######OpenITI# #META# URI: 0685IbnCibri.MukhtasarFiCilmNafsInsaniyya.Hindawi73717407 #META# Tags: philosophy #META# ID: 73717407 #META# Title: مختصر في علم النفس الإنسانية #META# AuthorID: 72915741 #META# Author: ابن العبري #META# EditorID: 48081579 #META# Editor: بولس سباط #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # توطئة‏ # 1 - في إقامة البرهان على وجود النفس‏ # 2 - في حد النفس‏ # 3 - في بيان أن النفس ليست جسما ولا عرضا‏ # 4 - في إبطال قول من قال: إن النفس التحام ~~العناصر‏ # 5 - في تباين النفوس الإنسانية‏ # 6 - في بيان وحدة النفوس الإنسانية بالطباع‏ # 7 - في بيان المغايرة بين أشخاص البشر من قبل القوى الثلاث1 المختصة بالأشخاص البشرية وأول ذلك في المغايرة من ~~قبل القوة النطقية‏ # 8 - في أسباب التغير العارض للقوة النطقية الموجودة1 لنوع البشر‏ # 9 - في معنى القوة الغضبية‏ # 10 - في معنى القوة الشهوانية‏ # 11 - في بيان أنه ليس في إنسان واحد إلا1 نفس واحدة‏ # 12 - في أن العضو الرئيسي للنفس هو القلب‏ # 13 - في بيان مراتب النفس وفي إدراك العلوم والمعارف غير التي قيلت ~~آنفا‏ # 14 - في بيان خواص النفس الإنسانية‏ # 15 - في إقامة البرهان على الحاجة إلى الألفاظ المستعملة بين ~~الناس‏ # 16 - في البراهين التي نطقت بها الحكماء في إضافة النفس الناطقة إلى ~~البدن وأجزائه، وهي خمسة1 أشباه‏ # 17 - في بيان خلقة النفس وأنها حادثة موجودة ~~بوجود الجسد وليست أزلية ولا قبل ~~البدن‏ # 18 - في بيان آراء أهل التناسخ‏ # 19 - في إبطال آراء أهل1 التناسخ بأسرها‏ # 20 - في أن نفوس الحيوان غير ناطقة‏ # 21 - في أن النفس لا تموت بموت البدن‏ # 22 - في بيان أن النفس عالمة بعد فراق البدن، وفيه أوجه ~~أربعة‏ # 23 - في بيان محل الأنفس بعد فراق أبدانها‏ # 24 - في بيان أن اللذات الروحية التي تحصل للنفس بعد الانحلال ~~أعظم من اللذات الجسمانية والشهوات البدنية‏ # 25 - في بيان الوحي والانكشاف الذي يحصل للنفوس البشرية والرؤيا ~~والأحلام وغيرها‏ # 26 - في بيان المكاشفات والأوحية‏ # 27 - في بيان اختلاف الناس في هذه المعجزة المذكورة بواسطة القوم ~~المذكورين‏ # الأسفار التي استشهد بها صاحب هذا ~~المختصر‏ # توطئة‏ # 1 - في إقامة البرهان على وجود النفس‏ # 2 - في حد النفس‏ # 3 - في بيان أن النفس ليست جسما ولا عرضا‏ # 4 - في إبطال قول من قال: إن النفس التحام ~~العناصر‏ # 5 - في ms01 تباين النفوس الإنسانية‏ # 6 - في بيان وحدة النفوس الإنسانية بالطباع‏ # 7 - في بيان المغايرة بين أشخاص البشر من قبل القوى الثلاث1 المختصة بالأشخاص البشرية وأول ذلك في المغايرة من ~~قبل القوة النطقية‏ # 8 - في أسباب التغير العارض للقوة النطقية الموجودة1 لنوع البشر ‏ # 9 - في معنى القوة الغضبية‏ # 10 - في معنى القوة الشهوانية‏ # 11 - في بيان أنه ليس في إنسان واحد إلا1 نفس واحدة‏ # 12 - في أن العضو الرئيسي للنفس هو القلب‏ # 13 - في بيان مراتب النفس وفي إدراك العلوم والمعارف غير التي قيلت ~~آنفا‏ # 14 - في بيان خواص النفس الإنسانية‏ # 15 - في إقامة البرهان على الحاجة إلى الألفاظ المستعملة بين ~~الناس‏ # 16 - في البراهين التي نطقت بها الحكماء في إضافة النفس الناطقة إلى ~~البدن وأجزائه، وهي خمسة1 أشباه‏ # 17 - في بيان خلقة النفس وأنها حادثة موجودة ~~بوجود الجسد وليست أزلية ولا قبل ~~البدن‏ # 18 - في بيان آراء أهل التناسخ‏ # 19 - في إبطال آراء أهل1 التناسخ بأسرها‏ # 20 - في أن نفوس الحيوان غير ناطقة‏ # 21 - في أن النفس لا تموت بموت البدن‏ # 22 - في بيان أن النفس عالمة بعد فراق البدن، وفيه أوجه ~~أربعة‏ # 23 - في بيان محل الأنفس بعد فراق أبدانها‏ # 24 - في بيان أن اللذات الروحية التي تحصل للنفس بعد الانحلال ~~أعظم من اللذات الجسمانية والشهوات البدنية‏ # 25 - في بيان الوحي والانكشاف الذي يحصل للنفوس البشرية والرؤيا ~~والأحلام وغيرها‏ # 26 - في بيان المكاشفات والأوحية‏ # 27 - في بيان اختلاف الناس في هذه المعجزة المذكورة بواسطة القوم ~~المذكورين‏ # الأسفار التي استشهد بها صاحب هذا ~~المختصر‏ # | مختصر في علم النفس الإنسانية # | مختصر في علم النفس الإنسانية # تأليف # ابن العبري # الفصل الأول # | في إقامة البرهان على وجود النفس # نقول: وجود النفس أمر فطري غني عن التعريف لأن كلا # 1 # منا يشير [2] إلى ذاته بقوله: أنا، فليس إشارته إليه ~~أمرا عدميا # 2 # فإن العدم لا إشارة إليه، وهذا معلوم عند العلماء ~~والجهال، أعني أنه ليس في العالم إنسان يغفل عن نفسه ولو قدر أن ms02 ~~يغفل عن كل ما في الوجود مثل جسمه وأعضائه وحركاته إلى غير ذلك ~~فعن ذاته لا يتصور غفوله البتة. # لكن آراء أهل العلم قد اختلفت في هذا الوجود: فقوم ظنوه جسما ~~وقوم عرضا وقوم نفوه عنهما معا. والذين ظنوه جسما زعموا أنه # 3 # هذا الهيكل الجسداني وهم المسلمون # 4 # بأسرهم وبعض النصارى، وقوم زعموا أن النفس جسم ~~منحصر في هذا الجسد، وبعض هؤلاء ظن أنها الأخلاط الأربعة، # 5 # وقوم زعموا أنها الدم فقط، وآخرون ظنوا أنها روح ~~تبرز من القلب إلى الدماغ، وقوم زعموا # 6 # أنها الأعضاء الصحاح مثل العصب والعروق والشرايين ~~والعظام وغيرها، وآخرون اعتقدوا أنها الأعضاء الرئيسية أعني ~~الدماغ والقلب والكبد والأنثيين، وآخرون ظنوا أنها ماء، وآخرون ~~ظنوا أنها [3] هواء، وآخرون ظنوا أنها نار، وآخرون ظنوا أنها ~~التحام الاسطقسات. وأرسطوطاليس وأتباعه وكافة النصارى زعموا أن ~~النفس ليست جسما ولا عرضا وهي تستعمل البدن مثل الآلة، وأنها لا ~~تموت بموت البدن وتكمل بالعلوم الإلهية وتلتذ بها وإن عدمت ~~تلك لقيت أعظم العذاب، وأنها لا تسبق البدن بوجودها ولا تنتقل ~~من بدن إلى غيره، ومع ذلك أرسطوطاليس والنصارى والمسلمون مقرون # 7 # بذلك وبعود الأبدان إلى نفوسها. # الفصل الثاني # | في حد النفس # قال أرسطوطاليس: «كمال أول لجسم طبيعي إلى ذي حياة حي بالقوة.» # 1 # فقوله «كمال» يعني # 2 # قائمة بذاتها، وقوله «أول» بالنسبة إلى الكمالات الثانية ~~التي تحصل للإنسان بالمعارف والصناعات، وقوله «لجسم طبيعي.» ~~يميزه عن الأجسام الصناعية، وقوله «إلى ذي حياة» يعني النفس ~~تستعمل [4] البدن كالآلة وبه تكسب الفضائل، وقوله «حي بالقوة» ~~يعني النفس تتحد بجسم المني الذي هو بالقوة حي. # 3 # وقال غريغوريوس النيصي: «إن النفس طباع روحاني حي عارف عري # 4 # عن الهيولى الجسمانية تظهر أفعالها بآلة الحواس ~~الجسمانية.» # الفصل الثالث # | في بيان أن النفس ليست جسما ولا عرضا # نقول: النفس ناطقة تعقل المعقولات الكلية ولو كانت جسما ~~للزمها مقدار معين وكان يلزم من ذلك تقدير معقولاتها الغير الجسمانية # 1 # وذلك محال؛ لأن الأمور المجردة عن المادة مثل ms03 ~~الإنسان الكلي والحيوان الكلي كيف يمكن تقديرها بقدر معين ~~وشكل مخصص؟ وإذا لم يمكن ذلك في معقولاتها امتنع أيضا في ذاتها # 2 # أعني القدر المعين والجسمية. # إنها لو حلت في عضو من الأعضاء وكان قوامه بها لزم أن تعقل ~~به دائما مثلما تعقل بذاتها، وليس [5] الأمر كذلك لأنا نرى ~~الإنسان في أكثر أحواله يفعل عن جميع بدنه فإذن ليست # 3 # في عنصر بل قائمة بذاتها. # لو كانت جسما أو قائمة به للزمها الضعف بضعفه والانتعاش ~~بانتعاشه، وليس الأمر في هذه الصفة لأننا نرى بعد الأربعين ضعف القوى ~~البدنية وانتعاش القوى النفسانية مع عظم الإدراك وكمال العقل، ~~ويشهد على هذا ما نطق به بولس الرسول حيث قال: «وإن كان الإنسان ~~الظاهر يضعف لكن # 4 # الباطن ينتعش.» # 5 # وكذلك نرى الحواس الظاهرة يعرض لها الكلال أو سقوط قوتها ~~بالكلية والنفس بالعكس من ذلك، أعني الحس يضعف بإدراك القوى مثل عجز # 6 # العين عن إدراك الشمس والأذن عن الأصوات الهائلة، والنفس ~~تقوى بإدراك العظائم فإذن ليست بجسم. وكذلك يعرض للحواس أنها لا ~~تقدر على إدراك الضعيف بعد القوي مثل الناظر زمانا طويلا إلى قرص ~~الشمس فيعجز بعد ذلك عن إدراك مصباح موضوع بين يديه. ~~[6] إننا نعلم بالضرورة أن السواد ضد البياض ولو لم يجتمعا # 7 # معا في فكرنا لما أمكننا # 8 # الحكم عليهما بهذا الحكم، ومن المعلوم أن الضدين لا يجتمعان # 9 # في موضع واحد في زمان واحد، فإذن الذي اجتمعا فيه ~~معا غير جسم وهو النفس الناطقة. # إن صورة ما إذا وجدت في جسم ما فلا يمكنه قبول غيرها إلا ~~إذا زالت الأولى، والنفس يمكنها قبول كثير من الصور المعقولة في آن # 10 # واحد فإذن ليست بجسم. # إن الإنسان يشير إلى كل واحد من أعضائه بقوله: يدي وكبدي وقلبي ~~وجسمي، ومن المعلوم أن القائل غير المشار إليه، فالنفس ليست ~~بجسم. # فأما شواهد الكتب الإلهية على أن النفس ليست بجسم، فمن ذلك ما ~~قيل: «نخلق إنسانا كصورتنا.» # 11 # وهو تعالى غير جسم فالنفس ms04 كذلك. وقال داود: «فإذا ما ~~أتيت أنظر وجهك.» # 12 ~~[7] والبارئ تعالى غير جسم فكذلك الناظر إليه # 13 # وهو النفس. وقول مولانا: «إن النفس مستعدة والبدن ضعيف.» # 14 # فلولا أن النفس غير جسم لما وقع بينهما الاختلاف. ~~وقول بولس: «نحن عارفون أننا مهما دمنا في هذا البدن فنحن ~~بعيدون عن مولانا وكذلك نحن مشتاقون إلى فراقه لنقرب منه تعالى.» # 15 # وقول غريغوريوس الإلهي: «يجب علينا غاية الاهتمام ~~والاعتناء بهذه النفس التي وهبت من الله تعالى من العالم ~~العلوي وربطت بهذا البدن.» وقال العظيم أوغريس: «إن ثروة النفس ~~المعرفة الروحانية وفاقتها # 16 # عدم ذلك.» فلو كانت جسما لما كان الأمر كذلك. # الفصل الرابع # | في إبطال قول من قال: إن النفس التحام ~~العناصر # فنقول: إن الجسد مركب من اجتماع العناصر الأربعة # 1 # ولما كان [8] مجتمعا # 2 # من الأضداد افتقر إلى علة أخرى غيره تضبطه في ~~الوجود لأن هذه المجتمعة في تركيبه يقع بينها الغلب والتغالب، ~~وليس الضابط لها المزاج # 3 # لأن المزاج تابع لها والعلة الجامعة يجب أن تكون ~~مقدمة على معلولها، فإذن ضابط المجموع شيء آخر وهو النفس. # وأيضا فقد نرى مزاج البدن يشتاق إلى شيء ويتلهف على الحصول ~~عليه والنفس تمنعه عن الحصول على مرامه، # 4 # فنعلم أن المشتاق غير المانع، فإذن النفس ليست ~~مزاجا. # الفصل الخامس # | في تباين النفوس الإنسانية # قال أرسطوطاليس وجماعة من أهل العلم: «إن نفوس البشر بأسرها طبع ~~واحد وليس بينها اختلاف إلا بالأعراض واللذات وكيفيات ~~الأمزجة [9] وترجيح الفضائل والرذائل وغلبة الأخلاط بعضها بعضا»، ~~وهذا الرأي أصوب الآراء # 1 # بأسرها لأنه موافق لعلم الطبيعة وعلم الشريعة. ~~وقال آخرون: «إن سائر النفوس الحيوانية والبشرية واحدة بالطبع لكن ~~الاختلاف حصل بينها بالأبدان فقط.» يعني أن نفس الفرس لو حلت في ~~بدن الإنسان لكانت ناطقة وبالعكس، وهذا المذهب باطل ومحال لأن نفس ~~الإنسان مغايرة لنفس الحيوان على ما يأتي بيانه فيما بعد. # 2 # وقال آخرون: «إن نفوس البشر هي مثل الجنس وتحتها ~~أنواع كثيرة مغايرة بعضها لبعض بالطباع، وكل نوع ms05 منها قد صدر عن ~~نوع من أنواع العقول المجردة ويشبه النوع الذي صدر عنه؛ ولذلك ~~فإن النفوس التي صدرت عن نوع معلوم بينها محبة صادقة وما ليس ~~فليس؛ ولذلك قد نرى غرباء متحابين وأقارب متباغضين.» # 3 # وقال آخرون: «إن نفوس البشر بأسرها مختلفة بالطباع [10] ~~وليس فيها اتفاق إلا بأعراض الفضائل والرذائل، وذلك مثل طباع ~~الشمس والقمر والكواكب ومثل طباع الأطيار وغيرها.» # الفصل السادس # | في بيان وحدة النفوس الإنسانية بالطباع # فنقول: لو كان بين النفوس اختلاف بالفصول الجوهرية لوجب أن تكون ~~مركبة من الجنس والفصل. ولما كانت بسيطة غير مركبة امتنع ~~الغيار بينها بالطباع، وإذا امتنع ذلك وجب وحدة الطباع وهو ~~المطلوب. # ونقول: لو كانت مغايرة بالفصول لوجب التغاير في حد أشخاص ~~البشر، وذلك محال لأن حد الإنسان على الإطلاق حيوان ناطق، ولما ~~لزم الحد في الجميع أمرا واحدا # 1 # وجب أن يكون الطباع واحدا. # الفصل السابع # | في بيان المغايرة بين أشخاص البشر من قبل القوى الثلاث1 المختصة بالأشخاص البشرية وأول ذلك في المغايرة من ~~قبل القوة النطقية # [11] نقول: إن للإنسان ثلاث قوى موجودة: القوة النطقية والغضبية ~~والشهوانية. والقوة النطقية بها يوجد الإدراك والتمييز # 2 # والتعقل، وهذه على ضربين: أحدهما طبيعي والآخر كسبي. ~~فالطبيعي كقولنا: الاثنان # 3 # نصف الأربعة والكل أعظم من جزئه والجسم الواحد لا يكون ~~في مكانين في آن واحد وأشباه هذه. وأما الكسبي فهو على قسمين: ~~أحدهما العلوم العقلية والنقلية والثاني العلوم الصناعية، وقليل من ~~البشر يحيط بالأمرين كاملين وكثير يعدم الأمرين المذكورين ~~وبعض يجد الأول ويعدم الثاني وبعض على العكس. ~~[12] وتنحصر درجات المعارف في ثلاثة وإن كانت كثيرة: فالأول ~~هو الماهر في جميع المعارف وهذا نادر، والثاني عديم # 4 # الكل وهؤلاء كثيرون، والثالث بالبعض ماهرون وعن البعض ~~عاجزون، وهؤلاء أيضا كثيرون. فنرى إنسانا يشرح كتبا شتى خلوة ~~وفي الجمهور يعجز # 5 # عن إنشاء أدنى رسالة، ونرى قوما آخرين بالعكس مما ~~ذكرناه، وبعضا يعرف الكتب خلوة ويعجز عن قراءة فصل واحد إذا ~~التف عليه الجمهور. # ثم من الناس ms06 من يحدق بالعلم سريعا ولا يدركه # 6 # النسيان أو يدركه بعد مدة مديدة وهذا نادر، ومنهم ~~من هو بالعكس مما ذكرناه، وقوم يحدقون # 7 # سريعا وينسون سريعا، وآخرون يحدقون بطيئا وينسون ~~بطيئا، وهذان الأمران متوسطان # 8 # لكن الأخير أرجح إذ يوجد لأهل الجهاد. # 9 # ومن الناس من يفهم ما يتعلمه وفق ما ينبغي، وقوم ليس كذلك، ~~والأولون إما أن يستطيعوا الزيادة [13] على ما يحصلونه أو أن لا ~~يستطيعوا ذلك، وأولو القسم الثاني إما أن لا يفقهوا ما تسلموه ~~أو أن يفقهوا يسيرا وعلى عكس ما تسلموه، والقسم الأخير مرض ~~عسر علاجه وممتنع كفانا الله إياه. # الفصل الثامن # | في أسباب التغير العارض للقوة النطقية الموجودة1 لنوع البشر # أما السبب الأول : # فهو أن دماغ الإنسان له بطون ثلاثة: الأول الذي فيه ~~الحس المشترك، والثاني هو مسكن القوة المتخيلة، ~~والأخير الذي فيه القوة الذاكرة. والأول يجب أن يكون ~~مزاجه رطبا فيه قليل من اليبوسة حتى يقبل صورة ~~المحسوسات بسهولة ولا تزول سريعا لأجل اليبوسة ~~الموجودة؛ ولأجل ذلك فرض التعليم للأطفال بحيث ترسخ ~~العلوم في قواهم الباطنة بسبب الرطوبة الغالبة في تلك ~~[14] القوى؛ فإن سن الكبر يوجد زيادة اليبس في ~~تلك القوى فيعسر عليها # 2 # قبول العلوم. فأما مزاج التجويف الأوسط ~~فيجب أن يكون مائلا إلى الحرارة لأنه معدن القياسات، ~~وهي تفتقر إلى سرعة الحركة والحرارة ولكن بشرط الاعتدال؛ ~~لأن الإفراط يوجب اختلاط الحق بالباطل والتفريط ~~يوجب عدم الحركة. وأما التجويف الأخير فيجب أن يكون ~~مائلا إلى اليبس ليحفظ ما يرتسم من الصور ~~العقلية. # السبب الثاني: # هو أن بين البطن الأول والأوسط مسلكا # 3 # فيه جسم يشبه الدودة ويعرض له ~~الانبساط واللطف وينفتح ذلك المسلك وتجري الروح ~~من الأول إلى الأوسط، وهناك تنتقل الصور من المشترك # 4 # إلى المفكرة، ووقت يجتمع ذلك الجسم ~~ويغلظ يسد ذلك المسلك وتنحبس الروح عن الجريان # 5 # ويمتنع انتقال الصور، فإذن كل ~~إنسان مزاج دماغه غليظ يعسر فيه حركة الجسم ~~المذكور [15] ولذلك يكون قليل الفهم بعيد # 6 # المعرفة والذي ms07 دماغه مائل إلى الحرارة ~~بالعكس من ذلك. # السبب الثالث: # أن شكل الرأس وأجود أشكاله ما كان مسفطا قليلا ~~بين اليمين إلى الشمال حتى يحصل منه شبه دائرة مما يلي ~~الجبهة وأخرى أصغر مما يلي القفا؛ لأن المقدم هو ~~تجويف فإذا امتنع المقدم يحصل الأذى للمشترك وإذا ~~امتنع المفكر # 7 # تأذى المذكور وإن امتنعا تأذيا. # السبب الرابع: # هو أن الرأس والبدن إما أن يكونا كبيرين، أو ~~صغيرين، أو الرأس صغيرا # 8 # والبدن كبيرا، أو بالعكس. والأول يكون فيه # 9 # الدماغ والقلب قويين وذلك الإنسان يكون ~~كاملا في صورته، وأما الثاني فيكون # 10 # ناقصا فيهما، وأما الثالث فيكون قلبه ~~قويا وغزير الحرارة والدماغ صغيرا قليل [16] ~~البرودة، وذلك يكون سريع الغضب والعطب، وأما ~~الرابع فيكون قلبه صغيرا ودماغه كبيرا بسبب كثرة ~~المادة ولذلك يكون قليل الفهم ضعيف القلب. # الفصل التاسع # | في معنى القوة الغضبية # وهي التي تدفع ما يضرنا أو ما نظن أنه كذلك، ومسكنها ~~القلب، وله تجويفان: أحدهما يمينا والآخر شمالا، ففي الشمال ~~يتولد جسم لطيف بخاري روحاني منه تنبعث الروح الحيوانية في ~~الشرايين إلى سائر أقطار البدن، وفي هذه الروح يوجب الفرح والترح # 1 # فإن توفرت # 2 # حرارتها أوجبت السلاطة والوقاحة وإن نقصت آثرت ~~الذلة والفساد وإن اعتدلت آثرت الشجاعة، وكذلك الاهتمام ~~بالأمور والسرعة فيها والتأخر عنها بسبب زيادة الحرارة ونقصانها إلى ~~غير ذلك. # الفصل العاشر # | في معنى القوة الشهوانية # [17] وهذه القوة تختص بالكبد والكلى. فإن كان البدن كبير ~~المقدار أو صغيرا # 1 # فالمعدة تابعة له، وحاسة الجوع توجد للإنسان ~~بواسطة خلط سوداوي طيب ينصب إلى فم المعدة من الطحال في ~~مسلك موجود # 2 # بينهما فيحرك # 3 # المعدة إلى طلب الأكل، فإذا كان البدن كبيرا ~~والمعدة مناسبة له والمسلك واسعا كان الإحساس بألم الجوع ~~غالبا، وإن كان الأمر بالعكس فبالعكس، وإن كان متوسطا فمثله. ~~كذلك القول في معنى الكبد أيضا واتساع مجاريه. وأما أصحاب ~~البلغم التفه فالغالب على مأكلهم الحريف الحاد، والذين قد ~~غلب اليبس على معدتهم يشتهون الحلاوات والأدهان، وقس ms08 الباقي ~~على هذا النحو. # الفصل الحادي عشر # | في بيان أنه ليس في إنسان واحد إلا1 نفس واحدة # [18] فنقول: ليس النفس الناطقة شيئا إلا ما يشير كل واحد من ~~الناس إلى ذاته بقوله: أنا، ويشهد العقل الصافي أن هذا ليس ~~إلا شيئا واحدا # 2 # فقط والطبع أيضا شاهد كذلك. # إن الغضب حال نفسانية بها تدفع المضار، والشهوة حال ~~نفسانية يجذب بها النافع إلى ما هو ملائم له، والدافع يعلم ~~ما هو دافع له وكذلك الجاذب يعلم ما هو جاذب له، ومن المعلوم ~~أن ذلك العالم بهذه الأفاعيل الصادرة هو الذي أدركها قبل ~~تصرفه فيها وليس ذلك إلا النفس الواحدة وهو المطلوب. # إن الإنسان جسم متنفس حساس متحرك بالاختيار، ومن المعلوم ~~أن الحساس هو المتحرك وهو المختار، والاختيار [19] إن كان ~~جاذبا فهو شهواني وإن كان دافعا فهو غضوب. # 3 # الفصل الثاني عشر # | في أن العضو الرئيسي للنفس هو القلب # فنقول: إن البدن هو جسم مركب من الطباع الأربعة لكن الغالب ~~على مزاجه النارية والهوائية وذلك معلوم من زيادته بالحرارة ومن ~~انحلاله بالبرودة، ولكن البارئ تعالى ركب الأعضاء من الأجزاء ~~الأرضية والسماوية # 1 # وخلق الأرواح من الهوائية والنارية ولأجل لطافة ~~الأجزاء البخارية وضعها في وسط الأعضاء المذكورة، والقلب هو الموجود ~~بهذه الصفات وذلك ظاهر؛ ولذلك قال # 2 # أهل صناعة التشريح: «إن القلب أول الأعضاء وجودا ~~وآخرها عدما.» ونعم ما قالوه، فإذن هو العضو الرئيسي. # إن البدن يوجد ويتولد من الحرارة وهي تقوى بالأوفر [20] إذا ~~اجتمعت في مكان واحد، ومن المعلوم أن اجتماعها في القلب، فإذن ~~هو العضو الرئيسي. # إن النفس الحيوانية حساسة متحركة بالاختيار، ولكن هذه النفس ~~ترتبط بالروح الذي في القلب؛ لأنها حساسة متحركة بالإرادة، ~~فقد اتضح أن القلب معدن الإدراك والقوة المتحركة وليس ~~الدماغ، كما زعم جالينوس. # إن الحس والحركة يوجدان # 3 # بالحرارة ويبطلان بالبرودة، والقلب حار والدماغ ~~بارد، فإذن القلب معدن الحس والحركة وليس الدماغ. # إن الإنسان يشير إلى ذاته بقوله: أنا، وتلك الإشارة إلى قلبه # 4 # فعلم أن الإنسان ms09 الحقيقي هو الساكن في القلب. # إن القلب وضعه في وسط البدن بحيث تتأدى القوى إلى سائر ~~أقطار البدن كالملك الجالس في وسط بلاده كي يمنحها الفوائد ~~بالسوية، فإذن القلب [21] هو العضو الرئيسي وليس الدماغ. # إن اللفظة البارزة تدل على أنها مقلدة من النفس الناطقة، ~~واللفظة هي من الصوت، والصوت يوجد بواسطة النفس ومخرج النفس ~~يكمل بالقلب لأن القلب يجدد الراحة من الحرارة بإبدال النفس ~~ولذلك يدفع حارا ويجذب باردا، ولما كمل الصوت بالقلب واللفظة ~~بالصوت وكانت النفس الناطقة يظهر وجودها بالوافر # 5 # من اللفظة البارزة علم أن آلة النفس الناطقة هي القلب ~~دون الدماغ. # شواهد الكتب المقدسة على هذه القضية: «وغلظ الرب قلب فرعون.» # 6 # وقال داود: «لماذا أغضب الخاطئ الله تعالى ونطق قلبه ~~أنه لا ينتقم.» # 7 # وقال: «الرجل مع قريبه بقلبين منقلبين.» # 8 ~~[22] و«يقول الأثيم في قلبه أن ليس إله.» # 9 # و «ينطق الحق في قلبه.» # 10 # و«أوامر الرب تبهج القلب.» # 11 # و«إنك منحته مراد قلبه.» # 12 # و«يحيى قلبه إلى الأبد.» # 13 # و«رجع قلبي وتركتني قوتي.» # 14 # و«قلبي هذيذي # 15 # ينطق العلم.» # 16 # وقال الإنجيل الطاهر: «يا ثقيلي # 17 # القلوب.» # 18 # و«طوبى للنقية قلوبهم.» # 19 # وقال بولس: «أظلم # 20 # قلبهم.» # 21 # و«لأجل قساوة قلبكم # 22 # الذي لم يتب.» # 23 # وقال غريغوريوس: «إن الإنسان الخفي هو في القلب.» وقال ~~أوغريس: «العقل في القلب والتمييز في الدماغ.» # الفصل الثالث عشر # | في بيان مراتب النفس وفي إدراك العلوم والمعارف غير التي قيلت ~~آنفا # وهي أربع: الأولى تسمى العقل الهيولي كنفس الأطفال الخالية ~~[23] من جميع العلوم والمعارف ولكنها مستعدة لقبولها بالقوة ~~والإمكان. # الثانية: العقل بالملكة، أعني الطبيعي دون الاكتسابي من الغير، ~~وهو يوجد # 1 # في جميع الناس مثل أن الكل أعظم من جزئه وأمثال ~~ذلك، وبواسطة هذا العقل تحصل جميع العلوم والمعارف، والناس مختلفون # 2 # في هذا العقل: فمنهم من يحصل معارف # 3 # كثيرة وآخرون قليلة، ومنهم من يتسنى # 4 # لهم معرفة العلوم بواسطة هذا العقل، وآخرون يعسر عليهم ~~ذلك، فإن بعض ms10 الناس إذا فكر أن القابل الفساد يجب أن يكون ~~هيولانيا وفكر مع ذلك أن النفس ليست هيولانية عرف سريعا أن ~~النفس لا # 5 # تموت، وآخر ليست معرفته بهذه السرعة بل بعد حين، ولكن هذه ~~المعرفة تنتهي في حد النقصان إلى من لا إدراك له البتة، وتنتهي ~~أيضا في طرف الزيادة إلى من يعرف ويدرك كل شيء بلا ضد ~~يضاده ولا مانع يرده # 6 # وذلك مثل الأنبياء والفلاسفة الأولين. ~~[24] الرتبة الثالثة هي التي تدعى عقلا بالفعل وهو الذي يدعى ~~عند حصول جميع المعلومات التصديقية لكنها لا تكون حاضرة في ذهنه ~~دائما بل متى شاء إحضارها أحضرها بلا كد. # الرتبة الرابعة هي المدعوة العقل المستفاد وهو عند كون جميع ~~المعلومات بأسرها # 7 # حاضرة في ذهنه لا تغيب عنه البتة، وإذا بلغت النفس ~~هذه الدرجة فقد بلغت الغاية القصوى وهي أرفع مراتب ~~الإنسان. # وأنزل مراتب العقل هو الفاعل بتصيير # 8 # الحس الخارج لا يدرك المحسوس إلا مع المادة ~~المكشفة له مثل العين والأذن وغيرهما. أما الحس الباطن فيقدر ~~على إدراك المحسوس بعد غيبته ولكن مع المادة المكشفة له، وذلك ~~مثل الحس المشترك والخيال وغيرهما. وأما العقل فإنه يدرك ~~الأمور عارية عن الهيولى ويجعل الهيولانية غير هيولانية ~~بتجريدها عن مشخصاتها، مثل سقراط وأفلاطون اللذين يجردهما ~~ويدركهما في صورة الإنسانية [25] مجردة عن المادة، وإذا كان ~~فعله في ذوات المواد هذا الفعل فكم بالحري المجردات بالذات إذا ~~لم تعم الأمور الهيولانية بصيرته! يعني أنه يدرك النفوس والعقول ~~المجردة، حتى البارئ تعالى لأنه تعالى يتراءى لأولي # 9 # العقول الصافية. وهذه المعلومات المذكورة إما أن ~~تدرك بالرياضة والجهاد وتطهير الخواطر وتنقية الأذهان مثل ~~الأنبياء والحواريين والوحداء # 10 # الكاملين والزهاد والمتعبدين، أو بتركيب ~~المقدمات والقياسات والبراهين، وإلى هذه أشار أوغريس حيث قال: ~~«إن نظر العقول كما ينبغي إما من العقل الطاهر أو من علم ~~الحكماء المحققين.» # الفصل الرابع عشر # | في بيان خواص النفس الإنسانية # فأول ذلك التعجب، وهو أن يبصر الإنسان شيئا أو يفكر [26] في ~~فن لا يعرف سببه ms11 فيحصل في نفسه أمر خاص يدعى التعجب، ~~وإذا عظم ذلك الأمر جدا فيدعى دهشة وحيرة. # وأما الضحك فسببه أن الإنسان إذا أحس بشيء لذيذ فيحصل له ~~حال ما خاصة في نفسه حتى تتراخى وتنحل مسام البدن والكبد ~~ويندفع منها # 1 # بخار إلى الوجه ثم ينبسط حتى ينفتح الفم ويحصل ~~الضحك. # أما سبب البكاء فهو أن الإنسان إذا أحس بضرورة فتنطبق ~~الحرارة الغزيرة إلى داخل ويضغط # 2 # دم القلب والدماغ وتندفع الرطوبة التي في مرتع ~~الدماغ في الجفون إلى العين وعند انطباق الأجفان تجري الرطوبة ~~المذكورة. # والخجل إذا فكر الإنسان أن صاحبه قد أحس بقبيحة فعلها أو ~~كلمة غير لائقة قالها أدركه الخجل بديهيا، وبعد ذلك يشجع ~~نفسه كأنه لم يفعل ذنبا عظيما ولذلك تعود تنبسط الحرارة إلى ~~خارج ويحمر [27] وجهه بسبب تخلخل لحمه من ذلك الدم الذي ~~يتبع الحرارة بالانجذاب والاندفاع بالحركة. # أما في الخوف فيعظم الخجل حتى يحصل اليأس من التشجع # 3 # ولذلك تعود الحرارة إلى داخل ويعود معها الدم ويكمد # 4 # لون الذين تنالهم هذه الحالة. # والحياء سببه أن الإنسان إذا عقد على أمر يبغي فعله وذلك ~~الأمر منكر عند الناس فيقصر عن فعله وإن كان لا سبيل لهم إلى تبكيته # 5 # فيتركه حياء منهم. # الفصل الخامس عشر # | في إقامة البرهان على الحاجة إلى الألفاظ المستعملة بين ~~الناس # فنقول: لما لم يكن الإنسان بحيث يستقيم أمر حياته في الدنيا ~~إلا بصحبة آخر من نوعه، لأن الإنسان الواحد عاجز عن القيام ~~بجميع أموره التي يضطر إليها من المآكل والمشارب والملابس ~~التي تعمل بالصنائع المختلفة، وجب # 1 # اجتماع الناس [28] إلى القرى والمدن بحيث تحصل ~~المساعدة المذكورة لينتظم قوام وجودهم في الدنيا، وذلك لا ~~يتم إلا بالخطاب والجواب فاقتضت الحكمة الإلهية إيجاد ~~الألفاظ التي تجري بين الناس في المعاملات والمحاكمات ~~والمخاطبات فركبوا الألفاظ البارزة بالجذب والدفع من قصبة ~~الرئة والحنجرة وتشكيل اللسان والأسنان # 2 # والشفاه بصور مختلفة قبالة ما تقع الحاجة ~~إليه. # القول في الأمور الرمزية: إن الإنسان له من الاستطاعة ms12 والقدرة ~~أن يركب لكل شيء في الوجود شكلا خاصا # 3 # دون شكل غيره ويشير إليه بشكله إما بعينه وإما ~~بشفتيه أو بإصبعه بل بكل # 4 # أعضائه المتحركة بإرادته، وذلك عندما يحصل الاتفاق ~~بينه وبين غيره على هذه الاصطلاحات المذكورة مثلما لكل عدد من ~~الأعداد علامة [29] في الأصابع دون علامة غيره، والإنسان الأخرس قد يوجد # 5 # عنده كثير من هذه الإشارات المذكورة والأمارات المشهورة. ~~ولقد كان يمكن أن يسلك الناس هذا المسلك لكن الألفاظ المذكورة ~~أجلى وأسهل وأقرب إلى المعرفة وألحق بنوع البشر. # 6 # القول في الكتابة، نقول: مثلما أن لكل معنى في الوجود لفظة ~~تختص به كذلك يمكن أن يجعل لكل معنى # 7 # صورة خاصة. ولما كانت المعاني غير متناهية وصورها ~~غير متناهية وكان الإنسان عاجزا عن ضبط جميع الصور المذكورة في ~~ذهنه وذاكرته، تحيل # 8 # الناس على تحصيل هذه الحروف البسيطة وتسنى لهم تركيب ~~الأسماء والمعاني المتغيرة المتناهية نعمة من الله تعالى على ~~خلقه ولطفا بضعف قدرتهم تبارك اسمه العلي العظيم. # في الصنائع: حد الصناعة أنها ملكة في أمر عملي فكري [30] ~~بواسطتها يخرج الإنسان أصناف المركبات من القوة إلى الفعل؛ ولهذا ~~الأمر مبدآن: أحدهما الفاعل، والثاني الآلة. أما الفاعل فالقوة ~~المفكرة المتصرفة فيما ينبغي أن يفعل، وأما الآلة فالأعضاء ~~البدنية؛ ولذلك لو لم يتقدم الفكر ويصور أولا صورة المصنوع ~~في ذهنه لما قدر على إتقانه كما ينبغي، وبهذه الحالة تتفاضل ~~الصنائع على أمثالها، وإن كانت رياضة الأعضاء تساعد على ذلك الأمر، ~~لكن الفكر أعظم وأقدر. # في الحسن والقبح # 9 # والنفيس والخسيس: ومن الحيوان ما لا # 10 # يفعل المكروه والأذى كالأسد الذي لا يؤذي مربيه، ولكن ~~هذا ليس له بالطبع والكيان بل بالقهر. أما الإنسان فليس كذلك بل ~~يعلم النفائس والخسائس بذاته، وهذا إذا لم تدخل النفس الإنسانية ~~تحت حكم القوى الحيوانية. # الفصل السادس عشر # | في البراهين التي نطقت بها الحكماء في إضافة النفس الناطقة إلى ~~البدن وأجزائه، وهي خمسة1 أشباه # [31] الشبه الأول؛ قالوا: # إن ~~مثل النفس مثل # 2 # الملك، ms13 والجسد ولاية مملكته؛ ولهذا # 3 # الملك كتاب وأجناد وحكام وهم الحواس الظاهرة ~~والباطنة، ومثلما ينجو الملك ويتنعم بواسطة المذكورين، كذلك ~~النفس تستفيد بواسطة الحواس معرفة الحق لتهتدي به إلى معرفة ~~الخير؛ فإن الحواس إذا أدركت المحسوس بادر العقل إلى الفصل # 4 # والتمييز، وعند ذلك تصير الجزئيات أمورا # 5 # كلية عارية عن المواد راسخة في ذات النفس مكتسبة ~~لها، ومثلما أن الملك إذا أحسن سياسة الرعية لئلا يدركها ~~الفاقة والضعف فتعجز عن أداء حقوقه والإقامة بواجبه، كذلك النفس ~~مع سياسة بدنها تحصل بواسطته على [32] اقتناء الحكمتين، أعني ~~النظرية والعملية، وإلى هذه الحال أشار بقوله السعيد بولس إلى تلميذه ~~حتى يحسن # 6 # سياسة جسده. # 7 # ومثلما أن الملك لا يمكن الولاة والحكام من ~~الغنى والخيل والسلاح لئلا يعصوا أمره ويحاولوا إهلاكه، كذلك ~~يجب على النفس أن لا تمكن القوى البدنية من الإفراط بحيث لا ~~تقهرها، بل الواجب عليها الاعتناء والاهتمام لتستعلي على ~~الجوارح البدنية. # الشبه الثاني؛ قالوا: # النفس ~~كالملك والعقل وزيره الذي يحاول فوائده، والقوة الشهوانية معد ~~طعامه والغضبية خازن داره، فقد يقع # 8 # أن طباخه يعد من الأطعمة ما هو شهي الأكل ويضع فيه # 9 # سما قاتلا، وكذلك الخازن أحيانا ما ينهر الأصحاب ~~والأحباب من مواجهة مولاه ويقدم الأعداء والمبغضين والمبكتين ~~الذين يتطرق [33] إلى الملك بمداولتهم غاية الضرر والهلاك، ~~وقد يتفق أن يتساوى # 10 # الوزير والطباخ على إتعاب الملك، والخازن لا ~~يوافقهما؛ ولذلك يجب على الملك أعني النفس أن تستيقظ لسياسة ذاتها ~~وتفحص عن # 11 # أحوال جوارح بدنها وتمنعها عن إتمام # 12 # أفعالها البدنية. # الشبه الثالث؛ قالوا: # النفس ~~ملك والبدن بلدته والحواس جنوده والأعضاء رعيته والقوة ~~الشهوانية والغضبية أعداؤه المشاجرون له على أخذ ملكه منه، فإن ~~استيقظ فقاتلهم وقهرهم وأضعفهم سلم ملكه عليه وتمكن من ~~حكمه فيه، وإن لم يفعل ذلك صاروا عليه متواطئين ولبلاده آخذين ~~ولرعاياه محرقين # 13 # وله قاتلين. # الشبه الرابع؛ قالوا: # تشبه ~~النفس فارسا برز إلى الصيد والشهوة جواده والغضب كلبه، فإن كان ~~ماهرا في صناعة الصيد وجواده ms14 مرتاضا وكلبه معلما # 14 # تسنى له الاصطياد [34] وفق المراد، وإن كان الأمر ~~بالعكس مما ذكرناه، أعني الفارس عادم الصناعة # 15 # والفرس بعيدا من الرياضة والطاعة والكلب غير معلم ولا ~~قناعة عنده، # 16 # خاب مطلبه ومسعاه. # الشبه الخامس؛ قالوا: # إن نظر ~~العقل يشبه نظر الحس بفنون أربعة: الفن الأول: كما أن العين ~~تعجز عن إدراك المحسوس الزائد الإشراق مثل الشمس، كذلك العقل بالنسبة ~~إلى العظائم كالبارئ تعالى. الفن الثاني: مثلما أن العين تعجز عن ~~إدراك الملامس، هكذا العقل يعجز عن إدراك القريب إليه كالعقول ~~والنفوس. الفن الثالث: مثلما أن العين إذا لم تحرك حدقتها ~~حركة عنيفة إلى نحو المحسوس وتجمع ذاتها لن تستطيع إدراك ما # 17 # بعد عنها، كذلك العقل إن لم يزعج حركته ويجمع ذاته ~~من التبدد # 18 # من الحواس لم يتمكن من الإدراك. [35] الفن الرابع: ~~مثلما أن العين لا تستطيع الإبصار إلا # 19 # بواسطة ضوء الهواء، كذلك العقل لا يقدر على الإدراك ~~إلا بإشراق الروحانيين عليه، ومثلما أن الشمس هي النير ~~الأعظم ثم القمر دونه ومنه يقبل النور ثم بعده # 20 # النور، كذلك البارئ تعالى نور الأنوار كلها، ومنه تقبل ~~العقول المجردة أنوارها، ومنه يشرق النور إلى نفوس البشر المنسلخة ~~من أجسادها. # الفصل السابع عشر # | في بيان خلقة النفس وأنها حادثة موجودة ~~بوجود الجسد وليست أزلية ولا قبل ~~البدن # البرهان الأول: # نقول: لو كانت أزلية وقبل البدن فإما أن تكون ~~واحدة أو كثيرة. والأول باطل لأنها إما أن تحل ~~في أبدان كثيرة وهي واحدة وذلك محال لأنه يلزم أن ~~يكون ما عمله الشخص الواحد عمله الجميع وهو ~~باطل، وإما أن تنقسم النفس إلى أشخاص البشر [36] ~~وذلك محال لأن النفس ليست بجسم وكل ما هو غير جسم ~~فتقسيمه محال. والثاني أيضا محال لأن الاختلاف مزمع أن # 1 # يكون بالفصول أو بالأعراض، والأول محال ~~لأننا بينا أن النفوس واحدة بالطباع، # 2 # والثاني أيضا محال لأن الأعراض لا ~~تلحق إلا الأجسام والنفوس غير أجسام. فإذن النفوس ~~غير قديمة ولا يتصور لها الوجود ms15 قبل الأبدان. # 3 # البرهان الثاني: # إن كانت النفس قديمة فلا تخلو من أنها إما كانت # 4 # قد حلت في أبدان أخر غير هذه الأبدان ~~أو لم تكن قد حلت في شيء، والأول محال على ~~ما سيظهر بعد في ~~أن التناسخ محال، # 5 # والثاني أيضا محال لأنه إما أن تكون ~~عالمة أو لا تكون، # 6 # فإن كانت عالمة استحال حلولها في هذه ~~الأبدان الحيوانية وكان حلولها فيها محالا # 7 # بعد علمها، وإن كانت قديمة غير عالمة ~~فهو محال؛ لأنها تكون خالية من جميع المعارف فيكون ~~وجودها باطلا ولا باطل # 8 # في الوجود. ~~[37] فأما شواهد الكتب الإلهية على حدوث الأنفس، # 9 # فمن ذلك ما قيل: «صور الله آدم ونفخ في وجهه نسمة الحياة.» # 10 # وقول أيوب: «أخذت طينا من الأرض وصنعت حيوانا ناطقا ~~ووضعته على الأرض.» # 11 # وقول زكريا: «خلق الله نفس الإنسان في ذاته.» # 12 # وقول الإنجيل الطاهر: «الأب إلى الآن يخلق وأنا أيضا أخلق»، # 13 # وهذا دليل على وجود النفوس الحادثة بحدوث أبدانها. قال ~~غريغوريوس: «أنا خائف من فكر يدخل إلى أحد بأن النفس عاشت في ~~مكان آخر وبعد ذلك أتت إلى البدن الذي ارتبطت به.» وقال ساويرس: «ليس ~~للنفس الناطقة تقدم على البدن ولا للبدن تقدم عليها.» وكذلك ~~أيضا يعقوب الرهاوي. # تنبيه: # اعلم أن علماء البيعة ~~اتفقوا على أن النفوس حادثة غير قديمة، لكنهم اختلفوا في وقت ~~خلقتها، فإن مار أفرام [38] ومار يعقوب وفيلكسينوس المنبجي وثاودريطا، ~~زعموا أن البدن يتصور أولا وبعد ذلك تخلق النفس فيه، وحملوها ~~أيضا على ما قيل في التوراة: «إن التي تلد ابنا تجلس على الدم ~~أربعين يوما ووالدة الأنثى ثمانين يوما.» # 14 # لأنها حاملة ميتا في تلك الأيام عاريا عن النفس ~~الناطقة. وأوريجانيس زعم أن النفوس ~~قبل الأبدان لكن زعم أنها مخلوقة ليس مثلما زعم الوثنيون أنها غير # 15 # مخلوقة. أما اليونانيون من أهل البيعة فإنهم رفضوا ~~هذين الرأيين، أعني قدم النفوس وتأخرها عن الأبدان، # 16 # وقالوا بل جميعها وجدت معا، وهذا الرأي أصح ms16 الآراء ~~بأسرها وله نشرح # 17 # بزيادة الحجج والبراهين. # الفصل الثامن عشر # | في بيان آراء أهل التناسخ # قال قوم: إن النفوس وجدت قديمة قبل الأبدان وعندما [39] حصل ~~لها الشوق إلى صحبة الهيولى اتحدت بها مثل الآلة وكملت شهواتها، ~~وحينما يقع # 1 # لها الضجر من ملامسة الأبدان تنتقل # 2 # إلى محلها الأول. # وقال آخرون: إن النفس إذا اتحدت ببدن ومزاج ذلك البدن مائل ~~إلى عمل الفضائل وليس له شوق إلى الأمور الجسدانية، تشتاق إلى ما هو ~~أفضل من تلك، فإذا انحل هذا البدن تروم الانتقال إلى بدن أعظم فضائل # 3 # من الأول، وهكذا تتدرج من بدن إلى غيره حتى تكمل ~~ذاتها وجميع صفاتها، وعند ذلك تنتقل إلى عالم العقول المجردة. ~~وإن كان البدن الذي اتحدت به كثير الشهوات البدنية فتغرم هي ~~أيضا بشهواته، فإذا خرب هذا البدن تنتقل إلى ما يكون أعظم شوقا ~~إلى الخسائس، وكذلك إلى آخر أعظم منه حتى تتحد بأبدان الحيوان ~~وتنتقل منها إلى النبات ومنه # 4 # إلى الجماد، مثلما حكى القديس غريغوريوس النيصي حيث بكت # 5 # هذا الرأي القبيح قائلا: «إن بعض الرجال لبس بدن ~~امرأة وبعده طائر وبعده نبات ثم اتخذ أخيرا بدن الماء.» ~~[40] وقال آخرون: مثلما أن النفس الفاضلة إذا انتقلت من بدن ~~إلى بدن تترقى ويحصل لها الالتذاذ مع العقول المجردة، كذلك ~~النفس الخسيسة التدبير تنحط من رتبة إلى رتبة في خسة التدبير ~~حتى تبلغ المقام المستمر مع الأبالسة والشياطين، فثم يكون ~~الخلود إلى أبد الآبدين. # وقال آخرون: إن النفس الرديئة إذا انتقلت من بدن إلى آخر أخس ~~منه، ومنه إلى أخس منه فتنتهي آخر الأمر إلى العدم المحض. # وقال آخرون: قد يمكن انتقال النفوس من أبدان الناس إلى الحيوانات ~~وبالعكس، لكن إلى النبات والمعادن والجماد فذلك غير ممكن. # وقال آخرون: إن النفس إذا اتحدت ببدن إنسي فإن اقتنت به ~~الفضائل اشتهت التلذذ في بدن آخر أعظم من الأول، وذلك من البارئ ~~تعالى، وإن عكست الأمر استحقت أخس من الأول، أعني مثل بدن سارق # 6 ms17 # قد قطعت يده ويستحق القتل بخسة أفعاله وأن يجلد ~~وتقطع آلته، أو بدن حمار أو جمل يزهق بالحمل. # 7 # الفصل التاسع عشر # | في إبطال آراء أهل1 التناسخ بأسرها # [41] نقول: قد بينا بالبراهين القاطعة أن وجود النفوس بوجود أبدانها، # 2 # فإذا وجد بدن إنسي استحق نفسا تفيض عليه، فلو ~~حلت فيه نفس أخرى متناسخة لوجد في البدن الواحد نفسان، وذلك ~~محال لأنه لا يشعر أحدنا بأكثر من نفسه، فإذن التناسخ ~~محال. # وأنا # 3 # أقول: لو أمكن النقل على النفوس فإما أن يمكن مكث ~~النفس بغير بدن تنتقل إليه أو لا يمكن، والأول باطل # 4 # لأنها تبطل عن أفعالها زمنا ما ولا معطل في الطبيعة، ~~والثاني أيضا باطل لأنه يلزم توافق ما يفنى لما يوجد من ~~الأبدان، وذلك ظاهر البطلان في قضية الطوفان. # 5 # إننا نقول: لو كانت أنفسنا في أبدان قبل هذه الأبدان للزمنا أن ~~نذكر أفعالنا الأولى؛ وذلك لأن النفس ذاكرة بالطبع لا سيما [42] ~~شيئا تعاهدته كثيرا، ونحن لا نرى لنا شيئا مما يدل على بعض هذه ~~الأقوال، فظهر أنها بأسرها باطلة. # وأما شواهد الكتب المقدسة التي تدل على التصديق # 6 # بقولنا وبطلان التناسخ فهي قول داود: «نفسي طامحة إليك ~~يا إلهي الحي متى آتي وأنظر وجهك.» # 7 # وقول سليمان: «يعود الجسد إلى الأرض والنفس ترقى عند # 8 # الرب الذي أوجدها.» # 9 # والإنجيل الطاهر يقول عند وفاة لعازر: «نقلته الملائكة ~~إلى إبراهيم.» # 10 # وقال إسطفانوس: «يا ربنا يسوع اقبل نفسي .» # 11 # وقال بولس: «أنا مشتاق إلى الانتقال لأكون مع المسيح.» # 12 # الفصل العشرون # | في أن نفوس الحيوان غير ناطقة # لو كانت ناطقة للزم # 1 # تساويها لنفوس الناطقين في الطبع [43] وليس ذلك فيها. # 2 # لو كانت ناطقة لظهر عنها أمارات الناطقين، وليس، فليس. # لو كانت ناطقة لدخلت تحت السنة والشريعة، وليس، فليس. # أما شواهد الكتب المقدسة على هذه القضية فهي قول داود: «لا ~~تكونوا كالفرس والبغل غير ذوي حكمة.» # 3 # وقوله أيضا: «إن الإنسان الذي لا يميز مجده يشبه ~~الحيوان في ms18 أحواله.» # 4 # الفصل الحادي والعشرون # | في أن النفس لا تموت بموت البدن # ولنقدم على هذا البحث مقدمة تليق بذكره فنقول: اعلم أن ~~تحقق هذا المكان أحرى بنا من باقي الأبحاث؛ لأنه يسدد أقوال ~~الأنبياء والعلماء والأولياء والأبرار وأرباب الرياضات والرباطات ~~والخلوات والأصوام والصلوات المتواترات، وبالأوفر # 1 # تجسد مولانا الرب يسوع المسيح؛ لأن الزاهدين في هذه ~~الحياة الدنية قليلون والراغبين فيها. # كثيرون والعالمين قليلون والجاهلين كثيرون، [44] ولو لم يكن هناك ~~مقام آخر عزيز غير ما نحن الآن عليه لما # 2 # اشتاقت النفوس الفاضلة إليه؛ ولهذا يجب علينا الإمعان في ~~إقامة البرهان على هذا البيان: # إن صدق # 3 # عليها الفساد فإما أن يكون ذلك لوجود المفسد أو لعدم ~~علتها، والأول باطل لأن المفسد لو كان موجودا مع وجود النفس ~~لأبادها من حين وجودها، وإن لم يكن موجودا ثم وجد فلا يخلو أن ~~يكون هذا إما جسما أو عرضا، # 4 # وكيف يمكن أن يفسد الجسم المهين أو العرض الذي ليس ~~له استقلال بذاته؟ وإن كان المفسد ليس بجسم فيجب أن يكون مساويا ~~في الطباع للنفس؛ ولذلك لا يمكنه إفسادها. # 5 # والثاني محال لأن علتها الفاعلة لها هي البارئ تعالى، ~~وهو أزلي أبدي لا يتصور # 6 # عليه الاستحالة والغيار. # نقول: قد بينا أن النفس ليست جسما ولا عرضا، # 7 # وكل ما كان بهذه الصفات لا يكون قريبا إلى الأجسام ولا ~~بعيدا عنها ولا داخلها ولا خارجها، [45] وتحقق أيضا أن البدن ~~آلة النفس وليس يجب من فساد الآلة فساد صانعها، فعلم من ذلك أن ~~النفس لا يتطرق إلى جوهرها الفساد بفساد آلتها. # إن النفس حي ناطق عالم قادر على سياسة البدن، ولو كان لهذا هذه ~~الصفات لكان سبب الحياة لها، وذلك باطل محال. # لو كانت النفس تموت بموت البدن لوجب أن تضعف بضعفه، وليس، ~~فليس. وذلك معلوم من أوجه أربعة: الأول أن الرياضة تضعف البدن # 8 # وتقوي النفس. الثاني البعد عن المآكل والمشارب ~~والتنعم يظلم # 9 # البدن وينير النفس. الثالث أن حواس البدن تتعطل ~~في ms19 النوم وتبطل أفعالها، والنفس # 10 # تستيقظ وتدرك الأمور الغامضة في المنام والرؤيا ~~والكشف وغيرها. الرابع: بعد الأربعين يأخذ البدن في طرف النقصان ~~والنفس في طرف الزيادة. وإذا كانت النفس تقوى [46] بضعف البدن على ~~ما هو ظاهر البيان فيلزم بقاؤها # 11 # بعد موته. # إن الموت ليس هو فساد أجزاء البدن لأنها باقية فيه بعد موته، ~~لكن الموت هو انطفاء الحرارة الغريزية وهي عرض يحصل للبدن عند ~~اعتدال المزاج الحاصل له، ومن المعلوم أن العرض أضعف من الجسم الذي ~~به قوامه، ومن المعلوم أن الجسم أضعف من النفس. وبرهانه بأدلة ~~أربعة: الدليل الأول أن البدن يفتقر في وجوده إلى محل # 12 # يحل فيه والنفس ليست كذلك. الدليل الثاني أن البدن ~~مركب فيفتقر إلى أجزائه والنفس ليست بهذه الصفة. الدليل الثالث ~~انفعال البدن من النفس أكثر من العكس. الدليل الرابع أن البدن بعد ~~الموت توجد فيه فنونه الجسمانية والعرضية ولا تقدر على حفظه بغير ~~فساد والنفس # 13 # وحدها قادرة على ذلك. ولما كان العرض أضعف من الجسم ~~والجسم أضعف من النفس والموت يحصل ببطلان العرض [47] دون الجسم ~~الذي هو أضعف من النفس، فكيف يتصور العقل # 14 # أن النفس تموت بموت البدن؟ فهذا لا يقوله عاقل، فهي ~~إذن باقية بعد موت البدن وهو المطلوب. # إن النفس لا تمرض # 15 # بمرض البدن، وكذلك لا تموت بموته، فأما أنها لا ~~تمرض بمرضه فذلك # 16 # معلوم من البحران الذي يوجد بين الطبيعة والمرض على ما ~~هو مقرر في صناعة الطب. وهذه الطبيعة إما أن تكون مزاج البدن أو ~~النفس الناطقة، والأول محال لأن المريض الضعيف الواهي القوة كيف ~~يقدر على قتال المرض؟ فإذن صدق القول بأن النفس هي # 17 # التي تقاتل المرض وليست بمريضة، ومن المعلوم أنها لو كانت ~~مريضة لما استطاعت القتال. وإذا كانت النفس هي المقاتلة لشدة المرض ~~فلا يصدق عليها المرض؛ ولذلك امتنع في حقها الموت. # إننا نقول: لو لم تكن النفس باقية بعد موت البدن لوجب أن يكون ~~الإنسان أحقر في لذته وحياته ms20 من باقي الحيوانات؛ لأنه قد انفصل عنها ~~بالعقل فقط. وهذا العقل إما أن تكون أفكاره فيما مضى، أو [48] فيما هو ~~حاضر، أو فيما يستقبل، وما قد مضى إن كان شرا امتلأ ندما # 18 # وإن كان خيرا اكتأب على عدمه، وكذلك الأمر في الحاضر ~~إن كان شرا اكتأب من معاناته # 19 # وإن كان خيرا أدركه الوجع من فراقه لأنه يرجو ما هو ~~أعظم مما هو فيه، وكذلك يتداركه الفكر فيما يستقبل خوفا من ~~مصادفة ضد ما يروم الوصول إليه. ولما عدمت باقي الحيوانات ~~هذا العقل المذكور تجردت من دواعيه التي ذكرت في حق الإنسان، ~~وبهذه الدلائل نعلم أنه لو لم يكن للإنسان سياسة أخرى غير هذه ~~مختصة بنفسه بعد موت البدن لوجب أن يكون أخس وأحقر من باقي ~~الحيوانات الصامتة وذلك محال. ولما كان أعظم منها وأكرم لزم ~~بقاء نفسه بعد موت بدنه. # إنا نقول: وجود الإنسان بعد عدمه إما أن يكون لفائدة تعود ~~عليه، أو لضرر يتطرق إليه، أو لسلب الطرفين، والقسم [49] الثاني ~~محال لأن البارئ تعالى عام الفيض والإنعام، فكيف يتصور أنه ~~يخلق صورا ليعتريها الضرر بقصده الأول؟ وهذا لا يقوله عاقل، ~~والقسم الثالث محال لأنه تعالى لا يوجد شيئا # 20 # إلا لفائدة ولا يخلق أمرا باطلا، فإذن صدق القسم ~~الأول. ولما لم يكن للإنسان في هذا العالم سعادة حقيقية دائمة غير ~~مشوبة بالكدورات تعين # 21 # الحق وهو الخلود في العالم الروحاني والدوام الغير الفاني. # 22 # إن جميع عقول البشر تشهد أنه ~~بقدر ما يتمكن الإنسان من اقتناء الفضائل ورفض الرذائل تكمل ~~نفسه وتستعلي، ومتى كان الأمر بالعكس تنحط إلى أسفل السافلين، وهم ~~يستخسون القسم الثاني، ويعظمون القسم الأول ويحاولون المساعدة ~~والإعانة بأدعيته ويرومون التعبد له والدخول تحت طاعته والعمل ~~بمرضاته وإرادته. ولو لم يكن للإنسان مقام آخر غير # 23 # هذا الواقع تحت الحس في ذلك العالم العلوي النوري ~~بعد فراقه هذا الجسد # 24 # المحسوس، لما شهدت له [50] كافة عقول البشر بهذه ~~الرتبة العليا والمنزلة المدنو منها زلفا للغاية ms21 القصوى في ~~الملأ الأعلى. وهذه القضية متفق على تصديقها وتحقيقها سائر عقول ~~الناطقين، الجاهلين والعالمين. فإذن النفس لا تموت بموت البدن وهو ~~المطلوب. # وأما شواهد الكتب المقدسة على تحقيق ما قلناه فقوله تعالى ~~لموسى: «أنا إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.» # 25 # ومن المعلوم أن أبدان المذكورين لم تكن موجودة في ذلك ~~الوقت المذكورة فيه هذه الألفاظ، ولو كانت الأنفس معدومة في ذلك الوقت ~~لما أشار سبحانه إلى العدم؛ لأن المعدوم لا ينسب إلى الموجود الكلي ~~الوجود. وقول الإنجيل المقدس: «لا تخافوا من قاتلي الجسد فإنهم ~~ليسوا للنفس من القاتلين.» # 26 # فلو كانت النفس مائتة لصدق عليها القتل. وقول مولانا ~~للص: «إنك اليوم تكون معي في الفردوس.» # 27 # ومن المعلوم أن ذلك الشخص قد كانت نفسه مقاربة أن ~~تخرج من بدنه، فكيف يتصور كونه في الفردوس مع عدم بدنه لولا ~~أن الإشارة قد كانت من مولانا إلى نفسه فقط؟ وقول بولس: [51] «نحن ~~عارفون أن هذا المسكن الأرضي ينحل ويزول لكن لنا مسكنا من ~~البارئ تعالى لم تصنعه الأيدي.» # 28 # الفصل الثاني والعشرون # | في بيان أن النفس عالمة بعد فراق البدن، وفيه أوجه ~~أربعة # الأول: # قد تقرر فيما تقدم أن النفس جوهر غير جسماني ~~سائس البدن، # 1 # ثم لا تخلو إما أن تدرك البدن بواسطة ~~البدن أو بغير واسطة، والأول باطل لأن البدن لو أمكنه # 2 # إدراك نقائصه لما افتقر إلى النفس ~~وتدبيرها، فتعين القسم الثاني وهو أنها لا تدرك ~~الأمور بواسطة البدن، وإذا كانت بهذه الصفة وهي مرتبطة ~~بالبدن فبالحري أن تستمر على هذه الحال بعد ~~فراقه. # الوجه الثاني: # أنها تدرك أفاعيل الحواس بإبصار العين وسماع ~~الأذن وغير ذلك، فلو عرفت إدراك العين بواسطة العين ~~لوجب أن تدرك [52] هذه العين المذكورة بواسطة عين ~~أخرى، وكذلك إلى ما لا نهاية له وهو محال، فتعين ~~الحق وهو أنها لا # 3 # تدرك شيئا بواسطة البدن، وكذلك إذا عدم ~~البدن تدرك ما يليق إدراكه. # الوجه الثالث: # أننا إذا قلنا: زيد إنسان عندما نشاهد جسده، ~~فأما كلية ms22 الإنسان فليست بجسد زيد ولكن نشاهدها # 4 # بالعقل، وإذا أدرك العقل الأمر الكلي ~~وعرفه فإنه يعلم بالضرورة الجزئي الذي تحته، ولو شاهد ~~ذلك الجزئي بواسطة البدن لوجب أن يشاهده بواسطة بدن ~~آخر، وكذلك إلى ما لا نهاية له وهو محال، فإذن ليس إدراك ~~النفس بواسطة # 5 # البدن. # الوجه الرابع: # إن النفس تعلم ذاتها وبدنها وآلاتها، فإما أن يكون ~~ذلك بواسطة آلة جسمانية أو لا يكون، والأول محال لأنها ~~لو أدركت آلتها بواسطة آلة أخرى للزم # 6 # افتقارها إلى آلة تدرك [53] بها الآلة ~~الأولى، وتتسلسل إلى غير النهاية وهو محال، فإذن تدرك ~~النفس آلتها بغير آلة تفتقر إليها وهي في البدن، وكذلك تدرك # 7 # المعاني الكلية والمعارف الجزئية بعد ~~فراقها للبدن. # شواهد الكتب المقدسة على صحة هذه القضية قول الإنجيل الطاهر: ~~«فرفع عينيه وشاهد إبراهيم من البعد ولعارز لدنه ورفع صوته قائلا.» # 8 # فنقول: لو لم تكن المعرفة محفوظة في النفس لما صدق ذلك ~~في حق من قد تعطلت أعضاء بدنه. وقول بطرس: «مات مولانا بالبدن ~~وعاش بالنفس وأنذر النفوس الموجودة # 9 # في قعر الهاوية.» # 10 # فلو لم يكن لتلك النفوس معرفة قاطعة لما قدرت على قبول ~~إنذار مولانا إياها. وقال أدى السليح: «لن تتعطل فكرة النفس ~~لأنها صورة الحق تعالى.» وقال غريغوريوس: «كل نفس صالحة محبة ~~لله تعالى مع انفصالها من البدن الذي كانت مرتبطة به تنجو من العالم، ~~[54] وثم يحصل لها الإحساس والنظر العقلي الثابت؛ لأن الذي كان ~~يصدها عن إدراكها التام قد رفع.» # الفصل الثالث والعشرون # | في بيان محل الأنفس بعد فراق أبدانها # اعلم أن لفظة أين # 1 # لا تقال إلا بسكنى الجسم مكانه الساكن فيه، فإذن لا ~~يجوز السؤال من أهل العلوم أين هي النفس بل العلة تشير إلى ~~رتبتها، فنقول: إن جميع أهل البيعة اتفقوا على أن النفس متى حصل ~~لها الانتقال عن البدن يقصدها الملائكة والأبالسة ولأية جهة ~~استحقت دفعوها # 2 # إليها إلى حين القيامة الكلية، فتعود إلى البدن الذي ~~انفصلت عنه إما للعذاب الدائم ms23 أو للنعيم المقيم، فالنفوس التي ~~اقتنت الفضائل بالجهاد في هذا العالم تتوجه إلى الفردوس [55] ~~الذي طرد منه آدم، تتبختر مع العقول المجردة، وأما النفوس التي ~~بالعكس مما ذكرناه ففي # 3 # قعر الهاوية المظلمة. وهذه القضية ليست من العقليات ~~المبرهنة، بل من المشهورات المسلمة عند الأئمة # 4 # الأخيار والآباء الأبرار، فمن ذلك ما قاله ديونسيوس: «إن ~~هذه النفوس الفاضلات هي وليات # 5 # الملائكة ههنا وهناك، ترث معهم الأماكن العالية في ذلك ~~العالم الذي لا يتطرق إليه الزوال والاضمحلال، وتقطن مع البارئ ~~تعالى إلى أبد الآبدين، وأما التي # 6 # بالعكس من المذكورة # 7 # فههنا تؤاخي الأبالسة والشياطين، وهناك تهبط إلى أسفل ~~السافلين.» وقال غريغوريوس: «إنه بواسطة النفس صوبت الطريق للص ~~نحو الفردوس.» وحكى الأب أنطونيوس أنه حين اختطف عقله شاهد نفسه طائرا # 8 # في الفضاء والملائكة محيطة به وهو صاعد إلى # 9 # البارئ تعالى، ولما قطع مسافة من طريقه شاهد صورا ~~قبيحة المنظر [56] كثيرة الإزعاج هائلة وقفت تجاهه وعاقته عن مرامه # 10 # وثلبته وبكتته. وقال أوغريس: «إن النفس التي ~~تشرفت بنعمة الله تعالى وانفصلت عن البدن تسكن في أماكن العالم ~~إلى محل ليس فيه ألم مكروه.» # الفصل الرابع والعشرون # | في بيان أن اللذات الروحية التي تحصل للنفس بعد الانحلال ~~أعظم من اللذات الجسمانية والشهوات البدنية # نقول: كثير من الناس الجهال وبعض المتشبهين بأهل العلم زعموا ~~أن اللذة الكلية هي البدنية، وأن لا نعيم سوى الهيولاني، ولذلك لا يطلبون # 1 # من البارئ تعالى إلا أنه لا يعدمهم شيئا من هذه ~~اللذات، أعني المآكل والمشارب وما يشاكل ذلك في هذا العالم وفي ~~الآتي. وهذا الظن بعيد عن الحق جدا، وهو ضرب من الجنون المحض، ~~والأدلة العقلية على امتناع ذلك كثيرة: ~~[57] الدليل الأول: # لو كانت ~~اللذة الحقيقية هذه لكان القرد أعظم لذة من الإنسان؛ لأجل كثرة ~~أكله، والذئب القرم لسرعة بطشه والباشق # 2 # لكثرة وقاعه. ولما كانت هذه وأمثالها ظاهرة الزيف ~~والمحال استحال إليها الانتحال # 3 # فعلم أن اللذة الحقيقية ليست # 4 # القبائح المذكورة، فإذن ms24 هي روحانية. # الدليل الثاني: # لو كانت هذه شرطا في ~~كمال الإنسان لوجب أنه كلما أمعن في زيادتها زادت في كماله، ~~وليس، فليس؛ لأن العقل يشهد أن الممعن في هذه مائل إلى التشبه ~~بالحيوان أعظم منه بالإنسان، وكثيرا ما قد سقط عن الفكرة العقلية التي ~~هي طراز الجبلة البشرية. # الدليل الثالث: # لو كانت هذه ~~اللذات هي الحقيقية لوجب أن يكون الإنسان أخس قدرا من ~~الحيوان؛ لأن الإنسان عقله يمنعه [58] دائما ويزجره عن # 5 # المطامع في هذه، إما لحياء يلحقه أو لمخافة من ~~قصاص يحل به، أما الحيوان فهو عار عن جميع هذه التكاليف في ~~أحواله وليس له مانع يضاده أو قامع يرده؛ ولذلك وجب أن ~~يتفضل الحيوان على الإنسان. ولما كان الإنسان أعظم وأشرف من ~~الحيوان لزم أن تكون لذته أعظم وأقوم # 6 # من اللذات الحيوانية. # الدليل الرابع: # أن هذه ~~اللذات البدنية ليست لذات بالحقيقة بل أسباب لميل الشهوة ~~البدنية فقط، ودليل ذلك أنه كلما اشتد ألم السغب # 7 # اشتدت لذة الأكل، وكذلك الحال في ألم البرد مع ~~اشتداد لذة الكسوة، وكذلك إذا اشتد شوق الجماع من قبل زيادة ~~المادة وحدة المزاج فيعظم قدر اللذة. ولما كانت هذه الفنون ~~وأشباهها ليست لذات حقيقية ولا توجب [59] الالتذاذ الذي يزيل # 8 # الكآبة والأحزان فكيف تدعى لذات على التحقيق؟ فإذن ~~لذة الإنسان أمر آخر غير هذه المذكورة الحقيرة ولا ما يشاكلها ~~ويماثلها؛ لأن هذه بدنية بهيمية وتلك عقلية روحانية ولا تحصل ~~بالآلة الجسدانية لأنها العلم العاقل # 9 # لعظمة المعقول وجلاله، وشتان بين لذة الجمال ~~والذئاب وبين التنعم في مجاورة رب الأرباب. # الدليل الخامس: # أن العقل يشهد ~~بأن ابتهاج الملائكة بالأمور المعقولة أعظم من البهائم بالمآكل ~~الخسيسة المرذولة. ومن البين أن ليس للملائكة التذاذ بالحواس، ~~ولو كان كذلك لوجب أن تكون لذة الحيوانات الصامتة أعظم وأقوم ~~مما للملائكة وذلك محال. ولما كان الإنسان متوسطا بين الملاك ~~والحيوان وجب أن تكون لذته غير منوطة بأحد القسمين ~~المذكورين، بل تكون دون الأول في الجلال والكمال وأعظم من ms25 الثاني في ~~سائر الأحوال والخلال. ~~[60] الدليل السادس: # لو لم يكن ~~هناك لذات أخر غير هذه البدنية لما حصل لأصحاب النرد والشطرنج ~~الصبر والكظم على السغب والعطش وغيرهما # 10 # بالنسبة إلى اللذة الحاصلة من هذه الأمور، فإذا كانت ~~لذة اللعب تشغل عن لذة الأكل وغيره وفيها لذة يسيرة عقلية، # 11 # فكم بالحري اللذة الحاصلة بالجواهر المجردة ~~والأنوار الخارقة بمعرفة جلالها وجلال بارئها أو سر الثالوث ~~المقدس والنعم الفائضة على الاستمرار والدوام؟! فإذن لا نسبة ~~بين اللذات البدنية والعقلية إلا كنسبة الظلمة إلى النور أو ~~العدم إلى الوجود. # الدليل السابع: # لو لم يكن هناك ~~لذة عقلية لما كانت كلاب الصيد تحفظ ما # 12 # تصيده وتؤديه إلى أصحابها سليما من الجرح والأذى مع ~~وجود مضض الجوع لها، كذلك قد نرى أطيار الحمام تملأ حواصلها من ~~الحبوب وتلقيها لدى أفراخها، وكثيرا من الحيوانات تسلم أنفسها ~~إلى الهلاك فدى [61] أولادها، وأيضا الشجاع يلقي نفسه في المعركة ~~مع علمه بهلاك جسده ابتغاء للشكر والمديح الحاصلين له بعد موته. ~~فهذه وأمثالها تفعلها الحيوانات وغيرها رغبة في اللذة الزائلة، فكم ~~بالحري اللذة الدائمة العقلية التي وصفها بولس الرسول بقوله: ~~«لا تراها عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على فكر إنسان، تلك التي ~~أعدت لأولي الفضائل الصالحين.» # 13 # الفصل الخامس والعشرون # | في بيان الوحي والانكشاف الذي يحصل للنفوس البشرية والرؤيا ~~والأحلام وغيرها # نقول: قد علمتم # 1 # أن القوة المتخيلة التي مسكنها وسط الدماغ، شأنها ~~التركيب والتفصيل والتحليل، وعند النوم يقوى فعل هذه القوة مع ~~سكون القوة الباطنة ببطلان الحواس الظاهرة، وهذه التراكيب ~~المذكورة قد تكون حقا وقد تكون كذبا. ~~[62] فللكاذبة أسباب أربعة: ~~الأول: الصور التي شاهدناها في اليقظة تبقى أشباحا # 2 # في لوح الخيال وعند النوم تلوح في الحس المشترك. ~~السبب الثاني: أن القوة المفكرة إذا أمعنت في شيء من الأشياء أو ~~أمر من الأمور جهارا # 3 # فتنتقش صورة هذا الأمر في المصورة، فإذا عرض سكون ~~الحواس الظاهرة وقت غفلة النوم انطبع شبح ما كان في المصورة ~~في القوة ms26 القريبة إلى الحواس وهي الحس المشترك. السبب الثالث: إذا ~~هلكت القوة المتخيلة بسبب عرض للوح الحامل لها فانزعجت ~~أفاعيله، فإن غلبت عليه الحرارة شاهد # 4 # النيران والكيران والأتاتين المشعولة، وإن غلبت ~~البرودة شاهد الأنهار والثلوج والجليد، وإن كان عنده الامتلاء أحس ~~بانصباب الأثقال عليه. السبب الرابع: فعل الأبالسة في أكثر الأحوال ~~أن يجعلوا الناس يتخيلون # 5 # في الأحلام ويحتالوا على أن يطغوهم بأسباب تصبو عقولهم ~~إليها. # أما الأحلام الصادقة فنقول: إن جميع ما كان ويكون وهو كائن، هو ~~معلوم عند [63] البارئ تعالى علما لا يشوبه الغيار والقسمة، وهذه ~~الأمور المذكورة معلومة عند أهل العقول المجردة، وضرب من ذلك معلوم # 6 # عند النفوس التي فارقت أبدانها، وضرب منه عند النفوس ~~التي لم تفارق ولكن فيها قبول الفيض والإنعام من البارئ تعالى ومن ~~العقول المجردة أيضا ومن النفوس التي هي من نوعها. فسبب الامتناع ~~من هذا القبول الدائم العلاقة البدنية، فإذا حصل السكون والهدوء ~~عند النوم وعدم الانقياد للأمور البدنية فلا بد أن يحصل الاتصال ~~بالجواهر الروحانية المناسبة لها وتتصور بصورها وترتسم في ~~ذاتها المعلومات الخفية عنها المختصة بها وببدنها، وبهذه ~~المعلومات المذكورة يجب عليها التذكار في حال اليقظة دون غيرها ~~مثلما قيل ليوسف: «قم بالطفل وأمه وانطلق بهما إلى مصر.» # 7 # ولما كان طباع القوة المتخيلة شأنه أن يشبه # 8 # المعاني بالأسماء، فأي شبه كان كاملا فهو غير مفتقر ~~إلى تأويل لأنه قد أوجد [64] الأمر على التحقيق، فإن كان غير كامل ~~ببعض فنونه كالذي يبصر الشيء بصورة ضده بسبب الجنسية التي ~~بينهما أو يرى # 9 # اللازم ملزوما، والأول مثل البكاء المعبر عنه ~~بالفرح والثاني مثل الثيران السمان الدالة على سنين القحط، ~~وهذا الضرب يفتقر إلى التأويل وهو معرفة نسبة المعاني إلى الصور ~~التي شوهدت # 10 # بالخيال الماثل له في الحس المشترك. # الفصل السادس والعشرون # | في بيان المكاشفات والأوحية # فنقول: منها ما هي كاذبة، وأسبابها هي الأربعة التي ذكرت في ~~الأحلام الكاذبة: فالأول: إذا كان الإنسان كثير الإمعان في المآكل ~~والمشارب والملابس ms27 والمشمومات والمحسوسات الكثيرة بالحواس الظاهرة ~~كان مغرما بها، فإذا زالت المحسوسات بقيت صورها في الخيال [65] ~~تلوح في الحس المشترك فنراها ظاهرة كأنها موجودة بالفعل، وقد عرض ~~هذا الحال للذين ينعمون # 1 # النظر في القمر كثيرا فيشاهدون أقمارا كثيرة، وكذلك أولو # 2 # الإدمان في الملاهي والألحان المطربة قد يسمعون أصواتا ~~لذيذة. والسبب الثاني: قد حصل ذلك للساكنين في الأماكن الوعرة الدعرة # 3 # فيعرض لأفكارهم التجسم بالحس المشترك. والسبب ~~الثالث: أولو الأمراض المعروفة بالماليخولية والسرسام والبرسام فإنهم ~~يشاهدون صورا لا وجود لها البتة. والسبب الرابع: عرض # 4 # هذه الأمور المذكورة قد يتوافر # 5 # لأرباب الوحدة والانفراد، خصوصا لضعف المزاج. # وأما المكاشفة الصادقة وأشباهها فنقول: إن النفس الناطقة إذا ~~كانت بحيث لا يمكن الأمور العالمية صدها عن نظر الأمور ~~الروحانية يسهل عليها الالتفات # 6 # عن المحسوسات والخروج عن العالم [66] ببدنها أيضا، ~~فيحصل ههنا في اليقظة لأرباب الأنفس القوية أن تنال علم الغيب ~~من فيض العقول المجردة كما ذكرناه آنفا، # 7 # وإذا ارتسمت هذه المعاني في لوح الحس المشترك ~~أدركت متجسمة، وإذا كان الأمر المناسب بين الصور والمعاني ~~كاملا فلا يفتقر البتة إلى التأويل مثل ما جرى لموسى من المناسبة ~~بين المعاني والأسامي إذ قيل له: «اذهب إلى فرعون.» # 8 # فهذا قيل له بمناسبة الحرف للمعنى اذهب وقل كيت وكيت، ~~ولم يكن فيه خيال وأمثال. وكما جاء أنه قيل لفيلبوس: «قم امض إلى ~~الجنوب في الطريق الفلاني.» # 9 # وأشياء كثيرة مثل هذه، فإن لم يكن ذلك كاملا افتقر ~~بالضرورة للتأويل مثل ما شاهد حزقيال ودانيال وغيرهما. # أما المكاشفة في النفوس الكاملة كالأنبياء والحواريين والأولياء ~~المؤيدين فهي على مقاصد ثلاثة: المقصد الأول في كيفية حاجة الناس ~~إلى هؤلاء المذكورين، فنقول: كمال الإنسان أن # 10 # يعلم الحق لأنه حق # 11 ~~[67] لذاته، ويعلم الخير لأجل العمل به. والفن الأول ~~يكمل بالقوة النظرية، أعني أنه يقدر على قبول صور الوجود بأسرها ~~بل الموجود # 12 # بالوجه الذي هو عليه لا أزيد # 13 # ولا أنقص، ويرد الموجود موجودا والمعدوم معدوما. ms28 ~~وأما الفن الثاني أعني القوة العملية فتكلف الإنسان الابتعاد عن ~~هذا العالم وشهواته الزائلة الفانية، وأن يعيش عيشا روحانيا بقدر ~~طاقته ويصرف همته إلى اللذات العقلية الثابتة الأبدية التي لا ~~تحول ولا تزول. ولما كان الإنسان عاجزا عن إتمام # 14 # هذه الأمور المذكورة بذاته، أحضر إلى هاد يهديه، وهذا ~~المذكور لا بد أن يكون إنسانا مثله من نوعه ليستطيع قبول ~~أوامره وأقواله؛ فيجب أن يكون إما نبيا أو حواريا أو عارفا أو ~~معلما ماهرا قدسيا أبويا. المقصد الثاني أن من الناس من ~~هو ناقص في القوة النظرية والعملية ومنهم من هو كامل في القوتين ~~ومنهم متوسطون، # 15 # والناقص والمتوسط يفتقران إلى الهادين المذكورين، ~~ولا يمكن أن يخلو العالم من [68] أحد هؤلاء؛ لأننا نرى العالم ~~سابحا في بحر الخلاف والغيار في علمه وعمله حتى يلقى بعضهم ~~حدا يجانس البهائم في غلبة الشهوة وقلة العلم وعدم المعرفة، ~~فهو بالاسم إنسان وبالرسم شيطان وآخرون متوسطون وآخرون فاضلون ~~وآخرون راجحون، ولا بد أن ينتهي الأمر إلى شخص مؤيد فاضل ~~بالعلم والعمل معصوم من الخطأ والزلل، هو أحد المذكورين ~~المندوبين إلى الهداية وبشعاع نوره يستضيء البشر وبوجوده فيهم ~~تكمل علومهم وأعمالهم. المقصد الثالث أننا نعلم أن الجسم جنس ~~تحته أنواع ثلاثة؛ الحيوان والنبات والمعدن، ونعلم أن أفضل هذه ~~الثلاثة هو الحيوان، وأفضل من الحيوان # 16 # نوع الإنسان، وكذلك تحت نوع الإنسان أصناف وألوان مثل ~~الزنجي والهندي والرومي وغيره. وأهل الإقليم الرابع أشد فضيلة ~~من باقي الأقاليم، وأهل هذا الإقليم لا بد أن يتميزوا بالفضائل ~~بعضهم عن بعض، والذين هم بهذه الصفة فلا [69] بد أن يوجد فيهم شخص ~~أعظم فضيلة من الكل وبواسطته يكملون، وهو الهادي الحقيقي وإليه ~~الإشارة في التأديب وبه يحصل الأرب للأريب. # فإن قيل: بماذا تحصل الفوائد من هؤلاء الأئمة المذكورين؟ قلنا: ~~يحصل بأمرين # 17 # لأن طغيان الأنفس الإنسانية على ضربين: أحدهما ~~البعد من الله تعالى ومن الفضائل الإلهية، والأمر الثاني في الميل ~~للدواعي الطبيعية البدنية. وهؤلاء المتقدم ذكرهم بمنزلة ~~الأطباء الماهرين لأنفس ms29 الطاغين، وهذا الأمر ممكن في حق ~~المذكورين، أعني أنهم قادرون # 18 # على إحالة نفوس البشر من بحر التيه والطغيان إلى ~~ساحل الهدى والإيمان، وذلك بقوى نفوسهم القدسية وتكرير المواعظ ~~الإلهية، وإذا كان هذا الأمر فيهم ومألوفهم فلا حاجة بهم إلى معرفة ~~العلوم الرياضية والطبيعية والطبية والفلسفية؛ فإن معجزهم الظاهر ~~أغناهم عن جميع ما عداهم سوى مولاهم. # فأما خواص هذه الأنفس القدسية فأربع: # 19 # الأولى [70] أنها إذا استنارت بالبوارق الإلهية ~~والأنوار السماوية # 20 # قويت وتمكنت مما تختار فعله في عالم الكون والفساد ~~من الخوارق والباهرات # 21 # وأطاعتها الأطيار والسباع والطباع، وتلك المعجزات ~~تعطى منحة من الله تعالى. الخاصة الثانية أن تكون هذه الأنفس ~~متميزة عن باقي الأنفس بالقوة النظرية والعملية، أما الأول ~~فبعظم إدراكها من الأمور الإلهية ما يزيد عن حد غيرها، وأما ~~الثاني فهو صدق ما تنطق به من المعلومات التي يعجز الغير عن ~~أمثالها. الخاصة الثالثة الأنوار الساطعة على أنفس هؤلاء القوم ~~يمكن انعكاسها من أنفسهم إلى أنفس الطائعين لهم والمستفيدين من ~~تعاليمهم، وذلك أن # 22 # الشمس إذا أشرقت على جرم صقيل مثل المرآة المصقولة ~~المجلوة والبلور الشفاف فإن ذلك [71] الشعاع يشرق بانعكاسه ~~عن جرم يقابل ذلك الجرم الأول، كذلك البارئ تعالى أو ملاك من ~~العقول المجردة إذا أشرق بأنواره على أنفس قديسيه استنارت ~~وأنارت. الخاصة الرابعة أن الرتبة التي # 23 # يمكن حصولها لهؤلاء المذكورين من لدن البارئ تعالى ~~يمكن أن تحصل بواسطتهم لمن حذا حذوهم ودخل تحت حوطتهم. # الفصل السابع والعشرون # | في بيان اختلاف الناس في هذه المعجزة المذكورة بواسطة القوم ~~المذكورين # وهؤلاء فريقان: أحدهما المتمسك بالشرائع الإلهية والسنن ~~الدينية اعتقد أن هذه الخوارق تمنح من البارئ تعالى # 1 # لمن استحق [72] منحتها، ويتفق على هذا الاعتقاد ~~الأمم الثلاث، # 2 # أعني اليهود والنصارى والمسلمين. وأما أولو الاعتقاد ~~الثاني فأرباب العلوم الفلسفية، والمعجزات عندهم على أوجه أربعة: ~~الأول: قدرة الكاملين على الامتناع من الطعام مدة غير مألوفة ولا ~~معتادة. الوجه الثاني: الأفعال الخارقة التي لا يستطيع الغير ~~وقرها. الوجه الثالث: ms30 الإخبار بالغيب. الوجه الرابع: أن تطيعهم # 3 # العناصر والحيوانات. # أما تصديق الوجه الأول، فقالوا: إننا قد نرى أنه إذا عرض لبعض ~~الناس الأمراض الحارة فيلبث زمانا طويلا دون غذاء لأن ~~الحرارة الغريزية تكون هناك مشغولة بدفع المرض فلا تحلل من ~~البدن شيئا؛ ولذلك لا يفتقر إلى الغذاء مهما دام مشهودا بالمرض، ~~كذلك الكامل إذا اشتغلت نفسه بذكر المعقولات الإلهية فيجذب معها ~~الحرارة الغريزية ولا يفتقر إلى الغذاء زمانا مديدا. ~~[73] وأما تصديق الوجه الثاني، فزعموا أن الإنسان إذا عرض له ~~الغضب الشديد والاهتياج المفرط فإنه يقدر على ضعف قوته، وعند ~~الخوف والوجع والكآبة تسقط قوته بالكلية، فكذلك العارف ~~الكامل إذا استغرق في بحر الابتهاج بالحق تعالى لا غير حصل له ~~أمر خارق في حركاته أو في بعض حالاته. # تصديق الوجه الثالث، قالوا: قد حصل لنا بالتجارب المستمرة أن ~~الإنسان إذا صفت أفكاره وبعدت عن الخسائس الطبيعية فلا يبعد أن ~~يشاهد في منامه أمورا لا تخالف حال اليقظة، وإذا كان ذلك كذلك ~~فلا يبعد الأمر من شخص كامل بعيد عن العلائق الدنيوية أن ~~تسلك نفسه في تدبير بدنه حال اليقظة فيحصل له ما حصل لغيره في حال ~~النوم. # وأما بيان الوجه الرابع، فإنهم قالوا: قد نرى أفكارنا تفعل الغيار ~~في أبداننا مرارا عديدة [74] مثل المشي # 4 # على جذع موضوع في الفضاء يوجب الإزلاق، وتصور ~~المرض كثيرا يوجب المرض، فلا يبعد من أفكار شخص عارف أن يفعل ~~فعلا غريبا في أجسام العناصر والحيوانات ويستخدمها لغرضه كما ~~تفعل أفكارنا في أبداننا. وقالوا أيضا: إن الغرائب تحدث في عالمنا ~~هذا لأسباب ثلاثة: أحدها: أن النفس الناطقة تفعل ذلك بخاصتها، فإن ~~كان ذلك خيرا فهي نفس نبي، وإن كان شرا فنفس ساحر. الثاني: إن ~~كان هذا الأمر بواسطة قوى العناصر مثل جذب المغناطيس للحديد فهو ~~بالخاصة فقط. الثالث: الأمور التي بواسطة الحركات الفلكية مع أجسام ~~عنصرية وهي الغرائب المعروفة بالطلسمات. والحمد لله ولي ~~الدائمات. # تمت هذه المقالة النبيلة التي في خلقة النفس الناطقة وخواصها، ~~رحم الله ms31 منصفها آمين. # | الأسفار التي استشهد بها صاحب هذا ~~المختصر # الإنجيل. # أعمال الرسل. # رسالة بطرس الرسول. # رسائل بولس الرسول. # سفر الأحبار. # سفر أيوب. # سفر التكوين . # سفر الجامعة. # سفر الخروج. # سفر المزامير. # نبوءة زكريا. ms32