######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021813 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 684 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح تنقيح الفصول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021813 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21813 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21813 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: طه عبد الرؤوف سعد #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1393 هـ - 1973 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: شركة الطباعة الفنية المتحدة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الباب الأول في الاصطلاحات # وفيه عشرون فصلا ### | الفصل الأول في الحد # الحد: هو شرح ما دل عليه اللفظ بطريق الإجمال. # إنما بدأت بالحد في هذا الكتاب؛ لأن العلم إما تصور أو تصديق، والتصديق ~~مسبوق بالتصور، فكان التصور وضعه أن يكون قبل التصديق والتصور إنما يكتسب ~~بالحد كما أن التصديق لا يكتسب إلا بالبرهان، فكان الحد متقدما على التصور ~~المتقدم على التصديق، فالحد قبل الكل طبعا، فوجب أن يقدم وضعا: فلذلك تعين ~~تقديم الحد أول الكل، وهذا السبب أيضا في تقديم الباب الأول في الاصطلاحات؛ ~~فإن الاصطلاحات هي الألفاظ الموضوعة للحقائق، واللفظ هو المفيد للمعنى عند ~~التخاطب، والمفيد قبل المفاد، فاللفظ ومباحثه متقدمة طبعا، فوجب أن تتقدم ~~وضعا. # فإن الغزالي في مقدمة المستصفي (1) : أخلف الناس في حد الحد فقيل: حد ~~الشيء هو نفسه وذاته، وقيل: هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه يجمع ويمنع. ~~فقال ثالث. تصير حينئذ هذه المسألة مسألة خلاف، وليس الأمر كما قال هذا ~~الثالث؛ فإن القائلين الأولين لم يتواردا على محل واحد، بل الأول اسم الحد ~~PageV01P004 # عنده موضوع لمدلول لفظ الحد، والثاني: اسم الحد عنده موضوع للفظ نفسه، ~~ومتى كان المعنى مختلفا لم يتوارد فلا خلاف بينهما. . قال: والمختار عندي ~~أن الشيء له في الوجود أربع رتب - حقيقة في نفسه وثبوت مثاله في الذهن ~~ويعبر عنه بالعلم التصوري. الثالث: تأليف أصوات بحروف تدل عليه وهي العبارة ~~الدالة على المثال الذي في النفس. الرابع: تأليف رقوم تدرك بحاسبة البصر ~~دالة على اللفظ وهي الكتابة، والكتابة تبع اللفظ إذ تدل عليه، واللفظ تبع ~~للعلم، والعلم تبع للمعلوم. فهذه الأربعة متطابقة متوازية، إلا أن الأولين ~~وجوديان حقيقيان لا يختلفان في الأعصار والأمم، والآخرين وهما اللفظ ~~والكتابة يختلفان في الأعصار والأمم لأنهما موضوعان بالاختيار. والحد مأخوذ ~~من المنع، وإنما أستعبر لهذه المعاني لمشابهتها في معنى المنع. # قلت ومنه سمي السجان حدادا لأنه يمنع المعتقل من الخروج من السجن، وسميت ~~الحدود حدودا لأنها تمنع الجناة من العودة إلى الجنايات. # قال: فانظر أين تجد ms001 المشابهة في هذه الأربعة، فإذا ابتدأت بالحقيقة لم ~~تشك في أنها حاضرة للشيء بخصوصه، لأنه حقيقة كل شيء ليست لغيره وثابتة له ~~فهي جامعة مانعة، وإذا نظرت إلى الصورة الذهنية وجدتها أيضا كذلك والعبارة ~~أيضا كذلك لأنها مطابقة للعلم المطابق للحقيقة والمطابق للمطابق مطابق، ~~والكتابة مطابقة للفظ المطابق فهي مطابقة، فقد وجدنا المنع والجمع في الكل، ~~غير أن العادة لم تجر بإطلاق اسم الحد على الكتابة ولا على العلم، بل اللفظ ~~والحقيقة فقط؛ فاللفظ مشترك بينهما، وكل واحد منهما يسمى حدا، واللفظ ~~المشترك لا بد لكل مسمى من مسمياته من حد يخصه، فمن حد المعنى الأول قال ~~القول الشارح: ومن حد الثاني قال حقيقة الشيء ونفسه. قلت: قال غيره لكل ~~حقيقة أربع وجودات: وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في البيان ~~ووجود في البنان. يريد الأربعة المتقدمة. # مسألة: قال هل يجوز أن يكون للشيء الواحد حدان؟ قال أما اللفظي والرسمي ~~فلا ينضبط عددهما لإمكان تعدد اللفظ الدال على الشيء وجواز تعدد # PageV01P005 # لوازم الشيء، فمن كل لازم رسم، ومن كل لفظ يؤلف دلالة. قلت: ومعنى قولنا ~~في حد الحد: إنه شرح ما دل عليه اللفظ، نعني باللفظ لفظ السائل، فإنه إذا ~~قال: ما حقيقة الإنسان؟ فقلنا له هو الحيوان الناطق، فهو إن كان عالما ~~بالحيوان وبالناطق فهو عالم بالإنسان وإنما سمع لفظ الإنسان ولم يعلم مسماه ~~وعلم أن له مسمى غير معنى؟ # فبسطنا له نحن ذلك المسمى المجهول وقلنا له: هو الحيوان الناطق فصال ~~مفصلا ما كان عنده مجملا بالنظر إلى اللفظ لا بالنسبة إلى مسمى اللفظ في ~~نفسه، ولا بالنسبة إلى الحقيقة، وإن فرضناه جاهلا بحقيقة الإنسان فقد حددنا ~~له بما هو مجهول عنده، فوجب حينئذ أن يكون حدنا باطلا، لأن التحديد ~~بالمجهول لا يصح، لكنه صحيح فدل ذلك على أنه كان عالما بالحقيقة، فما أفاده ~~حينئذ أن يكون حدنا باطلا، لأن التحديد بالمجهول لا يصح، لكنه صحيح فدل ذلك ~~على أنه كان عالما بالحقيقة، فما أفاده حينئذ لفظنا ms002 إلا بيان نسبة اللفظ ~~إلى المعنى الذي يسأل عنه. . # فإن قلت: هل يتصور أن يكتسب بالحد حقيقة مجهولة فإن ما ذكرته يمنع من ~~ذلك؟ قلت: لا شك أن من لم يعرف الحبر قط إذا سأل عنه يمكننا أن نقول له: هل ~~تعرف الزاج # والعفص والسواد والماء؟ (1) فيقول: نعم، فنقول له: اعلم أنه عبارة عن ماء ~~العفص والزاج يجمع بينهما فيحدث حينئذ السواد، فهذا هو الحبر؛ فيئول الحال ~~إلى تعريف الهيئة الاجتماعية من هذه البسائط المعلومة له، أما تعرفه بما ~~يجهله فلا سبيل إليه، والهيئة الاجتماعية وقعت في نفسه بعد أن كانت مجهولة، ~~بخلاف المثال المتقدم في الإنسان، ومع هذا فلا تخرج من هذه الصورة عن الحد ~~المتقدم، وإنما شرحنا ما كان مجملا بألفاظ بسائط الزاج وغيره. # وهو غير المحدود إن أريد به اللفظ وعينه إن أريد به المعنى. # هذا هو إشارة على القولين المتقدمين اللذين حكاهما الغزالي، ولا شك أن ~~لفظ الحيوان والناطق الذي وقع في التحديد هو غير الإنسان، ومدلول هذا اللفظ ~~هو عين الإنسان. PageV01P006 # وشرطه أن يكون جامعا لجملة أفراد المحدود مانعا من دخول غيره معه. # الحد أربعة أقسام: جامع مانع، ولا جامع ولا مانع، وجامع غير مانع، ومانع ~~غير جامع. وأمثلها كلها بالإنسان. فقولنا الحيوان الناطق في حد الإنسان هو ~~الجامع المانع. وقولنا في حده: هو الحيوان الأبيض ما جمع، لخروج الحبشة ~~وغيرهم من السودان، وغير مانع لدخول الإبل والغنم والخيل والطير البيض. # وقولنا في حده: هو الحيوان جامع غير مانع، فجمع جميع أفراد الإنسان لم ~~يبق إنسان حتى دخل في لفظ الحيوان، وما منع الدخول الفرس وغيره في حده. ~~وقولنا في حده هو الحيوان، الرجل ما منع لأنه لا يتناول هذا اللفظ إلا ~~الإنسان، وغير جامع لخروج النساء والصبيان وغيرهم منه، فهذه الأربعة ليس ~~فيها صحيح غلا الأول وهو الجامع المانع، والثلاثة الأخر باطلة لعدم الجمع ~~أو عدم المنع أو عدمهما، والحد إنما أريد للبيان، وليس بيان الحقيقة بأن ~~يترك بعضها لم يتناوله الحد، فيعتقد السائل ms003 أنه ليس منها أو يدخل معها ~~غيرها فيعتقد أنه منها فيقع في الجهل، وإنما قصد الخروج منه بسؤالنا، وهذا ~~الشرط يشمل الحدود والرسوم وتبديل اللفظ باللفظ على ما سيأتي. وقولنا جامع ~~هو معنى قولنا مطرد، وقولنا مانع هو معنى قولنا منعكس، فالجامع المانع هو: ~~المطرد المنعكس. # قاعدة: أربعة لا يقام عليها برهان، ولا يطلب عليها دليل ولا يقال فيها ~~لم؟ فإن ذلك كله نمط واحد، وهي: الحدود والعوائد والإجماع والاعتقادات ~~الكائنة في النفوس، فلا يطلب دليل على كونها في النفوس، فلا يطلب دليل على ~~كونها في النفوس بل على صحة وقوعها في نفس الأمر. # فإن قلت: فإذا لم يطالب على صحة الحد بالدليل ونحن قد نعتقد بطلانه، فكيف ~~الحيلة في ذلك؟. # قلت: الطريق في ذلك أمران. أحدهما: النقص كما لو قال: الإنسان عبارة عن ~~الحيوان، فيقال له: ينتقض عليك بالفرس فإنه حيوان مع أنه ليس بإنسان. ~~وثانيهما: المعارضة كما لو قال: الغاصب من الغاصب يضمن لأنه غاصب، أو ولد # PageV01P007 # المغصوب مضمون لأنه مغصوب؛ لأن الغاصب هو من وضع يده بغير حق، وهذا وضع ~~يده بغير حق فيكون غاصبا، فنقول: تعارض هذا الحد بحد آخر وهو أن الغاصب هو ~~رافع اليد المحقة وواضع اليد المبطلة وهذا لم يرفع يدا محقة فلا يكون ~~غاصبا. # ويحترز فيه من التحديد بالمساوى والأخفى وما لا يعرف إلا بعد معرفة ~~المحدود والإجمال في اللفظ. # المراد بالمساوى أي في الجهالة كما لو سئلنا عن العرفج فنقول هو العرفجين ~~وهما متساويان عند السامع في الجهالة، والأخفى نحو ما البقلة الحمقاء فيقال ~~هي العرفج؛ فإن البقلة الحمقاء هي أشهر عند السامع من العرفج والعرفجين. ~~والجميع هي البقلة المسماة بالرجلة التي جرت عادة الأطباء يصفون بزرها ~~لتسكين العطش، ونظير هذه التعريفات في الحدود: التزكية عند الحاكم، فإذا ~~طلب تزكية من لا يعرفه البتة فزكاه رجل آخر لا يعرفه البتة لا يحصل ~~المقصود. أو أتاه من يزكي وهو لا يعرفه البتة ولا رآه أصلا، والأول رآه ~~الحاكم، فإذا طلب تزكية من ms004 لا يعرفه البتة فزكاه رجل آخر لا يعرفه البتة لا ~~يحصل المقصود. أو أتاه من يزكى وهو لا يعرفه البتة ولا رآه أصلا، والأول ~~رآه الحاكم يصلي في المسجد، فهذا الثاني أخفى من الأول، وفي المثال الأول ~~مساو، فكذلك في الحدود لا يحصل المقصود بالتعريف، كما لم يحصل المقصود بتلك ~~التزكية. # وأما ما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود فهو قسمان، تارة لا يعرف إلا بعد ~~معرفته بمرتبة وتارة بمراتب. مثال الأول: قولنا في حد العلم هو معرفة ~~المعلوم على ما هو به، مع أن المعلوم مشتق من العلم، والمشتق لا يعرف إلا ~~بعد معرفة المشتق منه، فلا يعرف المعلوم إلا بعد معرفة العلم، والعلم لا ~~يعرف إلا بعد معرفة المعلوم لوقوعه في حد العلم فيلزم الدور، وكذلك قولنا: ~~الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، فالمأمور والمأمور ~~به مشتقان من الأمر، فتعريف الأمر بهما دور كما تقدم، وكذلك الطاعة تعرف ~~بأنها موافقة الأمر، فلا تعرف إلا بعد معرفة الأمر، فتعريف الأمر بها دور. # القسم الثاني: وهو ما لا يعرف المحدود إلا بعد معرفته بمراتب نحو قولنا # PageV01P008 # ما الزوج؟ فيقول الاثنان، فيقال ما الاثنان؟ فيقول المنقسم بمتساويين، ~~فيقال ما المنقسم بمتساويين؟ فيقال الزوج، وقد عرفنا الزوج بما لا يعرف إلا ~~بعد معرفته بمراتب، فهو أشد فسادا من القسم الأول. # وكان الخسروشاهي يجيب عن القسم الأول في تلك الحدود فيقول: هي صحيحة لأن ~~الحد هو شرح ما دل اللفظ الأول عليه بطريق الإجمال فجاز أن يكون السائل ~~يعرف معنى المعلوم ولا يعرف لفظ العلم لأي شيء وضع، فيسأل عن مسمى العلم ما ~~هو. # فإذا قيل له هو معرفة المعلوم على ما هو به وهو يعلم مدلول هذه الألفاظ ~~ويجهل مدلول لفظ العلم حصل مقصوده من غير دور، وكذلك القول في المأمور ~~والمأمور به، وأما الإجمال في اللفظ فهو أن يقال ما العسجد؟ فيقال العين، ~~مع أن العين لفظ مشترك بين الذهب وعين الماء وعين الشمس والحدقة وعين ~~الميزان وغيرها، ms005 وكل مشترك مجمل فلا يحصل مقصود السائل من البيان، بل ينبغي ~~أن يقول: هو الذهب. # وقال جماعة ممن تكلم عن الحد لا يجوز أن يدخل في لفظ الحد: المجاز، وقال ~~الغزالي في مقدمة المستصفي «يجوز دخول المجاز إذا كان معروفا بالقرائن ~~الحالية أو المقالية لحصول البيان حينئذ فلا يختل المقصود، وإنما المحظور ~~فوات المقصود من البيان» (1) . # وكذلك أقول أنا أيضا في اللفظ المشترك أنه يجوز وقوعه في الحدود إذا كانت ~~القرائن تدل على المراد به، فإنا إذا قلنا: العدد إما زوج أو فرد، فإنا لا ~~نفهم من هذا الكلام إلا التنويع مع أن لفظة (أو) مشتركة بين خمسة أشياء؛ ~~التخيير والإباحة والشك والإبهام والتنويع (2) ، وكذلك إذا قلنا العالم إما ~~جماد PageV01P009 # أو نبات أو حيوان لم يفهم أحد إلا التنويع لقرينة هذا السياق، فإذا وقع ~~مثل هذه السياقات في الحدود لا يخل بالبيان فيجوز. # واتفقوا على أن النكايات لا تجوز في الحدود لأنها أمر باطن لا يطلع ~~السائل عليه فلا # يحصل له البيان فيقع الخلل جزما، فلا يجوز أن يريد معنى لا يدل عليه لفظه ~~ولا يعذر بذلك، بل لا بد من التصريح. # قال الغزالي: الخلل يقع في الحدود من ثلاثة أوجه، تارة من جهة الجنس ~~وتارة من جهة الفصل وتارة من أمر مشترك بينهما؛ أما من جهة الجنس فبأن يؤخذ ~~الفصل بدله كما يقال في العشق: إنه إفراط المحبة، بل ينبغي أن يقال إنه ~~المحبة المفرطة، فالإفراط هو الفصل ينبغي أن يؤخر، أو يؤخذ المحل بدل ~~الجنس، كقولنا: الكرسي خشب يجلس عليه، أو السيف حديد يقطع بها، بل يقال آلة ~~آلة صناعية من حديد مستطيلة عرضها كذا يقطع بها كذا؛ فالآلة جنس والحديد ~~محل الصولة لا جنس، وأبعد من ذلك أن يؤخذ بدل الجنس ما كان في الماضي وعدم ~~الآن؛ كقولنا في الرماد إنه خشب محترق والولد نطفة مستحيلة، أو يؤخذ الجزء ~~بدل الجنس نحو العشرة خمسة وخمسة، أو توضع القدرة موضع المقدور نحو: العفيف ~~هو الذي يقوى على اجتناب ms006 اللذات الشهوانية بل هو الذي تركها، لأن الفاسق ~~يقوى على الترك، أو توضع اللوازم التي ليست ذاتية بدل الجنس كالواحد ~~والموجود إذا أخذته في حد الشمس أو الأرض، أو يوضع النوع مكان الجنس كقولنا ~~الشر ظلم الناس، والظلم نوع من الشر. # وأما من جهة الفصل فبأن نأخذ اللوازم والعرضيات بدل الذاتيات وأن لا نورد ~~جميع الفصول. # قلت: كقولنا في حد الحيوان: إنه الجسم الحساس ونترك المتحرك بالإرادة وهو ~~من جملة الفصول التي ميزت الحيوان عن النبات. # قال: وأما الأمور المشتركة فذكر ما هو أخفى كقولنا الحادث ما تعلقت به # PageV01P010 # القدرة القديمة أو مساو في الخفاء نحو العلم ما يعلم به، أو يعرف الضد ~~بالضد نحو العلم ما ليس بظن ولا جهل حتى يحصر الأضداد، وحد الزوج ما ليس ~~بقرد فلا يحصل به بيان؛ لأنه يدور، أو يؤخذ المضاف في حد المضاف إليه وهما ~~متكافئان في الإضافة نحو الأب من له ابن لاستوائهما في الجهل، أو يؤخذ ~~المعلول في حد العلة مع أنه لا يوجد المعلول إلا بها، كقولنا: الشمس كوكب ~~يطلع نهارا، والنهار زمان تطلع فيه الشمس إلى غروبها. # والمعرفات خمسة؛ الحد التام، والحد الناقص، الرسم التام، والرسم الناقص، ~~وتبديل لفظ بلفظ مرادف له هو أشهر منه عند السامع، فالأول التعريف بجملة ~~الأجزاء نحو قولنا الإنسان هو الحيوان الناطق، والثاني التعريف بالفصل وحده ~~وهو الناطق، والثالث التعريف بالجنس والخاصة كقولنا الحيوان الضاحك، ~~والرابع بالخاصة وحدها # نحو قولنا هو الضاحك، والخامس نحو قولنا ما البر فتقول القمح. # تقدم أن الحد أصله في اللغة المنع ثم يقصد به في الاصطلاح بيان الحقائق ~~التصورية، فإذا قيل لك عرف حقيقة وحدها معناه بينها. ولما كنت إذا قيل لك ~~ما حدود دار زيد أو حددها لنا فإنك تذكر جميع جهاتها وحدودها الأربعة إلى ~~حيث تنتهي من الجهات الأربع، فلو اقتصرت على بعضها لم تكن مكملا للمقصود؛ ~~فلذلك سموا ذكر الأجزاء كلها حدا تاما لاشتماله على جميع الأجزاء كاشتمال ~~تحديد الدار على جميع الجهات، والاقتصار على ms007 بعضها حدا ناقصا، فإن عدلنا عن ~~جميع الأجزاء إلى اللوازم والخارجة عن الحقيقة سموه بالرسم؛ أي هو علامة ~~على الحقيقة وإن لم يكشف عنها حق الكشف، كما إذا قلت دار زيد قبالة دار ~~الأمير فإن هذا علامة على دار زيد، وإن كنا لا نعلم بذلك ما يحيط بدار زيد ~~ولا مقادير تناهيها. # وإن اجتمع الجنس والخاصة فهو تام لاشتماله على القسمين، وإن اقتصرت على ~~الخاصة وحدها سموه ناقصا؛ كاقتصارك على الفصل وحده يسمى حدا ناقصا، فهما ~~متشابهان في ذلك. # PageV01P011 # واختلفت عبارة أهل هذا الشأن في الرسم التام فقيل الجنس والخاصة، وعلى ~~هذا الاصطلاح لا يكون للفصل والخاصة اسم جامع مانع محصل للمقصود أكثر من ~~الجنس لذكرك الميز، والخاصة وهي الفصل، وقيل الرسم التام: ما اجتمع فيه ~~الداخل والخارج كيف كان، وعلى هذا يصدق الرسم التام عليهما، والأول عليه ~~الأكثرون. وأما الخامس فاشترطت فيه المرادفة احترازا من الرسم الناقص. ~~والحد الناقص؛ فإنه تبديل لفظ بلفظ وله اسم يخصه ليس من هذا القبيل. # وقولي هو أشهر منه عند السامع لأن الشهرة قد تنعكس فيقول الشامي للمصري ~~ما الفول فيقول له الباقلي لأنه اللفظ الذي يعرفه الشامي. ويقل المصري ~~لشامي ما الباقلي فيقول له الفول لأنه اللفظ المشهور عند المصري. أما لو ~~كان متساويا في الجهالة أو أخفى مل يصح البيان به، فلذلك اشترطت الشهرة ~~وقيل المرادفة احترازا عن الحدود والرسوم؛ فإن مسمى كل لفظ منها غير ~~المحدود فلا ترادف، بخلاف هذا القسم (1) . # فوائد # الفائدة الأولى: أن المراد بالضاحك والكاتب ونحو ذلك من خصائص الإنسان # الضاحك بالقوة دون الفعل؛ فإن الضحك بالقوة هو الموجود في جميع أفراد ~~الإنسان فيكون جامعا مانعا. أما الضحك بالفعل فقد يعرى عنه كثير من أفراد ~~الإنسان ويكون معبسا، فلا يكون الحد جامعا، بل المراد القوة التي هي ~~القابلية دون الفعل الذي هو الوجود والوقوع، وقس عليه غيره. # الفائدة الثانية: بأي ضابط يعرف الجزء الداخل من اللازم الخارج حتى يمتاز ~~الحد عن الرسم؟ وهذا مقام قد أشكل على جمع ms008 كثير من الفضلاء فمنهم من يقول ~~الناطق والضاحك سيان لأنهما صفتان للإنسان فلم قلتم أحدهما فصل والآخر ~~خاصة؟! ومنهم من يقول نحن نعلم بالعقل الماهية المركبة وأجزاءها وما عدا ~~ذلك فهو خارج عنهما وهذا معلوم بالعقل ضرورة. # وليس الأمر كما قال الفريقان. بل الحق أن هذه الأمور لا تعلم بالعقل فإن ~~PageV01P012 # العقل إنما يجد في العالم جواهر وأعراضا وصفات وموصوفات وقابليات ~~ومقبولات، وكلها بالقياس إلى الأجسام خارجة عنها، وباعتبار مجموعها - أعني ~~الصفات والموصوفات - تكون داخلة فيها، وليس في العقل إلا هذان القسمان، ولا ~~يوجد داخل وخارج البتة. # وإنما يتعين الداخل من الخارج بأحد طريقين: أحدهما أن يعلم عن واضع اللفظ ~~أنه وضع لأمرين فيعلم أن كل واحد منهما داخل في المسمى، وأن ما عداهما خارج ~~عنهما، كما فهم عن العرب أنهم وضعوا الإنسان للحيوان الناطق فقط، فلذلك كان ~~الناطق داخلا والضاحك خارجا، فلو فهم عنهم أنهم وضعوا الللفظ للحيوان ~~والضاحك داخلا فصلا، أو وضعوا الثلاثة كان كل واحد مهما داخلا وعلى هذا ~~القانون. # الطريق الثاني: أن يخترع العقل ويفرض حقيقة مركبة من شيئين فيكون ما ~~عداهما خارجا عنهما أما إذا لم يوجد فرض عقلي ولا وضع لغوي استد باب معرفة ~~الداخل والخارج فتأمل ذلك؛ فأكثر الناس ينكره ويقول نحن نعلم أجزاء الحقيقة ~~والمركبات وأجزاءها في بعض المواضع بالضرورة فرض وضع أم لا: وقد دخل الغلط ~~عليه من جهة أن تلك المركبات إنما حصلت في ذهنه على تلك الصورة من جهة ~~مسميات الألفاظ، وتقرر في ذهنه من كل لفظ مسمى فيه أجزءا داخلة وما عداها ~~خارج عنها، ولما استكشف ذلك اعتقد أنه بالعقل وإنما جاءه من جهة الوضع، ~~فإذا قيل له ما مسمى السكنجبين نقول له جزءان الخل والسكر وما نفعه للصفراء ~~أو غير ذلك فأمور خارجة، وذلك إنما جاءه من جهة وضع لفظ السكنجبين لهذين ~~الجزأين على الصفة المخصوصة فلو فرضناه موضوعا لأربعين عقارا # كان كل واحد منهما داخلا في المسمى، أو وضع السكر وحده لم يكن الخل ~~داخلا، فهذا ms009 تحرير الداخل والخارج. # الفائدة الثالثة: أن الناطق معناه عندهم المحصول للعلوم بقوة الفكر فهو ~~يرجع إلى قبول تحصيل العلوم بالفكر وهذه القابلية مثل قابلية الضحك في أنها ~~قابلية # PageV01P013 # ولا مميز إلا الوضع كما تقدم وليس مرادهم بالناطق اللساني؛ لأن الأخرس ~~والساكت عندهم إنسان، وعلى هذا يبطل الحد بالجن والملائكة لأنهم أجسام حية ~~لها قوة تحصل العلم بالفكر، فيكون الحد غير مانع، وبعضهم تخيل هذا السؤال ~~فقال: الحيوان المائت، والنقض يرد كما هو؛ لأن الفريقين يموتان كالإنسان. # الفائدة الرابعة: يشترط في هذه الخاصة الخارجة إذا اقتصر عليها في ~~التعريف أن تكون لازما مساويا للحدود، فإنها إن كانت أعم كان الحد غير مانع ~~أو أخص كان غير جامع، وأن تكون معلومة للسامع لأن التعريف بالمجهول لا يصح. # الفائدة الخامسة: يجوز أن تكون هذه الخاصة مفردة كقوة الضحك ومركبة ~~كقولنا في الصقالبي إنه الضاحك الأبيض؛ فبالضاحك امتاز عن جميع الحيوانات ~~البهيمية وبالأبيض امتاز عن السودان. # الفائدة السادسة: قال الإمام فخر الدين القول بالتعريف محال لأنه إما أن ~~يعرف بنفس الشيء وهو محال لوجوب تقديم العلم بالمعرف على العلم بالمعرف، ~~فيلزم تقديم الشيء على نفسه أو بالداخل وهو محال؛ لأنه إن عرف جميع الأجزاء ~~فقد عرف نفسه، وهو محال لما تقدم، أو ما عداه فيئول الحال إلى التعريف ~~بالخارج وسنبطله بأن ذلك الخارج لا يوجب التعريف، حتى يعلم أنه مساو ليس في ~~غيره، وكونه ليس في غيره متوقف على معرفته هو فيلزم الدور، ولأنه كونه ليس ~~في غيره يتوقف على تصور جميع الأغيار على سبيل التفصيل وذلك محال لاستحالة ~~تصور ما لا يتناهى على التفصيل. # ولهذه النكتة قال إنه لا شيء من التصورات بمكتسب. والجواب عنده أنه قد ~~تقدم أن الحد هو شرح ما دل عليه اللفظ، فعل هذا التفسير المعرف نسبة اللفظ ~~المسمى وهو أمر خارج عنه سواء وقع التعريف بالأجزاء أو بالخواص، أو يقع ~~التعريف بهيئة صورية كما تقدم التمثيل بالحبر (1) ؛ كذلك تقول الملك جسم ~~لطيف PageV01P014 # شفاف مخلوق من نور معصوم عن ms010 الرذائل مطبوع على الطهارة والطاعة؛ فيحصل في ~~ذهن السامع هيئة صورية هي المعرفة، ولا # أجد الحدود والرسوم وتبديل اللفظ يفيد غير هذين القسمين، وكلاهما تعريف ~~بالخارج، فلنقتصر بالبحث عليه والجواب عنه. # فنقول: إن الوصف الخارجي قد نعلم أنه من خصائص حقيقة بعينها دون غيرها ~~بالضرورة من غير ما ذكره من استقراء ما لا يتناهى، كما نعلم أن الزوج ~~والفرد من خصائص العدد لا يوجدان في غيره البتة، وكذلك الكشف من خصائص ~~العلم لا يوجد في غيره بالضرورة، ومن خصائص الحياة تصحيح محلها لأنواع ~~الإدراك وأن ذلك لا يوجد في غيرها، ومن خصائص الإرادة ترجيح أحد طرفي ~~الممكن على الآخر من غير احتياج إلى مرجح آخر ولا يوجد ذلك في غيرها، وهو ~~كثير. فبمثل هذا يقع التعريف بأن يكون معلوما، وما وضع لفظ المحدد له غير ~~معلوم، فلا دور ولا استقراء غير متناه، فاندفع السؤال وأمكن اكتساب ~~التصورات. ### | الفصل الثاني في تفسير أصول الفقه # فاصل الشيء ما منه الشيء لغة ورجحانه أو دليله اصطلاحا فمن الأول أصل ~~السنبلة البرة. ومن الثاني الأصل براءة الذمة، والأصل عدم المجاز والأصل ~~بقاء ما كان على ما كان. ومن الثالث أصول الفقه أي أدلته. # ورد على التفسير اللغوي أن لفظة (من) لفظ مشترك وكذلك لفظ (ما) أيضا، ~~والمشترك لا يقع في الحدود لإجماله، وأيضا فإن معاني (من) كلها لا تصح هنا؛ ~~لأن النخلة ليست بعض النواة إذ النخلة أضعافها، ولا ابتداء الغاية ولا ~~انتهاءها لأن من شأن المغيا أن يتكرر قبل الغاية والنخلة لم تتكرر، ويلزم ~~أن كل ما فهي ابتداء غاية أن يكون أصلا، فقولنا سرت من النيل إلى مكة أن ~~يكون النيل أصل السير لغة وليس كذلك. ولا بيان الجنس، فإن النخلة ليست أعم ~~من النواة حتى تتبين بالنواة فهذه ثلاثة أسئلة. # PageV01P015 # الجواب أنه قد تقدم أن الاشتراك والمجاز يصح دخولهما في الحدود إذا كان ~~السياق مرشدا للمراد، والمراد (بما) هنا الموصولة، وبمن مجاز ابتداء الغاية ~~وهو شبهة به من حيث النشأة من ms011 النواة وابتداؤها كما يبتدأ السير: أو تقول ~~المراد مجاز التبعيض لا حقيقته، فإن النخلة بعضها من النواة لا كلها ~~فجعلناها كلها جزءا من النواة توسعا من باب إطلاق لفظ الجزء على الكل (1) ، ~~وكذلك قولنا أصل الإنسان نطفة وأصل السنبلة برة، # ولهذه الأسئلة اختار سيف الدين قوله: «أصل الشيء ما يستند وجوده إليه من ~~غير تأثير، احترازا من استناد الممكن للصانع المؤثر» ، فذكرت في هذا الكتاب ~~في الأصل ثلاثة معان: منها واحد لغوي واثنان اصطلاحيان وبقي واحد لم أذكره ~~هنا وذكرته في شرح المحصول وهو ما يقاس عليه، فإن من جملة ما يسمى أصلا في ~~الاصطلاح الأصل الذي يقاس عليه: كالحنطة يقاس عليها الأرز في تحريم الربا، ~~فيصير الأصل أربعة معان. # والفقه هو الفهم والعلم والشعر والطب لغة، وإنما اختصت بعض هذه الألفاظ ~~ببعض العلوم بسبب العرف. # كذلك نقله المازري في شرح البرهان، وتقول العرب رجل طب إذا كان عالما. ~~وقال الشاعر: # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب # أي عارف، وشعر بكذا إذا فهمه ومنه قوله تعالى: «وهم لا يشعرون» (2) ، أي ~~لا يفهمون، ثم بعد ذلك اختص الطب بمعرفة مزاج الإنسان، والشعر بمعرفة ~~الأوزان، والفقه بمعرفة الأحكام. # وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: «الفقه في اللغة إدراك الأشياء الخفية ~~فلذلك PageV01P016 # نقول فقهت كلامك ولا تقول فقهت السماء والأرض» وعلى هذا النقل لا يكون ~~لفظ الفقه مرادفا لهذه الألفاظ وعلى نقل المازري يكون مرادفا، والثاني هو ~~الذي يظهر لي، ولذلك خصص الفقهاء اسم الفقه بالعلوم النظرية، وأخرجت شعائر ~~الإسلام من لفظ الفقه وحده. # والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال. # فقولنا بالأحكام احترازا من الذوات كالأجسام والصفات نحو الأعراض والعاني ~~كلها، وقولي الشرعية احترازا عن العقلية والحسية كأحكام الحساب نحو ثلاثة ~~في ثلاثة بتسعة، وغير الحساب كالهندسة والموسيقى وغيرهما. # وقول: العملية احترازا عن الأحكام الشرعية العلمية كالأحكام في أصول ~~الفقه وأصولا لدين فإنها شرعية؛ لأن الله تعالى أوجب علينا تعلم أصول الفقه ~~لنبني عليها الفقه، وتعلم ما يجب الله ms012 تعالى وما يستحيل عليه، وما يجوز ~~وغير ذلك من أصول الدين. # وقولي بالاستدلال احترازا عن المقلد، وعن شعائر الإسلام كوجوب الصلاة ~~والصيام # والزكاة وغير ذلك مما هو معلوم بالضرورة من غير استدلال، فالعلم بها لا ~~يسمى فقها اصطلاحا لحصوله للعوالم والنساء والبله. # ويرد عليه أسئلة. # أحدها: أن أكثر الفقه ظن لا علم فإنه مستنبط من الأقيسة وأخبار الآحاد ~~والعمومات، فيخرج أكثر الفقه من حد الفقه. # وثانيها: أن العملية إن أريد بها عمل الجوارح فقط خرج عنها الأحكام ~~المتعلقة بالقلوب مما هو فقه في الاصطلاح: كوجوب النيات والإخلاص وتحريم ~~الربا وغير ذلك، وإن أريد العملية كيف كانت دخلت أعمال القلوب فيندرج علم ~~الأصول. # PageV01P017 # وثالثها: أن الحاصل للمقلد إن لم يكن علما فقد خرج بقولنا أول الحد العلم ~~بالأحكام، وإن كان علما فهو بالاستدلال؛ لأن الفتاوى ليست بديهة غنية عن ~~النظر فتكون استدلالية فلا يخرج بقيد الاستدلال. # ورابعها: أن لام التعريف في الأحكام إن أريد بها الاستغراق لزم أن لا ~~يكون فقيها حتى يعلم جميع الأحكام، أو للعهد فلا معهود بيننا، لأنه لو خرج ~~مجتهد وظهرت له تصانيف وأتباع سمي مذهبه فقها وأتباعه فقهاء؛ وليس ذلك من ~~المعهود. # والجواب عن الأول: أن كل حكم شرعي معلوم؛ لأن كل حكم شرعي ثابت بالإجماع، ~~وكل ما ثبت بالإجماع فهو معلوم، فكل حكم شرعي معلوم، # PageV01P018 # وإنما قلنا إن كل حكم شرعي ثابت بالإجماع لأن الأحكام على قسمين منها ما ~~هو متفق عليه فهو ثابت بالإجماع ومنها ما هو مختلف فيه، فقد انعقد الإجماع ~~على أن كل مجتهد إذا غلب على ظنه حكم شرعي فهو حكم الله في حقه وحق من قلده ~~إذا حصل له سببه، فقد صارت الأحكام في مواقع الخلاف ثابتة بالإجماع عند ~~الظنون؛ فكل حكم شرعي ثابت بالإجماع. # وقولنا فهو حكم الله في حقه خير من قول من يقول: فقد وجب عليه العمل ~~بمقتضى ظنه، لأن الاجتهاد قد يقع في المباح فلا يجب العمل به، وكذلك في ~~المحرم والمكروه والمندوب، وإذا قلنا فهو ms013 حكم الله في حقه اندرج الجميع. ~~وقولنا إذا حصل له سببه، احترازا من اجتهاده في الزكاة ولا مال له، أو ~~الجنايات ولا جناية عليه ولا منه، أو في الحيض أو العدد وليس هو امرأة حتى ~~يثبت ذلك في حقه، لكنه في الجميع بحيث لو فرض حصول سبب ذلك في حقه كان حكم ~~الله ذلك عليه وفي حقه. وأما إن كل ما هو ثابت بالإجماع فهو معلوم فبناء ~~على أن الإجماع معصوم على ما # تقرر في موضعه، ولأن كل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين، وكل ما ثبت ~~بمقدمتين قطعيتين فهو معلوم/ فكل حكم شرعي معلوم. # وإنما قلنا إن كل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين لأنا نفرض الكلام في ~~حكم ونقرر فيه تقريرا ونجزم باطراده في جميع الأحكام. فنقول: وجوب التدليك ~~في الطهارة مظنون لمالك قطعا عملا بالوجدان وكل ما ظنه مالك فهو حكم الله ~~قطعا عملا بالإجماع؛ فوجوب التدليك حكم الله قطعا. وهذا التقرير يطرد في ~~جميع صور الخلاف فتكون كلها ثابتة بمقدمتين قطعيتين، وأما إن كال ما ثبت ~~بمقدمتين قطعيتين فهو معلوم فلأن النتيجة تابعة للمقدمات، فثبت بهاتين ~~الطريقتين أن كل حكم شرعي معلوم. # وعن الثاني: أنا نلتزم صحة السؤال ونقول: الحق ما ذكره سيف الدين الآمدي ~~وهو العلم بالأحكام الشرعية الفروعية الخ، ولا نقول العملية؛ فإن الفروعية ~~تشمل ما يتعلق به الفقه. . كان في الجوارح أو القلب. # وعن الثالث: أن بعض المقلدين المطلع على انعقاد الإجماع في وجوب اتباع ~~المقلد للمفتى هو المقصود هنا بالخروج، والعلم حاصل له بمقدمتين قطعيتين، ~~إحداهما هذا أفتاني به المفتي عملا بالسماع، وكل ما أفتاني به المفتي فهو ~~حكم الله عملا بالإجماع، فهذا حكم الله. وهذا الاستدلال يطرد له في جميع ~~موارد التقليد فيكون العلم حاصلا له، غير أن هذا الدليل عام في جميع صور ~~التقليد، وأدله الفقه خاصة بأنواعه؛ فدليل الزكاة غير دليل الصيام فلا فرق ~~بينهما إلا باختصاص الأدلة بالأنواع، وأما في أعيان المسائل فاشترك ~~الفريقان في عدم الدليل عليها؛ فينبغي أن ms014 يزاد في الحد: بأدلة مختصة ~~بالأنواع. # وعن الرابع أن اللام للعهد، وتقريره أن الخاصة والعامة مجمعون على سلب ~~الفقه عن جماعة في العالم وإثبات الفقه لجماعة في العالم، فلولا تصور ما ~~لأجله يسلبون ويثبتون وإلا لتعذر منهم ذلك. فتلك الصورة الذهنية هي المشار ~~إليها بلام العهد وهي جملة غالبة معلومة عندهم، ولا تختص بكتاب ولا مذهب ~~معين. # PageV01P019 # ويقال فقه بكسر القاف إذا فهم وبفتحها إذا سبق غيرها للفهم وبضمها إذا ~~صار الفقه له سجية (1) . # كذلك نقله ابن عطية في تفسيره، وقاعدة العرب أن اسم الفاعل من فعل وفعل ~~هو فاعل نحو ضرب فهو ضارب وسمع فهو سامع، ومن فعل فعيل نحو ظرف فهو ظريف ~~وشرف فهو شريف، فلذلك كان فقيه من فقه بالضم دون الآخرين. ### | الفصل الثالث في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل # فإنها تلتبس على كثير من الناس، فالوضع يقال بالاشتراك على جعل اللفظ ~~دليلا على المعنى كسمية الولد زيدا وهذا هو الوضع اللغوي، وعلى غلبة ~~استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره وهذا هو وضع المنقولات ~~الثلاثة الشرعي نحو الصلاة والعرفي العام نحو الدابة والعرفي الخاص نحو ~~الجوهر والعرض عند المتكلمين. والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة مسماه بالحكيم ~~وهو الحقيقة، أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو المجاز. والحمل اتقاد السامع ~~مراد المتكلم من لفظه أو ما اشتمل على مراده PageV01P020 # فالمراد كاعتقاد المالكي أن الله تارك وتعالى أراد بلفظ القرء الطهر ~~والحنفي أن الله تعالى أراد الحيض (1) ، والمشتمل نحو حمل الشافعي رضي الله ~~عنه اللفظ المشترك على جملة معانيه عند تجرده عن القرآن لاشتماله على مراد ~~المتكلمين احتياطا. # أريد بصيرورة شهرته على غيره أن يصير هو المتبادر إلى الذهن ولا يحمل على ~~غيره غلا بقرينة كحال الحقيقة اللغوية مع المجاز، ولذلك أن المنقولات حقائق ~~عرفية وشرعية ولكنها مجازات لغوية؛ فالدابة منقولة عن مطلق ما دب، إلى ~~الحمار مخصوصة بمصر، # وإلى الفرس مخصوصة بالعراق، فلا يفهم غير هذين إلا بقرينة صارفة عنهما، ~~وتسمية العرف خاصا لاختصاصه بعض الفرق ms015 كالمتكلمين، أو النحاة في الفعل ~~والفاعل، ولفظ الدابة يشملهم مع العوام، ولا يشترط عمومه في الأقاليم ولا ~~في إقليم كامل؛ فربما خالف صعيد إقليم مصر شمالها، غير أنه في كل بقعة يشمل ~~أهل تلك البقعة كلهم، فمن قال رأيت أسدا وأراد مسماه الذي هو الحيوان ~~المفترس فهو حقيقة، أو رجلا شجاعا فهو مجاز، وكلاهما استعمال، والعلاقة لا ~~بد منها في حد المجاز، لأنها لو فقدت كان نقلا لا مجازا كتسمية الولد ~~جعفرا، ولا علاقة بين الولد والنهر الصغير؛ فإنه الذي يسمى جعفرا لغة. ~~PageV01P021 # وأما حمل الشافعي المشترك على جميع معانيه عند التجرد فهي مسألة اختلفوا ~~فيها؛ فالجمهور خالفوه وقالوا كما يحصل الاحتياط إذا قال له انظر للعين ~~فنظر لجميع العيون فيحصل المراد قطعا ويضيع الاحتياط (1) من جهة أخرى فإنه ~~قد ينظر إلى عين امرأته أو ذهب (2) وذلك يسوؤه فيقع في المخالفة؛ فالصواب ~~التثبت حتى يرد البيان، والمأمور معذور عند عدم البيان وغير معذور إذا هجم ~~بغير علم ولا ظن عند حصول الإجمال. # فاعتقاد الشافعي إن قلنا به هو مشتمل على المراد لا أنه المراد؛ فإن ~~فرعنا على عدم صحته أسقطناه من الحد. # ويتلخص من هذا الفصل أن الوضع سابق والحمل لاحق والاستعمال متوسط، وهذا ~~فرق جلي بينها وبقي من الوضع قسم ثالث لم أذكره وهو ما يذكره جماعة من ~~العلماء في قولهم هل من شرط المجاز الوضع أم ليس من شرطه؟ قولان، ويريدون ~~بالوضع هنا مطلق الاستعمال ولو مرة يسمع من العرب استعمال ذلك النوع من ~~المجاز فيحصل الشرط؛ فصار الوضع جعل اللفظ دليلا على المعنى أو غلبة ~~الاستعمال، وأصل الاستعمال من غير غلبة في المواطن المذكورة خاصة فحصل ~~الفرق بين الجميع. PageV01P022 ### | الفصل الرابع في الدلالة وأقسامها # فدلالة اللفظ فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى أو جزأه أو لازمه. # ذكر ابن سينا فيها مذهبين: أحدهما هذا. والآخر أنها كون اللفظ بحيث إذا ~~أطلق دل. # حجة الأول: أنه إذا دار اللفظ بين المتخاطبين فإن فهم منه شيء قيل دل ~~عليه، ms016 وإن لم يفهم منه شيء قيل لم يدل عليه؛ فدار إطلاق لفظ الدلالة مع ~~وجود (1) الفهم وجودا وعدما؛ فدل على أنه مسماه، كما دار لفظ الإنسان مع ~~الحيوان الناطق وجميع المسميات مع أسمائها. # حجة الفريق الآخر: أن الدلالة صفة اللفظ لأنا نقول لفظ دال، والفهم صفة ~~للسامع فأين أحدهما من الآخر؟! أجاب الأولون بأن الدلالة كالصياغة والنجارة ~~والخياطة يجمعها وزن فعالة بكسر الفاء؛ فكما تقول للشخص إنه صائغ وتاجر ~~وخائط، مع أن الصياغة في المصوغ والنجارة في الخشبة والخياطة في الثوب. ~~فكذلك هنا اللفظ دال والدلالة في السامع؛ ولأن ما ذكرتموه تسمية للشيء ~~باعتبار ما هو قابل له، وما ذكرناه تسمية باعتبار ما هو واقع بالفعل، فيكون ~~ما ذكرناه حقيقة وما ذكرتموه مجازا، والحقيقة أولى. والذي أختاره أن دلالة ~~اللفظ إفهام السامع لا فهم السامع، فيسلم من المجاز ومن كون صفة الشيء في ~~غيره. # وأما قولهم الصياغة في المصوغ فذلك من باب تسمية المفعول بالمصدر ~~والصياغة ونحوها فعل الصائغ، وفعله ليس في المصوغ بل أثره في المصوغ، وأما ~~تلك PageV01P023 # الحركات التي هي المصدر ففنيت من حينها وليست في المصوغ، وكذلك بقية ~~النظائر. # ولها ثلاثة أنواع: دلالة المطابقة، وهي فهم السامع من كلام المتكلم كمال ~~المسمى. ودلالة التضمن وهي فهم السامع من كلام المتكلم (1) جزء المسمى، ~~ودلالة الالتزام وهي فهم السامع من كلام المتكلم لازم المسمى البين وهو ~~اللازم له في الذهن، فالأول كفهم مجموع الخمستين من لفظ العشرة. والثاني ~~كفهم الخمسة وحدها من اللفظ. الثالث كفهم الزوجية من اللفظ. # الحقائق أربعة أقسام متلازمة في الخارج وفي الذهن كالسرير والارتفاع من ~~الأرض، فإذا وقع في الخارج وقع مع الارتفاع، وإن تصور تصور مع الارتفاع، ~~وغير متلازمة فيهما كزيد والسرير فقد يوجد في الخارج بغير زيد وقد يتصوره ~~العقل بغير زيد ويذهل عن زيد. ومتلازمة في الخارج فقط كالسرير والإمكان فإن ~~الإمكان لا ينفك عن السرير فيا لخارج أما في الذهن فقد يذهل عن الإمكان إذا ~~تصورنا السرير فلا يكون ملازما في ms017 الذهن؛ لأنا نعني باللازم ما لا يفارق، ~~ومتلازمة في الذهن فقط كالسرير إذا أخذ زيد معه بقيد كونه نجارا للسرير، ~~فإن تصوره من هذه الجهة يستلزم تصور السرير قطعا في الذهن، وإن لم تكن ~~بينهما # ملازمة في الخارج، وكذلك السواد إذا تصورناه من حيث إنه ضد البياض يجب ~~حضور البياض معه في الذهن جزما. أما لو تصورناه من حيث هو السواد، أو زيد ~~لا من جهة أنه نجار السرير لا يجب حضورهما، فالملازمة إنما حصلت من جهة هذه ~~النسبة ولا تلازم بينهما في الخارج، بل السواد ينافي البياض. وقد مثلت ~~الأربعة بالسرير للتيسير على المتعلم. # فنعني باللازم البين ما كان لازما في الذهن فيندرج فيه قسمان: المتلازمان ~~PageV01P024 # فيهما والمتلازمان في الذهن فقط، ويخرج عنه قسمان: المتلازمان في الخارج ~~فقط واللذان لا تلازم بينهما. # وسر اشتراط اللزوم فيا لذهن أن اللفظ إذا أفاد مسماه واستلزم مسماه لازمه ~~في الذهن كان حضور ذلك اللازم في الذهن والشعور به منسوبا لذلك اللفظ، فقيل ~~اللفظ دل عليه بالالتزام، أما إذا لم يلزم حضوره في الذهن من مجرد النطق ~~بذلك اللفظ وحضور مسماه في الذهن كان حضوره في الذهن منسوبا لسبب آخر؛ إذ ~~لا بد في حضوره من سبب؛ فإفادته منسوبة لذلك السبب لا اللفظ، فلا يقال إنه ~~فهم من دلالة الألفاظ التي نطق بها، فلفظ السقف يدل بالمطابقة على مجموع ~~الخشب والجريد مثلا مطابقة، وعلى الخشب وحده تضمنا لأنه جزء السقف وعلى ~~الحائط التزاما؛ لأن الحائط لازم للسقف. # فإن قلت هل يشترط في اللزوم أن يكون قطعيا؟ # قلت لا، بل يكفي الظن وأدنى ملازمة في بعض الصور؛ فلو أنك أول مرة رأيت ~~فيها زيدا كان عمرو معه ثم جاءك زيد بعد ذلك وحده انتقل ذهنك إلى عمرو ~~بمجرد اقترانه به في تلك الحالة، وكذلك ينتقل الذهن عند سماع لفظ زيد لعمرو ~~وجميع ما قارنه في تلك الحالة، وكذلك ذكر لفظ البلاد والغزوات وغيرها يوجب ~~انتقال ذهن السامع لما قارنها عند مباشرته لها، فالقطع ليس ms018 بشرط. # فإن قلت: قولنا العالم متغير وكل متغير حادث، فالعالم حادث. مجموع لفظ ~~هذا البرهان دل على حدوث العلم وليس بالمطابقة لأنه لم يوضع بإزائه ولا ~~بالتضمن لأن العالم ليس جزء مسمى هذا اللفظ، ولا بالتزام لأن حدوث العالم ~~ليس لازما لمسمى هذا اللفظ، بل هذا اللفظ لم يوضح مجموعه لشيء البتة حتى ~~يكون لذلك لمسمى جزء ولازم. # قلت: دلالة هذا اللفظ على حدوث العالم بالعقل لا باللفظ، ونحن إنما حصرنا ~~دلالة اللفظ من حيث الوضع وبقية الدلالات لم نتعرض لها، وكذلك اللفظ # PageV01P025 # المهمل إذا نطق به مرارا دل على حياة المتكلم به بالعادة لا بالوضع، وليس ~~مندرجا في هذه الدلالات الثلاث، ولم أتعرض إلا للحصر في الدلالة الوضعية ~~خاصة. # فإن قلت: فصيغة العموم مساهما كلية، ودلالتا على فرد منها خارجة عن ~~الثلاث وهي وضعية؛ فإن صيغة المشركين تدل على زيد المشرك، وليس بالمطابقة؛ ~~لأنه ليس كمال مسمى اللفظ ولا بالتضمن لأن التضمين دلالة اللفظ على جزء ~~مسماه والجزء إنما يقابله الكل ومسمى صيغة العموم ليس كلا، وإلا لتعذر ~~الاستدلال بها على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في النفي أو النهي، فإنه لا ~~يلزم من نفي المجموع نفي جزئه ولا من النهي عن المجموع النهي عن جزئه بخلاف ~~الأمر لثبوت، وخبر الثبوت، فحينئذ مسمى العام كلية لا كل، والذي يقابل ~~الكلية الجزئية لا الجزء لكنهم قالوا في دلالة التضمين هي دلالة اللفظ على ~~جزء مسماه وهذا ليس جزءا فلا يدل اللفظ عليه تضمنا ولا التزاما؛ لأن الفرد ~~إذا كان لازم المسمى وبقية الأفراد مثله، فأين المسمى حينئذ؟! فلا يدل ~~اللفظ عليه التزاما؛ فبطلت الدلالات الثلاث، مع أن الصيغة تدل بالوضع فما ~~انحصرت دلالات الوضع في الثلاث. # قلت: هذا سؤال صعب وقد أورده في شرح المحصول وأجبت عنه بشيء فيه نكادة ~~وفي النفس منه شيء. # والدلالة باللفظ هي استعمال اللفظ إما في موضوعه وهو الحقيقة أو غير ~~موضعه وهو المجاز. والفرق بينهما أن هذه صفة للمتكلم والفاظ قائمة باللسان ~~وقصبة الرئة، ms019 وتلك صفة للسامع وعلم أو ظن قائم بالقلب، ولهذه نوعان وهما ~~الحقيقة والمجاز لا يعرضان لتلك، وأنواع تلك ثلاثة لا تعرض لهذه. # الباء في الدلالة باللفظ للاستعانة، لأن المتكلم يستعين بنطقه على إفهام ~~السامع ما في نفسه فهي كالباء في كتبت بالقلم ونجرت بالقدوم، والتفرقة بين ~~الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ من مهمات مباحث الألفاظ، وقد ذكرت منها الفرق ~~بينهما من ثلاثة أوجه، وفي شرح المحصول ذكرت خمسة عشر وجها، وهذه الثلاثة ~~تكفي في هذا المختصر. وقولي أو في غير موضوعه وهو المجاز، يتعين أن يزاد ~~فيه لعلاقة بينهما، فإن بدونهما لا مجاز، ووجه تنويع دلالة اللفظ إلى العلم ~~أو الظن أن الإنسان إذا فهم من كلام إنسان معنى قد يقطع به وقد يظن من غير ~~قطع، وهو كثير في الكلام. # PageV01P026 ### | الفصل الخامس الفرق بين الكلي والجزئي # فالكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه سواء امتنع وجوده ~~كالمستحيل أو أمكن ولم يوجد كبحر من زئبق أو وجد ولم يتعدد كالشمس أو تعدد # كالإنسان. وقد تركت قسمين أحدهما محال والثاني أدب. والجزئي هو الذي يمنع ~~تصوره من الشركة فيه. # ينبغي أن يشاهد الفرق بين قولنا إن تصور الكلي لا يمنع من الشركة وبين ~~قولنا إنه قابل للشركة؛ فإن تصوره إذا لم يمنع يكون المانع من الشركة ~~منفيا، ولا يلزم من نفي المانع وجود الموجب؛ لأن مع نفي المانع الخاص قد ~~يتحقق المنع من جهة أخرى إما بمانع آخر أو بالذات بأن يكون المنع غير معلل ~~بمر خارج. كما نقول إن السواد لا يمنعه كونه جاعا للبصر أن يكون علما؛ لأن ~~امتناع كونه علما لذاته غير معلل. وكذلك الواحد ربع عشر الأربعين فيستحيل ~~عليه أن يكون نصف عشر الأربعين لذاته، مع أن تصوره بما هو تصوره لا يمنع من ~~ذلك عليه حتى نستحضر في ذهننا مقدمات حسابية وهو أن ربع الأربعة واحد ~~والأربعة عشر الأربعين فالواحد ربع عشر الأربعين. أما مجرد التصور فلا. # فظهر حينئذ أن قولنا لا يمنع تصوره ms020 من الشركة، لا يوجب أن يكون قابلا ~~للشركة، بل قد تمتنع عليه الشركة كما تقدم، وقد يقبلها كما في مفهوم ~~الإنسان؛ فإن تصوره لا يمنع من وقوع الشركة وهو قابل لها واقعة فيه، وكذلك ~~جميع الأجناس والأنواع، فهذا الحرف هو الموجب لقول أن أرباب علم المنطق؛ إن ~~من أقسام الكلي واجب الوجود؛ فإن مجرد تصور أن للعالم إلها. هذا بمفرده لا ~~يكفينا في حصول العلم بالوحدانية، حتى نستحضر مقدمات برهان التمانع أو ~~غيره، وحينئذ يحصل العلم بالواحدانية، أما مجرد التصور فلا. فصال التصور ~~غير مانع بما هو تصور، وهو مع # PageV01P027 # ذلك يستحيل عليه الشركة في نفس الأمر، كما قلنا في الواحد مع نصف عشر ~~الأربعين. لكن إطلاق لفظ الكلي على واجب الوجود سبحانه وتعالى فيه إيهام ~~تمنع من إطلاقه الشريعة؛ فلذلك قلت تركته أدبا. وأما القسم المستحيل فهو ~~أنهم يقولون المتعدد قد يكون متناهيا كالأفلاك فإنها عدد محصور وغير متناه ~~كالإنسان بناء منهم على قدم العالم، وأنه قد دخل في الوجود منه أفراد غير ~~متناهية، وكذلك في جميع الأنواع. ولما قامت البراهين على حدوث العالم كان ~~هذا القسم مستحيلا. # فأقسام الكلي عندهم ستة وهي في هذا الكتاب أربعة. إذا ظهر الفرق بين ~~الكلي والجزئي فينبغي أيضا أن يعلم مع ذلك الكلية والكلي والجزئية والجزء، ~~فالكلية هي الحكم على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد، كقولنا كل رجل يشبعه ~~رغيفان غالبا؛ فالحكم صادق باعتبار الكلية، دون الكل. والكل هو القضاء على ~~المجموع من حيث هو مجموع، كقولنا كل رجل يشيل الصخرة العظيمة، فهذا الحكم ~~صادق باعتبار # الكل دون الكلية. والجزئية هي الحكم على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين ~~كقولنا بعض الحيوان إنسان. والجزئي هو الشخص من كل حقيقة كلية. الجزء هو ما ~~تركب منه ومن غيره كل كالخمسة مع العشرة. وجميع هذه الحقائق لها موضوعات في ~~اللغة؛ فصيغة العموم للكلية، وأسماء العدد للكل، والنكرات للكلي، والأعلام ~~للجزئي، وقولنا بعض الحيوان إنسان وبعض العدد زوج للجزئية، وقولنا جزء ~~موضوع للجزء، ms021 وهذه الحقائق يحتاج إليها كثيرا (1) (2) في أصول الفقه فينبغي ~~أن تعلم. PageV01P028 ### | الفصل السادس في أسماء الألفاظ # المشترك هو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر كالعين. وقولنا كل ~~واحد احتراز من أسماع العدد فإنها لمجموع المعاني لا لكل واحد، ولا حاجة ~~لقولنا مختلفين فإن الوضع يستحيل للمثلين فإن التعيين إن اعتبر في التسمية ~~كانا مختلفين وإن لم يعتبر كانا واحدا، والواحد ليس بمثلين. # جرت عادة المصنفين أن يقولوا هو اللفظ الموضوع لمعنيين مختلفين فيندرج في ~~لفظهم أسماء الأعداد، فإن لفظ الاثنين يصدق عليه أنه وضع لمعنيين وهما ~~الوحدتان اللتان تركب منهما مفهوم الاثنين، ولفظ الثلاثة يصدق عليه أنه وضع ~~لأكثر من معنيين، وكذلك بقية أسماء العدد، مع أنها كلها غير مشتركة فيكون ~~الحد غير مانع، فقلت أنا: لكل واحد لتخرج أسماء الأعداد لأنها للمجموعات لا ~~لكل واحد، ويقولون: إن مختلفين يحترز به عن الأسماء المتواطئة، كلفظ ~~الإنسان فإنه يتناول جميع الأناسي وهي متماثلة من حيث إنها أناسي؛ مع أن ~~اللفظ غير مشترك وهذا لا يحتاج غليه؛ فإن لفظ الإنسان وغيره من أسماء ~~الأنواع والأجناس إنما وضع للقد المشترك بينها لا لها، والمشترك مفهوم ~~واحد، فما وضع اللفظ إلا لواحد، وقد خرج هذا بقولي لمعنيين؛ فلا حاجة إلى ~~إخراجه بقيد آخر لأنه حشو في الحد بغير فائدة، والوضع للمتماثلين مستحيل ~~لما ذكرته من البرهان في الأصل. # وقولي فصاعدا لأن الاشتراك قد يقع بين أكثر من اثنين كالعين وغيره من ~~الألفاظ، وبين معنيين كالقرء والحيض والطهر (1) والجون للأبيض والأسود. ~~PageV01P029 # فائدة: ينبغي أن يفرق بين اللفظ المشترك وبين اللفظ الموضوع للمشترك لأن ~~اللفظ الأول مشترك والثاني لمعنى واحد مشترك، واللفظ ليس بمشترك. والأول ~~مجمل والثاني ليس بمجمل لاتحاد مسماه. # والمتواطئ هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي مستوفي محاله كالرجل. والمشكك هو ~~اللفظ الموضوع لمعنى كلي مختلف في محاله إما بالكثرة وبالقلة كالنور ~~بالنسبة إلى السراج والشمس، أو بإمكان التغير واستحالته كالوجود بالنسبة ~~إلى الواجب والممكن، أو بالاستغناء والافتقار كالموجود بالنسبة إلى الجوهر ~~والعرض. # المتواطئ ms022 مشتق من التواطؤ الذي هو التوافق يقال تواطأ القوم على الأمر ~~إذا اتفقوا عليه، ولما توافقت محال مسمى هذا اللفظ في مسماه سمي متواطئا. ~~والمشكك من الشك لأنه يشكك الناظر فيه هل هو مشترك أو متواطئ فإن نظر إلى ~~إطلاقه على المختلفات قال هو مشترك كالقراء أو إلى أن مسماه واحد قال هو ~~متواطئ، والمشترك مأخوذ من الشركة، شبهت اللفظة في اشتراك المعنى فيها ~~بالدار المشتركة بين الشركاء، والمترادفة من الردف، شبه اجتماع اللفظين على ~~معنى واحد باجتماع الراكبين على ردف الدابة وظهرها، والمتباينة من البين ~~الذي هو الافتراق والبعد، شبه افتراق المسميات في حقائقها بافتراق الحقائق ~~في بقاعها. # وأصل القسمة فيها رباعية وهي أن اللفظ والمعنى إما أن يتكثرا معا وهي ~~المتباينة، أو يتحدا معا كزيد والإنسان وهي المتواطئة، أو يتكثر اللفظ فقط ~~وهي المترادفة، أو المعنى فقط وهي المشتركة. وقولنا في المتواطئة الموضوعة ~~لمعنى كلي احترازا عن العلم فإنه لجزئي، وقولنا مستوفي محاله احترازا عن ~~مشكك فإنه مختلف في محاله، وقولي في المشكك مختلف في محاله احترازا عن ~~المتواطئ فإنه مستوفي محاله فلا فارق بينهما إلا التساوي والاختلاف في ~~المحال، ثم الاختلاف قد يقع بكثرة الأفراد وقلتها كالنور فإن أفراد النور ~~في الشمس أكثر وفي السراج أقل، وقد يكون بامتناع التغير وقبوله كالوجود فإن ~~الوجود الواجب لا يقبل التغير # PageV01P030 # ولا الفناء ولا العدم ولا الزوال، والوجود الممكن يخلاف ذلك، فصار وجوب ~~الوجود وامتناع التغير كالكثرة في الشمس وقبول ذلك كالقلة في السراج، وقد ~~يكون بالاستغناء كالجوهر مستغن عن محل يقوم به، والعرض مفتقر لمحل يقوم به، ~~فكان الاستغناء كالكثرة في الشمس والافتقار كالقلة في السراج. فهذه أسباب ~~التشكيك وهي ثلاثة وأصلها الأول. # سؤال قوي: وهو أن الرتبة العليا والدنيا قد اشتركتا في مقدار من المسمى ~~وامتازت العليا بزيادة والدنيا بنقص، فنقول: اللفظ إذا كان موضوعا للمشترك ~~فقط فهذا المشترك مستوي محاله، إنما صحبه زيادة في محل ونقص في محل آخر، ~~وإذا كان مستويا كان متواطئا لا مشككا؛ فحصول ms023 الاستواء في المحال والاختلاف ~~بغير المسمى لا يقدح، بدليل أن المتواطئ لا بد أن تختلف مسمياته بأمور ~~خارجة عن المسمى؛ فإن مفهوم الرجل قد اختلف بغير الرجولية من الطول والقصر ~~والعلم والجهل وغير ذلك، حتى عد الرجل الواحد بالألف من الرجال، وذلك لا ~~يقدح في كونه متواطئا، وإن كان اللفظ المشكك موضوعا للمشترك بين محاله بقيد ~~الزيادة في أحد المحلين والنقص في الآخر فهو موضوع لمختلفين فهو مشترك لا ~~مشكك، فلا حقيقة حينئذ للمشكك، بل هو إما متواطئ وإما مشترك. # جوابه: أن ما وقع به الاختلاف إن كان من جنس المسمى فهو المشكك فإن زيادة ~~النور نور، أو من غير جنسه فهو المتواطئ فإن العلم والشجاعة وغير ذلك أجناس ~~أخر مباينة للرجولية وليست منها، فوقع الاصطلاح على أن المختلف بجنسه هو ~~المشكك والمختلف بغير جنسه هو المتواطئ، واللفظ لم يوضع في القسمين إلا ~~المشترك مع قطع النظر عن الزيادة والنقص، فإن قلت: فيتعين عليك أن تزيد في ~~الحد في المشكك، فتقول: مختلف في محاله بجنسه حتى يخرج المتواطئ الذي ~~اختلافه من غير جنسه وإلا فحدك باطل لعدم المنع لدخول المتواطئ فيه، قلت: ~~نعم ذلك حق. # والمترادفة هي الألفاظ الكثيرة لمعنى واحد كالقمح والبر والحنطة، # PageV01P031 # والمتباينة هي الألفاظ الموضوع كل واحد منها لمعنى كالإنسان والفرس ~~والطير، ولو كانت للذات والصفة وصفة الصفة، تحو: زيد متكلم فصيح. # متى اختلف المفهومان، أعني (1) المسميين فاللفظان متباينان وإن كانا في ~~الخارج متحدين، كاللون والسواد متحدان في الخارج ولفظاهما متباينان لتغاير ~~المفهومين عند العقل، وقد يكون متعددين في الخارج كالإنسان والفرس. # والمرتجل هو اللفظ الموضوع لمعنى لم يسبق بوضع آخر. # المرتجل مشتق من الرجل ومنه أنشد ارتجالا أي أنشد من غير روية وفكرة؛ لأن ~~شأن الواقف على رجل يشتغل بسقوطه عن فكرته، فشبه الذي لم يسبق بوضع بالذي ~~لم يسبق بفكر، هذا هو اصطلاح الأدباء. ذكره صاحب المفصل وغره، فجعفر في ~~النهر # الصغير مرتجل وفي الشخص علما ليس بمرتجل لتقدم وضعه للنهر الصغير، وكذلك ~~زيد مرتجل ms024 بالنسبة إلى المصدر الذي نقول فيه زاد يزيد زيدا، وغير مرتجل ~~بالنسبة لجعله علما على شخص معين، وقال الإمام فخر الدين هو المنقول عن ~~مسماه لغير علاقة، ولم أر أحدا غيره قاله فيكون باطلا لأنه مفسر لاصطلاح ~~الناس، فإذا لم يوجد لغيره لم يكن اصطلاحا لغيره، فعلى رأيه يكون جعفر وزيد ~~في الشخصين المعينين مرتجلين لأنهما نقلا لا لعلاقة. # والعلم: هو الموضوع لجزئي كزيد. # هذا هو علم الشخص ويكون في الأناسي كزيد، والملائكة كجبريل، وقل في اسم ~~الله تعالى: إنه علم، قاله صاحب الكشاف لجريان النعوت عليه، فيقال الله ~~الملك، القدوس. وتجري الأعلام في الحيوان البهيمي نحو داحس والغبراء (2) ~~PageV01P032 # للخيل، والبلاد كمكة، والجبال كأحد، والأنهار كالنيل، والبقاع كنجد ~~وتهامة. وأما علم الجنس كأسامة وثعالة فإنه موضوع لكلي بقيد تشخصه في ~~الذهن، فيصدق أسامة على كل أسد في العالم وثعالة على الثعلب أين وجد، وكذلك ~~جميع أعلام الأجناس. وقد ذكر منها صاحب المفصل جملا كثيرة. # وتحرير الفرق بين علم الأجناس وعلم الشخص، وعلم الجنس واسم الجنس وهو من ~~نفائس المباحث ومشكلات المطالب، وكان الخسروشاهي يقرره ولم أسمعه من أحد ~~إلا منه، وكان يقول ما في البلاد المصرية من يعرفه وهو: أن الوضع فرع ~~التصور فإذا استحضر الواضع صورة الأسد ليضع لها فتلك الصورة الكائنة ذهنه ~~هي جزئية بالنسبة إلى مطلق صورة الأسد، فإن هذه الصورة واقعة في [نفس ~~الواضع وفي (1) ] هذا الزمان، ومثلها يقع في زمان آخر وفي ذهن شخص آخر، ~~والجميع مشترك في مطلق صورة الأسد، فهذه الصورة جزئية من مطلق صورة الأسد، ~~فإن وضع لها من حيث خصوصها فهو علم الجنس، أو من حيث عمومها فهو اسم الجنس، ~~وهي من حيث عمومها وخصوصها تنطبق على كل أسد في العالم، بسبب أنا إنما ~~أخذنا ما في الذهن مجردة عن جميع الخصوصيات فتنطبق على # الجميع، فلا جرم يصدق لفظ الأسد واسامة على جميع الأسود لوجود المشترك ~~فيها كلها، فيقع الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس بخصوص الصورة الذهنيةن ~~والفرق بين علم ms025 الجنس وعلم الشخص أن علم الشخص موضوع الحقيقة بقيد التشخص ~~الخارجي، وعلم الجنس موضوع للماهية بقيد التشخص الذهني. # المضمر هو اللفظ المحتاج في تفسيره إلى لفظ منفصل عنه إن كان غائبا أو ~~قرينة تكلم أو خطاب؛ فقولنا إلى لفظ احترازا من ألفاظ الإشارة، وقولنا ~~منفصل عنه احترازا من الموصولات، وقولنا قرينة تكلم أو خطاب ليدخل فيه ضمير ~~المتكلم والمخاطب. # المضمر مأخوذ من الضمور لأنه مختصر قليل الحروف بالنسبة إلى الظاهر، ~~PageV01P033 # أو من الضمير لأنه كناية عما في الضمير وهو الاسم الظاهر أو مسماه، ولا ~~بد له من مفسر، فقد يكون لفظا منفصلا عنه نحو زيد مررت به، وهذا هو الأصل، ~~ثم يقوم مقامه أمور أخر تصيره معلوما كقوله تعالى «إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر» (1) ولم يتقدم للقرآن الكريم ذكر بل كان معلوما بالمحاورات ~~المتقدمة، وكقوله تعالى «كل من عليها فان» (2) ولم يتقدم الأرض ذكر لكنها ~~معلومة بالسياق، وكقوله تعالى «حتى توارت بالحجاب» (3) ولم يتقدم للشمس ~~ذكر. أما الموصلات فلا بد أن تتصل صلاتها بها نحو مررت بالذي قام وبمن قام ~~أو بما قام، وأسماء الإشارة هذا وتلك وهؤلاء وأولاء لا بد معها من مفسر، ~~وأصله أن يكون فعلا من إشارات الأعضاء أو غيرها، والمضمرات ثلاثة أقسام ~~للمتكلم والمخاطب والغائب، فالمحتاج لما تقدم إنما هو ضمير الغائب نحو: هو ~~وهي ونما وهم وهن، وأما المخاطب نحو أنت وأنت وأنتما وأنتم وأنتن، والمتكلم ~~نحو: أنا ونحن فلا يحتاج شيء من هذين القسمين إلى معرفة (4) لفظ ظاهر، بل ~~من قال لك: أنا، عرفته وإن لم تعرف اسمه، وكذلك من قلت له أنت، انتظم ~~الكلام بينكما وإن لم تعرف اسمه، بل قرينة التكلم والخطاب كافية في ذلك، ~~فلذلك نوعت المحتاج إليه في بيان المضمر إلى لفظ أو قرينة. # فائدة جليلة: اختلف الفضلاء في مسمى لفظ المضمر حيث وجد، هل هو جزئي أو ~~كلي؟ فرأيت الأكثرين على أن مسماه جزئي، واحتجوا على ذلك بوجهين الأول: أن ~~النحاة # أجمعوا على أن المضمر معرفة والصحيح أنه أعرف ms026 المعارف، فلو كان مسماه ~~كليا لكان نكرة، فإن النكرة إنما كانت نكرة لأن مسماها كلي مشترك فيه بين ~~أفراد غير متناهية لا يختص به واحد منها دون الآخر، والمضمر ليس كذلك، فلا ~~يكون نكرة. الثاني: أن مسمى المضمر إذا كان كليا كان دالا على ما هو أعم من ~~الشخص المعين، والقاعدة العقلية أن الدال على الأعم غير دال على الأخص، ~~فيلزم أن لا يدل المضمر على شخص خاص البتة وليس كذلك، بل PageV01P034 # كل من قال: أنا، فهمناه دون غيره، وكذلك إذا قلت لزيد: أنت قائم، لا يفهم ~~إلا نفسه. # والصحيح خلاف هذا المذهب وعليه الأقلون، وهو الذي أجزم بصحته وهو أن ~~مسماه كلي، والدليل عليه أنه لو كان مسماه جزئيا لما صدق على شخص آخر غلا ~~بوضع آخر كالأعلام؛ فإنها لما كان مسماها جزئيا لم تصدق على غير من وضعت له ~~إلا بوضع ثان، فإذا قال قائل: أنا، فإن كان اللفظ موضوعا بإزاء خصوصه من ~~حيث هو هو، وخصوصه ليس موجودا في غيره، فيلزم أن لا يصدق على غيره إلا بوضع ~~آخر، وإن كان موضوعا لمفهوم المتكلم بها وهو قدر مشترك بينه وبين غيره ~~والمشترك كلي فيكون لفظ أنا حقيقة في كل ممن قال أنا؛ لأنه متكلم بها الذي ~~هو مسمى اللفظ فينطبق ذلك على الواقع، وأما قولهم في الوجهين: فالجواب عنه ~~واحد، وهو أن دلالة اللفظ على الشخص المعين لها سببان: أحدهما وضع اللفظ ~~بإزاء خصوصه فيفهم الشخص حينئذ الوضع بإزاء الخصوص وهذا كالعلم. وثانيهما: ~~أن يوضع اللفظ بإزاء معنى عام ويدل الواقع على أن مسمى اللفظ محصور في شخص ~~معين فيدل اللفظ عليه؛ لانحصار مسماه فيه لا للوضع بإزائه، ومن ذلك ~~المضمرات، وضعت العرب لفظ أنا مثلا لمفهوم المتكلم بها فإذا قال القائل: ~~أنا، فهم هو؛ لأن الواقع أنه لم يقل هذه اللفظة الآن إلا هو، ففهمناه ~~لانحصار المسمى فيه لا للوضع بإزائه، وكذلك بقية المضمرات. وهذا كما تقول ~~رأيت قاضي مكة أو المدينة، فيفهم المتولي في ذلك ms027 الوقت لهذه المدينة لن ~~الواقع أنه هو المتولي، وفي وقت آخر يفهم المتولي الآخر على حسب ما يحصر ~~الواقع المسمى في شخص معين، فكذلك المضمرات، حتى لو فرضنا جماعة قالوا أنا ~~في وقت واحد وأصوات متشابهة بحيث لا يميز الواقع واحدا منهم عن واحد لم ~~يفهم منهم واحد، وكذلك إذا قلت الجماعة بين يديك أنت أخاطب واستوت نسبتك في ~~الخطاب معهم ومواجهتك إليهم وإشارتك، لم يفهم أحد منهم نفسه بخصوصه، وإنما ~~يفهمها إذا حصر الواقع المخاطبة فيه، فلما كان الغالب حصر الواقع مسمى ~~اللفظ في شخص معين فيفهم. # قال النحاة: هي معارف، فإن فهم # PageV01P035 # الجزئي لا يكاد ينفك عنها، وبه حصل الجواب عن # القاعدة العقلية: أن اللفظ الموضوع لمعنى أعم لا يدل على ما هو أخص منه؛ ~~فإن الدلالة لم تأت من اللفظ وإنما أتت من جهة حصر الواقع المسمى في ذلك ~~الأخص. # إذا تقرر الجواب عن حجم وظهر بالبرهان أن مسماها كلي لا جزئي فأعين ~~مسمياتها، فأقول: مسمى مضمرات المتكلم وهي أنا ونحن وإياي وإيانا وقمت ~~وقمنا وأكرمني وأكرمنا وعملي ولي: مفهوم المتكلم بها كائنا من كان، ومسمى ~~ضمائر المخاطب وهي نحو: قمت وأنت وأنت مفهوم المخاطب بها كائنا من كان، ~~ومسمى مضمرات الغائب وهي: هو وهي ونحوها مفهوم الغائب كائنا من كان. # فإن قلت فهل تقول: إن لفظ الغائب ولفظ المضمرات الموضوعة للغيبة لمعنى ~~واحد فيكونان مترادفين، أو تقول هما لمعنيين فيكونان متباينين؟ . # قلت: بل أقول إنهما لمعنيين وإنهما متباينان؛ لأن لفظ الغائب موضوع ~~لمعلوم موصوف بالغيبة، والمضمرات الخاصة موضوعة لمعلوم موصوف بالغيبة يقيد ~~الاختصار والإيجاز في التعبير عنه، وبهذا القيد صار مسمى المضمر أخص من ~~مسمى لفظ الغائب فهما متباينان لا مترادفان، ولذلك يجوز استعمال لفظ الغائب ~~ابتداء من غير أن يكون للعقل بمسماه شعور، ولا يجوز في المضمر حتى يكون ~~للذهن به شعور بتقدم لفظ أو سياق أو غيرهما، ولا يجوز مع لفظ المضمر النعت ~~ويجوز مع لفظ غائب، إلى غير ذلك من الأحكام الدالة على ms028 التباين. # والنص فيه ثلاثة اصطلاحات، قيل: ما دل على معنى قطعا ولا يحتمل غيره قطعا ~~كأسماء الأعداد، وقيل: ما دل على معنى قطعا وإن احتمل غيره كصيغ الجموع في ~~العموم فإنها تدل على أقل الجمع قطعا وتحتمل الاستغراق، وقيل: ما دل على ~~معنى كيف ما كان وهو غالب استعمال الفقهاء. # النص أصله في اللغة وصول الشيء إلى غايته، ومنه قوله في الحديث «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق فإذا وجد فجوة نص» أي رفع السير # PageV01P036 # إلى غايته، ومنه منصة العروس لأنها ترفع إلى غايتها اللائقة بالعروس، ~~ومنه نصت الظبية جيدها إذا رفعته. فمن لاحظ هذا المعنى سمى به القسم الأول ~~فإن دلالته أقوى الدلالات، ومن لاحظ أصل الظهور والارتفاع سمى به المعنى ~~الثالث، ومن توسط بينهما سمى به القسم المتوسط، والقسم الأول هو أولى بهذا ~~الاشتقاق لوجود ارتفاع الدلالة إلى غايتها وهو الذي يجعل قبالة الظاهر. # فإذا قلنا اللفظ إما نص أو ظاهر فمرادنا القسم الأول، وأما الثالث فهو ~~غالب الألفاظ # وهو غالب استعمال الفقهاء، يقولون: نص مالك على كذا أولنا في المسألة ~~النص والمعنى، ويقولون: نصوص الشريعة متظافرة بذلك. وأما القسم الثاني فهو ~~كقوله تعالى: «اقتلوا المشركين (1) » ، فإنه يقتضي قتل اثنين جزما فهو نص ~~في ذلك مع احتماله لقتل جميع المشركين. # والظاهر هو المتردد بين احتمالين فأكثر هو في أحدهما أرجح، والمجمل هو ~~المتردد بين احتمالين فأكثر على السواء، ثم التردد قد يكون من جهة الوضع ~~كالمشترك وقد يكون من جهة العقل كالمتواطئ بالنسبة إلى أشخاص مسماة نحو ~~قوله تعالى: «وآتوا حقه يوم حصاده (2) » فهو ظاهر بالنسبة إلى الحق مجمل ~~بالنسبة إلى مقاديره. # الظاهر من الظهور وهو العلن، فاللفظ متى رجح في احتمال من الاحتمالات قلت ~~أو كثرت سمي ذلك اللفظ ظاهرا بالنسبة إلى ذلك المعنى، كالعموم بالنسبة إلى ~~الاستغراق، فإن اللفظ ظاهر فيه دون الخوض، وكذلك كل لفظ ظاهر في حقيقته دون ~~مجازاته، والمجمل مأخوذ من الجمل وهو الخلط ومنه قوله عليه السلام «لعن ~~الله ms029 اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها» أي خلطوها ~~بالسبك. ومنه العلم الإجمالي إذا اختلط فيه المعلوم بغير المعلوم، واللفظ ~~PageV01P037 # المجمل اختلط فيه المراد بغير المراد فسمي مجملا، فإذا وضعت العرب اللفظ ~~مشتركا لزم الاشتراك الإجمال، كما تقول الفرس الآن لا إجمال فيه بل يتبادر ~~الذهن إلى الحيوان الصاهل، فل ووضعوه لحيوان آخر صار مجملا، فعلمنا أن ~~الإجمال نشأ عن الاشتراك، وأما إذا قلنا في الدار رجل فإنا نجوز أن يكون ~~زيدا وعمرا أو جميع رجال الدنيا على البدل، وذلك بطريق التجويز العقلي لا ~~بمن الوضع اللغوي، بل ما اقتضى الوضع إلا القدر المشترك بين جميع الرجال، ~~وهو مفهوم الرجل، وهو من هذا الوجه ظاهر لا مجمل، وإنما جاء الإجمال من جهة ~~التجويز العقلي، فعلمنا أن الإجمال له سببان: الوضع اللغوي والتجويز ~~العقلي. ومثلا لرجل في ذلك كل نكرة ينطق بها، وأما لفظ الآية فإن المقدار ~~لم يتعرض له فلذلك احتمل العشر وغيره على السواء فكان اللفظ مجملا بالنسبة ~~إلى المقادير. وظاهر في المشترك الذي هو الحق من حيث الجملة. # والمبين ما أفاد معناه إما بسبب الوضع أو بضميمة بيان أليه. # المبين من البيان وهو الإيضاح، فإذا قال له عندي عشرة قلنا هذا اللفظ ~~مبين بالوضع أي بينه الواضع والمستعمل، فإن كان اللفظ أولا مجملا نحو القرء ~~ثم بينه بعد ذلك قلنا صار مبينا، فصدق المبين على القسمين، وكذلك المفسر ~~يصدق على القسمين في الاصطلاح واللغة. # والعام هو الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في خاله نحو المشركين. # المراد بالتتبع في المحال أي بالحكم كان وجوبا أو تحريما أو إباحة أو ~~خبرا أو استفهاما أي شيء كان الحكم، وسبب هذه العبارة والاحتياج إليها ~~إشكال كبير عادتي أورده ولم أر أحدا قط أجاب عنه وهو، أن صيغة العموم بين ~~أفرادها قدر مشترك ولها خصوصيات؛ فاللفظ إما أن يكون موضوعا للمشترك كمطلق ~~المشترك في المشركين أو الخصوصات أو المجموع المركب منهما والكل باطل فلا ~~يتحقق مسمى العموم ولا وضعه، بيانه: أن اللفظ ms030 إن كان وضع للمشترك فقط يلزم ~~أن يكون مطلقا والمطلق ليس بعام، وإن وضع للخصوصات وهي مختلفة فيلزم أن # PageV01P038 # يكون لفظ العموم مشتركا مجملا لوضعه بين مختلفات، وصيغة العموم مسماها ~~واحد ولا إجمال فيها، ولأن الخصوصات غير متناهية، ووضع لفظ مشترك بين أمور ~~غير متناهية محال، لأن الوضع فرع التصور، وتصور ما لا يتناهى على التفصيل ~~محال. وإن كان موضوعا للمجموع المركب من كل خصوصية مع المشترك في كل فرد ~~فرد على حياله لزم الاشتراك بين ما لا تناهى وهو محال لما تقدم، أو لمجموع ~~الأفراد بحيث يكون المسمى واحدا وهو المجموع من حيث هو مجموع، فيصير نسبته ~~إلى مسماه كنسبة لفظ لعشرة لمسماها، فحينئذ يتعذر الاستدلال بصيغة العموم ~~على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في النهي أو النفي، لأنه لا يلزم من النهي ~~عن المجموع، أو الإخبار عن نفيه، نفي أجزائيه، ولا اجتناب جميع أجزائي، لأن ~~المجموع يكفي في صدق اجتنابه ترك جزء. وكذلك يصدق نفيه بنفي جزء؛ لكن لفظ ~~العموم هو الذي يحسن الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد حالة النفي أو ~~النهي؛ فلا يكون لفظ العموم للعموم على هذا التقدير، فهذا هو الإشكال. # وأجاب بعضهم بأن موضوع المشترك بقيد العدد فلا يكون مطلقا لحصول العدد ~~ولا مشتركا لأن مسماه واحد وهو المشترك ومفهوم العدد. # فقلت له: مفهوم العدد كلي والمشترك كلي، والكلي إذا أضيف إلى الكلي صار ~~المجموع كليا، والموضوع للكلي مطلق فلا يكون عاما بل يكتفى بما يصدق فيه ~~المشترك والعدد، وذلك يصدق بثلاثة، فعلى هذا إذا قلنا هو اللفظ الموضوع ~~للقدر المشترك بقيد تتبعه في محاله بحكمه اندفعت الأسئلة؛ لأن قيد التتبع ~~في جميع المحال ينفي الإطلاق فإن المطلق لا يتتبع بل يقتصر به على فرد ~~ويكون مجموع للقيدين هو المسمى، وهما المشترك وقيد التتبع، فيكون المسمى ~~واحدا فلا يكون مشتركا، فحصل العموم من غير إشكال، فهذا هو الملجئ لهذا ~~الحد الغريب. # والمطلق هو اللفظ الموضوع لمعنى كل نحو رجل، والمقيد هو اللفظ الذي ms031 أضيف ~~إلى مسماه معنى زائد عليه نحو رجل صالح. # التقييد والإطلاق أمران إضافيان، فرب مطلق مقيد بالنسبة، ورب مقيد # PageV01P039 # مطلق، فإذا قلت حيوان ناطق فهذا مقيد، وإذا عبرت عنه بإنسان صار مطلقا، ~~وإذا قلت إنسان ذكر كان مقيدا، وإذا عبرت عنه برجل صار مطلقا، وكذلك ما من ~~مطلق إلا ويمكن جعله مقيدا بتفصيل مسماه والتعبير عن الجزأين بلفظين، وما ~~من مقيد إلا ويمكن أن يعبر عنه بلفظ واحد فيصير مطلقا إلا ما يندر جدا ~~كالبسائط. # والأمر هو اللفظ الموضوع لطلب الفعل طلبا جازما على سبيل الاستعلاء نحو: ~~قم، والنهي هو الموضوع للفظين فأكثر أسن مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر إسنادا ~~يقبل التصديق للفظين فأكثر أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر إسنادا يقبل ~~التصديق والتكذيب لذاته نحو زيد قائم. # جعل هذا الباب كله من باب اللفظ الموضوع يتخرج على أحد المذاهب الثلاثة؛ ~~وهي أن الكلام وجميع ما يتعلق به وبأنواعه وعوارضه من الأمر والنهي والخبر ~~والاستفهام والتكذيب والتصديق وغيرها هل هي كلها موضوعة للكلام اللساني ~~مجاز في النفساني لأنه المتبادر عرفا أو للنفساني مجاز في اللسان كقول ~~الأخطل: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليل # أو الألفاظ كلها مشتركة بين اللساني والنفساني جمعا بين المدركين؟ ثلاثة ~~مذاهب فوق التحديد في هذا مبنيا على المذهب الأول، مع أن الثالث هو المشهور ~~عند العلماء، كذلك حكاه إمام الحرمين والإمام فخر الدين، فقولي فيا لأمر ~~لطلب الفعل احترازا من طلب الترك الذي هو النهي، ومن الاستفهام لأنه لطلب ~~الحقائق دون الأفعال، وقولي طلبا جازما احترازا من الندب، وقولي على سبيل ~~الاستعلاء هو مذهب أبي الحسين البصري والإمام فخر الدين، ومنهم من اشترط ~~العلو دون الاستعلاء، والجمهور من المتكلمين على عدم اشتراطهما، بل الصيغة ~~من حيث هي صيغة تسمى أمرا كانت من أعلى أو أدنى مع استعلاء أو تواضع ~~كالخبر، وسيأتي في الأمر تقرير ذلك إن شاء الله تعالى، ولم أر لهم مثل هذا ~~الخلاف في النهي فتركته، وتلزمهم التسوية بين البابين، ms032 والاحترازات في ~~الأمر هي بعينها في النهي فلا أعيدها. # PageV01P040 # قال العلماء: فرقت العرب بين قولنا ما الزوج وبين قولنا أفهمني ما الزوج؟ ~~فالأول طلب الحقيقة والثاني طلب فعل يصدر من الخاطب، فإذا قال السيد لعبده ~~من بالباب؟ فقال غير ذلك العبد: زيد بالباب، حصل مقصود السيد ولا عتب على ~~العبد الأول، # فإن المقصود إنما هو تحصيل فهم من بالباب، وإذا قال لعبده اسقني ماء ~~فسقاه غير ذلك العبد المأمور توجه العتب على الأول لكون صيغة الأمر موضوعة ~~للتكليف والإلزام الذي من شأنه العتب على تقدير الترك، هكذا نقله الأئمة عن ~~اللغة في الفرق بين الاستفهام والأمر، نقله فخر الدين وغيره، فلذلك قيل في ~~حد الاستفهام طلب حقيقة الشيء. # وقولي في الخبر للفظين فأكثر، فإن أقل الخبر لفظان نحو زيد قائم، وقد ~~يخبر بأكثر نحو: أكرم أخوك أباك يوم الجمعة متكئا في الدور إلا دار زيد ~~إجلالا له وخالدا، فهذا كله خبر واحد هو ومتعلقاته وخالدا مفعول معه ~~وإجلالا مفعول لأجله (1) . # وقولي: أسند مسمى أحدهما إلى مسمى الآخر احتراز من قولنا زيد عمرو في ~~الكلام غير المنتظم. # وقولي: يقبل التصديق والتكذيب احتراز من الإسناد بالإضافة نحو غلام زيد، ~~أو الصفة نحو الرجل الصالح، وقولي: لذاته احتراز من تعذر قبوله لأحدهما ~~لعارض من جهة المخبر أو المخبر عنه، فالأول خبر الله تعالى لا يقبل إلا ~~الصدق، والثاني نحو قولنا الواحد نصف الاثنين لا يقبل إلا الصدق، والواحد ~~نصف العشرة لا يقبل إلا الكذب، فلم يقبلها في هذه الأحوال، لكن هذه الأخبار ~~بالنظر إليها من حيث إنها خبر تقبلهما إذا قطعنا النظر عن المخبر والمخبر ~~عنه، وإنما جاء الامتناع لا من ذات الخبر فله من ذاته قبولهما (2) . ~~PageV01P041 ### | الفصل السابع الفرق بين الحقيقة والمجاز وأقسامهما # فالحقيقة استعمال اللفظ فيها وضع له في العرف الذي وقع به التخاطب وهي ~~أربعة: لغوية كاستعمال الإنسان في الحيوان الناطق. وشرعية كاستعمال لفظ ~~الصلاة في الأفعال المخصوصة. وعرفية عامة كاستعمال لفظ الدابة في الحمار. ~~وخاصة نحو استعمال لفظ الجوهر ms033 في المتحيز الذي لا يقبل القسمة. # الحقيقة مشتقة من الحق الذي هو الثابت لأنه يقابل به الباطل، فهو مرادف ~~للموجود، وهي فعلية إما بمعنى فاعلة فيكون معناها الثابتة، أو مفعولة فيكون ~~معناها المثبتة؛ # لأن هذا هو شأن فعيل من غير فعل بضم العين يكون إما فاعلا أو مفعولا ~~ويعدل عن ذلك إلى فعيل للمبالغة، وأما اسم الفاعل من فعل فهو فعيل بأصالته ~~من غير مبالغة، نحو ظرف، فهو ظريف وشرف فهو شريف، والتاء فيها للنقل عن ~~الوصف إلى الاسمية؛ فإن العرب إذا وصفت بفعيل مؤنثا ونطقت بالموصوف حذفت ~~التاء اكتفاء بتأنيث الموصوف فيقولون امرأة قتيل وشاة نطيح. أما إذا حذفوا ~~الموصوف أثبتوا التاء فيقولون رأيت قتيلة بني فلان ونطيحتهم لعدم ما يدل ~~على التأنيث؛ فاحتاجوا لإظهاره نفيا للبس، ويكون الاسم هنا لا يعرف صفة ~~فلذلك قيل التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية فهذا هو اصل الحقيقة ثم نقلت ~~في عرف الأصوليين على اللفظة المستعملة فيما وضعت له فصارت مجازاص لغويا ~~حقيقة عرفية. # وكذلك المجاز أصله اسم مكان العبور أو زمانه أو مصدره فإن مفعلة # PageV01P042 # ومفعلا (1) يصلح لهذه الثلاثة، ثم وضع في عرف الأصوليين للفظ المستعمل في ~~غير ما وضع له لعلاقة بينهما، فهو أيضا مجاز لغوي حقيقة عرفية؛ فالحقيقة ~~والمجاز مجازان لغويان حقيقتان عرفيتان. # وقولي في الكتاب: الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه، صوابه: اللفظة ~~المستعملة أو اللفظ المستعمل، وفرق بين اللفظ المستعمل وبين استعمال اللفظ، ~~فالحق أنها موضوعة للفظ المستعمل لا لنفس استعمال اللفظ، فالمقضي عليه بأنه ~~حقيقة أو مجاز هو اللفظ الموصوف بالاستعمال المخصوص لا نفس الاستعمال، ~~وقولي في العرف الذي وقع به التخاطب ليشمل الحقائق الأربعة المتقدم ذكرها ~~بخلاف لو قلت هو اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا تناول الحقيقة اللغوية ~~فقط، وقولي حقيقة شرعية له تفسيران الأول أن يقال إن حملة الشرع غلب ~~استعمالهم للفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة حتى بقي اللفظ لا يفهم منه إلا ~~هذه العبارة المخصوصة وهذا لا نزاع فيه. والثاني: أن يقال إن ms034 صاحب الشرع ~~وضع هذه الألفاظ لهذه العبارات، وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال. # قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم يضع صاحب الشرع شيئا وإنما استعمل ~~الألفاظ في مسمياتها اللغوية ودلت الأدلة على أن تلك المسميات اللغوية لا ~~بد معها من قيود زائدة حتى تصير شرعية. وقالت المعتزلة: بل تحدد هذه ~~العبارات كمولود جديد يتحدد فلا بد له من لفظ يدل عليه. وقال الإمام فخرا ~~لدين وطائفة معه: ما استعمل في المسمى اللغوي ولا نقل بل استعمل اللفظ في ~~خصوص هذه العبارات على سبيل المجاز لأن الدعاء الذي هو # الصلاة لغة جزء الصلاة الشرعية؛ لأن فيها دعاء الفاتحة، ويبعد غاية البعد ~~أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» أن يكون ~~مراده الدعاء من حيث هو دعاء. # وقال القاضي فتح هذا الباب يحصل غرض الشيعة من الطعن على الصحابة رضوان ~~الله عليهم فإنهم يكفرون الصحابة، فإذا قيل إن الله تعالى وعد المؤمنين ~~PageV01P043 # بالجنة وهم قد أمنوا، يقولون إن الإيمان الذي هو التصديق صدر منهم، ولكن ~~الشرع نقل هذا اللفظ على الطاعات وهم صدقوا وما أطاعوا في أمر الخلافة، ~~فإذا قلنا إن الشرع لم ينقل استد هذا الباب الرديء، ولقوله تعالى «قرآنا ~~عربيا» (1) وهذه الألفاظ موضوعة في القرآن فلو كانت منقولة لم يكن القرآن ~~كله عربيا، وفي هذه المواطن مباحث كثيرة مستوعبة في شرح المحصول. # وأما الحقيقة العرفية العامة فهي التي غلب استعمالها في غير مسماها ~~اللغوي، فإن الدابة اسم لمطلق ما دب فقصرها على الحمار في ارض مصر أو الفرس ~~بأرض العراق وضع آخر، وهو حقيقة عرفية مجاز لغوي، وكذلك لفظ الغائط اسم ~~المكان المطمئن من الأرض لغة ثم نقل للفضلة المخصوصة، والرواية اسم للجمل ~~نقل للمزادة (2) وهي قسمان تارة يقع النقل لبعض أفراد الحقيقة اللغوية ~~كالدابة، وتارة لأجنبي عنها كالنجو والرواية، والعرفية الخاصة سميت خاصة ~~لاختصاصها ببعض الطوائف بخلاف الأولى عامة مثل الجواهر والعرض للمتكلمين، ~~والنقض والكسر للفقهاء، والفاعل والمفعول للنحاة، والسبب والوتد للعروضيين. # والمجاز استعمال اللفظ ms035 في غير ما وضع له في العرف الذي وقع به التخاطب ~~لعلاقة بينهما، وهو ينقسم بحسب الوضع إلى أربعة مجازات لغوي كاستعمال الأسد ~~في الرجل الشجاع، وشرعي كاستعمال لفظ الصلاة في الدعاء، وعرفي عام كاستعمال ~~لفظ الدابة في مطلق ما دب، وعرفي خاص كاستعمال لفظ الجوهر في النفيس. # لما تقرر أن الحقائق أربع كانت المجازات أربعة؛ فلفظ الدابة إذا استعمل ~~في مطلق ما دب كان حقيقة لغوية مجازا لغويا، وإذا استعمل في الحمار كان ~~حقيقة عرفية مجازا لغويا لأنه استعمال له في غير ما وضع له، ولفظ الصلاة ~~إذا استعمل في الدعاء كان حقيقة لغوية مجازا شرعا لأنه استعمال في غير ما ~~وضع له باعتبار الوضع الشرعي، وإن استعمل في # الأفعال المخصوصة كان حقيقة شرعية مجازا لغويا، وكذلك القول في لفظ ~~الجوهر وكل ما يعرض من هذا الباب. PageV01P044 # والصحيح في حد المجاز أن يقال هذا اللفظ المستعمل ولا يقال هو استعمال ~~اللفظ كما تقدم تقريره، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء في الإطلاق، ~~والعبارة الأخرى قليلة في استعمالهم، وقولي فيا لعرف الذي وقع به التخاطب ~~لأن اللفظ إنما يكون مجازا بالنسبة إلى وضع مخصوص فإن لم يكن الخطاب ~~باعتباره لا يتحقق المجاز كما تقدم تمثيله، فإنه قد يكون حقيقة باعتبار وضع ~~آخر، والعلاقة لا بد منها وإلا كان منقولا كجعفر فإنه النهر الصغير لغة ~~ووضع للشخص المخصوص وليس مجازا فيه لعدم العلاقة، وكذلك جميع المنقولات، ~~وقولي بحسب الواضع أريد بالواضع اللغة والشرع والعرف العام والخاص. # وبحسب الموضوع له إلى مفرد نحو قولنا أسد للرجل الشجاع، وإلى مركب نحو ~~قولهم: # أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الفداة ومر العشي # فالتفردات حقيقة وإسناد الإشابة والإفناء إلى الكر والمر مجاز في ~~التركيب، وغلى مفرد ومركب نحو قولهم أحياني اكتحالي بطلعتك فاستعمال ~~الإحياء والاكتحال في السرور والرؤية مجاز في الإفراد وإضافة الإحياء إلى ~~الاكتحال مجاز في التركيب فإنه مضاف إلى الله تعالى. # المجاز المفرد هو ن يكون فظا موضوعا (1) لمعنى مفرد فتحوله عن ذلك المفرد ms036 ~~إلى مفرد آخر وتستعمله فيه فإن لفظ الأسد لمعنى مفرد وهو الأسد؛ فاستعماله ~~في الرجل الشجاع وهو مفرد فكان المجاز مفردا، وأعني بالمفرد ما ليس فيه ~~إسناد خبري، والمجاز في التركيب أن يكون اللفظ في اللغة وضع ليركب مع لفظ ~~معنى آخر فيركب مع لفظ غير ذلك المعنى فيكون مجازا في التركيب كما تقول لفظ ~~السؤال وضع ليركب مع لفظ من يصلح للإجابة نحو سألت زيدا، فلما ركب مع لفظ ~~القرية التي لا تصلح للإجابة كان مجازا في التركيب، ومن ذلك: غرق في العلم، ~~وإنما يغرق في الماء، وأكلت الماء وإنما يؤكل الطعام وعلفتها ماء (2) وإنما ~~يعلف التبن والشعير وقوله تعالى «حرمت عليكم أمهاتكم» (3) الآية. الجميع ~~مجاز في التركيب لأن التحريم PageV01P045 # إنما وضع ليركب مع الأفعال دون # الذوات، وعلى هذه الطريقة يفهم مجاز التركيب. فقولهم أحياني أراد به سرني ~~وهو من مجاز التشبيه، لأن الحياة توجب ظهور آثار في محلها وبهجته وكذلك ~~المسرة، فأطلق على المسرة لفظ الحياة للمشابهة. وقوله اكتحالي يريد رؤيتي؛ ~~عبر بلفظ الاكتحال عن الرؤية من مجاز التشبيه. لأن العين تشتمل على الكحل ~~كما تشتمل على المرئي فلما تشابها أطلق لفظ أحدهما على الآخر مجازا. # فهذا هو مجاز الإفراد، وجعل الاكتحال فاعلا بالإحياء مجازا ي التركيب لأن ~~الإحياء لا يصدر عنه ولا يركب معه فلم يقل أحياه الكحل حقيقة وإلا لكان من ~~مات يوضع في عينه الكحل فيعيش، فإذا قلت أحياه الله تعالى كان حقيقة في ~~التركيب؛ لأن اللفظ ركب مع اللفظ الذي وضع للتركيب معه، ولا فرق في هذا ~~الموضع بني الفاعل والمفعول والمضاف وغرها، فسرج الدار مجاز في التركيب ~~وباب الدابة مجاز في التركيب، إلا أن تريد مطلق الإضافة لا أن الدار لها ~~سرج تركب به، فإنه قد يقال سرج الدار باعتبار أنه موضوع فيها فتكون الحقيقة ~~في التركيب. # وبحسب هيئته إلى الخفي كالأسد للرجل الشجاع والجلي الراجح كالدابة ~~للحمار. # الخفي هو الذي لا يفهم إلا بقرينة توجب الصرف عن الحقيقة إليه والجلي هو ~~الذي ms037 لا يفهم من اللفظ إلا هو حتى تصرف القرينة عنه إلى الحقيقة فلا يفهم ~~اليوم من الصلاة إلا العبادة المخصوصة في وقتنا هذا حتى تصرفنا القرينة إلى ~~الدعاء، وكذلك الدابة لا يفهم منها إلى الحمار حتى تصرفنا القرينة إلى مطلق ~~ما دب. فهذا هو المجاز الراجح، وهو كله حقيقة إما شرعة أو عرفية. # وهنا دقيقة وهي أن كل مجاز راجح منقول وليس كل منقول مجازا راجحا ~~فالمنقول أعم مطلقا والمجاز الراجح أخص مطلقا. # المجاز الراجح منقول إما في الشرع كالصلاة أو في العرف العام كالدابة أو # PageV01P046 # الخاص كالجوهر والعرض عند المتكلمين فإنا لا نعني بالنقل إلا غلبة ~~استعماله حتى صار لا يفهم عند عدم القرينة إلا هو، دون الحقيقة الأصلية، ~~وقد يوجد النقل بدون المجاز الراجح، بأن يقع النقل لا لعلاقة كالجوهر، فإنه ~~وضع في اللغة للنفيس من كل شيء ثم نقل للمتحيز الذي لا يقبل القسمة، وهو في ~~غاية الحقارة، فلا مشابهة بينه وبين النفيس، ولا علاقة تصلح بينهما؛ فإنا ~~نشترط في العلاقة أن يكون لها اختصاص وشهرة ولا يكتفى بمجرد الارتباط كيف ~~كان، وإلا أمكن أن يقال النفاسة لا تقع إلا في الجوهر فبينهما ملابسة فهو ~~مجاز، ولو فتح هذا الباب صح التجوز بكل شيء إلى كل شيء، وقد نصوا على منعه؛ ~~فقد قال الإمام فخر الدين إن استعمال لفظ السماء في الأرض لا يصلح أن يكون # مجازا مع أنها تقابلها وتلازمها والملازمة أحد أقسام العلاقة لكنا نعني ~~بالملازمة ما هو أخص من هذا كملازمة الراوية (1) للجمل الحامل لها، ~~والمسببات لأسبابها ونحو ذلك، وكذلك لفظ الذات موضوع للمصاحبة لغة، ونقل في ~~عرف المتكلمين لذات الشيء وألغيت المصاحبة بالكلية، فهو منقول لا مجاز ~~راجح؛ لانتفاء العلاقة التي هي شرط في أصل المجاز، وإذا تعذر المجاز المطلق ~~تعذر المجاز الراجح بطريق الأولى؛ فحينئذ المنقول أعم مطلقا والمجاز الراجح ~~أخص مطلقا هذا إذا نسبنا المنقول إلى المجاز الراجح، فإن نسبناه إلى أصل ~~المجاز كان كل واحد منهما أعم من الآخر من ms038 وجه وأخص من وجه، لأن كل واحد ~~منهما قد وجد مع الآخر وبدونه، وهذا هو ضابط الأعم من وجه والأخص من وجه، ~~فوجد المجاز ولا نقل كالأسد في الرجل الشجاع، والنقل ولا مجاز كالجوهر ~~والذات عند المتكلمين، واجتمعا معا في الدابة والراوية. # فرع: كل محل قام به معنى واجب أن يشتق له من لفظ ذلك المعنى لفظ ويمتنع ~~الاشتقاق لغيره خلافا للمعتزلة في الأمرين فإن كان الاشتقاق باعتبار قيامه ~~في الاستقبال فهو مجاز إجماعا نحو تسمية العنب بالخمر، PageV01P047 ### | ..................... # الحال فهو حقيقة إجماعا نحو تسمية الخمر خمرا أو باعتبار الماضي وفي (1) ~~كونه حقيقة، أو مجاز قولان أصحهما المجاز، وهذا إذا كان محكوما به، أما إذا ~~كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقا نحو «اقتلوا المشركين» (2) . # قيام المعاني بمحالها يوجب أحكامها لمحالها واستحقاق ألفاظ تلك الأحكام، ~~فقيام العلم بالمحل يوجب له حكما وهو كونه عالما، واستحقاق لفظ هذا الحكم ~~وهو لفظ عالم، والسواد إذا قام بمحل أوجب لمحله حكما وهو كونه أسود، ~~واستحقاق لفظ دال على هذا الحكم وهو لفظ أسود، ولا يقال لغيره الذي لم يقم ~~به السواد أسود، والمعتزلة وافقوا في مثل هذا؛ وإنما أصل هذه المسألة ~~والخلاف فيها أنهم قالوا في كلام الله تعالى إنه مخلوق في الشجرة لموسى ~~عليه الصلاة والسلام فسمعه منها فهو قائم بها، ولم يشتق لها منه شيء، فلم ~~يقل الله تعالى: وكلمت الشجرة موسى، بل حصل الاشتقاق لله تعالى ولم يقم به ~~الكلام عندهم، فقال الله تعالى «وكلم الله موسى تكليما» (3) وكذلك اشتقوا ~~(4) لله تعالى عالما وقديرا ومريدا وغير ذلك؛ ولم يقولوا قام العلم به، بل ~~قالوا لم تقم به صفة # البتة، هذا أيضا خالفوا فيه أهل الحق؛ فإن أهل الحق يقولون الكلام إنما ~~هو قائم بذات الله تعالى، وجميع الصفات المشتق منها هذه الألفاظ قائمة به ~~تعالى، فهذا موطن الخلاف. وأما ما في العالم من الألوان والطعام وغيرها فلم ~~أر لهم فيه خلافا وما أخالهم يخالفون فيه، فلذلك قلت خلافا للمعتزلة في ~~الأمرين. # وقولي ms039 فإن كان الاشتقاق باعتبار الاستقبال أو الحال أو الماضي أريد به ~~PageV01P048 # الاشتقاق الكائن من المصادر في اسم الفاعل نحو ضارب، أو اسم المفعول نحو ~~مضروب، أو أفعل التفضيل نحو زيد أضرب من عمرو، أو اسم الزمان أو المكان نحو ~~مضرب ومقتل ومخرج، أو اسم الآلة نحو المروحة والمدهن والمسعط، أو اسما ~~لهيئة نحو الجلسة والعمة. وأما الفعل الماضي فإنه مشتق وهو حقيقة في الماضي ~~دون غيره، وكذلك لفظ الأمر والنهي حقيقة في المستقبل دون غيره، فليس في ~~الماضي قولان أصحهما المجاز ولا صيغة الأمر باعتبار المستقبل إجماعا، بل ~~ذلك خاص بما ذكرته من الصيغ؛ فتسمية الإنسان ميتا باعتبار المستقبل إجماعا، ~~بل ذلك خاص بما ذكرته من الصيغ؛ فتسمية الإنسان ميتا باعتبار أنه سيموت ~~مجاز إجماعا، وتسميته ميتا وهو ميت حقيقة إجماعا، وتسميته نطفة وطفلا ~~باعتبار أنه كان كذلك مجاز على الأصح، وكذلك (1) لا يصدق على أكابر الصحابة ~~أنهم كفار باعتبار ما كانوا عليه. # وخالف ابن سينا في هذه المسألة وقال: هو حقيقة لأن من صدر منه الضرب يصدق ~~عليه بعد ذهابه أنه ضارب كما يصدق عليه أنه متكلم ومخبر، وإن كان الكلام ~~والخبر لم يوجد قط منه إلا حرف واحد، فلو اشترط وجود المشتق منه حالة ~~الإطلاق لما صدق في هذين الموضعين، وجوابه أن هذين مستثنيان لتعذر الوجود، ~~والعرب لا تضع لفظ المحقق للمعتذر، واستيفاء الكلام في هذا الموضع مستوعب ~~في شرح المحصول. # وقولي: هذا إذا كان محكوما به الخ، احتراز من سؤال صعب ما رأيت أحدا أجاب ~~عنه، وتقريره أن قولنا باعتبار الماضي أو المستقبل أو الحال هذه الأزمنة ~~إنما تعتبر بالنسبة إلى زمن التخاطب، فإذا قلت أنا الآن: زيد ميت باعتبار ~~أنه سيموت كان باعتبار المستقبل، لأن زمان المخاطبة بهذا اللفظ فعلم أن هذه ~~الأزمنة إنما تعتبر باعتبار زمان المخاطبة، وعلى هذا نقول الزمان الذي نزل ~~فيه القرآن الكريم ونطق فهي رسول الله بالأحاديث النبوية متقدم على زماننا، ~~فزماننا PageV01P049 # مستقبل باعتبار ذلك الزمان، وإذا كان كذلك وجب حينئذ ms040 أن يكون جميع الصفات ~~الواقعة في زماننا مجازا بالقياس إلى ذلك الزمان، فعلى هذا قوله تعالى # «الزانية والزاني (1) » «السارق والسارقة (2) » «واقتلوا المشركين (3) » ~~إلى غير ذلك إنا يتناول من وجد في حالة نزول هذه الآيات وأما ما بعدها فلا ~~يتناولها إلى بطريقة المجاز، والأصل عدمه، فيتعذر علينا الاستدلال بهذه ~~الأدلة في زماننا على ثبوت أحكام هذه الآيات بها فإن ما من نص يستدل به غلا ~~وللمخالف أن يقول الأصل عدم التجوز على هذه الصورة، فيحتاج كل دليل إلى ~~دليل آخر من إجماع أو نص يدل على التجوز إلى هذه الصورة، وهو خلاف ما عليه ~~الناس، بل كل لفظ من هذه الألفاظ يتم الاستدلال به من جهة اللغة فقط وهو ~~حقيقة، فكيف الجمع بين ما عليه الناس وبين هذه القاعدة. # ووجه الجمع أن تقول: المشتق قسمان تارة يكون محكوما به نحو زيد سارق فهذا ~~هو موطن التقسيم والقاعدة المذكورة، وتارة يكون المشتق متعلق الحكم لا ~~محكوما به نحو «اقتلوا المشركين (4) » فإن الله تعالى لم يحكم في هذه الآية ~~بشرك أحد ولا بأن أحدا مشرك بل حكم بوجوب القتل، والمشركون متعلق هذا ~~الحكم، وكذلك الزانية والزاني لم يحكم الله تعالى بزنا أحد ولا بسرقته في ~~الآية الأخرى، بل بوجوب الجلد والقطع، والزناة والسراق متعلق هذا الحكم؛ ~~فحينئذ متى كان هو المشتق متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقا، ولا تفصيل بين ~~الأزمنة ماضيها ومستقبلها، ولا نحكي خلافا بل الكل حقيقة إجماعا، وإن حكمنا ~~بالمشتق على محل وجعلناه نفس الحكم فهذا هو موطن الخلاف والتفصيل. فهذا وجه ~~الجمع بين القاعدة وإجماع الأمة؛ فلذلك ذكرت هذا القيد وهو من غوامض ~~القواعد. PageV01P050 ### | الفصل الثامن في التخصيص # وهو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ العام أو ما يقوم مقامه، بدليل منفصل في ~~الزمان إن كان المخصص لفظيا، أو بالجنس إن كان عقليا قبل تقرر حكمه، فقولنا ~~أو ما يقوم مقامه احتراز من المفهوم فإنه يدخله التخصيص، وقولنا بالزمان ~~احتراز من الاستثناء، وقولنا بالجنس لأن المخصص العقلي مقارن، وقولنا قبل ~~تقرر ms041 حكمه احتراز من أن يعمل بالعام، فإن الإخراج بعد هذا يكون نسخا. # دخول التخصيص للمفهوم كقوله عليه الصلاة والسلام «إنما الماء من الماء» ~~مفهومه أنه لا يجب الغسل من القبلة ولا جميع أنواع الاستمتاع إذا لم يكن ~~فيه إنزال، خص من ذلك التقاء الختانين، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام ~~«إنما الربا في النسيئة» خص عن مفهومه ربا التفاضل، فإن السلب في المفهوم ~~كعموم الثبوت في المنطوق، وإذا ثبت معنى العموم دخله الإخراج، وهو التخصيص، ~~وهو لا يسمى عموما في الاصطلاح، فلذلك قال أو ما يقوم مقامه وهو المفهوم ~~لدخول التخصيص فيه، والاستثناء لا يقع إلا متصلا على الصحيح (1) والمخصص ~~يجوز أن يتراخى عن العموم كنهيه عليه الصلاة والسلام عن قتل النسوان وغيرهم ~~بعد الأمر بقتل المشركين بزمان طويل، وهذا إذا وقع التخصيص بالملفظ، أما ~~إذا وقع بالفعل، كما في قوله تعالى «الله خالق كل شيء (2) » أو بالواقع كما ~~في قوله تعالى «تدمر كل شيء (3) » فإن الواقع المشاهد دل على أن الريح لم ~~تدمر السموات PageV01P051 # والجبال والأرض وغيرها؛ فعلم بذلك التخصيص في هذا العموم أو بالعوائد ~~كقول القائل: رأيت الناس فلم أر أحسن من زيد، ومعلوم بالعادة أنه لم ير ~~جميع الناس، فيدخل التخصيص بدليل العادة، لكن هذه المخصصات ليست لفظية لكن ~~جنسها غير جنس اللفظ، فالانقطاع هنا بالجنس لا بالزمان، فلذلك قال منفصل ~~بالزمان إن كان المخصص لفظيا أو بالجنس إن كان عقليا، أي الانفصال لا يكون ~~في العقلي (1) # ونحوه في الزمان لأنه مقارن وإنما ذلك في اللفظي خاصة، وإذا عمل بالعام ~~كان الإخراج منه بعد ذلك نسخا؛ لأن العمل به يقتضي أن عمومه مراد لأن تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فلو كان بعض هذا العموم غير مراد لما تأخر ~~بيانه، فلما لم يتبين اعتقادنا أنه مراد، وإبطال ما هو مراد نسخ، فلذلك ~~اشترط في التخصيص أن لا يتقرر الحكم. # وهذا الحد باطل مع هذا التحرير العظيم الذي لم أر أحدا جمع ما جمعت فيه ~~بالتخصيص بالأدلة المتصلة، ms042 وهي الغاية، كقولنا أكرم قريشا حتى يدخلوا الدار ~~فإن الداخل للدار يخرج من هذا العموم، والصفة كقولنا أكرم قريشا الطوال، ~~فإن القصار يخرجون، والشرط كقولنا أكرمهم إن كانوا طوالا. فهذه مخصصات ~~لفظية، وقد خرجت من الحد الاشتراطي الانفصال في الزمان فإنها متصلة في ~~الزمان، فينبغي أن يؤتى بعبارة تجمع هذه النقوض وتخرج الاستثناء وفيها عسر. ~~PageV01P052 ### | الفصل التاسع في لحن الخطاب وفحواه ودليله وتنبيهه واقتضائه ومفهومه # فلحن الخطاب هو دلالة للاقتضاء وهو دلالة اللفظ التزاما على ما لا يستقل ~~الحكم إلا به، وإن كان اللفظ لا يقتضيه وضعا نحو قوله تعالى «فأوحينا إلى ~~موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق» (1) تقديره فضرب فانفلق وقوله تعالى ~~«فأتيا فرعون» إلى قوله تعالى حكاية عن فرعون «قال ألم نربك فينا وليدا (2) ~~» تقديره فأتياه، وقيل هو فحوى الخطاب والخلاف لفظي، قال القاضي عبد الوهاب ~~واللغة تقتضي الاصطلاحين، وقال الباجي هو دلل الخطاب وهو مفهوم المخالفة ~~وهو إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وهو عشرة أنواع: مفهوم العلة ~~نحو ما أسكر فهو حرام، ومفهوم الصفة نحو قوله عليه الصلاة والسلام «في ~~سائمة الغنم الزكاة» والفرق بينهما أن العلة في الثاني الغنى، والسوم مكمل ~~له، وفي الأول العلة عين (3) المذكور، ومفهوم الشرط نحو من تطهر صحت صلاته، ~~ومفهوم الاستثناء نحو قام القوم إلا زيد، ومفهوم الغاية نحو «أتموا الصيام ~~إلى الليل (4) » ومفهوم الحصر «إنما الماء من الماء» ومفهوم الزمان نحو ~~سافرت يوم الجمعة، ومفهوم المكان نحو جلست أمام زيد، ومفهوم العدو نحو قوله ~~تعالى «فاجلدوهم ثمانين جلدة (5) » ومفهوم اللقب وهو تعليق الحكم على مجرد ~~الذوات نحو في الغنم الزكاة وهو أضعفها، وتنبيه الخطاب PageV01P053 # وهو (1) مفهوم الموافقة عند القاضي عبد الوهاب أو المخالفة عند غيره (2) ~~وكلاهما وكلاهما فحو الخطاب عند الباجي، فترادف تنبيه الخطاب وفحواه ومفهوم ~~الموافقة لمعنى واحد وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى ~~كما ترادف مفهوم المخالفة ودليل الخطاب وتنبيهه، ومفهوم الموافقة نوعان ~~أحدهما: ثباته في الأكثر نحو قوله تعالى «فلا تقل لهما ms043 أف» (3) # فإنه يقتضي تحريم الضرب بطريق الأولى وثانيهما إثباته في الأقل نحو قوله ~~تعالى «ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدي إليك» (4) فإنه يقتضي ثبوت ~~أمانته في الدرهم بطريق الأولى. # لحن الخطاب أصله في اللغة إفهام الشيء من غير تصريح ومنه قوله تعالى ~~«ولتعرفنهم في لحن القول (5) » أي في فلتات الكلام من غير تصريح بالنفاق، ~~ولذلك قال المأمون أيها الناس لا تضمروا لنا بغضا فإنه والله من يضمر لنا ~~بغضا ندركه في # فلتات كلامه وصفات وجهه ولمحات عينه، ومن ذلك قول الشاعر: # وحديث ألذه وهو مما ... يشتهي الناعتون يوزن وزنا # منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وأحلى الحديث ما كان لحنا # أي تعريضا وتشويقا من غير تصريح، وقال ابن دريد اللحن الفطنة، ومنه قوله ~~عليه الصلاة والسلام «ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» أي أفطن لها، ~~قال ابن يونس ذكر أهل اللغة اللحن بإسكان الحاء أنه الخطأ، وبفتحها الصواب، ~~وقال عبد الحق في النكت: اللحن من أسماء الأضداد للصواب والخطأ، فلذلك قال ~~القاضي عبد الوهاب هنا اللغة تقتضي الاصطلاحين، وأما PageV01P054 # دلالة الاقتضاء فمعناها أن المعنى يتقاضها لا اللفظ، حتى قال جماعة في ~~ضابطها، أنها دلالة اللفظ على ما يتوقف عليه صدق المتكلم، فإن قوله تعالى ~~«فانفلق» (1) إنما ينتظم بالإضمار المذكور وكذلك قوله تعالى «وإني مرسلة ~~إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون» إلى قوله تعالى «فلما جاء سليمان» ~~(2) فمجيء الرسول إلى سليمان عليه الصلاة والسلام فرع إرساله فيتعين أن ~~يضمر: فأرسلت رسولا فلما جاء سليمان، فلذلك قلت إن المعنى يقتضيه دون ~~اللفظ، بخلاف دليل الخطاب وفحواه اللذين هما مفهوم المخالفة ومفهوم ~~الموافقة للفظ يتقاضاها بمفهومه، بخلاف المثل المذكورة لا يتقاضاها منطوق ~~ولا مفهوم، بل المعنى فقط وانتظامه، وفحوى الخطاب معناه مفهومه تقول فهمت ~~من فحوى كلامه كذا أي من مفهومه فوضع العلماء ذلك لمفهوم الموافقة، فهذه ~~الألفاظ وضعها بإزاء هذه المعاني المذكورة هنا اصطلاحي لا لغوي. # وقولي في مفهوم المخالفة إنه إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه، ~~احتراز ms044 عما توهمه الشيخ بن أبي زيد وغيره فاستدلوا بقوله تعالى «ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا» (3) على وجوب الصلاة على أموات المسلمين بطريق ~~المفهوم، وقالوا مفهوم التحريم على المنافقين الوجوب في حق المسلمين. وليس ~~كما زعموا، فإن الوجوب هو ضد التحريم، والحاصل في المفهوم إنما هو سلب ذلك ~~الحكم المرتب في المنطوق، وعدم التحريم أعم من ثبوت الوجوب، فإذا قال الله ~~تعالى حرمت عليكم الصلاة على المنافقين فمفهومه أن غير المنافقين لا تحرم ~~الصلاة عليهم، وإذا لم تحرم جاز أن تباح، فإن النقيض أعم من الضد، وإنما ~~يعلم الوجوب أو غيره بدليل منفصل، فلذلك يتعين أن لا يزاد في المفهوم على ~~إثبات النقيض. PageV01P055 # ويعرض بين مفهوم العلة والصفة جواب عن سؤال مقدر وهو إن علة الإسكار صفة، # فقولي بعد ذلك مفهوم الصفة تكرار بغير فائدة، فأردت أن أبين بالفرق ~~المذكور أن الصفة قد تكون متممة للعلة لا علة، فهي أعم من العلة؛ فإن ~~الزكاة لم تجب في السائمة لكونها تسوم وغلا لوجبت الزكاة في الوحوش، وإنما ~~وجبت لنعمة الملك وهي مع السوم أتم منها مع العلف، وفي كون الاستثناء من ~~باب المفهوم إشكال من جهة أن (إلا) وضعت للإخراج فينبغي أن يكون الاتصاف ~~بالعدم في المخرج مدلولا بالمطابقة، فلا يكون مفهوما لأن المفهوم هو من باب ~~دلالة الالتزام. # وجواب هذا السؤال أن (إلا) وضعت للإخراج من المنطوق ولا يلزم من ذلك دخول ~~المستثنى في عدمه باللفظ بل بدلالة العقل على أن النقيضين لا ثالث لهما، ~~وحينئذ يتعين من الخروج من أحدهما الدخول في الآخر، أما لو فرض لهما ثالث ~~لا يلزم الدخول في العدم بل في ذلك الثالث، أو في العدم فلا يتعين العدم؛ ~~فحينئد إنما استفدنا الاتصاف بالعدم من جهة دلالة العقل لا من اللفظ، فكان ~~الاتصاف بالعدم مدلولا التزاما لا مطابقة، وإنما المدلول مطابقة هو نفس ~~الخروج من المتقدم، أما الدخول في نقيضه فمن جهة العقل، وكذلك نقول في ~~مفهوم الغاية، وأما مفهوم الحصر فقد نقل أبو ms045 علي في المسائل الشيرازيات أن ~~(ما) في (إنما) للنفي وأن النفي في المسكوت بها، فعلى هذا يكون منطوقا لا ~~مفهوما، وهو الذي يقوى في نفسي، هذا إن كان الحصر بإنما، وأما بالنفي قبل ~~إلا نحو «ما قام إلا زيد» فظاهر أنه ليس مفهوما، وأما في تقديم المعمولات ~~أو المبتدأ مع الخبر فيترجح أنه مفهوم، وسيأتي له باب - إن شاء الله تعالى ~~- وفي مفهوم العدد إشكال، وتفصيله مبسوط في المحصول، وشرحه يقدح في ~~اعتباره، والجمهور على عدم قدحه فلذلك تركته، ومفهوم اللقب إنما ضعف لعدم ~~رائحة التعليل فيه فإن الصفة تشعر بالتعليل وكذلك الشرط ونحوه، بخلاف اللقب ~~لجموده بعد التعليل فيه. # PageV01P056 # قال التبريزي: والألقاب كالأعلام. وجعلها الأصل، وألحق بها أسماء ~~الأجناس، وغيره أطلق في الجميع واعتمد على صورة التخصيص وإنها لا بد لها من ~~فائدة، وسمى فحوى الخطاب مفهوم الموافقة وتنبيه الخطاب، لأن المسكوت وافق ~~المنطوق في حكمه، والمنطوق نبه على حكم المسكوت، وقولي كما يترادف مفهوم ~~المخالفة ودليل الخطاب وتنبيهه، صوابه: الاقتصار على الأولين ونترك تنبيه ~~الخطاب لأنه لم يتقدم له ذكر في مفهوم المخالفة. ### | الفصل العاشر في الحصر # هو إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه بصيغة إنما ونحوها وأدواته أربعة # إنما نحو «إنما الماء من الماء» ، وتقدم النفي قبل غلا نحو «لا يقبل الله ~~صلاة إلا بطهور» ، والمبتدأ مع خبره نحو قوله عليه الصلاة والسلام «تحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم» (1) فالتحريم محصور في التكبير والتحليل محصور ~~في التسليم، وكذلك «ذكاة الجنين ذكاة أمه» وتقديم المعمولات نحو قوله ~~تعالى» إياك نعبد وإياك نستعين (2) » وهم بأمره يعملون، أي لا نعبد إلا ~~إياك، وهم لا يعملون إلا بأمره، وهو منقسم إلى حصر الموصوفات في الصفات ~~وإلى حصر الصفات في الموصوفات نحو قولك إنما زيد عالم إنما العالم زيد، ~~وعلى التقديرين فقد يكون عاما في المتعلق نحو ما تقدم، وقد يكون خاصا نحو ~~قوله تعالى «إنما أنت منذر» أي باعتبار PageV01P057 # من لا يؤمن، فإن حظه منه الإنذار ليس إلا، فهو محصور في إنذاره ولا ms046 وصف ~~له غير الإنذار باعتبار هذه الطائفة وغلا فهذه الصيغة تقتضي حصره في ~~الندارة فلا يوصف بالبشارة ولا بالعلم ولا بالشجاعة ولا بصفة أخرى. ومن هذا ~~الباب قولهم زيد صديقي وصديقي زيد، فالأول يقتضي حصر زيد في صداقتك فلا ~~يصادق غيره، وأنت يجوز أن تصادق غيره، والثاني يقتضي حصر أصدقائك فيه وهو ~~غير محصور في صداقتك، بل يجوز أن يصادق غيرك على عكس الأول. # قد تقدم أن الذي يلزم ثبوته في هذه المواطن كلها من المفهومات إنما هو ~~النقيض لا الضد ولا الخلاف. # وقولي بصيغة (إنما) ونحوها لا يحسن في الحدود، لأن نحوها ليس هو مثلها في ~~اللفظ وإلا لكان هو إياها بعينها. بل معناه ونحوها مما يفيد الحصر والجاهل ~~بالحصر كيف يعلم ما يفيده، فيصير هذا تعريفا بالمجهول. بل حسن ذلك أني فسرت ~~ذلك بثلاث أخرى مبينة بعدها، فذهب الإجمال. # وقولي تقديم النفي قبل إلا يعمم جميع أنواع النفي نحو ما قام إلا زد، ولم ~~يقم إلا زيد، ولن يقوم إلا زيد، ولما يقم إلا زيد. كيفما تقلب النفي. # وقولي المبتدأ مع الخبر تارة يكون الخبر معرفة باللام أو الإضافة، وتارة ~~يكون نكرة، وعلى كل تقدير يفيد الحصر، لكن يختلف الحصر. وإنما قلنا إن ~~الحصر ثابت مطلقا لأن المبتدأ يجوز أ، يكون أخص أو مساويا، ويمتنع عليه أن ~~يكون أعم لغة وعقلا، فلا يجوز أن تقول الحيوان إنسان ولا الزوج عشرة، بل ~~الإنسان حيوان والعشرة زوج، حينئذ يصدق وقبل ذلك فهو كاذب، والعرب لم تضع ~~إلا للصدق دون الكذب، والمساوي يجب # أن يكون محصورا في مساويه والأخص محصورا في أعمه، وإلا لم يكن أخص ولا ~~مساويا، فهذا برهان # PageV01P058 # على ثبوت الحصر مطلقا كيف كان المبتدأ وخبره، غير أنه إذا كان الخبر نكرة ~~يقع الحصر في الخبر دون نقيضه وضده، ولا يمنع هذا الحصر ثبوت الخلاف، فإذا ~~قلت زيد قائم فقد أثبت له مطلق القيام، فهي موجبة جزئية مطلقة، ونقيض ~~الموجبة الجزئية، السالبة الدائمة الكلية، ولا شك في أن هذا ms047 النقيض كاذب إذ ~~لو صدقت السالبة الدائمة لما صدقت المطللقة المفروض صدقها، لكنها صادقة، ~~وكذلك كل ما يضاد مطلق القيام يجب نفيه، بل كل ما هو شرط في ثبوت مطلق ~~القيام يجب ثبوته، وكل ما هو مانع من مطلق القيام يجب نفيه لضرورة صدقه. # نعم يجوز ثبوت ما هو خلاف القيام مثل نحو كونه فقيها أو شجاعا أو شيخا ~~فاضلا، فإن هذه الأمور كلها يمكن ثبوتها مع قولنا قائم، وهي أمور تخالف ~~مطلق القيام ولا تضاده ولا تناقضه، فهذا تحرير الحصر مع التنكير، وأما مع ~~التعريف فيجب سلب الخلاف أيضا فلا يوصف بغير ذلك الخبر فتقتضي الصفة أنه ~~ليس موصوفا إلا بتلك الصفة خاصة؛ فإن كان في الواقع له صفة غيرها فهو تخصيص ~~لعموم الحصر. فقوله عليه الصلاة والسلام «تحليلها التسليم» يقتضي أن المصلي ~~لا يخرج من حرمات الصلاة إلى حلها إلا بالتسليم دون جميع الصفات من الأضداد ~~والنقائض والخلافات، فإن الكل ساقط عن الاعتبار إلا بالتسليم، وكذلك قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «تحريمها التكبير» يقتضي أنه لا يدخل في حرماتها إلا ~~بالتكبير دون جميع الأمور المتوهمة. # وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» فروي برفع ذكاة ~~الثانية وبنصبها، وتمسك المالكية والشافعية بالرفع على أن الجنين إذا خرج ~~وقد كمل خلقه ميتا بعد ذكاة أمه أكل، لأنه عليه الصلاة والسلام حصر ذكاة ~~الجنين في ذكاة أمه فيكون داخلا فيها ومندرجا فيؤكل بذكاة أمه التي فيها ~~ذكاته، ولا يفتقر إلى ذكاة أخرى، واحتج الحنفية برواية النصب على أنه يستقل ~~بذكاة نفسه وإذا لم يذكى لم يؤكل لأن النصب يقتضي أن يكون التقدير ذكاة ~~الجنين أن يذكى ذكاة # PageV01P059 # مثل ذكاة أمه، ثم حذف المصدر وصفته التي هي مثل، وأقيم المضاف إليه ~~مقامها، فأعرب بإعرابها؛ فنصب، لأنها قاعدة حذف المضاف. # والجواب عن تمسكهم برواية النصب أن تقول: ليس التقدير كما ذكرتموه، بل ~~التقدير ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه، ثم حذف الخبر الذي هو داخله وحرف ~~الجر من ذكاة أمه، وهذا أولى ms048 الوجهين: الأول أنه أقل حذفا والثاني أنه يؤدي ~~إلى الجمع بين الروايتين، وهو أولى من إطراح إحداهما، وأما تقديم المعمولات ~~فكونه مفيدا للحصر قاله الزمخشري وغيره، وخالفه جماعة في ذلك. ومن المثل ~~المقوية لقول الزمخشري قول العرب «إياك # أعني واسمعي يا جارة» فإنه يقتضي أنه لا يعني غيره، وعن الأصمعي أنه مر ~~ببعض أحياء العرب فشتمت رفيقه امرأة ولم تعين الشتم له دون الأصمعي، ثم ~~التفت إليها رفيقه فقالت له إياك أعني، فقال للأصمعي انظر كيف حصرت الشتم ~~في. # وزاد الإمام فخر الدين في كتاب الإعجاز له: لام التعريف في الخبر، وقال: ~~هي تقتضي حصر الخبر في المبتدأ عكس الحصور كلها في المبتدآت، فإن الأول ~~يكون محصورا في الثاني فإذا قلنا أبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله b ~~يكون الثاني محصورا في الأول، وكذلك قولك زيد المتحدث في هذه القضية أي لا ~~يتحدث فيها غيره وهو كثير. # وذكرت حصرا لصفة في الموصوف وعكسه وبقي على ثالث وهو حصر الصفة في الصفة: ~~نحو النزاهة في القناعة، والدين الورع، والتدبير العيش، والبشر حسن الخلق. ~~وهو كثير، ومن باب الحصر بحسب بعض الاعتبارات قوله عليه الصلاة والسلام ~~«إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي» الحديث (1) حصر نفسه عليه الصلاة والسلام ~~الكريمة في البشرية دون غيرها باعتبار الاطلاع على بواطن الخصوم ~~PageV01P060 # نقلا صفة له عليه الصلاة والسلام باعتبار هذا المقام إلا البشرية الصرفة ~~وما عدا ذلك من الرسالة والنبوة وجميع صفات كماله عليه الصلاة والسلام لا ~~مدخل لها في الاطلاع على بواطن الخصوم، بل كما قال عليه الصلاة والسلام ~~فأقضي له على نحو ما أسمع، وقال أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر. ومن ذلك ~~قوله تعالى: «إنما الحياة الدنيا لعب ولهو» (1) وحصرها في اللعب مع أنها ~~مزرعة الآخرة، وفيها تحصل الولاية والصديقية، وتكتسب المراتب العلية ~~والدرجات الرفيعة، وكل خير مكتب في الآخرة فهو من هذه الدار، وهذه خيرات ~~حسان وفضائل علية للدنيا، فكيف تحصر في اللعب؟! وإنما ذلك باعتبار من ~~آثرها، فإنها في حقه لعب ms049 صرف. وتلك المحاسن لا ينال هذا منها شيئا، فهو حصر ~~بحسب بعض الاعتبارات، وهو كثير في القرآن الكريم. وقد ذكرت منه جملا كثيرة ~~في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء، وصديقي زيد يجوز أن يصادق غيري لأن ~~الأول أبدا محصور فيا لثاني، والثاني يجوز أن يكون أعم فلا ينحصر في الأول، ~~فلذلك يجوز أن يصادق زيد غيري، لأني حصرت صداقتي فيه ولم أحصره في صداقتي، ~~وكذلك قوله تعالى «إنما يخشى الله من عباده العلماء» (2) # يقتضي حصر خشية الله تعالى في العلماء، فلا يجوز أن يخشاه تعالى غيرهم، ~~ويجوز أن يخشوا هم غيره تعالى بالنظر على دلالة هذا اللفظ، ولو عكس فقيل: ~~إنما يخشى العلماء الله # بتقديم الفاعل انعكس الحال، فلا يخشون غيره، ويجوز أن يخشاه غيرهم بالنظر ~~إلى دلالة اللفظ. # فائدة: باب الحصر ينقسم على حصر الثاني في الأول في تقديم المعمولات، ~~فالعبادة والاستعانة والعمل محصورات في تلك الآيات فيما تقدم عليها. وكذلك ~~لام التعريف فيما حكيته عن الإمام فخر الدين، وإلى حصر الأول في الثاني ~~فيما عدا ذلك. PageV01P061 ### | الفصل الحادي عشر خمس حقائق لا تتعلق إلا بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم وهي الأمر والنهي والدعاء والشروط وجزاؤه. # صوابه أن يقول بالمعدوم وبالمستقبل، فقولنا بالمعدوم احتراز من الحال، ~~وقولنا المستقبل احتراز من الماضي، ولو قلت بالمستقبل لأجزأ لكن التصريح ~~بالمعدوم أحسن لأنه أنص على اعتبار المعدوم في ذلك، وألحقت بعد وضع هذا ~~الكتاب لهذه الخمسة، خمسة أخرى، صارت عشرة، وهي: الوعد والوعيد والترجي ~~والتمني والإباحة، ووجه اختصاصها بالمستقبل أن الأمر والنهي والدعاء ~~والترجي والتمني: طلب، وطلب الماضي متعذر، والحال موجود، وطلب تحصيل الحاصل ~~محال، فتعين المستقبل، والشرط وجزاؤه ربط أرم يتوقف دخوله في الوجود على ~~دخول أمر آخر، والتوقف في الوجود إنما يكون في المستقبل، فإذا قال ن دخلت ~~الدار فأنت طالق، لا يمكن أن يكون المعلق عليه دخله مضت، ولا المشروط طلقة ~~مضت، بل مستقبلة. # وأما الوعد والوعيد، فإنه زجر عن مستقبل أو حث على مستقبل بما تتوقعه ~~النفس من خير ms050 في الوعد وشر في الوعيد والتوقع لا يكون إلا في المستقبل، ~~والإباحة تخيير بين الفعل والترك، والتخيير إنما يكون في معدوم مستقبل؛ لأن ~~الماضي والحاضر تعين، فتعين تعلق العشرة بالمستقبل، وينبني عليها فوائد ~~كثيرة نبهت على بعضها في شرح المحصول. # PageV01P062 ### | الفصل الثاني عشر حكم العقل بأمر على أمر # حكم العقل بأمر على أمر: إما غير جازم والاحتمالات إما مستوية فهو الشك، ~~أو بعضها راجح والراجح هو الظن والمرجوح وهم، والجازم إما غير مطابق وهو ~~الجهل المركب، أو مطابق وهو إما لغير موجب وهو التقليد أو لموجب وهو إما ~~عقل وده فإن # استغنى عن الكسب فهو البديهي وإلا فهو النظري، أو حس وحده وهو المسحسوسات ~~الخمس أو مركب منهما وهو المتواترات والتجريبات والحسيات والوجدانيات أشبه ~~بالمحسوسات، فتندرج معها في الحكم. # الشك اسم لاحتمالين فأكثر مستوية، فسماه مركب ومسمى الظن والوهم بسيط، ~~لأن الظن اسم للاحتمال الراجح والوهم للاحتمال المرجوح، والجهل المركب سمي ~~بذلك لتركبه من جهلين؛ فإنه يجهل ويجهل أنه يجهل كأرباب البدع والأهواء، ~~فإنهم يجهلون الحق في نفس الأمر، وإذا قيل لهم أنتم عالمون أو جاهلون؟ ~~قالوا عالمون، فقد جهلوا جهلهم، فاجتمع لهم جهلان فيه فسمي جهلا مركبا. وقد ~~جمع المتنبي ثلاث جهالات في بيت حيث قال: # ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل # وكذلك كل من اعتقد في رجل أنه صالح وهو طالح، أو طالح وهو صالح وكل من ~~اعتقد شيئا على خلاف ما هو عليه، والجهل المركب يقابله الجهل البسيط، وهو ~~أن يجهل ويعلم أنه يجهل، كما إذا قيل له أنت تعلم عدد شعر رأسك أو تجهله؟ ~~يقول أجهله، فإذا قيل له فأنت تعلم أنك جاهل بذلك؟ يقول نعم. وهذه العبارة ~~لا تجمع الجهل المركب كله؛ فقد يدخل الجهل المركب في التصورات، فإن من تصور ~~الحقائق على خلاف ما هي عليه فهو جاهل جهلا مركبا، كمن يتصور الإنسان أنه ~~الحيوان # PageV01P063 # فقط، وإذا طابق الحكم بغير موجب فهو تقليد؛ كما يعتقد عوام المسلمين ~~قواعد عقائدهم ms051 عن أئمتهم، فإذا سئلوا عن أدلة تلك القواعد لا يعلمون ~~أدلتها. # فالتقليد هو أخذ القول من قائله من غير مستند وقد يكون مطابقا كما تقدم، ~~وغير مطابق كتقلد عوام الكفار وأهل الضلال لرؤسائهم وأحبارهم. # والعقلي المستغني عن الكسب كقولنا الواحد نصف الاثنين، فإن تصور المحكوم ~~به والمحكوم عليه كاف في الجزم بإسناد أحدهما إلى الآخر، فهذا بديهي من ~~التصديقات والبديهي من التصورات هو الغني عن الحدود والاكتساب بها، كأحوال ~~النفس من جوعها وعطشها وألمها ولذاتها وغير ذلك، فإن هذه الحقائق ضرورية ~~للبشر ولا يحتاج في معرفتها لتعلم ولا كسب بحد، بخلاف تصور معنى الحكم ~~الشرعي والحقائق الخفية، فيحتاج فيها للحدود والرسوم الضابطة لها، وكذلك ما ~~احتاج من التصديقات للكسب بالأدلة والبراهين فهو كسبي نحو حدوث العالم وكون ~~الواحد عشر سدس الستين، وجميع المطالب المحتاجة للفكر، والعلوم الحسية هي ~~العلوم المتفادة عن الحواس الخمس، وهي كلها في الرأس، # فأربعة خاصة به، وواحد يتعداه إلى غيره وهو اللمس، والمختصة السمع والبصر ~~والذوق والشم. # فائدة: قال بعض اللغوين قولهم محسوسات لحن فإن الفعل المأخوذ من الحواس ~~رباعي تقول أحس زيد بكذا، قال الله تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر. وأما ~~حس الثلاثي فله ثلاثة معان أخر، تقول العرب حسه إذا قتله، وحسه إذا مسحه، ~~ومنه حس الفرس، وحس إذا ألقى عليه الحجارة المحماة لينضج، فهذه الثلاثة ~~يقول للمفعول فيها محسوس، وأما الحواس فمحس مثل مكرم ومعطى، وجميع الأفعال ~~الرباعية فيكون جمعها محسات بضم الميم لا محسوسات، غير أن أكثر اللغويين ~~يتوسعون في هذا الباب، ووقعت هذه العبارة لجمع كثير من الفضلاء كابي علي ~~وغيره، وكأنهم نحوا بها نحو معلومات لاشتراك الجمع في الإدراك. # فائدة: قال بعض الفضلاء: هذا معنى قول العرب ضربت أخماسي في أسداسي، أي ~~فكرت بحواسي الخمس في جهات الست لأن الجمع ست: فوق وأسفل وقدام # PageV01P064 # وخلف ويمنة ويسرة، ولقد أحس الحريري وأوجز حيث جمعها في بيت من الشعر في ~~الملحمة حيث قال: # ثم الجهات الست فوق وورا ... ويمنة وعكسه بلا ms052 مرا # فأخذ كل جهة وترك ضدها ليتنبه السامع له، وبقي معه بقية في البيت لا ~~يحتاجها فخشاها بقوله بلا مرا، وقيل ليس من هذا بل من إظماء الإبل، ~~والأخماس والأسداس ترجع إلى أيام ورودها للماء لخمس أو سدس، فإذا وقعت ~~المغالطة من الراعي ضرب الخمس في السدس وأخرها عن شربها (1) . ووجه تركب ~~المستند في المتواترات من الحس والعقل أنه لا بد من سماع أخبار جماعة عن ~~الأمر المتواتر فهذا حظ السمع، ثم إن قال العقل هؤلاء يستحيل تواطؤهم عن ~~الكذب حصل العلم فهذا حظ العقل، وإن لم يقل ذلك لم يحصل العلم، وكذلك ~~التجريبات وتسمى المجربات أيضا نحو كون الليمون حامضا والصبر مرا والتمر ~~حلوا ونحو ذلك، فإن أول مرة يباشر الحس ذلك النوع يجوز # العقل أن يكون ذلك الفرد من ذلك النوع أصابه عارض أوجب له ذلك، كما توجد ~~المرارة في بعض أفراد الفقوس والخيار والنوع في نفسه ليس كذلك، فإن كثرت ~~تكرار ذلك على الحس والعقل قال العقل عند حد من الكثرة في التكرار: كلي ~~ليمونة حامضة وكل تمرة حلوة، فهذه المقدمة هي نصيب العقل لا بد منها، ~~وعندما يحصل العلم، وكذلك الحدسيات كنقد الفضة ونضج الفاكهة فإن البصر يدرك ~~أول مرة الدرهم الرديء فلا يعرفه، فيقال له إنه رديء فيتأمله ويتكرر ذلك ~~عليه كثيرا حتى يحصل عند العقل قرائن لا يمنك التعبير عنها، فيقول لأجلها ~~كل ما كان كذا فهو درهم رديء. # فهذه المقدمة هي تصيب العقل، وعندها يحصل العلم، واشتركت المتواترات ~~والحدسيات والمجريات في أن أول مرة ربما حصل الشك وعند التكرار الظن، وبعد ~~ذلك قد PageV01P065 # يحصل العلم وقد لا يحصل، وأنها تحتاج للحس والعقل، غير أن الفرق بينها أن ~~المتواترات تختص بالأخبار والحدسيات تحتاج إلى نظر حالة القضاء على ~~الجزئيات، والمجربات لا تحتاج إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات، فإذا قال ~~لك أحد أن معي مسك هي هو عطر أم لا؟ قلت هو عطر، أو معي ليمونة هل هي حامضة ~~أم لا؟ قلت هي حامضة، ms053 أو معي حنظلة هل هي مرة أم لا؟ قلت مرة، من غير ~~احتياجك إلى نظر في ذلك الفرد، أما لو قال لك معي درهم هل هو جيد أم لا؟ ~~قلت حتى أنظر غليه. أو معي رمانة هل هي نضيجة أم لا؟ قلت حتى أنظر إليها. ~~أو عندي رجل هل هو شجاع أو جبان؟ قلت حتى أنظر إليه. فهذا هو الفرق بينها. # سؤال: يلزم أن الاستدلال بوجود العالم على وجود الصانع من هذا الباب وليس ~~كذلك، بل هو عقلي، فإن الحس إذا شاهد الصنعة قال لها صانع، فقد اجتمع الحس ~~والعقل، ولو فقد أحدهما لم يحصل العلم. # جوابه: إن هذا عقلي والملازمة بينهما عقلية، والفرق بينه وبين المجربات ~~والحدسيات من وجوه: الأول إن هذا عقلي وتلك عادية، وثانيها هذا يكفي فيه ~~مطلق المشاهدة، وتلك لا بد فيها من التكرار، وثالثها إن هذا يكون في مادة ~~الوجوب وتلك في مادة الإمكان. وإنما كانت الوجدانيات أشبه بالحسيات لأن ~~الحس لا يدرك إلا جزئيا فلا يسمع كل صوت ولا يمكن أن يذوق كل طعم ولا يلمس ~~كل لبونة أو حرارة، بل فردا خاصا من ذلك النوع، فمدركات الحس أبدا جزئية، ~~والعقل هو المدرك للأمور الكلية فهو الذي يقول كل مسك عطر وكل ليمونة ~~حامضة؛ فمدركات العقول كليات ومدركات الحواس جزئيات، والوجدانيات أمور ~~جزئية فإنه لا يقوم بالإنسان كل جوع ولا كل عطش، بل فرد من ذلك، فهي جزئية ~~وليست حسية لأن من فقد حواسه كلها وجد ألمه، وليست عقلية لأنها # جزئية، فلذلك ألحقها العلماء بالحسيات دون العقليات، وهي قبيل قائم بذاته ~~غيرهما. # فائدة: اختلف العلماء هل الحواس مع العقل كالحجاب مع الملك أو كالطاقات؟ ~~فقيل كالحجاب، والحواس تدرك أولا ويحصل لها العلم ثم تؤدي تلك العلوم ~~الجزئية # PageV01P066 # للنفس فتحكم عليها، وتقول كل ما كان كذا فهو كذا، وقيل بل الحواس طاقات ~~والنفس كملك في بيت له خمس طاقات قبالة كل طاقة مشاهدات ليست قبالة الأخرى، ~~والنفس التي هي الملك تنظر من كل طاقة لقبيل ms054 من المدركات لا توجد إلا ~~هنالك، ويدل على الأول أن البهائم لا عقل لها وهي تدرك بحواسها، فدل ذلك ~~على أن الحواس مستقلة بالإدراك دون النفس، ويدل على المذهب الثاني أن ~~الإنسان إذا نام وفتحت عيناه لا يدرك شيئا مع وجود العين بجملتها: السبع ~~طبقات وثلاث رطوبات والعصب الأجوف والروح الباصرة، ولا يزال كذلك غير مدرك ~~حتى يستيقظ فيأتي شيء للبصر وجميع الحواس، وحينئذ يحصل الإدراك، فدل على أن ~~الحواس طاقات للنفس. ### | الفصل الثالث عشر في الحكم وأقسامه # الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين ~~بالاقتضاء أو التخيير، فالقديم احتراز من نصوص أدلة الأحكام فإنها خطاب ~~الله تعالى وليست حكما وإلا اتحد الدليل والمدلول، وهي محدثة، والمكلفين ~~احتراز من المتعلق بالجماد وغيره، والاقتضاء احتراز عن الخبر وقولنا أو ~~التخيير ليندرج المباح. # إني اتبعت في هذا الحد الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى مع أني غيرت ~~بالزيادة في قولي القديم، ومع ذلك فلفظ الخطاب، والمخاطبة إنما يكون لغة ~~بين اثنين وحكم الله تعالى قديم فلا يصح فيه الخطاب، وإنما يكون ذلك في ~~الحادث، والصحيح أن يقال كلام الله القديم، فالكلام لفظ مشترك بين القديم ~~واللساني الحادث كما تقدم فيه حكاية ثلاثة أقوال، وقولي القديم ليخرج ~~الحادث من الألفاظ التي هي أدلة الحكم فإنها كلام الله تعالى وهو متعلق ~~بأفعال المكلفين نحو قوله تعالى # PageV01P067 # «أقيموا الصلاة» (1) فلو كانت حكما لا تحد الدليل والمدلول، وقولي ~~المكلفين احتراز عن المتعلق بالجماد مثاله قوله تعالى «ويوم نسير الجبال» ~~(2) فإنه كلام متعلق بالجبال وهو جماد ونحو هذا، فإذا قلنا المتعلق بأفعال ~~المكلفين خرج هذا النوع وقولي بالاقتضاء احتراز من الخبر فإن قوله تعالى ~~«وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس» (3) كلام متعلق بأفعال ~~المكلفين وليس حكما بل هو خبر عن تكليف تقدم. # ويدخل في الاقتضاء أربعة أحكام اقتضاء الوجود بالوجوب: أو الندب واقتضاء ~~العدم بالتحريم، أو الكراهة، فتبقى الإباحة لم تندرج، فقلت أو التخيير ~~لتندرج الإباحة وتكمل الأحكام الخمسة تحت الحد فيكون ms055 جامعا، وقبل ذلك لم ~~يجمع؛ فإن قلت أو للشك وهو لا يصلح في الحد قلت (أو، وأما) لها خمسة معان ~~الإباحة والتخيير نحو أصحاب العلماء أو الزهاد فلك الجمع بينهما، وخذ ~~الثواب أو الدينار (4) فليس لك الجمع بينهما، والشك نحو جاءني زيد أو عمرو ~~وأنت لا تدري الآتي منهما، والإبهام نحو جاءني زيد أو عمرو وأنت تعلم الآتي ~~منهما، وإنما قصدت الإبهام على السامع خشية مفسدة في التعيين، والتنويع نحو ~~العدد إما زوج أو فردي أي العدد متنوع لهذين النوعين فأو هنا للتنويع أي ~~الحكم الشرعي متنوع لهذين النوعين بلا شك وقد قال بعض الفضلاء في مثل هذا ~~السؤال هذا حكم بالترديد لا ترديد في الحكم، والثاني هو الشك دون الأول ~~لأنه جزم لا شك. # فإن قلت إذا سلمنا أن (أو) لها خمسة معان فالمشتركات لا تصلح في الحدود ~~لإجمالها. # قلت: قد تقدم في أول الكتاب في الكلام عن الحد أن المجاز والاشتراك يجوز ~~دخولهما في الحد إذا دل السياق أو القرائن على تعيين المجاز أو المشترك. ~~PageV01P068 # وعلى الحد بعد هذا كله أسئلة أحدها أن تفسير الحكم بالكلام القديم لا ~~يستقيم، لأنه صفة فعل العبد تقول: فعل واجب وفعل حرام، وصفة الحادث أولى أن ~~تكون حادثة. وثانيها أنه يعلل بالحوادث فيقال حلت المرأة بالعقد وحرمت ~~بالطلاق، والمعلل بالحوادث حادث. وثالثها: أنه يوصف بأنه مسبوق بالعدم ~~فيقال حلت المرأة بعد أن لم تكن حلالا، والمسبوق بالعدم حادث. ورابعها أنه ~~قد تعلق بفعل غير المكلفين فلا يكون جامعا كإيجاب الضمان على الصبيان ~~والمجانين في أموالهم. وخامسها أنه غير جامع لخروج أحكام الوضع عنه وهي نصب ~~الأسباب كالزوال لوجوب الظهر، والشروط، كالحول شرط للزكاة، والموانع، ~~كالحيض يمنع من الصلاة، والتقديرات الشرعية وهي إعطاء المعدوم حكم الموجود ~~كتقدير الملك للمعتق عنه في الكفارة حتى يبرأ من الكفارة ويثبت الولاء له ~~وتقدير تقدم الملك للعتق عنه في الكفارة حتى يبرأ من الكفارة ويثبت له ~~الولاء له وتقدير تقدم الملك في الدية للمقتول خطأ قبل موته ms056 بالزمن الفرد ~~حتى يصح أن يؤرث عنه، وإعطاء الموجود حكم المعدوم كتقدير نفي الإباحة ~~السابقة في الأمة بردها # بالعيب، وتقدير عدم الطلاق في حق المطلق في المرض عند مالك رحمه الله ~~تعالى حتى ترث مع البينونة وهو كثير في الشرع، وقد بينت في كتاب الأمنية ~~أنه لا يخلو باب من الفقه عنه. # والجواب عن الأول: أن الشيء قد يوصف بما ليس قائما به، كقولنا في قيام ~~الساعة أنه مذكور ومعلوم بذكر قام بنا وعلم قام بنا، ووصف الفعل بالأحكام ~~من هذا القبيل، وإنما يلزم الحدوث من الصفة في الحادث إذا كانت تقوم به ~~كالسواد والبياض، والأقوال المتعلقة بالأفعال لا تكون صفات لها وإلا لكان ~~القول صفة للمعدوم والمستحيل، فإنا نخبر عنه، وإذا قال السيد لعبده أسرج ~~الدابة فقد أوجب عليه الإسراج، والإسراج واجب عليه إيجاب قام بالسيد دون ~~الإسراج، وكذلك إذا أباحه له وعن الثاني أن علل الأحكام معرفات لا مؤثرات ~~والمعروف يجوز أن يتأخر عن المعرف كما عرف الله تعالى بصنعته، وعن الثالث ~~أن معنى قولنا حلت المرأة بعد ما لم تكن حلالا أنها وجدت الحالة التي تعلق ~~بها الحل في الأزل وهي حالة اجتماع الشرائط وانتفاء الموانع؛ فإن التعلق في ~~الأزل إنما كان متعلقا بهذه الحالة، فالحدوث في المتعلق لا في المتعلق ~~بكسرها # PageV01P069 # ولا في التعلق خلافا لمن قال إن التعلق حادث، وقد صرح بذلك تاج الدين في ~~الحاصل وغيره، فإن الذي يحيل حصول علم في الأزل بلا معلوم يحيل حصول أمر في ~~الأزل بلا مأمور، وإذا كان له مأمور فله به اختصاص، وذلك الاختصاص هو ~~التعلق، والتعلق قديم. وعن الرابع أن الوجوب في تلك الحالة إنما هو على ~~الولي أن يخرج من مال المحجور، أما المحجور عليه فلا وجوب عليه ولا حكم. ~~وعن الخامس أنه سؤال صحيح والحد ليس جامعا لكل ما هو حكم شرعي بل أحد نوعيه ~~خاصة وهو أحكام التكليف، أما الوضع فلا، وهو أحكام لا تعلم إلا من قبل ~~الشرع تعبدنا الله تعالى باتباعها؛ ms057 فالإيجاب بعد الزوال قيد في الوجوب وهو ~~غير الوجوب المطلق وسببه الزوال حكم شرعي، وتختلف فيه الشرائع. # فالحق أن نقول في الحد الحكم الشرعي هو كلام الله القديم المتعلق بأفعال ~~المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو ما يوجب ثبوت الحكم أو انتفائه، ~~فما يوجب ثبوت الحكم هو الأسباب وما يوجب انتفاءه هو الشرط بعدمه أو المانع ~~بوجوده، فيجتمع في الحد (أو) ثلاث مرات، وحينئذ يستقيم ويجمع جميع الأحكام ~~الشرعية، وهذا هو الذي أختاره، ولم أر أحدا ركب الحد هذا التركيب. # واختلف في أقسامه فقيل خمسة: الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، ~~وقيل أربعة والمباح ليس من الشرع، وقيل اثنان التحريم والإباحة وفسرت بجواز ~~الإقدام الذي سشمل الوجوب والندب والكراهة والإباحة، وعليه يتخرج قوله عليه ~~الصلاة والسلام «أبغض المباح إلى الله تعالى الطلاق» فإن البغضة تقتضي ~~رجحان الترك والرجحان مع التساوي محال. # والأول هو المشهور (1) ومنشأ الخلاف في أن المباح هل هو من الشرع أم لا ~~لاختلافهم في تفسير المباح، فمن فسره بنفي الحرج ونفي الحرج ثابت قبل ~~الشرع، أفلا يكون من الشرع، ومن فسره بالإعلام بنفي الحرج، والإعلام به ~~إنما يعلم من قبل الشرع فيكون شرعا، وتفسير الإباحة بنفي الحرج مطلقا حتى ~~يندرج فيها PageV01P070 # الوجوب والمكروه هو اصطلاح المتقدمين وبه وردت السنة في الحديث المتقدم؛ ~~وتفسيرها باستواء الطرفين هو اصطلاح المتأخرين، فإذا اندرج فيها المكروه، ~~ويكون الطلاق من أشد المكروهات فيفهم الحديث حينئذ، وإلا يتعذر فهمه، لأن ~~(أفعل) في لسان العرب لا يضاف إلا لجنسه، فلا تقول زيد أفضل الحمير. ~~(وأبغض) صيغة تفضيل وقد أضيفت إلى المباح المستوي الطرفين فيكون المبغوض بل ~~الأبغض مستوي الطرفين وهو محال. # فالواجب ما ذم تاركه شرعا والمحرم ما ذم فاعله شرعا، وقيد الشرع احتراز ~~عن العرف، والمندوب ما رجح فعله على تركه شرعا من غير ذم، والمكروه ما رجح ~~تركه على فعله شرعا من غير ذم، والمباح ما استوى طرفاه في نظر الشرع. # تنبيه: ليس كل واجب يثاب على فعله ولا كل حرام يثاب ms058 على تركه أما الأول ~~فكنفقات الزوجات والأقارب والدواب ورد المغصوب والودائع والديون والعواري ~~فإنها واجبة، فإذا فعلها الإنسان غافلا عن امتثال أمر الله تعالى فيها وقعت ~~واجبة مجزئة مبرئة للذمة ولا ثواب حينئذ. وأما الثاني فلأن المحرمات يخرج ~~الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها وإن لم يشعر بها فضلا عن القصد إليها حتى ~~ينوي امتثال أمر الله تعالى فيها، فلا ثواب حينئذ، نعم متى اقترن قصد ~~الامتثال في الجميع حصل الثواب. # قوله ما ذم فاعله عليه إشكال من جهة أنه قد لا يفعل فلا يوجد فاعله ولا ~~الذم المترتب عليه، وكذلك قولهم تاركه قد لا يوجد تاركه بأن يفعل الواجب ~~وهو كثير، فتخرج هذه الصور كلها من الحد فلا يكون جامعا. # وجوابه: أن التحديد قد يقع بذوات الأوصاف، كقولنا ما رجح فعله على تركه ~~وقد # يقع بحيثيات الأوصاف نحو هذا ومعناه هو الذي بحيث إذا ترك ترتب الذم ~~عليه، وهذه الحيثية ثابتة له فعل أو ترك؛ فتنبه لهذه القاعدة فهي غريبة وقد ~~بسطتها في شرح المحصول. # PageV01P071 ### | الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادة # وهي خمسة الأول الأداء وهو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعا ~~لمصلحة اشتمل عليها الوقت، فقولنا في وقتها احتراز من القضاء، وقولنا شرعا ~~احتراز من العرف، وقولنا اشتمل عليها الوقت احتراز من تعيين الوقت لمصلحة ~~المأمور به لا لمصلحة في الوقت، كما إذا قلنا الأمر للفور فإنه يتعين الزمن ~~الذي يلي ورود الأمر ولا يوصف بكون أداء في وقته ولا قضاء بعد وقته وكمن ~~بادر لإزالة منكر وإنقاذ غريق فإن المصلحة هنا في نفس الإنقاذ سواء كان في ~~هذا الزمان أو في غيره. وأما تعيين أوقات العبادة فنحن نعتقد أنها المصالح ~~في نفس الأمر اشتملت عليها هذه الأوقات وإن كنا لا نعلمها، وهكذا كل تعبدي ~~معناه أنا لا نعلم مصلحته لا أنه ليس فيه مصلحة، طردا لقاعدة الشرع في ~~عادته في رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل، فقد تلخص أن التميز في ~~الفوريات لتكميل مصلحة المأمور به. وفي ms059 العبادات لمصلحة في الأوقات تظهر ~~الفرق. # قولي؛ إذا قلنا الأمر للفور لأنه يتعين الزمن الذي يلي ورود الأمر، ليس ~~كذلك، بل قال القاضي أبو بكر رحمه الله لا بد من زمان لسماع الصيغة وزمان ~~لتقييم معناها، وفي الثالث يكون الامتثال، وهو متجه لا يتأتى المخالفة فيه، ~~وقولي طردا لقاعدة الشرع في رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل احتراز من ~~قول المعتزلة إنه تعالى يراعيها على سبيل الوجوب العقلي ويستحيل عليه تعالى ~~خلاف ذلك، وعند أهل الحق له أن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، ومثال ~~ما ذكرته أن ملكا لو كانت عادته أن لا يخلع الأخضر إلا على الفقهاء، ~~فرأيناه خلع أخضر على من لا نعرفه اعتقدنا أنه فقيه لقاعدة ذلك الملك، ولما ~~استقرينا # PageV01P072 # لشرائع وجدناها مصالح، ولا يأمر الله تعالى فيها إلا بخير ولا ينهى إلا ~~عن ضرر، ووجدنا أشياء لم نعلم ما هي وهي قليلة بالنسبة لما علمناه، قلنا هي ~~من جنسها مصالح كتعيين زمان رمضان للصوم، والأوقات المعينة للصلاة نصب ~~الزكاة والحدود وغير ذلك، وغيرت قيود الجماعة بسب أنهم يقولون الأداء إيقاع ~~الواجب في وقته والقضاء إيقاع الواجب خارج وقته فيرد عليهم الطم والرم (1) ~~من الصور التي ذكرناها. # الثاني القضاء وهو إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عينه الشرع لمصلحة فيه. # ينتقض هذا الحد بأن العلماء يقولون حجة القضاء مع أن وقتها غير معين ~~بالتفسير المتقدم، وتسميتهم ما أدركه المسبوق من الصلاة أداء ما يصليه بعد ~~الإمام قضاء يقولون هل يكون قاضيا فيما فاته أو بانيا خلاف للعلماء، وبقوله ~~تعالى: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض (2) » ، مع أنها في وقتها، وقد ~~سماها الله تعالى قضاء. والجواب: أن القضاء في اللغة نفس الفعل كيف كان ~~كقول الشاعر: ... # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع (3) # فسمي فعله للزرديات قضاء، وليس المسمى اللغوي هو المحدود بل الاصطلاحي، ~~فلا يرد اللغوي عليه، وهو الذي في الآية، وأما قضاء الحج وصلاة المسبوق فهو ~~اصطلاحي، غير أن الجواب عنه أن القضاء ms060 في اصطلاح العلماء له ثلاثة معان: ~~أحدهما إيقاع الفعل الواجب خارج وقته كما تقدم تحريره. وثانيها ما وقع بعد ~~تعيين بسببه والشروع فيه، وهذا هو القضاء في الحج؛ لأنه لما أحرم به وتعين ~~بالشروع سمي بعد ذلك قضاء. وثالثها ما فعل على خلاف نظامه ومنه قضاء ~~الصلاة، فإن وضع الجهر PageV01P073 # في صلاة المغرب مثلا أن يكون قبل السر، فإذا وقع آخر الصلاة فقد وقع على ~~خلاف نظامه، وإذا كان اللفظ مشتركا بين ثلاثة معان وحددنا أحدها لا يرد ~~عليه الباقي نقضا لاختلاف الحقائق، كما أن من حد الحدقة الباصرة لا يرد ~~عليه الذهب نقضا لأنه يسمى عينا. # تنبيه: لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه عنه الإمام والمازري ~~وغيرهما من المحققين خلافا للقاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء؛ فإن ~~الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمن الحيض، والحرام لا يتصف بالوجوب وبسط ~~ذلك ذكرته في الفقه، ثم تقدم السبب قد يكون مع الإثم كالمعتمد المتمكن، وقد ~~لا يكون كالنائم والحائض، والمزيل للإثم قد يكون من جهة العبد كالسفر وقد ~~لا يكون كالحيض، وقد يصح معه الأداء كالمرض، وقد لا يصح أما شرعا كالحيض أو ~~عقلا كالنوم. # قولي خلافا للقاضي عبد الوهاب معناه أنه قال إن الحيض يمنع من صحة الصوم ~~دون وجوبه، فاشترط في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب، ولم يجعل ذلك ~~شرطا عاما، ووافقه الحنفية، غير أنهم صرحوا بأن الصوم واجب عليها وجوبا ~~موسعا، والقاضي وغيره لم أره تعرض لوصف التوسعة في ذلك. # احتج القائلون بالوجوب بأمور أحدها: عمومات النصوص الدالة على وجوب ~~الصوم. وثانيها: أنها تنوي قضاء رمضان فلولا تقدم الوجوب وإلا لكان هذا ~~واجبا مبتدأ فلا حاجة لإضافته لرمضان. وثالثها؛ أنه مقدر بقدر الفائت من ~~رمضان فأشبه تقدير قيم المتلفات بها فيكون بدلا كالقيمة بدلا من المنقوم، ~~ويقوم مقام ما تقدم من الوجوب كما تقوم القيمة مقام المتلف، ولذلك سميت ~~قيمة. # والجواب عن الأول: أن ظواهر النصوص معارضة بأدلة العقل القطعية، فإن ms061 ~~الصوم حرام راجح الترك، وما كان راجح الترك لا يكون راجح الفعل قطعا، وكيف ~~يتصور فيمن منع من الفعل أن يلزم بذلك الفعل إلا بناء على تكليف ما لا يطاق ~~وليس واقعا في الشريعة؟! وإذا تعارضت القواطع والظواهر قدمت القطعيات # PageV01P074 # وعن الثاني أن العبادة لا بد لها من نية مخصصة مميزة لها عن غيرها، وهذا ~~القضاء ليس نفلا ولا كفارة ولا نذرا ولا تجدد سببه، فتعين إضافته لذلك ~~السبب، فلم يبق له معنى إلا إضافته لرمضان ليتميز عن غيره، لا لأنه تقدمه ~~وجوب. وعن الثالث أن التعذر في رمضان جعله الشرع سببا لوجوب ما هو قدره؛ ~~فلذلك تبعه في المقدار لا لتقدم الوجوب؛ لأن السبب كذلك نصبه الشارع. # قالت الحنفية: لا يرد علينا مصادمة الوجوب والتحريم في زمن واحد، لأنا لم ~~نعين زمن الحيض للوجوب، بل قلنا هو على التوسعة، بخلاف القاضي عبد الوهاب. # قلت: وإن لم يرد عليهم هذا الإشكال يرد عليهم أن الواجب الموسع شأنه أن ~~يفعل في أول الوقت إن شاء المكلف، وهذه لو أرادت أن تصوم في زمن الحيض ~~منعت، فلم يبق للوجوب ظرف إلا بعد الحيض، وهو متفق عليه، فذكر التوسعة ~~مغالطة لا يحصل منها طائل بل يتعين. أما مذهب القاضي أو مذهب المازري بعدم ~~الوجوب مطلقا وهذه الحجاج وأجوبتها مبسوطة في الفقه في كتاب الذخيرة. # وقولي: المزيل للإثم قد يصح معه الأداء المرض، والمرض قسمان تارة يسقط ~~الوجوب لأجل فرط المشقة لطفا بالمكلف من غير فساد عضو ولا نفس، فهذا يصح ~~معه الأداء كالصلوات الخمس جزما وتارة يكون الصوم محرما يفضي لهلاك نفس أو ~~عضو فهذا # قال الغزالي في المستصفي: يحتمل إذا فعل لا يجزئ عنه لأنه حرام، والحرام ~~لا يجزئ عن الواجب، ويحتمل تخرجه على الصلاة فيا لدار المعصوبة، فإنه تصح: ~~لأنه مطيع لله تعالى بصومه وجان على النفس بالفساد كما جنى الغاصب على ~~منافع المغصوب وفيه احتمال. # فائدة: العبادة قد توصف بالأداء والقضاء كالصلات الخمس، وقد لا توصف بهما ~~كالنوافل، وقد توصف ms062 بالأداء وحده كالجمعة والعيدين. # تمثيلي بالعيدين إنما هو على مذهب مالك رحمه الله، وإلا فالشافعي وأحمد ~~رضي الله عنهما يقولان بالقضاء أيضا في العيدين وكل صلاة نافلة لها سبب، ~~وعلى الجمعة إشكال من جهة أن العرب لا تصف الشيء بصفة إلا إذا كان قابلا ~~لضدها، فلا # PageV01P075 # يقولون للحائط أنه أعمى وإن كان لا يبصر لأنه لا يقبل البصر عادة، وكذلك ~~لا يقولون له أصم لأنه لا يقبل السماع، ولذلك قال الإمام فخر الدين في ~~المحصول: إن العبادة لا توصف بالإجزاء إلا إذا أمكن وقوعها على وجهين ~~الإجزاء وعدمه أما على وجه واحد فلا، كمعرفة الله تعالى، كذلك هنا لما كانت ~~الجمعة لا تقبل القضاء ينبغي أن لا تصف بالأداء، ويحتمل أن يجاب عنه: بأن ~~الامتناع المعتبر هو العقلي كالمعرفة أو العادي كالجدار، وأما هبنا فالجمعة ~~قابلة عادة وعقلا أيضا أن يدخلها القضاء، لكن الشرع هو الذي منع، فالمنع ~~الشرعي أحفض رتبة في إطلاقات اللغات؛ فإن اللغات إنما تنبني على ما هو معود ~~كالعقل والعادة، وأما خصوص الشرائع فأمور لا تخطر ببال واضع اللغة حتى تقع، ~~وقد لا تقع فلا يبنى عليها قواعد اللغة العامة. # الثالث: الإعادة وهي إيقاع العبادة في وقتها بعد تقدم إيقاعها على خلل في ~~الأجزاء، كمن صلى بدون ركن، أو في الكمال كصلاة المنفرد. # هذا هو لفظ المحصول في اشتراط الوقت، وأما مذهب مالك فإن الإعادة لا تختص ~~بالوقت بلفي الوقت إن كان لاستدراك المندوبات أو بعد الوقت كفوات الواجبات. # الرابع: الصحة وهي عند المتكلمين ما وافق الأمر، وعند الفقهاء ما أسقط ~~القضاء، والبطلان يتخرج على المذهبين فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث صحيحه ~~عند المتكلمين، لأن الله تعالى أمره أن يصلي صلاة يغلب ظنه طهارته، وقد فعل ~~فهو موافق للأمر، وباطله عند الفقهاء لكونها لم تمنع من ترتيب القضاء، وأما ~~فساد العقود فهو خلل يوجب عدم ترتيب آثارها عليها إلا أن تلحق بها عوارض ~~على أصولنا في البيع الفاسد. # اتفق الفريقان على جميع الأحكام، وإنما الخلاف ms063 في التسمية؛ فاتفقوا على ~~أنه موافق لأمر الله وأنه مثاب، وأنه لا يجب عليه القضاء إذا لم يطلع عل ~~الحدث، # PageV01P076 # وأنه يجب عليه القضاء إذا اطلع، وإنما اختلفوا في وضع لفظ الصحة هل ~~يضعونه لما وافق الأمر سواء وجب القضاء أم لم يجب، أو لما لا يمكن أن ~~يتعقبه قضاء. ومذهب الفقهاء أنسب للغة؛ فإن النية إذا كانت صحيحة من جميع ~~الجهات إلا من جهة واحدة فإن العرب لا تسميها صحيحة وإنما تسمى صحيحا ما لا ~~كسر فيه البتة بطريق من الطرق، وهذه الصلاة هي مختلة على تقدير الذكر فهي ~~كالآنية المكسورة من وجه. # ووجه تخريج البطلان على المذهبين أنا إن فسرنا الصحة بموافقة الأمر كان ~~البطلان مخالفة الأمر، وإن فسرنا الصحة بما أسقط القضاء كان البطلان ما ~~أمكن أن يترتب فيه القضاء، وآثار العقود هي التمكن من البيع والهبة والأكل ~~والوقف وغير ذلك. # وأما العوارض التي تلحق بها على أصولنا فذلك أن النهي يدل على الفساد ~~عندنا وعند الشافعية، وعلى الصحة عند الحنفية، فطرد الحنفية أصلهم، وقالوا: ~~إذا اشترى أمة شراء فاسدا جاز له وطؤها، وكذلك جميع العقود الفاسدة، وطرد ~~الشافعية أصلهم وقالوا يحرم عليه الانتفاع مطلقا وإن بيع ألف بيع وجب نقض ~~الجميع، ونحن خالفنا أصلنا وراعينا الخلاف في المسألة، وقلنا إن البيع ~~الفاسد يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك، فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر ~~الملك بالقيمة وهي حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير ~~بها على تفصيل في ذلك في كتب الفروع، فهذه هي العوارض. # الخامس: الإجزاء؛ وهو كون الفعل كافيا في الخروج عن عهدة التكليف وقيل ما ~~أسقط القضاء. # الإجزاء شديد الالتباس بالصحة، فإن الصلاة الصحيحة مجزئة، وقولنا الكافي ~~في الخروج عن العهدة هو معنى قولنا في الصحة هي موافقة الأمر، وقولنا هنا ~~ما أسقط القضاء هو مذهب الفقهاء في الصحة فيلزم أن يكونا مسألة واحدة، فلم ~~عملوهما مسألتين؟ # PageV01P077 # والجواب: أن العقود توصف بالصحة ولا توصف بالإجزاء، وكذلك النوافل من ~~العبادات توصف بالصحة دون ms064 الإجزاء، وإنما يوصف بالإجزاء ما هو واجب، فلذلك ~~استدل جماعة من العلماء على وجوب الأضحية بقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ~~بردة بن نيار «تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك» بحينئذ الصحة أعم من الإجزاء ~~بكثير، فبما حقيقتان متباينتان فأمكن جعلهما مسألتين. # وقولهم الإجزاء ما أسقط القضاء غير متجه، ومن جهة أن الذي يسقط القضاء هو # المجزئ لا الإجزاء؛ فالأولى لصاحب هذا المذهب أن يقول وهو كون الفعل ~~مسقطا للقضاء فيجعله صفة في الفعل لا نفس الفعل. # وحكى الإمام فخر الدين أنه قيل إنه سقوط القضاء، فجعله صاحب هذا المذهب ~~نفسالسقوط، فيلزمه حيث وجد سقوط القضاء يوجد الإجزاء وليس كذلك، بل من مات ~~في وسط الوقت ولم يصل أو صلى صلاة فاسدة فإنه وجد في حقه سقوط القضاء ولم ~~يوجد الإجزاء، فإن القضاء إنما يتوجه بعد خروج الوقت وبقاء أهلية التكليف، ~~والميت ليس أهلا لتكليف، ولأنا نعلل سقوط القضاء بالإجزاء، والعلة مغايرة ~~للمعلول، فلا يكون الإجزاء نفس سقوط القضاء. ### | الفصل الخاس عشر فيما تتوقف عليه الأحكام # وهي ثلاثة السبب والشرط وانتفاء المانع فإن الله تعالى شرع الأحكام وشرع ~~لها أسبابا وشروطا وموانع، وورد خطابه على قسمين خطاب تكليف يشترط فيه علم ~~المكلف وقدرته وغير ذلك كالعبادات، وخطاب وضع لا يشترط فيه شيء من ذلك وهو ~~الخطاب بكثير من الأسباب والشروط والموانع، وليس ذلك عاما فيها، فلذلك نوجب ~~الضمان على المجانين والغافلين بسبب الإتلاف لكونه من باب الوضع الذي معناه ~~أن الله تبارك وتعالى قال إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أن حكمت بكذا ومن # PageV01P078 # ذلك الطلاق بالإضرار والإعسار والتوريث بالأنساب، وقد يشترط في السبب ~~العلم كإيجاب الزنا للحد والقتل للقصاص. # لا يوجد متوقف عليه وهو كما ما يتوقف عليه إلا أحد هذه الثلاثة في ~~العقليات والشرعيات والعبادات. # وقولي وهو كمال ما توقف عليه احتراز من جزء السبب وجزء الشرط، فإن جزء ~~السبب يتوقف عليه، وكذلك جزء الشرط، بخلاف جزء المانع لا يتوقف على ~~انتفائه؛ بل يكفي انتفاء تلك الحقيقة، ويكفي في انتفائها ms065 انتفاء جزء من ~~أجزائها إذ لو كان الجزء أيضا مانعا لكان ذلك موانع لا مانعا، وسميت ~~الأحكام الخمسة خطاب تكليف توسعا في العبارة، فإن التكليف من الكلفة ~~والمشقة، وذلك إنما يتحقق في الواجب للكلفة في تركه أو المحرم للكلفة في ~~فعله وما عداهما لا كلفة في فعله ولا في تركه؛ لأن الكلفة هي توقع العقوبة ~~الربانية، وهي لا توجد في غيرهما، ولذلك نقول: الصبي غير مكلف وإن كان ~~مندوبا للحج والصلاة عل الأصح؛ فغلب لفظ التكليف على الثلاثة الأخر تجوزا ~~وتوسعا، ويدل على # اشتراط العلم في التكليف قوله تعال «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (1) » ~~نفي التعذي حتى يحصل العلم بالتبليغ للسامع، وقوله تعالى «رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل» (2) يدل على أن الحجة ~~للخلق من جهة الجهل بعدم التبليغ، وبقوله تعالى «لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها» (3) ، والتكليف مع عدم العلم تكليف بغير الوسع، ولإجماع الأمة على ~~أن من وطئ امرأة يظنها زوجته أو شرب خمرا يظنه خلا لا يأثم لعدم العلم، ~~وكذلك العاجز غير مكلف إجماعا. # ويشترط مع العلم والقدرة شروط أخر تختص بكل عبادة منها شروط، كما يشترط ~~في الصلاة البلوغ، والزوال والإقامة في الجمعة، والصوم ودوران الحول في ~~الزكاة، وهو كثير مبسوط في كتب الفقه. ويسمى القسم الآخر خطاب وضع به لأنه ~~شيء وضعه الله تعلى في شرائعه لا أنه أمر به عباده ولا أناطه بأفعالهم من ~~PageV01P079 # حيث هو خطاب وضع، فلا يشترط العلم ولا القدرة في أكثر خطاب الوضع نحو ~~التوريث بالأسباب؛ فإن الإنسان إذا مات له قريب دخلت التركة في ملكه وإن لم ~~يعلم ولا ذلك بقدرته، حتى لو كان فيها رقيق يعتق عليه عتق، وكذلك يطلق ~~بالإعسار، وإن كان الزوج مجنونا غير عالم وعاجزا عن النفقة، وكذلك يجب ~~الضمان بالإتلاف وإن لم يعلم المتلف ما أتلفه لكونه غافلا أو مجنونا ولا ~~قدرة له على التحرز من ذلك وهو كثير في الشريعة، وبعض الأسباب يشترط فيه ~~العلم والقدرة وهو ms066 كل ما كان فيه جناية كالزنا وشرب الخمر ونحوه مما هو سبب ~~للعقوبة؛ فإن قواعد الشرع تتقاضى أنه لا يعاقب من لم يقصد المفسدة، ولم ~~يشعر بها إذا وقعت بغير كسبه، ولذلك اشترط في كل سبب هو جناية: العلم ~~والقدرة. بخلاف المثل السابقة لأنها ليست أسباب عقوبات، فإن الإتلاف وإن ~~كان جناية إلا أنه ليس بسبب عقوبة، بل الغرامة جابرة لا زاجرة، والعقوبة لا ~~تكون إلا زاجرة. # ويستثنى من أسباب العقوبات نوع آخر ليس منها وهو أسباب انتقال الأملاك في ~~المنافع والأعيان والأبضاع فإنه يشترط في هذه الأسباب العلم والرضا لقوله ~~عليه الصلاة والسلام «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس» فكان ذلك أصلا ~~في انتقال الأملاك والمنافع والأعيان والأبضاع فيشترط العلم لأنه شرط في ~~الرضا؛ فلذلك قلت وليس عدم الاشتراط عاما في خطاب الوضع، بل هذا هو شأنه ~~حتى يعرض له أمر خارج يوجب له اشتراط ذلك، وبقي من خطاب الوضع التقادير ~~الشرعية وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، وإعطاء المعدوم حكم الموجود كتقدير ~~الأثمان في الذمم والأعيان في السلم في ذمة المسلم إليه، والذمة نفسها هي ~~من جملة المقدرات، فإنها معنى شرعي مقدر في المحل قابل للإلزام والإلزام، ~~وقد تقدم من مثلها جملة في حد الحكم. # فائدة: قد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف، وقد ينفرد خطاب الوضع في شيء ~~واحد، ويكون ما يترتب عليه من خطاب التكليف في شيء آخر، مثال اجتماعهما في ~~شيء واحد الزانا والسرقة والعقود، فإنها أسباب تعلق بها التحريم أو الوجوب ~~أو الإباحة في العقود، وهي أسباب العقوبات وانتقال الأملاك، وكذلك الوضوء ~~والستارة شرطان فهما خطاب وضع، وواجبان فهما # PageV01P080 # خطاب تكليف، والزواج واجب أو مندوب أو مباح، وهو سبب الإباحة، والطلاق ~~كذلك وهو سبب تحريم، والقتل حرام وهو سبب حرمان الإرث، واللعان سبب التحريم ~~ونفي الولد، وهو واجب أو مباح، فاجتمع الأمران. مثال انفراد الوضع زوال ~~الشمس، وجميع أوقات الصلوات أسباب لوجوبها ورؤية الهلال سبب لوجوب رمضان، ~~وصلاة العيدين والنسك، وهذه التجددات ليس ms067 في قطعها خطاب تكليف، ودوران ~~الحول شرط، والحيض مانع، والبلوغ شرط، وجميع ما يترتب على هذه هو شيء آخر ~~غيرها، فالوضع في شيء والتكليف في شيء آخر، ولا يتصور انفراد التكليف إذ لا ~~تكليف إلا وله سبب أو شرط أو مانع، وأبعد الأمور عن ذلك الإيمان بالله ~~تعالى ومعرفته وهما سببان لعصمة الدم والمال، والكفر والنفاق وهما سببان ~~للإباحة فيهما. # إذا تقرر هذا فنقول: السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم ~~لذاته، فالأول احتراز من الشرط، والثاني احتراز من المانع، والثالث احتراز ~~من مقارنته فقدان الشرط أو وجود المانع، فلا يلزم من وجوده الوجود أو ~~إخلافه بسبب آخر، فلا يلزم من عدمه العدم. # إنما قلت احتراز من الشرط لأنه لا يلزم من وجود الشرط ولا عدم، وقولي ~~يلزم من عدمه العدم احتراز من المانع فإن عدم المانع لا يلزم منه شيء، كما ~~تقول الدين مانع من الزكاة، فإذا لم يكن عليه دين لا يلزم أن تجب عليه ~~الزكاة، لاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا أن لا تجب الزكاة لاحتمال أن يكون ~~عنده نصاب حال عليه الحول، وكذلك دوران الحول شرط، ولا يلزم من وجوده وجوب ~~الزكاة لاحتمال فقره، ولا عدم وجوب الزكاة لاحتمال غناه، فإن قارن السبب ~~فقدان الشرط كالنصاب قبل الحول فإنه لا يلزم من وجود الحكم الذي هو وجوب ~~الزكاة، وكذلك وجود المانع الذي هو الدين لا يلزم الوجود، وكذلك إذا أخلف ~~السبب سبب آخر لا يلزم العدم، كما إذا فقد الزنا لا يلزم أن لا يجب الجلد ~~لإخلافه بالقذف، وكذلك الردة بسبب القتل فقد تخلفها جناية القتل # PageV01P081 # عمدا أو ترك الصلاة أو غير ذلك؛ فيلزم وجود الحكم لأن الأسباب الشرعية ~~يخلف بعضها بعضا، فإذا قلت: لذاته خرجت هذه النقوض، فإن هذه الأسباب كلها ~~بالنظر لذاتها إذا قطعنا النظر عن كونها لها شروط أو أبدال أو موانع لزم من ~~وجودها الوجود ومن عدمها العدم، وإنما لا # يلزم ذلك في الحالين، إذا عرض لها هذه الأمور فهي ms068 بالنظر إلى ذاتها تقتضي ~~ذلك، وبالنظر إلى الأمور الخارجية يتأخر عنها ذلك، ولا تنافي بين اقتضاء ~~الشيء بالات وبين تخلفه للعوارض. # والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، ~~فالأول احتراز ممن المانع والثاني احتراز من السبب والمانع أيضا، والثالث ~~احتراز من مقارنته لوجود السبب، فيلزم الوجود عند وجوده أو قيام المانع ~~فيقارن العدم، والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا ~~عدم لدائته، فالأول احتراز من السبب والثاني احتراز من الشرط والثالث ~~احتراز من مقارنة عدمه لوجود السبب، فالمعتبر من المانع وجوده ومن الشرط ~~عدمه ومن السبب وجوده وعدمه. # مثال الشرط: الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة ولا يلزم من ~~وجوده وجوبها لاحتمال عدم النصاب، ولا عدم وجوبها لاحتمال وجود النصاب. ~~وكذلك جمع الشروط. أما إذا قارن وجود السبب فإنه يلزم وجوب الزكاة ولكن لا ~~لذاته بل لذات وجود السبب؛ أو يقارن وجود الشروط قيام المانع الذي هو الدين ~~فيلزم العدم لكن للمانع لا لذات الشرط، فالشرط بالنظر إلى ذاته لا يلزم من ~~وجوده شيء وإنما يتأتى اللزوم بالنظر إلى الأمور الخارجة كما تقدم في ~~السبب؛ وكذلك القول في تقرير المانع. # فوائد خمس: الأولى الشرط وجزء العلة كلاهما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم ~~من وجوده وجود ولا عدم فهما يلتبسان، والفرق بينهما أن جزء العلة مناسب في ~~ذاته والشرط مناسب في غيره كجزء النصاب، فإنه مشتمل # PageV01P082 # على بعض الغنى في ذاته. ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى وإنما هو مكمل ~~للغنى الكائن في النصاب. # إذا رتب الشارع الحكم مع أوصاف وأناطه بها فإن كانت كلها مناسبة فهي كلها ~~علة واحدة، وكل واحد منهما جزء علة إن لم نجد بعضها استقل بالحكم كالقصاص ~~مع القتل العمد العدوان؛ فإن الثلاثة سبب للقصاص، وكل واحد منها جزء علة: ~~لأن بعضها لم نجده استقل بوجوب القصاص. # وإن وجدنا بعضها يستقل بالحكم كان كل واحد منها علة مستقلة، فإن ms069 اجتمعت ~~ترتب الحكم، وإن انفرد بعضها ترتب الحكم أيضا، كالبكارة والصغر مع الإجبار ~~إن اجتمعا فللأب الإجبار، وإن انفرد أحدهما كالثيب الصغيرة أو البكر ~~المعنسة فله الإجبار على الخلاف، هذا إذا كانت كلها مناسبة فلا شرط فيها بل ~~هي علة واحدة أو علل كما تقدم. # وإن كان بعضها مناسبا وبعضها غير مناسب فالمناسب العلة وغير المناسب شرط ~~لضرورة توقف الحكم على وجوده، ولا بد في عادة الشرط من أن يكون مكملا لحكمة ~~السبب وهو الوصف الآخر، كالحول مع النصاب، لما وقف صاحب الشرع وجزء العلة ~~من جهة المناسب وعدمها. # الثانية إذا اجتمعت أجزاء العلة ترتب الحكم وإذا اجتمعت العلل المستقلة ~~ترتب الحكم أيضا، فما الفرق بين الوصف الذي هو جزء العلة وبين الوصف الذي ~~هو علة مستقلة والفرق بينهما أن جزء العلة إذا انفرد لا يثبت معه الحكم ~~كأحد أوصاف القتل العمد العدوان، فإن المجموع علة سبب القصاص، وإذا انفرد ~~جزء العلة لا يترتب عليه القصاص والوصف الذي هو علة مستقلة إذا اجتمع مع ~~غيره ترتب الحكم، وإذا انفرد ترتب الحكم أيضا، كإيجاب الوضوء على من لامس ~~وبال ونام، وإذا انفرد أحدها وجب الوضوء أيضا. # PageV01P083 # الثالثة: الحكم كما يتوقف على وجود سببه يتوقف على وجود شرطه فيم يعلم كل ~~واحد منهما؟ # الجواب: يعلم بأن السبب مناسب في ذاته والشرط مناسبته في غيره كالنصاب ~~مشتمل على الغنى في ذاته، والحول مكمل لحكمة الغنى في النصاب بالتمكن من ~~التنمية. # الرابعة الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام: منها ما يمنع ابتداء الحكم ~~واستمراره، ومنها ما يمنع ابتداءه فقط، ومنها ما اختلف فيه هل يلحق بالأول ~~أو بالثاني، فالأول كالرضاع يمنع ابتداء حكم النكاح واستمراره إذا طرأ ~~عليه، والثاني كالاستبراء يمنع ابتداء النكاح ولا يبطل استمراره إذا طرأ ~~عليه، والثالث كالإحرام بالنسبة إلى وضع اليد على الصيد، فإنه يمنع من وضع ~~اليد على الصيد ابتداء، فإن طرأ على الصيد فهل تجب إزالة اليد عنه؟ فيه ~~خلاف بين العلماء، وكالطول (1) يمنع من نكاح الأمة ابتداء فإن ms070 طرأ عليه فهل ~~يبطله؟ خلاف، كوجود الماء يمنع من التيمم ابتداء فإن طرأ بعد فهل يبطله فيه ~~خلاف. # مثال طرو الرضاع على النكاح أن يتزوج بنتا في المهد فترضعها أمه فتصير ~~أخته من الرضاع فتحرم عليه، والمستبرأة كالمعتدة لا يجوز العقد عليها صونا ~~لماء الغير عن # الاختلاط، فإذا غصبت امرأة متزوجة أو زنت اختيارا أو وطنت بشبهة فإنه ~~تستبرأ من هذا الماء ليتبين هل منه ولد فيلحق بالغير في وطء الشبهة أو ~~يلاعن منه في الزنا، ومع ذلك فالنكاح لا يبطل بهذا الاستبراء، فقد قوى ~~الاستبراء على منع المبادئ، وما قوى على قطع الفادي، والمحرم لا يحل له أن ~~يضع يده على الصيد، والإحرام يمنع من وضع الصيد؛ فإن أحرم وهو عنده فهل يجب ~~عليه إفلاته أم لا؟ فيه خلاف. PageV01P084 # الخامسة الشروط اللغوية أسباب لأنه يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها ~~العدم، بخلاف الشروط العقلية كالحياة مع العلم، والشرعية كالطهارة مع ~~الصالة، والعادية كالغذاء مع الحياة في بعض الحيوانات. # إذا قلت إن دخلت الدار فأنت حر، يلزم من دخول الدار الحرية ومن عدم ~~دخولها عدم الحرية، وهذا هو شأن السبب، أن يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه ~~العدم لذاته كما تقدم تحديده، وأما الحياة فلا يلزم من وجودها معرفة مذهب ~~مالك، ويلزم من عدم الحياة عدم معرفته، وهذا هو حقيقة الشرط كما تقدم ~~تحديده، ويلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة حيث كانت شرطا في صورة القدرة ~~عليها، ولا يلزم من وجود الطهارة صحة الصلاة لاحتمال عدم الصلاة بالكلية، ~~أو يصليها بدون شرط أو ركن، وقولي في بعض الحيوانات احتراز عما يحكى عن ~~الحياة أنها تمكث تحت التراب في الشتاء بغير غذاء وقيل تتغذى بالتراب فلا ~~يحترز عنها حينئذ. ### | الفصل السادس عشر في الرخصة والعزيمة # الرخصة جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعا، والعزيمة طلب ~~الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي، ثم الرخصة قد تنتهي للوجوب كأكل المضطر ~~الميتة، وقد لا تنتهي كإفطار المسافر، وقد يباح سببها ms071 كالسفر، وقد لا يباح ~~كالغصة بشرب الخمر. # الرخصة مشتقة من الترخص، والرخص هو اللين، فهي من حيث الجملة من السهولة ~~المسامحة واللين. # وفسرها الإمام فخر الدين في المحصول بجواز الإقدام مع قيام المانع، وذلك # PageV01P085 # مشكل؛ لأنه يلزم منه أن تكون الصلوات الخمس رخصة والحدود والتعازير ~~والجهاد والحج رخصة، لأن ذلك جميعه يجوز الإقدام عليه، وفيه مانعان؛ أحدهما ~~ظواهر النصوص المانعة من # التزامه، وهو قوله تعالى «وما جعل الله عليكم في الدين من حرج» (1) ، ~~وقوله تعالى «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» (2) ، وقوله عليه ~~الصلاة والسلام «لا ضرر ولا ضرار» ، وجميع ذلك يمنع أن تجب هذه الأمور ~~علينا لأنه حرج وعسر وضرر، غير أن ما فيها من المصالح العاجلة والمثوبات ~~الآجلة هو المعارض الذي لأجله خولفت ظواهر هذه النصوص. وثانيهما صورة ~~الإنسان مكرمة معظمة لقوله تعالى «ولقد كرمنا بني آدم» (3) ، وقوله تعالى ~~«لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» (4) ، والمكرم المعظم يناسب أن لا تهلك ~~بنيته بالجهاد ولا يلزم المشاق والمضار، ولذلك قلت أنا في حدي: مع اشتهار ~~المانع اشرعي، وأريد باشتهار المانع نفور الطبع الجيد السليم عند سماع ~~قولنا أكل فلان الميتة، أو أفطر في رمضان، أو شرب الخمر للغصة، ونحو ذلك، ~~وعلى هذا تخرج هذه النقوض عن حد الرخصة؛ فإنه لا ينفر أحد من قولنا أقيم ~~الحد على الإنسان، ولا صلى الإنسان، ونحو ذلك، ولا يستعظم كيف اجتمع ذلك مع ~~وصف الإنسانية كما يستعظم اجتماع الأكل مع الميتة والإفطار مع رمضان، ومع ~~هذا الاحتراز لا يسلم الحد عن الفساد. # فإن في الشريعة رخصا لم ألهم لها حالة ذكرى لهذا الحد وهي الإجازة رخصة ~~من بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه، والسلم رخصة لما فيه من الغرر ~~بالنسبة إلى المرئي، والقراض والمساقاة رخصتان لجهالة الأجرة فيهما، والصيد ~~رخصة لأكل الحيوان مع اشتماله على دمائه ويكتفى فيه بمجرد جرحه وخدشه، ومع ~~ذلك فلا ينفر أحد إذا ذكر له ملابسة هذه الأمور، فلا يكون حدي جامعا. ~~PageV01P086 # ثم استقراء الشريعة يقتضي ms072 أن ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلت على ~~البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة وإن قلت على البعد ولو في الكفر فإن فيه ~~تعظيم أهله وعصابته لمن شايعهم وعداوة أهل الحق له وطلب دمه وماله. وكذلك ~~تقول في الإيمان، وإذا كان هذا في أعظم الأشياء مصلحة وأعظمها مفسدة فما ~~ظنك بغيرهما، وقد قال الله تعالى في الخمر والميسر «قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما» (1) ، وعلى هذا ما في الشريعة حكم ~~إلا وهو مع المانع الشرعي، لأنه لا يمكن أن يراد بالمانع ما سلم عن المعارض ~~الراجح، فإن أكل الميتة وغيره وجد فيه معارض راجح على مفسدة الميتة، فحينئذ ~~ما المراد إلا المانع المغمور بالراجح المعارض له، وحينئذ تندرج جميع ~~الشريعة لأن كل حكم فيه مانع مغمور لمعارضته لما تقدم. # والذي تقرر عليه حالي في شرح المحصول وهنا أني عاجز عن ضبط الرخصة بحد ~~جامع مانع، أما جزئيات الرخصة من غير تحديد فلا عسر فيه إنما الصعوبة فيه ~~الحد على ذلك الوجه، وقولي وقد لا يباح سببها كالغصة لشرب الخمر، أريد أنه ~~لا يباح لأحد أن # يغص نفسه حتى يشرب الخمر ولا لغير شرب الخمر، بل الغصة حرام مطلقا. # وقال في المحصول: العزيمة هي جواز الإقدام مع عدم المانع. # فيرد عليه أن أكل الطيبات ولبس الثياب من العزائم لأنه يجوز الإقدام ~~عليها، وليس فيها مانع على زعمه في المانع، ولا يمكن أن تكون من العزائم؛ ~~فإن العزائم مأخوذة من العزم وهو الطلب المؤكد فيه، ولا طلب في هذه الأمور ~~فلذلك زدت في حدي: طلب الفعل مع عدم اشتهار المانع الشرعي، فقيد الطلب ~~ليخرج أكل الطيبات ونحوها، وعدم اشتهار المانع احتراز من الرخصة إذا طلبت ~~كأكل المضطر الميتة وقصدت بأصل الطلب (2) ولم أعين الوجوب لأن المالكية ~~قالوا إن السجدات المندوب السجود عند تلاوتها عزائم، فقالوا عزائم القرآن ~~إحدى عشرة سجدة، فذكرت الطلب ليندرج المندوب والواجب. PageV01P087 ### | الفصل السابع عشر في الحسن والقبح # حسن الشيء وقبحه يراد بهما ms073 ما يلائم الطبع أو ينافره كإنقاذ الغرقى ~~واتهام الأبرياء وكونهما صفة كمال أو نقص نحو العلم حسن والجهل قبيح، أو ~~كونه موجبا للمدح أو الذم الشرعيين، والأولان عقليان إجماعا والثالث شرعي ~~عندنا لا يعلم ولا يثبت إلا بالشرع، فالقبيح ما نهى اله تعالى عنه والحسن ~~ما لم ينه عنه. # وعند المعتزلة هو عقلي لا يفتقر إلى ورود الشرائع، بل العقل يستقل بثبوته ~~قبل الرسل، وإنما الشرائع مؤكدة لحكم العقل فيما علمه ضرورة كالعلم بحسن ~~الصدق النافع وقبح الكذب الضار، أو نظرا كحسن الصدق الضار وقبح الكذب ~~النافع، أو مظهرة لما لا يعلمه العقل ضرورة ولا نظرا، كصوم آخر يوم من ~~رمضان، وتحريم أول يوم من شوال. # وعندنا الشرائع الواردة منشئة للجميع، فعلى رأينا لا يثبت حكم قبل الشرع ~~خلافا للمعتزلة في قولهم إن كل ما يثاب بعد الشرع فهو ثابت قبله، وخلافا ~~للأبهري من أصحابنا القائل بالحظر مطلقا، وأبي الفرج القائل بالإباحة ~~مطلقا، وكذلك قال بقولهما جماعة من المعتزلة فيما لا يطلع العقل على حاله ~~كآخر يوم من رمضان وأول يوم من شوال. لنا قوله تعالى «وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا» (1) نفى التعذيب قبل البعثة فينتفي ملزومه وهو الحكم. # احتجوا بأننا نعلم بالضرورة حسن الإحسان وقبح الإساءة. # قلنا محل الضرورة مورد الطباع وليس محل النزاع. PageV01P088 # معنى قولي الأولان عقليان إجماعا: أنا وافقنا المعتزلة على أن الحسن ~~والقبح بهذين التفسيرين يستقل العقل بإدراكهما من غير ورود الشرائع، فيدرك ~~العقل أن الإحسان ملائم والإساءة منافرة، وأن العلم كمال والجهل نقص. # أما كون الفعل يثيب الله عليه أو يعاقب، فهذا لا يعلم إلا بالشرع عندنا ~~وبالعقل عندهم، فمن أنقذ غريقا ففي فعله أمران: أحدهما كون الطباع السليمة ~~تنشرح له وهذا عقلي، وثانيهما أن الله تعالى يثيبه على ذلك وهذا محل النزاع ~~وكذلك من غرق إنسانا ظلما فيه أمران أحدهما كونه يتألم منه الطبع السليم ~~وهذا عقلي، وثانيهما كونه يعاقبه الله تعالى عليه وهذا محل النزاع، فهذا ~~تلخيص محل النزاع. # وكذلك يدرك العقل ms074 أن العلم كمال وأن الجهل نقص وإن لم يبعث الله الرسل، ~~كما يدرك أن خمسة في خمسة بخمسة وعشرين، وجميع الأحكام العقلية من ~~الحسابيات والهندسيات، وكذلك الأمور العادية كالطيبات وغيرها لا يتوقف ~~دركها على الشرائع، وكذلك الأمور الإلهية فيما يجب لله تعالى ويستحيل عليه ~~أو يجوز في أفعاله يكفي فيها العقل، وأما وقوع أحد طرفي الجائز على الله ~~تعالى فلا يستقل العقل به، ولا يتوقف كله على الشرائع، بل قد يكفي فيه ~~الحواس الخمس أو إحداها، كما ندرك أن الله تعالى خلق الرائحة في المسك ~~واللون في الثلج والصوت في الجنين والخشونة فيا لقنفذ، أو بقرائن الأحوال ~~كخجل الخجل ووجل الوجل وغير ذلك. # وأما الثواب والعقاب العاجل في الدنيا أو الآجل في الآخرة أو أ؛ وال ~~القيامة أو الأحكام الشرعية فإن هذا ونحوه لا يعلم عندنا إلا بالرسائل ~~الربانية، وعندهم تدرك الأحكام والثواب والعقاب وكثير من أحوال القيامة ~~بالعقل: فإنهم يوجبون بالعقل خلود الكافر وصاحب الكبيرة في النار، وخلود ~~المؤمن ووجوب دخوله الجنة، وغير ذلك مما هو عندهم من باب العدل وفروع الحسن ~~والقبح، ونحن عندنا هذه الأمور كلها يجوز على الله تركها وفعلها، ولا نعلم ~~وقوعها وعدم # PageV01P089 # وقوعها إلا بالشرائع، فالقبيح عندنا ما نهى الله تعالى عنه، والحسن ما لم ~~ينه الله تعالى عنه، وعند المعتزلة القبيح هو المشتمل على صفة لأجلها يستحق ~~صاحبه الذم، والحسن ما ليس كذلك، ومقصودهم بالصفة المفسدة، ومقصودنا ~~ومقصودهم بقولنا وقولهم في الحسن ما ليس كذلك، والاكتفاء بمطلق هذا السبب ~~أمران: # أحدهما أن تكون الأفعال الإلهية حسنة لصدق عدم النهي عليها، ويندرج أيضا ~~فعل الساهي والغافل وأفعال البهائم. ولو قلنا الحسن هو المأمور به لم تندرج ~~الأفعال الإلهية لعدم الأمر فيها. # وثانيهما: أن ينطبق على قوله تعالى «ليجزينهم الله أحسن ما عملوا» (1) ~~مفهومه أن الله تعالى لا يجازيهم على الحسن وهو كذلك، إذا فسرنا الحسن بما ~~ليس منهيا عنه، كان أدنى رتبة الإباحة أو أعلى رتبة المطلوب، فيكون المباح ~~الحسن والمطلوب الأحسن والجزاء إنما ms075 يقع في المطلوب، فالجزاء إنما هو في ~~الأحسن لا في الحسن، فقد عملنا بالآية مفهوما ومنطوقا. # ثم المدرك عند المعتزلة في هذه المسألة أن الله تعالى حكيم فيستحيل عليه ~~تعالى إهمال المفاسد لا يحرمها، وإهمال المصالح فلا يأمر بها، فكذلك كل ما ~~هو ثابت بعد الشرع هو ثابت قبله، إذ لو لم يثبت قبله لوقع إهمال المفاسد ~~والمصالح؛ فالعقل عندهم أدرك أن الله تعالى حكم بتحريم المفاسد، وإيجاب ~~المصالح، لا لأن العقل هو الموجب، والمحرم، بل الموجب والمحرم هو الله ~~تعالى، ولكن ذلك عندهم يجب له لذاته لكونه حكيما، كما يجب له لذاته كونه ~~عليما. # ونحن نقول معنى كونه تعالى حكيما كونه تعالى متصفا بصفات الكمال من العلم ~~العام المتعلق والقدرة العامة التأثير، والإرادة النافذة ونحو ذلك من صفاته ~~تعالى، لا بمعنى أنه تعالى يراعي المصالح والمفاسد، بل له تعالى أن يضل ~~الخلق أجمعين وأن يهديهم أجمعين، وأن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، ~~فكل نعمة منه فضل PageV01P090 # وكل نقمة منه عدل، والخلائق دائرون بين فضله وعدله؛ فعندنا لا يثبت حكم ~~قبل الشرع، ولا يجب شكر المنعم إلا بالشرع، وعندهم ذلك كله عقلي بالتفسير ~~الذي تقدم من إدراك العقل لا من حكمه، والحاكم هو الله تعالى في الجميع. # ولما كانت هذه قاعدتهم قالوا في الكذب الضار أن قبحه مدرك بالضرورة، إذ ~~كونه كذبا جهة قبح، وكونه ضررا جهة قبح، والصدق النافع حسن بالضرورة، لأن ~~كونه صدقا جهة حسن، وكونه نفعا جهة حسن، فلا مدخل للنظر هنا، بل الصدق ~~الضار مجال النظر لاحتمال أن يرجح مصلحة الصدق على مفسدة الضرر فيقضي ~~بالحسن، أو بالعكس فيقضي بالقبح، أو يستويان فيجب التوقف، وكذلك الكذب ~~النافع ينقسم إلى الأقسام الثلاثة، فالكذب من العظيم أقبح منه من الحقير، ~~وفيا لشيء الحقير أقبح منه في حفظ المال الخطير أو النفس المؤمنة الزكية، ~~فلا بد من النظر في كل صورة حتى يقضي بحسنها أو بقبحها، أو # يتوقف فيها، وقد يتعذر النظر كآخر يوم من رمضان ms076 لا يقدر العقل أن يدرك ~~فرقا بينه وبين أول يوم من شوال، بل الشرائع عندهم إذا وردت عرفتهم أنه كان ~~فيه مصلحة، وفي أول يوم من شوال مفسدة، وأما عندنا فلا ضرورة ولا نظر، ولا ~~الشرع كاشف بل منشئ في الجميع، وعندهم الشرائع إما مؤكدة فيما تقدم علمه، ~~أو كاشفة فيما لم يتقدم علمه. # لنا أن العالم حادث؛ فهو إما أن يكون فيه مصالح أو لا يكون، فإن كان ~~الأول فقد أخر الله تعالى فعل المصالح دهورا لا نهاية لها، فلا يقال أن ~~الله تعالى لا يهمل المصالح، وحينئذ لا يجزم العقل بثبوت الأحكام قبل ~~الشرائع ولا بمراعاة المصالح، وإن كان العالم ليس فيه مصالح، وقد فعل الله ~~تعالى مالا مصلحة فيه، فلا يكون العقل جازما بأن الله تعالى لا يفعل إلا ما ~~فيه مصلحة، بل يجوز عليه فعل لا حكمة فيه على رأيهم، وذلك يخرم قاعدة ~~الحكمة بتفسيرهم، فهذا برهان قاطع على بطلان الحسن والقبح العقليين، ولم ~~أره مسطورا، وقد نقلت في شرح المحصول طرقا عديدة عن الأصحاب، وبينت ما ~~عليها من الإشكال وأخرت هذه الطريقة. # PageV01P091 # احتجوا بأنه لولا مراعاة المصالح والمفاسد، لكان تخصيص الفعل المعين من ~~بين سائر الأفعال بالحكم المعين من بين سائر الأحكام ترجيحا من غير مرجح، ~~لكن ما خصص بعضها بالتحريم وبعضها بالوجوب وبعضها بالإباحة، دل على أن ~~الوجوب للمصالح والتحريم للمفاسد والإباحة لعرو الفعل عنهما أو لاستوائهما ~~فيه، وذلك هو المطلوب. # جوابه: أن الأمر كما ذكرتم في مراعاة المصالح والمفاسد، لكن على سبيل ~~التفضل لا على سبيل الوجوب، ولم يحصل لكم دليلكم إلا أصل المراعاة لا ~~وجوبها، فنقول بموجب دليلكم. # تنبيه: قول من قال من الفقهاء بأن الأفعال قبل الشرع على الحظر أو على ~~الإباحة ليس هو موافقا للمعتزلة، بل هو من أهل السنة، غير أنه قال ذلك ~~لمدارك شرعية، أما دليل كونها على التحريم متقدما، فلقوله تعالى «ويسئولونك ~~ماذا أحل لهم» (1) ومفهومه أن المتقدم قبل الحل هو التحريم، وكذلك قوله ~~تعالى «أحلت لكم ms077 بهيمة الأنعام» (2) ومفهومه أنها كانت قبل ذلك محرمة، فدل ~~على أن حكم الأشياء كلها كانت على الحظر، وأما دليل الإباحة فقوله تعالى ~~«خلق لكم ما في الأرض جميعا» وقوله تعالى «أعطى كل شيء خلقه ثم هدى» (3) ~~وذلك يدل على أن الإذن في الجميع بهذه المدارك الشرعية الدالة على الحل قبل ~~ورود الشرائع، فلو لم ترد هذه النصوص لقال هؤلاء الفقهاء لا علم لنا بتحريم ~~ولا إباحة. # وتقول المعتزلة المدرك عندنا العقل فلا يضرنا عدم ورود الشرائع، فمن هنا ~~افترق هؤلاء الفقهاء من المعتزلة. # وأما قولي وكذلك قال بقول الأبهري وأبي الفرج جماعة من المعتزلة فيما لم ~~PageV01P092 # يطلع العقل عليه، فلا شك أن الشيخ سيف الدين قال اختلف جماعة من المعتزلة ~~البصريين وغيرهم في حكم ما لم يدركه العقل ضرورة ولا نظرا من الأشياء قبل ~~الشرع، فقيل بالحظر وقيل بالإباحة، وحكاه الإمام فخر الدين عاما في جميع ~~الأفعال وهو مناف لقواعد الاعتزال من جهة أ، القول بالحظر مطلقا يقتضي ~~تحريم إنقاذ الغريق وإطعام الجائع وإكساء العريان وذلك تأباه قواعد ~~الاعتزال، والقول بالإباحة مطلقا يقتضي إباحة القتل والفساد في الأرض، وذلك ~~تأباه قواعد الاعتزال أيضا؛ فلذلك اخترت طريق سيف الدين على طريق الإمام ~~فخر الدين، لأن ما لم يطلع العقل على مفسدته ولا مصلحته أمكن أن يكون ~~محظورا، ولا منافاة بينه وبين إيجاب ما تعلم مصالحه، لأنه تصرف في ملك ~~الغير بغير إذنه فيكون حراما غائبا؛ كأخذ مال الغير شاهدا، وأمكن القول ~~بإباحته وليس فيه إباحة مفسدة معلومة فلا تتناقض قواعد القوم بأنه تصرف لا ~~ضرر فيه على المالك الذي هو الله تعالى، ولا على المنتفع الذي هو العبد، ~~فوجب أن يكون مباحا كالتنزه على بستان الغير والنظر لنهره وداره. # غير أني بعد وضع هذا الكتاب رأيت كلام أبي الحسين في كتابه المعتمد في ~~أصول الفقه، وقد حكى عن شيعة المعتزلة الخلاف مطلقا من غير تقييد، كما حكى ~~الإمام، فرجعت إلى طريقة الإمام، وقد قررت ذلك نقلا وبحثا في شرح المحصول. # وأجاب ms078 أصحابنا عن مدركي الإباحة والحظر المتقدمين أن من شرط القياس اتحاد ~~باب المقيس والمقيس عليه، فلا تقاس العقليات إلا على العقليات، والعاديات ~~إلا على العاديات، والشرعيات إلا على الشرعيات. أما العقليات على الشرعيات ~~أو العاديات أو بالعكس فلا، وحينئذ نقول الحظر في مال الغير والإباحة في ~~النظر لبستانه؛ إن ادعيتم أنهما عقليان منعناكم ذلك، فإنه لا مدرك عندنا ~~إلا الشرع، وإن قلتم هما شرعيان سلمنا ذلك، غير أن القياسين يبطلان لأن ~~المقيس حكم عقلي إذ هو ما قبل الشرائع، والمقيس عليه شرعي، فما اتحد الباب، ~~فلا يصح القياس. # PageV01P093 # فائدة: الاستدلال بقوله تعالى «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (1) لا ~~يتم إلا بمقدمتين؛ فإنه لا يلزم من نفي التعذيب نفي التكليف، لاحتمال أن ~~يكون المكلف أطاع فلا تعذيب حينئذ، مع أن التكليف واقع، أو يكون عصى، غير ~~أن العذاب قد تأخر إلى بعد البعثة، كما تأخر عن بعد البعثة إلى يوم ~~القيامة، فلا بد من مقدمتين وهما قولنا # كلفوا قبل البعثة لتركوا عملا بالغالب، فإن الغالب على العالم العصيان ~~لقوله تعالى «وما وجدنا لأكثرهم من عهد» (2) وقوله تعالى «وإن تطع أكثر من ~~في الأرض يضلوك عن سبيل الله» (3) فهذه إحدى المقدمتين، الثانية أنهم لو ~~تركوا لعوقبوا عملا بالأصل، لأن الأصل ترتيب المسبب على سببه، والعصيان سبب ~~العقوبة فيترتب عليه فتنتظم ملازمتان هكذا: لو كلفوا لتركوا، ولو تركوا ~~لعذبوا؛ فالعذاب لازم التكليف ولازم اللازم لازم، فانتفاء اللازم الأخير ~~يقتضي انتفاء الملزوم الأول، كما أن انتفاء شرط الشرط يقتضي انتفاء ~~المشروط، فلذلك يلزم من انتفاء العذاب قبل البعثة انتفاء التكليف قبل ~~البعثة، وهو معنى قولي: نفي التعذيب قبل البعثة فينتفي ملزومه. # ومعنى قولي محل الضرورة مورد الطباع، وليس محل النزاع أن العقل إنما أنما ~~أدرك حسن الإحسان من جهة أنه ملائم للطبع لا من جهة أنه يثاب عليه، وقبح ~~الإساءة من جهة منافرتها للطبع لا من جهة أنه يعاقب عليها، والضرورة حينئذ ~~إنما هي في مورد الطباع الذي هو الملاءمة والمنافرة، لا في ms079 صورة النزاع ~~الذي هو الثواب والعقاب. PageV01P094 ### | الفصل الثامن عشر في بيان الحقوق # فحق الله تعالى أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه، والتكاليف عن ثلاثة أقسام ~~حق لله تعالى فقط كالإيمان، وحق للعبد فقط كالديون والأثمان، وقسم اختلف ~~فيه هل يغلب فيه حق الله تعالى أو حق العبد كحد القذف، ومعنى حق العبد ~~المحض أنه لو أسقطه لسقط وغلا فما من حق للعبد إلا فيه حق لله تعالى وهو ~~أمره تعالى بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه. # هذا هو تفسير الحقوق باعتبار اصطلاح العلماء، فإذا قالوا الصلاة حق لله ~~تعالى إنما يريدون أنه أوجبها ولم يريدوا صورة الفعل، وقد ورد في الحديث ~~الصحيح ما يرد هذا وهو «أن السائل سأل رسول الله b فقال ما حق الله على ~~عباده فقال رسول الله b أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، قال فما حق العباد ~~على الله قال إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم، ففسر حق الله تعالى بفعلهم لا ~~بأمره تعالى بذلك الفعل، فقال أن يعبدوه، فيحتمل أن يكون أراد عليه الصلاة ~~والسلام العبادة من حيث هي مأمور بها وهو الظاهر، لأن الفعل لو وقع ولم ~~يقصد به هذا لم يكن عبادة، فلا بد في العبادة أن يقصد بها أمر الله تعالى ~~وامتثاله، ويحتمل أن يكون حذف الأمر وهو مراده تقديره حقه تعالى أمره بأن ~~يعبدوه ولا # يشركوا به شيئا؛ فحذف الأمر وحرف الجر، أو يكون عبر بالعبادة عن المتعلق ~~به وهو الأمر مجازا لا لأنه حذف الأمر. # واختلف العلماء في حد القذف فقيل هو حق للعبد لأنه جناية على عرضه وقيل ~~حق لله تعالى؛ كما نقول في الأعضاء إن حفظها هو حق لله تعالى، كذلك ~~الأعراض، ولو أذن أحد في عضو من أعضائه لم يصح إذنه. والقول الثالث الفرق ~~بين أن يصل إلى الإمام فيغلب حق الله تعالى لوصوله لنائبه، وإن لم يصل إلى ~~الإمام كان حقا للعقد فيصح إسقاطه. # PageV01P095 ### | الفصل التاسع عشر في العموم والخصوص والمساواة والمباينة وأحكامها # الحقائق كلها أربعة أقسام ms080 إما متساويات وهما اللذان يلزم من وجود كل واحد ~~منهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه، كالرجم وزنا المحصن، وإما متباينان وهما ~~اللذان لا يجتمعان في محل واحد كالإسلام والجزية، وإما أعم مطلقا وأخص ~~مطلقا وهما اللذان يوجد أحدهما مع وجود كل أفراد الآخر من غير عكس كالغسل ~~والإنزال المعتبر، فإن الغسل أعم مطلقا، والإنزال أخص مطلقا، وإما كل واحد ~~منهما أعم من وجه وأخص من وجه، وهما اللذان يوجد كل واحد منهما مع الآخر ~~وبدونه كحل النكاح مع ملك اليمين، فيوجد حل النكاح بدون ملك اليمين في ~~الحرائر، ويوجد الملك بدون حل النكاح في موطوءات الآباء من الإماء، ~~ويجتمعان معا في الأمة التي ليس فيها مانع شرعي، فيستدل بوجود المساوي على ~~وجود مساويه وبعدمه على عدمه، وبوجود الأخص على وجود الأعم، وبنفي الأعم ~~على نفي الأخص، وبوجود المباين على عدم وجود مباينه، ولا دلالة في الأعم ~~على نفي الأخص وبوجود المباين على عدم وجود مباينه، ولا دلالة في الأعم من ~~وجه مطلقا، ولا في عدم الأخص، ولا وجود الأعم. # دليل الحصر أن المعلومين إما أن يجتمعا أو لا. الثاني: المتباينان. ~~والأول لا يخلو إما أن يصدق كل واحد منهما في جميع موارد الآخر أو لا، ~~الأول المتساويان والثاني إن صدق أحدهما في كل موارد الآخر من غير عكس فهو ~~الأعم مطلقا، والأخص مطلقا، وإلا فهو الأعم من وجه من وجه، والأخص من وجه، ~~مثلتها بهذه المثل الفقهية لأنها أقرب لطلبة العلم، وأمثلها أيضا بالموارد ~~العقلية. فالمتساويان كالإنسان، والضاحك بالقوة، يلزم من وجود كل واحد ~~منهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه؛ فلا إنسان إلا وهو ضاحك بالقوة، ولا ضاحك ~~بالقوة إلا وهو إنسان، وتعني بالقوة كونه قابلا له ولم يقع، ويقابله الضاحك ~~بالفعل، وهو المباشر للضحك، والمتباينان كالإنسان والفرس، فما هو إنسان ليس ~~بفرس، وما هو فرس ليس بإنسان، فيلزم من صدق أحدهما على ملح عدم صدق الآخر، ~~والأعم # PageV01P096 # مطلقا والأخص مطلقا كالحيوان والإنسان، فالحيوان صادق في جميع أفراد ~~الإنسان ولا ms081 يوجد الإنسان بدون الحيوان البتة. # والأعم من وجه ضابطه أنهما يجتمعان في صورة وينفرد كل واحد منهما بصورة؛ ~~كالحيوان والأبيض، فإن الحيوان إن وجد بدون الأبيض في السودان، ووجد الأبيض ~~بدون الحيوان في الجير والحجر الأبيض والثلج، واجتمعا معا في الحيوانات ~~البيض، فلا يلزم من وجود الأبيض وجود الحيوان، ولا من وجود الحيوان وجود ~~الأبيض، ولا من عدم أحدهما عدم الآخر، فلا جرم ولا دلالة فيه مطلقا لا في ~~وجوده ولا في عدمه. # بخلاف الأعم مطلقا: يلزم من عدم الحيوان أن عدم الإنسان، ومن وجود ~~الإنسان الذي هو الأخص وجود الحيوان، ولا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم، لأن ~~الحيوان قد يبقى موجودا في الفرس وغيره من أنواعه. ففائدة هذه القاعدة ~~الاستدلالات ببعض الحقائق على بعض، وتمثيلي المتساويين بالرجم وزنا المحسن ~~بناء على أن اللائط لا يرجم، أما لو فرعنا على أه يرجم كان الرجم أعم من ~~الزنا عموما مطلقا، كالغسل والإنزال المعتبر، فإن الغسل أعم مطلقاص لوجوده ~~بدون الإنزال في انقطاع دم الحيض، والتقاء الختانين، وعدم ذلك من أسباب ~~الغسل. ### | الفصل العشرون في المعلومات # المعلومات كلها أربعة أقسام؛ نقيضان، وهما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان ~~كوجود زيد وعدمه، وخلافان وهما اللذان يجتمعان ويرتفعان كالحركة واللون، ~~وضدان وهما اللذان لا يجتمعان ويمكن ارتفاعهما مع الاختلاف في الحقيقة، ~~كالسواد والبياض؛ ومثلان # PageV01P097 # وهما اللذان لا يجتمعان ويمكن ارتفاعهما مع التساوي في الحقيقة كالبياض ~~والبياض. # دليل الحصر أن المعلومين إما أن يمكن اجتماعهما أو لا، فإن أمكن فهما ~~الخلافان، وإن لم يمكن، فإما أن يمكن ارتفاعهما أو لا. الثاني النقيضان ~~والأول لا يخلو إما أن يختلفا في الحقيقة أو لا، الأول الضدان، والثاني ~~المثلان. # سؤال: كيف يقال في حد الضدين إنهما يمكن ارتفاعهما، والحركة والسكون ضدان ~~ولا يمكن ارتفاعهما عن الجسم، والحياة والموت لا يمكن ارتفاعما عن الحيوان، ~~والعلم والجهل لا يمكن ارتفاعهما عن الحي؟ # جوابه: أن إمكان الارتفاع أعم من إمكان الارتفاع مع بقاء المحل، فنحن ~~نقول # يمكن ارتفاعهما من حيث الجملة، ms082 وهما ممكنا الرفع مع ارتفاع المحل، فقبل ~~العالم لا متحرك ولا ساكن، ولا من العالم حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل فصح ~~الحد. # فائدة: الخلافان قد يتعذر ارتفاعهما الخصوص حقيقة غير كونهما خلافين، ~~كذات واجب الوجود سبحانه مع صفاته، وقد يتعذر افتراقهما كالعشرة مع الزوجية ~~خلافان، ويستحيل افتراقهما، والخمسة مع الفردية، والجوهر مع الأكوان، وهو ~~كثير، ولا تتنافى بين إمكان الافتراق والارتفاع بالنسبة إلى الذات، وتعذر ~~الارتفاع بالنسبة إلى أمر خارجي عنهما. # فائدة: حصر المعلومات كلها في هذه الأربعة الأقسام حق لا يخرج منها شيء ~~إلا ما توحد الله تعالى به وتفرد به فإنه ليس ضد الشيء ولا نقيضا ولا مثلا ~~ولا خلافا لتعذر الرفع، وهذا حكم عام في ذاته تعالى وصفاته العلى لتعذر ~~رفعها بسبب وجوب وجودها. # PageV01P098 ### | الباب الثاني في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه # الواو لمطلق الجمع في الحكم دون الترتيب في الزمان: # قال جماعة من الكوفيين إنها للترتيب، لنا قوله تعالى «ادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة» (1) وقوله تعالى «وقولوا حطة وادخلوا الباب» والقصة واحدة فلو ~~كانت للترتيب لزم التناقض وهو محال، وقوله تعالى حكاية عن كفار العرب ~~«وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم ~~بذلك من علم» (2) فلو كانت للترتيب لكانوا معترفين بالحياة بعد الموت ~~والبعث، وليس كذلك، وقيل في هذه الآية إن المراد تموت كبارنا وتولد صغارنا ~~فنحيا، فلا يلزم الاعتراف بالبعث على القول بالترتيب. والظاهر من اللفظ هو ~~القول الأول، وأن مرادهم نحيا ونموت، والواو لا تفيد الترتيب، ولأن الواو ~~قد تدخل فيما لا يمكن الترتيب فيه كقولنا: تضارب زيد وعمرو، ولا ترتيب في ~~ذلك؛ فدل على أنها ليست للترتيب. احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «بئس ~~الخطيب أنت» لما قال الخطيب: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد ~~غوى، وأمره بأن يقول من يعص الله ورسوله فقد غوى، ولولا أن الواو للترتيب ~~لما كان بين اللفظين فرق، ولما سمع عمر رضي الله عنه الشاعر يقول: ms083 كفى ~~الشيب ... والإسلام للمرء ناهيا. PageV01P099 # قال له لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، ولولا أنها للترتيب لما كان ~~بينهما فرق. # والجواب على الأول أن الترتيب له سببان أداة لفظية وحقيقة زمانية، ~~فاللفظية نحو الفاء وثم، والحقيقة الزمانية هي أن أجزاء الزمان مرتبة ~~بذاتها، فلا يقع الحال قبل الماضي، ولا المستقبل قبل الحال، ولا حين إلا ~~قبل حين بعده، وبعد حين قبله، واجتماع الأزمان محال، فإذا كانت أجزاء ~~الزمان مرتبة هكذا بعضها قبل بعض، والواقع في المرتب مرتب، وفي السابق سابق ~~على الواقع في اللاحق، فالمنطوق به أولا متقدم لتقدم زمانه على المنطوق به ~~آخر التأخر زمانه، ولذلك أنا نقدم المفعول على الفاعل لشرفه بالحقيقة ~~الزمانية فقط، فنقول أنشد النبي حسان بن ثابت، ولا لفظ مرتب هنا، بل الزمان ~~فقط، إذا تقرر هذا فنقول إذا قال الخطيب ومن يعص الله ورسوله، فقد حصل ~~الترتيب بالحقيقة الزمانية # عندنا، واتجه عتب الخطيب عند عدمها، فلم قلتم أن الترتيب لأداة لفظية؟ بل ~~لما ذكرنا، وهو مجمع عليه وما ذكرتموه مختلف فيه، وإضافة كلام الشارع ~~للمتفق عليه أولى. وهو الجواب عن الثاني. # فائدة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يؤمن أحدكم حتى يكون ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع ~~الخطيب، فما الفرق وما الجواب؟ # الجواب من وجهين: أحدهما ذكره الشيخ عز الدين عبد السلام - قدس الله روحه ~~- فقال: إن منصب الخطيب حقير قابل للزلل؛ فإذا نطق بهذه العبارة قد يتوهم ~~فيه لنقصه أنه إنما جمع بينهما في الضمير لأنه أهمل الفصل بينهما في الضمير ~~والفرق، فلذلك امتنع لما فيه من إيهام التسوية، ومنصب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في غاية الجلالة والبعد عن الوهم والتوهم، فلا يقع بسبب جمعه ~~عليه الصلاة والسلام وإيهام التسوية. # PageV01P100 # وثانيهما: ذكره بعض الفضلاء فقال: كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~جملة واحدة، وتقدم الظاهر من الجملة يبعد استعمال الظاهر موضع الضمير، بل ~~الضمير هو الحسن، وكلام الخطيب جملتان إحداهما ms084 مدح والأخرى ذم، فلذلك حسن ~~منه استعمال الظواهر مكان المضمرات. # والفاء للتعقيب والترتيب والتسبب نحو سها فسجد. # قال الإمام فخر الدين: الفاء للتعقيب بحسب الإمكان، احترازا من قولهم ~~دخلت بغداد فالبصرة، فإنه إذا كان بينهما ثلاثة أيام فدخل بعد الثلاثة فهذا ~~تعقيب عادة، أو بعد خمسة أو أربعة فليس بتعقيب، ولا يشترط في تعقيب دخول ~~البصرة أن يكون تليه بالزمن الفرد فذلك مستحيل، فلا يكون الوضع له. # وقولنا للتعقيب احتراز من (ثم) فإنها للتراخي والتسبب، كما في قولنا سها ~~فسجد، وسرق فقطع، وزنا فرجم، أي هذه المقدمات أسباب لما بعدها، والدليل على ~~أنها للترتيب أنها يجب دخولها في جواب الشرط إذا كان جملة اسمية نحو: من ~~دخل داري فله دينار، قال النحاة لو لم يقل (فله) بل قال (له) بغير فاء لكان ~~إقرارا بالدينار ولزمه دفعه له، ولم يكن تعليقا للدينار على دخول الدار، ~~وكان الشرط المتقدم يبقى لغوا بغير جواب. وكذلك إن دخلت الدار فأنت طالق أو ~~فأنت حر، لو حذف الفاء طلقت وعتق العبد في الحال، لأن الموجب لتعليق الطلاق ~~إنما هو الفاء في الجملة الاسمية، فإذا عدمت انقطع الكلام عما قبله فصار ~~إنشاء لا تعليقا؛ من حيث دلالة اللفظ لا من حيث الإرادة والفتيا؛ فإذا كانت ~~الفاء هي التي ترتب دل على أنها للترتيب. # وثم للتراخي. # هذا حقيقتها؛ فتقتضي أن ما بعدها وقع بعد ما قبلها وبينهما فترة، بخلاف ~~الفاء وقد تستعمل لتراخي الرتب دون الزمان من باب مجاز التشبيه، كقوله ~~تعالى: # PageV01P101 # «ثم كان من الذين آمنوا» (1) فرتبة الإيمان متراخية في العلو والشرف عن ~~رتبة الإطعام والإعتاق المتقدمتين عليه فلذلك دخلت ثم، وكذلك قوله تعالى ~~«ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» (2) فإن السجود ~~وإن وقع أولا لكن رتبته كانت أشرف فرتبته متراخية. وكذلك قول الشاعر # إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده # ما بعد ثم هو قبل، غير أن المقصود هو التراخي في الرتب، فيقصد أن أباه ~~كان أعظم ms085 رتبة منه، وجده كان أعظم رتبة من أبيه، فهذا المحسن للفظ ثم. # وحتى وإلى للغاية: # نحو بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، أو سرت حتى دخلت مكة. واختلف ~~العلماء في ابتداء الغاية وانتهائها هل يندرجان في المغيا أم لا؟ على أربعة ~~أقوال: ثالثها الفرق بين أن تكون الغاية من الجنس فتندرج أم لا فلا تندرج؛ ~~فإن كان المبيع رمانا والشجرتان رمانتان اندرجتا، وإلا فلا. الرابع: الفرق ~~بين أن يكون الفصل بينهما أمرا حسيا كما في قوله تبارك وتعالى: «ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل» (3) فلا يندرج لأن الظلام متميز عن النهار بالبصر، أو لا ~~فيندرج كما في قوله تعالى «وأيديكم إلى المرافق» (4) هذه الأربعة أنقلها في ~~انتهاء الغاية، وأما ابتداؤها فلا أنقل فيه إلى قولين. # فائدة: المغيا لا بد أن يتكرر قبل الغاية بعد ثبوته، فإذا قلت سرت إلى ~~مكة من مصر، فلا بد أن تثبت حقيقة لسير قبل مكة ويتكرر قبلها، أما ما لا ~~يتكرر فلا تتصور فيه الغاية، فلذلك قال بعض علماء الحنفية أن العامل في ~~قوله تعالى: PageV01P102 # «إلى المرافق» ليس هو اغسلوا أيديكم، لأن غسل اليد لا يثبت إلا بعد غسل ~~المرافق، لأن اليد اسم لها من الإبط إلى الأصابع، وغسل هذا لا يثبت قبل ~~المرافق فضلا عن تكرره، بل الثابت قبل المرفق بعض اليد، فيكون تقدير الآية ~~اغسلوا أيديكم واتركوا من آباطكم إلى المرافق، فإلى المرافق غاية للترك لا ~~للغسل، والترك ثبت قبل المرفق وتكرر إلى المرفق، وتفرع على هذا أن الغاية ~~لا تدخل في المغيا، فلا تدخل المرافق في الترك، فيغسل مع المغسول، وهذا بحث ~~حسن. # فائدة: حكاية العلماء الخلاف في اندراج انتهاء الغاية، ينبغي أن يحمل على ~~(إلى) # دون (حتى) بسبب تضافر قول النحاة على أن حتى لها شروط: أن يكون ما بعدها ~~من جنس ما قبلها وداخلا في حكمه وآخر جزء منه، أو متصلا به فيه معنى ~~التعظيم أو التحقير، فنصوا على اندراج ما بعدها في الحكم، فما بقي لدخول ~~الخلاف في اندراجه ms086 معنى، بل يندرج ليس إلا ويحمل الخلاف على (إلى) ، فإنه ~~ليس فيها نقل يعارضنا. # و (في) للظرفية والسببية نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - «في النفس ~~المؤمنة مائة من الإبل» . # كونها للسببية أنكره جماعة من الأدباء، والصحيح ثبوته، فإن النفس ليست ~~ظرفا للإبل، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الإسراء «فرأيت في ~~النار امرأة حميرية عجل برحها إلى النار لأنها حبست هرة حتى ماتت جوعا ~~وعطشا فدخلت النار فيها» معناه بسببها لأنها ليست في الهرة، ومنه «أحب في ~~الله وأبغض في الله» ، أي أحب بسبب طاعة الله وأبغض بسبب معصية الله. # واللام للتملك نحو المال لزيد، والاختصاص نحو هذا ابن لزيد، والاستحقاق ~~نحو السرج للدابة، والتعليل نحو هذه العقوبة للتأديب، وللتأكيد نحو إن زيدا ~~لقائم، وللقسم نحو قوله تعالى «لنسفعا بالناصية» (1) . PageV01P103 # ضابط التمليك أن يضاف ما يقبل الملك لمن يقبله، فيفيد الملك، ومنه قلنا ~~العبد لملك لقوله عليه الصلاة والسلام «من باع عبدا وله مال» والمواطن في ~~ذلك ثلاثة: موطن لا يقبل الملك نحو المال المجمل، وموطن يقبل الملك وهو ~~معين نحو المال لزيد، فيفيد لذلك في الثاني إجماعا وعدمه في الأول إجماعا، ~~وموطن غير معين نحو قوله تعالى «إنما الصدقات للفقراء» (1) الآية فمن لاحظ ~~قبول النوع للملك قال اللام للملك، ومن لاحظ عدم التعيين وعدم الحصر قال ~~تمليك غير المحصور ولا يتصور جعلها للاختصاص. فالواحد والعدد المحصور متفق ~~عليهما في إفادة الملك، وغير المحصور مختلف فيه، وقولنا في الاختصاص: هذا ~~ابن لزيد أولى من قولنا أب لزيد فإن الأب لا يلزم اختصاصه بهذا الابن، فقد ~~يكون له أولاد أخر، وأما الابن فلا يكون له أب واحد، والفرق بين الاستحقاق ~~والاختصاص أن الاستحقاق أخص، فإن ضابطه ما شهدت به العادة، كما شهدت للفرس ~~بالسرج والحمار بالبرذعة والدار بالباب، فهذا هو الاستحقاق. وقد يختص الشيء ~~بالشيء من غير شهادة عادة، فإنه ليس من لازم الشيء أن يكون له ولد كما تقول ~~في الفرس مع السرج. # والباء للإلصاق نحو مررت بزيد، ms087 والاستعانة نحو كتبت بالقلم، والتعليل نحو ~~سعدت بطاعة الله، والتبعيض عند بعضهم، وهو منكر عند بعض أئمة اللغة. # بقي المصاحبة نحو خرج زيد بثيابه، وبمعنى (في) نحو سكنت بمصر، والقائلون ~~بالتبعيض اشترطوا أن تكون مع فعل يتعدى بنفسه، حتى لا تكون للتعدية، وزعموا ~~أن من ذلك قوله تعالى «وامسحوا برءوسكم» (2) فإن العرب تقول مسحت رأسي ~~ومسحت برأسي، فلم يبق فرق إلا التبعيض، وليس كذلك، بل تقول: (مسح) له ~~مفعولان يتعدى لأحدهما بنفسه والآخر بالباء، ولم تخير العرب بين المفعولين ~~في هذه الباء، بل عينتها لما هو آلة المسح، فإذا قلت مسحت يدي بالحائط ~~فالرطوبة PageV01P104 # الممسوحة على يدك، والحائط هو الآلة التي أزلت بها عن يدك، وإذا قلت مسحت ~~الحائط بيدي فالشيء المزال هو على الحائط، ويدك هي الآلة المزيلة، وكذلك ~~مسحت يدي بالمنديل، المنديل آلة، والمنديل بيدي، فالتنظيف إنما وقع في ~~المنديل لا في يدك، هذه قاعدة عربية، ولم تخير العرب في ذلك، وحيث قالت ~~العرب مسحت رأسي، فالشيء المزال إنما هو عن الرأس، وحيث قالت برأسي، فالشيء ~~المزال عن غيرها وقد أزيل بها. # ولنا قاعدة أخرى إجماعية وهي أن الأئمة أجمعت على أن الله تعالى لم يوجب ~~علينا إزالة شيء عن رءوسنا ولا عن جميع الأعضاء، بل أوج علينا أن ننقل ~~رطوبة أيدينا لرءوسنا وجميع أعضاء الوضوء، وعلى هذا يتعين أن يكون الرأس له ~~آلة مزيلة عن غيرها. لا أنها مزال عنها؛ فيتعين الباء فيها للتعدية؛ لأن ~~العرب لا تعدي مسح للآلة بنفسها بل بالباء، فالباء ليست للتبعيض في الآية ~~بل للتعدية، لأنها على زعمهم لا تكون للتبعيض إلا حيث يتعدى الفعل بنفسه. # وأو إما للتخير نحو قوله تعالى «هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين ~~أو عدل ذلك صياما» (1) أو للإجابة نحو اصحب الفقهاء أو الزهاد، وله الجمع ~~بينهما بخلاف الأول، أو للشك نحو جاءني زيد أو عمرو، أو للإيهام نحو جاءني ~~زيد أو عمرو، وكنت عالما بالتي منهما وإنما أردت التلبيس على السامع، بخلاف ~~الشك، أو التنويع ms088 نحو العدد إما زوج أو فرد، أي هو متنوع إلى هذين النوعين. # يصح الإيهام والإيهام بالباء موحدة من تحتها والياء باثنتين من تحتها؛ ~~لأن المقصود التلبيس على السامع، وأنت في الشك لا تعلم الآتي منهما، وهذه ~~فروق بحسب كل واحدة منها على حدته، والفرق بين التخيير والإباحة والثلاثة ~~الباقية أن الثلاثة الأخيرة لا تكون إلا في الخبر، والتخيير والإباحة لا ~~يكونان إلا في PageV01P105 # الأمر فهذا فرق عام، والفرق الأول خاص، ومن التنويع قولنا العالم إما ~~جماد أو نبات أو حيوان؛ أي هو متنوع إلى هذه الأنواع الثلاثة. # و (إن) وكل ما تضمن معناها: للشرط نحو إن جاء زيد جاء عمرو، ومن دخل داري ~~فله درهم، وما تصنع أصنع، وأي شيء تفعل أفعل، ومتى أطعت الله سعدت، وأين ~~تجلس أجلس. # (إذا) تتضمن معنى الشرط أيضا نحو إذا جاء زيد فأكرمه، وقد تعرى عن الشرط ~~نحو قوله تعالى «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى» (1) أي أقسم بالليل في ~~حالة غشيانه والنهار في حالة تجليه، فهي ظرف محض، وإذا كانت للشرط تقبل إن ~~يعلق عليها المعلوم والمشكوك نحو إذا زالت الشمس فصل، فزوالها معلوم ~~الوقوع، وإذا جاء زيد فائتني؛ فمجيه مشكوك في وقوعه، ولا يعلق على أن إلا ~~المشكوك في وقوعه فلا يقال إن زالت الشمس فصل. # فائدة: قد وقعت (إن) في كتاب الله تعالى في غير ما موضع مع إن الله بكل ~~شيء عليه فهل ذلك مجاز، لفقدان الشرط أم لا؟ والحق أنه حقيقي لا مجاز؛ لأن ~~القرآن عربي، ومعنى ذلك أنه لو نطق بهذا الكلام عربي لكان وضعه أن يكون ~~شاكا والله تعالى وضع القرآن ونظمه كما نظمته العرب، أن لو كانوا متكلمين ~~بذلك الكلام من حيث النظم لا من حيث وجوه الإعجاز، فإذا قال الله تعالى ~~«وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا» (2) لو تكلم بهذا الكلام عربي لكان ~~وضعه الشك فيه؛ فما استعملت (إن) إلا في موضعها. # فائدة: التعليق ينقسم أربعة أقسام مطلق على مطلق نحو إن جاء ms089 زيد فأكرمه؛ ~~على مطلق الإكرام على مطلق المجيء، وعام على عام نحو كلما دخلت الدار فكل ~~عبد لي حر، فكل دخلة معلق عليها، وتعق كل عبد معلق على كل دخلة، وعام على ~~مطلق نحو إن دخلت الدار فكل عبد لي حر، ومطلق على عام نحو متى دخلت الدار ~~PageV01P106 # فأنت حر، علق حريته على كل فرد من أفراد الأزمنة التي يقع الدخول فيها. # وينشأ من هذه القاعدة فوائد جليلة عظيمة. # منها: أن اليمين تنحل بالمرة الواحدة في قولنا: متى دخلت الدار فأنت ~~طالق، فدخلت مرارا لا تطلق إلا مرة واحدة، وإن كان الأصوليون والفقهاء نصوا ~~على أن متى وحيث وأين من صيغ العموم، لأن المعلق عليه وإن كان عاما إلا أن ~~المعلق مطلق، فانحلت اليمين بالمرة، ومنها الفرق بين قول الفقهاء: إذا قال ~~كلما دخلت الدار فعلي درهم، وبين قولهم إذا قال: إن دخلت الدار أو متى دخلت ~~الدار فعلي درهم؛ أن لزوم الدرهم يتكرر في الأول دون الثاني، بسبب أنه في ~~الأول علق عاما على عام فيتكرر، وفي الثاني مطلق على عام فلم يتكرر، ولذلك ~~يتكرر عليه الطلاق في كلما دون متى ما وإن وإذا. # ومنها أن (إذا) وإن كانت مطلقة في الزمان مثل (إن) لكنها تدل على الزمان ~~مطابقة لأنها من أسمائه (وإن) وإن كانت مطلقة في الزمان مثل إذا إلا أنها ~~لا تدل على الزمان إلا بطريق الالتزام؛ لأنها لم توضع للزمان بل لربط أرم ~~ما بما دخت عليه، وذلك لا بد فيه من الزمان؛ فدلت على الزمان التزاما. ~~وبالجملة هذه قاعدة شريفة يعلم منها مباحث كثيرة في الأصول والفروع فينبغي ~~أن تضبط. # (ولو) مثل هذه الكلمات في الشرط نحو لو جاء زيد أكرمته، وهي تدل على ~~انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فمتى دخلت على ثبوتين فهما نفيان، أو على نفيين ~~فهما ثبوتان، أو على ثبوت ونفي فالثابت منفي والمنفي ثابت. # من خصائص الشرط أن يدخل على المستقبل ليس إلا كما تقدم أن عشر حقائق ~~تتعلق بالاستقبال: منها الشرط ms090 وجزاؤه، (ولو) تدخل على الماضي نحو لو زرتني ~~أمس زرتك اليوم، فينبغي أن لا تكون للشروط، لكنها فيها ربط جملة بجملة ~~فأشبهت الشرط من هذا الوجه، فقيل لها حرف شرط. مثال دخولها على النفيين ~~قولك لو لم يأتين زيد لم أكرمه، فيدل كلامك على أنه أتاك وأكرمته، ومثال ~~الثبوتين لو جاءني زيد أكرمته، فما جاءك ولا أكرمته، ومثال النفي والثبوت ~~لو لم يأتني # PageV01P107 # زيد عتبته، فقد أتاك وما عتبته، والثبوت والنفي نحو قولك لو أتاني زيد لم ~~أعتبه يقتضي أنه ما أتاك وقد عتبته. # وعلى هذه القاعدة أشكل قوله عليه الصلاة والسلام «نعم العبد صهيب؛ لو لم ~~يخف الله لم يعصه» (1) يقتضي أنه خاف وعصى، وذلك ذم والكلام سيق للمدح ~~وإبعاد طوره عن المعصية، وهي قد دخلت على نفيين فيتعين أن يكونا ثبوتين ~~فيلزم ما تقدم، فقال ابن عصفور (لو) هنا بمعنى إن، (وإن) إذا دخلت على ~~نفيين لا يكونان ثبوتين، فلا يلزم المحذور المتقدم. وقال الخسروشاهي: أصل ~~(لو) إنما هي للربط فقط، وانقلاب النفي للثبوت أو الثبوت للنفي، إنما جاء ~~من العرف، والحديث جاء بقاعدة اللغة دون العرف. وقال الشيخ عز الدين ابن ~~عبد السلام - رحمه الله - إن المسبب الواحد إذا كان له سبب واحد لزم ~~انتفاؤه، لأنه يثبت مع السبب الآخر، وغالب الناس أن طاعتهم لله تعالى ~~للخوف، فإنهم إذا لم يخافوا عصوا ولا يطيعوا، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن ~~صهيبا اجتمع في حقه سببان: الخوف والإجلال لله تعالى، فلو انتفى الخوف لم ~~تصدر منه المعصية لأجل الإجلال، فلو لم يخف الله لم يعصه، وهذا غاية ~~المدحة، كما تقول لو لم يمرض زيد لمات، أي # بالهرم، فإنه سبب آخر للموت، وحيث قلنا يلزم من النفي الثبوت إذا كان ~~للفعل سبب واحد، فكلام النحاة محمول عليه. # فائدة: قال ابن يعيش - في شرح المفصل - (لو) تكون بمعنى (إن) تقول أعجبني ~~لو قام زيد؛ أي قيامه، ومنه قوله تعالى «ودوا لو تدهن فيدهنون» (2) وقوله ~~تعالى «ود كثير من أهل الكتاب لو ms091 يردوكم من بعد إيمانكم كفارا» (3) ، ~~فالمفعوف هو لو وما بعدها، وكذا الفاعل في المثال الأول وهو غريب. ~~PageV01P108 # ولولا تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره لأجل أن لا نفت النفي الكائن مع ~~لو فصار ثبوتا، وإلا فحكم لو لم ينتقض، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لولا ~~أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يدل على انتفاء الأمر لوجود ~~المشقة المرتبة على تقدير ورود الأمر. # الأصل فيما تدخل عليه لو مما هو ثابت في ظاهر اللفظ أن يكون منفيا في ~~المعنى، فلما كان منفيا في المعنى (ولا) حرف نفي، والنفي إذا دخل على النفي ~~صار ثبوتا فلا جرم كان اسم لولا وجودا؛ فقلنا تدل على انتفاء الشيء الذي هو ~~جوابها لوجود غيره الذي هو اسمها، ونفي جواب لولا يحكم على معناه بالنفي، ~~وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي ثبوته، فهذا تقرير كون حكم (لو) لم ينتقض. # وقولي على تقدير ورود الأمر: قصدت به التنبيه على أن قول النحاة لوجود ~~غيره ليس هو كما يفهمه أكثر الناس: أن المراد وجوده بالفعل كما في قول عمر ~~رضي الله عنه «لولا علي لهلك عمر» (1) فعلي موجود حقيقة، والوجود في لولا ~~أعم من كونه واقعا، فإن المشقة في الحديث ليست واقعة ولا تقع، وإنما هي ~~واقعة على تقدير ورود الأمر، وذلك التقدير لم يقع ولا يقع، فقصدت إفهام هذا ~~العموم. # و (بل) لإبطال الحكم عن الأول وإيجابه للثاني نحو جاء زيد بل عمرو، ~~وعكسها (لا) نحو جاء زيد لا عمرو، ولكن للاستدراك بعد الجحد نحو ما جاءني ~~زيد لكن عمرو، ولا بد من أن يتقدمها النفي في المفردات، أو يحصل تناقض بين ~~المركبات. # أصل (بل) لإبطال الحكم عن الأول، وقد تستعمل مجازا للإضراب عن الحديث في ~~الجمل، فهي لإبطال المخبر عنه، وقد تستعمل لقطع الخبر وإبطاله مجازا لما ~~بين المخبر والخبر من التعلق، والارتباط كقوله تعالى «بل ادارك علمهم في ~~الآخرة بل هم PageV01P109 # في شك منها بل # هم منها عمون» (1) لم تبطل شيئا مما أخبر ms092 عنه تعالى، بل معنى، بل يكفي ~~الحديث في هذه القصة ولندخل في قصة أخرى، وكذلك قوله تعالى «بل الذين كفروا ~~في تكذيب» (2) للإضراب عن الخبر فيما تقدم دون المخبر عنه، والتناقض بين ~~المركبات مثل قولك سافر زيد لكن عمرو مقيم، فالإقامة تناقض السفر، فكأنك ~~قلت ما زيد مقر لكن عمرو، فإن قلنا سافر زيد لكن عمرو فقيه لم يجز لعدم ~~التناقض بين السفر والفقه، فلم يوجد ما يقوم مقام النفي من التناقض (3) . # والعدد يذكر فيه المؤنث ويؤنث فيه المذكر، ولذلك قلنا إن المراد بقوله ~~تعالى «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» (4) الأطهار دون الحيض لأن ~~الطهر مذكر والحيضة مؤنثة، وقد ورد النص بصيغة التأنيث فيكون المعدود مذكرا ~~لا مؤنثا. # هذا من الثلاثة إلى العشرة، أما الواحد والاثنان فاكتفت العرب فيهما بلفظ ~~الجنس والواحد والتثنية، فيحصل لفظ واحد والعدد والمعدود معاص، أعني الوحدة ~~والجنس، والتثنية والجنس، يقولون رجل ورجلان فيتعين المقصود، وأما رجال ~~فيحتمل الثلاثة وغيرها من مراتب الأعداد فلا ينضبط المراد، فأتوا بلفظ ~~العدد مع اللفظ الدال على الجنس فقالو: ثلاثة رجال وثلاث نسوة، فذكروا مع ~~المؤنث لئلا يجتمع تأنيثان أحدهما في العدد والآخر في المعدود، وأنثوا ~~المذكر لضرورة الفرق، والأمر كذلك إلى العشرة، فيجري الأحد عشر والاثني عشر ~~على تأنيث المؤنث وتذكير المذكر، كما كانا قبل الوصول إلى التركيب مع ~~العشرة، ومن الثلاثة عشر إلى التسعة عشر يكون الكلام له صدر وهو ما دون ~~العشرة PageV01P110 # وعجز وهو العشرة، فأما الصدر فيجري الحال فيه كما كان قبل العشرة من ~~تذكير المؤنث وتأنيث المذكر فلا تنتقض قاعدته، وأما عجز الكلام وهو العشرة ~~فيخالف صدره، فيؤنث مع المؤنث ويذكر مع المذكر، فنقول جاني خمسة عشر رجلا ~~وخمس عشرة امرأة، ولا تزال كذلك إلى التسعة عشر، وإذا قلت ثلاثمائة ذكرت، ~~لأنه جمع المائة وهي مؤنثة، وإذا قلت ثلاثة آلاف أنثت، لأن الألف مذكر ~~فأنثت في هذين على قاعدة ما قبل العشرة تذكر المؤنث وتؤنث المذكر. # PageV01P111 ### | الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ # يحمل اللفظ على ms093 الحقيقة دون المجاز، والعموم دون التخصيص، والإفراد دون ~~الاشتراك، والاستقلال دون الإضمار، وعلى الإطلاق دون التقييد، وعلى التأصيل ~~دون الزيادة، وعلى الترتيب دون التقديم والتأخير، وعلى التأسيس دون ~~التأكيد، وعلى البقاء دون النسخ، وعلى الشرعي دون العقلي، وعلى العرفي دون ~~اللغوي، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك، لأن جميع ما ادعينا تقديمه ترجح عند ~~العقل احتمال وقوعه على ما يقابله والعمل بالراجح متعين. # مثل هذه: الأسد حقيقة في الحيوان المفترس مجاز في الرجل الشجاع، وقوله ~~تعالى «وأن تجمعوا بين الأختين» (1) يحمل على عمومه دون التخصيص الذي هو ~~الأختان الحرتان. دون المملوكتين، ولفظ النكاح يجعل لمعنى واحد وهو الوطء ~~أرجح من كونه مشتركا بينه وبين سببه الذي هو العقد (2) والاستقلال كقوله ~~تعالى «أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض» (3) . # يقول الشافعي رضي الله عنه: يقتلوا إن قتلوا وتقطع أيديهم إن سرقوا، ونحن ~~نقول الأصل عدم الإضمار، والإطلاق كقوله تعالى «لئن أشركت ليحبطن عملك» (4) ~~قلنا مطلق الشرك محبط للعمل. PageV01P112 # قال الشافعي رضي الله عنه بل يقيد بالوفاة على الكفر قلنا الأصل عدم ~~التقييد. # ومثال الزيادة: قوله تعالى «لا اقسم بهذا البلد» (1) قيل لا زائدة وأصل ~~الكلام أقسم بهذا البلد، وقيل ليست زائدة وتقدير الكلام لا أقسم بهذا البلد ~~وأنت ليس فيه، بل لا يعظم ويصلح للقسم إلا إذا كنت فيه. # والتقديم والتأخير: كقوله تعالى «والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة» (2) الآية، فظاهرها أنه لا تجب الكفارة غلا بالوصفين ~~المذكورين قبلها وهما الظهار والعود؛ وقيل فيها تقديم وتأخير تقديره والذين ~~يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون لما كانوا من قبل الظهار سالمين ~~من الإثم بسبب الكفارة، وعلى هذا لا يكون العود شرطا في كفارة الظهار. # ومثال التأكيد: قوله تعالى في سورة الرحمن «فبأي آلاء ربكما تكذبان» من ~~أول السورة إلى آخرها، فإن جعلناه تأكيدا وهو مقتضى ظاهر اللفظ يلزم أن ~~يكون التأكيد قد تكرر أكثر من ثلاث مرات، والعرب لا ms094 تزيد في التأكيد على ~~ثلاث، فيحمل الآي في كل موطن على ما تقدم قبل لفظ ذلك التكذيب، ويكون ~~التكذيب ذكر باعتبار ما قبل ذلك اللفظ خاصة فلا يتكرر منها لفظ فلا تأكيد ~~البتة في السورة كلها، فقوله تعالى «يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (3) ، فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان» فالمراد بآلاء خروج اللؤلؤء والمرجان خاصة، وكذلك جميع ~~السورة، وكذلك القول في سورة «والمرسلات» فإن ظاهر تكرير قوله تعالى «ويل ~~يومئذ للمكذبين» إنه تكرار وتأكيد فيلزم الزيادة على الثلاث، فيحمل على ~~المكذبين بما ذكر قبل كل لفظ على حياله، فيكون الجميع تأسيسا لا تأكيدا. # ومثال النسخ: اختلاف العلماء في إباحة سباع الطير، فقيل إنها مباحة لقوله ~~تعالى «قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو ~~PageV01P113 # دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به» (1) فالحصر ~~في هذه الأربعة يقتضي إباحة ما عداها ومن جملتها السباع، وورد نهيه b عن ~~أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، فقيل ناسخ للإباحة وقيل ليس ~~ناسخا والأكل مصدر أضيف للفاعل دون المفعول، وهو الأصل في إضافة المصدر بنص ~~النحاة، فيكون الخبر مثل قوله تعالى «وما أكل السبع» (2) ويكون حكمها ~~واحدا، وبحثه مستقصى في الفقه في كتاب الذخيرة. # ومثال العقلي: قوله عليه الصلاة والسلام «الاثنان فما فوقهما جماعة» فإن ~~حملناه على معنى الاجتماع وأنه حصل بهما فذلك معلوم بالعقل، وإن حملناه على ~~حصول فضيلة الجماعة وذلك حكم شرعي وهو أولى، لأن رسول الله b إنما بعث ~~لبيان الشرعيات. # ومثال العرفي: قوله b «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» إن حملناه على ~~اللغوي وهو الدعاء لزم أن لا يتقبل الله دعاء بغير طهارة ولم يقل به أحد، ~~فيحمل على الصلاة في العرف وهي العبادة المخصوصة فيستقيم. # فروع أربعة: الأول يجوز عند مالك والشافعي رضي الله عنهما وجماعةم ن ~~أصحاب مالك استعمال اللفظ في حقائقه إن كان مشتركاص أو مجازاته أو مجازه ~~وحقيقته، خلافا لقوم، ويشترط فيه ms095 دليل يدل على وقوعه، وهذا الفرع مبني على ~~قاعدة وهي أن المجاز ثلاثة أقسام جائز إجماعا وهو ما اتحد محمله وقربت ~~علاقته، وممتنع إجماعا وهو مجاز التعقيد، وهو ما افتقر إلى علاقات كثيرة ~~نحو قول القائل تزوجت بنت الأمير، ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة ~~بالمدينة، معتمدا على أن النكاح ملازم للعقد الذي # هو ملازم للعاقد الذي هو ملازم لأبيه، ومجاز مختلف فيه وهو الجمع بين ~~حقيقتين أو PageV01P114 # مجازين أو مجاز وحقيقة فإن الجمع بين حقيقتين مجاز، وكذلك النافي، لأن ~~اللفظ لم يوضع للمجموع فهو مجاز فيه، فنحن والشافعية نقول بهذا المجاز، ~~وغيرنا لا يقول به لنا قوله تعالى «إن الله وملائكته يصلون على النبي» ~~والصلاة من الملائكة الدعاء ومن الله الإحسان فقد استعمل في المعنيين ~~احتجوا بأنه يمتنع استعماله حقيقة لعدم الوضع مجازا لأن العرب لم تجزه ~~والجواب منع الثاني. # حرر الشيخ سيف الدين رحمه الله هذا الموضع فقال: اللفظة الوحدة من متكلم ~~واحد في وقت واحد إذا كانت مشتركة بين معنيين أو حقيقة في أحدهما مجازا في ~~الآخر، ولم تكن الفائدة فيهما واحدة هل يجوز أن يريد بها كلا المعنيين؟ ~~خلاف فقصد باللفظة الواحدة الاحتراز عن اللفظتين فإنه يصح أن يريد بهما ~~معنيين إجماعا، وإن كان مشتركين فيهما، ويجوز للمتكلمين أن يريد أحدهما ~~باللفظ المشترك أحد المعنيين ويريد الآخر المسمى الآخر إجماعا وفي وقت ~~واحد، احترازا من إطلاق المتكلم الواحد اللفظ المشترك للمعنيين في وقتين، ~~فإن ذلك جائز إجماعا، فتقول: رأيت عينا وتريد الباصرة، وفي وقت آخر رأيت ~~عينا وتريد الفوارة، وقوله ولم تكن الفائدة فيهما واحدة احترازا من إطلاق ~~اللفظ المشترك على معنيين مختلفين، والمقصود أمر مشترك بينهما، كما لو ~~أطلقنا لفظ القرء ونريد به معنى الجمع أو الانتقال، أو غير ذلك من الأمور ~~المشتركة بينهما، ولا نريد معه غيره، فهذا جائز إجماعا بخلاف ما إذا أريد ~~خصوص كل واحد منهما فهو محل الخلاف. # وبهذا يظهر بطلان استدلال الحنفية على أن المراد بآية الإقراء في العدة ~~الحيض ms096 بقوله عليه الصلاة والسلام «اتركي الصلاة أيام إقرائك» فإن المراد ~~الحيض إجماعا، فيكون هذا بيانا للآية، مع أن المتكلم متعدد وفي وقتين، فجاز ~~أن المتكلم الأول أراد الطهر والثاني أراد الحيض فلا دلالة في الحديث على ~~ذلك قاله الشيخ سيف الدين الآمدي. # فوائد: الأولى - القائلون بجواز الجمع اشترطوا أن يا يمتنع الجمع بينهما. # الثانية: لم يقل منهم بوجوب الحمل عند التجرد إلا الشافعي والقاضي، ولم ~~يوجب المعتزلة ذلك. # PageV01P115 # الفائدة الثالثة: اختلفوا في المنع هل هو لأجل الوضع أو القصد، والقائل ~~بأنه للقصد الغزالي وأبو الحسين البصري. # الفائدة الرابعة: بعض من منع من التعميم في الإيجاب قاله في النفي كان ~~اللفظ مفردا أو جمعا. # الفائدة الخامسة: قال ليس اللفظ المشترك عند الشافعي والقاضي إذا أريد به ~~مجموع # مسمياته مجازا بل حقيقة كسائر الألفاظ العامة في صيغة العموم، ولهذا حمله ~~عند التجرد على العموم. # قلت: وكون المشترك من صيغ العموم وافق عليه المستصفى والبرهان وجماعة؛ ~~حتى إن سيف الدين والجماعة لم يضعوا هذه المسألة إلا في باب العمومات. # وقال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في شرح المعالم اختلف المعممون فمنهم ~~من قال حقيقة ويعزى للشافعي وهو بعيد، ومنهم من قال بطريق المجاز، وإليه ~~مال إمام الحرمين. قلت: مسمى العموم واحد كما تقدم والمشترك مسمياته متعددة ~~فليس من صيغ العموم ولأن الفرض في لفظ وضع لكل واحد بخصوصه لا لمشترك بين ~~أفراد بوصف الكلية، ومن شرط العموم أن تكون أفراده غير متناهية والمشترك ~~أفراده متناهية، فإن وضع للمجموع كان المسمى واحدا بغير اشتراك والفرض أنه ~~مشترك، ولعل الشافعي رضي الله عنه يريد بأنه حقيقة: أنه في كل فرد على ~~حياله لا في الجميع، فلما كان مشتملا على الحقيقة من حيث الجملة سماه حقيقة ~~وسعا، ويكون مدركه في الحمل على التعميم الاحتياط؛ ليحصل مقصود المتكلم ~~قطعا، وهو اللائق بمنصب هذا الإمام العظيم. # الفائدة السادسة: مثل شرف الدين بن التلمساني استعمال المشترك في النفي ~~بقوله لا عين لي فهل يعم جميع مسميات العين أم لا؟ ms097 # الفائدة السابعة: قال النقشواني اللفظ المشترك إما مفرد أو جمع والمفرد ~~إما معرف باللام أو منكر، والجمع إما مذكور بلفظ الكل والجميع، نحو اعتدي ~~بكل قرء، وعلى التقادير فإما مكرر، نحو اعتدي بقرء قرء أو اعتدي بالإقراء # PageV01P116 # والإقراء، وكل ذلك إما في الثبوت أو النفي كما في النهي، أما المفرد ~~المنكر غير المتكرر فلا يستعمل في معنييه نفيا ولا إثباتا؛ لأن التنكير ~~يقتضي التوحيد وهو يضاد الجمع، وإن كرر فقد جوز استعماله في جميع معانيه ~~لاحتمال كل إطلاق لمعنى، والمذكور بلفظ الكل والجمع قالوا يجب الحمل على ~~معانيه جميعا لأنه لا كل ولا جمع في المفرد الواحد، لأن الحيض والطهر لا ~~يمكن الحمل على جميع أفرادها فتعين الجمع بينهما، أما في مثل العين فقد ~~يتصور ذلك فلا يجب الحمل، وإن كان بصيغة العموم أو مفردا محلى باللام. # قلت: والظاهر أن هذا التقسيم من النقشواني لا أنه منقول ونقلته، لأن فيه ~~مجالا للنظر والتفصيل، وأقرب ذلك إذا كرر المنكر أمكن أن يقال لا يتعين ~~اللفظ الثاني في معنى ثان لصدق اللفظ على الأول، وأمكن أن يقال بل يتعين ~~لئلا يلزم التأكيد والتكرار وهو خلاف الأصل، وكذلك العطف يثير أيضا نوعا من ~~النظر، لأن الشيء لا يعطف على نفسه فيتعين التغاير والجمع بخلاف صورة عدم ~~العطف، وكذلك إذا جاء التعريف بعد التنكير # نحو اعتدي بقرء اعتدي بالقرء، هل يجعل اللام للعهد أو للعموم، موضع نظر، ~~وكذلك إذا اجتمع العطف واللام يمكن القول بحصول التعارض؛ لما في العطف من ~~موجب التغاير فيتعدد، وما في اللام من العهد فلا يتعدد؛ فكلها مباحث يمكن ~~ملاحظتها. # سؤال: استشكل الإبياري قول القاضي بالعموم في المشترك مع أنه منكر لصيغ ~~العموم حيث اتحاد المسمى، وإنكار الجمع أقرب في المشترك وهو مشكل كما قاله. # تنبه: الذين قالوا المانع من جهة القصد قالوا إنه باعتبار كونه مريدا ~~لهذا الفرد غير مريد لذلك الفرد، وباعتبار كونه مريدا لذلك الفرد يكون ~~مريدا له فيكون مريدا له ولا مريدا له، وكذلك كونه مريدا ms098 للحقيقة يقتضي أنه ~~غير مريد للمجاز وكونه مريد للمجاز لا يكون مريدا للحقيقة، فيجتمع ~~النقيضان، وإرادة اجتماع النقيضين محال. # PageV01P117 # وجوابه: أن اجتماع النقيضين باعتبارين ليس محالا، ولا يكونان نقيضين ولا ~~تناقض بينهما، والإرادة وعدمها هنا باعتبار جهتين. # فائدة: احتجاجهم بآية الصلاة يرد عليه أنه يمكن إضمار الخبر عن الأول فلا ~~يحصل مقصودهم، ويكون التقدير أن الله يصلي وملائكته يصلون، وكذلك قوله ~~تعالى «ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض» إلى قوله تعالى ~~«وكثير من الناس» (1) يمكن أن يقال يضمر ويسجد له كثير من الناس، فيكونان ~~لفظين استعملا في معنيين فلا جمع، أو يكون لفظ السجود استعمل مطلق الانقياد ~~دون خصوص الخضوع وخصوص وضع الجهة على الأرض، فيكون المراد واحدا فلا جمع. # فائدة: عادة جماعة يقولون: الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة ومن ~~الملائكة بمعنى الدعاء؛ فقد جمع بين المعنيين، ويفسرون الصلاة في حق الله ~~تعالى بالرحمة والدعاء، والدعاء مستحيل والرحمة مستحيلة لأنها رقة في ~~الطبع، فيفسرون المستحيل بالمستحيل، وذلك غير جائز، فلذلك فسرتها بالإحسان؛ ~~فأنه ممكن في حق الله تعالى، وقولي أول المسألة: وجماعة من أصحابنا أريد ~~أصحاب مالك، وسبق القلم في الأصل إلى المالكية وصوابه ويجوز عند مالك ~~والشافعي وجماعة من أصحاب مالك (2) . # الفرع الثاني: إذا تجرد المشترك عن القرائن كان مجملا لا يتصرف فيه إلا ~~بدليل بعين أحد مسمياته. # وقال الشافعي حمله على الجميع احتياطا. # الفرع الثالث: إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح كلفظ ~~الدابة # حقيقة مرجوحة في مطلق ما دب والدابة مجاز في الحمار، فيحمل على الحقيقة ~~عند أبي حنيفة ترجيحا للحقيقة على المجاز، وعلى المجاز الراجح عند أبي يوسف ~~نظرا للرجحان. PageV01P118 # وتوقف الإمام في ذلك كله للتعارض. # والظاهر مذهب أبي يوسف فإن كل شيء قدم من الألفاظ إنما قدم لرجحانه ~~والتقدير رجحان المجاز فيجب المصير إليه. # وهنا دقيقة وهي أن الكلام إن كان في سياق النفي والمجاز الراجح بعض أفراد ~~الحقيقة كالدابة والطلاق، فيكون الكلام نصا في نفي المجاز ms099 الراجح بالضرورة ~~فلا يتأتى توقف الإمام، وإن كان في سياق الإثبات والمجاز الراجح بعض أفراد ~~الحقيقة فهو نص في إثبات الحقيقة المرجوحة بالضرورة، فلا يتأتى توقف ~~الإمام، وإنما يتأتى له ذلك إن سلم له في نفي الحقيقة، والكلام في سياق ~~النفي أو في إثبات المجاز والكلام في سياق الإثبات أو يكون المجاز الراجح ~~ليس بعض أفراد الحقيقة كالراوية والنجو. # وهذه المسألة مرجعها إلى الحنفية وقد سألتهم عنها ورأيتها مسطورة في ~~كتبهم على ما أصف لك. # قالوا المجاز إن كان مرجوحا لا يفهم إلا بقرينة قدمت الحقيقة إجماعا، وإن ~~غلب استعماله حتى ساوى الحقيقة، ولا راجح ولا مرجوح بالكلية، فالحقيقة ~~مقدمة عند أبي يوسف، ولا خلاف أيضا، وإن رجح المجاز فله حالتان، تارة تمات ~~الحقيقة بالكلية فيرجح أبو حنيفة إلى أبي يوسف ويقدم المجاز الراجح اتفاقا، ~~وإن كانت الحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات فهذا موضع الخلاف، مثال المساوي لو ~~حلف لا نكح والنكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فيحنث بالعقد في ~~تساويهما. ومثال المجاز الراجح والحقيقة لا تراد، حلف لا يأكل من هذه ~~النخلة واللفظ حقيقة في خشبها مجاز راجح في تمرها، وقد أميتت هذه الحقيقة ~~فلا يأكل أحد خشبها فيوافق أبو حنيفة أبا يوسف، ولا يحنث إلا بالتمر. ولا ~~يحنث بالخشب، # PageV01P119 # ومثال ما يتعاهد مع رجحان المجاز قوله لأشربن من النهر فهو حقيقة بأن ~~يشرب بفيه يكرع من النهر، مجاز راجح إذا شرب من أداة؛ لأنه إذا غرف بالكوز ~~وشرب فقد شرب من الكوز لا من النهر، لكنه المجاز الراجح المتبادر، ~~والحقيقة، قد تراجع فإنه قد يكرع بعض الرعاة وآحاد الناس من النهر بفيه فلا ~~يبر عند أبي يوسف إذا شرب بفيه وكرع، بل من الأدوات لأنه المجاز الراجح، ~~ولا يبر عند أبي حنيفة حتى يشرب بفيه من غير أداة. فهذا صورة المسألة ~~وتحريرها. # وأما وجه بيان الحق فيها فقول الحنفية إنه إذا استوى الحقيقة والمجاز ~~تقدم الحقيقة لأن الأصل تقديمها فغير متجه؛ لأن الحقيقة إنما قدمت لأنها ~~أسبق ms100 للذهن من المجاز، وهذا السبق هو معنى قولنا الأصل في الكلام الحقيقة ~~أي الراجح، فإذا ذهب هذا الرجحان بالتساوي بطل تقديم الحقيقة وتعين أن يكون ~~الحق الإجمال والتوقف حينئذ؛ فتقديم الحقيقة حينئذ غير متجه، وقول الإمام ~~ومن وافقه باطل بسبب أن المقدر رجحان المجاز، والرجحان موجب لتقدم الراجح ~~في الألفاظ والأدلة والبينات وجميع موارد الشريعة فإهمال الرجحان هنا ليس ~~بجيد. # ثم قولهم: إن اللفظ لا ينصرف لأحدهما إلا بالنية، مع أن القاعدة أن النية ~~إنما يحتاج إليها إذا كان اللفظ مترددا بين الإفادة وعدمها، أما ما يفيد ~~معناه أو مقتضاه قطعا أو ظاهرا فلا يحتاج للنية، ولذلك أجمع الفقهاء على أن ~~صرائح الألفاظ لا تحتاج إلى نية لدلالتها إما قطعا أو ظاهرا وهو الأكثر، ~~وكذلك النقود إذا غلبت وصارت ألفاظ العقود تنصرف إليها ظاهرا انصرف للنقد ~~الغالب من غير قصد ولا تعيين، وكذلك الأعيان المستأجرة تتعين بظاهرها ~~للمنفعة المقصودة منها عادة، فالبقر ينصرف بظاهره للحرث والفرس للكر والفر ~~وأنواع الركوب، والجمل للحمل، والعمامة للرأس، والقميص للجسد، والقدوم ~~للنجر، والمسحاة للحفر وغير ذلك. # والمعتمد في ذلك كله أو الظهور مغن عن القصد والتعيين، إذا تقررت هذه ~~القاعدة فنقول المجاز إن كان أجنبيا عن الحقيقة كالراوية والنجو فإن ~~الرواية ليس بعض # PageV01P120 # أنواع الجمال، والنجو ليس بعض المواضع المرتفعة، بخلاف الحمار بعض أفراد ~~الدابة، فإذا قال القائل ليس في الدار دابة فليس فيها حمار قطعا؛ لأنا إن ~~حملنا اللفظ على نفي الحمار انتفى، أو على نفي الحقيقة التي هي مطلق ما دب ~~انتفى الحمار أيضا؛ لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص، فصار الكلام نصا في ~~نفي المجاز الراجح فلا توقف على النية لانتفائه على كل تقدير، أما الحقيقة ~~المرجوحة فهي منتفية على تقدير وغير منتفية على تقدير، فلما حصل التردد حسن ~~توقيف الحكم عليها بالانتفاء على النية، وإن كان الكلام في سياق الثبوت كان ~~نصا في ثبوت أو المجاز الراجح ثبتت أيضا؛ لأنه يلزم من ثبوت الأخص ثبوت ~~الأعم، وإذا ثبت على ms101 كل تقدير امتنع توقيف إثبات الحكم لها على النية. # والمجاز لما كان ثابتا على تقدير، وليس ثابتا على تقدير، حسن توقيف الحكم ~~له على النية، فصارت الصور خمسا يمكن التوقيف على النية في ثلاث إذا سلم ~~التوقيف، وإلا فهو ممنوع للرجحان؛ فالثلاثة: المجاز الأجنبي إذ لا يلزم من ~~ثبوت حقيقته ثبوته ولا من # ثبوته ثبوت حقيقته، وكذلك العدم والمجاز الراجح الذي هو بعض أفراد ~~الحقيقة، والكلام في سياق الثبوت، والحقيقة المرجوحة، والكلام في سياق ~~النفي، فهذا وجه البحث في هذه المسألة. المظهر أن الحق مذهب أبي يوسف وحده ~~وإن توقف الإمام، إنما يتأتى في قسمين من الخمسة المتقدمة. # الفرع الرابع: إذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين فيقدم التخصيص والمجاز ~~والإضمار والنقل والاشتراك على النسخ الأربعة الأول على الاشتراك والثلاثة ~~الأول على النقل، والأولان على الإضمار، والأول على الثاني لأن النسخ يحتاط ~~فيه أكثر لكونه يصير اللفظ باطلا، فتكون مقدماته أكثر فيكون مرجوحا، فتقدم ~~لرجحانها عليه، والاشتراك مجمل عند عدم القرينة بخلاف الأربعة، والنقل ~~يحتاج إلى اتفاق على إبطال وإنشاء وضع بعد وضع، والثلاثة يكفي فيها مجرد ~~القرينة # PageV01P121 # فتقدم عليها، ولأن الإضمار أقل فيكون مرجوحا، ولأن التخصيص في بعض ~~الحقيقة بخلاف المجاز. # هذه الأمور مرجوحة بالنسبة إلى أضدادها كما تقدم أول هذا الباب، لكنها ~~إذا تعينت وفقد الراجح الذي هو الأصل، فإن انفرد واحد منها حمل اللفظ عليه، ~~وإن اجتمع منها اثنان فأكثر ولم يتعذر الجمع بينها حمل اللفظ عليه، وإن ~~اجتمع منها اثنان فأكثر ولم يتعذر الجمع بينها حمل اللفظ عليها إن دل على ~~الجمع قرينة وإلا اقتصر على واحد منها تقليلا لمخالفة الدليل بحسب الإمكان؛ ~~لأن (1) أسباب الترجيح ما تقدم ذكره، فأولى الكل التخصيص، ثم المجاز، ثم ~~الإضمار، ثم النقل، ثم النسخ، فالتخصيص يرجح بأن اللفظ يبقى في بعض الحقيقة ~~كلفظ المشركين إذا بقي في الحربيين، وخرج غيرهم، والحربيون هم بعض ~~المشركين، فهو مجاز أقرب للحقيقة. # الوجه الثاني: أن البعض إذا خرج بالتخصيص بقي اللفظ مستصحبا في الباقي من ms102 ~~غير احتياج إلى قرينة وهذان الوجهان لا يوجدان في غير التخصيص، والمجاز ~~والإضمار كلاهما يحتاج إلى قرينة. # واختلف قول الإمام فخر الدين فقال في المحصول: هما سواء، لأن كل واحد ~~محتاج للقرينة. وقال في المعالم: المجاز أرجح من الإضمار لكثرة المجاز في ~~اللسان، والإضمار أقل منه، والكثرة تدل على الرجحان، وهما يقدمان على ~~النقل، لأن النقل لا يحصل إلا بعد اتفاق الكل على إبطال الوضع الأول وإنشاء ~~وضع آخر وذلك متعذر أو متعسر، والمجاز والإضمار والتخصيص تكفي فيها القرينة ~~فقدمت عليه، وقدم النقل على الاشتراك؛ لأن النقل إن علم حمل اللفظ على ~~المعنى الثاني، وإلا حمل اللفظ على المسمى الأول، فلا # يوجد اللفظ معطلا أصلا، وأما الاشتراك فإنه إن فقدت فيه القرينة بقي ~~معطلا مجملا، فكان مرجوحا بالنسبة إلى تلك الأربعة والنسخ إبطال الحكم بعد ~~إرادته فيحتاط فيه أكثر، فلا ينسخ المتواتر بالآحاد، وتخصيصه بها ~~وبالقرائن. PageV01P122 # مثال تعارض الاشتراك والنقل قوله b «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ~~سبعا» يقول الشافعي رضي الله عنه: الطهارة في عرف الشرع منقولة إلى إزالة ~~الحدث أو الخبث، ولا حدث، فيتعين الخبث. يقول المالكي: الطهارة لفظها مشترك ~~في اللغة بين إزالة الأقذار والغسل على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ لأنه ~~مستعمل فيها حقيقة إجماعا، والأصل عدم التغيير. # مثال الاشتراك والإضمار قوله تعالى «امسحوا برءوسكم» (1) يقول الشافعي ~~رضي الله عنه يجوز الاقتصار على مسح بعض الرأس، لأن الباء مشتركة بين ~~الإلصاق في الفعل القاصر وبين التبعيض في الفعل المتعدي، فتكون هنا للتبعيض ~~لأنه فعل متعد؛ فلو قال امسحوا رءوسكم لصح، يقول المالكي هنا مضمر تقديره ~~امسحوا ماء أيديكم برءوسكم، فالرأس ممسوح بها، والفعل لا يتعدى للآلة بغير ~~باء وقد تقدم في باب الحروف بسطه (2) مثال الاشتراك والمجاز يقولا لمالكي ~~لا تحل المبتوتة (3) إلا بالوطء لقوله تعالى «حتى تنكح زوجا غيره» (4) ~~والنكاح حقيقة في التداخل مجاز في العقد، والأصل عدم المجاز، يقول سعيد بن ~~المسيب رضي الله عنه: بل هو مشترك بين التداخل، والعقد، لأنه ms103 مستعمل فيهما، ~~والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون مجملا، فيسقط الاستدلال به، مثال تعارض ~~الاشتراك والتخصيص قوله تعالى «فانكحوا ما طاب لكم من النسا» (5) يقول ~~المالكي: الطيب ميل النفس، وقد مالت نفس العقد على الأربع فيجوز له زواجهن، ~~يقول الشافعي لو حمل على ميل النفس لزم التخصيص بالنساء اللاتي تحرم عليه، ~~بل المراد بالطيب: الحلال، والنزاع في كون الأربع حلالا، مثال تعارض النقل ~~والإضمار قوله صلى الله عليه وسلم PageV01P123 # «والصائم المتطوع أمير نفسه» يقول الشافعي: يجوز إبطال الصوم المتطوع به ~~لأنه وكله إلى مشيئته بعد نقله للصوم الشرعي، فيقول المالكي ليس منقولا بل ~~هو في مسماه اللغو، ومعنى الكلام الذي من شأنه أن يتطوع أمير نفسه، وسماه ~~متطوعا باعتبار ما يؤول إليه، وهذا الإضمار أولى من النقل. # مثال تعارض النقل والمجاز قوله b «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» ~~ويقول الحنبلي الصلاة منقولة للعبادة المخصوصة فمن تركها كفر، يقول المالكي ~~الصلاة الدعاء # لغة والدعاء طلب، ومن أعرض عن طلب الله فهو كافر، واستعمالها في هذه ~~العبادة مجاز، والمجاز أولى من النقل. # مثال تعارض النقل والتخصيص قوله تعالى «الذين يظاهرون من نسائهم» (1) ~~الآية يقول المالكي فيلزم الظهار من الأمة لأنها من نسائه يقول الشافعي لفظ ~~النساء صار منقولا في عرف الشرع للحرائر المباحة فلا يتناول الأمة محل ~~النزاع، ولو لم يكن منقولا لزم التخصيص بذوات المحارم فإنهن من نسائه. # مثال تعارض الإضمار والمجاز قوله تعالى «إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم (2) » الآية يقول المالكي والشافعي: تقديره إذا قمتم محدثين، ولولا ~~هذا الإضمار لكان الأمر بالطهارة بعد الصلاة، يقول السائل هذا المحذور يزول ~~بجعل القيام مجازا عبر به عن إرادة القيام. # مثال تعارض الإضمار والتخصيص قوله تعالى «فكلوا مما أمسكن عليكم» (3) ~~والضمير في أمسكن عام، فيقول المالكي الكلب طاهر لاندراجه فيها مع جواز أكل ~~ما أمسك ولو كان نجسا لحرم حتى يغسل والأصل عدم ذلك. يقول الشافعي: يلزم ~~جواز أكل كل ما أمسك بعد القدرة عليه من غير ذكاة، وليس كذلك، فيلزم ~~التخصيص، ms104 بل هنا إضمار تقديره كلوا من حلال ما أمسكن عليكم، وكون موضع فمه ~~حلالا محل النزاع. PageV01P124 # مثال تعارض المجاز والتخصيص قوله تعالى «وأتموا الحج والعمرة لله» (1) ~~يقول الشافعي الأمر للوجوب فتجب العمرة، يقول المالكي تخصيص النص بالحج ~~والعمرة المشروع فيهما، لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز. # وفي هذه المواطن مباحث ومثل كثيرة نقلتها في كتاب شرح المحصول وجعلتها ~~مسائل خلاف مستقلة ومعها مباحث شريفة هنالك لا يحتمل هذا الشرح المختصر ~~ذلك. PageV01P125 ### | الباب الرابع في الأوامر وفيه ثمانية فصول ### | الفصل الأول في مسماه ما هو # أما لفظ الأمر فالصحيح أنه أهم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر ~~اللغات لأنه المتبادر للذهن منها، هذا مذهب الجمهور، وعند بعض الفقهاء ~~مشترك بين القول والفعل، وعند أبي الحسين مشترك بينه وبين الشأن والشيء ~~والصفة، وقبل هو موضوع للكلام النفساني دون اللساني وقيل هو مشترك بينهما. # يتحصل أن الأمر والهي وما سواهما مما يتعلق بالكلام هل ذلك موضوع للساني ~~أو النفساني، أو مشترك بينهما؟ ثلاثة مذاهب. حجة الأول المبادرة للفهم، ~~وحجة الثاني بيت الأخطل وهو: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليل # وحجة الاشتراك الجمع بين الأدلة، والاشتراك هو المشهور، وإذا قلنا بأنها ~~حقيقة في اللساني فقط فيكون مدلولها لفظا وهو القدر المشترك بين جميع صيغ ~~الأوامر، وعلى هذا اختلفوا هل هي مشتركة بين القول المذكور وبين الفعل؟ نحو ~~قولنا: كنا في أمر عظيم إذا كنا في الصلاة - وقال أبو الحسين هو موضوع مع ~~القول المذكور للشيء أيضا نحو قولنا ائتني بأمر ما، أي شيء، وللشأن نحو ~~قوله # PageV01P126 # تعالى «وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر» (1) معناه ما شأننا في إيجادنا ~~إلا ترتب مقدورنا على قدرتنا وإرادتنا من غير تأخر كلمح بالبصر، والصفة ~~كقول الشاعر: # عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود # أي لصفة ما يسود من يسود. # وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر فهو موضوع عند مالك رحمه الله، وعند ~~أصحابه للوجوب، وعند أبي هاشم للندب، وللقدر المشترك ms105 بينهما عند قوم، وعند ~~آخرين لا يعلم حاله. # في الأمر سبعة مذاهب: للوجوب، للندب، للقدر المشترك بينهما - اللفظ مشترك # بينهما، لأحدهما، لا يعلم حاله، للإباحة، الوقف في ذلك كله، ذكرها الإمام ~~فخر الدين في المحصول، والمعالم بعضها هنا وبعضها هنا، حجة الوجوب قوله ~~عليه الصلاة والسلام «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» ~~ولفظة (لولا) تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة، والندب في السواك ثابت، فدل ~~على أن الأمر لا يصدق على الندب بل ما فيه مشقة، وذلك إنما يتحقق في ~~الوجوب. وقوله تعالى لإبليس «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» (2) ذمه على ترك ~~المأمور به، وذلك يقتضي الوجوب، لأن الذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل ~~محرم. وقوله تعالى «وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون» (3) ذمهم على ترك ~~الركوع إذ أمروا به، هو دليل الوجوب. # حجة الندب: أن الأمر ورد تارة للوجوب كما في الصلوات الخمس وتارة للندب ~~كصلاة الضحى، ومن القسمين صور كثيرة في الشريعة، والاشتراك والمجاز خلاف ~~الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو رجحان الفعل وجواز ~~PageV01P127 # الترك، لأنه الأصل من جهة براءة الذمة، وهذا بعينه هو مدرك القدر المشترك ~~بينهما، إلا أنا نسكت عن جواز الترك ونقول هو مستفاد من الأصل لا من اللفظ، ~~وحجة أنه لأحدهما لا بعينه وروده في القسمين، والأصل عدم الاشتراك، ولم يدل ~~دليل على أنه أخص بأحدهما، فيجزم بالوضع، ويتوقف في تعيين الموضوع له حجة ~~الإباحة أن الأقسام كلها مشتركة في جواز الإقدام، فوجب القول به حتى يكون ~~اللفظ حقيقة في الجميع، والأصل عدم اعتبار الخصوصيات. # وحجة القاضي في التوقف في جميع الأقسام: تردد الصيغة بينهما، فلو علم أنه ~~موضوع لأحدهما بعينه فإما بالعقل ولا مجال له في اللغات، أو بالنقل وهو إما ~~تواتر أو آحاد، والأول باطل، وإلا لحصل العلم وارتفع الخلاف. والثاني لا ~~يفيد إلا الظن، وهو لا يكفي في القواعد الأصولية. # والجواب أن المعلوم من حال الصحابة رضوان الله عليهم المبادرة لحمله ms106 على ~~الوجوب كقوله عليه الصلاة والسلام في المجوس «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» لما ~~رواه عبد الرحمن بن عوف، ولم يتوقفوا في حمله على الوجوب، وكذلك قوله عليه ~~الصلاة والسلام «خذوا عني مناسككم» ، «صلوا كما رأيتموني أصلي» وغير ذلك من ~~أوامره عليه الصلاة والسلام. وقال الله تعال «وما آتاكم الرسول فخذوه» (1) ~~، وأما قول القاضي لو علم بالتواتر لحصل العلم فمسلم. قوله: وارتفع الخلاف ~~ممنوع؛ فإن التواتر لا يلزم عمومه لجميع الناس، فقد تتواتر قضية في الجامع ~~يوم الجمعة بأن المؤذن سقط من # أعلى المنار ولا يعلم بقية أهل البلد ذلك فضلا عن البلاد النائية، وإذا ~~لم يعلم أمكن الخلاف ممن لا يبلغه ذلك التواتر. # وهو عنده أيضا للفور وعد الحنفية، خلافا لأصحابنا المغاربة والشافعية ~~وقيل بالوقف. # قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: الذي ينصره أصحابنا أنه على الفور، ~~وأخذ PageV01P128 # من (1) قول مالك إنه للفور من أمره بتعجيل الحج، ومنعه من تفرقة الوضوء، ~~وعدة مسائل في مذهبه، ووافق القاضي أبو بكر الشافعية في التراخي؛ واختلف ~~العلماء هل صح في الوجوب فقط أو يعمهما؟ قال وهو الصحيح، واتفقوا على أن ~~الخلاف لا يتصور إذا قلنا إنه للتكرار والدوام؛ بل يتعين الفور. # واختلف القائلون بالفور فقيل لا يتصور ذلك إلا إذا تعلق الأمر بفعل واحد، ~~وقيل يتصور ذلك إذا تعلق مجمله أفعال. ثم اختلف القائلون بأنه يقتضي فعلا ~~واحدا فتركه، هل يجب عليه الإتيان بدله بنفس الأمر الأول أو لا يجب إلا بنص ~~آخر؟ فأكثرهم على الأول. # والقائلون بالتراخي اختلفوا هل يجوز تأخيره إلى غير غاية، فقال بعضهم إلى ~~غير غاية على الإطلاق، وقيل إلى غير غاية بشرط السلامة، فإن مات قبل الفعل ~~أثم، وقيل لا إثم عليه إلا أن يغلب على ظنه فواته ولم يفعله، وفصل آخرون ~~فقالوا إ، غلب على ظنه أنه لا يموت فمات لم يأثم كرامي السهم يغلب على ظنه ~~السلامة، وهو مختار القاضي أبي بكر، والقائلون بالتأخير اختلفوا، فمنهم من ~~قال لا يجوز التأخير إلا إلى بدل، وهو ms107 العزم على أدائه في المستقبل ليفارق ~~المندوب، وقيل العزم ليس ببدل بل هو شرط في جواز التأخير. والقائلون بأنه ~~بدل اختلفوا، فمنهم من قال بدل من نفس الفعل، وقيل بدل من تقديمه، واحتج من ~~قال بأن التراخي لا يتأتى إلا في الواجب أن التراخي معناه لا يأثم ~~بالتأخير، وذلك متعذر في المندوب، لتعذر الإثم في نفسه في المندوب، وجوابه: ~~أنه قد يندب على التراخي كما في صدقة التطور، وقد يكون على الفور كما في ~~تحية المسجد. # حجة التراخي في الواجب: أن الأمر إنما يدل على الطلب وهو أعم من الوجوب ~~على التعجيل، فوجب أن لا يدل على الفور إلا بدليل فيكون مخيرا وهو التراخي. ~~PageV01P129 # حجة الفور قوله لإبليس «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» (1) فلولا الفور لكان ~~من حجة إبليس أن يقول إنك أمرتني بالسجود ولم توجب على الفور فلا أعتب، ~~وحجة القول بأنه إذا فات لا يلزم مثله في وقت آخر إلا بدليل منفصل: إن ~~الأوامر تابعة للمصالح، وكون الأوقات المستقبلة مساوية للوقت الحاضر أمرا ~~مشكوكا فيه، فوجب أن لا يجب إلا بأمر جديد يدل على مساواة الزمن الثاني ~~للأول في المصلحة. فإن الأصل عدمها فضلا عن مساواتها. # حجة القول بأنه يلمه في الزمن الثاني بالأمر الأول: أن الأمر دل على أصل ~~الفعل والزمن الفوري والدال على المركب دال على مفرداته بالتضمن، وقد تعذر ~~أحد الجزئين وهو الزمن الفوري، فيوجب أن يبقى الأمر متعلقا بالجزء الآخر، ~~وهو أصل الفعل، فيفعله المأمور في أي زمان شاء بعد ذلك. # وهو عنده للتكرار، قاله ابن القصار من استقراء كلامه، وخاله أصحابه وقيل ~~بالوقف، لنا قوله تعالى لإبليس ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك رتب الذم على ترك ~~المأمور به في الحال، وذلك دليل الوجوب والفور، وأما التكرار للصحة ~~للاستثناء في كل زمان من الفعل. # قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: مذهب أصحابنا للمرة الواحدة، وقاله ~~كثير من الحنفية والشافعية، قلت: وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي في كتاب ~~اللمع: إن القائلين بالتكرار قالوا ms108 بذلك في أزمنة الإمكان دون أوقات ~~الضرورات، فيكون على هذا إطلاق غيره محمولا على تقييده، وقولي في أصل ~~الكتاب: عنده، أريد مالكا، ويدل على التكرار أنه لو لم يكن للتكرار لامتنع ~~ورود النسخ عليه بعد الفعل، ولأنه ضد النهي، وهو لتكرار، فيكون للتكرار؛ ~~لأن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على مثله، كما نصبوا (بلا) قياسا ~~على (أن) وهي ضدها، وحجة المرة الواحدة أنه ورد التكرار كما في الصلوات ~~الخمس، وللمرة الواحدة كما في الصلاة على رسول الله محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، والأصل عدم المجاز PageV01P130 # والاشتراك، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو أصل الفعل حجة ~~الوقف تعارض الأدلة. # فإن علق على شرط فهو عنده وعند جمهور أصحابه، والشافعية للتكرار، خلافا ~~للحنفية. # القائلون بالتكرار عند عدم الشروط قائلون به مع الشرط بطريق الأولى، لأن ~~الشروط اللغوية أسباب، والحكم يتكرر بتكرر سببه، فيجتمع أمران لتكرار الوضع ~~والسببية. وأما من قال بعدم التكرار عد عدم التعليق، فاختلفوا عند التعليق، ~~فمنهم من طرد أصله وقال بعدم # التكرار، ومنهم من خالف أصله لأجل السببية الناشئة من التعليق. قال ~~القاضي عبد الوهاب: القائلون بعدم التكرار في الأمر المطلق قالوا به عند ~~تكرار الشرط والصفة وهو قول كثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي، وقال الباقون ~~من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة: لا يقتضيه، قال وهو الصحيح. # واختلف في النهي إذا قلنا إنه لا يقتضي التكرار، فهل يتكرر عند تكرر ~~الشرط والصفة؟ وقال الصحيح تكرار النهي عند التعليق بخلاف الأمر. حجة القول ~~بعدم التكرار عند وجود الشرط كقوله: إن زالت الشمس فصل، أو الصفة كقوله ~~تعالى «الزانية الزاني فاجلدوا» أن هذا ليس فيه إلا الربط بالشرط. والصفة، ~~والربط أعم من كونه يوصف بالدوام، والدال على الأعم غير دال على الأخص، ~~فوجب أن لا يدل على التعليق على التكرار، حجة التكرار أن الصفة والشرط ~~يجريان مجرى العلة، والحكم يتكرر بتكرر علته. # مسألة: قال القاضي عبد الوهاب: فإن كرر الأمر كقوله اضرب زيدا اضرب زيدا ~~أو صل ms109 ركعتين صل ركعتين. قال: فالصحيح التكرار؛ كأن الأمر أوجب أو الندب، ~~ما لم يمنع مانع، وقيل لا يتكرر. وقال بعد الواقفية بالوقف، قال والخلاف في ~~ذلك إنما يتصور في الأمر الثاني إذا كان من جنس الأمر، أما غير الجنس ~~فيتعين أن يكون مستأنفا، وهو متفق عليه نحو صل صم، وكذلك لا يتصور الخلاف ~~أيضا إلا قبل صدور الفعل الأول، فإذا قال له صم بعد أن صام # PageV01P131 # يوما تعين الاستئناف، حجة التكرار أن الأصل أن الفظ يحقق مقتضاه وأن يفيد ~~معناه، وقد تكرر فيتكرر المعنى، حجة عدم التكرار أن الأول محقق والثاني ~~يحتمل أن يكون إنشاء ويحتمل التأكيد، فلا يحمل على الإنشاء إلا بدليل (1) ~~لأن الأصل براءة الذمة. # مسألة: قال القاضي عبد الوهاب: موانع التكرار أمور: أحدها إنه يمتنع ~~التكرار إما عقلا كقتل المقتول وكسر المكسور، وكذلك صم هذا اليوم، أو شرعا ~~كتكرار العتق في عبد فإنه كان يمكن أن يكون العتق كالطلاق. يتكرر ويكمل ~~بالثلاث، وثانيها أن يكون الأمر الأول مستغرقا للجنس فيتعين حمل الثاني على ~~الأول، وكذلك الخبر كقوله: اجلدوا الزناة، أو خلقت الخلق فيتعين حمل الثاني ~~على الأول وثالثها أن يكون هنالك عهد أو قرينة حال يقتضي الصرف للأول. # مسألة: قال: وإذا عطف على الأول أمر آخر ليس ضد الأول بل خلافه حمل على # التكرار نحو: اركعوا واسجدوا، وإن كان ضده فكذلك؛ لأن الشيء لا يؤكد ~~بضده، ويشترط في ذلك أن يكون في وقتين نحو أكرم زيدا وأهنه (2) ، وإن اتحد ~~الوقت حمل على التخيير، ولا يحمل على النسخ، لأن من شرطه التراخي حتى يستقر ~~الأمر الأول ويقع التكليف والامتحان به، وتكون الواو حينئذ بمعنى (أو) حتى ~~يحصل التخيير، وإن ورد الثاني بمثل الأول، لأن العطف يقتضي التغاير، ~~واختاره القاضي أبو بكر، وهو الذي يجيء على قول أصحابنا. وقيل يكون الثاني ~~هو عين الأول، وكما أن العطف يقتضي التغاير فالأصل براءة الذمة، ولا بد في ~~هذا المذهب من التفصيل المتقدم من إمكان التكرار واستحالته. # لنا اتفاق النحاة على أن ms110 الشيء لا يعطف على نفسه، ولذلك منعوا العطف في ~~التأكيد نحو رأيت زيدا نفسه وعينه، لأن التأكيد غير المؤكد، ولم يمنعوه في ~~النعت لأن النعت غير المنعوت نحو رأيت زيدا الظريف والعاقل. PageV01P132 # فرع غريب: (1) إذا كان الأول مستغرقا للجنس والثاني يتناول بعضه كقوله ~~تعالى «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (2) قيل يكون الثاني نقضا للأول. ~~قال القاضي عبد الوهاب: والصحيح أن ذلك محمول على ما سبق للوهم عند السامع ~~من التفخيم والتعظيم للاسم المذكور، ثانيا اهتماما به، فأفرد بالذكر؛ لأن ~~العرب إذا اهتمت بنوع من جنس أو فرد منه أفردته بالذكر اهتماما، ومنعا له ~~من أن يعتقد أن العموم مخصوص به وأنه يجوز خروجه منه، فمع التنصيص يمتنع ~~ذلك، وإن كان الثاني أعم من الأول نحو: اقتلوا أهل الأوثان، واقتلوا جميع ~~المشركين ففيه الخلاف المتقدم. قال: والصحيح التفخيم أيضا والبداءة بما هو ~~أهم، وإن كان غالب الكلام أن يؤخر، فقد تقدم. # فرع: قال الإمام فخر الدين: إذا تكرر الأمر والأول منكر والثاني معرف، ~~نحو صل ركعتي صل الركعتين، أو صل الصلاة. يصرف للأول لأنها لام العهد، فإن ~~عطف نحو صل ركعتين وصل الركعتين أو صل الصلاة فعند أبي الحسين الأشبه الوقف ~~لأن العطف يعارضه لام العهد، فيجب الوقف. قال: وعندي يحمل على التغاير، لأن ~~لام الجنس كما تستعمل للعهد تستعمل لبيان حقيقة الجنس؛ كقول السيد لعبد ~~اشتر لنا الخبز واللحم، فما تعينت معارضتها للعطف، قال والأشبه إذا عطف ~~العام على الخاص الوقف لأنه ليس ترك ظاهر العموم أولى من ترك ظاهر العطف. # ويدل على الإجزاء عند أصحابه خلافا لأبي هاشم؛ لأنه لو بقيت الذمة مشغولة ~~بالفعل لم يكن أتى بما أمر به؛ والمقدر خلافه؛ وهذا خلف. # الكلام في هذه المسألة شبيه بالكلام في مفهوم الشرط، فإذا قال لامرأته ~~أنت طالق إن دخلت الدار فلم تدخل، يقول القاضي الشرط لا مفهوم له يدل على ~~PageV01P133 # عدم طلاقها عند عدم الدخول، بل عدم طلاقها مأخوذ من الاستصحاب في العصمة ~~السابقة، والقائلون بالمفهوم يقولون عدم ms111 الطلاق من ذلك ومن مفهوم الشرط ~~كذلك هنا الإنسان ولد بريئا من الحقوق كلها، ورد الأمر باقتضاء شغل الذمة ~~بذلك الفعل، فإذا أتى به كان الإجزاء وهو براءة ذمته بعد ذلك مستفادا من ~~الاستصحاب للبراءة لا من الإتيان بالمأمور به، وغيره يقول بل بالأمرين، ~~والإجزاء عبارة عن سقوط التكليف. # وقولي عند أصحابه، أعني مالكا رحمه الله، وما ذكرته من الدليل هو مستند ~~الإمام في المحصول وليس بشيء؛ لأنه قال إن الأمر لو لم يدل على الإجزاء ~~لبقي الأمر إما متعلقا بذلك الفعل الواقع أو بغيره، والأول محال، لئلا يلزم ~~تحصيل الحاصل، والثاني يقتضي أنه ما أتى بما أمر به، والمقدر خلافه فلا ~~يبقى الأمر متعلقا بعد الإتيان بالمأمور به. # هذا هو بسط ما ذكرته في الأصل، وهو قول الإمام في المحصول، غير أنه جعل ~~عدم الدلالة نفس الدلالة على العدم، فإنه أنما بين أن الأمر لم يبق متعلقا، ~~وعدم تعلقه عدم دلالته، ومقصود هذه المسألة الدلالة على البراءة، وهي ~~الدلالة على العدم وأين أحدهما من الآخر؟! فسورة الإخلاص فيها عدم الدلالة ~~على وجوب الزكاة، وليس فيها دلالة على عدم وجوب الزكاة، فتأمل ذلك. واختلفت ~~عبارة العلماء في هذه المسألة فبعضهم يقول الأمر يدل على الإجزاء بمعنى أنه ~~يدل على وجوب فعل لو فعل أجزأ وبرئت الذمة، والأمر يدل بوسط، وبعضهم يقول ~~الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء وهذا بغير وسط فهو أولى، قال القاضي عبد ~~الوهاب: والذي يقتضيه مذهب أصحابنا المالكية أن الأمر يقتضي إجزاء المأمور ~~به وهو قول جميع الفقهاء، قال وذهب أكثر من تكلم في الأصول إلى أنه لا ~~يقتضي الإجزاء ومرادهم أنه لا يفيد بمجرده (1) أنه لا يلزم المكلف فعل مثله ~~على وجه القضاء، لنا أنه يمتنع من العاقل الحكيم أن يقول لعبده افعل كذا ~~فإذا فعلته على الوجه PageV01P134 # المعتبر لا يجزى عنك ويجب عليك الإتيان بمثله، ثم يلزم ذلك في المثل ~~أيضا، وذلك مخالف لطريقة العقلاء، بل المقصود حصول المصلحة، فإذا حصلت ~~اكتفى العقلاء بها، هذه هو ms112 شأن اللغة. # وأما جواز تكليف ما لا يطاق وعدم اعتبار حصول المصالح حصلت أم لا فهذا ~~إنما يبحث (1) بالنسبة إلى ما لا يحوز على الله تعالى، لا بالنسبة إلى ~~اللغة، وكلامنا في اللغة من حيث هي لغة هل هي من هذا القبيل أم لا، لا في ~~جهة الربوبية وما كان يجوز عليها. # والجواب عن الأول: أن كلامنا في الفعل المستجمع للشرائط في نفس الأمر لا ~~في ظن المكلف فقط. وعن الثاني: أن تلك الأفعال مجزئة عن الأمر الوارد ~~بالتمادي. وعن الثالث: أنا لا نسلم أن النهي لا يدل شرعا على الفساد بل يدل ~~عليه. # وعل النهي عن أضداد المأمور به عند أكثر أصحابه من المعنى لا من اللفظ ~~خلافا لجمهور المعتزلة وكثير من أهل السنة. # أريد بالضمير في قولي وأصحابه: مالكا رضي الله عنه، وقولي من المعنى أريد ~~به أن الأمر يدل بالالتزام لا بالمطابقة، قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: ~~قال المتكلمون ومن وافقهم في إثبات الصفات ونفي خلق القرآن أن الأمر بالشيء ~~نهي عن ضده إذا كان ذا ضد واحد، وعن جميع أضداده إذا كان له أضداد، وقاله ~~الأشعري PageV01P135 # وغيره، وقيل يشترط في ذلك أن يكون وجوبا لا ندبا، حكاه القاضي أبو بكر، ~~وقال: ويشترط فيه أيضا أن يكون مضيقا لأن الموسع لا ينهى عن ضده لقبول ~~الوقت لهما، وقال القاضي هو نهي عن ضده كان وجوبا أو ندبا، وقالت إن كان ~~وجوبا نظاهر وإن كان ندبا يكون النهي عن الضد على سبيل الكراهة، وفي الأول ~~على سبيل التحريم. # ومن محاسن العبارة في هذه المسألة أن يقال: إن الأمر بالشيء نهي عن جميع ~~أضداده، والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، فإذا قال له اجلس في البيت فقد ~~نهاه عن الجلوس في السوق والحمام والمسجد والطريق وجميع المواضع، فإذا قال ~~لا تجلس في البيت؛ فقد أمره بالجلوس في أحد المواضع ولم يأمره بالجلوس في ~~كلها. لنا أن الأمر بالشيء يدل على الوجوب؛ ومن لوازم الوجوب ترك جميع ~~الأضداد، والدال ms113 على الشيء دال على لوازمه؛ فالأمر دال بالالتزام على ترك ~~جميع الأضداد. # احتجوا بأن الآمر بالشيء قد يكون غافلا عن ضده والغافل عن الشيء لا ينهى ~~عنه. # وجوابه: أن القصد إنما يشترط في الدلالة باللفظ التي هي استعمال اللفظ، ~~أما دلالة اللفظ فلا، وهذا من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل الدلالة باللفظ، ~~وقد تقدم الفرق بينهما، وأن دلالة الالتزام من هذه دون تلك. # واعلم أن هذه المباحث تتعلق بالكلام اللساني. أما الكلام القديم النفساني ~~فنفس الأمر هو نفس ما هو نهي؛ لأن كلام الله تعالى واحد، ولا يقال ~~بالالتزام بل هو هو، ولا دلالة للنفساني توصف بالتزام (1) ولا مطابقة، بل ~~الفرق بينهما من حيث التعلق فقط والحقيقة واحدة. # ولا يشترط فيه علو الآمر، خلافا للمعتزلة، واختار الباجي من المالكية ~~والإمام فخر الدين وأبو الحسين والمعتزلة الاستعلاء، ولم يشترط غيرهم ~~PageV01P136 # الاستعلاء ولا العلو، والاستعلاء في هيئة الأمر من الترفع وإظهار القهر؛ ~~والعلو يرجع على هيئة الآمر من شرفه وعلو منزلته بالنسبة إلى المأمور. # قال القاضي عقد الوهاب في الملخص: الذي عليه أهل اللغة وجمهور أهل العلم ~~اشتراط العلو واختاره هو أيضا أعني القاضي عبد الوهاب، وقال الإمام فخر ~~الدين إن الذي عليه المتكلمون أنه لا يشترط لا علو ولا استعلاء لأنه صيغة ~~موضوعة لمعنى، فيصح مع هذه الصفات وأضدادها كالخبر والاستفهام والترجي ~~والتمني، فإنها تصدق مع العلو والدنو والاستعلاء والتواضع، ولا يختلف الحال ~~بحسب اختلاف حال المتكلمين بها، حجة العلو أنه لا يحسن في العادة أمرت الله ~~إذا دعوته، ولا أمرت الملك ولا أمير المدينة، مع أن قولنا اهدنا واغفر لنا ~~يا ربنا هي صيغة الأمر، وكذلك مخاطبات الملوك والأمراء، ولما تعذر تسمية ~~ذلك أمرا في العرف وجب أن يقال إنه لغة كذلك، لأن الأصل عدم النقل ~~والتغيير، فوجب أن يكون العلو شرطا وتكون هذه الصيغة مع الدنو مسألة، وفي ~~حق الله تعالى خاصة تسمى دعاء، ومع التساوي تسمى التماسا. # حجة الاستعلاء في أن من صدر منه الأمر برفق لا ms114 يقال آمر ومع الاستعلاء ~~يقال له آمر، ولذلك يصفون من فعل ذلك بالحمق، ويقولون للعبد أتأمر سيدك إذا ~~استعلى في لفظه، وإذا لم يستعل لا يقولون له ذلك، فدل على أن الاستعلاء ~~شرط، ويرد على الفريقين أن الله تعالى يقال لهذه الصيغة في كتابه أمر ~~إجماعا، مع أن الله تعالى خاطب عباده أحسن الخطاب وألينه، فقال «اتفقوا ~~الله الذي تساءلون به» (1) وفي موضع آخر «الذي خلقكم من نفس واحدة» إلى غير ~~ذلك من التذكير بجميل نعمه وجزيل إحسانه، ومعلوم أن هذا ضد الاستعلاء، ~~وقالت بلقيس لقومها «ماذا تأمرون» (2) وهي أعلى منهم، وقال دريد بن الصمة: ~~PageV01P137 # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # وكان المأمور من هو أعظم منه في قومه، وقال عمرو بن العاص لمعاوية رضي ~~الله عنهما: # أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما # ومعاوية أعلى منه؛ فدل على عدم اشتراط العلو. # وأما كوننا لا نسمي طلبنا من الله تعالى أمرا فللأدب، وكذلك مع الملك ~~وغيرهم، ولا يلزم من ترك إطلاق اللفظ للأدب أن لا يكون لغة كذلك، كما أنا ~~لا نسمي الله تعالى علامة ولا سبحيا وإن كانت المسميات بذلك موجودة، ولكن ~~حصل المنع لأجل إيهام التأنيث في العلامة (1) وأن العطاء بالسبحية التي لا ~~تكون إلى في جسم؛ فكذلك هنا. # ولا يشترط فيه إرادة المأمور به ولا إرادة الطلب خلافا لأبي علي وأبي ~~هاشم من المعتزلة؛ لنا أنها معنى خفي يتوقف العلم به على اللفظ فلو توقف ~~اللفظ عليها لزم الدور. # الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في الإرادة ثلاثة مواطن: أحدها أنه هل ~~يشترط إرادة استعمال اللفظ في الوجوب أم لا؟ فقالوا صيغة الأمر تستعمل في ~~خمسة عشر محملا. منها الوجوب، والندب، والتهديد، والتخيير، وغير ذلك، فلا ~~يتعين الوجوب إلا بالإرادة. وأجيبوا بأنها موضوعة للوجوب، فينصرف للوجوب ~~بمجرد الوضع كسائر الألفاظ، والمحتاج للنية إنما هو المجاز. # وثانيها: إرادة المأمور به فعندهم لا يأمر الله تعالى إلا بما يريد ~~وعندنا ليس بين الأمر والإرادة ملازمة ms115 بل يأمر بما يريد في حق الطائع وربما ~~لا يريد في حق PageV01P138 # العاصي وبسط هذا في كتاب أصول الدين (1) . # ونقول الآن: إن الله تعالى علم أن الكافر لا يؤمن وعلم أن خلاف معلومه ~~تعالى محال، وعلم أن الإرادة لا تتعلق بالمحال، فمن المحال إرادته تعالى ~~الإيمان للكافر مع أنه مأمور به إجماعا، فقد وجد الأمر بدون الإرادة. # وثالثها: أن هذه الإرادة التي هي إرادة المأمور به هل تفيد الصيغة أمرية ~~فتصير أمرا، ومع غير هذه الإرادة الصيغة تكون تهديدا أو غيره، فقيل لهم هذه ~~الصيغة التي هي الأمرية # إن قامت بحرف واحد كان ذلك الحرف وحده أمرا وإن قامت بأكثر من حرف قام ~~الشيء الواحد بمحلين وهو محال. ### | الفصل الثاني ورود الأمر بعض الحظر # إن ورد بعض الحظر اقتضي الوجوب عند الباجي ومتقدمي أصحاب مالك وأصحاب ~~الشافعي والإمام فخر الدين، خلافا لبعض أصحابنا وأصحاب الشافعي في قولهم ~~بالإباحة، كقوله تعالى «وإذا حللتم فاصطادوا» (2) بعد قوله تعالى «لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم» (3) لأن الأصل استعمال الصيغة في مسماها. # قال القاضي عبد الوهاب في الملخص الحظر قسمان تارة يرد معلقا بغاية أو ~~شرط PageV01P139 # أو علة، فإذا ورد الأمر بعد زوال ما علق الحظر عليه أفاد الإباحة عند ~~جمهور أهل العلم، كقوله عليه الصلاة والسلام «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي ~~فوق ثلاث من أجل الرأفة، (1) فكلوا منها وادخروا» وكالآية المتقدمة وكذلك ~~«فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض» (2) بعد قوله تعالى «وذروا البيع» ~~(3) وتارة يرد غير معلل بعلة عارضة ولا معلق بشرط، فمذهب مالك وأصحابه أنه ~~للإباحة ولذلك احتج على عدم لزوم الكتابة بقوله إنما ذلك توسعة من الله على ~~عباده. # وقال أكثر أهل الأصول أنه يقتضي الوجوب، وأنه يحمل على ما كان يحمل عليه ~~ابتداء من وجوب أو ندب، إن قلنا إنه موضوع للندب، أو على الوقف إن قلنا ~~بالوقف. # وحكى الإمام فخر الدين أن الحظر إذا ورد بعد الأمر هل يحمل على التحريم ~~أم لا؟ قولان. وتقرير هذا الفصل أن الوجود والعدم ms116 مستويان بالنسبة إلى ~~الفعل لأنه ممكن وكل ممكن يستوي الوجود والعدم بالنسبة إليه، والأمر يرجح ~~جهة الوجود، والنهي يرجح جهة العدم؛ فالوجود والعدم بالنسبة إلى الفعل ~~ككفتي الميزان، والأمر والنهي يرجحان، فإذا ورد الأمر ابتداء ورد على ~~استواء من الكفتين فيحصل به الرجحان في كفة الوجود، وإذا ورد بعد الحظر ورد ~~بعد ترجيح كفة العدم بالنهي فيحص هو في الكفة الأخرى فيحصل التساوي فهذا هو ~~الفرق بين حصول الأمر ابتداء وبعد الحظر عند من فرق، ومقتضي هذا الفرق أن ~~يحمل النهي على الإباحة إذا ورد بعد الوجوب، فمنهم من طرد أصله في الفرق، ~~ومنهم من ترك الفرق وفرق بين الأمر والنهي، فقال إن النهي يعتمد المفاسد ~~والأمر يعتمد المصالح، # وعناية صاحب الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أعظم من غايتهم بتحصيل المصالح، ~~فلذلك راعينا هذا الفرق في الأمر وحملنا الأمر على الإباحة PageV01P140 # وألغينا المصلحة، ولم نفعل ذلك في النهي اهتماما بدرء المفاسد، ولأنا إذا ~~قلنا يحمل النهي على التحريم أوجبنا الترك وهو على وفق الأصل؛ لأن الأصل ~~عدم الفعل، وإذا حملنا الأمر على الوجوب قلنا بالفعل وهو على خلاف الأصل. ~~فهذان فرقان عظيمان بين الأمر والنهي لمن خالف أصله في الأمر، أما من طرد ~~أصله فلا يحتاج لهذين الفرقين، ثم استقراء النصوص بعد هذا الكتاب والسنة ~~يحكم بين الفرق (1) . ### | الفصل الثالث في عوارضه # مذهب الباجي والإمام فخر الدين وجماعة من أصحابنا أنه إذا نسخ الوجوب ~~يحتج به على الجواز لأنه من لوازمه، ومنع من ذك بعض الشافعية وبعض أصحابنا. # الجواز يطلق بتفسيرين أحدهما: جواز الإقدام كيف كان حتى يندرج تحته ~~الوجوب وغيره، وثانيهما استواء الطرفين وهو المباح في اصطلاح المتأخرين، ~~والأول لا شك أنه لازم للوجوب، والثاني ضده، فلا يكون لازما له. # وظاهر كلام العلماء أنهم يريدونه، ووجه تقريره أنا نجعله لازما من الأمر ~~والناسخ، فالأمر دال على جواز الإقدام، والنسخ دال على جواز الإحجام؛ فيحصل ~~مجموع الجوازين من الأمر وناسخه، غير أن مجموع الجوازين لا يتعين للإباحة ~~بمعنى استواء الطرفين، بل ms117 يقبل الندب، وأيضا فينبغي أن تكون الدعوى هكذا: ~~إذا نسخ بقي إما للإباحة أو الندب من الأمر وناسخه لا من الأمر فقط. # ومن هذه المسألة أن يرد الأمر ثم يقول الآمر رفعت الوجوب عنكم فقط ~~PageV01P141 # لا يزيد على ذلك أما إن نسخ الأمر بالتحريم ثبت التحريم قطعا، أو قال ~~رفعت جملة ما دل عليه الأمر السابق من جواز وغيره، فإنه لا يستدل به على ~~الجواز، والمدرك في هذه المسألة مبني على حرفين: أحدهما أن الدال على ~~المركب دال على أجزائه والوجوب مركب من جواز الإقدام والمنع من الترك، فإذا ~~ارتفع أحد الجزأين بقي الآخر، وثانيهما: أن الخصوص في الشيء قد يكون شرطا ~~كالطلاق المعلق فإنه أخص من مطلق الطلاق، ويلزم من انتفاء الخصوص الذي هو ~~الشرط أن لا يثبت مطلق الطلاق لازما للمعلق، لأن الخصوص هنا # شرط، وقد لا يكون شرطا كالناطق مع الحيوان، لا يلزم من انتفاء الناطق ~~انتفاء الحيوان، فمن قال بالمعنى الأولى قال إنه يدل على الجواز، ومن لاحظ ~~الثاني قال الخصوص قد يكون شرطا وقد لا يكون، فإذا حصل الشك توقفنا. # ويجوز أن يرد خبرا لا طلب فيه، كقوله تعالى «قل من كان في الضلالة فليمدد ~~له الرحمن مدا» (1) أو أن يرد الخبر بمعناه كقوله تعالى «والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين» (2) وهو كثير. # فائدة: ورود الخبر بلفظ الأمر أن الأمر شأنه أن يكون مما فيه داعية للمر، ~~والخبر ليس كذلك، فإذا عبر بلفظ الأمر أشعر بالداعية فيكون ثبوت صدقه أقرب. # وفائدة التعبير عن الأمر بلفظ الخبر: أن الخبر يستلزم ثبوت مخبره وقوعه، ~~بخلاف الأمر، فإن عبر عن الأمر بلفظ الخبر كان آكد في اقتضاء الوقوع حتى ~~كأنه واقع، ولذلك اختير للدعاء لفظ الخبر تفاؤلا بالوقوع. PageV01P142 ### | الفصل الرابع جواز تكليف ما لا يطاق # الأمر بالمركب أمر بأجزائه # الأمر بالفعل في وقت معين # يجوز تكليف ما لا يطاق خلافا للمعتزلة والغزالي، وإن كان لم يقع في الشرع ~~خلافا للإمام فخر الدين، لنا قوله تعالى «ربنا ولا تحملنا ما ms118 لا طاقة لنا ~~به» (1) فسؤال دفعه يدل على جوازه، وقوله تعالى «لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها» (2) يدل على عدم وقوعه، وهنا دقيقة وهي أن ما لا يطاق قد يكون عاديا ~~فقط كالطيران في الهواء، أو عقليا فقط كإيمان الكافر الذي علم الله تعالى ~~أنه لا يؤمن؛ أو عاديا وعقليا معا كالجمع بين الضدين، والأول والثالث هما ~~المرادان هنا، دون الثاني. # وافقنا المعتزلة على أن الله تعالى بكل شيء عليم، وأنه يعلم أن خلاف ~~المعلوم محال، فهو يعلم أن الكافر يكفر وأن صدور الإيمان منه محال، مع ذلك ~~كله فقد كلفه بالإيمان، فقد كلفه بما يتعذر وقوعه عقلا، وهذه المقدمات كلها ~~وافق عليها المعتزلة، فتكليف ما لا يطاق عقلا قالت به المعتزلة. وإنما ~~الخلاف فيما لا يطاق عادة كالجمع بين البياض والسواد في محال واحد، وجعل ~~الجسم في مكانين في وقت واحد، والجمع بين الحركة والسكون في وقت واحد، ~~والطيران في الهواء تحيله العادة، والعقل يجوزه، وإيمان الكافر العقل ~~يحيله، إذا سئل أهل العادة عنه جوزوه فهو عقلي فقط. # ووجه الاستدلال بالآية أن الدعاء بمتعذر الوقوع حرام، فلا يجوز اللهم ~~PageV01P143 # اجمع بين الضدين ولا اغفر للكافر ولا غير ذلك من الممتنعات عقلا وشرعا، ~~فلما سألوا رفعه وذكر الله تعالى ذلك في سياق المدح لهم، دل على أنهم لم ~~يعصوا بدعائهم فيكون دعاء بما يجوز وهو المطلوب. # وأما قول الإمام إنه واقع فاعتمد في ذلك على أن جميع التكاليف إما معلومة ~~الوجود فتكون واجبة الوقوع، أو معلومة العدم فتكون ممتنعة الوقوع، والتكليف ~~بالواجب الوقوع أو الممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق، وهذا إنما يقتضي وقوع ~~تكليف ما لا يطاق عقلا لا عادة، فإن امتناع خلاف المعلوم إنما هو عقلي ~~والنزاع ليس فيه بل في المحال العادي فقط. فلا يحصل مطلوب الإمام. ### | الفصل الخامس الأمر بالمركب أمر بأجزائه # الأمر بالفعل في وقت معين يكون لمصلحة تختص بذلك الوقت # فيما ليس من مقتضاه لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملا بالأصل. ~~بال ms119 القضاء بأمر جديد خلافا لأبي بكر الرازي. # هذه المسألة مبنية على قاعدتين: القاعدة الأولى أن الأمر بالمركب أمر ~~بأجزائه، القاعدة الثانية أن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة ~~تختص بذلك الوقت، وإلا لكان تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت من بين سائر ~~الأوقات ترجيحا من غير مرجح. # فمن لاحظ القاعدة الأولى قال الأمر في الوقت المعين بالصلاة المعينة ~~يقتضي الأمر بشيئين: بالصلاة وبكونها في ذلك القوت، فهو أمر بمركب، فإذا ~~تعذر أحد جزأي المركب وهو خصوص الوقت بقي الجزء الآخر وهو الفعل؛ فيوقعه في ~~أي وقت شاء. فيكون القضاء بالأمر الأول. # ومن لاحظ القاعدة الثانية قال: إن القامة مثلا اختصت بصلاة الظهر لمصلحة ~~ما في القامة، وما دلنا دليل على مساواة غيرها من الأوقات لها، بل الظاهر ~~عدم # PageV01P144 # المساواة، وإلا لما اختصت بوجوب الفعل، فلا تثبت الصلاة في غير القامة ~~لعدم المصلحة في غير القامة، فإذا دل الدليل على وجوب القضاء علمنا أن ~~الوقت الثاني يقارب الأول في مصلحة الفعل، وإذا لم يدل دليل فلا. فهذه هو ~~مدرك هذه المسألة، وهذا إذا كان الوقت معينا، فإن كان وظيفة العمر فقد تقدم ~~أنه لا قضاء فيه، وأن الخلاف فيما هو على الفور في باب أن الأمر للفور. # وإذا تعلق بحقيقة كلية لا يكون معلقا بشيء من جزئياتها، لأن الدال على ~~الأعم غير دال على الأخص. # إذا قلنا في الدار جسم، لا يدل على أنه حيوان، لأن الجسم أعم، أو في ~~الدار حيوان، لا يدل على أنه إنسان أو في الدار إنسان لا يدل على أنه زيد، ~~ولهذه القاعدة قلنا إن الوكيل بالبيع لا يملك البيع بثمن المثل دون البخس ~~(1) إلا بالعادة لا باللفظ؛ فإذا قال له بع سلعتي حمل على ثمن المثل بدلالة ~~العادة لأن البيع حقيقة كلية مشترك فيها بين ثمن المثل والمساوي والغبن. # ولا يشترك مقارنته للمأمور به بل يجوز تعلقه في الأزل بالشخص الحادث ~~خلافا لسائر الفرق. # لم يقل بالكلام النفسي إلا نحن، فلذلك تصور على ms120 مذهبنا تعلقه في الأزل، ~~فالكلام النفسي أزلي ومنه الأمر والنهي وجميع الأحكام، فحرم الله في الأزل ~~المرأة على زيد على تقدير وجوده، ووجوب أسباب التحريم وشرائطه، وانتفاء ~~موانعه فإذا وجدت هذه كلها فقد وجد التقدير الذي تعلق الحكم بالشخص فيه، ~~وكذلك أحلها الله تعالى بتقادير، فالحكم كلام الله تعالى وتعلقه القديم ~~قديم أيضا، فإن الذي يحيل وجود علم بغير معلوم، يحيل وجود أرم بلا مأمور، ~~ونهي بغير منهي، وإباحة بغير مباح متقرر في العلم لا في الوجود الخارجي، ~~لأن التعلق نسبة، والنسبة يشترط فيها تقرر طرفيها لا وجود طرفيها، كالعلم ~~تعلقه نسبة بينه وبين معلومه، ومعلومه قد يكون PageV01P145 # معدوما، بل مستحيلا، بلا لتقرر لا بد منه، فالحكم هو الكلام وتعلقه الخاص ~~وهما قديمان، وإنما الحادث المتعلق فقط. # ولكنه لا يصير مأمورا إلا حالة الملابسة، خلافا للمعتزلة. والحاصل قبل ~~ذلك إعلام بأنه سيصير مأمورا لأن كلام الله تعالى قديم، والأمر متعلق بذاته ~~فلا يوجد غير متعلق، والأمر بالشيء حالة عدمه محال للجمع بين النقيضين، ~~وحالة إيقاعه محال لتحصيل الحاصل، فيتعين زمن الحدوث. # هذه المسألة لعلها أغمض مسألة في أصول الفقه، والعبارات فيها عسرة التفهم ~~وسر البحث فيها أن الألفاظ اللغوية إنما وضعت لطلب ما هو ممكن من المأمور، ~~فيتعين أن الآمر إنما طلب من المأمور الفعل في زمن ليس فيه عدمه، لأنه لو ~~طلب منه الفعل في زمن فيه عدمه لطلب منه الجمع بين الوجود والعدم وذلك ~~محال. فإذن لم يطلب منه الفعل إلا في # زمان ليس فيه عدمه، وكل زمان ليس فيه عدم الفعل فيه وجوده قطعا؛ لأن ~~الوجود والعدم لا يمكن ارتفاعهما معا، وزمن وجود الفعل هو زمن الملابسة، ~~وذلك هو المطلوب. # ومقصودنا بهذا بيان صفة التعلق، لا أن الملابسة شرط في التعلق، وإلا ~~لتعذرت حقيقة العصيان، ولا يوجد عاص أبدا؛ لأنه يقول الملابسة شرط لكوني ~~مأمورا وأنا لم ألابس، فشرط الأمر مفقود، فلست مأمورا؛ فلا أكون عاصيا ~~بالترك. فحينئذ يتعين أن لا تكون الملابسة شرطا في تعلق الأمر ms121 بالمكلف. بل ~~صفة تعلقه بذلك فقط، أي ما تعلق لما تعلق إلا بإيقاع الفعل في زمان ليس فيه ~~عدمه، وهو عاص إذا ترك؛ لأنه أرم أن يعمر زمانا مستقبلا بالفعل بدلا عن ~~عدمه، فلم يفعل. فمعنى قولنا إنه إنما يصير مأمورا في حالة الملابسة، أي ~~تلك الحالة هي التي تعلق بها الأمر، وتعلقه متقدم عليها بالفعل فيها. # والمعتزلة يقولون لا ينبغي أن يكون هذا صفة التعلق، لأنه لو تعلق بإيقاع ~~الفعل في زمن الحدوث لتعلق بتحصيل الحاصل، فإن زمن الحدوث زمن وجود، لأنه ~~أول أزمنة الوجود، وأول أزمة الوجود وجود، وطلب الوجود حالة الوجود طلب # PageV01P146 # تحصيل الحاصل، فيتعين أن يكون متعلقا بما قبله زمان الوجود، وهو زمان ~~العدم. # ونحن نقول لهم تعلقه بإيقاع الفعل حالة العدم يلزم منه اجتماع النقيضين، ~~وأما قولكم يلزم من تعلقه بحالة الملابسة تحصيل الحاصل، فليس كذلك، لأن ~~تحصيل الحاصل يشترط فيه تعدد الزمان بأن يكون الوجود حاصل في زمان، وقيل له ~~بعد ذلك، افعل ذلك الذي وقع في الزمان الأول بعينه، فهذا تحصيل الحاصل، أما ~~مع اتحاد الزمان فلا؛ لأن كل مؤثر، إنما يؤثر في فعله حالة حدوثه، ولا يمكن ~~أن يكتب أحد (1) كتابا إلا في الزمن الذي يكتبه فيه، ولا يبنى دارا إلا في ~~الزمن الذي يقع البناء فيه، فمن الحدوث هو زمن التأثيرات، فلو منع التأثير ~~لم يبق تأثير؛ فمثار الغلط حينئذ هو الغفلة عن شرط تحصيل الحاصل وهو تعدد ~~الزمان أما مع اتحاده فلا، فهذا مأخذ البحث في هذه المسالة بين الفريقين. # ويتفرع عليه أن عند المعتزلة ينقطع تعلق الأمر بالدخول في الملابسة ~~لانتفاء العدم الذي هو زمن التعلق، وعندنا يبقى التعلق حتى تفرغ الملابسة، ~~فبالفراغ من الملابسة ينقطع التعلق إجماعا، وفي زمن الملابسة قولان؛ عندنا ~~المتعلق موجود، وعند المعتزلة لا، وقبل الملابسة قولان: التعلق حاصل عند ~~المعتزلة وعندنا لا. # وأما كون المتقدم قبل ذلك إعلاما أو أمرا فلم يقل الإمام فخر الدين إلا ~~أنه إعلام معناه بأنه مأمور حالة الملابسة، وهو ms122 أمر بما في زمن الملابسة. ~~وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص: اختلف الناس هل هو أمر على الحقيقة أم ~~إعلام، فقال كثير: إن الأمر في الحقيقة إنما هو المقارن، أما المتقدم ~~بإعلام، وقال الباقون: هو أمر، واختلف المعتزلة في مقدار ما يتقدم عليه من ~~الأوقات بعد اتفاقهم مع أصحابنا على تقدمه بوقت يحصل به للمأمور السماع ~~والفهم، فمنهم من قال لا يجوز تقدم الأمر على المأمور بأزمنة كثيرة. بل ~~بوقت واحد إلا لمصلحة، والذي اختاره القاضي أبو بكر - رحمه اله - أنه يجب ~~تقدمه بوقتين: وقت السماع، ووقت الفهم. والعلم PageV01P147 # والتكليف يقع في الزمن الثالث، لأن إيقاع الفعل قبل العلم بمراد المتكلم ~~محال. قال فهنا أربعة مطالب: أحدها وجوب تقدم الأمر على وقت المأمور، ~~والثاني: أن تقدمه لا يخرجه عن كونه أمرا وإن كان إعلاما وإنذارا، والثالث: ~~في وجوب تعلق الأمر بالفعل حالة إيجاده، والرابع: في مقدار ما يتقدم الأمر ~~به على الفعل من الأوقات. # وقد أجمع المسلمون على أن أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم تتناولنا، ~~وهي متقدمة علينا، وأنها أوامر؛ فالقول بالإعلام باطل، ولأنه لا يحتاج لأرم ~~آخر بعده، ولو كان إعلاما بأنه سيصير مأمورا لاحتجنا لأمر آخر حالة ~~الملابسة، وليس كذلك. # والأمر بالأمر بالشيء لا يكون أمرا بذلك الشيء إلا أن ينص الآمر على ذلك ~~كقوله عليه الصلاة والسلام «مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» . # من أمر غيره أن يأمر شخصا آخر، فهو كمن أمر زيدا أن يصيح على الدابة فإنه ~~لا يصدق عليه أنه أمر الدابة، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام «مروهم ~~بالصلاة لسبع» ليس أمرا للصبيان، بل إنما فهمنا أمر الصبيان بالمندوبات، ~~لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الخثعمية «لما قالت يا رسول الله ألهذا ~~حج قال نعم ولك أجر» ومن الناس من طرد القاعدة وقال أمر الصبي بالصلاة لا ~~يحصل له فيها أجر، بل أمره بذلك على سبيل الاستصلاح، كاستصلاح البهائم على ~~التفار والشماس لا لأن لها أجورا، ومتى علم أن الآمر قصد بذلك ms123 الأمر ~~التبليغ كان ذلك أمرا للثالث، كما قال عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في حق ابنه عبد الله لما طلق امرأته في الحيض «مره فليراجعها ~~حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها ~~النساء» . ومقتضى هذه القاعدة أن ابن عمر رضي الله عنهما لا يجب عليه ~~المراجعة، لأن الأمر بالأمر لا يكون أمرا، لكن # PageV01P148 # علم من الشريعة أن كل من أمره رسول الله b أن يأمر فإنما غيره هو على ~~سبيل التبليغ ومتى كان على سبيل التبليغ صار الثالث مأمورا إجماعا. # وليس من شرطه تحقق العقاب على تركه عند القاضي أبي بكر والإمام خلافا ~~للغزالي لقوله تعالى «ويعفو عن كثير (1) » . # هذه المسألة نقلتها هنا واختصرتها كما وقعت في المحصول، وليست المسألة ~~على هذه الصورة في أصول الفقه، ولا قال القاضي هذه العبارة. ولا الغزالي ~~أيضا، بل المنقول في كتاب القاضي أنه قال إذا أوجب الله تعالى علينا شيئا ~~وجب، ولا يشترط في تحقق الوجوب استحقاق العقاب على الترك، بل يكتفى في ~~الوجوب الطلب الجازم وقال غيره الوجوب والندب اشتركا في رجحان الفعل ولم ~~يميز الوجوب إلا باستحقاق الذم أو العقاب، فإذا أسقطناه عن الاعتبار لم يبق ~~فرق البتة، والحق ما قاله القاضي، فإنا إذا دعونا وقلنا الله توفنا مسلمين، ~~فإنا نجد أنفسنا جازمة بهذا الطلب من غير رخصة في تركه، وإذا قلنا الله ~~أعطني عشرة آلاف دينار فإني أجد رخصة في أنها لو كانت خمسة لم أتألم لذلك، ~~فالطلب هنا غير جازم بخلاف الأول فقد تصورنا الطلب منا، في حق الله تعالى ~~جازما وغير جازم، مع استحالة الذم ونحوه، فإذا تصورنا الطلب الجازم بدون ~~استحقاق الذم صح ما قاله القاضي، والغزالي لم يخالف في لزوم العقاب، بل ~~الغزالي وكل منتم إلى شريعة الإسلام يقول بجواز العفو ولو بعد التوبة، أما ~~عدم الغفران مطلقا فلم يقل به أحد. PageV01P149 ### | الفصل السادس في متعلقه # فالواجب الموسع وهو أن يكون زمان الفعل يسع ms124 أكثر منه وقد لا يكون محدودا ~~بل مغيا بالعمر، وقد يكون محدودا كأوقات الصلوات، وهذا يعزى للشافعية منعه ~~بناء على تعلق الوجوب بأول الوقت، والواقع بعد ذلك قضاء يسد مسد الأداء، ~~وللحنفية منعه بناء على تعلق الوجوب بآخر الوقت الواقع قبله نفل يسد مسد ~~الواجب؛ والكرخي منعه بناء على أن الواقع من الفعل موقوف؛ فإن كان الفاعل ~~في آخر الوقت من المكلفين فالواقع فرض وإلا فهو نفل. # ومذهبنا جوازه مطلقا والخطاب عندنا متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء ~~الزمان الكائنة بين الحدين، فلا جرم صح أول الوقت لوجود المشترك، ولم يأثم ~~بالتأخير، لبقاء المشترك في آخره، ويأثم إذا فوت جملة الوقت لتعطيل المشترك ~~الذي هو متعلق الوجوب، فلا يرد علينا مخالفة قاعدة أببتة، بخلاف غيرنا. # من أنكر الواجب الموسع على الإطلاق، رأى أن التوسعة تقتضي جواز الترك، # والوجوب يقتضي المنع من الترك، والجمع بينهما محال. وهؤلاء خمس فرق لها ~~خمسة أقوال. # الأول: أنه متعلق بأول الوقت؛ لأن الزوال مثلا سبب لوجوب الظهر، والأصل ~~ترتب المسببات على أسبابها، والشافعية اليوم ينكرون هذا المذهب، غير أنه ~~منقول في عدة كثيرة من كتب الأصول، ويرد على هذا المذهب أن الإذن في تفويت # PageV01P150 # الأداء لفعل القضاء لغير عذر غير معلوم في الشريعة، وقد أجمعت الأمة على ~~جواز التأخير في الصلوات، وجواز التعجيل، أما الإذن في تفويت الأداء لفعل ~~القضاء لعذر فمعهود، كتفويت الأداء في حق المسافر ويصوم قضاء، فهذا مدرك ~~هذا المذهب وما يرد عليه. # القول الثاني: أن الوجوب متعلق بآخر الوقت، قاله الحنفية، لأن انتفاء ~~خاصية الشيء يقتضي انتفاءه، وثبوت خاصة الشيء يقتضي ثبوته، وخاصية الوجوب ~~الإثم على تقدير الترك، ولم نجد هذا إلا آخر الوقت، فيكون الوجوب متعلقا ~~بآخر الوقت، ووجدنا هذه الخاصية منفية أول الوقت وسطه فوجب انتفاء الوجوب ~~من أول الوقت ووسطه، ويرد عليهم أنه إذا عجل لم يفعل الواجب على قولهم، ~~وإجزاء غير الواجب عن الواجب خلاف الأصل والقواعد، فهذا مدرك هذا المذهب ~~وما يرد عليه. # القول الثالث: قاله الكرخي ms125 من الحنفية، أنه موقوف، فإن كان الفاعل آخر ~~الوقت مكلفا قلت الفعل المتقدم واجب، فما أجزاء عن الواجب إلا واجب، فهذا ~~هو الموجب للوقف، ويرد عليه أن صلاة تقع في الوجود لا توصف بكونها فرضا ولا ~~نفلا، خلاف القواعد. # القول الرابع: أن الزمن الوجوب هو زمن من الإيقاع، أي وقت كان لا يتعداه ~~حذرا من الإشكالات المتقدمة، ويرد عليه أن الوجوب وصفته ومتعلقه لا بد أن ~~تتقدم الفعل فلا بد من تعيين الوقت قبل الفعل، أما متعلق أو صفة تثبت مع ~~الفعل (1) فغير معهود في الشريعة. # القول الخامس: أن إيقاع الفعل قبل آخر الوقت يمنع من تعلق الوجوب المكلف ~~آخر الوقت، فلا يجزى عن الواجب غير الواجب، بل سقط الوجوب في نفسه، ويرد ~~عليه أن رسول الله b وأصحابه رضوان الله عليهم PageV01P151 # ما كانوا يصلون آخر الوقت، بل يعجلون، فيلزم أنهم ما صلوا فرضا قط ~~فيفوتهم أجر الواجبات، وهو في غاية البعد فهذه مدارك هذه المذاهب وما يرد ~~عليها من الإشكالات. # وأما القائلون بالتوسعة فقالوا الوجوب عندنا متعلق بالقدر المشترك بين ~~أجزاء القامة الكائنة بين طرفيها فترتب الوجوب على سببه؛ لأن الوجوب في ~~المشترك وجد عقيب الزوال ولم يلزمنا مخالفة شيء من هذه القواعد البتة، وهذه ~~الفرقة لهم قولان في جواز التأخير؛ هل يشترط في جواز التأخير العزم على ~~الفعل آخر الوقت لأن من لم يفعل ولا عزم على الفعل يعد معرضا عن الأمر، أو ~~لا يشترط لأن اللفظ ما دل إلا على الصلاة دون العزم. فهذه سبعة مذاهب في ~~المسألة حكاها سيف الدين الآمدي في الأحكام، وأبو إسحق في اللمع وغيرهما، ~~والقول بالتوسعة واشترط البدل هو مذهبنا ومذهب الشافعية. # وكذلك الواجب المخير قالت المعتزلة أيضا الوجوب متعلق بجملة الخصال، ~~وعندنا وعند بقية أهل السنة بواحد لا بعينه، ويحكى عن المعتزلة أيضا أنه ~~متعلق بواحد معين عند الله تعالى، وهو ما علم أن المكلف سيوقعه، وهم ينقلون ~~أيضا هذا المذهب عنا، والمخير عندنا كالموسع، والوجوب فيه متعلق بمفهوم ~~إحدى الخصال ms126 الذي هو قدر مشترك بينهما وخصوصياتها متعلق التخيير، فما هو ~~واجب لا تخيير فيه، وما هو مخير فيه لا وجوب فيه، فلا جرم يجزئه كل معين ~~منها لتضمنه القدر المشترك، وفاعل الأخص فاعل الأعم، ولا يأثم بترك بعضها ~~إذا فعل البعض لأنه تارك للخصوص المباح فاعل للمشترك الواجب، ويأثم بترك ~~الجميع لتعطيله المشترك بينها. # عندنا المشترك بين الخصال المخير بينها متعلق به خمسة أحكام: الوجوب ولا ~~يثاب ثواب الواجب إذا فعل إلا على القدر المشترك، ولا يعاقب عقاب تارك ~~الواجب إذا ترك الجميع غلا على القدر المشترك، ولا تبرأ ذمته إذا فعل إلا ~~بالقدر # PageV01P152 # المشترك، ولا ينوي أداء الواجب إلا بالقدر المشترك، فهو متعلق الوجوب ~~والثواب والعقاب وبراءة الذمة والنية. # وقول المعتزلة إنه متعلق بالجميع، معناه بالجميع على وجه تبرأ ذمته بفعل ~~البعض فلا يكون خلافا للمذهب الآخر، وعند التحقيق تستوي المذاهب في هذه ~~المسألة، وتبقى لا خلاف فيها، فإن المذهب الآخر هم ينكرونه، ولم يبق بين ~~الفريقين إلا ما لخصته، فمن أعتق رقبة في كفارة اليمين برئت ذمته بما فيها ~~من مفهوم إحدى الخصال، ومفهوم إحداها هو قدر مشترك بينها، لصدقه على كل ~~واحد منها، والصادق على عدة أمور هو مشترك بينها، وخصوص العتق لا يدخل في ~~الوجوب وإلا لأثم بتركه إذا أطعم وترك العتق، فمفهوم إحدى الخصال هو متعلق ~~الأحكام الخمسة المتقدمة. # سؤال: على هذا التقدير يلزم أن الشاة الواجبة في الزكاة والدينار واجب ~~مخير، فإن الله تعالى لم يوجب خصوص شاة بل مفهوم الشاة كيف كانت من غير ~~تعيين، فيلزم أن تكون # هذه الأبواب كلها واجبا محيرا لتعلق الخطاب فيها بالقدر المشترك بعين ما ~~قلتموه ولم يقل به أحد. # جوابه: إن تعلق الخطاب بالقدر المشترك قسمان: تارة يكون بين أجناس مختلفة ~~من الحقائق كالعتق والكسوة، وتارة بين أفراد جنس متحد الحقيقة. فاصطلح ~~العلماء على الأول يسمى واجبا مخيرا فلا يرد الثاني عليهم، لأنه غير المعنى ~~الذي اصطلح على تسميته، ومن شرط النقض أن يكون بعين الذي يدعيه ms127 المتكلم. # فائدة: والفرق بين المخير والمرتب أن المخير يجوز العدول عن كل واحدة من ~~الخصال لفعل الأخرى، والمرتب لا يجوز العدول عن الأول غلا عند تعذره، ~~فالأول: ككفارة الحنث. والثاني نحو كفارة الظهار. ثم المرتب إذا شق على ~~المكلف فعل الأول منه مشقة تسقط الوجوب فقط انتقل المرتب للمخير، كما إذا ~~شق عليه الصوم لأنه يضر به، وإن تجشمه وفعله أجزأه؛ فإنه يخير بين الصوم # PageV01P153 # والإطعام، ويكون أثر المشقة في إسقاط خصوص الصوم وتعينه، ويبقى الواجب ~~واحدا لا بعينه، ثم للتخيير والترتيب ألفاظ تدل عليهما في اللغة، والذي ~~رأيته للفقهاء أن الله تعالى متى قال افعلوا كذا أو كذا فهو للتخيير، وكذلك ~~إما كذا، وإما كذا، ومتى قال فمن لم يجد كذا فليفعل كذا وإن لم يجد كذا ~~فليفعل كذا، كما قال الله تعالى في الظهار «فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين» (1) فصورة الشرط مستند الترتيب، ولفظ (أو) موجب للتخيير. # سؤال: يلزم على هذه القاعدة أن قوله تعالى «فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان» (2) يوجب أن الإنسان يحرم عليه أن يستشهد رجلا وامرأتين عند ~~القدرة على رجلين، أو يكون ذلك غير مشروع في حقه وإن لم يكن حراما؛ وهو ~~خلاف الإجماع، فيلزم أحد الأمرين: إما أن تكون هذه الصيغة لا تدل على ~~الترتيب، وهو خلاف ما عليه الفقهاء، أو تدل فيلزم خلاف الإجماع في هذه ~~الصورة. # جوابه: أن الحق في هذه المسألة أن هذه الصيغة لا تستقل بالدلالة على ~~الترتيب، بل قد تستعمل للحصر، كقولك إن لم يكن هذا العدد زوجا فهو فرد، وإن ~~لم يكن زيد متحركا فهو ساكن، وإن لم يكن حيا فهو ميت. فهذا كلام عربي، ~~والمقصود بيان الحصر في هاتين الحالتين: الزوج والفرد، والحركة والسكون، ~~والحياة والموت، وهو مقصود الآية (3) ، ومعناها أن الحجة الشرعية الكاملة ~~من الشهادة في الأموال منحصرة في الرجلين # والرجل والمرأتين. وأما الشاهد واليمين، والنكول، ويغر ذلك، فليس حجة ~~تامة من الشهادة، بل من الشهادة وغيرها وهو اليمين أو كلها لا شهادة فيها ms128 ~~كاليمين والنكول، أما حجة تامة شرعية كلها شهادة ليس إلا هذين القسمين، ~~فإذا تعذر أحدهما تعين الآخر فتصير هذه الآية دليلا على عدم قبول ~~PageV01P154 # أربع نسوة في الأموال كما نقل عن الشافعي رضي الله عنه. ومتى استعملت هذه ~~الصيغة لبيان الحصر لا تدل على أن أحد القسمين لا يشرع إلا عند عدم الآخر، ~~بل تدل على أن المشروع محصور فيهما في ذلك الباب الذي سيق الكلام لأجله. # وإذا تقرر هذا تعين أن هذه الصيغة تصلح للترتيب ولبيان الحصر، واللفظ ~~الصالح للمختلفات لا يثبت به أحدهما إلا بدليل منفصل، فتحصل أن الحق أنها ~~لا تستقل بالدلالة على الترتيب بمجردها، وحينئذ تقول قرينة كون الوضع لا ~~يصلح للحصر قرينة دالة على أنها للترتيب، فإنه لا يحسن استعمالها لغيرهما، ~~لو قلت إن لم يكن العدد عشرة فهو مائة لم يصح، أو إن لم يكن زيد في البيت ~~فهو في السوق، حيث لا يعلم الحصر، لم يكن كلاما عربيا، فهذا هو تلخيص هذا ~~الموضع، وهو موضع حسن غريب، وينشأ منه سؤالان: أحدهما في الآية في اقتضائها ~~الترتيب وهو خلاف الإجماع. وثانيهما: على قاعدة الترتيب فيقال قد تستعمل ~~للحصر. # وكذلك فرض الكفاية المقصود بالطلب لغة إنما هو إحدى الطوائف الذي هو قدر ~~مشترك بينها، غير أن الخطاب يتعلق بالجميع أول الأمر لتعذر خطاب المجهول، ~~فلا جرم سقط الوجوب بفعل طائفة معينة من الطوائف، لوجود المشترك فيها، ولا ~~تأثم طائفة معينة إذا غلب على الظن فعل غيرها لتحقيق الفعل من المشترك ~~بينها ظنا، ويأثم الجميع، إذا تواطئوا على الترك لتحقق تعطيل الفعل ~~المشترك، بينها ظنا إذا تقرر تعلق الخطاب في الأبواب الثلاثة، بالقدر ~~المشترك، فالفرق بينها أن المشترك في الموسع هو الواجب فيه، وفي الكفاية هو ~~الواجب عليه، وفي المخير الواجب نفسه. # سمي فرض الكفاية لأن البعض يكفي فيه، وسمي الآخر فرص الأعيان لتعلقه بكل ~~عين، ولا يكفي البعض، وإنما قلت إن الخطاب متعلق في الكفاية بالمشترك لأن ~~المطلوب فعل إحدى الطوائف، ومفهوم إحدى الطوائف قدر ms129 مشترك بينها لصدقه على ~~كل طائفة، والصادق على أشياء مشترك بينها كصدق الحيوان على جميع أنواعه. ~~واللغة لم تقتض إلا ذلك في النصوص الواردة بفرض الكفاية، كقوله # PageV01P155 # تعالى «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر» (1) وكقوله تعالى «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين» (2) الآية، ونحو هذه النصوص إنما مقتضى اللغة فيها غير معين وهو ~~مشترك بين الطوائف المعينات، وفرقت الشريعة بين خطاب غير المعين # فمنعت منه لئلا يضيع الواجب فيقول كل شخص إني لم أتعين فيضيع الواجب، ~~بخلاف الخطاب بالفعل الذي ليس بمعين جوزته الشريعة لأن المكلف متمكن من ~~إيقاعه في المعين فلا يتعذر، كما خوطبنا بتحرير رقبة غير معينة ولم يفض ذلك ~~لتعذره، وكذلك شاة من أربعين ودينار من أربعين. # فائدة: لا يشترط في فرض الكفاية تحقق الفعل بل ظنه، فإذا غلب على ظن هذه ~~الطائفة أن تلك فعلت سقط عن هذه وإذا غلب على ظن تلك الطائفة أن هذه فعلت ~~سقط عنها، وإذا غلب على ظن الطائفتين فعل كل واحدة منهما سقط عنهما. # أصل التكاليف أن لا تكون إلا بعلم لقوله تعالى «ولا تقف ما ليس لك به ~~علم» (3) وقوله تعالى «وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا» (4) غير أنه تعذر ~~حصول العلم في أكثر الصور أقام الشرع الظن مقامه لغلبة صوابه وندرة خطئه ~~فأنيطت به التكاليف، فمن غلب على ظنه أن هذه امرأته جاز له وطؤها أو هذا ~~الخمر جلاب (5) لم يأثم بشربه، أو غلب على ظنه أن زوجته امرأة أجنبية حرمت ~~عليه، أو أن الجلاب خمر، حرم عليه، أو غلب على ظنه أنه متطهر وهو محدث ~~أجزأته الصلاة وبرئت ذمته، وإن كان محدثا حتى يطلع على أنه محدث، ~~PageV01P156 # فكذلك هنا يقع التكليف بالظن ويسقط بالظن، كما تسقط الصلاة مع الحدث، ~~وغيره من النظائر، وغير ذلك قد تعظم مشقته فأسقطه الشارع عن الخلق. # سؤال: إذا تقرر الوجوب على جملة الطوائف في فرض الكفاية فكيف يسقط عمن لم ~~يفعل بفعل ms130 غيره، مع أن الفعل البدني كصلاة الجنازة والجهاد مثلا لا يجزئ ~~فيه فعل أحد عن أحد؟ وكيف يسوي الشارع بين من فعل ولم يفعل. # جوابه: أن الفاعل يساوي غير الفاعل في سقوط التكليف، واختلف السبب فسبب ~~سقوطه عن الفاعل فعله وعن غير الفاعل تعذر تحصيل تلك المصلحة التي لأجلها ~~وجب الفعل، فانتفى الوجوب لتعذر حكمته. # لا يلزم من حصول المساواة في أصل السقوط حصول المساواة مطلقا في الثواب ~~وغيره، بل حصل التساوي في أصل السقوط لأن الغريق إذا شيل من البحر يبقى ~~التكليف بعد ذلك بنزول البحر لا فائدة فيه، فلا تكليف حينئذ، فيحصل التساوي ~~في أصل السقوط، ويمتاز الفاعل بالثواب عن فعله إن فعله تقربا. # قاعدة: الفعل على قسمين: منه ما تكرر مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس، فإن ~~مصلحتها الخضوع لذي الحلال، وهو متكرر بتكرر الصلاة، ومنه ما لا تتكرر ~~مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق، فإنه إذا شل من البحر فالنازل بعد ذلك إلى ~~البحر لا يحصل شيئا من المصلحة، وكذلك إطعام الجائع، وكذلك كسوة العريان ~~وقتل الكفار، فالقسم الأول جعله الشرع على الأعيان تكثيرا للمصلحة، والقسم ~~الثاني على الكفاية لعدم الفائدة في الأعيان. # هذه القاعدة هي سر ما يشرع على الكفاية وما يشرع على الأعيان، تكرار ~~المصلحة وعدم تكررها فمن علم ذلك علم ما هو الذي يكون على الكفاية، وما هو ~~الذي يكون على الأعيان في الشريعة، غير أنه يشكل على هذه القاعدة صلاة ~~الجنازة فإنها على الكفاية مع أن مصلحتها المغفرة للميت وذلك غير معلوم ~~الحصول، فينبغي أن يصلى # PageV01P157 # عليه أبدا ويكون على الأعيان، بخلاف إنقاذ الغريق فإن مصلحته حصلت ويتعذر ~~تكررها. # والجواب: أن مصلحة صلاة الجنازة حصول المغفرة ظنا، وقد حصل ظن المغفرة ~~بالدعاء في المرة الأولى لقوله تعالى «ادعوني أستجب لكم» (1) ولأنه لا يحصل ~~القطع أبدا والشرع إنما يكلف بالمصالح التي يمكن تحصيلها قطعا أو ظنا، وهذا ~~لا يمكن أن يحصل فيه القطع، فلو لم يكن الظن كافيا لتعذر التكليف. # فوائد ثلاث: الأولى الكفاية والأعيان كما يتصوران ms131 في الواجبات يتصوران في ~~المندوبات، كالأذان والإقامة والتسليم والتشميت وما يفعل بالأموات من ~~المندوبات، فهذه على الكفاية وعلى الأعيان، كالوتر والفجر وصيام الأيام ~~الفاضلة وصلاة العيدين والطواف في غير النسك والصدقات. # هذه مندوبات يكتفى فيها ببعض الناس، كما اكتفى في الواجبات بالبعض، وقصدت ~~بهذه الفائدة التنبيه على أن الندب يوصف بالكفاية، وأكثر الناس إنما ~~يتخيلون ذلك في الفروض الواجبة، فلذلك نبهت عليه. # الثانية: نقل صاحب الطراز وغيره أن اللاحق بالمجاهدين وقد كان سقط عنه ~~الفرض يقع فعله فرضا بعد ما لم يكن واجبا عليه، وطرد غيره من العلماء في ~~سائر فروض الكفاية، كمن يلحق بمجهزي الأموات من الأحياء، وبالساعين في ~~تحصيل العلم من العلماء، فإن ذلك الطالب للعلم يقع فعله واجبا، معللا لذلك ~~بأن مصلحة الوجوب لم تتحقق ولم تحصل إلا بفعل الجميع، فوجب أن يكون فعل ~~الجميع واجبا ويختلف ثوابهم بحسب مساعيهم. # الوجوب يتبع المصلحة، فإذا لم تحصل المصلحة بقي الخطاب بالوجوب ومن أوقع ~~مصلحة الوجوب استحق ثواب الواجب، والجميع موقع لمصلحة الوجوب، فوجب ~~اشتراكهم في ثواب الواجب، والكلام حيث لم تتحقق المصلحة، أما من جاء بعد ~~تحققها فلا. PageV01P158 # الثالثة: الأشياء المأمور بها على الترتيب أو على البدل قد يحرم الجمع ~~بينها، كالمباح والميتة من المرتبات وتزويج المرأة من أحد الكفؤين من ~~المشروع على سبيل البدل، وقد يباح كالوضوء والتيمم من المرتبات والسترة ~~بأحد الثوبين من باب البدل، وقد تستحب كخصال الكفارة في الظهار وخصال كفارة ~~الحنث فيما يشرع على البذل. # المرتبات هي التي لا يجوز فعل الثاني إلا عند تعذر الأول حسا أو شرعا ~~وذوات البدل هي التي يتخير المكلف بينها كثياب السترة وإباحة التيمم مع ~~الوضوء، إذ معناه صورة التيمم، أما التيمم الشرعي المبيح للصلاة فلا تتصور ~~حقيقته مع الوضوء، لأنه حينئذ غير مشروع طهارة، وإن أبيحت صورته، وكفارة ~~الظهار مرتبة، وكفارة حنث اليمين مخير فيها على البدل، والكل يستحب الجمع ~~بين خصالها من العتق والكسوة والإطعام والصيام، لأنها مصالح وقربات تكثر ~~وتجمع، وإن كان بعضها إذا ms132 انفرد لا يجزئ في المرتبة. # فرع: اختار القاضي عبد الوهاب أن الأمر المعلق على الاسم يقتضي الاقتصار ~~على أوله، والزائد على ذلك إما مندوب أو قساط. # هذه المسألة مشهورة بالأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها، قولان للعلماء، ~~وكثير من الفقهاء غلط في تصويرها حتى خرج عليها ما ليس من فروعها، ظانا أنه ~~من فروعها، فقال أبو الطاهر وغيره في قول الفقهاء. التيمم إلى الكوعين أو ~~إلى المرفقين أو إلى الإبطين ثلاثة أقوال أن ذلك يتخرج على هذه القاعدة، هل ~~يؤخذ بأوائل الأسماء فيقتصر على الكوع أو بأواخرها فيصل إلى الإبط؟ ويجعلون ~~كل ما هو من هذا الباب مخرجا على هذه القاعدة، وهذا باطل إجماعا، ومنشأ ~~الغلط إجراء أحكام الجزئيات على الأجزاء والتسوية بينهما، ولا خلاف أن ~~الحكم في الكل لا يقتصر به على جزئه، فلا تجزئ ركعة عن ركعتين في الصبح، ~~ولا يوم عن شهر رمضان في الصوم ونظائره كثيرة. # إنما معنى هذه القاعدة إذا علق الحكم على معنى كلي له محال كثيرة وجزئيات # PageV01P159 # متباينة في العلو والدناءة والكثرة والقلة، هل يقتصر بذلك الحكم على أدنى ~~المراتب لتحقق المسمى بجملته فيه أو يسلك طريق الاحتياط فيقصد في ذلك ~~المعنى الكلي أعلى المراتب؟ هذا موضع الخلاف، ومثاله إذا قال رسول الله b ~~«إذا ركعت فاطمئن راكعا» فأمر بالطمأنينة، فهل يكتفى بأدنى رتبة تصدق فيه ~~الطمأنينة، أو يقصد أعلاها؟ وكذلك قوله عليه # الصلاة والسلام «خللوا الشعر وأنقوا البشرة» يقتضي التدليك، هل يقتصر على ~~أدنى رتبة التدليك أو أعلاها؟ فهذه صورة هذه القاعدة في الجزئيات في المحل ~~لا في الأجزاء، ثم الفرق أن الجزء لا يستلزم الكل، والجزئي يستلزم الكلي، ~~فلذلك أجزأ الثاني دون الأول؛ فأدنى رتب الموالاة موالاة، وليست الركعة ~~ركعتين، ولا اليوم شهرا. # وعبارة القاضي صحيحة في قوله يقتضي على أوله، أي أول رتبة، فمن فهم أول ~~أجزائه فقد غلط. وقوله: والزائد على ذلك إما مندوب أو ساقط، فالمندوب ~~كزيادة الطمأنينة، والساقط كزيادة التدلك، فإن الشرع لم يندب لزيادة التدلك ~~كما ندب ms133 لزيادة الطمأنينة، ووجب الاقتصار على أول الرتب جمعا بين الدال على ~~الوجوب، وأن الأصل براءة الذمة. كما أنه لو وجب عتق رقبة واقتصرنا على ما ~~يسمى رقبة أجزأ وإن كانت أدنى الرقاب، ولا يجب علينا أن تعتق رقبة بألف ~~دينار. فهذه صورة القاعدة ومدركها من حيث النظر. ### | الفصل السابع في وسيلته # وعندنا وعند جمهور العلماء ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور ~~للمكلف فهو واجب، لتوقف الواجب عليه، فالقيد الأول احتراز من أسباب الوجوب ~~وشروطه وانتفاء موانعه، فإنها لا تجب إجماعا مع التوقف عليها، وإنما الخلاف ~~فيما تتوقف عليه الصحة بعد الوجوب، والقيد الثاني احترازا من توقف فعل ~~العبد بعد وجوبه على تعلق علم الله تعالى وإرادته وقدرته بإيجاده، ولا يجب ~~على المكلف تحصيل ذلك إجماعا. # PageV01P160 # وقالت الواقفية إن كانت الوسيلة سبب المأمور به وجبت وإلا فلا، لم ~~الوسيلة إما أن يتوقف عليها المقصد في ذاته أو لا يتوقف. والأول إما شرعي ~~كالصلاة على الطهارة، أو عرفي كنصب السلم لصعود السطح، أو عقلي كترك ~~الاستدبار لفعل الاستقبال. والثاني نجعله وسيلة إما بسبب الاشتباه نحو ~~إيجاب خمس صلوات لتحصيل صلاة منسية، أو كاختلاط النجس بالطاهر والمذكاة ~~بالميتة والمنكوحة بالأخت، أو لتيقن الاستيفاء كغسل جزء من الرأس مع الوجه، ~~أو إمساك جزء من آخر الليل مع نهار الصوم. # أجمع المسلمون على أن ما يتوقف الوجوب عليه من سبب أو شرط أو انتفاء مانع ~~لا يجب تحصيله إجماعا، فالسبب كالنصاب يتوقف عليه وجوب الزكاة ولا يجب ~~تحصيله إجماعا وإلا فإنه يتوقف عليها وجوب الصوم، ولا يجب الإقامة لأجله ~~إجماعا وكالدين يمنع وجوب الزكاة ولا يجب دفعه حتى تجب الزكاة إجماعا، فكل ~~ما يتوقف عليه الوجوب لا يجب تحصيله إجماعا. # وإنما النزاع فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تحقق الوجوب فقيل يجب ~~لتوقف الواجب عليه، وقيل لا يجب لأن الأمر ما اقتضى إلا تحصيل المقصد، أما ~~الوسيلة فلا، ولأنه إذا ترك المقصد كصلاة الجمعة أو الحج فإنه يعاقب عليه، ~~أما المشي إلى ms134 الجمعة أو الحج فلم يدل على دليل على أنه يعاقب عليه مع ~~عقابه على المقصد، وإذا لم يستحق عقابا عليه لم يكن واجبا، لأن استحقاق ~~العقاب من خصائص الوجوب، فمعنى قولنا مطلقا، أي أطلق الوجوب فيه فيصير معنى ~~الكلام الواجب المطلق إيجابه، ففرق بين قول السيد لعبده اصعد السطح، وبين ~~قوله إذا نصب السلم اصعد السطح، فالأول: مطلق في إيجابه فهو موضع الخلاف، ~~والثاني: مقيد في إيجابه فلا يجب تحصيل الشرط فيه إجماعا. # وأما قولنا إذا كان مقدورا فاحتراز عن المعجوز عنه، فإنه لا يجب بناء على ~~نفي التكليف بما لا يطاق وإن كنا نجوزه، ومن الشرط المعجوز عنها تعلق صفات ~~الله تعالى بفعل العبد من المحال أن يصلي حتى يقدر الله تعالى له أن يصلي، # PageV01P161 # ويعلم أنه يصلي، ويخلق له حركات الصلاة وسكناتها، فتعلق هذه الصفات شرط ~~في إيقاع الواجب، ولا يمكن إيجابها على العبد لعجزه عن التصرف في صفات الله ~~تعالى، وأما وجه الفرق بين الأسباب فتجب وغيرها من الشروط وانتفاء الموانع ~~فلا تجب عند الواقفية، فلأن السبب يلزم من وجوده الوجود، بخلاف الشرط، وعدم ~~المانع لا يلزم منهما وجود الواجب كما تقدم بيانه فيما يتوقف عليه الأحكام ~~فإذا أوجبوا تحصيل السبب فقد أوجبوا وجود ما يلزم منه وجود الواجب، بخلاف ~~ذينك. # وقولي المتوقف عليه شرعا، كالصلاة مع الطهارة أريد كما قال إمام الحرمين ~~أنه إذا تقرر أن الطهارة شرط، ثم ورد الأمر بعد ذلك بصلاة ركعتين، فإنه تجب ~~الطهارة، أما من غير هذا الوجه فلا، فلو قال اله تعالى: صلوا ابتداء، صلينا ~~بغير وضوء، حتى يدل دليل على اشتراط الطهارة، وإيجاب خمس صلوات لأجل صلاة ~~أنسيها مجهولة العين فيها فما ذاك لتوقف الصلاة في ذاتها على أربعة تضاف ~~إليها؛ بل لعله الاشتباه، بخلاف السلم في صعود السطح، هو متوقف عليه في ~~ذاته عادة، وكذلك بقية النظائر إنما حصل التوقف فيها لأمر غير الذات من ~~أمور خارجة. ### | الفصل الثامن في خطاب الكفار # أجمعت الأمة على أنهم مخاطبون بالإيمان، ms135 واختلفوا في خطابهم بالفروع، قال ~~الباجي وظاهر مذهب مالك خطابهم بها خلافا لجمهور الحنفية وأبي حامد ~~الإسفرائيني، # لقوله تعالى حكاية عنهم «قالوا لم نك من المصلين» (1) ولأن العمومات ~~تتناولهم، وقيل مخاطبون بالنواهي دون PageV01P162 # الأوامر، وفائدة الخلاف، ترجع إلى مضاعفة العذاب في الآخرة، وعينه الإمام ~~أو على غير ذلك، وبسطه في غير هذا الكتاب. # في خطاب الكفار بالفروع ثلاثة أقوال، ثالثها: الفرق بين النواهي والأوامر ~~كما تقدم، وسبب الخلاف يحتمل أن يكون عند من منع أن التقرب بالفعل فرع ~~اعتقاد صدق المخبر بالتكليف به، ومن لم يصدق تعذر عليه أن يتقرب، فلا يكلف ~~بالتقرب، وعلى هذا المدرك تكون هذه المسالة من فروع مسألة منع التكليف مما ~~لا يطاق، ويحتمل أن يكون المدرك تكون هذه المسألة من فروع مسألة منع ~~التكليف مما لا يطاق، ويحتمل أن يكون المدرك إنما هو أن الله تعالى لا يقبل ~~الفروع منهم لأجل كفرهم، فلا يكلفهم بها، لأن الله تعالى لا يقبلها، ~~والاحتمال الأول هو الظاهر من احتجاجات العلماء في هذه المسألة ومن ~~أقوالهم، ومنه يظهر سر الفرق بين النواهي والأوامر. # فإن النواهي يخرج المكلف عن عهدتها بمجرد تركها، وإن لم يشعر بها فضلا عن ~~القصد غليها، فإذا لم يعتقد التكليف وترك خرج عن عهدة العقوبة. # وأما الأمر فلا يخرج عن عهدته حتى يعتقد وجوبه، وهذا أيضا سر إلزام ~~القائل بعدم التكليف أن الدهري مكلف بالإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، ~~وذلك متعذر عليه حتى يعتقد وجود الصانع، وأن المحدث مكلف بالصلاة حالة ~~الحدث مع تعذرها في تلك الحالة، فإلزام هذين المتعذرين لمن نفى التكليف ~~يقتضي أن مدرك العدم إنما هو التعذر، وإذا كان هذا هو المدرك فهو مشكل، لأن ~~الكفار أربعة اسم: منهم من كفر بظاهره وباطنه كجمهور الحربيين، ومنهم من ~~آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما يحكى عن أبي طالب أنه كان ~~يقول إني لأعلم ما تقوله - يا ابن أخي - لحق، ولولا أني أخاف أن يعيرني ~~نساء قريش على المغازل لاتبعتك، وفي شعره يقول: ms136 # لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعزى لقول الأباطل # فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان، غير أنه لم يذعن، وكذلك من يقول من ~~الكفار: إني لأعلم أن دين الإسلام حق ولكني أخاف من الإسلام فوات منصب # PageV01P163 # أو ميراث، فهو معترف بلسانه وجنانه، وكافر ببطانه دون ظاهره وهو المنافق ~~وكافر بظاهره دون باطنه وهو المعاند كأحبار اليهود الذين قال الله تعالى ~~فيهم وفي نظائرهم «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم» (1) . # إذا تقررت هذه الأقسام الأربعة فمن آمن بظاهره وباطنه منهم، أو بظاهره ~~فقط، معتقد صدق التكليف فالتعذر في حقه ساقط، وكذلك من كان كفره بالفعل ~~كلقي المصحف في # القاذورات أو باني كنيسة مريدا للكفر فيها، أو كان كفره مجحده آية من ~~كتاب الله تعالى فقط، أو يجحد سليمان النبي عليه الصلاة والسلام فقط، فإن ~~هؤلاء كلهم يعتقدون صحة الفروع، فلا يتعذر منهم التقرب بالفروع فلا يتجه ~~التعليل بتعذر التقرب، ثم إذا فرعنا أيضا على الفريق الذي كفره بظاهره ~~وباطنه، فلا يتم المقصود أيضا، لأن من الفروع ما اجتمعت الشرائع عليه نحو ~~الكليات الخمس: حفظ الدماء والأعراض والأنساب والعقول والأموال، وأنواع ~~الإحسان كإطعام الجوعان وكسوة العريان، وغير ذلك مما لم تختلف فيه الشرائع، ~~فيصح منه التقرب به عادة، بناء على اعتقاده إياه من دينه وإن كفر بديننا، ~~فهذا وجه الإشكال في هذه المسألة. # وأما حجة الخطاب من حيث الجملة فقوله تعالى «ولله على الناس حج البيت» ~~(2) وهو عام فيتناول الكافر: الأمر بالحج، وإذا تناوله الأمر تناوله النهي، ~~لأن كل من قال بالأمر قال بالنهي، بخلاف العكس، وكقوله تعالى «وويل ~~للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة» وكقوله تعالى «والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ~~ذلك يلق أثاما» (3) فقوله تعالى: ومن يفعل ذلك، يتناول جميع ما تقدم، فيكون ~~القتل والزنا يعاقب عليهما كما يعاقب على دعوى الإله مع الله تعالى، ولولا ~~الكافر مخاطب بفروع الشرائع وإلا لما انتظم هذا الكلام. PageV01P164 # وحجة عدم الخطاب ms137 أنه لو أمر بالفروع لأمر بها إما حالة الكفر وهو خلاف ~~الإجماع فإن الأمة مجمعة على أنه لا يقال صل وأنت كافر، وإما بعد الكفر، ~~وهو أيضا خلاف الإجماع لقوله عليه الصلاة والسلام «الإسلام يجب ما قبله» . # وجواب هذه النكتة أن زمن الكفر ظرف للتكليف لا لوقوع المكلف به، كما نقول ~~المحدث مأمور بالصلاة إجماعا ومعناه أن زمن الحدث ظرف للخطاب للصلاة ~~والتكليف بها لا لإيقاع الصلاة، فلا نقول له صل وأنت محدث، بل يجب عليك أن ~~تزيل الحدث وتصلي، وأنت الآن مكلف بذلك، كذلك نقول للكافر أنت الآن مكلف ~~بإزالة الكفر ثم إيقاع الفروع، لا أنك مكلف بإيقاع الفروع في زمن الكفر؛ ~~فزمن الكفر ظرف للتكليف لا لوقوع المكلف به، فقوله أما أن يكلف حالة الكفر ~~أو بعده، قلنا حالة الكفر قوله لا يصح منه، قلنا لم ندع أن ذلك الزمان ظرف ~~لإيقاع المكلف به حتى نلزم صحته، أو نقول بعده على سبيل التسليم والحديث ~~حجة على الخصم، لأن الجب القطع، وإنما يقطع ما هو متصل، فهذا يدل على أنه ~~لولا القاطع اتصل التكليف فبقي التكليف مستمرا. # وأما قولي: فائدة الخلاف ترجع إلى مضاعفة العذاب في الآخرة، وعينه الإمام ~~أو إلى غير ذلك، فمعناه أن الإمام فخر الدين أجاب عن هذه النكتة المتقدمة ~~بأن فائدة التكليف إنما هو مضاعفة العذاب في الآخرة لا الوجوب قبل ولا بعد، ~~واكتفى بهذا الجواب، وهو لا يتم له بسبب أن العقاب في الدار الآخرة إنما ~~يتضاعف ويعذب الكافر عذابين أحدهما: وهو الأعظم لأجل الكفر، والثاني ~~للفروع، إذا قلنا بتقدم التكليف في الدنيا، أما عقابه في الآخرة من غير ~~تقديم تكليف فغير معقول، فإذا تعين تقدم التكليف فيتعين أن نختار أحد ~~القسمين، وهو إما حالة الكفر أو بعد؛ ويذكر الجواب مفصلا محررا كما تقدم، ~~فظهر أن جوابه - رحمه الله - غير تام. # وأما أن فائدة الخلاف ترجع على غير مضاعفة العذاب فقد ذكرت وجوها كثيرة ~~في شرح المحصول، وأذكر منها هنا نبذا أحدها تيسير الإسلام ms138 عليه، فإنه إذا ~~كان مخاطبا وهو خير النفس بفعل الخيرات من الصدقات وأنواع البر وغيرها # PageV01P165 # كان ذلك سببا في تيسير إسلامه استنباطا من قوله عليه الصلاة والسلام «إن ~~المؤمن ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه» فيناسب أن يختم للكافر بالإيمان ~~بسبب كثرة إحسانه وحسناته، وإن أجمعنا على أنه لا يثاب عليها في الآخرة إلا ~~أنه ورد الحديث الصحيح، أنه يطعم بها في الدنيا، ولم يرد دليل على أنها لا ~~تكون سببا لتيسير الإسلام فبقي استنباطه لا مانع منه. وثانيها: الترغيب في ~~الإسلام، فإنه إذا كان كثير القتل والفتك والفساد وقيل إن الإسلام من شرفه ~~أن يهدم جميع آثام هذه الأفعال كان ذلك أوقع في نفسه، من قولنا إن الإسلام ~~لا ينهض إلا بالكفر وحده. ثالثها: تخفيف العذاب في الدار الآخرة؛ فإن ~~الدليل ما دل إلا على تخليد الكافر في العذاب وأما مقداره في الكمية ~~فالتفاوت واقع فيه قطعا، لذلك قال تعالى «إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار» (1) واليهود أسفل من النصارى كما جاء في الحديث الصحيح من ترتيب ~~طبقات النار - أجارنا الله منها - فإذا قلنا هو مخاطب وفعل ذلك كان سببا ~~لتخفيف العذاب عنه مع الخلود، فهذه فوائد تظهر من ثمرة الخلاف في كونهم ~~مخاطبين. # فائدة: القاضي عبد الوهاب في الملخص الخلاف في هذه المسألة في فصلين: ~~أحدهما أن العموم هل هو صالح لتناول الكافر كتناوله للمسلم؟ خلاف كما جرى ~~في صلاحية العموم للعبد، الفصل الثاني: أنهم هل يتناولهم التكليف بالفروع ~~أم لا؟ فقال: منهم من فرق بين المرتد فيخاطب، وبين غير المرتد فلا يخاطب، ~~فيتحصل من نقله ونقل الإمام فخر الدين في المسألة أربعة أقوال. ثالثها: ~~الفرق بين النواهي وغيرها، ورابعها الفرق بين المرتد وغيره، ومر بي في بعض ~~الكتب - لست أذكره الآن - أن لكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة، ~~فالجهاد خاص بالمؤمنين، لم يخاطب الله تعالى بوجوب الجهاد كافرا، وهو # متجه أن يكون وجوب الجهاد مستثنى من الفروع لعدم حصول مصلحته من الكفار، ~~أو يقال إن الله ms139 تعالى حيث ذكر الجهاد لم يذكر صيغة يندرج فيها الكفار، بل ~~«يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين» (2) ويا أيها PageV01P166 # الذين آمنوا فقط، ويمكن أن يقال: لنا عمومات تتناولهم كقوله تعالى «يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم» (1) والتقوى يندرج فيها جميع الواجبات وكذلك قوله ~~تعالى «وما أتاكم الرسول فخذوه» (2) ومن جملة ما أتى به الجهاد، وهذه ~~العمومات كثيرة فيمكن اندراج الكافر فيها، وأما حصول المصلحة منه. فجوابه: ~~أنا لم نكلفه بالجهاد وهو كافر، بل كلف بأن يسلم ثم يجاهد، كما قلنا في ~~الصلاة؛ فإذا لم يسلم عوقب في الآخرة على الكفر وعلى ترك الجهاد مع جملة ~~الفروع. PageV01P167 ### | الباب الخامس في النواهي وفيه ثلاثة فصول ### | الفصل الأول في مسماه # وهو عندنا التحريم وفيه من الخلاف ما سبق في الأمر. # نظير تلك المذاهب السبعة هنا أن نقول إنه موضوع: للتحريم، للكراهة، للقدر ~~المشترك بينهما وهو مطلق الترك، اللفظ مشترك بينهما، هو موضوع لأحدهما لا ~~يعلم بعينه، موضوع للإباحة، الوقف. فهذه سبعة مذاهب في الأمر والنهي، وحكى ~~القاضي عبد الوهاب في الملخص أن من العلماء من فرق بين النهي فحمله على ~~التحريم، وبين الأمر فحمله على الندب، لأن عناية العقلاء وصاحب الشرع بدرء ~~المفاسد أشد من عنايتهم بالمصالح، والنهي يعتمد المفاسد، والأمر يعتمد ~~المصالح؛ فإذا جمعت البابين قلت ثمانية أقوال، الثامن الفرق بين الأوامر ~~والنواهي. # واختلف العلماء في إفادته التكرار وهو المشهور من مذهب العلماء وعلى ~~القول بعدم إفادته وهو مذهب الإمام فخر الدين لا يفيد الفور عنده. # قال القاضي عبد الوهاب: واختلف في النهي المعلق بما يتكرر، فمن قال إن # PageV01P168 # النهي لا يقتضي بمجرده الدوام والتكرار، قال به أيضا إذا علق بما يتكرر، ~~وقيل يتكرر، قال وهو آكد من مطلقه، وهو الصحيح بخلاف الأمر. # قلت للشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله يوما إن القائل بأن النهي لا ~~يقتضي التكرار يلزمه أن لا يوجد عاص البتة في الدنيا بمنهي، وذلك أن النهي ~~عنده لا يقتضي إلا مطلق الترك كما أن الأمر لا يقتضي ms140 إلا مطلق الفعل، فكما ~~يخرج عن عهدة الأمر فعل ما في زمن ما، كذلك يخرج عن عهدة النهي بمطلق الترك ~~في زمن ما، وأشد الناس عصيانا وفسوقا لا بد أن يترك تلك المعصية في زمن ما ~~فيخرج عن عهدة النهي بذلك الزمن الفرد، فلا يكون عاصيا أبدا، وما رأينا ~~أحدا في العالم واظب على معصية فلم يفتر عنها إلى أن مات، بل لا بد من ~~فترات ولو لضرورات الحياة من النوم والاغتداء وغير ذلك، فلزم السؤال. # قال لي - رحمه الله - هذه المسألة تتخرج على قاعدة، وهي أن القاعدة أنه ~~قد يكون # عام في مطلق، نحو أكرم الناس كلهم في يوم، أو مطلق في عام نحو أكرم زيدا ~~في جميع الأيام، أو عام في عام نحو أكرم الناس في جميع الأيام، أو مطلق في ~~مطلق نحو أكرم رجلا في يوم، إذا تقررت هذه القاعدة فالقائل بأن النهي يقتضي ~~التكرار يقول هو عموم في عموم أمر بجميع التروك في جميع الأزمان، والذي ~~يقول النهي لا يقتضي التكرار يقول المطلوب ترك واحد في جميع الأزمان [فهو ~~مطلق في عام] (1) فلا يجوز أن يلابس المنهي عنه في زمن ما فيتحقق العصيان ~~حينئذ بملابسة المنهي متى وقعت، فهذه صورة هذه المسألة. # ثم بعد وفاته - رحمه الله - رأيت أن هذا الجواب لا يتم لوجهين. # أحدهما: أن هذا التقدير يقتضي أن لا يتحقق مذهب القائل أنه يقتضي التكرار ~~بسبب أن القائل بالتكرار لا يمكن أن يقول بجمع بين تركين في زمن ~~PageV01P169 # واحد، لأن الجمع بين المثلين محال، بل يقول: إن الثابت في كل زمان إنما ~~هو ترك واحد، وهذا هو مذهب القائل بعدم التكرار على تفسير الشيخ؛ فإن ~~المطلق إذا عممناه في الأزمان لا بد أن يحصل في كل زمن من فرد غير الفرد ~~الحاصل في الزمن الآخر، فهي أمثال تتوالى، فلا يبقى إلا مذهب واحد، فلا ~~يتحقق المذهبان. # وثانيهما: أن القائلين بعدم التكرار قالوا في حجتهم إنه ورد للتكرار ~~كالسرقة والزنا ونحوهما، وورد أيضا لعدم التكرار ms141 كقول الطبيب للمريض لا ~~تأكل اللحم ولا تقصد، أي في هذا الزمان، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، ~~فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين القسمين وهو مطلق الترك، وهذا يدل ~~منهم على أنهم لا يستوعبون الأزمنة بمطلق الترك، لأن المشترك بين بعض ~~الأزمنة المعينة والتكرار يجب أن يكون مساويا لأحد القسمين، وهو ذلك البعض ~~المعين، فتفسير الشيخ - رحمه الله تعالى - لا ينطبق على مذهبهم بمقتضى ~~حجتهم وظواهر ألفاظهم. # والذي أراه في دفع هذا الإشكال العظيم أن نقول مطلق الترك مشترك بين جميع ~~الأقسام ولنا أخص منه، وهو مشترك أيضا، وهو مطلق الترك بقيد كونه لا يقع ~~إلا في أحد هذين النوعين، فكونه بقيد لا يتعدى النوعين، وهو إما التكرار أو ~~الزمن المعين، كما في مثال الطبيب، فوجب كون هذا المشترك أخص من مطلق ~~الترك. والقاعدة: أن كل مشترك ليس له إلا نوعان، إذا فقد أحدهما تعين ~~الآخر، كالعدد ليس له إلا الزوج والفرد، فإذا تعذر # الزوج تعين الفرد، أو الفرد تعين الزوج، كذلك هنا إذا فرعنا على عدم ~~إفادته التكرار يكون موضوعا لهذا المشترك الخاص بهذين النوعين، لا أنه ~~موضوع لمطلق الترك، وحينئذ تصح جميع هذه المباحث، ويذهب الإشكال بأن نقول ~~إن وجد دليل يدل على وقت معين كان التكليف خاصة به، ومتى خالف فيه عصى، ~~ومتى لم يوجد ذلك تعين النوع الآخر بدليل بعينه، وحينئذ يتعين استغراق ~~الأزمنة، فيعصى بملابسة المنهي عنه في أي زمان كان، وإذا عرى عن دليل على ~~هذا وعلى النوع الآخر كان محتاجا # PageV01P170 # للبيان، ويجب تعجيل البيان قبل وقت العمل، فصح المذهب وتحقق العصيان من ~~كل عاص في العالم، وانتظم الاستدلال الذي قالوه من مثال الطبيب والمنجم، ~~كما قالوا بقول المنجم: لا تخرج إلى الصحراء، ولا تفصل جديدا، أي في هذا ~~اليوم، واندفعت الإشكالات كلها. # وإذا فرعنا على التكرار اقتضى الفور قطعا، لأن الزمان الحاضر يندرج في ~~التكرار، وإن فرعنا على عدم التكرار لا يتعين اقتضاؤه للفور فيجري فيه ~~قولان، فقيل يتعين الترك بذلك المعين في ms142 الزمن الحاضر، وقيل لا يتعين إلا ~~بدليل منفصل، وهو موضع مشكل جدا فتأمله. # حجة القائلين بالتكرار أن النهي يعتمد المفاسد، واجتناب المفسدة إنما ~~يحصل إذا اجتنبها دائما، كما إذا قلت لولدك لا تقرب الأسد فمقصوده لا يحصل ~~إلا بالاجتناب دائما، ولأن النهي منع من إدخال الماهية في الوجود، وذلك ~~إنما يتحقق إذا امتنع منها دائما، ولأنه يصح استثناء أي زمن شاء، ~~والاستثناء عبارة عما لولاه لاندرج المستثنى في الحكم، فيندرج جميع الأزمنة ~~في الحكم وهو المطلوب. # وأما حجة عدم التكرار فقد تقدمت. # ومتعلقة فعل ضد المنهي عنه، لأن العدم غير مقدور، وعن أبي هاشم عدم ~~المنهي عنه. # منشأ الخلاف في هذه المسألة النظر إلى صورة اللفظ وليس فيه إلا العدم، ~~فإذا قال له لا تتحرك فعدم الحركة هو متعلق النهي عند أبي هاشم، أو يلاحظ ~~أن الطلب إنما وضع لما هو مقدور، فما ليس بمقدور، لا يطلب عدمه، فلا يقال ~~للنازل من شاهق لا تصعد إلى فوق فإن الصعود غير مقدور، فلا ينهى عنه، ~~والعدم نفي صرف، فلا يكون مقدورا، لأن القدرة لا بد لها من أثر وجودي، فلا ~~فرق بين قولنا ما أثرت القدرة أو أثرت عدما صرفا إلا في العبارة، وإذا لم ~~يمكن جعل العدم أثرا لا يكون العدم مقدورا فلا يتعلق به الطلب، فيتعين تعلق ~~الطلب بالضد، وإذا قال له لا تتحرك فمعناه اسكن، فملاحظة المعنى # مدرك الجمهور. وملاحظة صورة اللفظ هو مدرك # PageV01P171 # أبي هاشم، والمعنى أتم اعتبارا من صورة اللفظ. احتج أبو هاشم بأن من دعاء ~~الداعي إلى القتل فلم يفعل أجمع العقلاء على مدحه، وتعليل ذلك المدح بأنه ~~لم يفعل، ولا يذكرون الضد. جوابه: أنهم إنما يمدحون بما هو من صنعه، والعدم ~~الصرف ليس من صنعه، فلا يمدحونه به. # سؤال: ما الفرق بين هذه المسألة وبين قولهم النهي عن الشيء أمر بضده، فإن ~~هذه هو كقولكم متعلق النهي ضد المنهي عنه؟ # جوابه: أن الأمر والنهي متعلقان - بكسر اللام - والمنهي وضده متعلقان - ~~بفتح اللام - فإذا قلنا ms143 النهي عن الشيء أمر بضده هو بحث في المتعلقات بكسر ~~اللام -، هل هو ذاك أو غيره، ثم إذا تقرر بيننا شيء من المتعلقات بكسر ~~اللام من اتحاد أو تعدد أمكننا بعد ذلك أن نختلف في المتعلقات - بفتح اللام ~~- هل المتعلق نفس العدم أو الضد، فهذه مسألة أخرى وليست عين المسألة ~~الأولى. فهذا هو الفرق. ### | الفصل الثاني في أقسامه # وإذا تعلق بأشياء فإما على الجمع نحو الخمر والخنزير، وإما عن الجمع نحو ~~الأختين، أو على البدل مثل إن فعلت ذا فلا تفعل ذاك كنكاح الأم بعد ابنتها، ~~أو على البدل كجعل الصلاة بدلا عن الصوم. # المعنى بالنهي عن الجمع، أي على الجمع في النهي، أي كل واحد منهما منهي ~~عنه، ومعنى النهي عن الجمع أن متعلق النهي هو الجمع بينهما، وكل واحد منهما ~~ليس منهيا عنه، كالأختين فإن كل واحدة منهما في نفسها ليست محرمة، بل ~~المحرم هو الجمع فقط، ونظير هذين قول النحاة تقول العرب: لا تأكل السمك، ~~وتشرب # PageV01P172 # اللبن فيه ثلاثة أوجه إن جزمنا الفعلين (تأكل وتشرب) كان كل واحد منهما ~~متعلق النهي، وإن نصبنا الثاني وجزمنا الأول لكان متعلق النهي هو الجمع ~~بينهما فقط وكل واحد منهما غير منهي عنه، وإن جزمنا الأول ورفعنا الثاني ~~كان الأول هو متعلق النهي فقط في حال ملابسة الثاني، أي لا تأكل السمك في ~~حالة شربك اللبن، فالحال ليس منهيا عنها، فإذا قلت لا تسافر والبحر هائج، ~~ولا تصل والشمس طالعة، فلست تنهى عن هيجان البحر ولا عن طلوع الشمس، بل عن ~~الأول فقط، كذلك هنا، فتختلف المعاني باختلاف رفع الثاني ونصبه وجزمه، ~~والأول فيا لأحوال الثلاثة مجزوم، والنهي عن البدل يرجع إلى النهي عن ~~الجمع، فإن معنى قولنا إن فعلت ذا فلا تفعل ذاك، أن الجمع بينهما محرم. ~~والنهي عن البدل له صورتان: أن تجعل # غير الواجب بدلا عن الواجب، كجعل التصدق بدرهم بدلا عن الصلاة، وأن تجعل ~~بعض الواجب بدلا عن كله؛ كجعل ركعة بدلا عن ركعتين. ### | الفصل الثالث في ms144 لازمه # هو عندنا يقتضي الفساد خلافا لأكثر الشافعية والقاضي أبي بكر هنا، وفرق ~~أبو الحسين البصري والإمام بين العبادات فيقتضي وبين المعاملات فلا يقتضي، ~~لنا أن النهي إنما يكون لدرء المفسدة الكائنة في المنهي عنه، والمتضمن ~~للمفسدة فاسد، ومعنى الفساد في العبادات وقوعها على نوع من الخلل يوجب بقاء ~~الذمة مشغولة بها وفي المعاملات عدم ترتب آثارها عليها، إلا أن يتصل بها ما ~~يقرر آثارها على أصولنا في البيع وغيره، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لا ~~يدل على الفساد مطلقا ويدل على الصحة لاستحالة النهي عن المستحيل. # هذا الفصل في آثار النهي، وأثر الشيء لازم له، فلذلك قال في لازمه، # PageV01P173 # ويتحصل في اقتضائه للفساد أربعة مذاهب: يقتضي الفساد، لا يقتضيه، الفرق ~~بين المعاملات والعبادات، يفيد الفساد على وجه تثبت مع شبهة الملك وهو مذهب ~~مالك. # حجة اقتضائه للفساد مطلقا أما في العبادات فلأنه أتى بالمنهي عنه، ~~والمنهي عنه غير المأمور به؛ فلم يأتي بالمأمور به، ومن لم يأت بالمأمور به ~~بقي في عهدة التكليف، وهو المعنى بقولنا: النهي يقتضي الفساد في العبادات، ~~وأما في المعاملات فلأن النهي يعتمد وجود المفسدة الخالصة أو الراجحة في ~~المنهي عنه، فلو ثبت الملك والإذن في التصرف لكان ذلك تقريرا لتلك المفسدة، ~~والمفسدة لا ينبغي أن تقرر، وإلا لما ورد النهي عنها. والمقدر ورود النهي ~~عنها، هذا خلف، وقياسا على العبادات. # حجة عدم اقتضائه مطلقا، أما في العبادات فإنه لا تنافي بين قول صاحب ~~الشرع نهيتك عن الصلاة في الدار المغصوبة، وإذا أتيت بها جعلتها سببا ~~لبراءة ذمتك، كما حكى فيها الإجماع، وعن الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة في ~~الثوب المغصوب، والحج بالمال المغصوب، وإذا أتيت بهذه العبادات جعلتها سببا ~~لبراءة ذمتك، فإن مصالح العبادات حاصلة في تلك الصور، وإنما قارنتها مفسدة، ~~ومقصد البراءة حصول المصلحة لا عدم مقارنة المفسدة، لأنه لو أعطاه دينه ~~وضربه لم يقدح ذلك في براءة الذمة من الدين، ولا في مصلحة الدراهم ~~المأخوذة. # وأما الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله ms145 عنه - فقد طرد أصله وأبطل العبادات ~~في هذه الصور كلها، فيتعذر القياس معه، ويبقى الاستدلال بحصول المصلحة. ~~وأما في المعاملات فلأن الأسباب الشرعية ليس من شرط إفادتها للملك أن تكون ~~مشروعة في نفسها، فالسرقة محرمة، وهي سبب القطع والغرم وسقوط العدالة غير ~~ذلك، وكذلك الزنا والحرابة والقذف محرمات. وهي أسباب لأحكام إجماعا، وكذلك ~~الطلاق في زمن الحيض حرام، ويترتب عليه أثره الذي هو إزالة العصمة، فقد ~~يكون السبب حراما، وقد يكون واجبا كالزواج في حق من وجب عليه، ويكون ذلك ~~سببا لوجوب النفقة وغيرها، والإعتاق واجب للولاء وغيره، وقد # PageV01P174 # يكون مندوبا كالزواج المندوب والعتق المندوب، وقد يكون مباحا كالزواج ~~المباح، وقد يكون مكروها كالزواج المكروه. فقواعد الشريعة تشهد أنه ليس من ~~شرط السبب أن يكون مشروعا ولا مساويا لمسببه في الحكم، بل يكون السبب حراما ~~وللمترتب عليه واجبا. # وبهذا يظهر بطلان التشنيع على المالكية حيث جعلوا ترك السنة في الصلاة ~~سببا لوجوب السجود، فقل لهم كيف يكون ترك المندوب سبب الوجوب، وكيف يكون ~~الفرع أقوى من أصله وجوابهم ما تقدم. # حجة الفرق: أن البراءة تعتمد الإتيان بالمأمور به ولم يأت به، فتبقى ~~العهدة، وإذا كان المندوب لا يجزئ عن العبادة الواجبة فأولى المحرم، فلو ~~صلى ألف ركعة ما نابت عن صلاة الصبح، وأما المعاملات فهي أسبا، والسبب ليس ~~من شرطه أن يكون مأمورا به، حجة شبهة الملك مراعاة الخلاف، وأما ما يتصل به ~~على أصولنا فلأن البيع المحرم إذا اتصل به عندنا أحد أمور أربعة تقرر الملك ~~فيه بالقيمة: وهو تغير الأسواق أو تغير العين أو هلاكها، أو تعلق حق الغير ~~بها على تفصيل مذكور في كتب الفقه. # وأما قول أبي حنيفة في الصحة فحجته أن الصحة لو كانت مفقودة لامتنع ~~النهي، لأنه لا يقال للأعمى لا تبصر، ولا للزمن لا تطير، وما ذاك إلا لعدم ~~صحة ذلك منهما، فدل على أن النهي يدل على حصول الصحة، والصحة عبارة عن ترتب ~~الملك والآثار والمكنة من التصرفات، فلهذه القاعدة قالوا إنه ms146 إذا باع درهما ~~بدرهمين أو غيره من الربويات متفاضلا حصل الملك في أحد الدرهمين ورد الدرهم ~~الزائد، وكذلك إذا اشترى أمة شراء فاسدا يجوز له وطئها ابتداء، ويجوز له ~~أكل الطعام وغير ذلك مما اشتراه شراء فاسدا، بناء على حصول الصحة المفسرة ~~بالإذن في التصرف. # القاعدة: الصحة ثلاثة أقسام: صحة عقلية، وهو إمكان الشيء وقبوله للوجود # والعدم في نظر العقل، كإمكان العالم والأجسام والأعراض، وصحة عادية ~~كالمشي # PageV01P175 # أماما ويمينا ويسارا دون الصعود في الهواء. وصحة شرعية وهو الإذن الشرعي ~~في جواز الإقدام على الفعل، وهو يشمل الأحكام الشرعية إلا التحريم، فلا إذن ~~فيه، والأربعة الباقية فيها الإذن. # إذا تقررت هذه القاعدة فالنزاع مع الحنفية إنما هو في الصحة الشرعية، وهو ~~الإذن في جواز الإقدام، واستدلوا بحديث الأعمى والمقعد، وذلك إنما يوجب ~~اشتراك الصحة العادية وهي مجمع عليها، اتفق الناس على أنه ليس في الشريعة ~~منهي عنه، ولا مأمور به، ولا مشروع على الإطلاق إلا وفيه الصحة العادية، ~~وكذلك حصل الاتفاق أيضا على أن اللغة لم يقع فيها طلب وجود ولا عدم إلا ~~فيما يصح عادة، وإن جوزنا تكليف ما لا يطلق فذلك بحسب ما يجوز على الله ~~تعالى لا بحسب ما يجوز في اللغة، فاللغات موضع إجماع؛ فعلى هذا دليلهم لا ~~يمس صورة النزاع. # قال الإمام فخر الدين - رحمه الله: سلمنا أن دليلكم يدل على الصحة ~~الشرعية لكن تلك الصحة متقدمة على النهي لا متأخرة عنه. وتقرير ذلك أن ~~الموكل إذا عزل وكيله بقوله لا تبع هذه السلعة التي وكلتك على بيعها، فيكون ~~هذا النهي عزلا له ونسخا لتلك الصحة السابقة، وكذلك الخلائق وكلاء الله في ~~أرضه، لقوله تعالى: «ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون» (1) ، وقوله ~~تعالى: «وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه» (2) ، وإذا ورد النهي بعد ذلك ~~عليهم كان ناسخا لتلك الصحة السابقة، وأنتم تطلقون على أنه يدل على صحة ~~لاحقة حتى تثبتون الملك في عقود الربا بناء على النهي. # تنبيه: قال مالك الشافعي وابن حنبل: «إن النهي يدل على ms147 الفساد» ، وقال ~~أبو حنيفة: «ويدل على الصحة» فالكل طردوا أصولهم إلا مالكا. فقال أبو ~~حنيفة: «يجوز التصرف في المبيع بيعا فاسدا ابتداء وهذا هو الصحة» . وقال ~~الشافعي ومن وافقه: «إن الملك لا يثبت أصلا ولو تداولته الأملاك وهذا هو ~~الفساد» . وقال مالك PageV01P176 # بالفساد في حالة عدم الأمور الأربعة المتقدم ذكرها وبعدمه، وتقرر الملك ~~إذا طرأ أحدها، فلم يطرد أصله. # ويقضي الأمر بضد من أضداد المنهي عنه. # قد تقدم أن النهي أمر بأحد الأضداد، والأمر بالشيء نهي عن جميع الأضداد، ~~كقوله اجلس في البيت؛ فإنه نهى عن الجلوس في السوق والحمام وجميع البقاع، ~~وكقوله لا تجلس في البيت، أمر بالجلوس في أحد المواضع، أما جميع المواضع ~~المضادة للبيت فلا؛ لأنه نهي. # PageV01P177 ### | الباب السادس في العمومات # وفيه سبعة فصول ### | الفصل الأول في أدوات العموم # وهي نحو عشرين صيغة، قال الإمام: «وهي إما أن تكون موضوعة للعموم بذاتها ~~نحو كل، أو بلفظ يضاف إليها كالنفي ولام التعريف والإضافة وفيه نظر» . # قد تقدم في الباب الأول حد صيغة العموم والكلام عليها تحريرا وإشكالا ~~وجوابا، وأما تقسيم الإمام فخر الدين إياها إلى ما يفيد العموم بنفسه نحو ~~كل، وجميع، ومن، وما وإلى ما لا يفيد العموم إلا بلفظ يضاف إليها نحو ~~النفي، كقولنا لا رجل في الدار، فإنه لولا النفي لم يبق إلا مطلق النكرة، ~~وهي لا تفيد العموم بنفسها، أو لام التعريف نحو «اقتلوا المشركين» (1) ، ~~فإنه لولا لام التعريف لم يبق إلا الجمع المنكر، وهو لا يفيد العموم، أو ~~الإضافة نحو عبيدي أحرار، فلولا الإضافة لم يحصل العموم، ولم يعمم العتق، ~~بل كان يلزمه عتق ثلاثة أعبد فقط، هذا معنى كلامه. # ومعنى قولي فيه نظر أن: من، وما، أيضا لا يفيدان العموم إلا بإضافة آخر ~~يضاف إليهما، وهي الصلة في الخبرية، نحو رأت من في الدار، أو لفظ هو شرط ~~نحو من دخل داري فله درهم، أو لفظ مستفهم عنه نحو من عندك، فلو نطقنا: ممن ~~PageV01P178 # وما، وحدهما لم يحصل عموم، بل قد يكون ms148 كل واحد منهما نكرة موصوفة أو غير ~~ذلك، وكذلك: كل، وجميع، لا بد من إضافة كل واحد منهما للفظ آخر حتى يحصل ~~العموم فيه، نحو كل رجل إنسان، أو جميع العالم ممكن فتخصيصه المحتاج للفظ ~~آخر بتلك الثلاثة لا يتجه. # فمنها: كل، وجميع، ومن، وما، والمعرف باللام جمعا مفردا، والذي، والتي، ~~وتثنيتهما، وجمعهما، وأي، ومتى في الزمان، وأين وحيث في المكان، قال القاضي ~~عبد الوهاب، واسم الجنس إذا أضيف والنكرة في سياق النفي، فهذه عندنا ~~للعموم، واختلف في الفعل في سياق النفي كقولك والله لا آكل، فعند الشافعي ~~للعموم في المواكيل، فله تخصيصه بنيته في بعضها، وهذا هو الظاهر من مذهبنا. ~~وقال أبو حنيفة لا يصح لأن # الفعل يدل على المصدر وهو لا واحد ولا كثير، فلا تعميم ولا تخصيص، واتفق ~~الإمامان على قوله: لا أكلت أكلا إنه عام يصح تخصيصه؛ وعلى عدم تخصيص الأول ~~ببعض الأزمنة أو البقاع، لنا أنه إن كان عاما صح التخصيص وإلا فمطلق يصح ~~تقييده ببعض خاله، وهو المطلوب. # أما كل وجميع فيعمان فيما أضيفا إليه، وأما من وما، فاشترط الإمامان فخر ~~الدين وجماعة معه أن يكونا في الشرط والاستفهام، واحترزوا بهذا الشرط عنهما ~~إذا كانا نكرتين نحو مررت بما معجب لك، أو بمن معجب لك، فتخفض معجبا على ~~الصفة، وفي هذه الحالة من، وما، ليستا للعموم، فخرجتا بقولهم إذا كانتا في ~~الشرط والاستفهام، فنفعهم هذا التقييد في إخراج هذا. وهو ليس للعموم، ~~وأضرهم هذا التقييد في إخراج: ما، ومن الخبريتين وهما للعموم، نحو قوله ~~تعالى: «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم (1) » ، وقوله تعالى: «كل من ~~عليها فان» فإن هذين للعموم ولا شرط فيهما، ولا استفهام، فخرج من الحد ~~فيكون غير جامع فلا بد من PageV01P179 # عبارة تخرج النكرة وتدخل الخبرية، بأن يقول إذا كانتا شرط أو استفهام ما، ~~أو موصولا، وحينئذ يصير الحد جامعا. # والمعرف باللام جمعا ومفردا فيه إشكال، من جهة أن لام التعريف تعم أفراد ~~ما دخلت عليه، فإن دخلت على ms149 الدرهم عمت أفراده، أو الفرس عمت أفراده، فكذلك ~~ينبغي إذا دخلت على الجمع تعم أفراد الجموع وحينئذ يتعذر الاستدلال به حالة ~~النفي أو النهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده، فإذا قال الله تعالى: «لا ~~تقتلوا الصيد (1) » يجوز أن تقتل واحدا فإنا إنما نهينا عن أفراد الجموع، ~~والواحد ليس بجمع، وكذلك إذا قلنا لم أر إخوتك، يجوز أن تصدق وقد رأينا ~~منهم واحدا وهو خلاف المعهود من صيغة العموم، وإنما يقتضي ثبوت حكمها لكل ~~فرد من أفرادها أمرا ونهيا وثبوتا ونفيا، ولا يختلف الحال في شيء من ~~الوارد، وحينئذ لأجل هذا الإشكال يتعين أن يعتقد أن لام التعريف إذا دخلت ~~على الجمع تبطل حقيقة الجمعية ويصير الجمع كالمفرد، وأن الحكم ثابت لكل فرد ~~من الأفراد، كانت الصيغة مفردا أو جمعا، وأي: تعم فيما أضيفت إليه نحو أي ~~رجل جاءني أكرمته، ومتى، وأين، وحيث للعموم، والمعلق عليها مطلق. # وبهذا نجيب عمن يقول إذا كانت هذه للعموم، فينبغي إذا قال متى دخلت الدار ~~فأنت طالق، فدخلت مرارا ينبغي أن يلزمه ثلاث تطليقات عملا بالعموم، وليس ~~كذلك، فلا # يكن للعموم، وكذلك أين وجدتك فأنت طالق، أو حيث وجدتك فأنت طالق، لأنا ~~نقول المعلق عليه عام وهو: متى، وأين، وحيث، والمعلق مطلق، وهو مطلق ~~الطلاق، فهو التزام مطلق الطلاق في جميع الأزمنة أو البقاع، فإذا لزمه طلقة ~~واحدة فقط وقع ما التزمه من مطلق الطلاق فلا تلزمه طلقة أخرى، بل تنحل ~~اليمين، كما لو قال أنت طالق في جميع الأيام طلقة؛ فالظرف عام والمظروف ~~مطلق، كذلك هنا المعلق عليه عام والمعلق مطلق، فاندفع الإشكال. واسم الجنس ~~إذا أضيف، قال صاحب الروضة: سواء كان مفردا أو تثنية أو PageV01P180 # جمعا، وأما الإمام فخر الدين فلم يذكر في المحصلو سوى الجمع، كقوله عبيدي ~~أحرار، ومثال المفرد قوله عليه الصلاة والسلام «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ~~(1) فحصل العموم في جميع أفراد الماء والميتة، فالمضاف مفرد، وكذلك قوله ~~عليه السلام «إلا بحقها» (2) ، يعم جميع حقوق الشهادة، مع أنه مفرد ms150 مضاف، ~~والتثنية كقول الأعرابي المفسد لصومه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«ما بين لابتيها أحوج مني (3) » واللابة الحجارة السود، فعم ذلك جميع ~~الحجارة السود. # تنبيه: اسم الجنس قسمان، منه ما يصدق على القليل والكثير نحو ماء ومال ~~وذهب وفضة، ومنه ما لا يصدق إلا على الواحد نحو: درهم ودينار ورجل وعبد، ~~فلا يصدق على جماعة الدراهم أنها درهم، ولا الدنانير أنها دينار، ولا ~~الرجال أنهم رجل، ولا العبيد أنهم عبد. فهذا الذي لا يصدق على الكثير ينبغي ~~أن لا يعم بخلاف عبيدي أحرار ونسائي طوالق، فكان ينبغي أن يفصل بين القسمين ~~في اسم الجنس إذا أضيف ويدعى العموم في أحدهما دون الآخر، لكني لم أره ~~منقولا، والاستعمالات العربية والعرفية تقتضيه. # وكذلك فرق الغزالي بين المفرد الذي فيه هاء التأنيث يمتاز بها عن الجنس ~~نحو برة وبين ما ليس كذلك، فجعل لام التعريف تعم في الثاني دون الأول، فتعم ~~في البر دون البرة، وفي التمر دون التمرة، وهو تفصيل حسن، وهو يعضد هذا ~~الموضع أيضا في اسم الجنس إذا أضيف. # وأما النكرة في سياق النفي فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة ~~والأصوليين يقولون النكرة في سياق النفي تعم، وأكثر هذا الإطلاق باطل. ~~PageV01P181 # قال سيبويه # رحمه الله وابن السيد البطليوسي (1) في شرح الجمل: إذا قلت لا رجل في ~~الدار بالرفع لا تعم بل هو نفي للرجل بوصف الوحدة، فتقول العرب لا رجل في ~~الدار بل اثنان، فهذه نكرة في سياق النفي وهي لا تعم إجماعا، وكذلك سلب ~~الحكم على العموم حيث وقع، كقولك ما كل عدد زوج؛ فإن هذا ليس حكما بالسلب ~~على كل فرد من أفراد العدد، وإلا لم يكن فيه زوج وذلك باطل، بل مقصودك ~~إبطال قول من قال كل عدد زوج، فقلت له أنت ليس كل عدد زوجا، أي ليست الكلية ~~صادقة بل بعضها ليس كذلك، فهو سلب الحكم على العموم لا حكم بالسلب على ~~العموم، فتأمل الفرق بينهما. فهذان نوعان من النكرة في سياق النفي ms151 ليسا ~~للعموم. # ونص الجرجاني في أول شرح الإيضاح على أن الحرف قد يكون زائدا من حيث ~~العمل دون المعنى، كقولك ما جاءني من رجل، فإن (من) هنا تفيد العموم، ولو ~~قلت ما جاءني رجل لم يحصل العموم وهذه نكرة في سياق النفي، وكذلك قال ~~الزمخشري وغيره في قوله تعالى: «ما لكم من إله غيره» (2) لو قال ما لكم إله ~~غيره بحذف (من) لم يحصل العموم، وكذلك قوله تعالى: «ما يأتيهم من آية من ~~آيات ربهم» (3) ، ولو قال ما يأتيهم آية بحذف (من) لم يحصل العموم، وهذا ~~يقتضي أن هذه الصيغ الخاصة كلها إذا كانت في سياق النفي لا تفيد العموم؛ ~~وإنما تفيده النكرات العامة، نحو أحد وشيء؛ فإذا قلت ما جاءني أحد حصل ~~العموم، وكذلك نقله النحاة، وإذا قلت ما جاءني من أحد كانت (من) مؤكدة ~~للعموم لا منشئة له. هذا نقل النحاة والمفسرين. # ونقل صاحب إصلاح المنطق وغيره أن اللفظ الذي يستعمل في النفي فقط وهو ~~الذي في قولنا ما بها أحد ولا وابر، ولا صافر، ولا عريب، ولا كتيع، ~~PageV01P182 # ولا دبي من دبيب، ولا دبيح، ولا نافخ ضرمة، ولا ديار، ولا طورى، ولا ~~دورى، ولا تؤمري، ولا لاعي، ولا أرم، ولا داع، ولا مجيب، ولا معرب، ولا ~~أنيس، ولا ناخر، ولا نامج، ولا ثاغن ولا راغ، ولا دعوى، ولا شفر، ولا صوات. ~~وزاد الكراع في كتاب المنتخب طوى أي ما بها أحد يطوى ولا بها طوئي، ولا ~~زابن، ولا تأمور، ولا عين، ولا عائن، وما لي منه بد. # فهذه الألفاظ وضعت للعموم في النفي، وذلك نحو ثلاثين صيغة، وما عداها ~~يقتضي ظاهر النقول أنه لا يفيد العموم إلا بوساطة (من) . # فائدة: أحد الذي يستعمل في النفي غير أحد الذي استعمل في الثبوت، نحو «قل ~~هو الله أحد» (1) فالذي يستعمل في الثبوت بمعنى: واحد ومتوحد، وأحد في # النفي معناه إنسان، وكأنه قال ما فيها إنسان، وبرأى صاحب وبر، وصافر من ~~الصفير وهو الصوت الخاص، وعريب إما من الإعراب الذي ms152 هو البيان ومنه الثيب ~~تعرب عن نفسها؛ أي ما فيها مبين، أو ما فيها من ينسب إلى يعرب بن قحطان، ~~وكتيع من التكتع وهو التجمع، تقول تكتع الجلد إذا ألقى (2) في النار ~~فاجتمع، ومنه أكتعون أبصعون ودبى من دبيب، ودبيح معناه متلون، والضرمة ~~النار، وديرا من الدار منسوب إليها كحطاب والطورى من الطور وهو الجبل أي ~~ليس فيها صاحب نار ولا دار ولا جبل، ودورى من الدور جمع دار، وتؤمري من ~~التأموري وهو دم القلب ولاعى القرو قال الجوهري لاحس عسك من قدح والأرم ~~الساكن ويطلق على ليالي الدارس، والداعي والمجيب من الدعاء والإجابة، ومعرب ~~مثل عريب، والناخر من النخير، والنابح الكلب، والثغاء صوت الغنم، والرغاء ~~صوت الإبل، والدعوى من الدعوة وهي وليمة الطعام، والشفر من الشفير وهي ~~الحافة، والطوى من الطي أي ما هناك أحد يطوى، وزابن من الزبن، وأريم من ~~الأرم، والتأمور من PageV01P183 # القلب، وعائن وعين من العين، والبد الانفكاك أي مالي منه انفكاك. # إذا تقرر هذا فأقول النكرة في سياق النفي تقتضي العموم في أحد قسمين؛ ~~مسموع وقياس، أما المسموع فهي هذه الألفاظ، وأما القياس فهي النكرة ~~المبينة، وما عدا ذلك فلا عموم فيه، فهذا هو تلخيص ذلك الإطلاق فيما وصلت ~~إليه قدرتي. # تنبيه: النكرة في سياق النفي تعم سواء دخل النفي عليها نحو لا رجل في ~~الدار، أو دخل على ما هو متعلق بها نحو ما جاءني من أحد، وهل يعم ذلك ~~متعلقات الفعل المنفي؟ الذي يظهر لي أنه إنما يعم في الفاعل والمفعول إذا ~~كانا متعلق الفعل، أما ما زاد على ذلك نحو قولنا ليس في الدار أحد أو لم ~~يأتني اليوم أحد، فإن ذلك ليس نفيا للطرفين المذكورين، وكذلك ما جاءني أحد ~~ضاحكا وإلا ضاحكا ليس نفيا للأحوال، وضاحك مثبت مستثنى من أ؛ وال مثبتة، ~~ونصبه على أنه مستثنى من إيجاب، فتأمل هذا الموضع أيضا فهو غريب عزيز، ~~ويحرر إلى أي غاية ينتهي عموم النفي وأين يقف. # فائدة: الفعل في سياق النفي وقع في ms153 كلام العلماء على ثلاثة أقسام منهم من ~~يقول الفعل في سياق النفي يعم ولا يزيد على هذه العبارة، فتتناول هذه ~~الدعوى الفعل القاصر نحو: قام وقعد، فإذا قلنا لا تقوم يعم النفي أفراد ~~المصادر، والفعل المتعدي نحو أكل وأعطى، ومنهم من يقول - وهو الغزالي وغيره ~~- الفعل المتعدي إذا كانت له مفاعيل إلا يعم مفاعيله، فعلى هذه الدعوى لا ~~يتناول الفعل القاصر. والأول قول القاضي عبد الوهاب # وجماعة معه، ومنهم وهو الإمام فخر الدين وجماعة معه من لا يزيد على قوله ~~لا أكل، وهذا المثال يحتمل القولين الأولين، لأنه متعد له مفاعيل، وهو فعل ~~في سياق النفي، والذي يظهر لي أنهما مسألتان متباينتان، الفعل في سياق ~~النفي يعم نحو قوله تعالى: «لا يموت فيها ولا يحيى» (1) أي لا موت له ولا ~~حياة، والفعل المتعدي إذا كانت له مفاعيل لا تعم مفاعيله، وهذا القائل ~~الثالث راجع إلى الثاني. PageV01P184 # وأما قول أبي حنيفة إن المصدر لا يدخل في مفهومه الكثرة فلا يتحقق العموم ~~فلا يتحقق التخصص فلا يخلصه، لأنا نقول لا أكل، يدل على نفي المصدر مطابقة ~~وعلى المفعول التزاما، لأنه من لوازم الفعل أن له مفعولا، فهذا اللازم إن ~~كان عاما دخله التخصيص، وإن لم يكن عاما، بل إن اللفظ يقتضي أن له مفعولا ~~ما وهو الصحيح؛ فيدخله التقييد، لأن المطلقات تقيد، وإنما كان لا يحنث لأنه ~~لو قال والله لأكلت رجلا ونوى تقييده يزيد لم يحنث بغيره، فالمقصود من عدم ~~الحنث حاصل على تقديري التخصيص والتقييد، ومقصود أبي حنيفة فائت على ~~التقديرين من عدم الحنث. # غير أن هنا قاعدة للحنفية أخبرني بها فضلاؤهم وهي أن النية إنما تؤثر ~~عندهم تخصيصا أو تقييدا فيما دل اللفظ عليه مطابقة، أما التزاما فلا، فلذلك ~~ألغينا النية في هذه الصورة تخصيصا وتقييدا، وبهذه القاعدة يظهر الفرق بين ~~قوله لا كلمت رجلا، يصح تقييده، وبين لا أكلت؛ لأن دلالة رجل على زيد ~~بالمطابقة، بمعنى أن مسمى رجل صادق عليه، وفي المواكيل دلالة الالتزام فقط، ~~ثم إن ms154 هذه القاعدة لم أر لهم عليها دليلا بل دعوى مجردة، ويدل على بطلانها ~~قوله عليه الصلاة والسلام «وإنما لكل امرئ ما نوى» وهذا قد نوى شيئا فيكون ~~له والأصل عدم المانع عن النية حتى يذكروا دليلا عليه. # وأما استدلال أصحابنا عليهم بالمصدر إذا نطق به نحو: لا أكلت أكلا بإلزام ~~ظاهر؛ لأن النحاة اتفقوا على أن ذكر المصدر بعد الأفعال إنما هو تأكيد ~~للفعل والتأكيد للفعل لا ينشئ حكما، بل ما هو ثابت قبله، فإذا صح اعتبار ~~النية معه وجب اعتبارها قبله. فهذه كلام حق. # وأم إلزامهم لنا عدم جواز التخصيص بالزمان والمكان وقياسهم المفعول به ~~على المفعول فيه، فنحن لا نساعدهم ولا الشافعية على الحكم في الظرفين، بل ~~إذا قال: والله لا أكلت، ونوى يوما معينا أو مكانا معينا لم يحنث بغيره، ~~فيلزمهم ما ألزمناهم ولا يلزمنا ما ألزمونا. والفعل في سياق النفي مطلقا ~~يعم، # PageV01P185 # فمدرك الخلاف فيه أن الفعل إذا نفى فقد نفى مصدره فيصير لا يقوم بمنزلة ~~لا قيام ولا قيام يعم، فلا يقوم يعم، والقول الآخر مبني # على أن هذا القياس في اللغة ولنا منعه، أو يلاحظ صحة الاستثناء في ~~التعميم. # فائدة: اختلف العلماء في هذا الفعل الخاص اختلافا خاصا، وهو قوله تعالى: ~~«لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة» (1) ، فقيل يقتضي نفي الاستواء مطلقا ~~في كل شيء حتى في نفي القصاص بين المسلم والذمي إذا قتله المسلم، وقيل لا ~~يفيد نفي الاستواء إلا من بعض الوجوه فلا يفيد نفي القصاص. # ومنشأ الخلاف أن قولنا استوى في سياق الثبوت هل هو موضوع في اللغة ~~للاستواء من كل الوجوه، ولا يلزم من نفي المجموع إلا نفي جزء منه فيبقى ~~بقية الوجوه لم يتعرض لها بالنفي، فلا يلزم النفي من جميع الوجوه، أو هو ~~موضوع لمطلق الاستواء ولو من وجه، فيكون أمرا كليا لا كلا ومجموعا، ويلزم ~~من نفي الأمر الكلي نفي جميع أفراده فينتفي القصاص؟ والذي يظهر لي أنها ~~موضوعة للاستواء فيما وقع السياق لأجله لا لمطلق الاستواء ms155 في الفقه خاصة، ~~وكذلك فيا لنفي، فإذا قال الله تعالى: «لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ~~أصحاب الجنة هم الفائزون» (2) ، دل على نفي الاستواء في الفوز، وأن أصحاب ~~النار هلكى، ولا يتعدى النفي هذا الوجه فلا يقتضي نفي القصاص. # وقال الشافعي - رضي الله عنه - ترك الاستفصال في حكايات الأحوال يقوم ~~مقام العموم في المقال، نحو قوله عليه الصلاة والسلام لغيلان حين أسلم على ~~عشر نسوة: «أمسك أربعا وفارق سائرهن» من غير كشف عن تقدم عقودهن أو تأخرها ~~أو اتحادها أو تعددها. # روي عن الشافعي - رضي الله عنه - أيضا أن حكايات الأحوال إذا تطرق إليها ~~PageV01P186 # الاحتمال كساها الإجمال، وسقط بها الاستدلال، فجعلها مجملة لا يستدل بها ~~مع الاحتمال، وفي القول الأول جعلها عامة ليستدل بها، فذكرت هذا لبعض ~~العلماء الأعيان، فقال يحمل ذلك على أنه قولان له اختلفا كما يختلف أقول ~~العلماء في المسائل بالنفي والإثبات. # والذي يظهر لي أن ذلك ليس باختلاف، بل هنا تحرير، وهو أن معنى قولا ~~لعلماء حكاية الحال أو واقعة العين إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها ~~الاستدلال أنه الاحتمال المساوي أو المتقارب، وأما الاحتمال المرجوح فلا ~~يمكن أن يكون مسقطا للاستدلال؛ فإنه لا يكاد يوجد نص لاحتمال فيه ولا واقعة ~~لاحتمال فيها، ولكن تلك الاحتمالات مرجوحة، والعمدة على الظواهر، بل ~~المقصود الاحتمال المساوي، لأن به يحصل الإجمال والظاهر لا إجمال فيه. # وإذا تقرر هذا فأقول: الاحتمال المساوي إما أن يكون في دليل الحكم أو في ~~محل الحكم، فإن كان دليل الحكم حصل الإجمال في الدليل فيسقط به الاستدلال ~~كقوله عليه الصلاة والسلام في المحرم: «لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم ~~القيامة ملبيا» فهذا حكم في رجل بعينه يحتمل أن يكون ذلك خاصا به فيجوز أن ~~يمس غيره الطيب ويحتمل أن يعمه ويعم غيره من المحرمين كما قاله الشافعي. ~~وليس في اللفظ تعرض لغيره بل يحمل التعميم وعدمه على الاستواء فيسقط به ~~الاستدلال على تعميم الحكم في المحرمين؛ لأنه إجمال في الدليل، وتارة يكون ~~الاحتمال المساوي ms156 في محل الحكم والدليل لا إجمال فيه كقصة غيلان، فإن قوله ~~عليه الصلاة والسلام «أمسك أربعا» ظاهر في الإذن في الأربع غير معينات، ~~والإجمال إنما هو في عقود النسوة التي هي محل الحكم، فيصبح الاستدلال على ~~التعميم، فله أن يختار، تقدمت العقود أو تأخرت، اجتمعت أو تفرقت. # فأبو حنيفة يقول إذا تقدمت العقود على أربع وعقد بعد ذلك على غيرهن حرم ~~عليه الاختيار من غير تلك الأربع لوقوعهن بعدهن، ونكاح الخامسة وما بعدها ~~لا يقر، وإنما الحديث محمول على ما إذا عقد عليهن عقدا واحدا فلا يتعين ~~الباطل من الصحيح، فيختار. # PageV01P187 # ونحن نقول أنكحة الكفار كلها باطلة وإنما الإسلام يصححها وإذا كانت باطلة ~~فلا يتقرر أربع دون من عداهن لكون من عداهن يبطل عقده (1) ، والحديث لم ~~يفصل، مع أنها تأسيس قاعدة وابتداء حكم، وشأن الشرع في مثل هذا رفع البيان ~~إلى أقصى غاياته، فلولا أن الأحوال كلها يعمها هذا الاختيار، وإلا لما أطلق ~~صاحب الشرع القول فيها، وكما لو قال صاحب الشرع أعتقوا رقبة في الكفارة ولم ~~يفصل، استدللنا بذلك على عتق الطويلة والقصيرة والبيضاء والسوداء من جهة ~~عدم التفصيل، لا لأن اللفظ عام، بل هو مطلق، غير أن عدم التفصيل يقوم مقام ~~التعميم، فهذا تلخيص هذا الموضع عندي، وأن القولين من الشافعي - رضي الله ~~عنه - محمولان على حالتين: فإحداهما في دليل الحكم، والأخرى في محل الحكم، ~~وقد تقدم مبسوطا ممثلا فتأمله، فهو موضع حسن. # وخطاب المشافهة لا يتناول من يحدث بعد إلا بدليل لأن الخطاب موضوع في ~~اللغة للمشافهة. # لا تقول العرب أكرمتكم أو أمرتكم أو نهيتكم أو قوموا، إلا لمن هو موجود، ~~فعلى هذا قوله تعالى: «عليكم أنفسكم» (2) ، «واجتنبوا كثيرا من الظن» (3) ، ~~ونحوه هو مختص بالموجودين وقت نزول هذا الخطاب، وتناوله لأهل القرون بعدهم ~~ليس # من جهة اللغة، بل ذلك إما لأنه معلوم ن الدين بالضرورة، وأن الشريعة عامة ~~على الخلائق إلى يوم القيامة، أو بالإجماع للعلماء، طريقتان في ذلك، ~~وكلاهما حق. # وقول الصحابي - رضي الله عنه - نهى ms157 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~بيع الغرر أو قضى بالشفعة أو حكم بالشاهد واليمين، قال الإمام رحمه الله ~~تعالى لا عموم له لأن الحجة في المحكى لا في الحكاية، وكذلك قوله كان يفعل ~~كذا، وقيل يفيده عرفا. PageV01P188 # هذا الموضع مشكل، لأن العلماء اختلفوا في رواية الحديث بالمعنى، فإن ~~منعناه امتنع هذا الفصل؛ لأن قول الراوي نهي ليس لفظ رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وإن قلنا بجوازه فمن شرطه أن لا يزيد اللفظ الثاني على الأول ~~في معناه ولا في جلائه وخفائه، فإذا روى العدل المعنى بصيغة العموم في قوله ~~الغرر، تعين أن يكون اللفظ المحكى عموما، وإلا كان ذلك قدحا في عدالته حيث ~~روى بصيغة العموم ما ليس عاما، والمقرر أنه عدل مقبول القول، هذا خلف، فلا ~~يتجه قولنا الحجة في المحكى لا في الحكاية، بل فيهما؛ لأجل قاعدة الرواية ~~بالمعنى. # نعم قول الراوي قضى بالشفعة له معنيان: أحدهما قضى بمعنى نفذ الحكم بين ~~الخصوم كما يفعله القضاة، فهذا يستحيل فيه العموم في اشلفعة، فإن جميع ~~الشفعات إلى يوم القيامة يستحيل الحكم بها بين خصومها من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وثانيهما حكم بمعنى ألزم من باب الفتيا وتقرير قواعد ~~الشريعة كقوله تعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا» ، ~~أي أمركم بهذا وقدره فهذا يتصور فيه العموم، فإن تعلق الأمر بما لا يتناهى ~~من العمومات ممكن، وكذلك القول في قوله حكم بالشاهد واليمين يحتمل التصرف ~~بالقضاء، والتصرف بالتبليغ والفتيا، غير أن (حكم) أبلغ في الظهور في القضاء ~~دون الفتيا من لفظ (قضى) ، ومتى تعارضت الاحتمالات سقط الاستدلال، غير أنه ~~يحسن من الراوي أن يطلق لفظ العموم إذا كان المراد التصرف بالقضاء بناء منه ~~على أن المراد بلام التعريف حقيقة الجنس لا استغراق الجنس؛ اعتمادا على ~~قرينة تعذر الحكم بجميع أفراد العموم وأما إن كان المراد الفتيا والتبليغ ~~فيتعين أن المحكى عام مثل لفظ الحكاية وإلا لزم القدح في عدالة الراوي. ~~وأما (كان) فأصلها أن ms158 تكون في اللغة كسائر الأفعال لا تدل إلا على مطلق ~~وقوع الفعل في الزمان الماضي، وهو أعم من كونه تكرر بعد ذلك أو لم يتكرر، ~~انقطع بعد ذلك أو لم ينقطع. # هذا هو مدلولها لغة، غير أن العادة جارية بأن القائل إذا قال كان فلان ~~يتهجد بالليل لا يحسن ذلك منه إلا وقد كان ذلك متكررا منه في الزمن الماضي، ~~وأما # PageV01P189 # قوله تعالى: «وكان الله غفورا رحيما» (1) ، «وكان الله بكل شيء عليما» ~~(2) فدلت قرينة # أن الله تعالى موصوف بذلك دائما، على أن المراد الحالة المستمرة الماضي ~~والحال والمستقبل، بخلاف قولنا كنا نفعل كذا، أو كان زيد يفعل كذا، إنما ~~يتناول التكرار في الزمن الماضي خاصة، وهذه كلها قرينة زائدة على اللغة، ~~واللفظة من حيث اللغة لا تفيد العموم، وهو وجه من يقول إنها لا تفيد ~~العموم، والقائل الآخر يقول يفيده عرفا، ويريد بالعموم التكرر على الوجه ~~المتقدم وهو غير العموم، فيكون إطلاقه العموم عليه مجازا. # ووقع في (كان) بحث آخر للفضلاء أرباب المعقول، وهي أنها فعل يصدق على ~~الوجود الواجب الذي يستحيل عليه العدم، كوجود الله تعالى، فمنعه جمع كثير ~~وقالوا لا يصح على وجود الله تعالى (كان) فإنه يشعر بالتقضي والعدم؛ ~~والصحيح جوازه، لأنه ليس فيها إلا أن الوجود قارن الزمان والماضي، أما إنه ~~انعدم بعد ذلك فلا، فنقول كان الله ولا شيء معه، ولا محذور في ذلك فتأمل ~~ذلك. # قال القاضي عبد الوهاب: إن (سائر) ليست للعموم، فإن معناها باقي الشيء لا ~~جملته، وقال صاحب الصحاح وغيره من الأدباء إنها بمعنى جملة الشيء، وهو ~~مأخوذة من سور المدينة المحيط، لا من السور الذي هو البقية، فعلى هذا يكون ~~للعموم، وعلى الأول الجمهور والاستعمال. # الصحيح أن أصلها الهمزة من السور الذي هو البقية، وتسهل الهمزة فيقال سور ~~بغير همز، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «فارق سائرهن» أي باقيهن. # وقال ابن دريد: # حاشى لما أسأره في الحجا ... والحلم أن أتبع رواد الخنا # أي أبقاه في الحجا، والحجا العقل، وعلى هذا ms159 لا يكون للعموم بل بقية ~~الشيء، وذلك صادق على أقل أجزائه. PageV01P190 # وقال الجبائي الجمع المنكر للعموم خلافا للجمع في حلمهم له على أقل ~~الجمع. # حجة الجمهور أنه نكرة في سياق الإثبات فلا يعم حتى يدخل عليه أداة العموم ~~وهي لام التعريف والإضافة وحصول الاتفاق، ولو قال عند الحاكم له عندي دراهم ~~لم يلزمه أكثر من ثلاثة، ولو حلف ليتصدقن بدراهم بر بثلاثة، وكذلك الوصية ~~والنذر. # وحجة الجبائي أن حمله على العموم حمل اللفظ على جميع حقائقه فهو أولى. # جوابه: أن حقيقته واحدة وهي القدر المشترك بين الجموع، وأما أفراد الجموع ~~فهو محل حقيقته، لا أنها حقائقه، فقوله جميع حقائقه كلام باطل. # والعطف على العام لا يقتضي العموم نحو قوله تعالى: «والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء» ثم قال تعالى: «وبعولتهن أحق بردهن» (1) فهذا # الضمير لا يلزم أن يكون عاما في جملة ما تقدم. لأن العطف مقتضاه التشريك ~~في الحكم الذي سيق الكلام لأجله فقط. # الضمير خاص بالرجعيات، لأن وصف الأحقية للأزواج إنما هو فيهن، وإذا كان ~~ضمير العام خاصا هل يتعين أن يكون المراد بالعموم الأول ما أريد بالضمير ~~فقط، لأن القاعدة استواء الظاهر والمضمر في المعنى، أو يحمل الظاهر على ~~عمومه؛ لأن صيغته صيغة عموم والضمير على الخصوص، لانعقاد الإجماع على ~~استواء الزوج والأجنبي في البائن، هذا هو الصحيح، لأن الأصل عدم التخصيص، ~~فلا يكون الظاهر خاصا، ولا المضمر عاما. # وقال الغزالي المفهوم لا عموم له. قال الإمام: إن عنى أنه لا يسمى عاما ~~لفظيا فقريب، وإن عنى أنه لا يفيد عموم انتقاء الحكم فدليل كون المفهوم حجة ~~ينفيه. # الظاهر من حال الغزالي في هذه المسألة أنه إنما خالف في التسمية، وأن لفظ ~~PageV01P191 # العموم موضوع في الاصطلاح لما كان الشمول فيه من جهة اللفظ نطقا لا من ~~جهة المفهوم، وأما عموم النفي في المسكوت فهو قائل به، لأنه من القائلين ~~بأن المفهوم حجة. # وخالف القاضي أبو بكر في جميع هذه الصيغ، وقال بالوقف مع الواقفية، وقال ~~أكثر الواقفية إن الصيغ ms160 مشتركة بين العموم والخصوص، وقيل يحمل على أقل ~~الجمع، وخالف أبو هاشم مع الواقفية في الجمع المعرف باللام، وخالف الإمام ~~فخر الدين مع الواقفية في المفرد المعرف باللام، لنا أن العموم هو ~~المتبارد، فيكون مسمى اللفظ عموما كسائر الألفاظ لصحة الاستثناء في كل فرد، ~~وما صح استثناؤه وجب اندراجه. # سبب توقف القاضي في الجميع وجدانه أكثر صيغ العموم مستعملة في الخصوص، ~~حتى قيل ما من عام إلا وقد خص إلا قوله تعالى: «والله بكل شيء عليم» فلما ~~تعارضت الأدلة عنده من جهة أن الأصل عدم التخصيص وعدم المجاز وعدم ~~الاشتراك، حصل له التوقف. وقال في مستند التوقف لو علم مسمى هذه الصيغ لعلم ~~إما بالعقل وهو باطل لعدم استقلال العقل بدرك اللغات، أو بالنقل وهو إما ~~متواتر وهو باطل وإلا لعلمه الكل لأن التواتر مفيد للعلم، أو آحاد وهو ~~باطل؛ لأن الآحاد لا تفيد إلا الظن، والمسألة علمية، وهذا المستند طرده في ~~الأوامر والعمومات وجميع الألفاظ التي حصل له فيها التوقف. # وجوابه: أنه علم بالاستقراء التام من اللغات على سبيل القطع والتواتر، ~~ولا يلزم علم الكل به لعدم اشتراكهم في هذا الاستقراء التام، أو يعلم ذلك ~~بدليل مركب من النقل # والعقل، وهذا المدرك لم يذكره في تقسيمه فقسمته غير حاصرة فلا تفيد، ~~ومثاله أن ينقل إلينا أن الاستثناء يدخل على صيغة العموم، وأن الاستثناء ~~عبارة عما لولاه لوجب اندراجه، فيستنبط العقل من هاتين المقدمتين النقليتين ~~بوساطة: أن ما من نوع إلا يصح استثناؤه وما استثني فيجب اندراجه، فيحصل أن ~~الصيغة للعموم، وحجة # PageV01P192 # الاشتراك أن اللفظ مستعمل فيهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة، ولحسن ~~الاستفهام عند قول القائل أكرمت كل من في الدار، فيقال له هل أكرمت زيدا ~~معهم؟ والاستفهام طلب الفهم، وطلب الفهم مع حصوله عبث. # والجواب عن الأول: أن الأصل أيضا عدم الاشتراك فيكون اللفظ مجازا في ~~الخصوص، والمجاز أولى من الاشتراك لما تقدم. وعن الثاني: أن الاستفهام يحسن ~~لإبعاد المجاز، بل يحسن حيث ينتفي المجاز بالكلية كما في أسماء ms161 الأعداد، ~~فإذا قيل لك بعث لك السلطان بعشرة آلاف دينار، تقول بعشرة آلاف دينار؟! ~~استعظاما لذلك، لاحتمال أن يكون المتكلم حصل له سهو في كلامه، ولفظ العشرة ~~لا يحتمل المجاز البتة، فصيغة العموم أولى بصحة الاستفهام، وأما حمله على ~~أقل الجمع فللجزم بعدم العموم (1) فصار الجمع المعرف عند هذا القائل كالجمع ~~المنكر، والمنكر يحمل على أقل الجمع فكذلك هذا. # وأما الجمع المعرف باللام فتخيل أبو هاشم: أن اللام قد تكون لبيان حقيقة ~~الجنس كقول السيد لعبده امض إلى السوق فاشتر لنا الخبز واللحم، فإن مراده ~~ليس العموم إجماعا، بل الإتيان بهاتين الحقيقتين، وقد تكون للعهد كقوله ~~تعالى: «كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول» (2) ، أي المعهود ~~ذكره الآن، وإذا صلحت للاستغراق وغيره لم يتعين الاستغراق، وهذا بعينه مدرك ~~الإمام فخر الدين غير أنه يفرق بين الجمع والمفرد لو كان للعموم لصح نعته ~~بالجمع، فتقول جاءني الفقيه الفضلاء ولا يؤكد بالجمع نحو جاءني الفقيه ~~كلهم، وليس كذلك، فدل على أنه ليس للعموم. # وجوابه: أن العرب اشترطت في النعت والتأكيد مع المساواة في المعنى ~~المناسبة اللفظية فلا ينعتون المفرد إلا بالمفرد، ولا التثنية إلا ~~بالتثنية، ولا الجمع إلا بالجمع، PageV01P193 # فالمفرد وإن كان للعموم والجمع للعموم، غير أن المناسبة اللفظية فاتت، ~~فلذلك امتنع نعت المفرد بالجمع، ويدل على أن هذه الصيغة التي ادعينا فيها ~~العموم للعموم أمور أربعة حسن الجري على موجب العموم، فإذا قال من دخل داري ~~فأعطه درهما، يحسن من العبد إعطاء # كل داخل. وثانيها: العتب على ترك بعض الداخلين. والثالث: الثواب إذا فعل ~~الجميع، والعقاب إذا ترك البعض. والرابع حسن الاستثناء، فهذه مطردة في جميع ~~صور النزاع. # تنبيه: النكرة في سياق النفي يستثنى منها صورتان: إحداهما لا رجل في ~~الدار بالرفع فإن المنقول عن العلماء أنها لا نعم، وهي تبطل على الحنفية ما ~~ادعوه من أن النكرة إنما عمت لضرورة ففي المشترك، وعند غيرهم عمت لأنها ~~موضوعة لغة لإثبات السلب لكل واحد من أفرادها، وثانيهما سلب الحكم عن ~~العمومات ms162 نحو ليس كل بيع حلالا فإنه نكرة في سياق النفي ولا يعم لأنه سلب ~~للحكم عن العموم، لا حكم بالسلب على العموم. # تقدم التنبيه على هاتين الصورتين عند ذكر النكرة في النفي. # وقالت الحنفية بالعموم بطريق الالتزام، لأنه يلزم من نفي الأمر الكلي نفي ~~أفراده وجزئياته. # ونحن نقول النفي حصل في الأنواع والأفراد مطابقة، وأن العرب وضعت النكرة ~~في سياق النفي للقضاء بالحكم على كل فرد فرد حتى لا يبقى فرد، لا لأنها ~~لقول القائل: هل من رجل في الدار؟ فكان الأصل أن يقال لا من رجل في الدار، ~~مع إثبات (من) غير أن العرب حذفتها تخفيفا وأبقت معناها وهو سبب البناء ~~لأجل تضمن الكلام معنى المبني وهو (من) وإذا تقرر أن لفظة من هي في أصل ~~الكلام، وهو سبب البناء (ومن) لا تدخل إلا للتبعيض هنا، والتبعيض لا يتأتى ~~في ذلك الأمر الكلي، بل في الإفراد، فيكون النافي إنما نفي الإفراد وهو ~~المطلوب. # PageV01P194 # وأما ما ذكرته من أن النكرة المرفوعة تبطل مذهبهم فليس كذلك، لأن قولنا ~~لا رجل في الدار بالرفع معناه نفي مفهوم الرجولية بوصف الوحدة، فما دخل ~~النفي على المشترك من حيث هو مشترك، بل على ما هو أخص منه، ولا يلزم من نفي ~~الأخص نفي الأعم، فما نفى الأعم الذي يلزم ن نفيه نفى أفراده، نعم لو كان ~~هذا الكلام نفيا للمشترك من حيث هو مشترك ولم تنتف الأفراد لزمهم السؤال، ~~لكن ذلك محال، فإن نفي المشترك يلزم منه نفي الإفراد قطعا. # فائدة: النكرة في سياق النفي تعم سواء دخل النفي عليها نحو لا رجل في ~~الدار، أو دخل على ما هو متعلق بها نحو ما جاءني أحد. # تقدم أيضا التنبيه على هذا الموضع، والفرق بين الفعل والمفعول وغيرهما. ### | الفصل الثاني في مدلوله # وهو كل واحد لا الكل من حيث هو كل، فهو كلية لا كل، وإلا لتعذر الاستدلال ~~به حالة النهي أو النفي. # هذه الألفاظ ثلاثة: الكلي والكل والكلية: # فالكلي: هو القدر المشترك بين الأفراد ms163 واللفظ الدال عليه يسمى مطلقا، فهو ~~مدلول المطلق، يصدق بفرد واحد في سياق الثبوت نحو رجل. # والكل: هو المجموع بحيث لا يبقى فردن فالحكم يكون ثابتا لمجموع الأفراد، ~~ولا يتناول الأفراد بعينها في سياق النفي، بل يتعين نفي المجموع بفرد لا ~~بعينه ولا يلزم نفي جميع الأفراد، وهذا وضع له أسماء الأعداد وكل لفظ موضوع ~~لنوع مركب من الجنس والفصل، فإذا قلنا ليس عنده عشرة لا يلزم نفي جميع ~~أفرادها، فجاز أن يكون عنده تسعة، أو ليس عنده إنسان جاز أن يكون عنده ~~حيوان ليس بإنسان، بخلاف الثبوت نحو عنده عشرة أو إنسان فإنه يدل على ثبوت ~~التسعة وغيرها من أجزاء العشرة بالتضمن، وعلى ثبوت الناطق والحيوان ~~بالتضمن. # PageV01P195 # والكلية: هي ثبوت الحكم لكل واحد بحيث لا يبقى واحد، ويكون الحكم ثابتا ~~للكل بطريق الالتزام وهذا كصيغ العموم كلها، فإذا قلنا كل إنسان يشبعه ~~رغيفان غالبا، صدق باعتبار الكلية دون الكل، أو كل رجل يشيل الصخرة ~~العظيمة، صدق باعتبار الكل دون الكلية: فلو كان مدلول العموم كلا لما لزم ~~ثبوت حكمه لفرد معين من أفراد إذا كان في سياق النفي أو النهي، لأنه لا ~~يلزم من النهي، عن المجموع إلا ترك ذلك المجموع من حيث هو ذلك المجموع، ~~وذلك يكفي في تحققه جزء منه، لكن العام هو الذي يقتضي ثبوت حكمه لكل فرد ~~منه في النفي والنهي، وذلك إنما يتحقق إذا كان مسماه كلية لا كلا. # وتندرج العبيد عندنا وعند الشافعي في صيغة الناس والذين آمنوا. # قال القاضي عبد الوهاب على اندراجهم جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية ~~وغيرهم، وقال بعض متأخري الشافعية لا يندرجون. لنا أنهم من الناس، والذين ~~آمنوا؛ لأنهم من بني آدم، وقد آمنوا، فيكونون ناسا ومؤمنين. حجة المخالف ~~قوله تعالى: «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» (1) ، والأمة لا يلزمها ~~ذلك، وآية الجمعة لم تتناولهم، والأصل عدم التخصيص، فلو تناولتهم هذه ~~النصوص لزم دخول التخصيص فيها، ولأن الله تعالى إذا أرادهم بالحكم أفردهم ~~بالذكر، فلو كان # الخطاب يتناولهم لزم التكرار، ms164 كقوله تعالى: «وانكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم» (2) . # والجواب عن الأول أن وجود المسمى، ولا يتناوله الاسم أيضا خلاف الأصل وهم ~~ناس ومؤمنون، والتخصيص أولى من اعتقاد أن الاسم لا يتناول مسماه، فإن ~~التخصيص كثير وهذا لا يوجد في اللغة. وعن الثاني أن قوله تعالى: «وانكحوا» ~~ضمير، والضمير لا عموم فيه لغة، وإنما يعلم المراد به من دليل من خارج؛ ~~فإذا قال السيد لعبيده اخرجوا لا يعلم أنهم كل عبيده أو بعضهم إلا بدليل ~~يدل على أن الواقف عنده في ذلك الوقت هل الكل أو البعض، وكذلك ضمير الغائب ~~لا يعلم PageV01P196 # إلا من قبل الظاهر المفسر له، وأما المضمر من حيث هو مضمر فلا عموم فيه ~~لغة فلما لم يكن عاما لم يتعين تناوله للعبيد والإماء، فلذلك ذكرهم الله ~~تعالى. وينبني على الخلاف صحة الاستدلال بنصوص التكاليف على ثبوتها في حقهم ~~حيث يقع النزاع فيها بين العلماء. # ويندرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في العموم عندنا وعند الشافعية وقيل ~~علو منصبه يأبى ذلك، وقال الصيرفي إن صدر الخطاب بالأمر بالتبليغ لم ~~يتناوله وإلا تناوله. # جرت عوائد الملوك أنهم لا يخطابون خاصتهم بخطاب يعم العامة معهم، بل ~~يخصونهم بخطاب خاص، فمن لاحظ هذه القاعدة قال بعدم الاندراج، ومن لاحظ وجود ~~مسمى اللفظ قال بالاندراج. وأجاب عن الأول بأن وزير الملك وقائد جيشه يكون ~~في العظمة وصفات الكمال مقاربا للملك، وربما كان أكمل منه، فلذلك قبح ~~اندراجهم مع العامة في الخطاب وتعين سلوك الأدب معهم. وأما خواص الله تعالى ~~وإن عظمت أقدارهم غاية العظمة فهم كالعدم بالنسبة إلى الله تعالى، وجميع ما ~~هم فيه من عطاء الله تعالى ومواهبه، وليس لهم من ذواتهم إلا العجز الصرف ~~والحاجة والعدم والفناء والتغير والزوال. والله تعالى في غاية العظمة ~~والكمال من جميع الجهات في ذاته وصفاته، غني عن غيره على الإطلاق فبعدت ~~النسبة غاية البعد، بل النسبة منقطعة بالضرورة، فلذلك لم يلزم في حق الله ~~تعالى مع خاصته ما يلزم في أحوال الملوك. # وأما ms165 الفرق بين الأمر بالتبليغ وغيره، فلأن الظاهر في الخطاب الذي يبلغه ~~لغيره أنه لا يندرج فيه لغة كقوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم» ~~(1) ، ونحو ذلك، فهذا لا يتناوله من حيث اللغة بل بدليل منفصل، أو يقال هو ~~مأمور بأن يقول لنفسه أيضا لأنه من جملة المؤمنين. PageV01P197 # وكذلك يندرج المخاطب في العموم الذي يتناوله، لأن شمول اللفظ يقتضي جميع ~~ذلك. # المراد الخاطب بكسر الطاء الذي هو فاعل الخطاب، فإذا قال من دخل داري ~~فامرأته طالق هل يندرج هو، فإذا دخل طلقت امرأته أو لا يندرج فلا تطلق ~~امرأته ويبطل لفظه بالكلية مثل هذا المثال لأنه ليس له التصرف في طلاق ~~امرأة غيره وكذلك في العتق. # والصحيح عندنا اندراج النساء في خطاب التذكير قاله القاضي عبد الوهاب، ~~وقال الإمام فخر الدين إن اختص الجمع بالذكور لا يتناول الإناث وبالعكس ~~كشواكر وشكر، وإن لم يختص كصيغة من تناولهما وإن لم يكن مختصا، فإن كان ~~مميزا بعلامة الإناث لم يتناول الذكور كمسلمات، وإن تمز بعلامة الذكور ~~كمسلمين لا يتناول الإناث وقيل يتناولهن. # أما إطلاق القاضي فبناء على أن النساء مثل الرجال في الأحكام إلا ما دل ~~الدليل على تخصيصه والتحقيق ما قاله الإمام، فإن البحث في التناول إنما هو ~~بحسب دلالة اللفظ لغة، وذلك ينبغي أن يؤخذ من اللغة لا من الشريعة، وقاعدة ~~العرب أن فواعل جمع فاعلة المؤنثة، ولا يكون جمع المذكر نحو صاحبة وصواحب ~~وكافرة وكوافر، قال الله تعالى: «ولا تمسكوا بعصم الكوافر» (1) ، وقال عليه ~~الصلاة والسلام لعائشة وحفصة رضي الله عنهما: «إنكن لأنتن صواحب يوسف» قال ~~أئمة اللغة: وقد شذ من ذلك فارس فوارس وهالك وهوالك، وأما فعل جمع فعول نحو ~~شكر جمع شكور وصبور وصبر، فإنه للمذكر، فإن فعولا أصله للمذكر فلا يتناول ~~فواعل الذكور ولا فعل الإناث لغة، وغير المختص نحو فعائل مثل قبيلة وقبائل ~~للمؤنث، ومقتل ومقاتل للمذكر يصلح للأمرين، فلما صلح لهما، ولام التعريف ~~تقتضي العموم في كل ما يصلح اللفظ له، فيعم في الجميع. وأما ms166 جمع السلامة ~~بالألف والتاء فيه PageV01P198 # علامة التأنيث، فيختص بالمؤنث هندات ومسلمات وعرفات لعلامة فيه، ولا ~~يتناول المذكر لأن التاء فيه علامة التأنيث، ولذلك حذفت التاء الكائنة في ~~المفرد لئلا يجتمع علامتا تأنيث. هذا نقل النحاة، وكذلك قالوا إن جمع ~~السلامة بالواو والنون أو بالياء والنون نحو مسلمون / مسلمين خاص بالمذكر، ~~وإن الواو فيه علامة للرفع والجمع والتذكير فلا يتناول المؤنث، بأن النحاة ~~قالوا بأن عادة العرب إذا قصدت الجمع من المذكر والمؤنث. قالوا للكل بصفة ~~المذكر، فيقولون زيد والهندات خرجوا، فيأتون بالواو التي هي علامة التذكير. ~~لأن زيدا من جملتهن. وجوابهم أن هذا تناول طرأ عن إرادة المتكلم، وكلامنا ~~في تناول من جهة الوضع اللغوي، فلا حجة فيه. # فائدة: قال الأصوليون (من) ، و (ما) في الاستفهام للعموم، فإذا قلنا من ~~في الدار؟ حسن الجواب بقولنا زيد، وأجمعوا على أنه جواب مطابق؛ والعموم كيف ~~ينطبق عليه # زيد؟ فانطباق زيد يقتضي أن الصيغة ليست للعموم، وكذلك ما عندك؟ فنقول ~~درهم، وهذا سؤال مشكل جليل. # والجواب عنه عسير. # وجوابه: أن العموم إنما هو باعتبار حكم الاستفهام لا باعتبار الكون (1) ~~في الدار والاستفهام عن جميع الرتب، وكأن المستفهم قال إني أسألك عن كل أحد ~~يتصور أن يكون في الدار، لا أخص بسؤالي عددا دون عدد، ولا نوعا دون نوع. ~~والواقع من ذلك قد يكون فردا أو أكثر ولا يكون في الدار أحد، ولذلك يقول ~~المجيب ليس في الدار أحد، فالعموم ليس باعتبار الوقوع بل باعتبار ~~الاستفهام، وشموله لجميع المراتب المتوهم من تلك المادة؛ ونظير هذا أن الله ~~تعالى إذا قال: «واقتلوا المشركين» (2) ، فلم نجد في الأرض إلا مشركا واحدا ~~فقتلناه، فإنا نكون PageV01P199 # قائمين بما توجه علينا من حكم ذلك العموم، مع أن الواحد ليس بعموم، ما ~~ذاك إلا أن الوقوع غير وجوب القتل فالعموم إنما هو باعتبار أن الله تعالى ~~أوجب قتل كل من يتوهم وجوده في العالم من المشركين، فهذه هو العام. أما ~~الواقع من ذلك فقد يكون واحدا أو أكثر أو لا ms167 يوجد مشرك البتة، وذلك لا يقدح ~~في العموم ولا في حكمه، فما به حصل العموم غير ما به يخرج عن عهدة العموم. # فائدة: صيغ العموم وإن كانت عامة في الأشخاص فهي مطلقة في الأزمنة ~~والبقاع والأحوال والمتعلقات، فهذه الأربعة لا عموم فيها من جهة ثبوت ~~العموم ن غيرها حتى يوجد لفظ يقتضي العموم فيها، نحو لأصومن الأيام، ~~ولأصلين في جميع البقاع، ولا عصيت الله في جميع الأحوال، ولأشتغلن بتحصيل ~~جميع المعلومات، فإذا قال الله تعالى: «فاقتلوا المشركين» (1) فهذا عام في ~~جميع أفراد المشركين، مطلق في الأزمنة والبقاع والأحوال والمتعلقات، فيقتضي ~~النص قتل كل مشرك في زمان ما وفي مكان ما وفي حال ما وقد أشرك بشيء ما، ولا ~~يدل اللفظ على خصوص يوم السبت، ولا مدينة معينة من مدائن المشركين، ولا أن ~~ذلك المشرك طويل أو قصير، ولا أن شركه وقع بالصنم أو بالكوكب، بل اللفظ ~~مطلق في هذه الأربعة. # فائدة: (من) في الاستفهام للعموم، وكل أيضا إذا كانت في الاستفهام ~~للعموم، فقولنا من في الدار؟ مثل قولنا كل الرجال في الدار فاستويا في ~~العموم، واختلفا في أمور كثيرة منها أن كلا يجاب بنعم أو بلى أو لا، ولا ~~كذلك من، فنقول لمن قال أكل الرجال في الدار؟ نعم أو لا، ولا تقول لمن قال ~~لك من في الدار نعم أو لا، وسبب الفرق وسره أن # نعم وبلى ولا أجوبة موضوعة في لسان العرب للجواب عن التصديقات الخبرية؛ ~~فنعم للموافقة في النفي أو الإيجاب، ولا لمخالفة الإيجاب، وبلى لمخالفة ~~النفي، فمن قال قام زيد وأردت موافقته قلت نعم، أو مخالفته قلت لا ومن قال ~~لم يقم (2) وأردت موافقته قلت نعم أو مخالفته قلت بلى، وهو PageV01P200 # السر في قول العلماء لو قالت ذرية آدم في قوله تعالى: «ألست بربكم» (1) ~~نعم، كفروا بسبب أن ليس للسلب والاستفهام وقع عن السلب، فلو قالوا نعم ~~كانوا قد قرروا عدم الربوبية وهو كفر، لكن قالوا بلى فكانوا نافين لذلك ~~النفي فكانوا مثبتين للربوبية وهو الحق. ms168 # إذا تقرر أن هذه الحروف لا تستعمل إلا في جواب التصديق، فقول القائل أكل ~~الرجل في الدار؟ سؤال عن تصديق، حسن جوابه بنعم أو لا. ومن في الدار؟ سؤال ~~عن تصور، كأنه قال صور لي الحقيقة الكائنة في الدار من هي؟ فلا يسعه أن ~~يقول إلا زيد ونحوه، ولم يسأله عن التصديق، حتى يجاوبه بجواب التصديق، ~~وبهذا يظهر لك أن العموم تارة يكون في التصور، وتارة يكون في التصديق، ~~وتارة يكون في متعلق التصديق، نحو أكرمت الرجال، أو الأمر نحو أكرم الرجال، ~~أو النهي نحو لا تشتم الرجال، فهو أعلم من هذه الأقسام كلها، فقولنا من في ~~الدار؟ طلب تصور الحقيقة الكائنة في الدار إن كانت وجدت وعم الاستفهام في ~~جميع رتبها. وقولنا أكل الرجال في الدار؛ سؤال على قول القائل كل الرجال في ~~الدار، هل هو صادق أو كاذب، فإن قلت أنت نعم فقد صدق أو لا فقد كذب المخبر ~~الأول الذي يسأل عن خبره، فإن قلت من عندك تصديق بالضرورة لأن من مبتدأ ~~وعندك خبره بإجماع النحاة، ولذلك حسن السكوت عليه فينبغي أن يحسن فيه نعم ~~أو لا، كما تقدم. قلت مسلم هو تصديق لكن التصديق له حالتان، تارة يكون ~~التصديق بين جزأيه للخبر، وتارة لا يكون، فمن الأول قولنا: الله ربنا ومحمد ~~نبينا، ومن الثاني قولنا: قول الكافر العالم قديم؛ فالعالم قديم تصديق لكن ~~التصديق فيه ليس لنا بل للكافر فنحن أخذنا بجزأيه جعلناه تصورا مبتدأ، ~~وأخبرنا عنه، وكذلك قلنا خبر الله تعالى صدق والخبر تصديق، وقد جعلناه نحن ~~مبتدأ فجرى بالنسبة إلينا تصورا، وهو تصديق باعتبار نسبته إلى الله تعالى، ~~كذلك من عندك؟ هو تصديق لكن المستفهم أخذه على سبيل التصور لم يجزم بإسناد ~~أحد جزأيه إلى الأخر، فهو تصور من هذا الوجه، وكذلك قولك ما الإنسان ما ~~الحيوان؟ مبتدأ وخبر، ولا يحسن فيه الجواب بنعم أو لا؛ لأن السؤال وقع عن ~~تصوير الإنسان أو الحيوان. PageV01P201 ### | الفصل الثالث في مخصصاته # وهي عند مالك عشر، فيجوز عند ms169 مالك وأصحابه تخصيصه بالعقل خلاف القوم، ~~كقوله تعالى: «الله خالق كل شيء» (1) خصص العقل ذات الله تعالى وصفاته. # الخلاف محكى على هذه الصورة، وعندي أنه عائد على التسمية، فإن خروج هذه ~~الأمور من هذا العموم لا ينازع فيه مسلم، غير أنه لا يسمى التخصيص إلا ما ~~كان باللفظ، هذا ما يمكن أن يقال. أما بقاء العموم على عمومه فلا يقوله ~~مسلم. # وبالإجماع والكتاب بالكتاب، خلافا لبعض أهل الظاهر. # مثال ما خصص بالإجماع قوله تعالى: «أو ما ملكت أيمانكم» (2) خرج منه ~~الأخت من الرضاعة وغيرها من مؤطوءات الآباء والأبناء، والمخصص بالكتاب وهو ~~قوله تعالى: «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» (3) عام في كل مطلقة ~~خصصه قوله تعالى: «وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن» (4) احتجوا بقوله ~~تعالى: «لنبين للناس ما نزل إليهم» (5) وهو يقتضي أن البيان لا يكون إلا ~~بالسنة، والتخصيص بيان، فوجب أن يكون بالسنة فلا يكون الكتاب مخصصا. # جوابه قوله تعالى في القرآن: «تبيانا لكل شيء» (6) وهو نفسه شيء، فيبين ~~نفسه وهو المطلوب. PageV01P202 # وبالقياس الجلي والخفي للكتاب والسنة المتواترة. # ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة والأشعري وأبو الحسين البصري. # وخالفنا الجبائي وأبو هاشم في القياس مطلقا، وقال عيسى بن أبان إن خص ~~قبله بدليل مقطوع جاز وإلا فلا، وقال الكرخي إن خص قبله بدليل منفصل جاز ~~وإلا فلا، وقال ابن سريج وكثير من الشافعية يجوز بالجلي دون الخفي، واختلف ~~في الجلي والخفي فقيل الجلي قياس المعنى والخفي قياس الشبه، وقيل الجلي ما ~~تفهم علته كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» ، وقيل ~~ما ينقض القضاء بخلافه، وقال الغزالي إن استويا توقفنا وإلا طلبنا الترجيح، ~~وتوقف القاضي أبو بكر وإمام الحرمين، وهذا إذا كان أصل القياس متواترا، فإن ~~كان خبر واحد كان الخلاف أقوى. # لنا أن اقتضاء النصوص تابع للحكم، والقياس مشتمل على الحكم فيقدم. # لنا أن القياس دليل شرعي والعموم دليل شرعي وقد تعارضا، فأما إن يعمل ~~بهما فيجتمع النقيضان أو لا يعمل بهما فيرتفع النقيضان أو يقدم العام على ~~الخاص ms170 وهو محال، لأن العام دلالته على ذلك الخاص أضعف من دلالة الخاص على ~~ذلك الخاص، لجواز إطلاقه بدون إرادة ذلك الخاص، والخاص لا يجوز إطلاقه بدون ~~إرادة ذلك الخاص، والأضعف لا يقدم على الأقوى، فيتعين تقديم الخاص عليه وهو ~~المطلوب. وبيانه بالمثال قوله تعالى: «وأحل لكم البيع» (1) يقتضي حل بيع ~~الأرز متفاضلا ونسيئة، والقياس على البر يمنعه، فإن أعملناهما أبحنا ~~التفاضل بالآية ومنعناه بالقياس؛ فيجتمع النقيضان، أو ألغيناهما فنلغي الحل ~~من الآية والتحريم من القياس فيحل ولا يحل، وهو ارتفاع النقيضين أو الجمع ~~بين النقيضين؛ فإن إلغاء العموم يقتضي أن لا يحل، وإلغاء القياس يقتضي أن ~~لا يحرم، وإن قدمنا العموم لزم تقديم الأضعف، فإن العموم يجوز إطلاقه بدون ~~إرادة PageV01P203 # الأرز، وقياس الأرز لا يمكن أن يثبت بدون التحريم في الأرز، وهذه الدلالة ~~مطردة في جميع صور التخصيص على هذا التقدير. # احتجوا على منع القياس مطلقا بأن (1) القياس فرع النصوص، وكل ما هو شرط ~~في النصوص فهو شرط في القياس من غير عكس، فلو قدم القياس على النص لزم ~~تقديم الفرع على الأصل وتقديم (2) ما هو أكثر مقدمات على ما هو أقل، وهو ~~باطل، فإن الأقل أرجح مما هو أكثر مقدمات وتقديم المرجوح على الراجح محال. # والجواب أن النص الذي هو من أصل القياس غير النص المخصوص بالقياس، فلم ~~يتقدم الفرع على الأصل فحديث عبادة بن الصامت في الربا في الأشياء الستة هو ~~أصل القياس مثلا، والنص المخصوص هو الآية فما (3) قدم فرع على أصل. # حجة عيسى بن أبان: أنه إذا خص قبل القياس بدليل مقطوع فقد قطعنا بدخول ~~المجاز فيه فقطعنا بضعفه، فجاز تسليط القياس عليه، أما إذا خص بدليل مظنون ~~فلم يقطع بضعفه، أو لم يدخله التخصيص البتة فلا يتسلط القياس عليه. # حجة الكرخي أن التخصيص بالمخصص المتصل وهو أربعة: الاستثناء والشرط ~~والغاية والصفة، وهذه أمور لا يمكن استقلالها بأنفسها فينبغي (4) أن تكون ~~مع الكلام الذي دخلت عليه كلاما واحد، موضوعا لما بقي بعد التخصيص، فيكون ~~حقيقة، فلا ms171 يتسلط القياس عليه لضعفه عن الحقيقة، أم المخصص المنفصل فكقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «لا # تبيعوا البر بالبر» الحديث ولا يمكن جعله مع الكلام المخصوص كلاما واحدا ~~موضوعا لما بقي بعد التخصيص حتى يكون حقيقة، بل يتعين أن يكون مجازا، وإذا ~~كان مجازا ضعف فأسلط القياس عليه، وقياس المعنى كقياس الأرز على البر بجامع ~~الطعم والنبيذ على الخمر بجامع السكر ونحو ذلك. PageV01P204 # وقياس الشبه قال القاضي وغيره هو الذي لا يكون مناسبا في ذاته ويكون ~~مستلزما للمناسب، كقولنا في الخل إنه لا يزيل النجاسة مائع لا تبنى القنطرة ~~على جنسه، فلا يجوز أن تزال به النجاسة كالدهن، فقوله لا تبنى القنطرة على ~~جنسه ليس فيه مناسبة، لكن هذا الوصف يشعر بالعلة؛ فإن عدم البناء يدل على ~~قلته لأن العادة جرت بأن القناطر لا تبنى إلا على المائع الكثير، فما لا ~~تبنى عليه قنطرة فهو غير كثير، والطهارة مشروع عام يقتضي اللطف بالمكلف أن ~~لا يشرع إلا بما هو متيسر موجود في كل مكان وزمان، فالعلة تناسب حينئذ ~~المنع، فهذه هو المناسب الذي استلزمه ذلك الوصف الطردي. # ولا شك أن هذا قياس ضعيف بالنسبة إلى قياس المعنى فلا يتعين عند هذا ~~القائل أن يسلطه على النصوص، حتى أن القاضي قال قياس الشبه ليس بدليل شرعي ~~البتة، ومرادهم بقولهم ما تفهم علته أن يسبق إلى الفهم من كلام الشارع ما ~~يعين علته (1) عند سماع اللفظ فإن قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقضي ~~القاضي وهو غضبان» يفهم منه أن المانع ما يشوش الفكر، فيتعدى للجائع ~~والحاقن وغيرهما بجامع ما يشوش الفكر، وأما قول الآخر ما ينقض القضاء ~~بخلافه فهو تفسير يلزم منه الدور، وذلك أن الفقهاء يقولون ينقض قضاء القاضي ~~إذا خالف الإجماع أو النص أو القياس الجلي أو القواعد، فينبغي أن يكون ~~القياس الجلي معلوما قبل النقض، وإذا عرف بالنقض توقف كل واحد منهما على ~~معرفة الآخر فلزم الدور. # وأما قول الغزالي، فتقريره أن القياس تختلف مراتبه في الظنون، فالمنصوص ~~علته يفيد الظن ms172 أكثر من المستنبطة علته، والقياس على أصل مجمع عليه أولى من ~~القياس على أصل منصوص عليه مختلف فيه، والثابت علته بالنص أولى من الثابت ~~علته بالإيماء، وبالإيماء أقوى من المناسبة، وبالمناسبة أقوى من الطردي، ~~إلى غير PageV01P205 # ذلك، كما يذكر (1) في ترجيح الأقيسة، فظهر أن إفادة القياس المطلوب تختلف ~~رتبته في ذلك، وكذلك العموم، فإن العموم متى كان قليل الأنواع كانت إفادته ~~للظن أقوى مما كثرت أنواعه، فإن احتمال التخصيص فيه أقل، والعام من اللفظ ~~الذي لم تجر العادة باستعماله مجازا يفيد الظن أكثر من # الذي جرت العادة باستعماله مجازا، والمختلف في دخول التخصيص فيه أضعف مما ~~لم يجر الخلاف في تخصيصه بغير ذلك القياس، فرتب الظنون أيضا مختلفة في ~~العموم، وإذا كانت الرتبة مختلفة في القياس والعموم، فإذا تعارض قياس وعموم ~~نظرنا بين الرتبتين، فإن وجدنا الظنين في أنفسنا سواء توقفنا حتى يحصل مرجح ~~من خارج أو يسقطان، وإن وجدنا ظن أحدهما أقوى قدمنا الراجح، وهذا مذهب حسن ~~بعضده قوله عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقضي بالظاهر والله متولي ~~السرائر» . # وأما توقف إمام الحرمين والقاضي فلتعارض المدارك. فهذه ستة مذاهب، وأما ~~إذا كان أصل القياس ثابتا بأخبار الآحاد كان المنع من التخصيص به أظهر، ~~لأنه أظهر لضعف اصله. # وبجوز عندنا تخصيص السنة المتواترة بمثلها، وتخصيص الكتاب بالسنة ~~المتواترة كانت قولا أو فعلا خلافا لبعض الشافعية. # لنا أن الخاص والعام إذا اجتمعا فإما أن يعمل بهما، أو لا يعمل بهما، أو ~~يقدم العام على الخاص، أو الخاص على العام، والأقسام الثلاثة الأول باطلة ~~فتعين الرابع، وقد تقدم بسطه وتصوير هذه المسألة في السنتين المتواترتين في ~~زماننا عسر فإن التواتر في الأحاديث قل في زماننا أو انقطع لقلة العناية ~~برواية الحديث، ولم يبق فيها إلا ما يفيد الظن، حتى قال بعض الفقهاء ليس في ~~السنة متواتر إلا قوله عليه الصلاة والسلام: «الأعمال بالنيات» ، وعند ~~التحقيق لا نجده متواترا عندنا، وأين العدد الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب ~~في جميع الطبقات بيننا وبين رسول ms173 الله - صلى الله عليه وسلم -؟! غايتنا أن ~~نرويه عن اثنين عن ثلاثة عن عشرة وهو عزيز إسنادا PageV01P206 # متصلا وهذا لا يحصل العلم فلا يكون متواترا، بل يتصور هذه المسألة ~~باعتبار الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، فإن الأحاديث كانت في زمانهم ~~متواترة، أعني كثيرا منها، لقرب العهد بالمروي عنه، ولشدة العناية في ~~الرواية، فيكون حكم الله تعالى مما تقدم باعتبار تلك القرون، أما نحن فلا، ~~أما تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، أما بالقول فقوله تعالى: «يوصيكم الله ~~في أولادكم» (1) الآية. قال الأصوليون: خصص بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~«القاتل لا يرث» وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يتوارث أهل القبلتين ~~(2) وأهل الملتين» وأما الفعل فخصصوا قوله تعال: «الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة» (3) مما تواتر عنه عليه الصلاة والسلام من رجم ~~المحصن في قصة ماعز وغيره. # وهنا سؤالان: الأول ما تقدم في الحديث المتواتر (4) وجوابه ما تقدم، ~~والثاني أن # قوله عليه الصلاة والسلام «القاتل لا يرث» ليس بتخصيص، لأنه تقدم أن ~~العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، فيقتضي ~~توريث كل ولد في حالة غير معينة، فالذي يناقضه أن بعض الأولاد لا يرث في ~~حالة ما فإن الموجبة الجزئية إنما يناقضها السالبة الكلية، ولم نجد ولدا لا ~~يرث في حالة ما بل الجميع يرثون في حالة ما، ولا يلزم من كون بعض الأولاد ~~لا يرث في حالة خاصة أن لا يرث في حالة ما فإن نفي الخاص لا يلزم منه نفي ~~العام، فإذا قلنا في الدار رجل، لا يناقضه ليس في الدار زيد، لأن (رجلا) ~~بصفة التنكير لم يتعين لزيد، فلا يلزم من نفي زيد نفيه، كذلك هنا لا يلزم ~~من نفي الإرث في حالة القتل أو غيره من الأحوال الخاصة نفي التوريث في حالة ~~منكرة، وكذلك يلزم أن يكون قوله تعالى: «اقتلوا المشركين» (5) غير مخصوص ~~أما بالنساء فلأنهن لم يندرجن في PageV01P207 # الصيغة لأنها صيغة تذكير، وأما الصبيان فلأنهم يقتلون في حالة ما وهي إذا ~~كبروا وكذلك الرهبان يقتلون ms174 إذا قاتلوا، وهي حالة ما، وكذلك أهل الذمة، فلا ~~يتصور فيه تخصيص بناء على هذه القاعدة؛ فإنا لم نجد فردا من هذا العموم لا ~~يقتل في حالة ما، وإنما يتصور ذلك في قوله تعالى: «الله خلق كل شيء» (1) ~~فإن واجب الوجود لا يقبل هذا الحكم في حالة ما، وقوله تعالى: «وأوتيت من كل ~~شيء» (2) فإنها لم تؤت النبوة، أو ملك الدنيا، أو الشمس أو القمر، وغير ذلك ~~ي حالة ما، وقوله تعالى: «تدمر كل شيء بأمر ربها» (3) ، # لم تدمر الجبال، ولا السماء في حالة ما، فهذا تخصيص محقق لما فيه ن ~~المناقضة للعموم، ومن شرط المخصص أن يكون مناقضا للعموم، ولا تناقض بين ~~ثبوت الحكم في حالة ما وبين عدم ثبوته في حالة مخصوصة، بل الناقض عدم ثبوته ~~في جميع الحالات، وبهذه الطريقة يظهر لك أن أكثر ما يعتقد فيه التخصيص ليس ~~مخصوصا؛ فإن تلك الأفراد إنما خرجت في أحوال خاصة لا في جميع الحالات، فلا ~~يحصل التناقضز # ويجوز عندنا وعند الشافعي وأبي حنيفة تخصيص الكتاب بخبر الواحد وفصل ابن ~~أبان والكرخي كما تقدمن وقيل لا يجوز مطلقا، وتوقف القاضي فيه. # لنا أنهما دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخص من العموم فيتقدم على ~~العموم؛ لأن تقديم العموم عليه يقتضي إلغاء خبر الواحد بالكلية، وتقديم ~~الخبر على العموم لا يبطل العموم، بل يبقى في غير ما يتناوله الخبر فكان ~~أولى، ولإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - على تخصيص آية الإرث بقوله ~~عليه الصلاة والسلام «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وقوله تعالى: «وأحل الله ~~البيع» (4) بخبر ابن مسعود في تحريم الربا، وقوله تعالى: «وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم» (5) بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا ~~خالتها» . PageV01P208 # احتجوا بأن الكتاب مقطوع، وخبر الواحد مظنون، فلا يقدم على المقطوع، ~~ولقول عمر - رضي الله عنه - في خبر فاطمة بنت قيس لا ندع كتاب ربنا وسنة ~~نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها نسيت أم كذبت، ولم ينكر عليه أحد، فكان ~~إجماعا، وبالقياس على النسخ. # والجواب ms175 عن الأول: أن الكتاب مقطوع السند متواتر اللفظ أما دلالة العموم ~~وتناوله الصورة التي تناولها خبر الواحد فأضعف من دلالة خبر الواحد عليها ~~لما تقدم في دليلنا. وعن الثاني: أن الرد معلل بالتهمة بالنسيان أو الكذب ~~ونحن نساعد عليه، إنما النزاع إذا سلم الخبر عن المطاعن. وعن الثالث: الفرق ~~أن النسخ إبطال لما ثبت أنه المراد فيحتاط فيه، أما التخصيص فبيان المراد ~~من العموم، لا إبطال ما ثبت أنه مراد مجازه، وأما حجج الجماعة من التفرقة ~~لعيسى بن أبان والكرخي فهي ما تقدم في التخصيص بالقياس، وكذلك مدرك التوقف. # فائدة: يلزم الغزالي أن ينظر هنا إلى مراتب الظنون كما تقدم له في ~~القياس؛ فإن مراتب خبر الواحد في إفادة الظن مختلفة، وكذلك العموم، وليس له ~~أن يقول خبر الواحد أقوى من القياس، لأنا نقول هب أنه أقوى، غير أن ذلك ~~المدرك المتقدم موجود بعينه هنا، فيلزم انتقاضه، وهو خلاف الأصل والفرق لا ~~ينجى من ذلكن فإن الفرق إن كان معتبرا لزم أن ينعطف منه وصف آخر مضافا لما ~~ذكرته من المدرك. # فائدة: أكثر النحاة والمحدثين على منع أبان من الصرف وهو مشكل، فإن وزنه ~~في ظاهر الحال فعال وهو عربي فلم يبق فيه إلا العلمية، والعلة والواحدة لا ~~تمنع الصرف على الصحيحن والنون فيه أصلية لأنه من أبان. # وجوابه: أن وزنه أفعل، وأصله أبين ثم انقلبت الياء ألفا لتحركها، ونقل ~~حركتها لما قبلها، فمنع من الصرف مراعاة لأجل وزنه، فاجتمع وزن الفعل ~~والعلمية كأحمد، فإن قيل يشكل ذلك برجل سمي بيع أو قيل ونحوه من الأفعال ~~المعتلة المبنية لما لم يسم فاعله، فإن وزن ما لم يسم فاعله هو أولى في منع ~~الصرف # PageV01P209 # من وزن الفعل المضارع؛ لأنه خاص بالأفعال ووزن المضارع يغلب في الأفعال ~~ولا يخصها بدليل أفعل التفضيل، ومع ذلك فقد نصوا على جواز صرف هذا النوع ~~وشبهه وقالوا إنه صار إلى وزن ما هو أصل في الأسماء نحن ديك وفيل، وأما ~~أبان فلم يرجع بعد التغيير إلى ms176 بناء أصلي، فامتنع صرفه، فهذا هو الفرق، ~~وأما من صرفه فزعم أن أصله فعال لا أفعل من التبيين، حكى ذلك ابن يعيش في ~~المفصل. # وعندنا تخصيص فعله عليه الصلاة والسلام وإقراره الكتابة والسنة. # وفصل الإمام فقال إن تناوله العام كان الفعل مخصصا له ولغيره إن علم ~~بدليل أن حكمه كحكمه، لكن المخصص فعله مع ذلك الدليل، وكذلك إن كان العام ~~متناولا لأمته فقط وعلم بدليل أن حكمه حكم أمته، وكذلك الإقرار يخصص الشخص ~~المسكوت عنه لما خالف العموم، ويخصص غيره إن علم أن حكمه على الواحد حكم ~~على الكل. # أما تخصيص الفعل والإقرار للكتاب والسنة فلما تقدم من تخصيص خبر والواحد ~~لهما خلافا ومدركا وسؤالا وجوابا، والفعل والإقرار أضعف دلالة من القول؛ ~~لأن القول يدل بنفسه والفعل لا يكون مدركا شرعيا إلا بدليل من القول يدل ~~على أنه حجة، كقوله تعالى: «ما أتاكم الرسول فخذوه» (1) وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «خذوا عني مناسككم وصلوا كما رأيتموني أصلي» . # وأما تفضيل الإمام فمثاله قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تستقبلوا القبلة ~~ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا» فهذا متناول للأمة دونه ~~عليه الصلاة والسلام، ثم روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه صعد على ظهر بيت ~~حفصة فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لبنتين لقضاء الحاجة ~~مستقبلا بيت المقدس مستدبرا الكعبة، وقد علم بالدليل أن حكم أمته يتناوله، ~~فيكون فعله عليه الصلاة والسلام مخصصا له من حكم هذا النص الذي ثبت التعميم ~~في حقه منه بالدليل، ومن PageV01P210 # العلماء من حمل فعله على حالة، وهو أن هذا حكم الأبنية، والنهي محمول على ~~الصحارى والأفضية، ومثال ما يتناوله عليه الصلاة والسلام خاصة قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا» فهذا خاص به من حيث ~~اللفظ، وعلم بالدليل أن حكم أمته كحكمه، ومثال المتناول له عليه الصلاة ~~والسلام لأمته قوله تعالى: «يوصيكم الله في أولادكم» (1) وغير ذلك من ~~النصوص العامة، فإذا ثبت أنه عليه الصلاة والسلام فعل ما ms177 يقتضي أنه غير ~~مراد بها فإن علم أن غيره كحكمه تخصص معه، وإذا أقر شخصا على غير خلاف هذه ~~النصوص نعلم أن ذلك الشخص غير مراد بتلك العمومات، فإن دل الدليل على ~~مساواة غير ذلك الشخص له خصص الثاني كما خصص الأول، وقولنا إن علم أن حكمه ~~كحكمه، لا يمكن أن يريد به جملة ما يصدق عليه أنه غيره، لأن ذلك يؤدي إلى ~~خروج جملة الأفراد من ذلك اللفظ، ولا يبقى منه شيء، فيكون هذا نسخا تخصيصا ~~وبيانا، بل يريد به بعض الأشخاص تحقيقا للتخصيص. # وعندنا العوائد مخصصة للعموم، قال الإمام إن علم وجودها في زمن الخطاب ~~وهو متجه. # القاعدة: أن من له عرف وعادة في لفظ إنما يحمل لفظه على عرفهن فإن كان ~~المتكلم # هو الشرع حملنا لفظه على عرفه وخصصنا عموم لفظه في ذلك العرف إن اقتضى ~~العرف تخصيصا، أو على المجاز إن اقتضى المجاز وتركا الحقيقة، أو إضمار أو ~~غيرهن وبالجملة دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة، لأن العرف ناسخ للغة، ~~والناسخ يقدم على المنسوخ، أما العوائد الطارئة بعد النطق لا يقضى بها على ~~النطق فإن النطق سالم عن معارضتها، فيحمل على اللغة، وتظهيره إذا وقع العقد ~~في البيع، فإن الثمن يحمل على العادة الاضرة في النقد، وما يطرأ بعد ذلك من ~~العوائد في النقود لا عبرة به في هذا البيع المتقدم، وكذلك النذر والإقرار ~~والوصية إذا تأخرت العوائد عليها لا تعتبر، وإنما تعتبر من العوائد ما كان ~~مقارنا لها، فكذلك نصوص الشريعة لا تؤثر في تخصيصها إلا ما قارنها من ~~العوائد. PageV01P211 # فائدة: العوائد القولية تؤثر في الألفاظ تخصيصا ومجازا وغيره، بخلاف ~~العوائد الفعلية، مثاله ما إذا كان الملك لا يلبس إلا الخز ويطلق دائما ~~الثوب على الخز وغيره، فإذا حلف لا يلبس ثوبا حنث بالخز وغيره، وعادته ~~الفعلية لا تقضي على لفظه فتصيره خاصا بالخز فلا يحنث بغيره، بل يحنث ~~بالجميع، وسببه أن العوائد اللفظية الناسخة ناقلة للغة ومعارضة لها، من جهة ~~أن الناسخ مقدم على ms178 المنسوخ ومبطل له، وأما ترك ملابسه بعض أنواع المسمى أو ~~ملابسة بعضه فلا يؤثر في سبق الذهن إلى ذلك المسمى من حيث هو ذلك المسمى، ~~فكون زيد لا يركب الفرس أو يركبه لا يقدح في أنه إذا قال ركبت حيوانا يتعين ~~حمله على الفرس، إذا كانت عادته يطلق لفظ الحيوان على الجميع، أما إن كان ~~لا يطلق لفظ الحيوان إلا على الفرس فهذه عادة لفظية تقضي على لفظه بحمله ~~على الفرس، كذلك إذا قال الملك أو غيره لا دخلت في هذا النهار بيتا فدخل ~~بيتا لم يدخله قط حنث، وإن كانت عادته بدخول غير هذا البيت، فتأمل ذلك تجده ~~لا يعارض اللفظ في وضعه في اللغة أصلا، بل ذلك عرف الإطلاق هو المؤثر ليس ~~إلا، أما الفعل والملابسة فلا. # وقد حكى فيه الإجماع وليس منه قول العلماء: العرف الخاص هل يقدم على ~~العرف العام؟ قولان، فإن مرادهم بالعرف الخاص عادة خاصة بالإطلاق لا بالفعل ~~والمباشرة، فتأمل ذلك فقد غلط فيه جماعة من أكابر الفقهاء المالكية وغيرهم، ~~حتى جعل بعضهم أن ما وقع للمالكية من حملهم أيمان المسلمين في الحلف على ~~صوم شهرين متتابعين والحج دون الاعتكاف، أنه من باب العرف الفعلي، وأن عادة ~~الناس يصومون كثيرا ويحجون كثيرا دون الاعتكاف. وليس كما قالوا، بل هو لأن ~~عادتهم إذا نطقوا في الأيمان يحلفون بالتزام الحج والصوم، ولم تجر عادتهم ~~بنطقهم في الأيمان بالتزام الاعتكاف، فلذلك لم يندرج الاعتكاف في أيمان ~~المسلمين، ولذلك قالوا إذا حلف لا يأكل رؤوسا فمنهم من حنثه برؤوس الأنعام ~~التي جرت العادة بأكلها خاصة، ومنهم من حنثه بجميع الرؤوس، فقال أيضا منشأ ~~الخلاف # العادة الفعلية بأكل هذه الرؤوس دون غيرها، وليس كما قالوا، بل منشأ ~~الخلاف أن عبادة الناس إذا نطقوا بلفظ الرؤوس في الأيمان يخصون هذا النوع ~~دون غيره، فهذه عادة نطقية، واختلفوا - أعني الفقهاء - هل وصلت هذه الغلبة ~~في النطق إلى حد # PageV01P212 # النقل فتكون هذه العادة ناسخة للغة أم لم تصل إلى حد النقل؟ فهذا ms179 منشأ ~~الخلاف في الحالف هل يحنث بجميع الرؤوس أم الفعلي فلا. # وكذلك لو قال رأيت رأسا لم يختلفوا في أن ذلك صادق على جميع الرؤوس، ولا ~~يختص ذلك برؤوس الأنعام، لأن هذا التركيب لم يحصل فيه نقل وإنما حصل النقل ~~في لفظ أكلت مع الرؤوس، أما إن ركب مع الرأس غيره من الأفعال نحو رأيت ~~وأبصرت وأعلمت فلا يلزم ذلك، فالعرف الفعلي (1) لا مدخل له في الألفاظ ~~البتة، وسببه عدم تعرضه للوضع الأولن بخلاف العرف القولي، فتأمل ذلك. # وعندنا تخصيص الشرط والاستثناء (2) للعموم مطلقا، ونص الإمام، ونص الإمام ~~على الغاية والصفة قال وإن تعقبت الصفة جملا جرى فيها الخلاف الجاري في ~~الاستثناء والغاية، حتى وإلى، فإن اجتمع غايتان كما لو قالوا لا تقربوهن ~~حتى يطهرن حتى يغتسلن، قال الإمام فالغاية في الحقيقة الثانية والأولى سميت ~~غاية لقربها منها. # تقدمت حقيقة الشرط في باب ما توقف عليه الحكم، وأما صورة التخصيص به ~~فكقوله تعالى اقتلوا المشركين إن حاربوا، فهذا الشرط يقتضي إخراج من لم ~~يحارب، وقد كان يقتل لولا هذا الشرط. واعلم أنه على ما تقدم من أن العام في ~~الأشخاص مطلق في الأحوال يقتضي أن يكون الشرط مقيدا لتلك الحالة المطلقة لا ~~مخصصا، وكذلك الغاية والصفة؛ فإن المقتول عند الغاية الخاصة والصفة الخاصة ~~والشرط الخاص مقتول في حالة ما لأنه مقتول في حالة معينة، والمعين يستلزم ~~المطلق، وكل فرد من العموم يقتل في هذه الحالة فلم يعارض هذه التقييدات ~~العموم، بل قيدت الحالة المطلقة فيها، وأما الاستثناء فيه حالتان إن استثنى ~~نوعا أو شخصا وجعلناه لا يقتل في حالة فهذا تخصيص، لأنه لا يقتل في حالة ~~ما، وإن استثنى PageV01P213 # موصوفا بصفة تمكن زوالها فهو مقيد لا مخصص لأن الحاصل اشتراط نقيض تلك ~~الصفة فيئول إلى الشرط، وقد تقدم أنه تقييد لا تخصيص، مثال الأول اقتلوا ~~المشركين إلا زيدا وإلا بني تميم، مثال الثاني إلا من يحارب فهذا غور (1) ~~بعيد لم أره لأحد، ويكاد الناس الكل على خلافه فتأمله. # فائدة: قال ms180 الشيخ سيف الدين الشرط شرطان شرط السبب وشرط الحكم، فإن كان ~~عدمه مخلا بحكمة السبب فهو شرط السبب، كالقدرة على التسليم في البيع، وما ~~كان عدمه مشتملا على حكمه مقتضاها نقيض حكم السبب مع بقاء حكم المسبب، فهو ~~شرط الحكم كعدم الطهارة مع الصلاة، مع الإتيان بمسمى الصلاة، كما أن المانع ~~مانعان مانع السبب ومانع الحكم، فمانع السبب كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب ~~نفيا كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب، ومانع الحكم هو كل وصف وجودي ~~حكمته مقتضاها نقيض حكمة السبب، كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد ~~العدوان. # فائدة: قال الإمام فخر الدين الشرط الداخل على الجمل، اتفق الإمامان أبو ~~حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما - أنه يعم الجمل، قلت والفرق بينه وبين ~~الاستثناء الذي خالف أبو حنيفة على عوده على جميع الجمل وخصصه بالجملة ~~الأخيرة، أن الشروط اللغوية أسباب كما تقدم في باب ما يتوقف عليه الأحكام، ~~والسبب شأنه تضمن الحكم والمقاصد، فيتعين عموم تعلقه بجميع الجمل تكثيرا ~~لتلك المصلحة، بخلاف الاستثناء إنما هو إخراج ما هو غير مراد، ولعله لو بقي ~~لم يخل بحكمة المذكور المراد فالاستثناء ضعف. # فائدة: قال الإمام فخر الدين: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، ~~بخلاف الاستثناء اختلفوا في جواز تأخيره بالزمن، قلت: والفرق ما تقدم من ~~تضمنه للحكمة والمصلحة، فيقوى الاهتمام به فلا يتأخر، بخلاف الاستثناء. # فائدة: قالا لإمام فخر الدين يجوز تقديم الشرط في النطق وتأخيره، قاله ~~PageV01P214 # والتقديم أحسن لأنه مؤثر فهو متقدم طبعا فيتقدم وضعا، وأجاز بعضهم ~~التأخير لأنه لا يستقل بنفسه فأشبه الاستثناء. # ونص على الحس نحو قوله تعالى: «تدمر كل شيء بأمر ربها» (1) . # لأن البصر بشاه بقاء الجبال والسموات فيعلم العقل أنها غير مرادة بالعموم ~~ويقرب من هذا الباب تخصيص يسمونه التخصيص بالواقع وقد لا يتعين ولا يعلم ~~لنا كقوله تعالى: «ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم» (2) يقطع بأن ~~الواقع أن بعض من صدق عليه العصيان لا يعذب، إما لأنه تاب أو بفضل الله ~~تعالى ms181 لقوله تعالى: «ويعفو عن كثير» (3) أو بالشفاعة، لكن هذا الذي خصص من ~~هذه الأنواع غير معلوم لنا الآن عدده ولا أشخاصه ولا صفته، وكذلك عموم قوله ~~تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» (4) بعض ~~عامل الخير لا يرى خيرا لأنه ارتد أو ظلم فأخذ منه ذلك الخير في ظلمه، ومن ~~عمل شرا لا يرى شرا لما تقدم. # وفي المفهوم نظر، وإن قلنا إنه حجة لكونه أضعف من المنطوق، لنا في سائر ~~طرق النزاع أن ما يدعي أنه مخصص لا بد وأن يكون منافيا وأخص من المخصص، فإن ~~أعملا أو ألغيا اجتمع النقيضان، وإن أعمل العام مطلقا بطلت جملة الخاص، ~~بخلاف العكس فيتعين، وهو المطلوب. # رأيت الجماعة من الأصوليين أن المفهوم يخصص من غير توقف، مثاله قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «في كل أربعين شاة شاة» هذا عام، ثم قال: «في الغنم ~~السائمة الزكاة» ومقتضى مفهومه عدم الزكاة في المعلوفة؛ فمنهم من رجح ~~العموم لأنه منطوق، والمنطوق أولى من المفهوم، ويقول بوجوب الزكاة في ~~المعلوفة، ومنهم من يقول المفهوم أخص من العموم لأنه لم يتناول إلا ~~المعلوفة والأخص مقدم على العموم، وهو قول الشافعي في خصوص مسألة الزكاة ~~هذه. PageV01P215 ### | الفصل الرابع فيما ليس من مخصصاته # وليس من مخصصات العموم سببه، بل يحمل عندنا على عمومه إذا كان مستقلا ~~لعدم المنافاة خلافا للشافعي والمزني، وإن كان السبب يندرج في العموم أولى ~~من غيره، وعلى ذلك أكثر أصحابنا، وعن مالك فيه روايتان. # رأيت في ثلاثة مذاهب يخصص، لا يخصص، الفرق بين المستقل، وبين غير المستقل ~~فلا يخصص، حكاها ابن العربي وغيره، مثال المستقل قصة عويمر في اللعان (1) ~~مثال غير المستقل قوله عليه الصلاة والسلام: «أينقص الرطب إذا جف قالوا نعم ~~قلا فلا إذن» فقوله: فلا إذن لا يستقل بنفسه فيتعين ضمه إلى الكلام الأول ~~بجملته، ويصير التقدير لا يباع الرطب بالتمر لأنه ينقص إذا جف، لأن (إذن) ~~التنوين فيها موضوع للعوض من الجملة أو الجمل السابقة، ومنه قوله ms182 تعالى: ~~«إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان مالها، ~~يومئذ تحدث أخبارها» (2) قوله يومئذ، أي يوم هذه الجمل المتقدمة، فالتنوين ~~بدل منها. # حجة التخصيص به: أن الكلام إنما سبق لأجله فهو كالجواب له، والجواب شأنه ~~أن يكون مطابقا للسؤال، ولا يزيد عليهن فيخصص العموم به. # حجة عدم التخصيص: أن الجمع ممكن فيثبت حكم السبب وحكم ما زاد عليه ولا # يتنافيا وإن سلمنا أنه يجري مجرى الجواب، والجواب إذا حصل فيه زيادة ~~اعتبرت، كما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من ماء البحر ~~فقال «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (3) وحكمها ثابت مع طورية الماء ولا ~~تنافي في ذلك، ولأنه لو كانت العمومات تختص بأسبابها لاختصت آية اللعان ~~وآية الظهار وآية السرقة بأسبابها وهو خلاف الإجماع، لأن غالب عمومات ~~الشريعة لها أسباب فيلزم تخصيص أكثر العمومات. PageV01P216 # فائدة: في قولي المخصص لا بد أن يكون منافيا للنص المخصص وهو الفرق بين ~~النية المخصصة والنية المؤكدة، وأكثر الذين يفتون لا يطلبون الفرق بينهما ~~في الفتاوى، بل يفتون الناس فيهما سواء، وإذا جاء الحالف وقد حلفت لا لبست ~~ثوبا ونويت الكتان فيقولون لا تحنث بغيره، وليس كما قالوا بل يقولون إذا ~~قال لا لبست ثوبا يقتضي حنثه بأي ثوب كان، ثم النية بعد ذلك لها أحوال: ~~أحدها أن يقول نويت حملة الثياب فيقولون له تحنث بكل ثوب باللفظ وبالنية ~~المؤكدة له. وثانيها: أن يقول نويت بعض الثياب وهي الكتان وتركت غيرها لم ~~أتعرض له فيقول له تحنث بثياب الكتان باللفظ المؤكد بالنية، وبغير الكتان ~~بمجرد اللفظ السالم عن معارضة النية، فإن الصريح يقتضي ثبوت حكمه من غير ~~احتياج إلى نية، بدليل أنه، لو لم يكن لي نية البتة إلا في البعض ولا في ~~الكل فإنه يحنث باللفظ الصريح ولا يحتاج معه غيره. وثالثها: أن يقول نويت ~~إخراج غير الكتان من اليمين بأن استحضرته وأخرجته منافية لموجب اللفظ، ~~واللفظ يقتضي الاندراج، وأنت نويت عدم الاندراج فحصل التنافي بين هذه النية ~~وبين ms183 اللفظ فهي مخصصة بخلاف التي قبلها، إنما هي مؤكدة للبعض الذي خطر ~~بالبال، والبعض الآخر لم يخطر بالبال فلم تخرجه النية فوقع الحنث بالجميع. # فالواجب على المفتي أن لا يكتفي بقول المستفتي أردت الكتان، بل حتى يقول ~~له هل أردت إخراج غير الكتان من يمينك فإذا قال نعم حينئذ يفتيه بتخصص حنثه ~~بالكتان، وإلا فلا، فتأمل هذا الموضع فهو عزيز في تخصيصات العمومات في ~~الفتاوى وغيرها. # فإن قلت: هل لو قال والله لا لبست ثوب الكتان لم يحنث بغير الكتان ولم ~~يخطر غير الكتان بباله ولا نفاه بلفظه، وكونه نوى الكتان وذهل عن غيره هو ~~بمنزلة هذا القيد اللفظي، وقد أجمعوا على عدم تحنيثه في هذا القيد اللفظي، ~~وكذلك هذه النية فإنها مثله كما تقرر. # قلت: سؤال حسن قوي، غير أن الجواب عنه حسن جميل؛ وهو أن نقول # PageV01P217 # المخصصات اللفظية المتصلة من الغاية والشرط والصفة والإضافة ألفاظ لا ~~تستقل بنفسها؛ وقاعدة العرب أن ما لا يستقل بنفسه إذا جاء عقيب ما يستقل ~~بنفسه جعلت العرب ذلك المستقل بنفسه غير مستقل، ولا يعتبر إلا المجموع ~~المركب منهما المستقل وما بعده مما لا يستقلن فيصير الجميع كالكلمة ~~الواحدة. # بدليل ما هو أشد الأشياء ضيقا وهو الإقرار عند الحاكم، فلو قال له عندي ~~الثياب الزرق أو الدراهم الزائفة لم يلزمه الحاكم غير الموصوف بتلك الصفة ~~ولا يقضي عليه بعموم الثياب ولا الدراهم، فغير الإقرار بطريق الأولى، وما ~~سره إلا ما تقدم من القاعدة اللغوية، فهذا هو شأن الصفة وغيرها، لا يستقل، ~~وأما النية فليس للعرب فيها هذا الوضع، بل يعتبر ما نوى، فإن كانت مؤكدة له ~~لم تغير حكما أو معارضة له قدمت النية، فافترق البابان. # ومن وجه آخر على تقديم تسليم عدم صحة هذه القاعدة وهو أن اللفظ له دلالة ~~والنية لا دلالة لها، فإن الدلالات من خصائص الألفاظ والإرادة مدلول لا ~~دليل، وإذا تقرر هذا فالقيد يدل بمفهومه على عدم دخول غير الكتان في يمينه ~~بطريق المفهوم ودلالة الالتزام؛ فتكون دلالة ms184 اللفظ التزاما معارضة لظاهر ~~العموم مطابقة، فلما حصل التعارض أمكن التخصيص بالمعارض الأخص، كما تقدم ~~تقريره، والنية لما لم تكن لها دلالة لم يوجد ما يعارض العموم في قصده ~~الكتان خاصة وذهوله عن غيره. # فهذان جوابان سديدان، وبهذه المباحثة يفهم معنى قول العلماء إن العام قد ~~يستعمل في الخاص، فإن معناه إرادة إخراج بعض مسماه عن مدلول اللفظ، وليس ~~معناه إرادة بعضه بالحكم، فتأمل ذلك فالفرق بينهما هو في غاية الظهور، وعند ~~أكثر الفقهاء في غاية الخفاء. # والضمير الخاص لا يخصص عموم ظاهره كقوله تعالى: «والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء» (1) وهذا عام ثم قال وبعولتهن أحق بردهن في ~~PageV01P218 # ذلك، وهذا خاص بالرجعيات، نقله الباجي عنا خلافا للشافعي والمزني. # معناه بل يبقى لفظ المطلقات على عمومه، لأنه جمع معرف باللام. # ومذهب الراوي يخصص عند مالك والشافعي رضي الله عنهما خلافا لبعض أصحابنا ~~وبعض أصحاب الشافعي. # هذه المسألة منقولة هكذا على الإطلاق، والذي أعتقده أنه مخصوص بما إذا ~~كان الراوي صحابيا، شأنه الأخذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقول ~~إنه إذا خالف مذهبه ما رواه يدل ذلك منه على أنه اطلع من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على قرائن حالية تدل على تخصيص ذلك العام، # وأنه عليه الصلاة والسلام أطلق العام لإرادة الخاص وحده، فلذلك كان مذهبه ~~مخالفا لروايته، أما إذا كان الراوي مالكا أو غيره من المتأخرين الذي لم ~~يشاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يتأتى ذلك فيه، ومذهبه ليس ~~دليلا حتى يخصص به كلام صاحب الشرع، والتخصيص بغير دليل لا يجوز إجماعا. # حجة التخصيص: ما تقدم فإن عدالته تمنعه من ترك بعض العموم إلا لمستند من ~~قرائن صاحب الكلام؛ فإذا ثبتت القرائن ثبت التخصيص. # حجة عدم التخصيص: أن عموم كلام صاحب الشرع حجة، والراوي لم يتركه إلا ~~لاجتهاد؛ ويجوز أن يكون أصاب أم لا، والأصل بقاء العموم على عمومه، ولو كان ~~كل اجتهاد صحيحا لكان قول كل مجتهد حجة وهو خلاف الإجماع. # وذكر بعض العموم ms185 لا يخصصه خلافا لأبي ثور. # ذكر بعض العموم كقوله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى» (1) فالإحسان بلام التعريف عام في جميع أنواع الإحسان، فيندرج فيه ~~إيتاء ذي القربى، فذكره بعده ليس تخصيصا للأول بإيتاء ذي القربى، بل ~~اهتماما بهذا النوع من هذا العام، وعادة العرب أنها إذا اهتمت ببعض أنواع ~~العام PageV01P219 # خصصته بالذكر إبعادا له عن المجاز، والتخصيص بذلك النوع، فإذا نص عليه ~~ينفى احتمال التخصيص فيه دون غيره فلا ينفي احتمال التخصيص فيه البتة، ~~وكذلك قوله تعالى: «وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي» (1) مع أن المنكر عام ~~للام التعريف فيه فهو بعمومه يشمل البغي (2) فذكره بعد ذلك إنما هو إشعار ~~بأنه أقبح المنكر وأهم أنواعه بالذكر، فلا يتوهم تخصيص العام المتقدم ~~بإخراجه منه، وكذلك قوله تعالى: «وملائكته وجبريل» (3) خص جبريل اهتماما ~~به، وكثير من العلماء يمثل هذا الباب بقوله تعالى: «فيها فاكهة ونخل ورمان» ~~(4) وليس منه لأن فاكهة مطلق لا عموم فيه حتى يكون أولا قد تناول الرمان ~~فيخصص بعد ذلك بالذكر، بخلاف المثل السابقة عامة تناولت ما ذكر بعدها. # إذا علم هذا فاعلم أنه قد وقع في المذهب استدلالات على خلاف هذه القاعدة ~~فينبغي أن يتفطن لها فمن ذلك نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما لم يقبض، ~~وهو عام في جميع المبيعات؛ ونهى عن بيع الطعام قبل قبضه، والطعام بعض ذلك ~~العموم، فقال مالك - رحمه الله تعالى - لا يحرم إلا بيع الطعام قبل قبضه، ~~قال جماعة من المالكية لأن # العموم المتقدم مطلق وهذا مقيد، والمطلق يحمل على المقيد، وهذا غلط، بل ~~هذا تخصيص العام بذكر بعض أنواعه، والصحيح أنه باطل كما تقدم، والمطلق ~~والمقيد، إنما معناه أن يكون المطلق ماهية كلية فيذكر معها أو بعدها قيد ~~نحو «فتحرير رقبة» (5) وفي آية أخرى «فتحرير رقبة مؤمنة» (6) فهذه هو ~~المطلق والمقيد الذي يحمل فيه المطلق على المقيد؛ لأن المقيد زاد على ~~الثابت أو لا مدلول القيد، أما إذا كان اللفظ عاما فالقيد يكون منقصا إن ~~PageV01P220 # أخرجنا ماعدا ms186 محل القيد، وفي المطلق لا يكون منقصا، فلذلك كان الصحيح حمل ~~المطلق على المقيد، والصحيح عدم تخصيص العموم بذكر بعضه، فهذا فرق عظيم ~~ينبغي أن تلاحظه فهو نفيس في الأصول والفروع. # وكونه مخاطبا لا يخصص العام إن كان خبرا، وإن كان أمرا جعل جزاء قال ~~الإمام يشبه أن يكون مخصصا. # المراد المخاطب بكسر الطاء الفاعل للخطاب، مثال الخبر من دخل داري فهو ~~سارق السلعة، هل يقتضي ذلك أنه إذا دخل هو أن يكون مخبرا عن نفسه أنه سارق؟ ~~مثال الأمر الذي هو جزاء قوله من دخل داري فأعطه درهما، فقوله أعطه أمر وهو ~~جواب الشرط، ووجه الإحالة فيه أنه لا يأمر نفسه ولا يأمر لنفسه بدرهم من ~~ماله، ومن ذلك قول المرأة زوجني ممن شئت، فهل له أن يزوجها من نفسه ~~لاندراجه في العموم؟ أو قال بع سلعتي ممن رأيت فهل له شراؤها لأنه رأى ~~نفسه؟ بين العلماء خلاف، والصحيح أنه مندرج في العموم لأنه متناول له لغة، ~~والأصل عدم التخصيص. # وذكر العام في معرض المدح أو الذم لا يخصص، خلافا لبعض الفقهاء. # مثاله أن يذكر الله تعالى فاعل المحرم ثم يقول بعد ذكره «إنه لا يفلح ~~الظالمون» (1) فهل يقتضي أنه مخصوص بمن تقدم ذكره أو يكون عاما ويندرج فيه ~~المتقدم ذكره اندراجا أوليا، وكذلك إذا ذكر الله تعالى فاعل المأمور به ثم ~~يقول عقبه «إن الله مع المحسنين» (2) إنه «كان للأوابين غفورا» (3) ونحو ~~ذلك فهل يعم اللفظ والحكم كل محسن وكل أواب، أو يختص بمن تقدم ذكره، خلاف. # حجة التخصيص به أنه ذكر العام بعده يجري مجرى الجواب عنه، والجواب شأنه ~~أن يكون مطابقا للسؤال من غير زيادة، وكأنه قال مع المحسنين الذين تقدم ~~ذكرهم، والأوابين الذين (4) تقدم ذكرهم. PageV01P221 # حجة عدم التخصيص أن اللفظ عام ولا ضرورة لتخصيصه بمن تقدم فإن حكم الجميع ~~ثابت بالعموم، والأصل عدم التخصيص فيبقى اللفظ عاما على حاله. # تنبيه: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ليس من هذا الباب العام المرتب ~~على شرط ms187 تقدم بل يختص اتفاقا، كقوله تعالى: «إن تكونوا صالحين فإنه كان ~~للأوابين غفورا» (1) فالشرط المتقدم هو صلاح المخاطبين الحاضرين، وصلاحهم ~~لا يكون سببا للمغفرة لمن تقدم من الأمم قبلهم، أو يأتي بعدهم، فإن قواعد ~~الشرع تأبى ذلك، وإن سعى كل أحد لا يتعداه لغفران غيره إلا أن يكون له فيه ~~تسبب وهنا لا تسبب، فلا يتعدى، فيتعين أن يكون المراد فإنه كان للأوابين ~~منكم غفورا؛ فإن شرط الجزاء لا يترتب جزاؤه على غيره، وهذه قاعدة لغوية ~~وشرعية، أما إذا لم يكن شرطا أمكن جريان الخلاف. # وعطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيصه خلافا للحنفية كقوله عليه الصلاة ~~والسلام «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» فإن الثاني خاص بالحربي، ~~فيكون الأول كذلك عندهم. # القاعدة: أن الأدنى يقتل بالأعلى وبمساويه، وهل يقتل الأعلى بالأدنى؟ هو ~~موضع الخلاف؛ فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقتل مؤمن بكافر» عام في جميع ~~الكفار فيتناول الذمي فلا يقتل به المسلم إذا قتله عمدا عندنا خلافا ~~للحنفية. قالوا أول الحديث لكم وآخره عليكم فإن ذا العهد يقتل بالذمي، لأن ~~الذمي أعلى منه لأن عقد الذمة يدون للذرية، والمعاهدة لا تدوم، والأدنى ~~يقتل بالأعلى، فيقتل المعاهد بالذمي، فيتعين أن الذي لا يقتل به المعاهد هو ~~الكافر الحربي، والقاعدة أن العطف يقتضي التسوية، والمعطوف لا يقتل ~~بالحربي، فيكون المعطوف عليه لا يقتل بالحربي عملا بالتسوية، فيكون الكافر ~~المذكور أول الحديث المراد به الحربي، وهو متفق عليه، إنما النزاع في الذمي ~~فدخل العام المعطوف عليه التخصيص بسبب عطف الخاص عليه. PageV01P222 # والجواب عنه من أربعة أوجه: أحدها أنا نمنع أن الواو عاطفة بل هي ~~للاستئناف فلا يلزم التشريك. وثانيها: سلمناه لكن العطف يقتضي التشريك في ~~أصل الحكم دون توابعه. قالا لنحاة فإذا قال مررت بزيد قائما وعمرو، لا يلزم ~~أن يكون مررت بعمرو أيضا قائما بل في أصل المرور فقط، كذلك جميع التوابع من ~~المتعلقات وغيرها يقتضي العطف هنا لأنه لا يقتل، أما تعيين من يقتل به ~~الآخر فلا؛ ms188 لأن الذي يقتل به من توابع الحكم. وثالثها: لا نسلم أن معنى ~~قوله عليه الصالة والسلام «ولا ذو عهد في عهده» معناه بحربي بل معناه ~~التنبيه على السببية فإن (في) قد تقدم في باب الحروف تقرير أنها تكون ~~للسببية فيصير معنى # الكلام ولا يقتل ذو عهد بسبب المعاهدة، فيفيدنا ذلك أن المعاهدة سبب يوجب ~~العصمة، وليس المراد أنه يقتص منه ولا غير ذلك. ورابعها: أن معناه نفي ~~الوهم عمن يعتقد أن عقد المعاهدة كعقد الذمة يدون؛ فنبه - عليه السلام - أن ~~أثر ذلك العهد إنما هو في ذلك الزمان خاصة لا يتعداه لما بعده وتكون (في) ~~على هذا للظرفية، وهو الغالب عليها. # وتعقيب العام باستثناء أو صفة أو حكم لا يتأتى إلا في البعض لا يخصصه عند ~~القاضي عبد الجبار، وقيل يخصصه وقبل بالوقف، واختاره الإمام، فالاستثناء ~~كقوله تعالى: «لا جناح عليكم إن طلقتم النساء» إلى قوله «إلا أن يعفون» (1) ~~فإنه خاص بالرشيدات، والصفة كقوله تعالى: «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء» ~~إلى قوله: «لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» (2) أي الرغبة في الرجعة، والحكم ~~كقوله تعالى: «وبعولتهن أحق بردهن» (3) فإن خاص بالرجعيات، فتبقى العمومات ~~على عمومها، وتختص هذه الأمور بمن يصلح له. ولنا في سائر صور النزاع أن ~~الأصل بقاء العموم على عمومه فمهما أمكن ذلك لا يعدل عنه تغليبا للأصل. ~~PageV01P223 # حجة التخصيص: أن الأصل الاتحاد في الضمائر وجميع ما يعود عليه الحكم ~~المتأخر أي شيء كان، وليس يحصل الاتحاد إلا إذا اعتقدنا أن المراد بالسابق ~~ما يصلح لذلك الحكم اللاحق، ومتى كان كذلك لزم التخصيص جزما. # حجة الوقف تعارض الأدلة، وإنما جعلنا الرغبة في الرجعة صفة، وذلك لأنها ~~أمر حقيقي وحالة من أحوال النفوس، والحكم الشرعي قائم بذات الله تعالى لا ~~بنفس الخلق، فهي حينئذ صفة، وأما كون الزوج أولى بالرجعة، فذلك حكم شرعي ~~يرجع إلى الإباحة، والتحريم على غيره أن يمنعه من ذلك، وهذه أحكام شرعية، ~~بخلاف الرغبة، فلذلك اختلفت المثل. ### | الفصل الخامس فيما يجوز التخصيص إليه # ويجوز ms189 عندنا للواحد، هذا إطلاق القاضي عبد الوهاب، وأما الإمام فحكى ~~إجماع أهل السنة على ذلك في (من) و (ما) ونحوهما قال: وقال القفال: ويجب ~~إبقاء أقل الجمع في الجموع المعرفة، وقيل يجوز إلى الواحد فيها. وقال أبو ~~الحسين البصري لا بد من الكثرة في الكل إلا إذا استعمله الواحد المعظم ~~نفسه. # أما (من) و (ما) فلفظهما مفرد، ولذلك يجوز أن يعود الضمير عليهما مفردا ~~كقوله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره» (1) ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~PageV01P224 # نقيض له شيطانا» (1) ، «والسماء وما بناها» (2) ، «ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم» (3) فلذلك حسن أن يراد بهما الواحد ويجوز ~~التخصيص إليه ويخالفهما الجمع المعرف كلفظ المشركين، فإن المحافظة على صيغة ~~الجمع تمنع من إرادة الواحد والتخصيص إليه، وحجة الجواز إلى الواحد في ~~الجموع أيضا أن الجمع قد يطلق ويراد به الواحد كما في قوله تعالى: «الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم» (4) قيل الجامع أبو سفيان وهو المراد ~~بالناس، وكذلك في قوله تعالى: «أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله» ~~(5) قيل المحسود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو المراد بالناس. # واحتج أبو الحسين أن البيت إذا كان ملآن من الرمان وقال أكلت ما في البيت ~~من الرمان وأراد واحدة أن ذلك يقبح، فحينئذ لا بد من كثرة يحسن إطلاق ~~العموم لأجلها، وإلا امتنع. وقد نص إمام الحرمين وغيره على استقباح تخصيص ~~الحنفية قوله عليه الصلاة والسلام «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل باطل باطل» بالمكاتبة أو بالأمة وأن هذا التخصيص في غاية ~~البعد، ولا يجوز لغة، مع أن نوع المكاتبة أو الأمة أفراده غير متناهية، ~~فكيف إذا لم يبق إلا فرد واحد فكان أشد بالقبح. # وأما المعظم نفسه فهو في معنى الجمع العظيم فقد وزن أبو بكر بالأمة، ~~فرجح، ووزن عمر بالأمة فرجح - رضي الله عنهما - فكيف بالأنبياء عليه الصلاة ~~والسلام، فكيف بسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P225 ### | الفصل السادس في ms190 حكمه بعد التخصيص # لنا وللشافعية والحنفية في كونه بعد التخصيص حقيقة أو مجازا قولان، ~~واختار الإمام وأبو الحسين التفصيل بين تخصيصه بقرينة مستقلة عقلية أو ~~سمعية، فيكون مجازا، وبين تخصصه بالمتصل كالشرط والاستثناء والصفة، فيكون ~~حقيقة. # الحق أنه مجاز لأنه وضع للعموم واستعمل في الخصوص، فقد استعمل في غير ~~موضوعه، واللفظ المستعمل في غير موضوعه مجاز إجماعا. # حجة كونه حقيقة أن لفظ المشركين إذا أريد به الحربيون فقط، والحربيون ~~مشركون قطعا، فيكون اللفظ مستعملا في موضوعه فيكون حقيقة. # جوابه: أن الحربيين مشركون، غير أن صيغة العموم لم توضع لمفهوم مشركين، ~~بل وضعت للكلية التي هي كل فرد فرد، وبحيث لا يبقى فرد، وهذه الكلية لم ~~يستعمل اللفظ فيها بل في غيرها فيكون مجازا. # حجة التفريق أن القرينة المتصلة لا تستقل بنفسها، فإن الاستثناء والشرط ~~والصفة لفظ لا يستقل. وقاعدة العرب أن اللفظ المستقل إذا تعقبه ما لا يستقل ~~بنفسه صيره مع اللفظ المستقل كلفظة واحدة، ولا يثبتون للأول حكما إلا به ~~فيكون المجموع حقيقة فيما بقي بعد التخصيص، حتى قال القاضي وجماعة إن ~~الثمانية لها عبارتان (1) ثمانية، وعشرة إلا اثنين، وتقول الحنفية ~~الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا ومرادهم ما ذكرناه، وأما التخصيص ~~المنفصل كنهيه عليه الصلاة والسلام عن قتل النسوان والصبيان بعد الأمر بقتل ~~المشركين، ونهيه عليه الصلاة والسلام PageV01P226 # عن بيع الغرر، بعد قوله تعالى: «وأحل الله البيع» (1) ، فهذه لأجل ~~استقلاله يستحيل جعله مع الأصل كلاما واحدا، فيتعين أن اللفظ الأول استعمل ~~في غير موضوعه فيكون مجازا. # وجوابه: أن جعل غير المستقل مع الأصل كلاما واحدا غير صحيح، فإن (إلا) ~~للإخراج إجماعا واشتقاقا من الثني وهو فرع وجود شيء يرجع ويثنى عليه ومتى ~~جعل الجميع كلاما واحدا بطل هذا كله، بل الحق أن كلام أخرج منه كلام. نعم ~~معنى الكلام الأول لا يستقر حتى بتعقبه السكوت، وعدم استقرار حكم الأول لا ~~يصيره جزء كلام، ثم إن هذا إذا سلم يتأتى في المخصص اللفظي المتصل وهو لا ~~يتأتى في المخصص العقلي؛ ms191 فإن العقلي مستقل. # وهو حجة عند الجميع إلا عيسى بن أبان وأبا ثور، وخصص الكرخي التمسك به ~~إذا خصص بالمتصل، وقال الإمام فخر الدين إن خصص تخصيصا إجماليا نحو قوله ~~هذا العام مخصوص فليس بحجة، وما أظنه يخالف في هذا التفصيل. # لنا أنه وضع للاستغراق ولم يستعمل فيه فيكون مجازا ومقتضيا لثبوت الحكم ~~لكل أفراده، وليس البعض شرطا في البعض، وإلا لزم الدور، فيبقى حجة في ~~الباقي بعد التخصيص. # كونه حجة هو الصحيح، وقد قيل ما من عام إلا وقد خص إلا قوله تعالى: ~~«والله بكل شيء عليم» وروى ذلك عن ابن عباس، وحينئذ لا يبقى حجة في جميع ~~عمومات الكتاب والسنة، وذلك تعطيل للاستدلال. # حجة عيسى بن أبان بأن حقيقة اللفظ هي الاستغراق وهو غير مراد، وإذا خرجت ~~الحقيقة عن الإرادة لم يتعين مجاز يحمل اللفظ عليه، إذ ليس البعض أولى من ~~البعض، فيتعين الإجمال، فسقط الاستدلال. PageV01P227 # جوابه: هذا إنما يصح إذا كان المجاز أجنبيا عن الحقيقة كالأسد إذا لم تكن ~~الحقيقة فيه مراده، وليس بعض الشجعان، أولى من بعض فيتعين الإجمال، أما ~~المجاز في العام المخصوص فمتعين لأنه ليس أجنبيا بل محرر التجوز ما بقي بعد ~~التخصيص فلا إجمال. # وأما مستند الكرخي في التفصيل، فهو بناء منه على أن المخصص المتصل يصير ~~مع الأصل حقيقة فيما بقي، والحقيقة حجة والمخصص المنفصل لا يمكن جعله حقيقة ~~مع الأصل، فيتعين المجاز والإجمال. # وجوابه ما تقدم. # وأما تفصيل الإمام فخر الدين فليس تفصيلا في التحقيق بل راجع إلى القول ~~بأنه حجة، فإن الله تعالى إذا قال: «اقتلوا المشركين» ثم قال حرمت عليكم ~~طائفة معينة لا أعينها لكم، فلا شك أنا نتوقف عن القتل قطعا حتى نعلم ~~الواجب قتله من المحرم قتله، وهذا لا يتصور فيه الخلاف، بل هذا تفريع على ~~أنه بعد التخصيص حجة إلا أن يكون التخصيص إجماليا. # وقولي ليس البعض شرطا في البعض هذه حجة الإمام في المحصول، وبسطها أن ~~ثبوت الحكم في البعض الباقي بعد التخصيص إما أن ms192 يتوقف على ثبوته في البعض ~~المخرج أو لا يتوقف، فإن لم يتوقف كان حجة فيما بقي، فإن عدم ما لا يتوقف ~~عليه لا يضر، وإن كان ثبوت الحكم في هذا البعض متوقفا على ثبوته في ذلك ~~البعض فإما أن يكون ثبوته في ذلك البعض أيضا متوقفا على ثبوته في هذا البعض ~~أو لا، فإن حصل التوقف من الطرفين لزم الدور، وإن حصل من أحد الطرفين دون ~~الآخر لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال. # فيتعين أن الحق في هذا التقسيم أن ثبوت الحكم في هذا البعض الباقي غير ~~متوقف على ثبوته في ذلك البعض، وحينئذ يكون حجة، وهو المطلوب. وهذه الحجة ~~ضعيفة بسبب أننا نختار التوقف من الطرفين. # PageV01P228 # قوله: يلزم الدور. # قلنا: لا نسلم وذلك أن التوقف قسمان: توقف معي وتوقف سبقي، والدور في ~~الثاني دون الأول، فإن الإنسان إذا قال لغيره لا أخرج من هذا البيت حتى ~~تخرج معي. وقال الآخر له: وأنا لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج أنت معي، ~~خرجا معا وصدقا معا فيما # التزماه، ولا دور ولا محال، أما إذا قال لا أخرج من هذا البيت حتى تخرج ~~أنت قبلي، وقال الآخر وأنا لا أخرج حتى تخرج أنت قبلي، فإنهما إذا صدقا في ~~ذلك يستحيل خروج واحد منهما للزوم الدور في توقف خروج كل واحد منهما على ~~خروج الآخر توقفا سبقيا، فعلمنا أن الدور إنما يلزم من التوقف السبقي دون ~~التوقف المعي، والتوقف في العموم بين بعضيه على وجه المعية دون السبقية، ~~فلا دور. # فالحق حينئذ أن نقول اللفظ اقتضى ثبوت الحكم في جميع الأفراد على وجه ~~واحد ونسبة واحدة، والأصل عدم الشرطية فلا يضر خروج البعض عن الإرادة ويكون ~~اللفظ حجة الباقي، فهذه طريقة حسنة وسالمة عن المنوع. # والقياس على الصورة المخصوصة إذا علمت جائز عند القاضي إسماعيل منا، ~~وجماعة من الفقهاء. # إذا خرجت صورة من العموم بخصص كما خرج بيع البر متفاضلا من قوله تعالى: ~~«وأحل الله البيع» (1) فهل يجوز قياس الأرز عليها ms193 بجامع القوت أو الطعم؟ ~~خلاف. # حجة المنع أن الصورة المخصوصة على خلاف قاعدة العموم، فلو قسنا عليها ~~أفضى ذلك إلى تكثير مخالفة الأصل وكثرة التخصيص، وهو غير جائز. # حجة الجواز أن قواعد الشرائع مراعاة الحكم والمصالح، فإذا استثنى الشارع ~~PageV01P229 # صورة لحكمة ثم وجد صورة أخرى تشاركها في تلك الحكمة وجب ثبوت ذلك الحكم، ~~فيها تكثيرا للحكم والمصالح، وهذا مراعاة التخصيص؛ فإن إبقاء العموم على ~~عمومه اعتبار لغوي، ومراعاة المصالح اعتبار شرعي، والشرعي مقدم على اللغة. ### | الفصل السابع في الفرق بينه وبين النسخ والاستثناء # إن التخصيص لا يكون إلا فيما يتناوله اللفظ بخلاف النسخ، ولا يكون إلا ~~قبل العمل بخلاف النسخ، فإنه يجوز قبل العمل وبعده، ويجوز نسخ شريعة بأخرى ~~ولا يجوز تخصيصها بها. # والاستثناء مع المستثنى منه كاللفظ الواحدة الدالة على شيء واحد ولا يثبت ~~بالقرينة الحالية ولا يجوز تأخيره، بخلاف التخصيص. وقال الإمام والتخصيص ~~كالجنس للثلاثة لاشتراكها في الإخراج، فالتخصيص والاستثناء إخراج الأشخاص، ~~والنسخ إخراج الأزمان. # كون التخصيص لا يكون إلا فيما يتناوله اللفظ، اصطلاح وعبارة، لا معنى من ~~المعاني، فإن القرائن أو غيرها إذا دلت على ثبوت حكم لعدة صور، فإذا خرجت ~~منها صورة من الصور كان ذلك كإخراج صور من صورة تناولها صيغ العموم، غير ~~أنه لا يسمى تخصيصا اصطلاحا، ويدخل النسخ فيما يتناوله اللفظ أو ثبت ~~بالقرائن أو الفعل أو الإقرار، ولا يكون التخصيص إلا قبل العمل، لأن ~~التخصيص بيان المراد، فإذا عمل به صار الجميع مرادا، فلا يبقى الإخراج بعد ~~ذلك إلا نسخا وإبطالا لما هو مراد، والتخصيص هو إخراج غير المراد عن ~~المراد، وبعد العمل بالجميع يتعذر ذلك، ويجوز النسخ أيضا قبل العمل إذا علم ~~أن مدلول اللفظ مراد. # وأما نسخ شريعة بشريعة فذلك لم يقع بين الشرائع في القواعد الكلية، ولا ~~في العقائد # PageV01P230 # الدينية، بل في بعض الفروع، مع جوازه في الجميع عقلا، غير أنه لم يقع، ~~وإذا قيل إن شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع؛ فمعناه في بعض الفروع خاصة، ~~فالشريعة الناسخة هي المتأخرة. ms194 # وأما تخصيص شريعة بشريعة فيمتنع. أما السابقة باللاحقة فلأن التخصيص بيان ~~وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو خصصت المتأخرة المتقدمة لتأخر ~~البيان عن وقت الحاجة، وأما تخصيص المتأخرة بالمتقدمة فلأن عادة الله أن لا ~~ينزل على قوم ولا يخاطبهم إلا بما يتعلق بهم خاصة، فلو نزل في المتقدمة ما ~~يكون بيانا وتخصيصا للمتأخرة لخوطبوا بما لا يتعلق بهم، وهذا كله عادة ~~ربانية لا وجوب عقلي. # وأما الاستثناء فهو مع اللفظ المستثنى منه كاللفظة الواحدة الدالة على ~~معنى واحد وهو ما بقي. قال القاضي أبو بكر: فالخمسة لها عبارتان: خمسة، ~~وعشرة إلا خمسة. واعلم أن تعليلهم ذلك بأن الاستثناء غير مستقل بنفسه يلزم ~~أن يكون التخصيص بالصفة والشرط والغاية كذلك، ولم يذكروه إلا في الاستثناء، ~~وهنا فرق آخر يخص الاستثناء وهو أنه يخرج من العدد فتقول له عشرة إلا ~~اثنين، وغير الاستثناء لا يمكن ذلك فيه، ولذلك لا يثبت بالقرينة الحالية، ~~فإنه لو قال له عشرة إلا اثنين ودلت القرينة على أنه أراد خمسة، لزم أن ~~يكون لفظ العشرة المجاز لا يجوز في لفظ العدد، والتخصيص يجوز بالقرينة، لأن ~~التخصيص مجاز، والمجاز يدخل في العمومات إجماعا، ولا يجوز أن يتأخر ~~الاستثناء، فلا يقول له عشرة وبعد يوم يقول إلا اثنين، لأنه فضلة في الكلام ~~لا يستقل بنفسه وما لا يستقل بنفسه لا ينفرد بالنطق، وكذلك الشرط والغاية ~~والصفة. # وأما التخصيص بالمخصص المنفصل فلا يمكن جعله مع العام المخصوص لفظا ~~واحدا؛ لاستقلال كل واحد منهما بنفسه. والصواب أن تقول الإخراج جنس ~~للثلاثة: التخصيص والنسخ والاستثناء، فإن الشيء لا يكون جنسا لنفسه، فإذا ~~قلنا التخصيص جنسي للثلاثة لزم أن يكون التخصيص جنسا لنفسه وهو محال. ~~وقولنا التخصيص والاستثناء # PageV01P231 # إخراج للأشخاص, النسخ إخراج للأزمان ليس على إطلاقه، بل قد يكون التخصيص ~~في الأزمان والاستثناء، فتقول ما رأيته طول الدهر أو جميع الأيام ومرادك ~~عمرك خاصة، وتستثني أيامنا فتقول إلا يوم الجمعة مثلا، وهذا بحسب ما يقع ~~فيه العموم، فإن وقع في الأزمان ms195 وقع جواز التخصيص والاستثناء فيها، أو في ~~الأشخاص وقع جواز التخصيص والاستثناء فيها، وقد يقع النسخ ولا إخراج زمان ~~كنسخ الفعلة الواحدة التي لا يتعدد زمانها فلا يقبل الإخراج لأن الإخراج من ~~الشيء فرع تعدده بين المخرج والمخرج عنه كأمر إبراهيم بذبح إسحق (1) عليه ~~الصلاة والسلام ولم يخرج منه بعض الأزمنة وبقي بعضها، بل بطل المأمور به ~~بعض الأزمنة، وخرج المستقبل بعدها بالنسخ. PageV01P232 ### | الباب السابع في أقل الجمع # قال القاضي أبو بكر رحمه الله مذهب مالك أقل الجمع اثنان ووافقه القاضي ~~أبو بكر على ذلك والأستاذ أبو إسحق وعبد الملك بن الماجشون من أصحابه، وعند ~~الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله ثلاثة وحكاه عبد الوهاب عن مالك، وعندي أن ~~محل النزاع مشكل لأنه إن كان الخلاف في صيغة الجمع التي هي الجيم والميم ~~والعين لم يكن إثبات الحكم لغيرها من الصيغ، وقد اتفقوا على ذلك، وإن كان ~~في غيرها من صيغ الجموع فهي على قسمين، جمع قلة وهو جمع السلامة مذكرا أو ~~مؤنثا ومن جمع التكسير القلة ما في قول الشاعر: # بأفعل وأفعال وأفعلة وفعلة ... يعرف الأدنى من العدد # وجمع كثرة (1) # وهو ماعدا ذلك فجموع القلة المعشرة فما دون ذلك، وجموع الكثرة للأحد عشر ~~فأكثر؛ هذا هو نقل العلماء، ثم قد يستعار كل واحد منهما للآخر مجازا، ~~والخلاف في هذه المسألة إنما هو في الحقيقة اللغوية، فإن كان الخلاف في ~~جموع الكثرة فأقلها أحد عشر فلا معنى للقول بالاثنين والثلاثة وإن كان في ~~جموع القلة فهو يستقيم، لكنهم لما أثبتوا الأحكام والاستدلال في جموع ~~الكثرة علمنا أنهم غير مقتصرين عليها وأن محل الخلاف ما هو أعم منها لا هي. # مثال جمع السلامة ما جمع بالواو والنون أو الياء والنون نحو مسلمون ~~ومسلمين، أو بالألف والتاء وهو المؤنث، نحو مسلمات وعرفات، ومثال أفعل ~~أفلس، PageV01P233 # ومثال أفعال أجمال وأحمال، ومثال أفعلة أرغفة وفعلة نحو صبية وغلمة، فهذه ~~هي جموع القلة إذا كانت منكرة يكون للعشرة فدونها إلى الاثنين أو الثلاثة ~~على الخلاف، وإن ms196 كانت معرفة صارت لما لا يتناهى وهو العموم، ولا يبقى ~~لمسماها أقل ولا أكثر، بل رتبة واحدة وهي العموم بخلاف المنكر، فإن مسماه، ~~وهو كونه جمعا متردد بين مراتب مختلفة، وكل تلك # المراتب يصدق عليها أنها جمع فألف رجل جمع، ورجال وثلاثة جمع. # قال صاحب المفصل قد يستعار لفظ الجمع الموضوع للقلة للكثرة، والموضوع ~~للكثرة للقلة، وقوله قد يستعار كل واحد منهما للآخر يدل على أنه ليس موضوعا ~~له فإن المستعار مجاز إجماعا، وكذلك قال ابن الأنباري قد يستعار كل واحد ~~منهما للآخر بسبب اشتراكهما في معنى الجمع، فإبداؤه للعلاقة المصححة للمجاز ~~دليل المجاز، وكذلك قال غيرهما. # واستشكل جماعة من المفسرين والنحاة قوله تعالى: «ثلاثة قروء» (1) فقالوا ~~ثلاثة دون العشرة، فكان المنطبق عليها أقراء الذي هو أفعال لأنه من صيغ ~~جموع القلة أما قروء [الذي على وزن (2) ] فعول فهو من جموع الكثرة فلم يعبر ~~به عن الثلاثة، مع إمكان التعبير بما ينطبق على الثلاثة، وهذا كله يقتضي أن ~~جمع الكثرة لم يتناول ما دون العشرة إلا مجازا ولا يتناوله حقيقة، ويشكل ~~جعل أقل مسماه ثلاثة بل أحد عشر، وهذا موضع صعب وأجاب عنه بعض الفضلاء. # قال: الجواب عنه أن الكلام في هذه المسألة إنما هو في الحقيقة العرفية ~~دون اللغوية والعرف سوى بين القسمين القلة والكثرة، فلذلك أطلقت الفتيا في ~~القسمين. # وهو جواب لا يصح لأن بحث العلماء في أصول الفقه المهم منه الحقيقة ~~اللغوية دون غيرها وهي المراد بقولنا الأمر للوجوب، والأمر للتكرار، ~~والصيغة العموم، والأمر للفور، والنهي للتحريم، وغير ذلك من المباحث إنما ~~يريدون الحقيقة اللغوية وهي المهمة في أصول الفقه، حتى إذا تقررت حمل عليها ~~الكتاب والسنة. # وثانيها: إذا سلم له أن بحثهم في الحقيقة العرفية فلم لا ذكروا اللغوية، ~~وكيف يليق أن يعتقد فيهم أنهم تركوا المهم أبدا ولم يذكروا إلا غير المهم؟! ~~PageV01P234 # وثالثها: أن الكلام لو كان في الحقيقة العرفية لكان استدلالهم بالعرفيات، ~~وكانوا يقولون: لأن أهل العرف يقولون، وهم لا يقولون ذلك، بل يقولون ms197 في ~~استدلالهم: فرقت العرب بين ضمير المفرد وضمير التثنية وضمير الجمع فقالوا ~~اضرب ضربا ضربوا، وقالوا رجلان ورجل، ففرقوا بين التثنية والجمع، ويستدلون ~~بآيات الكتاب العزيز، وذلك كله يقتضي أنهم لا يريدون العرف، فإن من ادعى ~~العرف غير اللغة لا يمكنه التمسك بالقرآن؛ فإنه لم ينزل بالعرف بل باللغة، ~~وهذا واضح وحينئذ يتعين أنهم يريدون الحقيقة اللغوية وهي مشكلة كما تقدم. # بل الذي تقتضيه القواعد أن يقولوا أقل مسمى الجمع المنكر من جموع القلة ~~اثنان أو ثلاثة وأقل جموع الكثرة المنكرة أحد عشر، هذا متجه لا خفاء فيه. ~~أما التعميم فمشكل جدا. # ومقتضى القواعد أن القائل إذا قال لله علي صوم شهور، أن يلزمه أحد عشر ~~شهرا لأنه جمع كثرة، أو صوم أيام أن يلزمه ثلاثة لأنه جمع قلة، أو قال علي ~~له دراهم أو دنانير أن يلزمه أحد عشر لأنه جمع كثرة، وتتقرر الفتاوى وأقضية ~~الحكام على هذه الصورة حتى يثبت لهذه القواعد ناسخ عرفي أو شرعي. فهذه وجه ~~الإشكال. # وأنا الآن أجري على عادتهم في الحجاج فأقول حجة القول بالثلاثة ما تقدم ~~من تفرقة العرب بين التثنية والجمع ضميرا وظاهرا والأصل في الاستعمال ~~الحقيقة ولأنه المتبادر للفهم عرفا فوجب أن يكون لغة كذلك، لأن الأصل عدم ~~النقل والتغيير، فمن قال معي دراهم لا يفهم السامع إلا ثلاثة فأكثر، حجة ~~الاثنين قوله تعالى: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» (1) فأطلق ضمير ~~الجمع الذي هو الواو على الطائفتين وهو تثنية، وقوله تعالى: «وداود وسليمان ~~إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين» (2) فقوله ~~لحكمهم ضمير جمع عائد على داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، فدل على أن ~~الاثنين يصدق عليهما الجمع. وقوله تعالى: «وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا ~~المحراب» إلى قوله: «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة» (3) فقوله إن هذا أخي ~~يقتضي أنهما كانا اثنين مع ذلك فقال تعالى: PageV01P235 # «إذ تسوروا المحراب» وهو ضمير جمع، وكذلك قوله تعالى: «قالوا لا تخف» (1) ~~يدل على أن الاثنين يصدق ms198 عليهما لفظ الجمع. # والجواب عن الأول أن الطائفة جماعة والجماعتان جمع بالضرورة، فلذلك عاد ~~عليه ضمير الواو. # وقوله تعالى: «لحكمهم» عائد على الحكمين والمحكوم له والمحكوم عليه فهم ~~أربعة والمصدر كما يضاف للفاعل يضاف للمفعول فأضيف للجمع (2) . # وعن الثالث أن الخصم في اللغة يصدق على الفرد والمثنى والجمع تقولا لعرب ~~رجل خصم ورجلان خصم ورجال خصم، كما تقول رجل ضيف ورجلان ضيف ورجال ضيف فلما ~~كان الخصم يطلق واحده على الجمع أطلق تثنيته على الجمع كما تقدم في التثنية # وربما استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «والاثنيان فما فوقهما جماعة» ~~فسمى الاثنين جماعة وبأن معنى الجمع حاصل في الاثنين فوجب صدق الجمع ~~عليهما. # والجواب عن الأول أن معناه فضيلة الجماعة تحصل للاثنين فالمراد الحكم ~~الشرعي لا اللغوي فإنه عليه الصلاة والسلام إنما بعث لبيان الشرعيات. # وعن الثاني أن معنى الضم والاجتماع صادق على التثنية والاثنين إجماعا ~~إنما الكلام في ألفاظ الجموع هل تصدق على الاثنين حقيقة أم لا فأين أحدهما ~~من الآخر؟! # فائدة: على ما تقدم نم لفظ جمع القلة والكثرة يكون ضابط جمع القلة هو ~~اللفظ الموضوع للاثنين فأكثر، أو الثلاثة فأكثر على الخلاف بقيد كونه لا ~~يتعدى العشرة فهو موضوع للقدر المشترك بين هذه الرتب الحاصلة من الثلاثة ~~إلى العشرة وجمع الكثرة هو اللفظ الموضوع للأحد عشر فأكثر من غير حصر، فهو ~~للقدر المشترك بين هذه الرتب التي لا نهاية لها بقيد كونها لا تنقص عن ~~الأحد عشر فسماها غير محصور، بخلاف مسمى جموع القلة. # فائدة: معنى قول العلماء أقل الجمع اثنان أو ثلاثة، معناه أن مسمى الجمع ~~مشترك فيه (3) بين رتب كثيرة وأقل مرتبة يصدق فيها المسمى هي الاثنان فيصير ~~معنى الكلام أقل مراتب مسمى الجمع اثنان أو ثلاثة. PageV01P236 ### | الباب الثامن في الاستثناء # وفيه ثلاثة فصول ### | الفصل الأول في حده # وهو عبارة عن إخراج بعض ما دل اللفظ عليه ذاتا كان أو عددا أو ما لم يدل ~~عليه، وهو إما محل المدلول أو أمر عام بلفظ إلا أو ms199 ما يقوم مقامها، فالذات ~~نحو رأيت زيدا إلا يده، والعدد أما متناه نحو له عندي عشرة إلا اثنين، أو ~~غير متناه نحو اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة، ومحل المدلول نحو أعتق رقبة ~~إلا الكفار، وصل إلا عند زوال الشمس. # إن قلنا إن الأمر ليس للتكرار، فإن الرقبة أمر مشترك عام يقبل أن يعين في ~~محال كثيرة من الأشخاص، فإن كل شخص هو محل لأعمه، وكذلك العمل حقيقة كلية ~~تقبل الوقوع في أي زمان كان، والأزمان محل الأفعال والأشخاص محل الحقائق. ~~والأمر العام نحو قوله تعالى: «لتأتنني به إلا أن يحاط بكم» (1) أي لتأتنني ~~به في كل حالة من الحالات إلا في حالة الإحاطة بكم، فالحالة أمر عام لم يدل ~~عليها اللفظ وكذلك محال المدلول ليس مدلولة اللفظ فإن فرعت على أن ~~الاستثناء المنقطع مجاز فقط كمل الحد، فأنا إنما نحد الحقيقة، وإن قلت هو ~~حقيقة ردت بعد قولك أو أمر عام أو ما يعرض في نفس المتمم فتكون أو للتنويع، ~~كأنك قلت أي شيء وقع على وجه من هذه الوجوه فهو استثناء. PageV01P237 # قولي أو ما يقوم مقامها لا يصح بسبب أن الذي يقوم مقامها إنما يعرف من ~~يعرف الاستثناء، فقد عرفنا الاستثناء بما لا يعرف إلا بعد معرفته وهو دور، ~~ثم نقول الصفة والشرط والغاية تقوم مقام (إلا) في الإخراج وليست استثناء ~~اتفاقا، وهذا الحد ذكره الإمام أعني هذا القيد على هذه الصورة من الإشكال، ~~بل ينبغي أن يقال في حده هو ما لا يدخل في الكلام إلا الإخراج بعضه أو بعض ~~أحواله أو متعلقاته، مع ذكر لفظ المخرج، ولا يستقل بنفسه. # فقولنا الإخراج بعضه احترازا من النسخ، فإنه قد يبطل الكل، وقولنا أو بعض ~~متعلقاته يريد ما يجوز استثناؤه مما لم يدل اللفظ عليه، وهي ثمانية، سيأتي ~~- إن شاء الله تعالى - بيانها. # وقولي مع ذكر لفظ المخرج احترازا من الصفة والغاية والشرط، فإن الخارج ~~بسببها لم يذكر لفظه نحو: اقتلوا المشركين إن حاربوا، خرج أهل الذمة ولم ~~يذكر لفظهم، ms200 وحتى يتركوا الحرابة خرج أهل الذمة ولم يذكروا، أو المحاربين، ~~خرج بالصفة أهل الذمة ولم يذكروا، بخلاف قولنا إلا أهل الذمة، المستثنى ~~المخرج مذكور بلفظه. # وقولي لا يستقل بنفسه احترازا من قولنا اقتلوا المشركين لا تقتلوا أهل ~~الذمة، فإنه ليس استثناء لكونه جملة مستقلة بنفسها، وكذلك قولنا قام زيد لا ~~عمرو، وأخرجنا عمرا مما دخل فيه زيد، ولكن ليس بعض زيد ولا من متعلقاته ~~وحينئذ ينطبق الحد على الاستثناء. # فائدة: أدواته أحد عشر (إلا) وهي أم الباب، وغير وليس ولا يكون وحاشا ~~وخلا وعدا وسوى وسوى وسواء واعدا وما خلا ولاسيما على خلاف فيها. # PageV01P238 ### | الفصل الثاني في أقسامه # وهو ينقسم إلى الإثبات والنفي والمتصل والمنقطع وضبطهما مشكل فينبغي أن ~~تتأمله، فإن كثيرا من الفضلاء يعتقد أن المنقطع هو الاستثناء من غير الجنس، ~~وليس كذلك، فإن قوله تعالى: «لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى» (1) ~~منقطع على الأصح مع أن المحكوم عليه بعد إلا هو بعض المحكوم عليه أولا ومن ~~جنسه، وكذلك قوله تعالى: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة» (2) منقطع مع أن المحكوم عليه بعد إلا هو عين الأموال التي حكم ~~عليها قبل إلا، بل ينبغي أن تعلم أن المتصل عبارة عن أن تحكم على جنس ما ~~حكمت عليه أولا بنقيض ما حكمت به أولا فمتى انخرم قيد من هذين القيدين كان ~~منقطعا فيكون المنقطع هو أن تحكم على غير جنس ما حكمت عليه أولا بغير نقيض ~~ما حكمت به أولا، وعلى هذا يكون الاستثناء في الآيتين منقطعا للحكم فيهما ~~بغير النقيض، فإن نقيض لا يذوقون فيها الموت، يذوقون فيها الموت، ولم يحكم ~~به، بل بالذوق في الدنيا، ونقيض ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل كلوها ~~بالباطل، ولم يحكم به، وعلى هذا الضابط يخرج جميع أقوال العلماء في الكتاب ~~والسنة ولسان العرب. # يكون الاستثناء المتصل مركبا من قيدين، الاستثناء من الجنس والحكم ~~بالنقيض، والمنقطع نقيض ذاك المركب، فأي قيد انعدم حصل نقيض ذلك المركب ~~فحصل المنقطع، ويكون الانقطاع ms201 قسمين: تارة يحصل بسبب الحكم على PageV01P239 # غير الجنس، نحو رأيت إخوتك # إلا ثوبا، وتارة بسبب الحكم بغير النقيض نحو رأيت إخوتك إلا زيدا لم ~~يسافر. # وقولي «لا يذوقون فيها الموت» منقطع على الأصح، أريد أن أصل الذوق هو ~~إدراك الطعوم خاصة، وهو في مجرى العادة باللسان، ثم أستعمل مجازا في إدراك ~~ما قام بالذائق، حو ذاق الفقر وذاق الغنى وذاق الولاية، فهذا مجاز، فإذا ~~لاحظناه وهو لا يدركون الموتة قائمة بهم في الجنة، بل كان ذلك في الدنيا ~~فتعين الانقطاع. # ولنا أن نتجوز بلفظ الذوق إلى أصل الإدراك الذي هو الشعور والعلم، ويصير ~~معنى الكلام لا يعلمون فيها الموت إلا الموتة الأولى فإنهم لا يعلمونها في ~~الجنة، فيصير الاستثناء متصلا، والعلم حاصل لهم في الجنة بأنهم ماتوا في ~~الدنيا، وهذا مجاز، والأول أيضا مجاز، لأن الموت ليس من ذوات الطعوم، لكن ~~الأول أقرب إلى الحقيقة؛ لأن القيام حاصل في الطعوم، وفي الموت حالة حصوله، ~~ففي وصف القيام خصوص أوجب قرب الأول للحقيقة وبعد الثاني، والعلاقة في ~~الآيتين التعبير بالأخص عن الأعم، فإن إدراك الطعوم هو إدراك مع خصوص كون ~~المدرك طعما وقيامه بالذائق، فإن أحد الخصوصين في المجاز الأول بالخصوصان ~~منفيان في المجاز معا في المجاز الثاني فلذلك كان أبعد. # فائدة: قال الله تعالى في الآية الأخرى: «قالوا ربنا أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين» (1) ، وذلك يقتضي أنهم ماتوا مرتين، وهذه الآية تقتضي ~~أنهم ماتوا مرة واحدة، فكيف الجمع بينهما. # الجواب أن هذه الآية يمكن حملها على الأرواح، وهي لا تموت إلا مرة واحدة ~~عند الصعقة الأولى، لقوله تعالى: «فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله» (2) قيل المستثنى أرواح الشهداء، وقيل أرواح الأنبياء، وقيل ~~PageV01P240 # طائفة من الملائكة، والموتتان للجسد. قال المفسرون: الإنسان قبل أن يصير ~~منيا كان متصلا بجسد أبيه، فهو حينئذ أجزاء حية، وإذا انفصل منيا مات، ثم ~~ينفخ فيه الروح وهو جنين، ثم يموت عند أجله، فهاتان موتتان للجسد والموتة ~~الواحدة للروح، فحصل الجمع بين الآيتين. ms202 ### | الفصل الثالث في أحكامه # اختار الإمام أن المنقطع مجاز، ووافقه القاضي عبد الوهاب، وفيه خلاف، ~~وذكر القاضي أن قول القائل له عندي مائة دينار إلا ثوبا من هذا الباب، فإنه ~~جائز على المجاز، وإنه يرجع إلى المعنى بطريق القيمة قال خلافا لمن قال إنه ~~مقدر بلكن، ولمن قال أنه كالمتصل. # منشأ الخلاف في هذه المسألة أن العرب هل وضعت (إلا) لتركبها مع جنس ما ~~قبلها، أو تركيبها مع الجنس وغيره؛ فيكون الخلاف في أنه مجاز يرجع إلى هذا؛ ~~فإن قلنا بالقول الأول تعين أن يكون المنقطع مجازا في التركيب، ويتوقف كون ~~المتصل حقيقة لغوية، على أن العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات وهذه ~~مسألة خلاف. # واختار الإمام أن المجاز المركب عقلي، ومعناه ليس حقيقة لغوية، فلم تضع ~~المركبات، وأما له عندي مائة دينار إلا ثوبا، فمعناه إلا قيمة ثوب، فهو ~~استثناء من لازم المنطوق، لأن من لازم المائة دينار قيمة ثوب. # واختلفت عبارات الأصوليين في هذا الموضع، فمنهم من يقول عبر بالثوب عن ~~قيمة من غير حذف، فيكون لفظ الثوب على هذا مجازا، ومنهم من يقول # PageV01P241 # نم مضاف محذوف تقديره إلا قيمة ثوب؛ فيكون لفظ الثوب على هذا مستعملا في ~~موضوعه حقيقة والمعنى واحد. # وأما قوله خلافا لمن قال إنه مقدر بلكن، فقد وافقه الإمام على هذه ~~العبارة، وهي باطلة، بسبب أن الاستثناء المنقطع عند الناس أجمعين مقدر ~~بلكن، ومعنى هذا التقدير أن (إلا) في هذا المقام تشبه (لكن) من جهة أن ~~(لكن) يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها (وإلا) كذلكن فأطلق على لفظ (إلا) ~~(لكن) لهذه المشابهة، هذا تقدير البصريين. وقدرها الكوفيون بسوى، لأن سوى ~~أيضا فيها معنى المغايرة فيما بعدها لما قبلها، ورجح البصريون تقديرهم بأن ~~لكن حرف، وسوى اسم، وتقدير الحرف بالحرف أولى من تقديره بالاسم. فإن قلت ~~معنى المخالفة حاصل في (إلا) في الاستثناء المتصل كما هي حاصلة في المنقطع ~~فينبغي أن تقدر في الموطنين بلكن. قلت: ليس كذلك، بل المنقطع ما بعد إلا لم ~~يتناوله ms203 ما قبلها، وكذلك (لكن) لا يكون ما بعدها دل عليه ما قبلها، فهذه ~~خصوصية المنقطع، وهي في لكن، وليست في المتصل. # وأما قوله وخلافا لمن قال إنه كالمتصل، يريد خلافا لمن قال إنه حقيقة لا ~~مجاز وإلا لم يقل أحد: إنه إذا كان من غير الجنس يكون من الجنس، فإن ذلك ~~خلاف الفرض وخلاف الواقع. # ويجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة، خلافا لابن عباس رضي الله ~~عنهما، قال الإمام إن صح النقل عنه يحمل على ما إذا نوى عند التلفظ ثم ~~أظهره بعد ذلك. # قولنا: عادة: احتراز من انقطاع بسعال أو عطاس، أو يعطف الجمل بعضها على ~~بعض ثم يستثنى بعد ذلك، فإن ذلك لا يقدح في الاتصال؛ لأنه متصل عادة. # وقولنا: خلافا لابن عباس. اعلم أن الاستثناء مشتق من الثني، ووجه مشابهته ~~به أن الذي يثني الثوب ينقص في رأي العين مساحته، والمستثنى ينقص كلامه ~~بسبب الاستثناء عما كان عليه قبل الاستثناء، فهذا وجه الشبه، ومقتضاه أن ~~إطلاق # PageV01P242 # لفظ الاستثناء على هذه الصيغة مجاز، وأن الثني حقيقة في الأجسام، ~~فاستعماله في المعاني ينبغي أن يكون مجازا، ويقال ثنيا وثنوا واستثناء، ~~وهذه الألفاظ تطلق على معنيين بطريق الاشتراك أو المجاز في أحدهما، ~~والحقيقة في الآخر؛ فإخراج بعض من كل بلفظ (إلا) ونحوها يسمى استثناء أيضا؛ ~~لقوله عليه الصلاة والسلام «من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف» أي قال إن شاء ~~الله تعالى، وهذا تعليق، وكذلك نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الثنيا. ~~قال العلماء معناه بيع وشرط، مع أن صاحب المحكم في اللغة وغيره نقل أن ~~الاستثناء والثنيا والثنو بمعنى واحد، فاحتمل أن تكون هذه الألفاظ مشتركة ~~بين المعنيين، واحتمل أن تكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر هو محل نظر، ~~وعلى التقديرين المعنيان مختلفان وليس معنى واحدا. # والذي أحفظه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - إنما هو في التعليق على ~~مشيئة الله، وأن مستنده في ذلك قوله تعالى: «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا إلا أن يشاء الله، ms204 واذكر ربك إذا نسيت» (1) أي إذا نسيت أن تستثني عند ~~القول فاستثن بعد ذلك، ولم يحدد تعالى لذلك غاية، فروى عنه جواز النطق ~~بالمشيئة استثناء أبدا، وروى عنه أيضا سنة، وهذا كله في غير إلا وأخواتها، ~~فحكاية الخلاف عنه في إلا وأخواتها لم أتحققه. والمروي عنه ما ذكرته لك؛ ~~فأخشى أن يكون النقل اغتر بلفظ الاستثناء، وأنه وجد ابن عباس يخالف في ~~الاستثناء وهذا استثناء فنقل الخلاف إليه، وليس هو فيه اغترارا باللفظن مع ~~أن المعاني مختلفة، فهذا ينبغي أن يتأمل. # وبالجملة فتجري على العادة من غير تفصيل، فتقول حجة الانفصال أمور: أحدها ~~قوله تعالى: «غير أولي الضرر» (2) فإنها نزلت بعد قوله تعالى: «لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين والمجاهدون» (3) فشكا ابن أم مكتوم ذلك لرسول الله - ~~صلى PageV01P243 # الله عليه وسلم -، لعجزه عن الجهاد بسبب كونه أعمى؛ فنزل قوله تعالى: ~~«غير أولي الضرر» وهذا استثناء وقد تأخر عن أصل الكلام، والآية المتقدمة ~~أيضا وهي قوله تعالى: «واذكر ربك إذا نسيت» حجة المنع أنه يقبح قول القائل ~~لغيره بع ثوبي ثم يقول بعد غد إلا من زيد، وإذا كان قبيحا عرفا قبح لغة، ~~لأن الأصل عدم النقل والتغيير وقياسا على الشرط والغاية والصفة، فإنه لا ~~يجوز تأخيرها، والجامع كون كل واحد منهما فضلة في الكلام غير مستقلة. # واختار القاضي عبد الوهاب والإمام جواز استثناء الأكثر، وقال القاضي أبو ~~بكر # يجب أن يكون أقل، وقيل يجوز المساوي دون الأكثر لقوله تعالى: «إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين» (1) ومعلوم أنه أكثر. # في هذه المسألة خمسة مذاهب: يجوز الأكثر، لا يجوز إلا المساوي، لا يجوز ~~إلا الأقل، لا يجوز إلا الكسر، ويمتنع عقد تام فلا يجوز عشرة إلا واحدا بل ~~إلا نصف واحد، أو كسرا من كسوره، أما الواحد التام فلا، وكذلك لا يجوز مائة ~~إلا عشرة، ولا ألف إلا مائة، لأن نسبة الواحد إلى العشرة كنسبة العشرة إلى ~~المائة والمائة إلى الألف؛ فإن الجميع عقد صحيح، بل يستثنى بعض ms205 العشرة من ~~المائة، وبعض المائة من الألف فقط. # قال أرباب هذا المذهب: ولم يقع في الكتاب والسنة إلا مذهبنا، قال الله ~~تعالى: «ألف سنة إلا خمسين عاما» (2) وخمسين من الألف بعض عقد، وقال عليه ~~الصلاة والسلام «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا» فاستثنى من ~~المائة واحدا وهو بعض عقد المائة، فإن عقدها عشرة، حكى هذا المذهب سيف ~~الدين الآمدي والمازري في شرح البرهان والزيدي في شرح الجزولية، فهذه أربعة ~~مذاهب. # وحكى ابن طلحة الأندلسي في كتاب المدخل له في الفقه: إذا قال لامرأته أنت ~~طالق ثلاثا إلا ثلاثا، في لزوم الثلاث له قولان، نعدم اللزوم يقتضي جواز ~~استثناء PageV01P244 # الكل من الكل، مع أنه قد حكى في منعه الإجماع فهذه خمسة مذاهب. # قال الزيدي وغيره أن قصر الاستثناء على الأقل (1) هو مذهب أكثر النحاة ~~والفقهاء والقاضي أبي بكر ومالك وغيره من الفقهاء، وهو مذهب البصريين. # حجة جواز الأكثر ما تقدم من الآية، وأن القائل إذا قال له عندي عشرة إلا ~~تسعة لا يلزمه إلا واحدا اتفاقا، ولأنه إخراج بعض من كل فيجوز كغيره. # والجواب عن الآية: أن المحذور في استثناء الأكثر المتكلم به يعد عابثا ~~وخارجا عن نمط العقلاء في نطقه بشيء لا يعتقد أكثره، بخلاف الشيء اليسير ~~ربما نسي لقلته فيذكره في أثناء كلامه أو آخره، وإذا قال القائل إن عبيدي ~~لا تقدر عليهم إلا من وافقك، فوافقه أكثرهم أو كلهم لا يعد المتكلم عابثا ~~لكون البعض المخرج لم يتعين، وإنما يوجب العبث تعين الخارج من الكلام عند ~~النطق. والآية الخارج منها غير متعين عند النطق، فإن قلت الله تعالى يعلم ~~ذلك، فهو متعين عنده وهو المتكلم بهذه الآية. قلت: القرآن عربي كما وصفه ~~الله تعالى بذلك، فكل ما كان حسنا في لغة العرب حسن في القرآن، وما امتنع # امتنع فيه، ولا تأخذ نصوص الربوبية في ذلك، بل اللغة العربية فقط، ولو ~~تكلم بهذه الآية عربي لعد غير عابث، فكذلك إذا وردت في القرآن. # وعن الثاني: أنه ممنوع. ms206 # وقال الحنابلة في الخرقى وغيره من كتبهم: إنه تلزمه العشرة لعدم صحة ~~استثنائه. # وعن الثالث الفرق أن الحاجة تدعو لليسير دون الكثير. # وقد ظهر بهذه الكلام مستند الأقوال، فإن الدال على جواز الأكثر دال على ~~المساوي والأقل. والأجوبة يؤخذ منها مستند المذهب الآخر. PageV01P245 # فائدة: إذا قلنا يمتنع استثناء الكل من الكل فقد وقعت في المذاهب أمور ~~على خلافه. # أحدها: نقل ابن طلحة المتقدم. # وثانيها: نقل صاحب الجواهر وغيره إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا ~~اثنتين أو إلا واحدة قولين في لزوم الثلاث له، بناء على أنه استثنى ثلاثا ~~من ثلاث فيكون استثناؤه باطلا، أو يقال استثناء يعقبه استثناء آخر يصره أقل ~~من الثلاث وهو قوله إلا اثنتين، فبقي من الثلاث المخرجة واحدة فيلزمه ~~اثنتان، لأن الثلاث الأولى كانت مثبتة، والثلاثة الباقية المستثناة منفية، ~~والاستثناء الثاني وهو الاثنتان مثبت لأنه من نفى فتبقى واحدة منفية فقط، ~~فيلزمه اثنتان. # وثالثها: نقل أصحابنا إذا قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة ~~أنه تلزمه اثنتان لاستثنائه الثالثة، مع أن الثالثة قد نطق بها بلفظ يخصها، ~~فقد استثنى جملة ما نطق به فيها، ومع ذلك نفعه، وعللوا ذلك بأن خصوص ~~الوحدات لا يتعلق بها غرض، فهو كقوله: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، وهذا ~~بخلاف ما إذا قال: قام زيد وعمرو وخالد إلا زيدا، فإنه استثنى جملة ما نطق ~~به فيها، وشأنه أن يتعلق به غرض بخصوصه، ويلزم الأصحاب على هذه المسألة أن ~~يقولوا إذا قال له عندي درهم ودرهم ودرهم إلا درهما، أنه يلزمه درهمان فقط، ~~فإن خصوص الدراهم غير مقصودة لاسيما والنقدان لا يتعينان عندنا، وكذلك ~~الدنانير. # ورابعها: قال ابن أبي زيد في النوادر: إذا قال أنت طالق واحدة إلا واحدة ~~لزمه واحدة إلا أن يعيد الاستثناء على الواحدة فيلزمه اثنتان، وتقريره أن ~~الواحدة صفة والموصوف طالق وصفته الواحدةن فإذا رفع صفة الواحدة فقد رفع ~~بعض ما نطق به، وإذا رفع الواحدة تعينت الكثرة، لأنه لا واسطة بينهما، وأقل ~~مراتب الكثرة ms207 اثنتان فتلزمه اثنتان، لأن الأصل براءة الذمة من الزائد. # وقد ذكرت في هذه المسألة ستة أحوال لكل حالة حكم يخصها مستوعبا ذلك في ~~كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء، وهو كتاب يسره الله تعالى: مجلدا ~~كبيرا، نحو # PageV01P246 # الجلاب، كله في الاستثناء، فيه أحد وخمسون بابا، ونحو أربعمائة مسألة، ~~فهذه المسألة في ظاهرها تقتضي أنها على خلاف هذه القاعدة، وفي الحقيقة لم ~~يجر فيها استثناء الكل من الكل، لما تقدم أنه إنما استثنى الصفة وهو بعض ما ~~نطق به. # والاستثناء من الإثبات نفي اتفاقا، ومن النفي إثبات خلافا لأبي حنيفة - ~~رحمه الله - ومن أصحابه المتأخرين من يحكي التسوية بينهما في عدم إثبات ~~نقيض المحكوم به بعد إلا. # لنا أنه المتبادر عرفا فيكون لغة، لأن الأصل عدم النقل والتغيير، واعلم ~~أن الكل اتفقوا على إثبات نقيض ما قبل الاستثناء لما بعده، ولكنهم اختلفوا، ~~فنحن نثبت نقيض المحكوم به، والحنفية يثبتون نقيض الحكم، فيصير ما بعد ~~الاستثناء غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات. # إذا قلنا قام القوم إلا زيدا، فقد اتفقوا على أن إلا مخرجة وزيدا مخرج ~~وما قبل إلا مخرج منه، غير أنه قد تقدم قبل إلا (القيام) والحكم به. ~~والقاعدة أن ما خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر، فما خرج من العدم دخل في ~~الوجود وما خرج ن الوجود دخل في العدم. # واختلفوا في أن زيدا هل هو مخرج من القيام وهو مذهبنا، أو من الحكم به ~~وهو مذهبهم. فعندما لما خرج من القيام دخل في عدم القيام فهو غير قائم، ~~وعندهم خرج من الحكم فدخل في عدم الحكم فهو غير محكوم عليه. # لنا أنه لو كان الاستثناء من النفي ليس إثباتا لم تفد كلمة الشهادة ~~الإسلام، لأنه لا يلزم أن يكون الله تعالى محكوما له باستحقاق العبادة؛ ~~لأنه حينئذ مستثنى من الحكم فهو غير محكوم عليه بشيء. ولأنه لو قال عند ~~الحاكم ليس له عندي إلا مائة درهم، لم يفهم الحاكم إلا أنه اعترف بالمائة، ~~وعلى رأيهم لا يكون اعترافا ms208 بشيء، بل حكم على غير المائة بالنفي والمائة ~~مسكوت عنها. # احتجوا بأن الألفاظ اللغوية إنما تفيد الأحكام الذهنية، وتفيد الأحكام # PageV01P247 # الذهنية الأمور الخارجية، لأن الأصل مطابقتها لها. فإذا قال القائل قام ~~القوم، فهمنا أنه حكم بذلك، ثم يستدل بظاهر حاله على أنه صادق في مقاله؛ ~~فيعتقد أن القوم قاموا في الخارج، فإذا كان اللفظ إنما يفيد المعاني ~~الخارجية بواسطة إفادته للمعاني الذهنية، فهي حينئذ إنما تستفاد # بوسط، وإفادة اللفظ للحكم بغير وسط، فصرف الاستثناء لما هو مستغن عن ~~الوسط أولى من صرفه للأمور الخارجية المحتاجة للوسط، فإذا صرفناه للحكم ~~أفاد رفع ذلك الحكم، وإن صرفناه للقيام في الخارج أفاد عدم القيام في ~~الخارج، والأول أولى لاستغنائه، وهو المطلوب؛ فيكون الاستثناء من النفي ليس ~~بإثبات وهو المطلوب. # وجوابه: أن هذا ترجيح لخلاف المتبادر إلى الأفهام من اللغات، والمبادرة ~~أولى، ولربما احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة إلا بطهور» و «لا ~~نكاح إلا بولي» ونحو ذلك من النصوص، وقالوا لو كان الاستثناء من النفي ~~إثباتا لزم ثبوت صحة الصلاة عند الطهور، وصحة النكاح عند وجود الولي، وهو ~~خلاف الإجماع، ولأن تخلف المدلول عن الدليل خلاف الأصل، وهذه حجة قوية في ~~ظاهر الحال (1) . # فائدة: قول العلماء الاستثناء من النفي إثبات ليس على إطلاقهن لأن ~~الاستثناء يقع من الأحكام نحو قام القوم إلا زيدا، ومن الموانع نحو لا تسقط ~~الصلاة عن المرأة إلا بالحيض، ومن الشروط نحو لا صلاة إلا بطهور، ~~فالاستثناء من الشروط مستثنى من كلام العلماء، فإنه لا يلزم من القضاء ~~بالنفي لأجل عدم الشرط أن يقضى بالوجود لأجل وجود الشرط، لما تقدم أن الشرط ~~لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ فقول العلماء الاستثناء من النفي إثبات ~~يختص بما عدا الشروط، لأنه لم يقل أحد من العلماء أنه يلزم من وجود الشروط ~~وجود المشروط، وبهذه القاعدة يحصل الجواب عن شبهة الحنفية، فإن النصوص التي ~~ألزمونا إياها كلها من باب الشروط، وهي ليست من صور النزاع فلا تلزمنا. # فائدة: قلت لفضلاء ms209 الحنفية كيف تقولون في الاستثناء المفرغ نحو ما قام ~~إلا PageV01P248 # زيد هل هو محكوم عليه بالقيام لضرورة تفرغ العامل له، أو تقولون هو مخرج ~~من الحكم كما تقدم؟ قالوا الكل سواء عندنا، والقيام إنما نجزم به، وغيره من ~~الأحكام إنما هو بقرائن الأحوال الدالة على ثبوت ذلك الحكم لذلك المستثنى ~~لا باللفظ لغة، ولذلك قلنا إن كلمة الشهادة تفيد التوحيد بالقرائن الدالة ~~من ظاهر كل متلفظ بها، أنه إنما يقصد التوحيد دون التعطيل. # وإذا تعقب الاستثناء الجمل يرجع إلى جملتها عند مالك والشافعي وعند ~~أصحابهما - رحمة الله عليهم - وإلى الأخيرة عند أبي حنيفة - رحمه الله - ~~ومشترك بين الأمرين عن الشريف المرتضى (1) ، ومنهم من فصل فقال إن تنوعت ~~الجملتان بأن تكون إحداهما # خبرا والأخرى أمرا عاد إلى الأخير فقط، وإن لم تتنوع الجملتان ولا كان ~~حكم أحدهما في الأخرى، ولا أضمر اسم إحداهما في الأخرى فكذلك أيضا، وإلا ~~عاد إلى الكل، واختاره الإمام، وتوقف القاضي أبو بكر منا في الجميع. # مثال إحداهما خبرا والأخرى أمرا قولك قام الزيدون وأكرم العمرين إلا ~~الطوال. # ومثال عدم التنوع وحكم إحداهما في الأخرى قام الزيدون والعمرون إلا ~~الطوال؛ فإن العمرين ناب مناب الفعل في حقهم العطف، فقد يستغنى بحكم الأولى ~~عن حكم الثانية، فصارت الثانية متعلقة بالأولى من حيث الجملة، وصارت ~~الجملتان كالجملة الواحدة، فناسب العود عليهما. # ومثال إضمار الاسم دون الحكم قوله قام الزيدون وخرجوا إلا الطوال فإن ~~الضمير الذي هو الواو عائد على الظاهر المتقدم، فقد صارت الثانية مفتقرة ~~للأولى في PageV01P249 # اسمها لأجل أنه مضمر يحتاج للتفسير فصارتا كالجملة الواحدة، فناسب العود ~~عليهما. # حجتنا من وجوه: أحدها: أن الشرط إذا تعقب جملا عاد إلى الكل فكذاا ~~لاستثناء بجامع أن كل واحد منهما لا يستقل بنفسه، ولأن كل واحد منهما مخرج ~~في المعنى، فإن عدم الشرط يخرج ما حصل العدم فيه من المشروط، ولقائل أن ~~يقول على هذا: إن الشروط اللغوية أسباب والسبب مظنة الحكمة والمصلحة فناسب ~~التعميم، والاستثناء إنما هو لإخراج غير المراد ms210 عن المراد، ولعل بقاءه لا ~~يقدح في المراد فهو فضلة مستغنى عنها لعدم الحكمة فيها، فظهر الفرق، ومع ~~الفرق يمتنع الإلحاق. # سلمنا عدم الفارق لكنه قياس في اللغات وهو ممنوع عند كثير من المحققين. # وثانيها: أن حرف العطف يصير المعطوف والمعطوف عليه كالجملة الواحدة فيعود ~~الاستثناء عليهما كالجملة الواحدة. # ولقائل أن يقول: إن كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه لفظه يدل عليه ~~مطابقة ويمتنع استثناؤه بجملته، فلو قلت قام الزيدون والعمرون إلا العمرين ~~لم يجز؛ فظهر الفرق. # وثالثها: أن المتكلم قد يكون محتاجا لذكر الاستثناء من كل جملة، فإن ذكره ~~عقيب كل واحد تكرر وكان عبثا: فيتعين أن يذكره عقيب الكل دفعا للحاجة ~~وركاكة القول. # حجة أبي حنيفة من وجوه: أحدها أن الاستثناء على خلاف الأصل لأنه كالإنكار ~~بعد الإقرار دعت الضرورة لاعتباره في جملة لئلا يصير لغوا فيبقى فيما عداها ~~على مقتضى الأصل، ولك من قال باختصاصه بجملة قال هي الأخيرة ترجيحا (1) ~~للقرب على البعد. PageV01P250 # ولقائل أن يقول إنما يكون إقرارا أن لو لم يتصل به كلام لا يستقل بنفسه، ~~وعادة العرب أنها معه تمنع اعتبار ما تقدم عليه إلا به، وكذلك الشرط ~~والغاية والصفة، وقد تقدم تقريرهن فما تقدم إقرار حينئذ. # وثاينها: أن العرب اعتبرت القرب فيما يعود عليه فهما كذلك. # بيان الأول اتفاق البصريين فيما إذا اجتمع على المعمول الواحد عاملان؛ أن ~~القريب يقدم نحو أكرمت وأكرمني زيد، وكذلك أكرم زيد عمرا وأكرمته، يتعين ~~عود الضمير على عمرو، وإذا قلت أكرمت سلمى سعدى أن الفاعل سلمى لقربها لعدم ~~ظهور الإعراب المرجح (1) وكذلك أعطى زيد عمرا بكرا، قالوا الأقرب للفعل ~~الفاعل الآخذ لبكر وهو مفعول في اللفظ، فهذه أربعة أوجه دالة على اعتبار ~~القرب. # بيان الثاني عملا بالمناسبة التي ظهر اعتبارها. # وثالثها: أن الاستثناء لو عاد على جميع الجمل فإما أن يضمر عقيب كل جملة ~~استثناء أو لا. الأول يلزم كثرة الإضمار وهو خلاف الأصل. والثاني يقتضي ~~اجتماع عوامل كثيرة على معمول واحد. وسيبويه يمنعه. # ولقائل أن يقول ms211 على هذا الوجه: إن سيبويه يرى أن العامل في الاستثناء ~~انتصابه عن تمام الكلام كالتمييز، ولا يعمل الفعل السابق، وفيه مذاهب ~~ومباحث مذكورة في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء. # حجة الشريف على الاشتراك وجوه: أحدها أنه إذا قال أكرمت جيراني وكسوت ~~غلماني قائما وفي الدار ويوم الجمعة، لم يفهم عود الحال والظرفين على الأول ~~والثانية ولا يختص بإحداهما عينا. # وجوابه: منع ذلك بل يختص بالأخيرة. # وثانيها: حسن الاستفهام في الاستثناء عقيب الجمل وهو دليل الاشتراك. # وجوابه: أن الاستفهام أعم من الاشتراك بل قد يكون لرفع المجاز أو لإبعاده ~~أو لاهتمام المتكلم بالكلام، وقد تقدم تقريره. PageV01P251 # وثالثها: أنه ورد في كتاب الله تعالى بالمعنيين، والأصل في الكلام ~~الحقيقة فيلزم الاشتراك. # وجوابه: كما أن الأصل في الكلام الحقيقة فالأصل عدم الاشتراك. # فائدة: مثال عود ضمير في كتاب الله على الكل قوله تعالى: «كيف يهد الله ~~قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي ~~القوم الظالمين، أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ~~خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم» (1) ، هذا في آل عمران، وفي المائدة قوله ~~تعالى: «حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم» (2) ~~فقيل منقطع، لأن ما ذكيتم من غير المذكورات وقيل متصل يعود على الميتة (3) ~~وما بعدها أي ما أدركتم ذكاته من هذه المذكورات. # مثال العائد على جملة واحدة قوله تعالى: «فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» (4) قرئ بالنصب استثناء من الجملة الأولى، ~~وبالرفع استثناء من الثانية لأنها منفية، وتكون قد خرجت معهم ثم رجعت ~~فهلكت، قاله المفسرون. وقوله تعالى: «إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه ~~فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مي إلا من اغترف غرفة بيده» (5) فهذا يتعين ~~عوده على الجملة الأولى دون الثانية، لأن مناسبة المعنى تقتضيه، ms212 ومما يمكن ~~أن يكون من هذا الباب وألا يكون منه قوله تعالى: «والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما، PageV01P252 # يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا» (1) فهذا الاستثناء عائد على من، وهو جملة واحدة، فمن هذا الوجه ~~يمكن أن لا يكون من هذا الباب، ومن جهة أن هذا من عوده على الجمل الثلاث ~~المتقدمة يكون الاستثناء في المعنى عائدا على الجمل الثلاث. # فائدة: قول العلماء في هذه المسألة: إن الاستثناء مشترك بين عوده على ~~الكل أو الأخيرة، هو من الاشتراك الواقع في التركيب دون الإفراد؛ أي وضعت ~~العرب (إلا) لتركبها عائدة على الكل وتركبها عائدة على الأخيرة، فهو من ~~فروع أن العرب وضعت المركبات كما وضعت المفردات وهي مسألة قولين واختار ~~الإمام المنع. # فائدة: اختلفت عبارات العلماء في هذه المسألة، فقال فخر الدين: الاستثناء ~~المذكور عقيب الجمل الكثيرة ولم يذكر العطف. وقال الشيخ سيف الدين: الجمل ~~المعطوفة بالواو. # واعلم أن حروف العطف عشرة: الواو، والفاء، وثم، وحتى، وهي يتأتى فيها ~~خلاف العلماء لأنها تجمع بين الشيئين معا في الحكم، ويمكن الاستثناء منهما ~~أو أحدهما. # وأما: بل، ولا، ولكن، فهي لأحد الشيئين بعينه نحو قام القوم لا النساء، ~~وبل النساء، وما قام القوم لكن النساء، فالقائم أحد الفريقين دون الآخر ~~بعينه، فأمكن أن يقال لا يمكن عود الاستثناء عليهما لأنهما لم يندرجا في ~~الحكم، والعود عليهما يقتضي تقدم الحكم عليهما، ويمكن أن يقال إنهما معاص ~~محكوم عليهما: إحداهما بالنفي والأخرى بالإثبات، فالمنفي ما بعد (لا) وما ~~قبل لكن وبل، غير أن هذه الحالة إن صححنا عود الاستثناء عليهما يلزم أن ~~يرفع باعتبار النفي وينصب باعتبار الإيجاب، واجتماع الرفع والنصب معا محال، ~~إلا أن يصرف أحدهما للفظ والآخر للمعنى. وبالجملة فهو موضع تردد. # وثلاثة لأحد الشيئين لا بعينه وهي: أو، وأم، وإما، نحو قام القوم أو ~~النساء وإما القوم ms213 وإما النساء، أو هل قام القوم أم النساء، فهنا المحكوم ~~عليه واحد PageV01P253 # قطعا، ولم يتعرض بالنفي للآخر ولا بالثبوت، فلا يتأتى الاحتمال الذي في ~~القسم الثاني، بل يتعين ألا تندرج هذه الجمل المعطوفة بهذه الثلاث في صورة ~~النزاع والأولى تندرج قطعا، والثانية فيها احتمال. # فعلى هذا تنتقد عبارة سيف الدين بأن نقول له: ما جمعت عبارتك المسألة، ~~ونقول للإمام فخر الدين: اندرج في عبارتك ما لا يصلح أن يكون من المسألة، ~~فعبارة سيف الدين غير جامعة وعبارة الإمام غير مانعة, ثم يرد على سيف الدين ~~الجمل إذا ذكرت من غير عطف نحو أكرم بني تميم اخلع على مضر ونحو ذلك، فإنها ~~لا تندرج في عبارته مع صحة الاستثناء فيها، وتندرج في عبارة الإمام. # وإذا عطف استثناء على استثناء، فإن كان الثاني بحرف عطف أو هو أكثر من ~~الاستثناء الأول أو مساو له إلى أصل الكلام، لاستحالة العطف في الاستثناء ~~واستحالة إخراج الأكثر والمساوي، وإلا عاد إلى الاستثناء الأول ترجيحا ~~للقرب، ونفيا للغو الكلام. # مثال حرف العطف فه عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين، مثال الأكثر له عشرة إلا ~~ثلاثة إلا أربعة، مثال المساوي له عشرة إلا ثلاثة إلا ثلاثة، مثال الأقل له ~~عشرة إلا ثالثة إلا اثنين. # ونقل الزيدي في هذا القسم الأخير خلافا فقيل يعود على الاستثناء الأول، ~~وقيل يعود على أصل الكلام. # وهذه المسألة مبنية على خمس قواعد: الأولى أن العرب لا تجمع بين إلا وحرف ~~العطف لأن إلا تقتضي الإخراج وحرف العطف يقتضي الضم وهما متناقضان. # القاعدة الثانية: أن استثناء الأكثر والمساوي باطل. # القاعدة الثالثة: أن القرب يوجب الرجحان. # القاعدة الرابعة: أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي. # القاعدة الخامسة: إذا دار الكلام بين الإلغاء والإعمال فالإعمال أولى. # PageV01P254 # إذا ظهرت هذه القواعد فنقول إذا قال له عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين يتعين ~~عوده على عوده على أصل الكلام، ويمتنع عوده على الثلاثة لئلا يجتمع ~~الاستثناء والعطف وهي القاعدة الأولى. # وإذا قلنا له عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة ms214 أو إلا ثلاثة، يتعين عوده على أصل ~~الكلام، لأن استثناء المساوي والأكثر باطل للقاعدة الثانية. # وإذا قلنا له عشرة إلا ثلاثة إلا اثنين فالاستثناء الثاني إما أن يعود ~~عليهما أو لا يعود عليهما، أو يعود على أصل الكلام، أو على الاستثناء، ~~والكل باطل إلا الأخير؛ أما العود عليهما فلأنه يؤدي إلى لغو الكلام فلا ~~يصح للقاعدة الخامسة. # وكذلك لا عليهما بيانه أنه لما قال له عشرة إلا ثلاثة فقد اعترف بسبعة، ~~فقوله بعد ذلك إلا اثنين باعتبار عوده على أصل الكلام يخرج من السبعة ~~اثنين، وباعتبار عوده على الثلاثة يرد اثنين، لأن الثلاثة منفية وأصل ~~الكلام مثبت، وهي القاعدة الرابعة. # فتجبر المنفي بالثابت فيصير الاعتراف بسبعة، وهو الذي كان قبل الاستثناء ~~الثاني فصار لغوا، ولا يمكن عوده على أصل الكلام وحده؛ لأنه يؤدي إلى ترجيح ~~البعيد على القريب، وهي القاعدة الثالثة. # فيتعين عوده على الاستثناء لا على أصل الكلام وهو المطلوب. # حجة من قال بعوده على أصل الكلام أن أصل الاستثناء أن يكون عائدا في ما ~~صدر به الكلام، فعوده على الاستثناء خلاف الأصل، ولأن أصل الكلام قابل ~~للتنقيح والتخليص والبيان فيرد الاستثناء عليه. أما الاستثناء فقد تعين ~~لأنه غير مراد لإخراجه مما كان ظاهره الإرادة؛ فلو استثنى منه كان ناقصا ~~لكلامه مرتين: ادعى أولا أن الكل ثبوت، ثم ادعى أن هذا انفي، فقد نقض ~~الثبوت فيه، قال استثنى منه أيضا يكون قد نقض النفي # فيه فيكون قد نقضه مرتين، بخلاف العود على أصل الكلام يكون فيه فرد نقض، ~~وهو إبطال الثبوت فقط. # PageV01P255 # فائدة: قال السيرافي في شرح سيبويه: إذا قلت له عشرة إلى تسعة إلا ثمانية ~~إلا سبعة، إلا ستة، إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين، إلا واحدا ~~يكون الاعتراف قد وقع بخمسة بناء على عود الاستثناء الأخير على الاستثناء ~~الأول والثالث على الثاني وهلم جرا، وأن الاستثناء من النفي إثبات ومن ~~الإثبات نفي، فيتحصل من الجميع خمسة، واختيار السيرافي والجمهور عود ~~الاستثناء الثاني على الاستثناء الأول ms215 دون أصل الكلام إذا لم يكن مساويا، ~~ولا معه حرف العطف على ما تقدم (1) . # فائدتان: الأولى قد يكون الاستثناء عبارة عما لولاه لعلم دخوله أو ما ~~لولاه لظن دخوله أو ما لولاه لجاز دخوله أو ما لولاه لقطع بعدم دخوله، فهذه ~~أربعة أقسام: فالأول استثناء من النصوص نحو له عندي عشرة إلا اثنين والثاني ~~الاستثناء من الظواهر نحو: اقتلوا المشركين إلا زيدا، والثالث الاستثناء من ~~المحال والأزمان والأحوال نحو أكرم رجلا إلا زيدا وعمرا، وصل إلا عند ~~الزوال «ولتأتنني إلا أن يحاط بكم» (2) والرابع الاستثناء المنقطع نحو رأيت ~~القوم إلا حمارا. # يقطع بالاندراج في النصوص لتعذر المجاز فيها، وإن لفظها لا يستعمل إلا في ~~مسماها، ويظن في الظواهر بسبب جواز المجاز فيها، ويجوز من غير علم ولا ظن ~~في المحال ونحوها، لأن اللفظ لا يشعر بخصوصها فانتفى العلم والظن، ويقطع ~~بعدم الاندراج في المنقطع لعدم صلاحية اللفظ له فإن لفظ القوم لا يندرج فيه ~~الحمار قطعا. # الثانية: إطلاق العلماء أن الاستثناء من النفي يجب أن يكون مخصوصا فإن ~~الاستثناء يرد على الأسباب والشروط والموانع والأحكام والأمور العامة ~~PageV01P256 # التي لم ينطق بها، فالأول نحو لا عقوبة إلا بجناية والثاني نحو لا صلاة ~~إلا بطهور، والثالث لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض، والرابع نحو قام ~~القوم إلا زيدا، والخامس نحو قوله تعالى: «لتأتنني به إلا أن يحاط بكم» (1) ~~ولما كانت الشروط لا يلزم من وجودها الوجود ولا العدم لم يلزم من الحكم ~~بالنفي قبل الاستثناء لعدم الشرط الحكم بالوجود بعد الاستثناء لأجل وجوده ~~فيكون مطردا فيما عدا الشرط. # هذه الفائدة تقدم التنبيه عليها في الاستثناء من النفي إثبات، وأذيلها ~~هنا بأن الاستثناء # يقع في عشرة أمور: منها أمران ينطق بهما، وثمانية لا ينطق بها وقع ~~الاستثناء منها، أما اللذان ينطق بهما فهما الأحكام والصفات؛ فالأحكام نحو ~~قام القوم إلا زيدا ونحوه من الأفعال والصفات نحو قول الشاعر: # قاتل ابن البتول إلا عليا # يريد الحسين بن فاطمة الزهراء رضي الله عنهما، والبتول ms216 معناه المنقطعة ~~قيل عن النظير والتشبيه، وقيل عن الأزواج وهو مراد الشاعر؛ أي انقطعت عن ~~الأزواج كلها إلا عن علي - رضي الله عنه -، فالاستثناء من صفتها لا منها، ~~ومنه قوله تعالى: «وما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى» (2) استثنوا من صفتهم ~~الموتة الأولى لا من ذواتهم. # والاستثناء من الصفة يقع على ثلاثة أقسام: أحدها عن متعلقها نحو قول ~~الشاعر المتقدم، فإن الأزواج متعلق بالتبتل. وثانيها من بعض أنواعها نحو ~~الآية فإن الموتة الأولى أحد أنواع الموت، وثالثها يستثنى بجملتها لا يترك ~~منها شيء كما تقدم في تقرير قولنا أنت طالق إلا واحدة إلا واحدة في ~~الاستثناء المستغرق، وما يجوز أن يستثنى تقدم التقرير هنالك وأنه رفع ~~الواحدة في الاستثناء المستغرق، فلزمه طلقتان، ومنه قولك مررت بالمتحرك إلا ~~المتحرك، فيكون مررت بالساكن لأنك ذكرت أولا جسما متحركا فهما أمران ~~استثنيت أحدهما وهو الحركة فيتعين السكون: لأن كل ضدين لا ثالث لهما إذا ~~رفعت أحدهما تعين الآخر للوقوع. PageV01P257 # والاستثناء من الصفات هو باب غريب في الاستثناء، وقد بسطته هو وغيره في ~~كتاب (الاستغناء في أحكام الاستثناء) الكتاب الكبير الموضوع في الاستثناء. # وأما الثمانية التي لا ينطبق بها ويقع الاستثناء منها: الأسباب والشروط ~~والموانع وقد تقدم تمثيلها. الرابع المحال نحو أكرم رجلا إلا زيدا وعمرا ~~وبكرا؛ فإن كل شخص هو محل لأعمه. وخامسها الأحوال نحو «لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم» (1) أي لتأتنني به في جميع الأحوال إلا في حالة الإحاطة بكم، فإن ~~أعذركم. وسادسها الأزمان نحو صل إلا عند الزوال. وسابها الأمكنة نحو صل إلى ~~عند المزبلة والمجزرة ونحو ذلك. وثامنها مطلق الوجود مع قطع النظر عن ~~الخصوصيات نحو قوله تعالى: «إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم» (2) أي ~~لا حقيقة للأصنام البتة إلا أنها لفظ مجرد؛ فاستثنى اللفظ من مطلق الوجود ~~على سبيل المبالغة في النفي، أي لم يثبت لها وجود البتة إلا وجود اللفظ، ~~ولا شيء وراءه. فهذه الثمانية لم تذكر قبل الاستثناء، وإنما تعلم بما يذكر ~~بعد الاستثناء وهو فرد ms217 منها، فيستدل بذلك الفرد على جنسه وأن جنسه هو ~~الكائن بعد # الاستثناء (3) وحينئذ ينبغي أن يعلم أن الاستثناء في هذه الأمور التي لم ~~تذكر كلها استثناء متصل، لأنه من الجنس وحكم بالنقيض بعد (إلا) وهذان ~~القيدان وافيان بحقيقة المتصل، وكثير من النحاة يعتقد أنه استثناء منقطع ~~لأنه يلاحظ الفعل المتقدم قبل الاستثناء ويجد ما بعده من غير جنسه، فيقضي ~~بانقطاعه؛ لاعتقاده أن ما بعد إلا مستثنى من المنطوق، وليس كما ظن، بل ~~الاستثناء واقع من غير مذكور وهو متصل باعتبارها، وهذه الأمور مبسوطة في ~~الكتاب الكبير الموضوع في الاستثناء. ولكل واحد منها باب يخصه بمثله من ~~الكتاب العزيز هنالك فمن أرادها فليطالعه؛ فإنها فوائد غريبة وقواعد جليلة، ~~وهي كلها من فضل الله تعالى، له المنة في جميع الأحوال، لا إله إلا هو ~~الكبير المتعال. PageV01P258 ### | الباب التاسع في الشروط # وفيه ثلاثة فصول ### | الفصل الأول في أدواته # وهي أن وإذا ولو، وما تضمن معنى إن (فإن) تختص بالمشكوك فيه وإذا تدخل ~~على المعلوم والمشكوك (ولو) تدخل على الماضي بخلافهما. # المتضمن لمعنى (إن) نحو أين تجلس أجلس، ومهما تصنع أصنع، ومتى تخرج أخرج ~~معك، وأنى تخرج أخرج، وكيفما صنعت صنعت، ومن دخل داري فله درهم، وما تقدم ~~من خير فهو لك، وأي رجل دخل داري فأكرمه، فهذه كلها متضمنة الشروط، وأصل ~~الشرط هو لفظة (إن) فلذلك تضمن معنى إن، ولم أقل غيرها. # وخصصت العرب (إن) بما شأنه أن لا يعلم، فلا تقول إن زالت الشمس ائتني أو ~~إن طلعت غدا من المشرق، فإن ذلك معلوم بالعادة، وتقول إن جاء زيد؛ فإن ~~مجيئه غير معلوم بالعادة، ونظيرها (متى) لا يستفهم بها إلا عن الزمان ~~المجهول فلا تقول متى تطلع الشمس، وتقول متى يقدم زيد؛ وأما (إذا) فتقول ~~فيها إذا طلعت الشمس فائتين، وإذا جاء زيد فائتني. # سؤال: مقتضى هذه القاعدة أن لا تقد (إن) في كتاب الله البتة لأنه تعالى ~~بكل شيء عليم، وهي لا تدخل إلا على المشكوك فيه. # وجوابه: أن القرآن عربي، ms218 وكل ما كان يجوز أن ينطق به العربي جاز في # PageV01P259 # كتاب الله تعالى، وكل ما لا يجوز لو نطق به عربي لم يجز في كتاب الله ~~تعالى، وخصوص وضع الربوبية لا يدخل في اللغات، فما دخلت إن إلا (1) على ما ~~لو تكلم بها عربي كان شأنها في تلك الحالة أن تكون داخلة على مشكوك فيه ~~جازت في كتاب الله تعالى، وكذلك نجوزها وإن كان المتكلم من العرب والسامع ~~عالمين بما دخلت عليه، إذا كان شأنه أن يكون # مشكوكا فيه، ولا يقدح في حقها حصول العلم لذينك نظرا إلى العادة، وكذلك ~~في حق الله تعالى. # وأما (لو) فتدخل على الماضي، نقول لو جاءني زيد أمس أكرمته اليوم، أو كنت ~~أكرمته، فيكون الكلام كله ماضيا وهو عربي، وهذا لا يتحقق في غيرها من أدوات ~~الشرط، وإن وقع شيء كان مؤولا؛ كقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه الصلاة ~~والسلام: «إن كنت قلته فقد علمته» (2) فقد علق على (إن) ماضيا، قال ابن ~~السراج معناه أن يثبت في المستقبل أني قلته في الماضي، فالشرط ثبوته في ~~المستقبل، وكل ما وقع من هذا الباب فهو مؤول بالمستقبل. # وأما (لو) فلا تأويل فيها، ولذلك قال بعض الفضلاء إنما سميت حرف شرط ~~مجازا لشبهها بالشرط من جهة أن فيها ربط جملة بجملة كما في الشرط، فسميت ~~شرطا لذلك، وإلا فليست شرطا لأجل المضي، وهو ينافي الشرط من جهة أن معنى ~~الشرط ربط توقع أمر مستقبل بأمر متوقع مستقبل، والواقع لا يتوقع ولا يتوقف ~~دخوله في الوجود على دخول أمر آخر، لأنه قد دخل في الوجود. وأما الزمخشري ~~في المفصل في أقسام الحرف فقد قال: ومن أقسام الحرف حرفا الشرط وهما (إن) و ~~(لو) فسماهما حرفا شرط. # فائدة: (إذا) تخالف (إن) من جهة أن إذا اسم وظرف والشرط لها عارض و (إن) ~~على العكس في هذه الثلاثة، وقد تستعمل ظرفا لا شرط فيه كقوله تعالى: ~~PageV01P260 # «والضحى والليل إذا سجى» (1) ، «والليل إذا يغشى» (2) أي أقسم بالليل ~~حالة غشيانه وحالة سجوه، ms219 لأنهما أعظم حالات الليل، وحينئذ يحسن القسم بهما. ~~فهي هنا ظرف محض بغير شرط و (إن) أيضا تستعمل غير شرط نحو قوله تعالى: «إن ~~يتبعون إلا الظن» (3) معناها هنا معنى ما النافية، أي ما يتبعون إلا الظن، ~~ولها أقسم كثيرة مذكورة في كتب النحو، غير أن أصلها الشرط وغيره عارض، وأصل ~~(إذا) الظرفية وغيرها عارض. ### | الفصل الثاني في حقيقته # وهو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر. ويلزم من عدمه العدم ولا يلزم وجوده ~~وجود ولا عدم، ثم هو [قد] (4) لا يوجد إلا مندرجا كدوران الحول وقد يوجد ~~دفعة كالنية، وقد يقبل الأمرين كالسترة، فيعتبر من الأول آخر جزء منه، ومن ~~الثاني جملته، # وكذلك الثالث لإمكان تحققه، فإن كان الشرط عدمه اعتبر ألو أزمنة عدمه في ~~الثلاثة. # نقلت قول الإمام في المحصول؛ فإنه لم يذكر في ضابط الشرط غير قوله هو ~~الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر، ولم يزد على هذا، يشير إلى أن الحول مثلا ~~يتوقف عليه تأثير النصاب في إيجاب الزكاة، والبلوغ في تأثير الزوال في ~~إيجاب الصلاة، ونحو ذلك، وهذا الضابط الذي ذكره رحمه الله غير جامع لجميع ~~أنواع الشرط فإن الشرط قد يكون لأجل ذات السبب ووجوده، لا لتأثيره، كما ~~تقول في الفروج، فإنها شرط في أصول وجود الزنا في تأثيره، وقد يكون الشرط ~~شرطا فيما ليس مؤثرا، كما تقول الحياة شرط في العلم، والعلم شرط في ~~الإرادة، مع أن العلم غير مؤثر PageV01P261 # والإرادة مخصصة لا مؤثرة، والجوهر شرط لوجود العرض المخصوص، فهذه الأنواع ~~كلها خرجت عن ضابطه. # فلذلك زدت أنا من عندي القيود التي بعد هذا القيد، فقلت: ويلزم من عدمه ~~العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، فبقيت هذه الزيادة مضمومة إلى ~~كلامه، وهو غير جيد مني، بسبب أن القيد الأول الذي ذكره يلزم أن يوجد في ~~جميع الشروط، وهو غير لازم الوجود لما ذكرته من الحياة مع العلم ونحوه، ~~فبقي الكلام كله باطلا. # بل ينبغي لي أن أبتدئ حدا مستأنفا؛ فأقول الشرط ما يلزم من ms220 عدمه العدم ~~ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فالقيد الأول احتراز من المانع فإنه ~~لا يلزم من عدمه شيء، والثاني احتراز من السبب فإنه يلزم من وجود الوجود، ~~والثالث احتراز من مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود كالحول مع النصاب ~~أو قيام المانع، فيلزم العدم، ولكن ذلك ليس لذاته بل لوجود السبب أو ~~المانع، وبسط هذه الأمور مذكور في باب ما يتوقف عليه الحكم فيطالع هناك. ~~فهذا هو الحد المستقيم، وأما الذي لي والإمام في الأصل فباطل. # وأريد بقولي متدرجا أي شيئا بعد شيء، فإنه لا يمكن أن يوجد الحول إلا ~~كذلك زمانا بعد زمان، وأما السترة فقد تقدر إن توقع السترة بالثوب في زمن ~~واحد، وقد يستر بعضها في زمان، وبعضها في زمان آخر، فهي تقبل الأمرين. # ثم الشرط قد يكون وجود هذه الحقائق وقد يكون عدمهان مثال الأول قوله إن ~~نويت فأنت حر، أو إن دار الحول، أو إن سترت عورتك، فيعتبر آخر جزء فيعتق ~~عنده. أما في النية فظاهر، وأما في الحول فلأن اجتماعه متعذر، فالممكن هو ~~آخر أجزائه، فتقدر الأجزاء المتقدمة كالكائنة مع الجزء الأخير. # وأما السترة وما هو قابل للأمرين، فقال الإمام لا بد من وجود المجموع ~~لإمكان # تحققه فإن ستر عورته مثلا متدرجا لا يعتق، وكذلك إذا قال له إن أعطيتني ~~عشرة # PageV01P262 # دراهم فأعطاه له شيئا بعد شيء لا يعتق، لأنه لم يعطه عشرة وإنما أعطاه ~~بعضها في كل زمان، وهذا يجيء على مراعاة الألفاظ، وأما على مراعاة المقاصد ~~فيعتق؛ أعطاه الدراهم جملة أو متفرقة، وهذا هو الذي عليه الفتيا في مذهب ~~مالك، مع أن في هذا الأصل قولين في المذهب عندنا وعند غيرنا. # وأما إذا كان الشرط عدم هذه الأمور فعدم الجميع يمكن التحقق (1) بخلاف ~~الوجود، فإذا مضى زمان لم ينو فيه أو لم يقرأ سورة البقرة، فإنها مثل الحول ~~لا يقع إلا متدرجا، أو لم يعطه الدراهم عتق لوجود الشرط، هذا هو كلام ~~الإمام في المحصول، وهو الذي نقلته هنا. ms221 والفقه والمذهب يقتضي أنه إذا قال ~~له إن لم يدر الحول عليه وأنت في هذا المنزل أو إن لم تقرأ سورة البقرة ~~فأنت حر، لا يكفي مضي زمان فرز فيه عدم الحول أو عدم قراءة سورة البقرة، بل ~~ينبغي أن يعتبر مضي زمن يسع قراءة سورة البقرة فلو مضى أحد عشر شهرا، أو ~~أحد عشر شهرا مثلا وبعض الشهر الثاني عشر، هذا كله لا يعتق فيه العبد، ولا ~~يعتق إلا إذا مضى عليه حول، لأن هذا هو مقصد الناس في أيمانهم، نعم إن قال ~~إن مضى زمان فرز فيه عدم أحد هذه الأمور؛ فيكفي مطلق العدم ويعتق بمضي ~~الزمن الفرد، ولكن هذا بالنية أو مصرح كما تقدم، وأما تلك الألفاظ المتقدمة ~~فلا يلزم ذلك. ### | الفصل الثالث في حكمه # إذا رتب مشروط على شرطين لا يحصل إلا عند حصولهما إن كانا على الجمع، وإن ~~كانا على البدل حصل عند أحدهما وإلى المعلق تعينه لأن الأصل (2) أن الشرط ~~مشترك بينهما. PageV01P263 # مثاله: قوله إن دخلت الدار وكلمت زيدا فأنت حر، فهذا علق عليهما معا، فلا ~~يحصل إلا عند حصولهما. ومثال البدل: إن دخلت الدار أو كلمت زيدا فأنت حر، ~~فالشرط أحدهما لا بعينه. # قال الإمام في المحصول: وللمعلق تعينه وهو مشكل، فإن اللفظ إذا أطلق هدرا ~~من غير قصد لزم العتق عند أيهما كان، وليس له بعد ذلك أن يعين أحدهما ~~للشرطية ويبطل # الآخر، وإن كان عند الإطلاق نوى أحدهما معينا (1) فذلك الذي نوى هو ~~الشرط، والذي نوى إلغاءه ليس بشرط، ولا يكفي في إلغائه القصد إلى شريطة ~~الآخر مع الغفلة عنه؛ لأن هذه نية مؤكدة لا ملغية، فيبقى اللفظ صريحا في ~~الشرطية في المشترك بينهما، والمشترك موجود في كل واحد منهما فيعتق بأيهما ~~كان، والنية في أحدهما فقط زائدة خصوصا على عموم لا مبطلة للعموم في الآخر، ~~فتأمل ذلك، وقد تقدم من ذلك نبذة كثيرة في تخصيص العموم فطالعه هناك. وإن ~~أراد الإمام للمعلق تعينه أي تعيين أحدهما عند التلفظ بالشرطية وتعيين ms222 ~~الآخر للإلغاء صح، وإلا لم يصح كلامه لما تقدم. # وإذا دخل الشرط على جمل رجع إليها عند إمام الحرمين وإلى ما يليه عند بعض ~~الأدباء، واختار الإمام فخر الدين التوقف، واتفقوا على وجوب اتصال الشرط ~~بالكلام، وعلى حسن التقييد به وإن كان الخارج به أكثر من الباقي، ويجوز ~~تقديمه في اللفظ وتأخيره، واختار الإمام تقديمه، خلافا للقراء جمعا بين ~~التقدم والطبعي والوضعي. # حجة العود على جميع الجمل ما تقدم من الوجوه الثلاثة المقتضية عود ~~الاستثناء على جميع الجمل بطريق الأولى، لأن التعاليق اللغوية أسباب مقتضية ~~للحكم والمصالح، فعودها على الجميع تكثير للمصلحة، بخلاف الاستثناء إنما هو ~~إخراج لما ليس بمراد عن المراد فأمره أسهل. # حجة عدم العود واختصاصه بما يليه: أنه فضلة في الكلام ومبطل له: فيختص ~~بما يليه، تقليلا لمخالفة الأصل في رفع ما تقرر بغير شرط. PageV01P264 # حجة التوقف تعارض المدارك. # وأما اتفاقهم على وجوب اتصاله بالكلام فلأنه فضلة لا يستقل بنفسه فلا ~~يعود لما تقدم في الاستثناء بطريق الأولى، لما تقدم أن الشرط متضمن للمصالح ~~والمصالح تناسب الاهتمام بها فلا تؤخر. # وأما حسن التقييد به ولو أخرج أكثر الكلام بل قد يبطله كله، فإنه إذا قال ~~أكرم بني تميم إن أطاعوا الله، فقد لا يطيع منهم أحد فيبطل جميع الكلام ~~الذي كان يثبت لولا هذا الشرط، فإنهم مستحقون الإكرام لولا هذا الشرط، ~~وكذلك قد لا يطيع أكثرهم، فيخرج من الكلام أكثره، ولا يقبح ذلك، ولا يجري ~~فيه الخلاف الذي في الاستثناء. # والفرق من وجهين: أحدهما أن الموجب لقبح إخراج الكل أو الأكثر بالاستثناء ~~أن # المتكلم به يعد عابثا في كونه أقدم على النطق بما يعتقد خلافه، وأنه يعود ~~فيبطله بلفظ آخر، ولا يعد عابثا في الشرط بسبب أن الخارج بالشرط غير متعين ~~حال التلفظ، وإنما ذلك تسفر العاقبة عنه. وثانيهما: أن احتمال إخراج الشرط ~~للأكثر معارض بأنه قد لا يخرج شيئا ويطيعون كلهم، فيبقى الكلام بجملته لا ~~يبطل منه شيء، فلما تعارضا سقطا، وصار الكلام كأنه لم يدخله ms223 تقييد. # وأما التقديم فهو في النطق لا غير، والفراء يلاحظ أنه فضله في الكلام، ~~والفضلة شأنها التأخير كالصفة والغاية والنعت والمفعول والتأكيد وغيره، ~~يلاحظ أنه سبب والسبب شأنه التقديم، فهو متقدم في المعنى، فيكون متقدما في ~~اللفظ، وهو معنى قوله: هو متقدم في الطبع فيقدم في الوضع، وقد غلط بعض ~~الجهال وقال إن العلماء قد جوزوا تقدم المشروط على شرطه، وإن وجود المشروط ~~حالة عدم شرطه فيه خلاف، وإذا سئل أين ذلك؟ يشير إلى تلك المسألة، وهو غلط، ~~ما قال أحد بأن المشروط لا يتوقف على شرطه، بل الخلاف في التقدم في النطق ~~حالة التعليق فقط، هل يقول أنت حر إذا دخلت الدار، أو إن دخلت الدار فأنت ~~حر، أما وقوع الحرية قبل الدخول من جهة أنها معلقة فلم يقل به أحد. # PageV01P265 ### | الباب العاشر في المطلق والمقيد # والتقيد والإطلاق أمران اعتباريان، فقد يكون المقيد مطلقا بالنسبة إلى ~~قيد آخر كالرقبة مقيدة بالملك مطلقة بالنسبة إلى الأيمان، وقد يكون المطلق ~~مقيدا كالرقبة مطلقة وهي مقيدة بالرق، والحاصل أن كل حقيقة اعتبرت من حيث ~~هي هي فهي مطلقة، وإن اعتبرت مضافة إلى غيرها فهي مقيدة. # ضابط الإطلاق أنك تقتصر على مسمى اللفظة المفردة، نحو رقبة أو إنسان أو ~~حيوان، ونحو ذلك من الألفاظ المفردة، فهذه كلها مطلقات، ومتى زدت على مدلول ~~اللفظة مدلولا آخر بلفظ أو بغير لفظ صار مقيدا كقولك رقبة مؤمنة، أو إنسان ~~صالح، أو حيوان ناطق، وهذه المطلقات هي في أنفسها مقيدات إذا أخذت مسمياتها ~~بالنسبة إلى ألفاظ أخر، فإن الرقبة هي إنسان مملوك وهذا مقيد، والإنسان ~~حيوان ناطق وهذا مقيد، والحيوان جسم حساس وهذا مقيد، فصار التقييد والإطلاق ~~أمرين نسبيين بحسب ما ينسب إليه من الألفاظ، فرب مطلق مقيد، ورب مقيد مطلق. # ووقوعه في الشرع على أربعة أقسام متفق الحكم والسبب كإطلاق الغنم في حديث ~~وتقييدها في آخر بالسوم، ومختلف الحكم والسبب كتقييد الشهادة بالعدالة ~~وإطلاق الرقبة في الظهار، ومتحد الحكم مختلف السبب كالعتق مقيد في القتل ~~مطلق ms224 في الظهار، ومختلف الحكم متحد السبب كتقييد الوضوء بالمرافق وإطلاق ~~التيمم والسبب واحد هو الحدث، فالأول يحمل فيه المطلق على القيد على الخلاف ~~في دلالة المفهوم، وهو حجة عند مالك رحمه الله والثاني لا يحمل فيه إجماعا. ~~والثالث لا يحمل فيه المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا والحنفية خلافا ~~لأكثر الشافعية، لأن الأصل في اختلاف الأسباب اختلاف الأحكام، فيقتضي ~~أحدهما التقييد والآخر الإطلاق. والرابع فيه خلاف. # سبب وجوب الزكاة واحد وهو نعمة الملك، وهذا المثال عليه إشكال من جهة أن ~~مطلقه عموم، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «في كل أربعين شاة شاة» ومتى # PageV01P266 # كان المطلق عموما كان التقييد مخصصا منقصا لمقتضى اللفظ، وتخصيص المنطوق ~~بالمفهوم فيه نظر، وتوقف فيه الإمام لضعف المفهوم وقد تقدم بحثه وتحريره في ~~التخصيص، والبحث في المطلق والمقيد إنما هو موضوع بين العلماء في المطلقات ~~التي هي مفهوم مشترك كلي كالرقبة المنكرة، أما الكلية للعامة الشاملة فلا، ~~والفرق أنك في النكرة زائد على مدلول اللفظ # ولم تبطل منه شيئا فلم يعارض التقيد اللفظ السابق، بخلاف صيغة العموم ~~يحصل التعارض، فأحد البابين بعيد من الآخر، مع أن جماعة من العلماء لم ~~يفرقوا وساقوا الجميع مساقة واحدة. # والفرق: كما رأيت، فهو موضوع حسن لم أر أحدا تعرض إليه. # وسبب الشهادة ضبط الحقوق، وسبب إيجاب إعتاق الرقبة الظهار، ومع اختلاف ~~الأسباب والأحكام تتنافى الأغراض ولا يقال: إن المتكلم كمل غرضه بالتقييد، ~~بخلاف اتحاد أحدهما، أمكن اتحاد الغرض في حق المتكلم وأن يقال إنه قصد ~~تكميل غرضه بالتقييد، فيحمل المطلق على المقيد، والحدث واحد هو سبب ~~والوضوء، وبدله الذي هو التيمم. وقال الله تعالى في الوضوء: «وأيديكم إلى ~~المرافق» (1) ، وقال في التيمم: «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه» (2) ولم ~~يقال تعالى إلى أين يمسح، فقيل تيمم إلى المرفقين حملا للمطلق على المقيد، ~~وقيل إلى الكوعين لأنه عضو أطلق النص فيه فيختص بالكوعين، قياسا على القطع ~~في السرقة، وقيل التيمم إلى الإبطين لأنه موجب اللغة لأن اليد اسم للجارحة ~~من الإبط إلىالأصابع. # ومالك ms225 وإن قال المفهوم حجة، وقال أيضا إن المطلق يحمل على المقيد في ~~الظهار وغيره، إلا أنه هنا لم يقل به تغليبا لدلالة المنطوق على المفهوم، ~~أو لأن هذا ليس من باب المطلق والمقيد، بل من باب التخصيص بالمفهوم كما ~~تقدم بيانه. # وأما إذا اختلف السبب واتحد الحكم فالذي حكاه القاضي عبد الوهاب في كتاب ~~الإفادة وكتاب الملخص عن المذهب: عدم الحمل إلا القليل من أصحابنا حجة ~~الحمل أن المطلق في ضمن المقيد؛ فإن الرقبة المؤمنة رقبة مع قيد والثابت مع ~~قيد ثابت قطعا، فالآتي بالقيد عامل بالدليلين قطعا؛ فيكون أرجح فيجب المصير ~~إليه، ولأن القرآن كالكلمة الواحدة فيحمل المطلق على المقيد؛ لأن القيد ~~كالمنطوق به مع المطلق، ولأن الشهادة أطلقت في قوله تعالى: «شهيدين من ~~رجالكم» (3) PageV01P267 # وقيدت في قوله تعالى: «ذوى عدل منكم» (1) وبقوله تعالى: «ممن ترضون من ~~الشهداء» (2) فحمل المطلق على المقيد، وكذلك في سائر صور النزاع طردا ~~للقاعدة. # والجواب عن الأول: أنا نسلم أن المطلق في ضمن المقيد، ولكن التقدير أن ~~السبب مختلف، فلعل القتل لعظم مفسدته يقتضي زيادة الزاجر أو الجابر فيغلظ ~~عليه باشتراطه الإيمان، والظهار لخفة مفسدته لا يشترط فيه ذلك، لاسيما ~~قاعدة الشرع اختلاف الآثار مع اختلاف المؤثرات، واختلاف العقوبات إذا ~~اختلفت الجنايات، والجوابر إذا اختلفت المجبورات. # وعن الثاني أن القرآن كالكلمة الواحدة باعتبار عدم التناقض باعتبار ~~الأحكام بل هو مختلف قطعا فبعضه خبر وبعضه حكم وبعضه نهي وبعضه أمر. إلى ~~غير ذلك من التنوعات. # وعن الثالث: أن ذلك حاصل لكن كونه باللفظ ممنوع بل بالإجماع. # فائدة: قال المازري في شرح البرهان ورد على أبي حنيفة نقوض: أحدها اشترط ~~السلامة من العيوب في الرقبة. وثانيها: اشتراط الفقر في ذوي القربى. ~~وثالثها: أنه يجزئ عنده عتق الأقطع دون الأخرس. ورابعها: لو حلف لا يشتري ~~رقبة فاشترى رقبة معيبة حنث فلم يعتبر السلامة في الحنث، وخالف قاعدة ~~النسخ، فإن الزيادة عنده نسخ، وهنا نسخ القرآن بغير دليل قاطع. # فائدة: ينبغي أن يعلم أن قولهم: ينبغي أن يحمل ms226 المطلق على المقيد مطلق ~~يندرج في كلامهم النهي والأمر وغيرهما، وقد صرح الإمام فخر الدين بذلك وسوى ~~بينه وبين الأمر وليسا سواء، فإن العامل بالمطلق والمقيد معا جمع بين ~~الدليلين فإنه يحصل المقيد، ويلزم من تحصيل المقيد تحصيل المطلق، أما في ~~النهي فلا، بسبب أنه إذا قال لا تشرب مائعا هو خمر، إن حملنا المطلق على ~~المقيد هذا خرج كل مائع ليس بخمر، فيقع التعارض، والتخصيص بخلاف الأمر، ~~فمتى اعتبرنا المقيد PageV01P268 # في النهي أو خبر النفي تعذر علينا اعتبار المطلق من حيث هو مطلق، بخلاف ~~الأمر وخبر الثبوت لا يحمل من أمر المطلق شيء، بل التقييد زائد عليه، فتأمل ~~الفرق فلم أر أحدا يفرق، مع أن الفرق في غاية القوة، بل يصرحون بالتسوية. # فائدة: الإطلاق والتقييد اسمان للفظ دون المعنى، فهما من أسماء الألفاظ. # فإن قيد بقيدين مختلفين في موضعين حمل على الأقيس منهما عند الإمام ويبقى ~~على إطلاقه عند الحنفية ومتقدمي الشافعية. # ما أظن بين الفريقين خلافا، لأن القياس إذا وجد قال به الحنفية والشافعية ~~وغيرهم؛ فيحمل قولهم يبقى على إطلاقه على ما إذا لم يوجد قياس أو استوى ~~القياسان. مثاله قوله تعالى في كفارة الحنث «فصيام ثلاثة أيام» (1) ولم ~~يذكر التتابع ولا عدمه فهو مطلق، وذكر الصوم متتابعا في الظهار ومفرقا في ~~صيام التمتع؛ فقد دار بين قيدين متضادين فيبقى على إطلاقه، يخير فيه أو ~~يقاس على الظهار بجامع الكفارة أو يقال لا يصح القياس لأن الظهار معصية ~~تناسب التغليظ بخلاف الحنث في اليمين، وأمكن القياس على صوم التمتع لأنه ~~جابر لنقص الحج وخلله، وكفارة الحنث جابرة لما فات من البر، أو يقال # الحج من باب العبادات وهذا من باب الكفارات، فالباب مختلف، فيختلف الحكم، ~~فلا يصح القياسز # فائدة: قال صدر الدين قاضي قضاة الحنفية يوما نقض الشافعية أصلهم فإنهم ~~يقولون يحمل المطلق على المقيد وقد ورد قوله عليه الصالة والسلام: «إذا ولغ ~~الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» وهذا مطلق وروي «أولاهن بالتراب - ~~وإحداهن بالتراب» فإحداهن مطلق ms227 ولم يحملوه على المقيد الذي هو أولاهن، قال ~~وناظرت جماعة منهم من جملته شمس الدين الأرموي قاضي العسكر ولم يجدوا له ~~جوابا قلت له: جوابه إن هذا الحديث تعارض فيه قيدان (أولاهن وأخراهن) فليس ~~حمل المطلق الذي هو (إحداهن) على أحدهما بأولى من الآخر، وقاعدة القائلين ~~بالحمل أنه إذا تعارض قيدان بقي المطلق على إطلاقه، فلم يتركوا أصلهمن بل ~~اعتبروا أصلهم. PageV01P269 ### | الباب الحادي عشر في دليل الخطاب وهو مفهوم المخالفة # وقد تقدمت حقيقته، وأنواعه العشرة، وهو حجة عند مالك - رحمه الله - ~~وجماعة من أصحابه وأصحاب الشافعي، وخالف في مفهوم الشرط القاضي أبو بكر منا ~~وأكثر المعتزلة، وليس معنى ذلك أن المشروط لا يجب انتفاؤه عند انتفاء الشرط ~~فإنه متفق عليه، بل معناه أن هذا الانتفاء ليس مدلولا للفظ، وخالف في مفهوم ~~الصفة أبو حنيفة وابن سريج والقاضي وإمام الحرمين وجمهور المعتزلة، ووافقنا ~~الشافعي والأشعري. وحكى الإمام أن مفهوم اللقب لم يقل به إلا القاق. لنا أن ~~التخصيص لو لم يقتض سلب الحكم عن المسكوت عنه للزم الترجيح من غير مرجح وهو ~~محال. # الحاصل في الشرط أربعة أمور: إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار مثلا. ~~أحدها: ارتباط الطلاق بالدخول. وثانيها ارتباط عدم الطلاق بعدم الدخول. ~~وثالثها: دلالة لفظ التعليق على ارتباط الطلاق بالدخول. ورابعها: دلالة لفظ ~~التعليق على ارتباط عدم الطلاق بعدم الدخول. فالأقسام الثلاثة متفق عليها ~~بين القاضي وغيره، وإنما الخلاف في الرابع وهو دلالة لفظ التعليق على ~~ارتباط عدم الطلاق بعدم الدخول. # فيقول القاضي - رحمه الله - أنا أقول إنها لا تطلق إذا لم تدخل الدار لكن ~~استصحابا للعصمة السابقة. وغيره يقول لأمرين: الاستصحاب ودلالة لفظ ~~التعليق. وهذا معنى قولنا إن المفهوم حجة، ولويس معناه إن عدم المشروط لا ~~يتحقق عند عدم الشرط، بل ذلك مجمع عليه. والفرق بين مفهوم اللقب في كونه لم ~~يقل به إلا الدقاق، وبين غيره من المفهومات، أن غيره من المفهومات نحو ~~مفهوم الصفة وغيرها فيه رائحة التعليل، فإن الصفة والشرط ونحوهما يشعران # PageV01P270 # بالتعليل، ms228 ويلزم من عدم العلة عدم المعلوم، فيلزم عدم الحكم في صورة ~~المسكوت عنه، وذلك هو المفهوم. # وأما اللقب فهو العلم قاله التبريزي. قال ويلحق به أسماء الأجناس، ففرق ~~بين قوله عليه السلام: «في سائمة الغنم الزكاة» ، وبين قوله: «في الغنم ~~الزكاة» فإن الأول مشعر بالتعليل دون الثاني. هذا هو السبب في اهتضامه (1) ~~والدقاق يقول لا بد للتخصيص بهذا الشخص من فائدة، فلو كان الحكم ثابتا له ~~ولغيره وتخصص هو بالذكر لزم الترجيح من غير مرجح كما قلناه نحن في مفهوم ~~الصفة وغيرها. # حجة المنع من المفهوم: أنه يجوز أن تشترك الصورتان في الحكم، وتخصص ~~إحداهما بالذكر لأمور: أحدها أن بيان الصورة الأخرى قد تقدم. وثانيها أن ~~الحاضر الآن هو صاحب السائمة مثلا دون المعلوفة فلذلك خصص بالذكر. وثالثها ~~أن المتكلم سكت عن الصورة الأخرى ليفوز المجتهد بثواب الاجتهاد في التسوية ~~بين الصورتين بالقياس، كما نص عليه الصلاة والسلام على الأشياء الستة، وحكم ~~غيرها من الربويات مثلها، غير أنها فوضت لاجتهاد المجتهدين. ورابعها أن ~~مقصود المتكلم أن ينص على كل واحد منها نصا خاصا ليكون ذلك أبعد عن احتمال ~~التخصيص. وخامسها أن مقصود الشارع تكثير الألفاظ بتعديد النصوص حتى يكثر ~~ثواب القارئ والحافظ والضابط لها، وبالجملة فالمرجحات كثيرة، فما تعين سلب ~~الحكم عن المسكوت ولا يلزم الترجيح من غير مرجح. # فائدة: قد تقدم أن دلالة المفهوم من باب دلالة الالتزام وأنها من دلالة ~~اللفظ لا من باب الدلالة باللفظ، فلا يدخل المفهوم الحقيقة ولا المجاز، ولا ~~يوصف بهما، وإن المفهوم هو إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه لا ضده، ~~وتقدم هذا عند الكلام على دليل الخطاب وفحوى الخطاب وما معهما. # فرعان: الأول أن المفهوم متى خرج مخرج الغالب فليس بحجة إجماعا ~~PageV01P271 # نحو قوله تعالى: «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق» (1) ولذلك يرد على ~~الشافعية في قوله عليه الصلاة والسلام: «في سائمة الغنم الزكاة» إنه خرج ~~مخرج الغالب، فإن غالب أنعام الحجاز وغيرها السوم. # إنما قال العلماء إن مفهوم الصفة إذا خرجت مخرج ms229 الغالب لا يكون حجة ولا ~~دالا على انتفاء الحكم عن المسكوت عنه، بسبب أن الصفة الغالبة على الحقيقة ~~تكون لازمة في الذهن بسبب الغلبة، فإذا استحضرها المتكلم ليحكم عليها حضرت ~~معها تلك الصفة، فنطق بها المتكلم لحضورها في الذهن مع المحكوم عليه، لا ~~أنه استحضرها ليفيد بها انتفاء الحكم عن المسكوت عنه، أما إذا لم تكن غالبة ~~لا تكون لازمة للحقيقة في الذهن، فيكون المتكلم قد قصد حضورها في ذهنه ~~ليفيد بها سلب الحكم عن المسكوت عنه، فلذلك لا تكون الصفة الغالبة دالة على ~~نفي الحكم، وغير الغالبة دالة على نفي الحكم عن المسكوت عنه. # سؤال: كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله يقول إذا كانت الصفة ~~غالبة هي أولى بالدلالة على نفي الحكم عن المسكوت عنه، بسبب أنها إذا كانت ~~غالبة كانت العادة والغلبة تفيدها للسامع وإنما هي صفة هذه الحقيقة فلا ~~يحتاج المتكلم إلى لفظ يدل به # عليها اكتفاء بالعادة، فما نطق بها حينئذ إلا لقصد عدم الإعلام بها، وهو ~~سلب الحكم عن المسكوت عنه، أما غير الغالبة فلم تكن العادة دالة عليها ~~فأمكن (2) أن يقال نطق بها المتكلم ليفيد السامع أن هذه الحقيقة هي الصفة ~~تعرض لهان فيكون هذا مقصوده دون قصد سلب الحكم عن المسكوت عنه، فعلم أن ما ~~قالوه يمكن أن يكون بالعكس وهو سؤال حسن. # وجوابه: ما تقدم في التعليل. # الثاني أن التقييد بالصفة في جنس هل يقتضي نفي ذلك الحكم عن سائر الأجناس ~~فيقتضي الحديث مثلا في نفي وجوب الزكاة عن سائر الأنعام وغيرها أو لا يقتضي ~~نفيه إلا عن ذلك الجنس خاصة وهو اختيار الإمام. PageV01P272 # البحث في هذا النوع مبني على أن نقيض المركب في اللغة إنما هو سلب الحكم ~~عن ذلك المركب لا مطلقا، فنقيض قولنا زيد في الدار، أن زيدا ليس في الدار، ~~هذا هو الذي يستعمل نقيضا في اللغة، ويكذب به القول الأول، وإن كان عدم زيد ~~من حيث هو زيد يناقض أنه في الدار، وكذلك إذا ms230 قلنا في الخبر من الحنطة ~~غذاء، فالذي يقصد مناقضته يقول ليس في الخبز من الحنطة غذاء فلا بد أن ينطق ~~في المناقضة بقوله من الحنطة، مع أنه لو قال ليس في الخبز غذاء مطلقا حصل ~~التناقض عقلا لاندراج الخبز الخاص بالحنطة في مطلق الخبز نصا، غير أن عرف ~~اللغة ما ذكرته لك، فمن لاحظ هذه القاعدة وهم الجمهور قال إذا قال صاحب ~~الشرع في سائمة من الغنم الزكاة يكون نقيضه ليس في السائمة من الغنم زكاة، ~~هذا نقيض المنطوق الذي لا يثبت معه المنطوق، والمفهوم الذي هو النقيض ~~اللازم للمنطوق، فيكون تقديره ما ليس بسائمة من الغنم لا زكاة فيها، هذا ~~إذا أخذنا خصوص المحل، وما ليس بسائمة مطلقا يتناول البقر والمعلوفة ~~والإبل، بل العقار بل الحلي المتخذ لاستعمال مباح، يجوز أن يستدل به على ~~عدم وجوب الزكاة فيه بقوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم الزكاة، ~~ومفهومه يقتضي عدم وجوب الزكاة في الحبلى، لأن الحبلى ليس بغنم سائمة، هذا ~~منشأ الخلاف بين الفريقين، هل يؤخذ خصوص المحل في النقيض نظرا لعرف اللغة ~~أو لا يؤخذ نظرا للتناقض العقلي من حيث الجملة؟ # PageV01P273 ### | الباب الثاني عشر في المجمل والمبين # وفيه ستة فصول ### | الفصل الأول في معنى ألفاظه # فالمبين هو اللفظ الدال بالوضع على معنى إما بالأصالة وإما بعد البيان. ~~والمجمل هو الدائر بين احتمالين فصاعدا إما بسبب الوضع وهو المشترك أو من ~~جهة العقل كالمتواطئ بالنسبة إلى جزئياته، فكل مشترك مجمل وليس كل مجمل ~~مشتركا، وقد يكون اللفظ مبينا من وجه كقوله تعالى: «وآتوا حقه يوم حصاده» ~~(1) فإنه ميز في الحق مجمل في مقداره. # تقدم أن المجمل مشتق من الجمل الذي هو الخلط في الباب الأول، والمبين من ~~البيان، يقال لفظ مبين إذا كان نصا في معناه، بمعنى أن واضعه ومستعمله ~~وصلاه إلى أقصى غايات البيان، فهو مبين، فإذا كان اللفظ مجملا، ثم بين قيل ~~له مبين. كما تقول إن آية الزكاة مجملة في مقدارها، يقول عليه الصلاة ~~والسلام: «فيما سقت ms231 السماء العشر» . ولفظ الفرس الآن لا إجمال فيه من جهة ~~الاشتراك، بل يفهم جنسه عند سماع لفظه، فلو وضع لنوع آخر من الحيوان صار ~~مشتركا مجملا لا يفهم منه خصوص الفرس إلا بقرينة، فهذا هو الإجمال الناشئ ~~عن الوضع، وأما الناشئ عن العقل فإن اللفظ الموضوع لمعنى كلي كالإنسان إذا ~~قلنا في الدار إنسان كان هذا اللفظ دائرا بين جزئيات الإنسان، بحيث لا ~~يتعين له منهم فرد، PageV01P274 # فهذا الإجمال إنما جاءنا من جهة تجويز العقل لا من جهة الوضع، فالمجمل ~~أعم من المشترك عموما مطلقا، وكانت آية الزكاة مجملة في المقادير لاحتمالها ~~أن هذا الحق هو النصف أو الربع أو الثمن، أو غير ذلك من المقادير. # والمؤول هو الاحتمال الخفي مع الظاهر، مأخوذ من المآل إما لأنه يؤول إلى ~~الظهور بسبب الدليل العاضد، أو لأن العقل يؤول إلى فهمه بعد فهم الظاهر، ~~وهذا وصف له بما هو موصوف به في الوقت الحاضر، فيكون حقيقة، وفي الأول ~~باعتبار ما يصير إليه وقد لا يقع فيكون مجازا مطلقا. # العقل إذا سمع اللفظ أول ما يسبق إليه الظاهر الذي هو الحقيقة مثلا ثم ~~ينتقل بعد ذلك إلى احتمال المجاز، ويجوز أن يكون مرادان فهذا قد وقع للفظ، ~~أما الدليل العاضد # فلم يقع بعدن وقد لا يقع البتة، فيكون الأول إطلاقا بما هو موصوف به في ~~الحال فيكون حقيقة كما تقدم في المشتق، والثاني باعتبار ما يقبله في ~~الاستقبال، فيكون مجازا. ### | الفصل الثاني فيما ليس مجملا # إضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ليس مجملا فيحمل على ما يدل العرف ~~عليه في كل عين خلافا للكرخي، فيحمل في الميتة على الأكل وفي الأمهات على ~~وجوه الاستمتاع. # يقول الكرخي الحقائق غير مكتسبة إيجادا ولا إعداما، وما ليس مكتسبا لا ~~يتعلق به تكليف، لأنا إنما نكلف بما نقدر على كسبه من أفعالنا، وأما ~~الأعيان فلا تكتسب لنا، فيكون المنطوق به وهو الأعيان غير مراده، والمراد ~~غير منطوق به، فليس تقدير بعض ما يصلح أولى من البعض فيتعين الإجمال. ms232 # والجماعة يجيبونه ويقولون: العرف عين المقصود بالتكليف في كل عين، حتى ~~صار ذلك المركب في العرف موضوعا لذلك الفعل المخاطب به في تلك العين، # PageV01P275 # والمركب حينئذ حقيقة عرفية، ولا يحتاج في هذه الحقيقة العرفية إلى تقدير ~~شيء غير المتبادر من هذه الحقيقة، وقد تقدم أن النقل كما يحصل في المفردات ~~يحصل في المركبات، ويكون ذلك المركب حقيقة عرفية مجازا لغويا، وهو مجاز في ~~التركيب اشتهر حتى صار حقيقة عرفية، فإذا قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن ~~دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم» فهم من الأول السفك، ومن الثاني ~~الأكل، ومن الثالث التكلم والسب، وكذلك يفهم من الخمر الشرب، ومن الثوب ~~اللبس، ومن الخنزير الأكل، وهلم جرا، فلا إجمال. # وإذا دخل النفي على الفعل كان مجملا عند أبي عبد الله البصري، نحو قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة إلا بطهور» ، «ولا نكاح إلا بولي» لدوران ~~النفي بين الكمال والصحة، وقيل إن كان المسمى شرعيا انتفى ولا إجمال، ~~وقولنا هذه صلاة فاسدة محمول على اللغوي وإن كان حقيقيا نحو الخطأ ~~والنسيان، وله حكم واحد وانتفى، ولا إجمال، وإلا تحقق الإجمال، وهو قول ~~الأكثرين. # كما ورد «لا صلاة إلا بطهور» ولزم نفي الإجزاء ورد «لا صلاة لجار المسجد ~~إلا في المسجد» ولزم نفي الكمال فقط، فصار النفي مترددا بين هذين الأمرين، ~~فلزم الإجمال. وقال غيره: لا يكون مجملا بل يحمل على نفي الصحة، لأن ظاهر ~~النفي يقتضي نفي الذات # الواقعة في الماضي، لأن معنى - لا صلاة - معناه إذا وقعت صلاة تكون ~~باطلة، فالنفي في المعنى إنما توجه لواقعن لكن نفي الواقع محال، فيتعين ~~النفي لما هو أقرب لنفي الحقيقة وهو نفي الإجزاء، لأن المشابهة بين نفي ~~الإجزاء ونفي الذات أشد من المشابهة بين نفي الكمال ونفي الذات، فإن منفي ~~الصحة معدوم شرعا بخلاف منفي الكمال، والمشابهة إحدى علاقات المجاز، وإذا ~~كان الشبه أقوى كان المصير إليه أولى؛ ولأن النفي عام في الذات والصفات؛ ~~أما في الذات فلظاهر اللفظ، وأما في الصفات فلأن الدال على ms233 نفي الذات ~~مطابقة دال على نفي الصفات التزاما، وإذا ثبت العموم في الجميع - وقد # PageV01P276 # أجمعنا على تخصيصه بالذات - يبقى على نفي العموم في الصفات كلها، فينتفي ~~الإجزاء وهو المطلوب. # وأما الفرق بين أن يكون المسمى شرعيا فينتفي، لأن الحقيقة الشرعية ليست ~~واقعة في صورة النهي أو النفي فأمكن أن يضاف النفي إليها، ويقول صاحب الشرع ~~هذه الحقيقة منفية لفقدان هذا الشرط، وأما الحقيقي كالخطأ والنسيان لأنهما ~~ليسا باصطلاح الشرائع وأوضاعها بل الفعل بوصف كونه خطأ أو نسيانا أمر معقول ~~فرض وجود الشرائع أم لا، فلذلك قلنا هو أمر حقيقي، فهذا إذا فرض وقوعه تعذر ~~نفيه؛ فقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه» معناه إذا وقعت منهم هذه الأمور لا إثم عليهم فيه، فما دخل ~~النفي إلا على واقع، والواقع يستحيل نفيه، فيتعين العدول إلى حكمه، فإذا ~~كان واحدا انتفى، ومثلوه بالشهادة على الزنا ليس لها صحة وكمال بل الجواز ~~فقط. وإذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا شهادة لمقذوف» ، معناه لا تجوز، ~~وليس للشهادة حكم آخر سوى الجواز، وأما ماله حكمان كالفعل الخطأ، فإن فيه ~~الإثم وإلزام الضمان؛ فيتعين الإجمال حتى يدل دليل على أن المراد الإثم دون ~~الضمان، وإذا فرعنا على هذه الطريقة وقلتم إن المسمى الشرعي ينتفي، فكيف ~~يقول صاحب الشرع هذه صلاة فاسدة، فنجمع بين قولنا صلاة وفاسدة، مع أن ~~الصلاة الفرض انتفت. # وأجابوا عن هذا بأن المراد الصلاة اللغوية، بمعنى أن الصلاة اللغوية التي ~~هي الدعاء فسدت عن أن تكون شرعية، فهذا معنى فسادها، وإلا فالدعاء في نفسه ~~لم يفسد حيث يقضى بالفساد لعدم الطهارة مثلا، فهذا جواب عن سؤال مقدر. # PageV01P277 ### | الفصل الثالث في أقسامه # المبين إما بنفسه كالنصوص والظواهر وإما بالتعليل كفحوى الخطاب أي ~~باللزوم كالدالة على الشروط والأسباب والبيان، إما بالقول أو بالفعل ~~كالكتابة أو الإشارة، أو # بالدليل العقلي أو بالترك، فيعلم أنه ليس واجبا، أو بالسكوت بعد السؤال، ~~فيعلم عدم الحكم الشرعي في تلك الحادثة. # وجه التعليل أن الله ms234 تعالى لما قال: «ولا تقل لهما أف» (1) فهمنا أن علة ~~هذا النهي هو العقوق، ونحن نعلم أن العقوق بالضرب أشد فنأخذ من تحريم ~~التأفيف تحريم الضرب بطريق الأولى، فصار تحريم الضرب بينا بسبب التعليل، ~~وقد تقدم بيان تسميته فحوى الخطاب. # والشرط المدلول عليه التزاما كما تقول فلان صلى صلاة شرعية، يفهم بطريق ~~اللزوم حصول الطهارة والسترة وغيرهما مما هو متعين في الصلاة. # والدلالة على الأسباب كدلالة الاحتراق على وجود النار، والري على وجود ~~الماء، والشبع على وجود الأكل دلالة ظاهرة. # مثال البيان بالقول قوله عليه الصلاة والسلام: «فيما سقت السماء العشر» ~~في بيان قوله تعالى: «وآتوا حقه يوم حصاده» (2) . # مثال البيان بالفعل تبيينه عليه الصلاة السلام قوله تعالى: «ولله على ~~الناس حج البيت» (3) بحجه عليه الصلاة والسلام. وبيان جبريل عليه الصلاة ~~والسلام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوقات الصلاة، بأن صلى به، ~~وبيانه عليه الصلاة والسلام الشهر وقال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا وقبض ~~أصبعه في الثالثة» أي تسع وعشرون. PageV01P278 # ومثال البيان بالإشارة ما جاء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشار ~~بيده نحو المشرق وقال: «الفتنة من هنا من حيث يطلع قرن الشيطان» . وأشار ~~عليه الصلاة والسلام إلى الحرير في يده وقال: «هذا حرام على ذكور أمتي» . # ومثال البيان بالكتابة تبيينه عليه الصالة والسلام نصب الزكاة في كتاب ~~عمر ابن حزم وغيره من الكتب في مقادير الزكاة ومقادير الديات. # ومثال البيان بالدليل العقلي تبيين قوله تعالى: «الله خالق كل شيء» (1) ~~بما دل العقل عليه من استحالة تعلق هذا النص بذات الله تعالى وصفاته، ومنه ~~التخصيص بالقياس فإنه من أدلة العقل. # ومثال البيان بالترك ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن الشرب ~~قائما ثم فعله وترك الجلوس، فدل ذلك على أن الجلوس في الشرب ليس واجبا بل ~~مندوبا، وكتركه عليه الصلاة والسلام للجلسة الوسطى لما قام من اثنتين، ~~فيعلم عدم وجوبها. # ومثال السكوت بعد السؤال قصة عويمر العجلاني لما سأل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن ms235 شأن # امرأته وأنه رأى منها ما يسوءه فلم يجبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وسكت، فدل ذلك على عدم حكم اللعان، ثم نزلت آية اللعان، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: «قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآن» ولاعن بينهما. # فائدة: يمكن البيان من الله تعالى بالقول، وأما بالفعل والكتابة ~~والإشارة، فقد صرح الإمام فخر الدين على استحالة البيان بها على الله ~~تعالى، لأنه ذكره في الإشارة بمعنى يشمل الثلاثة، وفيما قاله نظر، بسبب أنه ~~صرح بإمكان البيان بالقول من الله تعالى، والقول يستحيل عليه تعالى، لأن ~~المراد به الحروف والأصوات الدالة على الكلام النفسي، وهذا يستحيل قيامه ~~بذات الله تعالى، وإنما يبين به إذا خلقه في بعض مخلوقاته كجبريل عليه ~~الصلاة والسلام، أو من PageV01P279 # شاء الله تعالى، وأما الكلام النفساني الذي هو قائم بذات الله تعالى فلا ~~يمكن البيان به، لأن الصفات الربانية كلها مدلولة دلالة، وإنما يدلنا ما ~~ظهر لحواسنا، والذي يظهر لحواسنا في مجاري العادات إنما هو اللساني لا ~~النفساني، وإذا تعذر تجويز البيان على الله تعالى بالبيان القولي وأنه ~~يخلقه في بعض عباده، جاز أن يبين تعالى بالفعل والكتابة والإشارة، بأن يخلق ~~هذه الأمور في بعض مخلوقاته، ويقع بيانا كما قلناه في الأصوات، ولا فرق ~~بينهما إلا في الصورة. ### | الفصل الرابع في حكمه # يجوز ورود المجمل في كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~خلافا لقوم، لنا أن آية الجمعة وآية الزكاة مجملتان وهما في كتاب الله ~~تعالى. # حجة المنع أن الوارد في الكتاب والسنة إما أن يكون المراد به الإفهام أو ~~لا، والثاني عبث، والأول إما أن يكون مع ذلك المجمل بيانه أو لا، والأول ~~تطويل بغير فائدة، وإن لم يكن معه بيانه جاز أن لا يصل إلى السامع فيلزم ~~التضليل وكل ذلك مفسدة ينزه الكتاب والسنة عنها. # وجوابه: أن عندنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يستحيل عليه ~~تعالى إيقاع المكلف في الجهالة والضلالة، وأما على أصول المعتزلة ونحن أيضا ~~- إذا سلمنا ms236 ذلك - فلنا أن نقول في ذلك فوائد ومصالح: إحداها امتحان العبد ~~حتى يظهر تثبته وفحصه عن البيان فيعظم أجره، أو إعراضه فيظهر تخلفه ~~وعصيانه. وثانيتها: إذا ورد المجمل وورد بعده البيان ازداد شرف العبد بكثرة ~~مخاطبة سيده له. وثالثتها: أن الحروف إذا كثرت الأجور لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «من قرأ القرآن وأعربه كان له بكل حرف عشر حسنات» ، # ويعظم أيضا أجر الحفظ والضبط والكتابة وغير ذلك. فهذه مصالح تترتب على ~~الإجمال. # PageV01P280 # ويجوز البيان بالفعل خلافا لقوم. وإذا تطابق القول والفعل فالبين القول ~~والفعل مؤكد له، وإن تنافيا نحو قوله عليه الصلاة والسلام: «من قرن الحج ~~إلى العمرة فليطف لهما طوافا واحدا» وطاف عليه الصلاة والسلام لهما طوافين، ~~فالقول مقدم لكونه يدل بنفسه، ويجوز بيان المعلوم بالمظنون خلافا للكرخي. # حجة المنع من البيان بالفعل أن الفعل تطويل، وتأخير البيان مع إمكانه ~~وتيسره عبث من المبين وهو على الله تعالى محال. # جوابه: أن البيان بالقول قد يكون أطول من البيان بالفعل كالأشياء الغامضة ~~الدقيقة فإنها لا تظهر بألفاظ كثيرة وتكرار كثير جدا، ومجرد الفعل مرة ~~واحدة يصير ضرورية عند من شاهد ذلك الفعل، سلمنا أنه أطول لكنه قد وقع كما ~~تقدم بيانه في الحج وغيره، ثم ما فيه من التطويل معارض بأن البيان بالفعل ~~أقوى عند النفس وأثبتن ولذلك أن الصنائع تنضبط بمشاهدة الأفعال دون الأقوال ~~المجردة، كالتجارة والصياغة وغيرهما، وإنما قدم القول على الفعل في البيان، ~~لأن القول يدل بمجرد الوضع، والفعل لا يدل إلا بالقول الدال على كونه ~~دليلا، كما دل قوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه» (1) ولولا ذلك لم يكن ~~الفعل حجة، وما هو حجة بنفسه أولى مما لا يكون حجة بنفسه. # وتمثيلي بكونه عليه الصالة والسالم طاف لهما طوافين، مبني على أنه عليه ~~الصلاة والسلام كان في حجة الوداع متمتعا، وهي مسألة ثلاثة أقوال: قيل ~~متمتعا، وقيل مفردا، وقيل قارنا. والإمام فخر الدين مثل بذلك فاتبعته. # وأما بيان المعلوم بالمظنون فيريد به بيان المتواتر بالآحاد، وذلك كما ~~بين ms237 عليه الصلاة والسلام: «فيما سقت السماء العشر» ومعنى ذلك أن الحديث إذا ~~بلغ إلينا جاز أن نعتمد عليه في البيان، وإن PageV01P281 # كان بالنسبة إلينا مظنونا لأنه في زماننا خبر واحد، وأما من سمع هذا ~~الحديث من الصحابة - رضوان الله عليهم - فهو عندهم مقطوع لا مظنون، لأن ~~التواتر لا يزيد على المباشرة. # حجة الكرخي أن المظنون يقصر على المقطوع فلا يعتمد عليه، وكذلك تخصيص ~~القرآن بالقياس. # وجوابه: أن المقطوع في سنده قد يكون مظنونا في دلالته، كما تقول في ~~عمومات القرآن مقطوعة السند مظنونة الدلالة، فقد اشتركا في الظن، والبيان ~~أخص، والأخص أقوى من الأعم، فما قدمنا إلا ما هو أقوى لا ما هو أضعف. ### | الفصل الخامس في ورقته # من جوز تكليف ما لا يطاق، جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وتأخيره عن ~~وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز عندنا، سواء كان الخطاب ظاهرا وأريد خلافه، ~~أو لم يكن، خلافا لجمهور المعتزلة إلا في النسخ، لأنهم وافقوا على النسخ، ~~ومنع أبو الحسين منه فيما له ظاهر أريد خلافه، وأوجب تقديم البيان الإجمالي ~~دون التفصيلي، بأن يقول هذا الظاهر ليس مرادا. # مثال هذه المسألة أن يقول الله تعالى في رمضان: «فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين» (1) فرمضان وقت الخطاب، وأول صفر هو وقت الحاجة، فلا ~~يجوز تأخيره عن المحرم إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطلق، ومذهبنا لا يحيله، ~~بهذا العام الخصوص، وأن لا نقتل النسوان والرهبان وغيرهم، ومع ذلك نقتلهم ~~لعدم البيان، ونأثم لعدم الإذن في نفس الأمر في قتلهم، فيكون هذا تكليف ما ~~لا يطاق، وهو أن نأثم بما لا نعلمه. PageV01P282 # وأما تأخيره عن وقت الخطاب ففيه ثلاثة مذاهب: الجواز لنا، والمنع ~~للمعتزلة، والتفصيل لأبي الحسين كما تقدم. # ومنشأ الخلاف بين الفرق أن الجهل مفسدة إجماعا، فعند المعتزلة أن الله ~~تعالى يستحيل عليه أن يوقع عبده في مفسدة فلا يؤخر البيان عن وقت الخطاب ~~نفيا لهذه المفسدة، وعندنا لله تعالى أن يفعل في ملكه ما يشاء، وأبو الحسين ~~توسط بيننا ms238 وبين فرقة المعتزلة فقال: الجهل قسمان بسيط ومركب، فالبسيط أن ~~يجهل ويعلم أنه جاهل، كما إذا سئلنا عن عدد شعر رؤوسنا فإنا نقول نحن نعلم ~~جهلنا به. والمركب: كاعتقاد الكفار والضلال، فإنهم جهلوا الحق في نفس ~~الأمر، وجهلوا أنهم جاهلون، بل يعتقدون أنهم على بصيرة، والمركب أعظم مفسدة ~~م البسيط لتركبه من جهلين، وهو يمكن سلامة البشر منه، أما البسيط فيستحيل ~~خلو الخلق عنه لأن الإحاطة صفة لله وحده. # فيقول أبو الحسين أجوز على الله تعالى إيقاع عباده في الجهل البسيط لخفته ~~دون المركب لفرط قبحه فيما لا ظاهر له، كاللفظ المشترك إذا تأخر فيه البيان ~~إلى وقت الحاجة، إنما يقع العبد في الجهل البسيط، وهو كونه لا يعلم مراد ~~الله تعالى وذلك لا ضرر فيه لأنه من لوازم العبد، وأما ماله ظاهر كالعموم ~~الذي أريد به الخصوص، فمتى تأخر البيان فيه عن وقت الخطاب اعتقد السامع أنه ~~مراد الله تعالى، مع أنه ليس مراده، وذلك جهل مركب أحيله # على الله تعالى، فيجب تعجيل البيان الإجمالي؛ بأن يقول الله تعالى الظاهر ~~ليس مراد، فيذهب الجهل المركب ويبقى البسيط فقط، فتأخر بيانه التفصيلي إلى ~~وقت الحاجة، فهذا هو منشأ الخلاف بين الفرق. # وأما اتفاقهم معنا على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة عن وقت الخطاب، ~~فسببه أن النسخ يستحيل أن يقع إلا هكذا، فإنه لو تعجل بيانه وقت الخطاب، ~~ويقول الله تعالى: سأنسخ عنكم وقوف والواحد للعشرة بعد سنة، صار هذا الخطاب ~~مغيا بهذه الغاية وينتهي بوصوله إلى غايته، ولا يكون # PageV01P283 # نسخا، كما ينتهي الصوم بوصوله إلى غايته التي هي الليل، ولا يكون نسخا ~~لقوله تعالى: «ثم أتموا الصيام إلى الليل» (1) فمن ضرورة النسخ تأخير ~~البيان عنه، لذلك وافقوا عليه، وغيره من البيانات ليس ذلك من ضروراته، ~~وبهذا الفرق يجيبون إذا قسنا نحن تأخير غيره من البيانات عليه، وألزمناهم ~~إياه. حجتنا في جواز تأخير البيان مطلقا قوله تعالى: «فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه، ثم إن عليا بيانه» (2) وكلمة (ثم) للتراخي، فدل ذلك ms239 على جواز تأخير ~~البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. # وثانيها: قوله تعالى في قصة بقرة بني إسرائيل: «إنها بقرة لا فارض - إنها ~~بقرة صفراء - إنها بقرة ذلول» (3) فتصرف إلى ما أمروا به من ذبح البقرة، ~~وهم لم يؤمروا إلا ببقرة منكرة والمراد بها معينة، فيحتاج إلى البيان، ويدل ~~على أنها كانت معينة قوله تعالى: «إنها إنها» والأصل في الضمائر أن تعود ~~إلى الظواهر، فهذا بيان تأخر عن وقت الخطاب، بل عن وقت الحاجة، لأنهم كانوا ~~محتاجين إلى ذبح البقرة ليتبين أمر القتيل، وترتفع الفتنة التي كانت بينهم، ~~والخصومات في أمر القتيل. # وثالثها: قوله تعالى: «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون» (4) لما نزلت قال ابن الزبعري لأخصمن اليوم محمدا، فقال يا محمد قد ~~عبدت الملائكة وعبد المسيح، فنزل قوله تعالى: «إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون» (5) فهذا تخصيص وبيان لم يتقدم فيه بيان إجمالي ~~ولا تفصيلي. # ورابعها: أن الله تعالى يأمر المكلفين بأمر في المستقبل، مع أن بعضهم قد ~~يموت قبل الفعل، فذلك الشخص لم يكن مرادا بالعموم ولم يتقدم بيانه، احتج ~~أبو الحسين بأن العموم خطاب لما في الحال، فإن لم يقصد إفهامنا في الحال ~~فهو عبث، وإن PageV01P284 # قصدوا إفهامنا الظاهر فهو إغراء بالجهل وهو لا يجوز على الله تعالى، أو ~~غير الظاهر وهو تكليف ما لا يطاق، لأن فهم غير الظاهر بغير بيان محال، ~~فتعين تقديم الباين الإجمالي خلوصا من الجهل. # الثاني لو جوزنا تأخير البيان مطلقا فيما له ظاهر لم يكن لنا طريق إلى ~~معرفة وقت الفعل، فإنه إذا قال افعلوا غدا فيجوز أن يريد بقوله غدا ما بعده ~~مجازا، ولم يبينه لنا فلا نثق بوقت البتة. # والجواب عن الأول: أن الجهل لا يستحيل امتحان الله تعالى الخلق به على ~~أصولنا. وعن الثاني: أنا نكتفي بالظاهر المفيد للظن طابق أم لا، فإن ادعيت ~~أنه لا بد من اليقين فممنوع. # ويجوز له عليه الصلاة والسلام تأخير ما يوحى إليه إلى ms240 وقت الحاجة، لنا ~~قوله تعالى: «فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه» (1) وكلمة ثم ~~للتراخي فيجوز التأخير وهو المطلوب. # لنا أن التبليغ يقتضي المصلحة فقد تكون في التعجيل وقد تكون في التأخير، ~~ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام لو أوحي إليه بقتال أهل مكة بعد سنة كانت ~~المصلحة تتقاضى تأخير ذلك إلى وقته لئلا يستعد العدو للقتال ويعظم الفساد، ~~ولذلك أنه عليه السلام لما أراد قتالهم قطع الأخبار عنهم وسد الطرق حتى ~~دهمهم، وكان ذلك أيسر لأخذهم وقهرهم، فكذلك يجوز تأخير الإبلاغ في بعض ~~الصور بل يجب. ### | الفصل السادس في المبين # يجب البيان لمن أريد إفهامه فقط، ثم المطلوب قد يكون علما فقط كالعلماء ~~بالنسبة إلى الحيضن أو عملا فقط كالنساء بالنسبة إلى أحكام الحيض ~~PageV01P285 # وفقهه، أو العلم والعمل كالعلماء بالنسبة إلى أحوالهم، أو لا علم ولا عمل ~~كالعلماء بالنسبة إلى الكتب السالفة، ويجوز إسماع المخصوص بالعقل من غير ~~التنبيه عليه وفاقا، والمخصوص بالسمع بدون بيان مخصص عن النظام وأبي هاشم، ~~واختاره الإمام، خلافا للجبائي وأبي الهذيل. # من لم يرد إفهامه لا حاجة إلى البيان له، ولا يمتنع، وقولهم إن النساء ~~أردن بالعمل فقط، غير متجه بسبب أن النساء أيضا مأمورات بتحصيل العلم، ~~فكذلك من سلف هذه الأمة عائشة رضي الله عنها التي قال فيها عليه الصلاة ~~والسلام: «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء» وكانت من سادات الفقهاء، وكذلك ~~جماعة من نساء التابعين وغيرهم، غاية ما في الباب أن التقصير عن رتبة العلم ~~ظهر في النساء أكثر، وذلك لا يبعثنا على أن نقول المطلوب منهن العمل فقط، ~~بل الواقع اليوم ذلك، إما أنه حكم الله فغير ظاهر، وقولي أو العلم # والعمل كالعلماء بالنسبة إلى أحوالهم مبني على أن المجتهد لا يجوز له أن ~~يقلد، بل يحصل العلم بتلك المسألة، ويعمل بمقتضى ما حصل له، فإن قلت ~~المتحصل بالاجتهاد إنما هو الظن فقط، فلم سميته علما؟ قلت تقدم أن الحكم ~~الشرعي معلوم من جهة انعقاد الإجماع، على أن ما غلب ms241 على ظنه فهو حكم الله ~~في حقه وحق من قلده إذا حصل له سببه، فصار الحاصل له علما بهذا الطريق، ~~وأما الكتب السالفة فلم يؤمر بتعلمها لعدم صحتها وأدبا مع الأفضل منها وهو ~~القرآن، ولا العمل بما فيها من حيث هو فيها لعدم الصحة، وإنما نعمل بما ~~فيها من حيث دلالة شرعنا على اعتباره من العقائد والقواعد الكلية وغيرها من ~~الفروع، أما من جهة تلك الكتب فلا وإنما حصل الاتفاق على إسماع المخصوص ~~بالفعل، من جهة تلك الكتب فلا وإنما حصل الاتفاق على إسماع المخصوص بالفعل، ~~من جهة أن العقل حاصل في الطباع فيحصل البيان بالتأمل، فتأخره إنما هو من ~~جهة تفريط المكلف، لا من جهة المتكلم، وأما المخصص السمعي فليس في الطباع، ~~والمكلف إذا لم يسمعه معذور. # سؤال: ما الفرق بين هذه المسألة، وبين مسألة تأخير البيان دون وقت الخطاب ~~المتقدمة. # PageV01P286 # جوابه: أن تلك المسألة مفروضة فيما إذا لم ينزل البيان البتة، وهذه إذا ~~نزل، ولكن سمعه البعض فقط والذي لم يسمعه هو صورة النزاع. # لنا أن أحدنا قد يسمع العموم ولا يسمع مخصصه، وذلك معلوم من الدين ~~بالضرورة، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن في تبليغه يطوف ~~على القبائل حتى يستوعب أنواعهم وأشخاصهم بكل حكم، بل يبلغ من حيث الجملة، ~~ويقول: «بلغوا عني ولو آية، فرحم الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها فأدها كما ~~سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» ، وهذا يدل على أنه كان يسمع البعض ~~فقط، وذلك معلوم من حاله عليه الصلاة والسلام بالضرورة، فيكون أكثر ~~المكلفين لم يسمع المخصص وهو صورة النزاع. # احتج الخصم بأن ذلك يفضي إلى اعتقاد السامع الحكم على خلاف ما هو عليه، ~~وأنه مفسدة لا تليق بالحكيم. # وجوابه: أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # PageV01P287 ### | الباب الثالث عشر في فعله عليه الصلاة والسلام # وفيه ثلاثة فصول ### | الفصل الأول في دلالة فعله عليه الصلاة والسلام # إن كان بيانا لمجمل فحكمه حكم ذلك المجمل في الوجوب أو ms242 الندب أو الإباحة ~~وإن لم يكن بيانا وفيه قربة فهو عند مالك رحمه الله تعالى والأبهري وابن ~~القصار والباجي وبعض الشافعية للوجوب، وعند الشافعي للندب، وعند القاضي أبي ~~بكر هذا والإمام وأكثر المعتزلة على الوقف، وأما ما لا قربة فيه كالأكل ~~والشرب فهو عند الباجي للإباحة، وعند بعض أصحابنا للندب وأما إقراره عن ~~الفعل فبدل على جوازه. # البيان يعد كأنه منطوق به في ذلك المبين، فبيانه عليه الصلاة والسلام ~~الحج الوارد في كتاب الله تعالى يعد منطوقا به في آية الحج، كأن الله تعالى ~~قال: «ولله على الناس حج البيت» (1) على هذه الصفة، وكذلك بيانه عليه ~~السلام لآية الجمعة فعلها بخطبة وجماعة وجامع وغير ذلك، فصار معنى الآية: ~~«يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة» التي هذا شأنها «من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله» (2) وإذا كان البيان يعد منطوقا به في المبين كان ~~حكمه حكم ذلك المبين إن واجبا فواجب أو مندوبا فمندوب أو مباحا فمباح، وحجة ~~الوجوب القرآن والإجماع والمعقول. # أما القرآن فقوله تعالى: «وما أتاكم الرسول فخذوه» (3) والفعل ما أتى به، ~~فوجب أخذه، لأن ظاهر الأمر الوجوب وقوله تعالى: «إن كنتم تحبون الله ~~PageV01P288 # فاتبعوني يحببكم الله» (1) جعل تعالى اتباع نبيه من لوازم محبتنا الله، ~~ومحبتنا الله تعالى واجبة، ولازم الواجب واجب؛ فاتباعه عليه الصلاة والسلام ~~واجب، وقوله تعالى «فاتبعوه» والأمر للوجوب. # وأما الإجماع فلأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لما أخبرتهم عائشة ~~رضي الله عنها بأنه عليه الصلاة والسلام اغتسل من النقاء الختانين رجعوا ~~إلى ذلك بعد اختلافهم، وذلك يدل على أنه عندهم محمول على الوجوب، ولأنهم ~~واصلوا الصيام لما واصل، # وخلعوا نعالهم لما خلع عليه الصلاة والسلام، وكانوا شديدين الاتباع له ~~عليه الصلاة والسلام في أفعاله. # وأما المعقول فمن وجهين: الأول أن فعله عليه الصلاة والسلام يجوز أن يكون ~~المراد به الوجوب، ويجوز أن لا يكون، والاحتياط يقتضي حمله على الوجوب. ~~الثاني: أن تعظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجب إجماعا والتزام ~~مثل فعله على ms243 سبيل الوجوب من تعظيمه فيتعين. # حجة الندب أن الأدلة السابقة دلت على رجحان الفعل، والأصل الذي هو براءة ~~الذمة دل على عدم الحرج فيجمع بين المدركين، فيحمل على الندب. # ووجوابه، أن ذلك الأصل ارتفع بظواهر الأوامر الدالة على الوجوب. # حجة الوقف، تعارض المدارك ولأنه عليه الصلاة والسلام قد يفعل ما هو خاص ~~به وما يعمه مع أمته والأصل التوقف حتى يرد البيان. # والجواب عن الأول قد ذهب التعارض بما تقدم من الجواب عن أدلة الخصوم وعن ~~الثاني: أن الأصل استواؤه عليه الصلاة والسلام مع أمته في الأحكام إلا ما ~~دل الدليل عليه حجة الإباحة فيما لا قربة فيه، أن الأصل أن الطلب يتبع ~~المصالح والقربات ولا قربة فلا مصلحة فتعنيت الإباحة لعصمته عليه الصلاة ~~والسلام من المنهي عنه، أو لأنه خلاف ظاهر حالة عليه الصلاة والسلام. حجة ~~الندب: PageV01P289 # ظواهر الأوامر الدالة على جميع ما أتى به كما تقدمت، ومثال إقراره عليه ~~الصلاة والسلام الدال على الجواز أنه عليه الصلاة والسلام مر في مخرجه ~~للهجرة براع، فذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأتاه منه بلبن فلم ينكر ~~ذلك عليه، فدل ذلك على جوازه، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~والناس يأكلون أنواعا من الملاذ من لحوم الأنعام والفواكه وغيرها، وكذلك ~~المراكب وغيرها ولم ينكرها عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على إباحتها إلا ~~ما دل الدليل على منعه. ### | الفصل الثاني في اتباعه عليه الصلاة والسلام # قال جماهير الفقهاء والمعتزلة يجب اتباعه عليه الصلاة والسلام في فعله ~~إذا علم وجهه وجب اتباعه في ذلك الوجه، لقوله تعالى: «وما أتاكم الرسول ~~فخذوه» (1) والأمر ظاهر في الوجوب، وقال أبو علي بن خلاد به في العبادات ~~فقط، وإذا وجب التأسي به وجب معرفة وجه فعله من الوجوب والندب والإباحة، ~~إما بالنص أو بالتخيير # بينه وبين غيره فيما (2) علم فيه وجهه فيسوى به، أي بما يدل على نفي ~~قسمين فيتعين الثالث، أو بالاستصحاب في عدم الوجوب، أو بالقربة على عدم ~~الإباحة فيحصل الندب، وبالقضاء ms244 على الوجوب وبالإدامة مع الترك في بعض ~~الأوقات على الندب وبعلامة الوجوب عليه كالأذان، ويكون جزاء لسبب الوجوب ~~كالنذر. # معنى يجب اتباعه في ذلك الوجه أي إن فعله على وجه الندب وجب علينا أن ~~نفعله على وجه الندب، أو فعله عليه الصلاة والسلام على وجه الوجوب وجب ~~علينا أن نفعله كذلك، إذ لو خالفناه في النية ذهب الاتباع، ووجه ~~PageV01P290 # تخصيص الوجوب بالعبادات قوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم ~~وصلوا كما رأيتموني أصلي» وظاهر المنطوق الوجوب، لأنه أمر، ومفهومه أن غير ~~المذكور لا يجب وهو المطلوب، ولحديث بريرة قالت: «يا رسول أفأمر منك أم ~~تشفع، قال إنما أنا أشفع، فقالت لا حاجة لي به» ، فدل على أن ما عدا الأمر ~~الجازم لا يجب الاتباع فيه، وأصل التخيير التسوية، فإذا خير بين ذلك الفعل ~~وبين ما علم وجوبه كان ذلك الفعل واجبا، أو خير بينه وبين مندوب كان ذلك ~~الفعل مندوبا، أو بينه وبين ما معلمت إباحته كان ذلك الفعل مباحا. # سؤال: قال بعض فضلاء العصر: قول العلماء التخيير يقتضي التسوية يشكل بأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى ليلة الإسراء بقدحين أحدهما لبن ~~والآخر خمر، وخير بينهما فاختار اللبن، فقال له جبريل عليه الصلاة والسلام ~~لو اخترت الخمر لغويت أمتك، فالخمر موجب للإغواء، ومع ذلك خير بينة وبين ~~موجب الهداية وهو اللبن، وموجب الهداية مأمور به، وموجب الغي والإغواء منهي ~~عنه، فقد وجد التخيير لا مع الاستواء في الأحكام. # جوابه: أن الحكم الشرعي كان في القدحين واحدا، وهو الإباحة، غير أن ~~الشيئين قد يستويان في الحكم الشرعي، فيكون اختلافهما بحسب العاقبة لا بحسب ~~الحكم الشرعي، كما انعقد الإجماع على جواز بناء ما شئنا من الدور وشراء ما ~~شئنا من الدواب وزواج ما شئنا من النساء، ومع ذلك إذا عدل الإنسان عن إحدى ~~هذه إلى غيرها أمكن أن يقول له صاحب الشرع: لو اخترت تلك الدار أو الدابة ~~أو المرأة لكانت مشئومة، كما جاء في الحديث، وإن كان للعلماء فيه ms245 خلاف في ~~تأويله، غير أن ذلك لا يمنع التمثيل، فإنه يكفي الإمكان، فما يتوقع في ~~العواقب لا يغير الحكم الشرعي، كذلك القدحان حكمهما الإباحة، وأخبر جبريل ~~عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى ربط بأحدهما حسن العاقبة وبالآخر سوء ~~العاقبة وذلك غير الأحكام الشرعية. # نعم: لو قال جبريل عليه السلام لو اخترت الخمر لأثمت أشكل. أما العواقب # PageV01P291 # فلا تناقض تقدم الإباحة، وقولي أو ما يدل على نفي قسمين فيتعين الثالث، ~~معناه أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقع في فعله محرم لعصمته، ~~ولا مكروه لظاهر حاله، فلم يبق إلا الوجوب والندب والإباحة فهي ثلاثة، إذا ~~دل الدليل على نفي اثنين منها تعين الثالث لضرورة الحصر، فإذا ذهبت الإباحة ~~والندب تعين الوجوب، أو الوجوب والإباحة تعين الندب، أو الندب والوجوب ~~تعينت الإباحة. # ومعنى الاستصحاب في عدم الوجوب وبالقربة على عدم الإباحة أي من وجوه ~~الاستدلال أن نقول هذه قربة لأنها صلاة أو صيام مثلا، فلا تكون مباحة، لأن ~~الصلاة في هذه الأبواب عدم الإباحة، والأصل أيضا عدم الوجوب فيتعين الندب ~~وبالقضاء على الوجوب، هذا على مذهب مالك أن النوافل لا تقضى. وأما على ~~قاعدة الشافعي رضي الله عنه أن العيدين يقضيان، وكل نافلة لها سبب، فلا ~~يقدر أن يقول هذا الفعل قضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكون ~~واجبا، لأن القضاء ليس من خصائص الوجوب، وإنما يأتي ذلك على مذهب مالك ومن ~~قال بقوله، وأما كون الأذان لا يكون غلا في واجب فظاهر، فإذا بلغنا أنه ~~عليه الصلاة والسلام أمر بالأذان للصلاة، قلنا: تلك الصلاة واجبة لوجود ~~خصيصية الوجوب، وإذا بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نذر صلاة ~~أو غيرها من المندوبات وفعلها قضينا على ذلك الفعل بالوجوب، لأن فعل ~~المنذور واجب، فهذه وجوه من الاستدلال على حكم أفعاله عليه الصلاة والسلام ~~إذا وقعت. # تفريع: إذا وجب الاتباع وعارض قوله عليه الصلاة والسلام فعله فإن تقدم ~~القول وتأخر الفعل نسخ الفعل القول كان القول خاصا به أو ms246 بأمته أو عمهما، ~~وإن تأخر القول وهو عام له ولأمته أسقط حكم الفعل عن الكل، وإن اختص ~~بأحدهما خصصه على عموم حكم الفعل، وإن تعقب الفعل القول من غير تراخ وعم ~~القول له ولأمته عليه الصلاة والسلام وخصصه عن عموم القول، وإن اختص بالأمة ~~ترجح القول لاستغنائه بدلالته عن غيره من غير عكس، فإن عارض الفعل الفعل ~~بأن يقر شخصا على فعل فعل هو عليه الصلاة والسلام ضده فيعلم خروجه عنه. # PageV01P292 # [أو يفعل ضده فيعلم خروجه عنه] (1) أو يفعل ضده في وقت آخر يعلم لزوم ~~مثله له فيه فيكون نسخا للأول. # القاعدة: أن الدليلين الشرعيين إذا تعارضا، وتأخر أحدهما عن الآخر كان ~~المتأخر ينسخ المتقدم، ولذلك قلنا ينسخ الفعل القول إذا تأخر، فإن كان خاصا ~~به والفعل أيضا منه # حصل النسخ، والخاص بأمته يتقرر حكمه سابقا ثم يأتي الفعل بعد ذلك، ويجب ~~تأسيهم به عليه الصلاة والسلام فيتعلق بهم حكم الفعل أيضا، وهو مناقض لما ~~تقدم في حقهم ن القول، فنسخ اللاحق الاسبق في حقهم أيضا، لأنه القاعدة، ~~وكذلك إذا عمهما، وحكم الفعل أيضا يعمهما. أما هو عليه الصلاة والسلام ~~فلأنه المباشر له، ولا يباشر شيئا إلا وهو يجوز له عليه الصلاة والسلام ~~الإقدام عليه، وأما هم فلوجوب تأسيهم به واندراجهم في كل ما شرع له عليه ~~الصلاة والسلام إلا ما دل الدليل عليه، فيتناقض ما تقدم في حقهم من دلالة ~~القول، فينسخ الفعل المتأخر القول المتقدم عنه وعنهم. # وبهذا يظهر أن القول إذا تأخر عن الفعل نسخه بطريق الأولى إذا عمهما، ~~لأنه أقوى من الفعل والأقوى أولى بالنسخ للأضعف من غير عكس، فإن اختص القول ~~بأحدهما أخرجه عن عموم حكم الفعل، وبقي الآخر على حكم الفعل لعدم معارضة ~~القول له في ذلك القسم، والنسخ لا بد فيه من التعارض، فإن تعقب الفعل القول ~~من غير تراخ تعذر في هذه الصورة النسخ، لأن من شرط النسخ التراخي على ما ~~سيأتي، وإذا تعذر النسخ لم يبق إلا التخصيص، فإذا كان النص ms247 عاما له ولأمته ~~عليه الصلاة والسلام خصصه هو عليه الصلاة والسلام عن عموم ذلك القول، فيعلم ~~أنه عليه الصلاة والسلام غير مراد بالعموم، وإن اختص القول بالأمة، والفعل ~~أيضا شأنه أن يترتب في حقهم حكمه وهما متناقضان متعارضان فيقدم القول على ~~الفعل لقوته، لأن دلالته بالوضع فلا يفتقر إلى دليل يدل على أنه حجة بخلاف ~~الفعل، لولا قوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه» (2) ونحوه تعذر علينا ~~نصيب الفعل دليلا، وإذا فعل عليه الصلاة والسلام فعلا وعلم بالدليل أن غيره ~~مكلف بذلك الفعل، ثم يرى PageV01P293 # غيره يفعل ضد ذلك الفعل، فيعلم أن هذا الفاعل لهذا الضد خارج عن حكم ذلك ~~الفعل المتقدم، ويبقى غير هذا الذي أقره عليه الصلاة والسلام يلزمه فعل في ~~وقت فيراه قد فعل ضد ذلك الفعل في ذلك الوقت، فيعلم نسخه عنه عليه الصلاة ~~والسلام في ذلك الوقت وما بعده، فهذا هو معنى المسالتين الأخيرتين في هذا ~~الفصل. # فائدة: قال الإمام فخر الدين: التخصيص والنسخ في الحقيقة ما لحق إلا ~~الدليل الدال على وجوب التأسي، فإنه يتناول هذه الصورة وقد خرجت منه. # سؤال: قال العلماء من شرط الناسخ أن يكون مساويا للمنسوخ أو أقوىن والفعل ~~أضعف، فكيف جعلوه في هذا المقام ناسخا مع ضعفه عن المنسوخ؟ # جوابه: أن المراد بالمساواة المساواة في السند لا غير، وذلك لا يناقض ~~كونه فعلا، # وكذلك يجب أن يفصل في هذه المسألة فيقال القول والفعل إن كانا في زمانه ~~عليه الصلاة والسلام وبحضرته فقد استويا، وإن نقلا إلينا تعين أن لا يقضى ~~بالنسخ غلا بعد الاستواء في نقل كل واحد منهما، فإن كان أحدهما متواترا ~~والآخر آحادا منعنا نسخ الآحاد للمتواتر، هذا تلخيص هذا الموضع ولا بد منه. # فائدة: قال الشيخ سيف الدين في الأحكام: إذا كان الفعل لا يتكرر بل يختص ~~بذلك الزمان بأن يقول عقبيه أو تراخيا عنه: هذا الفعل لا يفعل بعد هذا ~~الوقت، ثم يرد القول بعد ذلك لا يحصل تعارض البتة. # فائدة: قال الشيخ سيف الدين أيضا: ms248 أفعاله عليه الصلاة والسلام لا يمكن ~~وقوع التعارض بينها حتى ينسخ بعضها بعضا أو يخصصه، فإن الفعلين إن تماثلا ~~وكانا في وقتين كالظهر اليوم والظهر غدا فلا تعارض، وإن اختلفا وأمكن ~~اجتماعهما كالصلاة والصوم فلا تعارض، وإن تعذر اجتماعهما لتناقض أحكامهما ~~كما لو صام في وقت وأكل في مثل ذلك الوقت لم يتعارضا أيضا، لأن الفعل لا ~~عموم له حتى يدل على لزوم ذلك الفعل في جميع الأوقات فيناقضه ضده إذا وقع ~~في تلك الأوقات الآخر، فإن دل دليل من خارج غير الفعل على أن مثل ذلك الفعل ~~يتكرر # PageV01P294 # فالتخصيص والتعارض إنما عرض لذلك الدليل الدال على التكرار، وكذلك إقراره ~~عليه الصلاة والسلام لبعض الأمة على الترك مع القدرة على الفعل، والعلم به ~~لا يكون مخصصا وناسخا إلا للدليل الدال على تكرار ذلك الفعل. # قال الغزالي في المستصفى لا يتصور التعارض بين الأفعال بما هي أفعال ~~البتة، لأن الفعلين لا يجتمعان في زمان واحد البتة، وإذا تعدد الزمان فلا ~~تعارض، بخلاف الأقوال لها صيغ تتناول بها الأزمان، فيتصور فيها التعارض. # فائدة: مهما أمكن التخصيص لا يعدل عنه إلى النسخ، لأنه أقرب إلى الأصل من ~~جهة أنه بيان المراد فليس فيه إبطال مراد، بخلاف النسخ فيه إبطال المراد. ### | الفصل الثالث في تأسيه عليه الصلاة والسلام # مذهب مالك وأصحابه أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن متعبدا بشرع من قبله ~~قبل نبوته، وقيل كان متعبدا، لنا أنه لو كان كذلك لافتخرت به أهل تلك الملة ~~وليس فليس. # هذه المسألة المختار فيها أن نقول متعبدا بكسر الباء على أنه اسم فاعل ~~ومعناه أنه عليه الصلاة واللام كان كما قيل في سيرته عليه الصلاة والسلام ~~ينظر إلى ما عليه الناس # فيجدهم على طريق لا يليق بصانع العالم، فكان يخرج إلى غار حراء يتحنث أي ~~يتعبد، ويقترح أشياء لقربها من المناسب في اعتقاده. ويخشى أن لا تكون ~~مناسبة لصانع العالم، فكان من ذلك في ألم عظيم، حتى بعثه الله تعالى وعلمه ~~جميع طرق الهداية وأوضح له ms249 جميع مسالك الضلالة، زال عنه ذلك الثقل الذي كان ~~يجده، وهو المراد بقوله: «ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك» (1) على ~~PageV01P295 # أحد التأويلات، أي النقل الذي كنت تجده من أمر العبادة والتقرب، فهذه ~~يتجه، وأما بفتحها فيقتضي أن يكون الله تعالى تعبده بشريعة سابقة، وذلك ~~يأباه ما يحكونه من الخلاف هل كان متعبدا بشريعة موسى أو عيسى فإن شرائع ~~بني إسرائيل لم تتعدهم إلى بني إسماعيل، بل كان نبي من موسى وعيسى عليهما ~~الصلاة والسلام وغيرهما إنما كان يبعثه الله إلى قومه فلا يتعدى رسالته ~~قومه، حتى نقل المفسرون أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يبعث إلى أهل مصر ~~بل لبني إسرائيل ليأخذهم من القبط من يد فرعون، ولذلك لما عدى البحر لم ~~يرجع إلى مصر ليقيم فيها شريعته، بل عرض عنهم إعراضا كليا لما أخذ بني ~~إسرائيل، وحينئذ لا يكون الله تعبد محمدا - صلى الله عليه وسلم - بشرعهما ~~البتة فبطل قولنا إنه كان متعبدا بفتح الباء بل بكسرها كما تقدم، وهذا ~~بخلافه بعد نبوته عليه الصلاة والسلام، فإنه تعبده تعالى بشرع من قبله على ~~الخلاف في ذلك بنصوص وردت عليه في الكتاب العزيز فيستقيم الفتح (1) فيما ~~بعد النبوة دون ما قبلها. # ومما يؤكد أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن متعبدا قبل نبوته بشرع أحد، أن ~~تلك الشرائع كانت دائرة لم يبق فيها ما يمكن التمسك به لأهلها فضلا عن ~~غيرهم، وهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يسافر ولا يخالط أهل الكتاب حتى ~~يطلع على أحوالهم، فيبعد مع هذا غاية البعد أن يعبد الله تعالى على تلك ~~الشرائع، ولأنه لو كان يتعبد بذلك لكان يراجع علماء تلك الشرائع، ولو وقع ~~ذلك لاشتهر. # احتج القائلون بذلك بأنه عليه الصلاة والسلام تناولته رسالة من قبله ~~فيكون متعبدا بها، ولأنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل اللحم ويركب البهيمة ~~ويطوف بالبيت، وهذه أمور كلها لا بد له فيها من مستند، ولا مستند إلا ~~الشرائع المتقدمة، خصوصا على قول الأشاعرة: أن العقل لا يفيد الأحكام وإنما ms250 ~~تفيدها الشرائع. # والجواب عن الأول: أن ما ذكرتموه إنما يتأتى في إسماعيل وإبراهيم ونوح ~~عليهم # الصلاة والسلام، لأنه عليه الصلاة والسلام من ذريتهم، أما موسى وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام فلا، وقد وقع الخلاف في هؤلاء كلهم أيهم كان يعبد ~~الله PageV01P296 # تعالى على شريعته، فأما هؤلاء الثلاثة فقد درست شرائعهم، وما درس لا يكون ~~حجة ولا يعبد الله تعالى به. # وعن الثاني: أن هذه الأفعال وإن قلنا بأن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع ~~فإنها يستصحب فيها براءة الذمة من التبعات، فإن الإنسان ولد بريئا من جميع ~~الحقوق، فهو يستصحب هذه الحالة، حتى يدل دليل على شغل الذمة بحق، فهذا يكفي ~~من مباشرته عليه الصلاة والسلام لهذه الأفعال. # فائدة: تقدم أن الصواب كسر الباء وهو الذي يظهر لي، غير أنه وقع لسيف ~~الدين في هذه المسالة كلام يدل على خلاف ذلك، وهو إن قال غير مستعبد في ~~العقد أن يعلم الله تعالى مصلحة شخص معين في تكليفه شريعة من قبله، وهذا ~~كلام يقتضي فتح الباء، فانظر في ذلك لنفسك، وأما غيره فلم أر له تعرضا ~~لذلك، فما أدري هل أغتر بالموضع فأطلق هذه العبارة في الاستدلال، أو هو أصل ~~يعتمد عليه. # فائدة: حكاية الخلاف في أنه عليه الصلاة والسلام كان متعبدا قبل نبوته ~~بشرع من قبله، يجب أن يكون مخصوصا بالفروع دون الأصول، فإن قواعد العقائد ~~كان الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعا، ولذلك انعقد الإجماع على أن ~~موتاهم في النار يعذبون على كفرهم، ولولا التكليف لما عذبوا، فهو عليه ~~الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله بفتح الباء بمعنى مكلف هذا لا مرية فيه، ~~إنما الخلاف في الفروع خاصة؛ فعموم إطلاق العلماء مخصوص بالإجماع. # قائدة: قال المازري والأبياري في شرح البرهان، والإمام، وإمام الحرمين: ~~هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول ولا في الفروع البتة، بل تجري مجرى ~~التواريخ المنقولة ولا ينبني عليهم حكم في الشريعة البتة، وكذلك قاله ~~التبريزي. # وأما بعد نبوته عليه الصلاة والسلام، فمذهب مالك وجمهور أصحابه وأصحاب ms251 ~~الشافعي وأصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليهم أنه متعبد بشرع من قبله، وكذلك ~~أمته، إلا ما خصصه الدليل ومنع من ذلك القاضي أبو بكر # PageV01P297 # وغيره، لنا قوله تعالى: «أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده» (1) وهو ~~عام لأنه اسم جنس أضيف. # شرائع من قبلنا ثلاثة أقسام: منها ما لا يعلم إلا بقولهم، كما ف لفظ ما ~~بأيديهم من التوراة أن الله حرم عليهم لحم الجدي بلبن أمه يشيرون إلى ~~المضيرة (2) ومنه ما علم بشرعنا # وأمرنا نحن أيضا به وزشرع لنا، فهذا أيضا لا خلاف أنه شرع لنا كقوله ~~تعالى: «كتب عليكم القصاص في القتلى» (3) مع قوله تعالى: «وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس بالنفس» (4) الآية. وثالثها أن يدل شرعنا على أن فعلا كان ~~مشروعا لهم ولم يقل لنا شرع لكم أنتم أيضا، فهذا هو محل الخلاف لا غير ~~كقوله تعالى حكاية عن المادي الذي بعثه يوسف عليه الصلاة والسلام: «ولمن ~~جاء به حمل بعير وأنا به زعيم» (5) فيستدل به على جواز الضمانن وكذلك قوله ~~تعالى حكاية عن شعيب وموسى عليهما الصلاة والسلام: «إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك» (6) الآية. ~~يستدل بها على جواز الإجازة، بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا، أما ~~ما لا يثبت إلا بأقوالهم فلا يكون حجة لعدم صحة السند وانقطاعه. ورواية ~~الكفار لو وقعت لم تقبل، فكيف وليس من أهل الكتاب من يروي التوراة فضلا عن ~~غيرها؟! وما لا رواية فيه كيف يخطر بالبال أنه حجة. # وبهذا يظهر لك بطلان من استدل في هذه المسألة بقصة رجم اليهوديين، وأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمد على أخبار ابن صوريا أن فيها ~~الرجم، ووجد فيها كما قال، فإن من أسلم من اليهود لم يكن له رواية في ~~التوراة، وإنما كانوا يعملون فيها ما رأوه، أما أن لهم سندا متصلا بموسى ~~عليه الصلاة والسلام كما فعله المسلمون في كتب الحديث فلا، وهذا ~~PageV01P298 # معلوم بالضرورة لمن ms252 اطلع على أحوال القوم وكاشفهم وعرف ما هم عليه، بل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجب أن يعتقد أنه إنما اعتمد في رجم ~~اليهوديين على وجي جاءه من قبل الله تعالى، وأما غير ذلك فلا يجوز، ولا ~~يقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على دماء الخلق بغير مستند صحيح، ~~فالاستدلال في هذه المسألة بهذه القضية لا يصح، بل لا يندرج في هذه المسألة ~~إلا ما علم أنه من شرعهم بكتابنا، ومن قبل نبينا فقط. # حجة المثبتين من وجوه: أحدها ما تقدم من الآية، وثاينها قوله تعالى: «شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليه وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه» (1) (وما) عامة في جملة ما وصى به ~~نوحا ووصى به إبراهيم وموسى وعيسى. وثالثها: قوله تعالى: «ملة أبيكم ~~إبراهيم» ن تقديره اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم. # ويرد على الكل أن المقصود قواعد العقائد لا جزئيات الفروع، لأنها هي التي ~~وقع الاشتراك فيها بين الأنبياء كلهم، وكذلك القواعد الكلية من الفروع، أما ~~جزئيات المسائل فلا اشتراك فيها، بل هي مختلفة في الشرائع. # حجة النافين من وجوه: أحدها أنه لو كان عليه الصلاة والسلام متعبدا بشرع ~~من قبله # لوجب عليه مراجعة تلك الكتب، ولا يتوقف إلى نزول الوحي، لكنه لم يفعل ذلك ~~لوجهين: أحدهما أنه لو فعله لاشتهر. والثاني: أن عمر رضي الله عنه طالع ~~ورقة من التوراة فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «لو كان ~~موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» . # وثانيها: أنه - صلى الله عليه وسلم - لو كان متعبدا لوجب على علماء ~~الأمصار والأعصار أن يفعلوا ذلك ويراجعوا شرع من قبلهم، ليعلموا ما فيه، ~~وليس كذلك. PageV01P299 # وثالثها: أنه عليه الصلاة والسلام صوب معاذا في حكمه باجتهاد نفسه إذا ~~عدم الحكم في الكتاب والسنةن وذلك يقتضي أنه لا يلزمه اتباع الشرائع ~~المتقدمة. # والجواب عن الأول أنه قد تقدم أن شرع من قبلنا إنما يلزمنا إذا علمناه من ~~قبل نبينا ms253 عليه الصلاة والسلام بوحي، أما من قبلهم فلا يلزم مراجعتهم لعدم ~~الفائدة في ذلك، وهو الجواب عن الثاني. وعن الثالث: أن من جملة الكتب ~~دلالته على اتباع الشرائع المتقدمة. # فائدة: قال الإمام فخر الدين: إذا قلنا بأنه كان متعبدا فقيل بشرع ~~إبارهيم وقيل بل بموسى، وقيل بل بعيسى عليهم الصلاة والسلام، وهذا الذي ~~نقله هذا النقل بعينه فيما قبل النبوة، ونقل المازري الخلاف بعينه في ~~المسألتين، وكذلك نقل من قال كان متعبدا بشريعة كل نبي تقدمه إلا ما نسخ أو ~~درس، وهذا لم ينقله الجماعة، مع أنه غالب بحث الفقهاء في المباحث، فلا ~~يخصصون شرعا معينا دون غيره. # قال القاضي: ومذهب المالكية أن جميع شرائع الأمم شرع لنا إلا ما نسخ ولا ~~فرق بين موسى عليه الصلاة والسلام وغيره، قال ابن برهان وقيل كان متعبدا ~~قبل النبوة بشرع آدم، لأنه ألو الشرائع، وقيل كان على دين نوح عليه الصلاة ~~والسلام - والله أعلم. # PageV01P300 ### | الباب الرابع عشر في النسخ # وفيه خمسة فصول ### | الفصل الأول في حقيقته # قال القاضي منا والغزالي هو خطاب دال على ارتفاع حكم ثابت بخطاب متقدم ~~على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. وقال الإمام فخر الدين الناسخ ~~طريق شرعي يدل على أن مثل الحكم الثابت بطرق لا يوجد بعده متراخيا عنه، ~~بحيث لولاه لكان ثابتا، فالطريق يشمل سائر المدارك: الخطاب وغيره، وقوله ~~مثل الحكم، لأن الثابت قبل النسخ غير المعدوم بعده، وقوله متراخيا عنه لئلا ~~يتهافت الخطاب، وقوله لولاه لكان ثابتا، احتراز من المغيات نحو الخطاب ~~بالإفطار بعد غروب الشمس فإنه ليس نسخا لوجوب الصوم. # يرد على الأول أن النسخ قد يكون بالفعل كما تقدم فلا يكون الحد جامعا ~~وكذلك ينتقض بالإقرار أو بجميع المدارك التي ليست خطابا، وكذلك يبطل بجميع ~~ذلك اشتراطه في الحكم السابق أن يكون ثابتا بالخطاب، فإنه قد يكون ثابتا ~~بأحد هذه الأمور، فلذلك عدل الإمام لقوله طريق شرعي ليعم جميع هذه الأمور، ~~فإن قلت أنت شرعت نحد النسخ والطريق ناسخة لا نسخ، ms254 والمصدر غير الفاعل فقد ~~خرج جميع أفراد المحدود من الحد فيكون باطلا. # PageV01P301 # قلت الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى؛ ولذلك قال الله تعالى: «ما ~~ننسخ من آية» (1) فأضاف تعالى فعل النسخ غليه، وفعله تعالى هو هذه المدارك ~~وجعلها ناسخة، فالمصدر في التحقيق هو هذه الأمور المدارك فاندفع السؤال، ~~وقولي مع تراخيه عنه لأنه لو قال افعلوا لا تفعلوا لتهافت الخطاب، وأسقط ~~الثاين الأول، وكذلك لو قال عند الأول هو منسوخ عنكم بعد سنة، كان هذا ~~الوجوب مغيا بتلك الغاية من السنة فلا يتحقق النسخ، بل ينتهي بوصوله ~~لغايته، وحينئذ يتعين أن يكون الناسخ مسكوتا عنه في ابتداء الحكم. وقولي: ~~على وجه لولاء لكان ثابتا، احتراز مما يجعل له غاية أول الأمر، فإنه لا ~~يكون ثابتا إذا وصل إلى تلك الغاية، فلا يقبل النسخ إلا إذا كان قابلا ~~للثبوت ظاهرا. # وقال القاضي منا، والغزالي الحكم المتأخر يزيل المتقدم. وقال الإمام ~~والأستاذ وجماعة هو بيان لانتهاء مدة الحكم - وهو الحق - لأنه لو كان دائما ~~في نفس الأمر لعلمه الله تعالى دائما، فكان يستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب ~~العلم، وكذلك الكلام القديم الذي هو خبر عنه. # قال القاضي: النسخ كالفسخ، فكما أن الإجازة إذا كانت شهرا يستحيل فسخها ~~إذا انقضى الشهر، ويمكن فسخها في أثناء الشهر، لأن شأنها أن تدوم، فكذلك ~~النسخ لا يكون إلا فيما شأنه أن يدوم، والجماعة يمنعون هذا التشبيه، ~~ويقولون إن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلو كان الحكم دائما ~~في نفس الأمر لعلم دوامه، ولو علم دوامه لتعذر نسخه، فإن خلاف المعلوم محال ~~في حقنا، فكيف في العلم القديم، وكذلك كل ما علمه الله تعالى فهو مخبر عنه ~~بالكلام النفساني، وخبر الله تعالى صدق يستحيل الخلف فيه، فلو أخبر عن ~~دوامه تعذر نسخه، وكذلك لو شرعه دائما لكان تعالى قد أراد دوامه لأنه من ~~جملة الكائنات، ولو أراد دوامه لوجب الدوام، وحينئذ يتعذر النسخ، ولو وقع ~~النسخ لزم مخالفة ثلاث صفات لله تعالى، وذلك محال. ms255 PageV01P302 # فهذه مدارك قطعية توجب حينئذ أن الحكم كان دائما في اعتقادنا لا في نفس ~~الأمر، فالناسخ مزيل للدوام في اعتقادنا لا في نفس الأمر، وحينئذ يكون ~~النسخ كتخصيص العام، ولذلك قيل النسخ تخصيص في الأزمان، وهذا التفسير يحسن ~~فيما يتناول أزمانا أما ما لا يكون إلا في زمن واحد كذبح إسحق عليه الصلاة ~~والسلام (1) فلا يكون تخصيصا في الأزمان، بل رافعا لجملة الفعل بجميع ~~أزمانه. ### | الفصل الثاني في حكمه # وهو واقع وأنكره بعض اليهود عقلا وبعضهم سمعا، وبعض المسلمين هؤلاء لما ~~وقع من ذلك بالتخصيص. لنا أنه تعالى شرع لآدم تزويج الأخ بأخته غير توأمته، ~~وقد نسخ ذلك. # أما وقوع النسخ فلأن الله تعالى أوجب وقوف الواحد منا للعشرة من الكفار ~~في الجهاد، ثم نسخه بقوله تعالى: «الآن خفف الله عنكم» (2) وصار الحكم أن ~~يقف الواحد منا للاثنين لقوله تعالى: «فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين» (3) ونسخ تعالى آيات الموادعة، ويقال إنها نيف وعشرون آية بآية ~~السيف وهي قوله تعالى: «يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم» ~~(4) وبغيرها من الآيات الدالة على القتال، وهو كثير في الكتاب والسنة. # وأما إنكار بعض اليهود له عقلا فاحتجوا عليه بأنه النهي يعتمد المفاسد ~~الخالصة أو الراجحة، فلو جاز نسخه بعد ذلك لزم تجويز أرم الله تعالى وإذنه ~~في فعل المفاسد الخالصة أو الراجحة، وذلك على الله تعالى محال، بناء على ~~التحسين والتقبيح، وقالوا عبارة عامة: إن الفعل إما أن يكون حسنا أو قبيحا، ~~فإن كان حسنا استحال النهي عنه، أو قبيحا استحال الإذن فيه، فالنسخ محال ~~على التقديرين. PageV01P303 # وجوابهم: أنا نمنع قاعدة الحسن والقبح، أو نسلمها ونقول لم لا يجوز أن ~~يكون الفعل مفسدة في وقت مصلحة في وقت، وذلك معلوم بالعوائد؟ بل اليوم ~~الواحد يكون الفعل فيه حسنا في أوله قبيحا في آخره، كما نقول في الأكل ~~والشرب وليس الفراء وشرب الماء البارد وغيره، ويحسن جميع ذلك ويقبح باعتبار ~~وقتين من الشتاء والصيف، والحر والبرد، والصوم والفطر، والشبع والجوع، ~~والصحة ms256 والسقم. # احتج منكروه سمعا بوجهين: أحدهما أن الله تعالى لما شرع لموسى عليه ~~الصلاة والسلام شرعه، فاللفظ الدال عليه إما أن يدل على الدوام أو لا، فإن ~~دله على الدوام فإما أن يضم إليه ما يقتضي أنه سينسخه أولا، فإن كان الأول ~~فهو باطل من وجهين: الأول: أنه يكون متناقضا وهو عبث ممنوع: الثاني: أن هذا ~~اللفظ الدال على النسخ وجب أن ينقل متواترا، إذ لو جوزنا نقل الشرع غير ~~متواتر أو نقل صفته غير متواترة لم يحصل لنا علم بأن شرع الإسلام غير ~~منسوخ، ولأن ذلك من الوقائع العظيمة التي يجب اشتهارها، فلا يكون نص على ~~النسخ وحينئذ لا يكون منسوخا؛ لأن ذكر اللفظ الدال على الدوام فهذا مطلق ~~يكفي في العمل به مرة واحدة، وينقضي بذاته، فلا يحتاج للنسخ ويتعذر النسخ ~~فيه. # والوجه الثاني: أنه ثبت بالتوراة قول موسى عليه الصلاة والسلام: تمكنوا ~~بالسبت أبدا، وقال تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وهو متواتر ~~والتواتر حجة. # والجواب عن الأول: أن نقول اتفق المسلمون على أن الله تعالى شرع لموسى ~~شرعه بلفظ الدوام، واختلفوا هل ذكر معه ما يدل على أنه سيصير منسوخا؟ فقال ~~أبو الحسين يجب ذلك في الجملة وإلا كان تلبيسا. وقال جماهير أصحابنا ~~وجماهير المعتزلة لا يجب ذلك، وقد تقدم البحث في ذلك في تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة. # والجواب على رأي أبي الحسين: أن ذلك القيد لم ينقل لوقوع الخلل في اليهود # PageV01P304 # في زمن بختتصر فإنه أباد اليهود حتى لم يبق منهم من يصلح للتواتر، وبه ~~يظهر الجواب عن شرعنا نحن لسلامته عن الآفات. # وعن الثاني: أن هذا النقل أيضا لا يصح الاعتماد عليه لانقطاع عدد اليهود ~~كما تقدم، ولأن لفظ الأبد منقول في التوراة وهو على خلاف ظاهره، قال في ~~العبد يستخدم ست سنين ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق فلتثقب أذنه ~~ويستخدم أبدا، مع تعذر الاستخدام أبدا، بل العمر، فأطلق الأبد على العمر ~~فقط. # وثانيها: قال في البقرة التي أمروا بذبحها تكون ms257 لكم سنة أبدا، ومعلوم أن ~~ذلك ينقطع بخراب العالم وقيام الساعة. # وثالثها: أمروا في قصة دم الفصح (1) أن يذبحوا الجمل ويأكلوا لحمه ملهوجا ~~(2) ولا يكسروا منه عظما ويكون لهم هذا الجمل سنة أبدا ثم زال التعبد بذلك ~~أبدا. # وقال في السفر الثاني - فروا إلى كل يوم خروفين خروفا غدوة وخروفا عشية ~~قربانا دائما لأحقابكم - وهم لا يفعلون ذلك، ثم مذهبهم منقوض بصور إحداها ~~أن في التوراة أن السارق إذا سرق في المرة الرابعة تثقب أذنه ويباع، وقد ~~اتفقوا على نسخ ذلك. # وثانيتها: اتفق اليهود والنصارى على أن الله تعالى فدى ولد إبراهيم من ~~الذبح وهو نص التوراة، وهذا أشد أنواع النسخ، لأنه قبل الفعل الذي منعه ~~المعتزلة، وإذا جاز في الأشد جاز في غيره بطريق الأولى. # وثالثتها: أن في التوراة أن الجمع بين الحرة والأمة في النكاح كان جائزا ~~في شرع إبراهيم عليه الصلاة والسلام لجمعه بين سارة الحرة وهاجر الأمة ~~وحرمته التوراة. # ورابعتها: أن التوراة قال الله تعالى فيها لموسى - عليه السلام -: أخرج ~~أنت وشيعتك لترثوا الأرض المقدسة التي وعدت بها أباكم إبراهيم، أن أرثها ~~نسله فلما ساروا إلى التيه قال الله تعالى - لا تدخلوها لأنكم قد عصيتموني ~~- وهو عين النسخ. # وخامسها: تحريم السبت فإنه لم يزل العمل مباحا إلى زمن موسى عليه ~~PageV01P305 # الصلاة والسلام وهو عين النسخ، وقد ذكرت صورا كثيرة غير هذه في شرح ~~المحصول وفي كتاب (الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة في الرد على اليهود ~~والنصارى) . # وأما من أنكر النسخ من المسلمين فهو معترف بنسخ تحريم الشحوم وتحريم ~~السبت # وغير ذلك من الأحكام، غير أنه يفسر النسخ في هذه الصورة بالغاية وأنها ~~انتهت بانتهاء غايتها، فلا خلاف في المعنى. # ويجوز عندنا وعند الكافة نسخ القرآن خلافا لأبي مسلم الأصفهاني لأن الله ~~تعالى نسخ وقوف الواحد للعشرة في الجهاد بثبوته لاثنين وهما في القرآن. # وثانيها: أن الله تعالى أوجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد حولا بقوله ~~تعالى: «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول» ms258 ~~(1) ثم نسخ بقوله تعالى: «يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا» (2) ، ونسخ ~~وجوب التصدق الثابت بقوله تعالى: «فقدموا بين يدي نجواكم صدقة» (3) . # احتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه، فلو نسخ لبطل. # وجوابه: أن معناه لم يتقدمه من الكتب ما يبطله ولا يأتي بعده ما يبطله ~~ويبين أنه ليس بحق، والمنسوخ والناسخ حق، فليس من هذا الباب. # فائدة: أبو مسلم كنيته، واسمه عمرو بن يحيى قاله أبو إسحاق في اللمع. # ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه عندنا خلافا لأكثر الشافعية والحنفية ~~والمعتزلة كنسخ ذبح إسحق عليه الصلاة والسلام قبل وقوعه. PageV01P306 # المسائل في هذا المعنى أربع: إحداهن أن يوقت الفعل بزمان مستقبل فينسخ ~~قبل حضوره. وثانيها: أن يؤمر به على الفور فينسخ قبل الشروع فيه. وثالثها: ~~أن يشرع فيه فينسخ قبل كماله. ورابعها: أن يكون الفعل يتكرر فيفعل مرارا ثم ~~ينسخ. فأما الثلاثة الأولى فهي في الفعل الواحد غير المتكرر. وأما الرابعة: ~~فوافقنا عليها المعتزلة لحصول مصلحة الفعل بتلك المرات الواقعة قبل النسخ، ~~ومنه نسخ القبلة وغيرها، ومنعوا قبل الوقت وقبل الشروع لعدم حصول المصلحة ~~من الفعل، وترك المصلحة عندهم ممتنع على قاعدة الحسن والقبح. والنقل في ~~هاتين المسألتين في هذا الموضع قد نقله الأصوليون. وأما بعد الشروع وقبل ~~الكمال فلم أر فيه نقلا، ومقتضى مذهبنا جواز النسخ في الجميع. # ومقتضى مذهب المعتزلة التفصيل لا المنع مطلقا ولا الجواز مطلقا، فإن ~~الفعل الواحد قد لا يحصل مصلحته إلا باستيفاء أجزائه، كذبح الحوان، وإنقاذ ~~الغريق، فإن مجرد قطع الجلد لا يحصل مقصود الذكاة من إخراج الفضلات وزهوق ~~الروح على وجه السهولة، وإخراج الغريق إلى قرب البر وتركه هناك لا يحصل ~~مقصود الحياة، وقد تكون المصلحة متوزعة على أجزائه كسقي العطشان وإطعام ~~الجيعان وكسوة العريان، فإن كل جزء من ذلك # يحصل جزءا من المصلحة الري والشبع والكسوة، ففي القسم الأول مقتضى مذهبهم ~~المنع لعدم حصول المصلحة، وفي الثاني الجواز لحصول بعض المصلحة المخرجة ~~للأمر الأول ms259 عن العبث، كما انعقد الإجماع على حسن النهي عن القطرة الواحدة ~~من الخمر، مع أن الإسكار لا يحصل إلا بعد قطرات، لكنه لا يتعين له بعضها ~~دون بعض بل يتوزع عليها، فكذلك هنا، فتنزل الأجزاء منزلة الجزئيات، كذلك ~~يكتفى ببعض الأجزاء. غير أن هنا فرقا أمكن ملاحظته، وهو أن المصلحة في ~~الجزئيات الماضية في صورة المنقول عنه مصالح تامة أمكن أن يقصدها العقلاء ~~قصدا كليا دائما، بخلاف جزء المصلحة في نقطة الماء ونحوها، فإن القصد إليها ~~نادر، ومع هذا الفرق أمكن أن يقولوا بالمنع مطلقا في هذا القسم من غير ~~تفصيل. # واحتج الشيخ سيف الدين الآمدي في هذه المسألة بنسخ الخمسين صلاة ليلة ~~الإسراء حتى بقيت خمسا، ويرد عليه أنها خبر واحد فلا يفيد القطع، والمسألة # PageV01P307 # قطعية ولا نسخ قبل الإنزال (1) وقبل الإنزال لا يتقرر علينا حكم، فليس من ~~صورة النزاع. # والنسخ لا إلى بدل خلافا لقوم كنسخ الصدقة في قوله تعالى: «فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة» (2) لغير بدل. # قيل إن ذلك زال لزوال سببه وهو التمييز بين المؤمنين والمنافقين، وقد ذهب ~~المنافقون فاستغنى عن الفرق. # جوابه: روى أنه لم يتصدق إلا علي - رضي الله عنه - فقط مع بقاء السبب بعد ~~صدقته ثم نسخ حينئذ. # احتجوا بقوله تعالى: «ما ننسخ آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها» (3) ~~فنص تعالى على أنه لا بد من البدل أحسن أو مثل. # جوابه: أن هذه صيغة شرط وليس من شرط الشرط أن يكون ممكنا فقد يكون متعذرا ~~كقولك إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان وهذا الشرط محال والكلام ~~صحيح عربي، وإذا لم يستلزم الشرط الإمكان لا يدل على الوقوع به مطلقا فضلا ~~عن الوقوع ببدل، سلمناه لكنه قد يكون رفع الحكم لغير بدل خيرا للمكلف ~~باعتبار مصالحه والخفة عليه وبعده من الفتنة وغوائل التكليف. # ونسخ الحكم إلى الأثقل خلافا لبعض أهل الظاهر كنسخ عاشوراء برمضان. # ونسخ الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم، والرجم أشد من الحبس. احتجوا ~~بقوله تعالى: «نأت بخير منها ms260 أو مثلها» (4) وبقوله تعالى: «يريد الله أن ~~يخفف عنكم» (5) ، و «يريد الله بكم اليسر» (6) والأثقل لا يكون خيرا ولا ~~مثلا ولا يسرا. PageV01P308 # والجواب عن الأول: قد يكون الأثقل أفضل للمكلف وخيرا له باعتبار ثوابه ~~واستصلاحه في أخلاقه ومعاده ومعاشه. وعن الثاني أنه محمول على اليسر في ~~الآخرة حتى لا يتطرق إليه تخصيصات غير محصورة فإن في الشريعة مشاق كثيرة. # ونسخ التلاوة دون الحكم كنسخ - الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ~~نكالا من الله - مع بقاء الرجم، والحكم دون التلاوة كما تقدم في الجهاد، ~~وهما معا لاستلزام إمكان المفردات إمكان المركب. # لأن التلاوة والحكم عبادتان مستقلتان، فلا يبعد في العقل أن يصيرا معا ~~مفسدة في وقت أحدهما دون الآخر، وتكون الفائدة في بقاء التلاوة دون الحكم ~~ما يحصل من العلم بأن الله تعالى أنزل مثل ها الحكم رحمة منه بعباده. وعن ~~أنس نزل في قتلى بئر معونة - بلغوا إخواننا أننا لقينا ربنا فرضي عنا ~~وأرضانا - وعن أبي بكر كنا نقرأ من القرآن - لا ترغبوا عن أبائكم فإنه كفر ~~بكم - ومثال التلاوة والحكم معا ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كان ~~فيما أنزل الله - عشر رضعات - فنسخن - بخمس - وروي أن سورة الأحزاب كانت ~~تعدل سورة البقرة. # ونسخ الخبر إذا كان متضمنا لحكم عندنا، خلافا لمن جوزه مطلقا ومنعه مطلقا ~~وهو أبو علي وأبو هاشم وأكثر المتقدمين. لنا أن نسخ الخبر يوجب عدم ~~المطابقة وهو محال فإذا تضمن الحكم جاز نسخه لأنه مستعار له ونسخه الحكم ~~جائز كما لو عبر عنه بالأمر. # قال الإمام فخر الدين: إذا كان الخبر خبرا عما لا يجوز تغييره، كالخبر عن ~~حدوث العالم، فلا يتطرق إليه النسخ، وإن كان عما يجوز تغييره وهو إما ماض ~~أو مستقبل، والمستقبل إما وعد أو وعيد أو خبر عن حكم كالخبر عن وجوب الحج ~~فيجوز النسخ في الكل، ومنع أبو علي وأبو هاشم وأكثر المتقدمون الكل. # قال: لنا أن الخبر إذا كان عن أرم ماض نحو عمرت نوحا ألف سنة، ms261 جاز أن # PageV01P309 # يبين من بعد بأنه ألف سنة إلا خمسين عاما، وإن كان خبرا عن مستقبل كان ~~وعدا ووعيدا فهو كقوله لأعاقبن الزاني ابدا فيجوز أن يبين أنه أراد ألف ~~سنة، وإن كان عن حكم الفعل في # المستقبل فإن الخبر كالأمر في تناوله الأوقات (1) المستقبلة فيجوز أن ~~يراد بعضها. # احتجوا بأن نسخ الخبر يوهم الخلف. # قال: وجوابه أن نسخ الأمر أيضا يوهم البداء، قلت أسماء الأعداد نصوص لا ~~يجوز فيها المجاز وأراد المتكلم بالألف ألفا إلا خمسين عاما مجاز فلا يجوز، ~~وأما إطلاق الأبد على ألف سنة فهو تخصيص في الخبر وهو مجمع عليه، إنما ~~النزاع في النسخ فأين أحدهما من الآخر؟! وقد تقدمت الفروق بينهما. # وأما قولهم يوهم الخلف: ذلك مدفوع بالبراهين الدالة على استحالة الخلف ~~على الله تعالى والبداء عليهن والبداء هو إحدى الطرق التي استدلت بها ~~اليهود على استحالة النسخ، ومعناه أمر بشيء ثم بدا له أن المصلحة في خلافه، ~~وذلك إنما يتأتى في حق من تخفى عليه الخفيات، والله تعالى منزه عن ذلك. # وجوابهم: أن الله تعالى عالم بأن الفعل الفلاني مصلحة في وقت كذا مفسدة ~~في وقت كذا، وأنه نسخه إذا وصل وقت المفسدة، فالكل معلوم في الأزل، وما ~~تجدد العلم بشيء، فما لزم من النسخ البداء فيجوز. # ويجوز نسخ ما قال فيه افعلوه أبدا خلافا لقوم؛ لأن صيغة أبدا بمنزلة ~~العموم في الأزمان، والعموم قابل للتخصيص والنسخ. # احتجوا بأن صيغة (أبدا) لو جاز أن لا يراد بها الدوام لم يبق لنا طريق ~~إلى الجزم بخلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، لأن ذلك كله ~~مستفاد من قوله تعالى: «خالدين فيها أبدا» (2) . # والجواب: أن الجزم إنما حصل في الخلود ليس بمجرد لفظ (أبدا) بل بتكرره ~~تكررا أفاد القطع بسياقاته وقرائنه على ذلك، أما مجرد لفظة واحد من أبدا ~~فلا يوجب الجزم، والكلام في هذه المسألة إنما هو في مثل هذا. PageV01P310 ### | الفصل الثالث في الناسخ والمنسوخ # يجوز عندنا نسخ الكتاب بالكتاب وعند الأكثرين. # حجتنا ms262 ما تقدم من الرد على أبي مسلم الأصفهاني، احتجوا بقوله تعالى: «لا ~~يأتيه # الباطل من بين يديه ولا من خلفه» (1) وقد تقدم جوابه. # والسنة المتواترة بمثلها هو كالكتاب بالكتاب لحصول المساواة والتواتر في ~~البابين الناسخ والمنسوخ. # والآحاد بمثلها. # لأن نشترط في الناسخ أن يكون مساويا للمنسوخ أو أقوى والآحاد مساوية ~~للآحاد فيجوز. # وبالكتاب والسنة المتواترة إجماعا. # بسبب أن الكتاب والسنة المتواترة ينسخان خبر الواحد، لأنهما أقوى منه ~~والأقوى أولى بالنسخ. # وأما جواز نسخ الكتاب بالآحاد فجائز عقلا غير واقع سمعا، خلافا لأهل ~~الظاهر، والباجي منا مستدلا بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى مكة. لنا أن ~~الكتاب متواتر قطعي فلا يرفع بالآحاد المظنونة لتقدم العلم على الظن. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه» (2) الآية نسخت بنهيه عليه الصلاة والسلام على ألك كل ذي ناب من ~~السباع وهو خبر واحد وبقوله تعالى: «وأحل لكم ما وراء ذلكم» (3) نسخ ذلك ~~PageV01P311 # بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها» ~~الحديث، ولأنه دليل شرعي فينسخ كسائر الأدلة، ولأنه يخصص الكتاب فينسخه، ~~لأن النسخ تخصيص في الأزمان. # والجواب عن الأول: أن الآية إنما اقتضت التحريم إلى تلك الغاية فلا ~~ينافيها ورود تحريم بعدها، وإذا لم ينافها لا يكون ناسخا لأن من شرط النسخ ~~التنافي. وعن الثاني: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال فيحمل العام على ~~حالة عدم القرابة المذكورة. سلمناه لكنه تخصيص ونحن نسلمه إنما النزاع في ~~النسخ. وعن الثالث: الفرق أن تلك الأدلة المتفق عليها مساوية أو أقوى وهذا ~~مرجوع فلا يلحق بها. وعن الرابع: أن النسخ إبطال لما اتصف بأنه مراد فيحتاط ~~فيه أكثر من التخصيص لأنه بيان للمراد فقط، وأما تحويل القبلة فقالوا احتفت ~~به قرائن وجدها أهل قباء لما أخبرهم المخبر من ضجيج أهل المدينة، وغير ذلك ~~حصل لهم العلم، فلذلك قبلوا تلك الرواية. سلمنا عدم القرائن لكن ذلك فعل ~~بعض الأمة، فليس حجة، ولعله مذهب لهم فإنها مسألة خلاف. ms263 # ويجوز نسخ السنة بالكتاب عندنا خلافا للشافعي - رضي الله عنه - وبعض ~~أصحابه. # لنا نسخ القبلة بقوله تعالى: «وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره» ولم يكن ~~التوجه لبيت المقدس ثابتا بالكتاب عملا بالاستقراء. # في كون التوجه لبيت المقدس ليس من القرآن، فيه نظر، من جهة أن القاعدة أن ~~كل بيان المجمل يعد مرادا من ذلك المجمل وكائنا فيه. والله تعالى قال: ~~«وأقيموا الصلاة» (1) ولم يبين صفتها، فبينها عليه الصلاة والسلام بفعله ~~لبيت المقدس وكان ذلك مرادا بالآية، كما أن نقول في قوله عليه الصلاة ~~والسلام: «فيما سقت السماء العشر» بيان لقوله تعالى: «وآتوا الزكاة» (2) ~~وهو مراد منها، وكذلك هنا وهو القاعدة: أن كل بيان المجمل يعد مرادا من ذلك ~~المجمل، فكان التوجيه لبيت المقدس ثابتا بالقرآن بهذه الطريقة. PageV01P312 # حجة الشافعي - رضي الله عنه - قوله تعالى: «لتبين للناس ما نزل إليهم» ~~(1) فجعله عليه الصلاة والسلام مبينا بالسنة للكتاب المنزل، فلا يكون ~~الكتاب ناسخا للسنة لأن الناسخ مبين للمنسوخ، فيكون كل واحد منهما مبينا ~~لصاحبه فيلزم الدور. # والجواب عنه: أن الكتاب والسنة ليس كل واحد منهما محتاجا للبيان ولا وقع ~~فيه النسخ، فأمكن أن يكون بعض الكتاب مبينا لبعض السنة، والبعض الآخر الذي ~~لم يبينه الكتاب بيان للكتاب فلا دور، لأنه لم يوجد شيئان كل واحد منهما ~~متوقف على الآخر، بل الذي يتوقف عليه من السنة غير متوقف والبعض المتوقف ~~عليه من الكتاب غير متوقف، سلمناه، لكنه معارض بقوله تعالى ف حق الكتاب ~~العزيز: «تبيانا لكل شيء» ، والسنة شيء، فيكون الكتاب تبيانا لها فينسخها ~~وهو المطلوب. # ويجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة لمساواتها له في الطريق العلمي عند ~~أكثر أصحابنا، وواقع كنسخ الوصية للوارث بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ~~وصية لوارث» ونسخ آية الحبس في البيوت بالرجم. وقال الشافعي لم يقع، لأن ~~آية الحبس في البيوت نسخت بالجلد. # واحتجوا أيضا على الوقوع بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا وصية لوارث» ~~نسخت الوصية للأقربين الذين في الكتاب، وبقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ~~تنكح المرأة على عمتها» الحديث ms264 ناسخ لقوله تعالى: «وأحل لكم ما وراء ذلكم» ~~وأما قول الشافعي - رضي الله عنه - إن آية الحبس نسخت بالجلد، فذلك يتوقف ~~على تاريخ لم يتحقق، ومن أين لنا أن آية الجلد نزلت بعد آية الحبس؟! بل ~~ظاهر السنة يقتضي خلاف ما قاله، لأنه عليه الصلاة والسلام قال: «خذوا عني ~~قد جعل الله لهن سبيلا: الثيب بالثيب رجم # بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» فظاهره يقتضي أنه الآن نسخ ~~ذلك الحكم. # ويرد على الأول: الوصية جائزة لغير الوارث إذا كان قريبا فدخله التخصيص ~~PageV01P313 # والمدعى للنسخ، وعلى الثاني أنه أيضا تخصيص دخل في الكتاب لا نسخ؛ لأن ~~بعض ما أحل حرم ولا تنازع فيه. # والإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به. # هذا نقل المحصول، وقال الشيخ سيف الدين كون الإجماع ينسخ الحكم الثابت به ~~نفاه الأكثرون وجوزه الأقلون، وكون الإجماع ناسخا منعه الجمهور وجوزه بعض ~~المعتزلة وعيسى بن أبان. # وبنى الإمام فخر الدين هذه المسألة على قاعدة وهي: أن الإجماع لا ينعقد ~~في زمانه عليه الصلاة والسلام، لأنه بعض المؤمنين بل سيدهم، ومتى وجد قوله ~~عليه الصلاة والسلام فلا عبرة بقول غيره، وإذا لم ينعقد إلا بعد وفاته عليه ~~الصلاة والسلام لم يمكن نسخه بالكتاب والسنة لتعذرهما بعد وفاته عليه ~~الصلاة والسلام، ولا بالإجماع لأن هذا الإجماع الثاني إن كان لا عن دليل ~~فهو خطأ وإن كان عن دليل فقد غفل عنه الإجماع الأول فكان خطئا والإجماع لا ~~يكون خطئا فاستحال النسخ بالإجماع، ولا بالقياس لأنه من شرطه أن لا يكون ~~على خلاف الإجماع، فيتعذر نسخ الإجماع مطلقا، وأما كون الإجماع ناسخا فقال: ~~لا يمكن أن ينسخ كتابا ولا سنة لأنه يكون على خلافهما فيكون خطئا، ولا ~~إجماعا لأن أحدهما يلزم أن يكون خطئا لمخالفته لدليل الإجماع الآخر، ولا ~~قياسا لأن شرط القياس عدم الإجماع، فإذا أجمعوا على خلاف حكم القياس زال ~~القياس لعدم شرطه. # وهذه الطريقة مشكلة بسبب وجود النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمنح وجود ~~الإجماع، لأنه عليه الصلاة ms265 والسلام شهد لأمته بالعصمة فقال: «لا تجتمع أمتي ~~على خطأ» وصفة المضاف غير المضاف إليه، وهو عليه الصلاة والسلام لو شهد ~~لواحد في زمانه عليه الصلاة والسلام بالعصمة لم يتوقف ذلك على أن يكون بعده ~~عليه الصلاة والسلام، فالأمة أولى. # ثم إنه نقض هذه القاعدة بعد ذلك فقال يمكن نسخ القياس في زمانه - عليه ~~السلام - بالإجماع، فصرح بجواز انعقاد الإجماع في زمانه عليه السلام. # وأما سيف الدين فلم يقل ذلك، بل قال الإجماع الموجود بعد وفاته عليه ~~الصلاة والسلام لا ينسخ بنص ولا غيره إلى آخر التقسيم. # PageV01P314 # وقال أبو الحسين البصري في المعتمد الموضوع له في أصول الفقه كما قاله ~~المصنف، ثم قال إن قيل يجوز أن ينسخ إجماعا وقع في زمانه عليه الصلاة ~~والسلام قلنا # يجوز، وإنما منعنا الإجماع بعده أن ينسخ، وأما في حياته فالمنسوخ الدليل ~~الذي أجمعوا عليه لا حكمه. # وقال أبو إسحق: ينعقد الإجماع في زمانه عليه السلام. # وقال ابن برهان في كتاب الأوسط ينعقد الإجماع في زمانه عليه الصلاة ~~والسلام، وجماعة المصنفين وافقوا الإمام فخر الدين على دعواه على ما فيها ~~من الإشكال. # وأما حجة الجواز لمن خالف في هذه المسألة فهي مبنية على أنه يجوز أن ~~ينعقد إجماع بعد إجماع مخالف له، ويكون كلاهما حقا، ويكون انعقاد الأول ~~مشروطا بأن لا يطرأ عليه إجماع آخر وهو شذوذ من المذاهب، فبنى الشاذ على ~~الشاذ، والكل ممنوع. # ويجوز نسخ الفحوى الذي هو مفهوم الموافقة تبعا للأصل، ومنع أبو الحسين من ~~نسخه مع بقاء الأصل دفعا للتناقض بين تحريم التأفيف مثلا وحل الضرب، ويجوز ~~النسخ به وفاقا، لفظية كانت دلالته أو قطعية أو على الخلاف. # قال الإمام فخر الدين اتفقوا على جواز نسخ الأصل والفحوى معا، وأما نسخ ~~الأصل وحده فإنه يقتضي نسخ الفحوى، لأن الفحوى تبع، وأما نسخ الفحوى مع ~~بقاء الأصل فمنعه أبو الحسين، لئلا ينتقض الغرض في الأصل كما تقدم في ~~التأفيف، فتحريمه لنفي العقوق وإباحة الضرب أبلغ في العقوق، فيبطل المقصود ~~من تحريم ms266 التأفيف. # قال سيف الدين: تردد قول القاضي عبد الجبار في نسخ الفحوى دون الأصل، ~~فجوزه تارة ورآه من باب التخصيص، لأنه نص على الجميع، ثم خصص البعض، ومنعه ~~مرة للتناقض ونقض الغرض. # وقولي: كانت دلالته لفظية أو قطعية: أريد بالقطعية العقلية الذي هو ~~القياس؛ # PageV01P315 # فإن الناس اختلفوا في تحريم الضرب مثلا في تلك الآية (1) هل هو ثابت ~~بالقياس على تحريم التأفيف بطريق الأولى، أو هو بدلالة اللفظ عليه التزاما ~~بالقياس، وإن كانت دلالة التزام صح النسخ بها، أو قياسا صح النسخ بها، لأنه ~~حكم مناقض لحكم متقدم، فصح النسخ كسائر ما يجوز به النسخ، نعم يشترط في ~~المنسوخ به أن يكون مثله في السند أو أخفض رتبة. # مسألة: قال الإمام فخر الدين في المحصول نسخ القياس إن كان في حياته عليه ~~الصلاة والسلام فلا يمتنع رفعه بالنص وبالإجماع وبالقياس، بأن ينص - عليه ~~السلام - في # الفروع، بخلاف حكم القياس بعد استقرار التعبد بالقياس، وأما بالإجماع ~~فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياسا، ثم أجمعوا على أحد القولين، كان ~~إجماعهم رافعا لحكم القياس المقتضي للقول الآخر، وأما بالقياس فبأن ينص في ~~صورة بخلاف ذلك الحكم ويجعله معللا بعلة موجودة في ذلك الفرع، وتكون أمارة ~~عليتها أقوى من أمارة علة الوصف للحكم الأول في الأصل الأول. # وأما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فإنه يجوز نسخه في المعنى وإن كان لا ~~يسمى نسخا في اللفظ، كما إذا أفتى مجتهد بالقياس ثم ظفر بالنص أو بالإجماع ~~أو بالقياس المخالف للأول، فإن قلنا كل مجتهد مصيب كان هذا الوجدان ناسخا ~~لقياسه الأول، وإن قلنا المصيب واحد لم يكن القياس الأول متعبدا به، وأما ~~كون القياس ناسخا فيمتنع في الكتاب والسنة والإجماع، لأن تقدمها يبطله، ~~وأما القياس فقد تقدم القول فيه. # والعقل يكون ناسخا في حق سقطت رجلاه فإن الوجوب ساقط عنه، قاله الإمام. # هذا ليس نسخا فإن بقاء المحل شرط، وعدم الحكم لعدم سببه أو شرطه أو قيام ~~مانعه ليس نسخا وإلا كان النسخ واقعا طول ms267 الزمان لطريان الأسباب وعدمها. ~~PageV01P316 ### | الفصل الرابع فيما يتوهم أنه ناسخ # زيادة صلاة على الصلوات أو عبادة على العبادات ليست نسخا وفاقا، وإنما ~~جعل أهل العراق الوتر ناسخا لما فيه من رفع قوله تعالى: «حافظوا على ~~الصلوات والصلاة والسطى» (1) فإن المحافظة على الوسطى تذهب لصيرورتها غير ~~وسطى. # زيادة الحج على العبادات في آخر الإسلام ليس نسخا لما تقدمه من العبادات، ~~فعدم المنافاة، ومن شرط النسخ التنافي، وأما زيادة الوتر لما اعتقد الحنفية ~~أنه واجب صار الصلوات عندهم ستا، وكان عدد زوج لا توسط فيه، إنما يمكن ~~التوسط في عدد فرد، فالخمسة اثنان واثنان وواحد بينهما، وأما الستة ثلاثة ~~وثلاثة لا يبقى شيء ستوسط بينهما، فارتفع الطلب المتعلق بالوسطى لزوال ~~الوصف، والطلب لذلك حكم شرعي، فقد ارتفع حكم شرعي، فيكون نسخا وهذا البحث ~~مبني على أنها سميت وسطى لتوسطها بين عددين، وقيل لتوسطها بين الليل ~~والنهار وهي الصبح، وقيل لتوسطها بين الأعداد الثنائية والرباعية، فتتوسط ~~الثلاثية، فتكون المغرب. على القول الأول تكن العصر، لأنها قبلها الصبح ~~والظهر، وبعدها المغرب والعشاء. # والزيادة على العبادة الواحدة ليست نسخا عند مالك وعند أكثر أصحابه ~~والشافعي، خلافا للحنفية، وقيل إن نفت الزيادة ما دل عليه المفهوم الذي هو ~~على الخطاب أو الشرط كانت نسخا وإلا فلا، وقيل إن لم يجز الأصل بعدها فهي ~~نسخ وغلا فلا، فعلى مذهبنا زيادة التغريب على الجلد ليست نسخا، وكذلك تقييد ~~الرقبة بالأيمان وإباحة قطع السارق في الثانية، والتخيير بين الواجب وغيره، ~~لأن المنع من إقامة الغير مقامه عقلي لا شرعي، وكذلك لو وجب الصوم إلى ~~الشفق. PageV01P317 # حجتنا أن الله تعالى إذا أوجب الصلاة ركعتين ركعتين ثم جعلها أربعا فإن ~~هذه الزيادة لم تبطل وجوب الركعتين الأوليين ولا تنافيهما، وما لا ينافي لا ~~يكون نسخا. # فإن قلت: التشهد يجب عقيب ركعتين والسلام بآخر ذلك، فبطل ذلك وصار في ~~موضع آخر وهو بعد الأربع، فقد بطل حكم شرعي فيكون نسخا. # قلت: لا نسلم أن الله تعالى أوجب السلام عقيب الركعتين لكونهما ركعتين ms268 بل ~~أوجبه آخر الصلاة كيف كانت ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، ولا مدخل للعدد في ~~إيجاب السلام، بل كونه آخر الصلاة فقط، وكون السلام آخر الصلاة لم يبطل، بل ~~هو على حاله فهو لا نسخ. # وهذا السؤال هو مدرك الحنفية، واحتجوا أيضا بأن الركعتين كانتا مجزئتين ~~والآن هما غير مجزئتين، والإجزاء حكم شرعي فيكون نسخا، ولأن إباحة الأفعال ~~بعد الركعتين كانت حاصلة مع الزيادة بطلت هذه الإباحة، والإباحة حكم شرعي ~~ارتفع فيكون نسخا. # والجواب عن الأول: أن معنى قولنا هما مجزئتان أنه لم يبق شيء آخر يجب على ~~المكلف، وقولنا لم يجب عليه شيء إشارة إلى عدم التكليف، وعدم التكليف حكم ~~عقلي لا شرعي والحكم العقلي رفعه ليس نسخا إجماعا. وعن الثاني: أن إباحة ~~الأفعال بعد الركعتين تابع لكونه ما وجب عليه شيء آخر، وقولنا ما وجب عليه، ~~إشارة إلى نفي الحكم الشرعي، وبراءة الذمة التي هي حكم عقلي، والتابع ~~للعقلي عقلين فلا يكون رفعه نسخا. # ومثال نفي الزيادة بالشرط أن يقوم صاحب الشرع: إن كانت الغنم سائمة ففيها ~~الزكاة، ثم يقول في الغنم مطلقا الزكاة، فإن هذا العموم ينفيه مفهوم الشرط ~~المتقدم. # ومثال المفهوم أن يقول: في الغنم السائمة الزكاة، ثم يقول في الغنم ~~الزكاة، # PageV01P318 # فإن هذا العموم رافع للمفهوم المتقدم فيكون نسخا، فإنه ما هو ثابت بدليل ~~شرعي وهو الشرط أو المفهوم، وهذا التفريق مبني على أن النفي الأصلي قد تقرر ~~بمفهوم الشرط ومفهوم الصفة، وأن تقرير النفي الأصلي حكم شرعي، وليس كذلك، ~~لأن الله تعالى لو # قال لا أشرع لكم في هذه السنة حكما ولا أكلفكم بشيء، لم يكن لله تعالى ~~فيه هذه السنة شريعة عملا بتنصيصه تعالى على ذلك، مع أنه تعالى قد قرر ~~النفي الأصلي، وكذلك لما قرر رفع التكليف عن المجنون والنائم وغيرهما لم ~~يكن ذلك حكما شرعيا بل إخبار عن عدم الحكم. والجنوح إلى مفهوم الصفة هو قول ~~القاضي عبد الجبار، وهو مع تدقيقه قد فاته هذا الموضع. # ومثال ما لا يجزئ بعد ms269 الزيادة أن الصلاة فرضت مثنى مثنى كما جاء في ~~الحديث، فلما زيد في صلاة الحضر ركعتان، بقيت الركعتان الأوليان لا يجزئان ~~بدون هذه الزيادة، ومثال ما يجزئ منفردا بعد الزيادة زيادة التغريب بعد ~~الجلد؛ فإن الإمام لو اقتصر على الجلد واستفتى بعد ذلك، فقيل له لا بد من ~~التغريب، فإنه لا يحتاج إلى إعادة الجلد مرة أخرى، بخلاف المصلي يحتاج إلى ~~إعادة الجميع، ووجه الفرق على هذا المذهب أن الأصل إذا لم يجز بعد الزيادة ~~اشتد التغيير فكان نسخا، بخلاف القسم الآخر، التغيير فيه قليل. # وأما عن أصلنا فهذه الصور كلها ليست نسخا، أما التغريب فلأنه رافع لعدم ~~وجوبه، وعدم الوجوب حكم عقلي، ورافع الحكم العقلي ليس نسخا. وتقييد الرقبة ~~بالإيمان رافع لعدم لزوم تحصيل الإيمان فيها، وذلك حكم عقلي، وإباحة قطع ~~السارق في الثانية ليست نسخا، لأنه رافع لعدم الإباحة وهو حكم عقلي فلا ~~يكون نسخا. # فإن قلت: الآدمي أجزاؤه محرمة مطلقا، وهذا التحريم حكم شرعي فيكون نسخا ~~لما رفع. # قلت: لنا هنا مقامان أحدهما أن ندعي أن الأصل في الآدمي وغيره عدم الحكم ~~لا تحريم ولا إباحة؛ لأن الأصل في أجزاء العالم كلها عدم الحكم حتى وردت ~~الشرائع، كما تقرر أنه لا حكم للأشياء قبل الشرائع، فعلى هذا الإباحة # PageV01P319 # رافعة لعدم الحكم لا للتحريم فلا يكون نسخا، أو نسلم التحريم، ونقول حكم ~~التحريم بمقتضى آدميته وشرفه من غير نظر إلى الجنايات، وهذا التحريم باق، ~~ولا تنافي بين التحريم له من حيث هو هو، وإباحته من جهة الجنايات، كما أن ~~إباحة الميتة من جهة الاضطرار لا يكون نسخا للتحريم الثابت لها من حيث هي ~~هي، وإنما يحصل التنافي أن لو أبحناه من حيث هو هو، أو أبحنا الميتة من حيث ~~هي ميتة، وإذا لم يحصل التناقض لا يكون نسخا فلا يكون إباحة يده مع الجناية ~~نسخا بل رفعا لعدم الحكم، فإن أحكام الجناية لم تكن مترتبة، بل صارت ~~مترتبة، وكذلك التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخا لأنه إن قيل ms270 لك لم لا ~~تتخير بين صلاة الظهر وصدقة درهم؟ # نقول لأن البدل لم يشرع، فيشير إلى عدم المشروعية، وعدم المشروعية حكم ~~عقلي، فمتى خير بين واجب وغيره، فقد رفع عدم مشروعية ذلك البدل فقط، ووجوب ~~الصوم إلى الشفق يرفع عدم الوجوب من المغرب إلى الشفق، فهو حكم عقلي، ولهذه ~~التقيرات يتضح لك ما هو نسخ مما ليس بنسخ فتأملها!. # ونقصان العبادة نسخ لما سقط دون الباقي إن لم يتوقف، وإن توقف قال القاضي ~~عبد الجبار هو نسخ في الجزء دون الشرط، واخترا فخر الدين والكرخي عدم ~~النسخ. # مثال نسخ ما لا يتوقف عليه العبادة نسخ الزكاة بالنسبة إلى الصلاة، فإنه ~~لا يكون نسخا، مثال الجزء ركعة من الصلاة، مثال الشرط الطهارة مع الصلاة. # لنا أن إيجاب ذلك كله يجري مجرى إثبات الحكم للعموم، وكما أن إخراج بعض ~~صور العموم لا يقدح، فكذلك هنا. # احتجوا بأن نسخ هذه الركعة مثلا يقتضي نفي عدم إجزاء الركعة الباقية، ~~فإنها كانت لا تجزئ صارت تجزئ، ويقتضي رفع وجوب تأخير التشهد إلى بعد ~~الركعة المنسوخة، فإنه ما بقي ذلك بعد النسخ، بل يتعجل التشهد عقيب الباقي ~~بعد النسخ، وكانت الركعة الباقية تجزئ إذا فعل معها المنسوخة، والآن وجب ~~علينا إخلاء الصلاة منها، والإجزاء حكم شرعي. # PageV01P320 # والجواب: أن عدم الإجزاء يرجع إلى إيجاب الركعة الثانية، ونحن قد سلمنا ~~أنه انتسخ، إنما نتكلم في الركعة الباقية، وأما تأخير التشهد، فالتشهد لم ~~يشرع عقيب ركعتين، ولا ركعة بل آخر الصلاة، وما زال يجب آخر الصلاة، فما ~~حصل نسخ، وكذلك إجزاء الصلاة مع المنسوخة كان تابعا لوجوبها، ونحن نسلم أن ~~وجوبها نسخ، إنما النزاع فيما بقي. ### | الفصل الخامس فيما يعرف به النسخ # يعرف النسخ بالنص على الرفع أو على ثبوت النقيض أو الضد، ويعلم التاريخ ~~بالنص على التأخير أو السنة أو الغزوة أو الهجرة، ويعلم نسبة ذلك إلى زمان ~~الحكم أو برواية من مات قبل رواية الحكم الأخير، قال القاضي عبد الجبار قول ~~الصحابي في الخبرين المتواترين هذا قبل ms271 ذلك مقبول، وإن لم يقبل قوله في نسخ ~~المعلوم، كثبوت الإحصان بشهادة اثنين بخلاف الرجم وشهادة النساء في الولادة ~~دون النسب، وقول # الإمام فخر الدين قول الصحابي هذا منسوخ لا يقبل الجواز أن يكون اجتهادا ~~منه، وقال الكرخي إن قال إذا نسخ ذلك لم يقبل، وإن قال هذا منسوخ قبل لأنه ~~لم يخل للاجتهاد مجالا فيكون قاطعا به، وضعفه الإمام. # متى ثبت نقيض الشيء أو ضده انتفى فكان ذلك دليل الرفع، وأما النص على ~~السنة بأن يقول كان هذا التحريم سنة خمس ونعلم أن الإباحة سنة سبع، فتكون ~~الإباحة ناسخة لتأخير تاريخها، وإن قال في غزوة كذا كان ذلك كتعيين السنة، ~~فإن الغزوات معلومة السنين وينظر نسبة ذلك لزمان الحكم فينسخ المتأخر ~~المتقدم وكذلك إذا قال قيل الهجرة أو بعدها، فهو كتعيين السنة أيضا، ونظير ~~قوله هذا منسوخ فقبل، لأنه لم يخل للاجتهاد مجالا. قولهم في خبر المرسل، ~~قال بعضهم هو أقوى من المسند، لأنه إذا بين المسند ورجاله فقد جعل لك مجالا ~~في النظر في عدالتهم، أما إذا سكت عنه فقد التزمه في ذمته فهو أقوى في ~~العدالة ممن لم يلتزم به. # PageV01P321 ### | الباب الخامس عشر في الإجماع # وفيه خمسة فصول ### | الفصل الأول في حقيقته # وهو اتفاق أهل الحل والعقد في هذه الأمة في أمر من الأمور، ونعني ~~بالاتفاق، الاشتراك إما في القول أو الفعل أو الاعتقاد، وبأهل الحل والعقد: ~~المجتهدين في الأحكام الشرعية، وبأمر من الأمور: الشرعيات والعقليات ~~والعرفيات. # قال إمام الحرمين في البرهان لا أثر للإجماع في العقليات، فإن المعتبر ~~فيها الأدلة القاطعة، فإن انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق، وإنما ~~يعتبر الإجماع في السمعيات، وإذا أجمعوا على فعل نحو أكلهم الطعام دل ~~إجماعهم على إباحته، كما يدل أكله - عليه السلام - على الإباحة، ما لم تقم ~~قرينة دالة على الندب أو الوجوب، فهذا تفضيل حسن. # قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: اختلف في انعقاد الإجماع في العقليات ~~فقيل لا يعلم بالإجماع عقلي؛ لأن العلوم العقلية يجب تقديمها ms272 على السمعيات ~~التي هي أصل الإجماع. # PageV01P322 # وقال القاضي أبو بكر: العقليات قسمان ما يخل الجهل به بصحة الإجماع ~~والعلم به كالتوحيد والنبوة ونحوهما، فلا يثبت بالإجماع، وإلا جاز ثبوته ~~بالإجماع، كجواز رؤية الله تعالى، وجواز العفو عن الكبائر، والتعبد بخبر ~~الواحد، والقياس ونحو ذلك. # وقال أبو الحسين في المعتمد: يجوز اتفاقهم على القول والفعل والرضا ~~ويخبرون عن الرضا في أنفسهم، فيدل على حسن ما رضوا به، وقد يجمعون على ترك ~~القول وترك الفعل فيدل على أنه غير واجب، ويجوز أن يكون ما تركوه مندوبا ~~إليه، لأن تركه غير محظور، فهذه التفاصيل أولى من التعميم الأول وهو قول ~~الإمام فخر الدين في المحصول. # وقال إمام الحرمين في البرهان اختلف الأصوليون في الإجماع في الأمم ~~السلافة هل # كان حجة، فقيل لا، وهو من خصائص هذه الأمة، وقيل إجماع كل أمة حجة ولم ~~يزل ذلك في الملل. # وقال القاضي: لست أدري كيف كان الحال. # قال الإمام: والذي أراه أن أهل الإجماع إن قطعوا بقولهم في كل أمة فهو ~~حجة لاستناده إلى حجة قاطعة لأن العادة لا تختلف في الأمم، وإن كان المستند ~~مظنونا فالوجه الوقف. # قال الشيخ أبو إسحق في اللمع: الأكثرون على أن إجماع غير هذه الأمة ليس ~~بحجة. واختار الشيخ أبو إسحق الإسفرائيني أنه حجة. # فائدة: تقول العرب جمع الرجل قومه وأجمع أمره، قاله أبو علي في الإيضاح ~~وتقول أجمع الرجل إذا صار إذا جمع، مثل ألبن إذا صار ذا لبن وأتمر إذا صار ~~ذا تمر، فقولنا أجمع المسلمون على وجوب الصلاة يصح بمعنى صاروا ذوي جمع ~~وبمعنى أجمعوا رأيهم. # PageV01P323 ### | الفصل الثاني في حكمه # وهو عند الكافة حجة خلافا للنظام والشيعة والخوارج، لقوله تعالى: «ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا» (1) وثبوت الوعيد على المخالفة يدل على وجوب ~~المتابعة، وقوله - عليه السلام - «لا تجتمع أمتي على خطأ» يدل على ذلك. # وكذا أيضا قوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا ms273 لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا» (2) قال أئمة اللغة والمفسرون: الوسط الخيار سمي ~~الخيار وسطا لتوسطه بين طرفي الإفراط والتفريط، وإنما يحسن هذا المدح إذا ~~كانوا على الصواب، وقوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر» (3) وجه التمسك به ذكرهم في سياق المدح يدل على أنهم على ~~الصواب، والصواب يجب اتباعه، فيجب اتباعهم، ولأنه تعالى وصفهم بأنهم يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر (4) ، واللام للعموم، فيأمرون بكل معروف فلا ~~يفوتهم حق لأنه من جملة # المعروف، ولقوله تعالى: «وينهون عن المنكر» والمنكر باللام يفيد أنهم ~~ينهون عن كل منكر فلا يقع الخطأ بينهم ويوافقوا عليه لأنه منكر. # والعمدة الكبرى: أن كل نص من هذه النصوص مضموم للاستقراء التام من ~~PageV01P324 # نصوص القرآن والسنة وأحوال الصحابة وذلك يفيد القطع عند المطلع عليه، وأن ~~هذه الأمة معصومة من الخطأ وأن الحق لا يفوتها فيما بينته شرعا، فالحق واجب ~~الاتباع، فقولهم واجب الاتباع، احتجوا بأن اتفاق الجمع العظيم على الكلمة ~~الواحدة في الزمان الواحد محال في مجاري العادة، كما أن اتفاقهم على الميل ~~إلى الطعام الواحد في الزمان الواحد محال، ولأن الله تعالى نهاهم عن المنكر ~~بقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» (1) ~~«ولا تقربوا الزنا» (2) ، «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق» (3) ~~وغير ذلك من النصوص، ولولا أنهم قابلون للمعاصي لما صح نهيهم عن هذه ~~المناكر. # والجواب عن الأول: اتفاقهم في زمن الصحابة ممكن ولا يكاد يوجد إجماع ~~اليوم إلا وهو واقع في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - وإجماعهم حينئذ ممكن ~~لعدم انتشار الإسلام في أقطار الأرض، ولأن مقصودنا أنه حجة إذا وقع ولم ~~يتعرض للوقوع، فإن لم يقع فلا كلام، وإن وقع كان حجة. هذا هو المقصود، وعن ~~الثاني: أن الصيغ العامة موضوعة في لسان العرب لكل واحد واحد، لا المجموع؛ ~~فيكون كل واحد منهم غير معصوم، ولا نزاع في ذلك، إنما النزاع في مجموعهم لا ~~في آحادهم، وقد تقدم بسط هذا في ms274 باب العموم. # وأما إمام الحرمين في البرهان فسلك طريقا آخر، وهو أن إجماعهم على دليل ~~قاطع أوجب لهم الاجتماع، فيكون قولهم حجة قطعا لذلك القاطع، لا لقولهم ~~والجمهور تقول بل النصوص شهدت لهم بالعصمة، فلا يقولون إلا حقا، استندوا ~~لعلم أو ظن، كما أن الرسول - عليه السلام - معصوم لا ينطق عن الهوى. وما ~~يقوله في التبليغ يجب اعتقاد أنه حق، كان مستنده ظنا أو علما، فالقطع نشأ ~~عن العصمة لا عن المستند. PageV01P325 # وعلى منع القول الثالث: # قال الإمام فخر الدين في المحصول إحداث القول الثالث غير جائز عند ~~الأكثرين. # والحق أنه إن لزم منه الخروج عما أجمعوا عليه امتنع وإلا جاز فتحصل في ~~المسألة ثلاثة أقوال: الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، والتفصيل. # احتج المانعون بأن الأمة أجمعت قبل الثالث على الأخذ بهذا القول، أو بهذا ~~القول، # فالأخذ بالثالث خارق للإجماع، ولأن الحق لا يفوت الأمة، فلا يكون الثالث ~~حقا، وإلا لما فاتهم، فيكون باطلا قطعا وهو المطلوب. # ويرد على الأول أن الإجماع الأول مشروط بأن لا يجمعوا على أحدهما وقد ~~أجمعوا ففات الشرط (1) . # فإن قلت، يلزمك ذلك في القول الواحد إذا أجمعوا عليه، فجاز أن يقال امتنع ~~مخالفته بشرط أن لا يذهب أحد إلى خلافه. # قلت: لو كان الأول مشروطا لما كان هذا مشروطا، بسبب أن القول الواحد ~~تعينت فيه المصلحة، فلا معنى للشرطية، بخلاف القولين لم يتعين المصلحة في ~~أحدهما عينا، ولم يقل بكل واحد منهما إلا بعض الأمة وبعض الأمة غير معصوم. ~~وعن الثاني: لا نسلم تعيين الحق في قول الأمة إلا إذا اتفقت كلها على قول، ~~أما مع الاختلاف فممنوع، فظهر بهذه الأجوبة حجة الجواز. # مثال التفصيل: اختلفت الأمة على قولين: هذا الجد يقاسم الأخوة أو يكون ~~المال كله له؟ فالقول الثالث بأن الأخوة يحوزون المال كله خلاف الإجماع، ~~فالقول الثالث مبطل لما أجمعوا عليه، فيكون باطلا، لأن الحق لا يفوتهم، هذا ~~قول الإمام فخر الدين وتمثيله. # وقال ابن حزم في المحلى: إن بعضهم قال المال كله للأخوة ms275 تغليبا للبنوة ~~على الأبوة فلا يصح على هذا ما قاله الإمام من الإجماع. PageV01P326 # وعدم الفصل فيما جمعوه فإن جميع ما خالفهم يكون خطأ لتعيين الحق في ~~جهتهم. # قال الإمام فخر الدين: إن قالوا لا نفصل بين المسألتين لم يجز الفصل، ~~وكذلك إن علم أن طريقة الحكم واحدة في المسألتين، فإن لم يكن كذلك فالحق ~~جواز الفرق، وإلا كان من وافق الشافعي في مسألة لدليل أن يوافقه في الكل، ~~إنما لم يجز الفصل لأنهم صرحوا بعدمه فيكون عدمه هو الحق، والفصل باطلا ~~فيمتنع، ومثاله: ذوو الأرحام اتفقوا على عدم الفصل بينهم، فمن ورث العمة ~~ورث الخالة بموجب القرابة ولارحم، ومن لم يورث العمة لم يورث الخالة لضعف ~~القرابة عن التوريث، فلا يجوز لأحد أن يورث العامة دون الخالة، ولا الخالة ~~دون العمة، فالطريقة واحدة في المسألتين، وإن كان المدرك مختلفا، بأن يقول ~~أحد الفريقين لا أورث الخالة لأنها تدلي بالأم، ويقول الآخر لا أورث # العمة لبعدها من الأب، جاز الفصل بسبب أن اختلاف المدارك يسوغ ذلك، لأنه ~~إذا قال قائل أورث العمة لشائبة الإدلاء بالأب ولا أورث الخالة لإدرائها ~~بالأم، وجهة الأمومة ضعيفة فهذا قد قال بالتوريث في العمة، وقد قاله بعض ~~الأمة، فلم يخرق الإجماع وقال بعدم التوريث في الخالة. وهو قول بعض الأمة ~~فلم يخرق الإجماع، وكذلك قال باعتبار ما اعتبره من العلة بعض الأمة، فلم ~~يخالف الإجماع. أما لو كانت الطريقة واحدة كما في التمثيل الأول كان خارقا ~~للإجماع باعتبار المدرك، لأن كل من قال باعتبار أحد المدركين قال باعتباره ~~في الجميع، وانعقد الإجماع على أنه إذا ألغى إحدى العلتين بقيت الأخرى، ~~فالقول بإلغائها في البعض دون اعتبار الآخر خلاف الإجماع. # من هنا حسن التنظير بالشافعي - رضي الله عنه -، فإن الإنسان إذا وافقه في ~~مسألة لمدرك فقد اعتقد صحة ذلك المدرك، فيلزمه أن يتبعه في فروع ذلك المدرك ~~كلها. أما إذا كانت مدارك الشافعي مختلفة كما هو الواقع فلا يلزم من ~~موافقته في مسألة موافقته في جميع المسائل؛ ms276 لأن مدرك تلك المسائل غير مدرك ~~تلك المسألة، فكذلك # PageV01P327 # الأمة توافق بعضها في بعض مدارك، ولا توافق في البعض الآخر، فلا جرم صح ~~التفريق فيما قالوا فيه بعدم الفصل إذا اختلفت المدارك. # قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: إن عينوا الحكم وقالوا لا نفصل حرم ~~الفصل، وإن لم يعينوا ولكن أجمعوا عليه مجملا فلا يعلم تفصيله إلا بدليل ~~غير الإجماع، فإن دل الدليل على أنهم أرادوا معينا تعين أو أرادوا العموم ~~تعين العموم، وإن لم يدل دليل حصل العموم أيضا، فإن ترك البيان مع الإجمال ~~دليل على العموم، ومتى كان مدرك أحد الصنفين مختلفا أو جاز أن يكون مختلفا ~~جاز التفصيل بين المسألتين. # وإذا اختلف العصر الأول على قولين لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث عند ~~الأكثرين، وجوزه أهل الظاهر، وفصل الإمام فقال إن لزم منه خلاف ما أجمعوا ~~عليه امتنع وإلا فلا، كما قيل للجد كل المال، وقيل يقاسم الأخ، فالقول يجعل ~~المال كله للأخ مناقض للأول، وإذا أجمعت الأمة على عدم الفصل بين مسألتين ~~لا يجوز لمن بعدهم الفصل بينهما. # هذه هي التي تقدمت، وقد تقدم بسطها غير أني قدمتها في أول الكلام مجملة، ~~ثم ذكرتها مفصلة، والفرق بين قولهم لا يجوز إحداث القول الثالث، وبين قولهم ~~لا يجوز الفصل بين مسألتين، أن القول الثالث يكون في الفعل الواحد، كما ~~تقول في سباع الوحوش قال بعضهم هي حرام، وقال بعضهم ليس بحرام، فالقول بأن ~~بعض السابع حرام وبعضها # ليس بحرام خارق للإجماع فيكون باطلا، وعدم الفصل في مسألتين مثل توريث ~~ذوي الأرحام كما تقدم في تقريره. # ويجوز حصول الاتفاق بين الاختلاف في العصر الواحد خلافا للصيرفي وفي ~~العصر الثاني لنا والشافعية، والحنفية في قولان مبنيان على أن إجماعهم على ~~الخلاف يقتضي أنه الحق فيمتنع الاتفاق أو هو مشروط بعدم الاتفاق وهو ~~الصحيح. # PageV01P328 # لنا أن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في أمر الإمامة ثم اتفقوا ~~عليها، فدل على ما قلناه، وأما المسألة الثانية فصورتها أن يكو لأهل العصر ms277 ~~الأول قولان ثم اتفق أهل العصر الثاني على أحد القولين، لنا أن هذا القول ~~قد صار قول كل الأمة، لأن أهل العصر الثاني هم كل الأمة، فالصواب لا يفوتهم ~~فيتعين قولهم، هذا حقا وما عداه باطلا. # حجة المخالف أن أهل العصر الأول قد اتفقوا على جواز الأخذ بكل واحد من ~~القولين بدلا عن الآخر، فالقول بحصر الحق في هذا القول خلاف الإجماع، ~~ولقوله تعالى: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول» (1) ، وهذا حكم ~~وقع فيه النزاع في العصر الأول فوجب رده إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ~~ولا تحسم مادة النظر فيه لظاهر الآية ولقوله عليه السلام: «أصحابه كالنجوم ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم» وهذا عام سواء حصل بعدم إجماع أولا، ووجب إذا قال ~~قائل بذلك القول المتروك أن يكون حقا لظاهر الحديث. # والجواب عن الأول: أن تجويز الأخذ بكلا القولين مشروط بأن لا يحدث إجماع. # فإن قلت: يلزمك ذلك في الإجماع على القول الواحد أن يكون مشروطا بعدم ~~طريان الخلاف. # قلت: قد تقدم الجواب عنه. # وعن الثاني: أن موجب الرد هو التنازع، وقد ذهب بحصول الاتفاق فينتفي ~~الرد. # وعن الثالث: لا نسلم أن قوله باق في العصر الثاني بعد الاتفاق حتى يحسن ~~الاقتداء به. PageV01P329 # وانقراض العصر ليس شرطا خلافا لقوم من الفقهاء والمتكلمين لتجدد الولادة ~~كل يوم فيتعذر الإجماع. # لنا: النصوص الدالة على كون الإجماع حجة، ولأن التابعين يولدون في زمن ~~الصحابة ويصير منهم فقهاء قبل انقراض عصرهم، فيلزم أن لا ينعقد إجماع ~~الصحابة دونهم، ثم عصر التابعين أيضا كذلك فتتداخل الأعصار في بعضها، ولا ~~ينعقد الإجماع. # احتجوا بأن الناس ما داموا أحياء فهم في مهلة النظر فلا يستقر الرأي فلا ~~ينعقد الإجماع، ولأن الله تعالى يقول: «لتكونوا شهداء على الناس» (1) وأنتم ~~تجعلونهم شهداء على أنفسهم. # والجواب عن الأول: أن اتفاق الآراء الآن دل على صحتها عملا بأدلة ~~الإجماع، فيكون ما عداها باطلا فلا يفيد الانتقال إليه. وعن الثاني: أن كون ~~الإنسان شاهدا على غيره لا يمنع من قبول قوله ms278 على نفسه، قال الله تعالى: ~~«ولو على أنفسكم» (2) ثم المراد بهذه الآية الدار الآخرة، والشهادة على ~~الأمم يوم القيامة، فلا تعلق لها بما نحن فيه. # وإذا حكم بعض الأمة وسكت الباقون فعند الشافعي والإمام ليس بحجة ولا ~~إجماع، وعند الجبائي إجماع وحجة بعد انقراض العصر، وعند أبي هاشم ليس ~~بإجماع، وهو حجة، وعند أبي علي بن أبي هريرة إن كان القائل حاكما لم يكن ~~إجماعا ولا حجة، وإن كان غيره فهو إجماع وحجة. # حجة الأول: أن السكوت قد يكون لأنه في مهلة النظر، أو يعتقد أن قول خصمه ~~مما يمكن أن يذهب إليه ذاهب، أو يعتقد أن كل مجتهد مصيب، أو عنده منكر ولكن ~~يعتقد أن غيره قام بالإنكار عنه، أو يعتقد أن إنكاره لا يفيد. PageV01P330 # ومع هذه الاحتمالات لا يقال للساكت موافق للقائل، وهو معنى قول الشافعي - ~~رضي الله عنه -: «لا ينسب إلى ساكت قول» وإذا لم يكن إجماعا لا يكون حجة، ~~لأن قول بعض الأمة ليس بحجة. # حجة الجبائي أن السكوت ظاهر في الرضا لاسيما مع طول المدة، ولذلك قال ~~عليه السلام في البكر «وإذنها صماتها» وإذا كان الساكت موافقا كان إجماعا ~~وحجة، عملا بالأدلة الدالة على كون الإجماع حجة. # حجة أبي هاشم: أنه ليس إجماعا لاحتمال السكوت ما تقدم من غير الموافقة، ~~وأما أنه حجة فإنه يفيد الظن والظن حجة لقوله عليه السلام: «أمرت أن أقضي ~~بالظاهر» وقياسا على المدارك الظنية. # حجة أبي علي: أن الحاكم يتبع أحكامه ما يطلع عليه من أمور رعيته فربما ~~علم في حقهم ما يقتضي عدم سماع دعواه لأمر باطن يعلمه، وظهاره الحال يقتضي ~~أنه مخالف للإجماع، فكذلك في تحليفه وإقراره، وغير ذلك مما انعقد الإجماع ~~على قبوله، وأما المفتي فإنما يفتي بناء على المدارك الشرعية وهي معلومة ~~عند غيره، فإذا رآه خالفها نبهه، وأما أمور الرعية وخواص أحوالهم فلا يطلع ~~عليها إلا من ولي عليهم، فتلجئه الضرورة للكشف عنهم فلا يشاركه غيره في ~~ذلك، فلا يحسن الإنكار عليه، ثم إنه قد ms279 يرى المذهب # المرجوح في حق هذا الخصم، هو الراجح المتعين في حق هذا الخصم لأمر اطلع ~~عليه، ولا يمكن الاعتراض عليه لهذه الاحتمالات. # فإن قال بعض الصحابة قولا ولم يعرف له مخالف، قال الإمام إن كان مما نعم ~~به البلوى ولم ينتشر ذلك القول فيهم، وفيهم فقيه مخالف لم يظهر (1) فيجري ~~مجرى قول البعض وسكوت البعض، وإن كان مما لا تعم به البلوى فليس بإجماع ولا ~~حجة. PageV01P331 # إذا كانت الفتوى مما تعم بها البلوى بأن كان سببها عاما كدم البراغيث ~~وطين المطر والفصادة وكونها تنقض الطهارة ونحو ذلك. فشأن هذه الفتوى أن ~~تنتشر بينهم لعموم سببها أو شموله لهم، وإذا لم تنتشر فبعضهم عنده علم تلك ~~الفتوى لوجود سببها في حقه وهو إما موافق لما ظهر أو مخالف له، وقولي فيه ~~مخالف غير هذه العبارة أجود، بل يقول فيه قائل: أما المخالف فلا يتعين ~~لاحتمال أنه موافق، وأما إذا لم تعم به البلوى فيتخرج على الإجماع السكوتي، ~~هل هو إجماع وحجة أم لا؟ وهذا الذي نقلته هو قول الإمام فخر الدين في ~~المحصول، ولما كان مذهبه في الإجماع السكوتي أنه ليس إجماعا ولا حجة، قال ~~هنا كذلك، وهو يتخرج على الخلاف المتقدم. # وإذا جوزنا الإجماع السكوتي وكثير ممن لم يعتبر انقراض العصر في القولي ~~اعتبره في السكوتي. # سبب الفرق أن الإجماع القولي قد صرح كل واحد بما في نفسه فلا معنى ~~للانتظار، وفي السكوتي في احتمال أن يكون الساكت في مهلة النظر، فينتظر حتى ~~ينقرض العصر، فإذا مات علمنا رضاه. قال الإمام فخر الدين: وهذا ضعيف؛ لأن ~~السكوت إذا دل على الرضا دل في الحياة أو لا يدل، فلا يدل عند الممات. # والإجماع المروي بأخبار الآحاد المظنونة حجة خلافا لأكثر الناس، لأن هذه ~~الإجماعات وإن لم تفد العلم فهي تفيد الظن، والظن معتبر في الأحكام كالقياس ~~وخبر الواحد، غير أنا لا نكفر مخالفها، قاله الإمام. # ولأنه حجة شرعية فيصح التمسك بمظنونه كما يصح بمقطوعه كالنصوص والقياس. ~~حجة المنع: أن خبر ms280 الواحد إنما يكون حجة في السنة وهذا ليس منها، ثم الفرق ~~أن إجما عالأمة من الوقائع العظيمة فتتوفر الدواعي على نقلها، بخلاف وقائع ~~أخبار الآحاد، فحيث نقل بأخبار الآحاد كان ذلك ريبة في ذلك النقل. # فإن قلت: الصحيح قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى، مع أنه مما يتوفر ~~الدواعي على نقله، فما الفرق؟ # قلت: الفرق أن عموم البلوى أقل من الكل قطعا. # PageV01P332 # وإذا استدل العصر الأول بدليل وذكروا تأويلا واستدل العصر الثاني بدليل ~~آخر وذكروا تأويلا آخر، فلا يجوز إبطال الأويل القديم، وأما الجديد فإن لزم ~~منه إبطال القديم بطل وإلا فلا. # مثاله اللفظ المشترك يحمله أهل العصر الأول على أحد معنييه، ثم في العصر ~~الثاني يعتبرون المعنى الآخر الذي لم يعتبره العصر الأول. # قال الإمام فخرا لدين المشترك لا يستعمل في مفهوميه وأحدهما مراد والآخر ~~ليس بمراد، فلا يستقيم اعتبار التأويلين. # ويرد عليه: أن مذهب الشافعي ومالك والقاضي وجماعة كثيرة جوازه فجاز أن ~~يعتبر العصر الأول أحد المعنيين لحضور سببه ولا يخطر الآخر ببالهم لعدم ~~حضور سببه، ثم في العصر الثاني يحضر سببه فيعتبرونه دون الأول، والأمة لا ~~يلزمها علم ما تحتاجه وعلم ما لا تحتاجه بل ما تحتاجه فقط. # قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: إذا استدل الإجمال بدليل على حكم هل ~~يجوز أن يستدل بدليل آخر على ذلك الحكم؟ منعه قوم لأن استدلال الأولين ~~يقتضي أن ما عداه خطأ. قال: والحق إن فهم عنهم أن ما عداه ليس بدليل على ~~ذلك الحكم امتنع الاستدلال بغيره، وإلا فلا يمتنع، لأنه لا يجب عليهم ذكر ~~كل ما يصلح الاستدلال به. # وهل يصح في كل دليل كلي أن يجمعوا أنه ليس بدليل، أو يفصل في ذلك فيقال: ~~كل ما يقبل النسخ أو التخصيص صح إجماعهم على عدم دلالته وإلا لم يجز ~~إجماعهم لأنه حينئذ خطأ؛ لأنه لا يصح أن يخرج عن كونه دليلا. # وإذا قلنا بجواز الاستدلال بغير ما استدلوا به فهل يجوز الاستدلال بعدة ~~أدلة وإن كانوا هم ms281 لم يستدلوا إلا بدليل واحد وهل يستدل بغير جنس دليلهم ~~ولا فرق في الجنس الواحد والجنسين. هذا في الأدلة. # وإن عللوا بعلة هل لنا أن نعلل بغيرها؟ لا يخلو إما أن يكون الحكم عقليا ~~أو شرعيا، فإن كان عقليا لم يجز بغير علتهم على أصولنا في أن الحكم العقلي ~~لا يعلل بعلتين، بخلاف الاستدلال عليه بعلتين، ومن جوزه جوزه هنا. # وأما الشرعي: فإن فرعنا على أنه لا يجوز تعليله امتنع، وإلا جاز بشرط أن # PageV01P333 # لا تنافي # علتنا علتهم إلا أن يجمعوا على عدم التعليل بغير علتهم فيمتنع مطلقا. # وإجماع أهل المدينة عند مالك فيما طريقه التوقيف حجة خلافا للجميع. # لنا قوله - عليه السلام - لا تجتمع أمتي على خطأ، ومفهومه أن بعض الأمة ~~يجوز عليه الخطأ، وأهل المدينة بعض الأمة. # وجوابه: أن منطوق الحديث المثبت أقوى من مفهوم الحديث الثاني. # ومن الناس من اعتبر إجماع أهل الكوفة. # سببه أن عليا - رضي الله عنه - وجمعا كثيرا من الصحابة العلماء كانوا بها ~~فكان ذلك دليل على أن الحق لا يفوتهم. # وإجماع العترة عند الإمامية (1) . # لقوله تعالى: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت» (2) والخطأ ~~رجس، فوجب نفيه. # وجوابه: أن الرجس ظاهر في المعصية، والاجتهاد الخطأ ليس بمعصية، ولأن ~~صيغة الحصر متعذرة في ذلك، لأن إرادة الله تعالى شاملة لجميع أجزاء العالم، ~~فيتعين إبطال الحقيقة، ووجوه المجاز غير منحصرة، فيبقى مجملا، فسقط ~~الاستدلال به. PageV01P334 # وإجماع الخلفاء الأربعة حجة عند أبي حازم، ولم يعتد بخلاف زيد في توريث ~~ذوي الأرحام. # مستنده في قوله - عليه السلام -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» وهذه صيغة تحضيض (1) تفيد الأمر باتباعهم وهو ~~المطلوب. # والجواب: أنه محمول على اتباعهم للسنن والكتاب العزيز، ونحن نفعل ذلك. # قال الإمام: إجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين ليس بحجة، ~~خلافا لقوم. # لأن التابعين إذا حصل لهم أهلية الاجتهاد في زمن الصحابة بقي الصحابة بعض ~~الأمة، وقول بعض الأمة ليس بحجة. # قال القاضي عبد الوهاب: الحق التفصيل إن ms282 حدثت الواقعة قبل أن يصير ~~التابعي مجتهدا، وأجمعوا على أن الفتيا فيها فلا عبرة بقوله، وإن اختلفوا ~~امتنع عليه إذا صار مجتهدا إحداث قول ثالث، وإن توقفوا فله أن يفتي بما ~~يراه. فهذه ثلاثة أحوال، وإن حدثت بعد أن صار من أهل الاجتهاد فهو كأحدهم، ~~فصار للمسألة حالتان في إحداهما ثلاث حالات. # حجة المخالف قوله تعالى: «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة» (2) ولو لم يكونوا عدولا ما رضي عنهم، ولقوله - عليه السلام -: «لو ~~أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . # والجواب عن الأول: أن الآية تقضي عدم المعصية، وحصول الطاعة في البيعة ~~ولا تعلق لذلك بالإجماع. وعن الثاني: أنه يقتضي أن يكون قولهم كل واحد حجة، ~~وأنتم لا تقولون به. # قال ومخالفة من خالفنا في الأصول إن كفرناهم لم نعتبرهم ولا يثبت تكفيرهم ~~بإجماعنا، لأنه فرع تكفيرهم، وإن لم نكفرهم اعتبرناهم. # لا نعتبر الكفار في الإجماع، لأن العصمة تثبت لهذه الأمة وليس من جملتها ~~PageV01P335 # الكفار، لأن المقصود بالعصمة من اتصف بالإيمان، لا من بعث له - عليه ~~السلام -، وأهل البدع اختلف العلماء في تكفيرهم نظرا لما يلزم من مذهبهم من ~~الكفر الصريح، فمن اعتبر ذلك وجعل لازم المذهب مذهبا كفرهم، ومن لم يجعل ~~لازم المذهب مذهبا لم يكفرهم. وهذه القاعدة لمالك والشافعي وأبي حنيفة ~~والأشعري، وللقاضي في تكفيرهم قولان، فحيث بنينا على أنهم كفار ينبغي أن ~~يثبت ذلك بدليل غير إجماعنا، فإن إجماعنا لا يكون حجة على تكفيرهم، إلا إذا ~~كنا نحن كل الأمة، ولا نكون نحن كل الأمة حتى يكون غيرنا كافرا، فيتوقف كون ~~إجماعنا حجة على كونهم كفارا، ويتوقف كونهم كفارا على إجماعنا، فتوقف كل ~~واحد منهما على الآخر فيلزم الدور. # ويعتبر عند أصحاب مالك مخالفة الواحد في إبطال الإجماع خلافا لقوم. # قال القاضي عبد الوهاب: إذا خالف الواحد والاثنان ومن قصر عن عدد التواتر ~~فلا # إجماع حينئذ. وقال قوم لا يضر الواحد والاثنان. وحكى عن بعض أصحابنا وعن ~~المعتزلة. لا يضر ms283 من قصر عن عدد التواتر، وقاله أبو الحسين الخياط من ~~المعتزلة. وقال ابن الحشاد لا يضر الواحد والاثنان في أصول الدين وما يتعلق ~~بالتأثيم والتضليل، بخلاف مسائل الفروع. # حجة الجواز: قوله - عليه السلام -: «عليكم بالسواد الأعظم» ولأن الصحابة ~~رضوان الله عليهم كانوا ينكرون على الواحد والاثنين المخالفة لشذوذهم، ولأن ~~اسم الأمة لا ينخرم بهم كالثور الأسود فيه شعرات بيض لا يخرج عن كونه أسود؛ ~~ولأنه إذا كان الإجماع حجة وجب أن يكون معه من يجب عليه الانقياد له. # وجوابهم عن الأول: أن ذلك يفيد غالبة الظن أن الحق مع الأكثر، وأما ~~الإجماع والقطع بحصول العصمة فذلك لا يفيده. وعن الثاني: أن الإنكار وقع ~~منهم لمخالفة الدليل الذي عليه الجمهور لا لخرق الإجماع. وعن الثالث: أن ~~اسم الأسود حينئذ إنما يصدق مجازا، بل الأسود بعضهه، فكذلك الأمة لا يصدق ~~على بعضها إلا مجازا. وعن الرابع: أن المنقاد للإجماع من بعدهم ومن عصرهم ~~من ليس له أهلية النظر، والنزاع هنا فيمن له أهلية النظر. # PageV01P336 # حجة المنع: أن الأدلة إنما شهدت بالعصمة لمجموع الأمة، والمجموع ليس ~~بحاصل فلا تحصل العصمة. # حجة الفرق: أن أصول الديانات مداركها نظرية، والعقول قد تعرض لها ~~الشبهات، فلا يقدح ذلك في الحق الواقع للجمهور، ومدرك الفروع سمعي واجب ~~للنقل والتعلم، وحصوله واجب على كل مجتهد، فما خالف الاثنان إلا لمدرك ~~صحيح. # وجوابه: كما تعرض الشبهة في العقليات تعرض في السمعيات، من جهة دلالتها ~~ومن جهة سندها ومن جهة ما يعارضها بنسخها وغيره، فالكل سواء. # وهو مقدم على الكتاب والسنة والقياس. # لأن الكتاب يقبل النسخ والتأويل وكذلك السنة، والقياس يحتمل قيام الفارق ~~وخفاءه الذي مع وجوده يبطل القياس وفوات شرط من شروطه، والإجماع معصوم قطعي ~~ليس فيه احتمال، وهذا الإجماع المراد به هنا هو الإجماع القطعي اللفظي ~~المشاهد، أو المنقول بالتواتر، وأما أنواع الإجماعات الظنية كالسكوتي ~~ونحوه، فإن الكتاب قد يقدم عليه. # واختلف في تكفير مخالفه بناء على أنه قطعي وهو الصحيح، ولذلك يقدم على ~~الكتاب والسنة، وقيل ظني. ms284 # تكفير المخالف له وإن قلنا به فهو مشروط بأن يكون المجمع عليه ضروريا من ~~الدين، أما من جحد ما أجمع عليه من الأمور الخفية في الجنايات وغيرها من ~~الأمور التي لا يطلع عليها إلا المتبحرون في الفقه فهذا لا نكفره، إذا عذر ~~بعدم الاطلاع على الإجماع. # سؤال: كيف تكفرون مخالف الإجماع، وأنتم لا تكفرون جاحد أصل الإجماع ~~كالنظام (1) والشيعة وغيرهم، وهم أولى بالتكفير لأن جحدهم يشمل PageV01P337 # كل إجماع، بخلاف جاحد إجماع خاص لا يتعدى جحده ذلك الإجماع في مخالفة ~~حكمه. # جوابه: أن الجاحد لأصل الإجماع لم يستقر عنده حصول الأدلة السمعية الدالة ~~على وجوب متابعة الإجماع، فلم يتحقق منه تكذيب صاحب الشريعة، ونحن إنما ~~نكفر من جحد حكما مجمعا عليه ضروريا من الدين، بحيث يكون الجاحد ممن يتقرر ~~عنده أن خطاب الشارع ورد بوجوب متابعة الإجماع، فالجاحد على هذا التقرير ~~يكون مكذبا لتلك النصوص، والمكذب كفرناه، فظهر الفرق. # وأما وجه كونه قطعا عند الجمهور، فهو ما حصل من العلم الضروري من استقراء ~~نصوص الشريعة بأنه حجة وأنه معصوم، والقائل بأنه ظني يلاحظ ما يستدل به ~~العلماء من ظواهر الآيات والأحاديث التي لا تفيد غلا الظن، وما أصله الظن ~~أولى أن يكون ظنيا. # ووجه الجواب أن الواقع في الكتب ليس هو المقصود، فإنا نذكر آية خاصة أو ~~خبرا خاصا وذلك لا يفيد إلا لظن قطعا، قال التبريزي (1) في كتابه المسمى ~~بالتنقيح في اختصار المحصول: وليس هذا مقصود العلماء، بل هذا الخبر مضاف ~~إلى الاستقراء التام الحاصل من تتبع موارد الشريعة أو مصادرها، فيحصل ~~PageV01P338 # من ذلك المجموع القطع بذلك المدلول، وأن الإجماع حجة، والعلماء في الكتب ~~ينهون بتلك الجزئيات من النصوص على ذلك الاستقراء الكلي؛ وليس من الممكن أن ~~يضعوا ذلك المفيد للقطع في كتاب، كما أن المنبه على سخاء # حاتم في كتابه يذكر حكايات عديدة وهي وإن كثرت لا تفيد القطع. لكن القطع ~~حاصل بسخائه بالاستقراء التام، فالغفلة عن هذا هو الموجب لورود أسئلة وردت ~~على الإجماع من عدم التكفير به، ms285 وكون أصله ظنيا وهو قطعي، إلى غير ذلك من ~~الأسئلة وهي بأسرها تندفع بهذا التقرير. ### | الفصل الثالث في مستنده # ويجوز عند مالك رحمه الله تعالى انعقاده عن القياس والدلالة والأمارة، ~~وجوزه قوم بغير ذلك بمجرد الشبه والبحث. ومنهم من قال لا ينعقد عن الأمارة ~~بل لا بد من الدلالة، ومنهم من فصل بين الأمارة الجلية وغيرها. # حجة الجواز بالأمارة: أنها أمر يفيد الظن فأمكن اشتراك الجميع في ذلك ~~الظن كما أن الغيم الرطب إذا شاهده أهل الأرض كلهم اشتركوا في غلبة الظن من ~~قبله بالأمطار، وكذلك أمارات الخجل والوجل (1) المفيدة لظن ذلك يمكن اشتراك ~~الجمع العظيم في إفادة ظنها لذلكن فكذلك أمارات الأحكام من القياس وغيره، ~~والمراد بالدلالة ما أفاد القطع، وبالأمارة ما أفاد الظن؛ لأن الدليل ~~والبرهان موضوعان في عرف أرباب الأصول لما أفاد علما والأمارة لما أفاد ~~الظن؛ والطريق صادق على الجميع لأن الأولين طريق إلى العلم، والثالث طريق ~~إلى الظن. # وأما قولي: جوزه قوم بمجرد الشبهة والبحث؛ فأصل هذا الكلام أنه وقع في ~~المحصول أنه جوزه قوم بمجرد التبخيت، ووقع معها من الكلام للمصنع ما يقتضي ~~أنها شبهة لقوله في الرد عليهم لو جاز بمجرد التبخيت لانعقد الإجماع عن غير ~~دلالة ولا أمارة وأنتم لا تقولون به. دل ذلك على أن القائلين بالتبخيت لا ~~يجوزون العرو PageV01P339 # عن النبهة، وقال أيضا عن الخصم: إنه جوزه من غير دلالة ولا أمارة، ومتى ~~انتفت الأمارة انتفت الشبهة قطعا فصار لفظ المحصول يتدافع. واختلف ~~المختصرون له: فمنهم من فسره بالشبهة وهو سراج الدين، ومنهم من أعرض عنه ~~بالكلية، ثم بعد وضع كتاب الفصول طالعت كتبا كثيرة فوجدت هذه اللفظة فيها ~~مضبوطة، ويقولون: منهم من جوز الإجماع بالتبخيت بالتاء المنقوطة باثنتين من ~~فوقها فدل على أن قوله بالتبخيت ليس بالثاء المثلثة من المباخثة بل من ~~البخت، فتحصل من ذلك أن # من الناس من جوز الإجماع بالقسم والبخت أي يفتون بغير مستند أصلا، وأي ~~شيء أفتوا به كان حقا، وأن الله تعالى جعل ms286 لهم ذلك، وأنهم منطقون بالصواب، ~~ولا يجري الله تعالى على لسانهم إلا ذلك وهو أمر جائز عقلا، غير أنه لا بد ~~له من دليل سمعي، فقائلوه يقولون: ذلك الدليل هو قوله عليه الصلاة والسلام: ~~«لا تجتمع أمتي على خطأ» ونحوه، فمتى أجمعوا كان حقا ولا نظر إلى المستبد، ~~والفريق الآخر يقول: فتياهم بغير مستند اتباع للهوى واتباع الهوى خطأ فهذا ~~تحرير هذه المسألة. # حجة من قال لا بد من الدلالة، وهي الدليل القاطع؛ لأن الظنون تتفاوت فلا ~~يحصل فيها اتفاق، والدليل القاطع قاهر لا مجال للاختلاف فيه فيتصور بسببه ~~الإجماع. # وجوابه: أن الغيم الرطب تستوي الأمة في الظن الناشئ منه ممن هو عارف ~~بأحوال السحب. كذلك كل أمارة تثير الظن، مع أن الدليل القطعي قد تعرض فيه ~~الشبهات ولذلك اختلف العقلاء في حديث العالم وكثير من المسائل العقليات ~~القطعيات، لكن عروض الموانع لا عبرة بها لأنا لا ندعي وجوب حصول الإجماع، ~~بل ندعي أنه إذا حصل كان حجة، وتعذر حصوله في كثير من الصور لا يقدح في ~~ذلك، وأما وجه الفرق بين الجلية والخفية فظاهر مما تقدم. # PageV01P340 ### | الفصل الرابع في المجمعين # فلا يعتبر فيه جملة الأمة إلى يوم القيامة، لانتفاء فائدة الإجماع، ولا ~~العوام عند مالك رحمه الله وعند غيره، خلافا للقاضي، لأن الاعتبار فرع ~~الأهلية، ولا أهلية فلا اعتبار. # أما جميع الأمة إلى قيام الساعة فلم يقل به أحد؛ فإن المقصود من هذه ~~المسألة كون الإجماع حجة، وفي يوم القيامة ينقطع تكاليف الشرائع، وأما ~~العوام فقال القاضي هم مؤمنون ومن الأمة فتناولهم اللفظ فلا تقوم الحجة ~~بدونهم. # وجوابه: أن أدلة الإجماع يتعين حملها على غير العوام، لأن قول العامي ~~بغير مستند خطأ، والخطأ لا عبرة به، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا ~~على عدم اعتبار العوام وإلزامهم اتباع العلماء، قاله القاضي عبد الوهاب. ~~وقيل يعتبر العوام في الإجماع العام كتحريم الطلاق والزنا والربا وشرب ~~الخمر، دون الإجماع الخاص الحاصل في دقائق الفقه. # والمعتبر في كل فن أهل الاجتهاد في ms287 ذلك الفن وإن لم يكونوا من أهل ~~الاجتهاد في غيره، فيعتبر في الكلام المتكلمون وفي الفقه الفقهاء قاله ~~الإمام وقال لا غبرة بالفقيه # الحافظ للأحكام والمذاهب إذا لم يكن مجتهدا. والأصولي المتمكن من ~~الاجتهاد غير الحافظ للأحكام خلافه مستبر على الأصح، ولا يشترط بلوغ ~~المجمعين إلى حد التواتر بل لو لم يبق إلى واحد والعياذ بالله كان قوله ~~حجة. وإجماع غير الصحابة حجة خلافا لأهل الظاهر. # قال القاضي عبد الوهاب: اختلف هل يشترط في الإجماع العدد المفيد للعلم ~~وهو عدد التواتر، فإن قصروا عن ذلك لم يكن حجة قاله القاضي أبو بكر ~~الباقلاني. # PageV01P341 # حجة عدم الاشتراط: قوله تعالى: «ويتبع غير سبيل المؤمنين» (1) ولم يفصل ~~بين قليلهم وكثيرهم، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على ~~خطأ» وغير ذلك من الأدلة السمعية. # حجة الاشتراط أنا مكلفون بالشريعة وأن نقطع بصحة قواعدها في جميع ~~الأعصار، ومتى قصر عددهم عن التواتر لم يحصل العلم فيختل العلم بقواعد ~~الدين. # وجوابهم: أن التكليف بالعلم يعتمد سبب حصول العلم، فإذا تعذر سبب العلم ~~سقط التكليف به، ولا عجب في سقوط التكليف لعدم أسبابه أو شرائطه، وأما أن ~~العبرة بأهل ذلك الفن خاصة فلأن غير أهل ذلك الفن كالعوام بالنسبة إلى ذلك ~~الفن، والعامة لا عبرة بقولهم، وينبغي على رأي القاضي أن يلزم اعتبار جميع ~~أهل الفنون في كل فن، لأن غايتهم أن يكونوا كالعوام وهو يعتبر العوام. # وأما قولي في الفقيه: الحافظ والأصولي: المتمكن فهو قول الإمام فخر ~~الدين، وفيه إشكال من جهة أن الاجتهاد من شرطه معرفة الأصول والفروع، فإذا ~~انفرد أحدهما يكون شرط الاجتهاد مفقودا، فلا ينبغي اعتبار واحد منهما ~~حينئذ. # والقاضي عبد الوهاب ذكر عبارة تقرب من السداد فقال: إذا أجمع الفقهاء ~~وخالفهم من هو من أهل النظر ومشاركو الفقهاء في الاجتهاد، غير أنهم لم ~~يتوسموا بالفقه ولم يتصدوا له، فالأصح اعتبار قولهم، فهذه العبارة تقرب ~~لأنه لم يسلب عنهم إلا التصدي للفقه والتوجه إليه، فأمكن أن يكون كل واحد ~~منهم نم ms288 أهل الاجتهاد، وحكى في اعتبارها ألوا قولين، قال: وقيل أيضا لا ~~يعتبر بقول من لا يقول بالقياس؛ لأن المقايسة هي طريق الاجتهاد، فمن لا ~~يعتبرها لم يصلح للاجتهاد، قال وهذا غير صحيح، فإنه لو لم يعتبر من لا ~~يعتبر بعض المدارك لألغينا من لا يعتبر المراسيل، والأمر للوجوب أو للعموم ~~أو غير ذلك، وما من طائفة إلا وقد خالفت في نوع من الأدلة، وأما أن إجماع ~~غير الصحابة حجة فلظواهر النصوص، والأدلة الدالة على كون الإجماع حجة. ~~PageV01P342 # واحتج أهل الظاهر بأن الظاهر قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» (1) ~~وقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» (2) وهذه الضمائر إنما وضعت ~~للمشافهة ومن هو حاضر، فلا تتناول من يحدث بعض. # وجوابهم: أن النصوص تتناول الجميع مثل قوله تعالى: «ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين» (3) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على خطأ» ، ~~«ولا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أرم الله ~~تعالى وهم كذلك» ، وهذه صيغ لا تختص بعصر، فوجب التعميم. ### | الفصل الخامس في المجمع عليه # كل ما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة عليه لا يثبت بالإجماع، كوجود الصانع ~~وقدرته وعلمه والنبوة، وما لا يتوقف عليه كحدوث العالم والواحدانية فيثبت، ~~واختلفوا في كونه حجة في الحروب والآراء، ويجوز اشتراكهم في عدم العلم بما ~~لم يكلفوا به. # كون الإجماع حجة فرع النبوة والنبوة فرع الربوبية، وكون الإله سبحانه ~~وتعالى عالما، فإن لم يعلم زيدا لا يرسله مريدا، فإن اختيار زيد دون الناس ~~للرسالة فرع ثبوت الإرادة والحياة، لأن الحياة شرط في العلم والإرادة، فهذه ~~شرائط في الرسالة، فلو ثبت بالإجماع الذي هو فرع الرسالة لزم الدور، وأما ~~حدوث العالم فلا يتوقف عليه الإجماع إلا بالنظر البعيد من جهة أنه يلزم من ~~قدم العالم انتفاء الإرادة، فإن القديم يستحيل أن يراد، ولأن الفاعل ~~المختار لا يتصور PageV01P343 # منه أن يقصد إلى إيجاد أثره غلا حالة عدمه، غير أنه لو فرضنا أن الله ~~تعالى ما أحدث عالما لم يكن الإرسال مستحيلا ms289 عليه في ذاته بل لا بد من مرسل ~~ومرسل إليه فقط فهذا مانع خارجي، وكذلك لو فرض العقل الهين أو أكثر تصور من ~~كل واحد منهما الإرسال، وهذا بالنظر إلى بادئ النظر، وإن كان من المحال أن ~~يثبت عالم مع الشركة حتى يتيسر فيه إرسال، لكن المقصود في هذا الموضع ما ~~يتوقف عليه الإرسال في مجاري العادات. # قال القاضي عبد الوهاب: والأشبه بمذهب مالك أنه لا تجوز مخالفتهم فيما ~~اتفقوا عليه من الحروب والآراء غير أني لا أحفظ فيه عن أصحابنا شيئا. # وحجته: أن عموم الأدلة يقتضي أنهم معصومون مطلقا فيحرم خلافهم. # حجة الجواز أن الأدلة إنما دلت على عصمتهم فيها يقولونه عن الله تعالى ~~وهذا ليس منه فلا يكون قولهم حجة. # وجوابه: أن هذا تخصيص الأصل عدمه، وأما اشتراكهم في الجهل وعدم العلم بما ~~لم يكلفوا به فهذا هو من ضرورات المخلوقات، فلم يجب الإحاطة إلا لله تعالى، ~~وأما جهلهم بما كلفوا به فذلك محال عليهم لأنه معصية تأباها العصمة. # وقال القاضي عبد الوهاب: ولا يجوز أن يجمعوا على فعل معصية في وقت أو ~~أوقات متفرقةن لأن تفرق الأوقات لا يخرجهم عن كونهم مجمعين على معصية وكذلك ~~الخطأ في الفتيا، واختلفوا هل يصح أن يجمعوا على خطأ في مسألتين كقول بعضهم ~~بمذهب الخوارج، والبقية بمذهب المعتزلة، وفي الفروع مثل أن يقول البعض بأن ~~العبد يرث والبقية بأن القاتل عمدا يرث؟! فقيل لا يجوز لأنه إجماع على ~~الخطأ، وقيل يجوز لأن كل خطأ من هذين الخطأين لم يساعد عليه الفريق الآخر، ~~فلم يوجد فيه إجماع. # تنبيه: الأحوال ثلاث: الحالة الأولى: اتفاقهم على الخطأ في مسألة واحدة ~~كإجماعهم على أن العبد يرث فلا يجوز ذلك عليهم، الحالة الثانية: أن يخطئ كل ~~فريق في مسألة أجنبية عن المسألة الأخرى فيجوز، فإنا نقطع أن كل مجتهد يجوز # PageV01P344 # أن يخطئ، وما من مذهب من المذاهب إلا وقد وقع فيه ما يتكرر وإن قل؛ فهذا ~~لا بد للبشر منه، ولذلك قال مالك - رحمه الله - كل ms290 أحد مأخوذ من قوله ~~ومتروك، إلا صاحب هذا القبر - صلى الله عليه وسلم -. الحالة الثالثة: أن ~~يخطئوا في مسألتين في حكم المسألة الواحدة مثل هذه المسألة، فإن العبد ~~والقاتل كلهما يرجع إلى فرع واحد وهو مانع الميراث فوقع الخطأ فيه كله، فمن ~~نظر إلى اتحاد الأصل منع، ومن نظر إلى تعدد الفروع أجاز. فهذا تلخيص هذه ~~المسألة. # PageV01P345 ### | الباب السادس عشر في الخبر # وفيه عشرة فصول ### | الفصل الأول في حقيقته # وهو المحتمل للصدق والكذب لذاته، احترازا من خبر المعصوم والخبر عن خلافا ~~الضرورة. # الخبر من حيث هو خبر يحتمل الصدق وهو المطابقة، والكذب وهو عدم المطابقة، ~~والتصديق هو الإخبار عن كونه صدقا، والتكذيب هو الإخبار عن كونه كذبا، ~~فالصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه عدميتان لا وجود لهما في الأعيان ~~بل في الأذهان، والتصديق والتكذيب. خبران وجوديان في الأعيان: ثم الخبر من ~~حيث هو خبر يحتمل ذلك، أما إذا عرض له من جهة المتكلم به ما يمنع الكذب ~~والتكذيب فإنه لا يقبلهما؛ ولذلك إذا قلنا الواحد نصف الاثنين يمتنع الكذب ~~والتكذيب، أو الواحد نصف العشرة يمتنع الصدق والتصديق، ولكن ذلك النظر إلى ~~متعلقه لا بالنظر إلى ذاته، فلذلك قلت - في الحد - لذاته. # سؤال: التصديق والتكذيب نوعان من الخبر والنوع لا يعرف إلا بعد معرفة ~~الجنس، فتعريف الجنس به دور والصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه # PageV01P346 # والنسبة بين الشيئين لا تعرف إلا بعد معرفتهما، فتعريف الخبر بهما تعريف ~~الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفته فهذا دور أيضا. # جوابه: إنه تقدم في أول الكتاب أن التحديد بمثل هذا يجوز، وإن الحد هو ~~شرح اللفظ وبيان مسماه دون تخليص الحقائق بعضها من بعض، وبسطته هنالك ~~فليطالع ثمة. # وقال الجاحظ (1) : يجوز عروه عن الصدق والكذب، والخلاف لفظي. # قال أهل السنة: لا واسطة بين الصدق والكذب، لأنه لا واسطة بين المطابقة ~~وعدمها. # وقالت المعتزلة: لفظ الكذب ليس موضوعا لعدم المطابقة كيف كانت، بل لعدم ~~المطابقة مع القصد لذلك، وبهذه الطريقة ثبتت الواسطة، فإنه قد لا ms291 يكون ~~مطابقا ولا يقصد ذلك ولا يعلم؛ فلا يكون صدقا لعدم المطابقة ولا كذبا لعدم ~~القصد لعدم المطابقة. # حجتنا قوله - عليه السلام -، من كذب علي متعمدا ليتبوأ مقعده من النار، ~~فلما قيده بالمعمد دل على تصوره بدون العمد، كما قال تعالى: «ومن قتله منكم ~~متعمدا» (2) وقال - عليه السلام -: «كفى بالرجل كذبا أن يحدث بكل ما سمع» ~~فجعله كاذبا إذا حدث بكل ما سمع، وإن كان لا يعلم عدم مطابقته، فدل على أن ~~القصد لعدم المطابقة ليس شرطا في تحقق مسمى الكذب. # حجة المعتزلة قوله تعالى حكاية عن الكفار: «افترى على الله كذبا أم به ~~جنة» (3) . فجعلوا الجنون قسيم الكذب لعدم القصد فيه، مع أن خبره على ~~التقديرين غير مطابق فدل على اشتراط القصد في حقيقة الكذب. # وجوابهم: أنهم لم يقولوا كذب، بل افترى، والافتراء هو ابتداء الكذب ~~PageV01P347 # واختراعه، فهم نوعوا الكذب إلى اختراع وجنون، لا أنهم قسموا كلامه إلى ~~كذب وغيره، فيرجع الخلاف في ذلك إلى أن العرب هل وضعت لفظ الكذب لغير ~~المطابق كيف كان، أو لعدم المطابقة مع القصد لذلك وهو معنى قولي؟ والخلاف ~~لفظي. # واختلفوا في اشتراط الإرادة في حقيقة كونه خبرا، فعند أبي علي وأبي هاشم ~~الخبرية معلنة بتلك الإرادة، وأنكره الإمام لخفائها، فكان يلزم أن لا يعلم ~~خبر البتة، ولاستحالة قيام الخبرية بمجموع الحروف لعدمه، ولا ببعضه وإلا ~~لكان خبرا، وليس فليس. # الخلاف في هذه المسألة مثل مسالة الأمر، قالوا الخبر قد يكون دعاء نحو ~~غير الله لنا، وتهديدا نحو قوله تعالى: «سنفرغ لكم أيها الثقلان» (1) وأمرا ~~نحو قوله تعالى: «والوالدات يرضعن أولادهن حولين» (2) وإذا اختلف موارد ~~استعماله لا يتعين للخبر إلا بالإرادة، كما قالوا لا تتعين صيغة الأمر ~~للطلب إلا بالإرادة. # والجواب: واحد، وهو أن الصيغة حقيقة في الخبر، فينصرف لمدلولها بالوضع لا ~~بالإرادة، وإذا فرعنا على هذه الإرادة فهي علة عند أبي هاشم للخبرية وهي ~~كون اللفظ خبرا، وفهم عنهم الإمام أن الخبرية أمر وجودي، فقال تلك الخبرية ~~الموجودة لا يمكن أن يكون ms292 محلها مجموع الحروف؛ لأن مجموع الحروف لا يوجد، ~~بل يستحيل أن يوجد من الحروف دائما إلا حرف واحد؛ لأن الكلام من المصادر ~~السيالة، والمعدوم لا يكون محلا # للوجود، ولا يمكن أن يكون محلها بعض الحروف؛ لأن المحل يجب اتصافه بما ~~قام به، فإذا قام السواد بمحل يجب أن يكون أسود، والعلم يجب أن يكون عالما، ~~كذلك إذا قامت الخبرية ببعض الحروف يجب أن يكون خبرا، لكن بعض الحروف لا ~~يكون خبرا إجماعا. PageV01P348 ### | الفصل الثاني في التواتر # وهو مأخوذ من مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما. # ومن ذلك قوله تعالى: «ثم أرسلنا رسلنا تترا» (1) أي واحدا بعد واحد بفترة ~~بينهما. وقال بعض اللغويين: من لحن العوام قولهم تواترت كتبك علي ومرادهم ~~تواصلت وهو لحن، بل لا يقال ذلك إلا في عدم التواصل كما تقدم، وقال بعضهم ~~ليس هو مشتقا من هذا بل من التوتر وهو الفرد، والوتر قد يتوالى وقد يتباعد ~~بعضه عن بعض. # وفي الاصطلاح خبر أقوام عن أمر محسوس يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة. # الأخبار في الاصطلاح ثلاثة أقسام: المتواتر وهو ما تقدم، والآحاد وهو ما ~~أفاد ظنا كان المخبر واحدا أو أكثر، وما ليس بتواتر ولا آحاد وهو خبر ~~المفرد إذا احتفت به القرائن فليس متواترا لاشتراطنا في التواتر العدد ولا ~~آحادا لإفادته العلم، وهذا القسم ما علمت له اسما في الاصطلاح. # وقولي: (عن أمر محسوس) احتراز من النظريات، فإن الجمع إذا أخبروا عن حدوث ~~العالم أو غير ذلك فإن خبرهم لا يحصل العلم، وتعني بالمحسوس ما يدرك إحدى ~~الحواس الخمس. # قال الإمام في البرهان: يلحق بذلك ما كان ضروريا بقرائن الأحوال كصفرة ~~الرجل وحمرة الخجل فإنه ضروري عند المشاهدة. # وقولي: (يستحيل تواطؤهم على الكذب) احتراز عن أخبار الآحاد. PageV01P349 # وقولي: (عادة) احتراز من العقل، فإن العلم التواتري عادي لا عقلي، لأن ~~العقل يجوز الكذب عن كل عدد وإن عظم، وإنما هذه الاستحالة عادية. # وأكثر العقلاء على أنه مفيد للعلم في الماضيات الحاضرات. والسمنية (1) ~~أنكروا العلم واعترفوا بالظن، ومنهم ms293 من اعترف به في الحاضرات فقط. # لنا أن نقطع بدولة الأكاسرة والأقاصرة والخلفاء الراشدين ومن بعدهم من ~~بني أمية وبني العباس من الماضيات وإن كنا لا نقطع بتفصيل ذلك، ونقطع بوجود ~~دمشق وبغداد وخراسان وغير ذلك من الأمور الحاضرة، فقد حصل العلم بالتواتر ~~من حيث الجملة. # احتجوا بأن كثيرا ما نجزم بالشيء ثم ينكشف الأمر بخلافه فلو كان التواتر ~~يفيد العلم لما جاز انكشاف الأمر بخلافه ولأن كل واحد من المخبرين يجوز ~~عليه الكذب فيجوز على المجموع لأن كل واحد من الزنج لما كان أسود كان ~~مجموعهم أسود. # والجواب ن الأول: أن تلك الصور إنما حصل فيها الاعتقاد، ولو حصل العلم لم ~~يجز أن ينكشف الأمر بخلافه ونحن لم ندع حصول العلم في جميع الصور، بل ~~ادعينا أنه قد يحصل، وذلك لا ينافي عدم حصوله في كثير من الصور. وعن الثاني ~~أن الأحكام قسمان: قسم لا يجوز ثبوته للآحاد بل لمجموعها فقط، كإرواء مجموع ~~القطرات من الماء، وإشباع مجموع لقم الخبز، وغلبة مجموع الجيش للعدو وغير ~~ذلك، فهذه أحكام ثابتة للمجموعات دون الآحاد. ومنه ما يثبت للآحاد فقط ~~كالألوان والطعوم والروائح فإنها يستحيل ثبوتها إلا للآحاد أما المجموعات ~~فأمور ذهنية، والأمور الذهنية لا يمكن أن تقوم بها كيفيات الألوان وغيرها ~~فحصول العلم عند مجموع إخبارات المخبرين كحصول الري والشبع ونحوهما فلا ~~يلزم ثبوته للآحاد فاندفع الإشكال. PageV01P350 # وأما وجه الفرق بين الحاضرات والماضيات فلأن الماضيات غائبة عن الحس ~~فيتطرق إليها احتمال الخطأ والنسيان؛ وذلك أن الدول المتقادمة لم يبق عندنا ~~شيء من أحوالها وأما الحاضرات فمعضودة بالحس فيبعد تطرق الخطأ إليها. # والجواب: أن حصول الفرق لا يمنع من الاشتراك في الحكم وقد بيناه فيما ~~تقدم، كما تقول زيد فقيه وهو حيوان وعمرو ليس بفقيه، لا يلزم أن لا يكون ~~عمرو حيوانا لوجود الفرق. # والعلم الحاصل منه ضروري عند الجمهور خلافا لأبي الحسين البصري وإمام ~~الحرمين والغزالي. # حجة الجمهور أنا نجد العلم التواتري حاصل للصبيان والنسوان ومن ليس له ~~أهلية للنظر فلو ms294 أنه نظري لما حصل إلا لمن له أهلية النظر. # حجة الفريق الآخر أنا نعلم بالضرورة أن المخبرين إذا توهم السامع أنهم ~~متهمون فيما أخبروا به لا يحصل له العلم، وإذا لم يتوهم ذلك حصل له العلم، ~~وإذا علم أنهم من أهل الديانة والصدق حصل له العلم بالعدد اليسير منهم، ~~وإذا لم يحصل له العلم بأنهم # كذلك بل بالضد لم يحصل العلم بأخبار الكثير منهم، وإذا كان العلم يتوقف ~~حصوله على ثبوت أسباب وانتفاء موانع، فلا بد من النظر في حصول تلك الأسباب ~~وانتفاء تلك الموانع هل حصلت كلها أو بعضها فيكون العلم الحاصل عقيب ~~التواتر نظريا لتوقفه على النظر. # والجواب: أن ذلك صحيح لكن تلك المقدمات الحاصلة في أوائل الفطرة، والعلم ~~لا يحتاج إلى كبير تأمل ولا يقال للعلم إنه نظري إلا إذا لم يحصل إلا لمن ~~له أهلية النظر، وقد بينا أن الأمر ليس كذلك. # والأربعة لا تفيد العلم قاله القاضي أبو بكر وتوقف في الخامسة. # قال الإمام فخرا لدين: والحق أن عددهم غير محصور وخلافا لمن حصرهم # PageV01P351 # في اثني عشر عدد نقباء موسى عليه السلام أو العشرين عند أبي الهذيل (1) ~~لقوله تعالى: «إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين» (2) أو أربعين ~~لقوله تعالى: «يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين» (3) وكانوا ~~حينئذ أربعين، أو سبعين عدد المختارين من قوم موسى. أو ثلاثمائة عدد أهل ~~بدر. أو عشرة عدد بيعة الرضوان. # إنما جزم القاضي رحمه الله بأن الأربعة لا تفيد العلم، لأن شهود الزنا ~~أربعة وهم محتاجون إلى التزكية فلو كان خبر الأربعة يفيد العلم لأفاد خبر ~~كل أربعة وحينئذ لا يحتاج إلى التزكية في صورة لكنه خلاف الإجماع، وتوقف في ~~الخمسة لاحتمال حصول العلم بخبرهم، وهذا البحث من القاضي يقتضي أن العدد ~~بما هو عدد هو مدرك العلم، بل الحق أن القرائن لا بد منها مع الخير كما ~~تقدم تقريره في حجة إمام الحرمين، وإذا كانت القرائن لا بد منها فأمكن ~~حصولها مع الأربعة وفي تلك ms295 الصورة لا يحتاج إلى التزكية، والحق عند الجمهور ~~أنه متى حصل العلم كان ذلك العدد هو عدد التواتر قل أو كثر، وربما أفاد عدد ~~قليل العلم لزيد ولا يفيده لعمرو وربما لم يفد عدد كثير العلم لزيد وأفاد ~~بعضه العلم لعمرو، وكل ذلك إنما سببه اختلاف أحوال المخبرين والسامعين. # وهذه المذاهب المتقدمة في اشتراط عدد معين إنما مدرك الجميع أن تلك ~~الرتبة من العدد وصفت بمنقبة حسنة، فجعل ذلك سببا لأن يحصل لذلك العدد ~~منقبة أخرى وهي تحصيل العلم، وهذا غير لازم والفضائل لا يلزم فيها التلازم، ~~وقد يحصل العلم بقول الكفار أحيانا؛ ولا يحصل بقول الأخيار أحيانا، بل ~~الضابط حصول العلم فمتى حصل فذلك العدد المحصل له هو عدد التواتر. ~~PageV01P352 # وهو ينقسم إلى اللفظي وهي أن يقع المشترك (1) بين ذلك العدد في اللفظ ~~المروي والمعنوي وهو وقوع الاشتراك في معنى عام كشجاعة علي - رضي الله عنه ~~- وسخاء حاتم. # اللفظي كما تقول: القرآن الكريم متواتر أي كل لفظ منه اشترك فيها العدد ~~الناقل للقرآن، وكذلك دمشق وبغداد أي جميع النقلة نطقوا بهذه اللفظة، وأما ~~المعنوي فلا يقع الشركة في اللفظ كما يروى أن عليا - رضي الله عنه - قتل ~~ألفا في الغزوة الفلانية وتروي قصص أخرى بألفاظ أخرى، وكلها تشترك في معنى ~~الشجاعة، فنقول شجاعة علي - رضي الله عنه - ثابتة بالتواتر المعنوي، ويروى ~~أن حاتما وهب مائة ناقة ويروي آخر أنه وهب ألف دينار ونحو ذلك، حتى تتحصل ~~حكايات مجموعها يفيد القطع بسخائه، وإن كانت كل حكاية من تلك الحكايات لم ~~يتواتر لفظها فهذا هو التواتر المعنوي. # وشرطه على الإطلاق إن كان المخبر لنا غير المباشر استواء الطرفين ~~والواسطة وإن كان المباشر فيكون المخبر عنه محسوسا فإن الأخبار عن العقليات ~~لا يحصل العلم. # التواتر له أربع حالات: طرف فقط إن كان المخبر هو المباشر، وطرفان بغير ~~واسطة إن كان المخبر لنا غير المباشر، وطرفان وواسطة وهو اجتماع ثلاثة ~~المباشر وطائفة أخرى تنقل على الطائفة المباشرة، وطائفة ثالثة تنقل إلينا ~~عن الواسطة ms296 الناقلة عن الطائفة المباشرة وطرفان ووسائط كما في القرآن ~~الكريم، فإن سامعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقله عنه وسائط ~~وقرون حتى انتهى إلينا بعد ستة أو سبعة ونحو ذلك، وعلى كل واحد من هذه ~~الطرق لا بد من شرطين في الجميع أن تكون كل طائفة يستحيل تواطؤهم على الكذب ~~عادة وأن يكون المخبر عنه أمرا حسيا. فهذا معنى قول العلماء: من شرط ~~التواتر استواء الطرفين والواسطة، معناه إن كان له طرفان أو واسطة، وإلا ~~فقد لا يلزم ذلك في التواتر كما تقدم بيانه. PageV01P353 ### | الفصل الثالث في الطرق المحصلة للعلم غير التواتر وهي سبعة # كون المخبر عنه معلوما بالضرورة أو الاستدلال، وخبر الله تعالى، وخبر ~~الرسول، وخبر مجموع الأمة أو الجمع العظيم عن الوجدانيات في نفوسهم، أو ~~القرائن عند إمام الحرمين والغزالي والنظام خلافا للباقين. # المعلوم بالضرورة نحو الواحد نصف الاثنين، وبالاستدلال نحو الواحد سدس ~~عشر الستين فإن المخبر عن هذين يقطع بصدقه، وكذلك من أخبر عن خبر الله ~~تعالى، أو أخبر # الله تعالى عن قيام الساعة فإن خبر الله تعالى وخبر رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقطع بصدقه، وكذلك مجموع الأمة لأنه معصوم، ومثال إخبار الجمع ~~عن الوجدانيات أن يخبر كل واحد أنه وجد هذا الطعام شهيا أو كريها، فنقطع أن ~~ذلك الطعام كذلك، فإن متعلق إخبارهم واحد وإن لم يحصل القطع بما في نفس كل ~~واحد من تلك الكراهية، لأن كراهة كل واحد منهم لم يخبر عنها غيره وإخبار ~~الآخر إنما هو عن كراهة أخرى قامت به فخبراتهم متعددة وفي كل مخبر عنه خبر ~~واحد فلا يحصل القطع به بخلاف متعلق تلك الكراهات أو اللذات فإنه واحد وهو ~~كون ذلك الطعام كذلك فإن إخبارات الجميع اجتمعت فيه فحصل القطع، فهذا هو ~~صورة هذه المسالة. # حجة إمام الحرمين: أنا نجد المخبر عن مرضه مع اصفرار وجه وسقم جسمه وغير ~~ذلك من أحواله فإنا نقطع بصدقه حينئذ وكذلك كثير من الصور في غير المرض: من ~~الغضب والفرح والبغضة ms297 وهو لا يعد ولا يحصى. # PageV01P354 # حجة المنع: أن كثيرا ما يقطع بموت زيد ثم ينكشف الغيب عن كونه فعل ذلك ~~خوفا من السلطان أو لغرض آخر ومع قيام هذا الاحتمال لا يحصل العلم. # وجوابه أنا نمنع أن الحاصل في تلك الصورة علم بل اعتقاد ونحن لا ندعي أن ~~القرائن تفيد العلم في جميع الصور بل في بعضها فحصل الظن، وفي بعضها ~~الاعتقاد، وفي بعضها العلم، ونقطع في بعض الصور بما دلت عليه القرائن وأن ~~الأمر لا ينكشف بخلافه، ومن أنصف وراجع نفسه وجد الأمر كذلك في كثير من ~~الصور. نعم: في بعضها ليس كذلكن وما النزاع فيها، إنما النزاع هل يمكن أن ~~يحصل العلم في صورة أم لا؟ فأنتم تنفونه على الإطلاق، ونحن نثبته في صورة. ### | الفصل الرابع في الدال على كذب الخبر وهو خمسة # منافاته لما علم بالضرورة أو النظر أو الدليل القاطع أو فيما شأنه أن ~~يكون متواترا ولم يتواتر كسقوط المؤذن يوم الجمعة ولم يخبر به إلا واحد، ~~وكقواعد الشرع، أو لهما جميعا كالمعجزات أو طلب في صدور الرواة أو كتبهم ~~بعد استقراء الأحاديث فلم يوجد. # قول القائل: الواحد ليس نصف الاثنين مخالف لما علم بالضرورة مثال الثاني ~~الواحد ليس سدس عشر الستين، ومثال الدليل القاطع أن الشمس ليست طالعة ~~وقواعد الشرائع هو وجوب الصلاة والزكاة أو تحريم الخمر ونحو ذلك مما هو من ~~قواعد الدين، # فإن شأن هذا أن يتواتر لتوفر الدواعي على نقله، كسقوط المؤذن شأنه أن ~~يتواتر لغرابتهن وقواعد الدين شأنها أن تتواتر لشرفها، والمعجزات جمعت بين ~~الغرابة لكونها من خوارق العادات والشرف لأنها أصل النبوات # PageV01P355 # فإذا لم يتواتر شيء من ذلك ولم ينقله إلا واحد دل على كذب الخبر إن كان ~~قد حضره جمع عظيم، ولم يقم غيره مقامه في حصول المقصود منه، فالقيد الأول ~~احتراز من انشقاق القمر، فإنه كان ليلا ولم يحضره عدد التواتر. والقيد ~~الثاني احتراز عن بقية معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام كنبع الماء من ~~بين أصابعه وإشباع العدد ms298 العظيم من الطعام القليل، فإنه حضره الجمع العظيم، ~~غير أن الأمة اكتفت بنقل القرآن وإعجازه عن غيره من المعجزات، فنقلت آحادا ~~من أن شأنها أن تكون متواترة. وأما الأحاديث فلها حالتان: أول الإسلام قبل ~~أن تدون وتضبط فهذه الحالة إذا طلب حديث ولم يوجد ثم وجد لا يدل على كذبه، ~~فإن السنة كانت مفرقة في الأرض في صدور الحفظة. الحالة الثانية: بعد الضبط ~~التام وتحصيلها إذا طلب حديث فلم يوجد في شيء من دواوين الحديث ولا عند ~~رواته دل ذلك على عدم صحته، غير أنه يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ~~ديوان ولا راو إلى وكشف أمره في جميع أقطار الأرض وهو عسر متعذر. وأما ~~الكشف في البعض فلا يحصل القطع بكذبه لاحتمال أن يكون في البعض الآخر. # وقد ذكروا أبو حازم حديثا في مجلس هارون الرشيد وحضره ابن شهاب الزهري ~~فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث فقال له أبو حازم أكل سنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عرفتها؟! فقال لا، فقال أثلثيها؟ فقال لا، قال ~~أنصفها؟ فسكت فقال له اجعل هذا من النصف الذي لم تعرفه، هذا هو ابن شهاب ~~الزهري شيخ مالك، فما ظنك بغيره؟!. ### | الفصل الخامس في خبر الواحد # وهو خبر العدل الواحد أو العدول المقيد للظن وهو عند مالك رحمة الله عليه ~~وعند أصحابه حجة واتفقوا على جواز العمل به في الدنيويات والفتوى # PageV01P356 # والشهادات، والخلاف إنما هو في كونه حجة في حق المجتهدين فالأكثرون على ~~أنه حجة لمبادرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى العمل به. # كون خبر الجماعة إذا أفاد الظن يسمى خبر الواحد هو اصطلاح لا لغة، وقد ~~تقدم أول الباب أن الأخبار ثلاثة أقسام: تواتر وآحاد ولا تواتر ولا آحاد ~~وهو خبر الواحد المنفرد إذا احتفت به القرائن حتى أفاد العلم، وجمهور أهل ~~العلم على أن خبر الواحد حجة عند: مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ~~وغيرهم. # قال القاضي عبد الوهاب في «الملخص» : اختلف الناس في جواز التعبد بخبر ~~الواحد فقال ms299 به الفقهاء والأصوليون وخالف بعض المتكلمين، والقائلون في جواز ~~التعبد به اختلفوا في وقوع التعبد به، فمنهم من قال: لا يجوز التعبد لأنه ~~لم يرد التعبد به بل ورد السمع بالمنع منه. ومنهم من يقول: يجوز العمل به ~~إذا عضده غيره ووجد أمر يقويه، ومنهم من يقول لا يقبل إلى خير اثنين فصاعدا ~~إذا كانا عدلين ضابطين قاله الجبائي، وحكى المازري وغيره أنه قال لا يقبل ~~في الأخبار التي تتعلق بالزنا إلا أربعة قياسا للرواية على الشهادة. # حجة المنع من جواز التعبد به، أن التكاليف تعتمد تحصيل المصالح ودفع ~~المفاسد وذلك يقتضي أن تكون المصلحة أو المفسدة معلومة وخبر الواحد لا يفيد ~~إلا الظن وهو يجوز خطؤه فيقع المكلف في الجهل والفساد وهو غير جائز وهذه ~~الحجة باطلة إما لأنها مبنية على قاعدة الحسن والقبح ونحن نمنعها، أو لأن ~~الظن إصابته غالبة وخطؤه نادر، ومقتضى القواعد أن لا تترك المصالح الغالبة ~~للمفسدة النادرة، فلذلك أقام صاحب الشرع الظن مقام العلم لغلبة صوابه وندرة ~~خطئه. # حجة المنع من الوقوع: قاله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» (1) ، خبر ~~PageV01P357 # الواحد لا يوجب علما فلا يتبع وقوله تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا» (1) وقوله تعالى: «إن يتبعون إلا الظن» (2) في سياق الذم وذلك يقتضي ~~تحريم اتباع الظن وهذه النصوص كثيرة. # وجوابها: أن ذلك مخصوص بقواعد الديانات وأصول العبادات القطعيات، ويدل ~~على ذلك قوله - عليه السلام -: «نحن نقضي بالظاهر والله يتولى السرائر» ~~وقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا ~~قوما بجهالة» (3) فجعل تعالى الموجب للتبين كونه فاسقا فعند عدم الفسق يجب ~~العمل وهو المطلوب، ولقوله تعالى: «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون» (4) أوجب ~~الله تعالى الحذر بقول الطائفة الخارجة من الفرقة مع أن الفرقة تصدق على ~~الثلاثة فالخارج منها يكون أقل منها، فإذا وجب الحذر عند قولهم كان قولهم ~~حجة وهو المطلوب، قياسا على ms300 الفتوى والشهادة. # ومعنى قولي اتفقوا على أنه حجة الدنيويات، أنه يجوز الاعتماد على قول ~~العدل في الأسفار وارتكاب وارتكاب الأخطار إذا أخبر أنها مأمونة وكذلك سقي ~~الأدوية ومعالجة المرضى وغير ذلك من أمور الدنيا، ويجوز بل يجب الاعتماد ~~على قول المفتي وإن كان قوله لا يفيد عند المستفتين إلا الظن، ولذلك اجتمعت ~~الأمة على أن الحاكم يجب عليه أن يحكم بقول # الشاهدين، وإن لم يحصل عنده إلا الظن، وإنما الخلاف إذا اجتهد العلماء في ~~الأحكام المتعلقة بالفتاوى هل يجوز للمجتهد الاعتماد على ذلك؟ # ويشترط في المخبر العقل والتكليف، وإن كان تحمل الصبي صحيحا، PageV01P358 # والإسلام، واختلف في المبتدعة إذا كفرناهم، فعند القاضي أبي بكر منا ~~والقاضي عبد الجبار لا نقبل روايتهم، وفصل الإمام فخر الدين وأبو الحسين ~~بين من يبيح الكذب وغيره. والصحابة رضوان الله عليهم عدول إلا عند قيام ~~المعارض. # أما العقل فلأنه أصل الضبط، والتكليف هو الوازع عن الكذب فمن لا تكليف ~~عليه هو آمن من عذاب الله تعالى في كذبه فيقدم عليه، ولا يحصل الوثوق به، ~~وتحمل الصبي جائز لأنه إنما يقبل أداؤه وروايته بعد بلوغه وحصول التكليف ~~الوازع في حقه، وكذلك تحمل الكافر والفاسق، ويؤدون إذا زالت هذه النقائص ~~عنهم، فإن من حصل له العلم بشيء جاز له الإخبار عنه ولا تضره الحالة ~~المقارنة لحصول العلم. # ونقل في مذهب الشافعي رضي الله عنه قول بجواز رواية الصبي وهو منكر من ~~حيث النظر والقواعد بخلاف التحمل، وما زال الصحابة رضوان الله عليهم يسمعون ~~رواية العدول فيما تحملوه في حالة الكفر والصبا وذلك غير قادح، وكذلك ~~الشهادة لا يقدح فيها أن وقت التحمل كان عدوا أو صبيا أو كافرا أو فاسقا ~~إذا سلمت حالة الأداء عن ذلك، فكذلك هنا. وأما الكافر الذي هو من غير أهل ~~القبلة فلا تقبل روايته في الدين، وإن كان أبو حنيفة رضي الله عنه قبل ~~شهادة أهل الذمة في الوصية وعلى بعضهم لقوله تعالى: «أو آخران من غيركم» ~~(1) فالجمهور يقولون من غير تلك القبلة، ms301 وأبو حنيفة يقول من غير دينكم، ~~والمسألة مستقصاة في الفقه والخلاف. # وأما المبتدعة فقد قبل البخاري وغيره روايتهم كعمرو بن عبيد (2) وغيره من ~~PageV01P359 # المعتزلة وغيرهم، نظرا إلى أنهم من أهل القلة من حيث الجملة، وردها غيرهم ~~لأنهم إما كفرة أو فسقة وهو مذهب مالك رحمه الله لقوله تعالى: «إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا» (1) وهؤلاء إما فسقة أو كفرة، والعدالة شرط لقوله ~~تعالى: «ذوى عدل منكم» (2) مع قوله تعالى: «واستشهدوا شهيدين من رجالكم» ~~(3) فهذا مطلق وذاك مقيد، والمطلق يحمل على المقيد لقوله تعالى في الآية ~~الأخرى: «ممن ترضون من الشهداء» (4) وإذا اشترطت العدالة في الشهادة ~~المتعلقة بأمر جزئي لا يتعداه الحكم للشهود به فأولى # الرواية، لأنها تثبت حكما عاما على الخلق إلى يوم القيامة، ولأن الدليل ~~ينفي العلم بالظن خالفناه في حق العدل، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. ~~ولقوله تعالى: «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا» دل على عدم قبول الفاسق فلا بد ~~من العلم بعدم الفسق حتى يتعين حكم التوقف وذلك هو ثبوت العدالة وهو ~~المطلوب. # ومعنى قول العلماء: الصحابة رضوان الله عليهم عدول أي الذين كانوا ~~ملازمين له والمهتدين بهديه عليه الصلاة والسلام، وهذا هو أحد التفاسير ~~للصحابة، وقيل الصحابي من رآه ولو مرة، وقيل من كان في زمانه، وهذان ~~القسمان لا يلزم فيهما العدالة مطلقا، بل فيهم العدل وغيره بخلاف الملازمين ~~له - عليه السلام -، وفاضت عليهم أنواره، وظهرت فيهم بركاته وآثاره، وهو ~~المراد بقوله - عليه السلام -: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» . # وقولي: عند قيام المعارض، حذرا من زنا ماعز والغامدية وغير ذلك مما جرى ~~في زمن عمر في قصة أبي بكرة وما فيها من القذف والجلد والقصة مشهورة، فمع ~~قيام أسباب الرد لا تثبت العدالة، غير أنها هي الأصل فيهم من غير عصمة ~~وغيرهم PageV01P360 # الأصل فيه عدم العدالة حتى تثبت العدالة عملا بالغالب في الفريقين. # والعدالة اجتناب الكبائر وبعض الصغائر والإصرار عليها والمباحات الفادحة ~~في المروءة. # الكبيرة والصغيرة يرجعان إلى كبر المفسدة وصغرها وقال بعض العلماء لا ~~يقال ms302 في معصية الله تعالى صغيرة نظرا إلى من عصي بها مع حصول الاتفاق على ~~أن العدالة لا تذهب بجميع الذنوب، بل الخلاف في التسمية، قال بعض العلماء ~~كل معصية فيها حد فهي كبيرة، وكذلك كل ما ورد في الكتاب أو السنة لعنة ~~فاعلة أو التشديد في الوعيد عليه فهو كبيرة، ثم ما وقع من غير ذلك اعتبر ~~بالنسبة غليه، فإن ساواه في المفسدة حكم بأنه كبيرة، ووردت السنة بأن ~~القبلة في الأجنبية صغيرة والنظرة وأشياء نحوهما، فينظر أيضا ما ساواهما ~~فهو صغيرة، وأما الإصرار فيخرج الصغيرة عن أن تكون صغيرة، ولذلك يقال لا ~~صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. فالإصرار أن يكون العزم حاصل ~~على معاودة مثل تلك المعصية، أما من تقع منه الصغيرة فيقلع عنها ويتوب ثم ~~يواقعها من غير عزم سابق على تكرار الفعل فليس بإصرار. # فائدة: ما ضابط الإصرار الذي تصير الصغيرة به كبيرة؟ قال بعض العلماء حد ~~ذلك أن يتكرر منه تكرارا - يخل الثقة بصدقه كما تخل به ملابسة الكبيرة فمتى ~~وصل إلى هذه الغاية صارت الصغيرة كبيرة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص ~~واختلاف الأحوال، والنظر # في ذلك لأهل الاعتبار والنظر الصحيح من الحكام وعلماء الأحكام الناظرين ~~في التجريح والتعديل. # والمباحات الفادحة في المروءة نحو الأكل في الطرقات، والتعري في الخلوات ~~ونحو ذلك مما يدل على أنه غير مكترث باستهزاء الناس به. قال الغزالي إلى أن ~~يكون ذلك فعل ممن يعمل ذلك على سبيل كسر النفس وإلزامها التواضع كما يفعله ~~كثير من العباد. # وقولي بعض الصغائر: معناه أن من الصغائر ما لا يكون فيه إلا مجرد المعصية ~~كالكذبة التي لا يتعلق بها ضرر، والنظرة لغير ذات محرم، ومنها ما يكون دالا ~~على الاستهزاء بالدين أو المروءة، كما لو قبل امرأة في الطريق أو أمسك ~~فرجها # PageV01P361 # بحضرة الناس غير مكترث بهم فهذه أفعال من لا يوثق بدينه ولا مروءته، فلا ~~تأمنه في الشهادة على الكذب فيها. # فائدة: ما تقدم من أن الكبيرة تتبع عظم المفسدة، فما لا ms303 تعظم مفسدته لا ~~يكون كبيرة، استثنى صاحب الشرع من ذلك أشياء حقيرة المفسدة، وجعلها مسقطة ~~للعدالة موجبة للفسوق، لقبح ذلك الباب في نفسه لا لعظم المفسدة، ولك كشهادة ~~الزور فإنها فسوق مطلقا، وإن كان لم يتلف بها على المشهود عليه إلا فلسا، ~~ومقتضى القاعدة أنها لا تكون كبيرة إلا إذا عظمت مفسدتها، وكذلك السرقة ~~والغصب لقبح هذه الأبواب في أنفسها، ومما يدل على التفرقة بين أسباب الفسوق ~~وغيرها قوله تعال0ى: «وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان» (1) فرق تعالى ~~بين الكفر والفسوق الذي هو من الكبائر، والعصيان الذي هو الصغائر التي ليست ~~فسوقا. # ثم الفاسق إن كان فسقه مظنونا قبلت روايته بالاتفاق، وإن كان مقطوعا قبل ~~الشافعي رواية أرباب الأهواء إلا الخطابية من الرافضة (2) لتجويزهم الكذب ~~لموافقة مذهبهم، ومنع القاضي أبو بكر من قبولها، واختلف العلماء في شارب ~~النبيذ من غير سكر فقال الشافعي أحده وأقبل شهادته بناء أن فسقه مظنون وقال ~~مالك أحده ولا أقبل شهادته كأنه قطع بفسقه. # معنى الفسق المظنون الذي تقبل معه الرواية أن يكون هو يعتقد أنه على صواب ~~لمستند حصل له، ونحن نظن بطلان ذلك المستند ولا نقطع ببطلانه، فهو في حكم ~~الفاسق # لولا ذلك المستند، أما لو ظننا فسقه ببينة شهدت بارتكابه أسباب الفسوق ~~فليس هو من هذا القبيل، بل ترد روايته ومعنى أن أرباب الأهواء مقطوع بفسقهم ~~أي خالفوا قطعيا، وهو يعتقدون أنهم على صواب. والقسم الأول خالف ظنا. ~~PageV01P362 # حجة الشافعي: أنهم من أهل القبلة فتقبل روايتهم كما نورثهم ونرثهم ونجري ~~عليهم أحكام الإسلام. # حجة القاضي: أن مخالفتهم القواطع تقتضي القطع بفسقهم، فيندرجون في قوله ~~تعالى: «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا» (1) ولأن قبول روايتهم ترويج لبدعتهم ~~فيحرم (2) . وأما شارب النبيذ فالأمر فيه مبني على قاعدتين إحداهما أن ~~الزواجر تعتمد المفاسد (3) ودرأها لا حصول العصيان ولذلك نؤلم الصبيان ~~والبهائم استصلاحا لهم وإن لم يكونوا عصاة؛ فلذلك يقام الحد على الحنفي ~~لدرء مفسدة السكر وفساد العقل والتسبب له وإن لم يكن عاصيا لتقليده أبا ~~حنيفة، فهذه ms304 القاعدة هي الموجبة لحده وقبول شهادته، ولا تناقض حينئذ لأن ~~الزواجر لدرء المفسدة وقبول الشهادة لعدم المعصية. # ويرد على الشافعي في هذه القاعدة أنها وإن كانت صحيحة غير أنا لم نجدها ~~إلا في الزواجر التي ليست محدودة، أما المحدودة فما عهدناها في الشرع إلا ~~في المعاصي. # القاعدة الثانية: وهي أن قضاء القاضي ينقض إذا خالف أحد أربعة أشياء: ~~الإجماع أو النص الجلي أو القياس الجلي أو القواعد. فمتى خالف إحدى هذه ~~الأربعة قضاء قاض لا لمعارض له في القياس أو النص الجلي أو القواعد نقض ~~هذا، وهو مدار الفتاوى في المذاهب المعمول بها، وإذا كنا لا نقره شرعا مع ~~تأكده بقضاء القاضي بنقضه، فأولى أن لا نقره شرعا إن لم يتأكد، وإذا لم ~~نقره شرعا لم يجز التقليد فيه، ويكون الناطق به من المجتهدين كأنه ساكت لم ~~يقل شيئا والمقلد لذلك المجتهد كأنه لم يقلد أحدا، ومن لم يكن مقلدا في شرب ~~النبيذ كان عاصيا، والعاصي بمثل هذه الفعلة يكون فاسقا؛ فلهذه القاعدة قال ~~مالك أحده للمعصية وأرد شهادته لفسقه وهو أوجه في النظر من قول الشافعي لما ~~تقدم من الإشكال على PageV01P363 # قول الشافعي. ومسألة النبيذ خولف فيها النصوص لقوله عليه السلام: «كل ~~مسكر خمر وكل خمر حرام» ونحوه، وهو كثير في السنة، والقياس الجلي على الخمر ~~والقواعد من جهة أن القاعدة سد الذريعة في صون العقول لانعقاد الإجماع على ~~تحريم النقطة من الخمر وإن كانت لا تسكر سدا لذريعة الإسكار. # وقال أبو حنيفة: يقبل قول المجهول. # خالفه الجمهور في ذلك لقوله - عليه السلام -: «يحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدوله» . وهذه صيغته صيغة الخبر ومعناه الأمر تقديره ليحمل هذا العلم من كل ~~خلف عدوله فلولا أن العدالة شرط وإلا لبطلت حكمة هذا الأمر فإن العدل وغيره ~~سواء حينئذ. # احتج أبو حنيفة بقوله تعالى: «إن جاءكم فاسق بنبأ» (1) فتبينوا. أوجب ~~الله تعالى التثبت عند وجود الفسق، فعند عدم الفسق وجب أن لا يجب التثبت، ~~فيجوز العمل وهو المطلوب. ولقوه تعالى: ms305 «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون» (2) أوجب ~~الحذر عند قبولهم قولهم ولم يشترط العدالة فوجب جواز قبول قول المجهول. ~~ولأن أعرابيا جاء يشهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهلال فقبل ~~شهادته وأمر الناس بالصوم. وإذا جاز ذلك في الشهادة جاز في الرواية بطريق ~~الأولى؛ لأن الشهادة يشترط فيها ما لا يشترط في الرواية من الذكورية ~~والحرية والعدد وغير ذلك. # والجواب عن الأول: أنا إذا علمنا زوال الفسق ثبتت العدالة لأنهما ضدان لا ~~ثالث لهما متى علم نفي أحدهما ثبت الآخر. وعن الثاني: أن الطائفة مطلقة في ~~الآية فيحمل على ما تقدم من تقييد السنة بقوله عليه السلام: «من كل خلف ~~عدوله» وعن الثالث: أن القصة محتملة من حيث اللفظ، وليس في الحديث أنه كان ~~مجهولا ولا معلوما، غير أن قضايا الأعيان تتنزل على القواعد وقاعدة الشهادة ~~العدالة، ولو نقل PageV01P364 # عن بعض قضاة الزمان أنه حكم بقول رجل ولم يذكر صفته حمل على أنه ثبتت ~~عدالته فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى لاسيما وهو يقول: «إذا شهد ~~ذوا عدل فصوموا أفطروا وانسكوا» فتصريحه - عليه السلام - بالعدالة يأبى ~~قبول شهادة المجهول. # وتثبت العدالة إما بالاختبار أو بالتزكية واختلف الناس في اشتراط العدد ~~في التزكية والتجريح فشرطه بعض المحدثين في التزكية والتجريح في الرواية ~~والشهادة واشترطه القاضي أبو بكر في تزكية الشهادة فقط واختاره الإمام فخر ~~الدين، وقال الشافعي يشترط إبداء سبب التجريح دون التعديل لاختلاف المذاهب ~~في ذلك والعدالة شيء واحد وعكس قوم لوقوع الاكتفاء بالظاهر في العدالة دون ~~التجريح، ونفى ذلك القاضي أبو بكر فيهما. # الاختبار كالمعاملة والمخالطة التي تطلع على خبايا النفوس ودسائسها، ~~والتزكية ثناء العدول المبرزين عليه بصفات العدالة على ما تقرر في كتب ~~الفقه. وتعلم العدالة أيضا بغير # هاتين الطريقتين وهي السمعة الجميلة المتواترة والمستفيضة ولذلك يقطع ~~بعدالة أقوام من العلماء والصلحاء من سلف هذه الأمة ولم نختبرهم، بل ~~بالسماع المتواتر أو المستفيض، فهذا ms306 كاف وقد نص الفقهاء على أن من عرف ~~بالعدالة لا يطلب له تزكية. # حجة اشتراط العدد في الجميع: أن التجريح والتعديل صفتان فيحتاجان إلى ~~عدلين فصاعدا كالرشد والسفه والكفاءة وغيرها. # حجة القاضي: أن الرواية يكفي فيها الواحد على الصحيح فأصلها كذلك، ~~والشهادة لا يكفي فيها الواحد فلا يكفي في أصلها الواحد تسوية بين البابين ~~والفروع والأصول، وأما إبداء أسباب التجريح والتعديل فالفقه فيه أن المجرح # PageV01P365 # والمعدل إذا كان عالما مبرزا اكتفى الحاكم بعلمه عن سؤاله، فإن العالم لا ~~يجرح إلا بما لو سمع به الحاكم كان جرحا، وكذلك التعديل. # وأما اختلاف المذاهب فالعالم المتقن لا يجرح بأمر مختلف فيه يمكن أن يصح ~~التقليد فيه، ولا يفسق بذلك إلا جاهل، فما من مذهب إلا وفيه أمور ينكرها ~~أهل المذاهب الأخرى، ولا سبيل إلى التفسيق بذلك، وإلا لفسقت كل طائفة ~~الطائفة الأخرى، فتفسق جميع الأمة، وهو خلاف الإجماع، بل كل من قلد تقليدا ~~صحيحا فهو مطيع لأمر الله تعالى، وإن كان غيره من المذاهب يخالفه في ذلك. # وأما الاكتفاء بالظاهر فهو شأن الجهلة الأغبياء الضعفاء الحزم والعزم ~~ومثل هؤلاء لا ينبغي للحاكم الاعتماد على قولهم في التزكية. وكل من كان ~~يغلب عليه حسن الظن بالناس لا ينبغي أن يكون مزكيا ولا حاكما لبعده عن ~~الحزم. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الحزم سوء الظن» فمن ضيع سوء الظن ~~فقد ضيع الحزم، نعم لا ينبغي أن يبنى على سوء ظنه شيئا إلا لمستند شرعي وهو ~~معنى قوله تعالى: «اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم» (1) أي اجتنبوا ~~العمل به حتى يثبت بطريق شرعي فالحق مذهب القاضي. # ويقدم الجرح على العديل إلا أن يجرحه بقتل إنسان معين فيقول المعدل رأيته ~~حيا وقيل يقدم المعدل إن زاد عدده. # إنما قدم الجرح لأن الجارح مطلع على ما لم يطلع عليه المعدل؛ لأن المعدل ~~مدركه استصحاب الحال والمطلع على الرافع للاستصحاب مقدم على المتمسك ~~بالاستصحاب، أما إذا جرحه بقتل من شهد بحياته فلا يمكن أن يقال ms307 اطلع الجارح ~~على ما ذهل عنه المعدل فيحصل التعارض والتوقف، وليس أحدهما أولى من الآخر ~~فيستصحب الحالة السابقة المتقررة من غير هاتين البينتين، وكأن هاتين ~~البينتين ما وجدتا ووجه تقدم العدد الأكثر أن الكثرة تقوي الظن والعمل ~~بأقوى الظنين وواجب كما في الأمارتين والحديثين وغيرهما. PageV01P366 ### | الفصل السادس في مستند الراوي # فأعلى [مراتبه] (1) أن يعلم قراءته على شيخه أو إخباره به أو يتفكر ألفاظ ~~قراءته، وثانيها أن يعلم قراءة جميع الكتاب ولا يذكر الألفاظ ولا الوقت. ~~وثالثها أن يشك في سماعه فلا تجوز له رواية بخلاف الأولين. ورابعها: أن ~~يعتمد على خطة فيجوز عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد خلافا لأبي حنيفة. # إذا علم قراءة جميع الكتاب ولا يذكر نطقه به فهو جازم بروايته عن شيخه من ~~حيث الجملة فيجوز العمل بما رواه لحصول الثقة بذلك، كما أن من يقطع بأنه ~~رأى مسألة في كتاب ولا يتذكر صورة حروفها يجوز له الاعتماد على ما جزم به ~~من ذلك بخلاف الشك لا مستند له: لا علم ولا ظن، وأما الاعتماد على الخط في ~~مسألة ذات أقوال: اعتبره مالك في الرواية والشهادة بناء على أن الإنسان قد ~~يقطع بصور الحروف وأنها لم تتبدل بقرائن حالية عنده لتلك الحروف لا يمكن ~~التعبير عن تلك القرائن، كما أن المنتقد للفضة والذهب يقطع بجيدها ورديئها ~~بقرائن في تلك الأعيان لا يمكنه أن يعبر عنها. وقيل لا يعتمد على الخط ~~مطلقا لقوة احتمال التزوير ومن استقراء أحوال المزورين للخطوط علم أن وضع ~~مثل الخط ليس من البعيد المتعذر بل نم القريب، حتى روى بعض المصنفين في ~~مذهب مالك أن مالكا رجع على الشهادة على الخط. # وفصل الشافعي بين الرواية فتجوز؛ لأن الداعية في التزوير فيها ضعيفة ~~لأنها لا تتعلق بشخص معين، وبين الشهادة فيمتنع لأنها متعلقة بمعين وهو ~~مظنة العداوة، ولا يتصور أن يعادي أحد الأمة إلى قيام الساعة، ولأن ~~الشهادات إنما تقع غالبا في الأموال النفيسة، وما هو متعلق الأغراض من ~~الأمور الخطرة فتتوفر الدواعي على التزوير ms308 فيها لتحصيلها بمقتضى الطباع ~~البشرية. PageV01P367 ### | الفصل السابع في عدده # والواحد عندنا وعند جمهور الفقهاء يكفي خلافا للجبائي في اشتراط الاثنين ~~أو يعضد الواحد ظاهر أو عمل بعض الصحابة أو اجتهاد أو يكون منتشرا فيهم، ~~ولم يقبل في الزنا إلا أربعة لنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قبلوا خبر ~~عائشة رضي الله عنها # في التقاء الختانين (1) وحدها وهو مما تعم به البلوى. # احتج الجبائي بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سلم نم اثنتين ~~فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟! فقال كل ذلك لم ~~يكن، فقال قد كان بعض ذلك يا رسول الله فقال عليه السلام للصحابة «أحق ما ~~قال» فقالوا نعم، فلم يقبل عليه السلام قول ذي اليدين وحده، ولأن عمر - رضي ~~الله عنه - لم يقبل خبر أبي موسى الأشعري وحده في الاستئذان، ولم ينكر عليه ~~أحد فكان إجماعا، ولأن النصوص مانعة من العمل بالظن كما تقدم بيانها ~~خالفناه في العدد إذا أخبروا فيبقى فيما عدا هذا على مقتضى الدليل. # والجواب على الأول: أنا نقول بخبر المنفرد ما لم تحصل فيه ريبة وتلك ~~واقعة عظيمة في جميع عظيم فلو لم يخبر بها غير ذي اليدين لكان ذلك ريبة ~~يوجب الرد، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزوال الريبة لا لأن ~~العددة شرط، وكذلك لم يرد عمر - رضي الله عنه - الخبر إلا لحصول الريبة ~~بسبب أن الاستئذان أمر يتكرر فلو لم يعرفه إلا واحد لكان ذلك ريبة توجب ~~الرد، وعن الثالث: أن ظواهر تلك النصوص مخصوصة بعمل الصحابة رضوان الله ~~عليهم لقبولهم خبر عائشة المتقدم وخير عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من ~~المجوس لما روى لهم قوله - عليه السلام - «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . ~~PageV01P368 ### | الفصل الثامن فيما اختلف فيه من الشروط # قال الحقيقة إذا لم يقبل راوي الأصل الحديث لا تقبل رواية الفرع، قال ~~الإمام إن جزم كل واحد منهما لم يقبل وإلا عمل بالراجح، وقال أكثر أصحابنا ~~والشافعية والحنفية إذا شك ms309 الأصل في الحديث لا يضر ذلكن خلافا للكرخي. # حجة الحنفية: أن اعتبار الفرع: فرع اعتبار الأصل، والأصل أنكر أن يكون ~~الفرع روي عنه فلا يقبل الفرع، كما لو قال الأصل في الشهادة: لم أعلم هذه ~~الشهادة، أو أجزم بعدم تحملها فإن الشهادة لا تقبل. # قال الإمام فخر الدين: إذا لم يجزم بعدمه بل قال لا أذكر أنه رواه عني ~~قبلت رواية الفرع، لأن عدالته تقتضي صدقه، وعدم علم الأصل لا ينافي صدقه، ~~فلمثبت مقدم على النافي، وإن جزم الأصل بعدم الرواية ولم يجزم الفرع بل ~~قال: الظاهر أني رويته، قدم الأصل لجزمه، وإن جزم كل واحد منهما: هذا ~~بالرواية وهذا يعدمها حصل التوقف، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر. # ووجه قول أصحابنا. أنه يقبل في شك الأصل أن عدالة الفرع تمنعه الكذب ~~والشك من الأصل لا يعارض اليقين. # والمنقول عن مالك أن الراوي إذا لم يكن فقيها فإنه كان يترك روايته ~~ووافقه أبو حنيفة وخالفه الإمام فخر الدين وجماعة. # حجة مالك: أن غير الفقيه يسوء فهمه فيفهم الحديث على خلاف وضعه، وربما ~~خطر له أن ينقله بالمعنى الذي فهمه معرضا عن اللفظ، فيقع الخلل في مقصود # PageV01P369 # الشارع، فالحزم أن لا يروى عن غير فقيه، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«نصر الله امرءا سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه ~~منه، ورب حامل فقه إلى من ليس بفقيه» فجعل الحامل إما فقيها وغيره أفقه ~~منه، أو غيره جاهلا، ولم يجعل من جملة الأقسام أن الحامل جاهل. # حجة الجواز قوله - عليه السلام -: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» ولم ~~يشترط الفقه، فكان ساقطا عن الاعتبار، ولأن العدالة تمنع من تبديل اللفظ ~~إلا بشروطه، ومتى كان هذا هو لفظ صاحب الشرع أو بدل لفظه بشروط، أمنا الخلل ~~فإن من شرط تبديل اللفظ مساواته في الدلالة. # قال الإمام فخر الدين لا يخل بالراوي تساهله في غير الحديث، ولا جهله ~~بالعربية، ولا الجهل بنسبه، ولا مخالفة أكثر الأمة لروايته، ms310 وقد اتفقوا على ~~أن مخالفة الحفاظ لا تمنع من القبول، ولا كونه على خلاف الكتاب، خلافا ~~لعيسى بن أبان. # المقصود ضبط الشرائع فالتساهل في غيرها لا يضر، إذا علم ضبطه وتشديده في ~~الحديث، وإذا جهل العربية عدالته تمنعه أن يروي إلا كما سمع وعلى إعرابه ~~وصورته، وأنه متى شك في شيء تركه. هذا كله أثر العدالة وهي موجودة فيكتفى ~~بها، والجهل بنسبه إنما يتوقع منه التدليس به، وتزكنه على نسب آخر فيقع ~~التدليس ولكن هذا أمر يتعلق بالراوي عنه الذي يدلس به، أما هو فلا، ومخالفة ~~الأكثر لروايته أو الحفاظ لا تقدح لأنه قد ينفرد بما لم يطلعوا عليه. # حجة عيسى بن أبان: ما روي عن رسولا لله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتبا الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه ~~فردوه» . # جوابه أنه معارض بقوله تعالى: «لتبين للناس ما نزل إليهم» (1) ومن البيان ~~PageV01P370 # التخصيص والمخصص مخالف للعام المخصص، فكان يلزم رده وليس كذلك لظاهر ~~الآية، ولأن ظاهر الحديث يقتضي رده وإن كان متواترا وليس كذلك بل يحمل ~~الحديث على ما إذا دلت قواطع الكتاب نقيض مقتضاه مع تعذر التأويل. # ولا كون مذهبه على خلاف روايته وهو مذهب أكثر أصحابنا، وفيه أربعة مذاهب، ~~قال الحنفية إن خصصه رجع إلى مذهب الراوي لأنه أعلم. وقال الكرخي ظاهر ~~الخبر أولى. وقال الشافعي إن خالف ظاهر الحديث رجع إلى الحديث، وإن كان أحد ~~الاحتمالين رجع إليه. وقال القاضي عبد الجبار إن كان تأويله على خلاف ~~الضرورة ترك وإلا وجب النظر في ذلك. # هذه المسالة عندي ينبغي أن تخصص ببعض الرواة، فتحمل على الراوي المباشر ~~للنقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى يحسن أن يقال هو أعلم ~~بمراد المتكلم أما مثل مالك ومخالفته الحديث بيع الخيار الذي رواه وغيره من ~~الأحاديث فلا يندرج في هذه المسألة، لأنه لم يباشر المتكلم حتى يحسن أن ~~يقال فيه لعله شاهد من القرائن الحالية أو المقالية ما يقتضي مخالفته، ms311 فلا ~~تكون المسألة على عمومها. # حجة الاعتماد على الحديث مطلقا: أن الحجة في لفظ صاحب الشرع لا في مذهب ~~الراوي فوجب المصير إلى الحديث. # حجة الحنفية: أن المباشر يحصل له من القرائن ما يقتضي تخصيص العام فيرجع ~~إليه في التخصيص، كما يرجع إليه في أصل الحديث. # حجة الشافعي: أن الحديث إذا كان له ظاهر يرجع إليه، لأن الحجة في ظواهر ~~الشريعة لا في مذاهب الرواة، أما إذا لم يكن له ظاهر فقد سقطت الحجة منه ~~فيعتمد على تفسير الراوي، لأنه أعلم بحال المتكلم ولم يعارضه ظاهر سرعي، ~~وهذا كاللفظ المشتركن كما إذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«اعتدي بقرء وقرء وقرء» فحمله الراوي على الإظهار صح ذلك. # PageV01P371 # وأما مذهب القاضي عبد الجبار فقد حكى خلافا وذلك عسر؛ لأن ما هو على خلاف ~~الضرورة كيف يمكن أحد أن يقول هن معتبر، فكأنه تفسير لا خلاف. وأما قوله ~~نظر في ذلك فهو خلاف لمن جزم بتقديم الخبر أو المذهب، ووجهه أنه موضع تعارض ~~لما تقدم من المدارك المتعارضة، فينظر في كل مادة ما يقتضي ترجيح بعض ذلك ~~على بعض. # وإذا ورد الخبر في مسألة علمية وليس في الأدلة القطعية ما يعضده، رد لأن ~~الظن لا يكفي في القطعيات وإلا قبل. # مسائل أصول الدين المطلوب فيها اليقين وهو المكلف به فيها عند الجمهور، ~~فإذا ورد ما يفيد الظن وفي الأدلة العقلية ما يقتضي ذلك المطلوب بعينه حصل ~~المقصود بذلك القطعي # وبقي السمعي مؤكدا له ومؤنسا؛ فإن اليقين ما ورد فيه السمع والعقل بخلاف ~~العقل وحده (1) وإن لم يكن غيره رد لعدم الفائدة فيه، لأن ما يفيده ذلك ~~الخبر لا يعتبر، والذي هو معتبر لا يفيده ذلك الخبر، فسقط اعتباره. # وإن اقتضى عملا تعم به البلوى قبل عند المالكية والشافعية، خلافا ~~للحنفية. لنا حديث عائشة المتقدم في التقاء الختانين. # قالت الحنفية: ما تعم به البلوى شأنه أن يكون معلوما عند الكافة، لوجود ~~سببه عندهم، فيحتاج كل منهم لمعرفة حكمه فيسأل عنه ويروى ms312 الحديث فيه، فلو ~~كان فيه حكم لعلمه الكافة، فحيث لم يعلمه الجمهور دل ذلك على بطلانه. # وقد نقضوا أصلهم بأحاديث قبلوها فيما تعم به البلوى، فأثبتوا الوضوء من ~~القهقهة والحجامة والفصادة بأحاديث أخبار آحاد، مع أن هذه الأمور مما تعم ~~بها البلوى، وكذلك الوضوء من القيء والرعاف ونحو ذلك. واحتجوا أيضا بقوله ~~تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئا» (2) خالفناه في قبول الواحد إذا لم ~~تعم PageV01P372 # به البلوى فيبقى على مقتضى الدليل فما عداه، وهو معارض بقوله تعالى: «إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا» (1) ومقتضاه الجزم بالعمل عند عدم المفسق كان ~~فيما تعم به البلوى أم لا. ### | الفصل التاسع في كيفية الرواية # إذا قال الصحابي سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أخبرني أو شافهني ~~فهذا أعلى المراتب. # وثانيها: أن يقول قال - عليه السلام -. # وثالثها: أمر عليه السلام بكذا أو نهى عن كذا، وهذا كله محمول عند ~~المالكية على أمره - عليه السلام -، خلافا لقوم. # الفرق بين قال وما قبلها، أن قوله قال يصدق من الوساطة وإن لم يشافه كما ~~يقول أحدنا اليوم: قال النبي - عليه السلام -، وإن كان لم يسمعه، ولا شك أن ~~اللفظ الدال على المشافهة أنص في المقصود وابعد عن الخلل المتوقع من ~~الوسائط ودون ذلك أمر أو نهي، لأنه يدخله احتمال الوسائط وتوقع الخلل من ~~قبلها مضافا إلى الخلل الحاصل من اختلاف الناس في صيغتي الأمر والنهي. هل ~~هما للطلب الجازم أم لا؟ واحتمال آخر هو أن ذلك الأمر للكل أو البعض وهل ~~دائم أو غير دائم. # وقولي: إنه محمول عند المالكية على أمره - عليه السلام - أريد إذا لم ~~يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأمر، بل يقول الراوي: أمر بكذا أو ~~أمرنا بكذا، فإن اللفظ يحتمل أن يكون فاعل هذا الأمر هو النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أو غيره، PageV01P373 # لكن العادة أن من له رئيس معظم فقال أمر بكذا أو أمرنا بكذا إنما يريد ~~أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله - صلى الله ms313 عليه وسلم - هو ~~عظيم الصحابة ومرجعهم والمشار إليه في أقوالهم وافعالهم؛ فتصرف إطلاقاتهم ~~إليه - صلى الله عليه وسلم -، أما مع تعيين الفاعل للأمر فلا يبقى هناك ~~احتمال البتة. # حجة غير المالكية: أن الفاعل إذا حذف احتمل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وغيره، فلا نثبت شرعا بالشك. # وجوابه: ظاهر الحال صارف للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم تقريره. # ورابعها: أن يقول أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، فعندنا وعند الشافعي يحمل ~~على أمره ونهيه - صلى الله عليه وسلم -، خلافا للكرخي. # وخامسها: أن يقول السنة كذا فعندنا يعمل على سنته - عليه السلام - خلافا ~~للقوم. # قد تقدم تقرير أمرنا ونهينا، وأما السنة فأصلها في اللغة الطريقة، ومنه ~~سنن الطريق الذي يمشي فيه، غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته ~~- عليه السلام - في الشريعة، فمن رجح اللغة توقف لعدم تعين ذلك النوع من ~~السنة التي تقتضيها اللغة، ومن لاحظ النقل حمله على الشريعة. وللعلماء خلاف ~~في لفظ السنة، فمنهم من يقول السنة هو المندوب، ولذلك تذكر قبالة الفرض، ~~فيقال فروض الصلاة كذا وسنتها كذا، ومنهم من يقول السنة ما ثبت من قبله ~~عليه السلام بقول أو فعل غير أن القرآن كان واجبا أو سنة، فيقال من السنة ~~كذا، ويريد أنه واجب بالسنة، ولذلك يقول الشافعي الختان من السنة وهو عنده ~~واجب، ومنهم من يقول السنة ما فعله - عليه السلام - وواظب عليه. # وسادسها: أن يقول عن النبي - عليه السلام -، فقيل يحمل على سماعه هو قيل ~~لا. # يحتمل أن يكون المراد روي عن النبي، فلا يلزم أن يكون هو سامعا، أو يكون ~~المراد أخذت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نقلت، فيكون هو السامع، # PageV01P374 # فاللفظة محتملة، فمنهم من غلب ظاهر حال الصحابي، وإن الغالب عليه أن يكون ~~هو السامع فجعله مباشرا، أو ينظر إلى احتمال اللفظ فلا تتعين المباشرة. # وسابعها: كنا نفعل كذا وهو يقتضي كونه شرعا. # لأن مقصود الصحابي أن يخبرنا بما يكون شرعا بسبب أنهم كانوا يفعلون ذلك، ~~وأن الغالب اطلاعه ms314 - عليه السلام - على ذلك وتقريره عليه، وذلك يقتضي ~~الشرعية، وأيضا # فالصحابة رضوان الله عليهم حالهم يقتضي أنهم لا يقرون بين أظهرهم إلا ما ~~يكون شرعا فيكون ذلك شرعا. # وأما غير الصحابي فأعلى مراتبه أن يقول حدثني أو أخبرني أو سمعته، ~~وللسامع منه أن يقول حدثني أو أخبرني أو سمعته يحدث عن فلان، إن قصد إسماعه ~~خاصة أو في جماعة، وإلا فيقول سمعته يحدث. # إذا حدث جماعة هو أحدهم صدق لغة أن يقول: حدثني وأخبرني، وأما إذا لم ~~يقصد إسماعه ولا إسماع جماعة هو فيهم لا يصدق أنه حدثه ولا أخبره، بل يصدق ~~أنه هو سمعه فقط، فإن سماعه لا يتوقف على قصد إسماعه. # وثانيها: أن نقول له سمعت هذا من فلان فيقول نعم، أو يقول بعد الفراغ ~~الأمر كما قرئ، فالحكم مثل الأول في وجوب العمل ورواية السامع. # لأن لفظة نعم في لغة العرب تقتضي إعادة الكلام الأول وتقريره، فإذا قلت ~~لغيرك قام زيد فقال نعم تقديره نعم قام زيد، فإذا قيل له سمعت هذا فقال نعم ~~تقديره نعم سمعته، وقوله الأمر كما قرئ المراد بالأمر مسموعه وما ضبطه ~~تقديره الذي سمعته وضبطته مثل الذي قرئ فيكون عين المسموع له، لأنا لا نعني ~~بعينه إلا ذلك، فإن اللفظ إذا أعيد بعينه كان الثاني مثل الأول قطعا، وكلما ~~كرر الإنسان الفاتحة كانت أصواته الثانية مثل أصواته الأولى لا عينها، بل ~~هي أمثال تكرر. # PageV01P375 # وثالثها: أن يكتب إلى غيره سماعه، فللمكتوب إليه أن يعمل بكتابه إذا ~~تحققه أو ظنه، ولا يقول سمعت ولا حدثني، ويقول أخبرني. # قد تقدم أن الاعتماد على الخط والكتاب جوزه في الرواية كثير ممن منعه في ~~الشهادة، وتقدم الفرق بينهما، وتوجيه الخلاف في ذلك، وكون المكتوب إليه ~~يقول أخبرني معناه أعلمني، والإعلام والإخبار يصدق لغة بالرسائل، وفي ~~التحقيق هو مجاز لغوي حقيقة اصطلاحية، فإن الإخبار لغة إنما هو في اللفظ، ~~وتسمية الكتابة إخبارا وخبرا لأنها تدل على ما يدل عليه الإخبار، والحروف ~~الكتابية (1) موضوعة للدلالة على الحروف اللسانية ms315 فلذلك سميت خبرا وإخبارا ~~من باب تسمية الدليل باسم المدلول. # ورابعها: أن يقال له هل سمعت هذا؟ فيشير برأسه أو بأصبعه فيجب العمل به، ~~ولا يقول المشار إليه أخبرني ولا حدثني ولا سمعته. # هذا الإشارة قائمة في اللغة والعرف مقام قوله نعم، فيغلب على الظن أنه ~~معتقد صحة ما قيل له، والعمل بالظن واجب في هذا الباب، ولا تسمى هذه ~~الإشارة خبرا ولا إخبارا ولا حديثا، ولا هي شيء يسمع، فلا يقول سمعته، ~~ويحتاج في هذا المقام إلى الفرق بينها وبين الكتابة، فإن كليهما فعل، ~~وكلاهما لا يصدق عليه الإخبار حقيقة لغوية، فيقع الفرق من وجهين أحدهما: أن ~~الكتابة أمس بالإخبار في كثرة الاستعمال، فلما اطرد ذلك صار كأنه موضوع ~~للإخبار، والإشارة أقل في الكتابة في ذلك، وتداول المكاتبات بين الناس أكثر ~~من تداول الإشارات، ولذلك امتلأت الخزائن من الكتب والدول من الدواوين كلها ~~بطريق الكتابة. وثانيها في القرق: أن الكتابة فيها وضع اصطلاحي بخلاف ~~الإشارة. # وخامسها: أن يقرأ عليه فلا ينكره بإشارة ولا عبارة، ولا يعترف، فإن ~~PageV01P376 # غلب على الظن اعترافه لزم العمل به، وعامة الفقهاء جوازوا روايته وأنكرها ~~المتكلمون، وقال بعض المحدثين ليس له أن يقول إلا أخبرني قراءة عليه. # وكذلك الخلاف لو قال القارئ للراوي بعد قراءة الحديث أرويه عنك قال نعم ~~وهو السادس، وفي مثل هذا اصطلاح المحدثين وهو من مجازا التشبيه، شبه السكوت ~~بالإخبار. # إذا غلب على الظن احترافه لزم العمل به لأن العمل بالظن واجب، غير أن هنا ~~إشكالا وهو أن مطلق الظن كيف كان لم يعتبره صاحب الشرع، بل ظن خاص عند سبب ~~خاص، فما ضابط هذا الظن الحاصل هنا، فإن قلنا يكفي مطلق الظن ضعف من حيث ~~القواعد، وإن قلنا المطلوب ظن خاص ضعف ضبطه، ووجه تجويز الرواية أمران: ~~أحدهما قياسا على العمل، وثانيهما إن الظن حصل باعترافه فتجوز الرواية، كما ~~لو قال نعم. # حجة المنع: أن الرواية هي التحمل والنقل، وهو لم يأذن في شيء فيتحمل عنه، ~~والتحمل بغير سماع ولا ms316 ما يقوم مقام السماع لا يجوز، وقوله أخبرني قراءة ~~عليه معناه أن إخباره لم يكن بإسماعي لفظا من قبله، لأنه ساكت بل إخباري ~~قراءة عليه، فكأنه فسر الإخبار بأنه قرأ عليه، فإن قراءة منصوب على التمييز ~~والتمييز مفسر، وأما قوله نعم فهو أقوى من الأول لوجود التصريح بالجواب من ~~حيث الجملة. # وسابعها: إذا قال له حدث عني ما في هذا الكتاب ولم يقل له سمعته، فإنه لا ~~يكون محدثا له وبه، وإنما أذن له في التحدث عنه. # وثامنها: الإجازة تقتضي أن الشيخ أباح له أن يحدث به، وذلك إباحة للكذب، ~~ولكنه في عرف المحدثين معناه أن ما صح عندك أني سمعته فاروه عني، والعمل ~~عندنا # بالإجازة جائز خلافا لأهل الظاهر في اشتراطهم # PageV01P377 # المناولة، وكذلك إذا كتب إليه أن الكتاب الفلاني رويته فاروه عني إن صح ~~عندك، فإذا صح عنده جازت له الرواية، وكذلك إذا قال له مشافهة ما صح عندك ~~من حديثي فاروه عني إن صح عندك، فإذا صح عنده جازت له الرواية. # لا يمكنه أن يسند الرواية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لم ~~يقل له سمعته فإنه لم يثبت له أصل بنفسه فيبطل العمل به، والإجازة تقتضي ~~بظاهرها الكذب، لأن لفظها أجزت لك أن تروي عني كل شيء، أو أجزت لك الرواية ~~عني مطلقان فهذا يقتضي أنه يروي عنه كل شيء، وهو إباحة الكذب، أما لو قيدت ~~بقوله أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك أني أرويه لم يكن إباحة للكذب، وكذلك ~~إذا قال له المجيز أجزت لك ذلك بشرطه المعتبر عند أهل الأثر فهذا كله مقيد، ~~وليس فيه غباحة كذبن والعمل بالإجازة جائز، معناه إذا صح عنده أن مجيزه ~~يروي هذا بطريق صحيح، فيرويه هو عنه بمقتضى الإجازة، فيتصل السند وإذا اتصل ~~السند جاز العمل. # قال القاضي عبد الوهاب: اختلف أهل العلم في الإجازة وهي أن يقول الراوي ~~لغيره قد أجزت لك أن تروي هذا الكتاب عني أو يكتب إليه بذلك فقبلها مالك ~~وأشهب ms317 وعليه أكثر الفقهاء، واختلفوا فيما يقول المجاز إذا أجزنا ذلك فقيل ~~يقول أخبرني إجازة ولا يقول أخبرني مطلقا ولا حدثني. وقيل يقول كتب إلى ~~وأجازني فقط. # حجة أهل الظاهر: أن خصوص هذا الكتاب الذي وجده الآن لم يسمعه نم شيخه فلم ~~يتصل السند فيه، فلا يجوز نسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا ~~يجوز العمل به. # وجوابهم: أن السند متصل بالطريق الذي بيناه وقد صح عنده رواية مجيزه له ~~فاتصل السند، ولا حاجة للمناولة، لأنه إذا ثبت أن مجيزه يرويه، فهذا الطريق ~~يقوم مقام المناولة، والمقصود حصول اتصال السند بطريق صحيح كيف كان، ومعنى ~~قوله إن الكتاب الفلاني رويته فاروه عني إذا صح عندك، أن النسخة # PageV01P378 # التي معك هي النسخة التي رويتها أنا، أو هي مقابلة عليها مقابلة لا تشك ~~أن هذه مثل تلك من غير زيادة ولا نقص، أما صحة أصل الرواية في ذلك الديوان ~~من حيث الجملة لا تبيح له إباحة جميع نسخه كيف كانت، لاحتمال الزيادة أو ~~النقص فلا تجوز الرواية ولا العمل، وفي الأول تجوز الرواية والعمل، ومعنى ~~جواز العمل به أنه يجوز للمجتهد أن يجعله مستنده في الفتيا بحكم الله ~~تعالى: أما من ليس بمجتهد فلا يجوز له العمل بمقتضى حديث وإن صح عنده سنده، ~~لاحتمال نسخه وتقييده وتخصيصه وغير ذلك من عوارضه التي لا يضبطها إلى ~~المجتهدون، وكذلك لا يجوز للعامي # الاعتماد على آيات الكتاب العزيز لما تقدم، بل الواجب على العامي تقليد ~~مجتهد معتبر ليس إلا، لا يخلصه من الله تعالى إلا ذلك، كما أنه لا يخلص ~~المجتهد التقليد، بل ما يؤدي إليه اجتهاده بعد بذل جهده بشرطه. ### | الفصل العاشر في مسائل شتى # فالأولى: المراسيل عند مالك وأبي حنيفة وجمهور المعتزلة حجة، خلافا ~~للشافعي، لأنه إنما أرسل حيث جزم بالعدالة فيكون حجة. # حجة الشافعي - رضي الله عنه -، أنه إذا سكت عن الراوي جاز أن يكون إذا ~~اطلعنا نحن عليه لا نقبل روايته، ولم نكلف نحن بحسن ظن المرسل فيه، فحصول ~~الظن ms318 لنا إذا كشفنا حاله أقوى من حصوله إذا قلدنا فيه وجهلناه، والدليل ~~ينفي العمل بالظن كما تقدم خالفناه إذا علمت عدالة الراوي بالبحث ~~والمباشرة، فيبقى على مقتضى الدليل فما عداه. # حجة الجواز: أن سكوته عنه مع عدالة الساكت وعلمه أن روايته يترتب عليها ~~شرع عام، فيقتضي ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالتهن فسكوته كإخباره ~~بعدالته، وهو لو زكاه عندنا قبلنا تزكيته وقبلنا روايته، فكذلك سكوته # PageV01P379 # عنه، حتى قال بعضهم أن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق، وهو أن المرسل ~~قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى: وذلك يقتضي وثوقه بعدالته، ~~وأما إذا أسند فقد فوض أمره للسامع ينظر فيه ولم يتذممه، فهذه الحالة أضعف ~~من الإرسال. # فرع: نقل عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: لا أقبل من المراسيل إلا ~~مراسيل سعيد بن المسيب، فإني أعتبرتها فوجدتها مسندة، ففي الحقيقة ما أعتبر ~~إلا مسندا. # قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: ظاهر مذهب الشافعي رد المراسيل مطلقا ~~وهو قول أصحاب الحديث، ومن أصحابه من يقول إن مذهبه قبول مراسيل الصحابة ~~وأما مراسيل التابعين فيعتبرها بأمور تقويها. أحدها إذا كان ظاهر حاله أن ~~ما يرسله يسنده غيره. وثانيها أن ما أرسله قال به بعض الصحابة. وثالثها أن ~~يفتي به عامة العلماء. ورابعها أن يعلم من حاله أنه إذا سمى لا يسمي مجهولا ~~ولا من فيه علة تمنع قبول حديثه، ومن أصحابه من يقول مذهبه قبول مراسيل ~~سعيد بن المسيب والحسن دون غيرهما، وحكى عن بعض من يقبل المراسيل أنه شرط ~~أن يكون المرسل صحابيا أو تابعيا دون تابعي التابعي إلا أن يثبت أنه إمام، ~~قاله عيسى بن أبان. # سؤال: الإرسال هو إسقاط صحابي من السند، والصحابة كلهم عدول فلا فرق بين ~~ذكره والسكوت عنه، فكيف جرى الخلاف. # [جوابه: أنهم عدول إلا عند قيام المعارض وقد يكون المسكوت عنه منهم عرض ~~في حقه ما يوجب القدح فيتوقف في قبول الحديث حتى تعلم سلامته عن القادح ~~وإسقاط تابعي أو ms319 غيره يسمى منقطعا لا مرسلا وهي اصطلاحات] (1) . # ونقل الخبر بالمعنى عند أبي الحسين وأبي حنيفة والشافعي جائز خلافا لابن ~~سيرين وبعض المحدثين بثلاثة شروط: أن لا تزيد الترجمة ولا تنقص ولا تكون ~~أخفى لأن المقصود إنما هو إيصال المعاني، فلا يصر فوات غيرها. PageV01P380 # متى زادت عبارة الراوي فقد زاد في الشرع أو نقص، وذلك حرام إجماعا، ومتى ~~كانت عبارة الحديث جلية فقد غيرها بعبارة خفية فقد أوقع في الحديث وهنا ~~يوجب تقديم غيره عليه بسبب خفائه، فإن الأحاديث إذا تعارضت في الحكم الواحد ~~يقدم أجلاها على أخفاها، فإن كان أصل الحديث جليا فأبدله يخفى فقد أبطل منه ~~مزية حسنة تخل به عند التعارض، وكذلك إذا كان الحديث خفى العبارة فأبدلها ~~بأجلى منها فقد أوجب له حكم التقديم على غيره، وحكم الله أن يقدم غيره عليه ~~عند التعارض، فقد تسبب بهذا التغيير في العبارة إلى تغيير حكم الله تعالى، ~~وذلك لا يجوز، فهذا هو مستند هذه الشروط، فإذا حصلت هذه الشروط حينئذ يجري ~~الخلاف في الجواز أما عند عدمها فلا يجوز إجماعا. # حجة الجواز: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمعون الأحاديث ولا ~~يكتبونها ولا يكررون عليها ثم يروونها بعد السنين الكثيرة، ومثل هذا يجزم ~~الإنسان فيه أن نفس العبارة لا تنضبط بل المعنى فقط، ولأن أحاديث كثيرة ~~وقعت بعبارات مختارة وذلك مع اتحاد القصة، وهو دليل جواز النقل بالمعنى، ~~ولأن لفظ السنة ليس متعبدا به بخلاف لفظ القرآن، فإذا ضبط المعنى فلا يضر ~~فوات ما ليس بمقصود. # حجة المنع: قوله - عليه السلام -: «رحم الله - أو نضر الله - امرءا سمع ~~مقالتي فأداها كما سمعها، فرب عامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ~~إلى من ليس بفقيه» فقوله: أداها كما سمعها يقتضي أن يكون اللفظ المؤدى ~~كاللفظ المسموع عملا بكاف التشبيه، والمسموع في الحقيقة إنما هو اللفظ ~~وسماع المعنى تبع له، والتشبيه وقوع بالمسموع فلا يشبهه حينئذ إلا مسموع، ~~أما المعنى فلا، وذلك يقتضي أنه - عليه السلام - أوجب نقل ms320 مثل ما سمعه لا ~~خلافه، وهو المطلوب. # وإذا زادت إحدى الروايتين على الأخرى والمجلس مختلف قبلت، وإن كان واحدا ~~وتأتى الذهول عن تلك الزيادة قبلت، وإلا لم تقبل. # PageV01P381 # قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: إذا انفرد بعض رواة الحديث بزيادة ~~وخالفه بقية الرواة، فعن مالك وأبي الفرج من أصحابنا يقبل إن كان ثقة ~~ضابطا. # وقال الشيخ أبو بكر الأبهري وغيره لا تقبل ونفوا الزيادة المروية في حديث ~~عدي بن حاتم - وإن أكل فلا تأكل - وبالأول قال الشافعية. # حجة الجواز: أن انفراده بالزيادة كانفراده بحديث آخر فيقبل كما يقبل ~~الحديث الأجنبي، وأما ما يفرق به أن انفراده بالزيادة يوجب فيه وهنا بخلاف ~~الحديث الأجنبي، فدفوع بأنه قد يسمع ولا يسمعون ويكر وينسون وعدالته وضبطه ~~يوجب قبول قوله مطلقا، وقد يكون المجلس واحدا ويلحق بعضهم ما يشغله عن سماع ~~جميع الكلام. # حجة المنع: أن رواية جميع الحفاظ غير هذا الراوي عدم الزيادة في روايتهم ~~تقوم مقام تصريحهم بعدمها وتصريحهم مقدم على روايته هو. # الجواب: أنه ليس كالتصريح بل يتعين حمله على الذهول الشاغل، جمعا بين ~~ظاهر عدالة راوي الزيادة وعدالة التاركين لها. # قال القاضي: واختلف في صفة الزيادة المعتبرة فقيل: الاعتبار بالزيادة ~~اللفظية فقط مفيدة لحكم شرعين ولا تكون تأكيدا ولا قصة لا يتعلق بها حكم ~~شرعي، كقولهم في محرم وقصت به ناقته في (أخافيق جرذان) فإن ذكر الموضع لا ~~يتعلق به حكم شرعي، وكذلك الناقة دون الفرس، وأما الزيادة في المعنى فلا ~~عبرة بها بل يجب الأخذ بالزيادة اللفظية وإن أدت إلى نقصان من جهة المعنى ~~كالتخصيص، ولا تقيد بزيادة المعنى في باب الترجيح، لأن الزيادة إنما تكون ~~في النقل، والنقل إنما يكون في اللفظ، ويصير ذلك كخبر مفيد مبتدأ. # PageV01P382 ### | الباب السابع عشر في القياس # وفيه سبعة فصول ### | الفصل الأول في حقيقته # وهو إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لأجل اشتباههما في علة الحكم عند ~~المثبت فالإثبات المراد به المشترك بين العلم والظن والاعتقاد ونعني ~~بالمعلوم المشترك بين المعلوم والمظنون، وقولنا ms321 عند المثبت ليدخل فيه ~~القياس الفاسد. # لأنا إذا أثبتنا فقد نعلم ثبوت الحكم في الفروع، وقد نعقده اعتقادا جازما ~~لا يحتمل عدم المطابقة وقد نظنه، واشتركت الثلاثة في الإثبات فهو مرادنا. # وقولي معلوم أولى من قول من قال إثبات حكم فرع لأصل (1) أو إثبات حكم ~~الأصل في الفرع لأن الأصل والفرع إنما يعقلان بعد معرفة القياس فتعريف ~~القياس بهما دور، فإذا قلنا معلوم اندفعت هذه الشبهة الموجبة للدور. # وقولي لأجل اشتباههما في علة الحكم احتراز من إثبات الحكم بالنص؛ فإن ذلك ~~لا يكون قياسا كما لو ورد نص يخص الأرز بتحريم الربا كما ورد في البر. ~~PageV01P383 # وقولي مثل حكم، لأن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الثابت في الأصل بل ~~مثله، وهما مختلفان بالعوارض فالأول امتاز ثبوته بالإجماع، والثاني ثابت ~~بالقياس، والأول لا خلاف فيه والثاني فيه الخلاف، غير أنه مثله من جهة أنه ~~تحريم أو تحليل، والعوارض من جهة المحال والأدلة معينات ومميزات لأحد ~~المثلين عن الآخر، ولا بد لأحد المثلين من مميز وإلا كانا واحدا والواحد ~~ليس بمثلين. # ومعنى اندراج القياس الفاسد أنا لو قلنا لاشتراكهما في علة الحكم لم ~~يتناول ذلك إلا العلة المرادة لصاحب الشرع، فالقياس بغيرها يلزم أن لا يكون ~~قياسا؛ لكن الخلاف لما وقع في الربا هل علته الطعم أو الكيل أو القوت أو ~~غير ذلك من الماذهب في العلل، وقاس كل إمام بعلته التي اعتقدها، فأجمعنا ~~على أن الجميع أقيسة شرعية لأنا إن قلنا كل مجتهد # مصيب فظاهر، وإن قلنا المصيب واحد فلم يتعين، فتعين أنيكون الجميع أقيسة ~~شرعية، مع أن جميع تلك العلل ليست مرادة لصاحب الشرع، فالقائس بغير علة ~~صابح الشرع قياسه فاسد وهو قياسه، فلذلك قلنا عند المثبت ليتناول جميع تلك ~~العلل كانت علة صاحب الشرع أم لا. # فائدة: القياس معناه في اللغة التسوية، يقال قاس الشيء بالشيء إذا ساواه ~~به والقياس في الشريعة مساواة الفرع للأصل في ذلك الحكم فسمي قياسا، فهو من ~~باب تخصيص اللفظ ببعض مسمياته، ms322 كتخصيص الدابة ببعض مسمياتها وهو الفرس عند ~~العراقيين والحمار عند المصريين، فالقياس على هذا حقيقة عرفة مجاز راجع ~~لغوي. # PageV01P384 ### | الفصل الثاني في حكمه # وهو حجة عند مالك رحمه الله وجماهير العلماء رحمة الله عليهم خلافا لأهل ~~الظاهر لقوله تعالى: «فاعتبروا يا أولي الأبصار» (1) ولقول معاذ - رضي الله ~~عنه -: أجتهد رأيي. بعد ذكره الكتاب والسنة. # وجه الاستدلال من الآية الأولى (2) أن قوله تعالى: «فاعتبروا» مشتق من ~~العبور وهو المجاوزة ومنه سمي المعبر للمكان الذي يعبر منه من شط إلى ~~الوادي ويعبر فيه وهو السفينة، وسميت العبرة عبرة لأنها تعبر من الشؤن (3) ~~إلى العين، عابر المنام هو المتجاوز من تلك المثل المرئية إلى المراد ~~بالمنام من الأمور الحقيقية، والقائس عابر من حكم الأصل إلى حكم الفرع ~~فيتناوله لفظ الآية بطريق الاشتقاق. # سؤال: استدل جماعة من العلماء بهذه الآية وهي غير مفيدة للمقصود بسبب أن ~~الفعل في سياق الإثبات مطلق لا عموم فيه والآية فعل في سياق الإثبات، ~~فيتناول مطلق العبور، فلا عموم فيها حتى تتناول كل عبور فيندرج تحتها صورة ~~النزاع، وإذا كانت مطلقة كانت دالة على ما هو أعم من القياس والدال على ~~الأعم غير دال على الأخص، كما أن لفظ الحيوان لا يدل على الإنسان، ولفظ ~~العدد لا يدل على الزواج. # ومما يدل على القياس إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على العمل بالقياس، ~~وذلك يعلم من استقراء أحوالهم ومناظرتهم، وقد كتب عمر بن الخطاب - رضي الله ~~PageV01P385 # عنه - إلى أبي # موسى الأشعري: «اعرف الأشياء والنظائر وما اختلج في صدرك فالحقه بما هو ~~أشبه بالحق» وهذا هو عين القياس، ولأنه - عليه السلام - نبه على القياس في ~~مواطن منها: أن عمر - رضي الله عنه - سأله عن قبلة الصائم فقال له عليه ~~السلام: «أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه» ؟! وجه الدليل من ذلك ~~أنه عليه السلام شبه المضمضة إذا لم يعقبها شرب بالقبلة (1) إذا لم يعقبها ~~إنزال بجامع انتفاء الثمرة المقصودة من الموضعين وهذا هو عين القياس. ومنها ~~قوله - عليه السلام - للخثعمية: ms323 «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ ~~قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضى» (2) وهذا هو عين القياس. # احتجوا بوجوه أحدها قوله تعالى: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون» (3) والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله. وثانيها قوله - عليه ~~السلام -: «تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس فإذا ~~فعلوا ذلك فقد ضلوا» . وثالثها أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يذمون ~~القياس، فقال الصديق - رضي الله عنه -: أي سماء تضلني وأي أرض تقلني إذا ~~قلت في كتاب الله برأيي، وقال عمر رضي - رضي الله عنه -: إياكم وأصحاب ~~الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحصوها فقالوا بالرأي فضلوا ~~وأضلوا وقال أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -: لو كان الدين يؤخذ قياسا ~~لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظهره، وهذا يدل على اتفاقهم على منع القياس. # والجواب عن الأول: أن الحاكم بالقياس حاكم بما أنزل الله في عمومات ~~القرآن من جهة قوله تعالى: «فاعتبروا» (4) ومن جهة قوله تعالى: «وما آتاكم ~~الرسول فخذوه» (5) وقد جاءنا بالقياس. PageV01P386 # وعن الثاني: أن سلم صحته أنه محمول على القياس الفاسد الوضع لمخالفته ~~النصوص ومن شرط القياس أن لا يخالف النص الصريح. # وعن الثالث: أن ذم الصحابة رضوان الله عليهم محمول على الأقيسة الفاسدة ~~والآراء الفاسدة المخالفة لأوضاع الشريعة، جمعا بين ما نقله الخصم وما ~~نقلناه. [وعن قول علي - رضي الله عنه - أن الدين في قوله: لو كان الدين فيه ~~الألف واللام وهي للعموم فيكون المعنى لو كان كل الدين بالرأي أو بالقياس، ~~ونحن لم ندع ذلك بل يكون مفهوم قوله: إن بعضه قياس وهو المطلوب اه] (1) . # فرع: قال الإمام فخر الدين: إذا كان تعليل الأصل قطعيا، ووجود العلة في ~~الفرع قطعيا كان القياس قطعيا متفقا عليه، وأما القياس الظني فهو حجة في ~~الأمور الدنيوية اتفاقا كمداواة الأمراض والأسفار والمتاجر وغير ذلك، وإنما ~~النزاع في كونه حجة في الشرعيات ومستندات المجتهدين. # وهو مقدم على خبر الواحد عند مالك رحمه الله، لأن ms324 الخبر إنما ورد لتحصيل ~~الحكم، والقياس متضمن للحكمة فيقدم على الخبر، وهو حجة في الدنيويات ~~اتفاقا. # حكى القاضي عياض (2) في التنبيهات، وابن رشد في المقدمات في مذهب مالك في ~~تقديم القياس على خبر الواحد قولين، وعند الحنفية قولان أيضا. # حجة تقديم القياس أنه موافق للقواعد من جهة تضمنه لتحصيل المصالح أو درء ~~المفاسد، والخبر المخالف له يمنع من ذلك فيقدم الموافق للقواعد على المخالف ~~لها. # حجة المنع: أن القياس فرع النصوص والفرع لا يقدم على أصله. بيان الأول: ~~PageV01P387 # أن القياس لم يكن حجة إلا بالنصوص، فهو فرعها، ولأن المقيس عليه لا بد ~~وأن يكون منصوصا عليه، فصار القياس فرع النصوص من هذين الوجهين، وأما أن ~~المفرع لا يقدم على أصله فلأنه لو قدم على أصله لأبطل أصله، ولو أبطل أصله ~~لبطل فلا يبطل أصله. # والجواب عن هذه النكتة: أن النصوص التي هي أصل القياس غير النص الذي قدم ~~عليه القياس فلا تناقضن فلم يقدم الفرع على أصله بل على غير أصله. # وهو إن كان بإلغاء الفارق فهي تنقيح المناط عند الغزالي، أو باستخراج ~~الجامع من الأصل ثم تحقيقه في الفرع فالأول يسمى تخريج المناط والثاني ~~تحقيقه. # المناط اسم مكان الإناطة، والإناطة التعليق والإلصاق، قال حسان بن ثابت ~~فيمن هجاه: # وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # أي علق، وقال حبيب الطائي: # بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها # أي علقت علي الحرور فيها، والعلة ربط بها الحكم وعلق عليها فسميت مناطا ~~على وجه التشبيه والاستعارة، واختلف الناس في تنقيح المناط فقال الغزالي هو ~~إلغاء الفارق، كما تقول لا فارق بين بيع الصفة وبيع الرؤية إلا الرؤية، وهي ~~لا تصلح أن تكون فارقا # متعلقات أغراض البيع، فوجب استواؤهما في الجواز، ولا فارق بين الذكور ~~والإناث في مفهوم الرق (1) وتشطير الحد، فوجب استواؤهما فيه، وقد ورد النص ~~بذلك في أحدهما في قوله تعالى: «فعليهن نصف ما على المحصنات نم العذاب» (2) ~~، ولا فارق بين الأمة ms325 والعبد في التقويم على معتق الشقص فوجب استواؤهما في ~~ذلك فإن النص إنما ورد في العبد الذكر خاصة في قوله - عليه السلام -: «من ~~أعتق شركا له في عبد» ونحو ذلك، فهذا قياس يسمى تنقيح المناط على اصطلاح ~~هؤلاء. PageV01P388 # وقال الحسكفي في جدله وغيره: تنقيح المناط هو تعيين علة من أوصاف مذكورة، ~~وتخريج المناط هو استخراجها من أوصاف غير مذكورة. مثال الأول حديث ~~الأعرابي: «جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضرب صدره ~~وينتف شعره فقال هلكت وأهلكت: واقعت أهلي في شهر رمضان فأوجب عليه السلام ~~عليه الكفارة» الحديث المشهور فذكر في الحديث كونه أعرابيا، وضرب الصدر ~~ونتف الشعر، وهي لا تصلح للتعليل، وكونه مفسدا للصوم مناسب للكفارة، فعين ~~علة من أوصاف مذكورة. ومثال الثاني: نهيه - عليه السلام - عن بيع البر ~~بالبر إلا مثلا بمثل يدا بيد، ولم يذكر العلة ولا أوصافا هي مشتملة عليها، ~~فتعين الطعم للعلة أو الكيل أو القوت أو المالية إخراج علة من أوصاف غير ~~مذكورة، فهذا هو تخريج المناط، لأننا أخرجنا العلة من غيب، والأول تنقيح ~~المناط. لأنه تصفية وإزالة لما لا يصلح عما يصلحن وتنقيح الشيء إصلاحه، ~~فهذا اصطلاح مناسب، فتحصل لنا في تنقيح المناط مذهبان، وفي تخريج المناط ~~قولان، وأما تحقيق المناط فهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع، مثاله أن ~~يتفق على أن العلة في الربا هي القوت الغالب ويختلف في الربا في التين بناء ~~على أنه يقتات غالبا في الأندلس، أو لا نظرا إلى الحجاز وغيره، فهذا تحقيق ~~المناط. ينظر هل هو محقق أم لا بعد الاتفاق عليه. فقد ظهر الفرق بين تخريج ~~المناط وتنقيح الماط، وتحقيق المناط، وهي اصطلاحات لفظية. ### | الفصل الثالث في الدال على العلة # وهو ثمانية: النص والإيماء والمناسبة والشبه والدوران السير والطرد ~~وتنقيح المناط. فالأول النص على العلة وهو ظاهر. الثاني الإيماء وهو خمسة: ~~الفاء نحو قوله تعالى: «الزانية والزاني فاجلدوا» (1) وترتيب الحكم ~~PageV01P389 # على الوصف نحو ترتيب الكفارة # على قوله واقعت أهل في شهر رمضان قال ms326 الإمام سواء كان مناسبا أو لم يكن، ~~وسؤاله - عليه السلام - عن وصف المحكوم عليه نحو قوله - عليه السلام -: ~~«أينقص الرطب إذا جف» أو تفريق الشارع بين شيئين في الحكم نحو قوله - عليه ~~السلام -: «القاتل لا يرث» أور ورود النهي عن فعل يمنع ما تقدم وجوبه. # النص على العلة نحو قوله: العلة كذا أو فعلته لأجل كذا، فهذا نص في ~~التعليل والفاء تدخل على المعلوم نحو ما تقدم، فإن الجلد معلول الزنا وتدخل ~~على العلة نحو قوله - عليه السلام -: «لا تمسوه (1) بطيب فإنه يبعث يوم ~~القيام محرما» فالإحرام هو علة المنع من الطيب، ومعنى قول الإمام فخر الدين ~~سواء كان مناسبا أو لم يكن يشير إلى أن المناسبة مستقلة بالدلالة على ~~العلية، وكذلك الترتيب، فإن القائل لو قال أكرم الجهلاء وأهن العلماء أنكر ~~السامعون هذا القول وعابوه، ومدرك الاستقباح أنهم فهموا أنه جعل الجهل علة ~~الإكرام والعلم علة الإهانة، وليس لهم مستند في اعتقاد التعليل إلا ترتيب ~~الحكم على الوصف لا المناسبة، فإن المناسبة مفقودة هنا، فدل ذلك على أن ~~الترتيب يدل على العلية وإن فقدت المناسبة، وأما سؤال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن نقصان الرطب إذا جف لأنه لا يعلم ذلك بل ليعرف به السامعون، ~~ليكون ذلك تنبيها على علة المنع، فيكونا لسامع مستحضرا لعلة الحكم حالة ~~وروده عليه، فيكون ذلك أقرب لقبوله الحكم، بخلاف ما إذا غابت العلة عن ~~السامع ربما صعب عليه تلقي الحكم واحتاج لنفسه من المجاهدة ما لا يحتاجها ~~إذا علم العلة وحضرت له، ومعنى التفريق بين الشيئين أن الآية وردت بتوريث ~~الأبناء مطلقا بقوله تعالى: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين» (2) فلما قال - عليه السلام - «القاتل لا يرث» علم، أن ذلك لأجل ~~علة القتل، مع أن هذا أيضا فيه ترتيب الحكم على الوصف، ومثال النهي عن ~~الفعل الذي يمنع ما تقدم وجوبه قوله تعالى: «يا ألها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله» (3) # فهذا وجوب للجمعة، ms327 فقوله PageV01P390 # تعالى بعد ذلك: «وذروا البيع» نهى عن البيع، لأنه يمنع من فعل الجمعة ~~بالتشاغل بالبيع، فيكون هذا إيماء لأن العلة في تحريم البيع هي التشاغل عن ~~الجمعة. # والثالث: المناسبة ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فالأول كالغنى علة ~~لوجوب الزكاة، والثاني كالإسكار علة لتحريم الخمر، والمناسب ينقسم إلى ما ~~هو في محل الضرورات، وإلى ما هو في محل الحافجات، وإلى ما هو في محل ~~التتمات، فيقدم # الأول على الثاني والثاني على الثالث عند التعارض، فالأول نحو الكليات ~~الخمس وهي حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال قيل والأعراض، ~~والثاني مثل تزويج الولي الصغيرة، فإن النكاح غير ضروري، لكن الحاجة تدعوى ~~إليه في تحصيل الكفؤ لئلا يفوت، والثالث ما كان حثا على مكارم الأخلاق ~~كتحريم تناول القاذورات وسلب أهلية الشهادات عن الأرقاء ونحو الكتابات ~~ونفقات القرابات، وتقع أوصاف مترددة بين هذه المراتب كقطع الأيدي باليد ~~الواحدة فإن شرعيته ضرورية صونا للأطراف وإن أمكن أن يقال ليس منه لأنه ~~يحتاج الجاني فيه إلى الاستعانة بالغير وقد يتعذر، ومثال اجتماعها كلها في ~~وصف واحد أن نقطة النفس ضرورية والزوجات حاجية والأقارب تتمة واشتراط ~~العدالة في الشهادة ضروري صونا للنفوس والأموال وفي الإمامة على الخلاف ~~حاجية لأنها شفاعة، والحاجة داعية لإصلاح حال الشفيع، وفي النكاح تتمة لأن ~~الولي قريب يمنعه طبعه عن الوقوع في العار والسعي في الأضرار، وقيل حاجية ~~على الخلاف، ولا يشترط في الإقرار لقوة الوازع الطبيعي ودفع المشقة عن ~~النفوس مصلحة ولو أفضت إلى خلاف القواعد، وهي ضرورية مؤثرة في الترخيص ~~كالبلد الذي يتعذر فيه العدول. # قال ابن أبي زيد في النوادر تقبل شهادة أمثلهم حالا لأنها ضرورة، وكذلك ~~يلزم في القضاة وولاة الأمور، وحاجية على الخلاف في الأوصياء في عدم اشتراط ~~العدالة وتمامية في السلم والمساقاة وبيع الغائب، فإن في منعها مشقة على ~~الناس وهي من تتمات معاشهم. # PageV01P391 # الكليات الخمس: حكى الغزالي وغيره إجماع الملل على اعتبارها، وأن الله ~~تعالى ما أباح النفوس ولا شيئا من الخمس المتقدمة في ms328 ملة من الملل، وأن ~~المسكرات حرام في جميع الملل وإن وقع الخلاف في اليسير الذي لا يسكر، ففي ~~الإسلام هو حرام، وفي الشرائع المتقدمة حلال، أما القدر المسكر فحرام ~~إجماعا من الملل، واختلف العلماء، في عددها، فبعضهم يقول الأديان عوض ~~الأعراض، وبعضهم يذكر الأعراض ولا يذكر الأديان وفي التحقيق الكل متفق على ~~تحريمه فما أباح الله تعالى العرض بالقذف والسباب قط، وكذلك لم يبح الأموال ~~بالسرقة والغضب، ولا الأنصاب بإباحة الزنا قط، ولا العقول بإباحة المسكرات، ~~ولا النفوس والأعضاء بإباحة القطع والقتل، ولا الأديان بإباحة الكفر ~~وانتهاك حرم المحرمات، وجعلهم الكتابات تتمة لأنها عون على حصول العتق ~~وإزالة الرق عن البشرية المكرمة من بني آدم، فهو من مكارم الأخلاق وتتمات ~~المصالح، وكذلك نفقات الأقارب من تتمات مكارم الأخلاق. وقوله إن العدالة ~~شرط في الولي على الخلاف إشارة إلى ما وقع في الفقه في الولي إذا كان فاسقا ~~هل تسقط ولايته بفسقه أم لا؟ قولان في مذهب # مالك، والمشهور عدم سلبها اكتفاء بالوازع الطبيعي عن العدالة، وعدم ~~اشتراط العدالة في الإقرار، فيقبل إقرا البر والفاجر، لأنه إلزام لنفسه ~~ومضربهان ولا يقع الإقرار إلا كذلك، وإلا كان دعوى أو شهادة، والوازع ~~الطبيعي يمنع ن الإضرار بغير موجب، فما أقر إلا والمقر به حق فيقبل منه، ~~وإن كان فاجرا أو كافرا من غير خلاف بين الأمة. # وقولي في الأوصياء: حاجية معناه أن الناس قد يحتاجون إلى أن يوصوا لغير ~~العدول وفيه خلاف، ومذهب مالك يشترط فيه أن يكون مستور الحال، وعلى القول ~~بعدم اشتراط العدالة مع أنها ولاية، والولاية لا بد فيها من العدالة، فقد ~~خالفنا القواعد في عدم اشتراط العدالة في الأوصياء، دفعا للشقة الناشئة من ~~الحيلولة بين الإنسان وبين من يريد أن يعتمد عليه، وكذلك خولفت القواعد في ~~السلم والمساقاة وبيع الغائب والجعالة والمضاربة والمغارسة والصيد وغير ذلك ~~فيما فيه جهالة في الأجرة وغرر، وأما الصيد فلبقاء الفضلات وعدم تسهيل ~~الموت على الحيوانات، فقد خولفت القواعد لتتمة المعاش، فإن من الناس ms329 # PageV01P392 # من يحتاج في معاشه إلى أحد هذه الأمور، فجعلت شرعا عاما لعدم الانضباط في ~~مقادير الحاجات. وهذه الرتب يظهر أثرها عند تعارض الأقيسة، فيقدم الضروري ~~عل الحاجي، والحاجي على التتمة. # وهو أيضا ينقسم إلى ما اعتبره الشرع، وإلى ما ألغاه، وإلى ما جهل حاله. ~~والأول ينقسم إلى ما اعتبر نوعه في نوع الحكم كاعتبار نوع الإسكار في نوع ~~التحريم، وإلى ما اعتبر جنسه في جنسه كالتعليل بمطلق المصلحة كإقامة الشرب ~~مقام القذف لأنه مظنته، وإلى ما اعتبر نوعه في جنسه كاعتبار الأخوة في ~~التقديم في الميراث، فتقدم في النكاح، وإلى ما اعتبر جنسه في نوع الحكم ~~كإسقاط الصلاة عن الحائض بالمشقة فإن المشقة جنس وهو أي الإسقاط نوع من ~~الرخص، فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس وتأثير النوع ~~في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع وهو مقدم على تأثير الجنس في ~~الجنس، والملغى نحو المنع من زراعة العنب خشية الخمر، والذي جهل أمره هو ~~المصلحة المرسلة التي نحن نقول بها، وعند التحقيق هي عامة في المذاهب. # الحكم أعم أجناسه كونه حكما، وأخص منه كونه طلبا أو تخبيرا وأخص منه كونه ~~تحريما أو إيجابا، وأخص منه كونه تحريم الخمر أو إيجاب الصلاة، وأعم أحوا ~~الوصف كونه وصفا، وأخص منه كونه مناسبا وأخص من المناسب كونه معتبرا، وأخص ~~منه كونه مشقة أو مصلحة أو مفسدة خاصة، ثم أخص من ذلك كون تلك المفسدة في ~~محل الضرورات أو الحاجات أو التتمات، فهذا الطريق يظهر الأجناس العالية ~~والمتوسطة والأنواع السافلة للأحكام والأوصاف من المناسب وغيره، فالإسكار ~~نوع من المفسدة، والمفسدة # جنس له. ويحكى عن علي - رضي الله عنه - أنه قال لما سئل عن حد شارب الخمر ~~إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى عليه حد المفتري. فأخذ علي - ~~رضي الله عنه - مطلق المناسبة، ومطلق المظنة. والأخوة نوع من الأوصاف، ~~والتقدم في الميراث نوع من الأحكام فهو نوع في نوع، وكذلك التقدم في النكاح ~~أو صلاة # PageV01P393 # الجنازة ms330 نوع من الأحكام، فيقاس أحد النوعين على الآخر، وجعلت المشقة جنسا ~~لأنها متنوعة إلى مشقة قضاء الصلاة ومشقة الصوم ومشقة القيام في الصلاة ~~وغير ذلك من أنواع المشاق، فمطلق المشقة جنس، وهو نوع باعتبار الوصف ~~المصلحي أو المناسب، وإسقاط الصلاة عن الحائض نوع من الأحكام، والإسقاطات ~~والرخص بتأثير النوع في النوع مقدم على الجميع؛ لأن الخصوصين قد حصلا فيه: ~~خصوص الوصف وخصوص الحكم، والأخص بالشيء مقدم على الأعم، ولذلك قدمت البنوة ~~في الميراث على الأخوة، والأخوة على العمومة وكذلك قدم ليس النجس على ~~الحرير، فمنع في الصلاة لأنه أخص بالصلاة من الحرير ولأن تحريم الحرير لا ~~يختص بالصلاة فكان تحريم النجس أقوى منه لأنه مختص بها، وكذلك إذا لم يجد ~~المحرم إلا ميتة وصيدا أكل الميتة دون الصيد، لأن تحريم الصيد خاص ~~بالإحرام. # والقاعدة أن الأخص أبدا مقدم، فكما أن النوع في النوع أخص الجميع، فالجنس ~~في الجنس أعم الجميع، والمنقول أن النوع في الجنس والجنس في النوع متساويان ~~متعارضان مقدمان على الرابع لوجود الخصوص فيهما من حيث الجملة، والذي في ~~الأصل ما أرى نقله إلا سهوا، وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، ~~وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين المسألتين لا ~~يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق ~~المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب. # ومن المعلوم أن المصلحة المرسلة أخص من مطلق المناسبة ومطلق المصلحة، لأن ~~مطلق المصلحة قد يلغى كما تقدم في زراعة العنب، فإن المناسبة تقتضي أن لا ~~يزرع سدا لذريعة الخمر، لكن أجمع المسلمون على إلغاء ذلك، وكذلك المنع من ~~التجاور في البيوت خشية الزنا فإنه مناسب، لكن أجمع المسلمون على جواز ~~المجاورة بالنساء في الدور الجامعة وإلغاء هذا المناسب، فالمناسب حينئذ أعم ~~من المرسلة، لأن المرسلة مصلحة يفيد السكوت عنها فهي أخص. # الرابع: الشبه قال القاضي أبو بكر هو الوصف الذي لا يناسب لذاته ويستلزم ~~المناسب لذاته، وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب ms331 في جنس # PageV01P394 # الحكم القريب، والشبه يقع في الحكم كمشابهة العبد المقتول بالحر، أو شبهه ~~بسائر المملوكات. وعند ابن علية # يقع الشبه في الصورة كرد الجلسة الثانية إلى الأولى في الحكم، وعند ~~الإمام التسوية بين الأمرين إذا غلب على الظن أنه مستلزم للحكم، وهو ليس ~~بحجة عند القاضي منا. # مثال الشبه عند القاضي: قولنا في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا ~~تزال به النجاسة كالدهن؛ فقولنا لا تبنى القنطرة على جنسه ليس مناسبا في ~~ذاته، غير أنه مستلزم للمناسب، فإن العادة أن القنطرة لا تبنى على الأشياء ~~القليلة بل على الكثيرة: كالأنهار، والقلة مناسبة لعدم مشروعية المتصف بها ~~من المائعات للطهارة العامة، فإن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة ~~الوجود. أما تكاليف الكل بما لا يجده إلا البعض فبعيد عن القواعد، فصار ~~قولنا لا تبنى القنطرة على جنسه ليس بمناسب، وهو مستلزم للمناسب، وقد شهد ~~الشرع بجنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة، بدليل أن الماء إذا قل ~~واشتدت إليه الحاجة فإنه يسقط الأمر به، ويتوجه التيمم. # قال القاضي أبو بكر في هذا التقسيم: الوصف إن كان مناسبا بذاته فهو ~~المناسب، وإن لم يكن مناسبا في ذاته فلا يخلو ما إن يكون مستلزما للمناسب ~~أو لا. الأول الشبه، والثاني الطردي الملغى إجماعا والعبد المقتول فيه كونه ~~مملوكا والملك حكم شرعي، وكونه آدميا، وهذا وصف حقيقي لا حكم شرعي، فقد حصل ~~فيه الشبهان، فمن غلب شبه الحكم الشرعي وهو مالك والشافعي أوجب فيه قيمته ~~بالغة ما بلغتن وإن زادت على دية الحر، ومن لاحظ شبه الحر وهو الآدمية لم ~~يوجب فيه الزيادة على دية الحر وهو أبو حنيفة وابن علية أوجب الجلسة الأولى ~~قياسا على الثانية في الوجوب بجامع أنها جلسة، وهذا شبه صوري لا حكم شرعي. # قال الإمام فخر الدين: إذا غلب على الظن أن شيئا من هذه الشبهات علة ~~الحكم ومستلزمه له شرعا جعلناه علة كان صورة أو حكما أو غير ذلك عملا بموجب ~~الظن. # PageV01P395 # حجة القاضي: ms332 أن الشبه ليس بحجة لأن الدليل ينفي العمل بالظن مطلقا لقوله ~~تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئا» (1) خالفناه في قياس المناسبة، فبقي ~~قياس الشبه على موجب الدليل، ولأن الصحابة إنما أجمعت على المناسب. أما ~~الشبه فلا نوجب أن يكون حجة. # جوابه: أنه معارض لقوله تعالى: «فاعتبروا» لقوله عليه السلام: «نحن نحكم ~~بالظاهر» وهو يفيد الظن فوجب أن يندرج في عموم النص، ولأنه مندرج في عموم ~~قول معاذ بن جبل أجتهد رأيي، وهذا نوع من الاجتهاد. # الخامس: الدوران، وهو عبارة عن اقتران ثبوت الحكم مع ثبوت الوصف وعدمه مع # عدمه، وفيه خلاف، والأكثرون من أصحابنا وغيرهم يقول بكونه حجة. # مثاله: العنب حين كونه عصيرا ليس بمسكر ولا حرام، فقد اقترن العدم ~~بالعدم، وإذا صار مسكرا صار حراما، فقد اقترن الثبوت بالثبوت، فإذا تخلل لم ~~يكن مسكرا ولا حراما، فقد اقترن العدم بالعدم. فهذا هو الدوران في صورة ~~واحدة وهي الخمر، وقد يقع في صورتين وهو دون الأول. مثاله: أن يدعى وجوب ~~الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح، فنقول الموجب لوجوب الزكاة في ~~النقدين كونهما أحد الحجرين؛ لأن وجوب الزكاة دار مع كونه أحد الحجرين، ~~وجودا وعدما، أما وجودا ففي المسكوك هو أحد الحجرين والزكاة واجبة فيه، ~~وأما عدما فالعقار ليس أحد الحجرين ولا تجب الزكاة فيه، وإنما رجحت الصورة ~~الأولى على هذه، لأن انتفاء الحكم بعد ثبوته في الصورة المعينة يقتضي أنه ~~لم يبق معه ما يقتضيه في تلك الصورة وإلا لثبت فيها. أما إذا انتفى من صورة ~~أخرى غير صورة الثبوت أمكن أن يقال إن موجب الحكم غير الوصف المدعى علة، ~~أما ما ذكرتموه من الوصف لو فرض انتفاؤه لثبت الحكم بذلك الوصف الآخر، فما ~~تعين عدم اعتبار غيره، بخلاف الصورة الواحدة. PageV01P396 # حجة أن الدوران دليل العلية أن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم يغلب ~~على الظن أن المدار علية الدائر، بل قد يحصل القطع بذلك، لأن من ناديناه ~~باسم فغضب ثم سكتنا عنه فزال غضبه ثم ناديناه به ms333 فغضب كذلك مرارا كثيرة، ~~حصل الظن الغالب بأن علة غضبه إنما هو ذلك الاسم الذي ناديناه به. ولذلك ~~جزم الأطباء بالأدوية المسهلة والقابضة وجميع ما يعطونه من المبردات وغيرها ~~بسبب وجود تلك الآثار عند وجود تلك العقاقير وعدمها عند عدمها، فالدوران ~~أصل كبير في أمور الدنيا والآخرة، فإذا وجد بين الوصف والحكم جزمنا بعلية ~~الوصف للحكم، أو نقول بعض الدوران حجة قطعا كدوران قطع الرأس مع الموت في ~~مجرى العادات، فوجب أن يكون جميع الدورانات حجة لقوله تعالى: «إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان» (1) والعدل التسوية، وعدم الاختلاف إحسان للخلق بتوفر ~~خواطرهم عن الفحص عن الفكرة في مدارك الفروق. # حجة المنع: أن بعض الدورانات ليس بحجة، فوجب أن يكون الجميع ليس بحجة إلا ~~ما أجمعنا عليه، أما أن بعض الدورانات ليس بحجة، فإن الجوهر والعرض دائران ~~كل واحد منهما مع الآخر وليس أحدهما علة للآخر، والحكم دائر مع شرطه وجزء ~~علته، وليس أحدهما علة للآخر، وحركات الأفلاك دائرة مع الكواكب وليس أحدهما ~~علة للآخر. وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون فيها شيء حجة، فلأنه لو كان حجة ~~للزم النقض بذلك البعض الآخر والنقض خلاف الدليل. # والجواب: أنا لا ندعي أن الدوران حجة إلا بوصف كونه لا نقطع بعدم عليه، ~~والدوران الموصوف بهذه الصفة لم يوجد في صورة النقض فلا يتجه النقض، لأن من ~~شرط النقض وجود الموجب بجميع صفاتهن وإن لم يوجد فلا نقض، فاندفع السؤال. # السادس: السبر والتقييم. وهو أن يقول إما أن يكون الحكم معللا بكذا أو ~~بكذا والكل باطل إلا كذا فيتعين. PageV01P397 # السبر معناه في اللغة الاختبار ومنه سمي ما يختبر به طول الجرح وعرضه ~~مسبارا، وتقول العرب هذه القضية يسبر بها غور العقل: أي يختبر. والأصل أن ~~نقول التقسيم والسبر، لأنا نقسم أولا ثم نقول في معرض الاختبار لتلك ~~الأوصاف الحاصلة في التقسيم هذا لا يصلح وهذا لا يصلح فتعين هذا، فالاختبار ~~واقع بعد التقسيم، لكن التقسيم لما كان وسيلة للاختبار والاختبار هو ~~المقصد. وقاعدة العرب ms334 تقديم الأهم والأفضل، قدم السبر لأنه المقصد الأهم، ~~وأخر التقسيم لأنه وسيلة أخفض رتبة من المقصد، وهذه الطريقة مفيدة للعلة ~~لأن الحكم مهما أمكن أن يكون معللا لا يجعل تعبدا، وإذا أمكن إضافته ~~للمناسب فلا يضاف لغير المناسب، ولم نجد مناسبا إلا ما بقي بعد السبر، فوجب ~~كونه علة بهذه القواعد. # السابع: الطرد وهو عبارة عن اقتران الحكم بسائر صور الوصف، فليس مناسبا ~~ولا مستلزم للمناسب، وفيه خلاف. # لأنه متى كان مناسبا كان ذلك طريقا آخر غير الطرد، ونحن نقصد أن نثبت ~~طريقا آخر غير المناسبة، وكذلك لا يكون مستلزما للمناسب، إذ لو كان مستلزما ~~للمناسب لكان هو الشبه، ونحن نقصد طريقا غير الشبه. فمجرد الاقتران هو طريق ~~مستقل على الخلاف. # حجة الجواز: أن الحكم لا بد له من علة وليس غير هذا الوصف عملا بالأصل ~~فتعين هذا الوصف نفيا للتعبد بحسب الإمكان، ولأن الاقتران بجميع الصور مع ~~انتفاء ما يصلح للتعليل غير المقترن يغلب على الظن عليه ذلك المقترن والعمل ~~بالراجح متعين. # حجة المنع: أن الأصل لا يعتبر في الشرائع إلا المصالح أو درء المفاسد، ~~فما لم يعلم فيه تحصيل مصلحة ولا درء مفسدة وجب أن لا يعتبر، ولأن الصحابة ~~رضوان الله عليهم إنما نقل عنهم العمل بالمناسب، أما غير المناسب فلا، فوجب ~~بقاؤه على الأصل في عدم الاعتبار. # الثامن: تنقيح المناط، وهو إلغاء الفارق فيشتركان في الحكم. # PageV01P398 # قد تقدم الخلاف في موضوع تنقيح المناط ماذا هل هو إلغاء الفارق أو تعيين ~~العلة من # أوصاف مذكورة؟ والدليل على أنه حجة بهذا التفسير أن الأصل في كل مثلين أن ~~يكون حكمهما واحدا فإذا استوى صورتان ولم يوجد بينهما فارق فالظن القوي ~~القريب من القطع أنهما مستويان في الحكم، ونجد في أنفسنا نم اعتقاد ~~الاستواء في الحكم هنا أكثر مما نجده في الطرد والشبه، والعلم بهذا التفاوت ~~ضروري عند من سلك مسالك الاعتبار والنظر، فوجب كونه دليلا على علية المشترك ~~على سبيل الإجمال، وإن كنا لا نعنيه، بل نجزم بأن ما ms335 اشتركا فيه هو موجب ~~العلة. ### | الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلة # وهو خمسة: الأول النقض وهو وجود الوصف بدون الحكم، وفيه أربعة مذاهب: ~~ثالثها إن وجد المانع في صورة النقض فلا يقدح، وإلا قدح، رابعها إن نص ~~عليها لم يقدح وإلا قدح. # النقض قد يكون على العلة وعلى الحد وعلى الدليل، فوجود الحد بدون المحدود ~~نقض عليه، ووجود الدليل بدون المدلول نقض عليه، والألفاظ اللغوية كلها ~~أدلة، فمتى وجد لفظ بدون مسماه لغة فهو نقض عليه. ويجمع الثلاثة أن تقول في ~~حده: وجود المستلزم بدون المستلزم. # حجة المنع مطلقا: أن الوصف لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صوره عملا ~~به ولم يثبت معه في جميع صوره فلا يكون علة، ولان الوصف من حيث هو هو إما ~~أن يكون مستلزما للعلة أو لا يكون، فإن كان يلزم وجود الحكم معه في جميع ~~صوره، وإن لم يكن كان الوصف وحده ليس بعلة حتى ينضاف إليه غيره والمقدر أنه ~~علة، وهذا خلف. # حجة الجواز مطلقا: أن الموجب للعلية هو المناسبة فالمناسبة تقتضي أنها ~~حيث # PageV01P399 # وجدت ترتب الحكم معها وقد وجد فيما عدا صورة النقض فوجب ثبوت الحكم معها ~~وإن لم يوجد معها في صورة النقض فتكون العلة كالعام المخصوص إذا خرجت عنه ~~بعض الصور بقي حجة فيما عدا صورة التخصيص، سواء عمل بموجب التخصيص أم لا، ~~كذلك هنا. فإن تناول المناسبة لجميع الصور كتناول الدلالة اللغوية لجميع ~~الصور، فهو في الحقيقة تخصيص، ولذلك يقول كثير من الأصوليين والجدليين في ~~النقض: إنه تخصيص للعلة، وهذا هو المذهب المشهور. # حجة الثالث: أن الفرق إذا وجد في صورة النقض كان ذلك الفارق مانعا من ~~ثبوت # الحكم مع العلة في صورة النقض، فكانا لعذر منتهضا في دم ثبوته في صورة ~~النقض، أما إذا لم يوجد فارق كان عدم الحكم في صورة النقض مضافا لعدم علية ~~الوصف لا لقيام المانع، فلا يكون الوصف علة. # حجة الرابع: أن الوصف إذا نص على كونه علة تعين ms336 الانقياد لنص صاحب الشرع ~~وهو أعلم بالمصالح، ولا عبرة بالنقض مع نص صاحب الشريعة بل النص مقدم، أما ~~إذا لم يوجد نص تعين أن الوصف ليس بعلة، لأنه لو كان علة لثبت الحكم معه في ~~جميع صوره وليس فليس. # وجوب النقض إما بمنع وجود الوصف في صورة النقض أو بالتزام الحكم فيها. # لما كان النقض لا يتم إلا بأمرين أحدهما وجود الوصف في صورة النقض ~~والثاني عدم الحكم فيها، كان انتفاء أحد هذين يمنع تحقق النقض فإنه إذا لم ~~يوجد الوصف لا يقال وجد الوصف بدون الحكم، وكذلك إذا وجد الحكم فلك منع ~~وجود الوصف في صورة النقض بأن يعتبر بعض قيود العلة فلا نجده في صورة ~~النقض، والمورد للنقض يحيل أنه موجود فيمنعه حينئذ، مثال قولك في الوقف: ~~عقد نقل، فوجب أن يفتقر للقبول قياسا على البيع. فيقول السائل: يشكل ~~بالعتق، فنقول له لا نسلم أن العتق نقل بل هو إسقاط كالطلاق، والإسقاط لا ~~يقتقر للقبول بخلاف النقل والتمليك ولك منع عدم الحكم في صورة النقض بناء ~~على أحد القولين عندك في مذهبك بناء على الخلاف من حيث الجملة. # PageV01P400 # الثاني: عدم التأثير وهو أن يكون الحكم موجودا مع وصف، ثم يعدم ذلك الوصف ~~ويبقى الحكم، فيقدح، بخلاف العكس وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى ~~فلا يقدح، لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضا. # مثال عدم التأثير: أن تحريم الخمر ثابت مع اللون الخاص للخمر، فإذا تغيرت ~~إلى لون آخر فالتحريم باق، فيعلم أن علة التحريم ليس هو ذلك اللون، والعكس ~~هو عكس النقيض، فإن النقض وجود العلة بدون الحكم والعكس وجود الحكم بدون ~~العلة. مثال النقض تعليل الزكاة بالغنى، فينقض بالعقار الذي فيه الأجرة ~~العظيمة والمنافع الجزيلة مع عدم وجوب الزكاة فيه، فهذا نقض، لأنه وجود ~~العلة التي هي الغنى بدون الحكم الذي هو وجوب الزكاة. # ومثال العكس: تعليل الحد بجناية القذف، فينقض بشرب الخمر أو بغيره فلا ~~يرد، لأن علل الشريعة يخلف بعضها بعضا، وكما لو قال ms337 قائل: الإنزال سبب وجوب ~~الغسل # فينتقض بانقطاع دم الحيض، فإن الغسل واجب ولا إنزال، ولا يرد هذا السؤال، ~~لأن الأسباب يخلف بعضها بعضا وكذلك الأسباب والأدلة. # قال الشيخ سيف الدين الآمدي رحمه الله: يرد سؤال النقض ولا يرد سؤالا ~~لعكس، إلا أن يتفق المناظر أن على اتحاد العلة فيرد النقض والعكس، وكثيرا ~~ما تغلط طلبة العلم في إيراد العكس فيوردونه كما يوردون النقض، وهو غلط كما ~~بينت لك. فقد ظهر الفرق بين النقض والعكس وعدم التأثير، فتأمل ذلك. # الثالث: القلب وهو إثبات النقيض الحكم بعين العلة كقولنا في الاعتكاف لبث ~~في مكان مخصوص، فلا يستقل بنفسه كالوقوف بعرفة، فيكون الصوم شرطا فيه، ~~فيقول السائل لبث في مكان مخصوص فلا يكون الصوم شرطا فيه كالوقوف بعرفة، ~~وهو إما أن يقصد به إثبات مذهب السائل أو إبطال مذهب المستدل فالأول كما ~~سبق، والثاني كما يقول الحنفي ألمح ركن من أركان الوضوء فلا يكفي فيه أقل ~~ما يمكن أصله الوجه، فيقول الشافعي ركن من أركان الوضوء فلا يقدر بالربع ~~أصله الوجه. # القلب: يبطل العلة من جهة أنه معارضة في أنها موجبة لذلك الحكم. فإذا # PageV01P401 # أثبت بها القالب نقيض ذلك الحكم في صورة النزاع استحال إيجابها لذلك ~~الحكم في صورة النزاع، وإلا اجتمع النقيضان في صورة النزاع وهو محال. # ومعنى قوله فيكون الصوم شرطا فيه: معناه أنه إذا لم يستقل بنفسه، وكل من ~~قال إن الاعتكاف لا يستقل بنفسه قال الذي يضاف إليه هو الصوم، فالمقدمة ~~الأولى ثابتة بقياس القلب، والثانية ثابتة بالإجماع، من باب لا قائل بغير ~~ذلك، فلو ثبت أن المضاف غير الصوم لزم خلاف الإجماع. # وأما قول الحنفي: ركن من أركان الوضوء فلا يكفي فيه أقل ما يمكن أصله ~~الوجه، هو الاستدلال على الشافعي لأنه القائل يكفي في الرأس أقل ما يسمى ~~مسحا فيبطل بهذا القلب مذهب الشافعي ولا يثبت مذهب الحنفي في إيجاب مسح ~~الربع من الرأس، بل جاز أن يكون الواقع مذهب مالك وهو إيجاب الجميع، ولا ~~يكفي أقل ms338 ما يمكن من المسح. # وكذلك قول الشافعي لما قلب فلا يقدر بالربع أصله الوجه، لا يلزم من عدم ~~تمثيله بالربع الاكتفاء بأقل ما يمكن، بل جاز أن يكون الواجب مسح الجميع، ~~فليس في هذا القلب إثبات مذهب القالب، بل إبطال مذهب المستدل فقط. # الرابع: القول بالموجب وهو تسليم ما ادعاه المستدل موجب علته مع بقاء ~~الخلاف في صورة النزاع. # أقول بالموجب يدخل في العلل والنصوص وجميع ما يستدل به، ومعناه الذي ~~يقتضيه ذلك الدليل ليس هو المتنازع فيه، وإذا لم يكن المتنازع فيه أمكن ~~تسليمه واستبقاء الخلاف على حاله في صورة النزاع. # مثاله في العلل: قولا لقائل الخيل حيوان يسبق عليه فتجب فيه الزكاة ~~كالإبل: فإن الخيل يسابق عليها كالإبل، يقولا لسائل أقول بموجب هذه العلة، ~~فإن الزكاة عندي واجبة في الخيل إذا كانت للتجارة، فإيجاب الزكاة من حيث ~~الجملة أقول به، إنما النزاع في إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل، ~~فيسلم ما اقتضته العلة، ولم يضره ذلك في صورة النزاع. # ومثاله في النصوص: قول المستدل إن المحرم لا يغسل ولا يمس بطيب، لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - في محرم وقصت به ناقته: «لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم # PageV01P402 # القيامة ملبيا» يقول السائل النزاع ليس في ذلك المحرم الذي ورد فيه النص، ~~وإنما النزاع في المحرمين في زماننا، والنص ليس فيه عموم يتناولهم، إنما هو ~~في شخص مخصوص فلا يضرنا التزام موجبه، وكذلك لو استدل بعضهم على وجوب ~~الزكاة بصورة الإخلاص، فإنا نقول بموجبها الذي هو التوحيد، ولا يلزم من ذلك ~~وجوب الزكاة في صورة النزاع. # الخامس: الفرق وهو إبداء معنى مناسب للحكم في إحدى الصورتين مفقود في ~~الأخرى، وقدحه مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين، لاحتمال أن يكون الفارق ~~أحدهما، فلا يلزم من عدمه عدم الحكم، لاستقلال الحكم بإحدى العلتين. # قولنا: مناسب احتراز من غير المناسب، وقد يكون الشيء لحكم غير الحكم ~~المتنازع فيه. # مثال غير المناسب: أن نقيس الأرز على البر في حكم الربا، فيقول ms339 السائل ~~الفرق بينهما أن الأرز أشد بياضا أو أيسر تقشيرا من سنبله. # مثال المناسب لغير الحكم المذكور: أن نقيس المساقاة على القراض في جواز ~~المعاملة على جزء مجهول، فيقول السائل: الفرق أن الشجر إذا ترك العمل فيها ~~هلكت بخلاف النقدين، وهذا مناسب لأن يكون عقد المساقاة لازما جائزا بخلاف ~~القراض، فإن القول بجوازه يؤدي إلى جواز رده بعد مدة، فيتلف الشجر، أما ~~باعتبار الغرر فلا مدخل لمناسبة هذا الفرق فيه. # مثال المناسب للحكم المذكور أن تقيس الهبة على البيع في منع الغرر فيها، ~~فيقول المالكي الفرق أن البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسة يخل بها الغرر، ~~والهبة إحسان # صرف لا يخل به الغرر، فإن لم يحصل شيء فلا يتضرر الموهوب له، بخلاف ~~المشتري. # قال الإمام فخر الدين: وقدحه في القياس مبني على أن الحكم لا يعلل ~~بعلتين، فإن شأن تعليل الحكم بعلتين أن انفراد أحدهما يوجب ثبوت الحكم وعدم ~~الأخرى لا يضر، كما يقول في تعليل إجبار الأب إنه معلل بالصغر والبكارة، ~~فإن # PageV01P403 # انفردت إحدى العلتين وهي البكارة ثبت الجبر كالمعنسة عل الخلاف، أو الصغر ~~ثبت الجبر كالثيب الصغيرة، أو اجتمعا معا ثبت الجبر كالبكر الصغيرة، فإذا ~~ورد السائل الفرق يقول القائس: فرقك معنى مناسب هو علة أخرى في الأصل مع ~~المشترك بين صورة الأصل وصورة النزاع، وقد اجتمعنا معا في الأصل، فترتب ~~الحكم وانفرد المشترك في صورة النزاع وهو إحدى العلتين، فترتب الحكم عليه، ~~ولا يضر عدم الفارق في صورة النزاع، لأن عدم إحدى العلتين لا يمنع ترتب ~~الحكم، فلذلك قال إن سماع الفرق مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين. غير أن ~~هنا إشكالا وهو أن الجمهور على جواز تعليل الحكم بعلتين، والجمهور على سماع ~~الفرق فيبطل قوله إن سماع الفرق ينافي تعليل الحكم بعلتين. # والجواب: أن الفرق قد يصلح للاستقلال بالعلية، كما نقول في الصغر مع ~~البكارة، وقد لا يصلح للاستقلال، كما يفرق بزيادة المشقة ومزيد الغرر من ~~باب صفة الصفة التي لا تصلح للتعليل المستقل، فما لا ms340 يصلح للاستقلال يمكن ~~أن يسمع مع جواز التعليل بعلتين لأن قول السائل السابق حينئذ لا يتجه وهو ~~الذي قال به الجمهور، وما يصلح للاستقلال لا يمكن إيراده إذا جوزنا التعليل ~~بعلتين، فهذا تلخيص هذا الموضع. ### | الفصل الخامس في تعدد العلل # يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين خلافا لبعضهم نحو وجوب الوضوء ~~على من بال ولامس ولا يجوز بمستنبطتين لأن الأصل عدم الاستقلال فيجعلان علة ~~واحدة. # حجة الجواز في المنصوصتين: أن لصاحب الشرع أن يربط الحكم بعلة وبغير علة ~~ووبعلتين فأكثر، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ثم إن المصالح قد تتقاضى ذلك ~~في وصفين كما قلنا في الصغر والبكارة، فينص الشرع عليهمان وعلى استقلال كل ~~واحد منهما تحصيلا لتلك المصلحة، وتكثيرا لها. # حجة المنع: أنه لو علل بعلتين لاجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان ~~وهو # محال، وإلا لاستغنى بكل واحد منهما على كل واحد منهما فيلزم، # PageV01P404 # أن يقع بهما في حالة عدم وقوعه بهما، وأن لا يقع بهما حالة وقوعه بهما، ~~وهو جمع بين النقيضين، لأن الوقوع بكل واحد منهما سبب عدم الوقوع من الآخر ~~فلو حصل العلتان وهو الوقوع بهما لحصل المعلولان وهو عدم الوقوع بهما، ولأن ~~تعليل الحكم بعلتين يفضي غلى نقض العلة وهو خلاف الأصل. # بيانه: أنه إذا وجدت إحدى العلتين ترتب عليها الحكم، فإذا وجدت الأخرى ~~بعدها لا يترتب عليها شيء، فقد وجدت العلة الثانية بدون الترتيب لتقدم ~~الترتيب عليها بناء على العلة الأخرى، فيلزم وجود العلة بدون وجود مقتضاها، ~~وهو نقض عليها. # والجواب: عن الأول (1) أن علل الشرع معرفات لا مؤثرات، والمحال المذكور ~~إنما يلزم من المؤثرات، ويجوز اجتماع معرفين فأكثر على مدلول واحد كما يعرف ~~الله تعالى وصفاته العلية بكل جزء من أجزاء العالم. # وعن الثاني: أن النقض لقيام المانع لا يقدم في العلة كما تقدم في النقض ~~فيقول به، هذا في المنصوصتين، أما المستنبطتان فلا سبيل إلى التعليل بهما، ~~لأن الشرع إذا ورد بحكم مع أوصاف مناسبة وجب جعل كل واحد منهما جزء ms341 علة لا ~~علة مستقلة، لأن الأصل عدم الاستقلال حتى ينص صاحب الشرع على استقلالهما، ~~أو أحدهما فيستقل. ### | الفصل السادس في أنواعها # وهي أحد عشر نوعا الأول التعليل بالمحل فيه خلاف، قال الإمام فخر الدين ~~إن جوزنا أن تكون العلة قاصرة جوزناه كتعليل الخمر بكون خمرا أو البر يحرم ~~الربا فيه لكونه برا. # والعلة القاصرة هي العلة التي لا توجد في غير محل النص، كوصف البر والخمر ~~إذا قلنا إن الخمر خاص بما عصر من العنب على صورة خاصة، والخلاف ~~PageV01P405 # في العلة القاصرة هو مع الحنفية منعوها وأجازها الجمهور، غير أن الفرق ~~بين المحل والعلة القاصرة من حيث الصورة والمعنى لا من حيث جواز التعليل أن ~~العلة القاصرة قد تكون وصفا اشتمل عليه محل النصر لم يوضع اللفظ له، والمحل ~~ما وضع اللفظ له، كوصف البرية مثلا إذا قيل إن # البر اشتمل على نوع من الحرارة والرطوبة لاسم به مزاج الإنسان ملاءمة لا ~~تحصل بين الإنسان والأرز، فإن الأرز حار يابس يبسا شديدا ينافي مزاج ~~الإنسان، فحرم الربا في البر، ومنع بدل واحد منه باثنين لأجل هذه الملاءمة ~~الخاصة التي لا توجد في غير البر، فهذا علة قاصرة لا محل، وأما وصف البرية ~~بما هي برية فهو المحل، فلذلك حسن من الإمام تخريج التعليل بالمحل على ~~التعليل بالعلة القاصرة، ولو كان شيئا واحدا لم يحسن التخريج ولا التفريع، ~~إذا ظهر لك الفرق بينهما فكل ما يذكر في العلة القاصرة من الحجاج بين ~~الفريقين نفيا وإثباتا فهو بعينه ههنا، فيكتفى بذلك عن ذكره ههنا. # الثاني: الوصف إن لم يكن منضبطا جاز التعليل بالحكمة وفيه خلاف، والحكمة ~~هي التي لأجلها صار الوصف علة، كذهاب العقل الموجب لجعل الإسكار علة. # ومن الحكمة اختلاط الأنساب، فإنه سبب جعل وصف الزنا سبب وجوب الجلد، ~~وكضياع المال الموجب لجعل وصف السرقة سبب القطع. # حجة الجواز: أن الوصف إذا جاز التعليل به فأولى بالحكمة، لأنها أصله، ~~وأصل الشيء لا يقصر عنه، ولأنها نفس المصلحة والمفسدة وحاجات الخلق، وهذا ms342 ~~هو سبب ورود الشرائع، فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على الفرع. # حجة المنع: أنه لو جاز التعليل بالحكمة لما جاز التعليل بالوصف، لأن ~~الأصل يعدل عنه إلى فرعه إلا عند تعذره، والحكمة ليست متعذرة، فلا يجوز ~~العدول عنها فيعلل بها، ومتى علل بها سقط التعليل بالوصف، فظهر أنه لو صح ~~التعليل بالحكمة لامتنع التعليل بالوصف، لكن المنع من الوصف خلاف إجماع ~~القائسين ولأنه لو جاز التعليل بالحكمة (1) للزم تخلف الحكم عن علة وهو ~~خلاف الأصل بيانه أن وصف الرضاع سبب حرمة النكاح، وحكمته أن جزء ~~PageV01P406 # المرأة صار جزءا للرضيع، لأن لبنها جزؤها صار لحما للجنين، فأشبه منها ~~الذي صار جزءا للجنين، فكما أن ولد الصلب حرام فكذلك ولد الرضاع، وهو سر ~~قوله عليه الصلاة والسلام: «الرضاع لحمه كلحمة النسب» إشارة إلى الجزئية، ~~فإذا كانت هذه هي الحكمة، فلو أكل الجنين قطعة من لحم امرأة فقد صار جزؤها ~~جزأه، فكان يلزم التحريم ولم يقل به أحد، وكذلك إذا كانت الحكمة في وصف ~~الزنا اختلاط الأنساب، فإذا أخذ رجل صبيانا صغارا وفرقهم إلى حيث لم يرهم ~~آباؤهم حتى صاروا رجالا ولم يعرفهم آباؤهم، فاختلطت أنسابهم حينئذ، فينبغي ~~أن يجب عليه حد الزنا لوجود حكمة وصف الزنا، لكنه خلاف الإجماع، فعملنا أنه ~~لو جاز التعليل بالحكمة للزم # النقض وهو خلاف الأصل، فلا يجوز التعليل بالحكمة وهو المطلوب. # والثالث: يجوز التعليل بالعدم خلافا لبعض الفقهاء، فإن عدم العلة علة ~~لعدم المعلول. # حجة المنع: أن العدم نفي محض لا تمييز فيه، وما لا تمييز فيه لا يمكن ~~جعله علة، فإن العلة فرع التمييز، ولأن العلة وصف وجودي لأنها نقيض أن لا ~~علية المحمولة على العدم وأن لا علية عدم، فتكون العلة وجودية، والوصف ~~الوجودي لا يقوم بالعدم ولا المعدوم، وإلا لزمنا الشك في وجود الأجسام، ~~لأنا لا نرى من العالم إلا أعراضه، فإذا جوزنا قيام الصفات الوجودية ~~بالمعدوم، جوزنا أن تكون هذه الألوان قائمة بالمعدوم فلا نجزم بوجود شيء من ~~أجزاء العالم وهو خلاف الضرورة. ms343 # والجواب عن الأول: أن العدم الذي يقع التعليل به لا بد أن يكون عدم شيء ~~بعينه فهو عدم متميز فيصح التعليل به، كما تقول عدم علة التحريم علة ~~الإباحة في جميع موارد الشريعة، لأن الإسكار علة التحريم والتنجيس، فإذا ~~عدم ثبت التطهير والإباحة وعن الثاني: أن قولنا لا علية، حرف سلب دخل على ~~اسم سلب، لأن العلية عندنا نسبة وإضافة، والنسب والإضافات عدمية عندنا، ~~والسلب إذا دخل على السلب صار ثبوتا فلا عليه ثبوت لا سلب، فلا يتم مقصودكم ~~فتكون العلية عدمية، فأن نقيضها ثبوت. # الرابع: المانعون من التعليل بالعدم امتنعوا من التعليل بالإضافات لأنها ~~عدم. # PageV01P407 # النسب والإضافات كالأبوة والبنوة، والتقديم والتأخير، والمعية، والقبلية ~~والبعدية وجودية عند الفلاسفة عدمية عندنا، غير أن وجودها ذهني فقط، فهي ~~موجودة في الأذهان لا في الأعيان، والأوصاف العدمية عدم مطلقا في الذهن ~~والخارج، فهذا هو الفرق بينهما، واستوى القسمان في العدم في الخارج فلذلك ~~من منع هناك منع هنا. # الخامس: يجوز التعليل بالحكم الشرعي للحكم الشرعي خلافا لقوم، كقولنا نجس ~~فيحرم. # حجة الجواز: أن علل الشرع معرفات، فللشارع أن ينصب حكما على حكم آخر كما ~~ينصب النجاسة التي هي حكم شرعي على تحريم البيع أو الأكل الذي هو حكم شرعي. # حجة المنع: أن الحكم شأنه أن يكون معلولا، فلو صار علة لانقلبت الحقائق ~~ولأن الحكمين متساويان في أن كل واحد منهما حكم شرعي، فليس جعل أحدهما علة ~~للآخر أولى من العكس. # والجواب عن الأول: ليس في ذلك قلب الحقائق، بل يكون ذلك الحكم معلولا ~~لعلته # وعلة معرفة الحكم آخر غير علته فإن ادعيتم أن شأن الحكم أن لا يكون علته ~~البتة فهذا محل النزاع. وعن الثاني: أن المناسبة تعين أحدهما للعلية والآخر ~~للمعلولية، كما تقول نجس فيحرم، وطاهر فيجوز به الصلاة، فإن النجاسة مناسبة ~~للتحريم، والطهارة مناسبة لإباحة الصلاة، فما وقع الترجيح إلا بمرجح، ولو ~~عكس هذا وقيل لا يجوز بيعه فيحرم لم ينتظم، فإنه قد يحرم بيعه لغصبه أو ~~لعجز عن تسليمه أو ms344 غير ذلك. # السادس: يجوز التعليل بالأصواف العرقية كالشرف والخسة، بشرط اطرادها ~~وتميزها عن غيرها. # أما الجواز: فإن الشرف يناسب التكريم والتعظيم وتحريم الإهانة ووجوب ~~الحفظ، والخسة: تناسب ضد هذه الأحكام من تحريم التعظيم وإباحة الإهانة، ~~فهذا وجه جواز التعليل بها، وأما اشتراط اطرادها فإن ذلك الحكم إذا لم يوجد ~~في جميع صور ذلك الوصف ويوجد الحكم بدونه ومعه فهو عدم التأثير، وهو يدل ~~على عدم اعتبار ذلك الوصف، وأما التمييز فلأن التعليل بالشيء فرع تمييزه عن ~~غيره، لأن الحكم يعتمد التصور. # PageV01P408 # السابع: يجوز التعليل بالعلة المركبة عند الأكثرين كالقتل العمد العدوان. # حجة الجواز: أن المصلحة قد لا تحصل إلا بالتركيب، فإن الوصف الواحد قد ~~يقصر، كما تقول إن وصف الزنا لا يستقل بمناسبة وجوب الحد إلا بشرط أن يكون ~~الواطئ عالما بأنها أجنبية، فلو جهل ذلك لم يناسب وجوب الحد، وكذلك القتل ~~وحده لا يناسب وجوب القصاص حتى يضاف إليه العمد العدوان. # حجة المنع: أن القول بتركيب العلة الشرعية يفضي إلى نقض العلة العقلية. ~~بيانه أن القاعدة العقلية إن عدم جزء المركب علة لعدم ذلك المركب، فإذا ~~فرضنا علة شرعية مركبة أو عقلية فعدم جزء منها فلا شك أن ذلك المركب يعدم ~~وتعدم تلك العلية تبعا له، فإذا عدم جزء آخر بعد ذلك لم يترتب عليه عدم ذلك ~~المركب ولا تلك العلية لتقدم ذلك على عدمه، وإلا لزم تحصيل الحاصل، فقد ~~وجدت العلة العقلية بدون أثرها وهو نقض العلة العقلية وهو محال. # فإن قلت: هذا يقتضي أن لا يوجد مركب في العالم وهو خلاف الضرورة. # قلت: لا معنى للمركب في الخارج إلا تلك الأجزاء، والمجموع إنما هو صورة ~~ذهنية، أما العلية فهي حكم شرعي خارجي عرض لذلك المركب فافترقا. # والجواب: أن نقض العلة العقلية غير لازم، لأنه إذا عدم جزء من الثلاثة ~~عدمت الثلاثة والباقي بعد ذلك هو جزء الاثنين لا جزء الثلاثة، فإذا عدم أحد ~~الاثنين الباقيين الآن # يعدم مجموع الاثنين، فعدمه علة لعدم الاثنين لا لعدم الثلاثة لأن ms345 عدم ~~الباقي ليس جزء الثلاثة؛ فإن جزئية الثلاثة أمر نسبي يذهب عند ذهاب أحد ~~الطرفين وهو الثلاثة. # الثامن: يجوز التعليل بالعلة القاصرة عند الشافعي وأكثر المتكلمين خلافا ~~لأبي حنيفة وأصحابه إلا أن تكون منصوصة، لأن فائدة التعليل عند الحنفية ~~التعدية للفرع وقد انتفت. وجوابهم: بقي سكون النفس للحكم والاطلاع على ~~مقصود الشرع فيه. # قال القاضي عبد الوهاب بالقاصر، قال أصحابنا وأصحاب الشافعي وانبنى على ~~ذلك تعليل الذهب والفضة بأنهما أصول الأثمان والمتمولات، ومنعها أكثر ~~العراقيين، وفضل بعضهم بين المنصوصة والمستنبطة، فمنع المستنبطة، إلا أن ~~ينعقد فيها إجماع. # PageV01P409 # حجة المنع مطلقا: أن القاصرة غير معلومة من طريقة الصحابة رضوان الله ~~عليهم فلا تثبت، لأن القياس وتفاريعه إنما يتلقى من الصحابة، ويلزم من عدم ~~المدرك عدم الحكم. # حجة من فصل بين المنصوصة وغيرها: أن النص تعبد من الشارع يجب تلقيه ~~بالقبول أما استنباطنا نحن فلا يجوز أن يكون إلا للتعدية. # والجواب عن الأول: أن المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم الفحص عن حكم ~~الشريعة وأسرارها بحسب الإمكان، ومن حكمة الشريعة الاطلاع على حكم الشرع في ~~الأصل، فيكون ذلك أدعى لطواعية العبد وسكون نفسه للحكم. # وعن الثاني: أنا نستنبط لما تقدم من الفوائد، ولأنه قد يجتمع في الأصل مع ~~القاصرة وصف متعد، والحكم منفي عنه بالإجماع، فيكون ذلك الوصف المتعدي إنما ~~ترك لأجل عدم القاصرة، فإن عدم العلة علة لعدم المعلول، فإن لم يعتبر ~~القاصرة يكون المتعدي قد ترك بلا معارض. وهذه فائدة أخرى في اعتبار ~~القاصرة. # التاسع: اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم العاشر، اختار الإمام أنه ~~لا يجوز التعليل بالأوصاف المقدرة خلافا لبعض الفقهاء كتعليل العتق عن ~~الغير بتقدير الملك. # أما الاسم بمجرده فلأنه طردي محض والشرائع شأنها رعاية المصالح ومظانها ~~أما ما لا يكون مصلحة ولا مظنة لمصلحة فليس دأب الشارع اعتبارهن وأما ~~المقدرات فقد اشتد نكير الإمام فخر الدين عليها، وأنها من الأمور التي لا ~~يجوز أن تعتقد في الشرائع، وأنكر كون الولاء للمعتق عن الغير معللا بتقدير ms346 ~~الملك له، وأنكر تقدير الأعيان في الذمة، وأنها لا تتصور. # واعلم أن المقدرات في الشريعة لا يكاد يعرى عنها باب من أبواب الفقه، وقد ~~بسطت ذلك في كتاب الأمنية. وكيف يتخيل عاقل أن المطالبة تتوجه على أحد بغير ~~أمر مطالب به، # وكيف يكون الطالب بلا مطلوب؟! وكذا المطلوب يمتنع أن يكون معينا في السلم ~~وإلا لما كان سلما، فيتعين أن يكون في الذمة، ولا نعني بالتقدير إلا هذا، ~~وكيف صح العقد على أردب من الحنطة وهو غير معين ولا مقدر في الذمة، فحينئذ ~~هذا عقد بلا معقود عليه، بل لفظ بلا معنى، وكذلك إذا باعه # PageV01P410 # بثمن إلى أجل هذا الثمن غير معين، فإذا لم يكن مقدرا في الذمة كيف يبقى ~~بعد ذلك ثمن يتصور، وكذلك الإجارة لا بد من تقدير منافع في الأعيان حتى يصح ~~أن يكون مورد العقد، إذ لولا تخيل ذلك فيها امتنعت إجارتها ووقفها وعاريتها ~~وغير ذلك من عقود المنافع، وكذلك الصلح على الدين وغيره لا بد من تخيل ~~المصالح عليه حتى يقابل بالطرف الآخر ويكون متعلق عقد الصلح، وإذا لم يقدر ~~الملك للمعتق عنه كيف يصلح القول ببراءة ذمته من الكفارة التي أعتق عنها ~~وكيف يكون له الولاء في غير عبد يملكه وهو لم يملكه محققا؟! فتعين أن يكون ~~مقدرا، وكذلك لا يكون يعرى باب من أبواب الفقه عن التقدير، فإنكار الإمام ~~منكر، والحق التعليل بالمقدرات. # الحادي عشر: يجوز تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي ولا يتوقف على وجود ~~المقتضى عند الإمام خلافا للأكثرين في التوقف وهذا هو تعامل انتفاء الحكم ~~بالمانع فهو يقول المانع هو ضد علة الثبوت والشيء لا يتوقف على ضده. # وجوابه: أنه لا يحسن في القادة أن يقال للأعمى أنه لا يبصر زيدا للجدار ~~الذي بينهما، وإنما يحسن ذلك في البصير. # مدرك الجماعة العوائد والشرائع، أما العوائد فكما تقدم في الضرير ونحوه، ~~أما الشرائع فلا نقول في الفقير إنه لا يجب عليه الزكاة لأن عليه دينا، ~~وإنما نقول لأنه فقير، ولا نقول في ms347 الأجنبي إنه لا يرث لأنه عبد بل لأنه ~~أجنبي. # وأما حجة الإمام: فلأن المانع ضد المقتضى، وأحد الضدين لا يكون شرطا في ~~الآخر، لأن من شرط الشرط إمكان اجتماعه مع المشروط والضد لا يمكن اجتماعه ~~مع ضده. # والجواب عنه: أن المانع ليس ضد المقتضى، بل أثره ضد أثره، فالتضاد بين ~~الأثرين لا بين المؤثرين، فالدين والنصاب لا تضاد بينهما فيكون مديونا وله ~~نصاب من غير منافاة، لكن أثر الدين عدم وجوب الزكاة، واثر النصاب وجوب ~~الزكاة، والزكاة وعدمها متناقضان، ونحن لم نقل بأن أحد الأثرين شرطا في ~~الآخر بل نفينا أحد الأثرين جزما، وإنما قلنا أحد المؤثرين شرط في الآخر ~~فأين أحد البابين من الآخر؟!. # PageV01P411 ### | الفصل السابع فيما يدخل القياس # وهو ثمانية أنواع: الأول اتفق أكثر المتكلمين على جوازه في العقليات ~~ويسمونه إلحاق الغائب بالشاهد. # جعلوا الجامع في إلحاق الغائب بالشاهد أربعة: الجمع بالحقيقة كقولنا ~~حقيقة العالم من قام به العلم والله تعالى عالم فيقوم به العلم. والجمع ~~بالدليل كقولنا الإتقان في الشاهد دليل العلم، والله تعالى متقن لأفعاله ~~فيكون عالما. والجمع بالشرط كقولنا العلم في الشاهد مشروط بالحياة، والله ~~تعالى عالم فيكون حيا، والجمع بالعلة كقولنا العلم في الشاهد علة للعالمية ~~والله تعالى له علم فيكون عالما. وكثير من مباحث أصول الدين مبني على قياس ~~الشاهد على الغائب. # حجة المنع أن صورة المقيس إذا كانت بعينها صورة المقيس عليه فهما واحد ~~ولا قياس حينئذ، وإن تغايرا فلكل واحد منهما تعين، فلعل تعين الأصل شرط ~~ولأجل ذلك صح ثبوت الحكم للأصل، وتعين الفرع مانعا ولا يثبت الحكم ومع ~~الاحتمال لا يتعين، والمطلوب بهذا القياس التعين. # والجواب: أن العقل قد يقطع بسقوط الخصوصيات عن الاعتبار، كما تقول: إن ~~اللون الذي قام بزيد مفتقر للجوهر، وكذلك الجماد والنبات، وإن خصوصية ~~الحيوان والجماد والنبات لا مدخل له في افتقار اللون للمحل لا شرطا ولا ~~منعا ولا موجبا، بل ذلك لذات اللون من حيث هو لون، وكذلك علم زيد إنما هو ~~مشروط بالحياة لأنه ms348 علم لا بخصوص محل، ونحن إنما نقيس فيما هذا شأنه فاندفع ~~الاحتمال وحصل القطع باستواء الموضعين في العلم. # الثاني: اختار الإمام وجماعة جواز القياس في اللغات، وقال ابن جني هو قول ~~أكثر الأدباء خلافا للحنفية وجماعة من الفقهاء. # قال سيف الدين الآمدي: لا يجوز القياس في اللغات، وقال بعضهم: جميع # PageV01P412 # اللغات اليوم ثابتة بالقياس؛ لأن العرب إنما وضعت أسماء الأجناس للأعيان ~~التي شاهدوها، فإذا هلكت تلك الأعيان وجاءت أعيان أخرى فإنما يطلق عليها ~~الاسم بالقياس، فلفظ الفرس وغيره من الحيوانات اليوم إنما يطلق بالقياس ~~وهذا غلطن فإن العرب إنما وضعت لما تصورته بعقولها لا لما شاهدته بأبصارها ~~والمتصور في العقل موجود في الأشخاص الماضية والحاضرة على حد واحد، فمفهوم ~~الفرس المعقول هو الموضوع له، ويصير معنى ذلك أن # الواضع قال كل ما ينطبق عليه هذه الصورة الذهنية هو المسمى بالفرس عندي، ~~وكذلك بقية أسماء الأجناس. ولم يوضع لما في الخارج من المشاهد بالبصر إلا ~~أعلام الأشخاص دون أعلام الأجناس، فهذا ذكره الشيخ أبو إسحق في اللمع، ~~وعلته ما ترى إنما القياس في اللغة مثل كون العرب وضعت السرقة لأخذا لمال ~~على صورة مخصوصة، حتى فرقت بين الغاصب والمحارب والجاحد والخائن والمختلس ~~والسارق، فحينئذ السرقة موضوعة لشيء مخصوص، فهل يسمى النباش للقبور سارقا ~~لأجل مشابهته للسارق أو يسمى اللائط زانيا لمشابهته للزاني؟ هذا موضع ~~الخلاف. # حجة المنع: أنه لو صح القياس لبطل المجاز خصوصا المستعار، فإن المشابهة ~~هي علاقته، فحينئذ إن أرادوا بالقياس أنه يصير حقيقة بطل هذا المجاز كله ~~وقد أجمعنا على ثبوته، وإن أرادوا جواز الإطلاق على سبيل المجاز فهو متفق ~~عليه فعلم بأن القول بالقياس لا سبيل إليه، ولأن الأبلق يقال للفرس لاجتماع ~~السواد والبياض فيهن ولا يقال ذلك لغيره من الحيوانات، فلو كان القياس ~~سائغا لساغ ذلك، لكن أهل اللغة منعوه، وكذلك القارورة تقال للزجاجة لأجل ما ~~يستقر فيها، ولا يقال ذلك للنهر ولا لغيره وإن استقرت فيه المائعات. # حجة الجواز: أن الفاعل يرفع في زماننا والمفعول ms349 ينصب وغير ذلك من ~~المعمولات وذلك في أسماء لم يسمعها العرب من الأعلام وغيرها، فلا يمكن أن ~~يقال ذلك بالوضع لأن العرب لم تسمع هذه الأسماء، والوضع، فرع التصور، ~~فيتعين أن يكون القياس. # والجواب: أن ذلك بالوضع، والعرب لما وضعت الفاعل ورفعته لم تضعه لشيء ~~بعينه بل للحقيقة الكلية، وتلك الحقيقة الكلية هو كونه مسند إليه للفعل وما ~~في معنى الفعل من اسم الفاعل ونحوه، وذلك موجود في جميع هذه الصور، فلا جرم ~~صح الإطلاق، وكان عربيا حقيقة لا مجازا ولا قياسا. # PageV01P413 # الثالث: المشهور أنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب كقياس اللواط على ~~الزنا في وجوب الحد، لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس إنه موجب للعبادة ~~كغروبها. # حجة الجواز: أن السببية حكم شرعي فجاز القياس فيها كسائر الأحكام، ولأن ~~السبب إنما يكون سببا لأجل الحكمة التي اشتمل عليها، فإذا وجدت في غيره وجب ~~أن يكون سببا تكثيرا لتلك الحكمة. # حجة المنع: أن الحكمة غير منضبطة لا، ها مقادير من الحاجات، وإنما ~~المنضبطة الأوصاف، ولذلك إنما ترتب الحكم على سببه وجدت حكمة أم لا، بدليل ~~أنا نقطع بالسرقة # وإن لم يتلف المال بأن وجد مع السارق، ونحد الزاني وإن لم يختلط نسب بل ~~تحيض ولا يظهر حبل، فعلمنا أن الحكمة إنما هي مرعية في الجملة، والمعتبر ~~إنما هو الأوصاف، فإذا قسنا فإنما نجمع بالحكمة وهي غير منضبطة، والجمع ~~بغير المنضبط لا يجوز. # الرابع: اختلفوا في جواز دخول القياس في العدم الأصلي، قال الإمام والحق ~~أنه يدخله قياس الاستدلال بعدم خواص الشيء على عدمه دون قياس العلة، وهذا ~~بخلاف قياس الإعدام فإنه حكم شرعي. # العدم الأصلي كعدم صلاة سادسة، وعدم وجوب صوم شهر غير رمضان، ونحوه. # حجة الجواز: أنه يمكن أن يقال إنما لم يجب الفعل الفلاني لأنه فيه مفسدة ~~خالصة أو راجحة، وهذا الفعل مشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة، فوجب أن لا ~~يجب. # حجة المنع: أن العدم الأصلي ثابت مستمر بذاته، وما هو مستمر بذاته يستحيل ~~إثباته ms350 بالغير، ولا يمكن إثباته بالقياس. # حجة الإمام أن العلة إنما تكون في المعاني الموجودة، والعدم نفي محض فلا ~~يتصور فيه العلل. # وجوابه: ما تقدم أن العدم قد يعلل بدرء المفسدة، كما تقول إنما لم يبح ~~الله تعالى الزنا ونحوه لما فيه من المفاسد، وأما الإعدام فهو رفع الحكم ~~بعد ثبوته، ولا شك أن رفع الثابت يحتاج إلى رافع، بخلاف تحقق ما هو محقق ~~فإنه يلزم منه تحصيل الحاصل، فظهر الفرق بين العدم والإعدام. # PageV01P414 # الخامس قال الجبائي (1) والكرخي لا يجوز إثبات أصولا لعبادات بالقياس. # حجة المنع: أن الدليل ينفي العمل بالظن، خالفناه في إثبات فرع العبادات ~~بالقياس فيبقى على مقتضى الدليل في أصولها. والفرق أن أصل العبادة أمر مهم ~~في الدين، فيكون بالتنصيص من جهة صاحب الشرع لاهتمامه به. والفرع بعد ذلك ~~ينبه عليه أصله فيكفي فيه القياس. # حجة الجواز: أن الشريعة غذا وجد فيها أصل عبادة لنوع من المصالح، ووجد ~~ذلك النوع من المصالح في فعل آخر وجب أن يكون مأمورا به عبادة، قياسا على ~~ذلك النوع # الثابت بالنص تكثيرا للمصلحة، والأدلة الدالة على القياس لم تفرق بين ~~مصلحة ومصلحة، وما ذكرتموه من الفرق معارض بأن مصلحة أصل العبادة إما أعظم ~~من مصلحة الفرع أو مثلها، لأن الأصل لا يكون أضعف من فرعه، وعلى كل تقدير ~~وجب القول بالقياس تحصيلا لتلك المصلحة التي هي أعظم بطريق الأولى، أو ~~المصلحة المساوية، لأن حكم أحد المثلين حكم الآخر. # السادس: يجوز عند ابن القصار والباجي والشافعي جربان القياس في المقدرات ~~والحدود والكفارات خلافا لأبي حنيفة وأصحابه لأنها أحكام شرعية. # حجة المنع: أن المقدرات كنصب الزكوات والحدود كجلد الزاني مائة والكفارات ~~كصيام ثلاثة أيام لا يعقل معنى هذه الحدود دون ما هو أقل منها كتسعة عشر ~~دينارا في الزكاة، وتسعة وتسعين سوطا أو يمين أو أحد وستين في كفارة ~~الطهارة مثلا، وما لا يعقل معناه يتعذر القياس فيه. # والجواب: أنا إنما نقول بالقياس حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم ~~فحيث تعذر ذلك وكان ms351 تعبدا فإنا لا نقيس، فلا يرد علينا مواطن التعبد. # السابع: يجوز القياس عند الشافعي على الرخص، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه. # حكى المالكية عن مذهب مالك قولين في جواز القياس على الرخص، PageV01P415 # وخرجوا على القولين فروعا في المذهب، منها ليس خف على خف وغير ذلك. # حجة المنع: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بالقياس عليها يؤدي إلى كثرة ~~مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز. # حجة الجواز: أن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك ~~الدليل عملا بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب الشرع وهو مقتضى ~~الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في صورة وجب أن ~~يخالف الدليل بها أيضا عملا برجحانها، فنحن حينئذ كثرنا من موافقة الدليل ~~لا مخالفته. # الثامن: لا يدخل القياس فيما طريقه الحلقة والعادة كالحيض، وفيما لا ~~يتعلق به عمل كفتح مكة عنوة، ونحوه. # لا يمكن أن نقول فلانة تحيض عشرة أيام وينقطع دمها وجب أن تكون الأخرى ~~كذلك قياسا عليها فإن هذه الأمور تتبع الطباع والأمزجة والعوائد في ~~الأقاليم. فرب إقليم يغلب عليه معنى لا يغلب على غيره من الأقاليم، وأما ~~فتح مكة عنوة فإن أريد به أنه وجب أن يكون الواقع العنوة في دمشق كما وقعت ~~في بلد علم أنه عنوة فهذا صحيح، فإن العنوة # تتبع أسبابها، ولا يمكن إثبات عنوة ولا صلح بالقياس، وإن أريد أن العنوة ~~ليس فيها حكم شرعي فليس كذلك، بل لنا أن نثبت العنوة أحكاما شرعية بالقياس ~~كالحبس في الأراضي وغيرها من الإجارات والشفعات وصحة القسمة والإرث وغير ~~ذلك، فقد قال مالك إن أرض العنوة يمتنع فيها جميع ذلك، وقال الشافعي يجوز ~~فيها جميع ذلك، فهذا تعلق به أحكام شرعية أمكن التمسك في بعضها بالقياس إذا ~~وجد جامع يقتضيه، غير أن الإمام فخر الدين أطلق القول في ذلك، والحق في ~~التفصيل. # PageV01P416 ### | الباب الثامن عشر في التعارض والترجيح # وفيه خمسة فصول ### | الفصل الأول هل يجوز تساوي الأمارتين # اختلفوا هل يجوز تساويا لأمارتين فمنعه الكرخي وجوزه الباقون والمجوزون ms352 ~~اختلفوا فقال القاضي أبو بكر هنا وأبو علي وأبو هاشم بتخير ويتساقطان عند ~~بعض الفقهاء، قال الإمام إن وقع التعارض في فعل واحد باعتبار حكمين فهذا ~~متعذر وإن وقع في فعلين والحكم واحد كالتوجه إلى جهتين للكعبة فيتخير، قال ~~الباجي في القسم الأول إذا تعارضا في الأقطار والإباحة تخير، وقال الأبهري ~~يتعين الحظر بناء على أصله أن الأشياء عن الحذر، وقال أبو الفرج يتعين ~~الإباحة بناء على أصله أن الأشياء على الإباحة، فالثلاثة رجعوا إلى حكم ~~العقل بناء على أصولهم. # حجة منع تساويهما: أن الظنون لها مراتب تختلف باختلاف حكم العقول ~~والسجايا ولكن العقول والسجايا غير منضبطة المقدار، فما نشأ عنها غير منضبط ~~المقدار فيتعذر تساوي الأمارتين. # حجة الجواز: أن الغيم الرطب المشف في زمن الشتاء يستوي العقلاء أو عاقلان ~~فقط في موجبه وما يقتضيه حاله، وكذلك الجدار المتداعي للسقوط لا بد أن ~~يجتمع في العالم اثنان على حكمه، وإن خالفهم الباقون فيحصل المقصود فإنا لا ~~ندعي وجوب التساوي بل جواز التساوي وذلك كاف فيما ذكرناه. # حجة القول بالتخير: أن التساوي يمنع الترجيح، والعلم بالدليل الشرعي واجب # PageV01P417 # بحسب الإمكان فإن خيرناه بينهما فقد أعملنا الدليل الشرعي من حيث الجملة، ~~بخلاف إذا قلنا بالتساقط فإنه إلغاء بالكلية. # حجة التساقط: أنا إن خيرناه فقد أعملنا دليل الإباحة، والتقدير أنها ~~متساوية لأمارة الحظر فيلزم الترجيح من غير مرجح، ولأنهما إذا تعارضا لم ~~يحصل في نفس المجتهد ظن، وإذا فقد الظن والعلم حرمت الفتيا. # والجواب عن الأول: أنا لا نسلم أنه ترجيح لأمارة الإباحة # من حيث هي أمارة إباحة بل هذا التخيير نشأ عن التساوي لا عن أمارة ~~الإباحة، وقد يشترك المختلفان في لازم واحد، ولم يلزم الترجيح من غير مرجح. ~~وعن الثاني: أن اعتبار ظن أحدهما عينا منفي أما ظن التخيير الناشئ عن ~~التساوي فلا نسلم أنه غير حاصل. وقول الإمام هذا متعذر في حكمين في فعل وحد ~~ليس كما قال، بل المتعذر ثبوت حكمين لفعل واحد من وجه واحد، أما ثبوتهما له ms353 ~~من وجهين فليس كذلك، كالصلاة في الدار المغصوبة حرام وواجبة، وأيسر من ذلك ~~تعارض الأمارتين فإنا لم نقل بمقتضاها بل قلنا اقتضيا حكمين متعارضين، فلو ~~امتنع ذلك لامتنع وجود المقتضى والمانع في جميع صور الشريعة وليس كذلك، فلا ~~محال حينئذ. ومثاله في حكم واحد في فعلين أن تدل أمارة على أن القبلة في ~~استقبال جهة وأمارة أخرى على أنها ف ي استدبار تلك الجهة، فالاستقبال ~~والاستدبار فعلان وحكمهما واحد وهو وجوب التوجه فيخير بين الجهتين كما قاله ~~الإمام. # ورجح سيف الدين الآمدي الحظر على الإباحة عند التعارض بثلاثة أوجه: أحدها ~~أن الحظر إنما يكون التضمن المفاسد ورعاية الشارع، والعقلاء بدرء المفاسد ~~أعظم من رعايتهم لتحصل المصالح فيقدم الحظر عنده على الواجب والمندوب ~~والمباح. وثانيها أن القول بترجيح الحضر يقتضي موافقة الأصل، فإن موجبه عدم ~~الفعل وعدم الفعل هو الأصل، أما الوجوب ونحوه فموجبه الفعل وهو خلاف الأصل. ~~وثالثها أن الحظر يخرج الإنسان عن عهدته وإن لم يشعر به فهو أهون وأقرب ~~للأصول، بخلاف الوجوب ونحوه لا بد فيه من الشعور حتى يخرج عن العهدة فهذه، ~~ترجيحات غير تلك الأصول المتقدمة. # وإذا نقل عن مجتهد قولان فإن كانا في موضعين وعلم التاريخ عد الثاني ~~رجوعا عن الأول، وإن لم يعلم حكى عنه القولان ولا يحكم عليه # PageV01P418 # برجوع، وإن كانا في موضع واحد بأن يقول في المسألة قولان فإن أشار إلى ~~تقوية أحدهما فهو قوله، وإن لم يعلم فقيل يتخير السامع بينهما. # وإذا علم الرجوع عن الأول لا يجوز الفتيا به ولا تقليده فيه، ولا بقي يعد ~~من الشريعة، بل هو كالنص المنسوخ من نصوص صاحب الشريعة لم يبق منها. # فإن قلت: لأي شيء جمع الفقهاء الأقوال كلها السابقة واللاحظة في كتب ~~الفقه، بل كان ينبغي، أن لا يضاف لكل إمام إلا قوله الذي لم يرجع عنه. # قلت: ما ذكرتموه أقر للضبط، غير أنهم قصدوا معنى الآخر وهو الاطلاع على ~~المدارك واختلاف الآراء، وأن مثل هذا القول قد صار إليه المجتهد في ms354 وقت ~~فيكون ذلك اقرب للترقي لرتبة الاجتهاد، وهو مطلب عظيم أهم من تيسير الضبط ~~فذلك جمعت الأقوال # في المذاهب. وإذا لم يعلم التاريخ ولم يحكم عليه برجوع ينبغي أن لا يعمل ~~بأحدهما، فإنا نجزم بأن أحدهما مرجوع عنه منسوخ، وإذا اختلط الناسخ ~~والمنسوخ حرم العمل بهما، كاختلاط المذكاة بالميتة، وأخت الرضاع بالأجنبية، ~~فإن المنسوخ لا يجوز الفتيا به، فذلك كله من باب اختلاط الجائز والممنوع ~~فيحرم الفتيا حينئذ بتلك الأقوال حتى يتعين المتأخر منها، أو يعلم أنهما ~~محمولة على أحوال مختلفة أو أقسام متباينة، فيحمل كل قول على حالة أو قسم، ~~ولا تكون حينئذ أقولا في مسألة واحدة، بل كل مسألة فيها قول. # وأما القولان في الموطن الواحد إذا لم يشر إلى تقوية أحدهما توجه التخيير ~~بينهما قياسا على تعارض الأمارتين، فإن نصوص المجتهد بالنسبة إلى المقلد ~~كنسبة نصوص صاحب الشرع للمجتهد، ولذلك يحمل عام المجتهد على خاصة، ومطلقة ~~على مقيده، وناسخه على منسوخه، وصريحه على محتمله، كما يعمل ذلك في نصوص ~~صاحب الشرع، وأما كيف يتصور أن يقول المجتهد في المسألة قولان، مع أنه لا ~~يتصور عنده الرجحان إلا في أحدهما، فقيل معناه أنه أشار إلى أنهما قولان ~~للعلماء أو أنهما احتمالان يمكن أن يقول بكل واحد منهما عام لتقاربهما من ~~الحق، وأما إنه جازم بهما فمحال ضرورة. # PageV01P419 ### | الفصل الثاني في الترجيح # والأكثرون اتفقوا على التمسك به وأنكره بعضهم وقال يلزم التخيير أو ~~التوقف. # حجة الجواز: قوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالسواد الأعظم» وهو يقتضي ~~تغليب الظاهر الراجح، وقوله عليه الصلاة والسلام: «نحن نحكم بالظاهر» ~~وقياسا على البناء على الظاهر في الفتيا والشهادة وقيم المتلفات وغيرها، ~~فإن الظاهر الصدق في ذلك والكذب مرجوح، وقد اعتبر الراجح إجماعا، فكذلك ~~ههنا. # حجة المنع: أن الدليلين إذا تعارضا ورجح أحدهما ففي كل واحد منهما مقدار ~~هو معارض بمثلهن فسقط المثلان، ويبقى مجرد الرجحان، ومجرد الرجحان ليس ~~بدليل، وما ليس بدليل لا يجوز الاعتماد عليه فلا يعتمد على الرجحان، بل ~~ينبغي تخريج هذه ms355 الصورة على صورة تساوي الأمارتين والحكم هناك التخيير على ~~المشهور والتوقف على الشاذ، فكذلك يجري ههنا لقولان. # والجواب: أن القول بالترجيح ليس حكما بمجرد الرجحان بأن بالدليل الراجح ~~ولا نسلم أن الحصة المتساوية في جهة الرجحان تسقط بمقابلها إذا عضدها ~~الرجحان وإنما نسلم # السقوط مع المساواة، وهذا كما يقضي بأعدل البينتين ليس معناه أنا نقضي ~~بمزيد العدالة دون أصلها، بل بأصل العدالة مع الرجحان، فيقضي بالبينة ~~الراجحة لا برجحانها مع قطع النظر عنها وكذلك ههنا. # ويمتنع الترجيح في العقليات لتعذر التفاوت بين القطعيين ومذهبنا ومذهب ~~الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة، خلاف القوم. # لأن كثرة الأدلة توجب مزيد الظن بالمدلول فيكون من باب القضاء بالراجح ~~كما تقدم بيانه. # حجة المنع: القياس على المنع من الترجيح بالعدد في البينات فإن المشهور ~~المنع منه بخلاف الترجيح بمزيد العدالة. # والجواب: الفرق بأن الترجيح بكثرة العدد يمنع سد باب الخصومات ومقصود # PageV01P420 # صاحب الشرع سده بأن يقول الخصم أنا آتي بعدد أكثر من عدده فيتحيل ويأتي ~~به، فيقول لآخر أنا أفعل كذلك فلا تنفصل الخصومة، بخلاف الترجيح بمزيد ~~العدالة ليس في قدرة الخصم أن يصير بينه أعدل من بينة خصمه، وكذلك الأدلة ~~لا تقبل أن يصير مرجوحها راجحا ولا قليلها كثيرا فإن الأدلة قد استقرت من ~~جهة صاحب الشرع فتتعذر الزيادة فيها، فالترجيح بكثرة الأدلة كالترجيح ~~بالعدالة لا كالترجيح بالعدد، فظهر الجواب والفرق. # وإذا تعارض دليلان فالعمل بكل واحد منهما من وجه أولى من العمل بأحدهما ~~دون الآخر، وهما إن كانا عامين معلومين والتاريخ معلوم نسخ المتأخر ~~المتقدم، وإن كان مجهولا سقطا، وإن علمت المقارنة خير بينهما وإن كانا ~~مظنونين فإن علم المتأخر نسخ المتقدم والأرجح إلى الترجيح، وإن كان أحدهما ~~معلوما والآخر مظنونا والمتأخر المعلوم نسخ أو المظنون لم ينسخ، وإن جهل ~~الحال تعين المعلوم، وإن كانا خاصين فحكمهما حكم العامين، وإن كان أحدهما ~~بخلاف العكس، وإن كان أحدهما عاما من وجه كما في قوله تعالى: «وأن تجمعوا ~~بين الأختين» (1) مع قوله تعالى: «أو ما ملكت ms356 أيمانكم» (2) وجب الترجيح إن ~~كانا مظنونين. # إنما يرجح العمل بأحدهما من وجه لأن كل واحد منهما يجوز إطلاقه بدون ~~إرادة ذلك الوجه الذي ترك، ولا يجوز إطلاقه بدون جميع ما دل عليه، فإن ذلك ~~هدر بالكلية؛ فكان الأول أولى كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تستقبلوا ~~القبلة ولا تتستدبروها ببول أو غائط» وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك في بيته الحديثين المشهورين، ~~فحملنا الأول على الأفضية والثاني على الأبنية وإذا كانا عامين لا يمكن # حملهما على حالين تعين نسخ المتأخر للمتقدم كانا معلومين أو مظنونين، ~~لأنا نشترط في الناسخ أن يكون مساويا أو أقوى، ويسقطان مع الجهل لاحتمال ~~النسخ، فكل واحد منهما دائر بين أن يكون ناسخا حجة أو منسوخا ليس بحجة، ~~والأصل عدم الحكم وبراءة الذمة، فيجب التوقف حتى يتعين موجب الشغل، وإذا ~~علمت المقارنة خير بينهما لأن PageV01P421 # من شرط النسخ التراخي والمقارنة ضده فلا نسخ، فكل واحد منهما حجة قطعا ~~فتعين التخيير، وإذا كان المتأخر هو المظنون لم ينسخ المعلوم، لما تقدم أن ~~القاعدة أنا نشترط في الناسخ أن يكون مساويا أو أقوى، والمظنون أضعف من ~~المعلوم، ويتعين المعلوم عند جهل التاريخ لرجحانه بكونه معلوما، ومهما ~~ظفرنا بجهة ترجيح تعين العمل بالراجح. # ويقدم الخاص على العام لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقتلوا الصبيان» ~~مع قوله تعالى: «اقتلوا المشركين» (1) فإن تقديم الحديث لا يقتضي إلغاءه ~~ولا إلغاء الآية، وتقديم عموم الآية يقتضي إلغاء الحديث، ولأن الآية يجوز ~~إطلاقها بدون إرادة الصبيان، ولا يجوز إطلاق الحديث بدون إرادة الصبيان، ~~لأنهم جميع مدلوله فيبقى هدرا، فالأول أولى. وقوله تعالى: «وأن تجمعوا بني ~~الأختين» (2) بتناول المملوكتين والحرتين، وقوله تعالى: «أو ما ملكت ~~أيمانكم» (3) يتناول الأختين والأجنبيتين، وضابط الأعم والأخص من وجه أن ~~يوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، وقد وجد الأول في الأختين الحرتين ~~بدون الملك، ووجد الثاني في المملوكات الأجنبيات بدون الأخوة، واجتمعا معا ~~في الأختين المملوكتين، فهما حينئذ كل واحد ms357 منهما أعم ن الآخر من وجه وأخص ~~من وجه، ولا رجحان لأحدهما على الآخر من هذا الوجه بل من خارج، وقد رجح ~~المشهور من المذاهب التحريم في الأختين المملوكتين بأن أيتهما لم يدخلها ~~التخصيص بالإجماع، بل قيل لا تخصيص فيها وهو المشهور، وقيل يباحان، وقيل ~~بالتوقف كما قاله بعض الصحابة رضوان الله عليهم، (حللتهما آية وحرمتهما ~~آية) وأما آية الملك فمخصوصة إجماعا بملك اليمين من موطوءة الآباء وغيرهم، ~~وما لم يخصص بالإجماع مقدم على ما خصص بالإجماع، فتقدم آية الأختين فيحرم ~~الجمع بينهما. ### | الفصل الثالث في ترجيحات الأخبار # وهي إما في الإسناد أو المتن، فالأول قال الباجي يترجح بأنه في قضية ~~مشهور والآخر ليس كذلك أو راوية أحفظ أو أكثر، أو مسموع منه عليه الصلاة ~~والسلام، والآخر مكتوب به أو متفق على رفعه إليه عليه PageV01P422 # الصلاة والسلام، أو اتفق رواته على إثبات الحكم # به أو راويه صاحب القضية أو إجماع أهل المدينة على العمل به أو راويه ~~أحسن نسقا أو عالم من الاضطراب أو موافق لظاهر الكتاب، والآخر ليس كذلك. # القضية المشهورة ببعد الكذب فيها بخلاف القضية الخفية، والكتابة تحتملا ~~لتزوير بخلاف المسموع، والمرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة ~~إجماعا، أما الموقوف على بعض الصحابة يقوله من قبل نفسه ولا يقول سمعت من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيحتمل أن يكون سمع من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيكون حجة إجماعا، أو هو من اجتهاده فيخرج على الخلاف في قول ~~الصحابي وفعله هل هو حجة أول لا؟ والحجة إجماعا تقدم على المتردد بين الحجة ~~وغيرها، واتفاق الرواة عند إثبات الحكم دليل قوة الخبر وضبطه عندهم، وإذا ~~اختلفوا دل ذلك على ضعف السند أو الدلالة أو وجود المعارض، فكان الأول ~~أرجح، وصاحب القضية إذا رواها كان أعلم بها وأبعد عن الذهول والتخليط فيها، ~~بخلاف ما إذا روى غيره، وإجماع أهل المدينة مرجح لأنهم مهبط الوحي ومعدن ~~الرسالة، وإذا وقع شرع كان ظاهرا فيهم وعنهم يأخذ غيرهم، وإذا لم ms358 يوجد شيء ~~بين أظهرهم دل ذلك على بطلانه أو نسخه، وحسن النسق أنسب للفظ النبوة فإنه ~~عليه الصلاة والسلام أنصح العرب، فإضافة الأفصح إليه أنسب من ضده، ~~والاضطراب اختلاف ألفاظ الرواة وهو يوجب خللا في الظن عند السامع فما لا ~~خلل فيه أرجح، والمعتضد بالكتاب العزيز أقوى في الظن من المنفرد لغير عاضد ~~فيقدم. # قال الإمام أو يكون راويه فقيها أو عالما بالعربية أو عرفت عدالته ~~بالاختبار، أو علمت بالعدد الكثير أو ذكر سبب عدالته أو لم يختلط عقله في ~~بعض الأوقات، أو كونه من أكابر الصحابة رضوان الله عليهم، أو له أهم واحد ~~أو لم يعرف له رواية في زمن الصبا والآخر ليس كذلك أو يكون مدنيا والآخر ~~مكيا، أو راويه متأخر الإسلام. # العلم بالفقه أو العربية مما يبعد الخطأ في النقل فيقدم على الجاهل بهما، ~~وعدالة الاختيار هي عدالة الخلطة فهي أقوى من عدالة التزكية من غير خلطة ~~للمزكى عنده، والمذكور سبب عدالته دليل قوة سبب التزكية، فإنه لا يذكر إلا ~~مع قوته. . وأما إذا سكت المزكي عن سبب العدالة احتملا لضعف، والذي اختلط ~~عقله في # PageV01P423 # بعض الأوقات يخشى أن يكون ما يرويه لنا الآن مما سمعه في تلك الحالة، ~~والذي لم يختلط عقله أمنا فيه ذلك، والذي له اسم واحد يبعد التدليس فيه، ~~والذي له اسمان يقرب اشتباهه بغيره ممن ليس بعدل وهو مسمى بأحد اسميه فتقع ~~الرواية عن ذلك الذي ليس بعدل، فيظن السامع أنه العدل ذو الاسمين فيقبله، ~~والذي وقعت روايته في زمن الصبا إذا روى عنه لنا يجوز أن يكون مما يقل عنه ~~في زمن الصبا، ورواية الصبي غير موثوق بها بخلاف الذي لم يرو إلا بعد ~~البلوغ، وما روى بالمدينة ظاهر حالة التأخر عن المكي لأنه بعد الهجرة، ~~والمتأخر يرجح لأنه قد يكون # الناسخ، ولقول ابن عباس رضي الله عنهما كنا نأخذ الأحدث فالأحدث من فعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكون مساويا لمتأخر الإسلام، ويحتمل ~~استماعه أول إسلامه فيكون متقدما في ms359 الزمان مرجوحا في العمل، والذي لا ~~احتمال فيه أولى مما فيه احتمال المرجوحية. # وأما ترجيح المتن قال الباجي يترجح السالم من الاضطراب والنص في المراد ~~أو غير متفق على تخصيصه أو ورد على غير سبب، أو قضي به على الآخر في موضع ~~أو ورد بعبارات مختلفة، أو يتضمن نفي النقص، عن الصحابة رضوان الله عليهم، ~~والآخر ليس كذلك. # الاضطراب اختلاف ألفاظ الرواة، والنص هو الذي لا يحتمل المجاز والذي لم ~~يتفق على تخصيصه كما تقدم في آية الأختين والوارد على سبب اختلف العلماء ~~فيه، هل يقصر على سببه أم يخلى على عمومه؟ والذي لم يرد على سبب سلم عن هذا ~~الاختلاف ويحمل على عمومه إجماعا، وإذا قدم أحد الخبرين على الآخر في موطن ~~كان ذلك ترجيحا له عليه لأنها مزية له، وإذا ورد بعبارات مختلفة والمعنى ~~واحد قوى ذلك المعنى في النفس، وبعد اللفظ عن المجاز، والعبارة الواحدة ~~تحتمل المجاز وأن يراد غير ذلك المعنى الظاهر وهذا غير الاضطراب فإنه ~~اختلاف اللفظ واختلاف المعنى بالزيادة والنقصان. # قال الإمام رحمه الله أو يكون نصبح اللفظ، أو لفظه حقيقة، أو يدل على ~~المراد من وجهين، أو يؤكد لفظه بالتكرار أو يكون ناقلا # PageV01P424 # عن حكم العقل أو لم يعمل بعض الصحابة أو السلف على خلافه مع الاطلاع ~~عليه، أو كان مما لا تعم به البلوى، والآخر ليس كذلك. # الناقل عن البراءة الأصلية أرجح لأنه مقصود بعثة الرسل، وأما استصحاب حكم ~~العقل فيكفي فيه حكم العقل فيقدم الناقل كما يقدم المنشئ على المؤكد، وعمل ~~الأكابر على خلاف الخبر مع اطلاعهم عليه يدل على اطلاعهم على نسخه، فالسالم ~~عن ذلك مقدم عليه، أما غذا لم يطلع جاز أن يكون تركه لعدم اطلاعه عليه ~~فيسقط الترجيح، والذي تعم به البلوى اختلف العلماء في قبوله: منعه الحنفية ~~من أخبارا لآحاد والكلام فيه فيضعف الخلاف في قبوله، فالسالم عن هذا الخلاف ~~مقدم. ### | الفصل الرابع في ترجيح الأقيسة # قال الباجي يترجح أحد القياسين على الآخر بالنص على علته أو ms360 لأنه يعود ~~على # أصله بالتخصيص أو علته مطردة منعكسة، أو شهد لها أصول كثيرة، أو يكون أحد ~~القياسين فرعه من جنس أصله، أو علته متعدية أو يعم فروعها أو هي أعم أو هي ~~منتزعة من أصل منصوص عليه أو أقل أوصافا والقياس الآخر ليس كذلك. # النص على العلة يدل على العلية أكثر من الاستنباط، فإن اجتهادنا يحتمل ~~الخطأ، والنصر صواب جزما، ومثال ما يعود على أصله بالتخصيص جعلنا علة منع ~~بيع الحيوان باللحم معللا بالمزابنة وهي بيع المجهول بالعلوم من جنسه (1) ~~فاقتضى ذلك حمل الحديث على الحيوان الذي يقصد منه اللحم، فخرج بسبب هذه ~~العلة أكثر الحيوانات وبطل حكم النهي فيها، وكذلك تعليل منع بيع الحاضر ~~للبادي، بأن الأعيان على أهل البادية تقوم بغير مال كالحطب والسمن وغيرهما، ~~فاقتضى هذا التعليل أن يخرج الأعيان التي اشتراها البدوي، وإن نصحه فيها ~~متعين وإعانته، PageV01P425 # بخلاف القسم الأول فالتحامل عليه فيه بتركه مع الحضري ولا ينصح، فالعلة ~~التي لا تعكر على أصلها بالبطلان أولى، والعلة المتعدية أولى من القاصرة، ~~غير أن هذا لا يستقيم من جهة أن القاصرة لا قياس فيها، والكلام إنما هو هو ~~في ترجيح الأقيسة، فإن كان في ترجيح العلل من غير قياس صح، والعلل التي تعم ~~فروعها تقدم بسبب أنها إذا لم تعم تكون بقية الفروع معللة بعلة أخرى، ~~وتعليل الأحكام المستوية بالعلل المختلفة مختلف فيه والمتفق عليه أولى، ~~والتي هي أعم يكون فائدتها أكثر فتقدم، والمنتزعة من أصل منصوص عليه مقدمة ~~على ما أخذ من أصل اتفق عليه الخصمان فقط، والعلة إذا قلت أوصافها أو كانت ~~ذات وصف واحد كانت مقدمة لأن المركب يسرع غليه العدم بطريقين من جهة عدم كل ~~واحد من أوصافه، وما كثرت شروطه كان مرجوحا. # قال الإمام أو يكون أحد القياسين متفقا على علته أو أقل خلافا أو بعض ~~مقدماته يقينية أو علته وصف حقيقي، ويترجح التقليل بالحكمة على الدم ~~والإضافي والحكم الشرعي والتقديري، والتعليل بالعدم أولى من التقديري، ~~وتعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي ms361 أولى من العدمي بالعدمي ومن العدمي ~~بالوجودي ومن الوجودي بالعدمي، لأن التعليل بالعدم استلزم تقدير الوجود ~~وبالحكم الشرعي أولى من التقديري، لكون التقديري على خلاف الأصل، والقياس ~~الذي يكون ثبوت الحكم في أصله أقوى أو بالإجماع أو بالتواتر أقوى مما ليس ~~كذلك. # الوصف الحقيقي كالإسكار، والعدمي كقولنا غير مستحق أو عدوان فإنه سلب ~~محض، والإضافي نحو قولنا البنوة مقدمة على الأبوة وهما علة الميراث، وهما ~~إضافيتان ذهنيتان لا وجود لهما في الأعيان، وتقدم أن الحكمة هي علة علية ~~العلة، كإتلاف المال في السرقة، واختلاط الأنساب في الزنا، فهي أولى من ~~العدم الصرف، والحكم الشرعي كتعليل منع البيع بالنجاسة والتقديري كتعليل ~~ثبوت الولاء للمعتق عنه بتقدير الملك له، وتوريث الدية في الخطأ # PageV01P426 # بتقدير ثبوت الملك للمقتول قبل موته في الزمن الفرد فإنه حي يستحقها، وما ~~لا يملكه لا يورث عنه، والملك بعد الموت محال فيتعين تقدير الملك قبل ~~الزهوق بالزمن الفرد، وقدم العدم على التقديري لأن التقديري هو إعطاء ~~الموجود حكم المعدوم أو المعدوم حكم الموجود، ووضع المعلوم على خلاف ما هو ~~عليه خلاف الأصل، والعدم هو على وضعه لم يخالف فيه أصل فكان مقدما إنما ~~استدعى العدم تقدير الوجود، لأن العلة العدمية لا بد أن تكون عدما، مضافا ~~لشيء معين كقولنا عدم الإسكار علة إباحة الخمر ونحو ذلك، فلا بد من تقدير ~~معنى هذا عدمه، والحكم الشرعي حقيقي بخلاف التقديري فيه مخالفة الأصل كما ~~تقدم. ### | الفصل الخامس في ترجيح طرق العلة # قال الإمام رحمه الله المناسبة أقوى من الدوران خلاف القوم، ومن التأثير ~~والسبر المظنون والشبه والطرد والمناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم على ~~ما اعتبر جنسه في نوع الحكم، أو نوع الحكم في جنسه، أو جنسه في جنسه، لأن ~~الأخص بالشيء أرجح وأولى به والثاني والثالث متعارضان، والثلاثة راجحة على ~~الرابع، ثم الأجناس عالية وسافلة ومتوسطة، وكلما قرب كان أرجح، والدوران في ~~صورة أرجح منه في صورتين، والشبه في الصفة أقوى منه في الحكم وفيه خلاف. # المناسبة المصلحة ms362 بادية فيها، والدوران فيه إلا مجرد الاقتران، والشرائع ~~مبنية على المصالح. # حجة المنع: أن الدوران فيه طرد وعكس لاقتران الوجود بالوجود والعدم ~~بالعدم، والعلة المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية فيكون أرجح. # والجواب: المناسب المطرد المنعكس أرجح من المناسب الذي لا يكون كذلك، أما ~~مجرد الطرد والعكس فممنوع، والتأثير هو اعتبار الجنس في # PageV01P427 # الجنس، والاعتبار يضعف عن المناسب لما تقدم، والشبه هو المستلزم للمناسب، ~~فالمناسب مقدم عليه، وقد تقدم تمثيله # في طرق العلة والسب والتقسيم، ووقع التعيين فيه بإلغاء الغير أو تقدم ~~اعتباره، والمناسب الاعتبار فيه بالذات، وتقدم في طرق العلة تقدير الطرد ~~وهو مجرد اقتران الحكم بجملة الوصف، والاقتران بمجرده أضعف من المناسب لما ~~تقدم أنه معدن الحكمة، وتقدم في المناسب تمثيل أجناس الأوصاف والأحكام ~~عالية وسافلة، وتمثيل الدوران في صورتين وفي صورة ووجه الترجيح بينهما، ~~وتقدم الشبه في الصفة لأن الأوصاف هي أصل العلل، والأصل أن تكون الأحكام ~~معلولات لا عللا. # وقيل: لا، وحجته أن الحكم يستلزم علته فيقع الشبه في أمرين فيكون أرجح. # وجوابه: أنه لا يلزم من الشبه في الحكم الشبه في العلة؛ فإن الأحكام ~~المتماثلة تعلل بالعلل المختلفة. # PageV01P428 ### | الباب التاسع عشر في الاجتهاد # وهو استفراغ الوسع في المطلوب لغة واستفراغ الوسع # في النظر فيما يلحقه فيه لوم شرعي اصطلاحا # وفيه تسعة فصول ### | الفصل الأول في النظر # وهو الفكر، وقيل تردد الذهن بين أنحاء الضروريات، وقيل تحديق العقل إلى ~~جهة الضروريات، وقيل ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى علم أو ظن، وقيل ترتيب ~~تصديقين، وقيل ترتيب معلومات، وقيل ترتيب معلومين. فهذه سبعة مذاهب. وأصحها ~~الثلاثة الأول. وهو يكون في التصورات لتحصيل الحدود الكاشفة عن الحقائق ~~المفردة على ترتيب خاص كما تقدم أول الكتاب، وفي التصديقات لتحصيل المطالب ~~التصديقية على ترتيب خاص وشروط خاصة حررت في عالم المنطق، ومتى كان في ~~الدليل مقدمة سالبة أو جزئية أو مظنونة كانت النتيجة كذلك لأنها تتبع أخس ~~المقدمات ولا يلتفت إلى ما صحبها من أشرفها. # الثلاثة في النظر متقاربة في المعنى واختلافها ms363 في العبارات، والضروريات ~~هي القضايا البديهية فإن العقل يقصدها ابتداء ليستخرج منها التصديقات ~~النظرية. # وأما قولهم ترتيب تصديقات فهو قول الإمام فخر الدين وهو باطل، فإن النظر ~~إذا كان في الدليل كفى فيه مقدمتان، وتصديقات جمع ظاهر في الثلاث. # ولذلك قال القائل الآخر تصديقين وهو باطل أيضا فإن النظر كما يقع في ~~التصديقات في البراهين يقع في التصورات في الحدود والتصديقات لا تتناول ~~التصورات التي في الحدود. # PageV01P429 # فلذلك قال الآخر: ترتيب معلومات حتى يشمل التصديقات والتصورات فقيل له إن ~~معلومات جمع وقد يكفي معلومان في الدليل من تصديقين وفي الحد من تصورين. # فلذلك قال الآخر: ترتيب معلومين فقيل له إن النظر قد لا يتحصل منه إلا ~~الحد الناقص وهو ذكر الفصل وحده أو الرسم الناقص وهو الخاصة وحدها ومع ~~الوحدة لا ترتيب فقيد الترتيب لا يسوغ أصلا لتوقفه على التعدد، فلذلك لم ~~يصح إلا الثلاثة: الأول لعدم اشتراط الترتيب فيها والتعدد، مثال المقدمة ~~السالبة والموجبة: كل إنسان حيوان ولا شيء من الحيوان بجماد فلا شيء من ~~الإنسان بجماد. ومثال الجزئية والكلية، بعض الحيوان إنسان وكل إنسان ناطق ~~فبعض الحيوان ناطق. ومثال المظنونة والقطعية: في البيت عصفور عملا بإخبار ~~زيد وهذه ظنية، وكل عصفور حيوان، وهذه قطعية، ففي الدار حيوان ظنا لا قطعا. ~~والضابط في الإنتاج أبدا أنك تحذف المكرر وتحكم بالثاني على الأول كما تقدم ~~في المثل السابقة، والسبب في كونه النتيجة تتبع أخس المقدمات أن تلك ~~المقدمة القوية متوقفة على تلك الخسيسة ولا تستقل بنفسها فلذلك صارت مع ~~قوتها كالضعيفة. ### | الفصل الثاني في حكمه # مذهب مالك وجمهور العلماء رضي الله عنهم وجوبه وإبطال التقليد لقوله ~~تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم» . # وقد استثنى مالك رحمه الله من ذلك أربع عشرة صورة لأجل الضرورة. الأولى ~~قال ابن القصار قال مالك يجب على العوام تقليد المجتهدين في الأحكام كما ~~يجب على المجتهدين الاجتهاد في أعيان الأدلة وهو قول جمهور العلماء خلافا ~~لمعتزلة بغداد، وقال الجبائي يجوز في مسائل الاجتهاد فقط. # قال إمام ms364 الحرمين في الشامل: لم يقل بالتقليد في الأصول إلا الحنابلة ~~وقال الأستاذ أبو إسحق من اعتقد ما يجب عليه من عقيدة دينه بغير دليل لا ~~يستحق بذلك اسم الإيمان ولا دخول الجنة والخلوص من الخلود في النيران ولم ~~يخالف في ذلك إلا أله الظاهر. حجة الجمهور قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله ~~إلا الله} (1) أمر PageV01P430 # بالعلم دون التقليد وقوله تعالى: {قل انظروا} (1) ، {أفلم ينظروا} (2) ، ~~{وقل سيروا في الأرض فانظروا} (3) وهو كثير في الكتاب العزيز وذم التقليد ~~بقوله تعالى ذما لمن قال: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مهتدون} (4) وقال تعالى أيضا: {وإنا على آثارهم مقتدون} (5) وقال تعالى: ~~{قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} (6) فأمر بالنظر في ذلك وقال: ~~{فهم على آثارهم يهرعون} (7) . # حجة الشاذ: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقبل إيمان الأعرابي الجلف ~~البعيد عن النظر # ولو صح ما قلتموه ما أقرهم على ذلك أو حكم بإيمانهم، وسأل عليه الصلاة ~~والسلام الجارية أين الله فقالت في السماء فقال للسائل أعتقها فإنها مؤمنة، ~~وهذا كله يدل على عدم اشتراط النظر. # أجاب الجمهور عن هذه الصور: بأن ذلك كان من أحكام أوائل الإسلام لضرورة ~~المبادئ أما بعد تقرر الإسلام فيجب العمل بما ذكرناه من موجب الآيات، ولذلك ~~كان عليه الصلاة والسلام يكتفي في قواعد الشرع والتوحيد بأخبار الآحاد ~~فيبعث الواحد إلى الحي من أحياء العرب يعلمهم القواعد والتوحيد والفروع، ~~وقد لا يفيد خبره إلا الظن غالبا ومع ذلك فيكتفى به في أول الإسلام بخلافه ~~الآن لا يكتفى بمثل هذا في الدين، ولا يحل أن يظن الإنسان نفي الشريك ~~والوحدانية مع تجويز النقيض. # وأما التقليد في الفروع فحجة الجمهور قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون} (8) فأمرهم بالحذر عند إنذار علمائهم، ولولا وجوب التقليد لما وجب ~~ذلك، ولقوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (9) ~~قال المفسرون: هم العلماء، وقيل ولاة الأمر والنهي من الملوك وغيرهم ms365 أوجب ~~الطاعة وهو وجوب التقليد. # حجة المعتزلة: قوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} (10) ومن الاستطاعة ~~ترك التقليد، ولأن العامي متمكن من كثير من وجوه النظر فوجب أن لا يجوز له ~~تركها قياسا على المجتهد. # والجواب على الأول: أن الخطأ متعين في حق العوام إذا انفردوا بالأحكام ~~لأنهم PageV01P431 # لا يعرفون الناسخ والمنسوخ ولا المخصص ولا المقيد ولا كثيرا مما تتوقف ~~عليه الألفاظ وما لا يضبطونه لا يحل لهم محاولته لفرط الغرر فيهز وهو ~~الجواب عن الثاني. # حجة الجبائي: أن شعائر الإسلام الظاهرة لا تحتاج لمنصب المجتهد فلا حاجة ~~إلى التقليد فيها كالصلوات الخمس وصوم رمضان ونحو ذلك، وأما الأمور الخفية ~~من المجتهد فيه فيتعين التقليد فيه لغموضه. # والجواب: أن تلك الأمور إن انتهت إلى حد الضرورة بطل التقليد بالضرورة ~~ولا نزاع في ذلك لأن تحصيل الحاصل محال لاسيما والتقليد إنما يفيد الظن ~~الذي هو دون الضرورة بكثير وإن لم ينته إلى حد الضرورة تعين التقليد للحاجة ~~في النظر إلى أدوات مفقودة في حق العامي. # فروع ثلاثة: الأول قال ابن القصار إذا استفتى العامي في نازلة ثم عادت لم # يحتمل أن يعتمد على تلك الفتوى لأنها حق ويحتمل أن يعيد الاستفتاء ~~لاحتمال تغير الاجتهاد. # الثاني: قال يحيى الزناتي يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من ~~مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع كمن ~~تزوج بغير صداق ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد وإن يعتقد فيمن ~~يقلده الفضل بوصول أخباره غليه ولا يقلده رميا في عماية وأن لا يتتبع رخص ~~المذاهب. قال والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة وطرق إلى الخيرات فمن سلك منها ~~طريقا وصله. # تنبيه: قال غيره يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها في كل ما لا ينقض ~~فيه حكم الحاكم وهو أربعة ما خالف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس ~~الجلي فإن أراد رحمه الله بالرخص هذه الأربعة فهو حسن متعين فإن ما لا تقره ~~مع تأكده بحكم الحاكم فأولى أن ms366 لا نقره قبل ذلك، وإن أراد بالرخص ما فيه ~~سهولة على المكلف كيف كان يلزمه أن يكون من قلد مالكا في المياه والأرواث ~~وترك الألفاظ في العقود مخالفا لتقوى الله تعالى وليس كذلك. # قاعدة: انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير ~~حجر وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن من استفتى أبا بكر وعمر رضي # PageV01P432 # الله عنهما أو قلدهما فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما ~~ويعمل بقولهم من غير نكير فمن ادعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل الثالث ~~إذا فعل المكلف فعلا مختلفا في تحريمه غير مقلد لأحد فهل نؤثمه بناء على ~~القول بالتحريم أو لا نؤثمه بناء على القول بالتحليل مع أنه ليس إضافته إلى ~~أحد المذهبين أولى من الآخر ولم يسألنا عن مذهبنا فنجيبه، ولم أر لأحد من ~~أصحابنا فيه نقلا. # وكان الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ~~وبعد من الشافعية يقول في هذا الفرع إنه آثم من جهة أن كل أحد يجب عليه أن ~~لا يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيهن وهذا أقدم غير عالم فهو آثم ~~بترك التعلم، وأما تأثيمه بالفعل نفسه فإن كان مما علم من الشرع قبحه ~~أثمناه وإلا فلا، وكان بمثله بما اشتهر قبحه كتلقي الركبان وهو من الفساد ~~على الناس ونحو ذلك. # الثانية: قال ابن القصار يقلد القائف العدل عند مالك وروى لا بد من ~~اثنين. # اختلف في مدرك هذه المسألة فقال أصحابنا إنه كالرواية فيكفي الواحد أو ~~الشهادة فلا بد من اثنين، وقال الشافعية المدرك أنه حاكم والحاكم يكفي واحد ~~أو شهادة فلا بد من اثنين. # الثالثة: قال يجوز عنده تقليد التاجر في قيم المتلفات غلا أن تتعلق ~~القيمة بحد من حدود الله تعالى فلا بد من اثنين لدراية التاجر بالقيم، وروي ~~عنه أنه لا بد من اثنين في كل موضع. # يريد بالقيمة التي يتعلق بها الحد كتقويم العرض المسروق هل وصلت قيمته ms367 ~~إلى نصاب السرقة أم لا؟ فهذه الصورة لا بد فيها من اثنين لأن الحدود تدره ~~بالشبهات، ولأنه عضو بيان فيحتاط فيه لشرفه. # الرابعة: قال: ويجوز عنده تقليد القاسم بين اثنين وابن القاسم لا يقبل ~~قول القاسم لأنه شاهد على فعل نفسه. # مالك يجريه مجرى الحاكم أو نائب الحاكم يخبره بما ثبت عنده. # الخامسة: قال: ويجوز تقليد المقوم لأرش الجنايات. # السادسة: قال: يجوز تقليد الخارص فيما يخرصه عند مالك رحمه الله. # PageV01P433 # السابعة: قال يقلد عنده الراوي فيما يرويه. # الثامنة: قال يقلده عنده الطبيب فيما يدعيه. # التاسعة: يقلد الملاح في القبلة إذا خفيت أدلتها وكان عدلا دربا في السير ~~في البحر، وكذلك كل من كانت صناعته في الصحراء وهو عدل. # العاشرة: قال ولا يجوز عنده أن يقلد عامي عاميا في رؤية الهلال لضبط ~~التاريخ دون العبادة. # الحادية عشرة: قال يجوز عنده تقليد الصبي والأنثى والكافر الواحد في ~~الهداية والاستئذان. # قال الشافعية: هذه الصورة ونحوها احتفت فيها القرائن فنابت عن العدد ~~والإسلام وربما حصل العلم. # الثانية عشرة: قال يقلد القصاب في الذكاة ذكرا كان أو أنثى مسلما أو ~~كتابيا، ومن مثله يذبح. # الثالثة عشرة: قال يقلد محاريب البلاد العامرة التي تتكرر الصلاة فيها ~~ويعلم أن إمام المسلمين بناها ونصبها أو اجتمع أهل البلد على بنائها، قال ~~لأنه قد علم أنها لم تنصب إلا بعد اجتهاد العلماء في ذلك، ويقلدها العالم ~~والجاهل، وأما غير تلك فعلى العالم الاجتهاد، فإن تعذر عليه الأدلة صلى إلى ~~المحراب إذا كان البلد عامرا لأنه أقوى من # الاجتهاد بغير دليل، وأما العامي فيصلي في سائر المساجد. # قلت: وهذا بشرط أن لا يشتهر الطعن فيها كمحاريب القرى وغيرها بالديار ~~المصرية، فإن أكثرها ما زال العلماء قديما وحديثا ينبهون على فسادها، ~~وللزين الدمياطي في ذلك كتاب ولغيره، وقد قصد الشيخ عز الدين بن عبد السلام ~~تغيير محراب قبة الشافعي والمدرسة ومصلى حولان فعاجله ما منعه من ذلك، ~~وكذلك محراب المحلة مدينة الغربية والفيوم ومنية ابن أبي خصيب وهي لا تعد ~~ولا ms368 تحصى لا يجوز أن يقلدها عالم ولا عامي. # الرابعة عشرة: قال يقلد العامي في ترجمة الفتوى باللسان العربي أو العجمي ~~وفي قراءتها أيضا، ولا يجوز لعالم ولا جاهل التقليد في زوال الشمس لأنه ~~مشاهد. # PageV01P434 ### | الفصل الثالث فيمن يتعين عليه الاجتهاد # أفتى أصحابنا رحمهم الله بأن العلم على قسمين فرض عين وفرض كفاية وحكى ~~الشافعي في رسالته والغزالي في إحياء علوم الدين الإجماع على ذلك، ففرض ~~العين الواجب على كل أحد هو عامه بحالته التي هو فيها، مثاله رجل أسلم ودخل ~~عليه وقت الصلاة فيجب عليه أن يتعلم الوضوء والصلاة، فإن أراد أن يشتري ~~طعاما لغذائه قلنا يجب عليك أن تتعلم ما تعتمده في ذلك، وإن أراد الزواج ~~وجب عليه أن يتعلم ما يعتمده في ذلك وإن أراد أن يؤدي شهادة وجب عليه أن ~~يتعلم حكم الصرف، فكل حالة يتصف بها يجب عليه أن يعلم حكم الله تعالى فيها، ~~فعلى هذا لا ينحصر فرض العين في العبادات ولا في باب من أبواب الفقه كما ~~يعتقده كثير من الأغبياء، وعلى هذا القسم يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: ~~«طلب العلم فريضة على كل مسلم» فمن توجهت عليه حالة فعلم وعمل بمقتضى علمه ~~فقد أطاع الله طاعتين، ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين ومن علم ~~ولم يعمل فقد أطاع الله طاعة وعصاه معصية، ففي هذا المقام يكون العالم خير ~~من الجاهل والمقام الذي يكون الجاهل فيه خيرا من العالم من شرب خمرا بعلمه ~~وشربه آخر بجهلهن فإن العالم به يأثم بخلاف الجاهل، وهو أحسن حالا من ~~العالم وكذلك من اتسع في العلم باعه تعظم مؤاخذته، لعلو منزلته بخلاف ~~الجاهل فهذا أسعد حالا من العالم في هذين الوجهين. # وأما فرض الكفاية فهو العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان فيجب على الأمة ~~أن يكون # منهم طائفة يتفقهون في الدين ليكونوا قدوة للمسلمين (1) حفظا للشرع من ~~الضياع، والذي يتعين لهذا من المسلمين من جاد حفظه وحسن إدراجه وطابت سجيته ~~وسريرتهن ومن لا فلا. # لأن ms369 من لا يكون كذلك لا يحصل منه المقصود، إما لتعذره كسيئ الفهم يتعذر ~~عليه أن يصل لمرتبة الاقتداء، أو لسوء الظن به فينفر الناس عنه فلا يحصل ~~منه مقصود الاقتداء. PageV01P435 ### | الفصل الرابع في زمانه # وافقوا على جواز الاجتهاد بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وأما في زمانه ~~فوقوعه منه عليه الصلاة والسلام قال به الشافعي وأبو يوسف، وقال أبو علي ~~وأبو هاشم لم يكن متعبدا به لقوله تعالى: {إن هو إلا وحي يوحى} وقال بعضهم ~~كان له - عليه السلام - أن يجتهد في الحروب والآراء دون الأحكام قال ~~الإمام: وتوقف أكثر المحققين في الكل وأما وقوع الاجتهاد في زمانه عليه ~~الصلاة والسلام من غيره فقليل وهو جائز عقلا في الحاضر عنده عليه الصلاة ~~والسلام والغائب عنه، فقد قال له معاذ بن جبل أجتهد رأيي. # حجة كونه عليه الصلاة والسلام كان يجتهد: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~لما قال في تحريم مكة: «لا يعضد شجرها ولا يختلى خلالها: فقال له العباس ~~إلا الأذخر» وهذا يدل على أنه لما بين له الحاجة إلهي أباحه بالاجتهاد ~~للمصلحة، وكذلك لما أنشدته المرأة لما قتل أخاها. # أمحمد والنجل نجل كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو عفوت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المخق # فقال عليه الصلاة والسلام لو سمعت شعرها قبل قتله ما قتلته، وهذا يدل على ~~الاجتهاد. وحكم سعد في بني قريظة فحكم بأن يقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، ~~وما جعل لغيره أن يفعله فله هو عليه الصلاة والسلام أن يفعله لأن الأصل ~~مساواة أمته له في الأحكام غلا ما دل الدليل على تخصيصه من ذلك، ويرد على ~~الكل أن هذه الصورة يجوز أن يقارنها نصوص نزلت فيها أو تقدمتها نصوص؛ بأن ~~يوحى إذا كان كذا فافعل كذا وحينئذ هي بالوحي لا بالاجتهاد. # حجة القول بالفرق بين الحروب فيجوز أن الحروب أمرها على الفور لعظم ~~المفسدة في التأخير من جهة استيلاء العدو فيفوض إليه، وقصة معاذ تدل عليه ~~والأحكام يجوز التراخي فيها فلا ms370 يجتهد فيها. # PageV01P436 # والجواب: أن المفسدة تندفع بتقدم نصوص في مثل هذه الصور ويقال له إذا وقع ~~كذا فافعل كذا ولا اجتهاد حينئذ، ويظهر من تعارض هذه المدارك حجة التوقف. ### | الفصل الخامس في شرائطه # وهو أن يكون عالما بمعاني الألفاظ وعوارضها من التخصيص والنسخ وأصول ~~الفقه، ومن كتاب الله تعالى ما يتضمن الأحكام وهي خمسمائة آية، ولا يشترك ~~الحفظ بل العلم بمواضعها لينظرها عند الحاجة إليها، ومن السنة بمواضع ~~أحاديث الأحكام دون حفظها، ومواضع الإجماع والاختلاف والبراءة الأصلية ~~وشرائط الحد والبرهان، والنحو واللغة والتصريف وأحوال الرواة، ويقلد من ~~تقدم في ذلك، ولا يشترط عموم النظر، بل يجوز أن يحصل صفة الاجتهاد في فن ~~دون فن وفي مسألة دون مسألة خلافا لبعضهم. # الحصر في خمسمائة آية قاله الإمام فخر الدين وغيره ولم يحصر غيرهم ذلك ~~وهو الصحيح فإن استنباط الأحكام إذا حقق لا يكاد تعرى عنه آية فإن القصص ~~أبعد الأشياء عن ذلك والمقصود منها الاتعاظ والأمر به وكل آية وقع فيها ذكر ~~عذاب أو ذم على فعل كان ذلك دليل تحريم ذلك الفعل، أو مدحا أو ثوابا على ~~فعل فذلك دليل طلب ذلك الفعل وجوبا أو ندبا، وكذلك ذكر صفات الله عز وجل ~~والثناء عليه المقصود به الأمر بتعظيم ما عظمه الله تعالى وأن نثني عليه ~~بذلك، فلا تكاد تجد آية إلا وفيها حكم وحصرها في خمسمائة آية بعيد، وشرائطه ~~الحد حتى يتحقق له الضوابط فيعلم اخرج عنها فلا يعتبره وما اندرج فيها أجرى ~~عليه أحكام تلك الحقيقة، وشرائطه البرهان مقررة في علم المنطق وأما النحو ~~والتصريف واللغة فلأن الحكم يتبع الإعراب كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما ~~تركنا صدقة» بالرفع فرواه الرافضة بالنصب أي لا يورث ما تركناه وقفا وصار ~~مفهومه أنهم يورثون في غيره وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» # PageV01P437 # رواه الشيعة أبا بكر وعمر فانعكس المعنى أي يا أبا بكر وعمر فيكونان ~~مقتديين لا مقتدى بهما وهو كثير، واسم الفاعل من المفعول ms371 إنما يعلم من جهة ~~التصريف، وإنما قلد من مضى في أحوال الرواة لبعد أحوالهم عنا فتعين التقليد ~~لمن اطلع على حالهم لتعذر ذلك علينا. # حجة عدم اشتراط عموم النظر: أن المقصود البعد عن الخطأ بتحصيل شرائط ~~الاجتهاد # فإذا حصل ذلك في فن واحد كان كحصوله في جميع الفنون. # حجة المنع: أن العلوم والفنون يمد بعضها بعضا فمن غاب عنه فقد غاب نور ~~فيما هو يعلمه وحينئذ لا يكمل النظر إلا بالشمول ولذلك أن النحوي الذي لا ~~يحسن الفقه ولا المعقولات تجده قاصرا في نحوه بالنسبة لمن يعلم ذلك، وكذلك ~~جميع الفنون. ### | الفصل السادس في التصويب # قال الجاحظ وعبد الله العنبري بتصويب المجتهدين في أصولا لدين؛ بمعنى عدم ~~الإثم لا بمعنى مطابقة الاعتقاد، واتفق سائر العلماء على فساده، وأما في ~~الأحكام الشرعية فاختلفوا هل لله تعالى في نفس الأمر حكم معين في الوقائع ~~أم لا، والثاني قول من قال كل مجتهد مصيب وهو قول جمهور المتكلمين، ومنهم ~~الأشعري والقاضي أبو بكر منا، وأبو علي وأبو هاشم من المعتزلة، وإذا لم يكن ~~لله تعالى حكم معين فهل في الواقعة حكم لو كان لله تعالى حكم معين فهل في ~~الواقعة حكم لو كان لله تعالى حكم معين في الواقعة لحكم به أو لا والأول هو ~~القول بالأشبه وهو قول جماعة من المصوبين. والثاني قول بعضهم، وإذا قلنا ~~بالحكم المعين فإما أن يكون عليه دليل ظني أو قطعي أو ليس عليه واحد منهما، ~~والثاني قول جماعة من الفقهاء والمتكلمين. ونقل عن الشافعي - رضي الله عنه ~~- وهو عندهم كدفين يعثر عليه بالاتفاق، والقول بأن عليه دليلا ظنيا فهل كلف ~~بطلب ذلك الدليل، فإن أخطأه تعين التكليف إلى ما غلب على ظنه وهو قول، أو ~~لم يكلف بطلبه لحقائقه وهو قول كافة الفقهاء منهم الشافعي وأبو حنيفة رضي ~~الله عنهما. والقائلون بأن عليه دليلا قطعيا اتفقوا على أن المكلف مأمور ~~بطلبه، وقال بشر المريسي إن أخطأ استحق # PageV01P438 # العقاب وقال غمير لا يستحق العقاب. # واختلفوا أيضا هل ms372 ينقض قضاء القاضي إذا قضى بخلافه قاله الأصم خلافا ~~للباقين، والمنقول عن مالك رحمه الله أن المصيب واحد واختاره الإمام، وقال ~~الإمام علي عليه دليل ظني ومخالفه معذور والقضاء لا ينقض، لنا أن الله ~~تعالى شرع الشرائع لتحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة أو درء المفاسد ~~الخالصة أو الراجحة ويستحيل وجودها في النقيضين فيتحد الحكم: احتجوا ~~بانعقاد الإجماع على أن المجتهد يجب عليه أن يتبع ما غلب على ظنه ولو خالف ~~الإجماع، وكذلك من قلده، ولا نعني بحكم الله تعالى إلا ذلك فكل مجتهد مصيب ~~وتكون ظنون المجتهدين تتبعها الأحكام كأحوال المضطرين والمختارين بالنسبة ~~إلى الميتة، فيكون الفعل الواحد حلالا حراما بالنسبة إلى شخصين كالميتة. # حجة الجاحظ: أن المجتهد في أصول الدين إذا بذل جهده فقد فنيت قدرته ~~فتكليفه بعد ذلك بما زاد على ذلك تكليف بما لا يطلق وهو منفي في الشريعة، ~~وإن قلنا بجوازه لقوله تعالى: «لا يكلف الله نفسا إلها وسعها» (1) . # حجة الجمهور: أن أصول الديانات مهمة عظيمة فلذلك شرع الله تعالى فيها ~~الإكراه دون غيرها فيكره على الإسلام بالسيف والقتال والقتل وأخذ الأموال ~~والذراري وذلك أعظم الإكراه، وإذا حصل الإيمان في هذه الحالة اعتبر في ظاهر ~~الشرع وغيره لو وقع بهذه الأسباب لم يعتبر، ولذلك لم يعذره الله بالجهل في ~~أصول الدين إجماعا، ولو شرب خمرا يظنه حلالا أو وطئ أمرأة يظنها امرأته عذر ~~بالجهل، وكذلك جعل النظر الأول واجبا من الجهل بالموجب وذلك تكليف ما لا ~~يطاق، فكذلك إذا حصل الكفر مع بذل الجهد يؤاخذ الله تعالى به ولا ينفعه بذل ~~جهده لعظم خطر الباب وجلالة رتبته، وظواهر النصوص تقتضي أنه من لم يؤمن ~~بالله ورسوله ويعمل صالحا فإن له نار جهنم خالدا فيها، وقياس الخصم الأصول ~~على الفروع غلط لعظم التفاوت بينهما، وإذا قلنا ليس لله تعالى في نفس الأمر ~~حكم معين فليس هناك إلا ما ظهر في ظنون المجتهدين فقد أصابوه، فكل مجتهد ~~مصيب، أي إذا أفتى بشيء فقد أصابه أما لو انتهى به ms373 الحال للوقف فتمادى مهلة ~~النظر فلا يقال له PageV01P439 # إنه مصيب ولا مخطئ، وإذا قلنا في نفس الأمر حكم معين وهو ما تضمنه ~~المصلحة الخالصة أو الراجحة فمن صادفه فهو المصيب ومن لم يصادفه فهو مخطئ ~~له، فليس كل مجتهد مصيبا. # ومعنى المذهب الثالث، وهو القول بالأشبه: أنه ليس في نفس الأمر حكم معين ~~وإنما في نفس الأمر ما لو عين الله شيئا لعينه فهو أشبه الأمور بمقاصد ~~الشريعة، كما تقول لا نبي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ~~الزمان رجل صديق خير لو أن الله تعالى يبعث نبيا لبعثه، والقائل الآخر يقول ~~ليس في نفس الأمر شيء هو أشبه، والظاهر هو الأول فإن الأفعال المتخيلة لا ~~تخلو عن الرجحان في بعضها، والقائل الثاني يقول إذا لم يعين الله تعالى ~~شيئا استوت الأفعال، كما لو أن المباحات كلها مباحة لم تختلف وإن كانت ~~مصالحها مختلفة. # حجة الدليل القطعي على الحكم في نفس الأمر: أن تكليف الكل بشيء معين ~~يعتمد دليلا يظهر للكل وما ذاك إلا القطعي، أما الظني فيختلف فيه القرائح. # حجة الدليل الظني: أن الله سبحانه وتعالى امتحن الخلق بذلك الحكم في نفس ~~الأمر وأمرهم ببذلك الجهد في طلبه، فلولا أنه ودليله في غاية الخفاء لعرفه ~~الكل فزال الامتحان وليس كذلك. # حجة أنه ليس دليل لا ظني ولا قطعي: أنه لو كانت عليه أمارة لفهمها الكل ~~ألا ترى أن المطر إذا كانت عليه أمارة علمها الكل، لكن الحكم ليس كذلك فلا ~~أمارة عليه. # وقول بشر باستحقاق العقاب إذا أخطأه لأنه يجعل التقصير من جهته ومن قصر ~~استحق العقاب. # حجة الجمهور: قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ~~وإن أصاب فله أجران» فجعل الثواب مع الخطأ فلا عقاب حينئذ. # وأما قول الأصم: أنه ينقض قضاء القاضي إذا خالفه فإنه في غاية العسر من ~~جهة تصوره، بسبب أن هذا الحكم غير معلوم، وكذلك دلسله. ونحن وإن قلنا ~~المصيب واحد فهو غير معلوم، ونقض قضاء القاضي إنما يكون ms374 بما يتحقق وما لا ~~يتحقق كيف ينقض به القضاء فهذا المذهب مشكل. # وأما قول المصوبة: إنه يجب عليه اتباع ظنه وإن خالف الإجماع فمسلم، ولكن # PageV01P440 # الأحكام التي على ألسنة المجتهدين وظنونهم متفق عليها وأنها أحكام الله ~~تعالى، والنزاع في ثبوت أمر آخر في نفس الأمر غيرها فما أقاموا فيه الدليل ~~لا نزاع فيه وما فيه النزاع لم يقيموا الدليل عليه، فلا ينبغي أن يقيموا ~~الدليل على أن هذه أحكام الله تعالى، بل يقيمون الدليل على أنه ليس لله ~~تعالى حكم غيرها فإنه محل النزاع، والقائلون بالتصويب يقولون إن الحكم إنما ~~يتبع المصلحة الخالصة أو الراجحة في مواقع الإجماع أما في محل الاختلاف فلا ~~يسلمون ذلك، فهذا منع حسن أيضا على دليل المخطئة. ### | الفصل السابع في نقض الاجتهاد # أما المجتهد في نفسه فلو تزوج امرأة علق طلاقها الثلاث على الملك ~~بالاجتهاد فإن حكم به حاكم ثم تغير اجتهاده لم ينقض، وإن لم يحكم له نقض ~~ولم يجز له إمساك المرأة وأما العامي إذا فعل ذلك بقول المفتي ثم تغير ~~اجتهاده فالصحيح أنه يجب عليه المفارقة قاله الإمام، وكل حكم اتصل به قضاء ~~القاضي استقر إلا أن يكون ذلك القضاء مما ينقض في نفسه. # حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يعين ذلك الحكم الذي حكم به الحاكم، فإن ~~الحاكم نائب الله تعالى في مسائل الخلاف، فإذا أنشأ حكما في مسائل الاجتهاد ~~كان ذلك كالنص الوارد في خصوص تلك الواقعة من تلك القاعدة العامة، والدليل ~~الخاص مقدم على # العام في الصورة التي تناولها الخاص كما تقرر في أصول الفقه، وقد بسطت ~~ذلك في كتاب (الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام) ~~إذا لم يحكم بالاجتهاد الأول حاكم نقض لأن تغير الاجتهاد يصيره كالمنسوخ ~~والمنسوخ لا عبرة به، وكذلك تجب مفارقة المرأة من العامي إذا تغير اجتهاد ~~من أفتاه لأن اجتهاده نسخ، وقيل لا يجب لأن الثاني اجتهاد أيضا، وليس إبطال ~~أحدهما بالآخر أولى من لاعكس فلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، نعم لو قطع ms375 بخطأ ~~الأول وجبت المفارقة، والحكم الذي ينقض في نفسه ولا يمنع النقض هو ما خالف ~~أحد أمور أربعة: الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي. # PageV01P441 ### | الفصل الثامن في الاستفتاء # إذا استثفتى مجتهد فأفتى ثم سئل ثانية عن تلك الحادثة فإن كان ذاكرا ~~لاجتهاده الأول أفتى وإن نسي استأنف الاجتهاد، فإن أداه إلى خلاف الأول ~~أفتى بالثاني قال الإمام والأحسن أن يعرف العامي ليرجع، ولا يجوز لأحد ~~الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذي يفتيه من أهل العلم والدين والورع، ~~فإن اختلف عليه العلماء في الفتوى فقال قوم. يجب عليه الاجتهاد في أعلمهم ~~وأورعهم لتمكنه من ذلك، وقال قوم لا يجب ذلك لأن الكل طريق إلى الله تعالى ~~ولم ينكر أحد على العوام في كل عصر ترك النظر في أحوال العلماء، وإذا فرعنا ~~على الأول فإن حصل ظن الاستواء مطلقا فأمكن أن يقال ذلك متعذر كما قيل في ~~الأمارات، وأمكن أن يقال سقط عنه التكليف ويفعل ما يشاء، وإن حصل على ~~الرجحان مطلقا تعين العمل بالراجح وإن حصل من وجه فإن كان في العلم ~~والاستواء في الدين فمنهم من خير ومنهم من أوجب الأخذ بقول الأعلم، قول ~~الإمام وهو الأقرب ولذلك قدم في إمامة الصلاة وإن كان في الدين والاستواء ~~في العلم فيتعين الأدين فإن رجح أحدهما في دينه والآخر في علمه فقيل يتعين ~~الأدين وقيل الأعلم قال وهو الأرجح كما مر. # إن كان المجتهد ذاكرا للاجتهاد ينبغي أن لا يقتصر على مجرد الذكر بل ~~يحركه لعله يظفر فيه بخطأ أو زيادة بمقتضى قوله تعالى: «فاتقوا الله ما ~~استطعتم» (1) ولأن رتبة المجتهد أن لا يقصر ولا يترك من جهده شيئا، فإن ~~استقر له اجتهاد في زمن لا يلزمه استقراره دائما، بل الله تعالى خلاق على ~~الدوام، فيخلق في نفسه علوما ومصالح لم يكن يشعر بها قبل ذلك فإهمال ذلك ~~تقصير. # وإنما قال الإمام الأحسن أن يعرف العامي إذا تغير اجتهاده لأن الاجتهاد ~~لا ينقض # بالاجتهاد ولكن الثاني أغلب على ms376 الظن من الأول فلو قطع ببطلان الأول وجب ~~عليه تعريف العامي، ومدرك العامي في أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين ~~والورع الأخبار وقرائن الأحوال فذلك عند العامة متيسر، وأما إذا لم ~~PageV01P442 # يتضح له ذلك فلا يحل له الاستفتاء لأن دين الله تعالى لا يؤخذ على غير ~~أهله، قال الله تعالى: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» (1) ~~وقد قال تعالى: «فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون» (2) فتعين أهل الذكر ~~بالنطق يقتضي بالمفهوم تحريم سؤال غيرهم، والتخيير والسقوط عند استواء ~~المفتين، فقد قيل بهما في الأمارتين إذا استويا فمذهب القاضي والجمهور ~~التخيير، ومذهب بعض الفقهاء السقوط. # وجه التخيير عند الرجحان في العلم والاستواء في الدين: أن تقليد الأعلم ~~غير واجب على المشهور وغاية هذا أن يكون أعلم فيتخير المستفتي. # حجة تقديم الأعلم: أن المقدم في كل موطن من مواطن الشريعة من هو أقوم ~~بمصالح ذلك الموطن؛ فيقدم في الحروب من هو أعلم بمكايد الحروب وسياسة ~~الجيوش، وفي القضاء من هو أعلم بالتفطن بحجاج الخصوم، ولأمانة الحكم من ~~أعلم بتنمية الأموال وضبطها وأحوال الأيتام في مصالحها. ولذلك قدم في ~~الصلاة الفقيه على القارئ لأن الفقيه أقوم بمصالح الصلاة في سهوها ~~وعوارضها، وكذلك الفتوى الأعلم أخص بها من الدين. ### | الفصل التاسع فيمن يتعين عليه الاستفتاء # الذي تنزل به الواقعة إن كان عاميا وجب عليه الاستفتاء، وإن كان عالما لم ~~يبلغ درجة الاجتهاد ال فالأقرب أنه يجوز له الاستفتاء وإن بلغ درجة ~~الاجتهاد وكان قد اجتهد وغلب على ظنه حكم فقد اتفقوا على تعيينه في حقه، ~~وإن كان لم يجتهد فأكثر أهل السنة على أنه لا يجوز له التقليد وهو مذهب ~~مالك رحمه الله، وقال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وسفيان الثوري يجوز ~~مطلقا، وقيل يجوز تقليد العالم للأعلم وهو قول محمد بن الحسن، وقيل يجوز ~~فيما يخصه دون ما يفتى به، وقال ابن سريج إن ضاق وقته عن الاجتهاد جاز وإلا ~~فلان فهذه خمسة أقوال. لنا قوله تعالى: «فاتقوا ms377 الله ما استطعتم» (3) ولا ~~يجوز التقليد في أصول الدين لمجتهد PageV01P443 # ولا للعوام عند الجمهور لقوله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» (1) ~~ولعظم الخطأ والخطر في جوانب الربوبيةن بخلاف الفروع لأنه ربما كفر في ~~الألو ويثاب في الثاني جزما. # العامي ليس له أهلية فيتعين أن يقلد كما في القبلة، والعالم الذي لم يبلغ ~~درجة # الاجتهاد احتمالات الخطأ في حقه موجودة غير أنها أقل من العامي، فهذا وجه ~~التردد، وكما اتفقوا على تعيين الحكم في حق المجتهد فكذلك من قلده، ومعناه ~~لو فرض موصوفا بسببه وغلا فقد يجتهد في الغنم وزكاتها ولا غنم له أو في ~~الجنايات ولا جناية له ولا عليه، بل قد يجتهد في أحكام الحيض والعدة وغيرها ~~مما لا يوصف بد منه، وقد تقدم أول الكتاب حجة منع التقليد على المجتهد ~~مطلقا أن الأصل أن لا يجوز الظن لقوله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» ~~(2) خالفناه في أعلى مراتب الظنون الناشئة عن الاجتهاد فيبقى ظن التقليد ~~الضعيف على مقتضى الدليل. # حجة الجواز مطلقا: أن غاية المجتهد في اجتهاده أن يحصل مثل ما حصله غيره ~~وكما يجوز أن يكون الثاني أقوى يجوز أن يكون أضعف فيتساقطان فيبقى التساوي ~~وأحد المثلين يقوم مقام الآخر، وبهذا يظهر تفنيد العالم للأعلم، لأن الظاهر ~~أن اجتهاد الأعلم أقرب للصواب، وأما ما يخصصه فلأن الحاجة تدعو إليه بخلاف ~~الفتيا فله أن يحيل المستفتي على غيرهن وكذلك إذا ضاق الوقت كانت حالة ~~ضرورة بخلاف اتساعه، وأما أصول الدين فقد تقدم حكاية إمام الحرمين في ~~الشامل أنه لم يخالف في ذلك إلا الحنابلةن وقول الإسفرايني أنه لم يخالف ~~فيه إلا أهل الظاهر، مع أني سألت الحنابلة قالوا مشهور مذهبنا منع التقليد، ~~والغزالي يميل إليه وجماعة، وقد حكى القاضي عياض في الشفاء ذلك عن غيره. ~~PageV01P444 ### | الباب العشرون في جمع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين # وفيه فصلان ### | الفصل الأول في الأدلة # وهي على قسمين أدلة مشروعيتها وأدلة وقوعها، فأما أدلة مشروعيتها فتسعة ~~عشر بالاستقراء، وأما أدلة ms378 وقوعها فلا يحصرها عدد، فلنتكلم أولا عن أدلة ~~مشروعيتها، فنقول: هي الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وإجماع أهل المدينة، ~~والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب والبراءة الأصلية، ~~والعوائد، والاستقراء، وسد الذرائع، والاستدلال والاستحسان، والأخذ بالأخف، ~~والعصمة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع العترة، وإجماع الخلفاء الأربعة. فأما ~~الخمسة الأول فقد تقدم الكلام عليها، وأما قول الصحابي فهو حجة عند مالك ~~والشافعي في قوله القديم مطلقا لقوله عليه الصلاة والسلام: «أصحابي كالنجوم ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم» ومنهم من قال إن خالف القياس فهو حجة وإلا فلا، ~~ومنهم من قال قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حجة دون غيرهمان وقيل قول ~~الخلفاء الأربعة حجة إذا اتفقوا. # حجة كونه حجة: أنه إذا خالف القياس يقتضى أنه إنما عمل لنص فأما إذا لم ~~يخالف القياس فأمكن أن يكون عن اجتهاد فيكون كقول غير الصحابي فيصير دليلا ~~لدلالته على الدليل عند هذا القائل لا لكونه دليلا في نفسه. # حجة الآخر: قوله عليه الصلاة والسلام: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر ~~وعمر» ومفهومه يقتضي أن غيرهما ليس كذلك. # PageV01P445 # المصلحة المرسلة والمصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار عن ~~ثلاثة أقسام: ما شهد الشرع باعتباره وهو القياس الذي تقدمن وما شهد الشرع ~~بعدم اعتباره نحو المنع من زراعة العنب لئلا يعصر خمرا، وما لم يشهد له ~~باعتبار ولا بإلغاء وهو المصلحة المرسلة وهي عند مالك رحمه الله حجة. # وقال الغزالي إن وقعت في محل الحاجة أو التتمة فلا تعتبر، وإن وقعت في ~~محل # الضرورة فيجوز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد، ومثاله تترس الكفار بجماعة ~~المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا واستولوا على دار الإسلام وقتلوا كافة ~~المسلمين، ولو رميناهم لقتلنا الترس معهم، قال فيشترط في هذه المصلحة أن ~~تكون كلية قطعية ضرورية، فالكلية احتراز عما إذا تترسوا في قلعة بمسلمين ~~فلا يحل رمي المسلمين إذ لا يلزم من ترك تلك القلعة فساد عام، والقطعية ~~احتراز عما إذا لم نقطع باستيلاء الكفارة علينا إذا لم نقصد الترس وعن ~~المضطر يأكل قطعة من ms379 فخذه، والضرورية احتراز عن المناسب الكائن في محال ~~الحاجة والتتمة لنا أن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام ~~لتحصيل مصالح العباد عملا بالاستقراء فمهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها ~~مطلوبة للشرع. # قد تقدم أن المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق لأنهم يقيسون ~~ويفرقون بالمناسبات ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار ولا نعني بالمصلحة المرسلة ~~إلا ذلك ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة أن الصحابة رضوان الله عليهم ~~عملوا أمورا لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار نحو كتابة المصحف ولم ~~يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما ولم ~~يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى وتدوين الدواوين وعمل ~~السكة للمسلمين واتخاذ السجن فعل ذلك عمر - رضي الله عنه - وهد الأوقاف ~~التي بإزاء مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتوسعة بها في المسجد ~~عند ضيقه فعله عثمان - رضي الله عنه - ثم نقله هشام إلى المسجد، وذلك كثير ~~جدا لمطلق المصلحة وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسمى # PageV01P446 # بالغياثي أمورا وجوزها وأفتى بها والمالكية بعيدون عنها وجسر عليها ~~وقالها للمصلحة المطلقة وكذكل الغزالي في شفاء الغليل مع أن الاثنين شدادا ~~الإنكار علينا في المصلحة المرسلة. # الاستصحاب: ومعناه أن اعتقاد كون الشيء في الماضي أو الحاضر يوجب ظن ~~ثبوته في الحال أو الاستقبال، فهذا الظن عند مالك والإمام المازني وأبي بكر ~~الصيرفي رحمهم الله تعالى حجة خلافا لجمهور الحنفية والمتكلمين. لنا أنه ~~قضى بالطرف الراجح فيصبح كأروش الجنايات واتباع الشهادات. # حجة المنع: أن الاستصحاب أمر عام يشمل كل شيء وإذا كثر عموم الشيء كثرت ~~مخصصاته وما كثرت مخصصاته ضعفت دلالته فلا يكون حجة. # والجواب: أن الظن الضعيف يجب اتباعه حتى يوجد معارضه الراجح عليه ~~كالبراءة # الأصلية فإن شمولها يمنع من التمسك بها حتى يوجد رافعها. # البراءة الأصلية: وهي استصحاب حكم العقل في عدم الأحكام خلافا للمعتزلة ~~والأبهري وابي الفرج منا لنا: أن ثبوت العدم في الماضي يوجب ظن عدم ثبوته ~~في الحال فيجب ms380 الاعتماد على هذا الظن بعد الفحص عن رافعه، وعدم وجوده عندنا ~~وعند طائفة من الفقهاء. # المعتزلة بنوا على مسألة التحسين والتقبيح أن (1) كل ثابت بعد الشرع ثابت ~~قبله بالعقل وقد تقدم حجاجهم وأجوبتها أول الكتاب وأما الجمهور منا فعلى ~~عدم الحكم إلا بعد البعثة، وأما الأبهري وابو الفرج وجماعة من الفقهاء ~~قالوا بالحظر مطلقا وبالإباحة مطلقا وقد تقدم تفصيل مذاهبهم وليس ذلك منهم ~~موافقة للمعتزلة في تحكيم العقل بل قالوا بذلك لأدلة سمعية وردت فقالوا ~~بذلك لأجلها فمن الوارد في الحظر قوله تعالى: «يسألونك ماذا أحل لهم» (2) ~~وذلك يقتضي أن المتقدم التحريم على العموم، وكذلك قوله تعالى: «أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم» (3) ومن الأدلة للإباحة قوله تعالى: «خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا» وقوله تعالى: «أعطى كل شيء خلقه ثم هدى» ونحو ذلك ~~مما يدل على الإباحة العامة فهم سنية لا معتزلة. PageV01P447 # العوائد والعادة غلبة معنى من المعاني على الناس وقد تكون هذه الغلبة في ~~سائر الأقاليم كالحاجة للغذاء والتنفس في الهواء، وقد تكون خاصة ببعض ~~البلاد كالنقود والعيوب، وقد تكون خاصة ببعض الفرق كالأذان للإسلام ~~والناقوس للنصارى، فهذه العادة يقضى بها عندنا لما تقدم في الاستصحاب. # الاستقراء وهو تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة ~~النزاع على تلك الحالة كاستقراء العرض في جزئياته بأنه لا يؤدي على الراحة ~~فيغلب على الظن أن الوتر لو كان فرضا لما أدى على الراحلة، وهذا الظن حجة ~~عندنا وعند الفقهاء. # في الاستدلال على عدم وجوب الوتر على الراجلة بفعله عليه الصلاة والسلام ~~إياه على الراحلة إشكال من جهة أنه لم يكن ذلك إلا في السفر والمنقول أنه ~~لم يكن واجبا هو ولا القيام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر ~~فما فعل على الراحلة إلا وهو غير واجب. # سد الذرائع: والذريعة الوسيلة للشيء ومعنى ذلك حسم مادة وسائل الفساد ~~دفعا # له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة إلى المفسدة منعنا من ذلك ms381 ~~الفعل وهو مذهب مالك رحمه الله. # تنبيه: ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد والمصلحة المرسلة وسد ~~الذرائع وليس كذلك، أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم ~~يصرحون بذلك فيها وأما المصلحة المرسلة فغيرنا يصرح بإنكارها ولكنهم عند ~~التفريع نجدهم يعللون بمطلق المصلحة ولا يطالبون أنفسهم عند الفروع ~~والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار بل يعتدون على مجرد المناسبة وهذا هو ~~المصلحة المرسلة، وأما الذرائع فقد اجتمعت الأمة على أنها ثلاثة أقسام ~~أحدها معتبر إجماعا كحفر الآبار في طرق المسلمين وإلقاء السم في أطعمتهم ~~وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ، وثانيها ملغى ~~إجماعا كزراعة العنب فإنه لا يمنع خشية الخمر والشركة في سكنى الدار خشية ~~الزنا، وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها وخالفنا ~~غيرنا فحاصل القضية أنا قلنا # PageV01P448 # تفسد الذرائع أكثر من غيرنا لا أنها خاصة بنا، واعلم أن الذريعة كما يجب ~~سدها يجب فتحها ويكره ويندب ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة ~~المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج، وموارد الأحكام على ~~قسمين مقاصد وهي الطرق المفضية للمصالح والمفاسد أنفسها ووسائل وهي الطرق ~~المفضية إليها وحكمها كحكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل، غير أنها أخفض ~~رتبة من المقاصد في حكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى ~~أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما هو متوسط متوسطة، وينبه على اعتبار ~~الوسائل قوله تعالى: «ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح» (1) فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم لأنهما ~~حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون ~~المسلمين، فالاستعداد وسيلة إلى الوسيلة. # قاعدة: كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة فإنها تبع، وقد خولفت ~~هذه القاعدة في الحج في إمرار الموسي على الرأس من لا شعر له مع ms382 أنه وسيلة ~~إلى إزالة الشعر فيحتاج إلى ما يدل على أنه مقصود في نفسه وإلا فهو مشكل. # تنبيه: قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل ~~إلى فداء الأسرى بدفع المال إلى العدو والذي هو محرم عليهم للانتفاع به ~~لكونهم مخاطبين بفروع الشريعة عندنا، وكدفع مال لرجل يأكله حراما حتى لا ~~يزني بامرأة إذا # عجز عن ذلك إلا به، وكدفع المال للمحارب حتى لا يقتل هو وصاحب المال ~~واشترط مالك فيه اليسارة، ومما شنع على مالك رحمه الله مخالفته لحديث بيع ~~الخيار مع روايته له، وهو مهيع متسع ومسلك غير ممتنع، ولا يوجد عالم إلا ~~وقد خالف من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام أدلة كثيرة ولكن ~~المعارض راجح عنها عند مخالفتها، وكذلك مالك ترك هذا الحديث لمعارض راجح ~~عنده وهو PageV01P449 # عمل أهل المدينة فليس هذا بابا اخترعه ولا بدعا ابتدعه، ومن هذا الباب ما ~~يروى عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال إذا صح الحديث فهو مذهبي أو ~~فاضربوه بمذهبي عرض الحائط، فإنه كان مراده مع عدم المعارض، فهو مذهب ~~العلماء كافة وليس خاصا به، وإن كان مع وجود المعارض فهذا خلاف الإجماع ~~فليس هذا القول خاصة بمذهبه كما ظنه بعضهم. # كثير من فقهاء الشافعية يعتمدون على هذا ويقولون: مذهب الشافعي كذا لأن ~~الحديث صح فيه وهو غلط فإنه لا بد من انتفاء المعارض والعلم بعدم المعارض ~~يتوقف على من له أهلية استقراء الشريعة حتى يحسن أن يقول لا معارض لهذا ~~الحديث، وأما استقراء غير المجتهد المطلق فلا عبرة به، فهذا القائل من ~~الشافعية ينبغي أن يحصل لنفسه أهلية هذا الاستقراء قبل أن يصرح بهذه الفتوى ~~لكنه ليس كذلك فهو مخطئ في هذا القول. # الاستدلال هو محاولة الدليل المفضي إلى الحكم الشرعي من جهة القواعد لا ~~من جهة الأدلة المنصوبة، وفيه قاعدتان. # القاعدة الأولى في الملازمات: وضابط الملزوم ما يحسن فيه (لو) واللازم ما ~~يحسن فيه اللام كقوله تعالى: «لو كان فيهما آلهة إلا ms383 الله لفسدتا» (1) ~~وكقولنا إن كان هذا الطعام مهلكا لهو حرام، تقديره لو كان مهلكا لكان ~~حراما، والاستدلال إما بوجود الملزوم أو بعدمه أو بوجود اللازم أو بعدمه ~~فهذه الأربعة منها اثنان منتجان واثنان عقيمان فالمنتجان الاستدلال بوجود ~~الملزوم على وجود اللازم وبعدم اللازم على عدم الملزوم فكل ما أنتج عدمه ~~فوجوده عقيم وكل ما أنتج وجوده فعدمه عقيم (2) إلا أن يكون اللازم مساويا ~~للملزوم فتنتج الأربعة، نحو قولناك لو كان هذا إنسانا لكان ضاحكا بالقوة، ~~ثم الملازمة قد تكون قطعية كالعشرة مع الزوجية، وظنية كالنجاسة مع كأس ~~الحجام، وقد تكون كلية كالتكليف مع العقل فكل مكلف عاقل في سائر الأزمان ~~والأحوال، فكليتها باعتبار ذلك لا باعتبار الأشخاص، وجزئية كالوضوء مع ~~الغسل، PageV01P450 # فالوضوء لازم للغسل إذا سلم من النواقض حالة إيقاعه فقط، فلا جرم لا يلزم ~~ن انتفاء # اللازم الذي هو الوضوء انتفاء الملزوم الذي هو الغسل لأنه ليس كليا، ~~بخلاف انتفاء العقل فإنه يوجب انتفاء التكليف في سائر الصور. # استدل مرة بعض الفضلاء على أن المغتسل لا يكفيه غسله للصلاة حتى يتوضأ ~~وهو قول بعض العلماء بأن قال القاعدة العقلية أنه يلزم من انتفاء اللازم ~~انتفاء الملزوم، فلو كان الوضوء لازما للغسل لكان يلزم من انتفائه انتفاء ~~الغسل، فيلزم من انتفاء الطهارة الصغرى انتفاء الطهارة الكبرى فغذا أحدث ~~الحدث الأصغر يلزمه الغسل وهو خلاف الإجماع فلا تكون الطهارة الصغرى لازمة ~~للطهارة الكبرى وهو المطلوب. # والجواب: ما تقدم أن الملازمة هنا جزئية في بعض الأحوال وهي حالة ~~الابتداء فقط، وأما بعد ذلك فليست لازمة من انتفاء بلازم انتفاء شيء البتة. # وكذلك يقول إن كل مؤثر فهو لازم لأثره حالة إيقاعه، وقد يكتفي الصانع ~~وتبقى الصنعة بعده، لأن الملازمة بينهما جزئية في بعض الأحوال وهي حالة ~~الحدوث فقط، عدا تلك الحالة لا ملازمة بينهما فيها؛ فلا يلزم النفي من ~~النفي، فلذلك لا يلزم من انتفاء الطهارة الصغرى انتفاء الطهارة الكبرى بعذر ~~من الابتداء فلذلك لا يلزم من انتفاء الطهارة الصغرى انتفاء الطهارة ms384 الكبرى ~~بعذر من الابتداء لعدم الملازمة في بقية الأحوال، غير أن الابتداء شرطه ~~السلامة من النواقض. # القاعدة الثانية: أن الأصل في المانع الإذن وفي المضار المنع بأدلة السمع ~~لا بأدلة العقل، خلافا للمعتزلة، وقد تعظم المنفعة فيصحبها الندب أو الوجوب ~~مع الإذن، وقد تعظم المضرة فيصحبها التحريم على قدر رتبتها فيستدل على ~~الأحكام بهذه القاعدة. # يعلم ما يصحبه الوجوب أو الندب أو التحريم أو الكراهة بنظائره من الشريعة ~~وما عهدناه في تلك المادة. # الاستحسان قال الباجي هو القول بأقوى الدليلين، وعلى هذا يكون حجة إجماعا ~~وليس كذلكن وقيل هو الحكم بغير دليل وهذا اتباع للهوى فيكون حراما إجماعا، ~~وقال الكرخي، هو العدول عما حكم به في نظائر مسألة إلى خلافه لوجه أقوى ~~منه، وهذا يقتضي أن يكون # PageV01P451 # العدول من العموم إلى الخصوص استحسانا ومن الناسخ إلى المنسوخ وقال أبو ~~الحسين هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه ~~وهو في حكم الطارئ على الأول، فبالأول خرج العموم، وبالثاني ترك القياس ~~المرجوح للقياس الراجح لعدم طريانه عليه وهو حجة عند الحنفية وبعض البصريين ~~منا، وأنكره العراقيون. # حجة الجواز: أنه راجح على ما يقابله على ما تقدم تحريره فيعمل به كسائر ~~الأدلة # الراجحة ولقوله عليه الصلاة والسلام: «نحن نقضي بالظاهر» . # حجة الممنع: أنه لم تتحقق له حقيقة من الحقائق الشرعية فيعمل به، إنما هو ~~شيء يهجس في النفوس وليس قياسا ولا مما دلت النصوص عليه حتى يتبع، وقد قال ~~به مالك - رحمه الله - في عدة مسائل تضمين الصناع المؤثرين في الأعيان ~~بصنعتهم، وتضمين الحمالين للطعام والإدام دون غيرهم من الحمالين وهو الذي ~~قاله أبو الحسين ترك وجه من وجوه الاجتهاد وهو ترك عدم التضمين الذي هو شأن ~~الإجازة غير شامل شمول الألفاظ لأن عدم التضمين قاعدة لا لفظ لوجه أقوى ~~منه، إشارة إلى أن العرف الذي لوحظ في صورة الضمان اعتباره راجح على عدم ~~اعتباره وإضافة الحكم إلى المشترك الذي هو قاعدة الإجازة وعدم التضمين وهذا ~~العرف ms385 في حكم الطارئ على قاعدة الإجارات؛ فإن المستثنيات طارئات على ~~الأصول، وأما أحد القياسين مع الآخر فليس أحدهما أصلا للآخر حتى يكون في ~~حكم الطارئ عليه. # الأخذ بالأخف وهو عند الشافعي - رضي الله عنه - عنه حجة كما قيل في دية ~~اليهودي أنها مساوية لدية المسلم، ومنهم من قال نصف دية المسلم وهو قولنا، ~~ومنهم من قال ثلثها أخذا بالأقل فأوجب الثلث فقط لكونه مجمعا عليه وما زاد ~~منفي بالبراءة الأصلية: العصمة وهي أن العلماء اختلفوا هل يجوز أن يقول ~~الله تعالى لنبي أو عالم احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فقطع بوقوع ذلك ~~موسى بن عمران من العلماء وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه وتوقف الشافعي - ~~رضي الله عنه - في امتناعه وجوازه ووافقه الإمام. # حجة الجواز والوقوع: قوله تعالى: «إلا ما حرم إسرائيل على نفسه» (1) ~~فأخبر الله تعالى أنه حرم على نفسه، ومقتضى السياق أنه صار حراما عليه، ~~وذلك يقتضي PageV01P452 # أنه ما يحرم على نفسه إلا ما جعل الله له أن يفعله ففعل التحريم، ولو أن ~~الله تعالى هو المحرم لقال إلا ما حرمنا على إسرائيل. # حجة المنع: أن ذلك يكون تصرفا في الأديان بالهوى والله تعالى لا يشرع إلا ~~للمصالح لا اتباع الهوى وأما قصة إسرائيل - عليه السلام - فلعله حرم على ~~نفسه بالنذر ونحن نقول به. # حجة التوقف: تعارض المدارك. # إجماع أهل الكوفة: ذهب قوم إلى أنه حجة لكثرة من وردها من الصحابة رضي ~~الله عنهم كما قاله مالك - رحمه الله - في المدينة، فهذه أدلة مشروعية ~~الأحكام. # قاعدة: يقع التعارض في الشرع بين الدليلين والبينتين والأصلين والظاهرين ~~والأصل والظاهر. يختلف العلماء في جميع ذلك، فالدليلان نحو قوله تعالى: ~~«إلا ما # ملكت أيمانكم» (1) وهو يتناول الجمع بين الأختين في الملك وقوله تعالى: ~~«وأن تجمعوا بني الأختين» (2) يقتضي تحريم الجمع مطلقا، ولذلك قال علي - ~~رضي الله عنه - حرمتهما آية وحللتهما آية وذلك كثير في الكتاب والسنة، ~~واختلف العلماء هل يتخير بينهما أو يسقطان. # حجة السقوط: التعارض وليس أحدهما أولى من الآخر. # حجة التخيير: ms386 أن العمل بالدليل الشرعي واجب بحسب الإمكان والتخيير عمل ~~بالدليل فإنه أي شيء اختاره فيه مستند إلى دليل شرعي فلم يحصل الإلغاء فهو ~~أولى. # البينتان نحو شهادة بينة بأن هذه الدار لزيد، وشهادة أخرى بأنه لعمرو، ~~فهل تترجح إحدى البينتين خلاف الأصلان، نحو رجل قطع رجلا ملفوفا نصفين ثم ~~تنازع أولياؤه إنه كان حيا حالة القطع فالأصل براءة الذمة من القصاص، ~~والأصل بقاء الحياة. # فاختلف العلماء في نفي القصاص وثبوته، أو التفرقة بين أن يكون ملفوفا في ~~ثياب الأموات أو الأحياء، ونحو العبد إذا انقطع خبره فهل تجب زكاة فطره لأن ~~الأصل بقاء حياته أو لا تجب لأن الأصل براءة الذمة؟ خلاف، الظاهر أن نحو ~~اختلاف الزوجين في متاع البيت فإن اليد ظاهرة في الملك ولكل واحد منهما يد ~~فسوى الشافعي بينهما ورجحنا نحن بالعادة ونحو شهادة PageV01P453 # عدلين برؤية الهلال والسماء مصحية، فظاهر العدالة الصدق، وظاهر الصحو ~~اشتراك الناس في الرؤية، فرجح مالك العدالة ورجح سحنون الصحو. الأصل ~~والظاهر كالمقبرة القديمة فالظاهر نبشها فتحرم الصلاة فيها، والأصل عدم ~~النجاسة، وكذلك اختلاف الزوجين في النفقة: ظاهر العادة دفعها، والأصل ~~بقاؤها فغلبنا نحو الأول والشافعي الثاني: ونحو اختلاف الجاني مع المجني ~~عليه في سلامة العضو أو وجوده، الظاهر سلامة الأعضاء في الناس ووجودها ~~والأصل براءة الذمة. اختلف العلماء في جميع ذلك واتفقوا على تغليب الأصل ~~على الغالب في الدعاوى فإن الأصل براءة الذمة والغالب المعاملات لا سيما ~~إذا كان المدعي من أهل الدين والورع، واتفقوا على تغليب الغالب على الأصل ~~في البينة فإن الغالب صدقها والأصل براءة الذمة. # فائدة: الأصل أن يحكم الشرع بالاستصحاب أو الظهور إذا انفرد عن المعارض ~~وقد استثنى من ذلك أمور لا يحكم فيها إلا بمزيد ترجيح يضم غليها أحدها ضم ~~اليمين إلى النكول، فيجتمع الظاهران، وثانيها تحليف المدعي المدعى عليه، ~~فيجتمع استصحاب البراءة مع ظهور اليمين. وثالثها: اشتباه الأواني الأثواب ~~يجتهد فيها على الخلاف فيجتمع الأصل مع ظهور الاجتهاد ويكتفى في القبلة ~~بمجرد الاجتهاد لتعذر انحصار القبلة ms387 في جهة حتى يستصحبه فيها. # وأما أدلة وقوع الأحكام بعد مشروعيتها فهي أدلة وقوع أسبابها وحصول ~~شروطها وانتفاء موانعها، وهي غير محصورة، وهي إما معلومة بالضرورة كدلالة ~~الظل على الزوال، أو كمال العدة على الهلال وإما مظنونة كالأقارير والبينات ~~والأيمان والنكولات والأيدي على الأملاك، وشعائر الإسلام عليه الذي هو شرط ~~في الميراث، وشعائر الكفر عليه الذي هو مانع من الميراث، وهذا باب لا يعد ~~ولا يحصى. # PageV01P454 ### | الفصل الثاني في تصرفات المكلفين في الأعيان # وهي إما نقل أو إسقاط أو قبض أو إقباض أو التزام أو خلط أو إنشاء ملك أو ~~اختصا أو إذن أو إتلاف أو تأديب أو زجر. # النقل يقسم إلى ما هو بعوض في الأعيان كالبيع والقرض، أو في المنافع ~~كالإجارة ويندرج تحتها المساقاة والقراض والمزارعة والجعالة، وإلى ما هو ~~بغير عوض كالهدايا والوصايا والعمري والهبات والصدقات والكفارات والزكوات ~~والغنيمة والمسروق من أموال الكفار. الإسقاط إما بعوض كالخلع والعفو على ~~مال والكتابة وبيع العبد من نفسه والصلح عن الدين والتعزيز، فجميع هذه تسقط ~~الثابت ولا تنقله للباذل، أو بغير عوض كالبراءة من الديون والقصاص أو ~~التعزيز أو حد القذف والطلاق والعتاق وإيقاف المساجد، فجميع هذه تسقط ~~الثابت ولا تنقله. # مع العوض يقع النقل مع أحد الجانبين في العوض والإسقاط من الجانب الآخر، ~~وقد يقابل الإسقاط بالإسقاط عند تساوي الديون في باب المقاصة ولا نقل فيه، ~~فإن ما كان لأحدهما من المطالبة لا ينتقل للآخر فيصير يطالب نفسه كما حصل ~~النقل في العوض الذي كان للباذل فيه التصرف صار لمن بذل له وبهذا يمتاز لك ~~النقل من الإسقاط، ولهذا قلنا الطلاق والعتاق إسقاط؛ لأن لمرأة لم ينتقل ~~إليها إباحة وطء نفسها، ولا العبد إباحة بيع نفسه، بل سقط ما كان على ~~المرأة من العصمة وما كان على العبد من الملك ولم يصر يملك نفسه، فالمقاصة ~~سقوط قبالة سقوط كما أن البيع نقل قبالة نقل، أو يقال المقاصة مقابلة إسقاط ~~إسقاط. # القبض وهو إما بإذن الشرع وحده كاللقطة والثوب إذا ms388 ألقنه الريح من دار ~~إنسان ومال اللقيط وقبض المغصوب من الغاصب وأموال الغائبين وأموال بيت ~~المال والمحجوز # عليهم والزكاوات، أو بإذن غير الشرع كقبض المبيع بإذن البائع والمستلم ~~(1) والبيع الفاسد والرهون والهبات والصدقات والعواري والودائع، أو بغير ~~إذن من الشرع ولا من غيره كالغصب. PageV01P455 # يقبض المغصوب من الغاصب ولاة الأمور إجماعا وفي قبض آحاد الناس خلاف بين ~~العلماء، ويلحق بالغائبين المحبوسين الذين لا يلحقون بأموالهم لا يقدرون ~~على حفظها فتحفظ لهم، وكذلك المودع إذا مات وترك الوديعة ورثته غائبون ومات ~~الذي هي عنده فإن كان حيا فيحتمل أن يقال الإمام أولى من الذي هي تحت يده، ~~لأن إذن الأول انقطع بموته وهو لم يوص للثاني وهذا هو ظاهر الفقه ويحتمل أن ~~يستصحب حفظه لها حتى يوصلها إلى مستحقها. وقبض المضطر لما يدفع به ضرورته ~~هو بإذن الشرع وكذلك قبض الإنسان إذا ظفر بجنس حقه أو بغير جنسه على الخلاف ~~في ذلك والمذهب منعه، والقبض بغير إذن من الشرع قد يكون مع العلم كالغصب ~~فيأثم أو بغير علم فيعتقد أنه ماله فلا يقال إن الشرع أذن له في قبضه بل ~~غفا عنه بإسقاط الإثم، كما إذا وطئ أجنبية يظنها امرأته لا يقال إن الشارع ~~أذن له بل عفا عنه، ولا حكم لله تعالى في فعل المخطئ والناسي ولا وطء ~~الشبهات بل العفو فقط وكذلك قتل الخطأ، بل هذه الأفعال في حق هؤلاء كأفعال ~~البهائم ليس فيها إذن ولا منع. # الأقباض كالمناولة في العروض والنقود وبالوزن والكيل في الموزونات ~~والمكيلات وبالتمكين في العقار والأشجار، أو بالنية فقط كقبض الوالد ~~وإقباضه لنفسه من نفسه لولده. # ومن الإقباض أن يكون للديون حق في يد رب الدين فيأمره بقبضه من يده لنفسه ~~فهو إقباض بمجرد الإذن ويصير قبضهه له بالنية كقبض الأب من نفسه لنفسه مال ~~ولده إذا اشتراه منه. # الالتزام بغير عوض كالنذور والضمان بالوجه أو بالمال الخلط إما بشائع ~~وإما بين الأمثال وكلاهما شركة. # الشائع كنصيب من دار يقابض به نصيب آخر، فيصير ms389 قد خلط ملكه بملك من صارت ~~الشركة معه والأمثال كالزيت الذي يخلط بمثله أو البر ونحوه، بخلاف خلط ~~الغنم ونحوها فليست شركة بل خلط يوجب أحكاما أخرى غير الشركة. # إنشاء الأملاك في غير مملوك كإرهاق الكفار وإحياء الموات والاصطياد ~~والحيازة في الحشيش ونحوه. # PageV01P456 # ومن ذلك حيازة المعادن والجواهر من البحر وغيرها. # الاختصاص بالمنافع كإقطاع والسبق إلى المباحات ومقاعد الأسواق ولمساجد ~~ومواضع النسك كالمطاف ولمسعى وعرفة ومزدلفة ومنى ومرعى الجمار والمدارس ~~والربط والأوقاف. # يلحق بذلك الاختصاص بالحانات المسبلة في الطرقات والاختصاص بالكلاب التي ~~للصيد وجلد الميتة فإنا وإن منعنا بيع الكلب وجلد الميتة فإنا نمنع من أخذه ~~ممن هو بيده وكذلك الأرواث وإن منعنا بيعها فإنا نمنع من أخذها ممن حازها، ~~وإن قلنا بالاختصاص ببيوت المدارس والخوانق فمعناه أن لهم أن ينتفعوا لا ~~أنهم ملكوا تلك المنافع فلذلك له أن يسكن وليس له أن يؤجر ولا يسكن غيره ~~وممن لم يقم بشرط الواقع فإن بذلك المنفعة للغير بعوض أو بغير عوض فرع ~~ملكها وهو ليس بحاصل، بل له أن ينتفع بنفسه إذا قام بشرطها فقط دون أن ينقل ~~المنفعة لغيره. # الإذن إما في الأعيان كالصياغات أو في المنائح أو في المنافع كالعواري ~~والاصطناع في الحلق والحجامة، أو في التصرف كالتوكيل والإبضاع. # الصحيح أن عرض الطعام وتقديمه للضيف إذن له في تناوله، واشترط بعضهم ~~الإذن بالقول وهو بعيد قياسا على البيع وله أن يأكل بنفسه وليس أن يبيع ولا ~~مقدار حاجته فلا يتعدى موجب الإذن؛ لأن استصحاب الملك السابق بحسب الإمكان, ~~ونقل عن الشافعية خلاف في الزمن الذي يحصل به الملك للضيف هل هو بالتقديم ~~أو بالازدراد ولا معنى للقول بالازدراد لأن لملك هو إذن الشارع في التصرف ~~وبعد الازدراد انقطع ذلك، بل مقتضى الفقه أن يقال لا ملك هنا البتة بل غذن ~~في أن يتناول بأكله مقدار حاجته، وألحق بذلك ما دلت العادة على الإذن فيه ~~من طعام الهر ونحو ذلك فالعادة كالقول في الإذن فكلما دلت العادة عليه فهو ~~كالمصرح ms390 به في هذا وفي غيره، وكذلك إن كتب الرسائل التي تسير للناس تلك ~~الأوراق كانت على ملك مرسلها، وذلك الغزالي أنها بعد الإرسال يحتمل أن يكون ~~انتقلت إلى ملك المرسل إليه ويحتمل أن يقال إنه لم يحصل فيها إلا إسقاط ~~الملك السابق فقط وبقيت بعد تحصيل المقصود منها مباحة للناس أجمعين ما لم # PageV01P457 # يمكن فيها سر وما يحافظ عليه فإن كان كذلك فقد تدل العادة على رده لمرسله ~~بعد الوقوف عليه، وقد تدل على تحفظ الثاني به من غير رد، وقد تدل العادة ~~على تمليك الثاني لتلك الرقعة كالتوقيع التي يكتبها # الخلفاء والملوك لتشريف المكتوب غليه فإنها تبقى عند الأعقاب تذكيرا بذلك ~~الشرف وعظم المنزلة، فكل ما دلت عليه العادة من ذلك اتبع وكان كالمنطوق، ~~والمنائج الشاة تعطى لمن يأكل لبها مع بقائها على ملك ربها والأفقار الإذن ~~في ركوب البعير والإسكان الإذن في سكنى الدار والعمرى إسكانه عمره والعرية ~~هبة ثمرة النخل. # الإتلاف إما للإصلاح في الأجساد والأرواح كالأطعمة والأدوية والذبائح ~~وقطع الأعضاء المتآكلة أو المدفع كقتل الصوال والمؤذى من الحيوان، أو ~~لتعظيم الله كقتل الكفار لمحو الكفر من قلوبهم وإفساد الصلبان، أو لتعظيم ~~الكلمة كقتال البغاة أو المزجر كرجم الزنا وقتل الجناة. # البغاة هم الذين يقاتلون بالتأويل من أهل الإسلام، سموا بغاة إما لبغيهم ~~أو لأنهم يبغون الحق على زعمهم، وكان قتالهم للكلمة عنهم فرقوها بخروجهم عن ~~الطاعة ومن ذلك أعني القتال للإتلاف قتال الظلمة لدفع ظلمهم وحسم مادة ~~فسادهم وتخريب ديارهم وقطع أشجارهم وقتل دوابهم إذ لم يمكن دفعهم إلا بذلك ~~ومن ذلك قتل من كان دأبه أذية المسلمين طبعا له وذلك متكرر منه لا لعذر ~~وعظم ضرره وفساده في الأرض ولم يمكن دفعه إلا بقتله قتل بأيسر الطرق ~~المزهقة لروحه وكذلك من طلق امرأته ثلاثا وكان يهجم على الزنا بها فإن لها ~~مدافعته بكل طريق ولو لم تقدر إلا بقتله قتلته بأيسر الطرق في ذلك وكذلك ~~إتلاف ما يعصى الله تعالى به من الأوثان والملاهي. # فائدة: ms391 سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله عن قتل الهر المؤذي ~~هل يجوز أم لا فكتب رحمه الله عليه وأنا حاضر إذا خرجت أذيته عن عادة القطط ~~وتكرر ذلك منه قتل؛ فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من ألك اللحم ~~إذا ترك سائبا أو عليه شيء يمكن رفعه للهر فإذا رفعه وأكله لا يقتل ولو ~~تكرر ذلك منه لأنه طبع، واحترز بالقيد الثاني من أن يكون ذلك منه على وجه ~~القلة فإن ذلك لا يوجب قتله إنما يكون في المأيوس من صلاحه واستصلاحه من ~~الآدميين والبهائم. # PageV01P458 # وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا أذت الهرة وقصد قتلها فلا تعذب ولا ~~تخنق بل تذبح بموسي حادة لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله كتب الإحسان ~~على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» ومن هذا ~~الباب مسألة السفن وما يطرح منها خوف الغرق على المال أو النفس فإنه إتلاف ~~لصون النفس والمال. # مسألة: الحيوان الذي لا يؤكل إذا وصل في المرض لحد لا يرجى هل يذبح ~~تسهيلا عليه وإراحة له من ألم الوجع؟ الذي رأيته المنع إلا أن يكون مما ~~يذكى لأخذ جلده كالسباع. وأجمع الناس على منع ذلك في حق الآدمي، وإن اشتد ~~ألمه واحتمل أن يكون ذلك لشرفه عن الإهانة بالذبح فلا يتعدى ذلك إلى غيره. # التأديب والزجر إما مقدر كالحدود أو غير مقدر كالتعزير وهو مع الإثم في ~~المكلفين أو بدونه في الصبيان والمجانين والدواب. # فهذه أبواب مختلفة الحقائق والأحكام، فينبغي للفقيه الإحاطة بها لتنشأ له ~~الفروق ولمدارك في الفروع. # يلحق بالتأديب تأديب الآباء والأمهات للبنين والبنات والسادات للعبيد ~~والإماء بحسب جناياتهم واستصلاحهم على القوانين الشرعية من غير إفراط وكذلك ~~تأديب الأزواج للزوجات على نحو ذلكن وكذلك تأديب الدواب بالرياضات، ومهما ~~حصل ذلك بالأخف من القول لا يجوز العدول إلى ما هو أشد منه لحصول المقصود ~~بذلك فالزيادة مفسدة بغير مصلحة فتحرم حتى قال إمام الحرمين إذا كانت ~~العقوبة المناسبة لتلك الجناية ms392 لا تأثر في استصلاحه على تلك المفسدة فلا ~~يحل أن يزجر أصلا أما بالمرتبة فلعدم الفائدة وأما ما هو أعلى منها فلعدم ~~المبيح له فيحرم الجميع حتى يتأتى استصلاحه بما يجوز أن يترتب على تلك ~~الجناية. # فهذه فوائد جليلة وقواعد جميلة نفع الله بها واضعها وكاتبها وسامعها وختم ~~لنا بخير أجمعين في القول والعلم بمنه وكرمه وهو حسبنا ونعم الوكيل. # وهذا آخر شرح الكتاب المسمى بتنقيح الفصول في اختصار المحصول، نفع الله ~~به المسلمين إنه على كل شيء قدير. # PageV01P459 # وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ~~دائما إلى يوم الدين. # وكان الفراغ من تأليفه يوم الاثنين لتسع ليال مضت من شهر شعبان سنة سبع ~~وسبعين وستمائة. # يقول العبد الذليل الفقير إلى رحمة ربه العزيز الجليل طه عبد الرؤوف سعد. # وبعد: فلقد تم بعناية الله وحسن توفيقه طبع هذا الكتاب الجليل والمؤلف ~~الخطير الذي يعتبر على الرغم من صغر حجمه نسبيا من أحسن الكتب التي كتبت في ~~هذا الفن العظيم، فن أصول الفقه. # والله أرجو أن ينتفع قارؤوه بما فيه وأن يثيبني منه فضلا من عنده يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. # وصلى الله على أشرف خلقه سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه ~~واتبع طريقه. . . آمين. PageV01P460 ms393