######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010376 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن العبري #META# 010.AuthorNAME :: غريغوريوس بن اهرون الملطي ، المعروف بابن العبري (المتوفى : 685هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 685 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تاريخ مختصر الدول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التواريخ العامة :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تاريخ مختصر الدول #META# 030.LibURI :: JK_010376 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # قال مولانا وسيدنا الاب القديس. الطاهر النفيس. العالم العلامة. # ملك العلماء. افضل الفضلاء. قدوة الزمان. فريد الوقت والأوان. افتخار أهل ~~الفضل والحكمة. المفريان المؤيد ماركريغوريوس أبو الفرج ابن الحكيم الفاضل ~~اهرون المتطبب الملطي تغمده الله برحمته الحمد لله الأول بلا بداية والآخر ~~بلا نهاية، ذي الكلمة الاحدية، والحياة الأبدية، معبود العليين في الآفاق، ~~ومسجود السفليين في الأعماق، والسلام على ملائكته المقربين، وأنبيائه ~~المرشدين إلى طاعة الله وتقواه، والسلوك في حفظ مذاهبه ورضاه. # وبعد فهذا مختصر في الدول قصدت في اختصاره الاقتصار على بعض ما أوتي في ~~ذكره اقتصاص إحدى فائدتي الترغيب والترهيب من أمور الحكام والحكماء خيرها ~~وشرها على سبيل الالتقاط من الكتب الموضوعة في هذا الفن بلغات مختلفة ~~سريانية وعربية وغيرها مبتدئا من أول الخليفة ومنتهيا إلى زماننا. وهو مرتب ~~على عشر دول داولها الله تعالى بين الأمم فتداولتها تداولا بعد تداول. # الدولة الأولى: دولة الأولياء من آدم أول البرنساء أي الناس. # الدولة الثانية: الدولة المتنقلة من الأولياء إلى القضاة قضاة بني ~~إسرائيل. # الدولة الثالثة: الدولة المتنقلة من قضاة بني إسرائيل إلى ملوكهم. # الدولة الرابعة: الدولة المتنقلة من ملوك إسرائيل إلى ملوك الكلدانيين. # الدولة الخامسة: الدولة المتنقلة من ملوك الكلدانيين إلى ملوك المجوس. # الدولة السادسة: الدولة المتنقلة من ملوك المجوس إلى ملوك اليونانيين ~~الوثنيين. # الدولة السابعة: الدولة المتنقلة من ملوك اليونانيين الوثنيين إلى ملوك ~~الإفرنج. # الدولة الثامنة: الدولة المتنقلة من ملوك الإفرنج إلى ملوك اليونانيين ~~المتنصرين. # الدولة التاسعة: الدولة المتنقلة من ملوك اليونانيين المنتصرين إلى ملوك ~~العرب المسلمين. # الدولة العاشرة: الدولة المتنقلة من ملوك العرب المسلمين إلى ملوك ~~المغول. # الدولة الأولى # للأولياء قبل الدخول إلى أرض الميعاد # قال من عني بأخبار الأمم وبحث عن سير الأجيال أن أصول الأمم من سالف ~~الدهر سبعة: الفرس والكلدانيون واليونانيون والقبط والترك والهند والصين. ~~ثم تفرع كل واحدة من هذه الأمم إلى أمم وتشعبت اللغات وتباينت الأديان. ~~وكانوا جميعا صابئة يعبدون الأصنام تمثيلا للجواهر العلوية والأشخاص ~~الفلكية.وهم على كثرة ms001 فرقهم وتخالف مذاهبهم طبقتان: طبقة عنيت بالعلوم ~~كالكلدانيين والفرس وسائر من يأتي ذكره في موضعه، وطبقة لم تعن بهذا كأهل ~~الصين والترك والصقالبة والبرابرة والحبشة ومن اتصل بهم. # أما الصين فأكثر الأمم عددا أفخمهم مملكة وأوسعهم ديارا، ومساكنهم محيطة ~~بأقصى مشارق المعمورة ما بين خط الاستواء إلى أقصى الأقاليم السبعة في ~~الشمال وحظهم من المعرفة التي بزوا فيها سائر الأمم إتقان الصنائع العملية ~~وأحكام المهن التصويرية. وأما الترك فأمة كثيرة العدد أيضا فخمة المملكة ~~وفضيلتهم التي برعوا فيها معاناة الحروب ومعالجة آلاتها. فهم احذق الناس ~~بالفروسية أبصرهم بالطعن والضرب والرماية. وأما سائر هذه الطبقة التي لم ~~تعن بالعلوم فهم أشبه بالبهائم منهم بالناس، لان من كان موغلا في الشمال ~~فإفراط بعد الشمس عن مسامتة رؤوسهم برد أمزجتهم وفجج أخلاقهم فعظمت أبدانهم ~~وابيضت الو انهم واستدلت شعورهم فعدموا بهذه دقة الإفهام وثقوب الخواطر ~~فغلب عليهم الجهل والبلادة وفشل فيهم الغي والغباوة كالصقالبة ومجاوريهم. ~~ومن كان منهم قريبا من معدل النهار وخلفه إلى نهاية المعمورة في الجنوب ~~لطول مقاربة الشمس رؤوسهم سخنت أمزجتهم واحترقت أخلاطهم فاسودت الو انهم ~~وتفلفلت شعورهم فعدموا بهذه الأناة وثبوت البصائر كالحبشة وباقي السودان ~~إلا الهند فإن الله قد فضلهم على كثير من السمر والبيض وهم معدن الحكمة ~~وينبوع العدل إلا أنهم يثبتون أزل العالم ويبطلون النبوات ويحرمون ذبح ~~الحيوان ويمنعون إيلامه. PageV01P001 " آدم " أبو البشر خلق يوم العروبة ~~سادس الشهر الأول وهو نيسان سنة إحدى للعالم بعد أن خلق الله تعالى في يوم ~~الأحد وهو أول نيسان السماء العليا أي الفلك التاسع المتحرك بالحركة الأولى ~~من المشرق إلى المغرب والأرض وتسع مراتب الملائكة والنور والأركان الأربعة. ~~وخلق تعالى في يوم الاثنين الرقيع وهو السماء الدنيا أي الفلك الثامن وما ~~في ضمنه من الرقعة السبع المتحركة بالحركة الثانية من المغرب إلى المشرق. # وفي يوم الثلاثاء أمر الله تعالى الماء فاجتمع إلى مكان واحد صائرا بحرا ~~وأظهرت الأرض منبتة عشبا وأشجارا مثمرة وغير مثمرة. وفي يوم الأربعاء قال ~~عز من ms002 قائل: لتكن مصابيح أي كواكب في علو الرقيع للفصل بين الليل والنهار ~~ولدلالات الأوقات والأيام والأعوام فرصعت الثوابت بالفلك الثامن والنيران ~~والخمسة المتحيرة كل بفلكه واستولت الشمس على سلطان النهار واستولى القمر ~~على سلطان الليل وبقي الفلك التاسع وحده متطلسا. وفي يوم الخميس خلق الله ~~تعالى التنانين العظام وكل نفس متحركة في الماء وكل طائر ذي جناح. وفي يوم ~~الجمعة أمر الله تعالى الأرض فأخرجت انفسا حيوانية بهائم وسباعا وحشرات. ثم ~~خاطب ملائكته قائلا: هلموا نخلق إنسانا بصورتنا ومثالنا عارفا بالخير والشر ~~مستطيعا لفعلهما. فظهرت يمين مبسوطة فيها أجزاء من العناصر الأربع ونفخ ~~فيها نسيم الحياة فوجد آدم شابا. ثم ألقى الله عليه الرقاد وانتزع إحدى ~~أضلاعه من جنبه الأيمن وخلق منها حواء أم البشر واسكنهما فردوس عدن وهو ~~الجنة ومستقرها نحو المشرق أباحهما الأكل من جميع ثمار الجنة خلا شجرة ~~معرفة الخير والشر. وأردف ذلك يوم السبت فلم يخلق فيه شيئا. # ومن علمائنا مار غريغوريوس النوسوي ويعقوب الرهاوي يزعمان أن جميع ~~المخلوقات إنما وجدت في آن واحد والكتاب الإلهي إنما خصص كون كل كائن بيوم ~~لتعليمنا حسن الترتيب في الأمور وان الله غير موجب بالذات بل فاعل ~~بالاختيار له أن يبرأ ما شاء متى شاء. # وكان آدم وحواء عاريين بغير لباس ولم يستح أحدهما من الآخر حتى دخل ~~الشيطان في الحية وخدعت حواء فأكلت من الثمرة التي نهاهما الله تعالى عن ~~الأكل منها أعطت آدم أيضا بعلها فأكل. فانفتحت أعين قلبيهما وأحسا بالعري ~~فاستحيا واتزرا بورق التين وأهبط بهما من جنة عدن إلى الأرض على تسع ساعات ~~من نهار الجمعة وكانت خلقتهما في الساعة الأولى من هذا النهار بعينه. # وقد اختلفت علماؤنا في أمر الثمرة المنهي عنها فقال قوم إنها البر وقال ~~آخرون إنها العنب وقال الأكثرون إنها التين وغريغوريوس النوسوي يزعم إنها ~~رمز إلى القوة الشهوانية والنازينزي يرى إنها رمز إلى المراء في ذات الله ~~وصفاته. # وعلى رأي مارثوديوس بعد ثلاثين سنة للانتفاء من الجنة باشر آدم حواء ms003 ~~فولدت قايين وقليميا أخته توأمين. وبعد ثلاثين أخرى غشيها فولدت هابيل ~~ولبوذا أخته توأمين. # وبعد سبعين سنة أخرى حاول آدم تزويج كل واحد منهما بتوأمة أخيه. فأبى ~~قايين طالبا توأمته لأجل ذلك قرب قربانا من ثمار أرضه لكونه فلاحا فلم يقبل ~~لفساد طريقته. ورفع هابيل قربانا من أبكار غنمه لكونه راعيا فقبل لحسن ~~سيرته. فأسر قايين عداوة أخيه فقتله غيلة واستوطن أرض نوذ الخارجة عن حدود ~~ولد أبيه. وحزن آدم على هابيل مائة سنة. ثم عاد مفضيا إلى حواء فولدت شيث ~~والماضي من عمر آدم يومئذ على رأي الاثنين والسبعين حبرا اللذين نقلوا ~~التوراة وكتب الأنبياء لبطليموس ملك مصر قبل مجيء السيد المسيح لذكره ~~التبجيل كما سيأتي شرح ذلك في موضعه مائتان وثلثون سنة. وعلى رأي التوراة ~~التي بأيدي اليهود بعد مجيئه مائة وثلثون سنة. وجميع أيام آدم على الرأيين ~~تسعمائة وثلثون سنة. # " شيث بن آدم " يقال أنه أول من ابتدع الكتابة وشوق ولده إلى الحياة ~~السعيدة التي كانت لأبويه في الجنة فانقطعوا إلى جبل حرمون متعكفين على ~~العبادة والنسك والعفة لا يطورون بجنبة النساء. فسموا بذلك بنو ألوهيم أي ~~الإله. وأولد شيث انوش وله حينئذ على الرأي السبعيني مائتان وخمس سنين وعلى ~~رأي اليهود مائة وخمس سنين وجميع أيامه على الرأيين تسعمائة واثنتا عشرة ~~سنة. PageV01P002 " انوش بن شيث " يقال هو أول من دعا اسم الرب ومنحه الله ~~تعالى معرفة الأكوان ومسير الكواكب وهو وان لم يجانب النساء لم يغفل التقرب ~~إلى الله زلفى. وأولد قينان ابنه وله يومئذ على الرأي السبعيني مائة وتسعون ~~سنة وعلى رأي اليهود تسعون سنة وجميع أيامه على الرأيين تسعمائة وخمس سنين. # " قينان بن انوش " ولد له مهلالايل وعمره على الرأي السبعيني مائة وسبعون ~~سنة وعلى رأي اليهود سيعون سنة وجميع أيامه على الرأيين تسعمائة وعشر سنين. # " مهلالايل بن قينان " ولد له يرد وعمره على الرأي السبعيني مائة وخمس ~~وستون سنة وعلى رأي اليهود خمس وستون سنة وجميع أيامه على الرأيين ثمانمائة ~~وخمس وتسعون سنة. ms004 # " يرد بن مهلالايل " ولد له حنوخ وعمره على الرأيين جميعا مائة واثنتان ~~وستون سنة وجميع أيامه تسعمائة واثنتان وستون سنة. وفي سنة أربعين ليرد هبط ~~بنو ألوهيم من جبل حرمون متآيسين من العود إلى الفردوس ورغبوا في النساء ~~فلم يزوجهم ذوو قرابتهم مستخفين لهم. فاختطبهم قوم قايين باذلين لهم بناتهم ~~فأنكحوهن فولدن جبابرة مبرزين في الحروب والغارات. وقيل أن بنات قايين ~~اخترعن آلات الملاهي زامرات بها ولذلك تسمي السريانية اللحن قينة بالكسر ~~وتسمي العرب الأمة المغنية قينة بالفتح. # " حنوخ بن يرد " ولد له مثوشلح وعمره على الرأي السبعيني مائة وخمس وستون ~~سنة وعلى رأي اليهود خمس وستون سنة. هذا حنوخ تمسك بوصايا الله الطاهرة ~~وعمل بها وتتبع الخير وصرف عن الشر مواظبا على العبادة ثلاثمائة سنة فنقله ~~الله إلى حيث شاء حيا وقيل إلى الفردوس. # والأقدمون من اليونانيين يزعمون أن حنوخ هو هرمس ويلقب طريسميجيسطيس أي ~~ثلاثي التعليم لأنه كان يصف الباري تعالى بثلاث صفات ذاتية هي الوجود ~~والحكمة والحياة. والعرب تسميه إدريس. وقيل أن الهرامسة ثلاثة: الأول هرمس ~~الساكن بصعيد مصر الأعلى وهو أول من تكلم في الجواهر العلوية وانذر ~~بالطوفان وخاف ذهاب العلوم ودرس الصنائع فبنى الأهرام وصور فيها جميع ~~الصناعات والآلات ورسم فيها طبقات العلوم حرصا منه علىتخليدها لمن بعده. ~~والثاني هرمس البابلي سكن كلواذا مدينة الكلدانيين وكان بعد الطوفان وهو ~~أول من بنى مدينة بابل بعد نمرود بن كوش. والثالث هرمس المصري وهو الذي ~~يسمى طريسميجيسطيس أي المثلث بالحكمة لأنه جاء ثالث الهرامسة الحكماء ونقلت ~~من صحفه نبذ وهي من مقالاته إلى تلميذه طاطي على سبيل سؤال وجواب بينهما ~~وهي على غير نظام وولاء لأن الأصل كان باليا مفرقا والنسخة موجودة عندنا ~~بالسريانية. وقيل أن هرمس الأول بنى مائة وثمانين مدينة صغراها الرها وسن ~~للناس عبادة الله والصوم والصلاة والزكاة والتعييد لحلول السيارة ببيوتها ~~وأشرافها وكذلك كلما استهل الهلال وحلت الشمس برجا من الإثني عشر. وأن ~~يقربوا قرابين من كل فاكهة باكورتها ومن الطيب والذبائح والخمور ms005 أنفسها. ~~وحرم السكر والمآكل النجسة. والصابئة تزعم أن شيث بن آدم هو اغاثاديمون ~~المصري معلم هرمس. وكان اسقليبياذيس الملك أحد من أخذ الحكمة عن هرمس وولاه ~~هرمس ربع الأرض المعمورة يومئذ وهو الربع الذي ملكه اليونانيون بعد ~~الطوفان. ولما رفع الله هرمس إليه حزن اسقليبياذيس حزنا شديدا تأسفا على ما ~~فات الأرض من بركته وعلمه وصاغ له تمثالا على صورته ونصبه في هيكل عبادته. ~~وكان التمثال على غاية ما يمكن من إظهار أهبة الوقار عليه والعظمة في هيبته ~~ثم صوره مرتفعا إلى السماء وكان يمثل بين يديه تارة ويجلس أخرى ويتذكر شيئا ~~من حكمه ومواعظه على العبادة. وبعد الطوفان ظن اليونانيون أن الصورة ~~لاسقليبياذيس فعظموه غاية التعظيم. وكان أبقراط إذا عهد إلى تلامذته يقول: ~~نشدتكم الله باري الموت والحياة وأبي وأباكم اسقليبياذيس. وكان يصوره وبيده ~~نبات الخطمي رمزا منه إلى فضيلة الاعتدال في الأمور واللين والمؤاتاة ~~والمطاوعة في المعاملة. وقال جالينوس: لا يجب أن يرفض الشفاء الذي يحصل ~~عليه المرضى بدخولهم هيكل اسقليبياذيس. أقول كلما ورد من أخبار ما قبل ~~الطوفان ولم يسند إلى نبأ نبوي فهو حدس وتخمين لعدم المخبر به على الوجه. # " مثوشلح بن حنوخ " ولد له لمك وعمره على الرأي السبعيني مائة وسبع وستون ~~سنة وعلى رأي اليهود مائة وسبع وثمانون سنة وجميع أيامه على الرأيين ~~تسعمائة وتسع وستون سنة. PageV01P003 " لمك بن مثوشلح " ولد له نوح وعمره ~~على الرأي السبعيني مائة وثمان وثمانون سنة وعلى رأي اليهود مائة واثنتان ~~وثمانون سنة. وجميع أيامه على الرأيين سبعمائة وثلث وسبعون سنة. ومات قبل ~~أبيه. # " نوح بن لمك " ولد له شام وعمره على الرأيين خمسمائة سنة. وعلى الرأيين ~~جميع أيامه تسعمائة وخمسون سنة. وفي سنة ستمائة لعمر نوح تهارج الناس ~~وأباحوا المحظورات وارتكبوا المحارم. وكان نوح بارا صديقا. وأخبره الله ~~تعالى بحال الطوفان وأمره أن يصنع فلكا طوله ثلاثمائة ذراعا وعرضه خمسون ~~ذراعا في عمق ثلاثين ذراعا. ونزل إليه هو وزوجته وبنوه الثلاثة: شام وحام ~~ويافث ونساؤهم وأدخل معهم من ms006 كل نوع من الطيور والحيوان الطاهر سبعة أزواج ~~ذكورا وإناثا. ومن النجس زوجا ومن الطعام ما يقوته ومن معه قوتا ماسكا ~~للرمق. وقيل أن تابوت أبينا آدم أيضا كان معهم في الفلك. ثم هطلت السماء ~~انهطالا وتواترت الأمطار واستنهرت المياه أربعين يوما أولها السابع ~~والعشرون من شهر أيار وتغشمرت السيول العمران وغشي الماء كل شيء وركب ~~الجبال الشامخة وعلا عليها خمس عشرة ذراعا. ودام ذلك سنة كاملة. ثم ذكر ~~الله نوحا ومن معه في الفلك فأمسك نزول الماء وعصفت الرياح فجففت الأرض ~~واجتنح الفلك إلى جبل قرد ويعرف بالجودي وفي أثناء ذلك بعث نوح الغراب ~~مستكشفا عن حال الأرض. فلم يعد لاشتغاله بأكل الجيف. واتبعه بحمامة فلم تجد ~~موضعا للوقوف فعادت إلى نوح. ثم صبر بعد ذلك سبعة أيام وسرح حماما آخر فرجع ~~إليه مساء وفي منقاره ورقة من شجرة الزيتون. فعلم أن الماء قد غاض. وبعد ~~أيام أرسل طائرا آخر فلم يعد. فأقام تتمة سنة وخرج هو وآله من الفلك في ~~السابع والعشرين من السنة الثانية وبنى مذبحا وقرب قربانا قبله الله وعهد ~~إليه أن لا يورد على خلقه طوفانا ولا يبيد فيما بعد حيوانا وجعل آية رضوانه ~~قوس قزح المرئية في السحاب. وأطلق الله لنوح أكل لحوم الغنم والمواشي وشرب ~~الخمر ومما كان قد حرم قبل الطوفان. وابتدأ نوح بعمارة الأرض وغرس كرما ~~وشرب من عصيره وثمل يوما في خيمته فانكشف. فشهده ابنه حام وهزئ منه. وعرف ~~أخواه شام ويافث ذلك واخذ إزارا فغطيا أباهما ووليا يمشيان القهقرى حتى لا ~~ينتبه. ولما استيقظ نوح علم ما صنع به فلعن كنعان بن حام قائلا: إن زرعه من ~~بعده يكون لعبودية الأمم. وإنما لعنه نوح والذنب لأبيه لا له لأنه عرف ~~بالوحي ما سيبدو منه من اتخاذ الملاهي وإنشاء الزمر وإفشاء الزنا وباقي ~~الفواحش التي ارتكبها بنو قايين. وبعد الطوفان قسم نوح المسكونة بين بنيه ~~عرضا من الجنوب إلى الشمال فأعطى بلاد السودان حاما وبلاد السمر شاما وبلاد ~~الشقر ليافث. ms007 ثم مات وله تسعمائة وخمسون سنة. فمن خلق العالم إلى ورود ~~الطوفان على الرأي السبعيني ألفان ومائتان واثنتان وأربعون سنة وعلى رأي ~~اليهود ألف وستمائة وست وخمسون سنة وعلى رأي السمرة ألف وثلاثمائة وسبع ~~سنين. وهذا إلى غاية الفساد لاقتضائه إدراك نوح آدم في قيد الحياة بمائتين ~~وثلث وعشرين سنة ولم يأت به خبر من الله ولا عن أنبيائه. وقال انيانوس ~~الراهب الاسكندرني إن مدة ما بين ابتداء خلق آدم وبين ليلة الجمعة التي كان ~~فيها الطوفان ألفان ومائتان وست وعشرون سنة وشهر وثلاثة وعشرون يوما وأربع ~~ساعات. PageV01P004 " شام بن نوح " ولد له ارفخشد وعمره مائة سنة وسنة ~~واحدة. وجميع أيامه ستمائة سنة. وقيل أن نوح أوصى إلى شام ابنه وقال له: ~~إني إذا مت فأخرج تابوت أبينا آدم من الفلك وخذ معك من أولادك ملكيزدق لأنه ~~كاهن الله تعالى وسيرا معا بالتابوت إلى حيث يهديكما ملاك الرب. فعملا بهذه ~~الوصية وهداهما الملاك إلى جبل بيت المقدس ووضعا التابوت على قلة هناك فغاص ~~فيها. فعاد شام إلى أهله ولم يعد ملكيزدق لكنه بنى ثم مدينة اسمها أورشليم ~~أي قرية السلام ولذلك تسمى هو أيضا مليخ شليم أي ملك السلام وسكنها باقي ~~أيامه لهجا بالعبادة وما غشي امرأة ولا أراق دما كان قربانه خبزا وخمرا ~~فقط. ولأن الكتاب الإلهي أبان عن عظم شأنه واعرض عن إبانة نسبه وتاريخي ~~ولادته ووفاته. قال الرسول المغبوط بولس: لا ابتداء لأيامه ولا انقضاء ~~لسنته. وقد ضرب مثلا للمسيح في نبوءة داود حيث قال: أنت الكاهن إلى الأبد ~~بهيئة ملكيزدق. وعلى تلك القلة التي فيها قبر آدم صلب السيد المسيح. # " ارفخشد بن شام " ولد له قينان على الرأي السبعيني وعمره مائة وثلاثون ~~سنة وجميع أيامه أربعمائة وخمس وستون سنة وليس لهذا قينان ذكر في التورية ~~العبرية ولا في التي بيد السمرة وهو مذكور في إنجيل لوقا. # " قينان بن ارفخشد " ولد له شالح على الرأي السبعيني وعمره مائة وثلاثون ~~سنة. وجميع أيامه أربعمائة وثلاثون سنة. وإما على ms008 رأي اليهود فارفخشد لما ~~أتت عليه خمس وثلاثون سنة ولد له شالح. وكذلك السمرة إنما تجعل شالح ابنا ~~لارفخشد لا لقينان بن ارفخشد. وقيل أن هذا قينان اخترع علم الأفلاك بعد ~~الطوفان وبنوه اتخذوه إلها وصاغوا له تمثالا بعد وفاته وسجدوا له. وهو بنى ~~مدينة حران على اسم هاران ابنه. # " شالح بن قينان " ولد له عابر وعمره على الرأي السبعيني مائة وثلاثون ~~سنة وعلى رأي اليهود ثلاثون سنة، وجميع أيامه أربعمائة وستون سنة. # " عابر بن شالح " ولد له فالغ وعمره على الرأي السبعيني مائة وثلث ~~وثلاثون سنة وعلى رأي اليهود أربع وثلاثون سنة. وجميع أيامه ثلاثمائة وثلث ~~وأربعون سنة. ومنه اشتق اسم العبري. وقيل من إبراهيم لعبوره الأنهار منزوحا ~~به من العراق إلى الشام. # ومن أئمتنا باسيليوس وافريم يزعمان أن من آدم إلى هذا عابر كانت لغة ~~الناس واحدة وهي السريانية وبها كلم الله آدم وتنقسم إلى ثلاث لغات أفصحها ~~الآرامية وهي لغة أهل الرها وحران والشام الخارجة. وبعدها الفلسطينية وهي ~~لغة أهل دمشق وجبل لبنان وباقي الشام الداخلة. واسمجها الكلدانية النبطية ~~وهي لغة أهل جبال اثور وسواد العراق. ويعقوب الرهاوي يقول: إن اللغة لم تزل ~~عبرية إلى أن تبلبلت الألسن ببابل. # " فالغ بن عابر " ولد له ارعو وعمره على الرأي السبعيني مائة وثلاثون سنة ~~وعلى رأي اليهود ثلاثون سنة. وجميع أيامه ثلاثمائة وثلث وأربعون سنة. وفي ~~سنة مائة وأربعين لفالغ فلغت الأرض أي قسمت قسمة ثانية بين ولد نوح. فصار ~~لبني شام وسط المعمورة فلسطين والشام واثور وسامر وبابل وفارس والحجاز. ~~ولبني حام التيمن كله أي الجنوب: إفريقية والزنج ومصر والنوبة والحبشة ~~والسند والهند. ولبني يافث الجربيا أي الشمال: الأندلس والإفرنجة وبلاد ~~اليونانيين والصقالبة والبلغار والترك والأرمن. وبعد وفات فالغ ثارت الفتن ~~بين بنيه وبين بني يقطان أخيه وشرع الناس في تشييد الحصون. PageV01P005 " ~~ارعو بن فالغ " ولد له ساروغ وعمره على الرأي السبعيني مائة واثنتان ~~وثلاثون سنة وعلى رأي اليهود اثنتان وثلاثون سنة. وجميع أيامه ثلاثمائة ~~وتسع وثلاثون سنة. ms009 وفي سبعين سنة لارعو قال الناس بعضهم لبعض: هلموا نضرب ~~لبنا ونحرق آجرا ونبني صرحا شامخا في علو السماء ويكون لنا ذكرا كي لا ~~نتبدد على وجه الأرض. فلما وجدوا في ذلك بأرض شنعار وهي السامرة " ونمرود ~~بن كوش قات راصفي الصرح بصيده وهو أول ملك قام بأرض بابل وهو الذي رأى شبه ~~إكليل في السماء واتخذ مثله ووضعه على رأسه فقيل إن إكليله نزل من السماء " ~~. قال الله تعالى: هذا ابتداء عملهم ولا يعجزون عن شيء يهتمون به سوف افرق ~~لغاتهم لئلا يعرف أحدهم ما يقول الآخر. فبدد الله شملهم على وجه الأرض و ~~أرسل رياحا عاصفة فهدمت الصرح ومات فيه نمرود الجبار وتبلبلت لغات الآدميين ~~ولذلك دعي اسم ذلك الموضع بابل. وبنى نمرود ثلاث مدن ارخ وخيليا " أي الرها ~~ونصيبين " والمدائن. # " ساروغ بن ارعو " ولد له ناحور وعمره على الرأي السبعيني مائة وثلاثون ~~سنة. وعلى رأي اليهود ثلاثون سنة. وجميع أيامه ثلاثمائة وثلاثون سنة. ويقال ~~أن ساروغ اظهر سكة الدراهم والدنانير. وفي أيامه اكثر الناس اتخاذ الأصنام ~~وكان الشياطين يظهرون منها الآيات الباهرة. وساميروس ملك الكلدانيين أبدع ~~المكاييل والموازين ونسج الابريسم واخترع الأصباغ. وقد جاء في الخرافات انه ~~كان له ثلث عيون وقرنان. وفي هذا الزمان اوفيفانوس ملك مصر صنع سفينة وغزا ~~سكان السواحل. وبعده قام فرعون بن سانس ومنه سميت الفراعنة. # " ناحور بن ساروغ " ولد له ترح وعمره على الرأي السبعيني تسع وسبعون سنة ~~وعلى رأي اليهود تسع وعشرون سنة. وجميع أيامه مائتان وسنة واحدة. وفي خمس ~~وعشرين سنة من عمره كان جهاد أيوب الصديق على رأي اروذ الكنعاني. وبنى ~~ارمونيس ملك كنعان سذوم وغامورا على اسم ولديه ومدينة صاعر على اسم أمهما. # " ترح بن ناحور " ولد له إبراهيم وعمره على الرأيين جميعا سبعون سنة. ~~وجميع أيامه مائتان وخمس وسبعون سنة. ومات بمدينة حران. وبنى مورفوس ملك ~~فلسطين مدينة دمشق قبل ميلاد إبراهيم بعشرين سنة. وبوسيفوس يقول إن عوص بن ~~آرام بناها ومن هاهنا يتفق التاريخان السبعيني ms010 والعبراني. # " إبراهيم بن ترح " ولد له اسحق وعمره مائة سنة. وجميع أيامه مائة وخمس ~~وسبعون سنة. ولما أتت عليه خمس عشرة سنة استجابه الله تعالى في العقاعق ~~التي كانت تفسد في أرض الكلدانيين وتمحق زروعهم. واحرق إبراهيم هيكل ~~الأصنام بقرية الكلدانيين ودخل هاران أخوه ليطفئ النار فاحترق ولذلك فر ~~إبراهيم وعمره ستون سنة مع أبيه ترح وناحور أخيه ولوط بن هاران أخيه ~~المحترق إلى مدينة حران وسكنها أربع عشرة سنة. # ثم خاطبه الله قائلا: انتقل عن هذه الديار التي هي ديار آبائك إلى حيث ~~آمرك. فأخذ سارا امرأته ولوط ابن أخيه وصعد إلى أرض كنعان وحارب ملوك ~~كدرلعمر وقهرهم. وفي عودة من المحاربة اجتمع بملكيزدق الكاهن الأعظم وخر ~~على وجهه بين يديه وأعطاه عشرا من السلب وباركه ملكيزدق. وفي سنة خمس ~~وثمانين من عمره وعده الله أن يجعل نسله كعدد الكواكب التي في السماء ~~وذريته كرمل البحار فوثق إبراهيم بالله حق الثقة. # وفي هذه السنة دخل إلى مصر ووشى بحسن سارا امرأته إلى فرعون فسأل إبراهيم ~~عنها. فقال: هي أختي من أبي لا من أمي. ولم يكذب بقوله هذا لأنها كانت ابنة ~~عمه فأقام جدهما مكان أبيهما. فاختارها فرعون إلى نفسه مختليا حتى حقق أنها ~~زوجته فردها إليه مع هدايا جزيلة من جملتها هاجر المصرية أمة سارا وتقدم ~~إليه بالانتزاح من بلده خوفا من أن يهجس في صدره هاجس سوء ثانيا. ولأنه لم ~~يكن لإبراهيم ولد من امرأته سارا سمحت بجاريتها هاجر فوطئها إبراهيم وولدت ~~له إسماعيل. واستهانت هاجر بسارا مولاتها شامخة عليها بسبب ولدها فأزاحتها ~~سارا من عندها إلى القفر بغيظة منها فتراءى ملك الرب لهاجر قائلا: لا بيأسي ~~من رحمة ربك فان الله قد بارك على الصبي حين خاطب أباه إبراهيم. وكان خاتمة ~~البركة باللغة السريانية هكذا: وأكبرته طب طب وأعظمته جدا جدا. PageV01P006 ~~أقول قد اتفق في هذه الألفاظ سر عجيب لاح في عصرنا وهو إنا إذا جمعنا ~~حروفها بحساب الجمل كان الحاصل ستمائة وستة وخمسون سنة وهي ms011 المدة من الهجرة ~~إلى السنة التي قتل فيها آخر الخلفاء العباسيين وزال الملك المعظم جدا عن ~~آل إسماعيل. وبعد مائة سنة مضت من عمر إبراهيم ولد له اسحق من سارا. ولما ~~حصل لاسحق تسع عشرة سنة اصعده إبراهيم لجبل نابو ليضحي به ضحية لله تعالى ~~ففداه الله بحمل مأخوذ من الشجرة أنقذه. والحمل مثال لسيدنا يسوع المسيح له ~~المجد الذي فدى العالم بنفسه ولذلك قال في إنجيله المقدس: إن إبراهيم كان ~~يرجو أن يشاهد يومي فشاهد وسر.وقيل في تلك السنة تم ملكيزدق بناء أورشليم. ~~وفي ثماني وثلاثين سنة من عمر اسحق درجت سارا أمه وعمرها مائة وسبع وعشرون ~~سنة. وتزوج إبراهيم قنطورا ابنة ملك الترك ولما بلغ اسحق أربعين سنة نزل ~~ايليعازر وليد بيت إبراهيم إلى حران وجاء برفقا زوجة اسحق ولما توفي ~~إبراهيم دفن إلى جانب قبر سارا زوجته في المغارة المضاعفة التي ابتاعها من ~~عفرون الحيثاني. وفي زمن إبراهيم كانت ساميرم ملكة اثور وهي بنت التلال ~~خوفا من عود الطوفان. # " إسحق بن إبراهيم " ولد له يعقوب وعمره ستون سنة. وجميع أيامه مائة ~~وثمانون سنة. وبعد عشرين سنة من تزوجه حبلت رفقا امرأته. ولأنها تألمت ~~بالحبل مضت إلى ملكيزدق لتسأله عن حملها ودعا لها وبشرها بأن أمتين عظيمتين ~~في أحشائك وان الكبير من توأميك يطيع الصغير يعني عيسو أبا الاذوميين وهم ~~الإفرنج الشقر ينقاد ليعقوب أبي الإسرائيليين. وقيل في ذلك الزمان بنيت ~~مدينة اربيل من اربول الملك ومدينة ايريحو من سبعة ملوك كل منهم بنى لها ~~سورا. PageV01P007 " يعقوب بن اسحق " ولد له لاوي وعمره اثنتان وثمانون ~~سنة. وجميع أيامه مائة وسبع وأربعون سنة. وفي سبع وسبعين سنة من عمره أخذ ~~من عيسو أخيه البكورة ومن اسحق أبيه تبريك البكورة بالحيلة المذكورة في ~~التورية وهي أن اسحق لما طعن في السن ذهب بصره. وكان عيسو ازب ويعقوب اجرد. ~~فلبسته أمه مسك جدي وقدمته إلى اسحق قائلة: هذا عيسو ابنك أعطه بركة ~~بكورته. فجسه إسحاق وقال: مجسة عيسو وشمائل يعقوب. ومع ms012 ارتيابه به لم يأب ~~تبريكه. ولما حنق عليه عيسو أخوه هرب من قدامه إلى حران ورأى يعقوب في أول ~~ليلة خرج من بيت أبيه فارا من أخيه في منامه سلما منصوبا في الأرض ورأسه ~~إلى السماء والملائكة يصعدون وينزلون عليه وعظمة الله ظاهرة في أعلاه. ~~فانتبه يعقوب وقال: لا ريب أن هذا بيت الله. فأخذ الحجر الذي كان فوق رأسه ~~ونصبه مذبحا وسكب عليه دهنا تمثيلا بدهن الميرون الذي به تتقدس هياكل الله ~~عندنا. ووصل يعقوب إلى بيت لابان خاله بحران واختطب راحيل ابنته الصغيرة ~~وقبل أن يرعى غنمه سبع سنين حق المهر. فلما تمت المدة زوجه لابان ابنته ~~الكبرى محتجا بوجوب تزويج الكبرى قبل الصغرى وزف معها جارية اسمها زلفا. ~~فقبل يعقوب ثانية الرعي سبعا أخرى حق مهر راحيل. وعند تمام المدة زوجه ~~راحيل ابنته الصغيرة وزف معها جارية اسمها بلها. ومال يعقوب إلى راحيل ~~فمانعها الله الولاد برهة من الزمان. وولدت لايا ستة أولاد البكر روبيل أي ~~العظيم لله ثم شمعون أي الطائع ثم لاوي أي التام ثم يهوذا أي الشاكر ومن ~~ذريته ظهر الملك المسيح المدعو ابن داود بالجسد. ثم ايساخر أي الأجر. ثم ~~زبولون أي النجاة من هول الليل. وولدت راحيل ابنين يوسف أي الزيادة ثم ~~بنيامين أي ابن العزاء. وولدت زلفا ابنين جاذ أي الحظ ثم اشير أي المجد. ~~وولدت بلها ابنين أيضا دان أي الحكم ونفتالي أي المتضرع وابنة اسمها دينا ~~أي العادلة. جملة البنين اثنا عشر وهم الأسباط أي قبائل بني إسرائيل. وبعد ~~ميلاد لاوي بثلاث سنين ولدت راحيل يوسف وبيع ابن سبعة عشرة سنة وبقي عبدا ~~عشر سنين ومعتقلا ثلث سنين وأمينا على دار فرعون ثلاثين سنة ووزيرا ثمانين ~~سنة وجميع أيامه مائة وأربعون سنة. وبعد وفاة اسحق حارب عيسو يعقوب أخاه ~~فنصر الله يعقوب. ورماه بسهم فقتله وهزم من معه. وانحدر يعقوب إلى مصر ~~وعمره مائة وثلاثون سنة بعد أن أقحط سنتين. ويهوذا بن يعقوب تزوج امرأة ~~كنعانية اسمها شوع وولدت ms013 له ثلث أولاد عير واوانان وشيلا. وتزوج عير امرأة ~~من بنات لاوي اسمها ثامر وكان يضاجعها مضاجعة قوم لوط ومات ولم يرزق ولدا ~~فزوجها يهوذا بولده الآخر وهو اونان ليقيم منها نسلا لأخيه عير. وكان إذا ~~باشرها سكب ماءه على الأرض فهلك هو أيضا بغير خلف. # وإما شيلا الأخ الصغير لما رأى هلاك أخويه أبى قربها. والسر في ذلك أن ~~يعقوب طلب من ربه أن لا يترك زرع كنعان الذي لعنه نوح يختلط مع نسله. ~~فاحتالت ثامر كنة يهوذا حتى باشرها يهوذا متنكرة عليه فحملت من حميها ~~واتأمت بابنين هما فرص وزرح وداود النبي من نسل فرص بن يهوذا. # " لاوي بن يعقوب " ولد له قاهاث وعمره سبع وأربعون سنة. وجميع أيامه مائة ~~وسبع وثلاثون سنة. وإنما ذكر لاوي في النسب وان كان روبيل اكبر أولاد يعقوب ~~لان من ذرية لاوي ولد موسى النبي المنقذ لآل إسرائيل من عبودية المصريين ~~والسان لهم سننا إلهية. # " قاهان بن لاوي " ولد له عمرم وعمره ستون سنة. وجميع أيامه مائة وثلث ~~وثلاثون سنة. وفي زمانه صار الطوفان المذكور في كتب الكلدانيين في العراق ~~والملك باثور بالفرس. وقيل في أيام لاوي كان. # " عمرم بن قاهاث " ولد له موسى وعمره خمس وثمانون سنة. وجميع أيامه مائة ~~وسبع وثلاثون سنة. وعندما ولد موسى وضعه والداه في صندوق مقير ورمياه في ~~النيل خوفا من فرعون امونفاثيس خانق مولودي العبرانيين فوجدته ابنة فرعون ~~هذا واتخذته ولدا وسلمته إلى يانيس ويمبريس الحكيمين فعلماه الحكمة وقصة ~~تعلمه منهما غير مذكورة في التوراة وقد ذكرها الرسول بولس نقلا عن ~~ارسطامونيس. PageV01P008 " موسى بن عمرم " بعد ما أتت عليه أربعون سنة من ~~عمره وهو في بيت فرعون رأى شخصا مصريا يفتري على شخص إسرائيلي فالتفت إلى ~~جوانبه فلم ير أحدا فضربه وقتله. وبعد أيام رأى إسرائيليين يتخاصمان فأخذ ~~ينكر عليهما. فقال له أحدهما: من جعلك علينا واليا قد جئت تقتلنا كما قتلت ~~بالأمس المصري. ففزع موسى لئلا يظهر ذلك لفرعون فهرب إلى أرض العرب وتزوج ms014 ~~صافورا الزنجية ابنة يثرون بن رعوئيل المديني ابن دادان بن يقش بن إبراهيم ~~من قنطورا زوجته التركية. وولدت صافورا الزنجية لموسى ابنين أحدهما جرشون ~~أي الغريب والآخر ايليعازر أي الله أعانني. ولما بلغ موسى ثمانين سنة وكان ~~يرعى غنم يثرون حميه، تراءى له ملاك الرب في جبل حوريب وهو طور سينا بلهيب ~~النار في العوسج والعوسج لا يحترق فدعاه الله من العوسج قائلا: يا موسى يا ~~موسى. فقال: ها أنا. فقال له: حل نعليك من قدميك لأن المكان الذي أنت قائم ~~عليه مقدس. ثم قال له الرب: قد سمعت استغاثة شعبي من المصريين ونزلت ~~لخلاصهم على يدك. فقال موسى: من أنا حتى أمضي إلى فرعون رسولا. فقال له ~~الله: أنا أكون معك. قال موسى: فان قالوا لي ما اسم ربك ماذا أقول لهم. ~~قال: قل اهيا اشر اهيا أي الأزلي الذي لا يزال. فقال موسى: إن لساني ألثغ ~~ثقيل النطق كيف يقبل مني فرعون. قال الله له: إني قد جعلتك إلها لفرعون ~~وهرون أخاك نبيا بين يديك يقول لفرعون ما تقص عليه فيرسل ابني بكري إسرائيل ~~وأنا أقسي قلب فرعون فلا يطيعكما فأظهر آياتي بأرض مصر. فلما مضيا موسى ~~وهرون إلى فرعون بالرسالة قال لهما: اصنعا لي آية. فألقى موسى عصاه فإذا هي ~~تنين. فدعا فرعون السحرة ففعلوا كذلك فابتلعت عصا موسى عصيهم. ومع هذا أبى ~~فرعون أن يرسلهم. فصنع الرب بمصر من الآيات ما قد شرح في التورية من تغير ~~الماء دما وأظهار الجراد والضفدع والظلام والحشرات والنار وغير ذلك. وفي ~~الليلة التي قتل الله فيها جميع أبكار المصريين من بكر فرعون وما دون أذن ~~فرعون لموسى وهرون أن يخرجا بني إسرائيل من مصر ويمضون ويعبدون امام الرب ~~ثم يعودون إلى مصر فاستعار بنو اسرائيل من جيرانهم حلي الذهب والفضة ~~والملابس الفاخرة بحجة العود وخرجوا من مصر ستمائة ألف رجل سوى الحشم ~~والأثقال بعد أن تم لهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثون سنة. ولما لم يرجعوا لما ~~أمروا اتبعهم فرعون ms015 وجنوده. فدمدم بنو إسرائيل على موسى قائلين: قد كان ~~الأصلح أن تخدم المصريين ولا نهلك في البر فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق ~~وعبر بنو إسرائيل فيه. ودخل فرعون وجنوده خلفهم فغرقوا وسار بنو إسرائيل في ~~البر أياما. ثم ثاروا على موسى قائلين: كنا نؤثر الموت بمصر ولا نموت ~~بالجوع في هذا البر.فأمطرهم الله تعالى الخبر من السماء وأنزل عليهم المن ~~والسلوى وكان الغمام يظلهم نهارا وعمود نار يضيئهم ليلا سائرا بين أيديهم. ~~وقال الله لموسى: اصعد إلي أنت و هرون وناذاب وابيهو ولداه وسبعون شيخا. ~~ففعلوا ذلك ودنا موسى وحده والباقون وقفوا اسفل الجبل فعرفهم موسى وصايا ~~الله ثم نزلوا وأقام موسى بالجبل أربعين يوما صائما. وتقدم الله إليه ~~بالفرائض المكتوبة في لوحين من حجر. ولما استبطأ بنو إسرائيل مجيء موسى ~~قالوا لهرون:قم اعمل لنا إلها يمضي أمامنا لأن أخاك ما نعلم ما كان منه. و ~~أحضروه حلي الذهب التي لنسائهم و أولادهم وصاغ منها عجلا وقال: هذا إلهك يا ~~إسرائيل الذي أخرجك من مصر. ولما عاد موسى وعرف فعلهم غضب غضبا شديدا وضرب ~~باللوحين سفح الجبل وكسرهما وألقى العجل في النار وبرد سبيكته بالمبارد ~~ناعما وألقاه في البحر وأمر بني إسرائيل أن يشربوا منه جميعهم وقال لبني ~~لاوي: الرب يأمركم أن يقتل الرجل منكم أخاه ونسيبه. فقتل منهم ثلاثة آلاف ~~رجل. # ثم رقي موسى للجبل مرة ثانية ومعه لوحان آخران من حجر وأقام فيه أربعين ~~يوما صائما طاويا لياليها وعاد نازلا وبيده اللوحان مكتوبا فيهما العشر ~~وصايا وهي: الرب إلهك واحد. PageV01P009 لا تحنث في يمينك. احفظ يوم السبت. ~~أكرم والديك. لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد بالزور. لا تتمن منزل ~~أخيك. لا تتمن قنية رفيقك. وقال الله: ملعون من يشتم والديه. ملعون من يظلم ~~جاره. ملعون من يضل الأعمى عن السبيل. ملعون من يحيف في القضاء على اليتيم ~~والمسكين. ملعون من يضاجع أخته ومن يلامس امرأة أبيه ومن يضرب صاحبه غيلة ~~ومن يرشو في قتل نفس. ملعون ms016 من لا يثبت على هذه السنن. فإن أنتم خالفتموها ~~تزرعون ويأكل زرعكم أعداءكم وتنهزمون من غير أن يطردكم أحد وأرسل عليكم ~~الوحوش فتفنيكم ولا تشبعون طعاما ولا تروون ماء ولا تقبل لكم صلاة وأخرب ~~أراضكم و أبددكم بين الأمم المبغضة لكم واختس قدركم. وقال الله لموسى: قل ~~لبني إسرائيل يفردون لي ذهبا وفضة ونحاسا وثياب أرجوان وقزا وإبريسما ~~ومرعزى وأديما وخشب شمشار ويعملون لي مسكنا بينهم زمان تقلبهم خارج أرض ~~الميعاد ويكون أخوك هرون وبنوه يلهبون السرج فيه من العشاء إلى الصباح. ~~فعملوا كما أمرهم الله تعالى وسار بنو إسرائيل وموسى أمامهم يعد لهم منزلا. ~~وتغطرس هرون ومريم على موسى لأجل زوجته الزنجية وقالا: العل موسى وحده كلمه ~~الله فمعنا أيضا قد تكلم. فقال لهما الله: إن تمت نبوؤتكما فإني سرا أتجلى ~~عليكما وأما موسى فقد ائتمنته على بيتي ومن فم لفم أكلمه. وعند ذلك برصت ~~مريم وابيض جسمها كالثلج. وتضرع موسى إلى الله أن يطهرها. فقال الله: لو أن ~~أباها تفل في وجهها لكان يجب أن تستحي منه فلتنعزل عن الحلة سبعة أيام ثم ~~تدخل. ففعلت وطهرت. فجاء بنو إسرائيل إلى البر المعروف بصين . وماتت هناك ~~مريم أخت موسى وهرون ودفنت حيث توفيت ثم جاءوا إلى جبل هور ومات هناك هرون ~~وولي مكانه ايليعازر ابنه. ولما عبر بنو إسرائيل نهر الأردن قال الله: يا ~~إسرائيل إن عملت بوصايا إلهك بوركت في قريتك بوركت في حقلك بورك ثمار كرومك ~~وولد بعيرك يسلم الله عدوك في يديك ويجيئك عن طريق واحد ويهرب في سبع طرق ~~يبارك الله الأرض التي يعطيك ويجعلك له شعبا مقدسا كوعده لك. وإن خالفت هذه ~~الوصايا تنقلب بركاتك لعنات و يبددك الله في جميع الأمم ويعطيك قلبا فزعا ~~ووجع العين ورماك بالنيط وتكون مرعوبا بالليل والنهار. # أقول تأمل أيها القارئ كيف جعل الله وعده ووعيده لبني إسرائيل مقصورين ~~على ما يرونه في دنياهم من غير أن يذكر لهم شيئا من أحوال الآخرة وأمور ~~المعاد وذلك لغلظ طباعهم ms017 وقصورهم عن النظر إلى العالم الروحاني. # ثم أوحى الله إلى موسى قائلا: ها أنت ماض في طريق آبائك فادع يوشع بن نون ~~تلميذك وأوصه بأن يقوم بتدبير هذا الشعب فإني أعلم أنه يضل بعد موتك ويتخذ ~~الأصنام ويعبدها فيحل غضبي بهم فيلحقهم بؤس وذل. ولست أورثهم أرض الجبابرة ~~المغلة عسلا ولبنا من قيل ورعهم وصلاحهم لكن لسوء أعمال سكانها قبلهم ولما ~~وعدت به آباءهم إبراهيم واسحق ويعقوب. فلما فرغ موسى مما أوصى به يوشع بن ~~نون خاصة وبني إسرائيل عامة أصعده الله إلى جبل نابو وأراه أرض كنعان وهي ~~أرض الميعاد التي سيورثها لبني إسرائيل. ومات هناك ودفنته الملائكة من غير ~~أن يعرف له قبر إلى آخر الدهر.وكانت سنة مائة وعشرين سنة ولم يضعف بصره ولم ~~تتشنج وجنتاه. ويوشع بن نون امتلأ روح الحكمة بوضع موسى يده عليه وأطاعه ~~بنو إسرائيل. فمن آدم إلى وفاة موسى على الرأي السبعيني ثلاثة آلاف ~~وتسعمائة وإحدى وخمسون سنة وعلى رأي اليهود ألفان وأربعمائة وإحدى وتسعون ~~سنة. PageV01P010 وقيل في زمان موسى صار طوفان ثالث في تاساليا. وانونيوس ~~الحكيم أوجد علم السيميا. وخيرون اخترع الطب. ومايندروس استنبط نوعا من ~~الشعر يسمى قوموذيا وفيه يذكر الرذائل والأهاجي والقبائح المشتركة بين ~~الناس والبهائم. واستنبط آخر نوعا آخر من الشعر يسمى طراغوذيا وفيه يذكر ~~الفضائل والمدائح والمراثي المشتركة بين الناس والملائكة. وزعم المعنيون ~~بتعريف طبقات الأمم أنه كان بمصر بعد الطوفان علماء بضروب علوم الفلسفة من ~~الرياضية والطبيعية والإلهية وخاصة بعلم الكيمياء والطلسمات والنيرنجيات ~~والمراءي المحرقة. وتصديق ذلك قول الله في التوراة عن موسى أنه حذق جميع ~~حكم المصريين. وكانت دار الملك والعلم بمصر في قديم الدهر مدينة منف. فلما ~~بنى الاسكندر الإسكندرية رغب الناس في عمارتها لحسن هوائها وطيب مائها ~~وكانت دار العلم والحكمة بمصر إلى أن تغلب عليها المسلمون واختط عمرو بن ~~العاص على نيل مصر المدينة المعروفة بفسطاط عمرو فانسرب العرب والعجم ~~لسكناها فصارت قاعدة مصر. # الدولة الثانية # المنتقلة من الأولياء إلى القضاة # قضاة بني ms018 إسرائيل # العبرانيون لمفارزتهم باقي الأمم حرموا تعلم الحكمة مقتصرين على علوم ~~الشرائع وسير الأنبياء. فكان أحبارهم أعلم الناس بأخبار الأنبياء وبدو ~~الخليقة ومنهم أخذ ذلك غيرهم. وكانت مساكنهم بلاد الشام وبها كان ملكهم ~~الأول والآخر إلى أن أجلاهم عنها بعد مجيء السيد المسيح حقا أنكروه طيطوس ~~ابن الملك اسفسيانوس الرومي وفرق ملكهم وبدد جمعهم. فتقطعوا في البلاد أيدي ~~سبا وتفرقوا في أقطارها شذر مذر. فليس في معمور الأرض إلا وفيها منهم في ~~مشارق الأرض ومغاربها وجنوبها وشمالها إلا ما كان من جزيرة العرب وهي ~~الحجاز ونجد وتهامة واليمن. فإن عمر بن الخطاب أجلاهم عنها. فلما تفرقوا في ~~البلاد ودخلوا الأمم تحركت همم قليل منهم لطلب العلوم النظرية واكتساب ~~الفضائل العقلية فنال أفراد منهم ما شاءوا من فنون الحكمة. # " أيشوع بن نون " خليفة موسى ووصيه دبر بني إسرائيل سبعا وعشرين سنة ~~وأدخل أولاد الأمة الخارجة من مصر إلى أرض الميعاد دون الآباء كما قال الله ~~لموسى: قل لبني إسرائيل: يا شعب السوء حي أنا إلى الأبد ستضلون ضالين ~~مذبذبين أربعين سنة حتى تقع أجسادكم وتبلى في هذا البر وأولادكم وهم يدخلون ~~أرض الميعاد. وأما أنتم فلا تطأونها سوى كلاب بن يوفنيا وأيشوع بن نون. ~~وقهر أيشوع سبع أمم من الكنعانيين وقتل ملوكهم وأخرب إحدى وثلاثين مدينة ~~وقسم الأرض التي أخذها بين الأسباط وأمرهم أن يهدموا بيوت الأوثان وأن لا ~~يتزوجوا بنساء الأمم الغريبة ولا يأكلوا من ذبائحهم وأن يجتمعوا كل عام إلى ~~بيت المقدس ليقرأ عليهم فينحاس بن اليعازر الكاهن كتاب الله. فخالفوا جميع ~~ذلك وعصوا الله. فجمعهم أيشوع بن نون في بعض البقاع وظهر لهم ملاك الله في ~~صورة إنسان قائلا بصوت عال: اسمعوا يا بني إسرائيل قول الله فإنه يقول: أنا ~~ربكم خلصتكم من عبودية المصريين وفلقت لكم البحر و دبرتكم في البر أربعين ~~سنة وأطعمتكم المن والسلوى وأحييتكم عيشا طيبا. لم يبل لكم لباس ولم يشعث ~~لكم رأس ولم يتسخ لكم ثوب. ثم إني كلمتكم من النار وأنزلت ms019 لكم كتابا ~~وأورثتكم أرضا تدر اللبن والعسل درورا. فعصيتموني ونقضتم عهدي ونسيتم ~~آياتي. فباسمي أقسم أن لا أبيد هذه الأمم من بين أيديكم لكن أقرهم بين ~~ظهرانيكم فيكون ذلك سبب بواركم. ولما سمعوا ذلك جلسوا يبكون ولذلك سميت تلك ~~البقعة بقعة البكاء. ثم صرفهم أيشوع إلى منازلهم وتوفي ابن مائة وعشر سنين. # " فينحاس بن اليعازر بن هرون الكاهن " دبر الأمة أربعا وعشرين سنة على ~~رأي انيانوس. وقال إفريقيانوس: والمشايخ ساسوا ثلاثين سنة. والكتاب الإلهي ~~لم يعين هذه السنين. وفي هذا الزمان زاد بنو إسرائيل في طغيانهم. فقال ملاك ~~الرب لفينحاس: إن هذه الأمة ليست بأهل أن تسمع كلام الله. فاصنع حبا من ~~نحاس واجعل فيه خمسة من أسفار التوراة واللوحين وعصا موسى وقضيب هرون الذي ~~أورق وهو يابس وما استبقي من المن تذكارا وسده برصاص. وعمل فينحاس كما أمر ~~وحمل الحب وسار الملاك بين يديه حتى أنزله مغارة في بيت الله الذي بناه ~~سليمان بن داود فانفجرت له صخرة ووضح الحب فيها وأخفى مكانه. PageV01P011 " ~~كوشن الأثيم المتغلب " بعد أن طغى بنو إسرائيل وجاوزوا الحد في العصيان ~~أسلمهم الله في يدي كوشن المارد من الأمم الغريبة فعذبهم وجار عليهم ثمان ~~سنين. # " عثنائيل " لما أجهد كوشن بني إسرائيل استغاثوا إلى الله. فأنشأ لهم ~~رجلا من سبط يهوذا اسمه عثنائيل ابن أخي كلاب بن يوفنيا فقتل كوشن وولي أمر ~~الأمة أربعين سنة وردهم إلى عبادة الله تعالى ثم مات. # " عجلون " بعد موت عثنائيل بن قيناز طغى بنو إسرائيل وعبدوا الأوثان. ~~فأسلمهم الله في يد عجلون ملك موآب فاستعبدهم ثمان عشرة سنة. ثم ابتهلوا ~~إلى الله. فأنشأ لهم رجلا من سبط افريم اسمه اهور فقتل عجلون الموآبي ~~أنقذهم من عبوديته. # " اهور بن جارا " هذا كان أعشم قد شلت يمينه واحتال بأن مثل بين يدي ~~عجلون المتغلب وقال له: كلمة الله معي أريد استكتامها. فصرف عجلون كل من ~~كان عنده وقام يدخل إلى خزانة له ليسمعها هناك. فتناول اهور سيفا صغيرا كان ~~قد شده على ms020 فخذه اليمنى بيده اليسرى وضرب به على وسط عجلون فبرز مراق بطنه ~~ومات. وخرج اهور وأغلق الباب عليه ومضى إلى بني إسرائيل وعرفهم الحال. ~~فسروا بذلك وتولى أمرهم اهور اثنتين وستين سنة. ومنهم من قال ثمانين سنة ~~يضيف إليها سني عجلون المتغلب أيضا. وفي هذا الزمان بنيت مدينة حلب بأمر ~~بتحوس ملك اثور. وشيدت محكمة اريوس فاغوس بمدينة اثيناس. وقتل اهور من بني ~~موآب عشرة آلاف رجل. # " شمغر بن عناث " هذا نشأ في أيام اهور وقتل من الفلسطينيين ستين رجلا ~~بمنخسة الفدان وحكم ثمان عشرة سنة ومات. فطغى بنو إسرائيل بعد وفاته وعبدوا ~~الأوثان. فأسلمهم الله بيدي يابين ملك حاصور من جملة ملوك الكنعانيين. # " يابين ملك حاصور " تغلب على الأمة عشرين سنة وكان لقائد جيشه واسمه ~~سيسرا تسع مائة مركب من حديد تجر كل واحدة منها أربعة أفراس تحمل نفرا من ~~الرجال المقاتلين. وكانت الأمة معه في ضنك شديد. فاستغاثوا إلى الله فأنشأ ~~لهم امرأة نبية اسمها دبورا. فأنقذتهم منه. # " دبورا النبية و بارق " لما تولت دبورا النبية وهي من سبط افريم أمر بني ~~إسرائيل أشركت معها في التدبير رجلا اسمه بارق من سبط نفتالي ووليا الأمر ~~أربعين سنة. # وجيش بارق من بني إسرائيل عشرة آلاف رجل مقاتل والتقى عساكر سيسرا الجمة ~~فانكسر الكنعانيون ونزل سيسرا عن فرسه ملتجئا إلى امرأة من بني إسرائيل ~~اسمها عنائيل. فعرفته وحوته في منزلها وسقته عوض الماء الذي طلبه لبنا ~~ودثرته فنام وحيث ثقل في نومه أخذت سكة من حديد وسمرتها في صماخه حتى مات. ~~ثم خرجت إلى باب منزلها فرأت بارق مجدا في طلب سيسرا فقالت له: هلم أريك من ~~تريد. فدخل ورأى سيسرا ملقى ميتا والسكة في أذنه. ومازال بارق في طلب يابين ~~ملك حاصور حتى ظفر به فقتله. # " المذيانيون " وبعد موت دبورا وبارق توثن بنو إسرائيل كعادتهم وأسلموا ~~في يدي بني مذيان فاستعبدوهم سبع سنين وهرب بنو إسرائيل من شدة ما قاسوا من ~~المذيانيين واتخذوا لهم بيوتا في الكهوف والمغارات وسكنوها. ms021 وصار كلما ~~زرعوا زرعا صعدت العمالقة والمذيانيون ورعوه و قرفوه و اقحلوا وجه الأرض من ~~كل نبات بكثرة إنعامهم وماشيتهم وأغنامهم. # " جذعون " لما رأى الله ذل بني إسرائيل رحمهم وأرسل ملاكا إلى رجل اسمه ~~جذعون ابن يواش وأمره أن يتولى خلاص الإسرائيليين. فولي تدبيرهم أربعين سنة ~~وقتل ملوك الأعراب مضطهديهم . وولد له سبعون ولدا ذكورا. وفي زمانه كان ~~ابولون ملك الزنوج الذي بزمره انخدعت له الصخور أي اطاعته القلوب القاسية. # " ابيملك بن جذعون " الذي ولدت له سريته وولي بعد أبيه ثلث سنين وقتل ~~أخوته التسعة والستين. # " تولع بن فوا " من سبط ايساخر ساس بني إسرائيل عشرين سنة. وفي زمانه ~~بنيت مدينة طرسوس وخربت مدينة ايليون الخراب الذي هو من أعظم الرزايا عند ~~قدماء اليونانيين وقد رثاها اميروس الشاعر في كتابين نقلهما من اليوناني ~~إلى السرياني ثاوفيل المنجم الرهاوي. # " ياثير الجلعدي " ولي تدبير بني إسرائيل اثنتين وعشرين سنة. # " العمونيون " لما طغى بنو إسرائيل في عبادة الأوثان أسلمهم الله في أيدي ~~بني عمون فنكد بهم عيشة الأمة ثمان عشرة سنة. PageV01P012 " يفتاح " هذا ~~قتل ملك بني عمون وهم بنو لوط. وكان قد نذر على نفسه أنه إن ظفر بالعدو وكر ~~منتصرا أول من لمح من ذوي قرابته قربه لله تعالى قربانا. فلما انتصر وعاد ~~دانيا من منزله أقبلت عليه ابنته العذراء تهنئه بالنصر. فقال لها: كبا ~~كببتني لوجهي يا ابنتي وأنا اليوم اكبيت على وجهي بك. فعلمت ما به ~~واستمهلته شهرا أن تنوح على بكارتها مع أقرانها وترثي على روحها دائرة في ~~الصحاري. فأذن لها في ذلك. وعند تمام المدة ضحى بها ضحية بموجب ذره ~~المكروه. وكان مدة ولايته ست سنين. ومن جعلها أربع وعشرين سنة فإنه يضيف ~~إليها ثماني عشرة سنة التي لولاية العمونيين. # " ابيصان " من أهل بيت لحم حكم سبع سنين وجماعة من المؤرخين لم يتعرضوا ~~لذكر هذا الاسم. # " الون " من سبط زبولون ساس الأمة عشر سنين. وهو غير مذكور في نقل ~~السبعين. # " ابدون بن هليان " حكم ثماني سنين وفي زمانه ms022 فارق قوم من ولد عيسو ابن ~~اسحق بن إبراهيم بني إسرائيل وساروا إلى أرض الافرنجة نازلين في بيوت شعر ~~ثم حصلوا تحت يد ملك يسمى لاطين وبعده ملكهم رومالوس الملك الذي بنى مدينة ~~رومية فسمى سكانها روما ولاطينيين. # " الفلسطينيون " ثم تغلب أهل فلسطين على بني إسرائيل على رأي انيانوس ~~الراهب الإسكندري أربعين سنة. وعلى رأي اندرونيقوس عشرين سنة. وأما ~~اوسابيوس فلم يثبت في الخرونيقون شيئا من هذه السنين. # " شمشون الجبار المتقشف " حكم عشرين سنة وقهر الفلسطينيين وكان له قوة ~~عجيبة في البطش. # " مشايخ الأمة " حكموا عشرين سنة. وعلى رأي اندرونيقوس عشر سنين. وعلى ~~رأي إفريقيانوس أربعين سنة. هؤلاء هادنوا الأمم التي حواليهم فلم ينصبوا ~~قائد جيش وكان لهم عنه غنى. # " عالي الكاهن " حكم على الرأي السبعيني عشرين سنة وعلى رأي اليهود ~~أربعين سنة. # " شموايل النبي " نذره أبوه لله وهو ابن سنتين فلما ترعرع أتاه الوحي ~~وخدم على الكاهن في هيكل الرب من سن الطفولة إلى أن توفي عالي الكاهن فولي ~~هو أمر بني إسرائيل عشرين سنة. # الدولة الثالثة # المنتقلة من قضاة بني إسرائيل إلى ملوكهم # لما بلغ شموايل النبي من العمر سبعا وسبعين سنة قال له بنو إسرائيل: انصب ~~لنا ملكا منا كسائر الأمم. فعلم الله بذلك فأوحى إليه قائلا: إن بني ~~إسرائيل لم يعصوك أنت لكن إياي عصوا فأخبرهم إني إن نصبت لهم ملكا استعبدهم ~~وجعل عليهم رؤوس ألوف ومئين ويحرثوا حرثه ويحصدوا حصاده ويعملوا أدوات ~~قتاله ومراكبه. ويتسخر بناتهم كساحات وطحانات وخبازات ويختلس مزارعهم ~~وكرومهم ويعطيها لعبيده ويعشر أموالهم وأغنامهم ودوابهم فيستغيثون منه إلي ~~فلا أجيبهم يومئذ. فأعلمهم شموايل بجميع ذلك فلم يقبلوا منه ولكن ألحوا ~~عليه قائلين: لا بد لنا من ملك يسوسنا. فقال الله: سوف أملك عليهم ملكا. # " شاول " من سبط بنيامين وتسميه العرب طالوت كان شابا لم يكن في بني ~~إسرائيل أتم منه خلقة. PageV01P013 فضلت أتن لأبيه قيش فخرج مع غلام له ~~طائفين عليها وانتهيا إلى القرية التي فيها شموايل النبي. وقال الغلام ~~لشاول: ههنا ms023 رجل عظيم نذهب إليه لعله يدلنا على الأتن. وعندما هما بذلك خرج ~~إليهم شموايل فقالا له: دلنا على بيت النظار. لأن في ذلك الزمان كانت تسمى ~~الأنبياء نظارة. فقال لهما: أنا النظار أدخلا إلى منزلي وكلا معي طعاما ~~وأنبئكما عن بغيتكما. فلما دخلا معه البيت قال لهما: لا تهتما بأمر الأتن ~~فقد وجدت ولم تكن لذة بني إسرائيل إلا لك يا شاول ولآل أبيك. فقال لهما ~~شاول مستعفيا: قبيلتي أقل سبط بنيامين. وأخذ شموايل قرن الدهن وأفاضه على ~~رأس شاول قائلا: إن الله اصطفاك لتكون ملكا لميراثه. وسيلقاك في مضيك زمرة ~~من الأنبياء ويتنبأون وتتنبأ معهم. فمضى شاول حتى لقي الأنبياء وبين أيديهم ~~صنوج ودفوف فنزل عليه روح الرب وتنبأ معهم. فقال الناس: وشاول أيضا من ~~الأنبياء. وصار ذلك مثلا سائرا بينهم. وبعد قليل أقبل ملك العمونيين وهو ~~منوط بجيوش عظيمة طالبا قتال بني إسرائيل. فأرسلوا إليه قائلين: صالحنا على ~~ما نؤديه إليك وتنصرف عنا. فقال لهم: أصالحكم على أن يفقأ كل رجل منكم عينه ~~اليمنى. فسمع ذلك شاول واشتد غضبه وجمع من بني إسرائيل ثلاثمائة ألف مقاتل ~~ومن بني يهوذا ثلاثين ألف مقاتل وسار نحو العمونيين وقاتلهم وهزمهم وحينئذ ~~أذعن له بنو إسرائيل بالملك. ثم قال له شموايل: ربك يقول لك أن تقاتل ~~العمالقة وتبيدهم وتقتل رجالهم ونساءهم وولدانهم وماشيتهم. فسار شاول نحو ~~العمالقة وأبادهم وأسر ملكهم ولم يقتله وأبقى أيضا نقاوة ماشيتهم. فأوحى ~~الله إلى شموايل يقول له: إني قد رذلت شاول لمخالفته إياي. فاشتد ذلك على ~~شموايل وقال لشاول: ما لي أسمع ثغاء الغنم وخوار البقر. فأجابه شاول قائلا: ~~إن بني إسرائيل أقبلوا بها ليذبحوها لله ربك. فقال له شموايل: أولم تعلم أن ~~الله لا يرضى بالذبائح كمرضاته عمن يطيع أمره قد أسخطت ربك رذلك من الملك ~~بمعصيتك له. فقال شاول: استغفر الله فقد أخطأت وأريد أن ترجع معي حتى أسجد ~~له وأتوب إليه. فأبى عليه شموايل وجلس حزينا. فأوحى الله إليه: حتام تحزن ~~على شاول قم ms024 وانطلق إلى شخص اسمه ايشي من قرية بيت لحم فقد ارتضيت من بنيه ~~ملكا. فمضى إليه شموايل وقال له: أريد أن أمسح أحد أولادك ملكا. فقال له ~~ايشي: أنى لي بذلك. وأحضر ابنه الكبير فأعجبه حسنه. فأوحى الله إليه أن ~~نظري ليس كنظر البشر فأعرض عنه. ووقف شموايل حتى عرض عليه سبعة من بنيه. ~~فلم يفض القرن على أحدهم. فقال لايشي: هل بقي من بنيك أحد. قال له: بقي ~~غلام هو أصغرهم سنا يرعى الغنم. فقال: ائتني به. فأحضره ايشي و أفاض عليه ~~القرن ومسحه ملكا ومضى إلى منزله. PageV01P014 وفي تلك الأيام ظهر علج من ~~الفلسطينيين اسمه جولياذ والعرب تسميه جالوت وكان يسب بني إسرائيل ويستهين ~~بهم. فدنا منه داود قائلا: أنت أتيتني بالسيف والدرقة وأنا أتيتك باسم الرب ~~الذي عيرت صفوفه. وتناول داود حجرا من خريطته فوضعه في مقلاعه ثم رماه ~~فغيبة في جبهة العلج فوقع إلى وجهه فسل داود سيفه وقطع به رأسه. وأتى بداود ~~إلى شاول فقال له: من أنت يا غلام. قال: ابن عبدك ايشي من بيت لحم. وكان ~~شاول قد أصابه ريح سوء فقيل له: ليكن عندك إنسان جيد الضرب بالصنج ذي ~~الأوتار ليلهيك عما بك. ووصف له داود إنه ماهر في ذلك. فطلبه من أبيه وكان ~~يلهيه. وكانت بنات إسرائيل بعد قتل داود جولياذ يغنين ويفرحن ويقلن: قتل ~~شاول ألوفا وداود عشرات ألوف. فحسد شاول داود. وزج يوما برمح لطيف كان عنده ~~بيده نحوه. فارتاع لذلك داود. فخافه شاول ورأسه على ألف رجل. وقال يوما: من ~~أتاني بغرلة مائتي فلسطيني زوجته ابنتي ملكيل. فخرج داود وقتل منهم مائتي ~~رجل وأتاه بغرلهم فزوجه إياها فأحبت داود حبا شديدا وكذلك أخوها يوناثان ~~وجميع بني إسرائيل. وحذر يوناثان داود من أبيه وهربه إلى بعض الجبال. وخرج ~~شاول في طلبه حتى أتى مع أصحابه إلى مغارة في ذلك الجبل وباتوا فيها. فسار ~~داود ليلا وأتى إلى المغارة وصادف شاول نائما فقطع قطعة من ردائه ورجع إلى ~~أصحابه. ولما ms025 أصبح النهار وخرج شاول من المغارة ناداه داود وقبل الأرض بين ~~يديه وقال له: لا تسمع في سيدي قول واش فقد أسلمك الله في يدي اليوم ولم ~~يدنك مني سوء وهذا طرف ردائك معي. قال له شاول: جزاك الله خيرا. إنك ستملك. ~~فاحلف لي انك لا تهلك ذريتي. فحلف له. ومضى شاول إلى منزله. ومات شموايل ~~النبي. وخرج شاول في طلب داود مرة ثانية ونام في بعض الطريق ليلا مع أصحابه ~~فأتاه داود وهو نائم ورام أصحاب داود قتله فمنعهم قائلا: لا يحل لأحد أن ~~يمد يده إلى مسيح الرب اتركوه ليومه. ثم أخذ رمحه وكوز الماء وانطلق. فعلم ~~ذلك شاول وقال: أخطأت في طلبك يا داود ولست بعائد. وقاتل الفلسطينيون بني ~~إسرائيل وقتل يوناثان وأخوته وهرب شاول وخاف أن يدركوه فتحامل على سيفه حتى ~~خرج من ظهره وأدركه القوم فقطعوا رأسه وأنفذوه إلى بيوت أصنامهم وصلبوا ~~جسده على سور مدينتهم. وجاء شخص من بني إسرائيل وادعى انه قتل شاول. فقال ~~له داود: كيف طاوعتك نفسك أن تقتل مسيح الله فقتله. وناح داود وأصحابه على ~~شاول ويوناثان ابنه ورثاهما قائلا: إن حجفة شاول مصبوغة بدم القتلى وقوس ~~يوناثان لم تكن تنثني إلى ورائها وحربة شاول لم تكن تنثني. لقد كان أخف من ~~النسور سيرا وأشجع من الأسد بطشا. يا بنات إسرائيل ابكينا شاول الذي كان ~~يكسوكن الأرجوان والبهرمان. وكانت مدة ملكه على رأي اوسابيوس أربعين سنة ~~وعلى رأي انيانوس عشرين سنة. PageV01P015 " داود بن ايشي " لما قتل شاول ~~استقام داود في ملكه وقال لناثان النبي يومئذ: أنا ساكن في بيوت الأرز ~~وسكينة الرب " يعني مسكن الزمان " في الخيم. أفلا أبني له بيتا. فأوحى الله ~~إلى ناثان النبي وقال له: قل لعبدي داود: لا تبني لي بيتا لأن ابنك الذي ~~أقيمه مكانك هو الذي يبني بيتا على اسمي. ثم تقدم داود إلى يوآب قائد جيشه ~~ليحصي عدد مقاتلة بني إسرائيل. فغاب يوآب عنه في مدن بني إسرائيل وقراهم ~~تسعة أشهر وعشرين يوما. ms026 ثم أتاه وقال له: وجدت عدة مقاتلة بني إسرائيل ~~ثمانمائة ألف رجل وبني يهوذا خمسمائة ألف نفس. فأوحى الله إلى جاد النبي ~~قائلا: قل لداود: قد رأيت الغلبة بكثرة جيوشك ولم تعلم إني الناصر. فها أنا ~~مبتليك عن ذلك بإحدى ثلث. فاختر واحدة منهن إما قحط سبع سنين وإما استيلاء ~~عدو ثلاثة أشهر وإما موتا ثلاثة أيام. فقال داود: أن تكون يد الله مؤدبتنا ~~خير لنا. فاختار الموت. فمات من الصبح إلى ثلث ساعات من النهار سبعون ألفا ~~من رجال بني إسرائيل. فقال داود: إلهي وسيدي إن كنت قد أخطأت فما ذنب هذه ~~الغنم. أحلل عقوبتك بي وببيت أبي. فرفع الله الموت عنهم. وأتاه مع الملك ~~النبوءة وتلا الزبور وانتخب من سبط لاوي ثمان وثمانين ومائتي شيخ يرتلون ~~المزامير ترتيلا كل أسبوع أربعة وعشرون منهم اثنا عشر في صف واثنا عشر في ~~آخر.ثم أن داود كبر وبردت حرارة جسمه فطلبوا له فتاة عذراء اسمها ابيشاع ~~الشيلومية، فكانت تحتضنه وتدفئه ليلا. ولما حضرت وفاته عهد إلى سليمان ابنه ~~وملكه في حياته وقال له:تشجع وتقو وكن رجلا واحفظ نواميس ربك وصدق قول الله ~~الذي قال لي: إن حفظ بنوك وصاياي لا يزال رجل من نسلك يجلس على كرسيك إلى ~~انقضاء العالم. وكان عمر داود حين ملك ثلاثين سنة وعاش في الملك أربعين سنة ~~وتزوج ثلث نسوة سوى امرأة اوريا أم سليمان وكان له سبعة عشر ولدا. ومات ~~ودفن في أورشليم. # وفي سنة ثمان وعشرون من ملك داود بنيت مدينة افسوس ومدينة ساموس. وفي ~~زمانه كان امبيذقليس الحكيم أحد الأساطين الخمسة أعنيه وفيثاغورس وسقراط ~~وأفلاطون وارسطوطاليس. وهو أول من نفى الصفات عن ذات الباري تعالى قائلا: ~~ذاته وجوده ووجوده ذاته وإما حياته وحكمته فمعنيان إضافيان لا يوجبان ~~اختلافا في الذات. وله كتاب في بطلان المعاد الروحاني فضلا عن الجسماني. ~~وقد انتحل مذهبه سليمان بن داود في كتابه الذي يسمى فيه نفسه قوهلاث أي ~~الجامع الذي ذهب فيه مذهب الدهرية واعلم أنه قد يوجد ms027 فيما يفتش عنه من ~~الكتب اختلاف كثير في تواريخ سني الفلاسفة. فذكر في بعضها أن ثاليس الملطي ~~هو أول من تفلسف من اليونانيين وإن الشعر ظهر في أمة يونان قيل الفلسفة ~~بمائتين من السنين و أبدعه اوميروس. وذكر كيريلوس في كتابه الذي رد فيه على ~~يوليانوس فيما ناقض به الإنجيل إن كون ثاليس قبل ابتداء ملك بختنصر يثمان ~~وعشرين سنة. وقال فرفوريوس: أن ثاليس ظهر بعد بختنصر بمائة سنة وثلث وعشرين ~~سنة. وقال آخر: إن أول من تفلسف فيثاغورس. وقال بعض الإسلاميين: إن أول من ~~وصف بالحكمة كان لقمان وكان في زمان داود النبي ومنه اخذ امبيذوقليس. ولأن ~~غرضنا هاهنا ليس تحقيق سني الفلاسفة ولكن ذكر بعض أحوالهم المتشبهة بما ~~يحمد من سيرهم والتذاذ النفس بسماع بعض نكتهم التي جمعت إلى الحكمة الفكاهة ~~وإلى الفائدة المؤانسة وإلى الجد المهازلة وإلى الوقار التبسم وهي أنفاس ~~تهادت بين نفوس كريمة وسحاب درت من عقول شريفة فلا علينا أكانت الأزمنة ~~التي أورد فيها ذكرهم هي أزمنتهم بأعيانها أو لم تكن. والذي أثبتناه ههنا ~~من أوقات هذه الفلاسفة المتقدمين هو ما نقلناه من كتابي اوسابيوس ~~واندرونيقوس المؤرخين لما رأيناه من موافقة أفضل المجتهدين يعقوب الرهاوي ~~المبرز في اللغات الثلث العبرانية واليونانية والسريانية. PageV01P016 " ~~سليمان بن داود " ولي الملك وهو ابن اثنتي عشرة سنة وعند ذلك أوحى الله ~~إليه في المنام وقال له: سلني ما أحببت حتى أعطيكه. فقال سليمان: يا ربي ~~قوتي تعجز عن التدبير ولا علم لي بالقضاء بين شعبك فامنحني قلبا فهما وعقلا ~~رزينا. فقال له: سأعطيك ما لم يكن لأحد من الملوك. وإن سلكت سبيلي أطلت ~~عمرك ولا أزلت الملك عن بنيك. فأصبح سليمان مسرورا. وجلس على كرسي الملك ~~فأتته امرأتان تختصمان إليه في صبي تدعي كل واحدة منهما أنه ولدها. فقال ~~سليمان لسيافه: اقطع الصبي بنصفين وأعط لكل واحدة نصفه. فقالت الواحدة: نعم ~~حتى لا يكون لي ولا لها. وقالت الأخرى: ادفعه إليها أيها الملك ولا تقتله. ~~فعلم سليمان أنه ابنها ms028 فدفعه إليها. فرأى بنو إسرائيل ذلك وتحققوا أن الله ~~قد آتى سليمان حكمة وعلما. وخضع الملوك له وهادنوه. وكان ارتفاع مملكته ~~التي هي أربعمائة فرسخ في مثلها في عام ستمائة ألف وستمائة وستين قنطارا ~~ذهبا سوى الهدايا وأرباع المتاجر. والقنطار وهو الككر على ما في التوراة ~~ثلاثة آلاف مثقال بمثاقيل القدس كل مثقال خمسة مثاقيل بمثقالنا. وكان ما ~~يحتاج إليه سليمان لمائدته في كل يوم من الدقيق مائة كر. ومن الثيران ~~ثلاثين رأسا. ومن الغنم مائة رأس. سوى الظباء والأيائل وأنواع الطيور. وكان ~~له سبعمائة زوجة من الحرائر وثلاثمائة جارية من السراري وأربعون ألف رأس من ~~الخيل. وفي رابع سنة لملكه شرع في بنيان بيت المقدس وهو المعروف بالمسجد ~~الأقصى في جبل الاموريين في اندراران اليبوسي وطوله ستون ذراعا وعرضه عشرون ~~ذراعا وعلوه ثلاثون ذراعا. وتممه في سبع سنين. وفي سنة أربع وعشرين من ملكه ~~خرب مدينة إنطاكية وبنى سبع مدن من جملتها تذمر. # ولما شيد سليمان بيت الرب شكر الله ودعا لبني إسرائيل بالبركة وجثا على ~~ركبتيه وبسط يديه إلى السماء وقال: اللهم إله إسرائيل ليس مثلك في السموات ~~العلى ولا في الأرضين السفلى قد وفيت لعبدك داود بالوعد الذي وعدته فأسألك ~~إنه إن أثم بنو إسرائيل وانهزموا من أعدائهم ودعوك في هذا البيت فاستجب لهم ~~واغفر خطاياهم وانصرهم على أعدائهم. وإذا أثموا فاحتبس عنهم المطر فأتوا ~~هذا البيت فاهطل لهم مطرا وارو أرضهم بغيثك. وإذا كان في الأرض جوع أو جراد ~~أو موت أو مرض واستغاثوا إليك فاستجب لهم. وإذا أتى أحد الأمم الغريبة إلى ~~هذا البيت ودعاك فاستجب له لتعلم شعوب الأرض أنك أنت الله وحدك فيخافوك. # ثم قرب قرابين من الذبائح اثنين وعشرين ألف ثور ومائة وعشرين ألف رأس غنم ~~وجعل ذلك عيدا لله سبعة أيام. فكان الملوك يقصدونه ليسمعوا حكمته ويأتونه ~~بالهدايا النفيسة من الذهب والفضة والجواهر والثياب والطيب والسلاح والخيل. ~~واتته ملكة التيمن وقدمت له مائة وعشرين قنطارا من الذهب وطيبا وجواهر ~~ثمينة وقالت ms029 له: يا سليمان لقد زاد خبرك على خبرك. طوبى نسائك طوبى عبيدك ~~السامعين حكمتك. يكون الرب إلهك مباركا. و أعطاها سليمان من جميع الألطاف ~~أحسنها وعادت إلى بلدها. # و لسليمان كتاب في الغزل ومراودة النساء يسمى شيرث شيرين أي مدحة المدائح ~~ظاهره ينبئ انه يغازل فيه ابنة فرعون السمراء وتغازله. والعلماء منا أولوه ~~فقالوا أن العاشقة النفس الناطقة التي حال حسنها بالشوائب البدنية ومعشوقها ~~باريها المعشوق لذاته من ذاته ومن المبتهجين به. وله أيضا كتاب الأمثال في ~~الحكمة العملية ناهيك من كتاب. ومات سليمان ودفن في تربة أبيه داود. # " رحبعم بن سليمان " لم يخلف سليمان ولدا سوى هذا رحبعم. فأجلسه بنو ~~إسرائيل مكان أبيه في الملك وقالوا له: إن أباك جفا علينا في المعاملة فخفف ~~أنت عنا. فأجابهم بعد ثلاثة أيام شاور فيها أقرانه قائلا: إن خنصري أغلظ من ~~إبهام أبي وإن كان أبي أدبكم بالقضبان فأنا أعاقبكم بالسياط. فقال بنو ~~إسرائيل: لا سهم لنا مع بيت داود ولا قسمة لنا مع آل ايشي عليكم بمنازلكم ~~يا بني إسرائيل. فمضى كل إنسان إلى بيته. وانفذ رحبعم رسوله إلى قرى بني ~~إسرائيل يستعطفهم فرجموه بالحجارة ومات. PageV01P017 وكان لسليمان غلام ~~شجاع نجيب اسمه يوربعام بن ناباط فملكته العشرة الأسباط عليهم بأرض ~~السامرة. وبقي لرحبعم بن سليمان سبطا يهوذا و بنيامين وجعل كرسي مملكته ~~بأورشليم. فحاول يوربعام تزهيد بني إسرائيل عن زيارة بيت المقدس واتخذ ~~عجلين من ذهب ونصبهما بمدينة دان وهي بانياس وقال لهم: اغتنموا قرب الطريق ~~وترك الكلفة في السفر إلى أورشليم فهذان إلا هاك يا إسرائيل اللذان أخرجاك ~~من مصر. فأرسل الله نبيا اسمه شمعي إلى يوربعام. فسار إليه وصادفه يبخر ~~قدام عجليه بخورا. فحلت روح الله على النبي وقال: أيها المذبح أنصت لقول ~~الرب. سيولد لآل داود ابن اسمه يوشيا يذبح عليك كهنتك ويحرق عظام قوامك ~~عليك. وآية ذلك أنك تنصدع الآن وينزل الرماد عنك. فصار كما قال. # وأما رحبعم بن سليمان فإنه ملك على السبطين سبع عشرة سنة ms030 وفعل كل قبيح ~~وفي السنة الخامسة من ملكه صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وسلب جميع الآلات ~~وترسة الذهب التي عملها سليمان لبيت الرب. وصاغ رحبعم عوضها نحاسا. ومات ~~رحبعم ودفن في تربة بيت داود. # " ابيا بن رحبعم " في السنة الأولى لجلوسه حاربه يوربعام ابن ناباط ملك ~~العشرة الأسباط بثمانين ألفا من الجند. و لاقاه بأربعة آلاف وهزمه. وهلك من ~~بني إسرائيل الذين مع يوربعام في ذلك اليوم خمسون ألفا من المقاتلة. وكان ~~لأبيا أربع عشرة زوجة وولد له ستة وعشرون ولدا ذكرا وست عشرة بنتا. وملك ~~ثلث سنين ومات. وكان يتنبأ في زمانه احيا وشمعيا النبيان. # " آسا بن آبيا " ملك إحدى وأربعين سنة. وكان جميل الطريقة. وفي السنة ~~الثانية لملكه مرض يوربعام بن ناباط ملك العشرة الأسباط ومات بعد أن ملك ~~اثنتين وعشرين سنة. وولى بعده ناداب ابنه مدة سنتين. ثم انتقل ملك الأسباط ~~إلى رجل من سبط ايساخر اسمه بعشا بن احيا وملك أربعا وعشرين سنة. وفي السنة ~~العاشرة لملك آسا ملك السبطين حاربه زرح ملك الزنوج بألف ألف وستمائة ألف ~~رجل من البربر والحبشة والنوبة. فالتقاه آسا بفلاة جادر وهزمه. وبعد خمس ~~سنين احرق الأصنام وخلع أمه الوثنية من الملك ونفى كل زان وزانية من أرضه. # " يوشافاط بن آسا " ملك خمسا وعشرين سنة على السبطين. وفي زمانه مات بعشا ~~ملك الأسباط العشرة وملك بعده آلا ابنه سنتين ثم اغتاله زمري عبده وقائد ~~جيشه وقتله وملك بعده سبعة أيام. ولما رأى مثاورة بني إسرائيل به طالبين ~~ثأر ملكهم أضرم النار في داره واحرقها ونفسه وذريته. وملك بعده عمري وبنى ~~بالشام مدينة عمورية. ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة ومات. وملك بعده أحاب ابنه ~~ثلاثة وعشرين سنة وتزوج امرأة وثنية اسمها إيزبيل ابنة ملك صور. وجدد بناء ~~مدينة أريحا التي لعنها ايشوع ابن نون. ووبخه اليا النبي لعبادة الأصنام ~~وهرب إلى البادية وكان الغراب يجيئه بالقوت. وامتنع المطر بدعائه ثلث سنين ~~ونصف. وانزل النار من السماء أحرقت مائة نفس في ms031 مرتين. ثم دعا إلى الله ~~ونزل المطر و أروى الأرض.وهرب من شر إيزبيل امرأة أحاب إلى القفر وصام ~~أربعين يوما بلياليها. ومضى بعد ذلك مع تلميذه اليشع وشق نهر الأردن وجاز ~~في قعره. وارتفع في السحاب ومضى حيا إلى حيث شاء الله تعالى. وفي هذا ~~الزمان كان من أنبياء الحق اليا وتلميذه اليشع وعوبذيا وابيهوذ وعوزيل ~~وميخا بن يمشي. ومن الكذابين صدقيا واليعازر مع أربعمائة أخر. ومات أحاب ~~وملك بعده احاز ابنه سنة واحدة. ووقع من روشن دار له ومات. وملك بعده يورم ~~أخيه اثنتي عشرة سنة. # " يورم بن يوشافاط " ملك ثماني سنين. وتزوج أخت أحاب ملك العشرة الأسباط ~~اسمها عثليا وقتل اخوته كلهم. فنزلت عليه البلوى ومات مبطونا. # " احزيا بن يورم " ملك سنة واحدة. وفي زمانه انتقل ملك العشرة الأسباط من ~~بيت أحاب إلى رجل اسمه ياهو بن نمشي. هذا قتل يورم بن أحاب وجميع أهل بيته ~~مع إيزبيل امرأته مدحضا أثرهم. # " عثليا أم احازيا " ملكت سبع سنين. هذه أباحت الزنا للرجال والنساء ~~متظاهرين في مدينة القدس وأبادت ذرية المملكة لتستبد وحدها بها ولا يبقى من ~~ينافسها عليها. ولم ينج سوى يواش حفيدها أي ابن احزيا ابنها الذي سرقته ~~عمته يوشبع امرأة يوياذع رئيس الكهنة وربته سرا. PageV01P018 " يواش بن ~~احزيا " ملك أربعين سنة. ولي الملك وله يومئذ سبع سنين وذلك لأن يوياذع ~~رئيس الكهنة قتل عثليا الباغية جدته وقلده الملك. ولم يعترف له بجميله لكنه ~~بعد وفاة يوياذع قتل جميع أولاده. ثم اغتاله مماليكه. ومات أيضا ياهو بن ~~نمشي ملك العشرة أسباط وكان مدة ملكه ثماني وعشرين سنة. وملك بعده ياهو ~~احاز ابنه سبع عشرة سنة ومات. وملك بعده يهواش ابنه ثلث عشرة سنة. وفي سنة ~~ست وثلاثين ليواش بن احزيا توفي اليشع النبي. وكان يتنبأ زخريا النبي. # " اموصيا بن يواش " ملك تسعا وعشرين سنة. هذا أباد جميع أعداء أبيه ~~الاذوميين وأهل ساعير ونقل آلهتهم إلى أورشليم وعبدها. وغزاه يهواش ملك ~~العشرة الأسباط وثلم في سور أورشليم ثلمة قدرها ms032 أربعمائة ذراع ودخلها وسلب ~~مال هيكل الله ودار الملك وعاد إلى شمرين. وقتل اموصيا في الحرب. ومات ~~يهواش وملك بعده يوربعام ابنه إحدى وأربعين سنة. # " عوزيا بن اموصيا " ملك اثنتي وخمسين سنة وفي أيامه كان يونس بن متى ~~المبعوث إلى نينوا. وفي سنة أربع وعشرين من ملكه تعدى طوره ودخل محراب ~~البخور في هيكل الله ليعمل أعمال الكهنة. فبرص جسده كله دفعة ولم يطهر حتى ~~مات. ولما لم ينهه أشعيا النبي ارتفع عنه الوحي ثماني وعشرين سنة حتى مات ~~عوزيا ثم ردت عليه النبوة إحدى وستين سنة أخرى وكان قد تنبأ قبل أربع ~~وعشرين سنة. وفي سنة ثماني وأربعين لملك عوزيا أغار ثغلثفلسر ملك اثور على ~~أورشليم وجميع أرض بني إسرائيل وجلا منهم كثيرين. وفي سنة تسع وعشرين ~~لعوزيا مات يوربعام ملك العشرة الأسباط وملك بعده زخريا ابنه ستة أشهر. ~~وقتله رجل اسمه شالوم وملك بعده شهرا واحدا. ثم قتله رجل اسمه محنيم وملك ~~بعده عشر سنين ومات. وجلس مكانه فقحيا ابنه سنتين ثم قتله فقاح بن رومليا ~~وجلس مكانه عشرين سنة. قال فرفوريوس المؤرخ إن اوميروس الشاعر وايسيدوس في ~~هذا الزمان كانا. # " يوثم بن عوزيا " ولي الملك ست عشرة سنة وسلك السبيل المستقيم قدام ربه ~~ورمم أورشليم وقهر العمونيين وأخذ الجزية. # وفي هذا الزمان كان اوميروس الشاعر على ما نقل عن فرفوريوس. هذا عانى ~~الصناعة الشعرية من أنواع المنطق أجادها وهو معدود في زمرة الحكماء لعلو ~~مرتبته. وقد وضع كتابين في الحروب التي جرت بين اليونانيين على مدينة ~~ايليون ونسختاهما موجودتان عندنا بالسريانية وهما مشحونتان بالألغاز ~~والرموز. وقيل إن انلينيا الماجن جاءه فقال له: اهجني لافتخر بهجائك إذ لم ~~أكن أهلا لمديحك. فقال له: لست فاعلا ذلك أبدا قال: فإني أمضي إلى رؤساء ~~اليونانيين فأشعرهم بنكولك. قال اوميروس مرتجلا: بلغنا أن كلبا حاول قتال ~~أسد بجزيرة قبرص. فامتنع عليه أنفة. فقال له الكلب: إنني أمضي إلى السباع ~~فأشعرهم بضعفك. قال له الأسد: لأن تعيرني السباع بالنكول عن مبارزتك أحب ms033 ~~إلي من أن ألوث شاربي بدمك. # " احاز بن يوثم " ملك ست عشرة سنة وأساء السيرة وقرب الذبائح للجن. حاربه ~~فقاح بن رومليا مستنجدا برصبان ملك الشام وأهلك من آل يهوذا مائة وعشرين ~~ألفا. ومات فقاح وملك بعده هوشع بن آلا تسع سنين. وفي سنة ثماني لملك احاز ~~غزاه شلمانعسر ملك بابل. وكتب احاز نفسه عبدا له. وأخذ جميع ما وجد في بيت ~~الرب والملك من الذهب والفضة والآنية. وحاصر مدينة شمرين ثلث سنين وفتحها ~~وقتل هوشع وسبى العشرة الأسباط وفرقهم في جبال اثور وأراضي بابل وبلاد ~~الفرس. ومن أفلت من هذا السبي انضاف إلى ملك السبطين يهوذا وبنيامين وبطل ~~بذلك ملك العشرة الأسباط. وفي هذا الزمان عمرت جزيرة رودس وبقيت ألفا ~~وأربعمائة وخمس سنين إلى أن أخربها المسلمون. وبنيت في بلد فونطوس مدينة ~~طرابيز ونطا. PageV01P019 وفي هذا الزمان اشتهر في الفلسفة ثاليس الملطي ~~على ما ذكره اوسابيوس القيصري في تاريخه المسمى خرونيقون. وقيل هو أول ~~يوناني صار إلى أرض مصر وأخذ الحكمة من القبط ثم رجع إلى ملطية. وكان أول ~~ما اظهر لقومه من الحكمة أنه أنذرهم بكسوف الشمس أنه سيقع في ساعة معينة من ~~نهار معين. فلما صح حكمه مثل عندهم واستطرفوا إنذاره وتلمذ له جماعة منهم. ~~والقبط أخذوا الحكمة من الكلدانيين. ولم يكن لليونانيين قبل ثاليس شيء من ~~الحكمة وإنما كانت حالهم كحال العرب لم يعرفوا غير علم اللغة وتأليف ~~الأشعار والأمثال والخطب. وقيل أول من قال بالاطوماطون هو ثاليس أي أن ~~الوجود لا موجد له واحتج بما شاهد في هذا العالم من الشرور. وهكذا يعتقد ~~أهل الهند. وبعد ثاليس اشتهر في العلوم الرياضية خاصة ابولونيوس النجار وله ~~كتاب المخروطات المؤلف في علم أحوال الخطوط التي ليست بمستقيمة ولا مقوسة ~~بل منحنية. أخرج منه إلى العربية في زمان المأمون سبع مقالات. ومقدمته تدل ~~على أنه ثماني مقالات. وهذا الكتاب مع كتاب آخر من تصنيف ابولونيوس كانا ~~السبب في تصنيف اوقليدس كتابه بعد زمان طويل. وأما اوقليدس النجار فهو ms034 من ~~مدينة صور له يد طولى في علم الهندسة. وكتابه المعروف باسطوخيا أي الأركان ~~كتاب جليل القدر عظيم النفع لم يكن لليونان كتاب جامع في هذا الشأن ولا جاء ~~بعده إلا من دار حوله وقال قوله وما في القوم إلا من سلم إلى فضله وشهد ~~بغزير نيله. وله في هذا النوع أيضا كتاب المفروضات وكتاب المناظر وكتاب ~~تأليف اللحون وغير ذلك. ومن مشاهير الرياضيين ارشيميديس هو يوناني أخذ ~~الحكمة من المصريين. وقيل أن الذي أردم أراضي أكثر قرى مصر وأسس الجسورة ~~المتوصل بها من قرية إلى قرية في زيادة النيل ارشيميديس. وله مصنفات عدة ~~مثل كتاب الكرة والاسطوانة والمسبع في الدائرة. وقيل أن الروم أحرقت من ~~كتبه خمسة عشر حملا. وبعده عرف منالاوس المتصدر لإفادة العلوم الرياضية. ~~وله كتاب معرفة تمييز الأجرام المختلطة. # " حزقيا بن احاز " ملك تسعا وعشرين سنة وأطاع الله وأزال الأصنام. فظفره ~~الله بأعدائه تظفيرا. وفي السنة الرابعة من ملكه صعد شلمانعسر ملك بابل إلى ~~أرض السامرة مرة ثانية وسبى جميع من تبقى من العشرة الأسباط. وفي السنة ~~الثامنة من ملكه أنفذ شلمانعسر قوما من الاثوريين إلى أرض شمرين ليحرثوها ~~فكانت تخرج عليهم السباع وتقتلهم. فقيل لشلمانعسر: إنما ابتلوا بذلك لأنهم ~~لا يعرفون سنة إله تلك الأرض. فأرسل إليهم عوزيا الكاهن ليعلمهم التوراة. ~~فلما تعلموها وعملوا بسنتها أمسكت السباع عن الإضرار بهم. ومن ذلك الزمان ~~صار السمرة لا يقبلون من الكتب الإلهية سوى التوراة. وفي السنة العاشرة من ~~ملك حزقيا غزا سنحاريب ملك اثور ديار القدس وبصلاة حزقيا خلصت أورشليم. ~~ومرض حزقيا ليموت فبكى بكاء شديدا وناح قائلا: إن البركة التي جعلها الله ~~في ذرية داود انقطعت مني وعندي تنقضي سلالة ملك ابن ايشي. فزاد الله في ~~حياته خمس عشرة سنة. وولد له ابن فسماه مناشا. وعلى هذا الولد تحمل اليهود ~~نبوءة اشعيا النبي حيث يقول: هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعى اسما ~~عمنوئيل. قالوا وإنما سمى النبي امرأة حزقيا عذراء لصدور النبوة قبل أن ~~يماسها ms035 بعلها. وكان سنحاريب عند نزوله يرسل إلى حزقيا فيقول له: لا تغتر ~~بربك فسأهلكك. فذعر منه حزقيا وانفذ إلى اشعيا النبي يقول له: هذا يوم بلاء ~~فادع إلى ربك. فأوحى الله إلى اشعيا قائلا: قل لحزقيا: لا تخف من سنحاريب ~~فإني راده في الطريق الذي جاء فيه. وبعث الله ملاكا فقتل في معسكر سنحاريب ~~مائة ألف وخمسة وثمانين ألفا من الجند. فعاد منهزما إلى اثور وهنالك قتله ~~ابناه وهو ساجد في بيت صنمه. ويقال أن هذا سنحاريب جدد عمارة مدينة طرسوس. ~~وعمل حزقيا بحيرة ماء خارج أورشليم وأدخل إليها الماء بالقناة وحفر لها ~~خندقا. وكان حزقيا لما أتاه رسول سنحاريب أطلعه على جميع ما في بيته. فغضب ~~الله لذلك وقال له: إن جميع ما رأى الاثوريون في بيتك يكون لملك بابل ~~وستكون بنوك خصيانا له. فقال حزقيا: ليت أمنا كان في أيامي. وفي زمانه كان ~~طوبيث الصديق من جالية بني إسرائيل قاطنا بنينوا. وقصة مناولة ملاك الرب ~~إياه مرارة داوى بها عينه وبرئه من عماه مذكورة في كتابه. PageV01P020 " ~~منشا بن حزقيا " ملك خمسا وخمسين سنة واجتمع له ملك الأسباط الاثني عشر بعد ~~سبي شلمانعسر. وارتكب كل محظور ومحرم وعمل صنما ذا أربعة أوجه وأمر بالسجود ~~له. ونشر اشعيا النبي ناهيه عن المنكر بمنشار مشدودا بين دفتين. وكان عمر ~~اشعيا مائة وعشرين سنة منها في النبوءة خمس وثمانون سنة. فرذل الله مناشا ~~وأسلمه إلى الاثوريين فأسروه وأخذوه مسلسلا إلى أثور وسجنوه في برج النحاس ~~بمدينة نينوا. وعند ذلك تاب إلى الله ودعا دعاءه المشهور. فتاب الله عليه ~~ورده إلى ملكه. وحال وصوله إلى أورشليم أخرج الصنم ذا الوجوه الأربعة من ~~الهيكل وطهره وبنى سور أورشليم الجنوبي. # وفي سنة إحدى وعشرين لملك مناشا بنيت مدينة خلقذونيا. والصقالبة ملكوا ~~إلى أرض فلسطين. وولي مدينة رومية الكبرى اوسطيليوس وهو أول من اختص بالحلى ~~الأرجوانية والقضيب السلطاني. وبنى بوزوس مدينة بوزنطيا. وبعد تسعمائة ~~وسبعين سنة عظمها قوسطنطينوس وسماها قوسطنطينوفوليس. # " امون بن مناشا " ملك اثنتي عشرة ms036 سنة وعلى رأي اليهود سنتين. هذا سلك ~~الطريقة القبيحة وعبد آلهة الأمم الخارجة وقتله عبيده في الحرب. # وفي هذا الزمان اشتهرت في الحكمة بجزيرة رودس امرأة تسمى سيبولا. وبجزيرة ~~سقيليا ارخيلوخوس الخطيب الملقب بالغراب. وسار إليه الطلبة لاستفادة ~~الخطابة منه. وكان من جملة قاصديه فتى من اليونان يقال له ثيسناس ورغب إليه ~~في تعليم هذا الفن وضمن له عن ذلك مالا معينا. فأجابه برغبته وعلمه. فلما ~~لقنها حاول الغدر به ورام فسخ ما وافقه عليه فقال له: يا معلم ما حد ~~الخطابة. فقال: إنها المفيدة للإقناع. قال: إني أناظرك الآن في الأجرة فإن ~~أقنعتك بأنني لا أدفعها إليك لم أدفعها إذ قد أقنعتك بذلك. وإن لم أقدر على ~~ذلك فلست أعطيك شيئا لأنني لم أتعلم منك الخطابة التي هي مفيدة للإقناع. ~~فأجابه المعلم وقال: وأنا أيضا أناظرك فإن أقنعتك بأنه يجب لي أخذ حقي منك ~~أخذته أخذ من أقنع. وإن لم أقنعك فيجب أيضا أخذه منك إذ قد نشأت تلميذا ~~يستظهر على معلمه. فقيل: بيض رديء لغراب رديء أي تلميذ نكد ومعلم نكد. # " يوشيا بن امون " ملك إحدى وثلاثين سنة. وجلس في الملك وله ثماني سنين. ~~وكان جميل المذهب حسن الطريقة. وأمر حلقيا الكاهن أبا ارميا النبي بأن يدخل ~~هيكل الرب ويرممه. وفي ترميمه وجد سفر الناموس وتلاه على يوشيا. فغار على ~~نفسه وأمته وكسر أصنام أبيه وقتل خدمها وأحرق عظام قوامها على مذبحها كما ~~تنبأ شمعي النبي أيام يوربعام ابن ناباط وجدد عيد الفصح بأورشليم. وفي سنة ~~إحدى وثلاثين من ملكه نزل فرعون نخاوث أي الأعرج على الفرات بقرب مدينة ~~منبج طالبا حراب ملك أثور. فسار إليه يوشيا بجيوشه ليمنعه من العبور. ~~فانتصر عليه فرعون فقتله. وحمل ميتا إلى أورشليم. وكان له أربعة بنين ~~يهواحاز وصذقيا ويوخنيا أبو أب دانيال النبي ويوياقيم أبو الفتيان الثلاثة ~~حننيا وعزريا وميشائل. وفي زمانه كان صفنيا النبي وارميا وحولذى النبية. # " يهواحاز بن يوشيا " ملك ثلاثة أشهر. كان فاسد الطريقة فسباه فرعون ~~الأعرج في ms037 عوده وأوثقه بالحديد وأنفذه إلى مصر ومات هناك. ونصب يوياقيم ~~أخاه مكانه. # " يوياقيم بن يوشيا " ملك اثنتي عشرة سنة. وكان قبيح المذهب مذموم ~~الطريقة.وقبل عليه الجزية لملك مصر كل سنة مائة قنطار ذهبا. وفي السنة ~~الثالثة من ملكه صعد بختنصر ملك بابل إلى بيت المقدس وسباها وجلا أكثر ~~أهلها إلى بابل ومعهم دانيا النبي والفتية الثلاثة أولاد يوياقيم أعمام ~~دانيال النبي ووضع الجزية على يوياقيم ورجع عنه. ثم وصل فرعون الأعرج إلى ~~الفرات مرة ثانية والتقاه بختنصر هناك وقتله. وفي السنة الثامنة من ملك ~~يوياقيم نزل بختنصر إلى أورشليم نزولا ثانيا وأخذ مالا من يوياقيم وعاد. ~~وبعد ثلث سنين مات يوياقيم. # " يوياخين بن يوياقيم " وهو المسمى في إنجيل متى يوخنيا. ولما مضت عليه ~~ثلاثة أشهر من ملكه قصده بختنصر وحاصر بيت المقدس. فخرج يوياخين إليه ~~مستأمنا مع أمه وحشمه وعبيده. فجلاهم كلهم إلى بابل ولم يترك في أورشليم ~~إلا شيخا مسنا وعجوزا ضعيفة. وولى على من تخلف بأورشليم صدقيا بن يوشيا عم ~~يوياخين وبقي يوياخين معتقلا في بابل سبعا وثلاثين سنة. PageV01P021 " ~~صدقيا بن يوشيا " كان اسمه مثنيا وبختنصر سماه صدقيا. ملك إحدى عشرة سنة. ~~ثم عصى ومنع الجزية التي كان يؤديها إلى بختنصر. فعاد إليه وأسره وذبح ~~أولاده بين يديه وسمل عينيه وسار به إلى اثور وجعله يدير الرحى مثل الحمار. ~~وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة ولما مات رميت جثته وراء السور فأكلته ~~الكلاب. وفي هذه المرة دخل بختنصر إلى مصر وجزائر البحر وهدم مدنا كثيرة ~~وأحرق مدينة صور وقتل حيرم ملكها وكان عمره كما يقال خمسمائة سنة. وبعث ~~بختنصر نبوزردن القائد إلى أورشليم فدعثر سورها وأحرق الهيكل. وكان لشمعون ~~رئيس الكهنة عند هذا القائد منزلة فسأله في أمر كتب الوحي فلم يحرقها ~~فجمعها هذا شمعون باتفاق ارميا النبي ووضعاها مع لوحي الناموس وعصا موسى ~~ومجمرة البخور وباقي آلات القدس في تابوت العهد ورميا بها في بعض الآبار ~~ولم يعرف مكانها إلى الآن. وجلس ارميا النبي ينوح على أورشليم عشرين ms038 سنة. ~~ثم انتقل إلى مصر فقبض عليه قوم من اليهود وحبسوه في جب ثم أخرجوه ورجموه ~~ومات ودفن في مصر. ثم الاسكندر في زمانه نقل تابوته إلى الإسكندرية فدفن ~~هناك. وكان حزقيال النبي في جملة من سبي إلى بابل. فقتله اليهود لأجل ~~توبيخه لهم. فمن السنة الرابعة من ملك سليمان التي كان فيها الشروع في ~~بنيان هيكل الرب إلى خرابه الكلي وحريقه أربعمائة واثنتان وأربعون سنة. ~~وعلى رأي من جعل مدة ملك صدقيا تسعا وستين سنة تكون مدة الهيكل عامرا ~~خمسمائة سنة. # الدولة الرابعة # المنتقلة إلى ملوك الكلدانيين # الكلدانيون أمة قديمة الرئاسة نبيهة الملوك وكان منهم النماردة الجبابرة ~~الذين كان أولهم نمرود بن كوش من بني حام باني المجدل. وكان من ولد نمرود ~~بختنصر الذي غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا كثيرا وسبى بقيتهم وغزا مصر ~~وفتحها ودوخ كثيرا من البلاد. ولم يزل ملك الكلدانيين ببابل إلى أن ظهر ~~عليهم الفرس وغلبوهم على مملكتهم وأبادوا كثيرا منهم. فدرست أخبارهم وطمست ~~أثارهم. وكانت من الكلدانيين حكماء متوسعون في فنون المعارف من المهن ~~التعليمية والعلوم الرياضية والإلهية وكانت لهم عناية بأرصاد الكواكب ~~وتحقيق بعلم أسرار الفلك ومعرفة مشهورة بطبائع النجوم وأحكامها. وهم نهجوا ~~لأهل الشق الغربي من معمور الأرض الطريق إلى تدبير الهياكل لاستجلاب قوى ~~الكواكب واظهار طبائعها وطرح إشعاعاتها عليها بأنواع القرابين الموافقة لها ~~وضروب التدابير المخصوصة بها. فظهرت منهم الأفاعيل الغريبة والنتائج ~~الشريفة من إنشاء الطلسمات وما أشبهها. ولم يصل إلينا من مذاهب الكلدانيين ~~في حركات النجوم ولا من أرصادهم غير الأرصاد التي نقلها عنهم بطليموس ~~القلوذي في كتاب المجسطي. فإنه اضطر إليها في تصحيح حركات الكواكب المتحيرة ~~إذ لم يجد لأصحابه اليونانيين أرصادا يثق بها. PageV01P022 " بختنصر بن ~~نبوفلسر " ملك قبل إحراقه هيكل الرب وخرابه أورشليم تسع عشرة سنة وبعده ~~أربعا وعشرين سنة. واسمه بالسريانية نبوخذنصر أعني عطارد ينطق. وإنما سمي ~~بذلك لأنه نطق بالعلوم والآداب المنسوبة إلى عطارد. وفي السنة الثالثة من ~~قمعه ملك اليهود رأى مناما راعت روحه ms039 منه واقتصه على علماء بابل. فقالوا ~~هذا خطب عسير لا يكشفه للملك إلا آلهة السماء الذين ليس مسكنهم مع ~~الأرضيين. فاحتدم صدره لذلك غيظا وتقدم إلى اريوخ صاحب شرطه بإهلاك ~~المنجمين والسحرة و أصحاب الرقي والزجر والفأل. فقال دانيال لاريوخ: مهلا ~~اتئد ولا تقتل حكيما ولكن أوصلني إلى الملك. فلما مثل بين يديه مثولا قال ~~له: أقادر أنت على أن تخبرني بالرؤيا التي رأيت وتعبيرها. فأجابه دانيال ~~قائلا: إله السماء والأرض هو الذي يبدي السرائر. وأنت أيها الملك رأيت صنما ~~عظيما ذا منظر رائع رأسه من الذهب الإبريز وصدره وذراعاه من فضة وبطنه ~~وفخذاه من نحاس وساقاه حديد ورجلاه خزف. ورأيت حجرا انقطع من غير قاطع وضرب ~~رجلي الصنم فهشمها هشما شديدا. فهذه الرؤيا. وأما التعبير فأنت رأس الذهب ~~بما منحك اللهملكا عزيزا وكرامة وجلالة. ويقوم بعدك ملك يكون دونك في ~~العزة. والثالث الممثل بالنحاس يكون دون الثاني. والرابع الممثل بالحديد ~~دون الثالث فيهشم ويدق كثيرا من مجاوريه. أما الأرجل والأصابع التي من حديد ~~وخزف فدليل ممالك مختلفة قوية وواهية. وأما الحجر المنقطع من جبل من غير يد ~~قاطعة فدليل ملك روحاني مبيد كل معبود سوى الواحد الحق يظهر في آخر الأيام. ~~فخر بختنصر ساجدا لدانيال وأعطاه الألطاف والهدايا ورأسه على جميع حكماء ~~بابل. وولى أعمامه حننيا وعزريا وميشائل أمر مدينة بابل وسماهم بأسماء ~~نبطية اعني شدراخ وميشاخ وعبد ناغو. ثم اتخذ بختنصر صنما من ذهب طوله ستون ~~ذراعا في عرض ستة أذرع. وتقدم إلى جميع عظماء دولته أن يوافوا عيد الصنم. ~~وإنهم إذا سمعوا صوت القرن وباقي أنواع الزمر يخرون سجدا للصنم. فامتثل ~~الجميع أمره ما عدا حننيا وعزريا وميشائل. فسعى بهم قوم إلى بختنصر إنهم لا ~~يعتدون بأمره. فاستشاط من ذلك غضبا وأمر أن يسجر الآتون فوق ما كان يسجر ~~سبعة أضعاف الوقود وأن يكتفوا بسراويلهم وقلانيسهم وبرانسهم وباقي ثيابهم ~~ويزجوا في أتون النار. فلما فعل بهم ذلك أحرقت النار الذين سعوا بهم. فأما ~~هم فمكثوا في النار ms040 ممجدين لله وملاك الطل نزل عليهم وأمال عنهم لهيب النار ~~فلم تنك فيهم ولا في ثيابهم ولا في لباسهم. فلما شاهد الملك ذلك بهت تعجبا ~~وقال: أرى الرابع منهم شبيه المنظر ببني الآلهة يعني الملاك. وناداهم ~~بأسمائهم قائلا: يا عباد الله العلي اخرجوا. فخرجوا من النار ولم يشط شيء ~~من ثيابهم ولا من شعورهم. فرفع بختنصر درجاتهم. ثم رأى بختنصر رؤيا ثانية ~~كأن شجرة في سواء الأرض قد علت حتى بلغت إلى السماء ولها ورق أنيق وثمار ~~كثيرة فيها مطعم لكل بشر. وجميع حيوانات البر وطيور الجو تأوي إلى ظلها. ~~وكأن ملاكا قديسا نزل من السماء وقال: اقلعوا هذه الشجرة وجذوا أغصانها ~~وانثروا أوراقها وبددوا ثمارها وتتفرق عنها حيوانات البر وطيور الجو وذروا ~~عروقها في الأرض إلى أن يحول عليها سبعة أحوال. فاقتص بختنصر هذه الرؤيا ~~أيضا على دانيال وقال له: أنت قادر على تعبيرها لأن فيك روح الآلهة ~~القديسين. فقال دانيال: أيها الملك الرؤيا لمن يشنأك وتعبيرها على أعدائك. ~~أما الشجرة الموصوفة بتلك الصفات الجليلة فإنك أنت الذي عززت حتى ارتفع ~~اسمك إلى السماء. وأما الملاك القديس الذي رأيت وأقواله تلك فتدل على أن ~~الناس يخرجونك من بينهم ليصير لك تعمر مع الوحوش وتطعم العشب طعما كالثور ~~ويبلك قطر السماء حتى تحول عليك سبعة أحوال. ثم يثوب عقلك إليك وتستوي على ~~كرسي ملكك. فكفر خطاياك بالصدقات وآثامك بالترحم على الضعفاء لتبعد عنك ~~هفواتك. PageV01P023 ومن بعد سنة لما رأى بختنصر أن رقاب أمم المسكونة قد ~~خضعت له ودانت له ملوكها هيبة له وخوفا من شدة بأسه طغى بقلبه وشمخ بأنفه ~~وأخذته العزة في نفسه. فسمع صوت هاتف يهتف به هتافا ويقول: لك يقولون يا ~~بختنصر لقد لفظتك مملكتك وسيهيج عليك الناس. فتمت الكلمة عليه في تلك ~~الساعة وطرده الناس ورعى العشب كالثور. وطال شعره وصارت أظافره كمخاليب ~~سباع الطيور حتى أتت عليه سبع سنين. ثم راجعه عقله وطلبه قادته واستوى على ~~سرير مملكته ومنح مزيدا من العظمة وحمد الله وعلم ms041 أن سلطانه إلى دهر ~~الداهرين يهب الملك لمن يشاء ويجعله في سفلة الناس وسقاطهم. # وجدت في كتاب عتيق سرياني مجهول أن اوطولوقيوس المهندس اليوناني عرف في ~~زمان بختنصر وكان مشهورا في وقته. والموجود من كتبه الآن كتاب الكرة ~~المتحركة إصلاح الكندي وكتاب الطلوع والغروب ثلث مقالات. وأما ثاوذوسيوس ~~فلم نقف له على زمان معين وهو من حكماء اليونان المشهورين وله نصانيف حسان. ~~له كتاب الأكر الذي هو اجل الكتب المتوسطات بين كتاب اوقليدس والمجسطي. # وفي هذا الزمان كان فورون الفيلسوف الكلدي. وكانت حكمته هي الحكمة الأولى ~~التي لم تستقر. وكان صاحب فرقة وله جمع يتعلمون منه الفلسفة الطبيعية وذهب ~~إليها فيثاغورس وثاليس الملطي وعامة الطلبة من اليونانيين والمصريين. وكانت ~~هذه الفلسفة شائعة في يونان إلى قبل زمان سقراطيس. ثم مال الناس عنها وقد ~~انتصر لها ناس من المتأخرين منهم محمد بن زكريا الرازي لأنه لم يتوغل في ~~العلم الإلهي ولا فهم غرض ارسطوطاليس فيه فاضطرب رأيه وتقلد آراء سخيفة ~~وانتحل مذهبا خبيثا مذهب فورون وذم أقواما لم يفهم عنهم ولا هدي سبيلهم. ~~وفرقة فورون يعرفون بأصحاب اللذة لأنهم كانوا يرون أن الغرض المقصود إليه ~~في تعلم الفلسفة اللذة الحاصلة للنفس بمعرفتها وهي مع البدن لانجائها من ~~عذاب الجهل في الآخرة كما هو رأي أرسطو لأن النفس لا بقاء لها بعد البدن ~~عندهم. # " أول مرودخ بن بختنصر " ملك ثلث سنين. هذا أخرج يوياخين بن يوياقيم من ~~السجن وأكرمه وآكله مؤاكلة بعد سبع وثلاثين سنة وكان فيها معتقلا. وقتل ~~مرودخ وملك بعده أخوه بلطشاصر. # " بلطشاصر بن بختنصر " ملك سنتين. ثم عمل وليمة عظيمة لألف رجل من أكابر ~~دولته وكان يشرب الخمر بازائهم. وأمر وهو يشرب أن يؤتى بآنية هيكل الرب ~~التي سباها أبوه من أورشليم وشرب فيها مع عظمائه. فظهرت قبلته كف يد كاتبة ~~عقابه في ضوء المصباح على الحائط. فرابته الكتابة وأحضر حكماء بابل ~~ليترجموا الكتابة. فعجزوا عن حلها. فامتعض لذلك امتعاضا شديدا. فأخبرته أمه ~~عن دانيال النبي أنه دراك غيب ms042 وحلال عقد. فاستدعاه وضمن له أن يلبسه ~~الأرجوان وأن يوليه ثلث الملك إن أول الكتابة. فقال دانيال: لتكن مواهبك لك ~~واجعل ذخائر بيتك لغيري. أما الكتابة فقراءتها أحصي إحصاء وزن وأعري. ~~وتأويلها: إن الله أحصى ملكك واستلبه. ووزنك زنة فوجدك شائلا فلذا أعراك من ~~ملكك فأنت عار عرية. وفي تلك الليلة اغتاله داريوش المادي وقتله. # الدولة الخامسة # المنتقلة إلى ملوك الفرس # أما الفرس فأهل الشرف الشامخ. والعز الباذخ. وأوسط الأمم دارا. وأشرفهم ~~إقليما. وأسوسهم ملوكا. تجمعهم وتدفع ظالمهم عن مظلومهم. وتحملهم من الأمور ~~على ما فيه حظهم على اتصال ودوام. واحسن التئام وانتظام. وخواص الفرس عناية ~~بالغة بصناعة الطب ومعرفة ثاقبة بأحكام النجوم. وكانت لهم أرصاد قديمة. ~~وقال يعض علماء العجم: أول من ملك بعد الطوفان كيومرت من بني سام بن نوح ~~وكان ينزل فارس.واتخذ الآلات لإصلاح الطرق وحفر الأنهار وذبح ما يؤكل من ~~الحيوان وقتل السباع. وما زال الملك في ولده إلى أن ملك دارا بن دارا الذي ~~غزاه الاسكندر وقتل في المعركة. ثم ملكت الاشكانية أولهم اشك. ثم اشك بن ~~اشك وهو أول من تسمى بالشاهية. ودام الملك فيهم إلى أن ظهرت المملكة ~~الساسانية أولهم اردشير بن بابك بن ساسان من بني كشتاسب. فأحسن السيرة وبسط ~~العدل. وتوارث بنوه الملك إلى أن ملك يزجرد ابن شهريار بن قباذ بن فيروز بن ~~هرمز بن كسرى انوشروان المعروف بالعادل. وهو آخر ملوك الفرس. فلما ملك ~~انتقضت عليه الدول وتفاقمت أمورها وطلعت أعلام الإسلام بالنصرة وقتل كما ~~يأتي شرح ذلك في موضعه. PageV01P024 " داريوش المادي " واليونانيون يسمونه ~~نابونبذس. ملك سنة واحدة. وقيل تسع سنين. وبه بطلت مملكة النبط الكلدانيين ~~منتقلة إلى الفرس المجوس. وهذا الملك استولى على الملك وهو من أبناء اثنتين ~~وستين سنة. وحسنت منزلة دانيال النبي عنده. وأقام في ولايته مائة وعشرين ~~قائدا ورأس عليهم ثلاثة رجال أحدهم دانيال. وكان يرجع في سرائره إليه. فساء ~~ذلك أرباب الدولة وجعلوا يطلبون عليه حجة يوقعونه بها عن مرتبته. فلم ~~يظفروا منه بهفوة ms043 غير إنه يدين بغير دين الملك. فساروا إلى الملك وقالوا: ~~إن دانيال يعبد إلها غريبا. وفي سنتنا أن من دان في أرضنا بدين غير ديننا ~~وتعدى سنة أهل ماه وفارس قذف به في جب الأسد. فلما لم يقدر الملك على إبطال ~~شريعة قومه تقدم بقذف دانيال في جب الأسد وقال له: إلهك ينجيك. وانصرف إلى ~~منزله وبات طاويا وطار عنه نومه إشفاقا على دانيال. وكان حبقوق النبي في ~~الشام قد طبخ طبيخا ومضى يطعم الحواصيد فأخذه ملاك الرب بشعر رأسه ووضعه في ~~بابل على فم الجب فقال: دانيال دانيال قم خذ الطعام الذي أنفذ لك ربك. فقال ~~دانيال: ذكرني الله ولم يهملني. وأخذ الملاك لحبقوق ووضعه في موضعه. وجاء ~~الملك داريوش بعد سبعة أيام ليبكي على دانيال لكثرة اهتمامه له. فلما دنا ~~من الجب ناداه: يا دانيال هل قدر معبودك أن ينجيك من السباع. أجابه دانيال ~~قائلا: أيها الملك عش خالدا إن الهي بعث لي ملاكة وسد أفواه الأسد فلم ~~تهلكني. فحسن موقع ذلك من الملك جدا وأخرج دانيال من الجب وألقى وشاته فيه ~~مع نسائهم وبنيهم وذريتهم. فما استقروا في قرار الجب إلا ومزقتهم الأسد ~~ورضت عظامهم رضا. # وفي هذا الزمان اشتهر فراخوديس مصنف القصص معلم فيثاغورس. # " كورش الفارسي " ملك إحدى وثلاثين سنة واستولى على ملك العراق وخراسان ~~وأرمينية والشام وفلسطين وغزا بلاد الهند وقتل ملكها. هذا كورش تزوج أخت ~~زوربابيل ابن شلاثيل بن يوياخين بن يوياقيم ملك يهوذا. ولما دخل بها ارتفعت ~~عنده وقال لها: اطلبي مني ما شئت. فطلبت منه عود بني إسرائيل إلى أورشليم ~~وأن يأذن لهم بعمارتها. فجمعهم كورش الملك وخيرهم قائلا: من اختار الصعود ~~فليصعد ومن أباه فليقم. فكان عدد مؤثري الصعود خمسين ألفا من الرجال غير ~~النساء والأولاد. فحصل زوربابيل ملكهم ويشوع بن يوزاداق كاهنهم. وعنهما قال ~~ملاك الرب لزخريا النبي: إن هذين ابنا الدلال وهما يقومان بين يدي رب ~~العالمين. فصعدت هذه الشرذمة من بني إسرائيل في السنة الأولى من ملك كورش ms044 ~~إلى أورشليم وهموا بعمارتها. ولأن الفلسطينيين مجاوريهم اعنتوهم كان ~~تشييدهم الهيكل على التراخي في ست وأربعين سنة كما قال يوحنا الإنجيلي. ~~ولاختلاط كورش بنسل داود قال عنه اشعيا النبي قبل ولاده: قال الله لمسيحه ~~كورش الذي عضدت بيمينه. وعظم كورش أيضا شأن دانيال وفوض إليه سياسة ملكه. ~~فغار لله غيرة وكسر الصنم المسمى بيل وقتل التنين معبود البابليين. فمقت ~~ورمي في جب فيه سبعة أسد ونجا منها وهلك مبغضوه. ثم رأى الرؤيا على نهر ~~الفرات وعرفه ملاك الرب مدة السنين التي بقين من السبي ومن ظهور السيد ~~المسيح وآلامه وموته. ومات دانيال ودفن في قصر شوشن اعني مدينة ششتر. # " قمباسوس بن كورش " ملك ثماني سنين. وفي أيامه كانت يهوديث المرأة ~~العبرية التي احتالت على الفرنا الماجوجي صاحب جيش قمباسوس وقطعت رأسه ~~وأمنت اليهود بأسه. # وفي هذا الزمان كان زرادشت معلم المجوسية وأصله من بلد أذربيجان. وقيل: ~~من بلاد أثور. وقيل: إنه من تلامذة اليا النبي. وهو عرف الفرس بظهور السيد ~~المسيح وأمرهم بحمل القرابين إليه وأخبرهم أن في آخر الزمان بكرا تحمل ~~بجنين من غير أن يمسها رجل وعند ولادته يظهر كوكب يضيء بالنهار ويرى في ~~وسطه صورة صبية عذراء. وانتم يا أولادي قبل كل الأمم تحسون بظهوره. فإذا ~~شاهدتم الكوكب امضوا حيث يهديكم واسجدوا لذلك المولود وقربوا قرابينكم فهو ~~الكلمة مقيمة السماء. PageV01P025 " داريوش بن بشتسب " : ملك ستا وثلاثين ~~سنة على رأي قليميس واوسابيوس واندرونيقوس. وفي السنة الأولى من ملكه ~~بالقرب من نجاز بنيان هيكل الرب بأورشليم أعني قبله بست سنين تمت السبعون ~~سنة التي للسبي كما أوحى الله إلى ارميا النبي أن تبقى الأمة جالية ببابل. ~~ويؤكد ذلك حجي وزخريا النبيان بابتهالهما إلى الله قائلين: حتام لا ترحم ~~أورشليم وقد أتى على خرابها سبعون سنة. وذلك إذا عددناها مبتدئين من آخر ~~ملك صدقيا وهي السنة الرابعة والعشرون من ملك بختنصر التي فيها احترق ~~الهيكل وخربت أورشليم وجلي اليهود عن أوطانهم إلى بابل الجلاء الكلي. وأما ~~افريقيانوس فإنه يعدها مبتدئا ms045 من أول ملك صدقيا ليتم في أول ملك كورش عند ~~إرساله الجماعة من بني إسرائيل إلى أورشليم وتقدمه إليهم بعمارتها. # وفي هذا الزمان توفي فيثاغورس الحكيم ابن خمس وتسعين سنة. هذا جعل مبادئ ~~الأكوان الأعداد بدليل أن المركبات مبادئها البسائط. ولا أبسط من الأعداد ~~إذ كل ما عداها يلزمه التركيب من إضافة العدد إليه. واشتهر في الفلسفة ~~ديموقراطيس وهو القائل بانحلال الأجسام إلى أجزاء لا تتجزأ. وديوجانيس ~~الكلبي وكان قد راض أصحابه رياضة فارق فيها اصطلاح أهل المدن من اطراح ~~التكليف. وكان أحدهم يتغوط غير مستتر عن الناس. ويقول فيما يأتيه من ذلك: ~~لا يخلو إما أن يكون ما يفعله قبيحا على الإطلاق فلا يحسن في موضع دون موضع ~~وعلى صورة دون صورة. وإن كان مما يحسن في موضع دون موضع وعلى صورة دون صورة ~~فهذا أمر اصطلاحي فلا أقف معه. وكانوا يحبون من قرب منهم ويكرهون من بعد ~~عنهم. فقال أهل زمانهم: هذه الأفعال تشبه أفعال الكلاب فسموهم الكلبيين. ~~ومن مشاهير هذا الزمان انكساغورس الطبيعي وفينذارس وسيموندس الموسيقيان ~~وفروطوغورس واسوقراطيس السفسطانيان واريسطوفنيس وقحاليس الشاعران الهاجيان. # وفي هذا الزمان أيضا عرف ابقراط الطبيب. هذا كان يسكن مدينة حمص ويتردد ~~إلى مدينة دمشق ويأوي إلى بستان كان له فيها ومكانه معروف إلى يومنا هذا في ~~واد هناك يسمى النيرب. وكان رجلا إلهيا يداوي المرضى مجانا. وقد أحسن ~~جالينوس في وصفه حيث قال: إن جالينوس أدبه الدرس وأبقراط أدبته الطبيعة. ~~وقال أيضا: إن ابقراط انغمس في الطبيعة وسرى معها حتى انتهى إلى أعماقها ~~وأخبر عما شاهد هناك. وله من الكتب كتاب افوريسمون أي الفصول وكتاب ~~بروغنوسطيقون أي تقدمة المعرفة وكتاب ابيذيميا أي الأمراض الوافدة وكتاب ~~ماء الشعير وكتاب الأخلاط وكتاب قسطران أي كتاب المدن والماء والهواء وكتاب ~~طبيعة الإنسان وكتاب شجاج الرأس وكتاب دياثيقي أي العهد. # ومن الحكماء المعاصرين لابقراط فيليمون وكان عالما في فن من فنون الطبيعة ~~اعني الفراسة إذا رأى شخصا استدل بتركيب أعضائه على أخلاقه. وله فيها كتاب ~~عندنا ms046 نسخته بالسرياني. وحكي أنه اجتمع تلاميذ ابقراط وقال بعضهم لبعض: هل ~~تعلمون في زماننا هذا أعلم من هذا الرجل يعنون ابقراط. فقالوا: لا. فقالوا: ~~نمتحن به فيليمون فيما يدعي من الفراسة. فصوروا صورة ابقراط ثم نهضوا إلى ~~فيليمون. وكانت يونان تحكم الصورة بحيث تحكيها على الوجه في قليل أمرها ~~وكثيرها لأنهم كانوا يعبدون الصور فأحكموا لذلك التصور ويظهر التقصير في ~~التصوير من غيرهم ظهورا بينا. فلما انهم حضروا عند فيليمون وقف على الصورة ~~وتأملها وأنعم النظر فيها ثم قال: هذا رجل يحب الزنا. وهو لا يدري من هو ~~المصور. فقالوا: كذبت هذه صورة ابقراط. فقال: لا بد لعلمي أن يصدق فاسألوه. ~~فلما رجعوا إلى ابقراط واخبروه الخبر قال: صدق فيليمون أحب الزنا ولكن أملك ~~نفسي. # " احشيرش بن داريوش " ملك إحدى وعشرين سنة. وفي السنة الثانية من ملكه ~~استولى على مصر. وبعد تسع سنين فتح مدينة اثيناس واحرقها. وقيل في زمانه ~~كانت قضية استير العفيفة ومردخاي البار من أهل يهوذا. وهذا القول غير سديد ~~وإلا لما أهمل ذكرها في كتاب عزرا المستوعب جميع ما جرى لليهود في زمان هذا ~~الملك. والصحيح إنها جرت في أيام ارطحششت المدبر. # " ارطبانس " ملك سبعة اشهر معدودة مع سني احشيرش. PageV01P026 " ارطحششت ~~الطويل اليدين " ويسمى أيضا اريوخ. ملك إحدى وأربعين سنة. وفي سنة سبع من ~~ملكه أمر عزرا الحبر وهو الذي تسميه العرب العزير أن يصعد إلى أورشليم ~~ويجتهد في عمارتها. وفي سنة عشرين من ملكه أرسل نحميا الساقي الخصي أيضا ~~ليجد في ترميمها. وفي هذا الزمان لم يكن لليهود نار قدس لأنهم رموها في بئر ~~وقت جلائهم. فأتوا بحمأة منها ووضعوها على حطب القربان فاشتعلت بأمر الله ~~بعد أن طفئت مائة سنة وأربعين سنة بالتقريب. ولما رأى عزرا المعجز استف من ~~سفساف تلك البئر ثلث سفات فأعطي منحة الروح القدس وأنطقه الله بجميع كتب ~~الوحي وأعادها كما كانت. # " احشيرش الثاني " ويسمى اردشير. ملك شهرين. ثم قتله سغدينوس وملك بعده ~~مدة يسيرة. # " سغدينوس " ملك سبعة أشهر وهي ms047 مع الشهرين المتقدمين معدودة مع سني ~~اريوخ. # " داريوش نوثوش " أي ابن الأمة. ملك تسع عشرة سنة. وفي سنة خمس عشرة من ~~ملكه خلع المصريون ربقة طاعة الفرس من أعناقهم ونصبوا لهم ملكا بعد مائة ~~وأربع وعشرين سنة لتسلط الفرس عليهم. # " ارطحششت الثاني " المعروف بالمدبر واليونانيون يسمونه ارطاكسراكسيس. ~~ملك أربعين سنة وتزوج باستير العبرية الصالحة وصلب هامان العملقي الذي زاول ~~زوال الجالية من بني إسرائيل. وذلك بدعاء استير ومردخاي الصديق صاحبها. وفي ~~سنة خمس عشرة من مملكة هذا ارطحششت أخرب افريقيانوس قائد الإفرنج مدينة ~~قرخيذونيا وسمي بلدها باسمه إفريقية. # وفي هذا الزمان كان ميطن واقطمين وهما إمامان في علوم الفلك اجتمعا ~~بالإسكندرية على أحكام آلات الارصاد ورصدا ما أحبا من الكواكب. وقيل أن بين ~~زمانهما وبين بطليموس صاحب المجسطى خمسمائة سنة وسبعين سنة. # " ارطحششت الثالث " المعروف بالأسود.واليونانيون يسمونه اوخوس. ملك سبعا ~~وعشرين سنة واستعاد ملك مصر وهزم نقطابيوس ملكها وصار يسيح في بلاد ~~اليونانيين بزي منجم لأنه كان ماهرا في علم الفلك وأسرار الحركات السماوية. ~~وقيل أنه تلطف لمجامعة ألومفيذا امرأة فيليفوس ملك مقدونيا في تنجيمه لها. ~~فحملت منه بالاسكندر ذي القرنين. # " ارسيس بن اوخوس " ملك أربع سنين. وفي زمانه اشتهر سقراطيس الحكيم ~~المتأله. هذا زهد في الدنيا ومتاعها إلى حد انه سكن الحب. وقيل له: إن ~~انكسر الحب ماذا تعمل؟ فقال: إن انكسر الحب لم ينكسر مكانه. وكان يقول: حسن ~~الظاهر تابع للحسن الباطن فيستدل على حسن النفس بحسن البدن. ولأنه كان ~~يختار للتعليم الأحداث الوسام نسبه الاثنيون إلى الفحشاء. ولكثرة تقييده ~~الملك المشتهر بالفجور علم ابنيه انطوس وميليطوس الإفساد عليه وأماته ~~مسموما. # وبعد موت سقراط صار الصيت لأفلاطون. هذا كان شريف الوالدين نسب أبيه ~~يرتقي إلى فوسيديون ونسب أمه إلى سولون واضع النواميس للاثنيين. وقيل: انه ~~تميز في حداثته في علم الشعر. فلما رأى سقراط يهجن هذا الفن من جملة العلوم ~~أحرق كتبه الشعرية وتلمذ له خمسين سنة ومنه اقتبس الحكمة الفيثاغورية وقال: ~~إن المبادئ ثلاثة الإله والهيولى والصورة. ms048 وأثبت وجود الأمثال النوعية في ~~الخارج مجردة عن المواد. وادعى تناسخ النفوس وإن وجدوها قبل وجود الأبدان. ~~كان يأذن لمن عجز عن مكابدة العزوبة من تلامذته أن يشاركه النفر منهم في ~~زوجة واحدة لما في ذلك من قلة المؤنة وكثرة المعونة. وقد عد له ثاون ~~الإسكندري ثلاث وثلاثين كتابا. والموجود منها الآن كتاب فادن وكتاب طيماوس ~~وكتاب النواميس وكتاب سياسة المدن. ومات وقد بلغ من العمر اثنتين وثمانين ~~سنة. وخلف بستانين ومملوكين وكأسا واحدا وقرطا كان معلقا في شحمة أذنه ~~شعارا بشرفه. وباقي ماله كان قد أخرجه على تزويج بنات أخيه. وكتب على قبره: ~~هاهنا وضع رجل إلهي فاق الناس كلهم في العلم والعفة والنباهة والأخلاق ~~العادلة. فكل من مدح الحكمة فقد مدحه إذ فيه أكثرها. وكتب في الجانب الآخر ~~من التربة: يا أيتها الأرض وإن كنت مخفية جسد أفلاطون لكنك لا يمكنك الدنو ~~من نفسه التي لا تموت. وتولى بعده مدرسته سفوسيفوس ابن عمه. PageV01P027 ~~وفي هذا الزمان اشتهر في الطب روفس وتصدر للتعليم وله في ذلك تصانيف. إلا ~~إنه كان ضعيف النظر مدخول الأدلة رد على أكثر أقواله ارسطوطاليس في كتبه ~~الطبيعيات. ورد عليه جالينوس أيضا مثل ذلك وأقاما الحجج الواضحة على غلطه. ~~ولم تكن الصناعة تحققت في زمانه تحققها في زمان هذين الفاضلين. # " داريوش بن ارشك " هو دارا بن دارا. ملك ست سنين. ولما بلغه خروج ~~الاسكندر بن فيليفوس اليوناني المقدوني جيش والتقاه في الشام. فانتصر ~~اليونانيون على الفرس وانهزم داريوش طالبا الثغور. فأدركه الاسكندر عند ~~مدينة أياس التي هي فرضة البحر ببلد قيليقيا وقتله وتزوج ابنته المسماة ~~روشنك. وبطلت وقتئذ مملكة الفرس باستيلاء الاسكندر على الأرض. # وفي هذا الزمان اشتهر في الفلسفة ارسطوطاليس بن نيقوماخس الطبيب من قرية ~~طاجيرا من أعمال مقدونيا. ونسبه من والديه يرتقي إلى اسقليبياذيس. وأخذ ~~الحكمة من أفلاطون وهو ابن سبع عشرة سنة ولازمه عشرين سنة. وكان إذا لم ~~يحضر في الدرس يقول أفلاطون: العقل لم يحضر. كأن الغافلين عن الحق صم هم ms049 ~~عما هم سامعوه. وصار له منزلة عظيمة عند الملوك. وبرأيه كان يسوس الاسكندر ~~ملكه ويتوجه إلى محاربة ملوك الأرض. وتفرغ ارسطوطاليس لتصنيف الكتب ~~المنطقية والحكمة العلمية والعملية. ويسمى معلما أول لا لأنه اخترع المنطق ~~اختراعا كما ظن. لكن لأنه جمع أشتاته ورتبه ترتيبا كما قال حاكيا عن نفسه: ~~إنه قد كان لنا في الصنائع المنطقية أصول مأخوذة ممن سبقنا مستعملة في ~~جزئيات برهانية مثلا في الهندسة جدلية وخطابية في السؤال والجواب. # وإما في صورة القياس وصورة قياس القياس فأمر قد كددنا في طلبه مدة من ~~العمر حتى استنبطناه. وكان لا يفتر عن الدرس والمطالعة إلا عسى عند النوم. ~~وكان إذا سئل لا يبادر الجواب إلا بعد الفكر. ولا قصد في البحث إلا الحق ~~دون الغلبة. وكان يقول في إبطاله التناسخ: أفلاطون صديق والحق أيضا صديق ~~فإذا لحظتهما كان اختياري وإكرامي للحق. وكان إذا شعر بتقصير من نفسه لم ~~يستنكف من أن يدفعه. وكان معتدلا في الملابس والمأكل والمشرب والمنكح ~~والحركات. ومات وله ثمان وستون سنة. وخلف ابنا وابنة صغيرة وخلف مالا ~~كثيرا. # واعلم وفقك الله أن الحكماء الذين نظروا في أصول الموجودات دهريون ~~وطبيعيون وإلهيون. فأما الدهريون فهم فرقة قدماء جحدوا الصانع المدبر ~~للعالم وقالوا إن العالم لم يزل موجودا بنفسه لم يكن له صانع صنعه. ~~والطبيعيون فهم قوم بحثوا عن أفعال الطبائع وانفعالاتها وما صدر عن تفاعلها ~~من الموجودات حيوان ونبات. وفحصوا عن خواص النبات وتركيب أعضاء الحيوانات ~~فمجدوا الله وتحققوا بمخلوقاته انه قادر حكيم عظيم. إلا أنهم رأوا أن النفس ~~تهلك بهلاك الجسد وأن لا بقاء لها بعده. وأما الآلهيون فهم المتأخرون من ~~حكماء يونان مثل سقراط وهو شيخ أفلاطون. وافلاطون شيخ ارسطوطاليس. وارسطو ~~هو مرتب هذه العلوم ومحررها ومقرر قواعدها ومزين فوائدها ومخمر فطيرها ~~ومنضج قديرها وموضح طرق الكلام وتحقيق قوانينه والراد على الدهرية ~~والطبيعية والمندد عليهم والقائم بإظهار فضائحهم. وهذب كلام أفلاطون وسقراط ~~وحققه ونمقه ورتبه فجاء كلامه ابضع كلام وأحكم معاني. وكل من نقل كلامه ms050 من ~~اليوناني إلى لغة أخرى حرف وجزف وما أنصف. وأقرب الجماعة حالا في تفهمه ~~الفارابي وابن سينا فإنهما تحملا علمه على الوجه المقصود. واعذبا منه لوارد ~~منهله المورود. وكان لارسطو ابن أخ اسمه ثاوفريسطس وهو أحد تلاميذه الآخذين ~~الحكمة عنه وهو الذي تصدر بعده للإقراء بدار التعليم. وكان فهما عالما ~~مقصودا لهذا الشأن. وقرئت عليه كتب عمه وصنف التصانيف الجليلة واستفيدت منه ~~ونقلت عنه. فمنها كتاب الآثار العلوية وكتاب الأدب وكتاب ما بعد الطبيعة ~~نقله من السرياني إلى العربي يحيى بن عدي. وكتاب الحس والمحسوس نقله أيضا ~~إبراهيم بن بكوس. وكتب أسباب النبات نقله أيضا إبراهيم المذكور. وأما ~~نيقوماخس والد ارسطوطاليس فكان متطببا لفيليفوس أبي الاسكندر وكان حكيما ~~فيثاغوري المذهب وله من التصانيف كتاب الارثماطيقي وكتاب النغم. # الدولة السادسة # المنتقلة إلى ملوك اليونانيين الوثنيين PageV01P028 أما اليونانيون ~~فكانوا أمة عظيمة القدر في الأمم طائرة الذكر في الآفاق فخمة الملوك. منهم ~~الاسكندر بن فيليفوس المقدوني الذي أجمع ملوك الأرض طرا على الطاعة ~~لسلطانه. وكان من بعده من ملوك اليونانيين البطالسة دامت لهم الممالك وذلت ~~لهم الرقاب. ولم يزل ملكهم متصلا إلى أن غلب عليهم الروم وهم الإفرنج. ~~وكانت بلاد اليونانيين في الربع الغربي الشمالي من الأرض. ويحدها من جهة ~~الجنوب البحر الرومي ومن جهة الشمال بلاد اللان ومن جهة المغرب تخوم بلاد ~~الامانية ومن جهة المشرق بلاد أرمينية وباب الأبواب. ويتوسط بلاد ~~اليونانيين الخليج المعترض ما بين بحر الروم وبحر نيطس الشمالي فيصير القسم ~~الأعظم منها في حيز المشرق والقسم الأصغر منها في حيز المغرب. ولغة ~~اليونانيين تسمى الاطيقية وهي أوسع اللغات وأجلها. وكانت عامة اليونانيين ~~صابئة معظمة للكواكب دائنة بعبادة الأصنام. والفلاسفة منهم من أرفع الناس ~~طبقة وأجل أهل العلم منزلة لما ظهر منهم من الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة ~~من العلوم الرياضية والمنطقية والمعارف الطبيعية والإلهية والسياسات ~~المنزلية. # " الاسكندر بن فيليفوس " :ملك ست سنين بعد قتله داريوش. وكان قد ملك قبل ~~ذلك ستا أخرى. وفتح بلادا كثيرة حتى بلغ ملكه إلى ms051 أقصى الهند وأوائل حدود ~~الصين. وسمي ذا القرنين لبلوغه قرني الشمس وهما المشرق والمغرب. وقتل خمسة ~~وثلاثين ملكا وبنى اثنتي عشرة مدينة منها اثنتان في بلد خراسان وهما هراة و ~~مرو. وواحدة في بلد السغد وهي سمرقند. وأخرى في بلد القبط وهي الإسكندرية. ~~وفي عودته من الهند ووصوله إلى بابل مات مسموما ووضع في تابوت ذهب وحمل على ~~أكتاف الملوك والأشراف إلى إسكندرية القبط ودفن بها. وكان لما احتضر أمر أن ~~يكتب إلى أمه بالتعزية وأن تتخذ طعاما وتأمر أن لا يدخل إليه إلا من لم ~~تصبه مصيبة. ففعلت كذلك فرجع جميع الخلق وحسن بذلك عزاؤها. وبعد موت ~~الاسكندر تقاسم الممالك أربعة من عبيده وهم بطليموس بن لاغوس واريذاوس ~~وانطيوخوس وسلوقوس. # وسئل الاسكندر بناء السد سد يأجوج فبناه بحجارة الحديد والنحاس وأضرم ~~عليه صخرا واحدا طوله اثنا عشر ذراعا وعرضه ثمانية أذرع. ولما فرغ من بناء ~~سد يأجوج جاء إلى موضع السد الأعظم وهو المكان الذي يعرف بالباب والأبواب ~~في مروج بلدان القفجاق فحفر موضع الأساس ومده في الجبال حتى ألحقه بحر ~~الروم. فلم تزل ملوك فارس في طلب هذا الأساس فتجشموا معرة الترك والخزر من ~~بلاد العراق والجبل وأذربيجان واران وأرمينية حتى وجد الأساس يزدجرد بن ~~بهرام جور بن يزدجرد ابن سابور. فابتدأ ببناء السد من حجارة ونحاس ورصاص ~~ولم يتممه. وكان أكثر هم ملوك الفرس بعده في بنائه فما اتفق لهم الفراغ منه ~~حتى سهل الله ذلك على يدي كسرى انوشروان فأحكم بناءه وألصقه برؤوس الجبال ~~ثم مده في البحر على ميل ثم غلق عليه أبواب الحديد وأقام على بنائه سنة ~~وأكثر. فصار يحرسه مائة رجل بعد إن لم تكن تطيقه مائة ألف رجل من الجند. ~~وأذن للمرزبان الذي يقيم هناك بالجلوس على سرير الذهب ولذلك يسمى ملك تلك ~~الناحية ملك السرير. # وفي زمان الاسكندر كان اندروماخس الطبيب الذي زاد في معجون المثروديطوس ~~لحوم الأفاعي فصار نافعا من نهوشها. # " بطلميوس بن لاغوس " أي ابن الأرنب. ولي مصر وجميع ms052 أرض القبط والنوبة ~~أربعين سنة. ومنه سموا ملوك مصر البطالسة. وهو جلا اليهود إلى مصر في أيام ~~حونيا رئيس الكهنة. وحصل لاريذاوس وهو فيليبوس المذكور في السونطاكسيس أي ~~المجسطي مقدونيا وجميع بلاد اليونانيين. ولانطيوخس سوطير أي المخلص إنطاكية ~~وجميع بلاد الشام. وبعد اثنتي عشرة سنة من موت الاسكندر حصل لسلوقوس المسمى ~~نيقاطور أي القاهر ملك بابل وكل العراق وخراسان إلى الهند. ومن أول ولايته ~~يبتدئ هذا التاريخ المعروف بتاريخ الاسكندر وهو الذي يؤرخ به السريان ~~والعبريون. ومن آدم إلى أول هذا التاريخ على رأي ثاوفيل الرهاوي خمسة آلاف ~~ومائة وسبع وتسعون سنة. فإذا زدنا على سني الاسكندر التامة أعني سني سلوقوس ~~هذا المبلغ وعلى الشهور التامة من السنة المنكسرة التي أولها تشرين الأول ~~شهرا واحدا حصل لنا سنون تامة وشهور من السنة المنكسرة التي أولها شهر ~~أيلول وبهذا التاريخ يؤرخ الروم في زماننا هذا. PageV01P029 " بطلميوس ~~فيلاذلفوس " أي محب أخيه. ملك ثماني وثلاثين سنة. وفي زمانه خلع الأرمن ~~طاعة ملوك اليونان ونصبوا لهم ملكا اسمه ارشك. ومن هنا سموا ارشكونية. ولما ~~ملك هذا بطلميوس حبب إليه العلم والعلماء وسمع أن في السند والهند وفارس ~~وجرجان وبابل واثور فنونا من الحكمة غير التي عند اليونان فتقدم إلى وزيره ~~بالاجتهاد في جمع كتب هذه الأمم وتحصيلها والمبالغة في أثمانها وترغيب ~~التجار في جلبها. ففعل ذلك فاجتمع من ذلك في مدة قريبة أربعة وخمسون ألف ~~كتاب ومائة وعشرون كتابا. فلما علم الملك باجتماعها قال لوزيره: أترى بقي ~~في الدنيا شيء من كتب العلوم لم يكن عندنا. فقال له الوزير: بقي عند اليهود ~~كتب إلهية أوحى الله بها إلى الأنبياء فنطقوا بها. فأمر أن يجد في طلبها. ~~فأطلق سبيل جالية اليهود وطلب من اليعازر رئيس الكهنة أن يسير إليه جماعة ~~من أحبار اليهود المتبحرين في لغتي العبريين واليونانيين لينقلوا له كتب ~~الوحي من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية. فأرسل إليه اثنين وسبعين حبرا ~~ذوي مهارة في النقل من كل سبط ستا. فرتب الملك كل اثنين ms053 منهم في بيت في ~~جزيرة فوروا وأمرهم أن ينقل كل اثنين منهم كل واحد واحد من الكتب الإلهية. ~~وعند الفراغ قوبلت النسخ الستة والثلاثون فوجدت مطابقة لم تتخالف لفظا ولا ~~معنى فاعتمد على صحة النقل. وهذا النقل السبعيني هو المعتبر عند علمائنا ~~وهو الذي بأيدي الروم وباقي فرق النصارى خلا السريان وخصوصا المشارقة فإن ~~نسختهم المسماة بسيطة لترك البلاغة في نقلها تطابق نسخة اليهود. وأما ~~المغاربة فلهم النقلان البسيط المنقول من العبري إلى السرياني بعد مجيء ~~السيد المسيح في زمان ادي السليح. وقيل قبله في زمان سليمان بن داود وحيرم ~~صاحب صور. والسبعيني المنقول من اليوناني إلى السرياني بعد ظهور المخلص ~~بزمان طويل. # وفي هذا الزمان كان طيموخاريس الحكيم الرياضي. وكان عالما بهيئة الفلك ~~وصناعة آلات الأرصاد. وقد ذكر بطلميوس الحكيم في المجسطي أن وقته كان ~~متقدما لوقته بأربع مائة وعشرين سنة. # " بطلميوس اورغاطيس " أي الصانع ملك ستا وعشرين سنة. وفي زمانه بنيت ~~قرقيسياء وقالونيقوس وهي الرقة. وحونيا رئيس كهنة اليهود منع الجزية التي ~~كان يعطيها لملوك مصر. فغضب اورغاطيس وهم باستئصال اليهود. فأرسل إليه ~~يوسيفوس الحكيم العبري وهادنه فتهادنت أمور اليهود. # " بطلميوس فيليفاطور " أي محب أبيه. ملك سبع عشرة سنة واضطهد اليهود. وفي ~~آخر ولايته قهره انطيوخس الكبير صاحب الشام. وهذا أيضا اعتسف اليهود وعنف ~~عليهم وجرت الوقائع المذكورة في القصة الأولى من كتاب المقبانيين. # " بطلميوس افيفانوس " أي المظهر. ملك إحدى وعشرين سنة وأرسل جيشا مع ~~اسقافوس قائده إلى بلد يهوذا والشام. فحاربه انطيوخس الكبير وانتصر عليه ~~وهزمه واستولى على مدت كثيرة كانت للمصريين. وحينئذ أخلص له اليهود في ~~الطاعة فأحسن إليهم ورصف الحجارة في الطرق المؤدية إلى إنطاكية وعقد ~~القناطر على أكثر أنهار الشام. وفي سنة إحدى عشرة من ملك هذا انطيوخس قهره ~~الإفرنج وكان يعطيهم الجزية كل سنة ألف قنطار ذهبا وسلم إليهم ولده رهينة. ~~وصالح أيضا بطلميوس افيفانوس وتزوج ابنته قلاوفطرا. ثم مات وقام بعده ابنه ~~المسمى باسمه انطيوخس وهو الصغير الملقب بأفيفانوس وهو لقب صاحب ms054 مصر. هذا ~~ورد البيت المقدس ونجس الهيكل بنصبه صنم زاوس وهو المشتري فيه. وألزم ~~اليعازر الكاهن أن يضحي للصنم الأضحية. ولأنه أبى أماته بالعقاب. ثم سعي ~~إليه بامرأة اسمها اشموني مع سبعة بنيها أنهم يسبون الأصنام. فأحضرهم بين ~~يديه وأمر بقطع لسان الأول وأطراف جميع أعضائه وألقاه في الطاجن وسلخ جلدة ~~رأس الثاني. وكذلك أمات الباقين وبعدهم أمهم بأنواع العذاب. ودفنوا في ~~أورشليم. ثم بعد مجيء المخلص نقل مؤمنوا النصارى أجسادهم إلى مدينة إنطاكية ~~وبنوا عليهم كنيسة. # " بطلميوس فيلوميطور " أي محب أمه. ملك خمسا وثلاثين سنة. وفي السنة ~~السادسة عشرة من ملكه مات انطيوخس الصغير غازيا بالفرس. وملك بعده انطيوخس ~~اوفاطور سنتين واضطهد اليهود اضطهادا شديدا. وولي أمر اليهود يهوذا المقبي ~~وجمع بين الملك والكهنوت ونفى نواب انطيوخس من أرض يهوذا وطهر الهيكل وصار ~~اليهود يحاربون ملوك الروم. PageV01P030 وفي هذا الزمان بنى حونيا رئيس ~~كهنة اليهود هيكلا بأرض مصر كالذي بأورشليم. وبعد اوفاطور ولي الشام ~~ديميطريوس سوطير وهو ابن سلوقوس. وملك اثنتي عشرة سنة ثم قتله الاسكندروس ~~وقام بعده عشر سنين أطاعه فيلوميطور صاحب مصر وزوجه ابنته قلاوفطرا. وتمت ~~نبوءة دانيال حيث قال: ابنة ملك التيمن تعطى لملك الجربياء. وقيل بالأخرى ~~التي تزوجها انطيوخس الكبير تمت هذه النبوءة. # " بطلميوس اورغاطيس الثاني " ويعرف بابن الهشيم. ملك تسعا وعشرين سنة. ~~وفي السنة الثالثة من ملكه مات الاسكندروس. وولي الشام بعده ديميطريوس ~~الثاني ثلاث سنين ثم خلع وولي مكانه انطيوخس سيذيطوس سبع سنين ومات. وعاد ~~ديميطريوس إلى الملك أربع سنين. ثم مات وقام بعده انطيوخس اغريباس اثنتي ~~عشرة سنة وحاصر أورشليم في ولاية هورقانس الملك الكاهن. ولأنه ضيق عليها ~~فتح هرقانوس قبر داود النبي ووجد فيه ثلاثة آلاف قنطار من الذهب كان قد ~~خزنها القدماء هناك. فأعطى منها ثلاثمائة قنطار لاغريباس فرحل عنه. وفي هذا ~~الزمان اخرب هورقانس مدينة شمرين وهي نابلس وعصى جماعة من العبيد بجزيرة ~~سقليا فحوصروا في بعض مدنها حتى أكل بعضهم بعضا. # " بطلميوس فيسقوس " ويسمى أيضا سوطير. ملك سبع ms055 عشرة سنة. وفي السنة ~~الرابعة من ملكه ولي الشام انطيوخس قوزيقوس ثماني عشرة سنة. وفي السنة ~~الحادية عشرة من ملك سوطير مات هورقانس ملك اليهود. وقام بعده اريسطابولس ~~بن يونثان سنة واحدة متتوجا. ثم اغتاله أخوه انطيغونيس واغتيل من يوحنا ~~أخيه الآخر الذي سمي الاسكندر وولي سبعا وعشرين سنة وكان ذا بأس. وأما ~~بطلميوس فيسقوس فعزلته أمه قلاوفطرا وفر منها إلى جزيرة قبرس. # وفي هذا الزمان اشتهر ديسقوريدوس وهو حكيم فاضل حشائشي من أهل مدينة عين ~~زربة. قال جالينوس: تصفحت أربعة عشر مصحفا في الأدوية المفردة لأقوام شتى ~~فما رأيت فيها أتم من كتاب ديسقوريدوس. ويحيى النحوي الإسكندري يمدحه في ~~كتابه في التاريخ ويقول: تقدمة الأنفس صاحب النفس الزكية النافع للناس ~~المنفعة الجليلة المنعوت المنصوب السائح في البلاد المقتبس العلوم والأدوية ~~المفردة من البراري والجزائر والبحار والمصور لها. # وقد جاء في كتاب المجسطي أن بين رصدي ايبرخس وبطلميوس للاستواء الربيعي ~~مائتين وخمسا وثمانين سنة. وهذا يدل على أنه كان معاصرا لديسقوريدوس. وفاق ~~المتقدمين والمتأخرين وعلاهم بعلم الأرصاد. ومن كتبه أخذ بطلميوس القلوذي ~~وعلى أرصاده بنى. ولم يصل إلينا من كتبه سوى كتاب واحد في أسرار الكواكب ~~ومنه يعرف تجدد الممالك في العالم. # " بطلميوس الاكسندروس " هو أخو فيسقوس الفار إلى قبرص. ملك عشر سنين. وفي ~~السنة الرابعة من ملكه ظفر بقوزيقوس ملك الشام وأحرقه بالنار حيا وولي في ~~الشام سنة واحدة. ثم قام بالشام ملكا فيليفوس سنتين و رذلته الرعية بسبب ~~إعانته على هلاك قوزيقوس. ودخل الشاميون في طاعة ملوك رومية قبل أن يسموا ~~قياصرة ولم يدخلوا في طاعة البطالسة نفورا منهم بما فعلوا بملكهم قوزيقوس. # " بطلميوس فيسقوس " هو المسمى سوطير هذا عاد من قبرص إلى مصر ونازع أخاه ~~الاسكندروس فاعتقله وملك بعده ثماني سنين أخرى. ثم مات وأقيم بعده ~~ذيانوسيوس ابنه. # " بطلميوس ذيانوسيوس " ملك ثلاثين سنة. وفي سنة خمس من ملكه مات يوحنا ~~الاسكندر ملك اليهود وخلف ولدين هورقانس واريسطابولوس مسميين باسمي عميهما. ~~وكانت أمهما سيلينا أي القمر ذات سطو. ms056 فنصبت هورقانس ابنها رئيس الكهنة ~~واريسطابولوس ابنها الآخر ملكا. وبعد قليل جلاه بومبيوس قائد جيش قيصر إلى ~~رومية واستقام هورقانس أخوه ملكا لليهود أربعا وثلاثين سنة. PageV01P031 " ~~قلاوفطرا " ابنة ذيانوسيوس ملكت اثنتين وعشرين سنة. وفي سنة ثلث من ملكها ~~ولي رومية الكبرى غابيوس الملقب يوليوس وهو أول من دعي قيصرا وتأويله ~~السليل. وإنما سمي بذلك لأن أمه وهي حامل به ماتت حين ولدت فشقوا أحشائها ~~وسلوه منها. ثم صار هذا الاسم نبزا لكل من ولي رومية. وسمي شهر تموز يوليوس ~~باسمه وكان يسمى أولا قنطاليس. وبعد أربع سنين مات. وقام بعده اغوسطس قيصر ~~ستا وخمسين سنة. وفي سنة ست من ملك اغوسطس سبي هورقانس ملك اليهود إلى فارس ~~ووليهم هيروذيس بن انطيفطروس العسقلاني من قبل قيصر وهدم سوري أورشليم ~~واحتجز على تركة الكهنوت ولم يترك أحدا يتولى رئاسة الكهنة إلا سنة واحدة. ~~وفي السنة الثالثة عشر من ملك اغوسطس تمرد عليه انطونيوس قائد جيشه وانهزم ~~منه إلى مصر بسبب عشقه قلاوفطرا الملكة. فسار نحوه اغوسطس وأسر ولدي ~~قلاوفطرا المسمى أحدهما شمسا والآخر قمرا وقتلهما. ولما سمع انطونيوس ~~وقلاوفطرا بقتل الولدين وكانا محاصرين في بعض الحصون شربا سما وماتا. # وكان في آخر مملكة البطالسة فطون الفيلسوف ذو يد باسطة في نوعي العدد ~~والمساحة وله كتاب في الحساب إلى قلاوفطرا الملكة. وقلاوفطرا هذه كانت ~~حكيمة تصنف الكتب في أنواع الحكمة ولها القانون المنسوب إليها المختصر وهو ~~قانون مبسوط سهل قريب المأخذ ويقال أنه من تصانيف فطون لها ونحلها إياه ~~فادعته. والله أعلم. # الدولة السابعة # المنتقلة إلى ملوك الإفرنج # الروم هم الإفرنج بلادهم مجاورة لبلاد اليونانيين ولغتهم مخالفة للغتهم. ~~فلغة اليونانيين الاطيقية ولغة الروم اللاطينية. وحد بلاد الروم من جهة ~~الجنوب البحر الرومي الممتد طولا في المغرب إلى المشرق ما بين طنجة إلى ~~الشام. وحدها من جهة الشمال بعض ممالك الأمم الشمالية من الروس وغيرها. ~~وحدها من جهة الشرق تخوم بلاد اليونانيين. وحدها من جهة المغرب إلى أقصى ~~الأندلس البحر المغربي المحيط المعروف بأوقيانوس. ms057 وهذه المملكة ثلاث قطع ~~أولها من جهة المشرق بلاد الامانية ثم وسطها بلاد افرنسة ثم آخرها بلاد ~~الأندلس. وقاعدة هذه المملكة كلها كانت مدينة رومية العظمى من بلاد ~~الامانية إلى أن تغلب اغوسطس أول القياصرة على ملوك اليونانيين وأضاف إلى ~~مملكتهم مملكته فصارت مملكة واحدة رومية عظيمة الشأن كما فعلت الفرس بمملكة ~~الكلدانيين حتى استولت عليها وصيرت المملكتين مملكة واحدة فارسية. وصارت ~~رومية قاعدة هاتين المملكتين إلى أن قام قسطنطينوس بن هيلاني بدين المسيح ~~ورفض دين الصابئة وبنى مدينة بوزنطيا وعظمها وسماها باسمه القسطنطينية ~~واستوطنها فصارت حينئذ قاعدة ملك الروم إلى سنة ألف ومائتين واثنتين وستين ~~للإسكندر حتى قوي العامل على رومية وكثرت جموعه فلبس التاج وسمي ملكا بكافة ~~ملك قسطنطينية ورضي بسلمه وتميزت مذ ذاك مملكة اللاطينيين من مملكة ~~الاطيقيين من جهة مغاربها. وبعدت أعمالهم من أعمال رومية بمن توسط بينهما ~~من فرق الترك المخيمة هنالك والمخربة لكثير من عمائرها. فلا يصل أحد اليوم ~~من القسطنطينية إلى رومية إلا في البحر. وكان للروم بمدينة رومية وغيرها ~~علماء بأنواع الفلسفة إلا أن لليونانيين من المزية في ذلك والفضل ما لا ~~ينكره الروميون ولا سواهم. # " اغوسطس قيصر " ملك ستا وخمسين سنة. وباسمه سمي شهر آب اغوسطس وكان يسمى ~~أولا سجاسطيلوس. وفي أيامه جدد هيروذيس مدينة نابلس وعظم قصر اسطراطون ~~وسماهما قيصرية وهي المعروفة بفيليبوس. وبنى أيضا مدينة جبلة. PageV01P032 ~~وفي السنة الثالثة والأربعين من ملك اغوسطس قيصر وهي سنة تسع وثلاثمائة من ~~تأريخ الاسكندر ولد السيد المسيح من مريم العذراء ليلة الثلاثاء في الخامس ~~والعشرين من كانون الأول. وفي تلك السنة كان قد أرسل قيصر الملك قورينوس ~~القاضي مع أصحاب الجزية إلى أورشليم. فصعد يوسف خطيب مريم من الناصرة ~~مدينته إلى أورشليم ليثبت اسمه. وعند موافاتهم قرية بيت لحم ولدت مريم. ~~وأتى المجوس بألطافهم من المشرق فأهدوها إلى المسيح وهي ذهب ومر ولبان. ~~وكانوا قد مروا أولا بهيروذيس وسألهم عن أمرهم. فقالوا له: إن عظيما كان ~~لنا وهو قد أنبأنا بكتاب وضعه ms058 ذاكرا فيه: سيولد في فلسطين مولود أصله من ~~السماء ويتعبد له أكثر العالم. وآية ظهوره إنكم ترون نجما غريبا وهو يهديكم ~~إلى حيث هو. فإذا رأيتموه فاحملوا ذهبا ومرا ولبانا وانطلقوا إليه وألطفوه ~~بها واسجدوا له وانصرفوا لئلا ينالكم بلاء عظيم. والآن قد ظهر لنا النجم ~~وأتينا لنتم ما أمرنا به. فقال لهم: هيروذيس: قد أصبتم الرأي فانطلقوا ~~وابحثوا عن الصبي نعما. فإذا وجدتموه فأعلموني لأنطلق أنا أيضا فأسجد له. ~~فمضوا ولم يعودوا إليه. فغضب غضبا شديدا وأمر بذبح جميع أطفال بيت لحم من ~~ابن سنتين وما دون لعدم علمه بوقت ولادة المخلص. وكانت مريم يومئذ ابنة ثلث ~~عشرة سنة وعمرت إحدى وخمسين سنة. وكتب اوتغنيوس الفيلسوف إلى قيصر يعلمه عن ~~مجيء المجوس قائلا في رسالته: إن فرس المشرق دخلوا سلطانك وقربوا القرابين ~~لصبي ولد بأرض يهوذا. فأما من هو وابن من هو فلم يبلغنا بعد. فأجابه قيصر: ~~إن هيروذيس عاملنا على اليهود هو يعلمنا ما أمر هذا المولود وقضيته. وكتب ~~قيصر إلى هيروذيس يستعلمه الخبر. فكتب إليه وعرفه قول المجوس له وإنه ذبح ~~أطفال بيت لحم أجمعين ليكون قد أتى على نفس الصبي معهم. وفي تلك الليلة ~~التي أتت المجوس هرب يوسف مع مريم والمولود إلى مصر ولبثوا بها سنتين. ولما ~~بلغهم موت هيروذيس عادوا إلى الناصرة مدينتهم. وقبل أن يموت هيروذيس قتل ~~امرأته مريم التي كانت ابنة يوحنا الاسكندر ملك اليهود وأخاها وأمها و ~~بالجملة كل من وجد من نسل الملوك. ثم حدث له استسقاء زقي ونقرس شديد وبقي ~~في عذاب أليم مدة سنتين ثم مات. وولي مكانه ارخيلاوس ابنه تسع سنين. ثم ~~اعتقله اغوسطس وجعل ملك اليهود أرباعا وولى في الثلاثة الأرباع ثلاثة من ~~أخوة ارخيلاوس وهم هيروذيس وانطيفطرس وفيليفوس. وفي الربع الرابع لوسانيا. # " طيباريوس قيصر " ملك اثنتين وعشرين سنة. وفي السنة الأولى من ملكه عرضت ~~زلزلة عظيمة وسقط فيها مواضع كثيرة ومات خلق من الناس والمواشي. وفي السنة ~~السابعة بنى هيروذيس بن هيروذيس مدينة طبرية على ms059 اسم طيباريوس الملك. وفي ~~السنة الرابعة عشرة ولي فيلاطوس القضاء على اليهود ونصب تمثال قيصر في ~~الهيكل واضطرب لذلك اليهود. وبعد ثلاث سنين اعتمد المسيح من يوحنا بن زكريا ~~يوم الأربعاء وقيل: يوم الأحد لست خلون من كانون الأخيرة. وكان ابن ثلاثين ~~سنة. ومن هاهنا بدأ بإظهار الآيات الباهرة وإفشاء سر ملكوت الله والحث على ~~العمل بسنة الفضيلة فضلا عن سنة العدالة. وفي السنة التاسعة عشر من ملك ~~طيباريوس وهي سنة ثلاثمائة واثنتين وأربعين من تاريخ الاسكندر أرسل ابجر ~~ملك الرها فيجا اسمه حنان إلى المسيح بكتاب يقول فيه: من ابجر الأسود إلى ~~ايشوع المتطبب الظاهر بأورشليم. أما بعد فإنه بلغني عنك وعن طبك الروحاني ~~وإنك تبرئ الأسقام من غير أدوية فحدست إنك إما إله نزلت من السماء أم ابن ~~الإله. فأنا أسألك أن تصير إلي لعلك تشفي ما بي من السقم. وقد بلغني أن ~~اليهود يرومون قتلك. ولي مدينة واحدة نزهة وهي تكفيني وإياك نسكن فيها في ~~هدوء. والسلام. فأجابه المسيح بكتاب قائلا: طوباك إنك آمنت بي ولم ترني. ~~وأما ما سألتني من المصير إليك فإنه يجب أن أتمم ما أرسلت له وأصعد إلى ~~أبي. ثم أرسل لك تلميذا لي يبرئ سقمك ويمنحك ومن معك حياة الأبد. فلما أخذ ~~حنان الجواب من المسيح جعل ينظر إليه ويصور صورته في منديل لأنه كان مصورا ~~وأتى به إلى الرها ودفعه إلى ابجر الأسود. وقيل أن المسيح تمندل بذلك ~~المنديل ماسحا به وجهه فانتقشت فيه صورته. وبعد صعود المسيح إلى السماء ~~أرسل ادي السليح أحد الاثنين والسبعين إلى الرها وأبرأه من سقامه. ~~PageV01P033 وفي هذه السنة تمت الأربعمائة والتسعون سنة التي أوحى الله إلى ~~دانيال النبي أن سبعين أسبوعا تطمئن أمتك ثم يأتي الملك المسيح ويقتل. وهذا ~~إذا ابتدأنا بتعديدها من آخر سنة عشرين لملك ارطحششت الطويل اليدين وهي ~~السنة التي أرسل فيها نحميا الساقي إلى أورشليم وجدد العهد بتقريب القرابين ~~وكتب عزرا كتب الوحي. وفي هذه السنة اعني التاسعة عشرة من ملك ms060 طيباريوس ~~قيصر صلب المسيح يوم الجمعة في الثالث والعشرين من آذار وكان فصح اليهود ~~يوم السبت وإنما أكله المسيح مع تلاميذه ليلة الجمعة لتعذر إتمامه في وقته ~~بسبب صلبه نهار الجمعة. وكان الصعود يوم الخميس لثلاث خلون من أيار. وصار ~~الفنطيقوسطي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من أيار. # وفي هذا اليوم سمع كهنة اليهود من داخل الهيكل صوت هاتف يهتف بهم قائلا: ~~قد أزمعنا على الانتقال من هاهنا. فراعهم ذلك جدا. # فمن بدء العالم إلى مجيء المسيح بمقتضى التوراة التي بأيدي اليهود أربعة ~~آلاف ومائتان وعشر سنين بالتقريب. وبمقتضى التوراة السبعينية التي بأيدي ~~الروم وسائر فرق النصرانية خلا السريان خمسة آلاف وخمسمائة وست وثمانون سنة ~~بالتقريب. ينقص التاريخ الأول من الثاني ألف وثلاثمائة وخمس وسبعون سنة. ~~وهذا النقص منسوب إلى أحبار اليهود لأن البشارة بالمسيح قد تقدمت في ~~التوراة والأنبياء أنه يبعث في آخر الأزمان ولم يكن لمن سلف من رباني ~~اليهود حيلة في دفع مجيء المسيح غير أن يبدلوا أعمار الآدميين التي منها ~~يوقف على تاريخ العالم فنقصوا من عمر آدم إلى أن ولد شيث مائة سنة وزادوها ~~في باقي عمره. وكذلك عملوا في أعمار باقي ولد آدم إلى إبراهيم. فصار ~~تاريخهم يدل على أن المسيح ظهر في الألف الخامس وهذا قريب من توسط سني ~~العالم التي هي جميعها عندهم سبعة آلاف سنة. فقالوا: نحن بعد في توسط ~~الزمان فلم يحن حين مجيء المسيح. وأما التاريخ السبعيني فيدل على أن المسيح ~~ظهر في الألف السادس فيكون قد حان حينه. # " غاييوس قيصر " ملك أربع سنين. وفي السنة الأولى من ملكه ولي هيروذيس ~~اغريباس على اليهود سبع سنين. وفي هذه السنة قتل فنطيوس فيلاطوس نفسه وأرسل ~~فيليكوس قاضيا إلى أورشليم وملأ محاريب اليهود أصناما. فأرسلوا رسولين ~~حكيمين هما فيلون ويوسيفوس العبريان إلى قيصر يتضورون من صنيع الناظر. ~~فمضيا واستعطفاه متقدما بإزالة ما كره اليهود عنهم. وفي السنة الرابعة ورد ~~فطرونيوس الناظر من رومة إلى أورشليم ونصب صورة زاوس أي المشتري ms061 في هيكل ~~الرب. وتمت نبوءة دانيال النبي الذي قال: علامة نجسة قائمة حيث لا ينبغي. # " قلوذيوس قيصر " ملك خمس عشرة سنة. وفي السنة الثانية من ملكه ظهر رجل ~~مصري بأرض يهوذا وادعى النبوءة وافسد خلقا من الناس وأراد أن يكبس أورشليم ~~قهرا. فتوجه إليه فيليكوس البطريق فقتله وقتل عامة أتباعه. وظهر أيضا رجل ~~يسمى قورينثوس وكان يقول: إن في ملكوت الله أكلا وشربا ونكاحا. # وفي هذا الزمان أمر قلوذيوس قيصر بإحصاء اليهود الذين في سلطانه. فبلغ ~~عددهم ستمائة وأربعا وتسعين ربوة وأربعة آلاف نفس. وفي يوم عيد الفصح وقع ~~اليهود في الخليطى وضغط الناس بعضهم بعضا فمات في الزحام ثلاثون ألف نفس. ~~وكان اليهود متفرقين على سبع فرق. # الأولى: الربانيون وهم كتاب الناموس ومعلموه. # والثانية: اللاويون الذين لم يفارقوا خدمة الهيكل. # والثالثة: المعتزلة الذين يؤمنون بقيامة الموتى ويقولون بوجود الملائكة ~~ويصومون يومين في الأسبوع. # والرابعة: الزنادقة الذين يجحدون القيامة والملائكة. # والخامسة: المغتسلون الذين يقولون لا يثاب أحد إن لم يغتسل كل يوم. # والسادسة: النساك الذي لا يأكلون شيئا فيه روح. # والسابعة: السمرة الذين لا يقبلون من الكتب إلا التوراة وهي المجسمة. # " نارون قيصر " ملك أربع عشرة سنة. وفي السنة الثالثة عشرة من ملكه اضطهد ~~النصارى وضرب عنق فطروس وبولوس وصلبهما منعكسين. وعصى اليهود عليه فغزاهم ~~اسفسيانوس القائد مع جيوش كثيرة وحاصر أورشليم زمانا طويلا. فلما دنا من ~~فتحها أتاه الخبر بموت نارون وإنه اعتراه جنون في مرضه وقتل نفسه وابنه ~~وزوجته. فنصب اسفسيانوس ابنه طيطوس مكانه في محاربة اليهود ونهض راجعا إلى ~~رومية وغزا الإسكندرية وافتتحها وركب في البحر وسار إلى رومية وملكها. ~~PageV01P034 " اسفسيانوس قيصر " ملك عشر سنين. وهو بنى قوقلس أي منارة ~~الإسكندرية وطولها مائة وخمس وعشرون خطوة وفي السنة الثانية من ملكه افتتح ~~طيطوس ابنه مدينة أورشليم وقتل فيها زهاء ستين ألف نفس وسبى نيفا ومائة ألف ~~نفس. ومات فيها من الجوع خلق كثير والباقون تشتتوا في البلاد. ودعثرها ~~وأخرب هيكلها. وتمت نبوءة يعقوب حيث قال: لن تفقد ms062 هراوة الملك من يهوذا ولا ~~المنذر أي النبي من ذريته حتى يأتي من له الغلبة وإياه تتوقع الشعوب. وتم ~~أيضا ما أنذر به المخلص مخاطبا لأورشليم: إنه سيأتي أيام تحيط بك أعداؤك ~~ويكبسونك وبنيك فيك. وكان ذلك بعد أربعين سنة من صلب المسيح. وذكر يوسيفوس ~~العبري أنه ظهر قبل خراب أورشليم علامات فظيعة. وذلك أنه ظهر فوق المدينة ~~نجم طويل كسيف من نار يلمع. وفي عيد الفصح جاءوا ببقرة الذبيحة فولدت حملا ~~في وسط الهيكل. وأبواب النحاس التي كانت على باب الهيكل ولم تكن تغلق وتفتح ~~دون اجتماع عشرين رجلا وجدت نصف الليل مفتوحة من غير علة. وكانوا عامة ~~السنة يسمعون في الهيكل أصواتا مختلفة تقول: إننا سننتقل من هاهنا. # " طيطوس قيصر " ملك سنتين. وفي السنة الثاني لملكه انشق جبل بالروم وخرج ~~منه شهب نار أحرقت مدنا كثيرة. ووقع برومية حريق كثير. وخطب بعض الخطباء ~~ذات يوم خطبة في حفل من الناس وفي جملة الانباز التي نبزها طيطوس اشتق له ~~اسما من أسماء الله تعالى. ولأنه سر بذلك فاجأه الموت فجأة. # " ذوميطيانوس قيصر " ملك ست عشرة سنة. ونفى من رومية المنجمين وأصحاب ~~الزجر والفأل والعيافة والطيرة. وأمر أن لا يغرس برومية كرم البتة. وفي ~~السنة التاسعة لملكه اضطهد النصارى اضطهادا شديدا ومع هذا كان الناس يدخلون ~~في دين المسيح أفواجا ويتمسكون به تمسكا أشد. فقال فطروفيلس المحصل ~~لارسنيوس الحكيم معلمه ما الذي ألجأ ديونوسيوس رئيس حكماء أثيناس ~~وافريقيانوس الإسكندري ومرطيانوس الباذوي إلى أن يسجدوا لرجل مصلوب. فأجابه ~~قائلا: إن آلهة السماء اقتضوا هذا. فاستنار واختار اتباع النصارى بالسيرة ~~الحسنة وترك الدنيا وملاذها يفيدهم الأيد بالقول والعمل. # وفي هذا الزمان عرف افولونيوس الطلسماطيقي وكان يضاد التلاميذ بأفاعيله ~~المخالفة لأفاعيل المسيح ويقول: الويل لي إن سبقني ابن مريم. وهذا الملك ~~نفى يوحنا الإنجيلي إلى بعض الجزائر. وكتب إليه ديونوسيوس أسقف اثيناس ~~كتابا يقول فيه: لا يعترينك الضجر والملل فإنه لا يطول سجنك فالمسيح يعمل ~~لك الخلاص فألهم نفسك بالصبر. وبعد قليل قتل ms063 دوميطيانوس قيصر على بساطه في ~~مجلسه. # " نارون قيصر الصغير " ملك سنة واحدة. وأمر أن يرد المنفيون. ورجع يوحنا ~~الإنجيلي إلى مدينة افسوس بعد ست سنين لنفيه. ثم جذم نارون ومات في بستان ~~خارج رومية. # " طريانوس قيصر " ملك تسع عشرة سنة. وفي السنة العاشرة لملكه اضطهد ~~النصارى. واستشهد شمعون بن قليوفا أسقف أورشليم ويوحنا السليح وايغناطيوس ~~النوراني أسقف إنطاكية رمي للسباع فافترسته. وفيلنيوس صاحب الشرط لما عجز ~~من قتل النصارى لكثرتهم طالع قيصر أن أهل هذا المذهب عاملون بجميع سنن ~~الفلاسفة غير أنهم لا يكرمون الأصنام. فأمر قيصر أن لا يجد في أذاهم إلا ~~إذا وجد منهم من يتفوه بسب الآلهة فليدن. وفي آخر سنة من ملكه عصت اليهود ~~الذين بجزيرة قبرس والشام والحبشة. ويهود مصر أيضا نصبوا لهم ملكا اسمه ~~لومينوس. فجيش وتوجه إلى فلسطين. فطلبته جيوش الروم وقتلته مع ربوات من ~~اليهود في كل مكان. # وفي هذا الزمان ظهر بإنطاكية رجل اسمه سوطرنينوس وكان يقول: إن سبعة من ~~الملائكة خلقوا العالم وإياهم عنى الله بقوله هلموا نخلق إنسانا يشبهنا ~~وصورتنا. وقال: إن التزويج وهيئة أعضاء البضاع للرجال والنساء من فعل ~~الشيطان ولهذا يستقبح الناس كشفها. وظهر أيضا بسيليذيس القائل بإكرام الحية ~~وتعظيمها لأنها المشيرة على حواء بالمجامعة ولولاها لما تناسل الناس. وظهر ~~أيضا رجل اسمه قورنثوس وكان يقول: إن العالم خلق الملائكة وإن المسيح ولد ~~من المباضعة. وقيل: أن بيعة الله إلى هذه الغاية التي ظهر فيها هؤلاء ~~المخالفون كانت عذراء من مثل هذه العلوم الشيطانية وخرافات البدع. ~~PageV01P035 " اذريانس قيصر " ملك إحدى وعشرين سنة. وفي أول سنة من ملكه ~~أطلق الديون وأمر المديونين أن لا يقضوا مما عليهم شيئا البتة وأطلق للناس ~~الاخاريج والأتاوى الديوانية أيضا. وفي السنة الرابعة بطل الملك من الرها ~~وولي أمرها القضاة من قبل الروم. وأمر اذريانس ببناء مدرسة بمدينة اثيناس ~~ورتب فيها قوما من الحكماء وحمل إليهم نواميس سولون وذراقون ومن هنالك فاضت ~~الحكم في اثيناس. # وفي هذه السنة ظهر بأورشليم رجل يقال له ms064 ابن الكوكب وأضل اليهود مدعيا ~~أنه نزل من السماء كالكواكب ليخلصهم من عبودية الروم. فتبعه خلق كثير منهم. ~~وبلغ الخبر إلى اذريانس فوجه إليه جيوشا فقتلوه وغزوا أورشليم وأهلكوا ~~اليهود وخربوا أورشليم غاية الخراب وبنوا قريبا منها مدينة سموها هيليا ~~اذريانس وأسكنوها قوما غرباء. وأمر اذريانس بصرم آذان الذين تخلفوا من ~~اليهود وسن لهم سنة أن لا ينظروا إلى أورشليم ولا من بعيد. # " طيطوس انطونيانس قيصر " المسمى اوسابيوس ويسمى أيضا بارا وأب البلد. ~~ملك اثنتين وعشرين سنة وأزال عن النصارى الاضطهاد وأباح للناس أن يتدينوا ~~بأي دين شاءوا. # وفي هذا الزمان نبغ في البيعة من المخالفين شخص اسمه ولنطيانوس وكان ~~يقول: إن المسيح أنزل معه جسدا من السماء واجتازه بمريم كاجتياز الماء ~~بالميزاب أي لم يأخذ منها شيئا. وظهر أيضا رجل يسمى مرقيون وقال: إن الآلهة ~~ثلاثة عادل وصالح وشرير وأن العادل أظهر أفاعيله في الشرير وهو الهيولي ~~فخلق منها العالم. ولما رأى الصالح العالم قد انجذب إلى جهة الشرير أرسل ~~ابنه ليدعو الناس إلى عبادة أبيه الصالح. فأتى ونسخ التوراة المتضمنة سنة ~~العدل بالإنجيل الذي هو متضمن سنة الفضل. فهيج العادل عباده عليه فأمكنهم ~~من نفسه حتى قتلوه وبقيامته من بين الأموات سبى الناس وأصارهم إلى عبادة ~~أبيه. فلما أظهر مرقيون هذه الخزعبلة وعظته الأساقفة زمانا طويلا فلم يرجع ~~عن خزعبلته وتمادى في أباطيله فنفوه الجماعة وصار لعنة. # وفي هذا الزمان اشتهر جالينوس في الطب ووضع فيه كتبا كثيرة. والموجود في ~~أيدي الناس منها الآن زهاء مائة كتاب. وكان شيخه في الطب طبيبا اسمه ~~اليانوس. وهو الذي توجه إلى مدينة إنطاكية في السنة التي وقع الموتان في ~~أهلها ومعه ترياق الفاروق فمن شرب منه قبل أن يمرض نجا والذين شربوه بعد ~~المرض بعضهم نجا وبعضهم هلك. وكان أصل جالينوس من مدينة برغاموس. وكان ~~اشتغاله في الإسكندرية. والدليل على أنه لم يكن في زمان المسيح كما ظن ولكن ~~بعده قوله في المقالة الأولى من كتاب التشريح أنه صنفه في مبدأ ms065 ملك ~~انطونيانس في أول مرة صعد إلى رومية. فمن صعود المسيح إلى هذه الغاية ما ~~ينيف على مائة سنة. وقال أيضا في شرحه لكتاب أفلاطون في الأخلاق وهو المسمى ~~فادن: أن هؤلاء القوم الذين يسمون نصارى تراهم قد بنوا مذهبهم على الرموز ~~والمعجزات وليسوا بأقل من الفلاسفة الحقيقيين بأعمالهم. يحبون العفة ~~ويدمنون الصوم والصلاة ويجتنبون المظالم. وفيهم أناس لا يدنسون بالنساء. ~~أقول: يريد بالرموز الأمثال المضروبة لملكوت السماء في الإنجيل الطاهر. ~~ومات جالينوس بجزيرة سيقيليا وقد بلغ من العمر ثمانيا وثمانين سنة. # وقد دلت التواريخ أن بطلميوس القلوذي الرياضي كان في هذا الوقت. وهو أول ~~من سطح الكرة واخترع خط الإسطرلاب الذي بأيدي الناس. وكتبه المشهورة في ~~زماننا أربعة: الكتاب الكبير المسمى سونطاكسيس وهو المجسطي. وكتاب ~~جاوغرافيا في صورة الأرض وأطوال وعروض البلدان. وكتاب الأربع مقالات في ~~أحكام النجوم. وكتاب الثمرة منها أيضا. # ومن ورود ذكر ثاون الرياضي الإسكندري في المجسطي وذكر بطلميوس في القانون ~~يستدل على إنهما كانا متعاصرين. ولثاون من الكتب الزيج المسمى بالقانون. ~~وكتاب ذات الحلق وهي الآلة التي بها ترصد حركات الكواكب. وكتاب الإسطرلاب ~~وكتاب المدخل إلى المجسطي. # وممن اشتهر عند الناس فضيلته في هذا الزمان الاسكندر الافروديسي شارح كتب ~~ارسطاطاليس المنطقية و الحكمية. وقد جرى بينه وبين جالينوس محاورات عديدة. ~~وكان يسمى جالينوس رأس البغل لقوة رأسه في البحث. PageV01P036 " مرقوس ~~اورليوس قيصر " ملك تسع عشرة سنة وأشرك معه في الملك ولديه انطونيانس ~~ولوقيوس. وفي أول ملكهم ولكش ملك الأرمن أخرب بلادا كثيرة من أعمال ~~اليونانيين فغزاهم ابنا مرقوس قيصر وانتصرا عليهم وأطاعوهما. وغزا أيضا ~~لوقيوس الصقالبة والترك وقهرهم. ولذلك يسمى اوطوقراطور أي ضابط الكل. ومات ~~بعد تسع سنين. وولي مكانه قومذوس ابنه ومات مختنقا. # وفي هذا الوقت ظهر رجل اسمه طيطيانوس وكان يقول بوجود عوالم كثيرة ~~كعالمنا هذا. وأن التزويج كله زنى وشر. وأن بعد الموت أكلا وشربا ونكاحا. # وظهر أيضا في بلد آسيا مونطانس القائل عن نفسه أنه الفارقليط الذي وعد ~~المسيح أن يوجهه ms066 إلى العالم وظهر أيضا رجل يسمى ابن ديصان لأنه ولد على نهر ~~ديصان فوق مدينة الرها. وكان يسمي الشمس أب الحياة والقمر أم الحياة وإن في ~~أول كل شهر تخلع أم الحياة النور الذي هو لباسها وتدخل على أب الحياة ~~فيجامعها فتلد أولادا يمدون العالم السفلي بالنمو والزيادة. # " فرطيناخس قيصر " ملك ستة أشهر وقتل غيلة في مجلسه. # " سوريانس قيصر " ملك ثماني عشرة سنة. وفي السنة الأولى من ملكه ثارت ~~فتنة عظيمة بين اليهود والسمرة فتحاربوا وقتل من الفريقين خلق كثير. ومن ~~السنة التاسعة من ملكه إلى آخر عمره اضطهد النصارى اضطهادا شديدا واعتسفهم ~~بالسجود للأصنام والأكل من ذبائحهم. ثم قتل في غزو الصقالبة. # " انطونيانس قيصر " ملك سبع سنين وأزال عن النصارى الاضطهاد وغزا ما بين ~~النهرين وقتل بين الرها وحران. # " ماقرينوس قيصر " ملك سنة واحدة. وفي زمانه وقع حريق فظيع في رومية. ~~ووثب عليه غلمانه وقتلوه. # " انطونيانس قيصر المعروف باليوغالي " ملك أربع سنين. وفي زمانه بنيت ~~مدينة نيقوبوليس. وهي التي يسميها الكتاب الإلهي عماوس. وكان يتولى بنيانها ~~افريقيانوس المؤرخ. # الاسكندروس قيصر " ملك ثلث عشرة سنة. وكان اسم أمه ماما. هذه آمنت ~~بالمسيح وكان منها معونة كثيرة للمؤمنين. وفي السنة الثالثة من ملك هذا ~~الاسكندروس قيصر وهي سنة خمسمائة واثنتين وأربعين للاسكندر ابتدأت مملكة ~~الفرس الأخيرة المعروفة ببيت ساسان. ودامت أربعمائة وثماني عشرة سنة أعني ~~إلى ظهور الإسلام وملكهم. # " مكسيميانوس قيصر " ملك ثلث سنين واضطهد النصارى وقتل سرجيس وباخوس ~~الشاهدين وقوفريانوس الأسقف مع جماعة من المؤمنين. # " غورديانس قيصر " ملك ست سنين. وغزا بلاد فارس وقتل هناك.وفي هذا الوقت ~~افريقيانوس المؤرخ وضع كتبا كثيرة في الأزمنة وسير الملوك والفلاسفة. # " فيليبوس قيصر " ملك سبع سنين وأحسن إلى النصارى ورام الاجتماع مع ~~المؤمنين. فقال له الأسقف: لا يمكنك الدخول إلى البيعة حتى تنتهي عن ~~المحارم وتقتصر على زوجة واحدة من غير ذوات القربى. فكان يحضر وقت الصلاة ~~ويقف خارج البيعة مع الذين ألفوا الدين ولم يكملوا فيه بعد. وفي أول سنة من ~~ملك هذا ms067 فيليبوس ملك بفارس سابور بن اردشير إحدى وثلاثين سنة. وفي السنة ~~الثالثة ظهر قوم من أصحاب البدع قائلين: إن من كفر بلسانه وأضمر الإيمان ~~بقلبه فليس بكافر.وفي هذا الزمان بدأت أعمال الرهبان على يدي انطونيوس و ~~فولى المصريين. وهما أول من اظهر لبس الصوف والتخلي في البراري. # " ذوقيوس قيصر " ملك سنة واحدة. ولبغضه فيليبوس قيصر المحسن إلى النصارى ~~عاداهم وشدد عليهم جدا. فكفر كثيرون من المؤمنين إلى أن قتل فقدموا التوبة. ~~وكان ناباطيس القسيس لا يقبل توبتهم قائلا: إنه لا مغفرة لمن أخطأ بعد ~~المعمودية. فوعظه الآباء كثيرا وسألوه الرجوع إلى رأي الجمهور. فلم يقبل. ~~فاجتمع عليه ستون أسقفا وأبعدوه عن البيعة وزيفوا تعليمه. # وفي زمان ذوقيوس كان الفتية السبعة أصحاب الكهف الذين هربوا منه واختفوا ~~في مغارة فوق الكهف. ورفع خبرهم إليه فأمر أن يسد باب المغارة عليهم. فألقى ~~الله عليهم سباتا إلى يوم انبعاثهم من رقادهم. # " غالوس قيصر " هذا أشرك معه في الملك رجلا يسمى ولسيانوس وملكا سنتين. ~~ثم قتلا في سوق من أسواق رومية يسمى فلامنيوس. PageV01P037 وفي هذا الزمان ~~ظهر في مدينة بوزنطيا قسيس اسمه سابيليوس وقال أن الاقانيم لثلاثة هي ~~الوجود والحكمة والحياة ليست معاني زائدة على ذات الله تعالى بل هي صفات ~~اعتبارية لا مسمى لشيء منها في الخارج إذ الباري تعالى موجود لا بوجود ~~وحكيم لا بحكمة وحي لا بحياة. أقول هذا مذهب انبيذوقليس بعينه في الصفات ~~وقد انتحله فرقة من علماء الإسلامية أيضا وهي نفاة الصفات. # " اولارينوس قيصر " ملك تسع سنين وشدد على النصارى وعسفهم جدا.ثم غزاه ~~سابور بن اردشير بن بابك ملك فارس ومصر وأسره في المعركة وحدره إلى بابل ~~وسجنه هناك وملك غالوس ابنه مكانه. # " غالوس قيصر الثاني " ملك ست سنين وأزال الاضطهاد عن النصارى خوفا مما ~~نزل بأبيه من العقوبة. # وفي هذا الزمان ظهر من المبتدعة فولى الشميشاطي وكان يقول: إن جميع ~~معلولات الله تعالى إرادية وليس له معلول ذاتي بته ولذلك لم يلد ولم يولد. ~~ولهذا لم يكن المسيح ms068 كلمة الله ولا أيضا ولد من عذراء كما ورد في ظاهر ~~المذهب وإنما حصل له الكمال بالاجتهاد. فكل من تعاطى رياضته نال درجته. ~~وذكر اوسابيوس المؤرخ عن هذا فوليأنه استعان بامرأة يهودية رأسها غالوس ~~قيصر على الشام وكانت تستحسن علمه وكلامه. وفوضت إليه بطركية إنطاكية. فكان ~~يجلس على سرير عال وصبايا حسنات النغمة يزمرن زبور داود بين يديه. وكان ~~متهما بالزنى معهن. فاجتمع عليه عدة من الأساقفة وحرموه واتباعه. # " قلوذيس قيصر " ملك سنتين. وفي أول سنة من ملكه ظهرت في السماء آية ~~إكليل من نار. # " اورلينوس قيصر " ملك ست سنين وهادن سابور ملك فارس وزوجه ابنته. فبنى ~~لها سابور بفارس مدينة شبه بوزنطيا وسماها جنديسابور. وكان قد أرسل ~~اورلينوس في خدمة ابنته جماعة من الأطباء اليونانيين وهم بثوا الطب ~~البقراطي بالمشرق. وفي السنة السادسة لاورلينوس هم بالتضييق على النصارى. ~~وبينما هو يفكر بذلك برق فاستظلمه ومات. وفي هذه السنة ملك بفارس هرمزد سنة ~~واحدة. # وفي هذا الزمان عرف ماني الثنوي. هذا كان أول أمره يظهر النصرانية وصار ~~قسيسا بالأهواز وكان يعلم ويفسر الكتب ويجادل اليهود والمجوس والوثنيين. ثم ~~مرق من الدين وسمى نفسه مسيحا واتخذ اثني عشر تلميذا وأرسلهم إلى بلاد ~~المشرق بأسرها حتى الهند والصين وزرعوا فيها علم الثنوية وهو أن للعالم ~~إلهين أحدهما خير وهو معدن النور والآخر شر وهو معدن الظلمة. وإنهما تمازجا ~~فانتصر الخير على الشر فانتقل الشر إلى جهة الجنوب ليعمل هناك عالما ويتسلط ~~عليه. ولما شرع وعمل بنا نعش حول القطب الجنوبي كهذه التي حول القطب ~~الشمالي أصلحت الملائكة بينهما بأن ألقى الخير شيئا من نوره على الهيولي ~~فوجد عالم قابل للكون والفساد وتسلط عليه الشر. ولأن الخير إنما فعل ذلك ~~مكرها ومجبرا خلق في السماء سفينتين كبيرتين هما الشمس والقمر وصار يجمع ~~فيهما أنفس الناس ويسترجع نصيبه الذي صار إلى الشر ليخلو الهيولي رويدا ~~رويدا من آثار الخير فيبطل سلطان الشر. وكان يقول بالتناسخ وإن في كل شيء ~~روحا مستنسخة. وكان يفرط في ms069 تمجيد النار وتعظيم شأنها ويؤهلها للتقديس ~~والتسبيح كل ذلك لنورها وإضاءتها وتوسطها في المكان بين الفلكيات ~~والعنصريات. وأهل الأرض للتحقير لكونها مظلمة لا يستضيء باطنها بالفعل ولا ~~بالقوة. وهذا المذهب قد كان قديما للفرس ولم يبتدعه ماني ولكن شيده بالحجج ~~الاقناعية. ونعم ما أجاب عنه الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا إذ قال: كيف ~~السبيل إلى أن يوجد في النار كل معنى واقع في حيز الخير وفي الأرض كل معنى ~~واقع في حيز الشر. فإن الأرض حيز البقاء والحياة للحيوان والنبات. والنار ~~مفرطة الكيفية مفسدة بتفريق أجزاء المركب وتشتيتها. وقيل أن سابور ملك ~~الفرس قتل ماني وسلخ جلده وحشاه تبنا وصلبه على سور المدينة لأنه كان يدعي ~~الدعاوي العظيمة وعجز عن إبراء ابنه من مرض عرض له. # " ططقيطوس قيصر " ملك ستة أشهر وقتل في المركب وملك بفارس هرمزد. # " فلوريانس قيصر " ملك شهرين وقتل بمدينة طرسوس. # " فروبوس قيصر " ملك سبع سنين. وفي أول سنة من ملكه ملك بفارس ورهران ~~ثلاث سنين وبعده ورهران ابنه سبع عشرة سنة. ثم أن فروبوس قيصر قتل في الحرب ~~بمدينة سرمين. PageV01P038 " قاروس قيصر " ملك سنتين ومات ما بين النهرين. ~~وقتل نوميروس ابنه في الحرب ببلد إفريقية. وقورينوس ابنه الآخر قتل أيضا في ~~حرب الجرامقة وهم قوم بالموصل أصلهم من الفرس. وفي السنة الثانية لملك ~~قاروس قتل قوزما ودومياني الشهيدان. # " ذيوقليطيانوس قيصر " ملك عشرين سنة وأشرك معه في الملك ثلاثة نفر أخر. ~~أحدهم مكسانطيس ابنه وهو كان مقيما برومية. وقسطنطينوس ببوزنطيا. ~~ومكسيميانوس ختن ذيوقليطيانوس بمصر والشام. # وفي هذا الزمان عصى أهل مصر فأرسل إليهم ذيوقليطيانوس جيوشا فأهلكوهم. ~~وفي السنة الحادية عشرة له ملك بفارس نرسي سبع سنين. وملك بعده هرمزد خمس ~~سنين. وفي السنة التاسعة عشرة أمر بهدم كنائس النصارى فهدمت كلها. وضيق ~~عليهم جدا وقتل منهم خلقا كثيرا وأحرق كتبهم. وفي هذه السنة عرض جوع عظيم ~~حتى بلغ المدي أعني القفيز الشامي من الحنطة ألفين وخمسمائة درهم. ثم أن ~~ذيوقليطيانوس اعتزل من الملك وخلط نفسه بالعامة ms070 إلى وقت وفاته. وفعل ~~مكسيميانوس ختنه أيضا كذلك. وبقي في الملك مكسانطيس وقسطنطينوس. ومن أول ~~سنة ملك ذيوقليطيانوس وهي سنة خمسمائة وست وتسعون للاسكندر يبتدئ تاريخ ~~ذيوقليطيانوس الذي يؤرخ به القبط ويسمونه تاريخ الشهداء أي الذين استشهدوا ~~في هذه السنة. # وفي دولة ذيوقليطيانوس هذا اشتهر في علم الفلسفة فرفوريوس الصوري وله ~~النباهة فيه والتقدم. ولما صعب على صديق له يسمى خروساوريوس معرفة كلام ~~ارسطاطاليس شكا إليه ذلك. فقال: كلام الحكيم يحتاج إلى مقدمة قصر عن فهمها ~~طلبة زماننا لفساد أذهانهم. وشرع في تصنيف كتاب ايساغوجي ومعناه المدخل. ~~فأخذ عنه وأضيف إلى كتاب ارسطو وجعل أولا لها وسار مسير الشمس إلى يومنا ~~هذا. فمن تصانيفه هذا الكتاب وكتاب المدخل إلى القياسات الحملية. وكتابان ~~له إلى رجل اسمه لبانوا. وكتاب في الرد لمحيوس في العقل والمعقول تسع ~~مقالات توجد سريانيا. وكتاب أخبار الفلاسفة وجد منه المقالة الرابعة ~~بالسرياني. وكتاب الاسطقسات مقالة توجد سريانيا. # " قسطنطيس قيصر الكبير " ملك اثنتي عشرة سنة أخرى بعد موت ذيوقليطيانوس. ~~وكان به برص فأشار عليه خدم الأصنام أن يذبح أطفال المدينة ويغتسل بدمائهم ~~فيبرأ من مرضه. فأخذ جماعة من الأطفال ليذبحهم فصارت مناحة عظيمة في ~~المدينة فأحجم عن قتلهم. وفي تلك الليلة رأى في منامه فطروس وفولوس يقولان ~~له: وجه إلى سيليبيطريس أسقف رومية فجئ به فهو ويبرئ مرضك. فلما أصبح وجه ~~في طلبه. فأتوه به ووعظ الملك وأوضح له سر النصرانية فدعا له. وتعمد فذهب ~~مرضه وأمر ببناء كنائس النصارى المهدومة. ومع هذا كان تمسكه بالدين واهيا. # " قسطنطينوس قيصر القاهر " ملك اثنتين وثلاثين سنة. وفي السنة الثانية له ~~ملك على الفرس سابور بن هرمزد تسعا وستين سنة. وفي السنة الثالثة لملكه أمر ~~فبني لبوزنطيا سور فزاد في ساحتها أربعة أميال وسماها قسطنطينية ونقل الملك ~~إليها. وفي السنة السابعة استعد لغزو مكسانطيس ابن بنت ذيوقليطيانوس لأنه ~~عصى ولم يبايعه وغلب على رومية. وكان قسطنطينوس يتفكر إلى أي الآلهة يلجئ ~~أمره في هذا الغزو. فبينما هو في هذا الفكر ms071 رفع رأسه إلى السماء نصف النهار ~~فرأى راية الصليب في السماء مثال النور وكان فيه مكتوب إن بهذا الشكل تغلب. ~~فصاغ له صليبا من ذهب وكان يرفعه في حروبه على رأس الرمح. ثم أنه غزا رومية ~~فخرج إليه مكسانطيس ووقع في نهر فاختنق. فافتتح قسطنطينوس مدينة رومية. ~~واعتمد في هذا الوقت برومية من اليهود وعبدة الأصنام زهاء اثني عشر ألف خلا ~~النساء والصبيان. ثم تنصرت هيلاني أمه بعد ذلك واعتمدت وشخصت إلى أورشليم ~~حاجة وطلبت صليب المسيح بعناية وأمرت ببناء كنائس المسيح فيها وأخذت الصليب ~~وحملته إلى قسطنطينية. ولم يزل دين النصرانية يظهر ويقوى إلى أن دخل فيه ~~أكثر الأمم المجاورة للروم من الجلالقة والصقالبة وبرجان والروس واللان ~~والأرمن والكرج وجميع أهل مصر من القبط وغيرهم وجمهور أصناف السودان من ~~الحبشة والنوبة وسواهم. وآمن بعد هؤلاء أصناف من الترك أيضا. PageV01P039 ~~وبنى قسطنطينوس بيعة عظيمة بالقسطنطينية وسماها أجيا سوفيا أي حكمة القدوس. ~~وبيعة أخرى على اسم السليحين. وبنى بيعة بمدينة بعلبك وكان أهلها يتشاركون ~~في النساء ولم يخلص لأحدهم نسب فكفهم عن ذلك فكفوا. وبنى بإنطاكية هيكلا ذا ~~ثماني زوايا على اسم السيدة. وفي أيامه حاصر سابور ملك الفرس مدينة نصيبين ~~ثلاثين يوما. وبدعاء مار يعقوب أسقفها ومار افريم تلميذه رحل عنها خائبا. ~~وفي عودته غزا ما بين النهرين. فنهض قسطنطينوس لمحاربته وعند وصوله إلى ~~نيقوموذيا أدركته المنية سنة اثنتين وأربعين وستمائة للاسكندر وذلك يوم ~~الأحد لثمان بقين من أيار وكان عمره خمسا وستين سنة. وفي مرضه قسم الملك ~~على أولاده الثلاثة وملك الكبير المسمى باسمه قسطنطينوس على قسطنطينية. ~~ورتب الآخر المسمى قسطنطيس على مصر والشام وما بين النهرين وأرمينية. ورتب ~~الصغير المسمى قوسطوس على رومية واسفانيا وما يليها من ناحية المغرب. # وفي هذا الزمان ظهر آريوس المبتدع. هذا كان قسيسا خطيبا بالإسكندرية. ~~فعلا ذات يوم مشهود المنبر ليخطب كعادته وابتدأ بخطبته من كلام سليمان بن ~~داود وهو قوله: الرب خلقني في أول خلائقه. وأخذ يقرر أنه عنى بذلك كلمة ~~الله ms072 فهي مخلوقة مبينة بالجوهر لذات الله لأنها عبارة عن العقل الذي هو ~~المعلول الأول وهو أول ما خلق الله. فكتب الملك كتابا إلى جميع الأساقفة ~~وقال فيه: إنه لاشيء آثر عندي ولا أزين في عيني من خشية الله ومراقبته. وقد ~~رأيت الآن أن تعزموا على القدوم إلى مدينة نيقيا من غير وني لكي تفحصوا عن ~~أمر ديني دعت الحاجة إلى تحقيقه. فاجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ونظروا ~~فيما تفوه به آريوس فوجدوه مخالفا لأصل المذهب فزيفوا علمه الفاسد ورتبوا ~~الأمانة المشهورة واجتمعت الفرق المسيحية كلها على صحتها إلى يومنا هذا. ~~وكان اجتماعهم سنة ستمائة وست وثلاثين للاسكندر. وكان في هذا المجمع أسقف ~~يرى رأي ناباطيس. فقال له الملك: لم لا توافق الجمهور في قبول من تاب عن ~~معاصيه منيبا إلى الله. فأجابه الأسقف: إنه لا مغفرة لمن فرطت منه كبيرة ~~بعد الإيمان والعماد بدليل قول فولوس الرسول حيث يقول: لا يستطيع الذين ~~ذاقوا كلمة الله أن يدنسوا بالخطيئة ليطهروا بالتوبة ثانية. فقال له الملك ~~هازئا به: إن كان الأمر كما تزعم فانصب لك سلما لترق فيه وحدك إلى السماء. ~~ونهض بعض الأساقفة فرفع إلى الملك كتابا فيه سعاية ببعض الأساقفة. فلما ~~قرأه الملك أمر أن يحرق الكتاب بالنار وقال: لو وجدت أحدا من الكهنة في ~~ريبة لسترته بأرجوانيتي. # " قسطنطينوس وقسطوس وقسطنطيس " بنو القاهر ملكوا خمسا وثلاثين سنة. ثم أن ~~قسطنطينوس صار إلى نيقوموذيا فأخذ جسد أبيه فحنطه ووضعه في صندوق ذهب وحمله ~~إلى قسطنطينية ووضعه في هيكل السليحين. وفي هذه السنة صعد سابور ملك الفرس ~~فغزا نصيبين لما بلغه وفاة قسطنطينوس القاهر فحاصرها ثلاثين يوما ورجع عنها ~~إلى مملكته خائبا وذلك بدعاء القديس مار افريم. فإن الله استجاب دعاءه ~~وأرسل على جيش الفرس بقا وهمجا هزم فيلتهم وخيلهم. ثم إن سابور اضطهد ~~النصارى الذين في سلطانه جدا. وفي هذه السنة مات مار يعقوب أسقف نصيبين ~~وقام مكانه بأبويه. # وفي هذا الزمان عرف الحكيم الفارسي ووضع كتبا كثيرة في تشييد مذهب ms073 ~~النصارى ونقض مذهب المجوس. وفي السنة السادسة لملك هؤلاء عرض بأنطاكية ~~رجفات وزلازل كثيرة ولم تزل الأرض ترتج عامة السنة مع سلامة من الفساد. ثم ~~أن قسطنطينوس صاحب القسطنطينية وهو الأخ الكبير قتل في حرب وقعت بينه وبين ~~أخيه الصغير وهو قسطوس صاحب رومية. وخلف ابنين غالوس ويوليانوس. ثم إن ~~قسطنطيس وهو الأخ الأوسط صاحب مصر والشام نصب غالوس ملكا على القسطنطينية ~~مكان أبيه. فعصى على عمه الذي نصبه. فسير عمه عليه جيشا وقتله ونصب أخاه ~~يوليانوس مكانه. وبعد قليل قتل قسطوس صاحب رومية. ومات أيضا قسطنطيس صاحب ~~مصر والشام. واستقل يوليانوس بجميع الممالك. PageV01P040 " يوليانوس قيصر " ~~ملك سنتين بعد موت عميه وسمي بارابطيس أي المارق لأنه خلع ربقة النصرانية ~~من عنقه وعبد الأصنام. ولذلك وثب الوثنيون على النصارى ووقع بينهم بلاء ~~عظيم بالإسكندرية وقتل من الجانبين خلق كثير. ثم أن يوليانوس الملك منع ~~النصارى من الاشتغال في شيء من كتب الفلسفة وسلب آنية الكنائس والديورة ~~واستصفى مال من لم يطعه من النصارى في أكل ذبائح الأصنام وأهلك كثيرين ~~منهم. ثم إنه عزم على غزو الفرس ودخل على أفولون الحبر الخادم للصنم ~~ليستعلم منه هل ينجح في غزوه أم لا. فحكم له أنه يقهر أعداءه على نهر دجلة. ~~فاستكبر لذلك يوليانوس وصال جدا وجمع جيوشه وغزا الفرس. فلما وصل إلى حران ~~وأراد الخروج منها نكس رأسه ساجدا لآلهة الحرانيين. فسقط تاجه عن رأسه وصرع ~~فرسه الذي كان تحته. فقال له خادم الصنم: إن النصارى الذين معك هم جلبوا ~~عليك هذه البلايا. فأسقط منهم يومئذ زهاء عشرين ألف رجل. وسار حتى وافى ~~المدائن. ولما نشب الحرب بينه وبين الفرس على دجلة صار يسير في صفوف ~~مقاتليه وينشطهم للحرب. فرماه بعض الفرس بسهم فأصاب جنبه فسقط عن دابته. ~~وبينما هو يتعذب إذ أخذ ملء حفنته دما من دمه فرشه في الجو نحو السماء ~~وقال: إنك غلبتني يا ابن مريم فرث مع ملك السماء ملك الأرض أيضا. فمات وحمل ~~إلى مدينته طرسوس ودفن بها. ms074 # وكان ليوليانوس هذا كاتب اسمه ثامسطيوس فيلسوف مشهور في زمانه فسر أكثر ~~كتب ارسطوطاليس وصنف كتابا ليوليانوس في التدبير وسياسة الممالك ورسالة له ~~أيضا تتضمن الكف عن اضطهاد النصارى وذكر فيها أن الله عز وجل يحب أن يعبد ~~بوجوه مختلفة فإن الفلاسفة أيضا متشعبة إلى ثلاثمائة مذهب. فأقنعه كلامه ~~فيها وكفه عن أذيتهم فانكف. ومن الفلاسفة القريبة العهد من هذا الزمان ~~نيقولاوس قد تقدم في معرفة الحكمة. وله من التصانيف كتاب من حمل فلسفة ~~ارسطوطاليس ولنا نسخته بالسرياني نقل حنين بن اسحق. وكتاب النبات. وكتاب ~~الرد على جاعل العقل والمعقولات شيئا واحدا. قال ابن بطلان: أن أصله من ~~اللاذقية وبها ولد. ومنهم دورثيوس وهو رياضي له اليد الطولى في علم الفلك ~~والأحكام النجومية. وتصانيفه مشهورة عند أهل هذا العلم في المواليد ~~والأدوار. ومنهم ديوفنطس وكتابه أب اسمه في الجبر والمقابلة مشهور وإذا ~~تبحر فيه الناظر رأى بحرا من هذا النوع. # " يوينيانس قيصر " لما قتل يوليانوس المارق بقي عسكر الروم بغير ملك. ~~فاختاروا صاحب جيشه وهو يوينيانس المؤمن بمشورة سابور ملك الفرس. فامتنع ~~وقال: أنني نصراني لا أرضى أن أكون ملكا للوثنيين. فأعلموه أنهم أيضا نصارى ~~ومن خوفهم من المارق لم يظهروا أديانهم. فأخرج لهم صليبا من الخزانة ونصبه ~~لهم في المعسكر. وجرى الصلح بينهم وبين الفرس فشيعه سابور إلى نصيبين ~~ووهبها له. ونقل من كان بها من الروم إلى آمد. ومن هذا اليوم صارت نصيبين ~~للفرس. ثم أن يوينيانس توفي بعد أن ملك سنة واحدة. # " اولنطيانس قيصر " ملك ثلاث عشرة سنة. وولى واليس أخاه على المشرق. وخرج ~~على واليس رجل خارجي بقسطنطينية يسمى فروقرينوس. فلزمه واليس وأمر بشد ~~رجليه بشجرتين أدنيت إحداهما من الأخرى فانفسخ بينهما. وسقط برد بقسطنطينية ~~كالحجارة وعرضت رجفات وزلازل وخسف في مواضع كثيرة وانخسفت مدينة نيقيا ~~أيضا. وظهر قوم يعرفون بالمصلين وكانوا يقولون: كل من صلى وصام اثنتي عشرة ~~سنة يأمر الجبل أن ينتقل من مكانه فينتقل كما جاء في الإنجيل المقدس. فكان ~~إذا تعبد أحدهم ms075 هذه المدة خرج فقال للجبل: إياك آمر انتقل عن مكانك. فإذا ~~لم يكن ذلك يئس من قبول عبادته وأخذ في الأكل والشراب والفساد. وفي السنة ~~الثالثة عشرة لاولنطيانس تجاوز الناموس وتزوج بامرأة حسنة الصورة في حال ~~حياة زوجته الناموسية وأطلق للناس أن يجمعوا بين زوجتين إن أرادوا الجمع ~~بينهما. وفي تلك السنة مات. # " واليس قيصر " لما مات أخوه اولنطيانس استقل هو وحده بالملك واستعد لغزو ~~الفرس. فبينا هو يحاربهم إذ دخل إلى قرية كانت إلى جانبه مع نفر من أصحابه. ~~فأخبر الأعداء أنه هناك فأحاطوا بالقرية والقوا فيها نارا. فاحترق واليس ~~ومن كان معه من أصحابه بعد أن ملك سنتين بعد أخيه. PageV01P041 " غراطيانس ~~قيصر " هو ابن اولنطيانس. ملك سنة واحدة. وفي هذه السنة مات سابور ملك ~~الفرس بعد أن ملك سبعين سنة. وقام بعده اردشير أخوه أربع سنين. ثم غراطيانس ~~أشرك معه في ملكه رجلا يقال له ثاوذوسيوس وكان وثنيا وآمن بالمسيح واعتمد. ~~وتوفي غراطيانس. # " ثاوذوسيوس قيصر الكبير " ملك سبع عشرة سنة وأمر أن يلزم كل أحد دينه. ~~وفي السنة الخامسة خرج برومية خارجي يسمى مكسيموس. فوجه إليه ثاوذوسيوس ~~جيوشا فقتل. وفي السنة السادسة ولد له ولد فسماه انوريس. وفي هذه السنة ~~ظهرت في السماء آية كعمود من نار ولبثت شهرا. وفيها عرضت ظلمة شديدة نصف ~~النهار في شهر آذار. ثم أن ثاوذوسيوس مرض فوجه في طلب انوريس ابنه وبايع له ~~ووجهه إلى المغرب. وبايع لارقاذيوس ابنه الآخر ووجهه إلى المشرق. وتوفي ~~وعمره ستون سنة. # " ارقاذيوس قيصر " ملك ثلث عشرة سنة. وفي هذه السنة قام يوحنا فم الذهب ~~بطركا على قسطنطينية ووضع تفسير الإنجيل وهو ابن ثماني وعشرين سنة. ومنع ~~الكهنة من أمور كثيرة من الفساد. فحسدوه وجعلوا يطلبون عليه عثرة. ونهى ~~الملكة اودكسيا امرأة ارقاذيوس عن اختلاسها كرم امرأة أرملة. ولأنها أبت ~~رشقها في بعض خطبه ذات يوم وشبهها بازبيل امرأة أحاب ملك يهوذا التي أخذت ~~كرما أيضا من أرملة. فركبت يوما من الأيام وأخذت معها تسعة وعشرين أسقفا ms076 ~~ممن عادى يوحنا فم الذهب واجتمعوا بمدينة خلقيذونيا وحرموه أسقطوه من ~~مرتبته بحجة أنه لم يدع النظر في كتب اوريغانيس المخالف. فاضطرب أهل ~~القسطنطينية لذلك وهموا بإحراق دار الملك. فخافهم الملك وبعث إلى فم الذهب ~~ورده إلى مرتبته. فلما رجع رفع تمثالا كان للملكة بالقرب من الكنيسة. وخطب ~~ذات يوم وسمى الملكة الملكة هيروذيا أي الملكة التي قتلت يحيى بن زكريا ~~المعمدان. فغضبت غضبا شديدا ووجهت إلى افيفانوس أسقف جزيرة قبرص وسائر ~~الأساقفة فجمعتهم كلهم إلى قسطنطينية. فحرموه ثانية ونفوه وكان ذلك في ~~السنة الثامنة لارقاذيوس. فنفي إلى جزيرة في بحر نيطوس وتوفي هناك. وكان ~~عمره ثمانيا وأربعين سنة. وثارت الفتن بين الروم والمصريين بسبب عظام يوحنا ~~فم الذهب حتى أتوا بها بعد ثلث وثلاثين سنة لموته فدفنوها بقسطنطينية ~~وأثبتوا اسمه في سفر الحياة مع باقي الآباء القديسين. وفي السنة الخامسة ~~لارقاذيوس ملك على الفرس يزدجرد ابن سابور إحدى وعشرين سنة. ثم أن ارقاذيوس ~~مات وهو ابن ثلاثين سنة وخلف ابنه ثاوذوسيوس ابن ثماني سنين. # " ثاوذوسيوس قيصر الصغير " ملك اثنتين وأربعين سنة. وفي هذا الزمان كثر ~~النصارى في سلطان الفرس وظهرت النصرانية جدا على يدي مروثا أسقف ميافارقين ~~الذي أرسله ثاوذوسيوس الصغير إلى الفرس. ثم إن يزدجرد ملك الفرس مات. وملك ~~بعده ورهران ابنه وتشدد على النصارى. وتواقع الروم والفرس وقتل من الفريقين ~~خلق كثير وكانت الهزيمة على الفرس. وزال التشديد عن النصارى. وفي السنة ~~العاشرة لثاوذوسيوس الصغير عرف شمعون صاحب العمود بإنطاكية وكان يظهر ~~الآيات والعجائب وكان في هذا الزمن من العلماء قوريلوس بطريرك الإسكندرية ~~ونسطوريوس بطريرك القسطنطينية القائل باتحاد المشيئة دون نفس الكلمة. فاسقط ~~لذلك. ومار اسحق تلميذ مار افريم صاحب الميامر المنظومة. # وفي هذا الزمان انبعث أصحاب الكهف من رقدتهم التي رقدوا على عهد ذاقيوس ~~الملك بعد مائتين وأربعين سنة بالتقريب. فخرج ثاوذوسيوس الملك مع أساقفة ~~وقسيسين وبطاركة فنظروا إليهم وكلموهم. فلما انصرفوا من عندهم ماتوا في ~~مواضعهم. وكانت في هذه السنة زلزلة عظيمة بقسطنطينية فهرب عامة ms077 الناس إلى ~~خارج المدينة وسقطت بها مواضع كثيرة. وفي سنة ثلث وثلاثين لثاوذوسيوس مات ~~ورهران ملك الفرس وملك بعده يزدجرد ثماني سنين. وفي هذا الزمان خطب يهيبا ~~أسقف الرها ذات يوم خطبة وقال فيها: إني لست أحسد المسيح على تألهه لأن كل ~~ما صار فيه فأنا مثله. فحرم ونفي من كرسيه. وفي سنة إحدى وأربعين ~~لثلوذوسيوس وجد رأس يوحنا المعمدان بحمص. وتوفي ثاوذوسيوس وعمره خمسون سنة. ~~PageV01P042 " مرقيانوس قيصر " ملك سبع سنين وتزوج فوليخريا أخت ثاوذوسيوس ~~الصغير التي كانت راهبة لأن جماعة من الأساقفة المرائين أفتوها في أمر ~~الزواج وقد كانت قبل ذلك متهمة بالزناء معه. وفي السنة الثانية لمرقيانوس ~~اجتمع ستمائة وثلاثون أسقفا بمدينة خلقيذونيا وحرموا ديوسقوروس بطرك ~~الإسكندرية وقالوا بالطبيعتين والاقنوم الواحد على ما هم عليه الروم ~~والإفرنج. ولما ملك مرقيانوس سبع سنين مات وعمره خمس وستون سنة. # " لاون قيصر " : ملك ثماني عشرة سنة. وفي أول ملكه ملك على الفرس فيروز ~~ابن يزدجرد سبعا وعشرين سنة. وفي هذه السنة التي ملك فيها لاون وهي سنة تسع ~~وسبعين وثمانمائة للاسكندر صارت زلزلة قوية بمدينة إنطاكية وخسف فيها مواضع ~~كثيرة. وفي السنة التاسعة له انكسفت الشمس وظهرت النجوم نهارا. وبعد ذلك ~~بسنة غزا الفرس آمد وخربوها بعد ما حاصروها. ولما مرض لاون بايع لاونطيوس ~~ابن ابنته وعمره ست سنين. # " لاونطيوس قيصر " ملك سنة واحدة. هذا لكونه صبيا خدعته أمه قائلة له: ~~إذا حضر زينون أبوك في الخدمة يجب عليك أن تكرمه وتجلسه معك على السرير ~~وتضع تاجك على رأسه. فلما عمل الصبي بقول أمه صار يجلس زينون معه على ~~السرير. وبعد أيام قلائل مرض الصبي ومات. واستراب الناس بأبويه أنهما قتلاه ~~مستبدين بالمملكة. # " زينون قيصر " ملك خمس عشرة سنة. وفي آخر أيامه عصى السمرة بنابلس ~~ونصبوا لهم ملكا قتل جمعا كثيرا من النصارى. فسير عليه زينون جيشا وقتل ~~الخارجي السامري. ثم مرض زينون ومات وعمره إحدى وستون سنة. # " انسطس قيصر " ملك سبعا وعشرين سنة. وفي أول ملكه قتل كثيرين من صبيان ms078 ~~المكتب لأنهم هجوه. وفي السنة الثالثة له بنيت دارا التي فوق نصيبين. ثم إن ~~انسطس الملك أراد أن يوضع في البيعة قول المؤمنين في صلواتهم إنك صلبت من ~~أجلنا. فاضطرب أهل القسطنطينية كلهم وأخذوا الحجارة ليرجموه بها. فهاله ~~أمرهم وجبن عنهم فوضع تاجه عن رأسه قائلا: إني أنتهي إلى أمركم فيما ~~تريدون. فكف الشعب عنه. وفي السنة الحادية عشرة له عرض في بلاد الروم جوع ~~شديد وظهر جراد كثير وأفسد عامة غلاتهم. ووضع يعقوب السروجي ميامر على ذلك. # وفي هذا الزمان عرف ساويروس بطرك إنطاكية ووضع كتبا كثيرة في تصحيح القول ~~بالطبيعة الواحدة من طبيعتي اللاهوت والناسوت بغير امتزاج ولا اختلاط بل ~~وفساد بل مع بقائهما على ما كانتا عليه ككون طبيعة الإنسان من طبيعتي النفس ~~والبدن وطبيعة الجسم من طبيعتي الهيولي والصورة من غير انقلاب النفس بدنا ~~ولا الهيولي صورة وبالعكس. # " يوسطينيانس قيصر " ملك تسع سنين. وكان أصله من رومية. هذا أصلح جميع ~~البيع ورد كل من نفاه الملوك قبله. وفي السنة السابعة لملكه اقتتل الروم ~~والفرس إلى شاطئ الفرات وغرق من الروم خلق كثير. وفي هذه السنة سقط ثلج ~~كثير وجليد وأفسد عامة الأشجار مع الكروم. وبعد سنة قلت الأمطار وعزت ~~الغلات ونقص الماء في الينابيع ثم تبع ذلك حر قوي ووباء شديد ودام ست سنين. ~~وفي هذه السنة وجه يوسطينيانس وفدا إلى المنذر ملك العرب ليصالحه لأنه كان ~~غزا الروم وخرب وسبى. وكان سبب الفتنة بين العرب والروم اضطهاد الملك ~~يوسطينيانس الآباء القائلين بالطبيعة الواحدة لأن النصارى العرب يومئذ إنما ~~كانوا يعتقدون اعتقاد اليعقوبية لا غير. وفي هذا الوقت غزا كسرى ملك الفرس ~~مدينة الرها وقتل فيها خلقا كثيرا. فظهر نجم ذو ذؤابة وثبت أربعين ليلة. ~~وفي السنة التاسعة لملكه أشرك معه في الملك يوسطينيانس الصغير وكان ابن ~~أخته. وبعد ثلاثة أشهر مات. PageV01P043 " يوسطينيانس قيصر الصغير " ملك ~~ثماني وثلاثين سنة وأمر أن يجتمع جميع أساقفة أصحاب ساويروس القائلين ~~بالطبيعة الواحدة إلى قسطنطينية. فلما اجتمعوا وعظهم وعظا كثيرا ms079 وسألهم أن ~~يوافقوا مجمع خلقيذونيا بالقول بالطبيعتين والاقنوم الواحد. فلما لم يقبلوا ~~قوله صرفهم إلى مواضعهم. وفي السنة التاسعة له انكسفت الشمس وثبت كسوفها ~~السنة كلها وزيادة شهرين ولم يكن يظهر من نورها إلا شيء يسير. وكان الناس ~~يقولون أنه قد دخل عليها عرض لا يزول عنها أبدا. وفي هذه السنة ظهر جراد ~~كثير في عامة الأرض وكان الشتاء صعب البرد غزير الثلج ومات فيه خلق كثير. ~~وبعد سنة ظهرت في السماء آية عجيبة بردت حرارة الشمس السنة بأسرها ولم تنضج ~~الثمار في تلك السنة. وفي هذا الزمان عرف سرجيس الرأس عيني الفيلسوف ~~المترجم الكتب من اليوناني إلى السرياني ومصنفها. وكان على مذهب ساوري. وفي ~~السنة الرابعة عشرة ليوسطينيانس غزا كسرى ابن قباذ إنطاكية وافتتحها وسبى ~~أهلها وحدرهم إلى بابل وبنى لهم مدينة وسماها إنطاكية وتعرف اليوم ~~بالماحوزى الجديدة. وفتح أيضا فامية والرقة ودارا وحلب. # وكان الروم مشتغلين مع الصقالبة المتاخمين لرومية. فلما فرغوا من ~~مجاهدتهم عطفوا على الفرس وبقيت الحرب بينهم سنتين. وعرض في المشرق جوع ~~شديد ووباء عظيم في الناس والبقر حتى صار الناس يحرثون أرضهم بالحمير ~~والخيل. وفي السنة الثامنة والعشرين ليوسطينيانس اصطلح الروم والفرس. وفي ~~السنة الخامسة والثلاثين له كتب إلى جميع الأساقفة أن يعملوا عيد الميلاد ~~في الخامس والعشرين من كانون الأول. والدنح لستة أيام من كانون ~~الأخير.فامتثلوا أمره خلا الأرمن فإنهم داموا على العادة الأولى في تعييد ~~العيدين في يوم واحد. وفي هذا الوقت ظهر يولياني القائل أن جسد المسيح غير ~~مخلوق وهو جوهر لطيف روحاني لم يصلب بالحقيقة ولم يمت وإنما كان ذلك كله ~~خيالا. ومع هذا كان يقول بالطبيعة الواحدة. # " يوسطينيانس قيصر الثالث " ملك ثلث عشرة سنة. وهو ابن أخت الذي قبله. ~~وفي السنة الثانية لملكه ظهر في السماء نار تضطرم من ناحية القطب الشمالي ~~وثبتت السنة كلها. وكانت الظلمة تغشي العالم من تسع ساعات من النهار إلى ~~الليل حتى لم يكن أحد يبصر شيئا. وكان ينزل من الجو شبه الهشيم والرماد. ms080 ~~وفي السنة الثالثة له قلت الأمطار وصار الشتاء كالصيف وصار زلزلة شديدة ~~ووباء عظيم. وفي السنة الرابعة له غزا كسرى دارا وأقام عليها ستة أشهر ~~وافتتحها. واستعد يوسطينيانس لغزو الفرس فمرض مرضا اختلط به عقله فبطل ~~الغزو. ثم تعالج فبرئ وبايع رجلا يونانيا يسمى طيباريوس وكان من خاصته ~~وجعله قيصرا بعده. # الدولة الثامنة # المنتقلة إلى ملوك اليونانيين المتنصرين # من عهد أغسطوس قيصر إلى أن أقام طيباريوس قيصر والمدة قريبة من ستمائة ~~سنة. كان الملوك على القسطنطينية والبطارقة وجل الجند روميين أعني إفرنجا. ~~غير أن الوزراء والكتاب والرعايا كافة كانوا يونانيين. ثم صارت المملكة ~~أيضا يونانية. والسبب في ذلك أن يوسطينيانس الأخير لما ابتلي بالمرض الشديد ~~ويئس من حياته لم ير في أهل بيته وخاصته من يفي بسياسة الملك غير وزيره ~~طيباريوس وهو رجل يوناني فبايعه ووضع له التاج بيده. ومن حينئذ صارت مملكة ~~القسطنطينية يونانية. إلى أن استعادها الإفرنج في سنة ألف وخمسمائة وخمس ~~عشرة للاسكندر وهي سنة ستمائة للهجرة. ثم فتحها اليونانيون في أيامنا سنة ~~ألف وخمسمائة وثماني وستين للاسكندر وهي سنة خمس وخمسون وستمائة للهجرة. # " طيباريوس قيصر " ملك أربع سنين. وغزت الفرس رأس العين فوجه إليهم ~~طيباريوس كبير بطارقته المسمى موريقي. فلقيهم هناك فهزمهم. ثم لحق طيباريوس ~~مع موريقي أجناده فغزا الفرس وسبى منهم زهاء ألف نفس ومضى بهم فأسكنهم ~~جزيرة قبرس. وعرضت في هذه السنة زلزلة عظيمة. وعرض في الصيف أمطار كثيرة ~~وبرد شديد وأظلم الجو وظهر جراد كثير فأكل عامة الزروع والعنب والبقول. ~~وفيها عرض وباء شديد. ووجد الناس يعبدون الأوثان فقتلوا. وفي السنة الرابعة ~~لطيباريوس زوج ابنته لموريقي عظيم قواده وبايع له بالعهد وملكه وتوفي. ~~PageV01P044 " موريقي قيصر " ملك عشرين سنة. وكان حسن السيرة سهل المعاملة ~~كثير الصدقة. وكان في كل سنة يهيئ طعاما للفقراء والمساكين ستين مرة ويقوم ~~هو وزوجته من ملكهما فيتوليان خدمتهم وإطعامهم واسقاءهم. وفي السنة الرابعة ~~لموريقي عرض وباء شديد بقسطنطينية ومات من أهلها زهاء أربعمائة ألف نفس. ~~وفي السنة الثامنة لموريقي ms081 وثب الفرس على هرمز ملكهم فسملوا عينيه ثم قتلوه ~~وملكوا عليهم بهرام المرزبان. وكان لهرمز ابن حدث اسمه كسرى وهو المعروف ~~بأنوشروان العادل فتنكر كأنه سائل وشق سلطان الفرس حتى جاء نصيبين وصار إلى ~~الرها ومنها إلى منبج وكتب إلى موريقي كتابا نسخته: للأب المبارك والسيد ~~المقدم موريقي ملك الروم من كسرى بن هرمز ابنه السلام. أما بعد فأني أعلم ~~الملك أن بهرام ومن معه من عبيد أبي جهلوا قدرهم ونسوا أنهم عبيد وأنا ~~مولاهم وكفروا نعم آبائي لديهم فاعتدوا علي وأرادوا قتلي. فهممت أن أفزع ~~إلى مثلك فأعتصم بفضلك وأكون خاضعا لك لأن الخضوع لملك مثلك وإن كان عدوا ~~أيسر من الوقوع في أيدي العبيد المردة ولأن يكون موتي على أيدي الملوك أفضل ~~وأقل عارا من أن يجري على أيدي العبيد. ففزعت إليك ثقة بفضلك ورجاء أن ~~تترأف على مثلي وتمدني بجيوشك لأقوى بهم على محاربة العدو وأصير لك ولدا ~~سامعا ومطيعا إن شاء الله تعالى. فلما قرأ موريقي كتاب كسرى بن هرمز عزم ~~على إجابة مسألته لأنه لجأ إليه وأنجده بعشرين ألفا وسير له من الأموال ~~أربعين قنطارا ذهبا. وكتب إليه كتابا نسخته: من موريقي عبد ايشوع المسيح ~~إلى كسرى ملك الفرس ولدي وأخي السلام. أما بعد فقرأت كتابك وفهمت ما ذكرت ~~فيه من أمر العبيد الذين تمردوا عليك وكونهم غمطوا أنعم آبائك وأسلافك غمطا ~~وخروجهم عليك ودحضهم إياك عن ملكك. فداخلني من ذلك أمر حركني على الترأف بك ~~وعليك وإمدادك بما سألت. فأما ما ذكرت من أن الاستتار تحت جناح ملك عدو ~~والاستظلال بكنفه آثر من الوقوع في أيدي العبيد المردة والموت على أيدي ~~الملوك أفضل من الموت على أيدي العبيد. فإنك اخترت أفضل الخصال ورغبت إلينا ~~في ذلك. فقد صدقنا قولك وقبلنا كلامك وحققنا أملك وأتممنا بغيتك وقضينا ~~حاجتك وحمدنا سعيك وشكرنا حسن ظنك بنا ووجهنا إليك بما سألت من الجيوش ~~والأموال وصيرتك لي ولدا وكنت لك أبا. فاقبض الأموال مباركا لك فيها وقد ~~الجيوش وسر ms082 على بركة الله وعونه. ولا يعترينك الضجر والهلع بل تشمر لعدوك ~~ولا تقصر فيما يجب لك إذا تطأطأت من درجتك وانحططت عن مرتبتك. فإني أرجو أن ~~يظفرك الله بعدوك ويكبه تحت موطئ قدميك ويرد كيده في نحره ويعيدك إلى ~~مرتبتك برجاء الله تعالى. فلما وردت الجيوش على كسرى وقبض الأموال وتشجع ~~بقراءة كتاب موريقي سار مع جيوش الروم نحو بهرام فلقيه بين المدائن وواسط ~~فصارت الهزيمة على بهرام وقتل أصحابه كلهم واستباح كسرى عساكر بهرام ورجع ~~إلى مملكته فجلس فيها وبايعه الناس كلهم. ودعا بالروم فأحسن جائزتهم وصرفهم ~~إلى صاحبهم. وبعث إلى موريقي من الألطاف والأموال أضعاف ما كان أخذ منه. ~~ورد دارا وميافارقين إلى الروم وبنى هيكلين للنصارى بالمدائن وجعل أحدهما ~~باسم السيدة والآخر باسم مار سرجيس الشهيد. # وفي السنة السادسة عشرة لموريقي كان مطر شديد غرقت به مدن كثيرة مع أهلها ~~ودوابها ومواشيها. ولأن موريقي بعد مصلحته للفرس قطع أرزاق جنوده فاجتمع ~~عظماء الروم إلى مدينة هرقلة وأرادوا تمليك فطري أخي موريقي. فهرب منهم ~~ومضى إلى قسطنطينية. وهرب أيضا موريقي إلى خلقيذونية. فلحقته الروم فألفوه ~~وعليه خلقان في ذي الفقراء والسؤال فقتلوه وملكوا عليهم رجلا من بطارقتهم ~~يقال له فوقا. # " فوقا قيصر " ملك ثماني سنين. ولم يكن من بيت الملك. فلما بلغ كسرى بن ~~هرمز قتل موريقي نقض العهد وغزا دارا فافتتحها وافتتح أيضا آمد وحلب. ثم ~~عطف على قنسرين ورجع إلى الرها. وفي السنة الثامنة لفوقا خرج عليه خارجيان ~~أحدهما هرقل والآخر غريغور بإفريقية ووجها جيوشا مع ابنيهما وهما هرقل بن ~~هرقل ونقيطا بن غريغور وتقدما إليهما بقتل فوقا وتعاقدا بينهما أن الملك ~~للسابق إلى القسطنطينية إذا قتل فوقا. فركب هرقل البحر وسار نقيطا في البر ~~وألفى هرقل البحر هادئا ساكنا فسبق ودخل المدينة وقتل فوقا وملك. ~~PageV01P045 " هرقل قيصر " ملك إحدى وثلاثين سنة وخمسة أشهر. وفي أول سنة ~~من ملكه أرسل وفدا إلى ملك الفرس ليصالحه. فلم يجبه إلى ذلك بل غزا إنطاكية ~~وفامية وحمص وقيسارية وافتتحها. ms083 وفي هذه السنة عرض بالروم جوع شديد حتى أكل ~~الناس الجيف وجلود البهائم. وقصد نقيطا بن غريغور مدينة الإسكندرية فاستولى ~~عليها. وفي السنة الرابعة لهرقل ملكت العرب وهي سنة تسعمائة وخمس وثلاثين ~~للاسكندر. وفي السنة الخامسة لهرقل افتتح الفرس البيت المقدس. وبعد ثلاث ~~سنين افتتحوا الإسكندرية ومصر ووصلوا إلى النوبة وغزوا فلقيذونيا ~~فافتتحوها. وفي السنة العاشرة لهرقل تحركت العرب بيثرب. وفي السنة الخامسة ~~عشرة لهرقل غزا الفرس جزيرة رودس فافتتحوها. وأمر كسرى أن يؤخذ رخام ~~الكنائس التي في جميع المدن التي فتحها وتحدر إلى المدائن. ولقي فيه الناس ~~جهدا جهيدا. وفي هذه السنة غزا أهل هرقل الفرس فافتتحوا مدينة كسرى وسبوا ~~منها خلقا كثيرا وانصرفوا. وفي السنة السابعة عشر لهرقل أنكسف نصف جرم ~~الشمس وثبت كسوفها من تشرين الأول إلى حزيران ولم يكن يظهر من نورها إلا ~~شيء يسير. # وفي هذا الزمان كان الحرث بن كلدة طبيب العرب أصله من ثقيف من أهل الطائف ~~رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل جنديسابور وغيرها في الجاهلية قبل ~~الإسلام وطبب بأرض فارس وحصل مالا. ثم أن نفسه اشتاقت إلى بلاده فرجع إلى ~~الطائف واشتهر وأدرك الإسلام. وكان النبي عليه السلام يأمر من كان به علة ~~أن يأتيه فيستوصفه. وكان الحرث يقول: من سره البقاء ولا بقاء فليباكر ~~الغذاء وليخفف الرداء وليقل من غشيان النساء. يريد بخفة الرداء أن لا يكون ~~عليه دين وقيل مات الحرث في أول الإسلام ولم يصح إسلامه. وفي هذا الزمان ~~كان يعرف اهرون القس الإسكندري. وكناشه في الطب موجود عندنا بالسريانية وهو ~~ثلاثون مقالة. وزاد عليها مقالتين أخريين. # ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟الدولة التاسعة # المنتقلة إلى ملوك العرب المسلمين # قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي صاحب قضاء مدينة طليطلة: إن العرب ~~فرقتان فرقة بائدة وفرقة باقية. أما الفرقة البائدة فكانت أمما ضخمة كعاد ~~وثمود وطسم وجديس. ولتقادم انقراضهم ذهبت عنا حقيقة أخبارهم وانقطعت عنا ~~أسباب العلم بآثارهم. وأما الفرقة الباقية فهي متفرعة من جذمين قحطان ~~وعدنان. ويضمها حالان حال الجاهلية وحال ms084 الإسلام. فأما حال العرب في ~~الجاهلية فحال مشهور عند الأمم من العز والمنعة وكان ملكهم في قبائل قحطان ~~وكان بيت الملك الأعظم في بني حمير وكان منهم الملوك الجبابرة التبابعة. ~~وأما سائر عرب الجاهلية بعد الملوك فكانوا طبقتين أهل مدر وأهل وبر. فأما ~~أهل المدر فهم الحواضر وسكان القرى. وكانوا يحاولون المعيشة من الزرع ~~والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة. وأما أهل الوبر فهم قطان ~~الصحارى. وكانوا يعيشون من ألبان الإبل ولحومها منتجعين بمنابت الكلأ ~~مرتادين لمواقع القطر فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي ثم ~~يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه فلا يزالون في حل وترحال كما قال بعضهم ~~عن ناقته: ؟؟؟؟تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني # أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقي علي ولا يقيني PageV01P046 وكان ذلك ~~دأبهم زمان الصيف والربيع. فإذا جاء الشتاء واقشعرت الأرض انكمشوا إلى ~~أرياف العراق وأطراف الشام. فشتوا هناك مقاسين جهد الزمان ومصطبرين على بؤس ~~العيش. وكانت أديانهم مختلفة. فكانت حمير تعبد الشمس. وكنانة القمر. وميسم ~~الدبران. ولخم وجذام المشتري. وطيء سهيلا. وقيس الشعري العبور. وأسد عطارد. ~~وثقيف بيتا بأعلى نخلة يقال لها اللات. وكان فيهم من يقول بالمعاد ويعتقد ~~أن من نحرت ناقته على قبره حشر راكبا ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا. فأما علم ~~العرب الذين كانوا يفاخرون به فعلم لسانهم وأحكام لغتهم ونظم الأشعار ~~وتأليف الخطب. وكان لهم مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم ~~بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة ~~لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق. وأما ~~علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئا منه ولا هيأ طبائعهم للعناية به. فهذه ~~كانت حالهم في الجاهلية. وأما حالهم في الإسلام فعلى ما نذكره بأوجز ما ~~يمكننا وأقصر إن شاء الله. PageV01P047 " محمد بن عبد الله عليه السلام " ~~ذكر النسابون أن نسبته ترتقي إلى إسماعيل ابن إبراهيم الخليل الذي ولدت له ~~هاجر أمة سارة زوجته. وكان ولادته بمكة سنة ms085 اثنتين وتسعين وثمانمائة ~~للاسكندر. ولما مضى من عمره سنتان بالتقريب مات عبد الله أبوه وكان مع أمه ~~آمنة بنت وهب ست سنين. فلما توفيت أخذه إليه جده عبد المطلب وحنا عليه. ~~فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحياطته فضمه إليه وكفله. ثم خرج به ~~وهو ابن تسع سنين إلى الشام. فلما نزلوا بصرى خرج إليهم راهب عارف اسمه ~~بحيرا من صومعته وجعل يتخلل القوم حتى انتهى إليه فأخذه بيده وقال: سيكون ~~من هذا الصبي أمر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها فإنه حيث أشرف ~~أقبل وعليه غمامة تظلله. ولما كمل له من العمر خمس وعشرون سنة عرضت عليه ~~امرأة ذات شرف ويسار اسمها خديجة أن يخرج بمالها تاجرا إلى الشام وتعطيه ~~أفضل ما تعطي غيره. فأجابها إلى ذلك وخرج. ثم رغبت فيه وعرضت نفسها عليه ~~فتزوجها وعمرها يومئذ أربعون سنة. وأقامت معه إلى أن توفيت بمكة اثنتين ~~وعشرين سنة. ولما كمل له أربعون سنة أظهر الدعوة. ولما مات أبو طالب عمه ~~وماتت أيضا خديجة زوجته أصابته قريش بعظيم أذى. فهاجر عنهم إلى المدينة وهي ~~يثرب. وفي السنة الأولى من هجرته احتفل الناس اليه ونصروه على المكيين ~~أعدائه. وفي السنة الثانية من هجرته إلى المدينة خرج بنفسه إلى غزاة بدر ~~وهي البطشة الكبرى وهزم بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من المسلمين ألفا من أهل ~~مكة المشركين. وفي هذه السنة صرفت القبلة عن جهة البيت المقدس إلى جهة ~~الكعبة. وفيها فرض صيام شهر رمضان. وفي السنة الثالثة خرج إلى غزاة أحد. ~~وفيها هزم المشركون المسلمين وشج في وجهه وكسرت رباعيته. وفي السنة الرابعة ~~غزا بني النضير اليهود وأجلاهم عن الشام. وفيها اجتمع أحزاب شتى من قبائل ~~العرب مع أهل مكة وساروا جميعا إلى المدينة فخرج إليهم. ولأنه هال المسلمين ~~أمرهم أمر بحفر خندق وبقوا بضعة وعشرين يوما لم يكن بينهم حرب. ثم جعل واحد ~~من المشركين يدعو إلى البراز. فسعى نحوه علي بن أبي طالب وقتله وقتل بعده ~~صاحبا له. وكان ms086 قتلهما سبب هزيمة الأحزاب على كثرة عددهم ووفرة عددهم. وفي ~~السنة الخامسة كانت غزاة دومة الجندل وغزاة بني لحيان. وفي السنة السادسة ~~خرج بنفسه إلى غزاة بني المصطلق وأصاب منهم سبيا كثيرا. وفي السنة السابعة ~~خرج إلى غزاة خيبر مدينة اليهود. وينقل عن علي بن أبي طالب أنه عالج باب ~~خيبر واقتلعه وجعله مجنا وقاتلهم. وفي الثامنة كانت غزاة الفتح فتح مكة ~~وعهد إلى المسلمين أن لا يقتلوا فيها إلا من قاتلهم وأمن من دخل المسجد ومن ~~أغلق على نفسه بابه وكف يده ومن تعلق بأستار الكعبة سوى قوم كانوا يؤذونه. ~~ولما أسلم أبو سفيان وهو عظيم مكة من تحت السيف ورأى جيوش المسلمين قال ~~للعباس يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقال له: ويحك إنها ~~النبوة. قال نعم إذن. وفي السنة التاسعة خرج إلى غزاة تبوك من بلاد الروم ~~ولم يحتج فيها إلى حرب. وفي السنة العاشرة حج حجة الوداع. وفيها تنبأ ~~باليمامة مسيلمة الكذاب وجعل يسجع مضاهيا للقرآن فيقول: لقد أنعم الله على ~~الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا. وفي هذه السنة وعك عليه ~~السلام ومرض وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر. وكان عمره بجملته ~~ثلاثا وستين سنة منها أربعون سنة قبل دعوة النبوة ومنها بعدها ثلث عشرة سنة ~~مقيما بمكة ومنها بعد الهجرة عشر سنين مقيما بالمدينة. ولما توفي أراد أهل ~~مكة من المهاجرين رده إليها لأنها مسقط رأسه. وأراد أهل المدينة من الأنصار ~~دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته. وأرادت جماعة نقله إلى بيت ~~المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء. ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة فدفنوه بحجرته ~~حيث قبض. واختلفوا بعدد أزواجه. وأكثر ما قالوا سبع عشرة امرأة سوى ~~السراري. وولد له سبعة أولاد ثلاثة بنين وأربع بنات كلهم من خديجة إلا ~~إبراهيم ابنه فإنه من ماريا القبطية التي بعث بها المقوقس إلى الإسكندرية ~~مع أختها شيرين. ولم يمت من نسائه قبله إلا اثنتان. ولم يعش من أولاده بعده ms087 ~~إلا ابنة واحدة وهي فاطمة زوجة علي بن أبي طالب وتوفيت بعد أبيها بثلاثة ~~أشهر. PageV01P048 وقد وقع في الإسلام اختلافات شتى كما وقع في غيره من ~~الأديان بعضها في الأصول وهي موضوع علم الكلام وبعضها في الفروع وهي موضوع ~~علم الفقه. والخلاف في الأصول فينحصر في أربع قواعد الأولى الصفات ~~والتوحيد. الثانية القضاء والقدر. الثالثة الوعد والوعيد. الرابعة النبوة ~~والإمامة. # وكبار فرق الأصوليين ست. المعتزلة ثم الصفائية وهما متقابلتان تقابل ~~التضاد. وكذلك القدرية تضاد الجبرية. والمرجئة الوعيدية. والشيعية الخوارج. ~~ويتشعب عن كل فرقة أصناف فتصل إلى ثلث وسبعين فرقة. وأما المعتزلة فالذي ~~يعممهم من الاعتقاد القول بنفي الصفات القديمة عن ذات الباري تعالى هربا من ~~أقانيم النصارى. # فمنهم من قال أنه تعالى عالم لذاته لا بعلم وكذلك قادر وحي. ومنهم من قال ~~أنه عالم بعلم وهو ذاته وكذلك قادر وحي فالأول نفى الصفة رأسا والثاني أثبت ~~صفة هي بعينها ذات.واتفقوا على إن كلامه تعالى محدث بخلقه في محل وهو حرف ~~وصوت وكتب مثاله في المصاحف. وبالجملة نفي الصفات مقتبس من الفلاسفة الذين ~~اعتقدوا أن ذات الله تعالى واحدة لا كثرة فيها بوجه. وبازاء المعتزلة ~~الصفاتية وهم يثبتون الله صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة وغيرها. ~~وبلغ بعضهم في إثبات الصفات كالسمع والبصر والكلام إلى حد التجسيم فقال: لا ~~بد من إجراء الآيات الدالة عليها كالاستواء على العرش والخلق باليد وغيرهما ~~على ظاهرها من غير تعرض للتأويل. إلا أن قوما منهم كأبي الحسن الاشعري ~~وغيره لما بشروا علم الكلام منعوا التشبيه وصار ذلك مذهبا لأهل السنة ~~والجماعة وانتقلت سنة الصفاتية إلى الاشعرية. # وأما القدرية فهم معتزلة أيضا وإنما لقبوا بالقدرية لنفيهم القدر لا ~~لإثباتهم إياه فإنهم يقولون أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق ~~على ما يفعله ثوابا وعقابا. فالرب تعالى منزه عن أن يضاف إليه شر وظلم. ~~وسموا هذا النمط عدلا. وحدوه بأنه إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة ~~لمقتضى العقل من الحكمة. وبازاء القدرية الجبرية الذين ينفون الفعل ms088 والقدرة ~~على الفعل عن العبد ويقولون أن الله تعالى يخلق الفعل ويخلق في الإنسان ~~قدرة متعلقة بذلك الفعل ولا تأثير لتلك القدرة على ذلك الفعل. ومنهم من ~~يثبت للعبد قدرة ذات أثر ما في الفعل ويقولون أن الله مالك في خلقه يفعل ~~فيهم ما يشاء و لا يسأل عما يفعل. فلو أدخلوا الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن ~~حيفا. ولو أدخلهم بأجمعهم النار لم يكن جورا بل هو في كل ذلك عادل لأن ~~العدل على رأيهم هو التصرف فيما يملكه المتصرف. # وأما المرجئة فهم يقولون بإرجاء حكم صاحب الكبيرة من المؤمنين إلى ~~القيامة أي بتأخيره إليها. فلا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا من كونه ناجيا ~~أو هالكا ويقولون أيضا أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر ~~طاعة. وبازاء المرجئة الوعيدية القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في ~~النار وإن كان مؤمنا لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار. وأما الشيعة فهم ~~الذين شايعوا علي بن أبي طالب وقالوا بإمامته بعد النبي. وإن الإمامة لا ~~تخرج من أولاده إلا بظلم. ويجمعهم القول بثبوت عصمة الأيمة وجوبا عن ~~الكبائر والصغائر. فإن الإمامة ركن من أركان الدين لا يجوز للنبي إغفاله ~~ولا تفويضه إلى العامة. ومن غلاة الشيعة النصيرية القائلون بأن الله تعالى ~~ظهر بصورة علي ونطق بلسانه مخبرا عما يتعلق بباطن الأسرار. وقوم منهم غلوا ~~في حق أيمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقة وحكموا فيهم بأحكام إلاهية. ~~وبازاء الشيعة الخوارج فمنهم من خطأ علي بن أبي طالب فيما تصرف فيه ومنهم ~~من تخطى عن تخطئته إلى تكفيره ومنهم من جوز أن لا يكون في العالم إمام أصلا ~~وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدا أو حرا أو نبطيا أو قرشيا إذا كان ~~عادلا. فإن عدل عن الحق وجب عزله وقتله. فهذا اقتصاص مذهب الأصوليين على ~~سبيل الاختصار. PageV01P049 وأما مذاهب الفروعيين المختلفين في الأحكام ~~الشرعية والمسائل الاجتهادية فالمشهورة منها أربعة: مذهب مالك بن أنس. ~~ومذهب أحمد بن إدريس الشافعي. ومذهب ms089 محمد بن حنبل. ومذهب أبي حنيفة النعمان ~~بن ثابت. وأركان الاجتهاد أيضا أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. ~~وذلك لأنه إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال وحرام فزعوا إلى الاجتهاد ~~وابتدأوا بكتاب الله تعالى. فإن وجدوا فيه نصا تمسكوا به وإلا فزعوا إلى ~~سنة النبي فإن رأوا لهم في ذلك خبرا نزلوا إلى حكمه وإلا فزعوا إلى إجماع ~~الصحابة لأنهم راشدون حتى لا يجتمعون على ضلال. فإن عثروا بما يناسب ~~مطلوبهم أجروا حكم الحادثة على مقتضاه وإلا فزعوا إلى القياس لأن الحوادث ~~والوقائع غير متناهية والنصوص متناهية فلا يتطابقان فعلم قطعا أن القياس ~~واجب الاعتبار ليكون بصدد كل حادثة شرعية اجتهاد قياسي. ومن الأيمة داود ~~الأصفهاني نفى القياس أصلا. وأبو حنيفة شديد العناية به وربما يقدم القياس ~~الجلي على آحاد الأخبار. ومالك والشافعي وابن حنبل لا يرجعون إلى القياس ~~الجلي ولا الخفي ما وجدوا خبرا أو أمرا. وبينهم اختلاف في الأحكام ولهم ~~فيها تصانيف وعليها مناظرات ولا يلزم بذلك تكفير ولا تضليل. وبالجملة أصول ~~شريعة الإسلام الطهارة في حواشي الإنسان وأطرافه لإرسالها وملاقاتها ~~النجاسات. والصلاة وهي خضوع وتواضع لرب العزة. والزكاة وهي مؤاساة ومعونة ~~وافضال. والصيام وهو رياضة وتذليل وقمع الشهوة تحصل به رقة القلب وصفاء ~~النفس. والحج وهو مثال الخروج عن الدنيا والإقبال على الآخرة وأكثر ما فيه ~~من المناسك امتحان وابتلاء العبد بامتثاله ما شرع له وذلك كالسعي والهرولة ~~في الطواف ورمي الجمار. وأما الجمعة والأعياد فجعلت مجمعا للأمة يتلاقون ~~فيها ويتزاورون ويستريحون فيها عن كد الكدح. وأما الختان فهو سنة فيه ~~ابتلاء وامتحان وتسليم. وأما تحريم الميتة والدم ففي كراهية النفس ونفر ~~الطبع ما يوجب الامتناع منها. # " أبو بكر الصديق " أعظم خلاف بين الأيمة الإسلامية خلاف الإمامة وعليه ~~سل السيوف. وقد اتفق ذلك في الصدر الأول فاختلف المهاجرون والأنصار فيها. ~~فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فاستدركهم أبو بكر وعمر في الحال. ~~وقبل أن يشتغلوا بالكلام مد عمر يده إلى أبي بكر فبايعه وبايعه الناس وسكنت ~~الثائرة. ms090 وبويع له في شهر ربيع الأول في أول سنة إحدى عشرة يوم توفي النبي ~~عليه السلام في سقيفة بني ساعدة. وقيل لما بلغ ذلك علي بن أبي طالب لم ~~ينكره. وأكثر ما روي انه قال: ما شاورتني. فقال له أبو بكر: ما اتسع الوقت ~~للمشورة وانا خفنا أن يخرج الأمر منا. ثم صعد المنبر فقال: أقيلوني من هذا ~~الأمر فلست بخيركم. فقال علي: لا نقيلك ولا نستقيلك. فأجمع المهاجرون ~~والأنصار على خلافته. ولما ذاع خبر وفاة النبي عليه السلام ارتد خلق كثير ~~من العرب ومنعوا الزكاة واشتد رعب المسلمين بالمدينة لإطباقهم على الردة. ~~فأووا الذراري والعيال إلى الشعاب. فأمر أبو بكر خالد بن الوليد على الناس ~~وبعثه في أربعة آلاف وخمسمائة. فسار حتى وافى المرتدة وناوشهم القتال وسبى ~~PageV01P050 ذراريهم وقسم أموالهم. وضج أيضا المسلمون إلى أبي بكر فقالوا: ~~ألا تسمع ما قد انتشر من ذكر هذا الكتاب مسيلمة بأرض اليمامة وادعائه ~~النبوة. فأمر خالد بن الوليد بالمسير إلى محاربته. فسار بالناس حتى نزل ~~بموضع يسمى عقرباء. وسار مسيلمة في جمع من بني حنيفة فنزل حذاء خالد. وكان ~~بينهما وقعات واشتدت الحرب بين الفريقين واقتحم المسلمون بأجمعهم على ~~مسيلمة وأصحابه فقتلوهم حتى احمرت الأرض بالدماء. ونظر عبد أسود اسمه وحشي ~~إلى مسيلمة فرماه بحربة فوقعت على خاصرته فسقط عن فرسه قتيلا. ومن هناك ~~توجه خالد إلى أرض العراق فزحف إلى الحيرة ففتحها صلحا. وكان ذلك أول شيء ~~افتتح من العراق. وقد كان أبو بكر وجه قبل ذلك أبا عبيده بن الجراح في زهاء ~~عشرين ألف رجل إلى الشام. وبلغ هرقل ملك الروم ورود العرب إلى أرض الشام ~~فوجه إليهم سرجيس البطريق في خمسة آلاف رجل من جنوده ليحاربهم. وكتب أبو ~~بكر إلى خالد عند افتتاحه الحيرة يأمره أن يسير إلى أبي عبيده بأرض الشام. ~~ففعل والتقى العرب الروم فانهزم الروم وقتل سرجيس البطريق وذلك أنه في هربه ~~سقط من فرسه فركبه غلمانه فسقط فركبوه ثانيا فهبط أيضا وقال لهم: فوزوا ~~بأنفسكم ms091 واتركوني أقتل وحدي. وفي سنة ثلث عشرة للهجرة مرض أبو بكر خمسة ~~عشرة يوما ومات رحمه الله يوم الاثنين لثمان خلون من جمادى الآخرة وهو ابن ~~ثلاث وستين سنة. وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا ثمانية أيام. وفيها ~~وهي سنة تسعمائة وست وأربعين للاسكندر خالف هرقل الناموس وتزوج مرطياني ~~ابنة أخيه وولدت منه ابنا غير ناموسي وسماه باسمه مصغرا هريقل. PageV01P051 ~~" عمر بن الخطاب " ويكنى أبا حفص. قيل أن أبا بكر لما دنا أجله قال لعثمان ~~ابن عفان كاتبه: اكتب بسم اله الرحمن الرحيم. هذا ما عمد عبد الله بن أبي ~~قحافة وهو في آخر ساعات الدنيا وبأول ساعات الآخرة. ثم غمي عليه. فكتب ~~عثمان: إلى عمر بن الخطاب. فلما أفاق قال: من كتبت. قال: عمر. قال: قد أصبت ~~ما في نفسي. ولو كتبت نفسك لكنت أهلا له. واجمعوا على ذلك. وكان يدعى خليفة ~~خليفة رسول الله. قالوا: هذا يطول. فسمي أمير المؤمنين. وهو أو ل من سمي ~~بذلك. ولما استخلف قام في الناس خطيبا فقال بعد الحمدلة: أيها الناس لولا ~~ما أرجوه من ما أرجوه من خيركم وقوامكم عليه لما أوليتكم إلى غير ذلك. فلما ~~ولي الأمر لم يكن له همة إلا العراق. فعقد لأبي عبيد بن مسعود على زهاء ألف ~~رجل وأمره بالمسير إلى العراق ومعه المثنى بن حارثة وعمرو بن حزم وسليط بن ~~قيس. فساروا حتى نزلوا الثعلبية. فقال سليط: يا أبا عبيد إياك وقطع هذه ~~اللجة فإني أرى للعجم جموعا كثيرة. والرأي أن تعبر بنا إلى ناحية البادية ~~وتكتب إلى أمير المؤمنين عمر فتسأله المدد. فإذا جاءك عبرت إليهم فناجزهم ~~الحرب. فقال أبو عبيد: جبنت والله يا سليط. فقال المثنى: والله ما جبن ولكن ~~أشار عليك بالرأي فإياك أن تعبر إليهم فلتقي نفسك وأصحابك وسط أرضهم فتنشب ~~بك مخالبهم. فلم يقبل منهما أبو عبيد وعقد الجسر وعبر بمن معه على كره ~~منهما. فعبرا معه. وعبأ أبو عبيد أصحابه ووقف هو في القلب. فزحف إليهم ~~العجم فرشقوهم بالنشاب ms092 حتى كثرت في المسلمين الجراحات. فحمل العرب جملة رجل ~~واحد وكشفوا العجم. ثم أن العجم ثابوا وحملوا على المسلمين. فكان أبو عبيد ~~أول قتيل وقتل من المسلمين عالم. فولى الباقون مارين نحو الجسر والمثنى ~~يقاتل من ورائهم لجميعهم حتى عبروا جميعا وعبر المثنى في آخرهم وقطعوا ~~الجسر. وكتب إلى عمر بما جرى من المحاربة. وكتب إليه عمر أن يقيم إلى أن ~~يأتيه المدد. ثم أن عمر أرسل رسله إلى قبائل العرب يستنفرهم. فلما اجتمعوا ~~عنده بالمدينة ولى جرير بن عبد الله البجلي أمرهم. فسار بهم حتى وافى ~~الثعلبية. وانضم إليه من هناك. ثم سار حتى نزل دير هند. ووجه سراياه للغارة ~~بأرض السواد مما يلي الفرات. فبلغ ذلك ازرميدخت ملكة العجم فأمرت أن ينتدب ~~من مقاتليها اثنا عشر ألف فارس من أبطالهم. فانتدبوا وولت عليهم مهران بن ~~مهرويه عظيم المرازبة. فسار بالجيش حتى وافى الحيرة. ورجعت سرايا العرب ~~واجتمعوا وتهيأ الفريقان للقتال وزحف بعضهم إلى بعض وتطاحنوا بالرماح ~~وتضاربوا بالسيوف. وتوسط المثنى العجم يجلدهم بسيفه. ثم رجع منصرفا إلى ~~قومه. وصدقهم العجم القتال فثبت بعض العرب وانهزم البعض. فقبض المثنى على ~~لحيته ينتفها. فحملت قبائل العرب وحملت عليهم العجم فاقتتلوا من وقت الزوال ~~إلى أن توارت الشمس بالحجاب. ثم حملوا على العجم. وخرج مهران فوقف أمام ~~أصحابه. فحمل عليه المثنى. فضربه مهران فنبا السيف عن الضربة. وضربه المثنى ~~على منكبه فخر ميتا وانهزم العجم لاحقين بالمدائن. وثاب المسلمون يدفنون ~~موتاهم ويداوون جرحاهم. فلما نظرت العجم إلى العرب وقد أخذت أطراف بلادهم ~~وشنوا الغارة في أرضهم قالوا: إنما أوتينا من تمليكنا النساء علينا. ~~فاجتمعوا على خلع ازرميدخت بنت كسرى وتمليك غلام اسمه يزدجرد وقد كان نجم ~~من عقب كسرى بن هرمز. فأجلسوه وبايعوه على السمع والطاعة. فاستجاش يزدجرد ~~جنوده من آفاق مملكته وولى عليهم رجلا عظيما من عظماء مرازبته له سن وتجربة ~~يقال له رستم. فوجهه إلى الحيرة ليحارب من ورد عليه هناك من العرب. وعقد ~~أيضا لرجل آخر من حر ms093 سادات العجم يسمى الهرمزان في جنود كثيرة ووجهه إلى ~~ناحية الأهواز لمحاربة أبي موسى الاشعري ومن معه. وعند الالتقاء قتل هاذان ~~المرزبانان العظيمان. ومرت العرب في أثر العجم يقتلون من أدركه منهم. ~~PageV01P052 وفي خلافة عمر فتح أبو عبيده دمشق بعد حصار سبعة أشهر. وصالح ~~أهل ميسان وطبرية وقيسارية وبعلبك. وفتح حمص بعد حصار شهرين. وفيها كتب عمر ~~إلى معاوية بن أبي سفيان بولاية دمشق. وفيها دخل ميسرة بن مسروق العبسي أرض ~~الروم في أربعة آلاف وهو أول جيش دخل الروم. وفيها فتح عمرو بن العاص مصر ~~عنوة وفتح الإسكندرية صلحا. وفيها دخل عياض بن غنم سروج والرها صلحا. وفيها ~~افتتح أيضا الرقة وآمد ونصيبين وطور وعبدين وماردين صلحا. وفتح حبيب بن ~~مسلمة قرقيسياء صلحا. وفيها فتح عتبة بن تغزوان قرى البصرة ثم سار حتى وافى ~~الأيلة فافتتحها عنوة. ثم صار إلى المدائن فحارب مرزبانها وضرب عنقه وقتل ~~من جنوده مقتلة عظيمة. ثم أن عتبة كتب إلى عمر يستأذنه في الحج. فاستعمل ~~عمر على عملة المغيرة بن شعبة. ثم عزله واستعمل على أرض ميسان أبا موسى ~~الاشعري وأمره أن يبتني بأرض البصرة خططا لمن عنده من العرب ويجعل كل قبيلة ~~في محلة. وابتنوا لأنفسهم المنازل. وبنى بها مسجدا جامعا متوسطا. وعند ~~فراغه من بناء مدينة البصرة اسكن فيها ذرية من كان بها من العرب وسار في ~~جنوده إلى جميع كور الأهواز فافتتحها إلا مدينة تستر فإنهم امتنعوا ~~لحصانتها. وفيها رحل هرقل من إنطاكية إلى القسطنطينية وهو يقول باليونانية ~~سوزه سورية. وهي كلمة وداع لأرض الشام وبلادها. ثم مات هرقل وقام ابنه ~~قسطنطين مكانه وبعد أربعة أشهر قتلته مرطياني امرأة أبيه بالسم وأقامت ~~ابنها هريقل وسمته داود الحديث. فنقم أرباب الدولة أمره وخلعوه وملكوا ~~قسطوس ابن القتيل. وفيها افتتح عبد الله بن بديل أصفان صلحا. وفيها فتح ~~جرير البجلي همذان. وفيها كانت وقعة نهاوند. وفيها افتتح معاوية عسقلان ~~بصلح في شهر رمضان. ومات عمر يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة ms094 ثلث ~~وعشرين للهجرة وعمره ثلث وستون سنة. وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وسبعة ~~عشر يوما. قتله أبو لؤلؤة فتى المغيرة بن شعبة في صلاة الفجر. وكان السبب ~~في ذلك أن أبا لؤلؤة جاء إليه يشكو ثقل الخراج وكان عليه كل يوم درهمان. ~~فقال له عمر: ليس بكثير في حقك فإني سمعت عنك أنك لو أردت أن تدير الرحى ~~بالريح لقدرت عليه. فقال: لأديرن لك رحى لا تسكن إلى يوم القيامة. فقال: إن ~~العبد أوعد ولو كنت أقتل أحدا بالتهمة لقتلت هذا. ثم أن الغلام ضربه ~~بالخنجر في خاصرته طعنتين. فدعا عمر طبيبا لينظره فسقا لبنا فخرج اللبن ~~بينا. فقال له: أعهد يا أمير المؤمنين. # وفي هذا الزمان اشتهر بين الإسلاميين يحيى المعروف عندنا بغرماطيقوس أي ~~النحوي. وكان اسكندريا يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة ساوري. ~~ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث. فاجتمع إليه الأساقفة بمصر وسألوه ~~الرجوع عما هو عليه. فلم يرجع. فأسقطوه عن منزلته. وعاش إلى أن فتح عمرو بن ~~العاص مدينة الإسكندرية. ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه ~~عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها انسة ما هاله ففتن به. ~~وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه. # ومن الأطباء المشهورين في هذا الزمان بولس الاجانيطي طبيب مذكور في زمانه ~~وكان خيرا خبيرا بعلل النساء كثير المعاناة لهن. وكانت القوابل يأتينه ~~ويسألنه عن الأمور التي تحدث للنساء عقيب الولادة فينعم بالجواب لهن ~~ويجيبهن عن سؤالهن بما يفعلنه. فلذلك سموه بالقوابلي. وله كتاب في الطب تسع ~~مقالات نقل حنين بن اسحق. وكتاب في علل النساء. ومنهم مغنوس له ذكر بين ~~الأطباء ولم نر له تصنيفا. PageV01P053 " عثمان بن عفان " ويكنى أبا عمرو. ~~بويع له لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة. قيل لما ضرب أبو ~~لؤلؤة عمر بالخنجر وشرب اللبن فخرج من جراحه فقالوا له: اعهد إلى من تكون ~~الخلافة بعدك. قال: لو كان سالم حيا لم ms095 أعدل به. قيل له: هذا علي بن طالب ~~وقد تعرف قرابته وتقدمه وفضله. قال: فيه دعابة أي مزاح. قيل: فعثمان بن ~~عفان. قال: هو كلف بأقاربه. قيل: فهذا الزبير بن العوام حواري النبي عليه ~~السلام. قال: بخيل. قيل: فهذا سعد. قال: فارس مقنب. والمقنب ما بين ~~الثلاثين إلى الأربعين من الخيل. قيل: فهذا طلحة ابن عم أبي بكر الصديق. ~~قال: لولا بأو فيه أي كبر وخيلاء. قيل: فابنك. قال: يكفي أن يسأل واحد من ~~آل الخطاب عن إمرة أمير المؤمنين. ولكن جعلت هذا الأمر شورى بين ستة نفر ~~وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص إلى ثلاثة أيام. ~~فلما دفن عمر جاء أبو عبيدة إلى علي بن أبي طالب فقال له: هل أنت مبايعي ~~على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين. قال: أما كتاب الله وسنة نبيه فنعم. ~~وأما سنة الشيخين فأجتهد رأي. فجاء إلى عثمان فقال له: هل أنت مبايعي على ~~كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين. قال: اللهم نعم. فبايعه أبو عبيدة ~~والجماعة ورضوا به. وأول ما فتح في خلافته ماه البصرة وما كان بقى من حدود ~~أصفهان والري على يد أبي موسى الأشعري. ثم بعث عثمان عبد الله بن عامر إلى ~~اسطخر وبها يزدجرد. فركب المفازة حتى أبي كرمان وأخذ على طريق سجستان يريد ~~الصين. وجاء مجاشع إلى سجستان. ثم انصرف لما لم يدرك يزدجرد وعاد إلى ~~فارس.فاشتد خوف يزدجرد واستمد طرخان التركي لنصرته. ولما ورد استخف به ~~وطرده لكلام تكلم به الترك. وعند انصرافهم أرسل ماهويه مرزبان مرو وكان قد ~~خامر على يزدجرد إلى طرخان أن: كر عليه فاني ظاهرك. فكر طرخان على يزدجرد. ~~فولى يريد المدينة. فاستقبله ماهويه فمزقه كل ممزق. وقيل أن يزدجرد انتهى ~~إلى طاحونة بقرية من قرى مرو فقال للطحان: اخفني ولك منطقتي وسواري وخاتمي. ~~فقال للرجل: إن كرى الطاحونة كل يوم أربعة دراهم. فإن اعطيتنيها عطلتها ~~وإلا فلا. فبينا هو في راجعته إذ غشيته الخيل فقتلوه. وانتزع ms096 عثمان عمرو بن ~~العاص عن الإسكندرية وأمر عليها عبد الله بن مسعود أخاه لأمه. فغزا إفريقية ~~وغزا معاوية قبرص وأنقرة فافتتحها صلحا. ثم أن الناس نقموا على عثمان أشياء ~~منها كلفه بأقاربه. فآوى الحكم بن العاص بن أمية طريد النبي عليه السلام. ~~وأعطى عبد الله بن خالد أربعمائة ألف درهم. وأعطى الحكم مائة ألف درهم. ~~ولما ولي صعد المنبر فتسنم ذروته حيث كان يقعد النبي عليه السلام. وكان أبو ~~بكر ينزل عنه درجة وعمر درجتين. فتكلم الناس عن ذلك وأظهروا الطعن. فخطب ~~عثمان وقال: هذا مال الله أعطيه من شئت وامنعه ممن شئت. فأرغم الله انف من ~~رغم انفه. فقام عمار بن ياسر فقال: أنا أول من رغم أنفه. فوثب بنو أمية ~~عليه وضربوه حتى غشي عليه. فحنقت العرب على ذلك وجمعوا الجموع ونزلوا فرسخا ~~من المدينة وبعثوا إلى عثمان من يكلمه ويستعتبه ويقول له: إما أن تعدل أو ~~تعتزل. وكان أشد الناس على عثمان طلحة والزبير وعائشة. فكتب عثمان إليهم ~~كتابا يقول فيه: إني أنزع عن كل شيء أنكرتموه وأتوب إلى الله. فلم يقبلوا ~~منه وحاصروه عشرين يوما. فكتب إلى علي: أترضى أن يقتل ابن عمك ويسلب ملكك. ~~قال علي: لا والله. وبعث الحسن والحسين إلى بابه يحرسانه. فتسور محمد ابن ~~أبي بكر مع رجلين حائط عثمان فضربه أحدهم بغتة بمشقص في أوداجه وقتله الآخر ~~والمصحف في حجره وذلك لعشر مضين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت خلافته ~~اثنتي عشرة سنة بالتقريب وعمره نيف وثمانون سنة. PageV01P054 " علي بن أبي ~~طالب " لما قتل عثمان اجتمع الناس من المهاجرين والأنصار فأتوا عليا وفيهم ~~طلحة والزبير ليبايعوه. فقال علي لطلحة والزبير: إن أحببتما أن تبايعاني ~~وإن أحببتما بايعتكما. قالا له: لا بل نبايعك. فخرجوا إلى المسجد وبايعه ~~الناس يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلثن للهجرة. وكان أول ~~مبايعيه طلحة. وكان في إصبعه شلل فتطير منه حبيب بن ذؤيب وقال: يد شلاء لا ~~يتم هذا الأمر ما أخلقه ms097 أن يتنكث. وتخلف عن بيعة علي بنو أمية ومروان بن ~~الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة. ولم يبايعه العثمانية من الصحابة ~~وكانت عائشة تؤلب على عثمان وتطعن فيه وكان هواها في طلحة. فبينا هي قد ~~أقبلت راجعة من الحج استقبلها راكب. فقالت: ما ورائك. قال: قتل عثمان. ~~قالت: كأني أنظر إلى الناس يبايعون طلحة. فجاء راكب آخر. فقالت: ما وراءك. ~~قال: بايع الناس عليا. وا عثماناه ما قتله إلا علي. لإصبع من عثمان خير من ~~طباق الأرض أمثالهم. فقال لها الرجل من أخوالها: والله أول من أمال حرفه ~~لأنت. ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. قالت: إنهم استتابوه ثم ~~قتلوه. ونعثل اسم رجل كان طويل اللحية وكان عثمان إذا نيل منه وعيب شبه به ~~لطول لحيته. ثم انصرفت عائشة إلى مكة وضربت فسطاطا في المسجد. وأراد علي أن ~~ينزع معاوية عن الشام فقال له المغيرة بن شعبة: اقررمعاوية على الشام فإنه ~~يرضى بذلك. وسأل طلحة وزبير أن يوليهما البصرة والكوفة. فأبى وقال: تكونان ~~عندي أتجمل بكما فإني استوحش لفراقكما. فاستأذناه في العمرة فأذن لهما. ~~فقدما على عائشة وعظما أمر عثمان. ولما سمع معاوية بقول عائشة في علي ونقض ~~طلحة والزبير البيعة ازداد قوة وجراءة وكتب إلى الزبير: إني قد بايعتك ~~ولطلحة من بعدك فلا يفوتكما العراق. وأعانهما بنو أمية وغيرهم وخرجوا ~~بعائشة حتى قدموا البصرة فأخذوا ابن حنيف أميرها من قبل علي فنالوا من شعره ~~ونتفوا لحيته وخلوا سبيله فقصد عليا وقال له: بعثني ذا لحية وقد جئتك أمرد. ~~قال: أصبت أجرا وخيرا. وقتلوا من خزنة بيت المال خمسين رجلا وانتهبوا ~~الأموال. وبلغ ذلك عليا فخرج من المدينة وسار بتسعمائة رجل. وجاءه من ~~الكوفة ستة آلاف رجل. وكانت الوقعة بالخريبة. فبرز القوم للقتال وأقاموا ~~الجمل وعائشة في هودج ونشبت الحرب بينهم فخرج علي ودعا الزبير وطلحة وقال ~~للزبير: ما جاء بك. قال: لا أراك لهذا الأمر أهلا. وقال لطلحة: أجئت بعرس ~~النبي تقاتل بها وخبيت عرسك في البيت. ms098 أما بايعتماني. قالا: بايعناك والسيف ~~على عنقنا. وأقبل رجل سعدي من أصحاب علي فقال بأعلى صوته: يا أم المؤمنين ~~والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون إنه قد كان ~~لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك. ثم اقتتل الناس. وفارق ~~الزبير المعركة فاتبعه عمر بن جرموز وطعنه في جربان درعه فقتله. وأما طلحة ~~فأتاه سهم فأصابه فأردفه غلامه فدخل البصرة وأنزله في دار خربة ومات بها. ~~وقتل تسعون رجلا على زمام الجمل. وجعلت عائشة تنادي: البقية البقية. ونادى ~~علي: اعقروا الجمل. فضربه رجل فسقط. فحمل الهودج موضعا وإذا هو كالقنفذ لما ~~فيه من السهام. وجاء علي حتى وقف عليه وقال لمحمد بن أبي بكر: انظر أحية هي ~~أم لا. فأدخل محمد رأسه في هودجها. فقالت: من أنت. قال: أخوك البر. فقالت: ~~عقق. قال: يا أخية هل أصابك شيء. فقالت: ما أنت وذاك. ودخل علي البصرة ووبخ ~~أهلها وخرج منها إلى الكوفة. ولما بلغ معاوية خبر الجمل دعا أهل الشام إلى ~~القتال والمطالبة بدم عثمان. فبايعوه أميرا غير خليفة. وبعث علي رسولا إلى ~~معاوية يدعوه إلى البيعة. فأبى. فخرج علي من الكوفة في سبعين ألف رجل. وجاء ~~معاوية في ثمانين ألف رجل فنزل صفين وهو موضع بين العراق والشام فسبق عليا ~~على شريعة الفرات. فبعث علي الأشتر النخعي فقاتلهم وطردهم وغلبهم على ~~الشريعة. ثم ناوشوا الحرب أربعين صباحا حتى قتل من العراقيين خمسة وعشرون ~~ألفا ومن الشاميين خمسة وأربعون ألفا. ثم خرج علي وقال لمعاوية: علام تقتل ~~الناس بيني وبينك. أحاكمك إلى الله عز وجل فأينا قتل صاحبه استقام الأمر ~~له. فقال معاوية لأصحابه: يعلم أنه لا يبارزه أحد إلا قتله. فأمرهم أن ~~ينشروا المصاحف وينادوا: يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله PageV01P055 ~~ندعوكم إليه. قال علي: هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا. فاختار الشاميون عمرو ~~بن العاص والعراقيون أبا موسى الاشعري. فقال الأحنف: إن أبا موسى رجل قريب ~~القعر كليل الشفرة اجعلني مكانه ms099 آخذ لك بالوثيقة وأضعك في هذا الأمر بحيث ~~تحب. فلم يرضى به أهل اليمن. فكتبوا القضية على أن يحكم الحكمان بكتاب الله ~~والسنة والجماعة وصيروا الأجل شهر رمضان. ورحل علي إلى الكوفة ومعاوية إلى ~~الشام. فلما دخل علي الكوفة اعتزل اثنا عشر ألفا من القراء وهم ينادونه: ~~جزعت من البلية ورضيت بالقضية وحكمت الرجال والله يقول: أن الحكم إلا الله. ~~ثم اجتمع أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص للتحكم بموضع بين مكة والكوفة ~~والشام بعد صفين بثمانية أشهر وحضر جماعة من الصحابة والتابعين. فقال ابن ~~العباس لأبي موسى: مهما نسيت فلا تنسى أن عليا ليست فيه خلة واحدة تباعده ~~عن الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تقربه من الخلافة. فلما اجتمع أبو ~~موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطا. وقال عمرو:يجب أن لا نقول شيئا إلا كتبناه ~~حتى لا نرجع عنه. فدعا بكاتب وقال له سرا: ابدأ باسمي. فلما أخذا الكاتب ~~الصحيفة وكتب البسملة بدأ باسم عمرو. فقال له عمرو: امحه وابدأ باسم أبي ~~موسى فإنه أفضل مني وأولى بأن يقدم. وكانت منه خديعة. ثم قال: ما تقول يا ~~أبا موسى في قتل عثمان. قال: قتل والله مظلوما. قال: أكتب يا غلام. ثم قال: ~~يا أبا موسى إن إصلاح الأمة وحقن الدماء خير مما وقع فيه علي ومعاوية. فإن ~~رأيت أن تخرجهما وتستخلف على الأمة من يرضى به المسلمون فإن هذه أمانة ~~عظيمة في رقابنا. قال: لا بأس بذلك. قال عمرو: اكتب يا غلام. ثم ختما على ~~ذلك الكتاب. فلما قعدا من الغد للنظر قال عمرو: يا أبا موسى قد أخرجن عليا ~~ومعاوية من هذا الأمر فسم له من شئت. فسمى عدة لا يرتضيهم عمرو. فعرف أبو ~~موسى أنه يتلعب به. إليه. قال علي: هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا. فاختار ~~الشاميون عمرو بن العاص والعراقيون أبا موسى الاشعري. فقال الأحنف: إن أبا ~~موسى رجل قريب القعر كليل الشفرة اجعلني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك في ~~هذا الأمر بحيث تحب. فلم يرضى ms100 به أهل اليمن. فكتبوا القضية على أن يحكم ~~الحكمان بكتاب الله والسنة والجماعة وصيروا الأجل شهر رمضان. ورحل علي إلى ~~الكوفة ومعاوية إلى الشام. فلما دخل علي الكوفة اعتزل اثنا عشر ألفا من ~~القراء وهم ينادونه: جزعت من البلية ورضيت بالقضية وحكمت الرجال والله ~~يقول: أن الحكم إلا الله. ثم اجتمع أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص للتحكم ~~بموضع بين مكة والكوفة والشام بعد صفين بثمانية أشهر وحضر جماعة من الصحابة ~~والتابعين. فقال ابن العباس لأبي موسى: مهما نسيت فلا تنسى أن عليا ليست ~~فيه خلة واحدة تباعده عن الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تقربه من ~~الخلافة. فلما اجتمع أبو موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطا. وقال عمرو:يجب أن ~~لا نقول شيئا إلا كتبناه حتى لا نرجع عنه. فدعا بكاتب وقال له سرا: ابدأ ~~باسمي. فلما أخذا الكاتب الصحيفة وكتب البسملة بدأ باسم عمرو. فقال له ~~عمرو: امحه وابدأ باسم أبي موسى فإنه أفضل مني وأولى بأن يقدم. وكانت منه ~~خديعة. ثم قال: ما تقول يا أبا موسى في قتل عثمان. قال: قتل والله مظلوما. ~~قال: أكتب يا غلام. ثم قال: يا أبا موسى إن إصلاح الأمة وحقن الدماء خير ~~مما وقع فيه علي ومعاوية. فإن رأيت أن تخرجهما وتستخلف على الأمة من يرضى ~~به المسلمون فإن هذه أمانة عظيمة في رقابنا. قال: لا بأس بذلك. قال عمرو: ~~اكتب يا غلام. ثم ختما على ذلك الكتاب. فلما قعدا من الغد للنظر قال عمرو: ~~يا أبا موسى قد أخرجن عليا ومعاوية من هذا الأمر فسم له من شئت. فسمى عدة ~~لا يرتضيهم عمرو. فعرف أبو موسى أنه يتلعب به. PageV01P056 ثم قال عمرو: إن ~~هذا قد خلع صاحبه وأنا أيضا خلعته كما خلعت هذا الخاتم من يدي. وافترقا. ~~وعزم علي المسير إلى معاوية. وبايعه ستون ألفا على الموت. فشغلته الخوارج ~~وقتالهم. وأخذ معاوية في تسريب السرايا إلى النواحي التي يليها عمال علي ~~وشن الغارات وبعث جيشا إلى المدينة ومكة. فبايعه بقية أهلها. ms101 ثم تعاقد ثلثة ~~نفر من الخوارج داود والبرك وابن ملجم أن يقتلوا عمرو بن العاص ومعاوية ~~وعليا ويريحوا العباد من أيمت الضلال. أما داود فإنه أتى إلى مصر ودخل ~~المسجد وضرب خارجة ابن حذاقة فقتله وهو يظنه عمرا. وأخذ داوديه فقتل. وأما ~~البرك فإنه مضى إلى الشام ودخل المسجد وضرب معاوية فقطع منه عرقا فانقطع ~~منه النسل. فأخذ البرك فقطعت يداه ورجلاه وخلي عنه. فقدم البصرة ونكح امرأة ~~فولدت له. فقال له زياد: يولد لك ولا يولد لمعاوية. فضرب عنقه. وأما ابن ~~ملجم فإنه أتى الكوفة وسم سيفه وشحذه وجاء فبات بالمسجد. فدخل علي المسجد ~~ونبه النيام فركل ابن ملجم برجله وهو ملتف بعباءة وفتح ركعتي الفجر. فأتاه ~~ابن الملجم فضربه على ضلعه ولم تبلغ الضربة مبلغ القتل ولكن عمل فيه السم. ~~فثار الناس إليه وقبضوا عليه. فقال علي: لا تقتلوه فإن عشت رأيت فيه رأيي ~~وإن مت فشأنكم به. فعاش ثلث أيام ثم مات يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان. ~~فقتل ابن ملجم. # " الحسن بن علي بن أبي طالب " ثم بويع الحسن بن علي بالكوفة. وبويع ~~معاوية بالشام فسي مسجد ايليا. فسار الحسن عن الكوفة إلى لقاء معاوية. وكان ~~قد نزل مسكن من أرض الكوفة. ووصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد على ~~مقدمته واثني عشر ألفا. وقدم معاوية على مقدمته بشر بن أرطأة. فكانت بينه ~~وبين قيس مناوشة. ثم تحاجزوا ينتظرون الحسن. " قالوا " فنظر الحسن إلى ما ~~يسفك من الدماء وينتهك من المحارم فقال: لا حاجة لي في هذا الأمر وقد رأيت ~~أن أسلمه إلى معاوية فيكون في عنقه تباعته وأوزاره. فقال له الحسين: أنشدك ~~الله أن تكون أول من عاب أباه ورغب في رأيه. فقال الحسن: لا بد من ذلك. ~~وبعث إلى معاوية يذكر تسليمه الأمر إليه. فكتب إليه معاوية: أما بعد فأنت ~~أولى مني بهذا الأمر لقرابتك وكذا وكذا. ولو علمت أنك أضبط له وأحوط على ~~حريم هذه الأمة وأكيد للعدو لبايعتك. فاسأل ما شئت. ms102 فكتب الحسن أموالا ~~وضياعا وأمانا لشيعة علي وأشهد على ذلك شهودا من الصحابة. وكتب في تسليم ~~الأمر كتابا. فالتقى معاوية مع الحسن على منزل من الكوفة ودخلا الكوفة معا. ~~ثم قال: يا أبا محمد جدت بشيء لا تجود بمثله نفوس الرجال فقم وأعلم الناس ~~بذلك. فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله عز وجل ~~هداكم بأولنا وحقن دمائكم بآخرنا. وإن معاوية نازعني حقا لي دونه فرأيت أن ~~أمنع الناس الحرب وأسلمه إليه. وإن لهذا الأمر مدة. والدنيا دول. فلما ~~قالها قال له معاوية: اجلس. وحقدها عليه. ثم قام خطيبا فقال: إني كنت شرطت ~~شروطا أردت بها نظام الألفة. وقد جمع الله كلمتنا وأزال فرقتنا. فكل شرط ~~شرطته فهو مردود. فقام الحسن: ألا وأنا اخترت العار على النار. وسار إلى ~~المدينة وأقام بها إلى أن مات سنة سبع وأربعين من الهجرة. وكانت خلافته ~~خمسة أشهر. # " معاوية بن أبي سفيان " وصار الأمر إلى معاوية سنة أربعين من الهجرة. ~~وكان ولي لعمر وعثمان عشرين سنة. ولما سلم الحسن الأمر إليه ولى الكوفة ~~المغيرة بن شعبة وولى البصرة وخراسان عبد الله بن عامر وولى المدينة مروان ~~بن الحكم. وانصرف معاوية إلى الشام فولى عبد الله بن حازم. ومات عمرو بن ~~العاص بمصر يوم عيد الفطر فصلى عليه ابنه عبد الله ثم صلى بالناس صلاة ~~العيد. وكان معاوية قد أزكى العيون على شيعة علي فقتلهم أين أصابهم. ~~PageV01P057 وفي سنة ست وأربعين من الهجرة وهي سنة تسعمائة وسبع وثمانين ~~للاسكندر أرسل سابور المتغلب على أرمانيا إلى معاوية رسولا اسمه سرجي يطلب ~~منه النجدة على الروم. وأرسل قسطنطين الملك أيضا رسولا إلى معاوية لاندراا ~~الخصي وهو من أخص خواصه. فأذن معاوية لسرجي أن يدخل أولا فدخل ثم دخل ~~اندراا. فلما رآه سرجي نهض له لأنه كان عظيما. فوبخ معاوية لسرجي وقال: إذا ~~كان العبد هالك فكيف مولاه. فقال سرجي: خدعت من العادة. ثم سأل معاوية ~~لاندراا: لماذا جئت. فقال: الملك سيوني لئلا ms103 تصغوا إلى كلام هذا المتمرد ~~ولا يكون الملك والمملوك عندك بسواء. فقال معاوية: كلكم أعداء لنا. فأيكم ~~زاذ لنا من المال راعيناه. فلما سمع ذلك اندراا خرج. ومن الغد حضر وسرجي قد ~~سبقه بالدخول. فلما دخل اندراا لم ينهض له. فشتمه اندراا فقال له: يا يؤوس ~~استخففت بي. فقذفه سرجي قذف المخانيث. قال اندراا: سوف ترى. ثم أعاد كلامه ~~الأول على معاوية فقال له معاوية: إن أعطيتمونا كل خراج بلادكم نبقي لكم ~~اسم المملكة وإلا أزحناكم عنها. قال اندراا: كأنك تزعم أن العرب هم الجسم ~~والروم الخيال. نستعين برب السماء. ثم استأذن للرحيل وسار مجتازا على ~~ملطية. وتقدم إلى مستحفظي الثغور أن يكمنوا لسرجي في الطريق ويلزموه ~~ويحملوه إلى ملطية وينزعوا خصيتيه ويعلقوهما في رقبته ثم يسمروه. ففعلوا به ~~كذلك. # وقيل أن معاوية أول من خطب قاعدا لأنه كان بطينا بادنا. وأول من قدم ~~الخطبة على الصلاة خشية أن يتفرق الناس عنه قبل أن يقول ما بدا له. ثم أخذ ~~بيعة أهل المدينة ومكة ليزيد ابنه بالسيف وبايعه الشاميون أيضا. ثم مات ~~معاوية بدمشق في رجب سنة ستين وهو ابن ثمانين سنة. وبايع أهل الشام يزيد بن ~~معاوية. # " يزيد بن معاوية " لما مات معاوية استدعى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ~~وهو على المدينة الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير في جوف الليل ونعى لهما ~~معاوية وأخذهما بالبيعة لابنه يزيد. فقالا: مثلنا لا يبايع سرا ولكن إذ ~~نصبح. وانصرفا من عنده وخرجا من تحت الليل إلى مكة وأبيا أن يبايعا. وبلغ ~~أهل الكوفة امتناعهما عن بيعة يزيد فكتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم. ~~فأرسل الحسين مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة ليأخذ بيعة أهلها. فجاء ~~واجتمع إليه خلق كثير من الشيعة يبايعون الحسين. وبلغ الخبر عبيد الله بن ~~زياد وهو بالبصرة فتم إلى الكوفة. فسار إليه الشيعة وقاتلوه حتى دخل القصر ~~وأغلق بابه. فلما كان عند المساء وتفرق الناس عن مسلم بعث ابن زياد خيلا في ~~خفية ms104 فقبضوا عليه ورفعوه بين شرف القصر ثم ضربوا عنقه. ولما بلغ الخبر ~~الحسين هم بالرجوع إلى المدينة. وبعث إليه ابن زياد الحر بن يزيد التميمي ~~في ألف فارس. فلقي الحسين بزبالة وقال له: لم أؤمر بقتالك إنما أمرت أن ~~أقدمك إلى الكوفة. فإذا أبيت فخذ طريقا لا يدخلك إلى الكوفة ولا يردك إلى ~~المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد. فتياسر عن طريق التعذيب والقادسية والحر ~~يسايره حتى أنتهى إلى الغاضرية فنزل بها. وقدم عليه عمر بن سعد بن أبي وقاص ~~في أربعة آلاف ومعه شمر ذو الجيوش فنزلوا بين نهري كربلاء وجرت الرسل بينهم ~~وبين الحسين ومنعوه ومن معه الماء أن يشربوا وناهضهم القتال يوم عاشوراء ~~وهو يوم الجمعة ومعه تسعة عشر إنسانا من أهل بيته فقتل الحسين عطشانا وقتل ~~معه سبعة من ولد علي بن أبي طالب وثلاثة من ولد الحسين. وتركوا علي ابن ~~الحسين لأنه كان مريضا. فمنه عقب الحسين إلى اليوم. وقتل من أصحابه سبعة ~~وثمانون إنسانا. وساقوا علي بن الحسين مع نسائه وبناته إلى ابن زياد. ~~فزعموا أنه وضع رأس الحسين في طست وجعل ينكت في وجهه بقضيب ويقول: ما رأيت ~~مثل حسن هذا الوجه قط. ثم بعث به وبأولاده إلى يزيد بن معاوية. فأمر نسائه ~~وبناته فأقمن بدرجة المسجد حيث توقف الاسارى لينظر الناس إليهم. وقتل ~~الحسين سنة إحدى وستين من الهجرة يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة. وكان قد بلغ ~~من السن ثمانيا وخمسين سنة. وكان يخضب بالسواد. ثم بعث يزيد بأهله وبناته ~~إلى المدينة. وللروافض في هذه القصة زيادات وتهاويل كثيرة. ولما احتضر يزيد ~~بن معاوية بايع ابنه معاوية ومات وهو ابن ثماني وثلاثين سنة. وكان ملكه ثلث ~~سنين وثمانية أشهر. PageV01P058 " معاوية بن يزيد " ولما مات يزيد صار ~~الأمر إلى ولده معاوية وكان قدريا لأن عمر المقصوص كان علمه ذلك فدان به ~~وتحققه. فلما بايعه الناس قال للمقصوص: ما ترى. قال: إما أن تعتدل أو ~~تعتزل. فخطب معاوية بن يزيد فقال: إن جدي معاوية ms105 نازع الأمر من كان أولى به ~~وأحق. ثم تقلده أبي. ولقد كان غير خليق به. ولا أحب أن ألقى الله عز وجل ~~بتبعاتكم. فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم. ثم نزل وأغلق الباب في وجهه وتخلى ~~بالعبادة حتى مات بالطاعون. وكانت ولايته عشرين يوما. فوثب بنو أمية على ~~عمر المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلمته. فطمروه ودفنوه حيا. وأما ابن ~~الزبير فلما مات يزيد دعا الناس إلى البيعة لنفسه وادعى الخلافة فظفر ~~بالحجاز والعراق وخراسان واليمن ومصر والشام إلا الأردن. # " مروان بن الحكم " بويع بالأردن سنة أربع وستين للهجرة وهو أول من أخذ ~~الخلافة بالسيف. وسار إليه الضحاك بن قيس فاقتتلوا بمرج راهط من غوطة دمشق. ~~فقتل الضحاك. وخرج سليمان بن صرد الخزاعي من الكوفة في أربعة آلاف من ~~الشيعة يطلبون بدم الحسين فبعث إليه مروان بن الحكم عبيد الله بن زياد ~~فالتقوا برأس العين فقتل سليمان وتفرق أصحابه. ومات مروان بدمشق وكانت ~~ولايته سبعة أشهر وأياما. وبايع أهل الشام عبد الملك بن مروان. # قال ابن جلجل الأندلسي أن ماسرجويه الطبيب البصري سرياني اللغة يهودي ~~المذهب. وهو الذي تولى في أيام مروان تفسير كناش اهرون القس إلى العربي. ~~وحدث أيوب بن الحكم أنه كان جالسا عند ماسرجويه إذ أتاه رجل من الخوز فقال: ~~إني بليت بداء لم يبل أحد بمثله. فسأله عن دائه. فقال: اصبح وبصري مظلم علي ~~وأنا أصيب مثل لحس الكلاب في معدتي فلا تزال هذه حالي إلى أن أطعم شيئا ~~فإذا طعمت سكن ما أجد إلى وقت انتصاف النهار. ثم يعاودني ما كنت فيه. فإذا ~~عاودت الأكل سكن ما بي إلى وقت صلاة العتمة. ثم يعاودني فلا أجد له دواء ~~إلا معاودة الأكل. فقال له ماسرجويه: على دائك هذا غضب الله. فإنه أساء ~~لنفسه الاختيار حين قرنه بسفلة مثلك ولوددت أن هذا الداء تحول إلي وإلى ~~صبياني فكنت أعوضك مما نزل بك مثل نصف ما أملك. فقال له الخوزي: ما افهم ~~عنك. قال ماسرجويه: هذه صحة لا تستسحقها أسأل ms106 الله نقلها عنك إلى من هو أحق ~~بها منك. # " عبد الملك بن مروان " بويع سنة خمس وستين بالشام. وأما ابن الزبير فبعث ~~أخاه مصعبا على العراق. فقدم البصرة وأعطاه أهلها الطاعة واستولى مصعب على ~~العراقيين. فسار إليه عبد الملك بن مروان فالتقوا بسكن. وقتل مصعب واستقام ~~العراق لعبد الملك. وكان الحجاج بن يوسف على شرطه. فرأى عبد الملك من نفاذه ~~وجلادته ما أعجب به ورجع إلى الشام ولا هم له دون ابن الزبير. فأتاه الحجاج ~~فقال: ابعثني إليه فإني أرى في المنام كأني أقتله وأسلخ جلده. فبعثه إليه. ~~فقتله وسلخ جلده وحشاه تبنا وصلبه. وكانت فتنة ابن الزبير تسع سنين منذ موت ~~معاوية إلى أن مضت ست سنين من ولاية عبد الملك. وولي الحجاج الحجاز ~~واليمامة. وبايع أهل مكة لعبد الملك بن مروان. وزعم قوم أن الحجاج بلاء صبه ~~الله على أهل العراق. ولم قدم الكوفة دخل المسجد وصعد يوما المنبر وسكت ~~ساعة ثم نهض وقال: والله يا أهل العراق إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها ~~وإني لصاحبها.فكأني أنظر إلى الدماء من فوق العمائم واللحى. وفي سنة سبعين ~~للهجرة وهي سنة ألف للاسكندر استجاش يوسطينيانوس ملك الروم على من بالشام ~~من المسلمين. فصالحه عبد الملك على أن يؤدي إليه كل يوم جمعة ألف دينار. ~~وقيل كل يوم ألف دينار وفرسا ومملوكا. وفي سنة ثلث وثمانين بنى الحجاج ~~مدينة واسط. وفي سنة ست وثمانين توفي عبد الملك بن مروان. وكان يقول: أخاف ~~الموت في شهر رمضان. فيه ولدت وفيه فطمت وفيه جمعت القرآن وفيه بايع لي ~~الناس. فمات في النصف من شوال حين أمن الموت على نفسه. وكان ابن ستين سنة ~~وكانت خلافته من لدن قتل ابن الزبير ثلث عشرة سنة. PageV01P059 واختص بخدمة ~~الحجاج بن يوسف تياذوق وثاودون الطبيبان. أما تياذوق فله تلاميذ أجلاء ~~تقدموا بعده ومنهم من أدرك الدولة العباسية كفرات بن شحناثا في زمن ~~المنصور. وأما ثاودون فله كناش كبير عمله لابنه. وقيل دخل إلى الحجاج يوما ~~فقال ms107 له الحجاج: أي شيء دواء أكل الطين. فقال: عزيمة مثلك أيها الأمير. ~~فرمى الحجاج بالطين ولم يعد إلى أكله بعدها. # " الوليد بن عبد الملك " لما ولي الأمر أقر العمال على النواحي. وفي ~~ولايته خرج قتيبة بن مسلم إلى ما وراء النهر. فجاشت الترك والسغد والشاش ~~وفرغانة وأحدقوا به أربعة أشهر. ثم هزمهم وافتتح بخارا. ثم مضى حتى أناخ ~~على سمرقند فافتتحها صلحا. وفي أيامه مات الحجاج. ذكروا أنه أخذه السل ~~وهجره النوم والرقاد. فلما احتضر قال لمنجم عنده: هل ترى ملكا يموت. قال: ~~نعم أرى ملكا يموت اسمه كليب. فقال: أنا والله كليب بذلك سمتني أمي. قال ~~المنجم: أنت والله تموت كذلك دلت عليه النجوم. قال له الحجاج: لاقدمنك ~~أمامي. فأمر به فضرب عنقه. ومات الحجاج وقد بلغ من السن ثلثا وخمسين سنة. ~~وولي الحجاز والعراق عشرين سنة. وكان قتل من الأشراف والرؤساء مائة ألف ~~وعشرين ألفا سوى العوام ومن قتل في معارك الحروب. وكان مات في حبسه خمسون ~~ألفا رجل وثلاثون ألف امرأة. ومات الوليد سنة ست وتسعين وكانت ولايته تسع ~~سنين وثمانية أشهر. وبنى مسجد دمشق وكان فيه كنيسة فهدمها. وبنى مسجد ~~المدينة والمسجد الأقصى. وأعطى المجذمين ومنعهم من السؤال إلى الناس. وأعطى ~~كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا. ومنع الكتاب النصارى من أن يكتبوا الفاتر ~~بالرومية لكن بالعربية. وفتح في ولايته الأندلس وكاشغر والهند. وكان يمر ~~بالبقال فيقف عليه يأخذ منه حزمة بقل فيقول: بكم هذا. فيقول: بفلس. فيقول: ~~زد فيها. وكان صاحب بناء واتخاذ للمصانع والضياع. وقيل إنه كان لحانا لا ~~يحسن النحو. دخل عليه أعرابي فمت إليه بصهر له.فقال له الوليد: من ختنك ~~بفتح النون. فقال: بعض الأطباء. فقال سليمان: إنما يريد أمير المؤمنين من ~~ختنك وضم النون. فقال الأعرابي: نعم فلان. وذكر ختنه. وعاتبه أبوه عبد ~~الملك على ذلك وقال له: لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم. فجمع أهل النحو ~~ودخل بيتا ولم يخرج منه ستة أشهر. ثم خرج وهو أجهل منه يوم ms108 دخله. فقال عبد ~~الملك: قد أعذر. PageV01P060 " سليمان بن عبد الملك " وفي سنة ست وتسعين ~~بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي فيه مات الوليد أخوه. قالوا أنه ~~كان خيرا فصيحا نشأ بالبادية عند أخواله بني عبس. ورد المظالم وآوى ~~المشترين وأخرج المحبسين. وفي سنة ثماني وتسعين من الهجرة وهي سنة ألف ~~وسبعة وعشرين للاسكندر جهز سليمان جيشا مع أخيه مسلمة ليسير إلى ~~القسطنطينية. وسار حتى بلغها في مائة ألف وعشرين ألفا وعبر الخليج وحاصر ~~المدينة. فلما برح بأهلها الحصار أرسلوا إلى مسلمة يعطونه عن كل رأس ~~دينارا. فأبى أن يفتتحها إلا عنوة. فقالت الروم: للاون البطيرق: إن صرفت ~~عنا المسلمين ملكناك علينا. فاستوثق منهم وأتى مسلمة وطلب الأمان لنفسه ~~وذويه ووعده أن يفتح له المدينة غير أنه ما تهيأ ذلك ما لم يتنح عنهم ~~ليطمئنوا ثم يكر عليهم. فارتحل مسلمة وتنحى إلى بعض الرساتيق. ودخل لاون ~~فلبس التاج وقعد على سرير الملك. واعتزل الملك ثاوذوسيوس ولبس الصوف منعكفا ~~في بعض الكنائس. ولأن مسلمة لما دنا من القسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل ~~معه مدين من الطعام على عجز فرسه إلى القسطنطينية لما دخل لاون المدينة ~~وتنحى مسلمة اعد لاون السفن والرجال فنقلوا في ليلة ذلكالطعام ولم يتركوا ~~منه إلا ما لم يذكر وأصبح لاون محاربا وقد خدع مسلمة خديعة لو كانت امرأة ~~لعيبت بها. وبلغ الخبر لمسلمة فأقبل راجعا ونزل بفناء القسطنطينية ثلاثين ~~شهرا فشتا فيها وصاف وزرع الناس. ولقي جنده ما لم يلقه جيش آخر حتى كان ~~الرجل يخاف أ، يخرج من العسكر وحده من البلغاريين الذين استجاشهم لاون ومن ~~الإفرنج الذين في السفن ومن الروم الذين يحاربونهم من داخل. وأكلوا الدواب ~~والجلود وأصول الشجر والورق. وسليمان بن عبد الملك مقيم بدابق ونزل الشتاء ~~فلم يقدر أن يمدهم حتى مات لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين.فرحل مسلمة عن ~~القسطنطينية وانصرف وكانت خلافته أعني سليمان سنتين وثمانية أشهر. وكان ~~بايع ابنه أيوب فمات قبله فاستخلف عمر بن عبد ms109 العزيز بن مروان بن الحكم. ~~ولما احتضر سليمان قيل له: اوص. فقال: إن بني صبية صغار. افلح من كانت له ~~الكبار. # " عمر بن عبد العزيز " لما استخلف عمر بن عبد العزيز وبويع له صعد المنبر ~~وأمر برد المظالم ووضع اللعنة عن أهل البيت وكانوا يلعنونهم على المنابر ~~وحض على التقوى والتواصل وقال: والله ما أصبحت ولي على أحد من أهل القبلة ~~موجدة إلا على أسراف ومظلمة. ثم تصدق بثوبه ونزل. وتوفي عمر بن عبد العزيز ~~في رجب لخمس بقين منه سنة إحدى ومائة. وكانت شكواه عشرين يوما. ولما مرض ~~قيل له: لو تداويت. فقال: لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها نعم المذهوب ~~إليه ربي. وكان موته بدير سمعان ودفن به. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر. ~~وكان عمره تسعا وثلاثين سنة. قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر أعوده ~~فإذا هو على فراش من ليف وتحته وسادة من أديم مسجى بشملة ذابل الشفة كاسف ~~اللون وعليه قميص وسخ. فقلت لأختي فاطمة وهي امرأته: اغسلوا ثياب أمير ~~المؤمنين. فقالت: نفعل. ثم عدت فإذا القميص على حاله. فقلت: ألم آمركم أن ~~تغسلوا قميصه. فقالت: والله ما له غيره. فسبحت الله وبكيت وقلت: يرحمك الله ~~لقد خوفتنا بالله عز وجل وأبقيت لنا ذكرا في الصالحين . قيل وكانت نفقته كل ~~يوم درهمين. وفي أيامه تحركت دولة بني هاشم. PageV01P061 " يزيد بن عبد ~~الملك " يكنى أبا خالد. عاشر بني مروان. ولما ولي الأمر استعمل على ~~العراقين وخراسان عمر بن هبيرة الفزازي وبعث مسلمة بن عبد الملك لقتال يزيد ~~ابن المهلب. فقتله وبعث برأس يزيد وكان يزيد بن عبد الملك صاحب لهو وقصف ~~وشغف بحبابة المغنية واشتهر بذكرها. وقيل كان يزيد قد حج أيام سليمان أخيه ~~فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار فقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد. ~~فلما سمع يزيد ردها فاشتراها رجل من أهل مصر. فلما أفضت الخلافة إليه قالت ~~له امرأته سعدة: هل بقي من الدنيا شيء تتمناه. فقال: نعم حبابة. ms110 فأرسلت ~~فاشترتها وصنعتها وأتت بها يزيد وأجلستها من وراء الستر فقالت: يا أمير ~~المؤمنين أبقي من الدنيا شيء تتمناه. قال: قد أعلمتك. فرفعت الستر وقالت: ~~هذه حبابة. وقامت وتركتها عنده. فحظيت سعدة عنده وأكرمها. وقال يوما وقد ~~طرب بغناء حبابة: دعوني أطير. وأهوى ليطير. فقالت: يا أمير المؤمنين إن لنا ~~فيك حاجة. فقال: واللخ لأطيرن. فقالت: فعلى من تدع الأمة والملك. قال لها: ~~عليك والله. وقبل يدها. فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك ما أسخفك. وخرجت ~~معه إلى ناحية الأردن يتنزهان. فرماها بحبة عنب فاستقبلتها بفيها فدخلت ~~حلقها فشرقت ومرضت بها وماتت. فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى نتنت وهو ~~يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي. فلما دفنت بقي بعدها خمسة عشر يوما ومات ~~ودفن إلى جانبها سنة خمس ومائة. وكانت ولايته أربع سنين وشهرا وله أربعون ~~سنة. # " هشام بن عبد الملك " قي هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين ~~من شعبان. وكان عمره يومئذ أربعا وثلاثين سنة. أتاه البريد بالخاتم والقضيب ~~وسلم عليه بالخلافة وهو بالرصافة. فركب منها حتى أتى دمشق. وفي أيامه خرج ~~يزيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب فقدم الكوفة وأسرعت إليه الشيعة ~~وقالوا: لنرجو أن يكون هذا الزمان الذي تهلك فيه بنو أمية. وجعلوا يبايعونه ~~سرا. وبايعه أربعة عشر ألفا على جهاد الظالمين والرفع عن المستضعفين. وبلغ ~~الخبر يوسف بن عمر وهو أمير البصرة فجد في طلب زيد. وتواعدت الشيعة بالخروج ~~وجاءوا إلى يزيد فقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر. قال: ما أقول فيهما إلا ~~خيرا. فتبرأوا منه ونكثوا بيعته وسعوا به إلى يوسف. فبعث في طلبه قوما. ~~فخرج زيد ولم يخرج معه إلا أربعة عشر رجلا. فقال: جعلتموها حسينية. ثم ~~ناوشهم القتال. فأصابه سهم بلغ دماغه فحمل من المعركة ومات تلك الليلة ~~ودفن. فلما أصبحوا استخرجوه من قبره فصلبوه. فأرسل هشام إلى يوسف: احرق عجل ~~العراق. فأحرقه. وهرب ابنه يحيى حنى أتى بلخ. قيل كان هشام محشوا عقلا. ms111 ~~وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة. فقال: ما منعك من الصلاة.قال: نفقت ~~دابتي. قال: أفعجزت عن المشي. فمنعه الدابة سنة. وأتي هشام برجل عنده قيان ~~وخمر وبربط. فقال: اكسروا الطنبور على رأسه. فبكى الرجل لما ضربه. فقيل: ~~عليك بالصبر. فقال: أتراني أبكي للضرب بل إنما أبكي لاحتقاره البربط إذ ~~سماه طنبورا. وقيل: وكتب إليه بعض عماله: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة ~~دراقن. فكتب إليه: قد وصل الدراقن فأعجبتنا فزد منه واستوثق من الوعاء. ~~وكتب إلى عامل آخر قد بعث بكمأة: قد وصلت الكمأة وهي أربعون وقد تغير ~~بعضها. فإذا بعثت شيئا فأجد حشوها في الظرف بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب ~~بعضها بعضا. وقيل له: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان. وقيل له: أتطمع في ~~الخلافة وأنت بخيل جبان. قال: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف. ومات هشام ~~بالرصافة سنة خمس وعشرين ومائة. وكانت ولايته عشرين سنة وعمره خمسا وخمسين ~~سنة وكان مرضه الذبحة. PageV01P062 قيل أول من قدم خراسان من دعاة بني ~~العباس سنة تسع ومائة زياد في ولاية أسد بعثه محمد الإمام ابن علي بن عبد ~~الله بن عباس بن عبد المطلب وقال له: الطف بمضر. ونهاه عن رجل من نيسابور ~~يقال له غالب لأنه كان مفرطا في حب بني فاطمة. فلما قدم زياد دعا إلى بني ~~العباس وذكر سيرة بني أمية وظلمهم. وقدم عليه غالب وتناظرا في تفضيل آل علي ~~وآل العباس وافترقا. وأقام زياد بمرو. ورفع أمره إلى أسد وخوف من جانبه ~~فأحضره وقتله وقتل معه عشرة من أهل الكوفة. وفي سنة ثماني عشرة ومائة توجه ~~عمار ابن يزيد إلى خراسان ودعا إلى محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس. ~~فأطاعه الناس وتسمى بخداش وأظهر دين الخرمية ورخص لبعضهم في نساء بعض وقال ~~لهم: إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج. وإن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام ~~فلا يباح باسمه. والصلاة فالدعاء له والحج فالقصد إليه. # " الوليد بن يزيد بن عبد ms112 الملك " كان يزيد أبوه عقد ولاية العهد له بعد ~~أخيه هشام ابن عبد الملك. فلما ولي هشام أخو يزيد أكرم الوليد بن يزيد حتى ~~ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب وتهاون بالدين واستخف به. فتنكر له هشام ~~وأض به وكان يعتبه ويتنقصه ويقصر به. فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ~~ومواليه فنزل بالازرق. وكان يقول لأصحابه: هذا المشؤوم قدمه أبي على أهل ~~بيته فصيره ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون لا يعلم أن لي في أحد هوى إلا عبث ~~به. ولم يزل الوليد مقيما في تلك البرية حتى مات هشام. وأتاه رجلان على ~~البريد فسلما عليه بالخلافة. فوجم ثم قال: أمات هشام. فقالا: نعم. فأرسل ~~إلى الخزان. فقال: احتفظوا بما في أيديكم. فأفاق هشام فطلب شيئا. فمنعوه. ~~فقال: إنا الله كأنا كنا خزانا للوليد. ومات في ساعته. وخرج عياض كاتب ~~الوليد من السجن فختم أبواب الخزائن وأنزل هشاما عن فراشه. وما وجدوا له ~~قمقما يسخن فيه الماء حتى استعاروه. ولا وجدوا كفنا من الخزائن. فكفنه غالب ~~مولاه. وضيق الوليد على أهل هشام وأصحابه وكان يقول: كلناه بالصاع الذي ~~كاله وما ظلمناه به أصبعا. فلما ولي الوليد أجرى على زمني أهل الشام ~~وعميانهم وكساهم وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزاد الناس في العطاء ~~عشرات ولم يقل في شيء يسأله: لا. ثم عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من ~~بعده وجعلهما وليي عهده أحدهما بعد الآخر. وفي هذه السنة أعني سنة خمس ~~وعشرين ومائة قتل يحيى بن يزيد بن علي بن الحسين ابن علي ابن أبي طالب ~~بجرجان وصلب ثم أنزل وأحرق ثم رض وحمل في سفينة وذر في الفرات. وفيها قتل ~~الوليد بن يزيد بن عبد الملك قتله ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك ~~وكان سبب قتله ما تقدم من خلاعته ومجانته. فلما ولي الخلافة ولم يزدد من ~~الذي كان فيه من اللهو والركوب للصيد وشرب الخمر ومنادمة الفساق إلا تماديا ~~ثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره. ولما ms113 حاصروه في قصره دنا من الباب ~~وقال لهم: ألم أزد في أعطياتكم. ألم أرفع المؤن عنكم. ألم أعط فقراءكم. ~~فقالوا: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا إنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله ~~وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك. قال: حسبكم فلعمري لقد أكثرتم وأغرقتم ~~والله لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجمع كلمتكم. فنزل من الحائط إليه ~~عشرة رجال فاحتزوا رأسه وسيروه إلى يزيد. فنصبه على رمح وطاف به بدمشق. ~~وسجن ابنيه الحكم وعثمان. وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست ~~وعشرين ومائة. وكانت مدة خلافته سنة وثلاثة أشهر. وكان عمره اثنتين وأربعين ~~سنة. # وفي هذه السنة وجه ابراهيم بن محمد الأمام أبا هام بكير إلى خراسان. فقدم ~~مرو وجمع النقباء والدعاة فنعى له محمد الامام ودعاهم إلى ابنه ابراهيم ~~الأمام. فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة شيعة بني ~~العباس. # " يزيد بن الوليد بن عبد الملك " سمي الناقص لأنه نقص الزيادة التي كان ~~الوليد زادها في عطيات الجند. وكان محمود السيرة مرضي الطريقة. أمر بالبيعة ~~لأخيه ابراهيم ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك. وتوفي بدمشق ~~لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة. وكانت خلافته ستة أشهر. وكان ~~عمره ستا وأربعين سنة. وكانت أمه أم ولد اسمها شاه فرند ابنة فيروز ابن ~~يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو القائل: PageV01P063 أنا ابن كسرى وأبي مروان ~~... وقيصر جدي وجدي خاقان # وإنما جعل قيصر وخاقان جديه لأن أمه فيروز ابنة كسرى وأمها ابنة قيصر وأم ~~كسرى ابنة خاقان ملك الترك. # " ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك " فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر ~~أخوه ابراهيم بعده غير أنه لم يتم له الأمر وكان يسلم عليه تارة بالخلافة ~~وتارة بالامارة وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما. فمكث سبعين يوما ثم سار ~~إليه مروان بن محمد فخلعه. ثم لم يزل حيا حتى أصيب سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة. # " مروان بن محمد بن مروان بن ms114 الحكم " لما مات يزيد بن الوليد بن عبد ~~الملك سار مروان في جنود الجزيرة إلى الشام لمحاربة ابراهيم بن الوليد بن ~~عبد الملك. ولما دخل دمشق أتى بالغلامين الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد ~~بن عبد الملك مقتولين فدفنهما وبايعه الناس. فلما استقر له الأمر رجع إلى ~~منزله بحران فطلب منه الأمان لابراهيم ابن الوليد وسليمان بن هشام بن عبد ~~الملك فأمنهما. وفي هذه السنة أعني سنة سبع وعشرين ومائة حارب سليمان بن ~~هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وانهزم أصحاب سليمان وقتل منهم نحو ستة ~~آلاف. وفيها توجه سليمان بن كثير ولا هز بن قريط وقحطبة إلى مكة فلقوا ~~ابراهيم بن محمد الأمام بها وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ~~ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا. وكان معهم أبو مسلم. فقال سليمان لابراهيم ~~الامام: هذا مولاك. فأمر ابراهيم أبا مسلم على خراسان. وفي سنة تسع وعشرين ~~ومائة بعث ابراهيم الامام إلى أبي مسلم بلواء يدعى الظل وراية تدعى السحاب ~~فعقدهما على رمحين وأظهر الدعوة العباسية بخراسان وتأول الظل والسحاب أن ~~السحاب يطبق الأرض وكما أن الأرض لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة ~~عباسي آخر الدهر. وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة حج ابراهيم بن محمد الامام ~~ومعه أخواه أبو العباس وأبو جعفر وولده وعمه ومواليه على ثلاثين نجيبا ~~عليهم الثياب الفاخرة والرحال والأثقال. فشهره أهل الشام وأهل البوادي ~~والحرمين معما انتشر في الدنيا من ظهور أمرهم. وبلغ مروان خبر حجهم فكتب ~~إلى عاملة بدمشق يأمره بتوجيه خيل إليه. وكان مروان بأرض الشام. ووجه ~~العامل خيلا فهجموا على ابراهيم فأخذوه وحملوه إلى سجن حران فأثقلوه ~~بالحديد وضيقوا عليه الحلقة حتى مات. ولما أحس ابراهيم بالطلب أوصى إلى ~~أخيه أبي العباس ونعي نفسه إليه وأمره بالمسير إلى الكوفة بأهل بيته. فسار ~~معه أخوه أبو جعفر وعمه وستة رجال حتى قدموا الكوفة مستخفين. # " أبو العباس السفاح " وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة خرج أبو العباس بن ~~محمد الامام بن ms115 علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ليلة الجمعة ~~لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول من دار أبي مسلمة بالكوفة فصلى المغرب في ~~مسجد بني أيوب ودخل منزله. فلما أصبح غدا عليه القواد في التعبية والهيئة ~~وقد أعدوا له السواد والمركب والسيف. فخرج أبو العباس فيمن معه إلى القصر ~~الذي للأمارة. ثم خرج إلى المقصورة وصعد المنبر وبايعه الناس. ثم وجه عمه ~~عبد الله إلى مروان وهو نازل بالزاب. فوقاع عبد الله مروان فهزمه. فمر ~~مروان على وجهه ومضى فعبر جسر الفرات فوق حران وجمع جمعا عظيمابنهر فطرس من ~~أرض فلسطين. وعبر أيضا عبد الله الفرات وحاصر دمشق حتى افتتحها وقتل من بها ~~من بني أمية وهدم سورها حجرا حجرا ونبش عن قبور بني أمية وأحرق عظامهم ~~بالنار. ثم ارتحل نحو مروان فهزمه واستباح عسكره. وهرب مروان إلى أرض مصر ~~فاتبعه جيش عبد الله واستدلوا عليه وهو في كنيسة في بوصير فطعنه رجل فصرعه ~~واحتز آخر رأسه وبعث به إلى أبي العباس السفاح. وكان قتله لليلتين بقيتا من ~~ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وفي سنة ست وثلاثين ومائة مات السفاح ~~بالانبار مدينته التي بناها واستوطنها لثلث عشرة سنة مضت من ذي الحجة ~~بالجدري. وكان له يوم مات ثلث وثلاثون سنة. وكانت ولايته من لدن قتل مروان ~~أربع سنين. وكان أبو العباس رجلا طويلا أبيض اللون حسن الوجه يكره الدماء ~~ويحامي على أهل البيت. PageV01P064 " أبو جعفر المنصور " هو عبد الله بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بويع له سنة سبع وثلاثين ومائة. وفي هذه ~~السنة قتل أبو مسلم الخراساني قتله المنصور بسبب أنهما حجا معا في أيام ~~السفاح. وكان أبو مسلم يكسو الأعراب ويصلح الآبار والطرق. وكان الذكر له. ~~فحقد أبو جعفر ذلك عليه. ولما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في الطريق ~~على أبي جعفر فأتاه خبر وفاة السفاح فكتب إلى أبي جعفر يعزيه عن أخيه ولم ~~يهنه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ms116 ولم يرجع إليه. فخافه أبو جعفر المنصور ~~وأجمع الرأي وعمل المكايد وهجر النوم إلى أن اقتنصه. وكان أبو مسلم استشار ~~رجلا من أصحابه بالري في رجوعه إلى المنصور فقال: لا أرى أن تأتيه وأرى أن ~~تمتد إلى خراسان. فلما لم يقبل منه وسار نحو المنصور قيل له: تركت الرأي ~~بالري فذهب مثلا. فلما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه وأكرامه ~~غاية الكرامة. ثم قدم فدخل على المنصور وقبل يده. فأمره أن ينصرف ويروح ~~نفسه ليلته ويدخل الحمام. فانصرف. فلما كان من الغد أعد المنصور من أصحاب ~~الحرس أربعة نفر وأكمنهم خلف الرواق وقال لهم: إذا أنا صفقت بيدي فشأنكم. ~~وأرسل إلى أبي مسلم يستدعيه ودخل على المنصور فأقبل عليه يعاتبه ويذكر ~~عثراته. فمما عد عليه أن قال: ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك. ودخلت علينا ~~وقلت: أين بان الحارثية. ويأتيك كتابي فتقرأه استهزاء ثم تلقيه إلى مالك ~~ابن الهيثم ويقرأه وتضحكان. فجعل أبو مسلم يعتذر إليه ويقبل الأرض بين ~~يديه. فقال المنصور: قتلني الله إن لم أقتلك. وصفق بيديه فخرج الحراس ~~يضربونه بسيوفهم وهو يصرخ ويستأمن ويقول: استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين. ~~فقال له المنصور: وأي عدو لي أعدى منك. وقيل كانت عند أبي مسلم ثلث نسوة ~~وكان لايطأ المرأة منهم في السنة إلا مرة واحدة. وكان من أغير الناس لا ~~يدخل قصره أحد غيره وفيه كوى يطرح منها لنسائه ما يحتجن إليه. قالوا ليلة ~~زفت إليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر ~~بعدها. قالوا وكان من أشد الناس طمعا وأكثرهم طعاما يخبز كل يوم في مطبخه ~~ثلثة آلاف قرف ويطبخ مائة شاة سوى البقر والطير. وكان له ألف طباخ وآلة ~~المطبخ تحمل على ألف ومائتي رأس من الدواب. وقيل كان أبو مسلم شجاعا ذا رأي ~~وعقل وتدبير وحزم ومروءة. وقيل بل كان فاتكا قليل الرحمة قاسي القلب سوطه ~~سيفه قتل ستمائة ألف ممن يعرف صبرا سوى من لايعرف ومن قتل في الحروب ~~والهيجات. ms117 وسئل بعضهم: أبو مسلم كان خيرا أو الحجاج. قال: لا أقول أن أبا ~~مسلم خير من أحد ولكن الحجاج كان شرا منه. وزعم قوم أن أبا مسلم كان من ~~قرية من قرى مرو. ويقال: بل كان من العرب سمع الحديث وروى الأشعار. وقيل ~~كان عبدا. وقد نسبه بعض الشعراء إلى الأكراد حين هجاه. وفي سنة أربعين ~~ومائة سير المنصور عبد الوهاب ابن أخيه ابراهيم بن محمد الأمام في سبعين ~~ألف مقاتل إلى ملطية. فنزلوا عليها وعمروا ماكان خربه الروم منها. ففرغوا ~~من العمارة في ستة أشهر. واسكنها المنصور أربعة آلاف من الجند وأكثر فيها ~~من السلاح والذخائر وبنى حصن قلوذية. وفي هذه السنة خرج الرواندية على ~~المنصور بمدينة الهاشمية وهم قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح ~~ويزعمون أن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور. وجعلوا يطوفو بقصره ~~ويقولون: هذا قصر ربنا فأنكر ذلك المنصور وخرج إليهم ماشيا إذ لم يكن في ~~القصر دابة. ونودي في أهل السوق فاجتمعوا وحملوا عليهم وقاتلوهم فقتلوا ~~أعني الرواندية جميعا وهم يومئذ ستمائة رجل. وفي السنة الرابعة والأربعين ~~أخذ المنصور من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب اثني عشر إنسانا ورحلهم من ~~المدينة إلى الكوفة وحبسهم في بيت ضيق لا يمكن لأحد من مقعده يبول بعضهم ~~على بعض ويتغوط ولا يدخل عليهم روح الهواء ولا تخرج عنهم رائحة القذارة حتى ~~ماتوا عن آخرهم. فخرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب بالمدينة وجمع الجموع وتسمى بالمهدي. وخرج ابراهيم أخوه بالبصرة في ~~ثلاثين ألفا. وقتلا ولم ينجحا. وفي سنة خمس وأربعين ومائة ابتدأ المنصور في ~~بناء عمارة مدينة بغداد. وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي ~~الكوفة. فلما ثارت الرواندية به فيها كره سكناه لذلك ولجوار أهل الكوفة ~~أيضا PageV01P065 فإنه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده. ~~فخرج بنفسه يرتاد موضعا يسكنه هو وجنده. فقال له أهل الحذق: إنا نرى يا ~~أمير المؤمنين أن ms118 يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر ~~فإذا قطعته لم يصل إليك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل ~~والسواد. ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك. وتجيئك الميرة فيها من البر ~~والبحر. فازداد المنصور حرصا على النزول في ذلك الموضع. ولما عوم على بناء ~~بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى. فنقضه ونقله إلى بغداد. فنقضت ناحية من ~~القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد ~~فأعرض عن الهدم. وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان ~~من بعض. وعمل له سورين للداخل أعلى من الخارج. وبنى قصره في وسطها والمسجد ~~الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصلي أن ينحرف إلى باب ~~البصرة. وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم. فأمر الربيع فطاف ~~به في المدينة. فقال: كيف رأيت. قال: رأيت بناء حسنا إلا أني رأيت أعداءك ~~معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن ~~يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب. في سنة خمسين ومائة ~~مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام. وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار ~~المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد ~~إضاءة الفجر وبقي أثره بينا إلى طلوع الشمس. فأحضر المهدي ابنه وكان قد ~~صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان. وقال له أيضا: أوصيك بأهل البيت أن ~~تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل. وانظر مواليك وأحسن ~~إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك وما أظنك تفعل. وانظر هذه ~~المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل. ~~وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. هذه وصيتي إليك والله خليفتي ~~عليك. ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه. ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلا ~~اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام. فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها ms119 مع ~~السحر لست خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة. وحمل إلى مكة وحفروا ~~له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ~~ثلاثا وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة. وقيل في صفته وسيرته ~~أنه كان أسمر نحيفا خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى ~~الناس وأشدهم احتمالا لما يكون من عبث الصبيان. فإذا لبس ثيابه وخرج هابه ~~الأكابر فضلا عن الأصاغر. ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث. قال ~~حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة فقال: انظر ما هذا. ~~فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن ~~فأخبرته فقال: وأي شيء الطنبور. فوصفته له. فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور. ~~قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى إليهن. فلما رأينه تفرقن. فأمر بالخادم فضرب ~~رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه. ولم أفضى إليه الأمر أمر ~~بتغيير الزي وتطويل القلانس. فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل. وأمر بعد ~~دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار. فلما عرف عددهم جباهم أربعين ~~درهما أربعين درهما.نه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده. ~~فخرج بنفسه يرتاد موضعا يسكنه هو وجنده. فقال له أهل الحذق: إنا نرى يا ~~أمير المؤمنين أن يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر ~~فإذا قطعته لم يصل إليك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل ~~والسواد. ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك. وتجيئك الميرة فيها من البر ~~والبحر. فازداد المنصور حرصا على النزول في ذلك الموضع. ولما عوم على بناء ~~بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى. فنقضه ونقله إلى بغداد. فنقضت ناحية من ~~القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد ~~فأعرض عن الهدم. وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان ~~من بعض. وعمل له سورين للداخل أعلى ms120 من الخارج. وبنى قصره في وسطها والمسجد ~~الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصلي أن ينحرف إلى باب ~~البصرة. وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم. فأمر الربيع فطاف ~~به في المدينة. فقال: كيف رأيت. قال: رأيت بناء حسنا إلا أني رأيت أعداءك ~~معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن ~~يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب. في سنة خمسين ومائة ~~مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام. وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار ~~المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد ~~إضاءة الفجر وبقي أثره بينا إلى طلوع الشمس. فأحضر المهدي ابنه وكان قد ~~صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان. وقال له أيضا: أوصيك بأهل البيت أن ~~تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل. وانظر مواليك وأحسن ~~إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك وما أظنك تفعل. وانظر هذه ~~المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل. ~~وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. هذه وصيتي إليك والله خليفتي ~~عليك. ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه. ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلا ~~اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام. فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع ~~السحر لست خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة. وحمل إلى مكة وحفروا ~~له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ~~ثلاثا وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة. وقيل في صفته وسيرته ~~أنه كان أسمر نحيفا خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى ~~الناس وأشدهم احتمالا لما يكون من عبث الصبيان. فإذا لبس ثيابه وخرج هابه ~~الأكابر فضلا عن الأصاغر. ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث. قال ~~حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة فقال: ms121 انظر ما هذا. ~~فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن ~~فأخبرته فقال: وأي شيء الطنبور. فوصفته له. فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور. ~~قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى إليهن. فلما رأينه تفرقن. فأمر بالخادم فضرب ~~رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه. ولم أفضى إليه الأمر أمر ~~بتغيير الزي وتطويل القلانس. فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل. وأمر بعد ~~دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار. فلما عرف عددهم جباهم أربعين ~~درهما أربعين درهما. PageV01P066 وكان المنصور في صدر أمره عندما بنى بغداد ~~أدركه ضعف في معدته وسوء استمراء وقلة شهوة. وكلما عالجه الأطباء ازداد ~~مرضه. فقيل له عن جيورجيس بن بختيشوع الجنديسابوري انه أفضل الأطباء. فتقدم ~~بإحضاره. فأنفذه العامل بجنديسابور بعد ما أكرمه. فخرج ووصى ولده بختيشوع ~~بالبيمارستان واستصحب معه تلميذه عيس ابن شهلاثا ولما وصل إلى بغداد أمر ~~المنصور بإحضاره. فلما وصل إلى الحضرة دعا له بالفارسية والعربية. فعجب ~~المنصور من حسن منطقه ومنظره وأمره بالجلوس وسأله عن أشياء فأجابه عنها ~~بسكون. وخبره بمرضه. فقال له جيورجيس: أنا أدبرك بمشية الله وعونه. فأمر له ~~في الوقت بخلعة جليلة وتقدم إلى الربيع بإنزاله في أجمل موضع من دوره ~~وإكرامه كما يكرم أخص الأهل. ولم يزل جيورجيس يتلطف له في تدبيره حتى برئ ~~من مرضه وفرح به فرحا شديدا. وقال له يوما: من يخدمك ههنا. قال: تلامذتي. ~~فقال له الخليفة: سمعت أته ليست لك امرأة. فقال : لي زوجة كبيرة ضعيفة لا ~~تقدر على النهوض من موضعها. وانصرف من الحضرة ومضى إلى البيعة. فأمر ~~المنصور خادمه سالما أن يحمل من الجواري الروميات الحسان ثلاثا إلى جيورجيس ~~مع ثلاثة آلاف دينار. ففعل ذلك. فلما انصرف جيورجيس إلى منزله عرفه عيسى بن ~~شهلاثا تلميذه بما جرى وأراه الجواري. فأنكر أمرهن وقال لعيسى: يا تلميذ ~~الشيطان لم أدخلت هؤلاء إلى منزلي. أردت أن تنجسني. امض وردهن على أصحابهن. ~~فمضى إلى دار الخليفة وردهن على الخادم. فلما ms122 اتصل الخبر إلى المنصور أحضره ~~وقال له: لم رددت الجواري. قال: لا يجوز لنا معشر النصارى أن نتزوج بأكثر ~~من امرأة واحدة وما دامت المرأة حية لا نأخذ غيرها. فحسن موضع هذا من ~~الخليفة وزاد موضعه عنده. وهذا ثمرة العفة. ولما كان في سنة اثنتين وخمسين ~~ومائة مرض جيورجيس مرضا صعبا. ولما اشتد مرضه أمر المنصور بحمله إلى دار ~~العامة وخرج ماشيا إليه وتعرف خبره. فخبره وقال له: إن رأى أمير المؤمنين ~~أن يأذن لي في الانصراف إلى بلدي لانظر أهلي وولدي وإن مت قبرت مع آبائي. ~~فقال له: يا حكيم اتق الله وأسلم وأنا أضمن لك الجنة. قال جيورجيس قد رضيت ~~حيث آبائي في الجنة أو في النار. فضحك المنصور من قوله ثم قال: إنني منذ ~~رأيتك وجدت راحة من الأمراض التي كانت تعتادني. فقال جيورجيس: أنا أخلف بين ~~يدي أمير المؤمنين عيس تلميذي فهو ماهر. فأمر لجيورجيس بعشرة آلاف دينار ~~وأذن له بالانصراف وأنفذ معه خادما وقال: إن مات في الطريق فاحمله إلى ~~منزله ليدفن هناك كما أحب. فوصل إلى بلده حيا. ثم أمر المنصور بإحضار عيسى ~~ابن شهلاثا. فلما مثل بين يديه سأله عن أشياء فوجده ماهرا فاتخذه طبيبا. ~~ولما استصحبه المنصور بدأ في التشاور والأذية خاصة على المطارنة والأساقفة ~~ومطالبتهم بالرشى. ولما خرج المنصور في بعض أسفاره وصل إلى قريب نصيبين. ~~فكتب عيسى إلى قوفريان مطران نصيبين يتهدده ويتوعده إن منع عنه ما التمسه ~~منه. وكان عيسى قد التمس أن ينفذ له من آلات البيعة أشياء جليلة ثمينة لها ~~قدر. وكتب في كتابه إلى المطران: ألست تعلم أن أمر الخليفة في يدي إن أردت ~~أمرضته وإن أردت شفيته؟ فلما وقف المطران على الكتاب احتال في التوصل إلى ~~الربيع وشرح له صورة الحال فأقرأه الكتاب وأوصله الربيع إلى الخليفة ووقفه ~~على حقيقة الأمر. فأمر المنصور بأخذ جميع ما يملكه عيس الطبيب وتأديبه ~~ونفيه. ففعل به ذلك ونفي أقبح نفي. وهذا ثمرة الشر. وكان نوبخت المنجم ~~الفارسي يصحب ms123 المنصور وكان فاضلا حاذقا خبيرا باقتران الكواكب وحوادثها. ~~ولما ضعف عن الصحة قال له المنصور: أحضر ولدك ليقوم مقامك. فسير ولده أبا ~~سهل. قال أبو سهل: فلما دخلت على المنصور ومثلت بين يديه قيل لي: تسم لأمير ~~المؤمنين. فقلت: اسمي خرشاذماه طيماذاه ماباذار خسرو ابهمشاذ. فقال لي ~~المنصور: كل ما ذكرت فهو اسمك! " قال " قلت: نعم. فتبسم المنصور ثم قال: ما ~~صنع أبوك شيئا فاختر مني إحدى خلتين إما أن اقتصر بك من كل ما ذكرت على ~~طيماذ وإما أن تجعل لك كنية تقوم مقام الاسم وهي أبو سهل. قال أبو سهل: قد ~~رضيت بالكنية. فبقيت كنيته وبطل اسمه. PageV01P067 " المهدي بن المنصور " ~~لما مات المنصور ببئر ميمون لم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه. ~~فكتم الربيع موته وألبسه وسنده وجعل على وجهه كلة خفيفة يرى شخصه منها ولا ~~يفهم أمره وأدنى أهله منه. ثم قرب منه الربيع كأنه يخاطبه. ثم رجع إليهم ~~وأمرهم عنه بالبيعة للمهدي بن المنصور بن محمد الامام ولابن عمه عيسى بن ~~موسى بن محمد الامام بعده. فبايعوا. ثم أخرجهم. وبعد ذلك خرج إليهم باكيا ~~مشقوق الجيب لاطما رأسه. ثم وجه إلى المهدي بخبر وفاة المنصور وبالبيعة له ~~ولابن عمه عيسى بن موسى بعده. فأبى عيسى بن موسى من البيعة للمهدي وامتنع ~~بالكوفة وأراد أن يتحصن بها. فبعث المهدي أبا هريرة في ألف فارس فأخذه إلى ~~المهدي. ولم يزل يراوضه ويراوده حتى أجاب إلى خلع نفسه. فعوضه عنها عشرة ~~آلاف دينار وبايع للمهدي ولابنه موسى الهادي. وفي أيام المهدي خرج بخراسان ~~رجل يقال له يوسف البرم واستغوى خلقا فبعث إليه المهدي جيوشا ففضوا جموعه ~~وأسوره وحملوه إلى المهدي. فأمر به فصلب. وخرج المقنع وادعى النبوة وقال ~~بتناسخ الأرواح واتبه ناس كثيرون. وكان هذا رجلا أعور من قرية بمرو يقال ~~لها كره. وكان لايسفر عن وجهه لأصحابه فلذلك قيل له المقنع. وكان يحسن شيئا ~~من الشعبذة وأبواب النيرنجيات فاستغوى أهل العقول الضعيفة واستمالهم، فبعث ~~المهدي في طلبه ms124 فصار إلى مار وراء النهر وتحصن في قلعة كنس وجمع فيها من ~~الطعام والعلوفة وبث الدعاة في الناس وأدعى إحياء الموتى وعلم الغيب. وألح ~~المهدي في طلبه فحوصر. فلما اشتد الحصار عليه وأيقن بالهلاك جمع نساءه ~~وأهله كلهم وسقاهم السم فماتوا عن آخرهم. وأحرق كل ما في القلعة من دابة ~~وثوب وطعام. وألقى نفسه في النار لئلا يلقى جسده العدو. ودخل العسكر القلعة ~~ووجدوها خالية خاوية. وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه بما ~~وراء النهر. وكان وعدهم أن تتحول روحه إلى قالب رجل أشمط على برذون أشهب ~~وإنه يعود إليهم بعد كذا سنة ويملكهم الأرض. فهم بعد يتنظرونه ويسمون ~~المبيضة. وفي سنة خمس وستين ومائة سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم. فسار ~~حتى بلغ خليج القسطنطينية. وصاحب الروم يومئذ ايريني امرأة لاون الملك. ~~وذلك أن ابنها كان صغيرا قد هلك أبوه وهو في حجرها. فجزعت المرأة من ~~المسلمين وطلبت الصلح من الرشيد. فجرى الصلح بينهم على الفدية وأن تقيم له ~~الادلاء والأسواق في طريقه. وذلك أنه دخل مدخلا ضيقا مخوفا من أحد جانبيه ~~جبل وعر ومن جانبه الآخر نهر ساغريس. فأجابته إلى ذلك ومقدار الفدية سبعون ~~ألف دينار لكل سنة ورجع عنها. واو كانت ذات همة لأمكنها منع المسلمين من ~~الخروج والفتك بهم. وفي سنة تسع وستين ومائة عزم المهدي على خلع ابنه ~~الموسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد. فبعث إليه وهو بجرجان في ~~المعنى. فلم يفعل وامتنع من القدوم أيضا. فسار المهدي يريده. فلما بلغ ~~ماسبذان. عمدت حسنة جاريته إلى كمثرى فأهدته جارية أخرى كان المهدي يتخطاها ~~وسمت منه كمثراة هي أحسن الكمثرى. فاجتاز الخادم بالمهدي وكان يعجبه ~~الكمثرى فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها. فلما وصلت إلى جوفه صاح: جوفي ~~جوفي. فسمعت حسنة بموته فجاءت تبكي وتلطم وجهها وتقول: أردت أن أنفرد بك ~~فقتلتك. فمات من يومه وكان موته في المحرم لثمان بقين منه سنة تسع وستين ~~ومائة وكانت خلافته عشر سنين وتوفي وهو ابن ms125 ثلاث وأربعين سنة ودفن تحت جوزة ~~كان يجلس تحتها. PageV01P068 حكي إنه لما هم المهدي بالخروج إلى ماسبذان ~~تقدم إلى حسنة حظيته أن تخرج معه. فأرسلت إلى توفيل بن توما النصراني ~~المنجم الرهاوي وهو رئيس منجمي المهدي قائلة له: إنك أشرت على أمير ~~المؤمنين بهذا السفر فجشمتنا سفرا لم يكن في الحساب. فعجل الله موتك ~~وأراحنا منك. فلما بلغته رسالتها قال للجارية التي أتته بها: إرجعي إليه ~~وقولي لها أن هذه الإشارة ليست مني. وإما دعاؤك علي بتعجيل الموت فهذا شيء ~~قد قضى الله به وموتي سريع فلا تتوهمي أن دعوتك استجيبت. ولكن أعدي لنفسك ~~ترابا كثيرا. فإذا أنا مت فاجعليه على رأسك. فما زالت متوقعة تأويل قوله ~~منذ توفي حتى توفي المهدي بعد عشرين يوما. وكان توفيل هذا على مذهب ~~الموارنة الذين في جبل لبنان من مذاهب النصارى. وله كتاب تاريخ حسن ونقا ~~كتابي اوميروس الشاعر على فتح مدينة ايليون في قديم الدهر من اليونانية إلى ~~السريانية بغاية ما يكون من الفصاحة. # وفي هذا الزمان اشتهر في الطب أبو قريش طبيب المهدي وهو المعروف بعيسى ~~الصيدلاني. ولم يذكر هذا في جملة الأطباء لأنه كان ماهرا بالصناعة وإنما ~~يذكر لظريف خبره وما فيه من العبرة وحسن الاتفاق. وهو أن هذا الرجل كان ~~صيدلانيا ضعيف الحال جدا. فتشكت الخيزران حظية المهدي وكانت من مولدات ~~المدينة. وتقدمت إلى جاريتها بأن تخرج القارورة إلى طبيب غريب لا يعرفها. ~~وكان أبو قريش بالقرب من القصر الذي للمهدي. فلما وقع نظر الجارية عليه ~~أرته القارورة. فقال لها: لمن هذا الماء؟ فقالت: لامرأة ضعيفة. فقال: بل ~~لملكة جليلة عظيمة الشأن وهي حبلى بملك. وكان هذا القول منه على سبيل ~~الرزق. فانصرفت الجارية من عنده وأخبرت الخيزران بما سمعت منه. ففرحت بذلك ~~فرحا شديدا وقالت: ينبغي أن تضعي علامة على دكانه حتى إذا صح قوله اتخذناه ~~طبيبا لنا. وبعد مدة ظهر الحبل وفرح به المهدي فرحا شديدا. فأنفذت الخيزران ~~إلى أبي قريش خلعتين فاخرتين وثلاثمائة دينار وقالت: استعن ms126 بهذه على أمرك. ~~فإن صح ما قلته استصحبناك. فعجب أبو قريش من ذلك وقال: هذا من عمدي ربي عز ~~وجل لأنني ما قلته للجارية إلا وقد كان هاجسا من غير أصل. ولما ولدت ~~الخيزران موسى الهادئ سر المهدي سرورا عظيما. وحدثته الخيزران الحديث ~~فاستدعى أبا قريش وخاطبه. فلم يجد عنده علما بالصناعة إلا شيئا يسيرا من ~~علم الصيدلة. إلا أنه اتخذه طبيبا لما جرى منه واستصحبه وأكرمه الإكرام ~~التام وحظي عنده. # " الهادي بن المهدي " لما توفي المهدي كان الرشيد معه في ماسبذان. فكتب ~~إلى الآفاق بوفاة المهدي والبيعة لموسى الهادي. وسار نصير الوصيف إلى ~~الهادي بجرجان يعلمه بوفاة المهدي والبيعة له. فنادى بالرحيل. ولما قدم ~~بغداد استوزر الربيع. وفي هذه السنة وهي سنة تسع وستين ومائة تتبع الهادي ~~الزنادقة وقتل منهم جماعة كانوا إذا نظروا إلى الناس في الطواف يهزلون ~~ويقولون: ما أشبههم ببقر تدوس البيدر. وقتل أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد ~~الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب. # وفي سنة سبعين ومائة توفي الهادي. وسبب وفاته إنه لما ولي الخلافة كانت ~~أمه الخيزران تستبد بالأمور دونه. وكلمته يوما في أمر لم يجد إلى أجابتها ~~سبيلا. فقالت: لا بد من الإجابة إليه. فغضب الهادي وقال: والله لا قضيتها ~~لك. قالت: إذا والله لا أسألك حاجة أبدا. قال: لا أبالي. فقامت مغضبة. ~~فقال: مكانك. والله لئن بلغني أنه وقف في بابك أحد من قوادي لأضربن عنقه. ~~ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك. أما لم مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك ~~أو بيت يصونك! فانصرفت وهي لا تعقل. ووضعت جواريها عليه لما مرض فقتلنه ~~بالغم وبالجلوس على وجهه. فمات ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول. وكانت ~~خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان عمره ستا وعشرين سنة. PageV01P069 " هرون ~~الرشيد بن المهدي " لما توفي الهادي بويع الرشيد هرون بالخلافة في الليلة ~~التي مات فيها الهادي. وكان عمره حين ولي اثنتين وعشرين سنة. وأمه ~~الخيزران. ولما مات الهادي خرج الرشيد فصلى ms127 عليه بعيساباذ. ولما عاد الرشيد ~~إلى بغداد وبلغ الجسر دعا الغواصين وقال: كان أبي قد وهب لي خاتما شراؤه ~~مائة ألف دينار. فأتاني رسول الهادي أخي يطلب الخاتم وأنا ههنا فألقيته في ~~الماء. فغاصوا عليه وأخرجوه فسر به. ولما مات الهادي هجم خزيمة بن خازم تلك ~~الليلة على جعفر بن الهادي فأخذه من فراشه وقال له: لتخلعنها أو لأضربن ~~عنقك. فأجاب إلى الخلع. وأشهد الناس عليه. فحظي بها خزيمة. # وقيل لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد البرمكي إلى الرشيد فأعلمه بموته. ~~فبينما هو يكلمه إذ أتاه رسول آخر يبشه بمولود. فسماه عبد الله وهو ~~المأمون. فقيل: في ليلة مات خليفة وقام خليفة وولد خليفة. وفي هذه السنة ~~ولد الأمين واسمه محمد في شوال وكان المأمون أكبر منه. ولما ولي الرشيد ~~استوزر يحيى البرمكي. # وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية ~~العهد بعد الأمين وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ولقبه المأمون وسلمه ~~إلى جعفر بن يحيى البرمكي. وفيها حملت بنت خاقان الخزر إلى الفضل بن يحيى ~~البرمكي. فماتت ببرذعة فرجع من معها إلى أبيها فأخبروه أنها قتلت غيلة ~~فتجهز إلى بلاد الإسلام. وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن لاون ~~وأقروا أمه ايريني. وغزا المسلمون الصائفة فبلغوا أفسوس مدينة أصحاب الكهف. ~~وفي سنة ثلاث وثمانين ومائة خرج الخزر بسبب ابنه خاقان من بابا الأبواب ~~فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة وسبوا أكثر من مائة ألف رأس وانتهكوا أمرا ~~عظيما لم يسمع بمثله في الأرض. # وفي سنة ست وثمانين ومائة أخرج الرشيد البيعة للقاسم ابنه بولاية العهد ~~بعد المأمون وسماه المؤتمن. وفي سنة سبع وثمانين ومائة خلعت الروم ايريني ~~الملكة وملكت نيقيفور وهو من أولاد جبلة. فكتب إلى الرشيد: من نيقيفور ملك ~~الروم إلى هرون ملك العرب. أما بعد فإن الملكة ايريني حملت إليك من أموالها ~~ما كنت حقيقا بحمل أضعافه إليها. لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن. فإذا قرأت ~~كتابي هذا فاردد ما أخذت وإلا فالسيف بيننا ms128 وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب ~~استفزه الغضب وكتب في ظهر الكتاب: من هرون أمير المؤمنين إلى نيقيفور زعيم ~~الروم. قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه. ثم سار من يومه حتى ~~نزل على هرقلة فأحرق وخرب ورجع. وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل ~~جعفر بن يحيى البرمكي وحبس أخاه الفضل وأباه يحيى بالرقة حتى ماتا. وكتب ~~إلى العمال في جميع النواحي بالقبض على البرامكة واستصفى أموالهم. وفي سنة ~~تسعين ومائة ظهر رافع بن الليث بما وراء النهر مخالفا للرشيد بسمرقند. وفي ~~سنة اثنتين وتسعين ومائة سار الرشيد من الرقة إلى بغداد يريد خراسان لحرب ~~رافع. ولما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة. ولما بلغ جرجان في صفر اشتد ~~مرضه. وكان معه ابنه المأمون. فسيره إلى مرو ومعه جماعة من القواد. وسار ~~الرشيد إلى طوس. واشتد به المرض حتى ضعف عن الحركة. ووصل إليه هناك بشير بن ~~الليث أخو رافع أسيرا فقال له الرشيد: والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك ~~شفتي بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصاب فأمر به ففصل أعضاءه. فلما فرغ منه ~~أغمي عليه ثم مات ودفن بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكانت خلافته ثلاثا ~~وعشرين سنة. وكان عمره سبعا وأربعين سنة. وكان جميلا وسيما أبيض جعدا قد ~~وخطه الشيب. وكان بعهده ثلاثة الأمين وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور ثم ~~المأمون وأمه أم ولد اسمها مراجل ثم المؤتمن وأمه أم ولد. قيل: وكان الرشيد ~~يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا من مرض. وكان يتصدق من صلب ~~ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته. PageV01P070 قيل أن الرشيد في بدء خلافته ~~سنة إحدى وسبعين ومائة مرض من صداع لحقه. فقال ليحيى بن خالد بن برمك: ~~هؤلاء الأطباء ليسوا يفهمون شيئا وينبغي أن تطلب لي طبيبا ماهرا. فقال له ~~عن بختيشوع بن جيورجيس. فأرسل البريد في طلبه إلى جنديسابور. ولما كان بعد ~~أيام ورد ودخل على الرشيد. فأكرمه وخلع عليه خلعة ms129 سنية ووهب له مالا وافرا ~~وجعله رئيس الأطباء. ولما كان في سنة خمس وسبعين ومائة مرض جعفر بن يحيى بن ~~خالد بن برمك. فتقدم الرشيد إلى بختيشوع أن يخدمه. ولما أفاق الجعفر من ~~مرضه قال لبختيشوع: أريد أن تختار لي طبيبا ماهرا أكرمه وأحسن إليه. قال له ~~بختيشوع: لست أعرف في هؤلاء الأطباء أحذق من ابني جبريل. فقال له جعفر: ~~أحضرنيه. فلما أحضره شكا إليه مرضا كان يخفيه. فدبره في مدة ثلاثة أيام ~~وبرئ. فأحبه جعفر مثل نفسه. وفي بعض الأيام تمطت حظية الرشيد ورفعت يدها ~~فبقيت مبسوطة لا يمكنها ردها والأطباء يعالجونها بالتمريخ والأدهان فلا ~~ينفع ذلك شيئا. فقال له جعفر عن جبريل ومهارته. فأحضره وشرح له حال الصبية. ~~فقال جبريل: إن لم يسخط أمير المؤمنين علي فلها عندي حيلة. قال له الرشيد: ~~ما هي؟ قال: تخرج الجارية إلى هاهنا بحضرة الجمع حتى أعمل ما أريد وتتمهل ~~علي ولا تسخط عاجلا. فأمر الرشيد فخرجت وحين رآها جبريل أسرع إليها ونكس ~~رأسها وأمسك ذيلها فانزعجت الجارية ومن شدة الحياء والانزعاج استرسلت ~~أعضاؤها وبسطت يدها إلى أسفل وأمسكت ذيلها. فقال جبريل: لقد برئت يا أمير ~~المؤمنين. فقال الرشيد للجارية ابسطي يدك يمنة ويسرة. ففعلت. فعجب الرشيد ~~وكل من حضر وأمر لجبريل في الوقت بخمسمائة ألف درهم وأحبه. ولما سئل عن سبب ~~العلة قال: هذه الصبية انصب إلى أعضائها وقت الغشيان خلط رقيق بالحركة ~~وانتشار الحرارة ولأجل أن سكون حركة الغشيان تكون بغتة جمدت الفضلة في بطون ~~الأعصاب وما كان يحلها إلا حركة مثلها فاحتلت حتى انبسطت حرارتها وحلت ~~الفضلة فبرئت. PageV01P071 ومن أطباء الرشيد يوحنا بن ماسويه النصراني ~~السرياني ولاه الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة. وخدم الرشيد ومن بعده ~~إلى أيام المتوكل وكان معظما ببغداد جليل القدر وله تصانيف جميلة. وكان ~~يعقد مجلسا للنظر ويجري فيه من كل نوع من العلوم القديمة بأحسن عبارة. وكان ~~يدرس ويجتمع إليه تلاميذ كثيرون. وكان في يوحنا دعابة شديدة يحضره من يحضره ~~لأجلها في الأكثر. وكان ms130 من ضيق الصدر وشدة الحدة على أكثر مما كان عليه ~~جبريل بن بختيشوع. وكانت الحدة تخرج من يوحنا الفاظا مضحكة. فما جفظ من ~~نوادره أن رجلا شكا إليه علة كان شفاه منها الفصد فأشار عليه به. فقال له: ~~لم أعتد الفصد. قال له يوحنا: ولا أحسبك اعتدت العلة من بطن أمك. وصار إليه ~~قسيس وقال: قد فسدت علي معدتي. فقال له يوحنا: استعمل جوارشن الخوزي. فقال ~~له: قد فعلت. قال: فاستعمل الكموني. قال: قد استعملت منه أرطالا. فأمره ~~باستعمال البنداذيقون. فقال: قد شريت منه جرة. قال: استعمل المروسيا. فقال ~~له: قد فعلت وأكثرت. فغضب يوحنا وقال له: إن أردت أن تبرأ فأسلم فإن ~~الإسلام يصلح المعدة. وكان بختيشوع بن جبريل يداعب يوحنا كثيرا. فقال له في ~~مجلس ابراهيم بن المهدي وهم في معسكر المعتصم بالمدائن سنة عشرين ومائتين: ~~أنت أبا زكريا أخي ابن أبي. فقال يوحنا لإبراهيم: اشهد على أقراره فوالله ~~لأقاسمنه ميراثه من أبيه. فقال له بختيشوع: إن أولاد الزنا لا يرثون. ~~فانقطع يوحنا ولم يحر جوابا. ومن الأطباء في أيام الرشيد صالح بن بهلة ~~الهندي. ومن عجيب ما جرى له أن الرشيد في بعض الأيام قدمت له الموائد. فطلب ~~جبريل بن بختيشوع يحضر أكله على عادته في ذلك فلم يوجد فلعنه الرشيد. ~~فبينما هو في لعنته إذ دخل عليه. فقال له: أين كنت وطفق يذكره بشر. فقال: ~~إن أشتغل أمير المؤمنين بالبكاء على ابن عمه ابراهيم بن صالح وترك تناولي ~~بالسب كان أشبه. فسأله عن خبر ابراهيم. فأعلمه أنه خلفه وبه رمق ينقضي آخره ~~وقت صلاة العتمة. فاشتد جزع الرشيد من ذلك وأمر برفع الموائد وكثر بكاؤه. ~~فأشار جعفر بن يحيى البرمكي أن يمضي صالح الطبيب الهندي إليه ويعاينه ويجس ~~نبضه. فمضى وتأمله ورجع إلى جعفر قائلا: إن مات هذا من هذه العلة كل امرأة ~~لي طالق ثلاثا بتاتا. فلما كان وقت العتمة ورد كتاب صاحب البريد بوفاة ~~ابراهيم على الرشيد فأقبل يلعن الهند وطبهم. فحضر صالح بين ms131 يدي الرشيد ~~فقال: الله الله أن تدفن ابن عمك حيا فوالله ما مات. قم حتى أريك عجبا. ~~فدخل إليه الرشيد ومعه جماعة من خواصه. فأخرج صالح أبرة كانت معه وأدخلها ~~بين ظفر ابهام يده اليسرى ولحمه. فجذب ابراهيم يده وردها إلى بدنه. فقال ~~صالح: يا أمير المؤمنين هل يحس الميت بالوجع. ثم نفخ شيئا من الكندس في ~~أنفه. فمكث مقدار سدس ساعة ثم اضطرب بدنه وعطس وجلس وكلم الرشيد وقبل يده. ~~وسأله الرشيد عن قضيته. فذكر أنه كان نائما نوما لا يذكر أنه نام مثله قط ~~طيبا إلا أنه رأى في منامه كلبا قد أهوى إليه فتوقاه بيده فعض ابهام يده ~~اليسرى عضة انتبه بها وهو يحس بوجعها وأراه موضع الابرة. وعاش ابراهيم بعد ~~ذلك دهرا وولي مصر وتوفي بها وهناك قبره. PageV01P072 " الأمين بن الرشيد " ~~انتهى الامر إليه بعد أبيه باثني عشر يوما. بويع له في عسكر الرشيد وكان ~~المأمون حينئذ بمرو. وفي سنة أربع وتسعين ومائة قدم الفضل ابن الربيع ~~العراق من طوس ونكث عهد المأمون وسعى في إغراء الأمين وحثه على خلع المأمون ~~والبيعة لابنه موسى بولاية العهد. فأمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه ~~موسى ونهى عن الدعاء للمأمون. وأمر بأبطال ما ضرب المأمون من الدراهم ~~والدنانير بخراسان. وندب الأمين علي بن عيسى بن ماهان للقاء المأمون. ولما ~~عزم على المسير من بغداد ركب إلى باب زبيدة أم الأمين ليودعها. فقالت له: ~~يا علي أعرف لعبد الله المأمون حق ولادته ولا تقتسره اقتسار العبيد إذا ~~ظفرت به ولا تعنف عليه في السير وإن شتمك فاحتمله. ثم دفعت إليه قيدا من ~~فضة وقالت: قيده بهذا القيد. ثم خرج علي في عشرة آلاف فارس. وبلغ الخبر ~~المأمون فتسمى بأمير المؤمنين وانهض هرثمة بن أعين في أقل من أربعة آلاف ~~فارس وعلى مقدمته طاهر بن الحسين. ثم خرج طاهر في أصحابه من الري على خمسة ~~فراسخ. وسار إليه علي وزحف الناس بعضهم إلى بعض وحملت ميمنة علي وميسرته ~~على ميسرة طاهر ms132 وميمنته فأزالتاهما عن موضعيهما. وحمل قلب طاهر على قلب علي ~~فهزموه. ورجع المنهزمون من معسكر طاهر على من بازائهم فهزموهم. ورمى رجل ~~اسمه داود شاه عليا بسهم فقتله. وحمل رأسه إلى طاهر وأنفذه إلى المأمون. ~~وكان علي قليل الاحتياط من طاهر. وكان يقول لأصحابه: ما بينكم وبين أن ~~ينقصف طاهر انقصاف الشجر من الريح إلا أن نعبر عقبة همذان. ولما قتل علي ~~بعث المأمون إلى طاهر بالهدايا وأمره أن يمضي إلى العراق. فأخذ طاهر على ~~طريق الاهواز وأخذ هرثمة على طريق حلوان. فشغب الجند على محمد الامين ~~ووثبوا عليه وخلعوه وحبسوه مع أمه زبيدة وولده. ثم أخرجوه وبايعوه وكان ~~حبسه يومين. ثم حاصر طاهر وهرثمة محمدا الامين وجعلا يحاربان أصحابه سنة ~~ببغداد فقل أصحابه وخفت يده من المال وضعف أمره. فوجه إلى هرثمة يسأله ~~الأمان. فأمنه وضمن له الوفاء من المأمون. فلما علم ذلك طاهر اشتد عليه ~~وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة وقال: هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه وأنا ~~أخرجته بالحصار حتى طلب الامان فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون له الفتح ~~دوني. وكان الأمين يكره الخروج إلى طاهر لمنام رآه. فلما كان ليلة الاحد ~~لخمس بقين من محرم سنة ثماني وتسعين ومائة خرج بعد العشاء الآخرة إلى صحن ~~الدار ودعا بابنيه وضمهما إليه وقبلهما وقال: استودعكما الله عز وجل. ثم ~~جاء راكبا إلى الشط. فإذا حراقة هرثمة فصعد إليها وأمر هرثمة الحراقة أن ~~تدفع. فأدركهم أصحاب طاهر في الزواريق وحملوا على الحراقة بالنفط والحجارة ~~فانكفأت بمن فيها وسقط هرثمة إلى الماء فتعلق الملاح بشعره فأخرجه. وأما ~~الأمين فإنه لما سقط إلى الماء شق ثيابه وسبح حتى خرج بشط البصرة. فأخذه ~~أصحاب طاهر وجاءوا إلى بيت وهو عريان عليه سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة ~~خلقة فحبسوه هناك. فلما انتصف الليل دخل عليه قوم من العجم معهم السيوف ~~مسلولة. فلما رآهم جعل يقول: ويحكم أنا ابن عم رسول الله أنا ابن هرون أنا ~~أخو المأمون. الله الله ms133 في دمي. فضربه رجل منهم بالسيف في مقدمة رأسه ونخسه ~~آخر في خاصرته وركبوه فذبحوه ذبحا وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر. فبعث به ~~إلى المأمون. وكانت خلافة الأمين أربع سنين وثمانية أشهر وكان عمره ثمانيا ~~وعشرين سنة. وقيل: لمل ملك الأمين وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته طلب الخصيان ~~وابتاعهم وغالى فيهم وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وأمره ونهيه ووجه إلى ~~البلدان في طلب أصحاب اللهو وضمهم إليه وأجرى عليهم الأرزاق وقسم ما في ~~بيوت الاموال من الجواهر في خصيانه ونسائه الاحرار وعمل خمس حراقات في دجلة ~~على صورة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس. # فقال أبو نواس في ذلك: # عجب الناس إذ رأوك على صو ... رة ليث يمر مر السحاب # سبحوا إذ رأوك سرت عليه ... كيف لو أبصروك فوق العقاب PageV01P073 واحتجب ~~عن أخوته وأهل بيته واستخف بهم وبقواده وأمر ببناء مجالس لمنتزهاته ولهو ~~وأحبته. وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة فتصعد إليه عشر عشر ~~بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد. وقيل أنه لما أتاه نعي علي بن عيسى كان ~~يصطاد السمك. فقال للذي أخبره بذلك: دعني فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ~~ما اصطدت شيئا بعد. وبالجملة لم يوجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حكمة ~~ومعدلة أو تجربة حتى تذكر. # " المأمون بن الرشيد " لما خلص المأمون بعث إلى علي بن موسى بن جعفر ابن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فأقدمه خراسان وجعله ولي عهد ~~المسلمين والخليفة من بعده وزوجه ابنته أم حبيبة ولقبه الرضا من آل محمد. ~~وأمر جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة وكتب بذلك إلى الآفاق أنه نظر في ~~بني العباس وبني علي فلم يجد أحدا أفضل ولا أروع ولا أعلم من علي بن موسى ~~فلذلك عقد له العهد من بعده. فشق ذلك على بني هاشم وغضب بنو العباس فقالوا: ~~لا تخرج الخلافة منا إلى أعدائنا. فخلعوا المأمون وبايعوا ابراهيم بن ~~المهدي بن المنصور بن محمد الامام بن علي بن عبد ms134 الله بن عباس وسموه ~~المبارك. وفي سنة ثلاث وثمانين مات علي بن موسى الرضا وكان سبب موته أنه ~~أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة في آخر صفر بمدينة طوس فدفنه المأمون عند قبر ~~أبيه الرشيد. وفي هذه السنة خلع أهل بغداد ابراهيم بن المهدي فاختفى ليلة ~~الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة ولم يزل متواريا. وقدم المأمون بغداد ~~وانقطعت الفتن. وفي هذه السنة وهي سنة أربع ومائتين مات الإمام محمد بن ~~ادريس الشافعي. وفي سنة عشر ومائتين في ربيع الآخر أخذ ابراهيم بن المهدي ~~وهو متنقب مع امرأتين وهو في زي امرأة أخذه حارس أسود ليلا فقال: من انتن ~~وأين تردن هذا الوقت. ولما استراب بهن رفعهن إلى صاحب المسلحة. فأمرهن أن ~~يسفرن. فامتنع ابراهيم. فجذبه فبدت لحيته فرفعه إلى بابا المأمون واحتفظ به ~~إلى بكرة. فلما كان الغد أقعد ابراهيم في دار المأمون والمقنعة في عنقه ~~والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم. ثم عفا عنه وأمنه ونادمه. وفي سنة سبع ~~عشرة ومائتين سار المأمون إلى بلد الروم فأناخ على لؤلؤة مائة يوم. ثم رحل ~~عنها وترك لها عجيفا. فخدعه أهلها وأسروه فبقي عندهم ثمانية أيام ثم ~~أخرجوه. وفي سنة ثماني عشرة ومائتين كتب المأمون إلى اسحق بن ابراهيم في ~~امتحان القضاة والمحدثين بالقرآن فمن أقر أنه مخلوق محدث خلى سبيله ومن أبى ~~أعلمه به ليأمر فيه برأيه. وفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات به ~~لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة. وكان سبب مرضه أنه كان جالسا على شاطئ ~~البدندون وأخوه أبو اسحق المعتصم عن يمينه وهما قد دليا أرجلهما في الماء. ~~فبينما هو متعجب من عذوبته وصفائه وشدة برده إذ جاءته الألطاف من العراق ~~وكان فيها رطب ازاذ كأنما جني تلك الساعة. فأكل منه وشرب من ذلك الماء فما ~~قام إلا وهو محموم وكانت منيته من تلك العلة. فلما أنه مرض خلع أخاه القاسم ~~المؤتمن وأخذ البيعة لأخيه أبي اسحق المعتصم وأمر أن يكتب إلى البلاد الكتب ms135 ~~من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي اسحق المعتصم ~~بن هرون الرشيد. ولما حضره الموت كان عنده ابن ماسويه الطبيب. وكان عنده من ~~يلقنه فعرض عليه الشهادة. فأراد الكلام فعجز عنه. ثم أنه تكلم فقال: يا من ~~لايموت أرحم من يموت. ثم توفي من ساعته. فحمله ابنه العباس وأخوه المعتصم ~~إلى طرسوس فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد. وكانت خلافته عشرين سنة. وكان ~~ربعة أبيض جميلا طويل اللحية رقيقها قد وخطه الشيب وقيل كان أسمر تعلوه ~~صفرة. وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة. PageV01P074 قال القاضي صاعد بن أحمد ~~الاندلسي أن العرب في صدر الاسلام لم تعن بشيء من العلوم إلا بلغتها ومعرفة ~~أحكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم غير ~~منكورة عند جماهيرهم لحاجة الناس طرا إليها. فهذه كانت حال العرب في الدولة ~~الأموية. فلما أدال الله تعالى للهاشمية وصرف الملك إليهم ثابت الهمممن ~~غفلتها وهبت الفطن من ميتتها. وكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني ~~أبو جعفر المنصور. وكان مع براعته في الفقه كلفا في علم الفلسفة وخاصة في ~~علم النجوم. ثم لما أفضت الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون ~~بن هرون الرشيد تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم في مواضعه ~~وداخل ملوك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة. فبعثوا إليه منها ~~ما حضرهم فاستجاد له مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها فترجمت له على ~~غاية ما أمكن. ثم حرض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها فكان يخلو ~~بالحكماء ويأنس بمناظراتهم ويلتذ بمذاكرتهم علما منه بأن أهل العلم هم صفوة ~~الله من خلقه ونخبته من عباده لأنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس ~~الناطقة وزهدوا فيما يرغب فيه الصين والترك ومن نزع منزعهم من التنافس في ~~دقة الصنائع العملية والتباهي بأخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوى ~~الشهوانية إذ علموا أن البهائم تشركهم فيها وتفضلهم في كثير منها. أما في ~~أحكام الصنعة فكالنحل المحكمة لتسديس مخازن قوتها. ms136 وأما في الجرأة والشجاعة ~~فكالأسد وغيره من السباع التي لا يتعاطى الانسان إقدامها ولا يدعي بسالتها. ~~وأما في الشبق فكالخنزير وغيره مما لا حاجة إلى ابانته. فلهذا السبب كان ~~أهل العلم مصابيح الدجى وسادة البشر وأوحشت الدنيا لفقدهم. فمن المنجمين في ~~أيام المأمون حبش الحاسب المروزي الأصل البغدادي الدار. وله ثلاثة أزياج. ~~أولها المؤلف على مذهب السند هند. والثاني الممتحن وهو أشهرها ألفة بعد إن ~~رجع إلى معاناة الرصد وأوجبه الامتحان في زمانه. والثالث الزيج الصغير ~~المعروف بالشاة. وله كتب غير هذه. وبلغ من عمره مائة سنة. ومنهم أحمد بن ~~كثير الفرغاني صاحب المدخل إلى هيئة الافلاك يحتوي على جوامع كتاب بطليموس ~~بأعذب لفظ وأبين عبارة. ومنهم عبد الله بن سهل بن نوبخت كبير القدر في علم ~~النجوم. ومنهم محمد بن موسى الخوارزمي. وكان الناس قبل الرصد وبعده يعولون ~~على زيجه الأول والثاني ويعرف بالسند هند. ومنهم ماشاء الله اليهودي. كان ~~في زمن المنصوروعاش إلى أيام المأمون وكان فاضلا أوحد زمانه له حظ قوي في ~~سهم الغيب. ومنهم يحيى ابن أبي المنصور رجل فاضل كبير القدر إذ ذاك مكين ~~المكان. ولما عزم المأمون على رصد الكواكب تقدم إليه وإلى جماعة من العلماء ~~بالرصد وإصلاح آلاته. ففعلوا ذلك بالشماسية ببغداد وجبل قاسيون بدمشق. قال ~~أبو معشر: اخبرني محمد بن موسى المنجم الجليس وليس بالخوارزمي قال: حدثني ~~يحيى بن منصور قال: دخلت إلى المأمون وعنده جماعة من المنجمين وعنده رجل ~~يدعي النبوة وقد دعا له المأمون بالعاصمي ولم يحضر بعد ونحن لا نعلم. فقال ~~لي ولمن حضر من المنجمين: اذهبوا وخذوا الطالع لدعوى الرجل في شيء يدعيه ~~وعرفوني ما يدل عليه الفلك من صدقه وكذبه. ولم يعلمنا المأمون أنه متنبئ. " ~~قال " فحملنا إلى بعض تلك الصحون فأحكمنا أمر الطالع وصورنا موضع الشمس ~~والقمر في دقيقة واحدة وسهم السعادة منهم وسهم الغيب في دقيقة واحدة مع ~~دقيقة الطالع والطالع الجدي والمشتري في السنبلة ينظر إليه والزهرة وعطارد ~~في العقرب ينظران إليه. فقال كل ms137 من حضر من القوم: ما يدعيه صحيح. وأنا ساكت ~~فقال لي المأمون: ما قلت أنت؟ فقلت: هو في طلب تصحيحه وله حجة زهرية ~~عطاردية. وتصحيح الذي يدعيه لا يتم له ولا ينتظم. فقال لي: من أين قلت هذا؟ ~~قلت: لأن صحة الدعاةي من المشتري ومن تثليث الشمس وتسديسها إذا كانت الشمس ~~غير منحوسة وهذا الطالع يخالفه لأنه هبوط المشتري والمشتري ينظر إليه نظرة ~~موافقة إلا أنه كاره لهذا البرج والبرج كاره له فلا يتم التصديق والتصحيح. ~~والذي قال من حجة زهرية وعطاردية. إنما هو ضرب من التخمين والتزويق والخداع ~~يتعجب منه ويستحب. فقال لي المأمون: أنت لله درك. ثم قال: أتدرون من الرجل؟ ~~قلنا له: لا. قال: هذا يدعي النبوة. فقلت: يا أمير المؤمنين PageV01P075 ~~أمعه شيء يحتج به؟ فسأله. فقال: نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه فلا يتعين منه ~~شيء يحتج به ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك حتى ينزعه. ومعي قلم ~~شامي آخذه فأكتب به ويأخذه غيري فلا ينطلق اصبعه. فقلت: يا سيدي هذه الزهرة ~~وعطارد قد عملا عملهما. فأمره المأمون بعمل ما ادعاه. فقلنا له: هذا ضرب من ~~الطلسمات. فما زال به المأمون أياما كثيرة حنى أقر وتبرأ من دعوة النبوة ~~ووصف الحيلة التي احتالها في الخاتم والقلم. فوهب له ألف دينار. فتلقيناه ~~بعد ذلك فإذا هو أعلم الناس بعلم التنجيم. قال أبو معشر:وهو الذي عمل طلسم ~~الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد. قال أبو معشر: لو كنت مكان القوم لقلت ~~أشياء ذهبت عليهم كنت أقول:الدعوى باطلة لأن البرج منقلب والمشتري في ~~الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران في برج كذاب وهو العقرب. ومن ~~الحكماء يوحنا بن البطريق الترجمان مولى المأمون كان أمينا على ترجمة الكتب ~~الحكمية حسن التأدية للمعاني ألكن اللسان في العربية وكانت الفلسفة أغلب ~~عليه من الطب. ومن الأطباء سهل بن سابور ويعرف بالكوسج. كان بالأهواز وفي ~~لسانه لكنة خوزية وتقدم بالطب في أيام المأمون. وكان إذا اجتمع مع يوحنا ~~ابن ماسويه وجيورجيس ms138 بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري قصر عنهم ~~في العبارة ولم يقصر عنهم في العلاج. ومن دعاباته أنه تمارض وأحضر شهودا ~~يشهدهم على وصيته وكتب كتابا أثبت فيه أولاده فأثبت في أوله جيورجيس ابن ~~بختيشوع والثاني يوحنا بن ماسويه وذكر أنه أصاب أميهما زنا فأحبلهما. فعرض ~~لجيورجيس زمع من الغيظ وكان كثير الالتفات. فصاح سهل: صري وهك المسيه ارخؤا ~~في أذنه آية خرسي. أراد بالعجمة التي فيه: صرع وحق المسيح اقرؤا في أذنه ~~آية الكرسي. ومن دعاباته أنه خرج في يوم الشعانين يريد المواضع التي تخرج ~~إليها النصارى فرأى يوحنا بن ماسويه في هيئة أحسن من هيئته. فحسده على ذلك ~~فصار إلى صاحب مسلحة الناحية فقال له: إن ابني يعقني وإن أنت ضربته عشرين ~~درة موجعة أعطيتك عشرين دينار. ثم أخرج الدنانير فدفعها إلى من وثق به صاحب ~~المسلحة: ثم اعتزل ناحية إلى أن بلغ يوحنا الموضع الذي هو فيه فقدمه إلى ~~صاحب المسلحة وقال: هذا ابني يعقني ويستخف بي. فجحد أن يكون ابنه. فقال: ~~يهذي هذا. قال سهل: انظر يا سيدي. فغضب صاحب المسلحة ورمى يوحنا من دابته ~~وضربه عشرين مقرعة ضربا موجعا مبرحا. ومن أطباء المأمون جبريل الكحال. كانت ~~وظيفته في كل شهر ألف درهم. وكان أول من يدخل إليه كل يوم. ثم سقطت منزلته ~~بعد ذلك. فسئل عن سبب ذلك فقال: إني خرجت يوما من عند المأمون فسألني بعض ~~مواليه عن خبره فأخبرته أنه قد أغفى. فبلغه ذلك فأحضرني ثم قال: يا جبريل ~~اتخذتك كحالا أو عاملا للاخبار علي. اخرج من داري. فأذكرته حرمتي فقال: إن ~~له لحرمة فليقتصر به على إجراء مائة وخمسين درهما في الشهر ولا يؤذن له في ~~الدخول.عه شيء يحتج به؟ فسأله. فقال: نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه فلا يتعين ~~منه شيء يحتج به ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك حتى ينزعه. ومعي ~~قلم شامي آخذه فأكتب به ويأخذه غيري فلا ينطلق اصبعه. فقلت: يا سيدي هذه ~~الزهرة وعطارد قد ms139 عملا عملهما. فأمره المأمون بعمل ما ادعاه. فقلنا له: هذا ~~ضرب من الطلسمات. فما زال به المأمون أياما كثيرة حنى أقر وتبرأ من دعوة ~~النبوة ووصف الحيلة التي احتالها في الخاتم والقلم. فوهب له ألف دينار. ~~فتلقيناه بعد ذلك فإذا هو أعلم الناس بعلم التنجيم. قال أبو معشر:وهو الذي ~~عمل طلسم الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد. قال أبو معشر: لو كنت مكان ~~القوم لقلت أشياء ذهبت عليهم كنت أقول:الدعوى باطلة لأن البرج منقلب ~~والمشتري في الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران في برج كذاب وهو ~~العقرب. ومن الحكماء يوحنا بن البطريق الترجمان مولى المأمون كان أمينا على ~~ترجمة الكتب الحكمية حسن التأدية للمعاني ألكن اللسان في العربية وكانت ~~الفلسفة أغلب عليه من الطب. ومن الأطباء سهل بن سابور ويعرف بالكوسج. كان ~~بالأهواز وفي لسانه لكنة خوزية وتقدم بالطب في أيام المأمون. وكان إذا ~~اجتمع مع يوحنا ابن ماسويه وجيورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا ~~الطيفوري قصر عنهم في العبارة ولم يقصر عنهم في العلاج. ومن دعاباته أنه ~~تمارض وأحضر شهودا يشهدهم على وصيته وكتب كتابا أثبت فيه أولاده فأثبت في ~~أوله جيورجيس ابن بختيشوع والثاني يوحنا بن ماسويه وذكر أنه أصاب أميهما ~~زنا فأحبلهما. فعرض لجيورجيس زمع من الغيظ وكان كثير الالتفات. فصاح سهل: ~~صري وهك المسيه ارخؤا في أذنه آية خرسي. أراد بالعجمة التي فيه: صرع وحق ~~المسيح اقرؤا في أذنه آية الكرسي. ومن دعاباته أنه خرج في يوم الشعانين ~~يريد المواضع التي تخرج إليها النصارى فرأى يوحنا بن ماسويه في هيئة أحسن ~~من هيئته. فحسده على ذلك فصار إلى صاحب مسلحة الناحية فقال له: إن ابني ~~يعقني وإن أنت ضربته عشرين درة موجعة أعطيتك عشرين دينار. ثم أخرج الدنانير ~~فدفعها إلى من وثق به صاحب المسلحة: ثم اعتزل ناحية إلى أن بلغ يوحنا ~~الموضع الذي هو فيه فقدمه إلى صاحب المسلحة وقال: هذا ابني يعقني ويستخف ~~بي. فجحد أن يكون ابنه. فقال: يهذي هذا. قال ms140 سهل: انظر يا سيدي. فغضب صاحب ~~المسلحة ورمى يوحنا من دابته وضربه عشرين مقرعة ضربا موجعا مبرحا. ومن ~~أطباء المأمون جبريل الكحال. كانت وظيفته في كل شهر ألف درهم. وكان أول من ~~يدخل إليه كل يوم. ثم سقطت منزلته بعد ذلك. فسئل عن سبب ذلك فقال: إني خرجت ~~يوما من عند المأمون فسألني بعض مواليه عن خبره فأخبرته أنه قد أغفى. فبلغه ~~ذلك فأحضرني ثم قال: يا جبريل اتخذتك كحالا أو عاملا للاخبار علي. اخرج من ~~داري. فأذكرته حرمتي فقال: إن له لحرمة فليقتصر به على إجراء مائة وخمسين ~~درهما في الشهر ولا يؤذن له في الدخول. PageV01P076 " المعتصم بن الرشيد " ~~هو اسحق محمد بن هرون الرشيد. بويع له بعد موت المأمون فشغب الجند ونادوا ~~باسم العباس بن المأمون. فخرج إليهم العباس فقال: ما هذا الحب البارد وقد ~~بايعت عمي. فسكنوا. ودخل كثير من أهل الجبال وهمذان واصفهان وماسبذان ~~وغيرهم في دين الخرمية وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان. فوجه إليهم المعتصم ~~العساكر فأوقعوا بهم فقتلوا منهم ستون ألفا وهرب الباقون إلى بلد الروم. ~~وفي سنة تسع عشرة ومائتين أحضر المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن. فلما ~~لم يجب بكونه مخلوقا أمر به فجلد جلدا شديدا حتى غاب عقله وتقطع جلده. وكان ~~أبو هرون بن البكاء من العلماء المنكرين لخلق القرآن يقر بكونه مجعولا لقول ~~الله: أنا جعلناه قرآنا عربيا. ويسلم أن كل مجعول مخلوق ويحجم عن النتيجة ~~ويقول: لا أقول مخلوق ولكنه مجعول. وهذا عجب عاجب. وفي سنة عشرين ومائتين ~~عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال ووجهه لحرب بابك فسار إليه. ~~وكان ابتداء خروج بابك سنة إحدى ومائتين وهزم من الجيوش السلطان عدة وقتل ~~من قواده جماعة ودخل الناس رعب شديد وهول عظيم واستعظموه واحتوى إليه ~~القطاع وأصحاب الفتن وتكاثفت جموعه حتى بلغ فرسانه عشرين ألفا سوى الرجالة ~~وأخذ يمثل بالناس. وكان أصحابه لا يدعون رجلا ولا امرأة ولا صبيا ولا طفلا ~~مسلما أو ذميا إلا قطعوه وقتلوه وأحصي ms141 عدد القتلى بأيديهم فكان مائتي ألف ~~وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة انسان. فلما انتدب الافشين لحر بابك إلى البذ ~~مدينته. فلما ضاق أمره خرج هاربا ومعه أهله إلى بلاد الروم في زي التجار. ~~فعرفه سهل بن سنباط الارمني البطريق فأسره. فافتدى نفسه بمال عظيم. فلم ~~يقبل منه وبعثع إلى الافشين بعد ما ركب الارمن من أمه وأخته وامرأته ~~الفاحشة بين يديه. وكذا كان يفعل الملعون بالناس إذا أسرهم مع حرمهم. وحمل ~~الافشين بابك إلى المعتصم وهو بسر من رأى. فأمر بإحضار سياف بابك فحضر ~~فأمره أن يديه ورجليه فقطعها فسقط. فأمر بذبحه وشق بطنه. وأنفذ رأسه إلى ~~خراسان وصلب بدنه بسامرا. وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين خرج توفيل بن ~~ميخائيل ملك الروم إلى بلاد الإسلام فبلغ زبطرة فقتل من بها من الرجال وسبى ~~الذرية والنساء. وأغار على ملطية وغيرها وسبى المسلمات ومثل بمن صار يديه ~~من المسلمين فسمل أعينهم وقطع آنافهم وآذانهم. فلما بلغ الخبر المعتصم ~~استعظمه وتوجه إلى بلاد الروم وفتح عمورية وقتل ثلاثين ألفا وأسر ثلاثين ~~ألفا. وفي سنة خمس وعشرين ومائتين تغير المعتصم على الافشين لأنه كاتب ~~مازيار أصبهبذ طبرستان وحسن له الخلاف والمعصية وأراد أن ينقل الملك إلى ~~العجم فقتله وصلبه بإزاء بابك. ووجده بقلفته لم يختن. وأخرجوا من منزله ~~أصناما فأحرقوه بها. وفي سنة سبع وعشرين ومائتين توفي المعتصم أبو اسحق يوم ~~الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول عن ثمانية بنين وثماني بنات وكانت ~~خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وكان عمره سبعا وأربعين سنة. وحكي أن ~~المعتصم بينما هو يسير وحده قد انقطع عن أصحابه في يوم مطر إذ رأى شيخا معه ~~حمار عليه شوك وقد زلق الحمار وسقط في الأرض والشيخ قائم. فنزل عن دابته ~~ليخلص الحمار. فقال له الشيخ: بأبي أنت وأمي لا تهلك ثيابك. فقال له: لا ~~عليك. ثم أنه خلص الحمار وجعل الشوك عليه وغسل يده ثم ركب. فقال له الشيخ: ~~غفر الله لك يا شاب. ثم لحقه أصحابه فأمر له ms142 بأربعة آلاف درهم. وهذا دليل ~~على غاية ما يمكن أن يكون من طيب أعراق الملوك وسعة أخلاقهم. PageV01P077 ~~قال حنين: إن سلمويه كان عالما بصناعة الطب فاضلا في وقته. ولما مرض عاده ~~المعتصم وبكى عنده وقال له:أشر علي بعدك بمن يصلحني. فقال: عليك بهذا ~~الفضولي يوحنا بن ماسويه. وإذا وصف شيئا خذ أقله اخلاطا. ولما مات سلمويه ~~قال المعتصم: سألحق به لأنه كان يمسك حياتي ويدبر جسمي. وامتنع عن الأكل في ~~ذلك اليوم وأمر بإحضار جنازته إلى الدار وأن يصلى عليها بالشمع والبخور على ~~رأي النصارى. ففعل ذلك وهو يراهم. وكان سلمويه يفصد المعتصم في السنة مرتين ~~ويسقيه عقيب كل فصد دواء. فلما باشره يوحنا أراد عكس ما كان يفعله سلمويه ~~فسقاه الدواء قبل الفصد. فلما شربه حمي دمه وحم ومازال جسمه ينقص حتى مات ~~وذلك بعد عشرين شهرا من وفاة سلمويه. وخدم الافششين زكريا الطيفوري وذكر: ~~إني كنت مع الافشين في معسكره وهو في محاربة بابك. فجرى ذكر الصيادلة فقلت: ~~أعز الله الأمير إن الصيدلاني لا يطلب منه شيء كان عنده أو لم يكن إلا أخبر ~~بأنه عنده. فدعا الافشين بدفتر من دفاتر الاسروشنية فأخرج منها نحوا من ~~عشرين اسما ووجه إلى الصيادلة من يطلب منهم أدوية مسماة بتلك الاسماء. فبعض ~~أنكرها وبعض ادعى معرفتها وأخذ الدراهم من الرسل ودفع إليهم شيئا من ~~حانوته.فأمر الافشين بإحضار جميع الصيادلة فمن أنكر معرفة تلك الاسماء أذن ~~له بالمقام في معسكره ونفى الباقين. # " الواثق بالله هرون بن المعتصم " بويع له في اليوم الذي مات فيه أبوه. ~~وفي هذه السنة مات ثوفيل ملك الروم وكان ملكه اثنتي عشرة سنة وملكت بعده ~~امرأته ثاودورا وابنها ميخائيل بن ثوفيل وهو صبي. وفي سنة ثماني وعشرين ~~ومائتين غزا المسلمون في البحر جزيرة صقلية وفتحوا مدينة مسيني. وفي سنة ~~إحدى وثلاثين ومائتين كان الفداء بين المسلمين والروم على يد خاقان خادم ~~الرشيد واجتمع المسلمون على نهر اللامس على مسيرة يوم من طرسوس وأمر الواثق ~~خاقان خادم الرشيد أن ms143 يمتحن أسارى المسلمين فمن قال القرآن مخلوق وأن الله ~~لا يرى في الآخرة فودي به وأعطي دينارا ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم. ~~فلما كان في يوم عاشوراء أتت الروم ومن معهم من الاسارى وكان الأمر بين ~~الطائفتين فكان المسلمون يطلقون الاسير فيطلق الروم أسيرا فيلتقيان في وسط ~~الجسر فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبروا وإذا وصل الرومي إلى الروم ~~صاحوا: كرياليسون حتى فرغوا. فكان عدة أسارى المسلمين أربعة آلاف وأربعمائة ~~وستين نفسا والنساء والصبيان ثمانمائة. وأهل ذمة المسلمين مائة نفس. ولما ~~فرغوا من الفدية غزا المسلمون شاتين فأصابهم ثلج ومطر فمات منهم مائتا نفس ~~وأسر نحوهم وغرق بالبدندون خلق كثير. وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين مات ~~الواثق في ذي الحجة لست بقين منه وكانت علته الاستسقاء فعولج بالإقعاد في ~~تنور مسخن فوجد بذلك خفة فأمرهم من الغد بالزيادة في اسخانه ففعل ذلك وقعد ~~فيه أكثر من اليوم الأول فحمي عليه فأخرج منه في محفة فمات فيها ولم يشعر ~~بموته حتى ضرب وجهه المحفة. ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن ~~سهل بن نوبخت فنظروا في مولده فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنفة من ذلك ~~اليوم فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر ~~وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة. PageV01P078 لهذا حسن المذكور تصنيف وهو ~~كتاب الأنواء. فآل نوبخت كلهم فضلاء ولهم فكرة صالحة ومشاركة في علوم ~~الأوائل ولا مثل هذا. حدث أحمد بن هرون الشرابي بمصر أن المتوكل على الله ~~حدثه في خلافة الواثق أن يوحنا بن ماسويه كان مع الواثق على دكان في دجلة ~~وكان مع الواثق قصبة فيها شص وقد ألقاها في دجلة ليصيد بها السمك فحرم ~~الصيد فالتفت إلى يوحنا وكان على يمينه وقال: قم يا مشؤوم عن يميني. فقال ~~يوحنا: يا أمير المؤمنين لا تتكلم بمحال يوحنا أبوه ماسويه الخوزي وأمه ~~رسالة الصقلبية المبتاعة بثمانمائة درهم وأقبلت به السعادة إلى أن صار نديم ~~الخلفاء وسميرهم وعشيرهم حتى ms144 غمرته الدنيا فنال منها ما لم يبلغه أمله فمن ~~أعظم المحال أن يكون هذا مشؤوما ولكن إن أحب أمير المؤمنين بأن أخبره ~~بالمشؤوم من هو أخبرته. فقال: من هو؟ فقال: من ولده أربع خلفاء ثم ساق الله ~~إليه الخلافة فترك خلافته وقصورها وقعد في دكان مقدار عشرين ذراعا في مثلها ~~في وسط دجلة لا يأمن عصف الريح عليه فيغرقه ثم تشبه بأفقر قوم في الدنيا ~~وشرهم صيادو السمك. قال المتوكل: فرأيت الكلام قد نجع فيه إلا أنه أمسك ~~لمكاني. # " المتوكل على الله جعفر بن المعتصم " بويع له بعد موت أخيه الواثق وكان ~~عمره يوم بويع ستا وعشرين سنة. وفي سنة ثلث وثلاثين ومائتين وثب ميخائيل بن ~~توفيل بأمه ثاودورا فألزمها الدير وقتل القتيط لأنه اتهمها به وكان ملكها ~~ست سنين. وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة ~~بولاية العهد وهو المنتصر والمعتز والمؤيد وعقد لكل واحد منهم لواء وولى ~~المنتصر العراق والحجاز واليمن والمعتز خراسان والري والمؤيد الشام. وفي ~~سنة ست وثلاثين ومائتين أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي وأن يبذر ويسقى ~~موضعه وأن يمنع الناس من إتيانه. وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين ولى المتوكل ~~يوسف بن محمد أرمينية واذربيجان ولما صار إلى اخلاط أتى بقراط بن اشوط ~~البطريق فأمر بأخذه وتقييده وحمله إلى المتوكل فاجتمع بطارقة أرمينية مع ~~ابن أخي بقراط وتحالفوا على قتل يوسف ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة وهو ~~صهر بقراط على ابنته فوثبوا بيوسف واجتمعوا عليه في قلعة موش في النصف من ~~شهر رمضان وذلك في شدة من البرد وكلب الشتاء فخرج إليهم يوسف وقاتلهم ~~فقتلوه وكل من قاتل معه. وأما من لم يقاتل فقالوا له: انزع ثيابك وانج ~~بنفسك عريانا ففعلوا ومشوا عراة حفاة فهلك أكثرهم من البرد. فلما بلغ ~~المتوكل الخبر وجه بغا الكبير إليهم طالبا بدم يوسف فسار وأباح على قتلة ~~يوسف فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفا وسبى خلقا كثيرا ثم سار إلى مدينة تفليس ~~وحاصرها ودعا النفاطين ms145 فضربوا المدينة بالنار فأحرقوها وهي من خشب الصنوبر ~~فاحترق بها نحو خمسين ألف انسان. وفي سنة ثماني وثلاثين ومائتين جاءت ~~ثلاثمائة مركب للروم مع ثلاثة رؤساء فأناخ أحدهم في مائة مركب بدمياط ~~وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة يكون ماؤها إلى صدر الرجل فمن جازها إلى ~~الأرض أمن من مراكب البحر فجازه قوم من المسلمين فسلموا وغرق كثير من نساء ~~وصبيان. ومن كان به قوة سار إلى مصر. واتفق وصول الروم وهي فارغة من الجند ~~فنهبوا واحرقوا وسبوا وأحرقوا جامعها وسبوا من النساء المسلمات والذميات ~~نحم ستمائة امرأة وساروا إلى مصر ونهبوها ورجعوا ولم يعرض لهم أحد. وفي سنة ~~اثنتين وأربعين ومائتين كانت زلازل هائلة وأصوات منكرة بقومس ورساتيقها في ~~شعبان فتهدمت الدور وهلك تحت الهدم بشر كثير قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ~~ألفا وستة وتسعين نفسا. وكان أكثر ذلك بالدامغان. وكان بالشام وفارس ~~وخراسان وباليمن مع خسف. وتقطع جبل الأقرع وسقط في البحر فمات أهل اللاذقية ~~من تلك الهدة. وفي سنة سبع وأربعين ومائتين قتل المتوكل وهو ثمل بسر مرأى ~~ليلة الأربعاء ثالث يوم من شوال قتله غلام تركي اسمه باغر وكانت خلافته ~~أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وعمره أربعين سنة وقتل معه الفتح ابن خاقان لأنه ~~رمى بنفسه على المتوكل وقال: ويلكم تقتلون أمير المؤمنين فبعجوه بسيوفهم ~~فقتلوه. ويقال أن ابنه المنتصر دس لقتله فعاش بعده ستة أشهر. وفي سنة ~~الزلازل أخرج المتوكل أحمد ابن حنبل من الحبس ووصله وصرفه إلى بغداد وأمر ~~بترك الجدل في القرآن وأن الذمة بريئة ممن يقول بخلق أو غير خلق. ~~PageV01P079 قال بعض الرواة: دخل بختيشوع بن جبريل الطبيب يوما إلى المتوكل ~~وهو جالس على سدة في وسط داره الخاصة فجلس بختيشوع على عادته معه فوق السدة ~~وكان عليه دراعة ديباج رومي وكان قد انشق ذيلها قليلا فجعل المتوكل يحادث ~~بختيشوع ويعبث بذلك الفتق حتى بلغ إلى حد النيفق ودار بينهما الكلام يقتضي ~~أن سأل المتوكل بختيشوع بماذا تعلمون أن الموسوس يحتاج إلى الشد. ms146 قال ~~بختيشوع: إذا بلغ إلى فتق دراعة طبيبه إلى حد النيفق شددناه. فضحك المتوكل ~~حتى استلقى على ظهره وأمر له بخلعة حسنة ومال جزيل. وهذا يدل على لطف منزلة ~~بختيشوع عند المتوكل وانبساطه معه. وقال المتوكل يوما لبختيشوع: ادعني. ~~قال: نعم وكرامة. فاضافه وأظهر من التجمل والثروة ما أعجب المتوكل ~~والحاضرين. واستكثر المتوكل لبختيشوع ما رآه من نعمته وكمال مروءته فحقد ~~عليه ونكبه بعد أيام يسيرة فأخذ له مالا كثيرا وحضر الحسين ابن مخلد فختم ~~على خزائنه وباع شيئا كثيرا وبقي بعد ذلك حطب وفحم ونبيذ وأمثال هذه ~~فاشتراه الحسين بستة آلاف دينار وذكر إنه باع من جملته باثني عشر ألف دينار ~~وكان هذا في سنة أربع وأربعين ومائتين وتوفي بختيشوع سنة ست وخمسين ~~ومائتين. وفي أيام المتوكل استهر حنين بن اسحق الطبيب النصراني العبادي ~~ونسبته إلى العباد وهم قوم من نصارى العرب من قبائل شتى اجتمعوا وانفردوا ~~عن الناس في قصور ابتنوها بظاهر الحيرة وتسموا بالعباد لأنه لا يضاف إلا ~~إلى الخالق وأما العبيد فيضاف إلى المخلوق الخالق. وكان اسحق والد حنين ~~صيدلانيا بالحيرة فلما نشأ حنين أحب العلم فدخل بغداد وحضر مجلس يوحنا بن ~~ماسويه وجعل يخدمه ويقرأ عليه. وكان حنين صاحب سؤال وكان يصعب على يوحنا ~~فسأله حنين في بعض الأيام مسألة مستفهم فحرد يوحنا وقال: ما لأهل الحيرة ~~والطب عليك ببيع الفلوس في الطريق.فأمر به فأخرج من داره. فخرج حنين باكيا ~~وتوجه إلى بلاد الروم وأقام بها سنتين حتى أحكم اللغة اليونانية وتوصل في ~~تحصيل كتب الحكمة غاية إمكانه وعاد إلى بغداد بعد سنتين ونهض من بغداد إلى ~~أرض فارس ودخل البصرة ولزم الخليل بن أحمد حنى برع في اللسان العربي ثم رجع ~~إلى بغداد. قال يوسف الطبيب: دخلت يوما على جبريل بن بختيشوع فوجدت عنده ~~حنينا وقد ترجم له بعض التشريح وجبريل يخاطبه بالتبجيل ويسميه الربان ~~فأعظمت ما رأيت وتبين ذلك جبريل مني فقال: لا تستكثر هذا مني في أمر هذا ~~الفتى فوالله لئن مد ms147 له في العمر ليفضحن سرجيس. وسرجيس هذا هو الرأس عيني ~~اليعقوبي ناقل علوم اليونانيين إلى السرياني. ولم يزل أمر حنين يقوى وعلمه ~~يتزايد وعجائبه تظهر في النقل والتفاسير حتى صار ينبوعا للعلوم ومعدنا ~~للفضائل واتصل خبره بالخليفة المتوكل فأمر بإحضاره. ولما حضر اقطع اقطاعا ~~سنيا وقرر له جار جيد. واحب امتحانه ليزول عنه ما في نفسه عليه إذ ظن أن ~~ملك الروم ربما كان عمل شيئا من الحيلة فاستدعاه وأمر أن يخلع عليه وأخرج ~~له توقيعا فيه اقطاع يشتمل على خمسين ألف درهم فشكر حنين هذا الفعل. ثم قال ~~له بعد اشياء جرت: أريد أن تصف لي دواء يقتل عدوا نريد قتله وليس يمكن ~~إشهار هذا ونريده سرا. فقال حنين: ما تعلمت غير الأدوية النافعة ولا علمت ~~أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها فإن أحب أن أمضي وأتعلم فعلت. فقال: هذا ~~شيء يطول بنا. ثم رغبه وهدده وحبسه في بعض القلاع سنة ثم أحضره وأعاد عليه ~~القول وأحضر سيفا ونطعا. فقال حنين: قد قلت لأمير المؤمنين ما فيه الكفاية. ~~قال الخليفة: فإنني أقتلك. قال حنين: لي رب يأخذ لي حقي غدا في الموقف ~~الأعظم. فتبسم المتوكل وقال له: طب نفسا فإننا أردنا امتحانك والطمأنينة ~~إليك. فقبل حنين الأرض وشكر له. فقال الخليفة: ما الذي منعك من الإجابة مع ~~ما رأيته من صدق الأمر منا في الحالين. قال حنين: شيئان هما الدين ~~والصناعة. أما الدين فإنه يأمرنا باصطناع الجميل مع أعدائنا فكيف ظنك ~~بالاصدقاء. وأما الصناعة فإنها فإنها موضوعة لنفع ابناء الجنس ومقصورة على ~~معالجاتهم ومع هذا فقد جعل في رقاب الأطباء عهد مؤكد بإيمان مغلظة أن لا ~~يعطوا دواء قتالا لأحد. فقال الخليفة: إنهما شرعان جليلان. وأمر بالخلع ~~فافيضت عليه وحمل المال معه فخرج وهو أحسن الناس حالا وجاها. وكان الطيفوري ~~النصراني الكاتب يحسد حنينا ويعاديه. PageV01P080 واجتمعا يوما في دار بعض ~~النصارى ببغداد وهناك صورة المسيح والتلاميذ وقنديل يشتعل بين يدي الصورة. ~~فقال حنين لصاحب البيت: لم تضيع الزيت فليس ms148 هذا المسيح ولا هؤلاء التلاميذ ~~وإنما هي صور. فقال الطيفوري: إن لم يستحقوا الإكرام فأبصق عليهم فبصق ~~فأشهد عليه الطيفوري ورفعه إلى المتوكل فسأله إباحة الحكم عليه لديانة ~~النصرانية فبعث إلى الجاثليق والاساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا حرم حنين ~~فحرم وقطع زناره وانصرف حنين إلى داره ومات من ليلته فجأة وقيل أنه سقى ~~نفسه سما. وكان لحنين ولدان داود واسحق. فأما اسحق فخدم على الترجمة ~~وتولاها واتقنها وأحسن فيها وكانت نفسه أميل إلى الفلسفة. وإما داود فكان ~~طبيبا للعامة وكان له ابن أخت يقال له حبيش بن الاعسم أحد الناقلين من ~~اليوناني والسرياني إلى العربي. وكان يقدمه على تلاميذه ويصفه ويرضى نقله. ~~وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فإن أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين. ~~وكثيرا ما يرى الجهال شيئا من الكتب القديمة مترجما بنقل حبيش فيظن الغر ~~منهم أنه حنين وقد صحف فيكشطه ويجعله حنين.تمعا يوما في دار بعض النصارى ~~ببغداد وهناك صورة المسيح والتلاميذ وقنديل يشتعل بين يدي الصورة. فقال ~~حنين لصاحب البيت: لم تضيع الزيت فليس هذا المسيح ولا هؤلاء التلاميذ وإنما ~~هي صور. فقال الطيفوري: إن لم يستحقوا الإكرام فأبصق عليهم فبصق فأشهد عليه ~~الطيفوري ورفعه إلى المتوكل فسأله إباحة الحكم عليه لديانة النصرانية فبعث ~~إلى الجاثليق والاساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا حرم حنين فحرم وقطع زناره ~~وانصرف حنين إلى داره ومات من ليلته فجأة وقيل أنه سقى نفسه سما. وكان ~~لحنين ولدان داود واسحق. فأما اسحق فخدم على الترجمة وتولاها واتقنها وأحسن ~~فيها وكانت نفسه أميل إلى الفلسفة. وإما داود فكان طبيبا للعامة وكان له ~~ابن أخت يقال له حبيش بن الاعسم أحد الناقلين من اليوناني والسرياني إلى ~~العربي. وكان يقدمه على تلاميذه ويصفه ويرضى نقله. وقيل من جملة سعادة حنين ~~صحبة حبيش له فإن أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين. وكثيرا ما يرى الجهال ~~شيئا من الكتب القديمة مترجما بنقل حبيش فيظن الغر منهم أنه حنين وقد صحف ~~فيكشطه ويجعله ms149 حنين. # " المنتصر بن المتوكل " بايع له قتلة أبيه تلك الليلة التي قتلوا ~~المتوكل. فلما أصبح يوم الأربعاء حضر القواد والكتاب والجند والوجوه ~~الجعفرية فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابا يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن ~~خاقان قتل المتوكل فقتله فبايع الناس وانصرفوا. وفي سنة ثماني وأربعين ~~ومائتين جد وصيف وبغا وباقي الأتراك في خلع المعتز والمؤيد وألحوا على ~~المنتصر وقالوا: نخلعهما ونبايع لابنك عبد الوهاب. فلم يزالوا به حتى ~~اجابهم وخلعهما بالكره منه ومنهما. ثم دعاهما وقال لهما: أترياني خلعتكما ~~طمعا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له والله ما طمعت في ذلك ساعة قط ~~ولكن هؤلاء " وأومأ إلى سائر الموالي الأتراك ممن هو قائم وقاعد " ألحوا ~~علي في خلعكما. وفي هذه السنة وهي سنة ثماني وأربعين ومائتين مات المنتصر ~~يوم الأحد لخمس ليال خلون من ربيع الآخر بالذبحة وكانت علته ثلاثة أيام. ~~قيل وكان كثير من الناس حين أفضت الخلافة إليه إلى أن مات يقولون: إنما مدة ~~حياته سنة أشهر مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه تقوله العامة والخاصة. وكان ~~عمره خمسا وعشرين سنة وستة أشهر وخلافته ستة أشهر. PageV01P081 " المستعين ~~أحمد بن محمد بن المعتصم " لما توفي المنتصر اجتمع الموالي في الهاروني من ~~الغد وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش وتشاوروا وكرهوا أن يتولى ~~الخلافة واحد من ولد المتوكل لئلا يغتالهم فاجمعوا على المستعين أحمد بن ~~محمد المعتصم وبايعوه. وفي سنة تسع وأربعين ومائتين سغب الجند والشاكرية ~~ببغداد لما رأوا من استيلاء الترك على الدولة يقتلون من يريدون من الخلفاء ~~ويستخلفون من أحبوه من غير ديانة ولا نظر للمسلمين. فاجتمعت العامة ببغداد ~~بالصراخ والنداء والنفير وفتحوا السجون وأخرجوا من فيها وأحرقوا أحد ~~الجسرين وقطعوا الآخر وانتهبوا دور أهل اليسار وأخرجوا أموالا كثيرة ~~ففرقوها فيمن نهض إلى حفظ الثغور وأخرجوا المعتز من الحبس وأخذوا من شعره ~~وكان قد كثر وبايعوا له بالخلافة وخلعوا المستعين وكانت أيامه سنتين وتسعة ~~أشهر. فسار المستعين إلى بغداد سنة إحدى وخمسين ومائتين وحوصر ms150 بها. ثم في ~~سنة اثنتين وخمسين ومائتين خلع نفسه من الخلافة فبايع للمعتز بن المتوكل ~~وخطب للمعتز ببغداد. فلما بايع المستعين للمعتز وجهه إلى البصرة ومنها إلى ~~اواسط وتقدم بقتله فقتل وحمل رأسه إلى المعتز فقال: ضعوه حتى أفرغ من ~~الدست. فلما فرغ نظر إليه وأمر بدفنه. وفي هذه السنة حبس المعتز المؤيد ~~أخاه ثم أخرجه ميتا لا أثر فيه ولا جرح فقيل أنه أدرج في لحاف سمور وأمسك ~~طرفاه حتى مات. وفي سنة أربع وخمسين ومائتين ولى الأتراك أحمد بن طولون مصر ~~وكان طولون مملوكا تركيا للمأمون وولد له ولده أحمد في سنة عشرين ومائتين ~~ببغداد. وكان أحمد عالي الهمة يستق بعقول الأتراك وأديانهم يثقون به في ~~العظائم وتشاغل بالخير والصلاح فتمكنت في القلوب محبته وآل أمره إلى أن ~~استولى على مصر وجميع مدن الشام. وفي سنة خمس وخمسين ومائتين صار الأتراك ~~إلى المعتز يطلبون أرزاقهم فماطلهم بحقهم. فلما رأوا أنه لا يحصل منه شيء ~~دخل إليه جماعة منهم فجروا برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وأقاموه ~~في الشمس في الدار وكان يرفع رجلا ويضع رجلا لشدة الحر. ثم سلموه إلى من ~~يعذبه فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام ثم أدخلوه سردابا وجصصوا عليه فمات. ~~وكانت خلافته من لدن بويع بسامرا إلى أن خلع أربع سنين وسبعة أشهر. # وفي هذه السنة مات سابور بن سهل صاحب بيمارستان جنديسابور وكان فاضلا في ~~وقته وله تصانيف مشهورة منها كتاب الأقراباذين المعول عليه في ~~البيمارستانات ودكاكين الصيادلة إثنان وعشرون بابا. وتوفي نصرانيا في يوم ~~الأثنين لتسع بقين من ذي الحجة. # " المهتدي بن الواثق " بويع له لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ولم ~~تقبل بيعته حتى أتى المعتز فخلع نفسه وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة ~~في تسليمها إلى محمد بن الواثق فبايعه الخاصة والعامة. وبعد قتل المعتز ~~طلبت أمه الأمان لنفسها فأمنوها وظفروا لهل بخزائن في دار تحت الأرض ووجدوا ~~فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار وقدر مكوك زمرد ومقدار مكوك ms151 من ~~اللؤلؤ الكبار ومقدار كيلجة من الياقوت الأحمر. وكان طلب منها ابنها المعتز ~~مالا يعطي الأتراك فقالت: ما عندي شيء. فسبوها وقالوا: عرضت ابنها للقتل في ~~خمسين ألف دينار وعندها هذا المال جميعه. وفي منتصف رجب خلع المهتدي وتوفي ~~لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه سنة ست وخمسين ومائتين وكانت خلافته أحد عشر ~~شهرا وعمره ثمانيا وثلاثين سنة. PageV01P082 " المعتمد بن المتوكل " ولما ~~أخذ المهتدي وحبس أحضر أبو العباس أحمد بن المتوكل وكان محبوسا بالجوسق ~~فبايعه الأتراك وغيرهم ولقب المعتمد على الله. ثم أن المهتدي مات ثاني يوم ~~بيعة المعتمد. وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولى المعتمد ابنه جعفر العهد ~~ولقبه المفوض إلى الله وولى أخاه أبا محمد العهد بعد جعفر ولقبه الموفق ~~بالله. وفي سنة أربع وستين ومائتين دخل عبد الله بن رشيد بن كاووس بلد ~~الروم في أربعة آلاف فارس فغنم وقتل. فلما رحل عن البدندون خرج عليه بطريق ~~سلوقية وبطريق خرشنة وأصحابها وأحدقوا بالمسلمين. فنزل المسلمون فعرقبوا ~~دوابهم وقتل الروم من قتلوا وأسر عبد الله بن رشيد وحمل إلى ملك الروم. وفي ~~سنة خمس وستين ومائتين وقع خلاف بين المعتمد وأحمد بن طولون فسار إلى سيما ~~وإلى حلب وبقية العواصم فوجده بانطاكية فحاصره بها وفتحها فظفر بسيما وقتله ~~وجاء إلى حلب وملكها وملك دمشق وحمص وحماة وقنسرين إلى الرقة. وأمر المعتمد ~~بلعب ابن طولون على المنابر فلعن ببغداد وسائر العراق ولعن ابن طولون ~~المعتمد علىالمنابر في جميع أعماله بمصر وغيرها. وفي سنة سبعين ومائتين مات ~~ابن طولون في ذي القعدة وخلف سبعة عشر ابنا أحدهم خمارويه وسبع عشرة بنتا ~~وترك أموالا جمة ومماليك كثيرة. وكان كثير الصداقات والخيرات. وقام ولده ~~خمارويه بعده بالملك أحسن قيام ودبر أحسن تدبير. وفي سنة ثماني وسبعين ~~ومائتين عرض للموفق وجع النقرس واشتد به فلم يقدر على الركوب. فعمل له سرير ~~عليه قبة وكان يقعد عليه هو وخادم له يبرد له رجله بالثلج ثم صارت علة رجله ~~داء الفيل وكان يحمل سريره أربعون رجلا ms152 بالنوبة. فقال لهم يوما: قد ضجرتم ~~من حملي بودي لو كنت كواحد منكم أحمل على رأسي وآكل وأنا في عافية. فوصل ~~إلى داره لليلتين خلتا من صفر وشاع موته. وعلى يديه جرى أكثر الحروب مع ~~الزنج وباقي الخوارج. ولما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا ~~العباس بولاية العهد بعد المفوض ولقب المعتضد بالله. وفي سنة تسع وسبعين ~~ومائتين توفي المعتمد ليلة الاثنين لاحدى عشرة بقيت من رجب وكان قد شرب على ~~الشط في الحسني يوم الأحد شرابا كثيرا وتعشى فأكثر فمات ليلا. وكانت خلافته ~~ثلاثا وعشرين سنة. وكان في خلافته محكوما عليه قد تحكم عليه أبو أحمد ~~الموفق أخوه وضيق عليه حتى أنه احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار ~~فلم يجدها. # وكان استخص الموفق أخوه المعتمد جعفر بن محمد المعروف بأبي معشر البلخي ~~واتخذه منجما له وكان معه في محاصرته للزنج بالبصرة. وقيل أن أبا معشر كان ~~في أول أمره من أصحاب الحديث ببغداد وكان يضاغن أبا يوسف يعقوب بن اسحق ~~الكندي ويغري به العامة ويشنع عليه بعلوم الفلاسفة. فدس عليه الكندي من حسن ~~له النظر في علم الحساب والهندسة فدخل في ذلك فلم يكمل له فعدل إلى علم ~~أحكام النجوم وانقطع شره عن الكندي. ويقال إنه تعلمالنجوم بعد سبع وأربعين ~~سنة من عمره. وكان فاضلا حسن القريحة صنف كتبا عدة في هذا الفن. فضربه ~~المستعين أسواطا لأنه أصاب في شيء أخبر به قبل وقته. وكان يقول: اصبت ~~فعوقبت. وجاوز أبو معشر المائة من عمره ومات بواسط. وقيل كان أبو معشر ~~مدمنا على شرب الخمر مشتهرا بمعاقرتها وكان يعتريه صرع عند أوقات الامتلاآت ~~القمرية. وأما يعقوب الكندي فكان شريف الأصل بصريا وكان أبوه اسحق أميرا ~~على الكوفة للمهدي والرشيد. وكان يعقوب عالما بالطب والفلسفة والحساب ~~والمنطق وتأليف اللحون والهندسة والهيئة وله في أكثر هذه العلوم تآليف ~~مشهورة من المصنفات الطوال. ولم يكن في الاسلام من اشتهر عند الناس بمعاناة ~~علم الفلسفة حتى سموه فيلسوفا غير يعقوب هذا وعاصر ms153 قسطا بن لوقا البعلبكي ~~وقسطا هذا الفيلسوف نصراني في الدولة الاسلامية دخل إلى بلاد الروم وحصل من ~~تصانيفهم الكثيرة وعاد إلى الشام واستدعي إلى العراق ليترجم الكتب وله ~~تصانيف مختصرة بارعة. وقيل اجتذبه سنحاريب إلى أرمينية وأقام بها إلى أن ~~مات هناك وبنى على قبره قبة إكراما له كإكرام قبور الملوك ورؤساء الشرائع. ~~قال المؤرخ: لو قلت حقا قلت أنه أفضل من صنف كتابا بما احتوى عليه من ~~العلوم والفضائل وما رزق من الاختصار للالفاظ وجمع المعاني. PageV01P083 ~~وفي آخر دولة المعتمد تحرك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة وكان ابتداء ~~أمرهم أم رجلا فقيرا قدم من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة وكان يظهر الزهد ~~والتقشف ويسف الخوص ويأكل من كسبه فأقام على ذلك مدة. وكان إذا قعد إليه ~~رجل ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا وأعلمه أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت ~~النبي عليه السلام. فلم يزل على ذلك حتى استجاب له جمع كثير واتخذ منهم ~~اثني عشر نقيبا على عدد الحوارين وأمرهم أن يدعوا الناس إلى مذهبهم. فبلغ ~~خبره عامل تلك الناحية فأخذه وحبسه وحلف أنه يقتله وأغلق باب البيت عليه ~~وجعل المفتاح تحت وسادته واشتغل بالشرب. فسمعت جارية له بيمينه فرقت للرجل. ~~فلما نام العامل أخذت المفتاح وفتحت الباب وأخرجته ثم أعادت المفتاح إلى ~~مكانه. فلما أصبح العامل فتح الباب ليقتله فلم يره وشاع ذلك في الناس ~~وافتتن به أهل تلك الناحية وقالوا رفع. ثم ظهر في ناحية أخرى ولقي جماعة من ~~أصحابه وغيرهم وقال لهم: لا يمكن أن ينالني أحد بسوء. فعظم في أعينهم. ثم ~~خاف على نفسه فخرج إلى ناحية الشام ولم يوقف له على خبر وسمي باسم رجل كان ~~ينزل عنده وهو كرمتية ثم خفف فقيل قرمطة. وكان فيما حكي عن القرامطة من ~~مذهبهم أنهم جاءوا بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. يقول الفرج بن عثمان ~~وهو من قرية يقال لها نصرانة أن المسيح تصور له في جسم انسان وقال له: إنك ~~الداعية وإنك الحجة ms154 وإنك الناقة وإنك الدابة وإنك يحيى بن زكريا وإنك روح ~~القدس وعرفه أن الصلاة أربع ركعات ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان قبل ~~غروبها والصوم يومان في السنة وهما المهرجان والنيروز. وأن النبيذ حرام ~~والخمر حلال ولا يؤكل كل ذي ناب ولا كل ذي مخلب. PageV01P084 " المعتضد بن ~~الموفق " بويع له في صبيحة الليلة التي مات فيها عمه المعتمد. ولما ولي ~~المعتضد بعث خمارويه بن أخمد بن طولون له هدايا وألطافا شريفة ورسولا وسأله ~~أن يزوج ابنة خمارويه المسماة قطر الندى بعلي بن المعتضد. فقال المعتضد: ~~أنا أتزوجها. فسر خمارويه بذلك. وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين خرج المعتضد ~~إلى الموصل قاصدا للأعراب والأكراد فسار إليهم فأوقع بهم وقتل منهم وغرق ~~منهم في الزاب خلق كبير. وسار المعتضد إلى الموصل يريد قلعة ماردين وكانت ~~لحمدان فهرب حمدان منها وخلف ابنه بها فنازلها المعتضد وقاتل من فيها يومه ~~ذلك. فلما كان الغد ركب المعتضد فصعد إلى باب القلعة وصاح: يا ابن حمدان. ~~فأجابه. فقال: افتح الباب. ففتحه فقعد المعتضد في الباب وأمر بنقل ما في ~~القلعة وهدمها. ثم ظفر بحمدان بعد عوده إلى بغداد جاءه مستأمنا إليه. وفي ~~سنة اثنتين وثمانين ومائتين جهز خمارويه ابنته أحسن جهاز وبعث بها إلى ~~المعتضد في المحرم. وفي هذه السنة لثلاث خلون من ذي الحجة قتل خمارويه ~~بدمشق ذبحه على فراشه بعض خاصته. ولما قتل أقعدوا مكانه ابنه هرون والتزم ~~أنه يحمل من مصر إلى خزانة المعتضد في كل سنة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف ~~دينار. وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين سارت الصقالبة إلى الروم فحاصروا ~~القسطنطينية وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا وخربوا البلاد. فلما لم يجد ملك ~~الروم منهم خلاصا جمع من عنده من أسارى المسلمين وأعطاهم السلاح وسألهم ~~معونته على الصقالبة ففعلوا وكشفوهم وأزاحوهم عن القسطنطينية. فلما رأى ملك ~~الروم ذلك خاف المسلمين على نفسه فأخذ سلاحهم وفرقهم في البلدان حذرا من ~~جنايتهم عليه. وفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم وكان جملة من ~~فودي ms155 به من المسلمين من الرجال والنساء والصبيان ألفين وخمسمائة وأربعة ~~أنفس. وفي هذه السنة وهي سنة أربع وثمانين ومائتين كان المنجمون يوعدون ~~بغرق أكثر الأقاليم إلا إقليم بابل فإنه يسلم منه اليسير وإذ ذلك يكون ~~بكثرة الأمطار وزيادة المياه في الأنهار والعيون. فقحط الناس وقلت الأمطار ~~وغارت المياه حتى استسقى الناس ببغداد مرات. وفي سنة خمس وثمانين ومائتين ~~ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد بالبحرين واجتمع إليه جماعة من الأعراب ~~والقرامطة وقوي أمره فقاتل ما حوله من القرى ثم صار إلى القطيف وأظهر أنه ~~يريد البصرة. فأمر المعتضد ببناء سور على البصرة فعمل وكان مبلغ الخرج عليه ~~أربعة عشر ألف دينار. وفي سنة ثماني وثمانين ومائتين وقع الوباء بأذربيجان ~~فمات منه خلق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفنون به الموتى وكانوا يطرحونهم ~~في الطريق. وفيها سارت الروم إلى كيسوم فنهبوها وغنموا أموال أهلها وأسروا ~~منها نحو خمسة عشر ألف انسان من رجل وصبي وامرأة. وفي سنة تسع وثمانين ~~ومائتين انتشر القرامطة بسواد الكوفة فأخذ رئيسهم وسير إلى المعتضد وأحضره ~~وقال له: اخبرني هل تزعمون أن روح الله تحل في أجسادكم. فقال له الرجل: يا ~~هذا إن حلت روح الله فينا فما يضرك وأن حلت روح ابليس فما ينفعك ولا تسأل ~~عما لا يعنيك وسل عما يخصك. فقال: ما تقول فيما يخصني. فقال: أقول أن النبي ~~عليه السلام مات وأبوكم العباس حي فهل طلب الخلافة أم هل بايعه أحد من ~~الصحابة على ذلك. ثم مات أبو بكر واستخلف عمر وهو يرى موضع العباس ولم يوصى ~~إليه. ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس ولم يوصى إلى العباس ولا أدخله ~~فيهم فبماذا تستحقون أنتم الخلافة وقد اتفق الصحابة على دفع جدك عنها. فأمر ~~به المعتضد فعذب وخلعت عظامه ثم قطعت يداه ورجلاه ثم قتل. وبعد قليل في هذه ~~السنة في ربيع الآخر لثمان بقين منه توفي المعتضد فاجتمع القواد وجددوا ~~البيعة لابنه المكتفي وكانت خلافة المعتضد تسع سنين وتسعة ms156 أشهر وعمره سبع ~~وأربعين سنة. وقيل كان المعتضد أسمر نحيفا شهما شجاعا وكان فيه شح وكان ~~عفيفا مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته ومع ذلك جاوز الحد في الحلم. قال ~~الوزير عبد الله بن سليمان بن وهب: كنت عند المعتضد يوما وخادم بيده المذبة ~~إذ ضربت قلنسوة المعتضد فسقطت فكدت اختلط إعظاما للحال ولم يتغير المعتضد ~~وقال: هذا الغلام قد نعس. ولم ينكر عليه. فقبلت الأرض وقلت: والله يا أمير ~~المؤمنين ما سمعت بمثل هذا ولا ظننت أن حلما يسعه. قال: وهل يجوز غير هذا ~~PageV01P085 أنا أعلم أن هذا الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله ~~وتلف والانكار لا يكون إلا على المعتمد دون الساهي الخاطئ. أعلم أن هذا ~~الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف والانكار لا يكون إلا ~~على المعتمد دون الساهي الخاطئ. # وفي أيام المعتضد علت منزلة بني موسى بن شاكر وهم ثلاثة محمد وأحمد ~~والحسن. وكان موسى بن شاكر يصحب المأمون ولم يكن موسى من أهل العلم بل كان ~~في حداثته حراميا يقطع الطريق ثم أنه تاب ومات وخلف هؤلاء الأولاد الثلاثة ~~الصغار فوصى بهم المأمون اسحق بن ابراهيم المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن أبي ~~منصور في بيت الحكمة وكانت حالهم رثة رقيقة. على أن أرزاق أصحاب المأمون ~~كلهم كانت قليلة. فخرج بنو موسى ابن شاكر نهاية في علومهم وكان أكبرهم ~~وأجلهم أبو جعفر محمد وكان وافر الحظ من الهندسة والنجوم ثم خدم وصار من ~~وجوه القواد إلى أن غلب الأتراك على الدولة. وكان أحمد دونه في العلم إلا ~~صناعة الحيل فإنه فتح له فيها ما لم يفتح مثله لأحد. وكان الحسن وهو الثالث ~~منفردا بالهندسة وله طبع عجيب فيها لا يدانيه أحد علم كل ما علم بطبعه ولم ~~يقرأ من كتب الهندسة إلا ست مقالات من كتاب أوقليذس في الأصول فقط وهي أقل ~~من نصف الكتاب ولكن ذكره كان عجيبا وتخيله كان قويا. وحكي أن المروزي قال ~~عنه يوما ms157 للمأمون أنه لم يقرأ من كتاب أوقليذيس إلا ست مقالات. أراد بذلك ~~كسره. فقال الحسن: يا أمير المؤمنين لم يكن يسألني عن شكل من أشكال ~~المقالات التي لم أقرأها إلا استخرجته بفكري وأتيته به ولم يكن يضرني أنني ~~لم أقرأها ولا تنفعه قراءته لها إذ كان من الضعف فيها بحيث لم تغنه قرآته ~~في أصغر مسألة من الهندسة فإنه لا يحسن أن يستخرجها. فقال له المأمون: ما ~~أدفع قولك ولكني ما أعذرك ومحلك من الهندسة محلك أن يبلغ بك الكسل أن لا ~~تقرأه كله وهو للهندسة كحروف ا ب ت ث للكلام والكتابة. وفي دار محمد بن ~~موسى تعلم ثابت بن قرة بن مروان الصابئ الحراني نزيل بغداد فوجب على محمد ~~حقه فوصله بالمعتضد وأدخله في جملة المنجمين. وبلغ ثابت هذا مع المعتضد أجل ~~المراتب وأعلى المنازل حتى كان يجلس بحضرته في كل وقت ويحادثه طويلا ~~ويضاحكه ويقبل عليه دون وزرائه وخاصته. وله مصنفات كثيرة في التعليمات ~~الرياضية والطب والمنطق وله تصانيف بالسريانية فيما يتعلق بمذهب الصابئة في ~~الرسوم والفروض والسنن وتكفين الموتى ودفنهم وفي الطهارة والنجاسة وما يصلح ~~من الحيوان للضحايا وما لا يصلح وفي أوقات العبادات وترتيب القراءة في ~~الصلاة. والذي تحققنا من مذهب الصابئة أن دعوتهم هي دعوة الكلدانين القدماء ~~بعينها وقبلتهم القطب الشمالي ولزموا فضائل النفس الأربع. والمفترض ثلاث ~~صلوات أولها قبل طلوع الشمس بنصف ساعة أو أقل لتنقضي مع الطلوع ثماني زكعات ~~في كل ركعة ثلاث سجدات. والثانية انقضاؤها مع نصف النهار والزوال خمسركعات ~~في كل ركعة ثلاث سجدات. والثالثة مثل الثانية تنقضي مع الغروب. والصيام ~~المفرض عليهم ثلاثون يوما أولها الثامن من اجتماع آذار. وتسعة أيام أولها ~~التاسع من اجتماع كانون الأول. وسبعة أيام أولها ثامن شباط. ويدعون ~~الكواكب. وقرابينهم كثيرة لا يأكلون منها بل يحرقونها. ولا يأكلون الباقلى ~~والثوم وبعضهم اللوبياء والقنبيط والكرنب والعدس. وأقوالهم قريبة من أقوال ~~الحكماء ومقالاتهم في التوحيد على غاية من التقانة ويزعمون أن نفس الفاسق ~~تعذب تسعة آلاف ms158 ثم تصير إلى رحمة الله تعالى. وكان في دولة المعتضد أحمد بن ~~محمد بن مروان بن الطيب السرخسي أحد فلاسفة الاسلام وله تآليف جليلة في ~~علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب وكان حسن المعرفة جيد القريحة بليغ ~~اللسان مليح التصنيف وكان أولا معلما للمعتضد ثم نادمه وخص به وكان يفضي ~~إليه بأسراره كلها ويستشيره في أمور مملكته وكان الغالب على أحمد هذا علمه ~~لا عقله واتفق أن أفضى إليه بسر فأذاعه فأمر المعتضد بقتله فقتل. ~~PageV01P086 " المكتفي بن المعتضد " لما توفي المعتضد كتب الوزير إلى أبي ~~محمد علي بن المعتضد وهو المكتفي وعرفه أخذ البيعة له وكان بالرقة فأخذ له ~~البيعة علىمن عنده من الأجناد وسار إلى بغداد فدخلها لثمان خلون من جمادى ~~الأولى سنة تسع وثمانين ومائتين. وفيها ظهر بالشام رجل من القرامطة وجمع ~~جموعا من الأعراب وأتى دمشق وبها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن ~~أخمد بن طولون وكانت بينهم وقعات. وفي سنة احدى وتسعين ومائتين خرجت الترك ~~في خلق كثير لا يحصون إلى ما وراء النهر وكان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية ~~ولا تكون إلا للرؤساء منهم. فسار إليهم جيش المسلمين وكبسوهم مع الصبح ~~فقتلوا منهم خلقا عظيما وانهزم الباقون. وفيها خرج الروم في عشرة صلبان مع ~~كل صليب عشرة آلاف إلى الثغور فأغاروا وسبوا وأحرقوا. وفي سنة اثنتين ~~وتسعين ومائتين جهز المكتفي إلى هرون بن خمارويه جيشا في البر والبحر ~~فحاصروه بمصر وجرى بينهم قتال شديد ووقعات كثيرة آخرها أن بعض الرماة من ~~أصحاب المكتفي رمى هرون بمزراق معه فقتله وانهزم المصريون وكان هو آخر ~~أمراء آل طولون وانقرضت الدولة الطولونية في هذه السنة. وفي سنة ثلاث ~~وتسعين ومائتين أغارت الروم على قورس ودخلوها فأحرقوا جامعها وساقوا من بقي ~~من أهلها لأنهم قتلوا أكثرهم. وفي سنة خمس وتسعين ومائتين من ذي القعدة ~~توفي المكتفي بالله وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وكان عمره ثلاثا ~~وثلاثين سنة. # وفي أيام المكتفي اشتهر يوسف الساهر الطبيب ويعرف ms159 أيضا بالقس وكان مشهور ~~الذكر مكبا على الطب كثير الاجتهاد في تحصيل الفوائد وسمي الساهر لأنه كان ~~لاينام في الليل إلا ربعه أو أزيد ثم يسهر في طلب العلم. وقيل إنما سمي ~~الساهر لأن سرطان كان في مقدم رأسه وكان يمنعه من النوم. وإذا تأمل متأمل ~~كناشه رأى فيه أشياء تدل على أنه كان به هذا المرض. PageV01P087 " المقتدر ~~بن المعتضد " لما ثقل المكتفي في مرضه استشار الوزير وهو حينئذ العباس بن ~~الحسن أصحابه فيمن يصلح للخلافة. فقالوا له: اتق الله ولا تول من قد لقي ~~الناس ولقوه وعاملهم وعاملوه وتحنك وحسب حساب نعم الناس وعرف وجوه دخلهم ~~وخرجهم. فقال الوزير: صدقتم ونصحتم. فبمن تشيرون؟ قالوا: أصلح الموجودين ~~جعفر بن المعتضد. قال: ويحكم هو صبي. قال ابن الفرات: إلا أنه ابن المعتضد ~~ولا نأتي برجل يباشر الأمور بنفسه غير محتاج إلينا. فركن الوزير إلى قولهم ~~فلما مات المكتفي نصب جعفرا للخلافة وأخذ له البيعة ولقبه المقتدر بالله. ~~فلما بويع المقتدر استصغره الوزير وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة. وكثر ~~كلام الناس فيه فعزم على خلعه. ثم في سنة ست وتسعين ومائتين اجتمع القواد ~~والقضاة مع الوزير على خلع المقتدر بالله والبية لابن المعتز. ثم أن الوزير ~~رأى أمره صالحا مع المقتدر فبدا له في ذلك. فوثب به الحسين بن حمدان فقتله ~~وخلع المقتدر وبايع الناس ابن المعتز ولقب المرتضي بالله ووجه إلى المقتدر ~~يأمره بالانتقال إلى الدار التي كان مقيما فيها لينتقل هو إلى دار الخلافة ~~فأجابه بالسمع والطاعة وسأل الإمهال إلى الليل. وعاد الحسين بن حمدان بكرة ~~غد إلى دار الخلافة فقاتله الخدم والغلمان والرجالة من وراء الستور عامة ~~النهار فانصرف عنهم آخر النهار. فلما جنه الليل سار عن بغداد بأهله وماله ~~إلى الموصل لا يدري لم فعل ذلك ولم يكن بقي مع المقتدر من القواد غير مؤنس ~~الخادم ومؤنس الخازن. ولما رأى ابن المعتز ذلك ركب معه وزيره محمد بن داود ~~وغلام له وساروا نحو الصحراء ظنا منهم ms160 أن من بايعه من الجند يتبعونه. فلما ~~لم يلحقهم أحد رجعوا واختفوا ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد وثار ~~العيارون والسفل ينهبون الدور وخرج المقتدر بالعسكر وقبض على جماعة وقتلهم ~~وكتب إلى أبي الهيجاء بن حمدان يأمره بطلب أخيه الحسين فانهزم الحسين وأرسل ~~أخاه ابراهيم يطلب له الأمان فأجيب إلى ذلك ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له ~~على قم وقاشان فسار إليها. وفي هذه السنة سقط ببغداد ثلج كثير من بكرة إلى ~~العصر فصار على الأرض أربع أصابع وكان معه برد شديد وجمد الماء والخل ~~والبيض وهلك النخل وكثير من الشجر. وفي سنة ثلاث وثلاثمائة خرج الحسين بن ~~حمدان بالجزيرة عن طاعة المقتدر فجهز الوزير رائق الكبير في جيش وسيره إليه ~~فالتقيا واقتتلا قتالا شديدا فانهزم رائق وغنم الحسين سواده. فسمع ذلك مؤنس ~~الخادم وجد بالسير نحو الحسين فرحل الحسين نحو أرمينية مع ثقله وأولاده ~~وتفرق عسكره عنه فأدركه جيش مؤنس وأسروه ومعه ابنه عبد الوهاب. وعاد مؤنس ~~إلى بغداد على الموصل ومعه الحسين فأركب على جمل هو وابنه وعليهما البرانس ~~واللبود الطوال وقمصان من شعر أحمر وحبسا. وفي هذه السنة خرج مليح الأرمني ~~إلى مرعش فعاث في بلدها وأسر جماعة ممن حولها وعاد. وفي سنة خمس وثلاثمائة ~~وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر يطلبان المهادنة والفداء فأكرما ~~إكراما تاما كثيرا ودخلا على الوزير وهو في أكمل هيئة وأديا الرسالة إليه. ~~PageV01P088 ثم إنهما دخلا على المقتدر وقد جلس لهما واصطفت الاجناد ~~بالسلاح والزينة التامة وأديا الرسالة. فأجابهما المقتدر إلى ما طلب ملك ~~الروم من الفداء وسير مؤنسا الخادم ليحضر الفداء وانفذ معه مائة ألف وعشرين ~~ألف دينار لفداء أسارى المسلمين. وفيها أطلق أبو الهيجاء بن حمدان وأخوته ~~وأهل بيته من الحبس. وفي سنة تسع وثلاثمائة قتل الحسين الحلاج بن منصور. ~~وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزهد ويظهر الكرمات وقيل أنه حرك يوما يده ~~فانتثر على قوم دراهم. فقال بعض من تفهم أمره ممن حضر: أرى دراهم معروفة ~~ولكني أؤمن ms161 بك وخلق معي إن أعطيتني درهما عليه اسمك واسم أبيك. فقال: و كيف ~~لا يصنع. فقال له: من حضر ما ليس بحاضر صنع ما ليس بمصنوع. و كان قدم من ~~خراسان إلى العراق و سار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف ~~شتاء و لا صيفا و رئي في جبل أبي قبيس على صخرة حافيا مكشوف الرأس و العرق ~~يجري منه إلى الأرض. و عاد الحلاج إلى بغداد فافتتن به خلق كثير و اعتقدوا ~~فيه الحلول و الربوبية. ثم نقل عنه إلى الوزير حامد أنه أحيا جماعة من ~~الموتى. فلما سأله الوزير عن ذلك أنكره و قال: أعوذ بالله أن أدعي النبوة ~~أو الربوبية و إنما أنا رجل أعبد الله. فلم يتمكن الوزير من قتله حتى رأى ~~كتابا له فيه: أن الإنسان إذا أراد الحج و لم يمكنه أفرد من داره بيتا ~~طاهرا فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله و فعل ما يفعل الحجاج بمكة ثم يطعم ~~ثلاثين يتيما و يكسوهم و يعطي كل واحد منهم سبعة دراهم. فأحضر الوزير ~~القضاة و وجوه الفقهاء و استفتاهم. فكتبوا بإباحة دمه فسلمه الوزير إلى ~~صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فما تأوه لها ثم قطع يده ثم رجله ثم رجله الأخرى ~~ثم يده ثم قتل و أحرق و ألقي رماده في دجلة و نصب الرأس ببغداد. و اختلف في ~~بلدة الحلاج و منشأه فقيل من خراسان و قيل من نيسابور و قيل من مرو و قيل ~~من الطالقان و قيل من الري. و قيل كان رجلا محتالا مشعوذا يتعاطى مذاهب ~~الصوفية و يدعي أن الإلهية قد حلت فيه وأنه هو هو. و قيل له و هو مصلوب: قل ~~لا إلاه إلا الله. فقال: إن بيتا أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج. و امتحنه ~~أبو الحسين علي ابن عيسى و ناظره فوجده صفرا من العلوم فقال له: تعلمك ~~طهورك و فروضك أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها. ms162 لم تكتب إلى الناس ~~بقولك: تبارك ذو النور الشعشعاني الذي يلمع بعد شعشعته. ما أحوجك إلى ~~الأدب. و قال أبو الحسن بن الجندي أنه رأى الحلاج و شاهد من شعابيذه أشياء ~~منها تصويره بين يديه بستانا فيه زروع و ماء. و في سنة خمس عشرة و ثلاثمائة ~~استشعر مؤنس الخادم خوفا من المقتدر. فاجتمع إليه جميع الأجناد و قالوا له: ~~لا تخف نحن نقاتل بين يديك إلى أن ينبت لك لحية. فوجه إليه المقتدر رقعة ~~بخطه يحلف له على بطلان ما قد بلغه. فقصد دار المقتدر في جمع من القواد و ~~دخل إليه و قبل يده. و حلف له المقتدر على صفاء نيته له. و في سنة سبع عشرة ~~و ثلاثمائة خلع المقتدر بالله من الخلافة و بويع أخوه القاهر بالله محمد بن ~~المعتضد فبقي يومين ثم أعيد المقتدر. و كان السبب في ذلك استيحاش مؤنس ~~الخادم. و في سنة عشرين و ثلاثمائة سار مؤنس الخادم إلى الموصل مغاضبا و ~~وجه خادمه بشرى برسالة إلى المقتدر. فسأله الوزير الحسين عن الرسالة فقال: ~~لا أذكرها إلا للمقتدر كما أمرني صاحبي. فشتمه الوزير و شتم صاحبه و أمر ~~بضربه و صادره بثلاثمائة ألف دينار. فلما بلغ مؤنسا ما جرى على خادمه و هو ~~بحربى ينتظر أن يطيب المقتدر قلبه و يعيده سار نحو الموصل و معه جميع ~~القواد فاجتمع بنو حمدان على محاربته. و لما قرب مؤنس من الموصل كان في ~~ثمانمائة فارس و اجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفا فالتقوا و اقتتلوا فانهزم ~~بنو حمدان و استولى مؤنس على أموالهم و ديارهم فخرج إليه كثير من العساكر ~~من بغداد و الشام و مصر لإحسانه إليهم و أقام بالموصل تسعة أشهر ثم انحدر ~~إلى بغداد و نزل بباب الشماسية. و أشار على المقتدر أصحابه بحضور الحرب فإن ~~القوم متى رأوه عادوا جميعهم إليه فخرج و هو كاره و بين يديه الفقهاء و ~~القراء و معهم المصاحف منشورة و عليه البردة و الناس ms163 حوله. فوقف على تل عال ~~بعيد عن المعركة. فأرسل قواده يسألونه التقدم. فلما تقدم من موضعه انهزم ~~أصحابه قبل وصوله PageV01P089 إليهم. فأراد الرجوع فلحقه قوم من المغاربة و ~~شهروا عليه سيوفهم. فقال: ويحكم أنا الخليفة. قالوا: قد عرفناك يا سفلة. و ~~ضربه واحد بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض و ذبحه بعضهم و رفعوا رأسه على ~~خشبة و هم يكبرون و يلعنونه و أخذوا جميع ما عليه حتى سراويله و تركوه ~~مكشوف العورة إلى أن مر به رجل من الأكرة فستره بحشيش ثم حفر له في موضعه و ~~دفن و عفا قبره. و لما حمل رأس المقتدر إلى مؤنس بكى و لطم وجهه و رأسه و ~~أنفذ إلى دار الخليفة من منعها من النهب. و كانت خلافة المقتدر خمسا و ~~عشرين سنة و عمره ثماني و ثلاثين سنة.هم. فأراد الرجوع فلحقه قوم من ~~المغاربة و شهروا عليه سيوفهم. فقال: ويحكم أنا الخليفة. قالوا: قد عرفناك ~~يا سفلة. و ضربه واحد بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض و ذبحه بعضهم و رفعوا ~~رأسه على خشبة و هم يكبرون و يلعنونه و أخذوا جميع ما عليه حتى سراويله و ~~تركوه مكشوف العورة إلى أن مر به رجل من الأكرة فستره بحشيش ثم حفر له في ~~موضعه و دفن و عفا قبره. و لما حمل رأس المقتدر إلى مؤنس بكى و لطم وجهه و ~~رأسه و أنفذ إلى دار الخليفة من منعها من النهب. و كانت خلافة المقتدر خمسا ~~و عشرين سنة و عمره ثماني و ثلاثين سنة. # و في سنة سبع عشرة و ثلاثمائة مات محمد بن جابر بن سنان أبو عبد الله ~~الحراني المعروف بالبتاني أحد المشهورين برصد الكواكب و يعلم أحد من ~~الإسلام بلغ مبلغه في تصحيح أرصاد الكواكب و امتحان حركاتها. و كان أصله من ~~حران صابئا. و في سنة عشرين و ثلاثمائة توفي محمد بن زكريا الرازي و كان في ~~ابتداء أمره يضرب بالعود ثم ترك ذلك و ms164 أقبل على تعلم الفلسفة فنال منها ~~كثيرا و ألف كتبا كثيرة أكثرها في صناعة الطب و سائرها في المعارف الطبيعية ~~و دبر بيمارستان الري ثم بيمارستان بغداد زمانا. و كان في بصره رطوبة لكثرة ~~أكله الباقلي ثم عمي في آخر عمره بماء نزل في عينيه. و جاءه كحال ليقدحهما ~~فسأله عن العين كم طبقة هي. فقال لا أعلم. فقال له: لا يقدح عيني من لا ~~يعلم ذلك. فقيل له: لو قدحت لكنت أبصرت. قال: لا قد أبصرت في الدنيا حتى ~~مللت. و قيل أن أبا محمد بن زكريا الرازي أوحد دهره و فريد عصره جمع ~~المعرفة بعلوم القدماء لا سيما الطب و كان شيخا كبير الرأس مسفطا. و لم يكن ~~يفارق النسخ إما يسود أو يبيض. و ألف في الكيمياء اثني عشر كتابا و ذكر ~~أنها أقرب إلى الممكن منه إلى الممتنع. و كان كريما متفضلا بارا بالناس حسن ~~الرأفة بالفقراء و الأعلاء حتى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة و يمرضهم. ~~و حكي عن الكعبي أنه قال لابن زكريا: رأيتك تدعي ثلاثة أصناف من العلوم و ~~أنت أجهل الناس بها تدعي الكيمياء و قد حبستك زوجتك على عشرة دراهم فلو ~~ملكت يوما قدر مهرها ما رافعتك إلى الحاكم فحضرت معها و حلفت لها عليه. و ~~تدعي الطب و تركت عينك حتى ذهبت. و تدعي النجوم و العلم بالكائنات و قد ~~وقعت في نوايب لم تشعر بها حتى أحاطت بك. أقول الطعن الأول مباين لما نقل ~~من حسن رأفته بالفقراء و لا يبعد أن الأخر قول حاسد. و من الأطباء الذين ~~للمقتدر بختيشوع بن يحيى و سنان بن ثابا بن قرة الصابئ والد ثابت بن سنان ~~صاحب التارخ. و لم يكن في أطبائه أخص من هذين. و سيأتي قصة سنان في باب ~~خلافة القاهر. PageV01P090 " القاهر بن المعتضد " لما قتل المقتدر عظم قتله ~~على مؤنس و قال: الرأي أن ننصب و لده أبا العباس فإنه تربيتي و هو صبي عاقل ~~فيه دين ms165 و كرم و وفاء بما يقول. فاعترضعليه اسحق النوبختي و قال: بعد الكد ~~استرحنا من خليفة له أم و خالة و خدم يدبرونه فنعود إلى تلك الحال لا و ~~الله لا نرضى إلا برجل كامل يدبر نفسه و يدبرنا. و ما زال حتى رد مؤنسا عن ~~رأيه و ذكر له أبو منصور بن محمد بن المعتضد فأجابه مؤنس إلى ذلك. و كان ~~النوبختي في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه فإن القاهر قتله كما سيأتي ذكره. و ~~أمر مؤنس بإحضار محمد ابن المعتضد فبايعوه بالخلافة لليلتين بقيتا من شوال ~~سنة عشرين و ثلاثمائة و لقبوه بالله. و كان مؤنس كارها لخلافته و يقول: ~~إنني عارف بشره و شؤمه. و لما بويع استحلفه مؤنس لنفسه و لحاجبه بليق و ~~لعلي بن بليق. و استحجب القاهر علي بن بليق و تشاغل القاهر بالبحث عمن ~~استتر من أولاد المقتدر و حرمه ثم أحضر القاهر أم المقتدر عنده و كانت ~~مريضة قد ابتدأ بها استسقاء فسألها عن مالها فاعترفت له بما عندها من ~~المتاع و الثياب و لم تعترف بشيء من المال و الجواهر. فضربها أشد ما يكون ~~من الضرب و علقها برجلها و ضرب المواضع الغامضة من بدنها. فحلفت أنها لا ~~تملك غير ما أطلعته عليه. و صادر جميع حاشية المقتدر و أصحابه و وكل على ~~بيع أملاك أم المقتدر و حل وقوفها فبيع جميع ذلك. و في سنة إحدى و عشرين و ~~ثلاثمائة استوحش مؤنس و بليق الحاجب و ولده علي الوزير و أبو علي بن مقلة ~~من القاهر و ضيقوا عليه و وكلوا على دار الخليفة أحمد بن زيرك و أمروا ~~بتفتيش كل من يدخل الدار و يخرج منها و أن يكشف وجوه النساء المنقبات. ففعل ~~ذلك و زاد عليه حتى أنه حمل إلى دار القاهر لبن فأدخل يده فيه لئلا يكون ~~فيه رقعة. فعلم القاهر أن العتاب لا يفيد فأخذ في الحيلة و التدبير عليهم و ~~أرسل إلى الساجية أصحاب يوسف ms166 بن أبي الساج يغريهم بمؤنس و بليق و يحلف لهم ~~على الوفاء فتغيرت قلوبهم. فبلغ ابن مقلة أن القاهر يجتهد في التدبير عليهم ~~فذكر ذلك لمؤنس و بليق و ابنه فاتفق رأيهم على خلع القاهر إلا مؤنس فإنه ~~قال لهم: لست أشك في شر القاهر و خبثه و لقد كنت كارها لخلافته و أشرت بابن ~~المقتدر فخالفتموني و قد بالغتم الآن في الاستهانة به و ما صبر على الهوان ~~إلا من خبث طويته ليدبر عليكم فلا تعجلوا حتى تؤنسوه و ينبسط إليكم ثم ~~اعملوا على ذلك. فقال علي ابن بليق و ابن مقلة: ما يحتاج إلى هذا التطويل ~~فإن الحجبة لنا و الدار في أيدينا و ما يحتاج أن نستعين في القبض عليه بأحد ~~لأنه بمنزلة طائر في قفص. و اتفقوا على أن يدخل علي بن بليق على القاهر و ~~يكون قد أمر جماعة من عسكره بالركوب إلى أبواب دار الخليفة فيقبض عليه. فهم ~~في هذا أن خضر ظريف السكري في زي امرأة فاجتمع بالقاهر فذكر له جميع ما قد ~~عزموا عليه فأخذ حذره و أنفذ إلى الساجية أحضرهم متفرقين و أكمنهم في ~~الدهليز و الممرات و الرواقات. و حضر علي بن بليق بعد العصر و في رأسه نبيذ ~~و معه عدد يسير من غلمانه بسلاح خفيف و طلب الإذن فلم يؤذن له فغضب و أساء ~~أدبه. فخرج إليه الساجية و شتموا أباه. فألقى نفسه إلى طيارة و عبر إلى ~~الجانب الغربي و اختفى من ساعته. و بلغ الخبر ابن مقلة فاستتر. و أنكر بليق ~~ما جرى على إبنه و سب الساجية و حضر دار الخليفة ليعاتب على ذلك فلم يوصله ~~القاهر إليه و أمر بالقبض عليه و على ابن زيرك. و راسل القاهر مؤنسا يسأله ~~الحضور عنده و قال: أنت عندي بمنزلة الوالد و ما أحب أن أعمل شيئا إلا عن ~~رأيك. فاعتذر مؤنس عن الحركة و أنه قد استولى عليه الكبر و الضعف. فأظهر له ~~الرسول النصح و ms167 قال: إن تأخرت طمع و لو رآك نائما ما تجاسر على أن يوقظك. ~~فسار مؤنس إليه فلما دخل الدار قبض عليه القاهر و حبسه. قيل لما علم القاهر ~~بمجيء مؤنس هابه و هاله أمره و ارتعد و تغيرت أحواله و زحف من صدر فراشه ثم ~~ربط جأشه. و لما قبض على مؤنس شغب أصحابه و ثاروا و تبعهم سائر الجند. و ~~كان القاهر قد ظفر بعلي بن بليق فدخل القاهر إليه و أمر به فذبح و أخذوا ~~رأسه فوضعوه في طشت ثم مضى القاهر و الطشت يحمل بين يديه حتى دخل على بليق ~~فوضع الطشت بين يديه و فيه رأس ابنه. فلما رآه بكى و أخذ يقبله و يترشفه. ~~فأمر القاهر فذبح أيضا و جعل رأسه PageV01P091 في الطشت و حمل بين يدي ~~القاهر و مضى حتى دخل على مؤنس فوضعهما بين يديه. فلما رأى الرأسين تشهد و ~~لعن قاتلهما. فقال القاهر: جروا برجل الكلب الملعون فجروه و ذبحوه و جعلوا ~~رأسه في طشت و أمر فطيف بالرؤوس في جانبي بغداد و نودي عليها: هذا جزاء من ~~يخون الإمام و يسعى في فساد دولته. الطشت و حمل بين يدي القاهر و مضى حتى ~~دخل على مؤنس فوضعهما بين يديه. فلما رأى الرأسين تشهد و لعن قاتلهما. فقال ~~القاهر: جروا برجل الكلب الملعون فجروه و ذبحوه و جعلوا رأسه في طشت و أمر ~~فطيف بالرؤوس في جانبي بغداد و نودي عليها: هذا جزاء من يخون الإمام و يسعى ~~في فساد دولته. # و في أيام القاهر كان ابتداء دولة بني بويه و هم ثلاثة عماد الدولة علي و ~~ركن الدولة الحسن و معز الدولة أحمد أولاد أبي شجاع بويه بن فناخسرو من ولد ~~يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس. و هذا نسب عريق في الفرس و لا شك أنهم ~~نسبوا إلى الديلم حيث طال مقامهم ببلادهم. و قيل أن أبا شجاع بويه كان ~~متوسط الحال و رأى في منامه كأنه يبول فخرج من ms168 ذكره نار عظيمة استطالت و ~~علت حتى كادت تبلغ السماء ثم انفرجت فصارت ثلث شعب و تولد من تلك الشعب عدة ~~شعب فأضاءت الدنيا بتلك النيران و رأى البلاد و العباد خاضعين لتلك ~~النيران. فمضى بويه إلى رجل يقول عن نفسه أنه منجم و معزم و معبر المنامات ~~و يكتب الرقي و الطلسمات و قص عليه منامه. فقال المنجم: هذا منام عظيم لا ~~أفسره إلا بخلعة و فرس. فقال بويه: و الله ما أملك إلا الثياب التي على ~~جسدي فإن أخذتها بقيت عريانا. قال المنجم: فعشرة دنانير. قال: و الله ما ~~أملك دينارين فكيف عشرة. فأعطاه شيئا. فقال المنجم: اعلم أنه يكون لك ثلاثة ~~أولاد يملكون الأرض و يعلو ذكرهم في الآفاق و يولد لهم جماعة ملوك بقدر ما ~~رأيت من تلك الشعب. فقال أبو شجاع بويه: اما تستحي تسخر منا أنا رجل فقير و ~~أولادي هؤلاء مساكين فكيف يصيرون ملوكا. قال المنجم: اذكروا لي هذا إذا ~~قصدتكم و أنتم ملوك. فاغتاظ منه بويه و قال لأولاده: اصفعوا هذا الحكيم فقد ~~أفرط في السخرية بنا. فصفعوه و أخرجوه. ثم خرج أولاد بويه من الديلم و ~~صاروا إلى مرداويج بطبرستان فقبلهم أحسن قبول و خلع عليهم و قلد عماد ~~الدولة علي بن بويه كرج. فاستمال أهلها بالصلات و الهبات فأحبوه و ملكوه و ~~قوي جنابه و استولى على أصفهان و عظم في عيون الناس و ملك أرجان أيضا. و ~~أنفذ أخاه ركن الدولة الحسن إلى كارزون و غيرها من أعمال فارس. فاستخرج ~~منها أموالا جليلة و عاد إلى أخيه غانما سالما. و في سنة اثنتين و عشرين و ~~ثلاثمائة استولى عماد الدولة علي بن بويه على شيراز و ملكها. و في هذه ~~السنة خلع القاهر في جمادى الأولى و ذلك أن لبن مقلة كان مستترا و القاهر ~~يتطلبه و كان يراسل قواد الساجية و الحجرية و يخوفهم من شر القاهر و يذكر ~~لهم غدره و نكثه مرة بعد أخرى كقتل مؤنس ms169 و بليق و ابنه بعد الإيمان لهم إلى ~~غير ذلك. و كان ابن مقلة يجتمع بسيما زعيم الساجية تارة في زي أعمى و تارة ~~في زي مكد و تارة في زي امرأة و يغريه بالقاهر. ثم إن ابن مقلة أعطى منجما ~~كان لسيما مائتي دينار. و كان يذكر أن طالعه يقتضي أن ينكبه القاهر. و أعطى ~~أيضا شيئا لمعبر كان لسيما يعبر لهالمنامات و كان يحذره من القاهر. فازداد ~~نفورا. فاتفق مع أصحابه و مع الحجرية على خلع القاهر. و بلغ ذلك الوزير ~~فأرسل الحاجب سلاما و عيسى الطبيب ليعلماه بذلك فوجداه نائما قد شرب أكثر ~~ليلته فلم يقدرا على إعلامه بذلك. فزحف الحجرية و الساجية إلى الدار. و لما ~~سمع القاهر الأصوات و الغلبة استيقظ و هو مخمور و طلب بابا يهرب منه فقيل ~~له: أن الأبواب جميعها مشحونة بالرجال. فهرب إلى سطح حمام. فأخذوه من هناك ~~و حبسوه و كانت خلافته عاما واحدا و سبعة أشهر. ثم عاش خاملا إلى أن مات ~~سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة. PageV01P092 عيسى الطبيب المذكور ههنا هو ~~ابن يوسف المعروف بابن العطار كان متطبب القاهر و ثقته و مشيره و سفيره ~~بينه و بين وزرائه و تقدم في وقته تقدما كثيرا. و شاركه سنان ابن ثابت بن ~~قرة في الطب و كان خصيصا بالقاهر و كان عيسى أشد تقدما منه. و لكثرة اغتباط ~~القاهر بسنان أراده على الإسلام فامتنع امتناعا شديدا كثيرا. فتهدده القاهر ~~فخافه لشدة سطوته فأسلم و أقام مدة. ثم رأى من القاهر أنه إذا أمره بشيء ~~أخافه فانهزم إلى خراسان و عاد توفي ببغداد في سنة إحدى و ثلاثين و ~~ثلاثمائة. و من ظريف ما جرى لسنان في امتحان الأطباء عند تقدم الخليفة إليه ~~بذلك أنه أحضر إليه رجل مليح البشرة و الهيئة ذو هيبة و وقار فأكرمه سنان ~~على موجب منظره و رفعته. ثم التفت إليه سنان فقال: قد اشتهيت أن أسمع من ~~الشيخ شيئا أحفظه عنه و ms170 أن يذكر شيخه في الصناعة. فأخرج الشيخ من كمه ~~قرطاسا فيه دنانير صالحة و وضعها بين يدي سنان و قال: و الله ما أحسن أكتب ~~و لا أقرأ شيئا جملة و لي عيال و معاشي دار دائره و أسألك أن لا تقطعه عني. ~~فضحك سنان و قال: على شريطة أنك لا تهجم على مريض بما لا تعلم و لا تشير ~~بفصد و لا بدواء مسهل إلا بما قرب من الأمراض. قال الشيخ: هذا مذهبي مذ كنت ~~ما تعديت السكنجبين و الجلاب. و انصرف. و لما كان من الغد حضر إليه غلام ~~شاب حسن البزة مليح الوجه ذكي. فنظر إليه سنان فقال له: على من قرأت. قال: ~~على أبي. قال: و من يكون أبوك. قال: الشيخ الذي كان عندك بالأمس. قال: نعم ~~الشيخ. و أنت على مذهبه. قال: نعم. قال: لا تتجاوزه و انصرف مصاحبا. و ~~لسنان تصانيف جيدة و كان قويا في علم الهيئة و له في ذلك أشياء ظاهرة تغني ~~عن الإطالة بذكرها. PageV01P093 " الراضي بن المقتدر " لما قبضوا القاهر ~~سألوا عن المكان الذي فيه أبو العباس أحمد بن المقتدر فدلوهم عليه فقصدوه و ~~فتحوا عليه و دخلوا فسلموا بالخلافة و أخرجوه و أجلسوه على السرير و لقبوه ~~الراضي بالله يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين و عشرين و ~~ثلاثمائة و بايعه القواد و الناس. و أرادوا علي بن عيسى على الوزارة فقال ~~الراضي: إن الوقت لا يحتمل أخلاق علي و ابن مقلة أليق بالوقت. فأحضره و ~~استوزره. فلما استوزر أحسن إلى كل من أساء إليه و أحسن سيرته. و في سنة ~~ثلاث و عشرين و ثلاثمائة عظم أمر الحنابلة و قويت شوكتهم و صاروا يكبسون ~~دور القواد و العامة و إن وجدوا نبيذا أراقوه و إن وجدوا مغنية ضربوها و ~~كسروا آلة الغناء فأرهجوا بغداد. و ركب صاحب الشرطة و نادى في جانبي بغداد ~~ألا يجتمع من الحنابلة اثنان و لا يصلي منهم إمام إلا جهر ms171 ببسم الله الرحمن ~~الرحيم في صلاة الصبح و العشائين. فلم يفد فيهم. فخرج توقيع الراضي بما ~~يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم و يوبخهم على اعتقاد التشبيه و غيره. ~~فمنه: إنكم تارة تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب ~~العالمين و تذكرون الكف و الأصابع و الرجلين و النعلين الذهب و الشعر القطط ~~و النزول إلى الدنيا. فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات ما أغواه. و ~~أمير المؤمنين يقسم بالله جهدا ألية يلزمه الوفاء بها لئن لم تنتهوا عن ~~مذموم مذهبكم و معوج طريقكم هذه ليوسعنكم ضربا و تشديدا و قتلا و ليستعملن ~~السيف في رقابكم و النار في منازلكم و محالكم. و في سنة أربع و عشرين و ~~ثلاثمائة ألجأت الضرورة الراضي إلى أن قلد أبا بكر محمد بن رائق إمارة ~~الجيش و جعله أمير الأمراء و ولاه الخراج و المعاون و الدواوين في جميع ~~البلاد و أمر أن يخطب له على جميع المنابر و بطلت الوزارة من ذلك الوقت فلم ~~يكن الوزير ينظر في شيء من الأمور إنما كان ابن رائق و كاتبه ينظران في ~~الأمور جميعا و كذلك كل من تولى إمرة الأمراء بعده و صارت الأموال تحمل إلى ~~خزائنهم فيتصرفون فيها كما يريدون و يطلقون للخليفة ما يريدون. و في سنة ست ~~وعشرين و ثلاثمائة استولى معز الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه على الأهواز. ~~و فيها كتب أبو علي بن مقلة إلى الراضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق و ~~أصحابه و يضمن أنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف ألف دينار و أشار عليه ~~بإقامة بجكم مقام ابن رائق و طلب ابن مقلة من الراضي أن ينتقل و يقيم عنده ~~بدار الخليفة فأذن له في ذلك. فلما حصل بدار الخليفة اعتقله في حجرة و عرض ~~على ابن رائق خط ابن مقلة. فشكر الراضي. و ما زال ابن رائق يلح في طلب ابن ~~مقلة حتى أخرج من مجسه و قطعت يده. ثم عولج ms172 فبرأ فعاد يكاتب الراضي و يخطب ~~الوزارة و يذكر أن قطع يده لم يمنعه عن عمله و كان يشد القلم على يده ~~المقطوعة و يكتب و يهدد ابن رائق. فأمر الراضي بقطع لسانه. ثم نقل إلى محبس ~~ضيق و لم يكن عنده من يخدمه فآل به الحال إلى أنه كان يستقي الماء بيده ~~اليسرى و يمسك الحبل بفمه.و لحقه شقاء شديد إلى أن مات. و فيها دخل بغداد و ~~لقي الراضي و قلده إمرة الأمراء مكان ابن رائق. و في سنة تسع و عشرين و ~~ثلاثمائة مات الراضي بالله بالاستسقاء في منتصف ربيع الأول و كانت خلافته ~~ست سنين و عشرة أشهر و كان أديبا شاعرا سمحا سخيا يحب محادثة الأدباء و ~~الفضلاء و الجلوس معهم. # و كان ببغداد في خلافة الراضي بعد سنة عشرين و ثلاثمائة و قبل سنة ثلاثين ~~متى لبن يونس المنطقي النصراني عالم بالمنطق شارح له مكثر و طي الكلام قصده ~~التعليم و التفهيم و هو من أهل دير قنى ممن نشأ في اسكول مار ماري قرأ على ~~روفيل و بنيامين الراهبين اليعقوبيين. و متى نسطوري النحلة ذكره محمد بن ~~اسحق النديم في كتابه و قال: إليه انتهت رئاسة المنطقيين في عصره و مصره. ~~PageV01P094 " المتقي بن المقتدر " لما مات الراضي كان بجكم بالكوفة فورد ~~كتابه مع الكوفي كاتبه يأمر فيه أن يجتمع مع أبي القاسم وزير الراضي ~~العلويون و القضاة و العباسيون و وجوه البلد و يشاورهم الكوفي فيمن ينصب ~~للخلافة. فاتفقوا كلهم على ابراهيم ابن المقتدر و بايعوه و لقبوه المتقي ~~لله و سير الخلع و اللواء إلى بجكم إلى واسط و أقر سليمان على وزارته و ليس ~~له منها إلا اسمها و إنما التدبير كله إلى الكوفي كاتب بجكم. و في هذه ~~السنة و هي سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة قتل بجكم قتله الأكراد و هو يتصيد ~~في نهر جور. و لما قتل بجكم دخل أبو عبيد الله البريدي بغداد فنزل بالشفيعي ~~و ms173 لقيه الوزير و القضاة و الكتاب و أعيان الناس فأنفذ إليه المتقي يهنئه ~~بسلامته و أنفذ له طعاما عدة ليال ثم أنفذ البريدي إلى المتقي يطلب خمسمائة ~~ألف دينار ليفرقها في الجند. فامتنع عليه. فأرسل إليه يتهدده و يذكره ما ~~جرى على المعتز و المستعين و المهتدي. فأنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار و ~~لم يلق البريدي المتقي مدة مقامته ببغداد. فلما حصل المال في يد البريدي لم ~~يؤثر الجند من المال بطائل فشغبوا عليه و حاربوه فهرب منهم هو و أخوه و ~~ابنه و أصحابه و انحدروا في الماء إلى واسط و استولى كورتكين الديلمي على ~~الأمور ببغداد و دخل إلى المتقي فقلده إمارة الأمراء و خلع عليه. و بعد ~~قليل عاد محمد بن رائق من الشام إلى بغداد وصار أمير الأمراء. و في سنة ~~ثلاثين و ثلاثمائة قتل ابن رائق و قلد ناصر الدولة ابن حمدان أمرة الأمراء ~~و خلع على أخيه أبي الحسن علي و لقبه سيف الدولة. و بعد قليل ثار الأتراك ~~بسيف الدولة فكبسوه ليلا فهرب من معسكره فلما بلغ الخبر أخاه ناصر الدولة ~~سار إلى الموصل و كانت إمارته ثلاثة عشر شهرا و تولى توزون إمارة الأمراء. ~~و في سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة توفي السعيد نصر بن حمدان بن اسمعيل ~~صاحب خراسان و ما وراء النهر و كان حليما كريما عاقلا. و حكي عنه أنه طال ~~مرضه فبقي به ثلاثة عشر شهرا فبنى له في قصره بيتا و سماه بيت العبادة فكان ~~يلبس ثيابا نظافا و يمشي إليه حافيا و يصلي فيه و يدعو و يتضرع و تجنب ~~المنكرات و الآثام إلى أن مات. و تولى بعده خراسان و ما وراء النهر ابنه ~~نوح و لقب الأمير الحميد. و فيها خلع المتقي على توزون الأمير التركي و ~~جعله أمير الأمراء. و فيها أرسل ملك الروم إلى المتقي يطلب منه منديلا مسح ~~بها المسيح وجهه فصارت صورة وجهه فيها و إنها في بيعة ms174 الرها و ذكر أنه إن ~~أرسلها إليه أطلق عددا كثيرا من أسارى المسلمين. فاستفتى المتقي القضاة و ~~الفقهاء فأنكر بعضهم تسليمها و أجاب بعضهم قائلا: إن خلاص المسلمين من ~~الأسر و الضر و الضنك الذي هم فيه أوجب. فأمر المتقي بتسليم المنديل إلى ~~الرسل و أرسل معهم من يتسلم الأسارى. و في سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة ~~ظهر ببغداد لص فأعجز الناس فأمنه ابن شيرزاد و هو من أكابر قواد توزون و ~~خلع عليه و شرط عليه أن يوصل كل شهر خمسة عشر ألف دينار مما يسرقه هو و ~~أصحابه و كان يستوفيها منه بالرواتب و هذا ما لم يسمع بمثله من شره. و فيها ~~ازداد خوف المتقي من توزون أمير الأمراء و كان توزون بواسط فأنفذ المتقي ~~يطلب من ناصر الدولة ابن حمدان إنفاذ جيش ليصحبوه إلى الموصل فأنفذهم مع ~~ابن عمه. فخرج المتقي إليهم في حرمه و أهله و وزيره و ساروا إلى الموصل و ~~أقام المتقي بها عند ابن حمدان ثم سار منها إلى الرقة و أنفذ رسلا إلى ~~توزون في الصلح. فحلف توزون للخليفة و الوزير و انحدر المتقي من الرقة في ~~الفرات فلما وصل إلى هيت أقام بها و أنفذ من يجدد اليمين على توزون. فعاد و ~~حلف و سار عن بغداد ليلتقي المتقي فالتقاه بالسندية و نزل و قبل الأرض و ~~قال: ها انا قد وفيت بيميني و الطاعة لك. ثم وكل به و بالوزير و بالجماعة و ~~أنزلهم في مضرب نفسه مع حرم المتقي ثم كحله فأذهب عينيه و عمي المتقي. و ~~انحدر توزون من الغد إلى بغداد و الجماعة في قبضته. فكانت خلافة المتقي ~~ثلاث سنين و ستة أشهر. PageV01P095 " المستكفي بن المكتفي " لما قبض توزون ~~على المتقي أحضر المستكفي بالله و هو أبو القاسم عبد الله بن المكتفي إليه ~~إلى السندية و بايعه هو و عامة الناس في سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة. و ~~كان سبب البيعة له ما حكاه ms175 بعض خواص توزون قال: إنني دعاني صديق لي فمضيت ~~إليه فذكر لي أنه تزوج إلى قوم و أن امرأة منهم قالت له أن هذا المتقي قد ~~عاداكم و عاديتموه و كاشفكم و لا يصفو قلبه لكم و ههنا رجل من أولاد ~~الخلافة و ذكرت عقله و دينه تنصبونه للخلافة فيكون صنيعكم و غرسكم و يدلكم ~~على أموال جليلة لا يعرفها غيره و تستريحون من الخوف و الحراسة. فقلت له: ~~أريد أن أسمع كلام المرأة. فجاءني بها و رأيت امرأة عاقلة جزلة. فذكرت لي ~~نحوا من ذلك و أحضرت الرجل أيضا عندي في زي امرأة فعرفني نفسه و ضمن إظهار ~~ثمانمائة ألف دينار و خاطبني خطاب رجل لبيب فهم. فأتيت توزوت فأخبرته فوقع ~~الكلام في قلبه و جرى ما جرى. و صارت تلك المرأة قهرمانة المستكفي و سمت ~~نفسها علم و غلبت على أمره كله. و فيها سار سيف الدولة إلى حلب فملكها و ~~كان مع المتقي بالرقة فلما عاد المتقي إلى بغداد قصد سيف الدولة حلب و ~~استولى عليها ثم سار منها إلى حمص فلقيه بها عسكر الإخشيد محمد بن طغج صاحب ~~مصر و الشام مع مولاه كافور فاقتتلوا فانهزم عسكر الإخشيد و كافور و ملك ~~سيف الدولة مدينة حمص. و سار إلى دمشق فحاصرها فلم يفتحها أهلها له فرجع ~~عنها. و في سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة في المحرم مات توزون في داره ~~ببغداد. فاجتمع الأجناد و عقدوا الئاسة عليهم لزيرك بن شيرزاد و حلفوا له و ~~حلف له المستكفي و دخل إليه ابن شيرزاد و عاد مكرما يخاطب بأمير الأمراء. و ~~بعد مدة يسيرة قدم معز الدولة بن بويه إلى بغداد و اختفى المستكفي و ابن ~~شيرزاد. فلما استتر سار الأتراك الذين في خدمته إلى الموصل. فلما بعدوا ظهر ~~المستكفي و عاد إلى دار الخلافة و أظهر السرور بقدوم معز الدولة و دخل إليه ~~معز الدولة بن بويه و بايعه و حلف له المستكفي. و ظهر ابن ms176 شيرزاد أيضا و ~~لقي معز الدولة فولاه أمر الخراج و جباية الأموال. و كانت إمارة ابن شيرزاد ~~ثلاثة أشهر و عشرين يوما. و خلع المستكفي على معز الدولة و لقبه ذلك اليوم ~~معز الدولة و لقب أخاه عليا عماد الدولة و لقب أخاه الحسن ركن الدولة و أمر ~~أن يضرب ألقابهم و كناهم على الدراهم و الدنانير. و في هذه السنة بلغ معز ~~الدولة أن علم قهرمانة المستكفي عازمة على إزالته فحضر معز الدولة و الناس ~~عند الخليفة في اثنين و عشرين من جمادى الآخرة ثم حضر رجلان من نقباء ~~الديلم فتناولا يد المستكفي فظن أنهما يريدان تقبيلها فمدها إليهما فجذباه ~~عن سريره و جعلا عمامته في حلقه و ساقاه ماشيا إلى دار معز الدولة فاعتقل ~~بها. و أخذت علم القهرمانة فقطع لسانها. و كانت مدة خلافة المستكفي سنة ~~واحدة و أربعة أشهر و ما زال مغلوبا على أمره مع توزون و ابن شيرزاد. و لما ~~بويع المطيع سلم إليه المستكفي فسمله و أعماه و بقي محبوسا إلى أن مات. # و كان في هذا الزمان من الأطباء المشهورين هلال بن ابراهيم ابن زهرون ~~الصابئ الحراني الطبيب نزيل بغداد و كان حاذقا عاقلا صالح العلاج متفننا ~~تقدم عند أجلاء بغداد و خالطهم بصناعته و خدم أمير الأمراء توزون. و حكى ~~عنه ولده ابراهيم قال: رأيت والدي في يوم من أيام خدمته لتوزون و قد خلع ~~عليه وحمله على بغل حسن بمركب ثقيل و وصله بخمسة آلاف درهم و هو مع ذلك ~~مشغول القلب منقسم الفكر. فقلت له: ما لي أراك يا سيدي مهموما و يجب أن ~~تكون في مثل هذا اليوم مسرورا. فقال: يا ابني هذا الرجل يعني توزون جاهل ~~يضع الأشياء في غير موضعها و لست أفرح بما يأتيني منه من جميلة عن غير ~~معرفة. أتدري ما سبب هذه الخلعة. قلت: لا. قال: سقيته دواء مسهلا فحاف عليه ~~فأسحجه فقام عدة مرار مجالس دما عبيطا حتى تداركته بما أزال ذلك ms177 عنه و كفي ~~المحذور فيه فاعتقده بجهله أن في خروج ذلك الدم صلاحا له فأنعم علي بما ~~تراه و لست آمن أن يستشعر في السوء من غير استحقاق فتلحقني منه الأذية. ~~PageV01P096 " المطيع بن المقتدر " هو أبو القاسم الفضل بن المقتدر. بويع ~~له يوم الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة و ازداد ~~أمر الخلافة إدبارا و لم يبق بيد المطيع إلا ما أقطعه معز الدولة مما يقوم ~~ببعض حاجاته. و في هذه السنة في ذي الحجة مات الأخشيد صاحب ديار مصر بدمشق ~~و ولي الأمر بعده ابنه أبو جور و استولى على الأمر كافور الخادم الأسود. ~~فسار كافور إلى مصر. فقصد سيف الدولة دمشق فملكها. ثم جاء كافور من مصر ~~فأخرج أهل دمشق سيف الدولة عنهم. و في سنة سبع و ثلاثين سار سيف الدولة بن ~~حمدان إلى بلد الروم فلقيه الروم و اقتتلوا فانهزم سيف الدولة و أخذ الروم ~~مرعش و أوقعوا بأهل طرسوس. و في سنة ثماني و ثلاثين و ثلاثمائة توالت على ~~عماد الدولة علي بن بويه الأسقام بمدينة شيراز فلما أحس بالموت و لم يكن له ~~ولد أنفذ إلى أخيه ركن الدولة يطلب منه أن ينفذ إليه لبنه عضد الدولة ~~فناخسروا ليجعله ولي عهده.فوصل إليه فأجلسه في داره على السرير و وقف هو ~~بين يديه و أمر الناس بالانقياد له و كان يوما عظيما مشهودا. و في سنة تسع ~~وثلاثين و ثلاثمائة دخل سيف الدولة بن حمدان إلى بلاد الروم فغزا و أوغل ~~فيها و سبى و غنم. فلما أراد الخروج أخذو عليه المضايق فهلك من كان معه من ~~المسلمين أسرا و قتلا و استرد الروم الغنائم و السبي و غنموا أثقال ~~المسلمين و أموالهم و نجا سيف الدولةفي عدد يسير. و في سنة ثلاث و أربعين و ~~ثلاثمائة مات الأمير نوح بن نصر الساماني في ربيع الآخر و ملك خراسان بعده ~~ابنه عبد الملك. و فيها غزا سيف الدولة ابن حمدان ms178 بلاد الروم و قتل ابن ~~نيقيفور الدمستق فعظم الأمر عليه.فجمع عساكر كثيرة من الروم و الروس و ~~البلغار و قصد الثغور فسار إليه سيف الدولة فالتقوا و اشتد القتال بينهم و ~~صبر الفريقان. ثم انتصر المسلمون و انهزم الروم و استؤسر صهر الدمستق و ابن ~~ابنته. و في سنة تسع و أربعين و ثلاثمائة غزا أيضا سيف الدولة بلاد الروم و ~~سبى و غنم و أسر و بلغ إلى خرشنة. ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق فلما ~~أراد الرجوع قال له من معه من أهل طرسوس: الرأي أن لا تعود في الدرب الذي ~~دخلت منه و لكن ترجع معنا في مسالك نعرفها. فلم يقبل منهم و كان معجبا ~~برأيه يحب أن يستبد و لا يشاور أحدا لئلا يقال أنه أصاب برأي غيره و عاد في ~~الدرب الذي دخل منه. فظهر الروم عليه و استردوا ما معه من الغنائم و وضعوا ~~السيف في أصحابه فأتوا عليهم قتلا و أسرا و تخلص هو في ثلاثمائة رجل بعد ~~جهد و مشقة. و في سنة خمسين و ثلاثمائة سقط الفرس تحت عبد الملك بن نوح ~~صاحب خراسان فمات من سقطته. و ولي بعده أخوه منصور ابن نوح. و في سنة إحدى ~~و خمسين و ثلاثمائة في المحرم نزل الروم مع الدمستق على عين زربة و فتحوها ~~بالأمان فدخلها و نادى في البلد أول الليل بأن يخرج جميع أهلها إلى المسجد ~~و من تأخر في منزله قتل. فخرج من أمكنه الخروج. فلما أصبح أنفذ رجاله و ~~كانوا ستين ألفا فقتلوا خلقا كثيرا من الرجال و النساء و الصبيان ممن وجدوه ~~خارج المسجد. و أمر من في المسجد بأن يخرجوا من البلد حيث شاؤوا يومهم ذلك ~~و من أمسى قتل. فخرجوا مزدحمين فمات بالزحمة جماعة و مروا على وجوههم لا ~~يدرون أين يتوجهون فماتوا في الطرقات و قتل الروم من وجدوه بالمدينة آخر ~~النهار. فلما أدرك الصوم انصرف الروم إلى القيسارية على أن يعودوا بعد ~~العيد. ms179 و فيها استولى الروم على مدينة حلب و عادوا عنها بغير سبب. و فيها ~~ملك الروم عليهم نيقيفور الدمستق و جعلوا شخصا يسمى شوموشقيق دمستقا له. و ~~في سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة فتح الروم مصيصة و طرسوس. و في سنة ست ~~خمسين و ثلاثمائة مات معز الدولة بن بويه ببغداد و جلس ابنه بختيار في ~~الإمارة و لقب عز الدولة. و كانت إحدى يدي عز الدولة مقطوعة قطعت في بعض ~~الحروب. و فيها قبض أبو تغلب على أبيه ناصر الدولة بن حمدان و حبسه في ~~القلعة لأنه كان قد كبر فساءت أخلاقه و ضيق على أولاده و خالفهم في أغراضهم ~~للمصلحة فضجروا منه. و في سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة ملك الروم مدينة ~~إنطاكية. و في سنة إحدى وستين و ثلاثمائة سار المعز لدين الله العلوي صاحب ~~بلاد المغرب من إفريقية يريد الديار المصرية فأقام قريبا من مدينة قيروان و ~~لحقه رجاله و عماله و أهل PageV01P097 بيته و جميع ما كان له في قصره من ~~الأموال و الأمتعة حتى ان الدنانير سبكت و جعلت كهيئة الطواحين و حمل كل ~~طاحونتين على جمل ثم سار حتى وصل إلى الإسكندرية. و أتاه أهل مصر و أعيانها ~~فلقيهم و أكرمهم و أحسن إليهم و سار فدخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة ~~اثنتين و ستين و ثلاثمائة و ملك الديار المصرية بلا ضرب و لا طعن. و في سنة ~~اثنتين و ستين و ثلاثمائة سار الدمستق إلى آمد و بها هزارمرد غلام أبي ~~الهيجاء بن حمدان. فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه و يستنجده. فسير إليه أخاه ~~هبة الله بن ناصر الدولة فاجتمعا على حرب الدمستق و سارا إليه فالتقياه سلخ ~~رمضان و كان الدمستق في كثرة و لقياه في مضيق لا تجول فيه الخيل. و الروم ~~على غير أهبة الحرب فانهزموا. و أخذ المسلمون الدمستق أسيرا و لم يزل ~~محبوسا إلى أن مرض سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة فبالغ أبو ms180 تغلب في علاجه و ~~جمع الأطباء فلم ينفعه ذلك و مات. و في سنة ثلاث و ستين في منتصف ذي القعدة ~~خلع المطيع نفسه من الخلافة و سلمها إلى ولده الطائع لله فكانت مدة خلافته ~~تسعا و عشرين سنة و خمسة أشهر.يته و جميع ما كان له في قصره من الأموال و ~~الأمتعة حتى ان الدنانير سبكت و جعلت كهيئة الطواحين و حمل كل طاحونتين على ~~جمل ثم سار حتى وصل إلى الإسكندرية. و أتاه أهل مصر و أعيانها فلقيهم و ~~أكرمهم و أحسن إليهم و سار فدخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين و ستين ~~و ثلاثمائة و ملك الديار المصرية بلا ضرب و لا طعن. و في سنة اثنتين و ستين ~~و ثلاثمائة سار الدمستق إلى آمد و بها هزارمرد غلام أبي الهيجاء بن حمدان. ~~فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه و يستنجده. فسير إليه أخاه هبة الله بن ناصر ~~الدولة فاجتمعا على حرب الدمستق و سارا إليه فالتقياه سلخ رمضان و كان ~~الدمستق في كثرة و لقياه في مضيق لا تجول فيه الخيل. و الروم على غير أهبة ~~الحرب فانهزموا. و أخذ المسلمون الدمستق أسيرا و لم يزل محبوسا إلى أن مرض ~~سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة فبالغ أبو تغلب في علاجه و جمع الأطباء فلم ~~ينفعه ذلك و مات. و في سنة ثلاث و ستين في منتصف ذي القعدة خلع المطيع نفسه ~~من الخلافة و سلمها إلى ولده الطائع لله فكانت مدة خلافته تسعا و عشرين سنة ~~و خمسة أشهر. # و في سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة توفي محمد بن محمد بن طرخان أبو نصر ~~الفارابي بمدينة دمشق. و فاراب هي إحدى مدن الترك فيما وراء النهر. و دخل ~~أبو نصر العراق و استوطن بغداد و قرأ بها العلم الحكمي على يوحنا بن حيلان ~~المتوفي في أيام المقتدر و استفاد منه و برز في ذلك على أقرانه و أربى ~~عليهم في التحقيق و أظهر الغوامض ms181 المنطقية و كشف سرها و قرب متناولها و جمع ~~ما يحتاج إليه منها في كتبصحيحة العبارة لطيفة الإشارة منبهة على ما أغفله ~~الكندي و غيره من صناعة التحليل و أنحاء التعاليم فجاءت كتبه المنطقية و ~~الطبيغية و الإلهية و السياسية الغاية الكافية و النهاية الفاضلة. و كان ~~أبو نصر الفارابي معاصرا لأبي بشر متى بن يونس إلا أنه كان دونه في السن و ~~فوقه في العلم. و قدم أبو نصر الفارابي على سيف الدولة أبي الحسن علي بن ~~أبي الهيجاء بن حمدان إلى حلب و أقام في كنفه مدة بزي أهل التصوف و قدمه ~~سيف الدولة و أكرمه و عرف موضعه من العلم و منزلته من الفهم و رحل في صحبته ~~إلى دمشق فأدركه أجله بها. PageV01P098 و كان في أيام المطيع لله و في ~~إمارة الأقطع معز الدولة أحمد بن بويه ثابت بن سنان ابن ثابت بن قرة و كان ~~بارعا في الطب عالما بأصوله فكاكا للمشكلات من الكتب. و كان يتولى تدبير ~~البيمارستان ببغداد في وقته. و عمل ثابت هذا كتاب التاريخ المشهور في ~~الآفاق الذي ما كتب كتاب في التاريخ أكثر مما كتبه و هو من سنة نيف و تسعين ~~و مائتين إلى حين وفاته في شهور سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة. و عليه ذيل ~~ابن أخته هلال و لولاهما لجهل شيء كثير من التاريخ في المدتين. و في هذا ~~الزمان اشتهر يحيى بن عدي بن حميد ابن زكريا التكريتي المنطقي نزيل بغداد. ~~إليه انتهت رئاسة أهل المنطق في زمانه. قرأ على أبي نصر الفارابي. و كان ~~نصرانيا يعقوبي النحلة و كان ملازما للنسخ بيده كتب كثيرا من الكتب و كان ~~يكتب خطا قاعدا بينا في اليوم و الليلة مائة ورقة و أكثر. و له تصانيف و ~~تفاسير و نقول عدة. و مات ثالث عشر آب سنة ألف و مائتين و خمس و ثمانين ~~للإسكندر و دفن في بيعة القطيعة ببغداد و كان عمره إحدى و ثمانين ms182 سنة ~~شمسية. PageV01P099 " الطائع بن المطيع " و اسمه أبو الفضل عبد الكريم وسبب ~~خلافته أن أباه المطيع لحقه فالج ثقل لسانه منه و تعذرت الحركة عليه و هو ~~يستر ذلك. فانكشف حاله لسبكتكين فدعاه إلى أن يخلع نفسه و يسلم الخلافة إلى ~~ولده الطائع لله ففعل ذلك في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة. و فيها خطب للمعز ~~لدين الله العلوي صاحب مصر بمكة و المدينة في الموسم. و فيها وصل عضد ~~الدولة و استولى على العراق و قبض على بختيار ثم عاد فأخرجه و عاد بختيار ~~إلى مكة كما كان أمير الأمراء. و في سنة خمس و ستين و ثلاثمائة مات المعز ~~العلوي بمصر و هو أول الخلفاء العلويين ملك مصر و استخلف عليها ابنه ~~العزيز. و في سنة ست و ستين و ثلاثمائة في المحرم توفي ركن الدولة أبو علي ~~الحسن بن بويه و استخلف على ممالكه ابنه عضد الدولة. و فيها مات منصور بن ~~نوح صاحب خراسان ببخارا و ولي الأمر بعده ابنه نوح. و في سنة سبع و ستين ~~سار عضد الدولة إلى بغداد و أرسل إلى بختيار يدعو إلى طاعته و أن يسير عن ~~العراق إلى أي جهة أراد إلا الموصل. فخرج بختيار عن بغداد عازما على قصد ~~الشام. و دخل عضد الدولة بغداد و خطب له فيها بخلاف العادة و ضرب على بابه ~~ثلث نوب و لم تجر بذلك عادة من تقدمه. و أما بختيار لما سار عن بغداد إلى ~~الحديثة أتاه أبو تغلب في عشرين ألف مقاتل و سارا جميعا نحو العراق. فبلغ ~~ذلك عضد الدولة فسار عن بغداد نحوهما. فالتقوا بنواحي تكريت فهزمهما و أسر ~~بختيار و قتله. و سار نحو الموصل و استولى على ملك بني حمدان. و سار أبو ~~تغلب ابن ناصر الدولة بن حمدان إلى الشام فوصل إلى دمشق و قتل بها.و في سنة ~~تسع و ستين و ثلاثمائة راسل عضد الدولة أخويه فخر الدولة و مؤيد الدولة ~~يدعوهما إلى ms183 طاعته و موافقته. أما مؤيد الدولة فأجاب راغبا و أما فخر ~~الدولة فأجاب جواب المناظر المناوي فنقم عليه عضد الدولة ذلك و سار نحو ~~همذان و بها فخر الدولة فخافه ذاكرا قتل ابن عمه بختيار فخرج هاربا و قصد ~~جرجان فنزل على شمس المعالي قابوس بن وشمكير و التجأ إليه فأمنه و آواه و ~~حمل إليه فوق ما حدثته به نفسه. و في هذه السفرة حدث لعضد الدولة صرع و كان ~~هذا قد أخذه بالموصل فكتمه و صار كثير النسيان لا يذكر الشيء إلا بعد جهد و ~~كتم ذلك أيضا. و هذا دأب الدنيا لا تصفو لأحد. و فيها شرع عضد الدولة في ~~عمارة بغداد و كانت قد خربت بتوالي الفتن فيها و عمر مساجدها و أسواقها و ~~أدر الأموال على الأئمة و العلماء و القراء و الغرباء و الضعفاء الذين ~~يأوون إلى المساجد. و جدد ما دثر من الأنهار و أعاد حفرها و تسويتها. و ~~فيها تجددت وصلة بين الطائع لله و بين عضد الدولة فتزوج الطائع ابنته و كان ~~غرض عضد الدولة أن تلد ابنته ولدا ذكرا فيجعله و لي عهده فتكون الخلافة في ~~ولد لهم فيه نسب و كان الصداق مائة ألف دينار. و فيها كانت فتنة عظيمة بين ~~عامة شيراز من المسلمين و المجوس و نهبت فيها دور المجوس و ضربوا و قتل ~~منهم جماعة فسير إليهم عضد الدولة من جمع له كل من له في ذلك أثر و ضربهم و ~~بالغ في تأديبهم و زجرهم. و في سنة إحدى و سبعين و ثلاثمائة فتح ~~البيمارستان العضدي غربي بغداد و نقل إليه جميع ما يحتاج إليه من الأدوية. ~~و فيها أرسل عضد الدولة القاضي أبا بكر المعروف بابن الباقلاني رسولا إلى ~~ملك الروم فلما وصل قيل له ليقبل الأرض بين يديه فامتنع. فعمل الملك بابا ~~صغيرا ليدخل منه القاضي منحنيا. فلما رأى القاضي الباب علم ذلك فاستدبره و ~~دخل منه. فلما دخل و جازه استقبل الملك ms184 قائما. و في سنة اثنتين و سبعين و ~~ثلاثمائة اشتد الصرع الذي كان يعتاده عضد الدولة فخنقه فمات منه ثامن شوال ~~ببغداد. و كانت ولايته بالعراق خمس سنين و نصفا. و جلس ابنه صمصام الدولة ~~أبو كاليجار للعزاء فأتاه الطائع لله معزيا. و كان عمر عضد الدولة سبعا و ~~أربعين سنة. و كان قد سير ولده شرف الدولة أبا الفوارس إلى كرمان مالكا ~~لها. و كان عضد الدولة عاقلا فاضلا حسن السياسة كثير الإصابة شديد الهيبة ~~بعيد الهمة ثاقب الرأي محبا للفضائل و أهلها باذلا في مواطن العطاء و مانعا ~~في أماكن الحرم ناظرا في عواقب الأمور. و لما توفي عضد الدولة ولي الأمر ~~بعده ولده صمصام الدولة أبو كاليجار و خلع على أخويه أبي الحسين أحمد و أبي ~~طاهر فيروزشاه فأقطعهما PageV01P100 فارس. و كان أخوهم الآخر شرف الدولة ~~بكرمان فسبقهما إلى شيراز فملكها. و في سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة مات ~~مؤيد الدولة بجرجان و كانت علته الخوانيق. و عاد فخر الدولة أخوه إلى ~~مملكته و اتفق مع صمصام الدولة و صارا يدا واحدة. و فيها دخل باد الكردي ~~الحميدي إلى الموصل و استولى عليها و قويت شوكته و حدث نفسه بالتغلب على ~~بغداد و إزالة الديلم عنها. فخافه صمصام الدولة و أهمه أمره و شغله عن غيره ~~و جمع العساكر فساروا إلى باد فخرج إليهم و لقيهم في صفر سنة أربع و سبعين ~~فأجلت الوقعة عن هزيمة باد و أصحابه و ملك الديلم الموصل. و في سنة سبع و ~~سبعين سار شرف الدولة أبو الفوارس بن عضد الدولة من الأهواز إلى واسط ~~فملكها. فخافه أخوه صمصام الدولة و سار في طيار إليه في خواصه فلقيه و طيب ~~قلبه فلما خرج من عنده قبض عليه و سار فوصل إلى بغداد في شهر رمضان و أخوه ~~صمصام الدولة معه تحت الاعتقال و كانت إمارته بالعراق أربع سنين. و في سنة ~~تسع و سبعين و ثلاثمائة اعتل شرف الدولة فلما ms185 اشتدت علته قيل له: الدولة مع ~~صمصام الدولة على خطر فإن لم تقتله فأسمله. فسمله و حبسه مع أخيه طاهر في ~~بعض القلاع التي بفارس. و فيها في مستهل جمادى الآخرة مات الملك شرف الدولة ~~أبو الفوارس شيرزيل بن عضد الدولة مستسقيا و كانت إمارته بالعراق سنتين و ~~ثمانية أشهر و كان عمره ثمانيا و عشرين سنة. و ولي الأمر بعده أخوه بهاء ~~الدولة أبو نصر. و أما ابنه أبو علي فكان سيره إلى بلاد فارس و أصحبه ~~الخزائن و العدد و جماعة كثيرة من الأتراك. ثم أن المرتبين في القلعة التي ~~فيها صمصام الدولة و أخوه أبو طاهر لما بلغهم الخبر بموت شرف الدولة ~~أطلقوهما و معهما فولاذ فساروا إلى شيراز و اجتمع على صمصام الدولة و هو ~~أعمى كثير من الديلم و استولى على فارس و ملكها. و أما أبو علي بن شرف ~~الدولة فأرسل إليه عمه بهاء الدولة و طيب قلبه و وعده فسار إليه فقبض عليه ~~ثم قتله بعد ذلك بيسير. و فيها ملك أبو طاهر إبراهيم و أبو عبد الله الحسين ~~ابنا ناصر الدولة بن حمدان الموصل. و في سنة ثمانين و ثلاثمائة جمع باد ~~الأكراد و سار نحو الموصل فخرج إليه أبو طاهر و الحسين ابنا ناصر الدولة بن ~~حمدان فناوشاه القتال. و أراد باد الانتقال من فرس إلى آخر فسقط فأراده ~~أصحابه على الركوب فلم يقدروا فتركوه و انصرفوا فعرفه بعض العرب فقتله و ~~صلبت جثته على دار الإمارة فثار العامة و قالوا: رجل غاز و لا يحل فعل هذا ~~به فأنزلوه و كفنوه و صلوا عليه و دفنوه و ظهر منهم محبة كثيرة له. و لما ~~قتل باد الكردي سار ابن أخته أبو علي بن مروان في طائفة من الجيش إلى حصن ~~كيفا و هو على دجلة فملكه و نزل فقصد حصنا حصنا حتى ملك ما كان لخاله. و ~~بعد مدة يسيرة قتل بآمد قتله إنسان يقال له ابن دمنة وقف له ms186 في الدركاه و ~~ضربه بالسكين في مقاتله. و ملك ميافارقين بعده أخوه ممهد الدولة بن مروان و ~~استولى على آمد عبد البر شيخ البلد و زوج ابن دمنة قاتل أبي علي ابنته. ~~فعمل له ابن دمنة دعوة و قتله و ملك آمد و عمر البلد و أصلح أمره مع ممهد ~~الدولة و هادى ملك الروم و صاحب مصر و غيرهما من الملوك و انتشر ذكره. و في ~~سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة قبض بهاء الدولة على الطائع بن المطيع. و حمل ~~إلى دار بهاء الدولة فحبس بها و أشهد عليه بالخلع و أخذ بهاء الدولة ما في ~~دار الخلافة من الذخائر فمشى به الحال و كانت مدة خلافة الطائع سبع عشرة ~~سنة و ثمانية أشهر و لم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدل به ~~على سيرته.رس. و كان أخوهم الآخر شرف الدولة بكرمان فسبقهما إلى شيراز ~~فملكها. و في سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة مات مؤيد الدولة بجرجان و كانت ~~علته الخوانيق. و عاد فخر الدولة أخوه إلى مملكته و اتفق مع صمصام الدولة و ~~صارا يدا واحدة. و فيها دخل باد الكردي الحميدي إلى الموصل و استولى عليها ~~و قويت شوكته و حدث نفسه بالتغلب على بغداد و إزالة الديلم عنها. فخافه ~~صمصام الدولة و أهمه أمره و شغله عن غيره و جمع العساكر فساروا إلى باد ~~فخرج إليهم و لقيهم في صفر سنة أربع و سبعين فأجلت الوقعة عن هزيمة باد و ~~أصحابه و ملك الديلم الموصل. و في سنة سبع و سبعين سار شرف الدولة أبو ~~الفوارس بن عضد الدولة من الأهواز إلى واسط فملكها. فخافه أخوه صمصام ~~الدولة و سار في طيار إليه في خواصه فلقيه و طيب قلبه فلما خرج من عنده قبض ~~عليه و سار فوصل إلى بغداد في شهر رمضان و أخوه صمصام الدولة معه تحت ~~الاعتقال و كانت إمارته بالعراق أربع سنين. و في سنة ms187 تسع و سبعين و ~~ثلاثمائة اعتل شرف الدولة فلما اشتدت علته قيل له: الدولة مع صمصام الدولة ~~على خطر فإن لم تقتله فأسمله. فسمله و حبسه مع أخيه طاهر في بعض القلاع ~~التي بفارس. و فيها في مستهل جمادى الآخرة مات الملك شرف الدولة أبو ~~الفوارس شيرزيل بن عضد الدولة مستسقيا و كانت إمارته بالعراق سنتين و ~~ثمانية أشهر و كان عمره ثمانيا و عشرين سنة. و ولي الأمر بعده أخوه بهاء ~~الدولة أبو نصر. و أما ابنه أبو علي فكان سيره إلى بلاد فارس و أصحبه ~~الخزائن و العدد و جماعة كثيرة من الأتراك. ثم أن المرتبين في القلعة التي ~~فيها صمصام الدولة و أخوه أبو طاهر لما بلغهم الخبر بموت شرف الدولة ~~أطلقوهما و معهما فولاذ فساروا إلى شيراز و اجتمع على صمصام الدولة و هو ~~أعمى كثير من الديلم و استولى على فارس و ملكها. و أما أبو علي بن شرف ~~الدولة فأرسل إليه عمه بهاء الدولة و طيب قلبه و وعده فسار إليه فقبض عليه ~~ثم قتله بعد ذلك بيسير. و فيها ملك أبو طاهر إبراهيم و أبو عبد الله الحسين ~~ابنا ناصر الدولة بن حمدان الموصل. و في سنة ثمانين و ثلاثمائة جمع باد ~~الأكراد و سار نحو الموصل فخرج إليه أبو طاهر و الحسين ابنا ناصر الدولة بن ~~حمدان فناوشاه القتال. و أراد باد الانتقال من فرس إلى آخر فسقط فأراده ~~أصحابه على الركوب فلم يقدروا فتركوه و انصرفوا فعرفه بعض العرب فقتله و ~~صلبت جثته على دار الإمارة فثار العامة و قالوا: رجل غاز و لا يحل فعل هذا ~~به فأنزلوه و كفنوه و صلوا عليه و دفنوه و ظهر منهم محبة كثيرة له. و لما ~~قتل باد الكردي سار ابن أخته أبو علي بن مروان في طائفة من الجيش إلى حصن ~~كيفا و هو على دجلة فملكه و نزل فقصد حصنا حصنا حتى ملك ما كان لخاله. و ~~بعد مدة يسيرة قتل ms188 بآمد قتله إنسان يقال له ابن دمنة وقف له في الدركاه و ~~ضربه بالسكين في مقاتله. و ملك ميافارقين بعده أخوه ممهد الدولة بن مروان و ~~استولى على آمد عبد البر شيخ البلد و زوج ابن دمنة قاتل أبي علي ابنته. ~~فعمل له ابن دمنة دعوة و قتله و ملك آمد و عمر البلد و أصلح أمره مع ممهد ~~الدولة و هادى ملك الروم و صاحب مصر و غيرهما من الملوك و انتشر ذكره. و في ~~سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة قبض بهاء الدولة على الطائع بن المطيع. و حمل ~~إلى دار بهاء الدولة فحبس بها و أشهد عليه بالخلع و أخذ بهاء الدولة ما في ~~دار الخلافة من الذخائر فمشى به الحال و كانت مدة خلافة الطائع سبع عشرة ~~سنة و ثمانية أشهر و لم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حال يستدل به ~~على سيرته. PageV01P101 و في سنة تسع و ستين و ثلاثمائة توفي ثابت بن ~~إبراهيم بن زهرون الحراني الصابىء ببغداد و كان طبيبا حاذقا مصيبا. حكى عنه ~~أبو الفرج ابن أبي الحسن بن سنان قال: كنت و إبراهيم الحراني يوما في دار ~~أبي محمد المهلبي الوزير فتقدم أبو عبد الله بن الحجاج الشاعر إلى الحراني ~~فأعطاه مجسه. فقال له: قلت لك غلظ غذاك و أظنك أسرفت و ذلك حتى أكلت مضيرة ~~بلحم عجل. فقال: كذلك و الله كان. و عجب هو و الجماعة منه. و مد إليه أبو ~~العباسالمنجم يده فأخذ مجسه فقال: فأنت يا سيدي أسرفت في التبريد أيضا و ~~أظنك قد أكلت إحدى عشرة رمانة. فقال أبو العباس المنجم: هذه نبوة لا طب. و ~~زاد الهجب و التفاوض في ذلك. و كنت أنا أيضا أكثرهم استطرافا و تعجبا. فلما ~~خرجنا قلت له: يا سيدي أبا الحسن صناعة الطب معروفة بيننا لا يخفى عني شيء ~~منها فبين لي من أين ذلك النص على أن المضيرة كانت بلحم عجل لا بقرة و ms189 لا ~~ثور و من أين لك الدليل على أن عدد الرمان إحدى عشرة. فقال: هو شيء يخطر ~~ببالي فينطق به لساني. فقلت: صدقتني و الله إذا أرني مولدك. و جئت معه إلى ~~الدار و نظرت في مولده فرأيت سهم الغيب في درجة الطالع مع درجة المشتري و ~~سهم السعادة فقلت له: يا عزيزي هذا يتكلم لا أنت و كلما تصيب في الطب من ~~مثل هذا الحدس و القول فهذا سببه و أصله. PageV01P102 و حكي أن عضد الدولة ~~فناخسرو شاهنشاه بن بويه كان إذا افتخر بالعلم و المعلمين يقول: معلمي في ~~الكواكب الثابتة و أماكنها عبد الرحمن الصوفي و في حل الزيج الشريف ابن ~~الأعلم و في النحو أبو علي الفارسي. و كان عبد الرحمن بن عمر بن سهل أبو ~~الحسين الصوفي الرازي فاضلا نبيها و من تصانيفه كتاب الصور السمائية مصور و ~~الأرجوزة و كتاب مطارح الشعاعات. و توفي في سنة ست و سبعين و ثلاثمائة و ~~كان عمره خمسا و ثمانين سنة. و أما ابن الأعلم فاسمه علي بن الحسين رجل ~~علوي شريف عالم بعلم الهيئة و صناعة التسيير مذكور مشهور في وقته و كان قد ~~تقدم عند عضد الدولة. و لما توفي عضد الدولة نقصت حاله و تأخر أمره عند ~~صمصام الدولة ابنه فانقطع عنهم و أقام منقطعا و حج في شهور سنة أربع و ~~سبعين و ثلاثمائة و في عودته مات بمنزلة تعرف بالعسيلة. و كان في هذه المدة ~~جماعة صالحة من مشاهير الحكماء منهم التميمي المقدسي الطبيب كان بمصر في ~~حدود سبعين و ثلاثمائة أحكم ما علمه من علم الطب غاية الأحكام و كان له ~~غرام و عناية تامة في تركيب الأدوية و عنده غوص و استغراق في طلب غوامض هذا ~~النوع و كان منصفا في مذاكراته غير راد على أحد إلا بطريق الحقيقة. و منهم ~~علي بن العباس المجوسي فاضل كامل فارسي الأصل يعرف بأبي ماهر و طالع هو و ~~اجتهد و صنف للملك عضد ms190 الدولة بن بويه كتابه المسمى بالملكي و هو كتاب جليل ~~و كناش نبيل مال الناس إليه في وقته و لزموا درسه إلى أن ظهر كتاب القانون ~~لابن سينا فمالوا إليه و تركوا الملكي بعض الترك. و الملكي في العمل أبلغ و ~~القانون في العلم أثبت. و منهم نظيف القس الرومي كان طبيبا عالما بالنقل من ~~اليوناني إلى العربي و لم يكن سعيد المباشرة و لا منجح المعالجة و كان ~~الناس يتطيرون به و يولعون به إذا دخل إلى مريض حتى أنه حكى في بعض أوقاته ~~أن عضد الدولة أنفذه إلى بعض القواد ليعوده في مرض كان عرض له. فلما خرج من ~~عند القائد استدعى القائد ثقته و أنفذه إلى حاجب عضد الدولة يستعلم منه نية ~~الملك فيه. و يقول: إن كان ثم تغير نية فليأخذ له الإذن في الانصراف و ~~البعد فقد قلق لما جرى. و سأله الحاجب عن السبب. فقال: ما أعرف أكثر من أنه ~~جاء نظيف الطبيب و قال له: مولانا الملك أنفذني لعيادتك. فمضى الحاجب و ~~أعاد بحضرة عضد الدولة هذا القول. فضحك و أمره بإعلامه حسن نية الملك فيه و ~~حملت إليه خلع سنية سكنت نفسه بها. و منهم عبيد الله بن الحسن أبو القاسم ~~المعروف بغلام زحل المنجم مقيم ببغداد من أفاضل الحساب و المنجمين أصحاب ~~الحجج و البراهين و له يد طولى فيما يعانيه من هذا الشأن. ذكر أنه اجتمع ~~يوما عند أبي سليمان المنطقي جماعة من سادة علماء الأوائل و أخذوا في ~~المذاكرة فذكروا في علم النجامة و قالوا: هي من العلوم التي لا تجدي فائدة ~~و لا يصح لها حكم. فأطالوا القول في ذلك. فقال بعضهم: أيها القوم اختصروا ~~الكلام و قربوا البغية هل تصح الأحكام. فقال غلام زحل: عن هذا جواب يستثبت ~~على كل وجه. فقيل: لم بين. قال لأن صحتها و بطلانها يتعلقان بآثار الفلك و ~~قد يقتضي شكل الفلك في زمان أن لا يصح منها شيء و إن غيص ms191 على دقائقها و بلغ ~~إلى أعماقها. و قد يزول ذلك الشكل فيجيء زمان لا يبطل منها شيء فيه و إن ~~قورب في الاستدلال. و قد يتحول هذا الشكل في وقت آخر إلى أن يكثر الصواب ~~فيها و الخطأ. و متى وقف الأمر على هذا الحد فلا يثبت على قول قضاء و لا ~~يوثق بجواب. فقال أبو سليمان المنطقي: هذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا ~~الباب. و منهم مسكويه أبو علي الخازن من كبار فضلاء العجم و أجلاء فارس له ~~مشاركة حسنة في العلوم الأدبية و العلوم القديمة كان خازنا للملك عضد ~~الدولة بن بويه مأمونا لديه أثيرا عنده. و له تصانيف في العلوم و مناظرات و ~~محاضرات. و قال أبو علي بن سينا في بعض كتبه و قد ذكر مسألة فقال: و هذه ~~المسألة حاضرت بها أبا علي مسكويه فاستعادها كرات و كان عسر الفهم فتركه و ~~لم يفهمها على الوجه. و عاش زمانا طويلا إلى أن قارب سنة عشرين و أربعمائة. ~~و حكي أن عضد الدولة لما قدم إلى بغداد قيل له عن أبي الفضل جعفر بن ~~المكتفي بالله أنه من أولاد الخلفاء و أنه فاضل كبير القدر عالم بعلوم ~~متعددة من علوم الأوائل متحقق بذلك أتم تحقيق. فاشتاقت PageV01P103 نفسه ~~إليه فسير إليه سرا و كان يجتمع به خفية و يأتيه في خف و إزار فإذا حصل في ~~داره أقعده في موضع خال بغير إزار. فإذا خلا عضد الدولة استدعاه فإذا شاهده ~~تطاول له في القيام و أكرمه و خلا به و سأله عن فنه في علم أحكام النجوم و ~~أخبار الحدثان فيخبره من ذلك بما يعجب منه و لا يبعد وقوعه. و توفي جعفر ~~هذا سنة سبع و سبعين و ثلاثمائة. و من جملة من اختص بشرف الدولة بن عضد ~~الدولة من الحكماء أحمد بن محمد الصاغاني أبو حامد كان فاضلا في الهندسة و ~~علم الهيئة و كان ببغداد يحكم الآلات الرصدية غاية الإحكام. و لما ms192 بنى شرف ~~الدولة بيت الرصد في طرف بستان دار المملكة و تقدم برصد الكواكب السبعة و ~~اعتمد في ذلك على ويجن الكوهي و رصد و كتب مختصرين بصورة الرصد كان ممن ~~شاهد ذلك و كتب خطه بتصحيح نزول الشمس في برجين أحمد بن محمد المنطقي ~~الصاغاني. و مات أحمد هذا سنة تسع و سبعين و ثلاثمائة ببغداد. وأما ويجن بن ~~وشم أبو سهل الكوهي فكان حسن المعرفة بالهندسة و علم الهيئة متقدما فيهما ~~إلى الغاية المتناهية. و كان رصده لحلول الشمس برجي السرطان و الميزان سنة ~~ألف و مائتين و تسع و تسعين للإسكندر. و كان من جملة من حضر هذين الرصدين ~~من العلماء إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون الصابىء صاحب الرسائل أصل ~~سلفه من حران و نشأ ببغداد و تأدب بها و كان بليغا في صناعتي النظم و النثر ~~و له يد طولى في علم الرياضة و خصوصا في الهندسة و الهيئة و له فيهما ~~مصنفات. و ديوان رسائله مجموه. و خدم ملوك العراق من بني بويه و اختلفت به ~~الأيام ما بين رفع و وضع و تقديم و تأخير و اعتقال و إطلاق.و توفي سنة أربع ~~و ثمانين و ثلاثمائة. قال أبو حيان التوحيدي: سألني وزير صمصام الدولة بن ~~عضد الدولة عن زيد بن رفاعة في حدود سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و قال: لا ~~أزال أسمع من زيد بن رفاعة قولا يريبني و مذهبا لا عهد لي به. و قد بلغني ~~أنك تغشاه و تجلس إليه و تكثر عنده. و من طالت عشرته لإنسان أمكن اطلاعه ~~على مستكن رأيه. فقلت: أيها الوزير هناك ذكاء غالب و ذهن وقاد. قال: فعلى ~~هذا ما مذهبه. قلت: لا ينسب إلى شيء لكنه قد أقام بالبصرة زمانا طويلا و ~~صادف بها جماعة لأصناف العلم فصحبهم و خدمهم و كانت هذه العصابة قد تألفت ~~بالعشرة و تصافت بالصداقة و اجتمعت على القدس و الطهارة و النصيحة فوضعوا ~~بينهم مذهبا ms193 زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله و ذلك أنهم ~~قالوا: إن الشريعة قد تدنست بالجهالات و اختلطت بالضلالات و لا سبيل إلى ~~غسلها و تطهيرها إلا بالفلسفة و زعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية و ~~الشريعة العربية فقد حصل الكمال و صنفوا خمسين رسالة في خمسين نوعا من ~~الحكمة و مقالة حادية و خمسين جامعة لأنواع المقالات على طريق الاختصار و ~~الإيجاز و سموها رسائل إخوان الصفا و كتموا فيها أسماءهم و بثوها في ~~الوراقين و وهبوها للناس و حشوا هذه الرسائل بالكلمات الدينية و الأمثال ~~الشرعية و الحروف المجتمعة و الطرق المموهة و هي مبثوثة من كل فن بلا إشباع ~~و لا كفاية و فيها خرافات و كنايات و تلفيقات و تلزيقات فتعبوا و ما أغنوا ~~و غنوا و ما أطربوا و نسجوا فهلهلوا و مشطوا ففلفلوا و بالجملة فهي مقالات ~~مشوقات غير مستقصاة و لا ظاهرة الأدلة و الاحتجاج. و لما كتم مصنفوها ~~أسماءهم اختلف الناس في الذي وضعها فكل قوم قالوا قولا بطريق الحدس و ~~التخمين. فقوم قالوا: هي من كلام بعض الأئمة العلويين. و قال آخرون: هي ~~تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر الأول.ه إليه فسير إليه سرا و كان ~~يجتمع به خفية و يأتيه في خف و إزار فإذا حصل في داره أقعده في موضع خال ~~بغير إزار. فإذا خلا عضد الدولة استدعاه فإذا شاهده تطاول له في القيام و ~~أكرمه و خلا به و سأله عن فنه في علم أحكام النجوم و أخبار الحدثان فيخبره ~~من ذلك بما يعجب منه و لا يبعد وقوعه. و توفي جعفر هذا سنة سبع و سبعين و ~~ثلاثمائة. و من جملة من اختص بشرف الدولة بن عضد الدولة من الحكماء أحمد بن ~~محمد الصاغاني أبو حامد كان فاضلا في الهندسة و علم الهيئة و كان ببغداد ~~يحكم الآلات الرصدية غاية الإحكام. و لما بنى شرف الدولة بيت الرصد في طرف ~~بستان دار المملكة و تقدم ms194 برصد الكواكب السبعة و اعتمد في ذلك على ويجن ~~الكوهي و رصد و كتب مختصرين بصورة الرصد كان ممن شاهد ذلك و كتب خطه بتصحيح ~~نزول الشمس في برجين أحمد بن محمد المنطقي الصاغاني. و مات أحمد هذا سنة ~~تسع و سبعين و ثلاثمائة ببغداد. وأما ويجن بن وشم أبو سهل الكوهي فكان حسن ~~المعرفة بالهندسة و علم الهيئة متقدما فيهما إلى الغاية المتناهية. و كان ~~رصده لحلول الشمس برجي السرطان و الميزان سنة ألف و مائتين و تسع و تسعين ~~للإسكندر. و كان من جملة من حضر هذين الرصدين من العلماء إبراهيم بن هلال ~~بن إبراهيم بن زهرون الصابىء صاحب الرسائل أصل سلفه من حران و نشأ ببغداد و ~~تأدب بها و كان بليغا في صناعتي النظم و النثر و له يد طولى في علم الرياضة ~~و خصوصا في الهندسة و الهيئة و له فيهما مصنفات. و ديوان رسائله مجموه. و ~~خدم ملوك العراق من بني بويه و اختلفت به الأيام ما بين رفع و وضع و تقديم ~~و تأخير و اعتقال و إطلاق.و توفي سنة أربع و ثمانين و ثلاثمائة. قال أبو ~~حيان التوحيدي: سألني وزير صمصام الدولة بن عضد الدولة عن زيد بن رفاعة في ~~حدود سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة و قال: لا أزال أسمع من زيد بن رفاعة ~~قولا يريبني و مذهبا لا عهد لي به. و قد بلغني أنك تغشاه و تجلس إليه و ~~تكثر عنده. و من طالت عشرته لإنسان أمكن اطلاعه على مستكن رأيه. فقلت: أيها ~~الوزير هناك ذكاء غالب و ذهن وقاد. قال: فعلى هذا ما مذهبه. قلت: لا ينسب ~~إلى شيء لكنه قد أقام بالبصرة زمانا طويلا و صادف بها جماعة لأصناف العلم ~~فصحبهم و خدمهم و كانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة و تصافت بالصداقة و ~~اجتمعت على القدس و الطهارة و النصيحة فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا ~~به الطريق إلى الفوز برضوان الله و ذلك أنهم ms195 قالوا: إن الشريعة قد تدنست ~~بالجهالات و اختلطت بالضلالات و لا سبيل إلى غسلها و تطهيرها إلا بالفلسفة ~~و زعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية و الشريعة العربية فقد حصل ~~الكمال و صنفوا خمسين رسالة في خمسين نوعا من الحكمة و مقالة حادية و خمسين ~~جامعة لأنواع المقالات على طريق الاختصار و الإيجاز و سموها رسائل إخوان ~~الصفا و كتموا فيها أسماءهم و بثوها في الوراقين و وهبوها للناس و حشوا هذه ~~الرسائل بالكلمات الدينية و الأمثال الشرعية و الحروف المجتمعة و الطرق ~~المموهة و هي مبثوثة من كل فن بلا إشباع و لا كفاية و فيها خرافات و كنايات ~~و تلفيقات و تلزيقات فتعبوا و ما أغنوا و غنوا و ما أطربوا و نسجوا فهلهلوا ~~و مشطوا ففلفلوا و بالجملة فهي مقالات مشوقات غير مستقصاة و لا ظاهرة ~~الأدلة و الاحتجاج. و لما كتم مصنفوها أسماءهم اختلف الناس في الذي وضعها ~~فكل قوم قالوا قولا بطريق الحدس و التخمين. فقوم قالوا: هي من كلام بعض ~~الأئمة العلويين. و قال آخرون: هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر ~~الأول. PageV01P104 " القادر بن اسحق بن المقتدر " لما قبض الطائع ذكر بهاء ~~الدولة من يصلح للخلافة و اتفقوا على القادر بالله أبي العباس أحمد بن اسحق ~~المقتدر و كان بالبطيحة. و لما وصل الرسل إليه كان تلك الساعة يحكي مناما ~~رآه تلك الليلة يدل على خلافته. فبويع له يوم حادي عشر من شهر رمضان سنة ~~إحدى و ثمانين و ثلاثمائة. و فيها مات سعد الدولة ابن سيف الدولة بن حمدان ~~صاحب حلب بالقولنج و ولي بعده ابنه أبو الفضائل و وصى إلى لؤلؤة به و بسائر ~~أهله. و في سنة اثنتين و ثمانين و ثلاثمائة نزل ملك الروم بإرمينية وحصر ~~خلاط و ملازكرد و أرجيش فضعفت نفوس الناس عنه ثم هادنه أبو علي الحسن ابن ~~مروان مدة عشر سنين و عاد ملك الروم. و في سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة توفي ~~العزيز ms196 العلوي صاحب مصر و عمره اثنتان و أربعون سنة و ثمانية أشهر بمدينة ~~بلبيس و ولي بعده ابنه أبو علي المنصور و لقب الحاكم بأمر الله. و كان ~~العزيز يحب العفو و يستعمله فمن حلمه أنه كان بمصر شاعر كثير الهجاء فهجا ~~يعقوب بن كلس الوزير و أبا نصر كاتب الإنشاء فقال: # قل لأبي نصر كاتب القصر ... و المتأني انقض ذا الأمر # انقض عرى الملك للوزير تفز ... منه بحسن الثنا و الذكر # و أعط و أمنع و لا تخف أحدا ... فصاحب القصر ليس بالقصر # و ليس يدري ماذا يراد به ... و هو إذا ما درى فما يدري PageV01P105 فشكاه ~~الوزير إلى العزيز و أنشده الشعر. فقال له: هذا شيء اشتركنا في الهجاء به ~~فشاركني في العفو عنه. و في سنة سبع و ثمانين و ثلاثمائة توفي الأمير نوح ~~بن منصور صاحب بخارا و ولي الأمر بعده ابنه منصور. و فيها مات سبكتكين و ~~ملك بعده اسماعيل. ثم أرسل إليه و هو بغزنة أخوه يمين الدولة محمود من ~~نيسابور يعرفه أن أباه إنما عهد إليه لبعده عنه و يذكره ما يتعين من تقديم ~~الكبير. فلم يجبه إلى ذلك. فسار إليه و قاتله و قبض عليه ثم أعلى منزلته و ~~شركه في الملك. و فيها مات فخر الدولة ابن ركن الدولة بن بويه و قام بملكه ~~بعده ولده مجد الدولة أبو طالب رستم و عمره أربع سنين و كان المرجع إلى أمه ~~في تدبير الملك و عن رأيها يصدرون. و فيها توفي مأمون ابن محمد صاحب خوارزم ~~و ولي الأمر بعده ولده علي. و في سنة إحدى و أربعمائة خطب قرواش بن المقلد ~~أمير بني عقيل للحاكم العلوي صاحب مصر بأعماله كلها و هي الموصل و الأنبار ~~و المدائن و الكوفة و غيرها. و في سنة ثلاث و أربعمائة قتل شمس المعالي ~~قابوس بن وشمكير و كان سبب قتله أنه كان مع كثرة فضائله و مناقبه عظيم ~~السياسة شديد الأخذ قليل العفو يقتل ms197 على الذنب اليسير. فضجر أصحابه منه و ~~مضوا إلى الدار التي هو فيها و قد دخل إلى الطهارة متخففا فأخذوا ما عليه ~~من كسوة و كان الزمان شتاء و كان يستغيث: أعطوني و لو جل فرس. فلم يفعلوا ~~فمات من شدة البرد. و ولي بلاده ابنه منوجهر و لقب فلك المعالي. و كان ~~قابوس عزيز الأدب وافر العلم له رسائل و شعر حسن و كان عالما بالنجوم و ~~غيرها من العلوم. و فيها توفى بهاء الدولة ابن عضد الدولة بن بويه و هو ~~الملك حينئذ بالعراق و ولي بعده ابنه سلطان الدولة أبو شجاع. و في سنة سبع ~~و أربعمائة قتل خوارزمشاه أبو العباس مأمون بن مأمون و ملك يمين الدولة ~~خوارزم. و في سنة ثماني و أربعمائة خرج الترك من الصين في عدد كثير يزيدون ~~على ثلاثمائة ألف خركاه و ملكوا بعض البلاد و غنموا و سبوا و بقي بينهم و ~~بين بلاساغون ثمانية أيام. ولما سمعوا بجمع عساكر طغان خان عادوا إلى ~~بلادهم. فسار خلفهم نحو ثلاثة أشهر حتى أدركهم و هم آمنون لبعد المسافة ~~فكبسهم و قتل منهم زيادة على مائتي ألف رجل و غنم من الدواب و أواني الذهب ~~و الفضة و معمول الصين ما لا عهد لأحد بمثله. و في سنة إحدى عشرة و ~~أربعمائة عظم أمر أبي علي مشرف الدولة ابن بهاء الدولة ثم ملك العراق و ~~أزال عنه أخاه سلطان الدولة. و فيها فقد الحاكم بن العزيز ابن المعز العلوي ~~صاحب مصر بها و لم يعرف له خبر. و قيل أنه خرج يطوف ليلته على رسمه و عادته ~~و أصبح عند قبر الفقاعي و توجه إلى شرق حلوان و معه ركابيان فأعادهما فعادا ~~و ذكرا أنهما خلفاه عند العين و بقي الناس على رسومهم يخرجون كل يوم ~~يلتمسون رجوعه. فلما أبطأ خرج جماعة من خواصه فبلغوا حلوان و دخلوا في ~~الجبل فبصروا بالحمار الذي كان عليه و قد ضربت يداه بسيف و عليه ms198 سرجه و ~~لجامه. فاتبعوا الأثر فانتهى بهم إلى البركة فرأوا ثيابه و هي سبع قطع صوف ~~و هي مزررة بحالها لم تحل و فيها أثر السكاكين فعادوا و لم يشكوا في قتله. ~~و كان عمره سبعا و ثلاثين سنة و ولايته خمسا و عشرين سنة. و كان جوادا ~~بالمال سفاكا للدماء و كانت سيرته عجيبة أمر بسب الصحابة و كتب إلى سائر ~~عماله بذلك. ثم أمر بعد ذلك بمدة بالكف عن السب و هدم بيعة القيامة ببيت ~~المقدس ثم عاد بناها. و حمل أهل الذمة على الإسلام أو المسير إلى مأمنهم أو ~~لبس الغيار فأسلم كثير منهم. ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه فيقول له: ~~أريد العود إلى ديني فيأذن له. و منع النساء عن الخروج من بيوتهن و قتل من ~~خرج منهن. فشكى إليه من لا قيم لها يقوم بأمرها فأمر الناس أن يحملوا كلما ~~يباع في الأسواق إلى الدروب و يبيعوه على النساء و أمر من يبيع أن يكون معه ~~شبه المغرفة بساعد طويل يمده إلى المرأة و هي من وراء الباب و فيه ما ~~تشتريه فإذا رضيته و ضعت الثمن في المغرفة و أخذت ما فيها لئلا يراها. فنال ~~من ذلك شدة عظيمة. و لما عدم الحاكم بويع ابنه أبو الحسن علي و هو صبي و ~~لقب الظاهر لإعزاز دين الله و باشرت ست الملك أخت الحاكم الأمور بنفسها و ~~قامت هيبتها عند الناس و استقامت الأمور. و عاشت بعد الحاكم أربع سنين و ~~ماتت. و في سنة PageV01P106 أربع عشرة و أربعمائة استولى علاء الدولة أبو ~~جعفر بن كاكويه على همذان و ملكها. و فيها توفي علي بن هلال المعروف بابن ~~البواب الكاتب المشهور و إليه انتهى الخط. و في سنة خمس عشرة في شوال توفي ~~الملك سلطان الدولة بشيراز و ملك بعده ابنه أبو كاليجار. و في سنة ست عشرة ~~و أربعمائة توفي الملك مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة و خطب ببغداد ~~لأخيه ms199 أبي طاهر جلال الدولة. و فيها ملك نصير الدولة بن مروان صاحب ديار ~~بكر مدينة الرها و كانت لرجل من بني نمير يسمى عطيرا و فيه شر و جهل فكتب ~~الرهاويون ليسلموا إليه البلد فسير إليهم نائبا كان بآمد يسمى زنكي فتسلمها ~~و قتل عطيرا. و في سنة عشرين و أربعمائة أوقع يمين الدولة بالأتراك الغزية ~~أصحاب أرسلان بن سلجوق و كانوا يفسدون بخراسان و ينهبون فيها فأرسل إليهم ~~جيشا فسبوهم و أجلوهم عن خراسان فسار منهم أهل ألفي خركاه فلحقوا بأصفهان. ~~و أما طغرلبك و داود و أخوهما بيغو و هم بنو ميكائيل بن سلجوق بن تقاق ~~فإنهم كانوا بما وراء النهر و طائفة من الغز الذين كانوا بخراسان وصلوا إلى ~~أذربيجان و ساروا إلى مراغة فدخلوها و أحرقوا جامعها و قتلوا من عوامها ~~مقتلة عظيمة و من الأكراد الهذبانية ثم سار طائفة منهم إلى الري و طائفة ~~إلى همذان فملكوها. و فيها ملك الغز الموصل و وثب بهم أهل الموصل. و في سنة ~~إحدى و عشرين و أربعمائة مات يمين الدولة محمود بن سبكتكين و ملك ولده محمد ~~ثم خلعه أخوه مسعود و ولي مكانه. و في سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة في ذي ~~الحجة توفي الإمام القادر بالله و عمره ست و ثمانون سنة و عشرة أشهر و ~~خلافته إحدى و أربعون سنة. و كانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم و ~~الأتراك فلما وليها ألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه أحسن طاعة. و ~~كان حليما كريما دينا و كان يخرج من داره في زي العامة و يزور قبور ~~الصالحين كقبر معروف و غيره. عشرة و أربعمائة استولى علاء الدولة أبو جعفر ~~بن كاكويه على همذان و ملكها. و فيها توفي علي بن هلال المعروف بابن البواب ~~الكاتب المشهور و إليه انتهى الخط. و في سنة خمس عشرة في شوال توفي الملك ~~سلطان الدولة بشيراز و ملك بعده ابنه أبو كاليجار. و في سنة ست ms200 عشرة و ~~أربعمائة توفي الملك مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة و خطب ببغداد ~~لأخيه أبي طاهر جلال الدولة. و فيها ملك نصير الدولة بن مروان صاحب ديار ~~بكر مدينة الرها و كانت لرجل من بني نمير يسمى عطيرا و فيه شر و جهل فكتب ~~الرهاويون ليسلموا إليه البلد فسير إليهم نائبا كان بآمد يسمى زنكي فتسلمها ~~و قتل عطيرا. و في سنة عشرين و أربعمائة أوقع يمين الدولة بالأتراك الغزية ~~أصحاب أرسلان بن سلجوق و كانوا يفسدون بخراسان و ينهبون فيها فأرسل إليهم ~~جيشا فسبوهم و أجلوهم عن خراسان فسار منهم أهل ألفي خركاه فلحقوا بأصفهان. ~~و أما طغرلبك و داود و أخوهما بيغو و هم بنو ميكائيل بن سلجوق بن تقاق ~~فإنهم كانوا بما وراء النهر و طائفة من الغز الذين كانوا بخراسان وصلوا إلى ~~أذربيجان و ساروا إلى مراغة فدخلوها و أحرقوا جامعها و قتلوا من عوامها ~~مقتلة عظيمة و من الأكراد الهذبانية ثم سار طائفة منهم إلى الري و طائفة ~~إلى همذان فملكوها. و فيها ملك الغز الموصل و وثب بهم أهل الموصل. و في سنة ~~إحدى و عشرين و أربعمائة مات يمين الدولة محمود بن سبكتكين و ملك ولده محمد ~~ثم خلعه أخوه مسعود و ولي مكانه. و في سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة في ذي ~~الحجة توفي الإمام القادر بالله و عمره ست و ثمانون سنة و عشرة أشهر و ~~خلافته إحدى و أربعون سنة. و كانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم و ~~الأتراك فلما وليها ألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه أحسن طاعة. و ~~كان حليما كريما دينا و كان يخرج من داره في زي العامة و يزور قبور ~~الصالحين كقبر معروف و غيره. # و في سنة ثماني و أربعين و ثلاثمائة انتقل إلى العراق محمد بن محمد بن ~~يحيى بن الوفاء البوزجاني من بلد نيسابور قرأ عليه الناس و استفادوا و صنف ~~كتبا جمة في العلوم العددية و ms201 الحسابية و له كتاب مجسطي و فسر متاب ~~ديوفنطوس في الجبر و المقابلة. PageV01P107 و في سنة ثماني و تسعين و ~~ثلاثمائة توفي أبو علي عيسى بن زرعة النصراني اليعقوبي المنطقي ببغداد و هو ~~أحد المتقدمين في علم المنطق و الفلسفة و أحد النقلة المجودين و له تصانيف ~~مذكورة و نقول من السرياني إلى العربي. # و من الأطباء المتقدمين بالديار المصرية منصور بن مقشر أبو الفتح المصري ~~النصراني و له منزلة سامية من أصحاب القصر و لا سيما في أيام العزيز منهم. ~~و اعتل منصور هذا في أيام العزيز في سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة و تأخر عن ~~الركوب فلما تماثل منصور ابن مقشر كتب إليه العزيز بخطه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم طبيبنا سلمه الله سلام الله الطيب و أتم النعمة عليه. و صلت إلينا ~~البشارة بما وهبه الله من عافية الطبيب و برئه. و الله العظيم لقد عدل ~~عندنا ما رزقناه نحن من الصحة في جسمنا. أقالك الله العثرة و أعادك إلى ~~أفضل ما عودك من صحة الجسم و طيبة النفس و خفض العيش بحوله و قوته. و خدم ~~منصور هذا بعد العزيز الحاكم ابنه أيضا. و اتفق أن عرض لرجل الحاكم عقد زمن ~~و لم يبرأ. فكان ابن مقشر و غيره من أطباء الخاص المشاركين له يتولون علاجه ~~فلا يؤثر ذلك إلا شرا في العقد. فأحضر له جرائحي يهودي كان يرتزق بصناعة ~~مداواة الجراح في غاية الخمول. فلما رأى العقد طرح عليه دواء يابسا فشقه و ~~شفاه في ثلاثة أيام. فأطلق له الحاكم ألف دينار و خلع عليه و لقبه بالحقير ~~النافع و جعله من أطباء الخاص. و لما ولي الحاكم الأمر بمصر و كان يميل إلى ~~الحكمة بلغه خبر أبي علي بن الحسين بن الهيثم المهندس البصري أنه صاحب ~~تصانيف في علم الهندسة عالم بهذا الشأن متقن له متفنن فيه قائم بغوامضه و ~~معانيه. فتاقت نفسه إلى رؤيته. ثم نقل له عنه أنه قال: لو كنت بمصر ms202 لعملت ~~في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة و نقص. فازداد ~~الحاكم إليه شوقا و سير إليه سرا جملة من مال فأرغبه في الحضور. فسار نحو ~~مصر و لما وصلها خرج الحاكم للقائه و التقيا بقرية على باب القاهرة المعزية ~~تعرف بالخندق و أمر بإنزاله و إكرامه و أقام ريثما استراح و طالبه بما وعد ~~به من أمر النيل فسار معه جماعة من الصناع ليستعين بهم على هندسة كانت خطرت ~~له. و لما سار إلى الإقليم بطوله و رأى آثار من تقدم من ساكنيه من الأمم ~~الخالية و هي على غاية من إحكام الصنعة و جودة الهندسة و ما اشتملت عليه من ~~أشكال سماوية و مثالات هندسية و تصوير معجز تحقق أن الذي يقصده ليس بممكن ~~فإن من تقدمه لم يعزب عنهم علم ما علمه و لو أمكن لفعلوا. فانكسرت همته و ~~وقف خاطره. و وصل إلى الموضع المعروف بالجنادل قبلي مدينة أسوان و هو موضع ~~مرتفع ينحدر فيه ماء النيل فعاينه و باشره و اختبره من جانبيه فوجد أمره لا ~~يمشي على موافقة مراده و تحقق الخطأ عما وعد به و عاد منخجلا منخذلا و ~~اعتذر بما قبل الحاكم ظاهره و وافقه عليه. ثم إن الحاكم ولاه بعض الدواوين ~~فتولاها رهبة لا رغبة. و تحقق الغلط في الولاية لكثرة استحالة الحاكم و ~~إراقته الدماء بغير سبب أو بأضعف سبب من خيال مخيلة. فأجال أبو الحسن بن ~~الهيثم فكرته في أمر يتخلص به فلم يجد طريقا إلى ذلك إلا إظهار الجنون و ~~الخيال فاعتمد ذلك و شاع. فأحيط على موجوده بيد الحاكم و نوابه. و جعل ~~برسمه من يخدمه و يقوم بمصالحه و قيد و ترك في موضع من منزله. و لم يزل على ~~ذلك إلى أن مات الحاكم. و بعد ذلك بيسير أظهر العقل و عاد إلى ما كان عليه ~~و أقام متنسكا منقبعا و اشتغل بالتصنيف و النسخ و الإفادة و كان ms203 له خط قاعد ~~في غاية الصحة. و حكي عنه أنه كان ينسخ فيمدة سنة ثلاثة كتب في ضمن أشغاله ~~و هي إقليذس و المتوسطات و المجسطي و يشكلها فإذا شرع في نسخها جاءه من ~~يعطيه فيها مائة و خمسين دينارا مصرية. و صار ذلك كالرسم الذي لا يحتاج إلى ~~مواكسة و لا معاودة قول فيجعلها مؤنته لسنته. و لم يزل على ذلك إلى أن مات ~~بالقاهرة بعد سنة ثلاثين و أربعمائة. و أما تصانيفه فهي كثيرة مشهورة. ~~PageV01P108 " القائم بن القادر " و لما توفي القادر بالله جددت البيعة ~~لابنه القائم بأمر الله سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة و كان أبوه قد بايع ~~له بولاية العهد سنة إحدى و عشرين. و فيها أعني سنة اثنتين و عشرين ملك ~~الروم مدينة الرها و كانت بيد نصير الدولة بن مروان. و فيها سارت عساكر ~~السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب خراسان إلى كرمان فملكوها. و في ~~سنة خمس و عشرين و أربعمائة كانت حرب شديدة بين نور الدولة و دبيس و أخيه ~~أبي قوام ثابت ثم اصطلحا و تحالفا. و سار البساسيري نجدة لثابت فلما سمع ~~بصلحهم عاد إلى بغداد. و هؤلاء أمراء عرب من بني أسد و خفاجة. و فيها توفي ~~رومانوس ملك الروم و ملك بعده رجل صيرفي ليس من بيت الملك و إنما ابنة ~~قسطنطين اختارته و تزوجته. و في سنة سبع و عشرين و أربعمائة توفي الظاهر ~~لإعزاز دين الله الخليفة العلوي بمصر و كان له مصر و الشام و الخطبة له ~~بافريقية. و ولي بعده ابنه أبو تميم و لقب المستنصر بالله. و في سنة تسع و ~~عشرين و أربعمائة دخل ركن الدين أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق ~~مدينة نيسابور مالكا لها. و في سنة ثلاثين و أربعمائة وصل الملك مسعود من ~~غزنة إلى بلخ و أجلى السلجوقية عن خراسان. و فيها خطب شبيب بن وثاب النميري ~~صاحب حران و الرقة للإمام القائم بأمر ms204 الله و قطع خطبة المستنصر بالله ~~العلوي المصري. و في سنة اثنتين و ثلاثين و أربعمائة اتفق أنوستكين الخصي ~~البلخي في جماعة من الغلمان الدارية و ثاروا بالملك مسعود و قبضوا عليه و ~~أقاموا أخاه محمدا و سلموا عليه بالإمارة. فأحضر أخاه الملك مسعودا و قال ~~له: لا قابلتك على فعلك بي. و ذلك لأنه كان سمله و أعماه. فانظر أين تريد ~~أن تقيم حتى أحملك إليه ومعك أولادك و حرمك. فاختار قلعة كرى فأنفذه إليها. ~~ثم إن أحمد ابن محمد دخل إلى أبيه فطلب خاتمه ليختم به بعض الخزائن فأعطاه. ~~فسار به غلمانه إلى القلعة و أعطوا الخاتم لمستحفظيها و قالوا: معنا رسالة ~~إلى مسعود فأدخلوهم إليه فقتلوه. فلما وصل الخبر إلى مودود بن مسعود و هو ~~بخراسان عاد مجدا بعساكره إلى غزنة فتصاف هو وعمه محمد و قبض عليه و على ~~ولده أحمد و أنوستكين الخصي البلخي فقتلهم و قتل أولاد عمه جميعهم و قتل كل ~~من كان له في القبض على والده صنع. و في سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة ملك ~~السلطان طغرلبك جرجان و طبرستان. و فيها توفي ميخائيل ملك الروم و ملك بعده ~~ابن أخيه ميخائيل أيضا. و في سنة خمس و ثلاثين توفي الملك جلال الدولة بن ~~بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه ببغداد و ملك أبو كاليجار ابن سلطان ~~الدولة بن بهاء الدولة. و في سنة تسع و ثلاثين وقع الصلح بين الملك كاليجار ~~و السلطان طغرلبك. و في سنة أربعين و أربعمائة مات الملك أبو كاليجار ~~ببغداد و ملك ابنه الملك الرحيم. و في سنة إحدى و أربعين ملك البساسيري ~~الأنبار و دخلها أصحابه و فيها مات مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين ~~صاحب غزنة و ملك عمه عبد الرشيد. و في سنة اثنتين و أربعين ملك السلطان ~~طغرلبك أصفهان. و في سنة ست و أربعين استولى طغرلبك على إذربيجان. و في سنة ~~سبع و أربعين وصل طغرلبك إلى ms205 بغداد و خطب له بها. و في سنة خمسين و ~~أربعمائة سار طغرلبك في أثر البساسيري ودبيس و معهما أهلهما فأوقع بهم ~~الأتراك و قتلوا البساسيري و دخلوا في الظعن فساقوه جميعه. و كان البساسيري ~~مملوكا تركيا من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة و هو منسوب إلى بساسير ~~مدينته. و في سنة إحدى و خمسين أصلح دبيس بن مزيد و أحضر إلى خدمة السلطان ~~طغرلبك فأحسن إليه. و في سنة خمس و خمسين سار السلطان طغرلبك من بغداد إلى ~~بلد الجبل فوصل إلى الري فمرض بها و توفي و كان عمره سبعين سنة تقريبا و ~~كان عقيما لم يلد ولدا. و ملك بعده الب أرسلان بن داود جغرى أخي السلطان ~~طغرلبك. و في سنة ثمان و خمسين ولدت صبية بباب الازج ولدا برأسين و رقبتين ~~و وجهين و أربع أيد على بدن واحد. و في سنة إحدى و ستين احترق جامع دمشق ~~فدثرت محاسنه و زال ما كان فيه من الأعمال النفيسة. و كان سبب ذلك حرب وقعت ~~بين المغاربة أحاب المصريين و المشارقة فضربوا دارا مجاورة للجامع بالنار ~~فاحترقت و اتصلت النار بالجامع. و في سنة ثلاث و ستين و أربعمائة خرج ~~رومانوس ملك الروم الملقب PageV01P109 ديوجانيس و هو اسم من أسماء الحكماء ~~في مائة ألف و وافى بتجمل كثير و زي عظيم فوصل إلى ملازكرد من أعمال خلاط و ~~كان السلطان الب أرسلان بمدينة خونج من أذربيجان فسار إليه في خمسة عشر ألف ~~فارس إذ لم يتمكن من جمع العساكر لبعدها و قرب العدو. فجد في السير فلما ~~قرب العسكران أرسل السلطان إلى رومانوس الملك يطلب منه المهادنة. فقال: لا ~~أهادنه إلا بالري. فانزعج السلطان لذلك. فلما كان يوم الجمعة بعد الزوال ~~صلى و بكى فبكى الناس لبكائه. و قال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف فما هنا ~~سلطان يأمر و ينهى. و ألقى القوس و النشاب و أخذ السيف و الدبوس و عقد ذنب ~~فرسه بيده و ms206 فعل عسكره مثله و لبس البياض و تحنط و قال: إن قتلت فهذا ~~كفني.و زحف إلى الروم و زحفوا إليه و اشتد القتال فانهزم الروم و قتل منهم ~~خلق و أسر الملك أسره بعض المماليك اسمه شادي و كان قد ح ضر عنده مع رسول ~~فعرفه فلما رآه نزل و سجد له و قصد به السلطان. فضربه ثلاث مقارع بيده و ~~قال له: ألم أرسل إليك في المهادنة فأبيت. فقال: دعني من التوبيخ و افعل ما ~~تريد. فقال السلطان: ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني. فقال: القبيح. قال له: ~~فما تظن أنني أفعل بك. قال: إما أن تقتلني و إما أن تشهرني في بلادك. و ~~الأخرى بعيدة و هي العفو و قبول الأموال و اصطناعي نائبا عنك. قال: ما عزمت ~~على غير هذا. ففداه بألف ألف دينار و أن يطلق كل أسيرعنده من المسلمين. و ~~استقر الأمر على ذلك و أجلسه معه على سريره و أنزله في خيمة و أرسل إليه ~~عشرة آلاف دينار يتجهز بها و أطلق جماعة من البطارقة و خلع عليه و عليهم و ~~سير معه عسكرا يوصلوه إلى مأمنه و شيعه فرسخا. و أما الروم فلما بلغهم خبر ~~الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد. فلما وصل رومانوس الملك إلى ~~قلعة دوقية بلغه الخبر فلبس الصوف و أظهر الزهد و أرسل إلى ميخائيل يعرفه ~~ما تقرر مع السلطان. و جمع رومانوس ما عنده من المال و كان مائتي ألف دينار ~~فأرسله إلى السلطان و حلف له أنه لا يقدر على غير ذلك. و في سنة خمس و ستين ~~و أربعمائة قصد السلطان الب أرسلان محمد بن داود جغري بك ما وراء النهر ~~فعقد على جيحون جسرا و عبر عليه في نيف و عشرين يوما و عسكره يزيد على ~~مائتي ألف فارس فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة اسمه يوسف الخوارزمي و حمل إلى ~~قرب سريره مع غلامين. فتقدم أن يضرب له أربعة أوتاد و يشد أطرافه إليها. ms207 ~~فقال له يوسف: يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة. فغضب السلطان و أخذ القوس و ~~النشاب و قال للغلامين: خلياه. فخلياه. و رماه السلطان بسهم فأخطأه. فوثب ~~يوسف يريده. فقام السلطان عن السرير و نزل عنه فعثر فوقع على وجهه. فبرك ~~عليه يوسف و ضربه بسكين كانت معه في خاصرته. و نهض السلطان فدخل إلى خيمة ~~أخرى. و ضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة على رأسه فقتله. و لما جرح السلطان ~~الب أرسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه و قام بوزارته نظام الملك.نيس و هو ~~اسم من أسماء الحكماء في مائة ألف و وافى بتجمل كثير و زي عظيم فوصل إلى ~~ملازكرد من أعمال خلاط و كان السلطان الب أرسلان بمدينة خونج من أذربيجان ~~فسار إليه في خمسة عشر ألف فارس إذ لم يتمكن من جمع العساكر لبعدها و قرب ~~العدو. فجد في السير فلما قرب العسكران أرسل السلطان إلى رومانوس الملك ~~يطلب منه المهادنة. فقال: لا أهادنه إلا بالري. فانزعج السلطان لذلك. فلما ~~كان يوم الجمعة بعد الزوال صلى و بكى فبكى الناس لبكائه. و قال لهم: من ~~أراد الانصراف فلينصرف فما هنا سلطان يأمر و ينهى. و ألقى القوس و النشاب و ~~أخذ السيف و الدبوس و عقد ذنب فرسه بيده و فعل عسكره مثله و لبس البياض و ~~تحنط و قال: إن قتلت فهذا كفني.و زحف إلى الروم و زحفوا إليه و اشتد القتال ~~فانهزم الروم و قتل منهم خلق و أسر الملك أسره بعض المماليك اسمه شادي و ~~كان قد ح ضر عنده مع رسول فعرفه فلما رآه نزل و سجد له و قصد به السلطان. ~~فضربه ثلاث مقارع بيده و قال له: ألم أرسل إليك في المهادنة فأبيت. فقال: ~~دعني من التوبيخ و افعل ما تريد. فقال السلطان: ما عزمت أن تفعل بي إن ~~أسرتني. فقال: القبيح. قال له: فما تظن أنني أفعل بك. قال: إما أن تقتلني و ~~إما أن تشهرني في بلادك. و الأخرى بعيدة ms208 و هي العفو و قبول الأموال و ~~اصطناعي نائبا عنك. قال: ما عزمت على غير هذا. ففداه بألف ألف دينار و أن ~~يطلق كل أسيرعنده من المسلمين. و استقر الأمر على ذلك و أجلسه معه على ~~سريره و أنزله في خيمة و أرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها و أطلق جماعة ~~من البطارقة و خلع عليه و عليهم و سير معه عسكرا يوصلوه إلى مأمنه و شيعه ~~فرسخا. و أما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك ~~البلاد. فلما وصل رومانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر فلبس الصوف و ~~أظهر الزهد و أرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان. و جمع رومانوس ما ~~عنده من المال و كان مائتي ألف دينار فأرسله إلى السلطان و حلف له أنه لا ~~يقدر على غير ذلك. و في سنة خمس و ستين و أربعمائة قصد السلطان الب أرسلان ~~محمد بن داود جغري بك ما وراء النهر فعقد على جيحون جسرا و عبر عليه في نيف ~~و عشرين يوما و عسكره يزيد على مائتي ألف فارس فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة ~~اسمه يوسف الخوارزمي و حمل إلى قرب سريره مع غلامين. فتقدم أن يضرب له ~~أربعة أوتاد و يشد أطرافه إليها. فقال له يوسف: يا مخنث مثلي يقتل هذه ~~القتلة. فغضب السلطان و أخذ القوس و النشاب و قال للغلامين: خلياه. فخلياه. ~~و رماه السلطان بسهم فأخطأه. فوثب يوسف يريده. فقام السلطان عن السرير و ~~نزل عنه فعثر فوقع على وجهه. فبرك عليه يوسف و ضربه بسكين كانت معه في ~~خاصرته. و نهض السلطان فدخل إلى خيمة أخرى. و ضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة ~~على رأسه فقتله. و لما جرح السلطان الب أرسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه ~~و قام بوزارته نظام الملك. PageV01P110 و في سنة سبع و ستين و أربعمائة ~~ليلة الخميس ثالث عشر شعبان توفي القائم بأمر الله.و لما أيقن بالموت أحضر ~~النقيبين و قاضي القضاة و الوزير ms209 ابن جهير و أشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ~~ابنه أبا القاسم عبد الله بن محمد بن القائم ولي عهده. و كان عمر القائم ~~ستا و سبعين سنة و ثلاثة أشهر و خلافته أربعا و أربعين سنة و تسعة أشهر. # و في هذه السنين اشتهر بعلوم الأوائل أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني ~~مبحر في فنون الحكمة اليونانية و الهندية و تخصص بأنواع الرياضيات و صنف ~~فيها الكتب الجليلة و دخل إلى بلاد الهند و أقام بها عدة سنين و تعلم من ~~حكمائها فنونهم و علمهم طرق اليونانيين في فلسفتهم. و مصنفاته كثيرة متقنة ~~محكمة غاية الإحكام. و بالجملة لم يكن في نظرائه في زمانه و بعده إلى هذه ~~الغاية أحذق منه بعلم الفلك و لا اعرف بدقيقه و جليله. و عرف أيضا بالعلوم ~~الحكمية أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الشيخ الرئيس. و حكى عن نفسه ~~قال: إن أبي كان رجلا من أهل بلخ و انتقل منها إلى بخارا في أيام نوح بن ~~منصور و اشتغل بالتصرف بقرية خرميثن و تزوج أمي من قرية يقال لها أفشنة و ~~ولدت منها و ولد أخي ثم انتقلنا إلى بخارا و أحضرت معلم القرآن و الأدب و ~~كملت العشر من العمر و قد أتيت على القرآن و على كثير من الأدب. حتى كان ~~يقضى مني العجب. و أخذ والدي يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل و يقوم بحساب ~~الهند حتى أتعلمه منه. ثم جاء إلى بخارأ أبو عبد الله الناتلي و كان يدعي ~~الفلسفة و أنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه. فقرأت ظواهر المنطق عليه و أما ~~دقائقه فلم يكن عنده منها خبرة. ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي و أطالع ~~الشروح و كذلك كتاب إقليذس فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه ثم توليت ~~حل الكتاب بأسره. ثم انتقلت إلى المجسطي. و فارقني الناتلي. ثم رغبت في علم ~~الطب و صرت أقرأ الكتب المصنفة فيه و تعهدت المرضى ms210 فانفتح علي من أبواب ~~المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف و أنا في هذا الوقت من أبناء ست ~~عشرة سنة. ثم توفرت على القراءة سنة و نصفا و كلما كنت أتحير في مسألة و لم ~~أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع و صليت و ابتهلت إلى مبدع ~~الكل حتى فتح لي المغلق منه و المتعسر. و كنت أرجع بالليل إلى داري و أضع ~~السراج بين يدي و أشتغل بالقراءة و الكتابة فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف ~~عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي ثم أرجع إلى القراءة و متى ~~أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها حتى أن كثيرا منها انفتح لي ~~وجوهها في المنام. و لم أزل كذلك حتى أحكمت علم المنطق و الطبيعي و ~~الرياضي. ثم عدلت إلى العلم الإلهي و قرأت كتاب ما بعد الطبيعة فما كنت ~~أفهم ما فيه و التبس علي غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة و صار لي ~~محفوظا و أنا مع ذلك لا أفهمه و أيست من نفسي و قلت: هذا كتاب لا سبيل إلى ~~فهمه. و إذا أنا يوما حضرت وقت العصر في الوراقين و بيد دلال مجلد ينادي ~~عليه فعرضه علي فرددته رد متبرم معتقد أن لا فائدة في هذا العلم. فقال لي: ~~اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم و صاحبه محتاج إلى ثمنه. ~~فاشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة. ~~فرجعت إلى بيتي و أسرعت قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب ~~أنه قد صار لي على ظهر القلب و فرحت بذلك و تصدقت بشي على الفقراء شكرا لله ~~تعالى. فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها و كنت إذ ~~ذاك للعلم أحفظ و لكنه اليوم معي أنضج و إلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده ~~شيء. ثم مات والدي و تصرفت بي الأحوال و ms211 تقلدت شيئا من أعمال السلطان. و ~~دعتني الضرورة إلى الارتحال من بخارا و الانتقال عنها إلى جرجان و كان قصدي ~~الأمير قابوس فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس و حبسه و موته. ثم مضيت إلى ~~دهستان و مرضت بها مرضا صعبا و عدت إلى جرجان و أنشأت في حالي قصيدة فيها ~~بيت القائل: # لما عظمت فليس مصر واسعي ... لما غلا ثمني عدمت المشتري PageV01P111 قال ~~أبو عبيدة الجوزجاني: إلى ههنا انتهى ما حكاه الشيخ عن نفسه. و في هذا ~~الموضع أذكر أنا بعض ما شاهدت من أحواله في حال صحبتي له و إلى حين انقضاء ~~مدته. قال: في مدة مقامه بجرجان صنف أول القانون و مختصر المجسطي و غير ~~ذلك. ثم انتقل إلى الري و اتصل بخدمة السيدة و ابنها مجد الدولة. ثم خرج ~~إلى قزوين و منها إلى همذان فاتصل بخدمة كدبانويه و تولى النظر في أسبابها. ~~ثم سألوه تقلد الوزارةفتقلدها. ثم اتفق تشويش العسكر عليه و إشفاقهم منه ~~على أنفسهم فكبسوا داره و أخذوه إلى الحبس و أخذوا جميع ما كان يملكه و ~~ساموا الأمير شمس الدولة قتله فامتنع منه و عدل إلى نفيه عن الدولة طلبا ~~لمرضاتهم. فتوارى الشيخ في دار بعض أصدقائه أربعين يوما. فعاد الأمير و ~~قلده الوزارة ثانيا. و لما توفي شمس الدولة و بويع ابنه طلبوا أن يستوزر ~~الشيخ فأبى عليهم و توارى في دار أبي غالب العطار و هناك أتى على جميع ~~الطبيعيات و الإلهيات ما خلا كتابي الحيوان و النبات من كتاب الشفاء. و ~~كاتب علاء الدولة سرا يطلب المسير إليه فاتهمه تاج الملك بمكاتبته وأنكر ~~عليه ذلك و حث في طلبه. فدل عليه بعض أعدائه فأخذوه و أدوه إلى قلعة يقال ~~لها بردجان و أنشأ هناك قصيدة فيها: # دخولي باليقين كما تراه ... و كل الشك في أمر الخروج # و بقي فيها أربعة أشهر. ثم أخرجوه و حملوه إلى همذان ثم خرج منها متنكرا ~~و أنا و أخوه و غلامان معه في ms212 زي الصوفية إلى أن وصلنا إلى أصفهان فصادف في ~~مجلس علاء الدولة الإكرام و الإعزاز الذي يستحقه مثله. و صنف هناك كتبا ~~كثيرة. " قال " و كان الشيخ قوي القوى كلها و كانت قوة المجامعة من قواه ~~الشهوانية أقوى و أغلب و كان كثيرا ما يشتغل به فأثر في مزاجه. و كان سبب ~~موته قولنج عرض له و لحرصه على برئه حقن نفسه في يوم واحد ثماني مرات فتقرح ~~بعض أمعائه و ظهر به سحج و عرض له الصرع الذي قد يتبع القولنج و صار من ~~الضعف بحيث لا يقدر على القيام. فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي لكنه ~~مع ذلك لا يتحفظ و يكثر التخليط في أمر المعالجة و لم يبرأ من العلة كل ~~البرء و كان ينتكس و يبرأ كل وقت. ثم قصد علاء الدولة همذان و سار معه ~~الشيخ فعاودته في الطريق تلك العلة إلى أن وصل إلى همذان و علم أن قوته قد ~~سقطت و أنها لا تفي بدفع المرض فأهمل مداواة نفسه و أخذ يقول: المدبر الذي ~~كان يدبرني قد عجز عن التدبير و الآن فلا تنفع المعالجة. و بقي على هذا ~~أياما ثم انتقل إلى جوار ربه و دفن بهمذان و كان عمره ثمانيا و خمسين سنة و ~~كان موته في سنة ثمان و عشرين و أربعمائة. و فيه قال بعضهم: # ما نفع الرئيس من حكمه الطب ... و لا حكمه على النيرات # ما شفاه الشفاء من ألم الموت ... و لا نجاه كتاب النجاة # و قيل أول حكيم توسم بخدمة الملوك أرسطوطاليس و كان الحكماء قبله مثل ~~فيثاغوروس و سقراطيس و أفلاطون يترفعون عن ذلك و لا يقربون أبواب السلاطين. ~~و الدليل على ذلك أن بعض ملوك اليونانيين كان مجتازا بمكان كان فيه سقراطيس ~~جالسا فلما دنا بقربه و هو لم ينهض و لم يتحرك من مكانه و لا يلتفت فأقبل ~~إليه بعض الغلمان فركله برجله. فقال له: لم تركلني. قال له: أما تبصر ms213 الملك ~~كيف لا تنهض و تقوم له. أجابه سقراطيس قائلا: كيف أقوم لعبد عبدي. فالتفت ~~الملك إلى مشاجرتهما فاستدعى به فحمل إليه فقال له: أي شيء قلت. قال: قلت ~~لا أقوم لعبد عبدي. قال الملك: و أنا عبد عبدك. قال: نعم أيها الملك أنت ~~استعبدتك الدنيا و أنت خادمها و أنا زهدتها و استعبدتها فهي عبدي و أنت ~~عبدها. فالملك استحسن له ذلك و تقدم بالإحسان إليه فلم يقبل. قيل و أول ~~حكيم شغف بشرب الخمر و استفراغ القوى الشهوانية الشيخ الرئيس أبو علي بن ~~سينا. ثم اقتدى به في الانهماك من كان بعده فهذان غيرا السنة الفلسفية. و ~~قيل أن شيخ الشيخ أبي علي في الطب أبو سهل المسيحي و كان طبيبا فاضلا ~~منطقيا عالما بعلوم الأوائل مذكورا في بلد خراسان له كناش يعرف بالمائة ~~كتاب مشهور. مات و عمره أربعون سنة. PageV01P112 و في سنة خمس و ثلاثين و ~~أربعمائة توفي أبو الفرج عبد الله بن الطيب و هو عراقي فيلسوف فاضل مطلع ~~على كتب الأوائل و أقاويلهم و عني بشروح الكتب القديمة في المنطق و أنواع ~~الحكمة من تآليف أرسطوطاليس و من الطب كتب جالينوس و بسط القول في الشروح ~~بسطا شافيا قصد به التعليم و التفهيم. قال القاضي الأكرم جمال الدين القفطي ~~رحمه الله: لقد رأيت بعض من ينتحل هذه الصناعة يذم أبا الفرج بن الطيب ~~بالتطويل و كان هذا العائب يهوديا ضيق الفطن قد وقف مع عبارة ابن سينا. ~~فاما أنا و كل مصنف فلا يقول إلا أن أبا الفرج بن الطيب قد أحيا من هذه ~~العلوم ما دثرو أبان منها ما خفي. و قد تلمذ له جماعة سادوا و أفادوا منهم ~~المختار بن الحسن بن عبدون المعروف بابن بطلان. قال ابن بطلان: إن شيخنا ~~ابو الفرج ابن الطيب بقي عشرين سنة في تفسير ما بعد الطبيعة و مرض من الفكر ~~فيه مرضة كان تلفظ نفسه فيها و هذا يدلك على شدة حرصه و اجتهاده و ms214 طلب ~~العلم لعينه. و ابن بطلان هذا فهو طبيب نصراني بغدادي و كان مشوه الخلقة ~~غير صبيحها كما شاء الله منه و فضل في علم الأوائل و كان يرتزق بصناعة الطب ~~و خرج عن بغداد إلى الموصل و ديار بكر و دخل حلب و أقام بها مدة و ما حمدها ~~و خرج عنها إلى مصر فأقام بها مدة قريبة و اجتمع بابن رضوان المصري ~~الفيلسوف في وقته و جرت بينهما منافرة أحدثتها المغالبة في المنظرة. و خرج ~~ابن بطلان عن مصر مغضبا على ابن رضوان و ورد إنطاكية و أقام بها و قد سئم ~~كثرة الأسفار و ضاق عطنه عن معاشرة الأغمار فغلب على خاطره الانقطاع فنزل ~~بعض الأديرة بإنطاكية و ترهب و انقطع إلى العبادة إلى أن توفي سنة أربع و ~~أربعين و أربعمائة. و من مشاهير تصانيف ابن بطلان كتاب تقويم الصحة مجدول و ~~كتاب دعوة الأطباء مقامة ظريفة. و رسالة اشتراء الرقيق. و لما جرى لابن ~~بطلان بمصر مع ابن رضوان ما جرى كتب إليه ابن بطلان رسالة يقطعه فيها و ~~يذكر معايبه و يشير إلى جهله بما يدعيه من علم الأوائل و رتبها على سبعة ~~فصول الأول فضل من لقي الرجال على من درس في الكتب. الثاني في أن الذي علم ~~المطالب من الكتب علما رديئا شكوكه بحسب علمه يعسر حلها. الثالث في أن ~~إثبات الحق في عقل لم يثبت فيه المحال أسهل من إثباته عند من ثبت في عقله ~~المحال. الرابع في أن من عادات الفضلاء عند قراءاتهم كتب القدماء أن لا ~~يقطعوا في مصنفها بطعن إذا رأوا في المطالب تباينا و تناقضا لكن يخلدوا إلى ~~البحث و التطلب. الخامس في مسائل مختلفة صادرة عن براهين صحيحة من مقدمات ~~صادقة يلتمس أجوبتها بالطريقة البرهانية. السادس في تصفح مقالته في ~~المباهلة التي ضمن فيها: انني أسأله ألف مسألة و يسألني مسألة واحدة. ~~السابع في تتبع مقالته في النقطة الطبيعية و التعيين على موضع الشبهة في ~~هذه ms215 التسمية. و ختم الرسالة بقوله: و ليتحقق أن اللذة بمضغ الكلام لا تفي ~~بغصة الجواب. فإن لنا موقف حساب. و مجمع ثواب و عقاب. يتظلم فيه المرضى إلى ~~خالقهم. و يطالبون الأطباء بالأغلاط القاضية في هلاكهم. و انهم لا يسامحون ~~الشيخ كما سامحته بسبي و لا يغضون عنه كما أغضيت عن ثلب عرضي. فليكن من ~~لقائهم على يقين. و يتحقق أنهم لا يرضون منه إلا بالحق المبين. و الله ~~يوفقنا و إياه للعمل بطاعته و التقرب إليه بابتغاء مرضاته و هو حسبي و نعم ~~الوكيل. و ذكر ابن بطلان في الفصل الرابع من رسالته إلى ابن رضوان حكاية ~~ظريفة وجب إيرادها ههنا قال: إنني حضرت مع تلميذ من تلامذة الشيخ يعني ~~الشيخ ابن رضوان ظاهر التجمل بادي الذكاء إن صدقت الفراسة فيه بحضرة الأمير ~~أبي علي ابن جلالة الدولة بن عضد الدولة فناخسرو في حمى نائبة أخذت أربعة ~~أيام و لا تبدو ببرد و تقشع بنداوة و قد سقاه ذلك الطبيب دواء مسهلا و هو ~~عازم على فصده من بعد على عادة المصريين في تأخير الفصد بعد الدواء و إطعام ~~المريض القطائف بجلاب في نوب الحمى. فسألت الطبيب مستخبرا عن الحمى. فقال ~~بلفظة المصريين: نعم سيدي حمى يوم مركبة من دم و صفراء نائبة أربعة أيام ~~فلما سقيناه الدواء تحلل الدم و بقيت الصفراء و نحن على فصده لنأمن الصفراء ~~بمشيئة الله. فذهبت لا أعلم مما أعجب أمن كون حمى يوم تنوب في أربعة أيام ~~بعلامات الموظبة أم من كونها من أخلاط مركبة أم من الدواء الذي PageV01P113 ~~حلل الدم الغليظ و ترك الصفراء اللطيفة. و ما أشبه ذلك من حكايته إلا بما ~~سمعت بإنطاكية أن طبيبا روميا شارطمريضه به غب خالصة على برئه دراهم معلومة ~~و أخذ في تدبيره بما غلظ المادة فصارت شطر غب بعد ما كانت خالصة. فأنكروا ~~ذلك عليه و راموا صرفه فقال: إنني أستحق نصف الكراء لأن الحمى ذهب نصفها. و ~~ظن من جهة التسمية أن ms216 الشطر قد ذهب من الحمى. و ما زال يسألهم عما كانت ~~فيقولون غبا. و عما هي الآن فيقولون شطرا فيتظلم و يقول: فلم منعتموني نصف ~~القبالة. و حكي أن ابن رضوان هذا كان في أول أمره منجما يقعد على الطريق و ~~يرتزق ثم قرأ شيئا من الطب و المنطق و كان من المفلفلين لا المحققين و لم ~~يكن حسن المنظر و لا الهيئة و مع هذا تتلمذ له جماعة من الطلبة بمصر و ~~أخذوا عنه و سار ذكره و صنف كتبا مختطفة ملتقطة مستنبطة من غيره و كان ~~تلاميذه ينقلون عنه من التعاليل الطبية و الألفاظ المنطقية ما يضحك منه إن ~~صدق النقلة. و لم يزل ابن رضوان بمصر متصدرا للإفادة إلى أن مات في حدود ~~سنة ستين و أربعمائة. و كان من مشاهير الأطباء في هذه الأيام طبيب نصراني ~~من أهل بغداد يقال له كتيفات خدم البساسيري معروف بالعمل غير موصوف بعلم ~~ارتفع بصائب معالجته.لل الدم الغليظ و ترك الصفراء اللطيفة. و ما أشبه ذلك ~~من حكايته إلا بما سمعت بإنطاكية أن طبيبا روميا شارطمريضه به غب خالصة على ~~برئه دراهم معلومة و أخذ في تدبيره بما غلظ المادة فصارت شطر غب بعد ما ~~كانت خالصة. فأنكروا ذلك عليه و راموا صرفه فقال: إنني أستحق نصف الكراء ~~لأن الحمى ذهب نصفها. و ظن من جهة التسمية أن الشطر قد ذهب من الحمى. و ما ~~زال يسألهم عما كانت فيقولون غبا. و عما هي الآن فيقولون شطرا فيتظلم و ~~يقول: فلم منعتموني نصف القبالة. و حكي أن ابن رضوان هذا كان في أول أمره ~~منجما يقعد على الطريق و يرتزق ثم قرأ شيئا من الطب و المنطق و كان من ~~المفلفلين لا المحققين و لم يكن حسن المنظر و لا الهيئة و مع هذا تتلمذ له ~~جماعة من الطلبة بمصر و أخذوا عنه و سار ذكره و صنف كتبا مختطفة ملتقطة ~~مستنبطة من غيره و كان تلاميذه ينقلون عنه من ms217 التعاليل الطبية و الألفاظ ~~المنطقية ما يضحك منه إن صدق النقلة. و لم يزل ابن رضوان بمصر متصدرا ~~للإفادة إلى أن مات في حدود سنة ستين و أربعمائة. و كان من مشاهير الأطباء ~~في هذه الأيام طبيب نصراني من أهل بغداد يقال له كتيفات خدم البساسيري ~~معروف بالعمل غير موصوف بعلم ارتفع بصائب معالجته. PageV01P114 " المقتدي ~~بن محمد بن القائم " لما توفي القائم بأمر الله بويع عبد الله بن محمد ابن ~~القائم بالخلافة و لقب المقتدي بأمر الله سنة سبع و ستين و أربعمائة. و لم ~~يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه فإن الذخيرة أبا العباس محمد بن القائم توفي ~~في أيام أبيه و لم يكن له غيره و كان المقتدي حملا في بطن أمه فولد بعد موت ~~أبيه محمد بستة أشهر. و في سنة ثماني و ستين سار اقسيس الخوارزمي و هو أحد ~~الأمراء من عسكر السلطان ملكشاه إلى دمشق فحصرها فغلت الأسعار فبيعت ~~الغرارة بأكثر من عشرين دينارا فسلموها إليه بالأمان و خطب بها للمقتدي ~~الخليفة العباسي و كان آخر ما خطب فيها للعلويين المصريين. و تغلب اقسيس ~~على أكثر الشام. و في سنة أربع و سبعين توفي نور الدولة دبيس الأسدي و كان ~~عمره ثمانين سنة و إمارته سبعا و خمسين سنة و كان مذكورا بالفضل و الإحسان. ~~و ولي بعده ما كان إليه ابنه منصور و لقب بهاء الدولة فأحسن السيرة و سار ~~إلى السلطان ملكشاه فاستقر له الأمر و خلع الخليفة أيضا عليه ثم مات في سنة ~~تسع و سبعين و ولي الحلة و النيل و جميع ما كان له ابنه سيف الدولة صدقة. و ~~في سنة خمس و ثمانين قتل نظام الملك الوزير بالقرب من نهاوند قتله صبي ~~ديلمي من الباطنية أتاه في صورة مستمنح أو مستغيث فضربه بسكين كانت معه ~~فقضي عليه. و بقي نظام الملك وزيرا للسلاطين ثلاثين سنة سوى ما وزر لالب ~~أرسلان و هو صاحب خراسان أيام عمه طغرلبك قبل أن ms218 يتولى السلطنة. و كان عمره ~~سبعا و سبعين سنة. و كان سبب قتله أن عثمان ابن جمال الملك بن نظام الملك ~~كان قد ولاه جده رئاسة مرو و أرسل السلطان إليها شحنة اسمه قودن و هو من ~~خواصه فنازع عثمان في شيء فحملت عثمان حداثة ينه و طمعه بجده على أن قبض ~~عليه و أخرق به ثم أطلقه فقصد السلطان مستغيثا شاكيا فأرسل السلطان إلى ~~نظام الملك رسالة يقول له: إن كنت شريكي في الملك فلذلك حكم. و إن كنت ~~نائبي فيجب أن تلزم حد التبعية و النيابة و هؤلاء أولادك قد جاوزا حد أمر ~~السياسة و طمعوا إلى أن فعلوا كذا و كذا. فحضر المرسلون عند نظام الملك و ~~أوردوا عليه الرسالة فقال: قولوا للسلطان إن كنت ما علمت إني شريكك في ~~الملك فاعلم. فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري و رأيي أما تذكر حين قتل ~~أبوك فقمت بتدبير أمرك و قمعت الخوارج عليك من أهلك و غيرهم. و أنت ذلك ~~الوقت كنت تتمسك بي فلما قدت الأمور إليك و أطاعك القاصي و الداني أقبلت ~~تتجنى لي الذنوب و تسمع في السعايات. و قولوا له عني إن ثبات تلك القلنسوة ~~معذوق بهذه الدواة و إن اتفاقهما سبب كل غنيمة و متى أطبقت هذه الدواة زالت ~~تلك. و أطال فيما هذا سبيله. ثم قال: قولوا للسلطان عني مهما أردتم فقد ~~أهمني ما لحقني من توبيخه و فت في عضدي. فلما خرجوا من عنده اتفقوا على ~~كتمان ما جرى عن السلطان فقالوا له ما مضمونه العبودية و الاعتذار. ثم أن ~~واحدا منهم أعلم السلطان بما جرى فوقع التدبير عليه حتى قتل و مات السلطان ~~بعده بخمس و ثلاثين يوما و انحلت الدولة و وقع السيف و كان قول نظام الملك ~~شبه الكرامة له. و قيل أن ابتداء أمر نظام الملك أنه كان من أبناء الدهاقين ~~بطوس و تعلم العربية و كان كاتبا للأمير تاجر صاحب بلخ و كان الأمير يصادره ms219 ~~في رأس كل سنة و يأخذ ما معه و يقول له: قد سمنت يا حسن. و هرب إلى جغري بك ~~داود و هو بمرو فدخل إليه فلما رآه أخذ بيده و سلمه إلى ولده الب أرسلان و ~~قال له: هذا حسن الطوسي فتسلمه و اتخذه والدا و لا تخالفه. و كان نظام ~~الملك إذا دخل عليه الأئمة الأكابر يقوم لهم و يجلس في مسنده و كان له شيخ ~~فقير إذا دخل إليه يقوم له و يجلسه في مكانه و يجلس بين يديه. فقيل له في ~~ذلك فقال: إن أولئك إذا دخلوا علي يثنون علي بما ليس في فيزيدني كلامهم ~~عجبا و تيها. و هذا يذكرني عيوب نفسي و ما أنا فيه من الظلم فتنكسر نفسي ~~لذلك فأرجع عن كثير مما أنا فيه. و كان مجلسه عامرا بالعلماء و أهل الخير و ~~الصلاح. و أكثر الشعراء مراثيه فمن جيد ما قيل قول شبل الدولة: # كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمن من شرف # بدت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف PageV01P115 ثم ~~سار السلطان ملكشاه بعد قتل نظام الملك إلى بغداد و دخلها في الرابع و ~~العشرين من شهر رمضان. و اتفق أن خرج إلى الصيد و عاد ثالث شوال مريضا و ~~كان سبب مرضه أنه أكل لحم صيد فحم فافتصد و لم يستوف إخراج الدم فثقل في ~~مرضه و كانتحمى محرقة فتوفي ليللة الجمعة النصف من شوال فسترت زوجته تركان ~~خاتون موته و كتمته و سارت من بغداد و السلطان معها محمولا و بذلت الأموال ~~للأمراء و استحلفتهم لابنها محمود و كان تاج الملك وزيرها يتولى ذلك لها و ~~أرسلت إلى الخليفة المقتدي في الخطبة فأجابها و خطب لمحمود و عمره أربع ~~سنين. و سارت تركان خاتون من بغداد إلى أصفهان و بها بركيارق و هو أكبر ~~أولاد السلطان فخرج منها هو و من معه من الأمراء النظامية و ساروا نحو ~~الري. فسيرت خاتون العساكر إلى قتال ms220 بركيارق فانحاز جماعة منهم إلى بركيارق ~~فقوي بهم و عاد إلى أصفهان و حاصرها. و كان تاج الملك مع عسكر خاتون فأخذ و ~~حمل إلى بركيارق فهجم النظامية عليه فقتلوه. و كان كثير الفضائل جم المناقب ~~و إنما غطى محاسنه ممالأته على قتل نظام الملك. و في سنة سبع و ثمانين قدم ~~بركيارق بغداد و خطب له بالسلطنة و لقب ركن الدين. و في سنة سبع و ثمانين و ~~أربعمائة خامس عشر محرم توفي الإمام المقتدي بالله فجأة و كان قد أحضر عنده ~~تقليد السلطان بركيارق ليعلم فيه فقرأه و تدبره و علم فيه. ثم قدم إليه ~~طعام فأكل منه و غسل يديه و عنده قهرمانته شمس النهار. فقال لها: ما هذه ~~الأشخاص التي دخلت علي بغير إذن. " قالت " فالتفت فلم أر شيئا و رأيته قد ~~تغيرت حالته و انحلت قوته و سقط إلى الأرض ميتا. و قلت لجارية عندي: إن صحت ~~قتلتك. و أحضرت الوزير فأعلمته الحال. فشرعوا في البيعة لولي العهد و جهزوا ~~المقتدي و دفنوه و كان عمره ثمانيا و ثلاثين سنة و ثمانية أشهر و كانت ~~خلافته تسع عشرة سنة و ثمانية أشهر و أمه أم ولد أرمنية تسمى أرجوان أدركت ~~خلافته و خلافة ابنه المستظهر و خلافة ابن ابنه المسترشد. # و في سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة مات يحيى بن عيسى بن جزلة الطبيب ~~البغدادي و كان رجلا نصرانيا قد قرأ الطب على نصارى الكرخ الذين كانوا في ~~زمانه و أراد قراءة المنطق فلم يكن في النصارى المذكورين في ذلك الوقت من ~~يقوم بهذا الشأن و ذكر له أبو علي بن الوليد شيخ المعتزلة في ذلك الوقت و ~~وصف بأنه عالم بعلم الكلام و معرفة الألفاظ المنطقية فلازمه لقراءة المنطق. ~~فلم يزل ابن الوليد يحسن له الإسلام حتى استجاب و أسلم فسر بإسلامه أبو عبد ~~الله الدامغاني قاضي القضاة يومئذ و قربه و أدناه و رفع محله بأن استخدمه ~~في كتابة السجلات بين يديه ms221 و كان مع اشتغاله بذلك يطب أهل محلته و سائر ~~معارفه بغير أجرة و لا جعالة بل احتسابا و مروءة و يحمل إليهم الأدوية بغير ~~عوض. و لما مرض مرض موته وقف كتبه لمشهد الإمام أبي حنيفة. و من مشاهير ~~تصانيفه كتاب المنهاج و كتاب تقويم الأبدان مجدول. PageV01P116 " المستظهر ~~بن المقتدي " لما توفي المقتدي بأمر الله أحضر ولده أبو العباس أحمد فبويع ~~له و لقب المستظهر بالله و ذلك في سنة سبع و ثمانين و أربعمائة. " و فيها ~~قتل السلطان بركيارق عمه تكش و غرقه و قتل ولده معه " . و في سنة ثمان و ~~ثمانين قتل تتش ابن الب أرسلان و استقام الأمر و السلطنة لبركيارق. و فيها ~~في ذي الحجة توفي المستنصر بالله بن الظاهر لإعزاز دين الله العلوي صاحب ~~مصر و الشام و كانت خلافته ستين سنة و عمره سبعا و ستين سنة و ولي بعده ~~ابنه أبو القاسم أحمد و لقب المستعلي بالله. و في سنة تسع و ثمانين حكم ~~المنجمون بطوفان يكون في الناس يقارب طوفا نوح. فأحضر الخليفة ابن عيسون ~~المنجم فسأله. فقال: إن في طوفان نوح اجتمعت الكواكب السبعة في برج الحوت و ~~الآن فقد اجتمع ستة منها و ليس فيها زحل فلو كان معها لكان مثل طوفان نوح و ~~لكن أقول إن مدينة أو بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة ~~فيغرقون. فخافوا على بغداد لكثرة من يجتمع فيها من البلاد فأحكمت المسنيات ~~و المواضع التي يخشى منها الانفجار. فاتفق أن الحجاج نزلوا في وادي المناقب ~~فأتاهم سيل عظيم فأغرق أكثرهم و نجا من تعلق بالجبال و ذهب المال و الدواب ~~و الازواد. فخلع الخليفة على المنجم. و في سنة تسعين و أربعمائة قتل ملك ~~خراسان أرسلان أرغون بن الب أرسلان أخو السلطان ملكشاه قتله غلام له. فقيل ~~له: لم فعلت هذا. فقال: لأريح الناس من ظلمه. ثم ملك بركيارق خراسان و ~~سلمها إلى أخيه الملك سنجر. و في سنة ms222 إحدى و تسعين جمع بردويل ملك الإفرنج ~~جمعا كثيرا و خرج إلى بلاد الشام و ملك إنطاكية. و كان الإفرنج قبل هذا قد ~~ملكوا مدينة طليطلة من بلاد الأندلس و غيرها ثم قصدوا جزيرة سقلية فملكوها ~~و تطرقوا إلى أطراف إفريقية فملكوا منها شيئا. فلما سمع قوام الدولة كربوقا ~~بحال الإفرنج و ملكهم إنطاكية جمع العساكر و سار إلى الشام و نزل على ~~إنطاكية و حاصرها و فيها من الملوك بردويل و سنجال و كندفري و القومص صاحب ~~الرها و بيموند صاحب إنطاكية. و قلت الأقوات عندهم فأرسلوا إلى كربوقا ~~يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد فلم يعطهم و قال: لا تخرجون إلا ~~بالسيف. و كان مع الإفرنج راهب مطاع فيهم و كان داهية من الرجال فقال لهم: ~~إن فطروس السليح كان له عكازة ذات زج مدفونة بكنيسة القسيان فإن وجدتموها ~~فإنكم تظفرون و إلا فالهلاك متحقق. و أمرهم بالصوم و التوبة ففعلوا ذلك ~~ثلاثة أيام. فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع جميعهم و معهم عامتهم و ~~حفروا عليها في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر. فقال لهم: أبشروا بالظفر. ~~فقويت عزيمتهم و خرجوا اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة و ستة و نحو ~~ذلك. فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن تقف على الباب فتقتل كل من خرج. ~~فقال: لا تفعلوا لكن أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم. فلما تكاملوا و لم ~~يبق بإنطاكية أحد منهم ضربوا مصافا عظيما فولى المسلمون منهزمون و آخر من ~~انهزم سقمان بن ارتق فقتل الإفرنج منهم ألوفا و غنموا ما في العسكر من ~~الأقوات و الأموال و الدواب و الأسلحة فصلحت حالهم و عادت إليهم قوتهم و ~~ساروا إلى معرة النعمان فملكوها. و في سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة لما ~~رأى المصريون ضعف الأتراك صاروا إلى البيت المقدس و حصروه و به الأمير ~~سقمان و ايلغازي ابنا ارتق التركماني و ابن عمهما سونج و نصبوا عليه نيفا و ~~أربعين منجنيقا و ملكوه بالأمان و خرج ms223 عنه سقمان و أصحابه و استناب ~~المصريون فيه رجلا يعرف بافتخار الدولة. فقصده الإفرنج و نصبوا عليه برجين ~~و ملكوه من الجانب الشمالي و ركب الناس السيف و لبث الإفرنج في البلد ~~أسبوعا يقتلون فيه المسلمين. و قتل بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا ~~و غنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء. و في سنة ثلاث و تسعين جرى حرب بين ~~السلطان بركيارق و بين أخيه السلطان محمد و انهزم بركيارق و تنقل في البلاد ~~إلى أصفهان. و لم يدخلها و سار إلى خوزستان. و في سنة أربع و تسعين كان ~~المصاف الثاني بينهما و كان مع بركيارق خمسون ألفا و مع أخيه محمد خمسة عشر ~~ألفا فالتقوا و اقتتلوا فانهزم السلطان محمد و سار طالبا خراسان إلى أخيه ~~الملك سنجر و هما لأم واحدة فأقام بجرجان و أتاه الملك سنجر في عساكره إلى ~~PageV01P117 الدامغان و خرب العسكر البلاد و عم الغلاء تلك الأصقاع حتى أكل ~~الناس بعضهم بعضا بعد فراغهم من أكل الميتة و الكلاب. و في سنة خمس و تسعين ~~توفي المستعلي بالله الخليفة العلوي المصري و كانت خلافته سبع سنين و ولي ~~بعده ابنه أبو علي المنصور و عمره خمس سنين و لقب بأحكام الله و لم يقدر ~~يركب وحده على الفرس لصغر سنه و قام بتدبير دولته الأفضل بن أمير الجيوش ~~أحسن قيام. و في سنة سبع و تسعين وقع الصلح بين السلطانين بركيارق و أخيه ~~محمد ابني ملكشاه و تقررت القاعدة أن بركيارق لا يعترض أخاه محمدا في الطبل ~~و أن لا يذكر معه على منابر البلاد التي صارت له و هي ديار بكر و الجزيرة و ~~الموصل و الشام. و في سنة ثماني و تسعين توفي السلطان بركيارق بن ملكشاه و ~~كان قد مرض بأصفهان بالسل و البواسير فلما آيس من نفسه خلع على ولده ملكشاه ~~و عمره حينئذ أربع سنين و ثمانية أشهر و أحضر جماعة الأمراء و أعلمهم أنه ~~قد جعل ms224 ابنه و لي عهده في السلطنة و جعل الأمير ايز أتابكة فأجابوه كلهم ~~بالسمع و الطاعة و خطب لملكشاه بالجوامع ببغداد. و في سنة تسع و تسعين و ~~أربعمائة سار السلطان محمد من أذربيجان إلى الموصل ليأخذها من جكرميش ~~صاحبها و حصرها. فقاتل أهل البلد أشد قتال و كانت الرجالة تخرج و يكثرون ~~القتل في العسكر و دام القتال من صفر إلى جمادى الأولى. فوصل الخبر إلى ~~جكرميش بوفاة السلطان بركيارق فأرسل إلى محمد يبذل له الطاعة. و دخل إليه ~~الوزير محمد و قال له: المصلحة أن تحضر الساعة عند السلطان فإنه لا يخالفك ~~في جميع ما تلتمسه منه. و أخذ بيده و قام فسار معه جكرميش فلما رآه أهل ~~الموصل قد توجه إلى السلطان جعلوا يبكون و يحثون التراب على رؤوسهم. فلما ~~دخل على السلطان محمد أقبل عليه و أكرمه و عانقه و لم يمكنه من الجلوس و ~~قال: ارجع إلى رعيتك فإن قلوبهم إليك و هم متطلعون إلى عودتك. فقبل الأرض و ~~عاد و عمل من الغد سماطا بظاهر الموصل عظيما و حمل إلى السلطان من الهدايا ~~و التحف و لوزيره أشياء جليلة المقدار. و في سنة خمسمائة سار الجاولي سقاوو ~~إلى الموصل محاربا في ألف فارس و خرج إليه جكرميش صاحبها في ألفي فارس. ~~فلما اصطفوا للحرب حمل الجاولي من القلب على قلب جكرميش فانهزم من فيه و ~~بقي جكرميش وحده لا يقدر على الهزيمة لفالج كان به فهو لا يقدر يركب و إنما ~~يحمل في محفة فأسر و أحضر عند الجاولي فأمر بحفظه و حراسته. و لما وصل ~~الخبر إلى الموصل اقعدوا في الأمر زنكي بن جكرميش. ثم إن الجاولي حصر ~~الموصل و أمر أن يحمل جكرميش كل يوم على بغل و ينادى أصحابه بالموصل ~~ليسلموا البلد و يخلصوا صاحبهم مما هو فيه و يأمرهم هو بذلك فلا يسمعون منه ~~و كان يسجنه في جب فأخرج يوما ميتا. فكتب أصحابه إلى الملك قلج أرسلان بن ~~سليمان ms225 بن قتلميش السلجوقي صاحب مدينة قونية و أقسرة يستدعونه إليهم ~~ليسلموا البلد إليه. فسار في عساكره. فلما سمع جاولي بوصوله رحل عن الموصل ~~فتوجه قلج أرسلان إلى الموصل و ملكها و نزل بالنغرقة و خرج إليه زنكي و لد ~~جكرميش و أصحابه و خلع عليهم و جلس على التخت و أسقط خطبة السلطان محمد و ~~خطب لنفسه و أحسن إلى العسكر و رفع الرسوم المحدثة في الظلم ثم سار عنها ~~إلى جاولي و هو بالرحبة و التقيا على نهر الخابور فهزم أصحاب جاولي أصحاب ~~قلج أرسلان و ألقى قلج أرسلان نفسه في الخابور و حمى نفسه من أصحاب جاولي ~~بالنشاب فانحدر به الفرس إلى ماء عميق فغرق. و ظهر بعد أيام فدفن ~~بالشمسانية. و سار جاولي إلى الموصل و ملكها. و في سنة اثنتين و خمسمائة ~~استولى مودود و عسكر السلطان محمد على الموصل و أخذوها من أصحاب جاولي. و ~~في سنة ثلاث و خمسمائة سار تنكري الفرنجي صاحب إنطاكية إلى الثغور الشامية ~~فملك طرسوس و أذنة و نزل على حصن الأكراد فسلمه أهله إليه. و ملك الفرنج ~~مدينة بيروت و كانت بيد نواب الخليفة العلوي. و في سنة ست في المحرم سار ~~الأمير مودود صاحب الموصل إلى الرها فنزل عليها و رعى عسكره زروعها و رحل ~~عنها إلى سروج و فعل بها كذلك و لم يحترز من الفرنج بل أهملهم فلم يشعر إلا ~~و جوسلين صاحب تل باشر قد دهمهم و كبسهم و كانت دواب العسكر منتشرة في ~~المرعى فأخذ كثيرا منها و قتل كثيرا من العسكر و عاد إلى تل باشر. و فيها ~~مات باسيل الأرمني صاحب دروب بلاد PageV01P118 ابن لاون و هو المسمى كوع ~~باسيل أي اللص باسيل لأنه سرق عدة قلاع من الثغور فتملكها الأرمن إلى الآن. ~~و في سنة سبع و خمسمائة اجتمع المسلمون و فيهم الأمير مودود بن التون تكش ~~صاحب الموصل و دخلوا بلاد الفرنج و التقوا عند طبرية و اشتد القتال و ms226 صبر ~~الفريقان. ثم إن الفرنج انهزموا فأذن الأمير مودود للعساكر في العود و ~~الاستراحة ثم الاجتماع في الربيع. و دخل دمشق ليقيم بها عند طغدكين صاحبها ~~إلى الربيع فدخل الجامع ليصلي فيه فوثب عليه باطني كأنه يدعو له و يتصدق ~~منه فضربه بسكين فجرحه أربع جراحات فمات من يومه. و قتل الباطني و أخذ رأسه ~~فلم يعرفه أحد فأحرق. و في سنة إحدى عشرة في ذي الحجة مرض السلطان محمد بن ~~ملكشاه ابن الب أرسلان فلما آيس من نفسه أحضر ولده محمودا و قبله و بكى كل ~~واحد منهما و أمره أن يخرج و يجلس على تخت السلطنة و عمره إذ ذاك قد زاد ~~على أربع عشرة سنة. فقال لوالده أنه يوم غير مبارك يعني من طريق النجوم. ~~فقال: صدقت و لكن على أبيك و أما عليك فمبارك بالسلطنة. فخرج و جلس على ~~التخت بالتاج و السوارين. و كان السلطان محمد عظيم الهيبة عادلا حسن السيرة ~~شجاعا و في سنة اثنتي عشرة و خمسمائة سادس عشر ربيع الآخر توفي الإمام ~~المستظهر بالله و كان عمره إحدى و أربعين سنة و ستة أشهر و خلافته أربعا و ~~عشرين سنة. و مضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة وهم تاج الدولة ~~تتش بن الب أرسلان و السلطان بركيارق و السلطان محمد ابنا ملكشاه.ن و هو ~~المسمى كوع باسيل أي اللص باسيل لأنه سرق عدة قلاع من الثغور فتملكها ~~الأرمن إلى الآن. و في سنة سبع و خمسمائة اجتمع المسلمون و فيهم الأمير ~~مودود بن التون تكش صاحب الموصل و دخلوا بلاد الفرنج و التقوا عند طبرية و ~~اشتد القتال و صبر الفريقان. ثم إن الفرنج انهزموا فأذن الأمير مودود ~~للعساكر في العود و الاستراحة ثم الاجتماع في الربيع. و دخل دمشق ليقيم بها ~~عند طغدكين صاحبها إلى الربيع فدخل الجامع ليصلي فيه فوثب عليه باطني كأنه ~~يدعو له و يتصدق منه فضربه بسكين فجرحه أربع جراحات فمات من يومه. و قتل ms227 ~~الباطني و أخذ رأسه فلم يعرفه أحد فأحرق. و في سنة إحدى عشرة في ذي الحجة ~~مرض السلطان محمد بن ملكشاه ابن الب أرسلان فلما آيس من نفسه أحضر ولده ~~محمودا و قبله و بكى كل واحد منهما و أمره أن يخرج و يجلس على تخت السلطنة ~~و عمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة. فقال لوالده أنه يوم غير مبارك ~~يعني من طريق النجوم. فقال: صدقت و لكن على أبيك و أما عليك فمبارك ~~بالسلطنة. فخرج و جلس على التخت بالتاج و السوارين. و كان السلطان محمد ~~عظيم الهيبة عادلا حسن السيرة شجاعا و في سنة اثنتي عشرة و خمسمائة سادس ~~عشر ربيع الآخر توفي الإمام المستظهر بالله و كان عمره إحدى و أربعين سنة و ~~ستة أشهر و خلافته أربعا و عشرين سنة. و مضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم ~~بالحضرة وهم تاج الدولة تتش بن الب أرسلان و السلطان بركيارق و السلطان ~~محمد ابنا ملكشاه. # قال أبو الصلت أمية المغربي: لما دخلت إلى مصر في حدود سنة عشر و خمسمائة ~~أدركت بها طبيبا إنطاكيا يسمى جرجيس و يلقب بالفيلسوف على نحو ما قيل ~~للغراب أبو البيضاء و للديغ سليم. و قد تفرغ للتولع بأبي الخير سلامة بن ~~رحمون اليهودي الطبيب المصري و الإزراء عليه و كان يزور فصولا طبية و ~~فلسفية يبرزها في معارض ألفاظ القوم و هي محال لا معنى لها فارغة لا فائدة ~~فيها ثم ينفذها إلى من يسأله عن معانيها و يستوضحه أغراضها فيتكلم عليها و ~~يشرحها بزعمه دون تيقظ و لا تحفظ باسترسال و استعجال و قلة اكتراث و إهمال ~~فيوجد فيها عنه ما يضحك منه. " قال " و أنشدت لجرجيس هذا في أبي الخير ~~سلامة بن رحمون و هو من أحسن ما سمعت في هجو طبيب مشؤوم: # إن أبا الخير على جهله ... يخف في كفته الفاضل # عليله المسكين من شؤمه ... في بحر هلك ما له ساحل # ثلاثة تدخل في دفعة ms228 ... طلعته و النعش و الغاسل PageV01P119 " قال " و ~~كان أبو الخير هذا يهوديا مصريا قد نصب نفسه لتدريس كتب المنطق جميعها و ~~جميع كتب الفلسفة الطبيعية و الإلهية و شرح بزعمه و فسر و لخص و لم يكن في ~~تحصيله و تحقيقه هنالك بل كان يكثر كلامه فيضل. و يسرع جوابه فيزل. و كان ~~مثله في عظيم ادعائه و قصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقول الشاعر: # يشمر للج عن ساقه ... و يغمره الموج في الساحل # " قال " و رأيت بمصر أيضا رزق الله المنجم المعروف بالنخاس و كان شيخ ~~أكثر المنجمين بمصر و كبيرهم و كان شيخا مطبوعا متطابيا. و من حكاياته ~~الظريفة عن نفسه قال: سألتني امرأة مصرية أن أنظر لها في مشكلة تخصها. ~~فأخذت ارتفاع الشمس للوقت و حققت درجة الطالع و البيوت الاثني عشر و مراكز ~~الكواكب و رسمت ذلك كله بين يدي في تخت الحساب و جعلت أتكلم على بيت بيت ~~منها على العادة و هي ساكتة فوجمت لذلك و أدركتني فترة و كانت قد ألقت إلي ~~درهما. " قال " فعاودت الكلام و قلت: أرى عليك قطعا في بيت المال فاتفظي و ~~احترسي. قالت: الآن أصبت و صدقت قد كان و الله ما ذكرت. قلت: و هل ضاع لك ~~شيء. قالت: نعم الدرهم الذي ألقيت إليك. و تركتني و انصرفت. و لما ذكر أبو ~~الصلت منجمي مصر و عابهم قال: لا تتعلق أمثلتهم من علم النجوم بأكثر من ~~زايجة يرسمها و مراكز يقومها و أما التبحر و معرفة الأسباب و العلل و ~~المبادي الأول فليس منهم من يرقى إلى هذه الدرجة و يسمو إلى هذه المنزلة و ~~يحلق في هذا الجو و يستضيء بهذا الضوء ما خلا القاضي أبا الحسن علي ابن ~~النصير المعروف بالأديب فإنه كان من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات ~~الزمان و له في سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى و المرتبة الأولى. ~~PageV01P120 " المسترشد بن المستظهر " لما توفي المستظهر بالله بويع ولده ~~المسترشد بالله أبو منصور ms229 و ذلك في سنة اثنتي عشرة و خمسمائة فكان ولي عهد ~~قد خطب له ثلاثا و عشرين سنة. و فيها توفي بغدوين ملك القدس و كان قد سار ~~إلى ديار مصر في جمع من الفرنج قاصدا ملكها و بلغ مقابل تنيس و سبح في ~~النيل فانتقض جرح كان به فلما أحس بالموت عاد إلى القدس فمات به و وصى ~~ببلاده للقمص صاحب الرها و هو الذي كان أسره جكرميش و أطلقه سقاوو جاولي. و ~~في سنة ثلاث عشرة و خمسمائة كانت حرب شديدة بين السلطان سنجر و ابن أخيه ~~السلطان محمود. و في سنة أربع عشرة خرج الكرج و الخزر إلى بلاد الإسلام و ~~معهم قفجاق و غيرهم من الأمم فاجتمع الأمير ايلغازي و دبيس بن صدقة و الملك ~~طغرل و كان له أران و نخجوان و ساروا إلى الكرج حتى قاربوا تفليس و كان ~~المسلمون في عسكر كثير يبلغون ثلاثين ألفا فالتقوا و اصطف الطائفتان للقتال ~~فخرج من القفجاق مائتا رجل فظن المسلمون أنهم مستأمنون فلم يحترزوا منهم. ~~فدخلوا بينهم و رموا بالنشاب فاضطرب جيش المسلمين و ظن من وراءهم أنها ~~هزيمة فانهزموا و لشدة الزحام صدم بعضهم بعضا فقتل منهم عالم عظيم و تبعهم ~~الكرج عشرة فراسخ يقتلون و يأسرون فقتل أكثرهم و أسر أربعة آلاف رجل و نجا ~~الملك طغرل و ايلغازي و دبيس. و عاد الكرج و حاصروا مدينة تفليس و اشتد ~~قتالهم لمن بها و عظم الأمر و تفاقم الخطب على أهلها و دام الحصار إلى سنة ~~خمس عشرة فملكوها عنوة. و في سنة خمس عشرة عصى سليمان بن ايلغازي بن ارتق ~~على أبيه بحلب و قد جاوز عمره عشرين سنة. فسمع والده الخبر فسار إليه مجدا ~~لوقته فلم يشعر به سليمان حتى هجم عليه فخرج إليه معتذرا فأمسك عنه و قبض ~~على من كان أشار عليه بذلك منهم أمير كان التقطه ارتق و رباه اسمه ناصر ~~فقلع عينيه و قطع لسانه. و منهم إنسان ms230 حموي كان قدمه ايلغازي على أهل حلب و ~~جعل إليه الرئاسة فجازاه عن ذلك فقطع يديه و رجليه و سمل عينيه فمات. و ~~أحضر ولده و هو سكران و أراد قتله فمنعه رقة الوالد فاستبقاه فهرب إلى ~~دمشق. و استناب ايلغازي بحلب سليمات بن أخيه عبد الجبار بن ارتق و لقبه بدر ~~الدولة و عاد إلى ماردين. و فيها أقطع السلطان مدينة ميافارقين للأمير ~~ايلغازي ابن ارتق و مدينة الموصل و الجزيرة و سنجار للأمير اقسنقر الرسقي. ~~و في سنة ست عشرة في شهر رمضان توفي الأمير ايلغازي بن ارتق بميافارقين و ~~ملك ابنه حسام الدين تمرتاش قلعة ماردين و ملك ابنه سليمان ميافارقين. و ~~كان بحلب ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن ارتق فبقي بها إلى ~~أن أخذها منه ابن عمه. و في سنة سبع عشرة لما رأى بلك بن بهرام بن ارتق ضعف ~~بدر الدولة سليمان ابن عمه عن حوط بلاده من الفرنج سار إليه إلى حلب و ضيق ~~على من بها فتسلمها بالأمان. و في سنة ثماني عشرة سار بلك بن بهرام إلى ~~منبج و ملكها و حصر القلعة فبينما هو يقاتل من بها أتاه سهم فقتله و اضطرب ~~عسكره و تفرقوا و ملك اقسنقر البرسقي حلب و قلعتها و ملك الفرنج مدينة صور. ~~و في سنة عشرين و خمسمائة في ذي القعدة قتل قسيم الدولة اقسنقر البرسقي ~~صاحب الموصل بمدينة الموصل قتله الباطنية يوم الجمعة بالجامع و ملك ابنه عز ~~الدين مسعود الموصل و لم يختلف عليه أحد. قال المؤرخ: و من العجب أن صاحب ~~إنطاكية أرسل إلى عز الدين مسعود يخبره بقتل والده قبل أن يصل إليه الخبر و ~~كان قد سمعه الفرنج قبل لشدة عنايتهم بمعرفة الأحوال الإسلامية. و في سنة ~~إحدى و عشرين تولى أتابك عماد الدين زنكي بن اقسنقر شحنكية بغداد أسندها ~~إليه السلطان محمود. و فيها توفي عز الدين مسعود بن اقسنقر و تولى أخوه ~~عماد الدين زنكي ms231 الموصل و أعمالها. و في سنة اثنتين و عشرين ملك عماد الدين ~~زنكي بن اقسنقر مدينة حلب و قلعتها و بعد سنة ملك مدينة حماة. و في سنة ~~أربع و عشرين و خمسمائة ثاني ذي القعدة قتل الآمر بأحكام الله أبو علي بن ~~المستعلي العلوي صاحب مصر خرج إلى منتزه له فلما عاد وثب عليه الباطنية ~~فقتلوه و لم يكن له ولد فولي بعده ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد بن أبي ~~القاسم ابن المستنصر العلوي صاحب مصر و لقب الحافظ لدين الله و لم يبايع له ~~بالخلافة و إنما بويع له لينظر في الأمر نيابة حتى يكشف عن حمل إن كان ~~للآمر فتكون له PageV01P121 الخلافة فيه و يكون هو نائبا عنه. و فيها ظهر ~~ببغداد عقارب طيارة ذوات شوكتين فنال الناس منها خوف شديد و أذى عظيم. و في ~~سنة خمس و عشرين في شوال توفي السلطان محمودابن السلطان محمد بهمذان و كان ~~عمره نحو سبع و عشرين سنة و ولايته ثلاث عشرة سنة و كان حليما كريما عاقلا ~~يسمع ما يكره و لا يعاقب عليه مع القدرة قليل الطمع في أموال الرعايا عفيفا ~~عنها كافا لأصحابه عن التطرق إلى شيء منها. و ملك ابنه داود بعده. و في سنة ~~ست و عشرين كاتب السلطان سنجر عماد الدين زنكي و دبيس بن صدقة و أمرهما ~~بقصد العراق فسارا و نزلا بالمنارية من دجيل و عبر الخليفة المسترشد إلى ~~الجانب الغربي فنزل بالعباسية و التقى العسكران بحضرا البرامكة فابتدأ زنكي ~~فحمل على ميمنة الخليفة و بها جمال الدولة إقبال فانهزموا منه. و حمل نصر ~~الخادم من ميسرة الخليفة على ميمنة عماد الدين و دبيس و حمل الخليفة بنفسه ~~و اشتد القتال فانهزم دبيس و عماد الدين و قتل من عسكرهما جماعة و أسر ~~جماعة. و في سنة سبع و عشرين أرسل المسترشد الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح ~~الاسفرايني الواعظ إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها خشونة و زادها أبو ~~الفتوح ms232 زيادة في الجبه ثقة بقوة الخليفة و ناموس الخلافة. فقبض عليه زنكي و ~~أهانه و لقيه بما يكره. فسمع الخليفة فسار عن بغداد في ثلاثين ألف مقاتل ~~فلما قارب الموصل فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره و ترك الباقي بها مع ~~نائبه نصير الدين و نازلها الخليفة في رمضان و قاتلها و ضيق عليها. فتواطأ ~~جماعة من الجصاصين بالموصل على تسليم البلد فسعي بهم فصلبوا. و بقي الحصار ~~على الموصل نحو ثلاثة أشهر و لم يظفر منها بشيء و لا بلغه عمن بها وهن و لا ~~قلة ميرة و قوت فرحل عنها عائدا إلى بغداد. و في سنة ثماني و عشرين تقرر ~~الصلح بين الخليفة المسترشد و أتابك زنكي. و في سنة تسع و عشرين و خمسمائة ~~سار الخليفة المسترشد إلى حرب السلطان مسعود و معه جماعة من أمراء الأكابر ~~فواقعهم السلطان مسعود عاشر رمضان فانحازت ميسرة الخليفة مخامرة عليه إلى ~~السلطان و اقتتلت ميمنته و ميسرة السلطان قتالا ضعيفا و دار به عسكر ~~السلطان و هو ثابت لم يتغير من مكانه و انهزم عسكره و أخذ أسيرا فأنزله ~~السلطان مسعود في خيمة و وكل به من يحفظه و قام بما يجب من الخدمة و ترددت ~~الرسل بينهما بالصلح و تقرير القواعد على مال يؤديه الخليفة و أن لا يعود ~~يجمع العساكر و لا يخرج من داره و أجاب السلطان إلى ذلك و أركب الخليفة و ~~حمل الغاشية بين يديه و لم يبق إلا أن يعود إلى بغداد فوصل الخبر بقدوم ~~رسول من السلطان سنجر و خرج الناس و السلطان مسعود إلى لقائه و فارق ~~الخليفة بعض من كان موكلا به و كانت خيمته منفردة عن العسكر فقصده أربعة و ~~عشرون رجلا من الباطنية و دخلوا عليه فقتلوه و جرحوه ما يزيد على عشرين ~~جراحة و مثلوا به و جدعوا أنفه و أذنيه و تركوه عريانا و كان قتله يوم ~~الخميس سابع عشر ذي القعدة على باب مراغة و بقي ms233 حتى دفنه أهل مراغة و كان ~~عمره لما قتل ثلاثا و أربعين سنة و خلافته سبع عشرة سنة و سبعة أشهر.ة فيه ~~و يكون هو نائبا عنه. و فيها ظهر ببغداد عقارب طيارة ذوات شوكتين فنال ~~الناس منها خوف شديد و أذى عظيم. و في سنة خمس و عشرين في شوال توفي ~~السلطان محمودابن السلطان محمد بهمذان و كان عمره نحو سبع و عشرين سنة و ~~ولايته ثلاث عشرة سنة و كان حليما كريما عاقلا يسمع ما يكره و لا يعاقب ~~عليه مع القدرة قليل الطمع في أموال الرعايا عفيفا عنها كافا لأصحابه عن ~~التطرق إلى شيء منها. و ملك ابنه داود بعده. و في سنة ست و عشرين كاتب ~~السلطان سنجر عماد الدين زنكي و دبيس بن صدقة و أمرهما بقصد العراق فسارا و ~~نزلا بالمنارية من دجيل و عبر الخليفة المسترشد إلى الجانب الغربي فنزل ~~بالعباسية و التقى العسكران بحضرا البرامكة فابتدأ زنكي فحمل على ميمنة ~~الخليفة و بها جمال الدولة إقبال فانهزموا منه. و حمل نصر الخادم من ميسرة ~~الخليفة على ميمنة عماد الدين و دبيس و حمل الخليفة بنفسه و اشتد القتال ~~فانهزم دبيس و عماد الدين و قتل من عسكرهما جماعة و أسر جماعة. و في سنة ~~سبع و عشرين أرسل المسترشد الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الاسفرايني الواعظ ~~إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها خشونة و زادها أبو الفتوح زيادة في الجبه ~~ثقة بقوة الخليفة و ناموس الخلافة. فقبض عليه زنكي و أهانه و لقيه بما ~~يكره. فسمع الخليفة فسار عن بغداد في ثلاثين ألف مقاتل فلما قارب الموصل ~~فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره و ترك الباقي بها مع نائبه نصير الدين و ~~نازلها الخليفة في رمضان و قاتلها و ضيق عليها. فتواطأ جماعة من الجصاصين ~~بالموصل على تسليم البلد فسعي بهم فصلبوا. و بقي الحصار على الموصل نحو ~~ثلاثة أشهر و لم يظفر منها بشيء و لا بلغه عمن بها وهن و ms234 لا قلة ميرة و قوت ~~فرحل عنها عائدا إلى بغداد. و في سنة ثماني و عشرين تقرر الصلح بين الخليفة ~~المسترشد و أتابك زنكي. و في سنة تسع و عشرين و خمسمائة سار الخليفة ~~المسترشد إلى حرب السلطان مسعود و معه جماعة من أمراء الأكابر فواقعهم ~~السلطان مسعود عاشر رمضان فانحازت ميسرة الخليفة مخامرة عليه إلى السلطان و ~~اقتتلت ميمنته و ميسرة السلطان قتالا ضعيفا و دار به عسكر السلطان و هو ~~ثابت لم يتغير من مكانه و انهزم عسكره و أخذ أسيرا فأنزله السلطان مسعود في ~~خيمة و وكل به من يحفظه و قام بما يجب من الخدمة و ترددت الرسل بينهما ~~بالصلح و تقرير القواعد على مال يؤديه الخليفة و أن لا يعود يجمع العساكر و ~~لا يخرج من داره و أجاب السلطان إلى ذلك و أركب الخليفة و حمل الغاشية بين ~~يديه و لم يبق إلا أن يعود إلى بغداد فوصل الخبر بقدوم رسول من السلطان ~~سنجر و خرج الناس و السلطان مسعود إلى لقائه و فارق الخليفة بعض من كان ~~موكلا به و كانت خيمته منفردة عن العسكر فقصده أربعة و عشرون رجلا من ~~الباطنية و دخلوا عليه فقتلوه و جرحوه ما يزيد على عشرين جراحة و مثلوا به ~~و جدعوا أنفه و أذنيه و تركوه عريانا و كان قتله يوم الخميس سابع عشر ذي ~~القعدة على باب مراغة و بقي حتى دفنه أهل مراغة و كان عمره لما قتل ثلاثا و ~~أربعين سنة و خلافته سبع عشرة سنة و سبعة أشهر. PageV01P122 " الراشد بن ~~المسترشد " لما قتل المسترشد بويع ولده أبو جعفر المنصور و لقب الراشد ~~بالله. و كان المسترشد بايع له بولاية العهد في حياته و جددت له البيعة بعد ~~قتله يوم الاثنين سلخ ذي القعدة سنة تسع و عشرين و خمسمائة. و فيها قتل ~~دبيس بن صدقة صاحب الحلة على باب سرادقه بظاهر خونج أمر السلطان غلاما ~~أرمنيا بقتله فوقف على رأسه و هو ms235 ينكت الأرض بإصبعه فضرب رقبته و هو لا ~~يدري. و مثل هذه الحادثة تقع كثيرا و هو قرب موت المتعادين فإن دبيسا كان ~~يعادي المسترشد و يكره خلافته و لم يكن يعلم أن السلاطين إنما كانوا يبقون ~~عليه ليجعلوه عدة لمقاومة المسترشد فلما زال السبب زال المسبب. و في سنة ~~ثلاثين و خمسمائة اجتمع الملوك و أصحاب الأطراف ببغداد و خرجوا عن طاعة ~~السلطان مسعود و سار الملك داود بن السلطان محمود في عسكر أذربيجان إلى ~~بغداد و وصل أتابك عماد الدين زنكي بعده من الموصل و خطب للملك داود ~~ببغداد. فلما بلغ السلطان الخبر جمع العساكر و سار إلى بغداد و حصرها نيفا ~~و خمسين يوما فلم يظفر بهم فعزم على العود إلى همذان فوصله طرنطاي صاحب ~~واسط و معه سفن كثيرة فعاد إليها فاختلفت كلمة الأمراء المجتمعين ببغداد ~~فعاد الملك داود إلى بلاده و تفرق الأمراء و كان عماد الدين زنكي بالجانب ~~الغربي فعبر إليه الخليفة الراشد و سار معه إلى الموصل في نفر يسير من ~~أصحابه و دخل السلطان مسعود إلى بغداد و استقر بها و جمع القضاة و الشهود و ~~الفقهاء و عرض عليهم اليمين التي حلف بها الراشد له و فيها بخط يده: إنني ~~متى جندت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان مسعود بالسيف فقد خلعت ~~نفسي من الأمر. فأفتوا و خلع و قطعت خطبته من بغداد و سائر البلاد و كانت ~~خلافته أحد عشر شهرا و ثمانية عشر يوما. # و في سنة ثلاثين و خمسمائة كان أبو علي المهندس المصري موجودا بمصر قيما ~~بعلم الهندسة و كان فاضلا فيه و في الأدب و له شعر يلوح عليه الهندسة فمن ~~شعره: # تقسم قلبي في محبة معشر ... بكل فتى منهم هواي منوط # كأن فؤادي مركز و هم له ... محيط و أهواي لديه خطوط # و له أيضا: # إقليذس العلم الذي هو يحتوي ... ما في السماء معا و في الآفاق # هو سلم و كأنما أشكاله ... درج ms236 إلى العلياء للطراق # تزكو فوائده على إنفاقه ... يا حبذا زاك على الإنفاق # ترقى به النفس الشريفة مرتقى ... أكرم بذاك المرتقى و الراقي # " المقتفي بن المستظهر " لما قطعت خطبة الراشد بالله تقدم السلطان مسعود ~~بعمل محضر يذكر فيه ما ارتكبه الراشد من أخذ الأموال و أشياء تقدح في ~~الإمامة ثم كتبوا فتوى: ما تقول العلماء في من هذه صفته هل يصلح للإمامة أم ~~لا. فأفتوا أن من هذه صفته لا يصلح أن يكون إماما. فاستشار السلطان جماعة ~~من أعيان بغداد فيمن يصلح أن يلي الخلافة فذكر الوزير محمد بن المستظهر و ~~دينه و عقله و لين جانبه و عفته فأحضر المذكور و أجلس في الميمنة و دخل ~~السلطان و الوزير و تحالفا و قرر الوزير القواعد بينهما و خرج السلطان من ~~عنده و حضر الأمراء و القضاة و الفقهاء و بايعوه ثاني عشر ذي الحجة سنة ~~ثلاثين و خمسمائة و لقب المقتفي لأمر الله. PageV01P123 و في سنة إحدى و ~~ثلاثين فارق الراشد المخلوع أتابك زنكي من الموصل و سار إلى همذان و بها ~~الملك داود. و فيها رحل إلى أصفهان. فلما كان آخر رمضان وثب عليه نفر من ~~الخراسانية الذين كانوا في خدمته فقتلوه و هو يريد القيلولة و كان في أعقاب ~~مرض قد برأ منه و دفن بظاهر أصفهان بشهرستان و كان عمره أربعين سنة. و في ~~سنة اثنتين و ثلاثين وصل أتابك زنكي إلى حماة و أرسل إلى شهاب الدين صاحب ~~دمشق يخطب إليه أمه ليتزوجها و اسمها زمرد خاتون ابنة جاولي و هي التي بنت ~~المدرسة بظاهر دمشق على نهر بردى. فتزوجها و تسلم حمص مع قلعتها و إنما ~~حمله على التزوج بها ما رآه من تحكمها في دمشق فظن أنه يملك البلد بالاتصال ~~إليها فلما تزوجها خاب أمله و لم يحصل على شيء فأعرض عنها. و فيها ملك حسام ~~الدين تمرتاش بن ايلغازي صاحب ماردين قلعة الهتاخ أخذها من بعض بني مروان و ~~هو آخر من بقي ms237 منهم له ولاية. و في سنة ثلاث و ثلاثين ملك أتابك زنكي بن ~~اقسنقر بعلبك. و في سنة أربع ملك زنكي شهرزور و أعمالها. و في سنة سبع و ~~ثلاثين و خمسمائة توفي محمد بن دانشمند صاحب ملطية و الثغر و استولى على ~~بلاده الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية و هو من السلجوقية. # و في سنة تسع و ثلاثين فتح أتابك عماد الدين زنكي مدينة الرها من الفرنج ~~و حاصر قلعة البيرة و هي للفرنج بعد ملك الره و هي من أمنع الحصون و ضيق ~~عليها و قارب أن يفتحها فجاءه خبر قتل نصير الدين نائبه بالموصل فسار عنها. ~~فخاف من بالبيرة من الفرنج أن يعود إليها فأرسلوا إلى نجم الدين صاحب ~~ماردين و سلموها إليه فملكها المسلمون. # و في سنة أربعين و خمسمائة لخمس مضين من ربيع الآخر قتل أتابك عماد الدين ~~زنكي بن اقسنقر صاحب الموصل و الشام و هو يحاصر قلعة جعبر قتله جماعة من ~~مماليكه ليلا غيلة و هربوا إلى قلعة جعبر. فصاح من بها من أهلها إلى العسكر ~~يعلمونهم بقتله فأظهروا الفرح. فدخل أصحابه إليه فأدركوه و به رمق و فاضت ~~نفسه لوقته و كان قد زاد عمره على ستين سنة قد وخطه الشيب و كان شديد ~~الهيبة على عسكره و رعيته عظيم السياسة و كانت الموصل قبل أن يملكها أكثرها ~~خراب بحيث يقف الإنسان قريب محلة الطبالين و يرى الجامع العتيق و العرصة و ~~دار السلطان ليس بين ذلك عمارة. و كان الإنسان لا يقدر على المشي في الجامع ~~العتيق إلا و معه من يحميه و هو الآن في وسط العمارة. و كانت الموصل من أقل ~~بلاد الله فاكهة فصارت في أيامه و ما بعدها من أكثر البلاد فواكه و رياحين. ~~و لما قتل أتابك زنكي أخذ نور الدين محمود ولده خاتمه من يده و كان حاضرا ~~معه و سار إلى حلب و ملكها. و كان سيف الدين غازي أخوه بمدينة شهرزور ms238 و هي ~~إقطاعه فأرسل إليه زين الدين علي كوجك نائب أبيه عماد الدين زنكي بالموصل ~~يستدعيه إلى الموصل فحضر و استقر ملك سيف الدين على البلاد و بقي أخوه نور ~~الدين بحلب و هي له. # و في سنة أربع و أربعين و خمسمائة توفي سيف الدين غازي بن أتابك زنكي ~~صاحب الموصل بها من مرض حاد. فلما اشتد مرضه أرسل إلى بغداد و استدعى أوحد ~~الزمان أبا البركات فحضر عنده و رأى شدة مرضه فعالجه فلم ينجع الدواء و ~~توفي آخر جمادى الآخرة و كانت ولايته ثلاث سنين. و ولي أمر الموصل و ~~الجزيرة بعده أخوه قطب الدين مودود. و كان أخوه الأكبر نور الدين محمود ~~بالشام و له حلب و حماة فسار إلى سنجار و ملكها و لم يحاققه أخوه قطب الدين ~~ثم اصطلحا و أعاد نور الدين سنجار إلى قطب الدين و تسلم هو مدينة حمص و ~~الرحبة فبقي الشام له و ديار الجزيرة لأخيه. PageV01P124 و فيها غزا نور ~~الدين محمود بن زنكي بلد الإفرنج من ناحية إنطاكية فاجتمعت الفرنج مع ~~البرنس فلقيهم نور الدين و اقتتلوا قتالا عظيما فانهزم الفرنج و قتل ~~البرنس. و ملك بعده ابنه بيمند و هو طفل فتزوجت أمه ببرنس آخر ليدبر البلد ~~إلى أن يكبر ابنها. و فيها توفي الحافظ لدين الله عبد المجيد و ولي الخلافة ~~بمصر ابنه الظافر بأمر الله أبو المنصور اسمعيل. و في سنة ست و أربعين جمع ~~نور الدين محمود عسكره و سار إلى بلاد جوسلين الفرنجي و هي شمالي حلب. و ~~كان جوسلين فارس الفرنج غير مدافع قد جمع الشجاعة و الرأي فسار في عسكره ~~نحو نور الدين فالتقوا و اقتتلوا و انهزم المسلمون و قتل منهم و أسر جمع ~~كثير و كان في جملتهم سلاح دار نور الدين فأخذه جوسلين و معه سلاح نور ~~الدين فسيره إلى الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية و اقصرا و قال له: ~~هذا سلاح دار زوج ابنتك و ms239 سيأتيك بعده ما هو أعظم منه. فلما علم نور الدين ~~الحال عظم ذلك عليه و أعمل الحيلة على جوسلين و هجر الراحة ليأخذ ثأره و ~~أحضر جماعة من الأمراء التركمان و بذل لهم الرغائب إن هم ظفروا بجوسلين و ~~سلموه إليه لأنه علم عجزه عنه في القتال. فجعل التركمان عليه العيون. فخرج ~~متصيدا فظفر به طائفة منهم و حملوه إلى نور الدين أسيرا. فسار نور الدين ~~إلى قلاع جوسلين فملكها و هي عين تاب و عزاز و قورس و الروندان و برج ~~الرصاص و دلوك و مرعش و نهر الجوز و غير ذلك من أعماله. # و في سنة سبع و أربعين توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان و ~~كان عهده إلى ملكشاه ابن أخيه السلطان محمود فخطب له الأمير خاصبك بالسلطنة ~~و رتب الأمور و قررها بين يديه. ثم قبض عليه و أرسل إلى أخيه الملك محمد و ~~هو بخوزستان يستدعيه و كان قصده أن يحضر عنده فيقبضه و يخطب لنفسه ~~بالسلطنة. فسار إليه محمد فاجلسه على التخت و خطب له بالسلطنة. ثم شعر محمد ~~بخبث خاصبك فثاني يوم وصوله لما دخل إليه قتله و معه زنكي الجاندار و ألقى ~~رأسيهما و بقيا حتى أكلتهما الكلاب و استقر محمد في السلطنة. و فيها توفي ~~حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين و ميافارقين و كانت ولايته نيفا و ثلاثين ~~سنة و ولي بعده ابنه نجم الدين البي. # و في سنة ثمان و أربعين و خمسمائة ملك الفرنج بالشام مدينة عسقلان و كانت ~~من جملة مملكة العلويين المصريين. و في سنة تسع و أربعين في المحرم قتل ~~الظافر بن الحافظ العلوي صاحب مصر و ولي ابنه الفائز بنصر الله ثاني يوم ~~قتل أبوه و له من العمر خمس سنين فحمله الوزير عباس على كتفه و أجلسه على ~~التخت سرير الملك. و فيها في صفر ملك نور الدين محمود بن زنكي بن اقسنقر ~~مدينة دمشق و أخذها من صاحبها مجير الدين ابق ms240 بن محمد بوري بن طغدكين ~~أتابك. و في سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة في رجب كان بالشام زلازل كثيرة ~~قوية خربت كثيرا من البلاد فخرب منها حمص و حماة و شيزر و كفرطاب و المعرة ~~و حصن الأكراد و عرقة و اللاذقية و طرابلس و إنطاكية. و أما كثرة القتلى ~~فيكفي فيها أن معلما كان بمدينة حماة و ذكر أنه فارق المكتب لمهم عرض له ~~فجاءت الزلزلة فخربت البلد و سقط المكتب على الصبيان جميعهم. " قال المعلم ~~" فلم يأت أحد يسأل عن صبي كان له. # و فيها في ريع الأول توفي السلطان سنجر بن ملكشاه بن الب أرسلان أصابه ~~قولنج ثم بعده إسهال. و في سنة أربع و خمسين ثامن ربيع الآخر كثرت الزيادة ~~في دجلة و خرج القورج فوق بغداد فامتلأت الصحارى و خندق البلد و وقع بعض ~~السور فغرق بعض القطيعة و باب الأزج و المأمونية و دب الماء تحت الأرض إلى ~~أماكن فوقعت و أخذ الناس يعبرون إلى الجانب الغربي فبلغت المعبرة عدة ~~دنانير و لم يكن يقدر عليها. ثم نقص الماء فكثر الخراب و بقيت المحال لا ~~تعرف و إنما هي تلول فأخذ الناس حدود دورهم بالتخمين. و فيها في ذي الحجة ~~توفي السلطان محمد بن محمود بن محمد ابن ملكشاه و ملك عمه سليمان شاه بن ~~محمد. و في سنة خمس و خمسين و خمسمائة ثاني ربيع الأول توفي الخليفة ~~المقتفي لأمر الله و كانت خلافته أربعا و عشرين سنة و عمره ستا و ستين ~~سنة.و هو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان و حكم على عسكره و أصحابه ~~من حين تحكم المماليك على الخلفاء و من عهد المستنصر إلى الآن. PageV01P125 ~~كان في وسط المائة السادسة من الأطباء المشار إليهم في اآفاق ثلاثة أفاضل ~~معا من ثلاث ملل كل منهم هبة الله اسما و معنى من النصارى و اليهود و ~~المسلمين هبة الله ابن صاعد بن التلميذ و هبة الله بن ملكا أبو ms241 البركات ~~أوحد الزمان و هبة الله بن الحسين الأصفهاني. أما التلميذ الطبيب النصراني ~~البغدادي ففاضل زمانه و عالم أوانه خدم الخلفاء من بني العباس و تقدم في ~~خدمتهم و ارتفعت مكانته لديهم و كان موفقا في المباشرة و المعالجة عالما ~~بقوانين هذه الصناعة عمر طويلا و عاش نبيلا جليلا و كان شيخا بهي المنظر ~~حسن الرواء عذب المجتنى و المجتبى لطيف الروح ظريف الشخص بعيد الهم عالي ~~الهمة ذكي الخاطر مصيب الفكر حازم الرأي. و له في نظم الشعر كلمات راقية ~~رائفة شافية شائقة تعرب عن لطافة طبعه. و من شعره: # كانت بلهنية الشبيبة سكرة ... فصحوت و استأنفت سيرة مجمل # و قعدت أرتقب الفناء كراكب ... عرف المحل فبات دون المنزل # و كان أبو الحسن بن التلميذ يحضر عند المقتفي كل أسبوع مرة فيجلسه لكبر ~~سنه. و توفي في صفر سنة ستين و خمسمائة و قد قارب المائة و ذهنه بحاله. و ~~سأله ابنه قبل أن يموت بساعة: ما تشتهي. قال: أن أشتهي. و أما هبة الله بن ~~ملكا أبو البركات اليهودي في أكثر عمره المسلم في آخر أمره فكان طبيبا ~~فاضلا عالما بعلوم الأوائل و كان حسن العبارة لطيف الإشارة صنف كتابا سماه ~~المعتبر أخلاه من النوع الرياضي و أتى فيه بالمنطق الطبيعي و الإلهي فجاءت ~~عبارته فصيحة و مقاصده في ذلك الطريق صحيحة. و لما مرض أحد السلاطين ~~السلجوقية استدعاه من بغداد فتوجه نحوه و لاطفه إلى أن برأ و أعطاه العطايا ~~الجمة من الأموال و المراكب و الملابس و التحف و عاد إلى العراق على غاية ~~ما يكون من التجمل والغنى. و سمع أن ابن أفلح قد هجاه بقوله: # لنا طبيب يهودي حماقته ... إذا تكلم تبدو فيه من فيه # يتيه و الكلب أعلى منه منزلة ... كأنه بعد لم يخرج من التيه # و لما سمع ذلك علم أنه لا يبجل بالنعمة التي أنعمت عليه إلا بالإسلام ~~فقوي عزمه على ذلك. و تحقق أن له بنات كبارا و أنهن لا ms242 يدخلن معه في ~~الإسلام و أنه متى مات لا يرثنه فتضرع إلى الخليفة في الإنعام عليهن من مال ~~يخلفه و إن كن على دينهن فوقع له بذلك. و لما تحققه أظهر إسلامه و جلس ~~للتعليم و المعالجة و لم يزل سعيدا إلى أن قلب له الدهر ظهر المجن. و وضع ~~من شأنه بعد أن أسن. فأدركته إعلال قصر عن معاناتها طبه. و استولت عليه ~~الآلام مما لم يطق حملها جسمه و لا قلبه. و ذلك أنه عمي و طرش و جذم. فنعوذ ~~بالله من استحالة الأحوال و ضيق المحال و سوء المآل. و لما أحس بالموت أوصى ~~إلى من يتولاه أن يكتب على قبره ما مثاله: هذا قبر أوحد الزمان أبي البركات ~~ذي العبر صاحب المعتبر. و في كبر أبي البركات أوحد الزمان فتواضع أمين ~~الدولة بن التلميذ يقول البديع هبة الله الاصطرلابي. # أبو الحسن الطبيب و مقتفيه ... أبو البركات في طرفي نقيض # فذاك من التواضع في الثريا ... و هذا بالتكبر في الحضيض # و أما هبة الله بن الحسين بن علي الحكيم الطبيب الأصفهاني فكان من محاسن ~~الدهر و أفاضل العصر و فيه قيل أن عند طبه لا يشترى بقراط بقيراط و لا ~~يستقيم سقراط على الصراط و لحق حق ابن بطلان بالبطلان. و توفي سنة نيف و ~~ثلاثين و خمسمائة بسكتة أصابته و دفن في سرداب داره و هو مسكت فلما فتح ~~بابه بعد أشهر لينقل وجد جالسا عند الدرجة و هو ميت. و له شعر حلو منه ما ~~قاله يصف حماما في دار صديق له: # و دخلت جنته و زرت جحيمه ... و شكرت رضوانا و رأفة مالك # و البشر في وجه الغلام نتيجة ... لقد مات ضياء وجه المالك PageV01P126 و ~~في الأيام المقتفية دخل أبو الحكم المغربي الأندلسي الحكيم المرسي العراق و ~~هو مجهول لا يعرف و رأى في بعض تطوافه بأزقة بغداد رجلا جالسا على باب دار ~~يشعر بالرئاسة لسامنها و بين يديه شاب يقرأ عليه شيئا من ms243 كتاب أوقليذس فقرب ~~منهما أبو الحكم ليسمع فإذا المعلم يهذي ما لا يعلم فرد عليه خطأه و بين ~~غلطه. و علم الشاب الحقيقة في الرد فاستوقف أبا الحكم إلى أن يعود و دخل ~~الدار و خرج يستدعي أبا الحكم دون المعلم فدخل إلى دار سرية فلقي والد ~~الشاب و هو أحد أمراء الدولة فأحسن ملتقاه ثم سأله ملازمة ولده فأجاب. ~~فاشتهر ذكر أبي الحكم فتطلبه الطلبة و ارتفع قدره. و كان كثير الهزل و ~~المزاح. شديد المجون و الارتياح. ثم كره العراق و فارق على نية قصد المغرب. ~~فلما حل بظاهر دمشق سير غلاما له ليبتاع منها ما يأكلانه في يومهما و أصحبه ~~نزرا يكفي رجلين. فعاد الغلام و معه شواء و فاكهة و حلواء و فقاع و ثلج. ~~فنظر أبو الحكم إلى ما جاء به و قال عند استكثاره: أوجدت أحدا من معارفنا. ~~فقال: لا و إنما ابتعت هذا بما كان معي و بقيت منه هذه البقية. فقال أبو ~~الحكم: هذا بلد لا يحل لذي عقل أن يتعداه. و دخل و ارتاد منزلا و سكنه و ~~فتح دكان عطار يبيع به العطر و يطب و أقام على ذلك إلى أن أتى أجله. # " المستنجد بن المقتفي " لما اشتد مرض المقتفي و كان ولي عهده ابنه يوسف ~~و كانت للمقتفي حظية هي أم ولده أبي علي فأرادت الخلافة لابنها و أحضرت عدة ~~من الجواري و أعطتهن السكاكين و أمرتهن بقتل و لي العهد يوسف إذا دخل على ~~والده. و كان ليوسف خصي صغير يرسله كل وقت يتعرف أخبار والده فرأى الجواري ~~بأيديهن السكاكين فعاد إلى يوسف و أخبره فاستدعى أستاذ الدار و أخذه معه و ~~جماعة من الفراشين و دخل الدار و قد لبس الدرع و أخذ بيده السيف. فلما دخل ~~ثار به الجواري فضرب واحدة منهن فجرحها و كذلك أخرى و صاح فدخل أستاذ الدار ~~و معه الفراشون فهرب الجواري و أخذ أخاه أباه علي و أمه فسجنهما و أخذ ms244 ~~الجواري و قتل منهن و غرق منهن. فلما توفي المقتفي جلس يوسف ابنه للبيعة ~~فبويع له و لقب المستنجد بالله و خطب له في ربيع الأول سنة خمس و خمسين و ~~خمسمائة. # و في سنة ست و خمسين في صفر توفي الفائز عيسى بن الظافر اسمعيل صاحب مصر ~~و كانت خلافته ست سنين و ولي الأمر بعده بمصر عبد الله بن يوسف بن الحافظ و ~~لقب العاضد لدين الله و هو آخر الخلفاء العلويين بالديار المصرية. و في سنة ~~تسع و خمسين و خمسمائة هرب شاور وزير العاضد صاحب مصر من ضرغام الذي نازعه ~~في الوزارة إلى الشام ملتجئا إلى نور الدين و مستجيرا به و طلب منه إرسال ~~العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه و يكون له ثلث دخل البلاد. فتقدم نور ~~الدين بتجهيز الجيوش و قدم عليه أسد الدين شيركوه فتجهز و ساروا جميعا و ~~شاور في صحبتهم و وصل أسد الدين و العساكر إلى مدينة بلبيس. فخرج إليهم أخو ~~ضرغام بعسكر المصريين و لفيهم فانهزم. و خرج ضرغام من القاهرة فقتل و قتل ~~أخوه أيضا. و خلع على شاور و أعيد إلى الوزارة. و أقام أسد الدين بظاهر ~~القاهرة فغدر به شاور و عاد عما كان قرره لنور الدين و أرسل إلى الفرنج ~~يستمدهم فسارعوا إلى تلبية دعوته و نصرته و تجهزوا و ساروا. فلما قارب ~~الفرنج مصر فارقها أسد الدين و قصد مدينة بلبيس و جعلها ظهرا يتحصن به ~~فحصره بها العساكر المصرية و الفرنج ثلاثة أشهر و هو يغاديهم القتال و ~~يراوحهم فلم يبلغوا منه غرضا. فراسل الفرنج أسد الدين في الصلح و العود إلى ~~الشام فأجابهم إلى ذلك و صار إلى الشام. # و في سنة ثلاث و ستين و خمسمائة فارق زين الدين علي بن سبكتكين النائب عن ~~قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل خدمة صاحبه بالموصل و سار إلى إربل و ~~كان هو الحاكم في الدولة و أكثر البلاد بيده. فلما ms245 عزم على مفارقة الموصل ~~إلى بيته بإربل سلم جميع ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين مودود و بقي ~~معه إربل حسب. و كان شجاعا عادلا حسن السيرة سليم القلب كثير العطاء للجند ~~و غيرهم مدحه الحيص بيص بقصيدة فلما أراد أن ينشده قال: أنا لا أعرف ما ~~تقول و لكني أعلم أنك تريد شيئا. و أمر له بخمسمائة دينار و فرس و خلعة ~~سنية و ثياب مجموع ذلك ألف دينار و لم يزل بإربل إلى أن مات بها هذه السنة. ~~PageV01P127 و في سنة أربع و ستين و خمسمائة ملك نور الدين قلعة جعبر. و ~~ملك أسد الدين شيركوه مصر و قتل الوزير. و لما ثبت قدم أسد الدين و ظن أن ~~لم يبق له منازع أتاه أجله فتوفي يوم السبت الثاني و العشرين من جمادى ~~الآخرة و كانت ولايته شهرين. و أما ابتداء أمره فإنه كان هو و أخوه نجم ~~الدين أيوب ابنا شاذي من بلد دوين و أصلهما من الأكراد الروادية فقدما ~~العراق و خدما مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد. فرأى من نجم الدين أيوب عقلا ~~و رأيا و كان أكبر من شيركوه فجعله مستحفظا لقلعة تكريت. فسار إليها و معه ~~أخوه شيركوه. ثم أن شيركوه قتل كاتبا نصرانيا بتكريت لملاحاة جرت بينهما ~~فأخرجهما بهروز من قلعة تكريت فسارا إلى زنكي. و لما ملك بعلبك جعل أيوب ~~مستحفظا لها فلما قتل زنكي و تسلم عسكر دمشق بعلبك صار هو أكبر الأمراء ~~بدمشق و اتصل أخوه شيركوه بنور الدين فأقطعه حمص و الرحبة و جعله مقدم ~~عسكره. فلما أراد أن يرسل العسكر إلى مصر لم ير هناك من يصلح لهذا الأمر ~~العظيم و المقام الخطير غيره فأرسله فملكها. # و لما توفي أسد الدين شيركوه طلب جماعة من الأمراء النورية ولاية الوزارة ~~للعاضد العلوي صاحب مصر فأرسل العاضد إلى صلاح الدين بن أيوب بن شاذي أحضره ~~عنده و خلع عليه و ولاه الوزارة بعد عمه و لقبه الملك الناصر ms246 و كان اسمه ~~يوسف. فكان الذي حمله على ذلك أن أصحابه قالوا له:ليس في الجماعة أضعف و لا ~~أصغر سنا من يوسف فإذا ولي لا يرفع علينا رأسا مثل غيره. فثبت قدم صلاح ~~الدين و مع هذا فهو نائب عن نور الدين و كان نور الدين يكاتبه بالأمير ~~الاسفهسلار و يكتب علامته على رأس الكتاب تعظيما عن أن يكتب اسمه و كان لا ~~يفرده بكتاب بل يكتبه: الأمير الاسفهسلار صلاح الدين و كافة الأمراء ~~بالديار المصرية يفعلون كذا و كذا. و استمال صلاح الدين قلوب الناس و بذل ~~الأموال فمالوا إليه و أحبوه و ضعف أمر العاضد. ثم أرسل صلاح الدين يطلب من ~~نور الدين أن يرسل إليه إخوته و أهله فأرسلهم إليه و شرط عليهم طاعته. # و في سنة خمس و ستين و خمسمائة في شوال مات قطب الدين مودود بن زنكي ابن ~~اقسنقر صاحب الموصل. و لما اشتد مرضه أوصى بالملك بعده لابنه الأكبر عماد ~~الدين زنكي ثم عدل عنه إلى ابنه الآخر و هو سيف الدين غازي و إنما فعل ذلك ~~لأن القيم بأمور دولته كان خادما له يقال له فخر الدين عبد المسيح و كان ~~يكره عماد الدين لأنه كان طوع عمه نور الدين و كان نور الدين يبغض عبد ~~المسيح فاتفق عبد المسيح و خاتون ابنة حسام الدين تمرتاش بن ايلغازي و هي ~~والدة سيف الدين علي صرف الملك عن عماد الدين إلى سيف الدين. و رحل عماد ~~الدين إلى عمه نور الدين مستنصرا به ليعينه على أخذ الملك لنفسه. # و في سنة ست و ستين و خمسمائة تاسع ربيع الآخرتوفي الإمام المستنجد بالله ~~أبو المظفر يوسف بن المقتفي و كانت خلافته إحدى عشرة سنة و عمره ستا و ~~خمسين سنة. و كان من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية عادلا قبض على إنسان كان ~~يسعى بالناس فأطال حبسه فشفع فيه بعض أصحابه المختصين بخدمته و بذل عنه ~~عشرةآلاف دينار. فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار ms247 و تحضر لي إنسانا آخر ~~مثله أحبسه فأكف شره عن الناس. و لم يطلقه. و كان سبب موته أنه كتب إلى ~~وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار و قطب الدين قايماز ~~و صلبهما و كان قد اشتد مرضه. فاجتمع الطبيب بهما و أوقفهما على الخط. ~~فقالا له: عد إليه و قل له: إنني أوصلت الخط إلى الوزير و فعل ذلك. ثم دخل ~~المذكوران على المستنجد و معهما أصحابهما فحملوه و هو يستغيث إلى الحمام و ~~ألقوه و أغلقوا الباب عليه و هو يصيح إلى أن مات. PageV01P128 " المستضيء ~~بن المستنجد " و لما أظهروا موت المستنجد أحضر ابنه أبو محمد الحسن و بايعه ~~أهل بيته البيعة الخاصة يوم توفي أبوه أي تاسع ربيع الآخر سنة ست و ستين و ~~خمسمائة و بايعه الناس من الغد في التاج بيعة عامة و لقب المستضيء بأمر ~~الله و أظهر من العدل أضعاف ما عمل أبوه و فرق أموالا جليلة المقدار. و لما ~~بلغ نور الدين محمود ابن زنكي وفاة أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل و ملك ~~ولده سيف الدين غازي الموصل و تحكم فخر الدين عبد المسيح عليه أنف لذلك و ~~سار بجريدة في قلة من العسكر و عبر الفرات عند قلعة جعبر و ملك الرقة و ~~الخابور و نصيبين و حاصر سنجار و ملكها و سلمها إلى عماد الدين ابن أخيه و ~~أتى مدينة بلد و عبر دجلة عندها مخاضة إلى الجانب الشرقي و نزل على حصن ~~نينوى. و من العجب أنه يوم نزوله سقط من سور الموصل بدنة كبيرة فأرسل فخر ~~الدين عبد المسيح إلى نور الدين في تسليم البلد إليه على أن يقره بيد سيف ~~الدين و يطلب لنفسه الأمان و لماله و أهله فأجيب إلى ذلك و شرط أن فخر ~~الدين يأخذه معه إلى الشام و يعطيه إقطاعا مرضية. فتسلم البلد و دخل القلعة ~~و أمر بعمارة الجامع النوري و سلم الموصل إلى سيف الدين و ms248 سنجار لعماد ~~الدين و عاد إلى الشام و استصحب معه فخر الدين عبد المسيح و كان مقامه ~~بالموصل أربعة و عشرين يوما. و في سنة سبع و ستين و خمسمائة لما ثبت قدم ~~صلاح الدين بمصر و ضعف أمر الخليفة العاضد بها و صار قصره يحكم فيه صلاح ~~الدين و نائبه قراقوش و قو خصي من أعيان الأمراء الأسدية كلهم يرجعون إليه ~~عزم على قطع خطبة العاضد و كان يخاف المصريين. و كان قد دخل إلى مصر رجل ~~أعمى يعرف بالأمير العالم فلما رأى ما هو فيه من الإحجام و أن واحدا لا ~~يتجاسر يخطب للعباسيين قال: أنا أبتدئ بالخطبة للمستضيء. فلما كان أول جمعة ~~من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب و دعا للمستضيء فلم ينكر أحد ذلك فقطع ~~الخطباء كلهم بمصر خطبة العاضد و خطبوا للمستضيء ولم ينتطح فيها عنزان. ~~وتوفي العاضد يوم عاشوراء و لم يعلموه بقطع خطبته. PageV01P129 و فيها عبر ~~الخطا نهر جيحون يريدون خوارزم. فسار صاحبها خوالازم شاه أرسلان بن اقسز في ~~عساكره إلى أموية ليقاتلهم و يصدهم فمرض فأقام بها و سير جيشه مع أمير كبير ~~فلقيهم فانهزم الخوارزميون و أسر مقدمهم و رجع به الخطا إلى ما وراء النهر. ~~و عاد خوارزم شاه إلى خوارزم مريضا و توفي بها و ملك بعده ابنه سلطان شاه ~~محمود. و كان ابنه الأكبر علاء الدينتكش مقيما في جند فقصد ملك الخطا و ~~استمده علىأخيه فسير معه جيشا كثيفا مقدمهم فوما و ساروا حتى قاربوا خوارزم ~~فخرج سلطان شاه منها و معه أمه و قصد خراسان و ملك تكش خوارزم. و في سنة ~~تسع و ستين و خمسمائة توفي نور الدين محمود بن زنكي بن اقسنقر صاحب الشام و ~~ديار الجزيرة و مصر يوم الأربعاء حادي عشر شوال و لم يكن في سير الملوك ~~أحسن من سيرته و لا أكثر تحريا للعدل منه و كان لا يأكل و لا يلبس و لا ~~يتصرف في الذي يخصه إلا من ms249 ملك كان له قد اشترته من سهمه من الغنيمة. و لقد ~~شكت إليه زوجته من الضائقة فأعطاها ثلاثة دكاكين في حمص كانت له يحصل منها ~~في السنة نحو العشرين دينارا. فلما استقلتها قال: ليس لي إلا هذا و جميع ما ~~بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه و لا أخوض نار جهنم لأجلك. و لما ~~مات ملك بعده ابنه الملك الصالح اسمعيل و كان عمره إحدى عشرة سنة و أطاعته ~~الناس بالشام و صلاح الدين بمصر و خطب له بها و ضرب السكة باسمه. و في سنة ~~سبعين و خمسمائة لما ملك سيف الدين غازي الديار الجزرية خاف الأمراء الذين ~~في دمشق و حلب لئلا يعبر إليهم سيف الدين فسيروا الملك الصالح و معه ~~العساكر إلى حلب ليصد سيف الدين عن العبور إلى الشام. فلما خلت دمشق عن ~~السلطان و العساكر سار إليها صلاح الدين فملكها و ملك بعدها حمص و حماة و ~~بعلبك و سار إلى حلب فحصرها. فركب الملك الصالح و هو صبي عمره اثنتا عشرة ~~سنة و جمع أهل حلب و قال لهم: قد عرفتم إحسان أبي إليكم و محبته لكم و ~~سيرته فيكم و أنا يتيمكم و قد جاء هذا الظالم الجاحد إحسان والدي إليه يأخذ ~~بلدي و لا يراقب الله و لا الخلق. و قال من هذا كثيرا و بكى فأبكى الناس و ~~اتفقوا على القتال دونه فكانوا يخرجون و يقاتلون صلاح الدين عند جبل جوشن و ~~لا يقدر على القرب من البلد فرحل عنه. و فيها ملك البهلوان مدينة تبريز. و ~~في سنة إحدى و سبعين ملك صلاح الدين قلعة عزاز و نازل حلب و بها الملك ~~الصالح و قد أقام العامة في حفظ البلد المقام المرضي و ترددت الرسل بينهم ~~في الصلح فوقعت الإجابة إليه من الجانبين و رحل صلاح الدين عن حلب بعد أن ~~أعاد قلعة عزاز إلى الملك الصالح فإنه أخرج إلى صلاح الدين أختا له صغيرة ~~طفلة. فأكرمها صلاح ms250 الدين و قال لها: ما تريدين. قالت: أريد قلعة عزاز. و ~~كانوا قد علموها ذلك. فسلمها إليهم و رحل. و في سنة ثلاث و سبعين قتل عضد ~~الدين وزير الخليفة المستضيء و وزر ظهير الدين المعروف بابن العطار و كان ~~خيرا حسن السيرة كثير العطاء و تمكن تمكنا كثيرا. # و في سنة خمس و سبعين و خمسمائة ثاني ذي القعدة توفي الإمام المستضيء ~~بأمر الله و كانت خلافته نحو تسع سنين و عمره تسع و ثلاثون سنة و كان عادلا ~~حسن السيرة في الرعية قليل المعاقبة على الذنوب محبا للعفو فعاش حميدا و ~~مات سعيدا. PageV01P130 و كان في هذا الزمان من الحكماء المشهورين بالمشرق ~~السموءل بن ايهوذا المغربي الأندلسي الحكيم اليهودي قدم هو و أبوه إلى ~~المشرق و كان أبوه يشدو شيئا من الحكمة و كان ولده السموءل قد قرأ فنون ~~الحكمة و قام بالعلوم الرياضية و أحكم أصولها و فوائدها و نوادرها و له في ~~ذلك مصنفات و صنف كتبا في الطب و ارتحل إلى أذربيجان وخدم بيت بهلوان و ~~أمراء دولتهم و أقام بمدينة مراغة و أولد أولادا هناك سلكوا طريقته في الطب ~~ثم أسلم وصنف كتابا في إظهار معايب اليهود و مواضع الدليل على تبديلهم ~~التوراة و مات بالمراغة قريبا من سنة سبعين و خمسمائة. و كان في هذا الأوان ~~أيضا الرحبي الطبيب نزيل دمشق من أهل الرحبة أصله كان من الرحبة حسن ~~المعالجة لطيف المباشرة نزه النفس يعاني التجارة و رزق بها مالا جما و ~~أولادا مرضيي الطريقة لهم اشتغال جيد في هذا الفن و كان كثير التنعم حسن ~~المركب و الملبس و المأكل و المنزل يلزم في أموره قوانين حفظ الصحة ~~الموجودة. و قيل له: ما ثمرة هذا. قال: أن يعيش الإنسان العمر الطبيعي. ~~فقيل له: أنت قد بلغت من السن ما لم يبق بينك و بين العمر الطبيعي إلا ~~القليل فأي حاجة إلى هذا التكلف. فقال: لأبقي ذلك القليل فوق الأرض و ~~أستنشق الهواء ms251 و أتجرع الماء و لا أكون تحت التراب بسوء التدبير. و لم يزل ~~على حالته إلى أن أتاه أجله في أوائل سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة و خلف ~~ثلاثة بنين اثنان منهم طبيبان فاضلان و سيأتي ذكرهما. قال الرحبي هذا: ~~استدعاني نور الدين محمود في مرضه الذي توفي فيه مع غيري من الأطباء فدخلنا ~~إليه و هو في بيت صغير بقلعة دمشق و قد تمكنت منه الخوانيق و قارب الهلاك ~~فلا يكاد يسمع صوته و كان يخلو فيه للتعبد فابتدأ به المرض فلم ينتقل عنه. ~~فلما دخلنا و رأينا ما به قلت له: كان ينبغي أن لا تؤخر احضارنا إلى أن ~~يشتد بك المرض. الآن ينبغي أن تعجل الانتقال من هذا الموضع إلى مكان فسيح ~~مضيء فله أثر في هذا المرض. و شرعنا في علاجه و أشرنا بالفصد فقال: ابن ~~الستين لا يفتصد. و امتنع عنه فعالجناه بغيره فلم ينجع فيه الدواء. # " الناصر بن المستضيء " : و لما مات المستضيء قام ظهير الدين ابن العطار ~~في أخذ البيعة لولده الناصر لدين الله أبي العباس أحمد. فلما تمت البيعة ~~صار الحاكم في الدولة مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب. و في سابع ذي القعدة ~~سنة خمس و سبعين و خمسمائة قبض على ابن العطار و وكل عليه في داره ثم نقل ~~إلى التاج و قيد و طلبت ودائعه و أمواله ثم أخرج ميتا على رأس حمال سرا ~~فغمز به بعض العامة فثار به العامة فألقوه عن رأس الحمال و كشفوا سوءته و ~~شدوا في ذكره حبلا و سحبوه في البلد و كانوا يضعون بيده مغرفة و يقولون: و ~~قع لنا يا مولانا. إلى غير ذلك من الأفعال الشنيعة. ثم خلص من أيديهم و ~~دفن. هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم و كفه عن أموالهم و أراضهم. و في سنة ~~ست و سبعين ثالث صفر توفي سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي صاحب الموصل و ~~ولي أخوه عز الدين الموصل ms252 و أعطى جزيرة ابن عمر و قلاعها لولده معز الدين ~~سنجر شاه و أعطى قلعة شوش و بلد الحميدية لابنه الصغير ناصر الدين كبك و ~~كان المدبر لدولة عز الدين مجاهد الدين قيماز و استقرت الأمور و لم يختلف ~~اثنان. PageV01P131 و فيها توفي شمس الدولة تورانشاه بم أيوب أخو صلاح ~~الدين الأكبر بالإسكندرية.و في سنة سبع و سبعين في رجب توفي الملك الصالح ~~اسمعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب بها و عمره نحو تسع عشرة سنة. فلما آيس ~~من نفسه أحضر الأمراء و وصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن ~~مودود بن زنكي فتسلم حلب ثم سلمها لأخيه عماد الدين و أخذ عوضا عنها مدينة ~~سنجار. و في سنة ثماني و سبعين سير صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغتكين إلى ~~اليمن فتملكها و تغلب عليها. و فيها عبر صلاح الدين الفرات إلى الديار ~~الجزرية و ملك الرها و حران و الرقة و قرقيسياء و ماكسين و عربان و نصيبين ~~و سار إلى الموصل و بها عز الدين صاحبها و نائبه مجاهد الدين قد جمعا بها ~~العساكر الكثيرة من فارس و راجل و أظهرا من السلاح و آلات الحصار ما حارت ~~له الأبصار. فلما قرب صلاحالدين من البلد رأى ما هاله و ملأ صدره و صدور ~~أصحابه و مع هذا نزل عليها و أنشب القتال. و خرج إليه يوما بعض العامة فنال ~~منه وأخذ لالكة من رجله فيها المسامير الكثيرة و رمى بها أميرا يقال له ~~جاولي الأسدي و هو مقدم الأسدية و كبيرهم فأصاب صدره فوجد لذلك الما شديدا ~~و أخذ اللالكة و عاد عن القتال إلى صلاح الدين و قال له: قد قابلنا أهل ~~الموصل بحماقات ما رأينا مثلها بعد. و ألقى اللالكة و حلف أنه لا يعود ~~يقاتل عليها أنفة حيث ضرب بها. فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من الموصل ~~غرضا و لا يحصل على غير العناء و التعب سار عنها إلى ms253 سنجار و ملكها. و في ~~سنة تسع و سبعين ملك صلاح الدين مدينة آمد و سلمها إلى نور الدين محمد بن ~~قرا أرسلان صاحب الحصن و كان صلاح الدين قد نزل بحرزم و طمع أن يملك ماردين ~~فلم ير لطمعه وجها فسار عنها إلى إلى آمد على طريق البارعية. و فيها سار ~~صلاح الدين إلى حلب فنزل بجبل جوشن و أظهر أنه يريد يبني مساكن له و ~~لأصحابه و عساكره. فمال عماد الدين زنكي إلى تسليم حلب و أخذ العوض عنها ~~فتقرر الصلح على أن يسلم حلب إلى صلاح الدين و يأخذ عوضها سنجار و نصيبين و ~~الخابور و الرقة و سروج. و جرت اليمين على ذلك فباعها بأوكس الأثمان أعطى ~~حصنا مثل حلب و أخذ عوضها قرى و مزارع فقبح الناس كلهم ما أتى. # و في سنة ثمانين و خمسمائة مات قطب الدين بن إيلغازي بن نجم الدين البي ~~بن تمرتاش ابن إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين و ملك بعده ابنه حسام الدين ~~يولق أرسلان و هو طفل و كان شاه أرمن صاحب خلاط خال قطب الدين فحكم في ~~دولته بعد موته فرتب نظام الدين التقش مع ولده و قام بتربيته و تدبير ~~مملكته و كان ديا خيرا فأحسن تربية الولد و تزوج أمه فلما كبر الولد لم ~~يمكنه النظام من مملكته لخبط و هوج كان فيه. و لم يزل الأمر على ذلك إلى أن ~~مات الولد و له أخ أصغر منه لقبه قطب الدين فرتبه النظام في الملك و ليس له ~~منه إلا الاسم و الحكم إلى النظام و إلى مملوك له اسمه لؤلؤ فبقي كذلك إلى ~~سنة إحدى و ستمائة. فمرض التقش النظام فأتاه قطب الدين يعوده فلما خرج من ~~عنده خرج معه لؤلؤ فضربه قطب الدين بسكين معه فقتله. ثم دخل إلى النظام ~~فقتله أيضا و خرج وحده ومعه غلام له و ألقى الرأسين إلى الأجناد فأذعنوا له ~~بالطاعة و استولى على قلعة ماردين و قلعة ms254 البارعية و الصور و حكم فيها و ~~حزم في أفعاله. PageV01P132 و في سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة حصر صلاح ~~الدين الموصل مرة ثانية فسير أتابك عز الدين صاحبها والدته إليه و معها ~~ابنة عمه نور الدين محمود و غيرهما من النساء و جماعة من أعيان الدولة ~~يطلبون المصالحة. و كل من عنده ظنوا أنهن إذا طلبن منه الشام أجابهن إلى ~~ذلك لا سيما و معهن ابنة مخدومه و ولي نعمته نور الدين. فلما وصلن غليه ~~أنزلهن و اعتذر بأعذار غير مقبولة و أعادهن خائبات. فبذل العامة غيظا و ~~حنقا لرده النساء. فندم صلاح الدين على رد النساء و جاءته كتب القاضي ~~الفاضل و غيره يقبحون فعله و ينكرونه. و كان عامة الموصل يعبرون دجلة ~~فيقاتلون من الجانب الشرقي من العسكر و يعودون. فعزم صلاح الدين على قطع ~~دجلة عن الموصل إلى ناحية نينوى ليعطش اهل الموصل فيملكها بغير قتال ثم علم ~~أنه لا يمكن قطعه بالكلية و إن المدة تطول و التعب يكثر فأعرض عنه و رحل ~~إلى ميافارقين لأنه سمع أن شاه أرمن صاحب خلاط توفي و لم يخلف ولدا و قد ~~استولى على بلاده مملوك اسمه بكتمر. فسير صلاح الدين في مقدمته ابن عمه ~~ناصر الدين محمد بن شيركوه و مظفر الدين بن زين الدين و غيرهما فساروا إلى ~~خلاط فنزلوا بطوانة. و سار صلاح الدين إلى ميافارقين و سار البهلوان بن ~~ايلدكر صاحب أذربيجان فنزل قريبا من خلاط و ترددت رسل أهل بينهم و بين ~~البهلوان و صلاح الدين. ثم أنهم أصلحوا أمرهم مع البهلوان و صاروا من حزبه ~~و خطبوا له. # و في سنة اثنتين و ثمانين و خمسمائة توفي البهلوان محمد بن ايلدكر صاحب ~~بلاد الجبل و الري و أصفهان و أذربيجان و أران و ملك بعده أخوه قزل أرسلان ~~و اسمه عثمان. و في سنة ثلاث و ثمانين ملك صلاح الدين مدينة طبرية و قلعتها ~~و سار عنها و نزل على عتكة. و ms255 لما صمم على الزحف إلى البلد خرج الأعيان من ~~أهلها إليه يطلبون الأمان فأجابهم إلى ذلك و أمنهم على نفوسهم و أموالهم و ~~خيرهم بين الإقامة و الظعن فاختاروا الرحيل و ساروا منها متفرقين و حملوا ~~ما أمكنهم من أموالهم و تركوا الباقي على حاله. و سلم صلاح الدين البلد إلى ~~ولده الفضل و غنم المسلمون ما بقي مما لم يطق الفرنج حمله. و فيها ملك صلاح ~~الدين قيسارية و حيفا و صفورية و الشقيف و الفولة. و يافا و تبنين و صيدا و ~~بيروت و جبيل و عسقلان. PageV01P133 و لما فرغ صلاح الدين من أمر هذه ~~الأماكن سار إلى بيت المقدس فلما نزل عليه المسلمون رأوا على سوره من ~~الرجال ما هالهم و بقي صلاح الدين خمسة أيام يطوف حول المدينة لينظر من أين ~~يقاتل لأنه في غاية الحصانة و الامتناع فلم يجد عليه موضع قتال إلا من جهة ~~الشمال نحو باب عمود أو كنيسة صهيون فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من ~~رجب فنزلها و نصب تلك الليلة المنجنيقات و نصب الفرنج على سور البلد ~~المنجنيقات و تقاتل الفريقان أشد قتال كل منهما يرى ذلك دينا و حتما واجبا ~~فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطاني بل كانوا يمنعون و لا يمتنعون و يزجرون و لا ~~ينزجرون. فلما رأى الفرنج شدة قتال المسلمين و تحكم المنجنيقات بالرمي ~~المتدارك و تمكن النقابين من النقب أرسلوا باليان بن نيرزان صاحب الرملة ~~إلى صلاح الدين يطلب الأمان. فأبى السلطان و قال: لا أفعل بكم إلا كما ~~فعلتم بالمسلمين حين ملكتموه سنة إحدى و تسعين و أربعمائة من القتل و ~~السبي. فقال له باليان: ايها السلطان العظيم اعلم أننا في هذه المدينة في ~~خلق كثير و إنما يفترون عن القتال رجاء الأمان. فإذا رأينا الموت لا بد منه ~~فوالله لنقتلن أولادنا و نساءنا و نحرق أموالنا و لا نترككم تغنمون منا ~~دينارا و لا درهما و لا تسبون و تأسرون رجلا أو امرأة. ms256 فإذا فرغنا من ذلك ~~أخربنا الصخرة و المسجد الأقصى ثم نقتل من عندنا من اسارى المسلمين و هم ~~خمسة آلاف أسير و لا نترك لنا دابة و لا حيوانا إلا قتلناه ثم خرجنا إليكم ~~كلنا و حينئذ لا يقتل الرجل منا حتى يقتل أمثاله و نموت أعزاء أو نظفر ~~كرماء فاستشار صلاح الدين أصحابه فأجمعوا على إجابتهم إلى الأمان و أن لا ~~يحرجوا و يحملوا على كوب ما لا يدري عاقبة الأمر فيه عن أي شيء ينجلي. ~~فأجاب صلاح الدين حينئذ إلى بذل الأمان للفرنج و استقر أن يزن الرجل عشرة ~~دنانير يستوي فيه الغني و الفقير و تزن المرأة خمسة دنانير و يزن الطفل من ~~الذكور و الإناث دينارين فمن أدى ذلك إلى أربعين يوما فقد نجا و إلا صار ~~مملوكا. فبذل باليان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار فأجيب إلى ذلك و سلمت ~~المدينة يوم الجمعة السابع و العشرين من رجب. # و لما فرغ صلاح الدين من أمر بيت المقدس سار إلى مدينة صور و قد خرج ~~إليهاالمركيس و صار صاحبها و قد ساسها أحسن سياسة. فقسم صلاح الدين القتال ~~على العسكر كل جمع لهم وقت معلوم يقاتلون فيه بحيث يتصل القتال على أهل ~~البلد على أن الموضع الذي يقاتلون فيه قريب المسافة تكفيه الجماعة اليسيرة ~~من أهل البلد تحفظه و عليه الخنادق التي قد وصلت إلى البحر فلا يكاد الطائر ~~يطير عليها لأن المدينة كالكف في البحر و الساعد متصل بالبر و البحر في ~~جانبي الساعد و القتال إنما هو في الساعد فلذلك لم يتمكن منها صلاح الدين و ~~رحل عنها. و كان للمسلمين خمس قطع من الشواني مقابل ميناء صور ليمنعوا من ~~الخروج منه و الدخول إليه فنازلتهم شواني الفرنج وقت السحر و ضايقتهم و ~~أوقعت بهم فقتلوا من أرادوا و أخذوا الباقين بمراكبهم و أدخلوهم ميناء صور ~~و المسلمون من البر ينظرون إليهم. و رمى جماعة من المسلمين أنفسهم من ~~الشواني فمنهم من سبح و نجا ms257 منهم من غرق. و في سنة أربع و ثمانين فتح صلاح ~~الدين جبلة و اللاذقية و صهيون و شغر بكاس و دربساك و بغراس و الكرك و صفد. ~~و هادن صلاح الدين البرنس بيموند صاحب إنطاكية و طرابلس ثمانية أشهر. ~~PageV01P134 و في سنة سبع و ثمانين وصلت إمداد الفرنج في البحر إلى الفرنج ~~النازلين على عكة يحاصرونها. و كان أول من وصل منهم فيليب ملك افرنسيس و هو ~~من أشرف ملوكهم نسبا و إن كان ملكه ليس بالكثير فقويت به نفوسهم أي الذين ~~كانوا على عكة و لجوا في قتال المسلمين الذين فيها. و كان صلاح الدين على ~~شفرعم فكان يركب كل يوم و يقصد الفرنج ليشغلهم بالقتال على مزاحفة البلد و ~~كان فيه الأمير سيف الدين الهكاري المعروف بالمشطوب فلما رأى أن صلاح الدين ~~لا يقدر لهم على نفع و لا يدفع عنهم ضرا خرج إلى الفرنج و قرر معهم تسليم ~~البلد و خرج من فيه بأموالهم و بذل لهم عن ذلك مائتي ألف دينار و خمسمائة ~~أسير من المعروفين و إعادة صليب الصلبوت و أربعة عشر ألف دينار للمركيس ~~صاحب صور فأجابوه إلى ذلك و أن تكون مدة تحصيل المال و الأسراء إلى شهرين. ~~فلما حلفوا له سلم البلد إليهم فدخله الفرنج سلما و احتاطوا على من فيه من ~~المسلمين و على أموالهم و حبسوهم إلى حين ما يصل إليهم ما بذل لهم و راسلوا ~~صلاح الدين في إرسال المال و الأسرى و الصليب حتى يطلقوا من عندهم. فشرعوا ~~في جمع المال و كان هو لا مال له إنما يخرج ما يصل إليه من دخل البلاد أولا ~~بأول فلما اجتمع عنده من المال مائة ألف دينار أشار الأمراء بأن لا يرسل ~~شيئا حتى يعاود يستحلفهم على الإطلاق من أصحابه. فقال ملوك الفرنج: نحن لا ~~نحلف إنما ترسل إلينا المائة الألف دينارا التي حصلت و الأسارى و الصليب و ~~نحن نطلق من نريد و نترك من نريد حتى يجيء ms258 باقي المال فنطلق الباقين منهم. ~~فلم يجبهم السلطان إلى ذلك. فلما كان يوم الثلاثاء السابع و العشرون من رجب ~~ركب الفرنج و خرجوا ظاهر البلد بالفارس و الراجل و ركب المسلمون إليهم و ~~حملوا عليهم فانكشفوا عن موقفهم و إذا أكثر من كان عندهم من المسلمين قتلى ~~قد وضعوا فيهم السيف و قتلوهم و استبقوا الأمراء و من كان له مال و قتلوا ~~من سواهم من سوادهم و أصحابهم و من لا مالله. فلما رأى صلاح الدين ذلك رحل ~~إلى ناحية عسقلان و أخربها. و في سنة ثمان و ثمانين رحل الفرنج نحو عسقلان ~~و شرعوا في عمارتها. و فيها عقدت الهدنة بين صلاح الدين و الانكتار ملك ~~الفرنج لمدة ثلاث سنين و ثمانية أشهر أولها يوم أول أيلول. # و فيها منتصف شعبان توفي السلطان قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان ابن ~~سليمان بن قتلميش بن سلجوق بمدينة قونية وكان ذا سياسة حسنة و هيبة عظيمة و ~~عدل وافر و غزوات كثيرة إلى بلاد الروم. فلما كبرفرق بلاده على أولاده ~~فاستضعفوه و لم يلتفتوا إليه و حجر عليه و لده قطب الدين. ثم أخذه و سار به ~~إلى قيسارية ليأخذها من أخيه فحصرها مدة فهرب منه والده و دخل إلى قيسارية. ~~و لم يزل قلج أرسلان يتحول من ولد إلى ولد و كل منهم يتبرم به حتى مضى إلى ~~ولده غياث الدين كيخسرو فسار معه لإي عساكره إلى قونية فملكها و بها توفي ~~قلج أرسلان و يقي ولده غياث الدين في قونية مالكا لها حتى أخذها منه أخوه ~~ركن الدين. PageV01P135 و في سنة تسع و ثمانين و خمسمائة توفي صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب بن شاذيبدمشق و عمره سبع و خمسون سنة و كان حليما كريما حسن ~~الأخلاق متواضعا صبورا على ما يكره كثير التغافل عن ذنوب أصحابه. و حكي أنه ~~كان يوما جالسا و عنده جماعة فرمى بعض المماليك بعضا بسرموزة فأخطأته و ~~وصلت إلى صلاح الدين فوقعت ms259 بالقرب منه. فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه ~~هناك ليتغافل عنها. و طلب مرة الماء فلم يحضر فعاود الطلب في مجلس واحد خمس ~~مرات فلم يحضر فقال: يا أصحابنا و الله قد قتلني العطش. و أما كرمه فإنه ~~كان كثير البذل لا يقف في شيء يخرجه. ويكفي دليلا على كرمه أنه لما مات لم ~~يخلف في خزانته غير دينار واحد صوري و أربعين درهما ناصرية. و لما توفي ~~صلاح الدين ملك بعده ولده الأكبر الأفضل نور الدين دمشق و الساحل و البيت ~~المقدس و بعلبك و صرخد و بصرى و بانياس و هونين و تبنين إلى الداروم. و كان ~~ولده الملك العزيز عثمان بمصر فاستولى عليها. و كان ولده الملك الظاهر غازي ~~بحلب فملكها و أعمالها مثل حارم و تل باشر و اعزاز و دربساك و منبج. و كان ~~بحماة محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب فأطاع الملك الظاهر. و كان ~~بحمص شيركوه ابن محمد بن شيركوه فأطاع الملك الأفضل. و كان الملك العادل ~~أخو صلاح الدين بالكرك فسار إلى دمشق. فجهز الأفضل معه عسكرا و سار إلى ~~بلاد الجزرية و هي له ليمنعها من عز الدين صاحب الموصل. و فيها أول جمادى ~~الأولى قتل سيف الدين بكتمر صاحب خلاط و كان بين قتله و موت صلاح الدين ~~شهران. فإنه أسرف في إظهار الشماتة بموت صلاح الدين و فرح كثيرا فلم يمهله ~~الله تعالى. و ملك بعده ظهير الدين هزار ديناري خلاط و هو أيضا من مماليك ~~شاه أرمن. و فيها سلخ شعبان توفي اتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن ~~اقسنقر صاحب الموصل بالموصل و ملك بعده ابنه نور الدين أرسلان شاه. و كان ~~عز الدين خيرا محسنا حليما قليل المعاقبة حييا كثير الحياء لم يكلم جليسا ~~له إلا و هو مطرق و ما قال في شيء سئله حبا و كرم طبع. # و في سنة إحدى و تسعين و خمسمائة كتبالفنش ملك الفرنج و ms260 مقر ملكه طليطلة ~~إلى يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن كتابا يقول فيه: إنك أمير المسلمين و لا ~~يخفى عليك ما هم عليه رؤساء الأندلس من التخاذل و إهمال الرعية و اشتمالهم ~~على الراحات و أنا أسومهم الخسف و أخلي الديار و أسبي الذراري و أمثل ~~بالكهول و أقتل الشبان و لا عذر لك في التخلف عن نصرتهم و أنت تعتقد أن ~~الله فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم. و الآن نخفف عنكم فنحن نقاتل ~~عددا منكم بواحد منا. ثم بلغني عنك أنك أخذت في الاحتفال و تمطل نفسك عاما ~~بعد عام تقدم رجلا و تؤخر أخرى و لا أدري الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما ~~أنزل عليك. و أنا أقول ما فيه المصلحة أن تتوجه بجملة من عندك في الشواني و ~~المراكب و أجوز إليك بجملتي و أبارزك في أعز الأماكن عندك فإن كانت لك ~~فغنيمة عظيمة جاءت إليك و هدية مثلت بين يديك و إن كانت لي كانت يدي العليا ~~عليك و استحققت ملك الملتين و التقدم على الفئتين. فلما قرأ يعقوب كتابه ~~جمع العساكر و عبر المجاز إلى الأندلس و اقتتلوا قتالا شديدا فكانت الدائرة ~~أولا على المسلمين ثم عادت على الفرنج فانهزموا أقبح هزيمة و غنم المسلمون ~~منهم شيئا عظيما. فلا يفخرن ثروان بثروته و لا جبار بجبروته و من يفتخر ~~فبالله تعالى فليفتخر كما جاء في الكتاب الإلهي. ثم إن الفنش عاد إلى بلاده ~~و ركب بغلا و أقسم أنه لا يركب فرسا حتى تنصره ملوك فرنجة فجمعوا الجموع ~~العظيمة و جرت لهم مع المسلمين وقائع كثرة إلى أن ملكوا الآن أكثر مدن ~~الأندلس. # و في سنة اثنتين و تسعين سار الملك العزيز من مصر إلى دمشق و حصرها و ~~أرسل إلى أخيه أن يفارق القلعة و يسلم البلد على قاعدة أن تعطى قلعة صرخد ~~له و يسلم جميع أعمال دمشق. فخرج و تسلم العزيز القلعة و دخلها و اقام بها ~~أياما ثم سلمها ms261 إلى عمه الملك العادل و عاد إلى مصر فسار الأفضل إلى صرخد. ~~و في سنة ثلاث و تسعين ملك العادل يافا من الفرنج و ملك الفرنج بيروت من ~~المسلمين. PageV01P136 و في سنة أربع و تسعين توفي عماد الدين زنكي بن ~~مودود بن زنكي بن اقسنقر صاحب سنجار و نصيبين و الخابور و الرقة و ملك بعده ~~ابنه قطب الدين محمد و ملك نور الدين مدينة نصيبين. و فيها قصد خوارزمشاه ~~بخارا و كان قد ملكها الخطا فنازلها و حصرها و امتنع أهلها منه و قاتلوه مع ~~الخطا لما رأوا من حسن سيرتهم معهم حتى أنهم أخذوا كلبا أعور و ألبسوه قباء ~~و قلنسوة و قالوا: هذا خوارزمشاه. لأنه كان أعور. و طافوا به على السور م ~~ألقوه في منجنيق إلى العسكر و قالوا: هذا سلطانكم. فلم يزل هذا دأبهم حتى ~~ملك خوارزمشاه البلد بعد أيام يسيرة عنوة و عفا عن أهله و أحسن إليهم. # و فيها حصر الملك العادل أبو بكر بن أيوب قلعة ماردين في شهر رمضان و كان ~~صاحبها حسام الدين يولق أرسلان صبيا فسلم بعض أهلها الربض بمخامرة فنهب ~~الهسكر أهلها نهبا قبيحا فلما تسلم العادل الربض تمكن من حصر القلعة و قطع ~~الميرة عنها و بقي عليها إلى أن رحل عنها سنة خمس و تسعين. و في سنة خمس و ~~تسعين في العشرين من المحرم توفي الملك العزيز صاحب مصر و أرسل الأمراء من ~~مصر إلى الأفضل أخيه يدعونه إليهم ليملكوه لأنه كان محبوبا إلى الناس ~~يريدونه فدخل إلى مصر و ملكها. و في سنة ست و تسعين سار العادل فنزل على ~~القاهرة و حصرها فأرسل الأفضل إليه في الصلح فتقرر أن يسلم الديار المصرية ~~إلى ابن عمه و يأخذ العوض عنها ميافارقين و حاني و جبل جور و تحالفوا على ~~ذلك. و خرج الأفضل من مصر و سار إلى صرخد و أرسل من يتسلم ميافارقين و حاني ~~و جبل جور فامتنع نجم الدين أيوب بن ms262 الملك العادل من تسليم ميافارقين و سلم ~~ما عداها. فترددت الرسل في ذلك و العادل يزعم أن ابنه عصاه. فأمسك الأفضل ~~عن المراسلة في ذلك لعلمه أن هذا فعله بأمر العادل. و فيها في شهر رمضان ~~توفي خوارزمشاه تكش بن أرسلان و ولي ملك خوارزم بعده ابنه قطب الدين محمد و ~~لقب علاء الدين لقب أبيه. و في سنة سبع و تسعين في شهر رمضان ملك ركن الدين ~~سليمان بن قلج أرسلان مدينة ملطية و كانت لأخيه معز الدين قيصر شاه فسار ~~إليه و حصره أياما و ملكها و سار منها إلى ارزن الروم و كانت لولد الملك ~~محمد بن صلتق و هم بيت قديم قد ملكوا ارزن الروم. فلما قاربها ركن الدين ~~خرج صاحبها إليه ثقة به ليقرر معه الصلح على قاعدة يؤثرها ركن الدين فقبض ~~عليه و اعتقله عنده و أخذ البلد و هذا كان آخر أهل بيته الذين ملكوا. و ~~فيها حصر الملك الظاهر و أخوه الملك الأفضل ابنا صلاح الدين مدينة دمشق و ~~هي لعمهم الملك العدل و عادوا إلى تجديد الصلح على أن يكون للظاهر منبج و ~~أفامية و كفر طاب و المعرة و يكون للأفضل سميساط و قلعة نجم وسروج و رأس ~~عين و جملين. و سار الظاهر إلى حلب و الأفضل إلى سميساط و وصل العادل إلى ~~دمشق. و في سنة تسع و تسعين و خمسمائة في المحرم سير الملك العادل عسكراص ~~مع ولده الملك الأشرف موسى إللا ماردين فحصروها و شحنوا على أعمالها و أقام ~~الأشرف و لم يحصل له غرض. فدخل الملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب في ~~الصلح بينهم و أرسل إلى عمه العادل في ذلك فأجاب إليه على قاعدة أن يحمل له ~~صاحب ماردين مائة و خمسين ألف دينار فجاء صرف الدينار أحد عشر قيراطا من ~~أميري و يضرب اسمه على السكة و يكون عسكره في خدمته أي وقت طلبه. ~~PageV01P137 و فيها و هي سنة ألف و خمسمائة ms263 و أربع عشرة للإسكندر كان ~~ابتداء دولة المغول و ذلك إن في هذا الزمان كان المستولي على قبائل الترك ~~المشارقة أونك خان و هو المسمى ملك يوحنا من القبيلة التي يقال لها كريت و ~~هي طائفة تدين بدين النصرانية و كان رجل مؤيد من غير هذه القبيلة يقال له ~~تموجين ملازما لخدمة أونك خان من سن الطفولية إلى أن بلغ حد الرجولية و كان ~~ذا بأس في قهر الأعداء فحسده الأقران و سعوا به إلى أونك خان و ما زالوا ~~يغتابونه حتى اتهمه بتغير النية و هم باعتقاله و القبض عليه. فانضم إليه ~~غلامان من خدم أونك خان فألماه القضية و عينا له الليلة التي فيها يريد ~~أونك كبسه و في الحال أمر تموجين أهله بإخلاء البيوت عن الرجال و تركها على ~~حالها منصوبةو كمن هو مع الرجال بالقرب من البيوت. و في وقت السحر لما هجم ~~أونك و أصحابه على بيت تموجين لقيها خالية من الرجال و كر عليه تموجين و ~~أصحابه من الكمين و أوقعوا بهم و ناوشوهم القتال و أثخنوا فيهم و هزموهم و ~~حاربوهم مرتين حتى قتلوه و أبطاله و سبوا ذراريه. و في أثناء هذا الأمر ظهر ~~بين المغول أمير معتبر كان يسيح في الصحارى و الجبال في وسط الشتاء عريانا ~~حافيا و يغيب أياما ثم يأتي و يقول: كلمني الله و قال لي أن الأرض بأسرها ~~قد أعطيتها لتموجين و ولده و سميته جنكزخان فسماه جنكزخان تبت تنكري و كان ~~يرجع إلى قوله و لا يعدل عن رأيه. و لما علا شأن جنكزخان أرسل الرسل إلى ~~جميع شعوب الترك فمن أطاعه و تبعه سعد و من خالفه خذل و أنعم على ذينك ~~الغلامين و ذريتهم بأن جعلهم ترخانية و الترخان هو الحر الذي لا يكلف بشيء ~~من الحقوق السلطانية و يكون ما يغنم من الغزوات له مطلقا لا يأخذ منه نصيب ~~للملك و زاد لهؤلاء أن يدخلوا على الملوك بغير إذن و لا يعاقبوا ms264 على ذنب ~~إلى تسعة ذنوب و كان لجنكز خان من الأولاد الذكور و الإناث جماعة و كانت ~~الخاتون الكبيرة زوجته تسمى أويسونجين بيكي. و في رسم المغول اعتبار أبناء ~~الأب الواحد بالشرف إنما يكون بالنسبة إلى الأمهات. و كان لهذه خاتون أربعة ~~بنين ولاهم جنكزخان الأمور العظان في مملكته. الأول توشي ولي أمرالصيد و ~~الطرد و هو أحب الأمور إليهم. و الثاني جغاتاي و لي أمر الحكومات و السياسة ~~أي الناموس و القضاء. و الثالث أوكتاي و لي تدبير الممالك لغزارة عقله و ~~إصابة رأيه. و الرابع تولي و لي أمر الجيوش و تجهيز الجنود و النظر في ~~مصالح العساكر. و كان لجنكزخان أخ يقال له أوتكين فعين له و لكل واحد من ~~الأولاد بلادا يقيمون بها. أما أوتكين فأقام بحدود الخطا. و توشي أقام ~~بحدود قباليغ و خوارزم لإلى أقصى سقسين و بلغار. و جغاتاي بحدود بلاد ~~الإيغور بالقرب من المايغ إلى سمر قند و بخارا. و أقام أوكتاي و هو ولي ~~العهد بحدود إيميل و قوتاق و جوره تولي أيضا في تلك النواحي و هي وسط ~~مملكتهم كالمركز بالنسبة إلى الدائرة. # و في سنة ستمائة ملك الفرنج مدينة القسطنطينية من الروم. أقام الفرنج ~~بظاهرها محاصرين للروم من شعبان إلى جمادى الأولى و كان بالمدينة كثير من ~~الفرنج مقيمين نحو ثلاثين ألفا و لعظم البلد لا يظهر أمرهم فتواضعوا هم و ~~الفرنج الذين بظاهر البلد و وثبوا فيه و ألقوا النار فاحترق نحو ربع البلد. ~~فاشتغل الروم بذلك ففتح الفرنج الأبواب و دخلوها و وضعوا السيف ثلاثة أيام ~~و قتلوا حتى الأساقفة و الرهبان و القسيسين الذين خرجوا إليهم من كنيسة ~~إييا سوفيا العظمى و بأيديهم الأناجيل و الصلبان يتوسلون بها ليبقوا عليهم. ~~فلم يلتفتوا إليهم و قتلوهم أجمعين و نهبوا الكنيسة. و كان الفرنج ثلاثة ~~ملوك ذوقيس البنادقة و في مراكبه ركبوا إلى القسطنطينية و هو شيخ أعمى إذا ~~ركب يقاد فرسه. و الثاني المركيس مقدم الافرنسيس. و ms265 الثالث كندافلند و هو ~~أكثرهم عددا. فلما استولوا اقترعوا على الملك فخرجت القرعة على كندافلند ~~فملكوه عليها و تكون لذوقس البنادقة الجزائر مثل اقريطش و رودس و غيرهما و ~~يكون لمركيس البلاد التي هي شرقي الخليج مثل نيقية و لاذيق و فيلادلف و لم ~~تدم له فإنها تغلب عليها بطريق من بطارقة الروم اسمه لشكري. PageV01P138 و ~~فيها في ذي القعدة توفي السلطان ركن الدين صاحب الروم و ملك ابنه قلج ~~أرسلان و كان صغيرا. و كان غياث الدين كيخسرو أخو ركن الدين يومئذ بقلعة من ~~قلاع القسطنطينية و لما سمع بموت أخيه سار إلى قونية و قبض على الصبي و ~~ملكها و جمع الله له البلاد جميعها و عظم شأنه و قوي أمره و كان ذلك في رجب ~~سنة إحدى و ستمائة. و فيها أغارت الكرج على أذربيجان و أكثروا النهب و ~~السبي ثم اغاروا على خلاط وارجيش فأوغلوا في البلاد حتى بلغوا ملازكرد و لم ~~يخرج إليهم من المسلمين أحد يمنعهم فجاسوا خلال البلاد ينهبون و يأسرون. و ~~في سنة ثلاث و ستمائة قبض عسكر خلاط على صاحبها محمد بن بكتمر و ملكها ~~بلبان مملوك شاه أرمن بن سكمان. و في سنة أربع و ستمائة ملك الملك الأوحد ~~نجم الدين أيوب بن الملك العادل مدينة خلاط. و لما سار عنها إلى ملاذكرد ~~ليقرر قواعدها و ثب أهلها على من بها من العسكر فأخرجوه من عندهم و عصوا و ~~نادوابشعار شاه أرمن و إن كان ميتا يعنون بذلك رد الملك إلى أصحابه و ~~مماليكه. فعاد إليهم الأوحد و قتل بها خلقا كثيرا من أعيان أهلها فذل أهل ~~خلاط و تفرقت كلمة الفتيان و كان الحكم إليهم و كفي الناس شرهم فإنهم كانوا ~~يقيمون ملكا و يقتلون آخر و السلطنة عندهم لا حكم لها و إنما الحكم لهم و ~~إليهم. و في سنة ست و ستمائة ملك الملك العادل أبو بكر بن أيوببلد الخابور ~~و مدينة نصيبين و حصر سنجار ثم ms266 عاد عنها. # و فيها استولى جنكزخان على بلاد قراخطا و كان أمير بلاد الايغور و هم ~~طائفة كثيرة من الترك في طاعة ملك الخطا فلما صار الصيت لجنكزخان و شاع ~~ذكره في البلاد أرسل إليه أمير الايغور و هو الذي يسمونه ايدي قوب أي صاحب ~~الدولة يطلب الأمانلنفسه و رعيته و الدخول في زمرته. فأكرم جنكزخان رسله و ~~تقدم بوصوله إليه. فبادر ايدي قوب إلى الحضور في خدمته من غير توقف. فأقبل ~~عليه جنكزخان و أحسن قبوله و أعاده إلى بلاده مكرما. # و في سنة سبع و ستمائة أواخر رجب توفي نور الدين أرسلان شاه بن مسعود ابن ~~مودود بن زنكي بن اقسنقر صاحب الموصل و كانت مدة ملكه ثماني عشرة سنة و كان ~~شهما شجاعا ذا سياسة للرعايا شديدا على أصحابه أعاد ناموس البيت الأتابكي و ~~جاهه و حرمته بعد أن كانت قد ذهبت. و لما حضره الموت رتب في الملك ولده ~~الملك القاهر عز الدين مسعود و أمر أن يتولى تدبير مملكته و يقوم بحفظها و ~~ينظر في مصالحها مملوكه بدر الدين لؤلؤ لما رأى من عقله و سداد رأيه و حسن ~~سياسته و كمال السيادة فيه. و أعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي قلعة العقر ~~الحميدية و قلعة شوش و سيره إلى العقر. PageV01P139 و في سنة تسع و ستمائة ~~قصد ثلاثة نفر تجار من البخاريين ديار التاتار و معهم البضائع من الثياب ~~المذهبة و الكرباس و غيرهما مما يليق بالمغول بما سمعوا أن للمتاع عندهم ~~قيمة وافرة و أن الطرق قد أقام بها جنكزخان جماعة يسمونهم قراقجية أي ~~مستحفظين يخفرون المترددين إليهم فقوي عزمهم على ذلك فساروا نحوهم. و لما ~~وصلوا إلى نواحيهم وافاهم المستحفظون و وقفوا على ما معهم من السلع فرأوا ~~قماش واحد منهم اسمه أحمد لائقا للخازن فسيروه مع صاحبيه إليه. فعرض أحمد ~~متاعه على الحجاب و طلب في ثمن كل ثوب كان مشتراه عليه عشرة دنانير إلى ~~عشرين دينارا ثلاثة بواليش. فغضب لذلك ms267 جنكزخان و قال: هذا الغافل كأنه يظن ~~أننا ما رأينا ثيابا قط و أمر الخازن فأراه من الأقمشة التي هداها إليه ~~ملوك الخطا أشياء نفيسة و تقدم أن يكتب ما معه و أنهبه لمن حضر من الحاشية ~~و اعتقل أحمد. و طلب صاحبيه فعرضا عليه متاعهما برمته و قالا: هذا كله إنما ~~أتينا به لنقدمه خدمة للخان لا لنبيعه عليه. فألحوا عليهما أن يثمناه فلم ~~يفعلا. فأمر جنكزخان أن يعطيا لكل ثوب مذهب باليش من ذهب و لكل كرباسين ~~باليش من فضة و عوض لأحمد أيضا مثل ما أعطاهما و تقدم إلى الأولاد و ~~الخواتين و الأمراء أن ينفذوا معهم جماعة من أصحابهم و معهم بواليش الذهب و ~~الفضة ليجلبوا لهم من ظرائف البلاد و نفائسها ما يصلح لهم فامتثلوا ما ~~أمرهم به فاجتمع معهم مائة و خمسون تاجرا من مسلم و نصراني و تركي و أرسل ~~معهم رسولا إلى السلطان محمد يقول له: إن التجار وصلوا إلينا و قد أعدناهم ~~إلى مأمنهم سالمين غانمين و قد سيرنا معهم جماعة من غلماننا ليحصلوا من ~~ظرائف تلك الأطراف فينبغي أن يعودا إلينا آمنين ليتأكد الوفاق بين الجانبين ~~و تنحسم مواد النفاق من ذات البين. فلما وصل التجار إلى مدينة أترار طمع ~~أميرها غاير خان فيما معهم من الأموال فطالع السلطان محمد في أمرهم و حسن ~~له إبادتهم و اغتنام مالهم فأذن له في ذلك فقتلهم طرا إلا واحدا منهم فإنه ~~هرب من السجن. و لما رأى ما جرى على أصحابه لحق بديار التاتار و أعلمهم ~~بالمصيبة. فعظم ذلك جنكزخان و تأثر منه إلى الغاية و هجر النوم و صار يحدث ~~نفسه و يفتكر فيما يفعله. و قيل أنه صعد إلى رأس تل عال و كشف رأسه و تضرع ~~إلى الباري تعالى طالبا نصره على من باداه بالظلم و بقي هناك ثلاثة أيام ~~بلياليها صائما. و في الليلة الثالثة رأى في منامه راهبا عليه السواد و ~~بيده عكازة و هو قائم على ms268 بابه يقول له: لا تخف افعل ما شئت فإنك مؤيد. ~~فانتبه مذعورا ذعرا مشوبا بالفرح و عاد إلى منزله و حكى حلمه لزوجته و هي ~~ابنة أونك خان. فقالت له: هذا زي أسقف كان يتردد إلى أبي و يدعو له و مجيئه ~~إليك دليل انتقال السعادة إليك. فسأل جنكزخان من كان في خدمته من نصارى ~~الايغور. هل ههنا أحد من الأساقفة. فقيل له عن مار دنحا. فلما طلبه و دخل ~~عليه بالبيرون الأسود قال: هذا زي من رأيت في منامي لكن شخصه ليس ذاك. فقال ~~الأسقف: يكون الخان قد رأى بعض قديسينا. و من ذلك الوقت صار يميل إلى ~~النصارى و يحسن الظن بهم و يكرمهم. و في سنة عشر و ستمائة قصد جنكزخان بلاد ~~السلطان محمد و لما وصل إلى نواحي تركستان أتاه الأمير أرسلان خان من ~~غياليغ و الأمير ايدي قوب من بيشباليغ و الأمير سفتاق من الماليغ و ساروا ~~في عساكرهم. و لما اجتمعت العساكر جميعها بقصبة مدينة أترار سير جنكزخان ~~ابنه الكبير فب تومانين عسكر إلى جانب خجند و توجه هو بنفسه إلى بخارا و ~~رتب على محاصرة أترار و لديه جغاتاي و أوكتاي فدام القتال عليها مدة خمسة ~~أشهر لأن السلطان محمدا كان قد سير إليها غاير خان في خمسة آلاف فارس و ~~قراجا خاص حاجب في عشرة آلاف و كانوا كلهم بها. و لما ضاقت الحيلة بمن في ~~المدينة و عجزوا عن المقاومة شاور قراجا لغاير خان في الصلح و تسليم البلد. ~~فأبى غاير خان إلا المجاهدة حتى الموت لعلمه أن المغول لا يبقون عليه فلم ~~ير في المصالحة مصلحة. فتوقف قراجا إلى هجوم الليل و خرج في أكثر عسكره إلى ~~خارج من باب دروازه الصوفي. فعوقوه إلى الصبح ثم حمل إلى ابني جنكزخان ~~فاستنطقاه و استعلما منه كنه أحوال البلد و أمرا بقتله و قتل كل من معه ~~قائلين: إذا كنت ما أبقيت على مخدومك و ولي نعمتك فلا تبقي PageV01P140 و ~~لا علينا. ms269 و زحف العسكر إلى المدينة فدخلوها و أخرجو أهلها جميعهم إلى ~~ظاهرها و أغاروا على ما فيها. و بقي غاير خان في عشرين ألفا من عسكره ~~متفرقين في دروب المدينة لم يتمكن منهم المغول و كانوا يخرجون خمسين خمسين ~~يكاوحون و يطعنون في عسكر المغول و يقتلون ثم يقتلون. و كان هذا دأبهم شهرا ~~إلى أن بقي غاير خان و معه نفران يجالدون في سطح دار السلطنة و كان قد برز ~~مرسوم الخان أن لا يقتل غاير خان في الحرب لكن يحمل إليه حيا. فلذلك كثر ~~التعب معه و قتل صاحباه و بقي وحده يقاتل بالآجر الذي كان الجواري يناولنه ~~من الجدار. فلما عجز عن المناولة أحاطبه المغول و قبضوه و حملوه إلى ~~جنكزخان بعد عوده من بخارا إلى سمرقند و قتل هناك في كوك سراي. و في سنة ~~اثنتي عشرة في شعبان ملك السلطان محمد مدينة غزنة و كان استولى قبل ذلك على ~~عامة خراسان و ملك باميان. لا علينا. و زحف العسكر إلى المدينة فدخلوها و ~~أخرجو أهلها جميعهم إلى ظاهرها و أغاروا على ما فيها. و بقي غاير خان في ~~عشرين ألفا من عسكره متفرقين في دروب المدينة لم يتمكن منهم المغول و كانوا ~~يخرجون خمسين خمسين يكاوحون و يطعنون في عسكر المغول و يقتلون ثم يقتلون. و ~~كان هذا دأبهم شهرا إلى أن بقي غاير خان و معه نفران يجالدون في سطح دار ~~السلطنة و كان قد برز مرسوم الخان أن لا يقتل غاير خان في الحرب لكن يحمل ~~إليه حيا. فلذلك كثر التعب معه و قتل صاحباه و بقي وحده يقاتل بالآجر الذي ~~كان الجواري يناولنه من الجدار. فلما عجز عن المناولة أحاطبه المغول و ~~قبضوه و حملوه إلى جنكزخان بعد عوده من بخارا إلى سمرقند و قتل هناك في كوك ~~سراي. و في سنة اثنتي عشرة في شعبان ملك السلطان محمد مدينة غزنة و كان ~~استولى قبل ذلك على عامة خراسان و ملك باميان. ms270 PageV01P141 و في سنة ثلاث ~~عشرة في العشرين من جمادى الآخرة توفي الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب و هو صاحب مدينة حلب و خلف أولادا ذكورا من جملتهم الملك ~~العزيز محمد من ابنة عمه الملك العادل و كان عمر ولده هذا سنتين و شهورا و ~~وصى به إلى مملوكه شهاب الدين طغرل الخادم فصار أتابكه و قام بتربيته أحسن ~~قيام. و في سنة خمس عشرة و ستمائة توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن ~~أرسلان شاه ابن مسعود بن مودود بن زنكي بن اقسنقر صاحب الموصل ليلة الاثنين ~~لثلاث بقين من ربيع الأول و كانت ولايته سبع سنين و تسعة أشهر و أوصى ~~بالملك لولده الأكبر نور الدين أرسلان شاه و عمره حينئذ نحو عشر سنين و جعل ~~الوصي عليه و المدبر لدولته بدر الدين لؤلؤا. و كان عمه عماد الدين زنكي بن ~~أرسلان شاه صاحب العقر يحدث نفسه بالملك. فرقع بدر الدين ذلك الخرق و رتق ~~ذلك الفتق و أحسن السيرة مع الخاص و العام و خلع على كافة الناس و غير ثياب ~~الحداد عنهم فلم يخص بذلك شريفا دون مشرف و لا كبيرا دون صغير. و بعد أيام ~~وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية و لبدر الدين بالنظر في أمور ~~دولته و التشريفات لهما أيضا. و كان مظفر الدين كوكبري بن زين الدين صاحب ~~اربل قام في نصر عماد الدين زنكي فملكه قلعة العمادية و باقي قلاع الهكارية ~~و الزوزان. فراسله بدر الدين يذكره الأيمان و العهود و يطالبه بالوفاء بها ~~ثم نزل عن هذا و رضي منه بالسكوت لا لهم و لا عليهم. فلم يفعل و أظهر ~~معاضدة زنكي. فأرسل بدر الدين إلى الملك الأشرف موسى بن الملك العادل و هو ~~صاحب ديار الجزيرة و خلاط و انتمى إليه و صار في طاعته و طلب منه المعاضدة. ~~فأجابه بالقبول و بذل له المساعدة و أرسل إلى مظفر الدين يقبح هذه الحالة و ~~يقول ms271 له أن يرجع إلى الحق و إلا قصده هو بنفسه و عسكره. فلم تحصل الإجابة ~~منه إلى شيء من ذلك إلى أن حضرت الرسل من الخليفة الناصر و من الملك الأشرف ~~في الصلح فأطاعوا و اصطلحوا و تحالفوا بحضور الرسل. و لما تقرر الصلح توفي ~~نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر صاحب الموصل و رتب في الملك بعده ~~أخوه ناصر الدين محمود و له من العمر نحو ثلاث سنين و حلف له الجند و ركبه ~~بدر الدين فطابت نفوس الناس إذ علموا أن لهم سلطانا من البيت الأتابكي. و ~~فيها توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب سابع جمادى الآخرة و كان عمره ~~ثلاثا و سبعين سنة و كانت مدة مملكته ثماني عشرة سنة. و خلف ولده الملك ~~الكامل صاحب مصر. و الملك المعظم صاحب دمشق. و الملك الأشرف صاحب حران و ~~الرها و خلاط. و الملك المظفر شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين. و الملك ~~الحافظ صاحب قلعة جعبر. و الملك العزيز صاحب بانياس. و الملك الصالح اسمعيل ~~صاحب بصرى. و الملك الفائز يعقوب و الملك الأمجد عباس و الملك الأفضل و ~~الملك القاهر. PageV01P142 و لما مات نور الدين الملك القاهر صاحب الموصل و ~~ملك أخوه ناصر الدين تجدد لعماد الدين و مظفر الدين الطمع لصغر سن ناصر ~~الدين فجمعا الرجال و تجهزا للحركة. فلما بلغ ذلك بدر الدين لؤلؤا أرسل إلة ~~عز الدين ايبك مقدم عسكر الأشرف الذي بنصيبين يستدعيهم ليعتضد بهم فساروا ~~إلى الموصل رابع رجب سنة خمس عشرة و استراحوا أياما ثم عبروا دجلة و نزلوا ~~شرقيها على فرسخ من الموصل. و جمع مظفر الدين عسكره و سار إليهم و معه زنكي ~~فعبر الزاب و سبق خبره. و عند انتصاف الليل سار ايبك و لم يصبر إلى الصبح ~~فتقطعوا في الليل و الظلمة و التقوا هم و الخصم على ثلاثة فراسخ من الموصل. ~~فأما عز الدين فحمل على ميسرة مظفر الدين فهزمها و بها زنكي. و ms272 ميمنة مظفر ~~الدين حملت على ميسرة بدر الدين و هزمتها. و بقي بدر الدين في النفر الذي ~~معه في القلب و تقدم إليه مظفر الدين في من معه في القلب إذ لم يتفرقوا فلم ~~يمكنه الوقوف فعاد إلى الموصل هاربا و عبر دجلة إلى القلعة و تبعه مظفر ~~الدين و أقام وراء تل حصن نينوى ثلاثة أيام و رحل ليلا من غير أن يضربوا ~~كوسا و بوقا. ثم ملك عماد الدين قلعة الكواشي و ملك بدر الدين تل أعفر و ~~ملك الأشرف سنجار و سار يريد الموصل ليجتاز منها إلى اربل. فقدم بين يديه ~~عسكره ثم وصل هو في آخرهم يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة ~~و ستمائة و كان يوم وصوله مشهودا ترجل له بدر الدين و حمل الغاشية بين ~~يديه. و أتاه رسل الخليفة و مظفر الدين في الصلح و بذل تسليم القلاع ~~المأخوذة جميعها إلى بدر الدين ما عدا قلعة العمادية و طال الحديث في ذلك ~~نحو شهرين. ثم رحل الأشرف يريد مظفر الدين فوصل قرية السلامية بالقرب من ~~الزاب و كان مظفر الدين نازلا عليه من جانب اربل فأعاد الرسل إلى الاشرف في ~~طلب الصلح و كان عسكر الاشرف قد طال بيكاره و الناس قد ضجروا فوقعت الإجابة ~~إلى الصلح و عاد الاشرف إلى سنجار و كان رحيله عن الموصل ثاني شهر رمضان من ~~سنة سبع عشرة و ستمائة. و في سنة ست عشرة و ستمائة توفي السلطان عز الدين ~~كيكاوس بن كيخسرو ابن قلج أرسلان صاحب بلاد الروم و لم يخلف ولدا يصلح ~~للملك لصغر سنهم. و أخرج الجند أخاه علاء الدين كيقباذ من قلعة المنشار ~~التي على الفرات بقرب ملطية و كان مسجونا بها فملكوه و حلف الناس له فأحسن ~~تدبيره لملكه و كان شديدا على أصحابه ذا عزم و حزم و هيبة عظيمة. ~~PageV01P143 و في سنة سبع عشرة و ستمائة في أوائل المحرم نزل جنكزخان في ~~عساكره على مدينة بخارا ms273 و أحاط بها العساكر من جميع جوانبها. زوكان بها من ~~عسكر السلطان محمد عشرون ألفا مقدمهم كوك خان و سونج و كشلي خان. و لما ~~تحققوا عجزهم عن مقاومة المغول خرجوا من الحصار بعد غروب الشمس فأدركهم ~~المحافظون من عسكر المغول على نهر جيحون فأوقعوا فيهم و قتلوهم كافة و لم ~~يبقوا منهم أثرا. فلما فارق المقاتلون المدينة لم يبق لأهلها حيلة إلا ~~التسليم و الخروج و طلب الأمان فخرج الايمة و الأعيان إلى خدمة جنكزخان ~~يتضرعون إليه و يطلبون حقن دمائهم حسب. فتقدم باخراج كل من بالمدينة إلى ~~ظاهرها فخرجوا و دخل هو و ولده تولي إلى المدينة فوقف على باب مسجد الجامع ~~و قال: هذا دار السلطان. فقالوا: لا بل خانة يزدان أي بيت الله. فنزل و دخل ~~الجامع و صعد إلى المنبر و قال لاكابر بخارا: إن الصحراء خالية عن العلف ~~فأنتم أشبعوا الخيل مما عندكم في الانبار. ففتحوها و صاروا ينقلون ما فيها ~~من الغلات و رموا ما في الصناديق من الكتب و جعلوها اواري للخيل و أحضروا ~~الطعام و الشراب هناك و أكلوا و شربوا و طربوا. ثم خرج جنكزخان إلى منزله و ~~جمع الايمة و المشايخ و السادات و العلماء و قال لهم: إن الله ملك الكل و ~~ضابط الكل أرسلني لأطهر الأرض من بغي الملوك الجائرة الفسقة الفجرة و ذكر ~~لهم ما فعله أمير اترار بإذن سلطانه بالتجار إلى غير ذلك ثم أمرهم أن ~~يعتزلوا الأغنياء و أصحاب الثروة بمعزل عن الفقراء فعزلوهم و كانوا مائتي ~~ألف و ثمانين ألفا. فقال لهم:إن الأموال التي فوق الأرض لا حاجة بنا إلى ~~استعلامها منكم و إنما نريد أن تظهروا لنا الدفائن تحت الأرض. فقبلوا ~~بالسمع و الطاعة. و وكلوا مع كل قوم باسقاقا يستخرج المال و أشار سرا إلى ~~المستخرجين أن لا يكلفوهم ما لا يطيقونه و يرفقوا بهم و ذلك لما رأى من حسن ~~إجابتهم إلى ما أمروا به. و لأن جماعة من عسكر ms274 السلطان كانوا مختفين ~~بالمدينة أمر فرموا في محالها النار فاحترقت المدينة بأسرها لأن جل عمائرها ~~من خشب فبقيت عرصة بخارا قاعا صفصفا و تفرق أهلها منتزحين إلى خراسان. ~~PageV01P144 و فيها في ربيع الأول نزل جنكزخان على مدينة سمرقند و كان قد ~~رتب السلطان محمد فيها مائة ألف و عشرة آلاف فارس يقومون بحراستها. فلما ~~نازلها منع أصحابه عن المقاتلة و أنفذ سنتاي نوين و معه ثلاثون ألف محارب ~~في أثر السلطان محمد. و غلاق نوين و بسور نوين إلى جانب طالقان. و أحاط ~~باقي العسكر بالمدينة وقت سحر فبرز إليهم مبارزو الخوارزمية و نازعوهم ~~القتال و جرحوا جماعة كثيرة من التاتار و أسروا جماعة و أدخلوهم المدينة ~~فلما كان من الغد ركب جنكزخان بنفسه و دار على العسكر و حثهم على القتال ~~فاشتد القتال ذلك اليوم بينهم و دام النهار كله من أوله إلى أول الليل و ~~وقف الأبطال من المغول على أبواب المدينة و لم يمكنوا أحدا من المجاهدين من ~~الخروج فحصل عند الخوارزمية فتور كثير و وقع الخلف بين أكابر المدينة و ~~تلونت الآراء فبعض مال إلى المصالحة و التسليم و بعض لم يأمن على نفسه و إن ~~أومن خوفا من غدر التاتار فقوي عزم القاضي و شيخ الاسلام على الخروج فخرجا ~~إلى خدمة جنكزخان و طلبا الأمان لهما و لأهل المدينة فلم يجبهما إلا إلى ~~أمان أنفسهما و من يلوذ بهما. فدخلا إلى المدينة و فتحا أبوابها فدخل ~~المغول و اشتغلوا ذلك اليوم بتخريب مواضع من السور و هدم بعض الأبرجة و لم ~~يتعرضوا إلآ احد إلى أن هجم الليل فدخلوا إلى المدينة و صاروا يخرجون من ~~الرجال و النساء مائة مائة بالعدد إلى الصحراء و لم ينكفوا إلا عن القاضي و ~~شيخ الاسلام و عمن التجأ إليهما فاحتمى بهما نيف و خمسون ألفا من الخلق. و ~~لما أصبح الصباح شرع المغول في نهب المدينة و قتل كل من لحقوه مختبئا في ~~المغائر و متواريا بالستائر و ms275 قتلوا تلك الليلة نحو ثلاثين ألف تركي و ~~قنقلي و قسموا بالنهار ثلاثين ألفا على الأولاد و الأمراء و أطلقوا الباقي ~~ليرجعوا إلى المدينة و يجمعوا من بينهم مائتي ألف دينار ثمن أرواحهم و كان ~~المحصل لهذا المال ثقة الملك و الأمير عميد و هما من أكابر سمرقند و الشحنة ~~طايفور. و من هناك توجه جنكزخان بعساكره إلى نواحي خوارزم و أنفذ الرسل ~~إليهم يدعوهم إلى الايلية و الدخول في طاعته و شغلهم أياما بالوعد و الوعيد ~~و التأميل و التهديد إلى أن اجتمعت العساكر و رتب آلات الحرب من منجنيق و ~~ما يرمى بها. و لأن صقع خوارزم لم يكن فيه حجر كان المغول يقطعون من أشجار ~~التوت قطعا كالحجارة و يرمون بها و ملأوا الخندق بالتراب و الخشب و الهشيم ~~و أنشبوا الحرب و القتال على المدينة من جميع جوانبها حتى عجز من فيها عن ~~المقاومة فملكوا سورها و أضرموا النار في محالها فأتت على أكثر دورها و ما ~~فيها فأيس المغول من الانتفاع بشيء من غنائمها فأعرضوا عن الحريق و صاروا ~~يملكون محلة محلة لأن أهلها كانوا يمتنعون فيها أشد امتناع. و لم يزالوا ~~كذلك إلى أن ملك المغول كل المحال و أخرجوا الخلائق كافة إلى الصحراء و ~~فرزوا الصناع و المحترفين إلى الناحية و كانوا مائة ألف و أسروا البنين و ~~البنات و النساء اللواتي ينتفع بهن و قسموا الباقي من الرجال و النساء و ~~العجائز على العسكر ليقتلوهم فقتل كل واحد منهم أربعا و عشرين شخصا. و في ~~أوائل سنة ثماني عشرة و ستمائة عبر جنكزخان نهر جيحون و قصد مدينة بلخ فخرج ~~إليه أعيانها و بذلوا له الطاعة و حملوا الهدايا و أنواعا من الترغو أي ~~المأكل و المشرب.فلم يقبل عليهم بسبب أن السلطان جلال الدين بن السلطان ~~محمد كان في تلك النواحي يهيئ أسباب الحرب و يستعد للقتال فأمر بخروج أهل ~~بلخ إلى الصحراء ليعدوهم كالعادة فلما خرجوا بأسرهم رمى فيهم السيف. و ms276 من ~~هناك توجه نحو الطالقان و قتل أكثر أهلها و أسر من صلح للأسر و أبقى البعض. ~~و سار إلى الباميان فعصى أهلها و قاتلوا قتالا شديدا و اتفق أن أصيب بعض ~~أولاد جغاتاي بسهم جرح فقضى نحبه و كان من أحب أحفاد جنكزخان إليه فعظمت ~~المصيبة بذلك و اضطرمت النيران في قلوب المغول و جدوا في القتال إلى أن ~~فتحوها و قتلوا كل من فيها حتى الدواب و البقر و الأجنة التي في بطون ~~الحبالى أيضا و لم يأسروا منها أحدا قط و تركوها أرضا قفرا و لم يسكنها أحد ~~إلى اليوم و سموها ماوباليغ أي قرية بؤس. PageV01P145 و لما فرغ جنكزخان من ~~تخريب بلاد خراسان سمع أن السلطان جلال الدين قد استظهر بالعراق فسار نحوه ~~ليلا و نهارا بحيث أن المغول لم يتمكنوا من طبخ لحم إذا نزلوا. فحين وصلوا ~~إلى غزنة أخبروا بأن جلال الدين من خمسة عشر يوما رحل عنها و هو عازم على ~~أن يعبر نهر السند. فلم يستقر جنكزخان و رحل في الحال و حمل على نفسه ~~بالسير حتى لحقه في أطراف السند فطاف به العسكر من قدامه و من خلفه و داروا ~~عليه دائرة وراء دائرة كالقوس الموتورة و نهر السند كالوتر و هو في وسط. و ~~بالغ المغول في المكاوحة و تقدم جنكزخان أن يقبض حيا و وصل جغاتاي و أوكتاي ~~أيضا من جانب خوارزم. فلما رأى جلال الدين أنه يوم عمل شهم و ضرغم أبطال ~~المغول و تطلب أطلابهم و حمل عليهم حملات و شق صفوفهم مرة بعد مرة و طال ~~الأمر بمثل ذلك لامتناع المغول عن رميه بالنشاب ليحضروه غير مؤوف بين يدي ~~جنكزخان امتثالا لمرسومه فكانوا يتقدمون إليه قليلا قليلا. فلما عاين تضييق ~~الحلقة عليه نزل فودع أولاده بل أكباده من نسائه و خواصه باكيا كئيبا ثم ~~رمى عنه الجوشن و ركب جنيبه و هو كالأسد الغيور و هم بالعبور واقحم فرسه ~~النهر فانقحم و عام و خلص إلى ms277 الساحل و جنكزخان و أصحابه ينظرون إليه و ~~يتأملونه حيارى. و لما شاهد ذلك جنكزخان وضع يده على فمه متعجبا و التفت ~~إلى ولديه و قال لهما: من أب مثل هذا الابن ينبغي أن يولد. إذا نجا من هذه ~~الوقعة فوقائع كثيرة تجري على يديه. و من خطبه لا يغفل من يعقل. و أراد ~~جماعة من البهادورية أن يتبعوه في الماء فمنعهم جنكزخان قائلا: إنكم لستم ~~من رجاله لأنه كان يرامي المغول بالسهام و هو في وسط الشط. فلما فاتهم ~~أخذوا أمر الخان بإحضار حرمه و أولاده و تقدم بقتل جميع الذكور حتى الرضع. ~~و لأن جلال الدين عندما أراد الخوض في النهر ألقى جميع ما كان صحبته من ~~آنية الذهب و الفضة و النقرة فيه أمر الغواصين فأخرجوا منها ما أمكن ~~إخراجه. و كان هذا الأمر الذي هو من عجائب الأنام و دواهي الأيام في رجب ~~فقيل في المثل: عش رجبا تر عجبا. # و فيها أعني سنة ثماني عشرة و ستمائة كان اجتماع الملك المعظم و الملك ~~الأشرف مع نجدة صاحب ماردين و عسكر حلب و الملك الناصر صاحب حماة و الملك ~~المجاهد صاحب حمص و اتصال الجميع بالملك الكامل على عزم قصد الفرنج و رد ~~دمياط منهم. فأحاطوا بهم و ضيقوا السبيل عليهم فأجابوا إلى الصلح على تسليم ~~دمياط و إطلاق ما بأيديهم من أسراء المسلمين و إطلاق ما بأيدي المسلمين من ~~أسراهم و قرر الصلح عاما مع الدكادنائب البابا و ملك عكا و ملوك فرنجة و ~~مقدمي الداوية و الاسبتارية و تسلم الكامل دمياط يوم الأربعاء تاسع عشر ~~رجب. و كانت مدة مقام الفرنج بها سنة كاملة و أحد عشر شهرا. و في سنة إحدى ~~و عشرين و ستمائة توفي الملك الأفضل علي بن صلاح الدين و قد نزل عن ملك مصر ~~و الشام و قنع بسميساط كرها. و كان عنده علم و فطنة لكنه كان ضعيف الرأي ~~قليل العزم كثير الغفلة عما يجب للدول و تدبير ms278 الممالك. و لما أخذت منه ~~البلاد كتب إلى الخليفة الناصر كتابا ضمنه شكاية عمه العادل و أخيه العزيز ~~حيث أخذا منه البلاد و نكثا عهد أبيه له بها. و كتب في أول الكتاب بيتين من ~~الشعر عملهما و أحسن فيهما و هما: # مولاي إن أبا بكر و صاحبه ... عثمان قد أخذا بالسيف حق علي # فانظر إلى حرف هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول # يريد بأبي بكر عمه و بعثمان أخاه و بعلي نفسه. فأجابه الناصر عن كتابه ~~بكتاب كتب فيه: # وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا ... بالصدق يخبر أن أصلك طاهر # غصبوا عليا حقه إن لم يكن ... بعد النبي له بيثرب ناصر # فاصبر فإن غدا عليه حسابهم ... وأبشر فناصرك الإمام الناصر # و كان الملك الأفضل قد شغله أبوه في صباه بشيء من العلم فحصل منه طرفا من ~~العربية و الشعر و كان ينظمه و يعتني به بالنسبة إلى حاله. # و في سنة اثنتين و عشرين و ستمائة توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو ~~العباس أحمد في ليلة عيد الفطر و كان عمره سبعين سنة و مدة خلافته ستا و ~~أربعين سنة و أحد عشر شهرا. PageV01P146 و كان في الأيام الامامية الناصرية ~~الحكيم عبد السلام بن جنكي دوست الجبلي البغدادي قد قرأ علوم الأوائل و ~~أجادها و اشتهر بهذا الشأن شهرة تامة و حصل له بتقدمه حسد من أرباب الشر ~~فثلبه أحدهم بأنه معطل فأوقعت الحفظة عليه و على كتبه فوجد فيها الكثير من ~~علوم الفلاسفة و برزت الأوامر الناصرية باخراجها إلى موضع ببغداد يعرف ~~بالرحبة و أن يحرق الجم منها بحضور الجمع ففعل ذلك و أحضر لها عبيد الله ~~التيمي المعروف بابن المارستانية و جعل له منبر و صعد عليه و خطب خطبة لعن ~~بها الفلاسفة و من يقول بقولهم و ذكر الركن هذا بشر و كان يخرج الكتب التي ~~له كتابا كتابا يتكلم عليه و يبالغ في ذمه و ذم مصنفه ثم يلقيه من يده ms279 لمن ~~يلقيه في النار. قال القاضي الأكرم الوزير جمال الدين بن القفطي رحمه الله: ~~أخبرني الحكيم يوسف السبتي الاسرائيلي قال: كنت بغداد يومئذ تاجرا و حضرت ~~المحفل و سمعت كلام ابن المارستانية و شاهدت في يده كتاب الهيئة لابن ~~الهيثم و هو يقول: و هذه الداهية الدهياء و النازلة الصماء و المصيبة ~~العمياء. و بعد إتمام كلامه خرقها و ألقاها في النار. فاستدللت على جهله و ~~تعصبه إذ لم يكن في الهيئة كفر و إنما هي طريق إلى الإيمان و معرفة قدر ~~الله جل و عز فيما أحكمه و دبره. و استمر الركن عبد السلام في السجن معاقبة ~~على ذلك إلى أن أفرج عنه سنة تسع و ثمانين و خمسمائة. # و في هذه السنة توفي يحيى بن سعيد بن ماري الطبيب النصراني صاحب المقامات ~~الستين صنفها و أحسن فيها و كان فاضلا في علوم الأوائل و علم العربية و ~~الشعر يرتزق بالطب. و من شعره في الشيب: # نفرت هند من طلائع شيبي ... و اعترتها سآمة من وجومي # هكذا عادة الشياطين ينفر ... ن إذا ما بدت نجوم الرجوم # و من أطباء الدار الامامية الناصرية صاعد بن هبة الله بن المؤمل أبو ~~الحسن النصراني الحظيري المتطبب و أخوه أبو الخير الاركيذياقون و هما أخوا ~~الجاثليق المعروف بابن المسيحي. أما صاعد فخدم الخليفة الناصر و تقرب قربا ~~كثيرا و كانت له المعرفة التامة بالطب و المنطق و صنف كتابا صغير الحجم ~~سماه الصفوة جمع فيه أجزاء الطب علميها و عمليها و ألحق في آخر الفن الأول ~~من الجزء الثاني ثلاثة فصول في الختانة لكونها منوطة بالأطباء ببغداد و إن ~~كان لا يسمع لأحد من المتقدمين و لا المتأخرين فيها قولا بل فيما يطول ~~القلفة. و كان ينسخ بخطه كتب الحكمة. و مات في آخر سنة إحدى و تسعين و ~~خمسمائة. و أما الاركيذياقون و كان أيضا فاضلا صنف كتابا مختصرا لخص فيه ~~مباحث كتاب الكليات من القانون سماه الاقتضاب ثم اختصره و سمى ms280 المختصر ~~انتخاب الاقتضاب. و حكى لي بعض الأطباء ببغداد أن أباه حمله و هو مترعرع ~~إلى ابن التلميذ ليشغله فقال: هذا ابنك صغير جدا. فقال: غرضي التبرك منك. ~~فأقرأه المسألة الأولى من مسائل حنين. # و في سنة أربع و تسعين و خمسمائة توفي محمد بن عبد السلام المقدسي ثم ~~المارديني كان أبوه قاضي ماردين و جده قاضي دنيسر قرأ الطب على ابن التلميذ ~~فبلغ منه الغاية حتى أن الملوك كانت تخطبه من النواحي و الأقطار و كان على ~~علو السن يكرر على كتب كبار. و قرأ عليه الشهاب السهروردي شيئا من الحكمة. ~~و لم يصنف كتابا مع غزارة علمه و تمكنه و حسن تصرفه فيه إلا أنه شرح أبيات ~~ابن سينا التي أولها:هبطت إليك. و كان أبو الخير بن المسيحي يفخم أمره و ~~يعظم شأنه. PageV01P147 و في سنة خمس و ستمائة مات موسى بن ميمون اليهودي ~~الأندلسي و كان قد قرأ علم الأوائل بالأندلس و أحكم الرياضيات و قرأ الطب ~~هناك فأجاده علما و لم يكن له جسارةعلى العمل.و أكره على الإسلام فأظهره و ~~أسر اليهودية. و لما التزم بجزيات الإسلام من القراءة و الصلاة فعل ذلك إلى ~~أن أمكنته الفرصة في الرحلة بعد ضم أطرافه فخرج عن الأندلس إلى مصر و معه ~~أهله و نزل مدينة الفسطاط بين يهودها فأظهر دينه و ارتزق بالتجارة في ~~الجوهر و ما يجري مجراه. و لما ملك العزيز مصر و انقضت الدولة العلوية ~~اشتمل عليه القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني و نظر إليه و قرر له ~~رزقا و كان يشارك الأطباء و لا ينفرد برأيه لقلة مشاركته و لم يكن وقفا في ~~المعالجة و التدبير. و كان عالما بشريعة اليهود و صنف كتابا في مذهب اليهود ~~سماه بالدلالة و بعضهم يستجيده وبعضهم يذمه و يسميه الضلالة. و غلب عليه ~~النحلة الفلسفية و صنف رسالة في المعاد الجسماني و أنكر عليه مقدمو اليهود ~~فأخفاها إلا عمن يرى رأيه.و رأيت جماعة من يهود ms281 بلاد الفرنج الغتم بإنطاكية ~~و طرابلس يلعنونه و يسمونه كافرا. و له تصنيفات حسنة في الرياضيات و مقاربة ~~في الطب. و ابتلي في آخر زمانه برجل من الأندلس فقيه يعرف بأبي العرب وصل ~~إلى مصر و حاققه على إسلامه و رام أذاه فمنعه عنه القاضي الفاضل و قال له: ~~رجل يكره لا يصح إسلامه شرعا. و لما قرب وفاته تقدم إلى مخلفيه أن يحملوه ~~إذا انقطعت رائحته إلى بحيرة طبرية فيدفنوه هناك لما فيها من قبور صالحيهم ~~ففعل به ذلك. # و في سنة ست و ستمائة في ذي الحجة توفي بهراة الإمام الفخر الرازي محمد ~~بن عمر المعروف بابن الخطيب بالري. و كان من أفاضل أهل زمانه بز القدماء في ~~الفقه و علم الأصول و الكلام و الحكمة و رد على أبي علي بن سينا و استدرك ~~عليه. و كان يركب و حوله السيوف المجذبة و له المماليك الكثيرة و المرتبة ~~العالية و المنزلة الرفيعة عتد السلاطين الخوارزمشاهية. و عن له أن تهوس ~~بعمل الكيمياء و ضيع في ذلك مالا كثيرا و لم يحصل على طائل.و سارت مصنفاته ~~في الأقطار و اشتغل بها الفقهاء. و رحل إلى ما وراء النهر لقصد بني مارة ~~ببخارا و لم يلق منهم خيرا و كان فقيرا يومئذ لا جدة له فخرج من بخارا و ~~قصد خراسان و اتفق اجتماعه بخوارزمشاه محمد بن تكش فقربه و أدناه و رفع ~~محله و أسنى رزقه.و استوطن مدينة هراة و تملك بها ملكا و أولد أولادا و ~~أقام بها حتى مات و دفن في داره.و كان يخشى أن العوام يمثلون بجثته لما كان ~~يظن به من الانحلال. و في مسيره إلى ما وراء النهر يقصد بخارا في حدود سنة ~~ثمانين و خمسمائة اجتاز بعبد الرحمن بن عبد الكريم السرخسي الطبيب و نزل ~~عليه فأكرمه و قام بحقه مدة مقامه بسرخس فأراد أن يفيده مما لديه فشرع له ~~في الكلام على كليات القانون و شرح المستغلق من ألفاظ هذا ms282 الكتاب و رسمه ~~باسمه و ذكره في مقدمته و وصفه و أثنى عليه. و في سنة ثماني و ستمائة توفي ~~المسيحي ابن أبي البقاء النيلي نزيل بغداد و كنيته أبو الخير و يعرف بابن ~~العطار و كان خبيرا بالعلاج قيما به له ذكر و قرب من دار الخليفة يطب ~~النساء و الحواظي عاش عمرا طويلا و حصل مالا جزيلا و خلف ولدا طبيبا لم يكن ~~رشيدأ يكنى أبا علي. و لما مات أبوه اتفق أن كان على بعض مسراته إذ كبس في ~~ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الأول من سنة سبع عشرة و ستمائة و عنده امرأة ~~مسلمة تعرف بست شرف. فلما قبض عليه أقر على جماعة من المسلمات كن يأتينه ~~لأجل دنياه من جملتهن زوجة ابن البخاري صاحب المخزن اسمها اشتياق. فخرج ~~الأمر بسجن المرأتين بسجن الطرارات و فدى أبو علي نفسه بستة آلاف دينار. ~~PageV01P148 و في سنة تسع عشرة و ستمائة في المحرم توفي علي بن أحمد أبو ~~الحسن الطبيب المعروف بابن هبل و كان من أهل بغداد عالما بالطب و الأدب ولد ~~ببغداد و نشأ بها ثم جاز إلى الموصل و خرج إلى أذربيجان و أقام بخلاط عند ~~صاحبها شاه أرمن يطبه و قرأ الناس عليه. و فارق تلك الديار لسبب و هو أن ~~بعض الطشتدراية قال له يوما و قد نظر قارورة الملك في بعض أمراضه: يا حكيم ~~لم لا تذوقها. فسكت عنه. فلما انفصل المجلس قال له في خلوة: قولك هذا اليوم ~~عن أصل أم من قول غيرك أو هو شيءخطر لك. فقال: إنما خطر لي لأني سمعت أن ~~شرط اختبار القارورة ذوقها. فقال: الأمر كذلك و لكن لا في كل الأمراض و قد ~~أسأت إلي بهذا القول لأن الملك إذا سمع هذا ظن أنني قد أخللت بشرط واجب من ~~شروط خدمته. ثم أنه عمل على الخروج لأجل هذه الحركة و الخوف من عاقبتها بعد ~~أن رشا الطشت دار حتى لا يعود إلى مثلها. و ms283 خرج و عاد إلى الموصل و قد تمول ~~فأقام بها إلى حين وفاته. و عمر حتى عجز عن الحركة و عدم بصره فلزم منزله ~~قبل وفاته بسنتين و مات و عمره خمس و تسعون سنة. و كان الناس يترددون و ~~يقرأون عليه. و صنف كتابا حسنا في الطب سماه المختار يجيء في أربع مجلدات. # و في سنة عشرين و ستمائة ثامن و عشرين جمادى الأولى ليلة الخميس قتل أبو ~~الكرم صاعد بن توما النصراني الطبيب البغدادي و يلقب بأمين الدولة. كان ~~فاضلا حسن العلاج كثير الإصابة و كان من ذوي المروآت تقدم في أيام الإمام ~~الناصر إلى أن صار في منزلة الوزراء و استوثقه على حفظ أمواله و خواصه و ~~كان يودعها عنده و يرسله في أمور خفية إلى الوزير و يظهر له كل وقت. و كان ~~حسن الوساطة جميل المحضرتقضى على يده حاجات الناس. و كان الإمام الناصر في ~~آخر أيامه قد ضعف بصره و أدركه سهو في أكثر أوقاته. و لما عجز عن النظر في ~~القصص استحضر امرأة من النساء البغداديات تعرف بست نسيم و قربها و كانت ~~تكتب خطا قريبا من خطه و جعلها بين يديه تكتب الأجوبة و شاركها في ذلك خادم ~~اسمه تاج الدين رشيق فصارت المرأة تكتب في الأجوبة ما ترد فمرة تصيب و ~~مرارا تخطئ. و اتفق أن كتب الوزير القمي المدعو بالمؤيد مطالعة و عاد ~~جوابها و فيه إخلال بين فتوقف الوزير و أنكر ثم استدعى الحكيم صاعد بن توما ~~و سأله عن ذلك سرا. فعرفه ما الخليفة عليه من عدم البصر و السهو الطارئ في ~~أكثر الأوقات و ما يعتمده المرأة و الخادم من الأجوبة. فتوقف الوزير عن ~~العمل بأكثر الأمور الواردة عليه. و تحقق الخادم و المرأة ذلك و حدسا أن ~~الحكيم هو الذي دله على ذلك. فقرر رشيق مع رجلين من الجند أن يغتالا الحكيم ~~و يقتلاه و هما رجلان يعرفات بولدي قمر الدين من الأجناد الواسطية. فرصدا ~~الحكيم ms284 في بعض الليالي إلى أن خرج من دار الوزير عائدا إلى دار الخليفة ~~فتبعاه إلى باب الغلة المظلمة و وثبا عليه بسكينيهما و جرحاه و انهزما. ~~فبصر بهما و صاح: خذوهما. فعادا إليه و قتلاه و جرحا النفاط الذي بين يديه. ~~و حمل الحكيم ابن توما إلى منزله و دفن بداره في ليلته. و بعد تسعة أشهر ~~نقل إلى تربة آبائه في لبيعة بباب المحول. و بحث الخليفة و الوزير عن ~~القاتلين فعرفا و أمر بالقبض عليهما و في بكرة تلك الليلة أخرجا إلى موضع ~~القتل و شق بطناهما و صلبا على باب المذبح المحاذي لباب الغلة التي جرح في ~~بابها. PageV01P149 " الظاهر بن الناصر " : و لما توفي الناصر لدين الله ~~بويع ابنه الإمام الظاهر بأمر الله عدة الدين أبو نصر محمد في ثاني شوال من ~~سنة اثنتين و عشرين و ستمائة. و كان والده قد بايع له بولاية العهد و كتب ~~بها إلى الآفاق و خطب له بها مع أبيه على سائر المنابر. و مضت على ذلك مدة ~~ثم نفر عنه بعد ذلك و خافه على نفسه فإنه كان شديدا قويا أيدا عالي الهمة ~~فأسقط من ولاية العهد في الخطبة و اعتقله و ضيق عليه و مال إلى أخيه الصغير ~~الأمير علي إلا أنه لم يعهد إليه. فاتفقت وفاة الأمير علي الصغير في حياة ~~والده و خلف أولادا أطفالا فبعث بهم إلى ششتر. فعلم الإمام الناصر أنه لم ~~يبق له ولد تصير الخلافة إليه بعده غيره فعهد إليه و بايع له الناس و هو في ~~الحبس مضبوط عليه و كانت عامة أهل بغداد يميلون إليه. فلما توفي الناصر ~~أخرجه أرباب الدولة و بايعوه بالخلافة. و قال لما بويع: كيف يليق أن يفتح ~~الإنسان دكانا بعد العصر. قد نيفت على الخمسين سنة و أتقلد الخلافة. ثم ~~أظهر من العدل و الأمن ما لم يمكن وصفه و أزال الظلم و رد على الناس أموالا ~~جزيلة و أملاكا جليلة كانت قد أخذت منهم ms285 و أزال مكوسا كثيرة و كانت قد ~~جددت. و ارتفع عن الناس ما كانوا ألفوه من الخوف في زمان والده فأظهروا ~~نعمتهم و امتنع المفسدون من السعايات. و عقد لبغداد جسرا ثانيا عظيما ~~جديداو أنفق عليه مالا كثيرا فصار في بغداد على دجلتها جسران. و ما زالت ~~دولته كذلك عادلة آمنة منذ ولي إلى أن توفي في رابع عشر شهر رجب سنة ثلاث و ~~عشرين و ستمائة بعد تسعة أشهر من ولايته. # و فيها مات يوسف بن يحيى بن اسحق السبتي المغربي. هذا كان طبيبا من أهل ~~قادس و قرأ الحكمة بجلادة فشدا فيها و عانى شيئا من علوم الرياضة فأجادها و ~~كانت حاضرة على ذهنه عند المحاضرة. و لما ألزم اليهود في تلك البلاد ~~بالإسلام أو الجلاء كتم دينه و ارتحل إلى مصر بماله و اجتمع بموسى بن ميمون ~~القرطبي رئيس اليهود بمصر و قرأ عليه شيئا و سأله إصلاح هيئة ابن أفلح ~~الأندلسي فإنها صحبته من سبتة فاجتمع هو و موسى على إصلاحها و تحررها.و خرج ~~من مصر إلى الشام و نزل حلب و أقام بها و اشترى ملكا قريبا و تزوج و خدم ~~أطباء الخاص في الدولة الظاهرية بحلب و كان ذكيا حاد الخاطر. قال القاضي ~~الأكرم رحمه الله: كان بيني و بين يوسف هذا مودة طالت مدتها فقلت له يوما: ~~إن كان للنفس بقاء و تعقل به حال الموجودات من خارج بعد الموت فعاهدني على ~~أن تأتيني إن مت قبلي و آتيك إن مت قبلك. فقال: نعم. و وصيته أن لا يغفل. و ~~مات و أقام سنتين ثم رأيته في النوم و هو قاعد في عرصة مسجد من خارجه في ~~حضيرة له و عليه ثياب جدد بيض من النصفي فقلت له: يا حكيم ألست قررت معك أن ~~تأتيني لتخبرني بما ألفيت. فضحك و أدار وجهه فأمسكته بيدي و قلت: لا بد أن ~~تقول لي كيف الحال بعد الموت. فقال لي: الكلي لحق بالكل و بقي الجزئي ms286 في ~~الجزء. ففهمت عنه في حاله كأنه أشار إلى النفس الكلية عادت إلى عالم الكل و ~~الجسد الجزئي بقي في الجزء و هو المركب الأرضي. فتعجبت بعد الاستيقاظ من ~~لطيف إشارته. نسأل الله العفو عند العود إليه بعد الموت. # " المستنصر بن الظاهر " و لما توفي الإمام الظاهر بأمر الله بويع ابنه ~~جعفر المنصور و لقب المستنصر بالله بويع يوم مات والده. و لما بويع البيعة ~~العامة ركب للناس ركوبا ظاهرا و استمر على هذه الحالة مدة طويلة لا يختفي ~~في ركوبه من الناس و أظهر من العدل و حسن السيرة أضعاف ما أظهره والده و ~~أفاض من الصدقات ما أربى على من تقدمه و تقدم بإنشاء مدرسته المعروفة ~~بالمستنصرية التي لم يعمر في الدنيا مثلها فعمرت على أعظم وصف في صورتها و ~~آلاتها و اتساعها و زخرفها و كثرة فقهائها و وقوفها. و وقفها على المذاهب ~~الأربعة و رتب فيها أربعة من المدرسين في كل مذهب مدرسا و ثلاثمائة فقيه. ~~لكل مذهب خمسة و سبعون فقيها. و رتب لهم من المشاهرات والخبز و الطعام في ~~كل يوم ما يكفي كل فقيه و يفضل عنه و بنى لهم داخل المدرسة حماما خاصا ~~للفقهاء و طبيبا خاصا يتردد إليهم في بكرة كل يوم يفتقدهم و مخزنا فيه كل ~~ما يحتاج إليه من أنواع ما يطبخ من الأطعمة و مخزنا آخر فيه أنواع الأشربة ~~و الأدوية. PageV01P150 و في سنة أربع و عشرين و ستمائة توفي الملك المعظم ~~عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق في سلخ ذي تاقعدة و كان عمره ثمانيا و ~~أربعين سنة. و كانت همته عالية و صار ملكه بدمشق و القدس و السواحل إلى ~~ولده الملك الناصر صلاح الدين داود فاستقر ملكه بها و حمل عمه الملك العزيز ~~وعمه الملك الصالح الغاشية بين يديه. # و فيها قفل جنكزخان من الممالك الغربية إلى منازله القديمة الشرقية ثم ~~رحل من هناك إلى بلاد تنكوت و هنالك عرض له مرض من عفونة ذلك ms287 الهواء الوخيم ~~و لما قوي من مرضه استدعى أولاده جغاتاي و أوكتاي و الغ نوين و كلكان و ~~جورختاي و أوردجار و قال لهم: إنني قد أيقنت مفارقة الدنيا لعجز قوتي عن ~~حمل ما بي من الآلام و لا بد من شخص يقوم بحفظ المملكة على حالها و الذب ~~عنها. و قد أعلمتكم غير مرة أن ابني أوكتاي يصلح لهذا الشأن لما رأيت من ~~مزية رأيه المتين و عقله المبين و الآن فقد جعلته و لي عهدي و قلدته ما ~~بيدي من جميع الممالك فما قولكم في هذا الذي استصوبته. فجثا الأولاد و ~~النوينية المذكورون على ركبهم و قالوا: جنكزخان هو المالك للرقاب و نحن ~~العبيد السامعون المطيعون في جميع ما يتقدم به على وفق مراده و مرسومه. و ~~عند فراغه من الوصية اشتد وجعه و توفي لأربع مضين من شهر رمضان سنة أربع و ~~عشرين و ستمائة و كان مدة ملكه نحو خمس و عشرين سنة. فأرسل الولدان و ~~الأمراء الرسل إلى باقي الأولاد و الأمراء ليجتمعوا في القوريلتاي أي ~~المجمع الكبير. # و في سنة خمس و عشرين و ستمائة ترددت الرسل بين الفرنج و الملك الكامل في ~~طلب الصلح فاتفق على تسليم البيت المقدس إلى الفرنج فتسلموه و مواضع كثيرة ~~أخر من بلاد الساحل. و إنما أجابهم الكامل لما رأى من كثرة عساكرهم و إمداد ~~البحر لهم بالرجال و الأموال فخاف على بلاده أن تؤخذ منه عنوة فأرضاهم ~~بذلك. # و في سنة ست و عشرين و ستمائة تم اجتماع الأولاد و أمراء المغول فوصل من ~~طرف القفجاق الأولاد توشي هردو باتو سيبان تنكون بركه بركجار بغاتيمور ~~أقناس جغاتاي. و من طرف أتميل أوكتاي. و من طرف المشرق عمهم أوتكين و ~~بلكتاي نوين و الجتاي نوين و الغ نوين. و أما الأولاد الصغار فكانوا في ~~أردو جنكزخان. و في زمن الربيع حضروا كلهم في عساكرهم و ثلاثة أيام متوالية ~~فرحوا جميعا ثم شرعوا فيما تقدم به جنكزخان من الوصية ms288 و العهد بالمملكة إلى ~~أوكتاي فامتثلوا كلهم الأوامر الجنكزخانية و اعترفوا بأهليته لذلك. ~~فاستقالهم أوكتاي الولاية قائلا: إن أمر الوالد و إن كان لا اعتراض عليه ~~لكن ههنا أخ أكبر مني و أعمام هم أولى مني بها. فلم يقيلوه إياها و أصروا ~~على أنه لا بد من امتثال مرسوم الوالد و داموا على إصرارهم أربعين يوما و ~~ما زالوا يتضرعون إليه و يلحون عليه بالمسألة حتى أجاب إلى ذلك فكشفوا ~~رؤوسهم و رموا مناطقهم على أكتافهم و أخذ جغاتاي أخوه الكبير بيده اليمنى و ~~أوتكين عمه بيده اليسرى فأجلساه على سرير المملكة و لقباه قاان و لزم له ~~الغ نوين كأس شراب فسقاه و جثا كل من كان حاضرا داخل الخزكاه و خارجها على ~~ركبتيه تسع مرات و دعوا له ثم برزوا كلهم إلى خارج و جثوا ثلاث مرات حيال ~~الشمس. و إنما اختص ألغ نوين بلزوم الكاس لأنه أصغر أولاد جنكزخان و في ~~عادة المغول أن الابن الصغير لا يقتسم و لا يخرج عن بيت أبيه و إذا مات ~~الأب فهو يتولى تدبير المنزل. ففي تلك الأربعين يوما كان يقول أوكتاي: إن ~~الغ نوين هو صاحب البيت و أكثر مواظبة لخدمته و أبلغ مني تعلما لسياسته ~~فالمصلحة تفويض هذا الأمر إليه. فلذلك سبق الجميع بتصريح الطاعة. و أما ~~الأمراء فانتخبوا من بناتهم الأبكار الصالحة لخدمة قاان أربعين بنتا و ~~حملوهن مزينات بالحلي الفاخرة و الخيول الرائعة إلى خدمته. و لما فرغ من ~~هذه الأمور صرف همته إلى ضبط الممالك و جهز جورماغون في ثلاثين ألف فارس و ~~سيرهم إلى ناحية خراسان و أنفذ سنتاي بهادر في مثل ذلك العسكر إلى جانب ~~قفجاق و سقسين و بلغار و جماعة أخرى إلى التبت و قصد هو بنفسه بلاد الخطا. ~~PageV01P151 و في سنة سبع و عشرين و ستمائة في أوائلها نزل السلطان جلال ~~الدين خوارزمشاه على خلاط و حاصرها أشد حصار و شتى عليها و نصب عليها عشرين ~~منجنيقا على ناحية البحر ms289 و فيها أخو الملك الأشرف تقي الدين عباس و مجير ~~الدين يعقوب و الأمير حسام الدين القيمري و عز الدين ايبك مملوك الأشرف. ~~فدام الحصار على أهل خلاط و اشتد حتى أكلوا لحوم الكلاب و بلغ الخبز كل رطل ~~بالشامي بدينار مصري فتسلم خوارزمشاه المدينة و القلعة و انهزم حسام الدين ~~القيمري و أفلت على فرس وحده و مضى إلى قلعة قيمر ثم تجهز إلى خدمة الملك ~~الأشرف إلى الرقة و أقام عز الدين ايبك و تقي الدين و مجير الدين مع ~~خوارزمشاه يركبون معه و يلعبون بالكرة. و لما طارت الأخبار إلى الملك ~~الأشرف بذلك انزعج و أسار جريدة إلى أبلستين. فتلقاه صاحب الروم علاء الدين ~~كيقباذ من فراسخ و اجتمعا و لحقت الملك الأشرف عساكره و خرج علاء الدين ~~بعساكره إلى اق شهر هو و الملك الأشرف و خرج الخوارزمي من خلاط للقائهم و ~~كان في أربعين ألفا والتقوا اقتتلوا قتالا شديدا في يوم الجمعة و كان ~~الغلبة فيه للملك الأشرف و الرومي و باتوا ليلة السبت على تعبيتهم إلى ~~الفجر من يوم السبت فالتقوا و اقتتلوا فانكسر الخوارزمي كسرة عظيمة و انهزم ~~و قتل من أصحابه خلق لا يحصي عددهم إلا الله و انهزم مثلهم و أسر مثلهم و ~~بلغت هزيمتهم إلى جبال طرابيزون فوقع منهم في شقيف هناك ألف و خمسمائة رجل. ~~و ساق خوارزمشاه إلى صوب خرتبرت فوصلها في يوم و ليلة و نجا بنفسه و مضى ~~إلى بلاد العجم فأقام في خوى. و كان قد بعث تقي الدين عباس أخا الأشرف ~~أسيرا مقيدا إلى بغداد هدية فأعاده الخليفة المستنصر مكرما إلى الأشرف فوصل ~~الأشرف إلى خلاط و أصلح أحوالها و رممها ثم بعث رسولا إلى خوارزمشاه يسأله ~~الإحسان إلى من معه من الأسارى فأجابه بأن عندي منكم ملوكا و عندكم منا ~~مماليك فإن أجبتم إلى الصلح فأنا موافق عليه. فأجابه الملك الأشرف: إنك ~~فعلت ببلادنا ما فعلته و ما أبقيت من سوء المعاملة و ms290 المقابحة شيئا إلا و ~~قد عملته خربت البلاد و سفكت الدماء فإن أردت الصلح فانزل عن البلاد التي ~~تغلب عليها و لم تكن لأبيك لنعمر منها ما خربت. و أما قولك بأن عندك منا ~~ملوكا فالذي عندك أخي مجير الدين يعقوب نحن نقدر أنه مات فأخوتي عوضه و نحن ~~بحمد الله في جماعة أهل بيت و أولاد و أقارب نزيد على ألفي فارس و أنت أبتر ~~ما لك أحد و خلفك أعداء كثيرة. فمضى الرسول بهذا الجواب فلم يجبه الخوارزمي ~~إلى ما طلبه و لا استقر بينهما أمر. و كان عز الدين ايبك قد سجنه خوارزمشاه ~~في قلعة اختمار فأحضر و قتل. ثم وصله خبر عبور جورماغون نوين نهر أموية في ~~طلبه فتوجه إلى تبريز و أرسل رسولا إلى الخليفة و آخر إلى الملك الأشرف و ~~صحبته زوجة الأمير حسام الدين القيمري التي كان قد أسرها من خلاط و رسولا ~~إلى السلطان علاء الدين صاحب الروم يستجيشهم و يعلمهم كثرة عساكر التاتار و ~~حدة شوكتهم و شدة نكايتهم و أنه إذا ارتفع هو من البين يعجزون عن مقاومتهم ~~و انه كسد الاسكندر يمنعهم عنهم فالرأي أن يساعده كل منهم بفوج من عسكره ~~ليرتبط بذلك جأش أصحابه و يحجم بهم العدو عن البلاد فيحجم. قال من هذا ~~النوع و أكثر و استصرخهم فلم يصرخوه و استغاثهم فلم يغيثوه فشتى بأرمية و ~~أشتوا. و في الربيع توجه إلى نواحي ديار بكر و صار يزجي أوقاته بالتمتع و ~~اللهو والشراب و الطرب كأنه يودع الدنيا و ملكها الفاني. و بينما هو في ذلك ~~يسر لا بل يغر فجئه هجوم بايماس نوين في عسكره ليلا فتكلف للانتباه و عاين ~~نيران المغول بالقرب من مكانه فتقدم إلى الأمير أورخان أن يلم به الجماعة و ~~يشغل المغول عند الصبح بالاقدام تارة و الاحجام أخرى و فر هو مع ثلاثة نفر ~~من مماليكه تائها في جبال ديار بكر. فلما أصبحوا ظن المغول أن جلال الدين ~~خوارزمشاه فيهم ms291 فجدوا في طلبهم طاردين في أعقابهم و هم منهزمون بين أيديهم ~~و لما تحققوا أنه ليس معهم رجعوا عنهم. فأما جلال الدين خوارزمشاه فأوقع به ~~قوم من الأكراد ببعض جبال آمد و لم يعرفوه و قدروه من بعض جند الخوارزمية ~~فقتلوه و المملوكين طمعا في ثيابهم و خيلهم و سلاحهم. استنبط ذلك من جهة أن ~~بعد مديدة يسيرة دخل بعض أولئك الأكراد إلى آمد و عليه من سلاح جلال ~~PageV01P152 الدين. فعرفه مملوك له كان قد لجأ إلى صاحب آمد فقبض الكردي و ~~قرر فأقر بما افتعله هو وأصحابه فأحضرهم و قتلهم حنقا عليهم. و قال قوم أن ~~المقتول لم يكن جلال الدين و إنما كان سلاحداره لأنه يومئذ لم يحمل سلاحا و ~~لا كان يلبس ثياب العادة و إنما كان بزي الصوفية مع اصحابه و لذلك دائما ~~كان يرجف الناس أن جلال الدين خوارزمشاه قد رأوه بالبلد الفلاني و بالمدينة ~~الفلانية حتى أنه في سنة اثنتين و خمسين و ستمائة اتفق جماعة من التجار ~~عابرين على نهر جيحون و هناك القراغول و هم مستحفظو الطرق فأنكروا على فقير ~~كان صحبة التجار مجهول فلما قرروه أقر أنه جلال الدين خوارزمشاه فقبضوه و ~~كرروا عليه العذاب و السؤال فلم يغير كلامه إلى أن مات تحت العقوبة. فإن لم ~~يكن هو و اعتمد ذلك إلى هذه الغاية فلا شك أن الجنون فنون.ن. فعرفه مملوك ~~له كان قد لجأ إلى صاحب آمد فقبض الكردي و قرر فأقر بما افتعله هو وأصحابه ~~فأحضرهم و قتلهم حنقا عليهم. و قال قوم أن المقتول لم يكن جلال الدين و ~~إنما كان سلاحداره لأنه يومئذ لم يحمل سلاحا و لا كان يلبس ثياب العادة و ~~إنما كان بزي الصوفية مع اصحابه و لذلك دائما كان يرجف الناس أن جلال الدين ~~خوارزمشاه قد رأوه بالبلد الفلاني و بالمدينة الفلانية حتى أنه في سنة ~~اثنتين و خمسين و ستمائة اتفق جماعة من التجار عابرين على نهر جيحون و هناك ~~القراغول ms292 و هم مستحفظو الطرق فأنكروا على فقير كان صحبة التجار مجهول فلما ~~قرروه أقر أنه جلال الدين خوارزمشاه فقبضوه و كرروا عليه العذاب و السؤال ~~فلم يغير كلامه إلى أن مات تحت العقوبة. فإن لم يكن هو و اعتمد ذلك إلى هذه ~~الغاية فلا شك أن الجنون فنون. # و لما استقر قاان في الملك و انقاد له القاصي و الداني من جيوش المغول ~~عزم على فتح بلاد الخطا و سير في مقدمته أخويه جغاتاي و الغ نوين و باقي ~~الأولاد في عساكر عظيمة. فساروا و نازلوا أولا مدينة يقال لها حرجا بنو ~~يقسين و هي على شط قراموران فأحاطوا بها و حصروها مدة أربعين يوما و كان ~~فيها عشرة آلاف من فرسان الخطا فلما عاينوا العجز عن مقاومة المغول ركبوا ~~السفن التي كانوا أعدوها هاربين. و طلب أهل البلد الأمان فأومنوا و رتب ~~المغول عندهم الشحاني و قصدوا باقي المواضع. و جهز قاان أخاه الغ نوين و ~~ولده كيوك و سيرهم في عشرة آلاف فارس في المقدمة و سار هو بعقبهم فتمهل و ~~معه العسكر الكبير. فجيش التون خان ملك الخطا مائة ألف من شجعانه و قدمم ~~عليهم أميرا من أمرائه و أنفذهم للقاء المغول. فلما وصلوا إليهم استحقروهم ~~لقلتهم بالنسبة إليهم و تهاونوا في أمرهم و أرادوا أن يسوقوهم كما هم إلى ~~ملكهم التون خان ليفرجوا بهم عنه غمه إذا هو ضرب عليهم حلقة و صادهم صيدا. ~~فشغلهم المغول بفتور المكافحة و أطمعوهم إلى أ، وصلت الأفواج التي مع قاان ~~فأوقعوا بعسكر الخطا و لم يفلت منهم إلا النزر. و كان التون خان بمدينة ~~تسمى نامكينك فلما بلغه الخبر بما جرى على أصحابه ارتاع و آيس من حياة ~~الدنيا و جمع أولاده و نساءه و كل من يعز عليه و دخلوا بيتا من بيوت الخشب ~~و أمر بضرب النار فيه فاحترق هو و من معه أنفة من الوقوع في أسر المغول. و ~~دخلت عساكر المغول إلى المدينة و نهبوا ms293 و أسروا البنين و البنات و أمنوا ~~الباقي. و فتحوا غيرها من المدن المشهورة و رتب بها قاان الشحاني و قفل إلى ~~مواضعه القديمة و بنى بها مدينة سماها اردوباليق و هي مدينة قراقورم و ~~أسكنها خلفا من أهل الخطا و تركستان و الفرس و المستعربين. و بينما هم ~~مسرورون بفتح بلاد الخطا توفي تولي خان و كان أحب الأخوة إلى قاان فاغتم ~~لذلك كثيرا و أمر أن زوجته المسماة سرقوتنى بيكي و هي ابنة أخي اونك خان ~~تتولى تدبير عساكره و كان لها من الأولاد أربعة بنين مونككا قوبلاي هولاكو ~~أريغ بوكا. فأحسنت تربية الأولاد و ضبط الأصحاب و كانت لبيبة مؤمنة تدين ~~بدين النصرانية تعظم محل المطارنة و الرهبان و تقتبس صلواتهم و بركتهم و في ~~مثلها قال الشاعر: # فلو كان النساء كمثل هذه ... لفضلت النساء على الرجال PageV01P153 و بعد ~~قليل مات أيضا الأخ الكبير و هو المسمى توشي و خلف سبعة بنين و هم تمسل ~~هردو باتوا سيبقان تنكوت بركه بركجار. و من بين هؤلاء لباتوا سلم قاان ~~البلاد الشمالية و هي بلاد الصقالبة و اللان و الروس و البلغار و جعل مخيمه ~~على شاطىء نهر اتلو غزا هذه النواحي فقتل فيها خلائق بلغ عددهم مائتي ألف و ~~سبعين ألفا علم ذلك من آذان القتلى التي قطعوها امتثالا لمرسوم قاان لأنه ~~تقدم بقطع الأذن اليمنى من كل قتيل. و بعد فراغ باتوا من أمر الصقالبة تجهز ~~للدخول إلى نواحي القسطنطينية فبلغ ذلك ملوك الفرنج فجاؤوا حافلين حاشدين و ~~التقوا المغول في أطراف بلد البلغار و جرت بينهم حروب كثيرة انجلت عن كسرة ~~المغول و هزيمتهم و هربهم فقفلوا من غزاتهم هذه و لم يعودوا يتعرضون إلى ~~بلاد يونان و فرنجة إلى يومنا هذا. # و في سنة ثلاثين و ستمائة أرسل السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم ~~رسولا إلى قاان و بذل الطاعة. فقال قاان للرسول: اننا قد سمعنا برزانة عقل ~~علاء الدين و إصابة رأيه فإذا حضر ms294 بنفسه عندنا يرى منا القبول و الإكرام و ~~نوليه الاختاجية في حضرتنا و تكون بلاده جارية عليه. فلما عاد الرسول بهذا ~~الكلام تعجب منه كل من سمعه و استدل على ما عليه قاان من العظمة. و فيها ~~أخذ علاء الدين خلاط و سرمارى من الملك الأشرف و غزا الأشرف مدينة حصن ~~منصور و أغار عليها و أخذ الكامل مدينة آمد من صاحبها و عوضه عنها قرى ~~بالشام. و فيها توفي مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي كوجك صاحب اربل في ~~رمضان و حمل إلى مكة فدفن بها و ولي اربل إنسان شريف يقال له أبو المعالي ~~محمد بن نصر بن صلايا من قبل الخليفة المستنصر. و في سنة إحدى و ثلاثين و ~~ستمائة مات ناصر الدين محمود بن القاهر نور الدين صاحب الموصل و وصل ~~التقليد من الخليفة لبدر الدين لؤلؤ بالولاية فخطب له على المنابر ~~بالسلطنة. و في سنة اثنتين و ثلاثين حصر السلطان علاء الدين مدينة الرها و ~~ملكها عنوة فدخلها الروميون و وضعوا السيف بها ثلاثة أيام و قتلوا النصارى ~~و المسلمين فتكا و نهبا فأصبح الرهاويون فقراء لا يملكون شيئا و نهبت البيع ~~و أخذ ما فيها من الكتب و الصلبان و آلات الذهب و النقرة و حمل أهل حران ~~مفاتيح قلعتها فملكوها هدنة و ملكوا الرقة و البيرة أيضا. فلما عاد عنها ~~عسكر الروم قصد الملك الكامل الرها و حاصرها أربعة أشهر ثم ملكها و هدم ~~برجا كبيرا من أبرجة قلعتها و حمل من وجد بها من الروميين كل اثنين على جمل ~~و بعث بهم إلى مصر مقيدين. # و في سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة غزا التاتار بلد اربل و عبروا إلى بلد ~~نينوى و نزلوا على ساقية قرية ترجلى و كرمليس فهرب أهل كرمليس و دخلوا ~~بيعتها و كان لها بابان فدخلها المغول و قعد أميران منهم كل واحد على باب و ~~أذنوا للناس في الخروج عن البيعة فمن خرج من أحد ms295 بابيها قتلوه و من خرج من ~~الباب الآخر اطلقه الأمير الذي على ذلك الباب و أبقاه فتعجب الناس لذلك. # و في سنة أربع و ثلاثين و ستمائة توفي السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب ~~الروم بغتة لأنه كان قد صنع دعوة عظيمة حضر بها الأمراء الأكابر و أتباعهم ~~و أكثر الجند. PageV01P154 فبينما هو يظهر السرور و الفرح و يتباهى بما ~~أعطي من الملك إذ حس بوجع في أحشائه و أخذته خلفة فاختلف إلى المتوضأ ~~فانسهل برازا دمويا صرفا كثير المقدار و سقطت قوته في الحال. و في اليوم ~~الثاني من هذا العرض مات و كان ملكه ثماني عشرة سنة و كان عاقلا عفيفا ذا ~~بأس شديد على حاشيته و أمرائه و كانت الدولة السلجوقية قبله محلولة بسبب ~~الخلف الواقع بين أولاد قلج أرسلان فلما وليها علاء الدين أعاد جدتها و جدد ~~ناموسها و ألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه و اتسع ملكه جدا و دان له ~~العالم و بحق قيل له سلطان العالم و حضر عنده الملوك و أذعنوا له بالطاعة و ~~كان قاسي القلب. و لما توفي أحضر الأمراء ولده غياث الدين كيخسرو فبايعوه و ~~حلفوا له. و فيها توفي الملك العزيز بن الملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب ~~حلب و ولي بعده ابنه الملك الناصر صلاح الدين و هو آخر الملوك من بيت أيوب ~~قتله هولاكو في سنة ثماني و خمسين و ستمائة. و فيها أعني سنة أربع و ثلاثين ~~في شهر شوال غزا التاتار بلد اربل و هرب أهل المدينة إلى قلعتها. فحاصروها ~~أربعين يوما ثم أعطوا مالا فرحلوا عنها. و لما ولي السلطان غياث الدين ~~كيخسرو السلطنة ببلد الروم قبض على غاير خان أمير الخوارزمية فهرب باقي ~~الخوارزمية و أمراؤهم و لما اجتازوا بملطية و كاختين و خرتبرت أسروا سيف ~~الدولة السوباشي و قتلوا ببرمير سوباشي خرتبرت و أغاروا على بلد سميساط و ~~عبروا إلى السويداء فأقطعهم الملك الناصر صاحب حلب ما بين النهرين الرها و ms296 ~~حران و غيرهما فكفوا عن الفساد و الغارات. و في سنة خمس و ثلاثين و ستمائة ~~توفي الملك الأشرف بن الملك العادل بن أيوب بدمشق و كان عمره ستين سنة و ~~كان كريما سخيا مقبلا على التمتع بالدنيا و لذاتها يزجي أوقاته برفاغية من ~~العيش. و فيها مات أيضا الملك الكامل بن الملك العادل بن أيوب صاحب مصر ~~بدمشق و دفن بها و كان عمره سبعين سنة و كان عاقلا فاضلا حسن السياسة كثير ~~الإصابة سديد الرأي شديد الهيبة عظيم الهمة محبا للفضائل و أهلها. # و فيها غزا التاتار العراق و وصلوا إلى تخوم بغداد إلى موضع يسمى زنكاباذ ~~و إلى سرمرأى. فخرج إليهم مجاهد الدين الدويدار و شرف الدين إقبال الشرابي ~~في عساكرهما فلقوا المغول و هزموهم و خافوا من عودهم فنصبوا المنجنيقات على ~~سور بغداد. و في آخر هذه السنة عاد التاتار إلى بلد بغداد و وصلوا إلى ~~خانقين فلقيهم جيوش بغداد فانكسروا و عادوا منهزمين إلى بغداد بعد أن قتل ~~منهم خلق كثير و غنم المغول غنيمة عظيمة و عادوا. و فيها حدث ببغداد مد ~~دجلتها مدا عظيما هائلا و غرق دور كثيرة و غرق سفينتان فهلك فيهما نحو ~~خمسين نسمة. و في سنة سبع و ثلاثين و ستمائة جهز السلطان غياث الدين جيوشا ~~إلى ارمينية فامتنع المغول من الدخول إلى بلد الروم. # و في سنة ثماني و ثلاثين و ستمائة ظهر ببلد اماسيا من أعمال الروم رجل ~~تركماني ادعى النبوة و سمى نفسه بابا فاستغوى جماعة من الغاغة بما كان يخيل ~~إليهم من الحيل و المخاريق. و كان له مريد اسمه اسحق يتزيا بزي المشايخ ~~فأنفذه إلى أطراف الروم ليدعو التركمانيين إلى المصير إليه. فوافى اسحق هذا ~~بلد سميساط و أظهر الدعوة لبابا فاتبعه خلق كثير من التركمان خصوصا و كثف ~~جمعه و بلغ عدد من معه ستة آلاف فارس غير الرجالة فحاربوا من خالفهم و لم ~~يقل كما يقولون لا إله إلا الله بابا رسول ms297 الله فقتلوا خلقا كثيرا من ~~المسلمين و النصارى من أهل حصن منصور و كاخنتين و كركر و سميساط و بلد ~~ملطية ممن لم يتبعهم و كانوا يهزمون كل من لقيهم من العسكر حتى وصلوا إلى ~~أماسيا. فأنفذ إليهم السلطان غياث الدين جيشا فيه جماعة من الفرنج الذين في ~~خدمته فحاربوهم و كان الجند المسلمون لم يتجرأوا عليهم و يحجموا عنهم لما ~~توهموا منهم. فأخر الفرنج المسلمين و تولوا بأنفسهم محاربة الخوارج فكشفوهم ~~و رموا فيهم السيف و قتلوهم طرا و أسروا الشيخين بابا و اسحق فضرب عنقاهما ~~و كفوا الناس شرهم. PageV01P155 و في سنة تسع و ثلاثين حاصر جرماغون نوين ~~مدينة ارزن الروم و ملكها عنوة و قتل فيها خلائق من أهلها و سبى الذراري و ~~شن الغارة عليها و قتل سنان سوباشها. و في سنة أربعين و ستمائة سار السلطان ~~غياث الدين كيخسرو إلى ارمينية في جمع كثيف و جهاز لم يتجهز أحد مثله في ~~عساكره و عساكر اليونانيين و الفرنج و الكرج و الأرمن و العرب لمحاربة ~~التاتار فالتقى العسكران بنواحي ارزنكان بموضع يسمى كوساذاغ و أوا وهلة ~~باشر المسلمون و من معهم الجيوش النصرانية الحرب و هلوا وادبروا ولوا ~~هاربين فانهزم السلطان مبهوتا فأخذ نساءه و أولاده من قيسارية و سار إلى ~~مدينة انقورة فتحصن بها. و أقام المغول يومهم ذلك مكانهم و لم يقدموا على ~~التقدم فظنوا أن هنال كمينا إذ لم يروا قتالا يوجب هزيمتهم و هم في تلك ~~الكثرة من الأمم المختلفة. فلما تحققوا الأمر انتشروا في بلاد الروم ~~فنازلوا أولا مدينة سيواس فملكوها بالأمان و أخذوا أموال أهلها عوضا عن ~~أرواحهم و أحرقوا ما وجدوا بها من آلات الحرب و هدموا سورها. ثم قصدوا ~~مدينة قيسارية فقاتل أهلها أياما ثم عجزوا ففتحوها عنوة و رموا فيها السيف ~~و أبادوا أكابرها وأغنياءها معاقبين على اظهار الأموال و سبوا النساء و ~~الأولاد و خربوا الأسوار و عادوا و لم يتوغلوا في باقي بلاد السلطان. و ms298 لما ~~سمع أهل ملطية ما فعل التاتار بقيسارية هلعوا و جزعوا أفحش الجزع. فأجفل ~~رشيد الدين الخويني أميرها و معه أصحابه طالبين حلب و كذلك من أمكنه الهرب ~~من أماثلها. و كان من جملة من يريد الخروج بأهله والدي فأحضر الدواب و كان ~~لنا فيها بغل للسرج فلما أرادوا شد الاكاف عليه ليحملوه شمص و تفلت. فبينما ~~هم يتبعونه في الزقاق ليلزموه قالوا لهم: إن الفتيان من العامة وثبوا في ~~باب المدينة و ينهبون كل من رأوه يخرج. فأمسك والدي عن الخروج و اجتمع ~~بالمطران دينوسيوس و تشاوروا في مرابطة المدينة و جمعا المسلمين و النصارى ~~في البيعة الكبيرة و تحالفوا أن لا يخون بعضهم بعضا و لا يخالفوا المطران ~~في جميع ما يتقدم إليهم من مداراة التاتار و القيام بحفظ المدينة و ~~البيتوتة على أسوارها و كف أهل الشر عن الفساد. فنظر الله إلى حسن نياتهم و ~~دفع العدو عنهم و وصلوا بالقرب من ملطية و لم يتعرضوا إليها. و أما الذين ~~خرجوا من المدينة مجفلين فأدركهم المغول عند قرية يقال لها باجوزة على عشر ~~فراسخ من المدينة فقتلوا الرجال و سبوا النساء و الأولاد و من سلم منهم في ~~المغائر و الشعاب و الأودية الغائرة من النساء و الرجال عاد إلى ملطية ~~عريانا حافيا و كان ذلك في شهر تموز سنة الف و خمسمائة و أربع و خمسين ~~للإسكندر. و كر المغول على مدينة ارزنكان و ملكوها عنوة و قتلوا رجالها و ~~سبوا الذراري و نهبوها و خربوا سورها و مضوا. و لما راى السلطان العجز عن ~~مقاومة التاتار أرسل إليهم رسلا يطلب الصلح فصالحوه على مال و خيل و أثواب ~~و غيرها يعطيهم كل سنة مبلغا معينا مقاطعة. # و فيها توفي الإمام المستنصر بالله الخليفة ببغداد و كان عاقلا عادلا ~~لبيبا كريما كثير الصدقات عمر المدارس و المساجد و الرباطات القديمة و كان ~~قد تهدم معظمها و من شدة غرامه بمدرسته المعروفة بالمستنصرية اعمر لصقها ~~بستانا خاصا ms299 له فقل ما يمضي يوم إلا و يركب في السيارة و يأتي البستان ~~يتنزه فيه و يقرب من شباك مفتح في إيوان المدرسة ينظر إلى البستان و عليه ~~ستر فيجلس وراء الستر و ينظر إلى المدرسة و يشاهد أحوالها و أحوال الفقهاء ~~و يشرف عليهم و يتفقد احوالهم. و كانت مدة خلافته نحو ثماني عشرة سنة. ~~PageV01P156 و في سنة خمس و عشرين و ستمائة توفي حسنون الطبيب الرهاوي و ~~كان فاضلا في فنه علما و عملا ميمون المعالجة حسن المذاكرة بما شاهده من ~~البلاد. و كان أكثر مطالعته في كتاب اللوكري في الحكمة. و كان شيخا بدينا ~~بهيا دخل إلى مملكة قلج أرسلان و خدم أمراء دولته كأمير اخور سيف الدين و ~~اختيار الدين حسن و اشتهر ذكره. ثم خرج لى ديار بكر و خدم من حصل هناك من ~~بيت شاه أرمن و هزارديناري ثم الداخلين على تلك الديار من بيت ايوب و رجع ~~إلى الرها. و لما تحقق أن طغرل الخادم تولى أتابكية حلب و له به معرفة من ~~دار أستاذه اختيار الدين حسن في الديار الرومية جاء إليه إلى حلب و لم يجد ~~عنده كثير خير و خاب مسعاه فإنه كان منكسرا عند اجتماعه به و انفصاله عنه. ~~فلما عوتب الخادم على ذلك من أحد خواصه قال: أنا مقصر بحقه لأجل النصرانية. ~~و لما عزم على الارتحال إلى بلده أدركته حمى أوجبت له إسهالا سحجيا ثم ~~شاركت الكبد في ذلك فقضى نحبه و دفن في بيعة اليعاقبة بحلب. # و في سنة ست و عشرين و ستمائة توفي يعقوب بن صقلان الطبيب النصراني ~~الملكي المقدسي و كان مولده بالقدس الشريف و به قرأ شيئا من الحكمة على ~~تاذوري الفيلسوف الانطاكي و سيأتي ذكره بعد هذا التاريخ. و أقام يعقوب هذا ~~بالقدس على حالته في مباشرة البيمارستان إلى أن ملكه الملك الأعظم بن الملك ~~العادل بن أيوب فاختص به و لم يكن عالما و إنما كان حسن المعالجة بالتجربة ~~البيمارستانية ms300 و لسعادة كانت له. ثم نقله الملك المعظم إلى دمشق و ارتفعت ~~عنده حاله و كثر ماله و أدركه نقرس و وجع مفاصل أقعده عن الحركة حتى قيل أن ~~الملك المعظم كان إذا احتاج إليه في أمراضه استدعاه بمحفة تحمل بين الرجال. ~~و لم يزل على ذلك إلى أن مات المعظم صاحبه و مات هو بعده بقليل. # و من الأطباء المشهورين في هذا الزمان الحكيم أبو سالم النصراني اليعقوبي ~~الملطي المعروف بابن كرابا خدم السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم و ~~تقدم عنده و كان قليل العلم بالطب إلا أنه كان أهلا لمجلسه لفصاحة لهجته في ~~اللسان الرومي و معرفته بأيام الناس و سير السلاطين. و في سنة اثنتين و ~~ثلاثين لما سار علاء الدين من ملطية إلى خرتبرت ليملكها تخلف عنه أبو سالم ~~هذا و لم يسر في ركابه و كان السلطان لا يصبر عنه ساعة. و لما بات السلطان ~~على الفرات و لم يأته الحكيم أمر الشحنة الذي على الزواريق أن نهار غد إن ~~جاء أبو سالم قبل الزوال فليعبر و إن جاء بعده لا تمكنه من العبور. فلما ~~كان من الغد تأخر مجيئه إلى العصر فأخبره الشحنة بمرسوم السلطان فأحس بتغير ~~فعاد إلى منزله و شرب سما و مات. و منهم الحكيم شمعون الخرتبرتي و كان أيضا ~~ضعيف العلم لكنه كان خيرا دينا كثير الصوم و الصلاة. و انتشى له ولد حسن ~~محصل و أجاد الخط العربي و صار فيه طبقة و مات في حداثة سنه ففجعت مصيبته ~~أباه. # و في هذا الزمان كان جماعة من تلامذة الإمام فخر الدين الرازي سادات ~~فضلاء أصحاب تصانيف جليلة في المنطق و الحكمة كزين الدين الكشي و قطب الدين ~~المصري بخراسان و أفضل الدين الخونجي بمصر و شمس الدين الخسروشاهي بدمشق و ~~أثير الدين الأبهري بالروم و تاج الدين الارموي وسراج الدين الارموي ~~بقونية. حكى النجيب الراهب المصري الحاسب بدمشق عن الملك الناصر داود بن ~~الملك المعظم بن الملك العادل ms301 ابن ايوب صاحب الكرك أنه كان يتردد إلى شمس ~~الدين الخسروشاهي يقرأ عليه كتاب عيون الحكمة للشيخ أبي علي بن سينا و كان ~~إذا وصل إلى رأس المحلة التي بها منزل الخسروشاهي أومأ إلى من معه من الحشم ~~و المماليك ليقفوا مكانهم و يترجل و يأخذ كتابه تحت إبطه ملتفا بمنديل و ~~يجيء إلى باب الحكيم و يقرعه فيفتح له و يدخل و يقرأ و يسأل عما خطر له ثم ~~يقوم و لم يمكن الشيخ من القيام له. PageV01P157 " المستعصم بن المستنصر " ~~: و في سنة أربعين و ستمائة بويع المستعصم يوم مات أبوه المستنصر و كان ~~صاحب لهو و قصف شغف بلعب الطيور و استولت عليه النساء و كان ضعيف الرأي ~~قليل العزم كثير الغفلة عما يجب لتدبير الدول و كان إذا نبه على ما ينبغي ~~أن يفعله في أمر التاتار إما المداراة و الدخول في طاعتهم و توخي مرضاتهم ~~أو تجيش العساكر و ملتقاهم بتخوم خراسان قبل تمكنهم و استيلائهم على العراق ~~فكان يقول: أنا بغداد تكفيني و لا يستكثرونها لي إذا نزلت لهم عن باقي ~~البلاد و لا أيضا يهجمون علي و أنا بها و هي بيتي و دار مقامي. فهذه ~~الخيالات الفاسدة و أمثالها عدلت به عن الصواب فأصيب بمكاره لم تخطر بباله. # و في سنة إحدى و أربعين غزا يساور نوين الشام و وصل إلى موضع يسمى حيلان ~~على باب حلب و عاد عنها لحفي أصاب خيول المغول و اجتاز بملطية و خرب بلدها ~~و رعى غلاتها و بساتينها و كرومها و أخذ منها أموالا عظيمة حتى خشل النساء ~~و صلبان البيع و وجوه الأناجيل و آنية القداس المصوغة من الذهب و الفضة ثم ~~رحل عنها. و طلب طبيبا يداويه في سحج عرض له فأخرج إليه و الدي و سار معه ~~إلى خرتبرت فدبره حتى برأ. ثم جاء و لم يطل المقام بملطية و رحل بنا إلى ~~إنطاكية فسكناها. و أقحطت البلاد بعد ترحال التاتار و وبئت ms302 الأرض فهلك عالم ~~و باع الناس أولادهم باقراص الخبز. # و في سنة اثنتين و أربعين أغر التاتار على بلد بغداد و لم يتمكنوا من ~~منازلتها. و فيها سير السلطان غياث الدين جيشا عظيما إلى مدينة طرسوس ~~فحاصروها مدة و ضيقوا عليها و كادوا يفتحونها عنوة فاتفق أن مات السلطان ~~غياث الدين في تلك الأيام. فلما بلغهم موت السلطان رحلوا عنها خائبين و كان ~~الوقت خريفا و تواترت على الروميين الأمطار و توحلت خيولهم فنال منهم رجالة ~~الأرمن و غنموا أثقالهم. و كان السلطان غياث الدين مقبلا على المجون و شرب ~~الشراب غير مرضي الطريقة منغمسا في الشهوات الموبقة تزوج ابنة ملك الكرج ~~فشغفه حبها و هام بها إلى حد أن أراد تصويرها على الدراهم فأشير عليه أن ~~يصور صورة أسد عليه شمس لينسب إلى طالعه و يحصل به الغرض. و خلف غياث الدين ~~ثلاثة بنين عز الدين و أمه رومية ابنة قسيس و ركن الدين و أمه أيضا رومية و ~~علاء الدين و أمه الكرجية. فولي السلطنة عز الدين و هو الكبير و حلف له ~~الأمراء و خطب له على المنابر و كان مدبره و الأتابك له الأمير جلال الدين ~~قرطاي رجل خير دين صائم الدهر ممتنع عن أكل اللحم و مباشرة النساء لم ينم ~~في فراش وطيء و إنما كان نومه على الصناديق في الخزانة أصله رومي و هو من ~~مماليك السلطان علاء الدين و تربيته و كان له الحرمة الوافرة عند الخاص و ~~العام. و في سنة ثلاث و أربعين ترددت رسل المغول في طلب السلطان عز الدين ~~ليحضر بنفسه في خدمة قاان. فتعلل محتجا بمعاداة من يجاوره من ملوك ~~اليونانيين و الأرمن اياه و أنه متى فارق بلاده ملكها هؤلاء و كان يرضي ~~الرسل بالهدايا و بذل الأموال و يدافعهم من وقت إلى وقت. ثم سير أخاه ركن ~~الدين و فوض تدبيره إلى بهاء الدين الترجمان و جعله أتابكه و أرسله صحبته و ~~استوزر عز الدين لنفسه ms303 رجلا اصفهانيا و هو صاحب علم و فضل يلقب بشمس الدين ~~فتمكن من الدولة إلى حد أن تهيأ له التزوج بأم السلطان عز الدين فثقل ذلك ~~على الأمراء طرا. PageV01P158 و فيها مرض قاان و لما اشتد مرضه سير رسولا ~~في طلب ابنه كيوك فأهرع إليه من غير توقف فلم يمهل القضاء ليجتمع بالوالد ~~فأقام بالمكان الذي بلغه فيه وفاته و كانت والدته توراكينا خاتون ذات دهاء ~~كافية فطنة فاتفق جغاتاي و باقي الأولاد على أنها تتصرف في تدبير الممالك ~~إلى وقت القوريلتاي لأنها أم الأولاد الذين لهم استحقاق الخانية. و في سنة ~~أربع و أربعين و ستمائة تم اجتماع الأولاد و الأحفاد و أمراء المغول في وقت ~~الربيع و حضر في المجمع من غير المغول أيضا مما وراء النهر و تركستان ~~الأمير مسعود بيك و من خراسان الأمير أرغون آغا و صحبته أكابر العراق و ~~اللور و أذربيجان و شروان. و من الروم السلطان ركن الدين. و من الأرمن ~~الكندسطبل اخو التكفور حاتم. و من كرجستان الداودان الكبير و الصغير. و من ~~الشام أخو الملك الناصر صاحب حلب. و من بغداد فخر الدين قاضي القضاة و من ~~علاء الدين صاحب الالموت محتشمو قهستان. فإذ تم هذا المجمع العظيم الذي لم ~~يعهد مثله وقع الاتفاق على كيوك. و كان له أخوان آخران أحدهما يسمى كوبان و ~~الآخر طفل يسمى سيرامون. و إنما اختير هو من دونهما لكونه مشهورا بالغلبة و ~~الشطط و الاقتحام و التسلط و كان هو أكبر الأخوة فأهل للولاية و أجلس على ~~سرير الملك و خدموه و دعوا له كالعادة و أطاعوه و كيوك خان سموه. و في سنة ~~خمس و أربعين و ستمائة و لى كيوك خان على بلاد الروم و الموصل و الشام و ~~الكرج نوينا اسمه ايلجيكتاي. و على ممالك الخطا الصاحب يلواج. و على ما ~~وراء النهر و تركستان الأمير مسعود. و على بلاد خراسان و العراق و أذربيجان ~~و شروان و اللور و ms304 كرمان و فارس و طرف الهند الأمير أرغون آغا. و قلد سلطنة ~~بلد الروم السلطان ركن الدين. و أمر بعزل السلطان عز الدين. و جعل داود ~~الصغير المعروف بابن قيز ملكا محكوما لداود الكبير صاحب تفليس. و أما رسول ~~الخليفة فخاطبه خطاب واعد و موعد بل واعظ و منذر.و أما رسل الملاحدة فصرفهم ~~مذلين مهانين. و كتب يراليغ عهد وامان للتكفور و الملك الناصر صاحب حلب. # و كان بمقام الأتابكية لكيوك خان أمير كبير اسمه قداق و كان معمدا مؤمنا ~~بالمسيح و شاركه في ذلك أمير آخر اسمه جينقاي فهذان أحسنا النظر إلى ~~النصارى و حسنا يقين كيوك خان و والدته و أهل بيته بالمطارنة و الأساقفة و ~~الرهابين فصارت الدولة مسيحية و ارتفع شأن الطوائف المنتمية إلى هذا المذهب ~~من الفرنج و الروس و السريان و الأرمن. و التزم الخاص و العام من المغول و ~~غيرهم ممن هو بينهم أن يقولوا في السلام برخمر و هو لفظ مركب سرياني معناه ~~بارك مالكي. # و في سنة ست و أربعين و ستمائة وصل السلطان ركن الدين و بهاء الدين ~~الترجمان إلى بلد الروم و معهما ألفا فارس من المغول. فهم الوزير شمس الدين ~~الأصفهاني أن يأخذ السلطان عز الدين و يصعد إلى بعض القلاع التي على البحر ~~و يقيما هناك عاصيين إلى أن يفعل الله ما يشاء. فعلم بذلك جلال الدين قرطاي ~~الرجل الصالح فقبض على الوزير الأصفهاني و سير فأعلم بهاء الدين الترجمان ~~بذلك فأنفذ جماعة من أمراء المغول فأتوا إلى قونية و قرروا الوزير على ~~الأموال و الخزائن ثم قتلوه. و اجتمع بهاء الدين الترجمان بجلال الدين ~~قرطاي و اتفقا على أن توزع البلاد على الأخوين فتكون قونية و اقسرا و انقرة ~~و إنطاكية و باقي الولايات الغربية لعز الدين. و قيسارية و سيواس و ملطية و ~~ارزنكان و ارزن الروم و غيرها من الولايات الشرقية لركن الدين. و أقطعا ~~لعلاء الدين الأخ الصغير من الأملاك الخاصة ما يكفيه ms305 و ضربوا السكة باسم ~~الثلاثة و كتبوا السلاطين الأعاظم عز و ركن و علاء. PageV01P159 و في سنة ~~سبع و أربعين و ستمائة توفيت توراكينا خاتون أم كيوك خان فتشاءم كيوك خان ~~بذلك المقام و رحل عنه متوجها إلى البلاد الغربية. و لما وصل إلى ناحية ~~قمستكي و بينها و بين مدينة بيش بالغ خمس مراحل أدركه أجله في تاسع ربيع ~~الآخر فأرسلت زوجته المسماة اغول غانميش رسولا إلى باتوا و أعلمته بالقضية ~~و توجهت هي إلى جانب قوتاق و إيميل و أقامت بالمكان الذي كان يقيم به كيوك ~~خان أولا. فسيرت سرقوتني بيكي زوجة تولي خان و هي أكبر الخواتين يومئذ ~~إليها رسولا تعزيها و حمل إليها ثيابا و بوقتاقا. و فيها سار باتوا من ~~بلاده الشمالية متوجها إلى المشرق ليجتمع بكيوك خان لأنه كان يلج إليه ~~بالمسير إليه فلما وصل إلى موضع يقال له الاقماق و بينه و بين مدينة قياليق ~~ثماني مراحل بلغه وفاة كيوك خان فأقام هناك و سير رسولا إلى أغول غانميش ~~زوجة كيوك خان و أذن لها بالتصرف في الممالك إلى أن يقع الاتفاق على من ~~يصلح أن يلي الأمر و أرسل أيضا إلى الجوانب ليجتمع الأولاد و العشائر و ~~الأمراء. # و فيها خرج ريدافرنس ملك فرنجة قاصدا للديار المصرية فجمع عساكره فأرسلها ~~و راجلها جموعا عظيمة و أزاح عليهم فسار عن بلاده بأموال جزيلة و أهبة ~~جميلة و أرسى بعكا و انبث أصحابه في جميع بلاد الساحل. فلما استراحوا جاؤوه ~~حاشدين حافلين و ساروا في البحر إلى دمياط و ملكوها بغير تعب و لا قتال لأن ~~أهلها لما بلغهم ما هم عليه الفرنج من القوة و الكثرة و العدة الكاملة ~~هالهم أمرهم فرحلوا عنها مخفين. فوصل إليها الفرنج و لقوها خالية عن ~~المقاتلين غير خاوية من الأرزاق فدخلوها و غنموا ما فيها من الأموال. و كان ~~الملك الصالح بن الملك الكامل صاحب مصر يومئذ بالشام يحاصر مدينة حمص. فلما ~~سمع بذلك بأن الفرنج قد ms306 ملكوا دمياط رحل عن حمص و سار مسرعا إلى الديار ~~المصرية و مرض في الطريق و عند وصوله إلى المنصورة عرض له في فخذه الداء ~~الذي يسمونه الأطباء غانغرانا ثم استحكم الفساد فيها حتى آل أمرها إلى ~~سفاقلس و هو موت العضو أصلا فقطعوها و هو حي. و بينما هو يكابد الشدائد في ~~هذه الحالة وافاه مقدمو دمياط الذين أخلوها منهزمين فلما قيل له ما صنعوا ~~لأنهم فروا عنها من غير أن يباشروا حربا و قتالا عظم ذلك عليه فأمر بصلبهم ~~و كانوا أربعة و خمسين أميرا فصلبوا كما هم بثيابهم و مناطقهم و خفافهم. ثم ~~مات من غد ذلك اليوم. و تولى تدبير المملكة الأمير عز الدين المعروف ~~بالتركماني و هو أكبر مماليك الترك. و كان مرجوعه في جميع ذلك مما يعتمده ~~من الأمور إلى حظية الملك الصالح المتوفى المسماة شجر الدر و كانت تركية ~~داهية الدهر لا نظير لها في النساء حسنا و في الرجال حزما. فاتفقا على ~~تمليك الملك المعظم بن الملك الصالح. و كان يومئذ مقامه بحصن كيفا من ديار ~~بكر فأرسلا رسولا في طلبه و حثاه على المصير إليهم. فسار إلى الديار ~~المصرية من غير توقف فبايعوه و حلفوا له و سلموا إليه ملك أبيه. ~~PageV01P160 و في سنة ثماني و أربعين و ستمائة سير ريدافرنس عسكرا نحو ألفي ~~فارس نحو المنصورة ليجس بهم ما هم عليه المصريون من القوة. فلقيهم طرف من ~~عسكر المسلمين فاقتتلوا قتالا ضعيفا فانهزم المسلمون بين أيديهم فدخل ~~الفرنج المنصورة و لم ينالوا منها نيلا طائلالأنهم حصلوا في مضايق أزقتها و ~~كان العامة يقاتلونهم بالحجارة و الآجر و التراب و خيولهم الضخمة لم تتمكن ~~من الجولان بين الدروب. و كان القائد لعسكر المسلمين فخر الدين عثمان ~~المعروف بابن السيف أحد الأمراء المصريين شيخ كبير أحاط به الفرنج و هو في ~~الحمام يصبغ لحيته فقتلوه هناك. و عادوا إلى ريدافرنس و أعلموه بما تم لهم ~~مع ذلك العسكر و بالمدينة. فزاد طمعه ms307 و طمع من معه من البطارقة ظانين أنه ~~إذا كان الالتقاء خارج الجدران بالصحراء لم يكن للمسلمين عليهم مقدرة.فعبى ~~جيوشه و سار بهم طالبا أرض مصر. فصبر المصريون إلى أن عبر الفرنج الخليج من ~~النيل المسمى اشمون و هو بين البرين بر دمياط و بر المنصورة. فتوجهوا نحوهم ~~و التقى العسكران و اقتتل الفريقان قتالا شديدا. و انجلت الحرب عن كسرة ~~الفرنج و هزموا افحش هزيمة و منعهم الخليج المذكور من أن يفوزوا و ينجوا ~~بأرواحهم فغرق منهم خلق كثير و قتل آخرون و أسر الملك ريدافرنس و معه جماعة ~~من خواصه و أكابره. فلما حصل ملك الفرنج في قبضة الملك المعظم قال له ~~المماليك الصغار أقرانه: إننا نرى الأمر كله إلى شجر الدر و الأمراء و ليس ~~لك من السلطنة إلا اسمها فلو كنت في الحصن كنت أرفه خاطرا منك و أنت صاحب ~~مصر و الحكم لغيرك و السبب في هذا ليس إلا حاجتك إليهم في مقاومة الفرنج و ~~ليس لك عدو سواهم فالرأي أن تصالح هذا الملك و من معه من أمرائه إلى أي مدة ~~شئت فإنه لا يخالفك في جميع ما تريد منه إذا اصطنعته و وهبت له روحه و تأخذ ~~منه الأموال و الجواهر التي له في دمياط و يسلم إليك دمياط و يذهب في حال ~~سبيله و تأمن شره و شر أهل ملته و تستريح من الأمراء و استخدام الجند و ~~تبقي في ملكك من اخترت و تزيل من كرهت. فصغا المعظم إلى قولهم و استصوب ~~رأيهم و دبر الأمر مع ريدافرنس و حلفه كما أراد من غير أن يشاور الأمراء ~~الكبار في شيء من ذلك. فأحسوا بالقضية و تحققوا تغير المعظم عليهم و ما قد ~~نوى أن يفعل بهم فنقموا عليه و وثبوا به فهرب منهم و صعد إلى برج من خشب ~~كان هناك فضربوا فيه النار فلما وصلت إليه و شاطته رمى نفسه إلى الخليج ~~النيلي. فجاؤوا إليه و رموه بالنشاب و هو ms308 في الماء فمات غريقا جريحا. # و اتفق الأمراء التراك و قدموا عليهم أميرا منهم يلقب بعز الدين ~~التركماني و نهضوا إلى ريدافرنس و جددوا معه اليمين و افتدي منهم بألف ألف ~~دينار و تسلم دمياط فأطلقوه ثم سار التركماني من المنصورة إلى مصر و أقطع ~~الإسكندرية لأمير من الترك يقال له فارس اقطاي و تزوج شجر الدر و صار ملك ~~مصر في قبضتهما. و أما ريدافرنس لما وصل إلى دمياط أخذ أهله و من تخلف من ~~أصحابه و خرج عنها و سلمها إلى المسلمين و أقام هو بعكا و بنى مدينة ~~قيسارية و أصلحها و أسكنها جماعة ثم سار إلى بلده. PageV01P161 و لما ولي ~~التركماني الديار المصرية كان الأمر كله إلى شجر الدر لا تمكنه التصرف إلا ~~فيما يصدر عن رأيها فكره ذلك و لم يطق احتماله و هم بإهلاكها. فشعرت بذلك و ~~سبقته. ففعلت به ما أراد أن يعمل بها و أشلت عليه المماليك الصغار. و في ~~بعض الأيام لما دخل الحمام و كانوا يسكبون على رأسه الماء ليغتسل جرحوه ~~بالسكاكين فقتلوه. و قيل مقلوا رأسه في الماء داخل الخزانة إلى أن اختنق ~~مغطوطا. و أمرت شجر الدر أن يخرج و يدفن فأخرجوه و دفنوه في الدار. و لما ~~بلغ ذلك الأمراء الكبار عظم عليهم فعلها فوثبوا بها و قتلوها و رموها في ~~الخندق فأكلتها الكلاب. و قدموا عليهم واحدا منهم اسمه قوتوز فحلفوا له و ~~ملكوه و لقبوه الملك المظفر. و لما استولى المماليك على الديار المصرية سار ~~الملك الناصر صاحب حلب بجريدة إلى دمشق فسلمها إليه أهلها فملكها و أقام ~~بها و صارت دار مملكته. ثم راسله بعض المماليك من مصر ليسير إليهم فيسلموا ~~له مصر فعبى عسكره و سار إلى نحو الديار المصرية ليملكها كما ملك دمشق. ~~فلمابلغ أمراء الترك ذلك بادروا إليه في عساكرهم و التقوا الشاميين بناحية ~~غزة و كسروهم و هزموهم فعاد الملك الناصر فيمن معه خائبا خاسرا. و فيها ملك ~~بدر الدين ms309 لؤلؤ جزيرة ابن عمر و أسر صاحبها الملك مسعود بن الملك المعظم من ~~بيت أتابك زنكي و سيره في ركوة إلى الموصل و تقدم إلى من وكل به ليرميه ~~ليلة في دجلة فغرقوه و أخبروا أنه رمى نفسه و هم نيام و لم يحسوا بما فعل. ~~PageV01P162 و فيها اجتمع أولاد الملوك و أمراء المغول فوصل من حدود ~~قراقورم مونككا بن تولي خان. و أما سيرامون و باقي أحفاد و خواتين قاان ~~فسيروا قنقورتقاي و كتبوا خطهم أنه قائم مقامهم و أن باتوا هو أكبر الأولاد ~~و هو الحاكم هو راضون بما يرضاه. و أما أغول غانميش خاتون زوجة كيوك خان و ~~من معها من أولاد الملوك فوصلوا إلى خدمة باتوا و لم يقيموا عنده أكثر من ~~يوم بل رجعوا إلى أوردوهم و استنابوا أميرا منهم يقال له تيمور نوين و ~~أذنوا له أن يوافق ما يتفق عليه الجمع كله و إن اختلفت الأهواء لا يطيع ~~أحدا حتى يعلمهم كيفية الحال. فبقي جغاتاي و مونككا و سائر من كان حاضرا من ~~الأولاد و الأحفاد و الأمراء يتشاورون أياما في هذا الأمر و فوضوا الأمر ~~إلى باتوا لأنه أكبر الجماعة و أشدهم رأيا. فبعد ثلاثة أيام من يوم التفويض ~~قال: إن مثل هذا الخطب الخطير ليس فينا من يفي بحق القيام به غير مونككا ~~فوافقوه كلهم على ذلك و أجلسوه على سرير المملكة و باتوا مع باقي الأولاد و ~~الأكابر خدموه جاثين على ركبهم كالعادة. و انصرف كل واحد إلى مقامه على ~~بناء أنهم يجتمعون في السنة المقبلة و يعملون مجمعا كبيرا ليحضره من ~~الأولاد و الأكابر من لم يحضر الآن. و في سنة تسع و أربعين و ستمائة في وقت ~~الربيع حضر أكثر الأولاد مثل بركة أغول و أخوه بغاتيمور و عمهم الجتاي ~~الكبير و الأمراء المعتبرين من اردو جنكزخان. و في اليوم التاسع من ربيع ~~الآخر كشفوا رؤوسهم و رموا مناطقهم على أكتافهم و رفعوا منوككا على سرير ~~المملكة و ms310 مونككا قاان سموه و جثوا على ركبهم تسع مرات. و كان له حينئذ ~~سبعة من الأخوة: قبلاي، هولاكو، اريغبوكا، موكا، بوجك، سبكو، سونتاي، ~~فترتبوا جالسين على يمينه و الخواتين على يساره و عملوا الفرحة سبعة أيام. ~~و بينما هم يحسرون و يسرون إذ وصل قدغان أغول و ابن أخته ملك أغول و ~~قراهولاكو و قاموا بمراسم التهنئة و شرائط الخدمة. و كان الجماعة بانتظار ~~أغول غانميش زوجة كيوك خان و ولدها خواجة أغول و أمرائهم و لم يصل بعد أحد ~~منهم. و في سنة خمسين و ستمائة توجهت أغوا غانميش و جماعتها في عساكرهم نحو ~~أردو مونككا خان. و كان المقدم على جيوشهم سيرامون و ناقوا. و لما قربوا ~~اتفق أن رجلا من أردو مونككا قاان من الذين يربون السباع لأولاد الملك هرب ~~منه أسد فخرج في طلبه دائرا عليه بالجبال و الصحاري فاجتاز بطرف من عسكر ~~سيرامون و لقي صبيا منهم قد انكسرت عجلته و هو جالس عندها. فلما رأى السباع ~~المذكور مجتازا استدعاه ليستعين به في ترميم عجلته فأجابه السباع إلى ذلك و ~~نزل من فرسه و أخذ يصلح معه العجلة. فوقع بصره على أسلحة مستورة في باطن ~~العجلة فسأل الغلام عنها. فقال له: ما أغفلك كأنك لست منا كيف لم تعرف أن ~~كل العجل التي معنا كهذه مشحونة بآلات الحرب. فلما تحقق ذلك ترك طلب الأسد ~~الآبق و سار مسيرة ثلاثة أيام في يوم واحد عائدا إلى أصحابه و أعلمهم بما ~~رأى و سمع. فأمر مونككا قاان أن يمضي إليهم منكسار في ألفي فارس و يستكشف ~~حالهم. فمضى و ذكر لهم ما نقل عنهم فلم يتمالكوا و داخلهم الرعب و لم يسعهم ~~إلا التسليم لما يقضى عليهم. و لما حضر الكبير منهم و الصغير وقع السؤال و ~~ثبتت الجريمة عليهم فجوزوا بما استوجبوا من الهلاك و تقسيم عساكرهم على ~~الأولاد و الأمراء. و لما فرغ خاطر مونككا قاان من أمر المخالفين شرع في ~~ترتيب العساكر و ضبط ms311 الممالك فأقطع بلاد الخطا من حد الميري إلى سليكاي و ~~تنكوت و تبت لقبلاي أغول أخيه. و البلاد الغربية لهولاكوأخيه الآخر و من ~~جهة تحصيل الأموال. و ولى على البلاد الشرقية من شاطئ جيحون إلى منتهى بلاد ~~الخطا الصاحب المعظم يلواج و ولده مسعود بيك. و على ممالك خراسان و ~~مازندران و هندوستان و العراق و فارس و كرمان و لور و اران و أذربيجان و ~~كرجستان و الموصل و الشام الأمير أرغون آغا. و أمر أن المتمول الكبير ببلاد ~~الخطا يؤدي في السنة خمسة عشر دينارا و الوضيع دينارا واحدا. و ببلاد ~~خراسان يزن المتمول في السنة عشرة دنانير و الفقير دينارا واحدا. و من ~~مراعي ذوات الأربع الذي يسمونه قويجور يؤخذ من كل من له مائة رأس من جنس ~~واحد رأس واحد و ن ليس له مائة لا يؤخذ منه شيء. و أطلق العباد و أرباب ~~الدين من الوثنيين و النصارى و المسلمين من PageV01P163 جميع المؤونات و ~~الأوزان و التكليفات.يع المؤونات و الأوزان و التكليفات. # و فيها و هي سنة ألف و خمسمائة و ثلاث و ستين للإسكندر توجه حاتم ملك ~~الأرمن إلى خدمة مونككا قاان أخذ قربان خميس الفصح و رحل عن مدينة سيس يوم ~~الجمعة الصلبوت و خرج متنكرا مع رسول له بزي بعض الغلمان و أخذ على يده ~~جنيبا يجذبه خلف الرسول لأنه كان خائفا من السلطان صاحب الروم.و ذكر الرسول ~~اين ما جاء و اجتاز من بلد الروم أنه قد أرسله الملك حاتم ليأخذ له الأمان ~~من مونككا قاان فإذا أمنه توجه هو بنفسه إلى حضرته. حدثني الملك حاتم عند ~~اجتماعي به بمدينة طرسوس بعد سنين من عودته من خدمة مونككا قاات قال: عبرت ~~بقيسارية و سيواس مع الرسول و لم يعرفني أحد من أهلها قط إلا لما دخلنا ~~مدينة ارزنكان عرفني رجل من السوقية كان قد سكن عندنا فقال: إن كانتا هاتان ~~عيني فهذا ملك سيس. فلما سمع الرسول كلامه التفت إلي و ms312 لطمني على خدي و ~~قال: يا نذل صرت تتشبه بالملوك. فاحتملت اللطمة لأزيل بها ظن من كان ظنه ~~يقينا. # و في سنة إحدى و خمسين و ستمائة توجه هولاكو إيلخان من نواحي قراقورم إلى ~~البلاد الغربية. و سير معه مونككا قاان الجيوش من كل عشرة اثنين و صحبه ~~أخوه الصغير سنتاي أغول و من جانب باتوا بلغاي بن سبقان و قوتار أغول و ~~قولي في عساكر باتوا. و من قبل جغاتاي تكودار أغول بن بوخي أغول. و من جانب ~~جيحكان بيكي بوقا تيمور في عسكر الاويرات. و من ناحية الخطا ألف بيت من ~~صناع المنجنيقات و أصحاب الحيل في إصلاح آلات الحرب. فكان أمير الترك ~~كيدبوقا الباورجي. و كان القائم مقام هولاكو بأردو مونككا قاان ولده جومغار ~~بسبب أن أمه أكبرخواتين هولاكو أبيه. و أخذ صحبته ابنه الكبير اباقا و ابنه ~~الآخر يسمون و من الخواتين الكبار دوقوز خاتون المؤمنة المسيحية و الجاي ~~خاتون. و في سنة اثنتين و خمسين و ستمائة تواترت الايلجية في طلب السلطان ~~عز الدين صاحب الروم ليحضر هو بنفسه في خدمة مونككا قاان. فتجهز و سار حتى ~~وصل إلى مدينة سيواس. و لما سمع أن الأمراء قد مالوا إلى ركن الدين أخيه و ~~يرومون تمليكه عاد مسرعا إلى قونية و أرسل أخاه علاء الدين و كتب معه كتبا ~~يذكر فيها: إنني قد سيرت أخي علاء الدين و هو سلطان مثلي و أنا لم يمكنني ~~المجيء بسبب أن أتابكي و مدبري جلال الدين قرطاي قد مات و ظهر لي أعداء من ~~ناحية المغرب فإذا كفيت شرهم جئت المرة الأخرى. فلما سار علاء الدين توفي ~~في الطريق و لم يصل إلى الاردو. و أراد عز الدين أن يقتل ركن الدين أخاه ~~الآخر و يأمن غائلته فأحس الأمراء بذلك و هربوه بأن ألبسوه ثياب بعض غلمان ~~الطباخين و وضعوا على رأسه خوانجه فيها طعام و أخرجوه من الدار و القلعة في ~~جماعة من الصبيان قد حملوا طعاما إلى ms313 بعض الدور. فلما خرج أركبوه فرسا و ~~ساروا به حتىأوصلوه إلى قيسارية و انضم إليهم هناك جماعة من الأمراء و ~~جيشوا و توجهوا نحو قونية ليحاربوا عز الدين. فبرز إليهم عز الدين بمن نعه ~~من العسكر فكسرهم و هزمهم و أسر ركن الدين أخاه و اعتقله بقلعة دوالوا. و ~~في سنة ثلاث و خمسين و ستمائة وصل رسول بايجو نوين إلى السلطان عز الدين ~~يطلب منه مكانا يشتي به لأن بلد موغان الذي كان يشتوبه صار مشتى لهولاكو. ~~فأبى السلطان أن يجيبه إلى ذلك و طمع فيه و ظنه منهزما بين يدي هولاكو و ~~جيش و حاربه عند خان السلطان بين قونية و اقسرا و انكسر عز الدين و هرب ~~متوغلا في بلاده الداخلة. فأخرج بايجو اخاه ركن الدين من الحبس و ملكه على ~~جميع بلاد الروم. PageV01P164 و فيها وصل الملك حاتم و دخل بلده أول أيلول ~~و كان مجيئه صحبة بايجو نوين. و فيها في شهر شعبان نزل هولاكو بمروج مدينة ~~سمرقند و اقام بها أربعين يوما. و هناك أدرك أخاه سنتاي أغول أجله و أخبر ~~بوفاة أخيه الآخر في طرف بلادر فتكدر خاطره لهاتين الوقعتين فوصل إليه ~~الأمير أرغون و أكثر أكابر خراسان و قووا عزمهم فعبروا ماء جيحون و كان ~~الوقت شتاء شديد البرد لا يقشع الغيم و لا ينقطع وقوع الثلج من تلك البقاع ~~إلى وقت حلول الشمس برج الحمل. فأمر الأمراء أن يقصدوا في عساكرهم قلاع ~~الملاحدة و كان مقدم الاسمعيلية يومئذ ركن الدين خوزشاه بن علاء الدين ~~فأخرب خمس قلاع من قلاعه التي لم يكن فيها ذخائر للحصار. و أقبل رسول ~~هولاكو إلى حد قصران. و كان كيدبوقا قد سبق ففتح قلعة شاهديز و ثلثا آخر من ~~قلاعهم. و لما وصل إيلخان إلى عباساباذ سير ركن الدين إلى العبودية صبيا ~~عمره نحو سبع أو ثماني سنين و ذكر أنه ولده. فلم يخف صنيعه على هولاكو و ~~لكن لم يكاشفه في ذلك بل أعز الصبي ms314 و أكرمه ثم أعاده إليه. و بعد وصول هذا ~~الابن المزور إلى ركن الدين سير أخاه شيرازنشاه في ثلاثمائة رجل على سبيل ~~الحشر. فسير هولاكو الثلاثمائة إلى جمالاباذ من بلد قزوين و أعاد أخاه ~~محملا رسالة إليه و هي أنه إلى خمسة أيام إن لم يصل بنفسه إلى الخدمة يحكم ~~قلعته و يستعد للحرب. فأرسل رسولا يقول: إنه لا يتجاسر على الخروج خوفا من ~~حشمه الذين معه داخل القلعة لئلا يثبوا به فإذا وجد فرصة جاء. فعرف هولاكو ~~أنه مماطل مدافع من وقت إلى آخر فرحل رابع عشر شوال من سنة أربع و خمسين و ~~ستمائة من بيشكام و نزل على القلعة المحاذية لميمون دره و تقدم بقتل ~~الثلاثمائة رجل من الملاحدة الذين كانوا بجمالاباذ قزوين سرا و صار أهل ~~قزوين يضربون بذلك مثلا لمن يقتل فيقولون انبعث إلى جمالاباذ. و لما عاين ~~ركن الدين نزول هولاكو بالقرب سير رسولا يقول: إن سبب تماطلي لم يكن غير ~~أنني ما كنت أحقق وصوله المبارك و الآن أنا نازل اليوم أو غدا. و كان تلك ~~الليلة ليلة الميلاد. فلما عزم على الخروج ثاوره العلاة من الملاحدة و ~~واثبه الفدائيون و لم يمكنوه من الخروج. فسير إلى هولاكو و أعلمه ما هم ~~عليه من التمرد. فأمره أن يداري الوقت معهم محافظا نفسه منهم و كيف ما كان ~~يحتال للنزول و لو متنكرا. و تقدم إلى الأمراء ليحتفوا بالقلعة و ينصبوا ~~المنجنيقات و يقاتل كل منهم من يقاتله من الاسمعيلية. فلما اشتغل الملاحدة ~~بقتال المغول نزل ركن الدين و معه ولده و خواصه إلى عبودية هولاكو و أظهر ~~الخجلة بل الندامة معترفا بما اقترفه في الأيام الماضية من الجرائم و ~~الآثام. فشملته لطائف عواطف ايلخان و بدل ما عند ركن الدين من الاستيحاش و ~~الاستنفار بالاستيناس و الاستبشار. و لما تحقق من بالقلعة ما نال صاحبهم من ~~الطمأنينة و الكرامة سلموا القلعة و نزلوا عنها فحاول المغول هدمها و فتحوا ~~أيضا جميع القلاع التي ms315 في ذلك الوادي. و توجه ايلجي إلى متولي قلعة الموت ~~ليتبع مولاه ركن الدين في توخي الايلية و تسليم القلعة. فأبى إلا العصيان ~~إلى أن نازله بلغاي أغول في عساكر جمة فطلب الأمان و سلمها و خرج عنها في ~~أواخر ذي القعدة من السنة المذكورة. و في تلك الأيام وصل شمس الدين محتشم ~~قلاع قهستان و أخذ يرليغا و سار معه أصحاب ركن الدين إلى قهستان ليخرب جميع ~~القلاع التي هناك و هي تزيد على خمسين حصنا حصينا و تسلموها و فتحوها إلا ~~قلعتين منها هما كرذكوه و كمشير فإنهم لم يطيقوا فتحها في الحال إلا بعد ~~سنتين. و وصل أكابر الديلم صالحوا المغول على تخريب قلاعهم. و في أواسط ذي ~~الحجة عاد هولاكو إلى الاردو بناحية همذان و سير ركن الدين و بنيه و بناته ~~و أزواجه إلى قزوين. و في سنة خمس و خمسين و ستمائة التمس ركن الدين خوزشاه ~~من هولاكو أن يسيره إلى عبودية مونككا قاان. فأعجبه ذلك و أرسله و معه تسعة ~~نفر من أصحابه صحبة الايلجية. فلما وصلوا إلى مدينة بخارا خاصم الايلجية و ~~تسافه عليهم فحقدوا عليه. فلما وصلواإلى قراقورم لم يؤذن لركن الدين أن ~~يحضر و برز مرسوم مونككا قاان إليه أن: يجب عليك العود إلى بلدك و التقدم ~~إلى نوابك ليسلموا قلعتي كرذكوه و كمشير فإذا سلموهما و أخربتهما تحضر مرة ~~أخرى و يكون لك التليشميشي أي الإكرام و PageV01P165 القبول. فنكص ركن ~~الدين بهذا الرجاء على عقبه. و في الطريق أهلك مع من كان معه من أصحابه. و ~~وصل يرليغ مونككا قاان إلى هولاكوليقتل الملاحدة بأسرهم و لا يبقى منهم ~~أثر. فأرسل قراقاي اليبتكتجي إلى قزوين و قتل بني ركن الدين و بناته و ~~إخوته و أخواته مع جميع عساكر الملاحدة و أوتكو حنا نوين أيضا أخرج من ~~رعايا الاسمعيلية بحجة الحشر اثني عشر ألف رجل و قتلهم كلهم و أخلى الأرض ~~من كل من ألحد في دينه.قبول. فنكص ركن الدين ms316 بهذا الرجاء على عقبه. و في ~~الطريق أهلك مع من كان معه من أصحابه. و وصل يرليغ مونككا قاان إلى ~~هولاكوليقتل الملاحدة بأسرهم و لا يبقى منهم أثر. فأرسل قراقاي اليبتكتجي ~~إلى قزوين و قتل بني ركن الدين و بناته و إخوته و أخواته مع جميع عساكر ~~الملاحدة و أوتكو حنا نوين أيضا أخرج من رعايا الاسمعيلية بحجة الحشر اثني ~~عشر ألف رجل و قتلهم كلهم و أخلى الأرض من كل من ألحد في دينه. PageV01P166 ~~و فيها سير السلطان عز الدين رسولا إلى خدمة هولاكو شاكيا على بايجو نوين ~~أنه أزاحه عن ملكه. فأمر هولاكو أن يتقاسما الممالك هو و أخوه ركن الدين. ~~فظهر عز الدين فأتى إلى قونية و مضى ركن الدين مع بايجو نوين إلى مخيمه. و ~~لخوف عز الدين من بايجو نوين وجه مملوكه طفلا إلى نواحي ملطية و خرتبرت ~~ليستخدم له عسكرا من الأكراد و التركمان و العرب. فوصل هذا المملوك و سير ~~في طلب شرف الدين أحمد ابن بلاس من بلد الهكار و شرف الدين محمد بن الشيخ ~~عدي من بلد الموصل الكرديين فأتياه. فأقطع ابن بلاس ملطية و ابن الشيخ عدي ~~خرتبرت. أما ابن بلاس فلم يقبله اهل ملطية لأنهم كانوا مستحلفين لركن الدين ~~فكان يضطهدهم و يجور عليهم. فما احتملوه و آل أمرهم معه إلى أن وثبوا ~~بأصحابه و قتلوا منهم نحو ثلاثمائة رجل و هرب هو مع من تبعه من أصحابه و ~~اجتازوا ببلد قلوذيا و أحرقوا دير ماذيق يوم الشعانين و عبروا إلى بلد آمد ~~و هناك أدركهم صاحب ميافارقين و قتل ابن بلاس و أسر أصحابه. و أما ابن ~~الشيخ عدي فرحل من خرتبرت ليتصل بالسلطان عز الدين فأدركه أنكورك نوين و ~~قتله و من معه. ثم ولى السلطان عز الدين ملطية رجلا بطلا شجاعا يقال له علي ~~بهادر فقبله أهل ملطية خوفا من صرامته. و هذا علي حارب الاعجزية و هم قوم ~~مفسدون من التركمان كانوا يغيرون على؟ البلاد ms317 و يقتلون أهلها و يسبون ~~الذراري فأسر مقدمهم المسمى جوتي بك و سجنه بقلعة المنشار و هزم جيوشهم . ~~فأمن الناس شرهم و انفتحت السبل و امتار الناس الطعام و فرج الله عنهم غمهم ~~قيلا. و بينما هم فرحون بذلك إذ وافاهم بايجو نوين في عساكره و صاروا ~~يقاتلون متسلمي القلاع ليسلموها إلى ركن الدين. و نزلوا على مدينة ابلستين ~~و قتلوا من أهلها نحو ستة آلاف رجل و أسروا النساء و البنين و البنات. و ~~جاؤوا إلى ملطية فهرب علي بهادر إلى كاختة. و خرج أهل ملطية إلى خدمة بايجو ~~نوين بأنواع الترغو و التحف. و كن ذلك في منتصف أيلول سنة ألف و خمسمائة و ~~ثماني و ستين للإسكندر. فحلفهم لركن الدين و رحل عنهم بعد أن أخذ أموالا و ~~ولى ركن الدين على ملطية مملوكا له اسمه فخر الدين اياز. و لما خرج بايجو ~~من حدود الروم طالبا للعراق عاد علي بهادر إلى ملطية فأغلق أهلها الأبواب و ~~لم يمكنوه من الدخول خوفا من بايجو. فحصرها أياما و اشتد الغلاء بها و بلغ ~~المكوك من الملح إلى أربعين درهما و الحنطة المكوك بسبعين درهما. فضجر ~~الناس و ضاقت بهم الحيلة ففتح العامة الحاكة و غيرهم بابا من أبواب المدينة ~~في بعض الليالي فدخلها علي بهادر و أصحابه التركمانيون عنوة و أصعد إلى ~~المنابر جماعة ينادون و يقولون: إن الأمير قد أمن الرعية النصارى منهم و ~~المسلمين فليخرج كل واحد إلى عمله و دكانه و ليشتغل ببيعه و شرائه فإنما ~~كلامه مع الحكام.فلما أصبحوا قبض على فخر الدين اياز مملوك السلطان ركن ~~الدين و سجنه و أركب شهاب الدين العارض على بهيم حقير و طوفه بملطية ثم ~~قتله و شد أحد طرفي رسن في رقبة المعين الايكد بشاسي و الطرف الآخر في رقبة ~~كلب و مشاه بالأسواق ثم ضرب عنقه. و عاقب المستوفي الرومي القسيس قالويان و ~~ولده كيريوري و اخويه باسيل و مانويل و استصفى أموالهم ثم قتلهم. ms318 و قتل ~~أيضا الأمراء الثلاثة أولاد الأمير شهاب الدين إيسو الكردي. و اشتد الجوع ~~بملطية و بلدها حتى أكل الناس الكلاب و السنانير و كانوا ينقعون الجلود ~~اليابسة التي لدم بها النعال فيأكلونها مطبوخة. و اجتاز جماعة من أصحابنا ~~بقرية اسمها باعبدون ببلد جوباس من أعمال ملطية فرأوا جماعة من النساء قد ~~اجتمعن في بيت و قدامهن ميت ممدود و بأيديهن السكاكين و هن يشرحن لحمه و ~~يشوينه و يأكلن. و امرأة أخرى شوت ابنها الصغير في تنور لها و لما كبسها ~~مجاوروها حلفت أنها لم تقتله و إنما مات ففعلت به ذلك زاعمة أنها به أولى ~~من الديدان.و بعد ما فعل علي بهادر تلك الرزايا بأعيان ملطية و مثل ~~بأماثلها لم يهنأ له بها عيش لما كان أهلها عليه من البلاء و الجلاء و ~~الجدب. فخرج عنها ملما بالسلطان عز الدين. PageV01P167 و فيها مرض ثاوذوروس ~~ملك الروم بمدينة نيقية و كان في خدمته بطريق يقال له ميخائيل و يلقب ~~بباليولوغس أي الكلام المتقدم. و ذلك أن العلماء من الروم بعد تغلب الافرنج ~~على القسطنطينية تقدموا فقالوا إن ملكا في اسمه الميم و الخاء من حروف ~~اليونانيين ينزع الفرنج عنها و يعيدها إلى الروم. فكان الملك ثاوذوروس يخاف ~~هذا ميخائيل لئلا يتغلب على الملك. و لما اشتد خوفه منه سجنه و اعتقله ببعض ~~قلاع بلد تسالونيقي و لم يمكنه إهلاكه بغير جريمة تظهر منه. و في مرضه هذا ~~أرسل بطريقا يقال له غاذينوس ليأتيه به. فلما وصل غاذينوس هذا إلى ميخائيل ~~قال له سرا: أنت الملك فكن لبيبا و أسلم نفسك إلي و لا تظهر كراهية أصلا و ~~رأسا ليزول بذلك ما حصل عند الملك من الخيالات في شأنك. فأجاب ميخائيل إلى ~~ذلك و حمله مقيدا إلى الملك. و لما مثل بين يديه بكى و أظهر الكآبة ~~العظيمة. فرق له الملك و حن إليه و أقبل عليه و أوصى إليه في تربية قالويان ~~ابنه و تدبيره و كان الابن وقتئذ ms319 طفلا و أشرك معه في ذلك البطريرك ~~ارسانيوس. و بعد مدة مديدة توفي ثاوذوروس و دفن في دير مغنيسيا. و كان له ~~أخت تسمى كيرايلونيا و لها ختن على ابنتها يقال له موزالون فخرجت معه إلى ~~الدير بحجة زيارة قبر الملك و أقاما به أياما يتشاوران في أمر الملك و ~~اتفقا على أن يقبضا على ميخائيل و من يرى رأيه و يتولى تدبير الطفل ~~موزالون. فشعر ميخائيل بدسيستهما و سير عليهما جماعة من جند الفرنج الذين ~~كانوا في خدمته و أمرهم أن يقتلوهما معا حيث وجدوهما. فدخل الفرنج الدير و ~~لقوهما في البيعة وقت صلاةالعشاء فقطعوهما موضعهما و نادوا بشعار ميخائيل ~~بمدينة نيقيا قائلين: ميخائيل يا منصور ميخائيل ملك يونان باليولوغس ~~أوطوقراطور رومانيا. و من هناك سار ميخائيل إلى مدينة نيقية و خطب له ~~بالمملكة بجميع تلك البلاد و اعتقل الطفل قالويان ابن الملك ببعض القلاع و ~~نفى البطريرك ارسانيوس الذي وبخه على فعله هذا. و لما تمكن من الملك لم يكن ~~له اهتمام إلا بأخذ قسطنطينية فسار إليها مرة و لم يقدر على فتحها فصبر إلى ~~أن ثارت الفتنة بين البنادقة و الجنوية بمدينة عكا فسار البنادقة أجمعين عن ~~القسطنطينية إلى عكا لنصرة أصحابهم و كانوا هم الحفظة لها. و احتال حيلة ~~أخرى بأن أشار إلى متولي بعض قلاع الروم ليكاتب بغدوين الفرنجي صاحب ~~القسطنطينية و يقول له: إن هذا ميخائيل قد تغلب على مملكة الروم بغير ~~استحقاق و هو ظالم معتد على بيت أستاذه و أنا كاره له و أنت أولى بهذه ~~القلعة منه لأنك ملك ابن ملك و ميخائيل خارجي. فابعث لي عسكرا و أنا أسلمها ~~إليهم و لا بد من منجنيقات تكون معهم فينصبونها و يظهرون القتال و الزحف ~~ليكون لي عذر عند الناس إذا سلمتها. فاغتر بغدوين الفرنجي بكلامه و قدره ~~صادقا بما قال فأرسل من كان عنده من المقاتلين إلى تلك القلعة و نازلوها و ~~اشتغلوا بنصب المنجنيقات و الاستعداد للقتال. و حينئذ عبرميخائيل ms320 في عساكره ~~خليج القسطنطينية و نزل عليها و هي خالية عن رجال الحرب و حال بينها و بين ~~العسكر الذي كان على القلعة المذكورة. فدله بعض الرعاة على باب عتيق ~~للمدينة قد عفا أثره و لم يفتح من عهد قسطنطينوس فنبشوه و دخلوا المدينة و ~~ملكوها ليلاو تغافلوا عن بغدوين صاحبها عمدا حتى خرج في أهل بيته و صار إلى ~~بلاد الفرنج في البحر. و كان مدة بقاء القسطنطينية بيد الفرنج نحو ثلاث و ~~خمسين سنة ثم عادت إلى الروم كما كانت أولا. PageV01P168 و فيها في شهر ~~شوال رحل هولاكو عن حدود همذان نحو مدينة بغداد. و كان في أيام محاصرته ~~قلاع الملاحدة قد سير رسولا إلى الخليفة المستعصم يطلب منه نجدة فاراد أن ~~يسير و لم يقدر و لم يمكنه الوزراء و الأمراء و قالوا: إن هولاكو رجل صاحب ~~احتيال و خديعة و ليس محتاجا إلى نجدتنا و إنما غرضه إخلاء بغداد عن الرجال ~~فيملكها بسهولة. فتقاعدوا بسبب هذا الخيال عن إرسال الرجال. و لما فتح ~~هولاكو تلك القلاع أرسل رسولا آخر إلى الخليفة و عاتبه على إهماله تسيير ~~النجدة. فشاوروا الوزير فيما يجب أن يفعلوه فقال: لا وجه غير إرضاء هذا ~~الملك الجبار ببذل الأموال و الهدايا و التحف له و لخواصه. و عندما أخذوا ~~في تجهيز ما يسيرونه من الجواهر و المرصعات و الثياب و الذهب و الفضةو ~~المماليك و الجواري و الخيل و البغال و الجمال قال الدويدار الصغير و ~~أصحابه: إن الوزير إنا يدبر شأن نفسه مع التاتار و هو يروم تسليمنا إليهم ~~فلا نمكنه من ذلك. فبطل الخليفة بهذا السبب تنفيذ الهدايا الكثيرة و اقتصر ~~على شيء نزر لا قدر له. فغضب هولاكو و قال: لا بد من مجيئه هو بنفسه أو ~~يسير أحد ثلاثة نفر إما الوزير و إما الدويدار و إما سليمانشاه. فتقدم ~~الخليفة إليهم بالمضي فلم يركنوا إلى قوله فسير غيرهم مثل ابن الجوزي و ابن ~~محيي الدين فلم يجديا عنه. ms321 و أمر هولاكو بايجو نوين و سونجاق نوين ليتوجها ~~في مقدمته على طريق اربل و توجه هو على طريق حلوان. و خرج الدويدار من ~~بغداد و نزل بجانب ياعقوبا. ولما بلغه أن بايجو نوين عبر دجلة و نزل ~~بالجانب الغربي ظن أن هولاكو قد نزل هناك فرحل عن ياعقوبا و نزل بحيال ~~بايجور و لقي يزك المغول أميرا من أمراء الخليفة يقال له ايبك الحلبي ~~فحملوه إلى هولاكو فأمنه أن تكلم بالصحيح و طيب قلبه فصار يسير أمام العسكر ~~و يهديهم. و كتب كتابا إلى بعض أصحابه يقول لهم: ارحموا أرواحكم و اطلبوا ~~الأمان لأن لا طاقة لكم بهذه الجيوش الكثيفة. فأجابوه بكتاب يقولون فيه: من ~~يكون هولاكو و ما قدرته ببيت عباس من الله ملكهم و لا يفلح من يعاندهم و لو ~~أراد هولاكو الصلح لما داس أرض الخليفة و لما أفسد فيها. و الآن إن كان ~~يختار المصالحة فليعد إلى همذان و نحن نتوسل بالدويدار ليخضع لأمير ~~المؤمنين متخشعا في هذا الأمر لعله يعفو عن هفوة هولاكو. فلما عرض ايبك ~~الكتاب على هولاكو ضحك و استدل به على غباوتهم. ثم سمع الدويدار أن التاتار ~~قد توجهوا نحو الأنبار. فسار إليهم و لقي عسكر سونجاق نوين و كسرهم و هزمهم ~~و في هزيمتهم التقاهم بايجو نوين فردهم و هجموا جميعا على عسكر الدويدار ~~فاقتتلوا قتالا شديدا و انجلت الحرب عن كسرة الدويدار فقتل أكثر عسكره و ~~نجا هو في نفر قليل من أصحابه و دخل بغداد. PageV01P169 و في منتصف شهر ~~المحرم من سنة ست و خمسين و ستمائة نزل هولاكو بنفسه على باب بغداد و في ~~يوم و ليلة بنى المغول بالجانب الشرقي سيبا أعني سورا عاليا و بنى ~~بوقاتيمور و سونجاق نوين و بايجو نوين بالجانب الغربي كذلك و حفروا خندقا ~~عميقا داخل السيبا و نصبوا المنجنيقات بإزاء سور بغداد من جميع الجوانب و ~~رتبوا العرادات و آلات النفط. و كان بدء القتال ثاني و عشرين محرم. فلما ms322 ~~عاين الخليفة العجز في نفسه و الخذلان من أصحابه أرسل صاحب ديوانه و ابن ~~درنوش إلى خدمة هولاكو و معهم تحف نزرة. قالوا: إن سيرنا الكثير يقول: قد ~~هلعوا و جزعوا كثيرا. فقال هولاكو: لم ما جاء الدويدار و سليمانشاه. فسير ~~الخليفة الوزير العلقمي و قال: أنت طلبت أحد الثلاثة و ها أنا قد سيرت إليك ~~الوزير و هو أكبرهم. فأجاب هولاكو: إنني لما كنت مقيما بنواحي همذان طلبت ~~أحد الثلاثة و الآن لم أقنع بواحد. و جد المغول بالقتال بإزاء برج العجمي و ~~بوقاتيمور من الجانب الغربي حيث المبقلة و سونجاق نوين و بايجو نوين من ~~جانب البيمارستان العضدي. و أمر هولاكو البتيكتجية ليكتبوا على السهام ~~بالعربية: ان الاركاونية و العلويين و الداذنشمدية و بالجملة كل من ليس ~~يقاتل فهو آمن على نفسه و حريمه و أمواله. و كانوا يرمونها إلى المدينة. و ~~اشتد القتال على بغداد من جميع الجوانب إلى اليوم السادس و العشرين من ~~محرم. ثم ملك المغول الأسوار و كان الابتداء من برج العجمي. و احتفظ المغول ~~الشط ليلا و نهارا مستيقظين لئلا ينحدر فيه أحد. و أمر هولاكو أن يخرج إليه ~~الدويدار و سليمانشاه و أما الخليفة إن اختار الخروج فليخرج و إلا فليلزم ~~مكانه. فخرج الدويدار و سليمانشاه و معهما جماعة من الأكابر. ثم عاد ~~الدويدار من الطريق بحجة أنه يرجع و يمنع المقاتلين الكامنين بالدروب و ~~الأزقة لئلا يقتلوا احدا من المغول فرجع و خرج من الغد و قتل. و عامة أهل ~~بغداد أرسلوا شرف الدين المراغي و شهاب الدين الزنكاني ليأخذ لهم الأمان. و ~~لما رأى الخليفة أن لا بد من الخروج أراد أو لم يرد استأذن هولاكو بأن يحضر ~~بين يديه فأذن له و خرج رابع صفر و معه أولاده و أهله. فتقدم هولاكو أن ~~ينزلوه بباب كلواذ و شرع العساكر في نهب بغداد و دخل بنفسه إلى بغداد ~~ليشاهد دار الخليفة و تقدم بإحضار الخليفة فأحضروه و مثل بين يديه ms323 و قدم ~~جواهر نفيسة و لآلىء و دررا معباة في أطباق ففرق هولاكو جميعها على الأمراء ~~و عند المساء خرج إلى منزله و أمر الخليفة أن يفرز جميع النساء التي باشرهن ~~هو و بنوه و يعزلهن عن غيرهن ففعل فكن سبعمائة امرأة فأخرجهن و معهن ~~ثلاثمائة خادم خصي. و بقي النهب يعمل إلى سبعة أيام ثم رفعوا السيف و بطلوا ~~السبي. و في رابع عشر صفر رحل هولاكو من بغداد و في أول مرحلة قتل الخليفة ~~المستعصم و ابنه الأوسط مع ستة نفر من الخصيان بالليل و قتل ابنه الكبير و ~~معه جماعة من الخواص على باب كلواذ و فوض عمارة بغداد إلى صاحب الديوان و ~~الوزير و ابن درنوش. و أرسل بوقا تيمور إلى الحلة ليمتحن أهلها هل هم على ~~الطاعة أم لا. فتوجه نحوها و رحل عنها إلى مدينة واسط و قتل بها خلقا كثيرا ~~أسبوعا. ثم عاد لى هولاكو و هو بمقام سياكوه. # و كان من الفضلاء المعتبرين في هذه السنين القاضي الأكرم جمال الدين بن ~~القفطي مصنف كتاب تاريخ الحكماء مولده بقفط من أعمال صعيد مصر سنة ثماني و ~~ستين و خمسمائة رحل به أبوه طفلا و أسكنه القاهرة المعزية وبها قرأ و كتب و ~~شدا شيئا من الأدب. ثم خرج إلى الشام فأقام بحلب و صحب بها الأمير المعروف ~~بالميمون القصري. و اجتمع في هذه المدة بجماعة من العلماء و استفاد ~~بمحاضرتهم و فقه بمناظرتهم. ثم لازم منزله بعد وفاة الأمير المذكور إلى أن ~~ألزم بالخدمة في أمور الديوان في أيام الملك الظاهر فتولى ذلك و هو كاره ~~للولاية متبرم بها. فلما مات الملك الظاهر عاد فانقطع في منزله مستريحا من ~~معاناة الديوان مجتمع الخاطر على شأنه من المطالعة و الفكرة منقبضا عن ~~الناس محبا للتفرد و الخلوة لا يكاد يظهر لمخلوق حتى قلده الملك العزيز ~~وزارته سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة. فلم يزل في هذا المنصب مدة أيام الملك ~~العزيز و الملك الناصر ms324 ابنه حتى توفي ثالث عشر رمضان سنة ست و أربعين و ~~ستمائة. PageV01P170 و من حكماء هذا الزمان نجم الدين النخجواني كان ذا يد ~~قوية في الفضائل و عارضة عريضة في علوم الأوائل تفلسف ببلاده و سار في ~~الآفاق و طوف و دخل الروم و ولي المناصب الكبار ثم كره كدر الولاية و نصبها ~~فارتحل إلى الشام و أقام بحلب منقطعا في دار اتخذها لسكناه لا يمشي إلى ~~مخلوق و لكن يمشى إليه إلى أن مات بها. و كان شديد الميل إلى مذهب التناسخ ~~و له مؤاخذات على منطق الإشارات و شرحها أيضا و تناول الأفضل الخونجي ~~بالاستنقاص و زيف أقواله في كتاب الكشف فيما يتعلق بعكس النقيض و الموضوع ~~الخارجي و الحقيقي و منعه إنتاج الصغرى الممكنة في الشكل الأول و انعكاس ~~السالبة الكلية الضرورية كنفسها إلى غير ذلك. # و منهم الحكيم ثاذري الإنطاكي اليعقوبي النحلة أحكم اللغة السريانية و ~~اللاطينية بإنطاكية و شدا بها شيئا من علوم الأوائل. ثم هاجر إلى الموصل و ~~قرأ على كمال الدين ابن يونس مصنفات الفارابي و ابن سينا و حل أوقليذس و ~~المجسطي. ثم عاد إلى إنطاكية و لم يطل المكث بها و لما رأى في نفسه من ~~التقصير في التحصيل فعاد مرة ثانية إلى ابن يونس و أنضج ما استنهأ من علمه ~~و انحدر إلى بغداد و أتقن علم الطب و قيد أوابده و تصيد شوارده و قصد ~~السلطان علاء الدين ليخدمه فاستغربه و لم يقبل عليه فرحل إلى الأرمن و خدم ~~قسطنطين أبا الملك حاتم و لم يستطب عشرتهم فسار مع رسول كان هناك للأمبرور ~~ملك الفرنج فنال منه أفضالا و وجد له به نوالا و أقطعه بمدينة كما هي ~~بأعمالها. فلما صلح حاله و كثر ماله اشتاق إلى بلده و أهله و لم يؤذن له ~~بالتوجه فأقام إلى أن امكنته الفرصة بخروج الملك في بعض غزواته إلى بلاد ~~المغرب فضم أطرافه و جمع أمواله و ركب سفينة كان قد أعدها ms325 لهربه و سار في ~~البحر مع من معه من خدمه يطلبون بر عكا. فبينما هم سائرون ذهبت عليهم ريح ~~رمت بهم إلى مدينة كان الملك قد أرسى بها فلما أخبر ثاذري بذلك تناول شيئا ~~من سم كان معه و مات خجلا لا وجلا لأن الملك لم يكن يسمح بإهلاك مثله. # و من الأطباء المشاهير في هذا الزمان الحكيم مسعود البغدادي المعروف بابن ~~القس طبيب حاذق نبيل خدم الخليفة المستعصم و اختص به و طب حرمه و أولاده و ~~خواصه و ارتفعت منزلته لديه. و لما جرى ببغداد ما جرى انقطع عن الناس و لزم ~~منزله إلى أن مات. و خلف ولده غرس النعمة أبا نصر و كان أبو نصر فاضلا ~~عاقلا ذا فنون خبيرا بأصول الهندسة فاكا مشكلاتها و كان ضئيلا مسقاما لا ~~يقطع استعمال ماء الشعير صيفا و شتاء و كان غزاؤه دوائيانزرا و مات كهلا. # و منهم الحكيم عيسى البغدادي المعروف بابن القسيس الحظيري كان أبوه طبيبا ~~فاضلا يقرأ عليه و يؤخذ منه. و كان حاد المزاج يسرع إليه الغضب. جرى لي معه ~~مفاوضة في أمر تقديم السريان الليل على النهار مستدلين التوراة و هو قوله ~~تعالى: و صار مساء و صار صباح يوما واحدا. قلت: هذه الحجة عليهم لا لهم ~~لأنها تنبئ عن تقدم نهار آخره مساء و تأخر ليل آخره صباح ليتم بمجموعهما ~~يوم واحد لأن الحاصل من المساء إلى الصباح إنما هو ليلة واحدة و هي نصف يوم ~~لا يوم تام. فلم ينصفني في هذا و لا أجاب عنه بشيء أكثر من قوله: هذا مذهب ~~أهل ملتك فكيف يسعك تكذيبهم. فقلت: أنا تابع فيه لليونانيين و أقيم عذر ~~السريانيين و هو أن شهورهم قمرية و القمر إنما يرى استهلاله مساء لا صباحا ~~فجعلوا مبادئ تواريخهم أوائل الليل و مثلهم العبرانيون و العرب لأن الليل ~~مقدم على النهار في نفس الأمر. و مما يستدل به على علو همة الحكيم عيسى ابن ~~القسيس أنه نسخ كتاب القانون ms326 بخطه في شبيبته ثم خرجت النسخة عن ملكه بحكم ~~شرعي و حصلت في خزانة المدرسة المستنصرية. فلما أسن طلب النسخة و قابلها و ~~صححها و أعادها إلى مكانها. فنسبه باغضوه إلى فضول و محبوه إلى مثوبة ~~يتوخاها. فقال: كلا الفريقين مخطئ و إنما فعلت ذلك لئلا يزرى علي بعد موتي. ~~و عمر طويلا و مات شيخا كبيرا. PageV01P171 و منهم تقي الدين الرأس عيني ~~المعروف بابن الخطاب طبيب مشهور الذكرمتقن لصناعة الطب علمها و عملها غاية ~~الاتقان خدم السلطان غياث الدين و بعده ابنه عز الدين و صار له منزلة عظيمة ~~منهما و رفعاه من حد الطب إلى المعاشرة و المسامرة و أقطعاه إقطاعات جزيلة ~~و كان في خدمتهما بزي جميل و أمر صالح و غلمان و خدم و صادف من دولتهما كل ~~ما سره. # و منهم شرف الدين بن الرحبي و أخوه جمال الدين الدمشقيان. أما شرف الدين ~~فكان بارعا بالجزء النظري من الطب له معرفة تامة به و اطلاع على أصوله تصدر ~~لإفادة هذا الشأن و أخذ عنه جماعة من الطلبة و كان قليل التعرض لمباشرة ~~المرضى. و سمعت وقت تحصيلي بدمشق أن له نعاليق و حواشي على القانون و لم ~~أرها. و أما جمال الدين أخوه فكان له عناية تامة في الجزء العملي من الطب و ~~تجارب فاضلة فيه و نفوذ مشهور في المعالجة. صحبته مدة أباشر معه المرضى ~~بالبيمارستان النوري بدمشق و كان حسن الأخلاق لم أر في الجماعات أحسن منه ~~زيا و صمتا و نطقا و مبسما. # و منهم بدر الدين المعروف بابن قاضي بعلبك كان فاضلا خبيرا بالمباشرة و ~~المعالجة جميل التحيل للبرء و صنف كتابا لطيف الحجم سماه مفرح النفس جمع ~~فيه جملة ما يتعلق بالحواس الخمسة من المفرحات و أضاف إليه الأدوية المفردة ~~القلبية و مركبات أيضا حارة و باردة و معتدلة للملوك و الفقراء و أوساط ~~الناس و أخذ فيه على الرئيس في جعله الكسفرة عديدة المفرحات. # و منهم نفيس الدولة الدمشقي ms327 النصراني الملكي المعروف بابن طليب و سيأتي ~~ذكره في جملة أطباء هولاكو إذ هو أكبرهم. # و منهم الموفق يعقوب الدمشقي السامري كان طبيبا حاذقا مصيبا في علاجه ~~مستحضراللشروح و كان ضنينا بما يحسنه يشارط من قصده من سائر البلاد ~~للاستفادة على إسماعه أي كتاب أراد قراءته دراهم معلومة. و هذه خساسة ~~مباينة للأنفس الفاضلة. # و من فضلاء هذا الزمان في علوم الأوائل و جميع الفضائل نجم الدين الدمشقي ~~المعروف بابن اللبودي تولى أمور الديوان و قلد الوزارة و الغالب عليه ~~الهندسة و العدد. # و منهم عز الدين الضرير كان من الأفاضل و الأعيان المعدودين من حسنات ~~الزمان. و له مشاركة حسنة في سائر الأنواع الفلسفية و الآداب العربية و كان ~~قوي الذكر و التخيل بحيث أنه كان يقرأ عليه و هو مكفوف ست مقالات من كتاب ~~أوقليذس و كان يحفظ الأشكال بحروفها و يتكلم في حلها. # الدولة العاشرة # المنتقلة إلى ملوك المغول # " هولاكو بن تولي خان " و لما ملك هولاكو بغداد و رتب بها الشحاني و ~~الولاة أنفذ بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إليه ابنه الملك الصالح اسمعيل و ~~معه جماعة من عسكره نجدة له. فأظهر له هولاكو عبسة و قال: أنتم بعد في شك ~~من أمرنا و مطلتم نفوسكم يوما بعد يوم و قدمتم رجلا و أخرتم أخرى لتنظروا ~~من الظافر بصاحبه فلو انتصر الخليفة و خذلنا لكان مجيئكم إليه لا إلينا. قل ~~لأبيك: لقد عجبنا منك تعجبا كيف ذهب عليك الصواب و عدل بك ذهنك عن سواء ~~السبيل و اتخذت اليقين ظنا و قد لاح لك الصبح فلم تستصبح. فلما عاد الصالح ~~إلى الموصل و بلغ أباه ما حمل من الرسالة الزاجرة أيقن بدر الدين أن ~~المنايا قد كشرت له عن أنيابها و ذلت نفسه و هلع هلعا شديدا و كاد يخسف ~~بدره و يكسف نوره. فانتبه من غفلته و أخرج جميع ما في خزائنه من الأموال و ~~اللآلئ و الجواهر و المحرمات من الثياب و صادر ذوي ms328 الثروة من رعاياه و أخذ ~~حتى حلي حظاياه و الدرر من حلق أولاده و سار إلى طاعة هولاكو بجبال همذان. ~~فأحسن هولاكو قبوله و احترمه لكبر سنه و رق له و جبر قلبه بالمواعيد ~~الجميلة و استأمن إليه و داعبه و قدمه إلى أن أصعده إليه على التخت و أذن ~~له أن يضع بيده في أذنيه حلقتين كانتا معه فيهما درتان يتيمتان. و أقام في ~~خدمته أياما ثم عاد إلى الموصل مسرورا مبرورا بل مذعورا مما شاهد من عظمة ~~هولاكو و هيبته و دهائه. PageV01P172 و فيها توجه الأشرف بن الملك الغازي ~~بن الملك العادل صاحب ميافارقين إلى الملك الناصر صاحب حلب يطلب منه نجدة ~~ليمنع المغول من الدخول إلى الشام. فاستخف برأيه و لم يسمع مشورته بل سوفه ~~بكلام و سرحه من عنده بالأمان. و لما وصل إلى ميافارقين مدينته طرد شحاني ~~المغول منها و صلب رجلا قسيسا كان قد وصل إليه من خدمة قاان باليراليغ و ~~البوايز. و بينما هو كذلك أدركته عساكر المغول و أحاطت بمدينته و في رأس ~~العسكر يشموت بم هولاكو. و في يوم و ليلة بنى المغول حول مدينته سورا و ~~حفروا خندقا عميقا ثم نصبوا عليها المنجنيقات و ابتدأوا بالقتال و قاتلوا ~~قتالا شديدامن الجانبين. و لما راى المغول أن المدينة لم يمكنهم أخذها ~~بالقتال أبطلوا القتال و حاصروها و منعوا الناس من الدخول إليها و الخروج ~~عنها. PageV01P173 و في سنة سبع و خمسين و ستمائة أرسل هولاكو إيلجية إلى ~~الملك الناصر صاحب حلب برسالة يقول فيها: يعلم الملك الناصر أننا نزلنا ~~بغداد في سنة ست و خمسين و ستمائة و فتحناها بسيف الله تعالى و أحضرنا ~~مالكها و سألناه مسئلتين فلم يجب لسؤالنا فلذلك استوجب منا العذاب كما قال ~~في قرآنكم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. و صان المال. ~~فآل الدهر به إلى ما آل. و استبدل النفوس النفيسة.بنقوش معدنية خسيسة. و ~~كان ذلك ظاهر قوله تعالى: وجدوا ms329 ما عملوا حاضرا. لأننا قد بلغنا بقوة الله ~~الإرادة. و نحن بمعونة الله في الزيادة. و لا شك أن نحن جند الله في أرضه ~~خلقنا و سلطنا على من حل عليه غضبه. فليكن لكم في ما مضى معتبر. و بما ~~ذكرناه و قلناه مزدجر. فالحصون بين أيدينا لا تمنع. و العساكر للقائنا ~~لاتضر و لا تنفع. و دعاؤكم علينا لا يستجاب و لا يسمع. فاتعظوا بغيركم. و ~~سلموا إلينا أموركم. قبل أن ينكشف الغطا. و يحل عليكم الخطا. فنحن لا نرحم ~~من شكا. و لا نرق لمن بكا. قد أخربنا البلاد. و أفنينا العباد. و أيتمنا ~~الأولاد. و تركنا في الأرض الفساد. فعليكم بالهرب. و علينا بالطلب. فما لكم ~~من سيوفنا خلاص. و لا من سهامنا مناص.فخيولنا سوابق. و سهامنا خوارق. و ~~سيوفنا صواعق. و عقولنا كالجبال. و عددنا كالرمال. فمن طلب منا الأمان سلم. ~~و من طلب الحرب ندم. فإن أنتم أطعتم أمرنا و قبلتم شرطنا كان لكم ما لنا و ~~عليكم ما علينا. و إن أنتم خالفتم أمرنا و في غيكم تماديتم فلا تلومونا و ~~لوموا أنفسكم. فالله عليكم يا ظالمين فهيئوا للبلايا جلبابا. و للرزايا ~~أترابا. فقد أعذر من أنذر. و أنصف من حذر. لأنكم أكلتم الحرام و خنتم ~~بالإيمان. و أظهرتم البدع و استحسنتم الفسق بالصبيان. فابشروا بالذل و ~~الهوان. فاليوم تجدون ما كنتم تعلمون. سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ~~فقد ثبت عندكم أننا كفرة. و ثبت عندنا أنكم فجرة. و سلطنا عليكم من بيده ~~الأمور مقدرة. و الأحكام مدبرة.فعزيزكم عندنا ذليل. و غنيكم لدينا فقير. و ~~نحن مالكون الأرض شرقا و غربا. و أصحاب الأموال نهبا و سلبا. و أخذنا كل ~~سفينة غصبا. فميزوا بعقولكم طرق الصواب قبل أن تضرم الكفرة نارها. و ترمي ~~بشرارها. فلا تبقي منكم باقية. و تبقى الأرض منكم خالية. فقد أيقظناكم. حين ~~راسلناكم. فسارعوا إلينا برد الجواب بتة. قبل أن يأتيكم العذاب بغتة. و ~~أنتم تعلمون. فطلبه ليحضر عنده. ms330 و لما شاور الأمراء لم يمكنوه من المشي إلى ~~هولاكو و بقي متحيرا خائفا مذعورا لم يدر ما يصنع. غير أنه استجار الله و ~~سير ولده الملك العزيز و صحبته الأموال الكثيرة و الهدايا و التحف. و بقي ~~هناك من أوائل الشتاء إلى الربيع ثم عاد إلى أبيه قائلا: قد قال ملك الأرض: ~~نحن للملك الناصر طلبنا لا لولده فالآن إن كان قلبه صحيحا معنا يجيء إلينا ~~و إلا فنحن نمشي إليه. فلما سمع الملك الناصر ذلك بقي مترددا في رأيه لأن ~~الأمراء لم يمكنوه من المشي إليه و هو فقد وقع عنده الخوف و الجزع و لم ~~يطمئن على القعود. ثم سير هولاكو في طلب سلطان الروم عز الدين و أخيه ركن ~~الدين فأطاعاه و مشيا إليه و أحسن قبولهما و التقاهما مرحبا بهما فرحانا و ~~تقدم إليهما بأن عز الدين يتملك على قيسارية إلى تخوم إرمينية الكبرى و ركن ~~الدين يتملك من اقسرا و إلى ساحل البحر حدود الافرنج. ثم أنه بعد ذلك توجه ~~إلى الشام و توجها في خدمته إلى قريب الفرات و عادا إلى بلادهما مسرورين ~~مغبوطين. # و في هذه السنة توفي السلطان الملك الرحيم بدر الدين أبو الفضائل لؤلؤ ~~صاحب الموصل في عشرين يوما مضت من شهر تموز و تولى ولده الملك الصالح ~~اسماعيل الموصل و ولده علاء الدين سنجار و ولده سيف الدين الجزيرة. ~~PageV01P174 و في سنة ثماني وخمسين و ستمائة دخا هولاكو إلخان الشام و معه ~~من العساكر أربعمائة ألف و نزل بنفسه على حران و تسلمها بالأمان و كذلك ~~الرها و لم يدن لأحد فيهما سوء. و أما أهل سروج فإنهم أهملوا أمر المغول ~~فقتلوا عن أقصاهم. و تقدم هولاكو فنصب جسرا على الفرات قريبا من مدينة ~~ملطية و آخر عند قلعة الروم وآخر عند قرقيسياء و عبرت العساكر جملتها و ~~قتلوا عند منبج مقتلة عظيمة. ثم تفرقت العساكر على القلاع و المدن.و نفر ~~قليل من العسكر طلب حلب فخرج إليهم الملك ms331 المعظم ابن صلاح الدين الكبير ~~فالتقاهم و انكسر قدام المغول و دخل المدينة منهزما. و طرف منهم وصل إلى ~~المعرة و خربوها. و تسلموا حماة بالأمان و حمص أيضا. فلما بلغ ذلك الملك ~~الناصر أخذ أولاده و نساءه و جميع ما يعز عليه و توجه منهزما إلى برية ~~الكرك و الشوبك. و عندما وصلت المغول إلى دمشق خرج أعيانها إليهم و سلموها ~~لهم بالأمان و لم يلحق بأحد منهم أذى. و اما هولاكو فإنه بنفسه نزل على حلب ~~و بنى عليها سيبا و نصب المنجنيقات و استضعف في سورها موضعا عند باب العراق ~~و أكثر القتال و الزحف عليه. و في أيام قلائل ملكوها و دخلوها يوم الأحد ~~الثالث و العشرين من كانون الثاني من هذه السنة و قتل فيها أكثر من الذي ~~قتل ببغداد. و بعد ذلك أخذوا القلعة في أسرع ما يكون وقتا. ثم أن هولاكو ~~رحل عنها و أحاط بقلعة الحارم و اختار أن يسلموها إليه و يؤمنهم على أنفسهم ~~فلم يطمئنوا إلى قوله و إنما طلبوا منه رجلا مسلما يحلف لهم و يكون صاحب ~~شريعة يطمأن إليه حيث يحلف لهم بالطلاق و المصحف أن لا يدنو لأحد منهم سوء ~~و ينزلوا و يسلموا إليهم القلعة. فسألهم هولاكو: من تريدون أن يحلف لكم. ~~قالوا: فخر الدين الوالي بقلعة حلب فإنه رجل صادق مؤمن خير. فتقدم هولاكو ~~إليه فدخل إليهم و حلف لهم على جميع ما يريدون. فحينئذ فتحوا الأبواب و نزل ~~الناس خلائق كثيرة و تسلم المغول القلعة. ثم أن هولاكو تقدم بقتل فخر الدين ~~الوالي أولا ثم بقتل جميع من كان في القلعة من الصغار و الكبار الرجال منهم ~~و النساء حتى الطفل الصغير في المهد. و رحل هولاكو من هناك عائدا إلى ~~البلاد الشرقية. و رتب في الشام أميرا كبيرا يسمى كتبوغا و معه عشرة آلاف ~~فارس من العسكر. و لما وصل إلى تل باشر وصلت العساكر التي حاصرت ميافارقين ~~و معهم الأشرف صاحبها و ms332 أنهوا أنهم أخذوها و قتلوا كل من فيها و لم يتخلف ~~فيها إلا أنفار قليلة لأنهم هلكوا جوعا و ماتوا. و لولا ذلك لم يتمكن ~~المغول من أخذها. و قتل الأشرف صاحبها و بعد ذلك ندم هولاكو على قتله. ثم ~~أنه ولى عليها رجلا أميرا من أمراء الأشرف يسمى عبد الله. و لما وصل هولاكو ~~قريب ماردين سير يطلب صاحب ماردين إليه. فأبى و لم ينزل إليه. بل سير ولده ~~مظفر الدين لأنه كان في خدمة هولاكو هو و الملك الصالح ابن السلطان بدر ~~الدين لما كان بالشام. قال له هولاكو: تصعد إلى أبيك و تقول له ينزل إلينا ~~و لا يعصي و إن عصى لم يصب خيرا. و لما صعد إلى أبيه و خاطبه لم يقنع بأنه ~~لم يسمع مشورته بل قيده و حبسه عنده. فعند ذلك أحاطت المغول بماردين و ~~ابتدأوا بالقتال و لولا أن وقع فيها الوباء و الموت و مات السلطان و أكثر ~~أهلها لما أخذوها لا في سنتين و لا في ثلاثة. و لما مات السلطان نزل ابنه ~~الملك المظفر و سلم إليهم القلعة و الخزائن و الأموال. و تحقق عند ملك ~~الأرض هولاكو ما جرى عليه من أبيه فلأجل ذلك أكرمه و أحسن إليه و ملكه موضع ~~أبيه. و كتبوغا كبير عسكر المغول الذي نزل بالشام لم يزل يستفحص عن أخبار ~~الملك الناصرالمنهزم في البراري حتى عرف موضعه و سير عليه بعض العسكر ~~فلزموه و سيروه إلى هولاكو. و لما مثل بين يديه فرح به و وعده بكل خير و ~~جميل و أنه يعيده إلى ملكه و هو يومئذ نازل بجبال الطاق. فبينما هم في ذلك ~~وصل خبر أن قوتوز التركماني الذي تولى مصر لما بلغه أن هولاكو رجع إلى ~~المشرق و كتبوغا بعشرة آلاف فارس في الشام استضعفه و جمع عسكرا كثيرا و خرج ~~التقى به و كسره و قتله و استأسر أولاده و كان ذلك في السابع و العشرين من ~~رمضان من ms333 سنة ثماني و خمسين و ستمائة. فغضب هولاكو لذلك و تقدم بقتل الملك ~~الناصر و قتل أخيه الملك الظاهر و جميع من معهم.و لم يخلص منهم غير محيي ~~الدين المغربي بسبب أنه PageV01P175 كان يقول إنني رجل أعرف بعلم السماء و ~~الكواكب و التنجيم و لي كلام أقوله لملك الأرض. قال محيي الدين المذكور لما ~~اجتمعنا به في مدينة مراغة: إنني لما قلت لهم هذا الكلام أخذوني و أحضروني ~~بين يدي هولاكو فتقدم أن يسلموني إلى خواجا نصير الدين. و حكى لنا صورة ما ~~جرى للملك الناصر قال: كنت في خدمته يوم الأربعاء عشرين شوال و هو يسألني ~~عن مولده إذ وصل أمير من المغول و معه نحو خمسين فارسا. فخرج الملك النصر ~~من الخيمة و التقاه و عرض عليه النزول. فامتنع قائلا: إن هولاكو سيرني و ~~يقول: هذا اليوم لنا فرحة و قد عملنا دعوة و حضر الأمراء كلهم فتحضر أنت و ~~أخوك و أولادك للأمر الذي لك عندنا. فجمع الملك الناصر جماعته مقاربة عشرين ~~نفرا و ركبوا و ساروا صحبة ذلك الأمير.و بعد ساعة وصل أيضا عشرون فارسا آخر ~~و قالوا: يحضر الجماعة كلهم و لا يبقى في الخيم غير الفراشين و المماليك ~~الصغار و الطباخين و الغلمان. و باقي الجماعة الخيالة و الكتاب يحضرون في ~~الدعوة. " قال " فأخذونا إلى مواضع أودية عميقة بين حجارة عالية و نزلنا عن ~~الخيل فاحتاط كل واحد منهم بواحد منا و كتفونا. فلما عاينت ذلك بقيت أقول ~~بصوت عال: إنني رجل منجم و أعرف بحركات الكواكب و معي كلام أقوله في خدمة ~~السلطان ملك الأرض. فأخذوني و أقعدوني ورائهم مع جملة أتباعهم و شرعوا بقتل ~~الجماعة و لم يخلص منهم غير ولدي الملك الناصر فاستأسروهما. ثم ركبوا و ~~عادوا إلى البيوت التي للملك الناصر و نهبوها و قتلوا باقي الجماعة التي ~~تخلفت هناك. ثم عرضوا الأمر على هولاكو و أنا صرت في خدمة خواجا نصير الدين ~~في الرصد بمراغة و ابنا الملك الناصر ms334 في خدمته.كان يقول إنني رجل أعرف بعلم ~~السماء و الكواكب و التنجيم و لي كلام أقوله لملك الأرض. قال محيي الدين ~~المذكور لما اجتمعنا به في مدينة مراغة: إنني لما قلت لهم هذا الكلام ~~أخذوني و أحضروني بين يدي هولاكو فتقدم أن يسلموني إلى خواجا نصير الدين. و ~~حكى لنا صورة ما جرى للملك الناصر قال: كنت في خدمته يوم الأربعاء عشرين ~~شوال و هو يسألني عن مولده إذ وصل أمير من المغول و معه نحو خمسين فارسا. ~~فخرج الملك النصر من الخيمة و التقاه و عرض عليه النزول. فامتنع قائلا: إن ~~هولاكو سيرني و يقول: هذا اليوم لنا فرحة و قد عملنا دعوة و حضر الأمراء ~~كلهم فتحضر أنت و أخوك و أولادك للأمر الذي لك عندنا. فجمع الملك الناصر ~~جماعته مقاربة عشرين نفرا و ركبوا و ساروا صحبة ذلك الأمير.و بعد ساعة وصل ~~أيضا عشرون فارسا آخر و قالوا: يحضر الجماعة كلهم و لا يبقى في الخيم غير ~~الفراشين و المماليك الصغار و الطباخين و الغلمان. و باقي الجماعة الخيالة ~~و الكتاب يحضرون في الدعوة. " قال " فأخذونا إلى مواضع أودية عميقة بين ~~حجارة عالية و نزلنا عن الخيل فاحتاط كل واحد منهم بواحد منا و كتفونا. ~~فلما عاينت ذلك بقيت أقول بصوت عال: إنني رجل منجم و أعرف بحركات الكواكب و ~~معي كلام أقوله في خدمة السلطان ملك الأرض. فأخذوني و أقعدوني ورائهم مع ~~جملة أتباعهم و شرعوا بقتل الجماعة و لم يخلص منهم غير ولدي الملك الناصر ~~فاستأسروهما. ثم ركبوا و عادوا إلى البيوت التي للملك الناصر و نهبوها و ~~قتلوا باقي الجماعة التي تخلفت هناك. ثم عرضوا الأمر على هولاكو و أنا صرت ~~في خدمة خواجا نصير الدين في الرصد بمراغة و ابنا الملك الناصر في خدمته. ~~PageV01P176 " جلوس قوبلاي قاان على كرسي المملكة " : فمن هذا التاريخ بعض ~~ملوك الخطا تمرد و عصى على المغول لكونه قوي البأس متمكنا في أمره كثير ~~العساكر يحكم على أربعمائة مدينة. ms335 و أوجب ذلك أن مونككا قاان بنفسه تهير ~~لملتقى هذا المتمرد فترك أخاه الصغير و هو أريغبوكا مكانه و استصحب أخاه ~~قوبلاي و دخل إلى بلاد الصين. و أول الملتقى اتفق أن أصابه نشابة و مات. ~~فأخذ أخوه قوبلاي العساكر و خرج من بلاد الخطا. ثم وصل إلى خان باليق و ~~أقام هناك. و اتفق عظماؤه و الأكثرون من المغول أن يكون هو موضع أخيه قاان. ~~و أما الأخ الصغير و هو أريغبوكا فقال: إن عند توجه قاان إلى الخطا سلم ~~إليه الملك فهو الأولى أن يكون موضع أخيه بمقتضى الياسا الذي لهم. و حصلت ~~المنازعة و المقاومة بين الأخين لأجل ذلك مدة سبع عشرة سنة إلى أن عجز الأخ ~~الصغير و بطل عزمه و قوي أمر قوبلاي قاان و ظهر منه العدل الحسن و الدراية ~~و التدبير و الكفاية. و إنه كان يحب الحكماء و العلماء و المتدينين من سائر ~~المذاهب و الأمم. و قيل عنه أنه كان قليل المباشرة للنساء بل باعتدال و ~~متوسط التدبير بالشهوات و الشراب و اللذات و اللهو و لم يتناول من اللحوم ~~إلا ألطفها بخلاف باقي الطوائف من المغول. # و أما قوتوز التركماني صاحب مصر بعد ما كسر كتبوغا و تمكن من الشام أقام ~~الشحاني و النواب في حلب و دمشق و سائر بلاد الشام و عاد إلى ديار مصر بحيث ~~أن هناك يجمع العساكر و يشتد و يقوى على ملتقى المغول. و لما وصل قريبا من ~~غزة نهض عليه بيبرز المعروف بالبندقدار الصغير و هو مملوك البندقدار الكبير ~~و قتله و أخذ جماعة و دخل إلى مصر و تسلمها و تمكن و قوي و لقبوه ركن الدين ~~الملك الظاهر و اشتد بأسه و تسلط على جميع المدن و القلاع التي على ساحل ~~البحر للإفرنج. و في سنة تسع و خمسين و ستمائة عاد دخل المغول إلى الشام و ~~في رأس العسكر أمير يسمى كوكالكي و دخلوا إلى قريب حمص و نهبوا و ms336 سبوا و ~~قتلوا خلقا كثيرا و عادوا إلى حلب و كان قد انهزم جميع أهل القرايا إلى حلب ~~فتقدم كوكالكي أن يخرج أهل القرايا و المدن إلى ظاهر البلد و ينعزل أهل كل ~~مدينة و قرية بمعزل بحيث يعدونهم و يسيرون كل قوم إلى مكانهم و وطنهم. و ~~تسلمهم المغول كأنهم يسيرونهم إلى ضياعهم و عندما يبعدون يقولون: أنتم لو ~~كانت قلوبكم معنا صافية لما انهزمتم من قدامنا. فقتلوهم عن أقصاهم و لم ~~يفلت منهم غير أهل حلب بحيث أنهم لم ينتقلوا عن حلب. و عاد المغول خرجوا من ~~الشام ثم عاد المصريون تملكوا الشام. PageV01P177 و فيها هرب علاء الدين بن ~~بدر الدين لؤلؤ صاحب سنجار إلى مصر. و لما أقام هناك مدة يسيرة كتب إلى ~~أخيه الملك الصالح اسماعيل صاحب الموصل يعرفه قوة البندقدار و عظمته و أشار ~~عليه بترك الموصل و قصده خدمة البندقدار بحيث أنه إذا استولى البندقدار على ~~قهر المغول و أخذ البلاد منهم يكون له اليد البيضاء عنده و يملكه مع الموصل ~~بلادا أخرى من المشرق. و لما وصل الكتاب إلى الملك الصالح و وقف عليه وضعه ~~تحت طراحته و كان عنده في ذلك الوقت من الأمراء شمس الدين محمد بن يونس ~~الباعشيقي من جملة أمراء أبيه النواب ببلد نينوى. فغافله و أخذ الكتاب من ~~تحت الطراحة و خرج من عنده و لم يلبث حتى وصل إلى قريته باعشيقا. بعد ذلك ~~مد يده ليأخذ الكتاب فلم يجده فوقع عنده أن شمس الدين بن يونس قد أخذ ~~الكتاب و صار عنده القلق العظيم لأجل ذلك و سير القصاد في الحال في طلبه و ~~قد عزم على قتله. و عندما وصل المماليك إليه أشغلهم بالأكل و الشرب و قال ~~لهم: أن هذه الليلة كلوا و اشربوا و عند الصباح نركب إلى خدمة السلطان. و ~~أوصى غلمانه فأكثروا عليهم الشراب و أسكروهم و ناموا. فأخذ شمس الدين بن ~~يونس أولاده و ما يعز عليه و ركب من أول ms337 الليل و توجه يقصد أربل و كان له ~~مشورة مع الرؤساء النصارى بناحية برطلي فعبر عليهم و عرفهم أن الملك الصالح ~~قد عزم على قتل جميع أكابر النصارى ببلد نينوىو أنه بعد ذلك يتوجه إلى ~~الشام. و كان قد حصل لهم الشعور بذلك من قبل فصدقوه و تهيروا هم و ما يعز ~~عليهم من أولادهم. و شاع الخبر في جميع النصارى ببلد نينوى فكل من أمكنه ~~العبور إلى اربل سارع بالعبور فعبر أكثر أهل البلد من النصارى و كان ذلك ~~ليلة يوم الخميس.أما المماليك الذين كانوا قد وصلوا إلى شمس الدين بن يونس ~~فلما أصبحوا و صحوا من سكرهم فلم يجدوه فظنوا أنه قد سبقهم بالدخول إلى ~~الموصل إلى الملك الصالح. و لما دخلوا و عرفوا الملك الصالح بما جرى وقع في ~~الجزع و الخوف و قال: لا نأمن أن ابن يونس يمشي يعرف بالقضية المغول و يجيب ~~علينا العساكر و يجيء. فتهير هو و جماعة من الأمراء و الأولاد و أخذوا ما ~~يقدرون عليه مما يمكنهم حمله و خرج من المدينة يوم الجمعة ثاني يوم عبور ~~ابن يونس و النصارى إلى اربل صلى الجمعة و خرج متوجها إلى الشام و بطلت ~~عزيمته أنه يخرج هو و العسكر إلى بلد نينوى و يلزم أكابر النصارى و يأخذ ~~أموالهم و يقتلهم ثم يمشي إلى الشام. ثم أنه لما خرج من الموصل وقع الخلف ~~بين أمرائه اموالهم فمنهم من تبعه و منهم من عاد إلى الموصل. و الذين عادوا ~~إلى الموصل كان كبيرهم الأمير علم الدين سنجر. فلما وصلوا إلى الموصل و ~~كانت زوجة الملك الصالح تركان الخوارزمية في المدينة لم تتوجه معه و لا ~~تبعته و كان في الموصل شحنة اسمه ياسان فاتفقوا هم و أتباعهم و غلقوا أبواب ~~الموصل في وجوههم و لم يمكنوهم من الدخول. فنزلوا خارج المدينة و شرعوا ~~يقاتلون أياما يسيرة. فعند ذلك كان في المدينة رجل اسمه محيي الدين بن ~~زبلاق من كتاب الإنشاء الذين كانوا ms338 للسلطان بدر الدين فاتفق هو و جماعة من ~~أهل المدينة و خامروا على تركان خاتون و على الشحاني و فتحوا الأبواب. و ~~لما دخل علم الدين و جماعته هرب الشحنة ياسان و تركان و أتباعهم و تحصنوا ~~في قلعة الموصل. و ثار أهل الموصل على النصارى من الأعوام و نهبوهم و قتلوا ~~كل من وقع بإيديهم و سلم من دخل في دين الإسلام. و أما أكراد الجبال فكان ~~قد قرر معهم الملك الصالح أن يتهيروا و يجمعوا جموعهم و ينزلوا إلى نينوى. ~~و يوم السبت ثاني الجمعة التي خرج الملك الصالح من المدينة نزلوا إلى بلد ~~نينوى و نهبوا النصارى المتخلفين و سبوا و قتلوا. و بينما هم كذلك و ذلك في ~~أيام يسيرة من أيار تلك السنة وقع الخبر أن عسكر المغول قد أقبل من صوب ~~الجزيرة فخرج الأمير علم الدين سنجر و جماعته من الموصل و اجتمع إليه أمراء ~~الأكراد. فلما صادف العسكر قاتلوهم وقاتلوه. و كان في رأس العسكر تورين ~~شحنة الموصل فأحاطوا بعلم الدين سنجر و جميع من معه و قتلوهم عن أقصاهم و ~~لم يفلت منهم إلا الطويل العمر. بعد ذلك بقي أمر بلد الموصل و الموصل مدة ~~مديدة في حيرة. و عند أواخر الصيف تواترت الأخبار بوصول عساكر المغول. و ~~قريب من كانون الأول وصل العسكر و أحاط بالموصل و في رأس العسكر أمير ~~PageV01P178 كبير اسمه سمدغو محب للنصارى. و بينما هم قد نزلوا على الموصل ~~وصل الخبر برجوع الملك الصالح من الشام. و لما سمع المغول ذلك تأخروا عن ~~المدينة إلى حين ما دخل إليها ثم عاد المغول أحاطوا بها و بنوا السيبا ~~حولها في ليلة واحدة و ابتدأوابالقتال من داخل و من خارج و كان ذلك من ~~كانون الأول إلى الربيع و قل القوت على أهل المدينة.و سير الأمير سمدغو ~~يخدع الملك الصالح و يعده بالمواعيد الحسنة و بطل القتال و قعدوا قعودا. و ~~كان في وسط هذه المدة المذكورة وصل عسكر ms339 من الشام و مقدمهم أمير اسمه برلوا ~~نجدة للملك الصالح الذي وعد به. فسارع المغول و التقوه عند سنجار و أحاطوا ~~بهم و قتلوهم جميعهم و كسبوا ما معهم من الخيل و السلاح و غير ذلك. بعد ذاك ~~لما صار الأمير سمدغو يخاطب الملك الصالح و يطايبه انخدع و فتح أبواب ~~المدينة و خرج إليهم بالمطربين و الأغاني و المساخرة بين يديه. و حينما مثل ~~بين يدي سمدغو احتاط المغول به و دخل العسكر الموصل و سبوا و نهبوا و قتلوا ~~مدة ثمانية أيام و قتل فيها عالم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى. و بعد ذلك ~~قرر الأمير سمدغو في الموصل حاكما الأمير شمس الدين بن يونس و رحل عنها. و ~~كان قد قتل ولد الملك الصالح علاء الملك صبي حدث أسقوه خمرا كثيرا ثم شدوه ~~و قطعوه وترين في المدينة عند القلعة و صحبوا الملك الصالح إلى هولاكو و ~~قتل هناك.ير اسمه سمدغو محب للنصارى. و بينما هم قد نزلوا على الموصل وصل ~~الخبر برجوع الملك الصالح من الشام. و لما سمع المغول ذلك تأخروا عن ~~المدينة إلى حين ما دخل إليها ثم عاد المغول أحاطوا بها و بنوا السيبا ~~حولها في ليلة واحدة و ابتدأوابالقتال من داخل و من خارج و كان ذلك من ~~كانون الأول إلى الربيع و قل القوت على أهل المدينة.و سير الأمير سمدغو ~~يخدع الملك الصالح و يعده بالمواعيد الحسنة و بطل القتال و قعدوا قعودا. و ~~كان في وسط هذه المدة المذكورة وصل عسكر من الشام و مقدمهم أمير اسمه برلوا ~~نجدة للملك الصالح الذي وعد به. فسارع المغول و التقوه عند سنجار و أحاطوا ~~بهم و قتلوهم جميعهم و كسبوا ما معهم من الخيل و السلاح و غير ذلك. بعد ذاك ~~لما صار الأمير سمدغو يخاطب الملك الصالح و يطايبه انخدع و فتح أبواب ~~المدينة و خرج إليهم بالمطربين و الأغاني و المساخرة بين يديه. و حينما مثل ~~بين يدي سمدغو ms340 احتاط المغول به و دخل العسكر الموصل و سبوا و نهبوا و قتلوا ~~مدة ثمانية أيام و قتل فيها عالم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى. و بعد ذلك ~~قرر الأمير سمدغو في الموصل حاكما الأمير شمس الدين بن يونس و رحل عنها. و ~~كان قد قتل ولد الملك الصالح علاء الملك صبي حدث أسقوه خمرا كثيرا ثم شدوه ~~و قطعوه وترين في المدينة عند القلعة و صحبوا الملك الصالح إلى هولاكو و ~~قتل هناك. # و في سنة إحدى و ستين و ستمائة شخص اسمه زكي الاربلي مناد في سوق البهائم ~~قد كان من أجناد الموصل سعى في الأمير شمس الدين بن يونس و قال أنه قد جمع ~~الأموال و الجواهر من خزائن بيت بدر الدين. و ذكر عنه أنه سقاه سما ليموت و ~~أنه استعان بحكيم نصراني اسمه الموفق النصيبي حتى داواه. و لما سألوا لابن ~~يونس ذلك أنكره فضربوه أشد ضرب ليقر. و بينما هم في ذلك وقع من ثيابه ورقة ~~فيها آية من القرآن. فالساعي فيه و هو الزكي الاربلي قال أنها سحر لأجل ~~المغول. فرسم بقتله. و تولى الموصل الزكي الاربلي موضعه. و في سنة أربع و ~~ستين و ستمائة توفي هولاكو و كان حكيما حليما ذا فهم و معرفة يحب الحكماء و ~~العلماء. و بعده بقليل اندرجت طقز خاتون زوجته و كانت أيضا عظيمة في رأيها ~~و خبرتها. PageV01P179 " اباقا ايلخان " بعد ذلك اجتمعت الأولاد و الأمراء ~~و الخواتين و اتفقوا على أن اباقاابن هولاكو يقعد على كرسي المملكة لأن ~~عنده العقل و الكفاية و العلم و الدراية. و لما جلس و تمكن كان سعيدا ~~منصورا في جميع حركاته و سكناته محبوبا من جميع الخلق. و كان قد سير هولاكو ~~طلب ابنة ملك القسطنطينية خطبها لنفسه. فلما أخذها الرسل و خرجوا بها و ~~وصلوا إلى القيسارية بلغهم الخبر بموت هولاكو و لم تتمكن من الرجوع إلى ~~بلادها فوصلت إليه و دخل عليها. و فيها وصل اليرليغ ms341 من أباقا إلى بغداد أن ~~علاء الدين صاحب الديوان يكون حاكما مطلقا لا يكون فوق يده يد. و كان شحنة ~~بغداد قرابوغا و نائبه اسحق الأرمني يرومان أذيته فانكفأا عنه و صارا ~~يتحيلان له بأذى فحصلا شخصا أعرابيا و علماه أن يقول عنه أنه سير جاء به من ~~البادية بحيث يكون له دليلا عندما يريد أن يأخذ ماله و أولاده و ما يتعلق ~~به و يمشي إلى الشام. و أوثقا مع البدوي هذا الكلام. حينئذ سيرا احتاطا ~~بدار صاحب الديوان و البدوي يحملانه إلى الاردو. و عندما ضرب البدوي و قرر ~~أقر أن اسحق الأرمني علمه ذلك فقتل البدوي و اسحق. و فيها سير البندقدار ~~صاحب مصر إلى حاتم ملك الأرمن بحيث يدخل في طاعته و يحمل الجزية و يمكن ~~الناس من مشترى الخيل و البغال و الحنطة و الشعير و الحديد من بلده و هم ~~أيضا يخرجون إلى الشام و يتاجرون و يبيعون و يشترون. و ملك الأرمن خوفا من ~~المغول لم يجب إلى ذلك. فلم يتأخر البندقدار عن إنفاذ العسكر و الركب إلى ~~بلد الأرمن. و حاتم الذي هو ملك الأرمن لما تحقق ذلك خرج إلى بلد الروم ~~يطلب النجدة من أمير المغول هناك يسمى نفجي. فقال له: نحن بلا أمر السلطان ~~اباقا لا يمكن أن نفعل ذلك. و هجم المصريون على بلد الأرمن. و لما لم يكن ~~ملكهم حاضرا اجتمعت أخوته و أولاده و أمراؤه و جمعوا أتباعهم و خرجوا ~~ليمنعوا المصريين من الدخول إلى البلد. و لما التقوهم عند موضع يقال له حجر ~~سروند انكسرت الأرمن و استؤسر ولد الملك حاتم و قتل ولده توروس و انهزم ~~الأمراء و العسكر. و نهبوا و أخربوا بيعة سيس الكبيرة و كان الخراب العظيم ~~في سيس و إياس و أقاموا هناك مدة عشرين يوما ينهبون و يحرقون و يسبون. و ~~بعد خروجهم من البلد و صل الملك حاتم و قد صحب معه عسكرا من المغول و الروم ~~فما وجدوا ms342 أحدا بل البلد خرابا و اشتغلوا بالأكل و الشرب و مدوا أيديهم و ~~جمعوا جميع ما كان قد تخلف من المصريين تمموه هم و الملك مشتغل بالهم و ~~الغم على ما جرى على ولديه و أصحابه و بلده. و كانت المضرة منهم أشد و ~~أصعب. و أما حاتم ملك الأرمن فإنه شرع يخاطب البندقدار في خلاص ولده و يعده ~~بالأموال و المدن و القلاع إلى غير ذلك. فجاوبه: ان نحن ما لنا رغبة في ~~الأموال و المدن و غيرها. و أنما لنا شخص صديق أسير عند المغول يسمى سنقر ~~الأشقر تخلصه و تسيره و تأخذ ولدك. ففعل ذلك و خلص ولده. و ذلك أنه في سنة ~~ثماني و ستين و ستمائة قصد الملك حاتم خدمة ملك الأرض اباقا و بكى لديه و ~~طلب منه سنقر الأشقر ليخلص به ولده. فرحمه و رق لبكائه و قال له: تمشي إلى ~~بلدك تستريح و نحن نطلب هذا سنقر من أي مكان هو فيه و نسيره إليك. فعاد ~~حاتم من خدمة اباقا. و كان أمير من أمرائه سبقه إلى بلده في مهم له فاجتاز ~~به بروانة فاستشار به أنه يريد يخطب لنفسه ابنة الملك حاتم. فأجابه بأن ~~الملك حاتم واصل عقيبنا إليكم فأنتم التقوه و أحسنوا إليه و هو يجيبكم إلى ~~ذلك. و لما وصل الملك حاتم إلى بروانة و قد جمع بروانة أكابره و التقاه ~~أحسن ملتقى و أكرمه و قدم له تقدمات نفيسة إلى أن خجل الملك حاتم بحيث لم ~~يعلم ما الذي أوجب هذا الإسراف في خدمته. فلما أظهر بروانة ما في قلبه ~~أجابه بالسمع و الطاعة و أظهر له الفرح و البشاشة و الغبطة و قرر معه أنه ~~لا يمكن التعريس قبل خلاص أخي البنت فإذا خلص نفعل ذلك إن شاء الله تعالى. ~~و في سنة تسع و ستين و ستمائة وصل سنقر الأشقر من بلاد سمرقند إلى الملك ~~حاتم و هو سيره إلى البندقدار مكرما و أوهبه و أعطاه. ms343 ثم أن البندقدار سير ~~له ولده أيضا بحرمة عظيمة و خيالة كثيرة. و في هذه السنة حاصر البندقدار ~~مدينة إنطاكية و أخذها و قتل فيها و سبى و أحرق كنائسها المشهورة في ~~العالم. و فيها توجه الملك حاتم إلى اباقا و شكر و دعا PageV01P180 له على ~~خلاص ولده من الأسر و استقال من السلطنة و طلب أن يكون ولده موضعه و أنه ~~شيخ عاجز. فقال له: إنه إذا حضر عندنا نحن نملكه. فتوجه إلى بلده و سير ~~ولده إلى عبودية اباقا.له على خلاص ولده من الأسر و استقال من السلطنة و ~~طلب أن يكون ولده موضعه و أنه شيخ عاجز. فقال له: إنه إذا حضر عندنا نحن ~~نملكه. فتوجه إلى بلده و سير ولده إلى عبودية اباقا. # و في سنة سبعين و ستمائة في شهر نيسان تزلزلت الأرض في بلاد الأرمن و ~~خربت قلاع كثيرة و مات فيها مائة ألف نفر من الناس غير الدواب. و في سنة ~~خمس و سبعين و ستمائة نزل اباقا إلى بغداد ليشتي بها و صار غلاء عظيم و ~~مجاعة و عزت الأسعار. PageV01P181 و في هذا التاريخ توفي خواجا نصير الدين ~~الطوسي الفيلسوف صاحب الرصد بمدينة مراغة حكيم عظيم الشأن في جميع فنون ~~الحكمة. و اجتمع إليه في الرصد جماعة من الفضلاء المهندسين. و كان تحت حكمه ~~جميع الأوقاف في جميع البلاد التي تحت حكم المغول. و له تصانيف كثيرة ~~منطقيات و طبيعيات و إلاهيات و أوقليدس و مجسطي. و له كتاب أخلاق فارسي في ~~غاية ما يكون من الحسن جمع فيه جميع نصوص أفلاطون و أرسطو في الحكمة ~~العملية. و كان يقوي آراء المتقدمين و يحل شكوك المتأخرين و المؤاخذات التي ~~قد أوردوا في مصنفاتهم. و كان من الفضلاء في زمانه نجم الدين القزويني ~~منطقي عظيم صاحب كتاب العين. و مؤيد الدين العرضي و فخر الدين المراغي و ~~قطب الدين الشيرازي و محيي الدينالمغربي. و من الأطباء المشهورين فخر الدين ~~الاخلاطي و تقي الدين ms344 الحشائشي. و اشتهر هذا في عمل الترياق شهرة عظيمة و ~~إن لم يكن من الأطباء المشتغلين المشهورين و بسفاهته استظهر على باقي ~~الأطباء في هذا الزمان. و بينهم نفيس الدين بن طليب الدمشقي و ولده صفي ~~الدين النصراني الملكي. و في هذا التاريخ و هو سنة خمس و سبعين و ستمائة و ~~هي سنة سبع و ثمانين و خمسمائة للإسكندر عزم بندقدار أن يدخل بنفسه إلى بلد ~~الروم لأن كان عنده أقوام قد هربوا من بلد الروم الذين هربوا إلى الشام قد ~~قووا عزمه على ذلك. و لما أحس الملك لاون ابن ملك الأرمن سير إلى أمراء ~~المغول الذين في بلد الروم و عرفهم ذلك و حذرهم. و أما بروانة فإنه بوجهين ~~كان يكذب ملك الأرمن في هذا قوله الأول أنه كان يختار ورود البندقدار إذ له ~~معه وعد. و الثاني لأنه كان يبغض ملك الأرمن و كان يختار أن يزيف قوله. و ~~لما أن الأمراء المغول أهملوا الأمر إذ هاجمهم المصريون و هم سكارى فلم ~~يلحق أحدهم أن يركب فرسه. و أن الياسا الذي لهم أنهم لا يهربون قبل أن ~~ياتقوا العدو.و لما التقوا وقعت الكسرة فيهم و قتل جميع أكابر المغول أحدهم ~~طوغو و الآخر توذان بهادر. و كان مع المغول ثلاثة ألف كرج فوقفوا و بذلوا ~~المجهود فقتل منهم ألفان و تخلف ألف واحد. و قتل أيضا من عسكر المصريين خلق ~~كثير. و لما حقق بروانة كسرة المغول هرب و تحصن في بعض القلاع. و أما ~~البندقدار فإنه نزل عند القيسارية في موضع سمي كيقوباد و بقي هناك خمسة عشر ~~يوما و دخل إلى القيسارية مرة واحدة و لم يدن منه لأحد من الرعايا شر و لا ~~كلفهم شيئا أصلا و إنما جميع ما يحتاجون إليه كانوا يشترونه مشترى. وكان ~~يقول: إني ما جئت إلى ههنا لأخرب البلد لكن لأفك صاحبه من الأسر. و أما ~~اباقا ايلخان فحين وصلت إليه الأخبار بذلك غضب غضبا شديدا و جمع ms345 العساكر و ~~قصد بنفسه الروم. و لما عرف البندقدار أنه لا يمكنه مقاومته رحل عن بلد ~~الروم و توجه إلى الشام. و لما وصل اباقا إلى بلد الروم لم يجد أحدا من ~~المصريين و في الحال نزل البروانة إليه و لم يره اباقا شيئا من الغضب و ~~إنما أحسن إليه و أكرمه و أخذه صحبته إلى الطاق لما عاد حيث يستشيره كم ~~يقدر أن يكون في الروم عسكر يقاوم المصريين. و عمل دعوة عظيمة و سقاه من ~~لبن الخيل شيئا كثيرا لأنه ما كان يشرب خمرا. و فيما هو قد خرج مع البروانة ~~ليريق ماءه أشار اباقا إلى أناس من حوله ليقتلوه فقتلوه و قطعوه قطعا و كان ~~ذلك في ثاني يوم من شهر آب لتلك السنة. و أما البندقدار فلما قرب من حمص ~~أدركه أجله و مات يقولون أصابه في الحرب مع المغول نشابة في وركه و لم يمكن ~~إخراج النصل منه و بقي أياما كثيرة و لما أذن للجرائحي أن يخرجه و جاهد في ~~إخراجه مع خروج النصل فارق الدنيا. و آخرون قالوا أن أناسا من جماعته سقوه ~~في لبن الخيل سما و لما أحس عاد سقى لمن أسقاه منه فماتا اثناهما. ~~PageV01P182 و في سنة تسع و سبعين و ستمائة لما قام الألفي ليتملك على ~~الديار المصرية و الشام لم يوافق في ذلك سنقر الأشقر. و لما تمكن الألفي و ~~قوي جانبه هرب منه سنقر الأشقر و وصل إلى الرحبة و اتفق هو و أمير بدوي ~~اسمه عيسى بن مهنا و سيرا رسولا إلى اباقا ايلخان يستدعيانه ليركب إلى ~~الشام و يسلما إليه البلاد الشامية و الديار المصرية. و لما وصلت عساكر ~~المغول إلى الشام خاف سنقر الأشقر منهم على نفسه و لم يلتق بهم بل هرب و ~~تحصن في قلعة صهيون.فوصل المغول إلى حلب و أي موضع صادفوه خربوه. و كان ~~وصولهم إلى الشام في وقت الشتاء من سنة ثمانين و ستمائة و كان مقدمهم ~~قونغرتاي أخو ms346 اباقا الصغير و عاد المغول إلى البلاد. و في سنة إحدى وثمانين ~~و ستمائة دخل المغول إلى الشام في خمسين ألفا و في رأسهم مونكاتمور الأخ ~~الأصغر لأباقا و أخذوا معهم ملك الأرمن بعساكره. و اجتمع عسكر الشام و في ~~رأسهم الألفي و سنقر الأشقر فإنهما اصطلحا في ذلك الوقت على محاربة المغول. ~~و التقى العسكران بين حماة و حمص في يوم الخميس سلخ تشرين الأول لتلك السنة ~~و قوي جانب المغول على جانب الشاميين. و لما قاربوا لينتصروا عليهم نصرة و ~~يهزموهم إذ خرج على المغول كمين العرب من بني تغلب من ميسرتهم فتوهم المغول ~~أن عساكر كثيرة قد أحاطت بهم من قدامهم و من خلفهم و لم يلحق الهرب أصحاب ~~الميسرة مع أهل القلب. و أصحاب الميمنة و فيهم ملك الأرمن مع خمسة آلاف كرج ~~لم يشعروا بالكمين و إنما كسروا المصريين الذين في مقابلتهم و ساقوا خلفهم ~~إلى باب مدينة حمص و قتلوا فيهم خلقا كثيرا و لم يزالوا إلى أن وصل إليهم ~~الخبر بهرب أصحابهم. فعند ذلك رجعوا و في الرجعة صادفوا جماعة من عسكر ~~المصريين الذين ساقوا خلف أصحابهم الهاربين و عاد بينهم القتال و قتل من ~~الجانبين خلق كثير. و رجعوا و قد حملوا شيئا كثيرا من الأموال و الخيل و ~~السلاح الذي نهبوا. و لما وصل مونكاتمور إلى الجزيرة و هو قد خرج يومئذ من ~~الحمام عملوا سرا مع بعض الشرابدارية و سقوه سما. و لما أحس بتغير مزاجه ~~توجه نحو نصيبين و قضى نحبه. و أما أهل الجزيرة فإنهم لما شعروا بذلك ~~أدركهم الخوف العظيم و لزموا للصفي القرقوبي و كتفوه و داروا به في أسواق ~~الجزيرة ثم قتلوه. # و أما اباقا ايلخان فإنه توجه نحو بغداد و منها إلى همذان. و في يوم عيد ~~النصارى الكبير لتلك السنة دخل إلى البيعة في تلك المدينة و عيد مع ~~النصارى. و يوم الاثنين ثاني العيد عمل له شخص فارسي اسمه بهنام دعوة عظيمة ms347 ~~في داره. و ليلة الثلاثاء تغير مزاجه و صار يرى خيالات في الهواء.و يوم ~~الأربعاء و هو أول يوم من نيسان لتلك السنة و هو العشرون في ذي القعدة ~~انتقل من هذا العالم. و مونكاتمور انتقل يوم الأحد سادس عشر المحرم في بلد ~~الجزيرة. PageV01P183 " السلطان أحمد " و لما توفي اباقا ايلخان اجتمع ~~الأولاد و الأمراء و حصل الاتفاق بينهم أن أحمد بن هولاكو من قوتاي خاتون ~~يصلح للتدبير و المملكة و أنه مستحق لهذا الملك و هو أولى به و الطريق له ~~بعد اباقا. و لما جلس على كرسي المملكة يوم الأحد الحادي و العشرين من ~~حزيران لتلك السنة سنة إحدى و ثمانين و ستمائة و عنده الكفاية و الدراية و ~~الكرم أخرج من الخزائن و الأموال شيئا كثيرا و قسم على الأولاد و الأمراء و ~~العساكر و أظهر الإحسان و الشفقة إلى جميع المغول و إلى الأمم الباقية و ~~خصوصا إلى أكابر النصارى. و أرسل الرسل إلى سلطان مصر بسبب الصلح و كتب ~~إليه رسالة هذه نسختها: بقوة الله تعالى باقبال قاان فرمان أحمد. أما بعد ~~فإن الله تعالى بسابق عنايته و بنور هدايته قد كان أرشدنا في عنفوان الصبا ~~و ريعان الحداثة إلى الإقرار بربوبيته و الاعتراف بوحدانيته. و الشهادة ~~لمحمد عليه أفضل الصلاة و السلام بصدق نبوته. و حسن الاعتقاد في أوليائه ~~الصالحين من عباده في بريته. فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. فلم ~~نزل نميل إلى إعلاء كلمة الدين. و إصلاح أمور الإسلام و المسلمين. إلى أن ~~أفضى بعد أبينا الجيد و أخينا الكبير نوبة الملك إلينا فأفاض علينا من ~~جلابيب ألطافه و لطائفه. ما تحقق به آمالنا في جزيل آلائه و عوارفه. و جلا ~~هذه المملكة علينا. و أهدى عقيلتها إلينا. فاجتمع عندنا في قوريلتاي ~~المبارك و هو المجمع الذي ينقدح فيه آراء جميع الأخوان والاخوة والأولاد و ~~الأمراء الكبار و مقدمي العساكر و زعماء البلاد و اتفقت كلمتهم على أن ينفذ ~~ما ms348 سبق به حكم أخينا الكبير في إنفاذ الجم الغفير من عساكرنا التي ضاقت ~~الأرض برحبها من كثرتهم و امتلأت القلوب رعبا لعظم صولتهم و شديد بطشهم إلى ~~تلك الجهة بهمة تخضع لها شم الأطواد. و عزيمة تلين لها الصم الصلاد. ففكرنا ~~فيما مخضت زبدة عزائمهم عنه و اجتمعت أهواؤهم و آراؤهم عليه فوجدناه مخالفا ~~لما كان في ضميرنا من إنشاء الخير العام. الذي يقوم بقوته شعار الإسلام. و ~~أن لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلا ما يوجب حقن الدماء. و تسكين الدهماء. ~~و يجري به في الأقطار رخاء نسائم الأمن و الأمان. ويستريح المسلمون في سائر ~~الأمصار في مهاد الشفقة و الإحسان. تعظيما لأمر الله و شفقة على خلق الله. ~~فألهمنا الله إطفاء تلك النائرة.و تسكين الفتن الثائرة. و إعلام من أشار ~~بذلك الرأي ما أرشدنا الله إليه من تقديم ما يرجى به شفاء العالم من ~~الأدواء. و تأخير ما يجب أن يكون آخر الدواء. و إننا لا نحب المسارعة إلى ~~هز النصال للنضال إلا بعد إيضاح المحجة. و لا نأذن لها إلا بعد تبين الحق و ~~تركيب الحجة. و قوى عزمنا على ما رأيناه من دواعي الصلاح. و تنفيذ ما ظهر ~~لنا به وجه الإصلاح. اذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد ~~الرحمن فهو نعم العون في أمور الدين. فأصدرناه رحمة من الله لمن دعاه. و ~~نقمة على من أعرض عنه و عصاه. و أنفذنا أقضى القضاة قطب الدين و الأتابك ~~بهاء الدين و هما من ثقات هذه الدولة القاهرة ليعرفاهم طريقتنا. و يتحقق ~~عندهم ما ينطوي عليه لعموم المسلمين حميل سنتنا. و بينا لهم أننا من الله ~~على بصيرة و أن الإسلام يجب ما قبله. وانه تعالى ألقى في قلبنا أن نتبع ~~الحق و أهله. و يشاهدون عظيم نعم الله على الكافة بما دعانا إليه من تقديم ~~أسباب الإحسان. و لا يحرمونها بالنظر إلى سالف الأحوال. و كل يوم هو في ~~شان. فإن تطلعت نفوسهم إلى ms349 دليل يستحكم به دواعي الاعتماد. و حجة يثقون بها ~~من بلوغ المراد. فلينظر إلى ما قد ظهر من مآثرنا مما اشتهر خبره و عم أثره. ~~فإنا ابتدأنا بتوفيق الله تعالى بإعلاء أعلام الدين و إظهاره في إيراد كل ~~أمر و إصداره تقديما. وإقامة نواميس الشرع المحمدي على قانون العدل الأحمدي ~~إجلالا و تعظيما. و أدخلنا السرور على قلوب الجمهور و عفونا عن كل من اخترع ~~سيئة و اقترف. و قابلناه بالصفح و قلنا عفا الله عما سلف. و تقدمنا بإصلاح ~~أمور أوقاف السلمين من المساجد و المشاهد و المدارس. و عمارة بقاع البر و ~~الربط الدوارس. و إيصال حاصلها بموجب عوائدها القديمة إلى مستحقها بشروط ~~واقفها. و منعنا أن يلتمس شيء مما استحدث عليها و أن لا يغير أحد شيئا مما ~~قرر أولا فيها. و أمرنا بتعظيم أمر PageV01P184 الحج و تجهيز وفدها و تأسيس ~~سبيلها و تسييرقوافلها. و أطلقنا سبيل التجار و المترددين إلى البلاد و ~~ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم. و حرمنا على العساكر العسكر و ~~الشحاني في الأطراف التعرض لهم في مصادرهم و مواردهم. و قد كان صادف ~~قراغولنا جاسوسا في زي الفقراء كان سبيل مثله أن يهلك فلم نر إهراق دمه ~~صيانة لحرمة ما حرمه الله تعالى و أنفذناه إليهم. و لا يخفى عليهم ما كان ~~في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين. فإن عساكرنا طال ما رأوهم في ~~زي الفقراء و النساك و أهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف فقتلوا منهم ~~من قتلوا. و فعلوا بهم ما فعلوا. و رفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك ~~بما صدر إذننا به من فتح الطريق و تردد التجار و غيرهم. فإذا أمعنوا الفكر ~~في هذه الأمور و أمثالها فلا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلية طبيعية و عن شوائب ~~التكلف و التصنع عرية. و إذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة ~~التي كانت موجبة للمخالفة. فإنها إن كانت بطريق الدين. و الذب عن حوذة ~~المسلمين. ms350 فقد ظهر بفضل الله و يمن دولتنا النور المبين. و إن كان لما سبق ~~من الأسباب. فمن يجري الآن طريق الصواب. فإن له عندنا الزلفى و حسن مآب. و ~~قد رفعنا الحجاب بفصل الخطاب و عرفناكم ما عزمنا عليه من نية خالصة لله ~~تعالى و أتينا باستيفائها. و حرمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها. ليرضى ~~الله و الرسول. و تاوح على صفائحها آثار الاقبال والقبول. و تستريح من ~~اختلاف الكلمة هذه الأمة. و تنجلي بنور الائتلاف و اللمة ظلمة الاختلاف و ~~الغمة. فيسكن في سابغ ظلها البوادي و الحواضر. و تقوى القلوب التي بلغت من ~~الجهد إلى الحناجر. و يعفى عن سائر الهفوات و الجرائر. فإن وفق الله تعالى ~~سلطان مصر لما فيه صلاح العالم. و انتظام أمور بني آدم. فقد وجب عليه ~~التمسك بالعروة الوثقى. و سلوك الطريقة المثلى. بفتح أبواب الطاعة و ~~الاتحاد. و بذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك و البلاد. و تسكن الفتن ~~الثائرة. و تغمد السيوف الباترة. تحل الكافة أرض الهوينا و روض الهدون. و ~~تخلص أرقاب المسلمين من أغلال الذل و الهون. و إن غلب سوء الظن بما تفضل به ~~واهب الرحمة. و منع عن معرفة قدر هذه النعمة. شكر الله مساعينا و أبلى ~~عذرنا و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا. و الله الموفق للرشاد و السداد. و ~~هو المهيمن على جميع البلاد و العباد. و حسبنا الله وحده. و كتب في أواسط ~~جمادى الأولى سنة إحدى و ثمانين و ستمائة بمقام الطاق.لحج و تجهيز وفدها و ~~تأسيس سبيلها و تسييرقوافلها. و أطلقنا سبيل التجار و المترددين إلى البلاد ~~و ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم. و حرمنا على العساكر العسكر و ~~الشحاني في الأطراف التعرض لهم في مصادرهم و مواردهم. و قد كان صادف ~~قراغولنا جاسوسا في زي الفقراء كان سبيل مثله أن يهلك فلم نر إهراق دمه ~~صيانة لحرمة ما حرمه الله تعالى و أنفذناه إليهم. و لا يخفى عليهم ما ms351 كان ~~في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين. فإن عساكرنا طال ما رأوهم في ~~زي الفقراء و النساك و أهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف فقتلوا منهم ~~من قتلوا. و فعلوا بهم ما فعلوا. و رفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك ~~بما صدر إذننا به من فتح الطريق و تردد التجار و غيرهم. فإذا أمعنوا الفكر ~~في هذه الأمور و أمثالها فلا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلية طبيعية و عن شوائب ~~التكلف و التصنع عرية. و إذا كانت الحال على ذلك فقد ارتفعت دواعي النفرة ~~التي كانت موجبة للمخالفة. فإنها إن كانت بطريق الدين. و الذب عن حوذة ~~المسلمين. فقد ظهر بفضل الله و يمن دولتنا النور المبين. و إن كان لما سبق ~~من الأسباب. فمن يجري الآن طريق الصواب. فإن له عندنا الزلفى و حسن مآب. و ~~قد رفعنا الحجاب بفصل الخطاب و عرفناكم ما عزمنا عليه من نية خالصة لله ~~تعالى و أتينا باستيفائها. و حرمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها. ليرضى ~~الله و الرسول. و تاوح على صفائحها آثار الاقبال والقبول. و تستريح من ~~اختلاف الكلمة هذه الأمة. و تنجلي بنور الائتلاف و اللمة ظلمة الاختلاف و ~~الغمة. فيسكن في سابغ ظلها البوادي و الحواضر. و تقوى القلوب التي بلغت من ~~الجهد إلى الحناجر. و يعفى عن سائر الهفوات و الجرائر. فإن وفق الله تعالى ~~سلطان مصر لما فيه صلاح العالم. و انتظام أمور بني آدم. فقد وجب عليه ~~التمسك بالعروة الوثقى. و سلوك الطريقة المثلى. بفتح أبواب الطاعة و ~~الاتحاد. و بذل الإخلاص بحيث تعمر تلك الممالك و البلاد. و تسكن الفتن ~~الثائرة. و تغمد السيوف الباترة. تحل الكافة أرض الهوينا و روض الهدون. و ~~تخلص أرقاب المسلمين من أغلال الذل و الهون. و إن غلب سوء الظن بما تفضل به ~~واهب الرحمة. و منع عن معرفة قدر هذه النعمة. شكر الله مساعينا و أبلى ~~عذرنا و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا. و ms352 الله الموفق للرشاد و السداد. و ~~هو المهيمن على جميع البلاد و العباد. و حسبنا الله وحده. و كتب في أواسط ~~جمادى الأولى سنة إحدى و ثمانين و ستمائة بمقام الطاق. PageV01P185 ثم أن ~~ملك مصر كتب إلى السلطان أحمد جواب هذه الرسالة: من سلطان مصر سيف الدين ~~أبي مظفر قلاوون. أما بعد حمد الله الذي أوضح لنا نبأ الحق منهاجا. و جاء ~~بنا فجاء نصر الله و الفتح و دخل الناس في دين الله أفواجا. و الصلاة على ~~سيدنا و نبينا محمد الذي فضله على كل شيء نحي أسه و كل نبي ناجي. و على آله ~~و صحبه صلاة تثير ما دحي و تنير من داجي. و الرضى عن الإمام الحاكم بأمر ~~الله أمير المؤمنين و سليل الخلفاء المهتدين. و ابن عم سيد المرسلين ~~الخليفة الذي تتمسك ببيعته أهل هذا الدين. أنه ورد الكتاب الكريم. الملتقى ~~بالتكريم. و المشتمل على النبأ العظيم. من دخوله في الدين. و خروجه عمن ~~خالف من العشيرة و الأقربين. و لما فتح هذا الكتاب فاتح بهذا الخبر المعلم. ~~و الحديث الذي صح عند أهل الإسلام إسلامه و أصح الحديث ما روي عن مسلم. و ~~توجهت الوجوه بالدعاء إلى الله سبحانه و تعالى في أن يثبته على ذلك بالقول ~~و العمل الثابت. و أن ينبت حب حب هذا الدين في قلبه كما أنبته في أحسن ~~المنابت. و حصل التأمل للفضل المبتدأ بذكره من حديث إخلاصه النية في أول ~~العمر و عنفوان الصبا و الإقرار بالوحدانية. و دخوله في الملة المحمدية ~~بالقول و العمل و النية. و الحمد لله على أن شرح صدره للإسلام. و ألهمه ~~شريف هذا الإلهام. فحمدنا الله على أن يجعلنا من السابقين الأولين إلى هذا ~~و المقال المقام. و يثبت أقدامنا في كل موقف اجتهاد و جهاد تتزلزل دونه ~~الأقدام. و أما إفضاء النوبة في الملك و ميراثه بعد والده و أخيه الكبير ~~إليه. و إفاضة هذه المواهب العظيمة عليه و توقله الأسرة ms353 التي طهرها إيمانه ~~و أظهرها سلطانه فقد أورثه الله من اصطفاه من عباده. و صدق المبشرات له من ~~كرامة أوليائه و عباده. و أما حكاية اجتماع الأخوان و الأولاد و الأمراء ~~الكبار في قوريلتاي الذي ينقدح فيه زند الآراء و إن كلمتهم اتفقت على ما ~~سبق به حكم أخيه الكبير في إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب و انه فكر فيما ~~اجتمعت عليه آراؤهم و انتهت إليه أهواؤهم فوجده مخالفا لما في ضميره إذ قصد ~~الصلاح و دأبه الإصلاح. و انه أطفأ تلك النائرة. و سكن تلك الثائرة. فهذا ~~فعل الملك التقي المشفق على قومه. و من يفي الفكر في العواقب. بالرأي ~~الثاقب. و إلا فلو تركوا آراءهم حتى يحملهم الهوى لكانت تكون هذه الكرة هي ~~الكرة. لكن هو كمن خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى. و لم يوافق قول من ~~ضل و لا فعل من غوى. و أما القول أنه لا يحب المسارعة للمقارعة إلا بعد ~~إيضاح المحجة و تركيب الحجة. فانتظامه في سلك الإيمان صارت حجتنا و حجته ~~المتركبة على من عدت طواغيه عن سلوك هذه المحجة مسكتة. و إن الله سبحانه و ~~الناس كافة قد عملوا أن قيامنا إنما هو لنصر هذه الملة و جهادنا و اجتهادنا ~~إنما هو لله. و حيث قد دخل معنا في الدين هذا الدخول.فقد ذهبت الأحقاد و ~~زالت الذحول. و بارتفاع المنافرة. تحصل المناصرة. فالإيمان كالبنيان يشد ~~بعضه من بعض. و من أقام مناره فله أهل بأهل في كل مكان وجيران بجيران في كل ~~أرض. و أما تركيب هذه الفوائد الجمة على اذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين ~~كمال الدين عبد الرحمن أعاد الله من بركاته فلم ير ولي من قبل كرامة كهذه ~~الكرامة. و الرجاء ببركة الصالحين أن تصبح كل دار للإسلام دار إقامة حتى ~~تتم شرائط الإيمان. و يعود شمل الإسلام كأحسن ما كان. و لا ينكر بمن ~~بكرامته ابتدأ هذا التمكن في الوجود. إن كل حق ببركته إلى مصابه ms354 يعود. و ~~اما إنفاذ أقضى القضاة قطب الدين و الأتابك شهاب الدين الموثوق بنقلهما في ~~إبداع رسائل هذه البلاغة. فقد حضرا و أعادا كل قول حسن من حوال أحواله و ~~خطرات خاطره و مناظرات منظره. و من كل ما يشكر و يحمد. و يفيض حديثهما فيه ~~عن مسند أحمد. و أما الإشارة إلى أن النفوس كانت تتطلع لى إقامة دليل ~~تستحكم بسببه دواعي الأمر و مصادره من العدل و الإحسان. بالقلب و اللسان. و ~~التقدم بإصلاح الأوقاف فهذه صفات من يريد لملكه دواما. فلما ملك عدل. و لم ~~يلتفت إلى لوم من عذل. على أنها لو كانت من الأفعال الحسنة. و المثوبات ~~التي تستنطق بالدعاء الألسنة. فهي واجبات كلية تؤدى و هي أكبر من أنه يأجر ~~أجر غيره يفتخر أو عليه يقتصر أو له يدخر. و إنما يفتخر الملك العظيم بأن ~~يعطي ممالك و أقاليم و حصونا PageV01P186 و أن يبذل في تشييد ملكه عن مصون. ~~و أما تحريمه على العساكر و القراغولات و الشحاني بالأطراف التعرض إلى أحد ~~بالأذى. و إصفاء موارد الواردين و الصادرين من شوائب القذى. فمن حين بلغنا ~~تقدمه بذلك تقدمنا مثله أيضا إلى سائر النواب بالرحبة و البيرة و حلب و عين ~~تاب و تقدمنا إلى مقدمي العساكر بأطراف تلك الممالك بمثل ذلك. و إذا اتخذ ~~الأمان و انعقد الإيمان بختم هذه الأحكام ترتبت عليه جميع الحكام. و أما ~~الجاسوس الفقير الذي أمسك ثم أطلق و أن بسبب من يتزيا من الجواسيس بزي ~~الفقراء قتلت جماعة من الفقراء الصلحاء رجما بالظن فهذا باب من تلك الأبواب ~~كان فتحه. و زند منه كان قدحه. و كم متزي بالفقر من ذلك الجانب سيروه. و ~~إلى الاطلاع على الأمور سوروه. و ظفر النواب منهم بجماعة فرفع عنهم السيف. ~~و لم يكشف ما غطته خرقة الفقر بلم و لا كيف. و أما الإشارة إلى أن في اتفاق ~~الكلمة يكون صلاح العالم. و ينتظم شمل بني آدم. فلا ريب لمن طرق ms355 باب ~~الاتحاد و من جنح السلم فما حاد. و من ثنى عنانه عن المكافحة. كمن مد يد ~~المصالحة للمصافحة. و الصلح و إن كان سيد الأحكام فلا بد من أمور تبنى ~~عليها قواعده و يعلم من مدلولها فوائده. فإن الأمور المسطورة في كتابه ~~كليات لازمة يفهم بها كل معنى و يعلم أن يتهيأ صلح أو لم. و ثم أمور لا بد ~~و أن يحكم في سلكها عقودا لعهود تنظم قد يحملها لسان المشافهة التي إذا ~~أفردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس. و أحرزتها صدور الرسل كأحسن ما ~~تحرزه سطور الطروس.و أما الاستشهاد بقوله تعالى: و ما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا. فما على السبق من الود بنسج و لا على السبيل بنهج. بل الفضل لمن ~~تقدم . في الدين حقوق ترعى. و إفادات تستدعى. و عند الانتهاء إلى جواب ما ~~لعله يجب عنه الجواب من فصول الكتاب. و سمعنا المشافهة التي على لسان أقضى ~~القضاة قطب الملة و الدين. و انتظام عقده بسلك المؤمنين. و ما بسطه من عدل ~~و إحسان. و سيرة مشكورة يكل عن وصفها اللسان. فقد أنزل الله على رسوله في ~~حق من أمتن بإسلامه: قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان. و من المشافهة أنه قد أعطاه الله من العطايا ما اغناه عن امتداد ~~الطرف إلى ما في يد غيره من أرض و ماء. فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك ~~فالأمر حاصل. فالجواب أن ثم أمورا متى حصلت عليها الموافقة.تمت المصادقة. و ~~رأى الله تعالى و الناس كيف يكون مصافينا. و ادلال معارفينا عند تصافينا. و ~~كم من صاحب وجد حيث لا يوجد الأب و الأخ و القرابة. و ما تم أمر الدين ~~المحمدي و استحكم في صدور الإسلام إلا بمظاهرة أصحابه. فإن كانت له رغبة ~~مصروفة إلى الاتحاد. و حسن الوداد. و جميل الاعتقاد. و كبت الأعداء و ~~الأضداد. و الاستناد إلى من يشتد به الأزر عن الاستناد. فقد ms356 فهم المراد. و ~~من المشافهة إذ كانت عزيمتنا غير ممتدة إلى ما في يده من أرض و ماء فلا ~~حاجة إلى إنفاذ المفترين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود. فالجواب لو ~~كف كف العدوان من هنالك. و خلا للملوك المسلمين ما لهم من ممالك. سكنت ~~الدهماء. و حقنت الدماء. و حقه أن ينهي عن خلق و يأتي بمثله. و لا يأمر ~~بشيء و ينسى فعله. و قونغرتاي بالروم الآن و هي بلاد في أيديكم. و خراجها ~~يجبى إليكم. قد سفك فيها الدماء و قتل و سبى وهتك و باع الأحرار. و أبى إلا ~~التمادي على ذلك الإضرار. و من المشافهة أنه حصل التصميم على أن يبطل هذه ~~الإغارات. و لا يفتر عن هذه الإثارات. فيعين مكانا يكون فيه اللقاء. و يعطي ~~الله النصر لمن يشاء. فالجواب عن ذلك الآن الأماكن التي اتفق فيها ملتقى ~~الجمعين مرة و مرة و مرة قد عاف مواردها من سلم من أولئك القوم. و خاف أن ~~لا يعاودها فيغادره مصرع ذلك اليوم. و وقت اللقاء علمه عند الله لا يقدر. و ~~ما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا لمن قدر. و ما نحن ممن ينتظر فلتة. و ~~لا له إلى غير ذلك لفتة. و ما أمر ساعة النصر إلا كالساعة التي لا تأتي إلا ~~بغتة. و الله الموفق لما فيه صلاح هذه الأمة. و القادر على إتمام كل خير و ~~نعمة. إن شاء الله تعالى. كتب في مستهل شهر رمضان المعظم سنة إحدى و ثمانين ~~و ستمائة.و أن يبذل في تشييد ملكه عن مصون. و أما تحريمه على العساكر و ~~القراغولات و الشحاني بالأطراف التعرض إلى أحد بالأذى. و إصفاء موارد ~~الواردين و الصادرين من شوائب القذى. فمن حين بلغنا تقدمه بذلك تقدمنا مثله ~~أيضا إلى سائر النواب بالرحبة و البيرة و حلب و عين تاب و تقدمنا إلى مقدمي ~~العساكر بأطراف تلك الممالك بمثل ذلك. و إذا اتخذ الأمان و انعقد الإيمان ms357 ~~بختم هذه الأحكام ترتبت عليه جميع الحكام. و أما الجاسوس الفقير الذي أمسك ~~ثم أطلق و أن بسبب من يتزيا من الجواسيس بزي الفقراء قتلت جماعة من الفقراء ~~الصلحاء رجما بالظن فهذا باب من تلك الأبواب كان فتحه. و زند منه كان قدحه. ~~و كم متزي بالفقر من ذلك الجانب سيروه. و إلى الاطلاع على الأمور سوروه. و ~~ظفر النواب منهم بجماعة فرفع عنهم السيف. و لم يكشف ما غطته خرقة الفقر بلم ~~و لا كيف. و أما الإشارة إلى أن في اتفاق الكلمة يكون صلاح العالم. و ينتظم ~~شمل بني آدم. فلا ريب لمن طرق باب الاتحاد و من جنح السلم فما حاد. و من ~~ثنى عنانه عن المكافحة. كمن مد يد المصالحة للمصافحة. و الصلح و إن كان سيد ~~الأحكام فلا بد من أمور تبنى عليها قواعده و يعلم من مدلولها فوائده. فإن ~~الأمور المسطورة في كتابه كليات لازمة يفهم بها كل معنى و يعلم أن يتهيأ ~~صلح أو لم. و ثم أمور لا بد و أن يحكم في سلكها عقودا لعهود تنظم قد يحملها ~~لسان المشافهة التي إذا أفردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس. و أحرزتها ~~صدور الرسل كأحسن ما تحرزه سطور الطروس.و أما الاستشهاد بقوله تعالى: و ما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا. فما على السبق من الود بنسج و لا على السبيل ~~بنهج. بل الفضل لمن تقدم . في الدين حقوق ترعى. و إفادات تستدعى. و عند ~~الانتهاء إلى جواب ما لعله يجب عنه الجواب من فصول الكتاب. و سمعنا ~~المشافهة التي على لسان أقضى القضاة قطب الملة و الدين. و انتظام عقده بسلك ~~المؤمنين. و ما بسطه من عدل و إحسان. و سيرة مشكورة يكل عن وصفها اللسان. ~~فقد أنزل الله على رسوله في حق من أمتن بإسلامه: قل لا تمنوا علي إسلامكم ~~بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان. و من المشافهة أنه قد أعطاه الله من ~~العطايا ما اغناه عن امتداد الطرف ms358 إلى ما في يد غيره من أرض و ماء. فإن ~~حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمر حاصل. فالجواب أن ثم أمورا متى حصلت ~~عليها الموافقة.تمت المصادقة. و رأى الله تعالى و الناس كيف يكون مصافينا. ~~و ادلال معارفينا عند تصافينا. و كم من صاحب وجد حيث لا يوجد الأب و الأخ و ~~القرابة. و ما تم أمر الدين المحمدي و استحكم في صدور الإسلام إلا بمظاهرة ~~أصحابه. فإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتحاد. و حسن الوداد. و جميل ~~الاعتقاد. و كبت الأعداء و الأضداد. و الاستناد إلى من يشتد به الأزر عن ~~الاستناد. فقد فهم المراد. و من المشافهة إذ كانت عزيمتنا غير ممتدة إلى ما ~~في يده من أرض و ماء فلا حاجة إلى إنفاذ المفترين الذين يؤذون المسلمين ~~بغير فائدة تعود. فالجواب لو كف كف العدوان من هنالك. و خلا للملوك ~~المسلمين ما لهم من ممالك. سكنت الدهماء. و حقنت الدماء. و حقه أن ينهي عن ~~خلق و يأتي بمثله. و لا يأمر بشيء و ينسى فعله. و قونغرتاي بالروم الآن و ~~هي بلاد في أيديكم. و خراجها يجبى إليكم. قد سفك فيها الدماء و قتل و سبى ~~وهتك و باع الأحرار. و أبى إلا التمادي على ذلك الإضرار. و من المشافهة أنه ~~حصل التصميم على أن يبطل هذه الإغارات. و لا يفتر عن هذه الإثارات. فيعين ~~مكانا يكون فيه اللقاء. و يعطي الله النصر لمن يشاء. فالجواب عن ذلك الآن ~~الأماكن التي اتفق فيها ملتقى الجمعين مرة و مرة و مرة قد عاف مواردها من ~~سلم من أولئك القوم. و خاف أن لا يعاودها فيغادره مصرع ذلك اليوم. و وقت ~~اللقاء علمه عند الله لا يقدر. و ما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا لمن ~~قدر. و ما نحن ممن ينتظر فلتة. و لا له إلى غير ذلك لفتة. و ما أمر ساعة ~~النصر إلا كالساعة التي لا تأتي إلا بغتة. و الله ms359 الموفق لما فيه صلاح هذه ~~الأمة. و القادر على إتمام كل خير و نعمة. إن شاء الله تعالى. كتب في مستهل ~~شهر رمضان المعظم سنة إحدى و ثمانين و ستمائة. PageV01P187 و في هذا ~~التاريخ نقل إلى السلطان أحمد أن أخاه قونغرتاي له كلام مع أرغون ابن اباقا ~~و أنهم يريدون قتله فخاف و سارع إلى قونغرتاي و قتله. و لما بلغ الخبر ~~أرغون بقتل عمه حزن لذلك و صعب عليه و أظهر تغيير قلبه على أحمد. فلما شعر ~~أحمد بتغيير قلب أرغون عليه سير عسكرا عظيما و كبيرهم أمير من المغول اسمه ~~اليناخ فتوجهوا إليه و هو بخراسان. فلما وصل العسكر إليه انهزم أرغون من ~~قدامه. فأهمل اليناخ أمره و اشتغل بالأكل و الشرب و السكر. و في بعض ~~الليالي هجم أرغون على عسكر اليناخ و بعض العسكر معه. و لما سمع السلطان ~~أحمد بذلك غضب وانزعج عظيما ثم سير إلى جميع البلاد و جمع العساكر العظيمة ~~و قصد أرغون. فلما رأى أرغون أنه عاجز عن مقاومته صعد إلى حصن هناك و معه ~~ثلاثمائة نفر من الفرسان البهادورية أتباعه و تحصن هناك من غير أن يحبس ~~نفسه في مكان لكنه منتقل من موضع إلى موضع لأنه كان يفكر بقوله: كل محاصر ~~مأخوذ و لم تطعه نفسه بالرجوع إلى طاعة السلطان أحمد. فبينما هو في هذه ~~الأفكار و أمير واحد من أمراء أبيه اباقا كان محبوبا عند والده اسمه بوغا ~~تقدم إلى السلطان أحمد قائلا له: إن أعطيتني عهدا بأن لا تؤذي أرغون و لا ~~يدنيه السوء فإني أمضي إليه و أحضره بين يديك. فسمع كلامه و استصوب مشورته ~~و وقع الاتفاق على هذا. و حينئذ صعد بوغا في الحال إلى أرغون و خاطبه و جاء ~~به إلى أحمد و فرح السلطان بذلك و عمل الدعوات و الأفراح ثلاثة أيام. و في ~~اليوم الثالث تغير قلب السلطان أحمد على أرغون و جالت الأفكار في خاطره ~~طالبا قتله. فدعى الأمير اليناخ و ms360 جماعة أخرى معه و وكل على أرغون و أوصاهم ~~على الاحتياط به لئلا يهرب و أنه متوجه إلى بلاد أذربيجان إلى أمه قوتاي ~~خاتون و أمرهم أن يصحبوه إليه. و لما جاء الليل عزم على الرحيل و كشف سره ~~إلى بعض الأكابر حيث يقول: إن لم أهلك أرغون و سائر الأولاد لم أسترح و لا ~~تنتظم السلطنة لي. و عند الصباح رحل و أوصى أن يصحبوا إليه أرغون قليلا ~~قليلا. فأما الأمير بوغا فلما تحقق هذا الأمر و عرف ما في ضمير أحمد ما ~~تبعه و أبطأ معتاقا إلى الليل. و في الليل دار على جميع الأولاد و عرفهم ~~ضمير أحمد و ما قد عول عليه أن يفعله بهم. فأخذتهم الغيرة و نهضوا في تلك ~~الليلة بأجمعهم و قصدوا أرغون مكان كان موكل عليه و أخرجوه و ألبسوه السلاح ~~و أركبوه الفرس و ركبوا جميعهم في خدمته إلى الموضع الذي كان فيه اليناخ و ~~هجموا عليه و دخلوا قتلوه و قتلوا معه جميع الأكابر أصحابه في الخيمة و ~~نادوا في العسكر أن أبناء الملوك قد قتلوا اليناخ و أصحابه فكل من هو في ~~موضع يلزم مكانه و لا يتحرك و لا يخف. و عند الصباح سيروا في طلب عسكر ~~أرغون أحضروهم و ركبوا في جمع عظيم و ساقوا في أعقاب أحمد و أدركوه عند أمه ~~فلزموه و كتفوه و استحفظوا به و نهبوا الاردو الذي له جميعها. و لما وصل ~~أرغون و جماعة الأولاد اتفقوا على أن يملكوا عليهم أرغون و يكون الملك له ~~موضع والده اباقا و أحمد ينعزل لآنه ما يصلح أن يدبرهم. و انتهت سلطنة أحمد ~~إلى هذه الحالة و ذلك يوم الأربعاء حادي عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث و ~~ثمانين و ستمائة. PageV01P188 " أرغون ايلخان " و لما جلس أرغون على كرسي ~~المملكة اتفق الأكثرون من أمراء المغول و أكابرهم أن يقتلوا أحمد. فكان ~~يقول أرغون: لا أوافق على قتله بل أم قونغرتاي و أولادها هم يعرفون ms361 به و ~~الذي يختارون أن يفعلوا به فليفعلوا. حينئذ بقي تحت التوكل أياما و بعد ذلك ~~قتله أولاد قونغرتاي و انتقموا منه و أخذوا دم والدهم. و كان ذلك يوم ~~الأربعاء ثاني جمادى الآخرة. ثم أن أرغون لما استقام له الأمر رتب كل واحد ~~من الأولاد في رأس عسكر من عساكر مملكته. ثم قيل لأرغون أن صاحب الديوان هو ~~قتل اباقا والدك بسم سقاه. و لما يسير يطلبه من السلطان أحمد فما كان يسمح ~~له به و لا كان يسلمه إله. فتحقق أرغون أن أحمد اختار موت والده. فلما ~~استقر أرغون في الملك هرب شمس الدين صاحب الديوان إلى الجبال التي في ~~الأهواز و احتمى بطائفة من الأكراد يسمون باللور و كان كبيرهم شخص اسمه ~~يوسف شاه. و لما وصل إلى طاعة أرغون قبله قبولا حسنا و أكرمه لأنه قبل عليه ~~أن يلزم صاحب الديوان و يحمله إلى عبوديته. و فعل ذلك و لزمه و حمله إلى ~~أرغون. و لما قدم قدم أموالا كثيرة نحو مائة تومان من ذهب. ثم أنهم عرضوا ~~عليه أن يشتري نفسه بحيث لا يهرق دمه فطلب المهلة ليبيع أملاكه و ما تخلف ~~له و يقرض و يوصل ذلك. حينئذ حصل بطريق القرض من أصحابه و أهله و أنسبائه و ~~أحبائه و أصدقائه قريبا من أربعين تومانا آخر من الذهب و قال: هذا الذي قد ~~حصل و لا يمكن أن يحصل غيره فأنتم الذي تختارون فعله فافعلوه. فبرز الأمر ~~من الملك أرغون بقتله و قتل يوم الثلاثاء خامس شهر شعبان لهذه السنة وافق ~~ذلك سابع شهر تشرين الأول سنة ست و تسعين و خمسمائة و ألف للإسكندر. و كانت ~~هذه آخرة مثل ذلك الرجل العظيم الهيوب الحكيم الذي كانت الدولة بأسرها ~~معلقة بخنصره. و كان عنده العقل و الخبرة و كان كاملا بجميع السياسات و ~~التدابير و التواضع الحسن. و يقولون عنه أنه ما سبقه أحد بالسلام بل هو كان ~~يبتدئ من تقدم إليه. PageV01P189 ms362