا يخالف اللفظ الدال على ~~الكلي وأما عموم لا فهو راجع إلينا كأنه قال: حرم الله تعالى عليكم ذلك في ~~جميع الأزمنة المستقبلة من زمن هذا الخطاب وليس عمومه بالنسبة إلى الأمهات ~~والأولاد فلم تكن فيه معارضة لعدم العموم في الوالدات فتأمل ذلك ومنها قوله ~~تعالى {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] اختلف ~~العلماء في ذلك هل محمله على أدنى مراتب الرشد وهو الرشد في المال خاصة ~~قاله: مالك أو على أعلى مراتب الرشد ms136 وهو الرشد في المال والدين قاله: ~~الشافعي مع أن الرشد ذكر بصيغة التنكير الدال على المعنى الأعم الذي لا يدل ~~على جزئي خاص فليس في حمله على أدنى الرتب مخالفة للفظ ألبتة ولا من وجه ~~محتمل بخلاف المثالين الأولين فيهما تلك المخالفة التي احتيج للاعتذار عنها ~~ومنها مسألة الحرام إذا قال: أنت علي حرام فهل يحمل على الثلاث أو الواحدة # PageV01P138 # خلاف يصح تخريجه على هذه القاعدة لأن قوله حرام مطلق ~~دال على مطلق التحريم الدائر بين الرتب المختلفة فأمكن حمله على أعلاها أو ~~على أدناها ويلحق بمسألة الحرام ما معها في مذهب مالك من الألفاظ نحو ألبتة ~~والبائن وحبلك على غاربك هل يحمل على أعلى الرتب وهو الثلاث أم لا ومنها ~~مسألة التيمم في قوله تعالى {فتيمموا صعيدا} [النساء: 43] فقوله صعيدا ~~مدلوله أمر كلي يمكن حمله على أدنى الرتب وهو مطلق ما يسمى صعيدا ترابا كان ~~أو غيره من جنس الأرض وهو مذهب مالك - رحمه الله - أو أعلى رتب الصعيد وهو ~~التراب وهو مذهب الشافعي فهذه المسألة أيضا حسنة التخريج على هذه القاعدة ~~من غير معارض من جهة اللفظ ولا المعنى. # ومنها قوله - عليه السلام - «إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول» ~~والمثلية في لسان العرب تصدق بين الشيئين بأي وصف كان من غير شمول فإذا ~~قلت: زيد مثل الأسد كفى في ذلك الشجاعة دون بقية الأوصاف وكذلك زيد مثل ~~عمرو يصدق ذلك حقيقة بمشاركتهما في صفة واحدة فالمثل المذكور في الأذان إن ~~حمل على أعلى الرتب قال: مثل ما يقول إلى آخر الأذان أو على أدنى الرتب ففي ~~التشهد خاصة وهو مشهور مذهب مالك فهذه ست مسائل تنبهك على صحة التخريج على ~~هذه القاعدة والمسائل السابقة تنبهك على التخريج الفاسد عليها لأن الأول من ~~باب الأجزاء وهذه من باب الجزئيات فقد ظهر لك الفرق بينهما والصحيح من ~~الفاسد. # (تنبيه) ليس الخلاف في هذه # PageV01P139 # القاعدة مطلقا في جميع فروعها بل فروعها ثلاثة أقسام: ~~قسم أجمع الناس فيه على الحمل ms137 على أعلى الرتب وهو ما ورد من الأوامر ~~بالتوحيد والإخلاص وسلب النقائص وما ينسب إلى الرب تعالى من التعظيم ~~والإجلال في ذاته وصفاته العليا فهذا القسم الأمر فيه متعلق بأقصى غايته ~~الممكنة للعبيد ومع ذلك فقد قال: - عليه السلام - «لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك» وقسم أجمع الناس فيه على الحمل على أدنى الرتب وهو ~~الأقارير فإذا قال: له عندي دنانير حمل على أقل الجمع وهو ثلاثة وهو أدنى ~~رتبها مع صدقها في الآلاف لكون الأصل براءة الذمة فيقبل تفسيره بأقل الرتب ~~وليس الأصل إهمال جانب الربوبية بل تعظيمها والمبالغة في إجلال الله تعالى ~~لقوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] . # وقال مع ذلك في الآية الأخرى {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] ~~وذلك يقتضي أن جميع الغايات التي وصلوا إليها دون ما ينبغي له تعالى من ~~التعظيم والإجلال فهذا هو الفرق بين القسمين القسم الثالث مختلف فيه وهو ما ~~تقدم من المسائل فهذا تلخيص هذه القاعدة على وجه لا يلتبس بعد ذلك إن شاء ~~الله تعالى. # (الفرق الثاني والعشرون بين قاعدة حقوق الله تعالى وقاعدة حقوق الآدميين) ~~فحق الله أمره ونهيه وحق العبد مصالحه والتكاليف على ثلاثة أقسام حق الله ~~تعالى فقط كالإيمان وتحريم الكفر وحق العباد فقط كالديون والأثمان وقسم ~~اختلف فيه هل يغلب فيه حق الله أو حق. # PageV01P140 # العبد كحد القذف ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه ~~لسقط وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى وهو أمره بإيصال ذلك الحق ~~إلى مستحقه فيوجد حق الله تعالى دون حق العبد ولا يوجد حق العبد إلا وفيه ~~حق الله تعالى وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط فكل ما للعبد إسقاطه فهو الذي ~~نعني به حق العبد وكل ما ليس له إسقاطه فهو الذي نعني بأنه حق الله تعالى ~~وقد يوجد حق الله تعالى وهو ما ليس للعبد إسقاطه ويكون معه حق العبد ~~كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات فإن الله تعالى ms138 إنما حرمها ~~صونا لمال العبد عليه وصونا له عن الضياع بعقود الغرر والجهل فلا يحصل ~~المعقود عليه أو يحصل دنيا ونزرا حقيرا فيضيع المال فحجر الرب تعالى برحمته ~~على عبده في تضييع ماله الذي هو عونه على أمر دنياه وآخرته ولو رضي العبد ~~بإسقاط حقه في ذلك لم يؤثر رضاه وكذلك حجر الرب تعالى على العبد في إلقاء ~~ماله في البحر وتضييعه من غير مصلحة. # ولو رضي العبد بذلك لم يعتبر رضاه وكذلك تحريمه تعالى على المسكرات صونا ~~لمصلحة عقل العبد عليه وحرم السرقة صونا لماله والزنا صونا لنسبه والقذف ~~صونا لعرضه والقتل والجرح صونا لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه ولو رضي العبد ~~بإسقاط حقه من ذلك لم يعتبر رضاه ولم ينفذ إسقاطه فهذه كلها وما يلحق بها ~~من نظائرها مما هو مشتمل على مصالح العباد حق الله تعالى لأنها تسقط ~~بالإسقاط وهي مشتملة على حقوق العباد لما فيها من مصالحهم ودرء مفاسدهم ~~وأكثر الشريعة من هذا النوع كالرضا بولاية الفسقة وشهادة الأراذل ونحوها # PageV01P141 # فتأمل ذلك بما ذكرته لك من النظائر تجده فحجر الرب ~~تعالى على العبد في هذه المواطن لطفا به ورحمة له سبحانه وتعالى. # (تنبيه) : ما تقدم من أن حق الله تعالى أمره ونهيه مشكل بما في الحديث ~~الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حق الله تعالى على ~~العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» فيقتضي أن حق الله تعالى على العباد ~~نفس الفعل لا الأمر به وهو خلاف ما نقلته قبل هذا والظاهر أن الحديث مؤول ~~وأنه من باب إطلاق الأمر على متعلقه الذي هو الفعل وبالجملة فظاهره معارض ~~لما حرره العلماء من حق الله تعالى ولا يفهم من قولنا الصلاة حق الله تعالى ~~إلا أمره بها إذ لو فرضنا أنه غير مأمور بها لم يصدق أنها حق الله تعالى ~~فنجزم بأن الحق هو نفس الأمر لا الفعل وما وقع من ذلك مؤول. # (الفرق الثالث والعشرون بين قاعدة الواجب للآدميين على الآدميين وبين ~~قاعدة ms139 الواجب للوالدين على الأولاد خاصة) وهذا الموضع مشكل بسبب أن كل ما ~~وجب للأجانب وجب للوالدين وقد يجب للوالدين ما لا يجب للأجانب فما ضابط ذلك # PageV01P142 # الحق الواجب للوالدين الذي امتازوا به عن الأجانب هذا ~~هو موضع الإشكال وأنا أقرب ذلك وألخصه بذكر مسائل وفتاوى منقولة عن العلماء ~~تختص بالوالدين فيظهر بعد ذلك تقريب هذا الموضع إن شاء الله تعالى وذلك ~~بثمان مسائل: # (المسألة الأولى) قيل لمالك في مختصر الجامع يا أبا عبد الله لي والدة ~~وأخت وزوجة فكلما رأت لي شيئا قالت: أعط هذا لأختك فإن منعتها ذلك سبتني ~~ودعت علي قال له مالك ما أرى أن تغايظها وتخلص منها بما قدرت عليه أي وتخلص ~~من سخطها بما قدرت عليه. # (المسألة الثانية) وقال فيه لرجل قال له والدي في بلد السودان كتب إلي أن ~~أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك فقال له مالك: أطع أباك ولا تعص أمك وروي أن ~~الليث أمره بطاعة الأم لأن لها ثلثي البر كما حكى الباجي أن امرأة كان لها ~~حق على زوجها فأفتى بعض الفقهاء ابنها بأن يتوكل لها على أبيه فكان يحاكمه ~~ويخاصمه في المجالس تغليبا لجانب الأم ومنعه بعضهم من ذلك قال: لأنه عقوق ~~للأب والحديث إنما دل على أن بره أقل من بر الأم لا أن الأب يعق. # (المسألة الثالثة) قال: في الموازية إذا منعه أبواه من الحج لا يحج إلا ~~بإذنهما إلا الفريضة فنص على وجوب طاعتهما في النافلة وقال في المجموعة: ~~يوافقهما في حجة الفريضة العام والعامين وقال الأصحاب: لا يعصيهما في ~~الخروج للغزو إلا أن يتعين بمفاجأة العدو أو ينذره فيتأخر السنة والسنتين ~~فإن أذنا له وإلا خرج. # (المسألة الرابعة) قال: الغزالي في الإحياء أكثر العلماء على أن طاعة ~~الوالدين واجبة في الشبهات دون الحرام وإن كرها انفراده عنهما في الطعام ~~وجبت عليه موافقتهما ويأكل معهما لأن ترك الشبهة مندوب وترك طاعتهما حرام ~~والحرام مقدم على المندوب ولا يسافر في مباح ولا نافلة إلا بإذنهما ولا ~~يبادر ms140 لحج الإسلام ولا يخرج لطلب العلم إلا بإذنهما إلا علم هو فرض عليه ~~متعين ولم يكن في بلده من يعلمه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وروي ~~في البخاري قال الحسن إذا منعته أمه عن صلاة العشاء في الجماعة شفقة عليه ~~فليعصها قال الشيخ أبو الوليد الطرطوشي في كتاب بر الوالدين لا طاعة لهما ~~في ترك سنة راتبة كحضور الجماعات وترك ركعتي الفجر والوتر ونحو ذلك إذا ~~سألاه ترك ذلك على الدوام بخلاف ما لو دعياه لأول وقت الصلاة وجبت طاعتهما ~~وإن فاتته فضيلة أول الوقت. # (المسألة الخامسة) في صحيح مسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «نادت ~~امرأة ابنها وهو في صومعته يصلي قالت يا جريج فقال: اللهم أمي وصلاتي قال: ~~فقالت: يا جريج. # PageV01P143 # قال: اللهم أمي وصلاتي فقالت: اللهم لا يموت حتى ينظر ~~في وجه المياميس وكانت تأتي إلى صومعته راعية ترعى الغنم فولدت فقيل لها: ~~ممن هذا الولد؟ فقالت: من جريج نزل من صومعته فواقعني» وساق الحديث وهذا ~~الحديث يدل على وجوب طاعة الأم في قطع النافلة ويلزم من ذلك أن لا تكون ~~واجبة بالشروع أو يقال ما وجب بالشروع يقطع للأبوين بخلاف الواجب بالأصالة ~~مع أن في الاستدلال بالحديث نظرا وهو أنه ليس فيه إلا أن الله استجاب ~~دعاءها فيه واستجابة الدعاء لا يتعين أنه لوجوب حق الداعي وأنه مظلوم وقد ~~ثبت في كتاب المنجيات والموبقات في فقه الأدعية أن دعاء الظالم قد يستجاب ~~في المظلوم ويجعل الله تعالى دعاءه سببا لضرر يحصل للمظلوم لأجل ذنب تقدم ~~من المظلوم وعصيانه لله تعالى بغير طريق هذا الداعي كما أن ظلم هذا الظالم ~~ابتداء يكون بسبب ذنوب تقدمت للمظلوم ويكون الظالم سبب وصول العقوبة إليه ~~فكذلك يجعل الله تعالى دعاءه سبب نقمته كما جعل يده ولسانه سببي نقمته ~~والكل بذنوب سالفة للمظلوم فلا يستبعد استجابة دعاء الظالم في المظلوم ~~وإنما كان يمتنع ذلك أن لو كان دعاؤه إنما يستجاب بسبب حق الظالم والظالم ~~ليس له حق فلا ms141 يستجاب وليس كذلك بل يستجاب بسبب حقوق لغيره لقوله تعالى ~~{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] . # وبهذا التقرير يظهر ضعف الاستدلال بهذا الحديث فإنه ليس فيه إلا استجابة ~~الدعاء ومما يدل على تقديم طاعتهما على المندوبات ما في مسلم أن «رجلا قال: ~~يا رسول الله أبايعك على الهجرة والجهاد قال: هل من والديك أحد حي؟ قال: ~~نعم كلاهما قال: فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال: نعم قال: فارجع إلى ~~والديك فأحسن صحبتهما» فجعل - عليه السلام - الكون مع الأبوين أفضل من ~~الكون معه وجعل خدمتهما أفضل من الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لا سيما في أول الإسلام ومع أنه لم يقل في الحديث أنهما منعاه بل هما ~~موجودان فقط فأمره - عليه السلام - بالأفضل في حقه وهو الكون معهما وفرض ~~الجهاد فرض كفاية يحمله الحاضرون عند النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه ~~ويندرج في هذا المسلك غسل الموتى ومواراتهم وجميع فروض الكفاية إذا وجد من ~~يقوم بها وهذا الحديث أعظم دليل وأبلغ في أمر الوالدين فإنه - عليه الصلاة ~~والسلام - رتب هذا الحكم على مجرد وصف الأبوة مع قطع النظر عن أمرهما ~~وعصيانهما # PageV01P144 # وحاجتهما للولد وغير ذلك من الأمور الموجبة لبرهما بل ~~مجرد وصف الأبوة مقدم على ما تقدم ذكره وإذا نص النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - على تقديم صحبتهما على صحبته - عليه السلام - فما بقي بعد هذه ~~الغاية غاية وإذا قدم خدمتهما على فعل فروض الكفاية فعلى النفل بطريق ~~الأولى بل على المندوبات المتأكدة وقد روي في بعض الأحاديث أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من ~~صلاته» لأنه في ذلك الوقت كان الكلام الذي يحتاج إليه في الصلاة مباحا كما ~~كان في أول شرعنا وعلى هذا التقدير يندفع الإشكال ويكون جريج عصى بترك ~~طاعتهما في أمر مباح أو مندوب إليه وهو الصمت حينئذ. # فوائد في الحديث المتقدم: المياميس الزواني جمع زانية ووجه المناسبة أنه ~~لما ms142 منع أمه من النظر إلى وجهه محتجا بالصلاة دعت عليه بأن ينظر إلى وجوه ~~الزواني عقوبة على الامتناع من النظر إلى وجهها ويدل الحديث أيضا على منع ~~السفر المباح إلا بإذنهما فإن غيبة الوجه فيه أعظم ويدل أيضا على وجوب ~~طاعتهما في النوافل ويدل أيضا على أن العقوق يؤاخذ به الإنسان وإن عظم قدره ~~في الزهد والعبادة لأن جريجا كان من أعبد بني إسرائيل وخرقت له العادات ~~وظهرت له الكرامات فما ظنك بغيره إذا عق أبويه ويدل على تحريم أصل العقوق ~~قوله تعالى {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] وإذا حرم هذا القول حرم ما ~~فوقه بطريق الأولى ويدل على مخالفتهما في الواجبات قوله تعالى {وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} [لقمان: 15] وفي الآية ~~فائدتان: الفائدة الأولى أن الأبوين يجب برهما ويحرم عقوقهما وإن كانا ~~كافرين فإنه لا يأمر بالشرك إلا كافر ومع ذلك فقد صرحت الآية بوجوب برهما ~~الفائدة الثانية أن مخالفتهما واجبة في أمرهما بالمعاصي ويؤكد ذلك قوله - ~~عليه السلام - «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . # (المسألة السادسة) قال أبو الوليد الطرطوشي: أما مخالفتهما في طلب العلم ~~فإن كان في بلده يجد مدارسة المسائل والتفقه على طريق التقليد وحفظ نصوص ~~العلماء فأراد أن يظعن إلى بلد آخر فيتفقه فيه على مثل طريقته لم يجز إلا ~~بإذنهما لأن خروجه إذاية لهما بغير فائدة وإن أراد الخروج للتفقه في الكتاب ~~والسنة ومعرفة الإجماع ومواضع الخلاف ومراتب القياس فإن وجد في بلده ذلك لم ~~يخرج إلا بإذنهما وإلا خرج ولا طاعة لهما في منعه لأن تحصيل درجة المجتهدين ~~فرض على الكفاية قال سحنون: من كان أهلا للإمامة وتقليد العلوم ففرض عليه ~~أن يطلبها لقوله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104] ومن لا # PageV01P145 # يعرف المعروف كيف يأمر به أو لا يعرف المنكر كيف ينهى ~~عنه قلت: قد تقدم أن مخالفتهما في الجهاد الذي هو فرض كفاية لا تجوز ms143 كما ~~تقدم في الذي رده - عليه السلام - لأبويه عن الهجرة والجهاد معه لأن الحاضر ~~يقوم مقامه وهذه الفتوى تقتضي أنه تجوز مخالفتهما في فروض الكفاية فبينهما ~~تعارض والجواب عنه أن نقول: العلم وضبط الشريعة وإن كان فرض كفاية غير أنه ~~يتعين له طائفة من الناس وهي من جاد حفظهم ورق فهمهم وحسنت سيرتهم وطابت ~~سريرتهم فهؤلاء هم الذين يتعين عليهم الاشتغال بالعلم فإن عديم الحفظ أو ~~قليله أو سيئ الفهم لا يصلح لضبط الشريعة المحمدية وكذلك من ساءت سيرته لا ~~يحصل به الوثوق للعامة فلا تحصل به مصلحة التقليد فتضيع أحوال الناس وإذا ~~كانت هذه الطائفة متعينة بهذه الصفات تعينت بصفاتها وصار طلب العلم عليها ~~فرض عين فلعل هذا هو معنى كلام سحنون وأبي الوليد والجهاد يصلح له عموم ~~الناس فأمره سهل وليس الرمي بالحجر والضرب بالسيف كضبط العلوم فكل بليد أو ~~ذكي يصلح للأول ولا يصلح للثاني إلا من تقدم ذكره فافهم ذلك. # (المسألة السابعة) قال أبو الوليد: إن أراد سفرا للتجارة يرجو به ما يحصل ~~له في الإقامة فلا يخرج إلا بإذنهما وإن رجا أكثر من ذلك وهو في كفاف وإنما ~~يطلب ذلك تكاثرا فهذا لو أذنا له لنهيناه لأنه غرض فاسد وإن كان المقصود ~~منه دفع حاجات نفسه أو أهله بحيث لو تركه تأذى بتركه كان له مخالفتهما ~~لقوله - عليه السلام - «لا ضرر ولا ضرار» وكما نمنعه من إذايتهما نمنعهما ~~من إذايته فإنه لو كان معه طعام إن لم يأكله هلك وإن لم يأكلاه هلكا قدمت ~~ضرورته عليهما قال: فإن قلت قد قال مالك: إذا احتلم الغلام ذهب حيث شاء ~~وليس لأبويه منعه قال: قلت هذا في الحضانة لأنه قبل البلوغ كان تصرفه بإذن ~~كافله فإذا بلغ ذهب حجر الحضانة وتجدد حجر البر ويؤكد ذلك قول مالك في الذي ~~دعاه أبوه من السودان ومنعته أمه فمنعه مالك من الخروج بغير إذن الأم وقال ~~له: أطع أباك ولا تعص أمك فهو بعد البلوغ يمشي في البلد حيث شاء ms144 دون السفر ~~إلا أن يكون في موضع ريبة وهما يتأذيان به فيمنعانه مطلقا. # (سؤال) قوله تعالى {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232] والنكاح ~~مباح وقد نهي الأب عن منع ابنته فلا تجب طاعته في ترك المباح ولا في ترك ~~المندوب بطريق الأولى. # (جوابه) أن البنت لها حق في الإعفاف والتصون ودفع ضرر مواقعة الشهوة وسد ~~ذرائع الشيطان عنها بالتزويج فإذا كان ذلك حقا لها وأداء الحقوق واجب على ~~الأباء للأبناء ولا يلزم من وجوب الحق عليهم للأبناء جواز إذاية الآباء ~~باستيفاء ذلك الحق ألا ترى أن مالكا في المدونة منع من تحليف الأب في حق له ~~وقال: إن حلفه # PageV01P146 # كان جرحة في حق الولد فالآية ما دلت إلا على الوجوب ~~على الآباء لا على إباحة إذايتهم بالمخالفة. # (المسألة الثامنة) في بيان الواجب من صلة الرحم قال الشيخ الطرطوشي: قال ~~بعض العلماء: إنما تجب صلة الرحم إذا كان هناك محرمية وهما كل شخصين لو كان ~~أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يتناكحا كالآباء والأمهات والإخوة والأخوات ~~والأجداد والجدات وإن علوا والأولاد وأولادهم وإن سفلوا والأعمام والعمات ~~والأخوال والخالات فأما أولاد هؤلاء فليست الصلة بينهم واجبة لجواز ~~المناكحة بينهم ويدل على صحة هذا القول تحريم الجمع بين الأختين والمرأة ~~وعمتها وخالتها لما فيه من قطيعة الرحم وترك الحرام واجب وبرهما وترك ~~إذايتهما واجبة ويجوز الجمع بين بنتي العم وبنتي الخال وإن كن يتغايرن ~~ويتقاطعن وما ذاك إلا أن صلة الرحم بينهما ليست واجبة، وقد لاحظ أبو حنيفة ~~هذا المعنى في التراجع فقال: يحرم التراجع في الهبة بين كل ذي رحم محرم. # (سؤال) ما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - «صلة الرحم تزيد في العمر» ~~وقوله - عليه السلام - «من سره السعة في الرزق والنساء في الأجل فليصل ~~رحمه» مع أن المقدرات لا تزيد ولا تنقص وقد قدر الله تعالى جميع الممكنات ~~ما وجد منها وما لم يوجد في الأزل فتعلقت إرادته القديمة الأزلية بوجود كل ~~ممكن أراد وجوده وبعدم كل ممكن أراد بقاءه على ms145 العدم الأصلي أو أراد عدمه ~~بعد وجوده فجميع الجائزات وجودا أو عدما قد نفذت فيها مشيئته سبحانه وتعالى ~~فكيف بقيت الزيادة بعد ذلك بتيسير سبب من الأسباب. # (جوابه) من العلماء من يقول: إنما ذلك بزيادة البركة فيما قدر في الأزل ~~من الرزق والأجل. # وأما نفس الأجل والرزق المقدرين فلا يقبلان الزيادة قلت: وهذا الجواب ~~عندي ضعيف بسبب أن البركة أيضا من جملة المقدرات فإن كان القدر مانعا من ~~الزيادة فليمنع من البركة في العمر والرزق كما منع من الزيادة فيهما بل هذا ~~الجواب يلزم منه مفسدتان: أحدهما إيهام أن البركة خرجت عن القدر فإن المجيب ~~قد صرح بأن تعلق القدر مانع فحيث لا مانع لا قدر وهذا رديء جدا وثانيهما ~~أنه يقل الرغبة في صلة الرحم بالنسبة لظاهر اللفظ فإنا إذا قلنا لزيد إن ~~وصلت رحمك زادك الله تعالى في عمرك عشرين سنة فإنه يجد من الوقع لذلك ما لا ~~يجده من قولنا إنه لا يزيدك الله تعالى بذلك يوما واحدا بل يبارك لك في ~~عمرك فقط فيختل المعنى الذي قصده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P147 # من المبالغة في الحث على صلة الرحم والترغيب فيها بل ~~الحق أن الله تعالى قدر له ستين سنة مرتبة على الأسباب العادية من الغذاء ~~والتنفس في الهواء ورتب له عشرين سنة أخرى مرتبة على هذه الأسباب وصلة ~~الرحم. # وإذا جعلها الله تعالى سببا أمكن أن يقال: إنها تزيد في العمر حقيقة كما ~~نقول الإيمان يدخل الجنة والكفر يدخل النار بالوضع الشرعي لا بالاقتضاء ~~العقلي ومتى علم المكلف أن الله تعالى نصب صلة الرحم سببا لزيادة النساء في ~~العمر بادر إلى ذلك كما يبادر لاستعمال الغذاء وتناول الدواء والإيمان رغبة ~~في الجنان ويفر من الكفر رهبة من النيران وبقي الحديث على ظاهره من غير ~~تأويل يخل بالحديث على ما تقدم وكذلك القول في الرزق حرفا بحرف وكذلك نقول ~~الدعاء يزيد في العمر والرزق ويدفع الأمراض ويؤخر الآجال وغير ذلك مما شرع ~~فيه الدعاء فهو ms146 من القدر ولا يخل بشيء من القدر بل ما رتب الله سبحانه ~~مقدورا إلا على سبب عادي ولو شاء لما ربطه به ومن هذا الباب الجواب عن سؤال ~~صعب ورد في قوله تعالى {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني ~~السوء} [الأعراف: 188] فقال بعض الفقهاء: هنا سؤال وهو أنه - عليه السلام - ~~إذا علم الغيب والذي في الغيب هو الذي قدره الله تعالى له من الخير فكيف ~~يستكثر من الخير على تقدير الاطلاع على الغيب بل لو قدر الاطلاع على الغيب ~~لبقي على ما هو فيه من الخير والجواب عنه أن الله تعالى قدر الخير والشر في ~~الدنيا والآخرة وجعل لكل مقدور سببا يترتب عليه ويرتبط به ومن جملة الأسباب ~~الأسباب التي جرت عادة الله تعالى بها من العلوم والجهالات فالجهل سبب عظيم ~~في العالم لمفاسد من أمور الدنيا والآخرة وفوات المصالح والعلم سبب عظيم ~~لتحصيل مصالح ودرء مفاسد في الدنيا والآخرة فالملك الذي دفع له السم فأكله ~~فمات منه كيدا من أعدائه إنما قدر الله تعالى أن يموت بالسم مع جهله ~~بتناوله أما لو علمه لم يتناوله. # وكذلك أن الله تعالى إذا كان قد قدر نجاته منه قدر اطلاعه عليه فيسلم ~~فيكون سبب سلامته علمه به فالمقدر على تقدير الجهل نحن نمنع أنه مقدر على ~~تقديره العلم بل المقدر على تقدير العلم ضده فالرزق الحقير إنما قدره الله ~~تعالى لأهله على تقدير جهلهم بالكنوز وعمل الكيمياء وغير ذلك من أسباب ~~الرزق أما مع العلم بهذه الأسباب العظيمة الموجبة في مجرى العادة سعة الرزق ~~فلا نسلم أن الله تعالى قدر ضيق الرزق على هذا التقدير كما نقول ما قدر ~~الله من دخول المؤمنين الجنة إلا على تقدير الإيمان أما مع عدمه فلا نسلم ~~أن الله تعالى قدر لهم الجنة وما قدر للكفار النار إلا على تقدير جهلهم ~~بالله تعالى أما على تقدير علمهم به تعالى فلا نسلم أنه قدر لهم النار وعلى ~~هذه الطريقة يتضح لك أن رسول الله ms147 - صلى الله عليه وسلم - لو اطلع على ~~الغيب لذهبت عنه جهالات كثيرة كثر عنده من الخير ما لم يكن عنده الآن وما ~~مسه السوء ولقد نجزم أن المحنة في أحد وقتل حمزة وغيره إنما قدرها الله ~~تعالى # PageV01P148 # بسبب عدم العلم بأمور وعواقبها في ذلك اليوم ولو قدر ~~حصول العلم بعواقب ذلك اليوم لكان الأمر على خلاف ذلك وبالجملة فقد كثرت لك ~~النظائر لتستيقظ لهذه القاعدة وسر القضاء والقدر فيندفع السؤال وهو موضع ~~حسن. # (فائدة) أطلق جماعة من العلماء القول بأن للأم ثلثي البر لقول النبي - ~~عليه السلام - لما «قال له رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ ~~قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ~~أبوك» وروي ذلك مرتين وروي ثلاثا فعلى رواية مرتين قالوا: يكون لها ثلث ~~البر وعلى رواية ثلاثة يكون لها ثلاثة أرباع البر لأن الأب جاء في المرة ~~الرابعة وهذا يعتقد أنه سهل وليس بالسهل وذلك أن قول السائل أي الناس أحق ~~إنما سأل عن أعلى الرتب فلما أجيب عنها عرفها الرتبة العالية فأخذ يسأل عن ~~الرتبة التي تليها بصيغة ثم التي للتراخي الدالة على تراخي رتبة الفريق ~~الثاني عن الفريق الأول في البر فقال له صاحب الشرع: أمك فلا يكون هذا ~~الجواب مطابقا حتى تكون هذه الرتبة الثانية أخفض رتبة من الأولى وكذلك ~~الأجوبة التي بعدها بتلك الرتب المجاب بها وكما وجب نقصان الرتبة الثانية ~~عن الأولى وجب أيضا نقصان الرتبة الثالثة عن الثانية عملا بثم الدالة على ~~التراخي والنقصان ثم رتبة الأب تكون أخفض الرتب وأقلها وعلى هذا التقدير لا ~~تكون رتبة الأب مشتملة على ثلث البر إذ لو اشتملت لكانت الرتب مستوية. # وقد تقرر أنها مختلفة وأن الأخيرة أقل مما هو أقل وأنه يجب نقصان كل رتبة ~~فضلا عما قبلها فيتعين نقصان الرتبة الأخيرة بمقادير عديدة عن الرتبة ~~الأولى بعد تعدد الأسئلة والأجوبة فيكون نصيب الأب أقل من الثلث بمقدارين ~~على إحدى الروايتين ms148 وثلاث مقادير على رواية الثلاث فيكون نصيب الأب أقل من ~~الثلث وأقل من الربع قطعا فيبطل القول بأنه ثلث البر على إحدى الروايتين ~~وثلاثة أرباع البر على الرواية الأخرى بل أقل بكثير وكما وجب نقصان الأب عن ~~الربع أو الثلث وجب أيضا أن لا يقال: للأم ثلثا البر أو ثلاثة أرباعه لأن ~~الأنصباء المضمومة إليها مختلفة المقادير كما تقدم وإنما يلزم ما قالوا أن ~~لو كانت المقادير مستوية فإن قلت: فهل يتعين ذلك بعد تسليم بطلان المقدار ~~المذكور؟ قلت: ذلك عسير علي وإنما الذي يتيسر لي إيراد السؤال أما تحرير ~~المقدار فلا أعلم إلا أن ثم اقتضت أصل النقصان مع زيادة في النقصان يحصل ~~بها التراخي بثم أما ما مقدار ذلك الذي به حصل فلا يتعين لي بل جزمت ~~بالتفاوت فقط فإن تيسر الضبط في ذلك فاضبطه. # فإن قلت: ثم حرف عطف تقتضي معطوفا ومعطوفا عليه وليس معنا قبلها أو بعدها ~~إلا كلام فيلزم أن تكون معطوفة على نفسها في الرتبة الأولى والثانية ~~والقاعدة العربية أن الشيء لا يعطف على نفسه قلت أيضا: هذا سؤال مشكل يحتاج ~~إلى نظر وتحرير على القواعد العربية والمقاصد الشرعية ثم إن السائل إنما ~~سأل عن غير الأم والتراخي عنها في الرتبة فكيف أجيب بالأم وكيف يقال: إن ~~التراخي عن الأم في البر هو للأم حتى يحصل الجواب به وهذا أيضا # PageV01P149 # إشكال آخر والجواب أن نقول: هذا عطف وكلام محمول على ~~المعنى كأن السائل لما قيل له: أحق الناس وأولاهم أمك قال: فلمن أتوجه ~~بالبر بعد ذلك وأشتغل به قيل له أيضا لأمك فقوبل ما فهم منه من الإعراض عن ~~الأم بالأمر بالملازمة إظهارا لتأكيد حقها فقال: إذا توجهت أيضا إليها ~~وفرغت فلمن أتوجه بعد ذلك أيضا فقيل له: أمك فقوبل أيضا ما فهم منه من ~~الإعراض عن الأم بالبر والملازمة إظهارا لتأكيد حقها فصارت الأم معطوفة على ~~نفسها بنسبتين مختلفتين إلى رتبتين متباينتين فهي بقيد الرتبة الدنيا ~~معطوفة على نفسها بقيد الرتبة والشيء الواحد ms149 إذا أخذ مع وصفين مختلفين صار ~~شيئين مختلفين كما تقول: زيد ابن وأخ وفقيه وتاجر وغير ذلك والموصوف بهذه ~~الصفات واحد غير أنه لما أخذ مع المختلفات صار مختلفا فهذا السر هو المحسن ~~للعطف وإعادة الأم في الرتب وهذا الحديث كما ترى فيه ما فيه من القلق ~~والإشكال مع أنه في بادئ الرأي في غاية الظهور وكم من شيء يكون ظاهرا في ~~بادئ الرأي فإذا اختبر خرج منه غرائب. ### | (فصل) # إذا تقررت هذه المسائل وهذه المباحث ظهر لك الفرق بين قاعدة الواجب ~~للأجانب والواجب للوالدين فإن كل ما يجب للأجانب يجب للوالدين وضابط ما ~~يختص به الوالدان دون الأجانب هو اجتناب مطلق الأذى كيف كان إذا لم يكن فيه ~~ضرر على الابن ووجوب طاعتهما في ترك النوافل وتعجيل الفروض الموسعة وترك ~~فروض الكفاية إذا كان ثم من يقوم بها وما عدا ذلك لا تجب طاعتهم فيه وإن ~~ندب إلى طاعتهم وبرهم مطلقا وكذلك الأجانب يندب برهم مطلقا غير أن الندب في ~~الأبوين أقوى في غير القرب والنوافل ولا ندب في طاعة الأجانب في ترك ~~النوافل بل الكراهة من غير تحريم وأما ما يجب لذوي الأرحام من غير الأبوين ~~فلم أظفر فيه بتفصيل كما وجدت تلك المسائل في الأبوين بل أصل الوجوب من حيث ~~الجملة فهذا هو الذي قدرت عليه في هذا الفرق وقد رأيت جمعا عظيما على طول ~~الأيام يعسر عليهم تحرير ذلك. # (الفرق الرابع والعشرون بين قاعدة ما تؤثر فيه الجهالات والغرر وقاعدة ما ~~لا يؤثر فيه ذلك من التصرفات) وردت الأحاديث الصحيحة في نهيه - عليه السلام ~~- عن بيع الغرر وعن بيع المجهول واختلف العلماء بعد ذلك فمنهم من عممه في ~~التصرفات وهو الشافعي فمنع من الجهالة في الهبة والصدقة والإبراء والخلع # PageV01P150 # والصلح وغير ذلك ومنهم من فصل وهو مالك بين قاعدة ما ~~يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو باب المماكسات والتصرفات الموجبة لتنمية ~~الأموال وما يقصد به تحصيلها وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو ما ~~لا يقصد ms150 لذلك وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طرفان وواسطة فالطرفان: ~~أحدهما معاوضة صرفة فيجتنب فيها ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة كما تقدم ~~أن الجهالات ثلاثة أقسام فكذلك الغرر والمشقة وثانيهما ما هو إحسان صرف لا ~~يقصد به تنمية المال كالصدقة والهبة والإبراء فإن هذه التصرفات لا يقصد بها ~~تنمية المال بل إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه فإنه لم يبذل ~~شيئا بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالات ضاع المال المبذول في ~~مقابلته فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه ~~فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم ~~والمجهول فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعا وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله ~~فإذا وهب له عبده الآبق جاز أن يجده فيحصل له ما ينتفع به ولا ضرر عليه إن ~~لم يجده لأنه لم يبذل شيئا وهذا فقه جميل ثم إن الأحاديث لم يرد فيها ما ~~يعم هذه الأقسام حتى نقول يلزم منه مخالفة نصوص صاحب الشرع بل إنما وردت في ~~البيع ونحوه وأما الواسطة بين الطرفين فهو النكاح فهو من جهة أن المال فيه ~~ليس مقصودا. # وإنما مقصده المودة والألفة والسكون يقتضي أن يجوز فيه الجهالة والغرر ~~مطلقا ومن جهة أن صاحب الشرع اشترط فيه المال بقوله تعالى {أن تبتغوا ~~بأموالكم} [النساء: 24] يقتضي امتناع الجهالة والغرر فيه فلو وجد الشبهين ~~توسط مالك فجوز فيه الغرر القليل دون الكثير نحو عبد من غير تعيين وشورة ~~بيت ولا يجوز على العبد الآبق والبعير الشارد لأن الأول يرجع فيه إلى الوسط ~~المتعارف والثاني ليس له ضابط فامتنع وألحق الخلع بأحد الطرفين الأولين ~~الذي لا يجوز فيه الغرر مطلقا لأن العصمة وإطلاقها ليس من باب ما يقصد ~~للمعاوضة بل شأن الطلاق أن يكون بغير شيء فهو كالهبة فهذا هو الفرق بين ~~القاعدتين والضابط للبابين والفقه مع مالك - رحمه الله - فيه. # (الفرق الخامس والعشرون بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبين قاعدة ms151 ~~النهي عن المشترك) هذا الفرق جليل عظيم دقيق النظر خطير النفع لا يحققه إلا ~~فحول العلماء والفقهاء فاستقبله بعقل سليم وفكر مستقيم وذلك أن الأمر ~~المشترك هو الحقيقة الكلية الموجودة في أفراد عديدة كالرقبة بالنسبة # PageV01P151 # إلى أفراد الرقاب والحيوان بالنسبة إلى جميع ~~الحيوانات ومطلق الإنسان بالنسبة إلى أشخاصه وكل مطلق فهو من هذا القبيل ~~ومدلول كل نكرة فهو حقيقة مشتركة وضابطه عند أرباب المعقول ما لا يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه ومرادهم بذلك ما ذكرته وإذا عرفت حقيقته فاعلم ~~أنه يلزم من نفي المشترك نفي جميع أفراده فإنه إذا انتفى مطلق الحيوان من ~~الدار فقد انتفى جميع أفراده من الدار وإذا انتفى مطلق الإنسان من الدار ~~استحال أن يكون فيها زيد ولا عمرو ولا فرد من الإنسان وهو معنى قول أرباب ~~المعقول: يلزم من نفي الأعم نفي الأخص وإذا تصورت ذلك في النفي فتصوره في ~~النهي فإن معنى النهي الأمر بإعدام هذه الحقيقة وأن لا ندخل في الوجود ~~ألبتة ومقتضى ذلك أن لا يدخل فرد من أفرادها الوجود ألبتة لأنه لو دخل فرد ~~لدخلت هي في ضمنه فصار النهي والنفي من باب واحد فيكون الأمر والثبوت من ~~باب واحد فإن ثبوت الماهية الكلية المشتركة يكفي فيه فرد واحد فمتى كان زيد ~~في الدار كان مطلق الإنسان في الدار ومطلق الحيوان وجميع أجناسه وفصوله ~~تحصل مطلقا فيه. # PageV01P152 # وكذلك إذا أمر آمر بالحقيقة الكلية نحو الأمر بعتق ~~رقبة أو إخراج شاة من أربعين تحقق ذلك بإعتاق عبد معين وإخراج شاة معينة ~~لأن الماهية الكلية في ضمنه وإذا تقرر أن النهي والنفي من باب واحد والأمر ~~والثبوت من باب واحد فاعلم أنه يصدق أن الإنسان واقع وحاصل في جنس الحيوان ~~دون غيره من الأجناس ومع ذلك فلم يعم الإنسان جميع صور الحيوان بل نقول: ~~زيد حاصل في جنس الحيوان ولم يتعد فردا منها ولذلك نقول: الأحكام الشرعية ~~واقعة في الأفعال المكتسبة دون غيرها من الأجناس ومع ذلك لا تعم الأفعال ~~المكتسبة فإن ms152 الحيوانات العجم أفعالها مكتسبة ولا حكم فيها بل نقول الوجوب ~~وحده خاص بالأفعال المكتسبة دون غيرها وهو لم يعمها فعلمنا أن ثبوت الحكم ~~في المشترك لا يقتضي تعميم صوره بل يكفي في ذلك فرد واحد يصدق بسببه أن ذلك ~~الحكم في ذلك المشترك فظهر حينئذ الفرق بين ثبوت الحكم في المشترك وبين ~~النهي عن المشترك ومنه نفي المشترك. # PageV01P153 # تنبيه جليل) اعلم أن نفي المشترك والنهي عنه إنما يعم ~~كما تقدم إذا كان مدلولا عليه بالمطابقة كما تقدم مثاله أما إذا كان مدلولا ~~عليه بطريقة الالتزام فلا يلزم العموم في نفي الأفراد ولا في النهي عنها ~~فإذا قال القائل لغلامه: ألزمتك النهي أو النفي واقع في الدار لا يفهم منه ~~السامع إلا أن النهي حاصل في منهي لم يعينه السيد وأن النفي واقع في الدار ~~باعتبار منفي غير معين عند السامع فإذا عينه بعد ذلك في النهي أو النفي كان ~~ذلك منه تفسيرا يجري مجرى التقييد لذلك المطلق المدلول عليه بالالتزام ولا ~~يكون ذلك مخصصا بعموم ولا معارضا لما تقدم من ظاهر لفظه بخلاف المدلول ~~مطابقة ولو قال: نهيتك عن مطلق الخمر أو نفيت مطلق الخمر من الدار ثم بينه ~~بعد ذلك بخمر مخصوص فإن هذا يكون مخصصا لما تقدم منه من العموم في لفظ ~~الخمر المعرف باللام فظهر بذلك حينئذ الفرق بين المشترك المدلول عليه ~~مطابقة وبين المدلول التزاما وتظهر لك فائدة الفرق في قاعدتين فقهيتين: ~~إحداهما أنه إذا حلف # PageV01P154 # بالطلاق وحنث وله أربع زوجات فإن الطلاق يعمهن إذا لم ~~تكن له نية لأنه ليس البعض أولى من البعض وإلا يلزم الترجيح من غير مرجح ~~قاله: مالك والشافعي وجماعة من العلماء وكذلك إذا قال: الطلاق يلزمني ثم ~~حنث فإن اللفظ إنما هو عام في أفراد الطلاق مطلق في الزوجات فلو حنث عمهن ~~الطلاق فرع حسن فعلى هذا إن قصد في نيته بعضهن ذاهلا عن بعض وقصد ذلك البعض ~~باليمين لزمه فيه وحده والقاعدة الأخرى إذا أتى بصيغة عموم نحو لا ms153 ألبس ~~ثوبا وقصد به بعض الثياب ذاهلا عن بعض فإنه لا ينفعه ذلك لأنك ستقف على ~~الفرق بين قاعدة النية المؤكدة والنية المخصصة وهذا عام يحتاج للتخصيص ~~بالمخصص المخرج المنافي فإذا فقد جرى اللفظ على عمومه لسلامته عن معارضة ~~المخصص وهاهنا لا عموم في المدلول التزاما بل حصل العموم لعدم المرجح فقط ~~فإذا وجد المرجح بنية سقط اعتبار الباقي لوجود المرجح وليس فيه عموم ~~يتقاضاه بل المدرك عدم المرجح وقد زال هذا العدم بوجود المرجح فلزم من وجود ~~النية في البعض. # PageV01P155 # وعدمها في البعض وحصول المقصود من الترجيح وهناك إذا ~~وجدت النية في البعض دون البعض أعمل اللفظ العام في بقية الأفراد لأنه لم ~~يتعرض لإخراجه فإذا قال في صورة الالتزام: نويت البعض وذهلت عن الباقي كفاه ~~ولا تطلق عليه غير المنوية وإذا قال: نويت البعض وذهلت عن الباقي في صورة ~~العموم لم ينفعه ذلك وفروع هاتين القاعدتين كثيرة فتأملها ويكمل لك الكشف ~~عن هذا الموضع بمطالعة الفرق بين النية المخصصة والمؤكدة وهو بعد هذا وقولي ~~الطلاق عام في أفراد الطلاق إنما هو بحسب اللغة غير أنه صار مطلقا لا عموم ~~فيه في عرف الفقهاء والناس ولم أعلم أحدا ألزم به غير طلقة إذا لم تكن له ~~نية ويلزم الشافعية أن يخيروه في هذه الصورة الأخيرة كما خيروه في إحداكن ~~طالق بل هاهنا أولى لعدم ذكر الزوجات وأحقق فقه هذا الفرق بأربع مسائل: # (المسألة الأولى) قوله تعالى {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: ~~3] أثبت الوجوب في القدر المشترك بين جميع الرقاب فلم يعم ذلك جميع صور ~~الرقاب بل يكفي في ذلك صورة واحدة بالإجماع # PageV01P156 # (المسألة الثانية) لو قال صاحب الشرع: حرمت عليكم ~~القدر المشترك بين جميع الخنازير حرم كل خنزير. # (المسألة الثالثة) فإذا قال لنسائه: إحداكن طالق حرمن عليه كلهن بالطلاق ~~بناء على ثلاث قواعد: القاعدة الأولى أن مفهوم أحد الأمور قدر مشترك بينها ~~لصدقه على كل واحد منها والصادق على عدد وأفراد مشترك فيه بين تلك الأفراد ~~القاعدة ms154 الثانية أن الطلاق تحريم لأنه رافع لموجب النكاح والنكاح للإباحة ~~ورافع الإباحة محرم فالطلاق محرم القاعدة الثالثة أن تحريم المشترك يلزم ~~منه تحريم جميع الجزئيات كما تقدم فيحرمن كلهن بالطلاق وهو المطلوب وبهذه ~~القواعد أجبت قاضي القضاة صدر الدين فقيه الحنفية وقاضيها لما قال مذهب ~~مالك يلزم منه خلاف الإجماع لأن الله تعالى أوجب إحدى الخصال في كفارة ~~الحنث فنقول: إضافة الحكم لأحد الأمور إما أن يقتضي التعميم أو لا يقتضي ~~فإن اقتضى التعميم لغة وجب أن يعم الوجوب خصال الكفارة فيجب الجميع وهو ~~خلاف الإجماع وإن لم يقتض العموم وجب أن لا يعم في النسوة لأنه لو عم لعم ~~بغير مقتض فإن التقدير أن. # PageV01P157 # اللفظ لا يقتضي العموم والكلام عند عدم النية فيلزم ~~ثبوت الحكم بغير مقتض وهو خلاف الإجماع فعلم أن مذهب مالك يلزم منه خلاف ~~الإجماع فأجبته بأن قلت: إيجاب إحدى الخصال إيجاب للمشترك ووجوب المشترك ~~يخرج المكلف عن عهدته بفرد إجماعا وأما الطلاق في هذه الصورة فهو تحريم ~~لمشترك فيعم أفراده وأفراده هم النسوة فيعمهن الطلاق وقررت له جميع القواعد ~~المتقدمة فظهر الفرق واندفع السؤال وهو من الأسئلة الجليلة الحسنة فتأمله ~~فلقد أورده على أكابر فلم يجيبوا عنه إلا بقولهم إنما عم الطلاق احتياطا ~~للفروج فإذا قيل لهم: ما الدليل على مشروعية هذا الاحتياط في الشرع لم ~~يجدوه وأما مع ذكر هذه القواعد فتصير هذه المسألة ضرورية بحيث يتعين الحق ~~فيها تعينا ضروريا فتأمل ذلك. # (المسألة الرابعة) قال مالك: إذا أعتق أحد عبيده له أن يختار واحدا منهم ~~فيعينه للعتق بخلاف ما تقدم في الطلاق مع أنه في الصورتين أضاف الحكم ~~للمشترك بين الأفراد وكما أن الطلاق محرم للوطء فالعتق أيضا محرم للوطء ~~وأخذ المنافع بطريق القهر والاستيلاء والفرق حينئذ عسير والجواب أن الطلاق ~~تحريم كما تقدم وأما العتق فهو قربة في جميع الأعصار والأمم. # PageV01P158 # فلو قال: لله علي عتق رقبة فقد أثبت التقرب بالعتق في ~~القدر المشترك بين جميع الرقاب ويخرج عن العهدة بعتق رقبة ms155 واحدة إجماعا ~~ولما أوجب الله تعالى رقبة في الكفارة كفت رقبة واحدة وإذا كان من باب ~~التقرب فهو من باب الأمر وللثبوت في المشترك الذي يكفي فيه فرد بخلاف ~~الطلاق فإنه تحريم كما تقدم ولقوله - عليه السلام - «أبغض الحلال إلى الله ~~الطلاق» والبغضة إنما تصدق مع النهي دون الأمر فلذلك لم يعم في العتق وعم ~~في الطلاق بناء على القواعد المذكورة والمسائل المفروضة وأما تحريم الوطء ~~فهو تابع للعتق وأصله التقرب والأحكام إنما تثبت للألفاظ بناء على ما ~~تقتضيه مطابقة دون ما تقتضيه التزاما فما من أمر إلا ويلزم النهي عن تركه ~~والخبر عن العقاب فيه على تقدير الترك ومع ذلك فلا يقال فيه هو # PageV01P159 # للتكرار بناء على النهي ولا يدخله التصديق والتكذيب ~~بناء على الخبر اللازم بل إنما يعتبر ما يدل اللفظ عليه مطابقة فقط وكذلك ~~النهي يلزمه الأمر بتركه والإخبار عن العقاب على تقدير الفعل ولا يقال هو ~~للوجوب والمرة الواحدة بناء على الأمر ولا يدخله التصديق والتكذيب بناء على ~~الخبر فكذلك الطلاق والعتق الطلاق تحريم ويلزمه وجوب الترك والعتق قربة ~~ويلزمه التحريم فلا تعتبر اللوازم وإنما تعتبر الحقائق من حيث هي فتأمل ~~الفرق وبهذه المسائل والمباحث يتجه الفرق بين ثبوت الحكم في المشترك وبين ~~النهي عن المشترك وعليه مسائل كثيرة في أصول الفقه فتأمله في مواطنه ولا ~~أطول بذكرها بل يكفي ما تقدم ذكره. # PageV01P160 # (الفرق السادس والعشرون بين قاعدة خطاب التكليف ~~وقاعدة خطاب الوضع) وهذا الفرق أيضا عظيم القدر جليل الخطر وبتحقيقه تنفرج ~~أمور عظيمة من الإشكالات وترد إشكالات عظيمة أيضا في بعض الفروع وسأبين لك ~~ذلك في هذا الفرق إن شاء الله تعالى وتحرير القاعدتين أن خطاب التكليف في ~~اصطلاح العلماء هو الأحكام الخمسة الوجوب والتحريم والندب والكراهة ~~والإباحة مع أن أصل هذه اللفظة أن لا تطلق إلا على التحريم والوجوب لأنها ~~مشتقة من الكلفة، والكلفة لم توجد إلا فيهما لأجل الحمل على الفعل أو الترك ~~خوف العقاب وأما ما عداهما فالمكلف في سعة لعدم المؤاخذة ms156 فلا كلفة حينئذ ~~غير أن جماعة يتوسعون في إطلاق اللفظ على الجميع تغليبا للبعض على البعض ~~فهذا خطاب التكليف وأما خطاب الوضع فهو خطاب بنصب الأسباب كالزوال ورؤية ~~الهلاك ونصب الشروط كالحول في الزكاة والطهارة في الصلاة ونصب الموانع ~~كالحيض مانع من الصلاة والقتل مانع من الميراث ونصب التقادير الشرعية وهي ~~إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو المعدوم حكم الموجود كما نقدر رفع الإباحة ~~بالرد بالعيب بعد ثبوتها قبل الرد. ونقول: ارتفع العقد من أصله لا من حينه ~~على أحد القولين للعلماء ونقدر النجاسة في حكم العدم في صور الضرورات كدم ~~البراغيث وموضع الحدث في المخرجين ونقدر وجود الملك لمن قال لغيره أعتق ~~عبدك عني لتثبت له الكفارة والولاء مع أنه لا ملك له ونقدر الملك في دية ~~المقتول خطأ قبل موته حتى يصح فيه الإرث فهاتان من باب إعطاء المعدوم حكم ~~الموجود والأوليان من باب إعطاء الموجود حكم المعدوم وهو كثير في الشريعة ~~ولا يكاد باب من أبواب الفقه ينفك عن التقدير وقد بسطت ذلك في كتاب الأمنية ~~في إدراك النية حيث تكلمت فيها على رفض النية ورفعها بعد وقوعها مع أن رفع ~~الواقع محال عقلا والشرع لا يرد بخلاف العقل وحررت التقادير في هذه المباحث ~~هنالك # فهذا هو تصوير خطاب التكليف وخطاب الوضع. # واعلم أنه يشترط في خطاب التكليف علم المكلف وقدرته على ذلك الفعل وكونه ~~من كسبه بخلاف خطاب الوضع لا يشترط ذلك فيه فلذلك نورث بالإنساب من لا يعلم ~~نسبه ويدخل العبد الموروث في ملكه ويعتق عليه إن كان ممن يعتق عليه مع ~~غفلته عن ذلك وعجزه عن دفعه ويطلق بالإضرار # PageV01P161 # والإعسار اللذين هما معجوز عنهما ويضمن بالإتلاف ~~المغفول عنه من الصبيان والمجانين فإن معنى خطاب الوضع قول صاحب الشرع ~~اعلموا أنه متى وجد كذا فقد وجب كذا أو حرم كذا أو ندب أو غير ذلك هذا في ~~السبب أو يقول عدم كذا في وجود المانع أو عند عدم الشرط. # واستثنى صاحب الشرع من عدم اشتراط العلم ms157 والقدرة في خطاب الوضع قاعدتين # القاعدة الأولى الأسباب التي هي أسباب للعقوبات وهي جنايات كالقتل الموجب ~~للقصاص يشترط فيه القدرة والعلم والقصد فلذلك لا قصاص في قتل الخطأ والزاني ~~أيضا ولذلك لا يجب الحد على المكره ولا على من لا يعلم أن الموطوءة أجنبية ~~بل إذا اعتقد أنها امرأته سقط الحد لعدم العلم وكذلك من شرب خمرا يعتقدها ~~خلا لا حد عليه لعدم العلم وكذلك جميع الأسباب التي هي جنايات وأسباب ~~للعقوبات يشترط فيها العلم والقصد والقدرة والسر في استثناء هذه القاعدة من ~~خطاب الوضع أن رحمة صاحب الشرع تأبى عقوبة من لم يقصد الفساد ولا يسعى فيه ~~بإرادته وقدرته بل قلبه مشتمل على العفة والطاعة والإنابة فمثل هذا لا ~~يعاقبه صاحب الشرع رحمة ولطفا. # القاعدة الثانية التي استثنيت من خطاب الوضع فاشترط فيها العلم والقدرة ~~قاعدة أسباب انتقال الأملاك كالبيع والهبة والوصية والصدقة والوقف والإجارة ~~والقراض والمساقاة والمغارسة والجعالة وغير ذلك مما هو سبب انتقال الأملاك ~~فمن باع وهو لا يعلم أن هذا اللفظ أو هذا # PageV01P162 # التصرف يوجب انتقال الملك لكونه عجميا أو طارئا على ~~بلاد الإسلام لا يلزمه بيع وكذلك جميع ما ذكر معه وكذلك من أكره على البيع ~~فباع بغير اختياره وقدرته الناشئة عن داعيته الطبيعية لا يلزمه البيع وكذلك ~~جميع ما ذكر معه وسر استثناء هذه القاعدة من قاعدة خطاب الوضع قوله - عليه ~~السلام - «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» ولا يحصل الرضا إلا مع ~~الشعور والإرادة والمكنة من التصرف فلذلك اشترط في هذه القاعدة العلم ~~والإرادة والقدرة. إذا تقرر هذا تقرر شرط خطاب التكليف دون خطاب الوضع وظهر ~~الفرق فأزيده بيانا بذكر ثلاث مسائل (المسألة الأولى) # اعلم أن خطاب الوضع قد يجتمع مع خطاب التكليف وقد ينفرد كل واحد منهما ~~بنفسه أما اجتماعهما فكالزنى فإنه حرام ومن هذا الوجه هو خطاب تكليف وسبب ~~للحد ومن هذا الوجه هو خطاب وضع والسرقة من جهة أنها محرمة خطاب تكليف ومن ~~جهة أنها سبب القطع ms158 خطاب وضع وكذلك بقية الجنايات محرمة وهي أسباب العقوبات ~~والبيع مباح أو مندوب أو واجب أو حرام على قدر ما يعرض له في صوره على ما ~~هو مبسوط في كتب الفقه فمن هذا الوجه هو خطاب تكليف ومن جهة أنه سبب انتقال ~~الملك في البيع الجائز أو التقدير في الممنوع هو خطاب وضع وبقية العقود ~~تتخرج على هذا المنوال وأما انفراد خطاب الوضع فكالزوال ورؤية الهلال ~~ودوران الحول ونحوها فإنها من خطاب الوضع وليس فيها أمر ولا نهي ولا إذن من ~~حيث هي كذلك بل إنما وجد الأمر في أثنائها وترتبها فقط وأما خطاب التكليف ~~بدون خطاب الوضع فكأداء الواجبات واجتناب المحرمات كإيقاع الصلوات وترك ~~المنكرات فهذه من # PageV01P163 # خطاب التكليف ولم يجعلها صاحب الشرع سببا لفعل آخر ~~نؤمر به أو ننهى عنه بل وقف الحال عند أدائها وترتبها على أسبابها وإن كان ~~صاحب الشرع قد جعلها سببا لبراءة الذمة وترتيب الثواب ودرء العقاب غير أن ~~هذه ليست أفعالا للمكلف ونحن لا نعني بكون الشيء سببا إلا كونه وضع سببا ~~لفعل من قبل المكلف فهذا وجه اجتماعهما وافتراقهما. (المسألة الثانية) ~~الصبي إذا أفسد مالا لغيره وجب على وليه إخراج الجابر من مال الصبي ~~فالإتلاف سبب للضمان وهو من خطاب الوضع فإذا بلغ الصبي ولم تكن القيمة أخذت ~~من ماله وجب عليه إخراجها من ماله بعد بلوغه فقد تقدم السبب في زمن الصغر ~~وتأخر أثره إلى بعد البلوغ ومقتضى هذا أن ينعقد بيعه ونكاحه وطلاقه فإنها ~~أسباب من باب خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه التكليف ولا العلم ولا الإرادة ~~فينعقد من الصبيان العالمين الراضين بانتقال أملاكهم وتتأخر الأحكام إلى ~~بعد البلوغ فيقضى حينئذ بالتحريم في الزوجة في الطلاق كما تأخر الضمان عليه ~~ووجوب دفع القيمة إلى بعد البلوغ وكذلك يتأخر لزوم تسليم المبيع إلى بعد ~~البلوغ وبقية الآثار كذلك قياسا على الضمان ولم أر أحد قال به # (والجواب) بذكر الفرق بين الضمان وبين هذه الأمور من وجهين # (الوجه الأول) أن هذه ms159 الأمور يشترط فيها الرضا لأنها وإن كانت من باب ~~خطاب الوضع غير أنه قد تقدم استثناء قاعدة انتقال الأملاك من قاعدة خطاب ~~الوضع وأنه يشترط فيها الرضا والطلاق فيه إسقاط عصمة فهو من باب ترك ~~الأملاك وكذلك العتق أيضا هو إسقاط ملك فاشترط فيه الرضا ولما كان الصبي ~~غير عالم بالمصالح لنقصان عقله وعدم معرفته بها جعل الشرع رضاه كعدمه ~~والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا فهو غير راض وغير الراضي لا يلزمه طلاق ولا بيع ~~فكذلك الصبي بخلاف قاعدة الإتلافات لا أثر للرضى فيها ألبتة فاعتبرت منه # (الوجه الثاني) أن أثر الطلاق التحريم وهو ليس أهلا له وأثر البيع إلزام ~~تسليم المبيع والصبي ليس أهلا للتكليف بالتحريم والإلزام فإن قيل فلم لا ~~تتأخر هذه الأحكام إلى بعد البلوغ كما تأخر إلزام دفع القيمة قلت الفرق أن ~~تأخر المسببات عن أسبابها على خلاف الأصل وإنما خالفنا هذا الأصل في ~~الإتلاف لضرورة حق الآدمي في جبر ماله لئلا يذهب مجانا فتضيع الظلامة وهذه ~~ضرورة عظيمة ولا ضرورة تدعونا لتقديم الطلاق وتأخير التحريم بل إذا أسقطنا ~~الطلاق واستصحبنا العصمة لم يلزم فساد ولا تفوت ضرورة وكذلك إذا أبقينا # PageV01P164 # الملك في المبيع للصبي كنا موافقين للأصل ولا يلزم ~~محذور ألبتة أما لو أسقطنا إتلافه ولم نعتبره لضاع مال المجني عليه وتلف ~~وتعين ضرره وهذا فرق كبير فتأمله. (المسألة الثالثة) الطهارة والستارة ~~واستقبال الكعبة في الصلاة فتاوى علمائنا متظافرة على أنها من الواجبات مع ~~أن المكلف لو توضأ قبل الوقت واستتر واستقبل القبلة ثم جاء الوقت وهو على ~~تلك الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلا ألبتة في هذه الثلاثة أجزأته صلاته ~~إجماعا وفعله قبل الوقت لا يوصف بالوجوب فإن الوجوب في هذه الأمور إنما يقع ~~تبعا لطرءان السبب الذي هو الزوال ونحوه من أوقات الصلوات فقبل سبب الوجوب ~~لا وجوب وإذا عدم الواجب في هذه الأفعال اتجه الإشكال من قاعدة أخرى وهي أن ~~غير الواجب لا يجزئ عن الواجب وإن علم الواجب لا يخرج عن ms160 عهدته إلا بفعل ~~يفعل لا بغير فعل ألبتة فهذا مخالف لقواعد الشرع # PageV01P165 # وعند توجه هذه الإشكالات اضطربت أجوبة الفقهاء ~~واختلفت أفكارهم فقال القاضي أبو بكر بن العربي أقول الوضوء واجب وجوبا ~~موسعا قبل الوقت وفي الوقت والواجب الموسع يجوز تقديمه وتأخيره ويقع على ~~التقديرين واجبا فما أجزأ عن الواجب إلا واجب وهذا أحسن الأجوبة التي ~~رأيتها وهو لا يصح بسبب أن الواجب الموسع في الشريعة إنما عهد بعد طرءان ~~سبب الوجوب أما وجوب قبل سببه فلا يعقل في الشريعة لا مضيقا ولا موسعا ~~وأوقات الصلوات نصبها صاحب الشرع أسبابا لوجوبها فلا تجب قبلها ولا تجب ~~شرائطها ووسائلها قبل وجوبها فإن القاعدة الشرعية أن وجوب الوسائل تبع ~~لوجوب المقاصد ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بعد وجوب الواجب ~~الأصلي أما قبل وجوبه فهو غير معقول هذا ما على هذا الجواب وقال غيره هذه ~~الأمور تقع غير واجبة وتجزئ عن الواجب بالإجماع فهي مستثناة بالإجماع ~~فاندفع السؤال وهذا ليس بجيد فإن الاستثناء على خلاف الأصل ولا نسلم أن ~~الإجماع # PageV01P166 # منعقد على أنها مستثناة بل على أنها مجزئة. # أما الاستثناء فلا نسلمه وقال ثالث الموجود من الفعل بعد دخول الوقت في ~~هذه الأمور هو الواجب وهو لا بد أن يستصحب ثوبه واستقباله وطهارته وملازمة ~~الشيء واستصحابه فعل من المكلف فهذا هو الذي أجزأ عن الواجب وهذا أيضا غير ~~جيد بسبب أنا نضيق الفرض في الثوب والقبلة ونفرضه قبل الوقت على تلك الهيئة ~~بحيث لا يجدد شيئا بعد دخول الوقت حتى يحرم ولا نسلم أن دوام الثوب عليه ~~فعل له ولا دوام الطهارة بدليل أنه لو غفل عن كونه متطهرا ومستقبلا ولابسا ~~وصلى صحت صلاته ومع الغفلة يمتنع الفعل لأن من شرط الفعل الشعور ولا شعور ~~فلا فعل وهذا التضييق يحسم مادة هذا الجواب فإن قلت فلم حنثته بدوام لبس ~~الثوب إذا حلف لا يلبس ثوبا وهو لابسه أو لا يدخل دارا وهو فيها على أحد ~~القولين مع أنه ليس معه ms161 إلا الاستصحاب فدل ذلك على أنه فعل وإذا كان فعلا ~~هناك كان فعلا هنا قلت الإيمان يكفي فيها شهادة العرف كان فيها فعل أم لا ~~فقد نحنثه بغير فعله بل بفعل غيره كقوله إن قدم زيد أو طار الغراب أو بغير ~~ذلك من الأفعال أو بغير فعل ألبتة كقوله إن كان المستحيل مستحيلا فامرأته ~~طالق طلقت عليه امرأته مع أن المستحيل لا فعل له فيه ألبتة بخلاف ما نحن ~~فيه فإنه باب تكليف وإيجاب والتكليف لا بد فيه # PageV01P167 # من الفعل فاندفع السؤال والجواب الصحيح عندي أن هذه ~~الأمور الثلاثة الطهارة والستارة والاستقبال شروط فهي من باب خطاب الوضع ~~وخطاب الوضع لا يشترط فيه فعل المكلف ولا علمه ولا إرادته. # فإن دخل الوقت وهو غير متطهر ولا لابس ولا مستقبل توجه التكليف عليه بهذه ~~الأمور وتحصيلها فاجتمع فيها حينئذ خطاب الوضع وخطاب التكليف وإن دخل الوقت ~~وهو متطهر لابس مستقبل اندفع خطاب التكليف وبقي خطاب الوضع خاصة فأجزأته ~~الصلاة لوجود شروطها وليس من شرط خطاب الوضع أن يجتمع معه خطاب التكليف ولا ~~يحتاج إلى شيء من تلك التعسفات بل نخرجه على قاعدة خطاب الوضع ولا يلزم منه ~~مخالفة قاعدة ألبتة # PageV01P168 # غايته أن يلزم منه أن يجب الوضوء في حالة دون حالة ~~وهذا لا منكر فيه فإن شأن الشريعة تخصيص الوجوب ببعض الحالات وبعض الأزمنة ~~وبعض الأشخاص وهذا هو الأصل لا إنه مخالف للأصل وإنما صعب على طالب العلم ~~هذا من جهة أنه يسمع طول عمره أن الطهارة واجبة في الصلاة مطلقا ولم يسمع ~~في ذلك تفصيلا فصعب عليه التفصيل وكم من تفصيل قد سكت عنه الدهر الطويل ~~وأجراه الله تعالى على قلب من شاء من عباده في جميع العلوم العقليات ~~والنقليات ومن اشتغل بالعلوم وكثر تحصيله لها اطلع على شيء كثير من ذلك ~~فهذا هو تحرير هذا الموضع عندي وهو من المشكلات التي يقبل تحريرها والجواب ~~عنها من الفضلاء. # (الفرق السابع والعشرون بين قاعدة المواقيت الزمانية وبين قاعدة المواقيت ~~المكانية) أما ms162 المواقيت الزمانية فهي ثلاثة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة ~~وقيل عشر من ذي الحجة وأصلها قوله تعالى {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] ~~فقوله {أشهر} [البقرة: 197] صيغة جمع منكر وأقله ثلاثة أو يقال إن الحج ~~ينقضي بالفراغ من الرمي فيكفي عشر من ذي الحجة تخصيصا للصيغة بالواقع وهذا ~~هو مدرك الخلاف وأما ميقات المكان فهو ما في الحديث الصحيح عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «أنه وقت لأهل المدينة ذا الحليفة # PageV01P169 # ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل ~~اليمن يلملم وقال هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو ~~العمرة» زاد مسلم «ولأهل العراق ذات عرق» فقال مالك - رحمه الله - يجوز ~~الإحرام بالحج قبل المكاني والزماني غير أنه في الزماني يكره قبله وقال ~~الشافعي - رحمه الله - لا يجوز قبل الزماني فيحتاج الفريقان إلى الفرق بين ~~القاعدتين إما باعتبار الكراهة وعدمها وإما باعتبار المنع وعدمه والفرق من ~~وجوه لفظية ومعنوية الفرق الأول # من قبل اللفظ وذلك أن القاعدة العربية أن المبتدأ يجب انحصاره في الخبر ~~والخبر لا يلزم انحصاره في المبتدأ كقوله - عليه السلام - «تحريمها التكبير ~~وتحليلها التسليم» والشفعة فيما لم ينقسم فالتحريم ينحصر في التكبير من غير ~~عكس والتحليل ينحصر في التسليم من غير عكس والشفعة منحصرة فيما لم ينقسم من ~~غير عكس وعلى هذه القاعدة يكون زمان الحج منحصرا في الأشهر لأنه المبتدأ ~~فلا يوجد في غيرها وأما الميقات المكاني فيجعل محصورا مبتدأ لا محصورا فيه ~~لقوله - عليه السلام - «هن لهن ولمن أتى عليهن» أي المواقيت لإحرام أهل هذه ~~الجهات بدليل قوله ولمن أتى عليهن فالضمير الأول للمواقيت فهو المبتدأ ~~فيكون هو المحصور والمحصور لا يجب أن يكون محصورا فيه بخلاف الميقات ~~الزماني محصور فيه فلا يوجد الإحرام بدونه وفي المكاني محصور فأمكن أن يوجد ~~الإحرام بدونه فهذا فرق جليل من حيث اللفظ فاعتبره الشافعي - رحمه الله - ~~في المشروعية فلا يوجد الإحرام مشروعا قبل الزماني واعتبره مالك في الكمال ~~فلا يوجد قبل الزماني كاملا ms163 بل ناقص الفضيلة الفرق الثاني # أن الإحرام قبل الزماني يفضي إلى طول زمان الحج وهو ممنوع من النساء ~~وغيرهن فربما أدى ذلك إلى إفساد الحج فإن من أحرم قبل شوال لا يمكنه ~~الإحلال حتى # PageV01P170 # تنقضي أيام الرمي وأما المواقيت المكانية فلا يلزم من ~~الإحرام قبلها طول الحج فلا يكون ذلك وسيلة إلى إفساده الفرق الثالث # أن الميقات المكاني يثبت الإحرام بعده فيثبت قبله تسوية بين الطرفين ~~والميقات الزماني لا يثبت الإحرام بعده بأصل الشريعة بل لضرورة فلا يثبت ~~قبله تسوية بين الطرفين وهذا فرق بينهما بأن سوينا بينهما وهو من الفروق ~~الغريبة. # (الفرق الثامن والعشرون بين قاعدة العرف القولي يقضى به على الألفاظ ~~ويخصصها وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ ولا يخصصها) # وذلك أن العرف القولي أن تكون عادة أهل العرف يستعملون اللفظ في معنى ~~معين ولم يكن ذلك لغة وذلك قسمان أحدهما في المفردات نحو الدابة للحمار ~~والغائط للنجو والرواية للمزادة ونحو ذلك وثانيهما في المركبات وهو أدقها ~~على الفهم وأبعدها عن التفطن وضابطها أن يكون شأن الوضع العرفي تركيب لفظ ~~مع لفظ يشتهر في العرف تركيبه مع غيره وله مثل أحدهما نحو قوله تعالى {حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] وكقوله تعالى {حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] فإن التحريم والتحليل إنما تحسن إضافتهما ~~لغة للأفعال دون الأعيان فذات الميتة لا يمكن العرفي أن يقول هي الإحرام ~~بما هي ذات بل فعل يتعلق بها وهو المناسب لها كالأكل للميتة والدم ولحم ~~الخنزير والشرب للخمر والاستمتاع للأمهات ومن ذكر معهن ومن هذا الباب قوله ~~- عليه السلام - «ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم ~~هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا» والأعراض والأموال لا تحرم بل أفعال تضاف ~~إليها فيكون التقدير إلا وإن سفك دمائكم وأكل أموالكم وثلب أعراضكم عليكم ~~حرام وعلى هذا المنوال جميع ما يرد من الأحكام كان أصله أن يضاف إلى ~~الأفعال ويركب معها فإذا ركب مع الذوات في العرف وما # PageV01P171 # بقي ms164 يستعمل في العرف إلا مع الذوات فصار هذا التركيب ~~الخاص وهو تركيب الحكم مع الذوات موضوعا في العرف للتعبير به عن تحريم ~~الأفعال المضافة لتلك الذوات وليس كل الأفعال بل فعل خاص مناسب لتلك الذوات ~~كما تقدم تفصيله وتحصيله # وثانيها أفعال ليست بأحكام كقولهم في العرف أكلت رأسا وأكل رأسا فلا ~~يكادون ينطقون بلفظ الأكل كيفما كان وتصرف إلا مع رءوس الأنعام دون جميع ~~الرءوس بخلاف رأيت وما تصرف منه يركبونه مع رءوس الأنعام وغيرها فإذا قالوا ~~رأينا رأسا احتمل ذلك جميع الرءوس بخلاف لفظ الأكل ومن هذا الباب قتل زيد ~~عمرا هو في اللغة موضوع لإذهاب الحياة ثم هو اليوم في إقليم مصر موضوع ~~للضرب خاصة فيقولون قتله الأمير بالمقارع قتلا جيدا ولا يريدون إلا ضربه ~~فهو من باب المنقولات العرفية والأوضاع العرفية هي الطارئة على اللغة وأمكن ~~في هذا المثال أن يقال إنه ليس من هذا الباب بل المجاز هاهنا في مفرد لا ~~مركب وهو لفظ قتل صار وحده مجازا في ضرب وأما التركيب فهو على موضعه اللغوي ~~وهذا هو الصحيح في هذا المثال ومن هذا الباب قولهم فلان يعصر الخمر مع أن ~~الخمر لا تعصر بل صار هذا التركيب موضعا لعصر العنب ومقتضى اللغة أن لا يصح ~~هذا الكلام إلا بمضاف محذوف تقديره فلان يعصر عنب الخمر لكن أهل العرف لا ~~يقصدون هذا المضاف بل يعبرون بهذا المركب عن عصر العنب كما يعبرون بتحريم ~~الميتة عن تحريم أكلها فهذا مجاز في التركيب بالنسبة إلى اللغة حقيقة عرفية ~~منقولة للمعنى الخاص. # ومن هذا الباب قول أهل العرف قتل فلان قتيلا وطحن دقيقا وهذا كلام صحيح ~~في العرف وفي اللغة لا يصح لأن القتيل لا يقتل وإنما يقتل الحي، والدقيق لا ~~يطحن وإنما يطحن القمح فعلى رأي أهل اللغة يصح بمضاف محذوف تقديره طحن قمح ~~دقيق كما قررناه في عنب خمر وقتل جسد قتيل ويريدون بالجسد الجسد الحي، وأما ~~أهل العرف فلا يعرجون على هذه المضافات ولا تخطر ببالهم ms165 بل صار هذا اللفظ ~~المركب موضوعا عندهم لقتل الحي وطحن القمح، وعلى هذا المنوال فاعتبر ~~الحقائق العرفية في المفردات والمركبات، واعتبر اللفظ هل انتقل في العرف أم ~~لا مفردا أو مركبا وبذلك يعرف المجاز في التركيب والإفراد فكل لفظ مفرد ~~انتقل في العرف لغير مسماه وصار يفهم منه غير مسماه بغير قرينة كالدابة ~~بالنسبة إلى الحمار بإقليم مصر فهو مجاز مفرد ومنقول عرفي في المفردات وكل ~~لفظ كان شأنه أن يركب مع لفظ فصار يركب مع غيره ولو ركب أولا لكان منكرا ~~وهو الآن غير منكر فهو منقول عرفي من المركبات ومجاز في المركبات ويكون ~~المجاز فيه وقع في التركيب دون الإفراد وقد يجتمع # PageV01P172 # المجاز في التركيب والإفراد فهي ثلاثة أقسام مجاز ~~مفرد فقط كالأسد للرجل الشجاع ومجاز مركب فقط نحو قوله تعالى {واسأل ~~القرية} [يوسف: 82] فإن السؤال استعمل في السؤال ولفظ القرية استعمل في ~~القرية ولكن تركيب السؤال مع القرية مجاز في التركيب لأن شأنه أن يركب مع ~~أهلها وهذا مجاز في التركيب ولم يصل إلى حد النقل بخلاف يعصر الخمر ويطحن ~~الدقيق فإنهما وصلا إلى حد النقل العرفي. # ومثال اجتماعهما معا قولك أرواني الخبز وأشبعني الماء فإنك تستعمل أرواني ~~في الشبع، والشبع في رواني فيقع المجاز في الإفراد وتجعل فاعل أروى الخبز ~~وهو خلاف أصل اللغة وفاعل الشبع الماء وهو خلاف أصل اللغة فهذان المثالان ~~جمعا بين المجاز في الإفراد والتركيب دون النقل العرفي إذا ظهر لك أن العرف ~~كما ينقل أهله اللفظ المفرد فينقلون أيضا اللفظ المركب فمثل هذا النقل ~~العرفي يقدم على موضوع اللغة لأنه ناسخ للغة والناسخ يقدم على المنسوخ فهذا ~~هو معنى قولنا إن الحقائق العرفية مقدمة على الحقائق اللغوية. وأما العرف ~~الفعلي فمعناه أن يوضع اللفظ لمعنى يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك ~~المسمى دون بقية أنواعه مثاله أن لفظ الثوب صادق لغة على ثياب الكتان ~~والقطن والحرير والوبر والشعر وأهل العرف إنما يستعملون من الثياب الثلاثة ~~الأول دون الأخيرين فهذا عرف ms166 فعلي وكذلك لفظ الخبز يصدق لغة على خبز الفول ~~والحمص والبر وغير ذلك من أن أهل العرف إنما يستعملون الأخير في أغذيتهم ~~دون الأولين فوقوع الفعل في نوع دون نوع لا يخل بوضع اللفظ للجنس كله فإن ~~ترك مسمى لفظ لم يباشر لا يخل بوضع اللفظ فإنا لم نباشر الياقوت ولم يخل ~~ذلك بوضع لفظ الياقوت له نعم لو كثر استعمال الياقوت في نوع آخر من الأحجار ~~حتى صار لا يفهم إلا ذلك الحجر دون الياقوت لأجل ذلك بوضع لفظ الياقوت ~~للياقوت وكان ذلك نسخا للفظ الياقوت عن مسماه الأول فهذا المثال يوضح لك أن ~~ترك مباشرة المسميات لا يخل بالوضع وغلبة استعمال لفظ المسمى في غيره يخل، ~~فهذا هو تحرير العرف القولي وتحرير العرف الفعلي، وتحرير أن العرف القولي ~~يؤثر في اللفظ اللغوي تخصيصا وتقييدا وإبطالا وأن العرف الفعلي لا يؤثر في ~~اللفظ اللغوي تخصيصا ولا تقييدا ولا # PageV01P173 # إبطالا لعدم معارضة الفعل وعدمه لوضع اللغة ومعارضة ~~غلبة استعمال اللفظ في العرف للوضع اللغوي. # وقد حكى جماعة من العلماء الإجماع في أن العرف الفعلي لا يؤثر بخلاف ~~العرف القولي ورأيت المازري في شرح البرهان حاول الإجماع في ذلك ونقل عن ~~بعض الناس أنه نقل خلافا في ذلك ونقل مثلا عنه وفي ذلك نظر وقد نقلتها في ~~شرح المحصول وبينت معناها وأنه ليس خلافا في اعتبار العرف الفعلي بل لذلك ~~معنى آخر والظاهر حصول الإجماع فيه ولم أر أحدا جزم بحصول الخلاف فيه بل ~~رأى كلاما لبعض الناس أوجب شكا وترددا وهو محتمل للتأويل فلا تناقض بين نقل ~~الإجماع في المسألة وبين هذه المثل المشار إليها وأنا أوضح هذا الفرق ~~بينهما بذكر أربع مسائل (المسألة الأولى) # إذا فرضنا ملكا أعجميا يتكلم بالعجمية وهو يعرف اللغة العربية غير أنه لا ~~يتكلم بها لثقلها عليه فحلف لا يلبس ثوبا ولا يأكل خبزا وكان حلفه بهذه ~~الألفاظ العربية التي لم تجر عادته باستعمالها وعادته في غذائه لا يأكل إلا ~~خبز الشعير ولا يلبس إلا ms167 ثياب القطن فإنا نحنثه بأي ثوب لبسه وبأي خبز أكله ~~سواء كان من معتاده في فعله أم لا وهذا إذا لم تجر له عادة باستعمال اللغة ~~العربية لأنه لو كانت عادته استعمال اللغة العربية لكان طول أيامه يقول ~~أكلت خبزا وأتوني بخبز وعجلوا بالخبز والخبز على المائدة قليل ونحو ذلك ولا ~~يريد في هذا النطق كله إلا خبز الشعير الذي جرت عادته به فيصير له في لفظ ~~الخبز عرف قولي ناسخ للغة فلا نحنثه بغير خبز # PageV01P174 # الشعير وكذلك القول في ثوب القطن بخلاف إذا كان لا ~~ينطق بلفظ الخبز والثوب إلا على الندرة فإنه لا يكون له في الألفاظ اللغوية ~~عرف مخصص يقدم على اللغة فيحنث بعموم المسميات اللغوية من غير تخصيص ولا ~~تقييد فتأمل ذلك. (المسألة الثانية) # إذا حلف لا يأكل رءوسا يحنث بجميع الرءوس عند ابن القاسم ولا يحنث إلا ~~برءوس الأنعام عند أشهب والقولان مبنيان على أن أهل العرف قد نقلوا هذا ~~اللفظ المركب أكلت رءوسا لا كل رءوس الأنعام دون غيرها بسبب كثرة استعمالهم ~~لذلك المركب في هذا النوع خاصة دون بقية أنواع الرءوس فهذا مدرك أشهب فيقدم ~~النقل العرفي على الوضع اللغوي وابن القاسم يسلم استعمال أهل العرف لذلك ~~ولكن لم يصل الاستعمال عنده إلى هذه الغاية الموجبة للنقل فإن الغلبة قد ~~تقصر عن النقل ألا ترى أن أهل العرف يستعملون لفظ الأسد في الرجل الشجاع ~~استعمالا كثيرا. # ولم يصل ذلك إلى حد النقل فإنه لا يفهم منه الرجل الشجاع إلا بقرينة ~~وضابط النقل أن يصير المنقول إليه هو المتبادر الأول من غير قرينة وغيره هو ~~المفتقر إلى القرينة فهذا هو مدرك القولين فاتفق أشهب وابن القاسم على أن ~~النقل العرفي مقدم على اللغة إذا وجد واختلفا في وجوده هنا فالكلام بينهما ~~في تحقيق المناط ولو قال القائل رأيت رأسا لم تختلف الناس أن اللفظ لا يختص ~~برءوس الأنعام بل يصح ذلك لكل من يسمى رأسا لغة بسبب أن هذا التركيب الذي ~~هو رأيت رأسا ms168 لم يكثر استعماله في نوع معين من الرءوس دون غيره حتى صار ~~منقولا بخلاف أكلت رأسا فيقر اللفظ على مسماه اللغوي من غير معارض ولا ناسخ ~~وكذلك خلق الله رأسا وسقطت ووقعت رأس وهذه رأس وفي البيت رأس جميع هذه ~~التراكيب ونحوها لم يقع فيها نقل عرفي بخلاف قوله أكلت رأسا ونحوه من صيغ ~~الأكل فإن أهل العرف كثر استعمالهم له حتى صار إلى حيز النقل فقدم على ~~اللغة عند من ثبت عنده النقل فتأمل هذه المسألة فكثير من الشراح والفقهاء ~~إذا مر بهذه المسألة يقول فيها لا يحنث بغير رءوس الأنعام لأن عادة الناس ~~يأكلون رءوس الأنعام دون غيرها ولا تجد في الكتب الموضوعة للشراح غير هذه ~~العبارة وهي باطلة لأنهم يشيرون إلى العرف الفعلي الملغي بالإجماع وإنما ~~المدرك العرف القولي على ما تقدم تحريره. # PageV01P175 # (المسألة الثالثة) إذا حلف بأيمان المسلمين تلزمه ~~فحنث فمشهور فتاوى الأصحاب على أنه يلزمه كفارة يمين وعتق رقبة إن كان عنده ~~وإن كثروا وصوم شهرين متتابعين والمشي إلى بيت الله في حج أو عمرة وطلاق ~~امرأته واختلفوا هل واحدة أو ثلاث والتصدق بثلث المال ولم يلزموه اعتكاف ~~عشرة أيام ولا المشي إلى مسجد المدينة ولا لبيت المقدس ولا الرباط في ~~الثغور الإسلامية ولا تربية اليتامى ولا كسوة العرايا ولا إطعام الجياع ولا ~~شيئا من القربات غير ما تقدم ذكره وسبب ذلك أنهم لاحظوا ما غلب الحلف به في ~~العرف وما يجعل يمينا في العادة فألزموا إياه لأنه المسمى العرفي فيقدم على ~~المسمى اللغوي ويختص حلفه بهذه المذكورات دون غيرها لأنها المشتهرة ولفظ ~~الحلف والأيمان إنما تستعمل فيها دون غيرها وليس المدرك أن عادتهم يفعلون ~~مسمياتها وأنهم يصومون شهرين متتابعين أو يحجون أو غير ذلك من الأفعال بل ~~لغلبة استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها لأجل ذلك صرحوا وقالوا من ~~جرت عادته بالحلف بصوم لزمه صوم سنة فجعلوا المدرك الحلف اللفظي دون العرف ~~الفعلي فهذا هو مدرك هذه المسألة على التحرير والتحقيق وعلى هذا ms169 لو اتفق في ~~وقت آخر اشتهار حلفهم ونذرهم للاعتكاف والرباط وإطعام الجيعان وكسوة ~~العريان وبناء المساجد دون هذه الحقائق المتقدم ذكرها لكان اللازم لهذا ~~الحالف إذا حنث الاعتكاف وما ذكر معه دون ما هو مذكور قبله لأن الأحكام ~~المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت. وتبطل معها إذا بطلت # كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك فلو تغيرت ~~العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن في البيع عند الإطلاق على ~~السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها وكذلك إذا كان الشيء عيبا في ~~الثياب في عادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبا ~~موجبا لزيادة الثمن لم ترد به وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة ~~على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه بل قد يقع الخلاف ~~في تحقيقه هل وجد أم لا وعلى هذا التحرير يظهر أن عرفنا اليوم ليس فيه ~~الحلف بصوم شهرين متتابعين فلا تكاد تجد أحدا بمصر يحلف به فلا ينبغي ~~الفتيا به وعادتهم يقولون عبدي حر وامرأتي طالق وعلي المشي إلى مكة ومالي ~~صدقة إن لم أفعل كذا فتلزم هذه الأمور وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على ~~طول الأيام فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه ولا تجمد على ~~المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا ~~تجره # PageV01P176 # على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده واجره عليه وأفته به ~~دون عرف بلدك والمقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات ~~أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين وعلى هذه ~~القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات فقد يصير ~~الصريح كناية يفتقر إلى النية. # وقد تصير الكناية صريحا مستغنية عن النية واعلم أن في هذه المسألة غورا ~~آخر وهو أن لفظ اليمين في اللغة هو القسم فقط ثم إن أهل العرف يستعملونه في ~~النذر أيضا وهو ليس قسما بل إطلاق ms170 اليمين عليه إما مجاز لغوي أو بطريق ~~الاشتراك وعلى التقديرين فجمع الأصحاب في هذه المسألة بين كفارة يمين وبين ~~هذه الأمور التي جرت عادتها تنذر كالصوم ونحوه والطلاق الذي ليس هو قسما ~~ولا نذرا يقتضي ذلك استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه إن قلنا إن لفظ ~~اليمين حقيقة في الجميع أو الجمع بين المجاز والحقيقة وهي مسألة مختلف فيها ~~بين العلماء هل تجوز أم لا أعني هل يكون ذلك كلاما عربيا أم لا والمنقول عن ~~مالك والشافعي وجماعة من العلماء جواز ذلك فهذه القاعدة لا بد من ملاحظتها ~~في هذه المسألة أيضا. (المسألة الرابعة) إذا قال أيمان البيعة تلزمني فتخرج ~~ما يلزمه على هذه القاعدة وما جرت به العادة في الحلف عند الملوك المعاصرة ~~إذا لم تكن له نية فأي شيء جرت به عادة ملوك الوقت في التحليف به في بيعتهم ~~واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عرفا ومنقولا متبادرا للذهن من غير # PageV01P177 # قرينة على القانون المتقدم حمل يمينه عليه وإن لم يكن ~~الأمر كذلك اعتبرت نيته أو بساط يمينه فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه ~~فتأمل ذلك. # (الفرق التاسع والعشرون في الفرق بين قاعدة النية المخصصة وبين قاعدة ~~النية المؤكدة) هذا الفرق أيضا ذهب عنه كل من يفتي من أهل العصر فلا يكادون ~~يتعرضون عند الفتاوى للفرق بينهما فإذا جاءهم حالف وقال حلفت لا لبست ثوبا ~~ونويت الكتان يقولون له لا تحنث بغير الكتان وهو خطأ بالإجماع وكذلك بقية ~~النظائر وطريق كشف الغطاء عن ذلك أن نقول إن المطلق إذا أطلق اللفظ العام ~~ونوى جميع أفراده بيمينه حنثناه بكل فرد من ذلك العموم لوجود اللفظ فيه ~~ولوجود النية والنية هنا مؤكدة لصيغة العموم وإن أطلق اللفظ العام من غير ~~نية ولا بساط ولا عادة صارفة حنثناه بكل فرد من أفراد العموم للوضع الصريح ~~في ذلك وإن أطلق اللفظ العام ونوى بعضها باليمين وغفل عن البعض الآخر لم ~~يتعرض له بنفي ولا إثبات حنثناه بالبعض المنوي باللفظ ms171 والنية المؤكدة ~~وبالبعض الآخر باللفظ فإنه مستقل بالحكم غير محتاج إلى النية لصراحته ~~والصريح لا يحتاج إلى غيره # PageV01P178 # وإن أطلق اللفظ العام وقال نويت إخراج بعض أنواعه عن ~~اليمين قلنا لا يحنث بذلك البعض المخرج لأن نيته مخصصة لعموم لفظه وهذه ~~النية بخلاف نيته الأولى وهي أن يقصد بعض الأنواع باليمين ويغفل عن غيره ~~بسبب قاعدة وهي أن من شرط المخصص أن يكون منافيا للمخصص ومتى لم تكن النية ~~منافية لم تكن مخصصة وكذلك المخصصات اللفظية إذا لم تكن معارضة لا تكون ~~مخصصة وقصده بدخول البعض في يمينه مع غفلته عن بقية أنواع اللفظ ليس منافيا ~~لشيء من اللفظ بل كاستعمال اللفظ في بعض مسمياته وفي البعض المغفول عنه لا ~~مؤكد ولا مناف فلم توجد حقيقة المخصص لفوات الشرط الذي هو المنافاة والغفلة ~~عن هذا الشرط هي سبب الغلط عند من غلط في ذلك فبمجرد ما يسمع المستفتي يقول ~~نويت الكتان يقول له لا تحنث بغيره وما علم أنه لا يمنع الحنث بغير الكتان ~~إلا القصد إليه بإخراجه عن اليمين فإذا لم يقصد إخراجه بقي مندرجا في عموم ~~اللفظ والنية التي ذكرها إنما هي موافقة للفظه # PageV01P179 # في بعض أنواعه مؤكدة له فيه لا منافية له في شيء من ~~أنواع مسمى اللفظ ألبتة فالمعتبر في تخصيص العموم في الأيمان إنما هو القصد ~~إلى إخراج بعض الأنواع عن العموم لا القصد إلى دخول بعض الأنواع في العموم ~~فإن الأول مناف ومخصص دون الثاني فإنه موافق مؤكد ففات فيه شرط التخصيص فلا ~~يكون ذلك مخصصا ونظير ذلك من المخصصات اللفظية أن يقول الله تعالى اقتلوا ~~الكفار واقتلوا اليهود فلا نقول إن قوله اقتلوا اليهود مخصص لعموم قوله ~~اقتلوا الكفار بل مؤكد لعموم اللفظ في بعض أنواعه وهم اليهود ولو قال لا ~~تقتلوا أهل الذمة لكان مخصصا لعموم بعض أنواعه وهم اليهود لحصول المنافاة ~~بينهما فكذلك النية. # فمتى قال المستفتى نويت كذا فانظر لنيته تلك هل هي مخرجة منافية لعموم ~~اللفظ في بعض أنواعه ms172 أم لا فإن وجدتها منافية مخرجة فاجعلها مخصصة ولا ~~تحنثه بما نوى إخراجه عن اليمين وإن لم تجدها مخرجة فقل لا أثر لها ألبتة ~~إلا التأكيد وليست من باب المخصصات ومتى لم تجر على هذا القانون أخطأت # PageV01P180 # فإن قلت يرد على ما ذكرته سؤالان أحدهما أن العلماء ~~على استعمال العام في الخاص وأنه جائز ولا معنى له إلا ما أنكرته وثانيهما ~~أن قوله والله لا لبست ثوبا ونوى الكتان وغفل عن غيره هو بمنزلة ما لو صرح ~~بذلك فقال والله لا لبست ثوبا كتانا وهو غافل عن غير الكتان فإنه لا يحنث ~~بغير الكتان إجماعا فكذلك ما نحن فيه قلت الجواب عن الأول أنا لا نسلم أن ~~معنى قول العلماء يجوز استعمال العام في الخاص هو ما ذكرته بل معناه أن ~~يطلق اللفظ ويخرج بعض مسمياته عن الحكم المستند إلى العموم أما قصد بعض ~~العموم دون البعض فليس ذلك استعمال العموم في الخصوص بل استعمال العموم في ~~العموم وأكد بالنية في الخصوص وعن الثاني أن هذا السؤال حسن قوي. # ومع ذلك فهو # PageV01P181 # باطل بسبب قاعدة تقدم ذكرها وهي أن العرب إذا ألحقت ~~بلفظ يستقل بنفسه لفظا لا يستقل بنفسه صار اللفظ المستقل بنفسه غير مستقل ~~بنفسه نحو عندي عشرة إلا اثنين فإن الاستثناء لفظ لا يستقل بنفسه. # فإذا اتصل بلفظ العشرة المستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه ولا نقرر ~~اللفظ الأول ونلزمه العشرة ويعد نادما بقوله إلا اثنين بل نقول الأول لا ~~يثبت له حكم ألبتة إلا مع الثاني والكلام بآخره وهو موقوف حتى يسكت فيتم ~~الأول أو يأتي بعده بما لا يستقل بنفسه فيتعين ضمه إليه أما لو جاء بكلام ~~يستقل بنفسه بأن يقول له عندي عشرة ورددتها إليه ألزمناه العشرة لأن اللفظ ~~الثاني لو نطق به وحده استقل بنفسه فلا حاجة إلى ضمه إلى الأول وإذا كنا ~~نبطل اللفظ المستقل بنفسه بسبب إن اتصل به ما لا يستقل بنفسه في الأقارير ~~التي هي أضيق من غيرها فأولى في ms173 الأيمان وغيرها إذا تقرر هذا فنقول اللفظ ~~الأول وهو قوله لا لبست ثوبا مستقل بنفسه لكنه لحقه قوله كتانا وهو لا ~~يستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه فبطل عمومه وصار الكلام بآخره ولم يتقرر ~~من الأول حكم فلم ينطق إلا بالكتان في حلفه وبقي غير الكتان غير محلوف عليه ~~فلا نحنثه به وأما النية فليس فيها ذلك ولا تشملها هذه القاعدة ولا تتوقف ~~الألفاظ الصريحة عليها وإذا لحقت لم تعكر على عموم بالتخصيص إلا أن تتعلق ~~بإخراج بعض أفراده إما بتقرير الحكم في بعض الأفراد فلا لأنها مؤكدة # PageV01P182 # فإن قلت فلم تجعل الصفة اللاحقة للعموم مؤكدة للعموم ~~في بعض أنواعه وهو الكتان ويبقى اللفظ على عمومه في غير الكتان فيحنث بغيره ~~والتأكيد كما يتصور بالنية يتصور باللفظ فإن العرب تؤكد بالألفاظ إجماعا ~~كذكر الشيء مرتين وقولهم قبضت المال كله نفسه وألفاظ التأكيد كثيرة أسماء ~~وحروف كان وأن واللام نحو إن زيدا لقائم فتكون الصفة المؤكدة للعموم في بعض ~~أنواعه فيبقى على عمومه في غير ذلك النوع كما قلته في النية حرفا بحرف فإن ~~جعلتها أعني الصفة مخصصة مع صلاحيتها للتأكيد لزمك أن تجعل النية مخصصة مع ~~صلاحيتها للتأكيد وغايته في الصفة إن نطق بصفة بعض الأنواع كما نوى هاهنا ~~بعض الأنواع فيكون الكل مؤكدا أو الكل مخصصا أما جعل الصفة مخصصة والنية ~~غير مخصصة مع أن كليهما لم يتناول غير الكتان بالإخراج فتحكم محض قلت هذا ~~السؤال حسن وقوي وقل من يتفطن له والجواب عنه أن نقول إن هذا ليس من التحكم ~~بل الفرق بين الصفة والنية أن الصفة لفظ له مفهوم مخالفة وهو دلالته على ~~عدم غير المذكور فكان دالا بمفهومه على عدم اندراج غير الكتان في اليمين ~~بدلالة الالتزام التي هي المفهوم والنية ليس لها دلالة ألبتة لا مطابقة ولا ~~تضمن ولا التزام لأنها من المعاني والمعاني مدلولات لا دالة فلم يكن في ~~النية ما يقتضي إخراج غير الكتان فبقي العموم فيه لعموم اللفظ بخلاف الصفة ~~فإنه وجد ms174 فيها الدال على الإخراج من جهة دلالة الالتزام وهو مفهوم الصفة # PageV01P183 # فظهر الفرق. # فإن قلت اعتمدت في هذا الجواب على الفرق بدلالة المفهوم فكان ينبغي أن ~~يتخرج ذلك على الخلاف في دلالة المفهوم فمن قال بها استقام عنده الفرق الذي ~~ذكرته ومن لم يقل بها بطل عنده الفرق ويلزمه التسوية لكن الإجماع منعقد ~~ههنا عند من يقول بالمفهوم وعند من لا يقول بها إنه لا يحنث بغير الكتان ~~إذا قال والله لبست ثوبا كتانا فيحتاج إلى الفرق بين هذا وبين الصفة في ~~غيره فإن الصفة هاهنا ظهر اعتبار المفهوم فيها عند من لم يقل به في غير هذه ~~الصورة قلت إلزام حسن غير أن الفرق عند القائل بعدم المفهوم بينه وبين هذه ~~الصورة أن الصفة ههنا لم تستقل بنفسها فصيرت مع الأصل كلاما واحدا دالا على ~~ما بقي ومخرجا لغير الكتان عن دلالة اللفظ بسبب عدم استقلاله بنفسه بخلاف ~~ما إذا قال صاحب الشرع في كل أربعين شاة شاة فهذا عموم # PageV01P184 # مستقل بنفسه ولم يجد معه ما يجب أن يصيره غير مستقل ~~بنفسه ويثبت الحكم لجميع أفراده فإذا ورد بعد ذلك قوله - عليه السلام - «في ~~الغنم السائمة الزكاة» فعند القائل بأن المفهوم ليس بحجة لا يخصص عموم ~~الحديث الأول بمفهوم الصفة في هذا الحديث الثاني وإنما يخصصه به من يقول ~~المفهوم حجة وإنما نظير مسألة الحالف لا لبست ثوبا كتانا قوله - عليه ~~السلام - «في الغنم السائمة الزكاة» أجمع الناس على تخصيص عموم هذا الموصوف ~~بالصفة اللاحقة له سواء قلنا المفهوم حجة أم لا أما القائل بأن المفهوم حجة ~~فظاهر وأما القائل المفهوم ليس بحجة فيقول هذا الحديث اقتضى وجوب الزكاة في ~~السائمة. # ولم يتعرض للمعلوفة بنفي ولا إثبات ووافق على أن اللفظ الذي فيه الصفة لم ~~يتناول وجوب الزكاة في المعلوفة وغايته إن قال لم يتناول وجوب الزكاة في ~~المعلوفة ولم يتناول عدمه بل المعلوفة في حيز الإعراض عنها ألبتة أما ~~العموم في نفس الحديث المشتمل على الصفة فلم يقل ms175 به أحد ولم يعد الحكم منه ~~إلى المعلوفة بل قصره على السائمة بسبب القاعدة المتقدمة وهي أن ما لا ~~يستقل بنفسه يصير المستقل غير مستقل ويسلبه حكم العموم الكائن قبل الصفة ~~ولا يبقى فيه من العموم إلا النوع الذي تشمله الصفة خاصة وهذا مجمع عليه ~~عند القائلين بالمفهوم وعند القائلين بعدمه بسبب القاعدة المذكورة وكان ~~القائل بأن المفهوم ليس بحجة يقول مستندي هذه القاعدة لا المفهوم فتأمل ذلك # PageV01P185 # وبمجموع هذه الأسئلة والأجوبة يتقرر عندك الفرق ~~الواضح بين النية الخاصة ببعض الأنواع الموافقة للفظ وبين الصفة الخاصة ~~ببعض الأنواع الموافقة للفظ فائدة حسنة المعدود في كتب الأصول من المخصصات ~~المتصلة أربعة خاصة الصفة والاستثناء والغاية والشرط وقد وجدتها بالاستقراء ~~اثني عشر الأربعة المتقدمة وثمانية أخرى وهي الحال وظرف الزمان وظرف المكان ~~والمجرور والتمييز والبدل والمفعول معه والمفعول لأجله فهذه الاثنا عشر ليس ~~فيها واحد يستقل بنفسه ومتى اتصل بما يستقل بنفسه كان عموما أو غيره صيره ~~غير مستقل بنفسه وقد مر تمثيلها في الفرق بين الترتيب بالحقيقة الزمانية ~~والأدوات اللفظية في معنى الترتيب فليطالع من هنالك وهذا آخر الكلام في هذا ~~الفرق وهو من المباحث الجليلة التي يجب التنبيه لها والغفلة عنه توجب ~~الفسوق وخرق الإجماع في الفتيا في دين الله تعالى بما لا يحل بسبب الجهل ~~بهذا الفرق. # PageV01P186 # (الفرق الثلاثون بين قاعدة تمليك الانتفاع وبين قاعدة ~~تمليك المنفعة) فتمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط وتمليك ~~المنفعة هو أعم وأشمل فيباشر بنفسه ويمكن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة ~~وبغير عوض كالعارية مثال الأول سكنى المدارس والرباط والمجالس في الجوامع ~~والمساجد والأسواق ومواضع النسك كالمطاف والمسعى ونحو ذلك فله أن ينتفع ~~بنفسه فقط ولو حاول أن يؤاجر بيت المدرسة أو يسكن غيره أو يعاوض عليه بطريق ~~من طرق المعاوضات امتنع ذلك وكذلك بقية النظائر المذكورة معه وأما مالك ~~المنفعة فكمن استأجر دارا أو استعارها فله أن يؤاجرها من غيره أو يسكنه ~~بغير عوض ويتصرف في هذه المنفعة تصرف الملاك ms176 في أملاكهم على جري العادة على ~~الوجه الذي ملكه فهو تمليك مطلق في زمن خاص حسبما تناوله عقد الإجارة أو ~~أشهدت به العادة في العارية فمن شهدت له العادة في العارية بمدة كانت له ~~تلك المدة ملكا على الإطلاق يتصرف كما يشاء بجميع الأنواع السائغة في ~~التصرف في المنفعة في تلك المدة ويكون تمليك هذه المنفعة كتمليك الرقاب. ~~وهاهنا أربع مسائل (المسألة الأولى) النكاح من باب تمليك أن ينتفع لا من ~~باب تمليك المنفعة فإنه يباشره بنفسه وليس له أن يمكن غيره من تلك المنفعة ~~وليس مالكا للمنفعة ولا لبضع المرأة بل مقتضى عقد النكاح أنه ينتفع هو خاصة ~~لا مالك المنفعة (المسألة الثانية) # الوكالة بغير عوض تقتضي أنه ملك من الوكيل أن ينتفع به بنفسه ولم يملك ~~منفعته فلا يجوز له أن يهب الانتفاع بذلك الوكيل لغيره بل ينتفع به بنفسه ~~أو يهمله أو يعزله فهي من باب تمليك الانتفاع لا من باب تمليك المنفعة # PageV01P187 # وأما الوكالة بعوض فهي من باب الإجارة فمن ملك ~~المنفعة فله بيع ما ملك ويمكن منه غيره ما لم يكن الموكل عليه لا يقبل ~~البدل (المسألة الثالثة) # القراض يقتضي عقده أن رب العمل ملك من العامل الانتفاع لا المنفعة بدليل ~~أنه ليس له أن يعاوض على ما ملكه من العامل من غيره ولا يؤاجره ممن أراد بل ~~يقتصر على الانتفاع بنفسه على الوجه الذي اقتضاه عقد القراض وكذلك المساقاة ~~والمغارسة وأما ما ملكه العامل في القراض والمساقاة فهو ملك عين لا ملك ~~منفعة ولا انتفاع وتلك العين هي ما يخرج من ثمرة أو يحصل من ربح في القراض ~~فيملك نصيبه على الوجه الذي اقتضاه العقد (المسألة الرابعة) # إذا وقف وقفا على أن يسكن أو على السكنى ولم يزد على ذلك فظاهر اللفظ ~~يقتضي أن الواقف إنما ملك الموقوف عليه الانتفاع بالسكنى دون المنفعة فليس ~~له أن يؤاجر غيره ولا يسكنه وكذلك إذا صدرت صيغة تحتمل تمليك الانتفاع أو ~~تمليك المنفعة وشككنا في تناولها للمنفعة ms177 قصرنا الوقف على أدنى الرتب وهي ~~تمليك الانتفاع دون تمليك المنفعة فإن قال في لفظ الوقف ينتفع بالعين ~~الموقوفة بجميع أنواع الانتفاع فهذا تصريح بتمليك المنفعة أو يحصل من ~~القرائن ما يقوم مقام هذا التصريح من الأمور العادية أو الحالية فإنا نقضي ~~بمقتضى تلك القرائن ومتى حصل الشك وجب القصر على أدنى الرتب لأن القاعدة أن ~~الأصل بقاء الأملاك على ملك أربابها والنقل والانتقال على خلاف الأصل فمتى ~~شككنا في رتب الانتقال حملنا على أدنى الرتب استصحابا للأصل في الملك ~~السابق وعلى هذه القاعدة مسائل في المذهب فرع مرتب حيث قلنا إن الملك إنما ~~يتناول الانتفاع دون المنفعة فقد يستثنى من ذلك تسويغ الانتفاع لغير المالك ~~في المدة اليسيرة كأهل المدارس والربط فإنه يجوز لهم إنزال الضيف المدة ~~اليسيرة لأن العادة جرت بذلك فدلت العادة على أن الواقف يسمح في ذلك بخلاف ~~المدة # PageV01P188 # الكثيرة لا تجوز فلا يجوز لأحد أن يسكن بيتا من ~~المدرسة دائما ولا مدة طويلة فإن العادة جرت في ذلك بتمليك الانتفاع لا ~~بتمليك المنفعة. # وكذلك لو عمد أحد لإيجار بيت المدرسة من الناس من أنكر ذلك عليه فدل ذلك ~~على أنه إنما يملك الانتفاع دون المنفعة ومن هذا الباب لو جعل بيتا في ~~المدرسة لخزن القمح أو غيره دائما أو المدة الطويلة امتنع أيضا لأن العادة ~~شهدت وألفاظ الواقفين على أن البيوت وقف على السكنى فقط فإن وضع فيها ما ~~يخزن الزمان اليسير جاز كإنزال الضيف ومن هذا الباب ما يوقف من الصهاريج ~~للماء والشرب في المدارس والخوانك لا يجوز بيعه ولا هبته للناس ولا صرفه ~~لنفسه في وجوه غريبة لم تجر العادة بها كالصبغ وبياض الكتان بأن يكون صباغا ~~مبيضا للكتان فيصرف ذلك الماء في الصبغ والبياض دائما فهذا لا يجوز لأن ~~العادة وألفاظ الواقفين شهدت بأنه موقوف للشرب فقط ويستثنى من ذلك الصبغ ~~اليسير والبياض اليسير ونحوه ونظير هذه المسألة إطعام الضيف لا يجوز له أن ~~يبيعه ولا يملكه غيره بل يأكله هو خاصة ms178 على جري العادة وله إطعام الهر ~~اللقمة واللقمتين ونحوهما لشهادة العادة بذلك ومن هذا الباب الحصر الموضوعة ~~في المدارس والربط والبسط المفروشة في زمن الشتاء ليس للموقوف عليه أن ~~يتخذها غطاء بل لا تستعمل الأوطاء فقط لأن العادة وألفاظ الواقفين شهدت ~~بذلك وكذلك الزيت للاستصباح ليس لأحد أن يأكله وإن كان من أهل الوقف كما ~~تقدم في طعام الضيف فهذه الأعيان وإن لم تكن من باب المنافع بل من باب ~~تمليك الأعيان ولكن التمليك فيها مقصور على جهة خاصة بشهادة العوائد والأصل ~~بقاء أملاك الواقفين على الموقوف من الأعيان والمنافع إلا ما دل الدليل على ~~انتقاله عن أملاكهم وقس على هذه المسائل ما يقع لك منها واحمل مسائل تمليك ~~الانتفاع على بابها ومسائل تمليك المنفعة على بابها # PageV01P189 # (الفرق الحادي والثلاثون بين قاعدة حمل المطلق على ~~المقيد في الكلي وبين قاعدة حمل المطلق على المقيد في الكلية وبينهما في ~~الأمر والنهي والنفي) اعلم أن العلماء أطلقوا في كتبهم حمل المطلق على ~~المقيد وحكوا فيه الخلاف مطلقا وجعلوا أن حمل المطلق على المقيد يفضي إلى ~~العمل بالدليلين دليل الإطلاق ودليل التقييد وأن عدم الحمل يفضي إلى إلغاء ~~الدليل الدال على التقييد وليس الأمر كما قالوا على الإطلاق بل هما قاعدتان ~~متباينتان في هذه الأبواب المتقدم ذكرها وبيان ذلك أن صاحب الشرع إذا قال ~~اعتقوا رقبة ثم قال في موطن آخر رقبة مؤمنة فمدلول قوله رقبة كلي وحقيقة ~~مشترك فيها بين جميع الرقاب وتصدق بأي فرد وقع منها فمن أعتق سعيدا فقد ~~أعتق رقبة ووفى مقتضى هذا اللفظ فإذا أعتقنا رقبة مؤمنة فقد وفينا بمقتضى ~~الإطلاق وهو مفهوم الرقبة وبمقتضى التقييد وهو وصف الأيمان فكنا جامعين بين ~~الدليلين وهذا كلام حق أما إذا ورد أمر صاحب الشرع بإخراج الزكاة من كل ~~أربعين شاة # PageV01P190 # كما جاء في الحديث «في كل أربعين شاة شاة» ثم ورد بعد ~~ذلك قوله - عليه السلام - «في الغنم السائمة الزكاة» فمن قصد في هذا المقام ~~حمل المطلق الأول الذي هو ms179 الغنم على هذا القيد الذي هو الغنم السائمة ~~اعتمادا منه على أنه من باب حمل المطلق على المقيد فقد فاته الصواب بسبب أن ~~الحمل هنا يوجب أن المقيد خصص المطلق وأخرج منه جميع الأغنام المعلوفة ~~والعموم يتقاضى وجوب الزكاة فيها فليس جامعا بين الدليلين بل تاركا لمقتضى ~~العموم وحاملا له على التخصيص مع إمكان عدم التخصيص فلا يكون الدليل الدال ~~على حمل المطلق على المقيد موجودا ههنا وهو الجمع بين دليل الإطلاق ودليل ~~التقييد ومن أثبت الحكم بدون موجبه ودليله فقد أخطأ بل هذا يرجع إلى قاعدة ~~أخرى وهي تخصيص العموم بذكر بعضه والصحيح عند العلماء أنه باطل لأن البعض ~~لا ينافي الكل أو من قاعدة تخصيص العموم بالمفهوم الحاصل من قيد السوم وفيه ~~خلاف. # أما أنه من باب حمل المطلق على المقيد فلا لأنه كلية ولفظ عام وإنما ~~يستقيم حمل المطلق في الكلي المطلق لا في الكلية لما تقدم من الفرق وكذلك ~~وقع في كتب العلماء التسوية بين الأمر والنهي في حمل المطلق على المقيد ~~وليس كذلك فإن صاحب الشرع لو قال لا تعتقوا رقبة ثم قال لا تعتقوا رقبة ~~كافرة كان اللفظ الأول من صيغ العموم لأن النكرة في سياق النهي كالنكرة في ~~سياق النفي تعم فيكون اللفظ الثاني لو حملنا الأول عليه مخصصا للأول فإنه ~~يخرج # PageV01P191 # الرقاب المؤمنة على امتناع العتق والعموم يتقاضاه فلم ~~يكن فيه جمع بين الدليلين بل التزام للتخصيص بغير دليل وإلغاء للعموم من ~~غير موجب بخلاف هذه النكرة لو كانت في سياق الأمر فإنها حينئذ لا تكون عامة ~~بل مطلقة فيكون حملها على نص التقييد جمعا بين الدليلين وظهر أيضا الفرق ~~بين الأمر والنهي والإمام فخر الدين في المحصول وغيره من العلماء نص على ~~التسوية بينهما وليسا بمستويين فتأمل ذلك كما بينته لك فيتحصل من هذا ~~المبحث أن حمل المطلق على المقيد إنما يتصور في كلي دون كلية وفي مطلق دون ~~عموم وفي الأمر وخبر الثبوت دون النهي وخبر النفي لأن خبر النفي ms180 كقولنا ليس ~~في الدار أحد يقع نكرة في سياق النفي فيعم فيئول الحال إلى الكلية دون ~~الكلي وخبر الثبوت هو كالأمر نحو في الدار رجل فإنه مطلق كلي لا كلية لأن ~~النكرة لا تعم في سياق الثبوت وإذا تقرر الفرق واتضح الحق فهاهنا أربع ~~مسائل. # (المسألة الأولى) # الحنفية لا يرون حمل المطلق على المقيد خلافا للشافعية وكان قاضي القضاة ~~صدر الدين الحنفي يقول إن الحنفية تركوا أصلهم لا لموجب فيما ورد عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ~~إحداهن بالتراب وورد أولاهن بالتراب» فقوله «إحداهن» مطلق وقوله - عليه ~~السلام - «أولاهن» مقيد بكونه أولا ولم يحملوا المطلق على المقيد فيعينوا ~~الأولى بل أبقوا الإطلاق على إطلاقه وكان يورد هذا السؤال على الشافعية ~~فيعسر عليهم الجواب عنه فسمعته يوما يورده فقلت له هذا لا يلزمهم لأجل ~~قاعدة # PageV01P192 # أصولية مذكورة في هذا الباب وهي أنا إذا قلنا بحمل ~~المطلق على المقيد فورد المطلق مقيدا بقيدين متضادين فتعذر الجمع بينهما ~~تساقطا فإن اقتضى القياس الحمل على أحدهما ترجح وفي هذا الحديث ورد المطلق ~~فيه مقيدا بقيدين متضادين فورد أولاهن وورد أخراهن فتساقطا وبقي إحداهن على ~~إطلاقه فلم يخالف الشافعية أصولهم وأما أصحابنا المالكية فلم يعرجوا على ~~هذا الحديث المطلق ولا على قيديه بل اقتصروا على سبع من غير تراب، وأنا ~~متعجب من ذلك مع وروده في الأحاديث الصحيحة. # (المسألة الثانية) ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله «- صلى الله عليه ~~وسلم - أنه نهى عن بيع ما لم يقبض» وأخذ الشافعي بعموم هذا الحديث وورد ~~أيضا نهيه عن بيع الطعام قبل قبضه فخصص أصحابنا المنع بالطعام خاصة وجوزوا ~~بيع غيره قبل قبضه واختلفت مداركهم في ذلك فمنهم من يقول هو من باب حمل ~~المطلق على المقيد فيحمل الإطلاق في الحديث الأول على التقييد في الحديث ~~الثاني ومنهم من يقول الأول عام والثاني خاص وإذا تعارض العام والخاص قدم ~~الخاص على العام والمدركان باطلان أما الأول فلأنه وقد ms181 تقدم أن المطلق إنما ~~يحمل على المقيد في الكلي دون الكلية وهذا الحديث الأول عام فهو كلية فلا ~~يصح فيه حمل المطلق على المقيد وأما المدرك الثاني فهو من باب تخصيص العموم ~~بذكر بعضه وهو باطل كما تقرر في أصول الفقه فإنه لا منافاة بين ذكر الشيء ~~وذكر بعضه والطعام هو بعض ما تناوله العموم الأول فلا يصح تخصيصه فيه فبقيت ~~المسألة مشكلة علينا ويظهر أن الصواب مع الشافعي. # (المسألة الثالثة) قال مالك من ارتد حبط عمله بمجرد ردته وقال الشافعي لا ~~يحبط عمله إلا بالوفاة على الكفر لأن قوله تعالى {لئن أشركت ليحبطن عملك} ~~[الزمر: 65] وإن كان مطلقا # PageV01P193 # وتمسك به مالك على إطلاقه غير أنه قد ورد مقيدا في ~~قوله تعالى في الآية الأخرى {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ~~[البقرة: 217] فيجب حمل المطلق على المقيد فلا يحبط العمل إلا بالوفاة على ~~الكفر والجواب أن الآية الثانية ليست مقيدة للآية الأولى لأنها رتب فيها ~~مشروطان وهما الحبوط والخلود على شرطين وهما الردة والوفاة على الكفر وإذا ~~رتب مشروطان على شرطين أمكن التوزيع فيكون الحبوط المطلق الردة والخلود ~~لأجل الوفاة على الكفر فيبقى المطلق على إطلاقه ولم يتعين أن كل واحد من ~~الشرطين شرط في الإحباط فليست هاتان الآيتان من باب حمل المطلق على المقيد ~~فتأمل ذلك فهو من أحسن المباحث سؤالا وجوابا. # (المسألة الرابعة) ورد قوله - عليه السلام - «جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا» وورد «وترابها طهورا» قال الشافعي - رضي الله عنه - هذا من باب ~~المطلق والمقيد فيحمل الأول على الثاني فلا يجوز التيمم بغير التراب وهذا ~~لا يصح فإن الأول عام كلية لا يصح فيه حمل المطلق على المقيد لما تقدم أن ~~ذلك لا يصح إلا في الكلي دون الكلية وهو أيضا من باب تخصيص العموم بذكر ~~بعضه وهو أيضا باطل فأصاب الشافعي من الإشكال في هذه المسألة ما أصاب ~~أصحابنا في مسألة بيع الطعام ms182 قبل قبضه حرفا بحرف. # PageV01P194 # (الفرق الثاني والثلاثون بين قاعدة الإذن العام من ~~قبل صاحب الشرع في التصرفات وبين إذن المالك الآدمي في التصرفات في أن ~~الأول لا يسقط الضمان والثاني يسقطه) وسر الفرق هو أن الله تعالى تفضل على ~~عباده فجعل ما هو حق لهم بتسويغه وتملكه وتفضله لا ينقل الملك فيه إلا ~~برضاهم ولا يصح الإبراء منه إلا بإسقاطهم ولذلك لا يسقط الضمان في إتلافه ~~إلا بإذنهم في إتلافه أو بالإذن في مباشرته على سبيل الأمانة كما أن ما هو ~~حق لله تعالى صرف لا يتمكن العباد من إسقاطه والإبراء منه بل ذلك يرجع إلى ~~صاحب الشرع فكل واحد من الحقين موكل لمن هو منسوب له ثبوتا وإسقاطا ويتضح ~~الفرق بثلاث مسائل (المسألة الأولى) # الوديعة إذا شالها المودع وحولها لمصلحة حفظها فسقطت من يده فانكسرت لا ~~ضمان عليه لأنه مأذون له في ذلك الفعل الذي به انكسرت ولو سقط عليها شيء من ~~يده فانكسرت ضمن لأن صاحب الوديعة لم يأذن له في حمل ذلك في يده فالفعل ~~الذي به انكسرت غير مأذون فيه فيضمن فإن قيل إن كان صاحب الوديعة لم يأذن ~~له غير أن الله تعالى أذن له أن يتصرف في بيته فقد وجد الإذن ممن هو أعظم ~~من صاحب الوديعة قيل الإذن العام الشرعي # PageV01P195 # لا يسقط الضمان وإنما يسقط الإذن الخاص من قبل صاحب ~~الوديعة كما تقدم تقريره (المسألة الثانية) # إذا استعار شيئا فسقط من يده فانكسر وهلك في العمل المستعار له من غير ~~عدوان ولا مجاوزة لما جرت به العادة في الانتفاع بتلك العارية فلا ضمان ~~عليه لأن الذي أعاره أذن له فيما حصل به الهلاك ولو سقط من يده عليها شيء ~~فأهلكها ضمن لعدم وجود إذن صاحب العارية في هذا التصرف الخاص وإنما وجد ~~الإذن العام وهو لا يسقط الضمان كما تقدم تقريره (المسألة الثالثة) # إذا اضطر إلى طعام غيره فأكله في المخمصة جاز وهل يضمن له القيمة أو لا ~~قولان أحدهما لا يضمن لأن ms183 الدفع كان واجبا على المالك والواجب لا يؤخذ له ~~عوض والقول الثاني وهو الأظهر والأشهر لأن إذن المالك لم يوجد وإنما وجد ~~إذن صاحب الشرع وهو لا يوجب سقوط الضمان وإنما ينفي الإثم والمؤاخذة ~~بالعقاب ولأن القاعدة أن الملك إذا دار زواله بين المرتبة الدنيا والمرتبة ~~العليا حمل على الدنيا استصحابا للملك بحسب الإمكان وانتقال الملك بعوض هو ~~أدنى رتب الانتقال وهو أقرب لموافقة الأصل من الانتقال بغير عوض. # (الفرق الثالث والثلاثون بين قاعدة تقدم الحكم على سببه دون شرطه أو شرطه ~~دون سببه وبين قاعدة تقدمه على السبب والشرط جميعا) وتحريره أن الحكم إن ~~كان له سبب بغير شرط فتقدم عليه لا يعتبر أو كان له سببان أو أسباب فتقدم ~~على جميعها لم يعتبر أو على بعضها دون بعض اعتبر بناء على سبب الخاص ولا ~~يضر فقدان بقية # PageV01P196 # الأسباب فإن شأن السبب أن يستقل بثبوت مسببه دون غيره ~~من الأسباب مثال الأول الزوال سبب وجوب الظهر فإذا صليت قبل الزوال لم ~~تعتبر ظهرا ومثال الثاني الجلد له ثلاثة أسباب الزنى والقذف والشرب فمن جلد ~~قبل ملابسة شيء من هذه الثلاثة لم يعتبر ذلك حدا ولا زجرا فهذان قسمان ما ~~أعلم فيهما خلافا. القسم الثالث أن يكون له سبب وشرط فله ثلاثة أحوال ~~(الحالة الأولى) أن يتقدم على سببه وشرطه فلا يعتبر إجماعا (الحالة ~~الثانية) أن يتأخر إيقاعه عن سببه وشرطه فيعتبر إجماعا # (الحالة الثالثة) أن يتوسط بينهما فيختلف العلماء في كثير من صوره وعدم ~~اعتباره ويتضح ذلك بذكر ثمان مسائل (المسألة الأولى) # كفارة اليمين لها سبب وشرط فالسبب هو اليمين والشرط هو الحنث فإن قدمت ~~عليهما لم يعتبر ذلك إجماعا وإن أخرت عنهما أجزأت إجماعا وإن توسطت بين ~~اليمين والحنث فقولان بين العلماء في إجزائها وعدم إجزائها. (المسألة ~~الثانية) # الأخذ بالشفعة له سبب وهو بيع الشريك وشرط وهو الأخذ فتثبت الشفعة حينئذ ~~فإن أسقطها قبل البيع لم يعتبر إسقاطه لعدم اعتبارها حينئذ واعتبار الإسقاط ~~فرع اعتبار المسقط أو أسقطها ms184 بعد الأخذ سقطت إجماعا وإن أسقطها بعد البيع ~~وقبل الأخذ سقطت ولا أعلم في ذلك خلافا. (المسألة الثالثة) وجوب # PageV01P197 # الزكاة له سبب وهو مالك النصاب وشرط وهو دوران الحول ~~فإن أخرج الزكاة قبل ملك النصاب لا تجزئ إجماعا وبعد ملك النصاب ودوران ~~الحول أجزأت إجماعا وبعد ملك النصاب وقبل دوران الحول فقولان في الإجزاء ~~وعدمه (المسألة الرابعة) # إذا أخرج زكاة الحب قبل نضج الحب وظهوره لا تجزئه وإن أخرجها بعد يبسه ~~أجزأت ولم يختلفوا في هذه الصورة في الإجزاء أعني العلماء المشهورين في ~~إجزاء المخرج بخلاف زكاة النقدين إذا أخرجت بعد ملك النصاب وقبل الحول لأن ~~زكاة الحب ليس لها سبب وشرط بل سبب واحد فلا تتخرج على هذه المسألة بل على ~~مسألة الصلاة قبل الزوال وبهذا أيضا يظهر بطلان قياس أصحابنا عدم إجزاء ~~الزكاة إذا أخرجت قبل الحول على الصلاة قبل الزوال في قولهم واجب أخرج قبل ~~وقت وجوبه فلا يجزئ قياسا على الصلاة قبل الزوال فهذا قياس باطل بسبب أن ما ~~يساوي الصلاة قبل الزوال إلا إخراج الزكاة قبل ملك النصاب وهم يساعدون على ~~عدم الإجزاء قبل ملك النصاب. (المسألة الخامسة) # القصاص له سبب وهو إنفاذ المقاتل وشرط وهو زهوق الروح فإن عفا عن القصاص ~~قبلهما لم يعتبر عفوه وبعدهما يتعذر لعدم الحياة المانعة من التصرف فلم يبق ~~إلا بينهما فينفذ إجماعا فيما علمت. (المسألة السادسة) إذن الورثة في ~~التصرف في أكثر من الثلث إن وقع قبل حصول المرض # PageV01P198 # المخوف لم يعتبر إذنهم أو بعده اعتبر وبعده وبعد ~~الموت يتعذر الإذن بل التنفيذ خاصة لأن سبب ملكهم هو القرابة الخاصة على ما ~~هو في كتب الفرائض بشرط الموت والمرض المخوف سبب الشرط ظاهرا فصار تقدمه ~~قبل التصرف كتقدم السبب وعلى هذه القاعدة تتخرج هذه المسائل فبعضها يكون ~~فيه خلاف وبعضها ليس فيه خلاف إما للضرورة كما تقدم أو بالإجماع مع إمكان ~~جريان الخلاف. (المسألة السابعة) # إذا أسقطت المرأة نفقتها على زوجها قال أصحابنا لها المطالبة بها بعد ذلك ms185 ~~مع أنه إسقاط بعد السبب الذي هو النكاح وقبل الشرط الذي هو التمكين أو يقال ~~السبب هو التمكين خاصة وما وجد في المستقبل عند الإسقاط في الحال فقط أسقطت ~~النفقة قبل سببها فيكون كإسقاط الشفعة قبل بيع الشريك والأول عندي أظهر ~~وإسقاط اعتبار العصمة بالكلية # PageV01P199 # لا يتجه فإن التمكين بدون العصمة موجود في الأجنبية ~~ولا يوجب نفقة والأحسن أن يقال هو من ذلك غير أنه يشق على الطباع ترك ~~النفقات فلم يعتبر صاحب الشرع الإسقاط لطفا بالنساء لا سيما مع ضعف عقولهن ~~وعلى التعليلين يشكل بما إذا تزوجته وهي تعلم بفقره قال مالك ليس لها طلب ~~فراقه بعد ذلك مع أنه قبل العقد وقبل التمكين والفرق أن المرأة إذا تزوجت ~~من تعلم بفقره فقد سكنت نفسها سكونا كليا فلا ضرر عليها في الصبر على ذلك ~~كما إذا تزوجته مجبوبا أو عنينا فلا مطالبة لها لفرط سكون النفس. (المسألة ~~الثامنة) إذا أسقطت حقها من القسم في الوطء قال مالك لها الرجوع والمطالبة ~~لأن الطباع يشق عليها الصبر عن مثل ذلك بخلاف ما لو تزوجته مجبوبا أو عنينا ~~أو شيخا فانيا فإنها لا مقال لها لتوطين النفس على ذلك. # (الفرق الرابع والثلاثون بين قاعدة المعاني الفعلية وبين قاعدة المعاني ~~الحكمية) وتحريره أن ما من معنى مأمور به في الشريعة ولا منهي عنه إلا وهو ~~منقسم إلى فعلي وحكمي ونعني بالفعلي وجوده في زمان وجوده وتحققه دون زمان ~~عدمه ونعني بالحكمي حكم صاحب الشرع على فاعله بعد عدمه بأنه من أهل ذلك ~~الوصف وفي حكم الموصوف به دائما حتى يلابس ضده ولذلك مثل أحدهما الإيمان ~~إذا استحضره الإنسان في قلبه فهذا هو الإيمان الفعلي فإذا غفل عنه بعد ذلك ~~حكم # PageV01P200 # صاحب الشرع عليه بأنه مؤمن وله أحكام المؤمنين في ~~الدنيا والآخرة. وثانيها الكفر إذا استحضره الإنسان في قلبه فهذا هو الكفر ~~الفعلي فإذا غفل عنه بعد ذلك حكم صاحب الشرع بأنه كافر وله أحكام الكفار في ~~الدنيا والآخرة من إباحة الدم واستحقاق العقوبات ms186 وغير ذلك ومن ذلك قوله ~~تعالى {إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم} [طه: 74] فإن كل واحد لا يأتي ~~يوم القيامة وهو كافر الكفر الفعلي لأن كل كافر عند المعاينة يضطر للإيمان ~~فلا يأتي يوم القيامة إلا وهو مؤمن بالفعل والإيمان الفعلي ينافي الكفر ~~الفعلي فهو غير كافر بالفعل، مؤمن بالفعل غير أنه لا ينفعه ذلك الإيمان ~~وإنما ينفعه إذا وقع قبل المعاينة والاضطرار إليه # وثالثها الإخلاص يقع من العبد أول العبادة فهذا هو الإخلاص الفعلي فإذا ~~غفل عنه بعد ذلك حكم صاحب الشرع عليه بأنه من المخلصين في الدنيا والآخرة ~~حتى يخطر له الرياء وهو ضد الإخلاص فينتفي ذلك الحكم كما ينتفي الحكم ~~بالإيمان بسبب ملابسة الكفر والحكم بالكفر بسبب ملابسة الإيمان ورابعها ~~النية في أول الصلاة والطهارة والصوم ونحوه من العبادات تحصل في قلب العبد ~~فهذه هي النية الفعلية فإذا غفل عنها في أثناء الصلاة أو غيرها من العبادات ~~حكم صاحب الشرع بأنه ناو وله أحكام الناوين لتلك العبادات حتى يفرغ منها ~~وكذلك جميع المعاني المنهي عنها والمأمور بها من الكبر والعجب وحب السمعة ~~والإذلال وقصد الفساد وإرادة العناد ونحوه من المنهيات وحب المؤمنين وبغض ~~الكافرين وتعظيم رب العالمين والأنبياء والمرسلين وقصد نفع الإخوان وإرادة ~~البعد عن حرمات الرحمن وغير ذلك من المأمورات فكل من خطر بباله معنى من هذه ~~المعاني ثم غفل عنها كان في حكم الشرع من أهل ذلك المعنى حتى يلابس ضده ~~فهذه قاعدة في هذه الفروق مجمع عليها والحكميات أبدا في هذا الباب فرع ~~الفعليات. وهاهنا خمس مسائل (المسألة الأولى) # من خرس لسانه عند الموت وذهب عقله فلم ينطق بالشهادة عند الموت ولا أحضر ~~الإيمان بقلبه ومات على # PageV01P201 # تلك الحالة مات مؤمنا ولا يضره عدم الإيمان الفعلي ~~عند الموت كما أن الكافر إذا حضرته الوفاة أخرس ذاهب العقل عاجزا عن الكفر ~~في تلك الحال لعدم صلاحيته له لا ينفعه ذلك وحكمه عند الله حكم الذين ~~استحضروا الكفر في تلك الحال بالفعل فالمعتبر ما ms187 تقدم من كفر وإيمان ولا ~~يضر العدم في المعنى عند الموت. # (المسألة الثانية) # إذا سها عن السجود في الأولى والركوع في الثانية لا ينضاف سجود الثانية ~~لركوع الأولى إلا أن يقصد به إضافته للأولى ولا تكفيه النية الفعلية ~~المقارنة لأول الصلاة بسبب أن النية الحكمية هي فرع الفعلية على حسب ما ~~كانت عليه والنية الفعلية الأولى إنما تناولت الفعل الشرعي لا بوصف كونه ~~مرقعا بل على مجاري العادة في الأكثر فهذه الصلاة المرقعة الخارجة عن نمط ~~العادة لا تتناولها النية الحكمية لأنها فرع الفعلية والفعلية لم تتناولها ~~فكذلك الحكمية التي هي فرع الفعلية لا تتناول إلا الصلاة المرتبة العادية ~~لا الصلاة المرقعة فبقيت المرقعة بغير نية فعلية ولا حكمية فاحتاجت إلى نية ~~مجددة للترقيع ولأن المرقعة المتروك ركوعها وسجودها حتى ينضاف إليها سجود ~~من ركعة أخرى غير مشروعة إجماعا وغير المشروع قربة لا ينوى شرعا فليس فيها ~~نية فعلية قطعا وليس لها نية حكمية قطعا فإن الشرع إنما يحكم باستصحاب ما ~~تقدم من النية فإذا لم تتقدم نية شرعية لا يحكم الشرع باستصحابها قطعا فهذه ~~المرقعة خالية من النية قطعا فتحتاج إلى نية إجماعا لأنه لا بد للصلاة من ~~النية إجماعا فهذا تقرير ظاهر قطعي فيعتمد عليه أولى من الاعتماد على ~~الأمور الضعيفة التي يذكرها بعض الفقهاء. # (المسألة الثالثة) إذا نسي سجدة من الأولى ثم ذكر في آخر صلاته فإنه يقوم ~~إلى ركعة خامسة يجعلها عوض الأولى ولا بد لهذه الركعة الخامسة من نية مجددة ~~بأنها عوض عن الأولى وإلا فلا تكون عوضا عن الأولى بالنية المتقدمة أول ~~الصلاة لأنها لم تتناول إلا الصلاة العادية أما المرقعات فلا وكذلك الحكمية ~~التي هي فرعها فلا بد من نية جديدة لأن كل جزء # PageV01P202 # من أجزاء الصلاة لا بد فيه من نية فعلية أو حكمية ~~فمتى عرا جزء من أجزاء الصلاة عنها بطلت الصلاة ما لم تستدرك بالنية عن ~~قرب. (المسألة الرابعة) قال مالك - رضي الله عنه - في المدونة من بقيت ~~رجلاه من ms188 وضوئه فخاض بهما نهرا فدلكهما فيه بيديه ولم ينو بهما تمام وضوئه ~~لم يجزه حتى ينويه قلت وسبب ذلك أن النية الفعلية لم تتناول إلا الوضوء ~~العادي فإن الإنسان أول العبادة أو الوضوء لا يقدم على ترقيع الصلاة ولا ~~ترقيع وضوئه بل إنما يقصد العبادة التي لا ترقيع فيها فالمرقعة لم يتناولها ~~لا النية الفعلية ولا الحكمية التي هي فرع الفعلية فلا تتناول المرقعة ولا ~~المفرقة فبقي جزء العبادة بغير نية مطلقا فتبطل العبادة لعدم شرطها فلأجل ~~هذه القاعدة احتاج الترقيع أبدا إلى النية الفعلية تجدد له فمتى وقع بغير ~~نية تجدد له بقي جزء العبادة بغير نية فتبطل العبادة لاشتراط النية في كل ~~أجزائها فعلية أو حكمية. (المسألة الخامسة) # رفض النية في أثناء العبادات فيه قولان هل يؤثر أم لا فإن قلنا بعدم ~~التأثير فلا كلام وإن قلنا يؤثر فوجهه أن هذه النية التي حصل بها الرفض وهي ~~العزم على ترك العبادة لو قارنت النية الفعلية الكائنة أول العبادة ~~لضاددتها ونافتها فإن العزم على الفعل، والعزم على تركه متضادان وما ضاد ~~الفعلية ضاد الحكمية التي هي فرعها بطريق الأولى فظهر بهذه الفروع الفرق ~~بين المعاني الفعلية والحكمية وأن الحكميات أبدا تابعة فروع الفعليات وأن ~~الفعليات والحكميات إنما تتناول العبادات العاديات دون الطارئات وأن ~~التلفيات تحتاج إلى نية جديدة أبدا لعدمها فيها وهو المطلوب. . # (الفرق الخامس والثلاثون بين قاعدة الأسباب الفعلية وقاعدة الأسباب ~~القولية) فالأسباب الفعلية كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والأسباب القولية ~~كالبيع والهبة والصدقة والقراض وما هو في الشرع من الأقوال سبب انتقال ~~الملك وافترقت هاتان القاعدتان من وجوه تظهر # PageV01P203 # بذكر مسائلها ولنذكر من ذلك خمس مسائل (المسألة ~~الأولى) الأسباب الفعلية تصح من السفيه المحجور عليه دون القولية فلو صاد ~~مالك الصيد أو احتش مالك الحشيش أو احتطب مالك الحطب أو استقى ماء ملكه ~~وترتب له الملك على هذه الأسباب بخلاف ما لو اشترى أو قبل الهبة أو الصدقة ~~أو قارض أو غير ذلك من الأسباب القولية لا يترتب له ms189 عليها ملك بسبب أن ~~الأسباب الفعلية غالبها خير محض من غير خسارة ولا غبن ولا ضرر فلا أثر ~~لسفهه فيها فجعلها الشرع معتبرة في حقه تحصيلا للمصالح بتلك الأسباب فإنها ~~لا تقع إلا نافعة مفيدة غالبا وأما القولية فإنها موضع المماكسة والمغابنة ~~ولا بد فيها من آخر ينازعه ويجاذبه إلى الغبن، وضعف عقله في ذلك يخشى عليه ~~منه ضياع مصلحته عليه فلم يعتبرها الشرع منه لعدم تعين مصلحتها بخلاف ~~الفعلية. (المسألة الثانية) لو وطئ المحجور عليه أمته صارت له بذلك أم ولد ~~وهو سبب فعلي يقتضي العتق ولو أعتق عبده لم ينفذ عتقه مع علو منزلة العتق ~~عند صاحب الشرع لا سيما المنجز والفرق بين هذا السبب الفعلي وهذا السبب ~~القولي أن نفسه تدعوه إلى وطء أمته فلو منعناه منها لأدى ذلك إلى وقوعه في ~~الزنى ويطؤها وهي محرمة عليه فيقع في عذاب الله تعالى ولا داعية تدعوه لعتق ~~عبده أو أمته من جهة الطبع فإذا قلنا له ليس لك ذلك لا يلزم من ذلك محذور ~~وإذا جوزنا له الوطء وجب أن يقضى باستحقاق الأمة العتق عند موت سيدها لأن ~~الوطء سبب تام للعتق عند موت السيد وقد أبحنا له الإقدام عليه والسبب التام ~~إذا أذن فيه من قبل صاحب الشرع وجب أن يترتب عليه مسببه لأن وجود السبب ~~المأذون فيه دون المسبب خلاف القواعد والسبب القولي لم يأذن فيه صاحب الشرع ~~فكان كالمعدوم لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا والسبب المعدوم لا يترتب عليه ~~أثره. (المسألة الثالثة) # اختلف العلماء هل الأسباب الفعلية أقوى أو القولية أقوى فقيل الفعلية ~~أقوى لنفوذها من المحجور # PageV01P204 # عليه ومن غيره وقيل القولية أقوى بدليل أن العتق ~~بالقول يستعقب العتق والعتق بالوطء لا يستعقب العتق والسبب الذي يستعقب ~~مسببه أقوى مما لا يستعقبه. (المسألة الرابعة) نص أصحابنا على أن السفينة ~~إذا وثبت فيها سمكة في حجر إنسان فهي له دون صاحب السفينة لأن حوزه أخص ~~بالسمكة من حوز صاحب السفينة لأن حوز السفينة يشمل هذا الرجل ms190 وغيره وحوز ~~هذا الرجل لا يتعداه فهو أخص بالسمكة من صاحب السفينة والأخص مقدم على ~~الأعم كما قلنا في المصلي لا يجد إلا نجسا وحريرا يصلي في الحرير ويقدم ~~النجس في الاجتناب لأنه أخص والأخص مقدم على الأعم والمحرم لا يجد ما يقوته ~~إلا ميتة أو صيدا يقدم الصيد في الاجتناب على الميتة لأن تحريم الصيد أخص ~~بالإحرام من الميتة وتحريم الميتة يشمل الحاج وغيره كما أن تحريم الحرير ~~يشمل المصلي وغيره فقاعدة تقديم الأخص على الأعم له نظائر في الشريعة. ~~(المسألة الخامسة) الملك بالإحياء على أصل مالك أضعف من تحصيل الملك ~~بالشراء لأنه إذا زال الإحياء عنه بطل الملك ولا يبطل الملك في القولي إلا ~~بسبب ناقل والإحياء سبب فعلي فيكون هذا الفرع مما يدل على أن الأسباب ~~الفعلية أضعف من القولية على قاعدة مالك أما الشافعي فلا يزيل الملك بزوال ~~الإحياء فلا مقال معه وكذلك يقول مالك إذا توحش الصيد بعد حوزه أو الحمام ~~بعد إيوائه أو النحل بعد ضمه بجبحه يزول الملك في ذلك كله وكذلك السمكة إذا ~~انفلتت في البحر فصادها غير صائدها الأول. # (الفرق السادس والثلاثون بين قاعدة تصرفه - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء ~~وبين قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإمامة) اعلم أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم والمفتي ~~الأعلم فهو - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P205 # إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء فجميع ~~المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته وهو أعظم من كل من تولى ~~منصبا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة فما من منصب ديني إلا وهو متصف ~~به في أعلى رتبة غير أن غالب تصرفه - صلى الله عليه وسلم - بالتبليغ لأن ~~وصف الرسالة غالب عليه ثم تقع تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - منها ما يكون ~~بالتبليغ والفتوى إجماعا ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء ومنها ما ~~يجمع الناس على أنه بالإمامة ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين ~~فصاعدا فمنهم ms191 من يغلب عليه رتبة ومنهم من يغلب عليه أخرى ثم تصرفاته - صلى ~~الله عليه وسلم - بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة فكل ما قاله - صلى ~~الله عليه وسلم - أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما على الثقلين ~~إلى يوم القيامة فإن كان مأمورا به أقدم عليه كل أحد بنفسه وكذلك المباح ~~وإن كان منهيا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه وكل ما تصرف فيه - عليه السلام - ~~بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به - عليه ~~السلام - ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك وما تصرف ~~فيه - صلى الله عليه وسلم - بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا ~~بحكم حاكم اقتداء به - صلى الله عليه وسلم - ولأن السبب الذي لأجله تصرف ~~فيه - صلى الله عليه وسلم - بوصف القضاء يقتضي ذلك وهذه هي الفروق بين هذه ~~القواعد الثلاث ويتحقق ذلك بأربع مسائل # PageV01P206 # (المسألة الأولى) # بعث الجيوش لقتال الكفار والخوارج ومن تعين قتاله وصرف أموال بيت المال ~~في جهاتها وجمعها من محالها وتولية القضاة والولاة العامة وقسمة الغنائم ~~وعقد العهود للكفار ذمة وصلحا هذا هو شأن الخليفة والإمام الأعظم فمتى فعل ~~- صلى الله عليه وسلم - شيئا من ذلك علمنا أنه تصرف فيه - صلى الله عليه ~~وسلم - بطريق الإمامة دون غيرها ومتى فصل - صلى الله عليه وسلم - بين اثنين ~~في دعاوى الأموال أو أحكام الأبدان ونحوها بالبينات أو الإيمان والنكولات ~~ونحوها فنعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما تصرف في ذلك بالقضاء دون ~~الإمامة العامة وغيرها لأن هذا شأن القضاء والقضاة وكل ما تصرف فيه - صلى ~~الله عليه وسلم - في العبادات بقوله أو بفعله أو أجاب به سؤال سائل عن أمر ~~ديني فأجابه فيه فهذا تصرف بالفتوى والتبليغ فهذا المواطن لا خفاء فيها ~~وأما مواضع الخفاء والتردد ففي بقية المسائل. (المسألة الثانية) # قوله - صلى الله عليه وسلم - «من أحيا أرضا ميتة فهي له» اختلف العلماء - ~~رضي الله عنهم - في هذا القول هل تصرف ms192 بالفتوى فيجوز لكل أحد أن يحيي إذن ~~الإمام في ذلك الإحياء أم لا وهو مذهب مالك والشافعي - رضي الله عنهما - أو ~~هو تصرف منه - عليه السلام - بالإمامة فلا يجوز لأحد أن يحيي إلا بإذن ~~الإمام وهو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - وأما تفرقة مالك بين ما قرب من ~~العمارة فلا يحيا إلا بإذن الإمام وبين ما بعد فيجوز بغير إذنه فليس من هذا ~~الذي نحن فيه بل من قاعدة أخرى # PageV01P207 # وهي أن ما قرب من العمران يؤدي إلى التشاجر والفتن ~~وإدخال الضرر فلا بد فيه من نظر الأئمة دفعا لذلك المتوقع كما تقدم وما بعد ~~من ذلك لا يتوقع فيه شيء من ذلك فيجوز ومذهب مالك والشافعي في الإحياء أرجح ~~لأن الغالب في تصرفه - صلى الله عليه وسلم - الفتيا والتبليغ والقاعدة أن ~~الدائر بين الغالب والنادر إضافته إلى الغالب أولى. (المسألة الثالثة) # «قوله - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له ~~- صلى الله عليه وسلم - إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفيني ~~فقال لها - عليه السلام - خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف» اختلف الفقهاء ~~في هذه المسألة وهذا التصرف منه - عليه السلام - هل هو بطريق الفتوى فيجوز ~~لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه بغير علم خصمه به ومشهور مذهب مالك ~~خلافه بل هو مذهب الشافعي أو هو تصرف بالقضاء فلا يجوز لأحد أن يأخذ جنس ~~حقه أو حقه إذا تعذر أخذه من الغريم إلا بقضاء قاض حكى الخطابي القولين عن ~~العلماء في هذا الحديث حجة من قال إنه بالقضاء أنها دعوى في مال على معين ~~فلا يدخله إلا القضاء لأن الفتاوى شأنها العموم وحجة القول بأنها فتوى ما ~~روي أن أبا سفيان كان بالمدينة والقضاء على الحاضرين من غير إعلام ولا سماع ~~حجة لا يجوز فيتعين أنه فتوى وهذا هو ظاهر الحديث. (المسألة الرابعة) قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - «من قتل قتيلا فله سلبه» اختلف العلماء في هذا ~~الحديث هل ms193 تصرف فيه - صلى الله عليه وسلم - بالإمامة فلا يستحق أحد سلب ~~المقتول إلا ` أن يقول الإمام ذلك وهو مذهب مالك فخالف أصله فيما قاله في ~~الإحياء وهو أن غالب تصرفه - صلى الله عليه وسلم - بالفتوى فينبغي أن يحمل ~~على الفتيا عملا بالغالب وسبب مخالفته لأصله أمور منها أن الغنيمة أصلها أن ~~تكون للغانمين لقوله عز وجل {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ~~[الأنفال: 41] وإخراج السلب من ذلك خلاف هذا الظاهر ومنها أن ذلك إنما أفسد ~~الإخلاص # PageV01P208 # عند المجاهدين فيقاتلون لهذا السلب دون نصر كلمة ~~الإسلام ومن ذلك أنه يؤدي إلى أن يقبل على قتل من له سلب دون غيره فيقع ~~التخاذل في الجيش وربما كان قليل السلب أشد نكاية على المسلمين فلأجل هذه ~~الأسباب ترك هذا الأصل وعلى هذا القانون وهذه الفروق يتخرج ما يرد عليك من ~~هذا الباب من تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - فتأمل ذلك فهو من الأصول ~~الشرعية. # (الفرق السابع والثلاثون بين قاعدة تعليق المسببات على المشيئة وقاعدة ~~تعليق سببية الأسباب على المشيئة) فالأول عندنا غير قادح ولا يؤثر إلا في ~~اليمين بالله تعالى دون الطلاق والعتاق وغيرهما وعند الشافعي - رضي الله ~~عنه - هو مؤثر في الجميع وفرق بين قوله أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله ~~ويعيد الاستثناء على الدخول فلا يلزم الطلاق أو على الطلاق فيلزم وإذا قال ~~إن كلمت زيدا فعلي الحج إلى بيت الله الحرام إن شاء الله فلا يلزمه شيء إن ~~أعاد الاستثناء على كلام زيد ويلزم إن أعاده على الحج وبسط ذلك قد تقدم في ~~الفرق بين الشرط اللغوي وغيره من الشروط فيطالع من هنالك مبسوطا مستوفى ~~محررا في غاية البيان والجودة فلا حاجة إلى التطويل بإعادته. # (الفرق الثامن والثلاثون بين قاعدة النهي الخاص وبين قاعدة النهي العام) ~~هذان النهيان على هذا التفسير ينقسمان ثلاثة أقسام القسم الأول أن يتضادا ~~ويتنافيا كقوله # PageV01P209 # لا تقتلوا بني تميم لا تبقوا من رجالهم أحدا حيا فحكم ~~هذا القسم أن يقدم الخاص ms194 على العام ويبتنى العام عليه فيقتل رجالهم دون ~~غيرهم على القاعدة في تقديم الخاص على العام في النصوص المتعارضة وغيرها من ~~الأدلة # القسم الثاني أن لا يتضادا ولا يكون لأحدهما مناسبة يختص بها دون الآخر ~~كقوله تعالى {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: 151] لا ~~تقتلوا الرجال فهذان من قاعدة ذكر بعض العام الصحيح عند العلماء أنه لا ~~يخصصه كان أمرا أو نهيا أو خبرا فإن جزء الشيء لا ينافيه وقيل على الشذوذ ~~أنه يخصصه من طريق المفهوم فإن ذكر الرجال يقتضي مفهومه قتل غيرهم # القسم الثالث أن لا يتنافيا ويكون لأحدهما مناسبة تخصه في متعلقه وفيه ~~ثلاث مسائل المسألة الأولى كقوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ~~وقوله تعالى {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] فيضطر المحرم إلى ~~أكل الميتة أو الصيد قال مالك - رضي الله عنه - يأكل الميتة ويترك الصيد ~~لأن كليهما وإن كان محرما إلا أن تحريم الصيد له مناسبة بالإحرام ومفسدته ~~التي اعتمدها النهي إنما هي في الإحرام وأما مفسدة أكل الميتة فذلك أمر عام ~~لا تعلق له بخصوص الإحرام والمناسب إذا كان لأمر عام وهو كونها ميتة لا ~~يكون بينه وبين خصوص الإحرام منافاة ولا تعلق والمنافي الأخص أولى ~~بالاجتناب ونظيره من العرفيات من هو عدو لقبيلتك أو ملتك وآخر عدو لك في ~~نفسك دون غيرك فإن حذرك يكون من عدوك الخاص بك أشد، واجتنابك له أكثر وأليق ~~بك، إن تسلطه عليك أعظم وأما عدو ملتك فإنه لا يلاحظ خصوصك في عداوته بل ~~ربما مال إليك دون أهل ملتك لأمر يجده فيك دونهم وأما عدوك فلو ترك الناس ~~كلهم ما تركك وكذلك غريم لا يطالب إلا أنت وغريم يطالب جماعة أنت منهم تجد ~~في نفسك الملك من المطالب لك وحدك أشد وكذلك هذه المفاسد الشرعية الخاص ~~منها يكون أشد اجتنابا (المسألة الثانية) # إذا لم يجد المصلي ما يستره إلا حريرا أو نجسا قال أصحابنا يصلي في ~~الحرير ويترك # PageV01P210 # النجس لأن مفسدة النجاسة خاصة بالصلاة ms195 بخلاف مفسدة ~~الحرير لا تعلق لها بخصوص الصلاة ولا منافاة بينهما وإن كانت المفسدة ~~والمنافاة حاصلة لكن لأمر عام يتعلق بحقيقة الحرير لا بخصوص الصلاة فإن قلت ~~إذا كانت مفسدة الشيء تثبت في جميع الأحوال ومفسدة غيره لا تثبت إلا في ~~حالة دل ذلك على أن اعتناء صاحب الشرع بما تعم مفسدته جميع الأحوال أقوى ~~وأن المفسدة أعظم والقاعدة إذا تعارضت المفسدة الدنيا والمفسدة العليا فإنا ~~ندفع العليا بالتزام الدنيا كما نقطع اليد المتآكلة لبقاء النفس لأن ~~مفسدتها أعظم وأشمل فكذلك هاهنا مفسدة الحرير أعظم وأشمل فكان اجتنابه أولى ~~من اجتناب النجس قلت نسلم أن المفسدة إذا كانت أعظم وأشمل تكون أولى ~~بالاجتناب لكن ذلك حيث تكون المفسدة لا تعلق لها بخصوص الحال بل هي في تلك ~~الحقائق من حيث هي هي أما إذا كان لها تعلق بخصوص الحال فنمنع تقديم الأعم ~~والأشمل عليها. # (المسألة الثالثة) وقع في المذهب مسألة مشكلة وهي أن من استأجر دابة إلى ~~بلد معين فتجاوز بها تلك البلدة متعديا فإن لربها تضمينه الدابة وإن ردها ~~سالمة والغاصب إذا تعدى بالغصب في الدابة وردها سالمة لا يكون لربها تضمينه ~~إجماعا وغاية هذا المتعدي أن يكون كالغاصب والغاصب إذا رد المغصوب لا يضمن ~~فكذلك هذا المتعدي ورام بعض الفقهاء تخريج هذه المسألة على هذه القاعدة بأن ~~قال النهي عن الغصب نهي عام لا يختص بحالة ولا بعين دون عين وهاهنا في هذا ~~المتعدي وجد نهي خاص بطريق اللزوم لأنه لما آجره إلى الغاية المعينة وحدد ~~له الغاية فقد نهاه أن يجاوزها فالزائد على هذه الغاية فيه نهي يخصه ويتعلق ~~بخصوص هذه الدابة دون غيرها وبهذه الغاية دون غيرها والقاعدة أن النهي ~~الخاص بالحالة المعينة أقوى مما هو عام لا يتعلق بخصوص تلك الحالة فهذا فرق ~~بين الغاصب والمتعدي فلا يلزم من عدم تضمين الغاصب مع الرد أن لا يضمن ~~المتعدي مع الرد لقوة النهي في حقه ويرد عليه أسئلة أحدها أن القاعدة # PageV01P211 # إنما هي في التعارض ولم ms196 يقع هاهنا تعارض فلم يجتمع ~~نهي الغصب ونهي التعدي وقدم أحدهما على الآخر بل انفرد نهي المتعدي وحده في ~~هذه الصورة وثانيها أن النهي الخاص هاهنا نهي آدمي والنهي العام نهي الله ~~تعالى فلا يرجح نهي الآدمي لخصوصه على نهي الله تعالى مع عمومه بل لا ~~اعتبار بنهي العبد أصلا وإنما تنبني الشرائع على نهي الله تعالى وأمره. # فإن قلت إذا نهي العبد عن الانتفاع بملكه في غاية معينة أو في حالة معينة ~~فإن نهي الله يصحبه في تلك الغاية وفي تلك الحالة فنحن في الحقيقة إنما ~~رجحنا بين نهيين لله تعالى أحدهما خاص والآخر عام قلت هذا كلام صحيح ولكن ~~النهي الذي صحب نهي العبد هاهنا هو نهي عام وهو نهي الغصب بعينه فإن الله ~~تعالى حرم الانتفاع بالأملاك والأموال إلا برضا أربابها فأي حالة لم يوجد ~~فيها الرضا يكون ذلك النهي متحققا فيكون نهي الله تعالى بعد الغاية هو ذلك ~~النهي العام الذي استثني منه حالة الرضا دون غيرها وهذا هو عين نهي الغصب ~~الذي هو النهي العام وهذه صورة من صوره وهو المصرح به في قوله - عليه ~~السلام - «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» واستثنى حالة الطيب عن ~~النهي العام وبقي ما عدا حالة طيب النفس مندرجا تحت النهي العام وهو بعينه ~~نهي الغصب فظهر أن التخيل الذي قاله من تعارض نهيين شرعيين باطل وثالثها ~~إذا قسنا ترك الضمان في هذه الصورة على ترك الضمان في صورة الغصب كان ~~القياس صحيحا سالما عن المعارض ولو قسنا هنالك الحرير على الجنس أو الميتة ~~على الصيد فترك الجميع أدى ذلك إلى هلاك المحرم بالجوع وبقاء المصلي عريانا ~~وهذه مفسدة تعارضنا في قياسنا وتمنع منه فكيف نسوي بين موضع لا معارض ~~للقياس فيه وبين موضع للقياس فيه معارض أقوى منه أو قادح فيه. # PageV01P212 # الفرق التاسع والثلاثون بين قاعدة الزواجر وبين قاعدة ~~الجوابر) وهاتان قاعدتان عظيمتان وتحريرهما أن الزواجر تعتمد المفاسد فقد ~~يكون معهما العصيان في المكلفين وقد ms197 لا يكون معها عصيان كالصبيان والمجانين ~~فإنا نزجرهم ونؤدبهم لا لعصيانهم بل لدرء مفاسدهم واستصلاحهم وكذلك البهائم ~~ثم هي قد يكون مقدرة كالحدود وقد لا تكون كالتعازير وأما الجوابر فهي ~~مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة والزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة ~~ولا يشترط في حق من يتوجه في حقه الجابر أن يكون آثما ولذلك شرع مع العمد ~~والجهل والعلم والنسيان والذكر وعلى المجانين والصبيان بخلاف الزواجر فإن ~~معظمهما على العصاة زجرا لهم عن المعصية وزجرا لمن يقدم بعدهم على المعصية ~~وقد تكون مع عدم العصيان كما نقدم تمثيله بالصبيان وكذلك قتال البغاة درءا ~~لتفريق الكلمة مع عدم التأثيم لأنهم متأولون وقد اختلف في بعض الكفارات هل ~~هي زواجر لما فيها من مشاق تحمل الأموال وغيرها أو هي جوابر لأنها عبادات ~~لا تصح إلا بنيات وليس التقرب إلى الله زجرا بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ~~ليست قربات لأنها ليست فعلا للمزجورين بل يفعلها الأئمة بهم ثم الجوابر تقع ~~في العبادات والنفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح والأموال والمنافع ~~فجوابر العبادات كالتيمم مع الوضوء وسجود السهو للسنن وجهة السفر في الصلاة ~~مع الكعبة وجهة العدو في الخوف مع الكعبة إذا ألجأت الضرورة إلى ذلك. # وصلاة الجماعة لمن صلى وحده لأنه يجبر ما فاته من فضيلة الجماعة بالإعادة ~~في جماعة أخرى وأخذ النقدين مع دون السن الواجب في الزكاة أو زيادة السن في ~~ابن اللبون مع وصف الأنوثة الفائت في بنت المخاض والإطعام لمن أخر قضاء ~~رمضان عن سنته إلى بعد شعبان أو لم يصم لعجزه والصيام والإطعام والنسك في ~~حق من ارتكب محظورا من محظورات الحج أو الدم لترك الميقات أو التلبية أو ~~شيء من واجبات الحج ما عدا الأركان أو العمل في التمتع أو القران وجبر الدم # PageV01P213 # بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة في غيره وجبر الصيد ~~في الحرم أو الإحرام بالمثل أو الإطعام أو الصيام أو الصيد المملوك بذلك ~~لحق الله تعالى وبقيمته لحق الآدمي المالك وهو متلف واحد جبر ببدلين وهو من ~~نوادر ms198 المجبورات ولم يشرع لشجر الحرم جابر خلافا للشافعي واعلم أن الصلاة ~~لا تجبر إلا بعمل بدني ولا تجبر الأموال إلا بالمال ويجبر الحج والعمرة ~~والصيد بالبدني والمالي معا ومفترقين والصوم بالبدني بالقضاء وبالمال في ~~الإطعام وأما جوابر المال فالأصل أن يؤتي بعين المال مع الإمكان فإن أتى به ~~كامل الذات والصفات برئ من عهدته أو ناقص الأوصاف جبر بالقيمة لأن الأوصاف ~~ليست مثلية إلا أن تكون الأوصاف تخل بالمقصود من تلك العين خللا كثيرا فإنه ~~يضمن الجملة عندنا خلافا للشافعي كمن قطع ذنب بغلة القاضي ونحوه فإنه يتعذر ~~بعد ذلك ركوبها على ذوي الهيئات وكذلك ضمنه أصحابنا المغصوب إذا ذبح الشاة ~~أو طحن القمح أو ضرب الفضة دراهم أو شق الخشبة ألواحا أو زرع الحنطة ونحو ~~ذلك وقال الشافعي بل له أخذ عين ماله حيث وجده وعند أصحابنا للغاصب منعه ~~مما وجد من ماله في هذه الصورة والأول أنضر وأقرب للقواعد وأما إن جاء بها ~~ناقصة القيمة في بعض المواطن لم يضمن لأن الفائت رغبات الناس وهي غير ~~متقومة في الشرع ولا قائمة بالعين. # وتجبر الأموال المثلية بأمثالها لأن المثل أقرب إلى رد العين الذي هو ~~الأصل من القيمة وقد خولفت هذه القاعدة في صورتين في لبن المصراة لأجل ~~اختلاط لبن البائع بلبن المشتري وعدم تمييز المقدار وفيمن غصب ماء في ~~المعاطش فإن جماعة من العلماء يضمنونه القيمة في محل غصبه. # وأما المنافع فالمحرم منها لا يجبر احتقارا لها كالمزمار ونحوه كما لم ~~تجبر النجاسات من الأعيان واستثني من ذلك مهر المزني بها كرها تغليبا لجانب ~~المرأة فإنها لم تأت محرما والظالم أحق أن يحمل عليه ولأنه كالغاصب لسكنى ~~دار ولم يجبر اللواط لأنه لم يقوم قط في الشرع فأشبه القبلة والعناق وغير ~~المحرم منه ما يضمن بالعقود الصحيحة والفاسدة والفوات تحت الأيدي المبطلة. # PageV01P214 # ولا تضمن منافع الحر بحبسه لأن يده على منافعه فلا ~~يتصور فواتها في يد غيره ومنافع الأبضاع تضمن بالعقد الصحيح والفاسد ~~والشبهة والإكراه ولا تجبر بالفوات ms199 تحت الأيدي العادية والفرق أن قليل ~~المنافع يجبر بالقليل من الجابر وكثيرها بكثيره وضمان البضع بمهر المثل وهو ~~يستحق بمجرد الإيلاج فلو جبر بالفوات لوجب ما لا يمكن ضبطه فضلا عن القدرة ~~عليه فإن كل ساعة يفوت فيها من الإيلاجات شيء كثير جدا وإيجاب مثل هذا بعيد ~~من قواعد الشرع. # وأما النفوس فإنها خارجة عن هذه القوانين لمصالح تذكر في الجنايات فروع ~~ثلاثة في الزواجر الأول الحنفي إذا شرب يسير النبيذ قال الشافعي أحده وأقبل ~~شهادته أما حده فلدرء المفسدة في التسبب لإفساد العقل وأما قبول شهادته ~~فلأنه مقلد أو مجتهد وكلاهما غير عاص لأن حكم الله تعالى عليهما ما أدى ~~إليه الاجتهاد وقال مالك أحده ولا أقبل شهادته أما حده فللمفسدة والمعصية ~~معا بسبب أن إباحة اليسير من النبيذ على خلاف القياس الجلي والقياس الجلي ~~يقتضي تحريمه قياسا على الخمر بجامع الإسكار وعلى خلاف النصوص الصريحة ~~كقوله - عليه السلام - «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وعلى خلاف القواعد لأن ~~القواعد تقتضي صيانة العقول ومنع التسبب لإفسادها والحكم الذي يكون على ~~خلاف أحد هذه الأمور إذا قضى به القاضي ينقض قضاؤه وما لا يقر مع قضاء ~~القاضي وتأكده بالقضاء ولا نقره شرعا مع التأكيد فأولى أن لا نقره شرعا مع ~~عدم التأكيد وما لا يقر شرعا ليس فيه تقليد ولا اجتهاد مقبول شرعا ومن أتى ~~المفسدة بغير تقليد صحيح أو اجتهاد معتبر فهو عاص فنحده للمعصية والمفسدة ~~ولهذه العلة لا أقبل شهادته لفسقه حينئذ بالمعصية وأما قول الشافعي إن ~~التأديب قد يكون مع عدم المعصية بل لأجل المفسدة كتأديب الصبيان والبهائم ~~فلا يفيده في هذه المسألة لأنا نسلم له ذلك في التأديب الذي ليس بمقدر وأما ~~المقدر وهو الحدود فلا نسلم أنها قد تكون في غير معصية الثاني # PageV01P215 # النبات المعروف بالحشيشة التي يتعاطاها أهل الفسوق ~~اتفق فقهاء أهل العصر على المنع منها أعني كثيرها المغيب للعقل واختلفوا ~~بعد ذلك هل الواجب فيها التعزير أو الحد على أنها مسكرة أو مفسدة للعقل ms200 من ~~غير سكر ونصوص المتحدثين على النبات تقتضي أنها مسكرة فإنهم يصفونها بذلك ~~في كتبهم. # والذي يظهر لي أنها مفسدة على ما أقرره في الفرق بينهما بعد هذا إن شاء ~~الله تعالى فرع مرتب سئل بعض فقهاء العصر عمن صلى بالحشيشة معه هل تبطل ~~صلاته أم لا؟ فأفتى أنه إن صلى بها قبل أن تحمص أو تصلق صحت صلاته أو بعد ~~ذلك بطلت صلاته وقال في تعليل الفرق بأنها إنما تغيب العقل بعد التحميص أو ~~الصلق أما قبل ذلك وهي ورق أخضر فلا بل هي كالعصير الذي للعنب وتحميصها ~~كغليانه وسألت عن هذا الفرق جماعة ممن يعانيها فاختلفوا على قولين فمنهم من ~~سلم هذا الفرق وقال لا تؤثر إلا بعد مباشرة النار ومنهم من قال بل تؤثر ~~مطلقا وإنما تحمص لإصلاح طعمها وتعديل كيفيتها خاصة فعلى القول بعدم هذا ~~الفرق تبطل الصلاة مطلقا وعلى القول بالفرق يكون الحق ما قاله المفتي إن صح ~~أنها من المسكرات وإلا صحت الصلاة بها مطلقا وهو الذي أعتقده أنها مفسدة ~~والمفسدة لا تبطل الصلاة كالبنج والسيكران وجوزة بابل الثالث قال إمام ~~الحرمين القاعدة في التأديبات إنما تكون على قدر الجنايات فكلما عظمت ~~الجناية عظمت العقوبة فإذا فرض شخص من الجناة لا يؤثر فيه التأديب اللائق ~~بجنايته ردعا والذي يؤثر فيه كالقتل ونحوه لا يجوز أن يكون عقوبة لتلك ~~الجناية فإن هذا الجاني يسقط تأديبه مطلقا أما المناسب فيسقط لعدم الفائدة ~~فيه والإيلام مفسدة لا تشرع إلا لتحصيل مصلحة فحيث لا مصلحة لا تشرع وأما ~~غير المناسب فلعدم سببه المبيح فيسقط تأديبه مطلقا وهو متجه اتجاها قويا. # PageV01P216 # الفرق الأربعون بين قاعدة المسكرات وقاعدة المرقدات ~~وقاعدة المفسدات) هذه القواعد الثلاث قواعد تلتبس على كثير من الفقهاء ~~والفرق بينها أن المتناول من هذه إما أن تغيب معه الحواس أو لا فإن غابت ~~معه الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق فهو المرقد وإن لم تغب معه ~~الحواس فلا يخلو إما أن يحدث معه نشوة وسرور وقوة نفس عند ms201 غالب المتناول له ~~أو لا فإن حدث ذلك فهو المسكر وإلا فهو المفسد فالمسكر هو المغيب للعقل مع ~~نشوة وسرور كالخمر والمزر وهو المعمول من القمح والبتع وهو المعمول من ~~العسل والسكركة وهو المعمول من الذرة والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم ~~السرور الغالب كالبنج والسيكران ويدلك على ضابط المسكر قول الشاعر # ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # فالمسكر يزيد في الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش والانتقام ~~من الأعداء والمنافسة في العطاء وأخلاق الكرماء وهو معنى البيت المتقدم ~~الذي وصف به الخمر وشاربها ولأجل اشتهار هذا المعنى في المسكرات أنشد ~~القاضي عبد الوهاب المالكي - رحمه الله - # زعم المدامة شاربوها أنها ... تنفي الهموم وتصرف الغما # صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا ... أن السرور لهم بها تما # سلبتهم أديانهم وعقولهم ... أرأيت عادم ذين مغتما # فلما شاع أنها توجب السرور والأفراح أجابهم بهذه الأبيات. # وبهذا الفرق يظهر لك أن الحشيشة مفسدة وليست مسكرة لوجهين أحدهما أنا ~~نجدها تثير الخلط الكامن في الجسد كيفما كان فصاحب الصفراء تحدث له حدة ~~وصاحب البلغم تحدث له سباتا وصمتا وصاحب السوداء تحدث له بكاء وجزعا وصاحب ~~الدم تحدث له سرورا بقدر حاله فتجد منهم من يشتد بكاؤه ومنهم من يشتد # PageV01P217 # صمته وأما الخمر والمسكرات فلا تكاد تجد أحدا ممن ~~يشربها إلا وهو نشوان مسرور بعيد عن صدور البكاء والصمت وثانيهما أنا نجد ~~شراب الخمر تكثر عربدتهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح ويهجمون على الأمور ~~العظيمة التي لا يهجمون عليها حالة الصحو وهو معنى البيت المتقدم في قوله: # وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # ولا نجد أكلة الحشيشة إذا اجتمعوا يجري بينهم شيء من ذلك ولم يسمع عنهم ~~من العوائد ما يسمع عن شراب الخمر بل هم همدة سكوت مسبوتين لو أخذت قماشهم ~~أو سببتهم لم تجد فيهم قوة البطش التي تجدها في شربة الخمر بل هم أشبه شيء ~~بالبهائم ولذلك إن القتلى يوجدون كثيرا من شراب الخمر ولا يوجدون مع أكلة ~~الحشيشة فلهذين الوجهين أنا أعتقد أنها من ms202 المفسدات لا من المسكرات ولا ~~أوجب فيها الحد ولا أبطل بها الصلاة بل التعزير الزاجر عن ملابسها # (تنبيه) تنفرد المسكرات عن المرقدات والمفسدات بثلاثة أحكام الحد ~~والتنجيس وتحريم اليسير والمرقدات والمفسدات لا حد فيها ولا نجاسة فمن صلى ~~بالبنج معه أو الأفيون لم تبطل صلاته إجماعا ويجوز تناول اليسير منها فمن ~~تناول حبة من الأفيون أو البنج أو السيكران جاز ما لم يكن ذلك قدرا يصل إلى ~~التأثير في العقل أو الحواس أما دون ذلك فجائز فهذه الثلاثة الأحكام وقع ~~بها الفرق بين المسكرات والآخرين فتأمل ذلك واضبطه فعليه تتخرج الفتاوى ~~والأحكام في هذه الثلاثة # (الفرق الحادي والأربعون بين قاعدة كون الزمان ظرف التكليف) (دون المكلف ~~به وبين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به مع التكليف) هذا الموضع ~~التبس على كثير من الفضلاء واختلطت عليهم القاعدتان فوردت إشكالات بسبب ذلك ~~ويتضح الفرق بين هاتين القاعدتين بذكر ثلاث مسائل (المسألة الأولى) # في كون الكفار مخاطبين بفروع الشريعة ثلاثة أقوال مخاطبون ليسوا مخاطبين ~~الفرق بين النواهي فهم مخاطبون بها دون الأوامر فلا يخاطبون بها واتفقوا ~~على أنهم مخاطبون بالإيمان وبقواعد الدين وإنما الخلاف في الفروع وتقرير ~~هذه المسألة مبسوط في أصول الفقه وإنما المقصود بها هاهنا بيان هذا الفرق ~~خاصة # PageV01P218 # بسبب أن القائلين بأنهم ليسوا مخاطبين قالوا لو وجبت ~~الصلاة عليهم لوجبت أما حالة الكفر. # وهو باطل لعدم صحتها حينئذ أو بعد الإسلام وهو أيضا باطل لانعقاد الإجماع ~~على سقوطها بسبب الإسلام ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «الإسلام يجب ما ~~قبله» والجواب عن هذه النكتة أن نقول نختار أنها وجبت حالة الكفر وقوله ~~أنها لا تصح قلنا مسلم ولا يلزم من ذلك عدم حصول التكليف في هذه الحالة ~~وهذا الزمان لأنه عندنا ظرف للتكليف لا لإيقاع المكلف به وإنما يتوجه لزوم ~~الصحة أن لو كان هذا الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به حتى نقول يصح أما ما لا ~~يكلف به كيف يمكن وصفه بالصحة فإن وصف الصحة تابع للإذن الشرعي فحيث لا ms203 إذن ~~لا صحة ومعنى كون هذا الزمان ظرفا للتكليف دون إيقاع المكلف به أنه أمر في ~~زمن الكفر أن يزيله ويبدله بالإيمان ويفعل الصلاة في زمن الإسلام لا في زمن ~~الكفر وصار زمن الكفر ظرفا للتكليف فقط وزمن الإسلام هو زمن إيقاع المكلف ~~به فتصورنا حينئذ أن الزمان قد يكون ظرفا للتكليف فقط وهذا الزمان بخلاف ~~زمن رمضان فإنه زمن هو ظرف للتكليف بالصوم وإيقاعه معا وكذلك القامة للظهر ~~فظهر بهذا الفرع الفرق بين القاعدتين واندفع بسبب معرفة الفرق السؤال ~~المتقدم ذكره وظهر أنه غير لازم # (المسألة الثانية) المحدث مأمور بإيقاع الصلاة ومخاطب بها في زمن الحدث ~~إجماعا والكفر هو الذي وقع الخلاف فيه أما زمن الحدث فلا ثم إن الإجماع ~~انعقد على أن المحدث لا تصح منه الصلاة في الزمن الذي هو فيه محدث بل هو ~~مأمور في زمن الحدث أن يزيل الحدث ويبدله بالطهارة فإذا وجد زمن الطهارة ~~فتوقع الصلاة حينئذ فزمن الطهارة هو زمن التكليف بإيقاع الصلاة دون زمن ~~الحدث وزمن الحدث هو ظرف للتكليف فقط فقد تصورنا أيضا الزمان ظرفا للتكليف ~~فقط دون إيقاع المكلف به وأما الزمان الذي هو ظرف لهما فقد تقدم تمثيله ~~برمضان وغيره. # (المسألة الثالثة) الدهري مكلف بتصديق الرسل - عليهم السلام - مع أنه ~~جاحد للصانع ومع جحده للصانع يتعذر منه تصديق الرسل فزمن جحده للصانع ظرف ~~للتكليف بتصديق الرسل دون إيقاع التصديق لتعذره بل هو مأمور في زمن الجهل ~~بالصانع أن يزيل هذا الجهل ويبدله بعنده وهو العرفان فإذا حصل العرفان ~~بالصانع ففي ذلك الزمان هو مكلف بإيقاع التصديق للرسل # PageV01P219 # فالزمن الثاني في الكافر والمحدث والدهري هو زمن ~~التكليف وإيقاع المكلف به وزمن الكفر والحدث وجحد الصانع هو ظرف للتكليف ~~دون إيقاع المكلف به فتأمل الفرق بين القاعدتين والسر بين المعنيين يتيسر ~~عليك الجواب عن أسئلة الخصوم وشبهاتهم وهو فرق لطيف شريف. # (الفرق الثاني والأربعون بين قاعدة كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به فقط ~~وبين قاعدة كون الزمان ظرفا للإيقاع) وكل جزء ms204 من أجزائه سبب للتكليف ~~والوجوب فيجتمع الطرفان الظرفية والسببية في كل جزء من الأجزاء ويتضح الفرق ~~بين هاتين القاعدتين بذكر سبع مسائل (المسألة الأولى) # أوقات الصلوات كالقامة مثلا بالنسبة للظهر هي ظرف للمكلف به لوقوعه فيها ~~وكل جزء من أجزائها من أولها إلى آخرها سبب للتكليف لأنه لو كان سبب ~~التكليف بصلاة الظهر إنما هو الجزء الأول منها فقط لكان من بلغ بعده أو ~~أسلم من الكفار لا تجب عليه صلاة الظهر لتأخره عن السبب وزوال المانع ~~واجتماع الشرائط بعد زوال الأسباب لا تفيد شيئا بدليل ما تقدم من أوقات ~~الصلوات فإن البلوغ إذا جاء بعدها لا يحقق وجوبا فلا بد حينئذ أن يصادف ~~البلوغ ونحوه سببا بعده فوجب الظهر على من بلغ في القامة بالجزء الذي صادفه ~~بعد بلوغه وكذلك القول في بقية أرباب الأعذار فظهر أن كل جزء من أجزاء ~~القامة مساو للزوال في السببية وأن ما سبق إلى الفهم أن السبب للظهر إنما ~~هو الزوال فقط ليس كذلك وكذلك بقية أوقات الصلوات ينبغي أن يفهم على هذه ~~القاعدة أنها كلها ظروف للتكليف وجميع أجزائها ظروف وأسباب له. # (المسألة الثانية) أيام الأضاحي الثلاثة أو الأربعة على الخلاف بين ~~العلماء ظروف للأمر بالأضحية لوجوده فيها وكل جزء من أجزائها سبب للأمر ~~أيضا بالأضحية بدليل أن من تجدد إسلامه من الكفار أو بلوغه من الصبيان ~~يتجدد عليه الأمر بالأضحية وكذلك من عتق من العبيد وما ذلك إلا لأنه وجد ~~بعد زوال المانع وحصول الشرط ما هو سبب للأمر بالأضحية وهو الجزء الكائن ~~بعد زوال المانع من هذه الأيام فتكون كلها ظروفا وأسبابا # PageV01P220 # للأمر كما تقدم في أوقات الصلوات # (المسألة الثالثة) شهر رمضان المعظم ظرف للتكليف لوقوعه فيه وكل يوم من ~~أيامه سبب للتكليف لمن استقبله فمن بلغ أو أسلم أو زال عن المرأة الحيض أو ~~قدم من السفر فيلزمه لليوم الذي يستقبله وأما أجزاء اليوم فليست أسبابا ~~للتكليف بل ظروفا له بدليل حصول التكليف فيها وعدم التكليف فيها على من ms205 بلغ ~~في بعض يوم أو أسلم وبهذا يحصل الفرق بين أجزاء أوقات الصلوات وأجزاء شهر ~~الصوم أن مطلق الجزء كيف كان وإن قل ما لم ينقص عن زمن يسع إيقاع ركعة سبب ~~التكليف فإن نقص عن زمن ركعة فعند مالك لا يجب به شيء وعند غيره يجب بأقل ~~من إدراك ركعة ويحكى عن الشافعي وأما أجزاء شهر الصوم فلا بد في كل جزء من ~~أجزائه أن يكون يوما كاملا فهو وزان زمن يسع ركعة على مذهب مالك فهذه ثلاث ~~مسائل مما اجتمع فيه الظرفية والسببية فنذكر ثلاثا أخر مما هو ظرف فقط. # (المسألة الرابعة) قضاء رمضان يجب وجوبا موسعا إلى شعبان من تلك السنة ~~كما تجب الظهر وجوبا موسعا من أول القامة إلى آخرها غير أن هذه الشهور ظرف ~~للتكليف بإيقاع المكلف به دون أن يكون شيء من أجزائها سببا للتكليف بدليل ~~أن من زال عذره فيها لا يلزمه شيء وإنما السبب في وجوب هذا الصوم أجزاء ~~رمضان السابق فكل يوم هو سبب لوجوب القضاء في يوم آخر من هذه الشهور إذا لم ~~يصم فيه ولا يعتقد أن سبب وجوب القضاء هو رؤية الهلال فقط بل رؤية الهلال ~~سبب لجعل كل يوم من أيام رمضان سببا للوجوب وظرفا له فيصير سبب رؤية الهلال ~~كل يوم سببا لوجوب الإيقاع فيه وتفويته سببا للصوم في يوم آخر من هذه ~~الشهور فقط فتأمل ذلك فقل من يتفطن له بل يعتقد في بادئ الرأي أن سبب ~~القضاء والأداء هو رؤية الهلال فقط وليس كذلك بل رؤية الهلال سبب لسببية ~~ثلاثين سببا للقضاء وهي ثلاثون تركا إن وقعت أو بعضها وسبب لوجوب ثلاثين ~~يوما مسببات فقط لا أسباب فصارت رؤية الهلال يتعلق بها ستون يوما ثلاثون ~~يوما مسببات صوم وثلاثون يوما أسباب تروك هذا تحقيق هذه المسألة فظهر أن ~~شهور القضاء ظروف للتكليف لا أسباب له (المسألة الخامسة) # جميع العمر # PageV01P221 # ظرف لوقوع التكليف بإيقاع النذور والكفارات لوجود ~~التكليف في جميع ذلك وليس شيء من ذلك ms206 سببا للتكليف بالكفارة أو النذر بل ~~سبب الكفارة ما تقدم من يمين أو غيره وسبب لزوم النذر ما تقدم من الالتزام ~~وهو ظاهر. # (المسألة السادسة) شهور العدد ظروف للتكليف بالعدة لوجوده فيها وليس شيء ~~من أجزائها سببا للتكليف بالعدة بل سبب لزوم العدة ما تقدم من الوفاة أو ~~الطلاق وهذه الشهور تشبه شهور قضاء رمضان من جهة عدم السببية وتفارقها من ~~جهة أن شهور العدة التكليف فيها مضيق والوجوب في شهور قضاء رمضان موسع ~~فتأمل هذه الفروق وإذا تقررت مسائل القسمين فاذكر مسألة مركبة من القسمين ~~وهي المسألة السابعة فأقول # (المسألة السابعة) زكاة الفطر اختلف فيها متى تجب قيل بغروب الشمس آخر ~~أيام رمضان وقيل بطلوع الفجر يوم الفطر وقيل بطلوع الشمس منه وقيل تجب ~~وجوبا موسعا من غروب الشمس آخر أيام رمضان إلى غروب الشمس يوم الفطر وقول ~~هذا القائل تجب زكاة الفطر وجوبا موسعا من الغروب إلى الغروب معناه إنه لا ~~يأثم إلا بعد الغروب يوم الفطر والمنقول عن صاحب القول الأول أنه لا يأثم ~~بالتأخير إلى غروب الشمس يوم الفطر وأنه إنما يأثم بالتأخير بعد الغروب يوم ~~الفطر وهذا هو عين القول الرابع وقد عسر الفرق على جماعة من الفضلاء بين ~~هذين القولين والفرق بينهما إنما يستفاد من معرفة الفرق بين هاتين ~~القاعدتين وذلك أن القائل الأول يقول غروب الشمس من يوم الصوم سبب وما بعده ~~ظرف للتكليف فقط ولا يكون شيء من أجزاء هذا الزمان سببا للتكليف والقائل ~~الرابع يقول كل جزء من أجزاء هذا الزمان من الغروب إلى الغروب ظرف للتكليف ~~وسبب له فقد اشتركا في التوسعة لكن توسعة الأول كتوسعة قضاء رمضان وتوسعة ~~الثاني كتوسعة صلاة الظهر والفرق بين التوسعتين قد تقدم وأن التوسعة قد ~~تستمر فيها السببية وقد لا تستمر ويتخرج على القولين من بلغ في هذا الوقت ~~أو عتق أو أسلم فإنه يتوجه عليه الأمر بزكاة الفطر على القول الثاني كالذي ~~يبلغ في أثناء أوقات الصلوات ولا يتجه عليه الأمر بزكاة الفطر ms207 على القول ~~الأول كمن بلغ في شهور قضاء الصوم فهذا هو الفرق بين القولين وهو لا يمكن ~~أن يعلمه إلا من علم هاتين القاعدتين # PageV01P222 # المتقدمتين والفرق بينهما وقد تلخص الفرق بينهما بهذه ~~المسائل تلخيصا ظاهرا بفضل الله تعالى. # (الفرق الثالث والأربعون بين قاعدة اللزوم الجزئي وبين قاعدة اللزوم ~~الكلي) اعلم أنه إذا لزم شيء شيئا فقد يكون لزومه كليا عاما وقد يكون جزئيا ~~خاصا وضابط اللزوم الكلي العام أن يكون الربط بينهما واقعا في جميع الأحوال ~~والأزمنة وعلى جميع التقادير الممكنة كلزوم الزوجية للعشرة فما من حالة ~~تعرض ولا زمان ولا تقدير يقدر من التقادير الممكنة إلا والزوجية في ذلك كله ~~لازمة للعشرة وقد يكون اللزوم كليا عاما في الشخص الواحد كقولنا كلما كان ~~زيد يكتب فهو يحرك يده أي ما من حالة تعرض ولا زمان ما يشار إليه وزيد يكتب ~~إلا وهو يحرك يده في تلك الحال وفي ذلك الزمان فاللزوم بين كتابته وحركة ~~يده في جميع الأحوال والأزمان والشخص واحد فهذا هو اللزوم الكلي واللزوم ~~الجزئي هو لزوم الشيء للشيء في بعض الأحوال دون بعض أو بعض الأزمنة دون بعض ~~ويتضح ذلك بسؤال ذكره بعض الفضلاء على قول الفقهاء أن الطهارة الكبرى التي ~~هي غسل الجنابة مثلا إذا حصلت أغنت عن الوضوء وجازت بها الصلاة من غير ~~تجديد وضوء فقال هذا السائل أنتم جعلتم الطهارة الصغرى لازمة للطهارة ~~الكبرى والقاعدة العقلية أنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم فيلزم ~~على هذا من انتفاء الطهارة الصغرى انتفاء الطهارة الكبرى فإذا أحدث الحدث ~~الأصغر تنتفي الطهارة الكبرى بعد انتفاء الصغرى فيلزمه الغسل وهو خلاف ~~الإجماع فيلزم الفقهاء بقولهم إن الطهارة الصغرى لازمة للطهارة الكبرى أما ~~مخالفة القاعدة العقلية بأن لا يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم إن ~~أبقوا الطهارة الكبرى بعد انتفاء الصغرى. # وأما مخالفة الإجماع إن أوجبوا الغسل بخروج الريح أو الغائط أو الملامسة ~~وكلتا القاعدتين لا سبيل إلى مخالفتهما فلا سبيل إلى القول بلزوم الطهارة ~~الصغرى للطهارة الكبرى ms208 هذا تقرير السؤال وهو سؤال قوي حسن يحتاج الجواب عنه ~~إلى معرفة الفرق بين هاتين القاعدتين ومن جهل هذا الفرق تعذر عليه الجواب ~~عن هذا السؤال # PageV01P223 # وانسد عليه الباب بالكلية والجواب عن هذا السؤال أن ~~نقول اللزوم بين الطهارة الكبرى والصغرى جزئي لا كلي ومعناه أن المغتسل إذا ~~لم يحصل منه ناقض في أثناء غسله لزم غسله ذلك الوضوء في الابتداء فقط دون ~~الدوام فاللزوم بهذا الشرط وهو عدم طرءان الناقض في أثناء الغسل حالة خاصة ~~من جملة الأحوال وحالة دوام الغسل وغيرها من الأحوال لم يحصل فيها لزوم فلا ~~يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم إلا في الحالة التي حصل فيها اللزوم ~~فلا جرم لم يقل أحد من القائلين باللزوم في هذه الحالة ببقاء الطهارة ~~الكبرى دون الطهارة الصغرى بل إنما قال به في حالة الدوام التي ليس فيها ~~لزوم فانتفاء الطهارة الصغرى في هذه الحالة لا يقدح في انتفاء الطهارة ~~الكبرى لأن انتفاء ما ليس بلازم لا يقدح إنما يقدح انتفاء ما هو لازم ~~والطهارة الصغرى في هذه الحالة ليست لازمة فلا يضر انتفاؤها ونظير هذه ~~المسألة في اللزوم الجزئي كل مؤثر مع أثره فإن المؤثر يجب حضوره حالة وجود ~~أثره وهو زمن حدوثه دون ما بعد زمن الحدوث فكل بناء يلزمه البناء حالة ~~البناء دون ما بعد ذلك فقد يموت البناء ويبقى بعد ذلك البناء وكذلك الناسج ~~مع نسجه وكل مؤثر مع أثره لزومه جزئي في حالة الحدوث فقط فلا جرم لا يلزم ~~من عدم المؤثر بعد ذلك عدم الأثر لأن العدم في تلك الحال عدم لما ليس بلازم ~~وعدم ما ليس بلازم لا يقدح لا عقلا ولا عادة ولا شرعا فكذلك هاهنا اللزوم ~~جزئي في حالة معينة وهي التي تقدم ذكرها فعدم اللزوم في غير تلك الحالة لا ~~يقدح. # وقولهم أنه يلزم من عدم اللازم عدم الملزوم إنما يريدون به حيث قضي ~~باللزوم إما عاما وإما خاصا إما في الصورة التي لم يقض فيها باللزوم فلا ms209 ~~ونظير هذه القاعدة أيضا قولهم يلزم من عدم الشرط عدم المشروط إنما يريدون ~~به في الصورة التي هو فيها شرط أما لو كان شرطا في حالة دون حالة لم يلزم ~~من عدمه في صورة ما ليس بشرط فيها عدم المشروط كما تقول في الطهارة بالماء ~~شرط في صحة الصلاة في بعض صور الصلاة وهي صورة القدرة على الماء وعلى ~~استعماله فلا جرم يلزم من عدمه في تلك الصورة عدم صحة الصلاة وليس بشرط في ~~صورة عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله فلا جرم # PageV01P224 # لا يلزم من عدمه في تلك الصورة عدم المشروط لعدم ~~الشرطية في تلك الصورة فالشرط واللازم في هذا الباب سواء فتأمل ذلك. # (الفرق الرابع والأربعون بين قاعدة الشك في السبب وبين قاعدة السبب في ~~الشك) أشكل على جمع من الفضلاء وانبنى على عدم تحرير هذا الفرق الإشكال في ~~مواضع ومسائل حتى خرق بعضهم الإجماع فيها فعمد إلى النظر الأول الذي يحصل ~~به العلم بوجود الصانع قال يمكن فيه نية التقرب مع انعقاد الإجماع على تعذر ~~ذلك فيه كما حكاه الفقهاء في كتبهم فأنكر الإجماع وقال كيف يحكى الإجماع في ~~تعذر هذا وهو واقع في الشريعة في عدة صور فإن غاية هذا الناظر قبل أن ينظر ~~أن يجوز أن يكون له صانع وأن لا يكون وأن يكون هذا النظر واجبا عليه وأن لا ~~يكون وهذا لا يمنع قصد التقرب بدليل ما وقع في الشريعة أن من شك هل صلى أم ~~لا فإنه يجب عليه أن يصلي وينوي التقرب بتلك الصلاة المشكوك فيها وكذلك من ~~نسي صلاة من الخمس فإنه ينوي التقرب بكل واحدة من تلك الخمس مع شكه في ~~وجوبها عليه وكذلك من شك هل تطهر أم لا فإنه يتطهر وينوي بذلك الوضوء ~~التقرب ومن شك هل صام أم لا فإنه يصوم وينوي التقرب بذلك الصيام ومن شك هل ~~أخرج الزكاة أم لا فإنه يجب عليه إخراج الزكاة وينوي التقرب بها وهو كثير ~~في الشريعة وإذا وقع ms210 في الشريعة نية التقرب بالمشكوك فيه جاز شكه في النظر ~~الأول وتكون حكاية الإجماع في تعذره خطأ بل يمكن قصد التقرب به قيل له فإن ~~الشك في صورة النظر الأول في الموجب والشك هاهنا في الواجب فافترقا فقال بل ~~كما لا يمنع الشك في الواجب وهو أحدهما كذلك لا يمنع في الآخر لأن غاية ~~الشك في الموجب أن يفضي إلى الشك في الواجب وهذا لا يمنع فذاك لا يمنع ~~والجواب الحق في هذا السؤال أن الشارع شرع الأحكام وشرع لها أسبابا وجعل من ~~جملة ما شرعه من الأسباب الشك فشرعه في عدة من الصور حيث شاء فإذا شك في ~~الشاة المذكاة والميتة حرمتا معا وسبب التحريم هو الشك وإذا شك في الأجنبية ~~وأخته من الرضاعة حرمتا معا وسبب التحريم هو الشك وإذا شك في عين الصلاة ~~المنسية وجب عليه خمس # PageV01P225 # صلوات وسبب وجوب الخمس هو الشك وإذا شك هل تطهر أم لا ~~وجب الوضوء وسبب وجوبه الشك. # وكذلك بقية النظائر التي ذكرها فالمتقرب في جميع تلك الصور جازم بوجود ~~الموجب وهو الله تعالى وسبب الوجوب الذي هو الشك والواجب الذي هو الفعل ~~ودليل الوجوب الذي هو الإجماع أو النص فالجميع معلوم وفي صورة النظر لا شيء ~~منها بمعلوم بل الجميع مجهول مشكوك فيه فالشك في السبب غير السبب في الشك ~~فالأول يمنع التقرب ولا يتقرر معه حكم والثاني لا يمنع التقرب وتتقرر معه ~~الأحكام كما رأيت في هذه النظائر فاندفع سؤال هذا السائل وصح الإجماع ونقل ~~العلماء فيه وما أورده من النقوض عليهم لا يرد ولا ندعي أن صاحب الشرع نصب ~~الشك سببا في جميع صوره بل في بعض الصور بحسب ما يدل عليه الإجماع أو النص ~~وقد يلغي صاحب الشرع الشك فلا يجعل فيه شيئا كمن شك هل طلق أم لا فلا شيء ~~عليه والشك لغو ومن شك في صلاته هل سها أم لا فلا شيء عليه والشك لغو فهذه ~~صور من الشك أجمع الناس على عدم اعتباره فيها ms211 كما أجمعوا على اعتباره فيما ~~تقدم ذكره من تلك الصور وقسم ثالث اختلف العلماء في نصبه سببا كمن شك هل ~~أحدث أم لا فاعتبره مالك دون الشافعي ومن شك هل طلق ثلاثا أم اثنتين ألزمه ~~مالك الطلقة المشكوك فيها دون الشافعي. # ومن حلف يمينا وشك ما هي ألزمه مالك جميع الأيمان فقد انقسم الشك ثلاثة ~~أقسام مجمع على اعتباره ومجمع على إلغائه ومختلف فيه ويتضح لك الفرق أيضا ~~بين الشك في الأسباب وبين الأسباب في الشك بذكر ثلاث مسائل (المسألة ~~الأولى) # قال بعض العلماء إذا نسي صلاة من خمس فإنه يصلي خمسا وتصح نيته مع التردد ~~والقاعدة أن النية لا تصح مع التردد واستثنيت هذه الصورة لتعذر جزم النية ~~فيها وليس الأمر كما قالوا بل المصلي جازم بوجوب الخمس عليه لوجود سبب ~~وجوبها وهو الشك وإذا وجد سبب الوجوب جزم المكلف بالوجوب وكانت نيته جازمة ~~لا مترددة وكذلك من شك في جهة الكعبة وقلنا يصلي أربع صلوات جزمنا بوجوب ~~أربع عليه بسبب الشك ويصلي الأربع بنية جازمة وكذلك من التبست عليه ~~الأجنبية بأخته أو المذكاة بالميتة فإنه جازم بالتحريم لوجود سببه الذي هو ~~الشك # PageV01P226 # وكذلك من التبست عليه الأواني أو الثياب وقلنا يجتهد ~~فإنه يجزم بوجوب الاجتهاد عليه ولا تردد في شيء من هذه الصور ألبتة بل ~~القصد جازم والنية جازمة وقس على ذلك بقية النظائر كما تقدم. # (المسألة الثانية) من شك في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا فإنه ~~يجعلها ثلاثا ويصلي ركعة ويسجد سجدتين بعد السلام مع أن القاعدة أن من شك ~~هل سها أم لا لا سجود عليه وهو يجوز أن يكون زاد وأن لا يكون فكيف يسجد مع ~~أنه في غير هذه الصورة لو شك هل زاد أم لا لا يسجد فتصير هذه المسألة من ~~أعظم المشكلات ويتعذر الفرق بين من شك هل سها أم لا وبين هذه الصورة ولقد ~~ذكرت هذا الإشكال لجماعة من الفضلاء الأعيان فلم يجدوا عنه جوابا ثم أنه ~~كيف ms212 يصلي هذه الركعة التي قام إليها ولا بد فيها من تجديد النية فكيف ينوي ~~التقرب بها مع عدم الجزم بوجوبها ويجوز أن تكون محرمة خامسة وأن تكون واجبة ~~رابعة ومع التردد لا جزم # والجواب عن جميع ذلك أن صاحب الشرع جعل الشك في هذه الصورة سببا لوجوب ~~ركعة وجوب سجدتين بعد السلام ويدل على ذلك أن القاعدة أن ترتب الحكم على ~~الوصف يقتضي عليه ذلك الوصف لذلك الحكم فصاحب الشرع قد رتب هذه الأحكام على ~~الشك فقال «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثا أم أربعا فليأت بركعة ~~ويسجد سجدتين يرغم بهما أنف الشيطان» فرتب الأحكام المذكورة على الشك ~~المذكور والترتيب دليل السببية كما لو قال إذا سها أحدكم فليسجد وإذا أحدث ~~فليتوضأ ونحوه فإنه لا يفهم عنه إلا سببية الأوصاف المتقدمة لهذه الأحكام ~~فيكون الشك سبب وجوب هذه الركعة وسجود السهو وعلى هذا تكون أسباب السجود ~~ثلاثة الزيادة والنقصان والشك وهذا الثالث قل أن يتفطن له فتأمله ولا تجد ~~ما يسوغ على مقتضى القواعد غيره وبه يظهر الفرق بين الشك في سبب السهو وبين ~~الشك في العدد وأن الأول شك في السبب والثاني سبب في الشك بمعنى أن الشك هو ~~الذي جعله الشرع محل السببية فذكرته بهذه العبارة ليحصل التقابل بينه وبين ~~الأول طردا وعكسا (المسألة الثالثة) # وقع في بعض تعاليق المذهب أن رجلا توضأ وصلى الصبح والظهر والعصر والمغرب ~~بوضوء واحد # PageV01P227 # ثم أحدث وتوضأ وصلى العشاء ثم تيقن أنه نسي مسح رأسه ~~من أحد الوضوءين لا يدري أيهما هو؟ فسأل العلماء فقالوا له يلزمك أن تمسح ~~رأسك وتعيد الصلوات الخمس فذهب ليفعل ذلك فنسي مسح رأسه وصلى الصلوات الخمس ~~ثم جاء يستفتي عن ذلك من سأله عن ذلك أولا فقالوا له اذهب وامسح رأسك وأعد ~~العشاء وحدها فأشكل ذلك على جماعة من فقهاء العصر وقالوا الشك موجود في ~~الحالتين فكيف أمر أولا بإعادة الصلوات كلها وفي ثاني الحال أمر بإعادة ~~العشاء وحدها # والجواب أن المسح المتروك ms213 إن كان من وضوء الصلوات الأربع فقد أعادها ~~بوضوء العشاء بعد أن استفتى أولا فبرئت الذمة منها وإن كان ذلك من وضوء ~~العشاء فقد برئت الذمة منها بوضوئها الأول فقد برئت الذمة منها على ~~التقديرين ولم يبق الشك إلا في العشاء فعلى تقدير أن يكون المسح نسي من ~~وضوئها تكون ثابتة في ذمته لأنه إنما صلاها بوضوء واحد وهو وضوء العشاء أما ~~غيرها من الصلوات فقد صليت بوضوءين فتصح أما بالأول وأما بالثاني بخلاف ~~العشاء فلذلك اختلف جواب المفتي قبل الإعادة وبعدها. # (الفرق الخامس والأربعون بين قاعدة قبول الشرط وبين قاعدة قبول التعليق ~~على الشرط) # الحقائق في الشريعة أربعة أقسام ما يقبل الشرط والتعليق عليه وما لا يقبل ~~الشرط ولا التعليق عليه وما يقبل الشرط دون التعليق عليه وما لا يقبل الشرط ~~ويقبل التعليق عليه أما القسم الأول فكالطلاق والعتاق ونحوهما فيقبل الشرط ~~بأن يقول أنت حر وعليك ألف أو أنت طالق وعليك ألف فهذه صورة قبول الشرط ~~فيلزم ذلك إذا اتفقا عليه وينجز الطلاق والعتاق الآن ويقبل التعليق على ~~الشرط بأن يقول إن دخلت الدار فأنت طالق أو أنت حر فلا ينجز طلاق ولا عتاق ~~الآن حتى يقع الشرط وأما القسم الثاني الذي لا يقبلهما فالإيمان بالله ~~تعالى والدخول في الدين فإنه لا يقبل الشرط فلا يصح أسلمت على أن لي أن ~~أشرب الخمر أو أترك الصلاة ونحوه ويسقط شرطه # PageV01P228 # الذي قرن به إسلامه وأما عدم قبوله التعليق على الشرط ~~فكقوله إن كنت كاذبا في هذه القضية فأنا مسلم أو مؤمن أو إن لم آت بالدين ~~في وقت كذا ونحو ذلك من الشروط التي يعلق عليها فلا يلزم إسلام إذا وجد ذلك ~~الشرط بل يبقى على كفره بسبب أن الدخول في الدين يعتمد الجزم بصحته والمعلق ~~ليس جازما فهذا متجه في أهل الذمة وأما الحربيون فنحن نلزمهم الإسلام قهرا ~~بالسيف فجاز أن يلزمهم في هذه الحالة وأما القسم الثالث وهو الذي يقبل ~~الشرط دون التعليق عليه فكالبيع والإجارة ونحوهما ms214 فإنه يصح أن يقال بعتك ~~على أن عليك أن تأتي بالرهن أو الكفيل بالثمن أو غير ذلك من الشروط ~~المقارنة لتنجيز البيع ولا يصح التعليق عليه بأن يقول إن قدم زيد فقد بعتك ~~أو آجرتك بسبب أن انتقال الأملاك يعتمد الرضى والرضى إنما يكون مع الجزم ~~ولا جزم مع التعليق فإن شأن المعلق عليه أن يكون يعترضه عدم الحصول وقد ~~يكون معلوم الحصول كقدوم الحاج وحصاد الزرع ولكن الاعتبار في ذلك بجنس ~~الشرط دون أنواعه وأفراده فلوحظ المعنى العام دون خصوصيات الأنواع والأفراد ~~وأما القسم الرابع وهو ما يقبل التعليق على الشرط دون مقارنته فكالصلاة ~~والصوم ونحوهما فلا يصح أدخل في الصلاة على أن لا أسجد أو أسلم بعد سجدة ~~ونحو ذلك وأدخل في الصوم على أن لي الاقتصار على بعض يوم فلا يصح شيء من ~~ذلك ويصح تعليقه على الشرط فنقول إن قدم زيد فعلي صوم شهر أو صلاة مائة ~~ركعة ونحوها من الشروط في النذور فهذه الأقسام الأربعة في هاتين القاعدتين ~~يدور عليها التصرفات في الشريعة ويعلم بذلك أنه لا يلزم من قبول التعليق ~~قبول الشرط ولا من قبول الشرط قبول التعليق وتطلب المناسبة في كل باب من ~~أبواب الفقه على وفق ذلك الحكم في تلك المواطن. # PageV01P229 # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد ~~وسلم (الفرق السادس والأربعون بين قاعدة ما يطلب جمعه وافتراقه وبين قاعدة ~~ما يطلب افتراقه دون جمعه وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه) # المطلوبات في الشريعة ثلاثة أقسام: # القسم الأول: ما يطلب وحده ومع غيره كالإيمان بالله تعالى ورسله فإنه ~~مطلوب في نفسه وهو شرط في كل عبادة والشرط مطلوب الحصول مع المشروط ~~فالإيمان مطلوب الجمع مع كل عبادة غير أنه قد يكتفى منه بالإيمان الحكمي ~~تخفيفا على العبد فإن استحضاره في كل عبادة وفي جميع أجزائها بما يشق على ~~المكلف فيكتفى بتقديمه فعلا ثم يستصحب حكما، وكالدعاء مطلوب في نفسه ~~والسجود في الصلاة مطلوب في نفسه والجمع بينهما مطلوب وكالتسبيح ms215 والتهليل ~~والتعظيم والإجلال كل منهما مطلوب في نفسه والركوع في الصلاة مطلوب في نفسه ~~أيضا والجمع بينهما أيضا مطلوب في نفسه ونحو هذه النظائر. # القسم الثاني: وهو ما يطلب منفردا دون جمعه مع غيره فاعلم أن المطلوبين ~~في الشريعة قد يكون الجمع بينهما غير مطلوب وربما كان منهيا عنه وقد يكون ~~الجمع بينهما مطلوبا كما تقدم مثال هذا القسم قراءة القرآن مطلوبة والركوع ~~والسجود مطلوبان ومع ذلك فقد ورد النهي عن الجمع بينهما بقوله - عليه ~~السلام - «نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا» عكس ما ورد في الدعاء مع ~~السجود وقوله - عليه السلام - «أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود ~~فأكثروا فيه من الدعاء فعسى أن يستجاب لكم» . # القسم الثالث: ما يطلب جمعه دون افتراقه فكالركوع مع سجدتين في الصلاة ~~فإن ذلك مطلوب الجمع ولم يشرع التقرب بأحدهما منفردا وكالوقوف بعرفة مع رمي ~~الجمار كل واحد منهما مطلوب مع الآخر وليس مطلوبا منفردا وكالحلاق مع الحج ~~أو العمرة ليس قربة على انفراده والجمع بينهما قربة ونحو ذلك مما يدل ~~الاستقراء عليه فهذا تمثيل هذه الأقسام، وأما وجه المناسبة في هذه المواطن ~~باعتبار هذه الأحكام فقد يحصل وقد لا يحصل فيكون ذلك تعبدا لا يطلع على ~~حكمته فالإيمان لما كان الأصل في كل تقرب اشترط جمعه ليتحقق التقرب فإن ~~التقرب بالعبادة # PageV02P002 # فرع التصديق بالآمر بها والجمع بين الفرع وأصله مناسب ~~وأما الدعاء مع السجود والثناء مع الركوع فمبني على قاعدة وهي أن الله ~~تعالى أمر عباده أن يتقربوا إليه على حسب ما جرت العادة به مع الأماثل ~~والملوك والأكابر فإن الطاعات كلها والمعاصي كلها نسبتها إلى الله تعالى ~~نسبة واحدة لا تزيده الطاعات ولا تنقصه المعاصي وإنما أمر عباده لتظهر منهم ~~الطاعة على حسب ما جرت العادة به مع الأكابر، ولذلك لما كان السجود في ~~العبادة أبلغ من الركوع قال - عليه السلام - «أقرب ما يكون العبد من ربه ~~إذا كان ساجدا» وكان بذل الدينار أفضل من بذل الدرهم في الصدقة؛ لأنه ms216 في ~~العادة أبلغ وارتكاب المشاق في تحصيل المأمور يكون موجبا لمزيد الأجر؛ لأنه ~~في العادة يدل على المبالغة في الطواعية فقال - عليه السلام - «أفضل ~~العبادة أحمزها» أي أشقها. # ولما جرت عادة الناس مع الملوك أن يقدموا الثناء عليهم قبل الطلب منهم ~~تطييبا لقلوبهم واستعطافا لأنفسهم جعل الله سبحانه وتعالى الثناء والتمجيد ~~له في الركوع وجعل الدعاء في السجود بعد الثناء ولهذا المعنى لما سئل سفيان ~~بن عيينة عن قوله - عليه السلام - «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما ~~قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله» فقيل له هذا الثناء فأين ~~الدعاء فأنشد أبيات أمية بن أبي الصلت الثقفي # أأطلب حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء # إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك الثناء # كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء # وعلمك بالحقوق وأنت قدما ... لك الحسب المهذب والوفاء # يعني فلما كان الثناء يحصل من الكريم ما يحصله الدعاء سمي الثناء على ~~الله تعالى دعاء؛ لأنه سبحانه أكرم الأكرمين وقد جاء في الحديث عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن الله تعالى أنه قال: «من شغله ذكري ~~عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» فهذا هو وجه المناسبة في الثناء ~~في الركوع والدعاء في السجود، وأما المنع من الجمع بين القراءة والركوع ~~فلأن القراءة جعل لها الشرع موطنا وهو القيام؛ لأنه حالة استقرار يتمكن فيه ~~الفكر من التأمل لمعاني القراءة والاتعاظ بوعيدها ووعدها والتفكير في ~~معانيها على اختلافها مع حسن الإقبال على الله تعالى بالمناجاة، وهذه ~~الأحوال لا تناسب الركوع والسجود لضيق النفس وضجرها في حالة الانحناء ~~وانحصار الأعضاء وحبس النفس فتناسب المنع من القراءة في هذين الموطنين ولأن ~~القراءة لما عين لها موطن ناسب أن تعين بقية المواطن لغيرها من الثناء ~~المحض والدعاء المحض فإن القراءة قد لا تكون ثناء ولا دعاء فتشتمل الصلاة ~~على جميع أنواع القربات ولا تختص بنوع معين فتكون حينئذ أفضل الأعمال كما ~~جاء في الحديث «أفضل ms217 أعمالكم الصلاة» # PageV02P003 # وهذه المواطن الثلاث مناسبة كل واحد منها لما وضع فيه ~~فالقراءة في القيام للتمكن والدعاء في السجود لفرط القرب والثناء عليه؛ ~~لأنه عادة الملوك وأما كون الركوع لا يتقرب به وحده بخلاف السجدة الواحدة ~~فإنها شرعت قربة في التلاوة وشكر النعم عند من يرى سجدة الشكر، فإن الشافعي ~~- رضي الله عنه - يراها دون مالك فوجه المناسبة في المنع من التقرب بالركوع ~~وحده لم أقف فيه على شيء ولا يبعد أنه تعبد، وكذلك أركان الحج التي لا ~~يتقرب بها منفردة الغالب عليها التعبد بخلاف الطواف فإنه شرع قربة وحده دون ~~السعي فإنه لا يشرع قربة وحده وإن كان قد اشترط مع الطواف صلاة ركعتين وعلى ~~هذه القواعد والفروق انبنى قول القائل لو لم يكن الصوم شرطا في الاعتكاف ~~لما صار شرطا له بالنذر كالصلاة لكنه إذا نذر أن يعتكف صائما لزمه ذلك ووجب ~~الصوم وصحة هذا الكلام مبني على قاعدتين: # القاعدة الأولى أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب ولما أثر النذر في وجوب ~~الصوم مع الاعتكاف إذا نذره دل ذلك على أنه مطلوب أن يجمع بينهما. # والقاعدة الثانية: أنه إذا نذر أن يصلي صائما لم يلزمه ذلك؛ لأن الجمع ~~بين الصلاة والصوم غير مطلوب وإن كان كل واحد منهما مطلوبا في نفسه فلذلك ~~لم يؤثر النذر في الجمع بين الصلاة والصوم. # (الفرق السابع والأربعون بين قاعدة المأمور به يصح مع التخيير وقاعدة ~~المنهي عنه لا يصح مع التخيير) وسر الفرق بين هاتين القاعدتين أن المأمور ~~به مع التخيير كخصال الكفارة يكون الأمر فيه متعلقا بمفهوم أحدها الذي هو ~~قدر مشترك بينها لصدقه على كل واحد منها فيكون المشترك متعلق الأمر ولا ~~تخيير فيه والخصوصيات هي متعلق التخيير # PageV02P004 # ولا وجوب فيها فمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها ~~لا يجوز تركه ألبتة؛ لأن تركه بترك الجميع وهو خلاف الإجماع والخصوصيات ~~متعلق التخيير ولا وجوب فيها؛ لأنه لا يجب عليه عين العتق ولا عين الكسوة ~~ولا عين الإطعام بل له ms218 ترك كل واحد من هذه الخصوصيات بفعل الآخر ويخرج عن ~~العهدة بفعل المشترك في أيها شاء فإن أعتق حصل مفهوم أحدها الذي هو قدر ~~مشترك بينها، وكذلك إن كسا أو أطعم وأما النهي عن المشترك الذي هو مفهوم ~~أحدها فالقاعدة تقتضي أن النهي متى تعلق بمشترك حرمت أفراده كلها فإذا حرم ~~الله تعالى مفهوم الخنزير حرم كل خنزير أو مفهوم الخمر حرم كل خمر والسبب ~~في ذلك أنه لو دخل فرد في الوجود لدخل في ضمنه المشترك فيلزم المحذور وكذلك ~~يلزم من تحريم المشترك تحريم جميع الأفراد # PageV02P005 # ولا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب كل فرد بسبب أن ~~المطلوب هو تحصيل تلك الماهية المشتركة وإذا حصل فرد منها حصلت في ضمنه ~~واستغني عن غيره فلذلك لا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب أفراده كلها فصح ~~التخيير مع الأمر بالمشترك ولم يصح التخيير مع النهي عن المشترك فهذا هو سر ~~الفرق، فإن قلت: قد وقع النهي مع التخيير في الأختين فإن الله تعالى حرم ~~عليه إحداهما لا بعينها ولا نعني بتحريم المشترك إلا ذلك وحرم الأم وابنتها ~~من غير تعيين وأوجب إحدى الخصال في الكفارة وإذا وجبت واحدة لا بعينها حرمت ~~واحدة لا بعينها فهذه صور كلها تدل على الجمع بين النهي وبين التخيير # قلت هذا محال عقلا ومن المحال عقلا أن يفعل الإنسان فردا من جنس أو نوع ~~أو كلي مشترك من حيث الجملة ولا يفعل ذلك المشترك المنهي عنه؛ لأن الجزئي ~~فيه الكلي بالضرورة وفاعل الأخص فاعل الأعم فلا سبيل إلى الخروج عن العهدة ~~في النهي إلا بترك كل فرد، والتخيير مع النهي عن المشترك محال عقلا، وأما ~~ما ذكرتموه من الصور فوهم أما الأختان والأم وابنتها فلأن ذلك التحريم إنما ~~تعلق بالمجموع عينا لا بالمشترك بين الأفراد ولما كان المطلوب أن لا تدخل ~~ماهية المجموع الوجود والقاعدة العقلية أن عدم الماهية يتحقق بأي جزء كان ~~من أجزائها لا بعينه فلا جرم أي أخت تركها خرج عن عهدة النهي عن المجموع ms219 # PageV02P006 # لا لأنه نهي عن المشترك بل لأن الخروج عن عهدة ~~المجموع يكفي فيه فرد من أفراد ذلك المجموع فهذا هو السبب لا لأن التحريم ~~تعلق بواحدة لا بعينها بل تعلق بالمجموع فيخرج عن العهدة بواحدة لا بعينها ~~فتأمل هذا الفرق فخلافه محال عقلا والشرع لا يرد بخلاف العقل ولا ~~بالمستحيلات. # وكذلك نقول في خصال الكفارة لما أوجب الله تعالى المشترك حرم ترك الجميع؛ ~~لأنه يستلزم ترك المشترك فالمحرم ترك الجميع لا واحدة بعينها من الخصال فلا ~~نجد نهيا على هذه الصورة إلا وهو متعلق بالمجموع لا بالمشترك فتأمل ذلك ~~فلذلك صح التخيير في المأمور به ولم يصح في المنهي عنه وإنما يقع في الخروج ~~عن عهدته لا في أصل النهي فتأمل ذلك # PageV02P007 # مع أن الشيخ سيف الدين في الأحكام له الموضوع في أصول ~~الفقه حكى عن أصحابنا صحة النهي مع التخيير كالأمر وحكى عن المعتزلة منعه ~~والحق مع المعتزلة في هذه المسألة دون أصحابنا إلا أن يريدوا التخيير في ~~الخروج عن العهدة كما تقدم فلا يبقى خلاف بين الفريقين. # (الفرق الثامن والأربعون بين قاعدة التخيير الذي يقتضي التسوية وبين ~~قاعدة التخيير الذي لا يقتضي التسوية بين الأشياء المخير بينها) # جمهور الفقهاء يعتقدون أن صاحب الشرع أو غيره إذا خير بين أشياء يكون حكم ~~تلك الأشياء واحدا وأن لا يقع التخيير إلا بين واجب وواجب أو مندوب ومندوب ~~أو مباح ومباح وكذلك هو مسطور في كتب أصول الفقه وكتب الفقه وليس الأمر ~~كذلك بل هنالك تخيير يقتضي التسوية وتخيير لا يقتضيها وتحرير الفرق بين ~~القاعدتين أن التخيير متى وقع بين الأشياء المتباينة وقعت التسوية أو بين ~~الجزء والكل أو أقل أو أكثر لم تقع التسوية ويتضح لك هذا الفرق بذكر أربع ~~مسائل. # (المسألة الأولى) تخييره تعالى بين خصال الكفارة في الحنث اقتضى ذلك ~~التسوية في الحكم وهو الوجوب في المشترك بينها وهو مفهوم أحدها والتخيير في ~~الخصوصيات وهو العتق والكسوة والإطعام فالمشترك متعلق الوجوب من غير تخيير ~~والخصوصيات متعلق التخيير من ms220 غير إيجاب وعلى كل # PageV02P008 # تقدير فحكم كل خصلة من الخصال حكم الخصلة الأخرى؛ ~~لأنها أمور متباينة. # (المسألة الثانية) قوله تعالى {يا أيها المزمل} [المزمل: 1] {قم الليل ~~إلا قليلا} [المزمل: 2] {نصفه أو انقص منه قليلا} [المزمل: 3] {أو زد عليه ~~ورتل القرآن ترتيلا} [المزمل: 4] قال بعض العلماء خيره الله تعالى بين ~~الثلث والنصف والثلثين؛ لأن قوله تعالى {أو انقص منه قليلا} [المزمل: 3] أي ~~انقص من النصف والمراد الثلث أو زد عليه أي على النصف، والمراد بالزيادة ~~على النصف السدس فيكون المراد الثلثين كذا وقع في تفسير هذه الآية وهذا ~~تخيير وقع بين ثلاثة أشياء كخصال الكفارة ومع ذلك فالثلث واجب لا بد منه ~~والنصف والثلثان مندوبان يجوز تركها وفعلهما أولى فقد وقع التخيير بين ~~الواجب والمندوب بسبب أن التخيير وقع بين أقل وأكثر والأقل جزء فهذا مفارق ~~للتخيير بين خصال الكفارة فتأمله فهو لا يكاد يخطر بالبال إلا أن التخيير ~~يقتضي التسوية مطلقا. # (المسألة الثالثة) قوله تعالى {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ~~[النساء: 101] الآية خير الله تعالى المسافر بين ركعتين أو أربع والركعتان ~~واجبتان جزما والزائد ليس بواجب؛ لأنه يجوز تركه وما يجوز تركه لا يكون ~~واجبا وأما الركعتان # PageV02P009 # فلا يجوز تركهما إجماعا فقد وقع التخيير بين الواجب ~~وما ليس بواجب وهذا خلاف المتعارف المعهود من القاعدة وسببه أن التخيير وقع ~~بين جزء وكل لا بين أشياء متباينة. # (المسألة الرابعة) أجمعت الأمة على أن صاحب الدين على المعسر مخير بين ~~النظرة والإبراء وأن الإبراء أفضل في حقه وأحدهما واجب حتما وهو ترك ~~المطالبة والإبراء ليس بواجب والسبب في هذا أن الإبراء يتضمن النظرة وترك ~~المطالبة فصار من باب الأقل والأكثر وهذه المسألة مستثناة من قاعدتين ~~إحداهما قاعدة التخيير كما تقدم والثانية قاعدة أن الواجب أفضل من المندوب ~~فإن المندوب في هذه الصورة وهو الإبراء # PageV02P010 # أفضل من الواجب الذي هو الإنظار فتحرر حينئذ الفرق ~~بين القاعدتين وأن التخيير إذا وقع بين المتباينات اقتضى التسوية بين الأقل ~~والأكثر والجزء والكل لا يقتضي ms221 التسوية بل يتحتم الأقل والجزء دون الزائد ~~عليه. # (الفرق التاسع والأربعون بين قاعدة التخيير بين الأجناس المتباينة وبين ~~قاعدة التخيير بين أفراد الجنس الواحد) # وتحرير الفرق بين هاتين القاعدتين يرجع إلى تحرير اصطلاح العلماء لا ~~لمعنى يترتب عليه وذلك أنهم يسمون خصال الكفارة واجبا مخيرا ولا يسمون ~~تخيير المكلف بين رقاب الدنيا في إعتاق الرقبة في كفارة الظهار وغيرها ~~واجبا مخيرا، وكذلك التخيير بين شياه الدنيا في إخراج شاة من أربعين شاة لا ~~يسمونه واجبا مخيرا وكذلك دينار من أربعين دينارا والسترة بثوب من ذلك ~~واجبا والوضوء بماء من مياه الدنيا وغير ذلك لا يسمون ذلك واجبا مخيرا بل ~~يقصرون ذلك على خصال الكفارة ونحوها، وضابط الفرق بين القاعدتين ما تقدم من ~~أن التخيير متى وقع بين الأجناس المختلفة فهو الذي اصطلحوا على أنه واجب ~~مخير ومتى وقع بين أفراد جنس واحد # PageV02P011 # لا يكون هو المسمى بالواجب المخير فالعتق والإطعام ~~والكسوة أجناس مختلفة والغنم كلها جنس واحد وكذلك الدنانير وغيرها من ~~النظائر فهذا هو ضابط الفرق بين البابين. # (الفرق الخمسون بين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه وبين ~~قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عاقبته لا من عقابه) هذا الموضع ~~أشكل على جماعة من الفضلاء وتحريره وبسطه وتقرير الفرق بينهما بأن نقول: # أما القسم الأول فمتعذر الوقوع ولا يمكن أن يخير الله تعالى بين شيئين ~~وأحدهما يخشى من عقابه ويقول الله تعالى إن فعلت هذا بعينه عافيتك فهذا لا ~~يجتمع مع التخيير أبدا، وأما ما يخشى من عاقبته فوقوع التخيير فيه ممكن ~~واقع وقد وقع ذلك فمنها «ما وقع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~الإسراء فجاءه جبريل - عليه السلام - بقدحين أحدهما لبن والآخر خمر فخيره ~~بين شرب أيهما شاء فاختار اللبن فقال له جبريل - عليه السلام - اخترت ~~الفطرة ولو اخترت الخمر لغوت أمتك» فقال جماعة من الفضلاء المغوي حرام ~~والفطرة مطلوبة فكيف يخير - عليه السلام - بين الحرام والمطلوب وجوده، ومما ~~يؤكد أنه حرام أن السبب ms222 للضلال حرام وشرب هذا القدح سبب ضلال الأمة كما قال ~~جبريل - عليه السلام - فيكون حراما ومع ذلك فقد وقع التخيير بينه وبين ~~اللبن. # وهذا مشكل جدا فكيف يخير بين سبب الهداية وسبب الضلالة والجواب أن هذا من ~~باب العاقبة لا من باب العقاب والممتنع هو الثاني دون الأول وبسطه أن ~~العقاب يرجع إلى منع من الكلام النفساني فهو تحريم لا يجتمع مع الإباحة؛ ~~لأنه ضدها والعاقبة ترجع إلى أثر قدرة الله تعالى وقدره في الحوادث لا ~~بخطابه وكلامه فلا مضادة بينهما وإنما يضاد الإذن من الكلام المنع من ~~الكلام حتى يصير افعل لا تفعل، أما أثر القدرة والقدر فلا يضاد الإذن بدليل ~~أن الأمة مجمعة على أن الإنسان يخير بين سكنى هاتين الدارين مثلا أو تزوج ~~إحدى هاتين المرأتين أو شراء إحدى هاتين الفرسين فإذا اختار أحدهما بمقتضى ~~الإذن الشرعي الناشئ من الكلام النفساني أمكن أن يخبره المخبر عن الله ~~تعالى أنك لو اخترت ما تركت من الدارين والمرأتين والفرسين لكان ذلك سبب ~~ضلالك وهلاك مالك وذريتك وغير ذلك من سوء العاقبة كما جاء في الحديث عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الشؤم في ثلاث المرأة والدار ~~والفرس» وقال بحمله على ظاهره جماعة من العلماء وكما جاء في الحديث الآخر ~~أنه لما «قيل له - عليه السلام - عن دار يا رسول الله سكناها والعدد وافر ~~والمال كثير فذهب العدد والمال فقال - عليه السلام - دعوها ذميمة» ولو لم ~~ترد هذه الأحاديث فإنا نجوز أن يفعل الله تعالى ذلك # PageV02P012 # في بعض الأشياء التي نلابسها ويجعل عاقبتها رديئة ومع ~~ذلك لا ينافي ذلك التخيير الثابت بمقتضى الشرع الكائن في جميع هذه الصور ~~وكذلك التخيير الواقع بين القدحين ليلة الإسراء وهو محقق ولم يكن شيء من ~~ذلك محرما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل مأذون بإقدامه عليهما ~~ولو أقدم على ذلك القدح من الخمر لم يكن إثما ولا عقاب فيه نعم فيه سوء ~~العاقبة وقد تقدم أنها ترجع إلى أثر القدرة ms223 والقدر وما يخلقه الله تعالى في ~~الحوادث من الضر والنفع لا للمنع النفسي المناقض للتخيير فظهر الفرق بين ~~التخيير مع سوء العاقبة واتضح معنى الحديث الذي استشكله جماعة كثيرة من ~~الفضلاء وأنه لموضع إشكال لولا هذا الفرق والله أعلم. # (الفرق الحادي والخمسون بين قاعدة الأعم الذي لا يستلزم الأخص عينا وبين ~~قاعدة الأعم الذي يستلزم الأخص عينا) # اشتهر بين النظار والفضلاء في العقليات والفقهيات أن الأعم لا يستلزم أحد ~~أنواعه عينا وإنما يستلزم الأعم مطلق الأخص لا أخص معينا وإنما يستلزم مطلق ~~الأخص لضرورة وقوعه في الوجود فإن دخول الحقائق الكلية في الوجود مجردة ~~محال فلا بد لها من شخص تدخل فيه ومعه فلذلك صار اللفظ الدال على وقوعها في ~~الوجود يدل بطريق الالتزام على مطلق الأخص وهو أخص ما لا أخص معينا وهذا هو ~~القول المطرد بين الفقهاء والنظار لا يكاد يختلف منهم في ذلك اثنان وليس ~~الأمر كذلك بل الأمر في ذلك مختلف وهما قاعدتان مختلفتان وتحرير ضبطهما ~~والفرق بينهما أن الحقيقة العامة تارة في رتب مترتبة بالأقل والأكثر والجزء ~~والكل وتارة تقع في رتب متباينة فمثال الأول مطلق الفعل الأعم من المرة ~~الواحدة والمرات فالمرة رتبة دنيا والمرات رتبة عليا # PageV02P013 # لأنها فوق المرة ومع ذلك فلا بد في دخول الفعل في ~~الوجود من المرة الواحدة عينا؛ لأنه إن وقع في المرات وقعت المرة وإن وقع ~~مرة واحدة وقعت المرة الواحدة فالمرة الواحدة لازمة لدخول ماهية الفعل ~~بالضرورة والماهية العامة الكلية مستلزمة لهذا النوع الأخص عينا بالضرورة ~~وكذلك إخراج مطلق المال يدل بالالتزام على إخراج الأقل عينا وكذلك كل أقل ~~مع أكثر الماهية الكلية مشتركة بينهما فيلزم أحد نوعيها عينا وهو الأقل ~~بالضرورة كما تقدم فهذا ضابط هذه القاعدة، وأما مثال قاعدة الأعم الذي لا ~~يستلزم أحد أنواعه عينا فهذا هو المهيع العام والأكثر في الحقائق الذي لا ~~يكاد يعتقد غيره كالحيوان فإنه لا يستلزم الناطق ولا البهيم عينا من أنواعه ~~مع أنه لا يوجد إلا في ناطق ms224 أو بهيم ولا يوجد في غيرهما وسبب عدم التزامه ~~لأحدهما عينا تباينهما. # فإذا قلنا: في الدار حيوان لا يعلم أهو ناطق أو بهيم وكذلك حقيقة العدد ~~لها نوعان الزوج والفرد وهي لا تستلزم أحدها عينا فإذا قلنا مع زيد عدد من ~~الدراهم لا يشعر هل هو زوج أو فرد لحصول التباين بين الزوج والفرد وكذلك ~~إذا قلنا لون حقيقة كلية لا إشعار للفظها بسواد ولا بياض بخصوصه نعم لا بد ~~من خصوص لكن لا يتعين بخلاف القسم الأول يتعين فيه أحد الأنواع، وبهذا ~~التحرير يظهر بطلان قول من يقول إن قول الموكل لوكيله بع لا دلالة له على ~~شيء # PageV02P014 # من أنواع هذا اللفظ لا ثمن المثل ولا الفاحش ولا ~~الناقص وإنما تعين ثمن المثل من العادة لا من اللفظ فنقول أما قولهم إن ثمن ~~المثل إنما تعين من جهة العادة لا من جهة اللفظ فصحيح، وأما قولهم إن اللفظ ~~لا إشعار له بشيء من هذه الأنواع فليس كذلك بل يشعر بالثمن البخس الذي هو ~~مطلق الثمن؛ لأنه أدنى الرتب فلا بد منه بالضرورة فكان اللفظ دالا عليه ~~بطريق الالتزام والزائد على ذلك دلت عليه العادة فظهر الفرق بين القاعدتين ~~ويحصل من هذا الفرق والفرق المتقدم في التخيير أن ذوات الرتب مستثناة من ~~قاعدتين قاعدة التخيير فيختلف الحكم مع التخيير وقاعدة أن الأعم لا يستلزم ~~الأخص عينا فإن الأعم فيها يستلزم الأخص عينا فتأمل ذلك فهو من نوادر ~~المباحث # PageV02P015 # الفرق الثاني والخمسون بين قاعدة خطاب غير المعين ~~وقاعدة الخطاب بغير المعين) # وتحرير الفرق بينهما أن الأول لم يقع في الشريعة والثاني واقع والسبب في ~~ذلك والسر فيه أن خطاب المجهول يؤدي إلى ترك الأمر ويقول كل واحد من ~~المكلفين ما تعين على الامتثال فإنه لم يقع الخطاب معي ولا نص علي فلا أفعل ~~فتبطل مصلحة الأمر # PageV02P016 # ولذلك لما كان خطاب فرض الكفاية يقتضي من حيث اللغة ~~خطاب غير المعين كقوله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن ms225 المنكر} [آل عمران: 104] وقوله {فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] ونحو ذلك مما يقتضي مخاطبا ~~غير معين جعل صاحب الشرع الوجوب في فروض الكفايات متعلقا بالكل ابتداء على ~~سبيل الجمع، فإذا فعل البعض سقط عن الكل وسبب تعلقه بالكل ابتداء لئلا ~~يتعلق الخطاب بغير معين مجهول فيؤدي ذلك إلى تعذر الامتثال، فإذا وجب على ~~الكل ابتداء انبعثت داعية كل واحد للفعل ليخلص عن العقاب فهذا هو خطاب غير ~~المعين فعرف أنه غير واقع في الشريعة وأما الخطاب بغير المعين فهو واقع في ~~الشريعة كثيرا جدا كالأمر بإخراج شاة غير معينة ودينار من أربعين والسترة ~~بثوب ولم يعين الشرع في هذه المواطن شيئا من أشخاص ذلك المأمور به لتمكن ~~المكلف من إيقاع غير المعين في ضمن معين من ذلك الجنس وقيام الحجة عليه ~~بسبب ذلك فلا تتعذر مصلحة المأمور به بسبب عدم تعين المأمور به بخلاف عدم ~~تعين المأمور الذي هو المكلف فظهر الفرق بين خطاب غير المعين وبين الخطاب ~~بغير # PageV02P017 # المعين ولنذكر من هذا الفرق مسألتين. # (المسألة الأولى) قوله تعالى {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: ~~2] يقتضي أن المأمور ها هنا غير معين وهو خلاف ما تقدم والجواب عنه أن ~~الأمر متوجه على الجميع بالحضور عند حد الزناة حتى يفعل ذلك طائفة من ~~المؤمنين فيسقط الأمر على الباقين وهذا ليس مأخوذا من اللفظ بل من القاعدة ~~الاجتماعية التي تقدمت. # (المسألة الثانية) قوله تعالى {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} ~~[الحجرات: 12] إشارة إلى ظن غير معين بالتحريم والخطاب بغير المعين يجوز من ~~حيث إنه غير معين أن ها هنا سؤالين من جهة أخرى. # السؤال الأول: ما ضابط هذا الظن؟ فإن صاحب الشرع إذا حرم شيئا ولم يعينه ~~من جنس له حالتان تارة يدل بعد ذلك على نفسه وتارة يحرم الجميع ليجتنب ذلك ~~المحرم فما الواقع ها هنا من هذين القسمين. # السؤال الثاني: الظن يهجم على النفس عند حضور أسبابه والضروري لا ينهى ~~عنه فكيف ms226 صح النهي عنه ها هنا؟ # والجواب عن الأول: أن نقول لنا ها هنا طريقان: أحدهما: أن نقول المحرم ~~الجميع حتى يدل الدليل على إباحة البعض فيخرج من العموم كما إذا حرم الله ~~تعالى أخته من الرضاعة واختلطت بأجنبيات فإنهن يحرمن كلهن وكذلك الميتة مع ~~المذكيات إذا اختلطن، فإذا دل الدليل بعد ذلك على إباحة الظن عند أسبابه ~~الشرعية لابسناه ولم نجتنبه وكان ذلك تخصيصا لهذا العموم وذلك كالظن ~~المأذون فيه عند سماع البينات والمقومين والمفتين والرواة للأحاديث ~~والأقيسة الشرعية وظاهر العمومات فإن هذه المواطن كلها تحصل الظنون المأذون ~~في العمل بها فأي شيء من الظنون دل الدليل عليه اعتبرناه وما لا دليل عليه ~~أبقيناه تحت نهي الآية. # الطريق الثاني في الجواب عن هذا السؤال: أن نقول لا نقول بالعموم في ~~تحريم جميع الظنون بل نقول هذا البعض المشار إليه بالتحريم من الظن بعينه ~~في الأدلة الشرعية مهم دل الدليل على تحريم ظن حرمناه كالظن الناشئ عن قول ~~الفاسق والنساء في الدماء وغيرها من # PageV02P018 # المثيرات للظن التي حرم علينا اعتبار الظن الناشئ ~~عنها وما لم يدل فيه دليل على تحريمه قلنا هو مباح عملا بالبراءة فهذا هو ~~الجواب عن السؤال الأول وأما الجواب عن السؤال الثاني فنقول قاعدة وهي أن ~~الخطاب في التكليف لا يتعلق إلا بمقدور مكتسب دون الضروري اللازم الوقوع أو ~~اللازم الامتناع فإذا ورد خطاب وكان متعلقه مقدورا حمل عليه نحو أقيموا ~~الصلاة أو غير مقدور صرف الخطاب لثمرته أو لسببه ومثال ما يحمل على ثمرته ~~قوله تعالى {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [النور: 2] فالرأفة أمر ~~يهجم على القلب قهرا عند حصول أسبابها فيتعين الحمل على الثمرة والآثار وهو ~~تنقيص الحد فيصير معنى الآية لا ننقص الحد قال ابن عباس ويكون من مجاز ~~التعبير بالسبب عن المسبب. # ومثال ما هو غير مقدور ويحمل على سببه قوله تعالى {وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم} [آل عمران: 133] والمغفرة مضافة إلى الله تعالى ليس مقدورة للعبد ~~فيتعين الحمل على سبب ms227 المغفرة فيصير معنى الكلام سارعوا إلى سبب مغفرة من ~~ربكم فيكون ذلك من باب الإضمار أو عبر بالمغفرة عن سببها من مجاز التعبير ~~بالمسبب عن السبب عكس الأول وقوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ~~والطلاق الذي هو التحريم غير مقدور للعبد؛ لأنه كلام الله تعالى وصفته ~~القديمة فيتعين حمله على سببه الذي هو قول الزوج أنت طالق ويكون ذلك من باب ~~التعبير بالسبب عن المسبب، وقوله تعالى {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل ~~عمران: 102] والموت لا ينهى عنه فيتعين حمله على سبب يقتضي حصول الموت في ~~حالة الإسلام وهو تقديم الإسلام قبل ذلك والتصميم عليه فيأتي الموت حينئذ ~~في حالة الإسلام وهو كثير في الكتاب والسنة ولسان العرب فكذلك هاهنا لما ~~تعذر حمل الأمر على الظن نفسه فتعين حمله على آثاره من باب التعبير بالمسبب ~~عن السبب وآثاره التحدث عن الإنسان بما ظن فيه أو أذيته بطريق من الطرق بل ~~يكف عن ذلك حتى يوجد سبب شرعي يبيح ذلك. # (الفرق الثالث والخمسون بين قاعدة إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وبين ~~قاعدة تعين الواجب) # أما إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب فهو خلاف الأصل فلو صلى الإنسان ألف ~~ركعة ما أجزأت عن صلاة الصبح ودفع ألف دينار صدقة لا تجزئ عن دينار الزكاة ~~وغير ذلك ووقع في المذهب # PageV02P019 # في سبع مسائل: # الأولى: إذا توضأ مجددا ثم تيقن أنه كان محدثا هل يجزئه أم لا قولان ~~والمذهب عدم الإجزاء. # الثانية: إذا اغتسل لجمعته ناسيا لجنابته المذهب عدم الإجزاء وقيل تجزئ. # الثالثة: إذا نسي لمعة من الغسلة الأولى في وضوئه وكان غسلها بنية الفرض ~~هل تجزئه إذا غسل الثانية بنية السنة قولان في المذهب ومقتضاه عدم الإجزاء ~~كالتجديد. # الرابعة: إذا سلم من اثنين ساهيا ثم قام فصلى ركعتين بنية النافلة هل ~~تجزئاه عن ركعتي الفرض أم لا؟ قولان. # الخامسة: إذا ظن أنه سلم من فرضه فصلى بقية فرضه بنية النافلة هل يجزئه ~~أم لا؟ قولان # السادسة: إذا سها عن سجدة من الركعة الأولى ms228 وقام إلى خامسة ساهيا هل ~~تجزئه عن الركعة التي نسي منها السجدة أم لا؟ قولان. # السابعة: إذا نسي طواف الإفاضة وقد طاف طواف الوداع وراح إلى بلده أجزأه ~~طواف الوداع عن طواف الإفاضة. # فهذا هو الذي رأيته وقع من هذه القاعدة في المذهب، وأما قاعدة تعين ~~الواجب فليس على خلاف الأصل وتحريره أنه حينئذ يعتقد أن المرأة والعبد ~~والمسافر ونحوهم لما لم تجب عليهم الجمعة فإذا حضروها أجزأت عنهم مع أنها ~~غير واجبة فيكون من باب إجزاء ما ليس # PageV02P020 # بواجب عن الواجب وليس كذلك بل الواجب عليهم إحدى ~~الصلاتين إما الظهر وإما الجمعة فالواجب هو القدر المشترك بين الصلاتين وهو ~~مفهوم إحداهما كالواجب في خصال الكفارة إحدى الخصال، فإذا أحرم العبد ~~بالجمعة فقد أحرم بإحدى الصلاتين وعين ذلك المشترك في أحد معنييه كما يعين ~~المكفر إحدى الخصال بالعتق فهو معين للواجب لا فاعل لغير الواجب من كل وجه ~~فأجزأه عن الواجب بل غير الواجب ها هنا هو خصوص الجمعة لا مطلق إحدى ~~الصلاتين فالجمعة مشتملة على أمرين خصوص غير واجب وهو كونها جمعة وعموم ~~واجب وهو كونها إحدى الصلاتين فأجزأت عن الواجب من جهة عمومها الواجب لا من ~~جهة خصوصها الذي ليس بواجب كما أن المكفر عن اليمين بالعتق في عتقه أمران: ~~خصوص وهو كونه عتقا، وعموم وهو كونه إحدى الخصال الثلاث فيجزئ العتق عنه من ~~جهة عمومه الواجب لا من جهة خصوصه الذي ليس بواجب وهذا ليس على خلاف الأصل ~~بخلاف القاعدة الأولى في الامتناع ويتمهد الفرق بأربع مسائل أخر. # (المسألة الأولى) قالوا: العبد لا يؤم في الجمعة؛ لأن المذهب أن المفترض ~~لا يأتم بالمتنفل، فقيل: إذا حضرها صار من أهلها ووجبت عليه بالشروع فصار ~~مفترضا فما ائتم الحر إلا بمفترض فإن قيل إنما تجب بالشروع فيكون الشروع ~~غير واجب فيقع الائتمام به فيه وهو # PageV02P021 # غير واجب قيل فإن كان الشروع غير واجب فقد أجزأه ~~تكبيرة الإحرام وهي غير واجبة عليه فخصوص الجمعة غير واجب وغير الواجب لا ~~يجزئ ms229 عن الواجب فكيف أجزأته تكبيرة إحرامه فقيل تكبيرة الإحرام أيضا فيها ~~خصوص وهو كونها بالجمعة وعموم وهو كونها تكبيرة الإحرام فالواجب على العبد ~~تكبيرة الإحرام أما بالجمعة وأما بالظهر فإذا أحرم بالجمعة فقد عين الواجب ~~عليه في إحرام خاص، وكذلك نقول إذا أحرم بالظهر الرباعية أيضا خصوص إحرامه ~~غير واجب بل يعين الواجب وإذا عقلت ذلك في تكبيرة الإحرام فاعقله في بقية ~~أركان الصلاة ففي الركوع خصوص غير واجب وعموم واجب وهو مطلق الركوع، وفي ~~السجود خصوص غير واجب وهو كونه في جمعة أو في ظهر وعموم واجب وهو مطلق ~~السجود وكذلك بقية الأركان فيكون الحر إذا اقتدى به في الخصوصيات وهي عليه ~~واجبة وعلى العبد غير واجبة تكون من باب اقتداء المفترض بالمتنفل فيمتنع ~~ذلك على المذهب. # واعلم أن مقتضى هذا البحث أن لا يقتدي الحر بالعبد في ظهر يوم الجمعة إذا ~~صلاها أربعا أيضا فإنه غير مفترض بالخصوصيات بخلاف الاقتداء به في ظهر غير ~~يوم الجمعة فإنه مفترض بالخصوصيات والعموم فاستوى الحر معه في ذلك فصح ~~الاقتداء مع أني لم أذكر أني رأيت هذا الفرع منقولا غير أنه مقتضى المذهب ~~ويلحق بالعبد في هذه المباحث المسافر والمرأة ونحوهما حرفا بحرف ولا حاجة ~~إلى تعديد المسائل بذكرهم. # (المسألة الثانية) المسافر في رمضان يجب عليه أحد الشهرين إما شهر الأداء ~~أو شهر القضاء فإذا اختار صوم رمضان فهو فاعل لخصوص غير واجب وهو كونه ~~رمضان وعموم واجب وهو كونه أحد الشهرين فأجزأ عنه من جهة أنه أحد الشهرين ~~لا من جهة كونه رمضان وكذلك إذا اختار شهر القضاء فخصوصه ليس واجبا عليه ~~غير أنه يتعين عليه خصوص القضاء لتعذر غيره لا لأنه واجب بخصوصه كما يتعين # PageV02P022 # آخر وقت الصلاة لتعذر ما قبله وتعذر غيره لا لأنه ~~واجب بحكم الأصالة ففرق بين قضاء رمضان على المفرط الذي يتعين في حقة ~~الأداء وبين القضاء في حق المسافر أن القضاء على المفرط واجب بخصوصه وعمومه ~~بسبب واحد وهو الفطر في رمضان وعلى المسافر ms230 بسببين أحدهما رؤية الهلال ~~فإنها أوجبت العموم الذي في القضاء وهو كونه أحد الشهرين، وثانيهما خروج ~~شهر الأداء ولم يصم فيه فإنه يوجب خصوص القضاء فتأمل الفرق. # (المسألة الثالثة) المريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا ~~يخشى معها على نفسه ولا عضو من أعضائه فهذا يسقط عنه الخطاب بخصوص رمضان ~~لأجل المشقة ويبقى مخاطبا بأحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء ~~ويتعين القضاء في حقه بالسببين المتقدمين كما تقدم في مسألة العبد حرفا ~~بحرف فإن كان يخشى على نفسه أو عضو من أعضائه أو منفعة من منافعه فهذا يحرم ~~عليه الصوم ولا نقول إنه يجب عليه أحد الشهرين بل يتعين الأداء للتحريم ~~والقضاء للوجوب إن بقي مستجمع الشرائط سالم الموانع في زمان القضاء، فإن ~~أقدم وصام وفعل المحرم لا يمكن أن يقال إنه غير الواجب بعد عمومه كما تقدم ~~فهل يجزئ عنه؟ قال الغزالي في المستصفى: يحتمل عدم الإجزاء؛ لأن المحرم لا ~~يجزئ عن الواجب ويحتمل الإجزاء كالصلاة في الدار المغصوبة فإنه متقرب إلى ~~الله تعالى بترك شهوتي فمه وفرجه جان على نفسه كما أن المصلي في الدار ~~المغصوبة متقرب إلى الله بركوعه وسجوده وتعظيمه وإجلاله وجان على صاحب ~~الدار وهو تخريج حسن # PageV02P023 # المسألة الرابعة) الصبي إذا صلى بعد الزوال ثم بلغ في ~~القامة قال مالك: يجب عليه أن يصلي مرة أخرى؛ لأن سبب الوجوب وجد في حقه ~~وهو ما قارنه من إجزاء القامة في زمن بلوغه وما ليس بواجب وهو ما أوقعه ~~أولا يجزئ عن الواجب الذي توجه عليه ثانيا، وقال الشافعي لا تجب عليه ~~الصلاة؛ لأن الزوال مثلا إنما جعله الله تعالى سببا لوجوب صلاة واحدة وقد ~~فعلها فلو أوجبنا عليه صلاة أخرى لكان الزوال سببا لوجوب صلاتين وهو خلاف ~~الإجماع وجوابه أن القامة كلها أسباب فجميع أجزائها ظرف للوجوب وسبب للوجوب ~~كما تقدم البحث في هذا الفرق فالجزء الأول من القامة في حق الصبي سبب للفعل ~~والجزء الذي قارنه بعد البلوغ سبب ms231 للوجوب في صلاة أخرى ونحن نمنع أن الزوال ~~لا يكون سببا لصلاتين؛ لأنه إما أن يدعيه في كل صورة فيكون ذلك مصادرة على ~~صورة النزاع وإن ادعاه فيما عدا صورة النزاع فلا يمكنه إلحاق صورة النزاع ~~بصورة الإجماع إلا بالقياس فإذا قاس فرقنا بأن صورة النزاع وجد فيها حالتان ~~تقتضيان الوجوب والندب وهما الصبا والبلوغ بخلاف صورة الإجماع ليس فيها إلا ~~حالة واحدة فكانت الصلاة واحدة لاتحاد الشرط أما مع تعدد الشرط واختلافه ~~جاز اختلاف المشروط والصبا شرط في توجه الندب والبلوغ شرط في توجه الوجوب. # (الفرق الرابع والخمسون بين قاعدة ما ليس بواجب في الحال والمآل وبين ~~قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل) فالأول لا يجزئ عن الواجب ~~والثاني قد يجزئ عنه ويتضح الفرق بذكر ثلاث مسائل: # (المسألة الأولى) الزكاة إذا عجلت قبل الحول إما بالشهر ونحوه عندنا وإما ~~في أول الحول عند الشافعي فهذا المعجل ليس بواجب فإن دوران الحول شرط في ~~الوجوب والمشروط لا يوجد قبل شرطه، فإذا دار الحول وتوجه الخطاب بوجوب ~~الزكاة عليه أجزأ عنه ما تقدم مع أنه غير واجب فما الفرق بين هذا المخرج ~~وبين ما إذا نوى بإخراجه صدقة التطوع فإنه لا يجزئ عنه والفرق أن صدقة ~~التطوع ليست بواجبة في الحال ولا في المآل فلم تجزئ عنه وأما المعجل للزكاة ~~فهو قاصد بالمخرج # PageV02P024 # الواجب على تقدير دوران الحول ولم يقصد التطوع وإذا ~~قصد به الواجب في المآل فما أجزأ عن الواجب إلا واجب. # (المسألة الثانية) قال جماعة من الحنفية يتعلق الوجوب في الواجب الموسع ~~بآخر الوقت وفعل المعجل قبل ذلك نفل يسد مسد الفرض على ما تقرر عندهم فقال ~~الأصحاب لهم لو صح ما ذكرتموه لصح أن يصلي قبل الزوال ويجزئ عنه إذا زالت ~~الشمس فيكون نفلا سد مسد الفرض وأجزأ عنه بعد طريانه وهو خلاف الإجماع ~~فكذلك ما بعد الزوال لانحصار الوجوب عندكم في آخر القامة فما وقع بعد ~~الزوال أو قبله سواء في كونه غير ms232 واجب، فإذا أجزأ أحدهما عن الواجب وجب أن ~~يجزئ الآخر عن الواجب، فإذا قلتم قد قصد به الواجب عليه في المآل عند آخر ~~الوقت ولم يقصد به التطوع قلنا: وكذلك يقصد به قبل الزوال الواجب عليه في ~~آخر الوقت ويجزئ ولم يقل به أحد. # وهذا السؤال قوي جدا في بادئ الرأي غير أن الجواب عنه أن الصلاة قبل ~~الزوال إذا قصد بها الواجب عليه في المآل عند آخر القامة إنما وزانه إخراج ~~الزكاة قبل ملك النصاب وينوي بها ما يجب عليه في المآل عند ملك النصاب ~~ودوران الحول وهذا لا يجزئ إجماعا؛ لأنه إيقاع الفعل قبل سببه ووزان ~~مسألتنا الإخراج بعد ملك النصاب وقبل الحول؛ فإن النصاب سبب والزوال أيضا ~~سبب للوجوب آخر القامة كما أن النصاب سبب الوجوب بعد الحول فالصلاة قبل ~~الزوال إنما وزانها الإخراج قبل النصاب فظهر الفرق بين الصلاة قبل الزوال ~~وينوي بها الواجب في المآل في أنه تقدم على الأسباب مطلقا وبين الصلاة بعد ~~الزوال في أنه بعد السبب فلا يلزم أحدهما على الآخر فاندفع السؤال عن ~~الحنفية ولم يكن ما أوقعه المصلي نفلا مطلقا لا يجب في الحال ولا في المآل ~~بل ما يجب في المآل وبه يظهر الفرق أيضا بين صلاته هذه وبين أن يصلي بنية ~~النافلة. # (المسألة الثالثة) زكاة الفطر يجوز تعجيلها قبل غروب الشمس بيوم أو ثلاثة ~~عندنا وتجزئ عن الزكاة الواجبة إذا توجهت عليه عند سببها ولو أخرج صدقة ~~التطوع لم تجزئ عنه، والفرق أنه أخرجها بنية الواجب عليه في المآل عند ~~طريان السبب بخلاف صدقة التطوع، فإنها ليست واجبة عليه في الحال ولا في ~~المآل فلم تجزئ عنه، فإن قلت فهذا واجب تقدم على سببه فإن سبب وجوب زكاة ~~الفطر غروب الشمس من آخر أيام رمضان أو طلوع الفجر على الخلاف في ذلك ~~فالإخراج قبل ذلك إخراج قبل السبب وهو الإخراج قبل ملك النصاب والإخراج قبل ~~ملك النصاب لا يجزئ فيلزم أن لا تجزئ الزكاة المخرجة هنا. قلت: سؤال ms233 حسن ~~غير أن زكاة الفطر لها تعلق بصوم رمضان فهي جابرة لما عساه اختل عنه بالرفث ~~وغيره من أسباب النقص كما أن السجود في السهو جابر لما نقص من الصلاة فتأمل ~~ذلك ولذلك ورد في الحديث أنها طهرة للصائم وقد تقدم الصوم فيكون إخراجها ~~بعد أحد # PageV02P025 # سببيها الذي هو الخلل الواقع في الصوم والحكم إذا ~~توسط بين سببيه أو سببه وشرطه جرى فيه الخلاف بين العلماء بخلاف تقدمه ~~عليهما وفي الإخراج قبل ملك النصاب تقدم عليهما فلا جرم لم يجزئ وهاهنا ~~توسط وهو سبب الإجزاء فظهر بهذه المسائل الفرق بين قاعدة ما ليس بواجب في ~~الحال ولا في المآل وبين قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل ~~وأن الأول أبعد في الإجزاء عن الواجب من إجزاء الثاني عن الواجب. # (الفرق الخامس والخمسون بين قاعدة ملك القريب ملكا محققا يقتضي العتق على ~~المالك وبين قاعدة ملك القريب ملكا مقدرا لا يقتضي العتق على المالك) # وذلك أن الملك المحقق هو أن يحقق تنافيه بإجلال الآباء واحترام الأبناء ~~فيعتق الأبناء والآباء به وغيرهم فيه الخلاف فمن اشترى أباه أو وهب له ~~فقبله ونحو ذلك فقد ملكه ملكا محققا فيعتق عليه. # وأما إن قال لغيره أعتق عن كفارة علي عبدا من عبيدك فأعتق عنه أبا الطالب ~~للعتق الذي عليه الكفارة فإن القاعدة أن العتق يصح وتبرأ ذمته من العتق ~~ويكون الولاء للمعتق عنه فلأجل براءة الذمة وثبوت الولاء يتعين تقدير الملك ~~للمعتق عنه قبل صدور العتق في الزمن الفرد حتى يكون العتق في ملك له فتبرأ ~~ذمته من الكفارة ويصير الولاء له بمقتضى العتق في ملكه فهذا ملك مقدر من ~~قبل صاحب الشرع لضرورة ثبوت الأحكام لا إنه ملك محقق فلا يلزم من هذا الملك ~~المقدر هو أن بالمملوك من جهة من قدر الملك له فإن الواقع أنه لم يملكه ~~وإنما الشرع أعطى هذا الملك المعدوم حكم الموجود والواقع المحقق عدم الملك ~~فلا جرم لا يلزم بهذا الملك المقدر عتق بل ms234 يقع عتق والده عن كفارته وتجزئ ~~عنه، ولو قلنا إنه عتق عليه بالملك لم يجزئ عن الكفارة؛ لأن المستحق عتقه ~~بسبب غير العتاق عن الكفارة لا يجزئ عتقه عن الكفارة وهذا هو تحقيق الفرق ~~بين القاعدتين. # (الفرق السادس والخمسون بين قاعدة رفع الواقعات وبين قاعدة تقدير ~~ارتفاعها) هاتان القاعدتان تلتبسان على كثير من الفقهاء الفضلاء مع أن ~~القاعدة الأولى قاعدة امتناع # PageV02P026 # واستحالة عقلية لا سبيل إلى أن يقع شيء منها في ~~الشريعة والقاعدة الثانية واقعة في الشريعة في مواقع الإجماع ومواقع الخلاف ~~ولقد حضرت يوما في مجلس فيه فاضلان كبيران من الشافعية فقال أحدهما للآخر: ~~ما معنى قول العلماء الرد بالعيب رفع للعقد من أصله أو من حينه قولان أما ~~من حينه فمسلم معقول. # وأما من أصله فغير معقول بسبب أن العقد واقع في نفسه وهو من جملة ما ~~تضمنه الزمان الماضي، والقاعدة العقلية أن رفع الواقع محال وإخراج ما تضمنه ~~الزمان الماضي محال فما معنى قولهم إنه رفع للعقد من أصله؟ قال له الآخر: ~~معنى ذلك أنه يرجع إلى رفع آثاره دون نفس العقد فقال له: الآثار والأحكام ~~هي أيضا واقعة من جملة الواقعات وقد تضمنها أيضا الزمان الماضي فيستحيل ~~رفعها كالعقد ويمتنع إخراجها من الزمان الماضي كسائر الماضيات، فقال له ~~الآخر: هذا السؤال يرد على مثلي وأظهر الغضب والنفور لقلقه وقوة السؤال ~~وافترقا عن غير جواب وما سبب ذلك إلا الجهل بهذا الفرق وها أنا أوضحه لك ~~بذكر مسائل أربع. # (المسألة الأولى) الرد بالعيب المتقدم ذكرها والسؤال فيها فنقول العقد ~~واقع ولا سبيل إلى رفعه لكن من قواعد الشرع التقديرات وهي إعطاء الموجود ~~حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود فهذا العقد وإن كان واقعا لكن يقدره ~~الشرع معدوما أي يعطيه الآن حكم عقد لم يوجد لا أنه يرفع بعد وجوده فاندفع ~~الإشكال وفائدة الخلاف تظهر في ولد الجارية والبهائم المبيعة لمن تكون ~~وكذلك الغلات عند من يقول بذلك هل تكون في الزمان الماضي للبائع إن قدرناه ~~معدوما من أصله ms235 أو المشتري إن جعلناه مرفوعا من حينه فهذا كله فقه مستقيم ~~وليس فيه مخالفة قاعدة عقلية حتى يلزم ورود الشرع بخلاف العقل وهو من قاعدة ~~تقدير رفع الواقعات لا من قاعدة رفع الواقعات. # (المسألة الثانية) رفض النيات في العبادات كالصلاة والصوم والحج والطهارة ~~ورفع هذه العبادات بعد وقوعها في جميع ذلك قولان والمشهور في الحج والوضوء ~~عدم الرفع وفي الصلاة والصوم صحة الرفض وذلك كله من المشكلات فإن النية ~~وقعت وكذلك العبادة فكيف يصح رفع الواقع وكيف يصح القصد إلى المستحيل بل ~~النية واقعة قطعا والعبادة محققة جزما فالقصد لرفض ذلك وإبطاله قصد ~~للمستحيل ورفع الواقع وإخراج ما اندرج في الزمن الماضي منه وكل ذلك مستحيل ~~كما تقدم ذلك في الرد بالعيب. # والجواب عنه أن ذلك من باب التقديرات الشرعية بمعنى أن صاحب الشرع يقدر ~~هذه النية أو هذه العبادة في حكم ما لم يوجد لا أنه يبطل # PageV02P027 # وجودها المندرج في الزمن الماضي بل يجري عليها الآن ~~حكم عبادة أخرى لم توجد قط وما لم يوجد قط يستأنف فعله فيستأنف فعل هذه فهي ~~من قاعدة تقدير رفع الواقعات لا من قاعدة رفع الواقعات فإن قلت وأي دليل ~~وجد في الشريعة يقتضي تمكن المكلف من هذا التقدير، وأن هذا التقدير يتحقق ~~ولو صح ذلك لتمكن المكلف من إسقاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمان ~~الماضي بطريق التقدير والقصد إليها فيقصد الإنسان إبطال ما مضى له من جهاد ~~وهجرة وسعي في طلب العلم وغير ذلك من الأعمال بل يكون إذا قصد إلى إبطال ما ~~تقدم له من الإيمان بمجرد القصد لعدم اعتباره من غير كفر ولا ردة ولا معنى ~~من المعاني المنافية للإيمان أن يصير كافرا غير مؤمن في الزمان الماضي وأن ~~حكم إيمانه المتقدم الآن حكم عدمه وحكم جميع أعماله الصالحة كلها كذلك. # وكذلك يقصد إلى إبطال زناه وسرقته وحرابته وأكله الربا وأموال اليتامى ~~وغير ذلك من المناحس والقبائح أن يصير حكمها الآن حكم المعدوم في الزمان ~~الماضي فيستريح من مؤاخذتها؛ ms236 لأن عدم المؤاخذة هي أثر هذا التقدير وجميع ~~ذلك لم يقل به ولا قال فقيه بفتح هذا القياس ولم نجده إلا في هذه المسائل ~~الأربع وجميع ما يمكن أن يقال فيه من التعليل أمكن وجوده في جميع تلك الصور ~~أو في بعضها ولم يرد في هذه الصور الأربع نص يخصصها بهذا الحكم ويمنع من ~~القياس عليها بل المقرر في الشريعة أن عدم اعتبار ما وقع في الزمن الماضي ~~يتوقف على أسباب غير الرفض كالإسلام يهدم ما قبله والهجرة تهدم ما قبلها ~~وكذلك التوبة والحج وعكسها في الأعمال الصالحة لها ما يبطلها وهي الردة ~~والنصوص دلت على اعتبار هذه الأسباب أما الرفض فما نعلم أحدا ذكر دليلا ~~شرعيا يقتضي اعتباره وأن مجرد القصد مؤثر في الأعمال هذا التأثير قلت هذا ~~سؤال حسن قوي متجه ولم أجد شيئا له اتجاه يقتضي اندفاعه على الوجه التام ~~فالأحسن الاعتراف به. # (المسألة الثالثة) إذا قال لامرأته: إن قدم زيد آخر الشهر فأنت طالق من ~~أوله فإنها مباحة الوطء بالإجماع إلى قدوم زيد فإذا قدم زيد آخر الشهر هل ~~تطلق من الآن أو من أول الشهر وهو الذي يراه ابن يونس من أصحابنا مقتضى ~~المذهب فيقضي بوقوع الطلاق فيه والتحريم في أول الشهر فيرفع الإباحة ~~الكائنة في وسط الشهر وهي كانت واقعة فيلزم رفع الواقع وهو محال كما تقدم. # والجواب أنه من باب التقدير الشرعي بمعنى أنا نقدر أن تلك الإباحة في حكم ~~العدم لا أنا نعتقد أنها ارتفعت من الزمن الماضي بل حكمها الآن حكم ~~المرتفعة وقد تقدمت هذه المسألة في باب فرق الشروط والبحث فيها مع الشافعي ~~فلتطالع من هناك فإنه مستوفى. # (المسألة الرابعة) إذا أعتق عن غيره فإنا نقدر له الملك قبل العتق عنه مع ~~أن الواقع عدم ملكه له قبل العتق وذلك العدم من جملة الواقعات # PageV02P028 # والواقع من عدم أو وجود في الزمن الماضي يستحيل رفعه ~~فكيف يرتفع عدم الملك ويثبت نقيضه وهو الملك، والجواب عنه أنه من باب ~~التقدير فيقدر ذلك ms237 العدم في حكم المرتفع لا لأنا نرفعه بل نعطيه الآن حكم ~~الارتفاع من إجزاء العتق وثبوت الولاء وغير ذلك، وكذلك تقدر ملك الدية في ~~قتل الخطأ من قبل الموت بالزمن ليصح الإرث خاصة وهذه التقادير كثيرة في ~~الشريعة وقد بينت ذلك كله مستوفى في كتاب الأمنية في إدراك النية وأنه لا ~~يخلو باب من أبواب الفقه عن التقدير وهذه الفروع كلها تقتضي الفرق بين ~~قاعدة ارتفاع الواقع وبين قاعدة تقدير ارتفاع الواقع وأن الأول مستحيل ~~مطلقا والثاني ممكن مطلقا وبالله التوفيق. # (الفرق السابع والخمسون بين قاعدة تداخل الأسباب وبين قاعدة تساقطها) # اعلم أن التداخل والتساقط بين الأسباب قد استويا في أن الحكم لا يترتب ~~على السبب الذي دخل في غيره ولا على السبب الذي سقط بغيره فهذا هو وجه ~~الجمع بين القاعدتين والفرق بينهما أن التداخل بين الأسباب معناه أن يوجد ~~سببان مسببهما واحد فيترتب عليهما مسبب واحد مع أن كل واحد منهما يقتضي ~~مسببا من ذلك النوع ومقتضى القياس أن يترتب من ذلك النوع مسببان وقد وقع ~~الأول في كثير من الصور والثاني أيضا واقع في الشريعة وهو الأكثر أما ~~التداخل الذي هو أقل فقد وقع في الشريعة في ستة أبواب: # الأول: الطهارات كالوضوء والغسل إذا تكررت أسبابهما المختلفة كالحيض ~~والجنابة أو المتماثلة كالجنابتين والملامستين في الوضوء فإنه يجزئ وضوء ~~واحد وغسل واحد ودخل أحد السببين في الآخر فلم يظهر له أثر وكالوضوء مع ~~الغسل فإن سبب الوضوء الذي هو الملامسة اندرج في الجنابة فلم يترتب عليه ~~وجوب وضوء وأجزأه الغسل، الثاني: الصلوات كتداخل تحية المسجد مع صلاة الفرض ~~مع تعدد سببهما فيدخل دخول المسجد الذي هو سبب التحية في الزوال الذي هو ~~سبب الظهر مثلا فيقوم سبب الزوال مقام سبب الدخول فيكتفى به، الثالث: ~~الصيام كصيام رمضان مع صيام الاعتكاف، فإن الاعتكاف سبب لتوجه الأمر بالصوم ~~ورؤية هلال رمضان سبب توجه الأمر بصوم رمضان فيدخل سبب الاعتكاف في سبب ~~رؤية الهلال ويتداخل الاعتكاف ورؤية الهلال. # الرابع: الكفارات في ms238 الأيمان على المشهور في حل الأيمان على التكرار دون ~~الإنشاء بخلاف تكرار الطلاق يحمل على الإنشاء حتى يريد التكرار وفي كفارة ~~إفساد رمضان إذا تكرر الوطء منه في اليوم الواحد عندنا على الخلاف وعند أبي ~~حنيفة في اليومين وله # PageV02P029 # قولان في الرمضانين، الخامس: الحدود المتماثلة وإن ~~اختلفت أسبابها كالقذف وشرب الخمر أو تماثلت كالزنى مرارا والسرقة مرارا ~~والشرب مرارا قبل إقامة الحد عليه وهي من أولى الأسباب بالتداخل؛ لأن ~~تكررها مهلك، السادس: الأموال كالواطئ بالشبهة المتحدة إذا تكرر الوطء فإن ~~كل وطأة لو انفردت أوجبت مهرا تاما من صداق المثل ولا يجب في ذلك إلا صداق ~~واحد وكدية الأطراف مع النفس فإنه إذا قطع أطرافه وسرى ذلك لنفسه اكتفى ~~صاحب الشرع بدية واحدة للنفس مع أن الواجب قبل السريان نحو عشر ديات بحسب ~~تعدد العضو المجني عليه ومع ذلك يسقط الجميع ولا يلزم إلا دية واحدة تفريع ~~على هذا قد يدخل القليل مع الكثير كدية الأصبع مع النفس والكثير مع القليل ~~كدية الأطراف مع النفس والمتقدم مع المتأخر كحدث الوضوء مع الجنابة ~~والمتأخر مع المتقدم كالوطآت المتأخرة مع الوطأة المتقدمة الأولى. # وموجبات أسباب الوضوء والغسل مع اندراجه في الموجب الأول والطرفان في وسط ~~كاندراج الوطأة الأولى والآخرة في وطء الشبهة فإنها قد توطأ أولا وهي مريضة ~~الجسم عديمة المال ثم تصح وترث مالا عظيما ثم تسقم في جسمها ويذهب مالها ~~وهي توطأ في تلك الأحوال كلها بشبهة واحدة فإنها يجب لها عند الشافعي صداق ~~المثل في أعظم أحوالها وأعظم أحوالها في هذه الصورة الحالة الوسطى فيجب ~~الصداق باعتبارها وتدخل فيها الحالة الأولى والحالة الأخيرة فيندرج الطرفان ~~في الوسط وهذا المثال إنما يجب على مذهب الشافعي وأما على مذهب مالك فإنما ~~يعتبر الوطأة الأولى كيف كانت وكيف صادفت ويندرج ما بعدها فيها وتكون عنده ~~من باب اندراج المتأخر في المتقدم لا من باب اندراج الطرفين في الوسط. # وأما القسم الذي هو أكثر في الشريعة وهو عدم التداخل مع تماثل الأسباب ~~فكالإتلافين ms239 يجب بهما ضمانان ولا يتداخلان وكالطلاقين يتعدد أثرهما ولا ~~يتداخلان بل ينقص كل طلاق من العصمة طلقة إلا أن ينوي التأكيد أو الخبر عن ~~الأول والزوالين فإنهما يوجبان ظهرين وكذلك بقية أوقات الصلوات وأسبابها ~~وكالنذرين يتعدد منذورهما ولا يتداخل وكالوصيتين بلفظ واحد لشخص واحد فإنه ~~يتعدد له الموصى به على الخلاف وكالسببين لرجل واحد أو رجلين بمعنى واحد أو ~~مختلف فإنه يوجب تعدد التعزير والمؤاخذة وكما لو استأجر منه شهرا ثم استأجر ~~منه شهرا ولم يعين فإنه يحمل على شهرين وكما لو اشترى منه صاعا من هذه ~~الصبرة ثم اشترى منه صاعا من هذه الصبرة فإنه يحمل على صاعين وهو كثير جدا ~~في الشريعة، الأصل أن يترتب على كل سبب مسببه، والتداخل على خلاف الأصل. # وأما تساقط الأسباب فإنما يكون عند التعارض وتنافي المسببات بأن يكون أحد ~~السببين يقتضي شيئا والآخر يقتضي ضده فيقدم صاحب الشرع الراجح منهما على ~~المرجوح فيسقط المرجوح أو يستويان # PageV02P030 # فيتساقطان معا هذا هو ضابط هذا القسم وهو قسمان: تارة ~~يقع الاختلاف في جميع الأحكام وتارة في البعض. # أما القسم الأول وهو التنافي في جميع الأحكام فكالردة مع الإسلام والقتل ~~والكفر مع القرابة الموجبة للميراث فإنهما يقتضيان عدم الإرث وكالدين مسقط ~~للزكاة وأسبابها توجبها، وكالبينتين إذا تعارضتا أو الأصلين إذا قطع رجل ~~ملفوف في الثياب فتنازع هو والولي في كونه كان حيا حالة الجناية فالأصل ~~بقاء الحياة والأصل أيضا عدم وجوب القصاص والغالبين وهما الظاهران كاختلاف ~~الزوجين في متاع البيت فإن اليد للرجل ظاهرة في الملك وكون المدعي فيه من ~~قماش النساء دون الرجال ظاهر في كونه للمرأة دون الرجل فقدمنا نحن هذا ~~الظاهر وسوى الشافعي بينهما بناء على أن لهما معا يدا وهي ظاهرة في الملك ~~ومالك يقول اليد خالصة بالرجل؛ لأنه صاحب المنزل. # وكذلك إذا كان المتاع يصلح لهما قدم ملك الرجل فيه بناء على اختصاصه ~~باليد وكالمنفردي ن برؤية الهلال والسماء مصحية والمصر كبير قدم ملك ظاهر ~~العدالة، وقدم سحنون ظاهر الحال وقال ms240 الظاهر كذبهما؛ لأن العدد العظيم مع ~~ارتفاع الموانع يقتضي أن يراه جمع عظيم فانفراد هذين دليل كذبهما ولم يوجب ~~الصوم بشهادتهما، والأصل والظاهر كالمقبرة المنبوشة الأصل عدم النجاسة ~~والظاهر عدم وجودها بسبب النبش فهذه الأقسام كلها متنافية من جميع الوجوه ~~في مسبباتها. # وأما التساقط بسبب التنافي في بعض الوجوه وفي بعض الأحكام كالنكاح مع ~~الملك إذا عقد على أمته فإن النكاح يوجب إباحة الوطء والملك يوجب مع ذلك ~~ملك الرقبة والمنافع فسقط النكاح تغليبا للملك بسبب قوته وتكون الإباحة ~~الحاصلة مضافة للملك فقط ولا يحصل تداخل فلا يقال هي مضافة لهما ألبتة وكما ~~إذا اشترى امرأته وصيرها أمته فإن النكاح السابق يقتضي الإباحة وكذلك ~~الشراء اللاحق يقتضي الإباحة مع بقية آثار الملك فأسقط الشرع النكاح السابق ~~بالملك اللاحق عكس القسم الأول فإن الأول قدم فيه السابق وهذا قدم فيه ~~اللاحق. # والفرق أن الملك أقوى من النكاح لاشتماله على إباحة الوطء وغيره فلما كان ~~أقوى قدمه صاحب الشرع سابقا ولاحقا ولاحظنا أن السابق يقدم بحصوله في المحل ~~وسبقه وإلا لاندفع الشراء عن الزوجة وبقيت زوجة وبطل البيع لكن السر ما ~~ذكرته لك، ومن ذلك علم الحاكم مع البينة إذا شهدت بما يعلمه فإن الحكم مضاف ~~للبينة دون علمه عند مالك والقضاء بالعلم ساقط حذرا من القضاة السوء وسدا ~~لذريعة الفساد على الحكم بالتهم وعلى الناس بالقضاء عليهم بالباطل وعند ~~الشافعي علمه مقدم على البينة؛ لأن البينة لا تفيد إلا الظن والعلم أولى من ~~الظن ويحتمل مذهبه أنه يجمع بينهما ويجعل الحكم مضافا إليهما لعدم التنافي ~~بينهما ومن ذلك من وجد في حقه سببان # PageV02P031 # للتوريث بالفرض في أنكحة المجوس فإنه يرث بأقواهما ~~ويسقط الآخر مع أن كليهما يقتضي الإرث كالابن إذا كان أخا لأم كما إذا تزوج ~~أمه فولدها حينئذ ابنه وهو أخوه لأمه فإنه يرث بالبنوة وتسقط الأخوة أما إن ~~كانا سببين الفرض والتعصيب فإنه يرث بهما كالزوج ابن عم يأخذ النصف ~~بالزوجية والنصف الآخر بكونه ابن عم فهذه مثل ومسائل ms241 توجب الفرق بين قاعدة ~~تداخل الأسباب وتساقطها على اختلاف التداخل والتساقط. # (الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل) وربما عبر عن ~~الوسائل بالذرائع وهو اصطلاح أصحابنا وهذا اللفظ المشهور في مذهبنا ولذلك ~~يقولون سد الذرائع ومعناه حسم مادة وسائل الفساد دفعا لها فمتى كان الفعل ~~السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور ~~وليس سد الذرائع من خواص مذهب مالك كما يتوهمه كثير من المالكية بل الذرائع ~~ثلاثة أقسام قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه كحفر الآبار في طرق ~~المسلمين فإنه وسيلة إلى إهلاكهم وكذلك إلقاء السم في أطعمتهم وسب الأصنام ~~عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى عند سبها وقسم أجمعت الأمة على عدم ~~منعه وأنه ذريعة لا تسد ووسيلة لا تحسم كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر ~~فإنه لم يقل به أحد وكالمنع من المجاورة في البيوت خشية الزنى. # وقسم اختلف فيه العلماء هل يسد أم لا؟ كبيوع الآجال عندنا كمن باع سلعة ~~بعشرة دراهم إلى شهر ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر فمالك يقول: إنه أخرج من ~~يده خمسة الآن وأخذ عشرة آخر الشهر فهذه وسيلة لسلف خمسة بعشرة إلى أجل ~~توسلا بإظهار صورة البيع لذلك والشافعي يقول ينظر إلى صورة البيع ويحمل ~~الأمر على ظاهره فيجوز ذلك وهذه البيوع يقال إنها تصل إلى ألف مسألة اختص ~~بها مالك وخالفه فيها الشافعي وكذلك اختلف في النظر إلى النساء هل يحرم؛ ~~لأنه يؤدي إلى الزنى أو لا يحرم والحكم بالعلم هل يحرم؛ لأنه وسيلة للقضاء ~~بالباطل من القضاة السوء أو لا يحرم وكذلك اختلف في تضمين الصناع؛ لأنهم ~~يؤثرون في السلع بصنعتهم فتتغير السلع فلا يعرفها ربها إذا بيعت فيضمنون ~~سدا لذريعة الأخذ أم لا يضمنون؛ لأنهم أجراء وأصل الإجارة على الأمانة ~~قولان وكذلك تضمين حملة الطعام # PageV02P032 # لئلا تمتد أيديهم إليه وهو كثير في المسائل فنحن قلنا ~~بسد هذه الذرائع ولم يقل بها الشافعي فليس سد الذرائع خاصا بمالك ms242 - رحمه ~~الله - بل قال بها هو أكثر من غيره وأصل سدها مجمع عليه. # (تنبيه) اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح فإن ~~الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي ~~للجمعة والحج وموارد الأحكام على قسمين مقاصد وهي المتضمنة للمصالح ~~والمفاسد في أنفسها ووسائل وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت ~~إليه من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها والوسيلة إلى ~~أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما يتوسط ~~متوسطة ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى {ذلك بأنهم لا يصيبهم ~~ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ~~ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح} [التوبة: 120] فأثابهم الله ~~على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل ~~إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد ~~وسيلة الوسيلة. # (تنبيه) القاعدة أنه كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة فإنها ~~تبع له في الحكم وقد خولفت هذه القاعدة في الحج في إمرار الموسى على رأس من ~~لا شعر له مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر فيحتاج إلى دليل يدل على أنه مقصود ~~في نفسه وإلا فهو مشكل على القاعدة. # (تنبيه) قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة ~~كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع ~~به بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة عندنا وكدفع مال لرجل يأكله حراما ~~حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك، وكدفع المال للمحارب ~~حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال عند مالك - رحمه الله تعالى - ولكنه ~~اشترط فيه أن يكون يسيرا، فهذه الصور كلها الدفع وسيلة إلى المعصية بأكل ~~المال ومع ذلك فهو مأمور به لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة. # (تنبيه) تفرع على هذا الفرق ms243 فرق آخر وهو الفرق بين كون المعاصي أسبابا ~~للرخص وبين قاعدة مقارنة المعاصي لأسباب الرخص، فإن الأسباب من جملة ~~الوسائل وقد التبست هاهنا على كثير من الفقهاء فأما المعاصي فلا تكون ~~أسبابا للرخص ولذلك العاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر؛ لأن سبب هذين السفر وهو ~~في هذه الصورة معصية فلا يناسب الرخصة؛ لأن ترتيب الترخص على المعصية سعي ~~في تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها. # وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمتنع إجماعا كما يجوز لأفسق الناس ~~وأعصاهم التيمم إذا عدم الماء وهو رخصة وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم # PageV02P033 # والجلوس إذا أضر به القيام في الصلاة ويقارض ويساقي ~~ونحو ذلك من الرخص ولا تمنع المعاصي من ذلك؛ لأن أسباب هذه الأمور غير ~~معصية بل هي عجزه عن الصوم ونحوه والعجز ليس معصية فالمعصية هاهنا مقارنة ~~للسبب لا سبب وبهذا الفرق يبطل قول من قال إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة ~~إذا اضطر إليها؛ لأن سبب أكله خوفه على نفسه لا سفره فالمعصية مقارنة لسبب ~~الرخصة لا أنها هي السبب ويلزم هذا القائل أن لا يبيح للعاصي جميع ما تقدم ~~ذكره وهو خلاف الإجماع فتأمل هذا الفرق فهو جليل حسن في الفقه ويلزم هذا ~~القائل أن يجعل السفر هو سبب عدم الطعام المباح حتى احتاج إلى أكل الميتة ~~أن من خرج ليسرق فوقع فانكسرت يده أن لا يمسح على الجبيرة ولا يفطر إذا خاف ~~من الصوم ومن الكسر الهلاك وأن لا يتيمم إذا عجز عن استعمال الماء حتى يتوب ~~كما قال في الأكل في السفر فيلزم بقاء المصر على معصيته بلا صلاة لعدم ~~الطهارة وتتعطل عليه أمور كثيرة من الأحكام ولا قائل بها فتأمل ذلك. # (الفرق التاسع والخمسون بين قاعدة عدم علة الإذن أو التحريم وبين عدم علة ~~غيرهما من العلل) # اعلم أن عدم كل واحدة من هاتين العلتين علة للحكم الآخر بخلاف غيرهما من ~~العلل فعدم علة الإذن علة التحريم وعدم علة التحريم علة الإذن. # وأما عدم علة ms244 الوجوب فلا يلزم منه شيء فقد يكون غير الواجب محرما وقد ~~يكون مباحا أو مندوبا أو مكروها، وكذلك عدم علة الندب أو الكراهة قد يكون ~~الفعل بعد ذلك واجبا أو محرما أو مباحا أو متى عدمت علة الإذن تعين التحريم ~~ومتى عدمت علة التحريم تعين الإذن ويتضح ذلك بذكر ثلاث مسائل. # (المسألة الأولى) علة النجاسة الاستقذار فمتى كانت العين ليست بمستقذرة ~~فحكم الله تعالى في تلك العين عدم النجاسة وأن تكون طاهرة فعلة الطهارة عدم ~~علة النجاسة فهذا هو شأن هذا المقام إلا أن يحدث معارض من جهة أخرى يعارضنا ~~عند عدم العلة كما في الخمر، فإن الخمر ليست بمستقذرة وإنما قضي بتنجيسها؛ ~~لأنها مطلوبة الإبعاد والقول بتنجيسها يفضي إلى إبعادها وما يفضي إلى ~~المطلوب مطلوب فتنجيسها مطلوب فتكون نجسة فهذه علة أخرى غير الاستقذار وجدت ~~عند عدمه فقامت مقامه وإلا فالحكم ما ذكر عند عدم المعارض وأكثر الفقهاء ~~يمكنه أن يعلل النجاسة وإذا سألته عن علة الطهارة لا يعلمها وهي عدم علة ~~النجاسة وإذا سئل أيضا أكثر الفقهاء عن النجاسة إلى أي الأحكام الخمسة ترجع ~~ربما عسر عليه ذلك وظن أنها حكم آخر من أحكام الوضع أو غيرها وليس كذلك بل ~~هي ترجع إلى أحد الأحكام الخمسة وهو التحريم وكذلك # PageV02P034 # إذا قيل لهم ما الطهارة عسر عليهم ذلك حتى رأيت لبعض ~~الأكابر أن الطهارة عبارة عن استعمال الماء الطهور في العين التي قضي عليها ~~بالطهارة وهذا ليس بصحيح فإن بطون الجبال وتلال الرمال وبطون الأرض طاهرة ~~مع عدم استعمال الماء فيها بل النجاسة ترجع إلى تحريم الملابسة في الصلوات ~~والأغذية لأجل الاستقذار أو التوسل للإبعاد فقولي لأجل الاستقذار احترازا ~~من السموم فإنها تحرم ملابستها في الأغذية، وكذلك الأغذية والأشربة الموجبة ~~للأسقام والأمراض تحرم ملابستها في الأغذية وليست نجسة وقولي أو التوسل ~~للإبعاد احترازا من الخمر حتى تندرج في الحد، ولو اقتصرت على قولي تحرم ~~ملابستها في الصلوات لكان ذلك كافيا لكن أردت بذكر الأغذية زيادة البيان ~~والطهارة عبارة عن ms245 إباحة الملابسة في الصلوات وبهذا التفسير تندرج بطون ~~الجبال وسائر الأعيان فظهر أن النجاسة ترجع للتحريم والطهارة ترجع للإباحة ~~وأن عدم علة التنجيس علة الطهارة وأن عدم علة التحريم علة الإباحة. # (المسألة الثانية) تحريم الخمر معلل بالإسكار فمتى زال الإسكار زال ~~التحريم وثبت الإذن وجاز أكلها وشربها وعلة إباحة شرب العصير مسالمته للعقل ~~وسلامته عن المفاسد فعدم هذه المسالمة والسلامة علة لتحريمه فظهر أيضا في ~~هذه المسألة أن عدم التحريم علة الإذن وعدم علة الإذن علة التحريم. # (المسألة الثالثة) الحدث له معنيان أحدهما الأسباب الموجبة للوضوء فلذلك ~~يقال أحدث إذا خرج منه خارج وثانيهما أنه المنع المرتب على هذا السبب وهو ~~المراد بقول العلماء ينوي رفع الحدث بفعله أي ينوي ارتفاع المنع المرتب على ~~ذلك السبب المتقدم ولا يمكن في نيته رفع الحدث إلا بهذا فإن تلك الأسباب ~~الموجبة للوضوء يستحيل رفعها؛ لأنها صارت واقعة داخلة في الوجود ولا يمكن ~~لعاقل أن يقول إنه يرفع تلك الأعيان المستقذرة من غيرها بوضوء بل الذي ينوي ~~برفعه هذا المنع المرتب على تلك الأسباب، والمنع وإن كان أيضا وقع وصار من ~~جملة الواقعات والواقعات يستحيل رفعها غير أن المقصود برفعه منع استمراره ~~كما أن عقد النكاح يمنع استمرار منع الوطء في الأجنبية كذلك هاهنا وأكثر ~~الفقهاء لا يعرف معنى الحدث أيضا وهو يرجع إلى تحريم ملابسة الصلاة حتى ~~يتطهر وإذا كان الحدث عبارة عن التحريم، فإذا تطهر الإنسان وصار يباح له ~~الإقدام على العبادة فالإباحة في هذه الحالة مضافة إلى عدم سبب يقتضي وجوب ~~استعمال الماء في الطهارة فعلة هذه الإباحة عدم علة التحريم التي هي علة ~~الحدث الذي هو المنع فذلك الخارج مثلا هو علة التحريم وعدمه علة الإباحة ~~بعد التطهر واستعمال الماء سبب ارتفاع ذلك المنع وحصول # PageV02P035 # هذه الإباحة فحصل أيضا في هذا المثال أن علة الإباحة ~~عدم علة التحريم وعدم سبب الإباحة علة التحريم فتأمل ذلك فإن قلت لم لا ~~يكون الوضوء مثلا هو سبب الإباحة وعدمه هو علة التحريم ms246 ولا حاجة إلى اعتبار ~~تلك الفضلات المستقذرة وغيرها من الملامسة ونحوها قلت لا خفاء أن الوضوء ~~موجب للإباحة في الإقدام على الصلوات وما هو مشترط فيه الوضوء ونقول على ~~هذا التقدير الطهارة سبب للإباحة المستمرة حتى يطرأ الحدث والحدث سبب المنع ~~المستمر حتى تطرأ الطهارة ويحصل المقصود فإن عدم الطهارة بالكلية سبب المنع ~~وعدم الحدث بالكلية سبب الإباحة فإن قلت فمن لم يحدث قط يلزمك أن تباح له ~~الصلاة وإن لم يتطهر؛ لأن سبب الإباحة موجود في حقه وهو عدم الحدث قلت ~~التزمه مع أنه فرض محال فإن الإنسان لا بد له أن تخرج منه فضلات غذائه بعد ~~الولادة وعند الولادة فإذا فرض وقوع هذا المحال وهو عدم خروج شيء منه ألبتة ~~لا مانع لي من التزام الإباحة في حقه لا بنص ولا إجماع ولا قياس. # وكذلك أقول في الجنابة والحيض والنفاس في سبب المنع المستمر حتى تطرأ ~~الطهارة والطهارة سبب الإباحة المستمرة حتى تطرأ هذه الأحداث وعدم هذه ~~الأحداث سبب الإباحة من هذا الوجه فلولا اشتراط صاحب الشرع الوضوء لأبحنا ~~الصلاة لمن عدمت في حقه هذه الأحداث الكبار وصح لنا حينئذ في الحدث الأكبر ~~والأصغر والطهارة الكبرى والصغرى أن عدم سبب الإباحة سبب المنع وعدم سبب ~~المنع سبب الإباحة واطردت القاعدة وهذا الخلاف سبب الوجوب وعلته فإن سبب ~~وجوب إراقة دم المرتد ردته فإذا فقدت الردة كان دمه حراما وسبب وجوب النفقة ~~الزوجية أو القرابة، فإذا عدم ذلك لا تحرم النفقة بل يندب إليها في الأجانب ~~وسبب وجوب القراءة في الصلاة حضور محلها الذي هو القيام فإذا ركع وسجد وعدم ~~القيام كرهت القراءة فلما كان عدم سبب الوجوب لا يستلزم من ذلك حكما معينا ~~فارق بذلك ما تقدم من علة الإباحة والمنع فهذا هو الفرق بين هاتين ~~القاعدتين. # (الفرق الستون بين قاعدة إثبات النقيض في المفهوم وبين قاعدة إثبات الضد ~~فيه) # اعلم أن مفهوم المخالفة يقتضي أن الحكم المنطوق غير ثابت للمسكوت عنه فهل ~~القاعدة فيه عند القضاء بأن ms247 حكم المسكوت يقتضي إثبات ضد الحكم المنطوق به ~~أو إثبات نقيضه، والثاني هو الحق بأن يقتصر على عدم الحكم الثابت للمنطوق ~~ولا يتعرض لإثبات حكم المسكوت ألبتة فهو ينقسم إلى عشرة أقسام كلها مستقيمة ~~مع النقيض فقط مفهوم العلة نحو ما أسكر كثيره فهو حرام مفهومه ما لم يسكر ~~كثيره فليس بحرام ومفهوم الصفة في الغنم السائمة الزكاة مفهومه ما ليس ~~بسائمة لا زكاة فيه ومفهوم الشرط من تطهر صحت صلاته مفهومه من لم يتطهر لا ~~تصح صلاته ومفهوم المانع لا يسقط # PageV02P036 # الزكاة إلا الدين مفهومه أن من لا دين عليه لا تسقط ~~عنه ومفهوم الزمان سافرت يوم الجمعة مفهومه أنه لم يسافر يوم الخميس ومفهوم ~~المكان جلست أمامك مفهومه أنه لم يجلس عن يمينك ومفهوم الغاية {أتموا ~~الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] مفهومه لا يجب بعد الليل ومفهوم الحصر ~~إنما الماء من الماء مفهومه أنه لا يجب من غير الماء ومفهوم الاستثناء قام ~~القوم إلا زيدا مفهومه أن زيدا لم يقم ومفهوم اللقب تعليق الحكم على أسماء ~~الذوات نحو في الغنم الزكاة مفهومه لا تجب في غير الغنم عند من قال بهذا ~~المفهوم وهو أضعفها فهذه المفهومات جميعها أثبتنا فيها نقيض حكم المنطوق ~~للمسكوت وحصل فيها معنى المفهوم فظهر أن مفهوم المخالفة إثبات نقيض حكم ~~المنطوق للمسكوت وأن هذا هو قاعدته وليس قاعدته إثبات الضد. # ويظهر التفاوت بينهما في قول ابن أبي زيد من أصحابنا حيث استدل على وجوب ~~صلاة الجنازة بقوله تعالى في حق المنافقين {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} ~~[التوبة: 84] أن مفهومه يقتضي وجوب الصلاة على المسلمين وليس الأمر كما ~~قاله بل مفهومه عدم تحريم الصلاة على المؤمنين وعدم التحريم صادق مع الوجوب ~~والندب والكراهة والإباحة فلا يستلزم الوجوب؛ لأن الأعم من الشيء لا يستلزم ~~فلا يلزم الوجوب في هذه الصورة فكذلك يكون دأبك أبدا في مفهوم المخالفة ~~إثبات النقيض فقط ولا تتعرض للضد ألبتة لما ظهر لك من الفرق بين القاعدتين. # (الفرق الحادي والستون بين ms248 قاعدة مفهوم اللقب وبين قاعدة غيره من ~~المفهومات) # فإن قاعدة مفهوم اللقب لم يقل بها إلا الدقاق وقاعدة مفهوم غير اللقب قال ~~بها جمع كثير كمالك والشافعي وغيرهما، وسر الفرق بينهما أن مفهوم اللقب ~~أصله كما قال التبريزي تعليق الحكم على أسماء الأعلام؛ لأنها الأصل في ~~قولنا لقب. # وأما أسماء الأجناس نحو الغنم والبقر ونحوهما لا يقال لها لقب فالأصل ~~حينئذ إنما هي الأعلام وما يجري مجراها، قال: ويلحق بها أسماء الأجناس وعلى ~~التقديرين فالفرق أن العلم نحو قولنا أكرم زيدا أو اسم الجنس نحو زك عن ~~الغنم لا إشعار فيه بالعلة لعدم المناسبة في هذين القسمين ومفهوم الصفة ~~ونحوه فيه رائحة التعليل فإن الشروط اللغوية أسباب أيضا فمتى جعل الشيء ~~شرطا أشعر ذلك بسببية ذلك الشرط عند المتعلق عليه أدركنا نحن ذلك أم لا، ~~وكذلك إذا حصر أو جعل غاية وإذا كانت هذه الأشياء تشعر بالتعليل عند ~~المتكلم بها والقاعدة أن عدم العلة علة لعدم المعلول فيلزم في صورة المسكوت ~~عنه عدم الحكم لعدم علة الثبوت فيه أما الأعلام والأجناس فلا إشعار لها ~~بالعلية فلا جرم لا يكون عدمها من صورة السكوت علة لشيء لأنه ليس عدم علة ~~فلا يلزم عدم الحكم في صورة المسكوت عنه فهذا هو سبب # PageV02P037 # ضعفه وقلة القائلين به وينبغي لك أن تتفطن له فإن ~~جماعة ممن لم يقل به وقع فيه عند الاستدلال وما شعر. # وقال صاحب المهذب من الشافعية التيمم بغير التراب لا يجوز لقوله - عليه ~~السلام - «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» وفي أخرى «وترابها طهورا» ومفهوم ~~قوله وترابها طهورا أن غير التراب لا يجوز التيمم به، واستدلاله بذلك على ~~مالك لا يصح؛ لأنه لقب ليس حجة عنده ولا عند مالك؛ لأن التراب اسم جنس فقد ~~استدل بما ليس حجة عنده ولا عند خصمه، وكذلك استدل على أبي حنيفة بأن الخل ~~لا يزيل النجاسة بقوله - عليه السلام - «حتيه ثم اقرضيه بالماء» فمفهوم ~~قوله - عليه السلام - يقتضي أنه لا يجوز أن يغسل بغيره من ms249 الخل وغيره وهذا ~~أيضا غير مستقيم فإن الماء اسم جنس فمفهومه مفهوم لقب ليس بحجة عنده ولا ~~عند أبي حنيفة بل أبو حنيفة لم يقل بالمفهوم مطلقا فضلا عن مفهوم اللقب ~~فاستدلاله على أبي حنيفة أبعد من استدلاله على مالك بسبب أن مالكا قال ~~بالمفهوم من حيث الجملة وأما أبو حنيفة فلا فهذا هو الفرق بين القاعدتين ~~والتنبيه عليه بالمثل. # (الفرق الثاني والستون بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما ~~إذا لم يخرج مخرج الغالب) # فإنه إن لم يخرج مخرج الغالب كان حجة عند القائلين بالمفهوم وإذا خرج ~~مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعا وضابطه أن يكون الوصف الذي وقع به التقييد ~~غالبا على تلك الحقيقة وموجودا معها في أكثر صورها فإذا لم يكن موجودا معها ~~في أكثر صورها فهو المفهوم الذي هو حجة، وسر الفرق بينهما أن الوصف إذا كان ~~غالبا على الحقيقة يصير بينها وبينه لزوم في الذهن فإذا استحضر المتكلم ~~الحقيقة ليحكم عليها حضر معها ذلك الوصف الغالب؛ لأنه من لوازمها فإذا حضر ~~في ذهنه نطق به؛ لأنه حاضر في ذهنه فعبر عن جميع ما وجده في ذهنه لا أنه ~~قصد بالنطق به نفي الحكم عن صورة # PageV02P038 # عدمه بل الحال تضطره للنطق به أما إذا لم يكن غالبا ~~على الحقيقة لا يلزمها في الذهن فلا يلزم من استحضار الحقيقة المحكوم عليها ~~حضوره فيكون المتكلم حينئذ له غرض في النطق به وإحضاره مع الحقيقة ولم يكن ~~مضطرا لذلك بسبب الحضور في الذهن، وإذا كان له غرض فيه وسلب الحكم عن ~~المسكوت عنه يصلح أن يكون غرضه فحملناه عليه حتى لا يصرح بخلافه؛ لأنه ~~المتبادر للذهن من التقييد وهذا هو الفرق بين القاعدتين وسر انعقاد الإجماع ~~على عدم اعتباره وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام من الشافعية - رحمه ~~الله - يورد على هذا سؤالا فيقول الوصف الغالب أولى أن يكون حجة مما ليس ~~بغالب. # وما انعقد عليه الإجماع يقتضي الحال فيه العكس بسبب أن الوصف إذا خرج ms250 ~~مخرج الغالب وكانت العادة شاهدة بثبوت ذلك الوصف لتلك الحقيقة يكون المتكلم ~~مستغنيا عن ذكره للسامع بدليل أن العادة كافية في إفهام السامع ذلك فلو ~~أخبره بثبوت ذلك الوصف لكان ذلك تحصيلا للحاصل أما إذا لم يكن غالبا فإنه ~~لا دليل على ثبوته لتلك الحقيقة من جهة العادة فيتجه أن المتكلم بخبره به ~~لعدم دليل يدل على ثبوته لتلك الحقيقة وهو حينئذ يفيده فائدة جديدة وغير ~~مفيد له في الوصف الغالب الذي دلت عليه العادة، وإذا كان في الغالب غير ~~مفيد بإخباره عن ثبوته للحقيقة فيتعين أنه إنما نطق به لقصد آخر غير ~~الإخبار عن ثبوته للحقيقة وهو سلب الحكم عن المسكوت عنه وهذا الغرض لا ~~يتعين إذا لم يكن غالبا؛ لأنه غرضه حينئذ يكون الإخبار عن ثبوته للحقيقة لا ~~سلب الحكم عن المسكوت عنه فظهر أن الوصف الغالب على الحقيقة أولى أن يكون ~~حجة # PageV02P039 # وهو سؤال حسن متجه غير أنه عارضنا فيه ما تقدم من ~~تقدير كونه حجة وهو أنه اضطر للنطق به بخلاف غير الغالب وأورد لك ثلاث ~~مسائل توضح لك القاعدتين والفرق بينهما. # (المسألة الأولى) قوله - عليه السلام - «في الغنم السائمة الزكاة» أو ~~«زكوا عن الغنم السائمة» استدل به الشافعية على عدم وجوب الزكاة في ~~المعلوفة ولا دليل فيه لوجهين الأول أنه خرج مخرج الغالب فيكون من المفهوم ~~الذي ليس حجة إجماعا؛ لأن السوم يغلب على الغنم في أقطار الدنيا لا سيما في ~~الحجاز لعزة العلف هنالك والاستدلال بما ليس حجة إجماعا لا يستقيم الثاني ~~أن هذا مفهوم وإن سلم أنه حجة فهو معارض بالمنطوق وهو قوله - عليه السلام - ~~«في كل أربعين شاة شاة» فهذا الاستدلال باطل. # (المسألة الثانية) قوله - عليه السلام - «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير ~~إذن وليها فنكاحها باطل» مفهومه أنه إذا أذن لها وليها صح نكاحها وهذا ~~المفهوم ملغي بسبب أن الغالب أنها لا تنكح نفسها في مجرى العادة إلا ووليها ~~غير آذن بل غير عالم فصار عدم إذن الولي غالبا في العادة على ms251 تزويجها ~~لنفسها فالتقييد به تقييد بما هو غالب فلا يكون حجة. # (المسألة الثالثة) قوله تعالى {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: ~~31] ومفهومه أنكم إذا لم تخشوا الإملاق لا يحرم عليكم القتل وهو مفهوم ملغي ~~إجماعا بسبب أنه قد غلب في العادة أن الإنسان لا يقتل ولده إلا لضرورة وأمر ~~قاهر؛ لأن حنة الأبوة مانعة من قتله فتقييد القتل بخشية الإملاق تقييد له ~~بوصف هو كان الغالب عليهم في القتل في ذلك الوقت فكانوا لا يقتلون إلا خوف ~~الفقر أو الفضيحة في البنات وهو الوأد الذي صرح به في الكتاب العزيز في ~~قوله {وإذا الموءودة سئلت} [التكوير: 8] والوأد الثقل فإنهم كانوا يدفنونهن ~~أحياء فيمتن من غم التراب وثقله، ومنه قوله تعالى {ولا يئوده حفظهما وهو ~~العلي العظيم} [البقرة: 255] أي لا يثقله وعلى هذا القانون اعتبر المفهوم ~~الغالب من غيره # PageV02P040 # الفرق الثالث والستون بين قاعدة حصر المبتدأ في خبره: ~~وهو معرفة أو ظرف أو مجرور وبين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو نكرة. # اعلم أن المبتدأ يجب انحصاره في خبره مطلقا كان معرفة أو نكرة بسبب أن ~~خبر المبتدأ لا يجوز أن يكون أخص بل مساويا أو أعم فالمساوي نحو: الإنسان ~~ناطق، والأعم نحو: الإنسان حيوان، والعشرة عدد أو زوج هذا شأن الخبر ولو ~~قلت الحيوان إنسان أو العدد عشرة لم يصح والمبتدأ على هذا يجب أن يكون ~~مساويا إن كان الخبر مساويا أو أخص إن كان الخبر أعم # PageV02P041 # وإذا وجب للمبتدأ أن يكون مساويا أو أخص في جميع ~~الصور كان الحصر لازما في جميع الصور؛ لأن المساوي منحصر في مساويه والأخص ~~منحصر في الأعم فالإنسان كما هو منحصر في الناطق منحصر في الحيوان فلا يوجد ~~في غيره فهذا برهان عقلي قطعي في وجوب انحصار المبتدأ في خبره ومع ذلك فقد ~~فرق العلماء بين قولنا زيد قائم لم يجعلوه للحصر وبين قولنا زيد القائم ~~فجعلوه للحصر فكيف صح من العلماء مخالفة الدليل القاطع في المبتدأ إذا كان ~~خبره نكرة. # والجواب عن هذا ms252 السؤال أن الحصر حصران حصر يقتضي نفي النقيض فقط وحصر ~~يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الإطلاق فهذا الحصر ~~الثاني هو الذي نفاه العلماء عن الخبر إذا كان نكرة، وأما الحصر الأول فلم ~~يتعرضوا له. # وبيان ذلك أنك إذا قلت: زيد قائم فزيد منحصر في مفهوم قائم لا يخرج عنه ~~إلى نقيضه لكن قولنا قائم مطلق في القيام فهي موجبة جزئية في وقت واحد ~~فنقيضه إنما هو السالبة الدائمة وهو أن لا يكون زيد قائما دائما لا في ~~الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال ومعلوم أن هذا النقيض منفي إذا صدق ~~قولنا زيد قائم في وقت كذا فكذلك جميع الأخبار التي هي نكرات فالحصر ثابت ~~بحسب النقيض لا بحسب غيره فإذا صدق مفهوم الحصر باعتبار النقيض صدق الخبر ~~ولم يخالف الدليل العقلي # PageV02P042 # ولا يلزم من عدم الاتصاف بالنقيض عدم الاتصاف بالضد ~~والخلاف فجاز أن يكون مع كونه قائما جالسا في وقت آخر ونحوه ومن الأضداد ~~وحيا وفقيها وعابدا في جميع الأوقات وكذلك كل وصف هو خلاف أو ضد فجميع ذلك ~~يجوز ثبوته. # وأما النقيض فلا سبيل للاتصاف به ألبتة فالحصر باعتباره لا باعتبار غيره ~~هذا في النكرات وأما غير النكرات فأذكر فيه سبع مسائل توضحه وتبين الفرق. # (المسألة الأولى) قوله - عليه السلام - في الصلاة تحريمها التكبير ~~وتحليلها التسليم استدل به العلماء على انحصار سبب تحريمها في التكبير وسبب ~~تحليلها في التسليم فلا يدخل في حرمات الصلاة إلا بالتكبير ولا يخرج من ~~حرماتها إلى حلها إلا بالتسليم فهذا خبر معرف بالألف واللام اقتضى الحصر في ~~التكبير دون نقيضه الذي هو عدم التكبير وضده الذي هو الهزل واللعب والنوم ~~والجنون وخلافه الذي هو الخشوع والتعظيم، فأي شيء فعل من هذه الأضداد ~~والخلافات ولم يفعل التكبير لم يدخل في حرمات الصلاة وكذلك تحليلها التسليم ~~يقتضي الحصر في التسليم دون نقيضه الذي هو عدم التسليم وضده الذي هو النوم ~~والإغماء وخلافه الذي هو الحدث وغير ذلك من التعظيم والإجلال ms253 وغيرهما فلا ~~يخرج من حل الصلاة إلى حرماتها إلا بالتسليم فقط. # ونعني بالحرمات تحريم الكلام والأكل والشرب وغير ذلك مما يحرم في الصلاة ~~ونعني بحلها إباحة جميع ما حرم بالصلاة فإن قلت فهو يخرج من الصلاة بالضد ~~الذي هو النوم والجنون والإغماء وبالخلاف الذي هو الحدث ونعني بالضد ما لا ~~يمكن اجتماعه معه وبالخلاف ما يمكن اجتماعه معه قلت ليس مرادنا بالخروج من ~~حرمات الصلاة إلى حلها بطلان الصلاة كيف كان إنما مرادنا بذلك الخروج على ~~وجه الإباحة الشرعية والخروج # PageV02P043 # عن العهدة فمن أراد أن يخرج على هذا الوجه فلا سبب له ~~إلا السلام المشروع والخروج على غير هذا الوجه ليس مرادنا فإن قلت السلام ~~إذا وقع في أثناء الصلاة يخرج من حرماتها ومع ذلك فلا إباحة ولا براءة ذمة ~~قلت إنما أخرج السلام من حرمات الصلاة في أثنائها؛ لأنه كلام ليس بمشروع ~~كما لو تكلم في أثناء الصلاة فهو كسبق الحدث وغيره ومن المبطلات وإخراجه في ~~أثناء الصلاة ليس من باب إخراجه في آخر الصلاة والحصر إنما تعرض له صاحب ~~الشرع من الوجه الثاني دون الأول فاندفع السؤال، وهذا الجواب على مذهب ابن ~~نافع من أصحابنا فإنه يرى أن السلام على وجه السهو لا يبطل الصلاة ولا ~~يحتاج في الرجوع إلى تكبير وهو مذهب الشافعي فجعل السلام في أثناء الصلاة ~~كالكلام في أثناء الصلاة والكلام على وجه السهو في أثناء الصلاة لا يبطلها، ~~وكذلك السلام سهوا وهذا هو الذي يتجه ومن جهة النظر. # وأما الحديث فإنه أريد به السلام المأذون فيه في آخر الصلاة أما سهو ~~السلام وعمده في أثناء الصلاة فلم يرد ولا يفهم من قوله - عليه السلام - ~~مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم إلا التكبير الأول ~~المشروع سببا للدخول في الصلاة والسلام الذي هو في آخرها المشروع سببا في ~~الخروج منها لا سيما ولفظ السلام خبر معناه الدعاء بالسلامة والدعاء لا ~~يقدح في الصلاة لا سهوا ولا عمدا فالقول بكونه إذا وقع في أثناء الصلاة ~~محوج ms254 لتكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة وأنه مخرج منها مطلقا مشكل فإن قلت ~~النية المقترنة به تقتضي رفض الصلاة ورفض الصلاة يقتضي إبطالها فذلك أحوج ~~للتكبير ولأن جنسه مبطل للصلاة إجماعا وقع في أجزائها ويلحق بذلك الفرد ~~بقية صوره بالقياس أو نقول اللام فيه للعموم فيشمل صورة النزاع. # قلت السلام قد يقع مع نية الخروج من الصلاة وقد لا يقع فإن المذهب على ~~قولين في اشتراط النية فيه فإن لم تكن معه نية فلا كلام وإن وقعت فليست ~~رفضا؛ لأن الرفض هو قصد إبطال الصلاة ولم يقصد إبطالها إنما اعتقد أن صلاته ~~كملت فأتى بنية الخروج من الصلاة وهذا ليس رفضا وعن الثاني أن السلام كونه ~~مخرجا من الصلاة غير معقول المعنى ولا يناسب لفظ هو دعاء الخروج من الصلاة ~~وإنما يناسب في ذلك ما ينافيها والدعاء لا ينافي الصلاة فإذا لم يكن معقول ~~المعنى امتنع القياس؛ لأن القياس بلا جامع لا يصح فإن قلت هو قياس الشبه لا ~~قياس المعنى قلت قياس الشبه ضعيف وقد منع القاضي شيخ الأصوليين أنه حجة ~~سلمنا صحته لكن الفرق أنه في أثناء الصلاة معارض فالمقتضى لا كمال الصلاة ~~الذي يقتضي المداومة عليها وفي آخر الصلاة وهو سالم عن هذا المعارض ~~فافترقا،. # وأما التمسك بالعموم فالجواب عنه أن قرينة السياق تدل على أن اللام ههنا ~~إنما أريد بها حقيقة الجنس الذي هو القدر المشترك لا العموم؛ لأن ما ذكر ~~معه من الطهور المحلى باللام إنما أريد به الفرد المقارن للأول فقط # PageV02P044 # فكذلك التكبير لا يدخل فيه إلا بالمقارن الأول والذي ~~في أثناء الصلاة منه لا يدخل به في حرمات الصلاة فكذلك يحمل السلام على ~~المقارن لآخر الصلاة تسوية بينه وبين ما قرن معه ولأنه المتبادر للذهن ولو ~~كان السلام في أثناء الصلاة يحوج للتكبير ويخرج من حرمات الصلاة لبطل ما ~~مضى من الصلاة وابتدئت من أولها ولم يقل به مالك في السهو ألبتة فلما لم ~~تعد الصلاة من أولها دل على أن المصلي في حرمات ms255 الصلاة وبالجملة فما أجد ~~مشهور مذهب مالك في أن السلام سهوا محوج للتكبير إلا مشكلا والمتجه مذهب ~~الشافعي. # (المسألة الثانية) قوله - عليه السلام - ذكاة الجنين ذكاة أمه يقتضي حصر ~~ذكاة الجنين في ذكاة أمه فلا يحوج إلى ذكاة أخرى ومعنى الكلام أن ذكاة ~~الجنين تغني عنها ذكاة أمه فإن قلت فذكاة الجنين هي الذبح الخاص في حلقه ~~هذا هو الحقيقة اللغوية فجعل هذه الذكاة عين ذكاة أمه إنما يصدق حينئذ على ~~سبيل المجاز كقولنا أبو يوسف أبو حنيفة والأصل عدم المجاز وهو خلاف الظاهر ~~فكيف يقال: إن هذا اللفظ بوضعه يقتضي أن عين ذكاة الجنين هي عين ذكاة أمه؟ # قلت: سؤال حسن والجواب عنه يحتاج إلى جودة ذهن وفكر في فهمه بسبب النظر ~~في قاعدة وهي أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال فالإضافة تكفي فيها ~~أدنى ملابسة ويكون ذلك حقيقة لغوية كقولنا صوم رمضان وحج البيت فنضيف الصوم ~~لرمضان والحج للبيت فتكون إضافة حقيقة ولو أسندنا الفعل فقلنا صام رمضان ~~بأن يجعل الشهر هو الفاعل أو البيت يحج لم يصدق ذلك حقيقة وينفر منه سمع ~~السامع فكذلك ينبغي هاهنا أن يفرق بين ذكيت الجنين وبين ذكاة الجنين فذكيت ~~الجنين لا يصدق إلا إذا قطع منه موضع الذكاة وذكاة # PageV02P045 # الجنين تصدق بأيسر ملابسة، وأحد طرق الملابسة أن ذكاة ~~أمه تبيحه فمن هذا الوجه صار بينه وبين ذكاة أمه ملابسة تصدق أنها ذكاته ~~فيكون على التقدير ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازا وهذا هو مقتضى قول ~~النحاة عن العرب فإنهم قالوا يكفي في الإضافة أدنى ملابسة كقول أحد حاملي ~~الخشبة للآخر شل طرفك فجعل طرف الخشبة طرفا له بسبب الملابسة وأنشدوا: # إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة # فأضاف الكوكب إليها؛ لأنها كانت تقوم لشغلها عند طلوعه وإذا استقريت ذلك ~~وجدته كثيرا على وجه الحقيقة فصح ما ذكرنا من إضافة الذكاة للجنين وأن ~~الحديث يقتضي الحصر واستغنى الجنين عن الذكاة بسبب ذكاة أمه. # واعلم أن هذا الحديث يروى بالرفع في الذكاة الثانية ms256 وبالنصب فتمسك ~~المالكية والشافعية براوية الرفع على استغناء الجنين عن الذكاة وتمسك ~~الحنفية برواية النصب على احتياجه للذكاة وأنه لا يؤكل بذكاة أمه والتقدير ~~عندهم ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف المضاف مع بقية الكلام ~~وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه وهو القاعدة في حذف المضاف. # والجواب عما تمسك به الحنفية من هذه الرواية أن هاهنا تقديرا آخر وهو أن ~~يكون التقدير ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فحذف حرف الجر فانتصبت الذكاة ~~على أنها مفعول كقولك دخلت الدار ويكون المحذوف أقل مما قدره الحنفية ويكون ~~في هذا التقدير جمع بين الروايتين فيكون أولى من التعارض والتنافي بينهما ~~فيرجح بقلة المحذوف والجمع لا يبقى لهم فيه مستند على الروايتين ويكون حجة ~~عليهم # PageV02P046 # (المسألة الثالثة) قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~الشفعة فيما لم يقسم يقتضي حصر الشفعة الذي هو قابل للقسمة ولم يقسم بعد ~~والخبر هاهنا ليس معرفة بل مجرورا وتقدير الخبر الشفعة مستحقة فيما لم يقسم ~~وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «الأعمال بالنيات» يقتضي حصر الأعمال ~~المعتبرة في النيات وتقدير الكلام الأعمال معتبرة بالنيات فالعمل بغير نية ~~لا يعتبر شرعا كما أن طلب الشفعة فيما لا يقبل القسمة لا يعتبر شرعا. # (المسألة الرابعة) قوله تعالى {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] تقديره ~~زمان الحج أشهر معلومات فيكون وقت الحج محصورا في هذه الأشهر وهي شوال وذو ~~القعدة وذو الحجة وهو الميقات الزماني وهل هذا الحصر باعتبار الأجزاء وهو ~~مذهب الشافعي فلا يحرم بالحج قبله أو باعتبار الفضيلة وهو مذهب مالك فيكره ~~الإحرام قبله فإن وقع صح قولان. # (المسألة الخامسة) قال الغزالي إذا قلت صديقي زيد أو زيد صديقي اختلف ~~الحكم في زيد فالأول يقتضي حصر أصدقائك في زيد فلا تصادق أنت غيره وهو يجوز ~~أن يصادق غيرك والثاني يقتضي حصره في صداقتك فلا يجوز أن يصادق غيرك وأنت ~~يجوز أن تصادق غيره على عكس الأول. # (المسألة السادسة) قال الإمام فخر الدين في كتاب الإعجاز له الألف واللام ~~قد ms257 ترد لحصر الثاني في الأول كقولك زيد القائم أي لا قائم إلا زيد فيحصر ~~وصف القيام وكذلك إذا قلت: أبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أي الخلافة بعده - عليه السلام - منحصرة في أبي بكر ومنه ~~زيد الناقل لهذا الخبر والمتسبب في هذه القضية فالثاني أبدا منحصر في الأول ~~بخلاف قاعدة الحصر أبدا الأول منحصر في الثاني. # (المسألة السابعة) إذا قلت السفر يوم الجمعة فهم منه الحصر في هذا الظرف ~~وأنه لا يقع في يوم الخميس ولا في غيره من الأيام وكذلك هذا النوع من الخبر ~~فقد اتضح لك الحصر للمبتدأ في خبره مع التعريف والظرف والمجرور بخلاف قولنا ~~زيد قائم وعمرو خارج. # PageV02P047 # (الفرق الرابع والستون بين قاعدة التشبيه في الدعاء ~~وبين قاعدة التشبيه في الخبر) والفرق بينهما أن التشبيه في الخبر يصح في ~~الماضي والحال والمستقبل فتشبه ما وقع لك أمس بما وقع أمس لشخص آخر وتشبه ~~ما وقع لك اليوم بما وقع لغيرك اليوم وتشبه ما يقع لك غدا بما يقع لغيرك ~~غدا وكل ذلك حقيقة ولا يقع التشبيه في الدعاء إلا في المستقبل خاصة بسبب أن ~~عشرة ألفاظ في كلام العرب لا تتعلق إلا بمستقبل وهي الأمر والنهي والدعاء ~~والشرط والجزاء والوعد والوعيد والترجي والتمني والإباحة فلا يؤمر إلا ~~بمعدوم مستقبل ولا ينهى إلا عن معدوم مستقبل ولا يدعى إلا بمعدوم مستقبل ~~وكذلك البواقي وإذا كانت هذه الألفاظ لا تتناول إلا المعدوم المستقبل فمتى ~~وقع التشبيه في باب من هذه الأبواب بين لفظين دعاء أو أمر أو نهي أو واحد ~~مما ذكر معها إنما يقع في أمرين مستقبلين معدومين لم يوجدا بعد. # وباعتبار الفرق بين هاتين القاعدتين ظهرت فائدة عظيمة ذلك أن الشيخ عز ~~الدين بن عبد السلام كان يورد سؤالا في قوله - عليه السلام - «قولوا اللهم ~~صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ms258 في العالمين إنك ~~حميد مجيد» فيقول كيف وقع التشبيه بين الصلاة على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والصلاة على إبراهيم - عليه السلام - مع أن الصلاة من الله تعالى هي ~~إعطاؤه وإحسانه وعطية النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت أعظم من عطية الله ~~لإبراهيم - عليه السلام - والتشبيه يقتضي أن يكون المشبه أدنى رتبة من ~~المشبه به أو مساويا فكيف وقع هذا التشبيه وكان يجيب عن هذا السؤال بأن آل ~~إبراهيم - عليه السلام - أنبياء وآل النبي - عليه السلام - ليسوا أنبياء ~~والتشبيه إنما وقع بين المجموع الحاصل # PageV02P048 # للنبي - عليه السلام - وآله والمجموع الحاصل لإبراهيم ~~- عليه السلام - وآله فيحصل؛ لآل إبراهيم - عليه السلام - من تلك العطية ~~أكثر مما يحصل لآل النبي - عليه السلام - من هذه العطية فيكون الفاضل للنبي ~~- عليه السلام - بعد أخذ آله من هذه العطية أكثر من الفاضل لإبراهيم - عليه ~~السلام - من تلك العطية وإذا كانت عطية النبي - عليه السلام - أعظم كان ~~أفضل فاندفع السؤال فجعل التشبيه في الدعاء كالتشبيه في الخبر وليس الأمر ~~كذلك بل إنما وقع التشبيه بين عطية تحصل للنبي - عليه السلام - لم تكن حصلت ~~له قبل الدعاء فإن الدعاء إنما يتعلق بالمعدوم المستقبل وحينئذ يكون الذي ~~حصل للنبي - عليه السلام - قبل الدعاء لم يدخل في التشبيه وهو الذي فضل به ~~إبراهيم - عليه السلام - فهما صلوات الله عليهما كرجلين أعطي لأحدهما ألف ~~وللآخر ألفان ثم طلب لصاحب الألفين مثل ما أعطي لصاحب الألف فيحصل له ثلاثة ~~آلاف والآخر ألف فقط فلا يرد السؤال من أصله؛ لأن التشبيه وقع في دعاء لا ~~في خبر نعم لو قيل إن العطية التي حصلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مثل العطية التي حصلت لإبراهيم - عليه السلام - لزم الإشكال لكون التشبيه ~~وقع في الخبر لكن التشبيه ما وقع إلا في الدعاء فتأمل الفرق بين ذلك واضبط ~~القاعدة والفرق يندفع لك بهما أسئلة كثيرة وإشكالات عظيمة # PageV02P049 # (الفرق الخامس والستون بين قاعدة ما يثاب عليه من ~~الواجبات وبين قاعدة ما لا يثاب عليه منها وإن ms259 وقع ذلك واجبا) اعلم أن ~~المأمورات قسمان ما صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كأداء الديون ورد ~~الغصوب ودفع الودائع ونفقات الزوجات والأقارب والدواب ونحو ذلك صورة هذا ~~الفعل تحصل مقصودة وإن لم يحصل به التقرب فإذا فعل ذلك من غير قصد ولا نية ~~وقع ذلك واجبا مجزئا ولا يلزم فيه الإعادة ولا ثواب فيه حتى ينوي به امتثال ~~أمر الله تعالى فإن فعله غير قاصد امتثال أمر الله تعالى ولا عالم به لم ~~يحصل له ثواب وإن سد الفعل مسده ووقع واجبا ومن هذا الباب النية لا يقصد ~~بها التقرب وتقع واجبة ولا تفتقر إلى نية أخرى وكذلك النظر الأول أفضى إلى ~~العلم بإثبات الصانع لا يثاب عليه؛ لأنه لا يقصد به التقرب # PageV02P050 # والقسم الآخر لا يقع واجبا إلا مع النية والقصد ~~كالصلاة والصيام والحج والطهارات وجميع أنواع العبادات التي يشترط فيها ~~النيات فهذا القسم إذا وقع بغير نية لا يعتد به ولا يقع واجبا ولا يثاب ~~عليه وإذا وقع منويا على الوجه المشروع كان قابلا للثواب وهو سبب شرعي له ~~من حيث الجملة غير أن هاهنا قاعدة وهي أن القبول غير الإجزاء وغير الفعل ~~الصحيح فالمجزئ من الأفعال هو ما اجتمعت شرائطه وأركانه وانتفت موانعه فهذا ~~يبرئ الذمة بغير خلاف ويكون فاعله مطيعا بريء الذمة فهذا أمر لازم مجمع ~~عليه، وأما الثواب عليه فالمحققون على عدم لزومه وأن الله تعالى قد يبرئ ~~الذمة بالفعل ولا يثيب عليه في بعض الصور وهذا هو معنى القبول ويدل على ذلك ~~أمور أحدها: # قوله تعالى حكاية عن ابني آدم {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: ~~27] لما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر مع أن قربانه كان ~~على وفق الأمر ويدل عليه أن أخاه علل عدم القبول بعدم التقوى ولو أن الفعل ~~مختل في نفسه لقال له إنما يتقبل الله العمل الصحيح الصالح؛ لأن هذا هو ~~السبب القريب لعدم القبول فحيث عدل عنه دل ذلك على أن الفعل كان صحيحا ms260 ~~مجزئا وإنما انتفى القبول لأجل انتفاء التقوى فدل ذلك على أن العمل المجزئ ~~قد لا يقبل وإن برئت الذمة به وصح في نفسه # PageV02P051 # وثانيها قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل - ~~عليهما السلام - {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل ~~منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] فسؤالهما القبول في فعلهما مع ~~أنهما صلوات الله عليهما وسلامه لا يفعلان إلا فعلا صحيحا يدل على أن ~~القبول غير لازم من الفعل الصحيح ولذلك دعوا به لأنفسهما. # وثالثها: الحديث الصحيح خرجه مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال «أما من أسلم وأحسن في إسلامه فإنه يجزى بعمله في الجاهلية والإسلام» ~~فاشترط في الجزاء الذي هو الثواب أن يحسن في الإسلام والإحسان في الإسلام ~~هو التقوى وهو يرد على من قال في قوله تعالى {إنما يتقبل الله من المتقين} ~~[المائدة: 27] أن المراد المؤمنون؛ لأنه - عليه السلام - صرح بالإسلام ثم ~~ذكر الإحسان فيه. # ورابعها: قوله - عليه السلام - في الأضحية لما ذبحها «اللهم تقبل من محمد ~~وآل محمد» فسأل - عليه السلام - القبول مع أن فعله في الأضحية كان على وفق ~~الشريعة فدل ذلك على أن القبول # PageV02P052 # وراء براءة الذمة والإجزاء وإلا لما سأله - عليه ~~السلام - فإن سؤال تحصيل الحاصل لا يجوز. # وخامسها: أنه لم يزل صلحاء الأمة وخيارها يسألون الله تعالى القبول في ~~العمل ولو كان ذلك طلبا للصحة والإجزاء لكان هذا الدعاء إنما يحسن قبل ~~الشروع في العمل فيسأل الله تعالى تيسير الأركان والشرائط وانتفاء الموانع ~~أما بعد الجزم بوقوعها فلا يحسن ذلك فدلت هذه الوجوه على أن القبول غير ~~الإجزاء وغير الصحة وأنه الثواب. # وسادسها: قوله - عليه السلام - «إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها ~~وربعها وإن منها لما يلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها» فحمله ~~الصوفية وقليل من الفقهاء على عدم الإجزاء وأنه تجب الإعادة إذا غفل عن ~~صلاته لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل منها» ~~وحكى الغزالي الإجماع في إجزائها ms261 إذا علم عدد ركعاتها وأركانها وشرائطها ~~وإن كان غير مشتغل بالخشوع والإقبال عليها. # وقال أكثر الفقهاء إن المراد بالثلث وبالربع ونحوه الثواب لا الإجزاء ~~والصحة فظهر حينئذ أن القبول غير الإجزاء وأن بعض الواجبات يثاب عليها دون ~~بعض وهو المقصود من الفرق إذا تقرر الفرق فالظاهر أن وصف التقوى شرط في ~~القبول بعد الإجزاء والتقوى هاهنا ليس محمولا على المعنى اللغوي وهو مجرد ~~الاتقاء للمكروه من حيث الجملة فإن الفسقة في عرف الشرع لا يسمون أتقياء ~~ولا من المتقين ولو اعتبرنا المعنى اللغوي لقيل لهم ذلك بل التقوى في # PageV02P053 # عرف الشرع المبالغة في اجتناب المحرمات وفعل الواجبات ~~حتى يكون ذلك الغالب على الشخص، هذا هو الظاهر وإذا حصل هذا الوصف ينبغي أن ~~يعتقد أيضا أن القبول غير لازم بل المحل قابل له لحصول الشرط وأن القبول ~~مشروط بالتقوى ولا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط ويدل على أن المحل يبقى ~~قابلا للقبول من غير لزومه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا ~~بالقبول مع أنه سيد المتقين وكذلك إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - ~~والمدعو به لا بد وأن يكون بصدد الوقوع وعدمه؛ إذ لو تعين وقوعه لكان ذلك ~~طلبا لتحصيل الحاصل وهو غير جائز فتعين أن يكون الثواب يمكن حصوله وعدم ~~حصوله # PageV02P054 # وعلى هذه المدارك وهذه التقادير يكون قوله تعالى {من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] مشروطا بالتقوى فإن أمثال ~~العشر هي المثوبات ولا تحصل إلا للمتقين، وكذلك قوله - عليه السلام - «صلاة ~~في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام» فإن هذه الألف ~~والزائد عليها هي مثوبات تتضاعف، وقوله - عليه السلام - «صلاة في المسجد ~~الحرام خير من ألف صلاة في غيره وصلاة في بيت المقدس بستمائة صلاة» وقوله ~~تعالى {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] يقتضي ما تقدم من التقرير أن ~~يكون هذا كله مشروطا بالتقوى وقوله - عليه السلام - «صلاة الجماعة تفضل ~~صلاة الفذ بخمس أو سبع وعشرين درجة» فتأمل ذلك فإن هذه الظواهر كلها تقتضي ms262 ~~المثوبات مطلقا وما تقدم من التقدير يقتضي أنها لا تحصل إلا بالتقوى فيتعين ~~رد أحد الظاهرين إلى الآخر وأن يجمع بينهما على الوجه الأسد وقد بينت لك ~~وجه التعارض ووجه الجمع فتأمل ذلك فهو موضع صعب مشكل والذي رأيت عليه جماعة ~~من المحققين هو ما ذكرته لك فتأمله. # (الفرق السادس والستون بين قاعدة ما تعين وقته فيوصف فيه بالأداء وبعده ~~بالقضاء وبين قاعدة ما تعين وقته ولا يوصف فيه بالأداء ولا بعده بالقضاء ~~والتعيين في القسمين شرعي) # PageV02P055 # اعلم أن هذا الموضع وهذا الفرق لم أره لأحد من ~~العلماء فيم رأيته ولم يقع التصريح به فيما وجدته ولا التعريض بل التصريح ~~في حد الأداء والقضاء بضده في كتب الأصول والفروع فيقولون في حد الأداء هو ~~إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعا وفي حد القضاء هو إيقاع الواجب خارج ~~وقته المحدود له شرعا وهذان التفسيران باطلان بسبب أن الواجبات الفورية كرد ~~الغصوب والودائع إذا طلبت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقضية الحكام ~~إذا نهضت الحجاج كل ذلك واجب على الفور، ومع ذلك لا يقال لها إنها أداء إذا ~~وقعت في وقتها المحدود لها شرعا ولا قضاء إذا وقعت بعده فإن الشرع حدد لها ~~زمانا وهو زمان الوقوع فأوله أول زمان التكليف وآخره الفراغ منها بحسبها في ~~طولها وقصرها فزمانها محدود شرعا مع انتفاء الأداء والقضاء عنها في الوقت ~~وبعده. # وكذلك إنقاذ الغريق حدد له الشرع الزمان فأوله ما يلي زمن السقوط وآخره ~~الفراغ من علاجه بحسب حاله ولا يوصف بأنه أداء في الوقت ولا قضاء بعده مع ~~التحديد الشرعي، ومن ذلك الحج إذا قلنا: إنه على الفور فإن الشارع حدد له ~~زمانا من هذه السنة ولا يوصف بأنه قضاء بعد هذه السنة إذا أخرت هذه الحجة ~~ولا يلزم معها هدي القضاء، وكذلك إذا قلنا الأمر للفور فإن القاضي أبا بكر ~~- رحمه الله - قال لا بد من زمان للسماع وزمان للتأمل وتعرف معنى الخطاب ~~وفي الزمن الثالث يكون الفعل زمانيا وبالتأخير عنه ms263 يوصف المكلف بالمخالفة. # وقد حدد الشرع الزمان حينئذ أوله الزمن الثالث من زمن السماع وآخره ~~الفراغ من الفعل بحسبه وهذه النقوض كلها تبطل حد الأداء فإن حده يتناولها ~~وليست أداء فيكون غير مانع وإيقاعها بعد وقتها يتناوله حد القضاء وليست ~~قضاء فيكون غير جامع فحينئذ تتعين العناية بتحرير الفرق وتحرير هذه الضوابط ~~والحدود حتى يتضح الحق في ذلك وهو أن نقول الأداء هو إيقاع الواجب في وقته ~~المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقت بالأمر الأول والقضاء إيقاع ~~الواجب خارج وقته المحدود له شرعا لأجل مصلحة فيه بالأمر الثاني فقوله في ~~وقته احتراز من القضاء، وقولنا: " المحدود له " احتراز من المغيا بجميع ~~العمر، وقولنا: " شرعا " احتراز مما يحده أهل العرف، وقولنا: " لمصلحة ~~اشتمل عليها الوقت " احتراز من تلك النقوض كلها، وتحريره أنا نعتقد أن الله ~~تعالى إنما عين شهر رمضان لمصلحة يشتمل عليها دون غيره طردا لقاعدة الشرع ~~في رعاية # المصالح # على سبيل التفضل فإنا إذا لاحظنا الشرائع وجدناها مصالح في الأغلب أدركنا ~~ذلك وخفي علينا في الأقل فقلنا ذلك الأقل من جنس ذلك الأكثر كما لو جرت ~~عادة ملك بأن لا يخلع الأخضر إلا على الفقهاء فإذا رأينا من خلع عليه ~~الأخضر ولا نعلم قلنا هو فقيه طردا لقاعدة ذلك الملك وكذلك نعتقد فيما لم ~~نطلع فيه على مفسدة ولا مصلحة # PageV02P056 # أنه مصلحة إن كان في جانب الأمر وفيه مفسدة إن كان في ~~جانب النواهي طردا لقاعدة الشرع في رعاية المصالح والمفاسد على سبيل التفضل ~~لا على سبيل الوجوب العقلي كما تقوله المعتزلة، وكذا نقول في أوقات الصلوات ~~إنها مشتملة على مصالح لا نعلمها وكذلك كل تعبدي ومعناه أن فيه مصلحة لا ~~نعلمها فحينئذ تتعين أوقات العبادات # لمصالح فيها # ، وتعيين الفوريات ليس كذلك بل تبع للمأمورات وطريان الأسباب فالغريق لو ~~تأخر سقوطه في البحر تأخر الزمان أو تعجل تعجل الزمان فتأمل ذلك. # وكذلك الحج تابع للاستطاعة فلو تأخرت تأخرت السنة أو تقدمت تقدمت السنة ~~فصار تعيين الوقت تابعا للاستطاعة ms264 لا لمصلحة فيه، وكذلك نقول: إن الفور ~~تعين الوقت إذا قلنا الأمر على الفور تابع لورود الصيغة فإن تقدمت تقدم ~~الوقت أو تأخرت تأخر الوقت وكذلك أقضية الحكام الوقت تابع لنهوض الحجاج ~~فتتعين حينئذ وكذلك رد المغصوب وبقية النقوض قد اتضح لك التخريج في ذلك ~~وظهر الفرق بينهما وبين أوقات العبادات فإنها متعينة لمصالح فيها ولولاها ~~لما تعين بعد الزوال دون ما قبله ولا رمضان دون بقية شهور السنة إذا اتضح ~~لك الفرق فقوله في الحد لمصلحة اشتمل عليها الوقت احتراز من تعيين الوقت ~~لمصلحة المأمور والتبعية لطريان الأسباب. # واتجه أيضا حد القضاء بذلك لما قلنا إنه إيقاع الواجب خارج وقته المحدود ~~له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقت فلا يكون الفعل موصوفا بالقضاء إلا إذا ~~وقع خارج وقته المحدود لمصلحة فيه، وقولنا في القضاء بالأمر الثاني احتراز ~~من نقض وهو أن الله تعالى جعل لقضاء رمضان جملة السنة كلها التي تلي شهر ~~الأداء فهو واجب وقع في وقته المحدود له شرعا وليس أداء فخرج بقولنا بالأمر ~~الأول أن القضاء وجب بأمر جديد ودخل في حد القضاء ولم يخرج منه بقولنا ~~بالأمر الثاني وسبب اندراجه في حد الأداء أن الله تعالى عين السنة لمصلحة ~~تختص بها لا نعلمها فالسنة كأوقات الصلوات ليست تابعة لغيرها بخلاف سنة ~~الحج تابعة للاستطاعة فإن قلت وسنة القضاء أيضا تابعة لترك الصوم قلت مسلم ~~لكن هذا وقت حدد طرفاه وجعل واجبا موسعا بخلاف الحج. # ولما ترتب رمضان من بين سائر الشهور للأداء رتب ما بعده للقضاء إلى شعبان ~~في أصل الشريعة معينا في حق كل مكلف بخلاف الحج لم يعين له إلا ما كان عقيب ~~الاستطاعة وهي تختلف باختلاف الناس وسنة القضاء لا تختلف باختلاف الناس ~~فهذا هو الفرق فإن قلت ما ذكرته لا يتم لاتفاق الناس على أن الحج يوصف ~~بالقضاء مع خروجه عما ذكرته من التحديد فيقولون في الحج بعد الحجة الفاسدة ~~قضاء ويقولون إن النوافل تقضى وليس لها وقت محدود بالتفسير الذي ذكرته ms265 فعند ~~الشافعي يقضى ما له سبب وعند مالك وأبي حنيفة ما شرع فيه من الطاعات وأبطله ~~على تفصيل # PageV02P057 # عند الإمامين مذكور في كتب الفروع للفريقين فقد ~~اتفقوا على القضاء في النوافل ويقولون المأموم فيما فاته هل يكون قاضيا أم ~~بانيا خلاف بين العلماء في تعيين القضاء لا في أنه يسمى قضاء لو وقع فاتفق ~~الكل على أنه لو فعل ما فاته من المغرب جهرا لكان قضاء اتفاقا إنما الخلاف ~~هل حكم الله تعالى ذلك أم لا قال الله تعالى {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض} [الجمعة: 10] مع أن صلاة المأموم وقضاء صلاة الجمعة في الوقت فبطل ~~بهذه الأنواع حد الأداء وحد القضاء قلت القضاء في اصطلاح حملة الشريعة لفظ ~~مشترك يطلق على ثلاث معان: أحدهما إيقاع الواجب خارج وقته على ما تقدم ~~تحديده، وثانيها: إيقاع الواجب بعد تعيينه بالشروع ومنه حجة القضاء ومنه ~~قضاء النوافل إذا شرع فيها وهذا مغاير للقسم الأول؛ لأن مفهوم قولنا خارج ~~وقته مخالف لقولنا بعد تعينه بالشروع فإن بعدية الوقت غير بعدية الشروع، ~~وثالثها: ما وقع على خلاف وضعه في الشريعة مع قطع النظر عن الوقت والتعيين ~~بالشروع، ومنه قضاء المأموم؛ لأن الركعتين الأخيرتين من العشاء إذا صليتا ~~جهرا فهذا خلاف الوضع الشرعي فإن وضع الشريعة تقدم الجهر على السر فتأخيره ~~خلاف الوضع الشرعي فهذه ثلاثة معان في الاصطلاح ويلحق بها قسم رابع عند ~~الشافعي ومن قال بقوله: إن السنن تقضى لتقدم أسبابها لا للشروع فيها فيكون ~~مفسرا عنده أيضا بإيقاع الفعل بعد تقدم سببه فهذه أربعة اصطلاحية. # وأما قوله تعالى {فإذا قضيت الصلاة} [الجمعة: 10] فذلك وضع لغوي لا ~~اصطلاحي فيقال قضي الفعل إذا فعل كيف كان فقضى بمعنى فعل وهذا غير ما نحن ~~فيه وحينئذ يصير لفظ القضاء يطلق باعتبار اللغة والاصطلاح على خمسة معان ~~مختلفة أربعة منها اصطلاحية وواحد لغوي واللفظ إذا كان مشتركا بين معان ~~مختلفة وحددنا بعض تلك المعاني لا يرد علينا غيره من تلك المعاني نقضا ولا ~~سؤالا كما إذا ms266 حددنا العين بمعنى الحدقة بأنها عضو يتأتى به الإبصار فيقول ~~السائل ينتقض عليك بعين الماء وبالذهب وغير ذلك مما يسمى عينا فلا يسمع هذا ~~السؤال فإن الحقائق المختلفة أن تكون حدودها مختلفة فحينئذ لا يرد علينا ~~حقيقة من تلك الحقائق الأربعة على تحديدنا القضاء بالموقع خارج الوقت؛ ~~لأنها معان مختلفة فاندفعت الأسئلة التي وردت من هذا الباب واستقام حد ~~القضاء وحد الأداء وظهر حينئذ الفرق بين قاعدة ما تعين وقته فيوصف بالأداء ~~والقضاء وبين قاعدة ما لا يتعين وقته فلا يوصف لا بالأداء ولا بالقضاء. # (فائدة) العبادات ثلاثة أقسام: منها ما يوصف بالأداء والقضاء كالصلوات ~~الخمس ورمضان، ومنها ما لا يوصف بهما كالنوافل إلا بذلك التفسير الآخر الذي ~~تقدم تحريره، ومنها ما يوصف بالأداء فقط كالجمعة. # فائدة: اتضح بما تحرر أن المكلف إذا غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر ~~الوقت ثم عاش أن الفعل يكون منه أداء # PageV02P058 # لأن تعيين الوقت لم تكن المصلحة فيه بل تبع للظن ~~الكاذب وقيل هو قضاء قولان للقاضي والغزالي رحمهما الله. # (الفرق السابع والستون بين قاعدة الأداء الذي يثبت معه الإثم وبين قاعدة ~~الأداء الذي لا يثبت معه الإثم) اعلم أن هذا الفرق قد أشكل على جماعة من ~~الفقهاء واستشكلوا كيف تكون العبادة أداء وفاعلها آثم وسر الفرق في ذلك أن ~~الله سبحانه وتعالى جعل أرباب الأعذار يدركون الظهر والعصر عند غروب الشمس ~~بإدراك وقت يسع خمس ركعات بعد الطهارة واتفق الناس على أن ما خرج وقته قبل ~~زوال العذر لا يلزم أرباب الأعذار فدل لزوم الصلاتين لهم عند غروب الشمس ~~على بقاء وقتها ولما كان الأداء كما تقدم إيقاع الواجب في وقته المحدود له ~~شرعا كما تقدم تحريره لزم أن يكون الظهر والعصر أداء في حق كل أحد إلى غروب ~~الشمس؛ لأنا لما حددنا الأداء لم نحده بالنسبة للفاعلين وإنما حددناه ~~بالنسبة إلى العبادة خاصة مع قطع النظر عن الفاعل من هو هل هو ذو عذر أم ~~لا. # ولم يتعرض أحد في ms267 حد الأداء والقضاء لأحوال المكلف في حدهما بل للعبادة ~~فقط فصار الأداء والقضاء تابعا لكون العبادة في وقتها أم لا فكان الظهر ~~أداء إلى غروب الشمس بناء على صدق حد الأداء عليه ولما كان الشرع قد منع ~~المكلف الذي لا عذر له من تأخير العبادات إلى آخر الوقت مطلقا بل عليه أن ~~يوقع في آخر فسمي الوقت وهو من أول الزوال إلى آخر القامة ويبقى من آخر ~~القامة إلى غروب الشمس هو من الوقت باعتبار حد الأداء، وغير المعذور ممنوع ~~منه فإذا أخر الفعل إليه وأوقعه فيه كان مؤديا آثما أما أداؤه فلصدق حد ~~الأداء. # وأما ثمة فلتأخيره عن الحد الذي حدد له من الوقت ولصاحب الشرع أن يحدد ~~للعبادة وقتا ويجعل نصفه الأول لطائفة ونصفه الآخر لطائفة أخرى فتأثم ~~الأولى بتعديها لغير وقتها ألا ترى أن القامة وقت أداء بلا خلاف لصلاة ~~الظهر من حيث الجملة ومع ذلك لو غلب على ظن طائفة أنها لا تعيش إلى آخر ~~القامة بل لنصفها جعل صاحب # PageV02P059 # الشرع نصف القامة وقتا لهؤلاء خاصة دون غيرهم والنصف ~~الآخر من القامة ليس وقتا لهم كذلك هاهنا وقت الظهر إلى غروب الشمس وحجر ~~صاحب الشرع على المختارين الوصول إليه وحدد لهم آخر القامة فإذا تعدوا ~~القامة كانوا مؤدين آثمين فكذلك القول في المغرب أداء إلى طلوع الفجر بسبب ~~أن أرباب الأعذار يدركون صلاتي الليل إلى طلوع الفجر والإجماع منعقد على أن ~~ما خرج وقته لا يلزم أرباب الأعذار ألا ترى أنهم يدركون المغرب والعشاء ~~بإدراك أربع ركعات قبل الفجر ولا يلزم بذلك صلاة النهار المتقدم بسبب أن ~~وقته خرج بغروب الشمس. # فإذا أخر أيضا المكلف المختار المغرب أو العشاء إلى طلوع الفجر كان مؤديا ~~آثما أما أداؤه فلوجود الأداء في حقه. # وأما إثمه فلأن الله تعالى خصصه بقطعة من الوقت فتعداها لنصيب غيره منه ~~وإنما كان يلزم الإشكال في الجمع بين الأداء والإثم أن لو كان حد الأداء ~~إيقاع الواجب في وقته الاختياري له فكان حينئذ ms268 إيقاعه في غير الاختياري ~~قضاء لكن حد الأداء إيقاع الواجب في وقته مطلقا والقضاء إيقاعه خارج وقته ~~مطلقا ولم نقل إنه خارج وقته الاختياري وكتب أصول الفقه مجمعة على ذلك ~~ومصرحة به فظهر إمكان اجتماع الأداء والإثم في حق من حجر عليه في بعض الوقت ~~وعدم اجتماع الإثم مع الأداء في حق من لم يحجر عليه في شيء من # PageV02P060 # الوقت كما يجتمع الأداء والإثم فيمن أخر إلى آخر ~~القامة وهو كان يعتقد أنه لا يتمكن من إيقاع الفعل آخر القامة فقدر وأخر ~~وصلى فإنه مؤد آثم ويجتمع في حقه الأداء على الخلاف والإثم إجماعا وإنما ~~وقع الخلاف في اجتماعهما آخر النهار وعند طلوع الفجر فمذهب ابن القاسم ~~اجتماعهما ومذهب غيره عدم اجتماعهما فعلى هذا يجتمع الإثم والأداء في حق ~~فريقين من الناس أحدهما المختارون الذين لا عذر لهم إذا أخروا إلى غروب ~~الشمس أو بعد القامة ومن حيث الجملة أو أخروا المغرب والعشاء إلى بعد ثلث ~~الليل أو نصفه على الخلاف في آخر وقت العشاء هل هو ثلث الليل أو نصفه وهل ~~تؤخر المغرب إلى الشفق أم لا وثانيهما الفرق الذي يغلب على ظنهم عدم المكنة ~~في آخر الوقت الاختياري فيؤخرون إلى آخره فإنهم آثمون مع الأداء إذا فعلوا ~~آخر الوقت الاختياري في القامة للظهر مثلا ونحوه من الأوقات الاختيارية ~~وتحرر بهذا الفرق زوال ما استشكله الشافعية علينا من الجمع بين الأداء ~~والإثم فإنهم قائلون به في الفريق الثاني فكذلك يلزمهم في الفريق الأول # PageV02P061 # ويتضح مذهبنا اتضاحا جيدا وأنا لم نخالف قاعدة بل ~~مشينا على القواعد ويلزم الشافعية إشكال لا جواب لهم عنه وهو أن يكون حدهم ~~الأداء والقضاء في كتبهم الأصولية باطلا؛ لأنهم أطلقوا القول فيها وليس ~~مطلقا على ما زعموا بل يتعين أن يكون الأداء في كتبهم إيقاع العبادة في ~~وقتها الاختياري والقضاء إيقاع العبادة خارج وقتها الاختياري أصل لكنهم في ~~كتب الأصول لم يصنعوا ذلك. # (الفرق الثامن والستون بين قاعدة الواجب الموسع وبين قاعدة ما قيل به ms269 من ~~وجوب الصوم على الحائض) قد اختلف العلماء - رضي الله عنهم - في وجوب الصوم ~~على الحائض في زمن الحيض مع اتفاقهم على عدم صحة الصوم ولو أوقعته حينئذ ~~وعلى أنها آثمة إذا فعلت فقال القاضي عبد الوهاب من المالكية ووافقه جماعة ~~إن الحيض يمنع من صحة الصوم دون وجوبه ويمنع من صحة الصلاة ووجوبها # PageV02P062 # وقالت الحنفية يجب عليها الصوم وجوبا موسعا يشيرون ~~بهذه التوسعة إلى عدم تحتم الصوم في زمن الحيض حتى لا يجتمع الوجوب والإثم ~~في الفعل فإن الواجب لا يمنع وهذه تمنع من فعله فلا يتصور الوجوب في حقها ~~واحتج الحنفية ومن قال بقولهم بوجوب الصوم عليها بوجوه أحدها قوله تعالى ~~{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وهي شهدت الشهر فيلزمها الصوم ~~لعموم النص وثانيها أنها تنوي رمضان ولولا تقدم الوجوب لما كان لهذا الصوم ~~برمضان تعلق وثالثها أن القضاء يقدر بقدر الأداء الفائت فأشبه قيم المتلفات ~~القائمة مقام الأعيان المتلفة فكذلك هذا القضاء يقوم مقام الواجب الذي فات ~~فلو لم يجب شيء متقدم لم يكن شيء يقوم هذا القضاء مقامه. # والجواب عن الأول أن عموم النص يجب تخصيصه بالدليل الضروري فإن حقيقة ~~الواجب ما لا يمنع من فعله وهذه ممنوعة من الفعل ولما كانت ممنوعة من ذلك ~~دل ذلك على عدم الوجوب عليها بالضرورة وكيف يمكن أن يقال إن صاحب الشرع ~~أوجب على مكلف شيئا ويعاقبه إن لم يفعله ومع ذلك فهو يعاقبه إذا فعل أو لم ~~يفعل. # وهذا لم يعهد في الشريعة أصلا ونحن وإن جوزناه على الله تعالى من باب ~~تكليف ما لا يطاق فنحن نقطع بأن الشريعة لم ترد بهذا الجائز بل بالرحمة ~~وترك المشاق والتيسير والإحسان ولذلك قال - عليه السلام - «بعثت بالحنيفية ~~السمحة» وإذا كان هذا معلوم النفي بالضرورة من الشريعة المحمدية كان ذلك من ~~أعظم أدلة التخصيص فيتخصص به عموم الآية بالضرورة فلا يستقيم التمسك بها # PageV02P063 # وعن الثاني أنها إنما تنوي رمضان بسبب أن هذا الصوم ~~ليس تطوعا ولا واجبا ابتداء ولا ms270 بسبب حدث الآن ولا نذرا ولا كفارة بل من ~~نوع آخر من الصوم غير الأنواع المعهودة في الشريعة فيحتاج إلى نية تميزه عن ~~بقية الأنواع؛ لأن النية إنما شرعت لتمييز العبادات عن العادات ولتمييز ~~مراتب العبادات وسبب هذا الصوم هو الترك في رمضان فأضيف لسببه ليتميز عن ~~غيره لا؛ لأن الوجوب تقدم بل جعل صاحب الشرع رؤية هلال رمضان سببا لوجوب ~~الصوم على المختارين الذين لا مانع في حقهم وسببا لجعل ترك كل يوم سببا ~~لوجوب فعل يوم آخر بعد # PageV02P064 # رمضان فرؤية الهلال سبب لسببية ترك الصوم ونصب الترك ~~سببا لا يقتضي وجوب الإيقاع فيه بل لو صرح الشارع هكذا. # وقال جعلت ترك رمضان عند رؤية الهلال سببا لوجوب مثله خارج رمضان ولا يجب ~~الفعل في رمضان لم يكن ذلك متناقضا، ألا ترى أن الصبي والمجنون إذا ترك ~~إخراج قيم المتلفات من أموالهم في زمن الصبا والجنون يكون ذلك الترك سببا ~~لوجوب دفع القيم بعد زوال الصبا والجنون ويكلفون ح بالغرامات من أموالهم في ~~ذممهم مع أنه لم يتقدم عليهم وجوب قبل ذلك وصار الترك سببا للتكليف بعد ~~زوال العذر كذلك هاهنا جعل الترك سببا للوجوب بعد زوال العذر مع عدم ~~التكليف في زمان الترك ويضاف هذا الصوم لذلك الترك ليتميز عن غيره كما تضاف ~~القيمة للإتلاف في زمان الصبا أو الجنون ليتميز هذا المال المدفوع عن غيره ~~من الديون والواجبات ومن النفقات وغيرها من # PageV02P065 # الأموال المتنوعة في الدفع وعن الثالث أن القضاء إنما ~~قدر بقدر المتروك من الصوم؛ لأن صاحب الشرع جعل ترك كل يوم سببا لوجوب صوم ~~يوم بعد رمضان كما قدرت قيم المتلفات بعد البلوغ لزوال الجنون بحسب قدر ~~المتلفات مع انعقاد الإجماع على عدم الوجوب في زمان الصبا والجنون، وكذلك ~~هاهنا والحق أنه لا يجب على الحائض شيء من الصوم؛ لأن أقل رتب الواجب أن ~~يؤذن في فعله وهذا لم يؤذن لها في فعله فلا يجب عليها ما لم يؤذن لها فيه، ~~وأما قول الحنفية إنه ms271 واجب موسع فهو في بادي الرأي يظهر أنه لا يلزمهم ~~محذور لعدم التضييق وعند التحقيق يبطل ما قالوه بسبب أن الواجب الموسع من ~~شرطه إمكان وقوعه في أول أزمنة التوسعة وهذه ممنوعة إجماعا إلى زمن الطهر ~~في جميع زمن الحيض فلا يصح في حقها أنه واجب موسع. # ولو صح ما قالوه لصح أن يقال إن الظهر يجب من طلوع الشمس وجوبا موسعا ~~فإنها تفعل بعد الزوال كما تفعل في الصوم بعد زوال العذر ويصح أن يقال إن ~~رمضان يجب من رجب وجوبا موسعا ويفعل بعد انسلاخ شعبان كما يفعل الصوم بعد ~~زوال العذر ولكن هذا كله خلاف الإجماع فلا يصح ما قالوه من الواجب الموسع ~~ويتضح حينئذ الفرق بين الواجب الموسع وبين صوم الحائض أن الواجب الموسع ~~يمكن فعله في أول أزمنة التوسعة وهذه # PageV02P066 # لا يمكن أن تفعل في أول زمن الحيض ولا يكون زمن الحيض ~~من أزمنة التوسعة لها فإن أرادوا بأنه واجب وجوبا موسعا إنه يجب بعد زوال ~~العذر فقط فهذا مجمع عليه فلا يصرحون بالخلاف في المسألة ويقولون إن هذا ~~مذهب يختصون به فظهر الحق واتضح الفرق بفضل الله تعالى. # (الفرق التاسع والستون بين قاعدة الواجب الكلي وبين قاعدة الكلي الواجب ~~فيه وبه وعليه وعنده ومنه ومثله وإليه) فهذه عشر قواعد في الكلي الذي يتعلق ~~به الوجوب خاصة وهي عشر قواعد كلها يتعلق فيها الوجوب بالكلي دون الجزئي ~~وهي متباينة الحقائق مختلفة المثل والأحكام فأذكر كل قاعدة على حيالها ~~ليظهر الفرق بينهما وبين غيرها. # اعلم أن خطاب الشرع قد يتعلق بجزئي كوجوب التوجه إلى خصوص الكعبة الحرام ~~والإيمان بالنبي المعين والتصديق بالرسالة المخصوصة كالقرآن وقد لا يعين ~~متعلق التكليف بل يجعله دائرا بين أفراد جنس ويكون متعلق الخطاب هو القدر ~~المشترك بين أفراد ذلك الجنس دون خصوص كل واحد من تلك الأفراد وهو المقصود ~~في هذا الفرق وهو المنقسم إلى عشرة أجناس كما يأتي إن بيانه شاء الله عز ~~وجل. # القاعدة الأولى: الواجب الكلي هذا هو الواجب ms272 المخير في خصال الكفارة في ~~اليمين وحيث قيل به فالواجب هو أحد الخصال وهو مفهوم مشترك بينها لصدقه على ~~كل واحد منهما والصادق على أشياء مشترك بينها # PageV02P067 # وهذا القدر المشترك هو متعلق خمسة أحكام: الحكم ~~الأول: الوجوب فلا وجوب إلا فيه والخصوصات التي هي العتق والكسوة والإطعام ~~متعلق التخيير من غير إيجاب والمشترك هو متعلق الوجوب ولا تخيير فيه فلم ~~يخير الله المكلف بين فعل أحدها وبين ترك هذا المفهوم، فإن ترك هذا المفهوم ~~إنما هو بترك جميعها ولم يقل به أحد بل مفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك ~~بينهما متعين للفعل متحتم الإيقاع فالمشترك متعلق الوجوب ولا تخيير فيه ~~والخصوصات متعلق التخيير ولا وجوب فيها فالواجب واجب من غير تخيير والمخير ~~فيه مخير فيه من غير إيجاب الحكم الثاني المتعلق بهذا القدر المشترك الثواب ~~على تقدير الفعل فإذا فعل الجميع أو بعضه لا يثاب ثواب الواجب إلا على ~~القدر المشترك وما وقع معه يثاب عليه ثواب الندب أو لا يثاب عليه بحسب ما ~~يختاره إن اختار أفضلها حصل له ثواب الندب على ذلك الخصوص. # وإن اختار أدناها إن كان بينها تفاوت أو إحداها وليس بينها تفاوت فلا ~~ثواب في الخصوص # PageV02P068 # أما ثواب الوجوب فلا يتعلق إلا بالمشترك خاصة فإن ~~القاعدة أن متعلق الوجوب ومتعلق ثوابه يجب أن يتحدا أما إنه يجب شيء ويفعل ~~ويثاب ثواب الواجب على غيره فلا الحكم الثالث العقاب على تقدير الترك يجب ~~أن يكون على القدر المشترك الذي هو مفهوم أحدها فإذا تركه فقد ترك الجميع ~~وتركه لا يتأتى إلا بترك الجميع فإنه إذا ترك البعض وفعل البعض فقد فعل ~~المشترك وهو مفهوم أحدها؛ لأنه في ضمن المعين فيستحق حينئذ العقاب على تركه ~~إذا تركه ترك الجميع؛ لأن متعلق الوجوب يجب أن يكون متعلق العقاب على تقدير ~~الترك ومتعلق الثواب على تقدير الفعل # PageV02P069 # ولا وجه لمن قال إنه إذا فعل الجميع أثيب ثواب الواجب ~~على أكثرها ثوابا وإذا ترك الجميع عوقب على ترك أدونها عقابا ms273 فإن أكثرها ~~ثوابا لو أثيب عليه ثواب الواجب لكان هو الواجب ولتعين الواجب ولم يكن ~~الواجب أحدها لا بعينه فكان يبطل معنى التخيير والتقدير ثبوته. # وأما أدونها عقابا فهو قريب من قولنا إنه يعاقب على القدر المشترك؛ لأنه ~~لا أقل من المشترك ولكن تشخيصه في خصلة معينة له فيقال هذا أقلها عقابا له ~~وهي متعلق العقاب على تقدير الترك يقتضي أنها هي بعينها متعلق الوجوب فيبطل ~~معنى التخيير والتقدير ثبوته هذا خلف بل التصريح بالقدر المشترك في ذلك هو ~~الصواب # PageV02P070 # الحكم الرابع المتعلق بالقدر المشترك براءة الذمة فلا ~~تبرأ إلا بالقدر المشترك الذي هو مفهوم أحدها فإذا فعل الجميع أو شيئا ~~معينا منها إنما تبرأ ذمته من ذلك بالقدر المشترك؛ لأن الواجب هو سبب براءة ~~الذمة من الواجب إذا وقع بعينه ولا تبرأ الذمة من الواجب بشيء غيره ألبتة ~~ولذلك نقول فيمن صلى الظهر إنما برأت ذمته بالقدر المشترك بين صلاته هذه ~~وجميع صلوات الناس وهو مفهوم الظهر من حيث هو ظهر أما خصوص هذا الظهر وهو ~~كونه واقعا في البقعة المعينة وعلى الهيئة المعينة فلا مدخل له في براءة ~~الذمة؛ لأنه لم يدخل في الوجوب وكذلك من صام رمضان إنما تبرأ ذمته من صوم ~~رمضان بما في # PageV02P071 # صومه من القدر المشترك بين صومه هذا وبين صوم عامة ~~الناس وهو مفهوم شهر رمضان. # أما خصوص هذا الشهر فلا مدخل له في البراءة كما أنه لا مدخل له في الوجوب ~~فكونه صامه المكلف في البلد المعين أو وهو يأكل الغذاء المعين وغير ذلك من ~~خصوصات ساقط عن الاعتبار في البراءة والوجوب والثواب والعقاب على تقدير ~~الترك وكذلك جميع هذا الباب إنما المعتبر فيه القدر المشترك. # الحكم الخامس: النية فلا ينوي المكلف إيقاعه بنية الوجوب وأداء الفرض إلا ~~القدر المشترك فهو المنوي فقط دون الخصوصات فإذا أعتق في الواجب المخير لا ~~ينوي براءة ذمته ولا فعل الواجب بالعتق من حيث هو عتق بل لكون العتق أحد ~~الخصال فقط، وكذلك إذا جمع بين ms274 العتق والكسوة والإطعام لا ينوي فعل الواجب ~~إلا بما في المجموع # PageV02P072 # من القدر المشترك الذي هو أحد الخصال دون الخصوصيات ~~وكذلك إذا فعل واجبا مطلقا في ضمن معين إنما ينوي ذلك المطلق الذي هو في ~~ضمن المعين فمن صلى الظهر مثلا ينوي مفهوم صلاة الظهر الذي هو قدر مشترك ~~بين صلاته وصلاة غيره فيه تبرأ ذمته وهو الذي يتعين عليه نيته فهذه الأحكام ~~الخمسة هي متعلقة بالقدر المشترك دون الخصوصات وهذا هو الحق الذي يندفع به ~~جميع الشكوك والأسئلة عن هذه المسألة. # فإن قلت القدر المشترك كلي والكلي لا يمكن دخوله في الوجود الخارجي إنما ~~يقع الكلي في الذهن دون الخارج وجميع ما يقع في الخارج إنما هو جزئي أما ~~الكلي فلا يوجد إلا في الذهن وما لا يقع في الخارج لا يجب فعله في الخارج ~~وإلا لزم تكليف ما لا يطاق وإذا لم يكن متعلق الوجوب بطل كونه متعلق الثواب ~~أو العقاب أو البراءة أو النية قلت المشتركات والكليات لا تقع في الأعيان ~~مجردة عن المشخصات والمعينات بل ذلك إنما يوجد في الأذهان. # وأما وقوعها في ضمن المعينات فحق فمن أعتق الرقبة المعينة فقد أعتق رقبة ~~مطلقة ومن أخرج الشاة المعينة في الزكاة فقد أخرج شاة مطلقة في ضمن تلك ~~المعينة # PageV02P073 # ويدل من حيث العقل على وجود المطلقات في الخارج في ~~ضمن المعينات إن الله تعالى خلق مفهوم الإنسان بالضرورة في الخارج فهو في ~~الخارج إما وحده فقد وجد مطلق الإنسان في الخارج وإما أن يكون في الخارج مع ~~قيد ومتى وجد مع قيد فقد وجد؛ لأن الموجود مع غيره موجود بالضرورة فمطلق ~~الإنسان في الخارج بالضرورة، وكذلك القول في جميع الأجناس التي نجزم بأن ~~الله تعالى خلقها ومن قال بأن الله تعالى ما خلق الأجناس من الجماد والنبات ~~والحيوان فقد خالف الضرورة وكذلك أيضا يصح أن يقال إن زيد إنسان في الخارج ~~بالضرورة ونجد الفرق بين هذا # PageV02P074 # الخبر وبين قولنا زيد في الخارج بالضرورة وأن الأول ~~مفيد دون ms275 الثاني وكذلك نقول هذا السواد المعين سواد وندرك الفرق بينه وبين ~~قولنا المعين معين ويدرك الإنسان من نفسه أنه ثبت له مفهوم الجسم ومفهوم ~~الحيوان ومفهوم الإنسان ومفهوم الممكن ومفهوم المخلوق وجميع هذه الكليات ~~المشتركة يجزم كل عاقل بثبوتها له بالضرورة من غير عكس فجحد كون الكليات ~~والمشتركات موجودة في الخارج في ضمن المعينات خلاف الضرورة فهذا هو تلخيص ~~قاعدة الكلي الواجب وبه يظهر الفرق بينه وبين ما بعده من الكليات. # (القاعدة الثانية) الواجب فيه وهذا هو الواجب الموسع فإذا أوجب الله ~~تعالى الظهر من أول القامة إلى آخرها فقد اختلف العلماء فيه على سبعة مذاهب ~~وتحريرها أن القائل قائلان قائل بالوجوب الموسع وقائل بجحده والأولون لهم ~~قولان: أحدهما أنه يفتقر إلى العزم إذا تأخر والآخر أنه لا يفتقر ولا يجب ~~العزم فهذان قولان والقائلون بجحده منهم # PageV02P075 # بعض الشافعية قال يتعلق الوجوب بأول الوقت معتمدا على ~~أن الوجوب مع جواز التأخير متنافيان والأصل ترتب المسبب على سببه والزوال ~~سبب فيكون الوجوب الذي هو مسببه أول الوقت وما يقع بعد ذلك قضاء يسد مسد ~~الأداء فهذا مستنده ويرد عليه أن الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء من غير ~~ضرورة خلاف قواعد الشرع نعم يجوز الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء لضرورة ~~السفر أو المرض كما في رمضان أو غيره من العبادات التي يجوز ترك أدائها ~~للقضاء لأجل العذر أما لغير عذر فغير معهود في الشريعة وأخفق الناس كلهم ~~على جواز تأخير الصلاة عن أول الوقت فهذا مستند هذا المذهب وما عليه من ~~القول المذهب الثاني لبعض الحنفية أن الوجوب متعلق بآخر الوقت ومستنده أنا ~~نستدل بثبوت خصيصة الشيء على ثبوته وبعدم خصيصة الشيء على عدمه. # ومن خصائص الوجوب العقاب على تقدير الترك ووجدنا هذه الخصيصة منتفية في ~~غير آخر الوقت فقلنا بنفي الوجوب في غير آخر الوقت ووجدناها آخر الوقت ~~فقلنا بالوجوب في آخر الوقت وإن وقع الفعل قبل ذلك كان نفلا يسد مسد الفرض ~~ويرد عليه أن إجزاء ما ليس ms276 بواجب عن الواجب خلاف القواعد والمذهب الثالث ~~مذهب الكرخي أن الفعل موقوف إذا عجله المكلف فإن جاء آخر الوقت وفاعله ~~موصوف بصفات المكلفين كان فعله هذا واجبا فما أجزأ عن الواجب إلا واجب وإن ~~لم يكن موصوفا بصفات المكلفين كان نفلا؛ لأنه وقع قبل وقت الوجوب وسبب هذا ~~المذهب عند الكرخي أن من الحنفية من يقول يتعلق الوجوب بآخر الوقت ورأى ما ~~ورد على الحنفية من إجزاء النفل عن الفرض فاختار هذه الطريقة ويرد عليه أن ~~يكون الفعل حالة الإيقاع لا يوصف بكونه فرضا ولا نفلا ولا تتعين فيه نية ~~لأحدهما خلاف المعهود في القواعد. # والمذهب الرابع للحنفية أيضا أن المكلف إن عجل الفعل منع تعجيله من تعليق ~~الوجوب بآخر الوقت فلا يجزئ نفل عن فرض ولا يكون موقوفا بل ينوي به النفل ~~وإن لم يعجله كان آخر الوقت واجبا موصوفا بصفة الوجوب فلا يرد عليه ما ورد ~~على الكرخي ويرد عليه أن النبي - عليه السلام - وأصحابه - رضي الله عنهم - ~~لم يطيعوا الله تعالى بصلاة واجبة ولا أثيبوا ثواب الواجب على شيء منها ~~وذلك حظ عظيم يفوت عليهم لا سيما مع قوله - عليه السلام - عن ربه عز وجل ~~«ما تقرب إلي عبد أو أحد بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه» الحديث المشهور فثواب الواجبات هو أفضل المثوبات فالقول ~~بفواته عليهم محذور كبير. # المذهب الخامس حكاه سيف الدين في الأحكام أن # PageV02P076 # الوجوب متعلق بوقت الإيقاع أي وقت كان أوله أو وسطه ~~أو آخره فلا يلزم شيء من الإشكالات المتقدمة ويرد عليه أن شأن الوجوب أن ~~يكون متقدما على الفعل ويكون الفعل متأخرا عن الوجوب وتابعا، أما كون ~~الوجوب تابعا للفعل فغير معهود في الشريعة وعنده الوجوب في هذا الوقت وتحتم ~~الإيقاع فيه تابع للفعل فكان ذلك على خلاف القواعد فهذا هو مستند كل واحد ~~منها وما فيه من المخالفات للقواعد فلم يبق إلا القولان اللذان في التوسعة ~~والقول فيهما أن الوجوب في الخارج متعلق بالقدر ms277 المشترك بين أجزاء القامة ~~الكائنة بين طرفي القامة كالواجب المخير ومعنى ذلك أن صاحب الشرع قال صل ~~إما في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره فالواجب الصلاة في أحد هذه الأزمنة ~~وهو قدر مشترك بينهما كما أن الواجب في الموسع هو أحد الخصال فيكون الوجوب ~~مرتبا على الزوال في القدر المشترك ويجوز التأخير لبقاء المشترك ويبرأ ~~بالفعل أول الوقت لوجود المشترك فيه وأي وقت فعل فيه صادف المشترك فلا يلزم ~~تأخير المسبب عن سببه ولا أن الفعل بعد أول الوقت قضاء وأوله نفل ينوب مناب ~~الفرض ولا يلزم مخالفة قاعدة من تلك القواعد التي لزمت الأقوال الأول بل ~~تجتمع أسباب تلك القواعد كلها. # وهذا هو الحق غير أن أرباب هذا المذهب اختلفوا إذا قصد التأخير لوسط ~~الوقت أو آخره هل يجوز ذلك لغير بدل هو العزم؛ لأن الأمر ما دل إلا على ~~الصلاة، أما هذا العزم فلم يدل عليه دليل فوجب نفيه أو لا بد من العزم على ~~الفعل في بقية الوقت؛ لأن من أمره سيده فلم يفعل ولم يعزم على الفعل في ~~مستقبل الزمان يعد معرضا عن أمر سيده والإعراض عن الأمر حرام وما يندفع به ~~الحرام واجب فالعزم واجب واختار الغزالي طريقة وسطى وهي الفرق بين الغافل ~~عن الفعل والترك لا يجب عليه العزم وبين من خطر بباله الفعل والترك فهذا إن ~~لم يعزم على الفعل عزم على الترك بالضرورة فيجب عليه العزم على الفعل وهي ~~طريقة حسنة. # (فرع) مرتب إذا قلنا بالتوسعة فهل ذلك مشروط بسلامة العاقبة فإن مات قبل ~~الفعل فقد أخر مختارا يأثم وهو قول الشافعية أو لا يأثم؛ لأن صاحب الشرع ~~أذن له في التأخير فهو فعل ما أذن له فيه وفعل المأذون فيه لا إثم فيه ~~والأصل عدم اشتراط سلامة العاقبة وهو مذهب المالكية وهو الصحيح من جهة ~~النظر فهذا هو قاعدة الواجب فيه وهو القدر المشترك وهو كلي لا جزئي على ~~المذهبين الأخيرين. # القاعدة الثالثة الواجب به وهو سبب # PageV02P077 # وتقديره ms278 أن الله تعالى جعل مطلق زوال الشمس سبب وجوب ~~الظهر متى وجد في أي يوم كان وكذلك بقية أوقات الصلوات وجعل مطلق الإتلاف ~~سببا لوجوب الضمان ومطلق ملك النصاب موجبا لوجوب الزكاة أما خصوص كونها هذه ~~الدنانير أو تلك الدنانير فلا مدخل له في وجوب الزكاة، فلو قدر نصاب مكان ~~نصاب في ملك المزكي لم يختلف الحكم وكذلك إتلاف بدل إتلاف فالمنصوب سببا ~~إنما هو المطلق الذي هو قدر مشترك بين النصب والخصوصات ساقطة عن الاعتبار ~~في وجوب الزكاة وكذلك كل سبب يقتضي ثبوته الثبوت فهذا كله مشترك وهو واجب ~~به أي بسببه. # القاعدة الرابعة والواجب به وهو أداة يفعل بها فإن الباء كما تكون سببية ~~تكون للاستعانة نحو كتبت بالقلم ونجرت بالقدوم فالواجب به الذي هو أداة في ~~الشريعة له مثل أحدها الماء الذي يتوضأ به ويغتسل فإنه ليس سببا للوجوب بل ~~هو أداة يعمل بها الفعل وسبب الطهارة إنما هو الحدث، وكذلك التراب في ~~التيمم أداة وليس سببا وثانيها الثوب للسترة في الصلاة لم يوجب الله تعالى ~~السترة بثوب معين بل بمطلق الثوب الذي هو قدر مشترك بين جميع الثياب كما لم ~~يوجب الطهارة بماء معين بل بالقدر المشترك بين جميع المياه وكذلك نجيب عن ~~مغلطة عادتها تلقى على الطلبة فيقال الوضوء واجب ومن هذه الفسقية المعينة؛ ~~لأن الوضوء واجب بالإجماع وهو لا يجب من غيرها بالإجماع فتعينت هي وإلا ~~لبطل الوجوب وكذلك يقال السترة واجبة بهذا الثوب المعين؛ لأن السترة واجبة ~~بالإجماع وهي لا تجب بغير هذا الثوب المعين بالإجماع لجواز الاقتصار على ~~هذا الثوب فتعين هذا الثوب. # وعلى هذا المنوال تورد هذه الشبهات والجواب عنها واحد وهو أن الوجوب إنما ~~يتعلق بالقدر المشترك بين هذه الفسقية وغيرها، فإذا لم يكن غيرها واجبا ~~بالإجماع لا تتعين هي بل القدر المشترك بينها وبين غيرها لا هي ولا غيرها ~~وكذلك إذا لم تجب السترة بغير هذا الثوب لا يتعين هذا الثوب بل القدر ~~المشترك بينه وبين غيره لا هو ms279 ولا غيره بل الخصوصات كلها ساقطة عن ~~الاعتبار، وثالثها: الجمار في النسك أداة يعمل بها الواجب لا أنها سبب ~~الوجوب بل سبب الوجوب هو تعظيم البيت لقوله تعالى {ولله على الناس حج ~~البيت} [آل عمران: 97] ولتذكر قصة إبراهيم - عليه السلام - في ذبح ولده ~~وفدائه بالكبش # PageV02P078 # وأنه هرب منه فلحقه ورماه بالحجارة هناك فشرع رمي ~~الجمار لتذكر تلك الأحوال السنية والطواعية التامة والإنابة الجميلة ليقتدى ~~بهما في ذلك وعلى التقديرين فالجمار ليست سببا بل أداة يفعل بها الواجب ولم ~~يوجب الله تعالى منها شيئا معينا بل القدر المشترك بينها فأي حصاة أخذها ~~أجزأت وسدت المسد وخصوص كل واحدة منها ساقط عن الاعتبار والوجوب متعلق ~~بالقدر المشترك بينهما دون خصوصاتها، ورابعها: الضحايا والهدايا أدوات يفعل ~~بها الواجب وسبب الوجوب هو أيام النحر في الضحايا والتمتع ونحوه من أسباب ~~الهدي. # وأما هذه الأنعام فليست أسبابا للوجوب بل أدوات يفعل بها الواجب ولم يوجب ~~الله تعالى خصوص بدنة دون أخرى بل القدر المشترك بينهما هو المطلوب فأيها ~~فعل سد المسد ولا يفوت بفوات الخصوص مقصد شرعي مع الاستواء في الصفات كما ~~تقدم في الثواب والماء حرفا بحرف، وخامسها: الرقاب في العتق ليست أسبابا ~~للحكم بل السبب الظهار مثلا أو اليمين أو إفساد صوم رمضان عمدا أو القتل ~~فهذه هي الأسباب، وأما الرقاب فهي أدوات يفعل بها الواجب كالماء والسترة ~~ولم يوجب الله تعالى خصوص رقبة دون أخرى مع الاستواء في الصفات بل القدر ~~المشترك بينهما هو متعلق الوجوب وهو واجب به أداة لا واجب به سببا. # القاعدة الخامسة: الواجب عليه وهو المكلف في فرض الكفاية فإن مقتضى ~~الخطاب فيه التعلق بطائفة غير معينة بل هو بمطلق الطائفة الصالحة لا إيقاع ~~ذلك على الوجه الشرعي وإنما يتعلق الوجوب بالكل حتى لا يضيع الواجب وإلا ~~فالمقصود إنما هو طائفة غير معينة وأي طائفة فعلت سدت المسد كالثوب في ~~السترة والماء في الطهارة فالقدر المشترك في الطوائف واجب عليه؛ لأنه ~~المكلف والمكلف يجب عليه لا به ولا ms280 فيه، فإذا فعلت طائفة سقط عن البقية ~~لتحقق الفعل المشترك بينها وإذا ترك الجميع أثموا لتعطيل المشترك بينها عن ~~الفعل، وإذا لم يوجد إلا من يقوم بذلك الواجب تعين الفعل عينا لانحصار ~~المشترك فيه كآخر الوقت في الصلاة وتعذر غير الثوب الموجود في السترة حرفا ~~بحرف. # القاعدة السادسة: الواجب عنده وله مثل في الشريعة أحدها الشرط فإن الحول ~~إذا دار بعد ملك النصاب وجبت الزكاة لا بالشرط الذي هو دوران الحول بل ~~بالسبب الذي هو ملك النصاب ولكن أثر السبب إنما يظهر عند دوران الحول ~~فدوران الحول واجب عنده لا به ولم يختص حول معين بالوجوب عنده بل مطلق ~~الحول وهذه هي الحقيقة # PageV02P079 # اللغوية من الحول فمتى وجدت بعد ملك النصاب حصل ~~الوجوب عندها لا بها لا لخصوص ذلك الحول بل لمطلق الحول الموجب لحصول ~~التمكن من التنمية في النصاب فالمحصل لمقصود الشرع هو مطلق الحول لا خصوص ~~هذا الحول فالقدر المشترك بين جميع هذه الأحوال هو الواجب عنده كما أن ~~القدر المشترك بين النصب هو الواجب به وثانيها عدم المانع نحو عدم الدين في ~~الزكاة والحيض في الصلاة تجب الزكاة عنده بالسبب الذي هو ملك النصاب أو ~~زوال الشمس في الصلاة لا لعدم الدين ولا لعدم الحيض فعدم الدين والحيض واجب ~~عنده ولم يعتبر صاحب الشرع عدم خصوص دين دون دين ولا خصوص حيض دون حيض بل ~~مطلق الدين ومطلق الحيض فهذا المشترك واجب عنده، وثالثها: وجوب التيمم عند ~~عدم الماء فإن عدم الماء يجب عنده التيمم وليس هو سبب الوجوب؛ لأن سبب ~~الوجوب للصلاة أوقاتها وأسباب الطهارات الأحداث أما عدم الماء فليس سببا ~~لوجوب التيمم بل الحدث اقتضى إحدى الطهارتين على الترتيب فإن عدمت طهارة ~~الماء تعينت طهارة التراب فعدم الماء واجب عنده لا به ولم يلاحظ صاحب الشرع ~~عدم ماء معين بل عدم الماء الطهور الكافي للطهارة دون خصوص ماء فالقدر ~~المشترك هاهنا واجب عنده. # ورابعها: وجوب أكل الميتة عند عدم الطعام المباح إذا خاف الهلاك فيجب ms281 ~~عليه أكل الميتة لا لأن السبب عدم الطعام المباح بل السبب إحياء النفس وعدم ~~الطعام المباح واجب عنده؛ لأن إحياء النفس اقتضى أحد الغذاءين إما المباح ~~أو الميتة على الترتيب، فإذا تعذر المباح تعينت الميتة كاقتضاء الحدث إحدى ~~الطهارتين سواء بسواء ولم يلاحظ صاحب الشرع عدم طعام مباح بعينه بل مطلق ~~الطعام المباح الذي يصلح لإقامة البنية، وخامسها: عدم الخصلة الأولى من ~~الخصال المرتبة في الكفارة نحو كفارة الظهار فإن تعذر العتق يوجب الصيام ~~وعدم العتق ليس هو سبب الوجوب؛ لأن سبب الوجوب هو الظهار وعدم العتق واجب ~~عنده لا به ولم يلاحظ الشرع عدم رقبة معينة بل عدم مطلق الرقبة الصالحة ~~لبراءة الذمة من الظهار فهذه الأقسام كلها كلي مشترك ليس بجزئي والوجوب ~~فيها متعلق بالقدر المشترك من أفراده وهو كله واجب عنده. # القاعدة السابعة الكلي المشترك الواجب منه وله مثل في الشريعة أحدها ~~الجنس المخرج منه زكاة الإبل غنما في الخمس والعشرين # PageV02P080 # إبلا فيما فوقها فإن ذلك جنس كلي يجب الإخراج منه ولم ~~يلاحظ الشرع شاة معينة ولا حقة معينة مع استواء الصفات في الجنس المجزئ بل ~~القدر المشترك الكلي هو متعلق الحكم فقط وثانيها الجنس المخرج منه زكاة ~~النقدين، وهو النقدان أيضا يجب أن يخرج منهما مقدار ربع العشر زكاة عما ~~يملكه ولم يلاحظ الشرع خصوص دينار ولا درهم، وثالثها: الجنس المخرج منه ~~زكاة الفطر وهو الحب الذي غالب قوت أهل البلد منه يجب أن يخرج منه صاع عن ~~كل آدمي إلا من استثني في كتب الفقه، ورابعها: الجنس المخرج منه الكفارات ~~في الإطعام وهو الجنس الذي تخرج منه زكاة الفطر بعينه، وخامسها: الجنس ~~المخرج منه زكاة الحبوب والثمار يجب أن يخرج من ذلك الجنس مما في الملك أو ~~غيره بأن يحصله بشراء أو غيره ويخرج منه العشر عما ملكه من الحب أو الثمن ~~فهذه الخمسة كلها أجناس كلية ليست معينة يجب الإخراج منها ولم يلاحظ الشارع ~~فيها معينا بل الحكم الذي هو الوجوب متعلق بالقدر المشترك ms282 بين تلك ~~المعينات. # القاعدة الثامنة الواجب عنه وهو جنس المولى عليه يجب أن يخرج عن كل فرد ~~منه صاع في زكاة الفطر ولم يلاحظ الشارع خصوص شخص دون شخص بل مفهوم الإنسان ~~الموصوف بالصفات التي لأجلها تجب عنه زكاة الفطر كان ذلك المخرج عنه من ~~المحجور عليه بوصية أو حاكم أو ولي بقرابة أو زوجية أو رقيق فتعلق الحكم هو ~~القدر المشترك بين هذه الأجناس دون خصوص عبد معين أو زوجة معينة. # القاعدة التاسعة الواجب مثله وله مثالان: أحدهما جزاء الصيد في الحج فإنه ~~يجب إخراج مثل الصيد المقتول في الإحرام أو الحرم والمعتبر في ذلك مطلق ~~الغزال ومطلق بقر الوحش دون خصوص ظبي معين أو بقرة معينة بل الواجب منوط ~~بمطلق ذلك الجنس الكلي وخصوص كل صيد من كل جنس ساقط عن الاعتبار في الجزاء ~~فهذا الجنس الكلي هو الواجب مثله، وثانيهما: المتلف المثلي من المكيلات ~~والموزونات تجب غرامة مثله كمن أتلف قفيز قمح يجب عليه غرامة قفيز مثله أو ~~رطل زيت يجب عليه إخراج رطل زيت مثله مع قطع النظر عن خصوص ذلك الرطل الزيت ~~وتعينه بل المعتبر كونه زيتا موصوفا بصفة هي متعلق الأغراض نحو كونه زيتا ~~اتفاقا وزيت بزر كتان ونحو ذلك فهذا هو المعتبر في وجوب إخراج مثله حتى إن ~~أفراد الأرطال من الغلة الواحدة من الزيت سواء في الحكم والمعتبر القدر ~~المشترك بينهما دون خصوص رطل دون رطل، وكذلك المثليات المعتبر في الحكم ~~أجناسها وصفاتها العامة دون خصوص المعينات، فهذا جنس كلي هو الواجب مثله. # القاعدة العاشرة الواجب إليه وله مثل في الشريعة أحدها غروب الشمس في # PageV02P081 # الصوم يجب الصوم إليه والمعتبر من ذلك جنس الغروب من ~~كل يوم أما كونه غروب الشمس من يوم الجمعة أو غيرها فساقط عن الاعتبار في ~~نظر الشرع بل متى تحقق الغروب في أي يوم كأن سقط وجوب الصوم في نظر الشرع ~~وانتقل المكلف إلى تحريم الصوم لوجود مفهوم الغروب في أي يوم كان ولا عبرة ~~بخصوص الأيام ms283 فهذا جنس عام كلي يجب الفعل إليه وهو ملابسة ضد الأكل ~~والجماع. # وثانيها: هلال شوال يجب تتابع الصوم في الأيام إليه كما يجب إيصال الصوم ~~في كل يوم إلى غروب الشمس فمتعلق الحكم هو كونه هلال شوال أما كونه هذا ~~الهلال أو ذلك أو كونه من سنة ستين أو من سنة سبعين فلا عبرة به في هذا ~~الحكم بل مطلق هلال شوال كيف كان من أي سنة كان. # وثالثها: أواخر العدة والاستبراء والإحداد في عدة الوفاة يجب إيصال العدة ~~والاستبراء إلى تلك الغايات، وكذلك الإحداد مع قطع النظر عن كون تلك الغاية ~~من سنة معينة بل متعلق الحكم كونه كمال ثلاثة أشهر في عدة الطلاق أو أربعة ~~أشهر وعشرا في عدة الوفاة هذا هو المعتبر وما عداه لغو في هذا الحكم فهذه ~~أجناس عشرة اشتركت كلها في تعلق الوجوب بمعنى كلي واختص كل واحد منها بخصوص ~~كما تقدم ككونه فيه وبه وعنه ومنه وإليه وعليه وعنده وبه نجيب عن قول ~~القائل إذا كان الحكم في الأبواب كلها متعلقا بالقدر المشترك فليكن الكل ~~واجبا مخيرا فلم اختلفت الأسماء؟ فنجيب أن هذا القدر العام الذي هو تعلق ~~بالقدر المشترك قد حصل تحته أيضا أجناس كلية مشتركة بين أفرادها ولكل جنس ~~من هذه الأجناس خصوص عام مشترك فيه بين أفراد ذلك الجنس، والأصل إذا اختلفت ~~الحقائق الكلية أو الجزئية أن تختلف الأسماء لغة واصطلاحا حتى تحصل فائدة ~~التعبير عن خصوص كل حقيقة كانت جنسا أو شخصا فهذا تقرير هذا الفرق بين ~~قواعده العشرة. # (الفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة ~~اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها) هذا الفرق بالغ أبو حنيفة في ~~اعتباره حتى أثبت عقود الربا وإفادتها الملك في أصل المال الربوي ورد ~~الزائد فإذا باع درهما بدرهمين أوجب العقد درهما من الدرهمين ويرد الدرهم ~~الزائد وكذلك بقية الربويات وبالغ قبالته أحمد بن حنبل في إلغاء هذا الفرق ~~حتى أبطل الصلاة بالثوب المغصوب # PageV02P082 # والوضوء بالماء المسروق ms284 والذبح بالسكين المغصوبة وسوى ~~فيه بين موارد النهي وتوسط مالك والشافعي بين المذهبين فأوجبا الفساد في ~~بعض الفروع دون بعض، وأنا أذكر حجج الفريقين ثم أذيل بمسائل توضح الفرق. # احتج أبو حنيفة - رحمه الله - بأن النهي إذا كان في نفس الماهية كانت ~~المفسدة في نفس الماهية والمتضمن للمفسدة فاسد فإن النهي إنما يعتمد ~~المفاسد كما أن الأمر إنما يعتمد المصالح كالنهي عن بيع الخنزير والميتة ~~وبيع السفيه، وتحريره أن أركان العقد أربعة: عوضان وعاقدان فمتى وجدت ~~الأربعة من حيث الجملة سالمة عن النهي فقد وجدت الماهية المعتبرة شرعا ~~سالمة عن النهي فيكون النهي إنما تعلق بأمر خارج عنها ومتى انخرم واحد من ~~الأربعة فقد عدمت الماهية؛ لأن الماهية المركبة كما تعدم لعدم كل أجزائها ~~تعدم لعدم بعض أجزائها فإذا باع سفيه من سفيه خمرا بخنزير فجميع الأركان ~~معدومة فالماهية معدومة والنهي والفساد في نفس الماهية وإذا باع رشيد من ~~رشيد ثوبا بخنزير فقد فقد ركن من الأربعة وهو أحد العوضين فتكون الماهية ~~معدومة شرعا ولا فرق في ذلك بين واحد من الأربعة أو اثنين أو أكثر. # فإذا باع رشيد من رشيد فضة بفضة فالأركان الأربعة موجودة سالمة عن النهي ~~الشرعي فإذا كانت إحدى الفضتين أكثر فالكثرة وصف حصل لأحد العوضين فالوصف ~~متعلق النهي دون الماهية فهذا هو تحرير كون النهي في الماهية أو في أمر ~~خارج عنها وخرج على ذلك جميع عقود الربا وجميع ما هو من هذا الضابط على ما ~~ذكرته في المثال فمتى وجدت الأركان كلها وأجزاء الماهية فالنهي في الخارج ~~ومتى كان النهي في جزء من أجزاء الماهية أو في جميع أجزائها فالنهي في ~~الماهية إذا تقرر هذا قال أبو حنيفة أصل الماهية سالم عن المفسدة والنهي ~~إنما هو في الخارج عنها فلو قلنا بالفساد مطلقا لسوينا بين الماهية ~~المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد، ولو قلنا بالصحة مطلقا لسوينا بين ~~الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتها وذلك غير ~~جائز فإن التسوية بين ms285 مواطن الفساد وبين السالم عن الفساد # PageV02P083 # خلاف القواعد فتعين حينئذ أن يقابل الأصل بالأصل ~~والوصف بالوصف فنقول أصل الماهية سالم عن النهي. # والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصحة حتى يرد نهي فيثبت لأصل الماهية ~~الأصل الذي هو الصحة ويثبت للوصف الذي هو الزيادة المتضمنة للمفسدة الوصف ~~العارض وهو النهي فيفسد الوصف دون الأصل وهو المطلوب وهو فقه حسن واحتج ~~أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - بأن النهي يعتمد المفاسد ومتى ورد نهي ~~أبطلنا ذلك العقد وذلك التصرف بجملته، فإن ذلك العقد إنما اقتضى تلك ~~الماهية بذلك الوصف أما بدونه فلم يتعرض له المتعاقدان فيبقى على الأصل غير ~~معقود عليه فيرد من يد قابضه بغير عقد، وكذلك الوضوء بالماء المغصوب معدوم ~~شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا ومن صلى بغير وضوء حسا فصلاته باطلة، ~~فكذلك صلاة المتوضئ بالماء المغصوب باطلة وكذلك الصلاة في الثوب المغصوب ~~والمسروق والذبح بالسكين المغصوبة والمسروقة فهي كلها معدومة شرعا فتكون ~~معدومة حسا ومن فرى الأوداج بغير أداة حسا لم تؤكل ذبيحته فكذلك ذبيحة ~~الذابح بسكين مغصوبة وعلى هذا المنوال. # وأما نحن فتوسطنا بين المذهبين فقلنا بالفساد لأجل النهي عن الوصف في ~~مسائل دون مسائل ولنذكر من ذلك ثلاث مسائل # PageV02P084 # المسألة الأولى) الصلاة في الدار المغصوبة قلنا نحن ~~والشافعية والحنفية بصحتها وقال الحنابلة ببطلانها فنحن نلاحظ أن متعلق ~~الأمر قد وجد فيها بكماله مع متعلق النهي فالصلاة من حيث هي صلاة حاصلة غير ~~أن المصلي جنى على حق صاحب الدار فالنهي في المجاور والحنابلة مشوا على ~~أصلهم في التسوية بين الأصل والوصف. # (المسألة الثانية) غاصب الخف إذا مسح عليه عندنا صحت طهارته وصلاته وعند ~~الحنابلة تبطل والمدرك عندنا أنه محصل للطهارة بكمالها على الوجه المطلوب ~~شرعا وإنما هو جان على حق صاحب الخف كالصلاة في الدار المغصوبة وبهذه ~~القاعدة يظهر الفرق بين هذا الفرع وبين المحرم إذا مسح على الخف أن المحرم ~~مخاطب في طهارته بالغسل ولم يأت به فلم تحصل به حقيقة المأمور به بكماله ~~بخلاف الغاصب ms286 حصل حقيقة المأمور به بكماله مع حقيقة النهي فكان النهي في ~~المجاور، وكثيرا ما يسأل عن الفرق بين هاتين المسألتين فيفرق بينهما بأمور ~~وعبارات ليس فيها إبانة عن المقصود وسر الفرق ما ذكرته لك من وجود كمال ~~حقيقة المأمور به في الغاصب وعدم وجودها في المحرم ففي صورة الغاصب نهي عن ~~مجاور وفي صورة المحرم عدم المأمور به فبقيت الذمة مشغولة بالمأمور ~~فالبابان مختلفان من هذا الوجه وإن اشتركا في أن كل واحد منهما عاص باللبس. # (المسألة الثالثة) الذي يصلي في ثوب مغصوب أو يتوضأ بماء مغصوب أو يحج ~~بمال حرام كل هذه المسائل عندنا سواء في الصحة خلافا لأحمد والعلة وما تقدم ~~أن حقيقة المأمور به من الحج والسترة وصورة التطهر قد وجدت من حيث المصلحة ~~لا من حيث الإذن الشرعي وإذا حصلت حقيقة المأمور به من حيث المصلحة كان ~~النهي مجاورا وهي الجناية على الغير كما في الدار المغصوبة فإن قلت لا نسلم ~~وجود حقيقة المأمور به؛ لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا فتكون السترة معدومة ~~حسا مع العمد وذلك مبطل للصلاة وكذلك الوضوء بعين هذا التقرير ولا يمكنني ~~أن أقول ذلك في الحج فإن النفقة لا تعلق لها بالحج؛ لأنها ليست ركنا ولا ~~صرفت في ركن بل نفقة # PageV02P085 # الطريق لحفظ حياة المسافر بخلاف المحرم هاهنا صرف ~~فيما هو شرط فكان الشرط معدوما قلت نمنع أن الله تعالى أمر بالطهارة ~~والسترة واشترط فيهما أن تكون الأداة مباحة بل حرم الغصب مطلقا وأوجب ~~الطهارة مطلقا ولم يقيد واحدا منهما ألبتة فكما يتحقق الغصب وإن قارن ~~مأمورا يتحقق المأمور وإن قارن تحريما فما أمر الله تعالى إلا بالصلاة ولم ~~يشترط فيها بقعة مباحة بل أوجب الصلاة مطلقا وحرم الغصب ولا يلزم من تحريم ~~الشيء أن يكون عدمه شرطا كما أنه لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته. # وكذلك لو عزم في صلاته على قتل إنسان لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم ~~فكذلك في هذه المواطن فإن قلت فما الفرق بين هذه ms287 المسائل وبين مسائل الربا ~~ولم لا وافقت الحنفية في تصحيح العقد فيها كما صحت العبادة مع ثبوت النهي ~~في الوصف وفي الجميع النهي في الوصف دون الأصل والحنفية طردت أصلها وأنت لم ~~تطرد أصلك، وكذلك الشافعية قلت السر في ذلك أن تلك الحقائق متعلقات العقود ~~والرضا لم يحصل إلا بمقابلة الواحد بالاثنين فلو صححنا العقد في البعض ~~لنقلنا ملك البائع بغير رضاه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «لا ~~يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» وهذا لم تطب نفسه إلا بما تعلق العقد ~~به فكان الدرهم الباقي بعد إسقاط الدرهم الزائد باقيا على ملك باذله لعدم ~~تناول العقد مقابلته بمثله بل بمثليه، وأما في هذه الصور حيث قلت بالصحة ~~فالموجود كمال متعلق الأمر فقلت بالصحة لكمال وجود المتعلق وهناك لم يوجد ~~كمال المتعلق وهذا فرق جلي جليل فإن قلت من رضي بأن يكون درهمان من عنده ~~بإزاء درهم فقد رضي بأن يكون درهم واحد من قبله بإزاء درهم واحد بطريق ~~الأولى فقوله لم يحصل الرضا ممنوع بل الرضا حاصل. # قلت الجواب عن هذا السؤال من وجهين الأول هب أن باذل الدرهمين راض فباذل ~~الدرهم غير راض ببذله بإزاء درهم واحد وإنما رضي ببذله بإزاء درهمين سلمنا ~~حصول الرضا لكن الرضا لا يكفي وحده في نقل الأملاك فإنه لو رضي بنقل ملكه ~~وهو ساكت من غير قول ولا فعل ولم ينتقل ملكه فيما علمته إجماعا بل لا بد من ~~عقد أو ما يقوم مقامه، أما الرضا وحده فليس هو سببا شرعيا بل السبب الشرعي ~~هو الدال على الرضا وهذا السبب له متعلق ولم يوجد فوجب أن لا يقضى باللزوم ~~حينئذ فهذا هو سر الفرق بين الربويات والعبادات فتأمل ذلك فهو حسن # PageV02P086 # (الفرق الحادي والسبعون الفرق بين قاعدة حكاية الحال ~~إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال وبين قاعدة حكاية الحال إذا ترك ~~فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال) هذا موضع ~~نقل عن الشافعي فيه ms288 هذان الأمران على هذه الصورة واختلفت أجوبة الفضلاء في ~~ذلك فمنهم من يقول هذا مشكل ومنهم من يقول هما قولان للشافعي والذي ظهر لي ~~أنهما ليستا قاعدة واحدة فيها قولان بل هما قاعدتان متباينتان ولم يختلف ~~قول الشافعي ولا تناقض وتحرير الفرق بينهما ينبني على قواعد: القاعدة ~~الأولى أن الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ وإلا لسقطت دلالة ~~العمومات كلها لتطرق احتمال التخصيص إليها بل تسقط دلالة جميع الأدلة ~~السمعية لتطرق احتمال المجاز والاشتراك إلى جميع الألفاظ لكن ذلك باطل ~~فتعين حينئذ أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أو ~~المقارب أما المرجوح فلا. # القاعدة الثانية أن كلام صاحب الشرع إذا كان محتملا احتمالين على السواء ~~صار مجملا وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر # PageV02P087 # القاعدة الثالثة أن لفظ صاحب الشرع إذا كان ظاهرا أو ~~نصا في جنس وذلك الجنس متردد بين أنواعه وأفراده لا يقدح ذلك في الدلالة ~~كقوله تعالى {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] اللفظ ظاهر في ~~إعتاق جنس الرقبة وهي مترددة بين الذكر والأنثى والطويلة والقصيرة وغير ذلك ~~من الأوصاف ولم يقدح ذلك في دلالة اللفظ على إيجاب الرقبة وكذلك الأمر ~~بجميع المطلقات الكليات وقد تقدم أنها عشرة ولم يظهر في شيء من مثلها قدح ~~ولا إجمال إذا تحررت هذه القواعد فنقول الاحتمالات تارة تكون في كلام صاحب ~~الشرع على السواء فتقدح وتارة تكون في محل مدلول اللفظ فلا تقدح فحيث قال ~~الشافعي - رضي الله عنه - إن حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها ~~الاستدلال مراده إذا استوت الاحتمالات في كلام صاحب الشرع ومراده أن حكاية ~~الحال إذا ترك فيها الاستفصال قامت مقام العموم في المقال إذا كانت ~~الاحتمالات في محل المدلول دون الدليل # PageV02P088 # ولنوضح ذلك بذكر ثمان مسائل (المسألة الأولى) قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن الوضوء بنبيذ التمر قال تمرة طيبة وماء ~~طهور ليس في اللفظ إلا أن التمرة طاهرة طيبة والماء طهور فيبقى إذا جمع بين ms289 ~~التمرة والماء الطهور كيف يكون الحال هل يسلب الطهورية أم لا لم يتعرض لذلك ~~فيحتمل أن يريد أن كل واحد منهما بقي على حاله لم يتغير عن وصفه فلذلك ~~وصفهما بما كانا عليه قبل الاجتماع ويحتمل أنهما تغيرا عن حالتهما الأولى ~~فتفتتت التمرة واحمر الماء وحلا ومع ذلك فالماء طهور على حاله وهو مراد ~~الحنفية وليس في اللفظ إشعار بالتفتت ولا بعدمه فقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «تمرة طيبة وماء طهور» لم يتعرض في ذلك لما قبل التغير ولا لما ~~بعده فإن قلت لو لم يتعرض لما بعد التغير لم يكن الجواب حاصلا فإنه - عليه ~~السلام - إنما سئل عنهما بعد اجتماعهما قلت مسلم إنه سئل عنهما بعد ~~اجتماعهما ولكنه لم يقل للسائل توضأ ولا لا تتوضأ بل اقتصر على ذكر وصفي ~~المجتمعين ولم يتعرض للتغير ولا لعدمه فلا جرم لما تساوت الاحتمالات في ذلك ~~سقط الاستدلال بالحديث على الجواز بعد التغير فإن الدال # PageV02P089 # على الأعم غير دال على الأخص وحالة التغير أخص مما ~~فهم من اللفظ من وصفي المجتمعين # (المسألة الثانية) استدلت المعتزلة على أن الشر من العبد لا من الله ~~«بقوله - عليه السلام - في الحج الخير كله بيديك والشر ليس إليك» وهذا سلب ~~عام تقوم به الحجة على الأشعرية فجوابه أن قوله - عليه السلام - ليس إليك ~~هذا الجار والمجرور لا بد له من عامل يتعلق به فالمعتزلة يقدرونه والشر ليس ~~منسوبا إليك حتى يكون من العبد على زعمهم ونحن نقدره والشر ليس قربة إليك ~~لأن الملوك كلهم يتقرب إليهم بالشر إلا الله تعالى لا يتقرب إليه إلا ~~بالخير وهذا معنى حسن جميل يحمل اللفظ عليه وعليه هذا يكون لفظ صاحب الشرع ~~محتملا لما قلناه ولما قالوه وليس اللفظ ظاهرا في أحدهما من حيث الوضع بل ~~الاحتمالان مستويان فيسقط استدلال المعتزلة به لحصول الإجمال فيه # (المسألة الثالثة) «قوله - عليه السلام - في المحرم الذي وقصت به ناقته ~~لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» هذه واقعة عين في هذا المحرم ~~وليس ms290 في اللفظ ما يقتضي أن هذا الحكم ثابت لكل محرم أو ليس بثابت وإذا ~~تساوت الاحتمالات بالنسبة إلى بقية المحرمين سقط استدلال الشافعية به على ~~أن المحرم إذا مات لا يغسل ولم يقل - عليه السلام - # PageV02P090 # والمحرم يبعث يوم القيامة ملبيا حتى يكون فيه عموم ~~ولا رتب الحكم على وصف يقتضي أنه علة له فيعم جميع الصور لعموم علته بل علل ~~حكم الشخص المعين فقط فكان اللفظ مجملا بالنسبة إلى غيره ولو أراد - عليه ~~السلام - الترتيب على الوصف لقال فإن المحرم يبعث يوم القيامة ملبيا ولم ~~يقل فإنه ولقال لا تقربوا المحرم ولم يقل لا تقربوه فلما عدل عن هذين ~~المقامين إلى الضمائر الجامدة دل ذلك ظاهرا على عدم إرادته لترتيب الحكم ~~على الوصف فبقيت الاحتمالات مستوية وهو المطلوب # (المسألة الرابعة) قال الحنفية لا يجوز أن يوتر بركعة واحدة بل بثلاث ~~بتسليمة واحدة لنهيه - عليه السلام - عن البتراء وهي الركعة المنفردة قلنا ~~ليس في لفظ البتراء ما يقتضي ذلك بل الأبتر في اللغة هو الذي لا ذنب ولا ~~عقب له ومنه قوله تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام - {إن شانئك هو ~~الأبتر} [الكوثر: 3] أي لا عقب له فالبتراء يحتمل أن يريد بها ركعة ليس ~~قبلها شيء ويحتمل أن يريد بها ركعة منفردة والاحتمالان متقاربان فلا يحصل ~~الاستدلال به على أن الركعة المنفردة لا تجزي نعم لو كان الأبتر في اللغة ~~هو المنفرد وحده صح ذلك بل هو الذي لا يتبعه غيره ويضاف إليه من ذنب أو عقب ~~ونحن نقول الركعتان متقدمتان تابعتان للوتر وتوطئة له فلا حجة فيه فهذه ~~المسائل كلها الاحتمالات فيها في نفس الدليل وقد تقاربت فيسقط الاستدلال ~~بها فمتى وقعت واقعة عين ووقع فيها مثل هذا سقط بها الاستدلال وهي التي ~~أفتى فيها الشافعي بالإجمال وعدم الدلالة وأشرع الآن في المسائل التي تجري ~~مجرى العموم بسبب عدم الاستفصال. # (المسألة الخامسة) «قوله - عليه السلام - لغيلان لما أسلم على عشر نسوة ~~أمسك أربعا وفارق سائرهن» قال أبو حنيفة إن عقد عليهن ms291 عقودا مرتبة عقدا بعد ~~عقد لم يجز له أن يختار من المؤخرات لفساد عقودهن بعد أربع عقود فإن ~~الخامسة وما فوقها باطل والخيار في الباطل لا يجوز وإن كان عقد عليهن عقدا ~~واحدا جاز أن يختار لعدم التفاوت بينهن. # وقال الشافعي ومالك - رضي الله عنهما - الحكم في ذلك سواء وله الخيار في ~~الحالين لأنه - عليه السلام - أطلق القول في هذه القضية ولم يستفصل فكان ~~ذلك كالتصريح بالعموم في جميع هذه الأحوال فيجوز التخيير مطلقا ولو أراد - ~~عليه السلام - أحد القسمين دون الآخر لاستفصل غيلان عن ذلك وحيث لم يستفصل ~~دل ذلك على التسوية في الحكم فإن قيل لعله على أن الواقع اتحاد العقد فلذلك ~~أطلق القول قلت الجواب عن هذا من وجهين الأول أن الأصل عدم العلم بحالة ~~غيلان الثاني أن هذه القضية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تقرير ~~قاعدة كلية لجميع الخلق ومثل هذا شأنه البيان والإيضاح فلو كان في نفسه - ~~عليه السلام - علم ينبني عليه الحكم لبينه للناس وحيث لم يبينه وأطلق القول ~~دل ذلك على أن الحالين سواء فهذا الحديث ليس في لفظه إجمال والاحتمالات ~~مستوية بل اللفظ ظاهر ظهورا قويا في الإذن والتخيير وإنما الاحتمالات ~~المستوية في محل الحكم # PageV02P091 # وهذه النسوة وعقودهن يحتمل أن يكون عقدا واحدا أو ~~عقودا والاحتمالات في محل الحكم لا تقدح وإنما يقدح في الدلالة الاستواء في ~~الاحتمالات في الدليل الدال على الحكم أما إذا كان الدليل ظاهرا ومحل الحكم ~~فيه احتمالات لا يقدح ذلك # (المسألة السادسة) «قوله - عليه السلام - للمفطر في رمضان أعتق رقبة» ~~ظاهر في وجوب الإعتاق لا إجمال فيه مع احتمال أن تكون الرقبة المأمور بها ~~سوداء أو بيضاء أو ذكرا أو أنثى أو طويلة أو قصيرة ومن هذا التنويع كثير في ~~الرقبة ولا تقدح هذه الاحتمالات وإن استوت في دلالة الدليل على وجوب إعتاق ~~رقبة لأن الاحتمالات في محل الحكم لا في دليله # (المسألة السابعة) قوله - عليه السلام - «إذا شهد عدلان فصوموا وأفطروا ~~وانسكوا» لفظ ms292 ظاهر في ربط هذه الأحكام بشهادة العدلين مع احتمال أن يكون ~~العدلان عربيين أو عجميين شيخين أو كهلين أبيضين أو أسودين ونحو ذلك فيعم ~~الحكم الجميع لأن الاحتمالات في محل الحكم لا في دليله ونقول جميع هذه ~~الاحتمالات تندرج في محل الحكم وهو معنى قول الشافعي أنه يقوم مقام العموم ~~في المقال. # (المسألة الثامنة) قوله تعالى {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم} [البقرة: 196] اللفظ نص قطعي في السبعة والثلاثة لا احتمال في ~~الدليل من هذا الوجه أصلا والاحتمالات في الموضع الذي يرجع إليه فيحتمل أن ~~يكون غربا أو شرقا أو شمالا أو جنوبا أو مدينة أو برية أو قرية وجميع هذه ~~الاحتمالات في محل الحكم فلا جرم أن يعم الحكم جميعها ويستوي فيما حكم به ~~صاحب الشرع فهذا مثال الدليل يكون نصا والاحتمالات مستوية في محل الحكم فلو ~~كانت هذه الاحتمالات المستوية في الدليل سقط به الاستدلال وصار مجملا كما ~~قاله الشافعي - رضي الله عنه - فقد ظهر بهذه القواعد وهذه المسائل الفرق ~~بين حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها ~~الاستدلال وبين قاعدة إن ترك الاستفصال في حكاية الحال تقوم مقام العموم في ~~المقال ولم يتناقض قول الشافعي - رضي الله عنه - ولا اختلف بل كل قول له ~~موضع يخصه # PageV02P092 # الفرق الثاني والسبعون بين قاعدة الاستثناء من النفي ~~إثبات في غير الأيمان وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في ~~الأيمان) اعلم أن مذهب مالك - رحمه الله - أن الاستثناء من النفي إثبات في ~~غير الأيمان هذه قاعدته في الأقارير وقاعدته في الأيمان أن الاستثناء من ~~النفي ليس بإثبات وعند الشافعي في ذلك قولان فمنهم من طرد أن الجميع إثبات ~~في الأيمان وغيرها ومنهم من وافقنا ويظهر ذلك بذكر ثلاث مسائل. # (المسألة الأولى) إذا حلف لا يلبس ثوبا إلا كتانا في هذا اليوم وقعد ~~عريانا فالكتان قد استثني من النفي السابق فيكون إثباتا فيكون كلامه جملتين ~~جملة سلبية وجملة ثبوتية بعد الاستثناء وقبله وقد دخل القسم ms293 عليهما فيحنث ~~إذا قعد عريانا نحنثه في الجملة الثبوتية ويكون قد حلف أن لا يلبس غير ~~الكتان وليلبس الكتان وما لبس الكتان فيحنث هذا هو مقتضى قاعدة اللغة من ~~جهة أن الاستثناء من النفي إثبات والشافعية مشوا على ذلك على أحد القولين ~~فحنثوه، ووافقونا في القول الآخر فلم يحنثوه لنا وجوه الأول أن إلا تستعمل ~~للإخراج وتستعمل صفة ومنه قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~[الأنبياء: 22] معناه لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا ولو أراد ~~الاستثناء به لنصب فقال إلا الله لأنه استثناء من موجب وهي في العرف قد ~~جعلوها في الأيمان بمعنى غير فلا يفهم من قول القائل والله لا لبست ثوبا ~~إلا الكتان أنه حلف على لبس الكتان بل يفهم لا لبست ثوبا غير الكتان وأن ~~غير الكتان هو المحلوف عليه أما الكتان فلا يفهم أهل العرف ذلك فيه وإذا ~~كان الكتان غير محلوف عليه لم يحنث إذا قعد عريانا الثاني سلمنا أن أهل ~~العرف لم ينقلوها لمعنى غير وسوى ولكن القسم يحتاج في جوابه إلى جملة واحدة ~~وقد أجمعنا على أن جوابه حصل بقوله لا لبست ثوبا وإنه لو سكت هنالك كان ~~كلاما عربيا والأصل عدم تعلقه بالجملة الثانية التي بعد إلا وإذا لم يتعلق ~~بها القسم كان لبس الكتان غير محلوف عليه فلا يحنث إذا جلس عريانا وهو ~~المطلوب الثالث سلمنا أنه تناول الجملتين لكن الاستثناء في هذه الصور عندنا ~~من إثبات فيكون نفيا بيان أن معنى الكلام أن جميع الثياب محلوف عليها إلا ~~الكتان فكأنه قال أحلف على عدم لبس كل ثوب إلا الكتان فلا أحلف عليه لأن ~~استثناءه من الحلف الذي هو ثبوتي وإذا كان الكتان غير مقسم عليه لا يحنث ~~بتركه وهو المطلوب فهذه الوجوه هي الفروق بين قاعدة الاستثناء من النفي ~~إثبات في غير الأيمان وبين قاعدة الاستثناء في الأيمان. # (المسألة الثانية) حكى صاحب القبس أبو بكر بن العربي أنه جلس رجلان ببيت ~~المقدس يلعبان بالشطرنج فتعارضا في ms294 الكلام فحلف أحدهما لا لعب مع صاحبه غير ~~هذا الدست فجاء رجل ونقض الرقعة وخلطها وجهل ترتيبها كيف كان وامتنع # PageV02P093 # تكميل ذلك الدست فسأل الفقهاء عن تحنيثه بذلك ~~فاختلفوا في تحنيثه على قولين قال ثم اجتمعت بشيخنا أبي الوليد الطرطوشي ~~فأخبرته بالمسألة فاختار عدم الحنث. # (المسألة الثالثة) لو قال والله لأعطينك في كل يوم درهما من دينك إلا في ~~يوم الجمعة فأعطاه يوم الجمعة مع سائر الأيام فإن الخلاف المتقدم يجري فيه ~~وإن كان استثناء من إثبات لأن إلا بمعنى سوى في الأيمان عند أهل العرف ولا ~~يفهمون من قول القائل أنه منع نفسه من الإعطاء في يوم الجمعة بل استثناء ~~توسعة وأن المقصود أنه لو أعطى فيه لم يضر وإنما المقصود من اليمين أن لا ~~يخل بالإعطاء في غير يوم الجمعة فغير يوم الجمعة هو المقصود باليمين لا يوم ~~الجمعة فتأمل ذلك # (الفرق الثالث والسبعون بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد ~~العموم في غير الطلاق نحو {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] {ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: 151] وبين قاعدة المعرف بالألف ~~واللام في الطلاق لا يفيد العموم) فلو قال الطلاق يلزمني لم يلزمه مع عدم ~~النية إلا طلقة واحدة ومقتضى اللغة أن يلزمه الثلاث لأن قاعدة المعرف ~~فاللام التعريف أنه عام في جميع أفراد الجنس الذي دخل عليه وقد دخل على ~~مفهوم الطلاق فيعم أفراده إلى غير النهاية ومقتضى ذلك أن يلزمه من الطلاق ~~عدد غير متناه إلا أن المحل لا يقبل إلا ثلاثا فيقتصر عليها كما لو قال أنت ~~طالق مائة فإنه يلزمه الثلاث فقط لعدم قبول المحل الزيادة على ذلك لكن ~~الفقهاء اليوم على خلافه ولا يلزمون به إلا واحدة بسبب أن لام التعريف قد ~~تستعمل لاستغراق الجنس نحو {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] وللمعهود من ~~الجنس نحو قوله تعالى {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} [المزمل: 15] {فعصى ~~فرعون الرسول} [المزمل: 16] فهذه اللام للمعهود الذي تقدم ذكره ولحقيقة ~~الجنس كقول السيد لعبده اذهب إلى السوق فاشتر ms295 لنا الخبز واللحم يريد إثبات ~~هاتين الحقيقتين # PageV02P094 # ولا يريد العموم بأن يأتي بجميع أفراد الجنس وليس ~~بينهما معهود ينصرف الكلام إليه بل المراد به حقيقة الجنس أي الماهية ~~الكلية التي تصدق بفرد إذا تقرر أن لام التعريف تستعمل في أحد هذه الأمور ~~الثلاثة فاعلم أن أهل العرف قد نقلوها وخصصوها بحقيقة الجنس دون استغراق ~~الجنس فيصير معنى كلام المطلق أن حقيقة جنس الطلاق يلزمني وإذا لزمته هذه ~~الحقيقة وهذه الحقيقة تصدق بفرد لم يلزمه إلا فرد وهو طلقة واحدة لأن ~~الأيمان مبنية على العرف في اليمين بالله تعالى والطلاق وغيره فإذا حدث عرف ~~بعد اللغة قدم عليها لأنه ناسخ لها والناسخ مقدم على المنسوخ وهاتان ~~قاعدتان في الأصول خالفهما الفقهاء في الفروع وهما قاعدة الاستثناء من ~~النفي إثبات ومن الإثبات نفي ولم يقولوا بذلك في الأيمان على ما تقدم من ~~الخلاف وقاعدة المعرف فاللام التعريف قالوا بأنه للعموم ولم يقولوا به في ~~الطلاق والسبب ما تقدم بيانه. # (الفرق الرابع والسبعون الفرق بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير ~~الشروط وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الشروط خاصة دون بقية ~~أبواب الاستثناء) هذا الفرق مبني على قاعدة وهي أن السبب يلزم من وجوده ~~الوجود ومن عدمه العدم والشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ~~ولا عدم والمانع يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه # PageV02P095 # وجود ولا عدم وقد تقدم بسط هذه الحقائق وتحريرها ~~وتعليلها والفرق بينها فلا حاجة لإعادتها غير أن المقصود ها هنا أن تعلم أن ~~الشرط لا يلزم من وجوده شيء إنما المؤثر عدمه فإذا قلنا الحياة شرط في ~~العلم فمذهب مالك - رحمه الله - يلزم من عدم الحياة عدم العلم به ولا يلزم ~~من وجود الحياة العلم به ولا عدم العلم به فكم من حي لا يعلم مذهب مالك ~~وكذلك يلزم من عدم الطهارة الجزم بعدم صحة الصلاة ولا يلزم من وجود الطهارة ~~الجزم بصحة الصلاة لاحتمال أن لا يصلي أو يصلي ms296 ولكن بغير نية أو ستارة أو ~~ركوع أو غير ذلك وكذا يلزم من عدم الحول عدم وجوب الزكاة أما إذا دار الحول ~~فقد تجب الزكاة. # وقد لا تجب لكونه فقيرا أو مديانا فوجود الشرط لا يلزم منه شيء إنما ~~اللزوم عند عدمه إذا تقررت هذه القاعدة فقوله - عليه السلام - «لا يقبل ~~الله صلاة إلا بطهور» لا يلزم من القضاء قبل إلا بعدم القبول لعدم الطهارة ~~القضاء بالقبول بعد إلا لوجود الطهارة التي هي شرط لأنه لا يلزم من وجود ~~الشرط شيء فكذلك قوله - عليه السلام - «لا نكاح إلا بولي» لا يلزم من ~~القضاء بنفي النكاح قبل إلا لأجل عدم الشرط الذي هو الولي القضاء بصحة ~~النكاح بعد إلا لأجل وجود الشرط الذي هو الولي لأنه لا يلزم من وجود الشرط ~~شيء إنما المؤثر عدمه لا وجوده وكذلك قوله - عليه السلام - «لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد» لا يقتضي أنه تحصل له صحة الصلاة أو الفضيلة إذا صلى ~~في المسجد لجواز أن يصليها في المسجد وتكون صلاته باطلة والسر في جميع ذلك ~~واحد وهو أن الشرط لا يلزم من وجوده شيء فيكون الاستثناء من النفي إثباتا ~~مطردا فيما عدا الشرط وتكون الشروط مستثناة من إطلاق العلماء هذه القاعدة ~~وإن مرادهم غير الشروط. # وأما الشروط فلا وهذا التخصيص من هذه القاعدة غريب قل من يتفطن له وبسبب ~~التفطن له يبطل ما يورده الحنفية علينا في مسألة أن الاستثناء من النفي ~~إثبات فيقولون لو كان الاستثناء من النفي إثباتا للزم القضاء بصحة الصلاة ~~عند الطهور وبصحة النكاح عند الولي الوارد في الأحاديث ولما لم يلزم ذلك دل ~~على أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات وإلا لزم تخلف المدلول عن الدليل وهو ~~خلاف الأصل فنجيب بما تقدم أن هذه الاستثناءات من باب الشروط ونحن إنما ~~ندعي ذلك في غير الشروط فلا يرد علينا الشروط فاندفع السؤال فهذا هو حقيقة ~~الفرق بين القاعدتين فتأمله وخرج عليه الاستثناءات الواقعة في الكتاب ~~والسنة وكلام العرب والحالفين ms297 وغيرهم # PageV02P096 # (الفرق الخامس والسبعون الفرق بين قاعدة إن وقاعدة ~~إذا وإن كان كلاهما للشرط) لكن الفرق بينهما من وجوه: أحدها إن تدل على ~~الزمان بالالتزام وعلى الشرط بالمطابقة وإذا على العكس في ذلك. # فإذا قلت إن جاء زيد فأكرمه فلفظك يدل على أن إن شرط والإكرام يتوقف على ~~المجيء مطابقة ويدل بالالتزام على أن المجيء لا بد أن يكون في زمان وإذا ~~قلت إذا جاء زيد فأكرمه فإذا تدل على الزمان بالمطابقة وعلى الشرط ~~بالالتزام في بعض الصور فإنها قد يلزمها الشرط في بعض الصور نحو {إذا جاء ~~نصر الله} [النصر: 1] إلى قوله {فسبح} وقد لا يلزمها وتكون ظرفا محضا نحو ~~قوله تعالى {والليل إذا يغشى} [الليل: 1] {والنهار إذا تجلى} [الليل: 2] أي ~~أقسم بالليل في حالة غشيانه وبالنهار في حال تجليه لأنهما أكمل أحوال الليل ~~والنهار والقسم تعظيم والتعظيم يناسب أعظم الأحوال فإذا في مثل هذا ظرف محض ~~في موضع نصب على الحال فصارت إذا الظرفية قد يلزمها الشرط فتدل عليه في بعض ~~الصور وقد لا يلزمها في بعض الصور فلا تدل عليه التزاما وثانيها أن إن وإذا ~~وإن كانا مطلقين في الدلالة على الزمان لا عموم فيهما غير أن إن لا توسعة ~~فيها وإذا ظرف والظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف. # وبذلك يظهر الفرق بين قوله إن مت فأنت طالق وبين قوله إذا مت فأنت طالق ~~أنه لا يلزمه طلاق في الأول لأنه لا طلاق بعد الموت ويلزمه في الثاني لأن ~~الظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف فظرف الموت يحتمل دخول زمن من أزمنة ~~الحياة فيه فيقع في ذلك الزمن الطلاق في زمن الحياة فيلزمه وفي ذلك خلاف ~~بين العلماء مبني على ملاحظة هذا الوجه من الفروق ويدل على أن الظرف قد ~~يكون أوسع من المظروف أن تقول ولد النبي - عليه السلام - عام الفيل وتوفي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة ستين من عام الفيل وهو لم يولد في ~~جملة عام # PageV02P097 # الفيل بل في جزء من ms298 ذلك العام مع أنك جعلته بجملته ~~ظرفا فتعين أن يكون هذا الظرف أوسع من مظروفه الذي هو الولادة وكذلك جعلت ~~جملة سنة ستين ظرفا للموت مع أنه لم يقع في جميع السنة بل في جزء منها ~~فيكون هذا الظرف أوسع من المظروف وكذلك قوله تعالى {واذكر ربك إذا نسيت} ~~[الكهف: 24] . # أورد بعض الفضلاء فيه سؤالا فقال الشرط وجوابه إذا جعل الشرط ظرفا لا بد ~~وأن يكونا معا واقعين فيه نحو إذا جاء زيد فأكرمه فالمجيء والإكرام في زمن ~~واحد وهو المعبر عنه بإذا وكذلك {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] إلى ~~قوله {فسبح بحمد ربك} [النصر: 3] الآية كلاهما واقع في إذا المجيء والتسبيح ~~ولذلك جوزوا أن يعمل في إذا كلا الفعلين واختاروا فعل الجواب للعمل لأنه ~~ليس مضافا إليه بخلاف الشرط فإنه مضاف إلى مخفوض والمضاف إليه لا يعمل في ~~المضاف وإذا جوزوا عمل كل واحد من الفعلين في هذا الظرف دل ذلك على وقوعهما ~~فيه لأن من شرط العامل في الظرف أن يكون واقعا فيه حتى يصير مظروفه إذا ~~تقرر هذا فالذكر ضد النسيان وقد دلت الآية # PageV02P098 # على وقوعهما في إذا والضدان لا يجتمعان فكيف أمر ~~بالذكر في زمن النسيان. # والجواب عنه من هذه القاعدة أن الظرف قد يكون أوسع من المظروف فيفضل من ~~زمان إذا زمان ليس فيه نسيان يقع فيه الذكر فلا يجتمع الضدان وكذلك وقع ~~الإشكال في قوله تعالى {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} ~~[الزخرف: 39] فإعراب اليوم ظرف وإذ ظرف أيضا وهو بدل من اليوم والبدل هنا ~~غير المبدل منه فيكون يوم القيامة هو عين زمن الظلم لكن زمن الظلم في ~~الدنيا والدنيا ليست هي عين الآخرة ولا يوم القيامة فكيف صحت البدلية أورد ~~ابن جني هذا السؤال فقال الظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف وزمن الظلم ~~يجوز أن يكون أوسع منه حتى يمتد ليوم القيامة فيطلق عليه ويقبل يوم القيامة ~~الامتداد حتى يطلق على يوم الظلم فيتحدان فتحسن البدلية. # وهذا ms299 الموضع في الاتساع أبعد من آية الذكر والنسيان بطول البعد وإفراطه ~~وبعده عن أكثر الاستعمالات وبالجملة قد ظهر لك بهذه الآيات وهذا التقرير أن ~~الظرف من حيث هو يقبل السعة أكثر من مظروفه فيكون أوسع منه وقد لا يسع أكثر ~~منه نحو صمت رمضان وصمت يوم الخميس فإن الظرف في هذه الصور مساو للمظروف ~~فتلخص الفرق أيضا بين إن وإذا من هذا الوجه وثالثها أن إن لا يعلق عليها ~~إلا مشكوك فيه فلا تقول إن غربت الشمس فأت وإذا تقبل # PageV02P099 # المعلوم والمشكوك فيه فتقول إذا غربت الشمس فأت وإذا ~~دخل العبد الدار فهو حر فهذه فروق من جهة المعاني وأما الفرق من جهة ~~الصناعة النحوية فإن إن حرف وإذا اسم وظرف وإن لا يخفض ما بعدها بل يكون ما ~~بعدها في موضع جزم بالشرط وإذا ما بعدها في موضع خفض بالظرف. # وإذا عرض لها البناء لأن البناء في الأسماء عارض والبناء في إن أصل لأن ~~الأصل في الحروف البناء فكلها مبنية وغير ذلك من الفروق النحوية التي ليس ~~هذا موضعها # (الفرق السادس والسبعون بين قاعدة المسائل الفروعية يجوز التقليد فيها من ~~أحد المجتهدين فيها للآخر وبين قاعدة مسائل الأواني والنسيان والكعبة ~~ونحوها لا يجوز لأحد المجتهدين فيها أن يقلد الآخر) هذه المسألة نقل أن ~~الشافعي سئل عنها فقيل له أيجوز أن يصلي الشافعي خلف المالكي وإن خالفه في ~~مسح الرأس وغيره من الفروع ولا يجوز لأحد من المجتهدين في الكعبة والأواني ~~أن يصلي خلف المجتهد الآخر فسكت عن الجواب عن ذلك وكان الشيخ ابن عبد ~~السلام يحكي ذلك عن الشافعي وكان هو - رحمه الله - يفرق بأن الجماعة في ~~الصلاة مطلوبة لصاحب الشرع فلو قلنا بالمنع من الائتمام لمن يخالف في ~~المذهب وأن لا يصلي المالكي إلا خلف المالكي ولا شافعي إلا خلف شافعي لقلت ~~الجماعات وإذا منعنا من ذلك في القبلة ونحوها لم يخل لنا ذلك بالجماعات ~~كبير خلل لندرة وقوع مثل هذه المسائل وكثرة وقوع الخلاف في مسائل الفروع ms300 ~~وهذا جوابه - رحمه الله - # PageV02P100 # وقد ظهر لي في ذلك جواب هو أقوى من هذا وهو أن ~~القاعدة أن قضاء القاضي متى خالف إجماعا أو نصا أو قياسا جليا أو القواعد ~~نقضناه. # وإذا كنا لا نقر حكما تأكد بقضاء القاضي فأولى أن لا نقره إذا لم يتأكد ~~فعلى هذا لا يجوز التقليد في حكم هو بهذه المثابة لأنا لا نقره شرعا وما ~~ليس بشرع لا يجوز التقليد فيه فعلى هذه القاعدة كل من اعتقدنا أنه خالف ~~الإجماع لا يجوز تقليده وبهذه القاعدة يحصل الفرق في غاية الجودة وبيانه ~~بذكر أربع مسائل # (المسألة الأولى) المجتهدون في الكعبة إذا اختلفوا لا يجوز أن يقلد واحد ~~منهم الآخر لأن كل واحد منهم يعتقد أنه ترك أمرا مجمعا عليه وهو الكعبة ~~وتارك المجمع عليه لا يقلد أما المختلفان في مسح جميع الرأس فإنما يعتقد كل ~~واحد منهم في صاحبه أنه خالف ظاهرا من نص أو منطوق به أو مفهوم لفظ وذلك ~~ليس مجمعا على اعتباره ولا وصل إلى حد القطع بل هو في محل الاجتهاد فجاز له ~~الصلاة خلفه وتقليده بخلاف اعتقاده أنه خالف الكعبة المجمع عليها المقطوع ~~باعتبارها وهذا الفرق في غاية الجلاء فأين المقطوع من المظنون وأين المجمع ~~عليه من المختلف فيه # (المسألة الثانية) المجتهدون في الأواني التي اختلط طاهرها بنجسها إذا ~~اختلفوا وهم يعتقدون أن النجاسة مبطلة للصلاة إما باجتهادهم وصلوا إلى ذلك ~~أو قلدوا من وصل إلى ذلك باجتهاده فإن حكم الله تعالى في حقهم بالإجماع ما ~~أدى إليه اجتهادهم أو اجتهاد إمامهم الذي قلدوه وإذا كان حكم الله في حقهم ~~ذلك بالإجماع فكل واحد منهم يعتقد # PageV02P101 # أن صاحبه لابس في صلاته ما هو مبطل لصلاته بالإجماع ~~فقد خالف مجمعا عليه ومقطوعا به فلا يجوز تقليده على القاعدة المتقدمة ~~بخلاف من لا يتدلك في غسله أو لم يبسمل لم يخالف مجمعا عليه ولا مقطوعا به ~~بل ظاهرا محتمل التأويل فأين أحدهما من الآخر. (المسألة الثالثة) المجتهدون ~~في الثياب التي اختلط طاهرها ms301 بنجسها إذا اختلفوا وهم يعتقدون أن النجاسة ~~مبطلة للصلاة إما باجتهادهم أو باجتهاد إمام قلدوه لا يقلد بعضهم بعضا كما ~~تقدم في مسألة الأواني بعينه حرفا بحرف. # (المسألة الرابعة) إناء وقع فيه روث عصفور وتوضأ به مالكي وصلى يجوز ~~للشافعي أن يصلي خلفه ولا يضر ذلك الشافعي كما لا يضره ترك المالكي البسملة ~~وغيرها مما يعتقده الشافعي ولو اختلط هذا الإناء بإناء طاهر فاجتهد فيه هذا ~~الشافعي مع شافعي آخر لا يجوز لأحدهما أن يقتدي بالآخر إذا اختلفا في ~~الاجتهاد ولو اجتمع مالك والشافعي - رضي الله عنهما - واجتهدا في روث ~~العصفور فحكم مالك بطهارته والشافعي بنجاسته جاز للشافعي أن يصلي خلف مالك ~~إذا توضأ بالماء الذي هو فيه مع تعين روث العصفور في جهة الإمام وفي ~~المسألة الأولى يجوز المأموم أن يكون ذلك في إناء الإمام من غير تعيين فهو ~~أولى بالجواز من أن يعين ومع ذلك فالإجماع منعقد على امتناع التقليد في ~~الإناءين إذا اجتهدا في الطاهر منهما دون أن يتعين في جهة الإمام. # وهذا أيضا من أشكل المسائل وجوابه أن للشافعيين إذا اجتهدا في الإناءين ~~فهما مقلدان لمن يعتقد نجاسة روث العصفور والإجماع منعقد على أن حكم الله ~~تعالى في حق الشافعي وحق من قلده ما ظهر في اجتهاده فالشافعي يعتقد أن ~~الشافعي الآخر قد أصاب في صلاته ما هو مبطل لصلاته بالإجماع ومن اعتقدنا ~~فيه مخالفة الإجماع لا نقلده بخلاف صلاة هذا الشافعي خلف المالكي حكم الله ~~تعالى في حق مالك والمالكي صحة صلاته بروث العصفور إجماعا وأنه لم يخالف ~~إجماعا بل خالف قياسا مظنونا أو ظاهر نص غير مقطوع به وكذلك الشافعي إذا ~~صلى خلف مالك وعليه روث عصفور أو في مائه الذي توضأ به فإن الشافعي يعتقد ~~أن مالكا لم يخالف إجماعا ولا مقطوعا به بل ظاهر قياس أو ضربا من ضروب ~~الاجتهاد فجاز له الصلاة خلفه بخلاف أن يكون إمامه يعتقد ما يعتقده من ~~إبطال روث العصفور للصلاة فتأمل هذه المسائل وهذه المباحث فهي ms302 كلها دائرة ~~على حرف واحد وهو أن من اعتقدنا فيه أنه خالف مقطوعا به لم يجز لنا تقليده ~~وإن لم نعتقد فيه ذلك جاز لنا تقليده والصلاة خلفه وهو روح الفرق وهو فرق ~~جيد جدا ولكن بعد التأمل فهذا هو الفرق بين هاتين القاعدتين وهو أجلى من ~~قولنا إن ذلك يؤدي إلى قلة الجماعات أو كثرتها. # PageV02P102 # (الفرق السابع والسبعون بين قاعدة الخلاف يتقرر في ~~مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم وبين قاعدة مسائل الاجتهاد يبطل الخلاف فيها ~~ويتعين قول واحد بعد حكم الحاكم) وذلك القول هو ما حكم به الحاكم على ~~الأوضاع الشرعية اعلم أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف ويرجع ~~المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم وتتغير فتياه بعد الحكم عما كانت عليه على ~~القول الصحيح من مذاهب العلماء فمن لا يرى وقف المشاع إذا حكم حاكم بصحة ~~وقفه ثم رفعت الواقعة لمن كان يفتي ببطلانه نفذه وأمضاه ولا يحل له بعد ذلك ~~أن يفتي ببطلانه وكذلك إذا قال إن تزوجتك فأنت طالق فتزوجها وحكم حاكم بصحة ~~هذا النكاح فالذي كان يرى لزوم الطلاق له ينفذ هذا النكاح ولا يحل له بعد ~~ذلك أن يفتي بالطلاق هذا هو مذهب الجمهور وهو مذهب مالك ولذلك وقع له في ~~كتاب الزكاة وغيره أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا يرد ولا ينقض وأفتى ~~مالك في الساعي إذا أخذ من الأربعين شاة لرجلين خليطين في الغنم شاة أنهما ~~يقتسمانها بينهما ولا يختص بها من أخذت منه كما قاله الشافعي مع أنه يفتي ~~إذا أخذها الساعي المالكي أنها # PageV02P103 # تكون مظلمة ممن أخذت منه وعلل مالك ذلك بأنه حكم حاكم ~~فأبطل ما كان يفتي به عند حكم الحاكم بخلاف ما يعتقده مالك ووقع له ذلك في ~~عدة مسائل في العقود والفسوخ وصلاة الجمعة إذا حكم الإمام فيها أنها لا ~~تصلى إلا بإذن من الإمام وغير ذلك ووقع للشافعية في كتبهم عن بعض أصحابهم ~~أن الحكم إذا رفع لمن لا يعتقده لا ينفذ ولا ينقضه ms303 ويتركه على حاله ~~والجمهور على التنفيذ لوجهين وهما الفرق المقصود في هذا الموضع أحدهما أنه ~~لولا ذلك # لما استقرت للحكام قاعدة # ولبقيت الخصومات على حالها بعد الحكم وذلك يوجب دوام التشاجر والتنازع ~~وانتشار الفساد ودوام العناد وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام ~~وثانيهما وهو أجلهما أن الله تعالى جعل للحاكم أن ينشئ الحكم في مواضع ~~الاجتهاد بحسب ما يقتضيه الدليل عنده أو عند إمامه الذي قلده فهو منشئ لحكم ~~الإلزام فيما يلزم والإباحة فيما يباح كالقضاء بأن الموات الذي ذهب إحياؤه ~~صار مباحا مطلقا كما كان قبل الإحياء والإنشاء والفرق بينه وبين المفتي بأن ~~المفتي مخبر كالمترجم مع الحاكم والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم معه ~~يحكم بغير ما تقدم الحكم فيه من جهة مستنيبه بل ينشئ بحسب ما يقتضيه رأيه ~~والمترجم لا يتعدى صورة ما وقع فينقله. # وقد بسطت هذا المعنى بشروطه وما يتعلق به في كتاب الإحكام في الفرق بين ~~الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي # PageV02P104 # والإمام وهو كتاب جليل في هذا المعنى وإذا كان معنى ~~حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد إنشاء الحكم فهو مخبر عن الله تعالى بذلك ~~الحكم والله تعالى قد جعل له أن ما حكم به فهو حكمه وهو كالنص الوارد من ~~قبل الله تعالى في خصوص تلك الواقعة فيصير الحال إلى تعارض الخاص والعام ~~فيقدم الخاص على العام على القاعدة في أصول الفقه وتقريبه بالمثال أن مالكا ~~- رحمه الله - تعالى دل الدليل عنده على أن تعليق الطلاق قبل الملك يلزم ~~وهذا الدليل يشمل صورا لا نهاية لها فإذا رفعت صورة من تلك الصور إلى حاكم ~~شافعي وحكم بصحة النكاح واستمرار العصمة وإبطال الطلاق المعلق كان حكم ~~الشافعي نصا من الله تعالى ورد في خصوص تلك الصورة. # ولو أن الله تعالى قال التعليق قبل # PageV02P105 # الملك لازم وقال التعليق قبل الملك في حق هذه المرأة ~~غير لازم والعصمة فيها تستمر لقلنا هذان نصان خاص وعام فنقدم الخاص على ~~العام كما لو قال اقتلوا المشركين لا تقتلوا الرهبان ms304 فإنا نقتل المشركين ~~ونترك الرهبان كذلك يقول مالك أعمل هذا الحكم في هذه الصورة فتبقى بقية ~~الصور عندي لا يصح فيها التعليق قبل النكاح جمعا بين نصي الخاص والعام ومن ~~فهم الفرق بين المفتي والحاكم وإن حكم الحاكم نص من الله تعالى خاص في تلك ~~الصورة المعينة لم يسعه إلا ما قال مالك والجمهور ولكن لما كان الفرق ~~بينهما خفيا جدا حتى إني لم أجد أحدا يحققه خالف في ذلك من خالف ولم يوجب ~~تنفيذ أقضية الحكام في مواقع الخلاف فهذا هو الفرق بين قاعدة الخلاف قبل ~~الحكم وبين قاعدته بعد الحكم ومن أراد استيعابه فليقف على كتاب الإحكام في ~~الفرق بين الفتاوى والأحكام فليس في ذلك الكتاب إلا هذا الفرق لكنه مبسوط ~~في أربعين مسألة منوعة حتى صار المعنى في غاية الضبط والجلاء # PageV02P106 # (الفرق الثامن والسبعون الفرق بين قاعدة من يجوز له ~~أن يفتي وبين قاعدة من لا يجوز له أن يفتي) اعلم أن طالب العلم له أحوال ~~الحالة الأولى أن يشتغل بمختصر من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مقيدة في غيره ~~وعمومات مخصوصة في غيره ومتى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك أو جوز ~~عليه أن يكون كذلك حرم عليه أن يفتي بما فيه وإن أجاده حفظا وفهما إلا في ~~مسألة يقطع فيها أنها مستوعبة التقييد وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب ~~آخر فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان ~~وتكون هي عين الواقعة المسئول عنها لا أنها تشبهها ولا تخرج عليها بل هي هي ~~حرفا بحرف لأنه قد يكون هنالك فروق تمنع من الإلحاق أو تخصيص أو تقييد يمنع ~~من الفتيا بالمحفوظ فيجب الوقف. # الحالة الثانية أن يتسع تحصيله في المذهب بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات ~~والمطولات على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك ~~إمامه ومسنداته في فروعه ضبطا متقنا بل سمعها من حيث الجملة من أفواه ~~الطلبة والمشايخ فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ms305 ينقله ويحفظه في مذهبه ~~اتباعا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في ~~حفظه لا يخرجها على محفوظاته ولا يقول هذه تشبه المسألة الفلانية لأن ذلك ~~إنما يصح ممن أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها ~~مفصلة ومعرفة رتب تلك العلل ونسبتها إلى المصالح الشرعية وهل هي من باب ~~المصالح الضرورية أو الحاجية أو التتميمية وهل هي من باب المناسب الذي ~~اعتبر نوعه في نوع الحكم أو جنسه في جنس الحكم وهل هي من باب المصلحة ~~المرسلة التي هي أدنى رتب المصالح أو من قبيل ما شهدت لها أصول الشرع ~~بالاعتبار أو هي من باب قياس الشبه أو المناسب أو قياس الدلالة أو قياس ~~الإحالة أو المناسب القريب إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتب العلل في ~~نظر الشرع عند المجتهدين وسبب ذلك أن الناظر في مذهبه والمخرج على أصول ~~إمامه نسبته إلى مذهبه وإمامه كنسبة إمامه إلى صاحب الشرع في اتباع نصوصه ~~والتخريج على مقاصده فكما أن إمامه لا يجوز له أن يقيس مع قيام الفارق لأن ~~الفارق مبطل للقياس والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه فكذلك هو أيضا لا ~~يجوز له أن يخرج على مقاصد إمامه فرعا على فرع نص عليه إمامه مع قيام ~~الفارق بينهما لكن الفروق # PageV02P107 # إنما تنشأ عن رتب العلل وتفاصيل أحوال الأقيسة فإذا ~~كان إمامه أفتى في فرع بني على علة اعتبر فرعها في نوع الحكم لا يجوز له هو ~~أن يخرج على أصل إمامه فرعا مثل ذلك الفرع لكن علته من قبيل ما شهد جنسه ~~لجنس الحكم فإن النوع على النوع مقدم على الجنس في النوع ولا يلزم من ~~اعتبار الأقوى اعتبار الأضعف وكذلك إذا كان إمامه قد اعتبر مصلحة سالمة عن ~~المعارض لقاعدة أخرى فوقع له هو فرع فيه عين تلك المصلحة لكنها معارضة ~~بقاعدة أخرى أو بقواعد فيحرم عليه التخريج حينئذ لقيام الفارق أو تكون ~~مصلحة إمامه التي اعتمد عليها من باب الضروريات فيفتي هو ms306 بمثلها ولكنها من ~~باب الحاجات أو التتمات وهاتان ضعيفتان مرجوحتان بالنسبة إلى الأولى ولعل ~~إمامه راعى خصوص تلك القوية والخصوص فائت هنا ومتى حصل التردد في ذلك ~~والشك. # وجب التوقف كما أن إمامه لو وجد صاحب الشرع قد نص على حكم ومصلحة من باب ~~الضروريات حرم عليه أن يقيس عليه ما هو من باب الحاجات أو التتمات لأجل ~~قيام الفارق فكذلك هذا المقلد له لأن نسبته إليه في التخريج كنسبة إمامه ~~لصاحب الشرع والضابط له ولإمامه في القياس والتخريج أنهما متى جوزا فارقا ~~يجوز أن يكون معتبرا حرم القياس ولا يجوز القياس إلا بعد الفحص المنتهي إلى ~~غاية أنه لا فارق هناك ولا معارض ولا مانع يمنع من القياس وهذا قدر مشترك ~~بين المجتهدين والمقلدين للأئمة المجتهدين فمهما جوز المقلد في معنى ظفر به ~~في فحصه واجتهاده أن يكون إمامه قصده أو يراعيه حرم عليه التخريج فلا يجوز ~~التخريج حينئذ إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة والعلل ورتب المصالح ~~وشروط القواعد وما يصلح أن يكون معارضا وما لا يصلح وهذا لا يعرفه إلا من ~~يعرف أصول الفقه معرفة حسنة فإذا كان موصوفا بهذه الصفة وحصل له هذا المقام ~~تعين عليه مقام آخر وهو النظر وبذل الجهد في تصفح تلك القواعد الشرعية وتلك ~~المصالح وأنواع الأقيسة وتفاصيلها فإذا بذل جهده فيما يعرفه ووجد ما يجوز ~~أن يعتبره إمامه فارقا أو مانعا أو شرطا وهو ليس في الحادثة التي يروم ~~تخريجها حرم عليه التخريج وإن لم يجد شيئا بعد بذل الجهد وتمام المعرفة جاز ~~له التخريج حينئذ. # وكذلك القول في إمامه مع صاحب الشرع لا بد أن يكون إمامه موصوفا بصفات ~~الاجتهاد التي بعضها ما تقدم اشتراطه في حق المقلد المخرج ثم بعد اتصافه ~~بصفات الاجتهاد ينتقل إلى مقام بذل الجهد فيما علمه من القواعد وتفاصيل ~~المدارك فإذا بذل جهده ووجد حينئذ ما يصلح أن يكون فارقا أو مانعا أو شرطا ~~قائما في الفرع الذي يروم قياسه على كلام صاحب الشرع ms307 حرم عليه # PageV02P108 # القياس ووجب التوقف. # وإن غلب على ظنه عدم جميع ذلك وأن الفرع مساو للصورة التي نص عليها صاحب ~~الشرع وجب عليه الإلحاق حينئذ وكذلك مقلده وحينئذ بهذا التقرير يتعين على ~~من لا يشتغل بأصول الفقه أن لا يخرج فرعا أو نازلة على أصول مذهبه ~~ومنقولاته وإن كثرت منقولاته جدا فلا تفيد كثرة المنقولات مع الجهل بما ~~تقدم كما أن إمامه لو كثرت محفوظاته لنصوص الشريعة من الكتاب والسنة وأقضية ~~الصحابة - رضي الله عنهم - ولم يكن عالما بأصول الفقه حرم عليه القياس ~~والتخريج على المنصوصات من قبل صاحب الشرع بل حرم عليه الاستنباط من نصوص ~~الشارع لأن الاستنباط فرع معرفة أصول الفقه فهذا الباب المجتهدون والمقلدون ~~فيه سواء في امتناع التخريج بل يفتي كل مقلد وصل إلى هذه الحالة التي هي ~~ضبط مطلقات إمامه بالتقييد وضبط عمومات مذهبه بمنقولات مذهبه خاصة من غير ~~تخريج إذا فاته شرط التخريج كما أن إمامه لو فاته شرط أصول الفقه وحفظ ~~النصوص واستوعبها يصير محدثا ناقلا فقط لا إماما مجتهدا كذلك هذا المقلد ~~فتأمل ذلك فالناس مهملون له إهمالا شديدا ويقتحمون على الفتيا في دين الله ~~تعالى والتخريج على قواعد الأئمة من غير شروط التخريج والإحاطة بها فصار ~~يفتي من لم يحط بالتقييدات ولا بالتخصيصات من منقولات إمامه وذلك لعب في ~~دين الله تعالى وفسوق ممن يتعمده أو ما علموا أن المفتي مخبر عن الله تعالى ~~وأن من كذب على الله تعالى أو أخبر عنه مع ضبط ذلك الخبر فهو عند الله ~~تعالى بمنزلة الكاذب على الله فليتق الله تعالى امرؤ في نفسه ولا يقدم على ~~قول أو فعل بغير شرطه. # (تنبيه) : # كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو القواعد أو ~~النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلده أن ينقله ~~للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى فإن هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه ~~وما لا نقره شرعا بعد تقرره بحكم الحاكم ms308 أولى أن لا نقره شرعا إذا لم يتأكد ~~وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا والفتيا بغير شرع حرام فالفتيا بهذا الحكم ~~حرام وإن كان الإمام المجتهد غير عاص به بل مثابا عليه لأنه بذل جهده على ~~حسب ما أمر به وقد قال النبي - عليه السلام - «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله ~~أجر وإن أصاب فله أجران» فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم فكل ما ~~وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه ~~لكنه قد يقل وقد يكثر غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا في مذهبه إلا من عرف ~~القواعد والقياس الجلي والنص الصريح وعدم المعارض لذلك وذلك يعتمد تحصيل ~~أصول الفقه والتبحر # PageV02P109 # في الفقه فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه بل ~~للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول ~~الفقه أصلا وذلك هو الباعث لي على وضع هذا الكتاب لأضبط تلك القواعد بحسب ~~طاقتي ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى فتأمل ذلك فهو أمر ~~لازم وكذلك كان السلف - رضي الله عنهم - متوقفين في الفتيا توقفا شديدا ~~وقال مالك لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه ~~أهلا لذلك يريد تثبت أهليته عند العلماء. # ويكون هو بيقين مطلعا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية لأنه قد ~~يظهر من الإنسان أمر على ضد ما هو عليه فإذا كان مطلعا على ما وصفه به ~~الناس حصل اليقين في ذلك وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا لأن التحنك ~~وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك شعار العلماء حتى إن مالكا سئل عن الصلاة ~~بغير تحنك فقال لا بأس بذلك وهو إشارة إلى تأكد التحنيك وهذا هو شأن الفتيا ~~في الزمن القديم وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج وسهل على الناس أمر دينهم ~~فتحدثوا فيه بما يصلح وبما لا يصلح وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول ~~أحدهم لا يدري فلا جرم آل الحال ms309 للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال. # الحالة الثالثة أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة ~~الوازعة والعدالة المتمكنة فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه نقلا وتخريجا ~~ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك. # (الفرق التاسع والسبعون الفرق بين قاعدة النقل وقاعدة الإسقاط) اعلم أن ~~الحقوق والأملاك ينقسم التصرف فيها إلى نقل وإسقاط فالنقل ينقسم إلى ما هو ~~بعوض في الأعيان كالبيع والقرض وإلى ما هو في المنافع كالإجارة والمساقاة ~~والمزارعة والقراض والجعالة وإلى ما هو بغير عوض كالهدايا والوصايا والعمرى ~~والوقف والهبات والصدقات والكفارات والزكاة والمسروق من أموال الكفار ~~والغنيمة في الجهاد فإن ذلك كله نقل ملك في أعيان بغير عوض. # وأما الإسقاط فهو إما بعوض كالخلع والعفو على مال والكتابة وبيع العبد من ~~نفسه والصلح على الدين والتعزير فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت ولا ~~ينتقل إلى الباذل ما كان يملكه المبذول له من العصمة وبيع العبد ونحوهما ~~وإما بغير عوض كالإبراء من الديون والقصاص والتعزير وحد القذف والطلاق ~~والعتاق وإيقاف المساجد وغيرها فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت ولا ينتقل ~~لغير الأول ويخرج على هذا الفرق ثلاث مسائل (المسألة الأولى) الإبراء من ~~الدين هل يفتقر # PageV02P110 # إلى القبول فلا يبرأ من الديون حتى يقبل أو يبرأ من ~~الديون إذا أبرأه وإن لم يقبل خلاف بين العلماء فظاهر المذهب اشتراط القبول ~~ومنشأ الخلاف هل الإبراء إسقاط والإسقاط لا يحتاج إلى القبول كالطلاق ~~والعتاق فإنهما لا يفتقران إلى قبول المرأة والعبد ولذلك ينفذ الطلاق ~~والعتق وإن كرهت المرأة والعبد أو هو تمليك لما في ذمة المدين فيفتقر إلى ~~القبول كما لو ملكه عينا بالهبة أو غيرها لا بد من رضاه وقبوله وكذلك ها ~~هنا يتأكد ذلك بأن المنة قد تعظم في الإبراء وذوو المروآت والأنفات يضر ذلك ~~بهم لا سيما من السفلة فجعل صاحب الشرع لهم قبول ذلك أو رده نفيا للضرر ~~الحاصل من المنن من غير أهلها أو من غير حاجة # (المسألة الثانية) الوقف هل ms310 يفتقر إلى القبول أو لا خلاف في المذهب وبين ~~العلماء ومنشأ الخلاف هل الواقف أسقط حقه من المنافع في الموقوف فيكون ذلك ~~كالعتق أو هو تمليك لمنافع العين الموقوفة للموقوف عليه فيفتقر إلى القبول ~~كالبيع والهبة وهذا إذا كان الموقوف عليه معينا أما غير المعين فلا يشترط ~~قبوله لتعذره هذا في منافع الموقوف أما أصل ملكه فهل يسقط أو هو باق على ~~ملك الواقف وهو ظاهر المذهب لأن مالكا - رحمه الله - أوجب الزكاة في الحائط ~~الموقوف على غير المعين نحو الفقراء والمساكين إذا كان خمسة أوسق بناء على ~~أنه ملك الواقف فيزكي على ملكه. # وأما الحائط على المعينين فيشترط في حصة كل واحد منهم خمسة أوسق واتفق ~~العلماء في المساجد أنها من باب الإسقاط والعتق لا ملك لأحد فيها {وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] ولأنها تقام فيها الجماعات ~~والجمعة، والجمعة لا تقام في المملوكات لا سيما على أصل مالك فإنها لا ~~يصليها أرباب الحوانيت في حوانيتهم لأجل الملك والحجر فلا يجري في المساجد ~~القولان. # (المسألة الثالثة) إذا أعتق أحد عبيده يختار على المشهور وقيل يعم العتق ~~الجميع وإذا طلق أحد نساؤه يعم الطلاق النسوة على المشهور وقيل يختار ~~والفرق على المشهور أن الطلاق إسقاط للعصمة والإباحة والعتق قربة لا إسقاط ~~وإن لزمها الإسقاط وتمام هذا الفرق قد تقدم في الفرق بين تحريم المشترك ~~وثبوت الحكم في المشترك فليطالع من هناك ولا حاجة للإعادة وإنما ذكرت ~~الفرعين ها هنا لأجل تعلقهما بالنقل والإسقاط فقط. # (الفرق الثمانون الفرق بين قاعدة الإزالة في النجاسة وبين قاعدة الإحالة ~~فيها) اعلم أن إزالة النجاسة في الشريعة تقع على ثلاث أقسام إزالة وإحالة ~~وهما معا ولكل قاعدة من هذه القواعد خاصية تمتاز بها أما الإزالة فبالماء ~~في الثوب والجسد والمكان. # وأما الإحالة ففي الخمر تصير # PageV02P111 # خلا وأما هما معا ففي الدباغ فإنه إزالة للفضلات ~~المتنجسة التي توجب العصر فيخرج ما في الجلود من ذلك، وأما الإحالة فلأن ~~صفة الجلود تتغير عن هيئتها ms311 إلى هيئة أخرى أما الخواص فخاصية الإزالة الماء ~~الطهور والنية على الخلاف ووصول الغسل حدا ينفصل الماء غير متغير وأن السبب ~~الاستقذار وخاصية الإحالة عدم النية والماء والاستقذار فلا تحتاج للماء بل ~~قد توجد مع عدمه وقد يلقي في الخمر ماء فيكون ذلك سببا لإحالتها للخلية غير ~~أن الماء غير محتاج إليه في الإحالة ويحتاج إليه في الإزالة، وأما النية ~~فمانعة من تطهيرها على الخلاف في القصد إلى تخليل الخمر والمذهب أن القصد ~~مانع وليس شرطا إجماعا وهو شرط في الإزالة على الخلاف وحيث قال الفقهاء في ~~كتبهم النية شرط في إزالة النجاسة إنما يريدون أحد أقسامها وهي الإزالة ومن ~~خواصها عدم الاستقذار بل سبب تنجيسها طلب إبعادها فهذه ثلاث خواص للإحالة ~~تمتاز بها عن الإزالة. # وأما الصورة التي يجتمعان فيها وهو الدباغ فمن خواصه عدم اشتراط الماء ~~وعدم اشتراط النية إجماعا وليس القصد مانعا إجماعا بخلاف الإحالة المنفردة ~~والاستقذار والاستخباث سبب التنجيس لأجل ما فيها من النجاسة فخواصها أيضا ~~ثلاثة فهذه خواص هذه القواعد وبها يحصل الفرق بينها وقد وقع في هذه القواعد ~~والفرق بينها قاعدة تعرف بجمع الفرق وهو أن المعنى الواحد يوجب الضدين ~~المتنافيين وهذا النوع قليل في الشريعة وفيها مثل أحدها هذه المسألة فإن ~~القصد مناسب للتطهير فاشترطه من اشترط المناسب في الإزالة وجعله مانعا في ~~الإحالة سدا للذريعة فإنه إذا جوزنا القصد للتخليل جوزنا إبقاءها في الملك ~~ففي ذلك الزمان ربما انبعثت الدواعي لشربها فمنع من القصد لتخليلها سدا ~~للذريعة فصار القصد يقتضي ها هنا المنع وفي الإزالة الإباحة في الصلاة بذلك ~~الثوب المزال عنه النجاسة وقد رتب على المعنى الواحد الضدان وهما المنع ~~والإباحة فناسب الضدين وهذا هو المسمى عند الأصوليين بجمع الفرق أي جمع ~~المتفرقات من الأضداد. # المثال الثاني لجمع الفرق قال العلماء ترد تصرفات السفيه في حالة الحياة ~~صونا لماله على مصالحه لئلا يضيع ماله بتصرفات ردية، فصون ماله على مصالحه ~~هو سبب رد تصرفاته وتنفذ تصرفاته في الوصايا عند الموت صونا ms312 لماله على ~~مصالحه فإنا لو رددنا وصاياه لأخذ ماله وارثه ولم يحصل له من ماله مصلحة ~~فصون ماله على مصالحه اقتضى رد تصرفاته حال الحياة وتنفيذ تصرفاته عند ~~الممات فقد ناسب الوصف الواحد الضدين المنافيين وترتبا عليه في الشريعة ~~وهذا هو جمع الفرق أيضا لأنه جمع المتفرقات من الأضداد (المثال الثالث) ~~الجهالة مانعة من عقد البيع # PageV02P112 # والإجارة ونحوهما وهي شرط في الجعالة والعارية ~~والقراض فلا يجوز إلى يوم معلوم لأن المطلوب قد لا يحصل في ذلك الأجل ~~فاقتضت # مصلحة # هذه العقود أن يكون الأجل مجهولا ولذلك لا يجوز أن يحدد لخياطة الثوب ~~وغيره من الإجارات يوما معلوما لأنه يوجب الغرر وتفوت المصلحة بل # المصلحة # تقتضي بقاء الأجل مجهولا. # المثال الرابع الأنوثة اقتضى ضعفها التأخر عن الولايات واقتضى ضعفها ~~ولاية الحضانة والتقدمة فيها على الذكور فقد اقتضت الضدين كما اقتضته ~~الجهالة المثال الخامس قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقتضى ~~تعظيمها بذل المال للأقارب والمبادرة إلى سد الخلات في حقهم واقتضى منع ~~المال منهم في الزكاة فقد ترتب عليها البذل والمنع وهما ضدان وإنما قلت هذه ~~النظائر لأن الأصل في المناسب أن ينافي ضد ما يناسبه. # (الفرق الحادي والثمانون الفرق بين قاعدة الرخصة وبين قاعدة إزالة ~~النجاسة) وذلك أن جماعة من العلماء قالوا إزالة النجاسة رخصة بسبب أن السبب ~~في تنجيس الطاهر ملاقاته للنجس إجماعا فإذا صببنا الماء على النجاسة ~~لنزيلها من الإبريق مثلا فالجزء الواصل إلى النجاسة المتصل بها تنجس ~~لملاقاته النجاسة كما تقدم حكاية الإجماع في القاعدة وإذا تنجس الجزء ~~الملاقي للنجاسة تنجس ذلك الجزء الذي يليه وتنجس الجزء الثاني للثالث ~~والثالث للرابع والرابع للخامس وكذلك حتى ينجس الماء الذي داخل الإبريق بل ~~ينجس ماء البحر المالح إذا وضعنا النجاسة في طرفه والسر في ذلك كله ملاقاة ~~النجس للطاهر وحيث قضى الشرع بأن النجاسة تزول وأن الماء لم يفسد مطلقا كان ~~ذلك على خلاف هذه القاعدة فكان رخصة من صاحب الشرع وهذا كلام متين قوي لم ~~أر أحدا ms313 تعرض للجواب عنه. # والجواب عنه أن إزالة النجاسة ليس من باب الرخصة وذلك أن الله تعالى لم ~~يقض على الأعيان بأنها نجسة ولا متنجسة بمجرد كونها جواهر ولا أجساما ~~إجماعا بل لأجل أعراض خاصة قامت بتلك الأجسام من لون خاص وكيفية خاصة ~~معلومة في العادة فإذا انتفت تلك الكيفية وتلك الأعراض انتفى الحكم لانتفاء ~~موجبه وانتفاء الحكم الشرعي لانتفاء سببه ليس من باب الرخص إجماعا وعلى هذه ~~القاعدة يبطل السؤال بسبب أنا نعلم بالضرورة أن الأعراض الخاصة والكيفية ~~الخاصة اللتين قضى الشرع لأجلها بالتنجيس ليسا موجودين في جميع أجزاء ماء ~~الإبريق ولا في جميع أجزاء ماء البحر إذا # PageV02P113 # وضعنا النجاسة في طرفه بل الأجزاء بعيدة من محل ~~النجاسة ليس فيها شيء من ذلك قطعا فلا يكون القضاء بتطهير الأجزاء البعيدة ~~رخصة بل قضاء بالحكم لانتفاء سببه وليس هو من باب الرخص وكذلك إذا توالى ~~الصب والغسل على الثوب المتنجس فقطع بعدم تلك الصفات الموجبة لكون العين ~~نجسة أو متنجسة فوجب أن يزول حكم التنجيس لزوال سببه كما يزول وجوب الزكاة ~~لعدم النصاب ويزول وجوب الصوم في رمضان لزوال رمضان وغير ذلك من الأحكام في ~~الشريعة التي لا يسمى شيء منها رخصة فكذلك ها هنا فظهر أن ما قالوه من أن ~~إزالة النجاسة من باب الرخص لا حقيقة له بل هي من باب العزائم على وفق ~~القواعد لا على خلافها # (الفرق الثاني والثمانون الفرق بين قاعدة إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة ~~إلى النوم خاصة وبين قاعدة إزالة الحدث عن الرجل خاصة بالنسبة إلى الخف) ~~اعلم أنه قد وقع في مذهب مالك - رحمه الله - وفي غيره من المذاهب فتاوى ~~مشكلة في الأحداث وأحكامها وقد ورد الحديث الصحيح في الجنب يريد النوم أنه ~~يتوضأ للنوم خاصة لا للصلاة ولا لغيرها فقال الفقهاء هذا وضوء يرفع حدث ~~الجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة فهذا حدث قد ارتفع بالنسبة إلى شيء خاص ~~وهذا وضوء لا يزيله الحدث الأصغر لأنه لم يجعل رافعا للحدث الأصغر وإنما ~~يزيله الحدث ms314 الأكبر وهو الجنابة فقط فهذه قاعدة مقررة في الحدث في المذهب ~~ويلقون هذا الوضوء لغزا على الطلبة فيقولون هل تعلمون وضوءا لا يزيله البول ~~ونحوه فيشكل ذلك على المسئول ويريدون هذا الوضوء هذه قاعدة قد تقررت ثم ~~قالوا إذا غسل إحدى رجليه ثم أدخلها في الخف قبل غسل الأخرى هل يجوز له أن ~~يمسح على الخف قولان مبنيان على أن الحدث هل يرتفع عن كل عضو على حياله أو ~~لا يرتفع إلا بعد غسل الجميع فعلى القول الأول يجوز له المسح على هذا الخف ~~لأنه لبسه بعد رفع الحدث عن محله وعلى القول الآخر لا يجوز له المسح فقيل ~~لهم إن الحدث له معنيان أحدهما الأسباب الموجبة له كالخارج من السبيلين ~~ونحوه فيقال أحدث إذا وجد منه شيء من ذلك وكذلك يقول الفقهاء النوم هل هو ~~حدث أو سبب للحدث قولان وللخارج من السبيلين على وجه العادة حدث قولا واحدا ~~وثانيهما المنع المرتب على هذه الأسباب يسمى حدثا وهو حكم شرعي يرجع إلى ~~التحريم الخاص بالإقدام على الصلوات ونحوها فهذا المنع يسمى حدثا أيضا وهو ~~الذي يقول الفقهاء فيه إن المتطهر ينوي رفع الحدث أي ينوي # PageV02P114 # بفعله ارتفاع ذلك المنع والمنع قابل للرفع كما يرتفع ~~تحريم الأجنبية بالعقد عليها وتحريم المطلقة بالرجعة وتحريم الميتة ~~بالاضطرار. # وأما رفع تلك الفضلات الخارجة من السبيلين بالوضوء فمتعذر بالضرورة ولما ~~أجمع الناس على أن الحدث يرتفع بالطهارة دل على أنه المنع من الإقدام على ~~الصلاة ومس المصحف ونحو ذلك فتحرر حينئذ أن الحدث له معنيان الأسباب ~~الموجبة والمنع المرتب عليها وإذا كان كذلك فقولهم إن الحدث يرتفع عن كل ~~عضو على حياله مشكل بسبب أن هذا المنع يتعلق بالمكلف لا بالعضو فالمكلف هو ~~الممنوع من الصلاة لا إن العضو هو الممنوع من الصلاة والمنع في حق المكلف ~~باق ولو غسل جميع الأعضاء إلا لمعة واحدة فقولهم الحدث يرتفع عن العضو ~~بانفراده غير معقول وإنما يعقل أن لو كان ذلك العضو ممنوعا في نفسه من ms315 ~~الصلاة فإذن له وحده دون غيره من الأعضاء فحينئذ نقول إن الحدث ارتفع عنه ~~وحده لكن الممنوع هو المكلف والمنع باق ولم يتغير حكم القول بأن الحدث ~~يرتفع عن كل عضو بانفراده غير معقول وتخريج مسألة الخف على هذه القاعدة لا ~~يصح فإن قلت لم لا يجوز أن يكون غسل الرجل يرتفع المنع به عن المكلف ~~باعتبار لبس الخف خاصة ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاة كما قلنا في الوضوء ~~يرفع الجنابة باعتبار النوم خاصة ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاة فتكون هذه ~~القاعدة مثل هذه القاعدة سواء ويندفع الإشكال عن هذه المقالة قلت هذا ~~الجواب لا يصح لأن قولهم الحدث يرتفع عن عضو وحده لم يخصصوا به الرجل بل ~~عمموه في جميع الأعضاء واتفقنا على أن غسل الوجه لا يرفع الحدث باعتبار خف ~~ولا غيره. # وكذا اليدان والرأس لا يرفع الحدث باعتبار شيء ولا المكلف تباح له الصلاة ~~به وحده فصارت هذه المقالة غير معقولة ولأن الوضوء إنما قلنا إنه يرفع ~~الجنابة باعتبار النوم خاصة لورود النص فيه وفي رفع الحدث عن كل عضو وحده ~~ليس فيه نص ولا قياس فإن هذه الأمور تعبدية وقد علل الوضوء هناك بأمور كلها ~~باطلة والظاهر أنه تعبد ومع التعبد لا يصح القياس ولو صحت تلك المعاني ~~فليست موجودة في كل عضو وحده فإن مسح الرأس وحده ليس من جملة الوضوء حتى ~~يصح القياس عليه فظهر أن القول برفع الحدث عن كل عضو بانفراده قول باطل ~~وإنما يصح أن لو ثبتت الإباحة عقيبه لكن المنع باق إجماعا فالحدث باق ~~وينبغي أن يعلم أن قولنا إن الحدث يرتفع عن كل عضو وحده قول باطل وإن القول ~~بثبوت الحدث في الأعضاء وفي كل عضو وحده أيضا قول باطل لأن الحدث هو المنع # PageV02P115 # الشرعي عن ملابسة الصلاة والعضو ليس ممنوعا من الصلاة ~~إنما الممنوع هو المكلف فلا معنى لثبوت المنع على العضو وحده وهذا يؤكد أن ~~الحدث لا يرتفع عن العضو وحده لأن الارتفاع عنه فرع الثبوت فيه ms316 فما لا منع ~~فيه كيف يتصور رفع المنع منه وهذا ضروري وهو يوضح عندك بطلان تلك المقالة ~~برفع الحدث عن العضو وحده وأنها مقالة باطلة ويتضح لك أيضا أن الوضوء إنما ~~رفع الجنابة هنالك باعتبار النوم على المكلف لا عن أعضاء الوضوء يستفاد من ~~هذا البحث أيضا بطلان قولهم إن التيمم لا يرفع الحدث وهو عكس المسألة ~~الأولى بسبب أن الحدث هو المنع الشرعي من الصلاة وهذا الحدث الذي هو المنع ~~متعلق بالمكلف وهو بالتيمم قد أبيحت له الصلاة إجماعا وارتفع المنع إجماعا ~~لأنه لا منع مع الإباحة فإنهما ضدان والضدان لا يجتمعان وإذا كانت الإباحة ~~ثابتة قطعا والمنع مرتفع قطعا كان التيمم رافعا للحدث قطعا فالقول بأنه لا ~~يرفع الحدث باطل قطعا. # فإن قلت يدل على أنه لا يرفع الحدث النص والمعقول أما النص «فقوله - عليه ~~السلام - لحسان لما تيمم وصلى بالناس أصليت بأصحابك وأنت جنب» فسماه جنبا ~~مع التيمم ولا نعني بعدم رفع الحدث إلا الجنابة ونحوها، وأما المعقول فلأنه ~~يجب عليه استعمال الماء في غسل الجنابة إذا وجد الماء فلو كان الحدث ارتفع ~~لكانت الجنابة ارتفعت بالتيمم ولما احتاج للغسل عند وجود الماء فهذا ظاهر ~~في بقاء الحدث وصحة القول به ثم هذه المقالة قال بها أكثر الفقهاء ~~والقائلون بأنه يرفع الحدث قليلون جدا والحق لا يفوت الجمهور غالبا قلت ~~الجواب عن الأول أن قوله - عليه السلام - خرج مخرج الاستفهام للاستطلاع على ~~ما عند المسئول من الفقه في التيمم وبماذا يجيب فيظهر فقهه لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كما سأل معاذا لما بعثه - عليه السلام - إلى اليمن ~~«بم تحكم فقال بكتاب الله تعالى» الحديث إلى آخره لا أنه - عليه السلام - ~~أصدر هذا الكلام مصدر الخبر الجازم حتى يلزم الحجة منه ولو كان قد خرج مخرج ~~الخبر لوجب تأويله وحمله على المجاز لأن ما ذكرناه نكتة عقلية قطعية فمتى ~~عارضها نص وجب تأويله هذا هو قاعدة تعارض القطعيات مع الألفاظ وعن الثاني ~~أن وجوب استعمال الماء عند ms317 وجوده ليس متفقا عليه فلنا منعه على ذلك القول ~~سلمناه لكنا نقول التيمم يرفع الحدث ارتفاعا مغيا بأحد ثلاثة أشياء إما ~~طريان الحدث بأن يطأ امرأته أو يباشر حدثا من الأحداث أو يفرغ من الصلاة ~~الواحدة وتوابعها من النوافل فيصير محدثا حينئذ ممنوعا من الصلاة أو يجد ~~الماء فيصير محدثا عند وجود الماء ويكون الحكم ثابتا إلى آخر غايات كثيرة ~~أو قليلة فهو # PageV02P116 # معقول وأما ثبوت المنع مع الإباحة واجتماع الضدين ~~فغير معقول وإذا تعارض المستحيل والممكن وجب العدول إلى القول بما هو ممكن. # وقد رفع استعمال الماء الحدث إلى غاية وهي طريان الحدث فجاز أن يرفع ~~التيمم الحدث إلى غايات وكذلك نقول الأجنبية ممنوعة محرمة والعقد عليها ~~رافع لهذا المنع ارتفاعا مغيا بغايات أحدها الطلاق وثانيها الحيض وثالثها ~~الصوم ورابعها الإحرام وخامسها الظهار فقد وجدنا المنع يرتفع ارتفاعا مغيا ~~بغايات فكذلك ها هنا يرتفع الحدث مغيا بأحد ثلاث غايات وهذا أمر معقول ~~وواقع في الشريعة وما ذكرتموه مستحيل فأين أحدهما من الآخر وعن الثالث أن ~~كون الجمهور على شيء يقتضي القطع بصحته بل القطع إنما يحصل في الإجماع لأن ~~مجموع الأمة معصوم أما جمهورهم فلا فالظاهر أن الحق معهم والظاهر إذا عارضه ~~القطع قطعنا ببطلان ذلك الظهور وها هنا كذلك لأن اجتماع الضدين مستحيل ~~مقطوع به فيندفع به الظهور والناشئ عن قول الجمهور فظهر لك بهذه المباحث ~~بطلان هذين القولين وظهر الفرق بين قاعدة رفع الوضوء للجنابة باعتبار النوم ~~وقاعدة رفع غسل الرجل للحدث باعتبار لبس الخف # (الفرق الثالث والثمانون الفرق بين قاعدة الماء المطلق وبين قاعدة الماء ~~المستعمل لا يجوز استعماله أو يكره على الخلاف) اعلم أن الماء المطلق هو ~~الباقي على أصل خلقته أو تغير بما هو ضروري له كالجاري على الكبريت وغيره ~~مما يلازم الماء في مقره وكان الأصل في هذا القسم أن لا يسمى مطلقا لأنه قد ~~تقيد بإضافة عين أخرى إليه لكنه استثني للضرورة فجعل مطلقا توسعة على ~~المكلف واختير هذا اللفظ لهذا الماء ms318 وهو قولنا مطلق لأن اللفظ يفرد فيه إذا ~~عبر عنه فيقال ماء وشربت ماء. # وهذا ماء وخلق الله الماء رحمة للعالمين ونحو ذلك من العبارات فأما غيره ~~فلا يفرد اللفظ فيه بل يقال ماء الورد ماء الرياحين ماء البطيخ ونحو ذلك ~~فلا يذكر اللفظ إلا مقيدا بإضافة أو معنى آخر. # وأما في هذا الماء فيقتصر على لفظ مفرد مطلق غير مقيد وإن وقعت الإضافة ~~فيه كقولنا ماء البحر وماء البئر ونحوهما فهي غير محتاج إليها بخلاف ماء ~~الورد ونحوه لا بد من ذلك القيد وتلك الإضافة فمن هنا حصل الفرق من جهة ~~التعيين واللزوم وعدمه أما جواز الإطلاق من حيث الجملة فمشترك فيه بين ~~البابين فهذا هو ضابط المطلق وأما الماء المستعمل فهو الذي أديت به طهارة ~~وانفصل من الأعضاء لأن الماء ما دام في # PageV02P117 # الأعضاء فلا خلاف أنه طهور مطلق ما دام مترددا. # فإذا انفصل عن العضو اختلف فيه هل هو صالح للتطهير أم لا وهل هو نجس أم ~~لا وهل ينجس الثوب إذا لاقاه أم لا هذه أقوال للحنفية ولغيرها واختلف ~~القائلون بخروجه عن صلاحيته للتطهير هل ذلك معلل بإزالة المانع أو بأنه ~~أديت به قربة ويتخرج على القولين مسائل فإن قلنا إن العلة إزالة المانع لم ~~يندرج في الماء المستعمل الغسل في المرة الثانية والثالثة في الوضوء إذا ~~نوى في الأولى الوجوب ولا الماء المستعمل في تجديد الوضوء ونحو ذلك مما لا ~~يزيل المانع ويندرج فيه الماء المستعمل في غسل الذمية لأنه أزال المانع من ~~الوطء وإن قلنا إن سبب ذلك كونه أديت به قربة اندرج فيه الماء المستعمل في ~~المرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء ولا يندرج الماء المستعمل في غسل ~~الذمية لأنه لم تحصل به قربة عكس ما تقدم وللقائلين بالمنع وخروجه عن كونه ~~صالحا للتطهير مدارك أحسنها أن قوله تعالى {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~[الفرقان: 48] وقوله تعالى {ليطهركم به} [الأنفال: 11] . # مطلق في التطهير لا عام فيه بل عام في المكلفين فإذا قال السيد ms319 لعبيده ~~أخرجت هذا الثوب لأغطيكم به لا يدل ذلك على أنه يغطيهم به مرات ولا مرتين ~~بل يدل على أصل التغطية في جميعهم فإذا غطاهم به مرة حصل موجب اللفظ وكذلك ~~هنا إذا تطهرنا بالماء مرة حصل موجب اللفظ فبقيت المرة الثانية فيه غير ~~منطوق بها فتبقى على الأصل غير معتبرة فإن الأصل في الأشياء عدم الاعتبار ~~في التطهير إذ الأصل أن لا يعتبر في التطهير وغيره إلا ما وردت الشريعة به ~~وهذا وجه قوي حسن ومدرك جميل واحتجوا مع هذا الوجه بقولهم إنه ماء أديت به ~~عبادة فلا تؤدى به عبادة أخرى كالرقبة في العتق وبقولهم إنه ماء الذنوب ~~فيكون نجسا. # وإنما قلنا إنه ماء الذنوب لما ورد في الحديث عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «إذا توضأ المؤمن فغسل يديه خرجت الخطايا من بين ~~أنامله وإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أطراف أذنيه» الحديث. فدل ذلك على ~~أن هذا الماء تخرج معه الذنوب وإنما قلنا إنه إذا كان ماء الذنوب يكون نجسا ~~لأن الذنوب ممنوع من ملابستها شرعا والنجاسة هي منع شرعي فإذا حصل المنع ~~حصلت النجاسة. # والجواب عن الأول أنكم تجوزون عتق الرقبة الكافرة في الكفارات الواجبات ~~ولو أعتق عبدا كافرا ذميا ثم خرج إلى أهل الحرب ناقضا للعهد ثم غنمناه عاد ~~رقيقا وجاز عتقه في الواجب مرة أخرى عندكم فما قستم عليه لا يتم على أصولكم ~~سلمنا صحة القياس لكنه معارض بأنه عين أديت به عبادة فيجوز أن تؤدى به ~~عبادة أخرى كالثوب في سترة الصلاة واستقبال الكعبة. # وكذلك # PageV02P118 # المال في الزكاة لو اشتراه ممن انتقل إليه من الفقراء ~~جاز أن يخرجه في الزكاة مرة أخرى وكذلك السيف في الجهاد يجاهد به مرارا ~~والفرس وغيره من آلات الحرب وكم من شيء في الشريعة تؤدى به العبادات مرارا ~~كثيرة نعارضكم به في هذا القياس وعن الثاني أن الذنوب ليست أجراما توجب ~~تنجيس الماء والنجاسة في الشرع إنما تكون في الأجرام عند اتصافها بأعراض ~~أخر ms320 وهذه ليست أجراما فلا تكون توجب التنجيس وأما قولهم إن ملابسة الذنوب ~~حرام فليس من هذا القبيل وإنما الذنوب التي تحرم ملابستها في الشريعة هي ~~أفعال خاصة للمكلف اختيارية مكتسبة متعلقة بأشياء مخصوصة. # وأما هذه الذنوب فمعناها استحقاق المؤاخذة وذلك حكم من الله تعالى لا فعل ~~للمكلف ومما يتعلق بالله تعالى ويختص به لا اختيار للمكلف فيه ولا كسب ~~وحينئذ لا يوصف بتحريم ولا تحليل فظهر أن هذا إيهام لا حقيقة له واحتجوا ~~أيضا بأن السلف - رضي الله عنهم - كانوا يباشرون الأسفار مع قلة الماء فيها ~~ولم ينقل عن أحد منهم أنه جمع ماء طهارته ليستعمله بعد ذلك فكان ذلك إجماعا ~~على أن الماء المستعمل لا يتطهر به والجواب عنه أن الغالب في ذلك الماء ~~التغير لا سيما في زمن الصيف وشعث السفر فلا ينفصل إلا متغيرا بالأعراق ~~وغيرها والمتغير لا يصلح للتطهير إنما النزاع في الماء المستعمل إذا لم ~~يتغير أما هذا فمانع آخر غير كونه مستعملا فظهر الفرق بين الماء المستعمل ~~والماء المطلق. # (الفرق الرابع والثمانون الفرق بين قاعدة النجاسات في الباطن من الحيوان ~~وبين قاعدة النجاسات ترد على باطن الحيوان) اعلم أن باطن الحيوان مشتمل على ~~رطوبات كالدم والمذي والمني والبول وغير ذلك من الرطوبات وكذلك أثفال ~~الغذاء والأخلاط الأربعة وهي الدم والصفراء والسوداء والبلغم وجميع ذلك في ~~باطن الحيوان كله لا يقضي عليه بنجاسة فمن حمل حيوانا في صلاته لا تبطل ~~صلاته فإذا انفصلت هذه الرطوبات والأثفال من باطن الحيوان فحينئذ يقبل أن ~~يقضي عليها بالنجاسة فالدم لم أر أحدا قضى عليه بالطهارة. # وأما البول والعذرة فهما نجسان من بني آدم ومن كل حيوان يحرم أكله وأما ~~ما يؤكل لحمه فهما منه عند مالك طاهران وعند الشافعي نجسان ومن الحيوان ~~المكروه الأكل قيل مكروهان كاللحم وقيل نجسان تغليبا للاستقذار وأما الدم ~~والسوداء فهما عند المالكية وغيرهم نجسان والبلغم # PageV02P119 # والصفراء. # عند المالكية طاهران من الآدمي وغيره. # وأما المني فنجس عند مالك وطاهر عند الشافعي والمذي نجس عندهما ms321 وكذا ~~الودي والمعدة طاهرة عند مالك نجسة عند الشافعي هذا حكم الحيوان وما في ~~باطنه قبل انفصاله. # وأما ما حصل في باطنه من خارج من النجاسات بعد أن قضى عليه بالتنجيس فهو ~~نجس وينجس ما ورد عليه من المعدة وغيرها فمن شرب خمرا أو أكل ميتة أو شرب ~~بولا أو غيره من الأعيان النجسة بطلت صلاته لأنه ملابس في صلاته ما قضى ~~الله عليه بالنجاسة وقولنا ما في باطن الحيوان لا يقضى عليه بشيء إنما يريد ~~العلماء بذلك الذي لم يقض عليه قبل ذلك بالتنجيس أما ما قضي عليه بالتنجيس ~~قبل ذلك فلا فرق بينه في ظاهر الجسد وفي باطنه تبطل به الصلاة فإن حدث عنه ~~عرق يختلف في نجاسة ذلك العرق بناء على الخلاف في رماد الميتة ونحوه من ~~النجاسات التي طرأت عليها التغيرات والاستحالات فإذا صار غذاء وأجزاء من ~~الأعضاء لحما وعظما وغيرهما من الأعضاء فقد صار طاهرا بعد الاستحالة فكذلك ~~نقول في البقرة الجلالة والشاة تشرب لبن خنزير ونحو ذلك إذا بعدت الاستحالة ~~طهر كما أن الدم إذا صار منيا ثم آدميا قضي بطهارته بعد الاستحالة وما طرح ~~من الأغذية الطاهرة في معدة الحيوان كان طاهرا عند مالك حتى يتغير إلى صفة ~~العذرة أو يختلط بنجاسة من عرق ينشر في باطن الجسد ونحوه وعند الشافعي كل ~~ما يصل إلى المعدة يتنجس بها لأنها عنده نجسة وعرض ها هنا فرع وهو جبن ~~الروم فإنهم يعملونه بالإنفحة وهم لا يذكون بل الإنفحة ميتة قال المالكية ~~المحققون هو نجس لذلك وقال بعض الفقهاء هو طاهر لأن المعدة طاهرة واللبن ~~الذي يشربه فيها طاهر فيكون الجبن طاهرا وهذا ليس بجيد لأن بالموت صار جرم ~~المعدة نجسا فينجس اللبن الكائن فيه فيصير الجبن نجسا # PageV02P120 # والذي رأيت عليه فتاوى العلماء في العصر تحريمه ~~وتنجيسه بناء على هذا إذا تقررت هذه المباحث فيكون سر الفرق بين ما ينشأ في ~~باطن الحيوان من النجاسات وبين ما ورد عليه من النجاسات أن الذي نشأ فيه ~~أصله ms322 الطهارة فاستصحبت والوارد قد قضى عليه بالنجاسة قبل أن يرد فكان الأصل ~~فيه النجاسة فاستصحبت فاستصحاب الحال فيهما أوجب الحكمين المختلفين # PageV02P121 # (الفرق الخامس والثمانون الفرق بين قاعدة المندوب ~~الذي لا يقدم على الواجب وقاعدة المندوب الذي يقدم على الواجب) اعلم أن ~~القاعدة والغالب أن الواجب يكون أفضل من المندوب وإليه الإشارة بقوله - ~~عليه السلام - حكاية عن الله تعالى «ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت ~~عليه ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه ~~الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» الحديث في مسلم وغيره ~~قد صرح الحديث بأن الواجب أفضل من غيره ومتى تعارض الواجب والمندوب قدم ~~الواجب على المندوب وباعتبار هذه القاعدة ورد سؤال مشكل وهو أن السنة وردت ~~بالجمع بين الصلاتين للظلام والمطر والطين وهذا الجمع يلزم منه تقديم ~~المندوب على الواجب وذلك أن الجماعة يلحقهم ضرر بخروجهم من المسجد إلى ~~بيوتهم وعودهم لصلاة العشاء وكذلك إذا قيل لهم أقيموا في المسجد حتى يدخل ~~وقت العشاء حتى تصلوها وهذا الضرر يندفع بأحد أمرين إما بتفويت فضيلة ~~الجماعة بأن يخرجوا الآن ويصلوا في بيوتهم أفذاذا وإما بأن يصلوا الآن ~~الصلاتين على سبيل الجمع فتفوت مصلحة الوقت وتأخير الصلاة إلى وقتها واجب ~~فضاع الواجب بالجمع فلو حفظ هذا الواجب ضاع المندوب الذي فضيلة الجماعة فقد ~~تعارض واجب ومندوب في دفع هذه الضرورة عن المكلف فقدم المندوب على الواجب ~~فحصل وترك الواجب فذهب وهو خلاف القاعدة # PageV02P122 # والمعهود في الشريعة دفع الضرر بترك الواجب إذا تعين ~~طريقا لدفع الضرر كالفطر في رمضان وترك ركعتين من الصلاة لدفع ضرورة السفر ~~وكذلك يستعمل المحرم لدفع الضرر كأكل الميتة لدفع ضرر التلف وتساغ الغصة ~~بشرب الخمر كذلك وذلك كله لتعين الواجب أو المحرم طريقا لدفع الضرر أما إذا ~~أمكن تحصيل الواجب أو ترك المحرم مع دفع الضرر بطريق آخر من المندوبات أو ~~المكروهات لا يتعين ترك الواجب ولا فعل المحرم ولذلك لا يترك الغسل بالماء ms323 ~~ولا القيام في الصلاة ولا السجود لدفع الضرر والألم والمرض إلا لتعينه ~~طريقا لدفع ذلك الضرر وهذا كله قياس مطرد # PageV02P123 # وقد خولف هذا القياس بالجمع المتقدم ذكره وترك الواجب ~~وفعل المندوب في دفع الضرر وكذلك الجمع بعرفة ترك فيه واجبان أحدهما تأخير ~~الصلاة لوقتها وهي العصر فتقدم وتصلى مع الظهر مع إمكان الجمع في تحصيل ~~مصلحة الوقت ودفع الضرر وثانيهما ترك الجمعة إذا جاءت يوم عرفة ويصلى الظهر ~~أربعا فترك الواجب أيضا لا لدفع الضرر لأنه يندفع بالجمع بين العصر والجمعة ~~كما يندفع بالجمع بين الظهر والعصر ولذلك لما حج هارون الرشيد ومعه أبو ~~يوسف واجتمعا بمالك في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وقع البحث ~~في ذلك فقال أبو يوسف إذا اجتمع الجمعة والظهر يوم عرفة قدمت الجمعة لأنها ~~أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان قال له مالك إن ذلك خلاف السنة فقال له ~~أبو يوسف من أين لك ذلك وأنه # PageV02P124 # خلاف السنة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بالناس ركعتين قبلهما خطبة وهذه هي صلاة الجمعة فقال له مالك جهر فيهما أو ~~أسر فسكت أبو يوسف فظهرت الحجة لمالك - رضي الله عنهم أجمعين - بسبب ~~الإسرار لأن الجمعة جهرية فلما صلى - عليه السلام - ركعتين سرا دل ذلك على ~~أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة والخطبة ليوم عرفة لا ليوم الجمعة لأن ~~عرفة إنما خطبته لتعليم الناس مناسك الحج كانت في يوم الجمعة أم لا والجواب ~~عن الجمع وترك الجمعة بعرفة أيسر من الجواب عن الجمع ليلة المطر. # أما الجواب عن عرفة وترك الجمعة فلأن الغالب على الحجيج السفر وفرض ~~المسافر الظهر دون الجمعة فجعل النادر تبعا للغالب فمن هو مقيم بعرفة أو ~~منزله قريب من عرفة فترك الجمعة على هذا التقدير ليس ترك الواجب. # وأما ترك تأخير الصلاة إلى وقتها وهي العصر فلضرورة الحجاج في ذلك اليوم ~~للإقبال على الدعاء والابتهال والتقرب اللائق بعرفة وهو يوم لا يكاد يحصل ~~في العمر إلا مرة بعد ضنك الأسفار وقطع ms324 البراري والقفار وإنفاق الأموال من ~~الأقطار البعيدة والأوطان النائية فناسب أن يقدم هذا على مصلحة وقت العصر ~~ويكون هذا ضررا يوجب التقديم كما يوجب فوات الزمان التقديم في حق المسافر ~~يجمع بين الصلاتين بل هذا أعظم من فوات الزمان لأن الإنسان يمكنه أن لا ~~يسافر أو يسافر معه رفقة موافقين على النزول في أوقات الصلوات فهو ضرر يمكن ~~التحرز منه من حيث الجملة أما مصالح الحج فأمر لازم للعبد ولا خروج له عنها ~~ولا يمكن العدول عنها إلى غيرها فهذا جواب يمكن أن يقال في جمع عرفة دون ~~جمع ليلة المطر. # وأما جمع المسافر والمريض إذا خاف الغلبة على عقله آخر الوقت فهو متعين ~~لدفع الضرر بخلاف جمع المطر لم يتعين ترك الواجب لدفع الضرر ولو لم يجمع ~~المسافر والمريض ضاع الواجب آخر الوقت وهو الصلاة الأخيرة بغيبة العقل ~~وضرورة المرض أو دخل الضرر بفوات الرفاق والجمع ليلة المطر لو ترك إنما ~~يفوت المندوب الذي هو الجماعة. # وأما الصلوات فتصلى على أفضل الأحوال في البيوت عند دخول الأوقات فهذا ~~جمع يختص بهذا السؤال القوي والجواب عنه إذا حصل يقوي الجواب يوم عرفة ~~فنشرع في الجواب عنه فإنه من الأسئلة المشكلة فنقول إن المندوبات قسمان قسم ~~تقصر مصلحته عن مصلحة الواجب وهذا هو الغالب # PageV02P125 # فإن أوامر الشرع تتبع # المصالح # الخالصة أو الراجحة ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة حتى يكون ~~أدنى المصالح يترتب عليه الثواب ثم تترقى المصلحة والندب وتعظم رتبته حتى ~~يكون أعلى رتب المندوبات تليه أدنى رتب الواجبات وأدنى رتب المفاسد يترتب ~~عليها أدنى رتب المكروهات ثم تترقى المفاسد والكراهة في العظم حتى يكون ~~أعلى رتب المكروهات يليه أدنى رتب المحرمات هذا هو القاعدة العامة ثم إنه ~~قد وجد في الشريعة مندوبات أفضل من الواجبات وثوابها أعظم من ثواب الواجبات ~~وذلك يدل على أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات لأن الأصل في كثرة الثواب ~~وقلته كثرة المصالح وقلتها ألا ترى أن ثواب التصدق بدينار أعظم من ثواب ~~التصدق بدرهم ms325 لأنه أعظم مصلحة وسد خلة الوالي الصالح أعظم من سد خلة الفاسق ~~الطالح لأن # مصلحة # بقاء الولي والعالم في الوجود لنفسه وللخلق أعظم من مصلحة الفاسق وعلى ~~هذا القانون # PageV02P126 # هذه هي القاعدة العامة في غالب موارد الشريعة مع أنه ~~قد وقع في الشريعة مواضع مستوية في المصلحة وأحدها أكثر ثوابا كقراءة ~~الفاتحة داخل الصلاة أكثر ثوابا من قراءتها خارج الصلاة لوجوبها داخل ~~الصلاة وشاة الزكاة الواجبة أعظم ثوابا من شاة صدقة التطوع مع مساواتها ~~لنفسها ودينار الزكاة أكثر ثوابا من دينار صدقة التطوع. # وهو في الشريعة قليل ولله تعالى أن يفضل أحد المتساويين على الآخر ~~بإرادته مع أنه يجوز أن يكون في أحد هذين المتساويين مصلحة لم يطلع عليها ~~أحد بسبب قصد الوجوب فيه أو وقوعه في حيز الواجب إذا ظهر أن كثرة الثواب ~~تدل على كثرة المصلحة غالبا أو مطلقا فأذكر من المندوبات التي فضلها الشرع ~~على الواجبات سبع صور: الصورة الأولى إنظار المعسر بالدين واجب وإبراؤه منه ~~مندوب إليه وهو أعظم أجرا من الإنظار لقوله تعالى {وأن تصدقوا خير لكم} ~~[البقرة: 280] فجعله أفضل من الإنظار وسبب ذلك أن # PageV02P127 # مصلحته أعظم لاشتماله على الواجب الذي هو الإنظار فمن ~~أبرئ مما عليه فقد حصل له الإنظار وهو عدم المطالبة في الحال. # الصورة الثانية «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة» أي بسبع ~~وعشرين مثوبة مثل مثوبة صلاة المنفرد كذلك خرجه مسلم في صحيحه وهذه السبع ~~والعشرون مثوبة هي مضافة لوصف صلاة الجماعة خاصة ألا ترى أن من صلى وحده ثم ~~صلى في جماعة حصلت له مع أن الإعادة في جماعة غير واجبة عليه فصار وصف ~~الجماعة المندوب أكثر ثوابا من ثواب الصلاة الواجبة وهو مندوب فضل واجبا ~~فدل ذلك على أن مصلحته عند الله تعالى أكثر من مصلحة الواجب. الصورة ~~الثالثة للصلاة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير من ألف صلاة ~~في غيره بألف مثوبة مع أن الصلاة فيه غير واجبة فقد فضل المندوب الذي هو ms326 ~~الصلاة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواجب الذي هو أصل ~~الصلاة وذلك يدل على أن الصلاة في هذا المكان أعظم مصلحة عند الله تعالى ~~وإن كنا لا نعلم ذلك. الصورة الرابعة «الصلاة في المسجد الحرام أفضل من ~~مائة ألف صلاة في غيره» كما خرجه الثقات ابن عبد البر وغيره مع أن الصلاة ~~فيه غير واجبة فقد فضل المندوب الواجب الذي هو أصل الصلاة من حيث هي صلاة. ~~الصورة الخامسة الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة مع أن الصلاة فيه غير ~~واجبة فقد فضل المندوب الواجب الذي هو أصل # PageV02P128 # الصلاة. # الصورة السادسة روي أن «صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك» مع أن ~~وصف السواك مندوب إليه ليس بواجب فقد فضل المندوب الواجب الذي هو أصل ~~الصلاة ويؤكد ذلك قوله - عليه السلام - في الحديث الآخر «لولا أن أشق على ~~أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» قال بعض العلماء هذا يدل على أن مصلحته ~~تصلح للإيجاب ولكن ترك الإيجاب رفقا بالعباد. الصورة السابعة الخشوع في ~~الصلاة مندوب إليه لا يأثم تاركه فهو غير واجب مع أنه قد ورد في الصحيح ~~قوله - عليه السلام - «إذا نودي للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها ~~وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» وروي «وما ~~فاتكم فاقضوا» قال بعض العلماء إنما أمر بعدم الإفراط في السعي لأنه إذا ~~قدم على الصلاة عقيب شدة السعي يكون عنده انبهار وقلق يمنعه من الخشوع # PageV02P129 # اللائق بالصلاة فأمره - عليه السلام - بالسكينة ~~والوقار واجتناب ما يؤدي إلى فوات الخشوع وإن فاتته الجمعة والجماعات وذلك ~~يدل على أن مصلحة الخشوع أعظم من مصلحة وصف الجمعة والجماعات مع أن الجمعة ~~واجبة فقد فضل المندوب الواجب في هذه الصورة فهي على خلاف القاعدة العامة ~~التي تقدم تقريرها التي شهد لها الحديث في قوله تعالى «ما تقرب إلي عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» الحديث. # إذا تقرر هذا وظهر أن بعض المندوبات قد ms327 تفضل الواجبات في المصلحة فنقول ~~إنا حيث قلنا إن الواجب يقدم على المندوب والمندوب لا يقدم على الواجب حيث ~~كانت مصلحة الواجب أعظم من مصلحة المندوب أما إذا كانت مصلحة المندوب أعظم ~~ثوابا فإنا نقدم المندوب على الواجب كما تقدم في الخشوع وغيره فإذا وجدنا ~~الشرع قدم مندوبا على واجب فإن علمنا أن مصلحة ذلك المندوب أكثر فلا كلام ~~حينئذ وإن لم نعلمها استدللنا بالأثر على المؤثر وقلنا ما قدم صاحب الشرع ~~هذا المندوب على هذا الواجب إلا لمصلحة ومصلحته أعظم من مصلحة الواجب لأنا ~~استقرينا الشرائع # PageV02P130 # فوجدناها مصالح على وجه التفضل من الله تعالى ولذلك ~~قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - إذا سمعتم قراءة كتاب الله تعالى ~~فاستمعوا فإنه إنما يأمركم بخير وينهاكم عن شر فحيث لم نعلم ذلك قلنا هو ~~كذلك طرد القاعدة الشرع في رعاية # المصالح # ولما وردت السنة الصحيحة بالجمع بين الصلاتين وقدم فيه المندوب الذي هو ~~وصف الجماعة على الواجب الذي هو الوقت قلنا هذا المندوب أعظم مصلحة من ذلك ~~الواجب أو مساو للواجب فخير الشرع بينهما وجعل له اختيار أحدهما فاندفع ~~السؤال حينئذ. # (الفرق السادس والثمانون الفرق بين قاعدة ما يكثر الثواب فيه والعقاب ~~وبين قاعدة ما يقل الثواب فيه والعقاب) اعلم أن الأصل في كثرة الثواب وقلته ~~وكثرة العقاب وقلته أن يتبعا كثرة # المصلحة # في الفعل وقلتها كتفضيل التصدق بالدينار على التصدق بالدرهم وإنقاذ ~~الغريق من بني آدم مع إنقاذ الغريق من الحيوان البهيمي وإثم الأذية في ~~الأعراض والنفوس أعظم من الأذية في الأموال # PageV02P131 # وهذا هو غالب الشريعة وقد يستوي الفعلان في المصلحة ~~والمفسدة من كل وجه ويوجب الله تعالى أحدهما دون الآخر كتكبيرة الإحرام مع ~~غيرها من التكبيرات وسجدة التلاوة مع سجدة الصلاة وسجدة النافلة مع سجدة ~~الفريضة وكذلك الركوع فيهما بل قد تترك هذه القاعدة وتعكس بأن يصير الأقل ~~أكثر ثوابا كتفضيل القصر على الإتمام مع اشتمال الإتمام على مزيد الخشوع ~~والإجلال وأنواع التقرب وكتفضيل الصبح على سائر الصلوات عندنا ms328 بناء على ~~أنها الصلاة الوسطى وكتفضيل العصر على رأي أبي حنيفة مع تقصير القراءة فيها ~~بالنسبة إلى الظهر # PageV02P132 # وكتفضيل ركعة الوتر على ركعتي الفجر ومن ذلك ما ورد ~~في الحديث الصحيح أن النبي - عليه السلام - قال «من قتل الوزغة في الضربة ~~الأولى فله مائة حسنة ومن قتلها في الثانية فله سبعون حسنة» فكلما كثر ~~الفعل كان الثواب أقل وسبب ذلك أن تكرار الفعل والضربات في القتل يدل على ~~قلة اهتمام الفاعل بأمر صاحب الشرع إذ لو قوي عزمه واشتدت حميته لقتلها في ~~الضربة الأولى فإنه حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة متونة في الضرب فحيث لم ~~يقتلها في الضربة الأولى دل ذلك على ضعف عزمه فلذلك ينقص أجره عن المائة ~~إلى السبعين والأصل هو ما تقدم أن قاعدة كثرة الثواب كثرة الفعل وقاعدة قلة ~~الثواب قلة الفعل فإن كثرة الأفعال في القربات تستلزم كثرة المصالح غالبا ~~ولله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لصنعه. # (الفرق السابع والثمانون الفرق بين قاعدة ما يثبت في الذمم وبين قاعدة ما ~~لا يثبت فيها) اعلم أن المعينات المشخصات في الخارج المرئية بالحس لا تثبت ~~في الذمم ولذلك أن من اشترى سلعة معينة فاستحقت انفسخ العقد ولو ورد العقد ~~على ما في الذمة كما في السلم فأعطاه ذلك وعينه فظهر ذلك المعين مستحقا رجع ~~إلى غيره لأنه تبين أن ما في الذمة لم يخرج منها وكذلك إذا استأجر دابة ~~معينة للحمل أو غيره فاستحقت أو ماتت انفسخ العقد ولو استأجر منه حمل هذا ~~المتاع من غير تعيين دابة أو على أن يركبه إلى مكة من غير تعيين مركوب معين ~~فعين له لجميع ذلك دابة للحمل أو لركوبه فعطبت أو استحقت رجع فطالبه بغيرها ~~لأن المعقود عليه غير معين بل في الذمة فيجب عليه الخروج منه بكل معين شاء ~~ويظهر أثر ذلك في قاعدة أخرى فإن المطلوب متى كان في الذمة فإن لمن هو عليه ~~أن يتخير بين الأمثال ms329 ويعطي أي مثل شاء ولو عقد على معين من تلك الأمثال لم ~~يكن له الانتقال عنه إلى غيره فلو اكتال رطل زيت من خابية وعقد # PageV02P133 # عليه لم يكن له أن يعطي غيره من الخابية. # وكذلك إذا فرق صبرته صيعانا فعقد على صاع منها بعينه لم يكن له الانتقال ~~عنه إلى غيره من تلك الأمثال ولو كان في الذمة لكان له الخروج عنه بأي مثل ~~شاء من تلك الأمثال فهذا أيضا يوضح لك أن المعينات لا تثبت في الذمم وأن ما ~~في الذمم لا يكون معينا بل يتعلق الحكم فيه بالأمور الكلية والأجناس ~~المشتركة فيقبل ما لا يتعين منها البدل والمعين لا يقبل البدل والجمع ~~بينهما محال وهذا الفرق بين هاتين القاعدتين يظهر أثره في المعاملات ~~والصلوات والزكوات فلا ينتقل الأداء إلى الذمة إلا إذا خرج وقته لأنه معين ~~بوقته والقضاء ليس له وقت معين يتعين حده بخروجه فهو في الذمة والقاعدة أن ~~من شرط الانتقال إلى الذمة تعذر المعين كالزكاة مثلا ما دامت معينة بوجود ~~نصابها لا تكون في الذمة فإذا تلف النصاب بعذر لا يضمن نصيب الفقراء ولا ~~ينتقل الواجب إلى الذمة وكذلك الصلاة إذا تعذر فيها الأداء بخروج وقتيها ~~لعذر لا يجب القضاء وإن خرج لغير عذر ترتبت في الذمة # PageV02P134 # ووجب القضاء ولا يعتبر في القضاء التمكن من الإيقاع ~~أول الوقت خلافا للشافعي - رحمه الله - كما لا يعتبر في ضمان الزكاة تأخر ~~الجائحة عن الزرع أو الثمرة بعد زمن الوجوب وكما لو باع صاعا من صبرة وتمكن ~~من كيلها ثم تلفت الصبرة من غير البائع فإنه لا يخاطب بالتوفية من جهة أخرى ~~ولا ينتقل الصاع للذمة ولذلك أجمعنا في المسافر يقيم والمقيم يسافر على ~~اعتبار آخر الوقت وهذا الفرق قد خالفناه أيها المالكية في صورتين إحداهما ~~في النقدين عندنا لا يتعين بالتعيين وإنما تقع المعاملة بهما على الذمم. # وإن عينت إلا أن تخص بأمر يتعلق به الغرض كشبهة في أحدهما أو سكة رائجة ~~دون النقد الآخر ولو غصب ms330 غاصب دينارا معينا فله أن يعطي غيره مثله في المحل ~~ويمنع ربه من أخذ ذلك المعين المغصوب وعلل ذلك أصحابنا بأن خصوصات الدنانير ~~والدراهم لا تتعلق بها الأغراض فسقط اعتبارها في نظر الشرع فإن صاحب الشرع ~~إنما يعتبر ما فيه نظر صحيح ولزمهم على ذلك سؤالان: أحدهما يلزم أن أعيان ~~الدنانير والدراهم لا تملك أيضا لأجل أن للغاصب المنع من المعين وكذلك ~~المشتري في العقود ولو كانت الخصوصات مملوكة لكان لصاحب المعين المطالبة ~~بملكه وأخذه المعين من الغاصب والمشتري فلا يكون المملوك عندهم إلا الجنس ~~الكلي دون الشخصي ومتى شخص من الجنس شيء لا يملك خصوصه ألبتة وهو أمر شنيع ~~وثانيهما أنا اتفقنا على أن الصيعان المستوية والأرطال المستوية من الزيت ~~تملك أعيانها وإنما تعين بالتعيين مع أن الأغراض مستوية في تلك الأفراد فهي ~~نقض كبير عليهم ولهم الجواب عن الأول بالتزامه # PageV02P135 # والشناعة لا عبرة بها من غير دليل شرعي. # وقد تمسكوا بدليل صحيح وهو أن الشرع لا يعتبر ما لا غرض فيه وهذا كلام ~~حق، وعن الثاني الفرق بين النقدين وغيرهما فإنهما وسائل لتحصيل الأغراض من ~~السلع والمقاصد إنما هي السلع وإذا كانت السلع مقاصد وقعت المشاحنة من ~~تعييناتها بخلاف الوسائل اجتمع فيها أمران أحدهما أنها وسائل والثاني عدم ~~تعلق الأغراض بخلاف المقاصد فيها حيثية واحدة فظهر الفرق واندفع النقض. ~~الصورة الثانية التي خالف فيها المالكية الفرق إذا كان له على رجل دين فأخذ ~~منه ما يتأخر قبضه كدار يسكنها أو ثمرة يتأخر جذاذها أو عبد يستخدمه ونحو ~~ذلك قال ابن القاسم لا يجوز ذلك لأنه فسخ دين من دين لأن هذه الأمور لما ~~كانت يتأخر قبضها أشبهت الدين وفيها مفسدة الدين من جهة أن فيها المطالبة ~~وقال أشهب يجوز ذلك وليس هذا فسخ دين في دين بل دين معين في معين وعلى هذا ~~المذهب يطرد الفرق إنما مخالفته في القول الأول # PageV02P136 # (الفرق الثامن والثمانون الفرق بين قاعدة وجود السبب ~~الشرعي سالما عن المعارض من غير تخيير فيترتب عليه ms331 مسببه وبين قاعدة وجود ~~السبب الشرعي سالما عن المعارض مع التخيير فلا يترتب عليه مسببه ولم يميز ~~أحدهما عن الآخر إلا بالتخيير وعدمه مع اشتراكهما في الوجود والسلامة عن ~~المعارض) وهذا الفرق بين هاتين القاعدتين فيه صعوبة وغموض ويظهر لك الغموض ~~والصعوبة بما ورد على المالكية لما خالفوا الشافعية فقالوا المعتبر من ~~الأوقات في الصلوات أواخرها دون أوائلها فإن وجد العذر المسقط للصلاة آخر ~~الوقت سقطت الصلاة التي لم تكن فعلت قبل طريان العذر. # ولا عبرة بما وجد من الوقت في أوله أو وسطه سالما من العذر وكذلك إذا ذهب ~~العذر آخر الوقت فطهرت الحائض حينئذ وجبت الصلاة ولا عبرة بوجود العذر أول ~~الوقت أو وسطه والشافعية سلموا القسم الثاني وإنما نازعوا في الأول فقالوا ~~أجمعتم معنا على أن الوجوب في الصلاة وجوب موسع متعلق بالقدر المشترك بين ~~أجزاء القامة وإذا وجد أول الوقت فقد وجد القدر المشترك في ضمنه وهو متعلق ~~الوجوب وسببه فإذا لم يكن عذر في أول الوقت كالحيض وغيره وقد وجد السبب ~~الموجب للصلاة أول الوقت سالما عن المعارض فيترتب عليه الوجوب فإذا حاضت ~~بعد ذلك حاضت بعد ترتب الوجوب عليها فتقضى بعد زوال العذر وانقضاء مدة ~~الحيض وأنتم إذا قلتم لا يجب عليها بذلك شيء بل إنما يعتبر آخر الوقت في ~~طريان العذر وزواله فهذا من مالك - رحمه الله - يقتضي أنه يعتقد أن الوجوب ~~متعلق بآخر الوقت كما قاله الحنفية والمالكية لا تساعد على ذلك فيبقى مذهب ~~مالك مشكلا جدا أما مذهب الشافعية في اعتبار السبب الموجب السالم عن ~~المعارض فهو القياس وجرى على أصله في الواجب الموسع أما مالك فلا والجواب ~~عن هذا السؤال مبني على معرفة الفرق بين هاتين القاعدتين وذلك أن السبب ~~السالم عن المعارض إذا لم يكن فيه تخيير هو الذي يلزم فيه ما قاله الشافعي. # أما مع التخيير فلا لسبب ما نذكره من الفروق # PageV02P137 # ونوضحه بذكر نظائر من الشريعة: أحدها أنه إذا باع ~~صاعا من صبرة فله بيع بقية الصيعان ms332 وبقيتها من غير المشتري فلو فعل ذلك ~~وبقي صاع وتلف بآفة سماوية انفسخ العقد ولم ينقل الصاع للذمة كما لو تلفت ~~الصبرة كلها بآفة سماوية والسبب في ذلك أن العقد تعلق بالقدر المشترك بين ~~صيعان الصبرة وهو مطلق الصاع فتصرف بمقتضى التخيير فيما عدا الصاع الواحد ~~وأتت الجائحة على ذلك الصاع فكان التخيير في غيره مع أن الآفة فيه كالآفة ~~في الجميع كذلك أجزاء الوقت كالصيعان يجب منها واحد فقط فإذا تصرفت المرأة ~~في ضياع ما عدا الآخر منها بالإتلاف ثم طرأ العذر في آخرها قام ذلك مقام ~~وجود العذر في جميعها ولو وجد العذر في جميعها سقطت الصلاة وكذلك إذا وجد ~~ما يقوم مقامه ومر التخيير مع العذر في الأخير وبالتخيير حصل الفرق بين سبب ~~الوجوب الذي هو القدر المشترك بين أجزاء القامة فإذا وجد أولا سالما عن ~~المعارض فأتلفه المكلف بالضياع لا يضمن الصلاة وبين رؤية الهلال فإنه سبب ~~للوجوب فإذا وجد سالما عن المعارض ترتب عليه الوجوب والسر في ذلك التخيير ~~وعدمه ولولا التخيير لكان للمشتري في الصيعان أن يقول العقد اقتضى مطلق ~~الصاع وقد وجد في صاع من الصيعان التي تعديت عليها أيها البائع ومن تعدى ~~على المبيع ضمنه فيلزمك أيها البائع الضمان ولما كان من حجته أن يقول إن ~~تسلطي بالتخيير بين صيعان الصبرة في توفيته ينفي عني العدوان فيما تعديت ~~فيه فلا أضمن كان للمرأة أيضا أن تقول إن تسلطي على أول الوقت بالتخيير بين ~~أجزاء القامة في إيقاع الصلاة ينفي عني وجوب الصلاة فإني جعل لي أن أؤخر ~~وأعين المشترك في الجزء الأخير فلما عينته تلف بالحيض كما تلف الصاع بالآفة ~~وما سر ذلك إلا التخيير، وثانيها لو وجب عليه عتق رقبة في الكفارة وعنده ~~رقاب فله أن يتصرف فيما عدا الواحد بالعتق وغيره فإذا فعل ذلك ولم يبق إلا ~~رقبة ماتت أو تعيبت سقط عنه الأمر بالعتق وجاز له الانتقال إلى الصيام ولا ~~نقول تعينت عليه رقبة وثبتت في ذمته لا بد ms333 منها بل يسقط التكليف بالرقبة ~~بالكلية فيكون التخيير مع الآفة السماوية في الأخير يقوم مقام حصول الآفة ~~في جميع الرقاب ابتداء. # وثالثها لو كان له عدة ثياب للسترة في الصلاة فله أن يتصرف فيما عدا ~~الواحد منها فإذا وهب أو باع وخلى واحدا منها فطرأت # PageV02P138 # عليه الآفة المانعة له من أن يصلي فيه صلى عريانا من ~~غير إثم ويسقط التكليف بالكلية فظهر بذلك أن التصرف بالتخيير مع العذر في ~~الأخير يقوم مقام العذر في الجميع فكذلك آخر الوقت ورابعها لو كان عنده قدر ~~كفايته من الماء لطهارته مرارا فالواجب عليه القدر المشترك بين تلك ~~المقادير كما تقدم أن الواجب القدر المشترك بين الثياب والرقاب فله هبة ما ~~عدا كفايته فإذا تصرف فيه بالهبة بمقتضى التخيير ثم تلف الماء الآخر الذي ~~استبقاه سقط التكليف بالوضوء بالكلية من غي إثم وقام التصرف بالتخيير مع ~~الآفة في الأخير مقام حصول العذر في الجميع في عدم الإثم وسقوط التكليف ~~كذلك ها هنا يقوم التصرف في الأوقات الأول بالتخيير مع حصول العذر في ~~الأخير مقام حصول العذر في جميعها. وخامسها لو كان عنده صاعان من الطعام ~~لزكاة الفطر فإن الواجب عليه القدر المشترك بينهما وهو مطلق الصاع وهو مخير ~~بينهما فله التصرف فيما عدا الصاع الواحد فإذا باعه أو وهبه وترك صاعا ~~واحدا فلم يتمكن من إخراجه حتى تلف من غير سبب من قبله فإنه تسقط عنه زكاة ~~الفطر إذا قلنا بأنها تجب وجوبا موسعا من غروب الشمس من رمضان إلى غروبها ~~من يوم الفطر وأشبه من جاءه وقت الوجوب وليس عنده طعام ألبتة وبالجملة فإذا ~~استقريت الشريعة تجد فيها صورا كثيرة الخطاب فيها متعلق بالقدر المشترك بين ~~أفراد ذلك الجنس ويقوم التخيير بين تلك الأفراد والتصرف في البعض بالإتلاف ~~بمقتضى التخيير في الجميع مقام التلف في الجميع فكذلك صورة النزاع فعلم ~~بهذه النظائر أن الفرق في الشرع واقع بين وجود السبب سالما عن المعارض مع ~~التخيير وبين وجوده مع عدم التخيير فلا يعتقد أن ms334 سبب الوجوب متى وجد سالما ~~عن المعارض ترتب عليه الوجوب بل ذلك مشروط بعدم التخيير بين أفراده كما ~~قلناه في رؤية الهلال وغيره وظهر أنه لا فرق بين قيام المعارض في جميع صور ~~السبب وبين قيامه في بعض صوره إذا كان التخيير في البعض الآخر فتأمل هذا ~~الفرق فهو دقيق وهو عمدة المذهب في هذه المواضع. # PageV02P139 # (الفرق التاسع والثمانون بين قاعدة استلزام إيجاب ~~المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه، وبين قاعدة الأمر الأول لا يوجب القضاء ~~وإن كان الفعل في القضاء جزء الوقت الأول، والجزء الآخر خصوص الوقت) # هاتان القاعدتان ملتبستان جدا بسبب أن الأمر بالعبادة في وقت معين أمر ~~بالعبادة، وبكونها في وقت معين وهو أمر بمجموع الفعل وتخصيصه بالزمان فإذا ~~ذهب أحد الجزأين، وهو تخصيصه بعين ذلك الزمان ينبغي أن يبقى الفعل واجبا ~~بالأمر الأول؛ لأن القاعدة أن إيجاب المركب يقتضي إيجاب مفرداته # PageV02P140 # فلا بد من الفرق بين هذه القاعد وقاعدة أن الأمر ~~الأول لا يقتضي القضاء فإنه المشهور من مذهب العلماء، وسر الفرق بين ~~القاعدتين بعد اشتراكهما في أن الأمر مركب فيهما أن تخصيص صاحب الشرع بعض ~~الأوقات بأفعال معينة دون بقية الأوقات يقتضي اختصاص ذلك الوقت المعين ~~بمصلحة لا توجد في غير ذلك الوقت، ولولا ذلك لكان الفعل عاما في جميع ~~الأوقات، ولا بد لما بعد الزوال من معنى لاحظه صاحب الشرع لم يكن موجودا ~~قبل الزوال طردا لقاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح، وهكذا كل أمر تعبدي ~~معناه أن فيه معنى لم نعلمه لا أنه ليس فيه معنى، وإذا كانت الأوقات ~~المعينة إنما خصصت بالعبادة لأجل مصالح فيها دون غيرها كان مقتضى هذا ~~الدليل أن لا يشرع الفعل في غيرها لعدم # PageV02P141 # المصلحة في غير ذلك الوقت؛ لأن الأمر الأول دل ~~بالالتزام على عدم المصلحة بدليل التخصيص فإذا لم يوجد أمر دال على القضاء. # قلنا: الأصل عدم مصلحة الفعل في غير الوقت الذي عين له ومع الأصل لفظ ~~التخصيص يدل على عدمه فلا تفعل تلك العبادة ms335 ألبتة فإن ورد الأمر بالقضاء دل ~~الأمر الثاني على أن ما بعد ذلك الوقت مما يقارب الوقت الأول في مصلحة ~~الوجوب وإن لم يصل إلى مثل مصلحته، إذ لو وصل إليها لسوى بينهما في الأمر ~~الأول، وحيث لم يسو بينهما دل ذلك على التفاوت بينهما فمن لاحظ هذا الفرق ~~بين القاعدتين قال القضاء إنما يجب بأمر جديد، ومن لاحظ التسوية والمشترك ~~بينهما قال القضاء بالأمر الأول فتأمل ذلك. # (الفرق التسعون بين قاعدة أسباب الصلوات وشروطها يجب الفحص عنها وتفقدها ~~وقاعدة أسباب الزكاة لا يجب الفحص عنها) # PageV02P142 # اعلم أن أسباب التكليف وشروطه وانتفاء موانعه لا يجب ~~تحصيلها إجماعا إنما الخلاف فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد وجوبه، وفيه ~~ثلاثة مذاهب ثالثها الفرق بين الأسباب فتجب دون غيرها فلا تجب أما ما يتوقف ~~عليه الوجوب فلم يقل أحد بوجوب تحصيله فلا يجب على أحد أن يحصل نصابا حتى ~~تجب عليه الزكاة؛ لأنه سبب وجوبها ولا يوفي الدين لغرض أن تجب عليه الزكاة؛ ~~لأنه مانع منها، ولا تجب عليه الإقامة حتى يجب عليه الصوم؛ لأن الإقامة شرط ~~في وجوبه هذا كله متفق عليه إنما الخلاف فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد ~~وجوبه وتقتضي هذه القاعدة أن لا يجب علينا الفحص عن أسباب الصلوات ولا ~~أسباب وجوب الصوم وجميع الواجبات غير أن الواجبات انقسمت قسمين قسم يجب فيه ~~الفحص، وقسم لا يجب ولكل واحد منهما قاعدة تخصه. # وتحرير الفرق بينهما والضابط لهما أن الواجب تارة يقتضي الحال فيه أنه لا ~~بد من طريان سببه وترتب التكاليف عليه جزما لا محيد عنه كالزوال ورؤية ~~الهلال فإنه لا بد أن يكون في الوجود. # ويترتب عليه وجود الفعل قطعا فهذا يجب الفحص عنه كان شرطا أو سببا بسبب ~~أنه لو أهمل لوقع التكليف. # والمكلف غافل عنه فيعصي بترك الواجب بسبب إهماله، وهو قد علم أنه لا بد ~~أن يكون ولا عذر عند الله تعالى فهذا هو ضابط ما يجب الفحص عنه كان شرطا أو ~~سببا من أسباب ms336 الوجوب، ومنه أوقات الصلوات كلها وهلال رمضان وهلال ذي الحجة ~~على من تعين عليه الحج وهلال شوال لوجوب الفطر وإخراج زكاته وأيام الرمي ~~والمبيت، ومن ذلك من نذر يوما معينا أو شهرا معينا فيجب عليه أن يفحص عن ~~هلال ذلك الشهر وتحري ذلك اليوم حتى يوقع ذلك الواجب ولا يتعداه فيعصي ~~بالإهمال مع إمكان الضبط له. # ومن ذلك قضاء رمضان يسد في بقية العام إلى شعبان فيجب عليه إذا أخر أن ~~يتفقد الأهلة لئلا يدخل شعبان وهو غير عالم به فيؤدي ذلك إلى ضياع القضاء ~~عن وقته. # أما ما لا يتعين وقوعه من الأسباب والشروط والظروف الواجبات فلا يجب ~~الفحص عنه لعدم تعينه، ويمكن أن يقال فيه الأصل عدم طريانه لأجل عدم # PageV02P143 # التعيين ويمكن أن يكون ذلك حجة للمكلف وعذرا عند الله ~~تعالى ومن ذلك إذا كان فقيرا وله أقارب أغنياء وهو في كل وقت يجوز أن يموت ~~أحدهم فيرثه فينتقل المال إليه فيجب عليه الزكاة بإغفال ذلك وترك السؤال ~~عنه إذا كانوا في بلاد بعيدة عنه يؤدي إلى ترك إخراج الزكاة مع وجوبها ~~عليه، ولو فحص لحاز المال ووجبت فيه الزكاة ومع ذلك لا يجب الفحص في هذه ~~الصورة لعدم تعين هذا، فقد يقع، وقد لا يقع ومن ذلك تجويزه لأن يكون هناك ~~جائع يجب سد خلته وعريان يجب ستر عورته وغريق يجب رفعه ونحو ذلك من ~~المتوقعات. # ومع ذلك لا يجب الفحص عن شيء من ذلك إلا أن تقوم عليه أمارة دالة على ~~وقوعه؛ لأن جميع ذلك غير متعين، والأصل عدمه بخلاف القسم الأول فهذا هو ~~ضابط ما يجب الفحص عنه من الأسباب والشروط وضابط ما لا يجب الفحص عنه من ~~ذلك فاعلم ذلك واعتمد عليه. # (الفرق الحادي والتسعون بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية والخاصية) # اعلم أنه لا يلزم من كون العبادة لها مزية تختص بها أن تكون أرجح مما ليس ~~له تلك المزية، فقد ورد في الصحيح عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه ~~قال «إذا أذن ms337 المؤذن ولى الشيطان وله ضراط فإذا فرغ المؤذن من الأذان أقبل ~~فإذا أقيمت الصلاة أدبر فإذا أحرم العبد بالصلاة جاءه الشيطان فيقول له ~~اذكر كذا اذكر كذا حتى يضل الرجل فلا يدري كم صلى» فحصل من ذلك أن الشيطان ~~ينفر من الأذان والإقامة ولا ينفر من الصلاة، وأنه لا يهابها ويهابهما ~~فيكونان أفضل منها، وليس الأمر كذلك بل هما وسيلتان إليها، والوسائل أخفض ~~رتبة من المقاصد وأين الصلاة من الإقامة والأذان ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول «أفضل أعمالكم الصلاة» وكتب عمر - رضي الله عنه - إلى ~~عماله أن أهم أموركم عندي الصلاة كما جاء في الأثر، ولنا هاهنا قاعدة وهي ~~الفرق بين الأفضلية والمزية وهي أن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل ~~فيكون المجموع الحاصل للفاضل لم يحصل للمفضول، إما أنه حصل للمفضول في ~~المجموع الحاصل له خصلة ليست في مجموع الفاضل فقد يكون في المدينة # PageV02P144 # فقير عنده ابنة حسناء أو تحفة غريبة ليست عند ملكها. # ومجموع ما حصل للملك قدر ما حصل لذلك الفقير أضعافا مضاعفة من ذلك ما ورد ~~في الحديث الصحيح عن النبي - عليه السلام - أنه قال «أقرؤكم أبي وأفرضكم ~~زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأقضاكم علي» إلى غير ذلك مما ورد ~~في فضل الصحابة مع أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أفضل من الجميع وعلي ~~بن أبي طالب أفضل من أبي وزيد. # ومع ذلك فقد فضلاه في الفرائض والقراءة، وما سبب ذلك إلا أنه يجوز أن ~~يحصل للمفضول ما لم يحصل للفاضل، ومن ذلك «قوله - عليه السلام - لعمر ما ~~سلك عمر واديا ولا فجا إلا سلك الشيطان فجا غيره» فأخبر - عليه السلام - أن ~~الشيطان ينفر من عمر ولا يلابسه، وأخبر عن نفسه «- عليه السلام - أنه قد ~~تفلت علي الشيطان البارحة ليفسد علي صلاتي فلولا أني تذكرت دعوة أخي سليمان ~~لربطته بسارية من سواري المسجد حتى يلعب به صبيان المدينة» فلم ينفر ~~الشيطان من النبي - عليه السلام - كما نفر من عمر وفي ms338 حديث الإسراء «أن ~~شيطانا قصده - عليه السلام - بشعلة من نار فأمره جبريل - عليه السلام - ~~بالتعوذ منه» وأين عمر من النبي - عليه السلام - غير أنه يجوز أن يحصل ~~للمفضول ما لا يحصل للفاضل، ومن ذلك أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - أفضل ~~من الملائكة على الصحيح وقد حصل للملائكة المواظبة على العبادة مع جميع ~~الأنفاس يلهم أحدهم التسبيح كما يلهم أحدنا النفس إلى غير ذلك من الفضائل ~~والمزايا التي لم تحصل للبشر. # ومع ذلك فالأنبياء أفضل منهم؛ لأن المجموع الحاصل للأنبياء من المزايا ~~والمحاسن أعظم من المجموع الحاصل للملائكة فمن استقرى هذا وجده كثيرا في ~~المخلوقات فيجد في الشعير من الخواص الطيبة ما ليس في البر وفي النحاس ما ~~ليس في الذهب من الخواص النافعة بالإكحال وغيرها فعلى هذه القاعدة تخرجت ~~الإقامة والأذان، وأن من خواصهما التي جعل الله تعالى لهما أن الشيطان ينفر ~~منهما دون الصلاة، وأن الصلاة أفضل منهما ولا تناقض في ذلك بسبب أن # PageV02P145 # المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل فظهر بما تقدم ~~الفرق بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية # . (الفرق الثاني والتسعون بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرمات وبين ~~قاعدة الاستغفار من ترك المندوبات) # اعلم أن الاستغفار طلب المغفرة. # وهذا إنما يحسن من أسباب العقوبات كترك الواجبات وفعل المحرمات؛ لأنها هي ~~التي فيها العقوبات، أما المكروهات والمندوبات والمباحات فلا يحسن ~~الاستغفار فيها لعدم العقوبات في فعلها وتركها، وهذا أمر ظاهر لا خفاء فيه ~~غير أنه وقع لمالك - رحمه الله - فيمن ترك الإقامة أنه يستغفر الله تعالى ~~ووقع له أيضا ذلك في غير الإقامة من المندوبات، وقد سبق الجلاب والتهذيب ~~على نقل ذلك عنه، ووجه ذلك أن الله تعالى يعاقب على الذنب بأحد ثلاثة أشياء ~~أحدها المؤلمات كالنار وغيرها، وهذا هو الأمر الغالب في ذلك. وثانيها تيسير ~~المعصية في شيء آخر فيجتمع على العاصي عقوبتان الأولى والثانية كقوله تعالى ~~{وأما من بخل واستغنى} [الليل: 8] {وكذب بالحسنى} [الليل: 9] {فسنيسره ~~للعسرى} [الليل: 10] فجعل العسرى مسببة عن المعاصي المتقدمة، ومنه قوله ms339 ~~تعالى {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول ~~لهم وأملى لهم - ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله} [محمد: 25 - 26] ~~الآية فجعل سبحانه الردة مسببة عن المعصية المذكورة؛ لأن قوله تعالى ذلك ~~إشارة إلى الردة، وقوله بأنهم قالوا الباء سببية ومنه قوله - عليه السلام - ~~«إن الرجل ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه» . وثالثها تفويت الطاعات لقوله ~~تعالى {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} [الأعراف: 146] ~~وقوله تعالى {والله لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108] {إنه لا يفلح ~~الظالمون} [الأنعام: 21] ونحو ذلك من الآيات الدالة على سلب الفلاح # PageV02P146 # والخير بسبب الأوصاف المذمومة المذكورة في تلك ~~الآيات، وكما يعاقب الله تعالى بأحد ثلاثة أشياء يثيب أيضا بأحد ثلاثة ~~أشياء: أحدها الأمور المستلذة كما في الجنات من المأكول والمشروب وغيرهما. # وثانيها تيسير الطاعات فيجتمع للعبد مثوبتان لقوله تعالى {فسنيسره ~~لليسرى} [الليل: 7] فجعل اليسرى مسببة عن الإعطاء وما معه في الآية وقوله ~~تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] {يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] إلى غير ذلك ~~من الآيات. وثالثها تعسير المعاصي عليه وصرفها عنه إذا تقررت هذه القاعدة ~~فإذا نسي الإنسان الإقامة أو غيرها من المندوبات دل هذا الحرمان على أنه ~~مسبب عن معاص سابقة لقوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] وفوات الطاعة مصيبتها أعظم المصائب فإن كلمات ~~الأذان طيبة مشتملة على الثناء على الله تعالى وتوجب لقائلها ثوابا سرمديا ~~خيرا من الدنيا وما فيها من إصابة شوكة أو غم يغمه في فلس يذهب له، وإذا ~~كان ترك الطاعات مسببا عن المعاصي المتقدمة فحينئذ إذا رأى المكلف ذلك سأل ~~المغفرة من تلك المعاصي المتقدمة حتى لا يتكرر عليه مثل تلك المصيبة، ~~فالاستغفار عند ترك الإقامة لأجل غيرها لا أنه لها، وكذلك بقية المندوبات ~~إذا فاتت يتعين على الإنسان الاستغفار لأجل ما دل عليه الترك من ذنوب سالفة ~~لأجل هذه التروك فهذا هو ms340 وجه أمر مالك - رحمه الله تعالى - بالاستغفار في ~~ترك المندوبات لا أنه يعتقد أن الاستغفار من ترك المندوبات فقد ظهر الفرق ~~بين قاعدة الاستغفار عن الذنوب المحرمات وبين قاعدة الاستغفار من ترك ~~المندوبات، وأنها في فعل المحرمات وترك الواجبات لأجلها مطابقة وفي ترك ~~المندوبات لأجل ما دلت عليه بطريق الالتزام لا أنه لها مطابقة. # وبهذا التقرير تحل مواضع كثيرة مما وقع للعلماء من ذكر الاستغفار عن ترك ~~المندوبات فيشكل ذلك # PageV02P147 # على كثير من الناس، وليس فيها إشكال بسبب ما تقدم من ~~الفرق والبيان. # (الفرق الثالث والتسعون بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة ~~الجهل يقدح وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه) # اعلم أن هذا الفرق بين هاتين القاعدتين مبني على قاعدة وهي أن الغزالي ~~حكى الإجماع في إحياء علوم الدين والشافعي في رسالته حكاه أيضا في أن ~~المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، فمن باع وجب ~~عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما ~~شرعه الله تعالى في الإجارة ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في ~~القراض، ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة وكذلك ~~الطهارة وجميع الأقوال والأعمال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم أطاع الله ~~تعالى طاعتين، ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين، ومن علم ولم ~~يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية. # ويدل على هذه القاعدة أيضا من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح - عليه ~~السلام - {إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} [هود: 47] ومعناه ما ليس ~~لي بجواز سؤاله علم فدل ذلك على أنه لا يجوز له أن يقدم على الدعاء والسؤال ~~إلا بعد علمه بحكم الله تعالى في ذلك السؤال، وأنه جائز وذلك سبب كونه - ~~عليه السلام - عوتب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون معه في السفينة ~~لكونه سأل ms341 قبل العلم بحال الولد، وأنه مما ينبغي طلبه أم لا فالعتب والجواب ~~كلاهما يدل على أنه لا بد من تقديم العلم بما # PageV02P148 # يريد الإنسان أن يشرع فيه إذا تقرر هذا فمثله أيضا ~~قوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] نهى الله تعالى نبيه ~~- عليه السلام - عن اتباع غير المعلوم فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم ~~فيكون طلب العلم واجبا في كل حالة، ومنه قوله - عليه السلام - «طلب العلم ~~فريضة على كل مسلم» قال الشافعي - رحمه الله - طلب العلم قسمان فرض عين ~~وفرض كفاية ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها. # وفرض الكفاية ما عدا ذلك فإذا كان العلم بما يقدم الإنسان عليه واجبا كان ~~الجاهل في الصلاة عاصيا بترك العلم فهو كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب ~~عليه فهذا هو وجه قول مالك - رحمه الله -: إن الجهل في الصلاة كالعمد، ~~والجاهل كالمتعمد لا كالناسي. # وأما الناسي فمعفو عنه لقوله - عليه السلام - «رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه» وأجمعت الأمة على أن النسيان لا إثم فيه من ~~حيث الجملة فهذا فرق، وفرق ثان وهو أن النسيان يهجم على العبد قهرا لا حيلة ~~له في دفعه عنه، والجهل له حيلة في دفعه بالتعلم وبهذين الفرقين ظهر الفرق ~~بين قاعدة النسيان وقاعدة الجهل # . (الفرق الرابع والتسعون بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وبين ~~قاعدة ما يكون الجهل عذرا فيه) # اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها، وأخذ ~~بجهالات # PageV02P149 # فلم يعف عن مرتكبها وضابط ما يعفى عنه من الجهالات ~~الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر الاحتراز عنه، ولا يشق ~~لم يعف عنه ولذلك صور أحدها من وطئ امرأة أجنبية بالليل يظنها امرأته أو ~~جاريته عفي عنه؛ لأن الفحص عن ذلك مما يشق على الناس # وثانيها من أكل طعاما نجسا يظنه طاهرا فهذا جهل يعفى عنه لما في تكرر ~~الفحص عن ذلك من المشقة والكلفة. # وكذلك المياه النجسة ms342 والأشربة النجسة لا إثم على الجاهل بها # ، وثالثها من شرب خمرا يظنه جلابا فإنه لا إثم عليه في جهله بذلك # ورابعها من قتل مسلما في صف الكفار يظنه حربيا فإنه لا إثم عليه في جهله ~~به لتعذر الاحتراز عن ذلك في تلك الحالة، ولو قتله في حالة السعة من غير ~~كشف عن ذلك أثم. # وخامسها الحاكم يقضي بشهود الزور مع جهله بحالهم لا إثم عليه في ذلك ~~لتعذر الاحتراز من ذلك عليه، وقس على ذلك ما ورد عليك من هذا النحو وما ~~عداه فمكلف به ومن أقدم مع الجهل فقد أثم خصوصا في الاعتقادات فإن صاحب ~~الشرع قد شدد في عقائد أصول الدين تشديدا عظيما بحيث إن الإنسان لو بذل ~~جهده واستفرغ وسعه في رفع الجهل عنه في صفة من صفات الله تعالى أو في شيء ~~يجب اعتقاده من أصول الديانات، ولم يرتفع ذلك الجهل فإنه آثم كافر بترك ذلك ~~الاعتقاد الذي هو من جملة الإيمان ويخلد في النيران على المشهور # PageV02P150 # من المذاهب مع أنه قد أوصل الاجتهاد حده. # وصار الجهل له ضروريا لا يمكنه دفعه عن نفسه، ومع ذلك فلم يعذر به حتى ~~صارت هذه الصورة فيما يعتقد أنها من باب تكليف ما لا يطاق فإن تكليف المرأة ~~البلهاء المفسودة المزاج الناشئة في الأقاليم المنحرفة عما يوجب استقامة ~~العقل كأقاصي بلاد السودان وأقاصي بلاد الأتراك فإن هذه الأقاليم لا يكون ~~للعقل فيها كبير رونق، ولذلك قال الله تعالى في بلاد الأتراك عند يأجوج ~~ومأجوج {وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا} [الكهف: 93] ومن لا ~~يفهم القول وبعدت أهليته لهذه الغاية مع أنه مكلف بأدلة الوحدانية ودقائق ~~أصول الدين أنه تكليف ما لا يطاق، فتكليف هذا الجنس كله من هذا النوع مع ~~أنهم من أهل اليأس بسبب الكفران وقعوا للجهل. # وأما الفروع دون الأصول فقد عفا صاحب الشرع عن ذلك، ومن بذل جهده في ~~الفروع فأخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران كما جاء في الحديث قال العلماء: ~~ويلحق ms343 بأصول الدين أصول الفقه قال أبو الحسين في كتاب المعتمد في أصول ~~الفقه إن أصول الفقه اختص بثلاثة أحكام عن الفقه أن المصيب فيه واحد ~~والمخطئ فيه آثم، ولا يجوز التقليد فيه وهذه الثلاثة التي حكاها هي في أصول ~~الدين بعينها فظهر لك الفرق بين قاعدة ما يكون الجهل فيه عذرا وبين قاعدة ~~ما لا يكون الجهل فيه عذرا. # (الفرق الخامس والتسعون بين قاعدة استقبال الجهة في الصلاة وبين قاعدة ~~استقبال السمت) # اعلم أنه قد وقع في المذاهب عامة قولهم إن القاعدة أن استقبال الجهة يكفي ~~وآخرون يقولون بل القاعدة أن استقبال سمت الكعبة لا بد منه، وهذه المقالات ~~والإطلاقات في غاية الإشكال بسبب # PageV02P151 # أمور # أحدها أن الكلام في هذا إنما وقع فيمن بعد عن الكعبة أما من قرب فإن فرضه ~~استقبال السمت قولا واحدا، والذي بعد لا يقول أحد إن الله تعالى أوجب عليه ~~استقبال عين الكعبة ومقابلتها ومعاينتها فإن ذلك تكليف ما لا يطاق بل ~~الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها، ~~وإذا غلب على ظنه بعد بذل الجهد في الأدلة الدالة على الكعبة أنها وراء ~~الجهة التي عينتها أدلته، وجب عليه استقبالها إجماعا فصارت الجهة مجمعا ~~عليها والسمت الذي هو العين والمعاينة مجمع على عدم التكليف به، وإذا كان ~~الإجماع في الصورتين فأين يكون الخلاف # PageV02P152 # وثانيها أن الصف الطويل أجمع الناس على صحة صلاته مع ~~أنه خرج بعضه عن السمت قطعا فإن الكعبة عرضها عشرون ذراعا وطولها خمسة ~~وعشرون ذراعا على ما قيل، والصف الطويل مائة ذراع فأكثر فبعضه خارج عن ~~السمت قطعا فقولهم إن القاعدة استقبال السمت مشكل. وثالثها أن البلدين ~~المتقاربين يكون استقبالهما واحدا مع أنا نقطع بأنهما أطول من سمت الكعبة ~~ولم يقل أحد بأن صلاة أحدهما صحيحة والأخرى باطلة ولو قيل ذلك لكان ترجيحا ~~من غير مرجح فإنه ليس إحداهما أولى من الأخرى بالبطلان فهذه أمور مجمع ~~عليها كلها وجميعها يقتضي الإشكال على هاتين القاعدتين. # الجواب ms344 عنه وهو سر الفرق ما كان يذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام - ~~رحمه الله تعالى - بعد أن كان يورد هذا الإشكال فلا يجيبه أحد عنه فكان ~~يقول الشيء قد يجب إيجاب الوسائل، وقد يجب إيجاب المقاصد فالأول كالنظر في ~~أوصاف المياه فإنه واجب وجوب الوسائل فإنه يتوسل به إلى معرفة الطهورية ~~وكالنظر في قيم المتلفات فإنه وسيلة إلى معرفة قيمة المتلف، وكالسعي إلى ~~الجمعة واجب؛ لأنه وسيلة إلى إيقاعها في الجامع، وكذلك السفر إلى الحج وهو ~~كثير في الشريعة، ومثال ما يجب وجوب المقاصد الصلوات الخمس وصوم رمضان ~~والحج والعمرة والإيمان والتوحيد وغير ذلك مما هو واجب؛ لأنه مقصد لنفسه ~~لا؛ لأنه وسيلة لغيره # PageV02P153 # إذا تقررت هذه القاعدة فاختلف الناس في الجهة هل هي ~~واجبة وجوب الوسائل، وأن النظر فيها إنما هو لتحصيل عين الكعبة وهو مذهب ~~الشافعي - رحمه الله -، وإذا أخطأ في الجهة وجبت الإعادة؛ لأن القاعدة أيضا ~~أن الوسيلة إذا لم يحصل مقصدها سقط اعتبارها والنظر في الجهة واجب وجوب ~~المقاصد، وأن الكعبة لما بعدت عن الأبصار جدا، وتعذر الجزم بحصولها جعل ~~الشرع الاجتهاد في الجهة هو الواجب نفسه، وهو المقصود دون عين الكعبة فإذا ~~اجتهد ثم تبين خطؤه لا تجب عليه الإعادة. # وهو مذهب مالك - رحمه الله تعالى - فعلى هذا التقرير يصير الخلاف في ~~السمت هل يجب وجوب المقاصد أو لا يجب ألبتة لا وجوب المقاصد ولا وجوب ~~الوسائل؛ لأنه ليس وسيلة لغيره قولان وهل تجب الجهة وجوب المقاصد أم وجوب ~~الوسائل قولان هذا هو توجيه القولين في كل واحدة # PageV02P154 # من القاعدتين فعلى هذا تكون الجهة واجبة بالإجماع ~~إنما الخلاف في صورة وجوبها هل وجوب الوسائل أو المقاصد، ويكون السمت ليس ~~واجبا مطلقا إلا على أحد القولين فإنه واجب وجوب المقاصد فقول العلماء هل ~~الواجب الجهة أو السمت قولان يصح فيه قيد لطيف فيكون معناه هل الواجب وجوب ~~المقاصد السمت أو الجهة؟ قولان فبهذا القيد استقام حكاية الخلاف، واتضح ~~أيضا به تخريج الخلاف هل تجب الإعادة ms345 على من أخطأ في اجتهاده أم لا؟ قولان ~~مبنيان على أن الجهة واجبة وجوب المقاصد، وقد حصل الاجتهاد فيها وهو الواجب ~~عليه فقط لا شيء وراءه أو واجبة وجوب الوسائل فتجب الإعادة؛ لأن الوسيلة ~~إذا لم تفض إلى مقصودها سقط اعتبارها واتضح الخلاف والتخريج، واندفع ~~الإشكال حينئذ بهذا القيد الزائد وبهذا التقرير # PageV02P155 # وأما الجواب عن الصف الطويل فهو أن الله تعالى إنما ~~أوجب علينا أن نستقبل الكعبة الاستقبال العادي لا الحقيقي، والعادة أن الصف ~~الطويل إذا قرب من الشيء القصير الذي يستقبل يكون أطول منه، ويجد بعضهم ~~نفسه خارجة عن ذلك الشيء المستقبل الذي هو أقصر من الصف الطويل، وإذا بعد ~~ذلك الصف الطويل بعدا كثيرا عن ذلك الشيء القصير يجد كل واحد ممن في ذلك ~~الصف الطويل نفسه مستقبلا لذلك الشيء القصير في نظر العين بسبب البعد، ألا ~~ترى أن النخلة البعيدة أو الشجرة إذا استقبلها الركب العظيم الكثير العدد ~~من البعد يجد كل واحد من أهل الركب أو القافلة نفسه قبالة تلك الشجرة، ~~ويقول الركب بجملته نحن قبالة تلك الشجرة، ونحن سائرون إليها وإذا قربوا من ~~الشجرة جدا لم يبق قبالتها إلا النفر اليسير من ذلك الركب فكذلك الصف ~~الطويل بمصر أو بخراسان لو كشف الغطاء بينهم وبين الكعبة المعظمة بحيث كان ~~كل واحد منهم يبصر الكعبة لرأى نفسه قبالة الكعبة بسبب البعد كما قلنا في ~~الركب مع الشجرة فقد حصل في حقهم الاستقبال العادي، وهو المطلوب الشرعي ~~وكذلك نقول في البلدين المتقاربين لو كشف الغطاء بينهما وبين الكعبة لرأى ~~كل واحد منهم نفسه قبالة الكعبة، فهما كالصف الطويل سواء والجميع مبني على ~~هذه القاعدة وهي أن # PageV02P156 # الله تعالى إنما أمر بالاستقبال العادي دون الحقيقي ~~مع البعد ومع القرب الواجب الاستقبال الحقيقي. # حتى إنه إذا صف صف مع حائط الكعبة فصادف أحدهم نصفه قبالة الكعبة ونصفه ~~خارجا عنها بطلت صلاته؛ لأنه مأمور بأن يستقبل بجملته الكعبة فإذا لم يحصل ~~ذلك استدار، وكذلك الصف الطويل بقرب الكعبة يصلون دائرة ms346 أو قوسا إن قصروا ~~عن الدائرة وفي البعد يصلون خطا مستقيما بسبب ما تقدم من التقرير، وأنهم ~~إذا كانوا خطا مع البعد يكونون مستقبلين عادة بخلافهم مع القرب فقد ظهر ~~الفرق بين قاعدة استقبال السمت وبين قاعدة استقبال الجهة. # وصح جريان الخلاف في ذلك واندفعت الإشكالات التي عليها وهو من المواطن ~~الجليلة التي يحتاج إليها الفقهاء، ولم أر أحدا حرره هذا التحرير إلا الشيخ ~~عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله - وقدس روحه فلقد كان شديد التحرير ~~لمواضع كثيرة في الشريعة معقولها ومنقولها، وكان يفتح عليه بأشياء لا توجد ~~لغيره رحمه الله رحمة واسعة. # (الفرق السادس والتسعون بين قاعدة من يتعين تقديمه وبين قاعدة من يتعين ~~تأخيره في الولايات والمناصب والاستحقاقات الشرعية) # اعلم أنه يجب أن يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها على من هو دونه، ~~فيقدم في ولاية الحروب من هو أعرف بمكائد الحروب وسياسة الجيوش والصولة على ~~الأعداء والهيبة عليهم، ويقدم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشرعية وأشد ~~تفطنا لحجاج الخصوم وخدعهم، وهو # PageV02P157 # معنى قوله «- عليه السلام - أقضاكم علي» أي هو أشد ~~تفطنا لحجاج الخصوم وخدع المتحاكمين. # وبه يظهر الجمع بينه وبين قوله «- عليه السلام - أعلمكم بالحلال والحرام ~~معاذ بن جبل» وإذا كان معاذ عرف بالحلال والحرام كان أقضى الناس غير أن ~~القضاء لما كان يرجع إلى معرفة الحجاج والتفطن لها كان أمرا زائدا على ~~معرفة الحلال والحرام فقد يكون الإنسان شديد المعرفة بالحلال والحرام. # وهو يخدع بأيسر الشبهات فالقضاء عبارة عن هذا التفطن، ولهذا قال - عليه ~~السلام - «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من ~~بعض فأقضي له على نحو ما أسمع» الحديث فدل ذلك على أن القضاء تبع الحجاج ~~وأحوالها فمن كان لها أشد تفطنا كان أقضى من غيره، ويقدم في القضاء ويقدم ~~في أمانة اليتيم من هو أعلم بتنمية أموال اليتامى وتقدير أموال النفقات ~~وأحوال الكوافل والمناظرات عند الحكام عن أموال الأيتام، ويقدم في جباية ~~الصدقات من هو ms347 أعرف بمقادير النصب وأحكام الزكاة من الخلطة وغيرها. # ويقدم في الصلاة من هو أعرف بأحكامها وعوارض سهوها واستخلافها وغير ذلك ~~من عوارضها ومصالحها حتى يكون المقدم في باب ربما أخر في باب آخر كالنساء ~~مقدمات في باب الحضانة على الرجال؛ لأنهن أصبر على أخلاق الصبيان وأشد شفقة ~~ورأفة وأقل أنفة عن قاذورات الأطفال، والرجال على العكس من ذلك في هذه ~~الأحوال فقدمن لذلك وأخر الرجال عنهن وأخرن في الإمامة والحروب وغيرهما من ~~المناصب؛ لأن الرجال أقوم بمصالح تلك الولايات منهن # PageV02P158 # ويظهر لك باعتبار هذا التقرير أن التقديم في الصلاة ~~لا يلزم منه من حيث هو تقديم في الصلاة التقديم في الإمامة العظمى؛ لأن ~~الإمامة العظمى مشتملة على سياسة الأمة ومعرفة معاقد الشريعة وضبط الجيوش ~~وولاية الأكفاء وعزل الضعفاء ومكافحة الأضداد والأعداء وتصريف الأموال ~~وأخذها من مظانها وصرفها في مستحقاتها إلى غير ذلك مما هو معروف بالإمامة ~~الكبرى. # وعلى هذا ورد سؤال عن قول عمر لأبي بكر - رضي الله عنهما - في أمر ~~الإمامة رضيك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا أفلا نرضاك لدنيانا ~~إشارة لتقديمه في الصلاة فجعل عمر # PageV02P159 # ذلك دليلا على تقديمه - رضي الله عنه - للإمامة وهذا ~~في ظاهر الحال لا يستقيم؛ لأنه لا يلزم من التقديم في الصلاة التقديم في ~~الخلافة. # والجواب عن هذا السؤال من وجوه الأول ما ذكره بعض العلماء وهو أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم أن أبا بكر الصديق هو المتعين ~~للخلافة، ولم يمكن أن يفعل ذلك من قبل نفسه؛ لأنه - عليه السلام - يتبع ما ~~أنزل عليه من ربه، وما أنزل عليه في ذلك شيء يعتمد عليه فعند ذلك، وكل ~~الأمر فيه إلى الاجتهاد فكان - عليه السلام - يشير إلى خلافته بالإيماء ~~وأنواع التكريم والثناء عليه بمحاسنه التي توجب تقديمه فمن ذلك تقديمه - ~~عليه السلام - في الصلاة «وقوله - عليه السلام - في مرض موته يأبى الله ~~والمسلمون إلا أبا بكر» مشيرا بذلك إلى أن من كان متعينا للخلافة كيف يتقدم ~~عليه غيره للصلاة ms348 فمراد عمر - رضي الله عنه - أنك رضيك النبي - عليه السلام ~~- لديننا الرضا الخاص الذي تقدم تفسيره فيتعين علينا أن نرضاك للخلافة. # وليس المراد مطلق الرضا بحيث يقتصر على أهليته للإمامة في الصلاة خاصة ~~الثاني أن عمر - رضي الله عنه - قصد بذلك تسكين الثائرة والفتنة وردع ~~الأهواء بذكر حجة ظاهرة ليسكن لها أكثر الناس فيندفع الفساد. # وثالثها أن يجعل قول عمر رضيك النبي - عليه السلام - لديننا على ظاهره ~~وتجعل الإضافة على بابها موجبة للعموم كما تقرر أنه هو اللغة عند الأصوليين ~~فجعلوها من صيغ العموم لغة، ومنه قوله - عليه السلام - «هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته» فكان ذلك عاما في جميع ماء البحر وميتته بسبب الإضافة ففهم عمر ~~من إشارته - عليه السلام - أن الصديق مرضي لجميع حرمات الدين ومن جملة ذلك ~~أحوال الأمة والنظر في مصالح الملة فإنه من أعم # PageV02P160 # فروض الكفايات فهو من الدين، ويكون قوله أفلا نرضاك ~~لدنيانا أي هؤلاء إنما يتنازعون يعني الأنصار في أمور رئاسة وعلو وحصول ~~الأمر والنهي من قبلهم، وهذا أمر دنيوي لا ديني فيكون حسيسا بالنسبة إلى ~~الدين الذي هو من جملة مصالح الأمة والملة، وهذا كلام صحيح فإن المرضي ~~لمعالي الأمور لا يقصر دون خسيسها فاندفع بهذه الوجوه هذا السؤال، وكان ~~الصديق - رضي الله عنه - أجل من هذا كله بين الصحابة - رضي الله عنهم -، ~~وإنما قام الأنصار في منازعته لطلب العلو والرئاسة، ولهذا قال قائلهم منا ~~أمير ومنكم أمير ومعلوم أن الشركة في الإمامة ليست من مصالح الدين، فإن ذلك ~~يفضي إلى المخالفة والمشاققة لكن لما لم يجد هذا القائل الأمر يصفو له وحده ~~طلب الشركة تحصيلا لمقصده، وإن كان ذلك ليس مصلحة للناس. # وقد قال العلماء - رحمهم الله - إن قوله تعالى {وإنه لذكر لك ولقومك} ~~[الزخرف: 44] إنه الخلافة وإنه «كان - صلى الله عليه وسلم - يطوف على ~~القبائل في أول أمره لينصروه فيقولون له ويكون لنا الأمر من بعدك فيقول - ~~صلى الله عليه وسلم - إني قد منعت من ذلك وإنه قد أنزل علي {وإنه ms349 لذكر لك ~~ولقومك وسوف تسألون} [الزخرف: 44] » فلم يكن للأنصار في هذا الشأن شيء، ~~وهذا مستوعب في كتب الإمامة وموضعه من أصول الدين ليس هذا موضعه، وقد سئل ~~بعض علماء القيروان من كان مستحقا للخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال سبحان الله إنا بالقيروان نعلم من هو أصلح منا بالقضاء، ومن هو ~~أصلح منا للفتيا ومن هو أصلح منا للإمامة أيخفى ذلك عن أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إنما يسأل عن هذه المسائل أهل العراق، وصدق - رضي الله ~~تعالى عنه - فيما قاله # PageV02P161 # وبهذه المباحث أيضا يظهر ما قاله العلماء أن الإمام ~~إذا وجد من هو أصلح للقضاء ممن هو متول الآن عزل الأول وولى الثاني، وكان ~~ذلك واجبا عليه لئلا يفوت على المسلمين مصلحة الأفضل منهما، ويحرم عليه أن ~~يعزل الأعلى بالأدنى لئلا يفوت على المسلمين مصلحة الأعلى ولا ينفذ عزل ~~الأعلى؛ لأن الإمام الذي عزله معزول عن عزله، وإنما ولاه الله تعالى على ~~خلاف ذلك لقوله تعالى {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: ~~152] وإذا كان الوصي معزولا عن غير الأحسن في مال اليتيم فمصلحة جميع ~~المسلمين أولى بذلك. # فالإمام الأعظم معزول عن عزل الأصلح للناس، ومما يدل على ذلك قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «من ولي من أمور أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم ولم ينصح ~~فالجنة عليه حرام» # PageV02P162 # والمنهي عنه المحرم لا ينفذ في الشريعة لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد» فقد تحرر الفرق بين ~~من يصح تقديمه وبين من يصح تأخيره، وذلك عام في الصلاة والقضاء والأوصياء ~~والكفلاء في الحضانة وفي غيرها، وولاية النكاح وصلاة الجنازة وكثير من ~~أبواب الفقه يحتاج فيه إلى معرفة هذا الفرق بين هاتين القاعدتين وتحرير ~~ضابطهما وبالله العصمة. # (الفرق السابع والتسعون بين قاعدة الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة ~~يعتبر عند مالك - رحمه الله تعالى - وبين قاعدة الشك في طريان غيره من ~~الأسباب والروافع للأسباب لا تعتبر) # اعلم ms350 أنه قد وقع في مذهب مالك - رحمه الله - فتاوى ظاهرها التناقض وفي ~~التحقيق لا تناقض بينها؛ لأن مالكا قال إذا شك في الحدث بعد الطهارة يجب ~~الوضوء فاعتبر الشك، وإن شك في الطهارة بعد الحدث فلا عبرة بالطهارة فألغي ~~الشك، وإن شك هل طلق ثلاثا أو واحدة لزمه الثلاث فاعتبر الشك، وإن شك هل ~~طلق أم لا لا شيء عليه فألغي الشك، وإن حلف يمينا وشك في عينها هل هي طلاق ~~أو عتاق أو غيرهما لزمه جميع ما شك فيه فاعتبر الشك، وإن شك هل سها أم لا ~~لا شيء عليه فألغي الشك، وإن شك هل صلى ثلاثا أم أربعا جعلها ثلاثا وصلى ~~وسجد بعد السلام # PageV02P163 # لأجل الشك فاعتبر الشك، فوقعت هذه الفروع متناقضة كما ~~ترى في الظاهر، وإذا حققت على القواعد لا يكون بينها تناقض بل القاعدة أن ~~كل مشكوك فيه ملغى فكل سبب شككنا في طريانه لم نرتب عليه مسببه، وجعلنا ذلك ~~السبب كالعدم المجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم، وكل شرط شككنا في وجوده جعلناه ~~كالمجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم، وكل مانع شككنا في وجوده جعلناه ملغى ~~كالمجزوم بعدمه فيترتب الحكم إن وجد سببه فهذه القاعدة مجمع عليها من حيث ~~الجملة غير أنه قد تعذر الوفاء بها في الطهارات، وتعين إلغاؤها من وجه ~~واختلفت العلماء - رحمهم الله - بأي وجه تلغى وإلا فهم مجمعون على اعتبارها ~~فقال الشافعي - رضي الله عنه - إذا شك في طريان الحدث جعلته كالمجزوم ~~بعدمه. # والمجزوم بعدمه لا يجب معه الوضوء فلا يجب على هذا الشاك الوضوء، وقال ~~مالك - رحمه الله - براءة الذمة تفتقر إلى سبب مبرئ معلوم الوجود أو مظنون ~~الوجود، والشك في طريان الحدث يوجب الشك في بقاء الطهارة، والشك في بقاء ~~الطهارة يوجب الشك في الصلاة الواقعة هل هي سبب مبرئ أم لا فوجب أن تكون ~~هذه الصلاة كالمجزوم بعدمها، والمجزوم بعدم الصلاة في حقه يجب عليه أن يصلي ~~فيجب على هذا الشاك أن يصلي بطهارة مظنونة كما قال الشافعي - رضي الله ms351 عنه ~~- حرفا بحرف، وكلاهما يقول المشكوك فيه ملغى لكن ألغاه مالك في السبب ~~المبرئ وإلغاء الشافعي في الحدث ومذهب مالك أرجح من جهة أن الصلاة مقصد ~~والطهارات وسائل، وطرح الشك تحقيقا للمقصد أولى من طرحه لتحقيق الوسائل ~~فهذا هو الفرق بين الطهارات يشك فيها وبين غيرها إذا شك فيه، وأما إذا شك ~~في الطهارة بعد الحدث فالمشكوك فيه ملغى على القاعدة فتجب عليه الطهارة، ~~وإن شك هل طلق ثلاثا أو واحدة يلزمه الثلاث؛ لأن الرجعة شرطها العصمة، ونحن ~~نشك في بقائها فيكون هذا الشرط ملغى على هذه # PageV02P164 # القاعدة. # وإن شك هل طلق أم لا لا شيء عليه؛ لأن المشكوك فيه ملغى على القاعدة وإذا ~~شك في عين اليمين لزمه الجميع لأنا نشك إذا اقتصر على بعضها في السبب ~~المبرئ فلعله غير ما وقع فوجب استيعابها حتى يعلم السبب المبرئ كما قلنا في ~~الصلاة إذا شك في طريان الحدث على طهارتها، وإن شك هل سها أم لا فلا شيء ~~عليه؛ لأن المشكوك فيه ملغى على القاعدة، وإن شك هل صلى ثلاثا أم أربعا ~~سجد؛ لأن الشك نصبه صاحب الشرع سببا للسجود لا للزيادة، وقد تقدم بسط هذه ~~المباحث في الفرق الرابع والأربعين بين الشك في السبب وبين السبب في الشك ~~فليطالع من هناك، وإنما المقصود هاهنا الفرق بين الشك في الطهارات وبين ~~الشك في غيرها، وقد أشرت إليه هاهنا وتكميله هناك. # (الفرق الثامن والتسعون بين قاعدة البقاع جعلت المظان منها معتبرة في ~~أداء الجمعات وقصر الصلوات وبين قاعدة الأزمان لم تجعل المظان منها معتبرة ~~في رؤية الأهلة ولا دخول أوقات العبادات وترتيب أحكامها) . # اعلم أن الفرق بين هاتين القاعدتين مبني على قاعدة وهي أن الوصف الذي هو ~~معتبر في الحكم إن أمكن انضباطه لا يعدل عنه إلى غيره كتعليل التحريم في ~~الخمر بالسكر والربا بالقوت وغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في الأحكام، وإن ~~كان غير منضبط أقيمت مظنته مقامه وعدم الانضباط إما لاختلاف مقاديره في ~~رتبه كالمشقة لما كانت سببا للقصر ms352 وهي غير منضبطة المقادير فليس مشاق الناس ~~سواء في ذلك، وقد يدرك ظاهرا وقد يدرك خفيا. # ومثل هذا يعسر ضبطه في محاله حتى تضاف إليه الأحكام فأقيمت مظنته مقامه، ~~وهي أربعة برد فإنها تظن عندها المشقة وكالإنزال # PageV02P165 # لما كان غير منضبط في الناس بسبب أن من الناس من لا ~~ينزل إلا بالدفق والإحساس باللذة الكبرى، ومنهم من ينزل تقطيرا من غير ~~اندفاق في أول الأمر ثم يندفق بعد ذلك كثيرا، ولذلك يحصل الولد مع العزل، ~~والإنسان يعتقد أنه ما أنزل وهو قد أنزل على سبيل السيلان من غير دفق فيحصل ~~الولد من ذلك وهو لا يشعر، ولما كان الإنزال مختلفا في الناس أقيمت مظنته ~~مقامه وهو التقاء الختانين فإن قلت مجرد الالتقاء لا يحصل به الإنزال فكيف ~~جعل مظنة الإنزال، وهو لا يظن عنده ومن شرط المظنة أن يظن عندها الوصف ~~المطلوب لتعليق الحكم عليه. # قلت: لا نسلم أنه لا يظن فمن الناس من ينزل بمجرد الملاقاة ومنهم من ينزل ~~بالفكر، ومنهم من ينزل بالنظر فقط فالتقاء الختانين أقوى من ذلك فجعل مظنة ~~ومن ذلك العقل الذي هو مناط التكليف يختلف في الناس بسبب اعتدال المزاج ~~وانحرافه فرب صبي لاعتدال مزاجه أعقل من رجل بالغ لانحراف مزاجه وذلك يختلف ~~في الرجال والصبيان جدا فجعل البلوغ مظنته؛ لأن البلوغ منضبط وهو غير منضبط ~~هذا فيما لا ينضبط لاختلاف رتبه في مقاديره. # أما ما ينضبط في مقاديره لكنه خفي لا يطلع عليه فذلك كالرضا في انتقال ~~الأملاك لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب ~~نفس منه» والرضا أمر خفي فجعلت الصيغ والأفعال في بيع المعاطاة قائمة ~~مقامه؛ لأنه يظن عندها وألغي الرضا إذا انفرد حتى لو اعترف بأنه رضي ~~بانتقال الملك في الزمن الماضي من غير أن يكون صدر منه قول أو فعل لم يلزمه ~~انتقال الملك، وكذلك لو حصلت مشقة السفر بدون مسافة القصر لم ترتب عليها ~~رخص المشقة من القصر والإفطار، فإذا أقام الشرع ms353 مظنة الوصف مقامه أعرض عن ~~اعتباره في نفسه نعم لا بد أن يكون متوقعا مع المظنة فلو قطعنا بعدمه عند ~~المظنة فالقاعدة أنه لا يترتب على المظنة حكم كما لو قطعنا بعدم الرضا مع ~~الإكراه على صدور الصيغة أو الفعل غير # PageV02P166 # أن هذا المعنى مع أنه الأصل خولف في التقاء الختانين ~~فإنا لو قطعنا بعدم الإنزال وجب الغسل، وخولف أيضا في قولهم في شارب الخمر ~~إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فيكون عليه حد المفتري فأقيم ~~الشرب الذي هو مظنة القذف مقامه، ونحن مع ذلك نقيم الحد في الشرب على من ~~نقطع بأنه لم يقذف. # وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله - يستشكل الأثر الوارد في ~~الشرب في هذا المعنى بهذه العبارة، ويقول كيف تقام المظنة مقام القذف ونحن ~~نقطع بعدم القذف في حق بعض الناس لكن يمكن أن يجاب عن الأثر بما شهد له ~~بالاعتبار من التقاء الختانين فإنه ورد فيه الحديث النبوي. # وهذا قد نقطع فيه بعدم المظنون عند وجود مظنته في بعض الصور فإن قلت: ما ~~الفرق بين المظنة والحكمة التي اختلف في التعليل بها وما الفرق بين الثلاثة ~~الوصف والمظنة والحكمة؟ قلت: الحكمة هي التي توجب كون الوصف علة معتبرة في ~~الحكم فإذا ثبت كونه معتبرا في الحكم إن كان منضبطا اعتمد عليه من غير مظنة ~~تقام مقامه، وإن لم يكن منضبطا أقيمت مظنته مقامه فالحكمة في الرتبة ~~الأولى، والوصف في الرتبة الثانية والمظنة في الرتبة الثالثة ومثال الثلاثة ~~في المبيع أن حاجة المكلف إلى ما في يده من الثمن أو المثمن هو المصلحة ~~الموجبة لاعتبار الرضا، وهي المصيرة له سببا للانتقال ومظنة الإيجاب ~~والقبول فالحاجة هي في الرتبة الأولى؛ لأنها هي الموجبة لاعتبار الرضا ~~فاعتبار الرضا فرعها. # واعتبار الإيجاب والقبول فرع اعتبار الرضا ومثال الثلاثة أيضا في السفر ~~أن مصلحة المكلف في راحته، وصلاح جسمه يوجب أن المشقة إذا عرضت توجب عنه ~~تخفيف العبادة لئلا تعظم المشقة فتضيع مصالحه ms354 بإضعاف جسمه وإهلاك قوته فحفظ ~~صحة الجسم وتوفير قوته هو المصلحة والحكمة الموجبة لاعتبار وصف المشقة بسبب ~~الترخص، فالمشقة في الرتبة الثانية منها؛ لأن الأثر فرع المؤثر # PageV02P167 # والمظنة المشقة واعتبارها فرع اعتبار المشقة فهي في ~~الرتبة الثالثة، ومثال الحكمة والوصف من غير مظنة فيما هو منضبط الرضاع وصف ~~موجب للتحريم وحكمته أنه يصير جزء المرأة الذي هو اللبن جزء الصبي الرضاع ~~فناسب التحريم بذلك لمشابهته للنسب؛ لأن منيها وطمثها جزء الصبي فلما كان ~~الرضاع كذلك قال - صلى الله عليه وسلم - «الرضاع لحمة كلحمة النسب» ~~فالجزئية هي الحكمة وهي في الرتبة الأولى والرضاع الذي هو الوصف في الرتبة ~~الثانية، ووصف الزنا موجب للحد وحكمته الموجبة لكونه كذلك اختلاط الأنساب ~~فاختلاط الأنساب في الرتبة الأولى وهي الحكمة ووصف الزنا في الرتبة ~~الثانية، وكذلك ضياع المال هو الموجب لكون وصف السرقة سبب القطع فضياع ~~المال في الرتبة الأولى، ووصف السرقة في الرتبة الثانية، ولما كان وصف ~~الرضاع والزنا والسرقة منضبطا لم يحتج إلى مظنة تقوم مقام هذه الأوصاف فلم ~~يحتج للمرتبة الثانية، ويلزم من جواز التعليل بالحكمة أن يلزم أنه لو أكل ~~صبي من لحم امرأة قطعة أن تحرم عليه؛ لأن جزأها صار جزأه. # ولم يقل به أحد ولو وجد إنسان يأخذ الصبيان من أمهاتهم صغارا ويأتي بهم ~~كبارا بحيث لا يعرفون بعد ذلك أن يقام عليه حد الزنا بسبب أنه أوجب اختلاط ~~الأنساب، ولم يقل به أحد وأن من ضيع المال بالغصب والعدوان أن يجب عليه حد ~~السرقة ولم يقل به أحد ولأجل هذه المعاني خالف الجمهور بالتعليل بالمظنة، ~~فقد ظهر الفرق بين المظنة والوصف والحكمة من هذا الوجه، وبين الحكمة ~~والمظنة فرق من وجه آخر، وذلك أن الحكمة إذا قطعنا بعدمها لا يقدح ذلك في ~~ترتب الحكم كما إذا قطعنا بعدم اختلاط الأنساب من الزنا بأن تحيض المرأة، ~~ويظهر عدم حملها ومع ذلك نقيم الحد ونأخذ المال المسروق من السارق، ونجزم ~~بعدم ضياع المال، ومع ذلك نقيم حد السرقة. # وأما المظنة ms355 فيها بعدم المظنون فالغالب في # PageV02P168 # في موارد الشريعة عدم اعتبار المظنة، وذلك فيمن أكره ~~على الكفر أو العقود الناقلة للأملاك أو الموجبة للطلاق والعتاق وغير ذلك ~~فإن تلك المظان يسقط اعتبارها بالإكراه ولا يترتب عليها شيء ألبتة مما شأنه ~~أن يترتب عليه عدم الإكراه فهذا فرق آخر بين المظنة والحكمة من جهة أن ~~القطع بعدم الحكمة لا يقدح، والقطع بعدم مظنون المظنة يقدح، وينبغي أن ~~يتفطن لهذه القاعدة وهذه التفاصيل فهي وإن انبنى عليها بيان هذا الفرق فهي ~~يحتاج إليها الفقهاء - رحمهم الله - كثيرا في موارد الفقه والترجيح ~~والتعليل إذا تقررت هذه القاعدة. # فنقول إنما اعتبرت البقاع في الجمعات وهي ثلاثة أميال في الإتيان إليها؛ ~~لأنها مظنة أذانها وسماعه من تلك المسافة إذا هدأت الأصوات وانتفت الموانع ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الجمعة على من سمع النداء» فجعل مظنة السماع ~~مقام السماع، ولذلك جعلت البقاع التي في مسافة القصر معتبرة في قصر ~~الصلوات؛ لأنها مظنة المشقة الموجبة للترخيص. # وأما أهلة شهور العبادات كرمضان وشوال وذي الحجة ونحوها فلا حاجة فيها ~~إلى مظنة من جهة الزمان بسبب أن القطع بحصولها موجود من جهة الرؤية أو ~~إكمال العدة، فيحصل القطع بالمعنى المقصود فلا حاجة إلى مظنة من جهة أن ~~الزمان يقوم مقامه فإن المظنة إنما تعتبر عند عدم الانضباط، أما معه فلا ~~فإذا ظننا أن الهلال يطلع في هذه الليلة بسبب قرائن تقدمت إما من توالي ~~تمام الشهور فنظن نقص هذا الشهر أو من جهة توالي النقص فنظن تمام هذا الشهر ~~أو من جهة طلوع القمر ليلة البدر قبل غروب الشمس فنظن تمام هذا الشهر أو من ~~جهة تأخره في الطلوع عند غروب الشمس فنظن نقصان هذا الشهر وغير ذلك من ~~الأمارات الدالة عند أرباب المواقيت على رؤية الأهلة، ويوجب أن هذه الليلة ~~هي مظنة رؤية الهلال فإنا لا نعتبر شيئا من ذلك ولا نقيم المظنة مقام ~~الرؤية؛ لأن لنا طريقا للوصول إلى # PageV02P169 # الوصف المطلوب إما بالرؤية أو بكمال العدة، والقاعدة ~~أنه ms356 لا يعدل إلى المظنة إلا عند عدم انضباط الوصف دائما أو في الأغلب، ~~وهاهنا ليس كذلك فلذلك سقط اعتبار المظان من الأزمنة، وكذلك أوقات الصلوات ~~لما كانت منضبطة في نفسها لحصول القطع بها في أكثر صورها لم تقم مظانها في ~~الصور مقامها، وبهذا ظهر الفرق بين قاعدة البقاع أقيمت مظانها مقامها وبين ~~الأزمنة لم يقم مظانها في الصور المذكورة، وسره ما تقدم من القاعدة الكلية ~~التي تقدم تقريرها قبل. # (الفرق التاسع والتسعون بين قاعدة البقاع المعظمة من المساجد تعظم ~~بالصلاة، ويتأكد طلب الصلاة عند ملابستها وبين قاعدة الأزمنة المعظمة ~~كالأشهر الحرم وغيرها لا تعظم بتأكد الصوم فيها) # مع أن نسبة الصلوات إلى البقاع كنسبة الصوم إلى الأزمان فالمكان يصلى ~~فيه، والزمان يصام فيه وليس لنا مكان يصام فيه إلا بطريق الغرض كثلاثة أيام ~~في الحج بمكة جبرا لما عرض من النسك وصوم أيام الاعتكاف في المساجد لما عرض ~~من الاعتكاف، ويصام رمضان وغيره لعين ذلك الزمان لا لما عرض فيه فالصوم ~~بوصفه خاص بالزمان، والصلاة تكون للمكان كتحية المسجد وتكون للزمان كأوقات ~~الصلوات والوتر وركعتي الفجر والضحى ونحوها، والفرق من حيث الجملة في كون ~~المساجد تعظم بالتحيات إذا دخل إليها والأشهر الحرم ونحوها لا تعظم بالصوم ~~هو أن الله تعالى غني عن الخلق على الإطلاق لا تزيده طاعتهم ولا تنقصه ~~معصيتهم والأدب معه تعالى اللائق بجلاله متعذر منا فأمرنا تعالى أن نتأدب ~~معه كما نتأدب مع أكابرنا؛ لأنه وسعنا، ولذلك أمرنا تعالى بالركوع والسجود ~~والمدح له وإكرام خاصته وعبيده، ولما كان الواحد منا إذا أراد # PageV02P170 # تعظيم عظيم منا فعل معه ذلك جعل الله تعالى ذلك ~~تعظيما له، ومن ذلك أن أحدنا إذا مر ببيوت الأكابر يسلم عليهم ويحيهم ~~بالتحية اللائقة بهم، والسلام في حقه تعالى محال؛ لأنه دعاء بالسلامة وهو ~~سالم لذاته عن جميع النقائص أو هو من المسالمة، وهي التأمين من الضرر، وهو ~~تعالى يجير ولا يجار عليه فاستغنى عن ذلك لتعذر معانيه في حقه تعالى بل ورد ~~أن ms357 نقول له تعالى أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام حينا ربنا ~~بالسلام أي أنت السالم لذاتك ومنك يصدر السلام لعبادك. # وإليك يرجع طلبها فاعطنا إياها، ولما استحال السلام في حقه تعالى أقيمت ~~الصلاة مقامه ليتميز بيت الرب عن غيره من البيوت بصورة التعظيم بما يليق ~~بالربوبية، ولذلك نابت الفريضة عن النافلة في ذلك لحصول التمييز بها، ولما ~~كان سبب التحيات في هذه البقاع المعظمة تمييزها اختص بالله تعالى واشتهر ~~باسم اختصاصه به، وهو لفظ البيوت فإن شأن الرئيس والملك العظيم أن يكون في ~~بيته ويحل في بيته ويختص به، ولم يوجد من الأزمنة ما اشتهر بالله تعالى هذه ~~الشهرة حتى يحتاج إلى تمييز يختص به يناسب الربوبية، فهذا هو الفرق بين ~~الأزمنة والبقاع في هذا المعنى فإن قلت فقد ورد «أن الثلث الأخير من الليل ~~ينزل الرب تعالى فيه سماء الدنيا فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر ~~فأغفر له» فقد اختص هذا الوقت من الزمان به تعالى كما اختصت المساجد بأنها ~~بيوته فينبغي أن يشرع فيه ما يوجب التمييز كما شرع في المسجد. # قلت: الأزمنة التي جرت عادة الملوك بالقدوم فيها على الرعايا شأنها أن ~~تعظم بالزينة في المدائن وغير الزينة من أسباب الاحتفال، وكان يلزمنا مثل ~~ذلك في هذا الزمان غير أن الليل لا يلازم الصوم شرعا فشرع فيه ما يناسبه من ~~الدعاء والتضرع والاستغفار، وإنما الفرق بين الصلاة والصوم، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV02P171 # (الفرق المائة بين قاعدة النواح حرام وبين قاعدة ~~المراثي مباحة) اعلم أنه قد اشتهر بين الناس تحريم النواح وتفسيق النائحة ~~دون تفسيق الشعراء الذين يرثون الموتى من الملوك والأعيان، وكان الشيخ عز ~~الدين بن عبد السلام - رحمه الله - يقول إن بعض المراثي حرام كالنواح ~~وتحرير القول فيهما وضبطهما أن النوح إنما حرم؛ لأنه يقتضي نسبة الرب ~~سبحانه وتعالى إلى الجور في قضائه والتبرم بقدره، وأن الواقع من موت هذا ~~الميت لم يكن مصلحة بل مفسدة عظيمة، وتكون النائحة تذكر كلاما يقرر ms358 ذلك في ~~النفوس، وتوضحه للأفهام وتحمل السامعين على اعتقاد ذلك فكل لفظ تضمن ذلك ~~كان حراما نظما كان أو نثرا مرثية أو نواحا، وقد جاء في الحديث الصحيح عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التصريح بتحريم النواح، وورد في الحديث ~~«أن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين قميص من جرب وقميص من قطران» وسره أن ~~الأجرب سريع الألم لتقرح جلده. # والقطران يقوي شعلة النار فيكون عذابها بالنار بسبب هذين القميصين أشد ~~العذاب وفي أبي داود «لعن الله النائحة والمستمعة» قال سند من أصحابنا هي ~~التي تتخذ النواح صنعة، قال وإلا فالمرة مكروهة لما في البخاري «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ترك نساء جعفر لم يسكتهن» وفيه عن جابر - رضي ~~الله عنه - جيء بأبي يوم أحد وقد مثل به وساق الحديث إلى أن قال فسمع صوت ~~نائحة فقال من هذه؟ فقالوا ابنة عمر فقال فلتبكي ما زالت الملائكة تظله ~~بأجنحتها حتى رفع وفيه «عن أم عطية - رضي الله عنها - أخذ علينا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن لا ننوح فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة سمتهن» ، ~~والنواح من الكبائر. # وصورته أن تقول النائحة لفظا يقتضي فرط جمال الميت وحسنه وكماله وشجاعته ~~وبراعته وأبهته ورئاسته، وتبالغ فيما كان يفعل من إكرام # PageV02P172 # الضيف والضرب بالسيف والذب عن الحريم والجار إلى غير ~~ذلك من صفات الميت التي يقتضي مثلها أن لا يموت فإن بموته هذه تنقطع هذه ~~المصالح ويعز وجود مثل الموصوف بهذه الصفات ويعظم التفجع على فقد مثله وأن ~~الحكمة كانت تقتضي بقاءه وتطويل عمره لتكثير تلك المصالح في العلم فمتى كان ~~لفظها مشتملا على هذا كان حراما، وهذا أشر النواح وتارة لا تصل إلى هذه ~~الغاية غير أنه تبعد السلوة عن أهل الميت، وتهيج الأسف عليهم فيؤدي ذلك إلى ~~تعذيب نفوسهم وقلة صبرهم وضجرهم، وربما بعثهم ذلك على القنوط وشق الجيوب ~~وضرب الخدود فهذا أيضا حرام، ومتى كان لفظ النائحة ليس فيه شيء من ذلك بل ~~ذكر دين الميت، ms359 وأنه انتقل إلى جزاء أعماله الحسنة ومجاورة أهل السعادة، ~~وأنه أتى عليه ما قضى على عامة الناس، وأن هذا سبيل لا بد منه، وأنه موطن ~~اشترك فيه جميع الخلائق، وباب لا بد من دخوله فهذا ليس بحرام فإن زادت على ~~ذلك بأن تأمر أهل الميت بالصبر، وتحثهم على طلب الأجر والثواب، وأنهم ينبغي ~~لهم أن يحتسبوا ميتهم في سبيل الله. # ويعتمدون في حسن الخلف على الله تعالى ونحو ذلك فهذا مندوب إليه مأمور به ~~وعلى هذه القوانين تتخرج المراثي فتنقسم أيضا إلى المحرمة الكبيرة وإلى ~~المحرمة الصغيرة وإلى المباح وإلى المندوب على قدر ما يتضمنه لفظ المرثية ~~فمن المراثي المباحة الخالية عن التحريم ما رثى به ابن عمر أخاه عاصما لما ~~مات فقال: # فإن تك أحزان وفائض دمعة ... جرين دما من داخل الجوف منقعا # تجرعتها في عاصم واحتسبتها ... فأعظم منها ما احتسى وتجرعا # فليت المنايا كن خلفن عاصما ... فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا # دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا # PageV02P173 # فهذا رثاء مباح لا يحرم مثله. # وليس فيه ما يشير إلى التجوير ولا تسفيه القضاء بل إنه حزين متألم لميته، ~~وكان يشتهي لو مات معه فهذا أمر قريب لا غرو فيه، ومثال الرثاء المندوب ما ~~روي أن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - لما مات عظم مصابه على ابنه ~~عبد الله، وكان عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - عظيما عند الناس في ~~نفسه؛ لأنه كان ترجمان القرآن وافر العقل جميل المحاسن والجلالة والأوصاف ~~الحميدة فأعظمه الناس على التعزية إجلالا له ومهابة بسبب عظمته في نفسه ~~وعظمة من أصيب به، فإن العباس - رضي الله عنه - عم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وبقي بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - مثل والده وكان يقال من ~~أشجع الناس فيقال العباس ومن أعلم الناس فيقال العباس. ومن أكرم الناس ~~فيقال العباس فلما مات عظم خطبه وجلت رزيته في صدور الناس وفي صدر ولده عبد ~~الله - رضي ms360 الله عنهما - وأحجم الناس عن تعزيته فأقاموا على ذلك شهرا كما ~~ذكره المؤرخون فبعد الشهر قدم أعرابي من البادية فسأل عن عبد الله بن عباس ~~فقال له الناس ما تريد فقال أريد أن أعزي عبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهما - فقام الناس معه عساه أن يفتح لهم باب التعزية فلما رأى عبد الله بن ~~عباس قال له سلام عليك يا أبا الفضل فقال له عبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهما - وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فأنشده: # اصبر نكن بك صابرين ... فإنما صبر الرعية عند صبر الراس # خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس # فلما سمع عبد الله بن عباس رثاءه واستوعب شعره سري عنه عظيم ما كان به. ~~واسترسل الناس في تعزيته # وهذا كلام في غاية الجودة من الرثاء مسهل للمصيبة مذهب للحزن محسن # PageV02P174 # لتصرف القضاء مثن على الرب تعالى بإحسان وجميل ~~العوارف، فهذا حسن جميل ومثله ما ورد في الأخبار أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لما توفي سمع أهل بيته قائلا يقول يسمعون صوته ولا يرون شخصه: ~~سلام عليكم أهل البيت إن في الله خلفا من كل فائت وعوضا من كل ذاهب فإياه ~~فارجوا وبه فثقوا فإن المصاب من حرم الثواب فكانوا يرونه الخضر - عليه ~~السلام - فهذا أيضا كلام من القربات ومندرج في سلك المندوبات ومن الرثاء ~~المحرم الفظيع ما وقع في عصرنا في رثاء الخليفة ببغداد في أيام الصالح رحم ~~الله الجميع فعمل له الملك الصالح عزاء جمع فيه الأكابر والأعيان والقراء ~~والشعراء فأنشد بعض الشعراء في مرثيته: # مات من كان بعض أجناده الموت ... ومن كان يختشيه القضاء # فسمعه الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله - وهو جالس في المحفل ~~فأمر بتأديبه وحبسه. # وأغلظ الإنكار عليه وبالغ في تقبيح رثائه، وأقام بعد التعزير في الحبس ~~زمانا طويلا ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه وأمره أن ينظم ~~قصيدة يثني فيها على الله عز وجل تكون مكفرة لما تضمنه شعره من التعرض ms361 ~~للقضاء بقوله من كان بعض أجناده الموت تعظيما لشأن هذا الميت، وأن مثل هذا ~~الميت ما كان ينبغي أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتي الأيام بمثل هذا ~~ونحو ذلك. # وقوله: يختشيه القضاء يشير إلى أن الله تعالى كان يخاف منه وهذا إما كفر ~~صريح وهو الظاهر من لفظه أو قريب من الكفر فالشعراء في مراثيهم يهجمون على ~~أمور صعبة رغبة في الإغراب والتمدح بأنه طرق معنى لم يطرق قبله فيقعون في ~~هذا ومثله، ولذلك وصفهم الله تعالى بقوله {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} ~~[الشعراء: 225] قال المفسرون هذه الأودية هي أودية الهجاء المحرم ونحوه مما ~~لا يحل قوله، فظهر لك بهذا البسط والتقرير الفرق بين النواح المحرم والرثاء # PageV02P175 # المحرم من غيره بتقرير القواعد المتقدمة فقس عليه ما ~~يرد عليك من ذلك في البابين. # (الفرق الحادي والمائة بين قاعدة فعل غير المكلف لا يعذب به وبين قاعدة ~~البكاء على الميت يعذب به الميت) # ورد في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن الميت ~~ليعذب ببكاء الحي عليه» خرجه مالك في الموطإ وغيره من العلماء في الصحاح ~~فأشكل ظاهر الحديث من جهة أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل غيره وهي قاعدة صحيحة ~~تعارض هذه القاعدة وحصل الفرق من وجوه: أحدها أنه محمول على ما إذا أوصى ~~بالنياحة كما قال طرفة: # إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد # وثانيها أنهم كانوا يذكرون في نوائحهم مفاخر هي مخاز عند الشرع كالغصب ~~والفسوق فيعذب بها فيكون المعنى أن الميت يعذب بمدلول ما يقع في البكاء من ~~الألفاظ، ولما كان بين البكاء وبين تلك الأمور ملازمة قد حصلت في الواقع ~~عبر بالبكاء عنه مجازا، والعلاقة هي هذه الملازمة؛ لأن اللفظ يلازم مدلوله، ~~والبكاء يلازم هذا اللفظ فهذه الملازمة هي العلاقة. # وثالثها ما قالته عائشة - رضي الله عنها - يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما ~~إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما «مر رسول الله - صلى الله ms362 عليه وسلم - ~~بيهودية يبكي عليها أهلها فقال - عليه السلام - إنكم لتبكون عليها وإنها ~~لتعذب في قبرها» واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة تكون أجوبة عن الحديث، ولا ~~توجب فرقا بين القاعدتين، وإنما هي ترد البكاء إلى فعل الميت بالوصية كما ~~قاله أولا أو بالمباشرة كما قاله ثانيا، وأما الثالث فهو من جنس الثاني؛ ~~لأن اليهودية إنما عذبت في قبرها بكفرها لا ببكاء أهلها. # والفرق في التحقيق إن مشينا اللفظ على ظاهره ما وقع لبعض العلماء من أن ~~امرأة من أهل العراق مات # PageV02P176 # لها ولد فرحلت في بعض مقاصدها إلى المغرب فحضر يوم ~~العيد وعادتها فيه في بلدها تخرج إلى المقابر فتبكي على ولدها، فلما لم تكن ~~في بلدها خطر لها أن تخرج إلى مقابر تلك البلدة التي حلت بها فتفعل فيها ما ~~كانت تفعله في بلدها فخرجت إليها، وفعلت ذلك وأكثرت البكاء والعويل ~~والتفجيع على ولدها، ثم نامت فرأت أهل المقبرة قد هاجوا يسأل بعضهم بعضا هل ~~لهذه المرأة عندنا ولد؟ فقالوا لا فقال السائل منهم للمسئول فكيف جاءت ~~عندنا تؤذينا ببكائها وعويلها من غير أن يكون لها عندنا ولد، ثم ذهبوا ~~إليها فضربوها ضربا وجيعا فاستيقظت فوجدت ألما عظيما من ذلك الضرب فدل ذلك ~~على أن الأرواح تتألم من المؤلمات وتفرح باللذات في البرزخ كما كانت في ~~الدنيا وهو ظاهر، وكذلك تعذب الكفار في قبورها كما قال - عليه الصلاة ~~والسلام - «إن اليهود لتعذب في قبورها» فالأوضاع البشرية في الأرواح لم ~~تتغير، وإنما كانت في مسكن فارقته وبقيت على حالها في أوضاعها، ولما كان ~~البكاء والعويل في حالة الحياة تتأذى به الأرواح وتنقبض كانت بعد الموت ~~تتأذى به كذلك كان عليها أو على غيرها، وهو عليها أشد نكاية؛ لأنها هي ~~المصابة حينئذ، وقد ورد أن الموتى يعلمون أحوال الأحياء، وما نزل بهم من ~~شدة ورخاء وفقر واستغناء وغير ذلك مما يتجدد لأهليهم، ويتألمون للمؤلمات ~~ويسرون باللذات، وقد ورد أنهم يفتخرون بالزيارات، ويتألمون بانقطاعها. # وإذا كان الأمر كذلك كانوا يتألمون بالبكاء عليهم ms363 من أهليهم وغير أهليهم، ~~والألم عذاب فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم - «إن الميت ليعذب ببكاء الحي ~~عليه» ، ويكون الفرق بين القاعدتين على هذا التقرير أن الإنسان لا يعذب ~~بفعل غيره أي عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب والبكاء عذاب ليس عذاب ~~الآخرة الذي هو عذاب الذنوب المتوعد به من قبل صاحب الشرع بل معناه الألم ~~الجبلي # PageV02P177 # الذي إذا وقع في الوجود قد يكون رحمة من الله تعالى ~~كمن يبتليه الله تعالى بالألم لرفع درجاته ومن هذا الباب قوله «- صلى الله ~~عليه وسلم - نحن الأنبياء أشد بلاء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى ~~الرجل على قدر دينه» ومعلوم أن الأنبياء والصالحين يتألمون بالبلايا ~~والرزايا، وليس ذلك عذابا بالتفسير الأول بل رحمة من الله تعالى ولذلك قال ~~بعض السلف على القرن الماضي أن كان أحدهم ليفرح بالبلايا كما يفرح أحدكم ~~بالرخاء، والعذاب يستعاذ منه ولا يفرح به فهذا الوجه عندي هو الفرق الصحيح، ~~ويبق اللفظ على ظاهره، ويستغنى عن التأويل وتخطئة الراوي وما ساعده الظاهر ~~من الأجوبة كان أسعدها وأولاها وهذا كذلك، فيعتمد عليه في الفرق. # (الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب ~~والآلات وكل ما دل عليها وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها ~~بالحساب) وفيه قولان عندنا وعند الشافعية رحمهم الله تعالى والمشهور في ~~المذهبين عدم اعتبار الحساب فإذا دل حساب تسيير الكواكب على خروج الهلال من ~~الشعاع من جهة علم الهيئة لا يجب الصوم قال سند من أصحابنا فلو كان الإمام ~~يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه مع أن حساب ~~الأهلة والكسوفات والخسوفات قطعي فإن الله تعالى أجرى عادته بأن حركات ~~الأفلاك وانتقالات الكواكب السبعة السيارة على نظام واحد طول الدهر بتقدير ~~العزيز العليم. # قال الله تعالى {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} [يس: 39] ~~وقال تعالى {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن: 5] أي هما ذوا حساب فلا ينخرم ~~ذلك أبدا، وكذلك الفصول الأربعة لا ينخرم حسابها، والعوائد إذا استمرت ~~أفادت ms364 القطع كما إذا رأينا شيخا نجزم بأنه لم يولد كذلك # PageV02P178 # بل طفلا لأجل عادة الله تعالى بذلك وإلا فالعقل يجوز ~~ولادته كذلك، والقطع الحاصل فيه إنما هو لأجل العادة، وإذا حصل القطع ~~بالحساب ينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلوات فإنه لا غاية بعد حصول القطع ~~والفرق وهو المطلوب هاهنا وهو عمدة السلف والخلف أن الله تعالى نصب زوال ~~الشمس سبب وجوب الظهر. # وكذلك بقية الأوقات لقوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] ~~أي لأجله، وكذلك قوله تعالى {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم: ~~17] {وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون} [الروم: 18] قال ~~المفسرون هذا خبر معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات حين تمسون ~~المغرب والعشاء وحين تصبحون الصبح وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر والصلاة ~~تسمى سبحة، ومنه سبحة الضحى أي صلاتها فالآية أمر بإيقاع هذه الصلوات في ~~هذه الأوقات وغير ذلك من الكتاب والسنة الدال على أن نفس الوقت سبب فمن علم ~~السبب بأي طريق كان لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات ~~الصلوات،. # وأما الأهلة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سببا للصوم بل رؤية ~~الهلال خارجا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب ~~الشرعي فلا يثبت الحكم، ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن ~~شعاع الشمس سببا للصوم قوله - صلى الله عليه وسلم - «صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته» ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس، كما قال تعالى {أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس} [الإسراء: 78] ثم قال «فإن غم عليكم» أي خفيت عليكم رؤيته «فاقدروا ~~له» في رواية «فأكملوا العدة ثلاثين» فنصب رؤية الهلال أو إكمال العدة ~~ثلاثين، ولم يتعرض لخروج الهلال عن الشعاع،. # وأما قوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] فلا دلالة ~~فيه على هذا المطلوب قال أبو علي؛ لأن شهد لها ثلاث معان شهد بمعنى حضر ~~ومنه شهدنا صلاة العيد، وشهد بدرا، وشهد # PageV02P179 # بمعنى أخبر ومنه شهد عند الحاكم أي أخبره بما يعلمه، ms365 ~~وشهد بمعنى علم ومنه قوله تعالى {والله على كل شيء شهيد} [المجادلة: 6] أي ~~عليم وهو في الآية بمعنى حضر قال وتقدير الآية فمن حضر منكم المصر في الشهر ~~فليصمه أي حاضرا مقيما احترازا من المسافر فإنه لا يلزمه الصوم، وإذا كان ~~شهد بمعنى حضر لا بمعنى شاهد ورأى لم يكن فيه دلالة على اعتبار الرؤية ولا ~~على اعتبار الحساب أيضا فإن الحضور في الشهر أعم من كونه ثبت بالرؤية أو ~~بالحساب فلأجل هذا الفرق قال الفقهاء رحمهم الله تعالى إن كان هذا الحساب ~~غير منضبط فلا عبرة به، وإن كان منضبطا لكنه لم ينصبه صاحب الشرع سببا فلم ~~يجب به صوم والحق من ترديد الفقهاء - رحمهم الله - هو القسم الثاني دون ~~الأول غير أن هاهنا إشكالين أحدهما في أوقات الصلوات والآخر في رؤية ~~الأهلة. # الإشكال الأول في أوقات الصلوات وذلك أنه جرت عادة المؤذنين وأرباب ~~المواقيت بتيسير درج الفلك فإذا شاهدوا المتوسط من درج الفلك أو غيرها من ~~درج الفلك الذي يقتضي أن درجة الشمس قربت من الأفق قربا يقتضي أن الفجر طلع ~~أمروا الناس بالصلاة والصوم مع أن الأفق يكون صاحيا لا يخفى فيه طلوع الفجر ~~لو طلع، ومع ذلك فلا يجد الإنسان للفجر أثرا ألبتة، وهذا لا يجوز فإن الله ~~تعالى إنما نصب سبب وجوب للصلاة ظهور الفجر فوق الأفق، ولم يظهر فلا تجوز ~~الصلاة حينئذ فإنه إيقاع للصلاة قبل وقتها وبدون سببها، وكذلك القول في ~~بقية إثبات أوقات الصلوات (فإن قلت) هذا جنوح منك إلى أنه لا بد من الرؤية، ~~وأنت قد فرقت بين البابين، وميزت بين القاعدتين بالرؤية وعدمها، وقلت السبب ~~في الأهلة الرؤية وفي أوقات الصلوات تحقيق الوقت دون رؤيته فحيث اشترطت ~~الرؤية فقد أبطلت ما ذكرته من الفرق. # قلت سؤال حسن (والجواب عنه) أني لم أشترط الرؤية في أوقات الصلوات لكني ~~جعلت عدم اطلاع الحس على عدم الفجر دليلا على # PageV02P180 # عدمه وأنه في نفسه لم يتحقق؛ لأن الرؤية هي السبب ~~ونظيره في الأهلة لو ms366 كانت السماء مصحية والجمع ثير ولم ير الهلال جعلت ذلك ~~دليلا على عدم خلوص الهلال من شعاع الشمس. # وكذلك لو رأيت الظل عند الزوال مائل لجهة المغرب، ولم أره مائلا إلى جهة ~~المشرق بل متوسطا بين الجهتين جعلت ذلك دليلا على عدم دخول الوقت وعدم ~~السبب ففرق بين كون الحس سببا وبين كونه دالا على عدم السبب فإني في الفجر ~~جعلته دليلا على عدم السبب لا أني اشترطت الرؤية، ولذلك أني لم أستشكل ذلك ~~إلا والسماء مصحية والحس لا يجد شيئان من الفجر، أما لو كان حسابهم يظهر ~~معه الفجر مع الصحو طالعا من الأفق ويخفى مع الغيم لم أستشكله، وقلت: إنما ~~يخفى لأجل الغيم لا لأجل عدمه في نفسه لكن لما رأيت حسابهم في الصحو لا ~~يظهر معه الفجر علمت أن حسابهم يقارن عدم السبب فإن الحس كما يدل على وجود ~~الفجر يدل أيضا على عدمه باتساق الظلمة وعدم الضياء، فهذا جواب هذا السؤال ~~لا أني سويت بين الأهلة وأوقات الصلوات فتأمل ذلك الإشكال الثاني أن ~~المالكية جعلوا رؤية الهلال في بلد من البلاد سببا لوجوب الصوم على جميع ~~أقطار الأرض ووافقتهم الحنابلة - رحمهم الله - على ذلك. # وقالت الشافعية - رحمهم الله - لكل قوم رؤيتهم واتفق الجميع على أن لكل ~~قوم فجرهم وزوالهم وعصرهم ومغربهم وعشاءهم فإن الفجر إذا طلع على قوم يكون ~~عند آخرين نصف الليل وعند آخرين نصف النهار وعند آخرين غروب الشمس إلى غير ~~ذلك من الأوقات وما من درجة تطلع من الفلك أو تتوسط أو تغرب إلا فيها جميع ~~الأوقات بحسب آفاق مختلفة وأقطار متباينة فإذا طلعت الشمس في أقصى المشرق ~~كان نصف الليل عند البلاد المغربية منهم أو أقل من ذلك أو أكثر على حسب ~~البعد عن ذلك الأفق غربت الشمس في أقصى المغرب # PageV02P181 # كان نصف الليل عند البلاد المشرقية أو أقل أو أكثر ~~بحسب قرب ذلك القطر من القطر الذي غربت فيه الشمس، وكذلك بقية الأوقات ~~تختلف هذا الاختلاف. # وكذلك وقع في الفتاوى الفقهية ms367 مسألة أشكلت على جماعة من الفقهاء - رحمهم ~~الله - في أخوين ماتا عند الزوال أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب أيهما يرث ~~صاحبه فأفتى الفضلاء من الفقهاء بأن المغربي يرث المشرقي؛ لأن زوال المشرق ~~قبل زوال المغرب فالمشرقي مات أولا فيرثه المتأخر لبقائه بعده حيا متأخر ~~الحياة فيرث المغربي المشرقي إذا تقرر الاتفاق على أن أوقات الصلوات تختلف ~~باختلاف الآفاق، وأن لكل قوم فجرهم وزوالهم وغير ذلك من الأوقات فيلزم ذلك ~~في الأهلة بسبب أن البلاد المشرقية إذا كان الهلال فيها في الشعاع وبقيت ~~الشمس تتحرك مع القمر إلى الجهة الغربية فما تصل الشمس إلى أفق المغرب إلا ~~وقد خرج الهلال من الشعاع فيراه أهل المغرب ولا يراه أهل المشرق هذا أحد ~~أسباب اختلاف رؤية الهلال وله أسباب أخر مذكورة في علم الهيئة لا يليق ~~ذكرها هاهنا إنما ذكرت ما يقرب فهمه، وإذا كان الهلال يختلف باختلاف الآفاق ~~وجب أن يكون لكل قوم رؤيتهم في الأهلة كما أن لكل قوم فجرهم وغير ذلك من ~~أوقات الصلوات، وهذا حق ظاهر وصواب متعين أما وجوب الصوم على جميع الأقاليم ~~برؤية الهلال بقطر منها فبعيد عن القواعد، والأدلة لم تقتض ذلك فاعلمه. # (الفرق الثالث والمائة بين قاعدة الصلوات في الدور المغصوبة تنعقد قربة ~~بخلاف الصيام في أيام الأعياد والجمع منهي عنه) # أما الصلوات فمشهور المذهب ذلك وهو قول الشافعي وأبي حنيفة - رضي الله ~~عنهما -، وقال ابن حنبل وابن حبيب من أصحابنا رحمهما الله لا تنعقد قربة، ~~ويجب القضاء فسوى بين البابين فلا فرق # PageV02P182 # على مذهبه لتسويته بين القاعدتين إنما الفرق على مذهب ~~الجماعة، وقال جماعة أحمد ومن وافقه مسبوق بالإجماع في الصحة في الصلوات في ~~الدار المغصوبة، وقد أجمع السلف - رضي الله عنهم - على عدم أمر الظلمة ~~بالقضاء إذ صلوا بالدور المغصوبة. # وأما الصوم أيام العيدين النحر والفطر ففي الصحيحين «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر» ففي الجواهر لو قال ~~أصوم هذه السنة لم يلزمه قضاء أيام العيدين ms368 والتشريق ورمضان إلا أن ينوي ~~القضاء وروي أن ناذر ذي الحجة يقضي أيام النحر إلا أن ينوي عدم القضاء، ولو ~~نذر صوم يوم قدوم فلان فقدم في الأيام المحرم صومها فالمنصوص نفي القضاء ~~لتعذره شرعا، وناذر صوم يوم النحر أو الفطر أو الشك ملغى كنذر الصلوات في ~~الأوقات المكروهة قاله مالك - رحمه الله - في المدونة وقاله الشافعي - رضي ~~الله عنه - فظاهر مذهبنا ومذهب الشافعي أن الصوم لا ينعقد قربة في هذين ~~اليومين بخلاف الصلاة. # والصوم والصلاة عبادتان والنهي إنما جاء من جهة الظروف التي هي الزمان في ~~الصوم والمكان في الصلاة والحكم مختلف بين القاعدتين كما ترى والفرق أن ~~المنهي عنه تارة يكون العبادة الموصوفة بكونها في الزمان أو المكان أو ~~الحالة المعينة من بين سائر الأزمنة أو البقاع أو الحالات فتفسد؛ لأن النهي ~~يقتضي فساد المنهي عنه على قواعدنا وقواعد الشافعي - رضي الله عنه -، وتارة ~~يكون المنهي عنه هو الصفة العارضة للعبادة فلا تفسد العبادة لتعلق النهي ~~حينئذ بأمر خارج عن العبادة، والمباشر بالنهي في الصوم إنما هو الموصوف ~~بكونه في يوم الفطر أو النحر كما تقدم الحديث والمباشر بالنهي في الصلاة في ~~الدار المغصوبة إنما هو الغصب ولم يرد نهي عن الصلاة في الدار المغصوبة ~~إنما ورد في الغصب دون الصلاة المقارنة للغصب والقضاء على الصفة لا يلزم أن ~~يتعدى إلى الموصوف وبالعكس فيصح أن يقال شرب الخمر مفسدة ولا يصح أن # PageV02P183 # يقال شارب الخمر مفسدة، ويصح أن يقال شارب الخمر ساقط ~~العدالة، ولا يصح أن يقال شرب الخمر ساقط العدالة فظهر أن أحكام الصفات لا ~~تنتقل للموصوفات وأحكام الموصوفات لا تنتقل للصفات، وظهر أن النهي في الصوم ~~عن الموصوف وفي الصلاة في الدار المغصوبة عن الصفة، وأن الأحكام على إحدى ~~الجهتين لا تنتقل للأخرى فإن قلت لو نذر الصلاة في الدار المغصوبة لم ينعقد ~~نذره كما في صوم يوم النحر فهما سواء قلت لا لأنهم قالوا إن الصلاة إذ وقعت ~~في الدار المغصوبة تبرئ الذمة. # وقالوا إذا ms369 وقع الصوم في يوم النحر ويوم الفطر لا ينعقد قربة وبراءة ~~الذمة بالصلاة في الدار المغصوبة يقتضي أنها انعقدت قربة؛ لأن الذمة لا ~~تبرأ من الواجب بما ليس واجبا فضلا على أنه ليس بقربة فتكون الصلاة في ~~الدار المغصوبة قربة واجبة من جهة أنها صلاة لا من جهة اشتمالها على الغصب ~~فإن قلت الصوم والصلاة كلاهما قربة بالإجماع، والنهي والمفسدة إنما جاء من ~~جهة أمر خارجي وهو الزمان في الصوم والمكان في الصلاة فأنت إذن فرعت على ~~مذهب من يرى أن النهي عن الوصف لا يتعدى إلى الأصل لزم ذلك فيما قاله أبو ~~حنيفة - رحمه الله - في عقود الربا أن الوصف يبطل ويصح الأصل لسلامته عن ~~النهي والمفسدة فيلزمك أن تلتزم مذهبه وإن فرعت على مذهب من يرى أن البابين ~~واحد وهو مذهب أحمد فيلزمك أن تلتزم ما قاله في إبطال الصلاة في الدار ~~المغصوبة وبالثوب المغصوب وإبطال الوضوء بالماء المغصوب ونحو ذلك من فروع ~~الحنابلة وأنت لم تقل بهذا المذهب ولا بذاك فكان مذهبنا مشكلا فتحتاج ~~الجواب لمالك والشافعي عن هذا الإشكال وإن تبطل الفرق الذي ذكرته بين ~~الصلاة والصوم فإنك إن اعتبرت الأصل والوصف وفرقت بينهما كقول أبي حنيفة ~~لزمك الصحة في الصلاة والصوم؛ لأن النهي لأمر خارجي وهو الزمان والمكان وإن ~~سويت كما قاله أحمد لزمك البطلان فيهما، وعلى # PageV02P184 # التقديرين بطل ما حاولته من الفرق قلت سؤالات حسنة ~~والجواب عنها أني ألتزم الفرق بين الأصل والوصف ولا أسوي كما قالته ~~الحنابلة. # ولا يلزمني عقود الرب بسبب أن انتقال الإملاك في المعاوضات يعتمد الرضا ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» ~~، وصاحب الدرهم أو الصاع من البر ما رضي بإخراجه من ملكه إلا مقابلا ~~بدرهمين أو صاعين فإذا أسقطنا أحد الدرهمين أو أحد الصاعين بطل ما حصل به ~~الرضا، ونقل الملك بغير رضا لا يجوز ويلزم أيضا نقل الملك بغير عقد فإن ~~متعلق العقد ومقتضاه إنما هو هذا المجموع إما درهم ms370 بدرهم فلم يقتضه العقد ~~بل اقتضى عدمه فإن مفهوم قول القائل بعتك درهما بدرهمين أنه لا يبيعه درهما ~~بدرهم، وإذا لم يوجد العقد يكون نقل الملك بغير رضا ولا عقد وهو خلاف ~~الإجماع بخلاف الصلاة موجب الأمر بجملته وجد في الصلاة في الدار المغصوبة ~~فإن الآمر بالصلاة لم يشترط فيها عدم الغصب بل حرم الله تعالى الغصب ولم ~~يشترط فيه عدم الصلاة، وأوجب الصلاة ولم يشترط فيه عدم الغصب فقد وجد مقتضى ~~الأمر بجملته ومقتضى النهي بجملته فوجب اعتبارهما وأن يترتب على كل واحد ~~منهم مقتضاه كما أن الله تعالى حرم السرقة، ولم يشترط فيه عدم الصلاة، ~~وأوجب الصلاة ولم يشترط فيها عدم السرقة فإذا سرق في صلاته فقد وجد موجب ~~الأمر بجملته وموجب النهي بجملته، فوجب أن يترتب على كل واحد منهما مقتضاه ~~فتبرأ ذمته بالصلاة، ونقطعه للسرقة عملا بتحقق السببين فهذا هو الفرق بين ~~العقود ومقتضياتها وبين الأوامر وموجباتها فتأمل ذلك فهو من النظر الجميل ~~والبحث الدقيق. # وأما ما ذكرته من سقوط الفرق بسبب أنهما قربتان في أنفسهما، والنهي إنما ~~جاء من أمر خارجي فأقول ورود النهي عن العبادة الموصوفة يدل على أن العبادة ~~الموصوفة عرية عن المصلحة التي في العبادة التي ليست # PageV02P185 # موصوفة بتلك الصفة، والأوامر تتبع المصالح فإذا ذهبت ~~المصلحة ذهب الطلب والأمر، وإذا ذهب الطلب لم يبق للصوم قربة وفي الصلاة لم ~~ينه عنها أصلا إنما ورد النهي عن الصفة خاصة التي هي الغصب فبقيت الصلاة ~~على حالها مشتملة على مصلحة الأمر فكان الأمر ثابت فكانت قربة فظهر بهذا ~~التقرير أن صوم يوم النحر والفطر ليس بقربة والصلاة في الدار المغصوبة ~~قربة، وبذلك ظهر الفرق بين القاعدتين واندفعت الإشكالات كلها. # (الفرق الرابع والمائة بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل ~~ومتى دار بين الندب والتحريم ترك تقديما للراجح على المرجوح، وبين قاعدة ~~يوم الشك هل هو من رمضان أم لا) # فإنه يحرم صومه مع أنه إن كان من شعبان فهو مندوب وإن ms371 كان من رمضان فهو ~~واجب فكان ينبغي أن يتعين صومه، وبهذه القاعدة تمسك الحنابلة في صومه على ~~وجه الاحتياط وهو ظاهر من هذه القاعدة، ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة - رضي ~~الله عنهما -. # وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يصومه احتياطا لهذه القاعدة ثم إنا ~~ناقضنا قاعدتنا فقلنا من شك في الفجر لا يأكل ويصوم مع أنه شاك في طريان ~~الصوم كما شك أول الشهر في طريان الصوم فيهما سواء فإن قلنا بالصوم في ~~الثاني دون الأول فهو إشكال آخر، ويحتاج إلى الفروق القادحة المعتبرة في ~~الموضعين # PageV02P186 # أما الأول فالجواب عنه وهو الفرق المقصود هاهنا أن ~~صوم يوم الشك عندنا دائر بين التحريم والندب فتعين الترك إجماعا على هذا ~~التقدير، وإنما قلنا إنه دائر بين التحريم والندب؛ لأن النية الجازمة شرط ~~وهي هاهنا متعذرة، وكل قربة بدون شرطها حرام فصوم هذا اليوم حرام فإن كان ~~من رمضان فهو حرام لعدم شرطه، وإن كان من شعبان فهو مندوب فقد تبين أنه ~~دائر بين التحريم والندب لا بين الوجوب والندب، وهذا هو الفرق ومما يدل على ~~تحريمه ما ورد في الحديث «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» . # وأما الثاني فالجواب عنه أن رمضان عبادة واحدة وإنما الأكل بالليل رخصة ~~لقوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] والأمر ظاهر في صوم ~~جميع الشهر فالأصل في الليل الصوم، وكذلك كان في صدر الإسلام ثم رخص فيه ~~فكان من نام لا يحل له بعد ذلك وطء امرأته حتى نزل قوله تعالى {علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما ~~كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر} [البقرة: 187] ، # PageV02P187 # فأباح الله تعالى المفطرات إلى هذه الغاية رخصة، وإذا ~~كان الأصل في الليل الصوم ثم استثني منه الليل المتيقن بقي المشكوك فيه على ~~وفق الأصل فلذلك قلنا بوجوب صومه، وشعبان الأصل فيه الفطر على عكس ليل ~~رمضان فنفطره حتى نتيقن موجب الصوم فهو ms372 عكس ليل الصوم فظهر الجواب والفرق ~~ومن هذا المنزع إذا شك هل صلى ثلاثا أو أربعا فإنه يصليها مع أنها دائرة ~~بين الرابعة الواجبة والخامسة المحرمة، وإذا تعارض الواجب والمحرم قدم ~~المحرم؛ لأن التحريم يعتمد المفاسد. # والوجوب يعتمد المصالح وعناية صاحب الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أشد من ~~عنايتهم بتحصيل المصالح، وكذلك إذا شك في وضوئه هل هي ثانية أو ثالثة فإنه ~~يتوضأ ثالثة مع دورانها بين الثالثة المندوبة والرابعة المحرمة وهاهنا ~~الترك أظهر من الشك في الصلاة؛ لأن المندوب أخفض رتبة من الواجب. # والجواب عن الأول أنه موضع اتفاق فيما علمت بخلاف الوضوء لأن التحريم في ~~الخامسة مشروط بتيقن الرابعة أو ظنها، ولم يحصل ذلك فلم يحصل التحريم بل ~~استصحب الوجوب من الدليل الدال على وجوب الأربع # PageV02P188 # وهو الإجماع والنصوص. # وأما التحريم في الوضوء في الرابعة فمشروط أيضا بتيقن الثالثة أو ظنها ~~ولم يحصل فاستصحب الندب الناشئ عن الدليل الدال على الثلاث وهو فعله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وقوله في ذلك فهذه قواعد في العبادات ينبغي الإحاطة بها ~~لئلا تضطرب القواعد وتظلم على طالب العلم. # (الفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه ~~وصوم خمس، أو سبع من شوال) # اعلم أنه قد ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر» فورد في هذا ~~الحديث مباحث للفضلاء، وإشكالات للنبهاء وقواعد فقهية ومعان شريفة عربية. # الأول: لم قال - صلى الله عليه وسلم - بست ولم يقل بستة، والأصل في الصوم ~~إنما هو الأيام دون الليالي واليوم مذكر والعرب إذا عدت المذكر أنثت عدده ~~فكان اللازم في هذا اللفظ أن يكون مؤنثا؛ لأنه عدد مذكر كما قال الله تعالى ~~{سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] أنث مع المذكر وذكر ~~مع المؤنث. # الثاني: لم قال من شوال وهل لشوال مزية على غيره من الشهور أم لا. # الثالث: لم قال بست، وهل للست مزية ms373 # PageV02P189 # على الخمس أو السبع أم لا. # الرابع: قوله - صلى الله عليه وسلم - «فكأنما صام الدهر» شبه صوم شهر ~~وستة أيام بصوم الدهر مع أن القاعدة العربية أن التشبيه يعتمد المساواة أو ~~للتقريب، وأين شهر وستة أيام من صوم الدهر بل أين هو من صوم سنة فإنه لم ~~يصل إلى السدس ونحن نعلم بالضرورة من الشريعة أن من عمل عملا صالحا، وعمل ~~الآخر قدره مرتين لا يحسن التشبيه بينهما فضلا عن أن يعمل مثله ست مرات، ~~ولا يقال: إن من صام يوما يشبه من صام يومين في الأجر ولا من تصدق بدرهم ~~يشبه من تصدق بدرهمين في الأجر فضلا عمن تصدق بستة دراهم فإن ذلك يوهم ~~التسوية بين ستة دراهم ودرهم ولا مساواة بينهما فيبعد التشبيه. # الخامس: هل لنا فرق بين قوله - صلى الله عليه وسلم - «فكأنما صام الدهر» ~~وبين قوله فكأنه صام الدهر فإن " ما " هنا كافة لكأن عن العمل فدخلت لذلك ~~على الفعل ولو لم تدخل ما لدخل كأن على الاسم فهل بين ذلك فرق أم لا. # السادس: أن التشبيه بين هذا الصوم وصوم الدهر: كيف كان صوم الدهر أو على ~~حالة مخصوصة ووضع مخصوص،. # السابع: هل بين هذه الستة الأيام الواقعة في الحديث وبين الستة الأيام ~~الواقعة في الآية في قوله تعالى {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} ~~[الأعراف: 54] فرق أم لا فرق، والحكمة في ذلك واحدة. # والجواب عن الأول أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال بست ولم يقل بستة؛ ~~لأن عادة العرب تغليب الليالي على الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا ~~الليالي وتكون الأيام هي المرادة ولذلك قال تعالى {والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ولم يقل ~~وعشرة مع أنها عشرة أيام فذكرها بغير هاء التأنيث قال الزمخشري ولو قيل ~~عشرة لكان لحنا ومنه قوله تعالى {إن لبثتم إلا عشرا} [طه: 103] {نحن أعلم ~~بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما} [طه: 104] قال العلماء ~~يدل الكلام الأخير وهو قوله ms374 تعالى إلا يوما على أن المعدود الأول أيام ~~فكذلك ههنا أتت العبارة بصيغة # PageV02P190 # التذكير الذي هو شأن الليالي، والمراد الأيام مثل هذه ~~الآيات. # وعن الثاني أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال من شوال عند المالكية ~~رفقا بالمكلف؛ لأنه حديث عهد بالصوم فيكون عليه أسهل، وتأخيرها عن رمضان ~~أفضل عندهم لئلا يتطاول الزمان فيلحق برمضان عند الجهال قال لي الشيخ زكي ~~الدين عبد العظيم المحدث - رحمه الله تعالى - إن الذي خشي منه مالك - رحمه ~~الله تعالى - قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم، والقوانين، ~~وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ويؤيد سد هذه ~~الذريعة ما رواه أبو داود «أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فصلى الفرض وقام ليتنفل عقب فرضه، وهنالك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقام إليه عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - فقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا ~~فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصاب الله بك يا ابن الخطاب» ~~ومقصود عمر - رضي الله عنه - أن اتصال النفل بالفرض إذا حصل معه التمادي ~~اعتقد الجهال أن ذلك النفل من ذلك الفرض ولذلك شاع عند عوام مصر أن الصبح ~~ركعتان إلا في يوم الجمعة فإنه ثلاث ركعات؛ لأنهم يرون الإمام يواظب على ~~قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة، وسد هذه ~~الذرائع متعين في الدين وكان مالك - رحمه الله - شديد المبالغة فيها. # وقال الشافعية - رحمهم الله -: خصوص شوال مراد لما فيه من المبادرة ~~للعبادة والاستباق إليها لقوله عز وجل {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] و ~~{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} [آل عمران: 133] ولظاهر لفظ الحديث ومن ساعده ~~الظاهر فهو أولى وجوابهم ما تقدم من سد الذريعة وعن الثالث أن مزية الست ~~على السبع، أو الخمس تظهر بتقرير معنى الستة وذلك أن شهرا بعشرة أشهر، وستة ~~أيام بستين يوما؛ لأن الحسنة بعشرة ms375 والستون يوما بشهرين، وشهران مع عشرة ~~أشهر سنة # PageV02P191 # كاملة فمن فعل ذلك في سنة هو بمنزلة من صام تلك السنة ~~لتحصيله اثني عشر شهرا فإذا تكرر ذلك منه في جميع عمره كان كمن صام الدهر ~~والمراد بالدهر عمره إلى آخره فلو قال سبعا لكان ذلك سبعين يوما، وكان أزيد ~~من شهرين فيكون أكثر من صيام الدهر وأعلى، والأعلى لا يشبه بالأدنى فكان ~~يبطل التشبيه ولو زاد على السبع لكان أولى بالبطلان ولو قال خمسا لكانت ~~بخمسين يوما فينقص عن الشهرين فلا يحصل التشبيه الحقيقي وكذلك لو نقص أكثر ~~من الخمس فظهر أن قاعدة الست مباينة للسبع فما فوقها وقاعدة الخمس فما ~~دونها وهو كان المقصود بهذا الفرق، وبقية الأسئلة تبع وزيادة في الفائدة، ~~والمنافاة في السبع فما فوقها أشد من المنافاة في الخمس فما دونها؛ لأن ~~تشبيه الأعلى بالأدنى منكر مطلقا وأما الأدنى بالأعلى فجائز إجماعا. # غير أنه مع المساواة أحسن كما «قال - صلى الله عليه وسلم - لما آلمته ~~رجله فمدها بين أصحابه فقال أي شيء تشبه هذه فأشكل ذلك على الصحابة - رضوان ~~الله عليهم - أي شيء يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمد رجله ~~الأخرى وقال هذه» فكان ذلك من بسطه - صلى الله عليه وسلم - وتأنيسه مع ~~أصحابه وكراهة أن يمد رجله بينهم إلا لعذر فأظهر هذا السؤال عذرا، وذكر ~~التشبيه مع المساواة فإن التفاوت بين الرجلين بعيد جدا. # وعن الرابع أن صائم سنة لا يشبه عند الله تعالى من صام شهرا وستة أيام، ~~وإنما معنى هذا الحديث أن من صام رمضان من هذه الأمة وستة أيام من شوال ~~يشبه من صام سنة من غير هذه الملة؛ لأن معنى قوله تعالى {من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] أي له عشر مثوبات أمثال المثوبة التي كانت ~~تحصل لعامل من غير هذه الأمة فإن تضعيف الحسنات إلى عشر من خصائص هذه ~~الأمة، وإذا كان معنى قوله " عشر أمثالها " أمثال المثوبة التي كانت تحصل ~~لمن كان قبلنا فيصير صائم رمضان ms376 كصائم عشرة أشهر من غير هذه الملة، وصائم ~~ستة بعده كصائم شهرين من غير هذه الملة فصائم المجموع كصائم سنة # PageV02P192 # من غير هذه الملة فإذا تكرر ذلك منه كان كصائم جميع ~~العمر من غير هذه الملة فهذا تشبيه حسن، وما شبه إلا المثل بالمثل لا ~~المخالف بالمخالف بل المثل المحقق من غير زيادة ولا نقصان فاندفع الإشكال. # وعن الخامس أنه لو قال - صلى الله عليه وسلم - فكأنه صام الدهر لكان ~~بعيدا عن المقصود فإن المقصود تشبيه الصيام في هذه الملة إذا وقع على الوضع ~~المخصوص بالصيام في غير هذه الملة لا تشبيه الصائم بغيره فلو قال فكأنه ~~لكانت أداة التشبيه داخلة على الصائم وكان يلزم أن يكون هو محل التشبيه لا ~~الصوم. # والمقصود تشبيه الفعل بالفعل لا الفاعل بالفاعل، وإذا قال فكأنما، وكفت " ~~ما " دخلت أداة التشبيه على الفعل نفسه ووقع التشبيه بين الفعل والفعل ~~باعتبار الملتين وهو المقصود بالتشبيه لتنبيه السامع لقدر الفعل وعظمته ~~فتتوفر رغبته فيه فهذا هو المرجح لقوله " فكأنما " على " فكأنه ". # وعن السادس أن المراد صوم الدهر على حالة مخصوصة لا الدهر كيف كان وذلك ~~أن صوم رمضان واجب، وصوم الست مندوب فيكون نسبة الستة المقدرة في غير هذه ~~الملة، خمسة أسداسها فرض وسدسها وهو الشهران الناشئان عن الستة الأيام ~~مندوبة ويكون معنى الكلام فكأنما صام الدهر، خمسة أسداسه فرض وسدسه نفل، ~~وليس المراد صوم الدهر كله فرض ولا كله نفل ولا البعض فرض والبعض نفل على ~~غير النسبة التي ذكرتها بل يتعين ما ذكرته تحقيقا للتشبيه ولما دل عليه ~~الدليل من فرضية رمضان وندبية الست فلو كان الجميع مندوبا لقلنا المراد ~~بالدهر صومه مندوبا ولو كان الجميع فرضا لقلنا المراد بالدهر جميعه فرضا ~~ولو قال - صلى الله عليه وسلم - من صام ستة أيام بعد رمضان فكأنما صام ~~شهرين لقلنا هما شهران مندوبان وكذلك نقول في قوله تعالى {من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] أي من جاء بالمندوبات فله عشر أمثال هذا ~~المندوب أن لو ms377 فعله أحد من غير هذه الملة ومن جاء بالفرض من هذه الملة فله ~~مثوبات عشر كل واحدة منها # PageV02P193 # مثوبة هذا الفرض أن لو فعله أحد من غير هذه الملة ~~وكذلك نقول في جميع رتب الواجبات والمندوبات، وإن علت فظهر أن التشبيه إنما ~~وقع على وجه خاص. # وعن السابع أن الست في هذا الحديث قد تقدمت حكمتها وهي كونها شهرين فتكمل ~~السنة بها من غير زيادة ولا نقصان وأن هذا الحكم لا يحصل بما فوقها من ~~العدد ولا بما دونها من العدد. # وأما الستة في الآية فقال بعض الفضلاء: الأعداد ثلاثة أقسام عدد تام وعدد ~~زائد وعدد ناقص فالعدد التام هو الذي إذا جمعت أجزاؤه انقام منها ذلك العدد ~~كالستة فإن أجزاءها النصف وهو ثلاثة والثلث اثنان والسدس واحد فلا جزء لها ~~غير هذه ومجموعها ست وهو أصل العدد من غير زيادة ولا نقصان، والأربعة لها ~~نصف وربع خاصة ومجموعها ثلاثة فلم يحصل ذلك العدد فالأربعة عدد ناقص ~~والعشرة لها نصف وهو خمسة وخمس وهو اثنان وعشر وهو واحد، ومجموعها ثمانية ~~فهو عدد ناقص والاثنا عشر لها نصف وهو ستة وثلث وهو أربعة وسدس وهو اثنان ~~ونصف سدس وهو واحد ومجموعها ثلاثة عشر فهو عدد زائد، والمقصود من الأجزاء ~~أن تكون بغير كسر في هذه الطريقة فالعدد الناقص عندهم كآدمي خلق بغير يد، ~~أو عضو من أعضائه فهو معيب، والعدد الزائد أيضا معيب؛ لأنه كإنسان خلق ~~بإصبع زائدة، والعدد التام كإنسان خلق خلقا سويا من غير زيادة ولا نقص وهو ~~عندهم أفضل الأعداد كما أن الإنسان السوي أفضل الآدميين خلقا، وإذا تقرر أن ~~الستة عدد تام محمود فهو أول الأعداد التامة فلذلك ذكر لتمامه ولأنه أولها ~~وذكره الله تعالى في قوله {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} [الأعراف: 54] ~~وكان المقصود تنبيه العباد على أن الإنسان مع القدرة على التعجيل ينبغي أن ~~يكون فيه أناة فما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا فقد من شيء إلا شانه «قال ~~- عليه الصلاة والسلام ms378 - لأشج عبد القيس إن فيك # PageV02P194 # لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» وهذا المعنى يحصل ~~بذكر العدد كيف كان لكن يرجح هذا بأنه أول عدد يكون تاما ووقع في الحديث ~~لغير هذا الغرض كما تقدم فالبابان مختلفان. # (الفرق السادس والمائة بين قاعدة العروض تحمل على القنية حتى ينوي ~~التجارة وقاعدة ما كان أصله منها للتجارة) # هاتان قاعدتان في المذهب مختلفتان ينبغي بيان الفرق بينهما والسر فيهما ~~فوقع لمالك في المدونة إذا ابتاع عبدا للتجارة فكاتبه فعجز، أو ارتجع من ~~مفلس سلعة، أو أخذ من غريمه عبدا في دينه، أو دارا فأجرها سنين رجع جميع ~~ذلك لحكم أصله من التجارة فإن كان للتجارة لا يبطل إلا بنية القنية، والعبد ~~المأخوذ ينزل منزلة أصله قال سند في شرح المدونة فلو ابتاع الدار بقصد ~~الغلة ففي استئناف الحول بعد البيع لمالك روايتان ولو ابتاعها للتجارة ~~والسكنى فلمالك أيضا قولان مراعاة لقصد التنمية بالغلة والتجارة، أو ~~التغليب للنية في القنية على نية التنمية؛ لأنه الأصل في العروض فإن اشترى ~~ولا نية له فهي للقنية؛ لأنه الأصل فيها والفرق بين هاتين القاعدتين يقع ~~ببيان قاعدة ثالثة شرعية عامة في هذا الموطن وغيره وهي أن كل ما له ظاهر ~~فهو ينصرف إلى ظاهره إلا عند قيام المعارض أو الراجح لذلك الظاهر وكل ما ~~ليس له ظاهر لا يترجح أحد محتملاته إلا بمرجح شرعي ولذلك انصرفت العقود ~~المطلقة إلى النقود الغالبة في زمان ذلك العقد؛ لأنها ظاهرة فيها، وإذا وكل ~~إنسان إنسانا فتصرف الوكيل بغير نية في تخصيص ذلك التصرف بالموكل فإن ذلك ~~التصرف من بيع وغيره ينصرف للمتصرف الوكيل دون موكله؛ لأن الغالب على ~~تصرفاته أنها لنفسه وكذلك تصرفات المسلمين إذا أطلقت ولم تقيد بما يقتضي ~~حلها ولا تحريمها فإنها تنصرف للتصرفات المباحة دون المحرمة؛ لأنه ظاهر # PageV02P195 # حال المسلمين ولذلك تنصرف العقود والأعواض إلى ~~المنفعة المقصودة من العين عرفا؛ لأنه ظاهرها ولا يحتاج إلى التصريح بها ~~كمن استأجر قدوما فإنه ينصرف إلى النجر؛ لأنه ظاهر حاله دون العزاق ms379 وعجن ~~الطين ومن استأجر عمامة فإنه ينصرف إلى الاستعمال في الرءوس دون الأوساط؛ ~~لأنه ظاهر حالها وكذلك القميص ينصرف إلى اللبس، وكل آلة تنصرف إلى ظاهر ~~حالها عند الإطلاق، ولا يحتاج المتعاقدان إلى التصريح بذلك بل يكفي ظاهر ~~الحال وكذلك استئجار دواب الحمل ينصرف عقد الإجارة فيها للحمل دون الركوب، ~~وعكسه دواب الركوب، ويكتفى في جميع ذلك بظاهر حال المعقود عليه واحتاجت ~~العبادات للنيات لترددها بين العبادات والعادات وترددها أيضا بين رتبها ~~الخاصة بها كالفريضة والتطوع والنذور والكفارات والقضاء والأداء وغير ذلك ~~كما احتاجت الكنايات في باب الطلاق والعتاق والظهار وغير ذلك إلى النيات ~~لترددها بين تلك المقاصد وغيرها بخلاف صريح كل باب فإنه ينصرف لذلك الباب ~~بظاهره واستغني عن النية بظاهره فخرجت قاعدة عروض القنية وقاعدة عروض ~~التجارة على هذه القاعدة وهي قاعدة حسنة يتخرج عليها كثير من فروع الشريعة. # (الفرق السابع والمائة بين قاعدة العمال في القراض فإن الزكاة متى سقطت ~~عن رب المال سقطت عن العامل وقاعدة الشركاء لا يلزم أنه متى سقطت عن أحد ~~الشريكين سقطت عن الآخر) بل قد تجب الزكاة على أحد الشريكين لاجتماع شرائط ~~الزكاة في حقه دون الآخر لاختلال بعض الشروط في حقه. # وعمال القراض ليسوا كذلك على الخلاف فيهم بين العلماء وفي المذهب أيضا ~~الخلاف والفرق بين القاعدتين ينبني على قاعدة وهي أنه متى كان الفرع مختصا ~~بأصل واحد أجري # PageV02P196 # على ذلك الأصل من غير خلاف ومتى دار بين أصلين، أو ~~أصول يقع الخلاف فيه لتغليب بعض العلماء بعض تلك الأصول وتغليب البعض الآخر ~~أصلا آخر فيقع الخلاف لذلك ولذلك اختلف في أم الولد إذا قتلت هل تجب فيها ~~قيمة أم لا لترددها بين الأرقاء من جهة أنها توطأ بملك اليمين وبين الأحرار ~~لتحريم بيعها، وإحرازها لنفسها ومالها، وتردد إثبات هلال رمضان بين الشهادة ~~والرواية وكذلك الترجمان عند الحاكم والنائب والمقوم وغيرهم جرى الخلاف ~~فيهم هل يشترط فيهم العدد تغليبا للشهادة، أو لا يشترط تغليبا للرواية ~~وكتردد العقود الفاسدة من الأبواب ms380 المستثنيات كالقراض والمساقاة هل ترد إلى ~~أصلها فيجب قراض المثل، أو إلى أصل أصلها فيجب أجرة المثل، وذلك المساقاة ~~لتردد هذه الفاسدة بين أصلها وأصل أصلها فإن أصل أصلها أصلها أيضا فلذلك كل ~~ما توسط غرره أو الجهالة فيه من العقود تختلف العلماء فيه لتوسطه بين الغرر ~~الأعلى فيبطل، أو الغرر الأدنى المجمع على جوازه واغتفاره في العقود فيجوز ~~والمتوسط أخذ شبها من الطرفين فمن قربه من هذا منع. # أو من الآخر أجاز وكذلك المشاق المتوسطة في العبادات دائر بين أدنى ~~المشاق فلا توجب ترخصا وبين أعلاها فتوجب الترخص فتختلف العلماء في تأثيرها ~~في الإسقاط لأجل ذلك وكذلك التهم في رد الشهادات إذا توسطت بين قاعدة ما ~~أجمع عليه أنه موجب الرد كشهادة الإنسان لنفسه وبين قاعدة ما أجمع عليه أنه ~~غير قادح في الشهادة كشهادة الرجل الآخر من قبيلته فيختلف العلماء؛ أي ~~التغليبين يعتبر وذلك كشهادة الأخ لأخيه ونحوه فإنه اختلف فيه هل تقبل، أو ~~ترد وكذلك الثلث يتردد في مسائل بين القلة والكثرة فيختلف العلماء في ~~إلحاقه بأيهما شاء، ونظائره كثيرة في الشريعة من المترددات بين أصلين فأكثر ~~والعمال في القراض # PageV02P197 # دائرون بين أن يكونوا شركاء بأعمالهم، ويكون أرباب ~~الأموال شركاء بأموالهم، ويعضد ذلك تساوي الفريقين في زيادة الربح ونقصانه ~~وهذا هو حال الشركاء ويعضده أيضا أن الذي يستحقه العامل ليس في ذمة رب ~~المال وهذا هو شأن الشريك وبين أن يكونوا أجراء، ويعضده اختصاص رب المال ~~بضياع المال وغرامته فلا يكون على العامل منه شيء ولأن ما يأخذه معاوضة على ~~عمله وهذا هو شأن الأجراء ومقتضى الشركة أن تملك بالظهور ومقتضى الإجارة أن ~~لا تملك إلا بالقسمة والقبض فاجتماع هذه الشوائب سبب الخلاف فمن غلب الشركة ~~كمل الشروط في حق كل واحد منهما ومن غلب الإجارة جعل المال وربحه لربه فلا ~~يعتبر العامل أصلا وابن القاسم - رحمه الله - صعب عليه إطراح أحدهما ~~بالكلية فرأى أن العمل بكل واحد منهما من وجه أولى. # وهي القاعدة المقررة في أصول ms381 الفقه فاعتبر وجها من الإجارة ووجها من ~~الشركة فوقع التفريع هكذا متى كان العامل ورب المال كل واحد فيهما مخاطب ~~بوجوب الزكاة منفردا فيما ينوبه وجبت عليهما، وإن لم يكن فيهما مخاطب بوجوب ~~الزكاة لكونهما عبدين أو ذميين، أو لقصور المال وربحه عن النصاب وليس لربه ~~غيره سقطت عنهما، وإن كان أحدهما مخاطبا بوجوب الزكاة وحده. # وقال ابن القاسم: متى سقطت عن أحدهما إما العامل، أو رب المال سقطت عن ~~العامل في الربح أما إن سقطت عنه فتغليبا لحال نفسه عليه وتغليبا لحال ~~الشركة وشائبتها. # وأما إن سقطت عن رب المال فتسقط أيضا عن العامل في حصته من الربح تغليبا ~~لشائبة الإجارة وهو كونه استأجر أجيرا فقبض أجرته استأنف بها الحول فكذلك ~~هذا العامل ورأى أشهب - رحمه الله - اعتبار رب المال فتجب في حصة الربح ~~تبعا لوجوبها في الأصل؛ لأنه يزكي ملكه، وأن ربح المال مضموم إلى أصله على ~~أصل مالك - رحمه الله - فيمن اتجر بدينار فصار في آخر الحول نصابا فإنه ~~يزكي ويقدر الربح كامنا من أول الحول إلى آخره # PageV02P198 # وكذلك أولاد المواشي إذا كمل بها نصابها فمتى خوطب رب ~~المال وجبت على العامل، وإن لم يكن أصلا تغليبا لهذا الأصل وهو ضم الربح ~~إلى الأصل في الزكاة ووقع في الموازية: يعتبر حال العامل في نفسه فإن كان ~~أهلا بالنصاب وغيره زكى، وإلا فلا تغليبا لشائبة الشركة فالفرق يتخرج بين ~~هاتين القاعدتين. # (الفرق الثامن والمائة بين قاعدة الأرباح تضم إلى أصولها في الزكاة فيكون ~~حول الأصل حول الربح ولا يشترط في الربح حول يخصه كان الأصل نصابا أم لا ~~عند مالك - رحمه الله - ووافقه أبو حنيفة - رضي الله عنه - إذا كان الأصل ~~نصابا ومنع الشافعي - رضي الله عنه - مطلقا وبين قاعدة الفوائد التي لم ~~يتقدم لها أصل عند المكلف كالميراث والهبة وأرش الجناية وصدقات الزوجات ~~ونحو ذلك فهذا يعتبر فيه الحول بعد حوزه وقبضه) # والفرق عندنا عضده قول عمر - رضي الله عنه - للساعي عد عليهم السخلة ~~يحملها الراعي ولا ms382 تأخذها والسخلة عين متمولة نشأت عن عين متمولة زكوية كما ~~نشأ الربح وهو عين زكوية عن عين زكوية وهو أصله فكما ضم أحدهما إلى أصله ~~وجعل حوله حولا له كذلك الآخر الذي هو الربح، وقولنا # PageV02P199 # زكوية احترازا من أجر العقار فإنه لا يزكى، وإن كان ~~متمولا نشأ عن متمول، غير أنه غير زكوي - أعني الأصل - وههنا قاعدة وهي سر ~~الفرق بين الأرباح والفوائد يحتاج إليها بعد تقرر الأحكام فيها وهي أن صاحب ~~الشرع متى أثبت حكما حالة عدم سببه، أو شرطه فإن أمكن تقديرهما معه فهو ~~أقرب من إثباته دونهما فإن إثبات المسبب دون سببه والمشروط بدون شرطه خلاف ~~القواعد فإن ألجأت الضرورة إلى ذلك وامتنع التقدير عد ذلك الحكم مستثنى من ~~تلك القواعد كما أثبت الشارع الميراث في دية الخطأ. # والميراث في الشريعة مشروط بتقدم ملك الميت على المال الموروث، قدر ~~العلماء - رحمهم الله - الملك في الدية متقدما على الموت بالزمن الفرد حتى ~~يصح حكم التوريث فيها وكذلك إذا صححنا عتق الإنسان عن غيره في كفارة أو ~~تطوع بإذنه، أو بغير إذنه خلافا للشافعي - رضي الله عنه - في اشتراط الإذن ~~قدرنا ثبوت الملك قبل صدور صيغة العتق بالزمن الفرد حتى تبرأ ذمة المعتق ~~عنه # PageV02P200 # من الكفارة الواجبة عليه فإن الواجب من الكفارات لا ~~يبرأ منه بعتق غير مملوكه حتى يثبت له الولاء أيضا فإن الولاء لا يثبت أصله ~~عن غير مملوك للمعتق عنه، أما غير أصالة بطريق الإذن فيحصل بغير تملك، ههنا ~~هو أصالة فتعين تقدير المالك للعتق عنه قبيل صدور صيغة العتق بالزمن الفرد ~~لضرورة ثبوت هذه الأحكام، فإذا قال له: أعتق عبدك عني، نقدر هذه الصيغة ~~مشتملة على التوكيل في شراء عبد له من نفسه وأنه يتولى طرفي العقد، ومشتملة ~~أيضا على أنه وكله أن يعتقه عنه عن كفارته بعد استقرار الملك له فهي صيغة ~~مشتملة على وكالتين وكالة المعاوضة ووكالة العتق، فضرورة ثبوت حكم العتق عن ~~الغير يحوج إلى هذه التقادير، ونظائره كثيرة في الشريعة وهذه ms383 القاعدة تعرف ~~بقاعدة التقديرات # PageV02P201 # وهو إعطاء الموجود حكم المعدوم، وإعطاء المعدوم حكم ~~الموجود وقد تقدم بسطها في قاعدة خطاب الوضع وهي يحتاج إليها إذا دل دليل ~~على ثبوت الحكم مع عدم سببه، أو شرطه، أو قيام مانعه. # وإذا لم تدع الضرورة إليها لا يجوز التقدير حينئذ؛ لأنه خلاف الأصل وههنا ~~لما دل الأثر على وجوب الزكاة في الأرباح تعين تقدير الربح والسخال في ~~الماشية في أول الحول تحقيقا للشرط في وجوب الزكاة وهو دوران الحول فإن ~~الحول لم يدر عليهما فيفعل ذلك محافظة على الشرط بحسب الإمكان، واختلف في ~~هذين التقديرين ابن القاسم وأشهب رحمهما الله فابن القاسم يقدر حالة ~~الشراء؛ لأنه سبب الربح فقدره ابن القاسم عنده لملازمة السبب لمسببه وعند ~~أشهب يقدر يوم الحصول لئلا يجمع بين تقديرين تقدير الشراء والأعيان التي ~~حصلت في الربح، والتقدير على خلاف الأصل فيقتصر منه على ما تدعو الضرورة ~~إليه، وعند المغيرة التقدير يوم ملك أصل المال؛ لأنه السبب. # وعلى هذه التقادير تتخرج مسألة المدونة إذا حال الحول على عشرة فأنفق ~~منها خمسة واشترى سلعة بخمسة فباعها بخمسة عشر قال ابن القاسم: تجب الزكاة ~~إن تقدم الشراء على الإنفاق فإن التقدير حينئذ كان المال عشرة وهذه عشرة ~~ربح فكمل النصاب حينئذ، وإلا فلا تجب وأسقطها أشهب مطلقا؛ لأن التقدير عنده ~~يوم الحصول ويوم الحصول لم تكن إلا خمسة عشر وأوجبها المغيرة مطلقا؛ لأنه ~~يقدر يوم ملكه العشرة ولا عبرة بتقديم الإنفاق وعدمه وعن مالك مثل قول ~~الشافعي - رضي الله عنهما - فلا يحتاج # PageV02P202 # إلى هذه القاعدة مطلقا فهذه القاعدة - وهي قاعدة ~~التقادير - يحتاج إليها في الفرق بين قاعدة الأرباح وقاعدة الفوائد إن قلنا ~~بالفرق بينهما، وإلا فلا والله أعلم. # (الفرق التاسع والمائة بين قاعدة الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج ~~وبين قاعدة ما لا يقدم عليه) # والفرق بينهما مبني على معرفة قاعدة في الترجيحات - وضابط ما قدمه الله - ~~تعالى - على غيره من المطلوبات وهي أنه إذا تعارضت الحقوق قدم منها المضيق ~~على الموسع؛ ms384 لأن التضييق يشعر بكثرة اهتمام صاحب الشرع بما جعله مضيقا، وأن ~~ما جوز له تأخيره وجعله موسعا عليه دون ذلك. # ويقدم الفوري على المتراخي؛ لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما ~~جعل له تأخيره، ويقدم فرض الأعيان على الكفاية؛ لأن طلب الفعل من جميع ~~المكلفين يقتضي أرجحية ما طلب من البعض فقط ولأن فرض الكفاية يعتمد عدم ~~تكرر المصلحة بتكرر الفعل، والأعيان يعتمد تكرر المصلحة بتكرر الفعل، ~~والفعل الذي تتكرر مصلحته في جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا ~~توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره ولذلك يقدم ما يخشى فواته على ما لا يخشى ~~فواته، وإن كان أعلى رتبة منه كما تقدم حكاية قول المؤذن على قراءة القرآن؛ ~~لأن قراءة القرآن لا تفوت. # وحكاية قول المؤذن تفوت بالفراغ من الأذان وكذلك يقدم صون الأموال على ~~العبادات إذا خرجت عن العادة كتقديم صون المال في شراء الماء للوضوء والغسل ~~على الوضوء والغسل وينتقل للتيمم، وكتقديمه على الحج إذا أفرطت الغرامات في ~~الطرقات ويقدم صون النفوس والأعضاء والمنافع على العبادات فيقدم إنقاذ ~~الغريق والحريق ونحوهما على الصلاة إذا كان فيها، أو خارجا عنها وخشي فوات ~~وقتها فيفوتها ويصون # PageV02P203 # ما تعين صونه من ذلك وكذلك يقدم صون مال الغير على ~~الصلاة إذا خشي فواته وهو من باب تقديم حق العبد على حق الله تعالى وهي ~~مسألة خلاف فمنهم من يقول حق الله يقدم؛ لأن حق العبد يقبل الإسقاط ~~بالمحاللة والمسامحة دون حق الله تعالى ومنهم من يقول حق العبد مقدم بدليل ~~ترك الطهارات والعبادات إذا عارضها ضرر العبد، ونظائر هذه المسائل كثيرة في ~~الشريعة فعلى هذه القاعدة يتضح لك ما يقدم على الحج مما لا يقدم عليه فيقدم ~~حق الوالدين على الحج، إذا قلنا: إنه على التراخي؛ لأن حق الوالدين على ~~الفور إجماعا والفوري مقدم على المتراخي وكذلك يقدم حق السيد على الحج؛ لأن ~~الحج لا يلزم العبد وحق السيد واجب فوري وكذلك يقدم حق الزوج على الحج ~~الفرض إن ms385 قلنا إنه على التراخي؛ لأن حق الزوج فوري وكذلك يمنع الدين الحال ~~الخروج إلى الحج؛ لأنه فوري ولا يمنع الدين المؤجل. # قال مالك - رحمه الله -: الحج أفضل من الغزو؛ لأن الغزو فرض كفاية والحج ~~فرض عين وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يكثر الحج ولا يحضر الغزو وكذلك ~~تقدم ركعة من العشاء على الحج إذا لم يبق قبل الفجر إلا مقدار ركعة للعشاء ~~والوقوف قال أصحابنا - رحمهم الله - يفوت الحج ويصلي وللشافعية - رحمهم ~~الله - أقوال: يفوتها، ويقدم الحج لعظم مشقته يصلي وهو يمشي كصلاة ~~المسايفة، والحق مذهب مالك؛ لأن الصلاة أفضل وهي فورية إجماعا وبالله ~~الإعانة. # (الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح النيابة فيه وقاعدة ما لا تصح ~~النيابة فيه عن المكلف) # PageV02P204 # هذا الفرق مبني على قاعدة وهي أن الأفعال قسمان منها ~~ما يشتمل فعله على مصلحة مع قطع النظر عن فاعله كرد الودائع وقضاء الديون ~~ورد الغصوبات وتفريق الزكوات والكفارات ولحوم الهدايا والضحايا وذبح النسك ~~ونحوها فيصح في جميع ذلك النيابة إجماعا؛ لأن المقصود انتفاع أهلها بها ~~وذلك حاصل ممن هي عليه لحصولها من نائبه ولذلك لم تشترط النيات في أكثرها ~~ومنها ما لا يتضمن مصلحة في نفسه بل بالنظر إلى فاعله كالصلاة فإن مصلحتها ~~الخشوع والخضوع، وإجلال الرب سبحانه وتعالى وتعظيمه وذلك إنما يحصل فيها من ~~جهة فاعلها فإذا فعلها غير الإنسان فاتت المصلحة التي طلبها صاحب الشرع ولا ~~توصف حينئذ بكونها مشروعة في حقه فلا تجوز النيابة فيها إجماعا ومنها قسم ~~متردد بين هذين القسمين فتختلف العلماء - رحمهم الله - في أي الشائبتين ~~تغلب عليه كالحج فإن مصالحه تأديب النفس بمفارقة الأوطان. # وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره لتذكر المعاد والاندراج في ~~الأكفان وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع، وإظهار الانقياد من العبد لما لم ~~يعلم حقيقته كرمي الجمار والسعي # PageV02P205 # بين الصفا والمروة والوقوف على بقعة خاصة دون سائر ~~البقاع # وهذه مصالح لا تحصى ولا تصلح إلا للمباشر # كالصلاة في حكمها ومصالحها فمن لاحظ هذا المعنى، ms386 وهو مالك - رضي الله عنه ~~- ومن وافقه قالوا: لا تجوز النيابة في الحج ومن لاحظ الفرق بين الحج ~~والصلاة ومشابهة النسك في المالية فإن الحج لا يعرى عن القربة المالية ~~غالبا في الإنفاق في الأسفار قال تجوز النيابة في الحج، والشائبة الأولى ~~أقوى وأظهر وهي التي تحصل في الحج بالذات، والمالية إنما حصلت بطريق العرض ~~كما تحصل فيمن احتاج للركوب إلى الجمعات فاكترى لذلك فإن المالية عارضة في ~~الجمعات ولا تصح النيابة فيها إجماعا فكذلك ينبغي في الحج وهو الأظهر وبه ~~يظهر رجحان مذهب مالك - رحمه الله - على غيره والله سبحانه أعلم. # (الفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن وبين قاعدة ما لا يضمن) # اعلم أن أسباب الضمان في الشريعة ثلاثة لا رابع لها أحدها العدوان كالقتل ~~والإحراق وهدم الدور وأكل الأطعمة وغير ذلك من أسباب إتلاف المتمولات فمن ~~تعدى في شيء من ذلك وجب عليه الضمان إما المثل إن كان مثليا، أو القيمة إن ~~كان مقوما، أو غير ذلك من الجوابر على ما تقدم في الفرق بين قاعدة الزواجر ~~والجوابر، وثانيها التسبب للإتلاف كحفر الآبار في طرق الحيوان في غير الأرض ~~المملوكة للحافر، أو في أرضه لكن حفرها لهذا الغرض وكوقيد النار قريبا من ~~الزرع، أو الأندر فتعدو فتحرق ما جاورها وكرمي ما يزلق الناس في الطرقات ~~فيعطب بسبب ذلك حيوان، أو غيره وكالكلمة الباطلة عند ظالم إغراء على مال ~~إنسان فإن الظالم إذا أخذ المال بذلك السبب من الكلام ضمنه المتكلم وكتقطيع ~~الوثيقة المتضمنة للحق وللشهادة به فيضيع الحق بسبب تقطيعها فيضمن عند مالك ~~ذلك الحق لتسببه فيه وعند الشافعي يضمن # PageV02P206 # ثمن الورقة خاصة فاعتبر الإتلاف دون السبب ومالك ~~اعتبرهما معا ورأى أنه أتلف الحق بالمباشرة بالإتلاف وأتلف الحق بالتسبب ~~فرتب على الوجهين مقتضاهما وكمن مر على حبالة فوجد فيها صيدا يمكنه تخليصه ~~وحوزه لصاحبه فتركه حتى مات يضمنه عند مالك؛ لأن صون مال المسلم واجب ومن ~~ترك واجبا في الصون ضمن وكذلك إذا مر بلقطة يعلم ms387 أنه إذا تركها أخذها من ~~يجحدها وجب عليه أخذها. # وإن تركها حتى تلفت مع قدرته على أخذها ضمنها وللسبب الموجب للضمان نظائر ~~كثيرة منها متفق عليه ومنها مختلف فيه لكن حصل الاتفاق من حيث الجملة على ~~أن التسبب موجب للضمان. # وثالثها وضع اليد التي ليست بمؤتمنة وقولي " ليست بمؤتمنة " خير من قولي ~~اليد العادية فإن اليد العادية تختص بالسراق والغصاب ونحوهم، وتبقى من ~~الأيدي الموجبة للضمان قبض بغير عدوان بل بإذن المالك كقبض المبيع، أو بقاء ~~يد البائع فإنه من ضمان البائع قبل القبض ومن ضمان المشتري بعد القبض مع ~~عدم العدوان وكقبض المبيع بيعا فاسدا فإنه من ضمان المشتري عندنا بالقيمة ~~إذا تغير سوقه، أو تغير في ذاته أو تعلق به حق الغير، أو تلف بآفة سماوية، ~~أو أتلفه المشتري وهذا السبب الأخير متفق عليه بيننا وبين الشافعية دون ما ~~قبله من حوالة الأسواق ونحوها وكقبض العواري والرهون التي يغاب عليها ~~كالحلي والسلاح وأنواع العروض على الخلاف في ذلك بيننا وبين الشافعي وكقبض ~~الأعيان التي تقترض فإن المقترض يضمنها اتفاقا مع عدم العدوان ونظائرها ~~كثيرة وخرج بقولي " التي ليست بمؤتمنة " اليد المؤتمنة كوضع اليد في ~~الودائع والقراض والمساقاة وأيدي الأجراء. # ووضع الأيدي عند مالك في الإجارة تختلف فاستثنى منها صورتين: الأجير الذي ~~يؤثر في الأعيان بصنعته كالخياط والصباغ والقصار؛ لأن السلعة إذا تغيرت ~~بالصنعة لا يعرفها ربها إذا وجدها قد بيعت في الأسواق # فكان الأصلح للناس # PageV02P207 # تضمين الأجراء في ذلك وهو من باب الاستحسان ولم يره ~~الشافعي - رضي الله عنه - بل طرد قاعدة الأمانة في الإجارة، والأجير على ~~حمل الطعام الذي تتوق النفس إلى تناوله كالفواكه والأشربة والأطعمة ~~المطبوخة فإن الأجير يضمن سدا لذريعة التناول منها وطرد الشافعي القاعدة ~~أيضا ههنا فلم يضمن أيضا وكأيدي الأوصياء على أموال اليتامى، والحكام على ~~ذلك وأموال الغائبين والمجانين فجميع ذلك لا ضمان فيه؛ لأن الأيدي فيه ~~مؤتمنة فهذه الأسباب الثلاثة هي أسباب الضمان فهي قاعدة ما يضمن وما عداها ~~فهو قاعدة ما ms388 لا يضمن كما تقدم من النظائر، وإذا اجتمع منها سببان ~~كالمباشرة والتسبب من جهتين غلبت المباشرة على التسبب كمن حفر بئرا لإنسان ~~ليقع فيه فجاءه آخر فألقاه فيه فهذا مباشر والأول متسبب فالضمان على الثاني ~~دون الأول تقديما للمباشرة على التسبب؛ لأن شأن الشريعة تقديم الراجح عند ~~التعارض إلا أن تكون المباشرة مغمورة كقتل المكره فإن القصاص يجب عليهما ~~ولا تغلب المباشرة لقوة التسبب وكتقديم السم لإنسان في طعامه فيأكله جاهلا ~~به فإنه مباشر لقتل نفسه. # وواضع السم متسبب، والقصاص على المتسبب وحده وكشهود الزور، أو الجهلة ~~يشهدون بما يوجب ضياع المال على إنسان، ثم يعترضون بالكذب، أو الجهالة ~~فإنهم يضمنون ما أتلفوه بشهادتهم ولا ينقض الحكم ولا يضمن الحاكم شيئا مع ~~أنه المباشر، والشاهد متسبب، غير أن # المصلحة العامة # قد اقتضت عدم تضمين الحكام ما اخطئوا فيه؛ لأن الضمان لو تطرق إليهم مع ~~كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار في الولايات واشتد امتناعهم ~~فيفسد حال الناس بعدم الحكام فكان الشاهد بالضمان أولى؛ لأنه متسبب للحاكم ~~في الإلزام والتنفيذ وكما قيل الحاكم أسير الشاهد ويقع في هذا الباب مسائل ~~كثيرة مختلف فيها ولكن الأصل هو ما قدمته في أسباب الضمان وعدمه # PageV02P208 # (الفرق الثاني عشر والمائة بين قاعدة تداخل الجوابر ~~في الحج وقاعدة ما لا يتداخل الجوابر فيه في الحج) # تقدم الفرق بين قاعدة الجوابر والزواجر من حيث الجملة، والمقصود ههنا ~~بيان قاعدة ذلك في الحج خاصة، أما الصيد فيتعدد الجزاء فيه؛ لأنه إتلاف على ~~قاعدة الإتلاف وهو غير متوقف على الإثم بل يضمن الصيد عمدا وخطأ فأشبه ~~إتلاف أموال الناس فإن الإجماع منعقد على تعدد الضمان فيما يتعدد الإتلاف ~~فيه وأن العمد والخطأ في ذلك سواء وكذلك ههنا ويتحد الجزاء عند أبي حنيفة - ~~رحمه الله - بالتأويل وعذره الشافعي - رضي الله عنه - بالتأويل والنسيان ~~والجهل فلم يوجب عليه شيئا كالواطئ في رمضان ناسيا، وألحق الجاهل بالناسي. # وقد تقدم الفرق بين الجهل الذي هو عذر في الشريعة والجهل الذي ليس عذرا ~~في ms389 الشريعة وبين العلم الذي هو فرض عين والعلم الذي هو فرض كفاية ومقتضى ~~تلك القواعد أن يضمن الجاهل ههنا فإن الأصل وجوب تحصيل العلم، وأن تارك ~~التعلم عاص إلا ما يشق من ذلك فيعذر فيه بالجهل كمن أكل طعاما نجسا لا ~~يعلم، أو وطئ أجنبية يظنها امرأته، أو شرب خمرا يظنه جلابا ونحوه فإن ~~الاحتراز من الجهل في هذه الصور يشق على المكلف، فعذره الشرع بهذا الجهل ~~دون ما يمكن الاحتراز منه وقد تقدم بسط هذا فالحق حينئذ أن الضمان على ~~الجاهل وغيره ولذلك أجرى مالك - رحمه الله - الجاهل في الصلاة مجرى العامد ~~لا مجرى الناسي لاشتراكهما في العصيان هذا بعمده وهذا بترك تعلمه قال مالك ~~- رحمه الله - من أفسد حجه فأصاب صيدا، أو حلق، أو تطيب مرة بعد مرة تعددت ~~الفدية وجزاء الصيد إن أصابه واتحد هذا الوطء # PageV02P209 # لأنه للإفساد، وإفساد الفاسد محال فإن كان متأولا ~~بسقوط إجزائه، أو جاهلا بموجب إتمامه اتحدت الفدية؛ لأنه لم يوجد منه ~~الجرأة على محرم فعذره بالجهل، وإن كانت القاعدة تقتضي عدم عذره به؛ لأنه ~~جهل يمكن دفعه بالتعلم كما قال في الصلاة، غير أنه لاحظ ههنا معنى مفقودا ~~في الصلاة وهو كثرة مشاق الحج فناسب التخفيف، غير أن ههنا إشكالا وهو أن ~~النسيان في الحج لا يمنع الفدية وهو مسقط للإثم إجماعا وأسقط مالك بالجهل ~~والتأويل الفاسد الذي يثبت الإثم معهما، والإثم أنسب للزوم الجابر من عدم ~~الإثم. # وضابط قاعدة ما تتحد الفدية فيه وما تتعدد أنه متى اتحدت النية، أو المرض ~~الذي هو السبب، أو الزمان بأن يكون الكل على الفور اتحدت الفدية ومتى وقع ~~التعدد في النية، أو السبب، أو الزمان تعددت الفدية ويظهر ذلك بالفروع قال ~~مالك في المدونة إذا لبس قلنسوة لوجع، ثم نزعها وعاد إليه الوجع فلبسها إن ~~نزعها معرضا عنها فعليه في اللبس الثاني والأول فديتان، وإن كان نزعها ~~ناويا ردها عند مراجعة المرض ففدية واحدة لأجل اتحاد النية والسبب، ولو لبس ~~الثياب مرة بعد مرة ms390 ناويا لبسها إلى برئه من مرضه، أو لم يكن به وجع وهو ~~ينوي لبسها مرة جهلا، أو نسيانا، أو جرأة فكفارة واحدة لاتحاد النية وكذلك ~~الطيب مع اتحاد النية وتعددها فإن داوى قرحة بدواء فيه طيب ففديتان لتعدد ~~السبب والنية، وإن احتاج في فور واحد لأصناف من المحظورات فلبس خفين وقميصا ~~وقلنسوة وسراويل فكفارة واحدة، وإن احتاج إلى خفين فلبسهما ثم احتاج إلى ~~قميص فلبسه فعليه كفارتان لتعدد السبب، وإن قلم اليوم ظفر يده وفي غد ظفر ~~يده الأخرى ففديتان لتعدد الزمان، وإن لبس وتطيب وحلق وقلم ظفره في فور ~~واحد ففدية واحدة، وإن تعددت المحال تعددت الفدية وقاله أبو حنيفة - رحمه ~~الله - وقال الشافعي - رضي الله عنه -: هذه أجناس لا تتداخل # PageV02P210 # كالحدود المختلفة، وحجة مالك - رحمه الله - أن ~~المعتبر هو الترفه وهو مشترك بينهما فالموجب واحد. # وموجب الجميع واحد وهو الفدية فتتداخل كحدود شرب الخمر المختلفة الأنواع ~~وفي الجلاب إن احتاج إلى قميص فلبسه، ثم احتاج إلى سراويل فلبسه فكفارة ~~واحدة لحصول الستر من القميص لجميع الجسد، وإن احتاج إلى سراويل، ثم إلى ~~قميص ففديتان؛ لأنه استفاد بالقميص من الستر ما لم يستفده من السراويل فهذا ~~تحقيق الفرق بين ما يتداخل في الحج وما لا يتداخل # (الفرق الثالث عشر والمائة بين قاعدة التفضيل بين المعلومات) # وهي عشرون قاعدة # (القاعدة الأولى) تفضيل المعلوم على غيره بذاته دون سبب يعرض له يوجب ~~التفضيل له على غيره، وله مثل: أحدها الواجب لذاته المستغني في وجوده عن ~~غيره كذات الله سبحانه وتعالى وصفاته المعنوية السبعة # PageV02P211 # وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام النفساني ~~والسمع والبصر. # وثانيهما العلم حسن لذاته وهو أفضل من الظن للقطع بعدم الجهل معه وتجويز ~~الجهل مع الظن وذلك لذات العلم لا لصفة قامت به كما أن الجهل نقيصة لذاته ~~لا لصفة قامت به أوجبت نقصه بخلاف الجاهل والعالم، نقص الجاهل لصفة قامت به ~~وهي الجهل وفضل العالم لصفة قامت به وهي العلم. # وثالثها الحياة أفضل من الموت لذاتها لا لمعنى ms391 أوجب لها ذلك # PageV02P212 # وسبب تفضيلها كونها يتأتى معها العلم والقدرة ~~والإرادة وغير ذلك من التصرفات وصفات الكمال كالنبوءة والرسالة وغيرهما، ~~وتعذر جميع ذلك مع الموت. # وتلك الحياة لذاتها لا لمعنى أوجب لها ذلك. # (القاعدة الثانية) التفضيل بالصفة الحقيقية القائمة بالمفضل وله مثل ~~أحدها تفضيل العالم على الجاهل بالعلم. # وثانيها تفضيل الفاعل المختار على الموجب بالذات بسبب الإرادة والاختيار ~~القائم به. # وثالثها تفضيل القادر على العاجز بسبب القدرة الوجودية القائمة به، فهذا ~~كله تفضيل بالصفات القائمة بالمفضل لا لذاته وبه خالف القاعدة الأولى # PageV02P213 # (القاعدة الثالثة) التفضيل بطاعة الله تعالى وله مثل؛ ~~أحدها تفضيل المؤمن على الكافر. # (وثانيها) تفضيل أهل الكتاب على عبدة الأوثان فأحل الله عز وجل طعامهم ~~وأباح تزويجنا نساءهم دون عبدة الأوثان فإنه جعل ما ذكوه كالميتة، وتصرفهم ~~فيه بالذكاة كتصرف الحيوان البهيمي من السباع والكواسر في الأنعام لا أثر ~~لذلك وجعل نساءهم كإناث الخيل والحمير محرمات الوطء، كل ذلك اهتضام لهم ~~لجحدهم الرسائل والرسل وأهل الكتاب عظموا الرسل والرسائل من حيث الجملة ~~فقالوا بصحة نبوة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء - صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين - وبصحة التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب فحصل لهم هذا ~~النوع من التعظيم والتمييز بحل طعامهم ونسائهم فجعل ذكاتهم كذكاتنا ونساءهم ~~كنسائنا ولم يلحقهم بالبهائم بخلاف المجوس ونحوهم لما حصل لأهل الكتاب من ~~الطاعة من حيث الجملة، وإن كانت لا تفيد في الآخرة إلا تخفيف العذاب أما في ~~ترك الخلود فلا. # (وثالثها) تفضيل الولي على آحاد المؤمنين المقتصرين على أصل الدين بسبب ~~ما اختص به الولي من كثرة طاعته لله تعالى وبذلك سمي وليا أي تولى الله ~~بطاعته وقيل: لأن الله تعالى تولاه بلطفه وكذلك أيضا تفاضل الأولياء فيما ~~بينهم بكثرة الطاعة فمن كان أكثر تقربا إلى الله تعالى كانت رتبته في ~~الولاية أعظم # (ورابعها) تفضيل الشهيد على غيره من حيث الجملة؛ لأنه أطاع الله تعالى ~~ببذل نفسه وماله في نصرة دينه وأعظم بذلك من طاعة. # (وخامسها) تفضيل العلماء على الشهداء كما جاء في ms392 الحديث «ما جميع الأعمال ~~في الجهاد إلا كنقطة # PageV02P214 # من بحر وما الجهاد وجميع الأعمال في طلب العلم إلا ~~كنقطة من بحر» وفي حديث «لو وزن مداد العلماء بدم الشهداء لرجح بسبب طاعة ~~العلماء لله تعالى» بضبط شرائعه وتعظيم شعائره التي من جملتها الجهاد ~~وهداية الخلق إلى الحق وتوصيل معالم الأديان إلى يوم الدين ولولا سعيهم في ~~ذلك من فضل الله عز وجل لانقطع أمر الجهاد وغيره ولم يبق على وجه الأرض من ~~يقول: الله، وكل ذلك من نعمة الله تعالى عليهم. # (القاعدة الرابعة) التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل المفضل وله مثل: # (أحدها) الإيمان أفضل من جميع الأعمال بكثرة ثوابه فإن ثوابه الخلود في ~~الجنان والخلوص من النيران وغضب الملك الديان. # (وثانيها) صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة. # (وثالثها) الصلاة في أحد الحرمين أفضل من غيرها بألف مرة من المثوبات. # (ورابعها) صلاة القصر أفضل من صلاة الإتمام، وإن كانت أكثر عملا # (القاعدة الخامسة) التفضيل بشرف الموصوف وله مثل: # (الأول) الكلام النفسي القديم أشرف من سائر الكلام لوجوه منها شرف موصوفه ~~على كل موصوف. # (وثانيها) إرادة الله تعالى وقدرته وجميع الصفات المنسوبة إلى الرب ~~سبحانه وتعالى أفضل لوجوه منه شرف الموصوف. # (وثالثها) صفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كشجاعته وكرمه وجميع ما ~~هو صفة لنفسه الكريمة له الشرف على جميع صفاتنا # PageV02P215 # من وجوه؛ أحدها شرف الموصوف # (القاعدة السادسة) التفضيل بشرف الصدور كشرف ألفاظ القرآن على غيرها من ~~الألفاظ لكون الرب سبحانه وتعالى هو المتولي لرصفه ونظامه في نفس جبريل - ~~عليه السلام - وبهذا نجيب عن قول القائل إن الله خالق لجميع ألفاظ الخلائق ~~والمريد لترتيب وصفها، فمن قال زيد قائم في الدار فالله تعالى هو الخالق ~~لأصواته هذه والمريد لترتيب هذه الكلمات على هذا الوصف، وتقديم " قائم " ~~على المجرور وكون المجرور بفي دون غيرها من حروف الجر، وإذا كان الله تعالى ~~هو المتولي لرصف جميع كلام الناس وفي أنفسهم، وهو المتولي لرصف القرآن في ~~نفس جبريل - عليه السلام ms393 - بإرادته وهذه الحروف والألفاظ عندكم مخلوقة مثل ~~ألفاظ الخالق لا فرق بينهما في ذلك فلم لا تقولون للجميع كلام الله، وما ~~المزية للفظ القرآن على غيره.؟ ، # فنقول: الله تعالى هو المتولي لرصف القرآن في نفس جبريل - عليه السلام - ~~على وفق إرادة الله تعالى دون إرادة جبريل والمتولي لرصف كلام الخلائق في ~~أنفسهم على إرادتهم تبعا لإرادته تعالى فتفرده في هذا الوصف بالإرادة هو ~~الفرق وامتاز القرآن الكريم بوجوه أخر من الإعجاز وغيره على جميع الكتب ~~المنزلة التي هي كلام الله # PageV02P216 # تعالى كالتوراة والإنجيل ويقال إنها مائة وأربعة ~~وعشرون كتابا صحفا وكتبا أنزلت على آدم ومن بعده من الأنبياء إلى محمد - ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -. # (القاعدة السابعة) التفضيل بشرف المدلول وله مثل: # أحدها تفضيل الأذكار الدالة على ذات الله تعالى وصفاته العليا وأسمائه ~~الحسنى. # وثانيها تفضيل آيات القرآن الكريم المتعلقة بالله على الآيات المتعلقة ~~بأبي لهب وفرعون ونحوهما. # وثالثها الآيات الدالة على الوجوب والتحريم أفضل من الآيات الدالة على ~~الإباحة والكراهة والندب لاشتمالها على الحث على أعلى رتب المصالح، والزجر ~~عن أعظم المفاسد. # (القاعدة الثامنة) التفضيل بشرف الدلالة لا بشرف المدلول كشرف الحروف ~~الدالة على الأوصاف الدالة على كلام الله تعالى فإن ذلك أوجب شرفها على ~~جميع الحروف لهذه الدلالة. # وأمر الشرع بتعظيمها فلا تمسك إلا على طهارة كاملة ويكفر من أصابها ~~بالقاذورات وله وقع عظيم في الدين فلا يجوز إخراجها من بلاد المسلمين إلى ~~بلاد الكافرين خشية أن تنالها أيديهم # (القاعدة التاسعة) التفضيل بشرف التعلق كتفضيل العلم على الحياة فإن ~~الحياة لا تتعلق بشيء بل لها موصوف فقط والعلم له موصوف ومتعلق فله مزية ~~شرف بذلك وكذلك الإرادة متعلقة بالممكنات، والقدرة بالمحدثات من الموجودات، ~~والسمع بالأصوات، والكلام النفسي والبصر بجميع الموجودات الواجبات ~~والممكنات وليس في صفات الله تعالى السبعة صفة غير متعلقة إلا الحياة # (القاعدة العاشرة) التفضيل بشرف المتعلق كتفضيل العلم المتعلق بذات الله ~~تعالى، أو صفاته على غيره من العلوم وكتفضيل علم الفقه على الطب لتعلقه ~~برسائل الله ms394 # PageV02P217 # تعالى وأحكامه، وهذا القسم عين المدلول فكل مدلول ~~متعلق وليس كل متعلق مدلولا؛ لأن الدلالة والمدلول من باب الألفاظ والحقائق ~~الدالة كالصنعة على الصانع فإنها تدل عليه وأما العلم ونحوه فلا يقال له ~~دال بل هو مدلول في نفسه وليس بدليل على غيره بل له متعلق خاص وهو معلومه ~~وكذلك الإرادة المتعلقة بالخيور أفضل من الإرادة المتعلقة بالشرور. # والنية في الصلاة أفضل من النية في الطهارة؛ لأنها متعلقة بالمقاصد، ~~والثانية متعلقة بالوسائل، والمقاصد أفضل من الوسائل والمتعلق بالأفضل ~~أفضل. # (القاعدة الحادية عشر) التفضيل بكثرة التعلق كتفضيل علم الله على قدرته، ~~وإرادته، وسمعه، وبصره لكونه متعلقا بجميع الواجبات والممكنات والمستحيلات، ~~واختصاص الإرادة بالممكنات وجودها أو عدمها، واختصاص القدرة بوجود الممكنات ~~خاصة، واختصاص السمع ببعض الموجودات - وهي الأصوات والكلام النفسي -، ~~واختصاص البصر ببعض الموجودات الممكنات والواجبات دون # PageV02P218 # المستحيلات والمعدومات الممكنات. # وأما الكلام النفسي فالخبر فيه مسبوق للعلم في التعلق وكل معلوم لله ~~تعالى فهو مخبر عنه ويختص الكلام بأن له تعلق الاقتضاء والإباحة وغيرها فهو ~~أكثر تعلقا من العلم فيكون له الشرف على العلم من هذا الوجه وكتفضيل البصر ~~على السمع لاختصاص السمع بالكلام، والبصر يعم جميع الموجودات كانت كلاما، ~~أو غيره. # (القاعدة الثانية عشر) التفضيل بالمجاورة كتفضيل جلد المصحف على سائر ~~الجلود فلا يمسه محدث ولا يجوز أن يلابس بقاذورة ولا بما يوجب الإهانة وليس ~~فيه شيء مكتوب بل لمجاورته الورق المكتوب فيه القرآن الكريم. # (القاعدة الثالثة عشر) التفضيل بالحلول كتفضيل قبره - صلى الله عليه وسلم ~~- على جميع بقاع الأرض حكى القاضي عياض - رحمه الله - في ذلك الإجماع في ~~كتاب الشفاء ولما خفي هذا المعنى على بعض الفضلاء أنكر الإجماع في ذلك وقال ~~التفضيل إنما هو بكثرة الثواب على الأعمال، والعمل على قبر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - محرم فيه عقاب شديد فضلا عن أن يكون فيه أفضل المثوبات ~~فإذا تعذر الثواب هنالك على عمل العامل مع أن التفضيل إنما يكون باعتباره ~~كيف يحكي الإجماع في أن تلك البقعة أفضل ms395 البقاع أوما علم أن أسباب التفضيل ~~أعم من الثواب وأنها منتهية إلى عشرين قاعدة أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى ~~فالإجماع منعقد على التفضيل بهذا الوجه لا بكثرة الثواب على الأعمال ويلزمه ~~أن لا يكون جلد المصحف بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره لتعذر العمل فيه ~~وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة بل هذا معنى ما حكاه القاضي عياض - ~~رحمه الله - فتأمله # (القاعدة الرابعة عشر) التفضيل بسبب الإضافة كقوله تعالى {أولئك حزب ~~الله} [المجادلة: 22] أضافهم إليه تعالى ليشرفهم بالإضافة # PageV02P219 # إليه كما أضاف العصاة إلى الشيطان ليهينهم بالإضافة ~~إليه ويحقرهم في قوله تعالى {أولئك حزب الشيطان} [المجادلة: 19] ومنه قوله ~~تعالى {وطهر بيتي للطائفين} [الحج: 26] الآية أضاف البيت إليه تعالى ليشرفه ~~بالإضافة إليه ومنه قوله تعالى {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} ~~[الأنفال: 41] ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن الله تعالى «كل ~~عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» شرف الصوم بإضافته إليه. # واختلف في سبب هذا التشريف الموجب لهذه الإضافة وقد تقدم بسطه ونقل ~~المذاهب فيه فهذا كله تفضيل بالإضافة اللفظية. # (القاعدة الخامسة عشر) التفضيل بالأنساب والأسباب كتفضيل ذريته - عليه ~~الصلاة والسلام - على جميع الذراري بسبب نسبهم المتصل برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكتفضيل نسائه - صلى الله عليه وسلم - على جميع النساء ~~كما قال تعالى {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} [الأحزاب: 32] وذلك ~~بالنسبة إليه - صلى الله عليه وسلم - والاختصاص به، وإن كن في هذه النسبة ~~متفاوتات. # (القاعدة السادسة # PageV02P220 # عشر) # التفضيل بالثمرة والجدوى كتفضيل العالم على العابد؛ لأن العلم يثمر صلاح ~~الخلق وهدايتهم إلى الحق بالتعليم والإرشاد، والعبادة قاصرة على محلها ~~واجتمع يوما عالمان عظيمان أحدهما يعلم المعقولات والهندسيات والآخر عالم ~~بالسمعيات والشرعيات فقال الأول للثاني: الهندسة أفضل من الفقه؛ لأنها ~~قطعية، والفقه مظنون والقطع أفضل من الظن فقال له الآخر: صدقت، من هذا ~~الوجه هي أفضل، غير أن الفقه أفضل منها؛ لأنه يثمر سعادة الآخرة. # ونعيم الجنان، ورضوان الرحمن، والهندسة لا ms396 تفيد ذلك فوافقه الآخر على ذلك ~~وكانا متناصفين رحمهما الله تعالى، ومن ثمرات العلم موضوعاته أي تآليفه ~~فينتفع الأبناء بعد الآباء والأخلاف بعد الأسلاف والعبادة تنقطع من حينها ~~وثمرة العلم وهدايته تبقى إلى يوم الدين وجاء من هذا الوجه الرسالة أفضل من ~~النبوة فإن الرسالة مثمرة الهداية للأمة المرسل إليها والنبوة قاصرة على ~~النبي فنسبتها إلى النبوة كنسبة العالم للعابد وكان الشيخ عز الدين بن عبد ~~السلام - رحمه الله - يلاحظ في النبوة جهة أخرى يفضلها بها على الرسالة ~~فكان يقول: النبوة عبارة عن خطاب الله تعالى نبيه بإنشاء حكم يتعلق به ~~كقوله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - {اقرأ باسم ربك} [العلق: 1] ~~فهذا وجوب متعلق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرسالة خطاب يتعلق ~~بالأمة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الأمة، والخطاب متعلق به ~~فيكون أفضل من جهة شرف المتعلق فإن النبوة هو متعلقها والرسالة متعلقها ~~الأمة، وإنما حظه منها التبليغ فهذان وجهان متعارضان كما يقال في علم الله ~~تعالى: إنه أفضل من الحياة لأجل التعلق الذي له والحياة لا متعلق لها ~~ويلاحظ في الحياة جهة أخرى هي بها أفضل؛ لأنها شرط للعلم، والعلم متوقف ~~عليها وهي ليست متوقفة على العلم في ذاتها، والعلم ليس شرطا فيها فهي أفضل ~~من هذا الوجه ولا مانع من أن يكون للحقيقة الواحدة شرف من وجه دون وجه. # (القاعدة السابعة عشر) التفضيل بأكثرية الثمرة بأن تكون # PageV02P221 # الحقيقتان كل واحدة منهما لها ثمرة وهي مثمرة، غير أن ~~إحدى الحقيقتين ثمرتها أعظم وجدواها أكثر فتكون أفضل وله أمثلة أحدها الفقه ~~والهندسة كلاهما مثمر أحكاما شرعية؛ لأن الهندسة يستعان بها في الحساب ~~والمساحات والحساب يدخل في المواريث وغيرها، والمساحات تدخل في الإجارات ~~ونحوها ومن نوادر المسائل الفقهية التي يدخل فيها الحساب المسألة المحكية ~~عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وذلك أن رجلين كان مع أحدهما خمسة ~~أرغفة ومع الآخر ثلاثة فجلسا يأكلان فجلس معهما ثالث يأكل معهما. # ثم بعد الفراغ من الأكل ms397 دفع لهما الذي أكل معهما ثمانية دراهم وقال: ~~اقسما هذه الدراهم على قدر ما أكلته لكما فقال صاحب الثلاثة: إنه أكل نصف ~~أكله من أرغفتي ونصف أكله من أرغفتك فأعطني النصف أربعة دراهم فقال له ~~الآخر لا أعطيك إلا ثلاثة دراهم؛ لأن لي خمسة أرغفة فآخذ خمسة دراهم ولك ~~ثلاثة أرغفة تأخذ ثلاثة دراهم فحلف صاحب الثلاثة لا يأخذ إلا ما حكم به ~~الشرع فترافعا إلى علي - رضي الله عنه - فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد ~~ولصاحب الخمسة بسبعة دراهم فشكا من ذلك صاحب الثلاثة فقال له علي - رضي ~~الله عنه -: الأرغفة ثمانية وأنتم ثلاثة أكل كل واحد منكم ثلاثة أرغفة إلا ~~ثلثا بقي لك ثلث من أرغفتك أكله صاحب الدراهم وأكل صاحبك من أرغفته ثلاثة ~~إلا ثلثا وهي خمسة يبقى له رغيفان وثلث وذلك سبعة أثلاث أكلها صاحب الدراهم ~~فأكل لك ثلثا وله سبعة أثلاث فيكون لك درهم وله سبعة دراهم فهذه مسألة ~~فقهية يحتاج إليها الفقيه المفتي والقاضي الملزم وهي لا تعلم إلا بدقيق ~~الحساب كما ترى ومن مسائل المساحة الغريبة المتعلقة بالفقه رجل استأجر رجلا ~~يحفر له بئرا عشرة في عشرة طولا وعرضا وعمقا، جميع ذلك عشرة من كل وجه فحفر ~~له بئرا خمسة في خمسة فاختلف فيما يستحقه من الأجرة فقال ضعفاء الفقهاء ~~يستحق النصف؛ لأنه عمل النصف. # وقال المحققون يستحق الثمن # PageV02P222 # لأنه عمل الثمن وبيانه أنه استأجره على عشرة في عشرة ~~وذلك ألف ذراع بسبب أن الذراع الأول من العشرة لو عمل وبسط على الأرض ومسح ~~كان حصيرا طوله عشرة وعرضه عشرة ومساحته عشرة في عشرة بمائة، فالذراع الأول ~~تحصل مساحته مائة وهي عشرة أذرع في عشرة ومائة في عشرة بألف وعمل خمسة في ~~خمسة فالذراع الأول لو بسط على الأرض ترابا على وجهه لكان خمسة في خمسة، ~~وخمسة في خمسة بخمسة وعشرين فالذراع مساحته خمسة وعشرون وهي خمسة أذرع، ~~وخمسة وعشرون في خمسة بمائة وخمسة وعشرين، ونسبة مائة وخمسة وعشرين إلى ~~الألف نسبة الثمن فيستحق ms398 الثمن من الأجرة؛ لأنه إنما عمل ثمن ما استؤجر ~~عليه وهذه الدقائق من هذه المسائل إنما تحصل من الهندسة فإن علم الهندسة ~~يشمل الحساب والمساحة وغيرهما وهذه المسائل. # وإن كانت كثيرة، غير أنها بالنسبة إلى مسائل الفقه قليلة فثمرة الفقه ~~أعظم من ثمرة الهندسة فيكون أفضل منها. # وثانيها علم النحو وعلم المنطق كلاهما له ثمرة جليلة، غير أن ثمرة النحو ~~أعظم بسبب أنه يستعان به على كتاب الله تعالى وسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وكلام العرب في نطق اللسان وكتابة اليد فإن اللحن يقع في ~~الكتابة وفي اللفظ ويستعان به في الفقه وفي أصول الفقه وغير ذلك مما علم في ~~مواضعه. # وأما المنطق إنما يحتاج إليه في ضبط المعاني المتعلقة بالبراهين والحدود ~~خاصة وقد يكفي فيها الطبع السليم والعقل المستقيم ولا يهتدي العقل بمجرده ~~لتقويم اللسان وسلامته من اللحن فإنها أمور سمعية ولا مجال للعقل فيها على ~~سبيل الاستقلال فلا بد من النحو بالضرورة فيها، والمنطق يستغنى عنه بصفاء ~~العقل فصارت الحاجة للنحو أعظم، وثمرته أكثر فيكون أفضل. # وثالثها علم النحو مع علم أصول الفقه كلاهما مثمر غير أن أصول الفقه يثمر ~~الأحكام الشرعية فإنها منه تؤخذ فالشريعة من أولها إلى آخرها مبنية على ~~أصول الفقه، والنحو إنما أثره في تصحيح الألفاظ وبعض المعاني # PageV02P223 # والألفاظ إنما هي وسائل والأحكام الشرعية مقاصد ~~بالنسبة إلى الألفاظ، والمقاصد أفضل من الوسائل # (القاعدة الثامنة عشر) التفضيل بالتأثير وله أمثلة: # أحدها تفضيل قدرة الله تعالى على العلم والكلام فإنها مؤثرة في تحصيل ~~وجود الممكنات والعلم والخبر تابعان ليسا بمؤثرين وكذلك السمع والبصر من ~~قبيل العلم وما له التأثير أفضل مما لا تأثير له. # وثانيها تفضيل الإرادة على الحياة فإنها مؤثرة للتخصيص في الممكنات ~~بزمانها وصفاتها الجائزة عليها، والحياة لا تؤثر إيجادا ولا تخصيصا وليس في ~~صفات الله السبعة مؤثر إلا القدرة والإرادة فقط. # وثالثها تفضيل صاحب الشرع الحياء على ضده وهو القحة فقال الحياء خير كله ~~الحياء لا يأتي إلا بخير الحياء من ms399 الإيمان بسبب أن الحياء يؤثر الحث على ~~الخيرات والزجر عن المنكرات، والقحة لا ينزجر صاحبها عن مكروه ولا تحثه على ~~معروف ولذلك فضل صاحب الشريعة الشجاعة على الجبن بسبب أن الشجاعة تحث على ~~درء الأعداء ونصر الجار ودفع العار، والجبن لا يأتي معه شيء من ذلك وكذلك ~~فضل صاحب الشريعة السخاء على البخل لكونه من مكارم الأخلاق وجلب القلوب كما ~~ورد الكريم حبيب الله؛ لأن السخاء يؤثر الحنانة، والشفقة على المساكين ~~والبخل ليس فيه شيء من ذلك؛ لأنه من طباع اللئام # (القاعدة التاسعة عشر) التفضيل بجودة البنية والتركيب وله أمثلة: # أحدها تفضيل الملائكة الكرام - صلوات الله عليهم - على الجان بسبب جودة ~~أبنيتهم وحسن تركيبهم فإنهم خلقوا من نور # PageV02P224 # ويسير جبريل - عليه السلام - من العرش إلى الفرش سبعة ~~آلاف سنة في لحظة واحدة ويحمل مدائن لوط الخمسة من تحت الأرض على جناحه لا ~~يضطرب منها شيء بل يقتلعها من تحتها على هذا الوجه ويصعد بها إلى الجو ثم ~~يقلبها وهذا عظيم. # والملك الواحد من الملائكة يقهر الجمع العظيم من الجان ولذلك سأل سليمان ~~- عليه السلام - ربه تعالى أن يولي على الجان الملائكة ففعل له ذلك فهم ~~الزاجرون لهم اليوم عند العزائم وغيرها التي يتعاطاها أهل هذا العلم ~~فيقسمون على الملائكة بتلك الأسماء التي تعظمها الملائكة فتفعل في الجان ما ~~يريده المقسم عليهم بتلك الأسماء المعظمة وكانوا قبل زمن سليمان - عليه ~~السلام - يخالطون الناس في الأسواق ويعبثون بهم عبثا شديدا فلما رتب سليمان ~~هذا الترتيب وسأله من ربه انحازوا إلى الفلوات والخراب من الأرض فقلت ~~أذيتهم والملائكة تراقبهم في ذلك فمن عبث منهم وعثا ردوه، أو قتلوه كما ~~يفعل ولاة بني آدم مع سفهائهم وما سبب اقتدار الملائكة على الجان إلا فضل ~~أبنيتهم ووفور قوتهم فهم مفضلون على الجان من هذا الوجه مضافا لبقية ~~الوجوه، وهذه النكتة ينتفع بها كثيرا في النصوص الدالة على تفضيل الملائكة ~~على البشر فإن الصحيح أن البشر أفضل على تفصيل يذكر في موضعه فإذا قصد ~~الجواب عن ms400 تلك النصوص حمل ذلك التفضيل والثناء على الأبنية وجودة التركيب ~~إذا كان النص يحتمل ذلك فيندفع أكثر الأسئلة والنقوض عن المستدل على أفضلية ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا نزاع أن الملائكة أفضل في أبنيتهم ~~وأن أبنية بني آدم خسيسة # PageV02P225 # بالنسبة إلى أبنية الملائكة فتحمل آية التفضيل على ~~ذلك. # وثانيها تفضيل الجان على بني آدم في الأبنية وجودة التركيب من جهة أنهم ~~يعيشون الآلاف من السنين فلا يعرض لهم الموت وكذلك لا تعرض لهم الأمراض ~~والأسقام التي تعرض لبني آدم بسبب أن أجسادهم ليست مشتملة على الرطوبات ~~وأجرام الأغذية فلا يحصل العفن ولا آفات الرطوبات التي تعرض لبني آدم فلذلك ~~كثر بقاؤهم وطال، وأسرع لبني آدم الموت ومما ورد في ذلك قول الشاعر في ~~الجان لما ورد عليه بالليل وهو يقيد النار: # أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن قلت عموا ظلاما # فقلت إلى الطعام فقال منهم ... زعيم يحسد الإنس الطعاما # لقد فضلتم بالأكل عنا ... ولكن ذاك يعقبكم سقاما # فصرحوا في شعرهم بما تقدم. # وقال جماعة من العلماء الغزالي - رحمه الله - في الإحياء وغيره: إنهم ~~يتغذون من الأعيان بروائحها ولذلك جاء في الحديث «أنهم قالوا لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مر أمتك لا يستجمروا بروث ولا عظم فإنها طعامنا وطعام ~~دوابنا» مع أنا نجد العظم يمر عليه الدهر الطويل لا يتغير منه شيء فدل ذلك ~~على أنهم يتغذون بالرائحة ورأيت في بعض الكتب عن وهب بن منبه أنهم طوائف ~~منهم من يتغذى بالرائحة ومنهم من يتغذى بجرم الغذاء ومنهم طائر لا يأوي في ~~الأرض ومنهم من يأوي في الأرض يرحلون وينزلون في البراري كالأعراب، وإن ~~أحوالهم مختلفة في ذلك وعلى الجملة فتراكيبهم أعظم وسيرهم في الأرض أيسر ~~فيسيرون المسافة الطويلة في الزمن القصير ولذلك تؤخذ عنهم أخبار الوقائع ~~والحوادث في البلاد البعيدة عنا بسبب سرعة حركتهم وتنقلهم على وجه الأرض ~~واتخذهم سليمان - عليه السلام - لأعمال تعجز عنها البشر # PageV02P226 # بسبب فرط قوتهم قال الله تعالى {يعملون له ما يشاء من ms401 ~~محاريب وتماثيل وجفان كالجواب} [سبأ: 13] ولهم قوة التنقل على التصور في كل ~~حيوان أرادوا فتقبل بنيتهم التنقل إلى الحيات والكلاب والبهائم وصور بني ~~آدم وهذا لا يتأتى إلا مع جودة البنية ولطافة التركيب وبنيتنا نحن لا تقبل ~~شيئا من هذا؛ لأنا خلقنا من تراب شأنه الثبوت والرصافة والدوام على حالة ~~واحدة وخلقوا من نار شأنها التحرك وسرعة الانتقال واللطافة وهذا المعنى هو ~~الذي غر إبليس فأوجب له الكبر على آدم - صلوات الله عليه - وترك أن الله ~~يفضل من يشاء على من يشاء ويحكم ما يريد فجاء بالاعتراض في غير موضعه فهلك. # وثالثها تفضيل الذهب على الفضة بجودة البنية فإن بنية الذهب ملتزة ~~متداخلة، وبنية الفضة متفشفشة رخوة وسبب ذلك من حيث العادة ما ذكره ~~المتحدثون عن المعادن أن طبخ الذهب طال تحت الأرض بحر الشمس أربعة آلاف ~~سنة، والفضة لم يحصل لها ذلك فكان بنية الذهب أفضل من بنية الفضة. # (القاعدة العشرون) التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء ولما ~~يشاء على ما يشاء فيفضل أحد المتساويين من كل وجه على الآخر كتفضيل شاة ~~الزكاة على شاة التطوع وتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاة الفرض على الفاتحة ~~خارج الصلاة فإن الواجب أفضل مما ليس بواجب وكذلك تفضيل حج الفرض على تطوعه ~~والأذكار في الصلاة على مثلها خارج الصلاة إذا تقررت هذه القواعد في أسباب ~~التفضيل. # فاعلم أن هذه الأسباب الموجبة للتفضيل قد تتعارض فيكون الأفضل من حاز ~~أكثرها وأفضلها والتفضيل إنما يقع بين المجموعات وقد يختص المفضول ببعض ~~الصفات الفاضلة ولا يقدح ذلك في التفضيل عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~«أقضاكم علي وأفرضكم زيد وأقرؤكم أبي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» ~~- رضي الله عنهم - مع أن أبا بكر - رضي الله عنه - أفضل الجميع وكاختصاص ~~سليمان - عليه السلام - بالملك العظيم ونوح - عليه السلام - # PageV02P227 # بإنذار المئين من السنين وآدم - صلى الله عليه وسلم - ~~بكونه أبا البشر مع تفضيل محمد - صلى الله عليه وسلم - على الجميع فلولا ~~هذه القاعدة وهي ms402 تجويز اختصاص المفضول بما ليس للفاضل للزم التناقض واعلم ~~أن تفضيل الملائكة والأنبياء صلوات الله تعالى عليهم أجمعين إنما هو ~~بالطاعات وكثرة المثوبات والأحوال السنيات وشرف الرسالات والدرجات العليات ~~فمن كان فيها أتم فهو أفضل وكذلك التفضيل بين العبادات إنما هو بمجموع ما ~~فيها فقد يختص المفضول بما ليس للفاضل كاختصاص الجهاد بثواب الشهادة ~~والصلاة أفضل منه وليس فيها ذلك والحج أفضل من الغزو، وكذلك الحج فيه تكفير ~~الذنوب كبيرها وصغيرها وجاء في الحديث «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه» وهو يقتضي الذنوب كلها والتبعات؛ لأنه يوم الولادة ~~كان كذلك. # وقد ورد في بعض الأحاديث «أن الله تعالى تجاوز لهم عن الخطيئات وضمن عنهم ~~التبعات» والصلاة ليس فيها ذلك مع أنها أفضل من الحج، وما ذلك إلا لأنه ~~يجوز أن يختص المفضول بما ليس للفاضل وقد تقدم أن الشيطان يفر من الأذان ~~والإقامة ولا يفر من الصلاة مع أنها أفضل منهما وقد تقدم تفضيله وأنه يخرج ~~على هذه القاعدة، ثم اعلم أن المفضولات منها ما يطلع على سبب تفضيله ومنها ~~لا يعلم إلا بالسمع المنقول عن صاحب الشريعة كتفضيل مسجده - صلى الله عليه ~~وسلم - وأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة في غيره وفي المسجد الحرام بمائة ~~ألف صلاة وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة وهذه أمور لا تعلم إلا بالسمعيات ~~ومن تفضيل المدينة على مكة عند مالك - رحمه الله - ومكة على المدينة عند ~~الشافعي - رضي الله عنه - لا يعلم ذلك إلا بالنصوص وقد ذكرت في مواضعها من ~~الفقه، وإنما المقصود ههنا تحرير القواعد الكلية والتنبيه عليها أما جزئيات ~~المسائل ففي مواضعها تنبيه يطلع منه على تفضيل الصلاة على سائر العبادات ~~فنقول تقرر أن تصرف العباد على أربعة أقسام # أحدها حق الله تعالى # PageV02P228 # فقط كالمعارف وكالإيمان بما يجب ويستحيل ويجوز عليه ~~سبحانه وتعالى. # وثانيها حق العباد فقط بمعنى أنهم متمكنون من إسقاطه، وإلا فكل حق للعبد ~~ففيه حق لله تعالى وهو أمره عز وجل بإيصاله ms403 إلى مستحقه كأداء الديون ورد ~~الغصوب والودائع. # وثالثها حق لله تعالى وحق للعباد والغالب مصلحة العباد كالزكوات والصدقات ~~والكفارات وكالأموال المنذورات والضحايا والهدايا والوصايا والأوقاف. # ورابعها حق لله تعالى وحق لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللعباد كالأذان ~~فحقه تعالى التكبيرات والشهادة بالتوحيد وحق رسوله الشهادة له بالرسالة وحق ~~العباد الإرشاد للأوقات في حق النساء والمنفردين والدعاء للجماعات في حق ~~المقتدين والصلاة مشتملة على حق الله تعالى كالنية والتكبير والتسبيح ~~والتشهد والركوع والسجود وما يصحبها من الحركات والتروك والكف عن الكلام ~~وكثير الأفعال وعلى حقه - صلى الله عليه وسلم - كالصلاة عليه والتسليم عليه ~~والشهادة له بالرسالة وعلى حق المكلف وهو دعاؤه لنفسه بالهداية والاستقامة ~~على العبادة وغيرها، والقنوت ودعاؤه في السجود والجلوس لنفسه وقوله السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- والتسليم آخر الصلاة على الحاضرين ولهذه الوجوه ونحوها كانت الصلاة أفضل ~~الأعمال بعد الإيمان وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أفضل ~~أعمالكم الصلاة» فهي من المفضلات التي علم سبب تفضيلها # وأما تفضيل مكة على المدينة، أو المدينة على مكة فبأمور نعلمها وأمور لا ~~نعلمها فمن المعلوم كون المدينة مهاجر # PageV02P229 # سيد المرسلين وموطن استقرار الدين وظهور دعوة ~~المؤمنين ومدفن سيد الأولين والآخرين وبها كمل الدين واتضح اليقين وحصل ~~العز والتمكين وكان النقل من أهلها أفضل النقول وأصح المعتمدات؛ لأن ~~الأبناء فيه ينقلون عن الآباء والأخلاف عن الأسلاف فيخرج النقل عن حيز الظن ~~والتخمين إلى حيز العلم واليقين ومن جهة النصوص بوجوه. # أحدها قوله - صلى الله عليه وسلم - «المدينة خير من مكة» وهو نص في الباب ~~ويرد عليه أنه، وإن كان نصا في التفضيل غير أنه مطلق في المتعلق فيحتمل ~~أنها خير من جهة سعة الرزق والمتاجر فما تعين محل النزاع. # وثانيها دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - بمثل ما دعا به إبراهيم - صلى الله ~~عليه وسلم - لمكة ومثله معه ويرد عليه أنه مطلق في المدعو به فيحمل ما صرح ~~به في الحديث ms404 وهو الصاع والمد. # وثالثها قوله - صلى الله عليه وسلم - «اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع ~~إلي فأسكني أحب البقاع إليك» وما هو أحب إلى الله يكون أفضل والظاهر ~~استجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم - وقد أسكنه المدينة فتكون أفضل البقاع ~~وهو المطلوب ويرد عليه أن السياق لا يأبى دخول مكة في المفضل عليه لإياسه - ~~صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت فيكون المعنى فأسكني أحب البقاع إليك ~~مما عداها، وإذا لم تدخل مكة في المفضل عليه احتمل أن تكون أفضل من المدينة ~~فتسقط الحجة مع أنه لم يصح من جهة النقل ولو صح فهو من مجاز وصف المكان ~~بصفة ما يقع فيه كما يقال بلد طيب أي هواها والأرض المقدسة أي قدس من فيها، ~~أو من دخلها من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ لأنهم مقدسون من الذنوب ~~والخطايا وكذلك الوادي المقدس أي قدس موسى - عليه السلام - فيه والملائكة ~~الحالون فيه وكذلك وصفه - عليه الصلاة والسلام - البقعة # PageV02P230 # بالمحبة وهو وصف لها بما جعله الله تعالى فيها مما ~~يحبه الله تعالى ورسوله وهي إقامته - صلى الله عليه وسلم - بها، وإرشاد ~~الخلق إلى الحق وقد اقتضى ذلك التبليغ وتلك القربات فبطل الوصف الموجب ~~للتفضيل على هذا التقدير، ورابعها قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يصبر ~~على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة» ويرد عليه ~~سؤالان: # أحدهما أنه يدل على الأفضل لا على الأفضلية # وثانيها أنه مطلق في الزمان فيحمل على زمانه - صلى الله عليه وسلم - ~~والكون معه لنصرة الدين ويعضده خروج الصحابة - رضوان الله عليهم - بعد ~~وفاته إلى الكوفة والبصرة والشام وغير ذلك من البلاد # وخامسها قوله - صلى الله عليه وسلم - «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما ~~تأرز الحية إلى جحرها» أي تأوي ويرد عليه أن ذلك عبارة عن إتيان المؤمنين ~~لها بسبب وجوده - صلى الله عليه وسلم - فيها حال حياته فلا عموم له في ~~الأزمان ولا بقاء لهذه الفضيلة بعده لخروج الصحابة - رضي الله عنهم - إلى ~~العراق وغيره ms405 وهم أهل الإيمان وخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق ~~فيحمل على زمان يكون الواقع فيه ذلك تحقيقا لصدقه - صلى الله عليه وسلم -. # وسادسها قوله - صلى الله عليه وسلم - «إن المدينة تنفي خبثها كما ينفي ~~الكير خبث الحديد» ويرد عليه أنه مطلق في الأزمان فيحمل على زمانه - صلى ~~الله عليه وسلم - لخروج الصحابة بعده فيلزم أن يكونوا خبثا وليس كذلك. # وسابعها قوله - صلى الله عليه وسلم - «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض ~~الجنة» ويرد عليه أنه يدل على فضل ذلك الموضع لا المدينة وأما مكة شرفها ~~الله تعالى ففضلت بوجوه. # أحدها وجوب الحج والعمرة على الخلاف في وجوب العمرة والمدينة يندب ~~لإتيانها ولا يجب. # وثانيها أن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة بعد النبوة أكثر ~~من المدينة فأقام بمكة (ثلاث عشرة) سنة وبالمدينة عشرا غير أنه يرد على هذا ~~الوجه أن تلك العشرة كان كماله - صلى الله عليه وسلم - وكمال الدين فيها ~~أتم وأوفر فلعل ساعة بالمدينة كانت أفضل من سنة بمكة، أو من جملة الإقامة ~~بها # وثالثها فضلت المدينة بكثرة الطارئين من عباد الله الصالحين وفضلت مكة ~~بالطائفين من # PageV02P231 # الأنبياء والمرسلين فما من نبي إلا حجها آدم فمن سواه ~~ولو كان لملك داران فأوجب على عباده أن يأتوا إحداهما ووعدهم على ذلك ~~بمغفرة سيئاتهم ورفع درجاتهم دون الأخرى لعلم أنها عنده أفضل. # ورابعها أن التعظيم والاستلام نوع من الاحترام وهما خاصان بالكعبة # وخامسها وجوب استقبالها يدل على تعظيمها # وسادسها تحريم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة يدل على تعظيمها ولم ~~يحصل ذلك لغيرها # وسابعها تحريمها يوم خلق الله السموات والأرض ولم تحرم المدينة إلا في ~~زمانه - صلى الله عليه وسلم - وذلك دليل فضلها # وثامنها كونها مثوى إبراهيم، وإسماعيل - عليهما الصلاة والسلام - # وتاسعها كونها مولد سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - # وعاشرها كونها لا تدخل إلا بإحرام وذلك يدل على تعظيمها # وحادي عشرها قوله تعالى {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا} [التوبة: 28] # وثاني ms406 عشرها الاغتسال لدخولها دون المدينة # وثالث عشرها ثناء الله تعالى على البيت الحرام {إن أول بيت وضع للناس ~~للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} [آل عمران: 96] واعلم أن تفضيل الأزمان ~~والبقاع قسمان: تفضيل دنيوي كتفضيل الربيع على غيره، وكتفضيل بعض البلدان ~~بالثمار والأنهار وطيب الهواء وموافقة الأهواء، وديني كتفضيل رمضان على ~~الشهور وعاشوراء على الأيام وكذلك يوم عرفة وأيام البيض وعشر المحرم ~~والخميس والاثنين ونحو ذلك مما ورد الشرع بتفضيله وتعظيمه من الأزمنة ~~والبقاع نحو مكة والمدينة وبيت المقدس وعرفة والمطاف والمسعى ومزدلفة ومنى ~~ومرمى الجمار، ومن الأقاليم اليمن لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الإيمان ~~يمان والحكمة يمانية» والمغرب لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا تزال ~~طائفة من أهل المغرب قائمين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ~~وهم كذلك» ومن الأزمنة الثلث الأخير من الليل فضله الله تعالى بإجابة ~~الدعوات ومغفرة الزلات، وإعطاء السؤال ونيل الآمال، وأسباب التفضيل كثيرة ~~لا أقدر على إحصائها خشية الإسهاب، وإنما بعثني على الوصول فيها إلى هذه ~~الغاية ما أنكره بعض فضلاء الشافعية على القاضي عياض رحمهما الله تعالى من ~~قوله إن الأمة أجمعت على أن البقعة التي ضمت أعضاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أفضل البقاع فقال الثواب هو سبب التفضيل والعمل ههنا متعذر فلا ~~ثواب فكيف يصح هذا الإجماع وشنع عليه كثيرا فأردت أن أبين تعدد الأسباب في ~~ذلك فبطل ما قاله من الرد على القاضي وبلغني أيضا عن المأمون بن الرشيد ~~الخليفة أنه قال أسباب التفضيل أربعة وكلها كملت في علي - رضي الله عنه - ~~فهو أفضل الصحابة وأخذ يرد بذلك على أهل السنة فأردت أيضا أن أبطل ما ادعاه ~~من الحصر، ومسائل التفضيل كثيرة بين الصحابة وبين الأنبياء والملائكة وهي ~~أشبه بأصول الدين وهذا الكتاب إنما قصدت فيه ما يتعلق بالقواعد الفقهية ~~خاصة فلذلك اقتصرت على تفضيل الصلاة ومكة والمدينة؛ لأنها من المسائل ~~الفقهية وأحلت ما عداها على موضعه والله الموفق. # # PageV02P232 # (الفرق الرابع عشر والمائة بين قاعدة # ما يصح ms407 اجتماع العوضين فيه لشخص واحد وبين قاعدة ما ~~لا يصح أن يجتمع فيه العوضان لشخص واحد) # اعلم أن القاعدة الشرعية الأكثرية أنه لا يجوز أن يجتمع العوضان لشخص ~~واحد فإنه يؤدي إلى أكل المال بالباطل وإنما يأكله بالسبب الحق إذا خرج من ~~يده ما أخذ العوض بإزائه فيرتفع الغبن والضرر على المتعاوضين فلذلك لا يجوز ~~أن يكون للبائع الثمر والسلعة معا ولا للمؤجر الأجرة والمنفعة معا وكذلك ~~بقية الصور غير أنه قد استثنيت مسائل من هذه القاعدة للضرورة وأنواع من ~~المصالح: المسألة الأولى # الإجارة على الصلاة فيها ثلاثة أقوال الجواز والمنع والثالث التفرقة بين ~~أن يضم إليها الأذان فتصح أو لا يضم إليها فلا تصح وجه المنع أن ثواب صلاته ~~له فلو حصلت له الأجرة أيضا لحصل العوض والمعوض وهو غير جائز وحجة الجواز ~~أن الأجرة بإزاء الملازمة في المكان المعين وهو غير الصلاة ووجه التفرقة أن ~~الأذان لا يلزمه فيصح أخذ الأجرة عليه فإذا ضم إلى الصلاة قرب العقد من ~~الصحة وهو المشهور: المسألة الثانية # أخذ الخارج في الجهاد من القاعد من أهل ديوانه # PageV03P002 # جعلا على ذلك ومنع من ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأجازه ~~مالك - رحمهم الله - وقال مالك لا يجعل لغير من في ديوانه لعدم الضرورة ~~لذلك وثواب الجهاد حاصل للخارج فلا يجتمع له العوض والمعوض لأن حكمة ~~المعاوضة انتفاع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له حجة مالك عمل الناس في ~~ذلك ولأنه باب ضرورة أن ينوب بعضهم عن بعض إذا كانوا أهل ديوان واحد فإن ~~تعددت الدواوين فلا ضرورة تخالف لأجلها القاعدة المجمع عليها: المسألة ~~الثالثة # مسألة المسابقة بين الخيل فقلنا السابق لا يأخذ ما جعل للسابق لأن السابق ~~له أجر التسبب للجهاد فلا يأخذ الذي جعل في المسابقة لئلا يجتمع له العوض ~~والمعوض فلهذه الحكمة وبسبب هذه القاعدة اشترط بعض العلماء الثالث المحلل ~~لأخذ العوض # (الفرق الخامس عشر والمائة بين قاعدة الأرزاق وبين قاعدة الإجارات) # كلاهما بذل مال بإزاء المنافع من الغير غير أن باب ms408 الأرزاق أدخل في باب ~~الإحسان وأبعد عن باب المعاوضة وباب الإجارة أبعد من باب المسامحة وأدخل في ~~باب المكايسة ويظهر تحقيق ذلك بست مسائل: المسألة الأولى # القضاة يجوز أن يكون لهم أرزاق من بيت المال على القضاء إجماعا ولا يجوز ~~أن يستأجروا على القضاء إجماعا بسبب أن الأرزاق إعانة من الإمام لهم على ~~القيام بالمصالح لا أنه عوض وجب عليهم من تنفيذ الأحكام عند قيام الحجاج ~~ونهوضها ولو استؤجروا على ذلك لدخلت التهمة في الحكم بمعاوضة صاحب العوض ~~ولذلك تجوز الوكالة بعوض ويكون الوكيل عاضدا وناصرا لمن بذل له العوض ويجوز ~~في الأرزاق التي تطلق للقاضي الدفع والقطع والتقليل والتكثير والتغيير ولو ~~كان إجارة لوجب تسليمه بعينه من غير زيادة ولا نقص لأن الإجارة عقد والوفاء ~~بالعقود واجب والأرزاق معروف وصرف بحسب المصلحة وقد تعرض مصلحة أعظم من ~~مصلحة القضاء فيتعين على الإمام الصرف فيها والأجرة في الإجارات تورث ~~ويستحقها الوارث ويطالب بها والأرزاق لا يستحقها الوارث ولا يطالب بها ~~لأنها معروف غير لازم لجهة معينة # : المسألة الثانية # أرزاق المساجد والجوامع يجوز أن تنقل عن جهاتها إذا تعطلت أو وجدت جهة هي ~~أولى بمصلحة المسلمين من الجهة الأولى ولو كانت وقفا أو إجارة لتعذر ذلك ~~فيها لأن الوقف لا يجوز تغييره والوفاء بعقد الإجارة واجب وهو عقد لازم ~~ويجوز أن يجعل الإمام لمتولي المسجد أن يستنيب دائما ويكون له تلك الأرزاق ~~وتلك الرزقة من الخراج والطين على النظر لا على القيام بالوظيفة وإن كان ~~ذلك لمن تقدمه على # PageV03P003 # القيام بالوظيفة بسبب أن الأرزاق معروف يتبع المصالح ~~فكيفما دارت دار معها ويتعذر مثل ذلك في الأوقاف من الحوانيت والدور وغيرها ~~بسبب أن الوقف لا يجوز تغييره ولا تغيير شرط من شروطه فإذا وقف الواقف على ~~من يقوم بوظيفة الإمامة أو الأذان أو الخطابة أو التدريس لا يجوز لأحد أن ~~يتناول من ريع ذلك الوقف شيئا إلا إذا قام بذلك الشرط على مقتضى شرط الواقف ~~فإن استناب عنه غيره في هذه الحالة ms409 دائما في غير أوقات الأعذار لا يستحق ~~واحد منهما شيئا من ريع ذلك الوقف أما النائب فلأنه من شرط استحقاقه صحة ~~ولايته وصحة ولايته مشروطة بأن تكون ممن له النظر وهذا المستنيب ليس له نظر ~~إنما هو إمام أو مؤذن أو مؤذن أو مدرس فلا تصح النيابة الصادرة عنه وأما ~~المستنيب فلا يستحق شيئا أيضا بسبب أنه لم يقم بشرط الواقف فإن استناب في ~~أيام الأعذار جاز له أن يتناول ريع الوقف وأن يطلق لنائبه ما أحب من ذلك ~~الريع. # وإن كان المطلق له أرزاقا على وظيفة من تدريس أو غيره من الإمامة أو ~~الأذان أو الحكم بين الناس أو الحسبة ولم يقم بتلك الوظيفة لا يجوز له أن ~~يتناول ذلك القدر لأن الإمام إنما أطلقه له من بيت المال على وظيفة ولم يقم ~~بها واستباحة أموال بيت المال بغير إذن الإمام لا يجوز وأخذ هذا المطلق ~~بغير هذا الشرط لم يأذن فيه الإمام فلا يجوز له أخذه وللإمام أن يطلقه له ~~بعد اطلاعه على عدم قيامه بالوظيفة لمصلحة أخرى غير تلك الوظيفة فيستحقه ~~بالإطلاق الثاني لا بالتقدير الأول ولو كان وقفا ولم يقم بشرطه لم يجز ~~للإمام إطلاقه لمن لم يقم بشرط الواقف في استحقاقه فهذا أيضا يميز لك ~~الأرزاق من باب الأوقاف والإجارات ويجوز في المدارس الأرزاق والوقف ~~والإجارة ولا يجوز في إمامة الصلاة الإجارة على المشهور من مذهب مالك - ~~رحمه الله - ويجوز الأرزاق والوقف وكثير من الفقهاء يغلظ في هذه المسألة ~~فيقول إنما يجوز تناول الرزق على الإمامة بناء على القول بجواز الإجارة على ~~الإمامة في الصلاة ويتورع عن تناول الرزق بناء على الخلاف في جواز الإجارة ~~وليس الأمر كما ظنه بل الأرزاق مجمع على جوازها لأنها إحسان ومعروف وإعانة ~~لا إجارة وإنما وقع الخلاف في الإجارة لأنه عقد مكايسة ومغابنة فهو من باب ~~المعاوضات التي لا يجوز أن يحصل العوضان فيها لشخص واحد فإن المعاوضة إنما ~~شرعت لينتفع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له وأجرا ms410 الصلاة له فلو أخذ ~~العوض عنها لاجتمع له العوضان والأرزاق ليس بمعاوضة ألبتة لجوازه في أضيق ~~المواضع المانعة من المعاوضة وهو القضاء والحكم بين الناس فلا ورع حينئذ في ~~تناول الرزق والأرزاق على الإمامة من هذا الوجه # PageV03P004 # وإنما يقع الورع من جهة قيامه بالوظيفة خاصة فإن ~~الأرزاق لا يجوز تناولها إلا لمن قام بذلك الوجه الذي صرح به الإمام في ~~إطلاقه لتلك الأرزاق # المسألة الثالثة # الإقطاعات التي تجعل للأمراء والأجناد # من الأراضي الخراجية وغيرها من الرباع والعقار وهي أرزاق من بيت المال ~~وليست إجارة لهم ولذلك لا يشترط فيها مقدار من العمل ولا أجل تنتهي إليه ~~الإجارة وليس الإقطاع مقدرا كل شهر بكذا وكل سنة بكذا حتى تكون إجارة بل هو ~~إعانة على الإطلاق نعم لا يجوز تناوله إلا بما قاله الإمام من الشرط من ~~التهيؤ للحرب ولقاء الأعداء والمناضلة على الدين ونصرة كلمة الإسلام ~~والمسلمين والاستعداد بالخيل والسلاح والأعوان على ذلك. # ومن لم يفعل ما شرطه عليه الإمام من ذلك لم يجز له التناول لأن مال بيت ~~المال لا يستحق إلا بإطلاق الإمام على ذلك الوجه الذي أطلقه وهو لو أطلق له ~~من بيت المال فوق ما يستحقه على تلك الوظيفة إما غلطا من الإمام وإما جورا ~~منه فإن ذلك الزائد لا يستحقه المطلق له بل يبقى في يده أمانة شرعية يجب ~~ردها لبيت المال وللإمام بعد ذلك أن ينزعه منه ولمن ظفر به ممن له في بيت ~~المال حق أن يتناوله بإذن الإمام إن كان عدلا أو بغير إذنه إن كان جائرا ~~ولو كان إجارة لم يزل ملك الأول لأن الإجارة تنعقد بأجرة المثل وبأكثر منها ~~وإذا عقدت بأكثر منها استحقها المعقود له ولا يجوز للإمام انتزاع الزائد ~~على أجرة المثل إذا كان الحال والاجتهاد اقتضى ذلك ولا يجوز لأحد ممن له حق ~~في بيت المال أن يتناول ذلك الزائد من الأجرة لكونه مستحقا بعقد الإجارة ~~لمن عقد له وكأن يشترط فيها الأجل ومقدار المنفعة ونوعها على قواعد ms411 الإجارة ~~فهذا أيضا يوضح لك الفرق بين الأرزاق والإجارات. # وإذا قطع الأمير أو الجندي أرضا خراجية أو غير خراجية فآجرها ثم مات في ~~أثناء العقد قبل انقضاء مدة الإجارة فللإمام أن يقر ورثته على تلك الأجرة ~~ويمضي لهم تلك الإجارة إلى حل أجلها وله دفع جميع تلك الأجرة للمقطع الثاني ~~إذا كانت المصلحة للمسلمين في ذلك ولا تستقر الأجرة الأولى للأول إلا بمضي ~~العقد وانقضاء أجل الإجارة وهو باق على ذلك الإقطاع ولو كانت إجارة من ~~الإمام له بذلك الإقطاع لاستحقها ورثته ولتعذر على الإمام انتزاعها منهم في ~~مدة عقد الإجارة ويمكن تخريج هذه الإجارة من المقطع على قاعدة الوقف إذا ~~آجر البطن الأول زمان استحقاقه وغير زمان استحقاقه فإنه هل يبطل في غير ~~زمان استحقاقه أم لا خلاف بين العلماء وهذا المقطع إنما يستحق الزمان الذي ~~هو فيه مقطع لتلك الأرض فإذا مات أو حول عنها لغيرها فقد آل # PageV03P005 # الاستحقاق لغيره كالبطن الثاني إذا طرأ بعد الأول ~~وهذا أيضا يوضح لك الفرق بين الإجارة والوقف والأرزاق والإقطاع ومما يوضح ~~لك الفرق أيضا أن الإمام إذا قطع أميرا أو جنديا إقطاعا يجوز له أن يحوله ~~عنه إلى غيره على حسب ما تقتضيه المصلحة ولو كان عقد إجارة لامتنع نقله منه ~~إلى غيره # المسألة الرابعة # وقع في كتاب البيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد من أصحابنا - رحمه الله ~~- ما ظاهره أن للإمام أن يوقف وقفا على جهة من الجهات ووقع للشافعية - ~~رحمهم الله - مثل ذلك ومقتضى ذلك أن أوقافهم أعني الملوك والخلفاء إذا وقعت ~~على وجه الصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين أنها تنفذ ولا يجوز لأحد ~~أن يتناول منها شيئا إلا إذا قام بشرط الواقف ولا يجوز للإمام أن يطلق ذلك ~~الوقف بعد ذلك لمن لم يقم بذلك الوقف فقد صار ذلك الشرط لازما للناس ~~وللإمام كسائر الأوقاف فليس للإمام تحويله عن تلك الجهة وإطلاقه لمن لم يقم ~~بتلك الوظيفة فإن وقفوا على أولادهم أو جهات أقاربهم لهواهم وحرصهم على حوز ms412 ~~الدنيا لهم وذراريهم واتباعا لغير الأوضاع الشرعية لم ينفذ هذا الوقف وحرم ~~على من وقف عليه تناوله بهذا الوقف وللإمام انتزاعه منه وصرفه له ولغيره ~~على حسب ما تقتضيه مصالح المسلمين. # وأما الوقف الأول فهو باطل ومن تناول منه شيئا بهذا الوقف كان للإمام ~~أخذه منه وله وقف هذه الجهة على جهة أخرى على الأوضاع الشرعية ولو صح الوقف ~~الأول لمصادفته للأوضاع الشرعية لم يكن للإمام تحويله. # فإن قلت فإن وقف على ولد، بنص أراضي المسلمين وقراهم أو أحد من أقاربه ~~واشترى ذلك من ماله الذي اكتسبه في زمن مملكته هل يصح ذلك الوقف أم لا قلت ~~الملوك فقراء مدينون بسبب ما جنوه على المسلمين من تصرفاتهم في أموال بيت ~~المال بالهواء في أبنية الدور العالية المزخرفة والمراكب النفيسة والأطعمة ~~الطيبة وإعطاء الأصدقاء والمزاح بالباطل من أموال وغير ذلك من التصرفات ~~المنهي عنها شرعا فهذه كلها ديون عليهم فتكثر من تطاول الأيام فيتعذر ~~بسببها أمران أحدهما الأوقاف والتبرعات والبيوعات على مذهب مالك - رحمه ~~الله - ومن وافقه فإن تبرعات المديون المتأخرة عن تقرر الدين باطلة فيتخرج ~~ذلك على هذا الخلاف وثانيهما الإرث لأنه لا ميراث مع الدين إجماعا فلا يورث ~~عنهم شيء وما تركوه من المماليك لا ينفذ عتق الوارث فيهم بل هم أموال بيت ~~المال مستحقون بسبب ما عليهم من الدين فلا ينفذ فيهم إلا عتق متولي بيت ~~المال على الوجه الشرعي وإعتاقهم لغير مصلحة المسلمين لا يجوز فإن وقفوا ~~وقفا على جهات البر والمصالح العامة ونسبوه لأنفسهم بناء على أن المال الذي ~~في بيت # PageV03P006 # المال لهم كما يعتقده جهلة الملوك بطل الوقف بل لا ~~يصح إلا أن يوقفوا معتقدين أن المال للمسلمين والوقف للمسلمين أما إن المال ~~لهم والوقف لهم فلا كمن وقف مال غيره على أنه له فلا يصح الوقف فكذلك ها ~~هنا # المسألة الخامسة # المصروف من الزكاة للمجاهدين ليس أجرة وإجارة بل أرزاق خاص من مال خاص ~~وهل يتعين صرفه لهذه الجهة فيتخرج على الخلاف بين الشافعية ms413 والمالكية - ~~رحمهم الله - هل اللام للملك أم لا وليس هو إجارة وإلا لاشترط فيه مقدار ~~العمل والمدة الموجبة لتعيين العمل وغير ذلك من شروط الإجارة ولما لم يكن ~~كذلك كان أرزاقا خاصا من جهة خاصة ويقع الفرق بينه وبين أصل الأرزاق بأن ~~أصل الأرزاق يصح أن يبقى في بيت المال ولا يصرف في الوقف وهذا يجب صرفه إما ~~في جهة المجاهدين أو غيرهم من الجهات الثمانية لأن جهة هذا المال عينها ~~الله عز وجل في كتابه العزيز فيجب على الإمام إخراجها فيها إلا أن يمنع ~~مانع وكذلك كل جهة عينها الله تعالى كالخمس يتعين المبادرة إلى صرفه بحسب ~~المصلحة وأما ما يورث عن الموتى من أموال بيت المال أو يحاز عن الغائب ~~المنقطع خبره فهذا لا جهة له إلا ما يعرض من المصالح فهذا هو الفرق بين هذه ~~الأرزاق الخاصة وبقية الأرزاقات # المسألة السادسة # ما يصرف للقسام للعقار بين الخصوم من جهة الحكام والترجمان الذي يترجم ~~الكتب عند الحكام وكاتب الحاكم وأمناء الحكام على الأيتام ونحو ذلك فذلك ~~كله أرزاق لا إجارة تجري عليه أحكام الأرزاق دون أحكام الإجارات كما تقدم ~~بيانه وكذلك ما يتناوله الخراص على خرص الأموال الزكوية من الدوالي والنخل ~~وسعاة المواشي والعمال على الزكاة كل ذلك أرزاق لا إجارة ونحو هذه المسائل ~~مما هو في سلكها يتخرج عليها فقد اتضح لك بهذه المسائل الفرق بين قاعدة ~~الأرزاق وقاعدة الإجارة وقاعدة وقف الملوك وأحكام ذلك المختلفة الأوضاع # (الفرق السادس عشر والمائة بين قاعدة استحقاق السلب في الجهاد وبين قاعدة ~~الإقطاع وغيره من تصرفات الأئمة وإن كان الجميع من تصرفات الإمام وليس ~~بإجارة) # واعلم أن السلب عند مالك - رحمه الله - إنما يستحق بقول الإمام من قتل ~~قتيلا فله سلبه وأنه لا يستحق بمجرد القتل وقاله أبو حنيفة - رحمه الله - ~~وقال الشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهما - يستحق بمجرد القتل وأنه يستحق ~~بفتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لا بتصرفه بطريق الإمامة ~~وقد تقدم في الفرق ms414 بين تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - أن ما وقع منها على # PageV03P007 # أنه بالإمامة لا بد فيه من إذن الإمام وما وقع منها ~~بتصرفه - صلى الله عليه وسلم - بطريق القضاء لا بد فيه من قضاء القاضي وما ~~وقع منها بطريق الفتيا والتبليغ يستحق بدون قضاء قاض وإذن إمام قال مالك - ~~رحمه الله - في المدونة لم يبلغني أن السلب كان للقاتل إلا يوم حنين وهو ~~موكول إلى اجتهاد الإمام فإن قلنا إنه من باب التبليغ والفتيا فقد حصل ~~السلب من باب آخر غير تصرفات الأئمة فلا يحتاج إلى الفرق كما قاله الشافعي ~~- رضي الله عنه - فليس للإمام نزعه ممن وجد في حوزه بشرطه لأن القتل حينئذ ~~سبب الاستحقاق فلا يجوز للإمام أن يأخذ ما هو مستحق بسببه وإن قلنا إنه من ~~باب تصرفات الأئمة كما قاله مالك - رحمه الله - فللإمام نزعه ممن وجد معه ~~لأن سبب استحقاقه تصرف الإمام ولم يوجد فبقي من الغنيمة. # وأما الإقطاع فإنه يجوز بغير سبب يوجب استحقاقه وتمليكه وإنما هو إعانة ~~على أحوال تقع في مستقبل الزمان وليس تمليكا حقيقيا فلذلك كان للإمام نزعه ~~في أي وقت شاء وتبديله بغيره بخلاف السلب وإنما ساوى السلب ما حازه الأجناد ~~والأمراء من إقطاعاتهم من خراج وغيره فإنه لا يجوز للإمام نزعه منهم لتقرر ~~ملكهم عليه. # وأما السلب فقبل حصول سببه لا يكون للقاتل به تعلق ألبتة وبعد حصول سببه ~~يصير مملوكا بالكلية فالحالة المتوسطة القابلة للانتزاع لا تحصل للسلب ~~ألبتة والإقطاع يحصل لها هذه الحالة المتوسطة القابلة للانتزاع وإبداله ~~بغيره ويدل على صحة قول الشافعي وابن حنبل رحمهما الله أنه من باب الفتيا ~~والتبليغ أنه الغالب على تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - رسول وهذا شأن الرسالة أعني التبليغ، وحمل تصرفاته - صلى الله ~~عليه وسلم - على الغالب طريق حسن وهو مستند مالك - رحمه الله - في حمل قوله ~~- عليه الصلاة والسلام - «من أحيا أرضا ميتة فهي له» وقال إذن الإمام ليس ~~شرطا في الملك بالإحياء وأبو ms415 حنيفة - رحمه الله - مشى على قاعدته فيهما ~~وجعلهما من باب التصرف بالإمامة. # وأما مالك - رحمه الله - فقد نقض أصله والشافعي - رضي الله عنه - مشى على ~~أصله في الحمل على الغالب في الفتيا دون الإمامة وسبب نقض مالك لأصله أمور ~~أحدها أن أصل الغنيمة مستحق للغانمين لقوله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ومفهومه أن الأربعة الأخماس للغانمين كما ~~قال تعالى {وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] معناه والثلثان للأب ~~ولما كان ذكر الضد المقابل يدل على مقابله اكتفى بذكره عن ذكره في الآيتين ~~ولما كانت الأربعة الأخماس مستحقة للغانمين فلو جعلنا قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - «من قتل قتيلا فله سلبه» فتيا لكان ذلك أبلغ في منافاة الظاهر ~~المتقدم مما إذا جعلناه من باب التصرف بالإمامة وأنه لا يستحق حتى # PageV03P008 # يقول الإمام تلك المقالة فإن التوقف على شرط أبعد عن ~~التخصيص من الإخراج بغير شرط فكان تقليل التخصيص وإبعاده أولى وثانيها أنه ~~يؤدي إلى إفساد النيات وأن يقاتل الإنسان من عليه سلب طمعا في سلبه لا نصرة ~~لدين الله تعالى وربما أوقع ذلك خللا عظيما في الجيش فكان ذلك سببا للهزيمة ~~واستئصال المسلمين بأن يكون الشجعان قليلين في التزين واللباس والعجزة ~~والجبناء هم المتحصنون بأنواع الأسلحة فيشتغل الناس بهم عن الشجعان رغبة في ~~لباسهم فيستولي شجعان الأعداء على أبطال المسلمين وجيشهم فيهلكون ثم إنه ~~يؤدي إلى ضياع ثواب الآخرة وهو أعظم المفاسد بل العقاب الأليم بسبب المقاصد ~~الردية. # وهذا بعيد عن قواعد الدين فلا يستكثر منه فإذا جعل ذلك موقوفا على قول ~~الإمام اندفعت هذه المفاسد بسبب أنه إنما يتصرف بحسب المصلحة فإذا كان ~~القوم الذين في الجيش بعيدين عن ذلك القول وإلا لم يقل فتدفع المفاسد وإنما ~~يأتي إذا جعلناه فتيا عامة في جميع الأحوال كما قاله الشافعي - رضي الله ~~عنه - وثالثها أن ظاهر القرآن متواتر مقطوع به والحديث خبر واحد وليس أخص ~~من الآية حتى يخصصها لتناول لفظ الآية وهو قوله تعالى ما غنمتم الغنيمة ms416 في ~~الجهاد وغيره وهو مقتضى اللفظ لغة الغنيمة صادقة لغة عن الغارات المحرمة ~~ونحوها وقوله - عليه الصلاة والسلام - «من قتل قتيلا فله سلبه» يتناول لغة ~~الغنيمة وغيرها حتى لو قتله غيلة في بيته تناوله اللفظ غير أن الإجماع ~~منعقد على تخصيصه بالجهاد المأمور به فحينئذ كل واحد منهما أعم من الآخر ~~وأخص من وجه والتخصيص والعموم إنما يكون بحسب ما يقتضيه اللفظ لغة والعام ~~والخاص من وجه لا يخص أحدهما الآخر لحصول التعارض فيصار للترجيح ولفظ ~~القرآن متواتر فيكون أرجح فيقدم على الخبر بحسب الإمكان وقد أجمعنا على أن ~~الإمام إذا قال ذلك يستحق فيبقى فيما عداه على مقتضى الأصل ورابعها أن أبا ~~بكر الصديق وعمر - رضي الله عنهما - تركا ذلك في خلافتهما ولو كان ذلك فتيا ~~لما تركاها بل علما أن ذلك تصرف بطريق الإمامة بحسب المصلحة. # ولم يريا أن المصلحة حينئذ تقتضي ذلك فلم يقولا به فهذه وجوه ظاهرة فيما ~~قاله مالك - رحمه الله تعالى - وأنها موجبة لأن يخالف أصله لها # (الفرق السابع عشر والمائة بين قاعدة أخذ الجزية على التمادي على الكفر ~~فيجوز وبين قاعدة أخذ الأعواض على التمادي على الزنا وغيره من المفاسد فإنه ~~لا يجوز إجماعا) # وقد أورده بعض الطاعنين في الدين سؤالا في الجزية فقال شأن الشرائع دفع ~~أعظم # PageV03P009 # المفسدتين بإيقاع أدناهما وتفويت المصلحة الدنيا بدفع ~~المفسدة العليا ومفسدة الكفر تربى على مصلحة المأخوذ من الجزية من أموال ~~الكفار بل على جملة الدنيا وما فيها فضلا عن هذا النزر اليسير فلم وردت ~~الشريعة المحمدية بذلك ولم لا حتم القتل درءا لمفسدة الكفر؟ وجواب هذا ~~السؤال هو سر الفرق بين القاعدتين وذلك أن قاعدة الجزية من باب التزام ~~المفسدة الدنيا لدفع المفسدة العليا وتوقع # المصلحة # العليا وذلك هو شأن القواعد الشرعية بيانه أن الكافر إذا قتل انسد عليه ~~باب الإيمان وباب مقام سعادة الجنان وتحتم عليه الكفر والخلود في النيران ~~وغضب الديان فشرع الله تعالى الجزية رجاء أن يسلم في مستقبل الأزمان لا ~~سيما مع ms417 اطلاعه على محاسن الإسلام والإلجاء إليه بالذل والصغار في أخذ ~~الجزية. # فإذا أسلم لزم من إسلامه إسلام ذريته فاتصلت سلسلة الإسلام من قبله بدلا ~~عن ذلك الكفر وإن مات على كفره ولم يسلم فنحن نتوقع إسلام ذريته المخلفين ~~من بعده وكذلك يحصل التوقع من ذرية ذريته إلى يوم القيامة وساعة من إيمان ~~تعدل دهرا من كفر وكذلك خلق الله تعالى آدم على وفق الحكمة وأكثر ذريته ~~كفار وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - خلقه من جملة البركات الموجبة ~~لتعظيم يوم الجمعة فقال في تعظيم يوم الجمعة لما ساق تعظيمه والثناء عليه ~~في الحديث الصحيح «أفضل يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه ~~تاب عليه وفيه تقوم الساعة» فجعل خلق آدم - عليه السلام - من جملة فضائله ~~لأن خلقه سبب وجود الأنبياء - عليهم السلام - والصالحين وأهل الطاعة ~~والمؤمنين. # وإن كان مع كل رجل مسلم المئون من الكفار فلا عبرة بهم لأجل ذلك المسلم ~~الواحد ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«أن الله تعالى يقول لآدم - عليه السلام - ابعث بعث النار فيخرج من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعون فيبقى من كل ألف واحد والبقية كفار» فجاز أهل النار ~~والمعاصي والفجور ومع ذلك كان ذلك الواحد تربى مصلحة إسلامه على مفسدة ~~أولئك وأنهم كالعدم الصرف بالنسبة إلى نور الإيمان وعبادة الرحمن فتأمل ذلك ~~فكذلك هاهنا إيمان يتوقع من الأصل أو من آحاد الذراري لا يعادله شيء من ذلك ~~الكفر الواقع من غيره فعقد الجزية من آثار رحمة الله تعالى ومن الشرائع ~~الواقعة على وفق الحكمة. # ولم تؤخذ الجزية من الكفار لتحصيل مصلحة تلك الدراهم المأخوذة منه بل ~~لتوقع هذه المصلحة أو المصالح العظيمة بالتزام تلك المفسدة الحقيرة بخلاف ~~أخذ المال على مداومة الزنا أو غيره من المفاسد فإن ذلك ترجيح للمصلحة ~~الحقيرة التي هي الدراهم على المفسدة العظيمة # PageV03P010 # التي هي معصية الله تعالى نعم لو عجزنا عن إزالة منكر ~~من هذه المنكرات إلا بدفع دراهم ms418 دفعناها لمن يأكلها حراما حتى يترك ذلك ~~المنكر العظيم كما يدفع المال في فداء الأسارى، والكفار مخاطبون بفروع ~~الشريعة يحرم عليهم أكل ذلك المال ليتوصل بذلك المحرم لتخليص الأسير من ~~أيدي العدو ولذلك يعطى المحارب المال اليسير كالثوب ونحوه ليسلم صاحبه من ~~المقاتلة معه فيموت أحدهما أو كلاهما أو يكون المأخوذ من المال على وجه ~~التحريم والمعصية أكثر. # وأما دفع المال لغرض المداومة على المعصية ليس إلا فهذا لم يقع في ~~الشريعة بل الشريعة تحرمه ولا تبيحه فهذه القاعدة مفسدة صرفة فلم تشرع ~~وقاعدة الجزية مشتملة على التزام المفسدة القليلة لدفع المفسدة العظيمة ~~وتوقع المصلحة العظيمة فشرعت فهذا هو الفرق بين القاعدتين # (الفرق الثامن عشر والمائة بين قاعدة ما يوجب نقض الجزية وبين قاعدة ما ~~لا يوجب نقضها) # اعلم أن عقد الجزية موجب لعصمة الدماء وصيانة الأموال والأعراض إلى غير ~~ذلك مما يترتب عليه وحقيقة عقد الجزية هو التزامنا لهم ذلك بشروط نشترطها ~~عليهم مضت سنة الخلفاء الراشدين بها وهي أيضا مستفادة من قوله تعالى {حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] قال ابن حزم في مراتب الإجماع ~~الشروط المشترطة عليهم أن يعطوا أربعة مثاقيل ذهبا في انقضاء كل عام قمري ~~صرف كل دينار اثنا عشر درهما وأن لا يحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا ديرا ولا ~~صومعة ولا يجددوا ما خرب منها ولا يمنعوا المسلمين من النزول في كنائسهم ~~وبيعهم ليلا ونهارا ويوسعوا أبوابها للنازلين ويضيفوا من مر بهم من ~~المسلمين ثلاثة وأن لا يأووا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يعلموا ~~أولادهم القرآن ولا يمنعوا أحدا منهم الدخول في الإسلام ويوقروا المسلمين ~~ويقوموا لهم من المجالس ولا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم ولا فرق شعرهم ~~ولا يتكلمون بكلامهم ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا على السروج ولا يتقلدوا ~~شيئا من السلاح ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه ولا ينقشوا خواتيمهم ~~بالعربية ولا يبيعوا الخمر من مسلم ويجزوا مقادم رءوسهم ويشدوا الزنانير ~~ولا يظهروا الصليب ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ms419 ولا يطرحوا في طريق ~~المسلمين نجاسة ويخفوا النواقيس وأصواتهم ولا يظهروا شيئا من شعائرهم ولا ~~يتخذوا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين ويرشدوا المسلمين ولا يطلعوا ~~عليهم عدوا ولا يضربوا # PageV03P011 # مسلما ولا يسبوه ولا يستخدموه ولا يسمعوا مسلما شيئا ~~من كفرهم ولا يسبوا أحدا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا يظهروا ~~خمرا ولا نكاح ذات محرم وأن يسكنوا المسلمين بينهم فمتى أخلوا بواحدة من ~~هذه الشروط اختلف في نقض عهدهم وقتلهم وسبيهم وأخذ أموالهم. # واعلم أن الجادة من مذاهب العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل - ~~رضي الله عنهم - لا يروا النقض بالإخلال بأحد هذه الشروط كيف كان بل بعضها ~~يوجب النقض وبعضها لا يوجب وقد سبق إلى خاطر الفقيه أن المشروط شأنه ~~الانتفاء عند انتفاء أحد الشروط ولو كان ألف شرط إذا عدم واحد منها لا يفيد ~~حضور ما عداه كما يجده في شرائط الصلاة والزكاة وغيرهما إن عدم شرط واحد ~~عدم جميع الشروط فلذلك يخطر لضعفه الفقهاء أن شروط الجزية ينبغي أن تكون ~~كذلك وليس الأمر كذلك بل مذهب الجمهور هو الصواب وأن قاعدة ما يوجب النقض ~~مخالفة لقاعدة ما لا يوجبه فإن عقد الذمة عاصم للدماء كالإسلام. # وقد ألزم الله تعالى المسلم جميع التكاليف في عقد إسلامه كما ألزم الذمي ~~جملة هذه الشروط في عقد أمانة فكما انقسم رفض التكاليف في الإسلام إلى ما ~~ينافي الإسلام ويبيح الدماء والأموال كرمي المصحف في القاذورات وانتهاك ~~حرمة النبوات وإلى ما ليس منافيا للإسلام وهو ضربان كبائر توجب التغليظ ~~بالعقوبة ورد الشهادات وسلب أهلية الولاية وصغائر توجب التأديب دون ~~التغليظ. # فكذلك عقد الجزية تنقسم شروطه إلى ما ينافيه كالقتل والخروج عن أحكام ~~السلطان فإن ذلك مناف للأمان والتأمين وهما مقصود العقد وإلى ما ليس بمناف ~~للأمان والتأمين وهو عظيم المفسدة فهو كالكبيرة بالنسبة إلى الإسلام ~~كالحرابة والسرقة وإلى ما هو كالصغيرة بالنسبة إلى الإسلام كسب المسلم ~~وإظهار الترفع عليه فكما أن هذين القسمين لا ينافيان الإسلام ولا يبطلان ms420 ~~عصمة الدماء والأموال فكذلك لا يبطلان عقد الجزية لعدم منافاتهما له من جهة ~~الأمن والأمان المقصودين من عقد الجزية والقاعدة الشرعية المشهورة في أبواب ~~العقود الشرعية أنها لا تبطل عقدا من العقود إلا بما ينافي مقصود ذلك العقد ~~دون ما لا ينافي مقصوده وإن كان منهيا عن مقارنته معه فكذلك هنا ينبغي أن ~~لا يبطل عقد الجزية إلا بما تقدم ونحوه وانقسمت هذه الشروط على هذه الطريقة ~~التي هي طريقة الجمهور إلى ثلاثة أقسام منها ما اتفقوا على أنه موجب ~~لمنافاة عقد الذمة كالخروج على السلطان ونبذ العهد والقتل والقتال بمفردهم ~~أو مع الأعداء ونحو ذلك ومنها ما اتفقوا على أنه لا ينافيه كترك الزناد ~~وركوب الخيل # PageV03P012 # وترك ضيافة المسلمين ونقش خواتمهم بالعربية ونحو ذلك ~~مما تخف مفسدته والقسم الثالث اختلف فيه هل يلحق بالقسم الأول فينتقض عقد ~~الجزية أو بالقسم الثاني فلا ينتقض وها أنا أسرد لك مسائل توضح لك هذه ~~الأقسام قال الأصحاب إذا أظهروا معتقدهم في المسيح - عليه السلام - أو غيره ~~أدبناهم ولا ينقض به العهد وإنما ينقض بالقتال ومنع الجزية والتمرد على ~~الأحكام وإكراه المسلمة على الزنا فإن أسلم لم يقتل لأن قتله لنقض العهد ~~وكذلك التطلع على عورات المسلمين وأما قطع الطريق والقتل الموجب للقصاص ~~فحكمهم فيه حكم المسلمين وتعرضهم له - صلى الله عليه وسلم - ولغيره من ~~الأنبياء - صلوات الله عليهم - موجب للقتل إلا أن يسلموا وروي يوجع أدبا ~~ويشدد به. # فإن رجع عن ذلك قبل منه قال اللخمي إن زنى بالمسلمة طوعا لم ينتقض عهده ~~عند مالك - رضي الله عنه - وانتقض عند ربيعة وابن وهب. # وإن غرها بأنه مسلم فتزوجها فهو نقض عند ابن نافع وإن علمت به لم يكن ~~نقضا وإن طاوعته الأمة لم يكن نقضا وإن اغتصبها قال محمد ليس بنقض وقيل ~~نقض. # قال فإن عوهد على أنه متى أتى بشيء من ذلك فهو نقض انتقض عهده بذلك قلت ~~وهذه الفروع بعضها أقرب من بعض للقاعدة في النقض فإكراه المرأة المسلمة على ms421 ~~الزنا وجعله ناقضا دون الحرابة مشكل بل ينبغي أن يلحق بالحرابة فلا ينتقض ~~أو تلحق الحرابة به فينتقض بطريق الأولى لعموم مفسدة الحرابة في النفوس ~~والأبضاع والأموال وعدم اختصاص ذلك بواحد من الناس قال في الكتاب فإن خرجوا ~~نقضا للعهد والإمام عادل فهم فيء كما فعل عمرو بن العاص بالإسكندرية لما ~~عصت عليه بعد الفتح قال التونسي من أصحابنا لم يجعل مالك - رحمه الله - ~~القتل في الحرابة نقضا وهو يقول غصب المسلمة على الوطء نقض قال وهو مشكل ~~إلا أن يكون العهد اقتضاه قال ابن القاسم إن كان خروجهم وامتناعهم من ~~الجزية لظلم من الإمام أو غيره ردوا إلى ذمتهم. # وقال محمد بن مسلمة حرابة الذمي نقض للعهد ولا يؤخذ ولده لبقاء العهد في ~~حقه بخلاف ماله إلا أن يكون من الحرابة وقال الداودي إن كان خروجهم من ظلم ~~فهو نقض لأنهم لم يعاهدوا على أن يظلموا من ظلمهم وروي عن عمر - رضي الله ~~عنه - أنه أخبر أن ذميا نخس بغلا عليه مسلمة فوقعت فانكشفت عورتها فأمر ~~بصلبه في ذلك الموضع وقال إنما عاهدناهم على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون ~~وروي عن عمر - رضي الله عنه - نقض العهد بغصب المسلمة قال ابن القاسم إذا ~~حارب أهل الذمة وظفر بهم والإمام عدل قتلوا وتسبى نساؤهم ولا تعرض لمن يظن ~~أنه مغلوب معهم # PageV03P013 # كالشيخ الكبير والضعيف ولو ذهبوا لبلد الحرب وتركوا ~~أولادهم نقضا للعهد لم يسبوا بخلاف إذا ذهبوا بهم وإلا أن يكون ذلك لظلم ~~أصابهم إلا أن يعينوا علينا المشركين فهم كالمحاربين وقال أيضا إذا حاربوا ~~والإمام عدل استحل سبيهم وذراريهم إلا من يظن به أنه مغلوب كالضعفاء. # ولم يستثن أصبغ - رحمه الله - أحدا وألحق الضعفاء بالأقوياء في النقض كما ~~أندرجوا معهم في العقد ولأنه - صلى الله عليه وسلم - «سبى ذراري قريظة ~~ونساءهم بعد نقض العهد» قال ابن القاسم إذا استولى العدو على مدينة ~~المسلمين فيها ذمة فغزوا معهم ثم اعتذروا لنا بالقهر الذي لا يعلم إلا ~~بقولهم فمن قتل ms422 منهم مسلما قتل وإلا أطيل سجنه قال المازري - رحمه الله - ~~وينتقض عهدهم إذا صاروا عينا للحربيين علينا فهذه المسائل توضح لك الأقسام ~~الثلاثة في نقض العهد وما اختلف في كونه ناقضا وما لم يختلف فيه وما هو ~~قريب من النقض وما هو بعيد وتحرر لك بذلك الفرق بين قاعدة ما يوجب النقض ~~وقاعدة ما لا يوجب النقض فتعتبر ما يقع لك من غير المنصوص بالمنصوص # . (الفرق التاسع عشر والمائة بين قاعدة بر أهل الذمة وبين قاعدة التودد ~~لهم) # اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة بقوله تعالى {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما ~~جاءكم من الحق} [الممتحنة: 1] الآية فمنع الموالاة والتودد وقال في الآية ~~الأخرى {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم أن تبروهم} [الممتحنة: 8] الآية وقال في حق الفريق الآخر {إنما ~~ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} [الممتحنة: 9] الآية. # وقال - صلى الله عليه وسلم - «استوصوا بأهل الذمة خيرا» وقال في حديث آخر ~~«استوصوا بالقبط خيرا» فلا بد من الجمع بين هذه النصوص وإن الإحسان لأهل ~~الذمة مطلوب وأن التودد والموالاة منهي عنهما والبابان ملتبسان فيحتاجان ~~إلى الفرق وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم لأنهم في جوارنا ~~وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ودين ~~الإسلام فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من ~~أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - وذمة دين الإسلام. # وكذلك حكى ابن حزم في مراتب الإجماع له أن من كان في الذمة وجاء أهل ~~الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت ~~دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة وحكى في ذلك إجماع الأمة فقد ms423 يؤدي إلى ~~إتلاف النفوس والأموال # PageV03P014 # صونا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم وإذا كان عقد الذمة ~~بهذه المثابة وتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات ~~القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع وصار من قبل ما ~~نهي عنه في الآية وغيرها ويتضح ذلك بالمثل فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم ~~علينا والقيام لهم حينئذ ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن ~~المنادى بها هذا كله حرام وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق وأخلينا لهم ~~واسعها ورحبها والسهل منها وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت ~~العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس والولد مع الوالد والحقير مع الشريف ~~فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفر وتحقير شعائر الله تعالى ~~وشعائر دينه واحتقار أهله. # ومن ذلك تمكينهم من الولايات والتصرف في الأمور الموجبة لقهر من هي عليه ~~أو ظهور العلو وسلطان المطالبة فذلك كله ممنوع وإن كان في غاية الرفق ~~والأناة أيضا لأن الرفق والأناة في هذا الباب نوع من الرئاسة والسيادة وعلو ~~المنزلة في المكارم فهي درجة رفيعة أوصلناهم إليها وعظمناهم بسببها ورفعنا ~~قدرهم بإيثارها وذلك كله منهي عنه. # وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادما ولا أجيرا يؤمر عليه وينهى ولا يكون ~~أحد منهم وكيلا في المحاكمات على المسلمين عند ولاة الأمور فإن ذلك أيضا ~~إثبات لسلطانهم على ذلك المسلم. # وأما ما أمر به من برهم ومن غير مودة باطنية فالرفق بضعيفهم وسد خلة ~~فقيرهم وإطعام جائعهم وإكساء عاريهم ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم ~~والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على ~~إزالته لطفا منا بهم لا خوفا وتعظيما والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من ~~أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم وحفظ غيبتهم إذا ~~تعرض أحد لأذيتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم وأن ~~يعانوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم لجميع حقوقهم وكل خير يحسن من الأعلى ~~مع الأسفل أن ms424 يفعله ومن العدو أن يفعله مع عدوه فإن ذلك من مكارم الأخلاق ~~فجميع ما نفعله معهم من ذلك ينبغي أن يكون من هذا القبيل لا على وجه العزة ~~والجلالة منا ولا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم ~~وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على ~~دمائنا وأموالنا وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا عز وجل ثم نعاملهم بعد ~~ذلك بما تقدم ذكره امتثالا لأمر ربنا عز وجل وأمر نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم - لا محبة فيهم ولا تعظيما لهم ولا نظهر آثار تلك الأمور التي # PageV03P015 # نستحضرها في قلوبنا من صفاتهم الذميمة لأن عقد العهد ~~يمنعنا من ذلك فنستحضرها حتى يمنعنا من الود الباطن لهم والمحرم علينا خاصة ~~ولما أتى الشيخ أبو الوليد الطرطوشي - رحمه الله - الخليفة بمصر وجد عنده ~~وزيرا راهبا وسلم إليه قياده وأخذ يسمع رأيه وينفذ كلماته المسمومة في ~~المسلمين. # وكان هو ممن يسمع قوله فيه فلما دخل عليه في صورة المغضب والوزير الراهب ~~بإزائه جالس أنشده: # يا أيها الملك الذي جوده ... يطلبه القاصد والراغب # إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب # فاشتد غضب الخليفة عند سماع الأبيات وأمر بالراهب فسحب وضرب وقتل وأقبل ~~على الشيخ أبي الوليد فأكرمه وعظمه بعد عزمه على إيذائه فلما استحضر ~~الخليفة تكذيب الراهب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سبب شرفه وشرف ~~آبائه وأهل السموات والأرضين بعثه ذلك على البعد عن السكون إليه والمودة له ~~وأبعده عن منازل العز إلى ما يليق به من الذل والصغار ويروى عن عمر - رضي ~~الله عنه - أنه كان يقول في أهل الذمة أهينوهم ولا تظلموهم وكتب إليه أبو ~~موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن رجلا نصرانيا بالبصرة لا يحسن ضبط خراجها ~~إلا هو وقصد ولايته على جباية الخراج لضرورة تعذر غيره فكتب إليه عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - ينهاه عن ذلك وقال ms425 له في الكتاب مات النصراني ~~والسلام أي افرضه مات ماذا كنت تصنع حينئذ فاصنعه الآن وبالجملة فبرهم ~~والإحسان إليهم مأمور به وودهم وتوليهم منهي عنه فهما قاعدتان إحداهما ~~محرمة والأخرى مأمور بها وقد أوضحت لك الفرق بينهما بالبيان والمثل فتأمل ~~ذلك. # (الفرق العشرون والمائة بين قاعدة تخيير المكلفين في الكفارة وبين قاعدة ~~تخيير الأئمة في الأسارى والتعزير وحد المحارب ونحو ذلك) # اعلم أن إطلاق الفقهاء رحمهم الله تعالى شائع في كتبهم بأن الأسارى أمرهم ~~موكول إلى خيرة الإمام، وتولية القضاء موكول إلى خيرة الإمام، وليس ذلك ~~كقولهم تعيين خصلة في كفارة اليمين موكول إلى خيرة الحانث وليس كذلك بل هما ~~قاعدتان متباينتان فالتخيير في الكفارة في خصالها معناه أن له أن ينتقل عن ~~أي خصلة شاء إلى الخصلة الأخرى بشهوته وما يجده يميل إليه طبعه أو ما هو ~~أسهل عليه فإن الله تعالى ما خيره بينها إلا لطفا به وليفعل ذلك ولو شاء ~~لحتم عليه خصوص كل خصلة كما فعله في خصال الظهار المرتبة بل له الخيرة ~~بهواه # PageV03P016 # بين الخصوصيات لأنها متعلق الوجوب ولا تخيير فيه فلا ~~جرم ليس له العدول عنه بهواه وشهوته بل يتحتم عليه فعله. # وأما الخصوصيات فله ذلك فيها فهذا هو معنى التخيير بين خصال الكفارة في ~~حق الحانث وأما التخيير بين الخصال الخمس في حق الأسارى عند مالك - رحمه ~~الله - ومن وافقه وهي القتل والاسترقاق والمن والفداء والجزية فهذه الخصال ~~الخمس ليس له فعل أحدها بهواه ولا لأنها أخف عليه وإنما يجب عليه بذل الجهد ~~فيما هو أصلح للمسلمين فإذا فكر واستوعب فكره في وجوه المصالح ووجد بعد ذلك ~~مصلحة هي أرجح للمسلمين وجب عليه فعلها وتحتمت عليه ويأثم بتركها فهو لا ~~يوجد في حقه الإباحة والتخيير المقرر في خصال كفارة الحنث أبدا لا قبل ~~الاجتهاد ولا بعد الاجتهاد أما قبل الاجتهاد فالواجب عليه الاجتهاد وبذل ~~الجهد في وجوه المصالح ولا تخيير هاهنا في هذا المقام ولا إباحة بل الوجوب ~~الصرف. # وأما بعد الاجتهاد فيجب ms426 عليه العمل بالراجح من المصالح ولا خيرة له فيه ~~ومتى تركه أثم فالوجوب قبل والوجوب بعد والوجوب حالة الفكرة فلا تخيير ~~ألبتة وإنما هو وجوب صرف في جميع الأحوال وتسمية الفقهاء - رحمهم الله - ~~ذلك خيرة إنما يريدون به أنه لا يتحتم عليه قبل الفكر فعل خصلة من هذه ~~الخصال الخمس بل يجتهد حتى يتحصل له الأصلح فيفعله حينئذ بخلاف رد الغصوب ~~وإقامة الحدود فإنها تتحتم عليه ابتداء من غير أن يجعل له في ذلك اجتهاد ~~ولا خيرة له بهذا التفسير فهذا هو وجه تسمية الفقهاء ذلك خيرة وإن هذه ~~الخصال موكولة إلى اجتهاد الإمام وخيرته ووجه ما يعتمده في الأسارى أن من ~~كان منهم شديد الدهاء كثير التأليب على المسلمين برأيه ودهائه فالواجب على ~~الإمام فيه القتل إذا ظهر له ذلك منه في اجتهاده بالسؤال عن أخباره وأحواله ~~وما يتصل به من سيرته وإن كان الأسير قد ظهر له منه أنه ليس من هذا القبيل ~~بل هو مأمون الغائلة وتتألف بإطلاقه طائفة كثيرة على الإسلام أو إطلاق خلق ~~كثير من أسارى المسلمين إذا من عليه قوبل على ذلك بمثله ونحو ذلك من ~~المصالح التي تعرض في النظر والفكر المستقيم بعد بذل الجهد فإنه يمن عليه ~~حينئذ من غير شيء وإن كان لا يرتجى منه ذلك والإمام محتاج للمال لمصالح ~~الغزو وغيره فإنه يفديه بالمال. # وإن رأى المسلمين محتاجين إلى من يخدمهم واسترقهم إن انتفت هذه الوجوه ~~كلها ولم يجد في اجتهاده شيئا من ذلك مصلحة ورأى أن ضرب الجزية مصلحة لما ~~يتوقع من إسلامهم وأنهم قريبون من الإسلام إذا اطلعوا على محاسن الإسلام ~~بمخالطة أهله ورؤيتهم لشعائره # PageV03P017 # فحينئذ يجب عليه ضرب الجزية عليهم ولا يجوز له العدول ~~عنها إلى غيرها فهو في جميع الوجوه إنما يفعل ما يجب عليه من غير إباحة ولا ~~خيرة في ذلك بهذا التفسير وكذلك تخييره في حد الحرابة معناه أنه يجب عليه ~~بذل الجهد فيما هو الأصلح للمسلمين فإذا تعين له الأصلح وجب عليه ولا ms427 يجوز ~~له العدول عنه إلى غيره فإن كان المحارب صاحب رأي وجب عليه قتله. # وإن ظهر له في اجتهاده أنه لا رأي له بل له قوة وبطش قطعه من خلاف فتزول ~~مفسدته عن المسلمين بذلك. # وإن كان يعرف من حاله العفاف وإنما وقع ذلك منه على وجه الفلتة والموافقة ~~لغيره مع توقع الندم منه على ذلك فهذا يجب نفيه ولا يجوز له قتله ولا قطعه ~~بل يفعل ما هو الأصلح للمسلمين فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب والوجوب ~~دائما عليه في جميع أحواله قبل الاجتهاد يجب عليه الاجتهاد وحالة الاجتهاد ~~هو ساع في أداء الواجب ففعله حينئذ واجب وبعد الاجتهاد يجب عليه فعل ما أدى ~~إليه اجتهاده فلا ينفك عن الوجوب أبدا وذلك هو ضد التخيير والإباحة وإنما ~~خيرته مفسرة بما تقدم من أنه لم يتحتم عليه ذلك ابتداء وله النظر وفعل ما ~~ظهر رجحانه بعد الاجتهاد بخلاف الحدود وغيرها مما عينه الله تعالى ولم يجعل ~~لأحد فيه اجتهادا كالصلاة وصوم رمضان وأخذ الزكاة وتعيين مصرفها في الوجوه ~~الثمانية ورجم الزاني وقطع السارق وأن لا يحد في الزنا إلا بأربعة وفي ~~الأموال والدماء بشاهدين وغير ذلك من المتحتمات فهذا معنى التخيير في هذه ~~الأمور وكذلك قولهم إن تفرقة أموال بيت المال موكولة إلى خيرته معناه أنه ~~يجب عليه أن ينظر في مصالح الصرف يجب عليه تقديم أهمها فأهمها ويحرم عليه ~~العدول عن ذلك ولا خيرة له في ذلك وليس له أن يتصرف في أموال بيت المال ~~بهواه وشهوته بل بحسب المصلحة الراجحة والخالصة بخلاف تخيير المكلف بين ~~خصال الكفارة كما تقدم وتخييره في إخراج شاة من أربعين أو دينار من أربعين ~~فله أن يعين شاة بشهوته وكذلك دينار من الأربعين بهواه وله أن يعين مقدارا ~~من مياه الدنيا للوضوء ولم يتحتم عليه ماء دون ماء وكذلك خيرته في ثياب ~~السترة للصلاة فإذا اجتمعت ثياب فله تعيين واحد منها لسترته بهواه وشهوته. # وكذلك خير الله تعالى في بقعة من بقاع ms428 الدنيا يصلي فيها الصلوات الخمس ~~فله أن يعين بقعة منها إذا استوت بهواه وشهوته وكذلك خير الله تعالى في صوم ~~رمضان في أي بقعة شاء من ولده فله أن يصوم في أي دار شاء من ذلك البلد ~~بهواه وهذا جميعه تخيير صرف حقيقة لا مجازا بخلاف تخيير الأئمة في جميع ما ~~تقدم وأكثر تصرفات الأئمة كما تقدم تحريره في الأسارى وغيرهم # PageV03P018 # غير أمور قليلة جدا أطلق فيها التخيير ومرادهم ~~التخيير على بابه كما هو في حق المكلف ومن ذلك قول الفقهاء رحمهم الله ~~تعالى إنه مخير في أربع حقائق وخمس بنات لبون يأخذ أيها شاء من صاحب ~~الماشية إذا وجد إبله مائتين فإن في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون ~~وقد وجد الأمران فإن المائتين أربع خمسينات وخمس أربعينات فيخير هاهنا إذا ~~استوى الأمران فإن كان أحدهما أرجح للفقراء فمقتضى القاعدة أنه يجب عليه ما ~~هو الأرجح لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من ولي من أمر أمتي شيئا فلم ~~يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام» فظاهر هذا الحديث يقتضي وجوب الأرجح ~~للفقراء وكذلك بيع مال اليتيم من أحد مشتريين مستويين أو تزويج اليتيمة من ~~كفوين مستويين أو تولية القضاء لأحد رجلين مستويين ونحو هذا فإن الأئمة في ~~هذه الصور مساوون لغيرهم من المكلفين في الخيرة المختصة ولا وجوب هاهنا ~~ألبتة بل لهم الترجيح بمجرد إرادتهم من غير ضميمة إليها كالمكلف في إخراج ~~شاة من أربعين سواء بسواء وإطلاق الخيرة في هذه الصور حقيقة وفي تلك الصور ~~فهي وجوب محض بل بمعنى عدم التحتم ابتداء وكون الاجتهاد له مدخل في ذلك ~~القسم المحتم بخلاف غيره من التخييرات فظهر الفرق بين قاعدة تخيير الأئمة ~~وقاعدة تخيير آحاد المكلفين وأن الثاني خيرة حقيقة والأول أكثره مجاز ووجوب ~~صرف كما تقدم مفصلا ممثلا. # (فائدة) يطلق التخيير في الشريعة على ثلاثة أقسام مختلفة فيطلق التخير ~~بين الشيئين وكل واحد منهما واجب بخصوصه وعمومه كما تقدم في تخيير الأئمة ~~في الأسارى وغيرهم فإن ms429 كل شيء فعلوه من ذلك يقع واجبا بخصوصه وهو كونه قتلا ~~أو فداء مثلا وبعمومه من جهة أنه أحد الخصال الخمسة ويكون التخيير بين ~~الشيئين وكل واحد منهما غير واجب بخصوصه ولا بعمومه كالتخيير بين المباحات ~~من المطاعم والملابس ونحوهما فالتخيير بين التمر والزبيب مثلا فالتمر ليس ~~بواجب لا بخصوصه من جهة أنه تمر ولا بعمومه من جهة أنه أحد المتناولات ~~ويكون التخيير بين الشيئين وكلاهما واجب من جهة عمومه دون خصوصه كالتخيير ~~في كفارة الحنث فإن العتق مثلا واجب من جهة أنه أحد الخصال وغير واجب من ~~جهة أنه عتق وكذلك القول في الخصلتين الأخريين من الكسوة والإطعام فقد ظهر ~~لك أن المخير بينهما قد يتصفان بالوجوب من جهة خصوصهما وعمومهما وقد لا ~~يتصفان به لا من جهة خصوصهما ولا عمومهما وقد يتصفان به من جهة عمومها دون ~~خصوصهما وأما الاتصاف بالوجوب من جهة الخصوص دون العموم فمحال شرعا وعقلا ~~بناء على أن الخصوص يتوقف على # PageV03P019 # العموم وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بخلاف ~~العكس فإن العموم لا يتوقف على الخصوص وهو الفرق بينهما فتأمل هذه المباحث ~~والفروق فإنها كلها واقعة في الشريعة وقوعا كثيرا والله أعلم. # (الفرق الحادي والعشرون والمائة بين قاعدة من ملك أن يملك هل يعد مالكا ~~أم لا وبين قاعدة من انعقد له سبب المطالبة بالملك هل يعد مالكا أم لا) # اعلم أن جماعة من مشايخ المذهب - رضي الله عنهم - أطلقوا عبارتهم بقولهم ~~من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا؟ قولان ويخرجون على ذلك فروعا كثيرة في ~~المذهب منها إذا وهب له الماء في التيمم هل يبطل تيممه بناء على أنه يعد ~~مالكا أم لا يبطل بناء على أنه لا يعد مالكا ومن عنده ثمن رقبة هل يجوز له ~~الانتقال للصوم في كفارة الظهار أم لا؟ قولان مبنيان على أن من ملك أن يملك ~~هل يعد مالكا أم لا ومن قدر على المداواة في السلس أو التزويج هل يجب عليه ms430 ~~الوضوء أم لا؟ قولان بناء على أن من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا وكثير ~~من هذه الفروع زعموا أنها مخرجة على هذه القاعدة وليس الأمر كذلك بل هذه ~~القاعدة باطلة وتلك الفروع لها مدارك غير ما ذكروه. # وبيان بطلانها أن الإنسان يملك أن يملك أربعين شاة فهل يتخيل أحد أنه يعد ~~مالكا الآن قبل شرائها حتى تجب الزكاة عليه على أحد القولين. # وإذا كان الآن قادرا على أن يتزوج فهل يجري في وجوب الصداق والنفقة عليه؟ ~~قولان قبل أن يخطب المرأة لأنه ملك أن يملك عصمتها والإنسان مالك أن يملك ~~خادما أو دابة فهل يقول أحد إنه يعد الآن مالكا لهما فيجب عليه كلفتهما ~~ومئونتهما على قول من الأقوال الشاذة أو الجادة بل هذا لا يتخيله من عنده ~~أدنى مسكة من العقل والفقه وكذلك الإنسان يملك أن يشتري أقاربه فهل يعده ~~أحد من الفقهاء مالكا لقريبه فيعتقه عليه قبل شرائه على أحد القولين في هذه ~~القاعدة على زعم من اعتقدها بل هذا كله باطل بالضرورة ونظائر هذه الفروع ~~كثيرة لا تعد ولا تحصى ولا يمكن أن نجعل هذه # PageV03P020 # من قواعد الشريعة ألبتة بل القاعدة التي يمكن أن تجعل ~~قاعدة شرعية ويجري فيها الخلاف في بعض فروعها لا في كلها أن من جرى له سبب ~~يقتضي المطالبة بالتمليك هل يعطى حكم من ملك، وملك قد يختلف في هذا الأصل ~~في بعض الفروع ولذلك مسائل: المسألة الأولى إذا حيزت الغنيمة فقد انعقد ~~للمجاهدين سبب المطالبة بالقسمة والتمليك فهل يعدون مالكين لذلك أم لا؟ ~~قولان فقيل يملكون بالحوز والأخذ وهو مذهب الشافعي - رضي الله عنه - وقيل ~~لا يملكون إلا بالقسمة وهو مذهب مالك - رحمه الله -: المسألة الثانية ~~العامل في القراض وجد في حقه سبب يقتضي المطالبة بالقيمة وإعطاء نصيبه من ~~الربح فهل يعد مالكا بالظهور أو لا يملك إلا بالقسمة وهو المشهور قولان في ~~المذهب: المسألة الثالثة العامل في المساقاة وجد في حقه من العمل ما يقتضي ~~المطالبة بالقسمة وتمليك ms431 نصيبه من الثمن فهل لا يملك إلا بالقسمة أو يملك ~~بالظهور. # وهو المشهور على عكس القراض؟ قولان في المذهب: المسألة الرابعة الشريك في ~~الشفعة إذا باع شريكه تحقق له سبب يقتضي المطالبة بأن يملك الشقص المبيع ~~بالشفعة. # ولم أر خلافا في أنه غير مالك: المسألة الخامسة الفقير وغيره من المسلمين ~~له سبب يقتضي أن يملك من بيت المال ما يستحقه بصفة فقره أو غير ذلك من ~~الصفات الموجبة للاستحقاق كالجهاد والقضاء والفتيا والقسمة بين الناس ~~أملاكهم وغير ذلك مما شأن الإنسان أن يعطى لأجله فإذا سرق هل يعد كالمالك ~~فلا يجب عليه الحد لوجود سبب المطالبة بالتمليك أو يجب عليه القطع لأنه لا ~~يعد مالكا وهو المشهور؟ قولان فهذه القاعدة على ما فيها من القوة من جهة ~~قولنا جرى له سبب التمليك في تمشيتها عسر لأجل كثرة النقوض عليها أما هذا ~~المفهوم وهو قولنا من ملك أن يملك مطلقا من غير جريان سبب يقتضي مطالبته ~~بالتمليك ولا غير ذلك من القيود فهذا جعله قاعدة شرعية ظاهر البطلان لضعف ~~المناسبة جدا أو لعدمها ألبتة. # أما إذا قلنا انعقد له سبب يقتضي المطالبة بالتمليك فهو مناسب لأن يعد ~~مالكا من حيث الجملة تنزيلا لسبب السبب منزلة السبب وإقامة للسبب البعيد ~~مقام السبب القريب فهذا يمكن أن يتخيل وقوعه قاعدة في الشريعة أما مجرد ما ~~ذكروه فليس فيه إلا مجرد الإمكان والقبول للملك وذلك في غاية البعد عن ~~المناسبة فلا يمكن جعله قاعدة وتتخرج تلك الفروع بغير هذه القاعدة ففي ~~الثوب للسترة يلاحظ فيها قوة المالية فلا يلزمه أو أنه أعانه على دين الله ~~عز وجل ليس من باب تحصيل الأموال فيلزمه ويكافئ عنه إن شاء. # وكذلك القول في الماء يوهب له هل ينظر إلى يسارته فلا منة # PageV03P021 # أو يلاحظ المالية. # وهي ضرر والضرر منفي عن المكلف لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا ضرر ولا ~~ضرار» ولقوله عز وجل {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] وواجد ~~الثمن يخرج على تنزيل وسيلته ms432 منزلته أم لا وكذلك القادر على التداوي إلى ~~غير ذلك من النصوص والأقيسة والمناسبات التي اشتهرت في الشرع اعتبارها وهي ~~مشتملة على موجب الاعتبار أما ما لا يشتمل على موجب الاعتبار فلا يمكن جعله ~~قاعدة شرعية بل ينبغي أن يضاف إليه من القيود الموجبة للمناسبة كما تقدم ما ~~يوجب اشتماله على موجب الاعتبار ونقل النقوض عليه وتظهر مناسبته أما عدم ~~المناسبة وكثرة النقوض فاعتبار مثل هذا من غير ضرورة خلاف المعلوم من نمط ~~الشريعة فتأمل ذلك فإنه قد كثر بين المتأخرين خصوصا الشيخ أبا الطاهر بن ~~بشير فإنه اعتمد عليه في كتابه المعروف بالتنبيه كثيرا. # (الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة ~~التشريك في العبادات) # اعلم أن الرياء في العبادات شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته وهو موجب ~~للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة كما نص عليه الإمام المحاسبي وغيره ~~ويعضده ما في الحديث الصحيح أخرجه مسلم وغيره «أن الله تعالى يقول أنا أغنى ~~الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي» ~~فهذا ظاهر في عدم الاعتداد بذلك العمل عند الله تعالى وكذلك قوله تعالى ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] يدل على أن غير ~~المخلصين لله تعالى ليسوا مأمورين به وما هو غير مأمور به لا يجزى عن ~~المأمور به فلا يعتد بهذه العبادة وهو المطلوب وتحقيق هذه القاعدة وسرها ~~وضابطها أن يعمل العمل المأمور به والمتقرب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه ~~الله تعالى وأن يعظمه الناس أو يعظم في قلوبهم فيصل إليه نفعهم أو يندفع ~~عنه ضررهم فهذا هو قاعدة أحد قسمي الرياء والقسم الآخر أن يعمل العمل لا ~~يريد به وجه الله تعالى ألبتة بل الناس فقط ويسمى هذا القسم رياء الإخلاص ~~والقسم الأول رياء الشرك لأن هذا لا تشريك فيه بل خالص للخلق والأول للخلق ~~ولله تعالى وأغراض الرياء ثلاثة التعظيم وجلب المصالح الدنيوية ودفع المضار ~~الدنيوية والأخيران يتفرعان عن ms433 الأول فإنه إذا عظم انجلبت إليه المصالح ~~واندفعت عنه المفاسد فهو الغرض الكلي في الحقيقة فهذه قاعدة الرياء المبطلة ~~للأعمال المحرمة بالإجماع. # وأما مطلق التشريك كمن جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد وليحصل المال # PageV03P022 # من الغنيمة فهذا لا يضره ولا يحرم عليه بالإجماع لأن ~~الله تعالى جعل له هذا في هذه العبادة ففرق بين جهاده ليقول الناس إنه شجاع ~~أو ليعظمه الإمام فيكثر إعطاءه من بيت المال فهذا ونحوه رياء حرام وبين أن ~~يجاهد ليحصل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو فهذا لا يضره مع ~~أنه قد أشرك ولا يقال لهذا رياء بسبب أن الرياء ليعمل أن يراه غير الله ~~تعالى من خلقه والرؤية لا تصح إلا من الخلق فمن لا يرى ولا يبصر لا يقال في ~~العمل بالنسبة إليه رياء والمال المأخوذ في الغنيمة ونحوه لا يقال إنه يرى ~~أو يبصر فلا يصدق على هذه الأغراض لفظ الرياء لعدم الرؤية فيها وكذلك من حج ~~وشرك في حجه غرض المتجر بأن يكون جل مقصوده أو كله السفر للتجارة خاصة ~~ويكون الحج إما مقصودا مع ذلك أو غير مقصود ويقع تابعا اتفاقا فهذا أيضا لا ~~يقدح في صحة الحج ولا يوجب إثما ولا معصية وكذلك من صام ليصح جسده أو ليحصل ~~له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصيام ويكون التداوي هو مقصوده أو ~~بعض مقصوده والصوم مقصوده مع ذلك وأوقع الصوم مع هذه المقاصد لا تقدح هذه ~~المقاصد في صومه بل أمر بها صاحب الشرع في قوله - صلى الله عليه وسلم - «يا ~~معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه ~~له وجاء» أي قاطع فأمر بالصوم لهذا الغرض فلو كان ذلك قادحا لم يأمر به - ~~عليه الصلاة والسلام - في العبادات وما معها ومن ذلك أن يجدد وضوءه وينوي ~~التبرد أو التنظيف وجميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق بل هي تشريك ~~أمور من المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم فلا تقدح ms434 في ~~العبادات فظهر الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في ~~العبادات غرضا آخر غير الخلق مع أن الجميع تشريك نعم لا يمنع أن هذه ~~الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد ~~الأجر وعظم الثواب أما الإثم والبطلان فلا سبيل إليه ومن جهته حصل الفرق لا ~~من جهة كثرة الثواب وقلته. # (الفرق الثالث والعشرون والمائة بين قاعدة عقد الجزية وبين قاعدة غيرها ~~مما يوجب التأمين) # وهو إما المصلحة أو الأمان والجميع يوجب الأمان والتأمين غير أن عقد ~~الجزية يكون لضرورة ولغير ضرورة لأن الله تعالى إنما أوجب القتال عند عدم ~~موافقتهم على أداء الجزية بقوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فجعل ~~القتال مغيا إلى وقت موافقتهم على أداء الجزية ولا يعقده إلا الإمام ويدوم ~~للمعقود لهم ولذراريهم إلى قيام الساعة إلا أن # PageV03P023 # يحصل للعقد ناقض كما تقدم تفصيل النواقض وأنه ليس ~~رخصة على خلاف القواعد بل على وفق القواعد كما تقدم بيان ذلك وأما التأمين ~~فيصح من آحاد الناس بخلاف عقد الجزية يشترط أن يكون في عدد محصور كالواحد ~~ونحوه. # وأما الجيش الكثير فالعقد في تأمينه للأمير على وجه المصلحة ولا يجوز إلا ~~لضرورة تقتضي ذلك وكذلك عقد المصالحة لا يجوز إلا لضرورة ولا يعقده إلا ~~الإمام ويكون إلى مدة معينة بخلاف الجزية ويجوز بغير مال يعطونه بخلاف ~~الجزية لا بد فيها من المال وهو رخصة على خلاف قاعدة القتال وطلب الإسلام ~~منهم ولذلك لا يكون إلا عند العجز عن قتالهم أو إلجائهم إلى الإسلام أو ~~الجزية وشروط الجزية كثيرة معلومة متقررة في الشرع وشروط المصالحة بحسب ما ~~يحصل الإنفاق عليها ما لم يكن في الشروط فساد المسلمين وكذلك التأمين ليس ~~له شروط بل بحسب الواقع واللازم فيه مطلق الأمان والتأمين وعقد الجزية يوجب ~~على المسلمين حقوقا متأكدة من الصون لهم والذب عنهم كما تقدم بيانه ~~والمصالحة لا توجب مثل تلك الحقوق بل يكونون أجانب منا لا يتعين علينا برهم ~~ولا ms435 الإحسان إليهم لأنهم ليسوا في ذمتنا غير أنا لا نغدر بهم ولا نتعرض لهم ~~فقط ونقوم بما التزمنا لهم في العقد ومن الشروط واتفقنا عليها من غير أن ~~نواسي فقيرهم وننصر مظلومهم بل نتركهم ينفصلون بأنفسهم بخلاف عقد الجزية ~~يجب علينا فيه دفع التظالم بينهم وغير ذلك مما هو مقرر في الفقه مبسوطا ~~هنالك فهذا هو الفرق بين هذه القواعد. # (الفرق الرابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من ~~التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده به) # اعلم أن توحيد الله تعالى بالتعظيم ثلاثة أقسام واجب إجماعا وغير واجب ~~إجماعا ومختلف فيه هل يجب توحيد الله تعالى به أم لا القسم الأول الذي يجب ~~توحيد الله تعالى به من التعظيم بالإجماع فذلك كالصلوات على اختلاف أنواعها ~~والصوم على اختلاف رتبه في الفرض والنفل والنذر فلا يجوز أن يفعل شيء من ~~ذلك لغير الله تعالى وكذلك الحج ونحو ذلك وكذلك الخلق والرزق والأمانة ~~والإحياء والبعث والنشر والسعادة والشقاء والهداية والإضلال والطاعة ~~والمعصية والقبض والبسط فيجب على كل أحد أن يعتقد # PageV03P024 # توحيد الله تعالى وتوحده بهذه الأمور على سبيل ~~الحقيقة وإن أضيف شيء منها لغيره تعالى فإنما ذلك على سبيل الربط العادي لا ~~أن ذلك المشار إليه فعل شيئا حقيقة كقولنا قتله السم وأحرقته النار ورواه ~~الماء فليس شيء من ذلك يفعل شيئا مما ذكر حقيقة بل الله تعالى ربط هذه ~~المسببات بهذه الأسباب كما شاء وأراد ولو شاء لم يربطها وهو الخالق ~~لمسبباتها عند وجودها لا أن تلك الأسباب هذه الموجدة. # وكذلك إخبار الله تعالى عن عيسى - عليه الصلاة والسلام - أنه كان يحيي ~~الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص معناه أن الله تعالى كان يحيي الموتى ويبرئ ~~عند إرادة عيسى - عليه السلام - لذلك لا أن عيسى - عليه السلام - هو الفاعل ~~لذلك حقيقة بل الله تعالى هو الخالق لذلك ومعجزة عيسى - عليه السلام - في ~~ذلك ربط وقوع ذلك الإحياء وذلك الإبراء بإرادته فإن غيره يريد ذلك ولا يلزم ~~إرادته ذلك ms436 فاللزوم بإرادته هو معجزته - عليه السلام - وكذلك جميع ما يظهر ~~على أيدي الأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات الله تعالى هو خالقها ~~وكذلك يجب توحيده تعالى باستحقاق العبادة والإلهية وعموم تعلق صفاته تعالى ~~فيتعلق علمه بجميع المعلومات وإرادته بجميع الكائنات وبصره بجميع الموجودات ~~الباقيات والفانيات وسمعه بجميع الأصوات وخبره بجميع المخبرات فهذا ونحوه ~~توحيد واجب بالإجماع من أهل الحق لا مشاركة لأحد فيه. # القسم الثاني: وهو المتفق على عدم التوحيد فيه والتوحد، كتوحيده بالوجود ~~والعلم ونحوهما فمفهوم الوجود مشترك فيه سواء قلنا هو عين الموجود أو غيره ~~فإن قلنا الوجود زائد على الموجود # PageV03P025 # فهو مشترك فيه في الخارج وإن قلنا وجود كل شيء نفس ~~ماهيته فنريد نفس ماهيته في الخارج وأما في الذهن فنحن نتصور من معنى ~~الوجود معنى عاما يشمل الواجب والممكن فتلك الصورة الذهنية وقعت الشركة ~~فيها فعلمنا أن التوحيد في أصل الوجود غير واقع على التقديرين وكذلك مفهوم ~~العلم من حيث هو علم وقعت الشركة فيه بين الواجب والممكن وكذلك مفهوم ~~الحياة والسمع والبصر والإرادة والكلام النفساني وأنواعه من الطلب في الأمر ~~والنهي والخبر وغير ذلك من أنواع الكلام النفساني ولولا الشركة في أصول هذه ~~المفهومات لتعذر علينا قياس الغائب على الشاهد فإن القياس بغير مشترك متعذر ~~وقياس المباين على مباينه لا يصح. # وقد أورد بعض الفضلاء هذا السؤال فقال إن كان القياس صحيحا لمعنى مشترك ~~بين الشاهد والغائب فقد وقعت المشابهة بين صفات الله تعالى وصفات البشر ~~والله سبحانه وتعالى لا تشبه ذاته ذاتا ولا صفة من صفاته صفة من صفات غيره ~~{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] والسلب الذي في هذه الآية ~~عام في الذات والصفات وإن لم يكن القياس صحيحا تعذر إثبات الصفات فإن ~~مستندها قياس الغائب على الشاهد. # والجواب عن هذا السؤال أن السلب للمثلية المستفاد من الآية صحيح والقياس ~~أيضا صحيح ووجه الجمع بينهما أن المعاني لها صفات نفسية تقع الشركة فيها ~~فبها يقع القياس وتلك الصفات النفيسة حكم لذلك المعنى وحال ms437 من أحواله ~~النفسية وهي حالة غير معللة وذلك كما نقول كون السواد سوادا وكون البياض ~~بياضا حالة للسواد والبياض وهي حالة غير معللة وهذه الحال لا موجودة ولا ~~معدومة فليس خصوص السواد الذي امتاز به على جميع الأعراض صفة وجودية قائمة ~~بالسواد وكذلك كونه عرضا ليس بصفة وجودية قائمة بالسواد بل السواد في نفسه ~~بسيط لا تركيب فيه وحقيقة واحدة في الخارج ليس لها صفة بل يوصف بها ولا ~~توصف بصفة وجودية # PageV03P026 # حقيقة تقوم بها وكذلك القول في بقية المعاني. # فكذلك كون العلم علما صفة نفسية وحالة له ليست صفة موجودة في الخارج ~~قائمة بالعلم فالقياس وقع بهذه الحالة النفسية والحكم النفسي لا بصفة ~~وجودية وكذلك القول في الإرادة والحياة وغيرهما من بقية الصفات وإذا كان ~~القياس إنما هو باعتبار أمر مشترك بين الشاهد والغائب وهو حكم نفسي وحالة ~~ذاتية ليست بموجودة في الخارج فالسلب الذي في الآية معناه أن المثلية منفية ~~بين الذات وجميع الذوات. # وكل صفة له تعالى وبين جميع صفات المخلوقات في أمر وجودي فإنه لا صفة ~~وجودية مشتركة بين الله وخلقه ألبتة بل الشركة إنما وقعت في أمور ليست ~~موجودة في الخارج كالأحوال والأحكام والنسب والإضافات كالتقدم والتأخر ~~والقبلية والبعدية والمعية وغير ذلك من النسب والإضافات أما في صفة وجودية ~~فلا فهذا وجه الجمع بين قياس الشاهد على الغائب وبين نفي المشابهة وبسط هذا ~~في كتب أصول الدين وقد بسطته في شرح الأربعين وأوردت هذا السؤال وأجبت عنه ~~هنالك مبسوطا فهذا القسم ونحوه لا يجب التوحيد فيه على هذا التفسير إجماعا ~~فيجوز أن يوصف المخلوق بأنه عالم ومريد وحي وموجود ومخبر وسميع وبصير ونحو ~~ذلك من غير اشتراك في اللفظ بل باعتبار معنى عام على ما تقدم تفسيره. # القسم الثالث الذي اختلف فيه هل يجب توحيد الله تعالى به أم لا فهذا هو ~~التعظيم بالقسم فهل يجوز أن يقسم بغير الله تعالى فلا يكون من التعظيم الذي ~~وجب التوحيد فيه أو لا يجوز فيكون من التعظيم ms438 الذي وجب التوحيد فيه وهذا ~~القسم هو الذي سيق الفرق لأجله لأنه المتعلق بالقواعد الفقهية وقد اختلف ~~العلماء فيه فقال الشيخ الفقيه أبو الوليد بن رشد في المقدمات هو مباح ~~كالحلف بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وبصفاته العلا ومحرم كالحلف باللات ~~والعزى وما يعبد من دون الله تعالى لأن الحلف تعظيم وتعظيم هذه الأشياء قد ~~يكون كفرا وأقله التحريم ومكروه وهو الحلف بما عدا ذلك. # وقاله الشافعي - رضي الله تعالى عنه - لما في مسلم قال - صلى الله عليه ~~وسلم - «ألا إن الله تعالى نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت» ومن المكروه الحلف بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أو ~~بالكعبة وقال أبو الحسن اللخمي بالمخلوقات كالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ممنوع فمن فعل ذلك استغفر الله تعالى واختلف في جواز الحلف بصفات الله ~~تعالى كالقدرة والإرادة والعلم ونحوها من الصفات السبعة فالمشهور الجواز ~~ولزوم الكفارة في ذلك إذا حنث وقاله أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل رضي الله ~~تعالى عنهم أجمعين وروي عن مالك - رحمه الله - الكراهة في لعمر الله وأمانة ~~الله وإن حلف بالقرآن والمصحف ليس بيمين ولا كفارة فيه. # وقال الشيخ جلال الدين في الجواهر # PageV03P027 # لا يجوز الحلف بصفات الله الفعلية كالرزق والخلق ولا ~~يجب فيه كفارة ويدل على جواز الحلف بصفات الله تعالى القديمة ما في البخاري ~~أن أيوب - عليه الصلاة والسلام - قال بلى وعزتك لا غنى لي عن بركتك فإن قلت ~~فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الأعرابي السائل عما يجب ~~عليه «أفلح وأبيه إن صدق» فقد حلف - عليه الصلاة والسلام - بأبي الأعرابي ~~وهو مخلوق قلت قد اختلف في صحة هذه اللفظة في الحديث فإنها ليست في الموطإ ~~بل أفلح إن صدق فلنا منعها على الخلاف في زيادة العدل في روايته أو نجيب ~~بأنه منسوخ بالحديث المتقدم قاله صاحب الاستذكار ابن عبد البر أو نقول هذا ~~خرج مخرج توطئة الكلام لا الحلف نحو قولهم قاتله الله تعالى ما أشجعه ولا ms439 ~~يريدون الدعاء عليه بل توطئة الكلام ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - ~~لعائشة - رضي الله عنها - «تربت يداك ومن أين يكون الشبه» ولم يرد الدعاء ~~عليها بالفقر الذي يكنى بالإلصاق بالتراب تقول العرب التصقت يده بالأرض ~~وبالتراب إذا افتقر بل أراد - عليه الصلاة والسلام - توطئة الكلام. # فإذا تقرر القسم المختلف في توحيد الله تعالى به في الحلف فهل يجوز أن ~~يشرك معه غيره بأن يقسم عليه ببعض مخلوقاته بأن يقول بحق رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عليك أو بحرمة الأنبياء والصالحين إلا غفرت لنا أو بحق ~~الملائكة المقربين إلا سترت علينا أو بحرمة البيت الحرام والطائفين ~~والقائمين والركع السجود إلا هديتنا هديهم وسلكت بنا سبيلهم فقد ورد ذلك في ~~بعض الأحاديث أو يمتنع لأنه قسم وتعظيم القسم بغير الله تعالى وقد توقف في ~~هذا بعض العلماء ورجح عنده التسوية بين الحلف بغير الله وبين الحلف على ~~الله تعالى بغيره وقال الكل قسم وتعظيم فإن قلت قد حلف الله تعالى بالشمس ~~وضحاها والتين والزيتون والسماء والطارق وغير ذلك من المخلوقات فكيف يختلف ~~في الجواز مع وروده في القرآن متكررا. # قلت: اختلف العلماء في الواقع في القرآن من ذلك فمنهم من قال: فيه كله ~~مضاف محذوف تقديره أقسم برب الشمس أقسم برب التين والزيتون وكذا البواقي ~~فما وقع الحلف إلا بالله تعالى دون خلقه ومنهم من قال إنما أقسم الله تعالى ~~بها تنبيها لعباده على عظمتها عنده فيعظمونها ولا يلزم من الحجر على الخلق ~~في شيء أن يثبت ذلك الحجر في حقه تعالى فإنه الملك المالك على الإطلاق يأمر ~~بما يشاء ويحكم بما يريد من غير اعتراض ولا نكير فيحرم على عباده ما يشاء ~~ولا يحرم شيء من ذلك عليه فإن قلت إذا قلنا بالحلف بصفات الله تعالى ~~المعنوية كالعلم والكلام ونحوهما فهل القرآن من هذا القبيل وكذلك التوراة ~~والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة؟ أم ليس كذلك قلت قال أبو حنيفة هذه ~~الأشياء ليست منها وإن # PageV03P028 # كان كلام الله تعالى النفسي منها ms440 لاشتهار لفظ القرآن ~~في الأصوات المسموعة عرفا وأنه لا يفهم من إطلاق لفظ القرآن إلا هذه ~~الأصوات والحروف والأصوات والحروف مخلوقة فعند الإطلاق ينصرف اللفظ إليها ~~والحلف بالمخلوق منهي عنه. # والمنهي عنه لا يوجب كفارة فلا يجب بالحلف بالقرآن كفارة وكذلك بقية ~~الكتب وقال مالك يجب عليه الكفارة إذا حلف بالقرآن لانصرافه عنده للكلام ~~القديم النفسي والظاهر ما قاله أبو حنيفة - رضي الله عنه - فإنا لا نفهم من ~~قبول القائل: القرآن وهو يحفظ القرآن، وكتب القرآن إلا هذه الأصوات والرقوم ~~المكتوبة بين الدفتين وهو الذي يفهم من نهيه - عليه الصلاة والسلام - عن أن ~~يسافر بالقرآن إلى أرض العدو فإن المسافرة متعذرة بالقديم وروي عن مالك مثل ~~ما قاله أبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ومن الألفاظ التي نص العلماء ~~على توحيد الله تعالى بها لفظ الله والرحمن فلا يجوز إطلاقهما على غيره ولا ~~يسمى بهما غيره ومن ذلك لفظ تبارك فتقول تبارك الله أحسن الخالقين ولا تقول ~~تبارك زيد وكذلك كل لفظ اشتهر استعماله في حق الله تعالى خاصة لا يجوز ~~إطلاقه على غيره وهذه الأمور من القرآن وتبارك ونحوها مما يقبل الحكم فيها ~~التغير إذا تغير العرف فإذا جاء عرف بكون أهله لا يريدون بلفظ القرآن إلا ~~الكلام القديم تعين لزوم الكفارة به وجوز الحلف به فإن الأحكام المرتبة على ~~العوائد تتبع العوائد وتتغير عند تغيرها فتأمل ذلك فهذا تلخيص الفرق بين ~~قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به وتوحده وبين ما لا يجب # (الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ ~~فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به ~~كفارة) # اعلم أن الألفاظ انقسمت باعتبار هذا المطلب ثلاثة أقسام قسم علم أن ~~مدلوله قديم كلفظ الله ونحوه وقسم علم أن مدلوله حادث كلفظ الكعبة ونحوها ~~فهذان القسمان لا يقصدان بهذا الفرق لوضوحهما وقسم مشكل على أكثر الطلبة ~~فهو المقصود بهذا الفرق وهو سبعة ألفاظ اللفظ الأول أمانة ms441 الله تعالى من ~~حلف بها جاز ولزمته الكفارة بها إذا حنث لأن أمانته تعالى تكليفه وهو أمره ~~ونهيه بالكلام النفسي وهو قديم ويدل على ذلك قوله تعالى {إنا عرضنا الأمانة ~~على السماوات والأرض والجبال} [الأحزاب: 72] # PageV03P029 # إلى قوله ظلوما جهولا قال العلماء معناه أن الله ~~تعالى عرض التكاليف على السموات والأرض والجبال وقال لهن إن حملتن التكاليف ~~وأطعتن فلكن الثواب الجزيل وإن عصيتن فعليكن العذاب الوبيل فقلن لا نعدل ~~بالسلامة شيئا ثم عرضت على الإنسان فالتزم ذلك فأخبر الله تعالى أنه كان ~~ظلوما لنفسه جهولا بالعواقب فلا جرم هلك من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ~~وسلم من كل ألف واحد كما جاء في الحديث الصحيح والكلام القديم صفة الله ~~تعالى وهذا أيضا يتبع العرف والعادة فإذا جاء عرف آخر يشتهر فيه هذا اللفظ ~~في الأمانة المأمور بها التي هي فعلنا في حفظ الودائع وغيرها من الأمانات ~~كقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] ~~ويكون ذلك عرف قطر من الأقطار الآن فإن الحلف حينئذ بها من غير نية تصرف ~~اللفظ للأمانة القديمة لا يجوز أو يكره على الخلاف. # وإذا كانت مشتهرة في القديم وصرفها الحالف بالنية إلى الحادث امتنع الحلف ~~وسقطت الكفارة فهذا معنى هذا اللفظ وضابطه اللفظ الثاني قولنا عمر الله ~~ولعمر الله معنى هذين اللفظين البقاء فبقاء الله عز وجل استمرار وجوده مع ~~الأزمان فوجوده ذاته تعالى فهو قديم يجوز الحلف به وتلزم به الكفارة فإن ~~قلت البقاء والعمر ونحوهما من الألفاظ لاستمرار الوجود مع الأزمنة كما تقدم ~~واستمرار وجود الشيء مع الأزمنة نسبة بين وجود الشيء والزمان والنسبة أمر ~~عدمي فإذا قلنا بجواز الحلف بعمر الله وهو بقاؤه ولزوم الكفارة به لزمنا أن ~~نقول بجواز الحلف بقبلية الله تعالى وبعديته ومعيته فإن الله تعالى قبل كل ~~حادث ومع كل حادث وبعد كل حادث إذا فني ذلك الحادث وما هو قابل للتجدد ~~كالبعدية والمعية أو الفناء كالقبلية كيف يجوز الحلف به وكيف تلزم به # PageV03P030 # كفارة وكذلك ms442 القول في بقية النسب والإضافات التي تعرض ~~لذات الله تعالى وتزول كالتعلقات في الصفات وغيرها قلت سؤال حسن صحيح وأنا ~~أقول متى أراد الحالف تلك النسبة التي هي مدلول اللفظ لغة امتنع وسقطت ~~الكفارة ومتى نقلها العرف إلى أمر وجودي قديم جاز ولزمته الكفارة. # وعليه العرف اليوم وهو الذي أفتى به مالك أن المراد بالعمر والبقاء ~~الباقي فهو مجاز لغوي حقيقة عرفية فإن تغير العرف تغير الحكم كما تقدم قبل ~~هذا. # اللفظ الثالث عهد الله قال مالك يجوز الحلف به وتلزم به الكفارة وأصل هذا ~~اللفظ في اللغة الالتزام والإلزام قال الله تعالى {وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم} [البقرة: 40] معناه أوفوا بتكاليفي أوف لكم بثوابي الموعود به على ~~الطاعة ومنه العهدة في البيع أي ما يلزم من الرد بالعيب ورد الثمن في ~~الاستحقاق ومنه قوله تعالى {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} [البقرة: 177] أي ~~بما التزموا ومنه عهدة الرقيق أي ما يلزم فيه وهو كثير في مواد الاستعمال ~~فعهد الله تعالى إلزامه لخلقه تكاليفه وإلزامه أمره ونهيه وأمره ونهيه ~~كلامه القديم وكلامه القديم صفته وصفته القديمة يجوز الحلف بها كما تقدم ~~على الخلاف في ذلك فإن أريد بعهد الله تعالى العهد الحادث الذي شرعه نحو ~~قوله تعالى {إلا الذين عاهدتم من المشركين} [التوبة: 4] ونحوه من العهود ~~التي بين خلقه اندرج في الحلف الممنوع وسقطت الكفارة. # وكذلك إذا اشتهر اللفظ فيه عادة وعرفا امتنع ولا كفارة فيه حينئذ فإن قلت ~~الإضافة تكفي فيها أدنى ملابسة كما نص عليها النحاة ويكون اللفظ حقيقة ~~ومثله بقول أحد حاملي الخشبة شل طرفك فجعل طرف الخشبة طرفا للحامل بسبب ~~الملابسة زمن الحمل وتقول حج البيت وصوم رمضان وتكون الإضافة حقيقة وهذا ~~متفق عليه وإذا كانت الإضافة حقيقية والعهد بأدنى ملابسة صدقت في قولنا على ~~عهد الله بأدنى ملابسة وذلك قدر مشترك بين إضافة العهد القديم والعهد ~~الحادث والدال على الأعم غير دال على الأخص فلا يدل قولنا عهد الله على ~~خصوص القديم فلا يتعين المعنى المقتضي للجواز وللزوم ms443 الكفارة فلم قضيتم ~~بالجواز ولزوم الكفارة بمجرد الإطلاق من غير نية قلت سؤال حسن قوي غير أن ~~هذه الإضافة الخاصة لم نستفدها من مجرد اللغة بل باشتهار عرفي في العهد ~~القديم وعلى هذا ينبغي أن يعتبر العرف في كل وقت هل هو كذلك فتجب الكفارة. # ويتحقق الجواز أو ليس كذلك فلا يتحقق الجواز ولا الكفارة ولأجل هذا ~~التردد قال الشيخ أبو الحسن اللخمي العهد أربعة أقسام تلزم الكفارة في واحد ~~وتسقط في اثنين ويختلف في الرابع فالأول علي عهد الله والاثنان لك علي عهد ~~الله وأعطيك عهد الله والرابع أعاهدك الله اعتبره # PageV03P031 # ابن حبيب وأسقطه ابن شعبان قال وهو أحسن وسبب هذا ~~التقسيم اختلاف القرائن اللفظية والمعنوية المقترنة بهذا اللفظ فالأول لما ~~قال علي عهد الله فأشعرت لفظة علي بتكليف الله تعالى وإلزامه وأن تكليف ~~الله تعالى واقع عليه أو موظف عليه فناسب اللزوم كما لو قال علي الطلاق أي ~~يلزمني تحريم الطلاق فإن علي معناها اللزوم لما فيها من الإشعار بالضرر ~~ولذلك تقول شهد عليه إذا أضر به وشهد له إذا نفعه وهذا القسم هو المنقول عن ~~مالك - رضي الله عنه - في المدونة وأما لك علي عهد الله فلم يلتزمه لله ~~ولكن للمحلوف له فلا يلزمه شيء وأعطيك عهد الله فهو وعد منه للمخاطب بأنه ~~يعاهده في المستقبل فهذا القسم أبعد عن اللزوم. # وأما الرابع وهو أعاهدك الله فيحتمل أن يكون خبرا معناه إنشاء المعاهدة ~~والإلزام كإنشاء الشهادة بلفظ المضارعة نحو أشهد عندك بكذا وإنشاء القسم ~~بالمضارع أيضا نحو أقسم بالله لقد كان كذا ويحتمل أن يكون خبرا وعدا على ~~بابه فلا يلزم به شيء كما لو أخبر عن الطلاق بغير إنشاء فإنه يلزمه طلاق ~~فمن لاحظ الإنشاء ألزم ومن لاحظ الخبر لم يلزم قال أبو الحسن اللخمي وهو ~~أحسن لأن الأصل عدم النقل وبراءة الذمة. # وبقي قسم خامس لم أره لأصحابنا وهو أن يقول وعهد الله لقد كان كذا بواو ~~القسم فهذا قسم صريح بصفة من صفات الله ms444 تعالى فينبغي أن تلزم به الكفارة ~~كما لو قال وأمانة الله وكفالته وبقي فيه إشكال الإضافة الذي تقدم ذكره وهل ~~المضاف العهد القديم أو الحادث فيحتاج إلى نقل عرفي وهذا القسم عندي أصرح ~~مما نص عليه مالك من قوله علي عهد الله فإن أداة القسم مفقودة فيه وإنما ~~فيه إشارة إلى أنه التزم عهد الله وليس هو مما ينذر حتى يلتزم كقوله لله ~~علي صوم كذا وقد اختلف العلماء في قوله علي الطلاق أو الطلاق يلزمني هل هو ~~صريح أو كناية بسبب أن الطلاق لا يلزم أحدا فالإخبار عن لزومه كذب فلا يصير ~~موجبا للزوم إلا بإنشاء عرفي ونقل عادي وأما حرف القسم فحقيقة لغوية صريحة ~~في القسم بقديم أو حادث وإشكال الإضافة مشترك بين القسمين وامتاز هذا ~~بصراحة القسم # PageV03P032 # اللفظ الرابع قولنا علي ذمة الله قال مالك تلزم به ~~الكفارة ومعنى ذمة الله تعالى التزامه لأن معنى الذمة في اللغة هو هذا ومنه ~~عقد الذمة للكفار أي التزامنا لهم عصمة النفوس والأموال والأعراض وما معها ~~ومنه الذمام إذا وعده والتزم له أن لا يخذله وأن ينصره على من يقصده بسوء ~~ومنه قول الفقهاء له في ذمته دينار والعقد وارد على الذمة فإن الذمة في ~~الشريعة معنى مقدر في المكلف يقبل الإلزام والالتزام ولذلك إذا اتصف بعد ~~الرشد بالسفه يقال خربت ذمته وذهبت ذمته وإذا مات خربت ذمته أي المعنى الذي ~~كان يقدر لم يبق مقدرا وتقول العرب فلان يفي بذمته أي بما التزمه وخفر ذمة ~~فلان إذا خانها وهذا كله راجع للإخبار عن الالتزام أو معناه. # وجاء في الحديث من قال كذا وكذا كان في ذمة الله أي أن الله تعالى التزم ~~له عند هذا القول حفظه من المكاره والتزام الله تعالى راجع إلى خبره فهو ~~نوع آخر من الكلام غير نوع العهد فإن العهد يرجع إلى الأمر والنهي والذمة ~~إلى الخبر والكل كلام نفسي فهما نوعان منه فافهم ذلك غير أن هذا المعنى ~~يقتضي أن يكون القسم به ms445 وذمة الله بواو القسم فيكون صريحا في القسم لغة. # ويبقى إشكال الإضافة فيه من جهة أن ذمة الله تعالى تصدق المعنى القديم ~~كما تقدم وتصدق أيضا بإضافة المعنى المحدث إليه تعالى باعتبار أنه شرعه لأن ~~الذمة تارة تكون مأمورا بها وجوبا كعقد الجزية في بعض الصور وتارة لا يؤمر ~~بها وجوبا بل ندبا كالتزام أنواع البر والإحسان وقد يخبرنا فيها من غير ~~وجوب ولا ندب من قبله كالتزام الأثمان في البياعات والإجارة في الإجارات ~~وعلى التقادير الثلاثة فهي مشروعة من قبله تعالى فتضاف إليه إضافة ~~المشروعية كقولنا عبادة الله وطاعة الله وإذا احتملت الإضافة المعنيين لم ~~يقض بأحدهما إلا بدليل منفصل وهذا الإشكال قائم فيما قاله مالك أيضا من ~~قوله علي ذمة الله مضافا لعدم وجود أداة القسم. # وأما علي فإيجابها للكفارة مشكل إلا أن يكون هناك نقل عرفي من الإخبار ~~إلى القسم ألا ترى أنه لو قال علي علم الله أو علي إرادة الله أو علي بصر ~~الله أو علي سمع الله لم يتجه إيجاب الكفارة لأن هذه الصيغ ليست قسما وإنما ~~هي خبر والخبر ليس بقسم إجماعا والإنشاء العرفي بغير القسم لا يوجب كفارة ~~فلا بد من النقل عن الخبر إلى إنشاء القسم وإلا فلا يتجه إلزام الكفارة ~~واعتقاد أن هذا يمين ألبتة فتأمل هذه التنبيهات فالفقيه يحتاج إليها حاجة ~~شديدة في الفقه والفتاوى والفروق وتحرير معاني الألفاظ # PageV03P033 # اللفظ الخامس كفالة الله تعالى قال مالك إذا قال علي ~~كفالة الله تعالى وحنث لزمته الكفارة ومعنى الكفالة لغة الخبر الدال على ~~الضمان وهي القبالة ومنه قوله تعالى {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} ~~[الإسراء: 92] أي ضامنا والحمالة والأذانة والزعامة ومنه قوله تعالى عن ~~منادي يوسف - عليه السلام - {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: ~~72] أي ضامن والصبير قال صاحب المقدمات هي سبعة ألفاظ مترادفة الحميل ~~والزعيم والكفيل والقبيل والأذين والصبير والضامن حمل يحمل حمالة فهو حميل ~~وزعم يزعم زعامة فهو زعيم وكفل يكفل كفالة فهو كفيل وقبل يقبل ms446 قبالة فهو ~~قبيل وأذن يأذن أذانة فهو أذين وصبر يصبر صبرا فهو صبير وضمن يضمن ضمانة ~~فهو ضامن قال الله تعالى {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} [النحل: 91] وقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تكفل الله لمن جاهد في سبيله وابتغاء ~~مرضاته لا يخرجه من بيته إلا الجهاد وابتغاء مرضاته أن يدخله الجنة أو يرده ~~إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة» والأذانة في قوله تعالى ~~{وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} ~~[الأعراف: 167] أي التزم ذلك {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم} [إبراهيم: 7] وأصل ~~الأذانة والإذن والأذين والإذن وما تصرف من هذا الباب الإعلام والتكفيل ~~معلم بأن الحق في جهته قال الله تعالى في الحمالة {وإن تدع مثقلة إلى حملها ~~لا يحمل منه شيء} [فاطر: 18] . # قال القاضي عياض في التنبيهات ومثل حميل عذير وكدين قال وأصل ذلك كله من ~~الحفظ والحياطة قال والكفالة اشتقاقها من الكفل وهو الكساء الذي يحزم حول ~~سنام البعير ليحفظ به الراكب والكفيل حافظا التزمه والضامن من الضمن وهو ~~الحرز وكل شيء أحرزته في شيء فقد ضمنته إياه والقبالة القوة ومنه قولهم ما ~~لي بهذا الأمر قبل ولا طاقة والقبيل قوة في استيفاء الحق والزعامة السيادة ~~فكأنه لما تكفل به صار له عليه سيادة وحكم عليه والصبير من الصبر وهو ~~الثبات. # والحبس ومنه المصبورة وهي المحبوسة المرمى بالسهام ومنه قتله صبرا أي ~~حبسه حتى مات جوعا وعطشا والضامن حبس نفسه لأداء الحق والكدين من كدنت لك ~~بكذا وكذا وقالوا عذيرك أي كفيلك وقال بعض الفضلاء الكفالة أصلها الضم ومنه ~~سميت الخشبة التي تعمل في الحائط كفلا ومنه قوله تعالى {وكفلها زكريا} [آل ~~عمران: 37] أي ضمها لنفسه والكفالة هي ضم ذمة إلى ذمة أخرى فصدق المعنى ~~فتحرر أن الألفاظ المترادفة في هذا الباب تسعة وتكون كفالة الله تعالى وعده ~~بما التزمه ووعده خبره وخبره كلامه النفسي فيكون الحالف قد حلف بكلامه ~~النفساني فتلزمه الكفارة إذا حنث # PageV03P034 # وهنا أربع ms447 تنبيهات الأول أن قوله علي يشعر بالالتزام ~~وخبر الله تعالى كيف يصح التزامه وقد تقدم أنه لو قال علي علم الله تعالى ~~وإرادته أو نحو ذلك بعد في الفقه أن يجب عليه بهذا كفارة ووجب أيضا أن يفهم ~~لهذا الكلام معنى صحيح فإن التزام القديم الذي هو واجب الوجود كيف يصح ~~وإنما يلتزم الإنسان فعلا من كسبه وقدرته فإن قلت الالتزام إنما جاء من جهة ~~أن الحانث في هذه الأمور تجب عليه الكفارة والكفارة مقدورة يمكن التزامها ~~ولذلك قال مالك في المدونة إذا قال على عشر كفارات أو مواثيق أو نذور لزمه ~~عدد ما ذكر كفارات وهذا التزام صحيح. # قلت كفارة اليمين غير يمين ولا حنث لا تلزم المكلف لأن لزوم المسبب بدون ~~سببه غير واقع شرعا وحينئذ لا تكون هذه الكفارات لازمة له من حيث هي كفارات ~~بل من حيث هي نذور وكأنه نذر والتزم بطريق النذر عشر كفارات فهذا صحيح غير ~~أن هذا ليس من باب الحلف والأيمان في شيء ولا يكون اللفظ يعطي ذلك حقيقة بل ~~مجازا فإن استعمال لفظ الكفالة فيما يلزم عنها إذا حلف بها وحنث مجاز ~~والمجاز لا بد فيه من أحد أمرين إما نية المتكلم أو عرف اقتضى نقلا لهذا ~~المجاز فأغنى عن النية فإن كان الواقع هو القسم الأول فينبغي أن لا يلزم ~~شيء بهذه الصيغ وبهذا اللفظ وما تقدم البحث فيه قبل هذا إلا بالنية ولا ~~يتحرر الذي يلزم المتكلم بها في الكفارة بل يحسب ما ينويه من كفارة أو ~~كفارات أو بعض كفارة أو شيء آخر من باب المعروف المندوب إليه شرعا مما يمكن ~~استعمال الكفالة فيه مجازا فالقول بأن اللازم الكفارة وتعيين ذلك اللزوم لا ~~يصح إلا في بعض الصور وإن كان الواقع القسم الثاني وهو النقل العرفي فيلزم ~~أن لا يلزم به في زماننا شيء فإنا لا نجد هذا النقل فيه فإن النقل إنما ~~يحصل بغلبة الاستعمال عليه حتى يصير اللفظ يفهم منه المنقول إليه بغير ~~قرينة. # ونحن ms448 لا نجد ذلك في زماننا ويلزم أيضا إذا وجد هذا العرف وهذا النقل أن ~~يراقب فيه اختلاف الأزمنة واختلاف الأقاليم والبلدان فكل زمان تغير فيه هذا ~~العرف بطل فيه هذا الحكم وكل بلد لا يكون فيه هذا العرف لا يلزم فيه هذا ~~الحكم فتأمل هذا فهو أمر لازم في قواعد الفقه أما الفتيا بلزوم الكفارة على ~~الإطلاق فغير متجه أصلا ولعل مالكا - رحمه الله - أفتى بذلك لمن سأل أنه ~~كان نواه أو كان عرف زمانه يتقاضى ذلك وهو الأقرب فإن الفتيا. # لو كانت مبنية على نية لذكرت مع # PageV03P035 # الحكم في الفتيا. التنبيه الثاني أن قوله كفالة الله ~~تعالى كفالة مضافة إلى الله تعالى وقد تقدم أن الإضافة يكفي فيها أدنى ~~ملابسة حقيقة لغوية كقول أحد حاملي الخشبة شل طرفك وقولنا حج البيت وصوم ~~رمضان وهذه الكفالة المضافة تحتمل ثلاثة أنواع من الكفالة أحدها الكلام ~~القديم والوعد الذي هو الكلام النفسي وثانيها كفالة الله تعالى التي هي ~~التزامه اللفظي المنزل في القرآن وغيره من الكتب الدال على الكلام القديم ~~فهو كفالة حادثة دالة على تلك الكفالة القديمة كما أن أمر الله تعالى ~~اللفظي الذي هو أقيموا الصلاة دليل أمره النفسي القائم بذاته وكذلك جميع ~~الأحكام والأخبار وهذه الكفالة الحادثة لا يوجب الحلف بها كفارة وثالثها ~~كفالة خلقه التي هي ضمان بعضهم لبعض التي هي من فعلنا وقولنا وهي مندوبة من ~~قبل صاحب الشرع فهي تضاف إليه تعالى إضافة المشروعية كما قال تعالى: {ولا ~~نكتم شهادة الله} [المائدة: 106] تعالى أي التي شرعها وأوجب علينا أداءها ~~فأضافها إليه تعالى إضافة المشروعية لأنه تعالى شاهد ولا شهود عليه فكذلك ~~هذه الكفالة المندوب إليها تصح إضافتها إليه تعالى إضافة المشروعية إذا ~~كانت الكفالة التي يمكن إضافتها إليه تعالى ثلاثة أنواع متباينة قديمة ~~وحادثتان. # ومطلق الإضافة هو الموجود وهو الذي دل عليه اللفظ والدال على الأعم غير ~~دال على الأخص فلا يكون لقول القائل علي كفالة الله إشعار بالكفالة القديمة ~~ألبتة لأن نوعها أخص مما دل ms449 عليه مطلق الإضافة فلا يكون هذا اللفظ موجبا ~~للكفارة من جهة أن المتكلم حلف بصفة من صفات الله تعالى ألبتة بل إما بجهة ~~النذر أو بجهة أخرى كما تقدم بيانه فتأمل ذلك، التنبيه الثالث أن المتكلم ~~إذا لم يقل علي كفالة الله، وكفالة الله أو أقسم بكفالة الله وغير ذلك من ~~صيغ القسم اللغوي الذي هو القسم بوضعه مستغن عن النية والعرف والنقل يلزمه ~~به الكفارة ويكون أصرح من قول القائل علي كفالة الله من جهة أنه قسم مستغن ~~عن نية المجاز والنقل العرفي وإن كان احتمال الإضافة للحادث والقديم موجودا ~~فيه غير أنه احتمال مشترك بين علي كفالة الله وأقسم بكفالة الله التنبيه ~~الرابع أن تلك الكلمات السبع ينبغي أن تستوي في لزوم الكفارة وعدم لزومها ~~لأنها مترادفة وشأن أحد الألفاظ المترادفة أن يقوم مقام الآخر في لزوم ~~الحكم وسقوطه فلا فرق حينئذ بين علي كفالة الله تعالى وبين أذانته وزعامته ~~وضمانه وقبالته وجميع ما تقدم في ذلك وكذلك إذا أتى بصيغة القسم تشمل جميع ~~تلك الألفاظ ويكون الحكم في الجميع واحدا لأنها مترادفة فتأمل هذه ~~التنبيهات فهي يحتاج إليها في هذه الكلمات # PageV03P036 # اللفظ السادس الميثاق قال مالك - رحمه الله - إذا قال ~~علي ميثاق الله تعالى وحنث لزمته الكفارة والميثاق مأخوذ من التوثق وهو ~~التقوية والفرق بينه وبين العهد واليمين أما اليمين فهو القسم وأما العهد ~~فقد تقدم أنه الالتزام والميثاق هو العهد الموثق باليمين فيكون الميثاق ~~مركبا من العهد واليمين معا كذا كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه ~~الله - ينقله عن اللغة وإذا كان هذا معنى الميثاق والعهد وقد تقدم أنه يرجع ~~إلى الكلام النفسي والقسم أيضا يرجع إلى الكلام لأنه خبر عن تعظيم المقسم ~~به وإذا كانا معا يرجعان إلى معنى الكلام فالمركب منهما يرجع إلى معنى ~~الكلام قطعا لأن المركبات تابعة للمفردات إذا تقرر أن معنى الميثاق يرجع ~~إلى معنى الكلام ورد عليه الإشكال الوارد من لفظ علي وكيف يصح التزام ميثاق ~~الله تعالى ms450 كما تقدم في العهد والكفالة ويرد عليه أيضا أن إيجاب الكفارة به ~~ليس من باب صريح اللغة بل ذلك إما بالنية أو العرف أو النقل وأن الإضافة ~~محتملة لميثاق الله تعالى الذي هو كلام نفسي وميثاق الله تعالى الذي هو ~~كلام لفظي لساني حادث كقوله تعالى {قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير} [التغابن: 7] فإن هذا التزام لفظي مؤكد بالقسم بقوله ~~وربي فيكون ميثاقا وكقوله تعالى {والشمس وضحاها} [الشمس: 1] إلى قوله {قد ~~أفلح من زكاها} [الشمس: 9] {وقد خاب من دساها} [الشمس: 10] التزم الله ~~تعالى أن من زكى نفسه فإنه يجد عنده تعالى فلاحا وأن من دساها أي دسها ~~بالمعاصي فأبدلت إحدى السينين ألفا فإنه يجد عنده تعالى خيبة. # وأكد هذا الالتزام بالقسم السابق وهو قوله تعالى {والشمس وضحاها} [الشمس: ~~1] إلى قوله {ونفس وما سواها} [الشمس: 7] فهذا كله قسم مؤكد لذلك الالتزام ~~ونحو ذلك في القرآن الكريم كثير من الالتزامات لتوكدة بالحلف ويحتمل أيضا ~~ميثاق الله تعالى الذي شرعه لنا فقد أمرنا الله تعالى أن نلتزم الحقوق ~~الواجبة علينا للعباد وأن نزيل الريبة من صدور المؤمنين الذين هم أصحاب تلك ~~الحقوق بالأيمان والتأكيد في ذلك النافي لتلك الريبة فهذا الميثاق يضاف إلى ~~الله تعالى إضافة المشروعية كما تقدم في الكفالة والشهادة في {ولا نكتم ~~شهادة الله} [المائدة: 106] . # وإذا احتمل الميثاق المضاف إليه تعالى هذه المواثيق الثلاثة ويكون اللفظ ~~حقيقة في أي ذلك وقع أو كان مرادا صار اللفظ دائرا بين ما هو موجب وبين ما ~~هو ليس بموجب وهما القسمان الآخران الحادثان الميثاق اللفظي الدال على كلام ~~الله القديم والميثاق المشروع في حقنا لم يكن موجبا حينئذ لأن # PageV03P037 # المحتمل الموجب وغير الموجب غير موجب لأن الأصل براءة ~~الذمة حتى يتحقق الموجب هذا هو القاعدة الشرعية المجمع عليها وإذا كانت هذه ~~الأسئلة واردة على هذه الألفاظ حالة كونها مفردة فإذا جمعت وقيل كفالات ~~الله تعالى أو مواثيقه فالأسئلة باقية بحالها. # ويرد على الجمع ما يرد على المفردات ms451 ووافق مالكا أبو حنيفة وابن حنبل في ~~هذه المسائل وقال الشافعي - رضي الله عنه - العهد والكفالة والميثاق وقولنا ~~وحق الله الرحمن وحق الرحيم وحق العليم والجبار كنايات لا صرائح لترددها ~~بين المعاني القديمة وبين المحدثات فإن نوى القديمة وجبت الكفارة وإلا فلا ~~لأن لفظ الحق قد يطلق ويراد به حق الله تعالى على عباده من الطاعة والأفعال ~~المطلوبة منهم وهي حادثة كالصلاة والصوم فلا يجب بها كفارة حتى ينوي القديم ~~وهو حق الله تعالى الذي هو أمره ونهيه النفساني الموظف على عباده وكذلك ~~العهد والكفالة والميثاق قد يراد بها الحوادث كما تقدم تقريره والذي قاله ~~الشافعي - رضي الله عنه - متجه بما تقدم من الأسئلة والتقارير. # اللفظ السابع ايمن الله قال سيبويه - رحمه الله - هو من اليمن والبركة ~~ولذلك قال الشافعي - رضي الله عنه - هو كناية لتردده بين المحدث من تنمية ~~الأرزاق والأخلاق وبين القديم الذي هو من جلال الله تعالى وعظمته ومنه قوله ~~تعالى {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] و {تبارك الذي بيده ~~الملك} [الملك: 1] أي كثر # PageV03P038 # جلاله وعلاه وصفاته العلا. وقال الفراء وهو جمع يمين # فيكون الكلام فيه كالكلام في أيمان المسلمين من هذا الوجه من جهة أنه ~~صريح أو كناية ويقال ايمن الله وأيم الله ومن الله وم الله ثم عليه إذا ~~قلنا إنه جمع يمين إشكال أيضا بسبب أن القائل إذا قال وأيمان المسلمين فحلف ~~بالحلف يكون قد حلف بمحدث أيضا فإن حلف الخلق محدث فلا يلزم به كفارة وكذلك ~~يرد الإشكال على متأخري المالكية القائلين بلزوم أيمان المسلمين على من قال ~~وأيمان المسلمين تلزمني أنه إن أراد القسم فقد حلف بمحدث فلا يلزمه شيء وإن ~~أراد أن يلزم نفسه موجبات الأيمان فإن أراد ذلك أنها تلزمه من جهة أنها ~~مسببات لأسبابها وأسبابها لم توجد فلا يلزمه شيء لأن لزوم الأحكام بدون ~~أسبابها غير معهود في الشريعة بل الشريعة تنكره وإن أراد أنها تلزمه على ~~سبيل النذر فيفتقر ذلك إلى نية النذر والقصد إليه فإن هذه الصيغة ms452 ليست ~~موضوعة في الفقه المنذور بل هي أخبار وقسم وهؤلاء القائلون بلزوم هذه ~~الأمور لم يصرحوا بأنها من باب النذور بل ظاهر كلامهم أنها من باب القسم ~~والحلف. # (الفرق السادس والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة بالحلف من ~~صفات الله تعالى إذا حنث وبين قاعدة ما لا يوجب كفارة إذا حلف به من ذلك) ~~صفات الله تعالى خمسة أقسام معنوية وذاتية وسلبية وفعلية وما يشمل الجميع ~~فأما القسم الأول وهي الصفات المعنوية فهي سبعة العلم والكلام القديم ~~والإرادة والقدرة والسمع والبصر والحياة فهذه كلها يوجب الحلف بها مع الحنث ~~الكفارة فيجوز الحلف بها ابتداء هذا هو مشهور المذهب وقيل لا توجب كفارة ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ولفظ ~~الله مخصوص بالذات فاندرجت الصفات في المأمور بالصمت به ومستند المشهور ما ~~تقدم مما حكاه «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أيوب - عليه السلام - ~~أنه قال بلى وعزتك ولكن لا غنى لي عن بركتك» وفي هذا القسم مسائل: # المسألة الأولى الحلف بالقرآن إذا حلف به قلنا نحن تجب به الكفارة لأنه ~~منصرف للكلام القديم وقال أبو حنيفة لا تجب # PageV03P039 # به الكفارة لأنه ظاهر في الكلام المخلوق الذي هو ~~الأصوات فالكلام في تحقيق مناط هل فيه عرف أم لا ولما قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو» لم يفهم أحد إلا ~~القرآن الذي هو الأصوات وإذا قيل في مجرى العادة القرآن إنما يسبق إلى ~~الفهم الكلام العربي المعجز والعربي المعجز محدث وهو مروي عن مالك - رحمه ~~الله - كما قاله أبو حنيفة - رضي الله عنه - والأول المشهور عن مالك حملا ~~للقرآن على القديم قال صاحب الخصال ابن زرب الأندلسي ويلحق بالقرآن عند ~~مالك إذا حلف بالمصحف أو بما أنزل الله أو بالتوراة أو بالإنجيل واعلم أن ~~هذه أيضا ظاهرة في العرف المحدث فإن الناس لا يفهمون من المصحف إلا الأوراق ~~المرقومة المجلدة بالجلد وهذه محدثة وكذلك التنزيل والإنزال إنما ms453 يتصور في ~~الحادث فإن الصفات القديمة لا تفارق موصوفها وما يستحيل مفارقته يستحيل ~~نزوله وطلوعه ومطلق الحركة عليه. # وأما التوراة والإنجيل فهما كلفظ القرآن لا يفهم منهما إلا الكلمات ~~الخاصة التي نزلت باللغة العبرانية وما يوصف باللغة العربية أو العبرانية ~~فهو محدث بالصورة وكذلك قلنا القرآن لكونه موصوفا بكونه عربيا في قوله ~~تعالى {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} [يوسف: 2] محدث فإن العربية والعجمية من ~~عوارض الألفاظ والكلام النفسي كان قديما أو محدثا لا يوصف بكونه عربيا ولا ~~عجميا: المسألة الثانية قال الشيخ الإمام أبو الوليد بن رشد في البيان ~~والتحصيل إذا قال علم الله لا فعلت استحب له مالك الكفارة احتياطا تنزيلا ~~للفظ علم الذي هو فعل ماض منزلة علم الله فكأنه قال وعلم الله لا فعلت. # وقال سحنون إن أراد الحلف وحنث وجبت الكفارة وإلا فلا كفارة عليه لأن ~~حروف القسم قد تحذف فهو كناية تحتمل القسم بعلم الله مع حذف أداة القسم ~~والتعبير عن الصفة القديمة بصيغة الفعل فإن أراده وجبت الكفارة وإن أراد ~~الإخبار عن علم الله تعالى بعدم فعله فليس بحلف تجب به كفارة وهو # PageV03P040 # متجه في قواعد الفقه وقد وقع لبعض النحاة جواز فتح إن ~~بعد القسم وعلل ذلك بأن القسم قد يقع بصيغة الفعل المتعدي فتكون أن معمولة ~~لذلك الفعل المتعدي نحو علم الله وشهد الله أن زيدا لمنطلق فلما كانت مظنة ~~وجود الفعل المتعدي فتحت تنزيلا للمظنون منزلة المحقق والظاهر أنه نقلها ~~لغة عن العرب في فتح أن بعد القسم والجادة على كسرها بعد القسم (المسألة ~~الثالثة) الألف واللام في اللغة أصلها للعموم على مذهب جمهور الفقهاء وقد ~~تكون للعهد مجازا عندهم كقوله تعالى {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} [المزمل: ~~15] {فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 16] فهذه اللام للعهد أي عصى الرسول ~~المعهود ذكره الآن فهذا مجاز لأنها استعملت في غير موضوعها لأنها موضوعة ~~للعموم وقد استعملت في الخصوص الذي هو العهد فيكون مجازا فإذا تقررت هذه ~~القاعدة وقال القائل والعلم والقدرة فأصلها في الوضع اللغوي ms454 أنها للعموم ~~فتشمل كل علم كان قديما أو حادثا فيجتمع في أفراد هذا العموم العلم القديم ~~وهو موجب والعلم المحدث وهو غير موجب وإذا اجتمع الموجب وغير الموجب ترتب ~~الإيجاب على الموجب ووجود غير الموجب لا يقدح ولا يعارض الموجب كمن وجد منه ~~شرب الخمر وشرب الماء وجب عليه الحد لأجل الموجب. # والقاعدة أن الأصل اعتبار الموجب بحسب الإمكان فيعتبر العلم القديم في ~~إيجاب الكفارة نعم يتجه أن يقال إنه حينئذ اندرج في كلامه ما يسوغ الحلف به ~~وهو العلم القديم وما ينهى عن الحلف به تحريما أو كراهة وهو العلم المحدث ~~والمركب من المأذون فيه والمنهي عنه منهي عنه فتكون يمينه هذه منهيا عنها ~~وإن كانت موجبة للكفارة هذا إذا استعملنا الألف واللام للعموم وإن قلنا ~~إنها للعهد أو قرينة الحلف تصرفها للعهد لأنه الغالب من أحوال المؤمنين كان ~~المراد ما عهد الحلف به وهو العلم القديم فتجب الكفارة من غير نهي وهذا هو ~~الظاهر من أحوال الحالفين هذا ما يتعلق بتلخيص الألف واللام في الصفة إذا ~~حلف بها فإن أضيفت وقال الحالف وعلم الله وقدرة الله ونحو ذلك اندرج في ~~المضاف العلم القديم والمحدث وكذلك # PageV03P041 # كل صفة تضاف لأن اسم الجنس إذا أضيف عم كقوله - عليه ~~السلام - «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» فعم جميع مياه البحر وميتاته ولأنه ~~المنقول عن الأصوليين والإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة كما تقدم بيانه ~~والمحدثات من الصفات والموصوفات تضاف إلى الله تعالى لأنه خلقها وغير ذلك ~~من النسب والإضافات التي بين المخلوق والخالق. # ولذلك قال كعب الأحبار في قوله تعالى {فنفخنا فيه من روحنا} [التحريم: ~~12] إنه تعالى نفخ فيه روحا من أرواحه إشارة إلى أن أرواح الخلائق كلها ~~مخلوقة وأن روح عيسى - عليه السلام - من جملتها فأضافها الله تعالى إليه ~~إضافة الخلق إلى الخالق فإذا وضح أن هذه الإضافة تقتضي العموم في القديم ~~والحادث فإن أبقيناها على عمومها شملت الموجب وغير الموجب والمأذون فيه ~~والمنهي عنه فيكون الكلام حينئذ في الإضافة كما تقدم ms455 في عموم الألف واللام ~~وإن لم نحملها على عمومها وقلنا بالعهد فهو في الإضافة قليل وإنما هو مسطور ~~للنحاة في الألف واللام وينبغي أن نقول هاهنا إن قرينة حال الحالف والحلف ~~أن هذا العام أريد به الخاص وهو الصفة القديمة خاصة فيقوم هذا التخصيص مقام ~~العهد في لام التعريف ويحصل المقصود وتكون اليمين ملزمة للكفارة من غير نهي ~~وقد نقل عبد الحق في تهذيب الطالب عن أشهب أنه قال إن أراد الحالف بقوله ~~وعزة الله وأمانته المعنى القديم وجبت الكفارة أو المحدث لم تجب. # وقد قال تعالى {سبحان ربك رب العزة} [الصافات: 180] و {إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] والقديم لا يكون مربوبا ولا مأمورا ~~به إشارة منه إلى أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة ويكون اللفظ حقيقة وأن ~~العزة الحادثة للعباد يمكن أن تضاف إليه إضافة الخلق للخالق ولأجل هذه ~~الاحتمالات والترددات خالفنا جمهور الحنفية في الصفات فقالوا إن تعارف ~~الناس الحلف بها كانت يمينا وإن لم تتعارف الناس بها لم تكن يمينا وسواء ~~كانت الصفات من صفات الذات أو صفات الفعل فاشترطوا الشهرة دوننا وسووا بين ~~الصفات الفعلية والذاتية وسبب اشتراطهم الشهرة أن الشهرة تصير ذلك اللفظ ~~المشهور موضوعا لخصوص القديم الذي يحلف به فتجب به الكفارة وقبل النقل ~~والشهرة يكون اللفظ مترددا بين القديم والمحدث والأصل براءة الذمة ومما ~~يعضد هذا التردد أن النكرات قسمان منهما ما يصدق على القليل والكثير من ذلك ~~الجنس كقولنا ماء ومال وذهب وفضة فيقال للكثير من جميع ذلك ماء وذهب وفضة ~~وكذلك القليل ومن النكرات ما لا يصدق إلا على الواحد من ذلك الجنس ولا يصدق ~~على الكثير منه كقولنا رجل وعبد ودرهم ودينار فلا يقال للرجال الكثيرة رجل ~~وللعبيد عبد ولا للفضة والدراهم الكثيرة درهم # PageV03P042 # ولا للذهب الكثير والدنانير دينار. # وإن قيل له الذهب بل لا تصدق هذه النكرات إلا على هذا الجنس بقيد الوحدة ~~فصارت أسماء الأجناس منها ما يصلح للقليل والكثير ومنها ما لا يصلح ms456 فأمكن ~~أن يقال إنا وإن قلنا بأن الإضافة تقتضي التعميم إنما نقوله في أسماء ~~الأجناس التي تصدق على الكثير أما التي لا تصدق إلا على الجنس بقيد الوحدة ~~فإن إضافتها لا توجب تعميما ولذلك يفهم العموم من قول القائل مالي صدقة ولا ~~يفهم من قوله عبدي حر ولا امرأتي طالق بل لا يفهم مع الإضافة إلا فرد واحد ~~من ذلك الجنس وهو عبد واحد وامرأة واحدة فيحمل قول الأصوليين إن اسم الجنس ~~إذا أضيف عم على اسم الجنس إذا كان يصدق على الكثير بدليل موارد الاستعمال ~~وهو متجه غاية الاتجاه غير أني لم أره منقولا وقد نبهت عليه في شرح المحصول ~~وإذا كان هذا معنى صحيحا يمكن مراعاته فقولنا وعزة الله وأمانة الله من ~~الألفاظ التي لا تصدق على الكثير أمانة بل أمانات ولا أنواع العزة المختلفة ~~أنها عزة بل عزات وكذلك القدرة الكثيرة ولا يقال لها قدرة بل قدرات لأن ~~الأصل فيما هو بهاء التأنيث أن يكون للواحد نحو تمرة وبرمة وضربة وجرحة ~~وإقامة وإذا لم تكن حالة الإضافة تتناول إلا الواحد كما كانت قبل الإضافة ~~وذلك الواحد لا عموم فيه حتى يشمل القديم والمحدث فيبقى مترددا بين الموجب ~~الذي هو القديم وبين غير الموجب الذي هو المحدث والأصل براءة الذمة حتى ~~تحصل شهرة ونقل عرفي في القديم فتجب الكفارة حينئذ وهذا حسن متجه غير أنه ~~لا يطرد في علم الله تعالى إذا قال وعلم الله فإن العلم الكثير يسمى علما ~~بخلاف الإرادة وكذلك السمع والبصر بخلاف الحياة وهذه كلها مباحث حسنة يمكن ~~الجنوح إليها في مجال النظر وتحقيق الفقه. # (القسم الثاني) من الصفات الصفات الذاتية وهي كونه تعالى أزليا أبديا ~~واجب الوجود فهذه الصفات ليست معانيها موجودة قائمة بالذات ولا هي سلب ~~نقيصة كقولنا ليس بجسم بل صفات ذات واجب الوجود بمعنى أنها أحكام لتلك ~~الذات كما نقول في السواد إنه جامع للبصر والبياض إنه مفرق للبصر وتصفه ~~بذلك لا بمعنى أن جمع البصر في السواد وتفريقه في ms457 البياض صفة قائمة بالسواد ~~والبياض بل بمعنى أنها أحكام ثابتة لتلك الحقائق فكذلك هاهنا من صفات الله ~~تعالى ما تقدم # PageV03P043 # ذكره على هذا التفسير ولما لم تكن صفة معنوية زائدة ~~على الذات سماها العلماء صفات ذاتية فهذا هو تحقيقها. # وأما حكمها في الشريعة إذا حلف بها فالظاهر من قول مالك - رحمه الله - ~~أنه إذا قال: عمر الله يميني يكفر مع أن العمر هو البقاء والبقاء يرجع إلى ~~مقارنة الوجود في الأزمنة والمقارنة نسبة لا وجود لها في الأعيان فقد اعتبر ~~النسبة وجعل حكمها حكم الصفة الوجودية فلعله يقول في هذه الصفات كذلك ويوجب ~~بها الكفارة إذا قال الحالف: وأزلية الله تعالى ووجوب وجوده وأبديته ولم أر ~~فيه نقلا غير ما ذكرته لك من التخريج فإن قلت الأبدية لا تكون في الأزل كما ~~أن الأزلية لا تكون في المستقبل بل الأبدية اقتران الوجود بجميع الأزمنة ~~المستقبلة والأزلية اقتران الوجود بجميع الأزمنة المتوهمة إلى غير نهاية من ~~جهة الأزل فالأزل والأبد متنافيان لا يجتمعان. # ولا يكون أحدهما في الزمن الذي يكون فيه الآخر فعلى هذا لا يكون الأبد ~~إلا متجددا بعد الأزل فإن جعلتم الحلف لا يكون إلا بقديم لم ينعقد الحلف ~~بأبدية الله تعالى لتجددها بعد الأزل ثم إن جعلتم الحلف بالقديم كيف كان ~~وجودا أو عدما يلزمكم أن من حلف بعدم العام أن يكون تلزمه الكفارة وليس ~~كذلك قلت مسلم أن الأبدية لا تكون أزلية وهي متجددة بعد الأزلية غير أن ~~أبدية الله تعالى ترجع إلى وجوده من حيث الجملة كالبقاء # PageV03P044 # وعمر الله تعالى كما تقدم بيانه مع أن البقاء لا يعقل ~~في المحدثات إلا بعد الحدوث فهو قرينة تقتضي التأخير من حيث الجملة عن أصل ~~الوجود ومع ذلك فقد اعتبره ولم يلاحظ هذا المعنى ومقتضى ذلك اعتبار الأبدية ~~والمقصود التخريج على المذهب لا إقامة الدليل على صحته وهذا التخريج صحيح ~~في ظاهر الحال ولك أن تقول الأبدية لا تكون في الأزل وما لا يكون في الأزل ~~يكون حادثا قطعا ms458 وأما البقاء فواقع في الأزل لأن اقتران الوجود كما حصل ~~بالأزمنة المستقبلة حصل بالأزل وفيه لم يتعين له حدوث فمع الفرق لا يصح ~~التخريج وأما عدم العالم فالجواب عنه أن لا نعتبر القديم كيف كان فإن عدم ~~العالم بل عدم كل حادث قديم. # ولا يصح الحلف به بل يعتبر القدم المتعلق بذات الله ووجوده وصفاته العلا ~~وعدم العالم والحوادث ليس متعلقا بوجود الله تعالى وصفاته فلذلك لم تلزم به ~~كفارة ولم تشرع به يمين (فائدة) اختلف في القدم هل هو صفة ثبوتية وأنه ~~تعالى قديم بقدم كالعلم وغيره أو هو صفة نسبية لا زائدة على ذاته تعالى بل ~~قدمه استمرار وجوده مع جميع الأزمنة الماضية المحققة والمتوهمة الاستمرار ~~نسبة بين الوجود والذات وكذلك جرى الخلاف في البقاء هل هو وجودي أم لا. # (القسم الثالث) من صفات الله تعالى الصفات السلبية وهي كقولنا إن الله ~~تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا في حيز ولا في جهة ولا يشبه شيئا من ~~خلقه في ذاته ولا في صفة من صفاته {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ~~[الشورى: 11] فهذه الصفات هي نسبة بين الله تعالى وأمور مستحيلة عليه ~~سبحانه وتعالى فإذا قال القائل وسلب الشريك عن الله تعالى أو وسلب الجهة ~~والمكان والجسمية وغير ذلك من هذه السلوب نحو وحدانية الله تعالى وعفوه ~~وحلمه وتسبيحه وتقديسه فلم أر فيها نقلا فالوحدانية سلب الشريك والعفو ~~إسقاط العقوبة والحلم تأخيرها فهذه السلوب منها قديم نحو سلب الشريك وهو ~~الوحدانية وسلب الجسمية والعرضية والجوهرية والأينية وسلب جميع المستحيلات ~~عليه تعالى فهذه السلوب قديمة هي أقرب لانعقاد اليمين بها لأنها قديمة ~~متعلقة بالله تعالى لا سيما إذا كانت الإضافة في اللفظ إلى الله تعالى نحو ~~قولنا ووحدانية الله تعالى وتسبيح الله تعالى وتقديس الله تعالى ونحو ذلك ~~بخلاف أن يقول وسلب الجسم وسلب الشريك فإن الإضافة لغير الله تعالى تبعد ~~انعقاد اليمين ومنها سلوب محدثة نحو عفو الله تعالى بعد تحقق الجناية. # وكذلك حلمه تعالى فإنه ms459 تأخير العقوبة # PageV03P045 # بعد تحقق الجناية والجناية من العباد حادثة فالمتأخر ~~عن الحادث حادث فهي سلوب حادثة فهي أبعد عن انعقاد اليمين من السلوب ~~القديمة لاجتماع السلب والحدوث فيها فبعدت من وجهين بخلاف السلوب القديمة ~~إنما بعدت من حيث السلب فالذي يقول لا تنعقد اليمين بالصفات المعنوية ~~الثبوتية يقول هاهنا بعدم الانعقاد بطريق الأولى والذي يقول تنعقد اليمين ~~بالصفات الثبوتية كالعلم والقدرة أمكن أن يقول بعدم الانعقاد هاهنا لأجل ~~السلب فهذا موضع يحتمل الإطلاق بانعقاد اليمين وبعدم انعقادها ويحتمل ~~التفصيل بين القديم والمحدث ولم أجد في هذه المواطن نقلا أعتمد عليه غير ~~أني حركت من وجوه النظر والتخريج ما يمكن أن يعتمد الفقيه عليه نفيا أو ~~إثباتا (فائدة) السلب في حق الله تعالى سلبان سلب نقيصة نحو سلب الجهة ~~والجسمية وغيرهما وسلب المشارك في الكمال وهو سلب الشريك وهو الوحدانية ~~فاعلم الفرق بينهما. # (القسم الرابع) من صفات الله تعالى الصفات الفعلية كقوله وخلق الله ورزق ~~الله وعطاء الله وإحسان الله ونحو ذلك مما يصدر عن قدرة الله تعالى فالحلف ~~بهذه الصفات منهي عنه ولا يوجب كفارة إذا حنث وهاهنا خمس مسائل (المسألة ~~الأولى) قال ابن يونس قال أصحابنا: " معاد الله ليست يمينا إلا أن يريد ~~اليمين " وقيل: معاد الله وحاشا الله ليستا بيمين مطلقا لأن المعاد من ~~العود ومحاشاة الله تعالى التبرئة إليه فهما فعلان محدثان يريد إلا أن يريد ~~اليمين وقيل إن لفظ معاد الله كناية يحتمل أن يريد بها ذات الله تعالى ~~وصفاته العلى فإن معادا من العود وهو اسم مكان العود والله تعالى يعود إليه ~~الأمر كله كقوله تعالى {وإليه يرجع الأمر كله} [هود: 123] فإطلاق لفظ ~~المكان على الله تعالى من المعاد والمرجع مجاز والمجاز يفتقر إلى نية فهي ~~كناية إذا أريد بها المجاز كان حلفا بقديم وهو وجود الله تعالى وإن لم تكن ~~له نية كان منصرفا لحقيقته وهو المعاد الحقيقي فيكون حلفا بمحدث فلا يلزم ~~به شيء ثم إذا أراد به الحلف فلا يخلو إما أن ms460 ينصبه أو يرفعه أو يخفضه. # فإن نصبه كان التقدير ألزم نفسي معاد الله ويكون الإلزام هاهنا إلزاما ~~حقيقيا لموجب اليمين وهو الكفارة ولا بد في ذلك من نية أو عرف كما تقدم في ~~قوله # PageV03P046 # علي عهد الله وكفالة الله ونحوه فلا بد من هاتين ~~النيتين وأما إن رفع فتقديره معاد الله قسمي فيكون جملة اسمية خبرية ~~استعملت في الإنشاء للقسم بها إما بالنية أو بالعرف الموجب لنقل الخبر من ~~أصله اللغوي إلى الإنشاء وإن لم ينو لم يلزم به شيء فإن كل قسم لا بد فيه ~~من الإنشاء فمتى عدم الإنشاء لم يكن قسما لأن الخبر بما هو خبر لا يوجب ~~كفارة ولا هو قسم وكذلك إذا قلت أقسم بالله لقد قام زيد هو جملة إنشائية ~~ولذلك لا تحتمل التصديق والتكذيب وإن خفض كان على حذف حرف الجر من القسم ~~كقولهم الله بالخفض ولا بد أيضا من نية الإنشاء أو عرف يقتضي ذلك. # وأما حاشا لله فمعناه براءة لله أي براءة منا لله ويحتمل هذا أيضا أن ~~يكون كناية وأن يراد به الكلام القديم وتصح إضافته إليه تعالى باللام فإن ~~الله تعالى ينزه نفسه بكلامه النفساني وذلك التبرؤ قديم وهو لله تعالى ~~فتمكن إضافته إليه تعالى باللام فإن وجدت نية لذلك رتبة أخرى في القسم به ~~أو عرف يقوم مقامها وجبت الكفارة وإن لم يوجب ذلك لم تجب الكفارة فهو كناية ~~كما مر في مثل معاد الله مع أن أبي يونس لم ينقل إيجاب الكفارة مع النية ~~إلا في معاد الله خاصة: المسألة الثانية هاهنا ألفاظ اختلف في مدلولها هل ~~هو قديم فيجوز الحلف به وتلزم به الكفارة أو هو محدث فلا يجوز الحلف به ولا ~~تلزم به الكفارة تخريجا على قواعدهم وهذه الألفاظ هي غضب الله ورحمته ورضاه ~~ومحبته ومقته كقوله تعالى {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} ~~[الصف: 3] وكذلك بغضه في قوله - عليه الصلاة والسلام - «أبغض المباح إلى ~~الله الطلاق وإن الله ليبغض الحبر السمين» ms461 وكذلك رأفته في قوله تعالى ~~{لرءوف رحيم} [الحديد: 9] ونحو ذلك من هذه الألفاظ التي حقائقها لا تتصور ~~إلا في البشر والأمزجة والمخلوقات ولما استحالت حقائقها على الله تعالى ~~وتعين حملها على المجاز فاختلف العلماء في المجاز المراد بها # PageV03P047 # فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري - رضي الله عنه - ~~المراد بهذه الأمور إرادة الإحسان لمن وصف بذلك من الخلق في صفة الرحمة ~~ونحوها وإرادة العقوبة لمن وصف بذلك من الخلق في لفظ الغضب ونحوه وقال ~~القاضي أبو بكر الباقلاني - رضي الله عنه - المراد بذلك أن الله تعالى ~~يعاملهم معاملة الراحم والغضبان فيكون المراد في الأول الإحسان نفسه وفي ~~الثاني العقاب نفسه فغضب الله تعالى عند الشيخ إرادته العقاب وعند القاضي ~~العقاب وكذلك الرحمة هل هي إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه ورضاه تعالى ~~إرادة الإحسان أو يعاملهم معاملة الراضي فيحسن إليهم أي يفعل بهم ذلك ~~ومحبته إرادة الإحسان في قوله تعالى {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] ~~والإحسان نفسه وكذلك بقية هذه الألفاظ تتخرج على هذين المذهبين وقد ورد ~~الرضى بمعنى ثالث يرجع إلى الكلام القديم كقوله تعالى {ولا يرضى لعباده ~~الكفر} [الزمر: 7] أي لا يشرعه دينا للعباد وشرعه تعالى كلامه القديم وفي ~~القرآن مواضع يتعين فيها مذهب الشيخ ومواضع يتعين فيها مذهب القاضي ومواضع ~~تحتمل المذهبين فالأول كقوله تعالى {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} [غافر: ~~7] فهذا ظاهر في الإرادة لأن الوسع عبارة عن عموم التعلق ويدل على ذلك أيضا ~~اقترانها بالعلم وإن وسع الرحمة # PageV03P048 # كوسع العلم وهذا ظاهر في الإرادة. # وأما ما يتعين فيه مذهب القاضي فقوله تعالى {هذا رحمة من ربي} [الكهف: ~~98] إشارة إلى السد وهو إحسان من الله تعالى لا إرادة الله تعالى القديمة ~~وأما ما يحتمل الأمرين فقوله تعالى {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] ~~{الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] يحتمل في الرحمن الرحيم أنه يريد الإحسان أو ~~الإحسان نفسه يحتمل المذهبين لعدم القرينة ومذهب الشيخ أقرب من مذهب القاضي ~~- رضي الله عنهما - وسبب ذلك أن الرحمة التي وضع اللفظ بإزائها وهو حقيقة ~~فيها هي ms462 رقة الطبع. # وإذا رق طبعك على إنسان فإن هذه الرقة في القلب يلزمها أمران أحدهما ~~إرادة الإحسان إليه والثاني الإحسان نفسه فهما لازمان للرقة التي هي حقيقة ~~اللفظ والتعبير بلفظ اللزوم عن اللازم مجاز عرفي شائع فلذلك تجوز العلماء ~~إليها غير أن إرادة الإحسان ألزم للرقة فإن كل من رحمته وأحسنت إليه فقد ~~أردت الإحسان إليه وقد تريد الإحسان وتقصر قدرتك عن الإحسان إليه فالإرادة ~~أكثر لزوما للرقة وإذا قويت العلاقة كان مجازها أرجح فمجاز الشيخ أرجح لأنه ~~الإرادة فإن قلنا بمذهب الشيخ كانت هذه الأمور قديمة يجوز الحلف بها ويلزم ~~بها الكفارة أو على مذهب القاضي كانت محدثة لا يلزم بها كفارة وينهى عن ~~الحلف بها (المسألة الثالثة) قال ابن يونس الحالف برضى الله تعالى ورحمته ~~وسخطه عليه كفارة واحدة يعني لأنه كرر الحلف بصفة واحدة وهي الإرادة فتجب ~~كفارة واحدة وهذا يدل على أن الفتيا بطريقة الشيخ أبي الحسن في حمل هذه ~~الأمور على الإرادة وأنه إذا جمع بين عشرة أو أكثر من هذه الأمور لا تجب ~~إلا كفارة واحدة بخلاف قوله وعلم الله وقدرة الله وإرادة الله وعزة الله ~~فإنه يختلف فيه هل تتعدد عليه الكفارة لتغاير الصفات المحلوف بها أو تتحد ~~الكفارة بناء على أن قاعدة الأيمان التأكيد حتى يريد الإنشاء بخلاف تكرير ~~الطلاق الأصل فيه الإنشاء حتى يريد التأكيد أو قاعدة الجميع الإنشاء حتى ~~يريد التأكيد وهذا هو الأنظر والأول هو المشهور في المذهب # PageV03P049 # واعلم أن الفتيا بإلزام الكفارة في هذه الألفاظ على ~~ما يقله ابن يونس إن لم يقيد بأنه نوى إرادة الله تعالى فهو مشكل فإن اللفظ ~~حقيقة في أمور محدثة لا توجب كفارة. # وإنما حملت على هذه الإرادة القديمة مجازا ولم تشتهر في الإرادة حتى صارت ~~حقيقة عرفية في الإرادة بل مجاز خفي دل الدليل عند الشيخ أبي الحسن على أنه ~~المراد باللفظ والقاعدة أن الألفاظ لا تنصرف لمجازاتها الخفية إلا بالنية ~~وأن اللفظ لا يزال منصرفا إلى الحقيقة اللغوية دون مجازه ms463 المرجوح حتى تصرفه ~~نية المجاز المرجوح فإلزام الكفارة بمجرد هذه الألفاظ من غير نية خلاف ~~القواعد بل ينبغي أن يقال إن أراد بهذه الألفاظ صفة قديمة لزمته الكفارة ~~وإلا فلا (المسألة الرابعة) إذا قيل لك رحمة الله وغضبه قائمان بذاته أم لا ~~وهل هما واجبا الوجود أم لا وهل كانا في الأزل أم لا ونحو ذلك من الأسئلة ~~فخرج جوابك في جميع هذه الأسئلة في جميع هذه الألفاظ على مذهب الشيخ أبي ~~الحسن وعلى مذهب القاضي فعلى مذهب الشيخ تقول قائمان بذاته واجبا الوجود ~~أزليان صفتان لله تعالى وعلى مذهب القاضي تقول ليسا قائمين بذاته بل ممكنان ~~مخلوقان حادثان ليسا بأزليين. # وكذلك جميع ما يرد من هذه الأسئلة في جميع هذه الألفاظ (المسألة الخامسة) ~~مقتضى ما قاله مالك - رحمه الله - في قوله علي ميثاق الله وكفالته أنه يوجب ~~الكفارة أنه إذا قال هاهنا علي رزق الله أو خلقه أن تجب عليه الكفارة # PageV03P050 # فإن المدرك هناك إن كان هو أن العرف نقلها لنذر ~~الكفارة في زمانه - رضي الله عنه - فصار النطق بهذه العبارة نذرا للكفارة ~~فتلزمه بالنذر لا بالحلف لأنه هو مقتضى لفظ علي فإنها لا تستعمل إلا في ~~النذر ونحوه وليست من حروف القسم إجماعا بل من حروف اللزوم والنذر كقوله ~~لله علي صوم يوم وصدقة دينار ونحو ذلك فكذلك يلزمه هنا إذا وجد عرف في رزق ~~الله وخلقه وأنه صار قوله علي رزق الله أنه نذر أن يتصدق بشيء من رزق الله ~~تعالى أو ببعض خلقه من نبات أو جماد أو حيوان مما يسوغ التصدق به كالبقرة ~~والغنم ونحوهما وأن يسوي بين المسألتين إن وجد في العرف الموجب لنقلهما ~~للنذر لزم وإن لم يوجد العرف الناقل للنذر لم يلزم وكذلك إذا وجد عرف يوجب ~~النقل لنذر غير الكفارة يجب ذلك المعنى الذي نقل العرف اللفظ إليه فيجب ولا ~~تجب الكفارة بل يدور مع العرف كيفما دار وإن كان المدرك النية فتصح أيضا في ~~خلق الله تعالى ورزقه أن ينوي ms464 بهما إرادة الخلق وإرادة الرزق الإرادة ~~القديمة فتجب الكفارة إن كان نوى الحلف أو النذر إن كان نوى بعض المندوبات ~~من الأفعال. # وعلى كل تقدير فالمسألتان سواء واعلم أنه إذا كان المدرك العرف الناقل ~~فلا بد من النقل في لفظة علي إلى القسم فتكون بمعنى الباء والواو وحروف ~~القسم # PageV03P051 # فتجب الكفارة وتكون يمينا أو يقع النقل في أمانة الله ~~وميثاقه ويكون قد عبر بهما عما يلزمه بسبب الحنث فيهما وهو الكفارة فيكون ~~نذرا للكفارة بلفظ الموجب لها نقلا عرفيا ويكون مجازا رابحا من باب التعبير ~~بالسبب عن المسبب فإن الكفارة مسببة على الحلف بهذه الألفاظ فلا بد من أحد ~~هذين النقلين فيما قاله مالك في قوله علي عهد الله وميثاقه ومتى فقد النقل ~~فلا بد من النية الصارفة للنذر أو الحلف بالصفة القديمة واستعمال علي مجاز ~~ومتى فقد العرف والنية تعين أن لا يجب بجميع هذه الألفاظ شيء ألبتة كما لو ~~قال علي علم الله وعلي سمع الله وبصره فإن هذه الألفاظ لا توجب شيئا إلا ~~بالنية ونقل عرفي ولعل الإمام حمل ذلك على ذلك فتأمل. # (القسم الخامس من صفات الله تعالى) الصفات الجامعة لجميع ما تقدم من ~~الأقسام الأربعة وهي عزة الله وجلاله وعلاه وعظمته وكبرياؤه ونحو ذلك من ~~هذا المعنى فإنك تقول جل بكذا أو جل عن كذا فتندرج في الأولى الصفات ~~الثبوتية كلها قديمة أو حادثة فكما جل الله تعالى بعلمه وصفاته السبعة التي ~~هي صفات ذاته تعالى جل أيضا ببدائع مصنوعاته # PageV03P052 # وغرائب مخترعاته ويندرج في الثاني جميع السلوب ~~للنقائص فيصدق أن الله تعالى جل عن الشريك وعن الحيز والجهة وغير ذلك مما ~~يستحيل عليه سبحانه وتعالى ولما كان لفظ الجلال والعظمة يحتمل جل بكذا وجل ~~عن كذا وعظم بكذا وعظم عن كذا اندرج الجميع في اللفظ عند الإطلاق فكانت هذه ~~الصفات شاملة لجميع الصفات الثبوتية والسلبية والقديمة والمحدثة فيكون ~~الحلف بها يوجب الكفارة لاشتمالها على الموجب للكفارة وهو الصفات القديمة ~~وغير الموجب وهو الصفات المحدثة وإذا ms465 اجتمع الموجب وغير الموجب كان اللازم ~~الإيجاب عملا بالموجب والقسم الآخر كما أنه لا يقتضي كفارة لا يمنع الموجب ~~للكفارة من إيجابه للكفارة وهاهنا ثلاث مسائل (المسألة الأولى) إذا قال ~~القائل سبحان من تواضع كل شيء لعظمته هل يجوز هذا الإطلاق أم لا فقال بعض ~~فقهاء العصر لا يجوز هذا الإطلاق لأن عظمة الله تعالى صفته والتواضع للصفة ~~عبادة لها وعبادة الصفة كفر بل لا يعبد إلا الله تعالى ولو عبد عابد علم ~~الله تعالى أو إرادته وغير ذلك من صفاته كفر بل المعبود واحد وهو ذات الله ~~تعالى وهو الذات الموصوفة بصفات الجلال ونعوت الكمال والمراد بالعبارتين ~~واحد. # وقال قوم يجوز هذا الإطلاق وهو الصحيح # PageV03P053 # وعظمة الله تعالى هي المجموع من الذات والصفات وهذا ~~المجموع هو المعبود وهو الإله وهو الذي يجب توحيده وتوحده ولا ثاني له وهو ~~الذي يجب التواضع له كما تقول عظمة الملك جيشه وأمواله وأقاليمه التي ~~استولى عليها وسطوته وغير ذلك مما وقعت به العظمة في دولته كذلك عظمة الله ~~تعالى هي هذه الأمور كلها مع ذاته تعالى فهي أيضا من موجبات عظمته فإن أراد ~~هذا المطلق هذا المعنى أو لم تكن له نية فلا شيء عليه وإن أراد صفة واحدة ~~من صفات الله تعالى وأنها حصل التواضع لها وهو العبادة امتنع وربما كان ~~كفرا وهو الظاهر وإن أراد بالتواضع غير العبادة وهو القهر والانقياد لإرادة ~~الله تعالى وقضائه وقدره وقدرته فهذا أيضا معنى صحيح فإن جميع العالم مقهور ~~بقدرة الله تعالى وقدره فالتواضع بهذا التفسير أيضا سائغ لا محذور فيه بل ~~يجب اعتقاده # PageV03P054 # فهذا تلخيص الحق في هذه المسألة والفتيا فيها ~~(المسألة الثانية) # قال عبد الحق في تهذيب الطالب الحالف بعزة الله تعالى وعظمته وجلال الله ~~عليه كفارة واحدة. # وهو متجه في إيجاب الكفارة واتحادها لا في الجواز وعدم النهي مع أنه لم ~~يتعرض له لعدم النهي بل للزوم كفارة أما لزوم الكفارة فلما تقدم من أن هذه ~~الألفاظ مشتملة على الموجب وعلى غير ms466 الموجب فتجب وأما اتحادهما فلأن العظمة ~~والجلال والعلا ونحو ذلك هو المجموع والمجموع واحد فتعددت الألفاظ واتحد ~~المعنى فاتحدت الكفارة وأما أنه دخل فيه النهي فلاندراج المحدثات فيه كما ~~تقدم بيانه فيكون قد حلف بقديم ومحدث ففعل مأمورا به ومنهيا عنه ومن فعل ~~مأمورا به ومنهيا عنه فقد ارتكب المنهي عنه وهذا ظاهر إلا أن ينوي الحالف ~~بهذه الألفاظ القديم وحده فلا نهي حينئذ أو يكون هناك عرف اقتضى تخصيص هذه ~~الألفاظ بالقديم خاصة فلا نهي حينئذ أما مجرد اللفظ اللغوي فموجب لاندراج ~~المحدث مع القديم (المسألة الثالثة) # أن هذه الصفات تارة تكون بلفظ التذكير كقولنا وجلال الله وعلاء الله ~~وتارة تكون بلفظ التأنيث كقولنا وعزة الله وعظمة الله فأما لفظ التذكير فلا ~~كلام فيه هاهنا وأما لفظ التأنيث بالهاء فإنه مشعر بشيء واحد مما يصدق عليه ~~ولذلك تفرق العرب بين قول القائل عز زيد عزا وعز عزة فالأول يحتمل جميع ~~أنواع العز مفردة ومجموعة فإذا وجدت الإضافة أو الألف واللام الموجبتين ~~العموم كان العموم في جميع أفراد ذلك النوع وإن فقدت الإضافة والألف واللام ~~بقي مطلقا وأما اللفظ الثاني وهو عز زيد # PageV03P055 # عزة فإنه لا يتناول لغة إلا فردا واحدا من العزة إما ~~بماله أو بجاهه أو بسطوته أو بغير ذلك من أسباب العزة وإن كان موضوعه لغة ~~فردا واحدا من العزة وأضيفت إلى الله تعالى لم يتعين العموم فيه فاحتمل ~~المحدث فإن العزة تصدق بالمحدث أيضا من جهة أن العزيز هو الذي امتنع من نيل ~~المكاره والعزيز أيضا هو الذي لا نظير له وقد ذكر العلماء المعنيين في ~~تفسير اسمه تعالى العزيز ولا شك أنه تعالى لا نظير له في مبتدعاته ~~ومخلوقاته. # فإن كانت العزة من هذه الجهة كان فيها إشارة إلى المخلوقات المحدثات فلا ~~تجب الكفارة ولهذه الإشارة، نقل صاحب اللباب في شرح الجلاب عن مالك في ~~الحلف بعزة الله تعالى هل توجب كفارة أم لا فيه روايتان لأجل التردد في لفظ ~~العزة وأما لفظ العظمة فإن ms467 بينه وبين لفظ العزة فرقا فإن العرب تقول عظم ~~زيد عظمة في غالب استعمالهم فكأنه هو المصدر المتعين دون عظما بغير تاء ~~التأنيث وأما عز عزا فمشهور ولا ينطق بهاء التأنيث إلا إذا قصدت الوحدة نحو ~~ضرب ضربة فلا يتناول إلا ضربة واحدة كذلك عزة لا يتناول إلا عزة واحدة فإذا ~~أضيف لا يكون المضاف عاما بل فردا واحدا غير معين وقد قال الغزالي في ~~المستصفى إن اللام في هذا الجنس لا تفيد تعميما بل إنما تفيد اللام التعريف ~~تعميما فيما ليس محدودا بالتاء نحو الرجل والبيع فكذلك لا تفيده الإضافة ~~عموما اعتبارا فاللام التعريف، والجامع بينهما أنهما أداتا تعريف فهذا بحث ~~يمكن أن يلاحظ في هذا الموضع والله أعلم # (الفرق السابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة إذا حلف به من ~~أسماء الله تعالى وبين قاعدة ما لا يوجب) # اعلم أن أسماء الله تعالى تسعة وتسعون اسما مائة إلا واحدا خرجه الترمذي ~~وهي إما لمجرد الذات كقولنا الله فإنه اسم للذات على الصحيح وكذلك إن اختار ~~صاحب الكشاف أنه اسم للذات من حيث هي هي وهو علم عليها واستدل على ذلك ~~بجريان النعوت عليه فتقول الله الرحمن الرحيم وقيل هو اسم للذات مع جملة ~~الصفات فإذا قلنا الله فقد ذكرنا جملة صفات الله تعالى وقلنا الذات ~~الموصوفة # PageV03P056 # بالصفات الخاصة وهذا المفهوم الإله المعبود وهو الذات ~~الموصوفة بصفات الكمال ونعوت الجلال وهذا المعلوم هو الذي ندعي توحده ~~وتنزهه عن الشريك والمماثلة أي هذا المجموع يستحيل أن يكون له مثل، وقد ~~يكون الاسم موضوعا للذات مع مفهوم زائد وجودي قائم بذات الله سبحانه وتعالى ~~نحو قولنا عليم فإنه اسم للذات مع العلم القائم بذاته تعالى أو وجودي منفصل ~~عن الذات نحو خالق فإنه اسم للذات مع اعتبار الخلق في التسمية وهو مفهوم ~~وجودي منفصل عن الذات، أو موضوعا للذات مع مفهوم عدمي نحو قدوس فإنه اسم ~~للذات مع القدس الذي هو التطهير عن النقائص والبيت المقدس أي طهر من فيه ms468 من ~~الأنبياء والأولياء عن المعاصي والمخالفات، أو يكون موضوعا للذات مع نسبة ~~وإضافة كالباقي فإنه اسم للذات مع وصف البقاء وهو نسبة بين الوجود والأزمنة ~~فإن البقاء استمرار الوجود في الأزمنة وهو أعم من الأبدي لصدق الباقي في ~~زمانين فأكثر وأما الأبدي فلا بد من استمراره مع جملة الأزمنة المستقبلة ~~كما أن الأزلي هو الذي قارن وجوده جميع الأزمنة الماضية متوهمة أو محققة ~~فهذه خمسة أقسام ثم هي تنقسم بحسب ما يجوز إطلاقه وبحسب ما لا يجوز إطلاقه ~~إلى أربعة أقسام، ما ورد السمع به ولا يوهم نقصا نحو العليم فيجوز إطلاقه ~~إجماعا في مورد النص وفي غيره، وما لم يرد السمع به وهو يوهم نقصا فيمتنع ~~إطلاقه إجماعا نحو متواضع ودار وعلامة فإن التواضع يوهم الذلة والمهانة ~~والدراية لا تكون إلا بعد تقدم شك كذا نقله أبو علي والعلامة من كثرت ~~معلوماته والله تعالى كذلك غير أن هاء التأنيث توهم تأنيث المسمى والتأنيث ~~نقص فلا يجوز إطلاق شيء من هذه الألفاظ ونحوها ألبتة # (القسم الثالث) ما ورد السمع به وهو يوهم نقصا فيقتصر به على محله نحو ~~ماكر ومستهزئ فإن المكر والاستهزاء في مجرى العادة سوء خلق وقد ورد السمع ~~به في قوله تعالى {والله خير الماكرين} [آل عمران: 54] {الله يستهزئ بهم} ~~[البقرة: 15] والمحسن لذلك المقابلة كقوله تعالى {ومكروا ومكر الله والله ~~خير الماكرين - قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 54 - 14] {الله ~~يستهزئ بهم} [البقرة: 15] فحصلت المقابلة بين المكرين والاستهزاءين ن فكان ~~ذلك حسنا لأنه اللائق بفصاحة القرآن وبلاغته فيقتصر بمثل هذه الألفاظ على ~~موارد السمع ولا يذكر في غير هذه التلاوة فلا نقول اللهم امكر بفلان ولا ~~مكر الله به ولا اللهم استهزئ بفلان ولا استهزأ الله به وكذلك بقية هذا ~~الباب فهذه ثلاثة أقسام لم أعلم فيها خلافا وحكي في هذه الأحكام الإجماع # (القسم الرابع) ما لم يرد السمع به وهو غير موهم فلا يجوز إطلاقه عند ~~الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء ms469 ويجوز إطلاقه عند ~~القاضي أبي بكر الباقلاني نحو قولنا يا سيدنا هل يجوز أن ينادى الله تعالى ~~بهذا الاسم أم لا قولان ومدرك الخلاف هل يلاحظ انتفاء المانع # PageV03P057 # وهو الإيهام ولم يوجد فيجوز أو يقول الأصل في أسماء ~~الله تعالى المنع إلا ما ورد السمع به ولم يرد السمع فيمتنع وهو الصحيح عند ~~العلماء فإن مخاطبة أدنى الملوك تفتقر إلى معرفة ما أذنوا فيه من تسميتهم ~~ومعاملتهم حتى يعلم إذنهم في ذلك فالله تعالى أولى بذلك ولأنها قاعدة الأدب ~~والأدب مع الله تعالى متعين لا سيما في مخاطباته بل ليس لأحد أن يوقع في ~~صلاة من الصلوات ولا عبادة من العبادات إلا ما علم إذن الله تعالى فيه ~~فمخاطبة الله تعالى وتسميته أولى بذلك وقد كان الشيخ زكي الدين عبد العظيم ~~المحدث - رحمه الله - يقول قد ورد حديث في لفظ السيد فعلى هذا يجوز إطلاقه ~~على المذهبين إجماعا وقس على هذا المثل ما أشبهها قال الشيخ أبو الطاهر بن ~~بشير فكل ما جاز إطلاقه جاز الحلف به وأوجب الكفارة، وما لا يجوز إطلاقه لا ~~يجوز الحلف به ولا يوجب الحلف به كفارة فتنزل الأقسام الأربعة المتقدمة على ~~هذه الفتيا وها هنا ثلاث مسائل (المسألة الأولى) # قال أصحابنا من حلف باسم من أسماء الله تعالى التي يجوز إطلاقها عليه ~~تعالى وحنث لزمته الكفارة وقال الشافعية والحنابلة أسماء الله تعالى قسمان ~~منها ما هو مختص به تعالى فهو صريح في الحلف كقولنا والله والرحمن فهذا ~~ينعقد به اليمين بغير نية ومنها ما لا يختص به تعالى كالحكيم والعزيز ~~والرشيد والقادر والمريد والعالم فهي كنايات لا تكون يمينا إلا بالنية لأجل ~~التردد بين الموجب وغير الموجب وهذا التردد أجمعنا عليه في الطلاق وغيره ~~وأن التردد لا ينصرف للطلاق ولا لمعنى يقع التردد فيه إلا بالنية فكذلك ها ~~هنا ووجه التردد في هذه الأسماء المذكورة بين إرادة الله تعالى بها وبين ~~المخلوق واضح وأن البشر يسمى بهذه الأسماء حقيقة وأن هذا اللفظ يطلق على ms470 ~~الموضعين بالتواطؤ ولا يتعين اللفظ المتواطئ إلا بالنية وكفى بهذا في بيان ~~التردد والاحتياج للنية وهذا كلام حسن قوي معتبر في كثير من أبواب الفقه ~~كالظهار والعتق وغيرهما ولنا عنه جواب حسن. # وهو أن القاعدة أن الألفاظ المفردة تبقى على معناها اللغوي وينقل أهل ~~العرف المركب من المفردين لبعض أنواع ذلك الجنس كما قلنا في لفظ الرءوس ~~تصدق على رءوس جميع الحيوانات ولفظ الأكل يصدق على كل فرد من أفراد الأكل ~~في أي مأكول كان وإذا ركبنا هاتين اللفظتين فقلنا والله لا أكلت رءوسا أو ~~أكلت رءوسا لا يفهم أحد إلا رءوس الأنعام دون غيرها بسبب أن أهل العرف ~~نقلوا هذا المركب لهذه الرءوس الخاصة دون بقية الرءوس فكذلك لفظ العليم ~~والقادر والمريد يصدق على كل عالم وقادر ومريد ومع ذلك فقد نقل أهل العرف ~~قولنا: وحق العليم وغير ذلك من الأسماء مع الحالف إلى خصوص أسماء الله ~~تعالى فهو من المركبات المنقولة فلا يفهم أحد عند سماعه الحلف بهذه الأسماء ~~إلا أسماء الله تعالى خاصة وإذا صارت # PageV03P058 # الكناية منقولة في العرف إلى معنى آخر صارت صريحة فيه ~~فلذلك ألحقنا كنايات كثيرة في باب الطلاق فكذلك بصريحه لما اشتهرت في ~~الطلاق بسبب نقل العرف أياها للطلاق فكذلك ها هنا. # وهذا الجواب حسن من حيث الجملة غير أنه لا يطرد في جميع الأسماء وإنما ~~يستقيم في الأسماء التي جرت العادة بالحلف بها فينفي النقل العرفي الاحتمال ~~اللغوي وأما ما لم تجر العادة بالحلف به كالحكيم والرشيد ونحوهما فلعل ~~كثيرا من الناس لا يعلمها أسماء لله تعالى فلم يشتهر الحلف بها ولم أعلم ~~أني رأيت من أسماء الله تعالى الرشيد إلا في الترمذي حيث عدد أسماء الله ~~الحسنى مائة إلا واحدا وأصحابنا عمموا الحكم في الجميع ولم يفصلوا وهو مشكل ~~ولا يمكن أن يقال إن عادة المسلمين لا يحلفون بغير الله تعالى وأسمائه ~~فتنصرف جميع الأسماء لله تعالى بقرينة الحلف لأنا نقول إنا نجدهم يحلفون ~~بآبائهم وملوكهم ويقولون ونعمة السلطان وحياتك يا ms471 زيد ولعمري لقد قام زيد ~~فيحلف بعمره وحياة مخاطبه طول النهار فليس ظاهر حالهم الانضباط ولا حصل في ~~الأسماء القليلة الاستعمال عرف ولا نقل يعتمد عليه فيستصحب فيها حكم اللغة ~~وأن اللفظ صالح للقديم هذا هو الفقه (المسألة الثانية) # قال صاحب الخصال الأندلسي يجوز الحلف ويوجب الكفارة قولك باسم الله ~~لأفعلن وهذه المسألة فيها غور بعيد بسبب أن الاسم ها هنا إن أريد به المسمى ~~استقام الحكم وإن لم يرد به المسمى فقد حكى ابن السيد البطليوسي أن العلماء ~~اختلفوا في لفظ الاسم هل هو موضوع للقدر المشترك بين أسماء الذوات فلا ~~يتناول إلا لفظا هو اسم أو وضع في لغة العرب للقدر المشترك بين المسميات ~~فلا يتناول إلا مسمى قال وهذا هو تحقيق خلاف العلماء في أن الاسم هو المسمى ~~أم لا وأن الخلاف إنما هو في لفظ " اسم " الذي هو ألف سين ميم وأما لفظ نار ~~وذهب فلا يصح أن يقول عاقل إن لفظ نار هو عين النار حتى يحترق فم من نطق ~~بهذا اللفظ ولا لفظ ذهب هو عين الذهب المعدني حتى يحصل الذهب المعدني في فم ~~من نطق بلفظ الذهب وإنما الخلاف في لفظ الاسم خاصة وإذا فرعنا على هذا ~~وقلنا الاسم موضوع للقدر المشترك بين الأسماء وأن مسماه لفظ حينئذ فينبغي ~~أن لا تلزم به كفارة ولا يجوز الحلف به كما لو قلنا ورزق الله وعطاء الله ~~فإن إضافة المحدث إلى الله تعالى لا تصيره مما يجوز الحلف به ولا يوجب ~~الكفارة كذلك إذا أضيف الاسم إلى الله تعالى يكون على هذا التقدير إضافة ~~لفظ مخلوق لله عز وجل فلا يوجب كفارة. # وإن قلنا هو موضوع للقدر المشترك بين المسميات والقاعدة أن الدال على ~~الأعم غير دال على الأخص فاللفظ الدال على القدر المشترك بين جميع المسميات ~~لا يكون # PageV03P059 # دالا على خصوص واجب الوجود سبحانه وتعالى وما لا يكون ~~دالا عليه لغة لا ينصرف إليه إلا بنية أو عرف ناقل ولا واحد منهما فلا تجب ms472 ~~الكفارة ولا يتعين صرف اللفظ لله تعالى فهذا تحرير هذه المسألة (المسألة ~~الثالثة) # قال اللخمي قال ابن عبد الحكم ها الله يمين توجب الكفارة مثل قوله تالله ~~فإنه يجوز حذف حرف القسم وإقامة ها التنبيه مقامه وقد نص النحاة على ذلك " ~~فائدة " الألف واللام في أسماء الله تعالى للكمال قال سيبويه تكون لام ~~التعريف للكمال تقول زيد الرجل تريد الكامل في الرجولية وكذلك هي في أسماء ~~الله تعالى فإذا قلت الرحمن أي الكامل في معنى الرحمة أو العليم أي الكامل ~~في معنى العلم وكذلك بقية الأسماء فهي لا للعموم ولا للعهد ولكن للكمال. # (الفرق الثامن والعشرون والمائة بين قاعدة ما يدخله المجاز في الأيمان ~~والتخصيص وقاعدة ما لا يدخله المجاز والتخصيص) # اعلم أن الألفاظ على قسمين نصوص وظواهر فالنصوص هي التي لا تقبل المجاز ~~ولا التخصيص والظواهر هي التي تقبلها، فالنصوص التي هي كذلك قسمان أسماء ~~للأعداد نحو الخمسة والعشرة وغير ذلك من أسماء الأعداد أولها الاثنان ~~وآخرها الألف ولم تصنع العرب بعد ذلك لفظا آخر للعدد بل عادت إلى رتب ~~الأعداد فقالت ألفان وهذا هو التثنية فتكرر مراتب الأعداد وهي أربعة: ~~الآحاد إلى العشرة والعشرات إلى المائة والمئات إلى الألف ثم الألوف فهذه ~~الأربعة هي رتب الأعداد وهي آحاد وعشرات ومئات وألوف وتكرر هذه الألفاظ في ~~مراتب الأعداد إلى غير النهاية مكتفية بها من غير النهاية فهذه عند العرب ~~نصوص لا يدخلها المجاز ولا التخصيص فلا يجوز أن تطلق العشرة وتريد بها ~~التسعة ولا غيرها من مراتب الأعداد فهذا هو المجاز وأما التخصيص فلا يجوز ~~أن تقول رأيت عشرة ثم تبين بعد ذلك مرادك بها وتقول أردت خمسة فإن التخصيص ~~مجاز أيضا لكنه يختص ببقاء بعض المسمى، والمجاز قد لا يبقى معه من المسمى ~~شيء كما تقول رأيت إخوتك ثم تقول بعد ذلك أردت بإخوتك نصفهم وهم فلان وفلان ~~فهذا تخصيص وقد بقي اللفظ مستعملا في بعض الإخوة والمجاز الذي ليس بتخصيص ~~أن تقول أردت بإخوتك مساكنهم أو دوابهم ms473 ووجه العلاقة ما بين الإخوة وهذه ~~الأمور من الملابسة وليس المساكن ولا الدواب بعض الإخوة فلم يبق من المسمى ~~شيء فالمجاز أعم من التخصيص فكل تخصيص مجاز وليس كل مجاز تخصيصا فالأعداد ~~لا يدخلها المجاز. # ولا التخصيص فالتخصيص أن تريد بالعشرة بعضها والمجاز أن تريد # PageV03P060 # بالعشرة مسمى العشر أو بالخمسة مسمى الخمس لأن العشرة ~~نسبة العشر لأنها عشر المائة والخمسة نسبة الخمس لأنها خمس الخمسة والعشرين ~~فهذا أجنبي عنها بالكلية # (القسم الثاني) من النصوص الألفاظ التي هي مختصة بالله تعالى نحو لفظ ~~الجلالة ولفظ الرحمن فإنه لا يجوز استعمالها في غير الله تعالى بإجماع ~~الأمة فهذا الامتناع شرعي والامتناع في الإعداد لغوي وأما الظواهر فهي ما ~~عدا هذين القسمين من العمومات نحو المشركين وأسماء الأجناس نحو الأسد وغيره ~~مما وضع لجنس من الجماد أو النبات أو الحيوان أو جنس من قبيل الإعراض نحو ~~العلم والظن والألوان والطعوم والروائح فيجوز المجاز فيها كما يجوز إطلاق ~~العلم ويراد به الظن مجازا كقوله تعالى {فإن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: ~~10] أي ظننتموهن فإن الأيمان أمر باطن لا يعلم ولكن تدل عليه ظواهر الأحوال ~~وكقوله تعالى {فظنوا أنهم مواقعوها} [الكهف: 53] أي قطعوا وعلموا هذا هو ~~المقرر في أصول الفقه وفي أبواب الفقه عند الفقهاء في أبواب الأيمان ~~والطلاق وغيرهما وعليه سؤال وذلك أن العرب قد تستعمل اسم العدد مجازا كقوله ~~تعالى {إن تستغفر لهم سبعين مرة} [التوبة: 80] قال العلماء المراد الكثرة ~~كيف كانت وكذلك قوله سبعون زراعا أي طويلة جدا وخصوص السبعين ليس مرادا بل ~~المراد الكثرة جدا وهذا مجاز قد دخل في السبعين وهم اسم العدد وكذلك قوله ~~تعالى {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} [الملك: 4] . # قال المفسرون المراد بكرتين المراجعة الكثيرة من غير حصر وعبر بلفظ ~~التثنية عن أصل الكثرة وهذا مجاز قد دخل في لفظ كرتين غير أنه ليس من أسماء ~~العدد واسم العدد إنما هو اثنان لكن كرتين في معناها ويقول أهل العرف سألتك ~~ألف مرة فما قضيت ms474 لي حاجة وكذلك زرتك مائة مرة فلم ترع لي ذلك ولا يريدون ~~خصوص الألف والمائة بل الكثرة وهذا مجاز قد دخل في المائة والألف وإذا ~~انفتح الباب في هذه الألفاظ في بعضها انخرم الجزم في بقيتها فلم يبق لنا ~~نصوص ألبتة في أسماء الأعداد غير أن الفقهاء مطبقون على ما تقدم والواقع ~~كما ترى فتأمله وعلى ما تقدم من صحة القاعدتين والفرق بينهما تتخرج ثلاث ~~مسائل (المسألة الأولى) # إذا حلف ليعتقن ثلاثة عبيد اليوم فأعتق عبدين وقال أردت بلفظ ثلاثة ~~الاثنين لم تفده نيته وحنث إن خرج اليوم ولم يعتق الثالث لأن استعمال لفظ ~~الثلاثة في الاثنين مجاز وهو لا يدخل في أسماء الأعداد وكذلك بقية أسماء ~~الأعداد لا تفيد فيها النية في الأيمان ولا في الطلاق ولا في غيرهما ~~(المسألة الثانية) # إذا قال والله لأعتقن عبيدي قال أردت بعضهم على سبيل التخصيص أو أردت ~~بعبيدي دوابي وأردت بالعتق بيعها أفاده ذلك لأنه يجوز استعمال العبيد مجازا ~~في الدواب والعلاقة الملك في الجميع واستعمال العتق مجاز في البيع والعلاقة ~~بطلان الملك فهذا تفيده فيه النية والمجاز (المسألة الثالثة) # إذا قال والله لأعتقن ثلاثة # PageV03P061 # عبيد ونوى أنه يبيع ثلاث دواب من دوابه صح لأن لفظ ~~ثلاثة لم يدخله مجاز وإنما دخل المجاز في المعدود وهو اسم جنس أعني العبيد ~~فعبر بجنس العبيد عن جنس الدواب وذلك جائز ولم يعبر بلفظ الثلاث عن غير ~~الثلاث فهو على بابه ونظيره من الطلاق أن يقول أنت طالق ثلاثا ويريد ~~بالثلاث اثنتين أو واحدة لا يفيده ذلك وإن قال أردت أنك طلقت ثلاث مرات من ~~الولد أفاده ذلك ولم يلزمه طلاق في الفتيا ولا في القضاء إن لم تقم عليه ~~بينة أو قامت لكن هناك من القرائن ما يعضده وإلا لزمه الطلاق الثلاث في ~~القضاء دون الفتيا. # وقد أشكل ذلك على بعض الفقهاء فقال أثرت النية في الكل ولم تؤثر في البعض ~~وذلك خلاف القواعد فإن النية أبطلت الطلقات الثلاث كلها إذا نوى طلق الولد ms475 ~~وهذا هو جملة مدلول اللفظ فأولى أن يبطل بعض مدلول اللفظ وهو أن يريد ~~بالثلاث اثنتين وجوابه أن النية إنما أثرت في لفظ المعدود فقط وهو الطلاق ~~وأما اسم العدد فباق على حاله ثلاثا غير أنه لما تغير المعدود وانتقل انتقل ~~العدد معه على حاله وهو ثلاث من غير تغيير لمفهوم الثلاث فدخل التغيير ~~والمجاز في اسم الجنس الذي هو الطلاق لأن الطلاق اسم جنس دون الثلاث لأنه ~~اسم عدد فلم يدخل فيه مجاز ألبتة غير أن معدوده تغير من الطلاق الذي هو ~~إزالة العصمة إلى جنس آخر وهو طلق الولد أو غيره من الأجناس فلا إشكال ~~حينئذ فإن قلت لو قال والله أو والرحمن لا فعلت كذا وقال أردت بلفظ الجلالة ~~أو بلفظ الرحمن غير الله تعالى وعبرت بهذا اللفظ عن بعض المخلوقات لله من ~~باب إطلاق الفاعل على أثره لما بينهما من العلاقة والحلف بالمخلوق لا تلزم ~~به كفارة فلا تلزمني كفارة هل تسقط عنه الكفارة بناء على هذا المجاز قلت ~~ظاهر كلام العلماء أن هذا تلزمه الكفارة إذا حنث وأن هذين اللفظين لا يجوز ~~استعمالهما لغير الله تعالى. # وما امتنع شرعا فهو كالمعدوم حسا فتلزمه الكفارة وهذا بخلاف لو قال أردت ~~بقولي والعليم والعزيز وغير ذلك من أسماء الله تعالى أو كفالة الله وعهد ~~الله وعلم الله وغير ذلك من صفاته التي تقدم بسطها بعض مخلوقاته ممن هو ~~عليم أو عزيز أو بعض صفات البشر من العلم والكفالة والعهد وغير ذلك فأضفته ~~إلى الله تعالى إضافة الخلق للخالق فإنا نسمع هذه النية وتفيده في إسقاط ~~الكفارة لأن هذه الألفاظ ليست نصوصا بل أسماء أجناس وقد قال جماعة من ~~العلماء إنها كنايات لا تكون يمينا إلا بالنية لقوة التردد عندهم والاحتمال ~~وقد حكيته فيما مضى عن الشافعية والحنابلة والحنفية وقالوا ذلك أيضا في ~~الصفات واشترطوا فيها الشهرة العرفية ونحن وإن لم نوافقهم على ذلك فنحن ~~نلزمه الكفارة بناء على الظهور والصراحة لا بناء على النصوصية التي لا تقبل ms476 ~~المجاز فتأمل هذه المواطن وما تفيد فيه نية المجاز وما لا تفيد فإنه فرق ~~محتاج إليه في الفتيا والقضاء حاجة شديدة وقد اتضح # PageV03P062 # إيضاحا حسنا من فضل الله عز وجل. # (الفرق التاسع والعشرون والمائة بين قاعدة الاستثناء وقاعدة المجاز في ~~الأيمان والطلاق وغيرهما) # اعلم أن الاستثناء هو ما كان بإلا وحاشا وخلا وعدا ولا يكون وليس وبقية ~~أخواتها وهي إحدى عشرة أداة مستوعبة في كتب النحو والمجاز هو اللفظ ~~المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما وإذا علمت حقيقتهما فاعلم أنهما ~~بحسب مواردهما التي يردان عليها كل واحد أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه ~~وضابط الأعم من وجه والأخص من وجه أن يكون كل واحد منهما يوجد منفردا ومع ~~الآخر فينفرد كل واحد منهما بصورة ويجتمعان في صورة كالحيوان والأبيض يوجد ~~الأبيض بدون الحيوان في الجير والثلج والحيوان بدون الأبيض في الزنج ~~والجاموس ويجتمعان معا في كل حيوان أبيض كذلك الاستثناء والمجاز يوجد كل ~~واحد منهما في صورة لا يجوز وجود الآخر فيها ويجوز أن يجتمعا في صورة يجوز ~~دخولهما فيها وتكون قابلة لهما وأبين ذلك بالمثل مثال الصورة التي يدخلها ~~الاستثناء دون المجاز ويمتنع استعمال المجاز فيها أسماء الأعداد فلا يجوز ~~إطلاق العشرة ويراد بها تسعة. # وقد تقدم تقريره وما عليه في الفرق الذي قبل هذا قال صاحب المقدمات الشيخ ~~أبو الوليد بن رشد لا يجوز الاستثناء بإلا من الأعداد وإن اتصل ما لم يبن ~~كلامه عليه نحو والله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا درهما وكذلك أنت طالق ثلاثا ~~إلا واحدة بخلاف العموم وبخلاف الاستثناء بمشيئة الله فإنه يكفي فيه ~~الاتصال وإن لم يبن الكلام عليه ومثال الصورة التي يدخلها المجاز دون ~~الاستثناء المعطوفات فإذا قلت رأيت زيدا وعمرا إلا عمرا لم يجز لغة لما فيه ~~من إبطال حكم عمرو وهو منصوص عليه فأنت مستثن لجملة ما نطقت به في ~~المعطوفات واستثناء جملة كلام منطوق به ممنوع وكذلك أعط زيدا درهما ودرهما ~~إلا درهما ممتنع لاستثناء جملة ms477 منطوق بها بخلاف أعطه ثلاثة دراهم إلا درهما ~~ويجوز المجاز في المعطوفات وأن يريد بالثاني غير الأول في الصورتين إحداهما ~~الأسماء المترادفة كقوله تعالى {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} [يوسف: 86] ~~. # والحزن هو البث وقد أريد به الأول ولو قلت أشكو بثي وحزني إلا حزني لم ~~يجز وكذلك يجوز أن تقول أعطه برا وحنطة وتعطف الشيء على نفسه إذا اختلف ~~اللفظ كذلك نص عليه النحاة ولو قلت رأيت برا وحنطة إلا حنطة لم يجز لأن ~~الاستثناء إنما جعل لإخراج ما التف في الكلام وهو غير مراد وما قصد بالعطف ~~لا بد أن يكون مرادا فالجمع بينهما يقتضي أن يكون مرادا وغير مراد وهو جمع ~~بين النقيضين الصورة الثانية أن تكون الألفاظ متباينة غير مترادفة ويريد ~~بالثاني الأول على سبيل المجاز كقولك # PageV03P063 # رأيت زيدا والأسد وتريد بالأسد زيدا لشجاعته فهذا ~~يجوز، ولا يجوز دخول الاستثناء فيه لأنك أتيت باللفظ الثاني لقصد المبالغة ~~بالمعنى المجازي فإن قولك لزيد أسد أبلغ من قولك شجاع. # وإذا كان هذا المعنى مقصودا للعقلاء في مخاطباتهم لا يجوز إبطاله ~~بالاستثناء فهذان مثالان لما ينفرد به كل واحد منهما عن صاحبه، ومثال ~~اجتماعهما في صحة الدخول فيه والاستعمال العمومات والظواهر كلها يجوز دخول ~~الاستثناء فيها والمجاز فتقول في العموم رأيت إخوتك إلا زيدا فهذا استثناء ~~وتقول رأيت إخوتك وتريد دار إخوته أو أمير إخوته لما بين الدار والأمير من ~~الملابسة هذا في العموم وأما الظواهر التي ليست بعموم نحو لفظ الأسد والفرس ~~وجميع أسماء الأجناس يجوز دخول المجاز فيها إذا وجدت العلاقة ودخول ~~الاستثناء فتقول رأيت أسدا إلا يده وإلا رأسه بشرط أن لا يستوعبه. # وكذلك رأيت فرسا إلا رأسه ويجوز دخول المجاز فتريد بالأسد زيدا الشجاع ~~وبالفرس حماره الفاره لشبهه بالفرس في سرعة جريه وقس على ذلك بقية أسماء ~~الأجناس فهذا القسم يدخل فيه المجاز والاستثناء غير أن المجاز لك أن تتجوز ~~بجملة الاسم عن جميع المسمى إلى غيره كما عدلت عن الأسد بجملته إلى الرجل ~~الشجاع ms478 وليس لك استثناء جملة الأسد لأنه يشترط في الاستثناء أن يبقى بعده ~~شيء مما دخل عليه الاستثناء فهذا الوجه يقع به الفرق في هذا القسم لا في ~~جواز الدخول، فقد ظهر لك أن الاستثناء يوجد في صورة لا يوجد فيها المجاز ~~ويوجد المجاز في صورة لا يوجد فيها الاستثناء ويجتمعان في صورة فيكون كل ~~واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه وهو المطلوب وبه ظهر الفرق بين ~~قاعدتيهما حتى يعلم في أي صورة يجوز استعمال كل واحد منهما وفي أي صورة ~~يمتنع ويفيد ذلك نفعا عظيما في الأيمان والطلاق وغيرهما فإن من استعمل ~~واحدا منهما في مكان لا يجوز استعماله فيه بطل استعماله له ولزمه أصل ~~الكلام الأول بمقتضى وضع اللغة فاعلم ذلك فهي قاعدة الفقه. # (الفرق الثلاثون والمائة بين قاعدة ما تكفي فيه النية في الأيمان وقاعدة ~~ما لا تكفي فيه النية) # اعلم أن النية تكفي في تقييد المطلقات وتخصيص العمومات وتعميم المطلقات ~~وتعيين أحد مسميات الألفاظ المشتركات وصرف اللفظ عن الحقائق إلى المجازات ~~ولا تكفي عن الألفاظ التي هي # PageV03P064 # أسباب ولا عن لفظ مقصود وإن لم يكن سببا شرعيا ويتضح ~~ذلك بذكر عشر مسائل (المسألة الأولى) # تقييد المطلقات إذا حلف ليكرمن رجلا ونوى به زيدا فلا يبرأ بإكرام غيره ~~لأن رجلا مطلق وقد قيده بخصوص زيد فصار معنى اليمين لأكرمن زيدا وكذلك إذا ~~قيده بصفة في نيته ولم يلفظ بها كقوله والله لأكرمن رجلا وينوي به فقيها أو ~~زاهدا فلا يبرأ بإكرام غير الموصوف بهذه الصفة فهذه صورة تقييد المطلقات. # (المسألة الثانية) # تخصيص العمومات كقوله والله لا لبست ثوبا وينوي إخراج الكتان من يمينه ~~فيصير هذا العموم مخصوصا بهذه النية ولا يحنث إذا لبس الكتان لأنه قد أخرجه ~~بنيته وقد تقدم الفرق بين قاعدة النية المخصصة والنية المؤكدة أن القصد ~~للكتان دون غيره لا يفيد وأن هنالك فرقا جليلا جميلا فليطالع من هنالك. # (المسألة الثالثة) # المحاشاة كما قال مالك إذا قال كل حلال علي حرام ms479 يلزمه الطلاق إلا أن ~~يحاشي زوجته وقال الأصحاب يكفي في المحاشاة مجرد النية والسبب في ذلك أنها ~~تخصيص بعينه من غير زيادة ولا نقصان والتخصيص يكفي فيه إرادة المتكلم فكفى ~~في المحاشاة مجرد إرادة المتكلم فليست المحاشاة شيئا غير التخصيص فاعلم ذلك ~~فهذه هي مواطن الاكتفاء بالنية إجماعا # PageV03P065 # المسألة الرابعة) # في المواطن التي اختلف العلماء في الاكتفاء فيها بالنية وهو ما دل اللفظ ~~عليه التزاما قالت الحنفية لا تؤثر النية فيه تقييدا ولا تخصيصا وقالت بقية ~~الفرق تؤثر النية في المدلول التزاما كالمطابقة من غير فرق ومثلوا هذه ~~المسألة بقول القائل والله لا أكلت فقالت الفرق المالكية والشافعية يجوز أن ~~ينوي مأكولا معينا فلا يحنث بأكل غيره وقالت الحنفية لا يجوز دخول النية ها ~~هنا وإن نوى بطلت نيته وحنث بأي مأكول أكله فإن اللفظ إنما دل مطابقة على ~~نفي الأكل الذي هو المصدر ومن لوازم مصدر الأكل مأكول ما وذلك المأكول لم ~~يلفظ به فلا يجوز دخول النية فيه لأنه مدلول التزامي واحتجوا على ذلك بأمور ~~(أحدها) أن الأصل اعتبار اللفظ المنطوق به بحسب الإمكان خالفنا ذلك فيما دل ~~اللفظ عليه مطابقة وبقي فيما عداه على الأصل ووجه المناسبة أن تحكيم النية ~~في اللفظ باعتبار معناه فرع تناول ذلك اللفظ لذلك المعنى والتناول إنما هو ~~محقق في المطابقة والتضمن أما الالتزام فتبع جاء من جهة العقل فتقرر اللفظ ~~فيه ضعيف فتصرف النية فيه # PageV03P066 # كذلك فلا يترك ما أجمعنا عليه لهذا الضعيف المختلف ~~فيه # (وثانيها) أن الاستقراء دل على أن النية لا تدخل إلا فيما دل اللفظ عليه ~~مطابقة واعتبار النيات في الألفاظ أمر يتبع اللغة ألا ترى أن اللغة لما لم ~~تجوز النية في صرف أسماء الأعداد إلى المجازات امتنع فلا يجوز أن تطلق ~~العشرة وتريد بها التسعة # (وثالثها) أنه لو صح دخول النية في المدلول الالتزامي لصح المجاز في كل ~~لازم المسمى بالنية والقصد إليه وليس كذلك لأن الأسد يلزمه أوصاف كثيرة من ~~البخر والحمى والوبر وكبر الرأس ms480 وغير ذلك ولا يصح التجوز عنه إلا باعتبار ~~الشجاعة خاصة ولا يصح دخول النية في غيرها حتى تصرف للمجاز لأنا نشترط في ~~مثل هذا المجاز وهو مجاز المشابهة أن تكون الصفة التي وقعت فيها المشابهة ~~أظهر صفات المحل المتجوز عنه وحجة المالكية والشافعية من وجوه (أحدها) أنا ~~أجمعنا على ما إذا قال والله لا أكلت أكلا أنه يصح أن ينوي بعض المآكل ~~ويخرج البعض بنيته مع أن أكلا مصدر وأجمع النحاة على أن التصريح به بعد ~~الفعل إنما هو للتأكيد نحو ضربت ضربا فإن الفعل دل عليه فذكره بعد ذلك يكون ~~تكرارا لذكره فيكون تأكيدا لأنه حينئذ مذكور مرتين والتأكيد حقيقته تقوية ~~المعنى الأول من غير زيادة وإلا لكان إنشاء لا تأكيدا وإذا لم يكن التأكيد ~~منشئا كانت الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله لكن الثابت معه اعتبار النية ~~فالثابت قبله اعتبار النية وهو المطلوب # (وثانيها) أن النية اعتبرت في المطابقة إجماعا مع قوة المعارض فأولى أن ~~تعتبر مع ضعف المعارض في دلالة الالتزام بطريق الأولى وإنما قلنا إن ~~المطابقة أقوى معارضة للنية لأن المطابقة هي الأصل المقصود بوضع اللغة ~~وغيرها إنما يفيده اللفظ تبعا لها والأصل أقوى من التابع ومع ذلك إذا عارضت ~~النية المطابقة وصرفت اللفظ عن مدلوله المطابقي للمجاز صح إجماعا مع أن ~~اللفظ يمنعها من ذلك ويقتضي مسماه بطريق الحقيقة فقد قدمت النية على اللفظ ~~المطابقي وهو أقوى في المعارضة من دلالة الالتزام فأولى أن تعتبر النية في ~~دلالة الالتزام ويصرف عموم اللازم إلى خصوصه وتقييد مطلقه وجميع ما أجمعنا ~~عليه في المدلول المطابقي بطريق الأولى وهو المطلوب # (وثالثها) أنا وجدنا الاستثناءات في لسان العرب دخلت على العوارض الخارجة ~~عن المدلول المطابقي واللوازم ولفظ الاستثناء إنما هو فرع عن إرادة المعنى ~~الذي قصد لأجله الاستثناء فإن اللفظ تابع لإرادة المعنى فإنه يقصد به إفهام ~~السامع ما في نفس # PageV03P067 # المتكلم فمتى دخل الاستثناء في المدلول التزاما دل ~~ذلك على دخول النية قبله في المدلول الالتزامي، وبيان دخول الاستثناء ms481 في ~~المدلول التزاما أو بطريق العرض من وجوه # (أحدها) قوله تعالى حكاية عن يعقوب - عليه السلام - {لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم} [يوسف: 66] هذا استثناء من الأحوال العارضة أو اللازمة لمعنى ~~الإتيان وتقدير الكلام لتأتنني به في كل حالة من الحالات إلا في حال ~~الإحاطة بكم فإني لا ألزمكم الإتيان به فيها لقيام العذر حينئذ # وثانيها قوله تعالى {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه ~~معرضين} [الشعراء: 5] وفي الآية الأخرى {إلا استمعوه وهم يلعبون} ~~[الأنبياء: 2] أي لا يأتيهم في حالة من الأحوال إلا في هذه الحالة من لهوهم ~~وإعراضهم فقد قصد إلى حالة اللهو والإعراض بالإثبات ولغيرها من الأحوال ~~بالنفي والأحوال أمور خارجة عن المدلول المطابقي وإذا كانت خارجة فإن كانت ~~الأحوال اللازمة فقد دخلت النية في المدلول التزاما وإن كانت عارضة فقد ~~دخلت النية في العوارض وإذا دخلت في العوارض دخلت في اللوازم بطريق الأولى ~~فإن العارض أبعد عن مدلول اللفظ مطابقة من اللازم ضرورة فإذا تصرفت النية ~~في البعيد أولى أن تتصرف في القريب لأنه أشبه بالمطابقة المجمع عليها من ~~العارض لبعده عن المطابقة # (وثالثها) أنه قصد إلى المدلول التزاما من غير استثناء بل بالنية المجردة ~~ودل الدليل الخارجي على ذلك وهو عين صورة النزاع ويدل عليه وجوه # (أحدها) قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] ~~والمدلول مطابقة في هذه الآية غير مراد فإن الأعيان لا تحرم بل الأفعال ~~المتعلقة بها وهي الأكل والتناول فقد قصدت بالتحريم من غير لفظ يدل على ذلك ~~مقارن بل الأدلة الخارجة أفادتنا ذلك وهذه الأفعال إن كانت لازمة حصل ~~المقصود لوجوه تصرف النية فيها بإضافة التحريم إليها دون غيرها ولا سيما أن ~~النية تعين في كل عين الفعل المناسب لها فتعين في الخمر الشرب وفي الميتة ~~الأكل وكذلك جميع الأعيان الواردة في النصوص وإن كانت هذه الأفعال المقصودة ~~عارضة وقد تصرفت النية فيها فالأولى أن تتصرف في اللازم لأن اللازم أقرب ~~للمطابقة من العارض # (وثانيها) قوله تعالى ms482 {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] والمراد ~~الاستمتاع المتعلق بهن دون أعيانهن المذكورة في الآية ووجه التقدير ما تقدم ~~في الخمر والخنزير # PageV03P068 # (وثالثها) قوله تعالى «ما ترددت في شيء أنا فاعله ~~ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا يكون إلا ما ~~أريد» قال العلماء التردد على الله تعالى محال غير أنه لما جرت العادة أن ~~كل شخص أنت تعظمه وتهتم به فإنك تتردد في مساءته نحو ولدك وصديقك، ومن لا ~~تعظمه كالعقرب والحية وعدوك فإنك إذا خطر بقلبك إيلامه ومساءته لا تتردد في ~~ذلك بل تبادر إليه، فصار التردد لا يقع إلا في موطن التعظيم وعدمه في موطن ~~الحقارة وإن كان التردد في الإحسان انعكس الحال فيحصل في حق الحقير دون ~~العظيم إذا تقرر هذا قال العلماء المتحدثون على هذا الحديث: المراد بذكر ~~التردد في هذا الحديث الدلالة على عظم منزلة المؤمن عند الله تعالى وعبر ~~باللفظ المركب عما يلزمه وهو نفسه ليس مرادا فيصير معنى الحديث: منزلة ~~المؤمن عندي عظيمة وجميع ما وقع في مدلول هذا المركب ليس مرادا فقد قصد إلى ~~لازم اللفظ وأضيف إليه الحكم وهذا بعينه هو تصرف النية فإن النية هي القصد ~~بعينه وإذا صح القصد صحت النية في اللازم وهو المطلوب فهذه وجوه واضحة في ~~دخول النيات والمقاصد في المدلول التزاما في مقتضى اللغة وبها يظهر الجواب ~~عما اعتمدوا عليه أما الأول وهو قولهم نفيناه فيما عدا المطابقة على مقتضى ~~الأصل فجوابه أن ما ذكرناه من الأدلة والاستعمالات دل على مخالفة الأصل وأن ~~العرب أجازت النية في الالتزام كما أجازتها في المطابقة ثم إن الأصل معارض ~~بأن الأصل عدم الحجر علينا. # وأما الثاني وهو قولهم إن الاستقراء دل على عدم دخول النية في المدلول ~~التزاما فما ذكرناه من النصوص والاستعمالات يبطل استقراءهم والمثبت مقدم ~~على النافي. # وأما الثالث وهو قولهم لو صح دخول النية في المدلول التزاما لصح المجاز ~~في كل شيء هو لازم قلنا وإنه كذلك فإنه يصح عندنا التجوز ms483 لكل لازم لأن ~~العلاقة عندنا الملازمة وهي حاصلة بل يصح عندنا المجاز في غير اللازم ~~كالتعبير بلفظ الجزء عن الكل مع أن الكل غير لازم للجزء وأما ما ذكرتموه # PageV03P069 # من المثال فذلك المنع إنما جاء من خصوص كونه مجاز ~~تشبيه لا من عموم كونه مجازا فإنا نشترط في مجاز التشبيه أظهر صفات المتجوز ~~عنه ولا يصح التشبيه بالمعاني الخفية فهذا بحث خاص بالاستعارة التي هي مجاز ~~تشبيه وما عدا ذلك من أنواع المجاز فهذا الشرط فيها ساقط ولا يلزم من ~~امتناع أمر في الأخص أن يمتنع في الأعم منه فلا يلزم إذا حرم قتل الإنسان ~~أن يحرم قتل مطلق الحيوان ولا من تحريم شرب الخمر أن يحرم مطلق المائع ولا ~~من تحريم لحم الخنزير أن يحرم مطلق اللحم فلا يلزم من امتناع خاص في مجاز ~~التشبيه أن يحصل الامتناع في أصل المجاز بل الذي نعتقده أن التجوز يصح في ~~كل لازم إلا ما تقدم من مجاز التشبيه خاصة فهذا تلخيص هذه المسألة والحجاج ~~فيها. # (المسألة الخامسة) # دخول النية في تعميم المطلقات وصورته أن تقول والله لأكرمن أخاك وتنوي ~~بذلك جميع إخوتك فإن قولك أخاك مطلق فإذا أراد جميع إخوتك فقد عمم المطلق ~~ومثله قوله تعالى {ثم نخرجكم طفلا} [الحج: 5] فإن طفلا مطلق مفرد لا يتناول ~~إلا فردا واحدا وهو القدر المشترك بين جميع الأطفال # PageV03P070 # ومع ذلك فالمراد به جميع الأطفال على سبيل العموم فإن ~~جميعنا لا يخرج طفلا واحدا بل أطفالا فمعنى الطفولية مضافة لكل بشر منا ~~فيحصل العموم في الأطفال كما أنا نحن غير متناهين وتوزيع الحقيقة الحاصلة ~~من الطفولية على ما لا يتناهى يوجب أن يحصل منها أفراد غير متناهية فقد ورد ~~هذا المطلق في كتاب الله تعالى والمراد به العموم فإذا أراد الحالف تعميم ~~حكم اليمين بالنية كما إذا صرح بالعموم فإن كان في سياق الثبوت فلا يبرأ ~~إلا بحصول الفعل في جميع أفراد ذلك العموم وإن كان في سياق النفي حنث بواحد ~~من ذلك العموم وانحلت ms484 اليمين بأي فرد حنث فيه مع أن سياق النفي اللفظ فيه ~~عام فإن النكرة في سياق النفي تعم وإنما يظهر أثر ذلك وتأثير النية في سياق ~~الثبوت خاصة. # (المسألة السادسة) # تعيين فرد من أفراد اللفظ المشترك بالنية فإنه يؤثر في تعيين ذلك الفرد ~~لليمين كقوله والله لأنظرن إلى عين ويريد بهذا اللفظ المشترك أحد مسمياته ~~وهو العين الباصرة مثلا دون عين الماء وعين الشمس وعين الركبة فلا يبرأ إلا ~~أن ينظر إلى الباصرة بسبب تعيينها بالنية فهذا قسم يستقل بنفسه دون تخصيص ~~العمومات وتقييد المطلقات والصرف إلى المجازات لأن اللفظ ينطبق على ما عينه ~~حقيقة من غير زيادة ولا نقصان وفي بقية الصور ليس كذلك. # (المسألة السابعة) # تصرف النية بالصرف إلى المجازات وترك حقيقة اللفظ بالكلية كقوله والله ~~لأضربن أسدا ويريد رجلا شجاعا فلا يبرأ إلا بضرب رجل شجاع ولو ضرب الأسد ~~الحقيقي ما بر وكذلك بقية أنواع المجازات من استعمال لفظ الكل في الجزء ~~ولفظ الجزء في # PageV03P071 # الكل ولفظ السبب في المسبب ولفظ المسبب في السبب ولفظ ~~الملزوم في اللازم ولفظ اللازم في الملزوم إلى غير ذلك من أنواع المجازات ~~المذكورة في أصول الفقه وهي نحو خمسة عشر نوعا فهذه المسائل السبعة هي ~~تفصيل ما يؤثر فيه النية مستوعبة بحيث لم يبق بعدها موطن آخر للنية ألبتة ~~في الأيمان والطلاق ونحوها. # (المسألة الثامنة) # وهي من المسائل التي لا تؤثر فيها النية وهي مسألة الاستثناء بمشيئة الله ~~تعالى وسبب عدم تأثيرها في هذه المسألة أن قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ~~حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف» يقتضي أن الاستثناء بالمشيئة سبب رافع لحكم ~~اليمين لأن القاعدة أن ترتب الحكم على الوصف يقتضي علية ذلك الوصف لذلك ~~الحكم وسببيته وها هنا قد رتب صاحب الشريعة حكم ارتفاع اليمين على وصف ~~الاستثناء بمشيئة الله تعالى فيكون الاستثناء بمشيئة الله تعالى هو سبب ~~ارتفاع حكم اليمين لقوله - عليه الصلاة والسلام - عاد كمن لم يحلف وهذا ~~إشارة إلى ارتفاع حكم اليمين فإذا كان ms485 الاستثناء هو سبب ارتفاع حكم اليمين ~~والقاعدة أن الأسباب الشرعية يتوقف حصول مسبباتها على حصولها وأن القصد ~~إليها لا يقوم مقامها فإن القصد إلى الصلاة لا يقوم مقام الصلاة حتى يكون ~~سبب براءة الذمة منها، والقصد إلى السرقة لا يقوم مقام السرقة فيجب القطع ~~بمجرد القصد بل لا يترتب الحكم إلا على وجود سببه فلذلك لم تقم النية مقام ~~الاستثناء بمشيئة الله تعالى في حل اليمين بل لا بد من النطق به على شروطه ~~وحينئذ يترتب رفع اليمين فهذا وجه عدم تأثيرها في مسألة المشيئة قال اللخمي ~~وعلى القول بانعقاد اليمين بالنية يصح الاستثناء بالنية من غير لفظ # PageV03P072 # المشيئة. # (المسألة التاسعة) # التي لا تؤثر فيها النية الاستثناء من النصوص نحو أنت طالق ثلاثا إلا ~~واحدة ووالله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا درهما فلو نوى بالطلاق الثلاث طلقتين ~~وبالدراهم الثلاث درهمين فهذا لا يصح إلا بالاستثناء ولا تكفي هذه النية ~~لأنها لو كفته لدخل المجاز في النصوص وهو لا يدخل فيها ولا معنى للمجاز إلا ~~استعمال الثلاث في الاثنين وإنما يصح المجاز في الظواهر وقد تقدم بيانه فلا ~~يمكن أن تقوم النية ها هنا مقام الاستثناء ألبتة (المسألة العاشرة) # التي لا تنوب فيها النية ولا تؤثر قال اللخمي قال محمد إذا قال والله ~~لقيت القوم ونوى في نفسه إلا فلانا لا تجزئ فيه النية عن قوله إلا فلانا ~~ويحنث لأنه لم يلقه وسبب ذلك أنه لو قصد التخصيص والمحاشاة نفعه لأنه مجاز ~~في الظاهر والمجاز في الظاهر تكفي فيه النية ولكنه قصد إلى الإخراج باللفظ ~~ولم يقصد الإخراج بالنية والنية شأنها أن تؤثر لا أنها تقوم مقام مؤثر آخر ~~ويضاف التأثير لذلك المؤثر الآخر وهو قصد أن يكون الإخراج للاستثناء لا ~~للنية ونوى الاستثناء فمن ها هنا هو سبب عدم تأثيرها وعدم اعتبارها ولو قصد ~~الإخراج بها هي نفعه لكن قصد بها لفظا مخرجا لا الإخراج قال وقيل تنفعه ~~النية وتنوب مناب الاستثناء لحصول المقصود منهما على حد سواء والمحل قابل ~~لهما ms486 بخلاف ما لو أقامها مقام الاستثناء في النصوص نحو الإخراج من العشرة ~~فإنه لا ينفعه ذلك لأن المحل ليس قابلا للمجاز ألبتة فلا تؤثر فيه النية ~~بمفردها فلا تقوم مقام الاستثناء فيه بخلاف الألفاظ الظواهر فتأمل هذه ~~الفروق فهذه عشر مسائل اتضح بها الفرق بين قاعدة ما تؤثر فيه النية وقاعدة ~~ما لا تؤثر فيه النية سبعة منها تؤثر فيها النية وثلاثة لا تؤثر فيها فهذا ~~بيان الفرق تفصيلا وقد تقدم أول الفرق تحريره على سبيل الإجمال والتحديد. # (الفرق الحادي والثلاثون والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى ~~الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة ~~يكفي فيها أيسر الأسباب) # وقعت في الشريعة صور كثيرة تقتضي الفرق بين هاتين القاعدتين # أحدها أن العقد على الأجنبية مباح فترتفع هذه الإباحة بعقد الأب عليها من ~~غير وطء والمبتوتة لا يذهب تحريمها إلا بعقد المحلل ووطئه وعقد الأول بعد ~~العدة وهذه رتبة فوق تلك الرتبة الناقلة عن الإباحة بكثير # وثانيها المسلم محرم الدم لا تذهب هذه الحرمة إلا بالردة أو زنى بعد ~~إحصان أو قتل نفسا عمدا عدوانا وهي # PageV03P073 # أسباب عظيمة فإذا أبيح دمه بالردة حرم بالتوبة وفي ~~القصاص بالعفو وفي الزنى بالتوبة على خلاف بين العلماء أما عند مالك فلا بد ~~من رجمه ولو تاب ووقع الاتفاق فيما علمت على المحارب إذا تاب من قبل أن ~~يقدر عليه أنه يسقط عنه الحد وتزول إباحة دمه والتوبة أيسر من الردة والقتل ~~وأقل تحتيما على العبد # وثالثها الأجنبية لا يزول تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف على إذنها ~~ووليها وصداق وشهود، وإباحتها بعد العقد يكفي فيها الطلاق فترتفع تلك ~~الإباحة بالطلاق الذي يستقل الزوج به من غير زيادة # ورابعها الحربي مباح الدم تزول إباحته بالتأمين وهو سبب لطيف وإذا حرم ~~دمه بالتأمين لا يباح إلا بسبب قوي يزيل تلك الإباحة من خروج علينا أو قصد ~~لقتلنا حرابة وخروجنا على الإمام العدل وكذلك تزول إباحة دمه بعقد الجزية ~~فإذا حرم دمه بعقد ms487 الجزية لا يباح دمه بكل المخالفات لعقد الجزية بل لا بد ~~من مخالفة قوية كالتمرد على الإمام ونبذ العهد مجاهرة وغير ذلك من الأمور ~~المحتاجة إلى قوة شديدة ومناقشة عظيمة ونظائر هذه القاعدة في الشريعة كثيرة ~~وهذا الفرق واقع فيها بين القاعدتين الخروج من الإباحة إلى التحريم والخروج ~~من التحريم إلى الإباحة وقد رام الأصحاب تخريج الحنث ببعض المحلوف عليه على ~~هذه القاعدة فإن الحنث خروج من الإباحة إلى التحريم فيكفي فيه أيسر سبب ~~فيحنث بجزء المحلوف عليه إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل منه لبابه لأنه ~~على بر وإباحة حتى يحنث ولا يبرأ إذا كان على حنث إلا بفعل الجميع إذا حلف ~~ليأكلنه فلا يبرأ إلا بأكل جميعه لأنه على حنث حتى يبر فهو خارج من حرمة ~~إلى إباحة وهذا التخريج ضعيف فإنهم إن ادعوا هذه القاعدة المتقدمة كلية في ~~الشريعة منعناها لاندراج صورة النزاع فيها فللخصم منعها وهو الشافعي - رضي ~~الله عنه - ولأن هذه الصورة المتقدمة صورة قليلة ولو كانت كثيرة وضموا ~~إليها أمثالها فالقاعدة أن الدعوة العامة الكلية لا تثبت بالمثل الجزئية ~~فإنها لو انتهت إلى الألف احتمل أنها جزئية لا كلية فكم من جزئية مشتملة ~~على أفراد كثيرة ألا ترى إلى قولنا: كل عدد زوج كلية باطلة بل إنما تصدق ~~جزئية في بعض الأعداد وتلك الأعداد التي هي زوج كثيرة جدا لا يحصى عددها ~~ومع ذلك فالكلية كاذبة لا صادقة. # وإن ادعوا أنها جزئية فيحتاجون إلى دليل آخر يوجب كون صورة النزاع كذلك ~~فإن كان ذلك القياس فأين الجامع المناسب لخصوص الحكم السالم عن الفوارق أو ~~الدليل غير القياس فأين هو لا بد من بيانه، وخرج بعض الأصحاب هذه المسألة ~~على قاعدة الأمر # PageV03P074 # والنهي فقال إذا حلف ليفعلن فهو كالأمر أو لا يفعل ~~فهو كالنهي والنهي عن الشيء نهي عن أجزائه فيكون فاعل الجزء مخالفا ~~والمخالف حانث فيكون فاعل الجزء حانثا وهو المطلوب وهذه الطريقة أيضا ضعيفة ~~لأن هذه القضية التي ادعاها هذا المخرج منعكسة ms488 بل الأمر بالشيء أمر بأجزائه ~~كإيجاب أربع ركعات فإنه إيجاب لكل ركعة منها والنهي عن الشيء ليس نهيا عن ~~أجزائه كالنهي عن خمس ركعات في الظهر ليس نهيا عن الأربع بل الأربع واجبة ~~نعم النهي عن الشيء نهي عن جزيئاته فإن النهي عن مفهوم الخنزير نهي عن كل ~~خنزير الخنزير الطويل والقصير والسمين والهزيل وجميع جزيئات الخنزير والأمر ~~بالماهية الكلية ليس أمرا بجزيئاتها فالأمر بإعتاق رقبة ليس # PageV03P075 # أمرا بإعتاق هذه الرقبة وتلك وجميع الرقاب بل يكفي في ~~حصول ماهية الرقبة شخص منها واحد معين فشتان ما بين الأجزاء والجزيئات ~~الحكم منعكس بينهما فهذا التخريج باطل قطعا فلا يفتي به فقيه وأحسن ما رأيت ~~للأصحاب في هذه المسألة طريقة الفرض والبناء وهي أن الشيخ أبا عمرو بن ~~الحاجب - رحمه الله - كان يقول هذه المسألة ثلاثة أقسام: المعطوفات نحو. # والله لا كلمت زيدا وعمرا، والجموع والتثنيات نحو لا أكلت الأرغفة أو ~~الرغيفين، وأسماء الحقيقة الواحدة المفردة كالرغيف فهذه الأقسام الثلاثة ~~الخلاف فيها واحد فعند الشافعي - رضي الله عنه - لا يحنث إلا بالجميع ~~وعندنا بالبعض في المسائل الثلاثة، فنقول أجمعنا على ما إذا قال الحالف ~~والله لا كلمت زيدا ولا عمرا بصيغة لا النافية أنه يحنث بأحدهما واتفق ~~النحاة على أن لا إذا أعيدت في العطف أنها مؤكدة للنفي لا منشئة نفيا وكذلك ~~قال الله تعالى {وما يستوي الأعمى والبصير - ولا الظلمات ولا النور - ولا ~~الظل ولا الحرور} [فاطر: 19 - 21] # PageV03P076 # فذكر لا في البعض دون البعض مع أن الكل منفي فحيث ~~تركت لا كان المعنى مثل الموضع الذي ذكرت فيه لا سواء بسواء غير التوكيد ~~وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا ~~مؤكدا ولما أجمعنا على أن الحكم التحنيث مع لا المؤكدة وجب أن يكون الحكم ~~قبلها التحنيث تحقيقا لحقيقة التأكيد. # وإذا اتضح الحنث في هذه الصورة بمدرك صحيح مجمع عليه وجب أن يكون الواقع ~~في الصورتين الأخيرتين الحنث لأنه لا قائل بالفرق إذ لو ثبت الحنث ms489 في بعضها ~~دون بعض لزم خلاف الإجماع فإن القائل قائلان قائل بالحنث في الجميع وهو ~~مالك وأتباعه وقائل بعدم الحنث في الجميع وهو الشافعي - رضي الله عنه - ~~وأصحابه فلو قلنا بأنه في صورة العطف دون غيرها كان قولا خارقا للإجماع ولا ~~سبيل إليه وهذه طريقة الفرض والبناء عند الخلافيين وضابطها أن يكون الإنسان ~~يساعده الدليل في بعض صور النزاع دون بعضها فيفرض الاستدلال في تلك الصورة ~~التي يساعده الدليل عليها فإذا تم له فيها الدليل بنى الباقي من الصور ~~عليها فسمي ذلك طريقة الفرض والبناء وهي ضعيفة بسبب أن المناظر قائم مقام ~~إمامه المجتهد والمجتهد لا يجوز له الاعتماد على قولنا لا قائل بالفرق فإن ~~هذه المقدمة إنما جاءتنا بعد فتياه هو في المسألة ومدركه في المسألة متقدم ~~على فتياه فيها فلما أفتى خصمه وهو المجتهد الآخر وبقي هو لم يفت بعد فله ~~أن يقول ما ظهر بالدليل أي شيء كان لأنه ليس قبل قوله إجماع إنما هو قول ~~خصمه فقط فله هو إذا قال خصمه لا يحنث عندي في الجميع له هو أن يقول يحنث ~~عندي في البعض دون البعض والإجماع يصده حينئذ عن ذلك ولو اعتمد على ما قاله ~~المناظر الآن من قوله لا قائل بالفرق لم يتأت له ذلك ومتى كان مدرك المناظر ~~لا يصح أن يكون مدرك المجتهد لم يصح. نعم هذه الطريقة تتم في المناظرة جدلا ~~بعد تقرر المذاهب أما والمجتهد يجتهد فلا يصح له الاعتماد على ذلك وبالجملة ~~فالمسألة عندنا مشكلة إشكالا قويا فتأمله # PageV03P077 # (الفرق الثاني والثلاثون والمائة بين قاعدة مخالفة ~~النهي إذا تكررت يتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا ~~تتكرر بتكررها الكفارة والجميع مخالفة) # بل تنحل اليمين بالمخالفة الأولى ويسقط حكم اليمين بخلاف النهي فإنه يبقى ~~مستمرا وإن خولف ألف مرة ويتكرر الإثم بتكرره وهذا الفرق من المواضع الصعبة ~~المشكلة فإن قوله والله لا فعلت نفي للفعل في جميع الأزمنة المستقبلة فإن ~~لا من صيغ العموم نص عليه سيبويه مع ms490 لن وقال " لن " أشد عموما وذلك هو ~~المفهوم من قوله تعالى {ثم لا يموت فيها ولا يحيا} [الأعلى: 13] أي في جميع ~~الأزمنة المستقبلة لا يحصل له موت ولا حياة وكذلك النهي إذا قيل للمكلف لا ~~تكذب أو لا تشرب الخمر هو عام في جميع الأزمنة المستقبلة فإذا خالف مرة ~~وفعل المنهي عنه حصل له الإثم فإن تكررت منه تلك المخالفة تكرر الإثم فكذلك ~~يلزم إذا تكررت مخالفة اليمين ينبغي أن تكرر الكفارة بتكرر المخالفة لأن ~~المخالفة عندها أوجبت الكفارة ألا ترى أنه لو لم يخالف لم تلزمه كفارة وإذا ~~تكررت المخالفة في اليمين يكون ذلك كتكرر المخالفة في النهي والجامع ~~المخالفة وعموم الصيغة في الموضعين بصيغة " لا " في مستقبل الزمان وهذا ~~الإشكال لا يلزم في مخالفة الشرط إذا قال إن دخلت الدار فعبد من عبيدي حر ~~أو امرأته طالق فخالف ودخل الدار عتق عبد واحد وطلقت امرأته طلقة واحدة فإن ~~عاد وخالف مقتضى التعليق لم يلزمه عتق عبد آخر ولا طلقة أخرى بسبب أن صيغة ~~الشرط ليست عامة فلا توجب التكرر بل الشرط مطلق والمطلق إنما يقتضي مرة ~~واحدة وقد لزم موجبها بخلاف الحلف فإن الصيغة عامة فبكل فرد من أفراد ~~العموم تحصل المخالفة في ذلك الفرض بعدما حصلت في الذي قبله فيلزم أن يكون ~~جانيا على اليمين في كل مرة يقدم على الفعل كما أنه جان على النهي في كل ~~مرة يقدم على الفعل ومع ذلك لم أعلم أحدا قاله من الفقهاء فيحتاج إلى الفرق ~~بين القاعدتين والفرق من وجوه. # (أحدها) أنا نسلم أن الصيغة عامة في نفي الفعل ولكن الكفارة ما وجبت إلا ~~لمخالفة هذه السالبة الكلية العامة في جميع هذه الأزمنة المستقبلة، ونقيض ~~السالبة الكلية الموجبة # PageV03P078 # الجزئية وهذه الموجبة الجزئية هي سبب الكفارة أو شرط ~~وجوب الكفارة على الخلاف بين الفقهاء في الحنث هل هو شرط للكفارة أو سببها، ~~ويدل على أن سبب الكفارة إنما هو نقيض ذلك السلب الكلي أن الشارع قال {ذلك ~~كفارة أيمانكم} [المائدة: ms491 89] فجعل الكفارة لليمين لا للسلب الكلي الذي هو ~~المحلوف عليه فها هنا أمور ثلاثة السلب العام المحلوف عليه واليمين المؤكدة ~~له ومخالفة هذا السلب العام. # والكفارة من الأمور الوضعية الشرعية فصاحب الشرع له أن يجعل مطلق ~~الملابسة للفعل المحلوف عليه سبب الكفارة وعلى هذا التقدير تتكرر الكفارة ~~بتكرر المخالفة وملابسة الفعل ولم يفعل ذلك بل جعل سبب الكفارة مخالفة هذا ~~السلب العام لا هذا السلب العام ومخالفة هذا السلب العام إنما هو مطلق ~~الثبوت فمطلق الثبوت هو سبب الكفارة فيصير معنى وضع الشرع الكفارة أنه قال ~~جعلت نقيض السلب الكلي سبب الكفارة ولو قال صاحب الشرع من أتى بنقيض السلب ~~الكلي في يمينه وحنث عليه الكفارة لم يكن هنالك عموم يفهم ألبتة بل يكون ~~مثل قول القائل من دخل داري فله درهم فإذا دخل الدار رجل مرة واحدة وأخذ ~~درهما ثم دخل ثانيا لا يستحق شيئا لأن المعلق علق على مطلق الدخول لا على ~~كل مرة منه حتى يتكرر الاستحقاق بتكرر الدخول وكذلك إن دخلت الدار فأنت ~~طالق فدخلت مرة واحدة طلقت طلقة ثم دخلت مرة أخرى لم يلزمه طلاق وإن كانت ~~في العدة الرجعية لأنه إنما التزم مطلق الطلاق إشارة إلى تقرير عدم لزوم ~~تكرر الطلاق بتكرر المعلق عليه بمطلق الدخول ولم يأت بعموم يقتضي التكرر ~~وهو من باب تعليق مطلق على مطلق وقد تقدم بسط هذه التعاليق أول الكتاب كذلك ~~صاحب الشرع جعل سبب الكفارة مطلق الثبوت المناقض لموجب يمينه من السلب ~~العام لا كل ثبوت ولا ثبوتين بل فردا واحدا فقط وغيره غير معتبر كالدخلة ~~الثانية للدار من المطلقة. # ونظير هذه الكفارة كفارة المفسد لصوم رمضان فإن عاد فأكل أو جامع لم ~~تلزمه كفارة على الأصح لأن الصوم في معنى السلب العام للأكل والشرب والجماع ~~من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فالكفارة مرتبة على نقيض هذا السلب العام وهو ~~مطلق الثبوت فإذا حصل لزمته الكفارة فإذا عاد فتكرر لم يكن موجبا كدخول ~~الدار فإن صاحب الشرع لم ms492 يجعل الثبوت بوصف العموم موجبا للكفارة بل بوصف ~~الإطلاق والمطلق يخرج عن عهدته بصورة إجماعا كإعتاق رقبة وإخراج شاة من ~~أربعين ونظيره أيضا المظاهر إذا قال أنت علي كظهر أمي فمقتضى هذا التشبيه ~~التحريم الدائم لأن هذا هو شأن تحريم الأم المشبه بها فتكون هذه الزوجة ~~محرمة دائما تحقيقا للتشبيه فإن عاد وعزم على إمساكها أو على وطئها على ~~الخلاف في العود # PageV03P079 # ما هو فقد أتى بنقيض ذلك السلب الكلي وهو مطلق الثبوت ~~المناقض له فجعله صاحب الشرع تجب عنده الكفارة كالحنث في اليمين فإذا كفر ~~ثم عاد فعزم على إمساكها أو وطئها مرة أخرى لا تتكرر الكفارة بتكرر العود ~~إجماعا فيما علمت لأنها مرتبة على مطلق الثبوت بوصف الطلاق لا بوصف العموم ~~فكذلك ها هنا كفارة اليمين مرتبة على مطلق الثبوت المناقض للسلب الكلي ~~العام لا على مطلق الثبوت بوصف العموم كما تقدم. # وأما مخالفة النهي فتقتضي تكرر الإثم والتعزير بسبب أن الإثم رتبه الشرع ~~على تحقيق المفسدة في الوجود لأن النواهي تعتمد المفاسد كما أن الأوامر ~~تعتمد المصالح فكل فرد يتكرر تتكرر المفسدة معه فيتكرر الإثم لأنه تابع ~~لمطلق المفسدة في جميع صورها بوصف العموم فعم الإثم أيضا وهو مناسب # لحسم مادة المفسدة # إذ لو أثمناه في صورة واحدة وأبحنا له ما بعدها أدى ذلك لوقوع مفاسد لا ~~نهاية لها فكانت الحكمة الشرعية تقتضي تعميم الإثم في جميع صور المفاسد # وثانيها أن الكفارة لو كانت تتكرر بتكرر المخالفات لليمين لشق ذلك على ~~المكلفين في الصور التي يحتاجون للمخالفة فيها وتكررها فتترتب على الإنسان ~~كفارات كثيرة جدا لا يمكنه الخروج عنها إلا بفعلها وذلك حرج عظيم تأباه ~~الشريعة الحنيفية السمحة السهلة وأما الآثام إذا اجتمعت فيخرج الإنسان عن ~~عهدتها بالتوبة والإنابة وهي متيسرة على المتقين # (وثالثها) أن اليمين مباحة لأنها تعظيم للمقسم به والحنث أيضا مباح لقوله ~~- عليه الصلاة والسلام - والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا ~~كفرت وفعلت الذي هو خير ورسول الله - صلى الله ms493 عليه وسلم - لا يقدم على ~~المنهي عنه فضلا عن أن يحلف أنه لا بد أن يفعله وإذا كان الحلف والحنث ~~مباحين ناسب ذلك التخفيف في إلزام الكفارة المتكررة بخلاف النهي فإنه ~~للتحريم والمقدم على مخالفته عاص بعيد من الله تعالى فناسب التغليظ بتكرر ~~الآثام وتظافر أنواع الوعيد والتعازير عليه حسما لمادة المعصية # (ورابعها) أن القسم وقع على جملة خبرية فإن لا أفعل خبر عن عدم الفعل في ~~الزمن المستقبل وإذا كان خبرا فإن صدق فيه وحقق السلب العام كما أخبر عنه ~~فلا كفارة وإن خالف هذا الخبر كانت مخالفته تكذيبا لذلك الخبر والصدق ~~والكذب نقيضان ولذلك قال أرباب العقول إن نقيض السالبة الكلية الموجبة ~~الجزئية وبهما يقع التكاذيب لمن يقصد تكذيب من ادعى الأخرى كما إن نقيض ~~الموجبة الكلية السالبة الجزئية والصدق والكذب عندنا نقيضان لا ثالث لهما ~~خلافا للمعتزلة فإن الخبر إن طابق فصدق وإن لم يطابق فكذب ولا واسطة بين ~~المطابقة وعدم المطابقة فالكذب حينئذ نقيض الصدق فالكفارة وجبت لمخالفة ~~الصدق وهو الكذب في ذلك الخبر المناقض للصدق المانع من تحققه ومتى ارتفع ~~الصدق بصورة واحدة استحال ثبوته فقد تحققت # PageV03P080 # مفسدة تعذر الصدق وهذا المعنى لا يتكرر وهو تعذر ~~الصدق فلم تتكرر الكفارة ويدل على اعتبار هذا المعنى أن الحالف لو جعل ~~يمينه خبرا عن موجبة كلية كقوله والله لأصومن الدهر فأفطر يوما واحدا فقد ~~كذب خبره عن صوم الدهر وتلزمه الكفارة بإفطاره ذلك اليوم الواحد ولا ينجيه ~~من لزوم الكفارة صوم بقية الدهر وتضيع بقية الموجبة الكلية عن الاعتبار ولا ~~فرق بين أن يتكرر منه الثبوت أو يقتصر على فطر يوم واحد وإذا تقرر هذا في ~~جهة الثبوت وهو الموجبة الكلية وجب أن يثبت مثله في السالبة الكلية التي هي ~~خبر عن النفي فيتحقق الكذب بفرد واحد من الثبوت بأن يفعل مرة واحدة ولا ~~ينفعه بقية السالبة الكلية ولا فرق بين ثبوت واحد تقع به المخالفة وبين ~~ثبوتين أو أكثر كما لم يكن فرق في الموجبة الكلية ms494 بين سلبين فأكثر تسوية ~~بين طرفي الثبوت والسلب في الخبر عنهما وإثبات نقيضهما. # والاكتفاء بفرد في المناقضة لا يحتاج معه إلى ثان ويكون الثاني وجوده ~~وعدمه سواء تسوية بين الطرفين فظهر بهذا التقرير أن الموجب للكفارة إنما هو ~~إثبات النقيض المكذب للخبر السابق بفرد زاد معه غيره أم لا كان الكلام نفيا ~~أو إثباتا والنهي ليس كذلك بل لو اجتنب المنهي عنه مائة مرة لله تعالى أثيب ~~على المائة ثم إن خالف بعد ذلك استحق العقوبة بعدد المرات التي خالف فيها ~~بالفعل والثبوت وتتكرر المثوبات بتكرر الاجتناب والعقوبات بتكرر المخالفات ~~فدل ذلك على أن المطلوب هو اجتناب مفسدة ذلك الفعل في كل زمان وأن كل زمان ~~مطلوب لنفسه في الترك لتلك المفسدة ويؤكده الأمر المقتضي للتكرار أنه إذا ~~فعل مائة مرة أثيب مائة مثوبة وإن تركه مائة مرة استحق مائة عقوبة لأن ~~المطلوب حصول تلك المصلحة في كل زمان بعينه فكل زمان معين حقق فيه المصلحة ~~استحق المثوبة وكل زمان ضيع فيه تلك المصلحة استحق العقوبة. # وتعتبر القلة في ذلك والكثرة فقد صارت قاعدة الأمر تشهد لقاعدة النهي كما ~~شهدت قاعدة خبر الثبوت في اليمين لقاعدة خبر النفي فأوضح كل منهما الأخرى ~~واتضح لك الفرق بين مخالفة قاعدة النهي وبين مخالفة قاعدة اليمين ونشأ سر ~~الفرق في هذا الوجه من جهة الخبر والصدق والكذب وتحقيق نقيض كل واحد منهما ~~وأن النقيض هو المعتبر دون أفراد الفعل وأفراد الترك بشهادة النفي للإيجاب ~~والإيجاب للنفي وأن الأمر والنهي كل واحد منهما يشهد للآخر وأن المعتبر ~~فيهما إفراد الأفعال والتروك دون النقيض فإن قلت ما ذكرته من الصدق والكذب ~~الواقعين في الخبر المحلوف عليه نفيا أو إثباتا يقوي مذهب الحنفية في قولهم ~~إن الحنث محرم وإن الكفارة وجبت ساترة لذنب تحريم المخالفة ولا شك أن الكذب ~~محرم بالإجماع وأنت قد حققته في اليمين فيتجه ما قالوه قلت لا متعلق لهم في ~~هذا بسبب أن الكذب الواقع في اليمين هو كذب من # PageV03P081 # جهة مسمى ms495 الكذب لغة لا من جهة الإثم والنهي الشرعي ~~وتقريره أن خبر الوعد خبر ولو خالفه لم يكن آثما فلو قال لزيد: غدا أعطيك ~~درهما ولم يعطه غدا شيئا لم يكن آثما ولو كان آثما لوجب الوفاء بكل وعد ~~وليس كذلك وقوله - عليه السلام - «عدة المؤمن دين» أي مثل الدين ولذلك قيد ~~الحكم بوصف الإيمان الحاث على مكارم الأخلاق ولو كان الوفاء بالوعد مطلقا ~~واجبا لقال - عليه السلام - الوعد دين من غير تفصيل ويدل على أن هذه ~~الإخبارات في الوعد والحلف ليس بكذب محرم قوله - عليه السلام - «من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر» . # ولو كان ذلك الخير يجب الوفاء به لما جاز تركه لمجرد الخيرية التي يكفي ~~فيها مطلق المصلحة بل إن كانت المخالفة تتوقف على مصلحة عظيمة تساوي مفسدة ~~التحريم كفوات أمر واجب عظيم فإن المحرم لا يعارض إلا بالواجب ولا يعارض ~~بمطلق الخيرية التي هي تصدق بأدنى مراتب الندب فليس الحنث حينئذ بمحرم ~~ويؤكده أنه - عليه السلام - حلف لأولئك النفر لا يحملهم ثم حملهم بعد ذلك ~~فقيل له يا رسول الله إنك حلفت فقال والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها ~~خيرا منها إلا كفرت وأتيت الذي هو خير فلو كان هذا كذبا محرما لما أقدم - ~~عليه السلام - عليه فإن منصبه - عليه السلام - يأبى ذلك إباء شديدا فيقطع ~~الفقيه حينئذ بأن هذه المخالفة في الأيمان ليست كذبا محرما بل يتناوله ~~اللفظ الموضوع للكذب ولا يكون محرما كما أن الكذب الذي يقع من غير قصد كمن ~~أخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه معتقدا ما أخبر به والأمر بخلافه ليس ~~بمحرم وإن صدق عليه أنه كذب لغة خلافا للمعتزلة في اشتراطهم القصد في حقيقة ~~الكذب ويدل على صحة مذهب أهل السنة قوله - عليه السلام - «كفى بالمرء كذبا ~~إن يحدث بكل ما سمع» فجعله - عليه السلام - كذبا مع أنه يعتقد صدق ما سمعه. # وكذلك قوله - عليه السلام - «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من ms496 النار» ~~يدل على أن الكذب قد يقع على غير وجه العمد فظهر أن الكذب قد يكون لا مع ~~الإثم ومخالفة الأيمان من هذا القبيل وظهر الفرق بين قاعدة مخالفة النواهي ~~وبين قاعدة مخالفة الأيمان إذا تقرر أن قاعدة الإيمان عدم التكرار فقد وقعت ~~صور اختلف العلماء في بعضها أو في كلها وهي إذا خالف مقتضى اليمين حالة ~~النسيان أو حالة الجهل أو حالة الإكراه فمذهب مالك اعتبار الحنث حالة ~~النسيان والجهل دون الإكراه ومذهب الشافعي عدم اعتبار الحنث في الأحوال ~~الثلاثة ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل على الإكراه على اليمين ~~وخالفنا أبو حنيفة في الإكراه على الحنث ووافقنا في النسيان والجهل، وتلخيص ~~مدرك الخلاف في هذه الحالات أن مقتضى اللغة حصول الحنث في هذه الأحوال # PageV03P082 # الثلاثة لحصول مسمى المخالفة بمقتضى ما أخبر عن نفسه ~~في الاستقبال لكن لما كانت اليمين إنما يقصد بها الناس حثهم على الإقدام أو ~~الإحجام، والحث إنما يقع في الأفعال الاختيارية فإن الإنسان إنما يحث نفسه ~~على ما هو من اختياره وصنعه وأما المعجوز عنه فلا يليق بالعاقل حث نفسه ~~عليه ألا ترى أنه لا يحث نفسه على الصعود إلى السماء ولا على أن يعمل لنفسه ~~يدا زائدة أو عينا زائدة ولا يحث نفسه على أن يكون آدميا أو منتصب القامة ~~لأن الأول متعذر عليه والثاني واقع بغير صنعه ويحث نفسه على الصلاة والصوم ~~لأنهما من صنعه فإذا تقرر أن الحث إنما يقع من الإنسان فيما هو من صنعه ~~واختياره اتضح بذلك خروج حالة الإكراه على الحث لأن الداعية حالة الإكراه ~~ليست للفاعل على الحقيقة بل نشأت عن أسباب الإكراه فهي من غير صنعه في ~~المعنى. # فلا جرم لم تندرج هذه الحالة في اليمين وأما الجهل والنسيان فالإنسان في ~~الجهل يفعل المحلوف عليه جاهلا بأنه المحلوف عليه كمن يحلف أن لا يلبس ثوبا ~~فيلتبس ذلك الثوب عليه بغيره فيلبسه وهو ذاكر لليمين جاهل بعين المحلوف ~~عليه وأما في النسيان فهو على العكس من الجهل ms497 يفعل المحلوف عليه عالما ~~بحقيقته ناسيا لليمين وفي الإكراه قد يكون ذاكرا لهما فهذا هو الفرق بين ~~هذه الحقائق الثلاث فالشافعي يقول إن الحث المقصود من اليمين إنما يكون مع ~~ذكر اليمين والمعرفة بعين المحلوف عليه بأن يقصد الترك باليمين لأجل اليمين ~~وهذا لا يتصور إلا مع القصد إليهما والمعرفة بهما أعني اليمين والمحلوف ~~عليه. # فإذا جهل اليمين في صورة النسيان أو المحلوف عليه في صورة الجهل فلم ~~يوجدا في نفسه معا فما وجد المقصود من اليمين وهو الترك لأجل اليمين فهاتان ~~الحالتان لا يقصدهما الناس بالأيمان لهذه القاعدة فخرجا عن اليمين والخارج ~~عن اليمين لا يقع فيه حنث فخرجت الأحوال الثلاثة عند الإكراه والنسيان ~~والجهل فإذا خالف اليمين في حالة من هذه الحالات لا يلزم بذلك كفارة ولا بد ~~من المخالفة مرة أخرى في حالة الاختيار واستحضار اليمين والعلم بالمحلوف ~~عليه فاشترط التكرر في الأحوال الثلاثة وأما مالك - رحمه الله تعالى - فقال ~~الحلف وقع على الفعل المختار المكتسب ومقتضى ذلك أن يخرج الإكراه وحده ~~ويبقى النسيان والجهل لأن الناسي لليمين مختار للفعل غير أنه نسي اليمين ~~والجاهل مختار للفعل غير أنه جهل أن هذا عين المحلوف عليه وإذا وجد ~~الاختيار والفعل المكتسب فقد وجد ما حلف عليه ووجدت حقيقة المخالفة فتلزمه ~~الكفارة فإذا وقع الفعل في حالة النسيان أو الجهل انحلت اليمين ولزمت ~~الكفارة ولا يشترط التكرر مرة أخرى والظاهر من جهة النظر قول الشافعي وهو ~~أحد الأقوال عندنا بسبب أن الباعث للحالف على الحلف إنما # PageV03P083 # هو أن تكون اليمين حاثة له على الترك وإلا كان يكفيه ~~العزم على عدم الفعل من غير يمين وكان يستريح من لزوم الكفارة وإنما أقدم ~~على اليمين ليكون استحضارها في نفسه مانعا له من الإقدام أو الإحجام فإذا ~~نسيها لم يقصد بهذه الحالة حالة الحلف بل مقصوده محصور في حالة حضورها في ~~نفسه حتى تمنعه. # وكذلك العلم بعين المحلوف عليه شرط في الحنث به فإذا جهله استحال مع ~~الجهل الحث على ما لم ms498 يعلمه فهذه الحالة يعلم خروجها عن اليمين بقصد ~~الحالفين فلا يلزم فيها حنث ويشترط التكرار وأما الإكراه على اليمين فلقوله ~~- عليه السلام - «لا طلاق في إغلاق» أي في إكراه فيقاس على الطلاق غيره فلا ~~يلزم ورأى أبو حنيفة أن الإكراه على الحنث لا يؤثر كما قاله مالك في الحنث ~~حالة النسيان والجهل والظاهر خلافه لما تقدم من مقاصد الناس في أيمانهم، ~~تنبيه إذا قلنا بأن الإكراه على الحنث يمنع من لزوم موجب اليمين فأكره على ~~أول مرة من الفعل ثم فعله مختارا حنث قاله ابن أبي زيد وهو مقتضى الفقه ~~بسبب أن الإكراه لم يندرج في اليمين فالواقع بعد ذلك بالاختيار هو أول مرة ~~صدرت مخالفة لليمين والأولى لا عبرة بها وتقع هذه المسألة في الفتاوى كثيرا ~~ويقع الغلط فيها للمفتيين فيقول السائل حلفت بالطلاق لا أخدم الأمير ~~الفلاني في إقطاعه وقد أكرهت بالضرب الشديد على خدمته فيقول له المفتي لا ~~حنث عليك مع أن ذلك الحالف مستمر على الخدمة مع زوال سبب الإكراه وإمكان ~~الهروب منه والتغيب عن ذلك الأمير وهذا يحنث بسبب أنه إذا مضى زمن يمكنه ~~التغيب عن خدمة ذلك الأمير ولم يتغيب فقد خدمه مختارا فيحنث ولا يقال إن ~~الخدمة السابقة حصل بها مخالفة اليمين والمخالفة لا تتكرر فلا يحنث بعد ذلك ~~لأنا نقول الحالة السابقة لم تندرج في اليمين لأجل الإكراه والمرة الأخيرة ~~التي هي أول الفعل الاختياري هي أول مخالفات اليمين فهي المعتبرة دون ما ~~قبلها فتأمل ذلك ومثل هذه المسألة إذا حلف بالطلاق لا يكلم زيدا فخالع ~~امرأته وكلمه لم يلزمه بهذا الكلام طلاق فلو رد امرأته وكلمه حنث عند مالك ~~- رحمه الله - بسبب أنه إنما قصد الحلف بالطلاق أن يحثه الطلاق على عدم ~~كلامه بسبب أنه يلزمه الطلاق حينئذ فما حلف إلا على نفي كلام يلزمه به ~~الطلاق والكلام حالة الخلع لم يلزمه به طلاق لعدم قبول المحل له فلا يكون ~~من الكلام المحلوف عليه وأول كلام يقع بعد رد امرأته هو ms499 أول مخالفة اليمين ~~فيه فيلزم الطلاق به لا بما قبله لما قلناه في الإكراه حرفا بحرف فتأمل ذلك ~~فهذه الصور الثلاثة المتقدمة يحصل فيها التكرر في صورة المخالفة لا في ~~المخالفة المعتبرة بسبب ما تقدم تقريره # PageV03P084 # (الفرق الثالث والثلاثون والمائة بين قاعدة النقل ~~العرفي وبين قاعدة الاستعمال المتكرر في العرف) # اعلم أن الاستعمال قد يتكرر في العرف ولا يكون اللفظ منقولا ألا ترى أن ~~لفظ الأسد قد تكرر استعماله في الرجل الشجاع ولم يصر منقولا ونعني بالمنقول ~~هو الذي يفهم عند الإطلاق بغير قرينة صارفة له عن الحقيقة ولفظ الأسد لا ~~ينصرف عن الحقيقة إلى المجاز الذي هو الرجل الشجاع إلا بقرينة صارفة إليه ~~وكذلك تكرر لفظ الغزال في المرأة الجميلة ولفظ الشمس والبدر وكذلك تكرر لفظ ~~الغيث والبحر والغمام في الرجل السخي ومع ذلك لم يصر اللفظ منقولا فظهر ~~حينئذ أن النقل أخص من التكرر وأن التكرر لا يلزم منه النقل لأن الأعم لا ~~يستلزم الأخص وإذا لم يصر اللفظ منقولا بمجرد التكرر لا يجوز حمل اللفظ على ~~شيء تكرر اللفظ فيه ولم يكن اللفظ موضوعا له إلا بقرينة ولا يعتمد على مطلق ~~التكرر وبهذا الفرق بين هاتين القاعدتين يظهر بطلان ما وقع في مذهبنا في ~~المدونة أن من حلف لا يفعل شيئا حينا أو زمنا أو دهرا فذلك كله سنة وقال ~~الشافعي يحمل على العرف في هذه الألفاظ. # وقال أبو حنيفة وابن حنبل ذلك ستة أشهر لقوله تعالى {تؤتي أكلها كل حين} ~~[إبراهيم: 25] أي في ستة أشهر وليس الأمر كما قالاه بل النخلة من ابتداء ~~حملها إلى نهايته تسعة أشهر وحينئذ تعطي ثمرها وهو أحد الوجوه التي وقعت ~~المشابهة فيها بين النخلة وبين بنات آدم وقد ذكر ذلك في قوله - عليه السلام ~~- «أكرموا عمتكم النخلة قالوا لأنها خلقت من فضلة طينة آدم فهي عمة» بهذا ~~المعنى وقد حصلت المشابهة بينها وبين بني آدم من أربعة عشر وجها أحدها هذا ~~الوجه وروى ابن وهب عن مالك ترددا في الدهر ms500 هل هو سنة أم لا وروي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه سنة لقوله تعالى {تؤتي أكلها كل حين} ~~[إبراهيم: 25] إشارة إلى أن الثمرة إذا حملت في وقت لا تحمل بعد ذلك إلا في ~~ذلك الوقت وهذه الإشارات كلها إلى أصل وجود الاستعمال ولا يلزم من حصول أصل ~~الاستعمال أن يحمل اللفظ عليه من غير قرينة صارفة ولا يلزم من استعمال ~~اللفظ المتواطئ في بعض أفراده مرة واحدة أو مرات أن يقال له شرعي ولا عرفي ~~بل ذلك شأن استعمال اللفظ المتواطئ ينتقل في أفراده والمنقول في اللغة أن ~~الحين اسم لجزء ما من الزمان وإن قل فهو يصدق على القليل والكثير فالمتجه ~~ما قاله الشافعي - رضي الله عنه - فقد ظهر الفرق بين قاعدة كثرة الاستعمال ~~وقاعدة النقل وظهر بظهوره الحق في هذه المسائل لأن الكلام فيها مع عدم ~~النية. # (الفرق الرابع والثلاثون والمائة بين قاعدة تعذر المحلوف عليه عقلا وبين ~~قاعدة تعذره عادة أو شرعا) # اعلم أنه إذا حلف ليفعلن كذا وتعذر الفعل عقلا لم يحنث إذا لم يمكنه ~~الفعل قبل ذلك فإن أمكنه ثم # PageV03P085 # تعذر حنث والفرق بين التعذر العقلي وغيره أن الناس ~~إنما يقصدون بأيمانهم الحنث على الفعل الممكن لهم أما المتعذر عقلا فلم ~~يوضع اللفظ في القسم حاثا عليه فلذلك المتعذر عقلا لا يوجب حنثا لأن الحلف ~~على الشيء مشروط بإمكانه وفوات الشرط يقتضي عدم المشروط فلا يبقى الفعل ~~محلوفا عليه فلا يضره عدم فعله أما التعذر العادي أو الشرعي الذي يكون ~~الفعل معه ممكنا عادة فهذا مندرج في اليمين عملا بظاهر اللفظ فإن الحلف ~~اقتضى الفعل في جميع الأحوال إلا ما دل الدليل على إخراجه وقيل المتعذرات ~~كلها سواء وفي الفرق عدة مسائل (المسألة الأولى) # إذا حلف ليذبحن الحمامة فقام مكانه فوجدها ميتة قال ابن القاسم والشافعي ~~لا حنث عليه بخلاف لو حلف ليبيعن أمته فيجدها حاملا عند ابن القاسم يحنث ~~لأن المانع شرعي وسوى بينهما سحنون في عدم الحنث قال مالك الحالف ليضربن ms501 ~~امرأته إلى سنة فتموت قبل السنة لم يحنث بموتها وهو على بر قال عبد الحق في ~~تهذيب الطالب إن حلف ليركبن الدابة فتسرق يحنث عند ابن القاسم لأن الفعل ~~ممكن عادة وإنما منعه السارق بخلاف موت الحمام وقال أشهب لا يحنث لأنه ~~متعذر بسبب السرقة فإن ماتت قبل التمكن بر لتعذر الفعل عقلا ومنع الغاصب ~~والمستحق كالسارق وإن حلف ليضربن عبده فكاتبه أو ليبيعن أمته فوجدها حاملا ~~يحنث لأن المانع شرعي والفعل ممكن وقال سحنون لا يحنث لأنه متعذر وإن حلف ~~ليطأها فوجدها حائضا يخرج الحنث على الخلاف. # وقال أشهب إن حلف ليصومن رمضان وشوالا إن صام يوم الفطر بر وإلا حنث # (تنبيه) ومعنى قول الأصحاب الفعل متعذر عقلا يريدون أن فعله من خوارق ~~العادات وإلا فيمكن عقلا أن الله تعالى يحيي الحمام والحيوان حتى يتأتى فيه ~~أفعال الأحياء لكن ذلك خارق للعادة بخلاف السارق ونحوه لا يقال إن الفعل ~~مستحيل عادة فإن من الممكن عادة القدرة على السارق والغاصب ويفعل ما حلف ~~عليه فهذا تحرير القاعدتين والفرق بينهما. # (الفرق الخامس والثلاثون والمائة بين قاعدة المساجد الثلاثة يجب المشي ~~إليها والصلاة فيها إذا نذرها وقاعدة غيرها من المساجد لا يجب المشي إليها ~~إذا نذر الصلاة فيهما) # قال مالك - رحمه الله - في المدونة إذا قال علي أن آتي إلى المدينة أو ~~بيت المقدس أو المشي إليها فلا يأتي إليهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو ~~ما يلازم ذلك وإلا فلا شيء عليه ولو نذر الصلاة في # PageV03P086 # غيرها من المساجد صلى بموضعه وقاله الشافعي وأحمد بن ~~حنبل وقال اللخمي قال القاضي إسماعيل ناذر الصلاة في المسجد الحرام لا ~~يلزمه المشي إذا نذره قال والمشي في ذلك كله أفضل لأن المشي في القرب أفضل ~~وهو قربة قال ومقتضى أصل مالك أن يأتي المكي المدينة لأنها أفضل فإتيانها ~~من مكة قربة بخلاف الإتيان من المدينة إلى مكة وقدم الشافعي وأحمد بن حنبل ~~المسجد الحرام عليها قال ابن يونس يمشي إلى غير الثلاثة المساجد من ms502 المساجد ~~إن كان قريبا كالأميال اليسيرة ماشيا ويصلي فيه قال ابن حبيب إذا كان ~~بموضعه مسجد جمعة لزمه المشي إليه وقال مالك وبه أفتى ابن عباس من بمسجد ~~قباء وهو من المدينة على ثلاثة أميال وفي الجواهر الناذر إن كان بمكة أو ~~المدينة ونذر بيت المقدس يصلي في مسجد موضعه لأنه أفضل وإن كان بالأقصى مضى ~~إليهما ويمشي المكي إلى المدينة والمدني إلى مكة للخروج من الخلاف وأصل ~~الباب قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا تعمل المطي إلا لثلاثة ~~مساجد مسجدي هذا ومسجد إيلياء والمسجد الحرام» فاقتضى ذلك عدم لزوم المشي ~~إلى غيرها فإن كل ما وجب المشي إليه وجب إعمال الركاب إليه وإلا فلا وسر ~~الفرق أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب فما لا رجحان في فعله في نظر الشرع لا ~~يؤثر فيه النذر وسائر المساجد مستوية من جهة أنها بيوت القرب والتقرب إلى ~~الله تعالى بالصلاة فيها فلا يجب الإتيان إلى شيء منها لعدم الرجحان فإن ~~قلت إن المساجد أفضل من غيرها إجماعا. # وبعضها أفضل من بعض إما لكثرة طاعة الله تعالى فيها وإما لقدم هجرته أو ~~لكثرة جماعته أو غير ذلك من # PageV03P087 # أسباب التفضيل ومقتضى ذلك وجوب الصلاة فيها إذا نذرت ~~لأجل الرجحان في نظر الشرع قلت سؤال جليل والجواب عنه أن القاعدة الشرعية ~~أن الفعل قد يكون راجحا في نفسه ولا يكون ضمه لراجح آخر في نفسه راجحا في ~~نظر الشرع وقد يكون ضمه راجحا فمن الأول الصلاة والحج راجحان في نظر الشرع ~~كل واحد منهما في نفسه وليس ضمهما راجحا في نظر الشرع والصوم والزكاة ~~راجحان منفردين وليس ضمهما راجحا في نظر الشرع بل قد يكون الفعلان راجحين ~~في نظر الشرع وضمهما مرجوح في نظر الشرع كالصوم والوقوف بعرفة والتنفل في ~~المصلى مع صلاة العيد والركوع وقراءة القرآن لقوله - عليه السلام - «نهيت ~~أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا» والدعاء في بعض أجزاء الصلاة كما قبل التشهد ~~ونحوه ومما رجح منفردا ومجتمعا الصوم والاعتكاف ms503 والتسبيح والركوع ونحو ذلك ~~وقد تقدم بسط هذه القاعدة فاعتقاد رجحان المساجد على غيرهما أو رجحان بعضها ~~على بعض لا يوجب اعتقاد ضم الصلاة إليها لأن اعتقاد الرجحان الشرعي يتوقف ~~على مدرك شرعي ولم يرد بل ورد الحديث المتقدم بعد ذلك وليس لك أن تقول إن ~~رجحانها إنما ثبت باعتبار الصلاة فيها فإني أمنع ذلك بل ما دل الدليل على ~~رجحانها باعتبار الصلاة إلا باعتبار صلاة الفرض دون النفل من الصلاة لقوله ~~- عليه السلام - «خير صلاة أحدكم في بيته إلا المكتوبة» مع أن المساجد من ~~حيث هي مساجد مستوية بالنسبة إلى المكتوبة أيضا حتى يرد دليل شرعي يقتضي ~~رجحان بعضها على بعض باعتبار فرض أو نفل فإن الرجحان الشرعي حكم شرعي يتوقف ~~على مدرك شرعي والحديث السابق اقتضى عكس ذلك فلا يجب السعي حينئذ إلى مسجد # PageV03P088 # غير الثلاثة وإن نذره. # وأما ما وقع من قوله يمشي إلى القريب فمراعاة لضرورة النذر على وجه الندب ~~دون الإلزام وقول ابن حبيب يمشي إلى مسجد الجمعة مشكل يتوقف ذلك على دليل ~~يدل عليه لما تقدم من القاعدة وكذلك قول الأصحاب يمشي إلى المسجد القريب ~~استحسان من غير مدرك ظاهر والصواب ما تقدم فإن قلت القاعدة في النذر أنه لا ~~يجزئ فعل الأعلى عن فعل الأدنى إذا نذره فمن نذر أن يتصدق برغيف لا يجزئه ~~أن يتصدق بثوب وإن كان أعظم منه وقعا عند الله تعالى وعند المسلمين ومن نذر ~~أن يصوم يوما لم يجزه أن يصليه بدلا عن الصوم وإن كانت الصلاة أفضل في نظر ~~الشرع ومن نذر أن يحج لم يجزه أن يتصدق بآلاف من الدنانير على الأولياء ~~والضعفاء ولا أن يصلي السنين مع أن الصلاة أفضل من الحج ونظائر ذلك كثيرة. # وإذا تقررت هذه القاعدة كيف صح في هذا الباب أن من نذر أن يصلي ببيت ~~المقدس يصلي بالمدينة أو بمكة إذا كان مقيما بهما ولا يأتي بيت المقدس ~~وغايته أنه ترك المفضول لفعل الفاضل والقاعدة منع ذلك فكيف ساغ ذلك ms504 هنا قلت ~~ظاهر كلام الأصحاب أنه يصلي بالحرمين إذا كان مقيما بهما حالة النذر لأنه ~~حينئذ نذر الخروج وترك الصلاة في # PageV03P089 # الحرمين حتى يصليها ببيت المقدس فقد نذر المرجوح ~~والنذر لا يؤثر في المرجوح بل في المندوب الراجح أما لو كان بغير المواضع ~~الثلاثة من أقطار الدنيا ونذر المشي إلى البيت المقدس ينبغي أن يتعين عليه ~~أو يقال الصلاة من حيث هي صلاة حقيقة واحدة فالعدول فيها عن الصفة الدنيا ~~إلى الصفة العليا لا يقدح في موجب النذر ألا ترى أنه لو نذر أن يتصدق بثوب ~~خلق أو غليظ وغير ذلك من الصفات التي لا تتضمن مصلحة بل هي مرجوحة في ~~الثياب فتصدق بثوب جديد أو غير ذلك من الثياب الموصوفة بالصفات الجيدة فإنه ~~يجزئه فإن النذر لما ورد على الثوب الخلق ورد على شيئين أحدهما أصل الثوب ~~والآخر صفته فأما التصدق بأصل الثوب فقربة فتجب. # وأما التصدق بوصف الخلق فليس فيه ندب شرعي فلا يؤثر فيه النذر فيجزئ ضده ~~فكذلك ها هنا لما نذر الصلاة ببيت المقدس فقد نذر الصلاة موصوفة بخمسمائة ~~صلاة كما ورد في الحديث أن «الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» وهذه ~~الخمسمائة هي بعينها في الحرمين مع زيادة خمسمائة أخر لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام» # PageV03P090 # فكل ما هو مطلوب للشرع في البيت المقدس هو موجود في ~~الحرمين من أصل الصلاة وزيادة أجرها ولم يفترقا إلا في زيادة خمسمائة أخرى ~~تحصل له في الحرمين وترك هذه الزيادة ليست مقصودة للشارع فلا جرم لم يتعلق ~~بها نذر ويكون وزان ذلك من نذر أن يتصدق بثوب فتصدق بثوبين فإنه يجزئه ~~إجماعا ولا يكون وزانه من نذر أن يصوم فصلى لأن خصوص الصوم من حيث هو صوم ~~مطلوب لصاحب الشرع ولم يحصل هذا الخصوص في الصلاة كما حصل خصوص الخمسمائة ~~في الألف من غير خلل ألبتة # PageV03P091 # فهذا هو سر الفرق بين قاعدة عدم إجزاء خمسمائة أخرى ~~لقوله ms505 الراجح عن المرجوح في العبادات وقاعدة إجزاء الصلاة بالحرمين عن ~~الصلاة ببيت المقدس والصلاة في كل مسجد عن الصلاة في مسجد آخر من مساجد ~~الأقطار فتأمل ذلك # (تنبيه) مقتضى ما تقرر في النذر لزوم ثلاثة إشكالات على قواعد الفقهاء # (الإشكال الأول) على ما يقول الفقهاء إن النذر لا يؤثر إلا في مندوب ولا ~~تأثير له في واجب لأنه لازم له قبل النذر ولا في مباح لأن صاحب الشرع لا ~~يلزم أحدا بفعل المباح نذره أم لا والمحرم والمكروه بطريق الأولى وإذا كانت ~~القاعدة أن النذر لا يؤثر إلا في راجح في نظر الشرع أشكل على ذلك إذا نذر ~~أن يتصدق بهذا الشعير ليس له أن يخرج عنه قمحا مع أن هذا الشعير مشتمل على ~~أمرين أحدهما المالية وهي موجودة في القمح والتصدق بها راجح في نظر الشرع ~~والثاني كونه شعيرا وكونه شعيرا لم يؤمر بخصوصه في الصدقة ولا هو راجح في ~~نظر الشرع فكان يلزم أن لا يلزمه خصوص الشعير وكذلك إذا نذر أن يتصدق بهذا ~~الثوب فتصدق بألف دينار لا يجزئه أو نذر أن يصوم لا تجزئه الصلاة مع ~~اشتراكهما في القربة وليس في خصوص الصوم وجه يترجح به على الصلاة حتى يؤثر ~~فيه النذر ويمنع من إقامة الصلاة مقامه وكذلك القول في جميع الأجناس # PageV03P092 # تتعين من الأموال والعبادات يلزم خصوصها بالنذر وإن ~~لم يكن ذلك الخصوص راجحا في نظر الشرع بل القربة ما اشتمل عليه مما هو ~~مشترك بينه وبين غيره فقد أثر النذر فيما ليس براجح في نظر الشرع # (الإشكال الثاني) على قاعدة من يقول النقدان لا يتعينان لعدم تعلق القصد ~~بخصوصياتهم اشرعا وعادة فيلزم هذا القائل أنه إذا نذر أن يتصدق بهذا الدرهم ~~أن يتركه ويخرج غيره أو بهذا الدينار أن يتركه ويخرج غيره مع أن ظاهر ~~كلامهم يقتضي تعيينه بالإخراج وذلك بمقتضى أن الخصوص يتعلق به قصد شرعي ~~وعادي وهو خلاف قاعدتهم في عدم التعيين ويلزم إذا نذر أن يتصدق بهذا الدرهم ~~أو بدراهم لم ms506 يعينها أن يخرج عوضها دنانير لأن التقرب في المالية لا في ~~كونها دراهم أو دنانير بل قد يكون أحدهما أنفع للفقير وهو ما لم ينذر ~~لراحته من الصرف في دفع الدراهم عن الدنانير المنذورة # (الإشكال الثالث) مقتضى ما تقدم # PageV03P093 # من تقديم المسجد الحرام على المسجد الأقصى لزيادة ~~فضيلته مع تحصيل أصل التقرب أن تكون أجناس المنذورات كلها كذلك يقدم فاضلها ~~على مفضولها ويخرج القمح بدل الشعير فيطلب الفرق. # (الفرق السادس والثلاثون والمائة بين قاعدة المنذورات وقاعدة غيرها من ~~الواجبات الشرعية) # اعلم أن الأوامر تتبع المصالح كما أن النواهي تتبع المفاسد والمصلحة إن ~~كانت في أدنى الرتب كان المرتب عليها الندب. # وإن كانت في أعلى الرتب كان المرتب عليها الوجوب ثم أن المصلحة تترقى ~~ويرتقي الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب يلي أدنى مراتب الوجوب ~~وكذلك نقول في المفسدة التقسيم بجملته وترتقي الكراهة بارتقاء المفسدة حتى ~~يكون أعلى مراتب المكروه يلي أدنى مراتب التحريم إذا تقرر ذلك علم حينئذ أن ~~المصلحة التي تصلح للندب لا تصلح للوجوب لا سيما إن كان الندب في الرتبة ~~الدنيا فإن الشرع خصص المرتبة العليا من المصالح بالوجوب وحث عليها ~~بالزواجر صونا لتلك المصلحة عن الضياع كما خصص المفاسد العظيمة بالزجر ~~والوعيد حسما لمادة الفساد عن الدخول في الوجود تفضلا منه تعالى عند أهل ~~الحق لا وجوبا عقليا كما قالت المعتزلة ولو شاء الله تعالى لم يرتب ذلك، ~~هذا في الأحكام المقررة في أصل الشريعة وكذلك القول في الأسباب الشرعية لم ~~يجعل صاحب الشرع شيئا سبب وجوب فعل على المكلف إلا وذلك السبب مشتمل على ~~مصلحة تناسب الوجوب فإن قصرت عن ذلك جعلها سبب الندب وكذلك القول في أسباب ~~التحريم والكراهة فبذل الرغيف للجوعان المشرف على الهلاك واجب. # وسبب الوجوب الضرورة وهذا السبب مشتمل على حفظ حياته وهي مصلحة عظيمة ~~تصلح للوجوب وبذل الرغيف لمن يتوسع به على عائلته من غير ضرورة مندوب إليه ~~وسبب هذا الندب التوسعة دون دفع ضرورة فلم تقتض التوسعة الوجوب ms507 لقصور ~~مصلحتها وكذلك القول في بقية الأسباب الشرعية في باب الأوامر وفي # PageV03P094 # باب النواهي، إذا تقررت هذه القاعدة فاعلم أن صاحب ~~الشرع جعل الأحكام على قسمين منها ما قرره في أصل شرعه ولم يكله إلى خيرة ~~الخلق كوجوب الصلاة والصوم في رمضان وغير ذلك ومنها ما وكل وجوبه إلى خيرة ~~الخلق فإن شاءوا أوجبوه على أنفسهم بإنشاء سببه وهو النذر وإن شاءوا لم ~~يفعلوا ذلك وكما جعل الأحكام على قسمين جعل الأسباب أيضا على قسمين منها ما ~~قرره في أصل شرعه ولم يكله إلى خيرة المكلف كالزوال ورؤية الهلال ومالك ~~النصاب وغير ذلك ومنها ما وكله للعباد فإن شاءوا جعلوه سببا وإن شاءوا لم ~~يجعلوه سببا وهو شرط النذور والطلاق والعتاق ونحوها فإنها أسباب لوجود ~~حقيقة السبب فيها فإنها يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم ولم يحصر ~~ذلك في المندوبات كما حصره في الأحكام المنذورات فلا يؤثر النذر إلا في نقل ~~مندوب لواجب بطريق واحد وهو النذر بل عمم ذلك في سائر الممكنات المستقبلات ~~من الواجبات والمحرمات وغيرها مما ليس من المكتسبات كهبوب الرياح ونزول ~~الأمطار مما ليس فيه حكم شرعي ولا اكتساب اختياري فأي ذلك شاء المكلف جعله ~~سببا لوجوب منذور عليه أو لزوم طلاق أو عتاق له إذا تقرر هذا حصل الفرق بين ~~الواجب بالنذر والواجب المتأصل في الشريعة من وجهين # أحدهما قصور مصلحته عن الوجوب لأن مصلحته مصلحة الندب والالتزام لا يغير ~~المصالح # ثانيهما أن سببه لا يناسب الوجوب كالأسباب المقررة في أصل الشريعة كما ~~تقدم فكون المنذورات مستثنيات من القواعد من هذين الوجهين وهي الاستثناء عن ~~قاعدة الأسباب أشد بعدا عن القواعد لأن الأحكام انتقلت فيها المندوبات ~~للواجبات والمندوبات فيها أصل المصلحة وأما في الأسباب فقد يحصل ما هو قد ~~عري عن المصلحة ألبتة كطيران الغراب وصرير الباب وعبور الناموس فلو قال إن ~~طار الغراب فعلي صدقة درهم لزمه ذلك أو امرأته طالق أو غير ذلك لزمه جميع ~~ما علقه إذا وجد المعلق عليه فصارت ms508 الأسباب أبعد عن القواعد من الأحكام مع ~~بعد الأحكام في أنفسها فإن قلت كيف اقتضت الحكمة الإلهية اعتبار ما لا ~~مصلحة فيه وإقامة مصلحة الندب للوجوب مع أن قاعدة عادة الله تعالى في ~~الشرائع أن الأحكام تتبع المصالح على اختلاف رتبها قلت الأسباب يخلف بعضها ~~بعضا فكما أن عظم المصلحة سبب الوجوب في عادة الشارع فكذلك ها هنا سبب آخر ~~إذا فقدت هذه المصلحة وهي مصلحة أدب العبد مع الرب سبحانه وتعالى في أنه ~~إذا وعد ربه بشيء لا يخلفه إياه لا سيما إذا التزمه وصمم عليه فأدب العبد ~~مع الرب سبحانه وتعالى بحسن الوفاء وتلقي هذه الالتزامات بالقبول خلق كريم ~~هو سبب خلف المصلحة التي في نفس # PageV03P095 # الفعل فقد يستفاد من هيئة الفاعل وأحواله وأخلاقه مع ~~خالقه ومعبوده مصالح عظيمة وأي مصلحة أعظم من الأدب حتى قال رويم لابنه يا ~~بني اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا. # أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبته في الكثرة نسبة الدقيق إلى الملح ~~وكثير من الأدب مع قليل من العمل الصالح خير من كثير من العمل مع قلة الأدب ~~وهذه القاعدة قد تقدم التنبيه عليها وهي أن الله تعالى أمر عباده أن ~~يتأدبوا معه كما يتأدبوا مع أماثلهم فإن ذلك هو الممكن في عبادة الله تعالى ~~فإنه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية ولما كان الأدب مع الملوك أعظم نفعا ~~لفاعله وأجدى عليه من كثير الخدمة مع قلة الأدب كان الواقع مع الله تعالى ~~ذلك وكذلك صدق الوعد والوفاء بالالتزام من محاسن الأخلاق بين العباد وفي ~~معاملة الملوك ولما عظم هذا المعنى جعل هو سبب الوجود بدلا من المصالح في ~~نفس الأفعال فتأمل ذلك وبهذا التقرير يظهر لك أن النذور وإن خرجت عن ~~القواعد من زينك الوجهين فقد رجعت إلى القواعد من هذا الوجه وصارت على وفق ~~القواعد من جهة أنه ما عرى الوجوب عن مصلحة تناسبه وعلى هذا التقرير أيضا ~~حصل الفرق بين المنذورات والشروط من جهة أن مداركها غير مدارك الأسباب ms509 ~~والواجبات الأصلية وهي مصالح غير مصالح أنفس الأفعال. # (الفرق السابع والثلاثون والمائة بين قاعدة ما يحرم لصفته وبين قاعدة ما ~~يحرم لسببه) # اعلم أن الله تعالى خلق المتناولات للبشر في هذا العالم على قسمين قسم ~~يحرم لصفته وهو ما اشتمل على مفسدة تناسب التحريم فيحرم أو الكراهة فيكره ~~فالأول كالسموم تحرم لعظم مفسدتها والثاني سباع الطير أو الضبع من الوحش ~~على الخلاف في ذلك وقسم يباح لصفته إما لاشتماله على المصلحة كالبر واللحم ~~الطيب من الأنعام وإما لعدم مفسدته ومصلحته وهو قليل في العالم فلا يكاد ~~يوجد شيء إلا وفيه مصلحة أو مفسدة ويمكن تنظيره بأكل شعرة من قطن أو نحو ~~ذلك مما لا يظهر له أثر في جسد ابن آدم وإذا كانت الموجودات في هذا العالم ~~إما حرام لصفته أو مباح لصفته انبنى على هذا قاعدة أخرى وهو أن كل ما حرم ~~لصفته لا يباح إلا بسببه وما يباح لصفته لا يحرم إلا بسببه # (فالقسم الأول) كالميتة حرمت لصفتها وهي اشتمالها على الفضلات المستقذرة ~~فلا تباح إلا بسببها وهو الاضطرار ونحوه من الأسباب وكذلك الخمر حرم لصفته ~~وهو الإسكار فلا يباح إلا بسببه وهو الغصة # (والقسم الثاني) كالبر ولحوم الأنعام وغير ذلك من المأكل والملابس ~~والمساكن أبيحت لصفاتها من المنافع والمصالح فلا تحرم # PageV03P096 # إلا بسببها وهو الغصب والسرقة والعقود الفاسدة ونحوها ~~فهذه القاعدة في هذا الفرق مطردة في جميع المتناولات. # (الفرق الثامن والثلاثون والمائة بين قاعدة تحريم سباع الوحش وبين قاعدة ~~تحريم سباع الطير) # اعلم أن النواهي تعتمد المفاسد فما حرم الله تعالى شيئا إلا لمفسدة تحصل ~~من تناوله وقد أجرى الله عادته أن الأغذية تنقل الأخلاق لخلق الحيوان ~~المتغذي به حتى يقال إن العرب لما أكلت من لحوم الإبل حصل عندها فرط ~~الإيثار بأقواتها لأن ذلك شأن الإبل فيجوع الجمع من الإبل الأيام ثم يوضع ~~لها ما تأكله مجتمعة فيضع كل منها فمه فيتناول حاجته من غير مدافعة عن ذلك ~~الحب ولا يطرد من يأكل معه ولا تزال ms510 الإبل تأكل علفها كذلك بالرفق حتى يفنى ~~جميعه من غير مدافعة بعضها بعضا بل معرضة عن ذلك وعن مقدار ما أكله غيرها ~~مما يجاورها بخلاف غيرها من الحيوانات تقاتل عند الاغتذاء على حوز الغذاء ~~وتمنع من يأكل معها أن يتناول شيئا وذلك مشاهد في السباع والكلاب والأغنام ~~وغيرها فانتقل ذلك لخلق الأعراب فحصل عندهم من الإيثار للضيف ما لم يحصل ~~عند غيرهم من الأمم كما أنه حصل عندهم الحقد أيضا لأن الجمل يأخذ ثأره ممن ~~آذاه بعد مدة طويلة ولا يزول ذلك عن خاطره حتى يقال إن أربعا أكلت أربعا ~~فأفادتها أربعا أكلت العرب لحوم الإبل فأفادتها الحقد وأكلت السودان القرود ~~فأفادتها الرقص وأكلت الفرنج الخنازير فأفادتها عدم الغيرة وأكلت الترك ~~الخيل فأفادتها القساوة وإذا تقرر هذا فهذه السباع في غاية الظلم وقلة ~~الرحمة تأكل الحيوانات من غير اكتراث بهلاك تلك الحيوانات ولا فساد أبنيتها ~~ولا ما تجده من الألم في تمزيق أعضائها وتثب على ذلك وثوبا شديدا من غير ~~توقف في ذلك لحاجة ولغير حاجة وذلك لفرط ظلمها وقلة رحمتها وذلك متوفر في ~~سباع الوحش أكثر منه في سباع الطير فأين الأسد من العقاب والصقر وأين النمر ~~والفهد من الضبع والنسر وغيرهما من الحدآت والغربان ونحوها فلما عظمت ~~المفسدة والظلم في سباع الوحش حرمت لئلا يتناولها بنو آدم فتصير أخلاقهم ~~كذلك ولما قصرت مفسدة سباع الطير عن ذلك فمن الفقهاء من نهض عنده ذلك ~~للتحريم دفعا لمفسدة سوء الأخلاق وإن قلت ومنهم من لم ينهض عنده ذلك ~~للتحريم لخفة أمره فاقتصر به على الكراهة فهذا هو الفرق بين قاعدة سباع ~~الوحش وسباع الطير # PageV03P097 # (الفرق التاسع والثلاثون والمائة بين قاعدة ذكاة ~~الحيات وقاعدة ذكاة غيرها من الحيوانات) # قال مالك في المدونة لا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها جاز ~~أكلها لمن احتاج إلى ذلك وأشار صاحب الجواهر أنها تذكى كما يذكى الصيد ~~ومقتضى ظاهر قوله إنها لأجل العجز عنها إذا جرحت في أي موضع كان من جسدها ~~جاز ms511 تناولها عند الحاجة إليها وهو سبب لهلاك متناولها ولم يطلق مالك هذا ~~الإطلاق بل قال إذا ذكيت في موضع ذكاتها ولم يقل إذا ذكيت مثل الصيد والسبب ~~في ذلك أن ذكاة الحيات لا يحكمها إلا طبيب ماهر وصفة ذكاتها على ما اختاره ~~المتأخرون من الأطباء إذا أرادوا استعمالها في الترياق الفاروق أو لمداواة ~~الجذام والعياذ بالله تعالى أن تمسك برأسها وذنبها من غير عنف حذرا من أن ~~يحصل لها غيظ فيدور السم في جسدها فإذا أخذت. # كذلك ثنيت على مسمار مضروب في لوح ثم تضرب بآلة حادة كالقدوم الحاد مثل ~~الموسى ونحوها من الآلات الحادة الرزينة وهي ممدودة على تلك الخشبة ويقصد ~~بتلك الضربة آخر الرقبة من جهة رقبتها وذنبها فإن بين رأسها ووسطها مقدار ~~رقيق وبين ذنبها ووسطها مقدار رقيق فيتجاوز ذلك الرقيق من الجهتين ويوصل ~~المقدار الغليظ الذي في وسطها فلا يترك غيره ويحاز الرقيقان إلى جهة الرأس ~~والذنب ويقطع جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة وجيزة فمتى بقيت جلدة يسيرة ~~لم تقطع مع الجملة قتلت آكلها لأن السم حينئذ يجري من جهة الرأس والذنب في ~~تلك الجلدة اليسيرة إلى بقية جسدها الذي هو الجزء الغليظ بسبب ما يحدث لها ~~من الغضب عند الإحساس بألم الحديد وهذا معنى قول مالك - رحمه الله - موضع ~~ذكاتها فهذا هو الفرق بين ذكاتها وذكاة غيرها من الحيوانات فهذا فرق من جهة ~~صفة الذكاة وفيها فرق آخر من جهة المعنى وهو أن الذكاة شرعت فيها لأجل ~~السلامة من سمها ولا يكاد يخرج منها دم عند ذكاتها ألبتة وإنما المقصود ~~السلامة من سم رأسها وذنبها ولذلك تذكى من وسطها وشرعت الذكاة في غيرها من ~~الحيوانات لاستخراج الفضلات المحرمات من أجسادها بأسهل الطرق على الحيوان ~~ولا بد من ملاحظة القيد الأخير فإنا لو وسطنا الحيوان أو ضربنا عنقه خرجت ~~منه الفضلات لكن ذلك شاق على الحيوان بسبب كثرة ما يخرج فاختار الشرع قطع ~~الأوداج والحلقوم لتخرج الفضلات وهي الدماء والأخلاط كلها من الأوداج ~~وقطعها ms512 خفيف على الحيوان بالنسبة إلى التوسط لو ضرب العنق وقطع الحلقوم ~~يوجب قطع النفس لأنه مجراه فيختنق الحيوان فيسرع # PageV03P098 # إليه الموت ولما كانت هذه قاعدة تذكية الحيوان تعين ~~أن يخرج عليها الخلاف في صورة الذكاة فمن لاحظ عدم الفضلات في الجراد وغيره ~~مما ليس له نفس سائلة لم يشترط الذكاة فيها وجعل استخراج الفضلات أصلا ~~وإراحة الحيوان تبعا وأجاز ميتة ذلك كله. # وهو ظاهر الحديث في قوله - عليه السلام - «أحلت لنا ميتتان ودمان فالدمان ~~الكبد والطحال والميتتان السمك والجراد» ومن لاحظ سرعة زهوق الروح وجعله ~~أصلا في نفسه لم يجزها إلا بذكاة وهو مشهور مذهب مالك - رحمه الله - ومن ~~لاحظ قاعدة أخرى وهو إلحاق النادر بالغالب في الشريعة أسقط ذكاة ما يعيش في ~~البر من دواب البحر كالتمساح والترس وغيرهما نظرا لغالبه فإنه لا يعيش في ~~البر وهو مشهور مذهب مالك - رحمه الله - ومن لاحظ القاعدة الأولى وجعل ميتة ~~البحر على خلاف الأصل لم يسقط الذكاة في هذا النوع ويؤيده قوله تعالى {حرمت ~~عليكم الميتة} [المائدة: 3] وهذه ميتة أو يلاحظ قاعدة أخرى وهي حمل اللفظ ~~العام على سببه دون عمومه فيختص بالميتة التي وردت الآية فيها وهي الميتة ~~التي كانوا يأكلونها من الحيوان البري ويقولون تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ~~ما قتل الله فهذه القواعد والأسرار هي الفرق بين هذه المواطن ولم يبقى منها ~~إلا ذكاة الجنين في بعض أحواله قال أصحابنا إذا لم تجر فيه حياة لم تصح فيه ~~ذكاة لا من قبله ولا من قبل أمه ولا يؤكل وإن جرت فيه الحياة وعلامة ذلك ~~عندنا كمال الخلق ونبات الشعر فإن ذكيت الأم وخرج حيا ثم مات على الفور ~~كرهه ابن المواز ووقع في الجلاب تحريمه وإن استهل صارخا انفرد بحكم نفسه. # وإن لم تذك الأم وألقته ميتا لم يؤكل وكذلك إن كان حيا حياة لا يعيش معها ~~علم ذلك أو شك فيه وإن ذكيت الأم فخرج ميتا فذكاتها ذكاته وقاله الشافعي - ~~رضي الله عنه - وقال أبو حنيفة لا ms513 بد له من ذكاة تخصه ولا يكفي فيه ذكاة ~~أمه ومنشأ الخلاف أن ذكاة أمه تسرع زهوق نفسه بسهولة فإنه كالجزء منها فلا ~~يحتاج إلى ذكاة أو يلاحظ أنه حيوان مستقل الأعضاء والفضلات فيحتاج إلى ذكاة ~~تخصه وموته بموت أمه موت له بالغم والآفات الحاصلة له في محله والموت بذلك ~~لا يبيح في غير صورة النزاع فكذلك في صورة النزاع فهذا منشأ الخلاف من حيث ~~القواعد وأما من حيث النص فقوله - عليه السلام - «ذكاة الجنين ذكاة أمه» ~~خرجه أبو داود يروى برفع الذكاة الثانية ونصبها فنحن والشافعية نعتمد على ~~رواية الرفع ووجه الاعتماد عليها أن المبتدأ يجب انحصاره في الخبر والمبتدأ ~~هنا ذكاة الجنين فتنحصر في زكاة أمه فلا يحتاج إلى ذكاة أخرى وإلا لما ~~انحصرت في ذكاة أمه واعتمد الحنفية على رواية النصب والتقدير لوجه الحجة ~~منها أن هذا النصب لا بد له من عامل يقتضي النصب وتقديره عندهم ذكاة الجنين ~~أن يذكى ذكاة مثل # PageV03P099 # ذكاة أمه فحذف مثل الذي هو نعت للمصدر المحذوف وهو ~~مضاف لذكاة أمه فأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه بالنصب لأن القاعدة ~~أن المضاف إليه متى أقيم مقام المضاف أعرب كإعرابه وحذف الناصب لهذا المصدر ~~مع المصدر ونعته وبقي الكلام كما ترى فهذا تقرير مذهبهم. # ووجه الحجة لهم من الحديث ولنا عنه جواب حسن وذلك أن نقول ما يتعين ~~التقدير فيما ذكرتموه بل يصح النصب بتقدير آخر وهو قولنا ذكاة الجنين داخلة ~~في ذكاة أمه فيكون ذكاة أمه منصوبا على أنه مفعول على السعة أو على الظرف ~~بإسقاط حرف الجر وكان الأصل في ذكاة أمه فحذف حرف الجر فانتصب المجرور وهذا ~~التقدير أولى لوجهين أحدهما أن المحذوف حينئذ يكون كلمة واحدة وهي قولنا ~~داخلة وحرف الجر إن قلنا به وأما على تقديركم فيكون المحذوف أربع كلمات ولا ~~خلاف أن قلة الحذف أولى فيكون ما ذكرناه أولى وثانيهما أن تقديرنا يؤدي إلى ~~الجمع بين رواية النصب والرفع وعدم التعارض وما ذكرتموه يفضي إلى التعارض ~~وما ms514 أفضى إلى عدم التعارض كان أولى فما ذكرناه أولى (مسألة) # قال صاحب البيان قال ابن القاسم الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها ~~أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولى من بقائها لتحصل راحتها من ~~العذاب وقيل تعقر لئلا يغري الناس ذبحها على أكلها وقال ابن وهب لا تذبح ~~ولا تعقر لنهيه - عليه السلام - عن تعذيب الحيوان لغير مأكلة # (فرع) مرتب إذا تركها صاحبها فعلفها غيره ثم وجدها قال مالك هو أحق بها ~~لأنه مكره على تركها بالاضطرار لذلك ويدفع ما أنفق عليها وقيل هي لعالفها ~~لإعراض المالك عنها فهذا هو استيعاب هذا الباب بعلله ومقاصده إذا كان ~~مقدورا عليه أما غير المقدور عليه وهو الصيد فلما كان المقصود في الحيوان ~~المقدور عليه القصد إلى استخراج الدم الحرام المستخبث من اللحم الحلال ~~الطيب بأسهل الطرق على تلك الحيوانات وهو فيها ممكن بآلة تصلح لذلك وهذا ~~كله متيسر في الإنسي. # وقد تعذر في الوحشي استخراج الدم وسهولة الطريق وبقي القصد والآلة ونزل ~~السهم منزلة المدية لضرورة الفرار والتوحش فهو في الرتبة الثانية ويليه في ~~الرتبة الثالثة الجارح لأنه له اختيار يبعد بسببه عن كونه آلة لأنه يجوز ~~لنفسه لكن عارض كونه مختارا عدم العقل فيه فعدم عقله مخل باختياره مضافا ~~إلى التعليم الحاصل فيه والأوهام التي حصلها فيه الآدمي بسبب التعليم ~~والسياسة الخاصة فصار ذلك مقربا لكونه آلة له ولذلك لا يصلح أن يكون ~~المجوسي آلة لعقله وكمال اختياره وإن كان الله تعالى جعل ذبيحته ميتة ~~كافتراس الوحوش كما جعل نسائهم كالبهائم يحرم وطؤهن بسبب عدم تعظيمهم الكتب ~~الإلهية والرسل الربانية فاهتضموا إلى حيث جعلوا كالبهائم # PageV03P100 # وميز أهل الكتاب عليهم لتعظيمهم الرسل والرسائل من ~~حيث الجملة # (الفرق الأربعون والمائة بين قاعدة أنكحة الصبيان تنعقد إذا كانوا مطيقين ~~للوطء وللولي الإجازة والفسخ وبين قاعدة طلاقهم فإنه لا ينعقد) # ووجه الإشكال فيهما والجامع بينهما أن خطاب الوضع كما تقدم هو الخطاب ~~بالأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية وقد تقدم ms515 بسطها وإنها لا ~~يشترط فيها التكليف ولا العلم ولذلك نوجب الضمان على الصبيان والمجانين ~~ونطلق بالإعسار وإن كان معجوزا عنه وغير مشعور به وكذلك بالإضرار ونورث ~~بالأنساب وإن لم يشعر به الوارث ولا هو من مقدوره لأن ذلك كله من باب خطاب ~~الوضع الذي معناه أن صاحب الشرع قال إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني قد ~~حكمت بهذا بخلاف خطاب التكليف يشترط فيه القدرة على المكلف به والعلم به ~~والطلاق سبب للبينونة والنكاح سبب للإباحة فينبغي أن ينعقد الجميع في حقه ~~كما انعقد الإتلاف سبب الضمان والبيع بسبب العقد وغير ذلك من الأسباب ~~الفعلية والقولية فهذا وجه الجمع بينهما والفرق بين القاعدتين في أن ~~الصبيان تنعقد أنكحتهم دون طلاقهم أن عقد الأنكحة سبب إباحة الوطء وهو أهل ~~للخطاب بالإباحة والندب والكراهة دون الوجوب والتحريم لأنهما تكليف ومشقة ~~من جهة لزوم استحقاق العقاب المحمول عن الصبيان لضعف عقولهم والطلاق سبب ~~تحريم الوطء بإسقاط العصمة في الزوجة وهو ليس أهلا للتحريم فلم ينعقد سببا ~~في حقه مع اشتراك السببين في أنهما خطاب وضع وانضاف إلى أحدهما تكليف فلا ~~جرم انتفى انعقاده في حقه، فإن قلت الإتلاف سبب وجوب الضمان والوجوب تكليف. # وقد انعقد في حقه فيجب على الولي الإخراج من مال الصبي المتلف فإن تأخر ~~ذلك للبلوغ وجب على الصبي في ماله وخوطب حينئذ فقد تأخر الوجوب الذي هو سبب ~~الإتلاف إلى بعد البلوغ فلم لا ينعقد الطلاق في حقه ويتأخر التحريم إلى بعد ~~البلوغ عند حصول أهلية التكليف كما قلتم ذلك في الإتلاف وكلاهما سبب وضعي ~~يقتضي التكليف قلت الأصل ترتب المسببات على أسبابها وتأخرها عنها خلاف ~~القواعد والإتلاف لم يتعين فيه تأخير مسببه # PageV03P101 # عنه لإمكان الإخراج حالة الإتلاف من مال الصبي أو ممن ~~يتبرع به عنه فلم يتعين أخر مسببه عنه وأما الطلاق فيتعين تأخير التحريم ~~فيه الأمد الطويل والسنين الكثيرة إلى حين البلوغ فلا جرم لم ينعقد في حقه ~~ولهذا الفرق أيضا انعقد سبب البيع في حقه لأنه ms516 سبب إباحة ترتب عليه مسببه ~~في الحال وكذلك الإرث وغيره من الأسباب جميعها تترتب آثارها في حق الصبيان ~~والتأخير في وجوب الضمان إنما وقع عارضا بسبب العز عن إخراجه من ماله في ~~الحال وقد لا يتفق ذلك وهو الغالب فألحق النادر بالغالب وانعقد سببا مطلقا # (الفرق الحادي والأربعون والمائة بين قاعدة ذوي الأرحام لا يلون عقد ~~الأنكحة وهم أخو الأم وعم الأم وجد الأم وبنو الأخوات والبنات والعمات ~~ونحوهم ممن يدلي بأنثى وبين قاعدة العصبة فإنهم يلون العقد في النكاح وهم ~~الآباء والأبناء والجدود والعمومة والإخوة الشقائق وإخوة الأب) # والفرق بين الفرقين أن الولاء شرع لحفظ النسب فلا يدخل فيه إلا من يكون ~~له نسب حتى تحصل الحكمة لمحافظته على مصلحة نفسه فذلك يكون أبلغ في اجتهاده ~~في نظره في تحصيل الإكفاء ودرء العار عن النسب وخالف الشافعي - رضي الله ~~عنه - في الابن فقال لا ولاية له واحتج على ذلك بوجوه # (أحدها) قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أيما امرأة أنكحت بغير إذن ~~مواليها فنكاحها باطل» والابن لا يسمى مولى # (وثانيها) أنه يدلي بها فلا يزوجها كتزويجها لنفسها فإن الفرع لا يكون ~~أقوى من الأصل ولما أدلى بها صار في معناها # (وثالثها) أنه شخص لا تصح من أبيه الولاية فلا تصح منه كابن الخال مع ~~الخال. والجواب عن الأول أنه روي «بغير إذن وليها» وهو وليها لأن الولاية ~~من القرب لقول العرب هذا يلي هذا أي يقرب منه وابنها أقرب إليها من غيره ~~لأنه جزؤها وجزء الشيء أقرب إليه من الأمور الخارجة عنه هذا على هذه ~~الرواية وعلى الرواية الأخرى نقول المولى له معان كثيرة في لسان العرب منها ~~الناصر لقوله تعالى {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} [التحريم: ~~4] أي ناصره ومنه قوله تعالى {وأن الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11] أي لا ~~ناصر لهم وهو كثير والابن ناصر أمه فيكون هو مولاه وهذا الاحتمال أولى لأن ~~فيه جمعا بين الروايتين وعن الثاني الفرق بقوة عقله الناشئ عن الذكورية ~~وضعف ms517 عقلها الناشئ عن الأنوثة وعن الثالث أنه جزء منها فيتعلق به عارها ~~بخلاف أبيه وابن الخال فإن ابن الخال بعيد عنها لا تنكيه فضيحتها كما تنكي ~~ابنها بل يجب أن يكون الابن مقدما على جميع الأولياء لأنه جزؤها وجزؤها أمس ~~بها من الأمور الخارجة والقاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها ~~ولذلك قدم في القضاء من هو أيقظ وأكثر تفطنا لوجوه الحجاج # PageV03P102 # وسياسة الخصوم وأضبط للفقه ويقدم في الحروب من هو ~~أعرف بمكايد الحروب وسياسة الجند والجيوش. # ويقدم في الفتيا من هو أورع وأضبط لمنقولات الفقه وفي أمانة الحكم على ~~الأيتام من هو أعرف بتنمية الأموال وأعرف بمقادير النفقات والكلف والجدال ~~في الخصام ليناضل عن الأيتام ويقدم في سعاية الزكاة من هو أعرف بنصبها ~~والواجب فيها وأحكام الزكاة من الاختلاط والافتراق وأقوى خرصا للثمار وربما ~~كان المقدم في باب مؤخرا في باب آخر كما قدم الرجال في الحروب والإمامة ~~وأخروا في الحضانة وقدم النساء عليهم بسبب مزيد شفقتهن وصبرهن على الأطفال ~~فكن لذلك أكمل في الحضانة من الرجال فإن مزيد إنفاقهم يمنعهم من تحصيل ~~مصالح الأطفال فلهذه القاعدة قدم الابن على غيره فإنا نعلم بالضرورة أن ابن ~~الإنسان أشفق عليه من ابن عمه لا سيما إذا بعد ويقدم كل ولي على غيره من ~~الأولياء إذا كانت صفته أقرب وحاله على حسن النظر أكثر من غيره فيقدم لذلك. # (الفرق الثاني والأربعون والمائة بين قاعدة الأجداد في المواريث يسوون ~~بالإخوة وبين قاعدتهم في النكاح وميراث الولاء وصلاة الجنازة تقدم الإخوة ~~عليهم) # وسر الفرق بين هذه المواطن والمواريث أن الجد في باب المواريث يقول أنا ~~أبو أبيه والأخ يدلي بالبنوة فيقول أنا ابن أبيه والبنوة مقدمة على الأبوة ~~فحجب الابن الأب عن جملة المال إلى سدسه فهذه العمدة في الأبواب الأربعة ~~كلها ويفترق الميراث من الثلاثة الأبواب الأخر بأن الجد تسقط الإخوة للأم ~~به ولا نقدر الإخوة الأشقاء على ذلك ولا الإخوة للأب ويرث مع الابن بخلاف ~~الإخوة فلما عارض ms518 بهذين الوجهين حجة الإخوة بالبنوة سوى بالإخوة في باب ~~ميراث النسب لأنه هو الذي حصل فيه التعارض وهذا التعارض منفي في الأبواب ~~الثلاثة بسبب أن الإخوة للأم لا مدخل لهم في ولاية النكاح ولا ميراث الولاء ~~ولا في صلاة الجنازة حتى يقول الجد للإخوة أنتم عاجزون عن دفع هؤلاء وأنا ~~لا أعجز عن دفعهم وإذا لم يمكن أن يعارضهم بذلك بقيت حجتهم بالبنوة ~~وتقديمها على الأبوة سالمة عن المعارض فقدموا في الأبواب الثلاثة بخلاف ~~ميراث النسب. # (الفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية ~~في النكاح) # أن الرجل إذا وكل وكيلين في بيع سلعة فباعاها من رجلين كان النافذ من ~~البيعين هو الأول # PageV03P103 # وإذا جعلت المرأة أمرها لوليين فزوجاها من رجلين ~~كفأين فالمعتبر أولهما إن عرف كالبيع إلا أن يدخل بها الأخير فهو أحق بها ~~وهذه القاعدة فيها سبع مسائل يفيتهن الدخول مسألة الوليين وامرأة المفقود ~~تتزوج بعد الأجل المضروب يفيتها الدخول فإن قدم قبل الدخول بها فهو أحق ~~بها، والمرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة فتتزوج ثم تثبت رجعة الأول فإن دخل ~~بها الزوج الثاني كان أحق بها وألغيت الرجعة. # وقال مالك في المدونة إذا طلق زوج الأمة الأمة طلاقا رجعيا فراجعها في ~~السفر فلم تعلم بذلك فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع علمه بالرجعة كان ~~وطء السيد مفيتا لها كالوطء بالزوج وتكون هذه المسألة ثامنة لهذه المسائل، ~~وامرأة الرجل يرتد فيشك في كفره بالأرض البعيدة هل هو إكراه أو اختيار ثم ~~يتبين أنه إكراه وقد تزوجت امرأته بناء على ظاهر كفره فإن دخل بها الثاني ~~فهو أحق بها وإن لم يدخل بها فهي للأول، والرجل يسلم على عشرة نسوة فاختار ~~منهن أربعا فوجدهن ذوات محارم فإنه يرجع ويختار من البواقي ما لم يتزوجن ~~ويدخل بهن أزواجهن فمن دخل بها فات الأمر فيها بالدخول ومن لم يدخل بها كان ~~له أخذها وقيل لا يفيتهن الدخول والمرأة تطلق للغيبة ثم يقدم بحجة. # فإن وجدها تزوجت ودخل بها فاتت عليه ms519 وإن لم يدخل بها لم تفت عليه، ~~والمرأة تسلم وزوجها كافر فيفرق بينهما ثم يبين تقدم إسلامه عليها، وخولفت ~~هذه القاعدة في أربع مسائل في المذهب أيضا المرأة ينعى لها زوجها ثم يتبين ~~حياته وقد تزوجت فإنها لا يفيتها الدخول وقيل يفيتها الدخول، والمطلقة بسبب ~~الإعسار بالنفقة ثم يتبين أنها أسقطتها عنه قبل ذلك وقد تزوجت فإنها ترجع ~~إليه وإن دخل بها الثاني، والرجل يقول عائشة طالق وله امرأة حاضرة اسمها ~~عائشة وقال لم أردها ولي امرأة أخرى تسمى عائشة ببلد آخر وهي التي أردت ~~فإنها تطلق عليه هذه لأن الأصل عدم امرأة أخرى فإن تبين صدقه وقد تزوجت ~~ودخل بها زوجها ردت إليه ولا يفتيها الدخول والأمة تختار نفسها تتزوج ويدخل ~~بها زوجها ثم يتبين عتق زوجها قبلها ردت إليه وقيل يفيتها فالشافعي - رضي ~~الله عنه - يسوي بين القاعدتين وجعل العقد السابق هو المعتبر وما بعده باطل ~~حصل دخول أم لا فهذا # PageV03P104 # هو القياس فإن من شرط عقد النكاح أن تكون خالية عن ~~زوج وهذه ذات زوج فلا يصح العقد عليها واعتمد مالك - رحمه الله تعالى - على ~~قضاء عمر - رضي الله عنه - في مسألة الوليين وقضاء معاوية بن أبي سفيان ~~وعبد الله بن الزبير في مسألة الرجعة وأفاتوا المرأة بالدخول وهذا مدرك عند ~~مالك، وعند الشافعي - رضي الله عنه - ليس بمدرك لأن مذهبه أن قول الصحابي ~~يصلح للترجيح لا للاستقلال ووجه الحجة على الشافعي وهو سر الفرق المقصود ~~بين القاعدتين أنا أجمعنا على الأخذ بالشفعة وهو إبطال أثر العقد السابق ~~وتسليط الشفيع على إبطاله لأجل الضرر الداخل على الشريك من توقع القسمة. # وإذا قضى بتقديم الضرر على القعد هنالك وجب أن يقضي ههنا بتقديم الضرر ~~على العقد السابق بطريق الأولى من وجهين # (الأول) أن ضرر الشفعة متوقع فإن القسمة قد تحصل وقد لا تقع ألبتة وأما ~~الضرر ههنا فناجز وتقريره أن الرجل إذا طلع على المرأة حصل له بها تعلق في ~~الغالب وحصل لها هي أيضا تعلق فإن الرجل ms520 إنما يتزوج في الغالب من مالت نفسه ~~إليها وإذا دخل عليها مع الميل المتقدم وجدت الرؤية والمباشرة فالغالب حصول ~~الميل كذا هي أيضا إنما رضيت به بعد ميل نفسها إليه فإذا باشرته مع الميل ~~المتقدم وحصول الإرب فالغالب حصول الميل وإذا كان الظاهر حصول الميل إما من ~~الجانبين وإما من أحدهما فلو قضينا بالفراق بعد هذا الميل الناشئ من الدخول ~~وقضاء الأوطار لحصل الضرر الناجز لمن حصل له الميل بألم الفراق فعلم أن ضرر ~~الشفعة متوقع وضرر هذه المسائل واقع والواقع أقوى من المتوقع الوجه # (الثاني) في موجب القياس بطريق الأولى أن الشريك الشفيع يأخذ بغير عقد ~~أضيف إليه بل بمجرد الضرر وههنا الزوج الثاني معه عقد يقابل به العقد الأول ~~فصار دفع ضرره معضودا بعقد ودفع ضرر الشريك غير معضود بعقد فكان المعضود ~~أولى فإن قلت وجود هذا العقد كعدمه لأن المحل غير قابل له فلا يصح للترجيح ~~قلت كون وجوده كعدمه هو محل النزاع نحن نقول ليس وجوده كعدمه بل اتفقنا على ~~أن # PageV03P105 # مثل هذه الصورة من العقد موجبة للعصمة في غير صورة ~~النزاع فوجب أن يكون هنا كذلك عملا بوجود الصورة من الإيجاب والقبول ورضى ~~الولي والمرأة وكون تقدم العقد مانعا صورة النزاع. # وهذا وجه الترجيح فإن قلت ما الفرق بين مسألة الوليين ومسألة الوكيلين ~~وكلا على أن يزوج كل واحد منهما بامرأة فزوجاه بامرأتين فدخل بإحداهما ~~فتبين أنها خامسة فإنها لا يفتيها الدخول إجماعا فكذلك ههنا والجامع بطلان ~~العقد قلت بالفرق بينهما من عشر أوجه # (أحدها) المانع من الصحة في الخامسة هو عقد الرابعة مع ما تقدمه من ~~العقود والمانع في الوليين عقد واحد فهو أخف فسادا وأقل موانع ففاتت ~~بالدخول بخلاف الخامسة # (الثاني) أن الأولياء الغالب عليهم الكثرة دون الولاء فصورة الوليين مما ~~يكثر وقوعها فالقول ببطلان العقد الثاني بعد الدخول يؤدي إلى كثرة الفساد ~~والخامسة نادرة لأن الفساد فيها الناشئ عن الاطلاع والكشف قليل # (الثالث) أن الزوج كالمشتري الذي هو صاحب الصداق الذي هو ms521 الثمن والمرأة ~~كالبائع لأنها صاحبة السلعة والسلع مقاصد والأثمان وسائل ورتبتها أخفض من ~~رتبة المقاصد فلذلك لم يبطل عقد الرابعة لأنه إبطال لمقصد وإبطال العقد ~~الأول للزوج الأول إبطال لصاحب وسيلة التعارض إنما وقع بين الزوجين اللذين ~~هما صاحبا وسيلة وبين الرابعة والخامسة في صاحبي مقصد فاجتمع في الرابعة ~~كونه مقصدا وموافقة الأوضاع الشرعية فامتنع إبطاله لقوته بخلاف الزوج الأول # (الرابع) أن ولوع الرجال بالنساء وشغفهم بهن أكثر منهن بهم والعادة شاهدة ~~بذلك فإن الرجال هم الباذلون والخاطبون إلى غير ذلك من الدلائل على فرط ~~الميل ولم يوجد ذلك في النساء لضعف طبعهن وغلبة الحياء عليهن وإذا كان شغف ~~الرجال بهن أعظم صعب التفريق في مسألة الوليين لأنه ضرر بالزوج الثاني الذي ~~حصل له الشغف بالدخول والخامسة إنما يتوقع فيها داعية ضعيفة فكان الفساد ~~أقل # (الخامس) أن داعية الرجال في السؤال عن الواقع من أولياء المرأة ضعيف وعن ~~الواقع من الوكلاء في التزويج قوي فكثر الأول دون الثاني فكان مخالفة ~~القاعدة في # PageV03P106 # الوليين أقل # (السادس) أنه يتهم في الخامسة أن يكون عدل إليها عن الرابعة مع عمله بها ~~لأنه المختار للدخول والمرأة محكوم عليها لا خيرة لها # (السابع) أن الخامسة على خلاف القاعدة المعتبرة فعظمت أسباب إبطالها لأن ~~الله تعالى جعل ثلاثا مستثنيات فتجوز الهجرة ثلاثا والإحداد ثلاثا وأيام ~~الخيار ثلاثا والضرات ثلاثا ثم يلزم ويمكث الهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا وجعل ~~المرأة تضر بثلاث من النساء والخامسة لو صححناها وقع الإضرار بأربع ولم ~~يوجد في مسألة الوليين مخالفة قاعدة إلا ما اشتركا فيه # (الثامن) إن شاء أولياء السؤال عن حال الزوج وليس شأن أولياء الرجل ~~السؤال عن حال المرأة فضعفت الشبهة في الخامسة بكشف أوليائها # (التاسع) أن عقد الوكالة ضعيف لأنه جاء من الطرفين ولأن المكلف ينشئه ~~فيكون ضعيفا كالنذر مع الواجب المتأصل بخلاف الأولياء # (العاشر) أن في الخامسة مفسدة اندفعت بالفسخ وهي أنها على ضرات أربع لها ~~والفائت على ذات الوليين صحبة الزوج الأول ودرء المفاسد أولى من ms522 تحصيل ~~المصالح فإن قلت في صورة الشفعة الشريك مخير وههنا الزوج الثاني ليس مخيرا ~~بل أنتم تعينون المرأة له جزما فقد زادت صورة الفرع المقيس على صورة الأصل ~~المقيس عليه بوصف اللزوم فليس الحكم مثل الحكم فلا يصح القياس لتباين ~~الأحكام قلت الوجه الذي وقع فيه القياس لا اختلاف فيه لأن القياس إنما وقع ~~من جهة تقديم المضرة على العقد السابق والصورتان من هذا الوجه مستويتان لا ~~اختلاف فيهما وإنما جعل اللزوم في صورة النزاع دون صورة الشفعة لامتناع ~~الخيار في النكاح لئلا تكون المخدرات بذلة بالخيار فلذلك حصل اللزوم ~~والتعيين للزوج الثاني ولما كانت السلع والعقار قابلة للتخيير والخيار ثبت ~~للشفيع الخيار من غير لزوم، فإن قلت إنما أبطلنا العقد في الشفعة لضرر ~~الشفيع لأن العقار مال ورتبة الأموال أخفض من رتبة الإبضاع ولا يلزم من ~~مخالفة العقد المقتضي لما هو أدنى مخالفة العقد المقتضي لما هو أعلى وهذا ~~فرق يبطل القياس قلت هذا بعينه مستندنا في أولوية القياس وذلك أنكم إذا ~~سلمتم أن الإبضاع أعلى رتبة من الأموال يكون الضرر بفوات مقاصدها أعظم من ~~ضرر الشريك فيكون أولى بالمراعاة فإن قلت الزوج الثاني كما حصل له تعلق ~~بالدخول في مسألة الوليين فالزوج الأول # PageV03P107 # وقد حصل له أيضا تعلق في مسألة الرجعة والمفقود ~~وغيرهما فلم كان دفع ضرر الثاني أولى من الأول لا سيما وصحبة الأول أطول ~~ومعاهد قضاء الأوطار بينهما أكثر قال الشاعر: # " ما الحب إلا للحبيب الأول # " قلت بل ضرر الثاني هو الأولى بالمراعاة وذلك لأن الأول أعرض بالطلاق، ~~وتوحش العصمة إما بالطلاق وإما بالفراق من غير طلاق وإما بحصول السآمة من ~~طول المباشرة وقد جرت العادة أن طول صحبة المرأة توجب قلة وقعها في النفس ~~وأن جدتها توجب شدة وقعها في النفس وبهذا يظهر أن ضرر الثاني أقوى وأولى ~~بالمراعاة فهذا هو سر الفرق بين قاعدة الأنكحة في هذا الباب وبين قاعدة ~~الوكالات في السلع والإجارات فإن قلت قد سردت ثنتي عشرة مسألة منها ثمانية ~~من ms523 هذه القاعدة ومنها أربع تعارضها وهي نقض على ما ذكرته من الفرق والنقض ~~موجب لعدم الاعتبار فيلغى ما ذكرته من الفرق ما لم تفرق بينهما قلت ما ~~ذكرته سؤال حسن مسموع وبيان الفرق بين الأربعة والثمانية يتضح بأن تعين ~~أقرب الثمانية للأربعة وتبين الفرق بين تلك الصورة وتلك الأربعة فيحصل ~~الفرق بين الأربعة والثمانية أو تعين أقرب الصور الثمانية لعدم الفوات ~~بالدخول وأقرب الأربعة للفوات بالدخول وتفرق بين هاتين الصورتين فيكون ~~الفرق قد حصل بين الجميع بطريق الأولى فإنه إذا حصل باعتبار الأبعد حصل ~~باعتبار الأقرب بطريق الأولى فنقول: كل مسألة دخل فيها حكم حاكم من هذه ~~الثماني فهي أقرب إلى التفويت بالدخول من الصورة التي لم يدخل فيها حكم ~~حاكم بسبب أن حكم الحاكم يتنزل منزلة فسخ النكاح من حيث الجملة ألا ترى أن ~~أبا حنيفة - رضي الله عنه - قال إن الحاكم إذا حكم بالطلاق بشهادة زور نفذ ~~الطلاق في الظاهر والباطن وكذلك إذا حكم بالنكاح والزوجية بشهود زور ثبت ~~النكاح في الظاهر والباطن وجاز لأحد تلك الشهود الزور أن يتزوج تلك المرأة ~~التي شهد بطلاقها مع علمه بكذب نفسه وأبيحت الزوجة في المسألة الأخرى في ~~نفس الأمر لأن حكم الحاكم في هذه المسائل وإن لم يصادف عقدا ولا طلاقا لكن ~~حكمه نفسه يتنزل منزلة الطلاق والنكاح ولهذا المدرك عمم نفوذ الأحكام ~~بشهادة الزور في العقود والفسوخ دون الديون وغيرها من القضايا فإن الدين ~~ونحوه لا يدخل حكم الحاكم فتستقل الذمة به # PageV03P108 # والفسخ يمكن أن يستقل به الحاكم في صور مجمع عليها ~~وكذلك الحاكم يستقل بالعقد ولا تستقل الذمم بالمال إلا أخذه بالفرض أو غيره ~~فلذلك عمم في العقود والفسوخ ومنع غيرهما ونحن وإن لم نقل بهذا المدرك ~~وقلنا لا ينفذ هذا الحكم غير أنه يبقى فارقا من حيث الجملة بين ما فيه حكم ~~حاكم وبين ما ليس فيه حكم حاكم فيكون ما فيه حكم حاكم أقرب إلى الفوات ~~بالدخول من حيث الجملة فأقول الذي دخل فيه حكم الحاكم ms524 منها مسألة المفقود ~~ومسألة المرأة تطلق بسبب طول الغيبة ومسألة المرأة تسلم ثم يتبين تقدم ~~إسلام زوجها فهذه الثلاث المسائل فيها حكم الحاكم يوجب الفرق بينها وبين ~~غيرها والخمس المسائل الباقية منها ما بني فيها على ظاهر فانكشف خلافه ~~ومنها ما لا يبنى فيها على ظاهر فالتي يبنى فيها على ظاهر انكشف خلافه ~~المرأة فيها معذورة بسبب الظاهر مأذون لها في الإقدام على العقد الثاني ~~بسبب الظاهر وكذلك وليها بخلاف ما لا ظاهر فيه يقتضي بطلان العقد الأول ~~والتي فيها ظاهر هي المرأة الحرة تعلم بالطلاق دون الرجعة فإن ظاهر الطلاق ~~يبيح العقد والأمة يطلقها زوجها كما تقدم وامرأة المرتد فإن ظاهر الكفر ~~يبيح العقد والرجل يسلم على كثير نسوة فإن ظاهر حالهن يقتضي الاختيار ~~وتزوجهن بناه على ظاهر الاختيار فهن معذورات فهذه أربع فيها عذر يبيح وفي ~~مسألة الوليين ليس فيها حكم حاكم ولا ظاهر فهي أبعد المسائل عن الفوات ~~بالدخول فنعينها للبحث والفرق وأما الأربع وهي المرأة ينعى لها زوجها ~~فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن الموت شأنه الشهرة والظهور فالخطأ فيه ~~نادر فيضعف العذر. # فلا يفوت بالدخول وعقد الولي الأول على المرأة ليس اشتهاره في الوجود ~~كاشتهار الموت ولا تتوفر الدواعي للإخبار به كتوفره على الإخبار بموت إنسان ~~والتفجع عليه والعوائد شهادة بذلك ومسألة التطليق بالإعسار فالفرق بينها ~~وبين مسألة الوليين أن المرأة هنا ظالمة قاصدة للفساد فناسب أن تعاقب بنقيض ~~مقصودها في إبطال تصرفها بالزواج لأنها تعلم أنها أسقطت النفقة وأنها مبطلة ~~في جميع تصرفها ودعواها بخلاف مسألة الوليين لم يكن عندها علم بالعقد الأول ~~وأما مسألة الذي يقول عائشة طالق فإن الحكم هنا يبني على استصحاب الحال من ~~جهة أن الأصل عدم زواجه لامرأة أخرى واستصحاب الولي # PageV03P109 # بعدم العقد على موليته فإن العقود لأوليائها غالبا ~~بخلاف عقود الرجال على النساء لا يشتهر عند الحاكم فإن قلت الطلاق بسبب ~~الغيبة أيضا اعتمد الحاكم فيه على الأصل العدمي وهو أن الأصل عدم إيصال ~~حقوقها إليها قلت الغيبة ms525 صورة ظاهرة تشهد بعدم زواج امرأة أخرى تسمى عائشة ~~فإذا تقرر الفرق بين هذه وبين ما وقع فيه حكم فالفرق بينها وبين مسألة ~~الوليين أن الولي العاقد للعقد الثاني ما دون له في العقد إجماعا وليس له ~~معارض من حيث الظاهر والمرأة لما تزوجت ههنا مع قول الزوج لي امرأة أخرى ~~تسمى عائشة قول ظاهره الصدق فإنه مسلم عاقل وقد أخبر عن أمر ممكن لا يعلم ~~إلا من قبله فينبغي أن يصدق فيه كما تصدق المرأة في حيضها وطهرها وسقطها ~~وانقضاء عدتها لأنها أمور لا تعلم إلا من قبلها فكذلك ههنا قول الزوج معارض ~~بتصرف المرأة وتصرف وليها في العقد والولي الثاني في مسألة الوليين لا ظاهر ~~يعارضه فكان بالنفوذ أولى. # وأما الأمة تختار نفسها فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن زوجها متهافت ~~عليها متعلق بها غاية التعلق بسبب أنها نزعت عصمتها منه قهرا والنفوس ~~مجبولة على حب ما منعت منه فناسب ذلك الرد إليه بخلاف مسألة الوليين لم ~~يحصل للزوج المعقود له أولا هذا التعلق بسبب أنه لم ير المرأة ولم يباشرها ~~فكانت أولى بالفوات عليه فهذا هو الفرق الرافع للنقوض الأربعة وإذا اندفعت ~~النقوض بالفرق صح المدرك وتبين الفرق بين قاعدة الوكالات في البياعات ~~وقاعدة الوكالات في الأنكحة فاعلم ذلك فقد يسر الله فيه من الحجة ما لم أره ~~قط لأحد فإن المكان في غاية العسر والقلق والبعد عن القواعد غير أنه إذا ~~لوحظت هذه المباحث قربت من القواعد وظهر وجه الصواب فيها لا سيما وجمع كثير ~~من الصحابة أفتوا بها فلا بد لعقولهم الصافية من قواعد يلاحظونها ولعلهم ~~لاحظوا ما ذكرته وبهذا ظهر الفرق بين الوليين والوكيلين في عقود البياعات ~~والإجارات وغيرها في أن المعتبر هو الأول فقط التحق بالثاني تسليم أم لا ~~وقد وقع لمالك في المدونة والجلاب أن الوكيل والموكل إذا باع أحدهما بعد ~~الآخر انعقد عقد السابق إلا أن يتصل بالثاني تسليم قال الأصحاب هذا قياس ~~على مسألة الوليين وقال ابن عبد الحكم لا ms526 عبرة بالتسليم والفرق أن # PageV03P110 # كشف النكاح مضرة عظيمة بخلاف البيع وهذا هو الصحيح ~~والتخريج مع قيام الفارق باطل إجماعا ولم أجد لمالك ولا لأصحابه نصا في ~~الوكيلين أن التسليم يفيت بل في الموكل. # والوكيل خاصة فلو رام مخرج تخريج الوكيلين على الموكل والوكيل لتعذر ذلك ~~بسبب الفرق أيضا وهو أن الموكل له التصرف بطريق الأصالة والوكيل له التصرف ~~بطريق النيابة فهو فرع فإن تأخر عقده ووقع التسليم في عقد الموكل أمكن أن ~~يقول مالك ذلك عندي مضاف للتسليم وكونه متصرفا بطريق الأصالة والأصالة لها ~~قوة وله أيضا قوة العزل والتصرف بنفسه وهو معنى مناسب مفقود في الوكيلين ~~فإن كليهما فرع لا أصالة له فلا ينعقد عقد اللاحق منهما مطلقا اتصل به قبض ~~أم لا ومهما وجدنا معنى يمكن أن يلاحظه الإمام امتنع التخريج على محل ذلك ~~الفارق كما أن المجتهد إذا وجد معنى يمكن أن يكون فارقا امتنع عليه القياس ~~فالمقلد مع المجتهد كالمجتهد مع الشارع فإن قلت الوكيلان في النكاح فرعان ~~لا متأصل فيهما فيسقط ما ذكرته من المناسبة قلت ما ذكرته مسلم غير أن ~~المرأة يتعذر عليها الاستقلال فسقط اعتبار التأصل وههنا يمكن الاستقلال ~~فأمكن أن يكون إمكان الاستقلال فرقا يلاحظه الإمام فيتعذر التخريج، والصواب ~~عدم التخريج مطلقا في الموكل والوكيل والوكيلين أيضا والله أعلم. # (الفرق الرابع والأربعون والمائة بين قاعدة الإماء يجوز الجمع بين عدد أي ~~عدد شاء منهن كثر أو قل وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن) # وهو أن القاعدة أن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها فوسيلة المحرم محرمة ~~ووسيلة الواجب واجبة # PageV03P111 # وكذلك بقية الأحكام غير أنها أخفض رتبة منها ووسيلة ~~أقبح المحرمات أقبح الوسائل ووسيلة أفضل الواجبات أفضل الوسائل وقد تقدمت ~~هذه القاعدة مبسوطة ومضارة المرأة تجمعها مع امرأة أخرى في عصمة وسيلة ~~للشحناء في العادة ومقتضى ذلك التحريم مطلقا وقد جعل ذلك في شريعة عيسى - ~~عليه السلام - كما هو منقول عندهم فلا يتزوج الرجل إلا امرأة واحدة تقديما ~~لمصلحة النساء ms527 على مصلحة الرجال بنفي المضارة والشحناء. # ويقال إن ذلك شرع عكسه في التوراة لموسى - عليه السلام - يجوز للرجل زواج ~~عدد غير محصور يجمع بينهن تغليبا لمصلحة الرجال في الاستمتاع على مصلحة ~~النساء في الشحناء والمضارة ولما كانت شريعتنا أفضل الشرائع جمع فيها بين ~~مصلحتي الفريقين فيجوز للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فيحصل له بذلك قضاء ~~إربه ويخرج به عن حيز الحجر ويضاف لذلك التسري بما شاء وروعيت أيضا مصالح ~~النساء فلا تضار زوجة منهن بأكثر من ثلاث وسر الاقتصار في المضارة على ثلاث ~~أن الثلاثة اغتفرت في مواطن كثيرة فتجوز الهجرة ثلاثة أيام والإحداد على ~~غير الزوج ثلاثة أيام والخيار ثلاثة أيام فهذه الصور كلها الثلاث مستثناة ~~على خلاف الأصول فكذلك لما كانت الشحناء والمضارة على خلاف الأصل استثنى ~~ثلاث زوجات يضار بهن زوجة أخرى هذا في الأجنبيات والبعيد من القرابات وحافظ ~~الشرع على القرابات القريبة وصونها عن التفرق والشحناء فلا يجمع بين المرأة ~~وابنتها ولا أمها لأنها أعظم القرابات حفظا لبر الأمهات والبنات ويلي ذلك ~~الجمع بين الأختين ويلي ذلك الجمع بين المرأة وخالتها لكونها من جهة الأم ~~وبرها آكد من بر الأب يليه المرأة وعمتها لأنها من جهة الأب ثم خالة أمها ~~ثم خالة أبيها ثم عمة أمها ثم عمة أبيها فهذا من باب تحريم الوسائل لا من ~~باب تحريم المقاصد ولما كانت الأم أشد برا بابنتها من الابنة بأمها لم يكن ~~العقد عليها كافيا في بعضها لابنتها إذا عقد عليها لضعف ميلها للزوج بمجرد ~~العقد وعدم مخالطته فاشترط في التحريم إضافة الدخول # PageV03P112 # إلى العقد وكان العقد كافيا في بغض البنت لضعف ودها ~~فتحرم بالعقد لئلا تعق أمها فهذا تلخيص أمر الزوجات. # وأما الإماء فلما كن في الغالب للخدمة والهوان لا للوطء والاصطفاء بعدت ~~مناسبتهن في شيء ليس هو وصفهن ووقوعه نادر فيهن والمهانة من جهة ذل الرق ~~تمنع من الإباء والأنفة والمنافسة في الحظوظ بخلاف الزواج مبني على العز ~~والاصطفاء والإعزاز والتخصيص بالوطء والخدمة إنما تقع ms528 فيه تبعا عكس باب ~~الإماء الخدمة أصل والوطء إنما يقع فيه تبعا فلذلك لم يقع العدد محصورا في ~~جواز وطء الإماء لعدم المنافسة والشحناء التي هي موجودة في باب الزواج وإن ~~وجدت كانت ضعيفة عن وجودها في باب الزواج فهذا هو تلخيص الفرق بين الفرقين ~~وبيان السر في ذلك (فائدة) قال ابن مسعود يشترط في تحريم الأم الدخول كما ~~اشترط في تحريم البنت لقوله تعالى {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] ثم قال ~~{وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] ~~فقوله {اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] صفة تعقبت الجملتين فتعمهما ~~كالاستثناء والشرط إذا تعقبا الجمل عما والعجب أن مذهب الشافعي - رضي الله ~~عنه - أن الاستثناء والصفة إذا تعقبا جملا عمها وخالف أصله ههنا ولم يقل به ~~ههنا فقد خالف أصله. وجوابه أنا نمنع العود ههنا على الجملتين وإن سلمنا ~~أنه يعود في غير هذه الصورة بسبب أن النساء في الجملة الأولى مخفوض ~~بالإضافة والنساء في الجملة الثانية مخفوض بحرف الجر الذي هو من والعامل في ~~الصفة هو العامل في الموصوف على الأصح فلو كان صفة للجملتين لعمل في الصفة ~~الواحدة عاملان وهو الإضافة وحرف الجر واجتماع عاملين على معمول واحد ممتنع ~~على الأصح كما تقرر في علم النحو فهذا هو المانع للشافعي من إجراء صلة فإن ~~قلت نعت المجرورين أو المنصوبين أو المرفوعين مع اختلاف العامل مسألة خلاف ~~بين البصريين والكوفيين. # ولو اجتمع بصري وكوفي في هذه المسألة يتناظران لم يمكن أن يحتج أحدهما ~~على الآخر بمذهبه لأن مذهب أحد الخصمين لا يكون حجة على الآخر وهذا في بصري ~~وكوفي فكيف يحتج بمذهب البصريين أو بأحد المذهبين على عبد الله بن مسعود ~~وهو قوله حجة على غيره من جهة أنه عربي من أهل اللسان فإن قصد بهذا الكلام ~~قيام الحجة على عبد الله بن مسعود لا يستقيم وإن قصد به الاعتذار عن مذهب ~~من المذاهب # PageV03P113 # فلا بد من إثبات أن ذلك الإمام كان يعتقد هذا المذهب ~~في النحو حتى يقال أصله ms529 يمنعه من ذلك وإذا لم يثبت أن مذهبه في النحو كذلك ~~بطل أيضا الاعتذار به عن صاحب ذلك المذهب. # ومن أين لنا أن مذهب مالك والشافعي - رضي الله عنهما - كان في النحو لا ~~يجتمع عاملان على معمول واحد وأن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف ~~فلعل مذهبهما أن النعت يرتفع بطريق التبعية للموصوف كما قاله جماعة من ~~النحاة لا بالعامل في المنعوت وإنما يصح الكلام على هذه التقادير وهي ~~متعذرة قلت كلام صحيح متجه فإن قلت أعيد النعت على الجملة الأولى وهو قوله ~~{وأمهات نسائكم} [النساء: 23] فيكون الدخول شرطا في تحريم الأم بهذه الآية ~~ويكون الدخول شرطا في الجملة الثانية بالإجماع فإنا لا نعلم خلافا في شرطية ~~الدخول في تحريم البنت فيثبت الحكمان في الجملتين بالإجماع والآية ويكون ~~هذا أولى لئلا يترادف الإجماع والآية على الجملة الأولى والأصل عدم الترادف ~~ومهما أمكن تكثير فوائد كلام صاحب الشرع وجعل مدلول لكل دليل فهو أولى من ~~الترادف والتأكيد وقد تقرر في أصول الفقه أنه إذا ثبت حكم المجاز بالإجماع ~~وورد لفظ في ذلك الحكم حمل حقيقته ولا يجعل ذلك اللفظ مستند الإجماع لأن ~~الأصل حمل اللفظ على حقيقته ولا يلزمنا أن نعين للإجماع مستندا بل هو مستقل ~~بنفسه ولا يلزمنا طلب دليل للإجماع وإن كان لا بد له من مستند في نفس الأمر ~~كذلك ههنا لا يلزمنا طلب مستند الإجماع في اشتراط الدخول في تحريم البنت ~~ويحمل اللفظ على فائدة زائدة تكثيرا لفوائد صاحب الشرع وقد مثلوا ذلك بقوله ~~تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] والنكاح حقيقة في ~~الوطء مجاز في العقد وقد أجمع الناس على أن العقد يحرم على الابن فنحمل نحن ~~الآية على الوطء فعلى هذا إذا وطئها حلالا أو حراما حرمت على الابن وتحرم ~~بالعقد أيضا. # ويكون هذا أولى لأن الأصل في الكلام الحقيقة والأصل أيضا عدم الترادف على ~~مدلول واحد فكذلك ههنا قلت أما هذا السؤال فالجواب عنه أنا في آية الربائب ~~نحمل اللفظ ms530 على الجملة الأخيرة طلبا لمستند الإجماع بل لأن القرب يوجب ~~الرجحان فإن اللفظ صالح للأولى والثانية ورجحت الثانية بالقرب وبهذا يظهر ~~الفرق بين هذا السؤال وبين القاعدة المذكورة في أصول الفقه المتقدم ذكرها ~~فإن في تلك المسألة جاء الإجماع في المجاز المرجوح على # PageV03P114 # خلاف ظاهر اللفظ فعدلنا باللفظ إلى ظاهره لأجل معارضة ~~الظاهر الذي هو الحقيقة موضع الإجماع وأما ههنا فموضع الظاهر الذي هو القرب ~~موضع الإجماع فلا موجب للعدول باللفظ عن موضع الإجماع بل الموجب يصرف إلى ~~موضع الإجماع فافترقا. واعلم أن هذا الجواب إنما يستقيم على مذهب أبي حنيفة ~~الذي يرى ترجيح القريب في الجمل وهي الجملة الأخيرة فيخصها بالاستثناء ~~والصفة وأما على رأي مالك والشافعي وأصحابهما - رضي الله عنهم - الذين يرون ~~تعميم الاستثناء والصفة في جملة الجمل ولا يرجحون بالقرب فلا يتأتى هذا ~~الجواب بل مقتضى مذهبهم الحمل على الجملتين الأولى والأخيرة حتى يثبت أنهم ~~لا يرون الجمع بين عاملين في النعت مع اتفاق الأعراب وأن العامل في النعت ~~هو العامل في المنعوت فإذا ثبت هذا عنهم صح الجواب أيضا على قاعدتهم فإنهم ~~حينئذ يتعين عليهم الحمل على إحدى الجملتين لا عليهما ولا سبيل إلى الحمل ~~على الجملة الأولى فإنها هي البعيدة. # وكل من قال بالعود على جملة واحدة لم يقل هي البعيدة بل انفراد البعيدة ~~بالحمل على خلاف الإجماع لأن القائل قائلان قائل بالتعميم في الجمل وقائل ~~بالجملة القريبة وحدها أما الحمل على الجملة البعيدة وحدها فلم يقل به أحد ~~فهذا تلخيص هذا الموضوع وتحريك البحث فيه بحسب ما فتح الله تعالى به من ~~فضله. # (الفرق الخامس والأربعون والمائة بين قاعدة تحريم المصاهرة في الرتبة ~~الأولى وبين قاعدة لواحقها) # اعلم أنه لما دلت النصوص على تحريم أمهات النساء والربائب ومن معهن في ~~قوله تعالى # PageV03P115 # {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم} ~~[النساء: 23] الآية حمل على العقد في الحرائر لأن المفهوم من نسائنا في ~~غالب العادة الحرائر المنسوبون إلينا بمبيح الوطء وهو العقد وكذلك في قوله ms531 ~~تعالى {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] وقوله تعالى {يا نساء ~~النبي} [الأحزاب: 30] لا يفهم في جميع ذلك إلا الزوجات الحرائر ولا يستلزم ~~ذلك الدخول لقوله تعالى {اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] فدل ذلك على أنهن ~~قد يتحققن مع عدم الدخول فإذا تقرر أن المندرج في الرتبة الأولى إنما هن ~~الحرائر ألحق بهن المملوكات في الرتبة الثانية لاستوائهما في مبيح الوطء ~~والفراش بشرطه ولحوق الولد بشرطه ولأن الأنفات تحصل من وطء الغير ما وطئه ~~الإنسان بالملك ويشق عليه أن يطأ أمته غيره فكان وطؤها محرما كالوطء بالعقد ~~وألحق بالإماء والحرائر شبهتيهما في التحريم لأن الوطء بالشبهة ألحق بالعقد ~~والملك في لحوق الولد وسقوط الحد وغيرهما. # وأما الزنى المحض قد ألحق بالشبهة في الرتبة الرابعة على مشهور مذهب مالك ~~- رحمه الله - لكونه يوجب نسبة واختصاصا وربما أوجب ميلا شديدا يوجب وقع ~~الشحناء بالمشاركة فيه كما يحصل ذلك في المشاركة بالوطء بالنكاح أو الملك ~~وبالغ مالك في المدونة إذا التذ بها حراما كان كالوطء ووافقه أبو حنيفة ~~وابن حنبل وقال مالك في الموطأ إنه لا يحرم وقاله الشافعي - رضي الله عنه - ~~بسبب أن الزنى مطلوب العدم والإعدام فلو رتب عليه شيء من المقاصد لكان ~~مطلوب الإيجاد فلا # PageV03P116 # يثبت له تحريم في أثر المصاهرة واتفق الأئمة الأربعة ~~في الملك والعقد والشبهة ووافق أبو حنيفة في الملامسة بلذة والنظر إلى ~~الفرج أنه لا يحرم إلا أن ينزل لعدم إفضائه إلى المقصد الذي هو الوطء وهو ~~إنما حرم تحريم الوسائل والوسيلة إذا لم تفض لمقصده سقط اعتبارها ومنع ~~الشافعي التحريم بالملامسة للذة والنظر مطلقا قال أبو الطاهر من أصحابنا ~~اللمس بلذة من البالغ ينشر الحرمة ومن غير البالغ قولان وبغير لذة لا ينشر ~~مطلقا وفي نظر البالغ للذة قولان المشهور ينشر الحرمة لأنه أحد الحواس ~~والشاذ لا ينشر لأن النظر إلى الوجه لا يحرم اتفاقا وإنما الخلاف في باطن ~~الجسد واكتفى في تحريم زوجات الآباء والأبناء بالعقد لأن اتفاق الرجال ~~وحمياتهم تنهض بالغضب والبغضاء بمجرد نسبة المرأة ms532 إليهم بذلك فيختل نظام ود ~~الآباء للأبناء وود الأبناء للآباء وهو سياج عظيم عند الشرع حتى جعل خرقه ~~من الكبائر قال - عليه الصلاة والسلام - «من أكبر الكبائر أن يسب الرجل ~~أباه قالوا أو يسب الرجل أباه يا رسول الله قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب ~~الرجل أباه» فجعل التسبب لسب الأب بسب الأجنبي أكبر الكبائر فكيف لو سبه ~~مباشرة قال اللخمي تحرم امرأة الجد للأب والجد للأم لاندراجهما في لف ~~الآباء كما تندرج جدات امرأته وجدات أمها من قبل أمها وأبيها في قوله تعالى ~~{وأمهات نسائكم} [النساء: 23] وبنت بنت الزوجة وبنت ابنها وكل من ينسب ~~إليها بالبنوة. # وإن سفل في قوله تعالى {وربائبكم} [النساء: 23] # (تنبيه) اعلم أن هذه الاندراجات ليست بمقتضى الوضع اللغوي ولذلك صرح ~~الكتاب العزيز بالثلث لأم ولم يعطه الصحابة - رضي الله عنهم - للجدة بل ~~حرموها حتى روي لهم الحديث في السدس وصرح بالنصف للبنت وللابنتين بالثلثين ~~على # PageV03P117 # السوية وورثت بنت الابن مع البنت السدس بالسنة لا ~~بالكتاب وابن الابن كالابن في الحجب والجد ليس كالأب في الحجب والإخوة ~~يحجبون الأم وبنوهم لا يحجبونها فتعلم من ذلك أن الأب حقيقة في الأب القريب ~~مجازا في آبائه ولفظ الابن حقيقة في القريب مجازا في أبنائه فإن دل إجماع ~~على اعتبار المجاز وإلا ألغي حتى يدل دليل عليه وينبغي أن يعتقد أن هذه ~~الاندراجات في تحريم المصاهرة بالإجماع لا بالنص وأن الاستدلال بنفس اللفظ ~~متعذر وأن الفقيه الذي يعتقد ذلك ويستدل باللفظ غالط لأن الأصل عدم المجاز ~~والاقتصار على الحقيقة سؤال المشهور من مذاهب العلماء في تحليل الزوجة بعد ~~الطلاق الثلاث اشتراط الوطء الحلال وحمل آية التحليل عليه لأن القاعدة أن ~~كل متكلم له عرف فإن لفظه عند الإطلاق يحمل على عرفه فحمل النكاح في الآية ~~على النكاح الشرعي الذي يتناوله اللفظ حقيقة لا مجازا لأجل العرف وخولفت ~~هذه القاعدة في قوله تعالى في أمهات الربائب {اللاتي دخلتم بهن} [النساء: ~~23] فاعتبر مالك مطلق الوطء كان حلالا أو حراما وهو خلاف ms533 القاعدة في حمل ~~الدخول على العرف الشرعي وهو الدخول المباح وجوابه أنه احتاط في الصورتين ~~فخولفت القاعدة لمعارض الاحتياط # (الفرق السادس والأربعون والمائة بين قاعدة ما يحرم بالنسب وبين قاعدة ما ~~لا يحرم بالنسب) # اعلم أن الإنسان تحرم عليه النسب أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل ~~من كل أصل وإن علا فالأصول الآباء والأمهات وإن علوا والفصول الأبناء ~~وأبناء الأبناء وإن # PageV03P118 # سفلوا وفصول الأول أول الأصول الإخوة والأخوات ~~وأولادهم وإن سفلوا احترازا من فصول ثاني الأصول وثالثها وإن علا ذلك فإنهم ~~أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات وهن مباحات لقوله تعالى لنبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك} ~~[الأحزاب: 50] وأول فصل من كل أصل يندرج فيه أولاد الأجداد والجدات وهم ~~الأعمام والعمات والأخوال والخالات وقولنا أول فصل احترازا من ثاني فصل من ~~أول الأصول فإن ثاني فصل فصل أولاد الأعمام والعمات وأولاد الخال والخالات ~~فإنهن مباحات فلذلك أطلق في الضابط في الآباء والأمهات والفصول مطلقا ~~ليندرجوا هم وأولادهم وقيل في غير أول فصول أول فصل من كل أصل لهذا المعنى ~~فانضبط المحرم على الرجال والنساء لهذا الضابط ودليله قوله تعالى {حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} ~~[النساء: 23] وأجمعت الأمة على أن المراد بهذا اللفظ القريب والبعيد من كل ~~نوع واللفظ صالح له لقوله تعالى {يا بني آدم - يا بني إسرائيل} [البقرة: 26 ~~- 40] {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] . # ثم قال {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم ~~وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم ~~بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء: 23] احترازا ~~من زوجات أبناء التبني دون الرضاع ثم قال {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف} [النساء: 23] وقال قبل ذلك {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~إلا ما قد سلف} [النساء: 22] يريد في الجاهلية فإنه معفو عنه «وحرم - عليه ~~السلام - من الرضاع ما يحرم من النسب» # (تنبيه) قال ms534 اللخمي كل أم حرمت بالنسب حرمت أختها وكل أخت حرمت لا تحرم ~~أختها إذا لم تكن خالة فقد يتزوج الرجل المرأة ولكل واحد منهما ولد فالولد ~~منهما تحل له ابنة المرأة من غير أبيه وكل عمة حرمت قد لا تحرم أختها لأنها ~~قد لا تكون أخت أبيه ولا أخت جده # (فائدة) قول العلماء الآباء وإن علوا والأبناء وإن سفلوا مع أنه لو عكس ~~لاستقام فإن الأبناء فروع والفرع شأنه أن يكون أعلى من أصله وفرع الفرع ~~أعلى من الفرع في الشجرة والأصل أسفل وأصل الأصل أسفل من الأصل وهذا يناسب ~~عكس ما قالوه فما مستند قولهم # (والجواب) أن قولهم # PageV03P119 # إشارة إلى أن مبدأ الإنسان من نطفة أبيه. # والنطفة تنزل من الأب والنازل من الشيء يكون أسفل منه وابن الابن من ~~الابن ومقتضى هذا أن تقول الأبناء وإن سفلوا والآباء وإن علوا واللفظان ~~مجازان إشارة لهذا المعنى من التخيل لما ذكره السائل وقد يلاحظ في اللفظ ~~علاقة هي ضد علاقة أخرى ذلك لاختيار المتكلم المتجوز وهذه العبارة اصطلاح ~~ولهم في اصطلاحهم ذلك. # (الفرق السابع والأربعون بين قاعدة الحصانة لا تعود بالعدالة وقاعدة ~~الفسوق يعود بالجناية) # اعلم أن الإنسان إذا حكم له بالفسوق ثم تاب وأناب ذهب القضاء عليه ~~بالفسوق فإذا جنى بعد ذلك كبيرة عاد الفسوق له وإذا كان محصنا بعدم مباشر ~~الزنى ثم زنى ذهب الإحصان الذي هو شرط في حد القذف فمن قذف من ليس بمحصن ~~فلا حد عليه فإذا صار بعد الزنى عدلا لم تعد الحصانة بالعدالة وفي ~~القاعدتين قد ورد الضد بعد الضد المنافي لحكمه ظاهرا قال أصحابنا إذا قذفه ~~بعد أن صار عدلا لم يحد نقله صاحب الجواهر وصاحب النوادر وجماعة من الأصحاب ~~وفي الجواهر لو لاعن المرأة وأبانها ثم قذفها بتلك الزنية لم يحد ولم يلاعن ~~لاستيفاء موجب اللعان قبل ذلك وقال ربيعة يحد وإن قذفها بزنية أخرى فإن ~~كانت لم تلاعن وحدت لم يجب الحد لسقوط حصانتها بتلك الزينة بموجب لعانه. # وإن لاعنت وجب ms535 الحد وإن قذفها أجنبي فأولى بالحد لأن أثر لعان الزوج لا ~~يتعدى لغيره ووقع في كتاب القذف إذ قذف من ثبت عليه الزنى وحسنت حالته بعد ~~ذلك لا يحد لأن الحصانة لا تعود بالعدالة فمن ثبت فسقه بالزنى ذهبت حصانته ~~وهذا مقام تزلزلت فيه الفكر واضطربت فيه العبر وكيف يصير المقذوف من أهل ~~الولاية والعدالة وجانبه مهتضم وعرضه مطرح والزنية الثانية التي رماه بها ~~أو رمى المرأة بها لم يقم عليها مصدق للرمي وأي فرق بين هذه الأذية ههنا ~~وبين أذية من لم يتقدم له زنى وهما مؤلمان مؤذيان للمرمي أذية ظاهرها ~~الكذب، أما إذا رماها بالزنية الأولى لهو صادق فلا يلحق بمحل الإجماع في ~~الحد لقصوره عنه بل التعزير لمطلق الأذية # PageV03P120 # بل القياس الجلي أن العرض إذا صار مثلوما بمعاودة ~~الجناية أن يصير معصوما بمعاودة العدالة والولاية # (والجواب) وهو الفرق بين القاعدتين أن البحث ههنا يظهر بقاعدتين # (القاعدة الأولى) أن الله تعالى إذا نصب سببا لحكمه اختلف العلماء هل ~~يجوز ترتيب الحكم على تلك الحكمة حيث وجدت لأنها أصل في اعتبار ذلك السبب ~~أو لا يجوز لأن الله تعالى لم ينصبها سببا لذلك الحكم بل سبب سببه وقد لا ~~يصح سبب سبب الحكم سببا للحكم لعدم المناسبة ألا ترى أن خوف الزنى سبب وجوب ~~الزواج والزواج سبب وجوب النفقة ولا يناسب أن يكون خوف الزنى سبب وجوب ~~النفقة ونظائره كثيرة وهذا هو الصحيح عند العلماء كما نصب الله تعالى ~~السرقة سببا للقطع لحكمة حفظ المال ومن أخذ مالا بغير السرقة لا يجوز قطعه ~~ونصب الزنى سببا للرجم لحكمة حفظ الأنساب لئلا تلتبس فمن سعي في التباس ~~الأنساب بغير الزنى بأن يجمع الصبيان ويغيبهم صغارا ويأتي بهم كبارا فلا ~~يعرفهم آباؤهم لا يجوز رجمه لذلك وكذلك شرع الرضاع سببا للتحريم بسبب أن ~~جزء المرضعة وهو اللبن صار جزء الرضيع باغتذائه به وصيرورته من أعضائه ~~فأشبه ذلك منيها ولحمتها في النسب لأنهما جزء الجنين ولذلك قال - عليه ~~السلام - «الرضاع لحمة كلحمة ms536 النسب» . # فإذا أخذنا نعلل بهذا الحكمة لزمنا أن من شرب دم امرأة أو أو أكل قطعة من ~~لحمها يحرم عليها وتحرم عليه وليس كذلك ولأجل ملاحظة التعليل بالحكمة إذا ~~استهلك اللبن وعدم ما يسمى رضاعا ولبنا وتناوله الصبي فمن علل بالحكمة أوقع ~~به الحرمة قاله مطرف من أصحابنا وقال مالك في المدونة لا تقع به الحرمة ~~إعراضا عن التعليل بالحكمة وقاله الشافعي وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى ~~عنهم أجمعين اللبن المغلوب بالماء والمختلط بالطعام وإن كان اللبن غالبا لا ~~يحرم لأن الطعام أصل واللبن تابع والدواء كالماء عنده وههنا في باب القذف ~~شرع سببا للجلد لحكمة حفظ الأعراض وصون القلوب عن الأذيات لكن اشترط فيه ~~الإحصان ومن جملة عدم مباشرة الزنى فمن باشر فقد انتفى في حقه عدم المباشرة ~~فإن النقيضين لا يصدقان والعدالة بعد ذلك لا ينافي كونه مباشرا فإن لاحظنا ~~الحكمة دون السبب حسن إعادة الحد وإن اقتصرنا على خصوص # PageV03P121 # السبب لا يجب الحد ويؤكد ذلك أن الحدود يغلب عليها ~~التعبد من جهة مقاديرها وإن كانت معقولة المعنى من جهة أصولها والتعبد لا ~~يجوز التصرف فيه فظهر أنه لا يلزم من الاستواء في الأذية الاستواء في الحد ~~بل يعزر إن آذاه بالقذف على قاعدة السب والشتم فلا تضيع المصلحة ولا تستباح ~~الأعراض وتنعصم بالتعزير وقد يزيد التعزير على الحد على أصل مالك - رحمه ~~الله - فلا يستنكر إسقاط الحد في هذه الصورة # (القاعدة الثانية) قاعدة حمل المطلق على المقيد وذلك أن الله تعالى قال ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} ~~[النور: 4] الآية وقال في الآية الأخرى {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة} [النور: 23] فالآية الأولى مطلقة وهذه ~~مقيدة بوصف الغفلة فتحمل المطلقة على المقيدة على القاعدة في أصول الفقه ~~والمباشر للزنى ليس بغافل عنه فلا يحد قاذفه لأنه لو حد لحصل معنى اللعن في ~~الدنيا والآخرة وهو منفي بهذه الآية من جهة مفهومها الذي هو مفهوم الصفة ~~لأن مفهومها ms537 أن من ليس بغافل لا يحد قاذفه ولا يلعن في الدنيا والآخرة وهو ~~المطلوب وقد اتفقنا على أنه يلعن بالتعزير والعقوبة المؤلمة على حسب حال ~~المقذوف فيبقى ما عداه على مقتضى الدليل أما عود الفسوق بعود الجناية فلأن ~~الأمة مجمعة على أن سبب الفسوق هو ملابسة الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة ~~من حيث هو هذا المعنى من غير قيد ولا شرط وهو معقول المعنى بحيث وجب القضاء ~~بفسق ملابسه من غير استثناء صورة عن صورة عملا بطرد العلة ووجود الموجب ~~فهذا هو الفرق بين القاعدتين. # (الفرق الثامن والأربعون والمائة بين قاعدة ما يلحق فيه الولد بالوطء ~~وبين قاعدة ما لا يلحق فيه) # اعلم أن العلماء قد أطلقوا القول بأن الولد لا يلحق بالوطء إلا لستة أشهر ~~فصاعدا وهذا الكلام # PageV03P122 # ليس على إطلاقه وإنما مرادهم إذا كان الولد قد ولد ~~تاما فإنه لا يتم بعد الوطء إلا في هذه المدة أو أكثر منها أما أقل فلا ~~وعلى هذا إذا لم تلده تاما نظرت نسبة تلك المدة لذلك التخلق إن كانت المدة ~~تصلح له ألحقته بالوطء وإن كانت لا تصلح له لم يلحق فقد يلحق به لثلاثة ~~أشهر إذا كانت ثلاثة أشهر تصلح لذلك التخلق وعلى هذا المنهاج يكون إلحاق ~~الولد بنسبة المدة إلى صورة التخلق فقولهم حينئذ أن الولد لا يلحق دون ستة ~~أشهر ليس على ظاهره بل مرادهم إذا كان كامل الخلق فإنه لا يكمل خلقه في أقل ~~من هذه المدة وسببه ما ذكره ابن جميع وغيره في التحدث على الأجنة أن الجنين ~~يتحرك لمثل ما يخلق فيه وبوضع لمثلي ما تحرك فيه قالوا وتخلقه في العادة ~~تارة يكون لشهر وتارة يكون لشهر وخمسة أيام وتارة يكون لشهر ونصف فإذا تخلق ~~في شهر بمعنى تصورت أعضاؤه تحرك في مثل ذلك فيتحرك في شهرين ويوضع لمثلي ما ~~تحرك فيه ومثلا الشهرين أربع أشهر وأربعة مع شهرين ستة فيوضع لستة أشهر وإن ~~تخلق لشهر وخمسة أم تحرك في مثل ذلك وهو شهران ms538 وعشرة أيام مثلا ذلك أربعة ~~أشهر وعشرون يوما فإذا أضيف ذلك لمدة التحرك كان سبعة أشهر فيوضع الولد ~~لسبعة أشهر وإن تخلق لشهر ونصف تحرك في ثلاثة أشهر ووضع لتسعة أشهر على ~~التقدير المتقدم فلذلك لا يحصل الوضع الطبيعي إلا لستة أشهر أو سبعة أو ~~تسعة قالوا ولهذا السبب يعيش الولد الذي يوضع لسبعة ولا يعيش الذي يوضع ~~لثمانية. # وإن كان أقرب للقوة ولمدة التسعة بسبب أن الذي يوضع لسبعة وضع من غير آفة ~~سليما على قاعدة الولادة والذي وضع لثمانية يكون به آفة من مرض أو غيره قد ~~عجله عن التسعة آفة أو أخرته عن السبعة آفة والذي به آفة لا يعيش فالمولود ~~لثمانية لا يعيش فهذا هو السر في ذلك وهذا هو المهيع العام والعادة الغالبة ~~قالوا وقد يحصل عارض من جهة المني في مزاجه وبرده # PageV03P123 # أو يبسه أو من الرحم في برده أو هيئة فيه تمنع من ~~جريان هذه القاعدة فيقعد الولد إلى اثنا عشر شهرا وقال الفقهاء والمتأخرون ~~هذه الأسباب العارضة قد تؤخر الولد إلى سنتين فأكثر وهو قول الحنفية أو إلى ~~أربع سنين وهو مشهور قول الشافعية أو إلى خمس سنين وهو مشهور المالكية. # ووقع في مذهب الشافعي ومالك - رضي الله عنهما - إلى سبعة قال صاحب ~~الاستقصاء ولدت امرأة بواسط لسبع سنين ولدا له وفرة من الشعر فجاء عند ~~الولادة بجنبه طائر فقال له كش. # وقال مالك إن امرأة العجلاني دائما لا تضع إلا لخمس سنين وهذا من العوارض ~~النادرة الغريبة في هذه الحال والغالب هو الأول فقد ظهر السر والفرق بين ما ~~يلحق الولد فيه وبين ما لا يلحق فيه # (تنبيه) فعلى هذا يكون قوله - عليه السلام - «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه ~~أربعين يوما أو أربعين صباحا نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ثم ينفخ ~~فيه الروح» إشارة إلى الأطوار الثلاثة تقريبا فإن الأربعين تقرب من ~~الثلاثين والخمسة والثلاثين والخمسة والأربعين وهي بين هذه الأطوار متوسطة ~~تكاد تشتمل على الجميع بتوسطها فهذا ms539 هو معنى الحديث إلا أنه على ظاهره في ~~جميع الأجنة ولو كان على ظاهره لكانت الحركة في أربعة أشهر ويكون الوضع في ~~اثني عشر شهرا وهي صورة واقعة صحيحة غير أنها نادرة فلك أن تقول إن قوله - ~~عليه السلام - يجمع خلق أحدكم صيغة مطلقة لا عموم فيها فيتأدى بصورة وقد ~~وقعت في صور كثيرة وحصل الوضع في اثني عشر شهرا فحصل مقتضى الحديث وصدق ~~الخبر فلا حاجة إلى العدول به عن ظاهره ولك أن تقول إن حمل اللفظ على ~~النادر خلاف الظاهر فيحمل على الغالب ويكون ذلك إشارة إلى التوسط بين ~~الأطوار كما تقدم وحملنا على ذلك أن المباشر لصور التخليق والتحرك والوضع ~~المتقدم تقديره مشرحون كانوا يشرحون الحبالى ويشقون أجوافهم فيمن وجب عليه ~~القتل ويطلعون على ذلك حسا وعيانا والحس يؤول # PageV03P124 # لأجله ظاهر الحديث. # (فإن قلت) هم قوم كفار لا عبرة بقولهم في الشرائع والأحكام فلا يبنى على ~~قولهم لحوق الولد وعدم لحوقه. # (قلت) قد اعتبرنا قول الكفار في الأمور الغائبة من الطبيات فلو شهدوا ~~بعدم العيب قبلنا شهادتهم وقضينا بالرد على البائع حتى قال جماعة من ~~العلماء يقبل في ذلك قول واحد بانفراده ولو شهدوا بأن المرض مخوف قضينا برد ~~التصرفات والتبرعات وورثنا المطلقة الثلاث في ذلك المرض إذا مات المطلق فيه ~~ولو شهدوا بأن هذا الدواء في هذا الوقت لا يصلح بهذا المرض وإن دافعه له ~~مخطئ ضمناه بشهادتهم ولو شهدوا بغير ذلك مما يتوقف على الطبيات والجراحات ~~والأمور التي هي علمهم ودرايتهم قبلناه فكذلك ههنا فقول الفقهاء لا يقبل ~~قول الكافر ولا شهادته ليس على إطلاقه بل ذلك في الشهادة في استحقاق ~~الأموال والدماء ونحو ذلك من قضايا الحكام أما في هذا الباب فلا وقد قال ~~مالك يقبل قول الكافر في الذبيحة ويترتب على ذلك حكم شرعي وهو جواز التناول ~~ونصوا أيضا على ذلك في قبول الهدية إذا جاءوا بها وأخبروا أن فلانا بعث بها ~~معهم ويباح أكلها بذلك فظهر الفرق بين أقوال الكفارة في مواطنها. ms540 # (الفرق التاسع والأربعون بين قاعدة قيافته - عليه السلام - وبين قاعدة ~~قيافة المدلجيين) # اعلم أن مالكا والشافعي - رضي الله عنهما - قالا بالقافة في لحوق الأنساب ~~وخصصه مالك في مشهور مذهبه بالإماء دون الحرائر. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - لا يجوز الاعتماد على القافة أصلا # PageV03P125 # في صورة من الصور لأنه حزر وتخمين فلا يجوز كالاعتماد ~~على النجوم وعلى علم الرمل والفأل والزجر وغير ذلك من أنواع الحزر والتخمين ~~فإن الاستدلال بالخلق على الأنساب من باب الحزر البعيد ومع طول الأيام يولد ~~للشخص من لا يشبههما في خلق ولا في خلق وقد «قال - عليه السلام - للذي أنكر ~~ولده من لونه لعله عرق نزع بعد أن قال له هل لك من إبل قال نعم قال فما ~~ألوانها قال بيض قال هل فيها من أورق قال نعم قال فمن أين ذلك الأورق قال ~~لعله عرق نزع قال له - عليه السلام - لعله عرق نزع» يشير إلى أن صفات ~~الأجداد وأجداد الأجداد والجدات قد تظهر في الأبناء فيأتي الولد يشبه غير ~~أبويه وقد يأتي يشبه أبويه وليس منهم لأن الواطئ الزاني بأمه كان يشبه أباه ~~أو جدا من أجداده أو خالا من أخواله يشبه أباه الذي ألحقته به القافة وليس ~~باب له في نفس الأمر وإذا لم يطرد ولم ينعكس لم يجز الاعتماد عليه لأنه من ~~باب الحزر والتخمين البعيد واحتج مالك والشافعي - رضي الله عنهما - بما في ~~مسلم «قالت عائشة - رضي الله عنها - دخل علي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ذات يوم مسرورا فقال يا عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي ~~فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه ~~الأقدام بعضها من بعض» فقال أبو داود كان أسامة شديد السواد وأبوه شديد ~~البياض فطعنت الجاهلية على زيد بذلك فسر - عليه السلام - لعلمه بترك الطعن ~~عند ذلك ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يسر إلا بسبب حق فتكون ~~القيافة حقا وهو المطلوب. أجاب الحنفية عن هذا الحديث ms541 بوجهين # (الأول) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتعين أن يكون سر لكون ~~القيافة حقا بل جاز أن يسر لقيام الحجة على الجاهلية بما كانوا يعتقدونه ~~وإن كان باطلا والحجة قد تقوم على الخصم بما يعتقده وإن كان باطلا وقد يؤيد ~~الله الحق بالرجل الفاجر وبما شاء فإخمال الباطل ودحضه يوجب السرور بأي ~~طريق كان # (الثاني) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سر بوجوده آية الرجم في ~~التوراة وهو لا يعتقد صحتها بل لقيام الحجة على الكفار وظهور كذبهم ~~وافترائهم فلم لا يكون هنا كذلك. أجاب الفقهاء عن الأول بما جاء في البخاري ~~وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث اللعان المشهور ~~«لما لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته # PageV03P126 # وكانت حاملا إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وحرة فلا ~~أراها إلا قد صدقت وكذب عليها وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا أراه ~~إلا قد صدق عليها فجاءت به على المكروه من ذلك» وفي بعض الروايات في ~~البخاري «كان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر. وكان الذي ادعى عليه ~~أنه وجده عند أهله خدلا آدم كثير اللحم جعدا قططا فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - اللهم بين فجاءت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها» # (فائدة) الوحرة بالحاء المهملة دويبة حمراء تلصق بالأرض والأعين الواسع ~~العينين والآدم الشديد الأدمة وهي سمرة بحمرة والخدل الكثير اللحم في ~~الساقين يقال رجل خدل وامرأة خدلاء والقطط الشديد الجعودة كشور السودان ~~وبما جاء في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال لعائشة - ~~رضي الله عنها - لما قالت أو تجد المرأة ما يجد الرجل يعني من إنزال المني ~~واللذة الموجبة للغسل فقال لها - عليه السلام - تربت يداك ومن أين يكون ~~الشبه» فدل هذا الحديث على أن مني المرأة ومني الرجل يحدث شبها في الولد ~~بالأبوين فيأتي في الخلقة والأعضاء والمحاسن ما يدل على الأنساب وحديث ~~اللعان أيضا يقتضي ذلك فإن رسول الله - صلى ms542 الله عليه وسلم - قضى على خلقة ~~مخصوصة أنها توجب أنه من واطئ مخصوص وأنه يوجب النسب إن جاءت به يشبه صاحب ~~الفراش وإذا استدل - عليه السلام - بالخلق التي لم توجد على الأنساب ~~فالأولى ثبوت الدليل بالخلق المشاهد فإن الحس أقوى من القياس وإذا ثبت أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أثبت هذا من قبل نفسه في صورة ليس فيها ~~غرض للمشركين دل ذلك على أن هذه القاعدة حق في نفسها وأن سروره - عليه ~~السلام - لم يكن إلا بحق لا لأجل إقامة الحجة على المشركين. وعن الثاني أن ~~رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين إنما كان بوحي وصل إليه - ~~صلى الله عليه وسلم - لعدم صحة التوراة في آية الرجم وتجويز أنها من ~~المحرفات ولا يلزم من إخبار عبد الله بن سلام أن في التوراة آية الرجم أن ~~يكون ذلك صحيحا لأن عبد الله بن سلام إنما أخبر بأنه رآها مكتوبة في نسخ ~~التوراة ولم يخبر أنها مروية عنده بالطريق الصحيح إلى موسى بن عمران - عليه ~~السلام - ولا يلزم من أن يكون في النسخ شيء مكتوبا أن يكون صحيحا فإن ~~الإنسان منا يقطع بأنه وجد في كتب # PageV03P127 # التواريخ حكايات وأمورا كثيرة ولا يقضي بصحتها فكذلك ~~هنا وإذا كان - عليه السلام - حكم بالوحي فلا يكون ذلك حجة علينا ههنا فإن ~~هذه الصورة ليس فيها ما يدل على الوحي بل ظاهر الأمر خلافه فظهر بهذه ~~الأحاديث أن هذا مدرك صحيح يعتمد عليه وليس من باب الحزر الباطل كما قاله ~~أبو حنيفة # (سؤال) قال بعض الفضلاء العجب من مالك والشافعي - رضي الله عنهما - ~~كونهما لم يستدلا على أبي حنيفة في ثبوت القيافة إلا بحديث مجزز المدلجي ~~وهو رجل من آحاد الناس معرض للصواب والخطأ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قد صرح بالقيافة في هذه الأحاديث المتقدمة فكان الاعتماد على ما صدر عنه ~~- عليه السلام - قولا وفعلا وهو معصوم من الخطأ أولى مما أقر عليه فإن حديث ~~المدلجي إنما وجه الاستدلال منه ms543 بطريق الإقرار على ما قاله وأين إقرار ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مما فعله هو بنفسه - صلى الله عليه وسلم - ~~وتكرر منه مع أنه لم يوجد لأحد من الفقهاء استدلال بشيء من هذه الأحاديث ~~على صحة القيافة وهذا عجب عظيم في عدولهم عن مدرك في غاية القوة والشهرة ~~إلى ما هو أضعف منه بكثير ولم يعرج أحد منهم على القوي ألبتة # (جوابه) أن لذلك موجبا حسنا وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطاه الله تعالى من وفور العقل وصفاء الذهن وجودة الفراسة أمرا عظيما بينه ~~وبين غيره من أمته في ذلك فرق لا يدانى ولا يقارب وكذلك في حواسه وقوى جسده ~~وجميع أحواله فكان يرى من وراء ظهره ويرى في الثريا أحد عشر كوكبا ونحن لا ~~نرى فيها إلا ستة فلو استدل الفقهاء على أبي حنيفة بقيافته - عليه السلام - ~~لم تقم الحجة على أبي حنيفة إذ كان له أن يقول إذا صحت القيافة من تلك ~~الفراسة. النبوية القوية المعصومة عن الخطأ فمن أين لكم أن فراسة الخلق ~~الضعيفة تدرك من الخلق ما يستدل به على الأنساب ولعلها عمياء عن ذلك ~~بالكلية لقصورها ولم يبق فيها إلا حزر وتخمين باطل كما أنا عمينا في بقية ~~كواكب الثريا لا ندركها ألبتة لضعفنا والبصر كالبصر وأنتم تقصدون بهذا ~~الاستدلال ثبوت حكم القيافة إلى يوم القيامة فلا يتأتى لكم ذلك وإذا قال ~~أبو حنيفة ذلك تعذر جوابه وبطل الاستدلال عليه ألبتة أما إذا استدل الفقهاء ~~عليه بقضية مجزز المدلجي فقد استولوا بشيء يمكن وجوده إلى يوم القيامة فإن ~~الأمة يمكن فيها ذلك لا سيما في هذه القبيلة # PageV03P128 # فكان الاستدلال بذلك على ثبوت الحكم في القيافة إلى ~~يوم القيامة استلالا صحيحا بخلاف الأول لتعذر وجود مثل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ومثل فراسته القوية وهذا سبب عظيم يوجب العدول عن قيافة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قيافة غيره من الآحاد وهذا الموضع ~~سؤالا وجوابا هو المقصود بذكر هذا الفرق لأجل ms544 ما اشتمل عليه من الغرابة ~~وصعوبة الجواب فذكرته للتنبيه عليه سؤالا وجوابا. # (الفرق الخمسون والمائة بين قاعدة ما يحرم الجمع بينهن من النساء وقاعدة ~~ما يجوز الجمع بينهن) # وهو أن كل امرأتين بينهما من النسب أو الرضاع ما يمنع تناكحهما لو قدر ~~إحداهما رجلا والأخرى أنثى لا يجوز بينهما في الوطء بعقد ولا ملك قاله مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل - رضي الله عنهم أجمعين - وقد خرج بقيدي ~~النسب والرضاع المرأة وابنة زوجها والمرأة وأم زوجها فإنه لو فرض إحداهما ~~رجلا والأخرى امرأة لم يجز أن يتزوج أحدهما الآخر بسبب أن المرأة حينئذ إما ~~أم امرأة الرجل أو ربيبته فتحرم على ذلك الرجل ومع ذلك يجوز الجمع بينهما ~~فإذا قلنا من النسب أو الرضاع ما يمنع التناكح خرجا من الضابط وبقي جيدا ~~وقبل خروجهما كان الضابط غير مانع لاندراجهما فيه فيكون باطلا وفي الضابط # PageV03P129 # مسألتان (المسألة الأولى) # من أبان امرأته حلت له أختها في عدتها وحلت له الخامسة لانقطاع الموارثة ~~بينهما والعصمة وإنما العدة لحفظ الأنساب ووافقنا الشافعي - رضي الله عنه - ~~وقال أبو حنيفة وابن حنبل - رضي الله عنهما - تحرم الأخت والخامسة حتى ~~تنقضي العدة لأن العدة من آثار النكاح ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين» # (والجواب) عن الأول أن لحوق الولد بعد أربع سنين من آثار النكاح ولا قائل ~~بالتحريم إلى تلك الغاية إنما المعتبر الاختصاص بالزوج حتى تحصل القطيعة ~~بين الأقارب بسبب الجمع وهو في هذه الصورة منفي # (والجواب) عن الحديث أنه وإن كان عاما في الرجال والأختين غير أنه مطلق ~~في الزمان فنحمله على زمان الاختصاص قبل البينونة ويحرم الجمع في عدة ~~الرجعية اتفاقا لأنها زوجة والاختصاص بالمواريث وغيرها (المسألة الثانية) # الأختان بملك اليمين حرم الجمع بينهما قوله تعالى {وأن تجمعوا بين ~~الأختين} [النساء: 23] وأحل الجمع بينهما قوله تعالى {أو ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 3] وليست إحداهما أخص من الأخرى حتى يقدم الخاص على العام لأن ~~الأولى ms545 تتناول المملوكتين والحرتين فهي أعم من الثانية والثانية تتناول ~~الأختين وغيرهما فتكون كل واحدة منهما أعم من الأخرى من وجه وأخص من وجه ~~فتستويان ولذلك قال عثمان - رضي الله عنه - أحلتهما آية وحرمتهما آية ووجه ~~الترجيح للتحريم كما قاله جمهور الفقهاء من ثلاثة أوجه # (أحدها) أن الأولى سيقت للتحريم والثانية سيقت للمدح بحفظ الفروج ~~والقاعدة أن الكلام إذا سيق لمعنى لا يستدل به في غيره فلا تعارض الأولى ~~الثانية فتكون آية التحريم سالمة عن المعارض فتقدم # (وثانيها) أن الأولى لم يجمع على تخصيصها والثانية أجمع على تخصيصها بما ~~لا يقبل الوطء من المملوكات وبما يقبله لكنه محرم إجماعا كالذكور وأخوات ~~الرضاع وموطوآت الآباء من الإماء وغير المخصوص أرجح مما أجمع على تخصيصه # (وثالثها) أن الأصل في الفروج التحريم حتى يتيقن الحل فتكون الأولى على ~~وفق الأصل ولم يتعين رجحان الثانية عليها فيعمل بمقتضاها موافقة للأصل ~~فهاتان المسألتان هما اللتان تحتاجان إلى تدقيق في البحث فلذلك أفردتهما عن ~~سائر المسائل التي في الباب. # PageV03P130 # (الفرق الحادي والخمسون والمائة بين قاعدة الإباحة ~~المطلقة وبين قاعدة الإباحة المنسوبة إلى سبب مخصوص) # اعلم أن الإباحة قد تثبت مطلقا فلا يكون على المكلف حرج في الإقدام على ~~الفعل مطلقا وقد تثبت باعتبار سبب معين فلا يكون على المكلف حرج في الإقدام ~~على ذلك الفعل من جهة ذلك السبب ويكون عليه حرج في الإقدام باعتبار سبب آخر ~~فالتحريم يجتمع مع هذه الإباحة ولا يجتمع مع الإباحة الأولى وسر ذلك أن ~~أسباب التحريم قد تجتمع وقد تفترق فإن اجتمع اجتمع سببان فأكثر لتحريم ~~فارتفع أحدهما ثبتت الإباحة باعتبار ذلك السبب خاصة وبقي الفعل محرما ~~باعتبار السبب الآخر وكذلك إذا كان له سبب واحد للتحريم فزال وخلفه سبب آخر ~~صدقت الإباحة باعتبار السبب الأول وصدق التحريم باعتبار السبب المتجدد ~~ولذلك نظائر كثيرة في الشريعة وبمعرفة هذا الفرق تحصل أجوبة عن أسئلة كثيرة ~~في الفقه والنصوص وأذكر من ذلك ثلاث مسائل (المسألة الأولى) # قوله تعالى {فلا تحل له من بعد ms546 حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] قال ~~بعض الفضلاء مقتضى حتى التي هي حرف غاية أن يكون ما قبلها مخالفا لما بعدها ~~ويكون ما بعدها نقيض ما قبلها ويظهر من هذه القاعدة أن تكون المرأة حلالا ~~إذا عقد عليها زوج آخر ووطئها وليس الأمر كذلك إجماعا بل هي حرام على حالها ~~حتى يطلقها هذا الزوج وإذا طلقها لا تحل حتى يعقد عليها الزوج الأول وإذا ~~عقد عليها الزوج الأول لا تحل حتى تنفى موانع الوطء من الحيض والصيام ~~والإحرام وغير ذلك من الموانع فلم يحصل مقتضى الغاية فهل هذه هي الغاية ~~باقية على بابها مقتضية لثبوت النقيض أو هي مستثناة عن قاعدة الغايات ~~بالإجماع # (والجواب) أنها باقية على بابها وتقريره أنها كانت محرمة بكونها أجنبية ~~وبكونها مطلقة ثلاثا فلما تزوجها الزوج الثاني صارت مباحة من جهة الطلاق ~~الثلاث وزال التحريم الناشئ عنه وبقي التحريم بكونها أجنبية وتجدد سبب آخر ~~للتحريم وهو كونها زوجة لغيره فقد خلف السبب الزائل سبب آخر وزال التحريم ~~الكائن بسبب الطلاق الثلاث وثبت مقتضى الغاية وإذا طلقها الزوج الثاني بقيت ~~محرمة بالعدة وهو # PageV03P131 # سبب متجدد وبكونها أجنبية فإذا عقد عليها الزوج الأول ~~زال التحريم بسبب كونها أجنبية وبقيت محرمة بسبب ما تجدد من حيض أو صوم أو ~~غيرهما فإذا زال ذلك ثبتت الإباحة المطلقة وكان الثابت قبل ذلك مطلق ~~الإباحة المطلقة وقد تقدم الفرق بين مطلق الإباحة والإباحة المطلقة فظهر أن ~~الغاية على بابها لم تخالف مقتضاها بل هي معمول بها واندفع الإشكال عن ~~الآية (المسألة الثانية) # إذا ترك الصلاة وزنى وهو محصن وارتد عن الإسلام وقتل النفس التي حرم الله ~~فهذا قد أبيح دمه بكل واحد من هذه الأسباب فإذا عفا الأولياء عن القصاص ~~ذهبت الإباحة الناشئة عن القتل وثبتت الإباحة الناشئة عن غير ذلك من ~~الأسباب المذكورة فالإباحة المرتفعة ههنا نظير الإباحة الحاصلة في المسألة ~~المتقدمة وهي مطلق الإباحة المنسوبة إلى سبب معين غير أنها في المسألة ~~الأولى حاصلة وههنا ذاهبة فتأمل ذلك (المسألة الثالثة) ms547 # في تصوير اجتماع التحريم مضاعفا في أئمة وتعلقات الخطاب فيه وذلك أن ~~الزنى محرم وبالبنت أشد وبها في الصوم أشد ومع الإحرام أشد وفي الكعبة أشد ~~فهذه أربعة أسباب من التحريم اجتمعت فيكون هذا الفعل محرما من أربعة أوجه ~~ويكون الإثم مضاعفا أربع مرات ويكون خطاب التحريم قد حصل في هذه الصور أربع ~~تعليقات فإذا تصورت اجتماع التحريمات تصورت ارتفاع بعضها وحصول مطلق ~~الإباحة بالنسبة إلى ذلك السبب المرتفع وتصورت أيضا اجتماع الوجوبات بتظافر ~~أسبابها على الفعل وكذا بقية الأحكام تارة تثبت مطلقة وتارة بالنسبة إلى ~~سبب معين فتأمل ذلك. # (الفرق الثاني والخمسون والمائة بين قاعدة ما يقر من أنكحة الكفار وقاعدة ~~ما لا يقر منها) # قال ابن يونس أنكحتهم عندنا فاسدة وإنما الإسلام يصححها وقال صاحب ~~الجواهر لا يقرهم على ما هو فاسد عندهم إلا أن يكون صحيحا عندنا ولو ~~اعتقدوا غصب امرأة أو رضاها بالإقامة مع الرجل بغير عقد أقررناهم عليه قاله ~~الشافعي - رضي الله عنه - ترغيبا في الإسلام كما سقط عنهم القصاص والغصوب ~~وما جنوه على المسلمين في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ويثبت ما اكتسبوه بعقود ~~الربا وغيره من ثمن الخمر والخنزير كل ذلك ترغيبا في الإسلام لأنهم لو ~~فهموا # PageV03P132 # المؤاخذة بذلك لنفروا عن الإسلام وضابط مذهب مالك - ~~رحمه الله - أن كل مفسدة تدوم كالجمع بين الأختين أو لا تدوم لكن أدركه ~~الإسلام كالزواج في العدة فيسلم فيها فهو يبطل وإن عرى نكاحهم عن هذين ~~القسمين صح بالإسلام وقال الشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهما - عقودهم ~~صحيحة واعلم أن قولنا أيها المالكية إن أنكحتهم فاسدة مشكل فإن ولاية ~~الكافر للكافر صحيحة والشهادة عندنا ليست شرطا في العقد حتى نقول لا تصح ~~شهادتهم لكفرهم فلو قلنا إنها شرط فأشهد أهل الذمة المسلمين ينبغي أن تصح ~~والمسلم إذا تزوج بغير شهود له أن يشهد بعد العقد ويستقر عقده فينبغي ~~التفصيل في عقودهم بين ما يكون مختل الشرط وبين ما لا يكون كذلك. # وأما الفضاء بالبطلان مطلقا فمشكل غاية ما في ms548 الباب أن صداقهم قد يقع بما ~~لا يحل من الخمر والخنزير وقد يقع ذلك للمسلمين فتختل بعض الشروط أو كلها ~~في بعض العقود فكما لا نقضي بفساد أنكحة عوام المسلمين وجهالهم من أهل ~~البادية على الإطلاق بل نفصل ونقول ما صادف الأوضاع الشرعية واجتمعت شرائطه ~~فهو صحيح سواء أسلموا أم لا وما لم يصادف فهو باطل قبل الإسلام وقد يصح ~~بالإسلام كما نقدم رضاهم بالغصب ونحوه ترغيبا في الإسلام وعلى هذا القانون ~~كان ينبغي أن لا يخير بين الأم وابنتها إذا أسلم عليهما بل يقول إن تقدم ~~عقد البنت صحيحا تعينت من غير تخيير وإذا أسلم على عشر نسوة لا نقضي ~~بالتخيير مطلقا بل نفرق كما قال أبو حنيفة إن وقع منها أربع أولا على وجه ~~الصحة تعينت دون ما بعدها وإن عقد على العشر جملة واحدة خير بينهن لشمول ~~البطلان لهن وكان يليق إذا حكمنا بفسادها مطلقا أن لا نفرق بين الموانع ~~الماضية وما بقي بعد الإسلام لأن الكل فاسد إن كان المقصود هو الترغيب في ~~الإسلام بسبب تقرير فاسد عقودهم لأن الزواج في العقد لا يزيد على قتل النفس ~~في المفسدة وإن كان السبب أن الإسلام ينزل منزلة تجديد العقد فناسب التفرقة ~~بين الماضي من الموانع والمقارن وينبغي إذا وطء في الكفر في نكاح صحيح ~~مجتمع الشروط أن ذلك يوجب الإحصان إذا اتصل به الإسلام قال قلت «قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - لغيلان لما أسلم عن عشر نسوة اختر أربعا وفارق سائرهن» . ~~وفي أبي داود «قال أنس بن الحارث أسلمت # PageV03P133 # وتحتي ثمان نسوة فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقلت له ذلك فقال اختر أربعا منهن فهذه» # الأحاديث تقتضي أن عقودهن فاسدة إذ لو كانت صحيحة لكان السابق هو الصحيح ~~والمتأخر هو المتعين للفساد الخامسة فما زاد عليها وكان الاختيار لا يكون ~~إلا إذ عقد عقدا واحدا حتى لا يكون البعض أولى بالبقاء دون البعض الآخر لكن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خير مطلقا دل على ms549 أن الحكم كذلك سواء ~~تقدم بعض العقود أو اتحدت العقود لأن هذه الأحاديث وردت في تأسيس قاعدة ~~وتقرير أصل عام في الناس إلى يوم القيامة فلو كان يختلف الحال فيه لبينه ~~صلى الله عليه وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذا مستند ظاهر في ~~فساد عقودهن وأن الأوائل في حكم الأواخر على السوية والأواخر المتأخرات ~~العقود فاسدة العقود فكذلك الأوائل قلت إطلاق الخيار في هذه الأحاديث يحتمل ~~وجهين أحدها أن تكون الأنكحة فاسدة كما قلت والثاني أن تكون المفسدات ~~الواقعة في الكفر لا تعتبر كما تقدم من مذهبنا أنهم لو اعتقدوا غصب المرأة ~~ومجرد رضاها بغير عقد ثم أسلموا على ذلك أقررناهم عليه فإن الإسلام يمنع من ~~تأثير المفسدات المتقدمة من هذا النحو فهكذا كونها خامسة ونحو ذلك مفسدة في ~~الإسلام وإذا قارن الكفر اعتبره صاحب الشرع ترغيبا في الإسلام وإذا احتمل ~~الأمرين لم يلزم ما ذكرته من فساد العقول بل ذلك يدل على التخيير فقط وهذا ~~مجمل فيما ذكرته من الفساد والصحة. # وهذا جواب سديد وهو خير من قول جماعة من الفقهاء لعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يعلم أنه عقد عليهن عقدا واحدا فلذلك خيره أو وكان ~~يعتقد أنهن عنده بطريق الغصب والتقرير على الزوجية بالغصب لأن ذلك كان ~~مذهبا لهم فإن هذا فاسد لوجهين # (أحدهما) أن الأصل عدم علمه - عليه السلام - # (الثاني) لو كان الأمر كذلك لبينه - عليه السلام - لأنه تقرير قاعدة ~~فيتعين إيضاحها وإزالة اللبس عنها وزوال كل ما يوجب وهما فيها ولما لم يبين ~~- عليه السلام - أني إنما حكمت في هذه القضية بهذا الحكم لأني أعلم أن من ~~أمرها أمرا يقتضي هذه للحكم علمنا أن المدرك غير علمه بأمر يخصها بل الحكم ~~عام في جميع صور من يسلم كيف كانت عقوده وهو معنى قول الشافعي - رضي الله ~~عنه - ترك الاستفصال في حكايات الأحوال يقوم مقام العموم في # PageV03P134 # المقال معناه يقوم مقام التصريح بأن جميع الصور حكمها ~~كذلك وإذا ظهر هذا الجواب ظهر ms550 أن الحق الأبلج القضاء على عقودهم بالصحة حتى ~~يعلم فسادها كالمسلمين فإنه لم يدل دليل على أن الكفر مانع من عقد النكاح ~~وقادح في صحته ولو أن امرأة كافرة لها أخوان كافر ومؤمن فأرادت الزواج ~~منعنا المسلم من تزويجهما وقلنا لأخيها الكافر زوجها لأن المسلم لا ولاية ~~له على الكافرة بل الكفار بعضهم أولى ببعض ولو أن نكاح الكافر فاسد لقلنا ~~لهذه الكافرة لا سبيل لك إلى الزواج حتى تسلمي لأن الكفر أحد موانع صحة ~~العقد عليك ولما لم يكن كذلك دل على صحة عقودهم. # (الفرق الثالث والخمسون والمائة بين قاعدة زواج الإماء في ملك غير الزوج ~~وبين قاعدة زواج الإنسان لإمائه المملوكات له والمرأة لعبدها أو في غير ~~ملكها فإن الأول يصح بشرطه والثاني باطل والفرق مبني على قواعد) # (القاعدة الأولى) أن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع ولذلك لا يحد ~~المجنون بسبب الجناية في الصحة ولا السكران لأن مقصود الحد الزجر بما يشاهد ~~المكلف من المؤلمات والمذلات والمهانات في نفسه وإنما يحصل ذلك بمرآة العقل ~~وكذلك لا يشرع اللعان لنفي النسب في حق المجبوب ولا من لا يولد له لأنه لا ~~يلحق به ذلك النسب ولا يفيد اللعان شيئا وكذلك لا يشرع عقد البيع مع ~~الجهالة والغرر لأن مقصوده تنمية المال وتحصيل مقاصد العوضين وذلك بعيد ~~الجهالة والغرر ويكفي أنه غير معلوم ولا مظنون فلا يشرع البيع ونظائر هذه ~~القاعدة كثيرة فلهذه القاعدة لا يشرع نكاح الرجل أمته لأن مقاصد النكاح ~~حاصلة قبل العقد بالملك فلم يحصل العقد له في أمته # (القاعدة الثانية) من مقتضى الزوجية قيام الرجل على المرأة بالحفظ والصون ~~والتأديب لإصلاح الأخلاق لقوله تعالى {الرجال قوامون على النساء} [النساء: ~~34] والاسترقاق يقتضي قهر السادات والقيام على الرقيق للأعمال وإصلاح ~~الأخلاق في جميع ذلك والاستيلاء بالاستهانة فيتعذر أن تكون أمة الإنسان ~~زوجته وعبد المرأة زوجها لتناقض آثار الحقوق # (القاعدة الثالثة) كل أمرين لا يجتمعان يقدم الشرع أقواهما على أضعفهما ~~وكذلك العقل والعرف والرق # PageV03P135 # أقوى من ms551 النكاح لكونه يوجب التمكن من المنافع التي ~~بعضها حل النكاح مع صحة الإيجار والإخدام مع ملك الرقبة ولا يقتضي النكاح ~~غير إباحة الوطء فيكون لذلك أقوى فيقدم على النكاح وبهذه القاعدة نجيب عن ~~قول السائل إذا اشترى امرأته انفسخ النكاح السابق لطروء المنافي عليه فكذلك ~~إذا تزوج أمته ينبغي أن يبطل الملك لورود المنافي عليه فنقول في الجواب إن ~~المدرك ليس تقديم الطارئ على السابق بل المدرك أن الرق أقوى وهو مقدم في ~~الحالتين إن تقدم قدم وإن تأخر قدم فإن سبق لا يبطل وإن طرأ أبطل وهذا هو ~~أثر القوة والرجحان فاندفع السؤال وبهذه القواعد الثلاث ظهر الفرق بين ~~اجتماع النكاح والرق الكائن لغير الزوجين وبين امتناع اجتماعهما إذا كان ~~الرق للزوجين. # (الفرق الرابع والخمسون والمائة بين قاعدة الحجر على النسوان في الإبضاع ~~وبين قاعدة الحجر عليهم في الأموال) # اعلم أن النساء على الإطلاق لا يجوز لامرأة أن تزوج نفسها وتتصرف في ~~بضعها كانت ثيبا أو بكرا رشيدة في مالها أم لا دنية عفيفة أم فاخرة وأما ~~الأموال فيفرق فيها بين الرشيدة الثيب وغيرها فيجوز لها التصرف ولا يجوز ~~للولي الاعتراض عليها وإن كان أباها الذي هو أعظم الأولياء لأن له ولاية ~~الجبر والفرق من وجوه # (أحدها) أن الإبضاع أشد خطرا وأعظم قدرا فناسب أن لا تفوض إلا لكامل ~~العقل ينظر في مصالحها والأموال خسيسة بالنسبة إليها فجاز تفويضها لمالكها ~~إذ الأصل أن لا يتصرف في المال إلا مالكه # (وثانيها) أن الإبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القوية ~~التي يبذل لأجلها عظيم المال ومثل هذا الهوى يغطي على عقل المرأة وجوه ~~المصالح لضعفه فتلقي نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها فحجر ~~عليها على الإطلاق لاحتمال توقع مثل هذا الهوى المفسد ولا يحصل في المال ~~مثل هذا الهوى والشهوة القاهرة التي ربما حصل الجنون وذهاب العقل بسبب ~~فواتها # (وثالثها) أن المفسدة إذا حصلت في الإبضاع بسبب زواج غير الأكفاء حصل ~~الضرر وتعدى للأولياء بالعار والفضيحة الشنعاء ms552 وإذا حصل الفساد في المال لا ~~يكاد يتعدى المرأة وليس فيه من العار والفضيحة ما في الإبضاع والاستيلاء ~~عليها من # PageV03P136 # الأرذال الأخساء فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين وقد ~~سئل بعض الفضلاء عن المرأة تزوج نفسها فقال في الجواب المرأة محل الزلل ~~والعار إذا وقع لم يزل وفي الفرق مسألتان (المسألة الأولى) # قال مالك والشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهم - لا يجوز عقد المرأة على ~~نفسها ولا على غيرها من النساء بكرا كانت أو ثيبا رشيدة أو سفيهة أذن لها ~~الولي أم لا وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - يجوز للرشيدة أن تزوج نفسها ~~واحتج على ذلك بوجوه أحدها قوله تعالى {أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232] ~~وقوله تعالى {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] فأضاف العقد إليها دون ~~الولي وهو ظاهر في المباشرة وأذن الشرع لها في ذلك # (وثانيها) أنها متصرفة في مالها ففي نفسها بطريق الأولى لأنها أعلم ~~بأغراضها من وليها ومصلحة المال التي هي التنمية معلومة للولي كما هي ~~معلومة للمرأة # (وثالثها) أن الأصل عدم الحجر على العاقل والبالغ وهي عاقلة بالغة فيزول ~~الحجر عنها مطلقا في نفسها ومالها # (ورابعها) قوله - عليه الصلاة والسلام - «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير ~~إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل» والفقهاء يستدلون به على بطلان قول أبي ~~حنيفة وهو يدل بمفهومه على أن الولي إذا أذن لها يجوز عقدها وهم لا يقولون ~~به ويمكن الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة من جهة أن عقدها على نفسها إذا ~~صح مع الإذن صح مطلقا لأنه قائل بالفرق # (والجواب) عن الأول أن النكاح حقيقة في الوطء ونحن نقول بموجبه فإن الوطء ~~لها دون وليها فإن قلت الزوج هو الفاعل لذلك دون المرأة قلت مسلم فيحمل على ~~التمكين من ذلك الفعل لأنه أقرب للحقيقة من العقد والمجاز الأقرب يجب ~~المصير إليه عند تعذر الحقيقة ويوضحه قوله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم} ~~[النور: 32] فخاطب الأولياء بصيغة الأمر الدالة على الوجوب ولو كان ذلك ~~للمرأة لتعذر ذلك كما أنه لا يصح أن يقال ms553 للأولياء بيعوا أموال النساء لأن ~~التصرف في الأموال لهن وقوله - عليه السلام - «لا تزوج المرأة المرأة ولا ~~المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» خرجه الدارقطني وقال إنه ~~حديث حسن صحيح # (وعن الثاني) الفرق بين الإبضاع والأموال ما تقدم # (وعن الثالث) أن الدليل دل على مخالفة ذلك الأصل وهو الحديث والآيات ~~السابقة # (وعن الرابع) أن القاعدة المنصوص عليها في أصل الفقه أن الوصف إذا خرج ~~مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعا وضابط ذلك أن يكون الوصف المذكور غالبا # PageV03P137 # على وقوع ذلك الحكم المذكور أو على تلك الحقيقة ~~المحكوم عليها كقوله تعالى {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] ~~فإن القتل الغالب عليه أن لا يقع في الأولاد إلا لتوقع ضرر كالإملاق الذي ~~هو الفقر أو نحو ذلك من الفضيحة فلا تكون له دلالة على جواز القتل عند عدم ~~خوف الإملاق وكذلك قوله - عليه السلام - «في الغنم السائمة الزكاة» والغالب ~~على الغنم السوم لا سيما أغنام الحجاز فلا يكون مفهومه حجة على عدم وجوب ~~الزكاة في المعلوفة وكذلك ههنا الغالب أن المرأة لا تقدم على زواج نفسها ~~إلا خفية عن وليها وهو غير آذن لها في ذلك والعادة قاضية بذلك فإذا خرج ~~مخرج الغالب فلا يكون حجة إجماعا قال صاحب الجواهر لا خلاف عندنا أنها لا ~~تكون وليا على امرأة وروي عن ابن القاسم أنها تكون ولية على عبيدها ومن ~~وصيت عليه من أصاغر الذكور دون الإناث والفرق من ثلاثة أوجه # (أحدها) أن للصبي أهلية العقد بعد البلوغ وكذلك العبد بعد العتق # (وثانيها) أنهما قادران على رفع العقد بعد البلوغ بالطلاق # (وثالثها) أن الولاية عليهما ليست لطلب الكفاءة المحتاجة لدقيق النظر ~~بخلاف الأنثى في ذلك (المسألة الثانية) # في العفو عن الصداق قال الله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} [البقرة: 237] أي يعفو النساء ~~عن النصف الذي وجب لهن فيسقط وهذا متفق عليه بين العلماء ثم قال {أو يعفو ~~الذي بيده ms554 عقدة النكاح} [البقرة: 237] قال مالك الذي بيده عقدة النكاح ~~المشار إليه هو الأب في ابنته والسيد في أمته وقال أبو حنيفة والشافعي وابن ~~حنبل هو الزوج واحتجوا على ذلك بوجهين # (أحدهما) أنه قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك صريحا # (وثانيهما) أن الأصل يقتضي عدم تسليط الولي على مال موليته # (والجواب) عن الأول أنه ضعيف لا تقوم به حجة سلمنا صحته لكن لا نسلم أنه ~~تفسير للآية بل إخبار عن حال الزوج قبل الطلاق أن له أن يفعل ذلك # (وعن الثاني) أن قاعدة الولاية تقتضي تصرف الولي بما هو أحسن للمولى عليه ~~وقد يكون العفو أحسن للمرأة لاطلاع الولي على الترغيب فيها لهذا الزوج أو ~~غيره وأن ذلك يفضي إلى تحصيل أضعاف المعفو عنه فيفعل ذلك لتحصيل المصلحة ~~فمنعه من ذلك تفويت لمصلحة المرأة لا رفق # PageV03P138 # بها ثم الآية تدل لنا من عشرة أوجه # (أحدها) أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي والمتقدم قبل هذا ~~الاستثناء إثبات النصف فعلى رأينا تعفو المرأة فيسقط فتطرد القاعدة وعلى ~~رأيهم يعفو الزوج فيثبت مع هذا النصف الذي تشطر بالطلاق فلا تطرد القاعدة ~~بوقوع الإثبات بعد الإثبات # (وثانيها) أن الأصل في العطف بأو التشريك في المعنى فقوله تعالى {إلا أن ~~يعفون} [البقرة: 237] معناه الإسقاط وقوله تعالى {أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح} [البقرة: 237] على رأينا الإسقاط فيحصل التشريك وعلى رأيهم الإثبات ~~فلا يحصل التشريك فيكون قولنا أرجح # (وثالثها) أن المفهوم من قولنا إلا أن يكون كذا وكذا تنويع لذلك الكائن ~~إلى نوعين والتنويع فرع الاشتراك في المعنى ولا مشترك بين النفي والإثبات ~~والإسقاط والإعطاء حتى يحسن تنويعه وعلى رأينا المتنوع الإسقاط إلى إسقاط ~~المرأة وإسقاط الولي فكان قولنا أرجح # (ورابعها) أن العفو ظاهر في الإسقاط وهو ما ذكرناه وعلى رأيهم يكون ~~التزام ما سقط بالطلاق والتزام ما لم يجب لا يسمى عفوا # (وخامسها) أن إقامة الظاهر مقام المضمر خلاف الأصل فلو كان المراد الزوج ~~لقيل إلا أن يعفون أو تعفو ms555 عما استحق لكم فلما عدل إلى الظاهر دل على أن ~~المراد غير الزواج # (وسادسهما) أن المفهوم من قولنا بيده كذا أي يتصرف فيه والزوج لا يتصرف ~~في عقد النكاح بل كان يتصرف في الوطء بالحل والولي الآن هو المتصرف في ~~العقد فيتناوله اللفظ دون الزوج # (وسابعها) سلمنا أن الزوج بيده عقدة النكاح لكن باعتبار ما كان ومضى فهو ~~مجاز والولي بيده عقدة النكاح الآن فهو حقيقة والحقيقة مقدمة على المجاز # (وثامنها) أن المراد بقوله {إلا أن يعفون} [البقرة: 237] الرشيدات إجماعا ~~إذا المحجور عليهن لا ينفذ الشرع تصرفهن فالذي يحسن مقابلتهن بهن المحجورات ~~على أيدي الأولياء أما الأزواج فلا مناسبة فيهم للرشيدات # (وتاسعها) أن الخطاب كان مع الأزواج بقوله تعالى {وقد فرضتم لهن فريضة} ~~[البقرة: 237] وهو خطاب مشافهة فلو كانوا مرادين في قوله تعالى {الذي بيده ~~عقدة النكاح} [البقرة: 237] لقال أو تعفو بلفظ تاء الخطاب فلما قال {أو ~~يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] وهو خطاب غيبة لزم تغير الكلام ~~من الخطاب إلى الغيبة وهو وإن كان جائزا لكنه خلاف الأصل # (وعاشرها) أن وجوب الصداق أو بعضه قبل المسيس خلاف الأصل لأن استحقاق ~~تسليم العوض # PageV03P139 # يقتضي بقاء المعوض قابلا للتسليم أما مع تعذره فلا ~~بشهادة البيع والإجارة كذلك إذا تعذر تسليم المبيع أو المنفعة لا يجب تسليم ~~العوض في ذلك فإسقاط الأولياء النصف على وفق الأصل وتكميل الزوج على خلاف ~~الأصل ولذلك قال مالك في المدونة لا يجوز ذلك للأب قبل الطلاق قال ابن ~~القاسم إلا بوجه نظر من عسر الزوج أو غيره ولا يلحق الوصي بالأب لقصور نظره ~~عنه وفي الجلاب لا يجوز للأب العفو قبل الطلاق ولا بعد الدخول بخلاف الطلاق ~~قبل الدخول والفرق أن استحقاقه بعد الطلاق قبل الدخول خلاف الأصل فسلط الأب ~~عليه إذا رآه نظرا بخلاف الدخول لتعين الاستحقاق فغلب حق الزوجة # (فائدة) يروى أن بعض الأدباء دخل على بعض الخلفاء فأنشده هذه الأبيات: # من كان مسرورا بمصرع مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # يجد النساء حواسرا ms556 يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار # قد كن يخبئان الوجوه تسترا ... والآن حين بدون للنظار # فقال كيف تقول بدأن بالهمز أو بدين بالياء فقال يا أمير المؤمنين لا أقول ~~بدين ولا بدأن بل بدون فقال له أصبت وقصد غرته من وجهين # (أحدهما) أن صدر البيت بالهمز في قوله يخبئان الوجوه فقياسه أن يقول بدأن ~~مثل يخبئان بالهمز فيهما فخطر له أنه يغتر بذلك فيخطأ فلم يفعل ذلك # (وثانيهما) قصد التخطئة أن الواو تكون ضمير الفاعل المذكر فلا يجوز أن ~~يقول بدون بالواو لأن ضمير النسوة لا يكون بالواو فما حمله ذلك على الخطأ ~~بل نطق بالصواب وهو الواو وما ذكرت هذه الأبيات إلا لتعلقها بالآية لقوله ~~تعالى في النساء {إلا أن يعفون} [البقرة: 237] بالواو فضعفه بعض الفقهاء ~~بقوله كيف يجيء ضمير المؤنث بالواو وليس كما خطر له وليس الواو هنا ضميرا ~~بل من نفس الفعل لأنه من عفا يعفو بالواو وكذلك هي في الأبيات هو من بدا ~~يبدو بالواو وشأن ضمير المؤنث الذي هو النون يحقق آخر الفعل فإن كان ياء ~~بقي ياء وإن كان واوا بقي واوا وإن كان همزة بقي همزة وأي حرف كان بقي على ~~حاله مثال الياء قولك رمي يرمي فنقول النسوة رمين بالياء والواو كقولك دعا ~~يدعو والنسوة دعون والهمزة # PageV03P140 # نحو قرأ يقرأ والنسوة قرأن فلذلك قال الله تعالى ~~يعفون بالواو وقال الشاعر: # بدون للناظر # ويروى أن بعض الأدباء المشهورين طرحت عليه هذه الأبيات فأخطأ فيها وقال ~~بدأن للنظار فخطئ وفي الأبيات سؤال آخر مشكل من جهة المعنى وهو أن هذا ~~القائل قصد شيئا وهو إخمال الشماتة وكلامه يقتضي تقويتها فإن قوله: # من كان مسرورا بوقعة مالك أو بمصرع مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # وذكر من حال النسوة ما يقتضي زيادة الشماتة وتحقق المصيبة وهتك العيال ~~وتهتك الوجوه وهذا يزيد الشامت شماتة # (والجواب) عنه أن عادة العرب أنها لا تقيم مأتما ولا تفعل النسوة هذا ~~الفعل إلا بعد أخذ ثأر من يفعل ذلك في حقه ms557 ومن لا يؤخذ بثأره لا يستحق ~~عندهما أن يقام له مأتم ولا يبكى عليه فلذلك قال أيها الشامت انظر كيف حال ~~النسوة وذلك يدل على أنا أخذنا بثأره وذهبت شماتة الشامت به عندهم أو خفت ~~فهذا وجه هذه الأبيات. # (الفرق الخامس والخمسون والمائة بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر ~~بالعقود وبين قاعدة الصدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منهما بالعقود على ~~المشهور من مذهب مالك) # وفيها ثلاثة أقوال # (أحدها) عدم التقرر مطلقا وهو المشهور # (وثانيها) التقرر مطلقا والطلاق مشطر # (وثالثها) النصف يتقرر بالعقد والنصف الآخر غير متقرر حتى يسقط بالطلاق ~~أو يثبت بالدخول أو الموت وأما أثمان البيعان فلم أعلم فيها خلافا وسر ~~الفرق أن الصداق في النكاح شرط في الإباحة وشأن الشرط أن يتعين ثبوته عند ~~ثبوت المشروط وليس الناس يقصدون بالصداق المعاوضة بل التجمل وصاحب الشرع ~~أيضا لم يرد المعاوضة بدليل أنه لم يشترط فيه شروط الإعراض من نفي الجهالة ~~للمرأة بل يجوز العقد على المجهولة مطلقا ولا يتعرض لتحديد مدة الانتفاع ~~أيضا وذلك وشبهه دليل على عدم القصد إلى المعاوضة بل شرط الإباحة فلا يتقرر ~~شيء إلا عند الدخول أو الموت لأن الصداق إنما التزم إلى أقصر الزوجين عمرا ~~وليس الوطأة الأولى هي مقابلة الصداق بالعوضية لأنها ليست مقصود العقلاء ~~بالصداق بشهادة العادة وإنما الشرع جعله شرطا لأصل الإباحة فمن لاحظ هذه ~~القاعدة قال # PageV03P141 # بعدم التقرر مطلقا إلا بموت أو فراق أو دخول ومن لاحظ ~~قاعدة أخرى وهي أن الأصل في الأعواض وجوبها بالعقود فإنها أسبابها والأصل ~~ترتب المسببات على أسبابها فيجب الجميع بالعقد كثمن المبيع ومن لاحظ قاعدة ~~أخرى وهي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على سببيته له وقد قال الله تعالى ~~{وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} ~~[البقرة: 237] فرتب النصف على الطلاق فيكون سببه فيجب النصف بالطلاق خاصة ~~ويبقى التكميل موقوفا على سبب آخر وهو الموت أو الدخول فهذا تحرير الفرق ~~بين البابين. # (الفرق السادس والخمسون والمائة ms558 بين قاعدة ما يجوز اجتماعه مع البيع ~~وقاعدة ما لا يجوز اجتماعه معه) # اعلم أن الفقهاء جمعوا أسماء العقود التي لا يجوز اجتماعها مع البيع في ~~قولك جص مشنق فالجيم للجعالة والصاد للصرف والميم للمساقاة والشين للشركة ~~والنون للنكاح والقاف للقراض والسر في الفرق أن العقود أسباب لاشتمالها على ~~تحصيل حكمتها في مسبباتها بطريق المناسبة والشيء الواحد بالاعتبار الواحد ~~لا يناسب المتضادين فكل عقدين بينهما تضاد لا يجمعهما عقد واحد فلذلك اختصت ~~العقود التي لا يجوز أجتماعها مع البيع كالإجارة بخلاف الجعالة للزوم ~~الجهالة في عمل الجعالة وذلك ينافي البيع والإجازة مبنية على نفي الغرر ~~والجهالة له وذلك موفق للبيع ولا يجتمع النكاح والبيع لتضادهما في المكايسة ~~في العوض المعوض بالمسامحة في النكاح والمشاحة في البيع فحصل التضاد، ~~والصرف مبني على التشديد وامتناع الخيار والتأخير وأمور كثيرة لا تشترط في ~~البيع فضاد البيع الصرف والمساقاة والقراض فيهما الغرر والجهالة كالجعالة ~~وذلك مضاد للبيع والشركة فيها صرف أحد النقدين بالآخر من غير قبض فهو صرف ~~غير ناجز وفي الشركة مخالفة الأصل والبيع على وفق الأصول فهما متضادان وما ~~لا تضاد فيه يجوز جمعه مع البيع فهذا وجه الفرق. # PageV03P142 # (الفرق السابع والخمسون والمائة بين قاعدة البيع توسع ~~العلماء فيه حتى جوز مالك البيع بالمعاطاة وهي الأفعال دون شيء من الأقوال ~~وزاد على ذلك حتى قال كل ما عده الناس بيعا فهو بيع وقاعدة النكاح وقع ~~التشديد فيها في اشتراط الصيغ حتى لا أعلم أنه وجد لمالك القول بالمعاطاة ~~فيه ألبتة بل لا بد من لفظ) # قال صاحب الجواهر ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأييد كالنكاح ~~والتزويج والتمليك والبيع والهبة ونحوها قال القاضي أبو الحسن ولفظ الصدقة ~~وقال الأصحاب إن قصد بلفظ الإباحة النكاح صح ويضمن المهر فيكفي قول الزوج ~~قبلت بعد الإيجاب من الولي ولا يشترط قبلت نكاحها ولو قال للأب في البكر أو ~~بعد الإذن في الثيب زوجني فقال فعلت أو زوجتك فقال لا أرضى لزمه النكاح ~~لاجتماع جزأي العقد ms559 فإن السؤال رضى في العادة أيضا وقال صاحب المقدمات لا ~~ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج دون غيرهما من ألفاظ العقود وفي الهبة ~~قولان المنع كمذهب الشافعي والجواز كمذهب أبي حنيفة لأن الطلاق يقع بالصريح ~~والكناية فكذلك النكاح ويرد عليه أن الهبة لا تنعقد بلفظ النكاح فكذلك ~~النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة وأن النكاح مفتقر إلى الصريح ليقع الإشهاد عليه ~~وقال صاحب الاستذكار ابن عبد البر أجمعوا على أنه لا ينعقد بلفظ الإحلال ~~والإباحة فتقاس عليه الهبة وقال ابن العربي في القبس جوزه أبو حنيفة بكل ~~لفظ يقتضي التمليك على التأبيد وجوزه مالك بكل لفظ يفهم المتناكحان ~~مقصودهما وقال الشافعي لا ينعقد إلا بلفظ التزويج والنكاح لأنهما المذكوان ~~في القرآن في قوله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: ~~22] وقوله تعالى {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37] ووافقه ~~أحمد بن حنبل وأجابوا عما احتج به مالك مما ورد في الحديث وهو قوله - عليه ~~السلام - «ملكتكها بما معك من القرآن» أن الحديث ورد بألفاظ مختلفة والقصة ~~واحدة فيستحيل اجتماعها بل الواقع أحدها والراوي روى بالمعنى فلا حجة فيه ~~ولم يستثن أبو حنيفة غير الإجارة والوصية والإحلال وجوزه بالعجمية وإن قدر ~~على العربية وجوز الجواب من # PageV03P143 # الزوج بقوله فعلت فهذه نصوص العلماء على اختلافها لم ~~يقل فيها أحد بالمعاطاة كما قالوه في البيع والفرق مبني على خمس قواعد # (القاعدة الأولى) أن الشهادة شرط في النكاح إما مقارنة للعقد كما قال ~~الشافعي أو قبل الدخول كما قال مالك وعلى التقديرين فلا بد من لفظ يشهد ~~عليه أنه تزويج لا زنى وسفاح والبيع لما لم يكن الإشهاد فيه شرطا جوزوا فيه ~~المناولة # (القاعدة الثانية) أن قاعدة الشرع أن الشيء إذا عظم قدره شدد فيه وكثرت ~~شروطه وبالغ إبعاده إلا لسبب قوي تعظيما لشأنه ورفعا لقدره وهو شأن الملوك ~~في العوائد ولذلك إن المرأة النفيسة في مالها وجمالها ودينها ونسبها لا ~~يوصل إليها إلا بالمهر الكثير والتوسل العظيم وكذلك المناصب الجليلة والرتب ms560 ~~العلية في العادة وأما في الشرع فالذهب والفضة لما كانا رءوس الأموال وقيم ~~المتلفات شدد الشرع فيهما فاشترط المساواة والتناجز وغير ذلك من الشروط ~~التي لم يشترطها في البيع في سائر العروض والطعام لما كان قوام بنية ~~الإنسان منع بيعه نسيئة بعضه ببعض ومنع مالك بيعه قبل قبضه دون غيره من ~~السلع فكذلك النكاح عظيم الخطر جليل المقدار لأنه سبب بقاء النوع الإنساني ~~المكرم المفضل على جميع المخلوقات وسبب العفاف الحاسم لمادة الفساد واختلاط ~~الأنساب وسبب المودة والمواصلة والسكون وغير ذلك من المصالح فلذلك شدد ~~الشرع فيه فاشترط الصداق والشهادة والولي وخصوص الألفاظ دونه البيع # (القاعدة الثالثة) كل حكم شرعي لا بد له من سبب شرعي وإباحة المرأة حكم ~~فله سبب يجب تلقيه من السمع فما لم يسمع من الشرع لا يكون سببا وعلى هذه ~~القاعدة اعتمد الشافعي والمغيرة من أصحابنا وهو ظاهر مما نقله ابن رشد في ~~المقدمات عن المذهب # (القاعدة الرابعة) الشرع قد ينصب خصوص الشيء سببا كالزوال ورؤية الهلال ~~لوجوب الظهر ووجوب الصوم والقتل العمد والعدوان سبب القصاص وقد ينصب مشتركا ~~بين أشياء سببا ويبغي خصوصاتها كألفاظ الطلاق فإن المنصوب منها سببا ما دل ~~على انطلاق المرأة من عصمة الرجل وألفاظ القذف المنصوب منها سببا ما دل على ~~نسبة المقذوف إلى الزنى أو اللواط وألفاظ الدخول في الإسلام المنصوب منها ~~سببا ما دل على مقصود الرسالة النبوية والنكاح عندنا على ما حكاه صاحب ~~الجواهر # PageV03P144 # من هذه القاعدة ويدل على ذلك أنه ورد بألفاظ مختلفة ~~في الكتاب والسنة والأصل فيها عدم اعتبار الخصوص فيتعين العموم وهو المطلوب # (القاعدة الخامسة) يحتاط الشرع في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من ~~الخروج من الإباحة إلى الحرمة لأن التحريم يعتمد المفاسد فيتعين الاحتياط ~~له فلا يقدم على محل فيه المفسدة إلا بسبب قوي يدل على زوال تلك المفسدة أو ~~يعارضها ويمنع الإباحة ما فيه مفسدة بأيسر الأسباب دفعا للمفسدة بحسب ~~الإمكان ولذلك حرمت المرأة بمجرد عقد الأب ولا تحل المبتوتة إلا ms561 بعقد ووطء ~~حلال وطلاق وانقضاء عدة من عقد الأول لأنه خروج عن حرمة إلى إباحة فلهذه ~~القاعدة أوقعنا الطلاق بالكنايات وإن بعدت حتى أوقعه مالك بالتسبيح ~~والتهليل وجميع الألفاظ إذا قصد بها الطلاق لأنه خروج من الحل فيكفي فيه ~~أدنى سبب ولم يجز النكاح بكل لفظ بل بما فيه قرب من مقصود النكاح لأنه خروج ~~من الحرمة إلى الحل وجوزنا البيع بجميع الصيغ والأفعال الدالة على الرضى ~~بنقل المالك في العرضين لأن الأصل في السلع الإباحة حتى تملك بخلاف النساء ~~الأصل فيهن التحريم حتى يعقد عليهن بملك أو نكاح ولعموم الحاجة للبيع ~~ولقصوره في الاحتياط عن الفروج فإذا أحطت بهذه القواعد ظهر لك سبب اختلاف ~~موارد الشرع في هذه الأحكام وسبب اختلاف العلماء ونشأت لك الفروق والحكم ~~والتعاليل. # (الفرق الثامن والخمسون والمائة بين قاعدة المعسر بالدين ينظر وبين قاعدة ~~المعسر بنفقات الزوجات لا ينظر) # اعلم أن المعسر عندنا وعند الشافعي - رضي الله عنه - يفسخ عليه نكاحه ~~بطلاق في حق من ثبت لها الإنفاق وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - لا تطلق ~~عليه بالإعسار لأن الله تعالى أوجب إنظار المعسر بالدين في قوله تعالى {وإن ~~كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] فههنا أولى لأن بقاء الزوجية ~~مطلوب لصاحب الشرع وقياسا على النفقة في الزمان الماضي فإنه لا تطلق بها ~~إجماعا ولأن عجزه عن نفقة أم ولده لا يوجب بيعها ولا خروجها عن ملكه فكذلك ~~الزوجة # (والجواب) عن الأول أنا لم نلزمه النفقة مع العسرة وهو نظير الإلزام ~~بالدين وإنما أمرناه برفع ضرر يقدر # PageV03P145 # عليه وهو إطلاقها لمن ينفق عليها وهو الجواب عن ~~النفقة في الزمان الماضي # (والجواب) عن الثالث إن وقع الضرر عن أم الولد له طريق آخر وهو تزويجها ~~وهذا الطريق متعذر ههنا فيتعين الطلاق لأن القاعدة أن المقصد إذا كان له ~~وسيلتان فأكثر لا يتعين أحدهما عينا بل يخير بينهما كالجامع إذا كان له ~~طريقان مستويان يوم الجمعة لا يجب سلوك أحدهما عينا بل يخير بينهما وكذلك ~~السفر ms562 إلى الحج في البر والبحر المتيسرين لا يتعين أحدهما وهو كثير في ~~الشرعية وكذلك أم الولد تعدت أسباب زوال الضرر عنها فلم يتعين خروجها عن ~~ملكه وفي الزوجات اتحدت الوسيلة وسبب الخروج عن الضرر فأمر به عينا ويؤيد ~~ما قلناه ما خرجه البخاري قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أفضل ~~الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول ~~المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول ~~الولد إلى من تدعني» وقوله {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] ~~والإمساك على الجوع والعري ليس من المعروف فيتعين التسريح بالإحسان. # (الفرق التاسع والخمسون والمائة بين قاعدة أولاد الصلب والأبوين في إيجاب ~~النفقة لهم خاصة وبين قاعدة غيرهم من القرابات) # اعلم أن مالكا أوجب النفقة لأولاد الصلب والأبوين خاصة وأوجبها الشافعي ~~لكل من هو بعض من الآباء والأمهات وإن علوا والأولاد وإن سفلوا لقوله تعالى ~~{وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] ولقوله تعالى {وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا} [لقمان: 15] وليس من الإحسان تركهما بالجوع والعري ولقوله - عليه ~~السلام - في البخاري يقول لك ولدك إلى من تكلني الحديث وأب الأب أب وأم ~~الأم أم وابن الابن ابن وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - تجب النفقة لكل ذي ~~رحم محرم لقوله تعالى {وآت ذا القربى حقه} [الإسراء: 26] وأجمعنا على تخصيص ~~من ليس بمحرم وبقي من عداه على العموم ولقوله تعالى {وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض} [الأنفال: 75] # PageV03P146 # والجواب عما قاله الشافعي أولا أنا لا نسلم أن لفظ ~~الأب والأم والابن يتناول غير الأدنين من هذه الفرق ويدل على ذلك أن الله ~~تعالى فرض للأم الثلث ولم تسحقه الجدة وحجب الإخوة بالأب ولم يحجبهم بالجد ~~وأن بنت الابن لها السدس مع بنت الصلب بخلاف بنت الصلب مع أختها فلو كانت ~~هذه الألفاظ تتناول هذه الطبقات على اختلافها بطريق التواطؤ حقيقة لزم ~~تعميم الحكم فيها كلها على السواء وإلا لزم ترك العمل بالدليل وهو خلاف ~~الأصل فدل ذلك على أن اللفظ ms563 إنما يتناول هذه الطوائف بطريق المجاز والأصل ~~عدم المجاز حتى يدل دليل عليه بل يجب التمسك بالحقيقة والاقتصار عليها حتى ~~يدل دليل على غيرها ثم اللازم هنا الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو مجاز ~~مختلف فيه بين العلماء هل يجوز في لسان العرب أم لا ونحن المجاز المجمع ~~عليه في لسان العرب لا نعدل باللفظ إليه إلا بدليل والحمل عليه من غير دليل ~~خطأ قطعا فههنا بطريق الأولى لكونه ضعيفا من جهة أنه مجاز وأنه مختلف في ~~جوازه لغة وهذا هو الفرق. # وهو فرق جلي جدا والجواب عما قاله أبو حنيفة - رضي الله عنه - عن الأول ~~أن الله تعالى إنما أمر بما هو حق لذوي القربى والنزاع في النفقة هل هي حق ~~لهم أم لا فلا نسلم تناول اللفظ لها حينئذ فلا دليل # PageV03P147 # في الآية والجواب عن الثاني أنه عام في ذوي الأرحام ~~مطلق فيما هم فيه أولى فإن لفظ أولى نكرة في سياق الإثبات وذلك لا عموم فيه ~~فنحمله على ولاية النكاح والمعاوضة والمناصرة المجمع عليها فإنهم أولى بنصر ~~بعضهم بعضا والإحسان إلى بعضهم بعضا بالنصرة إجماعا وإذا أجمع على إعمال ~~المطلق في صورة وأنها مرادة من النص سقط الاستدلال به إجماعا إذ لو عدي ~~حكمه إلى صورة أخرى لكان عاما لا مطلقا والتقدير أنه مطلق وهذا خلف وكما ~~يمتنع جعل العام مطلقا بغير دليل يمتنع جعل المطلق عاما بغير دليل فظهر من ~~هذه الاستدلالات وهذه الأجوبة صحة مذهب مالك وتفضيله على غيره في هذه ~~المسألة وظهر الفرق أيضا من خلال ذلك ظهورا بينا. # (الفرق الستون والمائة بين قاعدة المتداعيين شيئا لا يقدم أحدهما على ~~الآخر إلا بحجة ظاهرة وبين قاعدة المتداعيين من الزوجين في متاع البيت يقدم ~~كل واحد منهما فيما يشبه أن يكون له) # قال مالك في المدونة إذا اختلفا وهما زوجان أو عند الطلاق أو الورثة بعد ~~الموت والزوجان حران أو عبدان أو أحدهما مسلمان أو أحدهما قضي للمرأة بما ~~هو شأن النساء وللرجل بما هو شأن ms564 الرجال وما يصلح لهما قضي به للرجل لأن ~~البيت بيته في مجرى العادة فهو تحت يده فيقدم لأجل اليد ووافق مالكا أبو ~~حنيفة والفقهاء - رضي الله عنهم أجمعين - وقال الشافعي لا يقدم أحدهما على ~~الآخر إلا بحجة ظاهرة كسائر المدعين وقياسا على الصباغ والعطار إذا تداعيا ~~آلة العطر أو الصبغ فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وإن شهدت ~~العادة بأن آلة العطر للعطار وآلة الصبغ # PageV03P148 # للصباغ فكذلك ههنا قال ابن يونس إذا فرعنا على مذهب ~~مالك يحلف من قضي له. # وقال سحنون ما عرف لأحدهما لا يحلف وقال ابن القاسم ما كان شأن الرجال ~~وشأن النساء قسم بينهما بعد أيمانهما لاشتراكهما في اليد وما ولي الرجل ~~شراءه من متاع البيت وشهدت له البينة أخذه بعد يمينه ما اشتراه إلا له ~~وكذلك المرأة فإن اختلفا في البيت نفسه فهو للرجل لأنه ملكه في غالب العادة ~~ولأن يده عليه قال ابن يونس الذي يختص بالرجل نحو العمامة فالقول قوله فيه ~~بغير يمين إلا أن تدعي المرأة إرثه فيحلف قال ابن حبيب ولا يكفي أحدهما أن ~~يقول هذا لي لأنه متاع البيت حتى يقول هذا ملكي قال عبد الحق في تهذيب ~~الطالب لو تنازعا في رداء فقال هو لها إلا الكتان بأن قال اشتريته فقال ~~أصبغ له بقدر كتابه ولها بقدر عملها لأنه لو ادعاه صدق هذا تقرير المنقولات ~~وأما وجه الجواب والفرق فنقول لنا قوله تعالى {خذ العفو وأمر بالعرف} ~~[الأعراف: 199] فكل ما شهد به العادة قضي به لظاهر هذه الآية إلا أن يكون ~~هناك بينة ولأن القول قول مدعي العادة في مواقع الإجماع. # وأما ما أشار إليه الشافعي - رضي الله عنه - وهو القياس على العطار ~~والصباغ فمن أصحابنا من التزم التسوية أيضا أشار إليه ابن القصار في عيون ~~الأدلة وعلى هذا يبطل القياس وإن قلنا بعدم التسوية فالفرق أن الإشهاد بين ~~الزوجين يتعذر لأنهما لو اعتمدا ذلك وإن من كان له شيء أشهد عليه أدى ذلك ~~إلى المنافرة ms565 وعدم الوداد بينهما وربما أفضى ذلك إلى الطلاق والقطيعة فهما ~~معذوران في عدم الإشهاد وملجآن إليه وإذا ألجئ لعدم إشهاد فلم يقض بينهما ~~بالعادة لا نسد الباب عليهما بخلاف العطار والصباغ إذا كانا في حانوت واحد ~~لا ضرورة تدعوهما لعدم الإشهاد فإنهما أجنبيان لا يتألمان من ضبط أموالهما ~~بذلك وإن كانا في حانوتين أو تداعيا شيئا في يد ثالث فنقول الفرق أن ~~الضرورة تدعو للملابسة في حق الزوجين فسلك بهما أقرب الطرق في إثبات ~~أموالهما ولا ضرورة تدعو لملابسة العطار والصباغ فجريا على قاعدة الدعوى ~~واستدل الشافعي أيضا # PageV03P149 # بقوله - صلى الله عليه وسلم - «البينة على من ادعى ~~واليمين على من أنكر» فكل من ادعى من الزوجين كان عليه البينة لظاهر ~~الحديث. # وجوابه أن قاعدة المدعي هو كل من كان على خلاف أصل أو عرف والمدعى عليه ~~هو كل من كان قوله على وفق أصل أو عرف فالمدعي بالدين على خلاف الأصل لأن ~~الأصل براءة الذمة والمطلوب المنكر على وفق الأصل لأن الأصل براءة الذمة ~~والمدعي رد الوديعة وقد قبضها ببينة قوله على خلاف الظاهر والعرف بسبب أن ~~الغالب أن من قبض ببينة لا يرد إلا ببينة فدعوى الرد على خلاف الظاهر ~~والمدعي عدم قبضها على وفق الظاهر وهو المدعى عليه وإذا كان هذا ضابط ~~المدعي والمدعى عليه فإذا ادعت المرأة مقنعة وشبهها كان قولها على وفق ~~الظاهر. # وقول الزوج على خلاف الظاهر فالزوج مدع فعليه البينة وهي مدعى عليها ~~فالقول قولها فنحن نقول بموجب الحديث لا أنه حجة علينا واحتجوا أيضا بأن كل ~~موضع لو كان المتداعيان امرأتين أو رجلين لم يقدم أحدهما على الآخر فكذلك ~~إذا كانا رجلا وامرأة لم يقدم أحدهما على الآخر بالصلاحية بالقياس على ما ~~إذا كان في يد ثالث ويؤكد أن حكم اليد لا يسقط بالصلاحية أن من كان بيده ~~خلخال فادعته امرأة أجنبية فالقول قوله وإن كان الخلخال لا يصلح من لباسه ~~لأجل أن يده عليه وكذلك لو كان بيد المرأة سيف فادعاه رجل ms566 فالقول قولها وإن ~~كان لا يصلح لها لأجل أن يدها عليه فكذلك ههنا إذا كانا في الدار وفيها ما ~~يصلح لأحدهما فإن يدهما عليه فلا يسقط اعتبار اليد بصلاحيته لأحدهما دون ~~الآخر # (والجواب) أنه لا فرق عندنا بين الرجل والمرأة وبين الرجلين وبين ~~المرأتين وبين اليد الحكمية والمشاهدة فلو تعلق رجل وامرأة بخلخال وأيديهما ~~جميعا عليه يتجاذبانه قضينا به للمرأة مع يمينها ولو تجاذبا سيفا كان للرجل ~~مع يمينه وأما إذا كان بيد ثالث فليس لأحدهما عليه يد بخلاف مسألتنا فإن ~~المستند عندنا اليد مع الصلاحية فإن قالوا ما ذكرتموه يبطل بأن ما يصلح ~~لهما يكون للزوج مع أنه لا ظاهر يشهد له ويد كل واحد منهما عليه فقد نقضتم ~~أصلكم ورجحتم من غير ترجيح فإن اليد مشتركة. # والظاهر من جهة الصلاحية منفي في حق كل واحد منهما قلنا بل يد الزوج أقوى ~~وهو المرجح لأن المرأة في يده وتحت حوزه والدار له ألا ترى أن عليه أن ~~يسكنها وأن يجيرها وأن يخدمها فالدار هي من # PageV03P150 # قبله كحوز امرأته فلذلك قضي له مع يمينه كالمتداعيين ~~لأحدهما يد والآخر لا يد له قالوا ما ذكرتموه من الظاهر إنما يشهد ~~بالاستعمال فقط فإن السيف إنما يستعمله الرجال والحلي إنما يستعمله النساء ~~ونزاعنا إنما هو في الملك لا في الاستعمال وقد تملك المرأة ما يصلح للرجل ~~للتجارة أو بعارض من إرث أو غيره فقد أصدق علي - رضي الله عنه - فاطمة - ~~رضي الله عنها - درعا من حديد وقد يملك الرجال ما يصلح للنساء للتجارة أو ~~غير ذلك من أسباب التمليك قلنا الظاهر فيما في يد الإنسان مما يصلح له أنه ~~ملكه وهذا هو الغالب وغيره نادر وإذا دار الحكم بين النادر والغالب فحمله ~~على الغالب أولى ألا ترى أن من هو ساكن في دار ويده عليها يقضى له بالملك ~~بناء على الغالب وظاهر اليد فكذلك ههنا ووافقنا أبو حنيفة في هذه المسألة ~~من حيث الجملة لكنه قال ما يصلح لهما فهو للرجال إن كان ms567 حيا وإن كان ميتا ~~فهو للمرأة وقال محمد بن الحسن من أصحابه هو لورثة الزوج كقولنا وقال أبو ~~حنيفة إن تداعياه وهو في أيديهما مشاهدة قسم بينهما وقال أبو حنيفة أيضا ~~إذا كانا أجنبيين يسكنان معا فتداعيا شيئا مما كان يصلح للرجل فهو له وما ~~كان يصلح للمرأة فهو لها وما كان يصلح لهما قسم بينهما. # وإن اختلف العطار والدباغ في المسك والجلد فإنه يقسم بينهما وتناقض قوله ~~في هذه الفروع وإن كان من حيث الجملة موافقا لنا وأما الشافعي فطريقته ~~واحدة وهي أن الزوجين إذا تداعيا شيئا فمن أقام بينة فهو له كما قلناه وإلا ~~قسم بينهما نصفين بعد أيمانهما وكذلك الأجنبيان إذا سكنا دارا واحدة واحتج ~~أبو حنيفة فيما إذا مات الرجل أن سلطانه زال عن المرأة بالموت فكانت المرأة ~~أرجح فيما تدعيه وجوابه أن الوارث شأنه أن ينتقل له ما كان لمورثه على ~~الوجه الذي كان له بدليل الأخذ بالشفعة والرد بالعيب وخيار الشرط (تفريع) ~~قال الطرطوشي في تعليقه الذي تقدم فيه المرأة ويقضى لها به لأجل الصلاحية ~~الحلي وثياب النساء وجميع الجهاز من الطست والمنارة والثياب والقبقاب ~~والبسط والوسائد والمرافق والعرش ونحو ذلك الذي يقضى به للرجل السلاح ~~والمنطقة والخاتم الفضة وثياب الرجل ونحو ذلك والذي يصلح لهما كالدار التي ~~يسكنانها والرقيق وأما أصناف الماشية فلمن حازه لأنها ليست من متاع البيت ~~وكذلك ما في المرابط من خيل أو بغال أو حمير # PageV03P151 # فلمن حازه قال مالك والحصر كالدار إلا أن يعرف للزوجة ~~وقال مالك ما يصلح للرجل أخذه مع يمينه وقال سحنون لا يمين على واحد منهما ~~فيما يصلح له إنما اليمين على الرجل فيما يصلح لهما وقاله ابن القاسم في ~~غير المدونة وهو ظاهر قول مالك وقال ابن سحنون لا يقضى لواحد منهما بشيء ~~إلا بعد يمينه. # وقال المغيرة ما يصلح لهما قسم بينهما بعد أيمانهما وسواء في هذا كله ~~اختلفا قبل الطلاق أو بعده أو بعد خلع أو لعان أو فراق أو إيلاء أو ms568 غيره أو ~~ماتا أو أحدهما واختلف الورثة والزوجان حران أو عبدان أو أحدهما حر والآخر ~~عبد كانت الزوجة ذمية أم لا وسواء في هذا كله كانت عليه يد مشاهدة أو حكمية ~~فاليد المشاهدة أن يكونا قابضين على الشيء فيتجاذبانه ويتنازعانه والحكمية ~~أن يكون في الدار التي يسكنانها وسواء في هذا كله الزوجان والأجنبيان إذا ~~سكن رجل وامرأة في دار وذوات المحارم الكل سواء وهذا أصل لا مناقضة فيه على ~~المذهب حتى قال أئمتنا لو اختلف عطار ودباغ في المسك والجلد واختلف القاضي ~~والحداد في القلنسوة والكير وكانت لهما عليه يد حكمية في دار يسكنانها أو ~~مشاهدة أو تنازع رجل وامرأة رمحا وهما يتجاذبانه فالقول في هذا كله قول من ~~شهد له العرف والعادة فيحكم للرجل بالرمح مع يمينه وإن كان دملجا قضي به ~~للمرأة مع يمينها ويقضى للعطار بالمسك مع يمينه وأما إن كان الزوجان في ~~البيت فجاز أحدهما في يده وقبضته ما يصلح للآخر دونه قال فالذي يتبين لي ~~فيه أن القول قول من حازه دون الآخر # (الفرق الحادي والستون والمائة بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين ~~قاعدة ما ليس بصريح فيه) اعلم أن لفظ الصريح من قول العرب لبن صريح إذا لم ~~يخالطه شيء ونسب صريح إذا لم يكن فيه شائبة من غيره فأما إذا كان اللفظ يدل ~~على معنى لا يحتمل غيره إلا على وجه البعد فهو صريح وفي المقدمات للقاضي ~~أبي الوليد في الصريح ثلاثة أقوال فعند القاضي عبد الوهاب لفظ الطلاق وما ~~تصرف منه # PageV03P152 # وقاله أبو حنيفة. # وقال ابن القصار الصريح الطلاق وما اشتهر معه كالخلية والبرية ونحوهما، ~~وقيل ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز كالطلاق والسراح لقوله تعالى ~~{فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] وقوله تعالى {أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] ~~والفراق لقوله تعالى {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] ، ~~وقاله الشافعي وابن حنبل وبماذا يلزم هل بالنية فقط لمالك ويريد بالنية ~~التطليق بالكلام النفساني، وقيل باللفظ فقط قال وهو موجود في المدونة، ms569 وقيل ~~لا بد من اجتماعهما هذا في الفتيا. # وأما في القضاء فيحكم عليه بصريح الطلاق وكنايته ولا يصدق اتفاقا ~~والكناية أصلها ما فيه خفاء ومنه كنيته أبا عبد الله كأنك أخفيت الاسم ~~بالكنية تعظيما له ومنه الكن لإخفائه الأجسام وما يوضع فيه فالكناية هي ~~اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغة وفي الصحاح يقال كنيت وكنوت وكنية بضم ~~الكاف وكسرها وضابط مشهور كلام الأصحاب أن اللفظ إن دل بالوضع اللغوي فهو ~~صريح. وهذا هو الطلاق؛ لأنه لإزالة مطلق القيد يقال لفظ مطلق ووجه طلق ~~وحلال طلق وانطلقت بطنه وأطلق فلان من السجن قال صاحب الجواهر كيفما تصرفت ~~هذه الصيغة نحو أنت طالق وأنت مطلقة، وقد طلقتك أو الطلاق لازم أو قد أوقعت ~~عليك الطلاق وأنا طالق منك والكناية ما ليس موضوعا له لغة لكن يحسن ~~استعماله فيه مجازا لوجود العلاقة القريبة بينهما # قال مالك في المدونة في الكنايات نحو أنت خلية أو برية أو بائن أو بتة # PageV03P153 # أو بتلة أو حبلك على غاربك أو أنت حرام أو كالميتة أو ~~الدم أو لحم الخنزير أو الفراق أو السراح أو اعتدي وهذه الألفاظ كلها من ~~مجاز التشبيه فالخلية الفارغة والفراغ حقيقة في خلو جسم من جسم فشبه به خلو ~~المرأة من عصمة النكاح والبرية من البراءة وهو مطلق السلب كيف كان المسلوب ~~والبائن من البين وهو البعد بين الأجسام ويقال في المعاني بون لا بين شبه ~~البعد من العصمة بالبعد بين الجسمين والبت القطع في جسم شبه به قطع العصمة، ~~وكذلك البتلة ومنه فاطمة البتول - رضي الله عنها - لانقطاعها في الشرف عن ~~النساء، وقيل لانقطاعها عن الأزواج إلا عليا - رضي الله عنه - ومنه حبلك ~~على غاربك؛ لأن عادة الدابة في الرعي إذا أمسك صاحبها حبلها لا تتهنى في ~~الرعي لتوهمها أنه يجرها به. # وإذا أراد تهنئتها بالرعي ألقى حبلها على كتفها وهو غاربها فتطمئن حينئذ ~~فشبه به طلاق المرأة؛ لأنها تبقى مخلاة لنفسها، وكذلك البواقي وما ليس في ~~علاقة قريبة لا يجوز استعماله ms570 مجازا ويسمى مجاز التعقيد إذا اعتمد فيه على ~~العلاقة البعيدة اتفق الناس على منعه كقوله تزوجت بنت الأمير ويفسر ذلك ~~برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة معتمدا على أن النكاح من لوازمه العقد ~~لأنه مبيحه؛ والعقد من لوازمه العاقد لأنه فاعله؛ والعاقد من لوازمه أبوه ~~لأنه ولده فهذا القسم وما ليس فيه علاقة البتة لا قريبة ولا بعيدة هو ما ~~ليس بصريح ولا كناية قال صاحب الجواهر هذا نحو قوله اسقني الماء فإن أراد ~~به الطلاق فالمشهور لزومه خلافا للشافعي واختلف الأصحاب في تعليله فقيل هو ~~الطلاق بمجرد النية لعدم صلاحية اللفظ، وقيل، بل باللفظ كأن المستعمل وضعه ~~الآن للطلاق وهو بعيد؛ لأن إنشاء الوضع لا نجده يخطر ببال الناس في العادة ~~عند هذا الاستعمال، وقيل لا يلزمه طلاق وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل ~~وأبي حنيفة؛ لأن الطلاق بالنية لا يلزم واللفظ لا يصلح وتحتاج هذه القاعدة ~~إلى قاعدة أخرى وهي أن اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية فعلى القول ~~بالتوقيف وأن اللغات # PageV03P154 # وضعها الله تعالى قال المازري في شرح البرهان ~~والغزالي في البسيط لا يجوز لأحد أن يضع لفظا لمعنى ألبتة، بل ذلك موكول ~~إلى الله تعالى فلا يجوز أن يضع لفظ السقي أو الأكل أو غيرهما للطلاق ولا ~~يجوز أن يصدق ألفا ويعبر عنه بألفين للتجمل بين الناس كذا نص عليه الغزالي ~~في مسألة الصداق في كتابه البسيط قال. # وإن فرعنا على أن اللغات اصطلاحية جاز جميع ذلك ولما كان مذهب المحققين ~~عدم الجزم بالتوقيف والاصطلاح جوز مالك أن يعبر بلفظ التسبيح أو أي لفظ كان ~~عن الطلاق إما وضعا للطلاق وإما تعبيرا من غير وضع ولا يكون هذا التعبير ~~حقيقة ولا مجازا، وقد نص الأصوليون على أن اللفظ في استعماله قد يعرى عن ~~الحقيقة والمجاز ومثلوه بالتعبير عن الأرض بالسماء وبالسماء عن الأرض ونحو ~~ذلك فكذلك هاهنا أطلق المستعمل لفظ الأكل وأراد به الطلاق وغايته أن يقال ~~أن هذا ليس كلاما عربيا ولا يلزم من كونه # PageV03P155 # ليس ms571 عربيا أن لا يقع به الطلاق ألا ترى أنه لو قال ~~أنت طالقا بالنصب أو الخفض لم يكن كلاما عربيا ومع ذلك يقع به الطلاق فكذلك ~~هاهنا إذا تحرر هذا ظهر أن اللفظ قد يكون صريحا، وقد يكون كناية، وقد يعرى ~~عنهما إذا فقدت العلاقة فيه وهو غير موضوع للطلاق، ثم الكناية تنقسم إلى ما ~~غلب استعماله في العرف في الطلاق فيلحقه بالصريح في استغنائه عن النية قال ~~في الكتاب كالخلية والبرية وجملة ما تقدم إلى قوله لحم الخنزير لقيام الوضع ~~العرفي مقام الوضع اللغوي والنية إنما يحتاج إليها لتمييز المراد من اللفظ ~~عن غير المراد في اللفظ المتردد أما ما هو صريح بوضع لغوي أو عرفي فينصرف ~~بصراحته لما وضع له من غير احتياج إلى نية وما لم يغلب استعماله من ~~الكنايات فهو مجاز على أصله والمجاز يفتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة ~~إليه؛ لأنها الأصل ولم ينسخها عرف. # واللفظ ينصرف إليها بصراحة، ثم المنقول من الكنايات قد ينتقل لأصل الطلاق ~~فقط فيصير في الوضع العرفي مثل أنت طالق في اللغة فيلزم بهذه الكناية طلقة ~~واحدة رجعية، وقد ينتقل لأصل الطلاق مع البينونة من غير عدد فيلزم به طلقة ~~بائنة؛ لأنها مسماه العرفي، وقد ينتقل للطلاق والبينونة مع وصف العدد ~~الثلاث ويصير النطق بذلك اللفظ عرفا كالنطق بقوله أنت طالق ثلاثا لغة، ثم ~~إنه قد يستعمل في غير الثلاث غالبا وفي الثلاث نادرا فمن الناس من يقصد ~~الاحتياط فيحمل على الثلاث ومن الناس من يحمله على الغالب فيلزم به طلقة ~~واحدة فحيث اختلف العلماء في هذه الصيغ فلاختلافهم في الضوابط هل وجدت أم ~~لا وإلا فكل من سلم ضابطا سلم حكمه ويكون المذهب الحق من صادف الضابط في ~~نفس الأمر والضعيف الفقه من توهم وجوده أو عدمه، وليس كذلك وعلى الفقيه ~~استيفاء النظر في ذلك ومن ذلك اختلافهم في مسألة الحرام فمن قائل لم يحصل ~~فيها نقل ألبتة فهي كذب فلا يلزم بها شيء إلا بالنية ومن قائل يقول ms572 حصل ~~فيها النقل ولكن الأصل الطلاق فيلزم بها طلقة واحدة رجعية ومن قائل يقول ~~حصل فيها النقل للطلاق الثلاث وعلى هذا المنوال تتخرج جميع الصيغ هذا تلخيص ~~ما عليه الفقهاء # (تنبيه) الطلاق # PageV03P156 # لإزالة مطلق القيد كما تقدم ومطلق القيد أعم من قيد ~~النكاح والقاعدة أن الدال على إزالة الأعم دال على إزالة الأخص بالالتزام ~~لا باللفظ، فليس الطلاق موضوعا لإزالة خصوص قيد النكاح كما يفهم من كلام ~~الفقهاء. # بل التحقيق أن يقال إن الطلاق موضوع لإزالة مطلق القيد يعني أي قيد كان؛ ~~لأنه موضوع لإزالة كل قيد حتى يندرج فيه قيد النكاح، وإذا كان موضوعا لأي ~~قيد كان من غير عموم فيصدق أنها طالق باعتبار قيد الحديد وإن بقيت في ~~العصمة لأن طالق اسم فاعل واسم الفاعل يكفي فيه فرد واحد من المسمى الذي ~~اشتق منه فلا يدل أنت طالق على إزالة العصمة مطابقة ولا التزاما، بل لا ~~إشعار له به من جهة اللغة ألبتة ووزان الطلاق الخروج؛ لأن كليهما انتقال من ~~إحاطة فكما أن الخروج يصدق عليها بأي فرد كان فيصدق أنها خارجة باعتبار حيز ~~معين وإن بقيت في غيره كذلك يصدق عليها أنها طالق باعتبار قيد معين. # وإن بقيت في غيره نعم لو كان طالق مفيد العموم لحصل مقصود الأصحاب أو ~~يفيد إزالة القيد المشترك بين جميع القيود حتى يلزم منه انتفاء كل قيد حصل ~~أيضا، ولو كان الأمر كذلك لما صدق على المنطلقة من قيد الحديد أو من طلق ~~الولد أنها طالق؛ لأن العموم لم يحصل وإزالة المشترك الذي يستلزم نفي كل ~~قيد لم يحصل لكنا نجد أهل اللغة وأهل العرف يستعملونه باعتبار قيد مخصوص ~~وإن بقيت جميع القيود فيقال لمن طلقت من ولد طالق ومن قيد الحديد طالق؛ لأن ~~الأصل عدم المجاز؛ ولأن عند سماع طالق لا نفهم انتفاء كل قيد ألبتة، بل ~~قيدا مخصوصا لا لغة ولا عرفا ولهذا المدرك لم يعتبر ابن القصار خصوص لفظ ~~الطلاق، بل أعرض # PageV03P157 # عن الوضع اللغوي واعتبر ما وضع ms573 في العرف لإزالة ~~العصمة وإليه جنح الشافعي - رضي الله عنه - لكن يرد على الشافعي - رضي الله ~~عنه - أنه لا يلزم من ورود شيء في كتاب الله تعالى أن يصير موضوعا لذلك ~~المعنى في الشرع أو العرف فإن الكتاب العزيز يرد بالكنايات القريبة ~~والبعيدة كما يرد بالحقائق والمجاز كثير في كتاب الله تعالى جدا ويعتمد في ~~حكمه على القرائن والتصريح بالمراد وحينئذ لا يليق أن يجعل ما ورد في كتاب ~~الله تعالى كيف كان موضوعا لذلك المعنى الذي ورد فيه ولا يحسن الاستدلال ~~بمجرد الورود على الصراحة والوضع نعم يحسن الاستدلال بالورود على ~~المشروعية. # أما الوضع فلا فإذا فرعنا على أن المدرك هو الاشتهار العرفي فينبغي أن لا ~~يكون الانطلاق صريحا. # وإن كان فيه الطاء واللام والقاف وفيه # PageV03P158 # معنى إزالة القيد؛ لأن المشتهر هو الطلاق دون ~~الانطلاق، وكذلك أطلقتك وانطلقت منك وانطلقي مني وأنت منطلقة، وقد خالفنا ~~أبو حنيفة وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهما - في أنا طالق منك؛ لأنه ليس ~~محبوسا بالنكاح، بل هي المحبوسة وقياسا على قوله أنا طالق فلو كان محلا ~~للطلاق لوقع كالمرأة؛ ولأن الرجل لا يوصف به فلا يقال زيد مطلق ونقل الباجي ~~في المنتقى عن أبي سعيد منا ذلك ووافق المشهور الشافعي # (والجواب عن الأول) أنه محبوس عن عمتها وأختها والزيادة على الأربع ~~والنفقة وغيرها مما هو لازم فيخرج عن لزومه # (وعن الثاني) أن وصفه بطالق جائز أن يكون عن امرأة فلم يعينها اللفظ، ~~وإذا قال أنت طالق تعين أن يكون من عصمته لتعذر تعدد الأزواج دون الزوجات # (وعن الثالث) أن مطلق اسم مفعول يقتضي أن يكون المقتضي لطلاقه غيره وهو ~~متعذر. # وقال الحنفية أنت مطلقة بسكون الطاء وتخفيف اللام لا يكون طلاقا إلا ~~بالنية؛ لأنه ليس مختصا بالنساء وهو متجه، وقال بعض الشافعية أنت الطلاق ~~كناية؛ لأن التعبير بالمصدر عن اسم الفاعل مجاز فيفتقر إلى النية # (وجوابه) أنه مجاز تعين بقرينة تعذر أنها عين الطلاق، وإذا تعين لاسم ~~الفاعل استغنى بذلك عن النية؛ لأن ms574 التعيين مانع # PageV03P159 # من التردد، والنية إنما تصلح حالة التردد # (تنبيه) ينبغي أن يعلم أنه ليس في أصل اللغة ما يقتضي طلاق المرأة ألبتة ~~ولا لفظة واحدة، وهذا شيء لا يكاد يخطر بالبال وبيانه أنه إذا قال أنت طالق ~~ثلاثا هذا أعظم ما يتوهم أنه صريح لغة، وليس كذلك، بل هذا لا يوجب طلاقا ~~ألبتة بسبب أن اللغة إنما تقتضي أن هذه الصيغة وضعتها العرب للإخبار، وهذا ~~هو أصل الوضع ومقتضى ذلك أن يكون قوله أنت طالق ثلاثا كذبا لا عبرة به ~~والطلاق لا يلزم بالخبر الكذب إجماعا ومن هاهنا افترق الناس فريقين # (أحدهما) الحنفية قالت هي باقية إخبارات على حالها وإنما الشرع يقدر وقوع ~~مخبرها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه، وإذا صار صادقا لزمه ما ~~نطق به من الطلاق، وكذلك قالوا في صيغ العتق وجميع صيغ العقود من بعت ~~واشتريت ونحو ذلك (والفريق الآخر) وهو المالكية والشافعية يقولون هذه الصيغ ~~انتقلت في العرف عن الخبر لإنشاء الطلاق ويلزم الطلاق بالإنشاء ومتى قصد ~~الخبر وعدل عن الإنشاء الذي انتقل إليه العرف لا يلزمه طلاق فهذه هي ~~المذاهب الواقعة في هذه الصيغ كلها ويظهر من ذلك أنه ليس في اللغة لفظة ~~واحدة تقتضي وقوع الطلاق من حيث هي لغوية، بل لا بد من التقدير كما قاله ~~الحنفية أو النقل كما قاله غيرهم. # وإذا تقرر هذا فيلزم على رأي الحنفية أن يكون لفظ الطلاق صريحا مستغنيا ~~عن النية؛ لأنه قد تقدم أنه لا يدل لغة على الإخبار عن إزالة قيد النكاح ~~بخصوصه، بل على إزالة قيد كيف كان قيد النكاح أو قيد الحديد أو غيرهما فلا ~~ينصرف لقيد النكاح إلا بالنية؛ لأنه ليس إخبارا عنه بخصوصه فصار كناية ~~وصارت الألفاظ بجملتها كناية # PageV03P160 # فإن نوى بها الطلاق الذي هو إزالة قيد النكاح فحينئذ ~~يلزم ما ذكروه من التصديق وإلا فلا يلزم تقدير صدقه لأنه لم يقصد الإخبار ~~عن زوال العصمة ويلزم على رأينا القائلين بالإنشاء أن يكون ضابط الصريح ما ~~نقل لإنشاء ms575 إزالة القيد وصار مستغنيا عن النية وما لم يصر بالنقل كذلك ~~ويمكن استعماله في إزالة العصمة مجازا لعلاقة بينهما فهو كناية وما لا ~~علاقة فيه كالأكل والشرب والتسبيح ونحوها يجري على الخلاف المتقدم أو يكون ~~لا صريحا ولا كناية، وهذا هو الذي يتجه ويكون لفظ الحرام والخلية والبرية ~~ونحوها مما ادعي فيه النقل صريحا فلا يقال فيه إنه كناية ألحقت بالصريح؛ ~~لأنه لا صريح إلا بالنقل حينئذ فأي لفظ نقل كان هو الصريح من غير امتياز ~~لفظ عن لفظ في ذلك لاستواء الجميع في عدم إفادة زوال العصمة لغة. # وفي إفادة زوالها بالنقل فلا مزية لبعضها على بعض إذا حصل فيها النقل ~~ويلزم على هذا أيضا بحث آخر وهو أن النقل إنما هو من قبل العرف فإذا تحول ~~العرف إلى الضد فصار المشتهر خفيا والخفي مشتهرا أن يكون ما قضينا بأنه ~~صريح يصير كناية وما قضينا بأنه كناية يصير صريحا بحسب # PageV03P161 # العرف الطارئ. # وكذلك إذا لم ينتقل العرف للضد، بل بطل فقط يلزم أن لا يصير شيء من هذه ~~الألفاظ صريحا، بل تحتاج جميع الألفاظ في لزوم الطلاق بها إلى النية ويلزم ~~أمر ثالث وهو أن المفتي لا يحل له أن يفتي أحدا بالطلاق حتى يعلم أنه من ~~أهل بلد ذلك العرف الذي رتبت الفتيا عليه فإن كان من أهل بلد آخر ليس فيه ~~ذلك العرف أفتاه بحكم الله تعالى باعتبار حال عرف بلده من صريح أو كناية ~~على الضابط المتقدم فإن العوائد لا يجب الاشتراك فيها بين البلاد خصوصا ~~البعيدة الأقطار ويكون المفتي في كل زمان يتباعد عما قبله يتفقد العرف هل ~~هو باق أم لا فإن وجده باقيا أفتى به وإلا توقف عن الفتيا، وهذا هو القاعدة ~~في جميع الأحكام المبنية على العوائد كالنقود والسكك في المعاملات والمنافع ~~في الإجارات والأيمان والوصايا والنذور في الإطلاقات فتأمل ذلك فقد غفل عنه ~~كثير من الفقهاء ووجدوا الأئمة الأول قد أفتوا بفتاوى بناء على عوائد لهم ~~وسطروها في كتبهم بناء على ms576 عوائدهم، ثم المتأخرون وجدوا تلك الفتاوى فأفتوا ~~بها. # وقد زالت تلك العوائد فكانوا مخطئين خارقين للإجماع فإن الفتيا بالحكم ~~المبني على مدرك بعد زوال مدركه خلاف الإجماع ومن ذلك لفظ الحرام والخلية ~~والبرية ونحوها مما هو مسطور لمالك أنه يلزم به الطلاق الثلاث بناء على ~~عادة كانت في زمانه فأكثر المالكية اليوم يفتي بلزوم الطلاق الثلاث بناء ~~على المنقول في الكتب عن مالك وتلك العوائد قد زالت فلا نجد اليوم أحدا ~~يطلق امرأته بالخلية ولا بالبرية ولا بحبلك على غاربك ولا بوهبتك لأهلك، ~~ولو وجدناه المرة بعد المرة مرات كثيرة لم يكن ذلك نقلا يوجب لزوم الطلاق ~~الثلاث من غير نية ألا ترى أن لفظ الأسد كثير الاستعمال في الرجل الشجاع ~~ولا يقول أحد إنه منقول إليه، وكذلك لفظ الشمس والبدر في ذوات الجمال ~~والبحر والغيث والندى ونحوها في الكرام الباذلين للمال ومع ذلك لم تصر هذه ~~الألفاظ منقولة لهذه المعاني، بل ضابط المنقول أن يصير اللفظ يفهم منه ~~المعنى بغير قرينة وهذه الألفاظ لا تفهم منها هذه المعاني إلا بالقرينة ~~فلذلك لم تصر منقولة فتأمل ذلك ويظهر لك ما عليه هؤلاء المتأخرون من ~~الفتاوى الفاسدة في هذه الألفاظ ويظهر لك بهذه المباحث الفرق بين قاعدة ~~الصريح وقاعدة ما ليس بصريح على # PageV03P162 # القواعد الصحيحة. # (الفرق الثاني والستون والمائة بين قاعدة ما يشترط في الطلاق من النية ~~وبين قاعدة ما لا يشترط) # اعلم أن النية شرط في الصريح إجماعا، وليست شرطا فيه إجماعا وفي اشتراطها ~~قولان، وهذا هو متحصل الكلام الذي في كتب الفقهاء وهو ظاهر التناقض ولا ~~تناقض فيه فحيث قال الفقهاء إن النية شرط في الصريح فيريدون القصد لإنشاء ~~الصيغة احترازا من سبق اللسان لما لم يقصد مثل أن يكون اسمها طارقا ~~فيناديها فيسبق لسانه فيقول لها يا طالق فلا يلزمه شيء؛ لأنه لم يقصد اللفظ ~~وحيث قالوا النية ليست شرطا في الصريح فمرادهم القصد لاستعمال الصيغة في ~~معنى الطلاق فإنها لا تشترط في الصريح إجماعا وإنما ذلك من ms577 خصائص الكنايات ~~أن يقصد بها معنى الطلاق. # وأما الصريح فلا وحيث قالوا في اشتراط النية في الصريح قولان فيريدون ~~بالنية هاهنا الكلام النفسي وأنهم يطلقون النية ويريدون الكلام النفسي وإلا ~~فمن قصد وعزم على طلاق امرأته، ثم بدا له لا يلزم بذلك طلاق إجماعا وإنما ~~المراد إذا أنشأ طلاقها بكلامه النفسي كما ينشئه بكلامه اللساني فيعبرون ~~عنه بالنية وعبر عنه ابن الجلاب باعتقاد بقلبه فقال، ومن اعتقد الطلاق ~~بقلبه ولم يلفظ بلسانه ففي لزوم الطلاق له قولان والاعتقاد لا يلزم به طلاق ~~إجماعا # فلو اعتقد الإنسان أنه طلق امرأته. ثم تبين له بطلان اعتقاده بقيت له ~~زوجة إجماعا وإنما المراد الكلام النفسي فالمشهور اشتراطه كما قاله أبو ~~الوليد في المقدمات وأنه إذا طلق بلسانه لا بد أن يطلق أيضا بقلبه فظهر أنه ~~لا تناقض في كلامهم وأنها أحوال مختلفة وفي الفرق أربع مسائل توضحه # (المسألة الأولى) قال مالك في المدونة لو أراد التلفظ بالطلاق فقال اشربي ~~أو نحوه لا شيء عليه حتى ينوي طلاقها بما تلفظ به فيجتمع اللفظ والنية، ولو ~~قال أنت طالق ألبتة ونيته واحدة فسبق لسانه للبتة لزمه الثلاث قال سحنون ~~إذا كان عليه بينة فلذلك لم ينوه يريد أن اللفظ وحده لا يلزم به الطلاق وهو ~~لم يوجد منه نية مع لفظ الثلاث فلذلك لا يلزمه ثلاث في الفتيا ويلزمه ~~الثلاث في القضاء بناء على الظاهر # (المسألة الثانية) إذا قال أنت طالق ونوى من وثاق ولايته وجاء مستفتيا ~~طلقت عليه كقوله أنت برية ولم ينو به طلاقا ويؤخذ الناس بألفاظهم ولا ~~تنفعهم نيتهم إلا أن # PageV03P163 # تكون قرينة مصدقة قال صاحب التنبيهات في التحدث على ~~هذه المسألة قيل يدين، وقيل لا إلا أن يكون جوابا وهو مذهب الكتاب قال ~~ويتخرج من هذه المسألة إلزام الطلاق بمجرد اللفظ ومن قوله في الذي أراد ~~واحدة فسبق لسانه للبتة ومن هزل الطلاق أيضا ويؤخذ اشتراط النية مع اللفظ ~~من غير مسألة في الكتاب يعني من قوله أنت طالق وأراد تعليقه. ms578 # ثم بدا له فلا شيء عليه وله نظائر في المذهب ووافق صاحب التنبيهات اللخمي ~~على أن مسألة الوثاق طلاق بمجرد اللفظ، وإلزام الطلاق بمجرد اللفظ إنما هو ~~إذا طلق بلسانه غير مطلق بكلامه النفسي كما قال في مسألة ألبتة أما إذا صرف ~~اللفظ بقصده عن إزالة العصمة إلى غيره نحو مسألة الوثاق فإلزام الطلاق به ~~لو قيل إنه خلاف الإجماع لم يبعد؛ لأنه نظير من طلق امرأته فقيل له ما صنعت ~~فقال هي طالق وأراد الإخبار قال أبو الطاهر لا يلزمه في الفتيا إجماعا ~~ونظيره أيضا من له أمة وزوجة اسم كل واحدة منهما حكمة، وقال حكمة طالق، ~~وقال نويت الأمة لا يلزمه طلاق في الفتيا اتفاقا فينبغي أن يحمل في مسألة ~~الوثاق على اللزوم في القضاء دون الفتيا. # وأما قوله وجاء مستفتيا وإن أوهم اللزوم في الفتيا فمعارض بقوله يؤخذ ~~الناس بألفاظهم ولا تنفعهم نيتهم والأخذ إنما يكون للحاكم دون المفتي، ~~وكذلك اشتراطه القرينة فإن المفتي يتبع الأسباب والمقاصد دون القرائن وإلا ~~فيلزم مخالفة القواعد ويتعذر الفرق بين ما ذكر من النظائر. # (المسألة الثالثة) إذا قال أنت طالق أو طلقتك ونوى عددا لزمه ووافقنا ~~الشافعي. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنهما - إذا نوى الثلاث لزمه واحدة رجعية لأن ~~اسم الفاعل لا يفيد إلا أصل المعنى فالزائد يكون بمجرد النية والنية لا ~~توجب طلاقا وجوابه أن لفظ ثلاثا إذا لفظ بها تبين المراد باللفظ نحو قوله ~~قبضت عشرين درهما فقوله درهما يفيد اختصاص العدد بالدراهم وإن كان لا يدل ~~عليه لغة فكذلك ثلاثا يخصص اللفظ بالبينونة وكل ما كان يحصل مع المفسر وجب ~~أن يحصل قبله؛ لأن المفسر إنما جعل لفهم السامع لا لثبوت ذلك الحكم في نفس ~~الأمر كقوله تعالى أقيموا الصلاة الشرعية لكن لما ورد البيان من السنة في ~~خصوصياتها وهيئاتها وأحوالها عد ذلك ثابتا بلفظ القرآن وأجمع المسلمون على ~~أن الصلاة والزكاة مشروعة بالقرآن والقاعدة أن كل بيان لمجمل يعد منطوقا # PageV03P164 # به في ذلك المجمل كذلك هاهنا ms579 وإن كان أبو حنيفة - ~~رحمه الله - وافقنا على قوله أنت بائن وأنت طالق طلاقا وطلقتك وطلقي نفسك ~~أنه إذا نوى بها الثلاث لزمته فكذلك هاهنا # المسألة الرابعة حكى صاحب كتاب مجالس العلماء أن الرشيد كتب إلى قاضيه ~~أبي يوسف هذه الأبيات وبعث بها إليه يمتحنه بها: # فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ... وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم # فأنت طالق والطلاق عزيمة ... ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم # فبيني بها أن كنت غير رفيقة ... وما لامرئ بعد الثلاثة مقدم # وقال له إذا نصبنا ثلاثا كم يلزمه، وإذا رفعنا كم يلزمه فأشكل عليه ذلك ~~وحمل الرقعة للكسائي وكان معه في الدرب فقال له الكسائي اكتب له في الجواب ~~يلزمه بالرفع واحدة وبالنصب ثلاث يعني أن الرفع يقتضي أنه خبر عن المبتدأ ~~الذي هو الطلاق الثاني ويكون منقطعا عن الأول فلم يبق إلا قوله أنت طالق ~~فتلزمه واحدة وبالنصب يكون تمييزا لقوله فأنت طالق فيلزمه الثلاث فإن، قلت ~~إذا نصبناه أمكن أن يكون تمييزا عن الأول كما، قلت وأمكن أن يكون منصوبا ~~على الحال من الثاني أي الطلاق معزوم عليه في حال كونه ثلاثا أو تمييزا له ~~فلم خصصته بالأول، قلت: الطلاق الأول منكر يحتمل بسبب تنكيره جميع مراتب ~~الجنس وأعداده وأنواعه من غير تنصيص على شيء من ذلك لأجل التنكير فاحتاج ~~للتمييز ليحصل المراد من ذلك المنكر المجهول. # وأما الثاني فمعرفها استغنى بتعريفه واستغراقه الناشئ عن لام التعريف عن ~~البيان فهذا هو المرجح ويحكى أن الرشيد بعث له بهذه الرقعة أول الليل وبعث ~~أبو يوسف الجواب بها أول الليل على حاله وجاءه من آخر الليل بغال موسقة ~~قماشا وتحفا جائزة على جوابه فبعث بها أبو يوسف إلى الكسائي ولم يأخذ منها ~~شيئا بسبب أنه هو الذي أعانه على الجواب فيها. # PageV03P165 # (الفرق الثالث والستون والمائة بين قاعدة الاستثناء ~~من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات) # اعلم أن البابين وإن استويا في صحة الاستثناء غير أن الاستثناء من الصفات ~~يجوز أن يؤتى فيه بلفظ ms580 دال على استثناء الكل من الكل في الظاهر بخلاف ~~الاستثناء من الذوات وبيان ذلك بمسألتين # المسألة الأولى نقل صاحب الجواهر، وقاله ابن أبي زيد في النوادر إن ~~القائل إذا قال أنت طالق واحدة إلا واحدة إن كان مستفتيا. # وقال نويت ذلك وفي موضع لو سكت لم يكن طلاقا لم يلزمه شيء؛ لأنه طلاق ~~بغير نية وإن كان عليه بينة فيختلف فيه؛ لأنه آت بما لا يشبه كما لو قال إن ~~شاء هذا الحجر، ويختلف إذا قال أنت طالق أمس إلا واحدة؛ لأنه ليس مستثنيا ~~للأول وإن قال طالق واحدة وواحدة إلا واحدة وأعاد الاستثناء على الواحدة ~~يقع عليه اثنتان، وكذلك إذا قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة ~~فإنه يلزمه طلقتان إن أعاده على طلقة أو ثلاث إن أعاده على الواحدة وهذه ~~المسألة من مشكلات المسائل عند الفقهاء وتقريرها وإيضاحها أن تقول قوله أنت ~~طالق واحدة معناه طلقة واحدة والطلاق مصدر قد وصفه بالوحدة فهاهنا حينئذ ~~صفة وموصوف في كلامه فإن قصد رفع الصفة دون الموصوف فقد رفع بعض ما نطق به ~~فيصح ولنا قاعدة عقلية أن كل ضدين لا ثالث لهما إذا رفع أحدهما تعين ثبوت ~~الآخر كقولك هذا العدد ليس بزوج يتعين أن يكون فردا. # وليس بفرد يتعين أن يكون زوجا؛ لأنه لا واسطة بين الزوج والفرد في العدد، ~~وكذلك هاهنا لا واسطة بين الوحدة والكثرة في حقيقة المصدر فإذا رفع الوحدة ~~من مصدر الطلاق تعين ضدها وهو الكثرة وأقل مراتب الكثرة اثنان فيلزمه ~~طلقتان؛ لأن الأصل براءة الذمة من الزائد عليهما وهذه المسألة لها ست حالات ~~الحالة الأولى ما تقدم الحالة الثانية أن يقصد بقوله واحدة قبل الاستثناء ~~الصفة وحدها. # ثم يستثنيها فاستثناؤه باطل؛ لأنه رفع جملة ما وضعه أولا الحالة الثالثة ~~أن يقصد بقوله واحدة نفس الطلاق من حيث # PageV03P166 # هو طلاق ولا يأخذه بقيد الوحدة ولا بقيد الكثرة، ثم ~~يورد الاستثناء أيضا على هذا المعنى بعينه فلا ينفعه الاستثناء؛ لأنه رفع ~~عين ما وضعه # (الحالة ms581 الرابعة) أن يقصد بقوله أولا المصدر الموصوف بالوحدة ويقصد بقوله ~~إلا واحدة الطلاق الموصوف بالوحدة فلا ينفعه أيضا استثناؤه؛ لأنه رفع جملة ~~ما وضعه # (الحالة الخامسة) أن يريد بلفظ الأول الطلاق الموصوف بالوحدة ويقصد ~~بالاستثناء الموصوف وهو مفهوم الطلاق دون الوحدة فهذا مستثنى لبعض ما نطق ~~به مطابقة غير أنه يلزم من نفي أصل الطلاق نفي صفاته من الوحدة والكثرة ~~فتنتفي الصفة أيضا مع الموصوف فيبطل استثناؤه ويلزمه طلقة لأنه لم يبق شيء ~~بالمطابقة والالتزام # (الحالة السادسة) أن يستعمل قوله الأول أنت طالق واحدة في الطلاق بوصف ~~الثلاث؛ لأنه يجوز إطلاق الجنس وإرادة عدد معين منه فإذا قال بعد ذلك إلا ~~واحدة يريد بها بعض ذلك العدد الذي كان يقصده لزمه طلقتان وهما اللتان ~~بقيتا في الأولى وخرجت واحدة من الثلاث بالاستثناء فهذا تقرير هذه المسألة ~~وبها ظهر قوله أنت طالق واحدة إلا واحدة كيف تلزمه اثنتان، وكذلك إذا قال ~~واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة إن أراد بالاستثناء أحد هذه الثلاث لزمه ~~اثنتان. # وإن أراد استثناء الصفة وهي الوحدة عن طلقة من هذه الطلقات الثلاث ~~المتقدمة فمقتضى ذلك أن يلزمه أربع تطليقات لأنه رفع صفة الوحدة عن طلقة من ~~الثلاث فيقع فيها الكثرة فتصير تلك الطلقة طلقتين كما تقدم تقريره لكن لما ~~لم يكن سبيل إلى لزوم أربع بالإجماع اقتصرنا على ثلاث كما لو قال أنت طالق ~~أربع تطليقات ومن الاستثناء في الصفات قول الشاعر (: # قاتل ابن البتول إلا عليا) # قال الأدباء معناه قاتل ابن فاطمة البتول أي المنقطعة عن الأزواج إلا عن ~~علي فاستثنى من صفتها ولم يستثنها غير أنه في هذا الكلام لم يستثن جملة ~~الصفات كما تقدم في مسألة الطلاق، بل من متعلقها فإن الانقطاع الذي هو ~~التبتل يمكن أن يكون عن الأزواج كلها فلذلك استثنى من متعلق التبتل عليا - ~~رضي الله عنه - ومن التبتل قوله عز وجل {وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8] أي ~~انقطع إليه انقطاعا. # المسألة الثانية قوله تعالى {أفما نحن بميتين - إلا موتتنا الأولى} ~~[الصافات: ms582 58 - 59] فهذا استثناء نوع # PageV03P167 # من الصفة وهي المونة الأولى، وقوله بميتين لفظ يشملهم ~~بصفة الموت ولم يستثنوا من أنفسهم أحدا، بل بعض أنواع الصفة فصار الاستثناء ~~تارة يقطع في جملة الصفة كمسألة الطلاق وفي بعض أنواعها كالآية وفي بعض ~~متعلقاتها كالشعر المتقدم فتأمل ذلك وعلى هذه القاعدة تقول مررت بالساكن ~~إلا الساكن فتستثني الصفة من الصفة وهو السكون فقط وتترك الموصوف فتتعين له ~~الحركة، فيكون مرورك بالمتحرك، وكذلك مررت بالمتحرك إلا المتحرك فيتعين أنك ~~مررت بالساكن كما تقدم التقرير، وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الاستغناء في ~~أحكام الاستثناء. # وهو مجلد كبير واحد وخمسون بابا وأربعمائة مسألة ليس في جميع ذلك إلا ~~الاستثناء والاستثناء من الصفة من أغرب أبوابه، وقد بسطته لك هاهنا بهذه ~~المسائل وظهر لك معنى هذه المسائل في الطلاق بسببه، ولولاه لم يفهم أصلا ~~ألبتة فنفائس القواعد لنوادر المسائل وجميع ذلك من فضل الله تعالى على خلقه ~~هدانا الله سواء السبيل في القول والعمل. # (الفرق الرابع والستون والمائة بين قاعدة استثناء الكل من الكل وبين ~~قاعدة استثناء الوحدات من الطلاق) # اعلم أن العلماء نصوا على أنه إذا قال قام زيد وعمرو وخالد إلا خالدا لا ~~يجوز؛ لأنه استثناء جملة منطوق به في المعطوف والاستثناء إنما جعل لإخراج ~~ما كان معرضا للنسيان فيندرج في الكلام سهوا فيخرج بالاستثناء، وإذا قصد ~~إلى شيء في المعطوف لا يصح استثناؤه بعد ذلك؛ لأنه مثل الكلام المستقل ~~المقصود وعلى سياق هذه القاعدة يمتنع أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ~~واحدة؛ لأنه استثناء جملة منطوق به وهو المعطوف كما تقدم غير أن الأصحاب ~~جوزوه وما علمت فيه خلافا ويعللونه بأن الثلاث لها عبارتان أنت طالق ثلاثا ~~وأنت طالق واحدة وواحدة وواحدة فكما صح الاستثناء من الثلاث يصح من هذه ~~العبارة الأخرى والفرض أيضا أن خصوص الوحدات ليس مقصودا للعقلاء بخلاف زيد ~~وعمرو فلكل واحد منهما خصوص ليس للآخر. # وأما الوحدات فمستوية من حيث هي وحدات فصار إجمالها وتفصيلها # PageV03P168 # سواء ويلزم على سياق هذا ms583 التعليل إذا قال لله علي ~~درهم ودرهم ودرهم إلا درهما لا يلزمه إلا درهمان؛ لأن الدراهم والدنانير ~~عندهم لا تتعين وإن عينت فإن خصوص درهم لا مزية له على خصوص درهم آخر ولم ~~أر لهم في هذا نقلا فإن طردوا أصلهم فهو أقرب من حيث الجملة. # وإن كان العطف ظاهرا في منع الاستثناء مطلقا وحكى ابن أبي زيد في النوادر ~~المنع ولم يحك خلافا. # (الفرق الخامس والستون والمائة بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن ~~يتقرر في الذمة وبين قاعدة التصرف في المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في ~~الذمة) # اعلم أن مالكا وأبا حنيفة - رضي الله عنهما - اتفقا على جواز التعليق في ~~الطلاق والعتاق قبل النكاح، وكذلك العتق قبل الملك فيقول للأجنبية إن ~~تزوجتك فأنت طالق وللعبد إن اشتريتك فأنت حر فيلزمه الطلاق والعتاق إذا ~~تزوج واشترى، وقال الشافعي - رضي الله عنه - لا يلزمه شيء من ذلك ووافقنا ~~على جواز التصرف بالنذر قبل الملك فيقول إن ملكت دينارا فهو صدقة، وكذلك ~~جميع ما يمكن أن يتصدق به المسلم في الذمة في باب المعاملات فتمسك الأصحاب ~~بوجوه # (أحدها) القياس على النذر في غير المملوك بجامع الالتزام بالمعدوم # (وثانيها) قوله تعالى {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] والطلاق والعتاق ~~عقدان عقدهما على نفسه فيجب الوفاء بهما # (وثالثها) قوله - عليه الصلاة والسلام - «المؤمنون عند شروطهم» ، وهذان ~~شرطان فوجب الوقوف معهما # PageV03P169 # وأجاب الشافعية # (عن الأول) بأن النقدين والعروض يمكن أن يثبت في الذمم فوقع الالتزام ~~بناء على ما في الذمة والطلاق والعتاق لا يثبتان في الذمم والتصرف يعتمد ~~الموجود المعين أو ما في الذمة، وإذا انتفيا معا بطل التصرف ألا ترى أن ~~البيع إذا لم يكن على معين ولا في الذمة فإنه يبطل كذلك هاهنا # (وعن الثاني) أن قوله تعالى {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] أمر بالوفاء ~~بالعقود والأوامر لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل والعقد قد وقع وصار ماضيا فلا ~~يصح أن يتعلق إلا بالوفاء به فيتعين أن الأمر متعلق بالوفاء بمقتضاه ويكون ~~التقدير أوفوا بمقتضيات العقود ms584 ونحن نقول بموجبه ويوفى بمقتضاه ولكن النزاع ~~في مقتضاه ما هو هل لزوم الطلاق أم لا فلا يحصل المقصود من الآية، وهذا هو ~~الجواب عن الحديث فإن الكون عند الشروط إنما هو الوفاء بمقتضاها وكون ~~الطلاق من مقتضاها هو محل النزاع وللمالكية أن يجيبوا عن هذين الجوابين بأن ~~مقتضى العقد ومقتضى الشرط هو ما دل عليه لغة؛ لأنه مقتضاه إجماعا. # وأما المقتضى الشرعي فهو صورة النزاع ونحن إنما نتمسك بالمقتضى اللغوي ~~ولا شك أن المقتضى اللغوي في العقد والشرط هو لزوم الطلاق فوجب أن يكون ~~متعلق الأمر في الآية والحديث وهو المطلوب، ولو حمل على المقتضى الشرعي ~~لكان التقدير أوفوا بما يجب عليكم شرعا الوفاء به ونحن لا نعلم الوجوب إلا ~~من هذا الأمر فيلزم الدور لتوقف كل واحد منهما على الآخر أما إذا حمل على ~~المقتضى اللغوي # PageV03P170 # لا يلزم الدور لعدم توقف اللغة على الشرائع وهاهنا ~~قاعدة يشكل مذهب مالك وأبي حنيفة باعتبارها وهو أن كل سبب شرعه الله تعالى ~~لحكمة لا يشرعه عند عدم تلك الحكمة كما شرع التعزيرات والحدود للزجر ولم ~~يشرعها في حق المجانين وإن تقدمت الجناية منهم حالة التكليف لعدم شعورهم ~~بمقادير انخراق الحرمة والذمة والمهانة في حالة الغفلة فلا يحصل الزجر وشرع ~~البيع للاختصاص بالمنافع في الغرضين ولم يشرعه فيما لا ينتفع به ولا فيما ~~كثر غرره أو جهالته لعدم انضباط الانتفاع مع الغرر والجهالة المخلين ~~بالأرباح وحصول الأعيان وشرع اللعان لنفي النسب ولم يشرعه للمجبوب والخصي ~~لانتفاء النسب بغير لعان وذلك كثير في الشريعة وضابطه أن كل سبب لا يحصل ~~مقصوده لا يشرع والنكاح سبب شرع للتناسل والمكارمة والمودة فمن قال بشرعيته ~~في صورة التعليق قبل الملك فقد التزم شرعيته مع انتفاء حكمته فكان يلزم أن ~~لا يصح عليها العقد ألبتة لكن العقد صحيح إجماعا فدل ذلك على عدم لزوم ~~الطلاق تحصيلا لحكمة العقد. # وأما وجوب نصف الصداق وتبعيض الطلاق وغيرهما مما يتوقف على هذا العقد ~~فأمور تابعة لمقصود العقد لا أنها مقصود ms585 العقد فلا يشرع العقد لأجلها فحيث ~~أجمعنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته وهو بقاء النكاح المشتمل على ~~مقاصده، وهذا موضع مشكل على أصحابنا فتأمله، وقد ظهر لك أيضا بما تقدم من ~~البحث الفرق بين ما يترتب في الذمم # PageV03P171 # وبين ما لا يترتب (وأما) تهويل الشافعية بقولهم ~~الطلاق حل والنكاح عقد والحل لا يكون قبل العقد وبما يروونه عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كما خرجه الترمذي «لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ولا ~~طلاق فيما لا يملك ولا عتاق فيما لا يملك» (فالجواب) أن الطلاق لم نقل به ~~في غير عقد؛ لأنا لم نقل بلزوم الطلاق إلا بعد حصول العقد لا قبله فما قلنا ~~بالحل إلا بعد العقد وهو الجواب عن الحديث فإن طلاق ابن آدم وعتقه إنما ~~وقعا فيما ملكه وإنما تقدم التعليق وربط الطلاق والعتاق بالملك لا نفس ~~الطلاق والعتاق. # (الفرق السادس والستون والمائة بين قاعدة الإيجابات التي يتقدمها سبب تام ~~وبين قاعدة الإيجابات التي هي أجزاء الأسباب) # اعلم أن الإيجابات ثلاثة أقسام قسم اتفق على أن السبب التام تقدمه وقسم ~~اتفق على أنه جزء السبب وقسم مختلف فيه هل هو من القسم الأول أو من القسم ~~الثاني فأما القسم الأول وهو ما تقدمه سبب تام فيجوز تأخيره إجماعا عن ~~السبب كالخيار في عيوب النكاح وعيوب السلع في البيع ومضاء خيار الشرط ونحو ~~ذلك كخيار الأمة إذا أعتقت تحت عبد. # وأما القسم الثاني الذي # PageV03P172 # هو جزء السبب فهذا لا يجوز تأخيره كالقبول بعد ~~الإيجاب في البيع والهبة والإجارة فلا يجوز تأخير هذا القسم إلى ما يدل على ~~الإعراض منهما عن العقد لئلا يؤدي إلى التشاجر والخصومات بإنشاء عقد آخر مع ~~شخص آخر والقسم الثالث المختلف فيه الجواب في التمليك اختلف فيه هل هو من ~~القسم الأول فلا يقدح فيه التأخر أو من الثاني فيقدح روايتان عن مالك قال ~~اللخمي وأرى إمهال المرأة ثلاثة أيام كالمصراة والشفعة لما في الفرق من ~~الصعوبة قال الشيخ أبو ms586 الوليد بن رشد في المقدمات كان مالك يقول للمملكة ~~والمخيرة الخيار في المجلس فقط كالمبايعة، ثم رجع إلى أن ذلك لها وإن ~~افترقا لاحتياجها للمشاورة، وهذا إذا باشرها أو وكيله فإن كتب إليها أو ~~أرسل رسولا أو علق على شرط لم يختلف قوله في تمادي ذلك ما لم يطل طولا يدل ~~على الرضى بالإسقاط نحو أكثر من شهرين؛ لأن كلام الزوج سؤال يتصل به جوابه ~~وجوابه للرسالة مع مرسله. # (الفرق السابع والستون والمائة بين قاعدة خيار التمليك في الزوجات وبين ~~قاعدة تخيير الإماء في العتق) # أنه يجوز في الأول أن يقول الزوج لامرأته إذا غبت عنك فأمرك بيدك فتقول ~~المرأة متى غبت عني فقد اخترت نفسي فإن ذلك يلزمه بخلاف الأمة يحلف سيدها ~~بحريتها فتقول إن # PageV03P173 # فعلت فقد اخترت نفسي فإن ذلك لا يلزمه وسأل عبد الملك ~~بن الماجشون مالكا عن الفرق بين البابين فقال له مالك أتعرف دار قدامة ودار ~~قدامة يلعب فيها بالحمام بالمدينة فشق ذلك على عبد الملك والفرق أن الزوج ~~أذن للحرة في القضاء الآن على ذلك التقدير والحلف بحرية الأمة لم يأذن ~~وإنما قصد حث نفسه باليمين على الفعل أو زجرها عنه وإنما يستويان إذا قالت ~~الحرة إن ملكتني فقد اخترت نفسي (ويرد عليه) أن الله تعالى قد أذن للأمة في ~~القضاء على ذلك التقدير وهو العتق كما أذن للزوج # (وجوابه) إذن الله تعالى على التقادير لا يترتب عليه صحة التصرف قبل وجود ~~التقادير بدليل إسقاط الشفعة قبل البيع والإذن من الوارث في التصرف قبل مرض ~~الموت وصرف الزكاة قبل ملك النصاب والتكفير قبل الحنث في اليمين فإن هذه ~~التصرفات حينئذ كلها باطلة وإن كان الشارع رتبها وأذن فيها على تلك ~~التقادير؛ لأن القاعدة أن كل حكم وقع قبل سببه وشرطه لا ينعقد إجماعا ~~وبعدهما ينعقد إجماعا وبينهما في النفوذ قولان، وقد تقدمت هذه القاعدة ~~مبسوطة فالحرة وجد في حقها سبب وهو قول الزوج مع إذن الشرع المقدر والأمة ~~انفرد في حقها الإذن المقدر فقط؛ ms587 ولأن القاعدة أيضا أن حقوق العباد إنما ~~تسقط بإذن العباد. # وقد تقدمت أيضا هذه القاعدة ونظرت الوديعة والعارية إذا هلكت بإذن ربها ~~لا يضمن وبإذن صاحب الشرع يضمن ومسائل معها قال اللخمي # PageV03P174 # وسوى أصبغ الإماء بالزوجات وسوى أشهب الزوجات بالإماء ~~لعدم ما يترتب عليه الإخبار. # (الفرق الثامن والستون والمائة بين قاعدة التمليك وقاعدة التخيير) # اعلم أن موضوع التمليك عند مالك أصل الطلاق من غير إشعار بالبينونة ولا ~~بالعدد فلها أن تقضي بأي ذلك شاءت وموضوع التخيير عندنا الثلاث قبل البناء ~~وبعده ومقصوده البينونة فلذلك تقبل نية الزوج فيما دون الثلاث قبل البناء ~~لحصول المقصود وهو البينونة بالواحدة حينئذ دون ما بعد البناء؛ لأنه صريح ~~في البينونة لا يقبل المجاز كالثلاث إذا نطق بها قال القاضي عياض في كتاب ~~التنبيهات في التخيير سبعة أقوال المشهور هو الثلاث نوتها المرأة أم لا فإن ~~قضت بدونها فهل يسقط خيارها خلاف والثلاث. # وإن نوت دونها قال عبد الملك وواحدة بائنة وللزوج المناكرة في الثلاث ~~وطلقة واحدة بائنة عند ابن الجهم وعمر وعلي - رضي الله عنهما - وثلاث إن ~~قالت اخترت نفسي وواحدة بائنة إن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه مروي عن ~~مالك وطلقة رجعية عند أبي يوسف وأسقط أبو حنيفة حكمه مطلقا واتفق الشافعي ~~وأبو حنيفة وابن حنبل على أنه كناية لا يلزم به شيء # PageV03P175 # إلا بالنية؛ لأن لفظ التخيير يحتمل التخيير في الطلاق ~~وغيره فإن أراد الطلاق فيحتمل الوحدة والكثرة والأصل بقاء العصمة حتى ينوي، ~~وقد اعتمد الأصحاب على مدارك # (أحدها) قوله تعالى {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها} [الأحزاب: 28] الآية قالوا هذه الآية تدل على البيونة ~~بالثلاث، وقد أجاب اللخمي من أصحابنا عنها بأربعة أوجه # (أحدها) أنه - عليه السلام - كان المطلق لا النساء لقوله تعالى {وأسرحكن ~~سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] # وثانيها سلمنا أن الأزواج كن اللائي طلقن لكن السراح لا يوجب إلا واحدة ~~كما لو قال سرحتك # (وثالثها) سلمنا أنه الثلاث لكنه مختص به - عليه السلام -؛ لأن تحريم ms588 ~~الطلاق الثلاث معلل بالندم وهو - عليه السلام - أملك لنفسه منا # (ورابعها) أن التخيير إنما كان بين الحياة الدنيا والدار الآخرة # (وثانيها) أن إحدى نسائه - عليه السلام - اختارت نفسها فكانت ألبتة فكان ~~ذلك أصلا في الخيار قال اللخمي وهو غير صحيح والذي في الصحيحين أن عائشة - ~~رضي الله عنها - قالت إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم فعل أزواجه ~~مثل ذلك # (وثالثها) أن المفهوم من هذا اللفظ عادة إنما هو التخيير في الكون في ~~العصمة أو مفارقتها هذا هو السابق للفهم من قول القائل لزوجته خيرتك ~~والأئمة الثلاثة ينازعون في أن هذا هو المفهوم عادة والصحيح الذي يظهر لي ~~أن قول الأئمة هو مقتضى اللفظ لغة لا مرية في ذلك وإن مالكا - رحمه الله - ~~أفتى بالثلاث والبيونة كما تقدم بناء على عادة كانت في زمانه أوجبت نقل ~~اللفظ عن مسماه اللغوي # PageV03P176 # إلى هذا المفهوم فصار صريحا فيه، وهذا هو الذي يتجه ~~وهو سر الفرق بين قاعدة التخيير والتمليك غير أنه يلزم عليه أن هذا الحكم ~~قد بطل وتغيرت الفتيا ويجب الرجوع إلى اللغة كما قاله الأئمة وتصير كناية ~~محضة بسبب أن العرف قد تغير حتى لم يصر أحد يستعمل هذا اللفظ إلا في غاية ~~الندرة فضلا عن كثرة الاستعمال التي تصيره منقولا والقاعدة أن اللفظ متى ~~كان الحكم فيه مضافا لنقل عادي بطل ذلك الحكم عند بطلان تلك العادة وتغير ~~إلى حكم آخر إن شهدت له عادة أخرى فهذا هو الفقه المتجه. # (الفرق التاسع والستون والمائة بين قاعدة ضم الشهادتين في الأقوال وبين ~~قاعدة عدم ضمها في الأفعال) # اعلم أن مالكا - رحمه الله - قال إذا شهد أحدهما أنه حلف أن لا يدخل ~~الدار وأنه دخل وشهد الآخر أنه لا يكلم زيدا وأنه كلمه حلف المشهود عليه ~~فإن نكل سجن؛ لأن الشاهدين لم يتفقا على متعلق واحد. # وكذلك إذا اختلفا في العتق على هذه الصورة، وقال إذا شهد أحدهما أنه ~~طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت، ms589 وكذلك العتق ~~قال ابن يونس ويشترط أن # PageV03P177 # يكون بين البلدين مسافة يمكن قطعها في الأجل الذي بين ~~الشهادتين وتضبط عدتها من يوم شهادة الأخير، قلت وينبغي حمل كلامه على ~~العدة في القضاء أما في الحكم فما تعتقده الزوجة في تاريخ الطلاق. # وقال اللخمي قيل تضم الشهادتان في الأقوال والأفعال أو إحداهما قول ~~والأخرى فعل ويقضي بها، وقيل لا يضمان مطلقا، وقيل يضمان في الأقوال فقط، ~~وقيل يضمان إذا كانتا على فعل فإن كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل لم ~~يضما والأقوال كلها لمالك - رحمه الله - واعتمد الأصحاب في الفرق بين ~~الأقوال والأفعال أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرا عن الأول ~~والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد، وهذا الفرق فيه بحث وذلك أن الأصل ~~في الاستعمال الإنشاء وتجديد المعاني بتجدد الاستعمالات والتأسيس حتى يدل ~~دليل على التأكيد؛ لأنه مقصود الوضع ومقتضى هذه القاعدة عدم ضم الأقوال ~~والأفعال لعدم وجود النصاب في لفظ واحد منها لكن عارض هذه القاعدة قاعدة ~~أخرى وهي أن أصل قولنا أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع # PageV03P178 # الطلاق والعتاق قبل زمن من النطق، وكذلك بعت واشتريت ~~وسائر صيغ العقود وإنما ينصرف لاستحداث هذه المعاني بالقرائن أو النقل ~~العرفي. # وإنما الأصل الخبر فشهادتهما بالقرائن شهادة بقول يصلح للإخبار والإنشاء ~~فيحمل القول الثاني على الإخبار في المرة الثانية عملا بقاعدة ترجيح الأصل ~~الذي هو الخبر والحمل على الأصل أولى ولذلك شبه الأصحاب بما لو أقر بمال في ~~مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به # PageV03P179 # أما لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء ~~فيما سمعه كانت الأقوال كالأفعال في مقتضى كلام الأصحاب ومقتضى القواعد، ~~فيكون سر الفرق على المشهور أنه أنشأ أولا وأخبر # PageV03P180 # ثانيا عن ذلك الإنشاء ولما كان لفظ الإنشاء ولفظ ~~الخبر صورتهما واحدة شرع ضم الثاني إلى الأول فيجتمع النصاب في شيء واحد ~~فيلزم الطلاق والعتاق، وأما الفعل الثاني فلا يمكن # PageV03P181 # أن يكون عين الأول؛ لأنه لا يصلح أن يكون خبرا عنه ms590 ~~فإن الخبر من خصائص الأقوال فصار مشهودا به آخر يحتاج إلى نصاب كامل في ~~نفسه فهذا هو سر الفرق، ومن لاحظ قاعدة الإنشاء قال بعدم الضم فيهما وهو ~~ظاهر لإجماعنا على أن اللفظ الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر وما يقضي ~~إلا به. # ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو هو متردد بينهما على السواء لم ~~يقض بالطلاق ولا بالعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة، وأما ~~ضم الأفعال مع تعذر الإخبار فيها فملاحظة للمعنى دون خصوص السبب فإن كل ~~شاهد شهد بأنها مطلقة وبأي سبب كان ذلك لا يعرج عليه، ولو صرحا بالطلاق ~~هكذا انضمت الشهادات. # وأما عدم الضم إذا كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل فلأن ذلك مختلف ~~الجنس والضم إنما يكون في الجنس الواحد وضم الشيء إلى جنسه أقرب من ضمه إلى ~~غير جنسه، وإذا شهد بتعليقين على شيء واحد في زمانين كرمضان وصفر كما قال ~~فإنه يجعل التعليق الثاني خبرا عن التعليق الأول لا إنشاء للربط، بل إخبارا ~~عن ارتباط الطلاق بذلك المعنى وفي الأول أنشأ الربط به فالقول في ألفاظ ~~التعاليق كالقول في ألفاظ الإنشاءات حرفا بحرف (تفريع) قال اللخمي لو شهد ~~أحدهما بالثلاث قبل أمس والثاني باثنتين أمس والثالث بواحدة اليوم لزم ~~الثلاث؛ لأن ضم الثاني للأول يوجب اثنتين قبل سماع الثالث، فلما سمعه ~~الثالث ضم للباقي من الأول # PageV03P182 # وكذلك لو شهد الثاني بواحدة والأخير باثنتين؛ لأن ~~الثاني مع الأول طلقتان يضم إليهما طلقة أخرى. # وكذلك لو شهد الأول باثنتين والثاني بثلاث والأخير بواحدة هذا إذا علمت ~~التواريخ فإن جهلت يختلف في لزوم الثلاث أو اثنتين؛ لأن الزائد عليهما من ~~باب الطلاق بالشك. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله - إذا شهد أحدهما بطلقة والآخر بأكثر لم يحكم ~~بشيء لعدم حصول النصاب في شهادة منهما فلو شهد أحدهما ببائنة والآخر برجعية ~~ضمت الشهادتان لأن الاختلاف هاهنا إنما هو في الصفة قال مالك في المدونة ~~إذا شهد أحدهما أنه قال في محرم إن ms591 فعلت كذا فامرأتي طالق وشهد الآخر أنه ~~قال ذلك في صفر وشهدا عليه أو غيرهما بالفعل بعد صفر طلقت لاتفاقهما على ~~التعليق والمعلق عليه كما لو اتفقا على المقر به، ولو اختلفا في زمن ~~الإقرار وإن شهدا في مجلس التعليق وشهد أحدهما أنه فعل يوم الجمعة الشرط ~~والآخر أنه فعله يوم السبت طلقت لاتفاقهما على التعليق ووقوع الشرط، وكذلك ~~لو نسبا قوله لمكانين واعلم أن هذه الإطلاقات إنما تصح إذا حمل الثاني على ~~الخبر أما لو صمم كل واحد على الإنشاء فلا يوجد في هذه المسألة على هذا ~~التقدير الضم في الشهادات وإنما وجد في الإطلاقات المحتملة على ما تقدم ~~بيانه على تلك القواعد المتقدمة # PageV03P183 # (الفرق السبعون والمائة بين قاعدة ما يلزم الكافر إذا ~~أسلم وقاعدة ما لا يلزمه) # اعلم أن أحوال الكافر مختلفة إذا أسلم فيلزمه ثمن البياعات وأجر الإجارات ~~ودفع الديون التي اقترضها ونحو ذلك ولا يلزمه من حقوق الآدميين القصاص ولا ~~الغصب والنهب إن كان حربيا، وأما الذمي فيلزمه جميع المظالم وردها؛ لأنه ~~عقد الذمة وهو راض بمقتضى عقد الذمة. # وأما الحربي فلم يرض بشيء فلذلك أسقطا عنه الغصوب والنهوب والغارات ~~ونحوها، وأما حقوق الله تعالى فلا تلزمه وإن كان ذميا مما تقدم في كفره لا ~~ظهار ولا نذر ولا يمين من الأيمان ولا قضاء الصلوات ولا الزكوات ولا شيء ~~فرط فيه من حقوق الله تعالى لقوله - عليه الصلاة والسلام - «الإسلام يجب ما ~~قبله» وضابط الفرق أن حقوق العباد قسمان منها ما رضي به حالة كفره واطمأنت ~~نفسه بدفعه لمستحقه فهذا لا يسقط بالإسلام؛ لأن إلزامه إياه ليس منفرا له ~~عن الإسلام لرضاه وما لم يرض بدفعه لمستحقه كالقتل والغصب ونحوه فإن هذه ~~الأمور إنما دخل عليها معتمدا على أنه لا يوفيها أهلها فهذا كله يسقط؛ لأن ~~في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرا له عن الإسلام فقدمت مصلحة الإسلام على ~~مصلحة ذوي الحقوق، وأما حقوق الله تعالى فتسقط مطلقا رضي بها أم لا والفرق ~~بينها وبين ms592 حقوق الآدميين من وجهين أحدهما أن الإسلام حق الله تعالى ~~والعبادات ونحوها حق لله تعالى، فلما كان الحقان لجهة واحدة ناسب # PageV03P184 # أن يقدم أحدهما على الآخر ويسقط أحدهما الآخر لحصول ~~الحق الثاني لجهة الحق الساقط. # وأما حق الآدميين فجهة الآدميين والإسلام ليس حقا لهم، بل لجهة الله ~~تعالى فناسب أن لا يسقط حقهم بتحصيل حق غيرهم # (وثانيهما) أن الله تعالى كريم جواد تناسب رحمته المسامحة والعبد بخيل ~~ضعيف فناسب ذلك التمسك بحقه فسقطت حقوق الله تعالى مطلقا وإن رضي بها ~~كالنذور والأيمان أو لم يرض بها كالصلوات والصيام ولا يسقط من حقوق العباد ~~إلا ما تقدم الرضى به فهذا هو الفرق بين القاعدتين. # (الفرق الحادي والسبعون والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير المكلف ~~عنه وبين قاعدة ما لا يجزئ فيه فعل الغير عنه) # اعلم أن الأفعال المأمور بها ثلاثة أقسام (قسم) اتفق الناس على صحة فعل ~~غير المأمور به عن المأمور وذلك # PageV03P185 # كدفع المغصوب للمغصوب منه وإن لم يشعر الغاصب فإن ذلك ~~يسد المسد ويزيل التكليف ودفع النفقات للزوجات والأقارب والدواب فإن دفعها ~~غير من وجب عليه لمن وجبت له أجزأت وإن لم يشعر المأمور بها من زوج أو ~~قربت، وكذلك دفع اللقطة لمستحقها وإن لم يشعر ملتقطها، وهذا النحو (وقسم) ~~اتفق الناس على عدم إجزاء فعل غير المأمور به فيه وهو الإيمان والتوحيد ~~والإجلال والتعظيم لله سبحانه وتعالى. # وكذلك حكي في الصلاة الإجماع ونقل الخلاف في مذهب الشافعي في الصلاة عن ~~الشيخ أبي إسحاق ويقال إنه مسبوق بالإجماع (وقسم) مختلف فيه هل يجزئ فعل ~~غير المأمور عن المأمور به ويسد المسد أم لا وفيه أربع مسائل # (المسألة الأولى) الزكاة إن أخرجها أحد بغير علم من هي عليه أو غير إذنه ~~في ذلك فإن كان غير الإمام فمقتضى قول أصحابنا في الأضحية يذبحها غير ربها ~~بغير علمه وإذنه إن كان الفاعل لذلك صديقه ومن شأنه أن يفعل ذلك بغير إذنه؛ ~~لأنه # PageV03P186 # بمنزلة نفسه عنده لتمكن الصداقة بينهما أجزأته ms593 ~~الأضحية إن كان مخرج الزكاة من هذا القبيل فمقتضى قولهم في الأضحية أن ~~الزكاة تجزئه؛ لأن كليهما عبادة مأمور بها مفتقرة للنية وإن كان ليس من هذا ~~القبيل لا تجزئ عن ربها لافتقارها للنية على الصحيح من المذهب لأجل شائبة ~~العبادة وعلى القول بعدم اشتراط النية فيها ينبغي أن يجزئ فعل الغير فيها ~~مطلقا كالدين الوديعة ونحوهما مما تقدم في القسم المجمع عليه، وهذا القول ~~أعني عدم اشتراط النية قاله بعض أصحابنا وقاسها على الديون واستدل بأخذ ~~الإمام لها كرها على عدم اشتراط النية وباشتراطها قال مالك والشافعي وأبو ~~حنيفة وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهما - لما فيها من شائبة التعبد من جهة ~~مقاديرها في نصبها والواجب فيها وغير ذلك وإن أخذها الإمام كرها وهو عدل ~~أجزأت عند مالك، وعند الشافعي رحمهما الله تعالى اعتمادا على فعل الصديق - ~~رضي الله عنه - ولظاهر القرآن وهو قوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} ~~[التوبة: 103] وظاهر الأمر الوجوب الذي أقل مراتبه الإذن والإجزاء؛ لأن ~~الإمام وكيل الفقراء فله أخذ حقهم قهرا كسائر الحقوق. # وقال أبو حنيفة لا يأخذها الإمام كرها لكن يلجئه إلى دفعها بالحبس وغيره ~~لافتقارها للنية وإلا كره مع النية متنافيان # (المسألة الثانية) الحج عن الغير منعه مالك وجوزه الشافعي - رضي الله ~~عنهما - بناء على شائبة المال والعبادات المالية يدخلها النيابات ومالك ~~يلاحظ أن المال فيه عارض بدليل # PageV03P187 # المكي يحج بغير مال، بل عروض المال في الحج كعروض ~~المال في صلاة الجمعة لمن داره بعيدة عن المسجد فيكتري دابة يصل عليها ~~للمسجد ولما لم تجز صلاة الجمعة عن الغير فكذلك الحج وللشافعي الفرق بأن ~~عروض المال في الحج أكثر ولما ورد في الأحاديث من الحج عن الصبيان والمرضى ~~يحرم عنهم غيرهم ويفعل أفعال الحج والعبادات أمر متبع # (المسألة الثالثة) الصوم عن الميت إذا فرط فيه جوزه أحمد بن حنبل وروى ~~الشافعية ذلك أيضا في مذهبهم لقوله - عليه الصلاة والسلام - «من لم يصم صام ~~عنه وليه» ولم يجوزه مالك - رحمه الله تعالى ms594 - لقوله تعالى {وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] وقياسا على الصلاة ومن هذا الباب الحج عن ~~الميت أيضا # (المسألة الرابعة) عتق الإنسان عن غيره قال مالك في المدونة من أعتق عبده ~~عن ظهار غيره على جعل جعله له فالولاء للمعتق عنه وعليه الجعل ولا يجزئه ~~كالمشتري بشرط العتق قال ابن القصار، وإذا لم يكن في الجعل وضيعة عن الثمن ~~جاز؛ لأنه إذا جاز هبته فبيعه أولى. # وقال صاحب الجواهر في العتق عن الغير ثلاثة أقوال الإجزاء وهو المشهور ~~قاله ابن القاسم ولأشهب عدم الإجزاء، وقال عبد الملك إن أذن في العتق أجزأ ~~عنه وإلا فلا، وقاله الشافعي - رضي الله عنه - قال اللخمي يجزئ العتق عن ~~ظهار الغير عند ابن القاسم وإن كان أبا للمعتق وفرق بعض الأصحاب بين عتق ~~الإنسان عن غيره وبين دفع الزكاة عنه فلا يجزئ في الثاني؛ لأنها ليست في ~~الذمة والكفارة في الذمة قال اللخمي والحق # PageV03P188 # الإجزاء فيهما؛ لأنهما كالدين وهذه المسألة دائرة بين ~~قواعد # (القاعدة الأولى) قاعدة التقادير الشرعية وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم ~~والمعدوم حكم الموجود فالأول كالغرر والجهالة في العقود إذا قلا أو تعذر ~~الاحتراز عنهما نحو أساس الدار وقطن الجبة ورداءة بواطن الفواكه ودم ~~البراغيث ونجاسة ثوب المرضع والوارث الكافر أو العبد يقدر عدمه فلا يحجب ~~والثاني كتقدير الملك في الدية مقدما قبل زهوق الروح في المقتول خطأ حتى ~~يصح فيها الإرث فإنها لا تجب إلا بالزهوق وحينئذ لا يقبل المحل الملك ~~والميراث فرع ملك الموروث فيقدر الشارع الملك متقدما قبل الزهوق بالزمن ~~الفرد حتى يصح الإرث وكتقدير النية في أول العبادات ممتدة إلى آخرها ~~وكتقدير الإيمان في حق النائم الغافل حتى تنعصم دماؤهم وأموالهم وتقدير ~~الكفر في الكافر الغافل حتى تصح إباحة الدم والمال والذرية وقاعدة التقادير ~~قد تقدمت في خطاب الوضع # (القاعدة الثانية) أن الهبة إذا لم يتصل بها قبض بطلت # (القاعدة الثالثة) الكفارات عبادة فيشترط فيها النية وهو المشهور عندنا، ~~وقيل لا تجب النية # (القاعدة الرابعة) كل من ms595 عمل لغيره من مال أو غيره بأمره أو بغير أمره ~~نفذ ذلك فإن كان متبرعا لم يرجع به أو غير متبرع وهو منفعة فله أجرة مثله ~~أو مال فله أخذه ممن دفعه عنه بشرط أن يكون المعمول له لا بد له من عمل ذلك ~~بالاستئجار أو إنفاق ذلك المال أما إن كان شأنه فعله إياه بغير استئجار ~~لنفسه أو لغلامه وتحصل # PageV03P189 # تلك المصلحة بغير مال فلا غرم عليه والقول قول العامل ~~في عدم التبرع وهذه قاعدة مذهب مالك نص عليها ابن أبي زيد في النوادر وصاحب ~~الجواهر في كتاب الإجارات ولا تختص هذه القاعدة بما يجب على المدفوع عنه ~~كالدين، بل يندرج فيها غسل الثوب وخياطته ورمي التراب من الدار ونحو ذلك ~~على الشروط المتقدمة ويجعل مالك لسان الحال قائما مقام لسان المقال فكأنه ~~أذن له في ذلك بلسان مقاله وخالفنا الشافعي في هذه القاعدة وجعل الأصل في ~~فعل الغير التبرع. # وإذا لم يأذن له المدفوع عنه بلسان المقال لا يرجع عليه بشيء فمن لاحظ ~~هذه القاعدة وهو مالك وابن القاسم فيقول المعتق قام عن المعتق عنه بواجب من ~~شأنه أن يفعله ويقدر انتقال ملكه عنه للمعتق عنه قبل صدور العتق بالزمن ~~الفرد حتى يثبت الولاء وتبرأ ذمته من الكفارة ويشكل عليه بقاعدة النية فإنه ~~يشترطها وهي متعذرة مع الغفلة ونجيب بالقياس على العتق عن الميت ويرد عليه ~~الفرق بأن الحي متمكن من العتق عن نفسه بخلاف الميت، وقد تعذر عليه باب ~~التقرب فناسب أن يوسع الشرع له في ذلك وله القياس على أخذ الزكاة كرها مع ~~اشتراط النية فيها ويفرق أيضا بأنها حالة ضرورة لأجل امتناع المالك وهاهنا ~~المعتق عنه غير ممتنع وبأن مصلحة الزكاة عامة فيوسع فيها لعموم الضرورة ~~بخلاف الكفارات فإنها قليلة وهي خاصة فلا يخالف فيها قاعدة النية والشافعي ~~يعتبر قاعدة النية وهي منفية حالة عدم الإذن وأشهب يقول الإذن من # PageV03P190 # باب الكلام والإباحة والنية من باب المقاصد والإرادة ~~فلا يقوم أحدهما مقام الآخر ولا يستقيم ms596 قصد الإنسان لعتق ملك غيره. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - إن دفع له جعلا أجزأ وإلا فلا للقاعدة ~~الثانية فتخرج بالجعل عن الهبة فلا تحتاج إلى قصد فهذه القواعد هي سر هذه ~~المسألة وهي مشكلة وأشكل منها ما نص عليه عبد الحق أنه يجوز العتق عن الغير ~~تطوعا بغير إذنه، وهذا أشكل من الواجب؛ لأن الواجب فيه دلالة الحال دون ~~المقال وهاهنا لا دلالة حال ولا يقال فلا يتجه ويكون أبعد من العتق عن ~~الواجب. # ومن يشترط الإذن يقول الإذن تضمن الوكالة في نقل ملكه للآذن وعتقه عنه ~~بعد انتقال الملك ويكون المأذون له وكيلا في الأمرين ومتوليا لطرفي العقد ~~والموجب لهذه التقادير كلها أنه لا يصح هذا التصرف إلا بها وما تعذر تصحيح ~~الكلام إلا به وجب المصير إليه صونا للكلام عن الإلغاء فهذا تحرير هذا ~~الفرق وتحرير مسائله. # PageV03P191 # (الفرق الثاني والسبعون والمائة بين قاعدة ما يصل إلى ~~الميت وقاعدة ما لا يصل إليه) # القربات ثلاثة أقسام قسم حجر الله تعالى على عباده في ثوابه ولم يجعل لهم ~~نقله لغيرهم كالإيمان فلو أراد أحد أن يهب قريبه الكافر إيمانه ليدخل الجنة ~~دونه لم يكن له ذلك، بل إن كفر الحي هلكا معا أما هبة الثواب مع بقاء الأصل ~~فلا سبيل إليه، وقيل الإجماع في الصلاة أيضا، وقيل الإجماع فيها وقسم اتفق ~~الناس على أن الله تعالى أذن في نقل ثوابه للميت وهو القربات المالية ~~كالصدقة والعتق وقسم اختلف فيه هل فيه حجر أم لا وهو الصيام والحج وقراءة ~~القرآن فلا يحصل شيء من ذلك للميت عند مالك والشافعي - رضي الله عنهما -. # وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل ثواب القراءة للميت فمالك والشافعي - رضي ~~الله عنهما - يحتجان بالقياس على الصلاة ونحوها مما هو فعل بدني والأصل في ~~الأفعال البدنية أن لا ينوب أحد فيها عن الآخر ولظاهر قوله تعالى {وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] ، ولقوله - عليه السلام - «إذا مات ابن ~~آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ms597 ينتفع به وصدقة جارية وولد صالح يدعو له» ~~واحتج أبو حنيفة وابن حنبل بالقياس على الدعاء فإنا أجمعنا على أن الدعاء ~~يصل للميت فكذلك القراءة والكل عمل بدني ولظاهر قوله - عليه السلام - ~~للسائل «صل لهما مع صلاتك وصم لهما مع صومك يعني أبويه» والجواب عن الأول ~~أن القياس على الدعاء لا يستقيم فإن الدعاء فيه أمران # (أحدهما) متعلقه الذي هو مدلوله نحو المغفرة في قولهم اللهم اغفر له # PageV03P192 # والآخر ثوابه فالأول هو الذي يرجى حصوله للميت ولا ~~يحصل إلا له فإنه لم يدع لنفسه وإنما دعا للميت بالمغفرة # (والثاني) وهو الثواب على الدعاء فهو الداعي فقط، وليس للميت من الثواب ~~على الدعاء شيء فالقياس على الدعاء غلط وخروج من باب إلى باب، وأما الحديث ~~فإما أن نجعله خاصا بذلك الشخص أو نعارضه بما تقدم من الأدلة ونعضدها بأنها ~~على وفق الأصل فإن الأصل عدم الانتقال ومن الفقهاء من يقول إذا قرئ عند ~~القبر حصل للميت أجر المستمع وهو لا يصح أيضا لانعقاد الإجماع على أن ~~الثواب يتبع الأمر والنهي فما لا أمر فيه ولا نهي لا ثواب فيه بدليل ~~المباحات وأرباب الفترات والموتى انقطع عنهم الأوامر والنواهي. # وإذا لم يكونوا مأمورين لا يكون لهم ثواب وإن كانوا مستمعين ألا ترى أن ~~البهائم تسمع أصواتنا بالقراءة ولا ثواب لها لعدم الأمر لها بالاستماع ~~فكذلك الموتى والذي يتجه أن يقال ولا يقع فيه خلاف أنه يحصل لهم بركة ~~القراءة لا ثوابها كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون ~~عنده فإن البركة لا تتوقف على الأمر فإن البهيمة يحصل لها بركة راكبها أو ~~مجاورها وأمر البركات لا ينكر فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~تحصل بركته للبهائم من الخيل والحمير وغيرهما كما روي أنه ضرب فرسا بسوط ~~فكان لا يسبق بعد ذلك بعد أن كان بطيء الحركة وحماره - عليه السلام - كان ~~يذهب إلى بيوت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستدعيهم إليه بنطح ~~رأسه الباب وغير ذلك ms598 من بركاته - عليه السلام - # PageV03P193 # كما هو مروي في معجزاته وكراماته - عليه السلام - ~~وهذه المسألة وإن كانت مختلفا فيها فينبغي للإنسان أن لا يهملها فلعل الحق ~~هو الوصول إلى الموتى فإن هذه أمور مغيبة عنا، وليس الخلاف في حكم شرعي ~~إنما هو في أمر واقع هل هو كذلك أم لا، وكذلك التهليل الذي عادة الناس ~~يعملونه اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله تعالى وما ييسره ~~ويلتمس فضل الله بكل سبب ممكن ومن الله الجود والإحسان هذا هو اللائق ~~بالعبد. # (الفرق الثالث والسبعون والمائة بين قاعدة ما يبطل التتابع في صوم ~~الكفارات والنذور وغير ذلك وبين قاعدة ما لا يبطل التتابع) # اعلم أن هذه من المواضع المشكلة فإن مالكا - رحمه الله تعالى - قال في ~~المدونة إذا أكل في صوم # PageV03P194 # الظهار أو القتل أو النذر المتتابع ناسيا أو مجتهدا ~~أو مكرها أو وطئ نهارا غير المظاهر منها ناسيا قضى يوما متصلا بصومه فإن لم ~~يفعل ابتدأ الصوم من أوله فإن وطئ المظاهر منها ليلا أو نهارا أول صومه أو ~~آخره ناسيا أو عامدا ابتدأ الصوم، وقال الشافعي - رحمه الله - إن وطئها ~~ليلا لم يبطل صومه ووافقنا أبو حنيفة في هذه المسألة، وقال الشافعي وأبو ~~حنيفة الفطر يبطل التتابع مطلقا وخالفهما أحمد بن حنبل وعللا ذلك بأن الفطر ~~باختياره بخلاف المرض والإغماء عند الشافعي كالمرض خلافا لأبي حنيفة، وكذلك ~~الحامل والمرضع كالمريض عنده. # وقال أبو الطاهر من أصحابنا إن أفطر جاهلا فقولان نظرا إلى أن الجاهل هل ~~يلحق بالعامد أم لا وفي السهو والخطأ ثلاثة أقوال ثالثها التفرقة بين السهو ~~فيجزئ والخطأ فلا يجزئ ويبتدي لأن معه تمييزه بخلاف السهو وسبب الخلاف هل ~~التتابع مأمور به فيقدح فيه النسيان أو التفريق محرم فلا تضر ملابسته سهوا ~~فإن المحرمات لا يأثم الإنسان بملابستها مع عدم القصد كشرب الخمر ساهيا أو ~~وطئ أجنبية جاهلا بأنها أجنبية أو أكل طعاما نجسا أو حراما مغصوبا غير عالم ~~به فإن الإجماع منعقد في هذه الصور ms599 كلها على عدم الإثم (قلت) وهذه الفتاوى ~~كلها مشكلة من جهة أن لفظ الكتاب العزيز أمر متعلق بطلب وهو قوله تعالى ~~{فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] ومعناه ليصم شهرين متتابعين فيكون ~~خبرا معناه الأمر أو يكون التقدير فالواجب عليه صيام شهرين بن # PageV03P195 # متتابعين. # وهذا هو الأظهر؛ لأنه أقرب لموافقته الظاهر من بقاء الخبر خبرا على حاله ~~ونستفيد الوجوب من قوله تعالى فالواجب عليه واللفظ على كل تقدير متعلق بطلب ~~لا يدفع فكيف يتخيل أنه من باب النهي على أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما ابن ~~بشير ولا يمكن الاعتماد في ذلك على أن التتابع إذا كان واجبا كان تركه ~~محرما فإن كل واجب تركه محرم وكل محرم تركه واجب فالوجوب من لوازم التحريم ~~والتحريم من لوازم الوجوب في النقيض المقابل فالذي يصح في الآية أن التتابع ~~ليس من باب المحرم وأنه يرجع إلى تحريم التفريق هذا بعيد، وإذا تقرر أنه ~~ليس من المحرمات بقي الإشكال من جهة أن المطلوب صوم شهرين متتابعين ولم يأت ~~بهما المكلف في تلك الصور كلها الناسي والمجتهد والمكره وكل هؤلاء فرقوا ~~ولم يقع فعلهم مطابقا لمقتضى الطلب فوجب البقاء في العهدة كما أن الله ~~تعالى طلب الصلاة بالنية والطهارة والستارة ونحوها من الشروط فمن نسي أحد ~~هذه الأشياء أو اجتهد فأخطأ فيها أو أكره على عدمها بطلت الصلاة، وكذلك إذا ~~أكره على الأكل والشرب في رمضان أو نسي أو اجتهد فأخطأ فإن صومه يبطل ~~ونظائره كثيرة في الشريعة فما بال التتابع خرج عن هذا النمط في الكفارات ~~والمنذورات هذا وجه الإشكال. # وكذلك ما قاله الشافعي أيضا في الإغماء فينبغي أن يبطل التتابع كما تبطل ~~الصلاة والصوم بالإغماء، وكذلك المرض عند الشافعي وأبو حنيفة مثله فالكل ~~مشكل والذي # PageV03P196 # يظهر في بادي الرأي أن التفريق متى حصل بأي طريق كأن ~~وجب ابتداء الصوم كما قلناه في جميع النظائر المتقدمة لأن الصوم بوصف ~~التتابع لم يحصل ومتى لم يحصل المطلوب الشرعي مع إمكان الإتيان به وجب ~~الإتيان به هذا هو القاعدة ms600 # (والجواب) عن هذا الإشكال ببيان قاعدة وهي أن الأحكام الشرعية على قسمين ~~خطاب وضع وخطاب تكليف فخطاب الوضع هو نصب الأسباب والشروط والموانع ~~والتقديرات الشرعية وخطاب التكليف هو الأحكام الخمسة الوجوب والتحريم ~~والندب والكراهة والإباحة فأما خطاب الوضع فلا يشترط فيه علم المكلف ولا ~~قدرته ولا إرادته كالتوريث بالأنساب والإنسان لا يعلم بذلك ولا هو من قدرته ~~ولا إرادته فيدخل الميراث في ملكه وإن لم يشعر به ولذلك نوجب الضمان على ~~الصبيان والمجانين والغافلين ونطلق بالإضرار ونوجب الظهر بالزوال والصوم ~~برؤية الهلال إلى غير ذلك مما هو من خطاب الوضع وخطاب التكليف يشترط فيه ~~العلم والقدرة والإرادة فما لا قدرة له عليه لا يكلف به، وكذلك ما لم يبلغه ~~لا يلزمه حتى يعلم به غير أن التمكن من العلم يقوم مقام العلم في التكليف. # وقد تقدمت هذه القاعدة مبسوطة فإذا وضحت فنقول المتابعة من باب خطاب ~~التكليف؛ لأن الصوم مكلف به وصفة المكلف به مكلف بها والتتابع صفة الصوم ~~فتكون مكلفا بها، فيكون من باب التكليف فلذلك يسقط التكليف بها في تلك # PageV03P197 # الأحوال لمنافاة النسيان والإكراه والمرض والإغماء ~~ونحوها التكليف لطفا من الله تعالى بالعباد وعدم وطء المظاهر منها قبل ~~التكفير شرط لقوله تعالى {من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] والمفهوم من قول ~~القائل افعل كذا قبل كذا أن التقدم شرط ولذلك يصدق قولنا استأذن المرأة في ~~النكاح وأحضر الولي قبل العقد أن هذين شرطان، وكذلك استتر قبل الصلاة وتطهر ~~وانو أن هذه الأمور شروط، وإذا كان هذا الكلام يفيد الشرطية كان تقدم العدم ~~شرطا فلذلك قدح فيه النسيان وغيره فإن ما لا يشترط فيه العلم والقدرة يثبت ~~مطلقا وما يثبت مطلقا اعتبر مطلقا، فيكون شرطا في جميع الحالات فيؤثر فقده ~~والتكليف لما كان العلم والقدرة شرطين فيه فقد التكليف عند عدمهما فإذا ~~علمت ذلك فالمفهوم من قوله تعالى {من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] أنه ~~يصوم شهرين متتابعين ليس قبلهما وطء ولا في أثنائهما وطء فهذان أمران قد ~~يتغير أحدهما بتقدم ms601 الوطء فاستحال بعد ذلك أن يصدق أنه يصوم شهرين متتابعين ~~ليس قبلهما وطء لأجل تقدم الوطء وبقي الآخر وهو أنه يصوم شهرين متتابعين ~~ليس في خلالهما وطء والقاعدة أن المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه ~~التكليف لقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] ، ولقوله - ~~عليه السلام - «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فلذلك قلنا يبتدي ~~الصوم في الظهار متتابعا إذا وطئها قبله وإن كان وصف تقدم عدم الوطء قد ~~تعذر؛ لأنه الممكن الباقي. # وأما في النذر ونحوه فيأتي # PageV03P198 # بيوم غير اليوم الذي أفطر فيه ناسيا يصله بآخر صيامه ~~تكملة للعدة لا لتحصيل وصف التتابع في جميع الصوم، بل في آخره فقط؛ لأن ~~تحصيله في أثناء الصوم قد تعذر فأفطر ناسيا وبقي تحصيله في آخره ممكنا فوجب ~~الممكن وسقط المتعذر على القاعدة المتقدمة، وكذلك في جميع الكفارات وأنواع ~~الصوم المتتابع فاندفع الإشكال بهذه القاعدة بفضل الله تعالى. # (مسألة) قال مالك - رحمه الله - إذا تطوع بالصوم أو بالصلاة ونحوهما مما ~~يجب بالشروع وعرض عارض يقتضي فساده ناسيا أو مجتهدا لم يجب قضاء الصوم ~~والصلاة وإن أفطر متعمدا أو أبطل الصلاة وجب القضاء على قاعدة الوجوب ~~بالشروع مع أن قاعدة الوجوب بالشروع تقتضي القضاء مطلقا ألا ترى أن الصلوات ~~الخمس وصوم رمضان يقضيهما إذا فسدا بأي طريق كان فكان يلزمه هنا كذلك وهو ~~إشكال كبير فإن الواجب ينبغي أن لا يختلف حاله # (والجواب) عنه أن وجوب التطوعات عنده مأخوذ من قوله تعالى {ولا تبطلوا ~~أعمالكم} [محمد: 33] نهى سبحانه وتعالى عن الإبطال، فيكون الإكمال واجبا ~~مكلفا به والتكليف يشترط فيه القدرة والعلم على القاعدة المتقدمة فلا يجب ~~الإتمام حالة عدم القدرة والعلم فلا يجب القضاء كذلك. # وإذا تعمد الإفساد اندرجت هذه الحالة في التكليف لحصول القدرة والعلم ~~فوجب القضاء لقوله - عليه السلام - في الحديث الصحيح لعائشة وحفصة - رضي ~~الله عنهما - في صوم التطوع «اقضيا يوما مكانه» وكانتا عامدتين لإفساد # PageV03P199 # ذلك اليوم في حالة يثبت فيها التكليف فبقيت الحالة ~~التي لا يثبت فيها التكليف ms602 على مقتضى الأصل؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد ~~فيقتصر به حيث ورد (فإن قلت) الصوم في رمضان والصلوات الخمس يقضيان مطلقا ~~فلم لا أقضي هذا مطلقا، قلت المشهور في علم الأصول أن القضاء إنما يجب بأمر ~~جديد فيتبع ذلك الأمر على حسب وروده، وقد ورد الأمر بالقضاء في الواجب ~~المتصل مع العذر وعدمه لقوله تعالى {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر} [البقرة: 184] والمرض عذر، وقد وجب معه القضاء فلذلك أوجبنا ~~القضاء مطلقا ولم يرد لنا في التطوعات مثل ذلك، بل في صورة عدم العذر خاصة ~~فاقتصر عليها؛ لأن وجوب القضاء تبع للأمر به كما تقدم فهذا هو تلخيص الفرق ~~بين قاعدة ما يبطل التتابع وقاعدة ما لا يبطله وشرط قاعدة خطاب الوضع ~~وقاعدة خطاب التكليف. # (الفرق الرابع والسبعون والمائة بين قاعدة المطلقات يقضي قبل علمهن ~~بالطلاق وأمد العدة فلا يلزمهن استئنافها ويكتفين بما تقدم قبل علمهن وبين ~~قاعدة المرتابات يتأخر الحيض ولا يعلم لتأخره سبب) # فإنهن يمكثن عند مالك - رحمه الله - تسعة أشهر غالب مدة الحمل استبراء ~~فإن حضن في خلالها احتسبن بذلك الحيض وانتظرن بقية الأقراء إلى تسعة أشهر ~~ولا يزلن كذلك حتى يكمل لهن # PageV03P200 # ثلاثة قروء أو تسعة أشهر فإذا انقضت تسعة أشهر ليس في ~~خلالها حيض استأنفن ثلاثة أشهر كمال السنة فإن حضن قبل السنة بلحظة استأنفن ~~الأقراء حتى تمضي سنة لا حيض فيها ووافقه أحمد بن حنبل - رضي الله عنه -. # وقال الشافعي وأبو حنيفة - رضي الله عنهما - تنتظر الحيض إلى سن الإياس ~~حجة مالك - رحمه الله - قول عمر - رضي الله عنه - أيما امرأة طلقت فحاضت ~~حيضة أو حيضتين ثم رفعت عنها حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها حمل ~~فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة بثلاثة أشهر؛ ولأنهن بعد التسعة يئسن من المحيض ~~إذ لو كان لظهر غالبا فيندرجن في قوله تعالى {واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم} [الطلاق: 4] إذا تقرر هذا بقي السؤال المحوج للفرق بين هذه القاعدة ~~وقاعدة ms603 تقدم العدد قبل العلم فإنهن إذا مضى لهن تسعة أشهر لا حيض فيها فقد ~~مضى لهن ثلاثة أشهر في خلالها فلا حاجة إلى إعادة ثلاثة أشهر أخر وما الفرق ~~بين هذه الثلاثة وبين الثلاثة تمضي قبل العلم والمقصود براءة الرحم بمضي ~~ثلاثة أشهر لم يظهر فيها حمل. # وقد حصلت فالموضع في غاية الإشكال وجوابه أن هذه النسوة وإن انكشف الغيب ~~عن إياسهن إلا أن العدة لا بد وأن تكون بعد سببها وإن علم حصول براءة الرحم ~~قبل السبب فإن من غاب عن امرأة عشر سنين، ثم طلقها بعد العشر وهو غائب عنها ~~فإنها تستأنف العدة إجماعا؛ لأن تلك المدة المتقدمة وهي العشر سنين وإن دلت ~~على براءة الرحم غير أن تلك المدة وقعت قبل السبب # PageV03P201 # والواقع قبل السبب من جميع الأحكام لا يعتد به ~~كالصلاة قبل الزوال والصوم قبل رؤية الهلال وإخراج الزكاة قبل ملك النصاب ~~والله سبحانه وتعالى جعل الإياس سببا للعدة ثلاثة أشهر؛ لأنه تعالى رتبه ~~عليها بصيغة الفاء لقوله تعالى {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] فتدل هذه الآية على السببية في ~~الإياس من وجهين # (أحدهما) أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم ~~كقولنا اقطعوا السارق واجلدوا الزاني وغير ذلك فإن هذه الأوصاف المتقدمة ~~أسباب لهذه الأحكام المترتبة عليها كذلك هاهنا يكون الإياس سببا للاعتداد ~~بثلاثة أشهر والواقع من الأشهر قبل كمال التسعة واقع قبل إياسنا وإياسهن من ~~الحيض، فيكون واقعا قبل سببه فلا يعتد به ويتعين استئناف ثلاثة بعد تحقق ~~السبب. # وأما المطلقات تمضي لهن ثلاثة أشهر بعد الطلاق وقبل العلم به والمتوفى ~~عنهن أزواجهن يمضي لهن أربعة أشهر وعشر بعد الوفاة وقبل علمهن بأن تلك ~~الآجال عدد وقعت بعد أسبابها وهي الوفاة والطلاق والعلم في تلك الصور ليس ~~سببا إجماعا والإياس هنا سبب فلا بد أن يتحقق كما تحققت الوفاة والطلاق ~~فلذلك لم تحصل العدة قبله كما لا تعتد قبل الوفاة والطلاق فظهر الفرق ms604 بين ~~البابين والتباين بين القاعدتين # PageV03P202 # (الفرق الخامس والسبعون والمائة بين قاعدة الدائر بين ~~النادر والغالب يلحق بالغالب من جنسه وبين قاعدة إلحاق الأولاد بالأزواج ~~إلى خمس سنين) وقيل إلى أربع وهو قول الشافعي - رحمه الله -، وقيل إلى سبع ~~سنين وكلها روايات عن مالك، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - إلى سنتين فإن ~~هذا الحمل الآتي بعد خمس سنين دائر بين أن يكون من الوطء السابق من الزوج ~~وبين أن يكون من الزنى ووقوع الزنى في الوجود أكثر وأغلب من تأخر الحمل هذه ~~المدة فقدم الشارع ها هنا النادر على الغالب وكان مقتضى تلك القاعدة أن ~~يجعل زنى لا يلحق بالزوج عملا بالغالب لكن الله سبحانه وتعالى شرع لحوقه ~~بالزوج لطفا بعباده وسترا عليهم وحفظا للأنساب وسدا لباب ثبوت الزنى كما ~~اشترط تعالى في ثبوته أربعة مجتمعين سدا لبابه حتى يبعد ثبوته وأمرنا أن لا ~~نتعرض لتحمل الشهادة فبه، وإذا تحملناها أمرنا بأن لا نؤدي بها وأن نبالغ ~~في الستر على الزاني ما استطعنا بخلاف جميع الحقوق كل ذلك شرع طلبا للستر ~~على العباد ومنة عليهم فهذا هو سبب استثناء هذه القاعدة من تلك القواعد ~~وإلا فهي على خلاف الإلحاق بالغالب دون النادر فاعلم ذلك واعلم الفرق بين ~~القاعدتين وهو طلب الستر وما تقدم معه. # (الفرق السادس والسبعون والمائة بين قاعدة العدد وقاعدة الاستبراء) إن ~~العدة تجب وإن علمت براءة الرحم كمن طلقها زوجها غائبا عنها بعد عشر سنين، ~~وكذلك # PageV03P203 # إذا توفي عنها والاستبراء ليس كذلك قال في الجواهر لا ~~يجري الاستبراء قبل البيع إلا فيمن كانت تحت يده للاستبراء أو وديعة وسيدها ~~لا يدخل عليها أو اشتراها من امرأته أو ولده الصغير الذي في عياله وسكنه أو ~~اشتراها من سيدها عند قدومه من الغيبة قبل أن تخرج إليه أو خرجت حائضا أو ~~الشريك يشتري من شريكه وهي تحت يدي المشتري. # وقال الإمام أبو عبد الله كل من أمن عليها الحمل فلا استبراء فيها، ومن ~~غلب على الظن حملها أو شك ms605 فيها استبرئت وإن غلب على الظن براءتها مع جواز ~~الحمل فقولان كالصغيرة والآيسة تستبرآن لسوء الظن والوخش من الرقيق، ومن ~~باعها مجبوب أو امرأة أو ذو محرم منها والمشهور إيجابه وأشهب ينفيه ويجوز ~~اتفاق البائع والمشتري على استبراء واحد لحصول المقصود به فهذه فروع في ~~الاستبراء لا يجوز في العدد مثلها فلو علمت براءة المعتدة قبل الإطلاق أو ~~الوفاء لا بد لها من العدة، والفرق بين البابين أن العدة يغلب عليها شائبة ~~التعبد من حيث الجملة وإن كانت معقولة المعنى من حيث الجملة؛ لأنها شرعت ~~لبراءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب فمن هذا الوجه هي معقولة المعنى ومن جهة ~~أن العدة تجب في الوفاة على بنت المهد وتجب في الطلاق والوفاة على الكبيرة ~~المعلوم براءتها بسبب الغيبة وغيرها هذه شائبة التعبد، فلما كان في العدة ~~شائبة التعبد وجب فعلها بعد سببها مطلقا في جميع الصور علمت البراءة أم لا ~~توفية لشائبة التعبد والاستبراء # PageV03P204 # لم ترد فيه هذه الشائبة، بل هو معقول المعنى لبراءة ~~الرحم وعدم اختلاط الأنساب فلذلك حيث حصل المعنى وهو البراءة سقطت الوسيلة ~~إليه وهي الاستبراء لحصول المقصود فهذا هو الفرق وهو الموجب لخروج تلك ~~الصور عن الحاجة للاستبراء ولم يخرج مثلها في قاعدة العدد. # (الفرق السابع والسبعون والمائة بين قاعدة الاستبراء بالأقراء يكفي قرء ~~واحد وبين قاعدة الاستبراء بالشهور لا يكفي شهر) مع أن غالب النساء يحصل ~~لهن في كل شهر قرء كأن يكتفى بشهر كما اكتفي بقرء، والفرق بين البابين أن ~~القرء الواحد وهو الحيض دال عادة على براءة الرحم فإن الحيض لا يجتمع مع ~~الحمل غالبا فكان القرء الواحد من الحيض دالا على براءة الرحم وعدم الحمل، ~~والشهر الواحد وإن كان يحصل قرءا واحدا في حق من تحيض لكنه في حق من لا ~~تحيض لا يحصل به براءة الرحم؛ لأن المني يمكث منيا في الرحم نحو الشهر، ثم ~~يصير مضغة بعد أن صار علقة فلا يظهر الحمل في الغالب إلا في ثلاثة أشهر ~~فتكبر الجوف وتحصل ms606 مبادئ الحركة أما الشهر الواحد فجوف الحامل فيه مساو في ~~الظاهر لغير الحامل فلذلك لم يعتبر الشهر الواحد واعتبر القرء الواحد # PageV03P205 # (الفرق الثامن والسبعون والمائة بين قاعدة الحضانة ~~يقدم فيها النساء على الرجال بخلاف جميع الولايات يقدم فيها الرجال على ~~النساء) وهو أن قاعدة الشرع أنه يقدم في كل موطن وكل ولاية من هو # أقوم بمصالحها # فيقدم في ولاية الحرب من هو أقوم بمصالح الحروب من سياسة الجيوش ومكائد ~~العدو ويقدم في القضاء من هو أكثر تفطنا لحجاج الخصوم وقواعد الأحكام ووجوه ~~الخدع من الناس ويقدم في الفتوى من هو أنقل للأحكام وأشفق على الأمة ~~وأحرصهم على إرشادها لحدود الشريعة ويقدم في سعاية الماشية وجباية الزكاة ~~والعمل عليها من هو أعرف بنصب الزكوات ومقادير الواجب فيها وأحكام اختلاطها ~~وافتراقها وضم أجناسها ويقدم في أمانة الحكم من هو أعرف بمقادير النفقات ~~وأهليات الكفالات وتنمية أموال الأيتام والمناضلة عنهم، وكذلك بقية ~~الولايات ويقدم في الخلافة من هو كامل العلم والدين وافر العقل والرأي قوي ~~النفس شديد الشجاعة عارف بأهليات الولايات حريص على مصالح الأمة قرشي من ~~قبيلة النبوة المعظمة كامل الحرمة والهيبة في نفوس الناس ولما كانت الحضانة ~~تفتقر إلى وفور الصبر على الأطفال في كثرة البكاء والتضجر من الهيئات ~~العارضة للصبيان ومزيد الشفقة والرقة الباعثة على الرفق بالضعفاء والرفق ~~بهم، وكانت النسوة أتم من الرجال في ذلك كله قد من عليهم؛ لأن أنفات الرجال ~~وإباءة نفوسهم وعلو هممهم # PageV03P206 # تمنعهم من الانسلاك في أطوار الصبيان وما يليق بهم من ~~اللطف والمعاملات وملابسة القاذورات وتحمل الدناءات فهذا هو الفرق بين ~~قاعدة الحضانات وغيرها من قواعد الولايات. # (الفرق التاسع والسبعون والمائة بين قاعدة معاملة أهل الكفر وقاعدة ~~معاملة المسلمين) أما مالك - رحمه الله - فرجح معاملة المسلمين، وقال أكره ~~الصيرفي من صيارفة أهل الذمة لقوله تعالى {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} ~~[النساء: 161] . # وقال وأكره معاملة المسلم بأرض الحرب للحربي بالربا وجوز أبو حنيفة الربا ~~مع الحربي لقوله - عليه السلام - «لا ربا بين مسلم وحربي لا ms607 ربا إلا بين ~~المسلمين» . والحربي ليس بمسلم ووافقنا الشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهم ~~أجمعين -؛ لأن الربا مفسدة في نفسه فيمتنع من الجميع؛ ولأنهم مخاطبون بفروع ~~الشريعة لقوله تعالى {وحرم الربا} [البقرة: 275] ، وعموم نصوص الكتاب ~~والسنة يتناول الحربي قال اللخمي وغيره إذا ظهر الربا بين المسلمين فمعاملة ~~أهل الذمة أولى لوجهين # (الأول) أنهم ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة على أحد القولين للعلماء فلا ~~يكون ما أخذوه بالربا محرما على هذا القول بخلاف المسلم مخاطب قولا واحدا ~~فكانت معاملته إذا كان يتعاطى الربا وهو غير متحذر أشد من الذمي # (الثاني) أن الكافر إذا أسلم ثبت ملكه على ما اكتسبه بالربا والغصب ~~وغيره، وإذا تاب المسلم لا يثبت ملكه على شيء من ذلك لقوله تعالى {وإن تبتم ~~فلكم رءوس أموالكم} [البقرة: 279] وما هو بصدد الثبوت المستمر وقابل للثبوت ~~أولى مما لا يقبل ثبوت الملك عليه # PageV03P207 # بحال ولذلك اعتمد جماعة من المتورعين على معاملة أهل ~~الكفر أكثر ملاحظة لهذين الوجهين وهما الفرق بين القاعدتين والفريقين. # (الفرق الثمانون والمائة بين قاعدة الملك وقاعدة التصرف) اعلم أن الملك ~~أشكل ضبطه على كثير من الفقهاء فإنه عام يترتب على أسباب مختلفة البيع ~~والهبة والصدقة والإرث وغير ذلك فهو غيرها ولا يمكن أن يقال هو التصرف؛ لأن ~~المحجور عليه يملك ولا يتصرف فهو حينئذ غير التصرف فالتصرف والملك كل واحد ~~منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه فقد يوجد التصرف بدون الملك كالوصي ~~والوكيل والحاكم وغيرهم يتصرفون ولا ملك لهم ويوجد الملك بدون التصرف ~~كالصبيان والمجانين وغيرهم يملكون ولا يتصرفون ويجتمع الملك والتصرف في حق ~~البالغين الراشدين النافذين للكلمة الكاملين الأوصاف، وهذا هو حقيقة الأعم ~~من وجه والأخص من وجه أن يجتمعا في صورة وينفرد كل واحد منهما بنفسه في ~~صورة كالحيوان والأبيض، والعبارة الكاشفة عن حقيقة الملك أنه حكم شرعي مقدر ~~في العين أو المنفعة # PageV03P208 # يقتضي يمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالملوك والعوض ~~عنه من حيث هو كذلك أما قولنا حكم شرعي فبالإجماع؛ ولأنه ms608 يتبع الأسباب ~~الشرعية، وأما إنه مقدر فلأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع، والتعلق عدمي ليس ~~وصفا حقيقيا، بل يقدر في العين أو المنفعة عند تحقق الأسباب المفيدة للملك # PageV03P209 # وقولنا في العين أو المنفعة فإن الأعيان تملك كالبيع ~~والمنافع كالإجارات وقولنا يقتضي انتفاعه بالمملوك ليخرج التصرف بالوصية ~~والوكالة وتصرف القضاة في أموال الغائبين والمجانين فإن هذه الطوائف لهم ~~التصرف بغير ملك وقولنا والعوض عنه ليخرج عنه الإباحات في الضيافات فإن ~~الضيافة مأذون فيها، وليست مملوكة على الصحيح ويخرج أيضا الاختصاصات ~~بالمساجد والربط والخوانق ومواضع المطاف والسكك ومقاعد الأسواق، فإن هذه ~~الأمور لا ملك فيها مع المكنة الشرعية من التصرف في هذه الأمور # PageV03P210 # وقولنا من حيث هو كذلك إشارة إلى أنه يقتضي ذلك من ~~حيث هو، وقد يتخلف عنه ذلك لمانع يعرض كالمحجور عليهم لهم الملك، وليس لهم ~~المكنة من التصرف في تلك الأعيان المملوكة، لكن تلك الأملاك في تلك الصور ~~لوجود النظر إليها اقتضت مكنة التصرف وإنما جاء المنع من أمور خارجة ولا ~~تنافي بين القبول الذاتي والاستحالة لأمر خارجي ولذلك نقول إن جميع أجزاء ~~العالم لها القبول للوجود والعدم بالنظر إلى ذواتها وهي إما واجبة لغيرها ~~إن علم الله تعالى وجودها أو مستحيلة لغيرها إن علم الله تعالى عدمها، ~~وكذلك ها هنا بالنظر إلى الملك يجوز التصرف المذكور وبالنظر لما عرض من ~~الأسباب الخارجة يقتضي المنع من التصرف # PageV03P211 # وكذلك إذا قلنا الأوقاف على ملك الواقفين مع أنه لا ~~يجوز لهم البيع وملك العوض عنها بسبب ما عرض من الوقف المانع من البيع ~~كالحجر المانع من البيع فقد انطبق هذا الحد على الملك فإن، قلت قد قالت ~~الشافعية إن الضيافة تملك وهل بالمضغ أو بالبلع أو غير ذلك على خلاف عندهم، ~~فهذا ملك مع أن الضيف لا يتمكن من أخذ العوض على ما قدم له ولا يمكن من ~~إطعامه لغيره ولذلك قال المالكية إن الإنسان قد يملك أن يملك وهل يعد مالكا ~~أو لا قولان فمن ملك أن يملك لا يتمكن ms609 من التصرف ولا أخذ العوض من ذلك ~~الشيء الذي ملك أن يملكه مع أنهم قد صرحوا بحقيقة الملك من حيث الجملة، ~~وكذلك قال المالكية وغيرهم إن الإنسان قد يملك المنفعة، وقد يملك الانتفاع ~~فقط كبيوت الدارس والأوقاف والربط ونحوها مع أنه في هذه الصور لا يملك أخذ ~~العوض عن تلك المنافع قلت أما السؤال الأول فإن الصحيح في الضيافات أنها ~~إباحات لا تمليك # PageV03P212 # كما أباح الله السمك في الماء والطير في الهواء ~~والحشيش والصيد في الفلاة لمن أراد تناوله ولا يقال إن هذه الأمور مملوكة ~~للناس كذلك الضيف جعل له أن يأكل إن أراد أو يترك، والقول بأنه يملك مشكل ~~فإن الملك لا بد فيه من سلطان التصرف من حيث الجملة وبعد إن بلع الطعام كيف ~~يبقى سلطان بعد ذلك على الانتفاع بتلك الأعيان؛ لأنها فسدت عادة ولم تبق ~~مقصودة التصرف ألبتة فالحق إذا أنها إباحات لا تمليكات # PageV03P213 # (وأما) السؤال الثاني فقول المالكية إن من ملك أن ~~يملك هل يعد مالكا أو لا قولان قد تقدم أن هذه العبارة رديئة جدا وأنها لا ~~حقيقة لها فلا يصح إيراد النقض بها على الحد؛ لأنا نمنع الحكم فيها (وأما) ~~السؤال الثالث وهو مالك الانتفاع دون المنفعة فهو يرجع إلى الإذن والإباحة ~~كما في الضيافة، فتلك المساكن مأذون فيها لمن قام بشرط الواقف # PageV03P214 # إلا أنها فيها ملك لغير الواقف بخلاف ما يطلق من ~~الجامكيات فإن المالك فيها يحصل لمن حصل له شرط الواقف فلا جرم صح أخذ ~~العرض بها أو عنها (فإن، قلت) إذا اتضح حد الملك فهل هو من خطاب الوضع أو ~~من خطاب التكليف الذي هو الأحكام الخمسة (قلت) الذي يظهر لي أنه من أحد ~~الأحكام الخمسة وهو إباحة خاصة في تصرفات خاصة، وأخذ العوض عن ذلك المملوك # PageV03P215 # على وجه خاص كما تقررت قواعد المعاوضات في الشريعة ~~وشروطها وأركانها وخصوصيات هذه الإباحة هي الموجبة للفرق بين المالك وغيره ~~من جميع الحقائق ولذلك قلنا إنه معنى شرعي مقدر يريد أنه متعلق الإباحة. ms610 # والتعليق عدمي من باب النسب والإضافات التي لا وجود لها في الأعيان، بل ~~في الأذهان فهي أمر يفرضه العقل كسائر النسب والإضافات كالأبوة والبنوة ~~والتقدم والتأخر وغير ذلك ولأجل ذلك لنا أن نغير عبارة الحد فنقول إن الملك ~~إباحة شرعية في عين أو منفعة تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بتلك العين أو ~~المنفعة أو أخذ العوض عنهما من حيث هي كذلك ويستقيم الحد بهذا اللفظ أيضا ~~ويكون الملك من خطاب التكليف؛ لأن الاصطلاح أن خطاب التكليف هو الأحكام ~~الخمسة المشهورة وخطاب الوضع هو نصب الأسباب والشروط والموانع والتقادير ~~الشرعية، وليس هذا منها، بل هو إباحة خاصة ومنهم من قال إنه من خطاب الوضع ~~وهو بعيد (فإن قلت) الملك سبب الانتفاع، فيكون سببا، فيكون # PageV03P216 # من باب خطاب الوضع قلت وكذلك كل حكم شرعي سبب لمسببات ~~تترتب عليه من مثوبات وتعزيرات ومؤاخذات وكفارات وغيرها أو ليس المراد ~~بخطاب الوضع مطلق الترتب، بل نقول الزوال سبب لوجوب الظهر، ووجوب الظهر سبب ~~لأن يكون فعله سبب الثواب وتركه سبب العقاب ووجوبه سبب لتقديمه على غيره من ~~المندوبات وغير ذلك مما ترتب على الوجوب مع أنه لا يسمى سببا ولا يقال إنه ~~من خطاب الوضع، بل الضابط للبابين أن الخطاب متى كان متعلقا بفعل مكلف على ~~وجه الاقتضاء أو التخيير فهو من خطاب التكليف ومتى لم يكن كذلك وهو من أحد ~~الأمور المتقدمة فهو خطاب الوضع، وقد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف، وقد ~~تقدم بسط ذلك فيما تقدم من الفروق (فإن قلت) الملك حيث وجد هل يتصور # PageV03P217 # في الجواهر والأجسام أم لا يتصور إلا في المنافع ~~خاصة. # (قلت) قال المازري - رحمه الله - في شرح التلقين قول الفقهاء الملك في ~~المبيع يحصل في الأعيان وفي الإجارات يحصل في المنافع ليس على ظاهره، بل ~~الأعيان لا يملكها إلا الله تعالى؛ لأن الملك هو التصرف ولا يتصرف في ~~الأعيان إلا الله تعالى بالإيجاد والإعدام والأمانة والإحياء ونحو ذلك ~~وتصرف الخلق إنما هو في المنافع فقط بأفعالهم من الأكل ms611 والشرب والمحاولات ~~والحركات والسكنات قال وتحقيق الملك أنه إن ورد على المنافع مع رد العين ~~فهو الإجارة وفروعها من المساقاة والمجاعلة والقراض ونحو ذلك وإن ورد على ~~المنافع مع أنه لا يرد العين، بل يبذلها لغيره بعوض أو بغير عوض فهو البيع ~~والهبة والعقد في الجميع إنما يتناول المنفعة فقد ظهر بهذه المباحث وهذه ~~الأسئلة حقيقة الملك والفرق بينه وبين التصرفات وما يتوهم التباسه به. # (الفرق الحادي والثمانون والمائة بين قاعدة الأسباب العقلية وبين قاعدة ~~الأسباب الشرعية نحو بعت واشتريت وأنت طالق وأعتقت ونحوه من الأسباب) قال ~~الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني - رحمه الله - يثبت مسبب هذا القسم مع آخر ~~حرف منه تشبيها # PageV03P218 # للأسباب الشرعية بالعلل العقلية؛ لأن العلل العقلية ~~لا توجب معلولها إلا حالة وجودها. # وإذا عدمت لا يوجد معلولها كالعلم مع العالمية والإرادة مع المريدية من ~~العقليات والنار مع الإحراق والماء مع الإرواء من العاديات فكذلك هذه ~~الأسباب الشرعيات إذا عدم آخر جزء منها عدمت جملتها فلا ينبغي أن توجب ~~حينئذ حكما، بل تقدر مسببات هذه الأسباب مع آخر حروفها حتى يتحقق المسبب ~~حالة وجود سببه لا حالة عدمه؛ لأن وجود آخر حرف هو الوجود الممكن في الصيغ؛ ~~لأنها مصادر سيالة يستحيل وجودها بجملتها فيكتفى بوجود آخر حرف منها؛ لأنه ~~القدرة الممكن فيها فيحصل به الشبه بين العقليات والشرعيات. # وقال غيره من العلماء، بل ينبغي أن لا يكون تقدير مسببات هذه الأسباب إلا ~~عقيب حرف وإن عدمت جملة الصيغة؛ لأن السبب إنما يتحقق عادة حينئذ فالفرق ~~مبني على هذه الطريقة ومن وجه آخر يحصل الفرق؛ لأن هذه الأسباب الشرعية ~~تنقسم إلى ما يوجب مسببه إنشاء نحو عتق الإنسان عن نفسه والبيع الناجز ~~والطلاق الناجز وإلى ما يوجب # PageV03P219 # استلزاما كالعتق عن الغير فإنه يوجب الملك للمعتق عنه ~~بطريق الالتزام بأن يقدر الملك قبل النطق بالصيغة بالزمن من الفرد لضرورة ~~ثبوت الولاء له ولبراءة ذمته من الكفارة المعتق عنها ومثله العتق في زمن ~~الخيار إذا كان الخيار للمشتري فإن الملك ينتقل ms612 إليه حينئذ بسبب عتقه ~~التزاما؛ لأن الملك في زمن الخيار للبائع على الأصح والأشهر حتى ينتقل ~~بالتصريح من المشتري نحو قوله قبلت أو اخترت الإمضاء فهذه مطابقة أو يعتق ~~أو يطأ الأمة أو نحوه بما يقتضي التزام الملك ونقله له فقال جماعة من ~~العلماء يقدر ثبوت الملك قبل العتق حتى يقع العتق عن الغير وهو في ملكه # PageV03P220 # وقال بعض الشافعية يثبت معه؛ لأن التقدم على خلاف ~~الأصل والضرورة دعت لوقوع العتق في تلك الحالة والمقارنة تكفي في دفع تلك ~~الضرورة، وهذا المذهب غير متجه؛ لأن العتق مضاد للملك واجتماع الضدين محال ~~وتنقسم أيضا الأسباب الشرعية إلى ما يقتضي ثبوتا كالبيع والهبة والصدقة ~~وإلى ما يقتضي إبطالا لمسبب سبب آخر كفوات المبيع قبل القبض يقتضي إبطال ~~مسبب السبب السابق وهو المبيع، وكذلك الطلاق والعتاق يقتضيان إبطال العصمة ~~السابقة المترتبة على النكاح، والملك المرتب في الرقيق على سببه، وإذا قلنا ~~بأن الفوات يوجب الفسخ فهل يقتضيه معه؛ لأن الأصل عدم التقدم على # PageV03P221 # السبب أو قبله؛ لأن الانقلاب والفسخ يقتضي تحقق ما ~~يحكم عليه بذلك خلاف بين العلماء فهذه الوجوه تحصل الفرق بين الأسباب ~~الشرعية والعلل العقلية على بعض المذاهب فبطل الشبه بين البابين وعلى ~~المذهب الآخر يحصل الشبه بينهما. # (الفرق الثاني والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتقدم مسببه عليه من ~~الأسباب الشرعية وبين قاعدة ما لا يتقدم عليه مسببه) اعلم أن أزمنة ثبوت ~~الأحكام أربعة أقسام، ما يتقدم وما يتأخر وما يقارن وما يختلف فيه فأما ما ~~يقارن فكالأسباب الفعلية في حيازة المباح كالحشيش والصيد والسلب في الجهاد ~~حيث سوغناه بإذن الإمام على رأينا أو مطلقا على رأي الشافعية وشرب الخمر ~~والزنى والسرقة للحدود ومن ذلك التعاليق اللغوية فإنها كلها أسباب فإذا علق ~~على شرط الطلاق أو غيره، وأما ما يتقدم أحكامه عليه فكإتلاف المبيع قبل ~~القبض فإنك تقدر الانفساخ في المبيع قبل تلفه ليكون المحل # PageV03P222 # قابلا للانفساخ؛ لأن المعدوم الصرف لا يقبل انقلابه ~~لملك البائع على الخلاف الذي تقدم في الفرق ms613 الذي قبل هذا الفرق وكمثل الخطأ ~~فإن له حكمين # (أحدهما) يتقدم عليه وهو وجوب الدية فإنها إنما تجب بالزهوق؛ لأنه سبب ~~استحقاقها من جهة أنها موروثة والإرث إنما يكون فيما تقدم فيه ملك الميت ~~فيجب أن يقدر ملكه لها حالة حياته في حالة تقبل الملك؛ لأن الميت لا يقبله، # وثانيهما يقترن به وهو وجوب الكفارة فإنه لا ضرورة لتقديمها على القتل ~~كما تقدم في الدية # PageV03P223 # وأما ما تتأخر عنه أحكامه فكبيع الخيار يتأخر فيه نقل ~~الملك عن العقد إلى الإمضاء على الصحيح وكالطلاق الرجعي مع البينونة بخلاف ~~تحريم الوطء وتنصيص العدد فإنها تقارن وكالوصية يتأخر نقلها للملك في ~~الموصى به بعد الموت، وكذلك السلم والبيع إلى أجل يتأخر عنه توجه المطالبة ~~إلى انقضاء الأجل، وأما ما اختلف فيه فكالأسباب القولية نحو العتق والبيع ~~والإبراء والطلاق والأمر والنهي والشهادات فهل تقع مسبباتها مع آخر حرف ~~منها وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري فإنه كان من الفقهاء الأجلة كما كان ~~شيخ المتكلمين هذا مذهبه في الفقه في هذه المسألة أو تقع مسبباتها عقيب آخر ~~حرف وهو مذهب جماعة من الفقهاء خلاف # PageV03P224 # تنبيه) قال الشافعي - رضي الله عنه - إذا قال لامرأته ~~إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ففعلت طلقت وهو مشكل على أصله جدا فإنه إن أراد ~~بالإعطاء الإقباض فينبغي أن تطلق، ولا يستحق شيئا كما لو قال إن أقبضتني ~~وإن أراد بالإعطاء التمليك فكيف يصح التمليك على أصله بمجرد المناولة، ~~وقاعدته أن المعاطاة والفعل والمناولة لا يوجب شيء من ذلك انتقال ملك فهذه ~~الصورة تعضد المالكية في بيع المعاطاة بالقياس عليها ويكون نقضا على أصله ~~ولا يمكن أن يقال اللفظ السابق في التعليق حصل به انتقال الملك؛ لأن لفظ ~~التعليق إنما اقتضى ربط الطلاق بالإعطاء ولم يقتض حصول الملك في المعطي ~~ولعلها لا تعطيه شيئا فإن اللفظ الدال على الملك لم يوجد ألبتة فلا يمكن ~~الاعتماد عليه # PageV03P225 # (الفرق الثالث والثمانون والمائة بين قاعدة الذمة ~~وبين قاعدة أهلية المعاملة) اعلم أن الذمة قد أشكلت ms614 معرفتها على كثير من ~~الفقهاء وجماعة يعتقدون أنها أهلية المعاملة فإذا # PageV03P226 # قلنا زيد له ذمة معناه أنه أهل لأن يعامل وهما ~~حقيقتان متباينتان بمعنى أنهما متغايرتان وتحقيق التغاير بينهما أن كل ~~واحدة من هاتين الحقيقتين أعم من الأخرى من وجه وأخص من وجه فإن التصرف ~~يوجد بدون الذمة، والذمة توجد بدون أهلية التصرف ويجتمعان معا كالحيوان ~~والأبيض يوجد الحيوان ولا أبيض كالأسودان والأبيض ولا حيوان كالجير والثلج ~~ويجتمعان معا كالصقالبة والطيور البيض، وهذا هو ضابط الأعم والأخص من وجه ~~فالصبيان عندنا المميزون يصح بيعهم وشراؤهم ويقف اللزوم على إجازة الولي، ~~وقال الشافعي - رحمه الله - لا ينعقد أصلا وإن أذن له الولي وجوزه أبو ~~حنيفة بإذن الولي فإن عقد بغير إذن الولي وقف على إجازته، وقال ابن حنبل إن ~~عقده بإذن صح وإلا فلا واتفق الجميع على عدم الذمة في حقه فهذا القسم # PageV03P227 # حصل فيه أهلية التصرف عندنا، وعند أبي حنيفة وابن ~~حنبل من غير ذمة له عند الجميع وتوجد الذمة بدون أهلية التصرف كالعبيد ~~فإنهم محجور عليهم لحق السادات. # وإن قلنا إنهم يملكون فلا يجوز لهم التصرف إلا بإذن السادات سدا لذريعة ~~إفساد ما لهم وحق السادات متعلق به، ولو جنوا جناية ولم يقع الحديث فيها ~~ولا الحكم كانت متعلقة بذمته إذا عتق طولب بها بخلاف الصبي إذا بلغ لا ~~يطالب بما تقرر في ذمته قبل البلوغ لكن بما تقدم سببه قبل البلوغ ويطالب به ~~الآن. # وأما العبد يطالب بما تعلق بذمته قبل العتق، فيكون قد تقدم في حق العبد ~~السبب والملزوم وفي حق الصبي السبب دون اللزوم، وكذلك إذا تزوج بغير إذن ~~سيده وفسخ نكاحه بقي الصداق في ذمته يطالب به بعد العتق فاللزوم سابق ~~والمطالبة متأخرة # PageV03P228 # وكلاهما متأخر في حق الصبي لعدم الذمة في حق الصبي ~~ووجودها في حق العبد وتوجد أهلية التصرف والذمة معا في حق الحر البالغ ~~الرشيد فإن له أهلية التصرف وله ذمة فقد ظهر أن الذمة وأهلية التصرف كل ~~واحد منهما أعم من الآخر ms615 من وجه وأخص من وجه فهما متغايران ويؤكد ذلك أن ~~المفلس محجور عليه في ماله الذي حازه الحاكم ليس له أن يتصرف فيه وله أهلية ~~التصرف في مال يستدينه من قوم آخرين أو يرثه أو يوهب له فقد اختصت أهلية ~~التصرف ببعض الأموال، وأما ذمته فثابتة بالنسبة إلى الجميع في المالين فقد ~~صارت الذمة في هذه الصور أعم من أهلية التصرف وأهلية التصرف أخص من الذمة ~~لحصولها في البعض من الأموال دون البعض # PageV03P229 # فإن قلت الحكم على الشيء بالرد والقبول فرع عن كونه ~~معقولا ومعنى الذمة تعبد غير معقول فكيف يقضى عليها بالعموم أو الخصوص أو ~~غيرهما فلا بد من بيان الحقيقتين وإلا فلا يتحصل من هذه العمومات والخصوصات ~~مقصود قلت العبارة الكاشفة عن الذمة أنها معنى # PageV03P230 # شرعي مقدر في المكلف قابل للالتزام واللزوم، وهذا ~~المعنى جعله الشرع مسببا على أشياء خاصة منها البلوغ ومنها الرشد فمن بلغ ~~سفيها لا ذمة له، ومنها ترك الحجر كما تقدم في المفلس فمن اجتمعت له هذه ~~الشروط رتب الشرع عليها تقدير معنى فيه يقبل إلزامه أرش الجنايات وأجر ~~الإجارات وأثمان المعاملات ونحو ذلك من التصرفات ويقبل التزامه إذا التزم ~~أشياء اختيارا من قبل نفسه لزمه، وإذا فقد شرط من هذه الشروط لم يقدر الشرع ~~هذا المعنى القابل للإلزام والالتزام، وهذا المعنى المقدر هو الذي تقدر فيه ~~الأجناس المسلم فيها مستقرة حتى يصح مقابلتها بالأعواض المقبوضة ناجزا في ~~ثمنها، وفيه تقدر أثمان البياعات بثمن إلى آجال بعيدة أو قريبة وصدقات ~~الأنكحة والديون في الحوالات والحقوق في الضمانات وغير # PageV03P231 # ذلك ولا جرم من لا يكون هذا المعنى مقدرا في حقه لا ~~يصح في حقه شيء من هذه الأمور فلا ينعقد في حقه سلم ولا ثمن إلى أجل ولا ~~حوالة ولا حمالة ولا شيء من ذلك، فهذا هو حقيقة الذمة وبسطها والعبارة ~~الكاشفة عنها والسبب الشرعي الذي يقدر الشرع عنده المعنى الذي هو الذمة، ~~وأما أهلية التصرف فحقيقتها عندنا قبول يقدره صاحب الشرع في المحل وسبب ms616 هذا ~~القبول المقدر التمييز عندنا، وعند الشافعي التميز مع التكليف. # وهذا القبول الذي هو أهلية التصرف لا يشترط فيه عندنا الإباحة فإن ~~الفضولي عندنا له أهلية التصرف وتصرفه حرام # PageV03P232 # وللمالك عندنا إمضاء ذلك التصرف من غير تجديد عقد آخر ~~ينفذ ذلك التصرف فدل ذلك على أن العقد المتقدم قابل للاعتبار وإنما تعلق به ~~حق آدمي كتصرف العبد بغير إذن سيده، ثم إن أهلية التصرف قد توجد في النكاح ~~الذي لا يثبت في الذمم كتصرف الأولياء في الموليات له وتوجد في الأحكام ~~فيما لا يثبت في الذمم، وأنواع التصرفات كثير فيما لا يثبت في الذمة فأهلية ~~التصرفات أهلية وقبول خاص كما تقدم ليس فيه إلزام ولا التزام والذمة معنى ~~مقدر في المحل قابل لهما فهذا هو نفس الفرق بينهما مع أن كليهما معنى مقدر ~~في المحل ووقع الفرق أيضا من حيث السبب فإن الذمة يشترط فيها التكليف من ~~غير خلاف أعلمه # PageV03P233 # بخلاف أهلية التصرف فقد وضح الفرق بينهما فإن قلت هل ~~هما من باب خطاب الوضع الذي هو وضع الأسباب والشروط والموانع والتقادير ~~الشرعية أو من باب خطاب التكليف الذي هو الوجوب # PageV03P234 # والتحريم والندب والكراهة والإباحة كما، قلته في ~~الملك إنه من باب خطاب التكليف وأنه يرجع إلى الإذن والإباحة عند أسباب ~~خاصة وإباحة خاصة كما تقدم بيانه في ذلك. # قلت الذي يظهر لي وأجزم به أن الذمة وأهلية التصرف من باب خطاب الوضع دون ~~خطاب التكليف وأنهما يرجعان إلى التقادير الشرعية، والتقادير الشرعية هي ~~إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود، وقد تقدم بسطها في الفرق ~~بين الخطابين والذمة وأهلية التصرف من القسم الثاني وهو إعطاء المعدوم حكم ~~الموجود فإنه لا شيء في المحل من الصفات الموجودة كالألوان والطعوم ونحوهما ~~من الصفات الموجودة وإنما هو نسبة خاصة يقدرها صاحب الشرع عند سببها موجودة ~~وهي لا وجود لها، بل هذا المعنى من التقدير فقط كما يقدر الملك في العتق ~~وهو معدوم # PageV03P235 # وكذلك هذه التقادير تذهب عند ذهاب أسبابها وتثبت عند ~~تثبيت ms617 أسبابها كمتعلقات الخطاب في التحريم والإباحة وغيرهما والتعلقات أمور ~~عدمية تقدر في المحال موجودة فهذا هو تلخيص معنى الذمة وأهلية التصرف ~~والفرق بينهما فتأمله. # (الفرق الرابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يقبل الملك من الأعيان ~~والمنافع وبين قاعدة ما لا يقبله) اعلم أن الأعيان منها ما لا يقبل الملك ~~إما لعدم اشتماله على منفعة كالخشاش أو منفعة محرمة كالخمر # PageV03P236 # والمطربات المحرمة أو منفعة تعلق بها حق آدمي كالحر ~~فإنه لا يقبل الملك لغيره؛ لأنه أحق بنفسه من غيره أو تعلق بها حق الله ~~تعالى كالمساجد والبيت الحرام. # وقد تقدم أن الملك إذن شرعي خاص والإذن في غير منتفع به عبث وفي المحرم ~~متناقض وفيما هو حق للغير مبطل لذلك الحق فيمتنع المالك في هذه الأقسام ~~ومنها ما فيه منفعة فيقبل المالك لأجل منفعة وهو قسمان ما يمتنع بيعه إما ~~صونا لمكارم الأخلاق عن الفساد ككلب الصيد وإجارة الأرض إذا قلنا بأنها لا ~~يؤجر مطلقا؛ لأن ذلك كان قديما من الأمور المنافية لمكارم الأخلاق ولذلك ~~قال - عليه السلام - «من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه» فإن الحسن ~~والقبح في هذه الأمور عادي وإما لتعلق حق الغير كأم الولد لتعلق حقها ~~بالعتق والحر لتعلق حقه بنفسه والوقف لتعلق حق الموقوف # PageV03P237 # عليه به. # وأما ما سلم من هذه الموانع فهو القابل للملك والتصرف بأسباب الملك على ~~اختلافها ونظائره كثيرة معروفة كالبر والأنعام وغيرهما فهذا تلخيص الفرق ~~بين القاعدتين وها هنا قاعدة أخرى تلاحظ في هذا الفرق وهي إن كل تصرف كان ~~من العقود كالبيع أو غير العقود كالتعزيرات وهو لا يحصل مقصوده فإنه لا ~~يشرع ويبطل إن وقع، فلذلك امتنع بيع الحر وأم الولد ونكاح المحرم وذوات ~~المحرم فإن مقاصد هذه العقود لا تحصل بها. # وكذلك الإجارة على الأفعال المحرمة وتعزير من يعقل الزجر كالسكران ~~والمجنون ونحوهما فإن الزجر لا يحصل بذلك والمقصود من البيع ونحوه إنما هو ~~انتفاع كل واحد من المتعاوضين بما يصير إليه فإذا كان عديم المنفعة أو ~~محرما ms618 لم يحصل مقصوده فيبطل عقده والمعاوضة عليه لهذه القاعدة، فهذه ~~القاعدة أيضا # PageV03P238 # تحصل فرقا بين القاعدتين. # (الفرق الخامس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه وقاعدة ما لا ~~يجوز بيعه) فقاعدة ما يجوز بيعه ما اجتمع فيه شروط خمسة وقاعدة ما لا يجوز ~~بيعه ما فقد منه أحد هذه الشروط الخمسة فالشروط الخمسة هي الفرق بينهما وهي ~~(الطهارة) لقوله - عليه السلام - في الصحيحين «إن الله ورسوله حرم بيع ~~الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل له يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة ~~فإنها يطلى بها السفن ويستصبح بها فقال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فباعوها # PageV03P239 # وأكلوا أثمانها» # (الشرط الثاني) أن يكون منتفعا به ليصح مقابلة الثمن له # (الشرط الثالث) أن يكون مقدورا على تسليمه حذرا من الطير في الهواء ~~والسمك في الماء ونحوها لنهيه - عليه السلام - عن بيع الغرر # (الشرط الرابع) أن يكون معلوما للمتعاقدين لنهيه - عليه السلام - عن أكل ~~المال بالباطل # (الشرط الخامس) أن يكون الثمن والمبيع مملوكين للعاقد والمعقود له أو من ~~أقيما مقامه فهذه شروط في جواز البيع دون الصحة؛ لأن بيع الفضول وشراءه ~~محرم وفي الشروط مسألتان (المسألة الأولى) # في الشرط الثاني قال صاحب الجواهر يكفي أصل المنفعة وإن قلت وقلت قيمتهما # PageV03P240 # فيصح بيع التراب والماء ولبن الآدميات، وقاله الشافعي ~~وابن حنبل قياسا على لبن الغنم، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنهم أجمعين -: ~~لا يجوز بيعه ولا أكله؛ لأنه جزء حيوان منفصل عنه في حياته فيحرم أكله ~~فيمتنع بيعه وجوابه القياس المتقدم وفرق هو بشرف الآدمي وإباحة لبنه هو أنه ~~استثني منه الرضاع للضرورة وبقي ما عداه على الأصل بخلاف الأنعام بدليل ~~تحريم لحمه تشريفا له ويندفع الفرق بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها أرضعت كبيرا فحرم عليها فلو كان حراما لما فعلت ذلك، ولم ينكر عليها ~~أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعا على إلغاء هذا الفرق # (المسألة الثانية) # PageV03P241 # بيع الفضول في الشرط الخامس قال صاحب الجواهر مقتضى ~~ما حكاه الشيخ أبو إسحاق أن هذا ms619 الشرط شرط في الصحة، وقاله الشافعي وابن ~~حنبل - رضي الله عنهما -، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - هو شرط في ~~الشراء دون البيع، وقال ابن يونس يمتنع أن يشتري من رجل سلعة ليست في ملكه ~~ويوجب على نفسه تحصيل ثمنها؛ لأنه غرر. # وقال سحنون إن نزل ذلك فلربها إمضاء البيع كمن غصب سلعة والمشتري يعلم ~~بالغصب ومنع أشهب ذلك في الغاصب لدخولهما على الفساد والغرر قال ابن يونس ~~وهو القياس في المسألتين قلت فظاهر هذا النقل يقتضي أن إطلاق الأصحاب محمول ~~على ما إذا كان المشتري غير عالم بعدم الملك فالمشهور أن له الإمضاء أما ~~إذا علم فلا على هذا الخلاف احتج الشافعية والحنابلة بقوله - عليه السلام - ~~«لا بيع ولا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم» ؛ ولأن وجود # PageV03P242 # السبب بكماله بدون آثاره يدل على فساده وقياسا على ~~الطلاق والفرق عند أبي حنيفة أن الشراء يقع للمباشر فيفتقر نقل الملك إلى ~~عقد آخر، وكذلك الوكيل عنده يقع العقد له، ثم ينتقل بخلاف البائع فإنه مخرج ~~للسلعة لا جالب لها والجواب عن الأول القول بالموجب أو نحمله على ما قبل ~~الإجازة؛ لأن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال سلمنا عمومه في الأحوال ~~لكنه معارض بأنه - عليه السلام - «دفع لعروة البارقي دينارا ليشتري له به ~~أضحية فاشترى به أضحيتين، ثم باع أحدهما بدينار وجاء بدينار وأضحية إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بارك الله لك في صفقة يمينك فكان ~~إذا اشترى التراب ربح فيه» خرجه أبو داود؛ ولأنه تعاون على البر، فيكون ~~مشروعا لقوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] ، وعن الثاني ~~أنه ينتقض ببيع الخيار، وعن الثالث الفرق بأن الطلاق # PageV03P243 # والعتاق لا يقبلان الخيار فكذلك لا يقبلان الإيقاف ~~والبيع يقبل الخيار فيقبل الإيقاف # (فرع مرتب) إذ قلنا إن بيع الفضول يصح ويتوقف على الإجازة فهل يجوز ~~الإقدام ابتداء قال القاضي في التنبيهات ما يقتضي تحريمه لعده إياه مع ما ~~يقتضي الفساد لأمر خارجي. # وقال ذلك كبيع الأم دون ms620 ولدها وبيع يوم الجمعة وبيع مال الغير بغير أمره ~~وظاهر كلام صاحب الطراز الجواز لقوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى} ~~[المائدة: 2] ، وقال الأبهري قال مالك يحرم بيع السلع أيام الخيار حتى ~~يختار لنهيه - عليه السلام - عن بيع ما لم يضمن قال الأبهري يحرم ذلك عليه ~~حتى يتقرر ملكه عليها قال ومعنى نهيه - عليه السلام - عن بيع ما لم يضمن ~~بيع الإنسان لملك غيره، وهذا تصريح من مالك والأبهري بالتحريم ويجاب عن ~~حديث عروة البارقي بأن حالة الصحبة أوجبت الإذن بلسان الحال الذي يقوم مقام # PageV03P244 # التوكيل بلسان المقال الموجب لنفي الإثم والإباحة ~~بخلاف الأجنبي مطلقا. # (الفرق السادس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه جزافا وقاعدة ما ~~لا يجوز بيعه جزافا) فقاعدة ما يجوز بيعه جزافا ما اجتمع فيه شرائط ستة أن ~~يكون معينا للحس حتى يستدل بظاهره على باطنه. # (الشرط الثاني) أن يكون المشتري والبائع جاهلين بالكيل خلافا للشافعي ~~وأبي حنيفة - رضي الله عنهما -؛ لأنه غش؛ لأن عدولهما عن الكيل يشعر بطلب ~~المغابنة، ولقوله - عليه السلام - «من علم كيل طعام فلا يبعه جزافا حتى ~~يبينه» # (الشرط الثالث) أن يكونا اعتادا الحزر في ذلك فإن لم يعتادا أو اعتاد ~~أحدهما لم يجز خلافا للشافعي - رضي الله عنه - في اكتفائه بالرؤية وجوابه ~~أن الرؤية لا تنفي # PageV03P245 # الغرر في المقدار # (الشرط الرابع) قال اللخمي أن يكون المبيع مما يكال أو يوزن ولا يجوز في ~~المعدود غير أن مالكا أجاز بيع صغار الحيتان والعصافير جزافا إذا ذبحت؛ لأن ~~الحية يدخل بعضها تحت بعض والمكيل والموزون يقصد كثرته وقلته والمحصل لهما ~~الحزر وما يقصد آحاد جنسه لا يجوز بيعه جزافا كالثياب فإن الغرض يتعلق بثوب ~~دون ثوب ولا يتعلق الغرض بقمحة دون قمحة، بل المطلوب الجنس والمقدار دون ~~الآحاد بخصوصياتها # (الشرط الخامس) نفي ما يتوقع معه الربا فلا يباع أحد النقدين بالآخر ~~جزافا ولا طعام بطعام من جنسه جزافا # (الشرط السادس) عدم المزابنة كبيع صبرة جير أو جبس بمكيلة من ذلك الجنس؛ ~~لأنه بيع للمعلوم ms621 بالمجهول من جنسه وذلك هو المزابنة المنهي عنها، وإذا ~~اجتمعت هذه الشروط جاز البيع جزافا ومتى فقد واحد منها امتنع البيع جزافا # PageV03P246 # (الفرق السابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز ~~بيعه على الصفة وبين قاعدة ما لا يجوز بيعه على الصفة) فقاعدة ما لا يجوز ~~بيعه على الصفة ما اجتمع فيه ثلاثة شروط أن لا يكون قريبا جدا تمكن رؤيته ~~من غير مشقة فإنه عدول عن اليقين إلى توقع الغرر وأن لا يكون بعيدا جدا ~~لتوقع تغيره قبل التسليم أو يتعذر تسليمه. الشرط الثالث أن يصفه بصفاته ~~التي تتعلق الأغراض بها وهي شروط التسليم ليكون مقصود المالية حاصلا فإن لم ~~يذكر الجنس بأن يقول ثوب أو عبد امتنع إجماعا وإن ذكر الجنس جوزه أبو حنيفة ~~إذا عينه بمكانه فقط، فيقول بعتك ثوبا في مخزني بالبصرة أو بعتك ما في كمي ~~وللمشتري الخيار عند الرؤية، ومنع بيع ثوب من أربعة وأجازه من ثلاثة أثواب ~~لاشتمالهما على الجيد والرديء والوسط، والرابع # PageV03P247 # إذا انضاف إليها غرر ضرورة، وكذلك أجاز خيار ثلاثة ~~أيام فقط منع الاقتصار على الجنس فقط مالك والشافعي وابن حنبل - رضي الله ~~عنهم - لبعد العقد عن اللزوم بسبب توقع مخالفة الغرض عند الرؤية وأبو حنيفة ~~يقول لا ضرر عليه؛ لأن له الخيار فإن أضاف للجنس صفات السلم جوزه مالك وابن ~~حنبل ووافقاه على الجواز وألزما البيع إذ رآه موافقا ومنع الشافعي الصحة ~~للغرر وأثبت له الخيار أبو حنيفة عند الرؤية وإن وافق الصفة ومنع بيع ~~الحيوان على الصفة لعدم انضباطه بالصفة وهي سبب نفاسته وخساسته فالصفة عنده ~~في غير الحيوان توجب الصحة دون اللزوم، وعند الشافعي لا توجبهما، وعندنا ~~توجبهما حجة أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الجهل إنما وقع في الصفات دون ~~الذوات، ونهيه - عليه السلام - عن بيع المجهول إنما هو فيما جهلت ذاته؛ لأن ~~الجهل # PageV03P248 # بالذوات أقوى؛ لأن الصفة تبع للذات، ولقوله - عليه ~~السلام - «من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه» ؛ ولأنه عقد معاوضة فلا ~~يشترط فيه ms622 الصفة كالنكاح وباطن الصبرة والفواكه في قشرها وقياسا على الأخذ ~~بالشفعة فإنه لا يشترط معرفة أوصافه، والجواب عن الأول أن تفاوت المالية ~~إنما هو بتفاوت الصفات دون الذوات ومقصود الشرع حفظ المال عن الضياع، وعن ~~الثاني قال الدارقطني هو موضوع، وعن الثالث إنا نقلبه عليهم فنقول عقد ~~معاوضة فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح وكل من قال بانتفاء خيار الرؤية ~~قال باشتراط الصفة فتشترط، ثم الفرق سترة المخدرات عن الكشف لكل خاطب لئلا ~~يتسلط عليهن السفهاء وباطن الصبرة مساو لظاهرها، وليست صفات المبيع مساوية ~~لجنسه والعلم بأحد المتساويين علم بالآخر # (وعن الرابع) أن # PageV03P249 # الأخذ بالشفعة دفع للضرر فلا يلحق به ما لا ضرر فيه ~~حجة الشافعي - رضي الله عنه - القياس على السلم في المعين وإن وصف ونهيه - ~~عليه السلام - عن بيع المجهول # (والجواب عن الأول) الفرق بأن من شرط السلم أن يكون في الذمة والمعين لا ~~يكون في الذمة بدليل لو رآه وأسلم فيه لم يصح # (وعن الثاني) أن الصفة تنفي الجهالة لقوله تعالى {فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89] فأخبر تعالى أن رسوله ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان معروفا عندهم لأجل الإحاطة بصفته في ~~كتبهم وقياسا على السلم فهذا هو الفرق فمتى فقد شرط من هذه الشروط فهو مما ~~لا يجوز بيعه على الصفة (تنبيه) # حيث اشترطنا الصفات في الغائب أو السلم فينزل كل وصف على أدنى رتبة وصدق ~~مسماه لغة لعدم انضباط مراتب الأوصاف في الزيادة والنقص فيؤدي # PageV03P250 # ذلك للخصام والقتال والجهالة بالمبيع. # (الفرق الثامن والثمانون والمائة بين قاعدة تحريم بيع الربوي بجنسه وبين ~~قاعدة عدم تحريم بيعه بجنسه) متى اتحد جنس الربوي من الطرفين وكان معهما أو ~~مع أحدهما جنس آخر امتنع البيع عند مالك والشافعي وابن حنبل - رضي الله ~~عنهم - وجاز عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وتسمى هذه القاعدة بمد عجوة ~~ودرهم بدرهمين وشنع على أبي حنيفة - رضي الله عنه - فإنه على أصله ينبغي أن ~~يجوز بيع دينار بدينارين ms623 في قرطاس لاحتمال مقابلة الدينار الزائد بالقرطاس ~~وهو قد جوزه وهو شنيع لنا أن المضاف يحتمل أن يقابله من الآخر ما لا يبقى ~~بعد المقابلة إلا أقل من # PageV03P251 # مساوي المضاف إليه والمماثلة شرط والجهل بالشرط يوجب ~~الجهل بالمشروط فلا يقضي بالصحة؛ ولأنه ذريعة للتفاضل واتفق الجميع على ~~المنع إذا كان الربويان مستويين في المقدار ومع أحدهما عين أخرى؛ لأنها ~~تقابل من أحدهما جزءا فيبقى أحدهما أكثر من الآخر بالضرورة فيذهب ما يعتمد ~~عليه أبو حنيفة من حسن الظن بالمسلمين وفي مسلم عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه أتي بقلادة وهو بخيبر فيها ذهب وخرز فمنع بيعها حتى تفصل» وهو ~~يبطل مذهب الحنفية مضافا إلى الوجهين السابقين وأجابوا بأن قضية القلادة ~~واقعة عين لم يتعين المنع فيها لما ذكرناه، بل لأن الحلي الذي كان فيها كان ~~مجهول الزنة ونحن لا نجيزه مع الجهل بالزنة فإذا فصلت القلادة ووزنت علم ~~وزنها فجاز بيعها فلم، قلتم إن المنع ما كان لذلك والعمدة قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - # PageV03P252 # «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا مثلا ~~بمثل» فجعل الجميع على المنع إلا في حالة المماثلة وهذه الحالة غير معلومة ~~في صورة النزاع فوجب بقاؤها من المنع (فإن قلت) ظاهر حال المسلمين يقتضي ~~الظن بحصول المماثلة والظن كاف في ذلك كالطهارات وغيرها (قلت) لا نسلم أن ~~الظن يكفي في المماثلة في باب الربا، بل لا بد من العلم بشهادة الميزان ~~والمكيال وباب الربا أضيق من باب الطهارة فلا يقاس عليه. # (الفرق التاسع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتعين من الأشياء وقاعدة ~~ما لا يتعين في البيع ونحوه) اعلم أن العقود ثلاثة أقسام # (القسم الأول) يرد على الذمم، فيكون متعلقه الأجناس الكلية دون # PageV03P253 # أشخاصها فيحصل الوفاء بمقتضاها بأي فرد كان من ذلك ~~الجنس فإن دفع فردا منه فظهر مخالفته للعقد رجع بفرد غيره وتبينا أن ~~المعقود عليه باق في الذمة إلى الآن حتى يقبض من ذلك الجنس فرد مطابق للعقد ~~هذا متفق عليه # (القسم ms624 الثاني) مبيع مشخص الجنس فهذا معين وخاصته أنه إذا فات ذلك المشخص ~~قبل القبض انفسخ العقد اتفاقا واستثني من # PageV03P254 # المشخصات صورتان # (الصورة الأولى) النقود إذا شخصت وتعينت للجنس هل تتعين أم لا ثلاثة ~~أقوال # (أحدهما) تتعين بالشخص على قاعدة المشخصات، وقاله الشافعي وابن حنبل # (وثانيها) أنها لا تتعين وهو مشهور مذهب مالك، وقاله أبو حنيفة - رضي ~~الله عنهم أجمعين - # (وثالثها) تتعين إن شاء بائعها؛ لأنه أملك بها ولا مشيئة لقابضها فإن ~~اختص النقد بصفة نحو الحلي أو رواج السكة ونحوهما تعينت اتفاقا احتج ~~الشافعي - رضي الله عنه - بأمور # (أحدها) أن غرضه متعلق بها عند الفلس، والنقد المعين آكد من الذي في ~~الذمة لتشخصه فإذا تعين النقدان في الذمة وجب أن يتعينا إذا شخصا بطريق ~~الأولى # (وثانيها) أن الدين يتعين فلا يجوز نقله إلى ذمة أخرى فوجب أن يتعين ~~النقدان بالقياس على الدين # (وثالثها) أن ذوات الأمثال # PageV03P255 # كأرطال الزيت من خابية واحدة وأقفزة القمح من صبرة ~~واحدة لا يتعلق بخصوصياتها غرض، بل كل قفيز منها يسد مسد الآخر عند العقلاء ~~ومع ذلك فلو باعه قفيزا من أقفزة كيلت من صبرة واحدة أو رطلا من أرطال زيت ~~من جرة واحدة وجعله مورد العقد وعينه لم يكن له إبداله بغيره، بل يتعين ~~بالتعيين مع عدم الغرض فكذلك النقدان # (والجواب عن الأول) أن الفلس نادر والنادر ملحق بالغالب في الشرع # (وعن الثاني) أن الدين إنما تعين ولم يجز أن ينقله إلى ذمة أخرى؛ لأن ~~الذمم تختلف باللدد وقرب الإعسار فلذلك تعين الدين، ولو حصل في النقدين ~~اختلاف لتعينت أيضا اتفاقا وإنما الكلام عند عدم الاختلاف # (وعن الثالث) أن السلع وإن كانت ذوات أمثال فإنها مقاصد والنقدان وسيلتان ~~لتحصيل المثمنات، والمقاصد # PageV03P256 # أشرف من الوسائل إجماعا فلشرفها اعتبر تشخيصها وعين ~~النقد وإن قام غيره مقامه فأثر بشرفه في تعيين تشخيصه بخلاف الوسائل ضعيفة ~~فلم تؤثر في تعيين تشخيصها إذا قام غيرها مقامها ولم يختص بمعنى فيها فظهر ~~الفرق بينهما وفي الفرق ثلاث مسائل (المسألة الأولى) # مقتضى ms625 مذهب مالك وأبي حنيفة - رضي الله عنهما - أن خصوص النقدين لا ~~يملكان ألبتة بخلاف خصوصيات المثليات فإذا غصب غاصب من شخص دينارا لا يتمكن ~~من طلب خصوصه، بل يستحق الزنة والجنس دون الخصوص فالغاصب أن يعطيه دينارا ~~غيره وإن كره ربه إذا كان الدينار والذي يعطيه الغاصب حلالا مساويا للسكة ~~والمقاصد في الدينار المغصوب ولذلك إذا قال له في بيع المعاطاة بعني بهذا ~~الدرهم هذه السلعة فباعه إياها به له يمتنع من دفعه ويعطيه غيره؛ ولأن ~~الخصوص في أفراد النقدين لا يتعلق به ملك ولا يتناوله عقد، بل المستحق هو ~~الجنس والمقدار فقط دون خصوص ذلك الفرد وعلى هذا أيضا لا تكون العقود في ~~النقدين تتناول إلا الذمم خاصة ولا فرق عند الإمامين، ومن وافقهما بين قول ~~القائل بعني بدرهم وبين قوله بعني بهذا الدرهم ويعينه والعقد في الصورتين ~~إنما يرد على الذمة دون ما عين ونصوص المذهب تتقاضى ذلك من مالك والأصحاب ~~غير أنهم إذا قيل لهم إن خصوص النقدين في الشخص لا تملكه وإن خصوص كل دينار ~~لا يملك قد يستشنع ذلك وينكر وهو لازم على المذهب، وإذا كانت الخصوصيات لا ~~تملك كانت المعاملات بين الناس بالجنس والمقدار فقط فاعلم ذلك # PageV03P257 # المسألة الثانية) # قال العبدلي لا تتعين الدنانير والدراهم في مذهب مالك إلا في مسألتين ~~الصرف والكراء، وقال الشيخ أبو الوليد في المقدمات النقدان يتعينان ~~بالتعيين في الصرف عند مالك وجمهور أصحابه وإن لم تعين تعينت بالقبض ~~وبالمفارقة ولذلك جاز الرضى بالزائف في الصرف. # وقال سند في الطراز إذا لم يتعين النقدان فالعقد إنما يتناول التسليم ~~فإذا قبض في الصرف رديئا، وقد افترقا قبل القبض لا يتناوله العقد فيفسد فإن ~~قلنا بأن القبض يبرئ الذمة وتعين صح العقد والطارئ بعد ذلك استحقاق أو عيب ~~أو حكم متجدد لنفي الظلامة كعقد النكاح مبرم مفيد للميراث وحل الوطء، وإذا ~~ظهر بعد الموت عيب بأحد الزوجين يوجب الرد فإذا رضي بالعيب بقي العقد على ~~حاله وإن كره الآخر وإن أراد البدل ms626 منعه مالك إلا أن يدلس بائعه وفي ~~المسألة خلاف في كتب الفروع واعلم أن استثناء هاتين المسألتين يحوج إلى ذكر ~~الفرق بينهما وبين سائر المسائل أما الصرف فيمكن أن يقال إنما قال فيه مالك ~~بالتعيين فلضيق بابه وأمر الشرع بسرعة القبض ناجزا للتعيين وذلك مناسب ~~للتضييق؛ لأن التعيين يحصل مقصود القبض ناجزا بخلاف إذا قلنا إن الصرف إنما ~~ورد على الذمة فاحتمل أن يكون هذا القبض مبرئا لما في الذمة إن كان موافقا ~~وأن لا يكون فبالتعيين يحصل الجزم بالقبض والتناجز. # وأما الكراء فيصعب الفرق بينه وبين غيره وغايته أن يقال فيه إن الكراء ~~يرد على المنافع المعدومة فلو كان النقدان لا يتعينان لكان الكراء أيضا في ~~الذمة فيشبه بيع الدين بالدين وهو حرام بخلاف جميع الأعيان فإنها تتعين غير ~~أن هذا الفرق يشكل فإنه يجوز الكراء على الذمة تصريحا ويعينه بعد ذلك فيطلب ~~له فرق يليق به (المسألة الثالثة) # إذا جرى غير النقدين مجراهما في المعاملة كالفلوس أو غيرها قال سند من # PageV03P258 # أجرى الفلوس مجرى النقدين في تحريم الربا جعلها ~~كالنقدين ومنع البدل في الصرف إذا وجد بعضها رديئا قال مالك في المدونة إذا ~~اشتريت فلوسا بدراهم فوجدت بعد التفرق بعض الفلوس رديئا استحق البدل للخلاف ~~فيها، وهذا على مذهبه أن الفلوس يكره الربا فيها من غير تحريم وفيها ثلاثة ~~أقوال، التحريم والإباحة والكراهة والصورة الثانية المستثناة المشخصات ما ~~قاله ابن القاسم في المدونة إذا كان لك دين على أحد لا يجوز أن تأخذ فيه ~~سكنى دار أو خدمة عبد أو ثمرة يتأخر قبضها وإن عينت جميع ذلك وأجراه مجرى ~~فسخ الدين في الدين لأجل صورة التأخر في القبض وإن عين محل المعاوضة فمن ~~هذا الوجه أشبه الدين، وقال أشهب يجوز ذلك لأجل التعيين، والتعين لا يكون ~~إلا في الذمة وما لا يكون في الذمة لا يكون دينا، فليس ها هنا فسخ الدين في ~~الدين وهو أوجه # (القسم الثالث) من التقسيم لا هو معين مطلقا ولا هو غير معين ms627 مطلقا، بل ~~أخذ شبها من الطرفين وهو بيع الغائب على الصفة فمن جهة أنه غير مرئي أشبه ~~ما في الذمة ولذلك قيل ضمانه من البائع ومن جهة أن العقد لم يقع على جنس، ~~بل على مشخص معين أشبه المعين من هذا الوجه ولذلك قيل ضمانه من المشتري قال ~~القاضي عبد الوهاب المبيع على ثلاثة أقسام سلم في الذمة وغائب على الصفة ~~وحاضر معين فهذه أقسام ما يتعين وما لا يتعين، والفرق بينهما مبسوط. # (الفرق التسعون والمائة بين قاعدة ما يدخله ربا الفضل وبين قاعدة ما لا ~~يدخله ربا الفضل) والضابط عندنا له هو الفرق بين القاعدتين الاقتيات ~~والادخار في الجنس الواحد هذا هو مذهب مالك - رحمه الله - وقصره أرباب ~~الظاهر على الأشياء الستة التي جاءت في الحديث قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الصحيحين «لا تبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر ~~بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل سواء ~~بسواء يدا بيد، وإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» ~~فقالوا يحرم ربا الفضل في هذه الستة لهذا الحديث ويجوز في غيرها لقوله ~~تعالى {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] ، وجوابهم قوله تعالى {وحرم الربا} ~~[البقرة: 275] والربا الزيادة وهذه زيادة، وقال ابن عباس وجماعة من الصحابة ~~- رضي الله عنهم أجمعين - كزيد بن أرقم وغيره لا يحرم ربا الفضل لقوله - ~~عليه السلام - # PageV03P259 # «إنما الربا في النسيئة» وهذه صيغة حصر تقتضي انحصار ~~الربا المحرم في النسيئة فلا يحرم الفضل وجوابهم القول بالموجب لما روي أنه ~~- عليه السلام - «سئل عن مبادلة الذهب بالفضة والقمح بالشعير فقال إنما ~~الربا في النسيئة ولا يحرم ما ذكرتم إلا أن يتأخر» فسمع الجواب دون السؤال، ~~ولو لم يثبت هذا فالقاعدة في أصول الفقه أن العام في الأشخاص مطلق الأزمنة ~~والأحوال والبقاع والمتعلقات، وهذا النص عام في أفراد الربا مطلق فيما يقع ~~فيه فيحمل على اختلاف الجنس جمعا بين الأدلة والمطلق إذا عمل به في صورة ~~سقط الاستدلال به فيما عدا. # وقال ابن ms628 سيرين الجنس الواحد هو الضابط والعلة في منع الربا فلا يجوز ~~التفاضل في جنس على الإطلاق كان طعاما أو غيره لذكره - عليه السلام - ~~أجناسا لا تجمعها علة واحدة لم تبق إلا الجنسية؛ ولأن المعاوضة تقتضي ~~المقابلة وفي الجنس الواحد يكون الزائد لا مقابل له فلم يتحقق موجب العقد، ~~والقاعدة أن كل عقد لا يفيد مقصوده يبطل وجوابه ما في الصحيحين «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - هاجر إليه عبد فاشتراه بعبدين من سيده» ~~ولقضائه - صلى الله عليه وسلم - على أشياء مختلفة الأسماء فلو كان المراد ~~الجنسية لقال - صلى الله عليه وسلم - لا تبيعوا جنسا واحدا بجنسه إلا مثلا ~~بمثل؛ لأنه اللائق بفصاحته - صلى الله عليه وسلم - والمعاوضة تتبع غرض ~~المتعاقدين فقد يقصد جعل الجملة قبالة الجملة فلا يخرج شيء، وقال ربيعة - ~~رضي الله عنه - الضابط لربا الفضل أن يكون مما تجب فيه الزكاة فلا يباع ~~بعير ببعير ويرد عليه ورود النص في الملح، وليس بزكوي وخصصه الشافعي - رحمه ~~الله - بما يكال أو يوزن من الطعام والشراب من الجنس الواحد؛ لأن ذلك مشترك ~~بين الستة الواردة في الحديث. # والحكم المشترك تكون علته مشتركة ورجع إلى العلة الطعم في الجنس الواحد ~~إن كان قوتا وإداما أو فاكهة أو دواء الآدميين دون ما تأكله البهائم فإن ~~أكله الآدميون وغيرهم روعي الأغلب فإن لم يكن طعاما للآدميين كالورد ~~والرياحين ونوى التمر لم يدخله الربا لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الطعام ~~بالطعام مثلا بمثل» رتب منع التفاضل على اسم الطعام وترتيب الحكم على ~~الوصف، يقتضي علية ذلك الوصف لذلك الحكم نحو {الزانية والزاني فاجلدوا} ~~[النور: 2] {والسارق والسارقة فاقطعوا} [المائدة: 38] وسيأتي جوابه وخصصه # PageV03P260 # أبو حنيفة بما يكال أو يوزن من الجنس الواحد، ولو كان ~~ترابا؛ لأن المذكورات في الحديث الأطعمة مكيلات، ولقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - في بعض الطرق، وكذا كل ما يكال أو يوزن قال سند في الطراز قال ~~القاضي إسماعيل وجماعة العلة كونه مقتاتا فيمتنع الربا في الملح والبيض دون ~~الفواكه اليابسة؛ لأنها لا ms629 تقتات وهو جار على ظاهر المذهب، وعن مالك - رحمه ~~الله - الادخار مع الاقتيات فلا ربا في الفواكه اليابسة كاللوز والجوز ولا ~~في البيض؛ لأنه لا يدخر قال: وقال الباجي هو أجري على المذهب، وعن مالك في ~~الموطإ أن العلة الأكل والادخار مع اتحاد الجنس فيجري الربا في الفواكه ~~اليابسة وعلى هذه يختلف فيما يقل ادخاره كالخوخ والرمان فأجرى ابن نافع فيه ~~الربا نظرا لجنسه وأجازه مالك في الكتاب نظرا للغالب وعلى هذه المذاهب ~~الثلاث فلا يجري الخلاف في التفاح والرمان والكمثرى والخوخ الرطب إنما ~~الخلاف في يابسها ولأصحابنا في الملح ثلاثة مذاهب منهم من علله بالاقتيات ~~وصلاح القوت فألحقوا به التوابل. # وقيل بالأكل والادخار، وقيل بكونه إداما فلا يلحق به الفلفل ونحوه، وقال ~~أبو الطاهر، وعن عبد الملك التعليل بالمالية، وقيل الاقتيات والادخار مع ~~كونه غالب العيش وفي الجواهر المعلول عليه في المذهب مجموع الاقتيات ~~والادخار وألزمنا الشافعية على تعليل الملح بإصلاح الأقوات جريان الربا في ~~الأقاوية، والأحطاب والنيران؛ لأنها مصلحة للأقوات وجوابه أنا لا نقتصر على ~~مطلق الإصلاح، بل نقول هو قوت مصلح وهذه ليست قوتا ونلزم الربا في الأقاوية ~~فهذه اثنا عشر مذهبا منها عشرة في علة الربا منع الربا مطلقا إلا في النساء ~~منعه في النساء مع المنصوص عليه فهذان مذهبان لا تعليل فيهما والعشرة في ~~التعليل هي تعليله بالجنس تعليله بكونه زكويا تعليله بكونه مكيلا أو موزونا ~~تعليله بكونه مكيلا تعليله بكونه مطعوما تعليله بكونه مقتاتا تعليله بكونه ~~مقتاتا مدخرا تعليله بالأكل والادخار مع اتحاد الجنس تعليله بالمالية ~~تعليله بالاقتيات والادخار مع الغلبة ومن الأصحاب من علل البر بالقوت غالبا ~~والشعير بالقوت عند الضرورة والتمر بالتفكه غالبا والملح بإصلاح القوت ~~فيحصل في المذهب قولان هل العلة في الجميع واحدة أو متعددة، واختلف الأصحاب ~~أيضا هل اتحاد الجنس جزء علة للتوقف عليه أو شرط في اعتبار العلة لعروه عن ~~المناسبة وهو الصحيح # PageV03P261 # حجتنا على الفرق كلها أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل ~~التحريم أصلا في الحديث إلا ms630 ما استثناه من المماثلة. # وليس المراد المماثلة في الجنس لاختلاف صفاته فتعين المقدار وهذه الأربعة ~~هي أقواتهم بالحجاز فالبر للرفاهية فلو اقتصر عليه لقيل المراد قوت ~~الرفاهية فذكر الشعير لينبه به على قوت الشدة، وذكر التمر لينبه به على ~~المقتات من الحلاوات كالزيت والعسل والسكر، وذكر الملح لينبه به على مصلح ~~الأقوات واشتركت كلها في الاقتيات والادخار والطعم وهي صفات شرف يناسب أن ~~لا يبدل الكثير من موصوفها بالقليل منه صونا للشريف عن الغبن فيذهب الزائد ~~هدرا؛ ولأن الشرف يقتضي كثرة الشروط وتمييزه عن الخسيس كتمييز النكاح عن ~~ملك اليمين بالشروط كالولي والشهود والصداق والإعلان، وكذلك الملوك لا تكثر ~~الحراس إلا على الخزائن النفيسة فكلما عظم شرف الشيء عظم خطره عقلا وشرعا ~~وعادة وجاز التفاضل في الجنسين وإهدار الزائد لمكان الحاجة في تحصيل ~~المفقود وامتنع النساء إظهارا لشرف الطعام، فيكون للطعام مزية على غيره ~~وللمقتات منه شرف على غير المقتات لعظم مصلحته في نوع الإنسان وغيره من ~~الحيوان وهو سبب بقاء الأبنية الشريفة لطاعة الله مع طول الأزمان فناسب ~~جميع ذلك الصون عن الضياع بأن لا يبدل كثيرها تقليلها فيضيع الزائد أيضا من ~~غير عوض. # وهذا أيضا سبب تحريم الربا في النقدين؛ لأنهما رءوس الأموال وقيم ~~المتلفات، وقيم المتلفات شرفا بذلك عن بذل الكثير في القليل فيضيع الزائد ~~فشدد فيهما فشرط التساوي والحضور والتناجز في القبض، وتعليل أبي حنيفة ~~بالكيل طردي فيقدم عليه المناسب وتعليل الشافعي بالطعم داخل فيما ذكرناه ~~فهو مهمل لبعض المناسب بخلافنا، بل أهمل أفضل الأوصاف وهو الاقتيات ولم ~~يعتبره إلا مالكا - رضي الله عنه - وهذه القاعدة تعرف بتخريج المناط وهي أن ~~الحكم إذا ورد مقرونا بأوصاف فإن كانت كلها مناسبة كان الجميع علة أو بعضها ~~كان علة واحدة فأسعد الناس أرجحهم تخريجا، وعلة مالك أرجح لسبعة أوجه، ~~أحدها أنها صفة ثابتة والكيل عارض وأنها صفة مختصة والكيل وغيره غير مختص ~~وأنها المقصودة عادة من هذه الأعيان وغيرها ليس كذلك وأنها جامعة للأوصاف ~~المناسبة كلها وأنها سابقة ms631 على الحكم، والكيل لاحق مخلص من الربا كالقبض؛ ~~لأنه علته وأنها جامعة للقليل والكثير كما في النقدين، # PageV03P262 # والكيل يمتنع في التمرة والتمرتين ونحوهما وأنها تختص ~~بحالة الربا دون حالة كون الحبوب حشيشا ابتداء ورمادا انتهاء، والكيل غير ~~مختص. # (تنبيه) # القياس في الربويات اختلف فيه هل هو قياس شبه أو قياس علة فقياس العلة ~~يكون الجامع فيه وصفا مناسبا كالإسكار بين الخمر والنبيذ فإن فساد العقل ~~مناسب للتحريم لعظم المفسدة فيه وقياس الشبه أما في شبه الحكم كقياس الوضوء ~~على التيمم في وجوب النية؛ لأنهما طهارتان، والطهارة حكم شرعي أو الشبه في ~~الصورة كقياس الخل على الدهن في منع إزالة النجاسة به أو في المقاصد كقياس ~~الأرز على البر بجامع اتحادهما في المقصود منهما عادة وإن لم نطلع على أن ~~ذلك المقصد يناسب منع الربا فإن ضابط المناسب ما يتوقع من ترتيب الحكم عليه ~~حصول مصلحة أو درء مفسدة كترتيب تحريم الخمر على الإسكار لدرء مفسدة ذهاب ~~العقل وإيجاب القصاص لتحصيل مصلحة حفظ النفس فهل المناسبة حاصلة من كون هذه ~~الأعيان شريفة بالقوت أو رءوس الأموال وقيم المتلفات فناسب أن لا يبدل واحد ~~منها باثنين. # ويناسب أيضا تكثير الشروط كما تقدم بيانه أو يقال هذا شبه والأظهر أنه من ~~باب قياس العلة لا من باب قياس الشبه (تنبيه) قال ابن رشد في كتاب القواعد ~~الذين قصروا الربا على الستة إما منكرو القياس وهم الظاهرية أو منكرو قياس ~~الشبه خاصة وأن القياس في هذا الباب شبه فلم يقولوا به وهو القاضي أبو بكر ~~الباقلاني فلا جرم لم يلحق بما ذكر في الحديث إلا الزبيب فقط؛ لأنه من باب ~~لا فارق وهو قياس المعنى وهو غير قياس الشبه وقياس العلة؛ لأنه مثل إلحاق ~~الذكور بالإناث من الرقيق في تشطير الحدود؛ لأن قوله تعالى {فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] لم يتناول الذكور فألحقوا بهن لعدم ~~الفارق خاصة لا لحصول الجامع، وكذلك ألحق بالعبد الأمة في التقويم في العتق ~~لقوله - صلى الله ms632 عليه وسلم - «من أعتق شركا له في عبد» فلحق به الأمة؛ ~~لأنه لا فارق بينهما فهذا نوع آخر غير قياس الشبه وقياس المعنى لم يجزه ~~القاضي أبو بكر إلا بين التمر والزبيب دون بقية الستة فهذا تلخيص الفرق بين ~~قاعدة ما فيه الربا وقاعدة ما لا ربا فيه وحكاية المذاهب في ذلك ومداركها ~~ليحصل الاطلاع على جميع ذلك # PageV03P263 # # [الفرق بين قاعدة اتحاد الجنس وتعدده في باب ربا الفضل] # (الفرق الحادي والتسعون والمائة بين قاعدة اتحاد الجنس وتعدده في باب ربا ~~الفضل فإنه يجوز مع تعدده) اعلم أن الله تعالى جعل الدنيا مزرعة للآخرة ~~ومطية للسعادة الأبدية فهذا هو المقصود منها وما عداه فمعزول عن مقصد ~~الشارع في الشرائع فلذلك يعتبر في نظر الشرع من الربويات ما هو عماد ~~الأقوات وحافظ قانون الحياة ومقيم بنية الأشباح التي هي مراكب الأرواح إلى ~~دار القرار ويلغى تفاوت الجودة والرداءة؛ لأنه داعية السرف ولا يقصد إلا ~~للترف فلو رتب الشرع عليه أحكامه لكان ذلك دليل اعتباره ومنها على رفعة ~~قدره ومناره وهو خلاف الوضع الشرعي والقانون الحكمي فلذلك تساوت الألوان من ~~الأطعمة في الجنسية؛ لأن مهمها الإدام وتساوت الأخباز؛ لأن مهمها الاغتذاء ~~وعلى هذه القاعدة بنى العلماء - رضي الله عنهم - اتحاد الأجناس واختلافهما ~~وإن كثرت فروع هذا الباب وانتشرت فهي راجعة إلى هذه القاعدة ومنها قاعدة ~~أخرى في الفرق قال أبو الطاهر الصفة إذا كثرت أو بعد الزمان صيرت الجنس ~~الواحد جنسين وإن قلت وقرب الزمان لم تصيره على أصل المذهب وإن كانت بنار ~~وتنقص المقدار بغير إضافة شيء لم تصير جنسين كشي اللحم وتجفيفه وطبخه من ~~غير مرقة ومنه تجفيف التمر والزبيب أو بإضافة شيء إليه صيرته جنسين كتخفيف ~~اللحم بالأبزار والطبخ بالمرقة وإن كانت النار لا تنقص المقدار صيرته جنسين ~~كقلي القمح والخبز وإن كانت الصناعة بغير نار وطال الزمان فقولان المشهور ~~تأثيرها كخل التمر وخل الزبيب وإن لم يطل الزمان فالمشهور عدم التأثير، ~~والشاذ التأثير كالنبيذ من التمر والزبيب والنظر في ms633 ذلك كله إلى الأغراض في ~~التفاوت في المقاصد والتقارب فيها. # (الفرق الثاني والتسعون والمائة بين قاعدة ما يعد تماثلا شرعيا في الجنس ~~الواحد وما لا يعد تماثلا) الضابط في المماثلة في الحبوب الجافة ما اعتبره ~~صاحب الشرع من كيل أو وزن كما جاء في الحديث البر بصيغة الكيل في البيع وفي ~~الزكاة بالأوسق وصرح في النقدين بالوزن لقوله: - عليه السلام - «ليس فيما ~~دون خمس أواق من الفضة صدقة» وما ليس فيه معيار شرعي اعتبرت فيه العادة ~~العامة هل يكال أو # PageV03P264 # يوزن فإن اختلفت العوائد فعادة البلد فإن جرت العادة ~~بالوجهين خير فيهما ووافقنا أبو حنيفة - رضي الله عنه -. # وقال الشافعي - رضي الله عنه - ما كان يكال أو يوزن بالحجاز اعتبر بتلك ~~الحالة لقوله - عليه السلام - «المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل ~~مكة» فذكر أحد البلدين تنبيها على الآخر ليرد البلاد إليهما وما تعذر كيله ~~اعتبر فيه الوزن وإن أمكن الوجهان ألحق بمشابهه في الحجاز كجزاء الصيد فإن ~~شابه أمرين نظر إلى الأغلب فإن استويا قيل يغلب الوزن؛ لأنه أحصر، وقيل ~~يجوز الوجهان نظرا للتساوي، وقيل يمتنع بيعه لتعذر الترجيح هذا مذهب ~~الشافعي - رضي الله عنه - لنا أن لفظ الشرع يحمل على عرفه فإن تعذر حكمت ~~فيه العوائد كالأيمان والوصايا وغيرها فهذا تلخيص الفرق وباعتباره يظهر ~~بطلان قول من جوز بيع القمح بالدقيق وزنا فإن عادة القمح الكيل فاعتبار ~~التماثل فيه بالوزن غير معتبر، بل ذلك سبب الربا فإن القمح الرزين يقل كيله ~~ويكثر وزنه والخفيف بالعكس، وقس على هذه القاعدة بقية فروعها ولا تخرج ~~عنها. # (الفرق الثالث والتسعون والمائة بين قاعدة المجهول وقاعدة الغرر) اعلم أن ~~العلماء قد يتوسعون في هاتين العبارتين فيستعملون إحداهما موضع الأخرى وأصل ~~الغرر هو الذي لا يدرى هل يحصل أم لا كالطير في الهواء والسمك في الماء. # وأما ما علم حصوله وجهلت صفته فهو المجهول كبيعه ما في كمه فهو يحصل قطعا ~~لكن لا يدرى أي شيء هو فالغرر والمجهول كل واحد منهما أعم ms634 من الآخر من وجه ~~وأخص من وجه فيوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه أما وجود الغرر بدون ~~الجهالة فكشراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق لا جهالة فيه وهو غرر؛ لأنه ~~لا يدري هل يحصل أم لا، والجهالة بدون الغرر كشراء حجر يراه لا يدري أزجاج ~~هو أم ياقوت مشاهدته تقتضي القطع بحصوله فلا غرر، وعدم معرفته تقتضي ~~الجهالة به. # وأما اجتماع الغرر والجهالة فكالعبد الآبق المجهول الصفة قبل الإباق، ثم ~~الغرر والجهالة يقعان في سبعة أشياء في الوجود كالآبق قبل الإباق، والحصول ~~إن علم الوجود كالطير في الهواء وفي الجنس كسلعة لم يسمها وفي النوع كعبد ~~لم يسمه وفي المقدار كالبيع إلى مبلغ رمي الحصاة وفي التعيين كثوب من ثوبين ~~مختلفين وفي البقاء كالثمار قبل بدو صلاحها فهذه سبعة موارد للغرور ~~والجهالة، ثم الغرر والجهالة ثلاثة أقسام كثير ممتنع إجماعا كالطير # PageV03P265 # في الهواء وقليل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة ~~ومتوسط اختلف فيه هل يلحق بالأول أو الثاني فلارتفاعه عن القليل ألحق ~~بالكثير ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل، وهذا هو سبب اختلاف العلماء في ~~فروع الغرر والجهالة (فائدة) # أصل الغرر لغة قال القاضي عياض - رحمه الله - هو ما له ظاهر محبوب وباطن ~~مكروه، ولذلك سميت الدنيا متاع الغرور قال، وقد يكون من الغرارة وهي ~~الخديعة ومنه الرجل الغر بكسر الغين للخداع ويقال للمخدوع أيضا ومنه قوله - ~~عليه السلام - «المؤمن غر كريم» . # (الفرق الرابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما يسد من الذرائع وقاعدة ما ~~لا يسد منهما) اعلم أن الذريعة هي الوسيلة للشيء وهي ثلاثة أقسام منها ما ~~أجمع الناس على سده ومنها ما أجمعوا على عدم سده ومنها ما اختلفوا فيه، ~~فالمجمع على عدم سده كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر والتجاور في البيوت ~~خشية الزنا فلم يمنع شيء من ذلك، ولو كان وسيلة للمحرم، وما أجمع على سده ~~كالمنع من سب الأصنام عند من يعلم أنه يسب الله تعالى حينئذ، وكحفر الآبار ~~في طرق المسلمين إذا علم وقوعهم ms635 فيها أو ظن وإلقاء السم في أطعمتهم إذا علم ~~أو ظن أنهم يأكلونها فيهلكون والمختلف فيه كالنظر إلى المرأة؛ لأنه ذريعة ~~للزنا، وكذلك الحديث معها ومنها بيوع الآجال عند مالك - رحمه الله - ويحكى ~~عن المذهب المالكي اختصاصه بسد الذرائع، وليس كذلك، بل منها ما أجمع عليه ~~كما تقدم وحينئذ يظهر عدم فائدة استدلال الأصحاب على الشافعية في سد ~~الذرائع بقوله تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا ~~بغير علم} [الأنعام: 108] وبقوله تعالى {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت} [البقرة: 65] فذمهم لكونهم تذرعوا للصيد يوم السبت المحرم عليهم ~~بحبس الصيد يوم الجمعة وبقوله - عليه السلام - «لعن الله اليهود حرمت عليهم ~~الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف ~~مفترقين وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا، ولقوله - عليه السلام - «لا يقبل ~~الله شهادة خصم ولا ظنين» خشية الشهادة بالباطل ومنع شهادة الآباء للأبناء ~~والعكس، فهذه وجوه كثيرة يستدلون بها وهي لا تفيد فإنها تدل على اعتبار ~~الشرع سد الذرائع في الجملة، وهذا مجمع عليه وإنما النزاع في الذرائع خاصة ~~وهي بيوع الآجال ونحوها فينبغي أن تذكر أدلة خاصة لمحل النزاع وإلا فهذه لا ~~تفيد وإن قصدوا القياس على هذه الذرائع المجمع عليها فينبغي أن يكون حجتهم ~~القياس خاصة ويتعين حينئذ عليهم إبداء الجامع # PageV03P266 # حتى يتعرض الخصم لدفعه بالفارق ويكون دليلهم شيئا ~~واحدا وهو القياس وهم لا يعتقدون أن مدركهم هذه النصوص، وليس كذلك فتأمل ~~ذلك، بل يتعين أن يذكروا نصوصا أخر خاصة بذرائع بيوع الآجال خاصة ويقتصرون ~~عليها، نحو ما في الموطإ أن أم ولد زيد بن أرقم قالت لعائشة - رضي الله ~~عنها - يا أم المؤمنين إني بعت من زيد بن أرقم عبدا بثمانمائة درهم إلى ~~العطاء واشتريته بستمائة نقدا فقالت عائشة - رضي الله عنها - بئس ما شريت ~~وبئس ما اشتريت أخبري زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا أن يتوب قالت أرأيتني إن أخذته برأس مالي فقالت عائشة - ~~رضي ms636 الله عنها - {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} ~~[البقرة: 275] فهذه هي صورة النزاع، وهذا التغليظ العظيم لا تقوله - رضي ~~الله عنها - إلا عن توقيف فتكون هذه الذرائع واجبة السد وهو المقصود # (سؤال) زيد بن أرقم من خيار الصحابة والصحابة - رضي الله عنهم - كلهم ~~عدول سادة أتقياء فكيف يليق به فعل ما يقال فيه ذلك # (جوابه) قال صاحب المقدمات أبو الوليد بن رشد هذه المبايعة كانت بين أم ~~ولد زيد بن أرقم ومولاها قبل العتق فيتخرج قول عائشة - رضي الله عنها - على ~~تحريم الربا بين السيد وعبده مع القول بتحريم هذه الذرائع ولعل زيد بن أرقم ~~لا يعتقد تحريم الربا بين السيد وعبده قال ولا يحل لمسلم أن يعتقد في زيد ~~أنه وطئ أم ولده على شراء الذهب بالذهب متفاضلا إلى أجل # (سؤال) إذا قلنا بالتحريم على رأي عائشة - رضي الله عنها - فما معنى ~~إحباط الجهاد وإحباط الأعمال لا يكون إلا بالشرك # (جوابه) أن الإحباط إحباطان إحباط إسقاط وهو إحباط الكفر للأعمال الصالحة ~~فلا يفيد شيء منها معه وإحباط موازنة وهو وزن العمل الصالح بالسيئ فإن رجح ~~السيئ فأمه هاوية والصالح فهو في عيشة راضية كلاهما معتبر غير أنه يعتبر ~~أحدهما بالآخر ومع الكفر لا عبرة ألبتة فالإحباط في الأثر إحباط موازنة بقي ~~كيف يحبط هذا الفعل جملة ثواب الجهاد قلت له معنيان # (أحدهما) أن المراد المبالغة في الإنكار لا التحقيق # (وثانيها) أن مجموع الثواب المتحصل من الجهاد ليس باقيا بعد هذه السببية، ~~بل بعضه، فيكون الإحباط في المجموع من حيث هو مجموع وظاهر الإحباط والتوبة ~~أنه معصية أما يترك التعلم لحال هذا العقد قبل القدوم عليه؛ لأنه اجتهد فيه ~~ورأت أن اجتهاده مما يجب نقضه وعدم إقراره فلا يكون حجة له أو هو ممن يقتدى ~~به # PageV03P267 # فخشيت أن يقتدي به الناس فينفتح باب الربا بسببه، ~~فيكون ذلك في صحيفته فيعظم الإحباط في حقه ومن هذا الباب في الإحباط قوله - ~~عليه السلام - «من ترك صلاة ms637 العصر فقد حبط عمله» أي بالموازنة ووافقنا أبو ~~حنيفة وابن حنبل في سد ذرائع بيوع الآجال التي هي صورة النزاع وإن خالفنا ~~في تفصيل بعضها. # وقال أبو حنيفة يمتنع بيع السلعة من أب البائع بما تمتنع به من البائع ~~وخالفنا الشافعي - رضي الله عنه - واحتج بقوله تعالى {وأحل الله البيع وحرم ~~الربا} [البقرة: 275] وبما جاء في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «أتي بتمر جنيب فقال أتمر خيبر كله هكذا فقالوا إنا نبتاع الصاع ~~بالصاعين من تمر الجمع فقال - عليه السلام - لا تفعلوا هذا، ولكن بيعوا تمر ~~الجمع بالدراهم واشتروا بالدراهم جنيبا» فهو بيع صاع بصاعين وإنما توسط ~~بينهما عقد الدراهم فأبيح والجواب عن الأول أن ما ذكرناه خاص وما ذكرتموه ~~عام والخاص مقدم على العام على ما تقرر في علم الأصول، وعن الثاني إنا إنما ~~امتنع أن يكون العقد الثاني من البائع الأول، وليس ذلك مذكورا في الخبر مع ~~أن بيع النقد إذا تقابضا فيه ضعفت التهمة وإنما المنع حيث تقوى واحتج أيضا ~~بأن العقد المقتضي للفساد لا يكون فاسدا إذا صحت أركانه كبيع السيف من قاطع ~~الطريق والعنب من الخمار مع أن الفساد في قطع الطريق أعظم من سلف جر نفعا ~~لما فيه من ذهاب النفوس والأموال، وجوابه أن الفساد ليس مقصودا للقصد ~~بالذات بخلاف عقود صور النزاع فإن تلك الأعراض الفاسدة هي الباعثة على ~~العقد؛ لأنه المحصل لها والبيع ليس محصلا لقطع الطريق وعمل الخمر. # (تنبيه) # قال اللخمي اختلف في وجه المنع في بيوع الآجال أبو الفرج؛ لأنها أكثر ~~معاملات أهل الربا. # وقال ابن مسلمة: بل سدا لذرائع الربا فعلى الأول من علم من عادته تعمد ~~الفساد حمل عقده عليه وإلا أمضي فإن اختلفت العادة منع الجميع وإن كان من ~~أهل الدين والفضل وعليه يحمل قول عائشة - رضي الله عنها - فإن زيدا من أبعد ~~الناس عن قصد الربا قال في الجواهر وضابط هذا الباب أن المتعاقدين إن كانا ~~يقصدان إظهار ما يجوز ليتوصلا به إلى ms638 ما لا يجوز فيفسخ العقد إذا كثر القصد ~~إليه اتفاقا من المذهب كبيع وسلف جر نفعا فإن بعدت التهمة بعض البعد وأمكن ~~القصد إليه كدفع الأكثر مما فيه ضمان وأخذ الأقل منه إلى أجل فقولان ~~مشهوران فأما مع ظهور ما يبرئ من التهمة لكن فيه صورة المتهم عليه كما لو ~~تصور العين بالعين غير يد بيد # PageV03P268 # وتظهر البراءة بتعجيل الأكثر فجائز لانتفاء التهمة، ~~وقيل يمتنع حماية للذريعة والأصل أن ينظر ما خرج من اليد وما خرج إليها فإن ~~جاز التعامل به صح وإلا فلا ولا تعتبر أقوالهما، بل أفعالهما فقط فهذا هو ~~تلخيص الفرق بين الذرائع التي يجب سدها والذرائع التي لا يجب سدها والخلاف ~~فيه والوفاق والمدرك في ذلك. # (الفرق الخامس والتسعون والمائة بين قاعدة الفسخ وقاعدة الانفساخ) فالفسخ ~~قلب كل واحد من العوضين لصاحبه والانفساخ انقلاب كل واحد من العوضين لصاحبه ~~فالأول فعل المتعاقدين أو الحاكم إذا ظفروا بالعقود المحرمة والثاني صفة ~~العوضين فالأول سبب شرعي والثاني حكم شرعي فهذان فرعان فالأول من جهة ~~الموصوفات والثاني من جهة الأسباب والمسببات وبتحريم هذا الفرق رددنا على ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - في جعل الخلع فسخا لعدم تعيين انقلاب الصداق ~~لباذله، بل يجوز بغير الصداق إجماعا فحقيقة الفسخ منتفية. # (الفرق السادس والتسعون والمائة بين قاعدة خيار المجلس وقاعدة خيار ~~الشرط) المجلس عند من قال به هو من خواص عقد البيع وما في معناه من غير ~~شرط، بل هو من اللزوم وخيار الشرط عارض عند اشتراطه وينتفي عند انتفاء ~~الاشتراط واعلم أن الأصل في العقود اللزوم؛ لأن العقود أسباب لتحصيل ~~المقاصد من الأعيان، والأصل ترتيب المسببات على أسبابها وخيار المجلس عندنا ~~باطل والبيع لازم بمجرد العقد تفرقا أم لا، وقاله أبو حنيفة. # وقال الشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهما - بعدم لزوم العقد وخيار المجلس ~~حتى يتفرقا أو يختار الإمضاء وحكاه أبو الطاهر عن ابن حبيب منا، وكذلك ~~الإجارة والصرف والسلم والصلح على غير جنس الحق وهو حطيطة لا بيع، وكذلك ~~القسمة ms639 بناء على أنها بيع واعتمد مالك وأبو حنيفة على الأصل المتقدم أن ~~الأصل في العقود اللزوم لذوي # PageV03P269 # الحاجات من الأعواض فإن العقد لا يقع إلا لحاجة ولا ~~تندفع الحاجة إلا بالتخيير واحتج الشافعي، ومن وافقه بما في البخاري وغيره ~~قال - صلى الله عليه وسلم - «المتعاقدان بالخيار ما لم يتفرقا إلا ببيع ~~الخيار أو يقول أحدهما للآخر اختر» ولنا عنه عشرة أجوبة # (الأول) حمل المتبايعين على المتشاغلين بالبيع مجازا يدل عليه ما سيأتي ~~من الأدلة ويكون الافتراق بالأقوال # (الثاني) أن أحد المجازين لازم في الحديث لنا إن حملنا المتبايعين على ~~حالة المبايعة كان حقيقة؛ لأن اسم الفاعل لا يصدق حقيقة الإحاطة الملابسة ~~وبكون المجاز في الافتراق فإن أصله في الأجسام نحو افتراق الخشبة وفرق ~~البحر ويستعمل مجازا في الأقوال نحو قوله تعالى {وإن يتفرقا يغن الله كلا ~~من سعته} [النساء: 130] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «افترقت بنو ~~إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي» ، الحديث. أي بالأقوال ~~والاعتقادات وإن حملنا المتبايعين على من تقدم منه البيع كان مجازا كتسمية ~~الإنسان نطفة، ثم يكون الافتراق في الأجسام # PageV03P270 # حقيقة، ثم في هذا المقام يمكننا الاقتصار على هذا ~~الفرق ونقول ليس أحدهما أولى من الآخر، فيكون الحديث مجملا فيسقط به ~~الاستدلال ولنا ترجيح المجاز الأول لكونه معضودا بالقياس والقواعد. # (الثالث) قوله - صلى الله عليه وسلم - في بعض الطرق في أبي داود ~~والدارقطني «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا إلا أن يكون ~~صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله» فلو كان # PageV03P271 # خيار المجلس مشروعا لم يحتج للإقالة فإن من توجهت ~~نفسه يختار الفسخ ولما صرح بما يقتضي احتياجه للآخر وهو الإقالة دل على ~~بطلان خيار المجلس بعد العقد وإنما هو ثابت قبل العقد وإن المتبايعين هما ~~المتشاغلان بالبيع كما تقدم في الوجه الأول، وهذا دليل ذلك المجاز. الرابع ~~المعارضة بنهيه - عليه الصلاة والسلام - عن بيع الغرر، وهذا من الغرر؛ ولأن ~~كل واحد منهما لا يدري ما يحصل له من ms640 الثمن والمثمن # (الخامس) قوله تعالى {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] والأمر للوجوب المنافي ~~للخيار # (السادس) لو صح خيار المجلس لتعذر تولي واحد طرفي العقد كشراء الأب لابنه ~~الصغير والوصي والحاكم؛ لأن ذلك مجمع عليه فيلزم ترك العمل بالدليل وعلى ~~قولنا لا يلزم كذلك يلزم فيما يسرع إليه الفساد من الأطعمة كالهرائس ~~والكنائف # (السابع) أن نقول خيار المجلس مجهول العاقبة فيبطل كخيار الشرط المجهول ~~العاقبة أو النهاية في الزمان فإن خيار المجلس ليس له ضابط إلا الافتراق، ~~وقد يطول، وقد يقصر ومثل ذلك مجمع على بطلانه في خيار الشرط الذي صرح به ~~فأولى أن يقتضي بطلان ما لم يصرح به في العقد # (الثامن) عقد وقع الرضى به فيبطل خيار المجلس فيه كما بعد الإمضاء # (التاسع) يحمل الحديث على ماذا قال المشتري بعني # PageV03P272 # فيقول البائع بعتك فإن أبا يوسف قال له الخيار ما دام ~~في المجلس وهذه صورة تفرد بها الحنفية فلا بد أن يقول عندهم اشتريت وإن كان ~~قد استدعى البيع وحملوا عليه قوله - عليه الصلاة والسلام - في البخاري في ~~آخر الحديث «أو يقول أحدهما للآخر اختر» أي اختر الرجوع عن الإيجاب أو ~~الاستدعاء ونحن نحمله على اختيار شرط الخيار، فيكون معنى الحديث المتبايعان ~~بالخيار ما لم يفترقا فلا خيار أو يقول أحدهما لصاحبه اختر فلا تنفع الفرقة ~~ولذلك لم يرد إلا بيع الخيار مع هذه الزيادة # (العاشر) عمل أهل المدينة وهو مقدم على خبر الواحد فإن تكرر البيع عندهم ~~مع الأنفاس، فعدم المجلس بين أظهرهم يدل على عدم مشروعية دلالة قاطعة ~~والقطع مقدم على الظن فهذه عشرة أوجه تسقط دلالة الخبر # PageV03P273 # ثم نذكر وجها حادي عشر يقتضي الدلالة بالخبر على ~~بطلان خيار المجلس عكس ما تدعيه الشافعية وذلك مبني على ثلاث قواعد # : (القاعدة الأولى) أن اسم الفاعل حقيقة في الحال مجاز إذا مضى معناه على ~~الأصح # (القاعدة الثانية) أن ترتيب الحكم على الوصف يقتضي عليه ذلك الوصف لذلك ~~الحكم نحو اقتلوا الكافر وارجموا الزاني واقطعوا السارق ونحوها فإن ترتيب ~~هذه الأحكام على ms641 هذه الأوصاف تقتضي عليه تلك الأوصاف المتقدمة لهذه الأحكام # (القاعدة الثالثة) أن عدم العلة علة المعلول لعدم الإسكار علة لعدم ~~التحريم وعدم الكفر علة لعدم إباحة الدماء والأموال وعدم الإسلام في الردة ~~علة لعدم العصمة هو كثير إذا تقررت هذه القواعد فنقول الحديث يدل على عدم ~~خيار المجلس لا على ثبوته # PageV03P274 # بيانه وذلك أن المتبايعين حقيقة في حالة الملابسة ~~عملا بالقاعدة الأولى ووصف المبايعة هو علة عدم الخيار عملا بالقاعدة ~~الثانية فإذا انقطعت أصوات الإيجاب والقبول انقطعت المبايعة فتكون العلة قد ~~عدمت فيعدم الخيار المرتب عليها فلا يبقى خيار بعده عملا بالقاعدة الثالثة ~~وهو المطلوب وهذه القواعد كما دلت على عدم خيار المجلس فهي تدل على أن ~~المتبايعين يتعين حملهما على المتساومين فإن الخيار على هذا التقدير لا ~~يثبت إلا في هذه الحالة وينقطع بعدها وهو يؤكد الوجه الأول وهذه نبذة حسنة ~~في هذا الفرق بين قاعدة خيار الشرط وخيار المجلس من جهة ما اشتمل عليه خيار ~~المجلس من الغرر ومخالفة القواعد والأدلة وغير ذلك # (الفرق السابع والتسعون والمائة بين قاعدة ما ينتقل إلى الأقارب من ~~الأحكام غير الأموال وبين قاعدة ما لا ينتقل من الأحكام) اعلم أنه يروى عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من مات عن حق فلورثته» ، وهذا ~~اللفظ # PageV03P275 # ليس على عمومه، بل من الحقوق ما ينتقل إلى الوارث ~~ومنها ما لا ينتقل فمن حق الإنسان أن يلاعن عند سبب اللعان وأن يفيء بعد ~~الإيلاء وأن يعود بعد الظهار وأن يختار من نسوة إذا أسلم عليهن وهن أكثر من ~~أربع وأن يختار إحدى الأختين إذا أسلم عليهما، وإذا جعل المتبايعان له ~~الخيار فمن حقه أن يملك إمضاء البيع عليهما وفسخه ومن حقه ما فوض إليه من ~~الولايات والمناصب كالقصاص والإمامة والخطابة وغيرهما وكالأمانة والوكالة ~~فجميع هذه الحقوق لا ينتقل للوارث منها شيء وإن كانت ثابتة للمورث، بل ~~الضابط لما ينتقل إليه ما كان متعلقا بالمال أو يدفع ضررا عن الوارث في ~~عرضه بتخفيف ألمه ms642 وما كان متعلقا بنفس المورث وعقله وشهواته لا ينتقل ~~للوارث والسر في الفرق أن الورثة يرثون المال فيرثون ما يتعلق به تبعا له ~~ولا يرثون عقله ولا شهوته ولا نفسه فلا يرثون ما يتعلق بذلك وما لا يورث لا ~~يرثون ما يتعلق به، فاللعان يرجع إلى أمر يعتقده لا يشاركه فيه غيره غالبا ~~والاعتقادات ليست من باب المال # PageV03P276 # والفيئة شهوته والعود إرادته واختيار الأختين والنسوة ~~إربه وميله وقضاؤه على المتبايعين عقله وفكرته ورأيه ومناصبه وولاياته ~~وآراؤه واجتهاداته وأفعاله الدينية فهو دينه ولا ينتقل شيء من ذلك للوارث؛ ~~لأنه لم يرث مستنده وأصله، وانتقل للوارث خيار الشرط في البيعات. # وقاله الشافعي - رحمه الله تعالى -، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل لا ~~ينتقل إليه وينتقل للوارث خيار الشفعة عندنا وخيار التعيين إذا اشترى مورثه ~~عبدا من عبدين على أن يختار، وخيار الوصية إذا مات الموصى له بعد موت ~~الموصي وخيار الإقالة والقبول إذا أوجب البيع لزيد فلوارثه القبول والرد. # وقال ابن المواز إذا قال من جاءني بعشرة فغلامي له فمتى جاء أحد بذلك إلى ~~شهرين لزمه وخيار الهبة وفيه خلاف ومنع أبو حنيفة خيار الشفعة وسلم خيار ~~الرد بالعيب وخيار تعدد الصفقة وحق القصاص وحق الرهن وحبس المبيع وخيار ما ~~وجد من أموال المسلمين في الغنيمة فمات ربه قبل أن يختار أخذه بعد القسمة ~~ووافقناه نحن على خيار # PageV03P277 # الهبة في الأب للابن بالاعتصار وخيار العتق واللعان ~~والكتابة والطلاق بأن يقول طلقت امرأتي متى شئت فيموت المقول له وسلم ~~الشافعي جميع ما سلمناه وسلم خيار الإقالة والقبول ومدارك المسألة على أن ~~الخيار عندنا صفة للعقد فينتقل مع العقد فإن آثار العقد انتقلت للوارث، ~~وعند أبي حنيفة صفة للعاقد؛ لأنها مشيئته واختياره فتبطل بموته كما تبطل ~~سائر صفاته؛ ولأن الأجل في الثمن لا يورث فكذلك في الخيار؛ ولأن البائع رضي ~~بخيار واحد وأنتم تثبتونه لجماعة لم يرض بهم وهم الورثة فوجب أن لا يتعدى ~~الخيار من اشترط له كما لا يتعدى الأجل من اشترط ms643 له. # (والجواب عن الأول) أن اختياره صفته، ولكن صفة متعلقة بالمال فينتقل ~~كاختياره الأكل والشرب وأنواع الانتفاع في المال فإن جميع ذلك ينتقل تبعا ~~للمال (وعن الثاني) أن الأجل معناه تأخير المطالبة، والوارث لا مطالبة ~~عليه، بل هو صفة للدين لا جرم لما انتقل الدين للوارث انتقل مؤجلا، وكذلك ~~ها هنا تنتقل الصفة لمن انتقل إليه الموصوف فهذا لنا لا علينا (وعن # PageV03P278 # الثالث) أنه ينتقض بخيار التعيين وبشرط الخيار ~~للأجنبي، وقد أثبتوه للوارث وبما إذا جنى فإنه ينتقل إلى الولي ما لم يرض ~~به البائع فهذا تلخيص مدرك الخلاف ويعضدنا في موطن الخلاف قوله تعالى {ولكم ~~نصف ما ترك أزواجكم} [النساء: 12] وهو عام في الحقوق فيتناوله صورة النزاع ~~ولم يخرج عن حقوق الأموال إلا صورتان فيما علمت حد القذف وقصاص الأطراف ~~والجرح والمنافع في الأعضاء فإن هاتين الصورتين تنتقلان للوارث وهما ليستا ~~بمال لأجل شفاء غليل الوارث بما دخل على عرضه من قذف مورثه والجناية عليه، ~~وأما قصاص النفس فإنه لا يورث فإنه لم يثبت للمجني عليه قبل موته وإنما ثبت ~~للوارث ابتداء؛ لأن استحقاقه فرع زهوق النفس فلا يقع إلا للوارث بعد موت ~~المورث فهذا تلخيص هذا الفرق ببيان سره ومداركه والخلاف فيه. # (الفرق الثامن والتسعون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه قبل قبضه وقاعدة ~~ما لا يجوز بيعه قبل قبضه) قال صاحب الجواهر لا يتوقف شيء من التصرفات على ~~القبض إلا البيع فيمتنع بيع الطعام # PageV03P279 # قبل قبضه لقوله - عليه السلام - في الصحيح «من ابتاع ~~طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» فيمتنع فيما فيه حق توفية من كيل أو وزن أو ~~عدد إلا في غير المعارضة كالقرض أو البدل، ثم لا يجوز لمن صار إليه هذا ~~الطعام بيعه قبل قبضه. # وأما ما بيع جزافا فيجوز قبل النقل إذا خلى البائع بينه وبينه لحصول ~~الاستيفاء ومنع الشافعي وأبو حنيفة بيعه قبل نقله لقول ابن عمر - رضي الله ~~عنهما - ما كنا نبتاع الطعام على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيبعث ms644 علينا من يأمرنا بنقله من المكان الذي نبتاعه فيه إلى مكان سواه، ~~وقال عمر - رضي الله عنه - كنا إذا ابتعنا الطعام جزافا لم نبعه حتى نحوله ~~من مكانه والمشهور اختصاص المنع بالطعام وتعميمه فيه يتعدى لما فيه حق ~~توفية «لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ربح ما لم يضمن» خرجه الترمذي، ~~وقال الشافعي وأبو حنيفة يمتنع التصرف في البيع قبل قبضه مطلقا واستثنى أبو ~~حنيفة العقار؛ لأن العقد لا يخشى انفساخه بهلاكه قبل قبضه ووافق المشهور ~~ابن حنبل. # واحتج الشافعي وأبو حنيفة - رضي الله عنهما - بحديث الترمذي المتقدم؛ ~~ولأنه - عليه الصلاة والسلام - لما بعث # PageV03P280 # عتاب بن أسيد أميرا على مكة أمره أن ينهاهم عن بيع ما ~~لم يقبضوا أو ربح ما لم يضمنوا وبالقياس على الطعام (والجواب عن الأول ~~والثاني) أن هذه الأحاديث المراد بها نهيه - عليه السلام - عن بيع ما ليس ~~عندك فينهى الإنسان عن بيع ملك غيره ويضمن تخليصه؛ لأنه غرر ودليله قوله - ~~عليه السلام - «الخراج بالضمان والغلة للمشتري» ، فيكون الضمان منه فما باع ~~إلا مضمونا فما يتناول الحديث محل النزاع (وعن الثالث) الفرق بأن الطعام ~~أشرف من غيره لكونه سبب قيام البنية وعماد الحياة، فشدد الشرع على عاداته ~~في تكثير الشروط فيما عظم شرفه كاشتراط الولي والصداق في عقد النكاح دون ~~عقد البيع وشرط في القضاء ما لم يشترطه في منصب الشهادة، ثم يتأكد ما ~~ذكرناه بمفهوم نهيه - عليه السلام - عن بيع الطعام حتى يستوفي # PageV03P281 # ومفهومه أن غير الطعام يجوز بيعه قبل أن يستوفى وقوله ~~تعالى {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] (فإن قلت) أدلة الخصوم عامة في ~~الطعام وغيره، والقاعدة الأصولية أن اللفظ العام لا يخصص بذكر بعضه فالحديث ~~الخاص بالطعام لا يخصص تلك العمومات فإن من شرط المخصص أن يكون منافيا ولا ~~منافاة بين الجزء والكل والقاعدة أيضا أن الخاص مقدم على العام عند التعارض ~~وقوله تعالى {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] عام وتلك الأحاديث خاصة فتقدم ~~على الآية والاعتماد في تخصيص تلك الأدلة على عمل أهل المدينة ms645 لا يستقيم؛ ~~لأن الخصم لا يسلم أنه حجة فضلا عن تخصيص الأدلة. # (قلت) أسئلة صحيحة متجهة الإيراد لا يحضرني عنها جواب نظائر: قال العبد ~~يجوز بيع الطعام قبل قبضه في خمسة مواضع: الهبة والميراث على اختلاف ~~والاستهلاك والقرض والصكوك، وهي # PageV03P282 # أعطيات الناس من بيت المال واختلف في طعام أهل الصلح ~~ووقعت الرخصة في الشركة في الطعام قبل قبضه والإقالة والتولية تنزيلا ~~للثاني منزلة الأول المشتري على وجه المعروف بشرط أن لا يفترق العقدان في ~~أجل أو مقدار أو غيرهما؛ لأن ذلك يشعر بالمكايسة، ومنع الشافعي وأبو حنيفة ~~وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم - الجميع نظرا للنقل والمعاوضة فهذا تلخيص ~~الفرق بين القاعدتين. # (الفرق التاسع والتسعون والمائة بين قاعدة ما يتبع العقد عرفا وقاعدة ما ~~لا يتبعه) قال صاحب الجواهر وغيره إذا قال أشركتك معي في السلعة يحمل على ~~النصف وبيع الأرض يندرج تحته الأشجار والبناء دون الزرع الظاهر كما بور ~~الثمار فإن كان كامنا في الأرض # PageV03P283 # اندرج على إحدى الروايتين كما تندرج الحجارة المخلوقة ~~فيها دون المدفونة إلا على القول بأن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها، وقال ~~الشافعي - رضي الله عنه - لا يندرج في الأرض البناء الكثير ولا الغرس، ~~وعندنا يندرج في لفظ الدار الخشب المسمر والسلم المستقل، ويندرج المعدن في ~~لفظ الأرض دون الكنز؛ لأن المعدن من الأجزاء، فليس من هذا الباب. # وقال ابن حنبل يندرج في الأرض البناء والغرس وفي لفظ الدار الأبواب ~~والخوابي المدفونة والرفوف المسمرة وما هو من مصالحها دون الحجر المدفون؛ ~~لأنه كالوديعة وتندرج الحجارة المخلوقة فيها والمعدن دون الكنز، وعندنا إذا ~~باع البناء يندرج فيه الأرض كما اندرج في لفظ الدار التوابيت ومرافق البناء ~~كالأبواب والرفوف والسلم المثبت دون المنقولات ولفظ العبد يتبعه ثيابه التي # PageV03P284 # عليه إذا أشبهت مهنته دون ماله ولفظ الشجر تتبعه ~~الأرض واستحقاق البناء مغروسا والثمرة غير الموبرة دون الموبرة، وقال ابن ~~حنبل لا تندرج الأرض في لفظ الشجر ووافقنا الشافعي وابن حنبل في الثمار. # وقال أبو حنيفة هي للبائع ms646 مطلقا وفي الموطإ قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع» ~~، ومفهومه يقتضي أنها إذا لم توبر للمبتاع؛ لأنه - عليه السلام - إنما ~~جعلها للبائع بشرط الإبار فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط فالأول مفهوم ~~الصفة والثاني مفهوم الشرط، وهذا ضعيف من جهة أن الحنفية لا يرون المفهوم ~~حجة فلا يحتج عليهم به، بل نقيس الثمرة على الجنين إذا خرج لم يتبع وإلا ~~اتبع أو نقيسها على اللبن قبل الحلاب، واستتار الثمار في الأكمام كاستتار ~~الأجنة في الأرحام واللبن في الضروع # PageV03P285 # أو نقيسها على الأغصان والورق ونوى التمر. # وهذه الأقيسة أقوى من قياسهم بكثير لقوة جامعها، وأما قياسهم غير المؤبر ~~على المؤبر ففارقه ظاهر وجامعه ضعيف ولفظ إطلاق الثمار في رءوس النخل يقتضي ~~عندنا التبقية بعد الزهو. # وقاله الشافعي، وقال أبو حنيفة يقتضي القطع كسائر المبيعات ولما فيه من ~~الجهالة والجواب أن العقد معارض بالعادة ومثل هذه الجهالة لا تقدح في ~~العقود كما لو اشترى طعاما كثيرا فإنه يؤخره زمانا طويلا لقبضه وتحويله ~~ويبيع الدار فيها الأمتعة الكثيرة لا يمكن خلوها إلا في زمان طويل ولفظ ~~المرابحة عندنا يقتضي أن كل صنعة قائمة كالصبغ والخياطة والكماد والطرز ~~والفتل والغسل يحسب ويحسب له ربح وما ليس له عين قائمة ولا يسمى السلعة ~~ذاتا ولا سوقا لا يحسب ولا يحسب له ربح؛ لأنه لم ينتقل للمشتري ولا يقابل # PageV03P286 # بشيء وإن كان متولي هذا الطرز والصبغ بنفسه لم يحسب ~~ولا يحسب له ربح؛ لأنه كمن وصف ثمنا على سلعة باجتهاده وهذه الأحكام عندنا ~~تتبع قوله بعتك هذه السلعة مرابحة للعشرة أحد عشر أو بوضيعة للعشرة أحد عشر ~~أو يقول للعشرة عشرة وصيغة أو مرابحة ومعنى هذا الكلام إذا قال للعشرة اثنا ~~عشر أي ينقص السدس في الوضيعة أو يزيد السدس في الزيادة؛ لأن اثنين سدس ~~اثني عشر وللعشرة عشرة معناه يضاف للعشرة عشرة، فيكون الزيادة أو النقصان ~~النصف؛ لأن إخراج عشرة من عشرة محال، وهذا ms647 الكلام مع بقية تفاريع هذا الباب ~~كلها مبنية على العوائد وإلا فمن أين لنا ما يحسب ويحسب ربحه وعكسه. # ولولا العوائد لكان هذا تحكما صرفا وبيع المجهول والغرر في الثمن جائز ~~إجماعا، ولو أطلق هذا اللفظ في زماننا لم يصح به بيع لعدم فهم المقصود # PageV03P287 # منه لغة ولا عرفا فجميع هذه المسائل وهذه الأبواب ~~التي سردتها مبنية على العوائد غير مسألة الثمار المؤبرة بسبب أن مدركها ~~النص والقياس وما عداها مدركة العرف والعادة، فإذا تغيرت العادة أو بطلت ~~بطلت هذه الفتاوى وحرمت الفتوى بها لعدم مدركها فتأمل ذلك، بل تتبع الفتاوى ~~هذه العوائد كيفما تقلبت كما تتبع النقود في كل عصر وحين وتعيين المنفعة من ~~الأعيان المستأجرة إذا سكت عنها فتنصرف بالعادة للمنفعة المقصودة منها عادة ~~لعدم اللغة في البابين وكل ما صرح به في العقد واقتضته اللغة فهذا هو الذي ~~لا يختلف باختلاف العوائد ولا يقال إن العرف اقتضاه فهذا تلخيص هذا الفرق، ~~وقد اشتمل على ستة ألفاظ لفظ الشركة ولفظ الأرض ولفظ البناء ولفظ الدار ~~ولفظ المرابحة ولفظ الثمار هذه الألفاظ كلها حكمت فيها العوائد # PageV03P288 # (الفرق المائتان بين قاعدة ما يجوز من السلم وبين ~~قاعدة ما لا يجوز منه) السلم الجائز ما اجتمع فيه أربعة عشر شرطا # (الأول) تسليم جميع رأس المال حذرا من الدين بالدين # (الثاني) السلامة من السلف بزيادة فلا تسلم شاة في شاتين متقاربتي ~~المنفعة # (الثالث) السلامة من الضمان بجعل فلا يسلم جذع في نصف جذع من جنسه # (الرابع) السلامة من النساء في الربوي فلا يسلم النقدان في تراب المعادن # (الخامس) أن يكون المسلم فيه يمكن ضبطه بالصفات فيمتنع سلم خشبة في تراب ~~المعادن # (السادس) أن يقبل النقل حتى يكون في الذمة فلا يجوز السلم في الدور # (السابع) أن يكون معلوم المقدار فلا يسلم في الجزاف # (الثامن) ضبط الأوصاف التي تختلف المالية باختلافها نفيا للغرر # (التاسع) أن يكون مؤجلا فيمتنع السلم الحال # (العاشر) أن يكون الأجل معلوما نفيا للغرر # (الحادي عشر) أن يكون الأجل زمن ms648 وجود المسلم فيه فلا يسلم في فاكهة الصيف ~~ليأخذها في الشتاء # (الثاني عشر) أن يكون مأمون التسليم عند الأجل نفيا للغرر فلا يسلم في ~~البستان الصغير # (الثالث عشر) أن يكون دينا في الذمة فلا يسلم في معين؛ لأنه معين يتأخر ~~قبضه فهو غرر # (الرابع عشر) تعيين مكان القبض باللفظ أو العادة نفيا # PageV03P289 # للغرر فمتى انخرم شرط من هذه الشروط فهو السلم ~~الممنوع وبضبطها يحصل الفرق بين البابين ولم أر أحدا وصلها للعشرة وهي ~~أربعة عشر كما ترى وفروع المدونة شاهدة لها وفي الشروط ست مسائل. # (المسألة الأولى) # الحذر من بيع الدين بالدين وأصله «نهيه - عليه السلام - عن بيع الكالئ ~~بالكالئ» وها هنا قاعدة وهي أن مطلوب صاحب الشرع صلاح ذات البين وحسم مادة ~~الفساد والفتن حتى بالغ في ذلك بقوله - عليه السلام - «لن تدخلوا الجنة حتى ~~تحابوا» ، وإذا اشتملت المعاملة على شغل الذمتين توجهت المطالبة من الجهتين ~~فكان ذلك سببا لكثرة الخصومات والعداوات فمنع الشرع ما يقضي لذلك وهو بيع ~~الدين بالدين # (فائدة) الكالئ من الكلاءة التي هي الحراسة فهو اسم فاعل إما للبائع أو ~~للمشتري؛ لأن كل واحد منهما عواقب صاحبه ويحفظه لأجل ماله عنده، فيكون في ~~الكلام حذف تقديره نهي عن بيع مال الكالئ؛ لأن الرجلين لا يباع أحدهما # PageV03P290 # بالآخر وإما أن يكون اسما للمدينين؛ لأن كل دين يحفظ ~~صاحبه عند الفلس عن الضياع ويستغنى عن الحذف أيضا لقبولهما البيع أو يكون ~~اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول كالماء الدافق بمعنى المدفوق ويستغنى عن ~~الحذف أيضا وعلى التقادير الثلاثة فهو مجاز؛ لأنه إطلاق اسم الفاعل باعتبار ~~المستقبل فإن الكلاءة لا تحصل حالة العقد، وورد النهي قبل الوقوع فإذا حصل ~~الدين في المسلم فيه فقط جاز بشروطه؛ لأن لنا قاعدة وهي أن المصالح ثلاثة ~~أقسام كما تقرر في أصول الفقه ضرورية كنفقة الإنسان على نفسه وحاجية كنفقة ~~الإنسان على زوجاته وتمامية كنفقة الإنسان على أقاربه؛ لأنها تتمة مكارم ~~الأخلاق، والرتبة الأولى مقدمة على الثانية عند التعارض، والثانية مقدمة ~~على الثالثة ms649 والسلم من المصالح التمامية؛ لأنه من تمام المعاش، وكذلك من ~~المساقات وبيع الغائب. # . (المسألة الثانية) في بيان علة تحريم جر السلف النفع للمسلف وذلك أن ~~الله عز وجل شرع السلف قربة للمعروف ولذلك # PageV03P291 # استثناه من الربا المحرم فيجوز دفع دينار ليأخذ عوضه ~~دينارا إلى أجل قرضا ترجيحا لمصلحة الإحسان على مفسدة الربا، وهذا من الصور ~~التي قدم الشرع فيها المندوبات على المحرمات ومن الصور التي مصلحتها تقتضي ~~الإيجاب لكن ترك الشرع ترتيب الإيجاب عليها رفقا بالعباد كمصلحة السواك ~~فقال - عليه السلام - «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» ، وقد بسطت ~~هذه المسألة في كتاب اليواقيت في أحكام المواقيت، وقد تقدم منه نبذة في هذا ~~الكتاب # PageV03P292 # يدلك على أن مصلحة السلف تقتضي الوجوب معارضتها ~~للمحرم، ومعارضة مفسدة التحريم تقتضي أن يكون # مصلحة # إيجاب، بل أعظم من أصل الإيجاب فإن المحرم يقدم على الواجب عند التعارض ~~على الصحيح فتقديم هذه المصلحة يقتضي عظمها على أصل الوجوب فإذا وقع القرض ~~ليجر # PageV03P293 # نفعا بطلت مصلحة الإحسان بالمكايسة فتبقى مفسدة الربا ~~سليمة عن المعارض فيما يحرم فيه الربا فيترتب عليها التحريم، ووجه آخر وهو ~~أنهما خالفا مقصود الشارع وواقعا ما لله لغير الله وهو وجه تحريم ما لا ربا ~~فيه كالعروض وهو دون الأول في التحريم. # . (المسألة الثالثة) في الشرط الثاني قال أبو الطاهر في ضبط هذا الشرط ~~المسلم فيه إن خالف الثمن جنسا ومنفعة جاز لبعد التهمة أو اتفقا امتنع إلا ~~أن يسلم الشيء في مثله، فيكون قرضا بلفظ السلم فيجوز، وإذا كانت المنفعة ~~للدافع امتنع اتفاقا وإن دارت بين الاحتمالين فكذلك لعدم تعين مقصود الشارع ~~فإن تمحضت للقابض فالجواز وهو ظاهر والمنع لصورة المبايعة وللمسلف رد العين ~~وها هنا اشترط الدافع رد المثل فهو غرض له وإن اختلف الجنس دون المنفعة ~~فقولان الجواز للاختلاف والمنع؛ لأن مقصود الأعيان منافعها وإن اختلفت دون ~~الجنس جاز لتحقق المبايعة. # (المسألة الرابعة) في الشرط الثالث وهو الضمان بجعل في بيان سره # PageV03P294 # وذلك بيان قاعدة وهي أن الأشياء ms650 ثلاثة أقسام: قسم ~~اتفق الناس على أنه قابل للمعاوضة كالبر والأنعام وقسم اتفق الناس على عدم ~~قبوله للمعاوضة كالدم والخنزير ونحوهما من الأعيان والقبلة والتعانق من ~~المنافع وكذلك النظر إلى المحاسن، ولذلك لا نوجب فيها عند الجناية عليها ~~شيئا؛ لأنها غير متقومة شرعا، ولو كانت تقبل القيمة الشرعية لوجبت عند ~~الجناية عليها كسائر المنافع الشرعية ومنها ما اختلف فيه هل يقبل المعاوضة ~~أم لا كالأزبال وأرواث الحيوان من الأعيان والأذان والإمامة من المنافع فمن ~~العلماء من أجازه ومنهم من منعه إذا تقررت هذه القاعدة فالضمان في الذمم من ~~قبيل ما منع الشرع المعاوضة فيه وإن كان منفعة مقصودة للعقلاء كالقبلة، ~~وأنواع الاستمتاع مقصودة للعقلاء ولا تصح المعاوضة عليها فإن صحة المعاوضة ~~حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي، ولم يدل دليل عليه فوجب نفيه أو يستدل ~~بالدليل النافي لانتفاء الدليل المثبت وهو القياس على تلك الصور. # . (المسألة الخامسة) في الشرط التاسع وهو منع السلم الحال ومنعه أبو ~~حنيفة وابن حنبل وجوزه الشافعي - رضي الله عنهم أجمعين - احتج الشافعي - ~~رضي الله عنه - بقوله تعالى {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] ؛ ولأنه - ~~عليه السلام - «اشترى جملا من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة، فلما دخل البيت ~~لم يجد التمر فقال للأعرابي إني لم أجد التمر فقال الأعرابي واغدراه ~~فاستقرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسقا وأعطاه» فجعل الجمل قبالة ~~وسق في الذمة وهو السلم الحال وبالقياس على غيره من البيوع وبالقياس على ~~الثمن في البيوع # PageV03P295 # لا يشترط فيها الأجل؛ ولأن السلم إذا جاز مؤجلا فليجز ~~منجزا بطريق الأولى؛ لأنه أنفى للغرر والجواب عن الأول أنه مخصوص بقوله - ~~عليه السلام -: «من أسلم فليسلم إلى أجل معلوم» وهو أخص من الآية فيقدم ~~عليها وهو أمر والأمر للوجوب، وعن الثاني إن صح، فليس يسلم، بل وقع العقد ~~على تمر معين موصوف فلذلك قال لم أجد شيئا، والذي في الذمة لا يقال فيه ذلك ~~لتيسره بالشراء، لكن لما رأى رغبة البدوي في التمر اقترض له تمرا آخر؛ ~~ولأنه أدخل ms651 الباء على التمر، فيكون ثمنا لا مثمونا؛ لأن الباء من خصائص ~~الثمن، وعن الثالث أن البيع موضوع للمكايسة، والتعجيل يناسبها والسلم ~~موضوعه الرفق والتأجيل يناسبه والتعجيل ينافيه ويبطل مدلول الاسم بالحلول ~~في السلم ولا يبطل مدلول البيع بالتأجيل فلذلك صحت مخالفة قاعدة البيع في ~~المكايسة بالتأجيل، ولم تصح مخالفة السلم بالتعجيل وهو الجواب عن الرابع، ~~وعن الخامس أن الأولوية فرع الشركة ولا شركة ها هنا، بل التباين؛ لأنه ~~أجازه مؤجلا للرفق، والرفق لا يحصل بالحلول فكيف يقال بطريق الأولى، بل ~~ينتفي ألبتة سلمنا أن بينهما مشتركا لكن لا نسلم عدم الغرر مع الحلول، بل ~~الحلول في السلم غرر؛ لأنه إن كان عنده فهو قادر على بيعه معينا حالا ~~فعدوله إلى السلم قصد للغرر، وإن لم يكن عنده فالأجل يعينه على تحصيله ~~والحلول يمنع ذلك ويعين الغرر، وهذا هو الغالب؛ لأن ثمن المعين أكثر فلو ~~كان عنده لعينه لتحصيل فضل الثمن فيندرج الثمن الحال في الغرر فيمتنع قوله ~~أن جوازه بطريق الأولى، وهذا # PageV03P296 # الكلام في هذا القياس عزيز فإن الشافعية يظنون بهذا ~~القياس أنه قطعي وأنه يقتضي الجواز بطريق الأولى ويحكون هذه العبارة عن ~~الشافعي - رضي الله عنه - فقد ظهر بهذا البحث انعكاسه عليهم وظهر أنه غرر ~~لا أنه أنفى للغرر أوجد للغرر، ثم نقول أحد العوضين في السلم فلا يقع إلا ~~على وجه واحد كالثمن # . (المسألة السادسة) في الشرط الثاني عشر يجوز السلم فيما ينقطع في بعض ~~الأجل، وقاله الشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهما - ومنعه أبو حنيفة - رضي ~~الله عنه - واشترط استمرار وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين القبض ~~محتجا بوجوده # (الأول) احتمال موت البائع فيحمل السلم بموته فلا يوجد المسلم فيه # (الثاني) إذا كان معدما قبل الأجل وجب أن يكون معدما عنده عملا ~~بالاستصحاب، فيكون غررا فيمتنع إجماعا # ، (الثالث) أنه معدوم، وعند العقد فيمتنع في المعدوم كبيع الغائب على ~~الصفة إذا كان معدوما # (الرابع) أن المعدوم أبلغ في الجهالة فيبطل قياسا عليها بطريق الأولى؛ ~~لأن المجهول ms652 الموجود له ثبوت من بعض الوجوه بخلاف المعدوم هو نفي محض # (الخامس) أن ابتداء العقود آكد من انتهائها بدليل اشتراط الولي وغيره في ~~ابتداء النكاح ومنافاة اشتراط أجل معلوم فيه وهو المتعة فينافي التحديد ~~أوله دون آخره، وكذلك البيع يشترط أن يكون المبيع معلوما مع شروط كثيرة ولا ~~يشترط ذلك بعد، فكلما ينافي أوله ينافي آخره من غير عكس، والعدم ينافي آخر ~~الأجل فينافي أول العقد بطريق الأولى والجواب عن الأول أنه لو اعتبر لكان ~~الأجل في السلم مجهولا لاحتمال الموت فيلزم بطلان كل سلم، وكذلك البيع بثمن ~~إلى أجل، بل الأصل عدم تغير ما كان عند العقد بقاء الإنسان إلى حين التسليم ~~فإن وقع الموت وقفت التركة إلى الإبان فإن الموت لا يفسد البيع، وعن الثاني ~~أن الاستصحاب معارض بالغالب فإن الغالب وجود الأعيان في إبانها، وعن الثالث ~~أن الحاجة تدعو إلى العدم في السلم بخلاف بيع الغائب لا ضرورة تدعو إلى ~~ادعاء وجوده، بل نجعله سلما فلا يلزم من ارتكاب الغرر للحاجة ارتكابه لغير ~~حاجة فلا يحصل مقصود الشارع من الرفق في السلم إلا مع العدم وإلا فالموجود ~~يباع بأكثر من ثمن السلم، وعن الرابع أن المالية منضبطة مع العدم بالصفات ~~وهي مقصود عقود التهمة بخلاف الجهالة، ثم ينتقض ما ذكرتم بالإجارة تمنعها ~~الجهالة دون العدم، وعن الخامس إنا نسلم أن ابتداء العقود آكد في نظر الشرع ~~لكن آكد من استمرار آثارها ونظيره ها هنا بعض القبض وإلا فكل ما يشترط من ~~أسباب المالية عند العقد يشترط في المعقود عليه عند التسليم، وعدم المعقود ~~عليه عند العقد مع وجود المعقود عليه عند التسليم لا # PageV03P297 # مدخل له في المالية ألبتة، بل المالية مصونة بوجود ~~المعقود عليه عند التسليم فهذا العمل حينئذ طردي فلا يعتبر في الابتداء ولا ~~في الانتهاء مطلقا، بل يتأكد مذهبنا بالحديث الصحيح «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قدم المدينة فوجدهم يسلمون في الثمار السنة والسنتين ~~والثلاث فقال - عليه السلام - من أسلف فليسلف في كيل ms653 معلوم ووزن معلوم إلى ~~أجل معلوم» ، وهذا يدل من وجوه، أحدها أن ثمر السنين معدوم، وثانيها أنه - ~~عليه السلام - أطلق ولم يفرق، وثالثها أن الوجود لو كان شرطا لبينه - عليه ~~السلام -؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع أو نقول إنه وقت لم يجعله ~~المتعاقدان محلا للسلم فيه فلا يعتبر وجوده كما بعد الأجل؛ لأن القدرة على ~~التسليم إنما تطلب في وقت اقتضاء العقد لها أما ما لا يقتضيه فيستوي فيه ~~قبل الأجل لتوقع الموت وبعده لتعذر الوجود، فيتأخر القبض فكما أن أحدهما ~~ملغى إجماعا فكذلك الآخر وقياسا على أثمان بيوع الآجال قبل محلها. # PageV03P298 # الفرق الحادي والمائتان بين قاعدة القرض وقاعدة ~~البيع) # اعلم أن قاعدة القرض خولفت فيها ثلاث قواعد شرعية: قاعدة الربا إن كان في ~~الربويات كالنقدين والطعام وقاعدة المزابنة، وهي بيع المعلوم بالمجهول من ~~جنسه إن كان في الحيوان ونحوه من غير المثليات وقاعدة بيع ما ليس عندك في ~~المثليات، وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف للعباد فلذلك متى خرج عن ~~باب المعروف امتنع إما لتحصيل منفعة المقرض أو لتردده بين الثمن والسلف ~~لعدم تعين المعروف مع تعين المحذور، وهو مخالفة القواعد. # (سؤال) العارية معروف كالقرض، وإذا وقعت إلى أجل بعوض جازت، وإن خرجت ~~بذلك عن المعروف فلم لا يكون القرض كذلك إذا خرج بالقصد إلى نفع المقرض عن ~~المعروف يجوز. # (جوابه) إذا وقعت العارية بعوض صارت إجارة، والإجارة لا يتصور فيها الربا ~~ولا تلك المفاسد الثلاث، والقرض بالعوض بيع فيتصور فيه الربا، وكذلك إذا ~~وقع القرض في العروض هو ربا فيحرم للآية إلا ما خصه الدليل. # (الفرق الثاني والمائتان بين قاعدة الصلح وغيره من العقود) # اعلم أن الصلح في الأموال دائر بين خمسة أمور: البيع إذا كانت المعاوضة ~~عن أعيان، والصرف إن كان فيه أحد النقدين عن الآخر، والإجارة إن كان عن ~~منافع، ودفع الخصومة إن لم يتعين شيء من ذلك، والإحسان، وهو ما يعطيه ~~المصالح من غير الجاني. فمتى تعين أحد هذه الأبواب روعيت فيه شروط ms654 ذلك ~~الباب لقوله - عليه السلام - «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما ~~أو حرم حلالا» ، ويجوز عندنا وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - على الإقرار ~~والإنكار، وقال الشافعي - رضي الله عنه - لا يجوز على الإنكار، واحتج ~~بوجوه: # (الأول) أنه أكل المال بالباطل لأنه # PageV04P002 # ليس عن مال لعدم ثبوته، ولا عن اليمين، وإلا لجازت ~~إقامة البينة بعده، ولجاز أخذ العقار بالشفعة لأنه انتقل بغير مال، ولا هو ~~من الخصومة، وإلا لجاز عن النكاح والقذف. # (الثاني) أنه عاوض عن ملكه فيمتنع كشراء ماله من وكيله. # (الثالث) أنها معاوضة فلا تصح مع الجهل كالبيع. # والجواب عن الأول أنه أخذ المال بحق، ولا يلزم من عدم ثبوته عدمه. نعم من ~~علم أنه على باطل حرم عليه أخذ ذلك المال، وأما إقامة البينة بعدة فقال ~~الشيخ أبو الوليد تتخرج على الخلاف فيمن حلف خصمه، وله بينة فله إقامتها ~~عند ابن القاسم مع العذر وعند أشهب مطلقا. # وأما القذف فلا مدخل للمال فيه، ولا يجوز فيه الصلح مع الإقرار فكذلك مع ~~الإنكار، ونلتزم الجواز في النكاح قال الشيخ أبو الوليد قال أصحابنا إذا ~~أنكرت المرأة الزوجية أن من الناس من يوجب عليها اليمين فتفتدي بيمينها، ~~ونلتزم الشفعة، وعن الثاني بالفرق بأنه مع وكيله متمكن من ماله بخلاف صورة ~~النزاع فإنها لدرء مفسدة الخصومة، وعن الثالث أن الضرورة هنا تدعوا للجهل ~~بخلاف البيع قال أبو الوليد لو ادعى عليه ميراثا من جهة مورث صح الصلح فيه ~~مع الجهل، والعجب من الشافعي - رضي الله عنه - أنه يقول للمدعي أن يدخل دار ~~المدعى عليه بالليل، ويأخذ قدر حقه فكيف يمنع مع الموافقة من الخصم على ~~الأخذ، ويتأكد قولنا بقوله تعالى {وأصلحوا ذات بينكم} [الأنفال: 1] وغيره ~~من الكتاب والسنة، ولأنا أجمعنا على بذل المال بغير حق في فداء الأسارى ~~والمخالعة والظلمة والمحاربين والشعراء فكذلك ها هنا لدرء الخصومة، ولأنه ~~قاطع للمطالبة فيكون مع الإقرار والإنكار كالإبراء، ويجوز مع عدم المال من ~~الجهتين كالصلح على دم العمد، ولأنه يصح فيه ms655 مع الإنكار فصح الصلح عليه ~~قياسا عليها. # (الفرق الثالث والمائتان بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين ~~قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات) فأقول متى اجتمعت في المنفعة ثمانية شروط ~~ملكت بالإجارة، ومتى انخرم منها شرط لا تملك الأول # PageV04P003 # الإباحة احترازا من الغناء، وآلات الطرب ونحوهما. ~~الثاني قبول المنفعة للمعاوضة احترازا من النكاح. الثالث كون المنفعة ~~متقومة احترازا من التافه الحقير الذي لا يقابل بالعوض، واختلف في استئجار ~~الأشجار لتجفيف الثياب فمنعه ابن القاسم. الرابع أن تكون مملوكة احترازا من ~~الأوقاف على السكنى كبيوت المدارس والخوانق. الخامس أن لا يتضمن استيفاء ~~عين احترازا من إجارة الأشجار لثمارها أو الغنم لنتاجها، واستثني من ذلك ~~إجارة المرضع للبنها للضرورة في الحضانة. السادس أن يقدر على تسليمها ~~احترازا من استئجار الأخرس للكلام. السابع أن تحصل للمستأجر احترازا من ~~العبادات والإجارة عليها كالصوم، ونحوه. الثامن كونها معلومة احترازا من ~~المجهولات من المنافع كمن استأجر آلة لا يدري ما يعمل بها أو دارا مدة غير ~~معلومة فهذه الشروط إذا اجتمعت جازت المعاوضة، وإلا امتنعت. # (تنبيه) قال الشيخ أبو الوليد ابن رشد في كراء دور مكة أربع روايات ~~المنع، وهو المشهور، وقاله أبو حنيفة لأنها فتحت عنوة، والجواز، وقاله ~~الشافعي لأنها عنده فتحت صلحا أو من بها على أهلها عندنا على هذه الرواية، ~~ولا خلاف عن مالك وأصحابه أنها فتحت عنوة والكراهة لتعارض الأدلة وتخصيصها ~~بالموسم لكثرة الناس واحتياجهم للوقف لأن العنوة عندنا وقف، واتفق مالك ~~والشافعي وغيرهما رضي الله عن الجميع «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~دخل مكة مجاهدا بالأسلحة ناشرا للألوية باذلا للأمان لمن دخل دار أبي ~~سفيان» ، وهذا لا يكون إلا في العنوة قطعا، وإنما روي أن «خالد بن الوليد ~~قتل قوما فوداهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ، وهو دليل الصلح. # (وجوابه) يجب أن يعتقد أنه أمن تلك الطائفة، وعصم دماءهم جمعا بين ~~الأدلة. # (سؤال) اعلم أن مقتضى هذه المباحث والنقول أن يحرم كراء دور مصر وأراضيها ~~لأن مالكا ms656 قد صرح في الكتاب وغيره أنها فتحت عنوة، ويلزم على ذلك تخطئة ~~القضاء في إثبات الأملاك وعقود الإجارات والأخذ بالشفعات ونحو ذلك. # (جوابه) إن أراضي العنوة اختلف العلماء فيها هل تصير وقفا بمجرد ~~الاستيلاء، وهو الذي حكاه الطرطوشي في تعليقه عن مالك أو للإمام قسمتها ~~كسائر الغنائم أو هو مخير في ذلك، والقواعد المتفق عليها أن مسائل الخلاف ~~إذا اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم تعين القول به، وارتفع الخلاف فإذا ما حكم ~~بثبوت ملك في أرض العنوة ثبت الملك وارتفع الخلاف، ويتعين ما حكم به ~~الحاكم، وهذا التقرير يطرد في مكة ومصر وغيرهما، والقول بأن الدور وقف إنما ~~يتناول الدور التي صادفها # PageV04P004 # الفتح أما إذا انهدمت تلك الأبنية، وبنى أهل الإسلام ~~دورا غير دور الكفار فهذه الأبنية لا تكون وقفا إجماعا، وحيث قال مالك لا ~~تكرى دور مكة يريد ما كان في زمانه باقيا من دور الكفار التي صادفها الفتح، ~~واليوم قد ذهبت تلك الأبنية فلا يكون قضاء الحاكم بذلك خطأ نعم يختص ذلك ~~بالقضاء بالملك والشفعة في الأرضين فإنها باقية أو نقول قول مالك - رحمه ~~الله تعالى - إن البلد الفلاني فتح عنوة ليس هذا بفتيا يقلد فيها، ولا ~~مذهبا له يجب على مقلديه اتباعه فيه بل هذه شهادة، وكذا لو قال مالك فلان ~~أخذ ماله غصبا أو خالع امرأته لم يكن ذلك فتيا بل شهادة، والقاعدة أن كل ~~إمام أخبر عن حكم بسبب اتبع فيه، وكان فتيا ومذهبا أو أخبر عن وقوع ذلك ~~السبب فهو شهادة، وأن المذهب الذي يقلد فيه الإمام خمسة أمور لا سادس لها ~~الأحكام كوجوب الوتر، والأسباب كالمعاطاة. # والشروط كالنية في الوضوء، والموانع كالدين في الزكاة، والحجاج كشهادة ~~الصبيان والشاهد واليمين فهذه الخمسة إن اتفق على شيء منها فليس مذهبا لأحد ~~بل ذلك للجميع فلا يقال إن وجوب رمضان مذهب مالك ولا غيره بل ذلك ثابت ~~بالإجماع فإنه إنما يفهم من مذهب الإنسان في العادة ما اختص به كقولك هذا ~~طريق زيد إذا اختص به ms657 أو هذه عادته إذا اختصت به، وإذا اختلف في شيء من ذلك ~~نسب إلى القائل به، وما عدا هذه الخمسة لا يقال إنها مذهب يقلد فيه بل هو ~~إما رواية أو شهادة أو غيرهما كما لو قال مالك أنا جائع أو عطشان فليس كل ~~ما يقوله الإمام هو مذهب له بل تلك الخمسة خاصة، ولو قال إمام زيد زنى لم ~~نوجب الرجم بقوله بل نقول هذه شهادة هو فيها # PageV04P005 # أسوة جميع العدول إن كمل النصاب بشروطه رجمناه، وإلا ~~فلا فكذلك قول مالك فتحت مصر عنوة أو مكة شهادة، وإذا كانت شهادة فهو لم ~~يباشر الفتح فيتعين أنه نقل هذه الشهادة عن غيره، ولا يدري هل أذن له ذلك ~~الغير في النقل عنه أم لا، وإن سلمنا أنه أذن له فقد عارضت هذه البينة بينة ~~أخرى. # وهي أن الليث وابن مسعود والشافعي وغيرهما قالوا الفتح وقع صلحا فهل يمكن ~~أن يقال إن أحد البينتين أعدل فتقدم أو يقال هذا لا سبيل إليه، والعلماء ~~أجل من أن نفاوت نحن بين عدالتهم، ولو سلمنا الهجوم عليهم في ذلك فالمذهب ~~أنه لا يقضى بأعدل البينتين إلا في الأموال، والعنوة والصلح ليسا من هذا ~~الباب فلم قلتم إنه يقضى فيه بأعدل البينتين، ولا يمكن أن يقال هذه الشهادة ~~ليست نقلا عن أحد بل هي استقلال، ومستندها السماع لأنا نمنع أن هذه المسألة ~~مما تجوز فيه الشهادة بالسماع، وقد عد الأصحاب مسائل السماع خمسة وعشرين ~~مسألة ليست هذه منها ولو سلمنا أنها منها لكن حصل المعارض المانع من الحكم ~~بهذه الشهادة، وبهذا التقرير يظهر لك أن من أفتى بتحريم البيع والإجارة ~~والشفعة في هذه البقاع بناء على قول مالك إنها فتحت عنوة خطأ، وأن هذا ليس ~~مذهبا لمالك بل هي شهادة لا يقلد فيها بل تجري مجرى الشهادات، وكما يرد هذا ~~السؤال على المالكية في العنوة يرد على الشافعية في قول الشافعي إنها فتحت ~~صلحا، ويبنون على ذلك الفتيا بالإباحة، ويجعلون هذا مما يقلد فيه، وإنما ms658 هو ~~شهادة أيضا بالصلح، وليت شعري لو أن حاكما شافعيا جاءه الشافعي فقال له إن ~~فلانا صالح امرأته على ألف دينار نقدا، وقد صارت خلعا منه هل يقضي بقوله ~~وحده فيخرق الإجماع أو نقول هذه شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد ~~بالخلع فينبغي له أن يفعل هنا كذلك، وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الأحكام ~~في الفرق # PageV04P006 # بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام. # وهو كتاب نفيس فيه أربعون مسألة من هذا النوع. # (الفرق الرابع والمائتان بين قاعدة ما للمستأجر أخذه من ماله بعد انقضاء ~~الإجارة وبين قاعدة ما ليس له أخذه) # الفرق بين هاتين القاعدتين مبني على قاعدة، وهي أن الشرع لا يعتبر من ~~المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة أو دارئ لمفسدة لذلك لا يسمع ~~الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة الحقيرة التي لا يتشاح العقلاء فيها عادة ~~كالسمسمة، ونحوها فلهذه القاعدة أيضا لا يقبل قول المستأجر في قلع الأشياء ~~التي لا قيمة لها بعد القلع، وإن كانت عظيمة المالية قبل القلع، وكذلك ~~البناء العظيم الذي لا قيمة له بعد الهدم، وإن عظمت قيمته قبل الهدم، وكذلك ~~المستحق منه، والغاصب ونحوهما الجميع في ذلك سواء لأن قلعه لمجرد الفساد لا ~~لحصول مصلحة تحصل للقالع، ولا لدرء مفسدة عنه فيتعين بقاؤه في الأرض ~~المستأجرة ينتفع به صاحب الأرض، ويحصل له بسببه تلك المالية العظيمة، ~~ويعطيه له بغير شيء فإنه مستحق الإزالة شرعا، وعلى تقدير الإزالة تبطل تلك ~~المالية فهي مالية مستهلكة على، واضعها شرعا، والمستهلك شرعا لا يجب فيه ~~قيمة، ويؤيد ذلك «نهيه - عليه السلام - عن إضاعة المال» ، وهدم مثل هذا ~~البناء. # وقلع مثل هذا الشجر إضاعة للمال فوجب المنع منه فلهذه القاعدة أجمع الناس ~~على أن العروض تتعين بالتعيين، وكذلك الحيوان والطعام لأن لهذه الأشياء من ~~الخصوصيات والأوصاف ما تتعلق به الأغراض الصحيحة، وتميل إليه العقول ~~السليمة، والنفوس الخالصة لما في تلك المعنيات من الملاذ # PageV04P007 # الخاصة في تلك الأعيان، ومقتضى هذه القاعدة أنه إذا ms659 ~~عين صاعا من صبرة، وباعه أنه لا يتعين لأن الأغراض الصحيحة مستوية في أجزاء ~~الصبرة غير أني لا أعلم أحدا قال بعدم التعين. # واختلفوا في الدنانير والدراهم إذا عينت هل تتعين أم لا ثلاثة أقوال: ~~ثالثها إن عينها الدافع تعينت لأنه أملك بها، وهو مالكها، وإن عينها القابض ~~لا تتعين إلا أن تختص بصفة حلي أو سكة رائجة أو غير ذلك تعينت اتفاقا، وهذه ~~الأقوال الثلاثة عندنا، وبالتعيين قال الشافعي، والمشهور عندنا عدم التعيين ~~فبهذه القاعدة يظهر الفرق بين ما للمستأجر أن يأخذه من ماله، وما لا يأخذه ~~منه. # (الفرق الخامس والمائتان بين قاعدة ما يضمن بالطرح من السفن وبين قاعدة ~~ما لا يضمن) # قال مالك إذا طرح بعض الحمل للهول شارك أهل المطروح من لم يطرح لهم شيء ~~في متاعهم، وكان ما طرح وسلم لجميعهم في نمائه ونقصه بثمنه يوم الشراء إن ~~اشتروا من موضع واحد بغير محاباة لأنهم صانوا بالمطروح ما لهم، والعدل عدم ~~اختصاص أحدهم بالمطروح إذ ليس أحدهم بأولى من الآخر، وهو سبب سلامة جميعهم ~~فإن اشتروا من مواضع أو اشترى بعض أو طال زمان الشراء حتى تغيرت الأسواق ~~اشتركوا بالقيم يوم الركوب دون يوم الشراء لأنه وقت الاختلاط. # وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره بإذنه أم لا قال ابن أبي زيد، ولا ~~يشارك من لم يرم بعضهم بعضا لأنه لم يطرأ سبب يوجب ذلك بخلاف المطروح له مع ~~غيره قال ابن حبيب وليس على صاحب المركب ولا النواتية ضمان كانوا أحرارا أو ~~عبيدا إلا أن يكونوا للتجارة فتحسب قيمتهم، ولا على من لا متاع له لأن هذه ~~كلها وسائل، والمقصود من ركوب البحر إنما هو مال التجارة، ويرجع بالمقاصد ~~في المقاصد، ومن معه دنانير كثيرة يريد بها التجارة فكالتجارة بخلاف النفقة ~~وما يراد للقنية، وقال ابن بشير لا يلزم في العين شيء من المطروح لأنه لا ~~يحصل الغرق بسببها لخفتها، وقال سحنون يدخل المركب في قيمة المطروح لأنه ~~مما سلم بسبب الطرح. # وقال أبو ms660 محمد إن خيف عليه بصدم قاع البحر فطرح لذلك دخل في القيمة، وقال ~~أهل العراق يدخل المركب، وما فيه للقنية أو التجارة من عبيد، وغيرهم لأن ~~أثر المطروح سلامة الجميع # PageV04P008 # وجوابهم أن شأن المركب أن يصل برجاله سالما إلى البر، ~~وإنما يغرقه ما فيه عادة، وإزالة السبب المهلك لا يوجب شركة بل فعل السبب ~~المنجي، وهو فرق حسن فتأمله فإن فاعل الضرر شأنه أن يضمن فإذا زال ضرره ~~ناسب أن لا يضمن لعدم سبب الضمان، وفاعل النفع محصل لعين المال فناسب أن ~~يستحقه أو بعضه لأن موجد الشيء شأنه أن يكون له فإن صالحوا صاحب المطروح ~~بدنانير، ولا يشاركهم جاز إذا عرفوا ما يلزمهم في القضاء فإن خرج بعد الطرح ~~من البحر سالما فهو له. # وتزول الشركة أو خرج وقد نقص نصف قيمته انتقص نصف الصلح ويرد نصف ما أخذ. # (سؤال) إذا وجدت الدابة المصالح عليها في التعدي أو العارية تكون لمن ~~صالح عليها، وها هنا المصالح عليه لصاحبه فما الفرق؟ # (جوابه) التعدي ينقل المتعدى عليه للذمة بالقيمة فيكون له لأن القيمة ~~للمتعدى عليه فلا يجمع له بين العوض والمعوض عنه، والبحر شيء توجبه الضرورة ~~فلا يحصل الصلح فيه بيعا لا ينتقض، وإن لم يكن في السفينة غير الآدميين لم ~~يجز رمي واحد منهم لطلب نجاة الباقين، وإن كان ذميا قال الطرطوشي في ~~تعليقه، ويبدأ بطرح الأمتعة ثم البهائم لشرف النفوس قال وهذا الطرح عند ~~الحاجة واجب، ولا يجري فيه القولان اللذان للعلماء في دفع الداخل عليك ~~البيت لطلب النفس أو المال، ولا من اضطر إلى أكل الميتة ففيهما قولان: ~~(أحدهما) يجب الدفع والأكل. (وثانيهما) لا يجبان لقصة ابني آدم، ولقوله - ~~عليه السلام - «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» ، وعليه ~~اعتمد عثمان - رضي الله عنه - في تسليم نفسه، والفرق أن التارك للقتل ~~والأكل هنالك تارك لئلا يفعل محرما، وها هنا لبقاء المال. # واقتناؤه ليس واجبا، وأكل الميتة وسفك الدم محرم، وما وضع المال إلا ~~وسيلة لبناء النفس، ms661 ولم يوضع قتل الغير، وأكل الميتة وسيلة لذلك، ولا يضمن ~~الطارح هنا ما طرحه اتفاقا ولمالك في أكل مال الغير للمجاعة قولان بالضمان ~~وعدمه، ولا يضمن بدفع الفحل إذا قتله لأنه كان يجب على صاحبه قتله صونا ~~للنفس فقد قام عن صاحبه بواجب. # وقال أبو حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما - لا يضمن أحد من أهل السفينة ~~إلا الطارح إن طرح مال غيره، وإن طرح مال نفسه فمصيبته منه ولو استدعى غيره ~~منه ذلك، ووافقونا إذا قال اقض عني ديني فقضاه، وفي اقتراض المرأة على ~~زوجها الغائب واقتراض الوصي لليتيم # PageV04P009 # فإنه يأخذ من ماله نظرا له قلنا القياس على هذه ~~الصورة بجامع السعي في القيام عن الغير بواجب لأنهم أجمعين يجب عليهم حفظ ~~نفوسهم وأموالهم فمن بادر منهم قام بذلك الواجب (احتجوا) بأن السلامة ~~بالطرح غير معلومة بخلاف الصائل، وبالقياس على الآدميين وأموال القنية. # (الجواب عن الأول) أنه ينتقض بطعام المضطر فإن المضطر يضمن مع احتمال ~~هلاكه بما أكل بل يعتمد في ذلك على العادة فقط، وقد شهدت بأن ذلك سبب ~~السلامة فيهما مع احتمال النقيض # (وعن الثاني) ما تقدم أول المسألة من الفرق مع أن الطرطوشي قال: القياس ~~التسوية بين القنية والتجارة لأن العلة صون الأموال، والكل يثقل السفينة # (الفرق السادس والمائتان بين قاعدة من عمل من الأجراء النصف مما استؤجر ~~عليه يكون له النصف وبين قاعدة من عمل النصف لا يكون له النصف) # اعلم أنه قد وقع في الإجارات أن من استأجر رجلا على أن يخيط له ثوبين أو ~~يبني له دارين أو نحو ذلك ففعل أحدهما، وهو النصف استحق النصف، وهو ظاهر، ~~ووقع فيها أيضا أن من استأجر رجلا على أن يحفر له بئرا عشرة في عشرة تكون ~~مربعة من كل جهة عشرة، ويكون عمقها عشرة فعمل خمسة في خمسة أو استؤجر على ~~أن يعمل صندوقا عشرة في عشرة فعمل خمسة في خمسة مقتضى ما تقدم من القاعدة ~~أن لهذين نصف الأجرة لأنهما قد عملا خمسة، وهي # PageV04P010 # نصف ms662 العشرة لكن قال الفضلاء له في مسألة البئر الثمن، ~~وفي مسألة الصندوق الربع فلم يجروا في ذلك على قاعدة الإجارة، ولم يجروا ~~أيضا في المخالفة على نمط واحد، ووجه صحة ما قالوه أن البئر كلما نزل فيها ~~ذراعا فقد شال من التراب بساطا مساحته عشرة في عشرة، وذلك مائة فكل ذراع ~~ينزله في البئر حينئذ مائة ذراع، والأذرع عشرة وعشرة في مائة بألف ~~فالمستأجر عليه ألف ذراع فلما عمل خمسة في خمسة شال في الذراع الأول تراب ~~خمسة في خمسة، وذلك خمسة وعشرون فكل ذراع من هذا المعمول خمسة وعشرون، ~~والأذرع المعمولة خمسة وخمسة في خمسة وعشرين بمائة وخمسة عشرين، وذلك ما ~~عمله، ونسبته إلى الألف نسبة الثمن فيستحق الثمن. # وأما الصندوق فليس فيه بقر، وإلا استوت المسألتان بل ألواح يلفقها فهو ~~استأجره على ستة ألواح كل منها عشرة، وذلك دائره أربعة وقعره وغطاؤه فكل ~~لوح عشرة في عشرة فهو مائة ذراع، والألواح ستة فالمستأجر عليه ستمائة، عمل ~~ستة في خمسة فيكون كل لوح منها خمسة وعشرين المتحصلة من ضرب خمسة في ستة، ~~وعشرون في ستة بمائة وخمسين، ونسبتها إلى ستمائة كنسبة الربع فله الربع ~~فتأمل ذلك فإنها من أبدع ما يلقى في مسائل المطارحات على الفقهاء، وكم يخفى ~~على الفقيه والحاكم الحق في المسائل الكثيرة بسبب الجهل بالحساب والطب ~~والهندسة فينبغي لذوي الهمم العلية أن لا يتركوا الاطلاع على العلوم ما ~~أمكنهم: # فلم أرى في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام # (الفرق السابع والمائتان بين قاعدة ما يضمنه الأجراء إذا هلك وبين قاعدة ~~ما لا يضمنونه) # اعلم أن الهلاك خمسة أقسام ما هلك بسبب حامله من عثار أو ضعف حبل لم يغرر ~~به أو ذهاب دابة أو سفينة بما فيهما فلا ضمان، ولا أجرة، ولا عليه أن يأتي ~~بمثله ليحمله قاله مالك، وقال غيره ما هلك بعثار كالهالك بأمر سماوي، وقال ~~ابن نافع لرب السفينة بحساب ما بلغت. # (الثاني) ما غر فيه بضعف حبل يضمن القيمة بموضع الهلاك ms663 لأنه موضع ~~التفريط، وله من الكراء بحسابه، وقيل بموضع الحمل لأنه منه ابتداء التعدي. # (الثالث) ما هلك بأمر سماوي بالبينة فله الكراء كله، وعليه حمل مثلهم من ~~موضع الهلاك لأن أجزاء المنفعة مضمونة عليه. (الرابع) ما هلك بقولهم من ~~الطعام لا يصدقون # PageV04P011 # فيه لقيام التهمة، ولهم الكراء كله لأن شأن الطعام ~~امتداد الأيدي إليه لأنهم استحقوه بالعقد. (الخامس) ما هلك بأيديهم من ~~العروض يصدقون فيه لعدم التهمة، ولهم الكراء كله، وعليهم حمل مثله من موضع ~~الهلاك لأنهم لما قصدوا أشبه ما هلك بأمر سماوي، وقال ابن حبيب لهم من ~~الكراء بحسب ما بلغوا، ويفسخ الكراء لأنه لما كان لا يعلم إلا من قولهم ~~أشبه ما هلك بعثار # (الفرق الثامن والمائتان بين قاعدة ما يمنع فيه الجهالة وبين قاعدة ما ~~يشترط فيه الجهالة بحيث لو فقدت فيه الجهالة فسد) # أما ما تفسده الجهالة فهو البياعات كما تقدم، وكثير من الإجارات، ومن ~~الإجارات قسم لا يجوز تعيين الزمان فيه بل يترك مجهولا، وهو الأعمال في ~~الأعيان كخياطة الثياب ونحوها لا يجوز أن يعين زمان الخياطة بأن يقول له ~~اليوم مثلا فتفسد لأن ذلك يوجب الغرر بتوقع تعذر العمل في ذلك اليوم، بل ~~مصلحته، ونفي الغرر عنه أن يبقى مطلقا، وكذلك الجعالة لا يجوز أن يكون ~~العمل فيها محددا معلوما لأن ذلك يوجب الغرر في العمل بأن لا يجد الآبق في ~~ذلك الوقت، ولا بذلك السفر المعلوم بل نفي الغرر عن الجعالة بحصول الجهالة ~~فيها، والجهالة في هذين القسمين شرط، وإن كانت في غيرهما مانعا، وها هنا ~~قاعدة شرعية تعرف بجمع الفرق، وهي أن يكون المعنى المناسب يناسب الإثبات ~~والنفي أو يناسب الضدين، ويترتبان عليه في الشريعة، وهو قليل في الفقه فإن ~~الوصف إذا ناسب حكما نافى ضده أما اقتضاؤه لهما فبعيد كما تقدم بيانه في ~~الجعالات والإجارات، ومن ذلك أيضا الحجر يقتضي رد التصرفات، وإطلاق ~~التصرفات في حالة الحياة صونا لمال المحجور عليه على مصالحه، وتنفذ وصاياه ~~صونا لماله على مصالحه لأنا ms664 لو رددنا الوصايا لحصل المال للوارث، ولم ينتفع ~~به المحجور عليه فصار صون المال على المصالح يقتضي تنفيذ التصرفات، ورد ~~التصرفات، وكذلك القرابة توجب البر بدفع المال، وتوجب المنع من دفع المال ~~إذا كان زكاة فيحرموا إياها، وتعطى لغيرهم بسبب القرابة، وكذلك أقرباء رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يجب برهم بسد خلاتهم بالمال، ويحرم دفع المال ~~إليهم إذا كان زكاة فصار قربهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوجب ~~دفع المال، ومنع المال باعتبار مالين ونسبتين، وكذلك كل معنى يوجب مصلحة أو ~~مفسدة، ويوجب نقيضها في محل آخر، وباعتبار نسبة أخرى # PageV04P012 # فإنه يوجب الضدين، وهو ضابط جمع الفرق، وسمي بذلك ~~لأنه يجمع المفرقات، وهي الأضداد فكذلك الجهالة توجب الإخلال بمصالح العقود ~~في البياعات، وأكثر أنواع الإجارات فكانت مانعة، ووجودها يوجب تحصيل مصلحة ~~عقد الجعالة حتى يبقى المجعول له على طلبه فيجد الآبق فلا يذهب عمله ~~المتقدم مجانا فإذا قيدنا عليه العمل، وقدرناه معلوما فإذا فعل ذلك العمل ~~المعلوم، ولم يجد الآبق ذهب عمله مجانا فضاعت مصلحة العقد # (الفرق التاسع والمائتان بين قاعدة ما مصلحته من العقود في اللزوم وبين ~~قاعدة ما مصلحته عدم اللزوم) # اعلم أن الأصل في العقد اللزوم لأن العقد إنما شرع لتحصيل المقصود من ~~المعقود به أو المعقود عليه، ودفع الحاجات فيناسب ذلك اللزوم دفعا للحاجة، ~~وتحصيلا للمقصود غير أن مع هذا الأصل انقسمت العقود قسمين # أحدهما كذلك كالبيع، والإجارة، والنكاح، والهبة، والصدقة، وعقود الولايات ~~فإن التصرف المقصود بالعقد يحصل عقيب العقد، والقسم الآخر لا يستلزم مصلحته ~~مع اللزوم بل مع الجواز وعدم اللزوم، وهو خمسة عقود الجعالة، والقراض، ~~والمغارسة، والوكالة، وتحكيم الحاكم ما لم يشرع في الحكومة، وأن الجعالة لو ~~شرعت لازمة مع أنه قد يطلع على فرط بعد مكان الآبق أو عدمه مع دخوله على ~~الجهالة بمكانه فيؤدي ذلك لضرورة فجعلت جائزة لئلا تجتمع الجهالة بالمكان ~~واللزوم، وهما متنافيان، وكذلك القراض حصول لربح فيه مجهول فقد يتصل به أن ~~السلع متعذرة أو لا ms665 يحصل فيها ربح فإلزامه بالسفر مضرة بغير حكمة، ولا يحصل ~~مقصود العقد الذي هو الربح، وكذلك المغارسة مجهولة العاقبة في نبات الشجر، ~~وجودة الأرض، ومئونات الأسباب على معاناة الشجر مع طول الأيام فقد يطلع على ~~تعذر ذلك أو فرط بعده فإلزامه بالعمل ضرر من غير حصول المقصود، وكذلك ~~الوكالة قد يطلع فيما وكل عليه على تعذر أو ضرر فجعلت على الجواز، وتحكيم ~~الحاكم خطر على المحكوم عليه لما فيه من اللزوم إذا حكم فقد يطلع الخصمان ~~على سوء العاقبة في ذلك فلا يشرع اللزوم في حقيهما نفيا للضرر عنهما، ~~واشترك الجميع في عدم انضباط العقد بحصول مقصوده فكان الجميع على الجواز # PageV04P013 # (الفرق العاشر والمائتان بين قاعدة ما يرد من القراض ~~الفاسد إلى قراض المثل وبين قاعدة ما يرد منه إلى أجرة المثل) # اعلم أن الأصل الرد إلى قراض المثل كسائر أبواب الفقه، ولأنه العمل الذي ~~دخل عليه قال القاضي عياض في التنبيهات مذهب المدونة أن الفاسد من القراض ~~يرد إلى أجرة مثله إلا في تسع مسائل القراض بالعروض، وإلى أجل، وعلى ~~الضمان، والمبهم، وبدين يقتضيه من أجنبي، وعلى شرك في المال، وعلى أنه لا ~~يشتري إلا بالدين فاشترى بالنقد، وعلى أنه لا يشتري إلا سلعة معينة لما لا ~~يكثر وجوده فاشترى غيرها، وعلى أن يشتري عبد فلان بمال القراض ثم يبيعه، ~~ويتجر بثمنه، وألحق بالتسعة عاشرة من غير الفاسد ففي الكتاب إذا اختلفا ~~وأتيا بما لا يشبه له قراض المثل، والضابط كل منفعة اشترطها أحدهما على ~~صاحبه ليست خارجة عن المال، ولا خالصة لمشترطها، ومتى كانت خارجة عن المال ~~أو كانت غررا حراما فأجرة المثل فعلى هذه الأمور الثلاثة تدور المسائل، وعن ~~مالك قراض المثل مطلقا. # وقال الشافعي وأبو حنيفة وعبد الملك بالأجرة مطلقا نظرا لاستيفاء العمل ~~بغير عقد صحيح وإلغاء الفاسد بالكلية قال صاحب القبس فيها خمسة أقوال ~~ثالثها لابن القاسم إن كان الفساد في العقد فقراض المثل أو لزيادة فأجرة ~~المثل ورابعها لمحمد الأقل من قراض المثل المسمى ms666 وخامسها تفصيل ابن القاسم، ~~وقد نظم بعضهم مسائل ابن القاسم فقال: # وأجرة مثل في القراض تعينت ... سوى تسعة قد خالف الشرع حكمه # قراض عروض واشتراط ضمانه ... وتحديد وقت والتباس يعمه # وإن شرطا في المال شركا لعامل ... وأن يشترى بالدين فاختل رسمه # وأن يشترى غير المعين للشرا ... وأعط قراض المثل من حال غرمه # وأن يقتضي الدين الذي عند غيره ... ويتجر فيه عاملا لا يذمه # وأن يشتري عبدا لزيد يبيعه ... ويتجر فيما ابتاعه ويلمه # قال بعض الأصحاب: وضابطها كل ما يشترط فيه رب المال على العامل أمرا قصره ~~به على نظره أو يشترط زيادة لنفسه أو شرطها العامل لنفسه فأجرة المثل، وإلا ~~فقراض المثل، ومنشأ الخلاف أمران # PageV04P014 # (أحدهما) المستثنيات من العقود إذا فسدت هل ترد إلى ~~صحيح أنفسها، وهو الأصل كفاسد البيع أو إلى صحيح أصلها لأن المستثنى إنما ~~استثني لأجل مصلحته الشرعية المعتبرة في العقد الصحيح فإذا لم توجد تلك ~~المصلحة بطل الاستثناء، ولم يبق إلا الأصل فيرد إليه، والشرع لم يستثن ~~الفاسد فهو مبني على العدم، وله أصل يرجع إليه، وسر الفرق بينه وبين البيع ~~أن البيع ليس له أصل آخر يرجع إليه (الأمر الثاني) أن أسباب الفساد إذا ~~تأكدت في القراض أو غيره بطلت حقيقة المستثنى بالكلية فتتعين الإجارة، وإذا ~~لم تتأكد اعتبرنا القراض ثم يبقى النظر بعد ذلك في المفسد هل هو متأكد أم ~~لا نظرا في تحقيق المناط. # (الفرق الحادي عشر والمائتان بين قاعدة ما يرد إلى مساقات المثل في ~~المساقات وبين ما يرد إلى أجرة المثل) # قال أبو الطاهر في كتاب النظائر يرد العامل إلى أجرة المثل إلا في خمس ~~مسائل فله مساقات المثل إذا ساقاه على حائط فيه تمر قد أطعم، وإذا شرط ~~العمل معه، واجتماعها مع البيع، ومساقاة سنتين على جزأين مختلفين، وإذا ~~اختلفا، وأتيا بما لا يشبه فحلفا على دعواهما أو نكلا، وقد نظمها بعضهم ~~فقال: # وأجرة مثل في المساقاة عينت ... سوى خمسة قد خالف الشرع حكمها # مساقاة إبان بدو صلاحها ... وجزءان في ms667 عامين شرط يعمها # وإن شرط الساقي على مالك له ... مساعدة والبيع معها يضمها # وإن حلفا في الخلف من غير شبهة ... أو اجتنبا الأيمان والحزم ذمها # ، وسر الفرق ما تقدم في القراض بعينه، والقواعد واحدة فيهما. # (الفرق الثاني عشر والمائتان بين الأهوية وبين قاعدة ما تحت الأبنية) # اعلم أن حكم الأهوية تابع لحكم الأبنية فهواء الوقف وقف، وهواء الطلق ~~طلق، وهواء الموات موات، وهواء المملوك مملوك، وهواء المسجد له حكم المسجد ~~فلا يقربه الجنب، ومقتضى هذه # PageV04P015 # القاعدة أن يمنع بيع هواء المسجد والأوقاف إلى عنان ~~السماء لمن أراد غرز خشب حولها، ويبني على رءوس الخشب سقف عليه بنيان، ولم ~~يخرج عن هذه القاعدة إلا فرع قال صاحب الجواهر يجوز إخراج الرواشن والأجنحة ~~على الحيطان إلى طريق المسلمين إذا لم تكن مستدة فإذا كانت مستدة امتنع إلا ~~أن يرضى أهلها كلهم، وسبب خروج الرواشن عن هذه القاعدة أن الأفنية هي بقية ~~الموات الذي كان قابلا للإحياء فمنع الإحياء فيه لضرورة السلوك وربط الدواب ~~وغير ذلك، ولا ضرورة في الهواء فيبقى على حاله مباحا في السكة النافذة. # وأما المستدة فلا لحصول الاختصاص وتعين الضرر عليهم. هذا تفصيل أحوال ~~الأهوية، وأما ما تحت الأبنية الذي هو عكس الأهوية إلى جهة السفل فظاهر ~~المذهب أنه مخالف لحكم الأبنية فقد نص صاحب الطراز على أن المسجد إذا حفر ~~تحته مطمورة يجوز أن يعبرها الجنب والحائض. # وقال لو أجزنا الصلاة في الكعبة، وعلى ظهرها لم نجزها في مطمورة تحتها ~~فهذا تصريح بمخالفة الأهوية لما تحت الأبنية، وكذلك اختلفوا فيمن ملك أرضا ~~هل يملك ما فيها، وما تحتها أم لا، ولم يختلفوا في ملك ما فوق البناء من ~~الهواء على ما علمت، وقد نص أصحابنا على بيع الهواء لمن ينتفع به، وسر ~~الفرق بين القاعدتين أن الناس شأنهم توفر دواعيهم على العلو في الأبنية ~~للاستشراف والنظر إلى المواضع البعيدة من الأنهار ومواضع الفرح والتنزه ~~والاحتجاب عن غيرهم بعلو بنائهم، وغير ذلك من المقاصد، ولا تتوفر دواعيهم ~~في بطن ms668 الأرض على أكثر مما يستمسك به البناء من الأساسات خاصة، ولو كان ~~البناء على جبل أو أرض صلبة استغنوا عنه # PageV04P016 # والشرع له قاعدة، وهو أنه إنما يملك لأجل الحاجة، وما ~~لا حاجة فيه لا يشرع فيه الملك فلذلك لم يملك ما تحت الأبنية من تخوم الأرض ~~بخلاف الهواء إلى عنان السماء فهذا هو الفرق، والمساجد والكعبة لما كانت ~~بيوتا كانت المقاصد فيها لمن يدخلها متعلقة بهوائها دون ما تحت بنائها ~~كالمملوكات فإن قلت ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من ~~غصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين» ، وهذا يدل على ملك ما تحت ذلك الشبر ~~إلى الأرض السابعة قلت تطويقة ذلك إنما كان عقوبة لا لأجل ملك صاحب الشبر ~~إلى الأرض السابعة، ولا يلزم من العقوبة بالشيء أن يكون مملوكا لغير الله ~~عز وجل # PageV04P017 # (الفرق الثالث عشر والمائتان بين قاعدة الأملاك ~~الناشئة عن الإحياء وبين قاعدة الأملاك الناشئة عن غير الإحياء) # اعلم أن هذا الموضع مشكل على مذهبنا في ظاهر الأمر فإن الإحياء عندنا إذا ~~ذهب ذهب الملك، وكان لغيره أن يحييه، ويصير مواتا كما كان. # وقال سحنون والشافعي - رضي الله عنهما - لا يزول الملك بزوال الإحياء ~~لوجوه الأول قوله - صلى الله عليه وسلم - «من أحيا أرضا ميتة فهي له» فجعل ~~- صلى الله عليه وسلم - له الملك، والأصل عدم إبطاله، واستصحابه الثاني ~~قياس الإحياء على البيع والهبة وسائر أسباب التمليك. الثالث القياس على من ~~تملك لقطة ثم ضاعت منه فإن عودها إلى حال الالتقاط لا يسقط ملك متملكها، ~~وهذا مساو للمسألة في العود للحالة السابقة. والجواب عن الأول أن الحديث ~~يدل لنا بسبب أن القاعدة أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف ~~لذلك الحكم، وقد رتب الملك على وصف الإحياء فيكون الإحياء سببه، وعلته، ~~والحكم ينتفي لانتفاء علته وسببه فيبطل الملك بهذا الحديث لهاتين القاعدتين ~~سلمنا أنه لا يدل لنا غير أن قوله - عليه السلام - فهي له لفظ يقتضي # PageV04P018 # مطلق الملك فإن ms669 لفظ له ليس من صيغ العموم بل ذلك على ~~أصل ثبوت الملك، ونحن حينئذ نقول بموجبه فإنا نثبت مطلق الملك من الإحياء. # وإنما يحصل مقصودا أن لو اقتضى الحديث الملك بوصف العموم على وجه الدوام، ~~وليس كذلك، وعن الثاني الفرق بأن الإحياء سبب فعلي تملك به المباحات من ~~الأرض، وأسباب تلك المباحات الفعلية ضعيفة لورودها على غير ملك سابق بخلاف ~~أسباب الملك القولية لا يبطل الملك ببطلان أصواتها وانقطاعها لأنها ترد على ~~مملوك غالبا فلتأصل الملك قبلها قويت إفادتها للملك لاجتماع إفادتها مع ~~إفادة ما قبلها، وكذلك إذا ورد البيع على الإحياء لم ينتقض الملك بعد ذلك ~~لتظاهر الأسباب فلهذا المعنى قلنا إذا تملك الصيد بالاصطياد ثم توحش بطل ~~الملك فيه، والسمك إذا انفلت في النهر يبطل ملكه، والماء إذا حير ثم اختلط ~~بالنهر أو الطير أو النحل أبين من ذلك كله إذا انفلت وتوحش بطل الملك فيه ~~نظرا لهذه العلة فإن قلت الإقطاع سبب قولي وارد على مملوك للمسلمين، ومع ~~ذلك لا يملك بيعه قلت هذا سؤال عكس لأنا ادعينا قصور الإحياء، وأنتم أبديتم ~~حكم القصور بدون الإحياء، وإبداء الحكم بدون سبب أو علة عكس، وهو عكس ~~النقيض، وهو إبداء العلة بدون حكمها # PageV04P019 # فإن قلت فإذا أحيا في الإقطاع لم لا يبطل ملكه ببطلان ~~إحيائه قلت ذلك لسبب غير الإحياء، وهو أن الإقطاع حكم من أحكام الأئمة لا ~~ينقض، وتصان أحكام الأئمة عن النقض، وعن الثالث أن تملك الملتقط ورد على ما ~~تقدم فيه الملك، وتقرر فكان تأثير السبب فيه أقوى لما تقدم، ويؤكده أن ~~الأسباب القولية ونحوها ترفع ملك الغير كالبيع ونحوه فهي في غاية القوة، ~~وأما الفعل بمجرده فليس له قوة رفع ملك الغير بل يبطل ذلك الفعل كمن بنى في ~~ملك غيره فلذلك ذهب أثره بذهابه. # وهذا فقه حسن على القواعد فليتأمل، ومذهب الشافعي - رضي الله عنه - في ~~بادئ الرأي أقوى وأظهر، وبهذه المباحث ظهر الفرق بين القاعدتين من جهة ~~القوة والضعف كما تقدم بسطه وتقريره. ms670 # (الفرق الرابع عشر والمائتان بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد وما يجب ~~الوفاء به منه وما لا يجب) # قال الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] ~~{كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] والوعد إذا أخلف قول ~~لم يفعل فيلزم أن يكون كذبا محرما، وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا. # وقال - عليه السلام - من «علامة المنافق ثلاث إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب ~~وإذا وعد أخلف» فذكره في سياق الذم دليل على التحريم، ويروى عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال، وعد المؤمن واجب أي وعده واجب الوفاء به # PageV04P020 # وفي الموطإ «قال رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أكذب لامرأتي فقال - صلى الله عليه وسلم - لا خير في الكذب فقال يا رسول ~~الله أفأعدها، وأقول لها فقال - عليه السلام - لا جناح عليك» فمنعه من ~~الكذب المتعلق بالمستقبل فإن رضى النساء إنما يحصل به، ونفى الجناح على ~~الوعد، وهو يدل على أمرين: (أحدهما) أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله ~~قسيم الكذب # (وثانيها) أن إخلاف الوعد لا حرج فيه # PageV04P021 # ولو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال ~~عنه، ولما ذكره مقرونا بالكذب، ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله ~~فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه، وفي أبي داود قال - عليه السلام - «إذا ~~وعد أحدكم أخاه، ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه» فهذه الأدلة تقتضي ~~عدم الوفاء بالوعد، وأن ذلك مباح، والكذب ليس بمباح فلا يكون الوعد يدخله ~~الكذب عكس الأدلة الأول، واعلم أنا إذا فسرنا الكذب بالخبر الذي لا يطابق ~~لزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة مع أن ظاهر الحديث يأباه، وكذلك التأثيم ~~فمن الفقهاء من قال الكذب يختص بالماضي والحاضر، والوعد إنما يتعلق ~~بالمستقبل فلا يدخله الكذب، وسيأتي الجواب عن الآية ونحوها إن شاء الله # PageV04P022 # تعالى، ومنهم من يقول لم يتعين عدم المطابقة في ~~المستقبل بسبب أن المستقبل زمان يقبل الوجود والعدم، ولم يقع ms671 فيه بعد وجود ~~ولا عدم فلا يوصف الخبر عند الإطلاق بعدم المطابقة، ولا بالمطابقة لأنه لم ~~يقع بعد ما يقتضي أحدهما، وحيث قلنا الصدق القول المطابق، والكذب القول ~~الذي ليس بمطابق ظاهر في وقوع وصف المطابقة أو عدمها بالفعل، وذلك مختص ~~بالحال والماضي. # وأما المستقبل فليس فيه إلا قبول المطابقة وعدمها، ونحن متى حددنا بوصف ~~نحو قولنا في الإنسان الحيوان الناطق أو نحوه إنما نريد الحياة والنطق ~~بالفعل لا بالقوة، وإلا لكان كله إنسانا لأنه قابل للحياة، والنطق، وهذا ~~التعليل يؤيد القول الأول # PageV04P023 # ومنهم من يقول الكل يدخله الكذب، وإنما سومح في الوعد ~~تكثيرا للعدة بالمعروف فعلى هذا القول لا فرق بين الكذب والوعد، والأول هو ~~الذي ظهر لي لعدم تعين المطابقة وعدمها اللذين هما ضابطا الصدق والكذب، ~~وعلى ذلك يقع الفرق بينه وبين الكذب وبين الصدق فلا يوصف بواحد منهما، ~~ويختص بالماضي والحاضر فإن قلت يلزم ذلك في وعد الشرائع ووعيدها فلا يوصفان ~~بواحد منهما، وليس كذلك لقوله تعالى {وعدكم وعد الحق} [إبراهيم: 22] ، وصدق ~~الله وعده {الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشاء} [الزمر: 74] {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} [الأعراف: 44] إلى غير ذلك ~~من النصوص الدالة على دخول الصدق في وعد الله تعالى ووعيده، والأصل في ~~الاستعمال الحقيقة (قلت) الله تعالى يخبر عن معلوم، وكل ما تعلق به العلم ~~تجب مطابقته بخلاف واحد من البشر إنما ألزم نفسه أن يفعل مع تجويز أن يقع ~~ذلك منه، وأن لا يقع فلا تكون المطابقة وعدمها معلومين، ولا واقعين فانتفيا ~~بالكلية وقت الإخبار، واعلم أن الفقهاء اختلفوا في الوعد هل يجب الوفاء به ~~شرعا أم لا قال مالك إذا سألك أن تهب له دينارا فقلت نعم ثم بدا لك # PageV04P024 # لا يلزمك، ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد ~~لأجله لزمك لإبطالك مغرما بالتأخير قال سحنون الذي يلزم من الوعد قوله اهدم ~~دارك، وأنا أسلفك ما تبني به أو اخرج إلى الحج، وأنا أسلفك أو اشتر سلعة ms672 أو ~~تزوج امرأة، وأنا أسلفك لأنك أدخلته بوعدك في ذلك أما مجرد الوعد فلا يلزم ~~الوفاء به بل الوفاء من مكارم الأخلاق. # وقال أصبغ يقضى عليك به تزوج الموعود أم لا، وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا ~~لزمك تسبب في ذلك أم لا، والذي لا يلزم من ذلك أن تعده من غير ذكر سبب ~~فيقول لك أسلفني كذا فتقول نعم بذلك قضى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -، ~~وإن وعدت غريمك بتأخر الدين لزمك لأنه إسقاط لازم للحق سواء قلت له أؤخرك ~~أو أخرتك، وإذا أسلفته فعليك تأخيره مدة تصلح لذلك، وحينئذ نقول وجه الجمع ~~بين الأدلة المتقدمة التي يقتضي بعضها الوفاء به، وبعضها عدم الوفاء به أنه ~~إن أدخله في سبب يلزم بوعده لزم كما قال مالك وابن القاسم وسحنون أو وعده ~~مقرونا بذكر السبب كما قاله أصبغ لتأكد العزم على الدفع حينئذ ويحمل عدم ~~اللزوم على خلاف ذلك مع أنه قد قيل في الآية إنها نزلت في قوم كانوا يقولون ~~جاهدنا، وما جاهدوا، وفعلنا أنواعا من الخيرات، وما فعلوها، ولا شك أن هذا ~~محرم لأنه كذب، ولأنه تسميع بطاعة الله تعالى، وكلاهما محرم ومعصية اتفاقا. # وأما ما ذكر من الإخلاف في صفة المنافق فمعناه أنه سجية له، ومقتضى حاله ~~الإخلاف، ومثل هذه السجية يحسن الذم بها كما يقال سجيته تقتضي البخل والمنع ~~فمن كانت صفاته تحث على الخير مدح أو تحث على الشر ذم شرعا وعرفا، واعلم ~~أنه لا بد في هذا الفرق من مخالفة بعض الظواهر إن جعلنا الوعد يدخله الكذب ~~بطل «لقوله - عليه السلام - للسائل لما قال له أأكذب لامرأتي قال لا خير في ~~الكذب» ، وأباح له الوعد، وهو ظاهر في أنه ليس بكذب، ولا يدخله الكذب، ولأن ~~الكذب حرام إجماعا فيلزم معصيته فيجب الوفاء به نفيا للمعصية، وليس كذلك. # وإن قلنا إن الكذب لا يدخله، ورد علينا ظواهر وعد الله ووعيده فلا بد من ~~الجمع بينهما، وما ذكرته أقرب الطرق في ذلك. # PageV04P025 # (الفرق الخامس عشر والمائتان ms673 بين قاعدة ما يقبل ~~القسمة وقاعدة ما لا يقبلها) الذي يقبل القسمة ما عري عن أربعة أشياء الغرر ~~كمشروعية القرعة في المختلفات فإن الغرر يعظم، الثاني الربا كقسمة الثمار ~~بشرط التأخير إلى الطيب بما يدخله من بيع الطعام بالطعام غير معلوم التماثل ~~لأن القسمة بيع فإن تباين الجنس الواحد بالجودة والرداءة ففي جوازه بالقرعة ~~قولان حكاهما اللخمي الثالث إضاعة المال كالياقوتة. الرابع لحق آدمي كقسم ~~الدار اللطيفة والحمام والخشبة والثوب والمصراعين، ولذلك يجوز هذا القسم ~~بالتراضي لأن للآدمي إسقاط حقه بخلاف حق الله تعالى في إضاعة المال وغيره، ~~ومنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل قسم ما فيه ضرر أو تغيير نوع ~~المقسوم. # ومنع أبو حنيفة قسم الرقيق، وأجازه الشافعي احتج أبو حنيفة بأن منافعه ~~مختلفة بالعقل والشجاعة وغيرهما فلا يمكن فيه التعديل، وجوابه لو امتنع ~~تعديله لامتنع بيعه وتقويمه لأنهما مبنيان على معرفة القيم، وليس كذلك. # وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل لا يجوز أن يجمع بين دارين في القسم، ~~وإن تقاربتا لأن الشفعة تكون في إحداهما دون الأخرى فكذلك تكون القسمة، ~~ولأن الجمع بينهما يفضي إلى كثرة الغرر لأن كل واحد منهما يزول ملكه عن كل ~~واحدة من الدارين بغير رضاه، والجواب عن الأول أن الشركة إذا عمت فيهما، ~~والبيع عمت الشفعة فنقيس القسم على الشفعة فينقلب الدليل عليكم، ولأن ~~استقلال كل واحد منهما بإحداهما أتم في الانتفاع من الانتفاع ببعض دار، وعن ~~الثاني المعارضة، والنقض بالاختلاف في الدار الواحدة بل ها هنا أولى لأنا ~~إنما نجمع المتقارب، وهنالك نجمع المختلف. # (الفرق السادس عشر والمائتان بين قاعدة ما يجوز التوكيل فيه وبين قاعدة ~~ما لا يجوز التوكيل فيه) اعلم أن الأفعال قسمان منها ما لا تحصل مصلحته إلا ~~للمباشر فلا يجوز التوكيل فيها لفوات المصلحة بالتوكيل كالعبادة فإن ~~مصلحتها الخضوع، وإظهار العبودية لله تعالى فلا يلزم من خضوع الوكيل خضوع ~~الموكل فتفوت المصلحة، ومصلحة الوطء والإعفاف وتحصيل ولد # PageV04P026 # ينسب إليه وذلك لا يحصل للموكل بخلاف عقد النكاح لأن ms674 ~~مقصوده تحقيق سبب الإباحة، وهو يتحقق من الوكيل، ومقصود الأيمان كلها ~~واللعان إظهار الصدق فيما ادعى، وحلف زيد ليس دليلا على صدق عمرو، وكذلك ~~الشهادات مقصودها الوثوق بعدالة المتحمل، وذلك فائت إذا أدى غيره، ومقصود ~~المعاصي إعدامها فلا يشرع التوكيل فيها لأن شروع التوكيل فيها فرع تقريرها ~~شرعا فضابط الفرق أن مقصود الفعل متى كان يحصل من الوكيل كما يحصل من ~~الموكل، وهو مما يجوز الإقدام عليه جازت الوكالة فيه، وإلا فلا. # (الفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا ~~يوجبه) # أسباب الضمان ثلاثة فمتى وجد واحد منها وجب الضمان، ومتى لم يوجد واحد ~~منها لم يجب الضمان. (أحدها) التفويت مباشرة كإحراق الثوب، وقتل الحيوان، ~~وأكل الطعام، ونحو ذلك. # (وثانيها) التسبب للإتلاف كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه، ووضع السموم في ~~الأطعمة، ووقود النار بقرب الزرع أو الأندر، ونحو ذلك مما شأنه في العادة ~~أن يفضي غالبا للإتلاف. (وثالثها) وضع اليد غير المؤتمنة فيندرج في غير ~~المؤتمنة يد الغاصب، والبائع يضمن المبيع الذي يتعلق به حق توفية القبض فإن ~~ضمان المبيع الذي هذا شأنه منه لأن يده غير مؤتمنة، ويد المتعدي بالدابة في ~~الإجارة، ونحوها، ويخرج بهذا القيد يد المودع، وعامل القراض، ويد المساقي، ~~ونحوهم فإنهم أمناء فلا يضمنون، وإنما يندرج فيه الغاصب ونحوه، وحد السبب ~~ما يقال عادة حصل الهلاك به من غير توسط، والتسبب ما يحصل الهلاك عنده بعلة ~~أخرى إذا كان السبب هو المقتضي لوقوع الفعل بتلك العلة كحفر البئر في محل ~~عدوانا فيتردى فيها بهيمة أو غيرها فإن أرادها غير الحافر فالضمان عليه دون ~~الحافر تقديما للمباشر على المتسبب، ويضمن المكره على إتلاف المال لأن ~~الإكراه سبب، وفاتح القفص بغير إذن ربه فيطير ما فيه حتى لا يقدر عليه، ~~والذي يحل دابة من رباطها أو عبدا مقيدا خوف الهرب فيهرب لأنه متسبب سواء ~~كان الطيران أو الهرب عقيب الفتح والحل أم لا، وكذلك السارق يترك الباب ~~مفتوحا، وما في الدار ms675 أحد. # وقال # PageV04P027 # الشافعي - رضي الله عنه - إن طار الحيوان عقيب الفتح ~~ضمن، وإلا فلا لأن الحيوان طار حينئذ بإدارته لا بالفتح. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - لا يضمن إلا في الرق إذا حله فيتبدد ما ~~فيه لنا أن هذه الأمور سبب الإتلاف عادة فتوجب بالضمان كسائر صور التسبب ~~المجمع عليها ولقوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} [البقرة: 194] سقط خصوص التسبب بقي الغرم، وبالقياس على ما إذا فتح ~~مراحه فخرجت ماشيته فأفسدت الزرع فإنه يضمنه احتجوا بأنه إذا اجتمع التسبب ~~والمباشرة اعتبرت المباشرة دونه، والطير مباشر باختياره لحركة نفسه كمن حفر ~~بئرا عدوانا فأردى فيها غيره إنسانا فإن المردي يضمن دون الأول، والحيوان ~~قصده معتبر بدليل جوارح الصيد إن أمسكت لأنفسها لا يؤكل الصيد أو للصائد ~~أكل، والجواب لا نسلم أن الطائر كان مختارا للطيران، ولعله كان مختارا ~~للإقامة لانتظار العلف أو خوف الجوارح الكواسر، وإنما طار خوفا من الفاتح ~~وإذا احتمل، واحتمل والسبب معلوم فيضاف الضمان إليه كحافر البئر يقع فيها ~~حيوان مع إمكان اختياره لنزولها لفزع خلفه أو غير ذلك، ولا نسلم أن الصيد ~~لا يؤكل إذا أكل منه الجارح سلمناه لكن الضمان متعلق بالسبب الذي توصل به ~~الطائر لمقصده كمن أرسل بازيا على طائر غيره فقتله البازي باختياره فإن ~~المرسل يضمن. # وهذه المسألة تقتضي اختيار الحيوان، ولا نسلم أن الفتح سبب مجرد بل هو في ~~معنى المباشرة لما في طبع الطائر من النفور من الآدمي، وأما إلقاء غير ~~الحافر للبئر إنسانا، وإلقاؤه هو نفسه في البئر فالفرق أن قصد الطائر ونحوه ~~ضعيف لقوله - صلى الله عليه وسلم - «جرح العجماء جبار» ، والآدمي يضمن قصد ~~أو لم يقصد فهذا هو تقرير قاعدة ما يوجب الضمان وقاعدة ما لا يوجبه، وهاهنا ~~مسألتان # (المسألة الأولى) إذا قلنا بالضمان فالضمان على الغاصب يوم الغصب دون ما ~~بعده وعند الشافعي تعتبر الأحوال كلها فيضمنه أعلى القيم، وتظهر فائدة ~~الخلاف إذا غصبها ضعيفة مشوهة معيبة بأنواع من العيوب فزالت ms676 تلك العيوب ~~عنده فعندنا القيمة وعنده الثانية لأنها أعلى، وكذلك خالفنا في وطء الشبهة ~~فعندنا أول يوم الشبهة وعنده يعتبر أعلى الرتب فيوجب لها صداق المثل في ~~أشرف أحوالها كما يوجب أعلى القيم في الغصب. لنا قاعدة أصولية، وهي أن ~~ترتيب الحكم على # PageV04P028 # الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم، ورسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قد رتب الضمان على الأخذ باليد فيكون الأخذ باليد ~~هو سبب الضمان فمن ادعى أن غيره سبب فعليه الدليل لأن الأصل عدم سببية غير ~~ما دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - «على اليد ما أخذت حتى ترده» فهذه ~~قرينة تدل على سببية الأخذ كقولنا على الزاني الرجم. # وعلى السارق القطع فإنه يدل على سببية هذه الأوصاف، وهو في أثناء مدة ~~الغصب لا يصدق عليه أنه أخذ الآن بل أخذ فيما مضى فوجب أن يختص السبب بما ~~مضى، وفي وطء الشبهة وجب أن يكون كذلك لأنه لا قائل بالفرق أو لأن الصداق ~~ترتب في ذمته بالوطأة الأولى. # والأصل عدم انتقاله، وما قاله أحد بوجوب صداقين أو بالقياس على الغصب، ~~ولنا قاعدة أخرى أصولية فقهية، وهي أن الأصل ترتب المسببات على أسبابها من ~~غير تراخ فيترتب الضمان حين وضع اليد لا ما بعد ذلك، والمضمون لا يضمن لأنه ~~تحصيل الحاصل، وقياسا على حوالة الأسواق فإنها لا تضمن عندهم، وقد حكى ~~اللخمي ذلك عن مالك وابن القاسم، وحكي عن أشهب وعبد الملك أخذ أرفع القيم ~~إذا حالت الأسواق، والفرق للكل أن حوالة الأسواق رغبات الناس، وهي بين ~~الناس خارجة عن السلع فلا تضمن بخلاف زيادة صفاتها، ووافق الشافعي في تضمين ~~أعلى القيم أحمد بن حنبل، وجماعة من أصحابنا، ووافق مشهورنا أبو حنيفة، ~~وعلى الأول لو تعلم العبد صنعة ثم نسيها ضمنها الغاصب احتجوا بوجوه # (الأول) بأن الغاصب في كل وقت مأمور بالرد فهو مأمور برد الزيادة، وما ~~ردها فيكون غاصبا لها فيضمنها. # (الثاني) أن الزيادة نشأت عن ملكه، وفي ملكه فتكون ملكه، ويد العدوان ~~عليها ms677 فتكون مغصوبة فيضمن كالعين المغصوبة، ولأنه في الحالة الثانية ظالم، ~~والظلم علة الضمان فيضمن، والجواب عن الأول والثاني والثالث أنها مسلمة، ~~ولا نسلم أنها سبب الضمان فلا يلزم من الأمر ولا من الظلم، ولا من غيرهما ~~الضمان فإن الأسباب الشرعية تفتقر إلى نصب شرعي، ولفظ صاحب الشرع اقتضى ~~سببية وضع اليد، ومفهومه أن غيره ليس بسبب فلا بد لسببية غيره من دليل. # ولم يوجد وضع اليد في أثناء الغصب بل استصحابها واستصحاب الشيء لا يلزم ~~أن يقوم مقامه بدليل أن استصحاب النكاح لا يقوم مقام العقد الأول لصحته مع ~~الاستبراء، والعقد لا يصح مع الاستبراء، وكذلك الطلاق يوجب # PageV04P029 # ترتب العدة عقيبه. # واستصحابه لا يوجب عدة، ووضع اليد عدوانا يوجب التنسيق والتأثيم، ولو جن ~~بعد ذلك، وهي تحت يده لم يأثم حينئذ، ولم يفسق، وابتداء العبادات يشترط ~~فيها النيات، وغيرها من التكبير ونحوه، ودوامها لا يشترط فيه ذلك فعلمنا أن ~~استصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه لا سيما، وسبب الضمان هو الأخذ ~~عدوانا، ولا يصدق عليه بعد زمن الأخذ أنه أخذ الآن إلا على سبيل المجاز لأن ~~حقيقة الأخذ تجري مجرى المناولة، والحركات الخاصة لا يصدق شيء منها مع ~~الاستصحاب فعلم أن سبب الضمان منفي في زمن الاستصحاب قطعا. # ونحن إنما نضمنه الآن بسبب متقدم لا بما هو حاصل الآن فاندفع ما ذكروه، ~~وأن القيمة إنما هو يوم الغصب زادت العين أو نقصت # (المسألة الثانية) إذا ذهبت جل منفعة العين كقطع ذنب بغلة القاضي، ونحو ~~ذلك فعندنا يضمن الجميع، وهو فرع اختلفت فيه المذاهب، وتشعبت فيه الآراء، ~~وطرق الاجتهاد فقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - في العبد، والثوب كقولنا في ~~الأكثر فإذا ذهب النصف أو الأقل باعتبار المنفعة عادة فليس له إلا ما نقص ~~فإن قلع عين البهيمة فربع القيمة استحسانا، والقياس عندهم أن لا يضمن إلا ~~النقص، واختلفوا في تعليل هذا القول فقيل لأنه ينتفع بالأكل والركوب فعلى ~~هذا يتعدى الحكم للإبل والبقر دون البغال والحمير، ومنهم من قال ms678 الركوب فقط ~~فيتعدى الحكم للبغال والحمير فيضمن أيضا ربع القيمة. # وقال الشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهما - ليس له في جميع ذلك إلا ما ~~نقص لأن الأصل بقاء ما بقي على ملكه فإن قطع يدي العبد أو رجليه فوافقنا ~~أبو حنيفة في تخيير السيد تسليم العبد، وأخذ القيمة كاملة وبين إمساكه، ولا ~~شيء له، وقال الشافعي - رضي الله عنه - تتعين القيمة كاملة، ولا يلزمه ~~تسليم العبد خلاف قوله في المسألة الأولى، وأصل هذا الفقه أن الضمان الذي ~~سببه عدوان لا يوجب ملكا لأنه سبب للتغليط لا سبب للرفق وعندنا الملك مضاف ~~للضمان لا لسببه، وهو قدر مشترك بين العدوان، وغيره، وبسط ذلك في المسألة ~~الأولى لنا وجوه # (الأول) أن تقول إنه أتلف المنفعة المقصودة فيضمن كما لو قتلها أما إنه ~~أتلف المنفعة المقصودة فلأن ذا الهيئة إذا قطع ذنب بغلته لا يركبها بعد، ~~والركوب هو المقصود. # وأما قياس ذلك على قتلها فلأن إذا قتلها ضمنها اتفاقا مع بقاء انتفاعه ~~بإطعامها لكلابه، وبزاته، وبدبغ # PageV04P030 # جلدها فينتفع به أو بغير دباغ إلى غير ذلك من المنافع ~~غير المقصودة عادة، ولما لم يمنع ذلك من الضمان علمنا أن الضمان مضاف للقدر ~~المشترك بينهما منها، وهو ذهاب المقصود فيستويان في الحكم عملا باشتراكهما ~~في الموجب. # (الثاني) أنه لو غصب عسلا وشيرجا ونشا فعقد الجميع فالوذجا ضمن عندهم مع ~~بقاء منافع كثيرة من المالية فكذلك ها هنا # (وثالثها) أنه لو غصب عبدا فأبق أو حنطة فبلها بللا فاحشا ضمن عندهم مع ~~بقاء التقرب في الأول بالعتق وبقاء المالية في الثاني لكن جل المقصود ذهب ~~فكذلك ها هنا، ولا يقال في الآبق حال بينه وبين جميع العين، وفي الحنطة ~~بتداعي الفساد إليها بالبلل لأنا نقول في صورة النزاع حال بينه وبين ~~مقصوده، وأفسده عليه ناجزا مع إمكان تجفيف الحنطة، وعملها سويقا وغير ذلك ~~من المنافع، واحتجوا بأمرين # (الأول) قوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ~~[البقرة: 194] والاعتداء حصل في البعض فتلزمه قيمة ms679 البعض # (وثانيهما) أن هذه الجناية لو حصلت في غير بغلة القاضي أو الأمير لم ~~تلزمه القيمة فكذلك ها هنا كما لو جنى على عبده أو داره لأن تقويم المتلفات ~~لا يختلف باختلاف الناس إنما يختلف باختلاف البلاد والأزمان، ويؤكده أنه لو ~~قطع ذنب حمار التراب أو خرق ثوب الحطاب لم يلزمه جميع القيمة مع تعذر بيعه ~~من الأمير، والقاضي لأنهما لا يلبسانه بسبب ذلك القطع اليسير، ولو قطع أذن ~~الأمير نفسه أو أنف القاضي لما اختلفت الجناية فكيف بدابته مع أن شين ~~القاضي بقطع أنفه أشد، والجواب عن الأول أنه متروك الظاهر لاقتضائه أن يعور ~~فرس الجاني كما عور فرسه، وليس كذلك إجماعا، وقيل إن الآية وردت في الدماء ~~لا في الأموال، ولأن قوله تعالى {عليكم} [البقرة: 194] أي أنفسكم إنما ~~تناول أنفسنا لأنه ضمير الأنفس، وعن الثاني أن الدار جل مقصودها حاصل بخلاف ~~الفرس. # وأما قولهم لا يختلف التقويم باختلاف البلاد بل يختلف فإن الدابة الصالحة ~~للخاصة والعامة كالقضاة والخطباء أنفس قيمة لعموم الأغراض فيها، ولتوقع ~~المنافسة في المزايدة فيها أكثر من التي لا تصلح إلا لأحد الفريقين، وأما ~~أذن الأمير وأنف القاضي فإن القاعدة أن مزايا الرجال غير معتبرة في باب ~~الدماء ومزايا الأموال متغيرة فدية أشجع الناس، وأعلمهم كدية أجبن الناس ~~وأجهلهم فأين أحد البابين من الآخر. # (تمهيد) تحصل أن النقص عند العلماء ثلاثة أقسام تارة تذهب العين بالكلية ~~فله طلب القيمة اتفاقا، وتارة # PageV04P031 # يكون النقص يسيرا فليس له إلزام القيمة اتفاقا، وتارة ~~يكون الذاهب مخلا بالمقصود فهو محل الخلاف، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن ~~اللخمي في مذهبنا إن التعدي في مذهب مالك أربعة أقسام يسير لا يبطل الغرض ~~المقصود به، ويسير يبطله، وكذلك كثير لا يبطل المقصود منه، وكثير يبطله ~~فهذه أربعة أقسام متقابلة: أما القسم الأول، وهو اليسير الذي لا يبطل ~~المقصود لا يضمن العين، وكذلك الكثير الذي لا يبطل المقصود، وهو القسم ~~الثالث، وأما القسم الرابع فيخير كما تقدم، وعلى القول بتضمينه القيمة لو ~~أراد ms680 ربه أخذه، وما نقصه فذلك عند مالك وابن القاسم، وقال محمد لا شيء له ~~لأنه ملك أن يتضمنه فامتنع فذلك رضى. # وأما القسم الثاني، وهو اليسير الذي يبطل المقصود فقاعدة مالك تقتضي ~~تضمينه كما تقدم في ذنب بغلة القاضي قال، وتستوي في ذلك المركوبات ~~والملبوسات هذا هو المشهور، وعن مالك لا يضمنه بذلك، وفرق ابن حبيب بين ~~الذنب فيضمن، والأذن فلا يضمن لاختلاف الشين فيهما، واتفقوا في حوالة ~~الأسواق على عدم التضمين لأنها رغبات الناس فالنقص في رغبات الناس لا في ~~المغصوب # (الفرق الثامن عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب استحقاق بعضه إبطال العقد ~~في الكل وبين قاعدة ما لا يقتضي إبطال العقد في الكل) إذا استحق بعض ما ~~اشتريته أو صالحت عليه أو وجدت به عيبا فله أحوال لأنه إما أن يكون مثليا ~~أو مقوما، وإما أن يكون معينا أو شائعا فأما المثلي فهو المكيل، والموزون ~~فإن كان المستحق منه قليله لزمك باقيه لأن القليل لا يخل بمقصود العقد، ~~والأصل لزوم العقد لك، وإن استحق كثيره فإنك تخير بين حبس الباقي بحصته من ~~الثمن لأنه حقك في العقد وبين رده لذهاب المقصود، وهو جل المعقود عليه فقد ~~ذهب مقصود العقد في المعنى. # وأما المقوم غير المثلي إن استحق أقلها إن كانت ثيابا ونحوها رجعت بحصته ~~من الثمن لبقاء جل المعقود عليه فلم يختل مقصود العقد، وإن استحق وجه ~~الصفقة انتقصت كلها، ويرد باقيها لفوات مقصود العقد، ويحرم التمسك بما بقي ~~بحصته من الثمن لأن حصته لا تعرف حتى تقوم فهو بيع بثمن مجهول هذا في ~~استحقاق المعين، وكذلك في العيب إذا وجدته بها، وأما الجزء الشائع إذا ~~استحق مما لا ينقسم فيخير في التمسك بالباقي بحصته من الثمن لأن حصته # PageV04P032 # معلومة بغير تقويم فاستصحب العقد بحسب الإمكان فهذه ~~خمسة أحوال، والفرق بينهما قد ظهر # (الفرق التاسع عشر والمائتان بين قاعدة ما يجب التقاطه وبين قاعدة ما لا ~~يجب التقاطه) # قال الشيخ أبو الحسن اللخمي الالتقاط قد يكون واجبا ومستحبا ms681 ومحرما ~~ومكروها بحسب حال الملتقط وحال الزمان الحاضر وأهله، ومقدار اللقطة فإن كان ~~الواحد مأمونا، ولا يخشى السلطان إذا أشهرها، وهي بين قوم أمناء لا يخشى ~~عليها منهم، ولها قدر فأخذها وتعريفها مستحب، وهذه صورة السائل لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال خذها، ولأنه أحوط لصاحبها خوف أن يأخذها من ~~ليس بمأمون، ولا ينتهي إلى الوجوب لأنه بين قوم أمناء وبين غير الأمناء يجب ~~الالتقاط لأن حرمة المال كحرمة النفس ولنهيه - عليه السلام - عن إضاعة ~~المال، وإن كان السلطان غير مأمون إذا أشهرها أخذها، أو الواجد غير أمين ~~حرم عليه أخذها لأنه تسبب لضياع مال المسلم، وإن كانت حقيرة كره أخذها لأن ~~الغالب عدم المبالغة في تعريف الحقير وعدم الاحتفال به، والحقير كالدرهم، ~~ونحوه قال الشيخ أبو الوليد في المقدمات في لقطة المال ثلاثة أقوال الأفضل ~~تركها من غير تفصيل لأن ابن عمر كان يمر باللقطة فلا يأخذها، والأفضل أخذها ~~لأن فيه صون مال الغير الثالث أخذ الجليل أفضل، وترك الحقير أفضل، وهذا إذا ~~كانت بين قوم مأمونين، وإمام عدل أما بين الخونة، ولا يخشى السلطان إذا ~~عرفت فالأخذ واجب اتفاقا وبين خونة، ويخشى من الإمام يخير بين أخذها، ~~وتركها بحسب ما يغلب على ظنه أي الخوفين أشد، ويستثنى لقطة الحاج فلا يجري ~~فيها هذا الخلاف كله لأنها بالترك أولى لأن ملتقطها يرحل إلى قطره، وهو ~~بعيد فلا يحصل مقصود التعريف. # (قاعدة) خمس اجتمعت الأمم مع الأمة المحمدية عليها، وهي وجوب حفظ النفوس ~~والعقول فتحرم المسكرات بإجماع الشرائع، وإنما اختلفت في شرب القدر الذي لا ~~يسكر فحرم في هذه الملة تحريم الوسائل، وسد الذريعة بتناول القدر المسكر، ~~وأبيح في غيرها من الشرائع لعدم المفسدة، وحفظ الأعراض فيحرم القذف، وسائر ~~السباب، ويجب حفظ الأنساب فيحرم الزنى في جميع الشرائع، والأموال يجب حفظها ~~في جميع الشرائع فتحرم السرقة، ونحوها، ويجب حفظ اللقطة عن الضياع لهذه ~~القاعدة، وقد تقدم بيان قاعدة فرض الكفاية # PageV04P033 # وفرض الأعيان، والفرق بينهما بأن فرض الكفاية ما لا ms682 ~~تتكرر مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق فتكرير فعل النزول بعد شيل الغريق لا ~~يحصل مصلحة بعد ذلك، وفرض الأعيان هو ما تتكرر مصلحته بتكرره كالصلوات ~~الخمس مصلحتها الإجلال والتعظيم لله تعالى، وهو يتكرر حصوله بتكرر الصلاة، ~~وحينئذ يظهر أن أخذ اللقطة من فروض الكفاية. # وقال الشافعي - رحمه الله - بالوجوب والندب كما قال بهما مالك قياسا على ~~الوديعة بجامع حفظ المال فيلزم الندب أو قياسا على إنقاذ المال الهالك ~~فيلزم الوجوب، وقال أبو حنيفة أخذها مندوب إلا عند خوف الضياع فيجب وعند ~~أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - الكراهة لما في الالتقاط من تعريض نفسه لأكل ~~الحرام، وتضييع الواجب من التعريف فكان تركه أولى كتولي مال اليتيم وتخليل ~~الخمر، وقد ذم الله تعالى الدخول في التكاليف بقوله تعالى {إنا عرضنا ~~الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] أي ظلوما لنفسه بتوريطها ~~وتعريضها للعقاب وجهولا بالعواقب والحزم فيها، والأمانة قال العلماء هي ها ~~هنا التكاليف، ولم أر أحدا فصل وقسم أخذ اللقطة إلى الأحكام الخمسة إلا ~~أصحابنا بل كلهم أطلقوا. # (الفرق العشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه العدالة وبين قاعدة ما ~~لا يشترط فيه العدالة) # قد تقرر في أصول الفقه أن # المصالح # إما في محل الضروريات أو في محل الحاجيات أو في محل التتمات، وإما مستغنى ~~عنه بالكلية إما لعدم اعتباره، وإما لقيام غيره مقامه، والفرق ها هنا مبني ~~على هذه القاعدة فإن اشتراط العدالة في التصرفات مصلحة لحصول الضبط بها ~~وعدم الانضباط مع الفسقة، ومن لا يوثق به فاشتراط العدالة إما في محل ~~الضرورات كالشهادات فإن الضرورة تدعو لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم ~~وأعراضهم عن الضياع فلو قبل فيها قول الفسقة، ومن لا يوثق به لضاعت. # وكذلك الولايات كالإمامة والقضاء وأمانة الحكم، وغير ذلك من الولايات مما ~~في معنى هذه لو فوضت لمن لا يوثق به لحكم بالجور، وانتشر الظلم، وضاعت ~~المصالح، وكثرت المفاسد، ولم يشترط بعضهم في الإمامة العظمى العدالة ms683 لغلبة ~~الفسوق على ولاتها فلو # PageV04P034 # اشترطت لتعطلت التصرفات الموافقة للحق في تولية من ~~يوثق به من القضاة والسعاة، وأخذ ما يأخذونه، وبذل ما يبذلونه، وفي هذا ضرر ~~عظيم أقبح من فوات عدالة السلطان، ولما كان تصرف القضاة أعم من تصرف ~~الأوصياء، وأخص من تصرف الأئمة اختلف في إلحاقهم بهم أو بالأوصياء على ~~الخلاف في عدالة الوصي، وإذا نفذت تصرفات البغاة بالإجماع مع القطع بعدم ~~ولايتهم فأولى نفوذ تصرفات الولاة والأئمة مع غلبة الفجور عليهم مع قدرة ~~البغاة وعموم الضرورة للولاة، وأما محل الحاجات كإمامة الصلاة فإن الأئمة ~~شفعاء. # والحاجة داعية لإصلاح حال الشفيع عند المشفوع عنده، وإلا لا تقبل شفاعته ~~فيشترط فيهم العدالة، وكذلك المؤذنون الذين يعتمد على أقوالهم في دخول ~~الأوقات وإيقاع الصلوات أما من يؤذن لنفسه من غير أن يعتمد على قوله فلا ~~يشترط فيه عدالة كسائر الأذكار، وتلاوة القرآن فيصح جميع ذلك من البر ~~والفاجر، وإنما تشترط العدالة لأجل الاعتماد على قوله فقط، ولم أر في هذا ~~القسم خلافا بخلاف الإمامة اختلف العلماء في اشتراط العدالة فيها فاشترطها ~~مالك وجماعة معه، ولم يشترطها الشافعي - رحمه الله -، والصلاة مقصد والأذان ~~وسيلة والعناية بالمقاصد أولى من الوسائل غير أن الفرق عنده أن الفاسق تصح ~~صلاته في نفسه إجماعا، وكل مصل يصلي لنفسه عند الشافعي فلم تدعه حاجة لصلاح ~~حال الإمام ومالك يرى أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، وأن فسقه يقدح ~~في صحة الربط فهذا منشأ الخلاف. # وأما الأذان فلا خلاف أنه لو كان المؤذن غير موثوق به حتى يؤذن قبل الوقت ~~تعدى خلله للصلاة فإن الصلاة قبل وقتها باطلة، ولو كان الإمام الفاسق غير ~~متطهر أو أخل بشرط باطن لا يطلع عليه المأموم لم يقدح عنده في صلاة المأموم ~~لأن المأموم حصل ذلك الشرط فلا يقدح عنده تضييع غيره له. # وإن أخل بركن ظاهر كالركوع والسجود، ونحوهما فالاطلاع عليه ضروري فلا ~~يحتاج إلى العدالة فيه لأن العلم الظاهر ناب عن العدالة في ضبط المصلحة ~~فاستغنى عنها فظهر الفرق ms684 بين الإمامة والأذان، وأما محل التتمات فكالولاية ~~في النكاح فإنها تتمة، وليست بحاجية بسبب أن الوازع الطبيعي في الشفقة على ~~المولى عليها يمنع من الوقوع في العار، والسعي في الإضرار فقرب عدم اشتراط ~~العدالة كالإقرارات # PageV04P035 # لقيام الوازع الطبيعي فيها غير أن الفاسق قد يوالي ~~أهل شيعته فيؤثرهم بولايته كأخته وابنته، ونحو ذلك فيحصل لها المفسدة ~~العظيمة فاشترطت العدالة، وكان اشتراطها تتمة لأجل تعارض هاتين الشائبتين، ~~وهذا التعارض بين هاتين الشائبتين هو سبب الخلاف بين العلماء في اشتراط ~~العدالة في ولاية النكاح، وهل تصح ولاية الفاسق أم لا، وفي مذهب مالك ~~قولان، وكذلك اشتراط العدالة في الأوصياء تتمة لأن الغالب على الإنسان أنه ~~لا يوصي على ذريته إلا من يثق بشفقته فوازعه الطبيعي يحصل مصلحة الوصية غير ~~أنه قد يوالي أهل شيعته من الفسقة فتحصل المفاسد من ولايتهم في المعاملات ~~والتزويج فكان الاشتراط تتمة كما تقدم في ولاية النكاح، وتعارض الشائبتين ~~هو سبب الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في الأوصياء. # وأما ما خرج عن الأقسام الثلاثة الضرورة والحاجة والتتمة فالإقرار يصح من ~~البر والفاجر والمسلم والكافر إجماعا لأن الإقرار على خلاف الوازع الطبيعي ~~فإنه إنما يقر على نفسه في ماله أو نفسه أو أعضائه ونحو ذلك، والطبع يمنع ~~من المسامحة بذلك من غير سبب يقتضيه بل هو مع السبب المقتضي له شأن الطباع ~~جحده فلا يعارض الطبع هنا احتمال موالاته لأهل شيعة فإن الإنسان مطبوع على ~~تقديم نفسه على غيره كان من أهل شيعته وأصدقائه أم لا هذا هو الفرق بين ~~الإقرار وولاية النكاح والوصية # أن الوالي والوصي يتصرفان لغيرهما فأمكن مراعاة الأصدقاء في ذلك لأنه ~~ترجيح لأحد الغيرين على الآخر، وأما ها هنا فهو ينصرف في الإقرار لنفسه فلا ~~يقدم عليه أحدا، وهو سبب انعقاد الإجماع في الإقرار دونهما، ومن هذا القسم ~~الدعاوى تصح من البر والفاجر والمسلم والكافر، وإن كانت على وفق الطبع فإن ~~المدعي إنما يدعي لنفسه فدعواه على وفق طبعه عكس الأقارير غير أن ها هنا ms685 في ~~الدعاوى ما يغني عن العدالة، ويقوم مقامها في حق المدعي، وهو إلزامه على ~~وفق دعواه أو اليمين مع شاهد أو مع نكول على الخلاف في صحة القضاء بالشاهد ~~واليمين والنكول لأنهما يبعدان التهمة من الدعوى، وبقربانها من الصحة فقام ~~ذلك مقام العدالة لرجحان الصدق على الكذب حينئذ كما ترجح بالعدالة. # وقس على هذه النظائر في هذه الأقسام الأربعة ما هو في معناه فيحصل لك ~~الفرق بين ما يشترط فيه العدالة وبين ما لا يشترط فيه # PageV04P036 # (الفرق الحادي والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط ~~فيه اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وقاعدة ما لا يشترط فيه مقارنة ~~شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه) : # اعلم أن الإنشاءات كلها كالبياعات والإجارات والنكاح والطلاق والعتق وغير ~~ذلك فجميع ما ينشأ من ذلك يشترط فيه حالة إنشائهن مقارنة ما هو معتبر فيه ~~حالة الإنشاء فهذه شأن الإنشاءات كلها بخلاف الإقرارات لا يشترط فيها حضور ~~ما هو معتبر في المقربة حالة الإقرار لأن الإقرار ليس سببا في نفسه بل هو ~~دليل السبب لاستحقاق المقربة في زمن سابق فيحمل على أن السبب مع ما هو ~~معتبر فيه قد تقدم على الوجه المعتبر الشرعي فمن قال هو يستحق علي دينارا ~~من ثمن دابة حملنا هذا الإقرار على تقدم بيع صحيح على الأوضاع الصحيحة في ~~ذات تقبل البيع لا خمر، ولا خنزير على ما هو معتبر في البيع، ولذلك قال ~~العلماء - رضي الله عنه - لا إذا باعه بدينار، وفي البلد نقود مختلفة السكة ~~تعين الغالب منها هنا لأن التصرف محمول على الغالب، ولو أقر بدينار في بلد، ~~وفيها نقد غالب لا يتعين الغالب لأن الإقرار دليل على تقدم السبب لاستحقاق ~~الدينار فلعل السبب وقع في بلد آخر وزمان متقدم تقدما كثيرا يكون الواقع ~~حينئذ سكة غير هذا الغالب، وتكون هي الغالبة في ذلك الوقت، وفي ذلك البلد، ~~والاستحقاق يتبع زمن وقوع السبب لا زمن الإقرار به. # ويكون هذا الغالب متجددا بعد تجدد ذلك الغالب، وناسخا له فما تعين هذا ~~الغالب الحاضر ms686 الآن فيحمل الإقرار عليه كما تعين الغالب الموجود حالة ~~الإقرار فيقبل تفسيره في إقراره بأي سكة ذلك الدينار، وكذلك لو أقر المجنون ~~الآن أو سكران أو مغمى عليه بدينار من ثمن بيع قبل إقراره، وحمل على أن ذلك ~~البيع وقع من المجنون حالة عقله، ومن السكران حالة صحوه، ومن المغمى عليه ~~حالة إفاقته، وأن شروط البيع الآن مفقودة في حقهم، وكذلك لو أقر أنه يستحق ~~عليه ثمن بيع هذه الدار الموقوفة الآن صح إقراره، وحمل على حالة تكون فيها ~~هذه الدار طلقا، وكذلك جميع هذه النظائر التي تكون الشروط فيها فائتة حالة ~~الإقرار، ويمكن اعتبارها في الزمن الماضي أما لو علم التعذر في الماضي، ~~والحاضر بطل الإقرار كما لو قال من ثمن هذا الخنزير فإن الخنزير لا يكون في ~~الماضي غير خنزير، والوقف يمكن أن يكون طلقا، وكذلك بقية النظائر # PageV04P037 # تتخرج على هذا الأسلوب، ومقتضى هذا الفرق، وهذه ~~القاعدة أن تشترط المقارنة إذا أوصى لجنين أو ملكه، ويشترط التقدم فيما إذا ~~أقر له لتقدم السبب على الإقرار فإن حصل الشك في تقدم الجنين لم يلزم ~~الإقرار لأنا شككنا في المحل القابل للملك، وهو شرط، والشك في الشرط يمنع ~~ترتب المشروط على ما تقدم في أول الفروق. # (الفرق الثاني والعشرون والمائتان بين قاعدة الإقرار الذي يقبل الرجوع ~~عنه وبين قاعدة الإقرار الذي لا يقبل الرجوع عنه) : # الأصل في الإقرار اللزوم من البر والفاجر لأنه على خلاف الطبع كما تقدم ~~فضابط ما لا يجوز الرجوع عنه من الإقرار هو الرجوع الذي ليس له فيه عذر ~~عادي، وضابط ما يجوز الرجوع عنه أن يكون له في الرجوع عنه عذر عادي، وفي ~~الفرق مسائل # (المسألة الأولى) إذا أقر الوارث للورثة أن ما تركه أبوه ميراث بينهم على ~~ما عهد في الشريعة، وما تحمل عليه الديانة ثم جاء شهود أخبروه أن أباه ~~أشهدهم أنه تصدق عليه في صغره بهذه الدار، وحازها له أو أقر أنه ملكها عليه ~~بوجه شرعي فإنه إذا رجع عن إقراره بأن ms687 التركة مورثة إلا هذه الدار المشهود ~~بها له دون الورثة، واعتذر بإخبار البينة له، وأنه لم يكن عالما بذلك بل ~~أقر بناء على العادة، ومقتضى ظاهر الشريعة فإنه يسمع دعواه وعذره، ويقيم ~~بينته، ولا يكون إقراره السابق مكذبا للبينة، وقادحا فيها لأن هذا عذر عادي ~~تسمع مثله. # (المسألة الثانية) في الجواهر إذا قال له علي مائة درهم إن حلف أو حتى ~~يحلف أو مع يمينه فحلف المقر له فنكل المقر، وقال ما ظننت أنه يحلف لا ~~يلزمه شيء لأن العادة جرت بأن هذا الاشتراط يقضي عدم اعتقاد لزوم ما أقر ~~به. # وقال ابن عبد الحكم إن قال له علي مائة إن حلف أو ادعاها أو مهما حلف ~~بالعتق أو إن استحل ذلك أو إن كان يعلم أنها له أو إن أعارني داره فأعاره ~~أو إن شهد عليها فلان فشهد عليه بها لا يلزمه في هذا كله شيء لأن العادة ~~جرت على أن هذا ليس بإقرار فإن قال إن حكم بها على فلان فحكم بها عليه ~~لزمته لأن الحكم سبب فيلزمه عند سببها، والأول كله شروط لا أسباب بل ~~استبعادات محضة مخلة بالإقرار. # (المسألة الثالثة) إذا أقر فقال له عندي مائة من ثمن خمر أو ميتة، لم ~~يلزمه شيء لأن # PageV04P038 # الكلام بآخره، والقاعدة أن كل كلام لا يستقل بنفسه ~~إذا اتصل بكلام مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وقوله من ثمن خمر لا ~~يستقل بنفسه فيصير الأول المستقل غير مستقل، وكذلك الصفة، والاستثناء ~~والغاية والشروط ونحوها # (الفرق الثالث والعشرون والمائتان بين قاعدة ما ينفذ من تصرفات الولاة ~~والقضاة وبين قاعدة ما لا ينفذ من ذلك، وهو خمسة أقسام) # (القسم الأول) ما لم تتناوله الولاية بالأصالة اعلم أن كل من ولي ولاية ~~الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة أو درء ~~مفسدة لقوله تعالى {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: ~~152] ولقوله - عليه السلام - «من ولي من أمور أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم، ms688 ~~ولم ينصح فالجنة عليه حرام» فيكون الأئمة والولاة معزولين عما ليس فيه بذل ~~الجهد، والمرجوح أبدا ليس بالأحسن بل الأحسن ضده، وليس الأخذ به بذلا ~~للاجتهاد بل الأخذ بضده فقد حجر الله تعالى على الأوصياء التصرف فيما هو ~~ليس بأحسن مع قلة الفائت من المصلحة في ولايتهم لخستها بالنسبة إلى الولاة ~~والقضاة فأولى أن يحجر على الولاة والقضاة في ذلك، ومقتضى هذه النصوص أن ~~يكون الجميع معزولين عن المفسدة الراجحة والمصلحة المرجوحة والمساوية، وما ~~لا مفسدة فيه، ولا مصلحة لأن هذه الأقسام الأربعة ليست من باب ما هو أحسن، ~~وتكون الولاية إنما تتناول جلب المصلحة الخالصة أو الراجحة، ودرء المفسدة ~~الخالصة أو الراجحة فأربعة معتبرة، وأربعة ساقطة، ولهذه القاعدة قال ~~الشافعي - رضي الله عنه - لا يبيع الوصي صاعا بصاع لأنه لا فائدة في ذلك، ~~ولا يفعل الخليفة ذلك في أموال المسلمين، ويجب عليه عزل الحاكم إذا ارتاب ~~فيه دفعا لمفسدة الريبة عن المسلمين. # ويعزل المرجوح عند وجود الراجح # تحصيلا # لمزيد المصلحة للمسلمين، واختلف في عزل أحد المساويين بالآخر فقيل يمتنع ~~لأنه ليس أصلح للمسلمين، ولأنه يؤذي المعزول بالعزل والتهم من الناس، ولأن ~~ترك الفساد أولى من تحصيل الصلاح للمتولى. # وأما الإنسان في نفسه فيجوز له ذلك فيما يختص به حصلت مصلحة أم لا ~~فللإنسان أن يبيع صاعا بصاع، وما يساوي ألفا بمائة فإن قلت تجويز ذلك يوجب ~~أن يلتبس من يحجر عليه بمن لا يحجر عليه، ويلتبس الرشيد بالسفيه لأن السفيه ~~هو # PageV04P039 # الذي يفعل ذلك قلت لا نسلم أنا نحجر على من يفوت ~~المصلحة كيف كانت بل ضابط ما يحجر به أن كل تصرف خرج عن العادة، ولم يستجلب ~~به حمدا شرعيا، وقد تكرر منه فإنه يحجر به، والقيد الثاني احتراز من ~~استجلاب حمد الشراب والمساخر، والثالث احتراز عن رمي درهم في البحر فإنه لا ~~يحجر عليه حتى يتكرر ذلك منه تكررا يدل على سفهه وعدم اكترائه بالمال إذا ~~تقرر هذا القسم الذي لا ينفذ لعدم تناول الولاية له فيلحق ms689 به القضاء من ~~القاضي بغير عمله فإنه لا تتناوله الولاية لأن صحة التصرف إنما يستفاد من ~~عقد الولاية، وعقد الولاية إنما يتناول منصبا معينا، وبلدا معينا فكان ~~معزولا عما عداه لا ينفذ فيه حكمه، وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ~~- رضي الله عنهم -. # وما علمت فيه خلافا، وفي الجواهر إن شافه قاض قاضيا لم يكف في ثبوت ذلك ~~الحكم لأن أحدهما بغير عمله فلا يؤثر إسماعه وسماعه إلا إذا كانا قاضيين ~~ببلدة واحدة أو تجاذبا في ذلك في طرفي ولايتهما فيكون ذلك أقوى من الشهادة ~~على كتاب القاضي فيعتمد، وفي هذا القسم فروع في كتب الفقه. # (القسم الثاني) ما تتناوله الآية لكن حكم فيه بمستند باطل فهذا ينقض ~~لفساد المدرك لا لعدم الولاية فيه، وهو الحكم الذي خالف أحد أربعة أمور إذا ~~حكم على خلاف الإجماع ينقض قضاؤه أو خلاف النص السالم عن المعارض أو القياس ~~الجلي السالم عن المعارض أو قاعدة من القواعد السالمة عن المعارض، ولا بد ~~في الجميع من اشتراط السلامة عن المعارض أي المعارض والراجح فإنه لو قضي في ~~عقد الربا بالفسخ لم ينقض قضاؤه، وإن كان قضاؤه على خلاف قوله تعالى {وأحل ~~الله البيع} [البقرة: 275] لأنه عورض بالنصوص الدالة على تحريم الربا، ~~وكذلك لو قضي في لبن المصراة بالثمن لم ينقض قضاؤه، وإن كان على خلاف قاعدة ~~إتلاف المثليات أن يجب جنسها لأجل ورود النص في ذلك نعم لو قضى بصحة نكاح ~~بغير ولي فسخناه لكونه على خلاف قوله - عليه السلام - «أيما امرأة أنكحت ~~نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل» ، ولو قضى باستمرار عصمة من ~~لزمه الطلاق بناء على المسألة السريجية نقضناه لكونه على خلاف قاعدة أن ~~الشرط قاعدته صحة اجتماعه مع المشروط، وشرط السريجية لا يجتمع مع مشروطه ~~أبدا فإن تقدم الثلاث لا يجتمع مع لزوم الطلاق بعدها، ونحو ذلك، وكذلك لو ~~حكم حدسا، وتخمينا من غير مدرك شرعي ينقض إجماعا، وهو فسق ممن فعله قاله ~~ابن محرز # PageV04P040 # من أصحابنا. # ونقل ms690 ابن يونس عن عبد الملك أنه قال ينتقض عند مالك قضاء القاضي لمخالفة ~~السنة كالقضاء باستسعاء العبد لعتق بعضه فإن الحديث ورد بأنه لا يستسعى، ~~وكالشفعة للجار بعد القسمة لقوله - عليه السلام - «الشفعة فيما لم يقسم» أو ~~يحكم بشهادة النصراني لقوله تعالى {ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] أو بميراث ~~العمة، والخالة، والمولى الأسفل لقوله - عليه السلام - «ألحقوا الفرائض ~~بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر» ، وكل ما هو على خلاف عمل ~~المدينة، ولم يقل به إلا شذوذ العلماء، وخالف ابن عبد الحكم. # وقال لا تنقض شفعة الجار، وما ذكر معه من الفروع لضعف موجب النقص عنده، ~~وجمهور الأصحاب على خلافه، وفي النوادر لأبي محمد قال محمد مما ينقض نقض ما ~~لا ينقض فإذا قضى قاض بأن ينقض حكم الأول، وهو مما لا ينقض نقض الثالث حكم ~~الثاني لأن نقضه خطأ، ويقر الأول، وكذلك لو تصرف السفيه الذي تحت حجر ~~القاضي بالبيع والنكاح وغيرهما فرده فجاء قاض ثان فأنفذه نقض الثالث هذا ~~التنفيذ، وأقر الأول، وكذلك لو فسخ الثاني الحكم بالشاهد، واليمين رده ~~الثالث لأن النقض في مواطن الاجتهاد خطأ، ونقض الخطأ متعين. # (القسم الثالث) ما حكم به على خلاف السبب: # والقسم المتقدم على خلاف الدليل، وقد تقدم الفرق بين الأسباب، والأدلة ~~والحجاج، وأن القضاة يعتمدون الحجاج، والمجتهدين يعتمدون الأدلة، وأن ~~المكلفين يعتمدون الأسباب فإذا قضى القاضي بالقتل على من لم يقتل أو للبيع ~~على من لم يبع أو الطلاق على من لم يطلق أو الدين على من لم يستدن فهذا ~~قضاء على خلاف الأسباب فإذا اطلع على ذلك وجب نقضه عند الكل إلا قسما منه ~~خالف فيه أبو حنيفة - رضي الله عنه -، وهو ما كان فيه عقد، وفسخ فيجعل حكم ~~الحاكم كالعقد فيما لا عقد فيه أو كالفسخ فيما لا فسخ فيه فإذا شهد عنده ~~شاهدا زور بطلاق امرأة فحكم بطلاقها جاز لذلك الشاهد أن يتزوجها مع علمه ~~بكذب نفسه لأن حكم الحاكم فسخ لذلك النكاح، وكذلك إذا شهد عنده ببيع ms691 جارية ~~فحكم ببيعها جاز لكل واحد من تلك البينة أن يشتريها ممن حكم له بها، ويطأها ~~هذا الشاهد مع علمه بكذب نفسه لأن حكم الحاكم تنزل منزلة البيع لمن حكم له، ~~وكذلك كل ما فيه عقد أو فسخ. # وأما الديون، وما يجري مجراها مما لا عقد فيه، ولا فسخ فيوافقنا فيه، ~~وأنه باق على ما كان عليه قبل الحكم، وهذا هو معنى قول المالكية والشافعية، ~~والحنابلة حكم الحاكم لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا في نفس # PageV04P041 # الأمر خلافا لأبي حنيفة، ووافقنا أبو حنيفة أيضا فيما ~~إذا قضى بنكاح أخت المقضي له أو ذات محرم فإنه لا تحل له لأن المقضي له لو ~~تزوجها لم تحل له ففات قبول المحل. # وكذلك وافقنا إذا تبين أن الشهود عبيد والحكم في عقد النكاح، وفرق بأن ~~الشهادة شرط، ولم توجد في الأموال، ولم يحكم الحاكم بالملك بل بالتسليم، ~~وهو لا يوجب الملك، ولنا قوله - عليه السلام - «أنما أنا بشر مثلكم وإنكم ~~تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما ~~أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من النار» ~~، وهو عام في جميع الحقوق، وقياسا على الأموال بطريق الأولى لأن الأموال ~~أضعف فإذا لم يؤثر فيها فأولى الفروج احتجوا بقضية هلال بن أمية في الصحيح ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «حين فرق بينه وبين امرأته باللعان قال ~~فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك فجاءت به على تلك الصفة» ، وتبين الأمر ~~على ما قال هلال، وأن الفرقة لم تكن موجودة، ومع ذلك لم يفسخ تلك الفرقة. # وأمضاها فدل ذلك على أن حكم الحاكم يقوم مقام الفسخ والعقد، وعن علي - ~~رضي الله عنه - أنه ادعى عنده رجل نكاح امرأة، وشهد له شاهدان فقضى بينهما ~~بالزوجية فقالت، والله يا أمير المؤمنين ما تزوجت فاعقد بيننا عقدا حتى أحل ~~له فقال شاهداك زوجاك فدل ذلك على أن النكاح ثبت بحكمه، ولأن اللعان ms692 يفسخ ~~به النكاح، وإن كان أحدهما كاذبا فالحكم أولى لأن للحاكم ولاية عامة على ~~الناس في العقود، ولأن الحاكم له أهلية العقد والفسخ بدليل أنه لو أوقع ~~العقد على وجه لو فعله المالك نفذ، ولأن المحكوم عليه لا يجوز له المخالفة، ~~ويجب عليه التسليم فصار حكم الله تعالى في حقه ما حكم به الحاكم. # وإن علم خلافه فكذلك غيره قياسا عليه، والجواب عن الأول أن الفرقة في ~~اللعان ليست بسبب صدق الزوج بدليل أنه لو قامت البينة بصدقه لم تعد إليه، ~~وإنما كانت بسبب أنهما وصلا إلى أسوأ الأحوال في المقابحة بالتلاعن فلم ير ~~الشارع اجتماعهما بعد ذلك لأن الزوجية مبناها السكون والمودة، وما تقدم من ~~اللعان يمنع ذلك فعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكذب، وكالبينة ~~إذا قامت، وعن الثاني إن صح فلا حجة فيه لأنه - رضي الله عنه - أضاف التزوج ~~للشهود لا لحكمه، ومنعها من العقد لما فيه من الطعن على الشهود فأخبرها ~~بأنه زوجها ظاهرا، ولم يتعرض للفتيا، وما النزاع إلا فيها # (وعن الثالث) أن كذب أحدهما لم يتعين باللعان # PageV04P042 # ولم يختص به أما عدم تعيينه فلأنه قد يكون مستنده في ~~اللعان كونه لم يطأها بعد حيضتها مع أن الحامل قد تحيض أو قرائن حالية مثل ~~كونه رأى رجلا بين فخذيها، وقد يكون الرجل لم يولج أو أولج، وما أنزل، ~~وبالجملة فالقرائن قد تكذب. # وأما عدم اختصاصه باللعان فلأن المتداعيين في النكاح أو غيره قد يكون ~~أحدهما كاذبا فاجرا يطلب ما يعلم خلافه، ولا نسلم أن الحكم يقوم مقام الفسخ ~~والعقد بل لما بينا أن التلاعن يمنع الزوجية. # (وعن الرابع) أن صاحب الشرع إنما جعل للحاكم العقد للغائب والمحجور عليهم ~~ونحوهم بطريق الوكالة لتعذر المباشرة منهم، وها هنا لا ضرورة لذلك، والأصل ~~أن يلي كل واحد مصالح نفسه فلا يترك الأصل عند عدم المعارض. # (وعن الخامس) أن المحكوم عليه إنما حرمت عليه المخالفة لما فيها من مفسدة ~~مشاقة الحكام وانخرام النظام وتشويش نفوذ المصالح، وإما مخالفة ms693 بحيث لا ~~يطلع عليه حاكم، ولا غيره فجائزة # (القسم الرابع) ما تتناوله الولاية، وصادف فيه الحجة، والدليل والسبب غير ~~أنه متهم فيه كقضائه لنفسه فإنه يفسخ لأن القاعدة أن التهمة تقدح في ~~التصرفات إجماعا من حيث الجملة، وهي مختلفة المراتب فأعلى رتب التهمة معتبر ~~إجماعا كقضائه لنفسه، وأدنى رتب التهم مردود إجماعا كقضائه لجيرانه وأهل ~~صقعه وقبيلته، والمتوسط من التهم مختلف فيه هل يلحق بالأول أو بالثاني ~~وأصلها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين» ~~أي متهم قال ابن يونس في الموازية كل من لا تجوز شهادته له لا يجوز حكمه ~~له. # وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم - لأن حكم ~~الحاكم لازم للمقضي عليه فهو أولى بالرد من الشهادة لأن فوق الشاهد من ينظر ~~عليه فيضعف الإقدام على الباطل فتضعف التهمة قال ولا يحكم لعمه إلا أن يكون ~~مبرزا وجوزه أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم -. # وقال عبد الملك لا يحكم لولده الصغير أو يتيمه أو امرأته، ويجوز لغير ~~هؤلاء الثلاثة كالأب والابن الكبير، وإن امتنعت الشهادة فإن منصب القضاء ~~أبعد عن التهم لوفور جلالة القاضي دون الشاهد. # وقال أصبغ فإن قال ثبت عندي، ولا نعلم أثبت أم لا، ولم يحضره الشهود، لم ~~ينفذ فإن حضر الشهود، وكانت شهادة ظاهرة بحق بين جاز فيما عدا الثلاثة ~~المتقدمة لأن اجتماع هذه الأمور تضعف التهمة، وهو الفرق # PageV04P043 # بينه وبين الشهادة، وعن أصبغ الجواز في الولد والزوجة ~~والأخ والمكاتب والمدبر والمديان إن كان من أهل القيام بالحق، وصح الحكم، ~~وقد يحكم للخليفة، وهو فوقه، وتهمته أقوى، ولا ينبغي له القضاء بين أحد من ~~عشيرته وخصمه، وإن رضي الخصم بخلاف رجلين رضيا بحكم رجل أجنبي فينفذ ذلك ~~عليهما، ولا يقضي بينه وبين غيره، وإن رضي الخصم بذلك فإن فعل فيشهد على ~~رضاه، ويجتهد في الحق فإن قضى لنفسه أو لمن يمتنع قضاؤه فليذكر القصة كلها، ~~ورضى خصمه، وشهادة من شهد برضى ms694 الخصم. وإذا فعل ذلك في مواطن خلاف العلماء، ~~ورأى أفضل منه فالأحسن فسخه فإن مات أو عزل فلا يفسخه غيره إلا في الخطأ ~~البين فإن اجتمع في القضية حق الله عز وجل كالسرقة قال محمد يقطعه، وقال ~~ابن عبد الحكم يرفعه لمن فوقه، وأما ما له فلا يحكم له # (القسم الخامس) ما اجتمع فيه أنه تناولته الولاية، وصادف السبب والدليل ~~والحجة، وانتفت التهمة فيه غير أنه اختلف فيه من جهة الحجة هل هي حجة أم ~~لا، وفيه مسألتان # (المسألة الأولى) القضاء بعلم الحاكم عندنا وعند ابن حنبل يمتنع، وقال ~~أبو حنيفة لا يحكم في الحدود بما شاهده من أسبابها إلا في القذف، ولا في ~~حقوق الآدميين فيما علمه قبل الولاية ومشهور مذهب الشافعي - رضي الله عنه - ~~جواز الحكم في الجميع، واتفق الجميع على جواز حكمه بعلمه في التجريح ~~والتعديل لنا وجوه: # (الأول) قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنما أنا بشر مثلكم وإنكم ~~تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما ~~أسمع» الحديث فدل ذلك على أن القضاء يكون بحسب المسموع لا بحسب المعلوم. # (الثاني) قوله - صلى الله عليه وسلم - «شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك» ~~فحصر الحجة في البينة واليمين دون علم الحاكم، وهو المطلوب # (الثالث) روى أبو داود أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا جهم على ~~الصدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فأعطاهم الأرش ثم قال أفأخطب الناس فأعلمهم برضاكم قالوا نعم فخطب ~~فأعلم فقالوا ما رضينا فأرادهم المهاجرون والأنصار فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لا ونزل فجلسوا إليه فأرضاهم فقال أأخطب الناس فأعلمهم برضاكم ~~قالوا نعم فخطب فأعلم الناس فقالوا رضينا» ، وهو نص في عدم # PageV04P044 # الحكم بالعلم. # (الرابع) جاء في الصحيحين في قصة هلال وشريك إن جاءت به كذا فهو لهلال ~~يعني الزوج، وإن جاءت به كذا فهو لشريك ابن سحماء يعني المقذوف فجاءت به ~~على النعت ms695 المكروه فقال - صلى الله عليه وسلم - «لو كنت راجما أحدا بغير ~~بينة لرجمتها» فدل ذلك على أنه لا يقضي في الحدود بعلمه لأن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لا يقول إلا حقا، وقد وقع ما قال فيكون العلم حاصلا ~~له، ومع ذلك ما رجم، وعلل بعدم البينة. # (الخامس) قوله تعالى {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] فأمر بجلدهم عند عدم البينة، وإن علم ~~صدقهم. # (السادس) أن الحاكم غير معصوم فيتهم بالقضاء بعلمه فلعل المحكوم له ولي ~~أو المحكوم عليه صديق، ولا نعلم نحن ذلك فحسمنا المادة صونا لمنصب القضاء ~~عن التهم. # (السابع) قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار اتفقوا على أن القاضي لو ~~قتل أخاه لعلمه بأنه قاتل أنه كالقتل عمدا لا يرث منه شيئا للتهمة في ~~الميراث فنقيس عليه بقية الصور بجامع التهمة، احتجوا بوجوه # (أحدها) ما في مسلم أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى على أبي ~~سفيان بالنفقة بعلمه فقال لهند خذي لك، ولولدك ما يكفيك بالمعروف» ، ولم ~~يكلفها البينة # (وثانيها) ما رواه صاحب الاستذكار أن رجلا من بني مخزوم ادعى على أبي ~~سفيان عند عمر - رضي الله عنه - أنه ظلمه حدا في موضع فقال عمر - رضي الله ~~عنه - إني لأعلم الناس بذلك فقال عمر انهض إلى الموضع فنظر عمر - رضي الله ~~عنه - إلى الموضع فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من ها هنا فضعه ها هنا ~~فقال والله لا أفعل فقال والله لتفعلن فقال لا أفعل فعلاه عمر بالدرة، وقال ~~خذه لا أم لك وضعه هنا فإنك ما علمت قديم الظلم فأخذه فوضعه حيث قال ~~فاستقبل عمر - رضي الله عنه - القبلة فقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى ~~غلبت أبا سفيان على رأيه، وأذللته لي بالإسلام فاستقبل القبلة أبو سفيان ~~فقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي ما ذللت لعمر # (وثالثها) قوله تعالى {كونوا قوامين بالقسط} [النساء: 135] وقد علم القسط ms696 ~~فيقوم به # (ورابعها) أنه إذا جاز أن يحكم بالظن الناشئ عن قول البينة فالعلم أولى، ~~ومن العجب جعل الظن خيرا من العلم. # (وخامسها) أن التهمة قد تدخل عليه من قبل البينة فيقبل قول من لا يقبل # (سادسها) أن العمل واجب بما نقلته الرواة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # PageV04P045 # فما سمعه المكلف أولى أن يعمل به، ويحكم به بطريق ~~الأولى لأن الفتيا تثبت شرعا عاما إلى يوم القيامة، والقضاء في فرد لا ~~يتعدى لغيره فخطره أقل. # (وسابعها) أنه لو لم يحكم بعلمه لفسق في صور منها أن يعلم ولادة امرأة ~~على فراش رجل فيشهد أنها مملوكته فإن قبل البينة مكنه من وطئها، وهي ابنته، ~~وهو فسق، وإلا حكم بعلمه، وهو المطلوب، ومنها أن يعلم قتل زيد لعمرو فتشهد ~~البينة بأن القاتل غيره فإن قتله قتل البريء، وهو فسق، وإلا حكم بعلمه، وهو ~~المطلوب، ومنها لو سمعه يطلق ثلاثا فأنكر فشهدت البينة بواحدة إن قبل ~~البينة مكن من الحرام، وإلا حكم بعلمه # (وثامنها) «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى فرسا فجحده البائع ~~فقال - عليه السلام - من يشهد لي فقال خزيمة يا رسول الله أنا أشهد لك فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف تشهد، ولا حضرت فقال خزيمة يا رسول ~~الله تخبرنا عن خبر السماء فنصدقك أفلا نصدقك في هذا فسماه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ذا الشهادتين» فهذا، وإن استدل به المالكية على عدم ~~القضاء بالعلم فهو يدل لنا من جهة حكمه - عليه السلام - لنفسه فيجوز أن ~~يحكم لغيره بعلمه لأنه أبعد في التهمة من القضاء لنفسه بالإجماع # (وتاسعها) القياس على التجريح والتعديل، والجواب عن الأول أن قصة هند ~~فتيا لا حكم لأنه الغالب من تصرفاته - عليه السلام - لأنه مبلغ عن الله ~~تعالى، والتبليغ فتيا لا حكم والتصرف بغيرها قليل فيحمل على الغالب، ولأن ~~أبا سفيان كان حاضرا في البلد، ولا خلاف أنه لا يقضى على حاضر من غير أن ~~يعرف، وعن الثاني أنه من ms697 باب إزالة المنكر الذي يحسن من آحاد الناس لا من ~~باب القضاء فلم قلتم إنه من باب القضاء، ويؤيده أنها واقعة غير مترددة بين ~~الأمرين فتكون مجملة فلا يستدل بها، وعن الثالث القول بالموجب فلم قلتم إن ~~الحكم بالعلم من القسط بل هو عندنا محرم، وعن الرابع أن العلم أفضل من الظن ~~إلا أن استلزامه للتهمة وفساد منصب القضاء أوجب مرجوحيته لأن الظن في ~~القضاء يخرق الأبهة، ويمنع من نفوذ المصالح، وعن الخامس أن التهمة مع ~~مشاركة الغير أضعف بخلاف ما يستقل به، وقد تقدم أن التهم كلها ليست معتبرة ~~بل بعضها، وعن السادس أن الرواية والسماع والرؤية استوى الجميع لعدم ~~المعارض الذي تقدم ذكره في العلم بخلاف الحكم، وعن السابع أن تلك الصور لم ~~يحكم فيها بعلمه بل ترك # PageV04P046 # الحكم، وتركه عند العجز عنه ليس فسقا، وترك الحكم ليس ~~بحكم، وعن الثامن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما حكم لنفسه، وليس ~~في الحديث أنه أخذ الفرس قهرا من الأعرابي فقد اختلف هل حكم أم لا، وهل جعل ~~شهادة خزيمة بشهادتين حقيقة أو مبالغة فما تعين ما ذكرتموه، وقد ذكر ~~الخطابي أنه - عليه السلام - إنما سمي خزيمة ذا الشهادتين مبالغة لا حقيقة، ~~وعن التاسع أنه يحكم فيه بالعلم نفيا للتسلسل لأنه يحتاج إلى بينة تشهد ~~بالجرح أو التعديل، وتحتاج البينة بينة أخرى إلا أن يقبل بعلمه بخلاف صورة ~~النزاع مع أن القاضي قال في المعونة قد قيل هذا ليس حكما، وإلا يتمكن غيره ~~من نقضه بل لغيره ترك شهادته وتفسيقه، وإذا لم يكن حكما لا يقاس عليه # (المسألة الثانية) وهي مرتبة على الأولى قال الشيخ أبو الحسن اللخمي إذا ~~حكم بما كان عنده من العلم قبل الولاية أو بعدها في غير مجلس الحكومة أو ~~فيه فللقاضي الثاني نقضه فإن أقر الخصم بعد جلوسهما للحكومة ثم أنكر فقال ~~مالك وابن القاسم لا يحكم به. # وقال سحنون وابن الماجشون يحكم به فلو جحد أحدهما ثم أقر في موضع يقبل ما ms698 ~~رجع إليه من حجة أو غيرها بعد الجحود عند مالك، وله ذلك عند ابن الماجشون ~~وسحنون قال اللخمي، والأول أحسن، ولا أرى أن يباح هذا اليوم لأحد من ~~القضاة، واختلف إذا حكم فقال محمد أرى أن ينقض حكمه هو نفسه ما كان قاضيا ~~لم يعزل فأما غيره من القضاة فلا أحب له نقضه قال ومعنى قوله ينقضه هو إذا ~~تبين له خلاف القول الأول من رأيه، وقيل لا ينقضه لأنه ينتقل من رأي إلى ~~رأي فإن كان ليس من أهل الاجتهاد لم يكن حكمه الأول شيئا، وينظر إلى من ~~يقلده فإن كان ممن يرى الحكم بمثل الأول لم ينقضه إلا أن يتبين له أن مثل ~~ذلك يؤدي مع فساد حال القضاء اليوم إلى القضاء بالباطل لأن كلهم حينئذ يدعي ~~العدالة فينقضه لما في ذلك من الذريعة فهذا ضرب من الاجتهاد قلت فقد صرح ~~بأن القضاء بالعلم ينقض. # وإن كان مدركا مختلفا فيه فإن كان المدرك في النقض كونه مدركا مختلفا فيه ~~فالذي ينقض به لا يعتقده فالحكم وقع عنده بغير مدرك، والحكم بغير مدرك ينقض ~~فينقضه لذلك فيلزم على هذا نقض الحكم إذا وقع بالشاهد واليمين عند من لا ~~يعتقده، وقد نص على نقضه أبو حنيفة - رضي الله عنه -. # وقال هو بدعة أول من قضى به معاوية - رضي الله عنه - وليس # PageV04P047 # الأمر كما قال بل أكثر العلماء على القضاء به، وكذلك ~~بشهادة امرأتين فإن الشافعي لا يجيز الحكم إلا بأربع نسوة، والحكم الواقع ~~بشهادة الصبيان عند الشافعي، وغيره فإنها مدرك ضعيف مختلف فيه فيتطرق النقض ~~لجميع هذه الأحكام لأن الحكم عند المخالف بغير مدرك، وإن كان المستند في ~~نقض القضاء بالعلم ليس كونه مدركا مختلفا فيه، وأنا لا نعتقده مدركا بل ~~مستندا لنفي التهمة كما ننقضه إذا حكم لنفسه فلا يشاركه في النقض غيره من ~~المدارك المختلف فيها من هذا الوجه مع أني قد ترجح عندي فيما، وضعته في ~~كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى، والأحكام أن القضاء بالمدرك المختلف ms699 ~~فيه يرفع الخلاف فيه، ويعينه لأن الخلاف في ذلك المدرك موطن اجتهاد فيتعين ~~أحد الطرفين بالحكم فيه كما يتعين أحد الطرفين بالاجتهاد في المسألة نفسها ~~المختلف فيها فهذه الأقسام الخمسة هي ضابط ما ينتقض من قضاء القاضي، وما ~~خرج عن هذه الخمسة لا ينقض، وهو ما اجتمع فيه تناول الولاية له، والدليل، ~~والسبب، والحجة، وانتفت فيه التهمة، ووقع على الأوضاع الشرعية كان مجمعا ~~عليه أو مختلفا فيه # (الفرق الرابع والعشرون والمائتان بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم) : # وينبني على الفرق تمكين غيره من الحكم بغير ما قال في الفتيا في مواضع ~~الخلاف بخلاف الحكم اعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم ~~ألبتة بل الفتيا فقط فكل ما وجد فيها من الإخبارات فهي فتيا فقط فليس لحاكم ~~أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة، ولا أن هذا الماء دون القلتين ~~فيكون نجسا فيحرم على المالكي بعد ذلك استعماله بل ما يقال في ذلك إنما هو ~~فتيا إن كانت مذهب السامع عمل بها، وإلا فله تركها، والعمل بمذهبه، ويلحق ~~بالعبادات أسبابها فإذا شهد بهلال رمضان شاهد واحد فأثبته حاكم شافعي، ~~ونادى في المدينة بالصوم لا يلزم ذلك المالكي # PageV04P048 # لأن ذلك فتيا لا حكم، وكذلك إذا قال حاكم قد ثبت عندي ~~الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها أو ملك نصاب من الحلي المتخذ باستعمال ~~المباح سبب وجوب الزكاة فيه أو أنه لا يوجب الزكاة أو غير ذلك من أسباب ~~الأضاحي، والعقيقة، والكفارات، والنذور، ونحوها من العبادات المختلف فيها ~~أو في أسبابها لا يلزم شيء من ذلك من لا يعتقده بل يتبع مذهبه في نفسه. # ولا يلزمه قول ذلك القائل لا في عبادة، ولا في سببها ولا شرطها، ولا ~~مانعها، وبهذا يظهر أن الإمام لو قال لا تقيموا الجمعة إلا بإذني لم يكن ~~ذلك حكما، وإن كانت مسألة مختلفا فيها هل تفتقر الجمعة إلى إذن السلطان أم ~~لا، وللناس أن يقيموا بغير إذن الإمام إلا أن يكون في ذلك صورة المشاقة، ~~وخرق ms700 أبهة الولاية، وإظهار العناد والمخالفة فتمنع إقامتها بغير أمره لأجل ~~ذلك لا لأنه موطن خلاف اتصل به حكم حاكم، وقد قاله بعض الفقهاء. # وليس بصحيح بل حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأه في مسألة اجتهادية تتقارب ~~فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية فاشتراطي قيد الإنشاء احتراز من حكمه في ~~مواقع الإجماع فإن ذلك إخبار، وتنفيذ محض # PageV04P049 # وفي مواقع الخلاف ينشئ حكما، وهو إلزام أحد القولين ~~اللذين قيل بهما في المسألة، ويكون إنشاؤه إخبارا خاصا عن الله تعالى في ~~تلك الصورة من ذلك الباب، وجعل الله تعالى إنشاءه في مواطن الخلاف نصا، ورد ~~من قبله في خصوص تلك الصورة كما لو قضى في امرأة علق طلاقها قبل الملك ~~بوقوع الطلاق فيتناول هذه الصورة الدليل الدال على عدم لزوم الطلاق عند ~~الشافعي، وحكم المالكي بالنقض، ولزوم الطلاق نص خاص تختص به هذه المرأة ~~المعينة، وهو نص من قبل الله تعالى فإن الله تعالى جعل ذلك للحاكم رفعا ~~للخصومات والمشاجرات، وهذا النص الوارد من هذا الحاكم أخص من ذلك الدليل ~~العام فيقدم عليه لأن القاعدة الأصولية أنه إذا تعارض الخاص والعام قدم ~~الخاص على العام فلذلك لا يرجع الشافعي يفتي بمقتضى دليله العام الشامل ~~لجملة هذه القاعدة في هذه الصورة منها لتناولها نص خاص بها مخرج لها عن ~~مقتضى ذلك الدليل العام، ويفتي الشافعي بمقتضى دليله العام فيما عدا هذه ~~الصورة من هذه القاعدة. # وكذلك لو حكم الشافعي باستمرار الزوجية بينهما خرجت هذه الصورة عن دليل ~~المالكي وأفتى فيه بلزوم النكاح ودوامه، وفي غيرها بلزوم الطلاق لأجل ما ~~أنشأه الشافعي من الحكم تقديما للخاص على العام فهذا هو معنى الإنشاء # PageV04P050 # وقولي في مسألة اجتهادية احتراز من مواقع الإجماع فإن ~~الحكم هنالك ثابت بالإجماع فيتعذر فيه الإنشاء لتعينه وثبوته إجماعا، وقولي ~~تتقارب مداركها احتراز من الخلاف الشاذ المبني على المدرك الضعيف فإنه لا ~~يرفع الخلاف بل ينقض في نفسه إذا حكم بالفتوى المبنية على المدرك، وقولي ~~لأجل مصالح الدنيا احتراز من العبادات كالفتوى بتحريم السباع، ms701 وطهارة ~~الأواني # PageV04P051 # وغير ذلك مما يكون اختلاف المجتهدين فيه لا للدنيا بل ~~للآخرة بخلاف الاختلاف في العقود والأملاك والرهون والأوقاف ونحوها إنما ~~ذلك لمصالح الدنيا، وبهذا يظهر أن الأحكام الشرعية قسمان منها ما يقبل حكم ~~الحاكم مع الفتيا فيجمع الحكمان، ومنها لا يقبل إلا الفتوى، ويظهر لك بهذا ~~أيضا تصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وقع هل هو من باب الفتوى ~~أو من باب القضاء، والإنشاء، وأيضا يظهر أن إخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه ~~أنه يوجب الزكاة فتوى، وأما أخذه للزكاة في مواطن الخلاف فحكم، وفتوى من ~~جهة أنه تنازع بين الفقراء. # والأغنياء في المال الذي هو مصلحة دنيوية، ولذلك أن تصرفات السعاة، ~~والجباة في الزكاة أحكام لا ننقضها، وإن كانت الفتوى عندنا على خلافها، ~~ويصير حينئذ مذهبنا، ويظهر بهذا التقرير أيضا سر قول الفقهاء إن حكم الحاكم ~~في مسائل الاجتهاد لا ينقض، وأنه يرجع إلى القاعدة الأصولية، وتصير هذه ~~الصورة مستثناة من تلك الأدلة العامة كاستثناء المصراة، والعرايا، ~~والمساقاة، وغيرها من المستثنيات، ويظهر بهذا أيضا أن التقريرات من الحكام ~~ليست أحكاما فتبقى الصورة قابلة لحكم جميع تلك الأقوال المنقولة فيها قال ~~صاحب الجواهر ما قضى به من نقل الأملاك، وفسخ العقود فهو حكم فإن لم يفعل ~~أكثر من تقرير الحادثة لما رفعت إليه كامرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها ~~فأقره # PageV04P052 # وأجازه ثم عزل، وجاء قاض بعده قال عبد الملك ليس ~~بحكم، ولغيره فسخه. # وقال ابن القاسم هو حكم لأنه أمضاه، والإقرار عليه كالحكم بإجازته فلا ~~ينقض، واختاره ابن محرز، وقال إنه حكم في حادثة باجتهاده، ولا فرق بين أن ~~يكون حكمه فيه بإمضائه أو فسخه أما لو رفع إليه هذا النكاح فقال أنا لا ~~أجيز هذا النكاح بغير ولي من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه فهذه فتوى، ~~وليست بحكم أو رفع إليه حكم بشاهد ويمين فقال أنا لا أجيز الشاهد واليمين ~~فهو فتوى ما لم يقع حكم على عين الحكم قال ولا أعلم في ms702 هذا الوجه خلافا قال ~~وإن حكم بالاجتهاد فيما طريقه التحريم والتحليل، وليس بنقل ملك لأحد ~~الخصمين إلى الآخر، ولا فصل خصومة بينهما، ولا إثبات عقد، ولا فسخه مثل ~~رضاع كبير فيحكم بأنه رضاع محرم. # ويفسخ النكاح لأجله فالفسخ حكم، والتحريم في المستقبل لا يثبت بحكمه بل ~~هو معرض للاجتهاد أو رفعت إليه امرأة تزوجت في عدتها ففسخ نكاحها، وحرمها ~~على زوجها ففسخه حكم دون تحريمها في المستقبل، وحكمه بنجاسة ماء أو طعام أو ~~تحريم بيع أو نكاح أو إجارة فهو فتوى ليس حكما على التأبيد، وإنما يعتبر من ~~ذلك ما شهده، وما حدث بعد ذلك فهو موكول لمن يأتي من الحكام والفقهاء فظهر ~~أيضا من هذه الفتاوي، والمباحث أن الفتوى والحكم كلاهما إخبار عن حكم الله ~~تعالى، ويجب على السامع اعتقادهما، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة لكن ~~الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة، والحكم إخبار معناه الإنشاء ~~والإلزام من قبل الله تعالى وبيان ذلك بالتمثيل أن المفتي مع الله تعالى ~~كالمترجم مع القاضي ينقل ما وجده عن القاضي، واستفاده منه بإشارة أو عبارة ~~أو فعل # PageV04P053 # أو تقرير أو ترك، والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ~~ينشئ الأحكام، والإلزام بين الخصوم، وليس بناقل ذلك عن مستنيبه بل مستنيبه ~~قال له أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلته حكمي فكلاهما موافق للقاضي، ~~ومطيع له، وساع في تنفيذ مواده غير أن أحدهما ينشئ، والآخر ينقل نقلا محضا ~~من غير اجتهاد له في الإنشاء كذلك المفتي، والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى ~~قابل لحكمه غير أن الحاكم منشئ، والمفتي مخبر محض، وقد، وضعت في هذا المقصد ~~كتابا سميته الإحكام في الفتاوى والأحكام، وتصرف القاضي، والإمام، وفيه ~~أربعون مسألة في هذا المعنى، وذكرت فيه نحو ثلاثين نوعا من تصرفات الحاكم ~~ليس فيها حكم، ولنقتصر هنا على هذا القدر في هذا الفرق. # (الفرق الخامس والعشرون والمائتان بين قاعدة الحكم وقاعدة الثبوت) # اختلف فيهما هل هما بمعنى واحد أو الثبوت غير الحكم، والعجب ms703 أن الثبوت ~~يوجب في العبادات المواطن التي لا حكم فيها بالضرورة إجماعا فيثبت هلال ~~شوال، وهلال رمضان، وتثبت طهارة المياه، ونجاستها، ويثبت عند الحاكم ~~التحريم بين الزوجين بسبب الرضاع، والتحليل بسبب العقد، ومع ذلك لا يكون ~~شيء من ذلك حكما. # وإذا وجد الثبوت بدون الحكم كان أعم من الحكم، والأعم من الشيء غيره ~~بالضرورة ثم الذي يفهم من الثبوت هو نهوض الحجة كالبينة، وغيرها السالمة من ~~المطاعن فمتى وجد شيء من ذلك يقال في عرف الاستعمال ثبت عند القاضي ذلك، ~~وعلى هذا التقدير يوجد الحكم بدون الثبوت أيضا كالحكم بالاجتهاد فيكون كل ~~واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه ثم ثبوت الحجة مغاير للكلام ~~النفساني والإنشائي الذي هو الحكم فيكونان غيرين بالضرورة، ويكون الثبوت ~~نهوض الحجة، والحكم إنشاء كلام في النفس هو إلزام أو إطلاق يترتب على هذا ~~الثبوت، وهذا فرق آخر من جهة أن الثبوت يجب تقديمه على الحكم، ومن قال بأن ~~الحكم هو الثبوت لم # PageV04P054 # يتحقق له معنى ما هو الحكم. # (الفرق السادس والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في ~~التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون مستندا) # قال صاحب المقدمات كل من علم شيئا بوجه من الوجوه الموجبة للعلم يشهد به؛ ~~فلذلك صحت شهادة هذه الأمة لنوح - عليه السلام -، ولغيره على أممهم بإخبار ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وصحت شهادة خزيمة. ولم يحضر شراء ~~الفرس، ومدارك العلم أربعة العقل وأحد الحواس الخمس والنقل المتواتر ~~والاستدلال؛ فتجوز الشهادة بما علم بأحد هذه الوجوه، وشهادة خزيمة كانت ~~بالنظر والاستدلال، ومثله شهادة أبي هريرة أن رجلا قاء خمرا فقال له عمر ~~تشهد أنه شربها قال أشهد أنه قاءها فقال عمر - رضي الله عنه - ما هذا ~~التعمق فلا وربك ما قاءها حتى شربها، ومنها شهادة الطبيب بقدم العيب ~~والشهادة بالتواتر كالنسب وولاية القاضي وعزله وضرر الزوجين، والأصل في ~~الشهادة العلم واليقين لقوله {وما شهدنا إلا بما علمنا} [يوسف: 81] وقوله ~~تعالى {إلا ms704 من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] وقوله - عليه السلام - ~~«على مثل هذا فاشهد أي مثل الشمس» فهذا ضابط ما يجوز التحمل في الشهادة به، ~~وقد يجوز بالظن والسماع قال صاحب القبس ما اتسع أحد في شهادة السماع كاتساع ~~المالكية في مواطن كثيرة الحاضر منها على الخاطر خمسة وعشرون موضعا الأحباس ~~الملك المتقادم، الولاء، النسب، الموت، الولاية، العزل، العدالة، الجرحة، ~~ومنع سحنون ذلك فيهما قال علماؤنا، وذلك إذا لم يدرك زمان المجروح والمعدل ~~فإن أدرك فلا بد من العلم، الإسلام، الكفر، الحمل، الولادة، الترشيد السفه، ~~الصدقة، الهبة، البيع، في حالة المتقادم الرضاع، النكاح، الطلاق، الضرر، ~~الوصية، إباق العبد الحرابة، وزاد بعضهم البنوة، والأخوة، وزاد العبدي في ~~الحرية القسامة فهذه مواطن رأى الأصحاب أنها مواطن ضرورة فيجوز تحمل ~~الشهادة بالظن الغالب قال صاحب الجواهر ما لا # PageV04P055 # يثبت بالحس بل بقرائن الأحوال كالإعسار يدرك بالخبرة ~~الباطنة بقرائن كالصبر على الجوع والضر فيكفي فيه الظن القريب من اليقين، ~~وأما اختلاف العلماء في شهادة الأعمى، والشهادة على الخط، ونحو ذلك فليس ~~خلافا في الشهادة بالظن بل الكلام في ذلك في تحقيق مناط فالمالكية يقولون ~~الأعمى قد يحصل له القطع بتمييز بعض الأقوال فيشهد بها، ويحصل للبصير القطع ~~ببعض الخطوط فيشهد بها فما شهد إلا بالعلم، والشافعية يقولون لا يحصل العلم ~~في ذلك لالتباس الأصوات وكثرة التزوير في الخطوط فهذا هو مدرك التنازع ~~بينهم. # (تنبيه) : اعلم أن قول العلماء لا تجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره ~~فإن ظاهره يقتضي أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به، وليس كذلك بل يجوز ~~له الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور بل المراد بذلك أن ~~يكون أصل المدرك علما فقط فلو شهد بقبض الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين ~~قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف، ~~وكذلك الثمن في البيع مع احتمال دفعه، ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز ~~بيعه بعد أن ورثه، ويشهد بالإجارة، ولزوم ms705 الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك ~~بناء على الاستصحاب. # والحاصل في هذه الصور كلها إنما هو الظن الضعيف، ولا يكاد يوجد ما يبقى ~~فيه العلم إلا القليل من الصور من ذلك النسب والولاء فإنه لا يقبل النقل ~~فيبقى العلم على حاله، ومن ذلك الشهادة بالإقرار فإنه إخبار عن وقوع النطق ~~في الزمن الماضي، وذلك لا يرتفع، ومن ذلك الوقف إذا حكم به حاكم أما إذا لم ~~يحكم به حاكم فإن الشهادة إنما يحصل فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار ~~وقف لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه فتأمل هذه المواطن فأكثرها إنما ~~فيها الظن فقط، وإنما العلم في أصل المدرك لا في دوامه فقد تلخص # PageV04P056 # الفرق بين ما هو مدرك للتحمل، وما ليس بمدرك مع ~~مسبباته، والتنبيه على عدده، وأنه لا يقتصر فيه على الحواس فقط كما يعتقده ~~كثير من الفقهاء بل لو أفادت القرائن القطع جازت الشهادة بها في جميع ~~الصور. # (الفرق السابع والعشرون والمائتان بين قاعدة اللفظ الذي يصح أداء الشهادة ~~به وبين قاعدة ما لا يصح أداؤها به) # اعلم أن أداء الشهادة لا يصح بالخبر ألبتة فلو قال الشاهد للقاضي أنا ~~أخبرك أيها القاضي بأن لزيد عند عمرو دينارا عن يقين مني، وعلم في ذلك لم ~~تكن هذه شهادة بل هذا وعد من الشاهد للقاضي أنه سيخبره بذلك عن يقين فلا ~~يجوز اعتماد القاضي على هذا الوعد، ولو قال قد أخبرتك أيها القاضي بكذا كان ~~كذبا لأن مقتضاه تقدم الأخبار منه ولم يقع، والاعتماد على الكذب لا يجوز ~~فالمستقبل وعد، والماضي كذب، وكذلك اسم الفاعل المقتضي للحال كقوله أنا # PageV04P057 # مخبرك أيها القاضي بكذا فإنه إخبار عن اتصافه بالخبر ~~للقاضي، وذلك لم يقع في الحال إنما وقع الإخبار عن هذا الخبر فظهر أن الخبر ~~كيفما تصرف لا يجوز للحاكم الاعتماد عليه. # وكذلك إذا قال الحاكم للشاهد بأي شيء تشهد قال حضرت عند فلان فسمعته يقر ~~بكذا أو أشهدني على نفسه بكذا أو شهدت بينهما بصدور البيع ms706 أو غير ذلك من ~~العقود لا يكون هذا أداء شهادة، ولا يجوز للحاكم الاعتماد عليه بسبب أن هذا ~~مخبر عن أمر تقدم فيحتمل أن يكون قد اطلع بعد ذلك على ما منع من الشهادة به ~~من فسخ أو إقالة أو حدوث ريبة للشاهد تمنع الأداء فلا يجوز لأجل هذه ~~الاحتمالات الاعتماد على شيء من ذلك إذا صدر من الشاهد فالخبر كيفما تقلب ~~لا يجوز الاعتماد عليه بل لا بد من إنشاء الأخبار عن الواقعة المشهود بها، ~~والإنشاء ليس بخبر، ولذلك لا يحتمل التصديق والتكذيب. # وقد تقدم الفرق بين البابين # PageV04P058 # فإذا قال الشاهد أشهد عندك أيها القاضي بكذا كان ~~إنشاء، ولو قال شهدت لم يكن إنشاء عكسه في البيع لو قال أبيعك لم يكن إنشاء ~~للبيع بل إخبارته لا ينعقد به بيع بل وعد بالبيع في المستقبل، ولو قال بعتك ~~كان إنشاء للبيع فالإنشاء في الشهادة بالمضارع، وفي العقود بالماضي، وفي ~~الطلاق بالماضي، واسم الفاعل نحو أنت طالق، وأنت حر، ولا يقع الإنشاء في ~~البيع، والشهادة باسم الفاعل، ولو قال أنا شاهد عندك بكذا، وأنا بائعك بكذا ~~لم يكن إنشاء، وسبب الفرق بين هذه المواطن الوضع العرفي فما وضعه أهل العرف ~~للإنشاء كان إنشاء، وما لا فلا فاتفقوا أنهم وضعوا للإنشاء الماضي في ~~العقود والمضارع في الشهادة واسم الفاعل في الطلاق والعتاق، ولما كانت هذه ~~الألفاظ موضوعة للإنشاء في هذه الأبواب صح من الحاكم اعتماده على المضارع ~~في الشهادة لأنه موضوع له صريح فيه، والاعتماد على الصريح هو الأصل، ولا ~~يجوز الاعتماد على غير الصريح لعدم تعين المراد منه فإن اتفق أن العوائد ~~تغيرت. # وصار الماضي موضوعا لإنشاء الشهادة # PageV04P059 # والمضارع لإنشاء العقود جاز للحاكم الاعتماد على ما ~~صار موضوعا للإنشاء، ولا يجوز له الاعتماد على العرف الأول فتلخص لك أن ~~الفرق بين هذه الألفاظ ناشئ عن العوائد، وتابع لها، وأنه ينقلب وينتسخ ~~بتغيرها وانتقالها فلا يبقى بعد ذلك خفاء في الفرق بين قاعدة ما يصح أن ~~تؤدى به الشهادة وقاعدة ما ms707 لا يصح به أداء الشهادة، وفي الفرق أربع مسائل # (المسألة الأولى) الشهادة قسمان تارة يكون مقصدها مجرد الإثبات فيقتصر ~~عليه نحو أشهد أنه باع ونحوه، وتارة يكون المقصود الجمع بين النفي ~~والإثبات، وهو الحصر فلا بد من التصريح بهما في العبارة قال مالك في ~~التهذيب لا يكفي أنه ابن للميت حتى يقولوا في حصر الورثة لا نعلم له وارثا ~~غيره وكذلك هذه الدار لأبيه أو جده حتى يقولوا، ولا نعلم خروجها عن ملكه ~~إلى الموت حتى يحكم بالملك في الحال. # فإن قالوا هذا وارث مع ورثة آخرين أعطى هذا نصيبه وترك الباقي بيد المدعى ~~عليه حتى يأتي مستحقه لأن الأصل دوام يده، ولأن الغائب قد يقر له بها قال ~~سحنون، وقد كان يقول غير هذا، وعن ملك ينزع من المطلوب. # ويوقف لتيقنها أنها لغيره فإن قالوا لا نعرف عدد الورثة لم يقض لهذا بشيء ~~لعدم تعينه، ولا ينظر إلى تسمية الورثة، وتبقى الدار بيد صاحب اليد حتى ~~يثبت عدد الورثة لئلا يؤدي لنقض القسمة وتشويش الأحكام. # (المسألة الثانية) قال صاحب البيان لا تقبل شهادة من يقول فلان وارث أو ~~هذا العبد له ما باع، ولا وهب، ولا يدري ذلك لأنه جزم بالنفي في غير موضعه ~~بل يقول لا أعلم له وارثا غيره ولا أعلم أنه باع، ولا وهب قاله مالك. # وقال عبد الملك لا يجوز إلا الجزم بأن يقول ما باع، ولا وهب لأن الشهادة ~~بغير الجزم لا تجوز قال وقول عبد الملك أظهر، وفي الجواهر لو شهد أنه ملكه ~~بالأمس ولم يتعرض للحال لم يسمع حتى يقول لم يخرج عن ملكه في علمي، ولو شهد ~~أنه أقر بالأمس ثبت القرار، واستصحب موجبه، ولو قال للمدعى عليه كان ملكه ~~بالأمس نزع من يده لأنه أخبر عن تحقيق فيستصحب كما لو قال الشاهد هو ملكه ~~بالأمس بشراء من المدعى عليه، ولو شهدوا أنه كان بيد المدعى عليه بالأمس لم ~~يفد حتى يشهدوا أنه ملكه، ولو شهدت أنه غصبه جعل المدعي صاحب ms708 اليد، ولو ~~ادعيت ملكا مطلقا فشهدت بالملك والسبب لم يضر لعدم المنافاة. # (المسألة الثالثة) قال ابن يونس لو شهدوا بالأرض، ولم يحدوها، وشهد آخرون ~~بالحدود دون الملك قال # PageV04P060 # مالك تمت الشهادة، وقضى بهم لحصول المقصود من المجموع ~~قال ابن حبيب إن شهدت بغصب الأرض، ولم يحدوها قيل للمدعي حدد ما غصب منك، ~~واحلف عليه قال مالك، وإن شهدت بالحق، وقالت لا نعرف عدده قيل للمطلوب قر ~~بحق واحلف عليه فتعطيه، ولا شيء عليك غيره فإن جحد قيل للطالب إن عرفته ~~احلف عليه وخذه فإن قال لا أعرفه أو أعرفه، ولا أحلف عليه سجن المطلوب حتى ~~يقر بالشيء، ويحلف عليه فإن لم يحلف عليه أخذ المقر به، وحبس حتى يحلف، وإن ~~كان الحق في دار حيل بينه وبينها حتى يحلف، ولا يحس لأن الحق في شيء بعينه ~~قال الباجي في المنتقى. # وعن مالك ترد الشهادة بنسيان العدد وجهله لأنه نقض في الشهادة قال الباجي ~~نسيان بعض الشهادة يمنع من أداء ذلك البعض إلا في عقد البيع والنكاح والهبة ~~والحس الإقرار ونحوه مما لا يلزم الشاهد حفظه بل مراعاة الشهادة في آخره، ~~وكذلك سجلات الحاكم لا يلزم حفظها عند الأداء لأنه يشهد بما علم من تقييد ~~الشهادة. # (المسألة الرابعة) اشتهر على ألسنة الفقهاء أن الشهادة على النفي غير ~~مقبولة، وفيه تفصيل فإن النفي قد يكون معلوما بالضرورة أو بالظن الغالب ~~الناشئ عن الفحص، وقد يعرى عنهما فهذه ثلاثة أقسام أما القسم الأول فتجوز ~~الشهادة به اتفاقا كما لو شهد أنه ليس في هذه البقعة التي بين يديه أفرس، ~~ونحوه فإنه يقع بذلك، وليس مع القطع مطلب آخر (والثاني) نحو الشهادة في صور ~~منها التفليس، وحصر الورثة فإن الحاصل فيه إنما هو الظن الغالب لأنه يجوز ~~عقلا حصول المال للمفلس، وهو يكتمه، وحصول وارث لا يطلع عليه، ومن هاهنا ~~قول المحدثين ليس هذا الحديث بصحيح بناء على الاستقراء، ومنها قول النحويين ~~ليس في كلام العرب اسم آخره واو قبلها ضمة، ونحو ذلك، والقسم ms709 الثالث نحو أن ~~زيدا ما وفى الدين الذي عليه أو ما باع سلعته، ونحو ذلك فإنه نفي غير ~~منضبط، وإنما يجوز في النفي المنضبط قطعا أو ظنا. # وكذلك يجوز أن زيدا لم يقتل عمرا أمس لأنه كان عنده في البيت أو أنه لم ~~يسافر لأنه رآه في البلد فهذه كلها شهادة صحيحة بالنفي، وإنما يمتنع غير ~~المنضبط فاعلم ذلك، وبه يظهر أن قولهم الشهادة على النفي غير مقبولة ليس ~~على عمومه، ويحصل الفرق بين قاعدة ما يجوز أن يشهد به من النفي، وقاعدة ما ~~لا يجوز أن يشهد به منه. # PageV04P061 # # [الفرق بين قاعدة ما يقع به الترجيح بين البينات عند التعارض وقاعدة ما لا يقع به الترجيح] # الفرق الثامن والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يقع به الترجيح بين ~~البينات عند التعارض وقاعدة ما لا يقع به الترجيح) # قلت يقع الترجيح بأحد ثمانية أشياء وقع في الجواهر منها أربعة فقال يقع ~~الترجيح بزيادة العدالة وقوة الحجة كالشاهدين يقدمان على الشاهد واليمين ~~واليد عند التعادل وزيادة التاريخ. # وقال ابن أبي زيد في النوادر وترجح البينة المفصلة على المجملة والنظر في ~~التفصيل والإجمال مقدم على النظر في الأعدلية فإن استووا في التفصيل ~~والإجمال نظر في الأعدلية، ومنها شهادة إحداهما بحوز الصدقة قبل الموت، ~~وشهدت الأخرى برؤيته يخدمه في مرض الموت فتقدم بينة عدم الحوز إذ لم تتعرض ~~الأخرى لرد هذا القول السادس قال ابن أبي زيد إن اختصت أحدهما بمزيد ~~الاطلاع كشهادة إحداهما بحوز الرهن، والأخرى بعدم الحوز لأنها مثبتة للحوز، ~~وهي زيادة اطلاع قاله ابن القاسم وسحنون. # وقال محمد يقضي به لمن هو في يده. السابع استصحاب الحال، والغالب ومنه ~~شهادة إحداهما أنه أوصى، وهو صحيح، وشهدت الأخرى أنه أوصى، وهو مريض قال ~~ابن القاسم تقدم بينة الصحة لأن ذلك هو الأصل والغالب. # وقال سحنون إذا شهدت بأنه زنى عاقلا، وشهدت الأخرى بأنه كان مجنونا إن ~~كان القيام عليه، وهو عاقل قدمت بينة العقل، وإن كان القيام عليه، وهو ~~مجنون قدمت بينة ms710 الجنون، وهو ترجيح بشهادة الحال وهو الثامن. # وقال ابن اللباد يعتبر وقت الرؤية لا وقت القيام فلم يعتبر ظاهرا لحال، ~~ونقل عن ابن القاسم في إثبات الزيادة إذا شهدت إحداهما بالقتل أو السرقة أو ~~بالزنا، وشهدت الأخرى أنه كان بمكان بعيد أنه تقدم بينة القتل ونحوه لأنها ~~مثبتة زيادة، ولا يدرأ عنه الحد قال سحنون إلا أن يشهد الجمع العظيم ~~كالحجيج ونحوهم أنه وقف بهم أو صلى بهم العيد في ذلك اليوم فلا يحد لأن ~~هؤلاء لا يشتبه عليهم أمره بخلاف الشاهدين فهذه الثمانية الأوجه هي ضابط ~~قاعدة ترجيح البينات، وما خرج عن ذلك لا يقع به الترجيح، ووقع الخلاف في ~~هذه الترجيحات بين العلماء فعندنا يقدم صاحب اليد عند التساوي أو هو مع ~~البينة الأعدل كانت الدعوة أو الشهادة بمطلق الملك أو مضافا إلى سبب نحو هو ~~ملكي نسجته أو ولدته الدابة عندي في ملكي كان السبب المضاف إليه الملك ~~يتكرر كنسج الخز وغرس النخل أم لا. # وقاله # PageV04P062 # الشافعي، وقال ابن حنبل الخارج أولى، ولا تقبل بينة ~~صاحب اليد أصلا، وقال أبو حنيفة تقدم بينة الخارج إن ادعى مطلق ملك فإن كان ~~مضافا إلى سبب يتكرر فأعاده كلاهما فكذلك أو لا يتكرر كالولادة، وادعياه، ~~وشهدت البينة به فقالت كل بينة ولد على ملكه قدمت بينة صاحب اليد لنا على ~~أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - ما روي «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه تحاكم إليه رجلان في دابة، وأقام كل واحد البينة أنها له فقضى بها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصاحب اليد» ؛ ولأن اليد مرجحة كما لو لم ~~يكن لهما، ولنا على أبي حنيفة - رضي الله عنه - ما تقدم، والقياس على ~~المضاف إلى سبب لا يتكرر احتجوا بوجوه: # (الأول) قوله - عليه السلام - «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» ~~، وهو يقتضي صنفين مدعيا، والبينة حجته، ومدعى عليه، واليمين حجته فبينته ~~غير مشروعة فلا تسمع كما أن اليمين في الجهة الأخرى لا تفيد شيئا. # (الثاني) ms711 ولأنهما لما تعارضتا في سبب لا يتكرر كالولادة شهدت هذه ~~بالولادة، والأخرى بالولادة تعين كذبهما فسقطتا فبقيت اليد فلم يحكم له ~~بالبينة فأما ما يتكرر، ولم يتعين الكذب فلم تفد بينته إلا ما أفادته يده ~~فسقطت لعدم الفائدة # (الثالث) ولأن صاحب اليد إذا لم يقم الطالب بينة لا تسمع بينته، وإذا لم ~~تسمع في هذه الحالة، وهي أحسن حالتيه فكيف إذا أقام الطالب بينة لا تسمع ~~بطريق الأولى لأنه في هذه الحالة أضعف # (الرابع) إنا إنما أعملنا بينته في صورة النتاج لأن دعواه أفادت الولادة، ~~ولم تفدها يده، وشهدت البينة بذلك فأفادت البينة غير ما أفادت اليد فقبلت. # والجواب عن الأول القول بالموجب فإن الحديث جعل بينة المدعى عليه، وأنتم ~~تقولون به فتعين أن يكون المراد بها بينة ذي اليد لأنها هي التي عليه سلمنا ~~عدم القول بالموجب لكن المدعي إن فسر بالطالب فصاحب اليد طالب لنفسه ما ~~طلبه الآخر لنفسه فتكون البينة مشروعة في حقه، وإن فسر بأضعف المتداعيين ~~سببا فالخارج لما أقام بينة صار الداخل أضعف فوجب أن يكون مدعيا تشرع ~~البينة في حقه سلمنا دلالته لكنه معارض بقوله تعالى {إن الله يأمر بالعدل} ~~[النحل: 90] والعدل التسوية في كل شيء حتى يقوم المخصص فلا تسمع بينة ~~إحداهما دون الآخر «، وبقوله - عليه الصلاة والسلام - لعلي - رضي الله عنه ~~- لا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر» ، وهو يفيد وجوب الاستماع منهما وأن ~~من قويت حجته حكم بها، وأنتم تقولون لا نسمع بينة الداخل، وعن الثاني أنه ~~ينتقض بما إذا تعارضتا في # PageV04P063 # دعوى طعام ادعيا زراعته، وشهدنا بذلك، والزرع لا يزرع ~~مرتين كالولادة، ولم يحكموا به لصاحب اليد، وبالملك المطلق في الحال ~~لاستحالة ثبوته لهما في الحال، ولأنه لو حكم له باليد دون البينة لما حكم ~~له إلا باليمين لأنه شأن اليد المنفردة. # ولما لم يحتج إلى اليمين علم أنه إنما حكم بالبينة، ولأنه لما حكم له حيث ~~كذبت بينته كان أولى أن يحكم به إذا لم تكذبت بينته، ولأن اليد ms712 أضعف من ~~البينة بدليل أن اليد لا يقضى بها إلا باليمين، والبينة يقضى بها بغير ~~يمين، ولو أقام الخارج بينة قدمت على يد الداخل إجماعا فعلمنا أن البينة ~~تفيد ما لا تفيده اليد وعن # (الثالث) أنه إنما لم تسمع بينة الداخل عند بينة الخارج لأنه حينئذ قوي ~~باليد، والبينة إنما تسمع من الضعيف فوجب سماعها للضعف، ولم يتحقق إلا عند ~~إقامة الخارج بينته، وعن # (الرابع) أن الدعوى، واليد لا يفيدان مطلقا شيئا، وإلا لكان مع المدعي ~~حجج اليد، والدعوى، والبينة يخيره الحاكم بينهما أيها شاء أقام كمن شهد له ~~شاهدان، وشاهد وامرأتان خير بينهما وبين اليمين مع إحداهما فعلم أن المفيد ~~إنما هو البينة، واليد لا تفيد ملكا، وإلا لم يحتج معها لليمين كالبينة بل ~~تفيد التبقية عنده حتى تقوم البينة، ولأنها لو أفادت، وأقام المدعي بينة ~~أنه اشتراها منه لم يحتج إلى يمين. # وأما الأعدلية فمنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم - ~~الترجيح بها لنا أن البينة إنما اعتبرت لما تثيره من الظن، والظن في الأعدل ~~أقوى فيقدم كأخبار الآحاد إذا رجح إحداهما، ولأن مقيم الأعدل أقرب للصدق ~~فيكون هو المعتبر لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أمرت أن أحكم ~~بالظاهر» ، ولأن الاحتياط مطلوب في الشهادة أكثر من الرواية بدليل جواز ~~العبد والمرأة والمنفرد في الرواية دون الشهادة فإذا كان الاحتياط مطلوبا ~~أكثر في الشهادة وجب أن لا يعدل عن الأعدل، والظن أقوى فيها قياسا على ~~الخبر بطريق الأولى، والمدرك في هذا الوجه الاحتياط، وفي الوجه الأول ~~الجامع إنما هو الظن. # وإذا اختلفت الجوامع في القياسات تعددت. احتجوا بوجوه. # (الأول) أن الشهادة مقدرة في الشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية، ولا تختلف ~~بزيادة المأخوذ فيه فدية الصغير الحقير كدية الكبير الشريف العالم العظيم. # (وثانيها) أن الجمع العظيم من الفسقة يحصل الظن أكثر من الشاهدين، وهو ~~غير معتبر فعلم أنها تعبد لا يدخلها الاجتهاد، وكذلك الجمع من النساء ~~والصبيان إذا كثروا، وثالثها أنه لو اعتبرت # PageV04P064 # زيادة العدالة، ms713 وهي صفة لاعتبرت زيادة العدد، وهي ~~بينات معتبرة إجماعا فيكون اعتبارها أولى من الصفة، والعدد غير معتبر ~~فالصفة غير معتبرة، والجواب عن الأول أن وصف العدالة مطلوب في الشهادة، وهو ~~موكول إلى اجتهادنا، وهو يتزايد في نفسه فما رجحنا إلا في موطن اجتهاد لا ~~في موضع تقدير، وعن الثاني أنا لا ندعي أن الظن كيف كان يعتبر بل ندعي أن ~~مزيد الظن بعد حصول أصل معتبر كما أن قرائن الأحوال لا نثبت بها الأحكام ~~والفتاوى، وإن حصلت ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد لأن الشرع ~~لم يجعلها مدركا للفتوى والقضاء، ولما جعل الأخبار والأقيسة مدركا للفتيا ~~دخلها الترجيح فكذا هاهنا أصل البينة معتبر بعد العدالة والشروط المخصوصة ~~فاعتبر فيها الترجيح. # وعن الثالث أن الترجيح بالعدد يفضي إلى كثرة النزاع وطول الخصومات فإذا ~~ترجح أحدهما بمزيد عدد سعى الآخر في زيادة عدد بينته، وتطول الخصومة، وتعطل ~~الأحكام، وليس في قدرته أن يجعل بينته أعدل فلا يطول النزاع، ولأن العدد ~~يعين ما تقدم فيمتنع الاجتهاد فيه بخلاف وصف العدالة، ولذلك يختلف باختلاف ~~الأمصار والأعصار فعدول زماننا لم يكونوا مقبولين في زمن الصحابة - رضوان ~~الله عليهم -، وأما العدد فلم يختلف ألبتة مع أنا نلتزم الترجيح بالعدد على ~~أحد القولين عندنا. # (الفرق التاسع والعشرون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كبيرة مانعة ~~من قبول الشهادة وقاعدة المعصية التي ليست بكبيرة مانعة من الشهادة) # اعلم أن إمام الحرمين في أصول الدين قد منع من إطلاق لفظ الصغيرة على شيء ~~من معاصي الله # PageV04P065 # تعالى، وكذلك جماعة من العلماء وقالوا لا يقال في شيء ~~من معاصي الله صغيرة بل جميع المعاصي كبائر لعظمة الله تعالى فيكون جميع ~~معاصيه كبائر، وقال غيرهم يجوز ذلك، واتفق الجميع على أن المعاصي تختلف ~~بالقدح في العدالة، وأنه ليس كل معصية يسقط بها العدل عن مرتبة العدالة ~~فالخلاف حينئذ إنما هو في الإطلاق. # وقد ورد الكتاب العزيز بالإشارة إلى الفرق في قوله تعالى {وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7] فجعل للمعصية ms714 رتبا ثلاثا كفرا ~~وفسوقا، وهو الكبيرة، وعصيانا، وهي الصغيرة، ولو كان المعنى واحدا لكان ~~اللفظ في الآية متكررا إلا بمعنى مستأنف، وهو خلاف الأصل؛ إذا تقرر هذا ~~فنقول الصغيرة والكبيرة في المعاصي ليس من جهة من عصى بل من جهة المفسدة ~~الكائنة في ذلك الفعل فالكبيرة ما عظمت مفسدتها، والصغيرة ما قلت مفسدتها، ~~ورتب المفاسد مختلفة، وأدنى رتب المفاسد يترتب عليها الكراهة ثم كلما ارتقت ~~المفسدة عظمت الكراهة حتى تكون أعلى رتب المكروهات تليها أدنى رتب المحرمات ~~ثم ترتقي رتب المحرمات حتى تكون أعلى رتب الصغائر يليه أدنى الكبائر ثم ~~ترتقي رتب الكبائر بعظم المفسدة حتى تكون أعلى رتب الكبائر يليها الكفر إذا ~~تقرر هذا. # وأردنا ضبط ما ترد به الشهادة لعظمه ننظر ما وردت به السنة أو الكتاب ~~العزيز بجعله كبيرة أو أجمعت عليه الأمة أو ثبت فيه حد من حدود الله تعالى ~~كقطع السرقة وجلد الشرب ونحوهما فإنها كلها كبائر قادحة في العدالة إجماعا، ~~وكذلك ما فيه وعيد صرح به في الكتاب أو في السنة فنجعله أصلا، وننظر فما ~~ساوى أدناه مفسدة أو رجح عليها مما ليس فيه نص ألحقناه به، ورددنا به ~~الشهادة، وأثبتنا به الفسوق، والجرح، وما وجدناه قاصرا عن أدنى رتب الكبائر ~~التي شهدت لها الأصول جعلناه # PageV04P066 # صغيرة لا تقدح في العدالة، ولا توجب فسوقا إلا أن يصر ~~عليه فيكون كبيرة إن وصل بالإصرار إلى تلك الغاية فإنه لا صغيرة مع إصرار. ~~ولا كبيرة مع استغفار # كما قاله السلف، ويعنون بالاستغفار التوبة بشروطها لا طلب المغفرة مع ~~بقاء العزم فإن ذلك لا يزيل كبر الكبيرة ألبتة ففي الكتاب فيه ذكر الكبر أو ~~العظم عقب ذكر جريمة، وفي السنة في مسلم «قالوا ما أكبر الكبائر يا رسول ~~الله فقال أن تجعل لله شريكا وقد خلقك قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك خوفا أن ~~يأكل معك قلت ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك» ، وفي حديث آخر «اجتنبوا ~~السبع الموبقات قيل، وما هي يا رسول الله ms715 قال الشرك بالله، والسحر، وقتل ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف ~~المحصنات، وأكل الربا، وشهادة الزور» وفي بعض الطرق وعقوق الوالدين، ~~واستحلال بيت الله الحرام، وثبت في الصحيح «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - جعل القبلة في الأجنبية صغيرة» فيلحق بها ما في معناها، وهنا أربع ~~مسائل. # (المسألة الأولى) # ما حقيقة الإصرار الذي يصير الصغيرة كبيرة وقع البحث فيه مع جماعة من ~~الفضلاء فقال بعضهم هو أن يتكرر الذنب منه سواء كان يعزم على العود أم لا. # وقال بعضهم إن تكرر من غير عزم لم يكن إصرارا بأن يفعل الذنب أول مرة، ~~وهو لا يخطر له معاودته لداعية متجددة فيفعله كذلك مرارا فهذا ليس إصرارا، ~~وتارة يفعل الذنب، وهو عازم على معاودته فيعاوده بناء على ذلك العزم السابق ~~فهذا هو الإصرار الناقل للصغيرة لدرجة الكبيرة، ولذلك قال الله تعالى {ولم ~~يصروا على ما فعلوا} [آل عمران: 135] ويقال فلان مصر على العداوة أي مصمم ~~بقلبه عليها، وعلى مصاحبتها، ومداومتها، ولا يفهم في # PageV04P067 # عرف الاستعمال من الإصرار إلا العزم والتصميم على ~~الشيء، والأصل عدم النقل والتغيير فوجب أن يكون ذلك معناه لغة وشرعا هذا هو ~~الذي ترجح عندي. # (المسألة الثانية) ما ضابط التكرر في الإصرار الذي يصير الصغيرة كبيرة ~~فإن ذلك ليس فيه نص من الكتاب ولا من السنة قال بعض العلماء ينظر إلى ما ~~يحصل من ملابسة أدنى الكبائر من عدم الوثوق بملابستها في أداء الشهادة ~~والوقوف عند حدود الله تعالى ثم ينظر لذلك التكرر في الصغيرة فإن حصل في ~~النفس من عدم الوثوق ما حصل من أدنى الكبائر كان هذا الإصرار كبيرة تخل ~~بالعدالة، وهذا يؤكد أنه لا بد فيه من العزم فإن الفلتات من غير أن تستمر ~~لا تكاد تخل بالوثوق نعم قد تدل كثرة التكرار على فرار العزم في النفس، ~~وبهذا الضابط أيضا يعلم المباح المخل بقبول الشهادة كالأكل في الأسواق ~~ونحوه فإن يصدر منه صدورا يوجب عدم الوثوق به ms716 في حدود الله تعالى كان ذلك ~~مخلا # PageV04P068 # وذلك يختلف بحسب الأحوال المقترنة والقرائن المصاحبة ~~وصورة الفاعل وهيئة الفعل، والمعتمد في ذلك ما يؤدي إلى ما يوجد في القلب ~~السليم عن الهواء المعتدل المزاج والعقل والديانة العارف بالأوضاع الشرعية ~~فهذا هو المتعين لوزن هذه الأمور فإن من غلب عليه التساهل في طبعه لا يعد ~~الكبيرة شيئا، ومن غلب عليه التشديد في طبعه يجعل الصغيرة كبيرة فلا بد من ~~اعتبار ما تقدم ذكره في العقل الوازن لهذه الاعتبارات، ومتى تخللت التوبة ~~الصغائر فلا خلاف أنها لا تقدح في العدالة، وكذلك ينبغي إذا كانت من أنواع ~~مختلفة، وإنما يحصل الشبه واللبس إذا تقررت من النوع الواحد، وهو موضوع ~~النظر الذي تقدم التنبيه عليه # المسألة الثالثة) المشهور عندنا قبول شهادة القاذف قبل جلده، وإن كان ~~القذف كبيرة اتفاقا، وقاله أبو حنيفة - رضي الله عنه - وردها عبد الملك ~~ومطرف والشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهم - لنا أنه قبل الجلد غير فاسق ~~لأنه ما لم يفرغ من جلده يجوز رجوع البينة أو تصديق المقذوف له فلا يتحقق ~~الفسق إلا بعد الجلد، والأصل استصحاب العدالة والحالة السابقة احتجوا ~~بوجوه: (الأول) أن الآية اقتضت ترتيب الفسق على القذف، وقد تحقق القذف ~~فيتحقق الفسق سواء جلد أم لا. # (الثاني) أن الجلد فرع ثبوت الفسق فلو توقف الفسق على الجلد لزم الدور. # (الثالث) أن الأصل عدم قبول الشهادة إلا حيث تيقن العدالة، ولم تتيقن هنا ~~فترد. والجواب عن الأول أن الآية اقتضت صحة ما ذكرناه، وبطلان ما ذكرتموه ~~لأن الله تعالى قال {فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ~~وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] فرتب رد الشهادة والفسق على الجلد وترتب ~~الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم فيكون الجلد هو السبب ~~المفسق فحيث لا جلد لا فسوق. # وهو مطلوبنا أو عكس مطلوبكم، وعن الوجه الثاني أن الجلد فرع ثبوت الفسق ~~ظاهرا ظهورا ضعيفا لجواز رجوع البينة أو تصديق المقذوف فإذا أقيم الجلد قوي ~~الظهور بإقدام البينة ms717 وتصميمها على أذيته، وكذلك المقذوف # PageV04P069 # وحينئذ نقول إن مدرك رد الشهادة إنما هو الظهور القوي ~~لأنه المجمع عليه، والأصل بقاء العدالة السابقة. # (المسألة الرابعة) قال الباجي قال القاضي أبو إسحاق والشافعي لا بد في ~~توبة القاذف من تكذيبه لنفسه لأنا قضينا بكذبه في الظاهر لما فسقناه فلو لم ~~يكذب نفسه لكان مصرا على الكذب الذي فسقناه لأجله في الظاهر، وعليه ~~إشكالان: (أحدهما) أنه قد يكون صادقا في قذفه فتكذيبه لنفسه كذب فكيف تشترط ~~المعصية في التوبة التي هي ضدها، ونجعل المعاصي سبب صلاح العبد وقبول ~~شهادته ورفعته. # (ثانيهما) أنه إن كان كاذبا في قذفه فهو فاسق أو صادقا فهو عاص لأن تعيير ~~الزاني بزناه معصية فكيف ينفعه تكذيب نفسه مع كونه عاصيا بكل حال، والجواب ~~عن الأول أن الكذب لأجل الحاجة جائز كالرجل مع امرأته، وللإصلاح بين الناس، ~~وهذا التكذيب فيه مصلحة الستر على المقذوف، وتقليل الأذية والفضيحة عند ~~الناس، وقبول شهادته في نفسه، وعوده إلى الولاية التي يشترط فيها العدالة، ~~وتصرفه في أموال أولاده وتزويجه لمن يلي عليه، وتعرضه للولايات الشرعية # (وعن الثاني) أن تعيير الزاني بزناه صغيرة لا تمنع الشهادة، وقال مالك لا ~~يشترط في قبول توبته ولا قبول شهادته تكذيبه لنفسه بل صلاح حاله بالاستغفار ~~والعمل الصالح كسائر الذنوب. # # (الفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة التهمة التي ترد بها الشهادة بعد ~~ثبوت العدالة وبين قاعدة ما لا ترد به) # اعلم أن الأمة مجمعة على رد الشهادة بالتهمة من حيث الجملة لكن وقع ~~الخلاف في بعض الرتب، وتحرير ذلك أن التهمة ثلاثة أقسام مجمع على اعتبارها ~~لقوتها، ومجمع على إلغائها لخفتها، ومختلف فيها هل تلحق بالرتبة العليا ~~فتمنع أو بالرتبة الدنيا فلا تمنع فأعلاها شهادة الإنسان لنفسه مجمع على ~~ردها، وأدناها شهادة الإنسان لرجل من قبيلته أجمع على اعتبارها، وبطلان هذه ~~التهمة، ومثال المتوسط بين هاتين الرتبتين شهادته لأخيه أو لصديقه الملاطف، ~~ونحو ذلك فوافقنا أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل في عمودي النسب الآباء ~~والأبناء لا يشهد لهم، ms718 وخالفونا في الأخ والصديق الملاطف، ووافقنا ابن حنبل ~~في الزوجين فلا تقبل الشهادة لهما، وخالفنا الشافعي فقبل، ووافقنا الشافعي ~~وابن حنبل في اعتبار العداوة إلا أن تكون في الدين، وقال أبو حنيفة # PageV04P070 # العداوة مطلقا، ونحو ذلك من المسائل المتوسطات لنا ~~قوله - عليه الصلاة والسلام - «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين» احتجوا بظاهر ~~قوله تعالى {شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وبقوله {ذوي عدل منكم} ~~[الطلاق: 2] ونحو ذلك من الظواهر والفقه مع من كانت القواعد والنصوص معه ~~أظهر، ومن ذلك من ردت شهادته لفسقه أو كفره أو صغره أو رقه ثم أداها بعد ~~زوال هذه الصفات فإنه يتهم في تنفيذ ما رد فيه منعناها نحن وابن حنبل. # وقال الشافعي وأبو حنيفة - رضي الله عنهما - يقبل الكل إلا الفاسق، ~~والفرق أن الفاسق تسمع شهادته ثم ينظر في عدالته فيتحقق الرد بالظهور على ~~الفسق، وأولئك لم تسمع شهادتهم لما علم من صفاتهم فلا يتحقق الرد الباعث ~~على التهمة، ولنا شهادة العوائد، ولأنه مروي عن عثمان - رضي الله عنه -، ~~ولأن العلم بصفاتهم لو وقع قبل الأداء لما وقع الأداء، وإنما منعنا حيث وقع ~~الأداء فصفاتهم حينئذ تكون مجهولة فسقط الفرق، وعكسه لو حصل البحث عن الفسق ~~قبل الأداء قبلت شهادته إذا لم ترد، وصلحت حاله، ومنعنا شهادة أهل البادية ~~إذا قصدوا في التحمل دون أهل الحاضرة في البياعات والنكاح والهبة ونحوها ~~لأن العدول إليهم مع إمكان غيرهم تهمة في إبطال ما شهدوا به، وقال ابن حنبل ~~لا يقبل بدوي مطلقا على قروي. # وقال أبو حنيفة والشافعي تقبل مطلقا، لنا الحديث المتقدم، وفي أبي داود ~~«لا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية» ، وهو محمول عندنا على موضع التهمة ~~جمعا بينه وبين العمومات الدالة على قبول الشهادة التي تقدمت، وحملوهم ~~الحديث على من لم تعلم عدالته من الأعراب قالوا وهو أولى لقلة التخصيص ~~حينئذ في تلك العمومات في الصحيحين «أن أعرابيا شهد عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على رؤية الهلال فقبل شهادته على الناس» ، ولأن من ms719 قبلت ~~شهادته في الجراح قبلت في غيرها كالحضري، ولأن الجراح آكد من المال ففي ~~المال أولى. # والجواب عن الأول أن جمعنا أولى لأنه لو كان لأجل عدم العدالة لم يكن ~~لتخصيصه بصاحب القرية فائدة بل للتهمة، وعن الثاني نحن نقبله في الهلال ~~لعدم التهمة المتقدم ذكرها، وعن الثالث أن الجراح يقصد الخلوات دون ~~المعاملات فكانت التهمة في المعاملات موجودة دون الجراح. # PageV04P071 # (الفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدة الدعوى ~~الصحيحة وقاعدة الدعوى الباطلة) # فضابط الدعوى الصحيحة أنها طلب معين أو ما في ذمة معين أو ما يترتب عليه ~~أحدهما معتبرة شرعا لا تكذبها العادة فالأول كدعوى أن السلعة المعينة ~~اشتراها منه أو غصبت منه، والثاني كالديون والسلم ثم المعين الذي يدعي في ~~ذمته قد يكون معينا بالشخص كزيد أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة والقتل ~~على جماعة أو أنهم أتلفوا متمولا، والثالث كدعوى المرأة الطلاق أو الردة ~~على زوجها فيترتب لها حوز نفسها، وهي معينة أو الوارث أن أباه مات مسلما أو ~~كافرا فيترتب له الميراث المعين فهي مقاصد صحيحة، وقولنا معتبرة شرعا ~~احتراز من دعوى عشر سمسمة فإن الحاكم لا يسمع مثل هذه الدعوى لأنه لا يترتب ~~عليه نفع شرعي، ولهذه الدعوى أربعة شروط أن تكون معلومة محققة لا تكذبها ~~العادة يتعلق بها غرض صحيح، وفي الجواهر لو قال: لي عليه شيء لم تسمع دعواه ~~لأنها مجهولة، وكذلك: أظن أن لي عليك ألفا أو: لك علي ألف، وأظن أني قضيتها ~~لم تسمع لتعذر الحكم بالمجهول إذ ليس بعض المراتب أولى من بعض، ولا ينبغي ~~للحاكم أن يدخل في الخطر بمجرد الوهم من المدعي، وقالت الشافعية لا يصح ~~دعوى المجهول إلا في الإقرار والوصية لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث ~~المال، والمال غير معلوم، وصحة الملك في الإقرار بالمجهول من غير حكم، ~~ويلزمه الحاكم بالتعيين، وقاله أصحابنا. # وقال الشافعية إن ادعى بدين من الأثمان ذكر الجنس دنانير أو دراهم، ~~والنوع مصرية أو مغربية، والصفة صحاحا أو مكسرة والمقدار والسكة، ويذكر في ~~غير ms720 الأثمان الصفات المعتبرة في السلم، وذكر القيمة مع الصفات أحوط، وما لا ~~تضبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد، ويذكر في ~~الأرض والدار اسم الصقع والبلد، وفي السيف المحلى بالذهب قيمته فضة، ~~وبالفضة قيمته ذهبا أو بهما قومه بما شاء منهما لأنه موضع ضرورة، ولا يلزم ~~ذكر سبب ملك المال بخلاف سبب القتل والجراح لاختلاف الحكم هاهنا دون المال ~~بالعمد والخطأ، وهل قتله وحده أو مع غيره، ولأن إتلافه لا يستدرك بخلاف ~~المال، وهذا كله لا يخالفه أصحابنا، وقواعدنا تقتضيه غير أن قولهم وقول ~~أصحابنا إن من شرطها أن تكون معلومة فيه نظر فإن # PageV04P072 # الإنسان لو وجد وثيقة في تركة مورثه أو أخبره عدل بحق ~~له فالمنقول جواز الدعوى بمثل هذا، والحلف بمجرده عندنا وعندهم مع أن هذه ~~الأسباب لا تفيد إلا الظن فإن أرادوا أن العلم في نفس الأمر عند الطالب ~~فليس كذلك، وإن أرادوا أن التصريح بالظن يمنع الصحة، والسكوت عنه لا يقدح ~~فهذا مانع لأن عدمه شرط، وأيضا فما جاز الإقدام معه لا يكون التصريح به ~~مانعا كما لو شهدوا بالاستفاضة وبالسماع وبالظن في الفلس وحصر الورثة، وصرح ~~بمستنده في الشهادة لم يكن ذلك قادحا على الصحيح فكذلك هاهنا، وقال بعض ~~الشافعية يقدح تصريح الشاهد بمستنده في ذلك. # وليس له وجه فإن ما جوزه الشرع لا يكون النطق به منكرا، وهذا مقتضى ~~القواعد، وقولي لا تكذبهما العادة سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مسائل ~~هذا الفرق فهذا هو الفرق بين قاعدة ما يسمع، وقاعدة ما لا يسمع من الدعاوى ~~من حيث الجملة، ويكمل البيان في ذلك بمسألتين. # (المسألة الأولى) تسمع الدعاوى عندنا في النكاح، وإن لم يقل تزوجتها بولي ~~وبرضاها بل يقول هي زوجتي فيكفيه، وقاله أبو حنيفة - رضي الله عنه - وقال ~~الشافعي وابن حنبل - رضي الله عنهما - لا تسمع حتى يقول بولي وبرضاها ~~وشاهدي عدل بخلاف دعوى المال وغيره لنا القياس على البيع والردة والعدة فلا ~~يشترط التعرض لهما فكذلك ms721 غيرهما، ولأن ظاهر عقود المسلمين الصحة احتجوا ~~بوجوه الأول أن النكاح خطر، والوطء لا يستدرك فأشبه القتل (الثاني) أن ~~النكاح لما اختص بشروط زائدة على البيع من الصداق وغيره خالفت دعواه ~~الدعاوى قياسا للدعوى على المدعى به. (الثالث) أن المقصود من جميع العقود ~~يدخله البدل والإباحة بخلافه فكان خطرا فيحتاط فيه، والجواب عن الأول أن ~~غالب دعوى المسلم الصحة فالاستدراك حينئذ نادر لا عبرة به. # والقتل خطره أعد من حرمة النكاح، والنادر وهو الفرق المانع من القياس. ~~(وعن الثاني) أن دعوى الشيء يتناول شروطه بدليل البيع فلا يحتاج إلى الشروط ~~كالبيع له شروط لا تشترط في دعواه (وعن الثالث) أن الردة والعدة لا يدخلهما ~~البدل، ويكفي الإطلاق فيهما. # (المسألة الثانية) في بيان قولي لا تكذبها العادة والدعاوى ثلاثة أقسام: ~~(قسم) تصدقه العادة كدعوى القريب الوديعة (وقسم) تكذبه العادة كدعوى الحاضر ~~الأجنبي ملك دار في يد زيد، وهو حاضر يراه يهدم # PageV04P073 # ويبني، ويؤاجر مع طول الزمان من غير وازع يزعه عن ~~الطلب من رهبة أو رغبة فلا تسمع دعواه لظهور كذبها، والسماع إنما هو لتوقع ~~الصدق فإذا تبين الكذب عادة امتنع توقع الصدق. # (والقسم الثالث) ما لم تقض العادة بصدقها، ولا بكذبها كدعوى المعاملة، ~~ويشترط فيها الخلطة، وبيان الخلطة يكون بعد هذا إن شاء الله تعالى في بيان ~~قاعدة من يحلف، ومن لا يحلف، وأما ما تكذبه العادة فقال مالك في الأجانب ~~سنين، ولم يحد بالعشرة. # وقال ربيعة عشر سنين تقطع الدعوى للحاضر إلا أن يقيم بينة أنه أكرى أو ~~أسكن أو أعار، ولا حيازة على غائب، وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» ، ولقوله تعالى {وأمر بالعرف} ~~[الأعراف: 199] فكل شيء يكذبه العرف وجب أن لا يؤمر به بل يؤمر بالملك ~~لحائزه لأنه العرف، وقال ابن القاسم الحيازة من الثمانية إلى العشرة. # وقال مالك من قامت بيده دار سنين يكري، ويهدم ويبني فأقمت بينة أنها لك ~~أو لأبيك أو لجدك وثبتت المواريث، ms722 وأنت حاضر تراه يفعل ذلك فلا حجة لك فإن ~~كنت غائبا أفادك إقامة البينة والعروض والحيوان والرقيق كذلك، وكذلك قال ~~الأصحاب في كتاب الإجارات إذا ادعى بأجرة من سنين لا تسمع دعواه إن كان ~~حاضرا، ولا مانع له، وكذلك إذا ادعى بثمن سلعة من زمن قديم، ولا مانع من ~~طلبه، وعادتها تباع بالنقد، وشهدت العادة أن هذا الثمن لا يتأخر، وأما في ~~الأقارب فقال مالك الحيازة المكذبة للدعوى في العقار نحو الخمسين سنة لأن ~~الأقارب يتسامحون لبر القرابة أكثر من الأجانب أما لدون هذا القدر من الطول ~~فلا تكون الدعوى كاذبة، وخالفنا الشافعي - رضي الله عنه -، وسمع الدعوى في ~~جميع هذه الصور لنا النصوص المتقدمة. # (الفرق الثاني والثلاثون والمائتان بين قاعدة المدعي وقاعدة المدعى عليه) ~~فإنهما يلتبسان فليس كل طالب مدعيا، وليس كل مطلوب منه مدعى عليه، ولأجل ~~ذلك وقع الخلاف بين العلماء فيهما في عدة مسائل، والبحث في هذا الفرق بحث ~~عن تحقيق قوله - عليه السلام - «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» # من هو المدعي الذي عليه البينة، ومن هو المدعى عليه الذي يحلف فضابط ~~المدعي والمدعى عليه فيه عبارتان للأصحاب إحداهما أن المدعي هو أبعد ~~المتداعيين سببا، والمدعى عليه # PageV04P074 # هو أقرب المتداعيين سببا، والعبارة الثانية، وهي توضح ~~الأولى المدعي من كان قوله على خلاف أصل أو عرف، والمدعى عليه من كان قوله ~~على وفق أصل أو عرف، وبيان ذلك بالمثل أن اليتيم إذا بلغ، وطلب الوصي بما ~~له تحت يده فقال أوصلتك فإنه مدعى عليه، والوصي المطلوب مدع فعليه البينة ~~لأن الله تعالى أمر الأوصياء بالإشهاد على اليتامى إذا دفعوا إليهم أموالهم ~~فلم يأتمنهم على الدفع بل على التصرف والإنفاق خاصة، وإذا لم يكونوا أمناء ~~كان الأصل عدم الدفع، وهو يعضد اليتيم، ويخالف الوصي فهذا طالب، واليمين ~~عليه لأنه مدعى عليه، والوصي مطلوب، وهو مدع، وكذلك طالب الوديعة التي ~~سلمها للمودع عند بينة لأنه لم يأتمن المودع عنده لما أشهد عليه فالقول قول ~~صاحب الوديعة مع ms723 بينة، وإن كان طالبا لأن ظاهر حال المودع عنده لما قبض ~~ببينة أنه لا يعطي إلا ببينة. # والأصل أيضا عدم الدفع فاجتمع الأصل والغالب، وهما يعضدان صاحب الوديعة، ~~ويخالفان القابض لها، وكذلك القراض إذا قبض ببينة فإن قبضت الوديعة أو ~~القراض بغير بينة فالقول قول العامل والمودع عنده لأن يدهما يد أمانة صرفة، ~~والأمين مصدق، ونظائر هذا كثيرة يكون الطالب فيها مدعى عليه، ويعتمد أبدا ~~الترجيح بالعوائد وظواهر الأحوال والقرائن فيحصل لك من هذا النوع ما لا ~~ينحصر عدده، ومن هذا الباب إذا تداعى بزاز ودباغ جلدا كان الدباغ مدعى عليه ~~أو قاض وجندي رمحا كان الجندي مدعى عليه، وعليه مسألة الزوجين إذا اختلفا ~~في متاع البيت أن يقول قول الرجل فيما يشبه قماش الرجال، والقول قول المرأة ~~فيما يشبه قماش النساء، وإذا تنازع عطار وصباغ في مسك وصبغ قدم العطار في ~~المسك والصباغ في الصبغ، وقد تقدمت هذه المسألة، والخلاف فيها مع الشافعي - ~~رضي الله عنه -، وكذلك خالفنا في هذه المسائل المتقدمة كلها، وحجتنا النصوص ~~المتقدمة، وأما الأصل وحده من غير ظاهر ولا عرف فمن ادعى على شخص دينا أو ~~غصبا أو جناية ونحوها فإن الأصل عدم هذه الأمور، والقول قول المطلوب منه مع ~~يمينه لأن الأصل يعضده، ويخالف الطالب، وهذا مجمع عليه، وإنما الخلاف في ~~الظواهر المتقدمة، وظهر لك بهذا قول الأصحاب أن المدعي هو أضعف المتداعيين ~~سببا، والمدعى عليه هو أقوى المتداعيين سببا. # (تنبيه) ما ذكرناه من الظواهر ينتقض بما اجتمعت عليه الأمة من أن الصالح ~~التقي الكبير العظيم المنزلة # PageV04P075 # والشأن في العلم والدين بل أبو بكر الصديق أو عمر بن ~~الخطاب لو ادعى على أفسق الناس وأدناهم درهما لا يصدق فيه، وعليه البينة، ~~وهو مدع، والمطلوب مدعى عليه، والقول قوله مع يمينه، وعكسه لو ادعى الطالح ~~على الصالح لكان الحكم كذلك، وبهذا يحتج الشافعي علينا، ويجيب عما تقدم ~~ذكره بذلك، وكما أن هذه الصور حجة للشافعي فهو نقض على قولنا المدعي من ~~خالف قوله أصلا أو ms724 عرفا، والمدعى عليه من وافق قوله أصلا أو عرفا فإن العرف ~~في هذه الصور شاهد، وكذلك الظاهر، وقد ألغيا إجماعا فكان ذلك مبطلا للحدود ~~المتقدمة، ونقصا على المذهب فتأمل ذلك # (تنبيه) قال بعض العلماء قول الفقهاء إذا تعارضا الأصل والغالب يكون في ~~المسألة قولان ليس على إطلاقه بل اجتمعت الأمة على اعتبار الأصل وإلغاء ~~الغالب في دعوى الدين ونحوه فالقول قول المدعى عليه، وإن كان الطالب أصلح ~~الناس وأتقاهم لله تعالى، ومن الغالب عليه أن لا يدعي إلا ماله فهذا الغالب ~~ملغى إجماعا، واتفق الناس على تقديم الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا ~~شهدت فإن الغالب صدقها، والأصل براءة ذمة المشهود عليه، وألغي الأصل هنا ~~إجماعا عكس الأول فليس الخلاف على الإطلاق. # (تنبيه) خولفت قاعدة الدعاوى في خمس مواطن يقبل فيها قول الطالب (أحدها) ~~اللعان يقبل فيه قول الزوج لأن العادة أن الرجل ينفي عن زوجه الفواحش فحيث ~~أقدم على رميها بالفاحشة مع إيمانه أيضا قدمه الشرع (وثانيها) القسامة يقبل ~~فيها قول الطالب لترجحه باللوث، و (ثالثها) قبول قول الأمناء في التلف لئلا ~~يزهد في قبول الأمانات فتوقف مصالحها المترتبة على حفظ الأمانات # (ورابعها) يقبل قول الحاكم في التجريح والتعديل وغيرهما من الأحكام لئلا ~~تفوت المصالح المترتبة على الولاية للأحكام. # (وخامسها) قبول قول الغاصب في التلف مع يمينه لضرورة الحاجة لئلا يخلد في ~~الحبس ثم الأمين قد يكون أمينا من جهة مستحق الأمانة أو من قبل الشرع ~~كالوصي والملتقط، ومن ألقت الريح ثوبا في بيته. # (الفرق الثالث والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يحتاج للدعوى وبين قاعدة ~~ما لا يحتاج إليها) # وتلخيص الفرق أن كل أمر مجمع على ثبوته، وتعين الحق فيه، ولا يؤدي أخذه ~~لفتنة، ولا تشاجر # PageV04P076 # ولا فساد عرض أو عضو فيجوز أخذه من غير رفع للحاكم ~~فمن أخذ عين المغصوب أو وجد عين سلعته التي اشتراها أو ورثها، ولا يخاف من ~~أخذها ضررا فله أخذها، وما يحتاج للحاكم خمسة أنواع # (النوع الأول) المختلف فيه هل هو ثابت أم ms725 لا فلا بد من رفع للحاكم حتى ~~يتوجه ثبوته بحكم الحاكم فهذا النوع من حيث الجملة يفتقر إلى الحاكم في بعض ~~مسائله دون بعض كاستحقاق الغرماء لرد عتق المديان وتبرعاته قبل الحجر عليه ~~فإن الشافعي - رضي الله عنه - لا يثبت لهم حقا في ذلك ومالك يثبته فيحتاج ~~لقضاء الحاكم بذلك، وقد لا يفتقر هذا النوع للحاكم كمن وهب له مشاع في عقار ~~أو غيره أو اشترى مبيعا على الصفة أو أسلم في حيوان، ونحو ذلك فإن المستحق ~~المعتقد لصحة هذه الأسباب يتناول هذه الأمور من غير حاكم، وهو كثير، ~~والمفتقر منه للحاكم قليل، وفي الفرق بين ما يفتقر من هذا النوع وما لا ~~يفتقر عسر. # (النوع الثاني) ما يحتاج للاجتهاد والتحرير فإنه يفتقر للحاكم كتقويم ~~الرقيق في إعتاق البعض على المعتق وتقدير النفقات للزوجات والأقارب، ~~والطلاق على المولي بعدم الفيئة فإن فيه تحرير عدم فيئته، والمعسر بالنفقة ~~لأنه مختلف فيه فمنعه الحنفية، ولأنه يفتقر لتحرير إعساره وتقديره، وما ~~مقدار الإعسار الذي يطلق به فإنه مختلف فيه فعند مالك - رحمه الله - لا ~~يطلق بالعجز عن أصل النفقة والكسوة اللتان يفرضان بل بالعجز عن الضروري ~~المقيم للبينة، وإن كنا لا نفرضه ابتداء. # (النوع الثالث) ما يؤدي أخذه للفتنة كالقصاص في النفس والأعضاء يرفع ذلك ~~للأئمة لئلا يقع لسبب تناوله تمانع وقتل وفتنة أعظم من الأولى، وكذلك ~~التعزير، وفيه أيضا الحاجة للاجتهاد في مقداره بخلاف الحدود في القذف ~~والقصاص في الأطراف. # (النوع الرابع) ما يؤدي إلى فساد العرض وسوء العاقبة كمن ظفر بالعين ~~المغصوبة أو المشتراة أو الموروثة لكن يخاف من أخذها أن ينسب إلى السرقة ~~فلا يأخذها بنفسه، ويرفعها للحاكم دفعا لهذه المفسدة. # (النوع الخامس) ما يؤدي إلى خيانة الأمانة إذا أودع عندك من لك عليه حق، ~~وعجزت عن أخذه منه لعدم اعترافه أو عدم البينة عليه فهل لك جحد وديعته إذا ~~كانت قدر حقك من جنسه أو من غير جنسه فمنعه مالك لقوله - عليه السلام - «أد ~~الأمانة إلى من ائتمنك، ولا ms726 تخن من خانك» ، وأجازه الشافعي «لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV04P077 # لهند ابنة عتبة امرأة أبي سفيان لما شكت إليه أنه ~~بخيل لا يعطيها وولدها ما يكفيهما فقال لها - عليه السلام - خذي لك ولولدك ~~ما يكفيك بالمعروف» ، ومنشأ الخلاف هل هذا القول منه - عليه السلام - فتيا ~~فيصح ما قاله الشافعي أو قضاء فيصح ما قاله مالك، ومنهم من فصل بين ظفرك ~~بجنس حقك فلك أخذه أو غير جنسه فليس لك أخذه فهذا تلخيص الفرق بين ~~القاعدتين. # (الفرق الرابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة اليد المعتبرة المرجحة لقول ~~صاحبها، وقاعدة اليد التي لا تعتبر) # اعلم أن اليد إنما تكون مرجحة إذا جهل أصلها أو علم أصلها بحق أما إذا ~~شهدت بينة أو علمنا نحن ذلك أنها بغصب أو عارية أو غير ذلك من الطرق ~~المقتضية وضع اليد من غير ملك فإنها لا تكون مرجحة ألبتة. # (تنبيه) اليد عبارة عن القرب والاتصال، وأعظمها ثياب الإنسان التي عليه ~~ونعله ومنطقته، ويليه البساط الذي هو جالس عليه، والدابة التي هو راكبها، ~~ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها، ويليه الدار التي هو ساكنها فهي ~~دون الدابة لعدم استيلائه على جميعها قال بعض العلماء فتقدم أقوى اليدين ~~على أضعفهما فلو تنازع الساكنان الدار سوى بينهما بعد إيمانهما، ويقدم راكب ~~الدابة مع يمينه على السائق، وهو متجه. # (فرع) قال ابن أبي زيد في النوادر إذا ادعياها في يد ثالث فقال أحدهما: ~~أجرته إياها، وقال الآخر: أودعته إياها صدق من علم سبق كرائه أو إيداعه، ~~ويستصحب الحال له والملك إلا أن تشهد بينة للآخر أنه فعل ذلك بحيازة عن ~~الأول وحضوره، ولم ينكر فيقضى له فإن جهل السبق قسمت بينهما قال أشهب فلو ~~شهدت بينة أحدهما بغصب الثالث منه، وبينة الآخر أن الثالث أقر له بالإيداع ~~قضى لصاحب الغصب لتضمين بينة اليد السابقة. # (فرع) قال في النوادر: لو كانت دار في يد رجلين، وفي يد عبد لأحدهما ~~فادعاها الثلاثة قسمت بينهم أثلاثا إن كان العبد تاجرا، وإلا فنصفين لأن ms727 ~~العبد في يد مولاه. # (الفرق الخامس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما تجب إجابة الحاكم فيه ~~إذا دعاه إليه وبين قاعدة ما لا تجب إجابته فيه) # إن ادعى من مسافة العدوى فما دونها وجبت الإجابة لأنه لا تتم مصالح ~~الأحكام، وإنصاف # PageV04P078 # المظلومين من الظالمين إلا بذلك، ومن أبعد من المسافة ~~لا تجب الإجابة، وإن لم يكن له عليه حق لم تجب الإجابة أو له عليه حق، ولكن ~~لا يتوقف على الحاكم لا تجب الإجابة فإن كان قادرا على أدائه لزمه أداؤه، ~~ولا يذهب إليه، ومتى علم خصمه إعساره حرم عليه طلبه، ودعواه إلى الحاكم، ~~وإن دعاه، وعلم أنه يحكم عليه بجور لم تجب الإجابة، وتحرم في الدماء ~~والفروج والحدود وسائر العقوبات الشرعية، وإن كان الحق موقوفا على الحاكم ~~كأجل العنين يخير الزوج بين الطلاق فلا تجب الإجابة وبين الإجابة، وليس له ~~الامتناع منها، وكذلك القسمة المتوقفة على الحاكم يخير بين تمليك حصته ~~لغريمه وبين الإجابة، وليس له الامتناع منها، وكذلك الفسوخ الموقوفة على ~~الحاكم، وإن دعاه إلى حق مختلف في ثبوته، وخصمه يعتقد ثبوته وجبت عليه ~~لأنها دعوى حق أو يعتقد عدم ثبوته لا تجب لأنه مبطل، وإن دعاه الحاكم وجب ~~لأن المحل قابل للحكم والتصرف والاجتهاد، ومتى طولب بحق وجب عليه على الفور ~~كرد المغصوب، ولا يحل له أن يقول لا أدفعه إلا بالحكم لأن المطل ظلم ووقوف ~~الناس عند الحاكم صعب، وأما النفقات فيجب الحضور فيها عند الحاكم لتقديرها ~~إن كانت للأقارب، وإن كانت للزوجة أو للرقيق يخير بين إبانة الزوجة وعتق ~~الرقيق وبين الإجابة. # (الفرق السادس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما ~~لا يشرع) # المشروع من الحبس ثمانية أقسام الأول يحبس الجاني لغيبة المجني عليه حفظا ~~لمحل القصاص الثاني حبس الآبق سنة حفظا للمالية رجاء أن يعرف ربه الثالث ~~يحبس الممتنع عن دفع الحق إلجاء إليه الرابع يحبس من أشكل أمره في العسر، ~~واليسر اختبارا لحاله فإذا ظهر حاله حكم بموجبه عسرا أو يسرا ms728 الخامس الحبس ~~للجاني تعزيرا وردعا عن معاصي الله تعالى السادس # PageV04P079 # يحبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله ~~النيابة كحبس من أسلم على أختين أو عشر نسوة أو امرأة وابنتها، وامتنع من ~~التعيين السابع من أقر بمجهول عين أو في الذمة، وامتنع من تعيينه فيحبس حتى ~~يعينهما فيقول العين هو هذا الثوب أو هذه الدابة، ونحوهما أو الشيء الذي ~~أقررت به هو دينار في ذمتي الثامن يحبس الممتنع في حق الله تعالى الذي لا ~~تدخله النيابة عند الشافعية كالصوم، وعندنا يقتل كالصلاة، وما عدا هذه ~~الثمانية لا يجوز الحبس فيه، ولا يجوز الحبس في الحق إذا تملك الحاكم من ~~استيفائه فإن امتنع من دفع الدين، ونحن نعرف ماله أخذنا منه مقدار الدين، ~~ولا يجوز لنا حبسه، وكذلك إذا ظفرنا بماله أو داره أو شيء يباع له في الدين ~~كان رهنا أم لا فعلنا ذلك، ولا نحبسه لأن في حبسه استمرار ظلمه، ودوام ~~المنكر في الظلم، وضرره هو مع إمكان أن لا يبقى شيء من ذلك كله، وكذلك إذا ~~رأى الحاكم على الخصم في الحبس من الثياب والقماش ما يمكن استيفاؤه عنه ~~أخذه من عليه قهرا، وباعه فيما عليه، ولا يحبسه تعجيلا لدفع الظلم، وإيصال ~~الحق لمستحقه بحسب الإمكان. # (سؤال) كيف يخلد في الحبس من امتنع من دفع درهم يقدر على دفعه، وعجزنا عن ~~أخذه منه لأنها عقوبة عظيمة في جناية حقيرة، وقواعد الشرع تقتضي تقدير ~~العقوبات بقدر الجنايات # (جوابه) أنها عقوبة صغيرة بإزاء جناية صغيرة، ولم تخالف القواعد لأنه في ~~كل ساعة يمتنع من أداء الحق فتقابل كل ساعة من ساعات الامتناع بساعة من ~~ساعات الحبس فهي جنايات، وعقوبات متكررة متقابلة فاندفع السؤال، ولم تخالف ~~القواعد. # الفرق السابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة من يشرع إلزامه بالحلف ~~وقاعدة من لا يلزمه الحلف) # فالذي يلزمه الحلف كل من توجهت عليه دعوى صحيحة مشبهة فقولنا صحيحة ~~احتراز من المجهولة أو غير المحررة، وما فات فيه شرط من الشروط المتقدمة في ~~هذه القاعدة، ms729 وقولنا مشبهة احتراز من التي يكذبها العرف، وقد تقدم أن ~~الدعوى على ثلاثة أقسام ما يكذبها العرف، وما يشهد بها، وما لم يتعرض ~~لتكذبيها وتصديقها؛ فما شهد لها كدعوى سلعة معينة بيد # PageV04P080 # رجل أو دعوى غريب وديعة عند جاره أو مسافر أنه أودع ~~أحد رفقائه. # وكالدعوى على الصانع المنتصب أنه دفع إليه متاعا ليصنعه أو على أهل السوق ~~المنتصبين للبيع أنه اشترى من أحدهم أو يوصي في مرض موته أن له دينا عند ~~رجل فيشرع التحليف هاهنا بغير شرط، وتتفق الأئمة فيها، والتي شهد بأنها غير ~~مشبهة فهي كدعوى دين ليس على من تقدم فلا يستخلف إلا بإثبات خلطته له قال ~~ابن القاسم، وهي أن يسالفه أو يبايعه مرارا، وإن تقابضا في ذلك الثمن أو ~~السلعة، وتفاضلا قبل التفرق. # وقال سحنون لا بد من البيع، والشراء بين المتداعيين، وقال الأبهري هي أن ~~تكون الدعوى تشبه أن يدعي مثلها على المدعى عليه، وإلا فلا يحلف إلا أن ~~يأتي المدعي بلطخ، وقال القاضي أبو الحسن بن القصار لا بد أن يكون المدعى ~~عليه يشبه أن يعامل المدعي فهذه أربعة أقوال في تفسير الخلطة التي هي شرط ~~في هذا القسم. # وقال الشافعي وأبو حنيفة يحلف على كل تقدير لنا ما رواه سحنون أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ~~إذا كانت بينهما خلطة» وزيادة العدل مقبولة، وقال علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - لا يدعي الحاكم على الخصم إلا أن يعلم أن بينهما معاملة، ولم ~~يرو له مخالف من الصحابة فكان إجماعا، ولأن عمل المدينة كذلك، ولأنه لولا ~~ذلك لتجرأ السفهاء على ذوي الأقدار بتبذيلهم عند الحاكم بالتحليف، وذلك شاق ~~على ذوي الهيئات، وربما التزموا ما لا يلزمهم من الجمل العظيمة من المال ~~فرارا من الحلف كما فعله عثمان - رضي الله عنه -. # وقد يصادفه عقب الحلف مصيبة فيقال هي بسبب الحلف فيتعين حسم الباب إلا ~~عند قيام مرجح لأن صيانة الأعراض واجبة، والقواعد ms730 تقتضي درء مثل هذه ~~المفسدة احتجوا بالحديث السابق بدون زيادة، وهو عام في كل مدعى عليه فيسقط ~~اعتبار ما ذكرتموه من الشرط، ولقوله - عليه السلام - «شاهداك أو يمينه» ، ~~ولم يذكر مخالطة، ولأن الحقوق قد تثبت بدون الخلطة فاشتراطها يؤدي إلى ضياع ~~الحقوق، وتختل حكمه الحكام، والجواب عن الأول أن مقصود الحديث بيان من عليه ~~البينة، ومن عليه اليمين لا بيان حال من تتوجه عليه، والقاعدة أن اللفظ إذا ~~ورد لمعنى لا يحتج به في غيره لأن المتكلم معرض عن ذلك الغير، ولهذه ~~القاعدة وقع الرد على أبي حنيفة في استدلاله على وجوب الزكاة في الخضراوات ~~بقوله - عليه السلام - # PageV04P081 # «فيما سقت السماء العشر» أن مقصود الحديث بيان الجزء ~~الواجب في الزكاة لا بيان ما تجب فيه الزكاة. # وعن الأول أيضا جواب آخر، وهو أن العام في الأشخاص غير عام في الأحوال ~~والأزمنة والبقاع والمتعلقات كما تقرر في علم الأصول فيكون الحديث مطلقا في ~~أحوال الحالفين فيحمل على الحالة المحتملة المتقدمة، وهي الحالة التي فيها ~~الخلطة لأنها المجمع عليها فلا يحتج به في غيرها، وإلا لكان عاما في ~~الأحوال. # وليس كذلك، والجواب عن الثاني أن مقصوده بيان الحصر، وبيان ما يختص به ~~منهما لا بيان شرط ذلك ألا ترى أنه أعرض عن شرط البينة من العدالة وغيرها، ~~أو نقول ليس هو عاما في الأشخاص لأن المخالطة للشخص الواحد لا تعم فيحمل ~~على الحالة التي ذكرناها، والحديث الذي رويناه، وعن الثالث أنه معارض بما ~~ذكرناه من تسلط الفسقة السفلة على الأتقياء الأخيار بالتحليف عند القضاة، ~~وأنه يفتح باب دعوى أحد العامة على الخليفة أو القاضي أنه استأجره أو أعيان ~~العلماء أنه قاوله، وعاقده على كنس مرحاضه أو خياطة قلنسوته، ونحو ذلك مما ~~يقطع بكذبه فيه فطريق الجميع بين النصوص والقواعد ما ذكرناه من اشتراط ~~الخلطة فهذا هو المنهج القويم، وهاهنا ثلاث مسائل: # (المسألة الأولى) أن الخلطة حيث اشترطت قال في الجواهر فثبت بإقرار الخصم ~~والشاهدين والشاهد واليمين لأنها أسباب الأموال فتلحق بها في ms731 الحجاج، وقال ~~ابن لبابة تثبت بشهادة رجل واحد، وامرأة، وجعله من باب الخبر، وروي عن ابن ~~القاسم # (المسألة الثانية) إذا دفع الدعوى بعداوة، والمشهور أنه لا يحلف لأن ~~العداوة مقتضاها الإضرار بالتحليف والبذلة عند الحاكم، وقيل يحلف لظاهر ~~الخبر # (المسألة الثالثة) قال أبو عمر أن خمس مواطن لا تشترط فيها الخلطة ~~الصانع، والمتهم بالسرقة، والقائل عند موته لي عند فلان دين، والمتضيف عند ~~الرجل فيدعي عليه والعارية، الوديعة. # (الفرق الثامن والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما هو حجة عند الحكام ~~وقاعدة ما ليس بحجة عندهم) # قد تقدم الفرق بين الأدلة، والأسباب والحجاج، وأن الأدلة شأن المجتهدين، ~~والحجاج شأن القضاة والمتحاكمين والأسباب تعتمد المكلفين، والمقصود هاهنا ~~إنما هو الحجاج فنقول، وبالله نستعين # PageV04P082 # الحجاج التي يقضي بها الحاكم سبع عشرة حجة الشاهدان، ~~الشاهدان واليمين، والأربعة في الزنا، والشاهد واليمين والمرأتان، واليمين ~~والشاهد والنكول، والمرأتان والنكول، واليمين والنكول، وأربعة أيمان في ~~اللعان، وخمسون يمينا في القسامة، والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة ~~بالنساء، واليمين وحدها بأن يتحالفا، ويقسم بينهما فيقضي لكل واحد منهما ~~بيمينه والإقرار، وشهادة الصبيان، والقافة، وقمط الحيطان، وشواهدها، واليد ~~فهذه هي الحجاج التي يقضي بها الحاكم، وما عداه لا يقضي به عندنا، وفيها ~~شبهات، واختلاف بين العلماء أنبه عليه فأذكر ما اختلف فيه حجة حجة ~~بانفرادها، وأورد الكلام فيها إن شاء الله تعالى الحجة # (الأولى الشاهدان) والعدالة فيهما شرط عندنا، وعند الشافعي وأحمد بن ~~حنبل، وقال أبو حنيفة العدالة حق للخصم فإن طلبها فحص الحاكم عنها، وإلا ~~فلا، وعندنا هي حق الله تعالى يجب على الحاكم أن لا يحكم حتى يحققها، وقال ~~متأخرو الحنفية إنما كان قول المجهول مقبولا في أول الإسلام حيث كان الغالب ~~العدالة فألحق النادر بالغالب فجعل الكل عدولا. # وأما اليوم فالغالب الفسوق فيلحق النادر بالغالب حتى تثبت العدالة، ~~والمنقول عن أبي حنيفة هو الأول، واستثنى الحدود فلا يكتفي فيها بمجرد ~~الإسلام بل لا بد من العدالة لأن الحدود حق لله تعالى، وهو ثابت فتطلب ~~العدالة، وإذا كان المحكوم ms732 به حقا لآدمي يجرحها وجب البحث عنهما لنا إجماع ~~الصحابة فإن رجلين شهدا عند عمر فقال لا أعرفكما، ولا يضركما أن لا أعرفكما ~~فجاء رجل فقال أتعرفهما قال نعم قال له أكنت معهما في سفر يتبين عن جواهر ~~الناس قال لا قال فأنت جارهما تعرف صباحهما، ومساءهما قال لا قال أعاملتهما ~~بالدراهم والدنانير التي تقطع بينهما الأرحام قال لا فقال ابن أخي ما ~~تعرفهما ائتياني بمن يعرفكما، وهذا بحضرة الصحابة لأنه لم يكن يحكم إلا ~~بحضرتهم، ولم يخالفه أحد فكان إجماعا، والظاهر أنه ما سأل عن تلك الأسباب ~~من السفر وغيره إلا وقد عرف إسلامها لأنه لم يقل أتعرفهما مسلمين، وليس ذلك ~~استحبابا لأن تعجيل الحكم واجب على الفور عند وجود الحجة لأن أحد الخصمين ~~على منكر غالبا، وإزالة المنكر واجب على الفور، والواجب لا يؤخر إلا لواجب، ~~ولقوله تعالى {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] مفهومه أن غير العدل لا ~~يستشهد، وقوله {منكم} [الطلاق: 2] إشارة إلى المسلمين فلو كان الإسلام ~~كافيا لم يبق في لتقييد فائدة. # والعدل مأخوذ # PageV04P083 # من الاعتدال في الأقوال والأفعال والاعتقاد فهو وصف ~~زائد على الإسلام، وغير معلوم بمجرد الإسلام وقوله تعالى {ممن ترضون من ~~الشهداء} [البقرة: 282] ، ورضاء الحاكم بهم فرع معرفتهم وبالقياس على ~~الحدود وبالقياس على طلب الخصم العدالة فإن فرقوا بأن العدالة حق للخصم ~~فإذا طلبها تعينت، وأن الحدود حق لله تعالى، وهو ثابت عن الله منعنا أن ~~العدالة حق لآدمي بل حق لله تعالى في الجميع فيتجه القياس، ويندفع الفرق ~~بالمنع احتجوا بقوله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ولم ~~يشترط العدالة، وبقول عمر - رضي الله عنه - المسلمون عدول بعضهم على بعض ~~إلا محدودا في حد «وقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة الأعرابي بعد ~~أن قال له أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» فلم يعتبر غير ~~الإسلام، ولأنه لو أسلم كافر بحضرتنا جاز قبول قوله مع أنه لم يتحقق منه ~~إلا الإسلام، ولأن البحث لا يؤدي إلى تحقق العدالة، وإذا ms733 كان المقصود ~~الظاهر فالإسلام كاف في ذلك لأنه أتم وازع، ولأن صرف الصدقة يجوز بناء على ~~ظاهر الحال من غير بحث، وعمومات النصوص والأوامر تحمل على ظاهرها من غير ~~بحث فكذلك هاهنا يتوضأ بالمياه، ويصلي بالثياب بناء على الظواهر من غير بحث ~~فكذلك هاهنا قياسا عليها، والجواب عن الأول أنه مطلق فيحمل على المقيد، وهو ~~قوله ذوي عدل منكم فقيد بالعدالة، وإلا لضاعت الفائدة في هذا القيد، وقيد ~~أيضا برضاء الحاكم. # وهو مشروط بالبحث، ولأن الإسلام لا يكفي فيه ظاهر الدار فكذلك لا يكفي ~~الإسلام في العدالة، وعن الثاني أنه يدل على اعتبار وصف العدالة بقوله عدول ~~فلو لم يكن معتبر السكت عنه، وهو معارض بقوله في آخر الأمر لا يؤمر مسلم ~~بغير العدول، والمتأخر ناسخ للمتقدم، ولأن ذلك كان في صدر الإسلام حيث ~~العدالة غالبة بخلاف غيره (وعن الثالث) أن السؤال عن الإسلام لا يدل على ~~عدم سؤاله عن غيره فلعله سأل أو كان غير هذا الوصف معلوما عنده (وعن ~~الرابع) أنا لا نقبل شهادته حتى نعلم سجاياه، وعدم جرأته على الكذب، وإن ~~قبلناه فذلك لأجل تيقننا عدم ملابسته ما ينافي العدالة بعد إسلامه # (وعن الخامس) أنه باطل بالإسلام فإن البحث عنه لا يؤدي إلى يقين، ويحكم ~~الحاكم في القضية التي لا نص فيها، ولا إجماع فإن بحثه لا يؤدي إلى يقين. # وأما الفقر فلا بد من البحث عنه، ولأن الأصل هو الفقر بخلاف العدالة بل ~~وزانه هاهنا أن # PageV04P084 # تعلم عدالته في الأصل فإنا لا نبحث عن مزيلها، وكذلك ~~أصل الماء الطهارة فلا يخرج عن ذلك إلا بتغير لونه أو طعمه أو ريحه، وذلك ~~معلوم بالقطع فلا حاجة إلى البحث، ولأن الأصل الطهارة بخلاف العدالة، وأما ~~العمومات والأوامر فإنا لا نكتفي بظاهرها بل لا بد من البحث عن الصارف ~~المخصص، وغيره، ولأن الأصل بقاؤها على ظاهرها. # (مسألة) لا تقبل عندنا شهادة الكافر على المسلم أو الكافر على أهل ملته، ~~ولا غيرها، ولا في وصية ميت مات في السفر، وإن ms734 لم يحضره مسلمون، وتمنع ~~شهادة نسائهم في الاستهلال والولادة، ووافقنا الشافعي. # وقال ابن حنبل تجوز شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن ~~غيرهم، وهم ذمة، ويحلفان بعد العصر ما خانا، ولا كتما، ولا اشتريا به ثمنا، ~~ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين، واختلف العلماء ~~في هذه الآية فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء، ومنهم من قال المراد ~~بقوله تعالى {من غيركم} [المائدة: 106] أي من غير عشيرتكم، وقيل الشهادة في ~~الآية هي اليمين، ولا تقبل في غير هذا عند أحمد بن حنبل. # وقال أبو حنيفة يقبل اليهودي على النصراني، والنصراني على اليهودي مطلقا ~~لأن الكفر ملة واحدة، وعن قتادة وغيره يقبل على ملته دون غيرها لنا قوله ~~تعالى {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 64] ~~وقال - عليه السلام - «لا تقبل شهادة عدو على عدوه» ، وقياسا على الفاسق ~~بطريق الأولى، ولأن الله تعالى أمر بالتوقف في خبر الفاسق، وهذا أولى إذ ~~الشهادة آكد من الخبر وقوله تعالى {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] . # وفي الحديث قال - عليه السلام - «لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينه ~~إلا المسلمون فإنهم عدول عليهم وعلى غيرهم» ، ولأن من لا تقبل شهادته على ~~المسلم لا تقبل على غيره كالعبد وغيره احتجوا بقوله تعالى {شهادة بينكم إذا ~~حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} ~~[المائدة: 106] معناه من غير المسلمين من أهل الكتاب، وروي ذلك عن أبي موسى ~~الأشعري، وغيره، وإذا جازت على المسلم جازت على الكافر بطريق الأولى، وفي ~~الصحيح «أن اليهود جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعهم ~~يهوديان فذكرت له - عليه السلام - أنهما زنيا فرجمهما - عليه السلام -» ، ~~وظاهره أن رجمهما بشهادتهم، وروى الشعبي أنه - عليه السلام - قال «إن شهد ~~منكم أربعة رجمتهما» ، ولأن الكافر من أهل الولاية لأنه يزوج # PageV04P085 # أولاده، ولأنهم يتدينون في الحقوق قال تعالى {ومن أهل ~~الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} [آل ms735 عمران: 75] والجواب عن الأول أن ~~الحسن قال من غير عشيرتكم، وعن قتادة قال من غير حلفكم. فما تعين ما ~~قلتموه، ومعنى الشهادة التحمل، ونحن نجيزه أو اليمين لقوله تعالى {فيقسمان ~~بالله} [المائدة: 106] كما قال في اللعان أو لأن الله تعالى خير بين ~~المسلمين وغيرهم، ولم يقل به أحد فدل على نسخه، وعن الثاني أنهم لا يقولون ~~به لأن الإحصان من شرطه الإسلام مع أنه نقل أنهما اعترفا بالزنا فلم ~~يرجمهما بالشهادة مع أن الصحيح أنه إنما رجمهما بالوحي لأن التوراة لا يجوز ~~الاعتماد عليها لما فيها من التحريف، وشهادة الكفار غير مقبولة، وقال ابن ~~عمر كان حد المسلمين يومئذ الجلد فلم يبق إلا الوحي الذي يخصهما، وعن ~~الثالث أن الفسق. # وإن نافى الشهادة عندنا فإنه لا ينافي الولاية لأن وازعها طبيعي بخلاف ~~الشهادة وازعها ديني فافترقا لأن تزويج الكفار عندنا فاسد، والإسلام يصححه، ~~وعن الرابع أنه معارض بقوله تعالى في آخر الآية {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا ~~في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] فأخبر تعالى أنهم يستحلون ما لنا، وجميع ~~أدلتكم معارضة بقوله تعالى {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات} [الجاثية: 21] فنفى تعالى التسوية فلا تقبل ~~شهادتهم، وإلا لحصلت التسوية، وكقوله تعالى {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة} [الحشر: 20] قال الأصحاب، وناسخ الآية قوله تعالى {وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم} [الطلاق: 2] # (فرع مرتب) قال ابن أبي زيد في النوادر لو رضي الخصم بالحكم بالكافر أو ~~المسخوط لم يحكم له به لأنه حق الله تعالى. # (الحجة الثانية) الشاهدان واليمين ما علمت عندنا، ولا عند غيرنا خلافا في ~~قبول شهادة شاهدين مسلمين عدلين في الدماء والديون. # وقال مالك إن شهدا له بعين في يد أحد لا يستحقها حتى يحلف ما باع، ولا ~~وهب، ولا خرجت عن يده بطريق من الطرق المزيلة للملك، وهو الذي عليه الفتوى، ~~والقضاء، وعلله الأصحاب بأنه يجوز أن يكون باعها لهذا المدعى عليه أو لمن ~~اشتراها هذا المدعى عليه منه، ومع قيام الاحتمال لا بد ms736 من اليمين، وهذا ~~مشكل بالديون فإنه يجوز أن يكون أبرأه من الدين أو دفعه له أو عاوضه عليه. # ومع ذلك فلا اعتبار بهذه الاحتمالات فكذلك هاهنا لا سيما، وجل الشهادات ~~في الدماء، وغيرها الاستصحاب، وإذا قبلناهما في القتل، ويقتل بهما مع جواز ~~العفو فلأن # PageV04P086 # يقضي بهما في الأموال بطريق الأولى، وبالجملة فاشتراط ~~اليمين مع الشاهدين ضعيف، ولقوله - عليه السلام - «شاهداك أو يمينه» ، ~~ولقوله تعالى {شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ، وظاهر هذه النصوص أنهما ~~حجة تامة، وما علمت أنه ورد حديث صحيح في اشتراط اليمين وإثبات المشروط ~~بمجرد المناسبات والاحتمالات صعب فلو قال قائل لا نقبل في الدماء من في ~~طبعه خور أو خوف من القتل مع تبريزه في العدالة لأن ذلك يبعثه على حسم مادة ~~القتل، ولا يقبل في الدماء وأحكام الأبدان الشبان من العدول بل الشيوخ لعظم ~~الخطر في أحكام الأبدان، ونحو ذلك من المسببات والمناسبات كان هذا مروقا من ~~القواعد، ومنكرا من القول لا سيما، والقياس على الدين يمنع من ذلك، والفرق ~~في غاية العسر، وإثبات شرط بغير حجة خلاف الإجماع، وإن ثبت الفرق فمذهب ~~الشافعي، وغيره عدم هذا الشرط، وهو الصحيح. # (الحجة الثالثة) الأربعة في الزنا لقوله تعالى {والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ~~وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] # (تنبيه) في نظائر أبي عمران يشترط اجتماع الشهود عند الأداء في الزنا ~~والسرقة، ولا يشترط في غيرهما، وصعب على دليل يدل على ذلك، وقد تقدم أن ~~المناسبات بمجردها لا تكفي في اشتراط الشروط بل لا بد من قياس صحيح أو نص ~~صريح، وأما قولنا ذلك أبلغ في طلب الستر على الزناة وحفظ الأعضاء عن الضياع ~~فهذا لا يكفي في هذا الشرط فيمكن أيضا على هذا السياق أن نشترط التبريز في ~~العدالة لو يكون الشاهد من أهل العلم والولاية وغير ذلك المناسبات، وهي على ~~خلاف الاجتماع فلم يبق إلا اتباع موارد النصوص والأدلة الصحيحة وغير ذلك ~~صعب جدا. # (الحجة الرابعة) الشاهد ms737 واليمين قال به مالك والشافعي وابن حنبل، وقال ~~أبو حنيفة ليس بحجة، وبالغ في نقض الحكم أن حكم به قائلا هو بدعة، وأول من ~~قضى به معاوية، وليس كما قال بل أكثر العلماء قال به، والفقهاء السبعة، ~~وغيرهم لنا وجوه # (الأول) ما في الموطإ «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين ~~مع الشاهد» ، وروي في المسانيد بألفاظ متقاربة، وقال عمرو بن دينار رواية ~~عن ابن عباس ذلك في الأموال # (الثاني) إجماع الصحابة على ذلك، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي بن ~~كعب، وعدد كثير من غير مخالف روى ذلك النسائي، وغيره # (الثالث) ولأن اليمين تشرع في حق من ظهر # PageV04P087 # صدقه وقوي جانبه، وقد ظهر لك في حقه بشاهده # (الرابع) أنه أحد المتداعيين فتشرع اليمين في حقه إذا رجح جانبه كالمدعى ~~عليه # (الخامس) قياسا للشاهد على اليد # (السادس) ولأن اليمين أقوى من المرأتين لدخولها في اللعان دون المرأتين، ~~وقد حكم بالمرأتين مع الشاهد فيحكم باليمين # (السابع) ولقوله - عليه السلام - «البينة على من ادعى، واليمين على من ~~أنكر» ، وهي مشتقة من البيان والشاهد واليمين يبين الحق # (الثامن) قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} ~~[الحجرات: 6] وهذا ليس بفاسق فوجب أن يقبل قوله مع اليمين لأنه لا قائل ~~بالفرق احتجوا بوجوه: # (الأول) قوله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان} [البقرة: 282] فحصر المشروع عند عدم الشاهدين في الرجل والمرأتين ~~والشاهد واليمين زيادة في النص، والزيادة نسخ، وهو لا يقبل في الكتاب بخبر ~~الواحد # (الثاني) «قوله - عليه السلام - لحضرمي ادعى على كندي شاهداك أو يمينه» ، ~~ولم يقل شاهدك، ويمينك # (الثالث) قوله - عليه السلام - «البينة على من ادعى، واليمين على من ~~أنكر» فحصر البينة في جهة المدعى، واليمين في جهة المنكر لأن المبتدأ محصور ~~في خبره، واللام للعموم فلم تبق يمين في جهة المدعي # (الرابع) أنه لما تعذر نقل البينة للمنكر تعذر نقل اليمين للمدعي # (الخامس) القياس على أحكام الأبدان # (السادس) أن اليمين ms738 لو كان كالشاهد لجاز تقديمه على الشاهد كأحد الشاهدين ~~مع الآخر، ولجاز إثبات الدعوى بيمين، والجواب عن الأول أنا لا نسلم أنه ~~زيادة سلمناه لكن تمنع أنه نسخ لأن النسخ الرفع، ولم يرتفع شيء، وارتفاع ~~الحصر يرجع إلى أن غير المذكور غير مشروع، وكونه غير مشروع يرجع إلى ~~البراءة الأصيلة، والبراءة الأصيلة ترجع بخبر الواحد اتفاقا لأن الآية ~~واردة في التحمل دون الأداء لقوله تعالى {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه} [البقرة: 282] ، والشرط للاستقبال فهو للتحمل، ولقوله تعالى {أن ~~تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] ، واليمين مع الشاهد لا ~~تدخل في التحمل فالحصر في التحمل باق، ولا نسخ على التقديرين، ولأن اليمين ~~تشرع في حق من ادعى رد الوديعة، وجميع الأمناء والقسامة، واختلاف ~~المتبايعين، وينتقض ما ذكرتموه بالنكول، وهو زيادة في حكم الآية، وعن ~~الثاني أن الحصر ليس مرادا بدليل الشاهد والمرأتين، ولأنه قضاء يخص باثنين ~~لخصوص حالهما فيعم ذلك النوع، ونحن نقول كل من # PageV04P088 # وجد في حقه تلك الصفة لا يقبل منه إلا شاهدان، وعليكم ~~أن تبينوا تلك الحالة مما قلنا نحن فيها بالشاهد واليمين، وعن الثالث أن ~~اليمين التي على المنكر لا تتعداه لأن اليمين التي عليه هي اليمين الدافعة ~~واليمين مع الشاهد هي الجالبة فهي غيرها فلم يبطل الحصر، وهو الجواب عن ~~قولكم لما لم تتحول البينة لم تتحول اليمين فإنا لم نحول تلك اليمين بل ~~أثبتنا يمينا أخرى بالسنة مع أن التحويل واقع غير منكر لأنه لو ادعى عليه ~~فأنكر لم يكن للمنكر إقامة البينة، ولو ادعى القضاء كان له إقامة البينة مع ~~أنها بينة ثابتة في الحالين، وعن الرابع بأن أحكام الأبدان أعظم، ولذلك لا ~~يقبل فيها النساء، وعن الخامس الفرق بأن الشاهدين معناهما مستويان فلا مزية ~~لأحدهما على الآخر في التقديم، وأما اليمين فإنما تدخل لتقوية جهة الشاهد ~~فقبله لا قوة فلا تدخل، ولا تشرع، والشاهدان شرعا لأنهما حجة مستقلة مع ~~الضعف # (تنبيه) وافقنا أبو حنيفة في أحكام الأبدان، وخالفنا الشافعي فيحلف ~~المدعى ms739 عليه قبل قيام شاهد فإن نكل حلف المدعي لنا وجوه # (الأول) قوله - عليه السلام - «لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل» فأخبر - ~~عليه السلام - أنه لا يثبت إلا بهما فمن قال باليمين مع النكول فعليه ~~الدليل # (الثاني) قوله تعالى {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وإنما أمر بهذه ~~الشهادة لأنها سبب الثبوت فينحصر الثبوت فيها، وإلا لزم البيان في تأسيس ~~القواعد، وهو خلاف الأصل، وعملا بالمفهوم # (الثالث) أن الشاهد، والمرأتين أقوى من اليمين والنكول لأنها حجة من جهة ~~المدعي، ولم يثبت فيها فلا يثبت بالآخر # (الرابع) ما ذكروه يؤدي إلى استباحة الفروج بالباطل لأنه إذا أحبها ادعى ~~عليها فتنكر فيحلفها فتنكل فيحلف، ويستحقها بتواطؤ منهما # (الخامس) أن المرأة قد تكره زوجها فتدعي عليه في كل يوم فتحلفه، وكذلك ~~الأمة تدعي العتق، وهذا ضرر عظيم احتجوا بوجوه # (أحدها) قضية عبد الرحمن بن سهل، وهي في الصحاح، وقال فيها - عليه السلام ~~- تحلف لكم يهود خمسين يمينا # (الثاني) أن كل حق توجهت اليمين فيه على المدعى عليه فإذا نكل ردت على ~~المدعي قياسا على المال # (الثالث) القياس على اللعان فإن المرأة تحد بيمين الزوج، ونكولها من ~~اليمين # (الرابع) قوله - عليه السلام - «البينة على من ادعى، واليمين على من ~~أنكر» ، وهو عام يتناول صورة النزاع # (الخامس) «أنه - عليه السلام - قال لركانة لما طلق امرأته ألبتة ما أردت ~~بالبتة قال واحدة فقال # PageV04P089 # له - عليه السلام - والله ما أردت إلا واحدة فقال ~~والله ما أردت إلا واحدة» فحلفه بعد دعوى امرأته الثلاث، والجواب عن الأول ~~أن الأيمان تثبت بعد اللوث، وهو وجوده مطروحا بينهم، وهم أعداؤه، وغلظت ~~خمسين يمينا بخلاف صورة النزاع في المقيس، ولأن القتل نادر، وفي الخلوات ~~حيث يتعذر الإشهاد فغلظ أمره لحرمة الدماء، وعن الثاني أن المدعى عليه ~~هاهنا لا يحلف بمجرد الدعوى فانحسمت المادة، وعن الثالث أن اللعان مستثنى ~~للضرورة، ولا ضرورة هاهنا فجعلت الأيمان مقام الشهادة لتعذرها، وضرورة ~~الأزواج لنفي العار وحفظ النسب، وعن الرابع أنه مخصوص بما ذكرناه من ~~الضرورات، وخطر الباب، ms740 وعن الخامس، وإن صح الفرق أن أصل الطلاق يثبت بلفظ ~~صالح بل ظاهر للثلاث، ودعوى المرأة أصل الطلاق ليس فيه ظهور بل مرجوح ~~باستصحاب العصمة # (تنبيه) قال العبدي يثبت بالشاهد واليمين في مذهب مالك أربعة الأموال ~~والكفالة والقصاص في جراح العمد والخلطة التي هي شرط في التحليف في بعض ~~الأموال، والذي لا يثبت بالشاهد واليمين ثلاثة عشر النكاح والطلاق والعتاق ~~والولاء والأحباس، والوصايا لغير المعين، وهلال رمضان وذي الحجة، والموت ~~والقذف والإيصاء، وترشيد السفيه، ونقل الشهادة، والمختلف فيها هل نثبت بهما ~~أم لا خمسة الوكالة، ونكاح امرأة قد ماتت والتجريح والتعديل # (تنبيه) قبول مالك - رحمه الله - الشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد ~~اعتمادا على أنها يصالح عليها بالمال في بعض الأحوال مشكل جدا فإنه إلغاء ~~للأصل، واعتبار للطوارئ البعيدة، وذلك لازم له في النفس أيضا، وهو خلاف ~~الإجماع، ويشكل عليه أيضا بأنه لم يقل بهما في الأحباس مع أنها منافع، ولا ~~في الولاء، ومآله إلى الإرث، وهو مال والوصايا، وهي مال، وترشيد السفيه ~~يئول لصحة البيع وغيره، وهو مال، والمال في هذه الصور أقرب من المال في ~~جراح العمد لا سيما وهو يبيح القصاص بذلك، ومتى يقع الصلح فيها فهي مشكلة، ~~وعدم قبوله هذه الحجة في الأحباس، وما ذكر معها مشكل مع أن قاعدة المذهب أن ~~الوكالة إذا كانت تئول إلى مال تثبت بالشاهد واليمين وكذلك كل ما مآله إلى ~~المال عكسه لا يثبت بالشاهد واليمين فتأمل ذلك إلا أن يريد في الحبس على ~~غير المعين فإنه # PageV04P090 # يتعذر الحلف من غير المعين كالوصية لغير المعين، وهو ~~الذي تقتضيه قواعد المذهب. # (الحجة الخامسة) المرأتان واليمين هي حجة في الأموال يحلف مع المرأتين ~~ويستحق، وقاله أبو حنيفة، ومنعه الشافعي وابن حنبل، ووافقنا في الشاهد، ~~واليمين لنا وجوه # (الأول) أن الله تعالى أقام المرأتين مقام الرجل فيقضي بهما مع اليمين ~~كالرجل، ولما علل - عليه السلام - نقصان عقلهن قال عدلت شهادة امرأتين ~~بشهادة رجل، ولم يخص موضعا دون موضع. # (الثاني) أنه يحلف مع ms741 نكول المدعى عليه فمع المرأتين أقوى الثالث أن ~~المرأتين أقوى من اليمين لأنه لا يتوجه عليه يمين معهما، ويتوجه مع الرجل، ~~وإذا لم يعرج على اليمين إلا عند عدمهما كانتا أقوى فيكونان كالرجل فيحلف ~~معهما احتجوا بوجوه # (الأول) أن الله تعالى إنما شرع شهادتهن مع الرجل فإذا عدم الرجل العيب # (الثاني) أن البينة في المال إذا خلت عن رجل لم تقبل كما لو أشهد أربع ~~نسوة فلو أن امرأتين كالرجل لتم الحكم بأربع، ويقبلن في غير المال كما يقبل ~~الرجل، ويقبل في غير المال رجل، وامرأتان. # (الثالث) أن شهادة النساء ضعيفة فتقوى بالرجل، واليمين ضعيفة فيضم ضعيف ~~إلى ضعيف، والجواب عن الأول أن النص دل على أنهما يقومان مقام الرجل، ولم ~~يتعرض لكونهما لا يقومان مقامه مع اليمين فهو مسكوت عنه، وقد دل عليه ~~الاعتبار المتقدم كما دل الاعتبار على اعتبار القمط في البنيان والجذوع ~~وغيرها، وعن الثاني أنا قد بينا أن المرأتين أقوى من اليمين، وإنما لم ~~يستقل النسوة في أحكام الأبدان لأنها لا يدخلها الشاهد واليمين، ولأن تخصيص ~~الرجال بموضع لا يدل على قوتهم لأن النساء قد خصصن بعيوب الفرج وغيرها، ولم ~~يدل ذلك على رجحانهن على الرجال، وهو الجواب عن الثالث. # (الحجة السادسة) الشاهد والنكول حجة عندنا خلافا للشافعي لنا وجوه: ~~(الأول) أن النكول سبب مؤثر في الحكم فيحكم به مع الشاهد كاليمين من ~~المدعي، وتأثيره أن يكون المدعى عليه ينقل اليمين للمدعي. (الثاني) أن ~~الشاهد أقوى من يمين المدعي بدليل أنه يرجع لليمين عند عدم الشاهد. ~~(الثالث) أن الشاهد يدخل في الحقوق كلها بخلاف اليمين احتجوا بوجوه: ~~(الأول) بأن السنة إنما وردت بالشاهد واليمين، وهو تعظيم الله تعالى، ~~والنكول لا تعظيم فيه. (وثانيها) أن الحنث فيه يوجب الكفارة، ويذر الديار ~~بلاقع إذا أقدم عليها غموسا، وليس كذلك النكول # (الثالث) أن النكول لا يكون # PageV04P091 # أقوى حجة من جحده أصل الحق، وجحده لا يقضى به مع ~~الشاهد فإنه يكون قضاء بالشاهد وحده، وهو خلاف الإجماع فكذلك النكول، ~~والجواب ms742 عن الأول أن التعظيم لا مدخل له هاهنا بدليل أنه لو سبح، وهلل ألف ~~مرة لا يكون حجة مع الشاهد، وإنما الحجة في إقدامه على موجب العقوبة على ~~تقدير الكذب، وهذا كما هو وازع ديني فالنكول فيه وازع طبيعي لأنه إذا قيل ~~له إن حلفت برئت، وإن نكلت غرمت فإذا نكل كان ذلك على خلاف الطبع، والوازع ~~الطبيعي أقوى عندنا إثارة للظنون من الوازع الشرعي بدليل أن الإقرار يقبل ~~من البر والفاجر لكونه على خلاف الوازع الطبيعي، والشهادة لا تقبل إلا من ~~العدل لأن وازعها شرعي فلا يؤثر إلا في المتقين من الناس، وعن الثاني أن ~~الكفارة قد تكون أولى من الحق المختلف فيه المجتلب، وهو الغالب فتقدم عليه ~~اليمين الكاذبة لأن الوازع حينئذ إنما هو الوازع الشرعي، وقد تقدم أنه دون ~~الوازع الطبيعي، وعن الثالث أن مجرد الجحد لا يقضى به عليه فلا يخافه، ~~والنكول يقضى به عليه بعد تقدم اليمين فخافه طبعه فظهر أن النكول أقوى من ~~اليمين، وأقوى من الجحد (الحجة السابعة) المرأتان، والنكول عندنا خلافا ~~للشافعي - رضي الله عنه -، والمدرك هو ما تقدم سؤالا وجوابا، وعمدته أنه ~~قياس على اليمين بطريق الأولى كما تقدم تقريره. # (الحجة الثامنة) اليمين والنكول وصورته أن يطالب المطلوب باليمين الدافعة ~~فينكل فيحلف الطالب، ويستحق بالنكول واليمين فإن جهل المطلوب ردها فعلى ~~الحاكم أن يعلمه بذلك، ولا يقضي حتى يردها فإن نكل الطالب فلا شيء له، ~~وقاله الشافعي. # وقال أبو حنيفة وابن حنبل يقضي بالنكول، ولا ترد اليمين على الطالب، وقال ~~أبو حنيفة إن كانت الدعوى في مال كرر عليه ثلاثا فإن لم يحلف لزمه الحق، ~~ولا ترد اليمين، وإن كانت في عقد فلا يحكم بالنكول بل يحبس حتى يحلف أو ~~يعترف، وفي النكاح والطلاق والنسب وغيره لا مدخل لليمين فيه فلا نكول، وقال ~~ابن أبي ليلى يحبس في جميع ذلك حتى يحلف لنا وجوه: # (الأول) قوله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ~~ترد أيمان بعد أيمانهم، ms743 ولا يمين بعد يمين إلا ما ذكرناه غير أن ظاهره ~~يقتضي يمينا بعد يمين، وهو خلاف الإجماع فتعين حمله على يمين بعد رد يمين ~~على حذف # PageV04P092 # المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لأن اللفظ إذا ترك ~~من وجه بقي حجة في الباقي. # (الثاني) ما روي «أن الأنصار جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقالت إن اليهود قتلت عبد الله، وطرحته في نقير فقال - عليه السلام - ~~تحلفون وتستحقون دم صاحبكم قالوا لا قال فتحلف اليهود قالوا كيف يحلفون، ~~وهم كفار» فجعل - عليه السلام - اليمين في جهة الخصم خرجه صاحب الموطإ ~~وغيره # (والثالث) ما روي أن المقداد اقترض من عثمان سبعة آلاف درهم فلما كان وقت ~~القضاء جاء بأربعة آلاف درهم فقال عثمان أقرضتك سبعة آلاف درهم فترافعا إلى ~~عمر فقال المقداد يحلف عثمان فقال عمر لعثمان لقد أنصفك. فلم يحلف عثمان ~~فنقل عمر اليمين إلى المدعي، ولم يختلف في ذلك عمر وعثمان والمقداد ولم ~~يخالفهم غيرهم فكان إجماعا. # (الرابع) القياس على النكول في باب القود والملاعنة لا تحد بنكول الزوج. # (الخامس) لو نكل عن الجواب في الدعوى لم يحكم عليه مع أنه نكول عن اليمين ~~والجواب فاليمين وحده أولى بعدم الحكم. # (السادس) أن البينة حجة المدعي، واليمين حجة المدعى عليه في النفي، ولو ~~امتنع المدعي من إقامة البينة لم يحكم عليه بشيء فكذلك المدعى عليه إذا ~~امتنع من اليمين لم يحكم عليه. # (السابع) أن المدعي إذا امتنع من إقامة البينة كان للمدعى عليه إقامتها ~~فكذلك المدعى عليه إذا امتنع من اليمين فيكون للآخر فعلها. # (الثامن) أن النكول إذا كان حجة تامة كالشاهدين وجب القضاء به في الدماء ~~أو ناقصة كالشاهد والمرأتين أو يمين وجب استغناؤه عن التكرار أو كالاعتراف ~~يقبل في القود بخلافه فالاعتراف لا يفتقر إلى تكرار بخلافه احتجوا بوجوه: # (الأول) قوله تعالى {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل ~~عمران: 77] فمنع سبحانه أن يستحق بيمينه على غيره حقا فلا ترد اليمين لئلا ~~يستحق بيمينه مال غيره ms744 # (الثاني) الملاعن إذا نكل حد بمجرد النكول # (الثالث) أن ابن الزبير ولى ابن أبي مليكة قضاء اليمن فجاء إلى ابن عباس ~~فقال إن هذا الرجل ولاني هذا البلد، وإنه لا غناء لي عنه فقال له ابن عباس: ~~اكتب لي بما يبدو لك قال فكتب إليه في جاريتين جرحت إحداهما الأخرى في كفها ~~فكتب إليه ابن عباس احبسها إلى بعد العصر، واقرأ عليها {إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] قال ففعل ذلك، واستحلفها ~~فأبت فألزمها ذلك # (الرابع) قوله - صلى الله عليه وسلم - «البينة على # PageV04P093 # من ادعى، واليمين على من أنكر» فجعل اليمين في جهة ~~المدعى عليه فلم يبق يمين تجعل في جهة المدعي، وجعل حجة المدعي البينة، ~~وحجة المدعى عليه اليمين، ولما لم يجز نقل حجة المدعى عليه إلى جهة المدعى ~~عليه لم يجز أيضا نقل جهة المدعى عليه إلى جهة المدعي # (الخامس) قوله - عليه السلام - «شاهداك ويمينه» ، ولم يقل أو يمينك # (السادس) أن البينة للإثبات، ويمين المدعى عليه للنفي فلما تعذر جعل ~~البينة للنفي تعذر أيضا جعل اليمين للإثبات، والجواب عن الأول أن معنى ~~الآية أن لا تنفذ اليمين الكاذبة ليقطع بها مال غيره، وهذه ليست كذلك، ~~ومجرد الاحتمال لا يمنع، وإلا منع المدعى عليه من اليمين الدافعة لئلا يأخذ ~~بها مال غيره بل يحكم بالظاهر، وهو الصدق، وعن الثاني أن الموجب لحد ~~الملاعن قذفه، وإنما أيمانه مسقطة فإذا فقد المانع عمل بالمقتضى، والنكول ~~عندكم مقتضى فلا جامع بينهما، وعن الثالث أنه روى عن ابن أبي مليكة أنه قال ~~اعترفت فألزمتها ذلك، ولعله برأيه لا برأي ابن عباس فإن ابن عباس لم يأمره ~~بالحكم عليها بذلك، والتابعي لا حجة في فعله، وعن الرابع أنه ورد لمن توجه ~~عليه اليمين ابتداء، ونحن نقول به، وأما ما نحن فيه فلم يتعرض له الحديث ~~ألا ترى أن المنكر قد يقيم البينة إذا ادعى وفاء الدين فكذلك اليمين قد ~~توجد في حق المدعي في الرتبة الثانية، وعن الخامس أنه لبيان ms745 من يتوجه عليه ~~اليمين ابتداء في الرتبة الأولى كما تقدم تقريره، وعن السادس أنا لم نجعل ~~اليمين وحدها للإثبات بل اليمين مع النكول ثم إن البينة قد تكون للنفي كما ~~تقدم تقريره مثل بينة القضاء فإنه نفي. # (الحجة التاسعة) أيمان اللعان وهي متفق عليها أيضا فيما علمت من حيث ~~الجملة. # (الحجة الحادية عشرة) المرأتان فقط أما شهادة النساء فوقع الخلاف فيها في ~~ثلاث مسائل # (المسألة الأولى) قال مالك والشافعي وابن حنبل لا يقبلن في أحكام ~~الأبدان، وقال أبو حنيفة يقبل في أحكام الأبدان شاهد وامرأتان إلا في ~~الجراح الموجبة للقود في النفوس والأطراف لنا وجوه: # (الأول) قوله تعالى في مسائل المداينات {فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان} [البقرة: 282] فكان كل ما يتعلق بالمال مثله، ومفهومه أنه لا ~~يجوز في غيره فلا تجوز في أحكام الأبدان # (الثاني) قوله في الطلاق والرجعة {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ~~الآية، وهو حكم بدني فكانت الأحكام البدنية كلها كذلك إلا موضع لا يطلع # PageV04P094 # عليه الرجال للضرورة في ذلك # (الثالث) قوله - عليه السلام - «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» وهو حكم ~~بدني فكانت الأحكام البدنية كلها كذلك احتجوا بوجوه: # (الأول) قوله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] الآية ~~فأقام المرأتين والرجل مقام الرجلين في ذلك أما عند عدم الشاهدين فهو باطل ~~لجوازهما مع وجود الشاهدين إجماعا فتعين أنهما يقومان مقامهما في التسوية ~~فيكونان مرادين بقوله - عليه السلام -، وشاهدي عدل لوجود الاسم. # (الثاني) قوله تعالى {فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] أطلق، وما خص موضعا ~~فيعم. # (الثالث) أنهما أمور لا تسقط بالشبهات فتقبل فيها النساء كالأموال. # (الرابع) أن النكاح والرجعة عقد منافع فيقبل فيهما النساء كالإجارات. # (الخامس) أن الخيار والآجال ليست أموالا، ويقبل فيها النساء فكذلك بقية ~~صور النزاع. # (السادس) أن الطلاق رافع لعقد سابق فأشبه الإقالة. # (السابع) أنه يتعلق به تحريم كالرضاع. # (الثامن) أن العتق إزالة ملك كالبيع، والجواب عن الأول أن معنى الآية ~~أنهما يقومان مقام الرجل في الحكم بدليل الرفع في لفظ رجل وامرأتين، ولو ~~كان المراد ms746 ما ذكرتم لقال فرجلا وامرأتين بالنصب لأنه خبر كان، ويكون ~~التقدير فإن لم يكن الشاهد إن رجلين فيكونا رجلا وامرأتين فلما رفع على ~~الابتداء كان تقديره رجل وامرأتان يقومان مقام الشاهدين بحذف الخبر، وعن ~~الثاني أن آخر الآية مرتبط بأولها، وأولها: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه، ثم قال تعالى {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] على أن العموم ~~لو سلمناه خصصناه بالقياس على جراح القود بجامع عدم قبولهن منفردات، ولأن ~~الحدود أعلاها الزنا، وأدناه السرقة، ولم يقبل في أحدهما ما يقبل في الآخر ~~فكذلك الأبدان أعلى من الأموال فلا يقبل فيها ما يقبل في الأموال، ولأن ~~القتل، وحد القطع في السرقة، وحد الخمر ليس ثابتا بالنص، ولا بالقياس على ~~الزنا لعدم اشتراط أربعة فيه، ولا بالقياس على الأموال لأنها تثبت بالنساء ~~فتعين قياسها على الطلاق، وعن الثالث الفرق أن أحكام الأبدان أعظم رتبة لأن ~~الطلاق ونحوه لا يقبلن فيه منفردات فلا يقبلن فيه مطلقا كالقصاص، ولأنا ~~وجدنا النكاح آكد من الأموال لاشتراط الولاية، ولم يدخله الأجل والخيار ~~والهبة، وعن الرابع أن المقصود من الإجارة المال، وعن الخامس أن مقصوده ~~أيضا المال بدليل أن الأجل والخيار # PageV04P095 # لا يثبتان إلا في موضع فيه المال، وعن السادس أن حل ~~عقد لا يثبت بالنساء والنكول أيضا مقصود الطلاق غير المال، ومقصود الإقالة ~~المال، وعن السابع أن الرضاع يثبت بالنساء منفردات بخلاف الطلاق، وهو ~~الجواب عن الثامن، ولأن العتق ماله إلى غير ملك بخلاف البيع (المسألة ~~الثانية) خالفنا أبو حنيفة في قبول النساء منفردات في الرضاع ولنا أنه معنى ~~لا يطلع عليه الرجال غالبا فتجوز منفردات كالولاد والاستهلال # (المسألة الثالثة) خالفنا الشافعي في قبول المرأتين فيما ينفردان فيه. # وقال لا بد من أربع، وقال أبو حنيفة إن كانت الشهادة ما بين السرة ~~والركبة قبلت فيه واحدة، وقبل أحمد بن حنبل واحدة مطلقا فيما لا يطلع عليه ~~الرجال، وعندنا لا بد من اثنتين مطلقا، ويكفيان لنا وجوه: # (الأول) أن كل جنس قبلت شهادته في شيء على ms747 الانفراد كفى منه اثنان، ولا ~~يكفي منه واحد كالرجل في سائر الحقوق. # (الثاني) أن شهادة الرجال أقوى، وأكثر، ولم يكف واحد فالنساء أولى احتجوا ~~بوجوه: # (الأول) ما «روى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إيهاب فأتت أم ~~سورة فقالت أرضعتكما فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك ~~فأعرض عني ثم أتيته فقلت يا رسول الله إنها كاذبة قال كيف، وقد علمت، وزعمت ~~ذلك» متفق على صحته. # (الثاني) عن علي أنه قبل شهادة القابلة وحدها في الاستهلال. # (الثالث) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «في الرضاع شهادة ~~امرأة واحدة تجزئ» . # (الرابع) القياس على الرواية، والجواب عن الأول أنه حجة لنا لأن المرأة ~~الواحدة لو كفت لأمره بالتفريق من أول مرة كما شهد عدلان لأن التنفيذ عند ~~كمال الحجة واجب على الفور لا سيما في استباحة الفروج فلا يدل ذلك على أن ~~الواحدة كافية في الحكم بل معناه من قاعدة أخرى، وهي أن من غلب على ظنه ~~تحريم شيء بطريق من الطرق كان ذلك الطريق يفضي به إلى الحكم أم لا فإن ذلك ~~الشيء يحرم عليه فمن غلب على ظنه طلوع الفجر في رمضان حرم عليه الأكل أو ~~الطعام نجس حرم عليه أكله، ونحو ذلك، وإخبار الواحدة يفيد الظن فأمره - ~~عليه السلام - بطريق الفتيا لا بطريق الحكم، والإلزام، وعن الثاني أنه ~~معارض بأدلتنا المتقدمة أو بحمله على الفتيا جمعا بين الأدلة، وعن الثالث ~~كذلك أيضا، وعن الرابع الفرق أن الرواية تثبت حكما عاما في # PageV04P096 # في الأمصار والأعصار لا على معين فليست مظنة العداوة ~~فلا يشترط فيها العدد فتقبل الواحدة في الرواية، ولا تقبل في الشهادة ~~اتفاقا. # (الحجة الثانية عشرة) اليمين الواحدة إذا تنازعا دارا ليست في أيديهما أو ~~في أيديهما قسمت بينهما بعد أيمانهما فيقضي لكل واحد بمجرد يمينه. # وقال الشافعي - رضي الله عنه -، وهي أقل حجة في الشريعة بسبب أنا لم نجد ~~مرجحا عند الاستواء إلا اليمين، وكذلك إذا استوت البينتان، والأيدي ms748 أو ~~البينتان من غير يد بل هي في يد ثالث قسمت بينهما بعد أيمانهما لوجود ~~الترجيح باليمين، ويدل على ذلك قوله - عليه السلام - «أمرت أن أقضي ~~بالظاهر، والله متولي السرائر» ، وهذا قد صار ظاهرا باليمين فيقضي به ~~لصاحبه، ولأنهما إن كانت في أيديهما فكل واحد يده على النصف فدفع عنه يمينه ~~كسائر من ادعى عليه، وإن كانت في يد ثالث فأقر لهما على نسبة اتفقا عليها ~~قسم بينهما بغير يمين، وإن تنازعا، والثالث يقول هي لا تعدوهما فهي كما لو ~~كانت بأيديهما بسبب إقراره لهما، وإن قال الثالث لا أعلم هي لهما أم ~~لغيرهما فهو موضع نظر وتوقف، وعلى هذا التقدير تكون الأيمان في هذه الصور ~~دافعة لا جالبة، ولا يقضي فيها بملك بل بالدفع كمن ادعى عليه فأنكر، وحلف، ~~وكثير من الفقهاء يعتقد أنها جالبة، وأنها تقضي بالملك، وليس كذلك، وعلى ~~هذا التقدير أيضا تندرج هذه اليمين في قوله - عليه السلام - «البينة على من ~~ادعى، واليمين على من أنكر» ، وقال - عليه السلام - «شاهداك أو يمينه» لأن ~~المراد في هذه الأحاديث اليمين الدافعة، وهي هذه بعينها فتندرج. # (الحجة الثالثة عشرة) الإقرار من أقر لغيره بحق أو عين قضى عليه بإقراره ~~كان المقر برا أو فاجرا فإن كان المقر به في الذمة كالدين أو عينا أقر بها ~~من سلم أخذت منه، وقضى في جميع ذلك بالملك للمقر له، وإن كان المقر به عينا ~~قضى على المقر بتسليمها للمقر له إن كانت في يد المقر، ولا يقضي بالملك بل ~~بإلزام التسليم لاحتمال أن يكون لثالث، وإن كان المقر به بيد الغير لم يقض ~~به، وإنما يؤثر الإقرار فيما في يد المقر أو ينتقل بيده يوما من الدهر ~~فيقضي عليه حينئذ بموجب إقراره. # (الحجة الرابعة عشرة) شهادة الصبيان بعضهم على بعض في القتل والجراح ~~خاصة، ولقبولها عشرة شروط: (الأول) العقل ليفهموا ما رأوا (الثاني) ~~الذكورية لأن الضرورة لا تحصل في اجتماع الإناث، وروي عن # PageV04P097 # مالك تقبل شهادتهن اعتبارا لهن بالبالغات لوثا في ~~القسامة. ms749 (الثالث) الحرية لأن العبد لا يشهد. # (الرابع) الإسلام لأن الكافر لا يقبل في قتال، ولا جراح لأن الضرورة إنما ~~دعت لاجتماع الصبيان لأجل الكفار، وقيل تقبل في الجراح لأنها شهادة ضعيفة ~~فاقتصر فيها على أضعف الأمرين (الخامس) أن يكون ذلك بينهم لعدم ضرورة ~~مخالطة الكبير لهم (السادس) أن يسمع ذلك منهم قبل التفرق لئلا يلقنوا الكذب ~~(السابع) اتفاق أقوالهم لأن الاختلاف يخل بالثقة (الثامن) أن يكونوا اثنين ~~فصاعدا لأنهم لا يكون حالهم أتم من الكبار هذا هو نقل القاضي في المعونة، ~~وزاد ابن يونس (التاسع) أن لا يحضر كبار فمتى حضر كبار فشهدوا سقط اعتبار ~~شهادة الصبيان كان الكبار رجالا أو نساء لأن شهادة النساء تجوز في الخطأ، ~~وعمد الصبي كالخطأ. # (العاشر) رأيت بعض المعتبرين من المالكية يقول لا بد من حضور الجسد ~~المشهود بقتله، وإلا فلا تسمع، ونقله صاحب البيان عن جماعة من الأصحاب ~~قالوا لا بد من شهادة العدول على رؤية البدن مقتولا تحقيقا للقتل، ومنع أبو ~~حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأشهب من أصحابنا، وجماعة من العلماء شهادة ~~الصبيان، وقال بقبولها علي وابن الزبير وعمر بن الخطاب ومعاوية، وخالفهم ~~ابن عباس لنا قوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: 60] ~~واجتماع الصبيان للتدريب على الحرب من أعظم الاستعداد ليكونوا كبارا أهلا ~~لذلك، ويحتاجون في ذلك لحمل السلاح حيث لا يكون معهم كبير فلا يجوز هدر ~~دمائهم فتدعو الضرورة لقبول شهادتهم على الشروط المتقدمة، والغالب مع تلك ~~الشروط الصدق، وندرة الكذب فتقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة لأنه ~~دأب صاحب الشرع كما جوز الشرع شهادة النساء منفردات في الوضع الذي لا يطلع ~~عليه الرجال للضرورة، ولأنه قول الصحابة احتجوا بوجوه: # (الأول) قوله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وهو يمنع ~~شهادة غير البالغ (الثاني) قوله تعالى {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ~~والصبي ليس بعدل (الثالث) قوله تعالى {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} ~~[البقرة: 282] ، وهو نهي، ولا يتناول النهي الصبي فدل على أنه ليس من ~~الشهداء (الرابع) ms750 أنه لا يعتبر إقراره فلا تعتبر شهادته كالمجنون (الخامس) ~~أن الإقرار أوسع من الشهادة لقبوله من البر، والفاجر فإذا كان لا يقبل فلا ~~تقبل الشهادة (السادس) القياس على غير الجراح (السابع) لو قبلت لقبلت إذا # PageV04P098 # افترقوا كالكبار، وليس كذلك الثامن أنها لو قبلت ~~لقبلت في تخريق ثيابهم في الخلوات أو لجازت شهادة النساء بعضهن على بعض في ~~الجراح، والجواب عن الأول إنما نمنع الإناث لاندراج الصبيان مع الرجال في ~~قوله تعالى {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: ~~176] ، ولأن الأمر بالاستشهاد إنما يكون في المواضع التي يمكن إنشاء ~~الشهادة فيها اختيارا لأن من شرط النهي الإمكان، وهذا موضع ضرورة تقع فيه ~~الشهادة بغتة فلا يتناوله الأمر فيكون مسكوتا عنه. # وهو الجواب عن الآية الثانية، وعليه تحمل الآية الثالثة في الشهداء الذين ~~استشهدوا اختيارا مع أن هذه الظواهر عامة، ودليلنا خاص فيقدم عليها، وعن ~~الرابع أن إقرار الصبي إن كان في المال فنحن نسويه بالشهادة فإنهما لا ~~يقبلان في المال أو في الدماء إن كانت عمدا خطأ فيئول إلى الدية فيكون ~~إقرارا على غيره فلا يقبل كالبالغ، وهو الجواب عن الخامس، وعن السادس أن ~~الفرق تعظيم حرمة الدماء بدليل قبول القسامة، ولا يقسم على درهم، وعن ~~السابع أن الافتراق يحتمل التعليم والتغيير والصغير إذا خلي، وسجيته الأولى ~~لا يكاد يكذب، والرجال لهم وازع شرعي إذا افترقوا بخلاف الصبيان، وعن ~~الثامن التفريق لعظم حرمت الدماء، ولأن اجتماعهم ليس لتخريق ثيابهم بخلاف ~~الضرب والجراح، وأما النساء فلا يجتمعن للقتال، ولا هو مطلوب منهن. # (الحجة الخامسة عشرة) القافة حجة شرعية عندنا في القضاء بثبوت الأنساب، ~~ووافقنا الشافعي وأحمد بن حنبل. # وقال أبو حنيفة الحكم بالقافة باطل قال ابن القصار، وإنما يجيزه مالك في ~~ولد الأمة يطؤها رجلان في طهر واحد، وتأتي بولد يشبه أن يكون منهما، ~~والمشهور عدم قبوله في ولد الزوجة، وعنه قبوله، وأجازه الشافعي فيهما لنا ~~ما في الصحيحين «قالت عائشة - رضي الله عنها - دخل علي رسول الله - صلى ms751 ~~الله عليه وسلم - تبرق أسارير وجهه فقال ألم تري إلى مجزز المدلجي نظر إلى ~~أسامة وزيد عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما، وبدت أقدامهما فقال إن هذه ~~الأقدام بعضها من بعض» ، وسبب ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~تبنى زيد بن حارثة، وكان أبيض وابنه أسامة أسود فكان المشركون يطعنون في ~~نسبه فشق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمكانته منه فلما قال ~~مجزز ذلك سر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يدل من وجهين أحدهما ~~أنه # PageV04P099 # لو كان الحدس باطلا شرعا لما سر به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لأنه - عليه السلام - لا يسر بالباطل. # وثانيها أن إقراره - عليه السلام - على الشيء من جملة الأدلة على ~~المشروعية، وقد أقر مجززا على ذلك فيكون حقا مشروعا لا يقال النزاع إنما هو ~~في إلحاق الولد، وهذا كان ملحقا بأبيه في الفراش فما تعين محل النزاع، ~~وأيضا سروره - عليه السلام - لتكذيب المنافقين لأنهم كانوا يعتقدون صحة ~~القيافة، وتكذيب المنافقين سار بأي سبب كان لقوله - عليه السلام - «إن الله ~~ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» فقد يفضي الباطل للخير والمصلحة. # وأما عدم إنكاره - عليه السلام - فلأن مجززا لم يتعين أنه أخبر بذلك لأجل ~~القيافة فلعله أخبر به بناء على القرائن لأنه يكون رآهما قبل ذلك لأنا نقول ~~مرادنا هاهنا ليس أنه ثبت النسب بمجزز إنما مقصودنا أن الشبه الخاص معتبر، ~~وقد دل الحديث عليه، وأما سروره - عليه السلام - بتكذيب المنافقين فكيف ~~يستقيم السرور مع بطلان مستند التكذيب كما لو أخبر عن كذبهم رجل كاذب، ~~وإنما يثبت كذبهم إذا كان المستند حقا فيكون الشبه حقا، وهو المطلوب، وبهذا ~~التقرير يندفع قولكم إن الباطل قد يأتي بالحسن والمصلحة فإنه على هذا ~~التقدير ما أتى بشيء. # وأما قولكم أخبر به لرؤية سابقة لأجل الفراش فالناس كلهم يشاركونه في ذلك ~~فأي فائدة في اختصاص السرور بقوله لولا أنه حكم بشيء غير الذي كان طعن ~~المشركين ثابتا معه، ولا كان لذكر الأقدام ms752 فائدة، وحديث العجلاني قال فيه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن جاءت به على نعت كذا، وكذا فأراه قد ~~كذب عليها وإن أتت به على نعت كذا وكذا فهو لشريك فلما أتت به على النعت ~~المكروه قال - عليه السلام - لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» فصرح - عليه ~~السلام - بأن وجود صفات أحدهما في الآخر يدل على أنهما من نسب واحد، ولا ~~يقال إن إخباره - عليه السلام - كان من جهة الوحي لأن القيافة ليست في بني ~~هاشم إنما هي في بني مدلج، ولا قال أحد إنه - عليه السلام - كان قائفا، ~~ولأنه - عليه السلام - لم يحكم به لشريك، وأنتم توجبون الحكم بما أشبه أيضا ~~لم تحد المرأة فدل ذلك على عدم اعتبار الشبه لأنا نقول إن جاء الوحي بأن ~~الولد ليس يشبهه فهو مؤسس لما يقوله، وصار الحكم بالشبه أولى من الحكم في ~~الفراش لأن الفراش يدل عليه من ظاهر الحال، والشبه يدل على الحقيقة # PageV04P100 # وأما كونه - عليه السلام - لم يعط علم القيافة فممنوع ~~لأنه - عليه السلام - أعطي علم الأولين والآخرين سلمناه لكن أخبر عن ضابط ~~القائفين أن الشبه متى كان كذا فهم يحكمون بكذا إلا أنه ادعى علم القيافة ~~كما نقول يقول الإنسان الأطباء يداوون المحموم بكذا، وإن لم يكن طبيبا، ولم ~~يحكم بالولد لشريك لأنه زان، وإنما يحكم بالولد في وطء الشبهة، وإنما وطئ ~~البائع والمشتري الأمة في طهر واحد، وأما عدم الحد فلأن المرأة قد تكون من ~~جهتها شبهة أو مكرهة أو لأن اللعان يسقط الحد لقوله تعالى {ويدرأ عنها ~~العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8] الآية أو لأنه - عليه السلام ~~- لا يحكم بعلمه، وبالجملة فحديث المدلجي يدل دلالة قوية على أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - استدل بالشبه على النسب، ولو كان بالوحي لم يحصل ~~فيه ترديد في ظاهر الحال بل كان يقول هي تأتي به على نعت كذا، وهو لفلان ~~فإن الله تعالى بكل شيء عليم فلا حاجة إلى الترديد الذي لا يحسن إلا ms753 في ~~مواطن الشك، وإنما يحسن هذا بالوحي إذا كان لتأسيس قاعدة القيافة وبسط ~~صورها بالأشباه، وذلك مطلوبنا فالحديث يدل على أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ما سر إلا بسبب حق، وهو المطلوب، ويؤيده أيضا قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - لعائشة في الحديث «تربت يداك، ومن أين يكون الشبه» فأخبر أن ~~المني يوجب الشبه فيكون دليل النسب، ولنا أيضا أن رجلين تداعيا ولدا ~~فاختصما لعمر فاستدعى له القافة فألحقوه بهما فعلاهما بالدرة، واستدعى ~~حرائر من قريش فقلن خلق من ماء الأول، وحاضت على الحمل فاستخشف الحمل فلما ~~وطئها الثاني انتعش بمائه فأخذ شبها منها فقال عمر الله أكبر، وألحق الولد ~~بالأول، ولأنه علم عند القافة من باب الاجتهاد فيعتمد عليه كالتقويم في ~~المتلفات ونفقات الزوجات وخرص الثمار في الزكوات وتحرير جهة الكعبة في ~~الصلوات وجزاء الصيد، وكل ذلك تخمين وتقريب. # ولما لم يعتبر أبو حنيفة الشبه ألحق الولد بجميع المتنازعين، ويرد عليه ~~قوله تعالى {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} [الحجرات: 13] فالأب واحد وقوله ~~تعالى {وورثه أبواه} [النساء: 11] فلم يجعل له آباء. وعارض أبو حنيفة حديث ~~العجلاني بوجوه: (الأول) بما في الصحاح «أن رجلا حضر عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وادعى أن امرأته ولدت ولدا أسود فقال له - عليه السلام - ~~هل في إبلك من أورق فقال له نعم قال له ما ألوانها قال سود # PageV04P101 # فقال ما السبب فقال الرجل لعل عرقا نزع» فلم يعتبر ~~الشبه. # (الثاني) بقوله - عليه السلام - «الولد للفراش» ، ولم يفرق. (الثالث) أن ~~خلق الولد مغيب عنا فجاز أن يخلق من رجلين، وقد نص عليه بقراط في كتاب سماه ~~الحمل على الحمل. (الرابع) ولأن الشبه لو كان معتبرا مع أنه قد يقع من ~~الولد وجماعة لوجب إلحاقه بهم بسبب الشبه، ولم يقولوا به. (الخامس) ولأن ~~الشبه لو كان معتبرا لبطلت مشروعية اللعان، واكتفي به. # (السادس) أنه لا حكم له مع الفراش فلا يكون معتبرا عند عدمه كغيره. ~~(السابع) أن القيافة لو كانت علما لأمكن اكتسابه كسائر ms754 العلوم والصنائع. ~~(الثامن) أنه حزر وتخمين فوجب أن يكون باطلا كأحكام النجوم، والجواب عن ~~الأول أن تلك الصورة ليست صورة النزاع لأنه كان صاحب فراش، وإنما سأله عن ~~اختلاف اللون فعرفه - عليه السلام - السبب، ولأنا لا نقول إن القيافة هي ~~اعتبار الشبه كيفما كان، والمناسبة كيف كانت بل شبه خاص، ولذلك ألحقوا ~~أسامة بن زيد مع سواده بأبيه الشديد البياض بل حقيقتها شبه خاص، ولا معارضة ~~بين الألوان وغيرها، ولذلك لم يعرج مجزز على اختلاف الألوان، وهذا الرجل لم ~~يذكر إلا مجرد اللون فليس فيه شرط القيافة حتى يدل إلغاؤه على إلغاء ~~القيافة، وعن الثاني أنه محمول على العادة والغالب، وعن الثالث أنه خلاف ~~العوائد، وظواهر النصوص المتقدمة تأباه، والشرع إنما يبني أحكامه على ~~الغالب، وبقراط تكلم على النادر فلا تعارض، وعن الرابع أن الحكم ليس مضافا ~~لما يشاهد من شبه الإنسان لجميع الناس، وإنما يضاف لشبه خاص يعرفه أهل ~~القيافة، وعن الخامس أن القيافة إنما تكون من حيث يستوي الفراشان، واللعان ~~يكون لما يشاهد الزوج فهما بابان متباينان لا يسد أحدهما مسد الآخر، وعن ~~السادس الفرق بأن وجود الفراش وحده سالما عن المعارض يقتضي استقلاله بخلاف ~~تعارض الفراشين، وعن السابع أنه قوة في النفس، وقوى النفس وخواصها لا يمكن ~~اكتسابها كالعين التي يصاب بها فتدخل الجمل القدر، والرجل القبر، وغير ذلك ~~مما دل الوجود عليه من الخواص فالقيافة كذلك حتى يتعذر اكتسابها. # وعن الثامن أنه لو ثبتت أحكام النجوم كما ثبتت القيافة، وأن الله تعالى ~~ربط بها أحكاما لاعتبرت في تلك الأحوال المرتبطة بها كما اعتبرت الشمس في ~~الفصول ونضج الثمار وتجفيف الحبوب والكسوفات وأوقات الصلوات وغير ذلك مما ~~هو معتبر من أحكام النجوم، وإنما # PageV04P102 # ألغي منها ما هو كذب وافتراء على الله تعالى من ربط ~~الشقاوة والسعادة والأمانة والإحياء بمثلثها وتربيعها أو غير ذلك مما لم ~~يصح فيها، ولو صح لقلنا به، والقيافة صحت بما تقدم من الأحاديث والآثار. # (الحجة السادسة عشرة) القمط وشواهد الحيطان قال بها مالك ms755 والشافعي وأحمد ~~بن حنبل، وجماعة من العلماء، وفيه مسألتان (المسألة الأولى) # قال ابن أبي زيد في النوادر قال أشهب إذا تداعيا جدارا متصلا ببناء ~~أحدهما، وعليه جذوع للآخر فهو لمن اتصل ببنائه. # ولصاحب الجذوع موضع جذوعه لأنه جوزه، ويقضي بالجدار لمن إليه عقود ~~الأربطة، وللآخر موضع جذوعه، وإن كان لأحدهما عليه عشر خشبات، وللآخر خمس ~~خشبات ولا ربط، ولا غير ذلك فهو بينهما نصفان لا على عدد الخشب، وبقيت ~~خشباتهما بحالها، وإذا انكسرت خشب أحدهما رد مثل ما كان، ولا يجعل لكل واحد ~~ما تحت خشبه منه، ولو كان عقده لأحدهما من ثلاثة مواضع، وللآخر من موضع قسم ~~بينهما على عدد العقود، وإن لم يعقد لواحد، ولأحدهما عليه خشب معقودة بعقد ~~البناء أو مثقوبة فعقد البناء يوجب ملك الحائط لأنه في العادة إنما يكون ~~للمالك، وقيل لا يوجبه، وقال في المثقوبة نظر لأنها طارئة على الحائط، ~~والكوى كعقد البناء توجب الملك، وكوى الضوء المنفوذة لا دليل فيها قال ابن ~~عبد الحكم إذا لم يكن لأحدهما عقد، وللآخر عليه خشب، ولو واحدة فهو له، وإن ~~لم يكن إلا كوى غير منفوذة أوجبت الملك، وإن لم يكن الأخص القصب لأحدهما، ~~والقصب والطوب سواه قلت المدرك في هذه الفتاوى كلها شواهد العادات فمن ثبتت ~~عنده عادة قضى بها، وإن اختلفت العوائد في الأمصار والأعصار وجب اختلاف هذه ~~الأحكام فإن القاعدة المجمع عليها أن كل حكم مبني على عادة إذا تغيرت ~~العادة تغير كالنقود ومنافع الأعيان وغيرهما # (المسألة الثانية) قال بعض العلماء إذا تنازعا حائطا مبيضا هل هو منعطف ~~لدارك أو لداره فأمر الحاكم بكشف البياض لينظر إن جعلت الأجرة في الكشف ~~عليه فمشكل لأن الحق قد يكون لخصمك، والأجرة ينبغي أن تكون على من يقع له ~~العمل ونفعه، ولا يمكن أن تقع الإجارة على من يثبت له الملك لأنكما جزمتما ~~بالملكية فما وقعت الإجارة إلا جازمة. # وكذلك القائف لو امتنع إلا بأجر قال ويمكن أن يقال يلزم الحاكم كل واحد ~~منهما باستجارة، ويلزم ms756 الأجرة في الأخير لمن يثبت له ذلك الحق كما يحلف في ~~اللعان، وغيره، وأحدهما # PageV04P103 # كاذب # (الحجة السابعة عشرة) اليد، وهي يرجح بها، ويبقى المدعي به لصاحبها، ولا ~~يقضى له بملك بل يرجح التعدي فقط، وترجح إحدى البينتين، وغيرهما من الحجاج، ~~وهي للترجيح لا للقضاء بالملك فهذه هي الحجج التي يقضي بها الحاكم، وما ~~عداها لا يجوز القضاء به في القضاء. # (الفرق التاسع والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ~~ألغي من الغالب) : # وقد يعتبر النادر معه، وقد يلغيان معا اعلم أن الأصل اعتبار الغالب، ~~وتقديمه على النادر، وهو شأن الشريعة كما يقدم الغالب في طهارة المياه ~~وعقود المسلمين، ويقصر في السفر، ويفطر بناء على غالب الحال، وهو المشقة، ~~ويمنع شهادة الأعداء والخصوم لأن الغالب منهم الحيف، وهو كثير في الشريعة ~~لا يحصى كثرة، وقد يلغي الشرع الغالب رحمة بالعباد، وتقديمه قسمان قسم ~~يعتبر فيه النادر، وقسم يلغيان فيه معا. # وأنا أذكر من كل قسم مثلا ليتهذب بها الفقيه، ويتنبه إلى وقوعها في ~~الشريعة فإنه لا يكاد يخطر ذلك بالبال، ولا سيما تقديم النادر على الغالب # (القسم الأول) ما ألغي فيه الغالب، وقدم النادر عليه، وأثبت حكمه دونه ~~رحمة بالعباد، وأنا أذكر منه عشرين مثالا: # (الأول) غالب الولد أن يوضع لتسعة أشهر فإذا جاء بعد خمس سنين من امرأة ~~طلقها زوجها دار بين أن يكون زنى وهو الغالب وبين أن يكون تأخر في بطن أمه ~~وهو نادر بالنسبة إلى وقوع الزنا في الوجود ألغى الشارع الغالب، وأثبت حكم ~~النادر، وهو تأخر الحمل رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم، وصون أعراضهم عن ~~الهتك. # (الثاني) إذا تزوجت فجاءت بولد لستة أشهر جاز أن يكون من وطء قبل العقد، ~~وهو الغالب أو من وطء بعده، وهو النادر فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة ~~أشهر، وإنما يوضع في الستة سقطا في الغالب ألغى الشرع حكم الغالب، وأثبت ~~حكم النادر، وجعله من الوطء بعد العقد لطفا بالعباد لحصول الستر عليهم وصون ~~أعراضهم. # (الثالث) ms757 ندب الشرع النكاح لحصول الذرية مع أن الغالب على الأولاد الجهل ~~بالله تعالى والإقدام على المعاصي، وعلى رأي أكثر العلماء من لم يعرف الله ~~تعالى بالبرهان فهو كافر، ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر كما حكاه الإمام ~~في الشامل والإسفراييني، ومقتضى هذا أن ينهى من الذرية لغلبة الفساد عليهم ~~فألغى الشرع حكم الغالب، واعتبر حكم النادر ترجيحا لقليل الإيمان على كثير ~~الكفر # PageV04P104 # والمعاصي تعظيما لحسنات الخلق على سيئاتهم رحمة بهم. # (الرابع) طين المطر الواقع في الطرقات وممر الدواب والمشي بالأمدسة التي ~~يجلس بها في المراحيض الغالب عليها وجود النجاسة من حيث الجملة، وإن كنا لا ~~نشاهد عينها، والنادر سلامتها منها، ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب، وأثبت ~~حكم النادر توسعة ورحمة بالعباد فيصلي به من غير غسل. # (الخامس) النعال الغالب عليها مصادفة النجاسات لا سيما نعل مشى بها سنة، ~~وجلس بها في مواضع قضاء الحاجة سنة، ونحوها فالغالب النجاسة والنادر ~~سلامتها من النجاسة، ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب، وأثبت حكم النادر ~~فجاءت السنة بالصلاة في النعال حتى قال بعضهم إن قلع النعال في الصلاة بدعة ~~كل ذلك رحمة وتوسعة على العباد. # (السادس) الغالب على ثياب الصبيان النجاسة لا سيما مع طول لبسهم لها، ~~والنادر سلامتها، وقد جاءت السنة بصلاته - عليه السلام - بأمامة يحملها في ~~الصلاة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد. # (السابع) ثياب الكفار التي ينسجونها بأيديهم مع عدم تحرزهم من النجاسات ~~فالغالب نجاسة أيديهم لما يباشرونه عند قضاء حاجة الإنسان، ومباشرتهم ~~الخمور والخنازير، ولحوم الميتات، وجميع أوانيهم نجسة بملابسة ذلك، ~~ويباشرون النسج والعمل مع بلة أيديهم، وعرقها حالة العمل، ويبلون تلك ~~الأمتعة بالنشا وغيره مما يقوي لهم الخيوط ويعينهم على النسج فالغالب نجاسة ~~هذا القماش، والنادر سلامته عن النجاسة، وقد سئل عنه مالك فقال ما أدركت ~~أحدا يتحرز من الصلاة في مثل هذا فأثبت الشارع حكم النادر، وألغى حكم ~~الغالب، وجوز لبسه توسعة على العباد. # (الثامن) ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم، وبأيديهم ms758 الغالب ~~نجاسته لما تقدم، والنادر طهارته، ومع ذلك أثبت الشرع حكم النادر، وألغى ~~حكم الغالب، وجوز أكله توسعة على العباد. # (التاسع) ما يصنعه المسلمون الذين لا يصلون، ولا يستنجون بالماء، ولا ~~يتحرزون من النجاسات من الأطعمة الغالب نجاستها، والنادر سلامتها فألغى ~~الشارع حكم الغالب، وأثبت حكم النادر، وجوز أكلها توسعة ورحمة على العباد. # (العاشر) ما ينسجه المسلمون المتقدم ذكرهم الغالب عليه النجاسة، وقد أثبت ~~الشرع حكم النادر، وألغى حكم الغالب، وجوز الصلاة فيه لطفا بالعباد # (الحادي عشر) ما يصبغه أهل الكتاب الغالب نجاسته، وهو أشد مما ينسجونه ~~لكثرة # PageV04P105 # الرطوبات الناقلة للنجاسة، وألغى الشارع حكم الغالب، ~~وأثبت حكم النادر رفقا بالعباد فجوز الصلاة فيها. # (الثاني عشر) ما يصنعه العوام من المسلمين الذين لا يصلون، ولا يتحرزون ~~من النجاسات الغالب نجاسته، والنادر سلامته فجوز الشرع الصلاة فيه تغليبا ~~لحكم النادر على الغالب توسعة ولطفا بالعباد # (الثالث عشر) ما يلبسه الناس، ويباع في الأسواق، ولا يعلم لابسه كافر أو ~~مسلم يحتاط ويتحرز مع أن الغالب على أهل البلاد العوام والفسقة وتراك ~~الصلاة فيها، ومن لا يتحرز من النجاسات فالغالب نجاسة هذا الملبوس، والنادر ~~سلامته فأثبت الشارع حكم النادر، وألغى حكم الغالب لطفا بالعباد. # (الرابع عشر) الحصر والبسط التي قد اسودت من طول ما قد لبست يمشي عليها ~~الحفاة والصبيان، ومن يصلي، ومن لا يصلي الغالب مصادفتها للنجاسة، والنادر ~~سلامتها، ومع ذلك قد جاءت السنة بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ~~صلى على حصير قد اسود من طول ما لبس بعد أن نضحه بماء، والنضح لا يزيل ~~النجاسة بل ينشرها فقدم الشرع حكم النادر على حكم الغالب. # (الخامس عشر) الحفاة الغالب مصادفتهم النجاسة، ولو في الطرقات ومواضع ~~قضاء الحاجات، والنادر سلامتهم، ومع ذلك جوز الشرع صلاة الحافي كما جوز له ~~الصلاة بنعله من غير غسل رجليه، وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~يمشي حافيا، ولا يعيب ذلك في صلاته لأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي بنعله، ومعلوم أن ms759 الحفاء أخف من تحمل النجاسة من النعال فقدم الشارع ~~حكم النادر على الغالب توسعة على العباد # (السادس عشر) دعوى الصالح الولي التقي على الفاجر الشقي الغاصب الظالم ~~درهما الغالب صدقه، والنادر كذبه، ومع ذلك فقدم الشرع حكم النادر على ~~الغالب، وجعل الشرع القول قول الفاجر لطفا بالعباد بإسقاط الدعاوى عنهم، ~~واندراج الصالح مع غيره سدا لباب الفساد والظلم بالدعاوى الكاذبة. # (السابع عشر) عقد الجزية لتوقع إسلام بعضهم، وهو نادر، والغالب استمرارهم ~~على الكفر وموتهم عليه بعد الاستمرار فألغى الشارع حكم الغالب، وأثبت حكم ~~النادر رحمة بالعباد في عدم تعجيل القتل وحسم مادة الإيمان عنهم. # (الثامن عشر) الاشتغال بالعلم مأمور به مع أن الغالب على الناس الرياء، ~~وعدم الإخلاص، والنادر الإخلاص، ومقتضى الغالب النهي عن الاشتغال بالعلم ~~لأنه وسيلة للرياء، ووسيلة المعصية معصية فلم يعتبره الشارع، وأثبت حكم # PageV04P106 # النادر # (التاسع عشر) المتداعيان أحدهما كاذب قطعا، والغالب أن أحدهما يعلم ~~بكذبه، والنادر أن يكون قد وقعت لكل واحد منهما شبهة، وعلى التقدير الأول ~~يكون تحليفه سعيا في وقوع اليمين الفاجرة المحرمة فيكون حراما غايته أنه ~~يعارضه أخذ الحق، وإلجاؤه إليه، وذلك إما مباح أو واجب، وإذا تعارض المحرم، ~~والواجب قدم المحرم، ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب، وأثبت حكم النادر ~~لطفا بالعباد على تخليص حقوقهم، وكذلك القول في اللعان الغالب أن أحدهما ~~كاذب يعلم كذبه، ومع ذلك يشرع اللعان. # (العشرون) غالب الموت في الشباب قال الغزالي في الإحياء، ولذلك الشيوخ ~~أقل يعني أنه لو كان الشبان يعيشون لصاروا شيوخا فتكثر الشيوخ فلما كان ~~الشيوخ في الوجود أقل كان موت الإنسان شابا أكثر، وحياته للشيخوخة نادرا، ~~ومع ذلك شرع صاحب الشرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة إلغاء لحكم ~~الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد في إبقاء مصالحهم عليهم، ونظائر ~~هذا الباب كثيرة في الشريعة فينبغي أن تتأمل وتعلم فقد غفل عنها قوم في ~~الطهارات فدخل عليهم الوسواس، وهم يعتقدون أنهم على قاعدة شرعية، وهي الحكم ~~بالغالب فإن الغالب على الناس والأواني والكتب ms760 وغير ذلك مما يلابسونه ~~النجاسة فيغسلون ثيابهم، وأنفسهم من جميع ذلك بناء على الغالب، وهو غالب ~~كما قالوا، ولكنه قدم النادر الموافق للأصل عليه، وإن كان مرجوحا في النفس، ~~وظنه معدوم النسبة للظن الناشئ عن الغالب لكن لصاحب الشرع أن يضع في شرعه ~~ما شاء، ويستثني من قواعده ما شاء هو أعلم بمصالح عباده فينبغي لمن قصد ~~إثبات حكم الغالب دون النادر أن ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا، ~~وحينئذ يعتمد عليه، وأما مطلق الغالب كيف كان في جميع صوره فخلاف الإجماع. # (تنبيه) ليس من باب تقديم النادر على الغالب حمل اللفظ على حقيقته دون ~~مجازه، وعلى العموم دون الخصوص فإنه يمكن أن يقال إنه منه لغلبة المجاز على ~~كلام العرب حتى قال ابن جني كلام العرب كله مجاز، وغلبة الخصوصات على ~~العمومات حتى روي عن ابن عباس أنه قال ما من عام إلا، وقد خص إلا قوله ~~تعالى {والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] وإذا غلب المجاز والتخصيص فينبغي ~~إذا ظفرنا بلفظ ابتداء أن نحمله على مجازه تغليبا للغالب على النادر، ولا ~~نحمله على حقيقته لأنه النادر، ونحمل العموم # PageV04P107 # ابتداء على التخصيص لأنه الغالب، ولا نحمله على ~~العموم لأنه نادر فحيث عكسنا كان ذلك تغليبا للنادر على الغالب # (والجواب) عنه أنه ليس من هذا الباب وسببه أن شرط الفرد المتردد بين ~~النادر والغالب فيحمل على الغالب أن يكون من جنس الغالب، وإلا فلا يحمل على ~~الغالب بيانه بالمثال أن الشقة إذا جاءت من القصار جاز أن تكون طاهرة، وهو ~~الغالب أو نجسة، وهو النادر أن يصيبها بول فأر أو غيره من الحيوان فإنا ~~نحكم بطهارتها بناء على الغالب لأن حكمنا بطهارة الثياب المقصورة لأنها ~~خرجت من القصارة، وهذا الثوب المتردد بين النادر والغالب خرج من القصارة ~~فكان من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته فيلحق به أما لو كنا لا نقضي بطهارة ~~الثياب المقصورة لكونها خرجت من القصارة بل لأنها تغسل بعد ذلك، وهذا الثوب ~~المتردد بين النادر ms761 والغالب لم يغسل فإنا هنا لا نقضي بطهارته لأجل عدم ~~الغسل بعد القصارة الذي لأجله حكمنا بطهارته فهو حينئذ ليس من جنس الغالب ~~الذي قضينا بطهارته لأن ذلك مغسول بعد القصارة، وهذا الثوب غير مغسول كذلك ~~في الألفاظ فإذا لم نقض على لفظ بأنه مجاز أو مخصوص بمجرد كونه لفظا بل ~~لأجل اقترانه بالقرينة الصادرة عن الحقيقة إلى المجاز، واقتران المخصص ~~الصارف عن العموم للتخصيص، وهذا اللفظ الوارد ابتداء الذي حملناه على ~~حقيقته دون مجازه، والعموم دون الخصوص ليس معه صارف من قرينة صارفة عن ~~الحقيقة، ولا مخصص صارف عن العموم فهو حينئذ ليس من جنس ذلك الغالب فلو ~~حملناه على المجاز أو التخصيص لحملناه على غير غالب فإنه لم يوجد لفظ من ~~حيث هو لفظ حمل على المجاز، ولا على الخصوص ألبتة فضلا عن كونه غالبا بل ~~هذا اللفظ قاعدة مستقلة بنفسها ليس فيها غالب، ونادر بل شيء واحد، وهو ~~الحقيقة مطلقا، والعموم مطلقا فتأمل ذلك فهو شرط خفي في حمل الشيء على ~~غالبه دون نادره، وهو أنه من شرطه أن يكون من جنسه كما تقدم تقريره بالمثال ~~فظهر أن حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه ابتداء، والعموم دون الخصوص ليس من ~~باب الحمل على النادر دون الغالب، ولقد أوردت هذا السؤال على جمع كثير من ~~الفضلاء قديما وحديثا فلم يحصل عنه جواب، وهو سؤال حسن، وجوابه حسن جدا. # (القسم الثاني) ما ألغى الشارع # PageV04P108 # الغالب والنادر معا فيه، وأنا أذكر منه إن شاء الله ~~عشرين مثالا # (الأول) شهادة الصبيان في الأموال إذا كثر عددهم جدا الغالب صدقهم، ~~والنادر كذبهم، ولم يعتبر الشرع صدقهم، ولا قضى بكذبهم بل أهملهم رحمة ~~بالعباد، ورحمة بالمدعى عليه، وأما في الجراح والقتل فقبلهم مالك وجماعة ~~كما تقدم بيانه. # (الثاني) شهادة الجمع الكثير من جماعة النسوان في أحكام الأبدان الغالب ~~صدقهن، والنادر كذبهن لا سيما مع العدالة، وقد ألغى صاحب الشرع صدقهن فلم ~~يحكم به، ولا حكم بكذبهن لطفا بالمدعى عليه. # (الثالث) الجمع الكثير من ms762 الكفار والرهبان والأحبار إذا شهدوا الغالب ~~صدقهم، والنادر كذبهم فألغى صاحب الشرع صدقهم لطفا بالمدعى عليه، ولم يحكم ~~بكذبهم. # (الرابع) شهادة الجمع الكثير من الفسقة الغالب صدقهم، ولم يحكم الشرع به ~~لطفا بالمدعى عليه، ولم يحكم بكذبهم # (الخامس) شهادة ثلاثة عدول في الزنا الغالب صدقهم، ولم يحكم الشرع به ~~سترا على المدعى عليه، ولم يحكم بكذبهم بل أقام الحد عليهم من حيث إنهم ~~قذفوه لا من حيث إنهم شهود زور # (السادس) شهادة العدل الواحد في أحكام الأبدان الغالب صدقه، والنادر ~~كذبه، ولم يحكم الشرع بصدقه لطفا بالعباد، ولطفا بالمدعى عليه، ولم يكذبه. # (السابع) حلف المدعي الطالب، وهو من أهل الخير والصلاح الغالب صدقه، ~~والنادر كذبه، ولم يقض الشارع بصدقه فيحكم له بيمينه بل لا بد من البينة، ~~ولم يحكم بكذبه لطفا بالمدعى عليه. # (الثامن) رواية الجمع الكثير لخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~الأحبار والرهبان المتدينين المعتقدين لتحريم الكذب في دينهم الغالب صدقهم ~~والنادر كذبهم، ولم يعتبر الشرع صدقهم لطفا بالعباد وسدا لذريعة أن يدخل في ~~دينهم ما ليس منه. # (التاسع) رواية الجمع الكثير من الفسقة بشرب الخمر وقتل النفس ونهب ~~الأموال، وهم رؤساء عظماء في الوجود كالملوك والأمراء ونحوهم الغالب عند ~~اجتماعهم على الرواية الواحدة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقهم ~~فإن أتاهم وازع طبيعي يمنعهم الكذب، وغيره لا تدينا، ومع ذلك لا تقبل ~~روايته صونا للعباد عن أن يدخل في دينهم ما ليس منه بل جعل الضابط العدالة، ~~ولم يحكم بكذب هؤلاء # (العاشر) رواية الجمع الكثير من الجاهلين للحديث النبوي الغالب صدقهم، ~~والنادر كذبهم # PageV04P109 # ولم يحكم الشرع بصدقهم ولا بكذبهم. # (الحادي عشر) أخذ السراق المتهمين بالتهم وقرائن أحوالهم كما يفعله ~~الأمراء اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة الغالب مصادفته ~~للصواب، والنادر خطؤه، ومع ذلك ألغاه الشرع صونا للأعراض والأطراف عن القطع # (الثاني عشر) أخذ الحاكم بقرائن الأحوال من التظلم وكثرة الشكوى والبكاء ~~مع كون الخصم مشهورا بالفساد والعناد الغالب مصادفته للحق، والنادر خطؤه، ~~ومع ms763 ذلك منعه الشارع منه وحرمه، ولا يضر الحاكم ضياع حق لا بينة عليه. # (الثالث عشر) الغالب على من وجد بين فخذي امرأة، وهو متحرك حركة الواطئ، ~~وطال الزمان في ذلك أنه قد أولج، والنادر عدم ذلك فإذا شهد عليه بذلك ألغى ~~الشارع هذا الغالب سترا على عباده، ولم يحكم بوطئه، ولا بعدمه # (الرابع عشر) شهادة العدل المبرز لولده الغالب صدقه، والنادر كذبه، وقد ~~ألغاه الشارع، وألغى كذبه، ولم يحكم بواحد منهما. # (الخامس عشر) شهادة العدل المبرز لوالده الغالب صدقه، ولم يحكم الشرع ~~بصدقه ولا بكذبه بل ألغاهما جملة. # (السادس عشر) شهادة العدل المبرز على خصمه الغالب صدقه، وقد ألغى الشارع ~~صدقه وكذبه. # (السابع عشر) شهادة الحاكم على فعل نفسه إذا عزل، وشهادة الإنسان لنفسه ~~مطلقا إذا وقعت من العدل المبرز الغالب صدقه، وقد ألغاه الشارع في صدقه ~~وكذبه # (الثامن عشر) حكم القاضي لنفسه، وهو عدل مبرز من أهل التقوى والورع ~~الغالب أنه إنما حكم بالحق، والنادر خلافه، وقد ألغى الشرع ذلك الحكم ~~ببطلانه وصحته معا # (التاسع عشر) القرء الواحد في العدد الغالب معه براءة الرحم، والنادر ~~شغله، ولم يحكم الشارع بواحد منهما حتى ينضاف إليه قرءان آخران. # (العشرون) من غاب عن امرأته سنين ثم طلقها أو مات عنها الغالب براءة ~~رحمها، والنادر شغله بالولد، وقد ألغاهما صاحب الشرع معا، وأوجب عليها ~~استئناف العدة بعد الوفاء أو الطلاق لأن وقوع الحكم قبل سببه غير معتد به، ~~ونظائر في الشرع كثيرة من الغالب ألغاه صاحب الشرع، ولم يعتبره، وتارة بالغ ~~في إلغائه فاعتبر نادره دونه كما تقدم بيانه فهذه أربعون مثالا قد سردتها ~~في ذلك من أربعين جنسا فهي أربعون جنسا قد ألغيت (فإن قلت) أنت تعرضت للفرق ~~بين ما ألغي منه، وما لم يلغ، ولم تذكره بل ذكرت # PageV04P110 # أجناسا ألغيت خاصة فما الفرق، وكيف الاعتماد في ذلك # (قلت) الفرق في ذلك المقام لا يتيسر على المبتدئين، ولا على ضعفة ~~الفقهاء، وكذلك ينبغي أن يعلم أن الأصل اعتبار الغالب، وهذه الأجناس التي ms764 ~~ذكرت استثناؤها على خلاف الأصل، وإذا وقع لك غالب، ولا تدري هل هو من قبيل ~~ما ألغي أو من قبيل ما اعتبر فالطريق في ذلك أن تستقري موارد النصوص، ~~والفتاوى استقراء حسنا مع أنك تكون حينئذ واسع الحفظ جيد الفهم فإذا لم ~~يتحقق لك إلغاؤه فاعتقد أنه معتبر، وهذا الفرق لا يحصل إلا لمتسع في ~~الفقهيات والموارد الشرعية، وإنما أوردت هذه الأجناس حتى تعتقد أن الغالب ~~وقع معتبرا شرعا، ونجزم أيضا بشيئين # (أحدهما) أن قول القائل إذا دار الشيء بين النادر والغالب فإنه يلحق ~~بالغالب # (ثانيهما) قول الفقهاء إذا اجتمع الأصل، والغالب فهل يغلب الأصل على ~~الغالب أو الغالب على الأصل قولان فقد ظهر لك أجناس كثيرة اتفق الناس فيها ~~على تقديم الأقل، وألغاه الغالب في القسم الأول الذي اعتبرنا رده فلا تكون ~~تلك الدعوى على عمومها، وقد أجمع الناس أيضا على تقديم الغالب على الأول في ~~أمر البينة فإن الغالب صدقها، والأصل براءة الذمة، ومع ذلك تقدم البينة ~~إجماعا فهو أيضا تخصيص لعموم تلك الدعوى فهذا هو المقصود من بيان هذا الفرق ~~والتنبيه على هذه المواطن. # (الفرق الأربعون والمائتان بين قاعدة ما يصح الإقراع فيه وبين قاعدة ما ~~لا يصح الإقراع فيه) # اعلم أنه متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الإقراع بينه وبين ~~غيره لأن في القرعة ضياع ذلك الحق المتعين أو المصلحة المتعينة، ومتى تساوت ~~الحقوق أو المصالح فهذا هو موضع القرعة عند التنازع دفعا للضغائن والأحقاد، ~~والرضا بما جرت به الأقدار، وقضى به الملك الجبار فهي مشروعة بين الخلفاء ~~إذا استوت فيهم الأهلية للولاية، والأئمة والمؤذنين إذا استووا، والتقدم ~~للصف الأول عند الازدحام وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء، وتساويهم في ~~الطبقات وبين الحاضنات والزوجات في السفر والقسمة والخصوم عند الحكام، وفي ~~عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم في المرض ثم مات، ولم يحملهم الثلث ~~عتق مبلغ الثلث منهم # PageV04P111 # بالقرعة، ولو لم يدع غيرهم عتق ثلثهم أيضا بالقرعة، ~~وقاله الشافعي وابن حنبل - رضي الله ms765 عنهما -، وقال أبو حنيفة - رضي الله ~~عنه - لا تجوز القرعة فيما إذا أوصى بهم ويعتق من كل واحد ثلثه، ويستسعى في ~~باقي قيمته للورثة حتى يؤديها فيعتق، لنا وجوه: # (الأول) ما في الموطإ «أن رجلا أعتق عبيدا له عند موته فأسهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأعتق ثلث العبيد» قال مالك، وبلغني أنه لم يكن لذلك ~~الرجل مال غيرهم # (الثاني) في الصحاح أن «رجلا أعتق ستة مماليك له في مرضه لا مال له غيرهم ~~فدعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فجزاهم فأقرع بينهم فأعتق اثنين ورق ~~أربعة» # (الثالث) إجماع التابعين - رضي الله عنهم - على ذلك قاله عمر بن عبد ~~العزيز وخارجة بن زيد وأبان بن عثمان وابن سيرين وغيرهم، ولم يخالفهم من ~~عصرهم أحد # (الرابع) وافقنا أبو حنيفة - رضي الله عنه - في قسمة الأرض لعدم المرجح، ~~وذلك هنا موجود فثبت قياسا عليه # (الخامس) أن في الاستسعاء مشقة وضررا على العبيد بالإلزام، وعلى الورثة ~~بتأخير الحق وتعجيل حق الموصى له، والقواعد تقتضي تقديم حق الوارث لأن له ~~الثلثين # (السادس) أن مقصود الوصي كمال العتق في العبد ليتفرغ للطاعات، ويجوز ~~الاكتساب والمنافع من نفسه، وتجزئة العتق تمنع من ذلك، وقد لا يحصل الكمال ~~أبدا احتجوا بوجوه: (الأول) قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا عتق إلا ~~فيما يملك ابن آدم» ، والمريض مالك الثلث من كل عبد فينفذ عتقه فيه، ولأن ~~الحديث المتقدم واقعة عين لا عموم فيها، ولأن قوله اثنين يحتمل شائعين لا ~~معينين، ويؤكده أن العادة تحصي اختلاف قيم العبيد فيتعذر أن يكون اثنان ~~معينان ثلث ماله. # (الثاني) أن القرعة على خلاف القرآن لأنها من الميسر، وعلى خلاف القواعد ~~لأن فيه نقل الحرية بالقرعة. (الثالث) أنه لو أوصى بثلث كل واحد صح فينفذ ~~هاهنا قياسا على ذلك، وعلى حال الصحة. # (الرابع) أنه لو باع ثلث كل عبد جاز، والبيع يلحقه الفسخ، والعتق لا ~~يلحقه الفسخ فهو أولى بعدم القرعة لأن فيها تحويل العتق. (الخامس) أنه لو ~~كان مالكا لثلثهم فأعتقه ms766 لم يجتمع ذلك في اثنين منهم، والمريض لم يملك غير ~~الثلث فلا يجتمع لأنه لا فرق بين عدم المالك، والمنع من التصرف في نفوذ ~~العتق. # (السادس) أن القرعة إنما تدخل في جميع الحقوق فيما يجوز التراضي عليه لأن # PageV04P112 # الحرية حالة الصحة لما لم يجز التراضي على انتفاضها ~~لم تجز القرعة فيها، والأموال يجوز التراضي فيها فدخلت القرعة فيها. ~~والجواب (عن الأول) أن العتق إنما وقع فيما يملك، وما قال العتق في كل ما ~~يملك فإذا نفذ العتق في عبدين وقع العتق فيما يملك. # وقولهم إنها قضية عين فنقول هي وردت في تمهيد قاعدة كلية كالرجم وغيره ~~فتعم، ولقوله - عليه السلام - «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» ، وقوله ~~أنه يحتمل أن يكون شائعا باطلا بالقرعة لأنها لا معنى لها مع الإشاعة، ~~واتفاقهم في القيمة ليس متعذرا عادة لا سيما مع الجلب ووخش الرقيق (وعن ~~الثاني) أن الميسر هو القمار، وتمييز الحقوق ليس قمارا، وقد أقرع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بين أزواجه وغيرهم، واستعملت القرعة في شرائع ~~الأنبياء - عليهم السلام - لقوله تعالى {فساهم فكان من المدحضين} [الصافات: ~~141] الآية، و {إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} [آل عمران: 44] وليس فيها ~~نقل الحرية لأن عتق المريض لم يتحقق لأنه إن صح عتق الجميع، وإن طرأت ديون ~~بطل، وإن مات، وهو يخرج من الثلث عتق من الثلث فلم يقع في علم الله تعالى ~~من العتق إلا ما أخرجته القرعة (وعن الثالث) أن مقصود الهبة والوصية ~~التمليك، وهو حاصل في ملك الشائع كغيره، ومقصود العتق التخليص للطاعات. # والاكتساب، ولا يحصل مع التبعيض، ولأن الملك شائعا لا يؤخر حق الوارث كما ~~تقدم في الوصية، وهاهنا يتأخر بالاستسعاء (وعن الرابع) أن البيع لا ضرر فيه ~~على الوارث كما تقدم في الوصية، ولا # PageV04P113 # يحصل تحويل العتق كما تقدم (وعن الخامس) أنه إذا ملك ~~الثلث فقط لم يحصل تنازع العتق في، ولا حرمان من تناوله لفظ العتق (وعن ~~السادس) أن الوارث لو رضي بتنفيذ عتق الجميع لصح فهو ms767 يدخله الرضا فهذه ~~المباحث، وهذه الاختلافات والاتفاقات يتخلص منها الفرق بين قاعدة ما تدخله ~~القرعة، وما لا تدخله القرعة، وأن ضابطه التساوي مع قبول الرضا بالنقل، وما ~~فقد فيه أحد الشرطين تعذرت فيه القرعة، والله تعالى أعلم بالصواب. # (الفرق الحادي والأربعون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كفر وقاعدة ~~ما ليس بكفر) : # اعلم أن النهي يعتمد المفاسد كما أن الأوامر تعتمد المصالح فأعلى رتب ~~المفاسد الكفر، وأدناها الصغائر والكبائر متوسطة بين المرتبتين، وأكثر ~~التباس الكفر إنما هو بالكبائر فأعلى رتب الكبائر يليها أدنى رتب الكفر، ~~وأدنى رتب الكبائر يليها أعلى رتب الصغائر # PageV04P114 # وأصل الكفر إنما هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية إما ~~بالجهل بوجود الصانع أو صفاته العلى ويكون الكفر بفعل كرمي المصحف في ~~القاذورات أو السجود للصنم # PageV04P115 # أو التردد للكنائس في أعيادهم بزي النصارى، ومباشرة ~~أحوالهم أو جحد ما علم من الدين بالضرورة فقولنا انتهاك خاص احتراز من ~~الكبائر والصغائر فإنها انتهاك، وليست كفرا وسيأتي بيان هذا الخصوص بعد هذا ~~إن شاء الله تعالى. وجحد ما علم من الدين بالضرورة كجحد الصلاة والصوم، ولا ~~يختص ذلك بالواجبات والقربات بل لو جحد بعض الإباحات المعلومة بالضرورة كفر ~~كما لو # PageV04P116 # قال إن الله تعالى لم يبح التين، ولا العنب، ولا ~~يعتقد أن جاحد ما أجمع عليه يكفر على الإطلاق بل لا بد أن يكون المجمع عليه ~~مشتهرا في الدين حتى صار ضروريا فكم من المسائل المجمع عليها إجماعا لا ~~يعلمه إلا خواص الفقهاء فجحد مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس ~~كفرا بل قد جحد أصل الإجماع جماعة كبيرة من الروافض والخوارج كالنظام، ولم ~~أر أحدا قال بكفرهم من حيث إنهم جحدوا أصل الإجماع وسبب ذلك أنهم بذلوا ~~جهدهم في أدلته فما ظفروا بها كما ظفر بها الجمهور فكان ذلك عذرا في حقهم. # كما أن متجدد الإسلام إذا قدم من أرض الكفر وجحد في مبادئ أمره بعض شعائر ~~الإسلام المعلومة لنا من الدين بالضرورة لا نكفره لعذره بعدم الاطلاع، وإن ~~كنا ms768 نكفر بذلك الجحد غيره وبهذا التقريب نجيب عن سؤال السائل كيف تكفرون ~~جاحد المسائل المجمع عليها، ولا تكفرون جاحد أصل الإجماع؟ وكيف يكون الفرع ~~أقوى من الأصل؟ . والجواب بأن نقول إنا لم نكفر بالمجمع عليه من حيث هو ~~مجمع عليه بل من حيث الشهرة المحصلة للضرورة فمتى انضافت هذه الشهرة ~~للإجماع كفر جاحد المجمع عليه، وإذا لم تنضف لم نكفره وعلى هذا التقرير لم ~~يجعل الفرع أقوى من الأصل، وإنما يلزم ذلك أن لو كفرنا به من حيث هو مجمع ~~عليه لا من حيث هو مشتهر فمن جحد إباحة الفرائض لا نكفره من حيث إنه مجمع ~~عليه فإن انعقاد الإجماع فيه إنما يعلمه خواص # PageV04P117 # الفقهاء أو الفقهاء دون غيرهم، وألحق الأشعري بالكفر ~~إرادة الكفر كبناء الكنائس ليكفر فيها أو قتل نبي مع اعتقاده صحة رسالته ~~ليميت شريعته، ومنه تأخير إسلام من أتى ليسلم على يديك فتشير عليه بتأخير ~~الإسلام؛ لأنه إرادة لبقاء الكفر. # ولا يندرج في إرادة الكفر الدعاء بسوء الخاتمة على من تعاديه وإن كان فيه ~~إرادة الكفر؛ لأنه ليس # PageV04P118 # مقصودا فيه انتهاك حرمة الله تعالى بل إذاية المدعو ~~عليه، وليس منه أيضا اختيار الإمام عقد الجزية على الأسارى على القتل ~~الموجب لمحو الكفر من قلوبهم وفي عقد الجزية إرادة استمرار الكفر في قلوبهم ~~فهو فيه إرادة الكفر؛ لأن مقصوده توقع الإسلام منهم أو من ذراريهم إذا بقوا ~~أحياء وفي تعجيل القتل عليهم سد باب الإيمان منهم ومن ذريتهم فالمقصود توقع ~~الإيمان وحصول الكفر وقع بالعرض فهو مشروع مأمور به واجب عند تعيين مقتضيه ~~ويثاب عليه الإمام والفاعل له بخلاف الدعاء # PageV04P119 # بسوء الخاتمة فهو منهي عنه ويأثم قائله، وإن لم يكفر ~~بذلك. # واستشكل بعض العلماء الفرق بين السجود للشجرة والسجود للوالد في أن الأول ~~كفر دون الثاني، وإن كان الساجد في الحالتين معتقدا ما يجب لله تعالى، وما ~~يستحيل، وما يجوز عليه، وإنما أراد التشريك في السجود وهو يعتقد بذلك ~~التقرب إلى الله تعالى كما يعتقده الساجد للوالد وقد ms769 قالت عبدة الأوثان {ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] # PageV04P120 # مع أن القاعدة أن الفرق بين الكفر والكبيرة إنما هو ~~بعظم المفسدة وصغرها لاشتراك الجميع في المفسدة والنهي والتحريم، وما بين ~~هاتين الصورتين من المفسدة التي نعلمها ما يقتضي الكفر في إحداهما دون ~~الأخرى وقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا له، ولم يكن قبلة ~~على أحد القولين بل هو المقصود بالتعظيم بذلك السجود، ولم يقل أحد إن الله ~~تعالى أمر هنالك بما نهى عنه من الكفر، ولا أنه أباح الكفر لأجل آدم، ولا ~~أن في السجود لآدم مفسدة تقتضي كفرا. # ولو فعل من غير أمر ربه، ولا يمكن أن يقال إن الأمر والنهي عنهما سببا ~~المفاسد والمصالح # PageV04P121 # فإن نهى عن السجود كان مفسدة، وإن أمر به كان مصلحة؛ ~~لأن هذا يلزم منه الدور؛ لأن المفسدة تكون حينئذ تابعة للنهي مع أن النهي ~~يتبع المفسدة فيكون كل واحد منهما تابعا لصاحبه فيلزم الدور بل الحق أن ~~المفسدة يتبعها النهي، وما لا مفسدة فيه لا يكون منهيا عنه واستقراء ~~الشرائع يدل على ذلك فإن السرقة لما كان فيها ضياع المال نهى عنها، ولما ~~كان في القتل فوات الحياة نهى عنه ولما كان في الزنا مفسدة اختلاط الأنساب ~~نهى عنه، ولما كان في الخمر ذهاب العقول نهى عنه فلا جرم لما صار الخمر خلا ~~ذهب عنه النهي ولما كان عصيرا لا يفسد العقل لم يكن منهيا عنه فالاستقراء ~~دل على أن المفاسد والمصالح سابقة على الأوامر والنواهي، والثواب # PageV04P122 # والعقاب تابع للأوامر والنواهي فما فيه مفسدة ينهى ~~عنه فإذا فعل حصل العقاب، وما فيه مصلحة أمر به فإذا فعل حصل الثواب ~~فالثواب والعقاب في الرتبة الأولى فلو علل الأمر والنهي بالثواب والعقاب ~~لزم تقدم الشيء على نفسه برتبتين ولذلك يقول الأغبياء من الطلبة مصلحة هذا ~~الأمر أنه يثاب عليه فيعللون بالثواب والعقاب وهو غلط # PageV04P123 # وأما الجهل بالله تعالى عشرة أقسام (أحدها) ما لم ~~نؤمر بإزالته أصلا، ولم نؤاخذ ببقائه؛ لأنه لازم ms770 لنا لا يمكن الانفكاك عنه ~~وهو جلال الله تعالى وصفاته التي لم تدل عليها الصنعة، ولم يقدر العبد على ~~تحصيله بالنظر فعفا عنه لعجزنا عنه، وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» وقول الصديق العجز عن ~~درك الإدراك إدراك # PageV04P124 # وقسم) أجمع المسلمون على أنه كفر قال القاضي عياض في ~~كتاب الشفاء انعقد الإجماع على تكفير من جحد أن الله تعالى عالم أو متكلم ~~أو غير ذلك من صفاته الذاتية فإن جهل الصفة، ولم ينفها كفره الطبري وغيره ~~وقيل لا يكفر، وإليه رجع الأشعري؛ لأنه لم يصمم على اعتقاد # PageV04P125 # ذلك ويعضده حديث القائل لئن قدر الله علي ليعذبني ~~الحديث. وحديث «السوداء لما قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين ~~الله قالت في السماء» قال، ولو كوشف أكثر الناس على الصفات لم يعلمها (قلت) ~~فنفي الصفات والجزم بنفيها هو المجمع عليه، وليس معناه نفي العلم أو الكلام ~~أو الإرادة ونحو ذلك بل العالم والمتكلم والمريد فمن نفى أصل المعنى وحكمه ~~هو المجمع على كفره وهذا هو مذهب جمع كثير من الفلاسفة والدهرية دون أرباب ~~الشرائع. # PageV04P126 # القسم الثالث) ما اختلف في التكفير به وهو من أثبت ~~الأحكام دون الصفات فقال إن الله تعالى عالم بغير علم ومتكلم بغير كلام، ~~ومريد بغير إرادة وحي بغير حياة وكذلك في بقية الصفات فهذا هو حقيقة مذهب ~~المعتزلة وللأشعري، ومالك وأبي حنيفة والشافعي والباقلاني في تكفيرهم ~~قولان. # (القسم الرابع) ما اختلف أهل الحق فيه هل هو جهل تجب إزالته أم هو حق لا ~~تجب إزالته فعلى القول الأول هو معصية، وما رأيت من يكفر به وذلك كالقدم ~~والبقاء فهل يجب أن يعتقد أن الله تعالى باق ببقاء قديم ويعصي من لم يعتقد ~~ذلك أو يجب أن لا يعتقد ذلك بل الله تعالى باق بغير بقاء وقديم بغير قدم، ~~واعتقاد خلاف ذلك جهل حرام عكس المذهب الأول # PageV04P127 # والفرق بين البقاء والقدم وغيرهما من الصفات مذكور في ~~كتب ms771 أصول الدين، والصحيح هنالك أن البقاء والقدم لا وجود لهما في الخارج ~~بخلاف العلم والإرادة وغيرهما من الصفات السبعة التي هي الحياة والعلم ~~والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر. # (القسم الخامس) جهل يتعلق بالصفات لا بالذات نحو تعلق قدرة الله تعالى ~~بجميع الكائنات وهو مذهب أهل الحق أو لم يتعلق بأفعال الحيوانات وهو مذهب ~~المعتزلة وكتعلق إرادة الله تعالى بتخصيص جميع الكائنات وهو مذهب أهل الحق ~~أو لم تتعلق بأفعال الحيوانات وهو مذهب المعتزلة وفي تكفيرهم بذلك للعلماء ~~قولان، والصحيح عدم تكفيرهم. # (القسم السادس) جهل يتعلق بالذات لا بصفة من الصفات مع الاعتراف بوجودها ~~كالجهل بسلب الجسمية والجهة والمكان وهو مذهب الحشوية، ومذهب أهل الحق ~~استحالة جميع ذلك على الله تعالى وفي تكفير الحشوية بذلك قولان والصحيح عدم ~~التكفير # PageV04P128 # وأما سلب الأبوة والبنوة والحلول والاتحاد ونحو ذلك ~~مما هو مستحيل على الله تعالى من هذا القبيل فأجمع المسلمون على تكفير من ~~يجوز ذلك على الله تعالى بخلاف تجويز غيره من المستحيلات كالجهة ونحوها مما ~~تقدم ذكره. # والفرق بين القسمين أن القسم الأول الذي هو الجسمية ونحوها فيه عذر عادي ~~فإن الإنسان ينشأ عمره كله وهو لا يدرك موجودا إلا في جهة وهو جسم أو قائم ~~بجسم فكان هذا عذرا عند بعض العلماء، ولم يضطر الإنسان في مجاري العادات ~~إلى البنوة والأبوة والحلول والاتحاد ونحوها فكم من موجود في العالم لم ~~يلد، ولم يولد كالأملاك والأفلاك # PageV04P129 # والأرض والجبال والبحار فلما انتفت الشبهة الموجبة ~~للضلال انتفى العذر فانعقد الإجماع على التكفير فهذا هو الفرق، وعليه تدور ~~الفتاوى فمن جوز على الله تعالى ما هو مستحيل عليه يتخرج على هذين القسمين. # (القسم السابع) الجهل بقدم الصفات لا بوجودها وتعلقها كقول الكرامية ~~بحدوث الإرادة ونحوها، وفي التكفير بذلك أيضا قولان الصحيح عدم التكفير. # (القسم الثامن) الجهل بما وقع أو يقع من متعلقات الصفات وهو قسمان أحدهما ~~كفر إجماعا وهو المراد هاهنا كالجهل بأن الله تعالى أراد بعثة الرسل، ~~وأرسلهم لخلقه بالرسائل الربانية وكالجهل ببعثة الخلائق ms772 يوم القيامة، ~~وإحيائهم من قبورهم وجزائهم على أعمالهم على التفصيل الوارد في الكتاب ~~والسنة فالجهل بهذا كفر # PageV04P130 # إجماعا، وهو مذهب الفلاسفة، ومن تابعهم. # (القسم التاسع) الجهل بما وقع من متعلقات الصفات وهو تعلقها بإيجاد ما لا ~~مصلحة فيه للخلق هل يجوز هذا على الله تعالى أم لا فأهل الحق يجوزونه، وأن ~~يفعل لعباده ما هو الأصلح لهم، وأن لا يفعله كل ذلك له تعالى فكل نعمة منه ~~فضل وكل نقمة منه عدل والخلائق دائرون بين فضله وعدله لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون، وفي تكفير المعتزلة بذلك قولان كما تقدم، والصحيح عدم تكفيرهم. # (القسم العاشر) ما وقع من متعلقات الصفات الربانية أو يقع مما لم يكلف به ~~كخلق حيوان في العالم أو إجراء نهر أو إماتة حيوان ونحو ذلك فهذا القسم لا ~~خلاف فيه أنه ليس بمعصية وهو جهل بل قد يكلف بمعرفة ذلك من قبل الشرائع ~~لأمر يخص تلك الصورة لا؛ لأن الجهل به # PageV04P131 # في حق الله منهي عنه وهذا القسم هو أحد القسمين ~~اللذين في القسم الثامن فهذه عشرة أقسام في الجهل المتعلق بذات الله وصفاته ~~العلى، ومتعلقات الصفات وبيان الكفر فيها من غيره والمجمع عليه منها من ~~المختلف فيه مفصلا، وتبين بذلك ما هو كفر منها مما ليس بكفر، هذا ما يتعلق ~~بالجهل، وأما ما يتعلق بالجراءة على الله تعالى فهو المجال الصعب في ~~التحرير وذلك أن الصغائر والكبائر وجميع المعاصي كلها جرأة على الله تعالى؛ ~~لأن مخالفة أمر الملك العظيم جراءة عليه كيف كان فتمييز ما هو كفر منها ~~مبيح للدم موجب للخلود هذا هو المكان الحرج في التحرير والفتوى، والتعرض ~~إلى الحد الذي # PageV04P132 # يمتاز به أعلى رتب الكبائر من أدنى رتب الكفر عسير ~~جدا بل الطريق المحصل لذلك أن يكثر من حفظ فتاوى المتقدمين المقتدى بهم من ~~العلماء في ذلك وينظر ما وقع له هل هو من جنس ما أفتوا فيه بالكفر أو من ~~جنس ما أفتوا فيه بعدم الكفر فيلحقه بعد إمعان النظر وجودة ms773 الفكر بما هو من ~~جنسه فإن أشكل عليه الأمر أو وقعت المشابهة بين أصلين مختلفين أو لم تكن له ~~أهلية النظر في ذلك لقصوره وجب عليه التوفيق، ولا يفتي بشيء فهذا هو الضابط ~~لهذا الباب. أما عبارة مانعة جامعة لهذا المعنى فهي من المتعذرات عند من ~~عرف غور هذا الموضع # PageV04P133 # مسألة) . اتفق الناس فيما علمت على تكفير إبليس ~~بقضيته مع آدم - عليه السلام -، وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود، ~~وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا، وليس الأمر كذلك، ولا كان ~~كفره لكونه حسد آدم على منزلته عند الله تعالى، وإلا لكان كل حاسد كافرا، ~~ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه من حيث هو عصيان وفسوق، وإلا كان كل عاص وفاسق ~~كافرا وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء وينبغي أن تعلم أن إبليس إنما كفر ~~بنسبة الله تعالى إلى # PageV04P134 # الجور والتصرف الذي ليس بمرضي ظهر ذلك من فحوى قوله ~~{أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] ومراد أن إلزام ~~العظيم الجليل بالسجود للحقير من التصرف الرديء والجور والظلم فهذا وجه ~~كفره، وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك فقد كفر؛ لأنه من ~~الجرأة العظيمة. # (مسألة) . أطلق المالكية وجماعة معهم الكفر على الساحر، وأن السحر كفر، ~~ولا شك أن هذا قريب من حيث الجملة غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع ~~يقع فيه الغلط العظيم المؤدي إلى هلاك المفتي والسبب في ذلك أنه إذا قيل ~~للفقيه ما هو السحر، وما حقيقته؟ حتى يقضى # PageV04P135 # بوجوده على كفر فاعليه يعسر عليه ذلك جدا فإنك إذا ~~قلت له: السحر والرقى والخواص والسيميا والهيميا وقوى النفوس شيء واحد ~~وكلها سحر أو بعض هذه الأمور سحر وبعضها ليس بسحر فإن قال الكل سحر يلزمه ~~أن سورة الفاتحة سحر؛ لأنها رقية إجماعا، وإن قال بل لكل واحدة من هذه ~~خاصية يختص بها فيقال بين لنا خصوص كل واحد منها، وما به تمتاز وهذا لا ~~يكاد يعرفه أحد من ms774 المتعرضين للفتيا، وأنا طول عمري ما رأيت من يفرق بين ~~هذه الأمور فكيف يفتي أحد بعد هذا بكفر شخص معين أو بمباشرة شيء معين بناء ~~على أن ذلك سحر وهو لا يعرف السحر ما هو؟ ، ولقد وجد في بعض المدارس بعض ~~الطلبة عنده كراسة فيها آيات للمحبة والبغضة والتهييج والنزيف وغير ذلك من ~~الأمور التي تسميها المغاربة علم المخلاة فأفتوا بكفره، وإخراجه من المدرسة ~~بناء على أن الأمور سحر، وأن السحر كفر وهذا جهل عظيم وإقدام على شريعة ~~الله بجهل وعلى عباده بالفساد من غير علم فاحذر هذه الخطة الردية المهلكة ~~عند الله وستقف في الفرق الذي بعد هذا على الصواب في ذلك إن شاء الله ~~تعالى. # (الفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو سحر يكفر به وبين ~~قاعدة ما ليس كذلك) : # PageV04P136 # واعلم أن السحر يلتبس بالهيمياء والسيمياء والطلسمات ~~والأوفاق والخواص المنسوبة للحقائق والخواص المنسوبة للنفوس والرقى ~~والعزائم والاستخدامات فهذه عشر حقائق. # (الحقيقة الأولى) السحر وقد ورد الكتاب العزيز بذمه لقوله تعالى {ولا ~~يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69] وفي السنة أيضا لما عد - عليه السلام - ~~الكبائر قال والسحر غير أن الكتب الموضوعة في السحر وضع فيها هذا الاسم على ~~ما هو كذلك كفر ومحرم وعلى ما ليس كذلك وكذلك السحرة يطلقون لفظ السحر على ~~القسمين فلا بد من التعرض لبيان ذلك فنقول السحر اسم جنس لثلاثة أنواع. # (النوع الأول) السيمياء وهو عبارة عما يركب من خواص أرضية كدهن خاص أو ~~مائعات خاصة أو كلمات خاصة توجب تخيلات خاصة وإدراك الحواس الخمس أو بعضا ~~لحقائق من المأكولات والمشمومات والمبصرات والملموسات # PageV04P137 # والمسموعات وقد يكون لذلك وجود حقيقي يخلق الله تلك ~~الأعيان عند تلك المحاولات وقد لا تكون له حقيقة بل تخيل صرف وقد يستولي ~~ذلك على الأوهام حتى يتخيل الوهم مضي السنين المتطاولة في الزمن اليسير ~~وتكرر الفصول وتخيل السن وحدوث الأولاد وانقضاء الأعمار في الوقت المتقارب ~~من الساعة ونحوها ويسلب الفكر الصحيح بالكلية ويصير أحوال الإنسان مع تلك ~~المحاولات كحالات ms775 النائم من غير فرق ويختص ذلك كله بمن عمل له، ومن لم يعمل ~~له لا يجد شيئا من ذلك. # (النوع الثاني) الهيمياء وامتيازها عن السيمياء أن ما تقدم يضاف للآثار ~~السماوية من الاتصالات الفلكية وغيرها من أحوال الأفلاك فيحدث جميع ما تقدم ~~ذكره فخصصوا هذا النوع لهذا الاسم تمييزا بين الحقائق. # (النوع الثالث) بعض خواص الحقائق من الحيوانات وغيرها كما تؤخذ سبع من ~~الحجارة فيرجم بها نوع من الكلاب شأنه إذا رمى بحجر عضه وبعض الكلاب لا ~~يعضه فالنوع الأول إذا رمي بهذه السبعة الأحجار فيعضها كلها لقطت بعد ذلك ~~وطرحت في ماء فمن شرب منه ظهرت فيه آثار عجيبة خاصة نص عليها السحرة ونحو ~~هذا النوع من الخواص المغيرة لأحوال النفوس، وأما خواص الحقائق المختصة ~~بانفعالات الأمزجة صحة أو سقما نحو الأدوية والأغذية من الجماد والنبات ~~والحيوان المسطورة في كتب الأطباء والعشابين والطبائعيين فليس من هذا النوع ~~بل هذا من علم الطب لا من علم السحر ويختص # PageV04P138 # بالسحر ما كان سلطانه على النفوس خاصة. قال الطرطوشي: ~~في تعليقه وقع في الموازية أن من قطع أذنا ثم ألصقها أو أدخل السكاكين في ~~بطنه فقد يكون هذا سحرا وقد لا يكون سحرا اختلف الأصوليون فقال بعضهم: لا ~~يكون السحر إلا رقى أجرى الله تعالى عادته أن يخلق عندها افتراق المتحابين ~~وقال الأستاذ أبو إسحاق وقد يقع به التغيير والضنى، وربما أتلف وأوجب الحب ~~والبغض والبله وفيه أدوية مثل المرائر والأكباد والأدمغة فهذا الذي يجوز ~~عادة. # وأما طلوع الزرع في الحال أو نقل الأمتعة والقتل على الفور والعمى والصمم ~~ونحوه وعلم الغيب فممتنع، وإلا لم يأمن أحد على نفسه عند العداوة وقد وقع ~~القتل والعناد من السحرة، ولم يبلغ فيها أحد هذا المبلغ، وقد وصل القبط فيه ~~إلى الغاية وقطع فرعون أيديهم وأرجلهم، ولم يتمكنوا من الدفع عن أنفسهم ~~والتغيب والهروب وحكى ابن الجويني أن أكثر علمائنا جوزوا أن يستدق جسم ~~الساحر حتى يلج في الكوة ويجري على خيط مستدق ويطير في ms776 الهواء ويقتل غيره، ~~قال القاضي: ولا يقع فيه إلا ما هو مقدور للبشر، وأجمعت الأمة على أنه لا ~~يصل إلى إحياء الموتى، وإبراء الأكمه وفلق البحر، وإنطاق البهائم قلت ~~ووصوله إلى القتل وتغيير الخلق ونقل الإنسان إلى صورة البهائم هو الصحيح ~~المنقول عنهم وقد كان القبط في أيام دلوكا ملكة مصر بعد فرعون وضعوا السحر ~~في البرابي وصوروا فيه عساكر الدنيا فأي عسكر قصدهم، وأي شيء فعلوه تخيل # PageV04P139 # ذلك الجيش المصور أو رجاله من قلع الأعين أو ضرب ~~الرقاب وقع بذلك العسكر في موضعه فتحاشيهم العساكر فأقاموا ستمائة سنة ~~والنساء هن الملوك والأمراء بمصر بعد غرق فرعون وجيوشه كذلك حكاه المؤرخون. # وأما سحرة فرعون فالجواب عنهم من وجوه. (الأول) أنهم تابوا فمنعتهم ~~التوبة والإسلام العودة إلى معاودة الكفر الذي تكون به تلك الآثار ورغبوا ~~فيما عند الله ولذلك قالوا {لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون} [الشعراء: 50] ~~(الثاني) لعلهم لم يكونوا مما وصلوا لذلك، وإنما قصد من السحرة في ذلك ~~الوقت من يقدر على قلب العصا حية لأجل موسى - عليه السلام -. # (الثالث) أنه يجوز أن يكون فرعون قد علمه بعض السحرة حجبا وموانع يبطل ~~بها سحر السحرة اعتناء به والحجب والمبطلات فيه مشتهرة عند أهله فاندفع ~~السؤال فهذه أنواع السحر الثلاثة ثم هذه الأنواع قد تقع بلفظ وهو كفر أو ~~اعتقاد هو كفر أو فعل هو كفر فالأول كالسب المتعلق بمن سبه كفر والثاني ~~كاعتقاد انفراد الكواكب أو بعضها بالربوبية، والثالث كإهانة ما أوجب الله ~~تعظيمه من الكتاب العزيز وغيره فهذه الثلاثة متى وقع شيء منها في السحر ~~فذلك السحر كفر لا مرية فيه وقد يقع السحر بشيء مباح كما تقدم في وضع ~~الأحجار في الماء فإنها مباحة وكذلك # PageV04P140 # رأيت بعض السحرة يسحر الحيات العظام فتقبل إليه وتموت ~~بين يديه ساعة ثم تفيق ثم يعاود ذلك الكلام فيعود حالها كذلك أبدا وكان في ~~ذلك يقول موسى بعصاه محمد بفرقانه يا معلم الصغار علمني كيف آخذ الحية ~~والحوية وكانت له قوة نفس ms777 يحصل منها مع هذه الكلمات هذا الأثر وهذه الكلمات ~~مباحة ليس فيها كفر وقوة نفسه التي جبل عليها ليست من كسبه فلا يكفر بها ~~كما أن الإنسان لا يعصي بما جبلت عليه نفسه من الإصابة بالعين وتأثيرها في ~~قتل الحيوانات وغير ذلك، وإنما يأثم بتصديه واكتسابه لذاك حرم الشرع أذيته ~~أو قتله أما لو تصدى صاحب العين لقتل أهل الحرب أو السباع المهلكة كان ~~طائعا لله تعالى بإصابته بالعين التي طبعت عليها نفسه فكذلك هاهنا وكذلك ~~سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مشط ومشاطة وكور طلع من النخل ~~وجعل الجميع في بئر فهذه الأمور في جمعها وجعلها في البئر أمر مباح إلا من ~~جهة ما يترتب عليه، وإلا لوجب التفصيل فقد يكون كفرا واجبا في صورة أخرى ~~اقتضت قواعد الشرع وجوبها فإن كان مع هذه الأمور الموضوعة في البئر كلمات ~~أخرى أو شيء آخر وهو الظاهر نظر فيه هل يقتضي كفرا أو هو مباح مثلها ~~وللسحرة فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قبل الشرع بأنها ليست معاصي، ولا كفرا ~~كما أن لهم ما يقطع بأنه كفر فيجب حينئذ التفصيل كما قاله الشافعي - رضي ~~الله عنه - أما الإطلاق بأن كل ما يسمى سحرا كفر فصعب جدا فقد تقرر بيان # PageV04P141 # أربعة حقائق من العشرة المتقدمة السحر الذي هو الجنس ~~العام، وأنواعه الثلاثة السيمياء والهيمياء والخواص المتقدم ذكرها. # (الحقيقة الخامسة) الطلمسات وحقيقتها نفس أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك ~~والكواكب على زعم أهل هذا العلم في أجسام من المعادن أو غيرها تحدث لها ~~آثار خاصة ربطت بها في مجاري العادات فلا بد في الطلسم من هذه الثلاثة ~~الأسماء المخصوصة وتعلقها ببعض أجزاء الفلك وجعلها في جسم من الأجسام، ولا ~~بد مع ذلك من قوة نفس صالحة لهذه الأعمال فليس كل النفوس مجبولة على ذلك. # (الحقيقة السادسة) الأوفاق وهي التي ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها # PageV04P142 # على شكل مخصوص مربع ويكون ذلك المربع مقسوما بيوتا ~~فيوضع في كل بيت عدد حتى تكمل البيوت فإذا ms778 جمع صف كامل من أضلاع المربع ~~فكان مجموعه عددا وليكن عشرين مثلا فلتكن الأضلاع الأربعة إذا جمعت كذلك ~~ويكون المربع الذي هو من الركن إلى الركن كذلك فهذا وفق فإن كان العدد مائة ~~ومن كل جهة كما تقدم مائة فهذا له آثار مخصوصة أنه خاص بالحروب ونصر من ~~يكون في لوائه، وإن كان خمسة عشر من كل جهة فهو خاص بتيسير العسير، وإخراج ~~المسجون، وأيضا الجنين من الحامل وتيسير الوضع وكل ما هو من هذا المعنى ~~وكان الغزالي يعتني به كثيرا حتى أنه ينسب إليه وضابطه (ب ط د ز ه ج وا ح) ~~فكل حرف منها له عدد إذا جمع عدد ثلاثة منها كان مثل عدد الثلاثة الأخر ~~فالباء باثنين والطاء بتسعة والدال بأربعة صار الجميع بخمسة عشر وكذلك تقول ~~الباء باثنين والزاي بسبعة والواو بستة صار الجميع من الضلع الآخر خمسة عشر ~~وكذلك الفطر من الركن إلى الركن تقول الباء باثنين والهاء بخمسة والحاء ~~بثمانية الجميع خمسة عشر وهو من حساب الجمل وعلى هذا المثال وهي الأوفاق ~~ولها كتب موضوعة لتعريف # PageV04P143 # كيف توضع حتى تصير على هذه النسبة من الاستواء، وهي ~~كلما كثرت كان أعسر، والضوابط الموضوعة لها حسنة لا تنخرم إذا عرفت أعني في ~~الصورة الوضع، وأما ما نسب إليها من الآثار قليلة الوقوع أو عديمته. # (الحقيقة السابعة) الخواص المنسوبة إلى الحقائق، ولا شك أن الله تعالى ~~أودع في أجزاء هذا العالم أسرارا وخواص عظيمة وكثيرة حتى لا يكاد يعرى شيء ~~عن خاصية فمنها ما هو معلوم على الإطلاق كإرواء الماء، وإحراق النار، ومنها ~~ما هو مجهول على الإطلاق، ومنه ما يعلمه الأفراد من الناس كالجحر والمكرم، ~~وما يصنع منه الكيمياء، ونحو ذلك كما يقال إن بالهند شجرا إذا عمل منه دهن ~~ودهن به إنسان لا يقطع فيه الحديد، وشجرا إذا استخرج منه دهن وشرب على صورة ~~خاصة مذكورة عندهم في العمليات استغنى عن الغذاء وامتنعت عليه الأمراض ~~واستقام، ولا يموت بشيء من ذلك وطالت حياته أبدا ms779 حتى يأتي من يقتله أما ~~موته بهذه الأسباب العادية فلا، ونحو ذلك فهذا شيء مودع في أجزاء العالم لا ~~يدخله فعل البشر بل هو ثابت كامل # PageV04P144 # مستقل بقدرة الله تعالى. # (الحقيقة الثامنة) خواص النفوس وهو نوع خاص من الخواص المودعة في العالم ~~فطبيعة الحيوانات طبائع مختلفة حتى لا تكاد تتفق بل نقطع أنه لا يستوي ~~اثنان من الأناسي في مزاج واحد ويدل على ذلك أنك لا تجد أحدا يشبه أحدا من ~~جميع الوجوه، ولو عظم الشبه لا بد من فرق بينهما. ومعلوم أن صفات الصور في ~~الوجوه وغيرها تابعة للأمزجة فلما حصل التباين في الصفات على الإطلاق وجب ~~التباين في الأمزجة على الإطلاق فنفس طبعت على الشجاعة # PageV04P145 # إلى الغاية وأخرى على الجبن إلى الغاية وأخرى على ~~الشر إلى الغاية وأخرى على الخير إلى الغاية وأخرى أي شيء عظمته هلك وهذا ~~هو المسمى بالعين وليس كل أحد يؤذي بالعين والذين يؤذون بها تختلف أحوالهم ~~فمنهم من يصيد بالعين الطير في الهوى ويقلع الشجر العظيم من الثرى أخبرني ~~بذلك العدول وغيرهم وآخر لا يصل بعينه إلى ذلك بل التمريض اللطيف ونحو ذلك ~~ومنهم من طبع على صحة الحزر فلا يخطئ الغيب عند شيء مخصوص، ولا يتأتى له ~~ذلك في غيره فلذلك تجد بعضهم لا يخطئ في علم الرمل أبدا وآخر لا يخطئ في ~~أحكام النجوم أبدا وآخر لا يخطئ في علم الكتف أبدا، وآخر لا يخطئ في علم ~~السير أبدا؛ لأن نفسه طبعت على ذلك، ولم يطبع على غيره فمن توجهت نفسه لطلب ~~الغيب عند ذلك الفعل الخاص أدركته بخاصيتها لا؛ لأن النجوم فيها شيء، ولا ~~الكتف، ولا الرمل، ولا بقيتها بل هي خواص نفوس، وبعضهم يجد صحة أعماله في ~~ذلك وهو شاب فإذا صار كبيرا فقدها؛ لأن القوة نقصت عن تلك الحدة التي كانت ~~في الشبوبية وقد ذهبت، ومن خواص النفوس ما يقتل ففي الهند جماعة إذا وجهوا ~~أنفسهم لقتل شخص مات ويشق صدره فلا يوجد فيه قلبه بل انتزعوه من ms780 صدره ~~بالهمة والعزم وقوة النفس ويجربون بالرمان فيجمعون عليه هممهم فلا توجد فيه ~~حبة وخواص النفوس كثيرة لا تعد ولا تحصى، وإليه مع غيره الإشارة بقوله - ~~عليه السلام - «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة» # PageV04P146 # الحديث، إشارة إلى تباين الأخلاق والخلق والسجايا ~~والقوى كما أن المعادن كذلك. # (الحقيقة التاسعة) الرقى وهي ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من الأسقام ~~والأدواء والأسباب المهلكة، ولا يقال لفظ الرقى على ما يحدث ضررا بل ذلك ~~يقال له السحر وهذه الألفاظ منها ما هو مشروع كالفاتحة والمعوذتين ومنها ما ~~هو غير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهما وربما كان كفرا ولذلك نهى مالك ~~وغيره عن الرقى بالعجمية لاحتمال أن يكون فيه محرم وقد نهى علماء مصر عن ~~الرقية التي تكتب في آخر جمعة من شهر رمضان لما فيها من اللفظ الأعجمي ~~ولأنهم يشتغلون بها عن الخطبة ويحصل بها مع ذلك مفاسد. # (الحقيقة العاشرة) العزائم وهي كلمات يزعم أهل هذا العلم أن سليمان - ~~عليه السلام - لما أعطاه الله تعالى الملك وجد الجان يعبثون ببني آدم ~~ويسخرون بهم في الأسواق ويخطفونهم من الطرقات فسأل الله تعالى أن يولي على ~~كل قبيل من الجان ملكا يضبطهم عن الفساد فولى الله تعالى الملائكة على ~~قبائل الجن فمنعوهم من الفساد ومخالطة الناس، وألزمهم سليمان - عليه السلام ~~- سكنى القفار والخراب من الأرض دون العامر ليسلم الناس من شرهم فإذا عثا ~~بعضهم، وأفسد ذكر المعزم كلمات تعظمها تلك الملائكة ويزعمون أن لكل نوع من ~~الملائكة أسماء أمرت بتعظيمها، ومتى أقسم عليها بها أطاعت، وأجابت وفعلت ما ~~طلب منها فالمعزم يقسم بتلك الأسماء على ذلك الملك # PageV04P147 # فيحضر له القبيل من الجان الذي طلبه أو الشخص منهم ~~فيحكم فيه بما يريد ويزعمون أن هذا الباب إنما دخله الخلل من جهة عدم ضبط ~~تلك الأسماء فإنها أعجمية لا يدرى وزن كل حرف منها يشك فيه هل هو بالضم أو ~~الفتح أو الكسر وربما أسقط النساخ بعض حروفه من غير علم فيختل العمل فإن ~~المقيم لفظ آخر لا يعظمه ms781 ذلك الملك فلا يجيب فلا يحصل مقصود المعزم، هذه ~~حقيقة العزائم. # (الحقيقة الحادية عشرة) الاستخدامات وهي قسمان الكواكب والجان فيزعمون أن ~~للكواكب إدراكات روحانية فإذا قوبلت الكواكب ببخور خاص ولباس خاص على الذي ~~يباشر البخور وربما تقدمت منه أفعال خاصة منها ما هو محرم في الشرع ~~كاللواط، ومنها ما هو كفر صريح وكذلك الألفاظ التي يخاطب بها الكواكب منها ~~ما هو كفر صريح فيناديه بلفظ الإلهية ونحو ذلك ومنها ما هو غير محرم على ~~قدر تلك الكلمات الموضوعة في كتبهم فإذا حصلت تلك الكلمات مع البخور مع ~~الهيئات المشترطة كانت روحانية ذلك الكواكب مطيعة له متى أراد شيئا فعلته ~~له على زعمهم وكذلك القول في ملوك الجان على زعمهم إذا عملوا لهم تلك ~~الأعمال الخاصة لكل ملك من الملوك فهذا هو الذي يزعمون بالاستخدام # PageV04P148 # وأنه خاص بروحانيات الكواكب، وملوك الجان وشروط هذه ~~الأمور مستوعبة في كتب القوم والغالب عليهم الكفر فلا جرم لا يشتغل بهذه ~~الأمور مفلح، وهاهنا قد انتهى العدد إلى أحد عشر وكان أصله عشر بسبب أن أحد ~~بعض الخواص من أنواع السحر فاختلف العدد لذلك. # وهاهنا أربع مسائل (المسألة الأولى) . قال الإمام فخر الدين بن الخطيب في ~~كتابه الملخص: السحر والعين لا يكونان من فاضل، ولا يقعان ولا يصحان منه ~~أبدا؛ لأن من شرط السحر الجزم بصدور الأثر وكذلك أكثر الأعمال من شرطها ~~الجزم والفاضل المتبحر في العلوم يرى وقوع ذلك من الممكنات التي يجوز أن ~~توجد وأن لا توجد فلا يصح له عمل أصلا، وأما العين فلا بد فيها من فرط ~~التعظيم للمرئي والنفوس الفاضلة لا تصل في تعظيم ما تراه إلى هذه الغاية ~~فلذلك لا يصح السحر إلا من العجائز والتركمان أو السودان ونحو ذلك من ~~النفوس الجاهلة. # (المسألة الثانية) السحر له حقيقة وقد يموت المسحور أو يتغير طبعه ~~وعادته، وإن لم يباشره وقال به الشافعي وابن حنبل وقالت الحنفية إن وصل إلى ~~بدنه كالدخان ونحوه جاز أن يؤثر، وإلا # PageV04P149 # فلا، وقالت القدرية لا حقيقة ms782 للسحر، لنا الكتاب ~~والسنة والإجماع. # أما الكتاب فقوله تعالى {يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] ، وما لا ~~حقيقة له لا يعلم، ولا يلزم صدور الكفر عن الملائكة؛ لأنه قرء الملكين بكسر ~~اللام أو هما ملكان وأذن لهما في تعليم الناس السحر للفرق بين المعجزة ~~والسحر؛ لأن مصلحة الخلق في ذلك الوقت كانت تقتضي ذلك ثم صعدا إلى السماء ~~وقولهما فلا تكفر أي لا تستعمله على وجه الكفر كما يقال خذ المال، ولا تفسق ~~به أو يكون معنى قوله عز وجل {يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] أي ما ~~يصلح للأمرين وفي الصحيحين «أنه - صلى الله عليه وسلم - سحر فكان يخيل إليه ~~أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن» الحديث وقد سحرت عائشة - رضي الله عنها - ~~جارية اشترتها وكان السحر وخبره معلوما للصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين ~~- وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية؛ ولأن الله عز وجل قادر على خلق ما ~~يشاء عقيب كلام مخصوص أو أدوية مخصوصة، احتجوا بقوله تعالى {يخيل إليه من ~~سحرهم أنها تسعى} [طه: 66] فهو تخيل لا حقيقة له؛ ولأنه لو كانت له حقيقة ~~لأمكن الساحر أن يدعي به النبوة فإنه يأتي بالخوارق على اختلافها. # والجواب عن الأول أنه حجة لنا؛ لأنه تعالى أثبت السحر، وإنما لم ينهض ~~بالخيال إلى السعي ونحن لا ندعي أن كل سحر ينهض إلى كل المقاصد، وعن الثاني ~~أن إضلال الله تعالى للخلق ممكن لكن الله تعالى أجرى عادته بضبط مصالحهم ~~فما يسر ذلك على الساحر وكم من ممكن يمنعه الله عز وجل من # PageV04P150 # الدخول في العلم لأنواع من الحكم مع أنا سنبين بعد ~~هذه المسألة إن شاء الله تعالى الفرق بين السحر والمعجزات من وجوه فلا يحصل ~~اللبس والضلال. # (المسألة الثالثة) قال الطرطوشي في تعليقه قال مالك وأصحابه: الساحر كافر ~~يقتل ولا يستتاب سحر مسلما أو ذميا كالزنديق قال محمد إن أظهره قبلت توبته ~~قال أصبغ إن أظهره، ولم يتب فقتل فماله لبيت المال، وإن استتر فلورثته من ~~المسلمين، ولا آمرهم بالصلاة عليه فإن فعلوا فهم أعلم. ms783 قال: ومن قول ~~علمائنا القدماء لا يقتل حتى يثبت أنه من السحر الذي وصفه الله عز وجل بأنه ~~كفر قال أصبغ يكشف عن ذلك من يعرف حقيقته، ولا يلي قتله إلا السلطان فإن ~~سحر المكاتب أو العبد سيده لم يل سيده قتله بل الإمام، ولا يقتل الذمي إلا ~~أن يضر المسلم بسحره فيكون نقضا لعهده فيقتل، ولا يقبل منه الإسلام # PageV04P151 # وإن سحر أهل ملته فيؤدب إلا أن يقتل أحدا فيقتل به ~~وقال سحنون يقتل إلا أن يسلم كالساب وهو خلاف قول مالك فإن ذهب لمن يعمل له ~~سحرا، ولم يباشر أدب أدبا شديدا؛ لأنه لم يكفر، وإنما ركن للكفرة. # قال وتعلمه وتعليمه عند مالك كفر وقالت الحنفية إن اعتقد أن الشياطين ~~تفعل له ما يشاء فهو كافر وإن اعتقد أنه تخييل وتمويه لم يكفر وقالت ~~الشافعية يصفه فإن وجدنا فيه ما هو كفر كالتقرب للكواكب ويعتقد أنها تفعل ~~ما يلتمس منها فهو كفر، وإن لم نجد فيه كفرا فإن اعتقد إباحته فهو كفر قال ~~الطرطوشي وهذا متفق عليه؛ لأن القرآن نطق بتحريمه قالت الشافعية إن قال ~~سحري يقتل غالبا وقتلت به قتل، وإن قال الغالب منه السلامة فعليه الدية ~~مغلظة في ماله؛ لأن العاقلة لا تحمل الإقرار. # وقال أبو حنيفة إن قال قتلت بسحري لم يجب عليه القود؛ لأنه لم يقتل ~~بمثقل، وإن تكرر ذلك منه قتل؛ لأنه سعى في الأرض بالفساد، قال الطرطوشي ~~ودليل المالكية قوله تعالى {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا ~~تكفر} [البقرة: 102] أي بتعلمه {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون ~~الناس السحر} [البقرة: 102] ولأنه لا يتأتى إلا ممن يعتقد أنه يقدر به على ~~تغيير الأجسام # PageV04P152 # والجزم بذلك كفر أو نقول هو علامة الكفر بإخبار الشرع ~~فلو قال الشارع من دخل موضع كذا فهو كافر اعتقدنا كفر الداخل، وإن لم يكن ~~الدخول كفرا، وإن أخبرنا هو أنه مؤمن لم نصدقه قال فهذا معنى قول أصحابنا ~~إن السحر كفر أي دليل الكفر لا ms784 أنه كفر في نفسه كأكل الخنزير وشرب الخمر ~~والتردد إلى الكنائس في أعياد النصارى فنحكم بكفر فاعله. # وإن لم تكن هذه الأمور كفرا لا سيما وتعلمه لا يتأتى إلا بمباشرته كمن ~~أراد أن يتعلم الزمر أو ضرب العود، والسحر لا يتم إلا بالكفر كقيامه إذا ~~أراد سحر سلطان لبرج الأسد قائلا خاضعا متقربا له ويناديه يا سيداه يا ~~عظيماه أنت الذي إليك تدين الملوك والجبابرة والأسود أسألك أن تذلل لي قلب ~~فلان # PageV04P153 # الجبار، واحتجوا بأن تعلم صريح الكفر ليس بكفر فإن ~~الأصولي يتعلم جميع أنواع الكفر ليحذر منه، ولا يقدح في شهادته ومأخذه، ~~فالسحر أولى أن لا يكون كفرا، ولو قال إنسان إنما تعلمت كيف يكفر بالله ~~لأجتنبه أو كيف الزنا، وأنواع الفواحش لأجتنبها لم يأثم قلت هذه المسألة في ~~غاية الإشكال على أصولنا فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشريعة ~~تكفيرهم بها كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة، وكذلك يجمعون ~~عقاقير ويجعلونها في الأنهار والآبار أو زير الماء أو في قبور الموتى أو في ~~باب يفتح إلى المشرق أو غير ذلك من البقاع ويعتقدون أن الآثار تحدث عند تلك ~~الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك ~~الآثار # PageV04P154 # عند صدق العزم فلا يمكننا تكفيرهم بجمع العقاقير، ولا ~~بوضعها في الآبار، ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل؛ لأنهم ~~جربوا ذلك فوجدوه لا ينخرم عليهم لأجل خواص نفوسهم فصار ذلك الاعتقاد ~~كاعتقاد الأطباء حصول الآثار عند شرب العقاقير لخواص طبائع تلك العقاقير # PageV04P155 ~~والتأثير كان كفرا وأجيب عن هذا الفرق بأن تأثير الحيوانات في القتل ~~والضر والنفع في مجرى العادة مشاهد من السباع والآدميين وغيرهم. # وأما كون المشترى أو زحل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حزر وتخمين من ~~المنجمين لا صحة له وقد عبدت البقر والشجر والحجارة والثعابين فصارت هذه ~~الشائبة مشتركة بين الكواكب وغيرها فهو موضع نظر والذي لا مرية فيه أنه كفر ~~إن اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا نحتاج إلى الله تعالى ms785 فهذا مذهب الصائبة ~~وهو كفر صريح لا سيما إن صرح بنفي ما عداها وبهذا البحث يظهر ضعف ما قالته ~~الحنفية من أن أمر الشياطين وغيرهم كفر بل ينبغي لهم أن يفصلوا في هذا ~~الإطلاق فإن الشياطين كانت تصنع لسليمان - عليه السلام - ما يأمرهم به من ~~محاريب وتماثيل وغير ذلك فإن اعتقد الساحر أن الله تعالى سخر له بسبب ~~عقاقيره مع خواص نفسه الشياطين صعب القول بتكفيره. # وأما قول الأصحاب أنه علامة الكفر فمشكل؛ لأنا نتكلم في هذه المسألة ~~باعتبار الفتيا ونحن نعلم أن حال الإنسان في تصديقه لله تعالى ورسله بعد ~~عمل هذه العقاقير كحاله قبل ذلك والشرع لا يخبر على خلاف الواقع فإن أرادوا ~~الخاتمة فمشكل أيضا لأنا لا نكفر في الحال بكفر واقع في المآل كما أنا لا ~~نجعله مؤمنا في الحال بإيمان واقع في المآل وهو يعبد الأصنام الآن بل ~~الأحكام الشرعية تتبع أسبابها وتحققها لا توقعها. # وإن قطعنا بوقوعها كما أنا نقطع بغروب الشمس وغير ذلك، ولا نرتب ~~مسبباتها # PageV04P156 # قبلها، وأما قول أصحابنا في التردد إلى الكنائس وأكل الخنزير وغيره إنما ~~قضينا بكفره في القضاء دون الفتيا وقد يكون فيما بينه وبين الله تعالى ~~مؤمنا فالذي يستقيم في هذه المسألة ما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا ~~لا نكفره حتى يثبت أنه من السحر الذي كفر الله تعالى به أو يكون سحرا ~~مشتملا على كفر كما قال الشافعي. # وأما قول مالك أن تعلمه وتعليمه كفر ففي غاية الإشكال فقد قال الطرطوشي ~~وهو من سادات العلماء أنه إذا وقف لبرج الأسد وحكى القضية إلى آخرها فإن ~~هذا سحر فقد تصوره، وحكم عليه بأنه سحر فهذا هو تعلمه فكيف يتصور شيئا لم ~~يعلمه، وأما قوله لا يتصور التعلم إلا بالمباشرة كضرب العود فليس كذلك بل ~~كتب السحر مملوءة من تعليمه، ولا يحتاج إلى ذلك بل هو كتعلم أنواع الكفر ~~الذي لا يكفر به الإنسان كما نقول إن النصارى يعتقدون في عيسى - عليه ~~السلام - كذا والصابئة يعتقدون في النجوم ms786 كذا ونتعلم مذاهبهم، وما هم عليه ~~على وجهه حتى نرد عليهم ذلك فهو قربة لا كفر وقد قال بعض العلماء إن كان ~~تعلم السحر ليفرق بينه وبين المعجزات كان ذلك قربة وكذلك نقول إن عمل السحر ~~بأمر مباح ليفرق به بين المجتمعين على الزنا أو قطع الطريق بالبغضاء ~~والشحناء أو يفعل ذلك بجيش الكفر فيقتلون به ملكهم. # فهذا كله قربة أو يصنعه محبة بين الزوجين أو الملك مع جيش الإسلام فتأمل ~~هذه المباحث كلها فالموضع مشكل جدا. # قول الطرطوشي إذا قال صاحب # PageV04P157 ~~الشرع من دخل الدار فهو كافر قضينا بكفره عند دخول الدار فهو فرض محال، ~~ولا يخبر صاحب الشرع عن إنسان بالكفر إلا إذا كفر، وقولهم هو دليل الكفر ~~ممنوع، وقولهم؛ لأن صاحب الشرع أخبر بذلك في الكتاب العزيز قلنا حمل الآية ~~على ما هو كفر من السحر لا محال فيه غايته دخول التخصيص في العموم بالقواعد ~~وهذا هو شأننا في العمومات. # وأما التكفير بغير سبب الكفر فهو خلاف القواعد، ولا شاهد له بالاعتبار، ~~وأي دليل دلنا على أن تعلم السحر أو تعليمه لا يكون إلا بالكفر وقوله تعالى ~~{ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] فالجواب عنه قوله ~~{يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] نمنع أنه تفسير لقوله {كفروا} [البقرة: ~~102] بل إخبار عن حالهم بعد تقرر كفرهم بغير السحر وإنما يتم المقصود إذا ~~كانت الجملة الثانية مفسرة للأولى سلمنا أنها مفسرة لها لكن يتعين حمله على ~~أن ذلك السحر كان مشتملا على الكفر، وكانت الشياطين تعتقد موجب تلك الألفاظ ~~كالنصراني إذا علم المسلم دينه فإنه يعتقد موجبه. # وأما علم المسلم دين النصراني ليرد عليه ويتأمل فساد قواعده فلا يكفر ~~المعلم ولا المتعلم وهذا التقييد على وفق القواعد. # وأما جعل التعليم والتعلم مطلقا كفرا فخلاف القواعد ولنقتصر على هذا ~~القدر من التنبيه على غور هذه المسألة قلت نقلت هذا الفصل بجملته لافتقار ~~الكلام عليه إلى مقدمة لم يتعين تمهيدها وهي أن كون أمر ما كفر أي أمر كان ~~ليس من الأمور ms787 العقلية بل هو من الأمور الوضعية الشرعية ~~ # PageV04P158 # فإذا قال الشارع في أمر ما هو كفر فهو كذلك سواء كان ذلك القول إنشاء أم ~~إخبارا فإذا تمهدت القاعدة فنقول ما قاله الطرطوشي من أن دليل المالكية ~~قوله تعالى {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: ~~102] أي بتعلمه قول صحيح واستدلال المالكية بذلك ظاهر واضح لتعذر حمل قوله ~~{فلا تكفر} [البقرة: 102] على الكفر بغير التعليم لعدم التئام قوله {فلا ~~تكفر} [البقرة: 102] على تقدير أن الكفر المنهي عنه غير التعلم مع ما قبله ~~فهو من هذه الجهة وبهذه القرينة نص في أن التعلم هو الكفر ولكن يبقى في ذلك ~~أن الآية إخبار عن واقع قبلنا، وخطاب عن غيرنا فلا يتم الاستدلال إلا على ~~القول بأنه شرع لنا وهو المشهور المنصوص في المذهب. # وما قاله الطرطوشي أيضا من أن السحر لا يتأتى إلا ممن يعتقد أنه يقدر به ~~على تغيير الأجسام إن أراد أنه لا يظهر له أثر إلا مع ذلك الاعتقاد فهو مثل ~~ما حكاه الشهاب عن الفخر في المسألة الأولى ولا أدري صحة ذلك، وما قاله من ~~أن الجزم بذلك الاعتقاد كفر قول صحيح لنسبة التأثير لغير قدرة الله تعالى، ~~وما قاله من تسويغ القول بأنه علامة على الكفر الداخل صحيح وما قاله من أنه ~~لو قال الشارع من دخل موضع كذا فهو كافر اعتقدنا كفر الداخل، وأن الدخول ~~كفر، صحيح لما تقدم من أن الكفر من الأمور الوضعية فإذا قال الشارع في أمر ~~ما إنه كفر مخبرا أو منشئا فذلك الأمر كفر وما قاله من أن معنى قول الأصحاب ~~أن السحر كفر أي دليل الكفر إلى قوله، وإن لم تكن # PageV04P159 # وخواص النفوس لا يمكن التكفير بها؛ لأنها ليست من ~~كسبهم، ولا كفر بغير مكتسب. وأما اعتقادهم بأن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله ~~تعالى فهذا خطأ؛ لأنها لا تفعل ذلك بها، وإنما # PageV04P160 # جاءت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله تعالى بها ~~تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد ms788 فيكون ذلك الاعتقاد في الكواكب خطأ كما إذا ~~اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصبر والسقمونيا عقل البطن وقطع الإسهال ~~فإنه خطأ. # وأما تكفيره بذلك فلا، وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطين ~~بقدرتها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض العلماء الشافعية هذا هو مذهب ~~المعتزلة في استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى فكما لا نكفر ~~المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء، ومنهم من فرق بأن الكواكب مظنة العبادة فإن ~~انضم إلى ذلك اعتقاد # PageV04P161 # القدرة والتأثير كان كفرا، وأجيب عن هذا الفرق بأن ~~تأثير الحيوان في القتل والضر والنفع في العادة مشاهد من السباع والآدميين ~~وغيرهم، وأما كون المشترى أو زحل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حزر وتخمين ~~من المنجمين لا صحة له وقد عبدت البقر والشجر والحجارة والثعابين فصارت هي ~~الشائبة مشتركة بين الكواكب وغيرها فهو موضع نظر والذي لا مرية فيه أنه كفر ~~إن اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى فهذا مذهب الصائبة ~~وهو كفر صريح لا سيما إن صرح بنفي ما عداها # PageV04P162 # وبهذا البحث يظهر ضعف ما قالته الحنفية من أن أمر ~~الشياطين وغيرهم كفر بل ينبغي لهم أن يفصلوا في هذا الإطلاق فإن الشياطين ~~كانت تصنع لسليمان - عليه السلام - ما يأمرهم به من محاريب وتماثيل وغير ~~ذلك فإن اعتقد الساحر أن الله عز وجل سخر له بسبب عقاقيره مع خواص نفسه ~~الشياطين صعب القول بتكفيره. # وأما قول الأصحاب إنه علامة الكفر فمشكل؛ لأنا نتكلم في هذه المسألة ~~باعتبار الفتيا ونحن نعلم أن حال الإنسان في تصديقه لله تعالى ورسله بعد ~~عمل هذه العقاقير كحاله قبل ذلك، والشرع لا يخبر على خلاف الواقع # PageV04P163 # فإن أرادوا الخاتمة فمشكل أيضا؛ لأنا لا نكفر في ~~الحال بكفر واقع في المآل كما أنا لا نجعله مؤمنا في الحال بإيمان واقع في ~~المآل وهو يعبد الأصنام الآن بل الأحكام الشرعية تتبع أسبابها وتحققها لا ~~توقعها وإن قطعنا بوقوعها كما أنا نقطع بغروب الشمس وغير ذلك، ولا ms789 نرتب ~~مسبباتها قبلها، وأما قول أصحابنا في التردد إلى الكنائس، وأكل الخنزير ~~وغيره فإنما قضينا بكفره في القضاء دون الفتيا وقد يكون فيما بينه وبين ~~الله تعالى مؤمنا. # فالذي يستقيم في هذه المسألة ما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا ~~نكفره حتى يثبت أنه من السحر الذي كفر الله به أو يكون سحرا مشتملا على كفر ~~كما قاله الشافعي، وأما قول مالك أن تعلمه وتعليمه كفر ففي غاية الإشكال ~~فقد قال الطرطوشي وهو من سادات العلماء أنه إذا وقف لبرج الأسد # PageV04P164 # وحكى القضية إلى آخرها فإن هذا سحر فقد تصوره وحكم ~~عليه بأنه سحر فهذا هو تعلمه فكيف يتصور شيئا لم يعلمه. # وأما قوله لا يتصور التعلم إلا بالمباشرة كضرب العود فليس كذلك بل كتب ~~السحر مملوءة من تعليمه، ولا يحتاج إلى ذلك بل هو كتعلم أنواع الكفر الذي ~~لا يكفر به الإنسان كما نقول إن النصارى يعتقدون في عيسى - عليه السلام - ~~كذا والصابئة يعتقدون في النجوم كذا ونتعلم مذاهبهم، وما هم عليه على وجهه ~~حتى نرد عليهم ذلك فهو قربة لا كفر، وقد قال بعض العلماء: إن كان تعلم ~~السحر ليفرق بينه وبين المعجزات كان ذلك قربة وكذلك نقول إن عمل السحر بأمر ~~مباح ليفرق به بين المجتمعين على الزنا أو قطع الطريق بالبغضاء والشحناء أو ~~يفعل ذلك بجيش الكفر فيقتلون به ملكهم هذا كله قربة أو يصنعه محبة بين ~~الزوجين أو # PageV04P165 # مع جيش الإسلام فتأمل هذه المباحث كلها فالموضع مشكل ~~جدا. # وقول الطرطوشي إذا قال صاحب الشرع من دخل الدار فهو كافر قضينا بكفره عند ~~دخول الدار فهو فرض محال، ولا يخبر صاحب الشرع عن إنسان بالكفر إلا إذا كفر ~~وقولهم هو دليل الكفر ممنوع وقولهم لأن # PageV04P166 # صاحب الشرع أخبر بذلك في الكتاب العزيز قلنا حمل ~~الآية على ما هو كفر من السحر لا محال فيه غايته دخول التخصيص في العموم ~~بالقواعد وهذا هو شأننا في العمومات. # وأما التكفير بغير سبب الكفر فهو خلاف القواعد، ولا شاهد ms790 له في الاعتبار، ~~وأي دليل دلنا على أن تعلم السحر أو تعليمه لا يكون إلا بالكفر وقوله تعالى ~~{ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] فالجواب عنه أن ~~قوله {يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] نمنع أنه تفسير لقوله {كفروا} ~~[البقرة: 102] بل إخبار عن حالهم بعد تقرر كفرهم بغير السحر، وإنما يتم ~~المقصود إذا كانت الجملة الثانية مفسرة للأولى سلمنا أنها مفسرة لها لكن ~~يتعين حمله على أن ذلك السحر كان مشتملا على الكفر وكانت الشياطين تعتقد ~~موجب تلك الألفاظ كالنصراني إذا علم المسلم دينه فإنه يعتقد موجبه، وأما ~~الأصولي إذا علم تلميذه المسلم دين النصراني ليرد عليه ويتأمل فساد قواعده ~~فلا يكفر المعلم، ولا المتعلم، وهذا التقييد على وفق القواعد، وأما جعل ~~التعلم والتعليم مطلقا كفرا فهو خلاف القواعد ولنقتصر على هذا القدر من ~~التنبيه على غور هذه المسألة. # (المسألة الرابعة) الفرق بين المعجزات في النبوات وبين السحر وغيره مما ~~يتوهم أنه من خوارق العادات: # PageV04P167 # هذه مسألة عظيمة الوقع في الدين، وأشكلت على جماعة من ~~الأصوليين والتبست على كثير من الفضلاء المحصلين والفرق بينهما من ثلاثة ~~أوجه فرق في نفس الأمر باعتبار الباطن وفرقان باعتبار الظاهر أما الفرق ~~الواقع في نفس الأمر فهو أن السحر والطلمسات والسيمياء وهذه الأمور ليس ~~فيها شيء خارق للعادة بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها ~~غير أن تلك الأسباب لم تحصل لكثير من الناس بل للقليل منهم كالعقاقير التي ~~تعمل منها الكيمياء والحشائش التي يعمل منها النفط الذي يحرق الحصون ~~والصخور، والدهن الذي من ادهن به لم يقطع فيه حديد والسمندل والحيوان الذي ~~لا تعدو عليه النار، ولا يأوي إلا فيها هذه كلها ونحوها في العالم أمور ~~غريبة قليلة الوقوع وإذا وجدت أسبابها وجدت على العادة فيها، وكذلك إذا ~~وجدت أسباب السحر الذي أجرى الله به العادة حصل وكذلك السيمياء وغيرها كلها ~~جارية على أسباب عادية غير أن الذي يعرف تلك الأسباب قليل من الناس أما ~~المعجزات فليس لها سبب في العادة ms791 أصلا فلا يجعل الله تعالى في العالم عقارا ~~يفلق البحر أو يسير الجبال في الهوى ونحو ذلك فنحن نريد بالمعجزة ما خلق ~~الله تعالى في العالم عند تحدي الأنبياء على هذا الوجه وهنا فرق عظيم. # غير أن الجاهل بالأمرين يقول، وما يدريني أن هذا لا سبب له من جهة العادة ~~فيقال له الفرقان الأخيران # PageV04P168 # يذهبان عنك هذا اللبس: # الفرق الأول منهما: أن السحر وما يجري مجراه يختص بمن عمل له حتى أن أهل ~~هذه الحرف إذا استدعاهم الملوك والأكابر ليبينوا لهم هذه الأمور على سبيل ~~التفرج يطلبون منهم أن تكتب أسماء كل من يحضر ذلك المجلس فيصنعون صنعهم لمن ~~يسمى لهم فإن حضر غيرهم لا يرى شيئا مما رآه الذين سموا أولا، قال العلماء: ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} [الأعراف: ~~108] ينظر إليها على الإطلاق ففارقت بذلك السحر والسيمياء، وهذا فرق عظيم ~~يظهر للعالم والجاهل. # الفرق الثاني من الفرقين: الظاهر من قرائن الأحوال المفيدة للعلم القطعي ~~الضروري المحتفة بالأنبياء - عليهم السلام - المفقودة في حق غيرهم فنجد ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - أفضل الناس نشأة ومولدا، ومزية وخلقا وخلقا ~~وصدقا # PageV04P169 # وأدبا، وأمانة وزهادة، وإشفاقا ورفقا وبعدا عن ~~الدناءات والكذب والتمويه {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] ثم ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا بحارا في العلوم على اختلاف ~~أنواعها من الشرعيات والعقليات والحسابيات والسياسات والعلوم الباطنة ~~والظاهرة حتى يروى أن عليا - رضي الله عنه - جلس عند ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - يتكلم في الباء من بسم الله من العشاء إلى أن طلع الفجر مع أنهم لم ~~يدرسوا ورقة، ولا قرءوا كتابا، ولا تفرغوا من الجهاد وقتل الأعداء ومع ذلك ~~فإنهم كانوا على هذه الحالة ببركته - صلى الله عليه وسلم - حتى قال بعض ~~الأصوليين لو لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - معجزة إلا أصحابه ~~لكفوه في إثبات نبوته وكذلك ما علم من فرط صدقه الذي جزم به أولياؤه، ~~وأعداؤه، وكان يسمى في صغره الأمين إلى ms792 غير ذلك مما هو مبسوط في موضعه فمن ~~وقف على هذه القرائن وعرفها من صاحبها جزم بصدقه فيما يدعيه جزما قاطعا ~~وجزم بأن هذه الدعوى حق ولذلك «لما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أبا بكر بنبوته قال له الصديق صدقت» من غير احتياج إلى معجزة خارقة فنزل ~~فيهما قوله تعالى {والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: 33] أي محمد جاء ~~بالصدق، وأبو بكر صدق به فما من نبي إلا وله من هذه القرائن الحالية ~~والمقالية العجائب والغرائب. # وأما الساحر فعلى العكس من ذلك كله لا تجده في موضع إلا ممقوتا حقيرا بين ~~الناس، وأصحابه # PageV04P170 # وأتباعه وأتباع كل مبطل عديمين للطلاوة لا بهجة عليهم ~~والنفوس تنفر منهم، ولا فيهم من نوافل الخير والسعادة أثر فهذه فروق ثلاثة ~~بين البابين وهي في غاية الظهور لا يبقى معها - ولله الحمد - لبس ولا شك ~~لجاهل، ولا عالم. # (الفرق الثالث والأربعون والمائتان بين قاعدة قتال البغاة وقاعدة قتال ~~المشركين) . قال ابن بشير: البغاة هم الذين يخرجون على الإمام يبغون خلعه ~~أو منع الدخول في طاعته أو تبغي منع حق واجب بتأويل في ذلك كله وقاله ~~الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم -، وما علمت في ذلك ~~خلافا وبه يمتازون عن المحاربين ويفترق قتالهم من قتال المشركين بأحد عشر ~~وجها أن يقصدوا بالقتال ردعهم لا قتلهم ويكف عن مدبرهم ولا يجهز على ~~جريحهم، ولا يقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان ~~على قتالهم بمشرك، ولا نوادعهم على مال ولا تنصب عليهم الرعادات، ولا تحرق ~~عليهم المساكين ولا يقطع شجرهم ويمتاز قتالهم عن قتال المحاربين بخمسة ~~يقاتلون مدبرين ويجوز تعمد قتلهم ويطالبون بما استهلكوا من دم أو مال في ~~الحرب وغيرها، ويجوز حبس أسراهم لاستبراء أحوالهم، وما أخذوه من الخراج ~~والزكاة لا يسقط عمن كان عليه كالغاصب، ونقل صاحب الجواهر في هذا الفرع قال ~~إن ولى البغاة قاضيا أو أخذوا الزكاة أو أقاموا حدا نفذ ذلك كله قاله عبد ~~الملك للضرورة ms793 مع التأويل ورده ابن القاسم كله لعدم # PageV04P171 # الولاية وبقول عبد الملك قالت الشافعية. # (الفرق الرابع والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو شبهة تدرأ بها الحدود ~~والكفارات وقاعدة ما ليس كذلك) . قاعدة يقع بها الفرق وهي أن الشبهات ~~ثلاثة: شبهة في الوطء وشبهة في الموطوءة وشبهة في الطريق فالشبهة الأولى ~~تعم الحدود والكفارات ومثالها اعتقاد أن هذه الأجنبية امرأته ومملوكته أو ~~نحو ذلك، ومثال شبهة الموطوءة الأمة المشتركة إذا وطئها أحد الشريكين فما ~~فيها من نصيبه يقتضي عدم الحد، وما فيها من ملك غيره يقتضي الحد فيحصل ~~الاشتباه وهي عين الشبهة كما أن اعتقاد الأولى الذي هو جهل مركب وغير مطابق ~~يقتضي عدم الحد من حيث إنه معتقد الإباحة، وعدم المطابقة في اعتقاده يقتضي ~~الحد فحصلت الشبهة من الشبهين، ومثال الثالثة اختلاف العلماء في إباحة ~~الموطوءة كنكاح المتعة ونحوه فإن قول المحرم يقتضي الحد وقول المبيح يقتضي ~~عدم الحد فحصلت الشبهة من الشبهتين فهذه الثلاثة هي ضابط الشبهة المعتبرة ~~في إسقاط الحدود والكفارات في إفساد صوم رمضان غير أن لها شرطا وهو اعتقاد ~~مقارنة السبب المبيح. # قال مالك في المدونة في كتاب الصيام إذا جامع في رمضان ناسيا فظن أن ذلك ~~يبطل صومه فتعمد الفطر ثانية أو امرأة رأت الطهر في رمضان ليلا فلم تغتسل ~~حتى أصبحت فظنت أنه لا صوم # PageV04P172 # لمن لم يغتسل قبل الفجر فأكلت أو مسافر قدم إلى أهله ~~ليلا فظن أن من لم يدخل نهارا قبل أن يمسي أن صومه لا يجزئه، وأن له أن ~~يفطر فأفطر أو عبد بعثه سيده في رمضان يرعى غنما له على مسيرة ميلين أو ~~ثلاثة فظن أن ذلك سفر فأفطر فليس على هؤلاء إلا القضاء بلا كفارة قال ابن ~~القاسم، وما رأيت مالكا يجعل الكفارة في شيء من هذه الوجوه على التأويل إلا ~~امرأة قالت اليوم أحيض وكان يوم حيضها ذلك فأفطرت أول نهارها وحاضت في آخره ~~والذي يقول اليوم يوم جمادى فيأكل في رمضان متعمدا في أول النهار ثم يمرض ms794 ~~في آخره مرضا لا يقدر على الصوم معه فقال عليهما القضاء والكفارة. # ووجه الفرق بين الحائض والمريض وبين ما تقدم من المسائل أن تلك اعتقد ~~فيها المقدم عليها اقتران السبب المبيح وفي هاتين اعتقد أنه سيقع فأوقعا ~~الإباحة قبل سببها فهما مصيبان من حيث إن المرض والحيض مبيحان مخطئان في ~~التقديم للحكم على سببه، والأول مخطئون في حصول السبب مصيبون في اعتقاد ~~المقارنة، ولم يقصدوا تقديم الحكم على سببه فعذروا بالتأويل الفاسد، ولم ~~يعذر الآخران بالتأويل الفاسد، وسر الفرق في ذلك أن تقديم الحكم على سببه ~~بطلانه مشهور غير ملتبس في الشريعة فلا صلاة قبل الزوال، ولا صوم قبل ~~الهلال، ولا عقوبة قبل الجنايات، وهو كثير لا يعد، ولا يحصى حتى لا يكاد ~~يوجد خلافه ألبتة. وأما اشتباه صورة الأسباب المبيحة وتحقيق شروطها ~~ومقاديرها فلا يعلمه إلا الفقهاء الفحول وتحقيقه # PageV04P173 # عسير على أكثر الناس فكان اللبس فيه عذرا، وما هو ~~مشهور لا يكون اللبس فيه عذرا ونظير الحائض والمريض في الكفارات في الحدود ~~أن يشرب خمرا يعتقد أنه سيصير خلا أو يطأ امرأة يعتقد أنه سيتزوجها فإن ~~الحد لا يسقط لعدم اعتقاد مقارنة العلم لسببه بخلاف أن يعتقد أنه في الوقت ~~الحاضر حل أو هي امرأته أو جاريته في الوقت الحاضر فهذا لا حد عليه فيتحصل ~~لك من ذلك الفرق بين مسائل مالك التي اختلف قوله فيها ويتحصل أيضا قيد آخر ~~ينعطف على الشبهة فيكون شرطا فيها وهو أنا نشترط اعتقاد المقارنة في درء ~~الكفارات والحدود فهذا هو ضابط الشبهة المسقطة للحدود والكفارات، وما خرج ~~عن هذه الثلاثة فيه الحد والكفارة كمن تزوج خامسة أو مبتوتة ثلاثا قبل زوج ~~أو أخته من الرضاع أو النسب أو ذات محرم عامدا عالما بالتحريم أو انتهك ~~حرمة رمضان بالفطر، وما خرج عن هذه الثلاثة ففيه الحد والكفارة. # (سؤال) قلت لبعض الفضلاء: الحديث الذي يستدل به الفقهاء وهو ما يروى ~~«ادرءوا الحدود بالشبهات» لم يصح، وإذا لم يكن صحيحا ما يكون معتمدنا في ~~هذه ms795 الأحكام؟ . (جوابه) قال لي يكفينا أن نقول حيث أجمعنا على إقامة الحد ~~كان سالما عن الشبهة وما قصر عن محل الإجماع لا يلحق به عملا بالأصل حتى ~~يدل دليل على إقامة الحد في صور الشبهات وهو جواب حسن. # PageV04P174 # (الفرق الخامس والأربعون والمائتان بين قاعدة القذف ~~إذا وقع من الأزواج للزوجات فإن اللعان يتعدد بتعددهن إذا قذف الزوج زوجاته ~~في مجلس أو مجلسين وبين قاعدة الجماعة يقذفهم الواحد فإن الحد يتحد عندنا) ~~فإن قام به واحد سقط كل قذف قبله وقاله أبو حنيفة وقال الشافعي إن قذفهم ~~بكلمات متفرقة فعليه لكل واحدة حد وقاله ابن حنبل أو بكلمة واحدة فقولان ~~عند الشافعي وأحمد وبناه الحنفية على أنه حق لله فصح التداخل فيه وبناه ~~الآخرون على أنه حق لآدمي فيتعدد ويلزمنا أن يكون عندنا قولان بناء على أن ~~حد القذف حق لله تعالى أم لا؛ لأن لنا في هذه القاعدة قولين حكاهما العبدي ~~واللخمي وغيرهما لنا أن «هلال بن أمية العجلاني رمى امرأته بشريك ابن سحماء ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حد في ظهرك أو تلتعن» ، ولم يقل حدان ~~وجلد عمر الشهود على المغيرة حدا واحدا مع أن كل واحد منهم قذف المغيرة ~~والمزني بها وقد «حد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قذفة عائشة - رضي ~~الله عنها - ثمانين ثمانين» رواه أبو داود مع أنهم قذفوا عائشة - رضي الله ~~عنها - وصفوان بن المعطل وقياسا على حد الزنا احتجوا بوجوه: أحدها القياس ~~على الزوجات الأربع فإنه يحتاج للعانات أربع. وثانيها أنه حق لآدمي فلا ~~يدخله التداخل كالغصب وغيره. والثالث أنه لا يسقط بالرجوع فلا يتداخل ~~كالإقرار بالمال، والجواب عن الأول وهو الفرق # PageV04P175 # بين القاعدتين أنه أيمان والأيمان لا تتداخل بخلاف ~~الحدود فلو وجب لجماعة أيمان لم تتداخل وعن الثاني أنه لا يتكرر في الشخص ~~الواحد فلو غلب فيه حق لآدمي لم يتداخل في الشخص الواحد كما لم يتداخل ~~الإتلاف وهو الجواب عن الثالث. # (تنبيه) تخيل بعض أصحابنا وجماعة من الفقهاء أن قوله ms796 تعالى: {والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] ~~أن مقابلة جمع المحصنات بجلد ثمانين يقتضي لغة أن حد الجماعة يكون حدا ~~واحدا ويحصل التداخل وهو المطلوب، وهذا باطل بسبب قاعدة وهي أن مقابلة ~~الجمع بالجمع في اللغة تارة توزع الأفراد على الأفراد كقوله تعالى {ولم ~~تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] فلا يصح إلا التوزيع من كل واحد ~~رهن يؤمر به وكقولنا الدنانير للورثة وتارة لا يوزع الجمع بل يثبت أحد ~~الجمعين لكل فرد من الجمع الآخر نحو الثمانين جلد القذف أو جلد القذف ~~ثمانون وتارة يثبت الجمع للجمع، ولا يحكم على الأفراد نحو الحدود للجنايات ~~إذا قصد أن المجموع للمجموع وتارة يرد اللفظ محتملا للتوزيع وعدمه كقوله ~~تعالى {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات} [لقمان: 8] يحتمل أن يكون ~~لكل واحد من المؤمنين عدد جنات بمعنى بساتين داخل الجنة ومنازل، ويحتمل أن ~~توزع فيكون لبعضهم جنة الفردوس ولبعضهم جنة المأوى ولبعضهم أهل عليين، وإذا ~~اختلف أحوال المقابلة بين الجمع بالجمع وجب أن يعتقد أنه حقيقة في أحد هذه ~~الأحوال # PageV04P176 # الثلاث لئلا يلزم الاشتراك أو المجاز فيبطل الاستدلال ~~به على مقابلة الجماعة المقذوفة بحد واحد كما تخيله الطرطوشي وغيره فقد ~~تقدم الفرق بين الجماعة المقذوفة والزوجات بأنه أيمان، ومن وجه آخر أن ~~أحكام اللعان تعد في توجه الحد على المرأة وانتفاء النسب والميراث وتأبد ~~التحريم ووقوع الفرقة. وأما حد القذف فمقصود واحد وهو التشفي وذلك يحصل ~~بجلد واحد ثم لما اختلفت الأحكام أمكن ثبوت براءة هذه دون هذه أو بحد أو ~~بغير ذلك من الأحكام فناسب إفراد كل واحد بلعان لتوقع ثبوت بعض تلك الأحكام ~~في بعض دون الباقي. ومن وجه آخر أن الزوجية مطلوبة للبقاء فناسب التغليظ ~~بالتعدد، وليس بين القاذف والمقذوف ما يقتضي ذلك. # (الفرق السادس والأربعون والمائتان بين قاعدة الحدود وقاعدة التعازير من ~~وجوه عشرة) . (أحدها) أنها غير مقدرة واختلفوا في تحديد أكثره واتفقوا على ~~عدم تحديد أقله فعندنا هو غير # PageV04P177 # محدود بل ms797 بحسب الجناية والجاني والمجني عليه وقال أبو ~~حنيفة: لا يجاوز به أقل الحدود وهو أربعون حد العبد بل ينقص منه سوط ~~وللشافعي في ذلك قولان لنا إجماع الصحابة فإن معن بن زائدة زور كتابا على ~~عمر - رضي الله عنه - ونقش خاتما مثل خاتمه فجلد مائة فشفع فيه قوم فقال ~~أذكروني الطعن وكنت ناسيا فجلده مائة أخرى ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى ولم ~~يخالفه أحد فكان ذلك إجماعا؛ ولأن الأصل مساواة العقوبات للجنايات احتجوا ~~بما في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا تجلدوا فوق ~~عشر في غير حدود الله تعالى» والجواب أنه خلاف مذهبهم فإنهم يزيدون على عشر ~~أو؛ لأنه محمول على طباع السلف - رضي الله عنهم - كما قال الحسن إنكم ~~لتأتون أمورا هي في أعينكم أدق من الشعر إن كنا لنعدها # PageV04P178 # من الموبقات فكان يكفيهم قليل التعزير ثم تتابع الناس ~~في المعاصي حتى زوروا خاتم عمر - رضي الله عنه - وهو معنى قول عمر بن عبد ~~العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور، ولم يرد - رضي الله ~~عنه - نسخ حكم بل المجتهد فيه ينتقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب. # (وثانيها) من الفروق أن الحدود واجبة النفوذ والإقامة على الأئمة، ~~واختلفوا في التعزير وقال مالك وأبو حنيفة إن كان لحق الله تعالى وجب ~~كالمحدود إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب مصلحة من الملامة والكلام ~~وقال الشافعي هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه، وإن شاء تركه احتج ~~الشافعي - رضي الله عنه - بما في الصحيح «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يعزر الأنصاري الذي قال له في حق الزبير في أمر السقي: أن كان ~~ابن عمتك» يعني فسامحته؛ ولأنه غير مقدر فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج. ~~والجواب عن الأول أنه حق لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاز له تركه ~~بخلاف حق الله تعالى لا يجوز له تركه كقوله تعالى {كونوا قوامين بالقسط} ~~[النساء: 135] فإذا قسط فتجب إقامته، وعن ms798 الثاني أن غير المقدر قد يجب ~~كنفقات الزوجات والأقارب، ونصيب الإنسان في بيت المال غير مقدر وهو واجب؛ ~~ولأن تلك الكلمات كانت تصدر لجفاء الأعراب لا لقصد السب. # (وثالث الفروق) أن التعزير على وفق الأصل من جهة اختلافه باختلاف ~~الجنايات وهو الأصل بدليل الزنا مائة وحد القذف ثمانون والسرقة القطع # PageV04P179 # والحرابة القتل وقد خولفت القاعدة في الحدود دون ~~التعازير فسوى الشرع بين سرقة دينار وسرقة ألف دينار وشارب قطرة من الخمر ~~وشارب جرة في الحد مع اختلاف مفاسدها حدا، وعقوبة الحر والعبد سواء مع أن ~~حرمة الحر أعظم لجلالة مقداره بدليل رجم المحصن دون البكر لعظم مقداره مع ~~أن العبيد إنما ساوت الأحرار في السرقة والحرابة لتعذر التجزئة بخلاف الجلد ~~واستوى الجرح اللطيف الساري للنفس والعظيم في القصاص مع تفاوتهما، وقتل ~~الرجل العالم الصالح التقي الشجاع البطل مع الوضيع. # (الرابع) من الفروق أن التعزير تأديب يتبع المفاسد، وقد لا يصحبها ~~العصيان في كثير من الصور كتأديب الصبيان والبهائم والمجانين استصلاحا لهم ~~مع عدم المعصية وجاء في هذا الفرق فرع وهو أن الحنفي إذا شرب النبيذ، ولم ~~يسكر قال مالك أحده ولا أقبل شهادته؛ لأن تقليده في هذه المسألة لأبي حنيفة ~~لا يصح لمنافاتها للقياس الجلي على الخمر ومخالفة النصوص الصحيحة «ما أسكر ~~كثيره فقليله حرام» وقال الشافعي - رضي الله عنه - أحده، وأقبل شهادته أما ~~حده فللمفسدة الحاصلة من التوسل لإفساد العقل، وأما قبول شهادته فإنه لم ~~يعص بناء على صحة التقليد عنده، قال: والعقوبات تتبع المفاسد لا المعاصي ~~فلا تنافي بين عقوبته وقبول شهادته ويبطل عليه قوله من جهة أن هذا إنما هو ~~في التعازير أما الحدود المقدرة فلم توجد في الشرع إلا في معصية عملا ~~بالاستقراء، فالحق مع مالك - رحمه الله تعالى - # PageV04P180 # (الخامس) من الفروق أن التعزير قد يسقط، وإن قلنا ~~بوجوبه قال إمام الحرمين إذا كان الجاني من الصبيان أو المكلفين قد جنى ~~جناية حقيرة والعقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردعا، والعظيمة التي تؤثر ~~فيه لا تصلح ms799 لهذه الجناية سقط تأديبه مطلقا أما العظيمة فلعدم موجبها، وأما ~~الحقيرة فلعدم تأثيرها، وهو بحث حسن ما ينبغي أن يخالف فيه. # (السادس) من الفروق أن التعزير يسقط بالتوبة ما علمت في ذلك خلافا، ~~والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح إلا الحرابة لقوله تعالى {إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] . (سؤال) مفسدة الكفر أعظم ~~المفاسد والحرابة أعظم مفسدة من الزنا وهاتان المفسدتان العظيمتان تسقطان ~~بالتوبة والمؤثر في سقوط الأعلى أولى أن يؤثر في سقوط الأدنى، وهو سؤال قوي ~~يقوي قول من يقول بسقوط الحدود بالتوبة قياسا على هذا المجمع عليه بطريق ~~الأولى. # وجوابه من وجوه: (أحدها) أن سقوط القتل في الكفر يرغب في الإسلام فإن ~~قلت: إنه يبعث على الردة قلت الردة قليلة فاعتبر جنس الكفر وغالبه. ~~(وثانيها) أن الكفر يقع للشبهات فيكون فيه عذر عادي، ولا يؤثر أحد أن يكفر ~~لهواه قلنا، ولا يزني أحد إلا لهواه فناسب التغليظ. (وثالثها) أن الكفر لا ~~يتكرر غالبا وجنايات الحدود تكرر غالبا فلو أسقطناها بالتوبة ذهبت مع ~~تكررها مجانا وتجرأ عليها الناس في اتباع أهويتهم أكثر، وأما الحرابة فلأنا ~~لا نسقطها إلا إذا لم نتحقق # PageV04P181 # المفسدة بالقتل أو أخذ المال أما متى قتل قتل إلا أن ~~يعفو الأولياء عن الدم، وإذا أخذ المال وجب الغرم وسقط الحد؛ لأنه حد فيه ~~تخيير بخلاف غيره فإنه محتم والمحتم آكد من المخير فيه. # (السابع) أن التخيير يدخل في التعازير مطلقا ولا يدخل في الحدود إلا في ~~الحرابة إلا في ثلاثة أنواع فقط. # (تنبيه) التخيير في الشريعة لفظ مشترك بين أشياء أحدها: الإباحة المطلقة ~~كالتخيير بين أكل الطيبات وتركها. وثانيها: الواجب المطلق كتصرفات الولاة ~~فمتى قلنا الإمام مخير في صرف مال بيت المال أو في أسارى العدو أو ~~المحاربين أو التعزير فمعناه أن ما تعين سببه ومصلحته وجب عليه فعله ويأثم ~~بتركه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب كما ينتقل المكفر في كفارة الحنث من ~~واجب إلى واجب غير أن له ذلك يهواه ms800 في التكفير، والإمام يتحتم في حقه ما ~~أدت المصلحة إليه لا أن هاهنا إباحة ألبتة، ولا أنه يحكم في التعازير بهواه ~~وإرادته كيف خطر له، وله أن يعرض عما شاء ويقبل منها ما شاء هذا فسوق وخلاف ~~الإجماع بل الصواب ما تقدم ذكره. وثالثها تخيير الساعي بين أخذ أربع حقاق ~~أو خمس بنات لبون في صدقة الإبل فإن الإمام هاهنا يتخير كما يتخير المكفر ~~في كفارة الحنث غير أن الفرق بينهما أن هذا تخيير أدت إليه الأحكام وفي ~~الحنث تخيير متأصل فتأمل هذه التخييرات. # (الثامن) أنه يختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه، والجناية والحدود لا ~~تختلف باختلاف فاعلها فلا بد في التعزير من اعتبار مقدار # PageV04P182 # الجناية والجاني والمجني عليه. # (التاسع) أن التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار فرب تعزير في بلاد ~~يكون إكراما في بلد آخر كقلع الطيلسان بمصر تعزير وفي الشام إكرام وكشف ~~الرأس عند الأندلس ليس هوانا وبالعراق، ومصر هوان. (العاشر) أنه يتنوع لحق ~~الله تعالى الصرف كالجناية على الصحابة أو الكتاب العزيز ونحو ذلك، وإلى حق ~~العبد الصرف كشتم زيد ونحوه، والحدود لا يتنوع منها حد بل الكل حق لله ~~تعالى إلا القذف على خلاف فيه إما أنه تارة يكون حدا حقا لله تعالى وتارة ~~يكون حقا لآدمي فلا يوجد ألبتة. # (الفرق السابع والأربعون والمائتان بين قاعدة الإتلاف بالصيال وبين قاعدة ~~الإتلاف بغيره) اعلم أن الصيال يختص بنوع من إسقاط اعتبار إتلافه بسبب عداه ~~وعدوانه ويقوى الضمان في غيره على متلفه لعدم المسقط، وله خصيصة أخرى، وهي ~~أن الساكت عن الدفع عن نفسه حتى يقتل لا يعد آثما، ولا قاتلا لنفسه بخلاف ~~لو منع من نفسه طعامها وشرابها حتى مات فإنه آثم قاتل لنفسه، ولو لم يمنع ~~عنها الصائل من الآدميين لم يأثم بذلك وبسط ذلك أن كل إنسان أو غيره صال ~~فدفع عن معصوم من نفس أو بضع أو مال دفعا لا يقصد قتله بل الدفع خاصة، وإن ~~أدى إلى القتل إلا أن يعلم أنه لا يندفع إلا ms801 بالقتل فيقصد قتله ابتداء ~~لتعينه طريقا إلى الدفع فمن خشي شيئا من ذلك فدفعه عن نفسه فهو هدر لا يضمن ~~حتى الصبي والمجنون، وكذلك # PageV04P183 # البهيمة لأنه ناب عن صاحبها في دفعها وهو سر الفرق ~~بين القاعدتين فإن المتلف ابتداء لم ينب عن غيره في القيام بذلك الإتلاف ~~قال القاضي أبو بكر: أعظم المدفوع عنه النفس، وأمره بيده إن شاء أسلم نفسه ~~أو دفع عنها ويختلف الحال ففي زمن الفتنة الصبر أولى تقليلا لها أو هو يقصد ~~وحده من غير فتنة عامة فالأمر في ذلك سواء، وإن عض الصائل يدك فنزعتها من ~~فيه فقلعت أسنانه ضمنت دية الأسنان؛ لأنها من فعلك وقيل لا تضمن؛ لأنه ~~ألجأك لذلك، وإن نظر إلى حرم من كوة لم يجز لك أن تقصد عينه أو غيرها؛ لأنه ~~لا تدفع المعصية بالمعصية، وفيه القود إن فعلت ويجب تقدم الإنذار في كل ~~موضع فيه دفع ومستند ترك الدفع عن النفس ما في الصحيح عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» ولقصة ~~ابني آدم {إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر} [المائدة: ~~27] ثم قال: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] ولم يدفعه عن ~~نفسه لما أراد قتله وعلى ذلك اعتمد عثمان - رضي الله عنه - على أحد ~~الأقوال؛ ولأنه تعارضت مفسدة أن يقتل أو يمكن من القتل، والتمكين من ~~المفسدة أخف مفسدة من مباشرة المفسدة نفسها فإذا تعارضتا سقط اعتبار ~~المفسدة الدنيا بدفع المفسدة العليا فهذا أقرب الفروق بين القاعدتين. # والفرق بين ترك دفع الصائل، وبين ترك الغذاء والشراب حتى يموت أن ترك ~~الغذاء هو السبب العام في الموت لم يضف إليه غيره، ولا بد أن يضاف فعل # PageV04P184 # الصائل للتمكين والفرق بين ترك الغذاء أنه يحرم وبين ~~ترك الدواء فلا يحرم أن الدواء غير منضبط النفع فقد يفيد وقد لا يفيد ~~والغذاء ضروري النفع، ووافقنا الشافعي أنه لا يضمن الفحل الصائل والمجنون ~~والصغير وقال أبو حنيفة: يباح ms802 له الدفع ويضمن واتفقوا إذا كان آدميا بالغا ~~عاقلا أنه لا يضمن. لنا وجوه: الأول أن الأصل عدم الضمان. الثاني القياس ~~على الآدمي. الثالث القياس على الدابة المعروفة بالأذى أنها تقتل، ولا تضمن ~~إجماعا، ولا يلزمنا إذا غصبه فصال عليه؛ لأنه ضمن هنالك بالغصب لا بالدفع، ~~وإلا إذا اضطر له لجوع فأكله فإنه يضمن؛ لأن الجوع القاتل في نفس الجامع لا ~~في نفس الصائل والقتل بالصيال من جهة الصائل احتجوا بوجوه الأول أن مدرك ~~عدم الضمان إنما هو إذن المالك لا جواز الفعل؛ لأنه لو أذن له في قتل عبده ~~لم يضمن، ولو أكله لمجاعة ضمنه. الثاني أن الآدمي له قصد واختيار فلذلك لم ~~يضمن والبهيمة لا اختيار لها؛ لأنه لو حفر بئرا فطرح إنسان نفسه فيها لم ~~يضمنه، ولو طرحت بهيمة نفسها فيها ضمنت وجناية العبد تتعلق برقبته وجناية ~~البهيمة لا تتعلق برقبتها. الثالث قوله - عليه السلام - «جرح العجماء جبار» ~~فلو لم يضمن لم يكن جبارا كالآدمي والجواب عن الأول أن الضمان يتوقف على ~~عدم جواز الفعل بدليل أن الصيد إذا صال على محرم لم يضمنه أو صال على العبد ~~سيده فقتله العبد أو الأب على ابنه فقتله ابنه لا يضمنون لجواز الفعل وعن ~~الثاني أن البهيمة لها اختيار اعتبره الشرع؛ لأن الكلب لو # PageV04P185 # استرسل بنفسه لم يؤكل صيده، والبعير الشارد يصير حكمه ~~حكم الصيد على أصلهم، وإن فتح قفصا فيه طائر فقعد الطائر ساعة ثم طار لا ~~يضمن؛ لأنه طار باختياره، وأما قولهم في الآدمي لو طرح نفسه في البئر لم ~~يضمن بخلاف البهيمة فيلزمهم أنه لو نصب شبكة فوقعت فيها بهيمة لم يضمنها؛ ~~لأنها لم تختر ذلك، وأنه لم يختره، وأما تعليق الجناية برقبة العبد فتبطل ~~بالعبد الصغير فإنه تتعلق الجناية برقبته مع مساواته للدابة في الضمان، وعن ~~الثالث أن الهدر يقتضي عدم الضمان مطلقا. # (مسألة) إن أرسلت الماشية بالنهار للرعي أو انفلتت فأتلفت فلا ضمان، وإن ~~كان صاحبها معها وهو يقدر على منعها فلم يمنعها ضمن ms803 ووافقنا الشافعي وأبو ~~حنيفة - رضي الله عنهما -، وإن انفلتت بالليل، وأرسلها مع قدرته على منعها ~~ضمن، وقاله الشافعي - رضي الله عنه - في الزرع وفي غير الزرع اختلاف عندهم ~~وقالوا يضمن أرباب القطط المعتادة للفساد ليلا أفسدت أو نهارا، وإن خرج ~~الكلب من داره فجرح ضمن أو الداخل بإذن فوجهان أو بغير إذن لم يضمن، وإن ~~أرسل الطير فالتقطت حب الغير لم يضمن ليلا أو نهارا وقال أبو حنيفة: - رحمه ~~الله - لا ضمان في الزرع ليلا كان أو نهارا. # لنا وجوه الأول قوله تعالى {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم} [الأنبياء: 78] الآية، وجه الدليل أن داود - عليه السلام - ~~قضى بتسليم الغنم لأرباب الزرع قبالة زرعه وقضى سليمان - عليه السلام - ~~بدفعها لهم ينتفعون بدرها ونسلها وخراجها حتى يخلف الزرع وينبت # PageV04P186 # زرع الآخر والنفش رعي الليل والهمل رعي النهار بلا ~~راع. الثاني أنه فرط فيضمن كما لو كان حاضرا. الثالث أنه بالنهار يمكنه ~~التحفظ دون الليل وقد اعتبرتم ذلك في قولكم إن رمت الدابة حصاة كبيرة أصابت ~~إنسانا ضمن الراكب بخلاف الصغيرة لا يمكنه التحفظ منها والتحفظ من الكبيرة ~~بالتنكب عنه وقلتم يضمن ما نفحت بيدها؛ لأنه يمكنه ردها بلجامها، ولا يضمن ~~ما أفسدت برجلها وذنبها. احتجوا بوجوه: الأول قوله - عليه السلام - «جرح ~~العجماء جبار» الثاني القياس على النهار، وما ذكرتموه من الفرق بالحراسة ~~بالنهار باطل؛ لأنه لا فرق بين من حفظ ماله فأتلفه إنسان أو أهمله فأتلفه ~~أنه يضمن في الوجهين. الثالث: القياس على جناية الإنسان على نفسه، وماله ~~وجناية ماله عليه وجنايته على مال أهل الحرب أو أهل الحرب عليه وعكسه جناية ~~صاحب البهيمة. والجواب عن الأول أن الجرح عندنا جبار إنما النزاع في غير ~~الجرح واتفقنا على تضمين السائق والراكب والقائد وعن الثاني أن الفرق ~~المتقدم، وما ذكرتموه أن إتلاف المال بسبب المالك هاهنا فهو كمن ترك غلامه ~~يصول فيقتل فإنه لا يضمن وعن الثالث أنه قياس مخالف للآية؛ لأنه بالليل ~~مفرط بالنهار ليس بمفرط، ms804 والجواب عن تلك النقوض أن أحدا منهم ليس من أهل ~~الضمان، وهاهنا أمكن التضمين. # (سؤال) قوله تعالى {ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] يقتضي أن حكمه كان ~~أقرب للصواب مع أن حكم داود - عليه السلام - لو وقع في شرعنا أمضيناه؛ لأن ~~قيمة الزرع يجوز أن # PageV04P187 # يؤخذ فيها غنم؛ لأن صاحبها مفلس مثلا أو غير ذلك، ~~وأما حكم سليمان - عليه السلام - لو وقع في شرعنا من بعض القضاة ما ~~أمضيناه؛ لأنه إيجاب لقيمة مؤجلة، ولا يلزم ذلك صاحب الحرث؛ لأن الأصل في ~~القيم الحلول إذا وجبت في الإتلافات؛ ولأنه إحالة على أعيان لا يجوز بيعا، ~~وما لا يباع لا يعارض به في القيم فيلزم أحد الأمرين إما أن تكون شريعتنا ~~أتم في المصالح، وأكمل الشرائع أو يكون داود - عليه السلام - فهم دون ~~سليمان - عليه السلام - وظاهر الآية خلافه وهو موضع مشكل يحتاج للكشف ~~والنظر حتى يفهم المعنى فيه. ووجه الجواب أن المصلحة التي أشار إليها ~~سليمان - عليه السلام - يجوز أن تكون أتم باعتبار ذلك الزمان بأن تكون ~~مصلحة زمانهم كانت تقتضي أن لا يخرج عين مال الإنسان من يده إما لقلة ~~الأعيان وإما لعدم ضرر الحاجة أو لعظم الزكاة للفقراء بأن تقدم للنار التي ~~تأكل القربان أو لغير ذلك وتكون المصلحة الأخرى باعتبار زماننا أتم فيتغير ~~الحكم كما أن النسخ حسن باعتبار اختلاف المصالح في الأزمنة فقاعدة النسخ ~~تشهد لهذا الجواب. # (سؤال) في قوله تعالى {وكنا لحكمهم شاهدين} [الأنبياء: 78] المراد ~~بالشهادة هاهنا العلم فما فائدة ذكره، والتمدح به هاهنا بعيد فإن الله ~~تعالى لا يمتدح بالعلم الجزئي، وليس السياق سياق تهديد أو ترغيب حتى يكون ~~المراد المكافأة كقوله تعالى {قد يعلم ما أنتم عليه} [النور: 64] {قد يعلم ~~الله الذين يتسللون منكم لواذا} [النور: 63] ونحوه جوابه أن هذه القصص إنما ~~وردت لتقرير أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى # PageV04P188 # في صدر السورة حكاية عن الكفار {هل هذا إلا بشر مثلكم ~~أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} [الأنبياء: 3] فبسط الله سبحانه القول في هذه ~~القصص ليبين ms805 الله تعالى أنه ليس بدعاء من الرسل، وأنه يفضل من شاء من البشر ~~وغيره، ولا يخرج شيء عن حكمه، ولا يفعل ذلك غفلة بل عن علم ولذلك فهم ~~سليمان دون داود - عليهما السلام - لم يكن عن غفلة بل نحن عالمون فهو إشارة ~~إلى ضبط التصرف، وإحكامه إلى غير ذلك كما يقول الملك العظيم أعرضت عن زيد، ~~وأنا عالم بحضوره، وليس مقصوده التمدح بالعلم بل بإحكام التصرف في ملكه ~~فكذلك هاهنا. # (الفرق الثامن والأربعون والمائتان بين قاعدة ما خرج عن المساواة ~~والمماثلة في القصاص وبين قاعدة ما بقي على المساواة) . اعلم أن القصاص ~~أصله من القص الذي هو المساواة؛ لأن من قص شيئا من شيء بقي بينهما سواء من ~~الجانبين فهو شرط إلا أن يؤدي إلى تعطيل القصاص قطعا أو غالبا، وله مثل ~~أحدها التساوي في أجزاء الأعضاء وسمك اللحم في الجاني لو اشترط لما حصل إلا ~~نادرا بخلاف الجراحات في الجسد وثانيهما التساوي في منافع الأعضاء وثالثها ~~العقول ورابعها الحواس وخامسها قتل الجماعة بالواحد وقطع الأيدي باليد لو ~~اشترطت الواحدة لتساوي الأعداد ببعضهم وسقط القصاص، السادس الحياة اليسيرة ~~كالشيخ الكبير مع الشاب، ومنفوذ المقاتل على الخلاف، السابع تفاوت الصنائع ~~والمهارة # PageV04P189 # فيها. # وهاهنا ثلاث مسائل. (المسألة الأولى) : قتل الجماعة بالواحد إذا قتلوه ~~عمدا وتعاونوا على قتله بالحرابة أو غيرها حتى يقتل عندنا الناظور ووافقنا ~~الشافعي وأبو حنيفة، ومشهور أحمد بن حنبل في قتل الجماعة بالواحد من حيث ~~الجملة وعن أحمد وجماعة من التابعين والصحابة أن عليهم الدية وعن الزهري ~~وجماعة أنه يقتل منهم واحد وعلى الباقي حصصهم من الدية؛ لأن كل واحد مكافئ ~~له فلا يستوي إبدال في مبدل منه واحد كما لا تجب ديات ولقوله تعالى {الحر ~~بالحر} [البقرة: 178] ولقوله تعالى {النفس بالنفس} [المائدة: 45] ؛ ولأن ~~تفاوت الأوصاف يمنع كالحر والعبد فالعدد أولى بالمنع لنا إجماع الصحابة على ~~قتل عمر سبعة من أهل صنعاء برجل واحد وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ~~به وقتل علي ثلاثة وهو كثير، ولم يعرف ms806 لهم مخالف في ذلك الوقت؛ ولأنها ~~عقوبة كحد القذف وتفارق الدية فإنها تتبعض دون القصاص؛ لأن الشركة لو أسقطت ~~القصاص كان ذلك ذريعة للقتل. # (المسألة الثانية) وافقنا الشافعي وأحمد بن حنبل في أنه لا يقتل مسلم ~~بذمي وقال أبو حنيفة يقتل المسلم بالذمي لنا ما في البخاري «لا يقتل مسلم ~~بكافر» احتجوا بوجوه الأول قوله تعالى {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا} [الإسراء: 33] وهذا قتل مظلوما فيكون لوليه سلطان الثاني قوله ~~تعالى {النفس بالنفس} [المائدة: 45] وسائر العمومات، والجواب عن الأول وما ~~بعده أن ما ذكرنا خاص فيقدم على العمومات على ما تقرر في أصول الفقه. # (المسألة الثالثة) خالفنا الشافعي وأبو حنيفة في قتل الممسك وقالا يقتل ~~القاتل # PageV04P190 # وحده. لنا العمومات المتقدمة وقول عمر المتقدم وقياسا ~~على الممسك للصيد المحرم فإن عليه الجزاء وعلى المكره. # (الفرق التاسع والأربعون والمائتان بين قاعدة العين وقاعدة كل اثنين من ~~الجسد فيهما دية واحدة كالأذنين ونحوهما) . أنه إذا ذهب سمع أحد أذنيه ~~بضربة رجل ثم أذهب سمع الأخرى فعليه نصف الدية وفي عين الأعور الدية كاملة ~~ووافقنا أحمد بن حنبل وقال الشافعي وأبو حنيفة نصف الدية. لنا وجوه (الأول) ~~أن عمر وعثمان وعليا وابن عمر قضوا بذلك من غير مخالف فكان ذلك إجماعا. ~~(الثاني) أن العين الذاهبة يرجع ضوءها للباقية؛ لأن مجراها في النور الذي ~~يحصل به الإبصار واحد كما شهد به علم التشريح ولذلك أن الصحيح إذا غمض إحدى ~~عينيه اتسع ثقب الأخرى بسبب ما اندفع لها من الأخرى وقوي إبصارها، ولا يوجد ~~ذلك في إحدى الأذنين إذا سدت الأخرى أو إحدى اليدين إذا ذهبت الأخرى أو ~~قطعت وكذلك جميع أعضاء الجسد إلا العين لما تقدم من اتحاد المجرى فكانت ~~العين الباقية في معنى العينين فوجب فيها دية كاملة. # احتجوا بوجوه الأول قوله - عليه السلام - «في العين خمسون من الإبل» ~~الثاني قوله - عليه السلام - «في العينين الدية» وهو يقتضي أنه لا تجب عليه ~~دية إلا إذا قلع عينين وهذا لم يقلع عينين. الثالث ms807 أن ما ضمن بنصف الدية، ~~ومعه # PageV04P191 # نظيره ضمن بنصفها منفردا كالأذن واليد. الرابع أنه لو ~~صح القول بانتقال النور الباصر لم يجب على الأول نصف الدية؛ لأنه لم يذهب ~~نصف المنفعة، والجواب عن الأول والثاني أنه محمول على العين غير العوراء ~~لأنهما عمومان مطلقان في الأحوال فيقيدان بما ذكرناه من الأدلة وعن الثالث ~~الفرق بانتقال قوة العين الأولى بخلاف الأذن واليد، ولو انتقل التزمناه وعن ~~الرابع لا يلزم إطراح الأول إذ لو جنى عليهما فاحولتا أو عمشتا أو نقص ~~ضوءها فإنه يجب عليه العقل لما نقص، ولا تنقص الدية عمن جنى ثانيا على قول ~~عندنا، وهذا السوال قوي علينا، وكان يلزمنا أن نقلع بعينيه عينين اثنين من ~~الجاني. # (تفريع) قال ابن أبي زيد في النوادر فيها ألف وإن أخذ في الأولى ديتها ~~قاله مالك وأصحابه، وقال أشهب: يسأل عن السمع فإن كان ينتقل فكالعينين، ~~وإلا فكاليد، وإن أصيب من كل عين نصف بصرها ثم أصيب باقيهما في ضربة فنصف ~~الدية؛ لأنه ينظر بهما نصف نظرهما فإن أصيب باقي إحداهما فربع الدية فإن ~~أصيب بعد ذلك بقية الأخرى فنصف الدية؛ لأنه أقيم مقام نصف جميع بصره فإن ~~أخذ صحيح نصف دية أحدهما ثم أصيب بنصف الصحيحة فثلث الدية؛ لأنه أذهب من ~~جميع بقية بصره ثلثه وإن أصيب ببقية المصابة فقط فربع الدية فإن ذهب باقيها ~~والصحيحة بضربة فالدية كاملة أو الصحيحة وحدها فثلثا الدية؛ لأنها ثلثا ~~بصره فإن أصيب بقية المصابة فنصف الدية بخلاف لو أصيبت والصحيحة # PageV04P192 # باقية قاله أشهب وقال ابن القاسم: ليس فيما يصاب من ~~الصحيحة إذا بقي من الأولى شيء إلا من حساب نصف الدية. # (الفرق الخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وأجزاء أسبابها العامة ~~والخاصة) اعلم أن هذا الفرق غريب عجيب نادر بسبب أن كتب الفرائض على العموم ~~فيما رأيت لم يختلف منهم اثنان في أن أسباب التوارث ثلاثة نسب وولاء ونكاح، ~~وهو في غاية الإشكال؛ لأن المراد بالثلاثة إما الأسباب التامة، وإما أجزاء ~~الأسباب، والكل غير ms808 مستقيم، وبيانه أنهم يجعلون أحد الأسباب القرابة، والأم ~~لم ترث الثلث في حالة والسدس في أخرى بمطلق القرابة، وإلا لكان ذلك ثابتا ~~للابن أو البنت لوجود مطلق القرابة فيهما # PageV04P193 # بل بخصوص كونها أما مع مطلق القرابة، وكذلك البنت ترث ~~النصف ليس بمطلق القرابة، وإلا لثبت ذلك للجد أو الأخت للأم بل لخصوص كونها ~~بنتا مع مطلق القرابة فحينئذ لكل واحد من الورثة سبب تام يخصه مركب من ~~جزأين من خصوص كونها بنتا أو غيره وعموم القرابة وكذلك للزوج النصف ليس ~~لمطلق # PageV04P194 # النكاح، وإلا لكان للزوجة النصف لوجود مطلق النكاح ~~فيها بل لخصوص كونه زوجا مع عموم النكاح كما تقدم فسببه مركب، وكذلك الزوجة # PageV04P195 # إذا ظهر هذا فإن أرادوا حصر الأسباب التامة في ثلاثة ~~فهي أكثر من عشرة بالإجماع لما تقدم أو الناقصة التي هي أجزاء أسباب ~~فالخصوصات كما رأيت كثيرة فلا يستقيم الحصر مطلقا لا في التام، ولا في ~~الناقص فتنبه لهذا المعنى فهو حسن لم أر أحدا تعرض له، ولا لخصه، وحينئذ ~~أقول: إن أسباب # PageV04P196 # القرابة، وإن كثرت فنحن لا نريدها، ولا نريد التامة ~~التي هي الخصوصات بل الناقصة التي هي المشتركات، وهي مطلق القرابة ومطلق ~~النكاح ومطلق الولاء # والدليل على حصر غير التامة في هذه الثلاث أن الأمر العام بين جميع ~~الأسباب التامة إما أن يمكن إبطاله أو لا فإن أمكن فهو النكاح؛ لأنه يبطل ~~بالطلاق وإن لم يمكن إبطاله فإما أن يقتضي التوارث من الجانبين غالبا أو لا ~~فإن اقتضى التوارث من الجانبين غالبا فهو القرابة، وإن لم يقتضه إلا من أحد ~~الجانبين فهو الولاء؛ لأنه يرث # PageV04P197 # المولى الأعلى الأسفل، ولا يرث الأسفل الأعلى وقولنا ~~غالبا احتراز من العمة ونحوها فإنه يرثها ابن أخيها ولا ترثه # (الفرق الحادي والخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وقاعدة شروطه ~~وموانعه) لم أر أحدا من الفرضيين يذكر إلا أسباب التوارث وموانعه ولا يذكر ~~أحد منهم شروطه قط وله # PageV04P198 # شروط قطعا كسائر أبواب الفقه فإن كانوا قد تركوها؛ ~~لأنها معلومة فأسباب التوارث ms809 معلومة أيضا فالصواب استيعاب الثلاثة كسائر ~~أبواب الفقه، وإن قالوا لا شروط للتوارث بل أسباب وموانع فقط فضوابط ~~الأسباب والشروط والموانع تمنع من ذلك، وقد قال الفضلاء: إذا اختلفتم في ~~الحقائق فحكموا الحدود وقد تقدم أول الكتاب في الفروق أن السبب يلزم من ~~وجوده الوجود ومن عدمه العدم والشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده ~~وجود ولا عدم والمانع ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود، ولا ~~عدم فبهذه الحدود والضوابط يظهر أن للتوارث شروطا وها أنا أذكرها على هذا ~~الضابط فأقول: شروط التوارث ثلاثة كالأسباب تقدم موت الموروث على الوارث، ~~واستقرار حياة الوارث بعده كالجنين # PageV04P199 # والعلم بالقرب والدرجة التي اجتمعا فيها احترازا من ~~موت رجل من مضر أو قريش لا يعلم له قريب فإن ميراثه لبيت المال مع أن كل ~~قرشي ابن عمه، ولا ميراث لبيت المال مع ابن عم لكنه فات شرطه الذي هو العلم ~~بدرجته منه فما من قرشي إلا لعل غيره أقرب منه فهذه شروط لا يؤثر وجودها ~~إلا في نهوض الأسباب لترتب مسبباتها عليها يلزم من عدمها العدم، ولا يلزم ~~من وجودها من حيث هو وجود ولا عدم، بل الوجود إن وقع فهو لوجود الأسباب لا ~~لها، وإن وقع العدم عند وجودها فلعدم السبب أو لوجود المانع فهذه حقيقة ~~الشرط قد وجدت في هذه الثلاثة فتكون شروطا # PageV04P200 # وقد تقدم أيضا أول الكتاب أن الشرط إذا شك فيه يلزم ~~من ذلك العدم، وكذلك السبب، ولا يلزم من الشك في المانع العدم بل يترتب ~~الثبوت بناء على السبب، وهذا أيضا يوضح لك شرطية هذه الثلاثة مع أنهم لم ~~يذكروها في الأسباب التي ذكروها، ولا في الموانع بل أهملت وذكرها متعين وقد ~~تقدم ذكر الأسباب وأما الموانع فأقصى ما ذكر فيها أنها خمسة وغالب الناس ~~على أنها ثلاثة الكفر والقتل والرق وزاد بعضهم الشك احترازا من أهل السفينة ~~أو الردم فإنه لا ميراث بينهم، واللعان فإنه يمنع من إرث الأب والإرث منه ~~فقد ms810 ظهر الفرق بين القواعد # PageV04P201 # الثلاثة، وهو المقصود # (الفرق الثاني والخمسون والمائتان بين قاعدة ما يحرم من البدع وينهى عنه ~~وبين قاعدة ما لا ينهى عنه منها) # اعلم أن الأصحاب - فيما رأيت - متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن ~~أبي زيد وغيره والحق التفصيل، وأنها خمسة أقسام # (قسم) واجب، وهو ما تتناوله قواعد الوجوب وأدلته من الشرع كتدوين القرآن ~~والشرائع إذا خيف عليها الضياع فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب ~~إجماعا، وإهمال ذلك حرام إجماعا فمثل هذا النوع لا ينبغي أن يختلف في وجوبه # (القسم الثاني) : محرم، وهو بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من ~~الشريعة كالمكوس والمحدثات من المظالم المنافية لقواعد # PageV04P202 # الشريعة كتقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب ~~الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوارث وجعل المستند لذلك كون المنصب كان ~~لأبيه، وهو في نفسه ليس بأهل # (القسم الثالث) من البدع مندوب إليه، وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته ~~من الشريعة كصلاة التراويح وإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور على ~~خلاف ما كان عليه أمر الصحابة بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل ~~إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم ~~إنما هو بالدين وسابق الهجرة ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر ~~لا يعظمون إلا بالصور فيتعين تفخيم الصور حتى تحصل المصالح، وقد كان عمر ~~يأكل خبز الشعير والملح ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم لعلمه بأن الحالة التي ~~هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس، ولم يحترموه وتجاسروا عليه ~~بالمخالفة فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النظام؛ ولذلك لما قدم ~~الشام ووجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب وأرخى الحجاب، واتخذ ~~المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية، وسلك ما يسلكه الملوك، فسأله عن ~~ذلك فقال: إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا فقال له لا آمرك، ولا أنهاك ~~ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه ~~فدل ذلك من ms811 عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف ~~الأعصار والأمصار والقرون والأحوال فلذلك يحتاجون إلى تجديد # PageV04P203 # زخارف وسياسات لم تكن قديما وربما وجبت في بعض ~~الأحوال # (القسم الرابع) بدع مكروهة، وهي ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة ~~وقواعدها كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادات ومن ذلك في ~~الصحيح ما خرجه مسلم وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن ~~تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته» بقيام، ومن هذا الباب الزيادة في ~~المندوبات المحدودات كما ورد في التسبيح عقيب الصلوات ثلاثة وثلاثين فيفعل ~~مائة وورد صاع في زكاة الفطر فيجعل عشرة آصع بسبب أن الزيادة فيها إظهار ~~الاستظهار على الشارع، وقلة أدب معه بل شأن العظماء إذا حددوا شيئا وقف ~~عنده، والخروج عنه قلة أدب والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع؛ لأنه ~~يؤدي إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل، والمزيد عليه؛ ولذلك نهى مالك عن ~~إيصال ست من شوال لئلا يعتقد أنها من رمضان وخرج أبو داود في سننه «أن رجلا ~~دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين، فقال ~~له عمر بن الخطاب: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا ~~فقال له - عليه السلام -: أصاب الله بك يا ابن الخطاب» يريد عمر أن من ~~قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض فاعتقدوا الجميع واجبا، وذلك تغيير للشرائع، ~~وهو حرام إجماعا # (القسم الخامس) البدع المباحة، وهي ما تناولته أدلة الإباحة وقواعدها من ~~الشريعة كاتخاذ المناخل للدقيق ففي # PageV04P204 # الآثار أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - اتخاذ المناخل للدقيق؛ لأن تليين العيش وإصلاحه من المباحات ~~فوسائله مباحة فالبدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشريعة وأدلتها فأي شيء ~~تناولها من الأدلة والقواعد ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما، وإن نظر ~~إليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر عما يتقاضاها كرهت ~~فإن الخير كله في الاتباع، والشر كله في ms812 الابتداع ولبعض السلف الصالح يسمى ~~أبا العباس الأبياني من أهل الأندلس ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن، وفيهن خير ~~الدنيا والآخرة اتبع، ولا تبتدع اتضع، ولا ترتفع من تورع لا يتسع # (الفرق الثالث والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة المحرمة وقاعدة ~~الغيبة التي لا تحرم) قال تعالى {ولا يغتب بعضكم بعضا} [الحجرات: 12] وقال ~~- عليه السلام - «الغيبة أن تذكر في المرء ما يكره إن سمع قيل: يا رسول ~~الله، وإن كان حقا قال إن قلت: باطلا فذلك البهتان» فدل هذا النص على أن ~~الغيبة ما يكرهه الإنسان إذا سمعه وأنه لا يسمى غيبة إلا إذا كان غائبا ~~لقوله إن سمع فدل ذلك على أنه ليس بحاضر، وهو يتناول جميع ما يكره؛ لأن ما ~~من صيغ العموم # (تنبيه) قال بعض العلماء استثني من الغيبة ست صور (الأولى) النصيحة ~~«لقوله - عليه السلام - لفاطمة بنت قيس حين شاورته - عليه السلام - لما ~~خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له، وأما ~~أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه» فذكر عيبين فيهما ما يكرهانه لو سمعاه ~~وأبيح ذلك لمصلحة النصيحة ويشترط في هذا القسم أن # PageV04P205 # تكون الحاجة ماسة لذلك وأن يقتصر الناصح من العيوب ~~على ما يخل بتلك المصلحة خاصة التي حصلت المشاورة فيها، أو التي يعتقد ~~الناصح أن المنصوح شرع فيها أو هو على عزم ذلك فينصحه، وإن لم يستشره فإن ~~حفظ مال الإنسان وعرضه ودمه عليك واجب، وإن لم يعرض لك بذلك فالشرط الأول ~~احتراز من ذكر عيوب الناس مطلقا لجواز أن يقع بينهما من المخالطة ما يقتضي ~~ذلك فهذا حرام بل لا يجوز إلا عند مسيس الحاجة ولولا ذلك لأبيحت الغيبة ~~مطلقا؛ لأن الجواز قائم في الكل، والشرط الثاني احتراز من أن يستشار في أمر ~~الزواج فيذكر العيوب المخلة بمصلحة الزواج والعيوب المخلة بالشركة أو ~~المساقاة أو يستشار في السفر معه فتذكر العيوب المخلة بمصلحة السفر، ~~والعيوب المخلة بالزواج فالزيادة على العيوب المخلة بما استشرت فيه حرام بل ms813 ~~تقتصر على عين ما عين أو تعين الإقدام عليه # (الثانية) التجريح والتعديل في الشهود عند الحاكم عند توقع الحكم بقول ~~المجرح ولو في مستقبل الزمان أما عند غير الحاكم فيحرم لعدم الحاجة لذلك ~~والتفكه بأعراض المسلمين حرام والأصل فيها العصمة، وكذلك رواة الحديث يجوز ~~وضع الكتب في جرح المجروح منهم والإخبار بذلك لطلبة العلم الحاملين لذلك ~~لمن ينتفع به وهذا الباب أوسع من أمر الشهود؛ لأنه لا يختص بحكام بل يجوز ~~وضع ذلك لمن يضبطه وينقله، وإن لم تعلم عين الناقل؛ لأنه يجري مجرى ضبط ~~السنة والأحاديث، وطالب ذلك # PageV04P206 # غير متعين، ويشترط في هذين القسمين أن تكون النية فيه ~~خالصة لله - تعالى - في نصيحة المسلمين عند حكامهم، وفي ضبط شرائعهم أما ~~متى كان لأجل عداوة أو تفكه بالأعراض وجريا مع الهوى فذلك حرام، وإن حصلت ~~به المصالح عند الحكام والرواة فإن المعصية قد تجر للمصلحة كمن قتل كافرا ~~يظنه مسلما فإنه عاص بظنه، وإن حصلت المصلحة بقتل الكافر، وكذلك من يريق ~~خمرا ويظنه خلا اندفعت المفسدة بفعله، واشترط أيضا في هذا القسم الاقتصار ~~على القوادح المخلة بالشهادة أو الرواية فلا يقول هو ابن زنا، ولا أبوه ~~لاعن منه إلى غير ذلك من المؤلمات التي لا تعلق لها بالشهادة والرواية # (الثالثة) المعلن بالفسوق كقول امرئ القيس # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع # فيفتخر بالزنا في شعره فلا يضر أن يحكى ذلك عنه؛ لأنه لا يتألم إذا سمعه ~~بل قد يسر بتلك المخازي فإن الغيبة إنما حرمت لحق المغتاب وتألمه، وكذلك من ~~أعلن بالمكس وتظاهر بطلبه من الأمراء والملوك وفعله ونازع فيه أبناء الدنيا ~~وأبناء جنسه كثير من اللصوص يفتخر بالسرقة والاقتدار على التسور على الدور ~~العظام والحصون الكبار فذكر مثل هذا عن هذه الطوائف لا يحرم فإنهم لا ~~يتأذون بسماعه بل يسرون # (الرابعة) أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يشهر الناس فسادها ~~وعيبها وأنهم على غير الصواب ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها، وينفر ~~عن تلك المفاسد ما أمكن بشرط أن لا ms814 يتعدى فيها الصدق # PageV04P207 # ولا يفترى على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه ~~بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة فلا يقال على المبتدع إنه يشرب ~~الخمر، ولا أنه يزني ولا غير ذلك مما ليس فيه، وهذا القسم داخل في النصيحة ~~غير أنه لا يتوقف على المشاورة، ولا مقارنة الوقوع في المفسدة ومن مات من ~~أهل الضلال ولم يترك شيعة تعظمه، ولا كتبا تقرأ، ولا سببا يخشى منه إفساد ~~لغيره فينبغي أن يستر بستر الله - تعالى، ولا يذكر له عيب ألبتة، وحسابه ~~على الله - تعالى، وقد قال - عليه السلام - «اذكروا محاسن موتاكم» فالأصل ~~اتباع هذا إلا ما استثناه صاحب الشرع # (الخامسة) إذا كنت أنت والمغتاب عنده قد سبق لكما العلم بالمغتاب به فإن ~~ذكره بعد ذلك لا يحط قدر المغتاب عند المغتاب عنده لتقدم علمه بذلك فقال ~~بعض الفضلاء: لا يعرى هذا القسم عن نهي؛ لأنكما إذا تركتما الحديث فيه ربما ~~نسي فاستراح الرجل المعيب بذلك من ذكر حاله، وإذا تعاهدتماه أدى ذلك إلى ~~عدم نسيانه # (السادسة) الدعوى عند ولاة الأمور فيجوز أن يقول: إن فلانا أخذ مالي ~~وغصبني وثلم عرضي إلى غير ذلك من القوادح المكروهة لضرورة دفع الظلم عنك # (تنبيه) سألت جماعة من المحدثين والعلماء الراسخين في العلم عمن يروي ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا غيبة في فاسق» فقالوا لي: لم يصح، ولا ~~يجوز التفكه بعرض الفاسق فاعلم ذلك فهذا هو تلخيص الفرق بين ما يحرم من ~~الغيبة وما لا يحرم # PageV04P208 # (الفرق الرابع والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة وقاعدة النميمة ~~والهمز واللمز) أما الغيبة فقد تقدم بيانها وإنما حرمت لما فيها من مفسدة ~~إفساد الأعراض، والنميمة أن ينقل إليه عن غيره أنه يتعرض لأذاه فحرمت لما ~~فيها من مفسدة إلقاء البغضة بين الناس، ويستثنى منها النصيحة فيقول له إن ~~فلانا يقصد قتلك ونحو ذلك؛ لأنه من النصيحة الواجبة كما تقدم في الغيبة ~~والهمز تعييب الإنسان بحضوره واللمز هو تعييبه بغيبته فتكون هي الغيبة ~~وقيل: بالعكس # (الفرق ms815 الخامس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد وقاعدة ذات اليد) # اعلم أن الزهد ليس عدم المال بل عدم احتفال القلب بالدنيا والأموال فإن ~~كانت في ملكه فقد يكون الزاهد من أغنى الناس، وهو زاهد؛ لأنه غير محتفل بما ~~في يده، وبذله في طاعة الله - تعالى - أيسر عليه من بذل الفلس على غيره، ~~وقد يكون الشديد الفقر غير زاهد بل في غاية الحرص لأجل ما اشتمل عليه قلبه ~~من الرغبة في الدنيا، والزهد في المحرمات واجب، وفي الواجبات حرام، وفي ~~المندوبات مكروه، وفي المباحات مندوب، وإن كانت مباحة؛ لأن الميل إليها ~~يفضي لارتكاب المحرمات والمكروهات فتركها من باب الوسائل المندوبة # PageV04P209 # (الفرق السادس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد ~~وقاعدة الورع) فالزهد هيئة في القلب كما تقدم بيانه والورع من أفعال ~~الجوارح، وهو ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس وأصله قوله: - عليه ~~السلام - «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات ~~فقد استبرأ لدينه وعرضه سلم» ، وهو مندوب إليه ومنه الخروج عن خلاف العلماء ~~بحسب الإمكان فإن اختلف العلماء في فعل هل هو مباح أو حرام فالورع الترك أو ~~هو مباح أو واجب فالورع الفعل مع اعتقاد الوجوب حتى يجزئ عن الواجب على ~~المذهب، وإن اختلفوا فيه هل هو مندوب أو حرام فالورع الترك أو مكروه أو ~~واجب فالورع الفعل # PageV04P210 # حذرا من العقاب في ترك الواجب، وفعل المكروه لا يضره، ~~وإن اختلفوا هل هو مشروع أم لا فالورع الفعل؛ لأن القائل بالمشروعية مثبت ~~لأمر لم يطلع عليه النافي، والمثبت مقدم على النافي كتعارض البينات، وذلك ~~كاختلاف العلماء في مشروعية الفاتحة في صلاة الجنازة فمالك يقول ليست ~~بمشروعة والشافعي يقول هي مشروعة أو واجبة فالورع الفعل لتيقن الخلوص من ~~إثم ترك الواجب على مذهبه وكالبسملة قال مالك: هي في الصلاة مكروهة، وقال ~~الشافعي: هي واجبة فالورع الفعل للخروج عن عهدة ترك الواجب فإن اختلفوا هل ~~هو حرام أو واجب فالعقاب متوقع على كل تقدير فلا ورع إلا أن نقول إن ms816 المحرم ~~إذا عارضه الواجب قدم على الواجب؛ لأن رعاية # PageV04P211 # درء المفاسد أولى من رعاية حصول المصالح، وهو الأنظر ~~فيقدم المحرم ها هنا فيكون الورع الترك، وإن اختلفوا هل هو مندوب أو مكروه ~~فلا ورع لتساوي الجهتين على ما تقدم في المحرم والواجب ويمكن ترجيح المكروه ~~كما تقدم في المحرم وعلى هذا المنوال تجري قاعدة الورع وهذا مع تقارب ~~الأدلة أما إذا كان أحد المذهبين ضعيف الدليل جدا بحيث لو حكم به حاكم ~~لنقضناه لم يحسن الورع في مثله، وإنما يحسن إذا كان مما يمكن تقريره شريعة # PageV04P212 # الدال على دخول الورع في ذلك هذا أمر لا أعرف له وجها ~~غير ما يتوهم من توقع الإثم والعقاب، وذلك منتف بالدليل الإجماعي القطعي، ~~وكيف يصح ذلك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم» فأطلق القول من غير تقييد، ولا تفصيل، ولا تنبيه على وجه ~~الورع في ذلك ثم لم يحفظ التنبيه في ذلك عن واحد من أصحابه، ولا غيرهم من ~~السلف المتقدم ثم الخروج عن الخلاف لا يتأتى في مثل ما مثل به كما في مسألة ~~الخلاف بالتحريم والتحليل في الفعل الواحد فإنه لا بد من الإقدام على ذلك ~~الفعل والانكفاف عنه فإن أقدم عليه المكلف فقد وافق مذهب المحلل وإن انكف ~~عنه فقد وافق مذهب المحرم فأين الخروج عن الخلاف إنما ذلك عمل على وفق أحد ~~المذهبين لا خروج عن المذهبين، ومثاله أكل لحوم الخيل فإنه مباح عند ~~الشافعي ممنوع أو مكروه عند مالك فإن أقدم على الأكل، فذلك مذهب الشافعي، ~~وإن انكف فذلك مذهب مالك وما قاله فيما إذا اختلفوا في المشروعية وعدمها من ~~أن القائل بها مثبت لأمر لم يطلع عليه النافي، والمثبت مقدم كتعارض البينات ~~ليس بصحيح على الإطلاق فإنه إن عنى بتعارض البينات كما إذا قالت إحدى ~~البينتين لزيد عند عمرو دينار، وقالت الأخرى: ليس عنده شيء فلا تعارض؛ لأن ~~النافية معنى نفيها أنها لا تعلم أن له عنده شيئا أو ليس عنده شيء ms817 فلا ~~تعارض، وليس معنى نفيها أنها تعلم أنه ليس له عنده شيء فإن ذلك أمر يتعذر # PageV04P213 # وها هنا ثلاث مسائل (المسألة الأولى) أنكر جماعة من ~~الفقهاء دخول الورع في مسح الشافعي مثلا جميع رأسه قالوا: لأنه إن اعتقد # PageV04P214 # الوجوب فقد ترك الندب فلم يجمع بين المذهبين، بل هذا ~~مذهب مالك فقط، وإن لم يعتقد الوجوب لم يجزه المسح إلا بنية الندب فما حصل ~~الجمع بين المذهبين، وكذلك المالكي إذا بسمل، وكل موضع اختلف فيه على هذا ~~النحو يوردون فيه هذا السؤال، وليس بوارد بسبب أنا نقول: يعتقد في مسح رأسه ~~كله الندب على رأي الشافعي والوجوب على رأي مالك وليس في ذلك الجمع بين ~~الضدين فإن الندب والوجوب والأحكام الشرعية أضداد لكن الجمع بين الضدين ~~إنما يمتنع إذا اتحد المتعلق مع اتحاد المحل أما اتحاد المحل فقط فلا يمتنع ~~الجمع؛ لأن الصداقة ضد العداوة، والبغضة ضد المحبة، ويمكن أن يجتمع في ~~القلب العداوة للكافرين، والصداقة للمؤمنين # PageV04P215 # والمحبة للصالحين، والبغضة للطالحين بسبب أن متعلق ~~أحد الضدين غير متعلق الآخر كذلك ها هنا اختلفت الإضافة فنقول: اعتقد هذا ~~الفعل واجبا على مذهب مالك، ومندوبا على مذهب الشافعي فيجمعهما في ذهنه ~~باعتبار جهتين وإضافتين كما يصدق أن زيدا أب لعمرو ليس أبا لخالد فاجتمع ~~فيه النقيضان باعتبار إضافتين، وقد أجمع أرباب المعقول على أن من شروط ~~التناقض والتضاد اتحاد الإضافة كما تقدم مثاله في الأبوة، فإذا تعددت ~~الإضافة اجتمع النقيضان والضدان، وعلى هذا التقدير يجتمع في الذهن الواحد ~~في الزمن الواحد في الفعل الواحد الوجوب والتحريم والكراهة والندب والإباحة ~~باعتبار خمسة من العلماء القائلين بتلك الأحكام فعلى هذا التقدير تصورنا ~~الجمع # PageV04P216 # بين المذاهب على وجه يحصل الإجزاء والاستيفاء للمقاصد ~~والورع والخروج عن العهدة من غير تناقض فتأمله فقد نازعني فيه جمع كثير من ~~الفضلاء # PageV04P217 # (المسألة الثانية) كثير من الفقهاء يعتقد أن المالكي ~~يعتقد بطلان مذهب الشافعي إذا لم يتدلك في غسله أو يمسح جميع رأسه ونحوه، ~~وأن الشافعي يعتقد بطلان صلاة المالكي إذا ms818 لم يبسمل، وأن الجمع بين المذاهب ~~والورع في ذلك إنما هو لصون الصلاة ونحوها عن البطلان على قول المخالف وليس ~~كذلك، والورع في ذلك ليس لتحصيل صحة العبادة بل عبادة كل مقلد لإمام معتبر ~~صحيحة بالإجماع وأجمع كل فريق مع خصمه على صحة تصرفاته وعباداته على وجه ~~التقليد المعتبر فإن قلت: فإذا كانت العبادة الواقعة صحيحة بالإجماع فما ~~فائدة الورع وكيف يشرع الورع بعد ذلك قلت: فائدة الورع وسبب مشروعيته الجمع ~~بين أدلة المختلفين # PageV04P218 # والعمل بمقتضى كل دليل فلا يبقى في النفوس توهم أنه ~~قد أهمل دليلا لعل مقتضاه هو الصحيح فبالجمع ينتفي ذلك، فأثر الجمع بين ~~المذاهب في جميع مقتضيات الأدلة في صحة العبادة والتصرف فتأمل ذلك، ولو كان ~~المالكي يعتقد بطلان صلاة الشافعي وبالعكس لكانت كل طائفة عند الأخرى من ~~أعظم الناس فسقا لتركها الصلاة طول عمرها، ولا تقبل لها شهادة، وتجري عليها ~~أحكام الفساق أبد الدهر، ويطرد ذلك في الفرق كلها من جهة مخالفها، وهذا ~~فساد عظيم لم يقل به أحد بل مالك والشافعي وجميع الأئمة من أعدل الناس عند ~~جميع الناس، ولا يقول بفسق أحد منهم إلا منافق مارق من الدين # (المسألة الثالثة) اختلف الفقهاء في أول العصر الذي # PageV04P219 # أدركته هل يدخل الورع والزهد في المباحات أم لا فادعى ~~ذلك بعضهم، ومنعه بعضهم، وضيق بعضهم على بعض وأكثروا التشنيع فقال الأبياني ~~في مصنفه: لا يدخل الورع فيها؛ لأن الله - تعالى - سوى بين طرفيها، والورع ~~مندوب إليه، والندب مع التسوية متعذر، وقال الشيخ بهاء الدين الحميري: يدخل ~~الورع في المباحات، وما زال السلف الصالح على الزهد في المباحات، ويدل على ~~ذلك قوله تعالى {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} [الأحقاف: 20] وغيره من ~~النصوص، وكل من الشيخين على الحق والصواب؛ إذ لم يتواردا على محل واحد في ~~الكلام، والجمع بينهما أن المباحات لا زهد فيها، ولا ورع فيها من حيث هي ~~مباحات، وفيها الزهد والورع من حيث إن الاستكثار من المباحات يحوج إلى كثرة ~~الاكتساب الموقع في الشبهات، وقد ms819 يوقع في المحرمات، وكثرة المباحات أيضا ~~تفضي إلى بطر النفوس فإن كثرة العبيد والخيل والخول والمساكن العلية ~~والمآكل الشهية والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها من الإعراض عن مواقف ~~العبودية والتضرع لعز الربوبية كما يفعل ذلك الفقراء أهل الحاجات والفاقات ~~والضرورات، وما يلزم قلوبهم من الخضوع والذلة لذي الجلال وكثرة السؤال من ~~نواله وفضله آناء الليل وأطراف النهار؛ لأن أنواع الضرورات تبعث على ذلك ~~قهرا، والأغنياء بعيدون عن هذه الخطة فكان الزهد والورع في المباحات من هذا ~~الوجه لا من جهة أنها مباحات، ويدل على اعتبار ما تقدم قوله تعالى {كلا إن ~~الإنسان ليطغى} [العلق: 6] {أن رآه استغنى} [العلق: 7] # PageV04P220 # وقوله تعالى {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن ~~آتاه الله الملك} [البقرة: 258] أي من أجل أن أعطاه الله الملك فلو كان ~~النمرود فقيرا حقيرا مبتلى بالحاجات والضرورات لم تحتد نفسه إلى منازعة ~~إبراهيم ودعواه الإحياء أو الإماتة، وتعرضه لإحراق إبراهيم - عليه السلام - ~~بالنيران، وإنما وصل إلى هذه المعاطب والمهالك بسبب أنه ملك، وكذلك قوله ~~تعالى حكاية عن الكفار {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111] ~~وفي الأنبياء الآية الأخرى {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي} [هود: 27] فحصل من ذلك أن اتباع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ~~والمبادرين إلى تصديقهم إنما هم الفقراء والضعفاء، وأعداء الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - ومعاندوهم هم الأغنياء لقوله تعالى {وقالوا ربنا إنا ~~أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] وفي الآية الأخرى ~~{إلا قال مترفوها} [سبأ: 34] ولم يقل إلا قال فقراؤها فهذه سنة الله - ~~تعالى - في خلقه أن الأكثرين في هذه الدار هم الأقلون في تلك الدار، ~~والأقلون في هذه الدار هم الأكثرون في تلك الدار فهذا وجه ما كان السلف ~~يعتمدونه من الزهد والورع في المباحات، وهو وجه لزوم الذم المفهوم من قوله ~~{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} [الأحقاف: 20] فهذا وجه الجمع بين ~~القولين # (الفرق السابع والخمسون والمائتان بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك ~~الأسباب) # اعلم أنه قد التبس هاتان القاعدتان على كثير ms820 من الفقهاء والمحدثين في علم ~~الرقائق فقال قوم: لا يصح التوكل إلا مع ترك الأسباب، والاعتماد على الله - ~~تعالى - قاله الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره # PageV04P221 # وقال آخرون: لا ملازمة بين التوكل وترك الأسباب، ولا ~~هو هو وهذا هو الصحيح؛ لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله - تعالى - فيما ~~يجلبه من خير، أو يدفعه من ضر، قال المحققون: والأحسن ملابسة الأسباب مع ~~التوكل للمنقول والمعقول، أما المنقول فقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] فأمر بالاستعداد مع الأمر بالتوكل في ~~قوله تعالى {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 122] وقوله تعالى {إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] أي تحرزوا منه فقد أمر باكتساب ~~التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار، وأمر - تعالى - بملابسة أسباب ~~الاحتياط والحذر من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز، ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - سيد المتوكلين وكان يطوف على القبائل ويقول من يعصمني ~~حتى أبلغ رسالة ربي. # وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى {والله يعصمك من ~~الناس} [المائدة: 67] ودخل مكة مظاهرا بين درعين في كتيبته الخضراء من ~~الحديد، وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه - تعالى - يدخر قوت سنة ~~لعياله، وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة، ولهم عوائد ~~في أيام لا يحسن إلا فيها أو أبواب لا تخرج إلا منها، أو أمكنة لا يدفع إلا ~~فيها فالأدب معه أن لا يطلب منه فعل إلا حيث عوده، وأن لا يخالف عوائده بل ~~يجري عليها، والله - تعالى - ملك الملوك وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك رتب ~~ملكه على عوائد أرادها، وأسباب قدرها، وربط بها آثار قدرته، ولو شاء لم ~~يربطها # PageV04P222 # فجعل الري بالشرب، والشبع بالأكل، والاحتراق بالنار ~~والحياة بالتنفس في الهواء فمن طلب من الله - تعالى - حصول هذه الآثار بدون ~~أسبابها فقد أساء الأدب مع الله - سبحانه وتعالى - بل يلتمس فضله في ~~عوائده، وقد انقسمت الخلائق في هذا المقام ثلاثة أقسام ms821 قسم عاملوا الله - ~~تعالى - باعتماد قلوبهم على قدرته - تعالى - مع إهمال الأسباب والعوائد ~~فلججوا في البحار في زمن الهول وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد إلى ~~غير ذلك من هذه التصرفات، فهؤلاء حصل لهم التوكل وفاتهم الأدب مع الله - ~~تعالى - وهم جماعة من العباد أحوالهم مسطورة في الكتب في الرقائق، وقسم ~~لاحظوا الأسباب، وأعرضوا عن التوكل، وهم عامة الخلق وشر الأقسام، وربما ~~وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبب إلى الكفر، والقسم الثالث اعتمدت ~~قلوبهم على قدرة الله - تعالى - طلبوا فضله في عوائده ملاحظين في تلك ~~الأسباب مسببها وميسرها فجمعوا بين التوكل والأدب وهؤلاء النبيون ~~والصديقون، وخاصة عباد الله - تعالى. # والعارفون بمعاملته جعلنا الله - تعالى - منهم بمنه وكرمه فهؤلاء هم خير ~~الأقسام الثلاثة، والعجب ممن يهمل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعله عدم ~~الأسباب أو من شرطه عدم الأسباب إذا قيل: الإيمان سبب لدخول الجنة والكفر ~~سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب فهل هو تارك هذين السببين أو ~~معتبرهما فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا، وإن اعتبرهما فقال: لا بد من ~~الإيمان، وترك الكفر فيقال له: ما بال غيرهما # PageV04P223 # من الأسباب إن كان هذان لا ينافيان التوكل فغيرهما ~~كذلك نعم من الأسباب ما هو مطرد في مجرى عوائد الله - تعالى - كالإيمان ~~والكفر والغذاء والتنفس وغير ذلك، ومنها ما هو أكثري غير مطرد لكن الله - ~~تعالى - أجرى فيه عادة من حيث الجملة كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ~~ذلك والأدب في الجميع التماس فضل الله - تعالى - في عوائده ولذلك كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالدواء والحمية واستعمال الأدوية حتى ~~الكي بالنار «فأمر بكي سعد» ، وقال - عليه السلام - «المعدة بيت الداء، ~~والحمية رأس الدواء، وصلاح كل جسم ما اعتاد» وإذا كان حاله في الأسباب التي ~~ليست مطردة من الحمية وإصلاح البدن بمواظبة عادته فما ظنك بغير ذلك من ~~العوائد، فهذا هو الحق الأبلج، والطريق الأنهج # (الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة الحسد وقاعد الغبطة) اشتركت القاعدتان ~~في أنهما طلب من القلب غير ms822 أن الحسد تمني زوال النعمة عن الغير، والغبطة ~~تمني حصول مثلها من غير تعرض لطلب زوالها عن صاحبها ثم الحسد حسدان تمني ~~زوال النعمة وحصولها للحاسد وتمني زوالها من غير أن يطلب حصولها للحاسد، ~~وهو شر الحاسدين؛ لأنه طلب المفسدة الصرفة من غير معارض عادي أو طبيعي ثم ~~حكم الحسد في الشريعة التحريم، وحكم الغبطة الإباحة لعدم تعلقه بمفسدة ~~ألبتة، ودليل تحريم الحسد الكتاب والسنة والإجماع # PageV04P224 # فالكتاب قوله تعالى {ومن شر حاسد إذا حسد} [الفلق: 5] ~~أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وقوله تعالى {ولا تتمنوا ما فضل ~~الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] أي لا تتمنوا زواله؛ لأن قرينة النهي ~~دالة على هذا الحذف، وأما السنة فقوله: - صلى الله عليه وسلم - «ولا حسد ~~إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، ~~ورجل آتاه الله - تعالى - مالا فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار» أي لا ~~غبطة إلا في هاتين على وجه المبالغة، وقال - عليه السلام - «لا تحاسدوا ولا ~~تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا» وأجمعت الأمة على تحريمه وقد يعبر عن ~~الغبطة بلفظ الحسد كالحديث المتقدم، ويقال: إن الحسد أول معصية عصي الله ~~بها في الأرض حسد إبليس آدم فلم يسجد له # (الفرق التاسع والخمسون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة التجمل ~~بالملابس والمراكب وغير ذلك) # اعلم أن الكبر لله - تعالى - على أعدائه حسن، وعلى عباده وشرائعه حرام ~~وكبيرة، قال - عليه السلام - «لن يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر ~~فقالوا: يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال إن ~~الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق، وغمص الناس» خرجه مسلم وغيره ~~قال العلماء - رضي الله عنهم -: بطر الحق رده على قائله وغمص الناس ~~احتقارهم، وقوله: - عليه السلام - لن يدخل الجنة وعيد عظيم يقتضي أن الكبر ~~من الكبائر، وعدم دخوله الجنة مطلقا # PageV04P225 # عند المعتزلة؛ لأن صاحب الكبيرة عندهم يخلد في النار ~~كالكافر، وعند أهل السنة معناه ms823 لا يدخل في وقت يدخلها غير المتكبرين أي في ~~المبدأ، والنفي العام قد يراد به الخاص إذا اقتضته النصوص أو القواعد ~~والكبر من أعظم ذنوب القلب نسأل الله - تعالى - العافية حتى قال بعض ~~العلماء: كل ذنوب القلب يكون معه الفتح إلا الكبر، وأما التجمل فقد يكون ~~واجبا في ولاة الأمور وغيرهم إذا توقف عليه تنفيذ الواجب فإن الهيئات الرثة ~~لا تحصل معها مصالح العامة من ولاة الأمور، وقد يكون مندوبا إليها في ~~الصلوات والجماعات وفي الحروب لرهبة العدو والمرأة لزوجها، وفي العلماء ~~لتعظيم العلم في نفوس الناس، وقد قال عمر أحب أن أنظر إلى قارئ القرآن أبيض ~~الثياب وقد يكون حراما إذا كان وسيلة لمحرم كمن يتزين للنساء الأجنبيات ~~ليزني بهن، وقد يكون مباحا إذا عري عن هذه الأسباب وانقسم التجمل إلى هذه ~~الأحكام الخمسة، وكذلك الكبر أيضا قد يجب على الكفار في الحروب وغيرها، وقد ~~يندب على أهل البدع تقليلا للبدعة، وقد يحرم كما جاء في الحديث، والإباحة ~~فيه بعيدة، والفرق بينه وبين التجمل في تصور الإباحة فيه أن أصل التجمل ~~الإباحة لقوله تعالى {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق} [الأعراف: 32] فإذا عدم المعارض الناقل عن الإباحة بقيت الإباحة، ~~وأصل الكبر التحريم، فإذا عدم المعارض الناقل عن التحريم استصحب فيه ~~التحريم فهذا فرق، وفرق آخر أن الكبر من أعمال القلوب، والتجمل # PageV04P226 # من أفعال الجوارح يتعلق به الحسن دون الكبر # (الفرق الستون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة العجب) قد تقدمت حقيقة ~~الكبر، وأنه في القلب ويعضد ذلك قوله تعالى {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه} [غافر: 56] فجعل محله القلب والصدور وأما العجب فهو رؤية العبادة، ~~واستعظامها من العبد فهو معصية تكون بعد العبادة ومتعلقة بها هذا التعلق ~~الخاص كما يتعجب العابد بعبادته، والعالم بعلمه، وكل مطيع بطاعته هذا حرام ~~غير مفسد للطاعة؛ لأنه يقع بعدها بخلاف الرياء فإنه يقع معها فيفسدها، وسر ~~تحريم العجب أنه سوء أدب على الله - تعالى - فإن العبد لا ms824 ينبغي له أن ~~يستعظم ما يتقرب به إلى سيده بل يستصغره بالنسبة إلى عظمة سيده لا سيما ~~عظمة الله - تعالى - ولذلك قال الله تعالى {وما قدروا الله حق قدره} ~~[الأنعام: 91] أي ما عظموه حق تعظيمه فمن أعجب بنفسه وعبادته فقد هلك مع ~~ربه، وهو مطلع عليه وعرض نفسه لمقت الله تعالى وسخطه ونبه على ضد ذلك قوله ~~تعالى {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} ~~[المؤمنون: 60] معناه يفعلون من الطاعات ما يفعلون وهم خائفون من لقاء الله ~~- تعالى - بتلك الطاعة احتقارا لها، وهذا يدل على طلب هذه الصفة والنهي عن ~~ضدها فالكبر راجع للخلق والعباد، والعجب راجع للعبادة # PageV04P227 # (الفرق الحادي والستون والمائتان بين قاعدة العجب ~~وقاعدة التسميع) كلاهما معصية ويعكر على العبادة من جهة المعصية والموازنة ~~لا من جهة الإحباط وفي الحديث الصحيح خرجه مسلم وغيره قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «من سمع سمع الله به يوم القيامة» أي ينادي به يوم ~~القيامة هذا فلان عمل عملا لي ثم أراد به غيري، وهو غير الرياء؛ لأن العمل ~~يقع قبله خالصا، والرياء مقارن مفسد، والفرق بينه وبين العجب أنه يكون ~~باللسان، والعجب بالقلب كلاهما بعد العبادة # (الفرق الثاني والستون والمائتان بين قاعدة الرضا بالقضاء، وبين قاعدة ~~عدم الرضا بالمقضي) اعلم أن كثيرا من الناس يلتبسان عليه فلا يفرق بين ~~السخط بالقضاء وعدم الرضا به، والسخط # PageV04P228 # بالمقضي وعدم الرضا به اعلم أن السخط بالقضاء حرام ~~إجماعا والرضا بالقضاء واجب إجماعا بخلاف المقضي، والفرق بين القضاء ~~والمقضي والقدر والمقدور أن الطبيب إذا وصف للعليل دواء مرا، أو قطع يده ~~المتآكلة، فإن قال: بئس ترتيب الطبيب، ومعالجته، وكان غير هذا يقوم مقامه ~~مما هو أيسر منه فهو تسخط بقضاء الطبيب وأذية له، وجناية عليه بحيث لو سمعه ~~الطبيب كره ذلك وشق عليه، وإن قال: هذا دواء مر قاسيت منه شدائد، وقطع اليد ~~حصل لي منها آلام عظيمة مبرحة فهذا تسخط بالمقضي الذي هو الدواء والقطع لا ~~بالقضاء الذي هو ms825 ترتيب الطبيب، ومعالجته فهذا ليس قدحا في الطبيب، ولا ~~يؤلمه إذا سمع ذلك بل يقول له: صدقت الأمر كذلك فعلى هذا إذا ابتلي الإنسان ~~بمرض فتألم من المرض بمقتضى طبعه فهذا ليس عدم رضا بالقضاء بل عدم رضا ~~بالمقضي، وإن قال: أي شيء عملت حتى أصابني مثل هذا، وما ذنبي وما كنت ~~أستأهل هذا فهذا عدم رضا بالقضاء فنحن مأمورون بالرضا بالقضاء، ولا نتعرض ~~لجهة ربنا إلا بالإجلال والتعظيم، ولا نعترض عليه في ملكه وأما أنا أمرنا ~~بأن تطيب لنا البلايا والرزايا # PageV04P229 # ومؤلمات الحوادث فليس كذلك، ولم ترد الشريعة بتكليف ~~أحد بما ليس في طبعه، ولم يؤمر الأرمد باستطابة الرمد المؤلم، ولا غيره من ~~المرض بل ذم الله قوما لا يتألمون، ولا يجدون للبأساء وقعا فذمهم بقوله - ~~تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} [المؤمنون: ~~76] فمن لم يسكن ولم يذل للمؤلمات ويظهر الجزع منها ويسأل ربه إقالة العثرة ~~منها فهو جبار عنيد بعيد عن طرق الخير فالمقضي والمقدور أثر القضاء والقدر ~~فالواجب هو الرضا بالقضاء فقط أما المقضي فقد يكون الرضا به واجبا كالإيمان ~~بالله - تعالى - والواجبات إذا قدرها الله - تعالى - للإنسان، وقد يكون ~~مندوبا في المندوبات وحراما في المحرمات والرضا بالكفر كفر ومباحا في ~~المباحات، وأما بالقضاء فواجب على الإطلاق من تفصيل فمن قضي عليه بالمعصية ~~أو الكفر الواجب عليه أن يلاحظ جهة المعصية والكفر فيكرههما وأما قدر الله ~~فيهما فالرضا به ليس إلا ومتى سخطه وسفه الربوبية في ذلك كان ذلك معصية أو ~~كفرا منضما إلى معصيته وكفره على حسب حاله في ذلك فتأمل هذه الفروق، وإذا ~~وضحت لك فاعلم أن كثيرا من الناس يعتقد أن الرضا بالقضاء إنما يحصل من ~~الأولياء وخاصة عباد الله - تعالى؛ لأنه من العزيز الوجود، وليس كذلك بل ~~أكثر العوام من المؤمنين إنما يتألمون من المقضي فقط، وأما التوجه إلى جهة ~~الربوبية بالتجوير والقضاء بغير العدل، فهذا لا يكاد يوجد إلا نادرا من ~~الفجار والمردة وإنما يبعث # PageV04P230 # هؤلاء على قولهم: إن ms826 الرضا بالقضاء إنما يكون من جهة ~~الأولياء خاصة أنهم يعتقدون أن الرضا بالقضاء هو الرضا بالمقضي وعلى هذا ~~التفسير هو عزيز الوجود بل هو كالمتعذر فإنا نجزم بأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تألم لقتل عمه حمزة وموت ولده إبراهيم ورمي عائشة بما رميت به ~~إلى غير ذلك؛ لأن هذا كله من المقضي ونجزم بأن الأنبياء - عليهم السلام - ~~طباعهم تتألم وتتوجع من المؤلمات وتسر بالمسرات وإذا كان الرضا بالمقضيات ~~غير حاصل في طبائع الأنبياء فغيرهم بطريق الأولى فالرضا بهذا التفسير لا ~~طمع فيه، وهذا التفسير غلط بل الحق ما تقدم، وهو متيسر على أكثر العوام من ~~المؤمنين فضلا عن الأنبياء والصالحين فاعلم ذلك # (الفرق الثالث والستون والمائتان بين قاعدة المكفرات وقاعدة أسباب ~~المثوبات) # اعلم أن كثيرا من الناس يعتقدون أن المصائب سبب في رفع الدرجات وحصول ~~المثوبات وليس كذلك بل تحرير الفرق بينهما أن المثوبات لها شرطان أحدهما أن ~~تكون من كسب العبد ومقدوره فما # PageV04P231 # لا كسب له فيه وما لا في قدرته، أو هو من جنس مقدوره ~~غير أنه لم يقع بمقدوره كالجناية على عضو من أعضائه لا مثوبة فيه، وأصل ذلك ~~قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] فحصر ماله فيما هو من ~~سعيه وكسبه وقوله تعالى {إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: 16] فحصر ~~الجزاء فيما هو معمول لنا ومقدور، وثانيهما: أن يكون ذلك المكتسب مأمورا به ~~فما لا أمر فيه لا ثواب فيه كالأفعال قبل البعثة، وكأفعال الحيوانات ~~العجماوات مكتسبة مرادة لها واقعة باختيارها، ولا ثواب لها فيها لعدم الأمر ~~بها، وكذلك الموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح ~~والتهليل، ولا ثواب لهم فيه على الصحيح؛ لأنهم غير مأمورين بعد الموت، ولا ~~منهيين فلا إثم، ولا ثواب # PageV04P232 # لعدم الأمر والنهي هذا أحد أسباب المثوبات. # وأما المكفرات فلا يشترط فيها شيء من ذلك بل قد تكون كذلك مكتسبة مقدورة ~~من باب الحسنات لقوله {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] وقد لا تكون ~~كذلك كما تكفر ms827 التوبة والعقوبات السيئات، وتمحو آثارها، ومن ذلك المصائب ~~المؤلمات لقوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} [الشورى: 30] ولقوله - عليه السلام - «لا يصيب المؤمن # PageV04P233 # من وصب، ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ~~ذنوبه» فالمصيبة كفارة للذنوب جزما سواء اقترن بها السخط أو الصبر والرضا ~~فالسخط معصية أخرى، ونعني بالسخط عدم الرضا بالقضاء كما تقدم تقريره لا ~~التألم من المقضيات كما تقدم بيانه، والصبر من القرب الجميلة، فإذا تسخط ~~جعلت سيئة ثم قد تكون هذه السيئة قدر السيئة التي كفرتها المصيبة أو أقل أو ~~أعظم بحسب كثرة السخط وقلته وعظم المصيبة وصغرها فإن المصيبة العظيمة تكفر ~~من السيئات أكثر من المصيبة اليسيرة فالتكفير واقع قطعا تسخط المصاب أو صبر ~~غير أنه إن صبر اجتمع التكفير والأجر، وإن تسخط فقد يعود الذي تكفر ~~بالمصيبة بما جناه من التسخط أو أقل منه أو أكثر، وعلى هذا يحمل ما في بعض ~~الأحاديث من ترتيبه المثوبات على المصائب أي إذا صبر ليس إلا فالمصيبات لا ~~ثواب فيها قطعا من جهة أنها مصيبة؛ لأنها غير مكتسبة. # والتكفير بالمصيبة يقع بالمكتسب وغير المكتسب، ومنه قوله: - عليه السلام ~~- في مسلم وغيره «لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد إلا كن له حجابا من النار ~~قالت قلت: يا رسول الله واثنان قال واثنان وخلته لو قلت له: وواحد لقال ~~وواحد» والحجاب راجع إلى معنى التكفير أي تكفر مصيبة فقد الولد ذنوبا كان ~~شأنها أن يدخل بها النار فلما كفرت تلك الذنوب بطل دخول النار بسببها فصارت ~~المصيبة كالحجاب المانع من دخول النار # PageV04P234 # من جهة مجاز التشبيه، واعلم أن التكفير في موت ~~الأولاد ونحوهم إنما هو بسبب الآلام الداخلة على القلب من فقد المحبوب، فإن ~~كثر كثر التكفير، وإن قل قل التكفير فلا جرم يكون التكفير على قدر نفاسة ~~الولد في صفاته ونفاسته في بره وأحواله، فإن كان الولد مكروها يسر بفقده ~~فلا كفارة بفقده ألبتة، وإنما أطلق - عليه السلام - التكفير بموت الأولاد ~~بناء ms828 على الغالب أنه يؤلم فظهر لك الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات بهذه ~~التقادير والمباحث، وعلى هذا البيان لا يجوز أن تقول لمصاب بمرض أو فقد ~~محبوب أو غير ذلك: جعل الله لك هذه المصيبة كفارة؛ لأنها كفارة قطعا ~~والدعاء بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز؛ لأنه قلة أدب مع الله - تعالى، وقد ~~بسطت هذا في كتاب المنجيات والموبقات في الأدعية بل يقال: اللهم عظم له ~~الكفارة؛ لأن تعظيمها لم يعلم ثبوته بخلاف أصل التكفير فإنه معلوم لنا ~~بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة فلا يجوز طلبه فاعلم # PageV04P235 # ذلك فيه وفي نظائره # (الفرق الرابع والستون والمائتان بين قاعدة المداهنة المحرمة وبين قاعدة ~~المداهنة التي لا تحرم، وقد تجب) # اعلم أن معنى المداهنة معاملة الناس بما يحبون من القول ومنه قوله تعالى ~~{ودوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9] أي هم يودون لو أثنيت على أحوالهم ~~وعباداتهم، ويقولون لك مثل ذلك فهذه مداهنة حرام، وكذلك كل من يشكر ظالما ~~على ظلمه أو مبتدعا على بدعته أو مبطلا على إبطاله وباطله فهي مداهنة حرام؛ ~~لأن ذلك وسيلة لتكثير ذلك الظلم والباطل من أهله، وروي عن أبي موسى الأشعري ~~أنه كان يقول: إنا لنشكر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم يريد الظلمة ~~والفسقة الذين يتقى شرهم، ويتبسم في وجوههم ويشكرون بالكلمات الحقة فإن ما ~~من أحد إلا وفيه صفة تشكر، ولو كان من أنحس الناس فيقال له ذلك استكفاء ~~لشره فهذا قد يكون مباحا، وقد يكون واجبا إن كان يتوصل به القائل لدفع ظلم ~~محرم أو محرمات لا تندفع إلا بذلك القول ويكون الحال يقتضي ذلك، وقد يكون ~~مندوبا إن كان وسيلة لمندوب أو مندوبات، وقد يكون مكروها إن كان عن ضعف لا ~~ضرورة تتقاضاه بل خور في الطبع أو يكون وسيلة للوقوع في مكروه فانقسمت ~~المداهنة على هذه الأحكام الخمسة الشرعية، وظهر - حينئذ - الفرق بين ~~المداهنة المحرمة وغير المحرمة، وقد شاع بين الناس أن المداهنة كلها محرمة، ~~وليس كذلك بل الأمر كما تقدم تقريره # PageV04P236 # (الفرق الخامس والستون ms829 والمائتان بين قاعدة الخوف من ~~غير الله - تعالى - المحرم وقاعدة الخوف من غير الله - تعالى - الذي لا ~~يحرم) ورد قوله تعالى {ولم يخش إلا الله} [التوبة: 18] وقوله تعالى {فلا ~~تخشوهم واخشوني} [البقرة: 150] وقوله تعالى {وتخشى الناس والله أحق أن ~~تخشاه} [الأحزاب: 37] ونحو ذلك من النصوص المانعة من خوف غير الله - تعالى ~~- وهو المستفيض على ألسنة الجمهور، وهذه النصوص محمولة على خوف غير الله - ~~تعالى - المانع من فعل واجب أو ترك محرم أو خوف مما لم تجر العادة بأنه سبب ~~للخوف كمن يتطير بما لا يخاف منه عادة كالعبور بين الغنم يخاف لذلك أن لا ~~تقضى حاجته بهذا السبب فهذا كله خوف حرام، ومما ورد في هذا الباب، وهو قليل ~~أن يتفطن له قوله تعالى {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله ~~جعل فتنة الناس كعذاب الله} [العنكبوت: 10] فمعنى هذا التشبيه في هذه الكاف ~~قل من يحققه، وهو قد ورد في هذا الباب في سياق الذم والإنكار مع أن فتنة ~~الناس مؤلمة، وعذاب الله مؤلم، ومن شبه مؤلما بمؤلم كيف ينكر عليه هذا ~~التشبيه ومدرك الإنكار بين، وهو أن الله - تعالى - وضع عذابه حاثا على ~~طاعته وزاجرا عن معصيته فمن جعل أذية الناس حاثة على طاعتهم في ارتكاب ~~معصية الله - تعالى - وزاجرة له عن طاعة الله تعالى فقد سوى بين عذاب الله ~~وفتنة الناس في الحث والزجر وشبه الفتنة بعذاب الله - تعالى - من هذا ~~الوجه، والتشبيه من هذا الوجه حرام قطعا موجب للتحريم واستحقاق الذم الشرعي ~~فأنكر على فاعله ذلك، وهو من باب خوف غير الله المحرم، وهو سر التشبيه ها ~~هنا، وقد يكون الخوف من غير الله - تعالى - ليس محرما كالخوف من الأسود ~~والحيات والعقارب والظلمة، وقد يجب الخوف من غير الله - تعالى - كما أمرنا ~~بالفرار من أرض الوباء والخوف منها على أجسامنا من الأمراض والأسقام، وفي ~~الحديث «فر من المجذوم فرارك من الأسد» فصون النفس والأجسام والمنافع ~~والأعضاء والأموال والأعراض عن الأسباب المفسدة واجب، وعلى هذه ms830 القواعد فقس ~~يظهر لك ما يحرم من الخوف من غير الله - تعالى - وما لا يحرم وحيث تكون ~~الخشية من الخلق محرمة وحيث لا تكون فاعلم ذلك # PageV04P237 # (الفرق السادس والستون والمائتان بين قاعدة التطير ~~وقاعدة الطيرة وما يحرم منهما وما لا يحرم) # فالتطير هو الظن السيئ الكائن في القلب، والطيرة هو الفعل المرتب على هذا ~~الظن من فرار أو غيره وكلاهما حرام لما جاء في الحديث «أنه - عليه السلام - ~~كان يحب الفأل الحسن، ويكره الطيرة» ولأنها من باب سوء الظن بالله - تعالى، ~~ولا يكاد المتطير يسلم مما تطير منه إذا فعله، وغيره لا يصيبه منه بأس، ~~وسأل بعض المتطيرين بعض العلماء فقال له: إنني لا أتطير فلا ينخرم على ذلك ~~بل يقع الضرر بي وغيري يقع له مثل ذلك السبب فلا يجد منه ضررا، وقد أشكل ~~ذلك علي فهل لهذا أصل في الشريعة فقال له نعم قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~حكاية عن الله - تعالى -: «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» وفي بعض ~~الطرق فليظن بي خيرا وأنت تظن أن الله - تعالى - يؤذيك عند ذلك الشيء الذي ~~تطيرت منه فتسيء الظن بالله - عز وجل - فيقابلك الله على سوء ظنك به ~~بإذايتك بذلك الشيء الذي تطيرت به، وغيرك لا يسيء ظنه بالله - تعالى، ولا ~~يعتقد أنه يحصل له ضرر عند ذلك فلا يعاقبه الله - تعالى - فلا يتضرر ثم هذا ~~المقام يحتاج إلى تحقيق؛ فإن الإنسان لو خاف الهلاك عند ملاقاة السبع لم ~~يحرم إجماعا فتعين أن الأشياء في الغالب قسمان ما جرت العادة بأنه مؤذ ~~كالسموم والسباع والوباء ومعاداة الناس والتخم وأكل الأغذية الثقيلة ~~المنفخة عند ضعفاء المعدة ونحو ذلك فالخوف في هذا القسم ليس حراما؛ لأنه ~~خوف عن سبب محقق في مجاري العادة، وقد نقل صاحب القبس عن بعض العلماء أنه ~~قال: معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا عدوى» محمول على بعض ~~الأمراض بدليل تحذيره - عليه السلام - من الوباء والقدوم على بلد هو فيه. # وهذا ms831 حق فإن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده كما نعتقد أن الماء ~~مرو والخبز مشبع والنار محرقة وقطع الرأس مميت ومنع النفس مميت، ومن لم ~~يعتقد ذلك كان خارجا عن نمط العقلاء، وما سببه إلا جريان العادة الربانية ~~به، وكذلك ما كان في العادة أكثريا، وإن لم يكن مطردا نحو كون المحمودة ~~مسهلة والآس قابضا إلى غير ذلك من الأدوية فإن اعتقادها حسن متعين مع عدم ~~اطرادها بل لكونها أكثرية فيتعين حينئذ أن الذي يحرم التطير فيه هو القسم ~~الخارج عن هذا القسم، وهو ما لم تجر عادة الله - تعالى - به في حصول الضرر # PageV04P238 # من حيث هو هو فإذا عرض التطير حصل به الضرر عقوبة لمن ~~اعتقد ذلك فيه واعتقد في ملك الله - تعالى - وتصرفه ما ليس فيه مع سوء الظن ~~به وهذا القسم كشق الأغنام والعبور بين الغنم وشراء الصابون يوم السبت ونحو ~~هذا من هذيان العوام المتطيرين فهذا هو القسم الحرام المخوف منه؛ لأنه سوء ~~ظن بالله - تعالى - من غير سبب، ومن الأشياء ما هو قريب من أحد القسمين. # ولم يتمحض كالعدوى في بعض الأمراض ونحوه فالورع ترك الخوف منه حذرا من ~~الطيرة ومن ذلك الشؤم الوارد في الأحاديث ففي الصحيح أنه قال - عليه السلام ~~- «إنما الشؤم في ثلاث الدار والمرأة والفرس» وفي بعضها «إن كان الشؤم في ~~شيء ففي الدار والمرأة والفرس» قال صاحب المنتقى: فيحتمل أن يكون معناه - ~~كما قال بعض العلماء - إن كان الناس يعتقدون الشؤم فإنما يعتقدونه في هذه ~~الثلاث أو إن كان الشؤم واقعا في نفس الأمر ففي هذه الثلاث وقيل: أخبر - ~~عليه السلام - بذلك أولا مجملا ثم أخبر به واقعا في الثلاث؛ فلذلك أجمل ثم ~~فصل وجزم كما «قال - عليه السلام - في الدجال إن يخرج وأنا فيكم فأنا ~~حجيجه، وإن لم أكن فيكم فالمرء حجيج نفسه، والله - سبحانه - خليفتي عليكم ~~ثم أخبر» - عليه السلام - أن الدجال إنما يخرج في آخر الزمان فأخبر بالدجال ~~أولا مجملا ثم أخبر به مفصلا على ms832 حسب ما ورد الوحي به، وكذلك «سئل - عليه ~~السلام - عن أكل الضب فقال: إنه قد مسخت أمة من الأمم وأخشى أن يكون منهم» ~~أو ما هذا معناه ثم أخبر أن الممسوخ لم يعقب فقد أخبر بالمسخ أولا مجملا ثم ~~أخبر به مفصلا، وهو كثير في السنة فتنبه لهذه القاعدة فبها يحصل لك الجمع ~~بين كثير من الأحاديث، ولا مانع أن يجري الله - تعالى - عادته بجعل هذه ~~الثلاثة أحيانا سببا للضرر ففي الصحيح أنه - عليه السلام - «قيل له: يا ~~رسول الله دار سكناها، والعدد كثير، والمال وافر فقل العدد وذهب المال فقال ~~- صلى الله عليه وسلم - دعوها ذميمة» وعن عائشة أنها قالت: إنما تحدث رسول ~~الله عن أقوال الجاهلية في الثلاث قال الباجي: ولا يبعد أن يكون ذلك عادة، ~~وفي الموطإ قال - عليه السلام - «لا عدوى، ولا هام، ولا صفر» ، ولا يحل ~~الممرض على المصح وليحل المصح حيث شاء قال الباجي قال ابن دينار: لا يعدي ~~مريض مريضا خلافا لما كانت العرب تعتقده فبين - عليه السلام - أن ذلك من ~~عند الله - تعالى -، ولا هامة قال مالك: معناه لا تطير بالهامة كانت العرب ~~تقول: إذا # PageV04P239 # وقعت هامة على بيت خرج منه ميت. # وقيل: معناه أن العرب كانت تقول إذا قتل أحد خرج من رأسه طائر لا يزال ~~يقول اسقوني حتى يقتل قاتله فعلى الأول يكون الخبر نهيا وعلى الثاني يكون ~~تكذيبا، ولا صفر هو النسيء التي كانت الجاهلية تحرم فيه صفر لتبيح به ~~المحرم وقيل: كانت الجاهلية تقول: هو داء في الجوف يقتل قال - عليه السلام ~~- لا يموت إلا بأجله والممرض صاحب الماشية المريضة والمصح صاحب الماشية ~~الصحيحة قال ابن دينار ومعنى الممرض المصح بإيراد ماشية على ماشية فيؤذيه ~~بذلك فنسخ بقوله «لا عدوى» وقيل: معناه لا يحل المجذوم محل الصحيح معه ~~يؤذيه، وإن كان لا يعدي فالنفس تكرهه فهو من باب إزالة الضرر لا من العدوى ~~وقيل: هو ناسخ لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا عدوى» # (الفرق السابع والستون والمائتان بين قاعدة ms833 الطيرة، وقاعدة الفأل الحلال ~~المباح والفأل الحرام) # أما التطير والطيرة فقد تقدمت حقيقتهما وأحكامهما، وأما الفأل فهو ما يظن ~~عنده الخير عكس الطيرة والتطير غير أنه تارة يتعين للخير، وتارة للشر وتارة ~~مترددا بينهما فالمتعين للخير مثل الكلمة الحسنة يسمعها الرجل من غير قصد ~~نحو يا فلاح يا مسعود ومنه تسمية الولد والغلام بالاسم الحسن حتى متى سمع ~~استبشر القلب فهذا فأل حسن مباح مقصود وقد ورد في الصحيح أنه - عليه السلام ~~- حول أسماء مكروهة من أقوام كانوا في الجاهلية بأسماء حسنة فهذان القسمان ~~هما الفأل المباح وعليهما يحمل قولهم: «إنه - عليه السلام - كان يحب الفأل ~~الحسن» وأما الفأل الحرام فقد قال الطرطوشي في تعليقه إن أخذ: الفأل من ~~المصحف وضرب الرمل والقرعة والضرب بالشعير وجميع هذا النوع حرام؛ لأنه من ~~باب الاستقسام بالأزلام. # والأزلام أعواد كانت في الجاهلية مكتوب على أحدهما افعل وعلى الآخر لا ~~تفعل وعلى الآخر غفل فيخرج أحدهما، فإن وجد عليه افعل أقدم على حاجته التي ~~يقصدها أو لا تفعل أعرض عنها واعتقد أنها ذميمة، أو خرج المكتوب عليه غفل ~~أعاد الضرب فهو يطلب قسمه من الغيب بتلك الأعواد فهو استقسام أي طلب القسم ~~الجيد يتبعه، والرديء يتركه، وكذلك من أخذ الفأل من المصحف أو غيره إنما ~~يعتقد هذا # PageV04P240 # المقصد إن خرج جيدا اتبعه أو رديئا اجتنبه فهو عين ~~الاستقسام بالأزلام الذي ورد القرآن بتحريمه فيحرم، وما رأيته حكى في ذلك ~~خلافا، والفرق بينه وبين القسم الذي تقدم الذي هو مباح أن هذا متردد بين ~~الخير والشر، والأول متعين للخير فهو يبعث على حسن الظن بالله - تعالى - ~~فهو حسن؛ لأنه وسيلة للخير، والثاني بصدد أن يبين سوء الظن بالله - تعالى - ~~فحرم لذلك، وهو يحرم لسوء الظن بغير سبب تقتضيه عادة فيلحق بالطيرة فهذا هو ~~تلخيص الفرق بين التطير والفأل المباح والفأل الحرام # (الفرق الثامن والستون والمائتان بين قاعدة الرؤيا التي تجوز تعبيرها ~~وقاعدة الرؤيا التي لا يجوز تعبيرها) # قال صاحب القبس تقول العرب: رأيت رؤية إذا ms834 عاينت ببصرك، ورأيت رأيا إذا ~~اعتقدت بقلبك، ورأيت رؤيا بالقصر إذا عاينت في منامك، وقد تستعمل في ~~اليقظة. # (قلت:) قال الله سبحانه {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} ~~[الإسراء: 60] والجمهور على أنها في اليقظة قال الكرماني في كتابه الكبير: ~~الرؤيا ثمانية أقسام سبعة منها لا تعبر، وواحدة فقط تعبر، والسبعة أربعة ~~منها نشأت عن الأخلاط الأربعة الغالبة على مزاج الرائي فمن غلب عليه خلط ~~رأى ما يناسبه فمن غلبت عليه السوداء رأى الألوان السود والأشياء المحرقة ~~والطعوم الحامضة؛ لأنه طعم السوداء ويعرف ذلك بالأدلة الطبية الدالة على ~~غلبة ذلك الخلط على ذلك الرائي، ومن غلبت عليه الصفراء رأى الألوان الصفر ~~والطعوم المرة والسموم والحرور والصواعق ونحو ذلك، ومن غلب عليه الدم يرى ~~الألوان الحمر والطعوم الحلوة وأنواع الطرب؛ لأن الدم مفرح حلو، والصفراء ~~مسخنة مرة، ومن غلب عليه البلغم رأى الألوان البيض والأمطار والمياه والثلج ~~(القسم الخامس) ما هو من حديث النفس ويفهم ذلك بجولانه في اليقظة وكثرة ~~الفكر فيه فيستولي على النفس فتتكيف به فيراه في النوم (القسم السادس) ما ~~هو من الشيطان، ويعرف بكونه فيه حث على أمر تنكره الشريعة أو بأمر معروف ~~جائز غير أنه يؤدي إلى أمر منكر كما إذا أمره بالتطوع بالحج فتضيع عائلته ~~أو يعق بذلك أبويه (القسم السابع) ما كان فيه احتلام (القسم الثامن) هو ~~الذي يجوز تعبيره، وهو ما خرج عن هذه، وهو ما ينقله ملك # PageV04P241 # الرؤيا من اللوح المحفوظ، فإن الله - عز وجل - وكل ~~ملكا باللوح المحفوظ ينقل لكل أحد ما يتعلق به من اللوح المحفوظ من أمر ~~الدنيا والآخرة من خير أو شر لا يترك من ذلك شيئا علمه من علمه وجهله من ~~جهله ذكره من ذكره ونسيه من نسيه وهذا هو الذي يجوز تعبيره، وما عداه لا ~~يعبر وفي الفرق سبع مسائل. # (المسألة الأولى) # خرج مالك في الموطإ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «الرؤيا ~~الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من ms835 النبوة» قال صاحب ~~المنتقى: قال جماعة من العلماء: معناه أن مدة نبوته - صلى الله عليه وسلم - ~~كانت ثلاثا وعشرين سنة منها ستة أشهر نبوة بالرؤيا فأول ما بدئ به - عليه ~~السلام - الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح ونسبة ستة ~~أشهر من ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءا وقيل: أجزاء من النبوة لم ~~يطلع عليها أحد، وروي جزء من خمسة وأربعين وروي من سبعين فيحتمل أن يكون ~~ذلك اختلافا في الرؤيا فيحمل الأول على الجلية والأكثر من العدد على الرؤيا ~~الخفية أو تكون الستة والأربعون هي المبشرة، والسبعون هي المحزنة والمخوفة ~~لقلة تكرره، ولما يكون جنسه من الشيطان، وفي القبس روي أيضا خمسة وستون ~~جزءا من النبوة وخمسة وأربعون فاختلفت الأعداد؛ لأنها رؤيا النبوة لا نفس ~~النبوة وجعلت بشارات بما أعطاه الله من فضله جزءا من سبعين في الابتداء ثم ~~زاد حتى بلغ خمسا وأربعين قال: وتفسيرها بمدة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - باطل؛ لأنه مفتقر لنقل صحيح، ولم يوجد، قال: الأحسن قول الإمام ~~الطبري عالم القرآن والسنة: إن نسبة هذه الأعداد إلى النبوة إنما هو بحسب ~~اختلاف الرائي فرؤيا الرجل الصالح على نسبته، والذي دون درجته دون ذلك ~~وقوله: - عليه السلام - «لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» حض على ~~نقلها والاهتمام بها ليبقى لهم بعده - عليه السلام - جزء من النبوة فبشر ~~بذلك أمته. # ولا يعبر الرؤيا إلا من يعلمها ويحسنها، وإلا فليترك. # وسئل مالك - رحمه الله تعالى - أيفسر الرؤيا كل أحد؟ قال: أبالنبوة يلعب ~~قيل: له أيفسرها على الخير، وهي عنده على الشر لقول من يقول: الرؤيا على ما ~~أولت فقال: الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أفيتلاعب بأمر النبوة. # وفي الموطإ «الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإن رأى أحدكم ~~الشيء يكرهه فليتفل يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها ~~فإنها لن تضره إن # PageV04P242 # شاء الله - تعالى -» . # قال الباجي: فيحتمل أن يريد بالرؤيا الصالحة المبشرة ويحتمل الصادقة من ms836 ~~الله - تعالى - ويريد بالحلم ما يحزن ويحتمل أن يريد به الكاذب يخيل به ~~ليفرح أو يحزن قال ابن وهب: يقول في الاستعاذة إذا نفث عن يساره: أعوذ بمن ~~استعاذت به ملائكة الله ورسله من شر ما رأيت في منامي هذا أن يصيبني منه ~~شيء أكرهه ثم يتحول على جانبه الآخر قال ابن رشد في المقدمات: الفرق بين ~~رؤيا الأنبياء وغيرهم أن رؤيا غيرهم إذا أخطأ في تأويلها لا تخرج كما أولت ~~ورؤيا غير الصالح لا يقال فيها جزء من النبوة، وإنما يلهم الله - تعالى - ~~الرائي التعوذ إذا كانت من الشيطان أو قدر أنها لا تصيبه وإن كانت من الله ~~- تعالى - فإن شر القدر قد يكون وقوعه موقوفا على عدم الدعاء # (المسألة الثانية) # قال صاحب القبس: قال صالح المعتزلي: رؤيا المنام هي رؤية العين، وقال ~~آخرون: هي رؤية بعينين في القلب يبصر بهما، وأذنين في القلب يسمع بهما، ~~وقالت المعتزلة: هي تخاييل لا حقيقة لها، ولا دليل فيها، وجرت المعتزلة على ~~أصولها في تخييلها على العادة في إنكار أصول الشرع في الجن وأحاديثها ~~والملائكة وكلامها، وأن جبريل - عليه السلام - لو كلم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بصوت لسمعه الحاضرون، وأما أصحابنا فلهم أقوال ثلاثة قال ~~القاضي: هي خواطر واعتقادات، وقال الأستاذ أبو بكر هي أوهام، وهو قريب من ~~الأول، وقال الأستاذ أبو إسحاق: هي إدراك بأجزاء لم تحلها آفة النوم، فإذا ~~رأى الرائي أنه بالمشرق، وهو بالمغرب أو نحوه فهي أمثلة جعلها الله - تعالى ~~- دليلا على تلك المعاني كما جعلت الحروف والأصوات والرقوم للكتابة دليلا ~~على المعاني فإذا رأى الله - تعالى - أو النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي ~~أمثلة تضرب له بقدر حاله فإن كان موحدا رآه حسنا أو ملحدا رآه قبيحا، وهو ~~أحد التأويلين في قوله - عليه السلام - «رأيت ربي في أحسن صورة» قال بعض ~~العلماء: قال لي بعض الأمراء: رأيت البارحة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في أشد ما يكون من السواد فقلت: له ظلمت الخلق وغيرت الدين قال ms837 النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الظلم ظلمات يوم القيامة فالتغيير فيك لا شك فيه وكان ~~متغيرا علي وعنده كاتبه وصهره وولده فأما الكاتب فمات، وأما الآخران فتنصرا ~~وأما هو فكان مستندا فجلس على نفسه وجعل يتعذر، وكان آخر كلامه وددت أن ~~أكون حميا لنخلات أعيش بها بالثغر قلت له: وما ينفعك أنا أقبل أنا عذرك ~~وخرجت فوالله ما توقفت لي عنده بعد # PageV04P243 # حاجة # (المسألة الثالثة) # قال الأستاذ أبو إسحاق الإدراك يضاده النوم اتفاقا والرؤيا إدراك المثل ~~كما تقدم فكيف تجتمع مع النوم وأجاب بأن النفس ذات جواهر فإن عمها النوم ~~فلا إدراك ولا منام، وإن قام عرض النوم ببعضها أمكن قيام إدراك المنام ~~بالبعض الآخر؛ ولذلك فإن أكثر المنامات آخر الليل عند خفة النوم # (المسألة الرابعة) تقدم أن المدرك إنما هو المثال، وبه خرج الجواب عن كون ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى في الآن الواحد في مكانين فإن المرئي ~~في المكانين مثالان فلا إشكال إذا تعددت المظروفات بتعدد الظروف إذ المشكل ~~أن يكون في مكانين في زمان واحد، وأجاب الصوفية بأنه - عليه السلام - ~~كالشمس ترى في أماكن عدة، وهي واحدة، وهو باطل فإنه - عليه السلام - يراه ~~زيد في بيته ويراه عمرو بجملته في بيته أو داخل مسجده والشمس إنما ترى من ~~أماكن عدة، وهي في مكان واحد فلو رئيت داخل بيت بجرمها استحال رؤية جرمها ~~في داخل بيت آخر، وهو الذي يوازن رؤية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~بيتين أو مسجدين، والإشكال لم يرد رؤيته - عليه السلام - من مواضع عدة، وهو ~~في مكان واحد إنما ورد فيه كيف يرى في مواضع عدة بجملة ذاته - عليه السلام ~~- فأين أحدهما من الآخر مع اتفاق العلماء على أن حلول الجسم الواحد في ~~الزمن الواحد في مكانين محال فلا يتجه الجواب إلا بأن المرئي مثاله - عليه ~~السلام - لا ذاته، وكذلك كل مرئي من بحر أو جبل أو آدمي أو غيره إنما يرى ~~مثاله لا هو بذاته، وبه يظهر معنى قوله ms838 - عليه السلام -: «من رآني فقد رآني ~~حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي» وأن التقدير من رأى مثالي فقد رآني حقا فإن ~~الشيطان لا يتمثل بمثالي، وأن الخبر إنما يشهد بعصمة المثال عن الشيطان، ~~ونص الكرماني في كتابه الكبير في تأويل الرؤيا أن الرسل والكتب المنزلة ~~والملائكة أيضا كذلك معصومة عن تمثل الشيطان بمثلها وما عدا ذلك من المثل ~~يمكن أن يكون حقا ويمكن أن يكون من قبل الشيطان وأنه تمثل بذلك المثال # (المسألة الخامسة) # قال العلماء: إنما تصح رؤية النبي - عليه السلام - لأحد رجلين أحدهما ~~صحابي رآه فعلم صفته فانطبع في نفسه مثاله فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله ~~المعصوم من الشيطان فينتفي عند اللبس والشك في رؤيته - عليه السلام -، ~~وثانيهما: رجل تكرر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه ~~صفته - عليه السلام - ومثاله المعصوم كما حصل ذلك لمن رآه فإذا رآه # PageV04P244 # جزم برؤية مثاله - عليه السلام - كما يجزم به من رآه ~~فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته - عليه السلام - وأما غير هذين فلا يحصل ~~له الجزم بل يجوز أن يكون رآه - عليه السلام - بمثاله، ويحتمل أن يكون من ~~تخييل الشيطان، ولا يفيد قول المرئي لمن يراه: أنا رسول الله، ولا قول من ~~يحضر معه هذا رسول الله؛ لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره فلا يحصل ~~الجزم إذا تقرر هذا وأنه لا بد من رؤية مثاله المخصوص فيشكل ذلك بما تقرر ~~في كتب التعبير أن الرائي يراه شيخا وشابا وأسود وذاهب العينين وذاهب ~~اليدين وعلى أنواع شتى من المثل التي ليست مثاله - عليه السلام - فالجواب ~~عن هذا أن هذه الصفات صفات الرائي، وأحوالهم تظهر فيه - عليه السلام -، وهو ~~كالمرآة لهم قلت لبعض مشايخي: فكيف يبقى المثال مع هذه الأحوال المضادة له ~~فقال لي: لو كان لك أب شاب تغيبت عنه ثم جئته فوجدته شيخا أو أصابه يرقان ~~أصفر أو يرقان أسود أو أصابه برص، أو جذام، أو قطعت أعضاؤه أكنت تشك فيه ~~أنه أبوك قلت: لا فقال ms839 لي ما ذاك إلا لما ثبت في نفسك من مثاله المتقدم ~~عندك الذي لا تجهله بعروض هذه الصفات له فكذلك من ثبت عنده في نفسه مثال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هكذا لا يشك فيه مع عروض هذه الأحوال له ~~ومن لم يكن كذلك لا يثق بأنه رآه - عليه السلام - وإذا صح له المثال، ~~وانضبط فالسواد يدل على ظلم الرائي، والعمى يدل على عدم إيمانه؛ لأنه إدراك ~~ذاهب وقطع اليد يدل على أنه يمنع من ظهور الشريعة ونفوذ أوامرها، فإن اليد ~~يعبر بها عن القدرة وكونه أمرد يدل على الاستهزاء به، فإن الشاب يحتقر، ~~وكونه شيخا يدل على تعظيم النبوة؛ لأن الشيخ يعظم، وغير ذلك من الصفات ~~الدالة على الأحكام المختلفة # (فرع) فلو رآه - عليه السلام - فقال له: إن امرأتك طالق ثلاثا، وهو يجزم ~~بأنه لم يطلقها فهل تحرم عليه؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يقول إلا حقا وقع فيه البحث مع الفقهاء واضطربت آراؤهم في ذلك بالتحريم ~~وعدمه لتعارض خبره - عليه السلام - عن تحريمها في النوم وإخباره في اليقظة ~~في شريعته المعظمة أنها مباحة له، والذي يظهر لي أن إخباره - عليه السلام - ~~في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط ~~المثال، فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طروء الطلاق مع الجهل به واحتمال ~~طروء الغلط في المثال في النوم وجدنا الغلط في المثال أيسر وأرجح، ومن هو ~~من الناس يضبط المثال على النحو المتقدم # PageV04P245 # إلا أفراد قليلة من الحفاظ لصفته - عليه السلام - ~~وأما ضبط عدم الطلاق فلا يختل إلا على النادر من الناس والعمل بالراجح ~~متعين، وكذلك لو قال له عن حلال: إنه حرام، أو عن حرام إنه حلال، أو عن حكم ~~من أحكام الشريعة قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم لما ذكرناه ~~كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان فإنا نقدم الأرجح بالسند أو ~~باللفظ أو بفصاحته أو قلة الاحتمال في المجاز أو غيره فكذلك ms840 خبر اليقظة، ~~وخبر النوم يخرجان على هذه القاعدة # (المسألة السادسة) # رؤية الله - تعالى - في النوم تصح ولذلك أحوال # (أحدها) أن يراه في النوم على النحو الذي دل عليه المعقول والمنقول من ~~صفات الكمال ونعوت الجلال له والسلامة من الصفات الدالة على الحدوث من ~~الجسمية والتحيز والجهة فهذا نجوزه في الدنيا كما نجوزه في الآخرة ونجزم ~~بوقوعه في الآخرة للمؤمنين، ولكن من ادعى هذه الحالة، وهو من غير أهلها من ~~العصاة، أو من المقصرين كذبناه، أو من الأولياء المتقين لا نكذبه ونسلم له ~~حالة وقوله تعالى {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] فيه تأويلات وهو عموم ~~يقبل التخصيص، وإخبار الولي الموثوق بدينه المبرز في عدالته يصلح لتقوية ~~بعض التأويلات ولتخصيص هذا العام، وخبر العدل مقبول في تخصيص العموم، ونحن ~~نقبل خبر الأولياء في وقوع الكرامات التي هي من خوارق العادات المحصلة ~~للعلوم القطعيات فكيف في تخصيص العمومات التي لا تفيد إلا الظن فتأمل هذا # (وثانيها) : أن يراه - سبحانه - في صورة مستحيلة عليه كمن يقول: رأيته في ~~صورة رجل أو غير ذلك من الأجسام المستحيلة على الله - تعالى - وقد روي عن ~~بعضهم أنه قال رأيت الله - تعالى - في صورة فرس وفهم هذا الرائي أن هذا ~~الجسم من إنسان وغيره خلق من خلق الله - تعالى - وأمر وارد من قبله يقتضي ~~حالة من هذا الرائي ويتقاضاها منه، أو يأمره بخير أو ينهاه عن شر، ويقول ~~له: أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وامتثل أمري ونحو ذلك فهذه الحالة ~~أيضا صحيحة جائزة على إطلاق لفظ الله - تعالى - على هذا الجسم ففي القرآن ~~{وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] فعبر - تعالى - عن أمره الوارد من ~~قبله باللفظ الخاص بالربوبية على وجه المجاز من باب إطلاق لفظ السبب على ~~المسبب ولفظ المؤثر على الأثر، وهو مجاز مشهور في لسان العرب ومسطور في كتب ~~المجاز والحقيقة وفي التوراة جاء الله من سيناء وأشرق من ساغين واستعلن من ~~جبال فاران إشارة إلى التوراة النازلة بطور سيناء # PageV04P246 # والإنجيل النازل بساغين موضع ms841 بالشام والقرآن النازل ~~بمكة واسمها فاران فيكون معناه أن الحق جاء من سيناء، وهو التوراة وكثر ~~ظهوره وعلنه بتقوية الإنجيل له فإن عيسى - عليه السلام - بعث لنصرة التوراة ~~وتقويتها وإرادة العلانية والظهور، واستكمل الحق واستوفيت المصالح ووصل ~~البيان والكمال في الشرع إلى أقصى غاياته بالقرآن الكريم والشريعة ~~المحمدية، وسميت هذه الكتب باسم الله - تعالى؛ لأنها من جهته وقبله على ~~المجاز كما تقدم، ومن ذلك «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من ~~الليل» الحديث على أحد التأويلات أنه تنزل رحمته فسماها باسمه لكونها من ~~قبله ومن أثره كذلك هذه المثل القائلة في النوم أنا الله هو صحيح جائز على ~~المجاز كما تقدم وجاء في الحديث «أن الله يأتي يوم القيامة للخلائق في صورة ~~ينكرونها ويقولون لست ربنا» فقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيهم ~~في صورة وتسميته لهذه الصورة باسم الله تعالى هو على سبيل المجاز؛ لأنها ~~صورة من آثاره وفتنة يختبر بها خلقه؛ فلهذه الملازمة والعلاقة حسن إطلاق ~~لفظ الله - تعالى - عليها مجازا كما تقدم فكذلك هذه المثل في النوم حكمها ~~حكم هذه الأجسام في اليقظة # الحالة الثالثة أن يرى هذه الصورة الحسنة الجسمية، ولا يعتقد أنها الله - ~~عز وجل - حقيقة، ولا يخطر له في النوم معنى المجاز ألبتة فهذه الرؤيا يحتمل ~~أن تكون صحيحة، ويكون المراد المجاز، وهو جهل المجاز فكان الغلط منه لا في ~~الرؤيا كما يرد اللفظ في اليقظة، والمراد به المجاز والسامع يفهم الحقيقة ~~كما اتفق للحشوية في آيات الصفات فكان الغلط منهم لا في الآيات الواردة، ~~ويحتمل أن تكون هذه الرؤيا كذبا ومحالا، والشيطان يخيل له بذلك ليضله أو ~~يخزيه، أو غير ذلك من مكائده - لعنه الله - فهذه الرؤيا موضع التثبت والخوف ~~من الغلط، وإذا استيقظ هذا الرائي وجب عليه أن يجزم بأن الذي رآه ليس ربه ~~على الحقيقة بل أحد الأمرين المتقدمين واقع له وينظر ما يقتضيه الحال منهما ~~فيعتقده فإن أشكل عليه الأمر أعرض عن الرؤيا بالكلية حتى يتضح الصواب ms842 فإن ~~اعتقد أنها حق، وأن الذي رآه ربه فهو كافر، وقد كفر بهذا الاعتقاد الناشئ ~~له عن هذه الرؤيا بناء على القول بتكفير الحشوية وقد يكون ذلك الجسم وتلك ~~الحالة فيها من الحقارة ومنافاة الربوبية ما يجمع الأمة على تكفيره وتكفره ~~الحشوية وغيرهم كصورة الدجال ونحوها فإن القول بأن الحشوية ليست كفارا إنما ~~هو مع قولهم بالتنزه عن العور # PageV04P247 # والعمى والآفات والنقائص بل اقتصروا على الجسمية خاصة ~~مع التنزيه عن جميع ذلك فمن اعتقد الجسمية مع بعض صفات النقص فأول من يكفره ~~الحشوية فتأمل ذلك، ومنه ما تقدم من أنه رآه في صورة فرس، أو غير ذلك من ~~السباع أو غيرها فهذا كله كفر لا يختلف فيه، ولا يتخرج على الخلاف في ~~الحشوية، وكذلك إذا قال: رأيته في طلق أو خزانة أو مطمورة أو نحو ذلك مما ~~تحيله الحشوية وأهل السنة على الله - تعالى - فتأمل ذلك فهذا تفصيل الأحوال ~~في رؤية الله - تعالى - # (المسألة السابعة) # في تحقيق مثل الرؤيا وبيانها اعلم أن دلالة هذه المثل على المعاني كدلالة ~~الألفاظ الصوتية، والرقوم الكتابية عليها، واعلم أنه يقع فيها جميع ما يقع ~~في الألفاظ من المشترك والمتواطئ والمترادف والمتباين والمجاز والحقيقة ~~والمفهوم والخصوص والعموم والمطلق والمفيد والتصحيف والقلب والجمع بينهما ~~والصريح والكناية والمعاريض حتى يقع فيه ما يقع في الألفاظ من قول العرب ~~أبو يوسف أبو حنيفة وزيد زهير شعرا وحاتم جودا، وجميع أنواع المجاز ~~فالمشترك كالفيل هو ملك أعجمي، وهو الطلاق الثلاث نقله الكرماني؛ لأن عادة ~~الهند إذا طلق أحد ثلاثا جرسوه على فيل فلما كان من لوازم الطلاق عبر به عن ~~الطلاق، والمتواطئ كالشجرة، وهو رجل أي رجل كان دالة على القدر المشترك بين ~~جميع الرجال ثم إن كانت تنبت في العجم فهو رجل أعجمي، أو عند العرب فهو رجل ~~عربي أو لا ثمر لها فلا خير فيه أو لها شوك فهو كثير الشر أو ثمرها له قشر ~~فله خير لا يوصل إليه إلا بعد مشقة أو لا قشر له ms843 كالتفاح فيوصل لخيره بلا ~~مشقة إلى غير ذلك، وهذا هو المقيد والمطلق فحصلت الأمور بالقيود الخارجة، ~~وكذلك يقع التقييد بأحوال الرائي فالصاعد على المنبر يلي ولاية فالولاية ~~مشتركة بين الولايات ومطلقة فإن كان الرائي فقيها كانت الولاية قضاء أو ~~أميرا فوال أو من بيت الملك فملك إلى غير ذلك. # وكذلك تنصرف للخير بقرينة الرائي وحاله، وإن كان ظاهرها الشر، وتنصرف ~~للشر بقرينة الرائي وحاله، وإن كان ظاهرها الخير كمن رأى أنه مات فالرجل ~~الخير ماتت حظوظه وصلحت نفسه، والرجل الشرير مات قلبه لقوله تعالى {أومن ~~كان ميتا فأحييناه} [الأنعام: 122] أي كافرا فأسلم، ومنه قوله تعالى {يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} [يونس: 31] أي الكافر من المسلم ~~والمسلم من الكافر على أحد التأويلات، والمترادفة كالفاكهة فالصفراء تدل ~~على # PageV04P248 # الهم وحمل الصغير يدل عليه أيضا والمتباين كالأخذ من ~~الميت والدفع له الأول جيد؛ لأنه كسب من جهة ميئوس منها، والثاني رديء؛ ~~لأنه صرف رزق لمن لا ينتفع به، وربما كان لمن لا دين له؛ لأن الدين ذهب عن ~~الموتى لذهاب التكليف عنهم، والمجاز والحقيقة كالبحر هو السلطان حقيقة ~~ويعبر به عن سعة العلم مجازا، والعموم كمن رأى أن أسنانه كلها سقطت في ~~التراب فإنه يموت أقاربه كلها، فإن كان في نفس الأمر إنما يموت بعض أقاربه ~~قبل موته فهو عام أريد به الخصوص، وأما أبو يوسف فكالرؤيا يراها الرائي ~~لشخص، والمراد غيره ممن هو يشبهه أو بعض أقاربه، أو من تسمى باسمه أو نحو ~~ذلك ممن يشاركه في صفته فيعبر عنه به كما عبرنا عن أبي يوسف بأبي حنيفة ~~لمشاركته له في صفة الفقه وعبرنا عن زيد بزهير لمشاركته له في الشعر ونحو ~~ذلك من المثل والقلب كما رأى المصريون أن رواسا أخذ منهم الملك فعبر لهم ~~بأن شاور يأخذه وكان كذلك وقلب رواس شاور وجمع هذا المثال بين القلب ~~والتصحيف فإن السين المهملة صحفت بالمعجمة التي هي الشين ورأى ملك العرب ~~قائلا يقول له: خالف الحق من عذر فقيل: ms844 له أنت تقصد النكث على بعض الناس ~~فحذرت من ذلك في الرؤيا خالف الحق من غدر فدخله التصحيف فقط وبسط هذه ~~التفاصيل في كتب التعبير وإنما قصدت التنبيه على هذه المثل كالألفاظ في ~~الدلالة، وأنها تشاركها في أحوالها (تنبيه) # اعلم أن تفسير المنامات قد اتسعت تقييداته وتشعبت تخصيصاته وتنوعت ~~تعريفاته بحيث صار الإنسان لا يقدر أن يعتمد فيه على مجرد المنقولات لكثرة ~~التخصيصات بأحوال الرائين بخلاف تفسير القرآن العظيم والتحدث في الفقه ~~والكتاب والسنة وغير ذلك من العلوم فإن ضوابطها إما محصورة أو قريبة من ~~الحصر وعلم المنامات منتشر انتشارا شديدا لا يدخل تحت ضبط فلا جرم احتاج ~~الناظر فيه مع ضوابطه وقرائنه إلى قوة من قوى النفوس المعينة على الفراسة ~~والاطلاع على المغيبات بحيث إذا توجه الحزر إلى شيء لا يكاد يخطئ بسبب ما ~~يخلقه الله - تعالى - في تلك النفوس من القوة المعينة على تقريب الغيب أو ~~تحققه كما قيل في ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنه كان ينظر إلى الغيب من ~~وراء ستر رقيق إشارة إلى قوة أودعه الله إياها فرأى بما أودعه الله - تعالى ~~- في نفسه من الصفاء والشفوف والرقة واللطافة فمن الناس من هو كذلك وقد ~~يكون ذلك عاما في جميع الأنواع. # وقد يهبه الله - تعالى - ذلك # PageV04P249 # باعتبار المنامات فقط أو بحساب علم الرمل فقط أو ~~الكتف الذي للغنم فقط أو غير ذلك فلا ينفتح له بصحة القول والنطق في غيره، ~~ومن ليس له قوة نفس في هذا النوع صالحة لعلم تعبير الرؤيا لا يصح منه تعبير ~~الرؤيا، ولا يكاد يصيب إلا على الندرة فلا ينبغي له التوجه إلى علم التعبير ~~في الرؤيا، ومن كانت له قوة نفس فهو الذي ينتفع بتعبيره وقد رأيت ممن له ~~قوة نفس مع هذه القواعد فكان يتحدث بالعجائب والغرائب في المنام اللطيف ~~ويخرج منه الأشياء الكثيرة والأحوال المتباينة ويخبر فيه عن الماضيات ~~والحاضرات والمستقبلات وينتهي في المنام اليسير إلى نحو المائة من الأحكام ~~بالعجائب والغرائب حتى يقول من لا يعلم ms845 بأحوال قوى النفوس: إن هذا من الجان ~~أو المكاشفة أو غير ذلك وليس كما قال بل هو قوة نفس يجد بسببها تلك الأحوال ~~عند توجهه للمنام، وليس هو صلاح، ولا كشف، ولا من قبل الجان وقد رأيت أنا ~~من هذا النوع جماعة واختبرتهم فمن لم تحصل له قوة نفس عسر عليه تعاطي علم ~~التعبير، ولا ينبغي لك أن تطمع في أن يحصل لك بالتعلم والقراءة وحفظ الكتب ~~إذا لم تكن لك قوة نفس فلا تجد ذلك أبدا، ومتى كانت لك هذه القوة حصل ذلك ~~بأيسر سعي وأدنى ضبط فاعلم هذه الدقيقة فقد خفيت على كثير من الناس # (الفرق التاسع والستون والمائتان بين قاعدة ما يباح في عشرة الناس من ~~المكارمة وقاعدة ما ينهى عنه من ذلك) اعلم أن الذي يباح من إكرام الناس ~~قسمان # (القسم الأول) : ما وردت به نصوص الشريعة من إفشاء السلام وإطعام الطعام ~~وتشميت العاطس والمصافحة عند اللقاء والاستئذان عند الدخول، وأن لا يجلس ~~على تكرمة أحد إلا بإذنه أي على فراشه، ولا يؤم في منزله إلا بإذنه لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يؤمن أحد أحدا في سلطانه ولا يجلس ~~على تكرمته إلا بإذنه» ونحو ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه # (القسم الثاني) ما لم يرد في النصوص ولا كان في السلف؛ لأنه لم تكن أسباب ~~اعتباره موجودة حينئذ وتجددت في عصرنا فتعين فعله لتجدد أسبابه؛ لأنه شرع ~~مستأنف بل علم من القواعد الشرعية أن هذه الأسباب لو وجدت في زمن الصحابة ~~لكانت هذه المسببات من فعلهم وصنعهم وتأخر الحكم لتأخر سببه ووقوعه عند ~~وقوع سببه لا يقتضي ذلك تجديد شرع # PageV04P250 # ولا عدمه كما لو أنزل الله - تعالى - حكما في اللواط ~~من رجم أو غيره من العقوبات فلم يوجد اللواط في زمن الصحابة ووجد في زمننا ~~اللواط فرتبنا عليه تلك العقوبة لم نكن مجددين لشرع بل متبعين لما تقرر في ~~الشرع، ولا فرق بين أن نعلم ذلك بنص أو بقواعد الشرع وهذا القسم ms846 هو ما في ~~زماننا من القيام للداخل من الأعيان وإحناء الرأس له إن عظم قدره جدا ~~والمخاطبة بجمال الدين ونور الدين وعز الدين وغير ذلك من النعوت والإعراض ~~عن الأسماء والكنى والمكاتبات بالنعوت أيضا كل واحد على قدره وتسطير اسم ~~الإنسان بالمملوك ونحوه من الألفاظ والتعبير عن المكتوب إليه بالمجلس ~~العالي والسامي والجناب ونحو ذلك من الأوصاف العرفية والمكاتبات العادية ~~ومن ذلك ترتيب الناس في المجالس والمبالغة في ذلك، وأنواع المخاطبات للملوك ~~والأمراء والوزراء وأولي الرفعة من الولاة والعظماء فهذا كله ونحوه من ~~الأمور العادية لم تكن في السلف. # ونحن اليوم نفعله في المكارمات والمولاة، وهو جائز مأمور به مع كونه بدعة ~~ولقد حضرت يوما عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان من أعيان العلماء ~~وأولي الجد في الدين والقيام بمصالح المسلمين خاصة وعامة والثبات على ~~الكتاب والسنة غير مكترث بالملوك فضلا عن غيرهم لا تأخذه في الله لومة لائم ~~فقدمت إليه فتيا فيها: ما تقول أئمة الدين - وفقهم الله - في القيام الذي ~~أحدثه أهل زماننا مع أنه لم يكن في السلف هل يجوز أم لا يجوز ويحرم فكتب ~~إليه في الفتيا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا تباغضوا، ولا ~~تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا» وترك القيام ~~في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة فلو قيل: بوجوبه ما كان بعيدا هذا نص ~~ما كتب من غير زيادة، ولا نقصان فقرأتها بعد كتابتها فوجدتها هكذا، وهو ~~معنى قول عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور ~~أي يحدثوا أسبابا يقتضي الشرع فيها أمورا لم تكن قبل ذلك لأجل عدم سببها ~~قبل ذلك لا؛ لأنها شرع متجدد كذلك ها هنا فعلى هذا القانون يجري هذا القسم ~~بشرط أن لا يبيح محرما، ولا يترك واجبا فلو كان الملك لا يرضى منه إلا بشرب ~~الخمر أو غيره من المعاصي لم يحل لنا أن نواده بذلك. # وكذلك غيره من الناس، ولا طاعة لمخلوق في ms847 معصية الخالق، وإنما هذه ~~الأسباب المتجددة كانت مكروهة من غير تحريم فلما # PageV04P251 # تجددت هذه الأسباب صار تركها يوجب المقاطعة المحرمة ~~وإذا تعارض المكروه والمحرم قدم المحرم والتزم دفعه وحسم مادته، وإن وقع ~~المكره هذا هو قاعدة الشرع في زمن الصحابة وغيرهم وهذا التعارض ما وقع إلا ~~في زماننا فاختص الحكم به وما خرج عن هذين القسمين إما محرم فلا تجوز ~~الموادة به أو مكروه فلم يحصل فيه تعارض بينه وبين محرم منهي عنه نهي تنزيه ~~قلت: فينقسم القيام إلى خمسة أقسام محرم إن فعل تعظيما لمن يحبه تجبرا من ~~غير ضرورة ومكروه إذا فعل تعظيما لمن لا يحبه؛ لأنه يشبه فعل الجبابرة ~~ويوقع فساد قلب الذي يقام له، ومباح إذا فعل إجلالا لمن لا يريده، ومندوب ~~للقادم من السفر فرحا بقدومه ليسلم عليه أو يشكر إحسانه أو القادم المصاب ~~ليعزيه بمصيبته؛ وبهذا يجمع بين قوله - عليه السلام - «من أحب أن يتمثل له ~~الناس أو الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» وبين قيامه - عليه السلام - ~~لعكرمة بن أبي جهل لما قدم من اليمن فرحا بقدومه، وقيام طلحة بن عبد الله ~~لكعب بن مالك ليهنئه بتوبة الله - تعالى - عليه بحضوره - عليه السلام - ولم ~~ينكر النبي - عليه السلام - عليه ذلك فكان كعب يقول: لا أنساها لطلحة «وكان ~~- عليه السلام - يكره أن يقام له» فكانوا إذا رأوه لم يقوموا له إجلالا ~~لكراهته لذلك وإذا قام إلى بيته لم يزالوا قياما حتى يدخل بيته - صلى الله ~~عليه وسلم - لما يلزمهم من تعظيمه قبل علمهم بكراهة ذلك، وقال - عليه ~~السلام - للأنصار «قوموا لسيدكم» قيل تعظيما له، وهو لا يحب ذلك. # وقيل: ليعينوه على النزول عن الدابة قلت: والنهي الوارد عن محبة القيام ~~ينبغي أن يحمل على من يريد ذلك تجبرا أما من أراده لدفع الضرر عن نفسه ~~والنقيصة به فلا ينبغي أن ينهى عنه؛ لأن محبة دفع الأسباب المؤلمة مأذون ~~فيها بخلاف التكبر، ومن أحب ذلك تجبرا أيضا لا ينهى عن المحبة والميل لذلك ~~الطبيعي بل ms848 لما يترتب عليه من أذية الناس إذا لم يقوموا ومؤاخذتهم عليه فإن ~~الأمور الجبلية لا ينهى عنها فتأمل ذلك فقد ظهر الفرق بين المشروع من ~~الموادة وغير المشروع # وها هنا أربع مسائل (المسألة الأولى) # المصافحة، وفي الحديث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تلاقى ~~الرجلان فتصافحا تحاتت ذنوبهما، وكان أقربهما إلى الله أكثرهما بشرا» فدل ~~الحديث على مشروعية المصافحة عند اللقاء، وهو يقتضي أن ما يفعله أهل الزمان ~~من المصافحة عند الفراغ من الصلاة بدعة غير مشروعة، وكان الشيخ عز الدين بن ~~عبد السلام ينهى عنه وينكره على فاعله # PageV04P252 # ويقول: إنما شرعت المصافحة عند اللقاء أما من هو جالس ~~مع الإنسان فلا يصافحه ورأيت بعض الفقهاء يقول: روي في مصافحة من هو جالس ~~معك في حديث. # ولا أعلم صحة قوله، ولا صحة الحديث قال ابن رشد المصافحة مستحبة، وعن ~~مالك كراهتها، والأول هو المشهور حجة الكراهة قوله تعالى حكاية عن الملائكة ~~لما دخلوا على إبراهيم - عليه السلام - {فقالوا سلاما قال سلام} [الذاريات: ~~25] قال مالك، ولم يذكر المصافحة ولأن السلام ينتهى فيه للبركات، ولا يزاد ~~فيه قول، ولا فعل حجة المشهور ما في الموطإ قال - عليه السلام - «تصافحوا ~~يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» # (المسألة الثانية) : المعانقة كرهها مالك؛ لأنها لم ترو عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا مع جعفر ولم يصحبها العمل من الصحابة بعده قال ~~ابن رشد في كتابه البيان والتحصيل: ولأن النفوس تنفر عنها؛ لأنها لا تكون ~~إلا لوداع من فرط ألم الشوق أو مع الأهل ودخل سفيان بن عيينة على مالك ~~فصافحه مالك، وقال له: لولا أن المعانقة بدعة لعانقتك فقال سفيان: عانق من ~~هو خير مني ومنك، النبي - صلى الله عليه وسلم - عانق جعفرا حين قدم من ~~الحبشة قال مالك: ذلك خاص بجعفر، قال سفيان: بل عام ما يخص جعفرا يخصنا، ~~وما يعم جعفرا يعمنا إذا كنا صالحين أفتأذن لي أن أحدث في مجلسك، قال: نعم ~~يا أبا محمد قال حدثني عبد ms849 الله بن طاوس عن عبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهما - قال: «لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة اعتنقه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقبله بين عينيه. وقال جعفر أشبه الناس بنا خلقا وخلقا يا ~~جعفر ما أعجب ما رأيت بأرض الحبشة قال: يا رسول الله رأيت، وأنا أمشي في ~~بعض أزقتها إذا سوداء على رأسها مكتل فيه بر فصدمها رجل على دابته فوقع ~~مكتلها وانتشر برها فأقبلت تجمعه من التراب، وهي تقول: ويل للظالم من ديان ~~يوم القيامة ويل للظالم من المظلوم يوم القيامة ويل للظالم إذا وضع الكرسي ~~للفصل يوم القيامة فقال - عليه السلام - لا يقدس الله أمة لا تأخذ لضعيفها ~~من قويها حقه غير متعتع» ثم قال سفيان قد قدمت لأصلي في مسجد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأبشرك برؤيا رأيتها فقال مالك: رأت عيناك خيرا - إن ~~شاء الله - فقال سفيان: رأيت كأن قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~انشق فأقبل الناس يهرعون من كل جانب والنبي - عليه السلام - يرد بأحسن رد ~~قال سفيان فإنني بك - والله أعرفك في منامي كما أعرفك في يقظتي # PageV04P253 # فسلمت عليه فرد عليك السلام ثم رمى في حجرك بخاتم ~~نزعه من أصبعه فاتق الله فيما أعطاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى ~~مالك بكاء شديدا قال سفيان: السلام عليكم قالوا له أخارج الساعة قال نعم ~~فودعه مالك وخرج فيؤخذ من مجموع هذه النقول أن المعانقة وردت بها السنة وأن ~~سفيان كان يعتقد عموم مشروعيتها، وأن مالكا كان يكرهها # (المسألة الثالثة) # تقبيل اليد قال مالك: إذا قدم الرجل من سفره فلا بأس أن تقبله ابنته ~~وأخته ولا بأس أن يقبل خد ابنته وكره أن تقبله ختنته ومعتقته، وإن كانت ~~متجالة، ولا بأس أن يقبل رأس أبيه، ولا يقبل خد أبيه أو عمه؛ لأنه لم يكن ~~من فعل الماضين قال ابن رشد «سألت اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن التسع آيات بينات الواردة في القرآن فقال ms850 لهم لا تشركوا بالله شيئا، ولا ~~تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرمها الله إلا بالحق، ولا تمشوا ~~ببريء إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة ~~ولا تولوا الفرار يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت ~~فقاموا فقبلوا يديه ورجليه وقالوا: نشهد أنك نبي قال فما يمنعكم أن تتبعوني ~~قالوا: إن داود - عليه السلام - دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا ~~نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود» قال الترمذي حديث حسن صحيح فتقبيل ~~اليهود ليديه ورجليه - عليه السلام - ولم ينكره دليل على مشروعيته وكان عبد ~~الله بن عمر إذا قدم من سفره قبل سالما وقال شيخ يقبل شيخا إن هذا جائز على ~~هذا الوجه لا على وجه مكروه «وقدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في بيته فأتاه فقرع الباب فقام إليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عريانا يجر ثوبه قالت عائشة والله ما رأيته عريانا قبله، ولا ~~بعده فاعتنقه وقبله» قال الترمذي حديث حسن غريب «وقبل - عليه السلام - ~~جعفرا حين قدم من أرض الحبشة» . # قال وأما القبلة في الفم من الرجل للرجل فلا رخصة فيها بوجه قلت: بلغني ~~عن بعض العلماء أنهم كانوا يتحاشون تقبيل أولادهم في أفواههم ويقبلونهم في ~~أعناقهم ورءوسهم محتجين بأن الله - تعالى - حرم الاستمتاع بالمحارم، ~~والاستمتاع هو أن يجد لذة بالقبلة فمن كان يجد لذة بها امتنع ذلك في حقه ~~ومن كان يستوي عنده الخد والفم والرأس والعنق وجميع الجسد عنده سواء، وإنما ~~يفعل ذلك على وجه الجبر والحنان فهذا هو المباح، وأما غير ذلك فلا قلت: ~~وهذا كلام صحيح لا مرية فيه ولقد رأيت # PageV04P254 # بعض الناس يجد اللذة من تقبيل ولده في خده أو فمه كما ~~يجده كثير من الناس بتقبيل امرأته ويعتقد ذلك برا بولده وليس كذلك بل هو ~~لقضاء أربه ولذته وينشرح لذلك ويفرح قلبه ويجد من اللذة أمرا كبيرا ومن ~~المنكرات أن يعمد الإنسان لأخته الجميلة ms851 أو ابنته الجميلة التي يتمنى أن ~~تكون له زوجة مثلها في مثل خدها وثغرها فيقبل خدها أو ثغرها، وهو يعجبه ~~ذلك، ويعتقد أن الله - تعالى - إنما حرم عليه قبلة الأجانب، وليس كذلك بل ~~الاجتماع بذوات المحارم أشد تحريما كالزنا بهن أقبح من الزنا بالأجنبيات، ~~وما من أحد له طبع سليم، ويرى جمالا فائقا لا يميل إليه طبعه، وقد يزعه ~~عقله وشرعه رأيت الناس عندهم مسامحة كثيرة في ذلك، وقول مالك - رحمه الله ~~-: إنه يقبل خد ابنته محمول على ما إذا كان هذا، وغيره عنده سواء، أما متى ~~حصل الفرق في النفس صار استمتاعا حراما والإنسان يطالع قلبه ويحكمه في ذلك # (المسألة الرابعة) : اختلف العلماء في قوله تعالى {وإذا حييتم بتحية ~~فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] قال ابن عطية في تفسيره قيل: إن ~~أو للتنويع لا للتخيير، وقيل: للتخيير، ومعناه أن الإنسان مخير في أن يرد ~~أحسن أو يقتصر على لفظ المبتدئ إن كان قد وقف دون البركات، وإلا لبطل ~~التخيير لتعين المساواة، وقيل: لا بد من الانتهاء إلى لفظ البركات مطلقا، ~~وحينئذ يتعين تنويع الرد إلى المثل إن كان المبتدئ انتهى للبركات، وإلى ~~الأحسن إن كان المبتدئ اقتصر دون البركات، فهذا معنى التخيير والتنويع، ~~وينبني على هذا هل الانتهاء إلى البركات مأمور به مطلقا، أو في صورة واحدة، ~~وهي إذا انتهى المبتدئ إلى البركات فقط # (الفرق السبعون والمائتان بين قاعدة ما يجب النهي عنه من المفاسد، وما ~~يحرم وما يندب) # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لتأمرن ولتنهون أو ليوشكن أن يبعث ~~الله عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم» قال الترمذي: حديث حسن فللأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاثة شروط: # (الشرط الأول) أن يعلم ما يأمر به وينهى عنه فالجاهل بالحكم لا يحل له ~~النهي عما يراه، ولا الأمر به (الشرط الثاني) : أن يأمن من أن يكون يؤدي ~~إنكاره إلى منكر أكبر منه مثل أن ينهى عن شرب الخمر فيؤدي نهيه عنه إلى قتل ~~النفس أو نحوه ms852 # (الشرط الثالث) : أن يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره ~~بالمعروف مؤثر في تحصيله فعدم أحد الشرطين الأولين يوجب التحريم # PageV04P255 # وعدم الشرط الثالث يسقط الوجوب ويبقي الجواز والندب ~~ثم مراتب الإنكار ثلاثة أقواها أن يغيره بيده، وهو واجب عينا مع القدرة فإن ~~لم يقدر على ذلك انتقل للتغيير بالقول، وهي المرتبة الثانية وليكن القول ~~برفق لقوله - عليه السلام - «من أمر مسلما بمعروف فليكن أمره كذلك» قال ~~الله عز وجل {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44] وقال عز وجل ~~{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] فإن عجز عن ~~القول انتقل للرتبة الثالثة وهي الإنكار بالقلب، وهي أضعفها قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» وليس وراء ذلك شيء من الإيمان، ويروى «وذلك ~~أضعف الإيمان» خرجه أبو داود، وفي الصحيح نحوه # (سؤال) قد نجد أعظم الناس إيمانا يعجز عن الإنكار، وعجزه لا ينافي تعظيمه ~~لله - تعالى - وقوة الإيمان؛ لأن الشرع منعه أو أسقطه عنه بسبب عجزه عن ~~الإنكار لكونه يؤدي لمفسدة أعظم أو نقول: لا يلزم من العجز عن القربة نقص ~~الإيمان، فما معنى قوله - عليه السلام - «وذلك أضعف الإيمان» جوابه المراد ~~بالإيمان ها هنا الإيمان الفعلي الوارد في قوله تعالى {وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم} [البقرة: 143] أي صلاتكم لبيت المقدس والصلاة فعل، وقال - عليه ~~السلام - «الإيمان سبع وخمسون شعبة وقيل: بضع وسبعون أعلاها شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» وهذه التجزئة إنما تصح في ~~الأفعال وقد سماها إيمانا وأقوى الإيمان الفعلي إزالة اليد لاستلزامه إزالة ~~المفسدة على الفور ثم القول؛ لأنه قد لا تقع معه الإزالة، وقد تقع، ~~والإنكار القلبي لا يورث إزالة ألبتة، أو يلاحظ عدم تأثيره في الإزالة ~~فيبقى الإيمان مطلقا، وها هنا ست مسائل يكمل بها الفرق (المسألة الأولى) # أن الوالدين يأمران بالمعروف وينهيان عن المنكر، قال مالك: ويخفض لهما ms853 في ~~ذلك جناح الذل من الرحمة # (المسألة الثانية) # قال بعض العلماء لا يشترط في النهي عن المنكر أن يكون ملابسه عاصيا بل ~~يشترط أن يكون ملابسا لمفسدة واجبة الدفع أو تاركا لمصلحة واجبة الحصول، ~~وله أمثلة أحدها أمر الجاهل بمعروف لا يعرف وجوبه ونهيه عن منكر لا يعرف ~~تحريمه كنهي الأنبياء - عليهم السلام - أممها أول بعثتها، وثانيها: قتال ~~البغاة وهم على تأويل، وثالثها ضرب الصبيان على ملابسة الفواحش، ورابعها ~~قتل الصبيان والمجانين إذا صالوا على الدماء # PageV04P256 # والأبضاع ولم يمكن دفعهم إلا بقتلهم وخامسها أن يوكل ~~وكيلا بالقصاص ثم يعفو أو يخبر الوكيل فاسق بالعفو أو متهم فلا يصدقه فأراد ~~القصاص فللفاسق الذي أخبره أن يدفعه عن القصاص، ولو بالقتل دفعا لمفسدة ~~القتل بغير حق، وسادسها وكله في بيع جارية فباعها، فأراد الموكل أن يطأها ~~ظنا منه أن الوكيل لم يبعها فأخبره المشتري أنه اشتراها فلم يصدقه فللمشتري ~~دفعه، ولو بالقتل وسابعها ضرب البهائم للتعليم والرياضة دفعا لمفسدة الشماس ~~والجماح # (المسألة الثالثة) قال العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ~~على الفور إجماعا فمن أمكنه أن يأمر بمعروف وجب عليه كمن يرى جماعة تركوا ~~الصلاة فيأمرهم بكلمة واحدة قوموا للصلاة # (المسألة الرابعة) إذا رأينا من فعل شيئا مختلفا في تحريمه وتحليله، وهو ~~يعتقد تحريمه أنكرنا عليه؛ لأنه منتهك للحرمة من جهة اعتقاده، وإن اعتقد ~~تحليله لم ننكر عليه؛ لأنه ليس عاصيا؛ ولأنه ليس أحد القولين أولى من ~~الآخر، ولكن لم تتعين المفسدة الموجبة لإباحة الإنكار إلا أن يكون مدرك ~~القول بالتحليل ضعيفا جدا ينقض قضاء القاضي بمثله لبطلانه في الشرع كواطئ ~~الجارية بالإباحة معتقدا لمذهب عطاء وشارب النبيذ معتقدا مذهب أبي حنيفة، ~~وإن لم يكن معتقدا تحريما، ولا تحليلا، والمدارك في التحريم والتحليل ~~متقاربة أرشد للترك برفق من غير إنكار وتوبيخ؛ لأنه من باب الورع المندوب، ~~والأمر بالمندوبات والنهي عن المنكرات هكذا شأنهما الإرشاد من غير توبيخ # (المسألة الخامسة) المندوبات والمكروهات يدخلها الأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر على سبيل الإرشاد للورع، ms854 ولما هو أولى من غير تعنيف، ولا توبيخ ~~بل يكون ذلك من باب التعاون على البر والتقوى # (المسألة السادسة) قولنا في شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم ~~يؤد إلى مفسدة هي أعظم، هذه المفسدة قسمان تارة تكون إذا نهاه عن منكر فعل ~~ما هو أعظم منه في غير الناهي، وتارة يفعله في الناهي بأن ينهاه عن الزنا ~~فيقتله أعني الناهي يقتله الملابس للمنكر، والقسم الأول اتفق الناس عليه ~~أنه يحرم النهي عن المنكر، والقسم الثاني اختلف الناس فيه فمنهم من سواه ~~بالأول نظر لعظم المفسدة، ومنهم من فرق، وقال: هذا لا يمنع، والتعذير ~~بالنفوس مشروع في طاعة الله - تعالى - لقوله تعالى {وكأين من نبي قاتل معه ~~ربيون كثير} [آل عمران: 146] مدحهم بأنهم قتلوا بسبب الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر # PageV04P257 # وأنهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا ~~وما استكانوا وهذا يدل على أن بذل النفوس في طاعة الله تعالى مأمور به وقتل ~~يحيى بن زكريا صلوات الله عليهما بسبب أنه نهى عن تزويج الربيبة وقال - صلى ~~الله عليه وسلم - «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» ومعلوم أنه عرض ~~نفسه للقتل بمجرد هذه الكلمة فجعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل ~~الجهاد ولم يفرق بين كلمة وكلمة كانت في الأصول أو الفروع من الكبائر أو ~~الصغائر، وقد خرج ابن الأشعث مع جمع كبير من التابعين في قتال الحجاج ~~وعرضوا أنفسهم للقتل وقتل منهم خلائق كثيرة بسبب إزالة ظلم الحجاج وعبد ~~الملك بن مروان وكان ذلك في الفروع لا في الأصول، ولم ينكر أحد من العلماء ~~عليهم ذلك، ولم يزل أهل الجد والعزائم على ذلك من السلف الصالحين فيظهر من ~~هذه النصوص أن المفسدة العظمى إنما تمنع إذا كانت من غير هذا القبيل أما ~~هذا فلا؛ فتلخص أن النهي عن المنكر والأمر بالمعروف واجب إذا اجتمعت فيه ~~تلك الشروط المتقدمة، ومحرم إذا كان يعتقد الملابس تحريمه، وإذا فقد أحد ~~الشرطين الأولين، ومندوب إذا كان لا يعتقد ms855 حله، ولا حرمته، وهو متقارب ~~المدارك، وإذا كان الفعل مكروها لا حراما أو المتروك مندوبا لا واجبا فقد ~~حصل المطلوب من الفرق # (الفرق الحادي والسبعون والمائتان بين قاعدة ما يجب تعلمه من النجوم وبين ~~قاعدة ما لا يجب) # ظاهر كلام أصحابنا أن التوجه للكعبة لا يسوغ فيه التقليد مع القدرة على ~~الاجتهاد، ونصوا على أن القادر على التعلم يجب عليه التعلم، ولا يجوز له ~~التقليد، ومعظم أدلة القبلة في النجوم فيجب تعلم ما تعلم به القبلة ~~كالفرقدين والجدي وما يجري مجراها في معرفة القبلة، وظاهر كلامهم أن تعلم ~~هذا القسم فرض عين على كل أحد، قال ابن رشد: يتعلم من أحكام النجوم ما ~~يستدل به على القبلة وأجزاء الليل، وما مضى منه وما يهتدي به في ظلمات البر ~~والبحر، وتعرف مواضعها من الفلك وأوقات طلوعها وغروبها، وهو مستحب لقوله ~~تعالى {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} ~~[الأنعام: 97] # (قلت:) ومقتضى القواعد أن يكون ما يعرف به منها أوقات الصلاة فرضا على ~~الكفاية لجواز التقليد في الأوقات قال صاحب الطراز: يجوز التقليد في أوقات # PageV04P258 # الصلاة إلا الزوال فإنه ضروري يستغنى فيه عن التقليد؛ ~~فلذلك لم يكن فرضا على الأعيان، ومن جهة أن معرفة الأوقات واجبة يكون ما ~~تعرف به الأوقات فرض كفاية، ويكون موطن الاستحباب هو ما يعين على الأسفار، ~~ويخرج من ظلمات البر والبحر قال ابن رشد وأما ما يقتضي إلى معرفة نقصان ~~الشهر ووقت رؤية الهلال فمكروه لا يعتمد عليه في الشرع فهو اشتغال بغير ~~مفيد قال: وكذلك ما يعرف به الكسوفات مكروه؛ لأنه لا يغني شيئا، ويوهم ~~العامة أنه يعلم الغيب بالحساب فيزجر عن الإخبار بذلك، ويؤدب عليه قال: ~~وأما ما يخبر به المنجم من الغيب من نزول الأمطار وغيره فقيل: ذلك كفر يقتل ~~بغير استتابة لقوله - عليه السلام - «قال الله - عز وجل - أصبح من عبادي ~~مؤمن بي وكافر بي فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر ~~بالكوكب وأما من ms856 قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» وقيل: ~~يستتاب فإن تاب، وإلا قتل قاله أشهب وقيل: يزجر عن ذلك ويؤدب، وليس اختلافا ~~في قول بل اختلاف في حال، فإن قال: إن الكواكب مستقلة بالتأثير قتل، ولم ~~يستتب إن كان يسره؛ لأنه زنديق، وإن أظهره فهو مرتد يستتاب، وإن اعتقد أن ~~الله - تعالى - هو الفاعل عندها زجر عن الاعتقاد الكاذب؛ لأنه بدعة تسقط ~~العدالة، ولا يحل لمسلم تصديقه قال والذي ينبغي أن يعتقد فيما يصيبون فيه ~~أن ذلك على وجه الغالب نحو قوله - عليه السلام - «إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت ~~فتلك عين غديقة» فهذا تلخيص قاعدة ما يجب ويحرم من تعلم أحكام النجوم # (الفرق الثاني والسبعون والمائتان بين قاعدة ما هو من الدعاء كفر وقاعدة ~~ما ليس بكفر) # اعلم أن الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى له حكم باعتبار ذاته من حيث ~~هو طلب من # PageV04P259 # الله تعالى وهو الندب لاشتمال ذاته على خضوع العبد ~~لربه وإظهار ذلته وافتقاره إلى مولاه فهذا ونحوه مأمور به، وقد يعرض له من ~~متعلقاته ما يوجبه أو يحرمه والتحريم قد ينتهي للكفر، وقد لا ينتهي # فالذي ينتهي للكفر أربعة أقسام: (القسم الأول) أن يطلب الداعي نفي ما دل ~~السمع القاطع من الكتاب والسنة على ثبوته وله أمثلة: # (الأول) أن يقول اللهم لا تعذب من كفر بك أو اغفر له، وقد دلت القواطع ~~السمعية على تعذيب كل واحد ممن مات كافرا بالله تعالى لقوله تعالى {إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48] وغير ذلك من النصوص فيكون ذلك كفرا؛ لأنه ~~طلب لتكذيب الله تعالى فيما أخبر به وطلب ذلك كفر فهذا الدعاء كفر. # (الثاني) أن يقول اللهم لا تخلد فلانا الكافر في النار، وقد دلت النصوص ~~القاطعة على تخليد كل واحد من الكفار في النار فيكون الداعي طالبا لتكذيب ~~خبر الله تعالى فيكون دعاؤه كفر. # (الثالث) أن يسأل الداعي الله تعالى أن يريحه من البعث حتى يستريح من ~~أهوال يوم القيامة، وقد ms857 أخبر تعالى عن بعث كل أحد من الثقلين فيكون هذا ~~الدعاء كفرا؛ لأنه طلب لتكذيب الله تعالى في خبره. # PageV04P260 # (القسم الثاني) أن يطلب الداعي من الله تعالى ثبوت ما ~~دل القاطع السمعي على نفيه وله أمثلة: # (الأول) أن يقول اللهم خلد فلانا المسلم عدوي في النار ولم يرد به سوء ~~الخاتمة، وقد أخبر الله تعالى إخبارا قاطعا بأن كل مؤمن لا يخلد في النار ~~ولا بد له من الجنة لقوله تعالى {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار} [الطلاق: 11] فيكون هذا الدعاء مستلزما لتكذيب خبر ~~الله تعالى فيكون كفرا. # (الثاني) أن يقول اللهم أحيني أبدا حتى أسلم من سكرات الموت وكربه، وقد ~~أخبر الله تعالى عن موته بقوله تعالى {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ~~فيكون هذا الدعاء مستلزما لتكذيب هذا الخبر فيكون كفرا. # (الثالث) أن يقول اللهم اجعل إبليس محبا ناصحا لي ولبني آدم أبد الدهر ~~حتى يقل الفساد وتستريح العباد والله سبحانه يقول {إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] فيكون هذا الدعاء مستلزما لتكذيب هذا الخبر فيكون ~~كفرا وألحق بهذه المثل نظائرها # . (القسم الثالث) أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي ما دل القاطع العقلي ~~على ثبوته مما يخل بجلال الربوبية وله أمثلة: # (الأول) أن يسأل الله تعالى سلب علمه أو عالميته القديمة حتى يستتر العبد ~~في قبائحه ويستريح من اطلاع ربه على فضائحه، وقد دل القاطع العقلي على وجوب ~~ثبوت العلم لله تعالى أزلا وأبدا فيكون هذا الداعي طالبا لقيام الجهل بذات ~~الله تعالى وهو كفر. # (الثاني) أن يسأل الله تعالى سلب قدرته القديمة يوم القيامة حتى يأمن من ~~المؤاخذة، وقد دل القاطع العقلي على وجوب القدرة لله تعالى أزلا أبدا لا ~~تقبل التغيير # PageV04P261 # ولا الفناء فطلب عدمها طلب لعجز الله تعالى وهو كفر. # (الثالث) أن يسأل الله تعالى سلب استيلائه عليه وارتفاع قضائه وقدره حتى ~~يستقل الداعي بالتصرف في نفسه ويأمن من سوء الخاتمة من جهة القضاء، وقد دل ~~القاطع العقلي ms858 على شمول إرادة الله تعالى واستيلائه على جميع الكائنات ~~فيكون الداعي طالبا لسلب ذلك فيكون دعاؤه كفرا وألحق بهذه المثل نظائرها # . (القسم الرابع) أن يطلب الداعي من الله تعالى ثبوت ما دل القاطع العقلي ~~على نفيه مما يخل ثبوته بجلال الربوبية وله مثل: أن يعظم شوق الداعي إلى ~~ربه حتى يسأله أن يحل في بعض مخلوقاته حتى يجتمع به أو يعظم خوفه من الله ~~تعالى فيسأل الله ذلك حتى يأخذ منه الأمان على نفسه فيستبدل من وحشته أنسا، ~~وقد دل القاطع العقلي على استحالة ذلك على الله فطلب ذلك كفر. # (الثاني) أن تعظم حماقة الداعي وتجرؤه فيسأل الله تعالى أن يفوض إليه من ~~أمور العالم ما هو مختص بالقدرة والإرادة الربانية من الإيجاد والإعدام ~~والقضاء النافذ المحتم، وقد دل القاطع العقلي على استحالة ثبوت ذلك لغير ~~الله تعالى فيكون طلب ذلك طلبا للشركة مع الله تعالى في الملك وهو كفر # PageV04P262 # وقد وقع ذلك لجماعة من جهال الصوفية فيقولون فلان ~~أعطي كلمة كن ويسألون أن يعطوا كلمة كن التي في قوله تعالى {إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] وما يعلمون معنى هذه ~~الكلمة في كلام الله تعالى ولا يعلمون ما معنى إعطائها إن صح أنها أعطيت، ~~وهذه أغوار بعيدة الروم على العلماء المحصلين فضلا عن الصوفية المتخرصين ~~فيهلكون من حيث لا يشعرون ويعتقدون أنهم إلى الله تعالى متقربون وهم عنه ~~متباعدون عصمنا الله تعالى من الفتن وأسبابها والجهالات وشبهها. # (الثالث) أن يسأل الداعي ربه أن يجعل بينه وبينه نسبا فيحصل له الشرف على ~~الخلائق في الدنيا والآخرة، وقد دل القاطع العقلي على استحالة النسب وأسباب ~~الاستيلاد الموجبة للأنساب فيكون هذا الدعاء طلبا لصدور الاستيلاد في حق ~~الله تعالى فيكون كفرا وألحق بهذه المثل نظائرها فهذه كلها وجوه مخلة بجلال ~~الربوبية تقع للعباد الجهال ومن استحوذ عليه الشيطان # PageV04P263 # وقد قال الشيخ أبو الحسن الأشعري - رضي الله عنه - إن ~~بناء الكنائس كفر إذا بناها مسلم ويكون ردة في ms859 حقه لاستلزامه إرادة الكفر ~~وكذلك أفتى بأن المسلم إذا قتل نبيا يعتقد صحة رسالته كان كافرا لإرادته ~~إماتة شريعته وإرادة إماتة الشرائع كفر. واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه ~~الأدعية ليس عذرا للداعي عند الله تعالى؛ لأن القاعدة الشرعية دلت على أن ~~كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل فإن الله تعالى بعث رسله إلى ~~خلقه برسائله وأوجب عليهم كافة أن يعلموها ثم يعملوا بها فالعلم والعمل بها ~~واجبان فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين وإن ~~علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل ومن علم وعمل فقد نجا ولذلك ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الناس كلهم هلكى إلا العالمون ~~والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون ~~والمخلصون على خطر عظيم» فحكم على جميع الخلائق بالهلاك إلا العلماء منهم. # ثم ذكر شروطا أخر مع العلم في النجاة من الهلاك نعم الجهل الذي لا يمكن ~~رفعه للمكلف بمقتضى العادة يكون عذرا كما لو تزوج أخته فظنها أجنبية أو شرب ~~خمرا يظنه خلا أو أكل طعاما نجسا يظنه طاهرا مباحا فهذه الجهالات يعذر بها ~~إذ لو اشترط اليقين في هذه الصور وشبهها لشق ذلك على المكلفين فيعذرون ~~بذلك، وأما الجهل الذي يمكن رفعه لا سيما مع طول الزمان # PageV04P264 # واستمرار الأيام والذي لا يعلم اليوم يعلم في غد ولا ~~يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فساد فلا يكون عذرا لأحد ولذلك ألحق ~~مالك الجاهل في العبادات بالعامد دون الناسي؛ لأنه جهل يمكنه رفعه فسقط ~~اعتباره، وكذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز حكاية عن نوح - عليه السلام ~~- {إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} [هود: 47] أي بجواز سؤاله ~~فاشترط العلم بالجواز قبل الإقدام على الدعاء وهو يدل على أن الأصل في ~~الدعاء التحريم إلا ما دل الدليل على جوازه وهذه قاعدة جليلة يتخرج عليها ~~كثير من الفروع الفقهية. # وقد تقدم بسطها في الفروق إذا ms860 تقرر هذا فينبغي للسائل أن يحذر هذه ~~الأدعية وما يجري مجراها حذرا شديدا لما تؤدي إليه من سخط الديان والخلود ~~في النيران وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة واستباحة الأرواح والأموال وهذا ~~فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع ~~أكثر هذه المفاسد إلا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين فإن مات على ذلك ~~كان أمره كما ذكرناه نسأل الله تعالى العافية من موجبات عقابه، وأصل كل ~~فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت كما ~~أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت ~~والله تعالى هو المعين على الخير كله فهذه الأربعة الأقسام بتميزها حصل ~~الفرق بين ما هو كفر من الدعاء وما ليس بكفر وهو المطلوب # (الفرق الثالث والسبعون والمائتان بين قاعدة ما هو محرم من الدعاء وليس ~~بكفر وبين قاعدة ما ليس محرما) . # وقد حضرني من المحرم الذي ليس بكفر اثنا عشر قسما ثبت الحصر فيها ~~بالاستقراء فتكون هي # PageV04P265 # المحرمة وما عداها ليس محرما عملا بالاستقراء في ~~القسمين، فإن ظفر أحد بقسم آخر محرم أضافه لهذه الاثني عشر وها أنا أمثل كل ~~قسم بمثله اللائقة به ليقاس عليها نظائرها # : القسم الأول أن يطلب الداعي من الله تعالى المستحيلات التي لا تخل ~~بجلال الربوبية وله أمثلة: # (الأول) أن يطلب من الله تعالى أن يجعله في مكانين متباعدين في زمن واحد ~~ليكون مطلعا على أحوال الإقليمين فهذا سوء أدب على الله تعالى ولا يطلب من ~~الملوك إلا ما يعلم أنه في قدرتهم ومن فعل غير ذلك فقد عرضهم للعجز لا سيما ~~والعبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه لئلا يكون متهكما بالربوبية. # PageV04P266 # الثاني) أن يسأل الله تعالى دوام إصابة كلامه من ~~الحكم الدقيقة والعلوم الشريفة أبد الدهر ليفتخر بذلك على سائر الفضلاء ~~وينتفع به أكثر من سائر العلماء. # (الثالث) أن يسأل الله تعالى الاستغناء في ذاته عن الأعراض ليسلم طول ~~عمره من الآلام ms861 والأسقام والأنكاد والمخاوف وغير ذلك من البلايا، وقد دلت ~~العقول على استحالة جميع ذلك فإذا كانت هذه الأمور مستحيلة في حقه عقلا كان ~~طلبها من الله تعالى سوء أدب عليه؛ لأن طلبها يعد في العادة تلاعبا وضحكا ~~من المطلوب منه، والله تعالى يجب له من الإجلال فوق ما يجب لخلقه فما نافى ~~إجلال خلقه أولى أن ينافي جلاله من كل نقص بل قد عاب الله تعالى جميع خلقه ~~بقوله تعالى {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] أي ما عظموه حق ~~تعظيمه، وقال - عليه الصلاة والسلام - «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت ~~على نفسك» أي ثناؤك # PageV04P267 # المستحق ثناؤك على نفسك أما ثناء الخلق فلا؛ لأنه دون ~~المستحق وقس على هذه المثل نظائرها واقض بأنها معصية ولا تصل إلى الكفر ~~لأنها من باب قلة الأدب في المعاملة دون انتهاك حرمة ذي الجلال والعظمة # (القسم الثاني) من المحرم الذي لا يكون كفرا أن يسأل الداعي من الله ~~تعالى المستحيلات العادية إلا أن يكون نبيا فإن عادة الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - خرق العادة فيجوز لهم ذلك كما سألوا نزول المائدة من ~~السماء وخروج الناقة من الصخرة الصماء أو يكون وليا له مع الله تعالى عادة ~~بذلك فهو جار على عادته فلا يعد ذلك من الفريقين قلة أدب أو لا يكون وليا ~~ويسأل خرق العادة ويكون معنى سؤاله أن يجعله وليا من أهل الولاية حتى يستحق ~~خرق العادة فهذه الأقسام الثلاثة ليست حراما، وأما المحرم فله أمثلة: # (الأول) أن يسأل الله تعالى الاستغناء عن التنفس في الهواء # PageV04P268 # ليأمن الاختناق على نفسه، وقد دلت العادة على استحالة ~~ذلك. # (الثاني) أن يسأل الله تعالى العافية من المرض أبد الدهر لينتفع بقواه ~~وحواسه وأعضائه أبد الدهر، وقد دلت العادة على استحالة ذلك. # (الثالث) أن يسأل الله تعالى الولد من غير جماع أو الثمار من غير أشجار ~~وغراس، وقد دلت العادة على استحالة ذلك فطالب ذلك مسيء الأدب على الله ~~تعالى، وكذلك قول الداعي اللهم لا ترم بنا ms862 في شدة فإن عادة الله تعالى ~~جارية قطعا بوقوع بعض الأنفس في الشدائد بل لا تكاد نفس تسلم من شدة في مدة ~~حياتها، وكذلك قول الداعي خرق الله العادة في بقائك وهو كثير في العرف، ~~وكذلك قوله أعطنا خير الدنيا والآخرة واصرف عنا شر الدنيا والآخرة لا يجوز ~~لأن من المحال أن يحصل هذا المدعو به لهذا الداعي فلا بد أن يقصد بهذا ~~العموم الخصوص إذ لا بد أن يفوت هذا الداعي رتبة النبوة ومرتبة الملائكة ~~ودرجات الأنبياء في الجنة، ولا بد أن يدركه بعض الشرور ولو سكرات الموت ~~ووحشة القبر فلا بد أن يقصد بهذا العموم الخصوص وقس على هذه نظائرها # PageV04P269 # بل يجب على كل عاقل أن يفهم عوائد الله تعالى في ~~تصرفاته في خلقه وربطه المسببات بالأسباب في الدنيا والآخرة مع إمكان ~~صدورها عن قدرته بغير تلك الأسباب أو بغير سبب ألبتة بل رتب الله تعالى ~~مملكته على نظام ووضعها على قانون قضاه وقدره {لا يسأل عما يفعل} ~~[الأنبياء: 23] . # فإذا سأل الداعي من الله تعالى تغيير مملكته ونقض نظامه وسلوك غير عوائده ~~في ملكه كان مسيئا الأدب عليه عز وجل بل ذلك سوء أدب على أدنى الملوك بل ~~الولاة، ولذلك عاب العلماء وغلطوا جماعة من العباد حيث توسطوا القفار من ~~غير زاد ولججوا في البحار في زمن الهول في غير الزمن المعتاد طالبين من ~~الله تعالى خرق عوائده لهم في هذه الأحوال فهم يعتقدون أنهم سائرون إلى ~~الله تعالى وهم ذاهبون عنه ظانين أن هذه الحالة هي حقيقة التوكل وأن ما ~~عداها ينافي الاعتماد على الله تعالى وهذا غلط عظيم فقد دخل سيد المتوكلين ~~محمد رسول الله مكة محفوفا بالخيل والرجل والكراع والسلاح في كتيبته ~~الخضراء مظاهرا بين درعين # PageV04P270 # على رأسه مغفر من حديد، وقال في أول أمره من يعصمني ~~حتى أبلغ رسالة ربي وكان في آخر عمره عند أكمل أحواله مع ربه يدخر لعياله ~~قوت سنة وهو سيد المتوكلين وتحقيق هذا الباب أن تعلم أن التوكل اعتماد ms863 ~~القلب على الله تعالى فيما يطلبه من خير أو يكرهه من ضير لأجل # PageV04P271 # أنه المستولي بقدرته وإرادته على سائر الكائنات من ~~غير مشارك له في ذلك {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك ~~فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2] ومع ذلك فله عوائد في ملكه رتبها بحكمته ~~فمقتضى شمول قدرته انقطاع القلب عن غيره ومقتضى سلوك أدبه التماس فضله من ~~عوائده. # وقد انقسم الخلق في هذا المقام ثلاثة أقسام: قسم عاملوا الله تعالى ~~بمقتضى شمول قدرته للخير والشر فحصلوا على حقيقة التوكل وأعرضوا عن الأسباب ~~ففاتهم الأدب الواجب الاتباع. وقسم لاحظوا الأسباب واستولت على قلوبهم ~~فحجبتهم عن الله تعالى فهؤلاء فاتهم التوكل والأدب وهذا هو المهيع العام ~~الذي هلك فيه أكثر الخلائق، وقسم عاملوا الله تعالى بمقتضى شمول قدرته ~~وعوائده في مملكته فهؤلاء جامعون بين التوكل والأدب وهذا مقام الأنبياء ~~وخواص العلماء والأولياء والأصفياء. واعلم أن قليل الأدب خير من كثير من ~~العمل ولذلك هلك إبليس وضاع أكثر عمله بقلة أدبه فنسأل الله السلامة # PageV04P272 # في الدنيا والآخرة، وقال الرجل الصالح لابنه يا بني ~~اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا أي ليكن استكثارك من الأدب أكثر من استكثارك من ~~العمل لكثرة جدواه ونفاسة معناه ويدل على تحريم طلب خرق العوائد قوله تعالى ~~{ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] أي لا تركبوا الأخطار التي ~~دلت العادة على أنها مهلكة وقوله تعالى {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} ~~[البقرة: 197] أي الواقية لكم من الحاجة إلى السؤال والسرقة فإنهم كانوا ~~يسافرون إلى الجهاد والحج بغير زاد فربما وقع بعضهم في إحدى المفسدتين ~~المذكورتين فأمرهم الله تعالى بالتزام العوائد وحرم عليهم تركها فإن ~~المأمور به منهي عن ضده بل أضداده. # وقد قيل لبعضهم إن كنت متوكلا على الله ومعتمدا عليه وواثقا بقضائه وقدره ~~فألق نفسك من هذا الحائط فإنه لا يصيبك إلا ما قدر لك فقال إن الله خلق ~~عباده ليجربهم ويمتحنهم لا ليجربوه ويمتحنوه إشارة إلى سلوك الأدب مع الله ~~تعالى جعلنا ms864 الله تعالى من أهل الأدب معه ومع عباده حتى نلقاه بمنه وكرمه. # PageV04P273 # (القسم الثالث) الذي ليس بكفر وهو محرم أن يطلب ~~الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه وله أمثلة: الأول أن يقول ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] مع ~~أن رسول الله قد قال «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فقد ~~دل هذا الحديث على أن هذه الأمور مرفوعة عن العباد فيكون طلبها من الله ~~تعالى طالبا لتحصيل الحاصل فيكون سوء أدب على الله تعالى لأنه طلب عري عن ~~الحاجة والافتقار إليه ولو أن أحدنا سأل بعض الملوك أمرا فقضاه له، ثم سأله ~~إياه بعد ذلك عالما بقضائه له لعد هذا الطلب الثاني استهزاء بالملك وتلاعبا ~~به ولحسن من ذلك الملك تأديبه فأولى أن يستحق التأديب إذا فعل ذلك مع الله ~~تعالى # PageV04P274 # ولو رأينا رجلا يقول اللهم افرض علينا الصلاة وأوجب ~~علينا الزكاة واجعل السماء فوقنا والأرض تحتنا لبادرنا إلى الإنكار عليه ~~لقبح ما صدر منه من التلاعب والاستهزاء في دعائه إلا أن يريد الداعي بقوله ~~إن نسينا أي تركناه مع متعمد كقوله تعالى {اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا} [الجاثية: 34] وقوله تعالى {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] أي ~~تركوا طاعته فترك الله الإحسان إليهم فهذا يجوز لأنه طلب العفو عما لم يعلم ~~العفو فيه أما النسيان الذي هو الترك مع غفلة الذي هو مشتهر في العرف لا ~~يجوز طلب العفو فيه؛ لأن طلب العفو فيه وعنه قد علم بالنص والإجماع # PageV04P275 # وكذلك إذا أراد بقوله ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به أي من البلايا والرزايا والمكروهات جاز له؛ لأنه لم تدل النصوص على نفي ~~ذلك بخلاف التكاليف الشرعية فإنها مرفوعة بقوله تعالى {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} [البقرة: 286] فيقتضي طلب رفع ذلك، فإن أطلق العموم من غير ~~تخصيص لا بالنية ms865 ولا بالعادة عصى لاشتمال العموم على ما لا يجوز فيكون ذلك ~~حراما؛ لأن فيه طلب تحصيل الحاصل، فإن قلت فقد قال تعالى حكاية عن قوم في ~~سياق المدح {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا ~~تخلف الميعاد} [آل عمران: 194] ووعد الله سبحانه لا بد من وقوعه فقد طلب ~~تحصيل الحاصل وهو عين ما نحن فيه ومدحهم الله تعالى فدل على جواز ذلك وأنت ~~تمنعه قلت إنما جاز لهم سؤال ما وعدهم الله به؛ لأن حصوله لهم مشروط ~~بالوفاة على الإيمان. # وهذا شرط مشكوك فيه والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط فما طلبوا إلا ~~مشكوكا في حصوله لا معلوم الحصول، وأما ما نحن فيه فليس فيه شرط مجهول بل ~~علم من الشريعة بالضرورة ترك المؤاخذة بالخطإ والنسيان مطلقا، فإن قلت فإذا ~~جوزت # PageV04P276 # ذلك بناء على الجهالة بالشروط فيجوزه هاهنا بناء على ~~الجهالة بالشرط فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخبر بذلك مطلقا، ~~وإنما أخبر بالرفع عن أمته وكون الداعي يموت وهو من أمته مجهول فما طلب إلا ~~مجهولا بناء على التقرير المتقدم. # قلت كونه من الأمة ليس شرطا في هذا الرفع ودلالة الخبر على ذلك إنما هي ~~من جهة المفهوم ونحن نمنع كون المفهوم حجة لاختلاف العلماء فيه سلمنا أنه ~~حجة لكنه متروك هاهنا إجماعا وتقريره أن نقول الكفار إما أن نقول إنهم ~~مخاطبون بفروع الشريعة أو لا، فإن قلنا إنهم ليسوا مخاطبين بها فالرفع حاصل ~~لهم في جميع الفروع النسيان وغيره فبطل المفهوم واستوت الخلائق في الرفع ~~حينئذ وإن قلنا إنهم مخاطبون بالفروع فلا يكون قد شرع في حقهم ما ليس سببا ~~في حقنا بل كل ما هو سبب الوجوب في حقنا هو سبب الوجوب في حقهم، وما هو سبب ~~التحريم في حقنا هو سبب التحريم في حقهم، وما هو سبب الترخيص والإباحة في ~~حقنا هو كذلك في حقهم فعلى هذا التقدير لا يكون خصوص الأمة شرطا في الرفع ~~ولم يقل أحد ms866 إن الكفار في الفروع أشد حالا من الأمة فظهر أن هذا المفهوم ~~باطل اتفاقا فليس هناك في النسيان والخطإ شرط مجهول فيكون الشارع # PageV04P277 # قد أخبر بالرفع في هذه الأمور مطلقا فيحرم الدعاء به. # (المثال الثاني) أن يقول الداعي ربنا لا تهلك هذه الأمة المحمدية بالخسف ~~العام والريح العاصفة كما هلك من قبلنا، وقد أخبر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في مسلم وغيره من الصحاح أنه سأل ربه في إعفاء أمته من ذلك ~~فأجابه فيكون طلب ذلك معصية كما تقدم. # (الثالث) أن يقول اللهم لا تسلط على هذه الأمة من يستأصلها، وقد أخبر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصحاح بأنه «لا تزال طائفة من هذه ~~الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة» فيكون الدعاء ~~بذلك معصية لما مر. # (الرابع) أن يقول الداعي لمريض أو مصاب اللهم اجعل له هذه المرضة أو هذه ~~المصيبة كفارة فقد دلت النصوص على أن المصائب كفارات لأهلها، وقد تقدم بيان ~~أن السخط لا يخل بذلك التكفير بل يجدد ذنبا آخر كمن قضى دينه، ثم استدان لا ~~يقال إنه لم تبرأ ذمته من الدين الأول، وكذلك المصاب بريء من عهدة الذنب ~~الأول وإن كان قد جدد ذنبا آخر بسخطه فيكون هذا الدعاء معصية بل يقول # PageV04P278 # اللهم عظم له الكفارة، فإن قلت إن الله تعالى قد أخبر ~~عن قوم في الدار الآخرة بأنهم يقولون {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} [الأعراف: 47] وهؤلاء ليسوا من ~~أصحاب النار لقوله تعالى {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} [الأعراف: ~~47] ، وقد وردت الأحاديث أن من يدخل الجنة أو يكون في الأعراف لا يدخل ~~النار وما علمت في هذا خلافا بين العلماء فيكون دعاؤهم بتحصيل الحاصل ولم ~~يذكر الله تعالى ذلك في سياق الذم لهم مع أنهم سمعوا تلك النصوص في الدنيا ~~وعلموا أن من سلم من النار في أول أمره لا يدخلها بعد ذلك قلت قال المفسرون ~~هؤلاء أصحاب ms867 الأعراف وهم على خوف من سوء العاقبة، وأهوال القيامة توجب ~~الدهش عن المعلومات فقد قيل للرسل - عليهم السلام - {ماذا أجبتم قالوا لا ~~علم لنا} [المائدة: 109] لاستيلاء الخوف من الله على قلوبهم من جهة هول ~~المنظر كذلك هؤلاء مع أن هؤلاء ليسوا مكلفين ولا ذم إلا مع التكليف. # الخامس أن يقول اللهم لا تغفر لفلان الكافر، وقد دل السمع على أن الله ~~تعالى لا يغفر أن يشرك به فهذا محرم؛ لأنه من باب # PageV04P279 # تحصيل الحاصل وقلة الأدب بخلاف اللهم اغفر له فإنه ~~كفر؛ لأنه من باب تكذيب السمع القاطع # . (القسم الرابع) من المحرم الذي ليس بكفر أن يسأل الداعي من الله تعالى ~~ثبوت أمر دل السمع على ثبوته وله أمثلة: الأول أن يقول الداعي جعل الله موت ~~من مات لك من أولادك حجابا من النار، وقد دل الحديث الصحيح على أن «من مات ~~له اثنان من الولد كانا حجابا له من النار» فيكون هذا الدعاء معصية، فإن ~~قلت قد أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ندعو له بقوله اللهم آت ~~محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته ~~إنك لا تخلف الميعاد، وقد ورد في الحديث الصحيح أن الوسيلة درجة في الجنة ~~لعبد صالح وأرجو أن أكون إياه وأن المقام المحمود هو الشفاعة، وقد أخبرنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أعطيها فيلزم أحد الأمرين إما إباحة ~~الدعاء بما هو ثابت وإما الإشكال على الإخبار على كونه - عليه السلام - ~~أعطيها قلت ذكر العلماء في هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أعلم أنه أعطي هذه الأمور مرتبة على دعائنا وأعلم أن دعاءنا يحصل له ذلك ~~فحسن أمرنا بالدعاء له؛ لأنه سبب # PageV04P280 # هذه الأمور وحسن الإخبار بحصولها؛ لأنه أعلم بوقوع ~~سبب حصولها والمحرم إنما هو الدعاء بحصول شيء قد علم حصوله من غير دعائنا ~~فاندفع الإشكال. # (الثاني) أن يقول الداعي اللهم اجعل صوم عاشوراء يكفر لي سنة، وقد جاء في ~~الحديث الصحيح أن «صوم يوم ms868 عرفة يكفر سنتين وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة» فلا ~~يجوز طلب شيء من ذلك. # (الثالث) أن يقول اللهم اجعل صلواتي كفارات لما بينهن، وقد قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح «الصلاة إلى الصلاة كفارة لما ~~بينهما» فيكون الدعاء بذلك معصية لما مر وألحق بهذه المثل نظائرها # (القسم الخامس) في المحرم الذي ليس بكفر أن يطلب الداعي من الله تعالى ~~نفي ما دل السمع الوارد بطريق الآحاد على ثبوته وقولي بطريق الآحاد احتراز ~~من المتواتر فإن طلب نفي ذلك من قبيل الكفر كما تقدم وله أمثلة (الأول) أن ~~يقول اللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم، وقد # PageV04P281 # دلت الأحاديث الصحيحة أنه لا بد من دخول طائفة من ~~المسلمين النار وخروجهم منها بشفاعة وبغير شفاعة، ودخولهم النار إنما هو ~~بذنوبهم فلو غفر للمسلمين كلهم ذنوبهم كلها لم يدخل أحد النار فيكون هذا ~~الدعاء مستلزما لتكذيب تلك الأحاديث الصحيحة فيكون معصية ولا يكون كفرا؛ ~~لأنها أخبار آحاد والتكفير إنما يكون بجحد ما علم ثبوته بالضرورة أو ~~بالتواتر، فإن قلت فمن آداب الدعاء إذا قال الإنسان اللهم اغفر لي أن يقول ~~ولجميع المسلمين وهذا خلاف ما قررته،. # وقد أخبر تعالى عن الملائكة - صلوات الله عليهم - أنهم يقولوا {ربنا وسعت ~~كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} ~~[غافر: 7] أي تابوا من الكفر واتبعوا الإسلام ولفظ الذين عام في التائبين ~~من الكفر وهم المؤمنون فيكون عاما في المؤمنين، وكذلك قوله تعالى ~~{ويستغفرون لمن في الأرض} [الشورى: 5] عام في جميع من في الأرض وهو خلاف ما ~~قررته قلت الجواب عن الأول أن الإنسان إذا قال اللهم اغفر لي، فإن أراد ~~المغفرة من حيث الجملة لا على وجه التعميم صح أن يشرك معه كافة المسلمين ~~فيما طلبه لنفسه لأنه لا منافاة بين مغفرة بعض الذنوب ودخولهم النار ببعض # PageV04P282 # آخر فلا ينافي أحاديث الشفاعة وإن أراد مغفرة جميع ~~ذنوبه صح ذلك في حقه؛ لأنه لم يتعين أن يكون من الداخلين النار الخارجين ms869 ~~بالشفاعة، وأما في حق المؤمنين، فإن أراد المغفرة من حيث الجملة ولم يشركهم ~~في جملة ما طلبه لنفسه صح أيضا إذ لا منافاة فلا رد على النبوة وإن أراد ~~اشتراكهم معه في جملة ما طلبه لنفسه وهو مغفرة جميع الذنوب فذلك محرم فضلا ~~عن كونه من آداب الدعاء. # وعن الثاني أن طلب الملائكة المغفرة للمؤمن بقولهم {فاغفر للذين تابوا} ~~[غافر: 7] وقوله تعالى {ويستغفرون لمن في الأرض} [الشورى: 5] لا عموم في ~~تلك الألفاظ لكونها أفعالا في سياق الثبوت فلا تعم إجماعا ولو كانت للعموم ~~لوجب أن يعتقد أنهم أرادوا بها الخصوص وهو المغفرة من حيث الجملة للقواعد ~~الدالة على ذلك وإن أطلق الداعي قوله اللهم اغفر لي ولجميع المسلمين من غير ~~نية جاز لأن لفظة افعل في سياق الثبوت فلا تعم كما أطلقته الملائكة. # PageV04P283 # المثال الثاني) أن يقول الداعي اللهم اكفني أمر العري ~~يوم القيامة حتى تستتر عورتي عن الأبصار، وقد ورد في الصحيح أن «الخلائق ~~يحشرون حفاة عراة غرلا» فيكون هذا الدعاء مستلزما للرد على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في خبره فيكون معصية. # (الثالث) أن يقول اللهم إذا قبضتني إليك وأمتني فلا تحييني إلى يوم ~~القيامة حتى أستريح من وحشة القبر، وقد ورد في الحديث الصحيح رجوع الأرواح ~~إلى الأجساد «إن الميت يسمع خفق أنعلة المنصرفين» ، وقد قال - عليه السلام ~~- في قتلى بدر «ما أنتم بأسمع منهم» وليس ذلك خاصا بهم إجماعا فيكون هذا ~~الدعاء مستلزما للرد على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيكون معصية ولكونه ~~من باب الآحاد لا يكون كفرا # (القسم السادس) من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر وهو أن يطلب الداعي من ~~الله تعالى ثبوت أمر دل السمع الوارد بطريق الآحاد على نفيه وله أمثلة: # (الأول) أن يقول اللهم اجعلني أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة لأستريح ~~من غمها # PageV04P284 # ووحشتها مدة من الزمان قبل غيري، وقد ورد في الصحيح ~~قوله - عليه الصلاة والسلام - «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة» ~~فيكون هذا الدعاء ms870 ردا على النبوة فيكون معصية. # (الثاني) أن يقول اللهم اجعلني أول داخل الجنة، وقد ورد في الصحيح أن ~~«رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول داخل الجنة» فيكون هذا الدعاء مضادا ~~لخبر النبوة فيكون معصية. # (الثالث) أن يقول اللهم اجعل الأغنياء يدخلون الجنة قبل الفقراء لكونه من ~~الأغنياء، وقد ورد في الصحيح أن «الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء ~~بخمسمائة عام» فيكون هذا الدعاء مضادا للحديث فيكون معصية ولا يكون كفرا ~~لأن الحديث من أخبار الآحاد # (القسم السابع) من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر وهو الدعاء المعلق على ~~مشيئة الله تعالى فلا يجوز أن يقول اللهم اغفر لي إن شئت ولا اللهم اغفر لي ~~إلا أن تشاء ولا اللهم اغفر لي إلا أن يكون قد قدرت غير ذلك وما أشبه هذه ~~النظائر لما ورد في الصحيح «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وليعزم ~~المسألة» وسره أن هذا الدعاء عري عن إظهار الحاجة إلى الله تعالى ويشعر ~~بغنى العبد عن الرب # PageV04P285 # وطلب تحصيل الحاصل محال فإن ما شاء الله تعالى لا بد ~~من وقوعه وذلك كله مناقض لقواعد الشريعة والأدب مع الله تعالى وهذا الحديث ~~يدل على أن الواقع بغير دعاء، وقد علم أن ذلك لا يجوز طلبه لأجل أن الحديث ~~دل على طلب المغفرة على تقدير كونها مقدرة وإذا قدرت فهي واقعة جزما # (القسم الثامن) من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر الدعاء المعلق بشأن الله ~~تعالى وله أمثلة. # (الأول) أن يقول اللهم افعل بي ما أنت له أهل في الدنيا والآخرة وهذا ~~الدعاء يعتقد جماعة من العقلاء أنه حسن وهو قبيح وبيان ذلك أن الله تعالى ~~كما هو أهل المغفرة في الذنوب هو أهل للمؤاخذة عليها ونسبة الأمرين إلى ~~جلاله تعالى نسبة واحدة، وكذلك تعلق قدرته تعالى وقضائه بالخيور كنسبة ~~تعلقها بالمكاره والشرور وليس أحدهما أولى بشأنه من الآخر عند أهل الحق وأن ~~له أن يفعل الأصلح لعباده وأن لا يفعله، ونسبة الأمرين # PageV04P286 # إليه تعالى نسبة واحدة وكل ذلك ms871 شأن الله تعالى في ~~ملكه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون والخلائق ~~كلهم دائرون بين عدله وفضله فمن هلك منهم فبعدله ومن نجا فبفضله وعدله، ~~وفضله من شأنه ونسبتهما إليه تعالى نسبة واحدة لا يزيده الإحسان جلالا ~~وعظمة ولا ينقص العدل من جلاله وعظمته بل الأمران مستويان بالنسبة إليه ~~وكلاهما شأنه فمن دعا بشيء من ذلك، وقال اللهم افعل بي ما أنت أهله فقد سأل ~~من الله تعالى أن يفعل به إما الخير وإما الشر وأن يغفر له أو يؤاخذه، وهذا ~~معنى قوله - عليه السلام - «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت» ولأن ~~الدعاء بمثل هذا فيه إظهار الاستغناء وعدم الافتقار فيكون معصية إلا أن ~~ينوي الداعي ما أنت أهله من الخير الجزيل ولا يقتصر في نيته على مطلق الخير ~~فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إذا سألتم الله فأعظموا ~~المسألة فإن الله لا يتعاظمه شيء وإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس ~~الأعلى» ، فإن عريت نفس الداعي عن نية تعظيم المسألة مع القصد إلى الخير في ~~الجملة فقد ذهب التحريم # PageV04P287 # وإن عريت عن النية بالكلية كان بهذا اللفظ عاصيا وهذا ~~الدعاء إنما يستقيم على مذهب المعتزلة الذين يعتقدون أن الله تعالى يجب ~~عليه رعاية المصالح وأنه أهل للخير فقط ولا ينسب إلى شأنه إلا ذلك فهذا هو ~~شأنه عندهم، ومذهب الاعتزال إما كفر أو فسوق بالإجماع من أهل السنة فلا خير ~~في هذا الدعاء على كل تقدير وهما مذهبان ضالان يسبقان إلى الطباع البشرية ~~ولا يزال البشر معهما حتى تروضها العلوم العقلية والنقلية وهما الحشوية ~~والاعتزال فلا يزال الإنسان يعتقد الجسمية بناء على العادة المألوفة ويعتقد ~~أنه يخلق أفعاله وأن الله تعالى لا يفعل إلا الخير ولا يفعل الشر إلا شرير ~~ولا يزال البشر كذلك حتى يرتاض بالعلم، ولا شك أن كل أحد إنما يريد بهذا ~~الدعاء الخير ولكن بناء على أن ذلك هو شأن الله تعالى وأنه أهله ليس إلا، ms872 ~~فهي شائبة اعتزال تسبق إلى الطباع فاحذرها واقصد بنيتك ما يليق بجلال ربك. # PageV04P288 # المثال الثاني) أن يقول اللهم افعل بي في الدنيا ~~والآخرة ما يليق بعظمتك واللائق بعظمته وجلاله وكبريائه وذاته وربوبيته وكل ~~ما يأتي من هذا الباب واحدة وهو الفضل والعدل وهما على حد سواء ليس أحدهما ~~أولى من الآخر بالنسبة إلى عظمته، فيكون جميع ذلك محرما لما مر. # (الثالث) أن يقول اللهم هبني ما يليق بقضائك وقدرك واللائق بقضائه وقدره ~~الكثير والحقير والخير والشر ومحمود العاقبة وغير محمودها فيكون ذلك حراما ~~لما تقدم # (القسم التاسع) من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر الدعاء المرتب على ~~استئناف المشيئة وله أمثلة: # (الأول) أن يقول اللهم قدر لي الخير والدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول ~~المستقبل؛ لأنه طلب والطلب في الماضي محال فيكون مقتضى هذا الدعاء أن يقع ~~تقدير الله تعالى في المستقبل من الزمان والله تعالى يستحيل عليه استئناف ~~التقدير بل وقع جميعه في الأزل فيكون هذا الدعاء يقتضي مذهب من يرى أنه لا ~~قضاء وأن الأمر أنف كما خرجه مسلم عن الخوارج وهو فسق بالإجماع. # (الثاني) أن يقول اللهم اقض لنا بالخير وقدر واقض معناهما واحد في العرف ~~فيحرم لما مر، فإن قلت قد ورد الدعاء بلفظ # PageV04P289 # القدر في حديث «الاستخارة فقال واقدر لي الخير حيث ~~كان ورضني به» قلت يتعين أن يعتقد أن التقدير هاهنا أريد به التيسير على ~~سبيل المجاز وأنت أيضا إذا أردت هذا المجاز جاز، وإنما يحرم الإطلاق عند ~~عدم النية. # (الثالث) أن يقول اللهم اجعل سعادتنا مقدرة في علمك والذي يتقدر في العلم ~~هو الذي تعلقت به الإرادة القديمة فكما يستحيل استئناف تعلق الإرادة به ~~يستحيل استئناف تعلق العلم به فيستحيل استئناف تعلق العلم بالسعادة فيكون ~~محرما لما مر # (القسم العاشر) من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر وهو الدعاء بالألفاظ ~~العجمية لجواز اشتمالها على ما ينافي جلال الربوبية فمنع العلماء من ذلك ~~وبعضها يقرب من التحريم وبعضها من الكراهة بحسب حال مستعمليها من العجم فمن ~~غلب ms873 على عادته الضلال والفساد حرم استعمال لفظه حتى يعلم خلوصه من الفساد، ~~ومن لا يكون كذلك # PageV04P290 # فالكراهة سد للذريعة ويدل على تحريمه قوله تعالى لنوح ~~- عليه السلام - {فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين} [هود: 46] وقول نوح - عليه السلام - {إني أعوذ بك أن أسألك ما ~~ليس لي به علم} [هود: 47] معناه أن أسألك ما ليس لي بجواز سؤاله علم فدل ~~ذلك على أن العلم بالجواز شرط في جواز السؤال فما لا يعلم جوازه لا يجوز ~~سؤاله وأكد الله تعالى ذلك بقوله {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] ~~واللفظ العجمي غير معلوم الجواز فيكون السؤال به غير جائز ولذلك منع مالك ~~من الرقي به # (القسم الحادي عشر) من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر الدعاء على غير ~~الظالم؛ لأنه سعى في إضرار غير مستحق فيكون حراما كسائر المساعي الضارة ~~بغير استحقاق، فإن قلت الله سبحانه وتعالى عالم بأحوال العباد جملة وتفصيلا ~~فلا يجيب دعاء من دعا ظلما لعلمه تعالى بأنه إضرار غير مستحق وهو سبحانه ~~وتعالى لا يظلم أحدا فلا يكون هذا الدعاء سعيا للإضرار ولا وسيلة له قلت لا ~~نسلم أنه لا يؤثر ضررا وما ذكرتموه من علم الله تعالى مسلم ولكن المدعو ~~عليه لا يخلو غالبا من ذنوب اقترفها أو سيئات اكتسبها من غير جهة الداعي ~~فيستجيب الله تعالى دعاء هذا الداعي الظالم به عليه ويجعله # PageV04P291 # سببا للانتقام من هذا المدعو عليه بذنوبه السالفة كما ~~ينفذ فيه سهم العدو والكافر وسيف القاتل له ظلما إما مؤاخذة له بذنوبه أو ~~رفعا لدرجاته مع أن صاحب السيف والسهم ظالم فكذلك صاحب الدعاء ظالم بدعائه ~~وينفذ الله دعاءه كسيفه ورمحه، ولذلك يسلط الله عليه السباع والهوام ~~للانتقام وإن لم يصدر منه في حقها ما يوجب ذلك ويعاقب هذا الداعي أيضا على ~~دعائه بغير حق والكل عدل من الله تعالى بل لو جوزنا خلو هذا المدعو عليه من ~~الذنوب مطلقا وطهارته من جميع العيوب لجوزنا استجابة هذا ms874 الدعاء ليجعله ~~الله سببا لرفع الدرجات وإظهار صبر العبد ورضاه فيحصل له الجزيل من الثواب، ~~وأما الدعاء على الظالم فقد قال مالك وجماعة من العلماء بجوازه والمستند في ~~ذلك قوله تعالى {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: ~~41] لكن الأحسن الصبر والعفو # PageV04P292 # لقوله تعالى {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} ~~[الشورى: 43] أي من معزومها ومطلوبها عند الله، فإن زاد في الإحسان على ذلك ~~بأن دعا له بالإصلاح والخروج عن الظلم فقد أحسن إلى نفسه بمثوبة العفو ~~وتحصيل مكارم الأخلاق وإلى الجاني بالتسبب إلى إصلاح صفاته وإلى الناس ~~بالتسبب إلى كفايتهم شره، فهذه ثلاثة أنواع من الإحسان لا ينبغي أن تفوت ~~اللبيب لا سيما وقد روي أن الإنسان إذا دعا بمكروه على غيره تقول له ~~الملائكة ولك مثله وإذا دعا بخير لأحد تقول له الملائكة ولك مثله. # (تنبيه) من الظلمة من إذا علم بالمسامحة والعفو زاد طغيانه ولا يردعه إلا ~~إظهار الدعاء عليه فليكن # PageV04P293 # العفو عنه بينك وبين الله تعالى ولا تظهر له ذلك بل ~~أظهر له فيه صلاحه واستصلاحه ومن يجود إذا جدت عليه كان سمة خير فينبغي ~~إظهار ذلك له وحيث قلنا بجواز الدعاء على الظالم فلا تدعو عليه بملابسة ~~معصية من معاصي الله تعالى ولا بالكفر فإن إرادة المعصية معصية وإرادة ~~الكفر كفر بل تدعو عليه بإنكاد الدنيا ولا تدعو عليه بمؤلمة لم تقتضها ~~جنايته عليك بأن يجني عليك جناية فتدعو عليه بأعظم منها فهذا حرام عليك؛ ~~لأنك جان عليه بالمقدار الزائد والله تعالى يقول {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] فتأمل هذه الضوابط ولا تخرج عنها. # فإن قلت فإن قال اللهم ارزقه سوء الخاتمة أو غير ذلك من العبارات الدالة ~~على طلب الكفر هل يكون هذا الداعي كافرا أو لا لأن إرادة الكفر كفر والطالب ~~مريد لما طلبه قلت الداعي له # PageV04P294 # حالتان تارة يريد الكفر بالعرض لا بالذات فيقع تابعا ~~لمقصوده لا أنه مقصوده فهذا ليس بكافر كما ms875 قال - عليه السلام - «وددت أن ~~أقتل في سبيل الله، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل» فقد طلب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يقتل في سبيل الله وقتل الأنبياء كفر لكنه - عليه ~~السلام - مراده ومقصوده منازل الشهداء وما عدا ذلك وقع تابعا لمقصوده لا ~~أنه مقصوده فمثل هذا لا حرج فيه من هذا الوجه، وكذلك ما حكاه الله تعالى عن ~~أحد ابني آدم من قوله {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار} ~~[المائدة: 29] مقصوده إنما هو السلامة من القتل لا من أن يقتل ويصدر منه ~~معصية القتل. # وإن لزم عن ذلك معصية أخيه بمباشرة القتل لا يضره ذلك ولذلك قال - عليه ~~الصلاة والسلام - «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» فأمره أن ~~يريد أن يقتله غيره ولا يعزم هو على القتل فإن المقصود بالذات إنما هو ~~السلامة ووقع غير ذلك تبعا # PageV04P295 # وتارة يريد الكفر بالذات فهذا كافر إذا كان مقصوده أن ~~يعصي الله بالكفر ليس إلا، كذلك هذا الداعي إذا كان مقصوده أن يعصي هذا ~~المدعو عليه ربه لا أن يكفر بالله ويقع الكفر تبعا لمقصوده فهذا ليس بكفر. # نعم قد لا يكون المدعو عليه جنى عليه جناية يستحق أن يقابل عليها بهذا ~~الدعاء العظيم فيكون عاصيا بجنايته على المدعو عليه لا كافرا فهذا تفصيل ~~حال هذا الدعاء، وقد غلط جماعة فأفتوا بالتكفير مطلقا وليس كذلك # (القسم الثاني عشر) من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر وهو ما استفاد ~~التحريم من متعلقه وهو المدعو به لكونه طلبا لوقوع المحرمات في الوجود أما ~~الداعي فكقوله اللهم أمته كافرا أو اسقه خمرا أو أعنه على المكس الفلاني أو ~~وطء الأجنبية الفلانية أو يسر له الولاية الفلانية وهي مشتملة على معصية أو ~~يطلب ذلك لغيره أما لعدوه كقوله اللهم لا تمت فلانا على الإسلام اللهم سلط ~~عليه من يقتله أو يأخذ ماله، وأما لصديقه فيقول اللهم يسر له الولاية ~~الفلانية أو السفر الفلاني أو صحبة الوزير فلان أو ms876 الملك فلان، ويكون جميع ~~ذلك مشتملا على معصية من معاصي الله تعالى فجميع ذلك محرم تحريم الوسائل ~~ومنزلته من التحريم منزلة متعلقه، فالدعاء بتحصيل أعظم المحرمات أقبح ~~الدعاء ويروى من دعا لفاسق بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله تعالى ومحبة ~~معصيته # PageV04P296 # تعالى محرمة فدل ذلك على أن الدعاء بالمحرم محرم فهذه ~~كلها أدعية محرمة إما كبيرة أو صغيرة، إن تكررت صارت كبيرة وفسقا والعاقل ~~الحريص على دينه أول ما يسعى في تحصيل السلامة والخلوص من المهالك وحينئذ ~~يطلب الأرباح فهذا ما حضرني من الأدعية المنهي عنها المحرمة وما عداها ليس ~~بمحرم عملا بالاستقراء وهذا الفرق وهذه الأقسام قل أن توجد في الكتب بل ~~كلمات يسيرة توجد في بعضها مشيرة إليها أما التصريح بها على هذا الوجه ~~فقليل أو معدوم فتأمله وألحق ما تجده بنظيره فينضبط لك المباح من غيره # PageV04P297 # (الفرق الرابع والسبعون والمائتان بين قاعدة ما هو ~~مكروه من الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه) اعلم أن أصل الدعاء من حيث هو دعاء ~~الندب كما تقدم، ويعرض له من جهة متعلقه ما يقتضي التحريم وقد تقدم وما ~~يقتضي الكراهة ولذلك أسباب خمسة: # (السبب الأول) الأماكن كالدعاء في الكنائس والحمامات ومواضع النجاسات ~~والقاذورات ومواضع اللهو واللعب والمعاصي والمخالفات كالحانات ونحوها، ~~وكذلك الأسواق التي يغلب فيها وقوع العقود الفاسدة # PageV04P298 # والأيمان الحانثة فجميع ذلك يكره الدعاء فيه من أجل ~~أن القرب إلى الله تعالى ينبغي أن يكون على أحسن الهيئات في أحسن البقاع ~~والأزمان ويدل على اعتبار هذا المعنى «نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق» ، فإن أعجزه الخلوص من ذلك حصل ~~له الدعاء مع فوات رتبة الدعاء كالصلاة في البقاع المكروهة. # (السبب الثاني) للكراهة الهيئات كالدعاء مع النعاس وفرط الشبع ومدافعة ~~الأخبثين أو ملابسة النجاسات والقاذورات أو قضاء حاجة الإنسان ونحو ذلك من ~~الهيئات التي لا تناسب التقرب إلى ذي الجلال، فإن فعل صح مع فوات رتبة # PageV04P299 # الكمال. # (السبب الثالث) الكرامة كونه سببا لتوقع فساد القلوب وحصول الكبر ms877 ~~والخيلاء كما كره مالك وجماعة من العلماء - رحمهم الله - لأئمة المساجد ~~والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبات جهرا للحاضرين فيجتمع لهذا الإمام ~~التقدم في الصلاة وشرف كونه نصب نفسه واسطة بين الله تعالى وعباده في تحصيل ~~مصالحهم على يده بالدعاء، ويوشك أن تعظم نفسه عنده فيفسد قلبه ويعصي ربه في ~~هذه الحالة أكثر مما يطيعه ويروى أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - في أن يدعو لقومه بعد الصلوات بدعوات فقال لا إني أخشى أن تشمخ ~~حتى تصل إلى الثريا إشارة # PageV04P300 # إلى ما ذكرنا ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء ~~لغيره وخشي على نفسه الكبر بسبب ذلك فالأحسن له الترك حتى تحصل له السلامة. # (السبب الرابع) كون متعلقه مكروها فيكره كراهة الوسائل لا كراهة المقاصد ~~كالدعاء بالإعانة على اكتساب الرزق بالحجامة ونزو الدواب والعمل في ~~الحمامات وغير ذلك من الحرف الدنيات مع قدرته على الاكتساب بغيرها، وكذلك ~~القول في الدعاء بكل ما نص العلماء على كراهته يكره كراهة الوسائل. # (السبب الخامس) للكراهة عدم تعيينه قربة بل يطلق على سبيل العادة ~~والاستراحة في الكلام وتحسين اللفظ من الذي يلابسه كما يجري # PageV04P301 # ذلك على ألسنة السماسرة في الأسواق عند افتتاح النداء ~~على السلع كقولهم الصلاة والسلام على خير الأنام. قال مالك كم يقولون هذا ~~على سبيل العادة من غير قصد الدعاء والتقرب إلى الله تعالى وهو خبر ومعناه ~~الدعاء وكما يقول المتحدثون في مجالسهم ما أقوى فرس فلان أبلاها الله بدنية ~~أو سبع ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى ولا يريدون شيئا من حقيقته فهذا كله ~~مكروه، وقد أشار بعض العلماء إلى تحريمه، وقال كل ما يشرع قربة لله تعالى ~~لا يجوز أن يقع إلا قربة له على وجه التعظيم والإجلال لا على وجه التلاعب، ~~فإن قلت قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول نحوا # PageV04P302 # من هذا الدعاء، ومنصبه - صلى الله عليه وسلم - منزه ~~عن المكروهات بل يجب اتباعه في أقواله وأفعاله وأقل الأحوال أن يكون ms878 مباحا ~~فمن ذلك «قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - تربت يداك ~~ومن أين يكون الشبه» لما تعجبت مما لم تعلم من كون المرأة تنزل المني كما ~~ينزل الرجل، ومعلوم أنه - عليه السلام - ما أراد إذايتها بالدعاء، وكذلك ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - «عليك بذات الدين تربت يداك» ليس من الإرشاد ~~ما يقتضي قصد الإضرار بالدعاء فقد استعمل الدعاء لا على وجه الطلب والتقرب ~~وهو عين ما نحن فيه. قلت لفظ الدعاء إذا غلب استعماله في العرف # PageV04P303 # في غير الدعاء انتسخ منه حكم الدعاء ولا ينصرف بعد ~~ذلك إلى الدعاء إلا بالقصد والنية فإذا استعمله مستعمل في غير الدعاء فقد ~~استعمله فيما هو موضوع له عرفا ولا حرج في ذلك، وإنما الكلام في الألفاظ ~~التي تنصرف بصراحتها للدعاء وتستعمل في غيره فليس ما في الأحاديث من هذا ~~الباب وهاهنا انتهى ما جمع من القواعد والفروق والله أعلم بالصواب PageV04P304 ms879