######OpenITI# #META# author: ابن النفيس #META# title: شرح فصول أبقراط #META# ed_info: Pormann, P., Karimullah, K., Carpentieri, N., Mimura, T., Selove, E., Das, A., Obaid, H., Biesterfeldt, H., Masry, S. (2017). Arabic Commentaries on the Hippocratic Aphorisms. University of Manchester. #META# DOI: https://doi.org/10.3927/52844770 #META# XML encoding by Hammood Obaid #META# Transcription of: Oxford, Bodleian MS Pococke 294 #META#Header#End# PageV01P002B # بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر قال الشيخ الإمام العالم العلامة ~~وحيد دهره وفريد عصره، علي بن أبي الحرم القرشي، المعروف بابن النفيس: لكل ~~زمان مقال، والفاضل جالينوس قد شرح كتاب الفصول لإمام هذه الصناعة أبقراط ~~شرحا كشف أسراره، وأفاض على ملتمسي هذا الفن أنواره، لكنه اعتمد على ~~فطانة مشتغلي أهل زمانه في مواضع ظاهرة فقصد فيها الاختصار، وخصوصا بيان ~~ترتيب كل فصل في موضعه ومناسبته لما يحتف به، فظن بعض من جاء بعده وعسر ~~عليه فهمه أن ذلك لعدمه الترتيب، حتى بالغ في التحذلق قادحا فيه فقال: ~~إنه عديم الضبط، كثير الخبط. فأحببت أن أكتب في ذلك من المباحث ما أظهر ~~به محاسنه، وأثير دفائنه، وأنا أسأل الله المعونة على ذلك وألتمس PageV01P003A من ~~الأصدقاء الذين من أهل المعرفة أن لا يبادروا فيما خالفت فيه المشهور ~~بالنقض (1) والإبطال دون المراجعة والتأمل الخالي عن سوء الظن بالزمان ~~وأهله، فالاعتبار بما قال لا بمن قال. وقد جرت عادة الشراح أن يفتتحوا كتب ~~الشروح بتطويلات في مدح تلك الصناعة ومدح الكتاب الذي يشرح، وقد رأيت أن ~~لا أضيع الزمان فيها. ### | المقالة الأولى من كتاب الفصول لأبقراط ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~العمر قصير، والصناعة طويلة، والوقت ضيق، والتجربة خطر، والقضاء عسر، وقد ~~ينبغي لك أن لا تقتصر على توخي فعل ما ينبغي دون أن يكون ما يفعله المريض ~~ومن يحضره كذلك والأشياء التي من خارج. ### ||| [commentary] # الشرح: العمر هو مدة بقاء النفس ~~متصرفة في البدن، وهو مدة الحياة. والصناعة ملكة نفسانية يقتدر بها ~~على استعمال موضوعات PageV01P003B ما نحو غرض من الأغراض على سبيل الإرادة، صادرة ~~عن بصيرة بحسب الممكن فيها، فجميع العلوم إذا صنائع. وأما الطويل ~~والقصير: فإن الطويل يقال مطلقا، كقولنا: الزمان طويل؛ ويقال مضافا، ~~وكذلك القصير، ويجب أن يكون حقيقة في غير المضاف لأن الطويل هو شيء له ~~طول، والطول هو الامتداد ولهذا يقال: "الخط طول لا عرض له" والامتداد غير ~~مضاف، فالطويل كذلك ولا يمكن أن يكون الشيء قصير إلا إذا كان ms001 متناهيا. ~~ويدل على تناهي العمر وجوه: أحدها: البدن مركب من أجزاء أماكنها الطبيعية ~~متباينة، واجتماعها بالقشر، والقشر لا يدوم. وثانيها: لا يمكن ~~تكون البدن إلا من جسم رطب مقارن لحرارة تعقده وتنضج غذاءه ~~وتحلل فضلاته، فيجب أن تبخره لا محالة، لكن الغذاء يقوم بدل ~~المتحلل، والقوة الغاذية جسمانية، فتكون متناهية. وثالثها: بقاء البدن ~~بدون الغذاء محال، وآلة القوة الغاذية هى الحرارة فيلزمها تحليل البدن، ~~فإذا طال الزمان قوى التحليل لدوام المؤثر في متأثر واحد، PageV01P004A ولا ~~يزداد الغذاء لأنه ليس واحدا فيدوم تأثير المؤثر فيه، وذلك مؤد إلى ~~الجفاف وانطفاء الحرارة الغريزية لفناء مادتها، التي هى الرطوبة الغريزية، ~~التي هى كالدهن للسراج، ويلزم ذلك ضعف الهضم وغلبة الرطوبات الفضلية ~~التي هى كالماء للسراج. ورابعها: لو بقيت أشخاص الناس بلا نهاية لم يبق ~~لما عداهم مادة ولا مكان ولا رزق، فيجب بقاءهم على العدم دائما وبقاء ~~الأولين على الوجود دائما، وهو ظلم. وإذا ثبت أن العمر متناه، فأقول إنه ~~قصير، لأن البدن رطب، قابل للتحلل سريعا، وقد فارقته حرارة غريزية محللة ~~تعاضدها الحرارة المستفادة من الحركات البدنية والنفسانية والحرارة ~~الخارجية، وكل ذلك محلل للبدن، فالعجب من بقائه لا من سرعة فنائه. وغالب ~~الأعمار ما بين الستين والسبعين سنة، وأطولها مائة وعشرون سنة وقلما ~~تجاوز ذلك، والعمدة في ذلك على الاستقراء، وأما ما جاء في التواريخ ~~وصدقتها الكتب الإلهية من إثبات الأعمار الطويلة المجاوزة لتسع مائة وخمسين ~~سنة فلعل PageV01P004B ذلك كان قبل زمان أبقراط بكثير، فإن تقدير أبقراط الأسنان ~~هو بحسب هذا العمر. فإن قيل: إذا كان الموت واجبا والعمر قصير، فأي ~~فائدة في صناعة الطب. قلنا: ليس الغرض من الطب أن يمنع الموت أو يطول ~~العمر مطلقا أو بحسب نوع الإنسان، بل أن يبلغ كل شخص أجله المقدر له ~~بحسب قوة مزاجه ومقدار رطوبته وحرارته، بأن يحمي رطوبته عن العفن البتة ~~وعن التحلل الزائد على المجرى الطبيعي. فإن قيل: إما أن تكون إرادة الله ~~تعالى أو علمه، أو الطالع النجومي، اقتضى أن ms002 زيد لا تعفن رطوبته أو لا ~~تتحلل بأكثر من المقدار الواجب، أو لا يمرض، أو أنه يبريء من مرضه، أو أنه ~~اقتضى أضداد ذلك؛ فإن كان الأول استغنى عن الطب، وإن كان الثاني لم يفد ~~استعماله. قلنا: ينبغي لقائل هذا أن يستريح من كلفة الطعام والشراب، فإن ~~كانت هذه الأشياء المذكورة اقتضت حياته لم يضره ترك الغذاء والشراب ~~وإلا لم يفده استعمالهما، وما يجيب عنه فهو جوابنا. وأما أن الصناعة ~~طويلة: PageV01P005A ونريد بالصناعة صناعة الطب؛ لأن الألف واللام لها في اللغة ~~ثلاثة معان: أحدها: الاستغراق، بأن يكون موقعها موقع كل، ولا يستقيم بأن ~~يكون هذا مرادا لأن بعض الصنائع قصيرة جدا. وثانيها: تعريف الحقيقة، ~~وظاهر أن هذا غير مراد، فإن نفس مسمى الصناعة من حيث هى هى لا يصدق ~~عليه أنه طويل. وثالثها: المعهود، والمعهود هاهنا هو الطب، ويدل على طوله ~~أن من جملة موضوعاته بدن الإنسان من جهة ما يصح ويمرض، وبدن الإنسان دائم ~~التغير في كمه وكيفه لأن التحليل دائم والغذاء الوارد لا يوجد منه ما ~~هو شبيه به في كيفياته من كل جهة، فهو يغيره لا محالة؛ وكذلك الهواء ~~الخارجي في أكثر أوقاته لا يكون شبيها بكيفية بدن الإنسان. وإذا كان ~~التغير دائما كانت أحواله متبدلة دائما، وأحوال الموضوع هى مطالب ~~الصناعة، فتكون مطالب هذه الصناعة كثيرة جدا، وهذا معنى طولها. فثبت أن ~~العمر قصير في نفسه، وأن الصناعة طويلة في نفسها، ويلزم ذلك كون كل واحد ~~منهما كذلك بالقياس PageV01P005B إلى الآخر. ولو كان مراده أن العمر قصير بالنسبة ~~إلى الصناعة، وأن الصناعة طويلة بالنسبة إلى العمر كما هو المشهور، لكان ~~ذلك تكرارا بلا معنى. ولو قيل: إن العمر قصير بالنسبة إلى أكثر الصنائع، ~~وأن الطب طويل بالقياس إلى تلك الصنائع، فيلزم أن يكون العمر قصيرا جدا ~~بالنسبة إلى الطب لحسن، ولكنه بعيد عن اللفظ. وأما أن "الوقت ضيق" ~~والوقت والطرفة واللحظة والساعة كلها متقاربة المفهوم وتستعمل للزمان ~~القصير، ويريد بذلك الزمان الذي يمكن الإنسان صرفه إلى ms003 تحصيل هذه الصناعة ~~من جملة عمره، لأن في بعض العمر يكون الإنسان طفلا أو شيخا أو نائما أو ~~مشغولا بمهام. ويمكن أن يكون مراده الزمان الذي يبقى فيه بدن الإنسان على ~~حاله، ليكون ذلك دلالة على طول الصناعة. وأما أن "التجربة خطر" فلأن ~~موضوع الصناعة قابل للفساد بسرعة. ثم كثير من الصنائع وإن شاركت الطب في ~~قبول موضوعها الفساد، إلا أن موضوع الطب أشرف؛ فكان خطره أعظم. والتجربة ~~هى امتحان ما يؤثره الشيء في البدن بإيراده عليه، وذلك على قسمين؛ ~~أحدهما: امتحان ما اقتضاه القياس، كما إذا دل القياس PageV01P006A على برودة ~~الكافور فأردنا امتحان ذلك. وثانيهما: امتحان الشيء من غير قياس. ولا شك ~~أن الخطر في القسم الثاني أعظم. وأما أن "القضاء عسر" والقضاءهو ~~الحكم، فقيل: أراد الحكم على المريض بما يؤول إليه حاله من صحة أو عطب، ولا ~~شك في عسر ذلك. وقيل: أراد الحكم بموجب التجربة، وذلك عسر أيضا؛ لأن ~~التجربة إنما يوثق بها إذا كانت على بدن إنسان، وكان الوارد خاليا عن كل ~~كيفية غريبة، واستعمل في علل متضادة وبسيطة بما قوته مقاربة لقوة العلة، ~~وكان فعله أولا ودائما أو أكثريا؛ ولا شك أن ما (2) توقف على ذلك فهو ~~عسر، وخصوصا إذا كنا استعملنا صنوفا من المعالجة، كالفصد والاستفراغ وسقي ~~أدوية فحصل النفع، فإنا لا ندري عن أيها حصل. وقيل: أراد بالقضاء القياس؛ ~~لأن القياس يلزمه الحكم بموجبه فأطلق اسم اللازم على الملزوم. ولا خفاء ~~بعسر معرفة صحيح القياس من فاسده، ولو سهل التمييز بينهما لما خالف العلماء ~~ولا ناقض أحدهم نفسه. ونقول:العلم الذي يميز بين صحيح القياس وفاسده هو ~~المنطق، فلابد للطبيب القايس من معرفة المنطق. فظهر PageV01P006B أن العمر قصير ~~وأن الصناعة طويلة، ومع ذلك فالوقت الذي يمكن الإنسان تعلمها فيه ضيق، ~~ومع ذلك فتعلمها صعب؛ لأن آلة اكتسابها هو التجربة وهى خطر والقياس ~~عسر. وأما باقي الكلام فبعضهم جعله منفصلا عن الأول وبعضهم جعل الكل ~~فصلا واحدا، وجالينوس قال: سواء كان الجميع فصلا واحدا أو ms004 فصلين فليس ~~الباقي على نهج الأول؛ لأن الأول إخبار عما ذكرناه، والثاني مشورة، قال: ~~وهو مشورة على قاريء الكتاب إذا أراد امتحانه، لأنه قد يقع الخطأ بإغفال ~~هذه الأشياء فيظن كذب ما تضمنه الكتاب. أقول: بل وإن كان ظاهره كالمشورة، ~~فالمراد منه بالذات ليس المشورة، بل ليكون كالبرهان على صعوبة استعمال هذه ~~الصناعة، كأنه قال: ومع ما بينا من صعوبتها وطولها وقصر العمر عنها ~~فاستعمالها عسر؛ لأنه لا يكفي في استعمالها الاقتصار على فعل ما قد فرغ ~~العمر في تعلمه، بل يحتاج إلى مراعاة أمور أخرى غير مضبوطة، كشهوة المريض ~~وأخلاقه ومن يحضره من الخدم والعواد، وأشياء أخر خارجية كالأخبار ~~الواردة عليه، PageV01P007A وغير ذلك لتكون هذه على وجه ينتفع به، ولا شك أن ذلك ~~صعب جدا. وهاهنا شك أورده فاضل في زماننا وقد زدنا في تقريره ما يفعله ~~المريض ومن يحضره، والأشياء التي من خارج إما أن تكون مما ينبغي أن ~~يفعل فتكونداخلة فيما يتوخاه، أو تكون مما ينبغي أن لا تفعل فينبغي أن ~~تقتصر على فعل ما ينبغي دونها، أو لا يكون مما ينبغي أن يفعل ولا مما ~~ينبغي أن لا يفعل فلا حاجة للطبيب إلى التعرض لها البتة. وجوابه: إن ~~معنى قولنا: "إن كذا (3) مما ينبغي يفعل" هو أن الصناعة تقتضيه، وهذه ~~الأشياء ليست من الأشياء التيتقتضيها الصناعة. ولكن ليس كل ما (4) تقتضيه ~~الصناعة لا ينبغي للطبيب أن يفعله، فإن كون الطبيب عدلا أمينا وغير ذلك ~~ليس مما تقتضيه الصناعة وينبغي للطبيب أن يكون كذلك. فإن قيل: العادة جرت ~~في أوائل الكتب أن تمدح الصنائع وترغب فيها،فكيف ابتدأ أبقراط ببيان ~~صعوبتها وطولها. قال بعضهم: غرضه الصد عنها؛ وهو قبيح وبعيد عن المعقول. ~~وقال آخر: ليبين أنها PageV01P007B تخمين؛ وهو بعيد عن اللفظ وغير لائق بافتتاح ~~الكتب. وقال آخر: لإقامة عذره في تصنيف الكتب لئلا تدرس الصناعة ولا يسع ~~عمر الإنسان لابتداعها. وقال آخر: ليبين السبب في تصنيفه هذا الكتاب على ~~طريق الفصول ليسهل حفظه وفهمه فيمكن في العمر القصير ms005 أن ينال منها طرفا. ~~وقال آخر: لإقامة عذر الطبيب إذا أخطأ. وقال آخر: ليحبب (5) المتعلم. وقال ~~آخر: لامتحان همة الطالب. وهذه الأقاويل كلها حسنة ويمكن أن تكون مراده. ~~واعلم أن جميع الشراح اقتصرت همتهم على بيان وجه افتتاحه بهذا الفصل، ~~ونحن نرجوا أن يوفقنا الله لبيان ترتيبه لكل فصل. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن كان ما ~~يستفرغ من البدن عند استطلاق البطن والقيء اللذين يكونان طوعا من النوع ~~الذي ينبغي أن ينقى منه البدن، نفع ذلك وسهل احتماله؛ وإن لم يكن كذلك، كان ~~الأمر على الضد. وكذلك خلاء العروق، فإنها إن خلت من النوع الذي ينبغي أن ~~تخلو (6) منه نفع ذلك وسهل PageV01P008A احتماله، وإن لم يكن كذلك كان الأمر على ~~الضد. وينبغي أيضا أن تنظر في الوقت الحاضر من أوقات السنة، وفي البلد، ~~وفي السن، وفي العادة، وفي الأمراض هل توجب استفراغ ما هممت باستفراغه أم ~~لا؟ ### ||| [commentary] # الشرح: إنما قدم هذا الفصل لأن غرضه إثبات قاعدة عامة يجب تقديمها في ~~أول الكتاب، وهى أنه ينبغي للطبيب أن يحذو فعل الطبيعة، وخصص المثال عليها ~~بالاستفراغ لأنه يتكلم في هذه المقالة في قوانين التغذية، وهى إنما تكون ~~بعد نفض الفضول من الأمعاء وغيرها. وأيضا فلاغذاء هو خلف لبدل ما يتحلل، ~~والتحلل استفراغ؛ فوجب تقديم الكلام في الاستفراغ لأنه مقدم على التغذية. ~~وإنما ينبغي أن يستفرغ ما كان فاضلا، والفضل هو الامتلاء، والامتلاء على ~~ثلاثة أنواع: امتلاء الأوعية فقط، وهو أن تكون الأخلاط -مع صلاح ~~كيفياتها- زائدة في المقدار. وامتلاء بحسب القوة فقط، وهو أن تكون ~~الأخلاط -مع اعتدال مقدارها- خارجة PageV01P008B عن الطبيعة في كيفياتها. وامتلاء ~~بحسب الأوعية والقوة، وهو أن تكون الأخلاط -مع رداءة كيفياتها- زائدة في ~~كميتها. وهذا الثالث أولى بوجوب الاستفراغ، ثم الثاني. ونعني بالنوع الذي ~~ينبغي أن ينقى (7) منه البدن كل ما (8) هو غير طبيعي، إما في جوهره كالحصا ~~والثفل والخلط العفن، أو في كيفيته كالدم الحار أو البارد، أو في كميته ~~كالدم إذا كثر، أو في كيفيته وكميته كالدم الكثير إذا ms006 فسد. والدليل على ~~ذلك قوله: "وإن لم يكن كذلك كان الأمر على الضد" معناه: وإن لم يكن ~~المستفرغ طوعا في استطلاق البطن والقيء من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه ~~البدن، ضر ذلك وعسر احتماله. ولو كان الخلط الزائد في كميته -مع صلاح ~~كيفيته- ليس من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن، لبطل ذلك؛ لأن ~~استفراغه ينفع ويسهل احتماله. ويعني "بالطوع" ما لم تستكره الطبيعة على ~~إخراجه بدواء مسهل ولا بغيره، سواء PageV01P009A كان إخراجه طبيعيا كالثفل، أو لا ~~يكون كخروج الأخلاط الفاسدة. ويعني "بخلاء العروق" الاستفراغ الصناعي لأنه ~~أكثر ما يكون بالفصد أو الأدوية المسهلة، وذلك يازمه خلاء العروق، فأطلق ~~اسم اللازم على الملزوم. وأما أنه إذا كان المستفرغ طوعا من النوع الذي ~~ينبغي أن ينقى منه البدن نفع وسهل احتماله، فلأن إخراج المؤذي نافع ~~وسهل الاحتمال لأن الطبيعة لا تظن به، فيسهل عليها مفارقته، إلا أنه قد ~~يتبع ذلك ضرر كثوران حرارة أو حمى يوم أو إعياء في الأوعية أو سحج في ~~الأمعاء ولا يحس بنفعه في الحال إلى أن يزول العارض. وأما في الحال فيحس ~~الضرر، ولكن ذلك الضرر لا لكونه استفراغ ما ينبغي أن ينقى البدن منه، بل ~~لأمر آخر كضعف المعا وحدة الخلط وغير ذلك. وأما أنه إذا كان المستفرغ ~~طوعا لا من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن، كان على الضد؛ فلأن ما ~~ليس مما ينبغي أن ينقى البدن منه فهو طبيعي، والبدن يحتاج إليه وينتفع به، ~~وإخراج النافع المحتاج إليه PageV01P009B لا شك أنه يكون ضار أو عسر المفارقة لأن ~~الطبيعة تكون مشتملة عليه ضانة به؛ وكذلك فافهم الحال في الاستفراغ ~~الصناعي. ولما ثبت أن الاستفراغ إذا كان من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه ~~البدن نفع وسهل احتماله، وإذا لم يكن كذلك ضر وعسر احتماله، وجب أن يكون ~~النفع بالاستفراغ وسهولة الاحتمال لازما مساويا لكون المستفرغ من النوع ~~الذي ينبغي أن ينقا البدن منه؛ لأنه لو كان أعم منه لجاز حصوله عند كون ms007 ~~المستفرغ لا من ذلك النوع فلايصدق قوله، وإن لم يكن كذلك كان الأمر على ~~الضد. وإذا ثبت أنه لازم مساو، فيستدل بكل واحد منهما على الآخر، فإن ~~علمنا أن هذا المستفرغ من ذلك النوع علمنا أن الاستفراغ ينفع ويسهل ~~احتماله. وإن علمنا أن هذا الاستفراغ نفع وسهل احتماله، علمنا أنه كان من ~~ذلك النوع، لكن هذا الاستدلال إنما يكون بعد الاستفراغ فينبغي أن نذكر ~~علامات تدل على ذلك النوع قبل الاستفراغ ليتأتى لنا الإقدام عليه، فقال: ~~PageV01P010A "وينبغي أيضا أن تنظر في الوقت الحاضر من أوقات السنة. إلى آخره" ~~ولم يذكر اللون. وإن كان يدل على الخلط الغالب لأنه قد يقع (9) من جهته غلط، ~~وهو إذا كان الخلط غائرا. وهذه الأدلة المذكورة بعضها أقوى من بعض، فإن ~~الشيخ لو مرض في الشتاء وفي بلد بارد مرضا صفراويا، استفرغناه الصفراء ~~ولم نلتفت إلى ما يوجبه البلد والسن والوقت. بقى هاهنا أسئلة، أحدها أنه: ~~لما خصص اللاستفراغ الطوعي بالقيء واستطلاق البطن والحكم عام؟ وثانيها: ~~لما عبر عن الاستفراغ الصناعي بخلاء العروق؟ وثالثها: لما ذكر أولا ~~حكم الاستفراغ الطوعي ثم ذكر حكم الاستفراغ الصناعي، مع أنه كان يمكن ذكرها ~~في قضية واحدة لأن الحكم واحد؟ الجواب: أما الأول فلأن ما سوى القيء ~~واستطلاق البطن، كالرعاف والإدرار والعرق، لا يقع من غير النوع الذي ينبغي ~~أن ينقى منه البدن إلا نادرا، فلا يظهر به التمثيل على أن الاستفراغ ~~الطوعي إذا لم يكن من ذلك النوع ضر وعسر PageV01P010B احتماله؛ ولأن غالب ~~الاستفراغ الطوعي يكون بالقيء واستطلاق البطن. وأما الثاني؛ فلأن ~~التغيير بهذا اللازم أكثر فائدة، لأنه يفيدنا معرفة أن الدواء المسهل ~~يخرج ما في العروق، ويفيدنا أيضا أنه ما دام من النوع فينبغي أن يستفرغ ~~إلى أن تخلو (10) العروق منه ولا يلتفت إلى كونه كثيرا أو غير ذلك. وأما ~~الثالث؛ فإن ذلك لإثبات القاعدة التي هى المقصودة من الفصل، وهى أنه ~~ينبغي أن يحذو (11) الطبيب فعل الطبيعة، وذلك لأن الاستفراغ الطوعي الذي ~~من النوع الذي ينبغي ms008 أن ينقى منه البدن هو من فعل الطبيعة فقط، ثم إن ~~الاستفراغ الصناعي إذا كان موافقا لفعل الطبيعة نفع ولم يضر (12)، وليس ذلك ~~لكونه استفراغا بل لكونه موافقا لفعل الطبيعة، فيجب أن يكون قصدنا أن ~~نفعل كفعل الطبيعة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: خصب البدن المفرط لأصحاب الرياضة خطر، إذا ~~كانوا قد بلغوا منه الغاية القصوى؛ وذلك أنه لا يمكن أن يثبتوا على حالتهم ~~تلك ولا PageV01P011A يستقروا. ولما كانوا لا يستقرون وليس يمكن أن يزدادوا ~~صلاحا، فبقى أن يميلوا إلى حال هى أردأ (13). فلذلك ينبغي أن ينقص خصب ~~البدن بلا تأخير، كما يعود البدن فيبتديء في قبول الغذاء، ولا يبلغ في ~~استفراغه الغاية القصوى، فإن ذلك خطر لكن بمقدار احتمال طبيعة البدن الذي ~~يقصد إلى استفراغه. وكذلك أيضا كل استفراغ يبلغ فيه الغاية القصوى خطر، ~~وكل تغذية أيضا هى عند الغاية القصوى فهى خطر. ### ||| [commentary] # الشرح: إنما ذكر هذا الفصل ~~بعد الذي قبله لوجهين، أحدهما: إنه قد فهم من الفصل الأول أن الطبيب ~~ينبغي أن يحذو فعل الطبيعة فيما تفعله بالذات، كاستفراغ النوع الذي ينبغي ~~أن ينقى منه البدن، وأنه لا ينبغي أن يحذو فعلها العرضي كالاستفراغ الطوعي ~~لا من ذلك النوع، فأراد أن يبين هاهنا أن هذا ليس مختصا بالاستفراغ بل ~~وفي كل فعل عرضي كإفراط الخصب، فإن فرط الخصب ليس PageV01P011B عن فعل الطبيعة ~~بالذات؛ لأن فعلها بالذات هو هضم الغذاء وتوزيعه، وإنما اتفق أن كان ~~الغذاء كثير التغذية بطيء التحلل فأفرط الخصب. وفي مثل هذا الفعل الذي ~~بالعرض يجب على الطبيب أن يخالفه، كما يجب أن ينقص هذا الخصب. والوجه ~~الثاني: إنه قد فهم من الفصل الأول أن الاستفراغ الصناعي إذا كان من ~~النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن نفع وإن بلغ إلى أن تخلو (14) منه ~~العروق، فأراد أن يبين هاهنا أن ما تعدى ذلك لا يجوز إلا بشرط احتمال ~~الطبيعة، ليبين أن كل إفراط فهو مؤذ وعدو للطبيعة. واعلم أن قوله ~~"المفرط" صفة للخصب لا للبدن، ولو جعل ms009 صفة للبدن لصح ولكن لا يكون فيه من ~~الخطر ما إذا جعل صفة للخصب، ولا يكون أيضا باقي الكلام مستقيما. وقوله: ~~"خصب البدن المفرط لأصحاب الرياضة خطر" يفهم على وجهين، أحدهما أن يكون ~~تقدير الكلام: "خصب البدن المفرط خطر PageV01P012A لأصحاب" على أن يجعل قوله ~~"لأصحاب الرياضة" من بقية المحمول، فتكون الرياضة هى سبب الخطر فيهم. ~~والوجه الثاني أن يكون تقدير الكلام: "خصب البدن المفرط الذي لأصحاب ~~الرياضة خطر" فيكون المحمول قوله "خطر" وقوله "لأصحاب الرياضة" من الموضوع. ~~وهذا الثاني هو المشهور. قالوا: إنما خصص ذلك بأصحاب الرياضة لأن معنى ~~الخصب المفرط أن لا تبقى معه الأعضاء قابلة للتمدد، ومثل هذا لا يوجد إلا ~~لأصحاب الرياضة أي الذين اتخذوا الرياضة حرفة، كالمصارعين فإنهم يتباهون ~~بزيادة العظم. وأما الرياضة المقصود منها المعيشة كالنجارة والحرث فلا ~~يبلغ بأصحابها الخصب المفرط، ثم بعض من فهم هذا علل أن ذلك خطر بأن ~~الطبيعة دائما توزع الغذاء على البدن، وأعضاء هؤلاء لا تقبل التمدد، ~~فليس يمكن أن يثبتوا على حالتهم تلك ولا أن يزدادوا صلاحا. وأقول: إن صح ~~هذا المفهوم فيكون المراد بالصلاح زيادة PageV01P012B الخصب، كأنه صلاح في ~~اعتقادهم لأن هؤلاء يرون أن زيادة الخصب صلاحا، وإذ لا يمكن أن يثبتوا ~~على حالتهم تلك لأجل زيادة هذا الغذاء الوارد ولا يمكن أن يزدادوا خصبا، ~~إذ الفرض أن أعضاءهم لا تقبل الامتداد، فبقى أن يميلوا إلى حال هى أردأ، ~~وهى: إما أن ينشق عرق، أو يسيل دمهم إلى تجويف القلب أو الدماغ ~~فيقتل. فإن قيل: الخصب المفرط إما أن يمكن وجوده لغير أصحاب الرياضة فلا ~~يكون لتخصيصه بهم وجها، لأن ما ذكرتموه من السبب قائم في غير أصحاب ~~الرياضة. أو لا يمكن حصوله لغير أصحاب الرياضة، فلا حاجة إلى التخصيص بهم، ~~ولهم أن يجيبوا عنه بأنه يحتمل أن يكون ذلك لا للتخصيص بهم بل كالتعريف ~~للخصب الذي هو خطر، كأنه يقول: الخصب المفرط الذي من شأنه أن يعتري أصحاب ~~الرياضة خطر. ونحن نقول: إن حمل الفصل على ms010 هذا المعنى لا يصح، أما ~~أولا: فلأن الخصب المفرط لم نجده يعتري أصحاب الرياضة PageV01P013A بل أكثر ما ~~يعتري المتدعين، كأن الرياضة لتحليلها، لا يجتمع من المادة ما يوجب ~~ذلك الخصب. وأما ثانيا: فلأن الدم والأخلاط إذا بلغ من كثرتها أن ~~الأعضاء لا يمكن أن تتمدد لأكثر منها، وجب أن يكون منعها للزيادة أسهل من ~~الهرب أمام النافذ إلى أن تشق عرقا أو تنصب إلى تجويف القلب أو ~~الدماغ وتقهر قوتهما الدافعة، وكيف يبلغ النافذ، إن صح مع قلته أن يوجب ~~لهذه الأخلاط الزائدة جدا هذه الحركة العظيمة. ثم العجب أن نفوذ الغذاء ~~لا يتم إلا بقوة دافعة من العضو النافذ عنه وقوة جاذبة من العضو النافذ ~~إليه، وهذه الأعضاء قد امتلأت جدا بحيث لا تسع الزيادة، فلا تكون قوتها ~~دافعة للوارد أولى من أن تكون جاذبة له، وخصوصا وجالينوس يعترف أن في كل ~~عضو قوة تدفع ما يفضل عن غذائه وإن كان صالح الجوهر، فالعجب كيف تجذب ~~الأعضاء هذا الوارد مع عدم حاجتها إليه وقلة استعداده لتغذيتها وتدفع ما ~~عندها مما هو أتم نضجا واستعدادا PageV01P013B للتعدي وخصوصا دفعا يلزمه شق ~~عرق أو انصباب إلى فضاء قتال. والعجب أن في فحوى الفصل ما يبطل ~~كلامهم، وذلك قوله "كيما يعود البدن فيبتدئ في قبول الغذاء" فدل على أنه ~~إذا لم يستفرغ لم يكن فيه قبول للغذاء، فيثبت ما قلناه ويبطل كلامهم. ~~وأما الوجه الأول فالعلة في كون الخصب المفرط خطر لأصحاب الرياضة، أن ~~الرياضة تسخن الأخلاط، والسخونة توجب التخلخل، فيلزمه زيادة حجمها، لكن ~~الأعضاء لا تقبل التمددفيجيء ما قلناه من انشقاق بعض العروق أو انصباب الدم ~~إلى فضاء؛ وهذا الوجه هو الحق ولو صح الوجه الآخر لكان هذا أولى لأن ~~المعنى لا يحوج إلى زيادة في اللفظ والآخر يحوج إلى زيادة . وأيضا فهذا ~~أكثر فائدة من وجهين: أحدهما: إن على هذا يكون الخطر ثابتا، سواء ~~استعملوا الغذاء أو تركوه، وعلى ما ذكروه لا يتحقق الخطر إلا إذا استعملوا ~~الغذاء، وإلا لم يكن ms011 PageV01P014A عند الطبيعة ما توزعه. والوجه الثاني: إن حمل ~~الكلام على ما قلناه يخرج لنا من فحوى الفصل برهانين على وجوب الاستفراغ، ~~أحدهما: لنأمن هذا الخطر. وثانيهما: كيما يعود البدن فيبتديء في قبول ~~الغذاء، أي ليخلو (15) البدن من فرط الامتلاء فيمكنه استعمال الغذاء. وعلى ~~ما ذكروه لا يكون لهم دليل على ذلك إلا هذا الثاني. فإن قيل ما ذكرتموه يدل ~~على وجوب الضرر، فلا يحسن أن يقال أن ذلك خطر لأن الخطر لا يكون إلا ~~فيما يتوقع منه الضرر، مع جواز أن لا يكون. قلنا: الجواب عنه من وجهين: ~~أحدهما: إن هذا السؤال غير مختص بما ذكرناه، فإن ما قالوه إذا صح كان ~~الضرر واجبا أيضا. وثانيهما: إن ما ذكرناه لا يدل على وجوب الضرر بل ~~على وجوب زيادة حجم الأخلاط، فيلزمه أحد أمرين: إما شق عرق، أو انصباب ~~الأخلاط إلى أحد التجاويف. ولا شك أن هذه الحالة أردأ ولكن قد لا تكون ~~ضارة لجواز أن يكون الانشقاق PageV01P014B يسيرا من عضو لا يضر ذلك فيه، كالأنف، ~~فيحصل رعاف ثم ينقطع بسرعة، فلايكون في ذلك ضرر، ويجوز أن يكون غير ذلك، ~~فحسن أن يقال أن ذلك خطر. قوله: "ولا يبلغ في استفراغه الغاية القصوى ~~فإن ذلك خطر، لكن بمقدار احتمال طبيعة البدن الذي يقصد إلى استفراغه". ~~الاستفراغ الذي في الغاية القصوى هو الذي يجاوز استفراغ ما في العروق حتى ~~وصل إلى استفراغ ما في اللحم؛ وذلك لأن الاستفراغ ما دام يخرج ما في ~~العروق مما ينبغي أن ينقى منه البدن نفع وسهل احتماله بما تقدم؛ وأما ~~إذا تجاوز ذلك فأخذ يستفرغ ما في اللحم حتى ينقص له جرم البدن فهو رديء. ~~وإن كان من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن فليس الواجب في الاستفراغ ~~أن يكون بمقدار الامتلاء، بل لابد مع ذلك من مراعاة القوة. ومثل هذا ~~الاستفراغ، أعني الذي يبلغ فيه الغاية القصوى، لا تحتمله القوة، ثم هؤلاء ~~الامتلاء فيهم كثير وقوتهم تامة فإذا PageV01P015A لم يجز أن يبلغ بهم الاستفراغ ms012 ~~الغاية القصوى فبأن لا يجوز في غيرهم أولى. ولما كانت القوة تختلف في ~~الناس في مقدار الاحتمال قدر ذلك تقديرا عاما، فقال: لكن بمقدار احتمال ~~طبيعة البدن الذي يقصد إلى استفراغه، ثم ربما ظن ظان أن ذلك مختص ~~بالامتلاء الذي بحسب الأوعية، لأن الأخلاط تكون صحيحة فلا يجوز أن يخرج ~~منها المقدار المفرط، وأما إذا كان الامتلاء بحسب القوة فإنه يجوز ~~المبالغة في استفراغه إلى الغاية لأنه مؤذ، وإخراج المؤذي مما ينفع، فأعقب ~~ذلك بقوله: وكل استفراغ يبلغ فيه الغاية القصوى فهو خطر؛ وذلك لأن ~~المستفرغ سواء كان صالحا أو فاسدا فإنه لا محالة يتبعه أرواح كثيرة، فإذا ~~أفرط في الاستفراغ فقد أفرط في إخراج الأرواح، ولا شك أن ذلك مما يسقط ~~القوة ويوجب الغشي. قوله: "وكل تغذية أيضا هى عند الغاية القصوى فهى خطر" ~~إنما ذكر هاهنا أمر التغذية لوجهين: أحدهما: إن غرضه في هذه المقالة ~~PageV01P015B الكلام في قوانين التغذية، وأما الكلام في الاستفراغ فوقع بطريق ~~العرض فاكتفى فيه بما ذكر ومرج هذا القانون بقانون في التغذية ليكون ~~ذلك مدرجا إلى الكلام في التغذية. والوجه الثاني: ليتم له إثبات القاعدة ~~التي قصدها، وهى أن كل كثير فهو خطر؛ لأن الكثير إما أن يكون إيرادا ~~على البدن كالغذاء المفرط وهو خطر، أو إخراجا من البدن وهو الاستفراغ ~~المفرط وهو خطر؛ فكل كثير خطر. ثم كون التغذية في الغاية القصوى لا يختص ~~ذلك بالكثرة أو القلة أو الغلظ أو اللطافة، بل ما يعم ذلك. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~التدبير البالغ في اللطافة، عسر، مذموم في جميع الأمراض المزمنة لا محالة. ~~والتدبير الذي يبلغ فيه الغاية القصوى من اللطافة في الأمراض الحادة، إذا ~~لم تحتمله قوة المريض، عسر، مذموم. ### ||| [commentary] # الشرح: من هاهنا ابتدأ أبقراط بقوانين ~~أغذية المرضى، لأن الكلام فيها أهم من الكلام في أغذية الأصحاء، لأن ~~شهوة الأصحاء تدعوهم إلى PageV01P016A استعمال الواجب، وشبعهم يمنعهم الزيادة؛ ولا ~~كذلك المرضى، فكثير منهم يفتقر إلى الغذاء ولا شهوة له وكثير منهم مستغن ~~عنه وشهوته ms013 مفرطة. وخصص هذا الفصل بالابتداء لأنه في معنى الأول في تقدير ~~كل إفراط فهو خطر، وكان قد ذكر ذلك في الفصل المتقدم مطلقا، فخصص في هذا ~~الإفراط في لطافة الغذاء لأن الخطر في ذلك أشد. ونريد أن نقدم قبل الخوض ~~في تفسير هذا الفصل مقدمة، فنقول: التدبير في اللغة هو التصرف، وفي اصطلاح ~~الأطباء هو التصرف في الأسباب الضرورية. وأبقراط يريد به هاهنا التصرف في ~~الغذاء، وليس في الغذاء مطلقا، بل من جهة ما يقل ويكثر، ويغلظ ويلطف، ~~والغذاء يقال بحسب الطب على معنيين: أحدهما: يقال غذاء للجسم الذي استحال ~~حتى فسدت صورته وحدثت له صورة عضو من الأعضاء الإنسانية فصار جزءا منه ~~وشبيها به لسد بدل ما تحلل منه أو وليفضل أيضا للنمو ويسمى PageV01P016B ~~هذا غذاء بالفعل. وثانيهما: يقال غذاء للجسم الذي هو بالقوة كذلك، وهذه ~~القوة على قسمين: إما قريبة، وإما بعيدة. والذي هو بالقوة البعيدة (16) ~~فهو الجسم الذي من شأنه إذا ورد على البدن الإنساني أن يستحيل إلى أن يصير ~~غذاء بالفعل، والذي بالقوة القريبة فهو الجسم الذي في بدن الإنسان معدا ~~لأن يكون غذاء بالفعل كالأخلاط. فمراد أبقراط بالتدبير التصرف في الغذاء، ~~بمعنى الذي بالقوة البعيدة، كالخبز وغيره. والغذاء بهذا المعنى ينقسم إلى ~~غليظ، ولطيف، ومتوسط. والغذاء الغليظ هو الذي يكون الخلط المتولد عنه ~~غليظا، والغذاء اللطيف هو الذي يكون الخلط المتولد عنه رقيقا. وكل واحد ~~من الغذاء الغليظ واللطيف والمتوسط فقد يكون كذلك بحسب الأصحاء، وقد يكون ~~كذلك بحسب المرضى. وللغليظ واللطيف مراتب: فاللطيف منه لطيف مطلق، وهو بحسب ~~الأصحاء كالأجدية والأكارع؛ وأما بحسب المرضى فكالمزاوير PageV01P017A وأطراف ~~الفراريج. ومنه لطيف جدا وهو بحسب الأصحاء كالدجاج وأطراف الأجدية، وبحسب ~~المرضى كأمراق الفراريج والثخين من ماء الشعير. ومنه لطيف في الغاية، وهو ~~بحسب الأصحاء كالفراريج ومرقة اللحم، وبحسب المرضى كالسويق وماء الشعير ~~المتوسط. ومنه لطيف في الغاية القصوى، وهو في الأصحاء كأمراق الدجاج وأطراف ~~الفراريج والمزاوير، وبحسب المرضى كالحلاب ورقيق ماء الشعير؛ وقد يفسر ~~بعضهم ذلك بعدم ms014 الغذاء البتة. وأما الغذاء المتوسط فهو بحسب الأصحاء كلحم ~~الحولي من الضأن والعجول، وبحسب المرضى كالفراريج. وأما الغذاء الغليظ ~~فهو بحسب الأصحاء كالهريسة ولحم البقر، وبحسب المرضى كالأجدية والأكارع. ~~وأقول أيضا: المرض ينقسم إلى حاد، ومزمن. فالمزمن كل مرض يطول مدته أكثر ~~من أربعين يوما، سواء كان مشتملا على خطر أو لا يكون، وسواء أعقب الصحة ~~أو العطب. وأما الحاد فمنه حاد بقول مطلق وهو الذي ينقضي في اليوم الرابع ~~عشر، ومنه ما هو أقل حدة وهو الذي ينقضي فيما بعد ذلك إلى السابع PageV01P017B ~~والعشرين، ومنه حاد المزمنات وهو ما ينقضي فيما بعد ذلك إلى الأربعين، ومنه ~~حاد جدا وهو ما ينقضي فيما بين الحادي عشر والتاسع. وأما ما ينقضي في ~~السابع فما دونه، فإما أن يكون مشتملا على خطر أو لايكون، والأول إن كان ~~ينقضي فيما بين الرابع والسابع فهو الحاد في الغاية، وما كان في الرابع فما ~~دونه فهو الحاد في الغاية القصوى، وأما ما لا يكون مشتملا على خطر ~~كحمى يوم فلا يقال له حاد ولا مزمن ومع ذلك فقد يطول ستة أيام أو أكثر ~~كما في الاستحصافية والسددية. وأقول أيضا: الغذاء صديق الطبيعة لأنه ~~يقويها، وعدوها لأنه يقوي عدوها الذي هو المرض، فيجب أن يراعى في ذلك الأهم ~~وهو القوة إن كانت ضعيفة، أو المرض إن كان عظيما. والغذاء يستعمل في ~~الأصحاء ليخلف بدل ما يتحلل منهم وللنمو إن كانوا في سنه، ويلزم ذلك ~~تقوية قواهم أو حفظها على حالها. ويستعمل في المرضى ليحفظ قوتهم PageV01P018A إلى ~~حين يمكنها دفع المرض، أو ليقويها إذا طرأ ضعف زائد. ويمنع الغذاء في ~~المرض لئلا تشتغل الطبيعة بالتصرف فيه عن دفع المرض ولأغراض أخر نذكرها في ~~مواضعها فإن كان لنا مع ذلك غرض حفظ القوة قللنا في كميته أو في تغديته ~~أو فيهما معا، فبما نغذوا نراعي جنبه القوة لئلا تخور قبل المنتهى، وبما ~~نقلل نراعي جنبه المادة لئلا تزيد فيزيد المرض؛ ويجب أن نراعي في ذلك ~~أهمهما. واعتبار الأهم ms015 يكون من وجهين: أحدهما: باعتبار المرض. وثانيهما: ~~باعتبار القوة. أما باعتبار المرض فيختلف (17) ذلك باختلاف مرتبته، فإن ~~عنايتنا بالقوة في الأمراض المزمنة أكثر لأنا نعلم أن منتهاها بعيد ~~وتحتاج فيها الطبيعة إلى مجاهدة كثيرة، بسبب غلظ المادة وكذلك أزمن المرض، ~~فإذا لم تقو (18) القوة لم يؤمن عليها أن لا تبقى بالثبات إلى المنتهى ولم ~~تف بنضج ما تطول مدة إنضاجه؛ فلذلك يكون PageV01P018B استعمالنا الغذاء فيها أكثر، ~~ويكون في ابتدائها أكثر، وكلما قرب المنتهى نقصناه ثقة بما سلف وتخفيفا ~~على القوة وقت جهادها. وأما الأمراض الحادة فإن بحرانها قريب، فنرجوا ~~أن لا تخور القوة قبل انتهائها، فإن خفنا ذلك لم نبالغ في تقليل الغذاء. ~~وإذا تحققت هذه المقدمة فنقول: الواجب في الأمراض المزمنة أن يكون الغذاء ~~في أولها غليظا بحسب المرضى، ثم متوسطا، ثم لطيفا؛ وقد يستعمل فيها ~~اللطيف جدا عند المنتهى. وأما الغذاء البالغ في اللطافة فلا شك أنه فيها ~~عسر مذموم . قوله: "التدبير البالغ في اللطافة" يريد التدبير بالأغذية ~~البالغة في اللطافة، ووصف التدبير بذلك على سبيل المجاز. فإن قيل: لما ~~خصص ذلك بالتدبير البالغ في اللطافة، مع أنه لو قال: "التدبير اللطيف في ~~الأمراض المزمنة عسر مذموم" لصح وشمل جميع أصناف ما هو لطيف لأن الأمراض ~~المزمنة لا تدبر بالتدبير اللطيف. قلنا: خصص بذلك لوجهين: أحدهما: ~~PageV01P019A إن بعض الأمراض المزمنة تدبر بالتدبير اللطيف، وهى التي في أول ~~درجات الأمراض المزمنة. وأما البالغ في اللطافة فإنه عسر مذموم في جميعها ~~لا محالة . وثانيهما: إن التدبير اللطيف قد يستعمل في بعض أوقات الأمراض ~~المزمنة كالمنتهى. فإن قيل: ولما خصص ذلك بالأمراض المزمنة وهو في الصحة ~~عسر مذموم أيضا؟ قلنا: ذلك لوجهين: أحدهما: إن كلامه هو في تدبير أغذية ~~المرضى. وثانيهما: إن التدبير اللطيف، فضلا عن اللطيف جدا، فضلا عن ~~البالغ في اللطافة لا يستعمل في حال الصحة إلا لغرض غير تدبير الصحة، وعند ~~ذلك الغرض لا يلتفت إلى كونه مذموما في تدبير الصحة. فإن قيل: لما قال في ~~الأمراض المزمنة ms016 التدبير البالغ في اللطافة، وقال في الحادة التدبير الذي ~~يبلغ فيه الغاية القصوى من اللطافة؟ وأيضا لما قال في الأمراض المزمنة في ~~جميع الأمراض المزمنة ولم يقل ذلك في الحادة؟ وأيضا لما شرط في الأمراض ~~الحادة إذا لم تحتمله القوة ولم يشترط ذلك في المزمنة؟ PageV01P019B الجواب: أما ~~الأول فلأن التدبير الذي لا يبلغ في الغاية من اللطافة أقصاها، قد لا ~~يكون مذموما في بعض الأمراض الحادة ولا في بعض أوقاتها؛ وبه يخرج الجواب ~~عن الثاني. وأما الثالث فلأن بعض الأمراض الحادة، وهى التي في الغاية ~~القصوى من الحدة تحتمل القوة فيها ذلك، فلا يكون فيها مذموما، ولا كذلك ~~الأمراض المزمنة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: في التدبير اللطيف قد تخطيء المرضى على ~~أنفسهم خطأ يعظم ضرره عليهم، وذلك أن جميع ما يكون منه من الخطأ أعظم مما ~~يكون منه في الغذاء الذي له غلظ يسير، ومن قبل هذا صار التدبير البالغ في ~~اللطافة في الأصحاء أيضا خطر لأن احتمالهم لما يعرض من خطئهم (19) أقل؛ ~~فلذلك صار التدبيرالبالغ في اللطافة في أكثر الحالات أعظم خطرا من التدبير ~~الذي هو أغلظ قليلا. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل يوجد على نسختين، إحداهما وهى التي ~~اختارها جالينوس PageV01P020A وهى التي ذكرناها. ومعنى ذلك أن الخطأ عن الواجب ~~المائل إلى اللطافة أعظم خطرا من المائل إلى الغلظ إذا كثر مضار الغليظ ~~إطالة المرض بتغليظ المادة وتكثيرها، وذلك أسهل كثيرا من إسقاط القوة ~~باستعمال اللطيف. ويصير الإشارة في قوله: "ومن قبل هذا" إلى المذكور في ~~الفصل، أي: ولما كان ذلك في المرضى خطرا فهو في الأصحاء أولى بالخطر، ~~لأن المرضى قواهم مشغولة بالمرض عن التصرف في الغذاء؛ ولهذا قد يبقى ~~أحدهم مدة بغير غذاء لا يبقى الصحيح فيها. وإذا ثبت أن التدبير الألطف ~~من الواجب أشد خطرا في المرض والصحة من الأغلظ، فلا شك أنه في أكثر ~~الحالات أعظم خطرا من التدبير الذي هو أغلظ قليلا. ويكون تعلق هذا الفصل ~~بما قبله، لأنه كالمؤكد له؛ فإنه إذا كان التدبير اللطيف ms017 ألطف مما يجب ~~خطرا، فالبالغ في اللطافة إذا لم تحتمله القوة لا خفاء أنه عسر مذموم. ~~والنسخة الثانية هكذا في PageV01P020B التدبير اللطيف قد تخطيء (20) المرضى على ~~أنفسهم خطأ كثيرا فيعطم ضرره عليهم. ومعنى ذلك هو أن المرضى إذا استعمل ~~لهم الواجب -بحسب المرض- من التدبير اللطيف فقد يخطئوا على أنفسهم بأن ~~تحملهم الشهوة على ما هو أغلظ كثيرا وأضر مما لو كان الأطباء استعملوا لهم ~~أغلظ من الواجب قليلا. وهذا من جملة ما قاله في أول الكتاب، وهو: "قد ~~ينبغي لك أن لا تقتصر على توخي فعل ما ينبغي دون أن يكون ما يفعله المريض ~~ومن يحضره كذلك" ويؤكد ذلك أنه نسب الخطأ إلى المرضى. وأما في المعنى ~~الثاني، فالمخطئ هو الأطباء لا المرضى. ويكون تعلق هذا الفصل بما قبله أنه ~~لما بين أن التدبير البالغ في اللطافة عسر مذموم إذا لم تحتمله قوة ~~المريض، فبين في هذا أن ذلك مذموم أيضا، وإن احتملته قوتهم، إذا كانت ~~الشهوة لا تحتمله، فينبغي أن لا تقتصر على مقدار احتمال القوة، بل يجب مع ~~ذلك مراعاة الشهوة أيضا. فإن قيل: فكيف يستقيم PageV01P021A على هذا التفسير ~~قوله: ومن قبل هذا صار التدبير البالغ في اللطافة في الأصحاء أيضا خطر، ~~لأن احتمالهم لما يعرض من خطئهم (21) أقل. فإن هذا يقتضي أن يكون احتمال ~~الأصحاء إذا استعملوا الأغذية الغليظة في تدبيرهم اللطيف أقل من احتمال ~~المرضى، وذلك باطل. قلنا: يجوز أن تكون الإشارة في قوله: "ومن قبل هذا" لا ~~تعود إلى هذا المذكور في الفصل فقط، فلا يلزم ما ذكرتموه، ويكون تقدير ~~الكلام: ولما كان تلطيف التدبير في المرضى قد يكون رديئا. وذلك في الأمراض ~~المزمنة، وعند عدم احتمال القوة في جميع الأمراض كما بين في الفصل ~~المتقدم، ومع قوة الشهوة وإن احتمله المرض والقوة كما بين في الفصل، مع ~~أن المرض ينبغي أن يقلل فيه الغذاء ويلطف لأن قواهم مشغولة عن ~~استعمال الغذاء بالمرض، فبالأولى أن يكون التدبير البالغ في اللطافة في ~~الأصحاء خطرا. ولم يقل ms018 التدبير اللطيف لأن التدبير اللطيف PageV01P021B -بحسب ~~الأصحاء- هو مثل الأجدية والأكارع، وذلك ليس بخطر. فثبت أن التدبير ~~البالغ في اللطافة خطر في حالتي الصحة والمرض. وكذلك قال: فلذلك صار ~~التدبير البالغ في اللطافة في أكثر الحالات أعظم خطرا من التدبير الذي هو ~~أغلظ قليلا. وإنما لم يقل في كل الحالات؛ لأن بعض الأمراض قد ينتفع فيها ~~بالتدبير البالغ في اللطافة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: أجود التدبير في الأمراض التي في ~~الغاية القصوى، التدبير الذي في الغاية القصوى. ### ||| [commentary] # الشرح: ربما قيل: قد جرت ~~العادة بتقديم تعريف الجيد والنافع ليستعمل، ثم تعريف الضار والرديء ~~ليجتنب. فلما عكس ذلك أبقراط، قلنا: إنما فعل ذلك لتتميم إثبات أن كل ~~إفراط رديء. ويريد "بالأمراض التي في الغاية القصوى" التي هى كذلك في ~~الحدة، وهى التي بحرانها في الرابع فما دونه. "وبالتدبير الذي في الغاية ~~القصوى" الذي هو كذلك في اللطافة؛ لأن PageV01P022A الظاهر ثبات القوة بالتدبير ~~الذي في الغاية القصوى في هذه المدة اللطيفة، لأنه لا يصح أن يقال في مرض ~~أنه في الغاية القصوى من الأزمان ولا في غذاء من أغذية المرضى أنه في ~~الغاية القصوى من الغلظ. بقى أنه يقال: إنه أراد ما يعم الحدة والشدة ~~لأنه يصح أن يقال: أجود التدبير في الأمراض التي في الغاية القصوى من الشدة ~~هو الذي في الغاية القصوى من القوة. وفي التي في الغاية القصوى من الضعف، ~~هو الذي في الغاية القصوى من الضعف. لكن هذا لا يستقيم لو أراد بالتدبير ~~التصرف فيما يعم الغذاء وغيره. فإن قيل: إن حمى يوم قد تنقضي في يوم ~~واحد، ومع هذا فالغذاء لا يجب تلطيفه فيها، وخصوصا في الجوعية. قلنا: قد ~~بينا أن حمى يوم ليست من الأمراض الحادة، والكلام في تقدير الغذاء ~~بحسب حدة المرض وإزمانه، وذلك لتشتغل الطبيعة بنضج المادة ولا يعيقها عن ~~ذلك الغذاء، وحمى يوم ليست من الأمراض المادية. PageV01P022B ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وإذا ~~كان المرض حادا جدا، فإن الأوجاع التي في الغاية القصوى تأتي فيه ~~بدءا، ويجب ms019 ضرورة أن يستعمل فيه التدبير الذي هو في الغاية القصوى من ~~اللطافة. فأما إذا لم يكن كذلك، لكن كان يحتمل من التدبير ما هو أغلظ من ~~ذلك فينبغي أن يكون الانحطاط على حسب لين المرض ونقصانه عن الغاية القصوى. ~~وإذا بلغ المرض منتهاه فعند ذلك يجب ضرورة أن يستعمل فيه التدبير الذي هو ~~في الغاية القصوى من اللطافة. ### ||| [commentary] # الشرح: أما بيان تعلق هذا الفصل بما قبله ~~فظاهر، لأنه لما فرغ من تقدير الغذاء بحسب الأمراض المزمنة وتقديره بحسب ~~الأمراض التي في الغاية القصوى من الحدة، وجب أن نذكر تقديره بحسب الأمراض ~~التي هى في الحدة دون ذلك. وقد فرغنامن تقسيم الأمراض بحسب مراتبها وأقسام ~~الأغذية اللطيفة فيما مضى. ونريد "بالأوجاع التي في الغاية القصوى" أعراض ~~المنتهى؛ لأن الأمراض يكمل اشتدادها عند المنتهى. واعلم أن لأكثر ~~الأمراض PageV01P023A أربعة أوقات، وما يخرج عنها فهو من الصحة لأن كل مرض من ~~شأنه أن يشتد وينقص، فإنه إذا ظهر فإما أن يظهر اشتداده أو انتقاصه، أو لا ~~يظهر واحد منهما. والأول هو وقت التزيد، والثاني هو وقت الانحطاط، ~~والثالث إن كان قبل التزيد فهو وقت الابتداء، وإن كان بعده فهو وقت ~~الانتهاء. وكل ما يشتد ثم ينقص فبالضرورة يقف بينهما، ضرورة أن بين كل ~~حركتين مضادتين وقوف. ولكن لا نعني بالانتهاء هو ذلك الوقوف فإن ذلك قد ~~يكون غير محسوس، بل نعني به الوقوف في الحس وهو الزمان الذي بعد التزيد ولا ~~يظهر فيه التزيد ولا الانتقاص، وإن كان قد يكون بعض ذلك الزمان اشتداد أو ~~انتقاص في نفس الأمر لكنه غير محسوس. فعلى هذا يكون الانتهاء زمان محسوس ~~وحكم مخصوص. وأما الابتداء فقد يراد به ما قلناه وهو الزمان الذي يظهر فيه ~~المرض ولم يظهر بعد اشتداده ولا انتقاصه، PageV01P023B وقد يراد به أول ساعة حصول ~~المرض، وقد يراد به الأيام الثلاثة الأول، وهذا المعنى هو المراد بقوله ~~بدءا لاستحالة حصول أعراض المنتهى في المبتدأ بالتفسرين الأولين. قوله: ~~"ويجب ضرورة أن يستعمل فيه ms020 التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة" ~~قد يظن ظان أن هذا هو تدبير هذا المرض، وليس كذلك، فإن تدبير ما يقال ~~أنه حاد جدا ما هو أغلظ من ذلك، بل مراد أبقراط أنه في ذلك الوقت أي وقت ~~ظهور تلك الأوجاع وهو أول ظهور علامات المنتهى يكون تدبيره ذلك. قوله: ~~"فأما إذا لم يكن كذلك" أي لم يكن مما تأتي الأوجاع التي في الغاية ~~القصوى فيه بدءا فهذا لايكون حادا جدا لأن كل حاد جدا فهو كذلك. فبقى ~~أن يكون إما حادا بإطلاق، أو ما هو أميل إلى الإزمان، وإما حادا في ~~الغاية أو في الغاية القصوى ، لكن الحاد في الغاية وفي الغاية القصوى ~~يخرجان بقوله: لكن كان يحتمل من التدبير ما هو أغلظ PageV01P024A من ذلك. قوله: ~~"فينبغي أن يكون الانحطاط على حسب لين المرض ونقصانه عن الغاية القصوى" ~~لما بينا أن المرض كلما كان أحد كانت الحاجة إلى غذاء أقل، وكلما ~~كان أقل حدة كانت الحاجة إلى غذاء أكثر. فإن قيل: قوله: "ونقصانه عن ~~الغاية القصوى" إنما يحسن إذا كان المرض الذي فرض أن هذا المرض ألين ~~منه هو المرض الحاد في الغاية القصوى، لكن ذلك هو الحاد جدا، فكان ينبغي ~~أن يقول: فينبغي أن الانحطاط على حسب لين المرض ونقصانه عن الحاد جدا. ~~قلنا: ليس هذا بلازم؛ لأنه يكون معناه أن المرض إذا لم يكن حادا بل ألين ~~منه فينبغي أن يكون الانحطاط عن تدبير الحاد جدا على حسب الانحطاط عن ~~الغاية القصوى إلى ما سواها أي درجة درجة، وهذا حسن. قوله: "وإذا بلغ ~~المرض منتهاه فعند ذلك يجب ضرورة أن يستعمل فيه التدبير الذي هو في الغاية ~~القصوى من PageV01P024B اللطافة" لا يريد بقوله "المرض" المرض حاد جدا، بل إما ~~مسمى المرض أو كل مرض، بأن يكون الألف واللام للطبيعة والاستغراق. والظاهر ~~أن المراد هو المرض الذي قال أنه يحتمل من التدبير ما هو أغلظ من، لأن ~~من الأمراض ما لا يستعمل في انتهائها التدبير الذي ms021 هو في الغاية القصوى من ~~اللطافة. وربما قيل: إن -على ما ذكرتموه- يكون الكلام مكررا؛ لأنكم ~~فسرتم قوله: "فإن الأوجاع التي في الغاية القصوى تأتي فيه بدءا" على أنه ~~أراد بذلك أعراض المنتهى، وحملتم قوله: "ويجب ضرورة أن يستعمل فيه التدبير ~~الذي هو الغاية القصوى من اللطافة" على أن ذلك يكون في ذلك الوقت، فحينئذ ~~يغني ذلك عن قوله: "وإذا بلغ المرض منتهاه فعند ذلك يجب ضرورة أن يستعمل ~~فيه التدبير الذي هو الغاية القصوى من اللطافة" فتصريحه تكرار لا معنى له. ~~قلنا: ليس ذلك بتكرار لأن ما قاله أولا هو في المرض الحاد جدا وفيه يجب ~~أن يستعمل التدبير PageV01P025A الذي هو الغاية القصوى في أول ظهور علامات ~~المنتهى، وذلك عند حصول الأوجاع التي هى في الغاية القصوى. وما ذكره ثانيا ~~فهو في الأمراض التي تحتمل من التدبير ما هو أغلظ من ذلك، فإن في مثل هذه ~~لا يجب أن يستعمل فيها التدبير الذي هو في الغاية القصوى إلا إذا بلغ المرض ~~منتهاه؛ وذلك لأن المرض كلما كان أقرب من المبتدأ والأعراض أسكن كان ~~استعمالنا الغذاء أكثر، وكلما جعلت الأعراض تشتد والمنتهى يقرب فقد أخذت ~~الطبيعة في مقاتلة المرض، فقد ينبغي أن يلطف الغذاء أكثر، تخفيفا على ~~الطبيعة وقت المجاهدة وثقة بما أسلفناه من التقوية. وأما غند المنتهى فهو ~~وقت المقاتلة، وإعطاء الغذاء فيه تكثير للعدو، شاغل للطبيعة، غير ~~منتفع به في التقوية لاشتغال الطبيعة عن إصلاحه بالمرض. لكن هاهنا ~~إشكالان، أحدهما: إن ما (22) ذكرتموه باطل طردا وعكسا، فإن التشنج ~~والفؤاق اليابسين PageV01P025B من الأمراض الحادة في الغاية القصوى والواجب فيها ~~استعمال الغذاء الغليظ، والفالج واللقوة من الأمراض المزمنة والواجب فيها ~~الغذاء اللطيف. فأجيب عن هذا: وقيل إن ما ذكرناه مختص بالحميات ولا حاجة ~~إلى هذا التخصيص، بل نقول: إن هذا يعم كل مرض مادي يندفع بمقاتلة الطبيعة ~~للمرض وتحتاج إلى إنضاج فهناك تحتاج إلى تقليل الغذاء عند قرب المقاتلة ~~وتكثيره عند أول المرض ليفي بالتقوية إلى وقت المقاتلة. وأما في الفؤاق ms022 ~~والتشنج اليابسين فإن استعمال الأغذية الكثيرة فيهما لا لأنهما مرض حاد ~~أو مزمن، بل ولا لكونه غذاء، بل لإفادته الترطيب. وأما تقليل الغذاء في ~~الفالج واللقوة فذلك في أول حصولهما رجاء منا أن يكون من الأمراض القريبة ~~المنتهى، وأما إذا طالت وتحققنا من إزمانها لم يكن علاجها إلا بأغلظ ~~أغذية المرضى، وإن كان قد يكون لطيفا بحسب الأصحاء. والإشكال الثاني: إن ~~العمل على خلاف ما ذكرتموه، فإن الأطباء يمنعون في أوائل الحميات ثم ~~يستعملونه في التزيد وفي PageV01P026A المنتهى، بل ربما استعملوا في التزيد ~~ماء الشعير وفي المنتهى أمراق الفراريج. والجواب: إنه لا يناقض ما يستعمله ~~الأطباء لما قلناه، لأن ما قلناه هو بحسب طبيعة المرض، وأما استعمال ~~الأطباء، ما ذكرتموه إن سلمنا صدقه فليس كذلك، بل إما لنفرة المريض عن ~~الغذاء في وقت الابتداء أو ليقدم تخمر وامتلاءات، فهم يرجون ترك الغذاء في ~~الابتداء عطف الطبيعة على تلك المادة لتنضجها وتأخذ منها الغذاء، أو لأن ~~المرض دموي أو بلغمي فيرجون بترك الغذاء الاغتذاء من مادة المرض أو لأشياء ~~أخر توجبها المباشرة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ينبغي أن تزن أيضا قوة المريض فتعلم إن ~~كانت تثبت إلى وقت منتهى المرض، وتنظر إلى أي الأمرين كائن: أقوة المريض ~~تخور قبل منتهى المرض ولا يبقى على ذلك الغذاء؟ أم المرض يخور قبل وتسكن ~~عاديته؟ والذين يأتي منتهى مرضهم بدءا فينبغي أن يدبروا بالتدبير ~~اللطيف بدءا، والذين يتأخر منتهى مرضهم PageV01P026B فينبغي أن تجعل تدبيرهم في ~~ابتداء مرضهم أغلظ، ثم ينقص قليلا قليلا كلما قرب منتهى المرض، وفي وقت ~~منتهاه بمقدار ما تبقى قوة المريض عليه، وينبغي أن يمنع من الغذاء في وقت ~~منتهى المرض فإن الزيادة فيه مضرة. ### ||| [commentary] # الشرح: إن جالينوس جوز أن يذكر ~~هذا في فصلين، وأن يذكر مع ما قبله فصلا واحدا، وأن يذكر ما قبله فصلا ~~واحدا وهذا فصلا واحدا، ونحن فقد اخترنا هذا الأخير، ونقول: الأصل الذي ~~يعتمد عليه الأطباء في تقدير الغذاء هو باعتبار قانونين: القانون الأول هو ~~باعتبار ms023 حال المرض، أمزمن هو أو حاد، وقد فرغنا من ذلك. والقانون الثاني ~~هو باعتبار القوة، وهو الذي نذكره الآن، وهذا وجه ذكر هذا بعد ما قبله. وقد ~~كنا بينا أن الغذاء كما يزيد القوة يزيد في المرض، فينبغي أن لا يستعمل ~~منه إلا مقدار ما يحفظ القوة، فينبغي أن يكون الطبيب عارفا بالمقدار الذي ~~يمكن بقاء القوة منذ أول PageV01P027A المرض ليكون تدبيره مبنيا على ذلك، فينظر ~~أي غذاء تبقى عليه القوة إلى أن يخور المرض، وأي غذاء تخور القوة باستعماله ~~ولا يبقى لها إلى وقت منتهى المرض من القوة ما تدفع به المرض. ويعرف ذلك ~~بوجوه منها النبض، ومنها السحنة في سرعة انخراطها وبطؤه، ومنها كون المرض ~~طويلا أو قصيرا؛ فإن الذين يأتي منتهى مرضهم بدءا أي في الأيام الأول ~~الظاهر بقاء قوتهم في هذه المدة القصيرة وإن لطفوا التدبير جدا، والذين ~~يتأخر منتهى مرضهم فينبغي أن تجعل تدبيرهم في ابتداء مرضهم أغلظ ثم ينقص ~~من غلظه قليلا قليلا كلما قرب منتهى مرضهم وفي وقت منتهاه، لما بينا ~~أن المنتهى إذا قرب كانت الحاجة إلى تغذية أقل، وكلما كان المرض أقرب إلى ~~المبتدأ كانت الحاجة إلى التغذية أكثر. ثم إنه لم يطلق ذلك بل جعله ~~مقدرا بمقدار احتمال ما تبقى قوة المريض عليه. ومعنى قوله: "أنها تبقى" ~~أي أنها تبقى وافية، ولا يريد بقاءها على ما هى عليه في أول PageV01P027B المرض، ~~فإن ذلك ليس بمطلوب في المرضى ولا يمكن أيضا لأن الغذاء الذي يحفظ ~~قوتهم على ما هى عليه يزيد في مرضهم زيادة بينة. بقى هاهنا إشكالات: ~~أحدهما: إن العادة جرت بأن التدبير الذي يقال له أنه لطيف بقول مطلق ~~يكون أغلظ كثيرا من الذي يقال له أنه لطيف جدا، فضلا عن الذي يقال إنه ~~لطيف في الغاية، فضلا عن الذي هو لطيف في الغاية القصوى. ثم إنه قال فيما ~~تقدم : "وإذا كان المرض حادا جدا فإن الأوجاع التي في الغاية القصوى ~~تأتي فيه بدءا، ويجب ضرورة أن يستعمل فيه ms024 التدبير الذي هو في الغاية ~~القصوى من اللطافة" فالعجيب كيف يكون المرض الذي تظهر مبادئ المنتهى فيه ~~بدءا يكون تدبيره بالذي هو في الغاية القصوى من اللطافة، والمرض الذي يأتي ~~فيه المنتهى نفسه بدءا يدبروا بالتدبير اللطيف. وجوابه: إنا قد بينا ~~هناك أن مراده بقوله: "ويجب ضرورة" أن يستعمل فيه التدبير الذي هو في ~~الغاية القصوى من PageV01P028A اللطافة أي في ذلك الوقت وهو حين ظهور علامات ~~المنتهى، وأما هنا فإنه قال: "ينبغي أن يدبروا بالتدبير اللطيف بدءا" ~~ومراده هاهنا بقوله: "بدءا" أي في أول ظهور المرض، وحينئذ لا يرد الإشكال ~~على أن اللطيف يعم ما هو لطيف جدا وما هو لطيف في الغاية القصوى. الإشكال ~~الثاني: إنه قد تقدم تقدير الغذاء بحسب مرتبة المرض، وهو الآن إنما يتكلم ~~في تقديره بحسب القوة، فكيف انتقل عن ذلك قائلا بأن الذين يأتي منتهى ~~مرضهم بدءا فينبغي أن يدبروا بالتدبير اللطيف بدءا، والذين يتأخر منتهى ~~مرضهم فكذا وكذا. قلنا: ليس مراده هاهنا تقدير الغذاء بحسب مرتبة المرض، بل ~~بحسب القوة، ثم اعتبر تقدير القوة بمرتبة المرض. الإشكال الثالث: إن ~~قوله: "وينبغي أن يمنع من الغذاء في وقت منتهى المرض فإن الزيادة فيه ~~مضرة" لا يستقيم؛ لأن كون الزيادة مضرة لا يوجب المنع من الغذاء أصلا. ~~الجواب: إن الضمير في قوله: "فإن الزيادة فيه" يجوز أن يكون عائدا إلى ~~المرض، ويكون تقدير الكلام: "فإن الزيادة في المرض PageV01P028B مضرة" فإن قيل: ~~فهذا لا يختص بوقت المنتهى فكان ينبغي أن يمنع الغذاء في المرض جملة. قلنا: ~~هو في المنتهى أضر لأنه يكون كالنجدة للعدو من غير زيادة في القوة لعد ~~تصرف الطبيعة فيه كما ينبغي بسبب اشتغالها عنه بالمرض. ويجوز أن يكون ~~الضمير عائدا إلى الغذاء الزائد على ما يجب، كأنه يقول: وينبغي أن تمنع من ~~الغذاء الزائد على ما ينبغي في وقت منتهى المرض فإن الزيادة فيه مضرة. ~~فإن قيل: وهذا لا يختص أيضا بوقت المنتهى فإن الزيادة على ما يجب دائما ~~مضرة. قلنا: ليس ms025 كذلك، فإنه قد يجب الزيادة على المقدار الواجب إذا كانت ~~الشهوة مفرطة كما قلناه في فصل "في التدبير اللطيف قد تخطئ المرضى على ~~أنفسهم" فإن تلك الزيادة وإن كانت قد تجب، لكنها لا يجوز استعمالها في ~~هذا الوقت. الإشكال الرابع: إنه قال فيما مضى: وإذا بلغ المرض منتهاه فعند ~~ذلك يجب ضرورة أن يستعمل فيه التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة، ~~وذلك كما بينتم PageV01P029A بمثل ماء الشعير الرقيق والجلاب وغير ذلك، وهاهنا قد ~~أوجب منع الغذاء بالكلية إذ قال: "وينبغي أن يمنع من الغذاء في وقت منتهى ~~المرض" فكيف الجمع بين القولين. قلنا: أما أولا: فإن كان الضمير في ~~قوله: "فإن الزيادة فيه مضرة" عائدا إلى الغذاء الزائد على ما يجب لم ~~يرد الإشكال؛ لأنه يكون هناك أمر بالغذاء الذي في الغاية القصوى من ~~اللطافة، وهاهنا منع من الغذاء الزائد على المقدار الواجب ولا منافاة ~~بينهما. وأما ثانيا: فإن هذا الكلام هو بحسب ما تقتضيه القوة وفيما ~~مضى كان الكلام فيما يوجبه المرض، ولا منافاة بين أن يكون مقتضى القوة أن ~~لا غذاء في المنتهى ومقتضى المرض أن يكون فيه غذاء ولكن في الغاية القصوى ~~من اللطافة، على أن من الناس من التدبير الذي في الغاية هو عنده عدم ~~الغذاء البتة، فلا يكون بين القولين خلاف. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وإذا كان للحمى ~~أدوار، فامنع من الغذاء أيضا في أوقات نوائبها. PageV01P029B ### ||| [commentary] # الشرح: الغذاء كما ~~يختلف حكمه في القلة والكثرة واللطافة والغلظ بحسب القوة وبحسب الأمراض، ~~كذلك يختلف باختلاف أحوال الأمراض وهى النوائب التي تكون فيها. ونعني ~~بالدور مجموع زمان الأخذ والراحة، وبالنوبة زمان الأخذ. ونقول: كل مرض فإما ~~أن يكون له نوائب أو لا يكون. فالذي لا نوائب له لا يختلف الغذاء بحسب ~~نوبته إذ لا نوبة له، والذي له نوائب فإما أن يمتنع أخذ الغذاء فيها حينا ~~وذلك كالصرع، وإما أن لا يمتنع حينا كالحميات. والحميات منها ما لا نوبة ~~لها فلا يكون لها أدوار كالدق والمطبقة، ms026 ومنها ما لها نوائب فيكون لها ~~أدوار. وإذا كان للحمى أدوار فينبغي أن يمنع من الغذاء في وقت النوبة ~~لوجوه: أحدها: أن الحرارة تشتد لاجتماع حرارة الحمى مع حرارة طبخ الغذاء. ~~وثانيها: أن الطبيعة تتوجه إلى الغذاء وإلى المرض فيكون فعلها في كل واحد ~~منهما أقل مما لو انفرد فيجب أن PageV01P030A ينقص فعلها في مادة المرض فتطول ~~النوبة وتصعب، ويجب أن يفسد الغذاء لقصور فعل الطبيعة فيه فتزيد مادة المرض ~~ولا يحصل به تقوية يعتد بها. وثالثها: أن الغذاء في ذلك الوقت مغلظ زائد ~~في المادة فيجب أن تطول النوبة. واعلم أن وقت النوبة أولى بمنع الغذاء ~~فيه، فإن كانت الحمى لا تفارق ولها فترات جعل الغذاء وقت الفترة، وإن كانت ~~لا فترات لها جعل في الوقت الأبرد من النهار واحتمل ما يوجبه الضرر ~~المذكور إذ لا مندوحة عن التغذية. ولا كذلك زمن النوبة، فإنه يمكن التأخير ~~إلى أن تفارق، وهذا يكون إذا احتملت القوة التأخير وإلا وجب الغذاء ولو وقت ~~البحران. فإن قيل: ما الفائدة فيقوله: "وإذا كان للحمى أدوار فامنع من ~~الغذاء في وقت نوائبها" وكان يمكنه أن يقول: وإذا كان للحمى نوبة فامنع ~~فيها الغذاء. قلنا: لأنه قد يكون للحمى نوائب ولا يكون لها أدوار، وذلك بأن ~~تكون حميات ويكون PageV01P030B حدوث النائبة عند فراق الأولى ولا يكون لها راحة، ~~ولا يكون لها راحة فلا يكون لها دور، وفي مثل هذه يجب استعمال الغذاء في ~~وقت النوبة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إنه يدل على نوائب المرض ونظامه ومرتبته الأمراض ~~أنفسها، وأوقات السنة، وتزيد الأدوار بعضها على بعض، نائبة كانت في كل ~~يوم أو يوما ويوما لا أو في أكثر من ذلك من الزمان، والأشياء أيضا التي ~~تظهر من بعد. مثال ذلك ما يظهر في أصحاب ذات الجنب، فإنه إن ظهر النفث فيهم ~~بدءا منذ أول المرض كان المرض قصيرا، وإن تأخر ظهوره كان المرض طويلا. ~~والبول والبراز والعرق إذا ظهرت بعد، فقد تدلنا على جودة بحران المرض ~~ورداءته، وطول ms027 المرض وقصره. ### ||| [commentary] # الشرح: أما وجه تعلق هذا الفصل بالفصول ~~المتقدمة فظاهر، وذلك لأن الغذاء يختلف تقديره في القلة والكثرة والغلظ ~~بحسب اختلاف كون المرض مزمنا، أو قليل الحدة، أو حادا مطلقا، أو حادا ~~جدا، PageV01P031A أو في الغاية؛ وذلك هو مرتبة المرض. وكذلك بحسب نوائبه، فإنه ~~يمنع أويقلل يوم النوبة ويكثر يوم الراحة. وكذلك بحسب نظامه، ويفسر جالينوس ~~النظام بكون المرض حادا جدا، أو في الغاية، أو بقول مطلق. ويجوز تفسيره ~~بغير ذلك وهو كون أدوار المرض وبحارينه وغير ذلك في الأوقات التي تقتضيها ~~طبائع الأمراض في العادة، وذلك لأن المرض إذا كان منتظما كنا عالمين بوقت ~~الراحة وبمقدار طولها وقصرها وطول النوبة وقصرها، فعندما يتوقع قرب الراحة ~~يمنع الغذاء، وعندما يتوقع بعد النوبة يكثر الغذاء. وإذا توقعنا قرب مجيء ~~النوبة منعنا الغذاء أو قللناه فوجب ضرورة أن نعرف العلامات الدالة على كل ~~واحد من ذلك، ليمكن إذا عرفناه أن نعمل بمقتضاه؛ وقد مضى الكلام في كل واحد ~~من ذلك وتقدير الغذاء بحسبه إلا النظام، والسبب في تركه ظهور تقدير الغذاء ~~بحسبه لمن عرف القوانين PageV01P031B المذكورة. وأقسام العلامات الدالة على ذلك ~~أربعة؛ لأن تلك العلامات إما أن تكون هى الأمراض أنفسها، أو لا تكون. ~~والثاني إما أن لا تكون مختصة بالأمراض كأوقات السنة وفي حكمها السن والبلد ~~والعادة وغيرها، أو تكون مختصة إما بالأحوال الجزئية للأمراض كتزيد ~~الأدوار، أو تكون مختصة بالأحوال الكلية للأمراض كالعلامات الدالة على ~~البحران وعلى النضج، وتسمى هذه الأشياء التي تظهر من بعد؛ لأن حدوث ذلك ~~في أول المرض محال، لأن النضج يتبع استيلاء الطبيعة على المادة، ولو كانت ~~الطبيعة مستولية في أول المرض لم يحدث. فلنفصل الكلام في واحد واحد من ~~هذه الأربعة، ونبين دلالته على كل واحد من الأشياء الثلاثة، وهى نوائب ~~المرض، ونظامه، ومرتبته: الصنف الأول: وهو الأمراض أنفسها، ويدل على نوائب ~~المرض ونظامه ومرتبته، لأن المرض إذا كان حمى غب PageV01P032A خالصة دل على ~~أنه ينوب يوما ويوما لا، وأنه يكون منتظما، وأنه ms028 أطول ما يكون ينقضي في ~~سبعة أدوار. وكذلك فاعرف الحال في الربع وفي أمراض أخرى. الصنف الثاني: ~~الأشياء التي لا تختص بالأمراض بل توجد معها ومع الصحة، وهذه الأمراض ~~كالأعراض العامة، وذلك كأوقات السنة. ويدل على نوائب المرض ونظامه ومرتبته، ~~لأن الزمان إذا كان صيفا كانت نوائب الأمراض ذوات النوائب غبا؛ ~~لأنها تكون في الأكثر صفراوية، وكانت الأمراض قصيرة لأن الجزء الهوائي إن ~~وجد القوة قوية أعانها على تحليل مادة المرض، وإن وجدها ضعيفة أعان المرض ~~على إسقاطها بالتحليل. وكذلك إذا كانت أوقات السنة لازمة لنظامها، كانت ~~الأمراض منتظمة، وإلا كانت غير منتظمة. الصنف الثالث: الأشياء المختصة ~~بالأحوال الجزئية للأمراض، وذلك كتزيد الأدوار بعضها على بعض، ودلالة ذلك ~~PageV01P032B على النظام ظاهر. وأما على المرتبة، فإن المرض الذي يتزيد أدواره ~~سريعا يكون قصيرا، لأن سرعة اشتداد المرض تدل على حدته، والذي يتأخر فيه ~~تزيد الأدوار يدل على بلادة حركته وطوله. واعلم أنه يريد هنا بالأدوار ~~النوائب، لأن الذي يزيد أو ينقص هو النوبة، ويلزم ذلك زيادة الراحة ~~وقصرها. ولكن مجموع النوبة والراحة الذي جرت العادة بتسميته بالدور لا يزيد ~~ولا ينقص بل أي جزأيه زاد نقص الآخر. وأما دلالة ذلك على على النوائب ~~فمحال لأن معرفة ذلك يتوقف على معرفة النوايب، فلو عرفنا النوائب منه ~~لزم الدور؛ قوله: "نائبة كانت كل يوم" يدل على ما قلنا، أنه يريد بالأدوار ~~النوائب، لأن الأدوار لا تقال أنها تنوب، فثبت أنه أراد النوائب. والنوبة ~~إما أن تكون كل يوم، وذلك إذا كانت الحمى بلغمية خارجة العروق، وسماها ~~نائبة، أو يوما ويوما لا وتسمى الغب الدائرة وذلك إذا كانت الحمى ~~صفراوية، أو في أكثر PageV01P033A من ذلك من الزمان كالربع والخمس والسدس وغير ~~ذلك. الصنف الرابع: الأشياء التي تظهر من بعد، وذلك كعلامات النضج؛ وذلك ~~إما أن يدل على نضج مادة خاصة كالنفث الذي يظهر في أصحاب ذات الجنب، فإنه ~~إن ظهر فيهم بدءا أي في الأيام الأول كان المرض قصيرا، لأن ظهوره يكون ~~لنضج ما، ms029 والنضج إنما يكون عن استيلاء الطبيعة على المادة، وذلك يدل على ~~سرعة إخراجها. وإن تأخر ظهوره كان المرض طويلا، لأن تأخر ظهوره دليل على ~~تأخر الطبيعة في الانضاج فوجب أن يتأخر في الدفع. وأقول: إنه إذا طهر النفث ~~في أول يوم، فليتوقع كمال النضج في الرابع والبحران في السابع. وإن ابتدأ ~~ظهوره في الثالث أو في الرابع أو لم ينضج في الرابع، نضج في السابع، وبحرن ~~في الحادي عشر أو الرابع عشر بحسب قرب النفث والنضج وبعدهما. وإن تأخر ~~النفث عن ذلك، فربما تأخر PageV01P033B البحران إلى السابع عشر، بل إلى العشرين ~~والرابع والعشرين، بل قد يتأخر إلى الرابع والثلاثين إذا تأخر النفث عن ~~السابع. وهذا بيان دلالة هذا على المرتبة. وأما دلالته على النوبة فلأن ~~النفث في ذات الجنب في الغالب يكون صفراويا، فيكون اشتداد الحمى غبا، ~~والاشتداد يقوم مقام النوبة. وأما دلالته على النظام، فلأن النفث إن ~~كان نضيجا وفعل الطبيعة فيه متشابها والمادة مفردة كان المرض منتظما، ~~وإلا فقد يكون غير منتظم. وإنما اقتصر أبقراط على بيان دلالته على المرتبة، ~~لأن دلالته عليها دائما وظاهرا، ولا كذلك دلالته على الآخرين. وأما إن ~~كان يدل على نضج مادة غير مختصة بعضو، فخروج ذلك إما أن يكون من منافذ ~~محسوسة أو غير محسوسة. والأول إما أن يكون دائما سيالا وهو كالبول، أو ~~قد يكون متماسكا وهو كالبراز. والثاني كالعرق، وهذه ليست بأنفسها من ~~الأشياء التي تظهر من بعد، بل ولا من PageV01P034A الأشياء الخاصة بالمرض، بل الذي ~~يظهر من بعد ما يظهر فيها من علامات النضج؛ وهذا معنى قوله: "والبول ~~والبراز والعرق إذا ظهرت بعد" أي إذا ظهر فيها علامات النضج بعد، وهذه ~~العلامات الدالة فيها على النضج لا تدل على النوبة ولا على النظام، لأن ~~ذلك قد يكون مع النظام ومع مقابله وفيما له نوبة وفيما لا نوبة له، لكنه ~~يدلعلى مرتبة المرض. فإذا ظهر النضج في هذه سريعا كان المرض قصيرا، وإن ~~ظهر بطيئا كان طويلا بما قلناه. لكن ms030 دلالة ذلك ليس دائما، فإنه إذا كان ~~المرض من مادة غير المادة التي تخرج من أحد هذه الطرق، لم يدل النضج في هذه ~~على نضج مادة المرض، فلم يدل سرعة ظهوره على قصر المرض ولا بطء ظهوره على ~~طول المرض، وذلك كذات الجنب فإنه قد يكون البول في أولها نضيجا ولا يدل ~~على قصرها؛ ولهذا قال أبقراط: "فقد تدلنا". وأما قوله على جودة البحران ~~ورداءته فقد وقع PageV01P034B دخيلا، لأنه إنما ذكر في هذا الفصل ما يستدل به على ~~الأشياء الثلاثة التي هى النوبة، والنظام، والمرتبة. وأما بيان أن ذلك قد ~~يدل على جودة البحران ورداءته وليس دائما، فهو ظاهر مما قلناه. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: المشايخ أحمل الناس للصوم، ومن بعدهم الكهول، والفتيان أقل ~~احتمالا له، وأقل الناس احتمالا للصوم الصبيان، ومن كان من الصبيان أقوى ~~شهوة فهو أقل احتمالا له. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل مع فصول بعده يجوز أن يكون ~~الغرض منها بيان مقادير أغذية الأصحاء، كما كان الغرض بما قبلها بيان ~~مقادير أغذية المرضى، ويجوز أن يكون الغرض منها تتمة الكلام في تقدير أغذية ~~المرضى؛ وذلك لأن الأسنان تختلف باختلافها مقادير الأغذية فينبغي أن ~~يراعى أمرها في تقدير أغذية المرضى. والصوم قد يراد به الإمساك عن الطعام ~~مدة طويلة، وقد يراد به الاكتفاء بالأغذية اليسيرة، وعلى PageV01P035A هذا المعنى ~~يصح قوله: "المشايخ أحمل الناس للصوم" وأما على المعنى الأول فلا يصح، إلا ~~أن يريد بالمشايخ الذين في أول سن الشيخوخة، فإن المتناهين في الشيخوخة ~~لا يحتملون تأخير الغذاء البتة، لكنهم يحتملون تقليله. ومعنى قوله: "أحمل ~~الناس" أي أقلهم تضررا به وأقلهم جوعا. ونقول: إن الأسنان أربعة لأن ~~البدن إما أن يكون متزايدا أو متناقصا أو لا واحدا منها. والأول هو سن ~~النمو، ويسمى سن الحداثة. والثاني إما أن يكون النقصان ظاهرا ومع ضعف ~~القوة، وهو سن الشيوخ، أو لا يكون كذلك وهو سن الكهول. والثالث وهو سن ~~الشبان. وسنبين مدة كل واحد من الأسنان ونستقصي الكلام فيها في المقالة ~~الثالثة. ms031 ولما بين اختلاف الأسنان في احتمالها للصوم بين أن أشخاص السن ~~الواحد قد يختلف في ذلك بسبب اختلاف طباعهم، ومثل على ذلك بالصبيان لأن ~~اختلاف ذلك فيهم أكثر فقال: "وما كان من الصبيان أقوى شهوة فهو أقل ~~احتمالا له" لأن قوة الشهوة PageV01P035B تدل على قوة الهضم الدالة على قوة ~~الحرارة، لأن الكلام في الشهوة الصحيحة الصادقة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ما كان من ~~الأبدان في النشوء فالحار الغريزي فيهم على غاية ما يكون من الكثرة ويحتاج ~~من الوقود إلى أكثر مما يحتاج إليه سائر الأبدان، فإذا لم يتناول ما يحتاج ~~إليه من الغذاء ذبل بدنه ونقص. وأما في المشايخ فالحار الغريزي فيهم قليل، ~~ومن قبل هذا ليس يحتاجون من الوقود إلا إلى اليسير لأن حرارتهم تطفأ (23) ~~من الكثير (24)، ومن قبل ذلك أيضا ليس تكون الحمى في المشايخ حادة كما ~~تكون في الأبدان التي في النشوء، وذلك لأن أبدانهم باردة. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا ~~الفصل كالتتمة للفصل المتقدم، ولو زيد في آخر المتقدم لفظة "لأن" فقيل ~~بعد قوله: "فهو أقل احتمالا": "لأن ما كان من الأبدان في النشوء" فكذا ~~وكذا، حتى يصير المجموع فصلا واحدا لحسن ذلك. ونقول: الفرق بين الحار ~~وبين الحرارة أن PageV01P036A الحرارة هى الكيفية نفسها، والحار هو الجسم القائم ~~به تلك الكيفية، وقد يتجوز فيطلق كل واحد منهما على الآخر فيقال: "حار" ~~ويعني به الحرارة، كما يقال:"حرارة" ويعني به الحار، وهذا كما يقال: رجل ~~عدل، وخلق رديء. وقد غلط بعض المتقدمين فأخذ في مناقضة أبقراط مثبتا أن ~~الحرارة الغريزية في الشباب أقوى، وذلك ليس بمناقض؛ فإنه لا امتناع في أن ~~يكون الجسم القائم به الحرارة الغريزية في الأحداث أكثر، وتكون الحرارة ~~الغريزية في أبدان الشبان أشد وأقوى؛ وسنزيد هذا هذا بيانا ونذكر الاختلاف ~~فيه بعد أن نبين حقيقة الحرارة الغريزية فنقول: الحرارة جنس تحته اربعة ~~أنواع: أحدها: الحرارة المحسوسة في جرم النار. وثانيها: الحرارة المستفادة ~~من تأثير الكواكب، كالحرارة المستفادة عن مسامتة الشمس الرأس أو قرب ~~مسامتتها. وثالثها: الحرارة التي ms032 توجبها الحركة. ورابعها: الحرارة الموجودة ~~في أبدان الحيوانات التي هى PageV01P036B آلة الطبيعة في الهضم والجذب والتحليل ~~وغير ذلك ، وهذه هى المسماة بالحرارة الغريزية، وقد اختلف الناس فيها فقال ~~بعضهم: هى مزاج الروح، وقيل: هى مزاج البدن كله، وهما فاسدان؛ وذلك لأن ~~الحرارة الغريزية كلما ازدادت (25) شدة ازدادت القوة قوة وازدادت الأفعال ~~الطبيعية، وليس كذلك مزاج الروح أو البدن فإنه مهما خرج عن الاعتدال أورث ~~لا محالة وهنا في القوة وتغيرا في أفعال الطبيعة. وقال بعضهم هى ~~الحرارة النارية العنصرية، وهو باطل لأن آثار الحرارة الغريزية مباينة ~~لآثار الحرارة النارية، وتباين اللوازم يدل على تباين الملزومات. والذي ~~نراه أن هذه الحرارة مباينة بحقيقتها لسائر أقسام الحرارة المذكورة وأنها ~~تفاض على أبدان الحيوانات كما تفاض عليها النفس أو قواها. وأما تحقيق ~~الكلام في ذلك وبسطه فمما لا يليق بالكتب الطبية. وهذه الحرارة هى آلة ~~الطبيعة في آثارها، ولاشك أن الآلة كلما كانت PageV01P037A أكمل وأقوى كانت ~~الأفعال الصادرة بها أقوى، فيلزم أن تكون هذه الحرارة كلما ازدادت قوة ~~ازدادت الأفعال الطبيعية جودة وليس كما يقال أن هذه ما دامت على اعتدالها ~~كانت غريزية فإن أفرطت كانت غريبة، فإن الحرارة الغريزية هى ما تحدث عن ~~الحركة او الأدوية أو العفونة أو غير ذلك، وتلك مخالفة بالحقيقة للحرارة ~~الغريزية فلا يمكن أن تنتقل إليها وإن أفرطت لأن الإفراط لايوجب انتقالا ~~في الحقيقة إلا بأن يتكون شيء آخر، كما إذا أفرط الهواء في الحرارة فإنه ~~ينتقل نارا ولكن ذلك كون وفساد ولا يمكن أن يحصل هذا في الحرارة الغريزية ~~مادامت الحياة موجودة. وقد اختلف الأقدمون في حرارتي الأحداث والشبان فقال ~~بعضهم: إن حرارة الأحداث أقوى، واستدل على ذلك بوجهين: أحدهما: إن ~~الأفعال الطبيعية فيهم أقوى وأكثر، وكل من (26) كان كذلك فالحرارة فيه أقوى. ~~أما أن الأفعال الطبيعية فيهم أقوى؛ فلأن شهوتهم أقوى وهضمهم أكثر ~~وأدوم، فإنهم يهضمون لبدل المتحلل وللنمو. وأما أن الأفعال PageV01P037B ~~الطبيعية فيهم أكثر فلأنهم يزيدون على غيرهم بالنمو. وأما أن كل من كان ms033 ~~كذلك فحرارته أقوى؛ فلأن قوة الأفعال وكثرتها إذا كان الفاعل واحدا دليل ~~على قوة الآلة، والآلة (27) الطبيعية في هذه الأفعال هى الحرارة الغريزية. ~~فإن قيل: الاعتراض عليه من وجوه: أحدها: إن قوة الشهوة تدل على برد ~~المزاج، وكذلك من مزاج معدته بارد تكون شهوته أقوى من هضمه، ومن مزاج ~~معدته حار يكون بالعكس. وأيضا فإن أكثر حدوث الشهوة الكلبية عن برد. ~~وثانيها: إن النمو في الأحداث إنما هو لرطوبة أمزجتهم فيكون تمددها سهلا ~~فيكفي في ذلك اليسير من الحرارة، ولا كذلك غيرهم، أو لأن الأحداث لم ~~يستكملوا بعد فهم يتمنون (28) الكمال وقد حصل الكمال لغيرهم فاشتغلوا عن ~~النمو. وثالثها: إن قولهم إن كل من كانت الأفعال فيه أقوى وأكثر ~~فحرارته أقوى باطل؛ فإن النوم من الأفعال الطبيعية، وكلما كان أقوى وأكثر ~~دل على أن الحرارة أقل وأضعف، وكلما كان أضعف PageV01P038A وأقل كان بالعكس. ~~الجواب: أما الأول فإن كلامنا في الشهوة الصحية الصادقة، وهى لا تكون ~~إلا مع قوة الهضم وجودة الاستمراء، وذلك يدل على قوة الحرارة. وأما الثاني ~~فإن النوم ليس طبيعيا مطلقا بل بشرط وسبب، وهو تعب القوى البدنية من ~~حركات اليقظة وقصور الهضم لاشتعال القوى بآثار اليقظة، وكلامنا في الأفعال ~~الطبيعية مطلقا، والنوم إنما يقال له ضروري، فإن قيل له طبيعي فهو على ~~سبيل الاشتراك. والوجه الثاني: إن الأحداث أقرب إلى التلون، وأقرب عهدا ~~بالمني والدم، والحرارة الموجودة فيهم لم يتحلل منه كما تحلل من أبدان ~~الذين بعد عهدهم بالتكون، وكل من هو كذلك فحرارته أقوى. والحق أنه لا يلزم ~~ان يكون أقوى، إذ من الجائز أن تكون الرطوبات الكثيرة تغمرها فلا تظهر ~~آثارها، فإذا كمل النمو ونقصت الرطوبة أخذت وقويت إلى أن انفرط (29) الجفاف ~~فتضعف لوجه آخر وهو نقصان المدد. وقال PageV01P038B بعضهم: إن حرارة الشبان أقوى ~~لوجهين: أحدهما: إن آثار الحرارة فيهم أقوى وأظهر، وكل من كان كذلك ~~فحرارته أقوى. أما بيان أن آثار الحرارة فيهم أقوى وأظهر فلأن الهضم ~~من فعل الحرارة وهو فيهم أقوى، والحركات ms034 من آثار الحرارة وهي فيهم أقوى. ~~أما أن هضم الشباب أقوى؛ فلأن دمهم أكثر وأمتن، ولذلك يصيبهم الرعاف ~~أكثر وأشد ويحتاجون إلى فصد أكثر واستمراءهم أتم وفساد الأغذية فيهمأقل ~~وهضمهم الأشياء الصلبة أكثر وأسهل. وأما أن حركاتهم أقوى فظاهر. وأما ~~بيان أن كل من كان كذلك فحرارته أقوى فتعين ما قلتموه. والوجه الثاني: ~~إن الشباب مزاجهم أميل إلى الصفراء، والأحداث إلى البلغم؛ ولذلك أكثر قيء ~~الشباب صفراوي وأكثر قيء الأحداث بلغمي. وأكثر أمراض الشباب صفراوية، وأكثر ~~أمراض الأحداث يغلب عليها البلغم ، فظاهر أن ذلك يدل أن الحرارة في ~~الشبان أقوى. واعلم أن الحق هو رأي جالينوس وهو أن الحار PageV01P039A الغريزي ~~في الأحداث أكثر والحرارة في الشباب أحد وأقوى، قال: والحرارة فيها ~~متساوية، لكنها في الأحداث فاشية في جوهر رطب كثير فيكون أكثر وألين، وفي ~~الشباب فاشية في جوهر يابس قليل فيكون أحد وأقوى وأظهر، وشبه ذلك بحرارة ~~الحجر الصغير والماء الكثير إذا عرض لشمس حارة فإن الحار المائي يكون ~~أكثر وألين والحار الحجري يكون أحد وأقل. بقى هاهنا مسألة وهي أنه لما ~~يقال: حرارة غريزية ورطوبة غريزية، ولا يقال: برودة غريزية ورطوبة غريزية ~~ولا يبوسة غريزية . قلنا: لأن الدافع بالذات في جميع الأفاعيل هى ~~الحرارة، والرطوبة تقوم الحرارة بها ، وأما البرودة واليبوسة فمنافيتان ~~للحياة، لا ينفعان إلا بالعرض لأن الأفعال حركات والحركة بالحرارة . وأما ~~البرودة فمميتة مانعة من الحركة بالذات، لا ينسب إليها من خدمة البدن ~~وتدبيره ما ينسب إلى الحرارة. وإذ قد تبينت أن الحرارة في الأحداث والشبان ~~متساوية في الأصل، فأقول: إنها PageV01P039B بعد سن الشبان تنتقص لما بينا في أول ~~الكتاب من وجوب الأسباب المحللة للرطوبة التي هي للحرارة الغريزية كالدهن ~~للسراج ، وبينا أيضا أن الغذاء لا يمكن أن يقاوم هذا التحلل لأن هذا ~~التحليل يشتد لدوام المؤثر الواحد في المتأثر الواحد كما بيناه ولا كذلك ~~الحال في الغذاء الوارد، فوجب أن تنقص الحرارة والرطوبة الغريزية ويعين ~~أيضا على ضعف الحرارة كثرة ما يتولد من الرطوبات الغريبة التي ms035 نسبتها إلى ~~الحرارة الغريزية نسبة الماء إلى السراج ؛ فلهذا كانت أبدان الشيوخ باردة ~~يابسة في جوهرها ويدل على ذلك قشف جلودهم وصلابة أعضائهم وبعد عهدهم ~~بالمني والدم والروح البخاري، لكنها رطبة بالرطوبة الغريبة البالة. وأما ~~الأحداث فهم أرطب بالرطوبة الغريزية ، وكذلك ينمون وأعضاءهم ألين وعهدهم ~~بالمني والدم والروح البخاري أقرب، فرطوبة الحدث كرطوبة غصن غض ~~نضير (30)، ورطوبة الشيخ كرطوبة خشب داوي نقيع. ولنرجع من هاهنا إلى تفسير ~~ألفاظ PageV01P040A الكتاب. قوله: "ولذلك يحتاج من الوقود" سمى الغذاء بالوقود لأن ~~الغذاء يمد الرطوبات الغريزية وبها تقوم الحرارة الغريزية، فهو كالدهن ~~الممسك للدهن الذي في الدبال القائم به الحرارة، وكالحطب القائم بدل ~~ما يفنى من الحطب المشتعل في الأتون. وأما أنهم يحتاجون من الوقود إلى ~~أكثر مما يحتاج إليه غيرهم فلوجهين: أحدهما: إنهم يحتاجون إلى النمو، ~~فيحتاج أن يكون الوارد لأجل المتحلل وليفضل للنمو، ولا كذلك غيرهم. والوجه ~~الثاني: إن أبدانهم رطبة والجسم الرطب أسهل تحللا وتبخيرا، فيكون المنفصل ~~من أبدانهم كثيرا وأكثر من غيرهم، فيحتاجون إلى خلف أكثر من غيرهم؛ ولهذا ~~قال: فإذا لم يتناول ما يحتاج إليه من الغذاء ذبل بدنه ونقص. فإن قيل: لما ~~سمى الغذاء أولا وقودا ثم سماه بالغذاء ثانيا؟ وهلا قال "الغذاء" فيهما ~~أو "الوقود" فيهما؟ الجواب: إنه كان مراده إذا بيان أن الحار الغريزي في ~~PageV01P040B الأحداث أكثر، وكون الحار أكثر لا يوجب لذاته كون الغذاء أكثر من حيث ~~هو وقود فإن الحرارة القوية تفتقر إلى مادة تقوم بها كثيرة، والحرارة ~~الضعيفة ينبغي أن تكون مادتها قليلة، فناسب إذا أن تسميه وقودا. وأما ~~ثانيا فمراده إثبات أن حاجتهم إلى خلف أكثر، وذلك لا يناسب كون الوقود يجب ~~أن يكون أكثر بل كون الغذاء يجب أن يكون أكثر فسماه إذا غذاء. قوله: "في ~~المشايخ لأن حرارتهم تطفأ (31) من الكثير" قد شبه جالينوس ذلك بحال ~~السراج إذا صب عليه دهن كثير. قوله: "ومن قبل ذلك أيضا ليس تكون ~~الحمى في المشايخ حادة كما تكون في الأبدان التي في النشوء ms036 وذلك لأن ~~أبدانهم باردة" لقائل أن يقول: قد بينتم أن الحرارة الغريزية مخالفة ~~بالحقيقة للحرارة الغريبة، فلا امتناع إذا أن تكون حرارة الحمى التي هي ~~غريبة قوية جدا ، مع أن الحرارة الغريزية ضعيفة وبالعكس PageV01P041A. بل لو قيل: ~~إن الحرارة الغريبة ينبغي أن يكون استيلاؤها أكثر إذا كانت الحرارة ~~الغريزية ضعيفة، لكان ذلك قولا له معنى، كيف وإنكم بينتم أن آلة الطبيعة ~~هي الحرارة الغريزية، وإذا كانت الآلة ضعيفة في دفع الطبيعة للحرارة ~~الغريبة كان استيلاؤها أكثر. وعلى هذا لا يدل ضعف الحمى في المشايخ على قلة ~~حارهم الغريزي. الجواب: إن ما قلتموه جائز، لكن هاهنا سبب آخر به يدل كون ~~الحمى ضعيفة على قلة الحار الغريزي، وهو أن المادة إذا كانت أبطأ استعدادا ~~كان انفعالها أقل وأضعف، وإذا كانت مستعدة أكثر كان انفعالها أقوى وأكثر، ~~فإن المستعد للشيء يكفيه أضعف أسبابه. والحرارة الغريزية وإن كانت مباينة ~~للغريبة لكنهما اشتركا في جنس الحرارة، فأيهما كان في جسم أكثر كان ~~استعداده للتسخن أكثر؛ ولهذا فإن الجسم المتسخن بالشمس أو بالحركة يكون ~~استعداده للتسخن PageV01P041B بالنار أكثر، مع أن ماهية الحرارة فيها (32) متخالفة. ~~وبدن الشيخ الحار الغريزي فيه قليل وضعيف، فيكون استعداد بدنه للتسخن بأي ~~حرارة كان أعسر. فإذا فرضنا حرارة واحدة حصلت للشباب، كان استعداد بدنه ~~للتسخن عنها أكثر، فسخن بدنه سخونة مفرطة، ولو حصلت بعينها للشيخ كان ~~استعداد بدنه للتسخن عنها أقل، فسخن بدنه أقل؛ ولذلك قال: "وذلك لأن ~~أبدانهم باردة" أي أنها بعيدة عن الاستعداد للتسخن بالحرارة الغريبة. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: الأجواف في الشتاء والربيع أسخن ما يكون بالطبع، والنوم فيهما أطول ~~ما يكون، فينبغي أن يكون في هذين الوقتين أن يكون ما يتناول من الأغذية ~~أكثر؛ وذلك لأن الحار الغريزي في الأبدان في هذين الوقتين كثير، ولذلك ~~يحتاج إلى غذاء كثير، والدليل على ذلك أمر الأسنان والصريعين. ### ||| [commentary] # الشرح: ~~PageV01P042A قد مضى أن أوقات السنة تدل على مرتبة المرض ونظامه ونوبته ليقدر ~~الغذاء بحسب ذلك، والآن نبين أن تقدير الغذاء يختلف ms037 بحسب أوقات السنة ~~بنفسها، وناسب ذكر هذا بعد ذكر تقدير الغذاء بحسب الأسنان، لأن الأسنان ~~إنما اختلف الغذاء بحسبها لأجل الاختلاف في قوة الحرارة الغريزية وضعفها ~~وقلتها وكثرتها، وهذا يختلف أيضا باختلاف الفصول، فإن في الشتاء تكون ~~الحرارة الغريزية أكثر وأقوى، وفي الصيف بالضد. وربما ظن أن الأطباء يعنون ~~بالفصول ما يعنيه المنجمون، وهو أن يكون الفصل عبارة عن انتقال الشمس في ~~ربع ربع من فلك البروج، مبتدئة من النقطة الربيعية، وليس كذلك، بل الفصول ~~عند الأطباء هي بحسب مايحس من الهواء، فالزمان الحار أي الذي يحوج إلى ~~ترويح يعتد به هو الصيف، والزمان البارد الذي يحوج إلى إدفاء يعتد به هو ~~الشتاء، PageV01P042B والزمان المتوسط أي الذي لايحوج إلى إدفاء يعتد به ولا إلى ~~ترويح يعتد به وفيه ابتداء نشوء الأشجار وظهور الأزهار هو الربيع، والزمان ~~المتوسط في الحر والبرد أي الذي يحس منه بالحر كما يحس منه بالبرد وفيه ~~اصفرار لون الورق وابتداء سقوطه هو الخريف. وقد اختلف العلماء في سبب ~~التعاقب، وأعني بالتعاقب أن الجسم إذاسخن ظاهره برد باطنه وبالعكس. ومثال ~~ذلك الأرض فإنها في الشتاء يسخن باطنها، ولهذا يسخن ماء البئر ويرى البخار ~~يتصعد من فمه، وفي الصيف يبرد باطنها فيبرد ماء البئر ويقل ما يتصعد منه من ~~البخار. فقال بعضهم: إن ذلك غلط في الحس، لأن أبداننا تبرد في الشتاء ~~فيكون ماء البئر أسخن منها، وفي الصيف يسخن فيكون ماء البئر أبرد منه وهو ~~بحاله لم يتغير. قالوا وهذا كالبول فإنه يحسبه في داخل الحمام باردا وفي ~~خارجه حارا وهو بعينه واحد لم يتغير. وقال: PageV01P043A آخرون وهو المشهور: إن ~~ذلك لأن البرد إذا أصاب الظاهر هربت منه الحرارة إلى الباطن لأجل المضادة، ~~وكذلك إذا أصاب الحر الظاهر هرب البرد للمضادة. وهذان القولان فاسدان، ~~أما الأول فمن وجهين: أحدهما: أنه لا يمتنع علينا أن ندفيء بشرتنا في ~~الشتاء دفئا يبلغ إلى سخونة هواءالصيف، ومع ذلك فإذا لمسنا ماء البئر ~~وجدناه حارا. والوجه الثاني: إن البخار المتصعد من ms038 البئر لاشك أن ~~المبخر له هو الحرارة وهو محسوس بالبصر؛ فيمتنع أن يقال أنه غلط في الحس. ~~وأما القول الثاني ففساده أعظم؛ وذلك لأن الحرارة والبرودة من الأعراض، ~~والأعراض يستحيل عليها الانتقال من موضوع إلى آخر، والحق أن سبب التعاقب هو ~~أن كل جسم ففيه قوة مسخنة أوة مبردة لجميعه، فإذا أصاب ذلك الجسم كيفية ~~مضادة لتلك الكيفية غصبت الأجزاء الظاهرة من ذلك الجسم عن فعل تلك القوة ~~فيه فبقى PageV01P043B تأثيرها في الأجزاء الباطنة فقط، والمنفعل إذا قل قوى تأثير ~~المؤثر فيه، فإنه لا سواء إضاءة عن مصباح وإضاءة صحراء رحيبة عن ذلك ~~المصباح. مثال ذلك أن يكون في الأرض قوة تبردها فإذا استولى الحر الخارجي ~~على الأجزاء الظاهرة منها في الصيف بقى تأثير القوة المبردة في الأجزاء ~~الباطنة فقط فكان تبريدها (33) أقوى؛ وكذلك حال الأجواف فإن الحار الغريزي ~~المسخن لجميع البدن إذا غصب البرد الخارجي منه الأجزاء الظاهرة قوى تسخينه ~~لباطنه، وأيضا كان في الصيف تتحلل منه أجزاء كثيرة وفي الشتاء قل ما كان ~~يتحلل منه فقوى تأثيره. وقوله: "أسخن ما يكون بالطبع" وإن كان قد يجوز أن ~~يسخن أيضا سخونة خارجة عن الطبع، فإنه إذا حبس البرد الأبخرة الحارة ~~وحقنها سخنت البدن، ولكن ذلك لا يوجب زيادة الحاجة إلى التغذية. وغرض ~~أبقراط أن يبين أنه أسخن PageV01P044A ما يكون سخونة توجب زيادة الحاجة إلى ~~التغذية، وذلك إنما يكون عن السخونة التي بالطبع وهي التي تقدم ذكرها. وهذا ~~الذي ذكرناه من سبب سخونة الأجواف في الشتاء ظاهرا وأما سخونتها في الربيع ~~فلأن الربيع لم ينتقل بعد هواه إلى الحرارة الموجبة لانتشار الحار الغريزي ~~وانتشار فعل الحرارة الغريزية فيبقى على ما كان في الشتاء أو أقل منه ~~قليلا. واعلم أن الجوف في اللغة يطلق على كل تجويف، وفي اصطلاح الأطباء ~~يقال لشيئين: أحدهما يقال له الجوف الأعلى، وهو موضع تدبير الغذاء كالمعدة ~~والكبد. وثانيهما يقال له الجوف الأسفل، وهو موضع الأمعاء. ومراده هاهنا ~~بالأجواف مواضع تدبير الغذاء. قوله: "والنوم فيهما أطول" ms039 قد قيل: إن سبب ~~طول النوم فيهما أن الليل فيهما أطول وليس كذلك، فإن ليل الربيع أقصر من ~~ليل الخريف، بل لأجل الرطوبة الهوائية، ولأن الشتاء يكون المزاج فيه رطبا، ~~والربيع تسيل فيه الرطوبات ويكثر الدم وذلك موجب لزيادة النوم. قوله: ~~"فينبغي في هذين الوقتين أن يكون ما يتناول من الأغذية أكثر" معناه أن ~~الأجواف لما كانت في هذين الوقتين أسخن والنوم أطول كان الهضم والاستمراء ~~أتم، فينبغي أن يكون استعمال الأغذية أكثر؛ وذلك لا لكونها وقودا للحار ~~الغريزي كما بين في الفصل المتقدم، بل لأنها أغذية وذلك لأن التغذية يلزمها ~~التقوية فتكون التغذية مطلوبة وفي باقي الفصول قد لا يمكن الإكثار منها ~~لمانع وهو الخوف (34) من أن لا يتم انهضامها، وأما في هذين الفصلين فينبغي ~~الإكثار لأنا جازمين بقوة الهضم. قوله: "وذلك لأن الحار الغريزي في الأبدان ~~في هذين الوقتين كثير؛ ولذلك يحتاج إلى غذاء كثير" هذا كأنه جواب عن دجل ~~مقدر وهو أنه كأن قائلا قال: إنه ينبغي أن يكون استعمال الأغذية في هذين ~~الوقتين قليلا لأن الغذاء إنما يحتاج PageV01P045A إليه ليبدل على ما تحلل ~~والتحلل في هذين الوقتين قليل، فينبغي أن يكون الغذاء في هذين الوقتين ~~قليلا، فأشار إلى مناقضة ذلك بقوله: "وذلك لأن الحار الغريزي في الأبدان ~~في هذين الوقتين كثير" وإذا كان الحار الغريزي كثيرا كان التحليل كثيرا، ~~وإذا كان التحليل كثيرا وجب أن يكون الغذاء كثيرا؛ ولهذا قد يعتقد أن في ~~هذا الفصل تكرارا وليس كذلك، لأن المدعى في أولا هو حرارة الأجواف ~~وإشارته بزيادة الغذاء أولا لعدم المانع منه إذ الهضم قوي، والمدعى ثانيا ~~أن الحار الغريزي في الأبدان جملتها حينئذ كثير. قوله: "ولذلك يحتاج إلى ~~غذاء أكثر" أي ولهذه العلة يحتاجون إلى أغذية أكثر، فكأنهقال: ينبغي أن ~~تكون الأغذية في هذين الوقتين كثيرة لحاجة وأمان، أما الحاجة فلوجود ~~الحار الغريزي الكثير الذي يلزمه زيادة التحليل المحوج إلى زيادة الغذاء، ~~وأما الأمان فلقوة الهضم. أقول: وهاهنا شيء آخر يوجب PageV01P045B كون الغذاء ~~كثيرا وهو ms040 أن البرد الخارجي يوجب جمودا في الدم، وذلك يوجب نقصان حجمه، ~~وذلك يوجب زيادة الغذاء ليسد بدل ما نقص بالتكاثف وإن لم يمكن هناك تحليل ~~البتة؛ وهذا كأنه أولى، وذلك لأن التحليل الخفي لا يبلغ من كثرته أن يكون ~~مقاربا للتحليل المحسوس في الصيف من العرق والوسخ وغيرهما. قوله: ~~"والدليل على ذلك أمر الأسنان والصريعين" إنما استدل بالأسنان والصريعين ~~لأنه لما لم يكن بينا أن كون الحار الغريزي أكثر يحوج إلى كون الغذاء ~~أكثر، استدل بأمر الأسنان والصريعين، وهذا ينتظم على هيئة التمثيل كقولنا: ~~ثبت أن الأحداث يفتقرون إلى أغذية أكثر وإنما افتقروا إلى ذلك لأن الحار ~~الغريزي في أبدانهم أكثر، لكن الحار الغريزي في الأبدان في هذين الوقتين ~~أكثر فينبغي أن تكون الأغذية فيهما أكثر. وكذلك نقول في الصريعين PageV01P046A ~~أي المصارعين بأن نجعلهم أصلا وكثرة الحار الغريزي في أبدانهم علة لتكثير ~~الأغذية فيهم، وأن الحار الغريزي في الأبدان في هذين الوقتين أكثر فينبغي ~~أنيكون الغذاء أكثر. واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف؛ وذلك لأن الموجب لزيادة ~~الغذاء في الأحداث يتوقع كون حارهم الغريزي كثيرا أن التحليل من أبدانهم ~~لرطوبتهم كثير ولحاجتهم إلى النمو، وهذا المجموع منتف هنا فلا يلزم من ذلك ~~زيادة الغذاء هنا. وأما القياس على أبدان الصريعين فله غرض أن يفرق بينهما ~~بأن الصريعين كثرة حركة أبدانهم الحركة القوية جدا توجب زيادة تحليل محوج ~~إلى زيادة في التغذية، وهذا المعنى معدوم هاهنا فلا يلزم من ذلك كثرة ~~الغذاء في هذين الوقتين. واعلم أن على هذا الفصل إشكالات: أحدها: إنه لو ~~كان الحار الغريزي فيالأبدان في الشتاء كثيرا، لما كثر فيه البلغم، ولما ~~كانت أمراضه PageV01P046B أكثرها باردة كالصرع والسكتة والفالج والرعشة، والتالي ~~باطل فالمقدم مثله. وثانيها: إنه لو كان الأمر كما ذكرتم لكانت الأبدان ~~كلها كذلك، أي كلها تحتاج إلى غذاء أكثر، وذلك باطل فإن كثيرا من ~~الحيوانات تبقى في الشتاء مدة مديدة غير مستعملة للغذاء، فإن الدب يبقى ~~ثلاثة أشهر لا يغتذي. وثالثها: لو كان كذلك لكانت الأبدان ms041 في الشتاء أنشط ~~حركة، وليس كذلك، فإن من الحيوانات ما تبقى في أوكارها ملقاة كالميتة. ~~والجواب عن هذا كله أن ما ذكرناه إنما هو بحسب ما تقتضيه طبيعة الفصل، ~~فإن طبيعة الفصل تقتضي أن البرد يجمع الحار الغريزي ويقويه. وأما كثرة ~~البلغم فإنما هو لكثرة استعمال الأغذية الغليظة وقلة الحركات، وكذلك كثرة ~~الأمراض الباردة إنما هو لغوص البرد إلى داخل البدن بسبب ضعفه PageV01P047A وقلة ~~حرارته في الأصل أو لضعف العصب أو غير ذلك. وأما بقاء الدب ثلاثة أشهر بغير ~~غذاء فذلك لضعف حرارته وكثرة نهمه وكثرة وجود غذائه فإنه يأكل اللحم ~~والثمار فيكون وجود ذلك كثيرا فيجتمع فيه في طول الزمان رطوبات كثيرة فجة ~~فإذا جاء برد الشتاء أخمد حرارته لضعفها وبقيت تلك الرطوبات تمدها في تلك ~~المدة. وأما بقاء بعض الحيوانات كالميتة وموت بعضها فلضعف جرمه وقلة دمه ~~فيستولي عليه البرد ويغوص إلى باطنه فيجمد حرارته الغريزية وإن كانت كثيرة ~~كالحية. وأما ما ذكرناه فهو بحسب ما يوجبه البرد من إحداث التعاقب المذكور، ~~ولا امتناع في أن يكون بعض الناس ضعيف البدن أو قليل الحرارة الغريزية جدا ~~أو قليل الدم فيؤثر فيه البرد ما يؤثره في تلك الحيوانات. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~الأغذية الرطبة توافق جميع PageV01P047B المحمومين لاسيما النساء والصبيان وغيرهم ~~ممن قد اعتاد أن يغتذي بالأغذية الرطبة. ### ||| [commentary] # الشرح: قد مضى الكلام في كمية ~~الغذاء، وهو الآن يتكلم في كيفيته. وينبغي أن نعرف أولا ماذا يعني بالرطب ~~حتى يمكننا تعرف أن الأغذية الرطبة توافق جميع المحمومين أو ليس؛ فنقول: ~~قد يعني بالرطب الجسم الذي يقبل الانفصال والاتصال والتشكل بسهولة، بحيث لا ~~يظهر فيه ممانعة عن ذلك، كما يقال للهواء إنه رطب. وقد يعني به كون الجسم ~~بطبعه متماسك، لكنه بأدنى سبب يصير بحيث يقبل الاتصال والانفصال والتشكل ~~بسهولة، كما يقال للماء أنه رطب؛ فإنه بطبعه جامد لكنه بأدنى سبب يزول عنه ~~الجمود فيصير قابلا للاتصال والانفصال والتشكل بسهولة. وقد يعني به كون ~~الجسم الغالب في أجزائه الأجزاء الرطبة PageV01P048A كما ms042 يقال في الشحم أنه رطب، ~~بمعنى أن الجوهر الرطب غالب عليه، فإن الشحم الغالب عليه الجزء المائي. ~~وقد يعني به كون الشيء بحيث ما يتكون منه يكون رطبا، كما يقال في الدم أنه ~~رطب، بمعنى أن العضو الذي يتكون منه يكون رطبا. وقد يعني به كون الشيء ~~بحيث إذا ورد على بدن الإنسان وانفعل عن حرارته الغريزية أفاد البدن رطوبة ~~زائدة على ما كانت له قبل ذلك، وهذا معنى قولنا للدواء أنه رطب. وقد يعني ~~به كون الجسم أميل عن الاعتدال الحقيقي إلى الرطوبة، كما يقال إن الإناث ~~أرطب من الذكران. وقد يعني به الممتزج الذي أعطى مزاجا هو أرطب مما ينبغي ~~أن يكون له، كقولنا فلان (35) رطب المزاج. وقد نعني به كون الغذاء سريع ~~الاستحالة إلى الخلط الرطب، كقولنا للغذاء التفه أنه رطب. قال جالينوس: ~~والغذاء الرطب هو المفارق لكل كيفية، كأنه تفه. وكذلك فافهم الحال في ~~اليابس على جميع هذه المعاني، إلا المعنى الثاني فإنه ليس في اليابس مقابل ~~له مشهور، ويشبه أن PageV01P048B يكون قول الأوائل أن النار يابسة هو بالمعنى ~~المقابل لذلك المعنى؛ وذلك لأن معنى كون الماء رطبا هو كونه بنفسه عسر ~~القبول للانفصال والاتصال والتشكل، لكنه بأدنى سبب وهو التسخن يصير يقبل ~~ذلك بسهولة. كذلك يشبه أن يكون كون النار يابسة هو أنها بنفسها سهلة القبول ~~للانفصال والاتصال والتشكل لكنها بأدنى سبب وهو التبرد تصير بحيث تقبل ذلك ~~بعسر؛ وذلك لأن النار إذا بردت صارت أجساما صلبة، ويدل على ذلك ~~الصواعق؛كذلك الماء إذا سخن صار جسما لينا. وأما الحار فيقال على معان، ~~أحدها: يقال حار بمعنى أن يحس من إحراق، كما يقال في النار أنها حارة. ~~وبمعنى أنه يحس من حرافة، كقولنا: الفلفل حار. وبمعنى أنه يؤثر في الملمس ~~حرارة،كقولنا: الهواء حار. وبمعنى أن الغالب من استقصائه الحار، كقولنا: ~~القلب حار. وبمعنى أن العضو PageV01P049A المتكون منه حار، كقولنا: الدم حار. ~~وبمعنى أنه إذا ورد على البدن وانفعل عن حرارته أثر فيه حرارة فوق التي ~~كانت ms043 له، كقولنا: دواء كذا حار. وبمعنى أنه أميل عن الاعتدال الحقيقي إلى ~~الحرارة، كقولنا: الذكران أحر من الإناث. وبمعنى أنه أعطى مزاجا أكثر ~~حرارة مما ينبغي أن يكون له كقولنا فلان حار المزاج. وكذلك فافهم الحال ~~البارد والمعتدل، إلا أنه لا يوجد فيهما للمعنيين الأولين مقابل مشهور. ~~وإذا تبين ذلك فننظر أي المعاني يصح أن يراد بقوله الأغذية الرطبة، والذي ~~نراه يصلح أن يكون مرادا، الذي بمعنى أنه إذا فعل فيه الحار الغريزي منا ~~أثر فينا رطوبة أزيد؛ وذلك لأن حرارة الحمى يلزمها تجفيف لا محالة، ~~والغذاء الرطب بذلك المعنى يتداركه. وكذلك الذي بمعنى أنه سريع الاستحالة ~~إلى الخلط الرطب؛ لأن الغذاء التفه ينفع جميع المحمومين، من كان منهم به ~~سعال أو ذات الجنب أو غير ذلك أو لم يكن. وفي أي حمى كان بخلاف الحامض، ~~فإنه PageV01P049B قد يضر السوداويين، ومن حماه سوداوية، ومن به مع حماه ~~سعال؛ وكذلك باقي الطعوم قد يضر في بعض الأشياء إلا التفه. وأظن هذا المعنى ~~أولى (36) من الأول لأن من الحميات ما لا تنفعها الأغذية الرطبة بالمعنى ~~الأول كالحمى البلغمية والحمى التي معها استسقاء، إلا أنه يمكن أن ~~يقال أن المحموم المستسقى إذا أضرته الأغذية الرطبة بذلك التفسير فذلك لا ~~لأنه محموم بل لأنه مستسق. قوله: "لاسيما الصبيان وغيرهم ممن اعتاد أن ~~يغتذي بالأغذية الرطبة" وذلك لأن المرطوب المزاج يكون التحليل من بدنه ~~بالحرارة أكثر، فيكون الغذاء الرطب بالمعنى الذي لخصناه أولى له. والمرطوب ~~إما بأصل الطبع كالنساء، أو بالسن كالصبي، أو بالكسب كالذي اعتاد الأغذية ~~الرطبة؛ وفي حكم ذلك المزاج الطبيعي، والوقت الحاضر من أوقات السنة والبلد. ~~ ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وينبغي أن يعطى بعض المرضى غذاءهم في مرة واحدة، وبعضهم في ~~مرتين ونجعل ما يعطونه منه أقل أو أكثر، وبعضهم قليلا قليلا. وينبغي أن ~~يعطى PageV01P050A الوقت الحاضر من أوقات السنة حظه من هذا، والعادة، والسن. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: بعد الفراغ من كمية الغذاء وكيفيته ناسب أن يتكلم في عدد مرات ~~استعماله، وذلك مختلف باختلاف ms044 الأعضاء الهاضمة في قوتها وضعفها، وباختلاف ~~البدن في خلائه وامتلائه، وهذان أولى بذلك. وقد يختلف ذلك باختلاف الوقت ~~الحاضر من أوقات السنة، وباختلاف العادة والسن، وفي حكم ذلك البلد. ونقول: ~~قوة الأعضاء الهاضمة في كل مرض إما أن تكون قوية، أو ضعيفة، أو متوسطة؛ ~~وعلى كل تقدير فالبدن إما أن يكون خاليا، أو ممتلئا، أو متوسطا. ونقول ~~أيضا: تقليل الغذاء أو تكثيره إما أن يكون في كميته أي في مقداره، أو في ~~كيفيته أي في تغذيته، أو فيهما معا. فالمرض الذي العضاء الهاضمة فيه قوية ~~إما أن يكون البدن ممتلئا، فيكون الواجب الغذاء الكثير المقدار، القليل ~~التغذية والعدد. أما كثرة مقداره فلشغل المعدة وتسكين الشهوة، وأما قلة ~~عدده PageV01P050B فلقوة الهاضمة على هضمه دفعة، وأما تقليل تغذيته فلئلا يزيد ~~أخلاط البدن. وإن كان ،مع قوة تلك الأعضاء، البدن خاليا، كان الواجب تكثير ~~المقدار والعدد والتغذية، لأجل الحاجة مع القدرة على استمراره. وإن كان مع ~~قوة تلك الأعضاء البدن متوسطا، كان الواجب تكثير المقدار، والتوسط في ~~التغذية والمرات. وأما إن كانت قوة تلك الأعضاء ضعيفة والبدن ممتلئ، نقصنا ~~المقدار والمرات والتغذية. أما تنقيص المقدار فلضعف تلك الأعضاء، وأما ~~تنقيص المرات والتغذية فلعدم الحاجة إليه بسبب الامتلاء، بل للحاجة إلى ~~تقليل الامتلاء. وإن كان ،مع ضعف تلك الأعضاء، البدن خاليا، نقصنا ~~المقدار، وكثرنا العدد والتغذية. أما تنقيص المقدار فلضعف تلك الأعضاء، ~~وأم تكثير العدد والتغذية فليكثر الغذاء ، ليعتدل البدن في خلائه وامتلائه. ~~وإن كان، مع ضعف تلك الأعضاء، البدن متوسطا، نقصنا المقدار، وتوسطنا في ~~العدد والتغذية. وإن كانت قوة تلك الأعضاء PageV01P051A متوسطة توسطنا في المقدار، ~~وزدنا في العدد والتغذية، أو نقصنا، أو توسطنا، بحسب خلاء البدن وامتلائه ~~أو توسطه. والوقت الحاضر من أوقات السنة له في ذلك مدخل؛ وذلك لأن الصيف ~~يضعف فيه قوى الهضم لتحلل القوة، ويخلو البدن لتحلل المادة، فيكون حكمه ~~تنقيص المقدار، وتكثير العدد والتغذية على ما علمت. والشتاء يقوي الهضم ~~بحصر الحار الغريزي داخلا وتقل المادة لتكاثفها، فحكمه تكثير ms045 المقدار ~~والعدد والتعذية. ولكن المرضى الحاجة إلى تغذيتهم حفظ قواهم، وتكاثف الدم ~~في الشتاء لا يوجب وهنا في القوة والتحلل أقل، والقوى البدنية تكون قوية ~~فالحاجة فيه إلى تغذية المرضى قليلة، فينبغي أن ينقص في التغذية والعدد. ~~والربيع يكثر فيه الامتلاء؛ لسيلان المواد وزيادة حجمها، والقوى الهاضمة ~~قوية لاعتدال المزاج، وبقية انحصار الحار الغريزي عن تأثير الشتاء، فيكون ~~حكمه PageV01P051B تكثير المقدار، وتقليل العدد والتغذية. والخريف تكون القوى ~~الهاضمة فيه ضعيفة، لاختلاف هوائه، ولبقية تحليل الصيف للقوى؛ والمواد ~~متوسطة لأجل البرد الحابس عن التحلل، ولم يفرط فيجمد وخصوصا وحر الظهائر ~~يسيل، فيكون حكمه بحكم تقليل المقدار والتوسط في العدد والتغذية، والعادة ~~لها في ذلك مدخل، فإن من اعتاد الوجبة لم يجز له التثنية لأن العادة ~~كالطبيعة، وكذلك من اعتاد التثنية لم يجز له أن يحب؟ وكذلك السن له في ذلك ~~مدخل، فإن الصبيان أعضاءهم الهاضمة قوية وأبدانهم محتاجة إلى النمو، فما في ~~أبدانهم ليس زائد؛ فلذلك ينبغي لهم تكثير المقدار والعدد والتغذية. والشبان ~~غير محتاجين إلى النمو، ولكن التحليل كثير فتكون أخلاطهم كالمتوسطة وقوى ~~هضمهم قوية، فينبغي لهم تكثير المقدار والتوسط في العدد والتغذية. والكهول ~~أخلاطهم وقوى هضمهم كالمتوسطة، PageV01P052A فينبغي لهم التوسط في المقدار والعدد ~~والتغذية. والمشايخ أما من قرب منهم من سن الكهول فحاله كحالهم. وأما ~~البالغين في الشيخوخة فأخلاطهم قليلة بسبب قلة الوارد ولضعف هضمهم وقوى ~~هضمهم ضعيفة، فينبغي لهم تقليل المقدار وتكثير العدد والتغذية. وكذلك يراعى ~~كل ما في حكم ذلك كالبلد، فإن الحار كالصيف، والبارد كالشتاء، والمتوسط ~~كالربيع. فإن قيل: فما ذكرتموه لا يختص بالمرضى، فلم خصه أبقراط بذلك؟ ~~قلنا: لأن غالب الأصحاء لا يحتاجون إلى تقدير الأطباء، لأن شهوتهم تدعوهم ~~إلى مقدار الحاجة، وشبعهم ينفرهم عن الزيادة، ولا كذلك المرضى؛ فلهذا كان ~~أكثر الكلام في هذا متعلقا بالمرضى. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: أصعب ما يكون احتمال ~~الطعام على الأبدان في الصيف والخريف، وأسهل ما يكون احتماله عليها في ~~الشتاء، ثم بعده في الربيع. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل ms046 PageV01P052B تفصيل لقوله: "وينبغي ~~أن يعطى الوقت الحاضر من أوقات السنة حظه من هذا والعادة والسن" ونحن قد ~~عرفنا ذلك ودللنا عليه في شرح الفصل المتقدم، وليس في هذا تكرار للفصل ~~الذي هو: "الأجواف في الشتاء والربيع أسخن ما يكون" لأن ذلك الفصل كان ~~لبيان تقدير الغذاء بحسب الفصول، وهذا لبيان كيفية استعماله، هل مرة واحدة ~~أو مرارا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا كانت نوائب الحمى لازمة لدور، فلا ينبعي في ~~أوقاتها أن تعطي المريض شيئا أو أن تضطره إلى شيء، لكن ينبغي أن ينقص من ~~الزيادات من قبل أوقات الانفصال. ### ||| [commentary] # الشرح: جرت عادة أبقراط إذا أراد أن ينتقل ~~من الكلام في فن إلى فن آخر أن يذكر بينهما فصلا مشتركا بين الفنين ليكون ~~الكلام متسقا، ففي أول المقالة لما أراد النقلة عن الكلام في الاستفراغ ~~إلى الكلام في التغذية ذكر فصلا مشتركا بينهما وهو: "خصب البدن المفرط ~~لأصحاب PageV01P053A الرياضة خطر" فقال فيه: "وكل استفراغ أيضا هو عند الغاية ~~القصوى فهو خطر" وكذلك فعل هاهنا، وربما ظن أن أول هذا الفصل قد تكرر لقوله ~~أولا "وإذا كان للحمى أدوار فامنع من الغذاء أيضا في أوقات نوائبها" ~~وليس كذلك فإنه كان كلامه أولا في قوانين كمية التغذية وفي أوقات المنع ~~منها، وكلامه الآن في عدد مرات ما يستعمل، فكأنه قال: وينبغي أن يكون عدد ~~استعمال الغذية عددا لا يقع منه شيء في أوقات النوب، فإن في ذلك الوقت يجب ~~فيه منع الغذاء. وأيضا فإن كلامه هاهنا عام للغذاء وغيره؛ لأنه قال فلا ~~ينبغي في أوقاتها أن تعطي المريض شيئا، وهذا لا يتعين أن يكون غذاء، بل ~~ولا ينبغي أيضا أن يعطى دواء مسهلا. فإن قيل: فإذا كان هذا لما يعم ~~الغذاء وغيره، ففيه كفاية ولا حاجة إلى الفصل الأول. قلنا: احتاج إلى ذكر ~~كل واحد منهما لغرض، أما الأول فلتعديد الأحوال التي يجب فيها منع PageV01P053B ~~الغذاء. وأما الثاني فليتبين أن ما يجب استعماله من أعداد مرات التغذية ~~يكون واقعا في وقت الراحة. ms047 ونقول: كل حمى فإما أن لا تكون لها نوبة ~~كالمطبقة والدق وغيرهما، وهذه لا يختلف الحال في التغذية فيها من جهة ~~الحمى، بل ينبغي أن نجعل وقت التغذية هو الوقت الأبرد من النهار والوقت ~~الذي جرت عادة الأصحاء باستعمال الغذاء فيه. وإما أن تكون لها نوبة، فإما ~~أن لا تكون لازمة لدور، أي لطريقة واحدة، وحينئذ لا يمكن الوقوف على الوقت ~~الذي ينبغي أن يطعم المريض فيه؛ وإما أن تكون لازمة لدور فحينئذ ينبغي أن ~~لا يطعم المريض وقت النوبة وخصوصا في أولها، ولا عند قرب مجيء النوبة. وقد ~~بينا هذا في فصل: "وإذا كان للحمى أدوار فامنع من الغذاء أيضا في وقت ~~نوائبها" وكذلك المسهل في وقت النوبة لئلا يجتمع على الطبيعة مضعفان، ~~الإسهال والنوبة. وكذلك الفصد، إلا أن الفصد أقل PageV01P054A ضررا، لأنه لا ~~يلزمه مع الاستفراغ تحريك عنيف، ويلزم ذلك الاستفراغ بالأدوية، وخصوصا ~~وأكثر الأدوية المسهلة حارة. قوله: "أو تضطره إلى شيء" أي إلا أن يضطره إلى ~~شيء من ذلك، أي من التغذية والاستفراغ، فإن لفظة أو قد تستعمل بمعنى "إلا" ~~يقال: لا تكون الشمس طالعة أو يكون النهار موجودا. قوله: "لكن ينبغي أن ~~ينقص من الزيادات من قبل أوقات الانفصال" قد فهم من وقت الانفصال وقت ~~الانفصال من النوبة، وهذا لا يصح لأن التنقيص استفراغ، وقد بينا وجوب المنع ~~من الاستفراغ في وقت النوبة، إلا أن يقال أنه يكون الاستفراغ قبل النوبة ~~فحينئذ لا يحسن أن يقال: من قبل أوقات الانفصال، بل من قبل وقت أوقات ~~النوائب. وفهم من وقت الانفصال وقت المنتهى، وهذا لا يدل عليه اللفظ. وفهم ~~من وقت الانفصال البحران، وهذا هو الذي يظهر لي؛ وذلك لأن البحران في لغة ~~اليونان هو PageV01P054B الفصل في الخطاب، وهو الانفصال الذي يقع بين المتحاكمين ~~في مجلس الحكم، ثم نقله الأطباء إلى الانفصال الذي يقع بين الطبيعة والمرض، ~~فكأنه قال: لكن ينبغي أن ينقص من الزيادات من قبل وقت البحران. والزيادات ~~هي الأخلاط الزائدة على المجرى الطبيعي، ولا ms048 شك أن تلك هي مادة المرض إذ لو ~~كانت المواد على ماهو الجاري في الطبع لم يحدث مرض مادي. وإنما ينبغي أن ~~تنقص هذه قبل البحران لتقوى الطبيعة على المرض بتنقيص مادته فيكون استيلاء ~~الطبيعة على الباقي أكثر من استيلائها على الكل. وينبغي أن يكون المراد ~~هاهنا بالبحران البحران الناقص، لأنه سينهى عند الاستفراغ والتحريك حيث ~~البحران كاملا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: الأبدان التي يأتيها أو قد أتاها بحران على ~~الكمال، لاينبغي أن تحرك ولا أن يحدث فيها حادث بدواء مسهل ولا بغيره من ~~التهييج ، لكن تترك. ### ||| [commentary] # الشرح: أما تعلق هذا الفصل بما PageV01P055A قبله فظاهر لأن ~~في المتقدم أوجب الاستفراغ قبل البحران، فبين هنا أن ذلك ليس في كل بحران ~~فإن البحران الكامل لا يجوز أن يستفرغ لا قبله ولا بعده، وسنحقق هذا، ~~ونقول: البحران في لغة اليونان هو الفصل في الخطاب وهو الانفصال الذي يقع ~~بين المتحاكمين عند الحكام، وأما الأطباء فنقلوا لفظة البحران إلى الانفصال ~~الواقع بين المرض والطبيعة، إلا أنهم لا يمكن أن يرسموه بهذا الانفصال لأنه ~~غير معلوم، لكنه يلزمه تغير عظيم إلى موت أو صحة، وهذا التغير معلوم ~~فرسموه بأنه تغير عظيم يحدث في المرض إما إلى صحة وإما إلى عطب، وقد شبه ~~البدن بالمدينة، والطبيعة بالسلطان المحامي عنها، والمرض بالعدو الباغي ~~عليها، والبحران بيوم القتال المفصل، وكما أن يوم القتال لابد فيه من أمور ~~هائلة مثل الغبار والصراخ وسيلان الدماء، كذلك البحران لابد فيه من اضطراب ~~المريض وقلقه وربما عرض له مثل خيالات وتباريق وسيلان، مثل عرق أو رعاف ~~أو إسهال. وكما PageV01P055B أن السلطان المحامي إذا ترك الباغي تأهب للقائه ~~بإصلاح العدد وغير ذلك، كذلك الطبيعة تتاهب ليوم البحران بالنضج وتفتيح ~~المجاري وما أشبه ذلك. وكما أنه إذا وقع القتال فقد يقهر المحامي للباغي ~~قهرا تاما يستأصل به شوكته، وقد يقهره قهرا يتمكن من أخذ شأفته بالكلية ~~بقتال آخر، وقد يقهره قهرا يهزمه عن فريقة المدينة إلى بعض نواحيها. وقد ~~يغلب الباغي للسلطان المحامي ms049 غلبة (37) يستولي بها على المدينة بالكلية، ~~وقد يغلبه غلبة يمكنه أخذها منه بقتال آخر. وكذلك يوم البحران قد تقهر ~~الطبيعة المرض وتدفعه بالتمام، وينبغي أن يكون هذا هو المراد بالبحران ~~الكامل لما ستعلمه. وقد تقهره قهرا يمكنها دفعه بالتمام ببحران آخر، وهو ~~البحران الناقص. وقد تقهره قهرا بحيث تدفعه عن القلب والأعضاء الرئيسية ~~إلى بعض الأطراف، وهو بحران الانتقال. وقد يغلب المرض الطبيعة فيستولي على ~~البدن فيفسده، إما بذلك البحران نفسه PageV01P056A أو ببحران ىخر وهو البحران ~~الرديء. قوله: "لا ينبغي أن تحرك" يريد: ينبغي أن لا تحرك؛ ويعني بالتحريك ~~نقل مادة المرض من عضو إلى آخر، كالجذب بالمحاجم وغيرها. ويعني بالتهييج، ~~كالقئ والترعيف والإدرار والتعريق. وقد جرت العادة بأن يسمى البحران الذي ~~ينقضي به المرض، سواء كان باستفراغ أو بانتقال، بحرانا تاما، فيجب حينئذ ~~أن يكون مراده بالبحران الذي على الكمال ما هو أخص من التام، وهو الذي ~~ينقضي فيه باستفراغ؛ وذلك لأن بحران الانتقال يجب فيه الاستفراغ والتحريك ~~والتهييج، لأن المادة إذا انصبت إلى عضو بعد بحران الانتقال أو علم قبل ~~حدوث البحران أنها تنصب إليه، وجب أن تنقص المادة، بل وإن أمكن أن تستأصل ~~وجب استئصالها، وذلك إما بالإسهال أو بشيء من أنواع التهييج، وقد يجب نقلها ~~إلى عضو أحسن مما انتقلت إليه أو مما ستنتقل إليه. وأما البحران الذي يجب ~~أن لا تفعل فيه ذلك فهو البحران PageV01P056B الذي يدفع فيه المرض بالاستفراغ ~~دفعا تاما لأن البدن ينقى من مادة المرض بعد ذلك البحران، فلا حاجة إلى ~~شيء من ذلك بعده ولا قبله أيضا لأن فيه كفاية. وفعل الطبيعة أفضل من الفعل ~~الصناعي، ولأنه إن وقع الفعل الصناعي موافقا للفعل الطبيعي أفرط وأوجب ضعف ~~المريض، وإن وقع مضاد الحركة فعل الطبيعة شوش وعسر فعله أو أبطله، وهذا هو ~~البحران المحمود، فيجب أن يكون بعد تمام النضج وفي يوم محمود من أيام ~~البحران فيكون لا محالة قد أنذر به يومه. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي ~~أن تستفرغ، يجب ms050 أن تستفرغ من المواضع التي هي لها أميل بالأعضاء التي تصلح ~~لاستفراغها. ### ||| [commentary] # الشرح: قد بين في الفصل الذي قبل هذا المنع من استفراغ بعض ~~المرضى وهم الذين يكون بحرانهم كاملا، وفي الذي قبله وجوب استفراغ بعض ~~المرضى وهم الذين يكون بحرانهم ناقصا؛ وفي هذه الفصول التي نتكلم فيها ~~نبين PageV01P057A الأعراض المقصودة من كل استفراغ وهي خمسة، وقد اشتمل هذا الفصل ~~على قانونين: أحدهما: إنه يجب أن تستفرغ المادة من الجهة التي هي إليها ~~أميل، لأن هذا أسهل وأقل كلفة على القوى، مثال ذلك: إن الغثيان استفراغ ~~مادته بالقئ أسهل من الإسهال، واستفراغ مادة الحصى بالإدرار أسهل من ~~الإسهال، ومادة المغص بالإسهال أسهل من القئ والإدرار. ولكن يجب أن يراعى ~~في ذلك شرط، وهو أن يكون إخراج المادة من تلك الجهة لا يلزمه ضرر يوجبه ~~عبورها على عضو رئيس أو شريف أو قوى الحس، مثال ذلك: لو مالت الصفراء في ~~حمى صفراوية إلى الرأس منعناها بالحقن والإسهال، ولا نرجوا استفراغها ~~بالتعطيس والتسعيط أو غير ذلك؛ لأن ذلك يلزمه إضرارها بجوهر الدماغ. وكذلك ~~لو مالت مادة النزلة إلى جهة الرئة، جذبناها إلى الأنف، ولا نطلب أن ~~نستفرغها بالتنفيث خوفا على الرئة. وكذلك لو مالت إلى العين منعناها ~~وجذبناها إلى خلاف تلك الجهة، كما PageV01P057B نجذبها إلى النقرة بالمحاجم، ولا ~~نطلب استفراغها بالتحليل والدموع خوفا على العين. وربما كان العضو الذي ~~مالت إليه أخس وأقل شرفا، لكنه أقل صبرا على ما يرد إليه، فلا تستفرغها ~~أيضا من تلك الجهة، بل نجذبها إلى الخلاف، كما إذا مالت المادة عن الدماغ ~~على العين أو إلى الحلق. وربما كان استفراغها من الجهة التي إليها يوجب ~~عبورها على عضو رئيس، ولكن في الغالب لا يضره ذلك فتقدم عليه، كما تستفرغ ~~مادة الحمى بالإسهال وإن لزم ذلك عبور المادة على الكبد. القانون الثاني: ~~إنه ينبغي أن يكون استفراغ تلك المادة من الأعضاء التي تصلح لاستفراغها، ~~وتعتبر هذه الصلاحية بوجوه، أحدها: أن يكون مشاركا للعضو المستفرغ منه، ~~فلا يستفرغ ms051 أمراض الأمعاء من المثانة وإن اشتركا في أن كل واحد منهما ~~أسفل البدن. وثانيها: أن تكون هذه الشركة قريبة، كما تستفرغ مادة أمراض ~~الكبد من الباسليق الأيمن لا من القيفال الأيمن. وثالثها: أن يكون PageV01P058A ~~عضو المخرج أخس وصبورا على مرور المادة وليس به مرض يخاف ازدياده، كما لو ~~مالت المادة إلى الأمعاء وكان بها سحج، فإنا لا نستفرغها من تلك الجهة وإن ~~كان عضو المخرج أخس، إذ نخاف من ذلك زيادة السحج. ورابعها: أن يكون مخرج ~~تلك المادة منه مخرجا طبيعيا، أي من شأن الطبيعة الدفع إلى هناك كإدرار ~~البول لإدرار مادة الحصى لا الإسهال. وخامسها: أن يكون ذلك العضو محاذيا ~~للعضو المأووف، كما نستفرغ مادة أمراض الكبد بالترعيف من المنخر الأيمن، ~~وأمراض الطحال من المنخر الأيسر. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إنما ينبغي أن تستعمل الدواء ~~أو التحريك بعد أن ينضج المرض، فأما ما دام المرض نيا وفي أول المرض فلا ~~ينبغي أن تستعمل ذلك إلا أن يكون المرض مهياجا، وليس يكاد في أكثر الأمر ~~ان يكون المرض مهياجا. ### ||| [commentary] # الشرح: النضج هو إحالة الحرارة للجسم ذي الرطوبة ~~إلى الهيئة المطلوبة، وأنواعه أربعة: أحدها: نضج الثمرة، وهو أن يصير بحيث ~~يصلح PageV01P059A لأن تولد المثل، وذلك هو المطلوب منها عند الطبيعة. وثانيها: ~~نضج الغذاء، وهو أن يصلح لأن يصير جزء عضو ويسمى ذلك هضما. وثالثها: نضج ~~الطعام، وهو أن يصير بحيث يصلح لأن يؤكل. ورابعها: نضج الفضلات، وهو أن ~~يصير بحيث تصلح لأن تدفع، فإن المقصود من الفضلات الدفع وإنما يسهل دفع ~~المواد إذا اعتدل قوامها، فإن كان غليظا لطف، وإن كان لطيفا غلظ، ~~وإن كان لزجا قطع؛ لأن كل واحد من هذه تمنع الاندفاع. أما الغلظ ~~واللزوجة فظاهر، وأما اللطافة فلأن اللطيف يتشربه خمل العضو ولا يسهل ~~احتواؤه عليه عند الدفع. وإذا أطلق لفظ الدواء أريد به الدواء المستفرغ. ~~وأما التحريك فيريد به ما قلناه من نقل المواد بالجذب إلى الخلاف البعيد ~~أو القريب. وأما لفظة المهياج فقد استعارها للكيموسات من ms052 هيجان ~~الحيوانات، وذلك لأن الحيوان الهائج لا يمكن قراره لأجل حركة منيه وفرط ~~غلمته. كذلك الأخلاط إذا كانت متحركة سائلة من عضو إلى آخر لم يمكن صاحبها ~~القرار، بل PageV01P059A يعرض له قلق وكرب، ولا كذلك إذا كانت الأخلاط ساكنة وهو ~~الأكثر ويل عليه الاستقراء. والمرض إن كان مزمنا فالفضلاء من الأطباء لا ~~يجوزون الاستفراغ ولا التحريك إلا بعد النضج، فغن استعماله قبل النضج في ~~أكثر الأمر يحرك المادة ولا يستفرغها بل ربما زاد حجمها بالحركة الموجبة ~~للخلخلة وباستحالة غيرها إليها، بل وربما خلط ذلك الرديء بالصالح وكانت ~~الغلبة للرديء فأحال الصالح إليه، ثم بعد النضج يستعملون المفتحات ليكون ~~جريان المادة أسهل. وأما إذا كان المرض حادا فإن لم يكن مهياجا فإنهم ~~يرون أن انتظار النضج فيه أولى وأصوب وخصوصا إذا كانت المادة في تجاويف ~~المفاصل أو مداخلة الأعضاء أو بعيدة جدا كما إذا كانت عقيب تخم تقدمت ~~وخصوصا إذا كانت غليظة. واما إذا كان المرض الحاد مهياجا، فإن المبادرة ~~إلى الاستفراغ قبل النضج أولى؛ وذلك لأن الضرر المتوقع من حركتها أعظم ~~كثيرا من PageV01P059B ضرر استفراغها غير نضيجة، وخصوصا إذا كانت الأخلاط كثيرة، ~~وخصوصا إذا كانت رقيقة، وخصوصا إذا كانت في تجاويف العروق، فيكون جذب ~~الأدوية لها أسهل. وقد قال بعضهم: إن الاستفراغ قبل النضج في جميع ~~الأمراض الحادة أولى. واحتج على ذلك بوجهين: أحدهما: التجربة. قال: فإنا ~~رأينا خلقا من المحمومين فصدناهم في أول يوم حدوث الحمى، ثم استفرغناهم ~~في ذلك اليوم بالنقوعات المعروفة، وبردنا مشروبهم وغذاءهم، فبرئوا في ذلك ~~اليوم ولم نحتج أن تطول عليهم مدة سوء المزاج ولم نضعف قواهم بتقليل ~~الأغذية. والوجه الثاني: القياس. وهو أن المانع من الاستفراغ قبل النضج ~~هو عسر الخروج بسبب غلظ القوام، والمرض الحاد مادته رقيقة فلا مانع منه، ~~كيف والنضج هو ترقيق القوام وقوام مادة المرض الحاد رقيقا فلا وجه لتأخير ~~الاستفراغ. وقد فرع على هذا الأصل الفاسد بطلان جميع ما ذكرناه PageV01P060A في ~~قانون أغذية المرضى بحسب مرتبة مرضهم لأنه إنما ms053 أوجبنا تقليل الغذاء ومنعه ~~لغرض إقبال الطبيعة على المادة لتنضجها، وإذ لا يجب النضج فلا حاجة إلى ذلك ~~التقليل. واعلم أن كلا الوجهين فاسد، أما الأول فهو أن التجربة إنما تفيد ~~علما إذا تكرر حكمها تكرارا تذعن له النفس، وذلك إنما يكون في أشخاص ~~كثيرة جدا وفي بلاد كثيرة، ولعل ما شاهد هذا القائل أعدادا قليلة جدا، ~~ولو فرضنا أنه كان في أعداد كثيرة إلا أن ذلك يدل على الجواز، وأما أنه ~~أفضل فلا يدل عليه فعل أولئك القوم الذين شاهدهم لو انتظروا النضج كان ~~علاجهم أفضل ورجوع قوتهم إليهم أقرب، والظاهر أن بدنهم لا ينقى بذلك ولو ~~سكنت صورة المادة، لأن الظاهر أن ما كان من المادة غليظا يتخلف، ولعل ~~من عولج بذلك يعاوده المرض عن قرب. وأما الوجه الثاني فإن المانع ليس هو ~~الغلظ فقط، بل ورقة المادة مانعة أيضا، ويدل على ذلك الأمر الطبيعي، فإن ~~البول في أول المرض الحاد لا يكون له ثفل ولو كان المانع الغلظ فقط PageV01P060B ~~وجب أن يكون له ثفل في أول آن حدوث المرض لأن الطبيعة لا تشك في أنها ~~متضررة بمادة المرض، فلو أمكن دفعها في أول آن حدوث المرض لفعلت ذلك، ~~فتأخيرها عن الدفع دليل عجزها عن ذلك، فعجز الأدوية أولي وليس له أن يقول ~~أن سبب عجزها أولا ليس هو رقة المادة، بل انقهار الطبيعة ؛ فإن ذلك لو ~~كان حقا لوجب أن يدوم ذلك الانقهار بل ويقوى كل وقت لأن السبب كلما دام ~~كان تأثيره أقوى، وذلك يقتضي أن لا يمكن دفع المرض البتة وهو محال أيضا لو ~~لم تكن رقة القوام مانعة من الدفع لما تخلف (38) في ذات الجنب يومين، ~~ثلاثة؛ وكذلك لما تخلف النقاء بالنفث في النزل الرقيقة المادة عن اليوم ~~الأول، وليس كذلك. واعلم أن الاستفراغ الذي الأولى فيه تأخير النضج هو الذي ~~يقصد به استئصال المادة، وأما الذي يقصد به التنقيص فيجوز، بل يحسن في ~~أول يوم. PageV01P061A ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ليس ينبغي أن تستدل على ms054 المقدار الذي يجب أن ~~يستفرغ من البدن من كثرته، لكنه ينبغي أن يستغنم الاستفراغ ما دام الشيء ~~الذي ينبغي أن يستفرغ هو الذي يستفرغ والمريض محتملا له بسهولة وخفة، وحيث ~~ينبغي فليكن الاستفراغ حتى يعرض الغشي؛ وإنما ينبغي أن تفعل ذلك متى كان ~~المريض محتملا له. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل هو الغرض الرابع، وهو أن يخرج مقدار ~~ما يجب إخراجه من الخلط المستفرغ، وهذا لا يدل عليه مقدار ما قد خرج فقد ~~يكون الامتلاء أكثر من ذلك، وقد يكون الامتلاء قليلا فلا يدل قلة الخارج ~~على عدم النقاء؛ والذي يدل على ذلك وجوه، أحدها: انتقال الخارج في نوعه إلى ~~نوع آخر لم يقصد استفراغ، فإن هذا يدل على النقاء، وذلك أن المستفرغ ~~للصفراء إذا انتهى إلى البلغم، فقد بالغ لأن الدواء المسهل يجذب أولا ما ~~يختص به، ثم الذي يليه في الكثرة PageV01P061B والرقة. وأما إذا انتهى إلى السوداء ~~فقد أفرط جدا، فكيف لو انتهى إلى الدم، وقد أشار إلى هذا (39) الوجه بقوله: ~~"لكنه ينبغي أن تستغنم الاستفراغ ما دام الشيء الذي ينبغي أن يستفرغ هو ~~الذي يستفرغ". والوجه الثاني: هو دوام احتمال الاستفراغ وسهولة قبوله له، ~~وذلك لإخراج ما يجب ان يخرج مما يستريح البدن بخروجه لا محالة. وأما إذا ~~انتهى إلى إخراج الصالح المنتفع به، فإن البدن يصعب عليه ذلك لأن الطبيعة ~~تشح بالنافع فلا تدفعه إلا لقهر قوي جدا. وقد أشار إلى هذا الوجه بقوله: ~~"والبدن محتمل له بسهولة وخفة". قوله: "وحيث ينبغي فليكن الاستفراغ حتى ~~يعرض الغشي" يريد الغشي الحادث عن كثرة الاستفراغ، أما الحادث عن فزع ~~المريض من الفصد مثلا، أو لمن ينصب إلى معدته صفراء توجب الغشي بأدنى سبب، ~~فلا يدل على مبالغة في الاستفراغ. واعلم أن الغشي الذي يعتري المفصودين من ~~كثرة PageV01P062A الاستفراغ كثيرا ما يبرد المزاج فتطفأ الحمى، وهو في الأكثر ~~يلزمه عرق ومحي طبيعة لضعف الماسكة، فينفع ذلك في إقلاع الحمى. قوله: ~~"وإنما ينبغي أن تفعل ذلك متى كان المريض محتملا له" ms055 لا يصح عود الضمير في ~~"له" إلى الاستفراغ لأن الفرض أن الاستفراغ مما ينبغي أن يستفرغ، وحيث ~~يكون كذلك فإن المريض يكون محتملا له، بل يجب أن يعود إلى الغشي، كأنه ~~قال: "وحيث ينبغي فليكن الاستفراغ حتى يعرض الغشي وإنما ينبغي أن تفعل ذلك ~~متى كان المريض محتملا للغشي" فإن من الناس من لا يحتمل الغشي البتة ويعسر ~~عود قوته إليه بعده. والوجه الثالث: أن يكثر العطش والنعاس، فإن ذلك بعد ~~الإسهال أو القئ يدل على النقاء، وسنذكر هذا فيما بعد ونستقصي الكلام فيه ~~في شرح ذلك. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: قد تحتاج في الأمراض الحادة في الندرة إلى أن ~~تستعمل الدواء المسهل في أولها، وإنما ينبغي أن تفعل ذلك PageV01P062B بعد أن ~~تتقدم فتدبر الأمر على ما ينبغي. ### ||| [commentary] # الشرح: اتفق الشراح على أن المراد بهذا ~~الفصل هو ما كان ذكره في فصل "إلا أن يكون المرض مهياجا، وليس يكاد في ~~أكثر الأمر أن يكون المرض مهياجا" قالوا وإنما زاد هاهنا: "وإنما ينبغي أن ~~تفعل ذلك بعد أن تتقدم فتدبر الأمر على ما ينبغي " أي من تفتيح المجاري ~~وتليين الطبيعة، وبالجملة تسهيل إخراج المادة، وهذا الكلام في غاية الفساد ~~وذلك لأنه كان يمكنه أن يذكر هذه الزيادة في آخر ذلك الفصل، بل الحق أن هذا ~~أعم من ذلك، وذلك لأنه قد يحتاج إلى الاستفراغ في أول المرض الحاد لوجوه: ~~أحدها: أن يكون مهياجا. وثانيها: أن تكون المادة كثيرة فنخاف استيلائها ~~على الطبيعة في مدة الإنضاج فيكون ضرر ذلك أعظم من ضرر استفراغها غير ~~نضيجة. وثالثها: أن تكون القوة ضعيفة جدا فلا يفي بالصبر على المرض إلى ~~PageV01P063A وقت النضج. ورابعها: أن تكون المادة رديئة جدا فنخاف إفسادها للمزاج ~~أو لبعض الأعضاء لو بقيت إلى وقت النضج، كالخراج الفاسد المادة فإنا قد ~~نفجره قبل النضج خوفا من إماتته للعضو. وخامسها: أن تكون المادة دائمة ~~الانصباب إلى العضو المأووف فنخاف عظم الضرر به، فنستفرغه قبل النضج، كما ~~نفجر الخراج قبل النضج إذا كانت المادة ms056 مستمرة الانصباب إلى العضو ~~الوارم. وسادسها: أن يكون ذلك لغرض التنقيص من المادة لقبول الطبيعة على ~~الباقي لا لاستئصالها بالكلية. وفي هذه الأحوال كلها لا يجوز الاستفراغ إلى ~~أن يبلغ الغشي، وإن كان من النوع الذي ينبغي وكان البدن محتملا له بسهولة ~~لأن الغشي يلزمه ضعف القوة فنكون قد ناقضنا موجب الاستفراغ قبل النضج. ~~قوله: "وإنما ينبغي أن تفعل ذلك بعد أن تتقدم فتدبر الأمر على ما ينبغي" ~~معناه أنه إنما يجوز PageV01P063B ذلك بعد التوقي والاحتياط في تفتيح الطرق ~~والاحتراز من مقارنة مانع أو مؤذ، لأن هذا الاستفراغ على خلاف الواجب فوجب ~~أن يكون بتوق وحذر، ولا شك أن ما يؤمر فيه بالتوقي والحذر لايجوز أن يبلغ ~~فيه إلى الغشي، وهذا وجه ذكر هذا الفصل في هذا الموضع (40)؛ لأنه لما ~~بين أنه حيث ينبغي فليكن الاستفراغ إلى أن يحصل الغشي، استثنى هذه ~~الصورة، فيفهم من فحوى كلامه أنه لايجوز أن يبلغ فيها الاستفراغ إلى أن ~~يحصل الغشي. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن استفرغ البدن من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه، ~~نفع ذلك واحتمل بسهولة، وإن كان الأمر على ضد ذلك كان عسرا. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا ~~هو الغرض الخامس من الأغراض المقصودة في كل استفراغ، وهي هذه: إخراج المادة ~~من حيث هي إليها أميل، وكون ذلك من عضو يصلح لاستفراغها، وأن يكون ذلك بعد ~~الإنضاج، وأن [64] وأن يكون بالقدر الواجب، وأن يكون من النوع الذي ينبغي ~~أن ينقى منه البدن فإنه إن استفرغ البدن من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه ~~نفع ذلك لإخراج المؤذي واحتمل بسهولة لعدم ضر الطبيعة به، وإن لم يكن كذلك ~~كان على الضد؛ فعلم من هذا أن هذا الفصل ليس بمكرر ووجه ذكره هاهنا، وأن ~~ما قيل من أنه تذكار لما مضى أو إعادة له لأجل شرفه، قول لا معنى له. ### || # تمت المقالة الأولى بعون الله تعالى وحسن توفيقه. PageV01P064A ### | المقالة الثانية ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: إذا كان النوم في مرض من الأمراض يحدث وجعا، فذلك من علامات ms057 ~~الموت. وإذا كان النوم ينفع، فليس ذلك من علامات الموت. ### ||| [commentary] # الشرح: إنما افتتح ~~هذه المقالة بالكلام في النوم واليقظة، لأن المقصود من الطب هو حفظ الصحة ~~وإزالة المرض، وذلك لا يكون إلا بالأسباب. وأهم ما يتكلم فيه من الأسباب هي ~~الضرورية، وأهم ما يتكلم فيه الطبيب منها PageV01P064B هو ما يتناول، والاستفراغ، ~~والاحتباس، والنوم واليقظة؛ لأن الأهوية يقل كلام الطبيب فيها جدا، لأن ~~غالب البلدان المسكونة هواها صالح والتي هي منها هواها رديء فالناس قلما ~~ينتقلون من بلادهم لأجل الهواء. وأما الحركة والسكون البدنيان والنفسيان ~~فكأنهما من الأشياء الموافقة بالاضطرار ويقل كلام الأطباء في تقديرها، ~~وخصوصا النفسانية. ثم قد مضى في المقالة الأولى الكلام في الأغذية وهو ~~أعظم ما يتكلم فيه الأطباء مما يتناول وفي الاستفراغ، فوجب أن يتكلم في ~~النوم واليقظة، والكلام فيهما أنهما: كيف يستعملان؟ وبأي مقدار؟ مما يقل ~~كلام الأطباء فيه لأن الطبع يدعو (41) إلى المحتاج إليه من ذلك في غالب ~~الأوقات، فتكلم في ذلك من جهة ما يستدل بهما، أي من جهة كونها (42) علامة. ~~واستلزم ذلك بيان كونهما سببا. واعلم أن النوم في المرض منه ما هو نافع، ~~كالنوم عند انحطاط المرض، أو وقت الراحة وخصوصا PageV01P065A إذا اتفق ذلك ليلا؛ ~~وذلك لأن النوم تغور فيه الأرواح إلى داخل البدن، وتجتمع فتقوى القوى ~~ويتدارك بذلك ما أوجبه المرض من الضعف. ومنه ما هو ضار كالنوم في انتهاء ~~النوبة، ووجه ضرره أنه يغلظ المادة ويطول النوبة بمنع التحلل ~~واحتقان الرطوبات؛ وإن كان في الأحشاء ورم زاد فيه، لتحريك المواد إلى ~~جهته. وأضر من ذلك، النوم وقت تزيد النوبة؛ وأضر منه النوم في ~~ابتدائها، فإنه يبلد حركة المادة جدا. وكذلك نوم النهار رديء، لأنه ~~يمنع ما كان يتحلل باليقظة. فإذا كان النوم مطلقا يضر، فذلك من علامات ~~الموت. أما الذي في ابتداء النوائب، فإذا كان الضرر أكثر من الضرر المتوقع ~~عنه في العادة؛ وكذلك الذي في التزيد والانتهاء والنهار. وأما إذا كان ~~ذلك الضرر مساويا للضرر المتوقع منه أو ms058 أقل منه، فلا يدل على الموت. وأما ~~الذي في الانحطاط أو في الراحة فإن يوجد عنه ولو ضرر يسير. وإنما كان ذلك ~~من علامات الموت لأن النوم PageV01P065Bتغور فيه الأرواح والقوى إلى داخل، فلابد ~~ضرورة أن يصحبها شيء من رطوبات البدن، فيصحبها - لا محالة - من رطوبات ~~المرض ولو اليسير؛ إلا أن الغؤور من القوى والأرواح يكون أكثر لا محالة، ~~لأن ما غار من الرطوبات المرضية إنما يكون تابعا لغؤور الرطوبات ~~الغريزية التابعة لغؤور الأرواح والقوى، لأن ذلك هو المقصود من النوم. ~~ولاشك أن الدافع للمرض والمقاوم له هو القوى، فوجب أن يكون مطلق النوم ~~ينفع لأنه يكون قد اجتمع من القوى شيء كثير مع شيء يسير من مادة المرض، ~~فيكون استيلاؤها - لا محالة - أعظم كثيرا من وقت آخر. ولهذا ما يكون ~~المرضى في أوائل النهار أحسن حالا، لأنه يكون قد تقدم لهم النوم الأطول. ~~وأما الضرر الحاصل من النوم في أول النوائب أو في النهار وغير ذلك، فإنه لا ~~لكونه نوما، بل لما يلزمه من أمر آخر. وإذا ثبت أن موجب النوم النفع، ~~فإذا حصل منه ضرر، دل ذلك الضرر على انقهار القوى PageV01P066A تحت ذلك اليسير من ~~مادة المرض. وإذا كان اليسير من مادة المرض مستوليا على الطبيعة حين ~~اجتماعها وقوتها، فإذا التقيا وقت البحران وجب أن تكون مادة المرض بأجمعها ~~قاهرة -لا محالة- للطبيعة قهرا تاما، وذلك يلزمه الموت. ويريد بقوله: ~~وجعا: ضررا. ولذلك جعل في مقابلته النفع، فقال: وإذا كان النوم ينفع. ~~وإذا عرفت هذا فأقول: إنه إن كان الضرر الحاصل بالنوم في الوقت الذي يكون ~~فيه أنفع كوقت انحطاط النوبة، فلاشك أن دلالته على الموت أقوى. قوله: وإذا ~~كان النوم ينفع، فليس ذلك من علامات الموت. لأن النوم ثبت أنه نافع، فنفعه ~~لا يدل على الموت. وأما دلالته على الصلاح أو الصحة فإنما يكون إذا كان ~~النفع أكثر من المتوقع منه في العادة، مع اشتراك الكل في أنه لا يدل على ~~الموت. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا سكن النوم اختلاط ms059 الذهن، فتلك علامة ~~صالحة. ### ||| [commentary] # الشرح: PageV01P066B أما تعلق هذا الفصل بالذي قبله فظاهر، بل لو جمع ~~الكل ليكون فصلا واحدا لجاز. وما كان من اختلاط الذهن عن ورم، إما في ~~الدماغ وهو السرسام، أو في الصدر وهو البرسام فظاهر؛ لأن النوم لا يفي ~~بتسكينه بالكلية بل ربما إلى حين. وكذلك ما كان من احتراق الأخلاط، ~~كالمانيا، والقطرب، وداء الكلب. وأما ما كان عن يبس يسير أو بخار ~~صفراوي، كما في الحميات، فإن النوم قد يفي بتسكينه بالكلية، ~~بترطيب المزاج وكسر حدة الأبخرة التي أحدها فرط اليقظة أو فرط ~~الاشتغال. وأما أن ذلك علامة صالحة، فظاهر. وفي معنى سكون اختلاط الذهن ~~سكون الوجع ونضج المادة وتحليل الورم، فإن ذلك كله علامة صالحة. وإنما ~~اقتصر أبقراط على تسكين اختلاط العقل، لأن ذلك أمر ظاهر، ولأنه يحصل بتعديل ~~المزاج فقط، فما يتوقف على نضج وتحليل مع إصلاح المزاج، فكونه علامة صالحة ~~أولى. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: PageV01P067A النوم والأرق كلاهما إذا جاوز كل واحد منهما ~~المقدار القصد، فتلك علامة رديئة. ### ||| [commentary] # الشرح: أما تعلق هذا بما قبله، ~~فلأنه فهم مما تقدم نفع النوم وأنه بطبعه نافع، فأراد أن يبين أنه مع ~~نفعه فإن الإفراط منه مؤذ، فغيره بطريق الأولى. ونقول: الأرق يقظة مفرطة، ~~وكان ينبغي أن يجعل في مقابلته السبات إلا أن السبات ليس نوما طويلا ~~فقط، بل وثقيلا أيضا، بحيث يعسر الانتباه منه. وليس يتوقف كون النوم ~~الطويل علامة رديئة على كونه ثقيلا، وإنما كان الإفراط منه (43) علامة ~~رديئة؛ لأن ذلك يدل على سوء المزاج المفرط. أما النوم فعلى فرط برد ~~مخدر للدماغ، أو فرط رطوبة مرخية مانعة من نفوذ الروح، أو فرط ~~تحلل من الروح وقلته فلا يفي بالانبساط عن المبدأ. وأما الأرق فعلى ~~فرط اشتغال الدماغ أو حدة الأبخرة المتصعدة إليه، أو اشتعال الروح ~~وناريتها لفرط حرارة أو يبس، ولا خفاء أن ذلك رديء بما هو علامة وبما هو ~~سبب. فإن النوم PageV01P067B إذا أفرط غلظ جوهر الروح وكدره وغلظ المواد ~~ومنع التحلل، ms060 فغلظ المواد وأرخى القوى النفسانية كلها. والأرق يجفف ~~الدماغ ويضعف القوى بفرط التحليل. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: لا الشبع ولا الجوع ولا ~~غيرهما من جميع الأشياء بمحمود إذا كان مجاوزا للمقدار الطبيعي. ### ||| [commentary] # الشرح: ~~أما تعلق هذا الفصل بما قبله فظاهر، وذلك لأنه في الأول حكم بأن الإفراط ~~من الشيء النافع بل الضروري ،كالنوم واليقظة، رديء. فبين ها هنا ذلك في ~~الطبيعي أيضا، فإن الإفراط في الشيء الطبيعي ضار أيضا. ونقول: الفرق بين ~~النافع، وبين الضروري، والطبيعي؛ أن النافع هو: كل ما (44)يجلب خيرا، ~~سواء أمكن التخلي عنه أو لا يمكن. وأما الضروري فهو: الذي لا يمكن التخلي ~~عنه، سواء كان من أفعال الطبيعة الخاصة بالشيء الذي هو ضروري له، أو لا ~~يكون. وأما الطبيعي فهو: المنسوب إلى الطبيعة. فعلى هذا يكون الطبيعي أخص ~~من الضروري وهو أخص من النافع، PageV01P068A إلا أن العادة جرت بين الأطباء أنهم ~~لا يسمون الطبيعي والضروري بالنافع وإن كانا نافعين؛ وكذلك لا يسمى ~~الطبيعي بالضروري وإن كان ضروريا. ونقول: الظاهر أنه أراد ها هنا بالشبع، ~~الامتناع من الغذاء؛ وبالجوع، الشهوة له. وظاهر أنه لا يريد بذلك ما كان ~~منهما صادقا، فإن ذلك لا يوصف بالإفراط، وإنما كان الإفراط من ذلك رديئا. ~~أما الجوع فلدلالته على شدة برودة المعدة أو فرط إحراقها أو انصباب خلط ~~حامض لذاع إليها. وأما الشبع فلدلالته على فرط الامتلاء أو فرط حرارة ~~المعدة فيكون اشتياقها إلى الماء دون الغذاء، أو على بطلان حس فم المعدة أو ~~ضعف الكبد أو موت القوة الشهوانية، ولاحقا إن ذلك كله رديء. إلا إن أبقراط ~~لم يقل إن ذلك رديء، بل قال إنه ليس بمحمود، وكونه ليس بمحمود ظاهر، وإنما ~~لم يجزم برداءته لأنه قد لا يكون رديئا، كالشبع الذي يكون في أوائل ~~الحميات، والجوع الذي يكون للناقهين. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: الإعياء PageV01P068B الذي لا ~~يعرف له سبب، ينذر بمرض. ### ||| [commentary] # الشرح: أما تعلق هذا الفصل بما قبله، فلأنه قد ~~تكلم فيما يتعلق بالأسباب الضرورية فيما هو متعلق ms061 بالأغذية والاستفراغ ~~والنوم، وقد بينا أن ما يتعلق بالأهوية فالحاجة إليه قليلة، فنفى ما ~~يتعلق بالحركة البدنية والنفسانية. والإعياء موضوع في الأصل لما يحس عند ~~الحركة المفرطة، ثم كان الإعياء أولى من باقي ما يتعلق بالحركة لأنه كثيرا ~~ما يحدث عقيب النوم وخصوصا الغير تام، فوجب أن يصله بالكلام في النوم ~~واليقظة. وأما الفصل الذي هو: لا الشبع ولا الجوع. فهو كالتأكيد لما قبله ~~كما بينا، فلهذا وقع دخيلا. ونقول: الإعياء إما مفرد، وإما مركب. ~~والمفرد أصنافه أربعة: أحدها: القروحي: وهو ما يحس منه في الجلد كمس ~~القروح، وربما أحس كنخس الشكوك، ويحس ذلك عند مس أعضائهم وعند الحركة، فإذا ~~قوى صار قشعريرة، وإذا أفرط أوجب نافضا PageV01P069A وحمى. وثانيها: ~~التمددي: وهو أن يحس صاحبه كأن بدنه قد رض، ويحس بحرارة وتمدد، ويكره ~~الحركة حتى التمطي، ويكون عن مواد صالحة الجوهر محتبسة في العضل، وقد يكون ~~لريح تمدد، ويفرق بينهما بالخفة والثقل. وثالثها: الورمي: وهو ~~ما يكون معه البدن كالمنتفخ حجما ولونا، ويحس معه بتمدد وكراهة للحركة. ~~ورابعها: يقال له: القشفي والقصفي. وهو ما يحس صاحبه كأنه قد أفرط به ~~الجفاف واليبس. وأما المركب فما يتركب عن هذه بعضها مع بعض. والإعياء ~~يحدث على وجهين: أحدهما عن الحركة وهو أسلم، ويقال له: الإعياء الرياضي. ~~وثانيها عن كثرة المواد وهو أردأ (45)، ويسمى الإعياء الذي لا يعرف له سبب؛ ~~لأن السبب المعروف للإعياء هو الحركة، فما ليس عن الحركة ليس له سبب ظاهر ~~عند الجمهور، وأما العلماء فسببه عندهم معلوم. وأما أنه ينذر بالمرض، فلأن ~~الفضول إذا تحركت بنفسها دل ذلك على كثرتها جدا، فإذا لم تصلح PageV01P069B ~~ولم تستفرغ ففي غالب الأمر توجب مرضا. وأما الإعياء الرياضي فليس كذلك، ~~لأن مادته إنما حركتها الرياضة فلا يدل ذلك على كثرتها. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من ~~يوجعه شيء من بدنه ولا يحس بوجعه في أكثر حالاته، فعقله مختلط. ### ||| [commentary] # الشرح: أما ~~تعلق هذا بما قبله فلوجهين: أحدهما أن المتقدم كان متعلقا بالحركة البدنية ~~وهذا متعلق بالحركة ms062 النفسية لأن الإحساس من الانفعالات النفسية، والانفعال ~~حركة. وثانيهما أن الأول كان يتبين به أنه قد يحس شيء لا وجود له، لأن ~~الإعياء إحساس بالتعب ولا وجود له لأن التعب لا يكون إلا عن الحركة، ولا ~~حركة فلا تعب. وهذا يتبين منه أنه قد يكون للشيء وجود ولا يحس، والوجع ~~هو الإحساس بالمنافي من حيث هو مناف بغتة. فقولنا بالمنافي، تخرج ~~اللذة لأنها إحساس بالملائم من حيث هو ملائم. وقولنا من حيث هو مناف، لأنه ~~قد يكون للشيء المنافي أحوال PageV01P070A لا يكون بها منافيا فيحس به من تلك ~~الجهة فيلتذ به كما يتلذ بأكل الفواكه الضارة، لأنا لا نحس بها من جهة ~~ما هي ضارة بل من جهة ما هي ملائمة، مثلا من جهة ما هي حلوة مغذية. ~~وقولنا: بغتة. على سبيل التفهيم، فإنه لا يحس المنافي أو النافع إلا إذا ~~وقع بغتة، وأما إذا استمر زمانا طويلا فقد لا يحس، كما لا يحس صاحب حمى ~~الدق بحرارتها وهي مذيبة لأعضائه. فإن قيل إذا كان الوجع ما قلتموه لم يصح. ~~قوله: من يوجعه شيء من بدنه ولا يحس بوجعه. لأنه إذا لم يحس به، لا يكون ~~وجعا. قلنا: مراده بقوله: من يوجعه. أي من يوجعه ذلك في ظننا، وذلك إذا ~~شاهدنا في عضو سببا للوجع، كجراحة أو ورم فنحن نظن أنه يوجعه ذلك؛ فإذا ~~لم يوجعه، فإما أن يكون ذلك لاشتغال النفس عنه بما هو أعظم، كما إذا كان به ~~وجع أعظم من ذلك؛ أو لأن ذلك العضو عديم الحس ولا يحس؛ أو لأن الذهن مختلط، ~~ويفرق بين هذا وبين ما قبله بأن هذا قد يوجعه في بعض الأوقات وهو عندما ~~PageV01P070B يصح الذهن قليلا، ولهذا قال: ولا يحس بوجعه في أكثر حالاته. وهذا ~~يفهم على وجهين: أحدهما أنه في أكثر حالاته لا يحس. وثانيهما أن لا يكون ~~الإحساس في الأكثر، وهذا لا يمنع أن يكون مساويا للإحساس. وكلا المعنيين ~~صحيح. وأما الذي يكون لبطلان حس العضو فلا يوجعه البتة على ms063 كل حال. وأما ~~الذي لاشتغال النفس بما هو أقوى، فلو قوى ذلك أوجع، لأن النفس تنصرف إليه. ~~ ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: الأبدان التي تهزل في زمان طويل، فينبغي أن تكون إعادتها ~~بالتغذية إلى الخصب بتمهل، والأبدان التي ضمرت في زمان قصير ففي زمان ~~يسير. ### ||| [commentary] # الشرح: قد بينا في الفصل الماضي أن الوجع، بل كل إحساس، لا يكون ~~إلا بما يعرض دفعة، وأعني بالدفعة الزمان القصير. وأما ما يكون قليلا ~~قليلا، فإنه لا يحس. وهذا الفصل كأنه دليل على ذلك، كأنه قال: وكذلك فإن ~~الأبدان التي تهزل في زمان قصير، تعود إلى الخصب PageV01P071A في زمن يسير؛ لأن ~~ذلك لسبب قوي عارض دفعة، فتكون الطبيعة مدركة له ومتضررة به، ويكون ذلك ~~الهزال كالغريب عن المزاج الطبيعي، فتكون إزالته أسهل. وأما إذا كان ~~الهزال في زمن طويل كان عروضه بالتدريج، فلم يكن للطبيعة شعور، ويكون قد ~~استقر زمانا طويلا فألفته الأعضاء والطبيعة، وصار كأنه مزاج أصلي، ويكون ~~الخصب كالغريب. ولا شك أن ذلك يوجب أن يكون عود الخصب أعسر وأبطأ؛ وها ~~هنا سبب آخر، وهو أن في الهزال لابد وأن يكون الوارد أقل من المتحلل، ~~وإذا دام ذلك أوجب -لا محالة- ضعفا في القوى الغريزية التي في الأعضاء، ~~وصلابة في جواهرها، فتحتاج في العود إلى الخصب إلى ترطيب الأعضاء ولينها ~~وتقوية القوى، وذلك محوج -لا محالة- إلى زمان طويل؛ ولا كذلك ما كان من ~~الخصب في زمان قصير. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: الناقه من المرض إذا كان PageV01P071B ينال من ~~الغذاء وليس يقوى به، فذلك يدل على أنه يحمل على بدنه منه أكثر مما ~~يحتمل. وإذا كان كذلك، وهو لا ينال من الغذاء، دل على أن بدنه يحتاج إلى ~~استفراغ. ### ||| [commentary] # الشرح: أما تعلق هذا بما قبله فلوجهين: أحدهما: أن الناقه من ~~جملة الذين هزلوا في زمان طويل. وثانيهما: أنه عادته أن يذكر بعد الشيء ~~مقابله، ففيما قبله ذكر من يجب أن يزاد في بدنه، وفي هذا ذكر من يجب ~~أن ينقص من بدنه. قوله: فإن كان ms064 ذلك وهو لا ينال من الغذاء. أي لا ينال من ~~الغذاء أكثر مما يحتمله بدنه. وحاصله أنه إذا لم يقو بالغذاء فهناك فضلة، ~~إما من الغذاء أو من خلط متقدم. وقد استدرك أبقراط على وجوب الاستفراغ ~~حينئذ بوجهين: أحدهما: أن البدن الذي ليس بالنقي كلما غذوته فإنما تزيده ~~شرا. وثانيهما: أن البقايا التي تبقى من الأمراض من بعد البحران من شأنها ~~أن تجلب عودة من المرض. ولو جعل هذا الفصل مع هذين الفصلين على هذا النظام ~~لجاز PageV01P072A وحسن، لكن المنقول خلافه فيجب أن يكتب على ما هو عليه. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: كل بدن تزيد تنقيته، فينبغي أن تجعل ما تريد إخراجه منه يجري فيه ~~بسهولة. ### ||| [commentary] # الشرح: إن ذلك الناقه لما وجب استفراغه مما بقي، ذلك شيء يسير، ~~والقوى ضعيفة لتقدم المرض، وجب أن يسهل خروج ما تريد إخراجه ليجري ~~بسهولة فلا يحوج إلى أدوية قوية مضعفة، ولا يكون ذلك بكد يوجب الضعف ~~أيضا؛ وذلك لتسهيل يكون بتفتيح المجاري وتعديل قوام تلك الفضلة وتليين ~~الطبيعة وغير ذلك. وقد جرت العادة بتسمية الاستفراغ لمثل هذه البقايا ~~تنقية. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: البدن الذي ليس بالنقي، كلما غذوته فإنما تزيده شرا. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل هو ذكر العلة في أن الناقه لا يقوى، وهو دليل على وجوب ~~استفراغه، فكان يجب أن يقرن بذلك الفصل، إلا أنه لما ذكر في ذلك الفصل ~~PageV01P072B أنه يجب أن يستفرغ أراد أن يبين قبل الشروع في الدليل على ذلك أن ذلك ~~الاستفراغ يكون تنقية، ليكون قد حقق الدعوى قبل ذكر الدليل. وأما إشارته ~~بأن يجعل جريان ذلك بسهولة فهو كالجواب عن إنكار، كأنه قدره أنكر عليه به ~~وهو استفراغ الناقه. والناقه لا محالة يكون ضعيفا، والاستفراغ يزيد ~~في الضعف، فيكون قوله: فينبغي أن يجعل ما يريد إخراجه يجري فيه بسهولة: ~~جوابا عن ذلك، وهو أن ذلك لا يوجب زيادة الضعف لأنه إنما يكون بعد جعله ~~يجري بسهولة. وأما بيان أن هذا هو علة كون ذلك الناقه لا يقوى، ms065 وذلك ~~لأن الغذاء كما بيناه يزيد في المواد. فإذا كان في البدن مادة رديئة، ~~فإن الغذاء يزيد فيها. والخلط الفاسد يحيل الوارد وإن كان صالحا إلى ~~طبيعته. وذلك شر، وهذا معنى قوله: فإنما يزيده شرا. وإذا أراد ذلك الخلط ~~الرديء، كان الأولى بأن يوجب الضعف، فضلا عن PageV01P073A أنه لا يقوى. ~~وأما بيان دلالته على وجوب استفراغ ذلك الناقه فظاهر، وذلك لأنا نحتاج ~~إلى التغذية لأجل التقوية. فإذا كانت التغذية بسبب هذا الخلط تزيد شرا، ~~وجب إخراجه، ليمكن استعمال الغذاء على وجه يلزمه التقوية. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: لأن ~~يملأ البدن من الشراب، أسهل من أن يملأ من الطعام. ### ||| [commentary] # الشرح: إنما أدخل ~~هذا الفصل قبل ذكر الدليل الثاني على وجوب الاستفراغ ليبين أن الأغذية، ~~في كونها تزيد غير النقي شرا، مختلفة. فما كان منها ألطف، كان إحداثه ~~للشر أقل بسبب سرعة انحلاله. وكذلك فإن الامتلاء من الشراب أسهل من الطعام؛ ~~لأن الشراب غذاءه ألطف، وتحلله أسرع. وإذا أطلق الأطباء لفظة الشراب ~~أرادوا الخمر، ولا شك أن الخمر مع لطافته، تتلقاه الطبيعة بالقبول ~~والتوزيع، ولا تجد منه من الثقل ما تجده من الأغذية الأخر. PageV01P073B ويعرف ~~من هذا الفصل أنه يجب أن يكون غذاء الناقه الذي ليس بنقي لطيفا، ليكون ~~أقل إحداثا للشر. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: البقايا التي تبقى من الأمراض من بعد ~~البحران، من شأنها أن تجلب عودة من المرض. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا هو الدليل الثاني ~~على وجوب استفراغ ذلك الناقه، والمنع من تغذيته؛ وذلك لأن هذه البقية ~~إنما بقيت لعجز الطبيعة عن دفعها، فإذا ورد عليها الغذاء استحال إليها ~~فكثرت، وهي من مادة المرض، فكان استيلاؤها على الطبيعة أكثر فوجب أن يعود ~~المرض. فينبغي أن يمنع من الغذاء لئلا تزيد تلك البقية. وأن يستفرغ ~~لوجهين: أحدهما: ليمكن استعمال الغذاء. وثانيهما: ليؤمن إحداث هذه البقية ~~للمرض. قوله: البقايا التي تبقى من الأمراض بعد البحران تزيد من مادة ~~الأمراض. وإنما قال بعد البحران، وكان ينبغي أن يقول: التي تبقى من الأمراض ~~في الناقهين. ms066 لأن غرضه أن ذلك الناقه يجب استفراغه لأن تلك البقية ~~التي PageV01P074Aفي بدنه من شأنها إعادة المرض. إلا أنه أراد أن يوصل ذلك بكلام ~~في البحران، فلهذه ذكره. وهذا لا يكون إلا بحرانا ناقصا، لأن التام ~~يستأصل مادة المرض، وعلم من هذا أن هذا الناقص كان بحرانه ناقصا. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: إن من يأتيه البحران، قد يصعب عليه مرضه في الليلة التي قبل ~~نوبة الحمى التي فيها البحران، ثم في الليلة التي بعدها يكون أخف على ~~الأمر الأكثر. ### ||| [commentary] # الشرح: إنه لما علم أن ذلك الناقه كان قد أتاه بحران ~~ناقص، وجب أن يبين أن البحران الناقص كيف يعقب الخفة، مع أن الطبيعة ~~قد عجزت عن دفع الباقي، فذكر ما هو أعم من ذلك وهو أن كل بحران، سواء كان ~~تاما أو ناقصا، ومحمودا أو مذموما؛ فإنه في أكثر الأمر يعقبه خف. أما ~~التام، فظاهر. وأما الناقص، فلأن المرض قد ضعف والطبيعة قد استولت ~~نوعا من الاستيلاء، وإن كانت عاجزة عن الاستيلاء التام. وأما المذموم، ~~فلأن الطبيعة تايس من المقاومة، فتترك المجاهدة PageV01P074B فلا يبقى ما يوجب ~~الاضطراب، حتى إن كثيرا من المرضى يحصل لهم عند قرب الموت حالة كالراحة ~~وكالقوة، حتى ربما تحرك بعضهم حركة قوية بعد أن كان مختلطا. فإن قيل: فهذا ~~الذي ذكرته يوجب أن يكون بعد كل بحران، ويكون ذلك دائما، فكيف قال على ~~الأمر الأكثر. قلنا: لا يلزم أن يكون ذلك كليا، لأن من البحارين ~~المذمومة ما يتعقبه الموت، فلا يظهر بعد خف. وأما جالينوس فجعل الخف ~~عقيب البحارين المحمودة، وادعى أن غالب البحارين كذلك إلا إذا حصل وباء. ~~وما ذكرناه أكثر أكثرية. قوله: قد يصعب عليه مرضه في الليلة التي قبل نوبة ~~الحمى التي يأتي فيها البحران. وذلك لأن كل بحران فلابد وأن يتقدمه صعوبة ~~من المرض ضرورة أنه لابد قبل انفصال المتقابلين بالقتال من اضطراب وأمور ~~صعبة، والبحران هو انفصال الطبيعة من المرض بسبب القتال بينهما فلا PageV01P075Aبد ~~من قتال يتقدمه، وذلك موجب لصعوبة المرض. وفي ms067 أكثر الأمر تقع هذه الصعوبة ~~في الليل، لأن الأمراض كلها تشتد في الليل بسبب اشتغال الطبيعة بالمرض عن ~~كل شيء، فلهذا قال: قد يصعب عليه مرضه في الليلة التي قبل نوبة الحمى؛ لأن ~~وقوع ذلك في الليل ليس دائما. ويشبه أن يكون قوله: في الليلة التي بعدها ~~يكون أخف على الأمر الأكثر. يكون الأمر الأكثر راجعا إلى كون الصعوبة في ~~الليلة المتقدمة، وكون الخفة في الليلة المتأخرة لأن تقدم الصعوبة وتأخر ~~الخفة دائما في كل بحران؛ حتى إن المذموم الذي يعقبه الموت لابد وأن يتقدم ~~الموت خف، لكنه قد لا يكون محسوسا. وأما كون ذلك في الليل فهو أكثري. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: عند استطلاق البطن، قد ينتفع باختلاف ألوان البراز، إذا لم يكن ~~تغيره إلى أنواع منه رديئة. ### ||| [commentary] # الشرح: من البحارين المحمودة التي يعقبها الخف ~~لا محالة استطلاق البطن، PageV01P075B وخصوصا من ألوان لأن ذلك يكون استفراغا ~~لمواد مختلفة؛ فإن لكل واحد من الأخلاط لون يخصه. فالدم أحمر اللون، ~~والبلغم أبيض، والصفراء لونها أحمر ناصع، والسوداء لونها كلون الدردي؛ وهذه ~~هي ألوان الأخلاط الطبيعية، وأما التي ليست بطبيعية فقد تتغير عن ألوانها، ~~إما إلى سواد كالدم المحترق، أو إلى بياض كالدم المائي، أو إلى صفرة كالدم ~~الصفراوي؛ وقد يكون على غير ذلك. قوله: قد ينتفع باختلاف ألوان البراز. ~~الاختلاف هو الإسهال، أي إسهال ألوان من البراز، وإنما لم يجعل ذلك ~~الانتفاع دائما، لأنه قد يكون ذلك الاستفراغ من أخلاط محمودة فيكون لا من ~~النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن. وأما الانتفاع بذلك إذا كان من ~~أخلاط فاسدة فهو ظاهر. قوله: إذا لم يكن تغيره إلى أنواع منه رديئة، لأنه ~~إذا كان التغير إلى أنواع رديئة، فإنه لا ينتفع به. وهذه الأنواع الرديئة ~~هي مثل: الصديد، وذوبان اللحم PageV01P076A والشحم. لكن ها هنا إشكال، وهو أن ~~المواد كلما كانت أكثر فسادا كان الانتفاع بخروجها أكثر، فوجب أن يكون ~~تغير الاختلاف إلى أنواع من الاختلاف رديئة أنفع من تغيره إلى أنواع منه ms068 ~~أقل رداءة. الجواب: إنا لا نشك أن خروج هذه الأنواع من البدن أولى له من ~~بقائها فيه، لكنه لا يقال إن كذا نافع إلا إذا أعقب نفعا، وهذه يستحيل أن ~~تعقب نفعا لأنها لا تكون إلا عن فساد عظيم. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: متى اشتكى الحلق ~~أو خرجت من البدن بثور أو خراجات فينبغي أن تنظر وتتفقد ما يبرز من البدن، ~~فإن كان الغالب عليه المرار فإن البدن - مع ذلك - عليل، وإن كان ما يبرز من ~~البدن مثل ما يبرز من البدن الصحيح، فكن على ثقة من التقدم، على أن ~~تغذو (46) ذلك البدن. ### ||| [commentary] # الشرح: أما تعلق هذا بما قبله فلأنه أشار إلى ~~البحران الناقص بقوله: البقايا التي تبقى من الأمراض بعد البحران PageV01P076B ~~وإلى البحران التام بالفصل المتقدم. وفي هذا يشير إلى باقي أقسام البحران، ~~وهو بحران الانتقال. ثم ذكر ذلك عاما، فقال: متى اشتكى الحلق. أي سواء كان ~~ببحران أو بغير بحران. ونقول: إذا اندفعت مادة إلى الحلق أو إلى الجلد، فقد ~~يكون ذلك المندفع هو جميع ما كان في البدن من تلك المادة، وحينئذ يكون ~~البدن قد نقي، فينبغي أن تكون على ثقة من أن تغذو (47) البدن. وقد يبقى ~~بعد ذلك في البدن بقية من تلك المادة فيكون البدن غير نقي، بل عليل، ~~فينبغي أن يغذو (48) حتى يستفرغ لأن البدن الذي ليس بالنقي كلما غذوته ~~فإنما تزيده شرا فينبغي أن تعرف، إذا حصل ذلك، هل هو جميع ما كان في البدن ~~أو بقي منه فيه بقية؛ لنعرف أنه هل ينبغي أن يستعمل الغذاء أو نؤخره إلى ~~بعد الاستفراغ. ويدل على ذلك وجهان: أحدهما: ما يحصل عن التغذية من التقوية ~~ومقابلها، فإن البدن الغير نقي لا يقوى بالتغذية ويقوى PageV01P077A النقي، كما ~~بينا في قوله: إذا كان الناقه من المرض ينال من الغذاء وليس يقوى ~~به. والوجه الثاني: ذكره في هذا الفصل، وهو أنه إن كان ما يبرز من البدن، ~~مثل ما يبرز من البدن الصحيح، فالبدن نقي، وإلا فلا؛ وذلك ms069 لأن البدن إذا ~~كان فيه خلط ففي الغالب لابد أن يندفع منه شيء فيما يبرز من البدن. وذلك ~~أعم من كونه برازا، أو بولا، أو عرقا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: متى كان بإنسان ~~جوع، فلا ينبغي أن يتعب. ### ||| [commentary] # الشرح: عادة أبقراط في كثير من المواضع أن يذكر ~~بعد الفصل ما يقابله، وهذا الفصل كالمقابل لما قبله، لأن فيما قبله ذكر ~~من لا يجوز أن يغذى حتى ينقص (49) بدنه. وفي هذا ذكر من لا يجوز أن ينقص ~~بدنه بالتعب حتى يغذى، وإذا لم يجز (50) أن ينقص بالتعب حتى يغذى، فبأن لا ~~ينقص بغيره-كالدواء المسهل والفصد وغيرهما- أولى؛ وذلك هو الذي يريد به ~~جوع. وظاهر أنه يريد به الجوع الصادق. ونقول: الجوع هو الإحساس PageV01P077B ~~بالحاجة إلى الغذاء، فقد يكون الإحساس صادقا ويسمى ذلك الجوع الصادق، وقد ~~يكون كاذبا ويسمى جوعا كاذبا. وسبب الجوع أن المعدة إذا خلت أحس (51) ~~فيها بذلك الخلو، ويدغدغه السوداء المنصب إليها من الطحال، فإن الطحال ~~جعل كالخزانة لأن يجتمع فيه قسط صالح من السوداء ليكون معدا (52) ~~للتنبيه على شهوة الغذاء. كما أن المرارة كالخزانة لأن يجتمع فيه قسط صالح ~~مثل الصفراء، ليكون معدا للاندفاع إلى الأمعاء، لينبه على إخراج ~~الثفل، وليغسل المعا من الثفل والبلغم اللزج. ونقول: كان ينبغي أن يكون ~~الجوع في جميع أعضاء البدن، لأن كل واحد منها (53) يحتاج إلى الغذاء عند ~~الخلو عنه، إلا أنه لم يمكن أن تكون الأعضاء كلها حساسة، فجعل فم المعدة ~~كالمتكفل للأعضاء كلها بذلك؛ فلذلك وجب أن يكون حسه قويا جدا، فلذلك وجب ~~أن يكون عصبيا. وأقول: إذا كان بإنسان جوع، فلا ينبغي أن يتعب؛ لأن التعب ~~تحليل PageV01P078A ومن به جوع فأعضاؤه خالية من الرطوبات، فيكون التعب سببا ~~لتجفيف بدنه. وأقول غير التعب من أنواع الاستفراغات بطريق الأولى، لأنه ~~أكثر إخراجا للرطوبات. وأقول هذا حكم الجوع من حيث هو جوع، وإلا قد يكون ~~من الناس من ينبغي أن يتعبه على الجوع، وهو المفرط في الخصب. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~متى ورد على ms070 البدن غذاء خارج عن الطبيعة كثيرا، فإن ذلك يحدث مرضا، ويدل ~~على ذلك برؤه. ### ||| [commentary] # الشرح: إنما تعلق هذا بما قبله، فلأنه لما ثبت أن من ~~به جوع لا ينبغي أن يتعب حتى يزول جوعه بالأكل، بين أن ذلك الأكل لا ~~يجوز أن يكون كثيرا، خارجا عن الطبيعة. فإن قيل: إن هذا لا يختص بصاحب ~~الجوع لأن ذلك يعم الجيعان والشبعان؟ قلنا: هو للجيعان أضر، فإن الامتلاء ~~عقيب الجوع قتال، أعني الجوع المستمر أياما، ولهذا ما يكثر الوباء بعد ~~سنى الغلاء، لأن الناس ينتقلون من القحط إلى شبع كثير PageV01P078B وذلك قتال ~~لأن الأعضاء تكون قد جفت وضعفت قواها المتصرفة في الغذاء. قوله: متى ~~ورد على البدن غذاء خارج عن الطبيعة كثيرا. أي خارج خروجا كثيرا. وفي ~~بعض النسخ: كثير بالرفع، فيكون وصفا للغذاء تقديره متى ورد على البدن ~~غذاء كثير خارج عن الطبيعة، أي ومع كثرته فهو خارج عن الطبيعة. قوله: فإن ~~ذلك يحدث مرضا، ويدل على ذلك برؤه. أي ويدل على نوع ذلك المرض برؤه. ~~وبيان هذه الدلالة أن برأ (54) الأمراض بالضد، كما أن حفظ الصحة بالمثل، ~~فالمرض الذي يبرأ (55) بالأشياء الحارة يعلم أنه بارد، وبالضد. وإنما ~~قلنا إن ذلك يحدث مرضا لأن خروجه عن الطبيعة كثيرا، ولأنه مع كثرته خارج ~~عن الطبيعة، وذلك في الأكثر يحدث مرضا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ما كان من الأشياء ~~يغذوا سريعا دفعة، فخروجه أيضا يكون سريعا. ### ||| [commentary] # الشرح: أما تعلق هذا بما ~~قبله فظاهر، لأنه منع PageV01P079A أن يكون غذاء الجائع خارجا عن الطبيعة في ~~الغلظ أو في الكثرة أو في الكيفية، وذلك الجائع فقد نهاه عن التعب إلى أن ~~يتغذى، فإذا أراد أن يتحرك بسرعة فينبغي أن يغذى بما يغذو (56) سريعا ~~ليترطب بدنه ولا يجف بالحركة. والأشياء التي تغذوا سريعا هي مثل: مرقة ~~اللحم، وصفرة البيض النيمبرشت (57). قوله: دفعة. يريد الزمان القصير ~~جدا. يقال دفعة، وطرفة، وبغتة. قوله: فخروجه أيضا يكون سريعا. يحتمل أن ~~يكون المراد أمران: أحدهما: أن علامة الغذاء الذي يغذوا ms071 سريعا أن خروجه ~~يكون سريعا، أعني خروجه من المعدة ومن الأمعاء. وقد يقال للمتحلل ~~سريعا أي أنه سريع الخروج من البدن كله. وثانيهما: أن يكون تأكيدا لوجوب ~~استعمال الغذاء الذي يغذوا سريعا، وذلك لأنه - لخروجه سريعا- لا يطول ~~بقاؤه في المعدة ولا في الأمعاء فلا يخاف من الحركة عليه ما يخاف منها ~~على البطيء الاستحالة إلى الغذائية؛ لأنه يفسد في المعدة بالحركة PageV01P079B ~~عليه. واعلم أن كل ما يغذوا سريعا، فإن خروجه يكون سريعا. وكل ما ~~(58)يغذوا بطيئا، كلحم البقر، والبيض الصلب، ولحوم الحيوانات الكبار، ~~فخروجه يكون بطيئا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن التقدم بالقضية في الأمراض الحادة، ~~بالموت كان أو بالبرء (59)، ليس تكون على غاية الثقة. ### ||| [commentary] # الشرح: قد مضى الكلام ~~في علامات بعضها يختص بالمرض، كالعلامات الدالة على البحران، لصعوبة ~~المرض قبله وخفته بعده، وكتصحيح النوم للذهن ولعدم الإحساس بألم الأعضاء ~~الآلمة. ومنها مختصة بالصحة، لكون ما يبرز من البدن كما يبرز من الأصحاء، ~~وهذا دليل على صحته؛ وكالإعياء الذي لا يعرف له سبب، فإن هذا يكون في ~~الصحة وينذر بالمرض. ومنها مشتركة بين الصحة والمرض، لكون الجوع والشبع ~~وغيرهما مما هو زائد على المجرى الطبيعي، علامة رديئة. ومنها مختصة ~~بالحالة التي ليست بصحة ولا مرض، لكون الناقه لا يقوى بالغذاء. فبين ~~ها هنا أن العلامات PageV01P080A المرضية إذا كان المرض حادا، غير موثق ~~بدلالتها على عطب ولا على سلامة غاية الثقة. أما أنها أقل ثقة من الأمراض ~~المزمنة، فلأن الأمراض الحادة مادتها تكون - لا محالة - أكثر حركة ~~وانتقالا من الأمراض المزمنة. ولاشك أن مادة المرض يختلف إيجابها للصحة ~~والعطب بحسب مواضعها؛ فإن القريبة من القلب قتالة، والبعيدة عنه عند ~~الأطراف تكون سليمة. فإذا دلت علامة في المرض الحاد على شيء من ذلك، كان ~~الجائز الذي يقع كثيرا، انتقال المادة عن الموضع الذي اقتضى حصول تلك ~~العلامة إلى ما تقتضي مقابلها، فنفع مقابل مقتضى تلك العلامة، وحينئذ لا ~~يبقى لنا بشيء من العلامات التي في الأمراض الحادة ثقة، ولا كذلك الأمراض ~~المزمنة ms072 فإن حركة مادتها بطيئة وقليلة، فيكون الثقة بدوام تلك المادة في ~~الموضع الذي اقتضى حصول تلك العلامة أكثر. وأما أنها أقل ثقة من العلامات ~~الصحية أو العلامات التي للحالة الثالثة، فظاهر؛ لأن في الصحة والحالة ~~PageV01P080B الثالثة لا يلزم أن يكون هناك مادة البتة فضلا عن أن تكون متحركة. ~~وقد عرفت معنى الأمراض الحادة، وأنها هي القصيرة المدة، العظيمة الخطر، وأن ~~حمى يوم، مع قصر مدتها ليست من الأمراض الحادة، لأنها ليست بعظيمة. ~~وعرفت مراتب الأمراض الحادة، وأن منها ما هو مهياج، وأن المهياج هو الذي ~~مادته كثيرة التحرك والسيلان. وعرفت أن سبب ضعف العلامة كون المادة ~~متحركة، فيلزم أن تكون علامات الأمراض المهياجه أضعف وأقل ثقة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~من كان بطنه في شبابه لينا، فإنه إذا شاخ يبس بطنه. ومن كان بطنه ~~في شبابه يابسا، فإنه إذا شاخ لان بطنه. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل يتضمن فحواه ~~تتمة هذا الفصل المتقدم، كأنه قال: والدليل على أن العلامات الصحية أقوى، ~~أن ضعف العلامات ما يتوقع حصول ما هي علامة عليه بعد زمان طويل لأن حصول ~~الموانع من ذلك والمعارضات PageV01P081A أكثر، ثم العلامات الصحية وإن كانت بعد ~~زمان طويل فهي أقوى، لأن أطول ما يكون من مدد العلامات ما يمتد مدة سن من ~~أسنان بدن الإنسان، كدلالة من بطنه لينا على يبوسة بطنه إذا شاخ، ~~وبالعكس؛ فإن هذه العلامة قوية، أكثرية (60) الصدق مع طول زمانها جدا، وذلك ~~يدل على أن العلامات الصحية أقوى. ويجب أن يعتبر كون التدبير بالأغذية في ~~حال الشبيبة والشيخوخة واحدا، حتى لو اختلف ذلك فاستعمل في أحد الأسنان ~~ملينا وفي الآخر قابضا لم يكن ذلك لأجل السن. وهذا الحكم أكثري، ولهذا ~~قال في فصل آخر: من كانت بطنه لينة، فإنه ما دام شابا، فهو أحسن حالا ~~ممن بطنه يابسة، ثم تؤول حاله عند الشيخوخة إلى أن يصير أردأ؛ وذلك لأن ~~بطنه يجف إذا شاخ، على الأمر الأكثر. واعلم أن الشاب إذا كان سبب لين بطنه، ~~كثرة ما يتناول ms073 بسبب قوة شهوة، الحاصلة لغلبة البرد على فم معدته؛ فإنه ~~إذا شاخ حتى PageV01P081B تفاقم ذلك البرد وأبطل الشهوة، كان ذلك بإحداث بطلان ~~الهضم بالكلية أولا، وإذا بطل الهضم لان الطبع لا محالة؛ لأن الكبد لا ~~تجتذب إلا ما تم هضمه، فما لا يتم هضمه، لأن تدفعه أولى من أن تجذبه. ~~وكذلك قولهم: إنه قد يكون لين بطن الشاب لضعف قوته الماسكة، لغلبة ~~الرطوبة، ثم يقوى إذا شاخ لحصول اليبس. فإن هذا الكلام بعيد جدا، وذلك لأن ~~الشاب لا تكون رطوبته الغريزية بحيث تبلغ من كثرتها أن تضعف القوة ~~الماسكة؛ بل إنما يكون ضعف القوة الماسكة في الشاب للرطوبة إذا كانت تلك ~~الرطوبة غريبة. ومثل هذا، إذا شاخ، كان غلبة الرطوبة الغريبة عليه أكثر ~~بكثير. وكيف يجوز أن يقال أن قوة ما من قوى الشيخ أقوى منها في حال ~~الشبيبة، بل الحق أن الشاب إنما يلين بطنه لأجل أن الصفراء المندفعة إلى ~~أمعائه كثيرة جدا. فإنما بينا أن قسطا من الصفراء تنصب إلى الأمعاء ~~لتنبهها على إخراج الثفل باللذع، ولتغسلها منه ومن البلغم PageV01P082A اللزج. ~~ولاشك أن هذه الصفراء كلما كانت أكثر أحوجت إلى إخراج أكثر، والشاب لاشك ~~أنه حار المزاج فيكون تولد هذه الصفراء وانصبابها أكثر، فيوجب لين البطن؛ ~~فإذا شاخ برد مزاجه وقل توليده للصفراء فقل انصبابها إلى الأمعاء فاعتقل ~~الطبع. وهكذا كان يجب أن يكون الحال دائما، لكنا نعلم بالضرورة أن الوارد ~~إذا كان قليلا، كان ما يخرج من الفضلات قليلا؛ وإذا كان كثيرا فكثيرا. ~~فقد يكون من الشباب من يبلغ من حرارة معدته ما يوجب قلة الشهوة، فإن قوة ~~الحرارة مميل للمعدة إلى شهوة الماء أكثر من الطعام، وحينئذ يكون الهضم ~~قويا لا محالة، ويكون ذلك كبده ليست بمفرطة الحرارة المولدة لإفراط ~~الصفراء، فيكون حينئذ ما يتولد من الصفراء ليس بمفرط، فيكون ما ينصب إلى ~~الأمعاء ليس بمفرط. والوارد بسبب ضعف الشهوة قليل، فيكون ما يبرز من البراز ~~قليلا لا محالة؛ فإذا شاخ ذلك الشاب نقصت حرارة معدته، ms074 فقويت شهوته PageV01P082B ~~وضعف هضمه، فكثر الوارد وقل انهضامه، وذلك يوجب زيادة الخارج لا محالة. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: شرب الشراب يشفي من الجوع. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا كأنه من تتمة الفصل ~~المتقدم كأنه قال: والدليل على أن برد المعدة يقوي الشهوة وحرها يرخي ~~الشهوة، أن الجوع الكاذب المفرط يشفى بالأشياء الحارة. وشفاء الأمراض ~~بالضد، فتكون (61) تلك الشهوة بالبرد، والحر يزيلها. واعلم أنه يريد هنا ~~بالجوع الجوع الكلبي، لأن الجوع الصادق يتضرر صاحبه بالشراب. والجوع الكلبي ~~هو شهوة للغذاء مفرطة، فتارة يكون ذلك مع وفاء القوة الهاضمة بهضم ما يرد. ~~وهذا يكون لفرط حرارة المعدة، أو فرط حرارة البدن كله، كما يكون عقيب ~~الأمراض المحرقة، وتارة يكون مع العجز عن هضم الوارد؛ وهذا هو الذي يسمى ~~بالحقيقة جوعا كلبيا. وينبغي أن يكون هذا هو مراد أبقراط، لأن المتقدم ~~يضره الشراب. وهذا الجوع سببه: إما سوء مزاج بارد PageV01P083A مفرط، كالذي ~~يعرض للمسافرين في البرد الشديد. وإما خلط حامض أو لذاع، إما متولد في ~~المعدة، أو منصب إليها. وذلك الخلط، إما بلغم حامض تولد في المعدة لقصور ~~الهضم، كما يكون عقيب التخم والامتلاءات. وإما خلط سوداوي انصب من الطحال ~~أكثر مما ينبغي، أو حاصل في المعدة عن أغذية سالفة، أو خلط محترق بارد (62) ~~متولد في المعدة أو نازل إليها من الدماغ. وقد يكون سببه فرط التحلل، كما ~~يكون عقيب التعب المفرط، أو عقيب الحميات المحللة. وأكثر ما كان عن برد ~~مكثف، أو خلط حامض، وأيما كان فالشراب أوفق الأشياء؛ لأنه جمع بين التسخين ~~اللطيف والعطرية التي تناسب فم المعدة، والتقوية لجوهره المناسب للروح، مع ~~إنضاجه للبلغم وتلطيفه له وإحداره إياه. وينبغي أن يكون هذا الشراب من ~~الحلو، فإن القابض والعفص والمر من المقويات للشهوة. وينبغي أن يكون ~~عتيقا، ليكون أسخن وأعطر. وينبغي أن يستعمل صرفا، ليكون أسخن؛ PageV01P083B ~~وينبغي أن تكون الأغذية دسمة، حلوة، مسخنة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ما كان من ~~الأمراض يحدث عن الامتلاء، فشفاؤه يكون بالاستفراغ. وما كان منها يحدث عن ~~الاستفراغ، فشفاؤه يكون ms075 بالامتلاء. وشفاء سائر الأمراض، يكون بالمضاددة. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل كالتتمة للدليل على أن الشهوة بالبرد، وذلك لأنا قلنا ~~في ذلك أن الشهوة الكلبية تبرأ (63) بالحر. وشفاء الأمراض بالضد، فتكون ~~تلك الشهوة بالبرد. أما بيان أن تلك الشهوة تبرأ بالحر فقد بيناه، وهو ~~أنها تبرأ بالخمر الصرف العتيق. وأما أن علاج الأمراض بالضد، فهو الذي ~~يذكره الآن. وقد أشار في بيان ذلك إلى ضرب من الاستقراء، وذلك لأن اليبوسة ~~تبرأ بالرطوبة؛ وذلك لأن الأغذية الرطبة توافق جميع المحمومين؛ والمحمومين ~~يلزمهم اليبوسة. والبرودة تبرأ بالحرارة، فلذلك الشهوة الكلبية تبرأ ~~بالخمر. والامتلاء يبرأ بالاستفراغ، لأنه يزيد سبب المرض، وعدم السبب سبب ~~لعدم المسبب. PageV01P084A والاستفراغ يبرأ بالامتلاء، ويعني بالاستفراغ إخلاء ~~البدن، سواء كان بإسهال، أو قيء، أو تعريق، أو إدرار، أو فصد، أو غير ذلك. ~~وكما أن علاج المرض بالضد، كذلك حفظ الصحة بالمثل، ولكن لا كل صحة، بل ~~الصحة الفاضلة إذا أردنا حفظها على حالها. فلو أردنا نقلها إلى أفضل منها، ~~كان ذلك بالضد. وقد أورد على كلا القاعدتين شكوك، وذلك لأن القولنج مرض ~~بارد، ويداوى بالمخدرات، وهي باردة. والتمدد بارد ويعالج بصب الماء ~~البارد، والحمى الصفراوية حارة وتعالج بالسقمونيا؛ والاستفراغ يداوى ~~بالاستفراغ، فإن القيء يعالج بالإسهال، والإسهال بالقيء، وكلاهما ~~بالتعريق، بل القيء نفسه يعالج بالقيء، والإسهال بالإسهال. ولو كان علاج ~~المرض بالضد، لما كان كذلك. وأيضا لو كان حفظ الصحة بالمثل لكان الشاب ~~يحفظ صحته بالأشياء الحارة، والشيخ بالبارد، وكذلك كان المحرور ينتفع ~~بالأشياء الحارة، والمبرود بالباردة، والوجود بخلاف ذلك كله. الجواب: أما ~~عن المعالجات المذكورة فإن PageV01P084B ما ذكرتموه في القولنج ليس هو علاج ~~القولنج، لأنه قولنج أو مرض بارد، بل للوجع، وذلك بالحقيقة علاج بالضد. ~~ونقول: تأثير الشيء في البدن، إما بالذات كتسخين الفلفل، أو بالعرض ~~كتسخين الماء البارد بحقن الحار الغريزي. ونعني بكون الفعل بالذات أن لا ~~يكون بينه وبين أثره واسطة. ونعني بكونه بالعرض أن يكون بينه وبين أثره ~~واسطة. ومداواة التمدد بصب الماء البارد، لأن البارد يحقن ms076 الحار الغريزي، ~~فتقوى الحرارة، وبها يزول المرض. فالعلاج بالحقيقة بالضد، والماء البارد ~~فعل بالعرض، وهو بتقوية الحرارة، فهو بالعرض مسخن. وكذلك كون الحمى ~~الصفراوية تبرأ بالسقمونيا، لا لكون السقمونيا حارة، بل لأنها مبردة ~~بالعرض، وهو باستفراغ الخلط المسخن الذي هو الصفراء. وأما معالجة ~~القيء بالإسهال وبالعكس، وكلاهما بالتعريض، فذلك لا لكونه استفراغا، بل ~~لما يلزمه من عكس المادة إلى خلاف الجهة. وأما علاج القيء بالقيء، والإسهال ~~بالإسهال، فهو بالعرض PageV01P085A أيضا؛ لأن ذلك، لأنه يخرج الخلط الموجب ~~لذلك. وأما ما ذكر في حفظ الصحة، فإنا نمنع كون صحة الشاب فاضلة على ~~الإطلاق، بل بالنسبة إلى سنه، وكذلك الشيخ، بل بالأولى. بل الصحة ~~الفاضلة هي صحة ما هو في سن الفتيان، وهو بعد البلوغ وقبل الوقوف، وفي ذلك ~~الوقت فإن حفظ صحتهم يكون بالأشياء المعتدلة. وأما كون المحرور ينتفع ~~بالبارد، فلأن صحته ليست فاضلة، فالأصلح له نقلها إلى الاعتدال، والنقل كما ~~بينا يكون بالضد. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن البحران يأتي في الأمراض الحادة في أربعة ~~عشر يوما. ### ||| [commentary] # الشرح: أما تعلق هذا بما قبله فهو كالجواب عن دخل مقدر ~~وهو أنه لما بين أن العلاج يكون بالضد، فكان لقائل أن يقول: لو كان ~~كذلك لوجب أن يبرئ الأمراض كلها في ساعة واحدة، لأن البرء يكون بورود ~~الضد، ويمكن ذلك في ساعة واحدة. فأجاب عن ذلك بأن الأمراض أنفسها تستحق ~~بطبيعتها أن تبقى PageV01P085B أزمنة تأتي بحارينها فيها. ومثال ذلك أن الأمراض ~~الحادة تستحق أن يأتي بحرانها في مدة أربعة عشر يوما. وإذا كان كذلك، لم ~~يلزم برء الأمراض كلها في ساعة، فإن قيل: فعلى هذا لا يكفي ورود الضد في ~~برء الأمراض، وذلك محال ومخالف لدعواه أولا. أما أنه مخالف لدعواه أولا ~~فظاهر؛ فإنه قال: وشفاء سائر الأمراض يكون (64) بالمضاددة. وأما أنه محال، ~~فلأنا نعلم بالضرورة أن المزاج المنحرف عن الاعتدال إذا أوردنا عليه ما ~~يضاده رجع إلى الاعتدال، قلنا بل يكفي ورود الضد. ولكن الأمراض التي تستحق ~~بطبيعتها أن تبقى زمانا ما، ms077 لا يمكن إيراد الضد عليها إلا في تلك ~~الأزمنة. فإن المرض الامتلائي مثلا، علاجه بضده وهو الاستفراغ، ولكن ~~الاستفراغ لا يمكن استعماله في أول يوم، بل لابد من انتظار النضج وتفتيح ~~المجاري وإزالة الموانع، وذلك يحوج إلى زمان لا محالة. وتحقيق هذا أن كل ~~مرض، فإما أن يكون مفردا، PageV01P086A أو مركبا. والمفرد أقسامه ثلاثة، لأن ~~كل مرض مفرد فعروضه أولا إما أن يكون للأعضاء المفردة فقط، وهو أمراض سوء ~~المزاج، فإن أمراض سوء المزاج لا يمكن عروضها أولا إلا للأعضاء المفردة، ~~ومن أجلها يعرض للأعضاء المركبة. فإن الحرارة لا تعرض لليد، لأنها بديل ~~يعرض أولا للحم الذي في اليد مثلا، ومن أجل ذلك يعرض لليد. وأما أن ~~يكون عروضه أولا للأعضاء المركبة، وهو أمراض التركيب، كأمراض الخلقة ~~والمقدار والعدد والوضع، فإن عروض هذه أولا للأعضاء المركبة، ومن أجلها ~~تعرض للمفردة. وأما أن يكون بحيث يمكن عروضه لكل واحد منهما أولا، وهو ~~أمراض تفرق الاتصال، ويسمى الأمراض المشتركة، فإنها تعرض للأعضاء ~~المركبة أولا من غير أن يكون ذلك تابعا لعروضها للأعضاء المفردة. كما ~~ينخلع العضو المركب فيفارق أحد جزأيه (65) الآخر من غير أن ينال المفرد ~~تفرق اتصال البتة. وقد يعرض للعضو المفرد، من غير أن يكون تابعا في ~~عروضه له لعروضه لعضو مركب PageV01P086B كما قد تنقطع بعض الأغشية. ويعني بالعضو ~~المفرد، ما يشابه جزءه كله في اسمه وحده، كالعظم، والغضروف، والرباط، ~~والوتر، والعصب، والشرايين، والأوردة، والأغشية، واللحم، والسمين، والشحم. ~~ويعني بالعضو المركب ما يتركب من هذه، إما تركيبا أوليا كالعضل، أو ~~ثانيا كالعين، أو ثالثا كالوجه ثم الرأس مثلا. فأما أمراض سوء المزاج، ~~فما كان منها ساذجا، أي يكون عروضه للعضو من غير خلط متكيف بتلك ~~الكيفية (66)، فهذا يكفي في برئه تعديل المزاج. والبارد سهل الزوال في ~~ابتدائه، لأنه مناف للحياة. فالطبيعة تهتم به في أول حدوثه، وتصرف الأدوية ~~إلى جهته، لكنه عسر في انتهائه لأنه لا يستحكم إلا وقد قهر الطبيعة وأخمد ~~الحرارة الغريزية. والحار بالضد من ذلك، أعني عسر ms078 الزوال في ابتدائه، لأنه ~~لا يضاد الطبيعة كثير مضادة، وسهل في انتهائه؛ لأنه إذا استحكم فقد اشتد ~~إضراره بالطبيعة، فتهتم بدفعه. والترطيب أطول مدة من PageV01P087A التجفيف، لأن ~~التجفيف كأنه إفقاد الجوهر الرطب بالتحليل، والمعاون على ذلك كثير، حتى لو ~~فقد الوارد فقط لكفى ذلك في التجفيف وإن لم يستعمل مجففا. وأما الترطيب ~~فهو إيجاد الجوهر الرطب، وذلك مضاد لمقتضى الحرارة المحللة الغريزية ~~والغريبة والهواء الخارجي. وما كان من أمراض سوء المزاج ماديا، أعني أن ~~يكون تكيف البدن أو العضو به، لأجل خلط له، تلك الكيفية، فهذا يحتاج في ~~علاجه إلى استفراغ تلك المادة. ثم إن لم يكن قد يخلف بعدها سوء المزاج، كفى ~~الاستفراغ، وإلا أحتيج إلى التعديل بعد الفراغ من الاستفراغ. والاستفراغ ~~إنما يكون بعد النضج وتهيئة المادة لسهولة الخروج، وذلك يحتاج فيه إلى زمان ~~لا محالة، ويختلف ذلك الزمان باختلاف عصيان المادة على النضج وقبولها له، ~~وعصيانها يكون إما لغلظها، أو للزوجتها، أو لكثرتها فلا تقوى الطبيعة ~~عليها، أو لضعف الطبيعة. وإن كانت المادة في نفسها مطيعة بحسب PageV01P087B القوة ~~المتوسطة. فلهذا السبب كانت الأمراض المزاجية مختلفة في الطول والقصر، فوجب ~~أن يكون لكل واحد منها زمان مقدر بحسب قبول المادة للإنضاج وعصيانها؛ ~~فلذلك كان منها حادة ومزمنة. ثم قدر الأمراض الحادة، لأن المزمنة غير ~~مضبوطة فقد تطول حتى تبقى العمر كله. ولأن أكثر البحارين الواقعة هي ~~الحادة، لأن أكثر الأمراض الواقعة حادة، ولهذا قال: إن البحران يأتي في ~~الأمراض الحادة في أربعة عشر يوما. والبحران به ينقضي المرض، فالمرض الحاد ~~ينقضي في أربعة عشر يوما. وأما لما كان كذلك فسنذكره في شرح الفصل الذي ~~بعده. ونريد أن نتمم القول في باقي الأمراض ونبين وجه اختلافها، بالطول ~~والقصر؛ فنقول: وأما أمراض التركيب فتنحصر في أربعة أقسام: أمراض الخلقة، ~~وأمراض المقدار، وأمراض العدد، وأمراض الوضع. وأمراض الخلقة أربعة: أحدها: ~~أمراض الشكل، بأن تتغير عن مجراه الطبيعي تغيرا يلزمه آفة، ويحتاج في ~~مداواته أن يرد العضو إلى شكله ويشد مدة حتى ms079 يبقى على تلك الحال. ~~وثانيها: أمراض المجاري PageV01P088A إما بأن تتسع، أو تضيق، أو تنسد. ويحتاج في ~~مداواتها أن يرد العضو إلى حالة تسد المتسع وسكونه، وبالتفتيح ~~والإرخاء والتسخين والترطيب ليتسع الضيق، وينفتح المنسد الحادث عن مقابل ~~كل واحد من هذه. وثالثها: أمراض الأوعية؛ إما بأن تكبر وتتسع، أو تصغر ~~وتضيق، أو تنسد وتمتلئ، أو تستفرغ وتخلو. ويحتاج في مداواتها إلى مقابلات ~~أسباب ذلك. ورابعها: أمراض سطوح الأعضاء؛ وذلك إما ملامسة، فيجب أن تحس. ~~أو خشونة فيجب أن تملس. وأما أمراض المقدار: فإما بالزيادة، أو النقصان. ~~وكل واحد إما عام للأعضاء، أو خاص بعضو. وكل ذلك يحتاج في مقابلته إلى ~~زمان طويل. وأما أمراض العدد: فإما بالزيادة، أو النقصان. وذلك إما طبيعي ~~أو غير طبيعي. وأما أمراض الوضع: فلزوال ذلك العضو عن موضعه، بخلع أو ~~بغير خلع؛ أو حركته حيث يجب سكونه، أو سكونه حيث تجب حركته، أو تعذر ~~حركته إلى جاره، أو عنه، أو تعسرهما. ولاشك أن إصلاح ذلك مما يحوج إلى ~~زمان طويل. وأما أمراض تفرق الاتصال PageV01P088B فتحتاج في مداواتها إلى ~~جمع ما تفرق، وحفظ ما قد جمع على حاله، والتحرز من وقوع شيء فيما ~~بين ما تفرق، وحفظ طبيعة ذلك العضو عليه. وكل ذلك محوج - لا محالة - إلى ~~زمان، فلهذا تعذر برء الأمراض في ساعة واحدة ووجب أن تبقى زمانا ما له ~~قدر. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: اليوم الرابع منذر بالسابع، وأول الأسبوع الثاني اليوم ~~الثامن. والمنذر باليوم الرابع عشر، اليوم الحادي عشر؛ لأنه اليوم الرابع ~~من الأسبوع الثاني. واليوم السابع عشر أيضا يوم إنذار؛ لأنه اليوم الرابع ~~من الرابع عشر، واليوم السابع من الحادي عشر. ### ||| [commentary] # الشرح: إن هذا الفصل لو وصل ~~بما قبله لصح، إلا أن الأول كان الغرض منه بيان وجه طول الأمراض، لكنه ~~لما علق ذلك بسبب البحران احتاج إلى تعديد الأيام التي يقع فيها ~~البحران. وإنما كان ذكر الأمراض الحادة وذكر أن بحرانها يقع في أربعة ~~عشر يوما، فبين في هذا الفصل تفصيل ذلك. ms080 وينبغي أن نبين السبب PageV01P089A ~~في وقوف العلماء على أيام البحران. وإن كان الطبيب من حيث هو طبيب، ليس ~~عليه إلا أن يعرف أن هذه الأيام اقتضت التجارب وقوع البحران فيها، ولا ~~عليه أن يعرف كمية ذلك من جهة لا تتعلق باختلاف تغيرات تلزمه، وذلك ~~لأنها تنقص جدا عند نقصان النور الظاهر وانمحاقه، وذلك عند الاجتماع وتمام ~~الدورة، ويزداد جدا عند زيادة النور. وأعظمها عند الاستقبال، وهو نصف ~~الدورة. ولذلك تزيد المياه في الآبار، ويزداد نمو الثمار الرطبة ~~كالقثاء، حتى سمع لنموها صوت، ويتشقق الرمان لفرط امتلائه رطوبة ~~وتزداد (67) الأدمعة؛ ولأجل ذلك يحصل الجزر والمد في الأنهار ذوات المد ~~والجزر. وإذ نصف الدورة يقتضي هذا التغير العظيم، فنصف نصف الدورة يقتضي ~~تغيرا ما لا محالة، وهو التربيع؛ ونصفه يقتضي تغيرا أقل. والتغير ~~الذي يكون في مادة المرض في هذه الأيام يكون PageV01P089B به البحران، لكن ذلك ~~ليس معتبرا بحسب زيادة النور، بل بحسب تمام الدورة ونصفها، ونصف نصفها، ~~ونصفه. وليست هذه الدورة مبتدية من حين الاجتماع أو غير ذلك، بل بالمعتبر ~~في البحارين. الدورة وتنصيفها مبتدية من أول المرض، وللناس في ذلك خلاف، ~~فقيل: من حين ظهور التغير عن المجرى الطبيعي، أي من حين ظهور التكسل ~~والإعياء وغير ذلك؛ وذلك باطل، لأن المرض لم يكن وجد بعد. وقيل: من حين ~~يطرح العليل نفسه. وهو باطل، فليس في كل مرض يطرح الإنسان نفسه. وأيضا ~~فالناس في ذلك مختلفون، فمنهم من لا يطرحه إلا مرض قوي جدا، ومنهم من ~~ينطرح بأدنى سبب. والحق أنه من حين يظهر المرض. وإذا ولدت المرأة ثم حمت ~~بعد ذلك، فالحساب ينبغي أن يكون من حين أول المرض، لا من حين الولادة؛ ~~وكذلك في الإسقاط. ونقول: إن من الاجتماع إلى الاجتماع تسعة وعشرين يوما ~~PageV01P090A وخمس وسدس، وذلك ثلث بالتقريب، ينقص منه زمان الاجتماع وهو يومان ~~ونصف وثلث؛ تبقى مدة الدورة ستة وعشرين يوما ونصف، فيقع البحران في السابع ~~والعشرين، ونصفها ثلاثة عشر يوما وربع فيقع البحران في الرابع عشر، ms081 ونصف ~~نصفها ستة أيام ونصف وثمن فيقع في السابع؛ فتكون هذه الأيام بحارين. وكل ~~بحران فلابد له من يوم إنذار يكون فيه تغير ما، كما لابد قبل يوم القتال ~~من تحرك ما، مثل ستر الخندق وتهيئة العدو للزحف. ثم ليس يوم أولى بذلك من ~~الآخر، فيجب أن يكون هو النصف، ونصف ذلك ثلاثة أيام وربع ونصف ثمن، فيكون ~~الإنذار في الرابع، لكنه قد يتقدم عن ذلك أو يتأخر، وخصوصا في مثل الغب، ~~فإن البحران والإنذار لا يقع في الأكثر إلا يوم النوبة فيتقدم إلى الثالث ~~أو يتأخر إلى الخامس بحسب استعجال الطبيعة لانحفازها بالمادة أو تأخرها ~~انتظارا للنضج (68) التام. ثم إن أبقراط جعل اليوم الحادي عشر هو اليوم ~~الرابع من PageV01P090B الأسبوع الثاني فتكون إذا ثلاثة أرابيع أحد عشر يوما، ~~وجعل أول الأسبوع الثاني اليوم الثامن فيكون السبعة الأيام الأول رابوعين. ~~وإنما يكون كذلك بأن يجعل بينهما يوم مشترك يعد في الرابوع الأول والثاني ~~وهو اليوم الرابع. ويسمى ما كان كذلك من الأرابيع أو الأسابيع متصلة، وما ~~ليس كذلك كالرابوع الثاني مع الثالث منفصلا. وكذلك جعل آخر الأسبوع الثالث ~~اليوم العشرين، وستعلمه فيما بعد. وقد كان أول الأسبوع الثاني اليوم ~~الثامن، فيكون إذا سابوعان ثلاثة عشر يوما، فلابد من يوم مشترك. وقد بنى ~~الأطباء على هذا، فجعلوا حكم الأرابيع مخالفا لحكم الأسابيع؛ وذلك لأن ~~الأرابيع رابوعان متصلان، والثالث منفصل لأن أوله أول الأسبوع الثاني وهو ~~اليوم الثامن. وأما الأسابيع، فسابوعان منفصلان لأن أول الثاني اليوم ~~الثامن، والثالث متصل لأن آخره اليوم العشرين. وضابطهم في ذلك أن الحساب ~~إذا استغرق أكثر يوم فصلوا وإلا وصلوا؛ وذلك لأن الرابوع الأول ثلاثة أيام ~~PageV01P091A وربع ونصف ثمن، وهو أقل من نصف يوم فوصلوا به الرابوع الثاني، فصار ~~ذلك ستة أيام ونصف وثمن، وهو أكثر من نصف يوم ففصلوا، لأنه إذا كان ذلك ~~الكسر أكثر من نصف يوم غلب على ذلك اليوم ذلك الرابوع أو السابوع فحسبوه له ~~يوما كاملا، وجعلوا الذي بعده منفصلا عنه مبتديا ms082 من اليوم الذي بعده؛ ~~فإن الأسبوع الأول ستة أيام ونصف وثمن وهو أكثر من نصف يوم فجعلوه يوما ~~كاملا، فصار أول الأسبوع الثاني اليوم الثامن. ومجموع الأسبوعين ثلاثة عشر ~~يوما وربع، وهو أقل من نصف يوم فوصلوا به السابوع الثالث، فكان أوله اليوم ~~الرابع عشر وآخره اليوم العشرون. واليوم الحادي عشر منذر بالرابع عشر، لأنه ~~اليوم الرابع من الأسبوع الثاني. وقد بينا أن منتصف السابوع منذر به، ~~واليوم السابع عشر يوم إنذار لأنه اليوم الرابع من اليوم الرابع عشر واليوم ~~السابع من اليوم الحادي عشر. أما استدلاله على أنه يوم إنذار بأنه اليوم ~~الرابع PageV01P091B من اليوم الرابع عشر فظاهر. وأما قوله: واليوم السابع من ~~اليوم الحادي عشر. فهو تأكيد لحكمه بأنه إنذار، لأن يوم الإنذار هو نصف ~~البحران؛ فإذا كان مع ذلك بحرانا من يوم ما، فهو بالدلالة على البحرانية ~~أولى. وتفصيل باقي أيام البحران يؤخره إلى شرح قوله: العرق يحمد في ~~المحمومين إذا ابتدأ من اليوم الثالث أو الخامس. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن الربع ~~الصيفية في أكثر الأمر تكون قصيرة، والخريفية طويلة ولاسيما إذا ~~اتصلت بالشتاء. ### ||| [commentary] # الشرح: أما تعلق هذا بما قبله فظاهر، لأن غرضه كان فيما ~~قبله بيان أن الأمراض بطبيعتها تستحق أن تبقى مدة، وأن بعضها بطبيعته ~~يستحق أن يبقى مدة، وأن بعضها بطبيعته يستحق أن يكون أطول من بعض. وها ~~هنا يبين أنها تختلف في ذلك أيضا لأمر خارج عن طبيعتها، وذلك الأمر إما ~~أن يكون طبيعيا، وإما أن يكون مرضيا. مثال الطبيعي: أوقات السنة، فإن ~~الأمراض PageV01P092A قد تقصر وتطول بحسبها؛ ومثل على ذلك بالأمراض الطويلة، ~~ومثل بالربع من حملتها، لأن ظهور الاختلاف فيها بحسب أوقات السنة ~~أبين من غيرها. والربع حمى تحدث من عفونة السوداء، إما داخل العروق وتسمى ~~الربع اللازمة، ووجودها نادر؛ وإما خارج العروق وتسمى الربع الدائرة. ~~ونقول إن من شأن الصيف أن يقصر فيه مدد الأمراض، لأن الأخلاط تكون فيه ~~ذائبة والهواء الخارجي قوي التحليل، فإن وجد الطبيعة مستولية على المرض ms083 ~~أعانها بتحليل مادته، وإن وجد المرض غالبا أعانه بتحليل القوة. وإذا كان ~~كذلك فالشتاء يجب أن يطول فيه المرض لضد ذلك. والخريف والربيع متوسطان في ~~ذلك، لكن يكون في الربيع أميل إلى القصر، لأن القوى تكون فيه أقوى. وفي ~~الخريف إلى الطول، لما اجتمع فيه مع ضعف القوى اختلاف هوائه في البرد ~~والحر، فكلما حركت الطبيعة المادة بتحليل الحر كثفها وحبسها البرد. ~~وإنما كانت الربع من الأمراض PageV01P092B الطويلة لأن مادتها غليظة سوداوية. وإذا ~~اتصلت الخريفية بالشتاء كانت أطول، لزيادة تكثيف البرد لمادتها. وسميت هذه ~~الحمى بالربع لأنها تنوب اليوم ورابعه. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: لأن تكون الحمى بعد ~~التشنج، خير من أن يكون التشنج بعد الحمى. ### ||| [commentary] # الشرح: قد مضى اختلاف الأمراض في ~~الطول والقصر، بسبب أمر طبيعي، وهنا يذكر اختلافها في ذلك بسبب أمر مرضي ~~ولم يمثل بما يكون ذلك بسبب الأمر المرضي نفسه، بل بحال الأمر المرضي، وهو ~~كونه متقدما. ويعلم من ذلك اختلافه بسبب ذلك الأمر، ومثاله التشنج فإنه إن ~~حدثت الحمى بعده، قصرت مدته وكان علاجه أمكن؛ وإن حدث بعدها كان أطول ~~وأردأ (69). والتشنج علة عصبية تمنع الأعضاء الانبساط، ويكون إما من ~~امتلاء، وإما من استفراغ. ويحدث عن الاستفراغ، إذا جفت الرطوبة التي في ~~العصب، فينقص طوله وعرضه أيضا، كما يعرض للأوتار والجلود في الصيف. ويحدث ~~عن PageV01P093A الامتلاء، إما من مواد مؤذية بأن يتأذى بها العصب، فينقبض إلى ~~مبدئه (70) كما يعرض عن القيء الزنجاري. وإما من خلط بارد غليظ يغلظ جرم ~~العصب، فيزداد عرضه وينقص طوله، كما يعرض للأوتار والجلود في الشتاء. ~~ويفرق بين هذه الأصناف، بأن ما كان عن الاستفراغ، كان عروضه قليلا ~~قليلا، وبعد استفراغات مجحفة، أو حميات محرقة. وما كان عن الامتلاء، كان ~~دفعة. فما كان من ذلك عن خلط مؤذ، دل عليه الاشتعال وعلامات غلبة ~~الحرارة. وما كان عن خلط بارد، دل عليه أضداد ذلك. ومراده ها هنا ~~بالتشنج، التشنج الذي عن خلط بارد، لأن التشنج في الأكثر يكون من ذلك؛ ~~فلهذا أطلق ms084 عليه لفظة التشنج. وإنما قلنا أن مراده ذلك، لأن التشنج اليابس ~~واللذعي يتضرران. بحدوث الحمى أكثر كثيرا مما لو كانت الحمى قبلهما. ~~وإنما كان التشنج الرطب ينتفع وتقصر مدته بالحمى، لأن علاج مثل هذا هو ~~إذابة البلغم وتسخينه وإنضاجه PageV01P093B والحمى تفعل ذلك. وأما إذا عرض بعد ~~الحمى دل على أن الخلط كان غليظا جدا، فلما أذابته أوجب التشنج. وحين ~~أوجب التشنج كان غليظا جدا بالنسبة إلى المعتدل، وإلا لم يوجب التشنج. ~~وإذا كانت حرارة الحمى لم تلطفه عن ذلك، فأي حرارة نرجو أن تلطفه. فقد ~~ثبت أن تأخر الحمى نافع، مقصر للتشنج الرطب، وتقدمها دال على طوله. ~~ويعلم من ذلك أن حدوث الحمى مقصر نافع. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: لا ينبغي أن ~~تغتر بخفة يجدها المريض بخلاف القياس، ولا أن يهولك أمور صعبة تحدث ~~على غير القياس؛ فإن أكثر ما يحدث من ذلك ليس بثابت، ولا يكاد يثبت، ولا ~~تطول مدته. ### ||| [commentary] # الشرح: تعلق هذا بما قبله ظاهرة. وقد جرت العادة أن نذكر ~~هذا مع الكلام في البحران، وأما ذكره عقيب هذه الفصول المتقدمة فلأنه قد ~~تبين هناك من فحوى كلامه أن الأمراض تستحق بطبيعتها وبأمر خارج عنها، طبيعي ~~أو مرضي، أزمنة مخصوصة، فيها يكون انقضاؤها PageV01P094A وأن ذلك لابد وأن يكون ~~بأمر يزيل سبب المرض، إما طبيعي أو صناعي. فأراد أن يبين هاهنا أنه لو ~~انقضت قبل تلك المدة وبغير إزالة السبب، لم يكن ذلك موثوقا به، لأنه ~~لو كان موثوقا به لما كان ذلك الوقت الزائد بمقتضى طبيعتها أو بمقتضى ذلك ~~الأمر الخارجي، ولا كان ذلك السبب سببا لاستحالة تخلف المسبب عن سببه. ~~فذكر ما يعم هذا وغيره، وهو أنه لا ينبغي أن تغتر، لا بالخفة التي ~~على غير القياس، ولا تهتال بالثقل الذي على غير القياس. ومعنى القياس هاهنا ~~أنه إذا دل دليل على أن المرض ينقضي في الرابع عشر، وأن ذلك يكون باستفراغ ~~طبيعي أو صناعي، وليكن المرض حمى غب، ففارقت الحمى قبل ذلك من غير ظهور ~~بحران ms085 ولا استفراغ ظاهر بإسهال أو قيء أو إدرار أو عرق، فلا ينبغي أن تغتر ~~بهذه الخفة فقد يكون لانطفاء الحرارة الغريزية فلا تنتشر الحرارة الغريبة ~~إلى الأطراف فلا تظهر. وكثيرا ما يعقب ذلك الموت، وقد يكون لأن مادة الحمى ~~بردت PageV01P094B بالتطفئة فسكنت سورة الحمى، لكن المادة العفنة موجودة، ففي ~~الأكثر يعاودها الاشتعال وتعود الحمى أقوى مما كانت، لمصادفتها قوى قد ~~ضعفت. وكذلك قد تنضج مادة المرض وتكون القوة مستولية وعلامات الصلاح ظاهرة، ~~فتحدث أمور صعبة ليست بمقتضى طبيعة ذلك المرض ولا بمقتضى تلك العلامات، ~~فمثل هذه لا ينبغي الفزع منها، فإن الطبيعة إذا استولت على المرض، ففي أكثر ~~الأمر يستمر لها ذلك الاستيلاء إلى أن تقهر المرض. وهذه الأمور الصعبة هي ~~مثل: ضيق نفس، أو اختلاط الذهن، أو خيالات، أو غثيان، أو مغص، أو تمدد ~~في الشراسيف أو غير ذلك. ومثل هذه كثيرا ما يكون من أعراض البحران، ويعقب ~~ذلك البرء التام. إنما الصعوبة التي ينبغي أن يهتال بها هي التي تطرأ (71) ~~على قوى ضعيفة، ومع علامات عدم النضج واستيلاء المرض، وخصوصا إذا اتفقت في ~~غير يوم بحراني أو يوم بحران رديء؛ وأعظم من ذلك أن PageV01P095A تكون في يوم ~~يتوقع فيه الراحة أو الخفة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كانت به حمى ليست بالضعيفة ~~جدا، فإن تبقى بدنه على حاله تلك ولا ينقص شيئا أو يذوب بأكثر مما ينبغي، ~~فذلك رديء؛ لأن الأول ينذر بطول من المرض، والثاني يدل على ضعف من ~~القوة. ### ||| [commentary] # الشرح: قد مضى أن الأمراض تختلف في الطول والقصر، إما لذاتها، ~~وإما لأمر خارج؛ إما طبيعي كأوقات السنة، أو غير طبيعي كطرآن (72) مرض ~~مضاد الأول. وهاهنا يذكر أنها قد تختلف في ذلك بسبب طبيعة المريض نفسه، ~~فإنه إن كان متخلخل البدن، كان المرض قصيرا لسرعة تحلل مادته وخصوصا إن ~~كانت الأخلاط رقيقة، ولأن الطبيعة إ ن كانت غالبة للمرض أعانها التخلخل ~~ورقة الأخلاط على تحليل مادته. وإن كان المرض غالبا، أعانه تخلخل البدن ~~ورقة المادة على إضعاف ms086 القوة. وإن كان البدن متكاثفا، فبالضد، وخصوصا ~~إن كانت الأخلاط PageV01P095B غليظة. ولاشك أن المتكاثف البدن يكون تحلل مواده ~~بطيئا، وكذلك الغليظ الأخلاط، وهذا اللازم مساويا منعكسا؛ فكل ما ~~تحلله بطيئا فهو متكاثف البدن أو غليظ الأخلاط. وكل متخلخل البدن، فإن ~~تحلله سريعا، وكذلك الرقيق الأخلاط وهذا منعكسا أيضا. فكل ما تحلله ~~سريعا فهو متخلخل البدن أو رقيق الأخلاط. وإذ هذا الكلام مساويا فأيهما ~~وجد دل على الآخر، فإن وجد اللازم علمنا وجود ملزومه ضرورة أنه ~~مساو له، فلا يكون إلا معه. وإن وجد الملزوم علمنا وجود اللازم ضرورة ~~استحالة انفكاك اللازم عن ملزومه. فلهذا جعل أبقراط بطء (73) التحلل علامة ~~على التكاثف وغلظ الأخلاط، ويدل ذلك على طول المرض. وسرعة التحلل علامة ~~على التخلخل ورقة الأخلاط، ويدل ذلك على قصر المرض وضعف القوة. قوله: من ~~كانت به حمى ليست بالضعيفة جدا. أراد أنها تكون متوسطة، فإنها لو كانت ~~قوية لم يدل سرعة التحلل PageV01P096A على التخلخل أو رقة الأخلاط الدالات ~~على ضعف القوة. ولو كانت ضعيفة جدا لم يدل بطء (74) التحلل على التكاثف أو ~~غلظ الأخلاط الدالان على طول المرض. فقوله: ليست بالضعيفة جدا. يدل على ~~ضعف ما، لأن المنفي هو الضعف جدا، وهذا إنما يكون دليلا إذا لم يكن ~~التحلل تابعا لسهر، أو هم، أو فرط حركة، أو استفراغ، ولا كان بطء ~~التحلل وبقاء السحنة تابعا لأضداد ذلك. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: مادام المرض في ~~ابتدائه، فإن رأيت أن تحرك شيء فحرك، فإذا صار المرض إلى منتهاه ~~فينبغي أن يستقر المريض ويسكن. ### ||| [commentary] # الشرح: قد بين أن الأمراض تستحق أزمنة، ~~وتختلف في ذلك باختلاف طبيعة المرض، وطبيعة المريض، وأوقات السنة، وما في ~~حكمها، وبحسب ما يطرأ من الأمراض المضاددة. وبينا أن ذلك لا ينافي ~~كون العلاج يتم باستعمال الضد، إذ الضد إنما يمكن استعماله في وقت معين. ~~ومن جملة العلاج PageV01P096B بالضد، التحريك بالاستفراغ والنقل؛ فيجب أن يبين ~~الوقت الذي يمكن فيه ذلك. ويعني بالتحريك نقل المادة من عضو إلى آخر، إما ~~باستفراغ ms087 كالحجامة في النقرة لأوجاع العين، أو بغير استفراغ كوضع ~~المحاجم على النقرة لذلك. ويريد بهذا الوقت أحد أوقات المرض الأربعة، ~~فيكون هذا غير ما كنا بينا في المقالة الأولى من اعتبار وقت الاستفراغ ~~بالنضج وغير ذلك. قوله: مادام المرض في ابتدائه، فإن رأيت أن تحرك شيئا ~~فحرك. يريد أن وقت الابتداء قد يجوز فيه التحريك، وذلك لأنا قد ~~بينا في المقالة الأولى أنه قد يكون الاستفراغ في أول المرض أولى. وذلك ~~إما لأن المرض يكون مهياجا، أو لأن المادة تكون كثيرة فيخاف أن تستولي ~~على الطبيعة إن انتظرنا النضج، أو لأن القوى تكون ضعيفة فيخاف أن لا تفي ~~بمقاساة المادة إلى وقت النضج، أو لأن المادة رديئة جدا فيخاف إفسادها ~~للمزاج أو لبعض الأعضاء إن بقيت إلى زمان النضج، أو لأن المادة دائمة ~~الانصباب إلى العضو PageV01P097A المأووف فيخاف إن لم يستفرغ قبل النضج زيادة ~~المادة جدا أو إفسادها للعضو. وإنما قال: فإن رأيت أن تحرك شيئا ~~فحرك، ولم يقل: فإن رأيت أن تستفرغ فاستفرغ؛ لأن التحريك أعم فيدخل فيه ~~الاستفراغ وغيره. قوله: فإذا صار إلى منتهاه فينبغي أن يستقر المريض ويسكن. ~~أي أن التحريك وإن كان قد يجوز في الابتداء، فإنه في الانتهاء غير جائز، ~~وسيدل على ذلك في الفصل الذي بعده. فإن قيل: فإذا كان الانتهاء لا يجوز ~~فيه التحريك، ولا يجوز فيه الاستفراغ لأنه من جملة التحريك؛ وفي وقت ~~الابتداء لا يجوز إلا في بعض الأحوال. وفي الانحطاط لا يجوز البتة، لأن ~~الطبيعة إذا استولت على المادة حتى شرعت في الانحطاط كان في الطبيعة كفاية. ~~ففي أي وقت يكون الاستفراغ؟ قلنا: ينبغي أن يكون في وقت التزيد لأن في ~~ذلك الوقت لم يكمل اشتداد الأعراض، وليس المادة بعد نيئة لم تنضج، لأن ~~وقت التزيد هو وقت ظهور النضج. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن جميع الأشياء في أول المرض ~~وفي آخره أضعف، وفي PageV01P097B منتهاه أقوى. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل لو وصل بما ~~قبله، فقيل بعد قوله: فينبغي أن يستقر المريض ms088 ويسكن؛ وذلك أن جميع الأشياء. ~~كان ذلك حسنا، وهذا كالتعليل لما قبله. ويعني بالأشياء، الأعراض اللازمة ~~للأمراض، فإنها جميعها في المنتهى أقوى؛ وذلك لأن المنتهى هو وقوف الاشتداد ~~قبل أن يأخذ في الانحطاط، فيكون عند بلوغ قوة الأعراض الغاية. وفيه يكون ~~البحران، لأنه يكون عند قوة الاشتداد، والخف يقع (75) بعده في الأكثر كما ~~بينا، فيلزم أن يستقر المريض ويسكن. وهذه الأعراض هي مثل: الأرق، ~~والصداع، والقلق، واختلاط الذهن. وليس يعني بهذا، الاستقرار والسكون ~~عن الحركات البدنية أو النفسانية، فإن في أكثر الأمراض يجب ذلك في جميع ~~أوقاتها؛ بل يعني بهذا، الاستقرار والسكون عن التحريك الذي يستعمله ~~الأطباء. قوله: وفي آخره يكون أضعف. ليشير بذلك إلى أنه لا يجوز الاستفراغ ~~في الانحطاط؛ لأن الأعراض تكون قد خفت باستيلاء الطبيعة على المرض فتكون ~~في PageV01P098A الطبيعة كفاية. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا كان الناقه من المرض يحظى من ~~الطعام، فلا يتزيد بدنه شيئا، فذلك رديء. ### ||| [commentary] # الشرح: إذ قد منع من ~~الاستفراغ في أول المرض وفي منتهاه وفي انحطاطه لما بينا، فبين هاهنا ~~أنه قد يجب الاستفراغ بعد غاية الانحطاط لأمر آخر، وذلك إذا قصرت الطبيعة ~~عن استفراغ بقية تبقى من الأمراض. ومما يدل على هذه البقية كون الناقه ~~لا يزيد بدنه بالغذاء. والمعني بالناقه الذي قد انحط مرضه حتى خفيت ~~أعراضه. وإنما كان عدم التزيد بالغذاء دليلا على بقية مادة، لما تقدم من ~~أن الناقه من المرض إذا كان ينال من الغذاء وليس يقوى به، فهو يميل من ~~غذاء أو خلط. ثم إن أبقراط لم يقل: فذلك يحتاج إلى استفراغ. بل قال: إن ذلك ~~رديء لأن وجوب الاستفراغ قد علم مما تقدم. وأما أن ذلك رديء، فلأن البدن ~~الذي ليس بالنقي كلما غذوته فإنما تزيده شرا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن في أكثر ~~الحالات، جميع من حاله رديئة PageV01P098B ويحظى من الطعام في أول الأمر فلا ~~يتزيد بدنه شيئا، فإنه بآخره يؤول أمره إلى أن لا يحظى من الطعام. فأما ~~من كان يمتنع عليه في ms089 أول الأمر النيل من الطعام امتناعا شديدا، ثم ~~يحظى منه بآخره، فحاله يكون أجود. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل كالتتمة لما قبله، ~~وبين فيه ما يلزم ذلك الناقه الذي يغتذي ولا يزيد بدنه شيئا، وبين ~~أن حاله أردأ (76) من ضده وهو الذي لا يكون له شهوة في أول الأمر، ثم ~~تنهضم فضلاته ويجلو (77) بدنه فيشتهي الطعام. إلا أنه لم يخص ذلك بالناقه ~~بل تكلم فيما يعم ذلك وغيره، وهو جميع من حاله رديئة. والأطباء إذا ~~قالوا: حاله. أرادوا بذلك حالة من أحوال بدن الإنسان، وهم مختلفون في ذلك، ~~فبعضهم يجعل أحول بدن الإنسان ثلاثة: الصحة، والمرض، وحالة لا صحة ولا مرض؛ ~~وتسمى الحالة الثالثة والحالة الوسطى. وبعضهم ينفي هذه الحالة ولا يجعل لها ~~وجودا البتة. وتحقيق الحق في ذلك لا PageV01P099A يليق بكتب الطب، لكن الأطباء ~~اتفقوا على أن أبدان الناس تنقسم إلى: أصحاء، ومرضى، ومتوسطين. وإن كان ~~بعضهم لا يقول بالحالة الوسطى، وذلك لأن الذي ينفي هذه الحالة إنما ينفي ~~وجود شيء ثالث متوسط بين الصحة والمرض. وأما أن شخصا ما يكون بعض ~~أعضائه صحيحة وبعضها مريضة، فلهذا لا يمكن أحد إنكاره. ونقول: من الظاهر ~~البين أنه لا يريد بقوله: من حالة رديئة؛ المرضى، لأن المريض إذا كان ~~ينال من الطعام فهو محمود، وإن كان لا يزيد به بدنه؛ لأن المراد بالغذاء ~~للمرضى ليس أن يزيد بدنهم بل أن يحفظ قوتهم فقط. فبقى أن يكون المراد من ~~صحته رديئة؛ وذلك يعم جميع المتوسطين، ويدخل فيه الناقه وغيره. وينبغي ~~أن تعرف هاهنا ماهية الصحة والمرض، وأقسام المتوسطين، فنقول: الصحة هيئة ~~بدنية تكون (78) الأفعال معها سليمة، والمرض هيئة بدنية تكون (79) الأفعال ~~معها مأووفة. وأما أقسام المتوسطين، فإن البدن يكون متوسطا، إما لأنه ~~انتفى عنه كون الصحة في PageV01P099B الغاية، كبدن الناقه والطفل والشيخ، أو ~~لأنه اجتمع فيه الصحة والمرض. وذلك إما في عضوين كبدن الأعمى، أو في عضو ~~واحد، ولكن في جنسين من المرض، إما متباعدين: كصحيح المزاج، مريض التركيب. ~~أو متقاربين: كصحيح الشكل، ms090 مريض المقدار. أو صحيح الكيفيتين الفاعلتين، ~~مريض المنفعلتين. أو يكون اجتماعهما في وقتين؛ وذلك إما من الأسنان كمن ~~شأنه أن يمرض صبيا، ويصح شابا. أو من الفصول، كمن من شأنه أن ~~يصح شتاء، ويمرض صيفا. ولنرجع إلى بحث الفصل. قوله: إن في أكثر الحالات. ~~يريد بالحالات هاهنا الأوقات، أي أن في أكثر الأوقات. قوله: جميع من حاله ~~رديئة ويحظى من الطعام في أول الأمر، وليس قوله: في أول الأمر؛ في جميع ~~النسخ، وكان حذفه أولى لأن إتيانه يقتضي تخصيص ذلك بالناقه، وكون الحكم ~~عاما أولى؛ لأن غير الناقه ممن حاله رديئة مهما تناول من الطعام ~~مقدار شهوته، الحالة إلى ما ذكر سواء كان ذلك في أول حدوث تلك الحالة أو أي ~~وقت PageV01P100A كان. قوله: فإنه بآخره يؤول حاله إلى أن لا يحظى من الطعام. ~~أما كون ذلك رديئا فهو دائما، وقد دللنا عليه في الفصل المتقدم. ~~وأما أنه يؤول حاله بآخره إلى أن لا يحظى من الطعام. فوقوعه في أكثر ~~الحالات، وذلك لأنه إذا تناول مقدار شهوته وحال بدنه رديئة، إما لأنه غير ~~نقي من مادة رديئة، أو لأن أعضاءه غير صالحة المزاج، أو ضعيفة القوى لم تتم ~~هضم طعامه، واجتمع على طول الأيام شيء له قدر مثقل للبدن كال عليه، صار ~~البدن شهوته إلى الدفع أكثر منها إلى الجذب وإلى تنقيص ما عنده أكثر من ~~الزيادة بالوارد. وأما عكس هذا وهو من يمتنع عليه في أول الأمر النيل ~~من الطعام امتناعا شديدا، ثم يحظى منه بآخره، فإن حاله أجود. فلاشك أن ~~هذه الحالة أجود لأنها انتقال من الرداءة إلى الصلاح، وتلك بالعكس. وأما ~~كيف يكون هذا، فلأنه قد يكون بعض الناس حاله رديئة، وفي بدنه امتلاء من ~~مادة رديئة ثم لا يكون له شهوة إلى الغذاء فيتركه، فتقبل (80) الطبيعة ~~-لعدم الوارد- على ذلك الخلط PageV01P100B فتصلح (81) منه ما يقبل الصلاح، ~~وتغتذي (82) به وتقوى (83) على الباقي لقلته وتدفعه فينقي (84) البدن ~~فتنهض الشهوة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: صحة الذهن في كل مرض، علامة جيدة، ms091 وكذلك ~~الهشاشة للطعام؛ وضد ذلك علامة رديئة. ### ||| [commentary] # الشرح: إنه قد يظن أن شهوة الغذاء ~~لما كانت ممن حاله رديئة مذمومة، فكذلك لا ينبغي أن تذم في المرض أيضا، ~~فبين أنها في المرضى علامة صالحة لئلا يتوهم ذلك. ثم لما كان صحة الشهوة ~~في المرضى دليل على صحة الأعضاء الهاضمة منهم، وهي أعضاء القوى التي تسميها ~~الأطباء القوى الطبيعية، ذكر مع ذلك ما يدل على صحة أعضاء القوى التي ~~يسمونها القوى النفسانية، وذلك لأن الدماغ لو كان مأووفا لاختلى الذهن. ~~ولو كان الأعضاء المتصلة به كالنخاع والعصب مأووفة لشاركها الدماغ في ذلك، ~~فكان يجب اختلال الذهن. وكذلك نقول في الأعضاء الهاضمة، فإن قيل: فهلا ذكر ~~ما يدل على PageV01P101A صحة القوة التي يسمونها قوى حيوانية. قلنا: هذه القوى لا ~~وجود لها عند جميع الفلاسفة ولم يذكرها إلا الأطباء فقط، ولعل أبقراط لم ~~يكن يعتقدها. ويريد بالهشاشة الإقبال على الغذاء، وعدم النفرة منه. ~~ونقول: إذا قلنا أن كذا علامة صالحة، فلسنا نعني بذلك أنه يجب أن تعقبه (85) ~~الصحة لا محالة، فقد يكون هناك علامة أخرى رديئة تغلب هذه فيحصل الموت. ~~وبهذا يندفع جميع ما يورد من الشكوك، وهو أن المسهول يكون ذهنه صحيحا وهو ~~في طريق الموت، بل كلما زاد الإسهال صح الذهن أكثر مع أن الحال يكون أردأ. ~~وكذلك المبطون تكون شهوته قوية جدا، إلى أن يموت. بل صاحب الشهوة الكلبية ~~قد تبقى عليه تلك الشهوة إلى أن يموت. وهذه كلها تندفع بأنه لا يلزم من ~~تعقب الموت انتفاء كون علامة ما صالحة، لاحتمال أن يكون هناك حالة رديئة ~~أقوى من تلك. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا كان المرض ملائما لطبيعة PageV01P101B المريض ~~وسنه وسحنته والوقت الحاضر من أوقات السنة، فخطره أقل من خطر الذي ليس ~~بملائم لواحد من هذه الخصال. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل يشير فيه إلى دليل آخر على ~~أن صحة الذهن والهشاشة للطعام في كل مرض علامة صالحة، فلهذا أعقبه به، وذلك ~~لأن ذلك مما يناسب الصحة. وكون الشيء مناسبا، ms092 وإن كان رديئا كالأمراض، ~~فهو أقل خطرا وأحمد مما لا يناسب، فكيف إذا كان محمودا. واعلم أن لفظ ~~الطبيعة يقال على معان. فقال طبيعة للبراز كما يقال: هل الطبيعة مجيبة أو ~~ليس؟ ويقال: طبيعة للقوة التي من شأنها حفظ كمالات ما هي فيه، وهي التي ~~تصدر عنها أفعال على نمط واحد وبغير روية. كما يقال أن كذا مخالف لفعل ~~الطبيعة. ويقال طبيعة لهيئة البدن، كما قال أبقراط في كتاب إبيديميا: وأكثر ~~من كان يموت من كانت طبيعته مائلة إلى السل، أي من كانت أعضاؤه على ~~هيئة أصحاب السل. ويقال: PageV01P102A طبيعة للمزاج، كما يقال أن طبيعة كذا ~~حارة، وهو الذي عناه أبقراط هاهنا، كأنه قال: إذا كان المرض ملائما لمزاج ~~المريض ولسنه ولسحنته وغير ذلك، فهو أقل خطرا. واعلم أن الأطباء ~~اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال بظاهر هذا الفصل واحده مطلقا ولم يخصصه ~~بشيء، ومن جملتهم جالينوس، واستدل على ذلك بالقياس والتجربة. أما القياس، ~~فلأن المرض الملائم يكون سببه ضعيفا، لأن المستعد للشيء يكفيه أضعف ~~أسبابه. وغير الملائم لا يمكن حدوثه إلا عن سبب قوي، لأنه يحتاج أن يبطل ~~ذلك المزاج وينقله إلى الضد، والملائم إنما يقوي ذلك المزاج فقط؛ وإذا كان ~~كذلك، فخطر الملائم أقل. وأما التجربة فإنا شاهدنا الحمى المحرقة إذا ~~عرضت للشيخ كان خطرها وأذاها له أكثر من ذلك إذا عرضت للشباب، وكذلك أمراض ~~أخر. ومنهم من ناقض ذلك وزعم أن المرض الملائم أشد خطرا واستدل على ذلك ~~بالقياس والتجربة، أما PageV01P102B القياس فمنه ما هو كالبرهان، ومنه ما هو ~~كالجدل. أما البرهان فلأن المرض المخالف تكون (86) طبيعة المريض أى مزاجه ~~معينة على علاجه، لأن العلاج هو بالضد، ففي نفس طبيعة المريض ما يقوم ~~بالعلاج. وأما المرض الملائم ففي طبيعة المريض ما يقوي المرض ويضاد العلاج؛ ~~فظاهر بين أن المخالف يكون أقل خطرا و أسهل برءا. وأما الجدل ~~فلأن أبقراط نفسه قال: ما يعرض من البحوحة والنزلات للشيخ الفاني ليس يكاد ~~ينضج، مع أن ذلك لو عرض للشباب ms093 لأسرع نضجه. وكذلك ما نقلناه عنه في أول شرح ~~هذا الفصل أول كتاب إبيديميا. وأما التجربة، فإنا شاهدنا الفالج ~~واللقوة وغير ذلك إذا عرض للشيخ، وخصوصا الفاني، صعب علاجه، وفي الأكثر ~~يتعذر برؤه؛ ولا كذلك إذا عرض ذلك للشباب. وبعض من اعتقد هذا تأول كلام ~~أبقراط، فقال: إن مراده بالملائم المضاد، لأن المزاج البارد ملائم للمرض ~~الحار لأن به شفاءه. وقد أجاب جالينوس PageV01P103A عن قول أبقراط: إن (87) ما ~~يعرض من البحوحة والنزلات للشيخ الفاني، ليس يكاد ينضج. فقال: فرق بين ~~كون الشيء أشد خطرا، وبين كونه لا ينضج، فجائز أن يصدقا على شيء واحد. ~~وأيضا فإن كون ذلك لا ينضج، لا لكونه ملائما للمزاج، بل لكونه عرض للشيخ ~~الفاني. والشيخ الفاني تكون قواه ضعيفة، فيكون عدم النضج لضعف القوى، لا ~~لكونه ملائما أو ليس. وأجاب عن قوله: وأكثر من كان يموت، من كانت ~~طبيعته مائلة إلى السل. بأن المراد هناك بالطبيعة هيئة البدن، وهاهنا ~~مزاج البدن، ولا امتناع في أن يكون المناسب للمزاج أقل خطرا، والمناسب ~~للخلقة أشد خطرا (88). وهذا الجواب ليس يعجبني، فإن أبقراط قال في هذا ~~الفصل: وسنه وسحنته، والسحنة من جملة هيئة البدن. واعلم أنه إذا حققت ~~صورة الدعوى في الفصل لم يكن فيه خلاف، وكان الحق مع كل واحد من الرأيين. ~~وكذلك لأنا إذا فرضنا مرضا واحدا، وليكن حرارة واحدة بعينها PageV01P103B أو ~~حرارتين متساويتين عرضت إحداهما لشاب والأخرى لشيخ، فإنا نعلم بالضرورة ~~أنها في الشباب أعظم خطرا، وأشد أعراضا، وأكثر قتلا، وأكثر إحواجا إلى ~~زيادة التطفئة؛ والتي عرضت للشيخ بالضد من ذلك. بل لو فرضنا أن هذه الحرارة ~~بقدر معتدل، لكانت تبلغ إلى أن تمرض الشباب؛ وأما الشيخ فلعلها تنفعه ~~بتعديل مزاجه، ونقله إلى أفضل منه؛ ولعل هذا هو مراد أصحاب المذهب الثاني. ~~ونعلم أيضا أنها بالضرورة إنه إذا مرض الشيخ والشاب مرضا حارا، وبلغا ~~فيه إلى حد ما في الخروج عن الاعتدال الحقيقي بحيث كان خروجهما عن ~~الاعتدال الحقيقي واحدا، لست أقول عن الاعتدال الذي ms094 لكل واحد منهما، فإن ~~الشيخ حينئذ يكون مرضه أشد وأعظم خطرا وأكثر قتلا، لأن خروجه عن مزاجه ~~الطبيعي له أكثر كثيرا؛ وهذا هو مراد أبقراط. وحينئذ يندفع الخلاف وترتفع ~~الإشكالات ويبقى الكلام ظاهرا بينا من غير حاجة إلى تكلف تأويل. PageV01P104A ~~ ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن الأجود في كل مرض أن يكون ما يلي السرة والثنة له ثخن، ~~ومتى كان رقيقا جدا منهوكا، فذلك رديء؛ ومتى كان كذلك فالإسهال معه خطر. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل شديد التعلق بقوله: صحة الذهن في كل مرض علامة جيدة، ~~وكذلك الهشاشة إلى الطعام؛ لأنه ذكر في ذلك ما يدل على صحة الأعضاء ~~النفسانية والأعضاء الطبيعية، إلا أن الهشاشة للغذاء ليست تدل على سلاسة ~~الأعضاء الهاضمة دلالة قطعية، فقد تكون قوة تلك الشهوة لفساد في هذه ~~الأعضاء، كما في الشهوة الكلبية. لكن إذا اقترن مع الهشاشة للطعام ثخن ~~هذه المواضع، كانت دلالتها على صحة تلك الأعضاء أوثق. لكن فصل بينهما ~~بالفصل المتقدم لما ذكرناه هناك. والثنة هي ما بين السرة والفرج. ~~واعلم أن كون الأعضاء كلها على ما ينبغي، دليل على صحتها، فكون الجوف كله ~~على ما ينبغي دليل على صحة الأعضاء الهاضمة، إلا أنه خصص المثال بهذه لأن ~~دلالته على صحة تلك الأعضاء أظهر، لأنها إذا كانت على مزاجها PageV01P104B ~~الطبيعي كان استعمالها لغذائها على ما ينبغي، فوجب أن تكون ثخينة. وأما ~~إذا كان بها ضعف من سوء مزاج أو غيره، فإنها يقل استعمالها للغذاء، فتنحف، ~~فيرق ذلك الموضع. وأيضا لأن ثخن هذه المواضع محمود من حيث هو علامة، ومن ~~حيث هو سبب؛ وكذلك رقتها رديء كذلك (89)؛ لأن هذه المواضع إذا كانت ثخينة، ~~كان سيرها للكبد والأمعاء والطحال وغير ذلك عن ضرر الهواء الخارجي أكثر، ~~وكان تسخينها لتلك الأعضاء بسبب ما يقبله السحم من الحرارة أكثر، وذلك موجب ~~لجودة هضمها، وكان ذلك دليلا على كثرة الدم الواصل إليها، وذلك دليل على ~~صحة الأعضاء الهاضمة. وإذا كانت رقيقة منهوكة وصل ضرر الهواء الخارجي إلى ~~تلك الأعضاء ولم يجد ms095 هضمها لعدم تسخنها بحرارة السحم الذي ينبغي أن ~~يكون هناك، وكان ذلك دليلا على قلة غذائنا الدال على ضعف الأعضاء الهاضمة. ~~وأما أن الإسهال مع ذلك خطر، فلوجوه: أحدها: PageV01P105A لأن مثل هؤلاء يكون ~~دمهم قليلا بسبب ضعف هضمهم. والإسهال مع قلة الدم رديء. وثانيها: أن ~~الإسهال يقلل الأخلاط، فيقل الغذاء، وذلك يوجب زيادة رقتها. وثالثها: ~~أن هذه المواضع تكون - لا محالة - ضعيفة، ونفوذ الأخلاط في الإسهال إنما هو ~~بمرورها هناك، ومرور الأخلاط بالأعضاء الضعيفة رديء. واعلم أن القيء مع ~~هزال هذه المواضع رديء أيضا، للوجهين الأولين، ولأنه يخاف من حركته ~~انشقاق هذه المواضع لضعفها، وذلك موجب للفتق. وإنما لم يذكر أبقراط القيء ~~لأن غالب ما يستفرغ في الأمراض بالإسهال، فكانت الحاجة إلى النهي عنه ~~أمس. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كان بدنه صحيحا، فأسهل أو قيء بدواء، ~~أسرع إليه الغشي؛ وكذلك من كان يغتذي بغذاء رديء. ### ||| [commentary] # الشرح: أما ~~تعلق هذا بما قبله فظاهر، وذلك لأنه يتضمن ذكر مواقع الإسهال والقيء، كما ~~هو المتقدم. وكأن هذا كالدليل على ما قبله، وذلك لأنه إذا PageV01P105B كان ~~الصحيح إسهال وفيه خطرا لعدم المواد الرديئة، فالذي بدنه ناقص الأخلاط عن ~~الصحيح كمهزول تلك المواضع بطريق الأولى. ونقول: إنما يسرع الغشي للصحيح، ~~لأن الدواء المسهل والمقيء لا يجد مادة رديئة يجذبها، فيجذب الصالح ~~المنتفع به، وذلك مضاد لفعل الطبيعة، فهو لا يخرج ذلك إلا إذا أضعف الطبيعة ~~جدا وقهر قوتها. ومع ذلك فإنه يصحب ذلك المستفرغ أرواح كثيرة بسبب ~~صلاحيته، وذلك موجب للغشي لا محالة. وأما سرعة حدوثه لمن كان يغتذي بغذاء ~~رديء، فلأن الأخلاط تكون فاسدة ضارة، لكنها ساكنة مغمورة في أخلاط جيدة ~~فلا تشعر الطبيعة ولا الأعضاء بأذاها، فإذا حركت بالدواء المسهل أو ~~المقيء تأذت بها الطبيعة والأعضاء، وذلك موجب للغشي. واعلم أنه إنما ~~نهى (90) عن القيء أو الإسهال الكائن بالدواء، أما القيء بغير ذلك كالمعتاد ~~في حال الصحة بالماء الحار وكالإسهال بالفتل والحقن فلا يدخل في ذلك، لأن ~~هذه PageV01P106A لا يلزمها ما قلناه. ms096 بقى علينا أن نفرق بين الدواء والغذاء ~~فنقول: كل جسم فإنه مؤلف من مادة يكون بها بالقوة كالطين للكوز؛ ومن صورة ~~يكون بها بالفعل كصورة الكوز له. ولابد من أعراض تلزم إما صورته لكونه ~~حارا أو باردا، ومن أعراض تلزم إما صورته لكونه رطبا أو يابسا. فكل ~~ما (91) يورد على البدن من الأجسام فتأثيره فيه إما أن يكون مادته فقط وهو ~~الغذاء المطلق، لأن الغذاء ينفصل عنه صورته وتتصور مادته بصورة الأعضاء، أو ~~يكون بصورته فقط وهو الشيء الذي له خاصية، إما موافقة كالبادزهر (92)، أو ~~مخالفة كالبيش. أو بكيفيته فقط بأن يكيف البدن بكيفية، إما زائدة على ما ~~للبدن وهو الدواء الخارج عن الاعتدال إلى تلك الكيفية، أو غير زائدة وهو ~~الدواء المعتدل. أو يكون فعله بمادته وصورته وهو الغذاء الذي له خاصية؛ أو ~~مادته وكيفيته وهو الغذاء الدوائي؛ أو بكيفيته وصورته وهو الدواء الذي له ~~خاصية. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كان PageV01P106B بدنه صحيحا، فاستعمال الدواء فيه ~~يعسر. ### ||| [commentary] # الشرح: قد بينا أن الأطباء إذا أطلقوا لفظة الدواء أرادوا ~~المستفرغ، وقد بين في الفصل المتقدم أن إسهال الصحيح رديء يسرع إليه ~~الغشي، فبين هاهنا أنه رديء بوجه آخر، وهو أنه عسر؛ وذلك لأنه يحدث ~~فيهم قلقا ودوار ومغصا وخفقانا وكربا، وكل ذلك بسبب اجتذابه للأخلاط ~~المحمودة لعوز الأخلاط الفاسدة ومنازعة الطبيعة له في ذلك. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ما ~~كان من الطعام والشراب أخس قليلا، إلا أنه ألذ، فينبغي أن يختار على ما ~~هو منها أفضل، إلا أنه أكره. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل كأنه استثنى من قوله: وكذلك ~~من كان يغتذي بغذاء رديء فإن ذلك إذا استفرغ أسرع إليه الغشي لفساد أخلاطه. ~~اللهم إلا أن يكون ذلك الرديء قليل الرداءة، ويكون مع ذلك لذيذا، فإن هذا ~~لا يكون خلطه رديئا، بل هذا يختار على ما كان من الأطعمة والأشربة أفضل ~~إلا أنه أكره؛ وذلك لأن PageV01P107A المعدة تحتوي على اللذيذ ويلزمه فيكون ~~هضمها له أكمل وأفضل وينفي عن الكربة ويتبرأ (93) منه فيفسد ms097 ويسيء هضمه وإن ~~كان صالح الجوهر. فكان يجب أن يعقب هذا الفصل قوله: وكذلك من كان يغتذي ~~بغذاء رديء. إلا أنه أدخل الفصل الذي قبل هذا بينهما لما قلناه. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: الكهول في أكثر الأمر يمرضون أقل مما يمرض الشباب، إلا أن ما يعرض ~~لهم من الأمراض المزمنة في أكثر الأمر يموتون وهي بهم. ### ||| [commentary] # الشرح: لما أوجب ~~في الفصل المتقدم متابعة الشهوة وبين أن ذلك أفضل، وإن كان من طعام أو ~~شراب أخس، بين هاهنا أن ذلك ليس كيف اتفق، بل بقدر متوسط. فإن الإفراط ~~في متابعة الشهوات في الأطعمة والأشربة مما يوجب كثرة الأمراض، ولهذا كان ~~الشباب مع قوة قواهم وصحة أمزجتهم يمرضون أكثر مما يمرض الكهول لاغترارهم ~~بقوة هضمهم وإقدامهم على الأغذية الرديئة كالفواكه وغيرها. قوله: إلا أن ~~ما يعرض لهم PageV01P107B من الأمراض المزمنة في أكثر الأمر يموتون وهي بهم. ~~سبب ذلك من وجهين: أحدهما: أن حرارتهم الغريزية ضعيفة فلا تقوى على تحليل ~~مادة الأمراض المزمنة لأنها تكون غليظة باردة. وثانيهما: أن من لا يستعد ~~للشيء لا يعرض له إلا لسبب قوي، والكهول أمراضهم فيهم، غير مستعدين ~~للأمراض، فلا يحصل لهم إلا لسبب قوي، وذلك يوجب تمكنه. ونقول: هاهنا سبب ~~آخر لقلة أمراض الكهول، وهو أن أكثر ما يعرض من الأمراض الحارة ضرورة أن ~~أكثر الأمراض الواقعة إما حميات أو يصحبها حميات، وأبدان الكهول أقل حرارة ~~من الشباب فهم أقل (94) استعدادا للأمراض الواقعة، فوجب أن تكون فيهم قليلة ~~وفي الشباب كثيرة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن ما يعرض من البحوحة والنزلات للشيخ ~~الفاني، ليس يكاد ينضج. ### ||| [commentary] # الشرح:هذا تبيينا لقولنا: إن الحرارة ~~الغريزية (95) إذا كانت ضعيفة، لا تقوى على إنضاج الأمراض المزمنة، وكان ~~PageV01P108A ينبغي أن يمثل على ذلك بأبدان الكهول حتى يطابق دعواه. إلا أنه ليس ~~يبين لكل أحد أن الحرارة الغريزية في الكهول ضعيفة، ولا كذلك الشيخ ~~الفاني، فإن ضعف حرارتهم معلوم عند كل أحد. وإنما مثل بالبحوحة والنزلات ~~لأنها من أسهل الأمراض المزمنة وأقبلها لسرعة ms098 البرء؛ فإذا كانت فيهم لا ~~تبرأ فغيرها بطريق الأولى؛ وذلك كعلل الكلى والمفاصل والنقرس وعرق ~~النسا، وغير ذلك. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من يصيبه مرارا كثيرة غشي شديد من ~~غير سبب ظاهر، فهو يموت فجأة. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا بيان لقولنا: إن من لا ~~يستعد للشيء، لا يحدث فيه إلا لسبب قوي، وأن المستعد للشيء يكفيه أضعف ~~أسبابه. فيكون هذان الفصلان مقررين للفصل الذي قبلهما. فإن قيل: فكيف تكون ~~الصورة الجزئية دليلا على المطلوب الكلي؟ قلنا: أمثال هذه المطالب ~~معلومة عند العقلاء فيكفي في PageV01P108B إثباتها التنبيه عليها ولو بصورة ~~واحدة. فلنبحث الآن في صورة الدعوى في هذا الفصل. واعلم أنه ليس كل من ~~يصيبه الغشي فهو يموت فجأة، بل من يعتريه ذلك لضعف قلبه وضعف قوته ~~الحيوانية، وإنما يكون ذلك إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء: أحدها: أن يتكرر ~~عروضه كثيرا فلو طرأ (96) مرة واحدة أو أكثر من ذلك قليلا، لم ينذر بموت ~~فجأة. وثانيها: أن يكون ذلك شديدا، فلو تكرر الغشي الضعيف الذي يحدث ~~كثيرا عن ضعف فم المعدة، لم ينذر بذلك. وثالثها: أن يكون ذلك من غير ~~سبب ظاهر، فلو تكرر عن تكرار سبب ظاهر، كالأوجاع الشديدة، لم ينذر بذلك. ~~وأما إذا اجتمعت هذه الأشياء الثلاثة، دل على ضعف القلب، وأي عضو ضعف كان ~~استعداده لعروض الآفات أكثر. ودل أيضا على ضعف القوة الحيوانية، وهي ~~المحامية عن القلب؛ وذلك يقتضي التأهب لحصول الآفات. ولا يعني PageV01P109A ~~أبقراط بقوله: فهو يموت فجأة. إلا ذلك، أي أنه يكون مستعدا للموت فجأة، ~~فإنه لا يمنع أن يموت ذلك بمرض آخر، أو ببعض الأسباب البادية، كالغرق ~~والهدم والسيف، وغير ذلك. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: السكتة إن كانت قوية، لم يمكن أن ~~يبرأ صاحبها منها؛ وإن كانت ضعيفة، لم يسهل أن يبرأ (97). ### ||| [commentary] # الشرح: إنما ذكر ~~حكم السكتة بعد الموت فجأة، لأن الناس يحسبون أن الموت فجأة هو موت بالسكتة ~~أيضا، ولا يميزون بينهما. ولأن السكتة تشبه الغشي وتسببه (98)، والفرق ~~بين السكتة والموت فجأة أن السكتة شدة تامة ms099 تعرض لبطون الدماغ ومجاري روحه ~~فتتعطل الأعضاء كلها عن الحس والحركة الإرادية، إلا حركة التنفس؛ فقد تبقى ~~لشدة عناية الطبيعة بها لضرورتها في الحياة. وسبب تعطل الأعضاء عن الحس ~~والحركة الإرادية أن الدماغ هو المبدأ لتلك القوى، إما بنفسه عند أكثر ~~PageV01P109B الأطباء، وإما بعد القلب عند أكثر الفلاسفة. والدماغ إنما يرسل تلك ~~القوى إلى الأعضاء في الأعصاب، إما بنفسه وإما بتوسط النخاع. فإذا انسدت ~~بطون الدماغ، انسدت مبادئ العصب والنخاع، فلم يبق لتلك القوى مجال. وأما ~~الموت فجأة فأن يمتلئ تجويف القلب من مادة تنصب إليه، وفي الأكثر تكون ~~دما، فتختنق الروح ويحصل الموت. وسنذكر الفرق بين المسكوت والميت. فلنفرق ~~الآن بين السكتة وبين الأمراض المشابهة لها، كالسبات والغشي واختناق الرحم. ~~فنقول: إن السبات يخالف هذه كلها بأن صاحبه يمكن أن ينبه ويفهم، ~~وسحنته تشبه سحنة النوام، ويتدرج إلى النوم الثقيل. وأما السكتة فتعرض ~~دفعة. والمختنقة الرحم تفهم بعسر ولا تتكلم. والغشي يتغير فيه لون الوجه ~~ويصفر حتى يشبه سحنة الموتى، مع ضعف في البصر وصلابة. ولنفرق الآن بين ~~السكتة القوية والضعيفة. أعظم السكتة PageV01P110A وأقواها ما كان عن ورم، ثم ما ~~كان عن بلغم غليظ لزج كبير. وأما ما يكون عن سوداء أو دم حركة أو امتلاء أو ~~ضربة أو سقطة، أو كان لمؤذ أو برد أو بخار فاسد أو كثير، فأمرها أسهل. ~~وأردأها من جهة أعراضها ما لا يظهر فيها النفس؛ ثم التي يظهر فيها ذلك، ~~ولكن باستكراه، ويكون مختلفا بلا نظام؛ ثم التي يكون النفس فيها منتظما ~~وقليل الاختلاف. وأسلمها التي يكون النفس فيها مستويا. والسبب في أن ~~القوية منها لا تبرأ أنه يلزمها مع الإضرار العظيم بالدماغ الإضرار بالقلب ~~وأعضاء النفس بسبب بطلان النفس أو استكراهه. وأما الضعيفة منها فلا ~~يسهل برؤها، لإضرارها بالدماغ. والفرق بين الميت وبين المسكوت إذا لم يظهر ~~نفسه ولا بالقطن المنفوش الموضوع حذاء الأنف، أو الماء الموضوع على البطن، ~~فإنه قد يظهر النفس الخفي بحركتها، وأما إذا لم يظهر بذلك فقد قيل: ms100 يدخل ~~الإصبع في الدبر فهناك شريان لا يزال يتحرك مدة PageV01P110B الحياة. وعندي أن ~~هذا بعيد، فإنه إذا خفيت حركة الشرايين التي في الصدر، القريبة من القلب، ~~فغيرها بطريق الأولى، وخصوصا ما بعد جدا إلى ذلك المكان. بل أرى أنه ~~ينظر في العين، فإن شوهد فيها الخيال المسمى إنسان العين، فهو مسكوت، ~~وإلا ميت. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: الذين يختنقون ويصيرون إلى حد الغشي ولم يبلغوا إلى ~~حد الموت، فليس يعيش منهم من يظهر في فيه زبد. ### ||| [commentary] # الشرح: ذكر المختنقين هاهنا ~~لأن حال صاحبه يشبه السكتة من جهة تعطل أفعاله، ويشبه الغشي من جهة الضرر ~~الذي يتحصل للقلب بسبب حبس النفس. واعلم أن الزبد يحدث من رطوبة ~~يخالطها جوهر ريحي إذا تصغرت أجزاءهما تصغيرا لا يقوى الريح على حرق تلك ~~الرطوبة فينفصل منها، ولا تقوى الرطوبة على تنحيته عن جهتها، فترسب بثقلها، ~~فيحدث من ذلك شبيه النفاخات. وكلما كانت تلك الرطوبة PageV01P111A أكثر غلظا ~~ولزوجة، كان انفصال الريح عليها أعسر، وأمكن حدوث نفاخات كبار، وكان ~~انحلال الزبد أبطأ، وهذا كالزبد الحادث في أفواه الخيل عند ركضها. ~~وإنما كان المخنوق إذا أزبد لا يعيش، لأن زبد المخنوق في غالب الأمر إنما ~~يحدث إذا اشتعل القلب بحبس النفس واشتعلت الروح اشتعالا يلزمه ~~انطفاءها، وذلك يوجب فرط سخونة الرئة وذوبان بعض جرمها، فيختلط بالروح التي ~~احترقت حتى صارت دخانية، فيحدث الزبد، وذلك موجب للموت لا محالة. لكنه قد ~~يحدث في المخنوق زبد لا على ذلك الوجه، بل بأن يسخن الدماغ وتسيل منه ~~رطوبات تخالط ما يصعد من النفس المتسخن لاحتباسه بالخنق واستحالته إلى ~~الدخانية، وذلك لا يلزمه الموت. إلا أن حدوث الزبد على هذا الوجه أقل من ~~الأول لأن تسخن الدماغ بالخنق من غير تسخن القلب واشتعاله نادر. ومراد ~~أبقراط هو الزبد الأول، ولهذا قال: PageV01P111B ويصيرون إلى حد الغشي. والزبد ~~الحادث من الدماغ لا يلزم فيه الغشي. وقد قال جالينوس: إن هذا الحكم ~~أكثريا وليس كليا. قال: لأنا قد شاهدنا جماعة من المخنوقين عرض لهم ms101 ~~الزبد ثم عاشوا. أقول: لا يبعد أن يكون ذلك الزبد من الدماغ، إذ يمتنع ~~الحياة مع حصول الزبد بالوجه الأول. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كان بدنه غليظا جدا ~~بالطبع، فالموت إليه أسرع منه إلى القضيف. ### ||| [commentary] # الشرح: أما تعلق هذا بما قبله، ~~فلأن من كان بدنه كذلك فإنه وإن كان الموت إليه أسرع منه إلى القضيف ~~مطلقا، فإن الموت إليه - وإن كان مخنوقا - أسرع منه إلى القضيف. وحينئذ ~~يحسن أن يوصل هذا الفصل بالأول، بأن يقال: فليس يعيش منهم من يظهر في فيه ~~زبد، وما كان من هؤلاء غليظا جدا بالطبع فالموت إليه أسرع منه إلى ~~القضيف. لكنه فصله (99) عنه ليفيد (100) حكما عاما، وقد شرط أبقراط PageV01P112A ~~في هذا الحكم شرطين؛ أحدهما: أن يكون غليظ البدن جدا. وثانيها: أن يكون ~~ذلك بالطبع. والفرق بينه وبين ما يكون بالاكتساب- كمن يكون بطبعه نحيفا ثم ~~يستعمل تدبيرا مسمنا فيسمن- أن السمن الطبيعي تكون (101) العروق فيه ~~ضيقة، ويكون صاحبه قليل الدم، لا يصبر على الجوع، ويكون لونه يميل إلى ~~البياض أكثر مع قلة الحمرة. وإنما يسرع إلى هذا الموت لأن حرارته قليلة، ~~فيستولي عليها البرد، وخصوصا والبلغم يكون غالبا فيعين على طفو الحرارة ~~بالخنق والعمر والمضادة في الكيفية. ولو كان القضيف بارد المزاج لم يمكن أن ~~يكون قضيفا، إلا إذا كان يابس المزاج، فتكون الرطوبات الغامرة للحرارة ~~قليلة، ولأن سمن المبرود يكون أكثره شحما، والشحم بارد المزاج فيكون ~~مبردا أيضا، فيشتد البرد. واعلم أن أقضف الأبدان هو البارد اليابس، ~~لقلة دمه بسبب البرد وعدم الرطوبة، فلا يتكون منها شحم (102) ولا سمين. ثم ~~الحار اليابس، لأن رطوباته تكون قليلة، لكن دمه أكثر قليلا فلهذا PageV01P112B ~~يكون أكثر خصبا من الأول. ثم اليابس المعتدل في الحرارة والبرودة. أما ~~قضافته فلقلة رطوبته. وأما نقصان القضافة عن الأول، فلأن فرط الحرارة يلزمه ~~التحليل الزائد وحدة الدم، فلا يكون حبيبا إلى الأعضاء. ثم الحار ~~المعتدل في الرطوبة واليبس، لأن الرطوبة ليست زائدة، والحرارة محللة ~~ومحدة للدم، لكنه أقل قضافة من الأول لأن ms102 رطوبته أكثر والحرارة تعقدها ~~لحما. واعلم أن اللحم يتولد من متين الدم ويعقده الحر. والسمن والشحم ~~يتولدان من مائية الدم ودسمه، ويعقدهما البرد؛ ولذلك يحلهما الحر. وأما أن ~~السمين جدا بالطبع يسرع إليه الموت إذا خنق أكثر من القضيف فظاهر؛ وذلك ~~لأن القضيف يكون شرايينه ومجاري روحه واسعة، فإذا خنق أمكن أن يصل إليه في ~~تلك المجاري من الهواء ما يقارب الهواء المستنشق بالتنفس. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: صاحب ~~الصرع إذا كان حدثا، فبرؤه منه يكون خاصة بانتقاله في السن والبلد ~~والتدبير. PageV01P113A ### ||| [commentary] # الشرح: الصرع علة تمنع الأعضاء النفسانية عن أفعال الحس ~~والحركة والانتصاب، وذكره هاهنا لمشاركته السكتة والخنق في بعض الأشياء ~~ومخالفته لهما في بعض آخر، وكان يجب ذكره عقبيهما لولا ما ذكرناه من وجوب ~~تقدم الفصل المتقدم. أما مشاركة الصرع السكتة فلأن كل واحد منهما عن سدة ~~في الدماغ، ويلزمهما حصول الآفة في أفعال الحس والحركة الإرادية، لكن ~~الحركة في السكتة تبطل وفي الصرع تضطرب وتجعل حركات تشنجية لانقباض الدماغ ~~والأعصاب لدفع المؤذي. وأما مخالفته لها، فلأن الصرع يختص برؤه بسن ~~الحداثة، والسكتة لا تختص بذلك. والسدة في السكتة أتم، وفي الصرع ~~ناقصة. وأما مشاركته للاختناق، فلأن في كل واحد منهما يعرض اضطراب في ~~الحركة والتنفس، وسقوط، وغيبة. وأما مخالفته له، فلأن الزبد في الصرع يكون ~~به فراق النوبة، ويدل على صلاح حال، وفي الاختناق PageV01P113B علامة الموت. ~~ونقول: إنما كان الصرع في سن الحداثة يبرأ (103) بالانتقال في السن، لأنه ~~ينتقل إلى سن الشباب، وفيه تقوى الحرارة الغريزية، ويشتد، وينقص الرطوبات، ~~وذلك من أعظم علاج للصرع، حتى ربما كفى ذلك وحده، وربما أحتيج إلى ~~الانتقال في التدبير أي الانتقال إلى تدبير منقص للرطوبات مقو ~~للحرارة. وكذلك الانتقال في البلد، أي إلى بلد حار يابس كالحجاز. قوله: ~~خاصة. أي يكون برؤه خاصة في هذا السن بانتقاله في ذلك. أما لو حصل في سن ~~الشباب أو ما بعده لم تزدد (104) الحرارة الغريزية بعده إلا نقصانا. فإن ~~قيل: فلما كانت السكتة، مع أنها ms103 سدة تامة، لا يختص (105) برؤها بذلك ويختص ~~الصرع، مع أن الصرع أسهل لأن سدته غير تامة وسدة السكتة تامة. قلنا: إن عنى ~~بالصرع النوبة، فذلك لا يختص أيضا برؤه بسن، بل برؤه أسهل كثيرا من برء ~~السكتة. وإن عنى به المرض الذي يلزمه السدة في كل حين، فنحن نمنع كون الصرع ~~أسهل من السكتة PageV01P114A وخصوصا والصرع يلزمه ضعف القلب، ولذلك يعرض لهم جبن ~~وجوع وخبث نفس وضيق صدر، ولهذا يحدث الصرع كثيرا عند حدوث الأشياء المضعفة ~~للقلب، كالضجة والهدم وغيرهما. والزبد يحدث في الصرع إما لدفع الدماغ ~~للرطوبة السادة واختلاط الهوائية المستنشقة بتلك الرطوبة، أو لاضطراب ~~النفس فيختلط معه الرطوبات التي في الفم وما يجاوره؛ بخلاف الاختناق فإن ~~ذلك الزبد من خنق النفس، الذي يلزمه ذوبان جرم الرئة وتضرر القلب. وأما ~~التشنج الذي في الصرع، فسببه أن الأذى الذي يعرض للدماغ ينال جميع الأعصاب، ~~فيكون حالها كحاله؛ وذلك لأمور ثلاثة: اتباع الأعصاب لجوهر الدماغ، ~~وتأذيها بما يتأذى به، وامتلائها من الخلط المندفع إليها في مبادئها، ~~فيزداد عرضها وينقص طولها. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا كان بإنسان وجعان معا، وليس ~~هما في موضع واحد، فإن أقواهما PageV01P114B يخفي الآخر. ### ||| [commentary] # الشرح: يريد بقوله ~~وليس هما في موضع واحد. أنه ليس هما في عضو واحد، فإنه لا يمكن أن يكون ~~في موضع واحد بعينه وجعان معا البتة. وأما إذا كان الوجعان في عضو ~~واحد، فإن كل واحد منهما يزيد على الآخر لا محالة، لأن كل واحد منهما ~~جذاب ومضعف، وذلك موجب للتعاون على شدة الاستعداد للوجع. وأما إذا كانا في ~~عضوين، وخصوصا متباعدين، فإن أقواهما يخفي الآخر، لأن النفس يتصرف بجملة ~~قواها إلى الأقوى فتشتغل بتدبيره عن إدراك الأضعف. وكذلك أيضا إذا تصرفت ~~الطبيعة إلى دفع المرض وإنضاج مادته، وبالجملة تدبيره، فإنها تشتغل به عن ~~الإحساس بالجوع وعن التصرف في الغذاء، حتى يمكن بقاء المريض مدة لا يستعمل ~~فيها الغذاء ولا يمكن الصحيح أقل منها بكثير. فقد استفدنا إذا أن عدم ~~الشعور بالوجع قد ms104 يكون لاختلاط الذهن، كما قال: من يوجعه شيء من بدنه ولا ~~يحس به في أكثر حالاته، فعقله مختلط. وقد يكون PageV01P115A لبطلان الحس كما قال ~~في السكتة والفالج. وقد يكون لاشتغال النفس، كما قال هاهنا. والسبب في ذكر ~~هذا بعد الصرع ليبين أن الضرر في الصرع لا يلزم أن يكون في الأعصاب فقط؛ ~~وذلك لأن الشيء المحسوس الذي هو الوجع قد يخفى فلا يدرك عند حصول ما هو ~~أشد آفة منه. فكذلك لا يلزم من كون الضرر المحسوس في الصرع، إنما هو في ~~الأعصاب أن يكون الدماغ خاليا عن الضرر، فقد يكون حصول قوة الضرر في ~~الأعصاب أخفى الضرر الحاصل في الدماغ، كما يخفى الوجع القوي الوجع الأضعف. ~~ ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: في وقت تولد المدة، يعرض الوجع والحمى أكثر مما يعرضان ~~بعد تولدها. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل كالمقابل لما قبله، لأن ما قبله تبين فيه ~~أن الطبيعة قد تشتغل فلا يؤلم شيء آخر. وفي هذا تبيين أن الطبيعة قد تشتغل ~~بشيء فيكثر ألم شيء آخر، وذلك لأن الطبيعة إذا اشتغلت بإنضاج PageV01P115B المادة ~~قويت الحمى، وكانت أقوى مما يكون بعد ذلك. وكذلك يقوى الوجع، وذلك لأن طبخ ~~المدة يكون بالحرارة الغريزية، والحرارة الغريبة. وذلك يلزمه زيادة ~~الحرارة لا محالة بسبب الطبخ، ويقوى الوجع لحرارة المكان ولغليان المدة ~~بالطبخ وللتمديد الحاصل بزيادة حجم المدة بسبب سخونتها، وكل ذلك موجب ~~لاشتداد الحمى، فإذا تم النضج بطل الطبخ، فضعفت الحمى والوجع أو بطلا ~~لفقدان السبب، وخصوصا إذا خرجت المدة، فيزول (106) ما يسخن سخونة ما ~~بالحرارة الباقية فيه، فالطابخ للمدة هو الحرارة الغريزية والغريبة معا، ~~والطابخ للغذاء هو الحرارة الغريزية فقط، والطابخ للمادة العفنة هو الحرارة ~~الغريبة فقط. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: في كل حركة يتحركها البدن فإراحته حين يبتدئ به ~~الإعياء، تمنعه عن أن يحدث به الإعياء. ### ||| [commentary] # الشرح: أما صحة هذا فمعلوم، وأما ~~ذكره عقيب المتقدم فللدلالة على ما قلناه، وهو أن PageV01P116A عدم سبب الشيء ~~سبب لعدم ذلك الشيء، إذ عدم الحركة المحدثة للتعب سبب ms105 لعدم التعب؛ فيلزم من ~~ذلك أنه إذا تم طبخ المدة، وجب أن يكون الوجع والحمى أخف. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~من اعتاد تعبا ما، فهو وإن كان ضعيف البدن أو شيخا، فهو أحمل لذلك ~~التعب الذي اعتاده ممن لم يعتده وإن كان شابا قويا. ### ||| [commentary] # الشرح: لما بين ~~أن عدم السبب سبب لعدم المسبب، بين بهذا أنه قد يكون أيضا دوام السبب ~~سببا لضعف آثار المسبب، وذلك لأن من اعتاد تعبا، أي تكرر له وجود حركة ما ~~موجبة لتعب ما فإنه وإن كان ضعيف البدن أو شيخا فهو أحمل له من غيره، فصار ~~إذا كثرة وجود تلك الحركة الموجبة للتعب سببا لقلة التألم بذلك التعب؛ ~~وذلك هو ضعف آثار ذلك التعب. وكمية هذا كليا ظاهر وهو أن دوام ~~الشيء قد يكون سببا لإزالة شرط قوته أو سببها أو غير ذلك. فإن دوام وجود ~~PageV01P116B النار في الحطب سبب لإفناء الحطب وهو شرط أو سبب لقوتها. وأما كمية ~~الصورة الخاصة بالفصل فهو أن كل بدن أو كل عضو عود رياضة فإن الآلات ~~كالأعصاب والرباطات وغيرهما توانى على إتيان (107) تلك الرياضة، ونزول ~~الموانع عنها لتحليل الرطوبات المرخية للآلة وإذابة التعقد المعسر لفعلها، ~~وذلك يوجب كون فعلها بسهولة؛ وليس هذا مختصا بالأعضاء بل وبالقوى أيضا، ~~فإن من اعتاد كثرة الحفظ قويت حافظته، وكذلك من اعتاد الفكر قويت ~~مفكرته. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ما قد اعتاده الإنسان منذ زمان طويل، فهو وإن كان أضر ~~مما لم يعتده، فأذاه له أقل؛ فقد ينبغي أن ينتقل الإنسان إلى ما لم يعتده. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: هذا أيضا يدل على ما قلناه، وهو أن الشيء قد يكون دوام وجوده سببا ~~لضعف آثاره. ومثل في هذا الفصل بالضار، أي أن الضار إذا تكرر وأعتيد، ~~كان تأثيره في الضرر أقل. PageV01P117A وأما في الفصل المتقدم فكان مثاله بالحركة ~~وهي نافعة، ونقول: إن السبب في ذلك أن الشيء المخالف للشيء إذا استحال ~~إلى مشابهته، بطل انفعاله عنه؛ فإن الماء الحار ينفعل عن البارد لأنه مخالف ~~له، ms106 فإذا استحال كل واحد منهما إلى طبيعة الآخر بطل الفعل والانفعال الذي ~~بينهما. فالضار للبدن إذا تكرر عليه، تكيف البدن به، بطل انفعاله منه ~~ضرورة. ثم إنه زاد في هذا الفصل زيادة تنفع في حفظ الصحة، وهو قوله: فقد ~~ينبغي أن ينتقل الإنسان إلى غير ما لم يعتده. مثال ذلك: إن الإنسان قد يضطر ~~إلى الانتقال إلى بلد، فينبغي له قبل الانتقال إليها أن يتدرج في استعمال ~~أغذيتها حتى يألفها، فلا ينفعل عنها إذا انتقل إلى ذلك البلد. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~استعمال الكثير بغتة مما يملأ البدن أو يستفرغه أو يسخنه أو يبرده أو ~~يحركه بنوع آخر من الحركة أي نوع كان، فهو خطر؛ وكلما كان كثيرا فهو ~~مقاوم للطبيعة. فأما ما يكون قليلا قليلا، فمأمون متى أردت PageV01P117B ~~انتقالا من شيء إلى غيره، ومتى أردت غير ذلك. ### ||| [commentary] # الشرح: قد استدل بهذا على ~~وجوب التدرج فيما لم يكن له به عادة، وذلك لأن ذلك الشيء إذا استعمل ~~كثيرا، سواء كان مسخنا أو مبردا أو غير ذلك، فهو أخطر لأن صحة ~~البدن بالاعتدال، فكل ما يوجب خروجا عنه يكون منافيا للصحة. والإفراط في ~~المسخن أو المبرد أو غيرهما إفراط فيما يخرج عن الاعتدال فيكون منافيا ~~للصحة، وكل مناف للصحة فهو مقاوم للطبيعة، لأن الطبيعة هي التي تحفظ على ~~البدن الاعتدال؛ فالموجب للخروج عنه مقاوم لها لا محالة. وإذا كان كذلك ~~فينبغي لمن أراد أن ينتقل إلى تدبير ما أن يكون انتقاله إليه قليلا ~~قليلا، فإن ما يكون قليلا فمأمون، سواء كان لأجل الانتقال أو لغيره؛ وذلك ~~لأن الشيء المخالف إذا ورد قليلا قليلا لم ينفعل البدن عنه انفعالا ~~ظاهرا (108) فيألفه بطريق لا يتضرر به. وإنما قلنا إنه لا ينفعل عنه، لأن ~~الانفعال إنما يكون عما PageV01P118A يرد بغتة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن أنت فعلت جميع ما ~~ينبغي أن تفعل، فلم يكن ما ينبغي أن يكون، فلا ينبغي أن تنتقل إلى غير ما ~~أنت عليه ما دام ما رأيته منذ أول الأمر ثابتا. ms107 ### ||| [commentary] # الشرح: لما بين أنه ~~قد يكون شيء إذا كرر وطال زمانه، ضعف تأثيره. بين هاهنا أن ذلك ليس ~~دائما، فقد يكون من الأشياء ما إذا كرر وطال زمانه قوى تأثيره، بل هذا ~~هو ما يكون عن الأمور بذاتها. وأما الأول فإنما كان ذلك بالعرض، فإنا ~~نعلم يقينا أن المؤثر لشيء إنما يتأثر عنه المنفعل بأن يستعد للتأثر عنه، ~~فالسبب الفاعل إذا لاقى المنفعل في أول الأمر لا يكون استعداده للانفعال ~~كاستعداده إذا انفعل عنه انفعالا ما، وكلما كان الاستعداد أقوى وأكثر كان ~~الانفعال أقوى وأتم وكان أدنى سبب فاعل يقوم بالفعل. ومثال ذلك: أن القطرة ~~من الماء إذا سقطت على الصخرة لم تنفعل (109) عنها في أول الأمر انفعالا ~~يظهر للحس، فإذا دام ذلك ظهر الانفعال PageV01P118B عنها في أول الأمر فأحفرت ~~فيها حفرة. وإذا ثبت هذا فأقول: إذا فعلت ما ينبغي أن تفعل: أي ما دل ~~الدليل على وجوب فعله. فلم يكن ما ينبغي أن يكون: أي فلم يوجد أثره. فلا ~~ينبغي أن تنتقل (110) إلى غير ما أنت عليه: أي فلا ينبغي أن تغلط نفسك ~~فتنتقل عن الواجب. قوله: مادام ما رأيته منذ أول الأمر ثابتا: أي لا ينبغي ~~أن تنتقل عن الواجب لأنه قد تأخر تأثيره حتى بقى ما كان قبل استعمال ذلك ~~ثابتا ولم يتغير، بل ينبغي أن يدوم على ذلك، فإن الشيء إذا دام أثر. فإن ~~قيل: قد بينتم أن الشيء إذا دام على البدن قل انفعاله عنه، وكذلك ~~يكون التضرر به أقل. ولذلك يكون حمل التعب المعتاد أسهل من غيره، وأسهل ~~على المعتاد لذلك التعب من غيره، وإن كان الغير شابا قويا، فما بالكم ~~تستتم هذا فأوجبتم المداومة على الشيء وقلتم: إنه حينئذ ينفعل البدن عنه. ~~قلنا: إنما أوجبنا المداومة على نوع تلك المداواة لا على نوع الشيء ~~المستعمل؛ مثال ذلك: إذا أوجب القياس PageV01P119A التبريد، فاستعملنا مثل شراب ~~الأجاص فلم يؤثر، فلا ينبغي أن ينتقل إلى ترك التبريد، ولا أن يدوم على ~~شراب الأجاص، بل أن ms108 يدوم على التبريد ولكن بشيء آخر وليكن مثل بذر (111) ~~البقلة ثم الكافور مثلا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كانت بطنه لينة، فإنه مادام ~~شابا فهو أحسن حالا ممن بطنه يابسة، ثم تؤول حاله عند الشيخوخة إلى أن ~~يصير أردأ؛ وذلك أن لين بطنه يجف إذا شاخ على الأمر الأكثر. ### ||| [commentary] # الشرح: ~~لما أوجب الملازمة على الشيء الذي أوجب القياس نفعه وإن لم يظهر أثره، ~~وجب أن يبين أن ذلك ليس دائما على السواء، فليس يجوز المداومة على ~~تبريد الشيخ كالمداومة على تبريد الشاب، وذلك لأن الأسنان أحكامها مختلفة، ~~فربما اقتضى سن ما أمرا واقتضى آخر مقابله، كمن يكون بطنه في شبابه (112) ~~لينا، فإنه إذا شاخ يبس بطنه، وقد بينا ذلك. وأما أنه من كان ~~لين البطن كانت حاله أحسن، ومن PageV01P119B كان يابسه كانت حاله أردأ. فلأن ~~لين البطن يكون فضلاته قليلة لأنها تندفع بلين بطنه، ولا كذلك يابس ~~البطن. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: عظم البدن في الشبيبة ليس يكره بل يستحب، ~~إلا أنه عند الشيخوخة يثقل ويعسر استعماله ويكون حاله أردأ من حال البدن ~~الذي هو أنقص منه. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل في معنى الأول ويدل على اختلاف موجبات ~~الأسنان، وليس يعني بالعظم السمن فقط، بل ما كان عظيما في أقطاره ~~الثلاثة، ودونه ما كان عظيما في طوله فقط. وإنما كان العظم يستحب في ~~الشبيبة إذا كان العظم في الأقطار الثلاثة لأن ذلك يكون لكثرة الرطوبات ~~الغريزية، ولاشك أن ذلك مستحب في الشبيبة؛ وأما في الشيخوخة، وإن كان من ~~تلك الجهة مستحبا أيضا، إلا أنه رديء من جهة أخرى، وهو أنه يثقل ويعسر ~~استعماله. ### || # تمت المقالة الثانية بعون الله تعالى. ### | المقالة الثالثة (113) # قد بينا أنه تكلم في المقالتين PageV01P120A الأولتين في قوانين التغذية ~~والاستفراغ والنوم واليقظة والحركة البدنية والنفسانية، وقد بقي من الأسباب ~~الضرورية الستة الكلام في الأهوية. وقد بينا أن الكلام في ما عدا (114) ~~الأهوية أولى بالتقدم، لأن مسائل الأطباء فيها أكثر. فنقول: إن الأهوية مع ~~أن المساءلة (115) فيها أقل، فالاضطرار إليها ms109 أكثر وتأثيرها في إحداث الصحة ~~والمرض أقوى، وذلك يوجب أن يكون بسط الكلام فيها أكثر؛ ولذلك أفرد الكلام ~~فيها في (116) هذه المقالة. أما أن الاضطرار إليها أكثر، فلأن التنفس ~~ضروري وهو يحتاج إليه في أزمنة متقاربة. وأما الأغذية والأشربة والنوم ~~واليقظة، فإنها وإن كانت ضرورية، إلا أن الحاجة إليها إنما تكون (117) في ~~أزمنة متباعدة، وخصوصا الحركات البدنية والنفسانية. وإنما كان التنفس ~~ضروريا لأنه لا يمكن أن يكون الروح إلا لطيفة الجوهر حارة، لتكون سريعة ~~النفوذ (118) في الأعضاء، لأن الغلظ والبرد يكونان مع الثقل PageV01P120B والثقل ~~مانع من سرعة الحركة والجوهر اللطيف الحار، وخصوصا المتحرك بسرعة استحالته ~~إلى النارية لمشاكلته لجوهرها، وذلك مؤد إلى اشتعال (119) الروح، ~~واشتعالها مؤد إلى تحليلها وخروجهاعن الصلاحية لقبول الآثار النفسانية. ~~فلابد من جوهر بارد يرد عليها ويعدلها، ولابد وأن يكون هذا الوارد ~~ليس مفرط البرد فيطفئها لأنها، مع سرعة استحالتها إلى النارية، سريعة ~~الاستحالة إلى البرودة بسبب لطافة جوهرها. ولابد وأن يكون هذا الوارد مما ~~يتكرر وروده، لأن التبريد اليسير الذي يصدر عنها مما يزول بسرعة. ولابد وأن ~~يكون هذا الوارد مناسبا لجوهرها حتى لا يتضرر بمخالطته. وهذه الخواص كلها ~~موجودة في الهواء، معدومة في غيره، فإنه وإن قلنا إنه حار، لكن ذلك لا ~~بالقياس إلى مزاج الروح فإنه بالقياس إليه بارد، فإذا وصل الهواء إلى الروح ~~وخالطه، عدله وسخن هو أيضا؛ فإن كل واحد مهما يستحيل عن الآخر ~~وإذاPageV01P121A سخن بطلت فائدته فأحتيج إلى هواء غيره يقوم مقامه، فأحتيج ~~ضرورة إلى إخراجه لإخلاء المكان لمعاقبه وليندفع معه ما تسلمه ~~إليه القوة المميزة من الفضلات المحترقة من جرم الروح التي نسبتها إلى ~~الروح كنسبة الخلط الفاسد إلى الأخلاط. وإيراد الهواء يكون بالتنفس أي ~~بالاستنشاق عند انبساط الصدر، وإخراجه يكون برد النفس عند انقباض ~~الصدر. فإن قيل: قد ذكرتم وجه الاضطرار إلى الهواء فما وجه الاضطرار إلى ~~باقي الستة. فنقول: أما الأغذية، فلأن البدن -كما بينا- لا يمكن ~~بكونه إلا من جسم رطب مقارن لحرارة تنضج غذاءه وتعقده وتحلل فضلاته، ms110 ~~وهي لامحالة تحلله، ويعاضدها على ذلك الحرارة الخارجية من الأهوية ~~والحركات البدنية والنفسانية، فلو لم يمده الغذاء لم يمكن بقاؤه مدة ~~التكون، فضلا عما هو أطول منها جدا. وأما الماء فلا يغذوا لأنه بسيط، ~~والبسيط لا يمكن استحالته إلى جوهر الأعضاء وإلا أمكن التكون من PageV01P121B ~~بسيط واحد ولم يحتج إلى استقصات أربعة، بل إنما يحتاج إليه لبدء رقة ~~الغذاء وترقيه وتنفيذه وتعديل مزاجه وطبخه. وأما الاضطرار إلى الاستفراغ ~~فلأنه ليس يوجد غذاء يستحيل بجملته إلى الأعضاء، فلابد وأن تبقى من فضول ~~فلابد من إخراجها، وذلك هو الاستفراغ. وأما الاضطرار إلى الحركة البدنية، ~~فلأن الطبيعة لايمكنها دفع الفضلات بالتمام، بل لابد وأن تبقى منها عند كل ~~عضو أثر ولطخة (120) تزداد على طول الزمان، فإن تركت في البدن ضرت بكميتها ~~وكيفيتها، وإن استفرغت بالأدوية تضرر البدن بتركزها (121) عليه، لأن ~~أكثرها سمية ولأنها لا تخلو (122) عن إخراج الصالح المنتفع به، والحركة أعون ~~الأشياء على تحليلها بتسييلها وترقيقها وإزلاقها. وأما الحركة النفسانية ~~فيشبه أن يكون أكثر الاضطرار إليها لأجل تلطيف الروح وتحليل فضلاته التي لا ~~تخرج برد النفس، ولهذا فإن القليلي الحركات النفسانية تضعف قواهم ~~PageV01P122A الفكرية والتخيلية وغيرهما وتتبلد أذهانهم لغلظ أرواحهم. وأما نفع ~~الحركات النفسانية في البدن فيشبه أن يكون أكثر ما يضطر إليه منها لأجله ~~إنما هو بالعرض أي لأجل المعيشة الضرورية في تحصيل ضروريات البدن. وأما ~~النوم واليقظة، فالاضطرار إلى اليقظة ظاهر. وأما الاضطرار إلى النوم فلأن ~~الروح تتحلل باليقظة لا لما يكون فيها من الحركات فقط، بل وبنفس اليقظة لما ~~يلزمها من انتشار الروح إلى خارج فيحتاج أن يجتمع ليتدارك بدل التحلل ويقوى ~~بالاجتماع وليكمل هضم الغذاء الذي اشتعلت عنه باليقظة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط:إن ~~انقلاب أوقات السنة مما يعمل في توليد الأمراض، خاصة إذا كان في الوقت ~~الواحد منها التغيير الشديد في الحر أو في البرد؛ وكذلك في سائر الحالات ~~على هذا القياس. ### ||| [commentary] # الشرح: إنما ابتدأ بهذا الفصل لأنه يتكلم في هذه المقالة ~~في قوانين الأهوية؛ والأهوية تختلف باختلاف ms111 أوقات PageV01P122B السنة، وباختلاف ~~الرياح، وباختلاف المساكن، وباختلاف ما يخالطها. إلا أن اختلافها باختلاف ~~المخالط غير مضبوط، فلهذا حذف الكلام فيه. وأما البلدان فيعرف حكمها من ~~أحكام الرياح لأن البلاد الشمالية كالرياح الشمالية، وكذلك الجنوبية ~~كالجنوبية، والمشرقية كالرياح المشرقية، والمغربية كالمغربية. وقد ذكر في ~~هذه المقالة الأسنان والطبائع، لأن الهواء وإن كان واحدا فإنه يختلف ~~تأثيره باختلاف ذلك، لأن الفعل كما يختلف باختلاف الفاعل كذلك يختلف ~~باختلاف القائل، واختص الكلام في أوقات السنة بالابتداء لأنها لازمة ~~للأهوية إذ يستحيل أن يكون تأثير الهواء في زمان من السنة. وأما الأسنان ~~والطبائع وإن كانت لازمة ولكن لا للأهوية بل للقوائل فكان الكلام في أوقات ~~السنة أولى بالتقدم وكان هذا الفصل منها أولى بالتقدم لاشتماله على إثبات ~~أصل تأثير الأوقات. واعلم أن أوقات السنة PageV01P123A تؤثر في أبدان الناس لا ~~لأنها أزمنة، بل لما يلزمها من تغيير الهواء في الحر والبرد وغير ذلك. ~~قوله: إن انقلاب أوقات السنة مما يعمل في توليد الأمراض. قد فهم جالينوس من ~~الانقلاب هاهنا الانقلاب عن الطبيعة الأصلية، أي خروج الفصول عن طبائعها. ~~قال: لأن الانقلاب الفصلي كما يعمل في توليد الأمراض يعمل في توليد الصحة. ~~قوله: خاصة وفي الوقت الواحد منها التغيير الشديد في الحر وفي البرد. ~~معناه: وخصوصا حال كون الوقت الواحد من تلك الأوقات الفصلية فيه التغيير ~~الشديد. واعلم أن كون انقلاب الفصول يعمل في توليد الصحة لأننا في قولنا: ~~إن انقلاب الفصول يعمل (123) في توليد الأمراض، فإن قولنا: إن كذا (124) ~~يولد كذا؛ لا ينافي كونه مولدا لغيره. قوله: وكذلك في سائر الحالات ~~على هذا القياس. أي أن سائر الحالات كالمطر والقحط واليبوسة والرطوبة، ~~فإن هذه إذا تغيرت عن مقتضى طبائع الفصول تغيراPageV01P123B شديدا كان ~~إنجابها للأمراض كإنجاب التغير الشديد في الحر والبرد. وأما أن انقلاب ~~الفصول عن طبائعها يوجب الأمراض؛ فلأنه خروج عن الأمر الطبيعي، فتغير ~~الأبدان تغيرا مفرطا وذلك هو المرض، ولو قوي عن ذلك لأوجب الموت. واعلم ~~أن العمدة في ذلكعلى الاستقراء. بقي هاهنا إشكال ms112 وهو تخصيصه ذلك بأنه في ~~الوقت الواحد مع أنه لو كان ذلك التغير في أوقات كثيرة كان تأثيره أقوى منه ~~إذا لم يدم. قلنا: إنما خصص ذلك بالوقت الواحد لأنه قد يخرج فصول عن ~~طبائعها ولا يوجب ذلك أمراضا، وذلك إذا كان خروجها متضادا فإن أحدها ~~يعدل جناية (125) الآخر. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن من الطبائع ما يكون حاله في ~~الصيف أجود، وفي الشتاء أردأ (126)؛ ومنها ما يكون حاله في الشتاء أجود وفي ~~الصيف أردأ (127). ### ||| [commentary] # الشرح: إنما ذكر هذا بعد ما قبله ليكون كالتخصيصPageV01P124A ~~للدعوى، كأنه يقول: إن ذلك الانقلاب يوجب الأمراض، ولكن في الأبدان ~~المستعدة لها، حتى لا يكذب هذا الحكم بعدم التضرر لبعض الناس عند حصول ~~ذلك الانقلاب،و الدليل على أن الأبدان مختلفة في هذا الاستعداد أن من ~~الطبائع أي من الأمزجة من يحسن حاله في الصيف ويسوء في الشتاء، وذلك هو ~~الخارج عن الاعتدال إلى البرد، ومنهم من هو بالعكس من هذا وهو الحار ~~المزاج؛ وذلك لأن الحار يزيد البدن الحار حرارة فيزيده خروجا عن الاعتدال ~~والبارد يرده إلى الاعتدال فيحسن حاله، وكذلك باقي الأمزجة. لكن هاهنا ~~إشكالات: أحدها: إن ما ذكرتموه يوجب أن يكون حفظ الصحة بالضد، وهو باطل. ~~وثانيها: إنه كان يكفي في بيان ما ذكرتموه أحد الحكمين، وهو أن من ~~الطبائع ما يكون حاله في الصيف أجود وفي الشتاء أردأ (128) لأن ذلك كاف في ~~بيان اختلاف الأمزجة في الاستعداد لذلك الانقلاب. وثالثها: إنه لما اقتصر ~~على الشتاءPageV01P124B والصيف وملاط بين أن ذلك بحسب الربيع والخريف مختلف ~~أيضا. الجواب: أما الأول فإن هذا ليس حفظا للصحة، بل نقلا لها إلى ~~ما هو أفضل منها، والثقل لا يكون إلا بالضد. ثم قولهم: إن حفظ الصحة ~~بالمثل، إنما هو للصحة الفاضلة، والصحة الفاضلة لا تكون إلا مع اعتدال ~~المزاج، وحفظ المعتدل المزاج بالمعتدل. وأما الثاني فلأن المراد إثبات ~~الاختلاف في هذا الاستعداد بالاستقراء فيحتاج فيه إلى تكثير الجزئيات. ~~وأما الثالث فلأنه قلما يوجد من يتضرر بالربيع وينتفع بالخريف. وأما ms113 ~~عكس هذا فكثير، ولكن ذلك لطبيعة الفصل لا لمزاج الأبدان، فإن الربيع ~~بطبيعته نافع لأنه مناسب للحياة، والخريف بطبيعته ضار لأنه مباين لها. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: كل واحد من الأمراض فحاله عند شيء دون شيء، أمثل، وأردأ (129)، ~~وأسنان ما عند أوقات من السنة وبلدان وأصتاف من التدبير. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل ~~مشتمل علىPageV01P125A دليل آخر على تأثير أوقات السنة والبلدان في أبدان الناس، ~~وبيان ذلك أنه ثبت بالتجربة أن المرض الواحد والسن الواحد تختلف حاله ~~باختلاف ذلك، ولولا أن لذلك تأثير لم يختلف الحال. وقوله: وأصناف من ~~التدبير. التدبير هو التصرف في الأسباب الضرورية، ولا شك أن أصناف ذلك ~~مؤثرة في الأبدان، ولعله إنما ذكر ذلك ليجعله أصلا وتقيس عليه أوقات السنة ~~والبلدان. وبيان ذلك أن يقال: إن كل واحد من الأمراض والأسنان فإن ~~لأصناف التدبير تأثيرا فيه، وإنما كان مؤثرا فيه لأنه يختلف باختلافه ~~فوجب أن يكون كل واحد من الأمراض والأسنان لأوقات السنة والبلدان فيه تأثير ~~لأنه تختلف حاله باختلافهما. وقد قال جالينوس أن هذا محرف والأجود أن ~~يقال: كل واحد من الأمراض ومن الأسنان فحاله عند شيء دون شيء من أوقات ~~السنة والبلدان وأصناف من التدبير أمثل وأردأ (130). ولا شك PageV01P125B أن ~~عبارة جالينوس في هذا أفصح. ونقول: إن المرض والسن يكون حاله في الفصل ~~والبلد والتدبير المضاد له أمثل لأن ذلك يردهما إلى الاعتدال، وفي الفصل ~~والبلد والتدبير المناسب أردأ (131) لأن ذلك يقوي خروجهما على الاعتدال. لكن ~~في المرض تفصيل، وذلك لأن الفصل والبلد والتدبير المضاد إذا طرأ عليه المرض ~~فهو أردأ (132) لما قلناه: إنه إذا كان المرض مناسبا لطبيعة المريض وسنه ~~وسحنته والوقت الحاضر من أوقات السنة، فخطره أقل من خطر الذي ليس بمناسب ~~لواحدة من هذه الخصال. وأما إذا طرأ الضد من ذلك وغيره على الأمراض فإن ~~حالها يكون أمثل لأن ذلك يكون علاجا لها، وهذا هو المراد في هذا الفصل. ~~ ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: متى كان في أي وقت من أوقات السنة في يوم واحد مرة ms114 حر ~~ومرة برد، فتوقع حدوث أمراض خريفية. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل يشتمل على دليل ~~آخر على أن PageV01P126A لأوقات السنة تأثير في الأبدان بما تشتمل (133) عله من ~~الكيفيات، ولذلك فإن أي يوم شابه فصلا في طبيعته ولد أمراضه، ويدل على ~~ذلك الاستقراء. وقد مثل على ذلك باليوم المشابه للخريف؛ لأن تأثير ذلك ~~أقوى لأن الكيفية وإن أفرطت في الخروج عن الاعتدال، فإن ضررها أقل من ضرر ~~الكيفيات المختلفة. قوله: في يوم واحد مرة حر ومرة برد. يريد بذلك أن يكون ~~الاختلاف أكثر من الطبيعي المعهود فإن جميع الأيام يكون طرفاها باردين ~~ووسطهما حارا، لكن ذلك صار (134) مألوفا للأبدان فلا تنفعل (135) عنه. ~~وكذلك يريد إذا تكرر ذلك، إذ اليوم الواحد إذا كان بهذه الصفة لا يبلغ من ~~قوته تغيير الأبدان. وقوله: في يوم واحد. لا يمنع أن يكون ذلك مكررا لأن ~~تقييده باليوم الواحد هو لاجتماع الحر والبرد فيه، لا لكون هذا يقع في يوم ~~واحد فقط. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: الجنوب تحدث ثقلا في الرأس وثقلا في السمع ~~وغشاوة في البصر وكسلا واسترخاء، فعند PageV01P126B قوة هذه الريح وغلبتها يعرض ~~للمرضى هذه الأعراض. وأما الشمال فتحدث السعال والحلوق والبطون ~~اليابسة وعسر البول والإقشعرار ووجعا في الأضلاع والصدر؛ فعند غلبة هذه ~~الريح وقوتها ينبغي أن تتوقع في الأمراض حدوث هذه الأعراض. ### ||| [commentary] # الشرح: لما ~~بين أن كل واحد من أوقات السنة والبلدان لها تأثير في إحداث الأمراض ~~وفرغ من إقامة البراهين على ذلك، شرع الآن في تفصيل ذلك وتبيين ما يحدثه ~~كل واحد منها. وقوله: الجنوب تحدث كذا وكذا. يحتاج هذا اللفظ إلى أن ~~يتقدمه شيء قد أضمره ، وذلك المضمر هو الريح أو البلدان، كأنه قال: ريح ~~الجنوب، أو جهة الجنوب، وإنما أضمر ذلك ولم يصرح به ليكون ذلك عاما ~~لهما ولهذا اقتصر على الجنوب والشمال ولم يذكر المشرق والمغرب لأن حكم ريح ~~المشرق قد يخالف البلد المشرقي في بعض الأشياء، ولا كذلك ريح الجنوب ~~والشمال؛ ولهذا بدأ في التفصيل بهذا الفصل لعمومة الريح ms115 والبلد. واعلم ~~أنا إن شرعناPageV01P127A في تحقيق الجهات ومهاب الريح، أحوج ذلك إلى كلام ~~طويل وغير لائق بالكتب الطبية، لكنا نذكر الآن كلاما مختصرا ونؤخر ~~التحقيق فيه إلى الكتب الحكمية، فنقول: قد يقال الجنوب والشمال بالإضافة، ~~وقد يقال مطلقا؛ وأما المشرق والمغرب فلا يقال إلا بالإضافة. فالشمال ~~المطلق هو ما مال عن خط الاستواء إلى جهة القطب الذي يقربمنه الدب الكبر ~~والأصغر، وفيه الأقاليم السبعة. والجنوب المطلق هو ما مال عن خط الاستواء ~~إلى جهة القطب الذي يقرب منه سهيل، وليس العمارة في جميع الجهتين، بل ليعلم ~~أن شكل الأرض كرة، وليتخيل قطباها بحذاء القطبين المذكورين، وليتخيل ~~دائرة عظيمة يكون بعدها عن القطبين بعدا واحدا، وتلك الدائرة هي خط ~~الاستواء. وليتخيل دائرة عظيمة تمر بالقطبين فهي تقطع تلك الدائرة لا محالة ~~بنصفين ، فتنقسم الأرض إذا بأربعة أقسام متساوية، ربعان شماليان، وربعان ~~جنوبيان، وأحد الربعين PageV01P127B الشماليين وأحد الربعين الجنوبيين لا عمارة ~~فيهما البتة، والربع الآخر الشمالي تنتهي العمارة فيه إلى ستة قرابة (136) ~~من ستة وستين درجة ابتدأها من خط الاستواء، وما عدا ذلك فلا يمكن القرار ~~فيه من شدة البرد. والربع الجنوبي تنتهي العمارة فيه إلى ستة عشر درجة عن ~~خط الاستواء، وليس تلك العمارة عمارة يعتد بها بل أولئك القوم في حرائر ~~وهم أشبه بالحيوانات الغير ناطقة. ونقول: إن سبب سخونة الجو وبرودته هو ~~أن الشمس إذا سامتت رؤوس سكان بقعة أو قربت من سمت رؤوسهم كان الحر هناك ~~أكثر من البقعة التي لا تسامتها أو لا تقرب من مسامتها، وذلك لأن نور الشمس ~~يتخيل وقوعه على الأرض كأنه على هيئة مخروطة أو أسطوانية (137) ويكون قوة ~~هذا الضوء لا محالة عند سهمه، إذ التأثير يتوجه إليه من الأطراف. فالذين ~~يكون الشمس على سمت رؤوسهم يكونون واقعين في السهم، والذين يقرب من مسامته ~~رؤسهم يكونون واقعين بالقرب من السهم. وقد بينا أن الضوء هناك أقوى، ~~وقد تبين في العلوم الحكمية أن قوة الضوء يلزمه قوة الحر. ولنبين الآن أي ~~البقاع هي أحر، ms116 وأيها (138) أبرد، وأيها (139) معتدلة. فنقول: إن الشمس ~~ليست تتحرك بحركتها PageV01P128A الخاصة على موازاة خط الاستواء، بل على دائرة ~~مقاطعة لها تسمى دائرة البروج وغاية ما يبعد عنها قريب من أربعة وعشرين ~~درجة غلى الشمال ومثلها إلى الجنوب من الجانب الآخر، وذلك قوسان من دائرة ~~تتخيل مارة بالقطبين، وقطباها التقاطع الواقع بين دائرة خط الاستواء ~~ودائرة البروج، وإحداهما عند رأس الحمل والآخر عند أول الميزان. وتمر هذه ~~الدائرة برأس السرطان في الشمال، وبرأس الجدي في الجنوب. وتكون الشمس ~~بالضرورة مسامتة (140) خط الاستواء في السنة مرتين، مرة في رأس الحمل، ومرة ~~في أول الميزان. ونقول: إن السبب وإن كان قويا، إلا أنه لم يدم كان ~~تأثيره أضعف من السبب الدائم، وإن كان ضعيفا. ولهذا ما يكون البرد عند ~~السحر أشد منه عند منتصف الليل مع أن الشمس وقت السحر تكون أقرب ~~إلينا. ولهذا أيضا ما يكون الحر بعد الزوال أقوى من عند الاستواء، مع أن ~~قرب الشمس إلى سمت الرأس في وقت الاستواء أكثر. ونقول إن الشمس PageV01P128B لا ~~تدوم مسامتتها للرأس عند العقدتين، أعني عند رأس الحمل وأول الميزان. وتدوم ~~مسامتتها أو قبر مسامتتها للرأس عند المنقلبين، أعني عند رأس السرطان ~~والجدي، فيكون تسخينها عند رأس السرطان ورأس الجدي أشد منه عند رأس الحمل ~~والميزان. وإنما قلنا أن مسامتتها هناك لا تدوم لأن تزايد أجزاء الميلعن ~~العقدتين أعظم كثيرا فاحشا من تزايدها عند المقلبين. وهذا يتبين في الجزء ~~النجومي من الجزء الرياضي من الفلسفة ، فعلى هذا تكون البقعة التي هي خط ~~الاستواء في غاية الاعتدال، لأن الشمس لا تدوم مسامتتها لرؤوس سكانها فيسخن ~~الجو، ولا يدوم بعدها عنهم فيبرد، بل ولا تبعد بعدا كثيرا، لان غاية ~~بعدها عنهم هو غاية الميل فيكونون كأنهم في ربيع دائم. وأما البقعة التي ~~تحت مدار رأس السرطان في الشمال أو تحت مدار رأس الجدي في الجنوب فحارة ~~جدا محترقة لدوام تأثير مسامتة (141) الشمس لهم. وما قرب من خط الاستواء ~~فيجب أن يكون قريبا PageV01P129A من الاعتدال، وما ms117 بعده عن غاية الميل يجب أن ~~يزداد بردا بقدر بعده عنه، فإذا بلغ إلى عرض تمام الميل وهو قريب من ستة ~~وستين درجة وجب أن يفرط البرد جدا. واعلم أنه إذا تساوى بلدان في البعد عن ~~خط الاستواء وكان أحدهما شماليا والآخر جنوبيا ، فقد قال بعض الفضلاء ~~إنهما يكونان متساويي (142) الحرارة كتساوي البعد عن خط الاستواء وتساوي ميل ~~الشمس. وقال بعضهم بل الجنوبي أحر كثيرا، وعلل ذلك بأن الشمس تكون ~~هناك أقرب إلى الأرض لأن خضيص؟؟ الشمس في هذا الزمان في الأبراج الجنوبية ~~وقرب الشمس موجب للتسخين. ونحن نقول: إن ذلك يكون أسخن، وسببه ليس لأن ~~الشمس تسخن بالقرب أو البعد، بل لأنها إذا كانت أقرب كان جرمها في ~~الرؤية أعظم، وذلك يوجب أن يكون النور أكثر، وكثرة النور موجب لقوة الحر ~~هذا. وأما الجنوب والشمال المقولان بالإضافة، فكل بقعة فإن الجهة التي ~~منها يلي القطب الجنوبي يقال إنها جنوبية، والتي PageV01P129B منها تلي القطب ~~الشمال يقال إنها شمالية. وهذه البلاد التي نحن فيها شمالة لامحالة، فتكون ~~البلاد التي منها الجنوب حارة إلى أن تنتهي إلى ما يقرب من خط الاستواء. ~~وأبقراط إنما حكم على البلاد التي تقرب منا، وما قرب منا من البلاد ~~الجنوبية عنا فهي حارة لامحالة، وهي أيضا رطبة لكثرة البحار فيها وإلحاح ~~الشمس عليها وتصعيدها منها الأبخرة الكثيرة. والبلاد التي تلي الشمال عنا ~~فهي أبرد، ويزداد البرد لامحالة كلما ازداد البعد عنا إلى تلك الجهة. ~~وأيضا مع أنها أبرد فهي أيبس، لأن البخار فيها قليلة، هذا حكم البلاد. ~~وأما حكم الرياح، فإن الجنوبية تكون حارة رطبة لامحالة، لأنها إما أن ~~تهب علينا من بقعة حارة وهي التي بالقرب منا من ناحية الجنوب، وإما من ~~بقعة باردة وهي البعيدة عنا جدا من جهة الجنوب، لكنها حينئذ لا تمر علينا ~~إلا بعد أن تمر على تلك البلاد الحارة فتسخن لامحالة وتترطب من الأبخرة ~~المتصعدة من البخار. وأما الشمالية فإنها لامحالة باردة PageV01P130A لأن ~~مهابها بلاد باردة ثلجية ويابسة، لأنها تمر ms118 على براري أو على موضع ثلجية. ~~وأما البلاد الشرقية والغربية فلا تختلف فيه الحال إلا باختلاف العرض فقط ~~لأن حركة الشمس في طولها واحدا. وأما ما ذكره من أحكام البلاد الشرقية ~~والغربية فإنما يعنون به كون البلد مكشوفا للمشرق محجوبا عن المغرب ~~وبالعكس. وإذ قد بينا هذه المقدمة فلنتكلم على ما في الفصل فنقول: إن ~~ ريح الجنوب والبلاد الجنوبية تحدث ثقلا في الرأس لحرارتها المبخرة ~~ورطوبتها المرخية، وثقلا في السمع لأن الرطوبة تكدرالحواس وترخي العصب ~~وإذا ارتخى العصب الذي به السمع تكدر السمع، وغشاوة في البصر لتكدر ~~الروح الباصر بالرطوبة وكثرة الأبخرةالمتصعدة، وكسلا لاسترخاء العصب ~~واسترخاء لذلك أيضا قوله: فعند قوة هذه الريح وغلبتها يعرض للمرضى هذه ~~الأعراض، إنما خصص ذلك ذلك بالريح لأن البلد الجنوبي لا يختلف حالها فلا ~~يقال إنها تقوي ولا تضعف ويكون ما PageV01P130B يحدث عنها دائما. وأما ما يعرض ~~من هذه بعد أن لم يكن فإنما يكون من الريح، وجعل هذه الأشياء أعراضا لأن ~~العرض هيئة غير طبيعية يتبع الأمراض، وتسمى أعراضا باعتبار ذاتها وأدلة ~~باعتبار استدلال الطبيب بها على الأحوال. وأما أن المرضى تعرض لهم هذه ~~الأعراض المتقدمة، فلأن هذه تعرض للأصحاء أيضا، فلأن تعرض للمرضى وهم ~~أضعف أبدانا فهو أولى. وجعل هذه أعراضا باعتبار كونها عارضة للمرضى، ~~وأما لو حدثت للأصحاء لم تسم أعراضا بل منذرات ، لأن الصحيح إذا حجث ~~به ثقل في الرأس وفي السمع وغشاوة في البصر وكسل واسترخاء أنذر ذلك بحدوث ~~مرض يعرض له. واعلم أنه قد يعرض للمرضى هذه الأعراض من غير حصول هذه الريح، ~~إلا أن ذلك إنما يكون لطبيعة الأمراض أنفسها. والأمراض إذا لم تكن عن سبب ~~عام كالريح، فإنها لا تعم، فلا تكون هذه الأعراض عامة. فإذا رأينا المرضى ~~قد عمهم عرض من الأعراض، أو عم أهل بلد واحد، علمنا PageV01P131A أنه بسبب ~~عام. فإذا لم يكن ذلك لأمر عمهم غير الريح، كجوع مفرط كما في سني ~~الغلاء أو غير ذلك، علمنا أنه لطبيعة الهواء. وقد كان ينبغي ms119 أن يذكر أبقراط ~~في أحكام الشمال ما تقابل أحكام الجنوب، وهو: القوة، وجودة الأفعال ~~الطبيعية، وصفاء السمع. إلا أن هذه كلها أحوال صالحة صحية، وهو في مقام ~~بيان تأثير الرياح والبلاد في الأمراض. وأما أن الشمال يحدث السعال، ~~فلأجل البرد واليبس، والحنجرة وقصبة الرئة يغلب عليهما البرد واليبس، ~~والهواء يصل إليهما بسرعة فيضرهما، ولأنه يحدث النزلات بسبب تكثيفه وحقنه ~~المواد في الرأس وعصرها إلى أسفل. وقوله: والحلوق. يحتمل أن يكون مراده: ~~ووجع الحلوق. وذلك ظاهر لكثرة تضررها بالبرد واليبس وبالنزلات المنحدرة ~~إليها. ويحتمل أن يكون قوله: اليابسة. صفة للبطون والحلوق، لأن الشمال ~~يجفف البطن والحلق.أما يبس الحلق فظاهر ليبس الهواء، وأما يبس ~~البطن أي يبس ما في PageV01P131B البطن فلقوة الهضم وانعصار عضل المقعدة، فيعسر ~~خروج البراز وتجتذب الكبد صفاوته لطول احتباسه فيجف. ولأن البدن تقل ~~رطوبته بسبب يبس الشمال، فيكون جذبه للرطوبات الغذائية أكثر. وأما عسر ~~البول فلتضرر المثانة بالبرد واليبس لأنها عصبية وقليلة الدم. وأما ~~الاقشعرار فلبرد الهواء ولاحتقان (143) الأبخرة الحارة كما يحصل في حمى ~~يوم الاستحصاء فيه. وأما وجع الأضلاع والصدر،فلغلبة البرد على هذا العضو، ~~لكثرة العظام فيه. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا كان الصيف شبيها بالربيع، فتوقع في ~~الحميات عرقا كثيرا. ### ||| [commentary] # الشرح: قد فهم من الفصل المتقدم تأثير الهواء ~~في الأمراض بحسب الرياح والبلدان، وهنا يذكر تأثيره بحسب الفصول، وقد كان ~~بين أن انقلاب الفصول عن طبائعها توجب الأمراض. وهنا يذكر أن الفصل ~~وإن لم يخرج خروجا تاما، فإنه يؤثر في أحوال الأمراض. واعلم أن ~~العرقPageV01P132A يحدث من رشح الرطوبة المائية المخالطة للدم، وأكثر ما يحدث ~~إما من حركة تسيل الرطوبات وتفتح المسام وتحركها الرطوبات إلى ظاهر البدن ~~فيخرج العرق. وإما من حرارة خارجية جدا، كما يكون في الأوقات الحارة. ~~وإما من استيلاء الطبيعة على الفضول الرقيقة ودفعها إلى خارج، كما يكون في ~~البحارين وعند النوم وعقيب استعمال الماء البارد لتعديله المزاج فتقوى ~~القوة، ولاشك أن الفاعل لا يكفي في صدور الفعل حتى يكون له قابل، وإنما ~~يكون ms120 الصيف شبيها بالربيع إذا كانت حرارته ضعيفة وميبسة قليلا، لأن ~~الصيف بطبعه حار يابس. أما حرارته فلقرب الشمس فيه من سمت الرأس في بعض ~~البلاد ومسامتها له في بعضها. وأما يبسه فلكثرة التحلل بسبب الحرارة، ~~ولتخلخل جوهر الهواء ومشاكلته للطبيعة النارية، ولقلة ما يقع فيه من ~~الأنداء والأمطار. وأما الربيع فقريب من الاعتدال جدا، فالصيف الشبيه ~~بالربيع هو ما قارب الاعتدال في PageV01P132B الحرارة واليبوسة. وإنما كان العرق ~~يكثر في تلك الحالة، لأن الأبدان تكون في الشتاء كثيرة الرطوبة، والربيع ~~لا تقوى حرارته على تحليلها، بل أكثر فعل حرارته تسيل تلك الرطوبة، فإذا لم ~~يكن يبس الصيف مفرطا ولا حرارته المحللة قوية، كانت الرطوبة التي كانت في ~~الأبدان محفوظة والحرارة تعين الطبيعة على إخراجها. والحميات من شأنها أن ~~تكون فيها عرق، فيكون ذلك العرق في الحميات أكثر مما كان في العادة ~~بالضرورة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا احتبس المطر حدثت حميات حادة، وإن كثر ذلك ~~الاحتباس في السنة، ثم حدثت في الهواء حال يبس، فينبغي أن تتوقع في أكثر ~~الحالات هذه الأمراض وأشباهها. ### ||| [commentary] # الشرح: من عادة أبقراط أن يتبع الفصل بضده، ~~ففي الفصل الماضي بين حكم الهواء إذا كانت رطوبته أزيد، وهاهنا يبين ~~حكمه إذا كانت يبوسته أزيد. وإذا قلنا هاهنا هواء رطب أو هواء يابس فلسنا ~~نريد بذلك كيفيته PageV01P133A الطبيعية، فإن الهواء كله رطب بذلك التفسير، بل ~~نعني بالهواء الرطب الهواء الذي خالطته أبخرة مائية، أو الذي استحال ~~بتكيفه إلى مشاكلة الجوهر المائي. ونقول هواء يابس ،ونعني بذلك الهواء ~~الذي تفشش عنه ما يخالطه من خلط البخار، او الذي استحال بتخلخله إلى ~~مشاكلة الجوهر الناري. ولا شك أنه إذا احتبس المطر، قلت رطوبات الهواء، ~~لأن حرارة الشمس محللة، فإذا انقطع مدد الرطوبات المائية وجب الجفاف لا ~~محالة. وإذا جف الهواء جفت الأبدان لانتشاف الهواء المحيط ما فيها من ~~الرطوبة، وذلك موجب لنقصان الأمراض، لأن أكثر ما يحدث من الأمراض من ~~الرطوبات؛ إلا أن الأخلاط لا محالة تزداد حدة فإذا حدثت ms121 حميات كانت ~~حادة، فإن كثر ذلك الاحتباس في السنة كانت الحدة أكثر. فإن قيل: فلما ~~قال فينبغي أن تتوقع في أكثر الحالات هذه الأمراض وأشباهها. وكان ينبغي أن ~~تتوقع هذه في كل حال لأن السبب قوي. قلنا: إنما يتوقع حدوث الحميات ~~الحادة PageV01P133B إذا كان قد تقدم ذلك الاحتباس مجيء المطر فكان في الأبدان ~~رطوبة، فإن أفرط الاحتباس أفرطت تلك الرطوبة في الاحتداد، وذلك موجب ~~للحميات الحادة. وإذا لم يتقدم ذلك الاحتباس مطر البتة، كما إذا وقع ~~الاحتباس من أول الشتاء ولم يكن وقع في الخريف مطر، فهاهنا لا يكون في ~~البدن ما يحتد باحتباس المطر ، وتكون الأخلاط قليلة جدا؛ ففي الغالب إنما ~~يوجب حمى الدق لا حمى حادة، لكن الأول هو الأكثر فلهذا كان توقع ذلك في ~~الأكثر. فإن قيل: ما الفائدة في قوله: وحدثت في الهواء حال يبس. مع أن ~~ذلك لازم لاحتباس المطر؛ قلنا: لأن يبس الهواء قد لا يلزم احتباس المطر، ~~وذلك بأن يكون هناك مرطب آخر ككثرة المياه، كما يكون بأرض مصر فإن هواءها ~~مع قلة مطرها رطب بسبب كثرة المياه. فإن قيل: فلما قال: وحدثت في الهواء ~~حال يبس. وهلا قال: وحدث في الهواء يبس. قلنا: لأن مفهوم اليبس في ~~العرف لا يصدق على الهواء البتة PageV01P134A فقال: حال يبس. أي حال يسمى ~~يبسا، وتلك الحال هي كونه قليل المخالطات المائية. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا كانت ~~أوقات السنة لازمة لنظامها، وكان في كل وقت منها ما ينبغي أن يكون فيه، كان ~~ما يحدث فيها من الأمراض حسن الثبات والنظام، حسن البحران. وإذا كانت ~~أوقات السنة غير لازمة لنظامها، كان ما يحدث فيها من الأمراض غير منتظم، ~~سمج البحران. ### ||| [commentary] # الشرح: قد ذكر أن انقلاب الأوقات عن طبائعها يوجب الأمراض، ~~وأن تغيرها عن طبائعها تغيرا في أحوال الأمراض. وهو الآن يبين أن ~~السنة إذا لم يتغير أوقاتها أي فصولها لا تغييرا يسيرا ولا تغيرا ينقلب ~~فيه عن طبيعتها، بل كان كل فصل منها على ما ينبغي أن ms122 يكون عليه، وذلك هو ~~المعني بالنظام، كان ما يحدث فيها من الأمراض حسن الثبات، أي بقاؤه المدة ~~التي يقتضيها القياس في كل مرض. ولذلك يكون نظام الأمراض، أي يكون كل ~~ما (144) من PageV01P134B شأنه أن يحدث فيها يحدث في وقته، ومن جملة ذلك البحران، ~~فتكون حسنة البحران. وإنماكان كذلك لأن السنة إذا كانت كما هو المعتاد في ~~غالب الأحوال كانت أخلاط البدن كذلك فحدث في كل فصل منها ما من شأن ذلك ~~الفصل أن يحدثه، فلم يكن ما يوجب تغييرا في أحوال الأمراض عما يقتضيه ~~طبائعها. وإذا لم يكن كذلك، كان الأمر بالضد. وقوله: سمج البحران. أي ~~رديئه، فليس كما يوجبه القياس في طبيعة ذلك المرض. فإن قيل: فإذا كان ~~النظام هو ما ذكرتموه كان قوله: وكان في كل وقت منها ما ينبغي فيه تكرارا ~~لأن ذلك هو معنى النظام بتفسيركم. قلنا: يشبه أن يكون بدل هذه الواو فاء، ~~ويكون الكلام هكذا: إذا كانت أوقات السنة لازمة لنظامها، فكان في كل وقت ~~منها ما ينبغي أن يكون فيه، ليكون هذا تفسيرا للنظام؛ وهكذا يوجد في بعض ~~النسخ وهي أصح. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن في PageV01P135A الخريف تكون الأمراض أحد ما ~~يكون وأقتل في أكثر الأمر. وأما الربيع فأصح الأوقات وأقلها موتا. ### ||| [commentary] # الشرح: ~~أن ذكرأحكام السنة التي كل وقت منها على ما هو عليه في الطبع، شرع الآن ~~يذكر أحكام كل فصل منها. وفي الخريف تكون الأمراض أحد ما يكون وأقتل. ~~وأقول: وأكثر أيضا، وذلك لاختلاف الهواء فيه بين برد الغدوات والليل وحر ~~النهار، ولكثرة الفاكهة فيه، ولوروده بعد الصيف المحلل للبدن، المضعف ~~للقوى، المحرق للأخلاط، المحركها إلى ظاهر البدن. فإذا ورد الخريف حركها ~~إلى القعر غدواته ولياليه، وحركتها إلى الظاهر ظهائره؛ وذلك موجب ~~لاحتدادها لامحالة، فتكون الأمراض، مع كونها كثيرة بالقياس إلى باقي ~~الفصول، حادة لذاعة وقتالة لحدة المادة وعسر تحللها لأن الطبيعة ~~كلما حركتها للتحلل عارضها برد الغدوات والليل، مع مصادقة ضعف القوى. ~~وقوله: في أكثر الأمر. لأنه قد يقع ms123 في الخريف PageV01P135B مطر كثير أو يكثر ~~الماء، كما يكون بأرض مصر، أو يجيء البرد دفعة فلا يكون كذلك. وأما الربيع ~~فأصح الأوقات وأقلها موتا لاعتدال هوائه ووروده بعد اجتماع الحرارة ~~الغريزية في الشتاء وقوتها وقوة القوى كلها. إلا أن البرد كان في الشتاء ~~يقهرها،فيزول ذلك في الربيع مع أن حرارته اللطيفة مناسبة لمزاج الروح، ~~ملائمة لجميع القوى. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: الخريف لأصحاب السل رديء. ### ||| [commentary] # الشرح: ~~لما بين أن الخريف رديء مطلقا، بين أن رداءته لأصحاب السل ~~أكثر.والسل قد يعني به حمى الدق، وقد يعني به دق الشيخوخة، وقد يعني به ~~قرحة الرئة، لأن جميع ذلك يلزمه انسلال البدن وضموره. وإنما كان الخريف ~~لأصحاب هذه الأمراض رديء. أما حمى الدق ودق الشيخوخة، فلأجل يبس هوائه ~~فيجفف أبدانهم، والتجفيف أضر الأشياء بهم. وأما قرحة الرئة، فلأنه يوجب ~~النزلات، والنزلة تضر القرحة، بل أكثر ما تكون قرحة الرئة عن نزلةPageV01P135B ~~حادة. ولأن الرئة يلزمها حمى الدق، فيضرها الخريف بالتجفيف كما قلنا. ~~وإنما كان هواء الخريف يابسا لأن الصيف قد تقدم فخلخل الهواء وشبهه ~~بالجوهر الناري، ولم يبرد هواء الخريف بردا يحيله إلى الجوهر المائي، ولا ~~كثرت بعد الأنداء والأمطار كما في الشتاء، فيكون لامحالة يابسا. أقول: ولا ~~يبعد أن يكون خريف مصر أرطب كثيرا من ربيعها، بل من شتائها (145)، لأن ~~زيادة النيل تتم في آخر الصيف ويعم ماء النيل الأرض في فصل الخريف فتكثر ~~الأبخرة المائية جدا، ثم يزول الماء في أواخر الخريف، وفي الشتاء يقل ~~جدا. وأما أن الخريف يوجب النزلات، فلأن الأبدان تكون قد تخلخلت في ~~الصيف، والأخلاط رقيقة لحرارة الصيف ثم يأتي هواء الخريف المختلف والناس ~~مغترون بعد بكشف (146) رؤوسهم، وخصوصا وظهائره حارة مرققة للمواد، ~~وذلك موجب للنزلات لامحالة، وتكون حادة لحدة الأخلاط، وذلك أضر شيء بقرحة ~~الرئة، وهو يكشف PageV01P136Bالحال فيمن أشكل أمره منهم، فيظهر آثار القرحة. فإن ~~قيل: ولما كان برد الخريف لا يرطب الهواء حتى يرده إلى الاعتدال، ~~وحرارة الربيع تجفف الهواء، حتى ترده عن رطوبة الشتاء إلى ms124 ~~الاعتدال.قلنا: لأن ترطيب الهواء يكون بإحالته إلى مشاكلة الجوهر ~~المائي، وذلك محوج إلى قوة برد لا يوجد في الخريف. وأما تجفيفه فيكون ~~بتحليل رطوبة الشتاء، وذلك يكفي فيه أدنى حر، بل هواء الشتاء مع برده لا ~~يخلو (147) عن تحليل إلا أن المدد يكون أكثر، لكثرة الأنداء والأمطار ~~وكثرة الأبخرة المتصعدة من الأرض لقوة حرارة باطنها وفقدان الحرارة ~~الظاهرةالمحللة، وذلك موجب لكثرة الأبخرة لامحالة، فيكون أكثر من المتحلل ~~بالتحليل اللطيف، وذلك يوجب الترطيب لامحالة. وأما في الربيع فيكون ~~التحليل أقوى من التبخير، لأن حر الأرض الباطن قد نقص وحر الظاهر قد ~~ازداد، فيجف الهواء لامحالة، وخصوصا وقد بينا أن الاستحالة إلى ~~الرطوبة أعسر كثيرا من الاستحالة إلى اليبوسة. PageV01P137A فإن قيل: فلما كان ~~هواء الخريف مختلفا، وهواء الربيع متشابها، مع أن بعد الشمس وقربها ~~فيهما واحد. قلنا: لأن هواء الخريف يابس متخلخل فيكون قبوله للانفعال ~~أسهل من قبول هواء الربيع لكثافته المستفادة عن برد الشتاء. وإذا كان أقبل ~~للانفعال فيبرد عن السبب المبرد ويسخن عن المسخن، برودة ظاهرة وسخونة ~~ظاهرة. وفي الليل والغدوات يوجد سبب التبريد، وهو بعد الشمس عنا؛ وفي ~~الظهائر يوجد سبب التسخين وهو قرب الشمس إلينا، فيختلف هواه، ولا كذلك ~~الربيع. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: فأما في أوقات السنة فأقول: إنه متى كان الشتاء قليل ~~المطر، شماليا، وكان الربيع مطيرا، جنوبيا؛ فيجب ضرورة أن يحدث في الصيف ~~حميات حادة ورمد واختلاف دم، وأكثر ما يعرض اختلاف الدم للنساء ~~ولأصحاب الطبائع الرطبة. ### ||| [commentary] # الشرح: من هاهنا شرع في أحكام تركيب فصول السنة، ~~وذلك إذا خرج فصلان PageV01P137B عن طبيعتهما، ولم يذكر الخروج المفرط، فإن ذلك ~~قد علم حكمه من قوله: إن انقلاب أوقات السنة مما يعمل في توليد الأمراض. ~~ونقول: إذا كان الشتاء شماليا. أي باردا، قليل الرطوبة، وإنما يكون كذلك ~~إذا كان المطر قليلا، فتقل الأنداء والأبخرة المائية. ثم ورد على ذلك ربيع ~~جنوبي، أي كان دافئا رطبا. وإنما يكون كذلك إذا كان كثير المطر. وحينئذ ~~تترطب الأبدان الرطوبة التي فاتتها ms125 في الشتاء، وتبقى الأرض ندية بسبب ~~وقوع الأمطار، فإذا ورد الصيف وجد من الرطوبة كثرة تستعد بسببها للتعفن، ~~والحرارة فاعلة له؛ فوجب أن يحصل التعفن، وخصوصا في الأبدان الرطبة، ~~كالنساء والصبيان والمرطوبي الأمزجة والمبدعين. فإذا عقبت هذه الرطوبة، فما ~~كان منها في الدماغ واندفع إلى العينين أوجب الرمد، وإن اندفع إلى أسفل ~~أوجب الإسهال والسحج، لأن هذه الرطوبة تكون قد احتدت بسبب العفونة، وإذا ~~حصل السحج وجب أن يحصل اختلاف الدم. PageV01P138A وما كان من الرطوبة ليس كذلك ~~وجب أن يحصل عنه حمى عفنية لأجل وجود العفونة. والحميات الصيفية في ~~غالب الأمر لا تكون إلا حادة، فهذه الحمى تكون حادة لامحالة. واعلم أنه إذا ~~حدث حينئذ في الصيف وقت طلوع الشعرى مطر وهبت شمال، رجي خير وتحللت ~~الأمراض المذكورة وغيرها بسبب انكسار الحر المعفن. بقي هاهنا أبحاث، أحدها: ~~إنه حكم بعروض الحمى الحادة والرمد مطلقا، وأما اختلاف الدم فذكر أنه أكثر ~~ما يعرض للمرطوبين. فنقول: أما الرمد فظاهر أنه يكفي فيه أدنى رطوبة، وهذا ~~القدر يكون موجودا لكل أحد، إنما ينجو منه من لا يستعد له بسبب قوة ~~عينيه. وأما الحمى فتفتقر لامحالة إلى رطوبة أكثر، فيكون (148) عروض الحمى ~~أقل. ولهذا قال في كتاب المياه والبلدان أنه يعرض حينئذ حميات حادة وخصوصا ~~للبلغميين. وأما اختلاف الدم فلا يكون إلا من رطوبة مفرطة، وقد أفادها ~~العفن حدة. فلذلك لا يعرض ذلك في الأكثر إلا لمن رطوبته PageV01P138B مفرطة، ~~كالنساء وأصحاب الأمزجة الرطبة. البحث الثاني: إنه لما اقتصر على ذكر ما ~~يحصل في الصيف، وهلا ذكر حكم كل واحد من الفصلين وما يعرض فيه من الأمراض، ~~لأن كل واحد قد خرج عن طبيعته. فنقول: إن هذا التفسير لا يوجب في كل ~~واحد من الفصلين مرضا، وذلك لأن السبب إذا كان ضعيفا فإنه لا يؤثر ~~أثرا يعتد به إلا إذا دام، وخصوصا إذا لم يكن مخالف لطبيعة الأبدان. ~~والشتاء إذا كان شماليا، لعله يكون سببا لاعتدال الأبدان التي من كونه ~~موجبا لخروجها عن الاعتدال؛ وذلك ms126 لأن الشتاء لو بلغ في قلة الرطوبة ما عسى ~~أن يبلغ، لايمكن أن يبلغ إلى إن يخرج عن الاعتدال إلى جهة اليبوسة، بل إنما ~~يقال إنه يابس بمعنى أنه أقل رطوبة مما يقتضيه طبيعة الشتاء، وذلك لأن ~~البرد نفسه يوجب في جوهر الهواء استحالة إلى المائية. ثم إنه إذا ورد ~~الربيع مطيرا،كان ذلك PageV01P139A بالحقيقة معدلا لما فات الأبدان من الرطوبة، ~~فوجب أن يكون تصحيحيه للأبدان أولى من يحدث مرضا، فإنه إذا خرج فصلان أو ~~شيئان غيرهما عن طبيعتهما وكان خروجهما متضادا، فإن المتأخر منهما ~~يعدل جناية الأول. وإذا ثبت ذلك وجب أن لا تحصل الأمراض حينئذ إلا في ~~الصيف. ثم لو فرضنا أن كل واحد منهما أوجب مرضا، لم يكن ذلك المرض أحد ~~هذه المذكورة، فإذا هذه الأمراض المذكورة إنما تحدث (149) في الصيف. البحث ~~الثالث: إنه لما قال هاهنا: فيجب ضرورة أن يحدث كذا وكذا؛ وكذلك قال هذه ~~اللفظة في كتابه في المياه والبلدان. قال جالينوس: إن قوله ذلك يدل على ~~أنه استخرج ذلك بالبرهان من طبيعة الفصلين، فإن التجربة لا تكاد تفيد ~~دوام ذلك، فضلا عن ضرورته، فإنه لا يمكن أن يتكرر ذلك بالتجربة تكرارا ~~يفيد العلم لأن عمر الإنسان يقصر عن إدراكه ثلاث مرات أو أربعة PageV01P139B ~~وخصوصا والتجربة إنما تفيد اليقين إذا تكرر مقتضاها في بلاد كثيرة جدا، ~~وإلا جاز أن يكون ذلك بمقتضى ذلك البلد؛ هذا قوله مع زوائد في تقريره. ونحن ~~نقول بأن قوله: إن الوصول إلى القطع في ذلك بالتجربة (150) متعذر ~~مشكل، وذلك لأنه قد يكون شوهد ذلك في أعصار أخر قبل زمان أبقراط ~~مرارا، يحصل به، وحده أو مع ما شاهده أبقراط، الجزم. ثم إنه ثبت ذلك عنده ~~بطريق التواتر، فحصل له الجزم وإن لم يكن بقياس. وأما اشتراط تكثير ~~البلاد في إفادة التجربة العلم فليس ذلك يشترط، فانجزم بأن الضرب بالخشب ~~مؤلم بالتجربة وإن كنا لم نسافر عن بلدنا البتة. واعلم أنا قد حققنا ذلك ~~وأجبنا عن الشكوك المورودة عليه في كتابنا في ms127 البرهان من كتابنا الكبير ~~الذي عملناه في المنطق. ونقول منه هاهنا شيئا يسيرا حتى لا تبقى في نفس ~~المتعلم منه وقفة، وهو أنا لا ندعي أن التجربة نفسها تفيد الجزم، بل ~~نقول: إن التجربة PageV01P140A بعد النفس له ويحصل للنفس بتكرار ذلك تذكار ~~فنجزم بكون (151) ذلك الحكم كليا وإن كان المشاهد منه أفرادا قليلة. ~~ ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ومتى كان الشتاء جنوبيا دفيئا مطيرا، وكان الربيع قليل ~~المطر شماليا؛ فإن النساء اللواتي يتفق ولادهن نحو الربيع يسقطن من ~~أدنى سبب، واللواتي يلدن منهن يلدن أطفالا ضعيفة الحركة مسقامة، حتى ~~إنها إما أن تموت على المكان وإما أن تبقى منهوكة مسقامة طول حياتها. ~~وأما سائر الناس فيعرض لهم اختلاف الدم، والرمد اليابس. وأما الكهول ~~فيعرض لهم من النزل ما لا يفنى سريعا. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل كالضد للفصل ~~الأول، فلذلك ذكره بعده، وقد كان التغير الذي ذكره في الفصل الأول إنما ~~أوجب المرض في الفصل الثالث وهو الصيف، وذلك لأن ذلك التغير لم يكن ~~خارجا عن الأمر الطبيعي جدا. وأما الخروج عن الأمر الطبيعي في التغير ~~المذكور في PageV01P140B هذا الفصل فكثير، فلذلك تحدث الأمراض في أحد الفصلين وهو ~~الربيع ولا يتأخر إلى الصيف. ونقول: متى كان الشتاء جنوبيا دفيئا مطيرا. ~~أي كان دفيئا رطب الهواء جدا، كانت الأبدان لا محالة كثيرة الرطوبة أكثر ~~من المعتاد في الشتاء المعتاد، وتكون تلك الرطوبات سائلة لا محالة لأنها ~~إنما تكون في الشتاء المعتاد جامدة لأجل البرد الشديد، فإذا لم يكن ذلك ~~البرد شديدا وجب أن تكون (152) سيالة. فإذا ورد على ذلك ربيع مضاد ~~لطبيعته، فكان قليل المطر شماليا. أي باردا يابسا، أوجب لا محالة انحصار ~~تلك الرطوبة ونزولها إلى أسفل. فما كان من النساء (153) قد قاربن الولادة ~~أسقطن من أدنى سبب، لأن الرطوبات تكون في أبدانهن كثيرة جدا لمزاجهن ~~واحتباس حيضهن (154) مدة الحمل فتكون النوازل فيهن كثيرة جدا، وأعني ~~بالنوازل كل مادة تتحرك من عضو إلى ما تحته. وهذه النوازل يكون نزولها إلى ~~الأعضاء الضعيفة أكثر، ms128 والنساء اللواتي قاربن الولادة تكون أرحامهن ضعيفة ~~مثقلة فيكون (155) قبولها PageV01P141A للنوازل أكثر. وإذا كثرت الرطوبات فيها، ~~ضعفت الأجنة واسترخى جرم الرحم، فكن مستعدات للإسقاط، فيكفي في ذلك ~~أضعف الأسباب. واللواتي لا يعرض لهن سبب مسقط وولدن، يكون أولادهن ضعيفة ~~الحركة مسقامة لأجل كثرة الرطوبة، فتكون الأعصاب ضعيفة رخوة. وغلبة ~~الرطوبات تعد لقبول العفونة بسرعة، فيكونون مسقامين. فإما أن يموتوا على ~~المكان لمصادفة هواء فضل على غير واجبه، وخصوصا باردا يابسا منافيا ~~لطبيعة الحياة. وإما أن يكونوا أقوى قليلا، فيبقون، ولكن منهوكين مسقامين ~~طول حياتهم، لضعف أمزجتهم وغلبة الرطوبة الفضلية عليهم. وأما سائر الناس ~~فيعرض لهم اختلاف الدم، لكثرة ما ينزل إلى أمعائهم. وأكثر النوازل التي ~~تنزل إلى المواضع البعيدة تكون صفراوية، أو تغلب عليها الصفرة، كالبلغم ~~المالح؛ وذلك يوجب انسحاج الأمعاء وإسهال الدم، ويعرض لهم أيضا الرمد ~~PageV01P141B اليابس. أما الرمد فلكثرة ما يسيل إلى أعينهم لعصر الهواء البارد ~~اليابس أدمغتهم. وأما كونه يابسا فلأن البرد واليبس يكثف جرم العين ~~فلا يسيل منها الدمع، وهذا معنى كون الرمد يابسا. قوله: وأما الكهول فيعرض ~~لهم من النزل ما يفنى سريعا، وفي بعض النسخ: ما لا يفنى سريعا.ولكلا ~~النسختين وجه: أما الأولى: فلأن هذه النوازل يعقبها الصيف فيلطفها ~~ويحللها، وباقي النزلات في غالب الأمر تكون في الخريف أو في الشتاء فلا ~~يعقبها ما يحللها، فتطول مدتها. ويجوز أن يقرأ: ما يفني سريعا. أي ما ~~يقتل سريعا، لأن كثيرا من هذه النوازل يكون مادتها كثيرة فتهجم على ~~مسالك الروح فتقتل ، ولذلك قال في كتاب المياه والبلدان في هذه الصورة: ~~إن المشايخ يعرض لهم من النزل ما يهلكون منها بغتة. وأما النسخة الأخرى: ~~فلأن من هذه النوازل ما ينزل سريعا إلى الرئة ويوجب القرحة، وذلك لا ~~يفنى سريعا، بل تطول مدته، ثم يقتل. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: PageV01P142A فإن كان الصيف ~~قليل المطر شماليا، وكان الخريف مطيرا جنوبيا، عرض في الشتاء صداع شديد ~~وسعال وبحوحة وزكام، وعرض لبعض الناس السل. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل هو نظير الفصل ms129 ~~الذي أوله: وأما في أوقات السنة. فأقول: وكما أن الأمراض التي ذكر أنها ~~تعرض هناك إنما تكون في الفصل الثالث، كذلك المذكور هاهنا إنما جعله عارضا ~~في الشتاء وهو الفصل الثالث، ويريد بذلك إذا كان الفصل الثالث فيهما على ~~طبيعته الواجبة له إلا أن العارض المذكور هناك هي أمراض معتد بها، وأما ~~هاهنا فهي كالأعراض لأن هاهنا لم يخرج كل واحد من الفصلين عن طبيعته ~~خروجا يضر بالأبدان، بل ربما انتفعت به. وأما هناك فإن الشتاء إذا كان ~~شماليا، كان البرد شديدا مؤلما. وهاهنا فالصيف إذا كان شماليا، أي ~~باردا يابسا، كان في الحقيقة نافعا للأبدان؛ لأن معنى اليبوسة هنا أنه ~~لم يقع فيه أمطار كما فسرنا PageV01P142B في الفصول المتقدمة، لا أن الهواء ~~كان متخلخلا شبيها بجوهر النار، فإن ذلك إنما يكون إذا كان الخريف ~~مفرطا. ولا شك أن الصيف إذا كان كذلك، فهو وإن كان خارجا عن مقتضى ~~طبيعته إلا أنه خروج لذيذ تستلذه الأبدان ولا تحد عنه إذا. وكذلك كون ~~الخريف مطيرا جنوبيا فمما ينتفع الأبدان به أيضا، فإنها في غالب الأوقات ~~إنما تتضرر بالخريف بسبب برده ويبسه. وقد عد ما هاهنا فكان ينبغي إذا كان ~~الحال كذلك أن لا يحصل ضرر البتة، بل لو قيل إنه يحدث نفع لحسن، إلا أنه ~~لما كان ذلك خروجا عن مقتضى الطبيعة فلاشك أنه يكون أردأ. وأما ما يحدثه ~~ذلك في الشتاء فالصداع والسعال والبحوحة والزكام، وذلك لأن الشتاء يكون ~~باردا رطبا فيجمع الرطوبة التي أوجبها الخريف وتكون الرؤوس ممتلئة ~~فيعصرها البرد، فإن لم تخرج من الرأس أوجبت الصداع وثقل الرأس، وإن نزلت ~~إلى الأنف أوجبت الزكام، وإن PageV01P143A انحدرت إلى الحلق أوجبت البحوحة ~~والسعال، وربما عرض لبعض الناس السل، وذلك إذا نزلت المادة إلى الرئة ~~فقرحتها، وأولئك هم المستعدون للسل، وذلك إما لهيئة خلقتهم وهم الدقاق ~~الرقاق الضيقي الصدر المجنحو الأكتاف وأعناقهم بارزة نحو القدم. وأما من ~~جهة ما يعرض لهم بعد ذلك كمن يعتاد أن ينزل له النوازل إلى رئته. ms130 ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: فإن كان الخريف شماليا يابسا، كان موافقا لمن كانت طبيعته رطبة، ~~وللنساء. وأما سائر الناس فيعرض لهم رمد يابس، وحميات حادة، وزكام مزمن. ~~زمنهم من يعرض له الوسواس العارض عن السوداء. ### ||| [commentary] # الشرح: قد كان ينبغي أن يذكر ~~مكان هذا الفصل ما يقابل الفصل الأول، كما فعل في تركيب الشتاء مع الربيع، ~~والظاهر أنه إنما تركه لأنه يبعد أن يكون صيف جنوبي أي حار رطب مطير، لأن ~~قوة حرارة الصيف تنافي وقوع المطر ويجفف الهواء PageV01P143B بالتحليل فلا يمكن ~~أن يكون مع قوة الحرارة رطبا؛ فلهذا اقتصر على ذكر مقابل الخريف فقط. ولا ~~شك أنه إذا اتفق ورود الخريف الشمالي على الصيف الشمالي فقد توالى فصلان ~~على اليبوسة، فينتفع بذلك لا محالة من مزاجه رطب، إما بالطبع كالنساء ~~والصبيان والمرطوبي الأمزجة، وإما لأن الرطوبة عرضت لهم كأصحاب الدعة ~~والمستسقين لأن ذلك يردهم إلى الاعتدال. وأما المعتدلي الأمزجة أو ~~اليابسوها فيضرهم ذلك بسبب زيادة اليبس، ويعرض لهم رمد يابس بسبب حدة ~~موادهم لغلبة اليبوسة عليهم وتكثيف البرد واليبس الهواء في ظاهر البدن. ~~وأيضا حميات حادة لذلك أيضا وزكام مزمن لأن رقيق الأخلاط يكون قد جف ~~بسبب اليبوسة، فيبقى غليظها فيعسر نضجها، وخصوصا واليبس الهوائي مع البرد ~~يمنع تحللها. وبعض الناس يعرض لهم الوسواس السوداوي، وهم السوداويو الأمزجة ~~فتحتد ويفرط PageV01P144A يبسها لفرط يبس الهواء، وهذه الأمراض تعرض لهم في ~~الخريف لقوة السبب، فإذا جاء الشتاء رطب الأبدان فنقص ذلك. وإنما اقتصر ~~أبقراط من تركيب فصول السنة على هذا القدر لأن ذلك هو أكثر وقوعا من ~~غيره ويمكن الفطن أن يستخرج الباقي، وطريق ذلك أن ينظر ما يوجبه كل واحد من ~~الفصول إذا خرج في كيفية ما، مفرطا أو ضعيفا أو معتدلا، ثم يؤلف ذلك ~~فصلين فصلين، ثم ثلاثة ثلاثة، ثم ينظر ما حكم الأربعة جملة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~إن من حالات الهواء في السنة بالجملة: قلة المطر أصح من كثرته، وأقلها ~~موتا. ### ||| [commentary] # الشرح: قال جالينوس: كان ينبغي أن يذكر ms131 هذا الفصل قبل هذه الفصول ~~المتقدمة، لأن معرفة البسيط قبل المركب. فنقول: ليس كذلك لأن هذا حكم ~~الفصول الأربعة، لأنه لا يقال: إن المطر في السنة قليل أو كثير إلا ~~باعتبار السنة كلها، وأما في فصل واحد PageV01P144B فيقال: إن المطر مثلا في ~~الشتاء قليل أو كثير، وإذا كان كذلك فالفصول المتقدمة أبسط لأنها أقل ~~تركيبا، لأنها من فصلين فقط، وهذا من أربعة فصول؛ فلذلك وجب تأخيره. ~~ونقول: كثرة المطر يلزمها كثرة الرطوبات وكثرة العفونة، وذلك موجب لأمراض ~~كثيرة. وقلة المطر يلزمها يبس الهواء، فينشف الرطوبات الفضلية من البدن، ~~ويمتنع حدوث العفونة لأن العفونة هي تغير من الرطوبة عن الحرارة الغيبة ~~تغيرا تزول به عن الصلوح لما أعدت له مع بقاء نوعيتها؛ فلذلك صار قلة ~~المطر أصح من كثرته وأقل موتا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: فأما الأمراض التي تحدث عند ~~كثرة المطر في أكثر الحالات فهي: حميات طويلة، واستطلاق البطن، وعفن، وصرع، ~~وسكات، وذبحة. وأما الأمراض التي تحدث عند قلة المطر فهي: سل، ورمد، ووجع ~~المفاصل، وتقطير البول، واختلاف الدم. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا PageV01P145A تفصيل ما ذكره في ~~الفصل الأول، ونقول: إن كثرة الأمطار يلزمها كثرة الرطوبات وذلك موجب لا ~~محالة لكثرة العفونة، لأن الحرارة الغريزية يعرض لها عند كثرة الرطوبات ~~أن تعجز عن التصرف فيها بالهضم والنضج، وإذا عجزت عنه تركتها وصادفتها ~~الحرارة الغريبة غير مشغولة بتصريف، فتصرفت فيها وفعلت فيها مقتضى طبيعتها ~~وهو العفونة؛ وذلك مؤد لا محالة إلى كثرة الحميات وإلى طولها لكثرة المادة ~~وعجز الطبيعة عن إنضاجها. وأما استطلاق البطن فلكثرة الرطوبة أيضا، ~~فتدفعها الطبيعة لتضررها بها. وأما الصرع والسكات فلامتلاء الدماغ من ~~الرطوبة. وأما الذبحة فلما ينزل من الدماغ، ولتحريك الطبيعة المواد ~~لكثرتها، وتدفعها إلى المواضع الضعيفة. وهذه الأمراض تختلف في عروضها ~~للأبدان بحسب اختلاف الاستعداد لها. وأما قلة المطر فيلزمها قلة الرطوبات ~~واحتدادها. وأما السل PageV01P145B فقداستنكره جالينوس واختار ما نقله عن بعضهم: ~~إنه أراد سل العين، لأن العين تهزل بسبب قلة الغذاء، ويعين على ذلك يبس ~~الهواء، ms132 ويكون ذلك عقيب الرمد. وليس هذا بمستنكر، فإن السل إن عنى به ~~هزال البدن فظاهر أن يبس الهواء يوجبه، وإن عنى به دق الشيخوخة فظاهر أن ~~يبس الهواء يوجبه، وإن عنى به قرحة الرئة فلأن المواد تكون قد احتدت ~~فتكون النزلات حادة، وذلك موجب لقرحة الرئة لا محالة، مع أنا لا ننكر ~~أيضا حدوث السل في العين. وأما الرمد فلتضرر العين بلذع الهواء اليابس، ~~ويجب أن يكون هذا الرمد يابسا لعدم ما يتحلل من الدموع بسبب يبس الهواء. ~~وأما وجع المفاصل فقد أنكره جالينوس قائلا: فإن المواد تكون قليلة فلا ~~يفضل منها ما يسيل إلى المفاصل. بل إن قيل: إنه يحصل ذلك من سوء مزاج، فهذا ~~محتمل. ونقول: لا شك في أن المواد تحتد عند قلة المطر، فتلزمها PageV01P146A ~~الطبيعة وتدفعها إلى الأطراف وخصوصا لمن يعتاده أوجاع المفاصل والنقرس. ~~والعجب أن جالينوس نسى أن النقرس غالب حدوثه لأصحاب الأخلاط الحادة، ~~ولهذا لا يعرض لصبي ولا لامرأة ولا لمخصي. وأما تقطير البول فسببه حدة ~~المادة، فتؤلم عند خروجها فلا تحتمل الطبيعة الاسترسال فيما يؤلم، وخصوصا ~~والمثانة تتضرر بيبس الهواء. وأما اختلاف الدم فلحدته. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: فأما ~~حالات الهواء في يوم يوم، فما كان منها شماليا: فإنه يجمع الأبدان ويشدها ~~ويقويها ويجود حركتها ويحسن ألوانها، ويصفي السمع منها، ويجفف ~~البطن، ويحدث في الأعين لذعا، وإن كان في نواحي الصدر وجع متقدم هيجه ~~وزاد فيه. وما كان منها جنوبيا: فإنه يحل الأبدان ويرخيها ويرطبها، ~~ويحدث ثقلا في الرأس، وثقلا في السمع، وسدرا في العينين، وفي البدن ~~كله عسر الحركة، ويلين البطن. ### ||| [commentary] # الشرح: قد مضى في ذكر أحكام PageV01P146B الجنوب ~~والشمال مطلقا، وفي ذكر أحكام الفصول وتركيبها كلاما مختصرا، والآن نذكر ~~حكم الأيام. ولا شك أن اليوم الواحد إذا كان على طبيعة فصل أو بلد أوجب ~~من أحكام ذلك ما لا يتوقف على السبب القوي كما بينا في فصل: إذا كان في ~~أي وقت من أوقات السنة في يوم واحد مرة حر ومرة برد. ms133 ونقول: إن ~~اليوم الشمالي يكون باردا يابسا، وكلاهما يوجبان الاجتماع والتكرر ، وذلك ~~يجمع الأبدان ويشدها ويقويها لاحصار الحار الغريزي ويقويه بالاجتماع. ~~ويجود حركتها أي قوتها الحركية لإزالته الكسل الذي تحدثه الرطوبة ~~والحرارة المرخية، هذا إذا كان الهواء على طبيعة الشمال يوما أو أياما ~~قلائل. أما لو دام ذلك، أضعف قوة الحركة لإضرار البرد بالعصب. وكذلك ~~يصفي السمع أيضا ، لأنه يبطل الأبخرة المتصعدة بسبب الحرارة والرطوبة، ~~وليس هذا مختصا بالسمع بل يعم ذلك جميع الحواس؛ بخلاف الجنوب فإنه يكدر ~~الحواس كلها، للحرارة والرطوبة المرخية PageV01P147A ولجل كثرة الأبخرة. قوله: ~~ويحسن ألوانها. هذا عندي فيه إشكال، وذلك لأن فعل البرد واليبس بالذات ~~هو ردع الدم إلى الباطن وتكثيف ظاهر البدن، وذلك موجب لرداءة اللون؛ بخلاف ~~الحرارة اللطيفة فإنها تجذب الدم إلى الظاهر فيحمر اللون ويحسن. وأما إن ~~قيل: إنه يفعل ذلك بالعرض بأن يقوي الهضم فيجود الكيموسات ويكثر الدم ~~فذلك جائز، ولكن لا يكون هذا في يوم واحد بل في مدة طويلة يتأتى فيها ~~ذلك. ويمكن أن يجاب عنه بأنه أراد أنه يحسن ألوانها بالنسبة إلى اليوم ~~الجنوبي المفرط الحر. وأما أنه يجفف البطن فظاهر، وقد بسطنا شرحه وبرهنا ~~عليه في قوله: وأما الشمال فيحدث السعال والحلوق والبطون اليابسة. وكذلك ~~قوله: ويحدث في الأعين لذعا ظاهرا (156) لأن البرد واليبس يفعل ذلك ~~وخصوصا في عضو قوي الحسبارز للهواء. قوله: وإن كان في نواحي الصدر وجع ~~متقدم هيجه وزاد فيه. وذلك PageV01P147B لأن هذا المضع الغالب عليه العظام ~~والأعضاء الباردة والبرد واليبس يضر ذلك. فإن قيل: فلما جعل أولا الشمال ~~يحدث وجعا في الأضلاع والصدر، وقال ذلك مطلقا، وهنا لم يجعله محدثا ~~للوجع بل مهيجا له وزائدا فيه. قلنا: لأن السبب ضعيف، لأنه ليس بدائم ~~فلا يقوى على إحداث الأوجاع في هذه المواضع، لأن القلب قريب منها فهو ~~يقويها ويسخنها فلا ينفعل إلا عن سبب قوي. ولهذا لم يجعل هذا موجبا ~~للاقشعرار ولا لعسر البول، لأن ذلك لا يكون إلا عن سبب قوي دائم. وأما ~~اليوم ms134 الجنوبي فإنه يحل الأبدان ويرخيها ويرطبها، وذلك لأجل الحرارة ~~والرطوبة. ويكفي في ذلك يوم واحد، لأن البدن بحرارته ورطوبته يقبل ذلك ~~بسرعة ويحدث ثقلا في الرأس وثقلا في السمع وسدرا؛ ذلك كله لأجل الحرارة ~~والرطوبة الموجبتان لكثرة الأبخرة وتصعدها إلى الرأس فتتكدر الحواس ~~كلها، فلذلك يثقل السمع. PageV01P148A وأما ثقل الرأس فلكثرة ما يتصعد من المواد، ~~ولاسترخاء العصب بالحرارة والرطوبة فلا يقوى الدماغ على حمل ما يتصعد إليه ~~فيحس بثقله. وأما السدر فلكثرة الأبخرة . والسدر هو ظلمة تغشى العينين ~~عند القيام. قوله: وفي البدن كله عسر الحركة. إن ذلك لاسترخاء العصب ~~بالحرارة والرطوبة لأن الحرارة مسيلة والرطوبة مرخية، ولهذا قالوا: ~~إن العصب كلما جف ازداد قوة وجودة إلى أن يتشنج. ولهذا ما يحصل للممرورين ~~من القوة في أعضائهم ولو عند الموت، حتى إن أحدهم ليقوى على ما لا يقوى ~~عليه جمع من الأصحاء، وما ذلك إلا ليبس أعصابهم. قوله: ويلين ~~البطن. لضد ما قلنا في تجفيف الشمال للبطن. وأبقراط يعبر بالبطن على ~~البراز على سبيل المجاز. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وأما في أوقات السنة، ففي الربيع ~~وأوائل الصيف تكون الصبيان والذين يتلونهم في السن على أفضل حالاتهم وأكمل ~~الصحة. وفي باقي الصيف PageV01P148B وطرف من الخريف، يكون المشايخ أحسن حالا. ~~وفي باقي الخريف وفي الشتاء يكون المتوسطون بينهما في السن أحسن حالا. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: قد مضى بيان ما يؤثره أوقات السنة والأيام من الأمراض، وهو الآن ~~يذكر أحكام أوقات السنة مطلقا، وابتدأ هذا الفصل لاشتماله على إثبات قاعدة ~~عامة وهي أن المزاج الفاضل يوافقه ما يناسبه، ويضره ما يخالفه؛ والمزاج ~~الرديء بالعكس. وقد بينا أن الربيع معتدل، لكنه يميل إلى حرارة لطيفة ~~ورطوبة صالحة، والصبيان والذين يتلونهم في السن كذلك، ومزاجهم فاضل فلذلك ~~ينتفعون بذلك. ويجب أن يعني بالذين يتلون الصبيان ما بعد سن الصبى إلى ~~الشباب. وأوائل الصيف أوفق للصبيان، والربيع أوفق للذين يتلونهم، وفي باقي ~~الصيف وأول الخريف يكون المشايخ أحسن حالا لتعديل مزاجهم. وأما في PageV01P149A ~~باقي الخريف وفي الشتاء فيكون ms135 المتوسطون بينهما، أي ما بين المشايخ وبين ~~الصبيان والذين يتلونهم وذلك هو سن الشباب والكهول. أما انتفاع الشبان بذلك ~~فظاهر، لأن المرة تغلب عليهم، والشتاء أكسر الفصول للمرة، ولأنه يعدل ~~مزاجهم. وأما الكهول فلأن الهضم في الشتاء يقوى والحرارة الغريزية تشتد ~~ولم تبرد بعد أمزجتهم بردا يقوي برد الشتاء على التوغل إلى باطنهم كما في ~~المشايخ. واعلم أن الشتاء ينفع الصبيان والذين يتلونهم بهذا الطريق، لكن ~~الربيع أولى، لأن هضمهم قوي والهضم في الربيع ليس بضعيف مع أن طبيعته ~~مناسبة لمزاجهم. فإن قيل: كان يجب أن يكون الربيع أوفق للكهول من الشتاء، ~~لأن الربيع قد جمع مع تقوية الهضم والحرارة الغريزية حرارة لطيفة ~~معدلة لمزاجهم، ولا كذلك الشتاء لأن برده مفرط. قلنا: إن برد الكهول ~~ليس ظاهرا حتى يحتاجون PageV01P149B إلى التسخين.بل لو قيل: "إنهم معتدلون" ~~لصح، لأن حرارتهم لم تنقص عن حرارة الشبان المفرطة نقصانا ظاهرا. ~~وأمايبسهم فمفرط، والشتاء أكثر ترطيبا وبرده لا يكاد يضرهم، وهم أحوج ~~إلى الترطيب من التسخين؛ فلذلك كان الشتاء أوفق لهم. وإذا عرفت أحكام ~~الفصول بحسب الأسنان عرفت أحكامها بحسب الأمزجة، فإن المحرورين كالشبان، ~~والمبرودين كالمشايخ، والمتوسطين كالصبيان. وكذلك يعرف حكم البلدان، فإن ~~الباردة أصح ما يكون في الصيف، والحارة في الشتاء، والمعتدلة في الربيع، ~~والرطبة المعتدلة في الكيفيتين الفاعلتين في الخريف. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: والأمراض ~~كلها تحدث في أوقات السنة كلها، إلا أن بعضها في بعض الأوقات أحرى بأن ~~تحدث وتهيج. ### ||| [commentary] # الشرح: قد مضى ما يوجبه فصول السنة PageV01P150A من الأمراض إذا كانت ~~خارجة عن طبيعتها، والآن يريد أن يذكر ما يوجبه من ذلك إذا كانت على ~~طبيعتها.وكان الفصل المتقدم فيما يؤثره الفصول من النفع للأبدان ، فناسب أن ~~يذكر بعده ما يؤثره من الضرر لها ولاشك أنه لو كانت طبائع الناس متساوية ~~وتدبيرهم متساويا، وكان المحدث للأمراض هو أوقات السنة فقط لما تخالف ~~الناس في عروض الأمراض لهم، ولما حصل في فصل أمراض الفصل الآخر؛ لكن الأمر ~~ليس كذلك، فلذلك الأمراض كلها تعرض في ms136 الأوقات كلها، إلا أن بعضها في ~~بعض الأوقات أحرى بأن يعرض ويهيج. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: قد يعرض في الربيع الوسواس ~~السوداوي، والجنون، والصرع، والسكتة، وانبعاث الدم، والذبحة، والزكام، ~~والبحوحة، والسعال، والعلة التي يتقشر فيها الجلد، والقوابي، والبهق، ~~والبثور الكثيرة التي تتقرح، والخراجات، وأوجاع المفاصل. ### ||| [commentary] # الشرح: ربما ~~قيل: PageV01P150B فإذا كان الربيع يوجب هذه الأمراض فكيف جعلتموه أصح الفصول ~~وأقلها موتا. وجوابه: إن الربيع لم يوجب هذه الأمراض بذاته، بل هو ~~بذاته مناسب للحياة والصحة، ولا كذلك باقي الفصول فإنها تولد الأمراض ~~المناسبة لها بذاتها. وأيضا فإن هذه الأمراض وإن كانت كثيرة الأنواع إلا ~~أن عروضها قليلا؛ ولذلك قال هاهنا: قد يعرض . وفي غيره يقول: يعرض. ~~وأما أنه كيف يوجب الربيع ذلك، فلأنه بحرارته اللطيفة تسيل الرطوبات التي ~~عقدها برد الشتاء وجمدها، حتى يردها إلى الاعتدال، فإن كانت تلك ~~الرطوبات صالحة بجوهرها وكمها وكيفها، حفظ الصحة على أفضل ما يمكن، وإن ~~كانت تلك الرطوبة رديئة ظهرت آثارها فتولدت هذه الأمراض. أما الوسواس ~~السوداوي والجنون فلأصحاب السوداء، لأنها إذا تحركت بعد جمودها أوجبت ذلك. ~~وأمكا الصرع والسكتة، فلأصحاب البلغم فإنه إذا تحرك PageV01P151A إلى جهة الدماغ ~~وكان قليلا أوجب الصرع، وإن كان كثيرا أوجب السكتة. وكذلك أوجاع ~~المفاصل إذا تحرك البلغم بإذابة الربيع له. وأما انبعاث الدم والذبحة ~~والبثور والخراجات، فلأصحاب غلبة الدم، فإذا تحرك عظم حجمه لا محالة، ~~فلا يكون له في الأعضاء مكان فيضطر إلى أن ينفجر بعض العروق السهلة ~~الانصداع، كالمنخر والمقعدة. أو ينصب إلى بعض الأفضية (157) فيوجب السكتة ~~إن انصب إلى الدماغ أو الموت فجأة إن انصب إلى تجويف القلب. وقد لا ~~تقبله (158) تلك الأعضاء، لقوتها، فيندفع إلى الأعضاء الضعيفة: إما بالطبع ~~كالجلد فيحدث الخراجات والبثور، وكاللحوم الغددية التي هي بالطبع كالمصب ~~للأعضاء الرئيسية كخلف الأذن والحلق والنغانغ للدماغ، والأربية للكبد، ~~والإبط للقلب، وكالمفاصل فإنها ضعيفة ودائمة الحركة، والحركة تعين على ~~الجذب، ولأجل التجويف الذي PageV01P151B فيها فتحدث أوجاع المفاصل. على أن ~~أمثال هذه قد تحدث لا على سبيل الإسالة ms137 والخلخلة، بل لأن مادتها تكون ~~قريبة من القلب أو من الأعضاء الرئيسة، فتدفعها الطبيعة إذا انتعشت بهواء ~~الربيع إلى الأعضاء القابلة لها. وكذلك تحدث العلة التي يتقشر (159) لها ~~الجلد ، وذلك يكون من خلط محترق يندفع إلى الجلد فيجف ويتقشر. وكذلك ~~يحدث (160) البهق الأبيض للبلغميين والأسود للسوداويين ، والقوابي لأصحاب ~~السوداء المحترقة. وأما البحوحة والزكام والسعال فلما يسيل من الدماغ، فإن ~~اتجه نحو الأنف أحدث الزكام، وإن اتجه إلى الحلق أوجب البحوحة والسعال. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: وأما في الصيف فيعرض بعض هذه الأمراض، وحميات دائمة ومحرقة، وغب ~~كثيرة، وقيء، وذرب، ورمد، ووجع الأذن، وقروح في الفم، وعفن في القروح ~~وحصف. ### ||| [commentary] # الشرح: PageV01P152A أما أوائل الصيف فيعرض فيه أمراض الربيع كلها، لأن ~~أول كل فصل شبيه بآخر الذي يتلوه وذلك لئلا تنتقل الأبدان من حالة إلى ~~ضدها؛ لكن عروض ذلك يكون أفل بسبب قوة الحرارة وقوة تحليلها. وأما في وسط ~~الصيف ووقت قوته فلا يعرض من أمراض الربيع ما سببه كثرة الرطوبة، وخصوصا ~~مع البرد كالصرع والسكتة والسعال والبحوحة والزكام إلا نادرا جدا، كما ~~قلنا إن الأمراض كلها تحدث في أوقات السنة كلها. وأما انبعاث الدم فقد ~~يحدث في الصيف كثيرا بسبب حدته، فتنفجر العروق السهلة الانصداع، لا ~~لفرط كثرته. وكذلك الذبحة قد تعرض فيه كثيرا ولكنها تكون مرارية أو عن دم ~~مراري، وفي الربيع دموية أو بلغمية. وأما الجنون والوسواس فقد يعرض أيضا ~~في الصيف إذا كان قوي الحرارة يابسا لفرط الاحتراق واليبس لا بسبب التحريك ~~للمادة كما في الربيع؛ وكذلك PageV01P152B القوابي. وأما البهق فيقل عروضه في ~~الصيف لتخلخل الجلد وتحلل ما يندفع إليه. وكذلك البثور الصفراوية ~~والشرى (161)، وكذلك الخراجات. وأما الأمراض التي تختص بالصيف فهي التي ~~ذكرها وهي: حميات دائمة وغب ومحرقة، لأن الصفراء تكثر مع كثرة الفاكهة ~~فيعرض لها أن تعفن وخصوصا في آخر. فإن عفنت وكانت داخل العروق، فإن كانت ~~بالقرب من القلب أو الكبد حدثت الحمى المحرقة، وإلا اللازمة الدائمة. وإن ~~عفنت وكانت خارج العروق حدثت الغب. وأما ms138 القيء فإن تحركت الصفراء إلى فوق، ~~وأما الذرب فإن تحركت إلى أسفل، وأما الرمد فإن تحركت الصفراء إلى العين، ~~وحرارة الهواء تعين على ذلك بتسييل الرطوبات من الرأس إلى العين. وأما وجع ~~الأذن، ويريد بذلك الوجع الصفراوي، إما مع ورم أو بغير PageV01P153A ورم، وسببه ~~كثرة المرار وحركته إلى الأعالي وتسييل الحرارة له من الرأس. وأما البثور ~~العارضة في الفم فللبخار المتصعد من المعدة وأكثره صفراوي. وأما عفن القروح ~~فأكثر ذلك إذا كان الصيف رطبا كثير المطر، أو كانت المياه كثيرة، أو ~~احتبست ريح الشمال، أو كثرت ريح الجنوب، أو احتبست الرياح أصلا. وليس ~~العفن حينئذ يكون مختصا بالقروح، بل وبالرطوبات كلها فتكثر حينئذ الحميات ~~العفنة إلا أن ذلك في القروح يكون أكثر لأجل رطوبتها، وخصوصا وحرارة ~~الهواء تعين على جذب الرطوبات إليها. وأما الحصف فلأن أكثر حدوثه من ~~العروق، وخصوصا إذا كان صفراويا فيحرق البشرة، ولهذا فإن اسم الحصف في ~~لغة اليونان مشتق من العرق. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وأما في الخريف فيعرض أكثر أمراض ~~الصيف، وحميات ربع ومختلطة، وأطحلة، واستسقاء، وسل PageV01P153B وتقطير البول، ~~واختلاف الدم، وزلق الأمعاء، ووجع الورك، والذبحة، والربو، والقولنج الشديد ~~الذي تسميه اليونانيون ايلاوس، والصرع، والجنون، والوسواس السوداوي. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: عروض أمراض الربيع في الصيف أقل من عروض أمراض الصيف في الخريف، ~~لأن أمراض الربيع أكثر حدوثها من مادة تولدت في الشتاء، وحر الصيف في ~~أكثر الأمر يحلل تلك المواد. وأما الصيف فأمراضه من مادة يستقلهو بتوليدها، ~~والخريف ليس يحللها بل يجمعها ويحركها عن الجلد إلى عمق البدن ويمنعها من ~~التحلل؛ ولهذا قيل إن الخريف كافل للصيف بقايا أمراضه، فلذلك قال أبقراط: ~~فأما في الصيف فيعرض بعض هذه الأمراض. يعني الربيعية. وقال هاهنا: وأما في ~~الخريف فيعرض أكثر أمراض الصيف. ويعني بذلك أن أكثرها تعرض فيه كثيرا، ~~إذ كلها تعرض في كل وقت كما تقدم. PageV01P154A وأما التي تعرض منها فيه نادرا ~~فهي التي تكون من الصفراء الساذجة، إذ الخريف ببرده يكسر الصفراء كسرا ما. ~~وهذه الأمراض مثل ms139 القيء الصفراوي فإنه يقل في الخريف لغلظ الأخلاط فيه. ~~وكذلك الرمد لبرد هوائه، فيكثف جرم العين ولا يقبل ما ينصب إليها. وكذلك ~~الحصف لقلة العرق الصفراوي فيه، لقلة الصفراء وقلة العرق لقلة الحرارة ~~ولكثافة الجلد. وأما باقي أمراض الصيف فتعرض في الخريف كثيرا بحبسه المادة ~~التي ولدها الصيف وتغليظه لها ولفساد الأخلاط واختلافها فيه. وأما ~~الأمراض المختصة بالخريف فهي: حميات ربع، لكثرة السوداء فيه ترميدا لما ~~أحرقه الصيف وتكثيفا له، ولاستحالة المزاج بسبب طبيعة الهواء إلى مزاج ~~السوداء. واعلم أن حدوث السوداء: إما على سبيل الاحتراق والرمادية، وهذا ~~يكون عن أي خلط كان، حتى السوداء نفسها. وإما على سبيل الرسوب ، وهذا لا ~~يكون إلا من الدم، لأن PageV01P154B الصفراء للطافتها وقلة أرضيتها ودوام ~~حركتها، والسوداء لغلظها وأرضيتها، والبلغم للزوجته لا يرسب عنها شيء. ~~وأيضا حميات مختلطة لكثرة المواد المختلطة فيه من صفراء باقية (162) عن ~~الصيف، وبلغم لضعف الهضم، وسوداء لما قلنا. وأيضا أطحلة لكثرة المواد ~~السوداوية وانحصارها إلى الباطن وضعف الأحشاء، ولأجل الربع أيضا فإنها في ~~غالب الأحوال تكون مع ورم الطحال، وأكثر أورام الطحال سوداوية، وكيف لا وهو ~~بيت السوداء، بل لو عرض فيه ورم دموي لأسرع استحالته إلى السوداء. وأيضا ~~نفخة الطحال، لضعف الهضم وتولد الرياح مع كثرة السوداء الرديئة، فيكون ~~الطحال مأووفا، ويريد بالأطحلة ما يعمهما. وأيضا استسقاء لضعف الأحشاء ~~وسوء الهضم، وإضعاف الطحال للكبد بسبب المضادة لمزاجها ولمضادة طبيعة الفصل ~~لمزاجها أيضا. وأيضا سل، وقد استقصينا بيان ذلك PageV01P155A في قوله: الخريف ~~لأصحاب السل رديء. وأيضا تقطير البول، وسببه حدة الأخلاط لترمدها ويبسها ~~مع امتناع تحللها بالعرق واندفاعها إلى المثانة. وأيضا اختلاف الدم، ~~لحدته ولانسحاج الأمعاء لما يعرض من النوازل الحادة إليها، ولست أعني ~~بالنوازل ما ينزل من الرأس فقط بل كل ما (163) يتحرك من عضو إلى ما تحته. ~~وأيضا زلق الأمعاء، ويريد بذلك ما يعم زلق الأمعاء والمعدة، لأن سبب ~~ذلك: إما قروح، ويدل عليها وجع يحصل عند وصول الطعام إلى ذلك المكان وبثور ~~في الفم وقشور ms140 وقيح يخرجان في الطبيعة. وإما نوازل حادة جاردة، ويعرف ذلك ~~بعلامات النوازل. وإما خلط لزج مزلق للغذاء، ويعرف ذلك بخروجه في الطبيعة ~~وبعلامات البلغم وبقلة بقاء الأغذية في البطن. وكل ذلك يكثر في الخريف، ~~لحدة الخلاط وكثرة النوازل لاختلاف الهواء وانعصار المواد وسوء الهضم. ~~وأيضا وجع الورك، لكثرة الأخلاط العليظة الفاسدة، وسوء PageV01P155B الهضم وعدم ~~التحلل، واختلاف الهواء، وإضرار البرد العارض بعد تخلل البدن بالصيف ~~للأعضاء العصبية والباردة. وما دام الوجع في الحقو قيل له وجع الورك، ~~فإذا نزل إلى الفخذ قيل له عرق النسا، وكلاهما يكثر عروضه في الخريف. ~~وأيضا الذبحة، لما ينزل إلى الحلق من الرأس لاختلاف الهواء وانعصار ~~المواد بالبرد العرض بعد التخلخل، وهذه الذبحة تكون (164) في الغالب مرارية، ~~وفي الربيع بلغمية أو دموية؛ لأن مبدأ كل واحد منهما الخلط الذي يولده ~~الفصل المتقدم. وأيضا الربو، لإضرار الهواء المختلف بأعضاء النفس، ~~وكثرة تولد البلغم، وكثرة النزلات. وأيضا ايلاوس، وهو مغص شديد يعرض في ~~الأمعاء الدقاق، ويسمى قولنج على سبيل المجاز، وإنما يكثر في الخريف ليبس ~~الهواء، فيجفف فضلات الغذاء قبل نزولها إلى الأمعاء الغلاظ، ولأورام تحصل ~~في الأمعاء لضعف الأحشاء وكثرة ما ينزل إليها. وأيضا الصرع، لفساد ~~PageV01P156Aالأخلاط، وضعف الدمغة لاختلاف الهواء، وتكاثف الدماغ لعروض البرد بعد ~~الصيف المخلخل للبدن. وأيضا الجنون والوسواس، لكثرة السوداء وترمدها. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: وأما في الشتاء فيعرض ذات الجنب، وذات الرئة، والزكام، والبحوحة، ~~والسعال، وأوجاع الجنبين والقطن، والصداع، والسدر، والسكات. ### ||| [commentary] # الشرح: لا ~~شك أن أوائل الشتاء تشارك الخريف في أمراضه، وأما إذا استحكم الشتاء ~~فيندر عروض أمراض الخريف فيه، لترطيب هوائه وقوة الهضم فيه وصلاح الأخلاط. ~~لكن يعرض فيه أمراض من قوة البرد وإضراره بالأعضاء الباردة والتي يصل إليها ~~الهواء سريعا وكثيرا، والنزلات بسبب انعصار الأعضاء وتكاثفها وامتناع ~~التحلل؛ فمن ذلك: ذات الجنب والرئة، لأنهما من أعضاء النفس وهي تتضرر ~~بالبرد شديدا، إذ لا يمكن سترها عن الهواء البارد. وإذا تضررت هذه الأعضاء ~~PageV01P156B استعدت للأورام، وأعان على ذلك امتناع التحلل، فتكثر المواد. ms141 ومن ~~ذلك الزكام، والبحوحة، والسعال؛ لأجل النزلات، ولإضرار البرد أعضاء التنفس. ~~ومن ذلك أوجاع الجنبين والقطن، والصداع؛ لبرد هذه الأعضاء وتضررها بالبرد. ~~ومن ذلك السدر والسكات، لتضرر الدماغ بالبرد وامتناع ما يتحلل، ولتكثر ~~البلغم. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وأما في الأسنان فيعرض هذه الأمراض: أما الأطفال ~~الصغار حين يولدون فيعرض لهم القلاع، والقيء، والسعال، والسهر، والتفزع، ~~وورم السرة، ورطوبة الأذنين. ### ||| [commentary] # الشرح: بعد ذكره ما مضى بقي عليه الكلام ~~في الأمراض التي تقتضيها الأسنان، وقد بينا أن الأسنان أربعة في ~~الجملة، فاعلم الآن أن سني النمو ينقسم إلى خمسة أقسام: سن الطفولة، وسن ~~الصبى، وسن الترعرع، وسن المراهقة، وسن الفتيان. وذلك لأن البدن الذي ~~ينمو إما PageV01P157A أن لا تكون أعضاؤه مستعدة للحركة والنهوض وهو سن الطفولة، ~~أو مستعدة ولكن لم تشتد بعد ولم يكمل نبات الأسنان بعد سقوطها وهو سن ~~الصبى، أو كمل ذلك ولكن لم يقرب بعد من البلوغ وهو سن الترعرع، أو بعد ~~ذلك إلى أن يثقل الوجه وهو سن المراهقة، أو بعد ذلك إلى أن يقف النمو وهو ~~سن الفتيان. ولكل واحد من هذه أمراض تخصه، أما الأطفال وقوله: الصغار حين ~~يولدون. تعريفا لسنهم بما ذكرناه. فيعرض لهم القلاع، وهو بثور تعرض (165) ~~في سطح الفم، أردأها الأسود الفحمي، وأسلمها الأبض والأحمر؛ وذلك لأن غشاء ~~أفواههم لين جدا فيفعل فيه مائية اللبن بجلائها وبورقيتها ذلك، ولذلك ~~يعرض لهم القيء لكثرة ما يحرصن المراضع (166) على إرضاعهم اللبن فيفسد ~~وتدفعه الطبيعة. وأيضا السعال لتضرر رؤوسهم بالبرد الخارجي وملاقاته لها ~~بعد حرارة الأحشاء، ولكثرة PageV01P157B ما يتولد فيهم من البلغم. وأيضا السهر، ~~ويجب أن يعني بذلك كثرة الانتباه من النوم، وذلك لفساد اللبن في معدتهم ~~لكثرته ولألم التقميط والرباط. وأما السهر بمعنى اليقظة المفرطة فلا يعرض ~~لهم، بل نومهم أكثر من الطبيعي بسبب رطوبة أمزجتهم. وأيضا التفزع، قال ~~جالينوس: إن ذلك يكون في النوم، وسببه فساد الغذاء في معدهم، فيبخر إلى ~~أدمغتهم أبخرة فاسدة تخيل لهم خيالات مفزعة. أقول: إن ذلك وإن كان ms142 يوجب ~~لهم الفزع لكنهم يفزعون في اليقظة أيضا وفي النوم؛ وإن كان هضمهم جيدا، ~~ويدل على ذلك الاستقراء، وكان سببه ضعف القوى فينفعلون عن أدنى سبب. وأيضا ~~ورم السرة، لأنها تقطع منهم فتضعف وترم كما ترم باقي الأعضاء التي ~~تخرج. وأيضا رطوبة الأذنين، لأن أبدانهم، فضلا عن أدمغتهم، بالغة في ~~الرطوبة ويقل اندفاع فضول أدمغتهم في المنخرين، لأن أكثر نومهم على ~~ظهورهم فيكون سيلان تلك الفضول إلى الأذنين أولى. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: PageV01P158A فإذا ~~قرب الصبي من أن تنبت له الأسنان عرض له مضيض في اللثة، وحميات، وتشنج، ~~واختلاف، لاسيما إذا نبتت له الأنياب، وللعبل من الصبيان، ولمن كانت بطنه ~~منهم معتقلة. ### ||| [commentary] # الشرح: إن عند قرب نبات الأسنان يعرض للصبي مضيض في اللثة، ~~والمضيض حكة أداء (167) يسير، وسبب ذلك تفرق اتصال اللثة عند نفوذ السن؛ ~~وحميات لذلك أيضا وللوجع، وتشنج لتضرر العصب بتفريق السن اتصال اللثة مع ~~كثرة ما فيها من العصب، مع شدة استعدادهم له بسبب ضعف أعضائهم لغلبة ~~الرطوبة عليهم. وهذا التشنج يكون امتلائيا لغلبة البلغم فيهم، وقد يحدث ~~فيهم حينئذ تشنج يابس بسبب الحمى وتحليلها وخصوصا ورطوباتهم قابلة للتحلل ~~بسرعة. وأيضا يعرض حينئذ اختلاف، قيل: إن ذلك لما يمتصونه من قيح مالح ~~بسبب تقيح اللثة بسبب طلوع PageV01P158B السن. وقيل: إن ذلك لضعف هضمهم لاشتغال ~~الطبيعة بتكوين السن عن إجادة الهضم، ولأجل الوجع وهو يمنع جودة الهضم ~~وخصوصا في الأبدان الضعيفة. قوله: لاسيما إذا نبتت له الأنياب. لأنها ~~أعظم، فيكون ضررها أقوى. قوله: وللعبل من الصبيان، ولمن كانت طبيعنه منهم ~~معتقلة. لأن هؤلاء تكون رطوباتهم أزيد، واحتباس فضولهم أكثر. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~فإذا تجاوز الصبي هذه السن عرض له ورح الحلق، ودخول خرزة القفا، والربو، ~~والحصا، والحيات، والدود، والثآليل المتعلقة، والخنازير، وسائر ~~الخراجات. ### ||| [commentary] # الشرح: قوله: فإذا تجاوز الصبي هذا السن. أشار بهذا السن ~~المتقدم، وهو سن الصبي، كأنه قال: فإذا تجاوز الصبي سن الصبى، فيكون ~~ذلك هو سن الترعرع، وهو بعد الشدة ونبات الأسنان قبل المراهقة. قال: ms143 عرض ~~لهم ورم الحلق. وذلك لرطوبة أمزجتهم وخصوصا PageV01P159A أدمغتهم، وسيلان ~~الرطوبات بسبب قوة الحرارة في هذا السن. وأيضا دخول خرزة القفا؛ بسبب ~~رطوبة المكان واستعداد الخرزات للزلق بسببها، ولجذب الرباطات لها، ولأجل ~~تمددها إلى قدام بسبب ورم الحلق. وهاهنا سؤال أورده جالينوس، وهو: إنه ~~لما جعل ورم الحلق ودخول خرزة القفا من أمراض هذا السن، مع أن رطوبة ~~الدماغ واستعداد الخرز للزلق وضعف الحلق في السن الذي قبله أكثر؟ وأجاب عنه ~~بجوابين: أحدهما: إن أولئك لضعفهم، يعرض لهم الموت قبل عظم الورم في ~~حلوقهم. وثانيهما: إن الرباطات في ذلك السن تكون لينة جدا، فلا يحصل من ~~تمددها الورم فلن يجذب (168) الخرز. وأقول:الجواب الأول خاص بالورم، والثاني ~~خاص بميل الخرزة. وأقول: يمكن أن نجيب جوابا يشملهما معا، وهو أن الحرارة ~~تكون في سن الصبى ضعيفة، فلا يسيل من الرطوبات وإن كانت كثيرة ما ~~PageV01P159Bيورم ولا ما يزلق الفقر. وأيضا الربو وهو ضيق في النفس وتواتر ~~يشبه نفس المتعب، وسببه كثرة سيلان الرطوبات من أدمغتهم إلى رئاتهم فتضيق ~~مجاريها، فيقل ما يصل إلى القلب من التنفس، فيحوج إلى تكراره لتقوم ~~المرار مقام المرة الواحدة العظيمة. والسؤال المذكور وارد، وجوابه قد ~~عرفته. وأيضا الحصا؛ لكثرة البلغم الغليظ اللزج فيهم، مع قوة حرارتهم. ~~والحصا على قسمين: حصاة المثانة، ولونها بين الرمادية والصفرة. وحصاة ~~الكلية، ولونها أحمر. والمثانية تكثر بالصبيان والشبان لأن قواهم تقوى ~~على دفع موادهم إلى أسافل الأعضاء، والكلوية بالمشايخ لأن أخلاطهم أغلظ ~~فيقل نفوذها وقواهم أضعف. وأكثر من به حصاة الكلى سمين، وأكثر من به حصاة ~~المثانة نحيف. والسبب المادي لتكون الحصا هو البلغم الغليظ اللزج، وقد ~~يتكون عن مدة أو دم، وهما نادران. PageV01P160A أما السبب الفاعل فحرارة قوية ~~محجرة. وأيضا الحيات والدود والبلغم يكثر فيهم، فيعرض له إذا عفن أن يحصل ~~له مزاج يستحق به حياة دودية، فيفيضها عليه الجود الإلهي، ونسبة الدود ~~المتولد في بدن الإنسان إليه كنسبة الحشرات التي في هذا العالم إليه، ولا ~~يخلو من نفع لأنها متولدة من ms144 مادة رديئة عفنة، ويجب ان يكون لها لا محالة ~~غذاء شبيه بها، فكما أن بتلك الحشرات يخلص هواء العالم من تلك المادة ~~الفاسدة باغتذائها بها إذ لولا ذلك لفسد الهواء لمجاورتها وباء عام. كذلك ~~الدود المتولد في بدن الإنسان يغتذي بما بقى عنده من المادة العفنة ، فينقي ~~البدن منها، اللهم إلا إن كثر ذلك فيكون كما لو كثرت الحشرات في العالم. ~~وأصناف الدود أربعة: أحدها: المتولدة في أعالي الأمعاء، وهي طوال كبار قد ~~تبلغ قدر الذراع، وتسمى الحيات؛ وسبب PageV01P160B عظمها أن مادتها التي هي ~~البلغم لم تتفرق بعد بجذب الكبد ولا بعفونة الثفل. وثانيها: المتولدة في ~~المستقيم، وهي صغار كدود الخل لضدد ذلك، ولإخراج الثفل مادتها. وثالثها: ~~المتولدة في قولن والأعور، وهي عراض تسمى حب الفرع. ورابعها: المستديرة، ~~ومادتها (169) بين المادتين. وأيضا الثآليل المتعلقة، وهي ثآليل طوال تكون ~~في الأكثر أسفلها دقيقا وذلك لكثرة البلغم فيهم، فيتلف (170) ويصير ~~كالسواد. وأيضا الخنازير؛ ويريد بذلك البلغمية، والفرق بين الخنازير وبين ~~غيرها من الأورام أن الخنازير متشبثة بظاهرها فقط بالأعضاء، وأكثر حدوثها ~~في النغانغ وعند اللحيين لكثرة سيلان الرطوبات الغليظة من أدمغتهم. وأيضا ~~يعرض لهم سائر الخراجات، لقوة قواهم، وكثرة رطوباتهم، فتدفعها الطبيعة ~~إلى ناحية الجلد. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: فإذا تجاوز الصبي هذا السن وقرب من أن ينبت ~~له الشعر في العانة، PageV01P161A فيعرض له كثير من هذه الأمراض، وحميات أزيد ~~طولا، ورعاف. ### ||| [commentary] # الشرح: قال فإذا تجاوز الصبي هذا السن. وهو سن الترعرع، ~~ويجاوزه يكون إلى سن الرهاق. فإن قيل: فكيف جعله صبيا بقوله: فإذا تجاوز ~~الصبي. قلنا: يجوز ذلك من وجهين: أحدهما: كأنه قال: فإذا تجاوز الذي كان ~~صبيا قديما سن الترعرع إلى سن الرهاق. وثانيها: إن لفظة الصبي يقال على ~~ما قلناه، ويقال على كل من هو في سن النمو. فعلى هذا يطلق على ذلك أنه صبي ~~وأنه مترعرع. قوله: فيعرض له كثير من هذه الأمراض. ولم يعين الأمراض ~~التي تعرض لهم؛ ونقول: أما القلاع والقيء والسعال والسهر والتفزع وورم ~~السرة ms145 ورطوبة الأذنين فقلما يعرض لهم، وذلك لقوة أعضائهم واعتدال رطوباتهم ~~وانعقادها واشتداد الحرارة، إلا كما قلنا: إن الأمراض كلها تحدث في ~~PageV01P161B أوقات السنة كلها، وكذلك في الأسنان كلها، إلا أن بعضها أولى بسن ~~من بعض. وكذلك مضيض اللثة والحميات والتشنج والاختلاف لما قلناه، إلا أن ~~الحميات والاختلاف يكون عروضهما لهم أكثر؛ لأن الصفراء تكثر فيهم. وكذلك ~~أيضا يقل فيهم دخول خرزة القفا والربو والحصا والحيات والدود والثآليل ~~المتعلقة والخنازير، لأن البلغم فيهم يقل والحرارة تشتد والهضم يقوى؛ لكن ~~الخنازير قد تكثر قليلا، لأجل قوة أدمغتهم ودفعها المواد عن الرأس إلى ~~مصبه. وأما الخراجات وأورام الحلق فقد تكثر بهم لكنها تكون أميل إلى ~~الدموية، وأولئك أميل إلى البلغمية، وذلك لأن قوتهم تقوى فتدفع المواد إلى ~~الجلد وإلى الحلق. وأيضا يعرض لهم حميات أزيد طولا ورعاف. أما الحميات ~~فقد ذكرنا وجه عروضها لهم. وأما أنها تكون أزيد طولا؛ فلأن الذين هم أصغر ~~من هؤلاء يكونون أسرع تغيرا فتفارق حمياتهم أسرع PageV01P162A وأما الرعاف، فلأن ~~دمهم أكثر وأسخن. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وأكثر ما يعرض للصبيان من الأمراض يأتي في ~~بعضه البحران في أربعين يوما، وفي بعضه في سبعة أشهر، وفي بعضه في سبع ~~سنين، وفي بعضه إذا جاوزوا نبات الشعر في العانة. وأما ما يبقى من ~~الأمراض، فلا ينحل في وقت الإنبات، أو في الإناث في وقت ما يجري منهن ~~الطمث؛ فمن شأنها أن تطول. ### ||| [commentary] # الشرح: قوله: واكثر ما يعرض للصبيان من الأمراض. ~~قال قوم: إن أبقراط إذا أطلق لفظة الأمراض، أراد الأمراض المزمنة، ~~وناقضهم جالينوس في ذلك بقوله: قد يحتاج في الأمراض الحادة في الندرة إلى ~~أن يستعمل الدواء المسهل في أولها. وقوله: التدبير البالغ في اللطافة عسر ~~مذموم في جميع الأمراض المزمنة وفي الأمراض الحادة إذا لم تحتمله قوة ~~المريض. وهذه الأقاويل PageV01P162B لا تصلح لمناقضتهم، لأن ذلك لا يمنع كونه ~~يريد الأمراض المزمنة إذا أطلق لفظة الأمراض. ونقول: سواء صح الإصلاح الذي ~~قالوه عنه أو لم يصح، فهاهنا لم يرد بقوله ms146 الأمراض إلا الأمراض المزمنة. ~~ونقول: إن أول بحارين الأمراض المزمنة اليوم الأربعين، ثم الستين، ثم ~~الثمانين، ثم المائة والعشرين، وسنبين هذا كما ينبغي في المقالة الرابعة. ~~إلا أن ما كان من الأمراض مزمنا جدا فإنهم يبدلون في الحساب عوض اليوم ~~في الأمراض الحادة شهرا، وقد كان اليوم السابع في الأمراض الحادة هو أول ~~البحارين، وأما الرابع فليس هو بالحقيقة بحرانا بل هو إنذار، فيكون إذا ~~من بحارين الأمراض المزمنة سبعة أشهر، بل ربما جعلوا السنة بمنزلة اليوم ~~فتكون السنة السابعة بحرانا. وكذلك يكون بحران في أربعة عشر سنة نظير ~~الأربعة عشر يوما وذلك عند نبات الشعر في العانة وعند جريان طمث النساء، ~~وأما ما يتعدى ذلك الزمان فلا يقع بحرانه فيه PageV01P163A بالضرورة أنه يطول ~~جدا لأن هذا الوقت يتغير فيه السن وينتقل وينتقل المزاج إلى الحرارة ~~القوية، فتتغير السحنة والصوت، فإذا لم تقو (171) الحرارة الغريزية في ذلك ~~الوقت على إزالة المرض بالضرورة يبقى زمانا طويلا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وأما ~~الشباب فيعرض لهم نفث الدم، والسل، والحميات الحادة، والصرع، وسائر ~~الأمراض؛ إلا أن أكثر ما يعرض لهم ما ذكرنا. ### ||| [commentary] # الشرح: لقائل أن يقول: قد ~~بينا أن سن الحداثة ينقسم إلى خمسة أسنان، فلما اقتصر أبقراط على ذكر ~~أمراض أربعة منها. قلنا: لأن الخامس وهو سن الفتيان هو أصح الأسنان ~~وأقربها إلى الاعتدال، وذلك ينفي الاستعداد للأمراض فلا يعرض لهم من ~~الأمراض إلا كما تعرض الأمراض كلها في كل واحد من الأسنان والأوقات، وأما ~~الاختصاص بمرض معين فلا، إلا أن يكون مثل الرعاف، والرعاف ليس من الأمراض ~~المعتد بها. والغرض من PageV01P163B هذا الفصل شيئان: أحدهما: أن نبين الأمراض ~~التي تعرض للشبان كثيرا، وذلك مثل: نفث الدم، والسل، والحميات. وثانيهما: ~~بيان أن الأمراض كلها تحدث في الأسنان كلها، إلا أنها في بعضها أولى، كما ~~قال في أوقات السنة، إلا أنه لو ذكر ذلك بقول كلي كما قال في أوقات السنة ~~احتمل أن يشك في سن الشباب، وقد يظن أنه مستثنى من ذلك ms147 لأن القوة فيه أقوى ~~ما تكون والحرارة الغريزية أقوى ما تكون. أما إذا بين بسن الشباب فقال ~~إنه يحصل فيه جميع الأمراض حتى الباردة جدا، علم ضرورة أن غيره من ~~الأسنان بطريق الأولى ولم يتهيأ له في ذلك أوقات السنة، لأنه ليس شيء من ~~الفصول ينافي حصول الأمراض، فإن أصح الفصول هو الربيع، وقد علمتم ما يقع ~~فيه من الأمراض؛ فلذلك ذكر ذلك هناك كليا. ونقول: أما كثرة عروض نفث الدم ~~للشبان PageV01P164A فلكثرة دمهم وحرارته، وقلة توقيهم النوم على الأرض، وكشف ~~الرأس للحر والبرد، والصياح الشديد، والعدو، وغير ذلك. وأما السل فتبعا ~~لنفث الدم، ولأن نزلاتهم تكون حادة مقرحة للرئة، هذا إن عنى بالسل قرحة ~~الرئة، وإن عنى الدق فظاهر لأن مزاجهم قوي الحرارة ورطوبتهم ليست زائدة ~~فإذا وقعوا في الحميات كانت أعضاؤهم مستعدة لتعلق الحرارة بها. وأما ~~الحميات فظاهر أنه يريد الحميات الحادة، لأن المرار يغلب عليهم. إلا أنه ~~لما كان أكثر الواقع من الحميات هي الحادة، فلذلك إذا أطلق لفظ الحميات ~~تبادر إلى الذهن الحادة، فلذلك لم يحتج إلى التخصيص بذلك. وأما الصرع فهو ~~من جملة الأمراض التي تعرض نادرا، كأنه قال: بل والصرع وسائر الأمراض تعرض ~~للشبان، إلا أن ما ذكرناه أكثر. وإنما كان الصرع يقل في الشبان لأن ~~حرارتهم الغريزية قوية جدا، والصرع غالب وقوعه عن البلغم، ولذلك لا يعرض ~~للشباب إلا لسبب قوي PageV01P164B جدا، ولهذا إذا عرض له مات وهو به. وأكثر ما ~~يعرض الصرع للصبيان، ولهذا يسمى مرض الصبيان. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: فأما من جاوز هذا ~~السن فيعرض لهم الربو، وذات الجنب، وذات الرئة، والحمى التي يكون معها ~~السهر، والحمى التي يكون معها اختلاط العقل، والحمى المحرقة، والهيضة، ~~والاختلاف الطويل، وزلق الأمعا، وسحج الأمعاء، وانفتاح أفواه العروق من ~~أسفل. ### ||| [commentary] # الشرح: إنما قال: وأما من جاوز هذا. وهو يشير إلى الشباب ولم يقل: ~~وأما الكهول؛ لأن كثيرا من هذه الأمراض التي عدها تعرض كثيرا للشيوخ ~~أيضا، والذين جاوزوا سن الشباب أعم من الكهول والمشايخ. ms148 أما الربو، فلكثرة ~~البلغم وكثرة النزلات. وكذلك ذات الجنب والرئة، لكثرة ما ينزل إليها، وأكثر ~~ذلك يكون من بلغم مالح؛ لأنهم ينتقلون عن سن الشباب وكثرة الصفراء إلى ما ~~هو أبرد منه فيتولد فيهم البلغم ويخالط الصفراء.PageV01P165A وأما الحمى التي ~~يكون معها السهر، فلغلبة اليبس على أمزجتهم. وأما الحمى التي يكون معها ~~اختلاط العقل، فللصفراء الباقية عن سن الشباب مع ضعف أدمغتهم بسبب استحالة ~~أمزجتهم إلى البرد. وأما الحمى المحرقة، فإذا كانت المادة العفنة بالقرب من ~~القلب أو الكبد، وهذه المادة تكون صفراوية فيكون عروضها للشبان أكثر، وقد ~~تكون بلغما مالحا فيكون عروضها للكهول أكثر. ومن كان من الكهول يابس ~~البطن في أكثر أوقاته فهذه الأمراض تكثر فيه لاحتباس الأخلاط الحادة في ~~بدنه. فإن قيل: لما قال في أمراض الشبان والحميات وأطلق اللفظ، وهاهنا ~~قال: الحمى المحرقة والتي معها السهر واختلاط العقل، مع أن عروض السرسام ~~والحمى المحرقة والتي معها سهر للشبان أكثر من الكهول. قلنا: إنما أطلق ~~اللفظ في الشبان؛ لأنه يعلم أن حمياتهم تكون أحد من حميات غيرهم لغلبة ~~الصفراء عليهم، ولو أطلق هاهنا لم يعلم PageV01P165B ذلك للعلم بأن مزاجهم ~~بارد. واعلم أنه أسقط هاهنا حمى الربع، وهي تعرض للكهول كثيرا. وكذلك أسقط ~~الوسواس السوداوي والماليخوليا، وبالجملة الأمراض السوداوية؛ وذلك أخص بهم ~~لأن مزاجهم إلى السواد أميل منه إلى الصفراء. وقد قال جالينوس: إنه رأى ~~نسخة وفيها: والوسواس السوداوي. قال: فلا أدري هل أجد كتب ذلك تعصبا ~~لأبقراط وأتفق أن النساخ تركوه. والظاهر أنه إنما ترك ذلك للعلم به، ~~ولهذا احتاج إلى تفصيل الأمراض الصفراوية التي تعرض لهم لأنها لا تظن تعرض ~~لهم، ولا كذلك الأمراض السوداوية. وأما الهيضة فلاغترارهم بهضمهم الذي كان ~~لهم في الشبيبة، والآن فقد ضعفوا عنه. وأما الاختلاف الطويل، فلذلك أيضا ~~ولكثرة الأخلاط المختلفة فيهم، فهم أشبه بالخريف في وروده عقيب الصيف. كذلك ~~هم واردون عقيب سن الشباب الشبيه PageV01P166A بالصيف. وأما زلق الأمعاء، وقد ~~علمت أنه يكون إما عن بثور أو نزلة حادة ، وذلك لكثرة ms149 أخلاطهم الحادة ~~والبورقية ولكثرة النوازل فيهم، أو عن بلغم لزج مزلق وذلك فيهم كثير بسبب ~~ضعف هضمهم. وأما سحج الأمعاء فلبورقية نوازلهم، وأكثر ما يعرض بهم ذلك من ~~نوازل لاغترارهم بكشف رؤوسهم تلقاء الهواء في زمن الشبيبة فيستعملونه عند ~~انتقال مزاجهم إلى البرد. وأما انفتاح أفواه العروق من أسفل فلسوداوية ~~أخلاطهم وحدتها وميلها بالطبع إلى أسفل. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وأما المشايخ فيعرض ~~لهم رداءة التنفس، والنزل التي يعرض معها السعال، وتقطير البول وعسره، ~~وأوجاع المفاصل، وأوجاع الكلى، والدوار، والسكات، والقروح الرديئة، وحكة ~~البدن، والسهر، ولين البطن، ورطوبة العينين والمنخرين، وظلمة البصر، ~~والزرقة، وثقل السمع. ### ||| [commentary] # الشرح: PageV01P166B أما رداءة التنفس فلغلبة البرد واليبس ~~على جوهر أعضائهم، والهواء البارد ينفذ إلى أعضاء التنفس أكثر من غيرها ~~فتتضرر به؛ ولأن البلغم يكثر فيهم وأدمغتهم ضعيفة فتكون النوازل فيه ~~كثيرة. وأما النزل التي يعرض معها السعال فلنزول البلغم إلى قصبة الرئة. ~~وأما تقطير البول، فلضعف قوة المثانة لتضررها بالبرد الخارجي والبرد واليبس ~~المزاجي، وكذلك عسر البول. وأما أوجاع المفاصل، فلكثرة ما يسيل إليها من ~~الفضول التي في أبدانهم ولتضررها بالبرد الخارجي، لأنها أبرد ما في البدن. ~~وأما أوجاع الكلى، فلكثرة فضولهم الغليظة وضعف قواهم يتولد فيهم سدد الكلى، ~~فإن كانت مع ذلك لزجة، تولدت فيها الحصاة. وأما الدوار، فللأبخرة الغليظة ~~المتصعدة من معدهم، وللرياح البخارية المحتبسة في أدمغتهم لضعفها وتولد ~~الفضول فيها. وأما السكات، فظاهر لكثرة فضول أدمغتهم PageV01P167A وغلبة البلغم ~~عليها. وأما القروح، فلفساد أخلاطهم، وقلة الدم فيهم، وغلبة الرطوبات ~~الفضلية، وقصور القوة الغاذية. وأما حكة أبدانهم، فلكثرة البلغم المالح ~~فيهم، وتكاثف جلودهم بسبب البرد واليبس فلا تنحل الرطوبات البورقية ~~المندفعة إلى جلودهم. وأما السهر، فلكثرة همومهم وأفكارهم، وغلبة اليبوسة ~~غلى أدمغتهم. وأما الرطوبات الفضلية التي فيهم، فإنها مالحة بورقية، إلا ~~أن النعاس يغلب عليهم إذا جلسوا، فإذا طرحوا أنفسهم لم يناموا؛ وذلك ~~لأن أخلاطهم تكون في حال الجلوس ساكنة غير مؤذية ولا لذاعة للدماغ ~~بيبوستها فيغشاهم النعاس لما تقدم لهم من السهر، فإذا ms150 طرحوا أنفسهم عادت ~~أخلاطهم وحرارتهم فسورت بسبب الحرارة وبخرت، فادت الدماغ ومنعت النوم. وأما ~~لين البطن، فليس يعني به ما يعرض لهم في الصحة، فإن المشايخ في ذلك ~~مختلفون، فمن كان في شبابه لين البطن يبس بطنه إذا شاخ وبالعكس، بل ~~يعني بذلك اللين PageV01P167B الذي يكون مرضا؛ وذلك لضعف هضومهم وزلق معدهم ~~وأمعائهم لغلبة الرطوبات عليها. وأما رطوبة العينين، فلكثرة رطوبة أدمغتهم ~~وضعف أعينهم فتقبل الرطوبات ولا تقوى على هضمها. وأما رطوبة المنخرين، ~~فلكثرة ما يسيل من أدمغتهم مما لم ينهضم من رطوباتهم. وأما ظلمة البصر، ~~فلكدر حواسهم بسبب غلبة الرطوبات الفضلية، ولكثرة البخارات المتصعدة من ~~معدهم. وأم الزرقة فقد تكون من كثرة النوازل إلى أعينهم، وقد تكون لغلبة ~~اليبوسة فيقل سواد الحدقة كما يعرض للزرع إذا عطش أن يبيض عن خضرته. ~~وأما ثقل السمع، فلضعف القوى الحساسة. وإذا قلنا: إن سن كذا أو وقت كذا ~~أو ريح كذا أو غير ذلك، يوجب كذا وكذا فلسنا نعني أن ذلك كيف اتفق، بل ~~معناه أن طبيعة ذلك توجب ذلك الأمر وإن كان قد يتخلف عنه لأمر خارجي، بل قد ~~يتفق مقتضى الفصل PageV01P168A والبلد والريح والسن على إحداث مرض مثلا، فيبطل ~~ذلك كله جودة التدبير. واعلم أن سن النمو ينتهي إلى قريب من ثلاثين سنة، ~~وسن الشباب ينتهي عند خمس وثلاثين سنة أو أربعين سنة، وسن الكهول ينتهي عند ~~ستين سنة، وذلك كله في البلاد المعتدلة أو القريبة منها، وسن الشيوخ يبتديء ~~من الستين إلى آخر العمر. ### || # تمت المقالة الثالثة بعون الله تعالى. ### | المقالة الرابعة # قد كنا بينا أن أبقراط أتى في الثلاث مقالات التي تقدمت على ~~الكلام في الأسباب الستة، إلا أن ما ذكره من قوانين الاستفراغ لم يكن ~~استوفى الكلام فيه، وهو يستقصي في هذه المقالة ذكر قوانينه وأنواعه وما ~~يتعلق به. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ينبغي أن تسقى الحامل الدواء إذا كانت الأخلاط في ~~بدنها هائجة منذ يأتي على الجنين أربعة أشهر، وإلى أن يأتي عليه سبعة أشهر، ~~ويكون التقدم ms151 على هذا أقل. وأما ما كان أصغر من ذلك أو أكبر منه فينبغي أن ~~يتوقى عليه. PageV01P168B ### ||| [commentary] # الشرح: الغرض بتقديم هذا الفصل تأكيد الدلالة على ~~وجوب الاستفراغ، وبيان ذلك: إن الحامل مع أنها تستعمل الغذاء لبدنين، ~~بدنها وجنينها، وإذا زادت أخلاطها وجب أن تستفرغ، فغيرها بطريق الأولى حتى ~~لا يكون لأحد أن يمنع وجوب الاستفراغ محتجا بأن ذلك تنقيص لمادة الغذاء ~~الضروري، وذلك يوجب نقصان الغذاء وذلك إضرار. فإنا حينئذ نمنع كونه ~~منقصا للغذاء، بل معينا على التغذية بإزالة الفضلة المانعة للطبيعة عن ~~التصرف كما ينبغي، مع إزالة ما يتوقع من ذلك الضرر. وقد شرط في وجوب ~~استفراغ الحوامل شرطين: أحدهما: أن تكون الأخلاط في بدنها هائجة، إذ لو ~~كانت ساكنة لرجونا المدافعة بذلك إلى أن تلد. وثانيهما: أن يكون ذلك بعد ~~الشهر الرابع وقبل السابع، لضعف تعلق الجنين بالرحم فيما قبل ذلك الوقت ~~وبعده، كحال الثمرة في ابتداء PageV01P169A نشوئها وبعد إيناعها. وهذان الشرطان ~~مختصان بوجوب استفراغ الحوامل، وأما باقي الشروط كالامتلاء والقوة وغير ~~ذلك فيعم استفراغ جميع الأبدان؛ فلهذا لم يتعرض لها هاهنا. والإشارة بقوله: ~~ويكون التقدم على هذا أقل. هو إلى استفراغ الحوامل، أي: وينبغي للطبيب أن ~~يكون إقدامه على هذا الاستفراغ أقل، بل ينبغي للطبيب أن لا يقدمعلى علاج ~~الأمراض التي يكون العطب فيها أكثريا البتة، لأنه يعرض نفسه لسوء الثقة ~~به، إذ الغالب من أحوالها أن يعقب العطب. ولا يجوز أن تكون هذه الإشارة إلى ~~زمان ما بين الرابع والسابع لوجهين: أحدهما: أن النهي عن التقدم ليس ~~بأولى من النهي عن التأخر. وثانيهما: أنه كان يكون قوله: "وأما ما كان أصغر ~~من ذلك أو أكبر منه، فينبغي أن يتوقى عليه" تكرارا قبيحا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~إنما ينبغي أن يسقى من الدواء ما PageV01P169B يستفرغ من البدن النوع الذي إذا ~~استفرغ من تلقاء نفسه نفع استفراغه، وأما ما كان على خلاف ذلك فينبغي أن ~~تقطعه. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل يشتمل على تحرير دعوى وجوب الاستفراغ، كأنه قال: ~~وليس ms152 الاستفراغ واجبا كيف كان، بل الاستفراغ الواجب هو أن يكون من النوع ~~الذي إذا استفرغ بنفسه نفع، وأما ما ليس كذلك فلست أقول إنه ليس بواجب ~~فقط بل ويجب أن تقطعه. وقد علمت أنه إذا أطلق لفظة الدواء أراد المستفرغ، ~~وليس ما ذكره خاصا بالمسهل بل وبالمدر والمعرق والمقيئ وغير ذلك. ~~وتفسير ألفاظ الفصل والدلالة على صحته ظاهر، لما قلنا أولا أنه ينبغي ~~للطبيب أن يحدو فعل الطبيعة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إن استفرغ البدن من النوغ الذي ~~ينبغي أن ينقى منه نفع ذلك واحتمل بسهولة، وإن كان الأمر على ضد ذلك كان ~~PageV01P170Aعسرا. ### ||| [commentary] # الشرح: ربما قيل: إن هذا الفصل قد ذكر معناه في أول المقالة ~~الأولى وآخرها، فذكره هاهنا زيادة للتكرار، فبعضهم حذف هذا الفصل من ~~هاهنا، وبعضهم عرف بالتكرار وادعى أن ذلك لعظمته. واعلم أن ذكر ~~الحكم الواحد مرارا كثيرة لأغراض مختلفة ليس بقبيح ولا يسمى ذلك تكرارا، ~~وذكره له في المقالة الولى مرتين قد عرفت أنه ليس بتكرار، وأما ذكره ~~هاهنا فواجب؛ لأنه لما أوجب أن يكون ما يستفرغه الطبيب بالدواء هو النوع ~~الذي إذا استفرغ من تلقاء نفسه نفع استفراغه، وجب أن يعرفنا ذلك النوع ~~بعلامة، فقال: ذلك النوع هو الذي إذا استفرغ كان استفراغه محتملا بسهولة ~~وخفة. وهذه العلامة لازمة ومساوية، ولذلك قال: وإن كان الأمر على ضد ذلك ~~كان عسرا. وقد بحثنا في هذا بحثا مستقصى في المقالة الأولى، فليرجع ~~إليه. PageV01P170B ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ينبغي أن يكون ما يستعمل من الاستفراغ بالدواء ~~في الصيف من فوق أكثر، وفي الشتاء من أسفل. ### ||| [commentary] # الشرح: بعد أن فرغ من الدلالة ~~على وجوب الاستفراغ الصناعي، شرع الآن في ذكر أنواعه وبين أنها يختلف ~~المختار منها باختلاف أمور: إما طبيعية، وإما غير الطبيعية. والطبيعية منها ~~أوقات السنة، وذلك لأن الصيف ينبغي أن يكون الاستفراغ فيه من فوق، وفي ~~الشتاء من أسفل؛ وذلك لأن حرارة الصيف ترققالأخلاط وتعليها مع كثرة ~~الصفراء، وذلك يوجب خفتها وطفوها إلى جهة فوق. وقد بينا ms153 أنه ينبغي ~~أن يكون استفراغ المواد من الجهة التي هي إليها أميل، فوجب أن يكون ~~الاستفراغ في ذلك الوقت من فوق. وأما الشتاء فيجمد الأخلاط ويغلظها، فتكون ~~ثقيلة مائلة إلى أسفل، فينبغي أن يكون استفراغها PageV01P171Aمن تلك الجهة، وإنما ~~لم يجعل ذلك دائما، بل أكثريا؛ لأنه قد يكون في الندرة بدن ما في الشتاء ~~يغلب عليه الصفراء وتكون أخلاطه طافية إلى فوق ، وقد يكون بالعكس من ذلك في ~~الصيف. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: بعد طلوع الشعرى العبور وفي وقت طلوعها وقبله، ~~يعسر الاستفراغ بالأدوية. ### ||| [commentary] # الشرح: المراد بهذا الفصل تخصيص الدعوى الأولى من ~~الفصل المتقدم، لأنه بين هناك أن الاستفراغ بالدواء ينبغي أن يكون في ~~الصيف من فوق، فبين في هذا أن ذلك ليس في جميع زمان الصيف بل في طرفيه ~~فقط. وأما في وسطه وقت قوة الحر، وهو وقت طلوع الشعرى العبور أو بعده ~~أو قبله بقليل، فإنه لا يجوز فيه الاستفراغ بالدواء، لا من أسفل ولا من ~~فوق. أما من أسفل فظاهر، وأما من فوق فلوجوه: أحدها: إن القوة تكون بسبب ~~الحر الهوائي ضعيفة، والدواء المستفرغ يزيدها PageV01P171B ضعفا. وثانيها: إن ~~الدواء يجذب المادة إلى داخل، والحر الهوائي يجذبها إلى خارج، فيتعارض ~~الجذبان، فيضعف فعل الدواء أو يبطل، ويبقى ضرره وتحريكه الأخلاط. وثالثها: ~~إن أكثر الأدوية المستفرغة حارة، واجتماع حرارة الدواء وحرارة الهواء ~~ريء، وإذا لم يكن الدواء حارا ولد الحرارة بتحريك الأخلاط؛ ولهذا فإن ~~غالب من يستفرغ في الحر فإنه يحم. وهذه الوجوه مطردة في الاستفراغ من ~~أسفل. واعلم أن الحمام في حكم قوة الصيف، فلا يجوز أن يستعمل فيه القئ ~~بالأدوية، بل ينبغي أن يكون ذلك بعد الخروج منه، ليكون قد رقق الأخلاط ~~وسيلها. وظاهر كلامه في هذا الفصل يقتضي أنه إذا أطلق لفظة الدواء أراد ~~المستفرغ، سواء كان بالإسهال أو بالقئ. فإن قيل: قوله: "عند طلوع الشعرى ~~العبور أو بعده أو قبله" يستغرق الأوقات كلها، وذلك يقتضي أن يكون ~~الاستفراغ بالدواء مطلقا عسر. قلنا: جرت العادة PageV01P172A أنه إذا ms154 قيل: جئت ~~قبل كذا أو بعد كذا، فإنما يراد به أن يكون ذلك بالقرب من الوقت. واعلم ~~أن نهيه عن الاستفراغ في هذا الوقت إنما هو عن الاستفراغ بالأدوية. وأما ~~القئ بمثل الماء الحار، والإسهال بمثل المرقة الدهنة أو الفتل ~~المسهلة، فلم يتناوله لفظه. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كان قضيف البدن وكان القئ يسهل ~~عليه، فاجعل استفراغك إياه بالدواء من فوق، وتوق أن تفعل ذلك في الشتاء. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: ومن الأشياء الطبيعية التي يختلف بها الاختبار لنوع من أنواع ~~الاستفراغ، السحنة. فمن كان قضيف البدن وكان القئ يسهل عليه، فينبغي أن ~~يكون استفراغه بالدواء من فوق؛ لأن هذا تكون أخلاطه صفراوية طافية إلى ~~فوق. ثم قد يكون من القضاف من يعسر عليه القئ، إما لسبب في خلقته، بأن يكون ~~طويل العنق ضعيفه، أو ضيق الصدر مهيئا PageV01P172B لنفث الدم؛ وإما لسبب مرضي ~~بأن يكون به وجع في حلقه أو ورم في صدره، مثل أصحاب السل، ففي مثل هؤلاء ~~لا يجوز استفراغهم من فوق. وقد قال جالينوس: إنه يجب أن يزاد في هذا الفصل ~~ما زاده في الفصل المقدم على الذي قبل هذا فيقال: في الأكثر وليس بواجب. ~~لأن قوله: "وكان القئ يسهل عليه" يغني عن ذلك؛ لأن من كان كذلك وليس ~~بصفراوي، فليس القئ يسهل عليه. قوله: "وتوق أن تفعل ذلك في الشتاء"؛ يشير ~~إلى أن هذا يكون في كل فصل إلا الشتاء، لأن الأخلاط تكون فيه جامدة ~~كما قلنا. فإن قيل: إنه يجب أن يقول: وفي الخريف أيضا؛ لأن القئفي ~~الخريف دائما ردئ، لأنه يجلب الحمى لأن الأخلاط تكون فيه رديئة حادة من ~~إحراق الصيف لها والقئ لا يقوى على استفراغها، بل على تحريكها؛ وذلك موجب ~~للحمى. قلنا: كلامه الآن إنما هو في سبب اختلاف اختيار نوع PageV01P173A على نوع ~~من الاستفراغ بسبب السحنة، واستثناءه الشتاء إنما كان لأنه بغير مقتضى ~~السحنة. وأما النهي عن ذلك في الخريف، فهو لأمر خارج عن مقتضى السحنة ~~ومقابله؛ على أنا نقول: إن النهي عن ms155 القئ في الخريف ليس هو نهي عما لا ~~يجوز وجوده، بل على أن غيره أولى. واعلم أن هذا الحكم إنما هو في حال ~~الصحة وليس في كل الأمراض، فإن الحميات لا يجوز أن يكون الاستفراغ فيها ~~بالدواءمن فوق البتة، أعني الاستفراغ المستأصل للمادة، لأن القئ لا يقوى ~~على استفراغها وخصوصا التي مادتها خارج العروق، لكن يحركها ويزعج البدن من ~~غير نفع ظاهر. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وأما من كان يعسر عليه القئ، وكان من حسن ~~اللحم على حال متوسطة، فاجعل استفراغك إياه بالدواء من أسفل، وتوق أن ~~تفعل ذلك في الصيف. ### ||| [commentary] # الشرح: كان ينبغي أن يقول: PageV01P173B ولم يكن قضيفا؛ حتى ~~يدخل فيه المعتدل اللحم والمفرط الخصب ليعم جميع الأبدان، إلا أن المفرط ~~الخصب لا يجوز استفراغه بالدواء البتة، لا من أسفل ولا من فوق؛ فلهذا قال: ~~وكان من حسن اللحم على حال متوسطة. وذلك لأن الناس جرت عادتهم أن يسموا ~~اللحيم حسن اللحم، فكأنه قال: وكان من الحالة التي يقال لها حسن اللحم ~~متوسطا، وتحقيق الفصل ظاهر. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وأما أصحاب السل فإذا ~~استفرغتهم فاحذر أن تستفرغهم بالدواء من فوق. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا من جملة الأشياء ~~المرضية التي ترجح الاختيار لنوع من الاستفراغ دون آخر، وأراد بالسل ~~هاهنا قرحة الرئة، وأصحاب السل يقال غلى الذين وقعوا في قرحة الرئة، ويقال ~~على المستعدين لها، وكلاهما لا يجوز استفراغهما بالدواء بالقئ. والذين ~~وقعوا في السل هم أولى بهذا؛ لأن PageV01P174A القئ يزيد في تفرق الاتصال ~~بالحركة العنيفة، فيزيد في القرحة. وأما المستعدون له؛ فلأن القئ ربما صدع ~~منهم عرقا أو فرق اتصال الرئة، لضعف أعضاء النفس منهم. قال: "فإذا ~~استفرغتهم"؛ ولو قال: وأما أصحاب السل فاحذر أن تستفرغهم بالدواء من فوق؛ ~~لأدى هذا المعنى، ولكن هذه الزيادة لينبه على أن هؤلاء في أكثر الأمر لا ~~يستفرغون البتة، وذلك لأن قرحة الرئة يلزمها حمى الدق، والدق يلزمه فناء ~~الرطوبات، فكيف يجوز الاستفراغ. إلا أن هؤلاء قد يكون بهم مع حماهم ~~الدقية حمى عقبية ms156 فتعين على التجفيف بحرارتها، ولأنها تحوج إلى تقليل ~~الغذاء وذلك أضر بهم من كل شئ، فيحتاج إلى الاستفراغ لإزالة تلك الحمى لأن ~~تجفيفها أكثر كثيرا من تجفيف الاستفراغ. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وأما من غالب عليه ~~المرة السوداء، فينبغي أن تستفرغه إياها من PageV01P174B أسفل بدواء أغلظ، إذ ~~تضيف الضدين إلى قياس واحد. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا أيضا من جملة الأسباب المرضية ~~المرجحة لاختيار نوع من الاستفراغ. ونقول المرة السوداء أثقل جوهرا، ~~فهي تميل بالطبع إلى أسفل، وأغلظ جوهرا فيكون انفعالها عن تحريك الدواء ~~أعسر، فلهذا يكون استفراغها من أسفل بدواء أغلظ، أي أقوى. قوله: "إذ تضيف ~~الضدين إلى قياس واحد" لأن السوداء ضدها الصفراء، والصفراء ينبغي أن ~~تستفرغ من فوق لأنها إليه أميل. والقياس الواحد هو استفراغ المواد من حيث ~~هي إليه أميل. ولقائل أن يقول: كيف جعلتم السوداء ضد الصفراء، والجواهر لا ~~تتضاد لأن الضدين يتعاقبان على موضع واحد، والجوهر لا ضد له. قلنا: معنى ~~قولنا: "إن السوداء ضد الصفراء" أن كيفياتها مضادة لكيفياتها، ثقل ~~السوداء وغلظها يضاد خفة الصفراء ولطافتها. والقياس الواحد هو القياس ~~الموجب لاستفراغ المواد من PageV01P175A حيث هي إليه أميل، فإن حركة السوداء ~~-لثقلها- إلى أسفل، وحركة الصفراء -لخفتها- إلى فوق، فحذفنا المضاف وأقمنا ~~المضاف إليه مقامه. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ينبغي أن يستعمل دواء الاستفراغ في الأمراض ~~الحادة جدا، إذا كانت الأخلاط هائجة منذ أول يوم، فإن تأخيره في مثل هذه ~~الأمراض ردئ. ### ||| [commentary] # الشرح: وجه ذكر هذا الفصل هاهنا أنه أوجب الاستفراغ تارة في ~~الصيف وتارة في الشتاء، ولمنكر أن ينكر ذلك لأن كلا الفصلين مفرطا ~~الكيفية، أما الصيف فمفرط الحر، وأما الشتاء فمفرط البرد، والإفراط في ~~كليهما مانع من الاستفراغ، فكان ينبغي أن يكون ذلك في الربيع أو في الخريف. ~~وجوابه: إن ما (172) إنما هو وقت الاختيار ولا شك أن الأمر كذلك، وأما ~~إذا دعت الضرورة إلى الاستفراغ وجب استعماله في أي وقت كان؛ والدليل على ~~ذلك أن الاستفراغ PageV01P175B في أول المرض لا شك أنه ردئ، لأن الطبيعة ms157 تكون ~~في ذلك الوقت قد قهرها المرض ولولا ذلك لم يحصل. وأكثر الأدوية إنما تفعل ~~بقهر الطبيعة، واجتماع قاهرين على الطبيعة لا شك أنه ردئ، ولأمور أخرى قد ~~بيناها فيما تقدم. ومع ذلك فإذا كان المرض حادا مهياجا وجب الاستفراغ ~~في أول يوم ولا يبالي بما يوجبه ذلك من الضرر، فكذلك في الصيف والشتاء، وقد ~~حققنا الكلام في هذا في المقالة الأولى، فلنرجع إلى الكلام فيه هناك. ~~وظهر بما ذكرنا أن لذكر هذا في هذا الموضع فائدة ولا يكون تكرارا محضا، ~~لأن الحكم قد يذكر تارة على أنه مسألة، وتارة على أنه مقدمة في برهان، ولا ~~يقال أن ذلك تكرارا وخصوصا إذا بعد الموضع المذكور فيه مقدمة من الموضع ~~المذكور فيه مسألة، أما لو كان تاليه لحسن حذفه وذكر المقدمات الأخر لأن ~~PageV01P176A النفس تكون ذاكرة له. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كان به مغص وأوجاع حول ~~السرة ووجع في القطن دائم لا ينحل بدواء مسهل ولا بغيره، فإن أمره ~~يؤول إلى الاستسقاء اليابس. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل يشتمل على جواب عن إشكال، بأن ~~يورد على الاستفراغ، وبيانه: إنه قد يقال أن الاستفراغ لا غنى له، ولذلك ~~فإن من الأمراض المادية ما لا يزيلها الاستفراغ بل يضر بإضعافه فقط، وذلك ~~كاللذين يؤول حالهم من أصحاب المغص وأوجاع حول السرة ووجع القطن إلى ~~الاستسقاء اليابس، فإن هؤلاء لا يزيل ما بهم الاستفراغ ويكون سببا لضعف ~~أكبادهم ومعينا على إيقاعهم في الاستسقاء. وجوابه: إن ذلك لا لكون ~~الاستفراغ لا يزيل مادة العلة بل لأن ذلك من هؤلاء دليل على ضعف هذه ~~المواضع منهم وسوء مزاج PageV01P176B فيها مستحكم، فكلما أزال الاستفراغ المادة ~~المتولدة في هذه المواضع الموجبة للوجع أعاد سوء المزاج مثلها أو أكثر؛ ~~فلذلك لا يفيدهم الاستفراغ ، وذلك مضر بمزاج الكبد مولد لمادة الرياح في ~~هذه المواضع، وذلك موجب للاستسقاء الذي يسميه المتأخرون الطبلي، لمشابهة ~~الصوت الذي يحدث من الضرب على جوف صاحبه كصوت الطبل، وذلك لأن صوت الطبل هو ~~من قرع الهواء المحصور ms158 وراء الجلد الممدد، وكذلك في هذا الاستسقاء. واعلم ~~أن المغص وجع يكون في الأكثر في الأمعاء الدقاق وقد يكون في المعدة، ~~ويكون إما ريح محتقنة أو فضل حاد أو بورقي مالح أو غليظ لزج لا يندفع، وهذا ~~هو الذي ينذر بالاستسقاء. وقد يكون من ورم أو قرحة أوجب الفرع، وإذا اشتد ~~المغص أشبه القولنج وعولج بعلاجه، إلا اللذعي فإنه إن عولج بعلاج PageV01P177A ~~القولنج قتل. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كان به زلق الأمعاء في الشتاء، فاستفراغه ~~بالدواء من فوق ردئ. ### ||| [commentary] # الشرح: قد بينا أن ترجيح اختيار نوع من ~~الاستفراغ على آخر يكون إما لسبب طبيعي أو لسبب مرضي، وهاهنا لاجتماعهما. ~~أما الطبيعي فالشتاء، وأما المرضي فهو زلق الأمعاء، وهو خروج الطعام قبل ~~وقته. وأما ذكر ذلك هاهنا؛ فلأن الماضي كان في ذكر من بهم سوء مزاج في ~~الأحشاء مؤد إلى الاستسقاء، وفي هذا كذلك. ونقول: قد علمت أن زلق ~~الأمعاء يكون إما من بلغم لزج أو بثور أو خلط لذاع جارد، فما كان لخلط ~~لزج فظاهر أن استفراغه من فوق ردئ؛ وذلك لأنه يكون مائلا بثقله إلى ~~أسفل. وأما الخلط الحاد سواء أوجب بثورا أو تقرحا أو لم يوجب ذلك، فإنه ~~وإن كان بطبعه قد يميل إلى فوق إلا أن الشتاء يمنع من ذلك. وأما إذا كان ~~PageV01P177B زلق الأمعاء من ضعف القوة الماسكة لسوء مزاج ساذج، فظاهر أن ~~الاستفراغ فيه مطلقا ردئ، فضلا عن أن يكون من فوق. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من احتاج ~~إلى أن يسقى الخربق وكان استفراغه من فوق لا يواتيه بسهولة، فينبغي أن ~~يرطب بدنه من قبل إسقائه إياه بغذاء (173) أكثر، وبراحة. ### ||| [commentary] # الشرح: قد ~~بينا أنه قد يكون ترجيح اختيار أحد نوعي الاستفراغ على الآخر لأمر مرضي ~~أو طبيعي، فإن كان ذلك قويا جدا كان فعل خلافه رديئا كما بيناه في الفصل ~~المتقدم؛ لأن السبب هناك قوي جدا لأنه مرضي عاضده طبيعي، وكلاهما يقتضيان ~~كون الاستفراغ من أسفل، فلذلك كان مخالفة ذلك واستعمال الاستفراغ من فوق ms159 ~~ردئ. وأما إذا كان السبب ضعيفا جدا، لم يلتفت إليه إذا كان إلى مخالفته ~~حاجة. مثال ذلك: هذا البدن الذي نتكلم فيه، فإن من احتاج إلى أن يسقى ~~الخربق PageV01P178A وكان استفراغه من فوق لا يواتيه بسهولة، فإن هذا مانع عن ~~ذلك ولكنه ضعيف جدا، فلا يلتفت إليه بل ينبغي أن يجعل ذلك مواتيا ثم ~~يستعمل. وطريق جعله مواتيا له من وجهين: أحدهما أن يعود القئ بالأشياء ~~الخفيفة، وينبغي أن تكون تلك صالحة الجوهر حتى إن اتفق أن بخلت الطبيعة بها ~~ولم تدفعها بالقئ، فلأن تبخل بالجيد خير من أن تبخل بالردئ؛ إلا أن هذا ~~الوجه لم يذكره لظهوره. والوجه الثاني: أن يرطب بدنه بغذاء أكثر وبراحة. ~~أما الراحة فترطب لما يلزمها من قلة التحلل، فإذا كان الوارد على عادته وجب ~~أن تكثر الرطوبة لا محالة. وأما كثرة التغذية فلإيجابها كثرة الرطوبات ~~الدموية والبلغمية، وينبغي أن يكون ذلك الغذاء ليس له طعم غالب؛ لأن ما كان ~~له طعم فليس غذاء صريحا بل دوائيا. وإنما كان الترطيب معينا على القئ ~~PageV01P178B لأن الرطوبات إذا كثرت اشتاقت الطبيعة إلى دفع ما عندها إما إلى فوق ~~أو إلى تحت؛ فلذلك ينبغي لمن أراد أن يلين بطنه أن يكثر أغذيته ويحلها ~~ويدسمها وأن يجعلها أغذية مختلفة وأشربة مختلفة، فإن الطبيعة يعرض لها ~~عند ذلك أن تنفر (174) عما عندها. وأما الطعام الواحد أو الذي لم يدخل به ~~على طعام آخر لم يتم هضمه، فإن الطبيعة تضن به وتقبضه. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا ~~سقيت إنسانا خربقا فليكن قصدك لتحريك بدنه أكثر ولتنويمه وتسكينه أقل، ~~وقد يدل ركوب (175) السفن على أن الحركة مثورة للأبدان. ### ||| [commentary] # الشرح: تعلق ~~هذا بما قبله ظاهر، وكما أنه أمر بالراحة قبل شرب الخربق لمن يحتاج إلى ~~شربه ولا يواتيه القئ بسهولة، كذلك أمر بالحركة بعد شربه؛ وذلك لأن ~~الحركة ملطفة مسيلة مثورة، ويدل على ذلك ركوب السفن، فإنه يثور ~~الأبدان ويهيج PageV01P179A فيها القئ والغثيان، فإذا كانت الحركة يلزمها ذلك ~~فمع اجتماع شرب الخربق والحركة ms160 يكون ذلك أكثر لامحالة، وهذا إذا أردنا أن ~~يكون استفراغ الخربق والحركة يكون ذلك أكثر لا محالة وأقوى. بقى هاهنا ~~أسئلة، أحدها: لم (176) قال: "وقد يدل ركوب السفن"؟ ولم يقل: إن ذلك ~~دائما. وذلك لأن من الناس قوم لا يحصل لهم بركوب السفن قئ ولا غثيان، فلا ~~يدل ركوبهم السفن على أن الحركة مثورة. وثانيها: لم (177) كانت حركة ~~ركوب السفن يلزمها ذلك، مع أن حركة البدن فيها قليلة؟ ولو كان ذلك لأجل ~~الحركة، يحصل ذلك غن حركة البدن إذا كانت مساوية لحركته بركوب السفن؛ فكيف ~~لما هي أقوى. فنقول: إن ذلك لما يلزم حركة البدن بركوب السفن حركة ~~النفس، وذلك لأن النفس يلزمها من ذلك فزع بما تشاهد في ذلك من ~~الهول، وذلك لأن الساكن يلزمه أن تكون (178) نسبته إلى PageV01P179B الأشياء ~~الساكنة واحدة، والمتحرك يلزمه أن تكون (179) نسبته إلى الأشياء الساكنة ~~متبدلة، والذي في السفينة النفس تعلم سكونه ثم ترى الأشياء تتبدل ~~نسبها إليه فتظن أن العالم كله يتحرك وذلك مهول للنفس لا محالة. فإن ~~قيل: إن تثور الأخلاط إذا كان إنما لزم راكب السفينة لأجل ما يلزمه من ~~تحريك النفس الحركة العظيمة المفزعة، فما ليس كذلك لا يلزم أن يكون ~~مثورا، وحينئذ لا ينتفع بالحركة على شرب الخربق. قلنا: إذا كانت هذه ~~الحركة العظيمة يلزمها هذا التثوير العظيم، فالحركة الخفيفة يلزها ~~-لامحالة- تثوير ما، ولكنه يكون خفيفا لأن السبب كما أنه كلما قوى قوى ~~تأثيره، كلما ضعف ضغف تأثيره ولكن يكون تأثيرا ما. وثالثها: إنه إذا صح ما ~~قلتموه، فإنما ينبغي أن نتحرك إذا أردنا أن يكون الاستفراغ كثيرا، أما لو ~~أردنا أن يكون الاستفراغ قليلا لم يجب ذلك. فلما أطلق القول PageV01P180A وأمر ~~بالحركة مطلقا قلنا لأن غالب من يسقى الخربق يكون عرضة أن يكون ~~استفراغه كثيرا، فأطلق القول لأجل الحكم الغالب. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: إذا أردت أن ~~يكون استفراغ الخربق أكثر، فحرك البدن؛ وإذا أردت أن تسكنه، فنوم ~~الشارب له ولا تحركه. ### ||| [commentary] # الشرح: تعلق هذا بما قبله ظاهر، ms161 وكذلك معناه ظاهر. ~~ولا شك أنه إذا كان شئ يلزمه تثوير الأخلاط وتحريكها، فعدمه يلزمه عدم ذلك، ~~وخصوصا النوم، فإنه مع ما فيه من السكون البدني يلزمه السكون النفسي. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: شرب الخربق خطر لمن كان بدنه صحيحا، وذلك أنه يحدث به تشنجا. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: هذه (180) الفصول خكمها لا يختص بالخربق وإنما ذكره ليكون كالمثال، ~~وأما في هذا الفصل فحدوث التشنج خاص بالخربق ليبسه وفرط استفراغه، فيجف ~~العصب PageV01P180B ويحدث التشنج اليابس، وقد يحدث التشنج الرطب إذا لم يستفرغ ~~بما يحرك المواد فيقبلها العصب إذا كان به ضعف فيتشنج. وأما الخطر فهو ثابت ~~في كل استفراغ يكون للبدن الصحيح، غير مختص بالخربق. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من لم ~~تكن به حمى، وكان به امتناع من الطعام، ونخس في الفؤاد، وسدر، ومرارة في ~~الفم؛ فذلك يدل على استفراغه بالدواء من فوق. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل في معنى ~~الفصول المتقدمة، وهو ترجيح الاختيار لنوع من الاستفراغ بسبب أمر مرضي، ~~وكان ينبغي أن يتصل بفصل: "من احتاج أن يسقى الخربق". إلا أنه لما ~~تعرض لذكر الخربق ذكر جملة من أحكامه. والامتناع من الطعام هو بطلان ~~الشهوة، وقد يكون لأخلاط رديئة في المعدة تشوق الطبيعة إلى الدفع لا إلى ~~الجذب. وقد يكون لانقطاع انصباب السوداء المنبه على الجوع، ومثل هذا إذا ~~استعمل حامضا قويت شهوته. PageV01P181A وقد يكون من قلة الدم، كما يكون لبعض ~~الناقهين. وقد يكون لعقد التحلل، كما يعرض لكثيري السكون. وقد يكون لغير ~~ذلك، إلا أن هذه الأعراض الباقية لا تكون إلا لما يكون ذلك الخلط ردئ في ~~المعدة. ويريد بالفؤاد هاهنا فم المعدة لأنه جرت العادة بأن يسمى فؤادا، ~~بل قد يسمى قلبا ويسمى القلب فم المعدة إما على سبيل المجاز للمشاركة ~~بينهما بينهما في أمور او على سبيل اشتراك الاسم. والنخس يدل على مادة ~~لذاعة. والسدر يدل على مادة أبخرة كثيرة في الدماغ، إما متولدة فيه ~~نفسه أو متصعدة إليه من المعدة، ومع هذه الأعراض الظاهر أنها تكون من ~~المعدة. والسدر ms162 هو ظلمة تغشى البصر عند القيام. وأما مرارة الفم فتدل ~~على خلط صفراوي في المعدة، ولا شك أنه حينئذ يكون الواجب الاستفراغ بالقئ ~~ضرورة وجوب استفراغ المواد من الجهة التي هي إليها أميل، فإن قيل: فإذا ~~كانت هذه الأعراض تدل على وجوب الاستفراغ بالقئ، فأي فائدة PageV01P181B في قوله: ~~من لم تكن به حمى. قلنا: الفائدة في ذلك من وجهين: أحدهما: إن الحمى إذا ~~كانت موجودة فقد لا تدل هذه الأعراض على وجوب القئ، لأن الحمى قد يلزمها ~~ذلك من غير كون المواد متحركة إلى فوق؛ لأن الحمى بتبخيرها قد يلزمها ذلك. ~~وثانيها: إن الحمى لا يجوز أن تستفرغ مادتها بالقئ، وإن كانت هذه ~~الأعراض حاصلة والمواد متحركة إلى فوق؛ لأن تنقية القئ للعروق قليلة، ومادة ~~الحمى تكون إما في العروق أو أبعد منها إذا كانت عفونتها خارج العروق. ### || ### ||| [aphorism] # قال ~~أبقراط: الأوجاع التي فوق الحجاب تدل على الاستفراغ بالدواء من فوق، ~~والأوجاع التي تحت الحجاب تدل على الاستفراغ بالدواء من أسفل. ### ||| [commentary] # الشرح: أما ~~تعلق هذا بما قبله فظاهر، وينبغي أن يكون المراد بالاستفراغ من (181) فوق ما ~~يعم القئ والتنفيث والترعيف وغير ذلك، وكذلك بالاستفراغ الذي من أسفل ما ~~يعم الإسهال والإدرار وفصد PageV01P182A الصافن وغير ذلك؛ وذلك لأن في ذات الجنب ~~وذات الرئة بل وفي السل تكون الأوجاع فوق الحجاب، ولا يجوز استفراغ مواد ~~بالقئ بل بالتنفيث، ولذلك أوجاع الرأس إذا لم تكن بشركة المعدة لا يجوز ~~بالقئ بل بالترعيف والتسعيط وغيرهما؛ وكذلك رمل المثانة لا يستفرغ ~~بالإسهال وإن كان وجعه دون الحجاب، بل بالإدرار. وإنما كان كذلك لأن ~~الاستفراغ يجب أن يكون من الجهة التي المادة إليها أميل، فإن قيل: إنما نرى ~~الوجود على خلاف هذا، فإن الصداع تأمرون فيه بالإسهال والحقن ونراه يخف ~~بذلك أكثر من غيره. قلنا: معنى قولنا: إن الاستفراغ يجب أن يكون من حيث ~~المادة أميل ليس مطلقا، بل بشرائط قد استوفينا الكلام فيها في المقالة ~~الأولى؛ ومن جملة ذلك أن لا يلزم ذلك ضرر ms163 بالعضو المستفرغ عنه وغير ذلك، ~~وإذا كان الصداع وغيره من أمراض الرأس عن مادة دائمة التصعد فلو ~~استفرغناها من الدماغ نفسه لزم من ذلك مرور المادة بأجمعها بالدماغ PageV01P182B ~~وذلك إضرار به. فنرى هاهنا أن نجذبها من خلاف جهة ميلها وإن كان أعسر، ~~خوفا على الدماغ. وأما أنه بذلك يجف أكثر وأسرع من باقي أنواع الاستفراغ، ~~فلأن ذلك يقطع المدد عن الدماغ ويجذب من فينقى (182) بسرعة، ولا كذلك ~~الاستفراغ منه. قوله: الأوجاع التي فوق الحجاب تدل غلى الاستفراغ بالدواء ~~من فوق. يريد بذلك أنه إذا احتيج إلى استفراغ مع حصول هذه الأوجاع، وجب أن ~~يكون من جهتها. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من شرب دواء الاستفراغ فاستفرغ ولم يعطش، فليس ~~ينقطع عنه الاستفراغ حتى يعطش. ### ||| [commentary] # الشرح: يشبه أن يكون ترتيب هذا الفصل بعد ~~الذي بعده، ويكون تقدمه لغلط من النساخ، إذ الغرض منه ذكر مقدار ما يستفرغ ~~بعد الكلام في وجوب الاستفراغ وبيان جهته. وقد كان ذكر هذا في المقالة ~~الأولى، إلا أنه لم يكن استقصى ذكر العلامات PageV01P183A الدالة على ذلك، وفي ~~هذا يشير إلى علامة زائدة. ونقول: الغالب من الأدوية المستفرغة أنه ما دام ~~بعد في البدن بقية من الخلط المستفرغ، فإن البدن لم يغرض له جفاف بسبب ~~الاستفراغ، وكيف يحصل الجفاف والرطوبات أزيد مما ينبغي، وما لم يقع جفاف من ~~الاستفراغ لم يكن للعطش موجب من جهة الاستفراغ، بل يتفق أن يكون له موجب لا ~~من جهته كحرارة الدواء أو يبوسته أو حرارة المعدة أو يبوستها أو حدة الخلط ~~المستفرغ، فيعطش بمروره على الأعضاء. وأما من جهة الاستفراغ فإنه لا يكون ~~له موجب، فإذا مهما بقى من الخلط المقصود استفراغه بقية لم يحصل العطش من ~~جهة الاستفراغ. والغالب من حال الأدوية المسهلة أنه مهما بقى في البدن من ~~الخلط المستفرغ بقية، فإنه في الأكثر لا ينقطع فعله، فإذا لم يحصل عطش من ~~جهة الاستفراغ ففي الأكثر لا ينقطع فعل الدواء، إلا أن يحصل العطش، فتكون ~~تلك البقية قد استفرغت ونقى ms164 البدن، وحينئذ يجب أن ينقطع PageV01P183B فعله لأن ~~الغالب من حال الأدوية أنه إذا نقى البدن من الخلط المقصود استفراغه بطل ~~فعله، وهذا الحكم أكثري. وإذا ثبت هذا فيكون العطش الحادث من جهة الاستفراغ ~~علامة على وجوب قطع فعل الدواء، فإذا لم ينقطع من ذاته وجب قطعه بالصناعة، ~~فتكون هذه علامة أخرى على النقاء (183) وعلى مقدار ما ينبغي أن يستفرغ، ~~وسواء كان ذلك بقيء أو إسهال. وأقول: إن النعاس والنوم في حكم ذلك أيضا، ~~فمتى قوى ذلك بعد الإسهال أو القيء دل (184) على النقاء وعلى فراغ الطبيعة ~~مما ينبغي إخراجه. وسبب النوم طلب الطبيعة الاجتماع والراحة لتتدارك بذلك ~~ما حصل لها من الضعف بالتحلل والتعب. واعلم أنه كما أن من الأسباب ما ~~يعجل العطش، وهي التي ذكرناها كذلك؛ منها ما يوجب تأخير العطش، وهي ~~مقابلات تلك الأشياء المذكورة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من لم تكن به حمى وأصابه ~~PageV01P184A مغص وثقل في الركبتين ووجع في القطن، فذلك يدل على أنه يحتاج إلى ~~الاستفراغ بالدواء من أسفل. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل ينبغي أن يكون قبل الذي قبله، ~~ولا شك أن المغص والثقل في الركبتين والوجع في (185) القطن يدل على توجه ~~المواد إلى أسفل، فوجب أن يستفرغ من حيث هي مائلة. وأما قوله: "من لم تكن ~~به حمى". فالفائدة فيه أنه لو كانت الحمى موجودة لوجب أن يكون الاستفراغ من ~~أسفل، وإن لم تكن هذه الأوجاع. فلو كانت الحمى موجودة مع وجود هذه الأوجاع، ~~ربما ظن أن وجوب كون الاستفراغ من أسفل هو لأجل الحمى لا لأجل هذه الأوجاع، ~~فكأنه يعرفنا أن هذه الأوجاع سبب مستقل بوجوب كون الاستفراغ من أسفل وإن ~~لم تكن حمى. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: البراز الأسود الشبيه بالدم الآتي من تلقاء نفسه، ~~كان مع حمى أو من غير حمى، فهو من أردأ العلامات. وكلما كانت الألوان في ~~البراز أردأ PageV01P184B كانت تلك علامة أردأ، فإن كان ذلك مع شرب دواء، كانت ~~تلك علامة أحمد. وكلما كانت تلك الألوان أكثر، كان ذلك أبعد ms165 من الرداءة. ~~ ### ||| [commentary] # الشرح: بعد أن فرغ من الدلالة على وجوب الاستفراغ، وذكر بعض أنواعه وما ~~يوجب اختيار نوع على آخر، وجب أن يذكر الاستفراغات الرديئة، وأن يبدأ من ~~ذلك بالنوع الذي هو أظهر الاستفراغات وأكثر وقوع الاستفراغات الرديئة به، ~~وذلك هو البراز، فإن أكثر وقوع الاستفراغ في العادة بالطبع وبالصناعة هو ~~بالإسهال، وأكثر الاستفراغات الرديئة هو ما نفع بالإسهال. واعلم أن البراز ~~الأسود يكون لأحد أسباب أربعة: أحدها: الاحتراق، بأن تحترق الأخلاط فتتأذى ~~بها الأعضاء وتضطر الطبيعة إلى دفعها. وثانيها: لاستيلاء الطبيعة على نضج ~~مرض سوداوي وإخراجها لينقى البدن منه، والفرق بين هذا PageV01P185A وبين الأول، ~~أن الأول يتقدمه في أكثر الأمر براز صفراوي وتكون علامات الاشتعال في ~~البدن ضاهرة وتكون رائحته قوية جدا ولا يجد البدن عقيبه خفا، وأما ~~الثاني فيكون بعد ظهور علامات مرض سوداوي وبعد علامات النضج التام ويجد ~~البدن عقيبه خفا ظاهرا. وثالثها: أن يكون ذلك لتناول صابغ (186) للبراز، ~~ونفرق بينه وبين الولين بعدم علامات الأولين، وبتقدم تناول الصابغ (187). ~~ورابعها: أن يكون ذلك لتناول دواء مسهل للسوداء، ويعرف ذلك بتقدمه. ونقول: ~~إن أبقراط أراد بالبراز الأسود، الكائن بالاحتراق؛ لأنه وصفه أنه ~~الشبيهبالدم الآتي من تلقاء نفسه، وهذا لا يكون إلا المحترق، لأن ما كان من ~~صابغ أو دواء مستفرغ للسوداء لا يقال أنه آت من تلقاء نفسه، بل يقال أن ذلك ~~هو الذي فعله. وكذلك الذي عن دفع الطبيعة لمادة المرض السوداوي، فإن ذلك ~~ليس PageV01P185B من تلقاء نفسه، بل لدفع الطبيعة له. وأما الكائن بالاحتراق فهو ~~آت من تلقاء نفسه، لأنه إما أن يخرج بنفسه فقط لثقله لأن الأعضاء لا تمسكه ~~لإضراره بها، فيخرج بنفسه، أو بإحفازه (188) الطبيعة -بإضراره لها- على ~~إخراجه، فيكون هو بالحقيقة المخرج لنفسه. وأيضا ينبغي أن يفهم من قوله: ~~الشبيه بالدم: أى الشبيه بالدم الجامد، لأن الدم إذا جمد صار أسود، فيكون ~~هذا شبيها به في سواده. وأما إذا لم يجمد ولم يحترق، فإنه يكون أحمر ~~اللون، ولا مشابهة بين الأسود والأحمر. وإذا ms166 ثبت ذلك علم أنه أراد الكائن ~~بالاحتراق، ولأن ما سوى ذلك لا يشبه الدم الجامد. أما الكائن عن الصابغ، ~~فظاهر، لأنه يكون برازا صحيا، إلا أنه أسود اللون، وجرمه جرم (189) ~~البراز المعتاد. وأما الذي السوداء الخارجة بالطبع أو بالصنعة، فلا يشبه ~~الدم أيضا، لأن السوداء تكون حامضة عفصة، ويظهر ذلك برائحتها، وربما كان ~~PageV01P186A لها غليان على الأرض وبريق بخلاف الدم الجامد؛ فثبت أنه أراد الكائن ~~بالاحتراق. ثم هذا قد يكون مع حمى وقد يكون بغير حمى، وهو من أردأ العلامات ~~لدلالته على احتراق الأخلاط. لكن هاهنا سؤالان: أحدهما: لما عرفه بذلك؟ ~~وهلا قال: "البراز الكائن بالاحتراق"؛ وأغنى عما ذكرتموه من المباحث. ~~وثانيهما: إنه قال أولا: إن استفرغ البدن من النوع الذي ينبغي أن ينقى ~~منه نفع ذلك واحتمل بسهولة، وإن كان الأمر على ضد ذلك كان عسرا. والبراز ~~الأسود الكائن بالاحتراق لاشك أنه من النوع الذي ينبغي أن ينقى منه البدن، ~~فكان ينبغي أن يكون نافعا، سهل الاحتمال؛ لكنه جعله هاهنا من أردأ ~~العلامات، فكيف الجمع بين القولين؟ الجواب: أما الأول: فلأن كون ذلك ~~كائنا عن الاحتراق أو غيره غير معلوم لكل أحد، بل للفضلاء من الأطباء ~~بالبحث الدقيق. وأما أنه شبيه PageV01P186B بالدم الجامد أو خارج من تلقاء نفسه ~~فمعلوم بالمشاهدة، والتفريق بالظاهر أولى منه بالخفي. وأما الثاني: فلا شك ~~أن خروج هذا الكائن بالاحتراق أنفع للبدن من بقائه فيه. وأما كونه من ~~أردأ العلامات فليس لكونه استفراغ ما ينبغي أن ينقى البدن منه، بل لدلالته ~~على سببه الذي (190) هو الاحتراق. وليس إذا قلنا في شئ أنه علامة صالحة من ~~جهة يلزم أن لايكون من جهة أخرى علامة موت، فضلا عن كونه علامة رديئة. ~~قوله: وكلما كانت الألوان في البراز أردأ، كانت تلك علامة أردأ. الألوان ~~الخارجة عن الطبيعة تدل على سبب خارج عن الطبيعة أوجبها، فإن كان خروجها عن ~~الطبيعة كثيرا وهو الذي أراد (191) بالأردأ، كانت تلك علامة أردأ لدلالتها ~~على السبب الخارج عن الطبيعة خروجا كثيرا. واعلم أن ms167 اللون الطبيعي ~~للبراز هو أن يكون ناريا خفيف النارية، فإن اشتدت، دل PageV01P187A على حرارة ~~وكثرة مرار، وإن نقصت دل على نهوه وعدم النضج، وقد يكون أبيض وأخضر وغير ~~ذلك، وكلها رديئة. قوله: فإن كان ذلك أيضا مع شرب دواء، كانت تلك علامة ~~أحمد. أي إن كانت الألوان الرديئة مع شرب دواء، كانت تلك علامة أحمد؛ لأنه ~~يدل على أن الدواء قد نقى البدن من الأخلاط الرديئة المختلفة، وكلما كانت ~~تلك الألوان أكثر كان ذلك أبعد من الرداءة، لأنه يكون استفراغه للمواد ~~المختلفة. وقال هاهنا: و"كلما كانت تلك الألوان أكثر"، ولم يقل: "أردأ"، ~~كما قال في الأول، لأنه إذا كانت الألوان منكرة كانت تلك علامة هلاك، سواء ~~كان ذلك باستفراغ من تلقاء نفسه أو طبيعي لدلالته على مواد منافية للحياة. ~~ ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: أي مرض خرجت في ابتدائه المرة السوداء من أسفل أو من فوق، فتلك ~~علامة دالة على الموت. ### ||| [commentary] # الشرح: قد ذكرنا الفرق بين PageV01P187B المرة السوداء ~~وبين غيرها من البراز الأسود. وقوله: "خرجت"؛ يفهم منه أن خروجها لا عن ~~شرب دواء مسهل أو مقيء، فإنه حينئذ لا يقال خرجت، بل أخرجت أو استفرغت أو ~~ما شابه ذلك. وكون خروجها في أول المرض يمنع أن يكون ذلك على سبيل بحران ~~لمرض (192) سوداوي، لأن البحران لا يكون في الابتداء، وكون ذلك سوداء يمنع ~~أن يكون لتناول صابغ. وقوله: "المرة السوداء"؛ يريد السوداء المحترقة، لا ~~السوداء الطبيعية، فإن ذلك لا يقال له مرة في العادة؛ ولأن السوداء ~~الطبيعية لاتخرج بنفسها في ابتداء المرض، وإنما كان ذلك من علامات الموت ~~لأن المرض إذا أحرق الأخلاط في أول ظهوره فإذا اشتد وتزيد أوجب الموت ~~لامحالة. وقد علل ذلك جالينوس بأن ذلك يعلم أنه ليس عن بحران، وهذا ~~مشكل، فإن ذلك لو كان عند المنتهى يجوز أن لا يكون عن بحران، ومع ذلك لا ~~يكون علامة الموت. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: PageV01P188A من كان قد أنهكه مرض حاد أو مزمن أو ~~إسقاط أو غير ذلك، ثم خرجت ms168 منه مرة سوداء أو بمنزلة الدم الأسود ؛ فإنه ~~يموت في غد ذلك اليوم. ### ||| [commentary] # الشرح: قد بينا أن المرة السوداء خروجها في ابتداء ~~المرض قتال، وأما في انتهائه إذا كان عن احتراق فهو ردئ، لكنه لا يدل على ~~الموت. وكذلك بينا أن البراز الأسود الشبيه بالدم ردئ أيضا، وهو لا يدل ~~على الموت. وهذا إنما هو كذلك إذا كانت القوى كما ينبغي، فلو كانت ضعيفة ~~فظاهر أن ذلك في هذه الحالة تكون علامة موت عاجل، وذلك بأن تكون في غد ~~ذلك اليوم. واعلم أن العمدة في إثبات هذه الأحكام هو على الاستقراء ~~والتجربة، وما نذكره فهو تعليل للواقع وتقريب له إلى العقل لا أنه برهان ~~موجب لاعتقاده من غير تجربة. وقد علمت أن قوله: "خرجت" يمنع أن يكون ذلك ~~عن شرب دواء، وكونه مرة أو بمنزلة الدم الأسود يمنع كون ذلك طبيعيا. ~~وظاهر أنه لا يريد ما كان عن تناول صابغ فإن PageV01P188B ذلك لا حكم له. وظاهر ~~أيضا أن ذلك لايكون عن بحران، لأن البحران لا يكون لمن أنهكه مرض حاد أو ~~مزمن أو غير ذلك، فإنه لا يقال أنهكه إلا إذا كان قد فارق وبقى إضعافه ~~للقوة وإحداثه الهزال. وأما ما دام المرض موجودا فإنه لا يقال في ~~العرف (193) أنهكه المرض، بل يقال: إن مرضه صعب، أو قوي، أو مستولي على ~~قوته، أو ما شابه ذلك؛ وإنما يكون البحران في المرض لا بعد مفارقته. وقوله: ~~"أو بمنزلة الدم الأسود": إشارة إلى ما كان ذكره أولا، وهو البراز الأسود ~~الشبيه بالدم، فيعلم حينئذ أنه أراد الدم الأسود، وذلك ما تأولناه. ووجه ~~ترتيبه لهذه الفصول ظاهر فلا حاجة إلى الإطالة به. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: اختلاف الدم ~~إذا كان ابتداؤه من المرة السوداء، فتلك من علامات الموت. ### ||| [commentary] # الشرح: قد بينا ~~أن خروج المرة السوداء في ابتداء كل مرض علامة الموت، فإذا انعقب ذلك ~~الدم فكونه علامة الموت بطريق الأولى. ولو كان ذلك ليس في ابتداء PageV01P189A ~~المرض، بل في انتهائه، ثم أعقبه ms169 اختلاف الدم، كان علامة الموت أيضا كما لو ~~تقدم خروج المرة السوداء بسبب مضغف كما قلنا في الفصل المتقدم. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~خروج الدم من فوق، كيف كان، علامة رديئة؛ وخروجه من أسفل علامة جيدة، إذا ~~خرج منه شئ أسود. ### ||| [commentary] # الشرح: يريد بقوله: خروج الدم من فوق: ما كان بالقئ من ~~تلقاء نفسه، لأن ما كان من الأنف يقال فيه رعاف، ولا يقال خروج الدم من ~~فوق. وقوله: كيف كان: أي كيف كانت صفته، أي سواء كان أسود أو أحمر أو غير ~~ذلك. ويريد بخروجه من أسفل: خروجه من أفواه العروق، لأن ما سوى ذلك لا ~~يقال فيه خروج الدم من أسفل، بل يقال: إسهال الدم، أو اختلاف الدم، أو ما ~~شابه ذلك. وأما في أفواه العروق فيقال لصاحبه أنه يخرج منه دم من أسفل، ولا ~~يقال له ينسهل الدم أو يختلف الدم، ويريد بذلك ما كان على سبيل البحران؛ ~~ولذلك قال: خروج PageV01P189B الدم، فإنه فرق بين قولنا: خروج كذا، وقولنا: ~~إخراج كذا، وقولنا: كذا يخرج من تلقاء نفسه. فإن قولنا: "إخراج كذا" لا ~~يكون إلا إذا كان لذلك مخرج ظاهر، كالدواء وغيره. وقولنا: "كذا يخرج من ~~تلقاء نفسه" يكون إذا كان نفس ذلك الشئ له تأثير في خروجه، إما مستقلا ~~كخروجه بثقله إذا بخلت (194) الأعضاء عن إمساكه، أو غير مستقل كما إذا أحوج ~~الطبيعة بحدته ولذعه إلى إخراجه كما بيناه في البراز الأسود. وقولنا:" ~~خروج كذا"؛ يفهم من ما يعم المفهومين المذكورين مع مفهوم (195) ثالث وهو ~~خروجه عن سبب خفي، إلا أنه لما اختص كل واحد من المفهومين الأولين بلفظ ~~يخصه، وجب أن يخص هذا المفهوم الثالث بهذا اللفظ الخاص وهو خروج كذا؛ وإنما ~~كان ذلك رديئا إذا كان من فوق، وجيدا إذا كان من أسفل، لأن خروجه من ~~فوق بالقئ مما يضر المعدة، وربما جمد PageV01P190A فيها بعضه، ويوجب سقوط الشهوة. ~~وأما خروجه من أفواه العروق، فليس كذلك، مع نفعه من أمراض كثيرة، فإنه ينفع ~~من كل مرض ms170 سوداوي، ومن أوجاع الورك والكلى والأرحام. وقوله: "إذا خرج منه ~~شئ أسود"؛ أي أنه علامة جيدة إذا خرج منه شئ أسود، لأن ذلك يكون استفراغا ~~لمادة رديئة ضارة بالكم والكيف. وأما إذا كان أحمر، فإنه لا يكون إخراجا ~~لضار بالكيف بل بالكم فقط. بقى هاهنا دقيقة، وهو قوله: "شئ أسود"؛ ولم يقل: ~~"إذا كان ذلك أسود"؛ وذلك لأنه لا يقال أن كذا منه شئ أسود، إلا إذا كان ~~لبعضه لون آخر ليس بأسود؛ وقد بينا أن خروج المواد إذا كان بالأدوية أو ~~بدفع الطبيعة على سبيل البحران، فكلما كانت ألوانها أكثر، كانت علامة أحمد. ~~واعلم أن خروج الدم من فوق يهول أكثر من إضراره، فإنه لم نشاهد أحدا مات ~~بقئ الدم، ولهذا قال: هو علامة رديئة PageV01P190B ولم يقل: مهلكة، ولا علامة ~~موت، ولا رديئة جدا. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كان به اختلاف دم، فخرج منه شئ شبيه ~~بقطع اللحم، فتلك من علامات الموت. ### ||| [commentary] # الشرح: قال جالينوس: لأن ذلك يدل على ~~تمكن القرحة من المعا حتى يسمى ما يخرج من جرمها قطع لحم، لأن القرحة في ~~أول حدوثها يكون الخارج مع الدم أجساما شحمية تم خراطه من تقشير السطح ~~الداخل من الأمعاء، ثم إذا قوى ذلك تأدى إلى خروج قطع من جرم الأمعاء. ~~ونقول: إن ذلك ولو بلغ أي مبلغ كان في العظم، لا يقال له قطع لحم ولا ~~يشبهها، بل يقال لذلك أنه مصران أو غشاء أو ما يشبه ذلك؛ لأن جرم الأمعاء ~~عديم اللحم البتة، بل الأولى أن يقال: إن هذا الدم يكون من الكبد، ويكون ~~ذلك لأجل خلط أكال حاد مقطع لجرم الكبد، أو لضربة أو سقطة أوجبت PageV01P191A ~~ذلك. وفي هذا كثيرا ما يخرج أجزاء صغار لحمية كالسمسم، بل كالحمص، ويعيش ~~صاحبه. وأما إذا خرجت أجزاء كبار تشبه قطع اللحم، ففي الأكثر يموت صاحبه. ~~وقد رأينا من عاش بعد ذلك وكان قد خرج منه قطع كبار ذوات عروق ظاهرة؛ ~~فلذلك هذا الحكم ينبغي أن يكون أكثريا. وسبب ms171 الموت من ذلك ظاهر، لأن الكبد ~~من الأعضاء الرئيسية ومعدن لتوليد الدم. وأما إمكان البرء فلأنها عضو لحمي، ~~فيمكن أن ينبت عوض أسلم منها إذا لم يكن عظيما جدا. بقى هاهنا إشكالان: ~~أحدهما: إنه لو كان كذلك، لوجب أن يقول: فخرجت منه قطع لحم، لا شبيه بقطع ~~اللحم. وثانيهما: إن هذه القطع تكون كبيرة، فلو كانت من الكبد لم يكن ~~نفوذها إلى الأمعاء؛ لأن طريق ذلك الماساريقا، وهي دقاق جدا. الجواب: أما ~~الأول: فليس جوهر الكبد PageV01P191B من اللحم المعروف عند الناس، بل هو جوهر ~~شبيه به؛ وذلك لأن المسمى عند الناس باللحم لا يطلق على جوهر الأحشاء. وأما ~~الثاني: فإنا نمنع تعذر نفوذ ذلك في الماساريقا، فإنها وإن كانت دقيقة ~~ضيقة إلا أنها عصبية، والأجسام العصبية قابلة للتمدد، فيتمدد جرم ~~الماساريقا بتمديد الطبيعة لها بدفع تلك القطع، لأنها تصير غريبة، وصيانة ~~للكبد من أن تعفن تلك القطع وتزيد في ضررها. وهذا كحال المولود، فإن ~~المكان الذي يخرج منه لا يسع في غير وقت الولادة لطرف الميل، ثم يصير له ~~إذا مددته الطبيعة بإذن خالقها تعالى حده (196) من السعة ما يخرج منه ~~إنسان؛ فلا عجب أن لو اتسع جرم الماساريقا لخروج هذه القطع. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من ~~انفجر منه دم كثير من أي موضع كان انفجاره، فإنه عندما ينقه فيغذى PageV01P192A ~~يلين بطنه بأكثر من المقدار. ### ||| [commentary] # الشرح: هذا الفصل دليل على أن خروج الدم، ~~كيف كان، مضعف للأعضاء الهاضمة وللحرارة الغريزية، ومن هذا الفصل شرع في ~~ذكر أحكام ما يتبع الاستفراغات ، إذ قد فرغ من أحكام الاستفراغات المحمودة ~~والرديئة. وكان هذا الفصل أولى بالتقدم، لاشتماله على الاستفراغ الردئ مع ~~ذكر ما يتبع الاستفراغ، إذ عادة أبقراط أنه حينما (197) يريد أن ينتقل من فن ~~إلى آخر أن يذكر بينهما فصل يشترك فيه حكمهما ليكون الكلام متسقا. ومما ~~يدل على أن خروج الدم مضعف للحرارة الغريزية والأعضاء الهاضمة خاصة، أنه ~~إذا نقه المريض من ذلك وغذى فإنه يلين بطنه بأكثر من المقدار الواجب ms172 . ~~وإنما قال: "عندما ينقه المريض"؛ لأنه لو قال: "إنه إذا غذى لان بطنه"، ~~ولم يشترط أن يكون ذلك عند النقه، احتمل PageV01P192B أن يقال: إن ذلك المرض ~~لا لضعف الأعضاء الهاضمة والحرارة الغريزية. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كان به اختلاف ~~مرار، فأصابه صمم، انقطع عنه ذلك الاختلاف. ومن كان به صمم، فحدث به ~~اختلاف مرار، ذهب عنه ذلك الصمم. ### ||| [commentary] # الشرح: الفرق بين الصمم والوقر ~~والطرش، أن الصمم هو أن يكون الصماخ (198) قد خلق باطنه عديم ~~التجويف المشتمل على الهواء الراكد الذي يكون السماع بتأدي التموج الصوتي ~~إلى تموجه فتدركه الحاسة. وأما الطرش فهو كالنقصان لقوة السمع. وأما ~~الوقر فهو بطلان السمع، سواء كان لبطلان حس السمع من غير صمم أو لصمم. هذا ~~هو المعنى المشهور لهذه الألفاظ، وقد يطلق كل واحد منها (199) على معنى ~~الآخر، إما على سبيل المجاز أو الاشتراك. ومراد أبقراط هاهنا بالصمم: ثقل ~~السمع.PageV01P193A وحدوث ذلك عقيب اختلاف المرار دليل على اتجاه المادة إلى فوق، ~~وذلك يوجب انقطاع الاختلاف لأنه إنما يكون عند ميل المواد إلى أسفل؛ وذلك ~~بالعكس، إذا كان بإنسان صمم، فحدث به اختلاف مرار، ذهب عنه ذلك الصمم؛ ~~لاتجاه المادة إلى أسفل وحركتها عن جهة الصمم. وهاهنا دقيقة وهي قوله: ~~"فحدث به اختلاف دم"؛ لأن الفاء تفيد كون الحادث بعد الأول وعقيبه، أي ~~عقيب حدوث الصمم حدث الاختلاف؛ وإنما يمكن ذلك بأن يكون الصمم ليس قديما ~~وإلا لم يصدق أن يقال أن الاختلاف عقيبه. ويعلم من هذا أنه لو كان ~~الصمم قديما، لم يفد فيه اختلاف المرار. بقى هاهنا سؤال وهو: إنه لم (200) ~~خصص ذلك بالصمم؟ فإن نفع ذلك كما قلتم إنما هو لاتجاه المادة إلى الجهة ~~المخالفة، فلو حصل رمد عقيب PageV01P193B الاختلاف أو اختلاف عقيب الرمد، كان ~~ذلك. قلنا: الجواب عن هذا من جهتين: أحدهما: أن يكون ذلك على سبيل المثال، ~~ويعلم منه أن كل ما (201) كان مثله فحكمه كذلك. وثانيهما: إن وقوع ذلك ~~في الصمم أكثر، وذلك لأن الطبيعة عادتها أن تدفع الفضل ms173 الصفراوي الذي في ~~الدماغ إلى جهة الأذن، فإذا حصل الصمم دل على أن (202) الطبيعة دفعت أكثر ~~مما تحتمله الأذن؛ وإنما تدفع أكثر إذا كانت المادة في الدماغ أكثر، وكثرة ~~ذلك دليل على اتجاه المادة إلى هناك. وكذلك إذا دفعت (203) المادة إلى خلاف ~~الجهة، قلت في الدماغ، فقل اندفاعها إلى الأذن. وإنما كانت الطبيعة ~~تدفع الصفراء إلى الأذن أكثر ليكون هناك مادة مرة حادة، حتى إذا دخل إلى ~~الأذن ذباب أو غيره من الحيوانات قتلته تلك المادة، وذلك PageV01P194A هو وسخ ~~الأذن؛ ولهذا هو من الطعم أصفر اللون على لون الصفراء. فإن قيل: إن كل ~~عضو فإن فضلاته مناسبة لغذائه، لأن تلك الفضلة هي ما يفضل عن كفاية العضو ~~من ذلك الغذاء ، فيكون -لامحالة- على طبيعته. والدماغ بارد رطب، وغذاؤه من ~~دم بلغمي، لأن الغذاء لابد وأن يكون شبيها بالمغتذي، فيستحيل أن تكون ~~فضلته صفراوية. والجواب: إن الدم البلغمي بطئ الحركة، وخصوصا إلى فوق، ~~فيحتاج إلى ما ينفذه ويصعده، وذلك هو الصفراء، فإذا صعد ذلك إلى الدماغ ~~اغتذى بالدم البلغمي وبقيت الصفراء التي كانت ضرورية في نفوذ الغذاء إليه، ~~فدفعها إلى الأذن لما ذكرناه من المنفعة. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من أصابه في الحمى ~~في اليوم السادس من مرضه نافض، فإن بحرانه يكون PageV01P194B نكدا. ### ||| [commentary] # الشرح: ~~لما اشتمل الفصل المتقدم على كون المستفرغ قد يكون انتقاليا عن عضو آخر ~~على سبيل البحران، وجب أن يصل ذلك باستقصاء الكلام في البحران، إذ لم يكن ~~قد استقصى الكلام فيه فيما تقدم؛ ووجب أن يبدأ الكلام بذكر البحارين ~~الرديئة، لأن الفصل المتقدم كان قد اشتمل على ذكر انتقالين، والمتقدم منهما ~~هو الردئ. ونقول: النافض منه ما يكون في ابتداء النوائب، وهذا يكون في ~~ابتداء كل نوبة غير مختص في حدوثه بيوم معين. ومنه ما يكون قبل البحران ، ~~ويحدث لانتفاض مادة المرض إلى ظاهر البدن، وإنما يكون ذلك في الحميات التي ~~عفونتها داخل العروق، وغالب الأحوال يكون بحرانها في السابع أو التاسع، ~~لكنه قد تؤخر الطبيعة ذلك للاستظهار ms174 في النضج، فيؤخر بحران السابع مثلا ~~إلى الثامن. وقد تكون المادة رديئة متحركة ولا تمهل الطبيعة إلى يوم ~~البحران، فيقع البحران PageV01P195A في السادس. ولا شك أن كل واحد من التقدم ~~والتأخر ردئ؛ لأن التأخير إنما يكون لقصور من الطبيعة عن الوفاء بإنضاج ~~المادة إلى يوم البحران، أو لعصيان المادة. والتقديم إنما يكون ~~لانحفاز (204) الطبيعة بأذى المادة، إلا أن التقديم أردأ، لأنه مع ما يدل ~~على الانحفاز يكون البحران نكدا؛ لأن النضج لم يكمل بعد، فيكون دفع المادة ~~عسرا. وليس هذا مختصا بالنافض، إلا أنه ذكره على سبيل المثال، ولبيان ~~تعقب بعض أنواع البحران للنافض. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من كانت لحماه نوائب، ففي ~~أي ساعة كان تركها له إذا كان أخذها له من غد في تلك الساعة بعينها، فإن ~~بحرانه يكون عسرا. ### ||| [commentary] # الشرح: قد فهم جالينوس من هذا ما أقوله: إذا كانت ~~النوائب كلها تأخذ في وقت واحد، كأنه قال: إذا كانت النوائب تبتدئ كلها ~~في وقت واحد. وأما PageV01P195B تركها فليكن في أي وقت كان، فإن البحران يكون ~~عسرا، واستدل على ذلك بالتجربة وبالقياس؛ وهو أن المرض إذا كان ثابتا ~~على حالة واحدة دل على أن (205) مادته غليظة قليلة الحركة، وذلك يوجب كون ~~البحران عسرا. وفهم جماعة من المتقدمين من هذا أنه إذا كانت النوبة تفارق ~~مثلا في الساعة الثانية، كان أخذ النوبة الثانية في تلك الساعة، وأما ~~النوبة الثالثة فلا تأخذ فيها، بل في الساعة التي تفارق فيها النوبة ~~الثانية. ولا شك أن هذا المعنى ظاهر من لفظ أبقراط ومستغن عن التأويل، ~~لكن جالينوس رد عليهم بأنهم لم يأتوا على ذلك بقياس، قال: ولا تجربة تدلهم ~~على ذلك. ونحن نقول: إن عنى بذلك أنه لم يجرب بنفسه تجربة تدل على ذلك، ~~فهذا مسلم، ولكن لا يمنع كون التجربة دالة عليه، فقد يكون أولئك القوم ~~جربوا فوجدوا الأمر PageV01P196A كذلك. وإن عنى أن نفس التجربة تكذبهم، أو أن ~~التجربة لا تصدق قولهم، فهذا ممنوع؛ فإنا قد شاهدنا جماعة أصابهم حميات ~~على ms175 هذه الصورة وكان مرضهم يطول، وظاهر أنه إذا طال المرض كان بحرانه ~~عسرا. ثم إنا لم نجد أحدا مات بهذه الحمى، فكذلك -فيما أظن- لم يدم ~~منها إلا أن البحران يكون عسرا. ولعله وجد من كان كذلك ولم تطل حماه؛ ~~فلذلك لم يقل إن ذلك يدل على طول الحمى لو لم يجد ذلك، إلا أن كلامه في ~~البحران وما يدل على جودته ورداءته؛ فلهذا لم يتعرض لكون المرض يكون طويلا ~~أو قصيرا. وأما أنهم لم يأتوا على ذلك بقياس، فلعل ذلك لأنهم علموا أن ~~القياس على ذلك متعذر، أو لأنهم عجزوا عن ذلك وإن كان ممكنا. وأما قياس ~~جالينوس فهو مشكل؛ وذلك لأنه لا يلزم من كون أوقات ابتداء النوائب واحدة أن ~~يكون المرض باقيا على حاله، فقد PageV01P196B يظهر الاشتداد والانتقاص في شدة ~~الحمى وضعفها، وفي طولها وقصرها، من دون تقدمها أو تأخرها. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: ~~صاحب الإعياء في الحمى، أكثر ما يخرج به الخراج في مفاصله وإلى جانب ~~اللحيين. ### ||| [commentary] # الشرح: من جملة البحارين الرديئة، البحارين المحدثة للخراج، ~~فناسب ذكر هذا مع هذه الفصول المتقدمة. وبحارين الخراج أكثر إحداثها ~~للخراج في المفاصل وعند اللحوم الرخوة ، كالحالبين واللحيين؛ وذلك لضعف ~~هذه المواضع، وسعة موضع المفاصل فتقبل المادة، ولدوام حركتها. وأكثر ذلك ~~لمن به في الحمى إعياء، لأن الإعياء يدل على حركة مادة إلى موضعه، وإنما ~~يكون ذلك في العضل التي عند المفاصل أو في المفاصل نفسها؛ وأكثر ذلك في ~~الإعياء الحادث بالحركة، فإن الحركة توجب سخونة المفاصل، والسخونة جذابة ~~PageV01P197A ولهذا أطلق لفظ الإعياء. وقد كنا بينا أن الإعياء بالقول ~~المطلق هو الحادث بالحركة، وأما ما يحدث بنفسه فلا يطلق لفظ الإعياء، بل ~~يقال: الإعياء الذي لا يعرف له سبب. وتقدير هذا الفصل أن يقال: صاحب ~~الإعياء في الحمى إذا كان يخرج به خراج، فإنه أكثر ما يخرج به في مفاصله ~~وإلى جانب اللحيين. وقد بينا أن كون ذلك في المفاصل لضعفها، وسخونتها ~~بالحركة، وتوجه المواد التي أوجبت الإعياء إليها. وأما اللحيين ms176 فلكثرة ~~اللحم الرخو فيها، وتصعيد الحمى المواد إلى جهتها. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من انتشل ~~من مرض، فكل منه موضع من بدنه، حدث به في ذلك الموضع خراج. ### ||| [commentary] # الشرح: ~~يقال: انتشل من المرض: إذا خفت أعراضه وقارب أن ينقه منه. والكلال ~~حالة بين الإعياء والكسل، ولا شك أنه إذا حدث ذلك PageV01P197B عقيب الانتشال من ~~المرض، دل على أن مادة المرض قد اندفعت إلى الموضع الكال؛ وذلك يعقبه -لا ~~محالة- خراج. وليس المراد أن يكون هذا الكلال قد حصل بعد الانتشال بسبب ~~ضربة أو تعب أو غير ذلك، لأن قوله: فكل: يدل على أن ذلك الكلال قد حصل ~~عقيب الانتشال؛ لأن الفاء تفيد التعقيب. وأيضا فإن قوله: حدث به في ذلك ~~الموضع خراج: جرت العادة أن لا يطلق مثل هذا اللفظ إلا إذا كان حدوث ذلك ~~واجبا وعقيب الانتشال، وعلى ما ذكروه لا يكون واجبا، بل عسى ممكنا ~~أكثريا، فقد لا يكون في البدن مادة فيكون منها الخراج. وأيضا لا يلزم ~~أن يكون عقيب الانتشال، بل قد يبقى مدة إلى أن تجتمع إليه مادة؛ وعلى ما ~~قلناه يكون مطابقا للفظه. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: وإن كان أيضا قد تقدم فتعب عضو من ~~الأعضاء من PageV01P198A قبل أن يمرض صاحبه، ففي ذلك العضو يتمكن المرض. ### ||| [commentary] # الشرح: ~~قال جالينوس: يمكن جعل هذه الفصول كلها فصلا واحدا، وذلك لأن الإعياء ~~والكلال والتعب إذا كانت في مواضع أنذر ذلك بخراج فيه، سواء كان ذلك قبل ~~المرض كما هو المذكور هاهنا، أو بعده كما في الفصل المتقدم. واعلم أن قوله: ~~ففي ذلك العضو يتمكن المرض: لا يشعر بأن هناك يحدث خراج، ولا يلزم أيضا ~~ما لم يحصل فيه كلال أو إعياء، ويكون ذلك المرض ما يبحرن بخراج. وأما ~~نفس التعب فلا يلزم منه إلا تمكن المرض هناك، أي تكون قوته في ذلك العضو؛ ~~لأن التعب مسخن مضعف. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من اعترته حمى، وليس في حلقه انتفاخ، ~~فعرض له اختناق بغتة، فذلك من علامات الموت. ### ||| [commentary] # الشرح: ومن ms177 البحارين التي ~~بالانتقالات الرديئة أن تندفع المواد في PageV01P198B الحمى، وخصوصا الشديدة، ~~إلى الحنجرة فتسد النفس وتخنق. ويلزم ذلك الموت، لاشتعال القلب، لأنه حينئذ ~~يكون محتاجا إلى هواء أكثر، فإذا حبس عن الوصول إليه قتل. قوله: وليس في ~~حلقه انتفاخ: أي ليس فيه ورم متقدم، وإنما شرط ذلك لأنه لو كان هناك ورم ~~متقدم فعرض الاختناق بغتة جاز أن يكون ذلك لأجل كمال نضج الورم، فيكبر حجمه ~~بسبب ذلك، وذلك في أكثر الأمر يعقبه الانفجار، ويخلص المريض. وأما إذا حدث ~~ذلك ولم يكن هناك انتفاخ متقدم دل على أن المواد قد اتجهت إلى ذلك الموضع. ~~قوله: فعرض له اختناق بغتة: هذا إنما يكون إذا اندفعت مواد كثيرة إلى ~~الحنجرة دفعة، ولا يكون ذلك إلا بحران الانتقال ، ولا يلزم ذلك أن يكون عن ~~ورم حادث عن تحرك المادة بنفسها، بل ولا يجوز؛ لأن الورم إذا لم يكن عن دفع ~~المواد بالبحران، إنما يحدث الخنق قليلا قليلا بقدر تجلب المادة. ~~PageV01P199A وأما إذا اندفعت المادة بالبحران إلى الحنجرة دفعة، فإنها توجب ~~الاختناق بغتة، سواء أوجبت ورما أو لم توجب. ### || ### ||| [aphorism] # قال أبقراط: من اعترته حمى ~~فاعوجت معها رقبته، وعسر عليه الازدراد، حتى لا يقدر أن يزدرد إلا بكد، من ~~غير أن يظهر به انتفاخ؛ فذلك من علامات الموت. ### ||| [commentary] # الشرح: لما اشتمل الفصل ~~المتقدم على ذكر أحد أنواع الاختناق الردئ الدال على الموت، ذكر في هذا ~~نوعا آخر من تلك النواع. وهذا الاعوجاج قد يكون لأجل إفراط اليبس ~~المجفف، فيتشنج العصب ويتعوج العنق، ومثل هذا اليبس يلزمه -لا محالة- عسر ~~حركة أعضاء الازدراد وأعضاء النفس أيضا، ويدل على موت لدلالته على فناء ~~الرطوبات الأصلية. وقد يكون لزوال فقرة بسبب ورم عظيم ممدد للرباطات، وإنما ~~يكون ذلك بأن يكون ذلك الورم في العضلات التي في داخل المرئ أو في نفس ~~المرئ، بحيث لا PageV01P199B يظهر للحس، لأن هذا الموضع يشارك الأغشية التي تحيط ~~بالنخاع والنخاع نفسه بعصب وأربطة كثيرة؛ ومثل هذا العرض الذي لزمه قتال ~~لامحالة. وأما ms178 لو كان الورم من خارج أو في مثل هذا اللوزتين، بحيث يظهر ~~للحس، لم يلزم ذلك. قوله: من اعترته حمى: قال جالينوس: إن عادة أبقراط ~~إذا قال مثل هذا أراد به الحمى الشديدة. وأما إذا أراد مطلق الحمى قال: من ~~كانت به حمى، أو ما يشبه ذلك. قوله: وليس في حلقه انتفاخ: أي ورم، لأن ذلك ~~إن كان عن اليبوسة فظاهر، وإن كان عن ورم فيكون كأنه يقول: وليس في حلقه ~~انتفاخ يظهر للحس. ### || # تم الجزء الأول من شرح فصول أبقراط، شرح الفقير إلى الله ~~علي بن أبي الحرم القرشي المتطبب، يتلوه في الذي يليه: قال أبقراط: العرق ~~يحمد في المحموم إذا ابتدأ في اليوم الثالث، أو في اليوم الخامس. # وبالله التوفيق والمعونة. ms179