######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0098087 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: نجم الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي (المتوفى: 689هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 689 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مختصر منهاج القاصدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0098087 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-98087 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/98087 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة دار البيان، دمشق #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1398 هـ - 1978 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الإمام العالم الزاهد العابد الأوحد العلامة، نجم الدين أبو ~~العباس أحمد، بن الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد العلامة، عز ~~الدين أبي عبد الله محمد، بن الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد ~~العلامة شيخ الإسلام مفتي الأنام، سيد العلماء والحكام، شمس الدين، أبي ~~محمد عبد الرحمن، بن الشيخ الإمام العالم العامل العارف الزاهد الورع شيخ ~~الإسلام، أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد ابن قدامة، المقدسي الحنبلي رضي ~~الله عنه: # الحمد لله الذي عم برحمته جميع العباد، وخص أهل طاعته بالهداية إلى سبيل ~~الرشاد، ووفقهم بلطفه لصالح الأعمال، ففازوا ببلوغ المراد. # أحمده حمد معترف بجزيل الإرفاد (1) وأعوذ به من وبيل الطرد والإبعاد، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها ليوم المعاد. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، موضح طريق الهدى والسداد، قامع الجاحدين ~~والملحدين من أهل الزيغ والعناد، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الأكرمين ~~الأجواد، صلاة تبلغه بها نهاية الأمل والمراد. # وبعد: فإني كنت وقفت مرة على كتاب: "منهاج القاصدين" للشيخ الإمام العالم ~~الأوحد، جمال الدين ابن الجوزي، رحمه الله تعالى، فرأيته من أجل الكتب ~~وأنفعها، وأكثرها فوائد، فحصل عندي بموقع، ورغبت في تحصيله ومطالعته، فلما ~~PageV01P009 # # تأملته ثانيا، وجدته فوق ما كان في نفسي، لكن رأيته كتابا مبسوطا، فأحببت ~~أن أعلق منه هذا المختصر الذي قد احتوى على أكثر مقاصده، وأجل مهماته ~~وفوائده سوى ما ذكر في أوائله من مسائل ظاهرة تتعلق بالفروع، فإنها مشهورة ~~في كتب الفقه المستفيضة بين الناس، إذ كان المقصود من الكتاب غير ذلك. # ولم ألتزم فيه المحافظة على ترتيبه وذكر ألفاظه بعينها، بل ذكرت بعضها ~~بالمعنى قصدا للاختصار، وربما ذكرت فيه حديثا أو شيئا يسيرا من غيره إن كان ~~مناسبا له، والله تعالى أعلم. # وأسأل الله الكريم أن ينفعنا به، ومن قرأه، أو سمعه، أو نظر فيه، وأن ~~يجعله خالصا لوجهه، وأن يختم لنا ms001 بخير، ويوفقنا لما يرضاه من القول والعمل ~~والنية، وأن يسامحنا في تقصيرنا وتفريطنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ~~ولا إلى أحد من خلقه، فإنه حسبنا ونعم الوكيل (1). ### | قال المصنف [ابن الجوزي] رحمة الله عليه - بعد فراغه من هذه الخطبة # أما بعد: فإني رأيتك أيها المريد الصادق، والعازم الجازم، قد وطنت نفسك ~~على التخلي عن فضول الدنيا الشاغلة، وعزمت على الانقطاع إلى الأخرة، علما ~~منك أن مخالطة الخلق توجب التخليط، وإهمال المحاسبة للنفس أصل التفريط، وأن ~~العمر إن لم يستدرك أدركه الفوت، وأن مراحل الأنفاس تسرع بالراكب إلى منزل ~~الموت. # فنظرت أي أنيس من الكتب تستصحبه في خلوتك، وتستنطقه في حال صمتك، فإذا ~~PageV01P010 # # أنت تؤثر كتاب "إحياء علوم الدين" وتزعم انفراده في جنسه، ونفاسته في ~~نفسه. # فاعلم أن في كتاب "الإحياء" آفات لا يعلمها إلا العلماء. وأقلها الأحاديث ~~الباطلة الموضوعة والموقوفة، وقد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا ~~أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مصنوع. # وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها، وليس فيها كلمة قالها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه (1) وندب إلى العمل ~~به مالا حاصل له من الكلام في الفناء، والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج ~~إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد، إلى غير ذلك مما قد ~~كشفت عن عواره (2) في كتابي المسمى ب "تلبيس إبليس (3) " # وسأكتب لك كتابا يخلو عن مفاسده، ولا يخل بفوائده، أغتمد فيه من النقول ~~الأصح والأشهر، ومن المعنى الأثبت والأجود، وأحذف ما يصلح حذفه، وأزيد ما ~~يصلح أن يزاد. # ثم قال بعد ذلك [ابن الجوزي]: وإذ قد صح عزمك على العزلة لاستيفاء حق ~~الحق من النفس، والأخذ على يدها، فليكن وكيلك عليها العلم، وكن باحثا عن ~~دقائق هواها لعلك تسلم، واحذر سبيل أحد رجلين: # عالم عرف الجدال في الفقه واقتنع برئاسته، أو نال القضاء فسعى في حفظ ~~منزلته، أو زخرف الوعظ فضيق أعين ms002 شبكته. # أو زاهد يتقلب برأيه الفاسد في جهالته، ويتقرب بتقبيل يده واعتقاد بركته، ~~ويعمل بهواه دون شرع الله وسنته. # فهذان عادلان عن منهاج الصواب، مقتنعان بقشور الأعمال عن خالص اللباب، ~~خادعان للمبتدئين بلامع السراب، وطريقهما بمعزل عن سنن السلف الصالح الذي ~~هو جادة الاستقامة وطريق السلامة. PageV01P011 # # وسأدرج لك في هذا الكتاب إن شاء الله من أخبارهم ما يدل على آثارهم. # وكتابنا هذا يحتاج إليه المنتهي، كما يفتقر إليه المبتدي، لأن فيه أسرار ~~العبادات، والتحذير من آفات المعاملات. وقد جعله المصنف أربعة أرباع: # الأول: ربع العبادات. # والثاني: ربع العادات. # والثالث: ربع المهلكات. # والرابع: ربع المنجيات. # وكل واحدة من هذه الأقسام الأربعة يشتمل على كتب، وأبواب، وفصول، فمن ~~أقسام الربع الأول: # PageV01P012 # ### | الربع الأول من الكتاب: ربع العبادات ### | كتاب العلم وفضله وما يتعلق به # قال الله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: ~~9]. وقال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ~~[المجادلة: 11] قال ابن عباس رضى الله عنهما: للعلماء درجات فوق المؤمنين ~~بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام، وقال تعالى: {إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]. # وفى "الصحيحين" من حديث معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين". # وعن أبى أمامة رضى الله عنه قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~رجلان: أحدهما: عابد، والآخر: عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم"، ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: "إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة ~~فى جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير" رواه الترمذى وقال: ~~حديث حسن صحيح. # وفى حديث آخر: "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا ~~درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ ms003 بحظ وافر". # وعن صفوان بن عسال رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~"إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب" رواه الإمام أحمد، ~~وابن ماجة. # قال الخطابي: في معنى وضعها أجنحتها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بسط الأجنحة. # PageV01P013 # # الثاني: أنه بمعنى التواضع لطالب العلم. # الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلم وترك الطيران. # وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" رواه مسلم. # وروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من جاءه الموت وهو يطلب ~~العلم ليحيي به الإسلام، كان بينه وبين الأنبياء فى الجنة درجة واحدة" (1)، ~~وفيه أخبار كثيرة. # وكان بعض الحكماء يقول: ليت شعري، أي شىء أدرك من فاته العلم، وأي شىء ~~فات من أدرك العلم. # ومن فضائل التعليم ما أخرجاه فى "الصحيحين" عن سهل بن سعد رضى الله عنه، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلى رضى الله عنه: "لأن يهدى ~~الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم". # وقال ابن عباس: "إن الذى يعلم الناس الخير تستغفر له كل دابة حتى الحوت ~~فى البحر". وروى نحو ذلك فى حديث مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم. # فإن قيل: ما وجه استغفار الحوت للمعلم؟ # فالجواب: أن نفع العلم يعم كل شىء حتى الحوت، فإن العلماء عرفوا بالعلم ~~ما يحل ويحرم، وأوصوا بالإحسان إلى كل شىء حتى إلى المذبوح (2) والحوت، ~~فألهم الله تعالى الكل الاستغفار لهم جزاءا لحسن صنيعهم. # وعن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها ~~طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب (3) ~~أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة ~~أخرى، إنما ms004 هي PageV01P014 # # قيعان (1) لا تمسك ماء ولاتنبت كلأ، فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ~~الله بما بعثنى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله ~~الذى أرسلت به" أخرجاه فى "الصحيحين". # فانظر رحمك الله إلى هذا الحديث ما أوقعه على الخلق، فإن الفقهاء أولي ~~الفهم، كمثل البقاع التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ، لأنهم علموا وفهموا، ~~وفرعوا وعلموا. وغاية الناقلين من المحدثين الذين لم يرزقوا الفقه والفهم، ~~أنهم كمثل الأجادب التي حفظت الماء فانتفع بما عندهم، وأما الذين سمعوا ولم ~~يتعلموا ولم يحفظوا، فهم العوام الجهلة. # وقال الحسن رحمه الله: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم. # وقال معاذ بن جبل رضى الله تعالى عنه: تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، ~~وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاده، وتعليمه لمن لا يعلمه ~~صدقه، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس فى الوحدة، والصاحب فى الخلوة. # وقال كعب رحمه الله: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أن تعلم يا ~~موسى الخير وعلمه للناس، فإني منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا ~~يستوحشوا بمكانهم. ### | 1 فصل [طلب العلم فريضة] # قد روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" رواه أحمد فى "العلل" (2). # قال المصنف رحمه الله تعالى: اختلف الناس فى ذلك. # فقال الفقهاء: هو علم الفقه، إذ به يعرف الحلال والحرام. # وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة، إذ بهما يتوصل إلى ~~العلوم كلها. PageV01P015 # # وقالت الصوفية: هو علم الإخلاص وآفات النفوس. # وقال المتكلمون: هو علم الكلام. إلى غير ذلك من الأقوال التي ليس فيها ~~قول مرضى، والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه. # والمعاملة التي كلفها على ثلاثة أقسام: # اعتقاد، وفعل، وترك. # فإذا بلغ الصبى، فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناها وإن لم ~~يحصل ذلك بالنظر والدليل، لأن النبى صلى الله عليه وآله وسلم اكتفى من ~~أجلاف العرب بالتصديق من غير تعلم دليل، ms005 فذلك فرض الوقت، ثم يجب عليه النظر ~~والاستدلال. # فإذا جاء وقت الصلاة وجب عليه تعلم الطهارة والصلاة، فإذا عاش إلى رمضان ~~وجب عليه تعلم الصوم، فإن كان له مال وحال عليه الحول وجب عليه تعلم ~~الزكاة، وإن جاء وقت الحج وهو مستطيع وجب عليه تعلم المناسك. # وأما التروك: فهو بحسب ما يتجدد من الأحوال، إذ لا يجب على الأعمى تعلم ~~ما يحرم النظر إليه، ولا على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، فإن كان فى ~~بلد يتعاطى فيه شرب الخمر ولبس الحرير، وجب عليه أن يعرف تحريم ذلك. # وأما الاعتقادات: فيجب علمها بحسب الخواطر، فإن خطر له شك فى المعاني ~~التي تدل عليها كلمتا الشهادة، وجب عليه تعلم ما يصل به إلى إزالة الشك. ~~وإن كان فى بلد قد كثرت فيه البدع، وجب عليه أن يتلقن الحق، كما لو كان ~~تاجرا فى بلد شاع فيه الربا، وجب عليه أن يتعلم الحذر منه. # وينبغى أن يتعلم الإيمان بالبعث والجنة والنار. # فبان بما ذكرنا أن المراد بطلب العلم الذى هو فرض عين: ما يتعين وجوبه ~~على الشخص. # فأما فرض الكفاية: فهو علم لا يستغنى عنه فى قوام أمور الدنيا، كالطب إذ ~~هو ضروري فى حاجة بقاء الأبدان على الصحة، والحساب، فإنه ضروري فى قسمة ~~المواريث والوصايا وغيرها. # PageV01P016 # # فهذه العلوم لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد ~~كفى وسقط الفرض عن الباقين. # ولا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفاية، فإن أصول الصناعات ~~أيضا من فروض الكفاية، كالفلاحة والحياكة، بل الحجامة فإنه لو خلا البلد عن ~~حجام لأسرع الهلاك إليهم، فإن الذى أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى ~~استعماله. # وأما التعمق فى دقائق الحساب، ودقائق الطب وغير ذلك، فهذا يعد فضله، لأنه ~~يستغنى عنه (1). # وقد يكون بعض العلوم مباحا، كالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها، وتواريخ ~~الأخبار. # وقد يكون بعضها مذموما، كعلم السحر، والطلسمات، والتلبيسات. # فأما العلوم الشرعية فكلها محمودة، وتنقسم إلى أصول، وفروع، ومقدمات ms006 ~~ومتممات. # فالأصول: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإجماع ~~الأمة، وآثار الصحابة. # والفروع: ما فهم من هذه الأصول من معان تنبهت لها العقول حتى فهم من ~~اللفظ الملفوظ وغيره، كما فهم من قوله: "لا يقضى القاضي وهو غضبان" أنه لا ~~يقضى جائعا. # والمقدمات: هي التي تجرى مجرى الآلات، كعلم النحو واللغة، فإنهما آلة ~~لعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. # والمتممات: كعلم القراءات، ومخارج الحروف، وكالعلم بأسماء رجال الحديث ~~وعدالتهم وأحوالهم، فهذه دهى العلوم الشرعية، وكلها محمودة. PageV01P017 # ### | 2 فصل [في علم المعاملة] # فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب، كالخوف، والرجاء، والرضى، ~~والصدق، والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه ~~اشتهرت أذكارهم، كسفيان [الثوري]، وأبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. # وإنما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات، لتشاغلهم ~~بصورة العلم من غير أخذ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه. # وأنت تجد الفقيه يتكلم فى الظهار، واللعان، والسبع، والرمى، ويفرع ~~التفريعات التي تمضى الدهور فيها ولا يحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم فى ~~الإخلاص، ولا يحذر من الرياء، وهذا عليه فرض عين، لأن في إهماله هلاكه، ~~والأول فرض كفاية. ولو أنه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس فى الإخلاص ~~والرياء لم يكن له جواب. ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمى، ~~لقال: هذا فرض كفاية، ولقد صدق، ولكن خفي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضا، ~~فهلا تشاغل به، وإنما تبهرج عليه النفس، لأن مقصودها من الرياء والسمعة ~~يحصل بالمناظرة، لا بالحساب. # واعلم: أنه بدلت ألفاظ وحرفت، ونقلت إلى معان لم يردها السلف الصالح. # فمن ذلك: الفقه، فإنهم تصرفوا فيه بالتخصيص، فخصوه بمعرفة الفروع وعللها، ~~ولقد كان اسم الفقه فى العصر الأول منطلقا على علم طريق الآخرة، ومعرفة ~~دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة ~~التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. # ولذلك قال الحسن [البصري] رحمه الله: إنما الفقيه الزاهد فى الدنيا، ~~الراغب ms007 فى الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكاف عن ~~أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لهم. # فكان إطلاقهم اسم الفقه على علم الآخرة أكثر، لأنه لم يكن متناولا ~~للفتاوى، ولكن كان متناولا لذلك بطريق العموم والشمول، فثار من هذا التخصيص ~~تلبيس بعث الناس على التجرد لعلم الفتاوى الظاهرة، والإعراض عن علم ~~المعاملة للآخرة. # PageV01P018 # # اللفظ الثاني: العلم. فقد كان ذلك يطلق على العلم بالله تعالى وبآياته، ~~آي: نعمه وأفعاله فى عباده، فخصوه وسموا به الغالب المناظر فى مسائل الفقه ~~وإن كان جاهلا بالتفسير والأخبار. # اللفظ الثالث: التوحيد: وقد كان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من ~~الله تعالى رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فيثمر ذلك التوكل ~~والرضى وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام فى الأصول، وذلك من المنكرات ~~عند السلف. # اللفظ الرابع: التذكير والذكر. قال تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين} [الذاريات: 55]. # وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ~~قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر" فتقلوا ذلك إلى القصص وما يحتوى ~~عليه اليوم مجلس القاص من الشطح والطامات. # ومن تشاغل فى وعظة بذكر قصص الأولين، فليعلم أن اكثر ما يحكى فى ذلك لا ~~يثبت، كما ينقلون أن يوسف عليه السلام حل تكته، وأنه رأى يعقوب عاضا على ~~يده، وأن داود جهز أوريا حتى قتل، فمثل هذا يضر سماعه. # وأما الشطح والطامات: فمن أشد ما يؤذى العوام، لأنها تشمل على ذكر المحبة ~~والوصال وألم الفراق، وعامة الحاضرين أجلاف، بواطنهم محشوة بالشهوات وحب ~~الصور، فلا يحرك ذلك من قلوبهم إلا ما هو مستكن فى نفوسهم، فيشتعل فيها نار ~~الشهوة، فيصيحون، وكل ذلك فساد. # وربما احتوى الشطح على الدعاوى العريضة فى محبة الله تعالى، وفى هذا ضرر ~~عظيم. وقد ترك جماعة من الفلاحين فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى. # اللفظ الخامس: الحكمة. والحكمة: العلم والعمل به. # قال ابن قتيبة رحمة الله: لا يكون الرجل حكيما حتى يجمع العلم والعمل. ~~وقد صار هذا الاسم يطلق ms008 فى هذا الزمان على الطبيب والمنجم. # PageV01P019 # ### | 3 فصل [في العلوم المحمودة] ### | وأعلم أن العلوم المحمودة تنقسم إلى قسمين # الأول: محمود إلى أقصى غاياته، وكلما كان أكثر كان أحسن وأفضل. وهو العلم ~~بالله تعالى، وبصفاته، وأفعاله، وحكمته فى ترتيب الآخرة على الدنيا، فان ~~هذا علم مطلوب لذاته، والتوصل به إلى سعادة الآخرة، وهو البحر الذى لا يدرك ~~غوره وانما يحوم المحومون على سواحله وأطرافه بقدر ما تيسر لهم. # والقسم الثاني: العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص، وهى التي ~~ذكرناها من فروض الكفايات، فان فى كل منها افتقارا واقتصارا واستقصاءا. # فكن أحد رجلين: إما مشغولا بنفسك، وإما متفرغا لغيرك بعد الفراغ من نفسك. # وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك، واشتعل بإصلاح باطنك ~~وتطهيره من الصفات الذميمة، كالحرص، والحسد، والرياء، والعجب، قبل إصلاح ~~ظاهرك، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى فى ربع المهلكات. # فان لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات، فان فى الخلق كثيرا ~~يقومون بذلك، فإن مهلك نفسه فى طلب صلاح غيره سفيه، ومثله مثل من دخلت ~~العقارب تحت ثيابه وهو يذب الذباب عن غيره. # فإن تفرغت من نفسك وتطهيرها، وما أبعد ذلك، فاشتغل بفروض الكفايات وراع ~~التدريج فى ذلك. # فابتدأ بكتاب الله عز وجل، ثم بسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ~~بعلوم القرآن: من التفسير، ومن ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، إلى غير ذلك. # وكذلك فى السنة، ثم اشتغل بالفروع، وأصول الفقه وهكذا بقية العلوم على ما ~~يتسع العمر ويساعد فيه الوقت. # ولا تستغرق عمرك فى فن واحد منها طلبا للاستقصاء، فان العلم كثير، والعمر ~~قصير، وهذه العلوم آلات يراد بها غيرها، وكل شىء يطلب لغيره فلا ينبغي أن ~~ينسى فيه المطلوب. # PageV01P020 # ### | 4 فصل [في عالم لم ينفعه علمه] # واعلم: أن المناظرة الموضوعة لقصد المغالبة والمباهاة منبع الأخلاق ~~المذمومة، ولا يسلم صاحبها من كبر، لاحتقار المقصرين عنه، وعجب بنفسه ~~لارتفاعه على كثير من نظرائه، ولا يسلم من الرياء، لأن جمهور مقصود المناظر ~~اليوم ms009 علم الناس بغلبته، وإطلاق ألسنتهم بشكره ومدحه، فهو يذهب عمره فى ~~العلوم التي تعين على المناظرة مما لا ينفع فى الآخرة، كحسن اللفظ، وحفظ ~~النوادر. # وقد روى فى الحديث عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه" (1). ### | 5 باب فى آداب المعلم والمتعلم وآفات العلم وبيان علماء السوء وعلماء الآخرة # أما المتعلم فينبغي له تقديم طهارة النفسعن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات. ~~إذ العلم عبادة القلب. # وينبغى له قطع العلائق الشاغلة، فان الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك ~~الحقائق. # وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شىء، فروى عن الإمام أحمد رحمه الله ~~أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين. # وأهديت إلى أبى بكر الأنبارى جارية، فلما دخلت عليه تفكر فى استخراج ~~مسألة فعزبت عنه، فقال: أخرجوها إلى النخاس، فقالت: هل من ذنب؟ قال: لا، ~~إلا أن قلبي اشتغل بك، وما قدر مثلك أن يمنعني علمي. # وعلى المتعلم أن يلقى زمامه إلي المعلم اللقاء المريض زمامه إلي الطبيب، ~~فيتواضع له، ويبالغ فى خدمته. # وقد كان ابن عباس رضى الله عنه يأخذ بركاب زيد بن ثابت رضى الله عنه ~~ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء. PageV01P021 # # ومتى تكبر المتعلم أن يستفيد من غير موصوف بالتقدم فهو جاهل، لأن الحكمة ~~ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها، وليدع رأيه لرأى معلمه فان خطأ المعلم أنفع ~~للمتعلم من صواب نفسه. # قال على رضى الله عنه: إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة، ~~وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشير عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا ~~تكثر عليه السؤال، ولا تعينه فى الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تراجعه ~~إذا امتنع، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشى له سرا، ولا تغتابن عنده ~~أحدا، ولا تطلبن عثرته، وان زل قبلت معذرته، ولا تقولن له: سمعت فلانا يقول ~~كذا، ولا أن فلانا يقول خلافك. ولا تصفن عنده عالما، ولا تعرض من طول ~~صحبته، ولا ترفع نفسك ms010 عن خدمته، وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها، فإنما ~~هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شئ. # وينبغى أن يحترز الخائض فى العلم فى مبدأ الأمر من الإصغاء إلى اختلاف ~~الناس، فإن ذلك يحير عقله ويفتر ذهنه. # وينبغى له أن يأخذ من كل شئ أحسنه. لأن العمر لا يتسع لجميع العلوم، ثم ~~يصرف جمام قوته إلى أشرف العلوم، وهو العلم المتعلق بالآخرة، الذى به يكتسب ~~اليقين الذى حصله # أبو بكر الصديق رضى الله عنه، حتى شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: "ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر فى صدره" ~~(1) فهذه وظائف المتعلم. # وأما المعلم فعليه وظائف أيضا: # من ذلك الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه، ولا يطلب على إفاضة ~~العلم أجرا، ولا يقصد به جزاءا ولا شكرا، بل يعلم لوجه الله تعالى، ولايرى ~~لنفسه منة على المتعلمين، بل يرى الفضل لهم إذ هيؤوا قلوبهم للتقرب إلى ~~الله تعالى بزارعة العلم فيها، فهم كالذي يعير الأرض لمن يزرع فيها ~~PageV01P022 # # فلا ينبغي أن يطلب المعلم الأجر إلا من الله تعالى. وقد كان السلف ~~يمتنعون من قبول هدية المتعلم. # ومنها أن لا يدخر من نصح المتعلم شيئا، وأن يزجره عن سوء الأخلاق بطريق ~~التعريض مهما أمكن، لا على وجه التوبيخ، فإن التوبيخ يهتك حجاب الهيبة. # ومنها: أن ينظر فى فهم المتعلم ومقدار عقله، فلا يلقي إليه مالا يدركه ~~فهمه ولا يحيط به عقله. # فقد روي عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أمرت أن أخاطب الناس ~~على قدر عقولهم" (1). # وقال علي رضي الله عنه: إن هاهنا علما لو وجدت له حملته. # وقال الشافعي رحمه الله: # أأنثر درا بين سارحة النعم ... أأنظم منثورا لراعية الغنم # ومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم # ومنها: أن يكون المعلم عاملا بعلمه. ولا يكذب قوله فعله. قال الله تعالى: ~~{أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب} [البقرة: 44] # وقال علي رضي ms011 الله عنه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك. ### | 6 فصل في آفات العلم وبيان علماء السوء وعلماء الآخرة # علماء السوء: هم الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا، والتوصل إلى ~~المنزلة عند أهلها. # وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به ~~عرضا من PageV01P023 # # الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعنى ريحها. # وفى حديث آخر أنه قال: "من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به ~~السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فهو في النار" رواه الترمذي. وفى ذلك ~~أحاديث كثيرة. # وقال بعض السلف: أشد الناس ندامة عند الموت عالم مفرط. # واعلم: أن المأخوذ على العالم أن يقوم بالأوامر والنواهي، وليس عليه أن ~~يكون زاهدا ولا معرضا عن المباحات، إلا أنه ينبغي له أن يتقلل من الدنيا ~~مهما استطاع، لأنه ليس كل جسم يقبل التعلل، فإن الناس يتفاوتون. # وروى أن سفيان الثوري رحمه الله كان حسن المطعم. وكان يقول: إن الدابة ~~إذا لم يحسن إليها في العلف لم تعمل. # وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يصبر من خشونة العيش على أمر عظيم ~~والطباع تتفاوت. # ومن صفات علماء الآخرة أن يعلموا أن الدنيا حقيرة، وأن الآخرة شريفة. ~~وأنهما كالضرتين، فهم يؤثرون الآخرة، ولا تخالف أفعالهم أقوالهم، ويكون ~~ميلهم إلى العلم النافع فى الآخرة، ويجتنبون العلوم التي يقل نفعها إيثارا ~~لما يعظم نفعه، كما روي عن شقيق البلخي رحمه الله أنه قال لحاتم: قد صحبتني ~~مدة، فماذا تعلمت؟ # قال: ثمانية مسائل: # أما الأولى: فإني نظرت إلى الخلق، فإذا كل شخص له محبوب، فإذا وصل إلى ~~القبر فارقه محبوبه، فجعلت محبوبي حسناتي لتكون في القبر معي. # وأما الثانية: فإني نظرت إلى قوله تعالى: {ونهى النفس عن الهوى} ~~[النازعات: 40] فأجهدتها فى دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى. # وأما الثالثة: فإني رأيت كل من معه شئ له قيمة ms012 عنده يحفظه، ثم نظرت فى ~~قوله سبحانه وتعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل: 96] فكلما ~~وقع معي شئ له قيمة، وجهته إليه ليبقى لي عنده. # وأما الرابعة: فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف، وليست # PageV01P024 # # بشئ، فنظرت فى قوله الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: ~~13] فعملت فى التقوى لأكون عنده كريما. # وأما الخامسة: فأنى رأيت الناس يتحاسدون، فنظرت فى قوله تعالى: {نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم} [الزخرف: 32] فتركت الحسد. # والسادسة: رأيتهم يتعادون، فنظرت فى قول الله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] فتركت عدواتهم واتخذت الشيطان وحده عدوا. # والسابعة: رأيتهم يذلون أنفسهم، فنظرت فى قول تعالى: {وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] فاشتغلت بما له علي وتركت ما لى عنده. # والثامنة: رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم، فتوكلت على ~~الله تعالى. # ... # ومن صفات علماء الآخرة: أن يكونوا منقبضين عن السلاطين، محترزين من ~~مخالطتهم. # قال حذيفة رضى الله عنه: إياكم ومواقف الفتن. قيل: وما هي؟ قال: أبواب ~~الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه. # وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء، فاحذروا ~~منه فإنه لص. # وقال بعض السلف: إنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل ~~منه. # ومن صفات علماء الآخرة: أن لا يسترعوا إلى الفتوى، وأن لا يفتوا إلا بما ~~يتيقنون صحته. # وقد كان السلف يتدافعون الفتوى حتى ترجع إلى الأول. # وقال عبد الرحمن بن أبى ليلى رحمه الله: أدركت فى هذا المسجد مائة وعشرين ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما أحد يسأل عن حديث أو فتوى ~~إلا ود أن أخاه كفاه ذلك. ثم قال آل الأمر إلى إقدام أقوام يدعون العلم ~~اليوم، يقدمون على # PageV01P025 # # الجواب في مسائل لو عرضت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه لجمع أهل بدر. ~~واستشارهم. # ومن صفاتهم: أن يكون أكثر بحثهم فى علم الأعمال عما يفسدها ويكدر القلوب ~~ويهيج ms013 الوساوس، فإن صور الأعمال قريبة سهلة، وإنما التعب فى تصفيتها. # وأصل الدين: التوقي من الشر، ولا يصح أن يتوقى حتى يعرف. # ومن صفاتهم: البحث عن أسرار الأعمال الشرعية، والملاحظة لحكمها. فان عجز ~~عن الاطلاع على العلة كفاه التسليم للشرع. # ومن صفاتهم: اتباع الصحابة وخيار التابعين، وتوقى كل محدث. # PageV01P026 # ### | كتاب: الطهارة وأسرارها والصلاة وما يتعلق بها # اعلم: أن الطهارة لها أربع مراتب: # الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات. # والثانية: تطهير الجوارح من الذنوب والآثام. # والثالثة: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة. # والرابعة: تطهير السر عما سوى الله تعالى، وهذا هو الغاية القصوى، فمن ~~قويت بصيرته سمت إلى هذا المطلوب، ومن عميت بصيرته لم يفهم من مراتب ~~الطهارة إلا المرتبة الأولى، فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف فى المبالغة فى ~~الاستنجاء وغسل الثياب، ظنا منه بحكم الوسوسة وقلة العلم أن الطهارة ~~المطلوبة هي هذه فقط، وجهلا بسير المتقدمين الذين كانوا يستغرقون الزمان فى ~~تطهير القلوب ويتساهلون فى أمر الظاهر، كما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه أنه توضأ من جرة نصرانية، وكانوا لا يكادون يغسلون أيديهم من الزهم (1) ~~ويصلون على الأرض، ويمشون حفاة، ويقتصرون فى الاستجمار على الأحجار. # وقد انتهى الأمر إلى قوم يسمون الرعونة (2) نظافة، فترى أكثر زمانهم يمضى ~~فى تزيين الظواهر، وبواطنهم خراب محشوة بخبائث الكبر، والعجب، والجهل، ~~والرياء والنفاق. ولو رأوا مقتصرا فى الاستجمار على الحجر، أو حافيا يمشى ~~على الأرض، أو من يصلى عليها من غير حائل، أو متوضأ من آنية عجوز، لأنكروا ~~عليه أشد الإنكار، ولقبوه بالقذر، واستنكفوا من مؤاكلته. # فانظر كيف جعلوا البذاذة (3) التي هي من الإيمان قذارة، والرعونة نظافة، ~~وصيروا المنكر معروفا، والمعروف منكرا. لكن من قصد بهذه الطهارة النظافة ~~ولم يسرف فى الماء، ولم يعتقد أن استعمال الماء الكثير أصل الدين، فليس ذلك ~~بمنكر، بل هو فعل حسن. وليرجع فى معرفة الأنجاس والأحداث إلى كتب الفقه، ~~فإن المقصود من هذا الكتاب الآداب. PageV01P027 # # وأما إزالة الفضلات فهي نوعان: # [النوع الأول]: أوساخ تزال، ms014 كالذي يجتمع فى الرأس من الوسخ والدرن، ~~فيستحب تنظيفه بالغسل والترجيل (1) والتدهين لإزالة الشعث، وكذلك ما يجتمع ~~فى الأذن من الوسخ يستحب إزالته. # ويستحب التسوك والمضمضة لإزالة ما على الاثنان واللسان من القلح ~~(2)،وكذلك وسخ البراجم (3) والدرن الذى يجتمع على جميع البدن برشح العرق ~~وغبار الطريق، وذلك يزيله الغسل. # ولا بأس بدخول الحمام، فانه أبلغ فى الإزالة، وقد دخله جماعة من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن على داخله صيانة عورته من نظر ~~الغير إليها ولمسه إياها. وينبغى للداخل إليه أن يتذكر بحرارته حر النار، ~~فان فكرة المؤمن لا تزال تجول فى كل شئ من أمور الدنيا فيذكر به أمور ~~الآخرة، لأن الغالب على المؤمن أمر الآخرة، وكل إناء ينضح بما فيه. ألا ترى ~~أنه لو دخل إلى دار -معمورة- بزاز، ونجار، وبناء، وحائك، رأيت البزاز ينظر ~~إلى الفرش يتأمل قيمتها، والحائك ينظر إلى نسج الثياب، والنجار ينظر إلى ~~سقف الدار والبناء ينظر إلى الحائط، فكذلك المؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة ~~القبر، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور، وإن رأى نعيما تذكر نعيم ~~الجنة، وإن رأى عذابا ذكر النار. # ويكره دخول الحمام قريبا من الغروب وبين العشاءين، فانه وقت انتشار ~~الشياطين. # النوع الثاني من إزالة الفضلات: أجزاء تحذف، مثل قص الشارب، ونتف الإبط، ~~وحلق العانة، وقص الأظافر. ويكره نتف الشيب، ويستحب خضابه. # وبأبقى مراتب الطهارة يأتى فى ربع المهلكات والمنجيات إن شاء الله تعالى. ### | 1 فصل [في فضائل الصلاة] # وأما الصلاة فإنها عماد الدين وغرة الطاعات. وقد ورد فى فضائل الصلاة ~~أخبار PageV01P028 # # كثيرة مشهورة، ومن أحسن آدابها الخشوع. # وقد روى عن عثمان [بن عفان] رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: "ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها ~~وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر ~~كله". # وله فى حديث أيضا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من صلى ~~ركعتين ms015 لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه". # وكان [عبد الله] ابن الزبير رضى الله عنهما إذا قام فى الصلاة كأنه عود ~~من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذع حائط، وصلى ~~يوما فى الحجر (1) فجاء حجر قذافة (2) فذهب ببعض ثوبه فما انفتل. # وقال ميمون بن مهران: ما رأيت مسلم ين يسار ملتفتا فى صلاة قط، ولقد ~~انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدتها، وإنه لفى المسجد يصلى فما ~~التفت، وكان أهل بيته إذا دخل المنزل سكتوا، فإذا قام إلى الصلاة تكلموا ~~وضحكوا. # وكان على بن الحسن رضى الله عنهما إذا توضأ اصفر لونه، فقيل له: ما هذا ~~الذى يعتادك عند الوضوء؟ فقال: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ # وأعلم: أن للصلاة أركانا وواجبات وسننا، وروحها النية والإخلاص والخشوع ~~وحضور القلب، فان الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال، ومع عدم حضور ~~القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة، لأن النطق إذا لم يعرب عما فى ~~الضمير كان بمنزلة الهذيان، وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال، لأنه إذا ~~كان المقصود من القيام الخدمة، ومن الركوع والسجود الذل والتعظيم، ولم يكن ~~القلب حاضرا، لم يحصل المقصود، فان الفعل متى خرج عن مقصوده بقى صورة لا ~~اعتبار بها، قال الله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم} [الحج: 37] والمقصود أن الواصل إلى الله سبحانه وتعالى هو ~~الوصف الذى استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأوامر المطلوبة، فلا بد ~~من حضور القلب فى الصلاة، ولكن سامح الشارع فى غفلة تطرأ لأن حضور القلب فى ~~أولها ينسحب حكمه على باقيها. PageV01P029 # # والمعاني التي تتم بها حياة الصلاة كثيرة. # المعنى الأول: حضور القلبكما ذكرنا، ومعناه أن يفرغ القلب من غير ما هو ~~ملابس له، وسبب ذلك الهمة، فإنه متى أهمك أمر حضر قلبك ضرورة فلا علاج ~~لإحضاره إلا صرف الهمة إلى الصلاة، وانصراف الهمة يقوى ويضعف بحسب قوة ~~الإيمان بالآخرة واحتقار الدنيا، فمتى رأيت قلبك ms016 لا يحضر فى الصلاة، فاعلم ~~أن سببه ضعف الإيمان، فاجتهد فى تقويته. # والمعنى الثاني: التفهم لمعنى الكلام فإنه أمر وراء حضور القلب، لأنه ~~ربما كان القلب حاضرا مع اللفظ دون المعنى، فينبغي صرف الذهن إلى إدراك ~~المعنى بدفع الخواطر الشاغلة وقطع موادها، فان المواد إذا لم تنقطع لم ~~تنصرف الخواطر عنها. # والمواد، إما ظاهرة: وهى ما يشغل السمع والبصر، وإما باطنة: وهو أشد كمن ~~تشعبت به الهموم فى أودية الدنيا، فإنه لا ينحصر فكره فى فن واحد، ولم يغنه ~~غض البصر، لأن ما وقع فى القلب كاف فى الاشتغال به. # وعلاج ذلك إن كان من المواد الظاهرة، بقطع ما يشغل السمع والبصر، وهو ~~القرب من القبلة، والنظر إلى موضع سجوده، والاحتراز فى الصلاة من المواضع ~~المنقوشة، وأن لا يترك عنده ما يشغل حسه، فإن النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما صلى فى انبجانية (1) لها أعلام نزعها وقال: "إنها ألهتني آنفا عن ~~صلاتي". # وإن كان من المواد الباطنة، فطريق علاجه أن يرد النفس قهرا إلى ما يقرأ ~~فى الصلاة ويشغلها به عن غيره، ويستعد لذلك قبل الدخول فى الصلاة، بأن يقضى ~~أشغاله، ويجتهد فى تفريغ قلبه ويجدد على نفسه ذكر الآخرة وخطر القيام بين ~~يدي الله عز وجل وهول المطلع، فان لم تسكن الأفكار بذلك، فليعلم أنه إنما ~~يتفكر فيما أهمه واشتهاه، فليترك تلك الشهوات وليقطع تكل العلائق. # واعلم: أن العلة متى تمكنت لا ينفعها إلا الدواء القوى، والعلة إذا قويت ~~جاذبت المصلى وجاذبها إلى أن تنقضي الصلاة فى المجاذبة، ومثل ذلك كمثل رجل ~~تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره، وكانت أصوات العصافير تشوش عليه وفى يده ~~PageV01P030 # # خشبة يطيرها بها، فما يستقر فكره حتى تعود العصافير فيشتغل بها، فقيل له: ~~هذا شئ لا ينقطع، فإن أردت الخلاص فاقطع الشجرة، فكذلك شجرة الشهوة إذا علت ~~وتفرقت أغصانها انجذبت أليها الأفكار كانجذاب العصافير إلى الأشجار والذباب ~~إلى الأقذار، فذهب العمر النفيس فى دفع ما لا يندفع، وسبب هذه الشهوات التي ~~توجب ms017 هذه الأفكار حب الدنيا. # قيل لعامر بن عبد قيس رحمه الله: هل تحدثك نفسك بشيء من أمور الدنيا فى ~~الصلاة؟ فقال: لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من أجد هذا. # واعلم: أن قطع حب الدنيا من القلب أمر صعب وزواله بالكلية عزيز، فليقع ~~الاجتهاد فى الممكن منه، والله الموفق والمعين. # المعنى الثالث: التعظيم لله والهيبة، وذلك يتولد من شيئين: معرفة جلال ~~الله تعالى وعظمته، ومعرفة حقارة النفس وأنها مستعبدة، فيتولد من ~~المعرفتين: الاستكانة، والخشوع. # ومن ذلك الرجاء: فانه زائد على الخوف، فكم من معظم ملكا يهابه لخوف سطوته ~~كما يرجو بره. # والمصلى ينبغي أن يكون راجيا بصلاته الثواب، كما يخاف من تقصيره العقاب. # وينبغى للمصلى أن يحضر قلبه عند كل شئ من الصلاة، فإذا سمع نداء المؤذن ~~فليمثل النداء للقيامة ويشمر للاجابة، ولينظر ماذا يجيب، وبأي بدن يحضر. ~~وإذا ستر عورته فليعلم أن المراد من ذلك تغطية فضائح بدنه عن الخلق، فليذكر ~~عورات باطنه وفضائح سره التي لا يطلع عليها إلا الخالق، وليس لها عنه ساتر، ~~وأنها يكفرها الندم، والحياء، والخوف. # وإذا استقبل القبلة فقد صرف وجهه عن الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، فصرف ~~قلبه إلى الله تعالى أولى من ذلك، فكما أنه لا يتوجه إلى جهة البيت إلا ~~بالانصراف عن غيرها، كذلك القلب لا ينصرف إلى الله تعالى إلا بالانصراف عما ~~سواه. # إذا كبرت أيها المصلى، فلا يكذبن قلبك لسانك، لأنه إذا كان فى قلبك أكبر ~~من الله تعالى قد كذبت، فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر بدليل إيثارك ~~موافقته على طاعة الله تعالى. # PageV01P031 # # فإذا استعذت، فاعلم أن الاستعاذة هي لجأ إلى لله سبحانه، فإذا لم تلجأ ~~بقلبك كان كلامك لغوا، وتفهم معنى ما تتلو، وأحضر التفهم بقلبك عند قولك: ~~{الحمد لله رب العالمين}، واستحضر لطفه عند قولك: {الرحمن الرحيم}، وعظمته ~~عند قولك: {مالك يوم الدين} , وكذلك فى جميع ما تتلو. # وقد روينا عن زرارة بن أبى أوفى رضى الله عنه أنه قرأ فى صلاته: {فإذا ~~نقر في ms018 الناقور} [المدثر: 8] فخر ميتا، وما ذاك إلا لأنه صور تلك الحال ~~فأثرت عنده التلف. # واستشعر فى ركوعك التواضع، وفى سجودك الذل، لأنك وضعت النفس موضعها، ~~ورددت الفرع إلى أصله بالسجود على التراب الذى خلقت منه وتفهم منه معنى ~~الأذكار بالذوق. # واعلم: أن أداء الصلاة بهذه الشروط الباطنة سبب لجلاء القلب من الصدأ، ~~وحصول الأنوار فيه التي بها تتلمح عظمى المعبود، وتطلع على أسراره وما ~~يعقلها إلا العالمون. # فأما من هو قائم بصورة الصلاة دون معانيها، فانه لا يطلع على شئ من ذلك ~~بل ينكر وجوده. ### | 2 فصل في آداب تتعلق بصلاة الجمعة ويوم الجمعة # وهى نحو من خمسة عشر: # أحدها: أن يستعد لها من يوم الخميس وفى ليلة الجمعة، بالتنظيف، وغسل ~~الثياب، وإعداد ما يصلح لها. # الثاني: الاغتسال فى يومها، كما فى الأحاديث فى "الصحيحين" وغيرهما. ~~والأفضل فى الاغتسال أن يكون قبيل الرواح إليها. # الثالث: التزين بتنظيف البدن، وقص الأظفار، والسواك، وغير ذلك مما تقدم ~~من إزالة الفضلات، ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه. # الرابع: التبكير إليها ماشيا. # وينبغى للساعى إلى الجامع أن يمشى بسكون وخشوع، وينوى الاعتكاف في # PageV01P032 # # المسجد إلى وقت خروجه. # الخامس: أن لا يتخطى رقاب الناس ولا يفرق بين اثنين إلا أن يرى فرجة ~~فيتخطى إليها. # السادس: أن لا يمر بين يدي المصلى. # السابع: أن يطلب الصف الأول، إلا أن يرى منكرا أو يسمعه فيكون له فى ~~التأخر عذرا. # الثامن: أن يقطع النفل من الصلاة والذكر عند خروج الإمام، ويشتغل بإجابة ~~المؤذن، ثم بسماع الخطبة. # التاسع: أن يصلى السنة بعد الجمعة إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعا، وإن شاء ~~ستا. # العاشر: أن يقيم فى المسجد حتى يصلى العصر، وإن أقام إلى المغرب فهو ~~أفضل. # الحادى عشر: أن يراقب الساعة الشريفة التي فى يوم الجمعة بإحضار القلب ~~وملازمة الذكر. # واختلف في هذه الساعة، ففى أفراد مسلم من حديث أبى موسى رضى الله عنه: ~~أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة. وفى حديث آخر: هي ما بين ~~فراغ ms019 الإمام من الخطبة إلى أن تقضى الصلاة (1). وفى حديث جابر رضى الله ~~عنه: أنها آخر ساعة بعد العصر. وفى حديث أنس رضى الله عنه قال: التمسوها ما ~~بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. # وقال أبو بكر الأثرم رحمه الله: لا تخلو هذه الأحاديث من وجهين: إما أن ~~يكون بعضها أصح من بعض، وإما أن تكون هذه الساعة تنتقل فى الأوقات كتنقل ~~ليلة القدر فى ليالي العشر. PageV01P033 # # الثاني عشر: أن يكثر من الصلاة على النبى صلى الله عليه وآله وسلم في هذا ~~اليوم، فقد روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من صلى على فى ~~يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله ذنوب ثمانين سنة" (1). # وإن أحب زاد فى الصلاة عليه الدعاء له، كقوله: "اللهم آت محمدا الوسيلة ~~والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذى وعدته، اللهم اجز ~~نبينا عنا ما هو أهله". # وليضف إلى الصلاة الاستغفار، فانه مستحب فى ذلك اليوم. # الثالث عشر: أن يقرأ سورة الكهف، فقد جاء فى حديث من رواية عائشة رضى ~~الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا أحدثكم ~~بسورة ملأ عظمها ما بين السماء والأرض، ولكاتبها من الأجر مثل ذلك، ومن ~~قرأها يوم الجمعة غفر له ما بينها وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، ~~ومن قرأ الخمس الأواخر منها عند نومه بعثه الله تعالى أي الليل (2) شاء" ~~قالوا: بلى يا رسول الله: قال "سورة الكهف" (3). # وروى فى حديث آخر: "أن من قرأها فى يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وفى ~~الفتنة". # ويستحب أن يكثر من قراءة القرآن فى يوم الجمعة، وأن يختم فيه أو فى ليلة ~~الجمعة إن قدر. PageV01P034 # # الرابع عشر: أن يتصدق فى يوم الجمعة بما أمكن، ولتكن صدقته خارج المسجد. # ويستحب أن يصلى صلاة التسبيح فى يوم الجمعة. # الخامس عشر: يستحب أن يجعل يوم الجمعة لأعمال الآخرة، ويكف عن جميع أشغال ~~الدنيا. ### | 3 فصل فى ذكر النوافل # اعلم: أن ما عدا الفرائض من الصلاة ثلاثة أقسام: ms020 # سنن، ومستحبات، وتطوعات. # ونعنى بالسنة: ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المواظبة ~~عليه، كالرواتب عقيب الفرائض والوتر والضحى. # ونعنى بالمستحب: ما ورد الخبر بفضله ولم ينقل بالمواظبة عليه، كالصلاة ~~عند دخول المنزل والخروج منه. # ونعنى بالتطوعات: ما وراء ذلك مما لم يرد به خبر، لكن العبد يتطوع بفعله، ~~وتسمى هذه الأقسام الثلاثة: نوافل، لأن النفل هو زيادة، وهذه زيادة على ~~الفرائض. # واعلم: أن أفضل تطوعات البدن: الصلاة. # وأقسام النوافل وفضائلها مشهورة مذكورة فى كتب الفقه وغيرها، لكن نذكر ~~منها صلاة التسبيح، لأنها قد تخفى صفتها على بعض الناس. # فروى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال للعباس "يا عماه: ألا أعطيك، ألا أعلمك -وذكر الحديث إلى أن قال-: ~~"تصلى أربع ركعات، تقرأ فى كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من ~~القراءة فى أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع ~~رأسك عن الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوى ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا، ثم ~~ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا قبل أن تقوم، فذلك خمس وسبعون، تفعل ذلك ~~فى أربع ركعات إن استطعت أن تصليها # PageV01P035 # # في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل، ففى كل جمعة مرة، فإن لم تفعل، ففى كل ~~شهر مرة، فإن لم تفعل ففى كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففى عمرك مرة". ### | 4 فصل [فى أوقات النهي عن الصلاة] # ولا يتطوع فى أوقات النهى بصلاة لا سبب لها كصلاة التسبيح، لأن النهى ~~مؤكد فيها عن الصلاة، وهذه الأشياء ضعيفة فلا تقاومه. وأما ما له سبب، ~~كتحية المسجد، وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، فعلى روايتين. # واعلم: أن النهى عن الصلاة فى الأوقات الثلاثة له ثلاثة أسرار. # أحدها: ترك التشبه بعباد الشمس. # الثاني: التحذير من السجود لقرن الشيطان، فإن الشمس تطلع ومعها قرن ~~الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ms021 فإذا استوت قارنها، فإذا زلت الشمس فارقها، ~~فإذا تضيفت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها. # الثالث: إن سالكي طريق الآخرة مواظبون على العبادات، والمواظبة على نمط ~~واحد يورث الملل، فإذا وقع المنع زاد النشاط، لأن النفس حريصة على ما منعت ~~منه، فمنع الإنسان من الصلاة فى أوقات النهى، ولم يمنع من نوع آخر من ~~التعبد، كالقراءة، والتسبيح لينتقل العابد من حال إلى حال، كما جعلت الصلاة ~~متنوعة بين قيام وقعود وركوع وسجود، والله أعلم. # PageV01P036 # ### | كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها # الزكاة: أحد مباني الإسلام، وقد قرنها الله سبحانه وتعالى بالصلاة، فقال ~~تعالى: {وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة} [البقرة: 43]. # أما أنواع الزكاة، وأقسامها، وأسباب وجوبها، فظاهر مشهور في مظانه من كتب ~~الفقه، وإنما نذكر هاهنا بعض الشروط والآداب. # فمن الشروط أن يخرج المنصوص عليه، ولا يخرج القيمة في الصحيح، فإن من ~~أجاز إخراج القيمة إنما تلمح سد الخلة فقط، وسد الخلة ليس هو كل المقصود بل ~~بعضه، فإن واجبات الشرع ثلاثة أقسام: # القسم الأول: تعبد محض، كرمي الجمار، فمقصود الشرع فيه الابتلاء، بالعمل ~~ليظهر عبودية العبد بفعل ما لا يعقل له معنى، لأن ما يعقل معناه يساعد عليه ~~الطبع ويدعو إليه، فلا يظهر خلوص العبودية به، بخلاف ما ذكرنا. # والقسم الثاني: عكس ذلك، وهو ما لا يقصد منه التعبد، بل المقصود منه حض ~~محض، كقضاء دين الآدميين، ورد المغصوب ونحو ذلك، وكذلك لا تعتبر فيه النية ~~ولا الفعل، بل كيفما وصل الحق إلى مستحقه حصل المقصود وسقط خطاب الشرع، ~~فهذان قسمان لا تركيب فيهما. # وأما القسم الثالث: فهو المركب، وهو أن يقصد منه الأمران جميعا: امتحان ~~المكلف، وحظ العباد، فيجتمع فيه تعبد رمى الجمار، وحظ رد الحقوق، فلا ينبغي ~~أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد، ولعل الأدق هو الأهم، والزكاة من هذا ~~القبيل، فحظ الفقير مقصود في سد الخلة، وحق التعبد مقصود الشرع في اتباع ~~التفاصيل، وبهذا الاعتبار صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج، والله أعلم. ### | 1 فصل في دقائق الآداب الباطنة في الزكاة ms022 # اعلم: أن على مريد الآخرة في زكاته وظائف: # الأولى: أن يفهم المراد من الزكاة، وهو ثلاثة أشياء: ابتلاء مدعى محبة ~~الله تعالى بإخراج محبوبه، والتنزه عن صفة البخل المهل، وشكر نعمة المال. # PageV01P037 # # الوظيفة الثانية: الإسرار بإخراجهالكونه أبعد من الرياء والسمعة، وفى ~~الإظهار إذلال للفقير أيضا، فان خاف أن يتهم بعدم الإخراج أعطى من لا يبالى ~~من الفقراء بالأخذ بين الجماعة علانية، وأعطى غيره سرا. # الوظيفة الثالثة: أن لا يفسدها المن والأذى، وذلك أن الإنسان إذا رأى ~~نفسه محسنا إلى الفقير، منعما بالإعطاء، ربما حصل منه ذلك، ولو حقق النظر ~~لرأى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله الذي هو طهرة له. # وإذا استحضر مع ذلك أن إخراجه للزكاة شكر لنعمة المال، فلا يبقى بينه ~~وبين الفقير معاملة. ولا ينبغي أن يحتقر الفقير لفقره، لأن الفضل ليس ~~بالمال ولا النقص بعدمه. # الوظيفة الرابعة: أن يستصغر العطية، فإن المستعظم للفعل معجب به. وقد ~~قيل: لا يتم المعروف إلا بثلاث: بتصغيره، وتعجيله، وستره. # الوظيفة الخامسة: أن ينتقى من ماله أحله وأجوده وأحبه إليه، أما الحل، ~~فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا. وأما الأجود. فقد قال الله تعالى: ~~{ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267]. # وينبغى أن يلاحظ في ذلك أمرين: أحدهما: حق الله سبحانه وتعالى بالتعظيم ~~له، فانه أحق من اختير له، ولو أن الإنسان قدم إلى ضيفه طعاما رديئا لأوغر ~~صدره. # والثاني: حق نفسه، فإن الذي يقدمه هو الذي يلقاه غدا في القيامة، فينبغي ~~أن يختار الأجود لنفسه. # وأما أحبه إليه، فلقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ~~[آل عمران: 92]. # وكان ابن عمر رضى الله عنهما إذا اشتد حبه لشيء من ماله قربه لله عز وجل ~~وروى: أنه نزل الجحفة وهو شاك، فقال: إني لأشتهى حيتانا، فالتمسوا له فلم ~~يجدوا حوتا، فأخذته امرأته فصنعته ثم قربته إليه، فأتى بمسكين، فقال ابن ~~عمر رضى الله عنه: خذه، فقال له أهله سبحان الله، قد عنيتنا ومعنا زاد ~~نعطيه، فقال: إن عبد الله ms023 يحبه. # PageV01P038 # # وروى أن سائلا وقف بباب الربيع بن خثيم رحمة الله عليه فقال: أطعموه ~~سكرا، فقالوا: نطعمه خبزا أنفع له فقال: ويحكم أطعموه سكرا، فإن الربيع يحب ~~السكر. # الوظيفة السادسة: أن يطلب لصدقته من تزكو به، وهم خصوص من عموم الأصناف ~~الثمانية، ولهم صفات: # الأولى: التقوى، فليخص بصدقته المتقين، فإنه يرد بها هممهم إلى الله ~~تعالى. # وقد كان عامر بن عبد الله بن الزبير يتخير العباد وهم سجود، فيأتيهم ~~بالصرة فيها الدنانير والدراهم، فيضعها عند نعالهم بحيث يحسون بها ولا ~~يشعرون بمكانه، فقيل له: ما يمنعك أن ترسل بها إليهم؟ فيقول: أكره أن يتمعر ~~وجه أحدهم إذا نظر إلى رسول أو لقيني. # الثانية: العلم، فإن في إعطاء العالم إعانة على العلم ونشر الدين، وذلك ~~تقوية للشريعة. # الثالثة: أن يكون ممن يرى الإنعام من الله وحده، ولا يلتفت إلى الأسباب ~~إلا بقدر ما ندب إليه من شكرها، فأما الذي عادته المدح عند العطاء، فانه ~~سيذم عند المنع. # الرابعة: أن يكون صائنا لفقرة، ساترا لحاجته، كاتما للشكوى، كما قال ~~تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} [البقرة: 273]. # وهؤلاء لا يحصلون في شبكة الطالب إلا بعد البحث عنهم، وسؤال أهل كل محلة ~~عمن هذه صفته. # الخامسة: أن يكون ذا عائلة، أو محبوسا لمرض أو دين، فهذا من المحصرين، ~~والتصدق عليه إطلاق لحصره. # السادسة: أن يكون من الأقارب وذوى الأرحام، فإن الصدقة عليهم صدقة وصلة، ~~ولك من جمع من هذه الخلال خلتين أو أكثر، كان إعطاؤه أفضل على قدر ما جمع. # PageV01P039 # ### | 2 فصل في آداب القابض # لابد أن يكون آخذ الزكاة من الأصناف الثمانية، وعليه في ذلك وظائف. # [الوظيفة الأولى]: أن يفهم أن الله تعالى إنما أوجب صرف الزكاة إليه ~~ليكفيه ما أهمه، ويجعل همومه هما واحدا في طلب رضى الله عز وجل. # [الوظيفة الثاني] أن يشكر المعطى ويدعو له ويثنى عليه، وليكن ذلك بمقدار ~~شكر السبب، فان من لم يشكر الناس لم يشكر الله، كما ورد في الحديث. # ومن تمام الشكر أن لا يحتقر ms024 العطاء وإن قل، ولا يذمه، ويغطى ما فيه من ~~عيب. وكما أن وظيفة المعطي الاستصغار فوظيفة المعطى الاستعظام، وكل ذلك لا ~~يناقض رؤية النعمى من الله عز وجل. فإن من لا يرى الواسطة واسطة، فهو جاهل، ~~وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلا. # الوظيفة الثالثة: أن ينظر فيما يعطاه، فان لم يكن حل لم يأخذه أصلا، لأن ~~إخراج مال الغير ليس بزكاة، وإن كان من شبهة تورع عنه، إلا أن يضيق عليه ~~الأمر، فمن كان أكثر كسبه حراما، فأخرج الزكاة ولم يعرف لما أخرجه مالك ~~معين، كانت الفتوى فيه أن يتصدق به (1)، فيجوز لهذا الفقير أن يأخذ قدر ~~حاجته عند ضيق الأمر عليه وعجزه عن الصافي. # الوظيفة الرابعة: أن يتوقى مواقع الشبه في قدر ما يأخذ، فيأخذ القدر ~~المباح له، ولا يأخذ أكثر من حاجته. فان كان غارما لم يزد على مقدار الدين، ~~أو غازيا لم يأخذ إلا مقدار ما يحتاج إليه، وإن أخذ بالمسكنة أخذ قدر حاجته ~~دون ما يتسغنى عنه، وكل ذلك موكول إلى اجتهاده والورع ترك ما يريب. # واختلف العلماء في قدر الغنى المانع من الزكاة، والصحيح فيه أن يكون له ~~كفاية على الدوام، إما من تجارة، أو صناعة، أو أجر عقار، أو غير ذلك، وإن ~~كان له بعض الكفاية أخذ ما يتممها، وإن لم يكن له ذلك أخذ ما يكفيه. # وليكن ما يأخذه بقدر ما يكفى سنته ولا يزيد على ذلك، وإنما اعتبر بالسنة، ~~لأنها PageV01P040 # # إذا ذهبت جاء وقت الأخذ، وإذا أخذ الأكثر منها ضيق على الفقراء. ### | 3 فصل في صدقة التطوع وفضلها وآدابها # أما فضائل الصدقة فهي كثيرة مشهورة: # منها: ماروى البخاري من حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا ~~رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ~~ما أخر". # وفى "الصحيحين" من رواية أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول ms025 الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال"من تصدق بعدل (1) تمرة من كسب طيب -ولا يصعد إلى الله ~~إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم ~~فلوه (2) حتى تكون مثل الجبل". # وفى حديث آخر: " إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتقى ميتة السوء" (3). # وفى حديث آخر: "تصدقوا فإن الصدقة فكاككم من النار" (4) # وعن بريدة رضى الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"ما يخرج أحد شيئا من الصدقة حتى يفك عنه لحى سبعين شيطانا". # وروى أن راهبا تعبد في صومعة ستين سنة، ثم نزل يوما ومعه رغيف، فعرضت له ~~امرأة فتكشفت له، فوقع عليها، فأدركه الموت وهو على تلك الحال، وجاء سائل ~~فأعطاه الرغيف ومات، فجئ بعمل ستين سنة، فوضع في كفة وخطيئته في كفة، فرجحت ~~بعمله، حتى جئ بالرغيف فوضع مع عمله، فرجح بخطيئته. # وفى أفراد مسلم، من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه ~~PageV01P041 # # وآله وسلم أنه قال: "ما نقصت صدقة من مال". # وروى عن عائشة رضى الله عنها أنهم ذبحوا شاة فقال النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "ما بقى منها؟ " فقالت: ما بقى منها إلا كتفها، فقال: "بقى كلها ~~إلا كتفها". # وأما آدابها، فنحو ما تقدم في الزكاة. # واختلفوا: أيما أفضل للفقير، أن يأخذ من الزكاة، أو من الصدقة. فقال قوم: ~~من الزكاة أفضل، وقال آخرون من الصدقة أفضل. # وأما أفضل الصدقة فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، أي الصدقة أفضل؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى ~~الفقر، وتأمل الغنى، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان ~~كذا، وقد كان لفلان" أخرجاه في "الصحيحين". # PageV01P042 # ### | كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به # أعلم: أن في الصوم خصيصة ليست فى غيره، وهى إضافته إلى الله عز وجل حيث ~~يقول سبحانه (1): "الصوم لى وأنا أجزى به"، وكفى بهذه الإضافة شرفا، كما ~~شرف البيت بإضافته إليه فى قوله: ms026 {وطهر بيتي} [الحج: 26]. وإنما فضل الصوم ~~لمعنيين: # أحدهما: أنه سر وعمل باطن، لا يراه الخلق ولا يدخله رياء. # الثاني: أنه قهر لعدو الله، لأن وسيلة العدو الشهوات، وإنما تقوى الشهوات ~~بالأكل والشرب، وما دامت أرض الشهوات مخصبة، فالشياطين يترددون إلى ذلك ~~المرعى، وبترك الشهوات تضيق عليهم المسالك. وفى الصوم أخبار كثيرة تدل على ~~فضله وهى مشهورة. ### | 1 فصل فى سنن الصوم # يستحب السحور، وتأخيره، وتعجيل الفطر، وأن يفطر على التمر. # ويستحب الجود في رمضان، وفعل المعروف، وكثرة الصدقة، اقتداء برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # ويستحب دراسة القرآن، والاعتكاف فى رمضان: لا سيما فى العشر الأواخر، ~~وزيادة الاجتهاد فيه. # وفى "الصحيحين" من حديث عائشة رضى الله عنها قالت: كان النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا دخل العشر [يعنى الأخير]، شد مئزره، وأحيا الليل، وأيقظ ~~أهله. وذكر العلماء في معنى شد المئزر وجهين: # أحدهما: أنه الإعراض عن النساء. # الثاني: أنه كناية عن الجد والتشمير فى العمل. قالوا: وكان سبب اجتهاده ~~فى العشر طلب ليلة القدر. PageV01P043 # ### | 2 بيان أسرار الصوم وآدابه # وللصوم ثلاث مراتب: صوم العموم. وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. # فأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة. # وأما صوم الخصوص: فهو كف النظر، واللسان، واليد، والرجل، والسمع، والبصر، ~~وسائر الجوارح عن الآثام. # وأما صوم خصوص الخصوص: فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة، والأفكار المبعدة ~~عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية، وهذا الصوم له شروح تأتى ~~فى غير هذا الموضع. # من آداب صوم الخصوص: غض البصر، وحفظ اللسان عما يؤذى من كلام محرم أو ~~مكروه، أو ما لا يفيد، وحراسة باقي الجوارح. # وفى الحديث من رواية البخارى، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ~~من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه (1) ~~". # ومن آدابه: أن لا يمتلئ من الطعام فى الليل، بل يأكل بمقدار، فانه ما ملأ ~~ابن آدم وعاء شرا من بطن. ومتى شبع أول ms027 الليل لم ينتفع بنفسه فى باقيه، ~~وكذلك إذا شبع وقت السحر لم ينتفع بنفسه إلى قريب من الظهر، لأن كثرة الأكل ~~تورث الكسل والفتور، ثم يفوت المقصود من الصيام بكثرة الأكل، لأن المراد ~~منه أن يذوق طعم الجوع، ويكون تاركا للمشتهى. # فأما صوم التطوع، فاعلم أن استحباب الصوم يتأكد فى الأيام الفاضلة، ~~وفواضل الأيام بعضها يوجد فى كل سنة، كصيام ستة أيام من شوال بعد رمضان، ~~وكصيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وعشر ذي الحجة، والمحرم. # وبعضها يتكرر في كل شهر، كأوله، وأوسطه، وآخره، فمن صام أول الشهر ~~PageV01P044 # # وأوسطه وآخره فقد أحسن. غير أن الأفضل أن يجعل الثلاثة أيام البيض. # وبعضها يتكرر في كل أسبوع وهو يوم الاثنين، ويوم الخميس. وأفضل صوم ~~التطوع صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وذلك يجمع الثلاثة ~~معان: # أحدها: أن النفس تعطى يوم الفطر حظها، وتستوفى فى يوم الصوم تعبدها، وفى ~~ذلك جمع بين ما لها وما عليها، وهو العدل. # والثاني: أن يوم الأكل يوم شكر، ويوم الصوم يوم صبر، والإيمان نصفان: شكر ~~وصبر. # والثالث: أنه أشق على النفس من المجاهدة، لأنها كلما أنست بحالة نقلت ~~عنها. فأما صوم الدهر: ففى أفراد مسلم من حديث أبى قتادة رضى الله عنه أن ~~عمر رضى الله عنه سأل النبى صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كيف بمن يصوم ~~الدهر كله؟ فقال: "لا صام ولا أفطر -أو- لم يصم ولم يفطر" وهذا محمول على ~~سرد الصوم فى الأيام المنهي عن صيامها: فأما إذا أفطر يومي العيدين وأيام ~~التشريق فلا بأس بذلك. # فقد روى عن هشام بن عروة رحمه الله أن أباه كان يسرد الصوم، وكانت عائشة ~~رضى الله عنها تسرد. # وقال أنس بن مالك رضى الله عنه، سرد أبو طلحة الصوم بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أربعين عاما. # واعلم: أن من رزق فطنة، علم المقصود بالصوم، فحمل نفسه قد ما لا يعجزه ~~عما هو أفضل منه. # فقد كان ابن مسعود قليل الصوم، وكان يقول: ms028 إذا صمت ضعفت عن الصلاة وأنا ~~أختار الصلاة على الصوم. # PageV01P045 # # وكان بعضهم إذا صام ضعف عن قراءة القرآن، فكان يكثر الفطر حتى يقدر على ~~التلاوة، وكل إنسان أعلم بحاله وما يصلحه (1). ### | كتاب الحج وأسراره وفضائله وآدابه ونحو ذلك # ينبغي لمن أراد الحج أن يبدأ بالتوبة، ورد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد ~~النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع. # ويستصحب من المال الحلال ما يكفيه لذهابه ورجوعه من غير تقتير، على وجه ~~يمكنه معه التوسع بى الزاد، والرفق بالفقراء. # ويستصحب ما يصلحه كالسواك، والمشط والمرآة، والمكحلة. # ويتصدق بشئ قبل خروجه وإذا اكترى فليظهر للجمال كل ما يريد أن يحمله من ~~قليل وكثير. وقد قال رجل لابن المبارك: احمل لى هذه الرقعة إلى فلان. فقال: ~~حتى أستأذن الجمال. # وينبغى أن يلتمس رفيقا صالحا محبا للخير معينا عليه، إن نسى ذكره، وإن ~~ذكر أعانه، وإن ضاق صدره صبره. # وليؤمر الرفقاء عليهم أحسنهم خلقا، وأرفقهم بالأصحاب، وإنما احتيج إلى ~~التأمير لأن الآراء تختلف، فلا ينتظم التدبير، وعلى الأمير الرفق بالقوم، ~~والنظر في مصالحهم، وأن يجعل نفسه وقاية لهم. # وينبغى للمسافر تطيب الكلام، وإطعام الطعام، وإظهار محاسن الأخلاق، فإن ~~السفر يخرج خفايا الباطن، ومن كان في السفر آذى هو مظنة الضجر حسن الخلق، ~~كان في الحضر أحسن خلقا. PageV01P046 # # وقد قيل: إذا أثنى على الرجل معاملوه بى الحضر ورفقاؤه في السفر فلا ~~تشكوا في صلاحه. # وينبغى له أن يودع رفقاءه وإخوانه المقيمين، ويلتمس أدعيتهم، ويجعل خروجه ~~بكرة يوم الخميس، وليصل بى منزله ركعتين قبل الخروج منه ويستودع أهله ~~وماله، ويستعمل الأدعية والأذكار والمأثورة عند خورجه من منزله، وفى ركوبه ~~ونزوله، وهى مشهورة صفى كثير من الكتب في مناسك الحج، وكذلك جميع المناسك ~~من الإحرام، والطواف والسعى، والوقوف بعرفة، وغير ذلك من أعمال الحج يأتى ~~فيها بما ذكر من الأذكار والدعوات والآداب، وكل ذلك مستوفى في كتب الفقه ~~وغيرها، فليطلب هناك. ### | 1 فصل في الآداب الباطنة والإشارة إلى أسرار الحج # اعلم: أنه ms029 لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتجرد والانفراد لخدمته، ~~وقد كان الرهبان ينفردون في الجبال طلبا للأنس بالله، فجعل الحج رهبانية ~~لهذه الأمة. # فمن الآداب المذكورة، أن يكون خاليا في حجه من تجارة تشغل قلبه وتفرق ~~همه، ليجتمع على طاعة الله تعالى، وأن يكون أشعث أغبر، رث الهيئة، غير ~~مستكثر من الزينة. # وينبغى أن يتجنب ركوب المحمل إلا من عذر، كمن لا يستمسك على الزاملة (1) # فإن النبى صلى الله عليه وآله وسلم حج على راحلة وتحته رحل رث. # وفى حديث جابر رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن ~~الله عز وجل يباهي بالحاج الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادى، أتوني شعثا ~~غبرا من كل فج عميق، أشهدكم أنى قد غفرت لهم". # وقد شرف الله تعالى بيته وعظمه، ونصبه مقصدا لعباده، وجعل ما حوله حرما ~~له تفخيما لأمره، وتعظيما لشأنه، وجعل عرفة كالميدان على فنائه. # واعلم: أن في كل واحد من أفعال الحج تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر. ~~PageV01P047 # # فمن ذلك: أن يتذكر بتحصيل الزاد زاد الآخرة من الأعمال، وليحذر أن تكون ~~أعماله فاسدة من الرياء والسمعة فلا تصحبه ولا تنفعه، كالطعام الرطب الذي ~~يفسد في أول منازل السفر، فيبقى صاحبه وقت الحاجة متحيرا، فإذا فارق وطنه ~~ودخل البادية وشهد تلك العقبات، فليتذكر بذلك خروجه من الدنيا بالموت إلى ~~ميقات القيامة وما بينهما من الأهوال. # ومن ذلك: أن يتذكر وقت إحرامه وتجرده من ثيابه، إذا لبس المحرم الإحرام ~~لبس كفنه، وأنه سيلقى ربه على جزى مخالف لزي أهل الدنيا، وإذا لبى فليستحضر ~~بتلبيته إجابة الله تعالى إذ قال: {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27]، وليرج ~~القبول، وليخش عدم الإجابة، وكذلك إذا وصل إلي الحرم ينبغي أن يكون الرجاء ~~غالبا، لأن الكرم عميم، وحق الزائر مرعى، وذمام المستجير لا يضيع. # ومن ذلك: إذا رأى البيت الحرام استحضر عظمته في قلبه، وشكر الله تعالى ~~على تبليغه رتبة الوافدين إليه، وليستشعر عظمة الطواف به، فإنه صلاة، ~~ويعتقد عند استلام الحجر أنه مبايع ms030 لله على طاعته، ويضم إلى ذلك عزيمته على ~~الوفاء بالبيعة، وليتذكر بالتعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم لجأ ~~المذنب إلى سيده وقرب المحب. # وأنشد بعضهم في ذلك: # ستور بيتك نيل الأمن منك وقد ... علقتها مستجيرا أيها الباري # وما أظنك لما أن علقت بها ... خوفا من النار تنجيني من النار # وها أنا جار بيت أنت قلت لنا ... حجوا إليه وقد أوصيت بالجار # ومن ذلك: إذا سعى بين الصفا والمروة، ينبغي أن يمثلها بكفتي الميزان، ~~وتردده بينهما شفى عرصات القيامة، أو تردد العبد إلى باب دار الملك، إظهارا ~~لخلوص خدمته، ورجاء الملاحظة بعين رحمته، وطمعا في قضاء حاجته. # وأما الوقوف بعرفة: فاذكر بما ترى فيه من ازدحام الخلق، وارتفاع أصواتهم ~~واختلاف لغاتهم موقف القيامة، واجتماع الأمم في ذلك الموطن، واستشفاعهم. # فإذا رميت الجمار: فاقصد بذلك الانقياد للأمر، وإظهار الرق والعبودية، ~~ومجرد الامتثال من غير حظ النفس. # PageV01P048 # # وأما المدينة: فإذا لاحت لك فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وشرع إليها هجرته، وجعل فيها بيته، ثم مثل في ~~نفسك مواضع أقدام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند تردده فيها، وتصور ~~خشوعه وسكينته، فإذا قصدت زيارة القبر، فأحضر قلبك لتعظيمه، والهيبة له، ~~ومثل صورته الكريمة في خيالك، واستحضر عظيم مرتبته في قلبك، ثم سلم عليه، ~~واعلم انه عالم بحضورك وتسليمك، كما ورد في الحديث. # *** # PageV01P049 # ### | كتاب آداب القرآن الكريم وذكر وفضله # أعظم فضائل القرآن الكريم أنه كلام الله عز وجل، وقد مدحه الله تعالى في ~~آيات كثيرة، كقوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} [الأنعام: 92] {إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه} [فصلت: 42]. # وفى أفراد البخاري، من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه، أن النبى صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". # وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن ~~لله عز وجل أهلين من الناس، قيل: من ms031 هم يارسول الله؟ قال: أهل القرآن هم ~~أهل الله (1) وخاصته" رواه النسائي. # وفى حديث آخر، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يعذب الله قلبا ~~وعى القرآن (2) ". # وعن ابن عمر رضى الله عنهما، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~"يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فان منزلتك ~~عن آخر آية تقرؤها" صححه الترمذى. # وعن بريدة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إن ~~القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول: هل ~~تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر ~~(3) وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنى لك اليوم من وراء كل ~~تجارة، فيعطى الملك (4) بيمينه، والخلد (5) بشماله، ويوضع على رأسه تاج ~~الوقار، ويكسى والده PageV01P050 # # حلتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بما كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما ~~القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد بى درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما كان ~~يقرأ، هذا كان (1) أو ترتيلا (2) ". # قال ابن مسعود رضى الله عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ~~نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا ~~الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون. # ولا ينبغي أن يكون جافيا ولا غافلا ولا صخابا (3) ولا حديدا. # وقال الفضيل رحمه الله: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلغو ~~مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو، تعظيما لله تعالى. # ولا ينبغي أن يكون له إلى أحد حاجة، بل ينبغي أن تكون حوائج الناس إليه. # وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: رأيت رب العزة بى المنام، فقلت: يا ~~رب، ما أقرب ما يتقرب به إليك المتقربون؟ فقال: بكلامي يا أحمد، فقلت: يارب ~~بفهم أو بغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم. ### | 1 فصل في آداب التلاوة # ينبغي لقارئ القرآن أن يكون على وضوء، مستعملا للأدب، ms032 مطرقا غير متربع ~~ولا متكئ، ولا جالس على هيئة المتكبر (4). # وأفضل الأحوال: أن يقرأ في الصلاة قائما، وأن يكون في المسجد. # فأما مقدار القراءة، فقد اختلفت فيها عادات السلف، فمنهم من كان يختم كل ~~يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم في اليوم والليلة أكثر رأيتهم ذلك، ~~ومنهم من كان يختم PageV01P051 # # في ثلاث ختمة ومنهم من كان يختم في كل أسبوع، ومنهم من كان يختم في كل ~~شهر، اشتغالا بالتدبر أو بنشر العلم، أو بتعليمه، أو بنوع من التعبد غير ~~القراءة، أو بغيره من اكتساب الدنيا. # وأولى الأمر: ما لا يمنع الإنسان من أشغاله المهمة، ولا يؤذيه في بدنه، ~~ولا يفوته معه الترتيل والفهم. # قال ابن عباس رضى الله عنهما: لأن أقرأ البقرة وآل عمران، وأرتلهما ~~وأتدبرهما أحب إلى من أن اقرأ القرآن كله هذرمة (1) من وجد خلسة في وقت، ~~فليغتنم كثرة القراءة ليفوز بكثرة الثواب، فقد كان عثمان رضى الله عنه يقرأ ~~القرآن في ركعة يوتر بها، وكان الشافعي رحمه الله يختم في رمضان ستين ختمه. # وأما الدوام: فليكن على قدر الإمكان، كما أشرنا إليه. # واستحب بعضهم إذا ختم بالنهار أن يختم في ركعتي الفجر أو بعدهما، وإذا ~~ختم بالليل أن يختم في ركعتي المغرب أو بعدهما ليستقبل بالختمة أول الليل ~~وأول النهار. # وقال ابن مسعود رضى الله عنه: من ختم القرآن فله دعوة مستجابة. # وكان أنس رضى الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا. ### | 2 فصل [في تحسين الصوت] # ويستحب تحسين القراءة، وإذا لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع، فأما ~~القراءة بالألحان، فقد كرهها السلف. # ويستحب الإسرار بالقراءة. وقد جاء في الحديث: "فضل قراءة السر على قراءة ~~العلانية كفضل صدقة السر على صدقة العلانية" (2)، إلا أنه ينبغي أن يسمع ~~نفسه. # ولا بأس بالجهر في بعض الأوقات لمقصود صحيح، إما لتجويد الحفظ، أو ~~PageV01P052 # # ليصرف عن نفسه الكسل والنوم، أو ليوقظ الوسنان (1). # فأما حكم القراءة في الصلاة، ومقدار ما يقرأ في صلاة الفرض، وموضع الجهر ~~والإسرار فذلك معروف ms033 مشهور في كتب الفقه. # ومن كان عنده مصحف ينبغي له أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة لئلا يكون ~~مهجورا. # وينبغى لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه بى إيصال ~~معاني كلامه إلى أفهامهم، وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن ~~يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من ~~القراءة، وإن لم يحصل التدبر إلا بترداد الآية، فليرددها، فقد روى أبو ذر ~~رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قام ليلة بآية يرددها ~~{إن تعذبهم فإنهم عبادك} [المائدة: 118] وقام تميم الداري رضي الله عنه ~~بآية وهي قوله تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات} [الجاثية: 21] وكذلك قام بها الربيع بن خثيم رحمة ~~الله عليه ليلة. # وينبغى للتالي أن يستوضح من كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك، فإذا تلا ~~قوله تعالى: {خلق السماوات والأرض} [الأنعام: 1] فليعلم عظمته ويتلمح قدرته ~~في كل ما يراه. # وإذا تلا: {أفرأيتم ما تمنون} [الواقعة: 58] فليتفكر في نطفة متشابهة ~~الأجزاء، كيف تنقسم إلى لحم وعظم، وعرق وعصب، وأشكال مختلفة من رأس ويد، ~~ورجل، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة كالسمع، والبصر، والعقل، وغير ~~ذلك، فيتأمل هذه العجائب. # وإذا تلا أحوال المكذبين فليستشعر الخوف من السطوة إن غفل عن امتثال ~~الأمر. # وليتخلى التالي من موانع الفهم، مثل أن يخيل الشيطان إليه أنه ما حقق ~~تلاوة الحرف ولا أخرجه من مخرجه، فيكرره التال، فيصرف همته عن فهم المعنى. ~~ومن ذلك أن يكون التالي مصرا على ذنب، أو متصفا بكبر، أو مبتلى بهوى ~~PageV01P053 # # مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصداه، فهو كالجرب على المرآة، يمنع من ~~تجلى الحق، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل ~~الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل الجلاء ~~للمرآة. # وينبغى لتالي القرآن أن يعلم أنه مقصود بخطاب القرآن ووعيد، وأن القصص لم ~~يرد بها السمر (1) بل العبر، فليتنبه لذلك، ms034 فحينئذ يتلو تلاوة عبد كاتبه ~~سيده بمقصود. # وليتأمل الكتاب ويعمل بمقتضاه، فإن مثل العاصي إذا قرأ القرآن وكرره، ~~كمثل من كرر كتاب الملك وأعرض عن عمارة مملكته وما أمر به في الكتاب فهو ~~مقتصر على دراسته، مخالف أوامره، فلو ترك الدراسة مع المخالفة كان أبعد من ~~الاستهزاء واستحقاق المقت. # وينبغى أن يتبرأ من حوله وقوته، وأن لا يلتفت إلى نفسه بعين الرضى ~~والتزكية فإن من رأى نفسه بصورة التقصير، كان ذلك سبب قربه. # ... PageV01P054 # ### | كتاب الأذكار والدعوات وغيرها # اعلم: أنه ليس بعد تلاوة القرآن عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر الله ~~سبحانه وتعالى، ورفع الحوائج بالأدعية الخالصة إليه تعالى، ويدل على فضل ~~الذكر قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] وقوله: {الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} (1) [آل عمران: 190] وقوله: {والذاكرين ~~الله كثيرا والذاكرات} [الأحزاب: 35]. # وعن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل يقول: أنا ~~مع عبدى ما ذكرني وتحركت بى شفتاه". # وفي أفراد مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يقعد قوم ~~يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة (2) ~~وذكرهم الله فيمن عنده (3) " وفى ذلك أحاديث كثيرة مذكورة في فضائل ~~الأعمال. # وعن أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما ~~جلس قوم مجلسا فتفرقوا على غير ذكر الله عز وجل، إلا تفرقوا عن مثل جيفة ~~الحمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة". # وفى حديث آخر. "لا يجلس قوم مجلسا لا يذكرون الله عز وجل ولا يصلون على ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة". # وأما فضيلة الدعاء: فقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: "ليس شئ أكرم على الله عز وجل من الدعاء" و "أشرف ~~PageV01P055 # # العبادة الدعاء (1) " و "من لا يسأل الله يغضب عليه". وفى حديث أخر: ~~"سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل". # وللدعاء آداب: من ms035 ذلك أن يتحرى الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة، ~~ورمضان من الشهور، والجمعة من الإسبوع، والسحر من الليل. # ومن الأوقات الشريفة بين الآذان والإقامة، وعقيب الصلوات، وعند نزول ~~الغيث، وعند القتال في سبيل الله، وعند ختم القرآن، وفى السجود، وعند ~~الإفطار، وعند حضور القلب ووجله. # وعلى الحقيقة فإن شرف الأوقات يرجع إلى شرف الحالات، فإن وقت السحر وقت ~~صفاء القلب وفراغه، وحالة السجود حالة الذل. # ومن آداب الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه ثم يمسح بهما وجهه، ~~وأن يخفض صوته حال الدعاء. # ومن آدابه أن يبدأ بذكر الله عز وجل، ثم يصلى على النبى صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم، ولا يتكلف السجع في الدعاء. # ومن آدابه وهو الأدب الباطن -وهو الأصل في الإجابة- التوبة ورد المظالم. ### | 1 فصل في الأوراد وفضلها وتوزيع العبادات على مقادير الأوقات # أعلم: أنه إذا حصلت المعرفة لله سبحانه والتصديق بوعده، والعلم بقصر ~~العمر، وجب ترك التقصير في هذا العمر القصير، والنفس متى وقفت على فن واحد ~~حصل لها ملل، فمن التلطف نقلها من فن إلى فن، وقد قال الله تعالى: {واذكر ~~اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} [الإنسان: ~~25 - 26]، فهذا ونحوه مما ذكر من الآيات في ذلك يدل على أن الطريق إلى الله ~~تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على الدوام، وقال الله تعالى: {وهو ~~الذي جعل الليل والنهار PageV01P056 # # خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 62]، أي يخلف أحدهما ~~الآخر ليتدارك في أحدهما ما فات في الآخر. ### $ 2 - بيان عدد أوراد الليل والنهار وترتيبها # أوراد النهار سبعة، وأوراد الليل ستة، فلنذكر فضيلة كل ورد ووظيفته وما ~~يتعلق به. # الورد الأول من أوراد النهار: ما بين طلوع الفجر الثانى إلى طلوع الشمس، ~~وهو وقت شريف، وقد أقسم الله تعالى به فقال: {والصبح إذا تنفس} [التكوير: ~~18]. # فينبغي للمريد إذا انتبه من النوم أن يذكر الله سبحانه وتعالى فيقول: ~~"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". روى ذلك عن ms036 النبى صلى ~~الله عليه وآله وسلم من أفراد البخاري. # وفى أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا أمسى قال: "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ ~~قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه ~~الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب ~~في النار وعذاب في القبر". # وإذا أصبح قال ذلك أيضا: "أصبحنا وأصبح الملك لله ... " إلى آخره، ويقول: ~~"بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع ~~العليم" ثلاث مرات، "رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم نبيا ورسولا". # فإذا صلى الفجر قال وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: "لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شئ قدير" عشر مرات. # ويذكر سيد الاستغفار: "اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، # PageV01P057 # # وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك (1) ~~بنعمتك على، وأبوء بذنبى، فاغفر لى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". # ويقول: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفا (2) مسلما، وما كان من ~~المشركين". # ويدعو "اللهم أصلح لى ديني الذى هو عصمة أمري، وأصلح دنياي التي فيها ~~ماشى، وأصلح لى آخرتى التي فيها معادى، واجعل الحياة زيادة لى في كل خير، ~~واجعل الموت راحة لى من كل شر". # ويدعو بدعاء أبى الدرداء: "اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، عليك توكلت، ~~وأنت رب العرش العظيم، أعلم أن الله على كل شئ قدير، وأن الله قد أحاط بكل ~~شئ علما. اللهم إني أعوذ بك من شر نفسى، ومن ms037 شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، ~~إن ربى على صراط مستقيم". # فهذه الأدعية لا يستغني المريد عن حفظها. # وينبغى له قبل خروجه إلى صلاة الفجر أن يصلى السنة في منزله ثم يخرج ~~متوجها إلى المسجد ويقول: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى ~~هذا، فإني لم أخرج أشرا (3) ولا بطرا، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك ~~وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (4) ~~". # فإذا دخل المسجد فليقل ما روى مسلم في "صحيحه" أن النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثم ليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: "اللهم إني ~~أسألك من فضلك"، ثم يطلب الصف الأول منتظرا للجماعة داعيا بنحو ما تقدم من ~~الأذكار والأدعية. PageV01P058 # # فإذا صلى الفجر استحب أن يمكث في مكانه إلى طلوع الشمس. # فقد روى أنس رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~"من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ~~ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" (1). # وليكن وظائف وقته أربعا: الدعاء، الذكر، والقراءة، والفكر. # وليأت بما أمكنه، وليتفكر في قطع القواطع، وشغل الشواغل عن الخير ليؤدى ~~وظائف يومه، وليتفكر في نعم الله تعالى ليتوفر شكره. # الورد الثانى: ما بين طلوع الشمس إلى الضحى، وذلك بمضي ثلاث ساعات من ~~النهار، إذا فرض النهار اثنتي عشرة ساعة، وهو الربع، وهذا وقت شريف، وفيه ~~وظيفتان: أحدهما: صلاة الضحى (2). # والثانية: ما يتعلق بالناس من عيادة مريض، أو تشييع جنازة، أو حضور مجلس ~~علم، أو قضاء حاجة مسلم. وإن لم يفعل شيئا من ذلك تشاغل بالقراءة والذكر. # الورد الثالث: من وقت الضحى إلى الزوال، والوظيفة في هذا الوقت، الأقسام ~~الأربعة، وزيادة أمرين: # أحدهما: الاشتغال بالكسب والمعاش، وحضور السوق، فإن كان تاجرا فليتجر ~~بصدق وأمانة، وإن كان صاحب صنعة، فليصنع بنصيحة وشفقة، ولا ينس ms038 ذكر الله ~~تعالى في جميع أشغاله، وليقنع بالقليل. PageV01P059 # # والثاني: القيلولة، فإنها مما تعين على قيام الليل، كما يعين السحور على ~~صيام النهار، فإن نام فليجتهد في الانتباه قبل الزوال بقدر الاستعداد ~~للصلاة قبل دخول الوقت. # واعلم: أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فالاعتدال أن ينام من ذلك ~~الثلث، وهو ثمان ساعات، فمن نام أقل من ذلك لم يأمن اضطراب بدنه، ومن نام ~~أكثر من ذلك كثر كسله، فذا نام أكثر من ذلك فت الليل فلا وجه لنومه في ~~النهار، بل من نقص منه استوفى ما نقص في النهار. # الورد الرابع: ما بين الزوال إلى الفراغ من صلاة الظهر، وهو أقصر أوراد ~~النهار وأفضلها، فينبغي له بى هذا الوقت إذا أذن المؤذن أن يجيبه بمثل ~~قوله، ثم يقوم فيصلى أربع ركعات، ويستحب أن يطيلهن، فإن أبواب السماء تفتح ~~حينئذ، ثم يصلى الظهر وسنتها، ثم يتطوع بعدها بأربع. # الورد الخامس: ما بعد ذلك إلى العصر، فيستحب له في هذا الوقت الاشتغال ~~بالذكر، والصلاة، وفنون الخير، ومن أفضل الأعمال انتظار الصلاة بعد الصلاة. # الورد السادس: إذا دخل وقت العصر إلى أن تصفر الشمس، وليس في هذا الوقت ~~صلاة سوى أربع ركعات بين الأذانين، ثم فرض العصر، ثم يتشاغل بالأقسام ~~الأربعة التي سبق ذكرها في الورد الأول، والأفضل فيه تلاوة القرآن والتدبر ~~والتفهم. # الورد السابع: من اصفرار الشمس إلى أن تغرب، وهو وقت شريف. قال الحسن ~~البصري رحمه الله: كانوا أشد تعظيما للعشي من أول النهار، فيستحب في هذا ~~الوقت التسبيح والاستغفار خاصة. # وبالمغرب تنتهي أوراد النهار فينبغي أن يلاحظ العبد أحواله ويحاسب نفسه، ~~فقد انقضت من طريقه مرحلة. وليعلم أن العمر أيام تنقضي جملتها بانقضاء ~~آحادها. # قال الحسن: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا مضى يومك مضى بعضك. وليتفكر ~~هل ساوى يومه أمسه، فإن رأى أنه قد توفر على الخير في نهاره، فليشكر الله ~~سبحانه وتعالى على التوفيق، فإن تكن الأخرى، فليتب وليعزم على تلافى ما سبق ~~من التفريط في الليل، فإن ms039 الحسنات يذهبن السيئات، وليشكر الله تعالى على ~~صحة جسمه، وبقاء بقية من عمره يمكن فيها استدراك التقصير، وقد كان جماعة من ~~السلف يستحبون أن لا ينقضي يوم إلا عن صدقة، ويجتهدون فيما أمكن من كل خير. # PageV01P060 # ### | 3 ذكر أوراد الليل # الورد الأول: إذا غربت الشمس إلى وقت العشاء، فإذا غربت صلى المغرب ~~واشتغل بإحياء ما بين العشاءين، فقد روى أنس رضى الله عنه في قوله تعالى: ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} ~~[السجدة: 16]. أن هذه الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. # وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من صلى بعد ~~المغرب ست ركعات ولم يتكلم فيما بينهن بسوء، عدلن له بعبادة اثنتي عشرة ~~سنة". رواه الترمذى (1). # الورد الثانى: من غيبوبة الشفق الأحمر إلى وقت النوم، يستحب أن يصلى بين ~~الأذانين ما أمكنه، وليكن في قراءته: {الم (1) تنزيل الكتاب} [السجدة: 1 - ~~2] و {تبارك الذي بيده الملك} [تبارك: 1]. فقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لا ينام حتى يقرأهما. # وفى حديث آخر، عن ابن مسعود رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة" (2). # الورد الثالث: الوتر قبل النوم، إلا من كان عادته القيام بالليل، فإن ~~تأخيره في حقه أفضل، قالت عائشة رضى الله عنها من كل الليل قد أوتر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره ~~إلى السحر. متفق عليه، ثم ليقل بعد الوتر: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات. # الورد الرابع: النوم، وإنما عددناه من الأوراد، لأنه إذا روعيت آدابه ~~وحسن PageV01P061 # # المقصود به احتسب عبادة. وقد قال معاذ رضى الله عنه: إني لأحتسب في نومتى ~~كما أحتسب في قومتى. # فمن أداب النوم: أن ينام على طهارة، لما روت عائشة رضى الله عنها، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله ms040 وسلم كان إذا أراد أن ينام يتوضأ وضوءه ~~للصلاة. # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما: إن الأرواح يعرج بها في ~~منامها إلى السماء فتؤمر بالسجود عند العرش، فما كان منها طاهرا سجد عند ~~العرش، وما كان ليس بطاهر سجد بعيدا عن العرش. # ومن آدابه أن يتوب قبل نومه، لأنه ينبغي لمن طهر ظاهره أن يطهر باطنه، ~~لأنه ربما مات في نومه. # ومنها: أن يزيل كل غش في قلبه لمسلم، ولا ينوى ظلمه، ولا يعزم على خطيئة ~~إذا استيقظ. # ومنها: أن لا يبيت من له شئ يوصى به إلا ووصيته مكتوبة عنده، لأن في ~~"الصحيحين" من حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: "ما حق امرئ مسلم له شئ يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته ~~مكتوبة عنده". # وينبغى له أيضا أن لا يبالغ فت تمهيد الفراش متنعما بذلك، فإنه يزيد في ~~النوم، فإن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ثنى له فراشة فقال: "منعتني ~~وطأته صلاتي الليلة". وينبغى أن لا ينام حتى يغلبه النوم، فقد كان السلف لا ~~ينامون إلا غلبة. # ومن آدابه أن يستقبل القبلة وأن يدعو بما ورد في الأحاديث في ذلك، أن ~~ينام على جنبه الأيمن، فمما جاء في ذلك ما روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه ~~بداخلة إزارة، فإنه لا يدرى ما حدث بعده". فإذا وضع جنبه فليقل: "باسمك ربى ~~وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت # PageV01P062 # # نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها (1) بما تحفظ به عبادك الصالحين" ~~أخرجاه في "الصحيحين". # وفى "الصحيحين" أيضا، من حديث عائشة، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفخ فيهما وقرأ فيهما: {قل هو ~~الله أحد} و {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس}، ثم مسح بهما ما ~~استطاع من جسده، يبدأ بهما ms041 على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ~~ثلاث مرات. # وفيهما من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك ~~الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، ~~وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت ~~بكتابك الذي أنزلت وبنبيك آذى أرسلت، فإنك إن مت ليلتك مت على الفطرة، وإن ~~أصبحت أصبت خيرا". # وعن على رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له ~~ولفاطمة: "إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما، فسبحا الله ثلاثا ~~وثلاثين، واحمداه ثلاثا وثلاثين، وكبراه أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من ~~خادم" متفق عليه. # وحديث أبى هريرة في حفظ زكاة رمضان مشهور، وفيه أن شيطانا قال له: إذا ~~أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا ~~يقربه شيطان. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أما إنه قد ~~صدقك وهو كذوب". # وفي أفراد مسلم أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوى إلى فراشه ~~قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافى له ~~ولا مأوى". # فإن استيقظ للتهجد، فليدع بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ~~الحق، ووعدك الحق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ~~حق، PageV01P063 # # والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك ~~خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت" وفى ~~رواية: "وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" ~~متفق عليه. # وليجتهد أن يكون آخر كلامه عند النوم ذكر الله تعالى، وأول ما يجرى على ~~لسانه عند التيقظ ذكر الله تعالى، فهاتان علامتان ms042 على الإيمان. # الورد الخامس من أوراد الليل: يدخل بمضي النصف الأول إلى أن يبقى من ~~الليل سدسه، وذلك وقت شريف. قال أبو ذر رضى الله عنه: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أي صلاة الليل أفضل؟ فقال: "نصف الليل أو جوف الليل، ~~وقليل فاعله (1) " # وروى أن داود عليه السلام قال: يا رب، أية ساعة أقوم لك؟ فأوحى الله ~~تعالى إليه: يا داود لا تقم أول الليل ولا آخرة، ولكن قم في شطر الليل حتى ~~تخلو بى وأخلو بك، وارفع إلى حوائجك. # فإذا قام إلى التهجد، قرأ العشر آيات من آخر سورة {آل عمران}، كما روى في ~~"الصحيحين" أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك، وليدع بما سبق من ~~دعائه صلى الله عليه وآله وسلم عند قيامه من الليل، ثم يستفتح صلاته ~~بركعتين خفيفتين، لما روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: " إذا قام أحدكم يصلى بالليل، فليبدأ بركعتين خفيفتين " ~~رواه مسلم، ثم يصلى مثنى مثنى، وأكثر ما روى عن النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقلهن سبع. # الورد السادس من الليل: السدس الأخير وهو وقت السحر، قال الله تعالى: ~~{وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 18]. PageV01P064 # # وفى الحديث: إن قراءة الرجل آخر الليل محضورة. # وجاء طاووس إلى رجل وقت السحر فقالوا: هو نائم، فقال: ما كنت أرى أن أحدا ~~ينام وقت السحر. # فإذا فرغ المريد من صلاة السحر، فليستغفر الله عز وجل. وروى عن ابن عمر ~~رضى الله عنهما أنه كان يفعل ذلك. ### | 4 فصل في اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال # اعلم: أن السالك لطريق الآخرة لا يخلو من ستة أحوال: إما أن يكون عابدا، ~~أو عالما، أو متعلما، أو واليا، أو محترفا، أو مستغرقا بمحبة الله عز وجل ~~مشغولا به عن غيره. # الأول: العابد: وهو المنقطع عن الأشغال كلها إلى التعبد، فهذا يستعمل ما ~~ذكرنا من الأوراد، وقد تختلف وظائفه، فقد ms043 كانت أحوال المتعبدين من السلف ~~مختلفة، فمنهم من كان يغلب على حاله التلاوة، حتى يختم في يوم ختمة، أو ~~ختمتين، أو ثلاثا، وكان فيهم من يكثر التسبيح، ومنه من يكثر الصلاة، ومنه ~~من يكثر الطواف بالبيت. # فإن قيل: فما الأولى أن يصرف إليه أكثر الأوقات من هذه الأوراد؟ # فاعلم أن قراءة القرآن في الصلاة قائما مع التدبر يجمع الجميع، ولكن ربما ~~عسرت المواظبة على ذلك، والأفضل يختلف باختلاف حال الشخص، ومقصود الأوراد ~~تزكية القلب وتطهيره، فلينظر المريد ما يراه أشد تأثيرا فيه فليواظب عليه، ~~فإذا أحس بملل انتقل عنه إلى غيره. # قال أبو سليمان الدارانى: فإذا وجدت قلبك في القيام فلا تركع، وإذا وجدته ~~في الركوع فلا ترفع. # الثانى: العالم: الذي ينتفع الناس بعلمه في فتوى، أو تدريس، أو تصنيف، أو ~~تذكير، فترتيبه في الأوراد يخالف ترتيب العابد فإنه يحتاج إلى المطالعة في ~~الكتب، والتصنيف والإفادة، فان استغرق الأوقات في ذلك، فهو أفضل ما يشتغل ~~به بعد المكتوبات، وإنما نعنى بالعلم المقدم على العبادة الذي يرغب في ~~الآخرة، ويعين على # PageV01P065 # # سلوك طريقها، والأولى بالعالم أيضا أن يقسم أوقاته، لأن استغراق الأوقات ~~في العلم لا تصبر عليه النفس، فينبغي أن يخص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس ~~بالأذكار والأوراد على ما ذكرنا، ثم ما بعد طلوع الشمس إلى الضحى في ~~الإفادة والتعليم، فإن لم يكن عنده من يتعلم، صرف ذلك الزمان إلى التفكير ~~في العلوم، فان صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال بهموم الدنيا ~~يعين على التفطن للمشكلات، ثم من ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة، ~~لا يترك ذلك إلا في وقت أكل، أو طهارة، أو مكتوبة، أو قيلولة، ومن العصر ~~إلى اصفرار الشمس بسماع ما يقرأ عليه من تفسير، أو حديث، أو علم نافع، ومن ~~الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالاستغفار والتسبيح، فيكون ورده الأول من عمل ~~اللسان، والثاني بى عمل القلب بالتفكير، والثالث في عمل العين واليد ~~والمطالعة والنسخ، والرابع بعد العصر صفى عمل السمع لتتروح العين واليد، ms044 ~~فان المطالعة والنسخ بعد العصر ربما أضرا بالعين. # وأما الليل: فأحسن قسمة فيه قمسة الشافعي رحمه الله، فانه كان يقسمه ~~ثلاثة أجزاء: الثلث الأول لكتابة العلم، والثاني للصلاة، والثالث للنوم، ~~فأما الصيف، فربما لا يحتمل ذلك، إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار. # الثالث: حال المتعلم: فإن المتعلم أفضل من التشاغل بالأذكار والنوافل، ~~وحكم المتعلم حكم العالم في ترتيب الأوراد، لكنه يشتغل بالاستفادة حين ~~يشتغل العالم بالإفادة، وبالتعليق والنسخ حين يشتغل العالم بالتصنيف، فإن ~~كان من العوام كان حضوره مجالس الذكر والعلم والوعظ أفضل من اشتغاله ~~بالأوراد المتطوع بها. # الرابع: الوالي: مثل الإمام، والقاضى، أو المتوفى للنظر في أمور ~~المسلمين، فقيامه بحاجات المسلمين وأغراضهم على وفق الشرع وقصد الإخلاص ~~أفضل من الأوراد المذكورة، لأنه عبادة يتعدى نفعها، فينبغي أن يقتصر في ~~النهار على المكتوبات، ثم يستفرغ باقي الزمان في ذلك، ويقنع بأوراد الليل. # الخامس: المحترف: وهو محتاج إلى الكسب له أو لعياله، فليس له أن يستغرق ~~الزمان في التعبد، بل يجتهد في الكسب مع دوام الذكر، فإذا حصل له ما يكفيه ~~عاود الأوراد. # السادس: المستغرق بمحبة الله سبحانه: فهذا ورده بعد المكتوبات حضور القلب ~~مع الله تعالى، وهو يحركه إلى ما يريد من ورده. # PageV01P066 # # وينبغى أن يداوم على الأوراد، لقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "أحب ~~العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل". وكان النبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~عمله ديمة. ### | 5 باب في قيام الليل وفضله والأسباب الميسرة لقيامه ونحو ذلك # قال الله تعالى {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16]. # وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب ~~الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم ومغفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" وفى ~~فضله أحاديث كثيرة. # وقال الحسن البصري رحمه الله: لم أجد من العبادة شيئا أشد من الصلاة في ~~جوف الليل، فقيل له: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا ~~بالرحمن فألبسهم من نوره. ### | 6 فصل في الأسباب الميسرة لقيام الليل # اعلم: أن قيام الليل ms045 صعب إلا من وفق للقيام بشروطه الميسرة له. # فمن الأسباب ظاهر، ومنها باطن. # فأما الظاهر: فأن لا يكثر الأكل، كان بعضهم يقول: يا معشر المريدين لا ~~تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فتناموا كثيرا، فتخسروا كثيرا. # ومنها: أن لا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال الشاقة. # ومنها: أن لا يترك القيلولة بالنهار، فإنها تعين على قيام الليل. # ومنها: أن يتجنب الأوزار. # قال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته. # وأما الميسرات الباطنة: # فمنها سلامة القلب للمسلمين، وخلوه من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا. # ومنها: خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل. # ومنها: أن يعرف فضل قيام الليل. # PageV01P067 # # ومن أشرف البواعث على ذلك الحب لله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ~~ناجى ربه، وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام. # قال أبو سليمان رحمه الله: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في ~~لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. # وفى "صحيح مسلم" عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن في الليل ~~لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا آتاه إياه، وذلك كل ~~ليلة". # وإحياء الليل مراتب: # أحدها: أن يحيى الليل كله، روى ذلك عن جماعة من السلف. # الثانية: أن يقوم نصف الليل، وهو مروى أيضا عن جماعة من السلف وأحسن ~~الطريق في هذا أن ينام الثلث الأول من الليل، والسدس الأخير منه. # المرتبة الثالثة: أن يقوم ثلث الليل، فينبغي أن ينام النصف الأول، والسدس ~~الأخير، وهو قيام داود عليه السلام. # ففى "الصحيحين": "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ~~ويقوم ثلثه، وينام سدسه"، ونوم آخر الليل حسن، لأنه يذهب آثار النعاس من ~~الوجه بالغداة، ويقلل صفرته. # المرتبة الرابعة: أن يقوم سدس الليل أو خمسه، والأفضل من ذلك ما كان في ~~النصف الآخير، وبعضهم يقول: أفضله السدس الأخير. # المرتبة الخامسة: أن لا يراعى التقدير، فان مراعاة ذلك صعب. # ثم فيما يفعله طريقان: # أحدهما: أن يقوم أول الليل إلى أن يغلبه النوم فينام، فإذا ms046 انتبه قام، ~~فإذا غلبه النوم نام، وهذا من أشد المكابدة، وهو طريق جماعة من السلف. # وفى "الصحيحين" من حديث أنس رضى الله عنه: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مصليا من الليل إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه ~~نائما إلا رأيناه. وكان عمر رضى الله عنه يصلى من الليل ما شاء الله، حتى ~~إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله، فيقول: الصلاة الصلاة. # PageV01P068 # # وقال الضحاك: أدركت أقواما يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول ~~الضجعة. الطريق الثانى: أن ينام أول الليل، فإذا أخذ حظه من النوم، ~~وانتبه،، قام الباقي. قال سفيان الثوري: إنما هو أول نومة، فإذا انتبهت لم ~~أقلها. -يعنى: لم ينم-. # المرتبة السادسة: أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين، فقد روينا عن ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "صلوا من الليل، صلوا أربعا، صلوا ~~ركعتين" (1) ... الحديث. # وفى "سنن أبى داود" قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ~~استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا جميعا ركعتين، كتبا ليلتئذ من الذاكرين ~~الله كثيرا والذاكرات". وكان طالحة بن مصرف يأمر أهله بقيام الليل، ويقول: ~~صلوا ركعتين، فإن الصلاة في جوف الليل تحط الأوزار. # فهذه طرق قسمة الليل، فليتخير المريد لنفسه ما يسهل عليه، فان صعب القيام ~~عليه بى وسط الليل، فلا ينبغي أن يخل بإحياء ما بين العشاءين وورد السحر، ~~ليكون قائما في الطرفين وهذه مرتبة سابعة. ### | 7 فصل [فيمن صعبت عليه الطهارة في الليل] # فأما من صعبت عليه الطهارة في الليل، وثقلت عليه الصلاة، فليجلس مستقبل ~~القبلة وليذكر الله تعالة، وليدع مهما قدر. فان لم يجلس فليدع وهو مضطجع، ~~ومن كان له ورد فغلبه النوم وفاته، فليأت به بعد صلاة الضحى. فقد ورد ذلك ~~في الحديث. # وليحذر من له عادة بقيام الليل أن يتركها، ففى "الصحيحين" أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن عمرو: "لا تكن مثل فلان، كان ~~يقوم ms047 الليل فترك قيام الليل. PageV01P069 # ### | 8 فصل في بيان الليالي والأيام الفاضلة # أما الليالي المخصوصات بمزيد الفضل التي يستحب إحياؤها، فخمس عشرة ليلة ~~ولا ينبغي للمريد أن يغفل عنهن، لأنه إذا غفل التاجر عن موسم الربح فمتى ~~يربح؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! فمن هذه الليالي سبع في رمضان: الليلة السابعة ~~عشرة، وهى التي كانت صبيحتها وقعة بدر، والست الباقية هن أوتار العشر ~~[الأخير]، إذا فيهن تطلب ليلة القدر وأما الثمان الآخر: فأول ليلة من ~~المحرم، وليلة عاشوراء، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلتا العيدين ~~(1). وقد ورد صلوات لبعض هذه الليالي وليس فيها ما يثبت. # وأما الأيام الفاضلة فتسعة عشر يوما: يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم سبع ~~وعشرين من رجب، وهو أول يوم هبط فيه جبريل على النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم ويوم سبع عشرة من رمضان كان فيه وقعة بدر، ويوم النصف من شعبان، ويوم ~~الجمعة، ويوما العيدين، والأيام المعلومات وهى عشر ذي الحجة، والأيام ~~المعدودات وهى أيام التشريق. # ومن فواضل الأيام في الأسبوع: يوم الاثنين، والخميس، وأيام البيض. وفيها ~~فضل كبير مذكور في فضائل الصوم. # آخر كتاب الأوراد، وهو آخر ربع العبادات، وبالله التوفيق. PageV01P070 # ### | الربع الثاني من الكتاب ربع العادات وفيه أبواب ### | باب في الأكل والاجتماع عليه والضيافة ونحو ذلك # وآداب الأكل، منها ما هو قبله، ومنها ما هو مع الأكل، ومنها ما هو بعد ~~الأكل. # فمن القسم الأول: غسل اليدين قبل الأكل، كما ورد فى الحديث، لأنها لا ~~تخلو من درن، ومن ذلك أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض، فانه ~~أقرب إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رفعه على المائدة، وهو ~~أدنى إلى التواضع، ومن ذلك أن يجلس الجلسة على السفرة، فينصب رجله اليمنى، ~~ويعتمد على اليسرى، وينوى بأكله أن يتقوى على طاعة الله تعالى ليكون مطيعا ~~بالأكل، ولا يقصد به التنعم فقط، وعلامة صحة هذه النية أخذ البلغة دون ~~الشبع. قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من ms048 ~~بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث ~~لشرابه وثلث لنفسه". # ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد يده إلى الطعام إلا وهو جائع، وأن يرفع ~~يده قبل الشبع، ومع فعل ذلك لم يكد يحتاج إلى طبيب، ومن ذلك أن يرضى ~~بالموجود من الرزق، ولا يحتقر اليسير منه، وأن يجتهد فى تكثير الأيدى على ~~الطعام ولو من أهله وولده. # القسم الثانى: فى الآداب حالة الأكل: وهو أن يبدأ ببسم الله فى أوله، ~~ويحمد الله تعالى فى آخره. # ومن ذلك أن يأكل باليمنى ويصغر اللقمة ويجود مضغها، وأن لا يمد يده إلى ~~أخرى حتى يبتلع الأولى، ولا يذم مأكولا، ومن ذلك أن يأكل مما يليه، إلا أن ~~يكون الطعام متنوعا كالفاكهة، وليأكل بثلاث أصابع، وإذا وقعت لقمة أخذها. # ومن ذلك أن لا ينفخ فى الطعام الحار، ولا يجمع بين التمر والنوى فى طبق ~~واحد، ولا يجمعه فى كفه، بل يضعه من فيه على ظهر كفه ثم يلقيه، وكذا كل ~~ماله عجم وثفل، ولا يشرب الماء فى أثناء الطعام، فانه أجود فى باب الطب. # PageV01P071 # # ومن آداب الشرب أن يتناول الإناء بيمينه، وينظر فيه قبل الشرب، ويمص مصا ~~لاعبا، فقد روى عن على رضى الله عنه: مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا، فإن ~~الكباد من العب. # ولا يشرب قائما، ويتنفس فى شربه ثلاثا. # ففى "الصحيحين" أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان يتنفس فى الإناء ~~ثلاثا. والمعنى يتنفس فى شربه فى الإناء، بأن يباعد الإناء عنه ويتنفس، لا ~~أن يكون النفس فى الإناء. # القسم الثالث: من آداب الأكل ما يستحب بعد الطعام، وهو أن يمسك قبل الشبع ~~ويلعق أصابعه، وأن يسلت (1) القصعة، وليحمد الله، ففى الحديث عن النبى صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة ~~فيحمده عليه، ويشرب الشربة فيحمده عليها"، ويغسل يده من الغمر (2). ### | 1 فصل فيما يزيد من الآداب بسبب الاجتماع والمشاركة فى الأكل # من ذلك ms049 أن لا يبتدئ فى الأكل إلا إذا كان معه من يستحق التقدم لكبر سن أو ~~زيادة فضل، إلا أن يكون هو المتبوع. # ومنها أن لا يسكتوا على الطعام، بل يتكلمون بالمعروف، ويتحدثون بحكايات ~~الصالحين فى الأطعمة وغيرها. # ومن ذلك أن يقصد كل منهم الإيثار لرفيقه، ولا يحوج رفيقه إلى أن يقول له: ~~كل، بل ينبسط ولا يتصنع بالانقباض. # ومن ذلك أن لا ينظر إلى أصحابه حالة الأكل لئلا يستحيوا. # ومن ذلك أن لا يفعل ما يستقذره من غيره، فلا ينفض يده فى القصعة، ولا ~~يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة فى فيه، وإذا أخرج شيئا من فيه ليرمى به، ~~صرف وجهه عن # PageV01P072 # # الطعام وأخذه بيساره، ولا يغمس اللقمة الدسمة فى الخل، ولا الخل فى ~~الدسمة، فقد يكرهه غيره، ولا يغمس بقية اللقمة التى أكل منها فى المرقة. ### | 2 فصل [فى تقديم الطعام إلى الإخوان] # ويستحب تقديم الطعام إلى الإخوان، روى ذلك عن على رضى الله عنه قال: لأن ~~أجمع إخوانى على صاع من الطعام أحب إلى من أن أعتق رقبة. # وكان خيثمى رحمه الله يصنع الخبيص والطعام الطيب، فيدعو إبراهيم والأعمش ~~ويقول: كلوا، فما صنعته إلا لكم. # ويقدم ما حضر من غير تكلف، ولا يستأذنهم فى التقديم، بل يقدم من غير ~~استئذان، ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده. # ومن آداب الزائر أن لا يقترح طعاما بعينه، وإن خير بين طعامين اختار ~~أيسرهما، إلا أن يعلم أن مضيفه يسر باقتراحه، ولا يقصر عن تحصيل ذلك، فقد ~~نزل الشافعى رحمه الله على الزعفرانى، وكان الزعفرانى يكتب كل يوم رقعة بما ~~يطبخ من الألوان، ويسلمها إلى الجارية، فأخذ الشافعى الرقعة وألحق فيها ~~لونا آخر، فلما علم الزعفرانى اشتد فرحه. ### | 3 فصل [لا تدخل على قوم يأكلون] # ولا ينبغى لأحد إذا علم أن قوما يأكلون أن يدخل عليهم، فإن صادفهم من غير ~~قصد، فسألوه الأكل، نظر، فإن علم أنهم إنما سألوه حياء منه، فلا يأكل، وإن ~~علم أنهم يحبون أكله معهم، جاز له ms050 أن يأكل. # ومن دخل دار صديقه فلم يجده وكان واثقا به عالما أنه إذا أكل من طعامه سر ~~بذلك، جاز له أن يأكل. ### | 4 فصل [في آداب الضيافة] # ومن آداب الضيافة، أن يقصد بدعوته الأتقياء دون الفساق، وقال بعض السلف: ~~لا تأكل إلا طعام تقى، ولا يأكل طعامك إلا تقى (1). PageV01P073 # # وينبغى أن يقصد الفقراء دون الأغنياء. # وينبغى أن لا يهمل أقاربه فى ضيافتهم، فان إهمالهم يوجب الإيحاش وقطيعة ~~الرحم. وكذلك يراعى الترتيب فى أصدقائه ومعارفه، ولا يقصد بدعوته المباهاة ~~والتفاخر، وبل استعمال السنة فى إطعام الطعام واستمالة قلوب الإخوان، ~~وإدخال السرور على قلوب المؤمنين، ولا يدعو من يعلم أنه تشق عليه الإجابة، ~~أو إذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب. # وأما آداب الإجابة، فان كانت دعوة عرس، فالإجابة عليها واجبة إذا دعاة ~~المسلم فى اليوم الأول، وإن كانت لغيره فهى جائزة، ثم ينبغى أن لا يخص ~~الغنى بالإجابة دون الفقير، ولا يمتنع من الدعوة لكونه صائما، بل يحضر، فان ~~كان تطوعا وعلم أن فطره يسر أخاه المسلم فليفطر. # فأما إن كان الطعام حراما فليمتنع عن الإجابة، وكذلك إذا كان ثمة فرش ~~محرمة، أو إناء محرم، أو مزمار أو صورة، وكذلك إذا كان الداعى ظالما أو ~~فاسفا أو مبتدعا أو مفاخرا بدعوته. # وينبغي أن لا يقصد بالإجابة إلى الدعوة نفس الأكل، بل ينوى به الاقتداء ~~بالسنة، وإكرام أخيه المؤمن، وينوى صيانة نفسه عمن يسئ به الظن، فربما قيل ~~عنه إذا امتنع: هذا متكبر. # وينبغى أن يتواضع فى مجلسه إذا حضر، ولا يتصدر، وإن عين له صاحب الدار ~~مكانا لم يتعده، ولا يكثر النظر إلى المكان الذى يخرج منه الطعام، فإنه ~~دليل على الشره. ### | 5 فصل [في آداب إحضار الطعام] # وأما إحضار الطعام فله خمسة آداب: # الأول: تعجيله، فذلك من إكرام الضيف. # الثانى: تقديم الفاكهة أولا قبل غيرها، وذلك أصلح فى باب الطب، وقد قال ~~الله تعالى: {وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون} [الواقعة: 20، ~~21]. # ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم، ms051 خصوصا المشوى، ثم أفضل الطعام بعد ~~اللحم الثريد، ثم الحلوى، وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد، وتكملة ~~الأمر صب # PageV01P074 # # الماء الفاتر على اليد عند الغسل. # الثالث: أن يقدم جميع الألوان الحاضرة. # الرابع: أن لا يبادر رفعها بل يمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا أيديهم. # الخامس: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية، فإن التقليل من الكفاية نقص فى ~~المروءة. # وينبغى أن يعزل لأهل البيت نصيبهم قبل تقديم الطعام، فإذا أراد الضيف ~~الانصراف ينبغى أن يخرج معه إلى باب الدار، فإنه سنة، وذلك من إكرام الضيف ~~ومن تمام الإكرام طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى ~~المائدة. # وأما الضيف فينبغى أن يخرج طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير، فذلك من حسن ~~الخلق والتواضع، ولا يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، ويراعى قلبه في قدر ~~الإقامة. # *** # PageV01P075 # ### | كتاب النكاح وآدابه وما يتعلق به # لا يختلف العلماء فى أن النكاح مستحب، مندوب إليه، كثير الفضائل، وفيه ~~فوائد: # منها: الولد، لأن المقصود بقاء النسل، وفيه فوائد محبة الله تعالى بالسعي ~~لذلك، ليبقى جنس الإنسان. # وفيه طلب محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى تكثير من به ~~مباهاته. # وفيه طلب التبرك بدعاء الولد الصالح والشفاعة بموت الولد الصغير (1). # ومن فوائد النكاح: التحصن من الشيطان بدفع غوائل الشهوة. # وفيه ترويح النفس، وإيناسها بمخالطة الزوجة. # ومنها: تفريغ القلب عن تدبير المنزل، والتكفل به بشغل الطبخ والكنس ~~والفراش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب العيش، فإن الإنسان يتعذر عليه أكثر ~~ذلك مع الوحدة، ولو تكفل به لضاع أكثر أوقاته، ولم يتفرغ للعلم والعمل، ~~فالمرأة الصالحة عون على الدين بهذه الطريقة، إذ اختلال هذه الأسباب شواغل ~~للقلب. # ومن فوائده أيضا: مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية، والقيام ~~بحقوق الأهل، والصبر على أخلاقهن، واحتمال الأذى منهن، والسعى فى إصلاحهن ~~وإرشادهن إلى طريق الدين، والاجتهاد فى كسب الحلال لأجلهن، والقيام بتربية ~~الأولاد، وكل هذه أعمال عظيمة الفضل، فإنها رعاية وولاية، وفضل الرعاية ~~عظيم، وإنما يحترز منها من يخاف القصور عن القيام بحقها، ومقاساة ms052 الأهل ~~والولد بمنزلة الجهاد فى سبيل الله عز وجل. # وفى أفراد مسلم، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "دينار ~~أنفقته فى سبيل الله، ودينار أنفقته فى رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ~~ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الذى أنفقته على أهلك". PageV01P076 # ### | 1 فصل [في آفات النكاح] # وفى النكاح آفات: # أقواها: العجز عن طلب الحلال، فان ذلك يصعب، فربما امتدت يد المتزوج إلى ~~ما ليس له. # الثانية: القصور عن القيام بحقوق النساء، والصبر على أخلاقهن وأذاهن، وفى ~~ذلك خطر، لأن الرجل راع وهو مسؤول عن رعيته. # الثالثة: أن يكون الأهل والولد يشغلونه عن ذكر الله عز وجل، فينقضي ليله ~~ونهاره بالتمتع بذلك، فلا يتفرغ القلب للفكر فى الآخرة والعمل لها، فهذه ~~مجامع الآفات، والفوائد، فالحكم على شخص واحد، بأن الأفضل له النكاح أو ~~العزوبة مطلقا مصروف على الإحاطة بمجامع هذه الأمور، بل ينبغي للمريد أن ~~يعرض نفسه على هذه الأحوال، فإن انتفت عنه الآفات واجتمعت له الفوائد، بأن ~~كان له مال حلال وحسن خلق، وهو مع ذلك شاب يحتاج إلى تسكين الشهوة، ومنفرد ~~يحتاج إلى تدبير المنزل، فلا شك أن النكاح أفضل، وإن انتفت هذه الفوائد ~~واجتمعت فيه الآفات، فتركه أفضل، وهذا فى حق من لم يحتج إلى النكاح، فإن ~~احتاج إليه فانه يلزمه. ### | 2 فصل [فى طيب العشرة] # ويعتبر فى المرأة لطيب العشرة أمور: # أحدها: الدين، وهو الأصل، لقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "عليك ~~بذات الدين"، فإذا لم يكن لها دين أفسدت دين زوجها، وأزرت به. وإن سلكت ~~سبيل الغيرة لم يزل فى بلاء وتكدير عيش. # الثاني: حسن الخلق، فإن سيئة الخلق ضررها أكثر من نفعها. # الثالث: حسن الخلق، وهو مطلوب، إذ به يحصل التحصن، ولهذا أمر بالنظر إلى ~~المخطوبة. وقد كان أقوام لا ينظرون فى الحسن، ولا يقصدون التمتع، كما روى ~~أن الإمام أحمد رحمه الله اختار امرأة عوراء على أختها، إلا أن هذا يندر، ~~والطباع على ضده. # PageV01P077 # # الرابع: خفة المهر، وقد زوج سعيد ms053 بن المسيب ابنته بدرهمين. # وقال عمر رضى الله عنه: لا تغالوا فى مهور النساء. # وكما تكره المغالاة فى المهر من جهة المرأة، يكره السؤال عن مالها من جهة ~~الرجل. قال الثوري: إذا تزوج الرجل وقال: أي شئ للمرأة؟ فاعلم أنه لص. # الخامس: البكارة، لأن الشارع ندب إلى ذلك، ولأنها تحب الزوج وتألفه أكثر ~~من الثيب، فيوجب ذلك الود، فان الطباع مجبولة على الأنس بأول مألوف، وهو ~~أيضا أكمل لمودته لها، لأن الطبع ينفر من التي مسها غيره. # السادس: أن تكون ولودا. # السابع: النسب، وهو أن تكون من بيت دين وصلاح. # الثامن: أن تكون أجنبية. # وكما ينبغي للرجل أن ينظر فى المرأة، ينبغي للولى أن ينظر فى دين الرجل ~~وأخلاقه وأحواله، لأنه تصير بالنكاح مرقوقة، ومتى زوجها من فاسق أو مبتدع، ~~فقد جنى عليها وعلى نفسه. # قال رجل للحسن: ممن أزوج ابنتي؟ قال: ممن يتقى الله، فإنه إن أحبها ~~أكرمها، وإن أبغضها لن يظلمها. ### | 3 فصل في آداب المعاشرة والنظر فيما على الزوج وفيما على الزوجة # أما الزوج، فعليه مراعاة الاعتدال والأدب فى اثني عشر أمرا: # الأول: الوليمة فإنها مستحبة. # الثاني: حسن الخلق مع الزوجات. واحتمال الأذى منهن لقصور عقلهن. # وفى الحديث الصحيح: "استوصوا بالنساء خيرا، فانهن خلقن من ضلع، وإن أعوج ~~ما فى الضلع أعلاه، فان ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا ~~بالنساء خيرا". # واعلم: أنه ليس حسن الخلق مع المرأة كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها، # PageV01P078 # # والحلم على طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ففى "الصحيحين"، من حديث عمر رضى الله عنه أن أزواج النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم كن يراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. والحديث مشهور. # الثالث: أن يداعبها ويمازحها، وقد سابق عليه السلام عائشة رضى الله عنها، ~~وكان يداعب نساءه صلى الله عليه وآله وسلم، وقال لجابر: "هلا بكرا تلاعبها ~~وتلاعبك". # الرابع: أن يكون ذلك بقدر، ولا ينبسط فى الرعاية إلى أن تسقط هيبته ~~بالكلية عند المرأة، ms054 بل ينبغي أن يقصد طريق الاقتصاد، وقد روينا عن عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه أنه عتب على بعض عماله، فكلمته امرأة عمر رضى الله عنه ~~فيه فقالت: يا أمير المؤمنين فيم وجدت عليه؟ قال: يا عدوة الله، وفيم أنت ~~وهذا؟ إنما أنت لعبة يلعب بك ثم تتركين. # الخامس: الاعتدال فى الغيرة، وهو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي يخشى ~~غوائلها، ولا يبالغ فى إساءة الظن، وقد نهى النبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يطرق الرجل أهله ليلا. # السادس: الاعتدال فى النفقة والقصد دون الإسراف والتقتير، ولا ينبغي ~~للرجل أن يستأثر عن أهله بالطعام الطيب، فان ذلك مما يوغر الصدر. # السابع: أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه وما يدرى به كيف معاشرة ~~الحائض، ويلقنها الاعتقاد الصحيح، ويزيل عن قلبها كل بدعة إن كانت، ويعلمها ~~أحكام الصلاة والحيض والاستحاضة، فيعرفها أنها إذا انقطع دمها قبل المغرب ~~بمقدار ركعة فعليها الظهر والعصر، وإذا انقطع دمها الصبح بمقدار ركعة ~~فعليها قضاء المغرب والعشاء، وهذا لا يكاد النساء يراعينه. # الثامن: إذا كانت له نسوة ينبغي أن يعدل بينهن، والعدل فى المبيت ~~والعطاء، لا فى الحب والوطء، فإن ذلك لا يملكه، فان سافر وأراد استصحاب ~~إحداهن أقرع بينهن، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. # التاسع: النشوز، فإذا كان النشوز من المرأة، فله أن يؤدبها ويحملها على ~~الطاعة قهرا، ولكنه ينبغي أن يتدرج فى تأديبها بتقديم الوعظ والتخويف، فإن ~~لم ينفع # PageV01P079 # # هجرها في المضجع، فولاها ظهره أو انفرد عنها بالفراش، وهجرها فى الكلام ~~فيما دون ثلاثة أيام، فإن لم ينفع ضربها ضربا غير مبرح، وهو أن لا يدمى ~~جسما، ولا يضرب لها وجها. # العاشر: فى آداب الجماع، يستحب البداءة بالتسمية، والانحراف عن القبلة، ~~وأن يتغطى هو أهله بثوب، وأن لا يكونا متجردين، وأن يبدأ بالملاعبة والضم ~~والتقبيل. ومن العلماء من استحب الجماع يوم الجمعة، ثم إذا قضى وطره ~~فليتمهل لتقضى وطرها، فان إنزالها ربما تأخر. # ومن الآداب: أن تأتزر الحائض بإزار من حقويها ms055 إلى ما بين الركبة إذا أراد ~~الاستمتاع بها، ولا يجوز وطؤها فى الحيض، ولا فى الدبر، ومن أراد أن يجامع ~~مرة ثانية فليغسل فرجة ويتوضأ. # ومن الآداب: أن لا يحلق شعره، ولا يقلم أظافره، ولا يخرج دما وهو جنب، ~~وأما الغزل فهو مباح مع الكراهة. # الحادى عشر: فى آداب الولادة، وهى ستة: # الأول: أن لا يكثر فرحه بالذكر وحزنه بالأنثى، فانه لا يدرى في أيهما ~~الخير. # الثاني: أن يؤذن فى أذن المولود حين يولد. # الثالث: أن يسميه اسما حسنا. # وفى أفراد مسلم: "إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن" ~~ومن كان له اسم مكروه، استحب تبديله، فقد غير النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم أسماء جماعة، وقد كره من الأسماء، أفلح، ونافع، ويسار، ورباح، وبركة، ~~لأنه يقول: أهو ثمة؟ فيقال: لا. # الرابع: العقيقة عن الذكر شاتان، وعن الأنثى شاة. # الخامس: أن يحنكه بتمرة أو حلاوة. # السادس: الختان. # الثاني عشر: مما يتعلق بالزواج الطلاق، وهو أبغض المباحات إلى الله عز ~~وجل فيكره للرجل أن يفاجئ به المرأة من غير ذنب، ولا يجوز للمرأة أن تلجئه ~~إلى طلاقها، فإذا أراد الطلاق فليراع فيه أربعة أشياء. # PageV01P080 # # الأول: أن يطلقها فى طهر لم يصبها فيه، لئلا تطول عليها العدة. # الثاني: أن يقتصر على طلقة واحدة ليستفيد بها الرجعة إن ندم. # الثالث: أن يتلطف فى الأمر فى الطلاق بإعطائها ما تتمتع به لينجبر ~~الفاجع، فقد روى عن الحسن بن على رضى الله عنهما أنه طلق امرأة وبعث إليها ~~بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق. # الرابع: أن لا يفشى سرها، وفى الحديث الصحيح فى أفراد مسلم "إن من أشر ~~الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه، ثم ~~ينشر سرها". وروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأته فقيل له: ما الذى ~~يريبك منها؟ فقال: العاقل لا يهتك سرا، فلما طلقها قيل له: لم طلقتها فقال: ~~مالي ولامرأة غيري. فهذا كله فى بيان ما على ms056 الزوج. # القسم الثاني: من آداب المعاشرة، ما على الزوجة لزوجها. # عن أبى أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لو جاز ~~لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" لعظم حقه عليها. وفى هذا ~~القسم أحاديث كثيرة تدل على تأكيد حق الزوج على زوجته، وحقوقه عليها كثيرة، ~~أهمها أمران: # أحدهما: الستر والصيانة. # الثاني: القناعة، وعلى هذا كان النساء فى السلف، كان الرجل إذا خرج من ~~منزله يقوله له أهله: إياك وكسب الحرام، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على ~~النار. # ومن الواجب عليها: أن لا تفرط فى ماله، فإن أطعمت عن رضاه كان لها مثل ~~أجره، وإن كان بغير رضاه، كان له الأجر وعليها الوزر. # وينبغى لوالديها تأديبها قبل نقلها إلى الزوج لتعرف آداب العشرة، وينبغى ~~للمرأة أن تكون قاعدة فى بيتها، لازمة لمغزلها، قليلة الكلام لجيرانها، ~~كثيرة الانقباض حالة غيبة زوجها، تحفظه غائبا وحاضرا، وتطلب مسرته فى جميع ~~الأحوال، ولا تخونه فى نفسها ولا فى ماله، ولا توطئ فراشه من يكره، ولا ~~تأذن فى بيته إلا باذنه، ولتكن همتها صلاح شأنها وتدبير بيتها، قائمة بخدمة ~~الدار فى كل ما أمكنها، ولتكن مقدمة لحق زوجها على حق نفسها وحق جميع ~~أقربائها. آخر كتاب النكاح. # *** # PageV01P081 # ### | كتاب آداب الكسب والمعاش وفضله وصحة المعاملة وما يتعلق بذلك # اعلم أن الله سبحانه وتعالى بلطيف حكمته جعل الدنيا دار تسبب واكتساب، ~~تارة للمعاش، وتارة للمعاد، ونحن نورد آداب التجارات، والصناعات، وضرورة ~~الاكتساب وأسبابها ونشرحها. ### | 1 فصل في الكسب والحث عليه # قال الله تعالى: {وجعلنا النهار معاشا} [النبأ: 11]، فذكره فى معرض ~~الامتنان، وقال تعالى: {وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون} [الأعراف: ~~10] فجعلها نعمة، وطلب الشكر عليها، وقال تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم} [البقرة: 198]. # وفى الحديث أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "طلب الحلال جهاد" (1) ~~و "إن الله ليحب العبد المحترف" (2) وفى أفراد البخارى أن النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: "ما أكل أحد ms057 طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن ~~نبى الله داود كان يأكل من عمل يده". # وفى حديث آخر: "أن زكريا عليه السلام كان نجارا". # قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان آدم عليه السلام حراثا، ونوح نجارا، ~~وإدريس خياطا، وإبراهيم ولوط زراعين، وصالح تاجرا، وداود زرادا، وموسى ~~وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم رعاة. # وأما الآثار فروى أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بنى استعن بالكسب ~~الحلال، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة فى دينه، وضعف فى ~~عقله، وذهاب PageV01P082 # # مروءته، وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به. # وقيل لأحمد بن حنبل: ما تقول فى رجل جلس فى بيته أو مسجده وقال: لا أعمل ~~شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبى ~~صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحى"، وقال حين ذكر ~~الطير: "تغدو خماصا وتروح بطانا". # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يتجرون فى البر والبحر، ~~ويعملون فى نخلهم، والقدوة بهم. # وقال أبو سليمان الداراني: ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يتعب ~~لك، ولكن أبدأ برغيفيك فاحرزهما ثم تعبد، فان قيل: قال أبوالدرداء: زاولت ~~التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فاخترت العبادة؟ فالجواب: أنا لا نقول: إن ~~التجارة لا تراد لذاتها، بلا للاستغناء عن الناس، وإغناء العائلة، وإفاضة ~~الفضل على الإخوان، فأما إن كان المقصود نفس المال وجمعه، والتفاخر ونحو ~~ذلك، فهو مذموم، وليكن العقد الذى به الاكتسابجامعا لأمور أربعة: الصحة، ~~والعدل، والإحسان، والشفقة على الدين. # الأمر الأول: فى الصحة، فان كان العقد بيعا، فله ثلاثة أركان: العاقد ~~والمعقود عليه، واللفظ. # الركن الأول: أما العاقد، فينبغي للتاجر أن لا يعامل المجنون، لأنه غير ~~مكلف، فلا يصح بيعه، ولا يعامل العبد إلا أن يعلم أنه مأذون له، وكذلك ~~الصبى لا يعامل إلا أن يكون قد أذن له الأب أو الوصى، فيصير بمنزلة العبد ~~المأذون له، وعند الشافعي لا تصح عقود الصبى، ومعاملة ms058 الأعمى عندنا صحيحة، ~~يصح بيعه وشراؤه، وعند الشافعي لا تصح. # وأما الظلمة ومن أكثر ماله حرام، فلا ينبغي أن يعامل إلا فى شئ يعرف أن ~~عينه حلال. # الركن الثاني: المعقود عليه، وهو المال المقصود نقله، ولا يجوز بيع ~~الكلب، لأنه نجس العين. فأما البغل والحمار فيجوز بيعهما، سواء قلنا: إنهما ~~طاهران أو نجسان، ولا يجوز بيع الحشرات، ولا بيع العود والمزمار، والصور # PageV01P083 # # المصنوعة من الطين ونحوه، ولا يجوز بيع ما لا يقدر على تسليمه حسا ولا ~~شرعا، وأما الحس فكالطير فى الهواء، والعبد الآبق ونحوهما، وأما الشرع ~~فكالمرهون، وبيع الأم دون الولد الصغير، أو الولد دون الأم، فهذا ممنوع ~~تسليمه شرعا. # الركن الثالث: اللفظ، وهو الإيجاب والقبول، فان تقدم القبول للإيجاب لم ~~يصح فى إحدى الروايتين، ويصح فى الأخرى، سواء كان بلفظ الماضي أو بلفظ ~~الطلب، فان تبايعا بالمعاطاة، فظاهر كلام أحمد صحة البيع. # وقال القاضي أبو يعلى: لا يصح ذلك إلا فى الأشياء اليسيرة، وهذا أصلح ~~الأقوال، أعنى أن تكون المعاطاة فى الأشياء المحقرة دون النفيسة، لجريان ~~العادات بذلك، وينبغى من طريق الورع أن لا يترك الإيجاب والقبول ليخرج عن ~~شبهة الخلاف، وقد شدد الله تعالى فى أمر الربا، فينبغي أن يحذر من الوقوع ~~فيه، وهو قسمان: ربا الفضل، وربا النسيئة، فينبغي أن يعرف ذلك وما يجرى فيه ~~الربا، ويحتاج أيضا أن يعرف شروط السلم، والإجارة والمضاربة، والشركة، فان ~~المكاسب لا تنفك عن هذه العقود المذكورة. ### | 2 فصل في العدل واجتناب الظلم في المعاملة # الأمر الثاني: وهو العدل، واجتناب الظلم فى المعاملة، ونعنى بالظلم ما ~~يتضرر به الغير، وهو ينقسم إلى ما يعم ضرره وما يخص. # الأول: الاحتكار، وهو منهي عنه لما فيه من غلاء السعر وتضييق الأقوات على ~~الناس. # وصفته: أن يستكثر من ابتياع الغلات فى الغلاء، ويتربص بها زيادة الأسعار، ~~فأما إذا دخلت له غلة من ضيعته وحبسها، فليس محتكرا، وكذلك إذا كان الشراء ~~فى حال الاتساع والرخص على صفة لا يضيق على الناس، وفى الجملة تكره ms059 التجارة ~~فى القوت، لأنه قوام الآدمي. # القسم الثاني: ما يخص ضرره، نحو أن يثنى على السلعة بما ليس فيها، أو ~~يكتم بعض عيوبها فيضر بذلك المشترى. وقد قال النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "من غشنا ليس منا" (1). PageV01P084 # # واعلم: أن الغش حرام فى البيوع، وفى الصناعات، وقد سئل الإمام أحمد عن ~~رفو الثواب حتى لا يبين، فقال: لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه. # وينبغى للتاجر أن يحقق الوزن، ولا يتخلص فى هذا حتى يرجح إذا أعطى، وينقص ~~إذا أخذ، ومتى خلط العلاف الطعام ترابا ثم كاله فهو مطفف، وكذلك القصاب إدا ~~خلط عظما لم تجر العادة بمثله. # وقد نهى عن النجش، وهو أن يزيد فى السلعة من لا يريد شراءها ليغر ~~المشترى، ونهى عن التصرية. ### | 3 فصل [في الإحسان بالمعاملة] # الأمر الثالث: فى الإحسان بالمعاملة، وقد أمر الله تعالى بالعدل ~~والإحسان، فمن الإحسان المسامحة فى البيع، وأن لا يغبنه فى الربح بما لا ~~يتغابن فى العادة، فأما أصل المغابنة فمأذون فيه، لأن البيع للربح، ولكن ~~يراعى فيه التقريب، فإن بذل المشترى زيادة على الربح المعتاد لشدة رغبته ~~وحاجته، فينبغي أن يمتنع البائع من قبول ذلك، فإن ذلك من الإحسان. # ومن ذلك أنه إذا أراد استيفاء الثمن أو الدين، فيحسن تارة بالمسامحة ~~وتارة بحط البعض، وتارة بالإنظار، وتارة بالتساهل، وتارة فى جودة النقد. # ومن الإحسان: أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متضرر بالبيع، ~~والأحاديث تشهد بفضل هذه الأمور المذكورة، وما لصاحبها من الأجر والثواب. ### | 4 فصل [في شفقة التاجر على دينه] # الأمر الرابع: فى شفقة التاجر على دينه فيما يخصه ويعم آخرته، لا ينبغي ~~للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده، بل يراعى دينه، وإنما تتم شفقته على دينه ~~بمراعاة ستة أشياء: # الأول: حسن النية فى التجارة، فلينو بها الاستعفاف عن السؤال، وكف الطمع ~~عن الناس، والقيام بكفاية العيال، ليكون بذلك من جملة المجاهدين، ولينوا ~~النصح للمسلمين. # PageV01P085 # # الثاني: أن يقصد القيام فى صناعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات، فإن ms060 ~~الصناعة والتجارة لو تركت بطل المعاش، إلا أن من الصناعة ما هو مهم ومنها ~~ما يستغني عنه لكونه متعلقا بالزينة أو طلب التنعم، فليشتغل بصناعة مهمة، ~~ليكون فى قيامه بها كافيا عن المسلمين مهما، وليتجنب صناعة الصياغة، ~~والنقش، وتشييد البنيان بالجص، وجميع ما يزخرف به، فانه مكروه. # ومن المعاصي: خياطة الخياط القباء الديباج للرجل، ويكره أن يكون جزارا، ~~لأنه يوجب قساوة القلب، أو حجاما، أو كناسا لما فيه مباشرة النجاسة، وفى ~~معناه الدباغ. # ولا يجوز أخذا الأجرة على تعليم القرآن، والعبادات، وفروض الكفايات. # الثالث: أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة، وسوق الآخرة المساجد، ~~فينبغي أن يجعل أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته، فيواظب على الأوراد، ~~وقد كان صالحو السلف من التجار يجعلون أول النهار وآخره للآخرة، ووسطه ~~للتجارة، وإذا سمع أذان الظهر والعصر، فينبغي أن يترك المعاش اشتغالا بأداء ~~الفرض. # الرابع: أن يلازم ذكر الله تعالى فى السوق، ويشتغل بالتسبيح والتهليل. # الخامس: أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، فلا يكون أول من يدخل ~~السوق، ولا آخر من يخرج منها. # السادس: أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتوقى مواقع الشبه ومواضع ~~الريب، ولا يقف مع الفتاوى، بل يستفتي قلبه ما يحز في القلب. ### | 5 بيان الحلال والحرام # اعلم: أن طلب الحلال فرض على كل مسلم، وقد ادعى كثير من الجهال عدم ~~الحلال، وقالوا: لم يبق منه إلا الماء الفرات، والحشيش النبات، وماعدا ذلك ~~فقد أفسدته المعاملات الفاسدة، فلما وقع لهم هذا، وعلموا أنه لا بد لهم من ~~الأقوات توسعوا في الشبهة والحرام، وهذا من الجهل، وقلة العلم، فإن في ~~"الصحيحين" من حديث النعمان بن بشير رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: # PageV01P086 # # "الحلال بين، والحرام بين، وبينها أمور مشتبهات". # ولما كانت هذه الدعوى من هؤلاء الجهال بدعة قد عم ضررها، واستطار فى ~~الدين شررها، وجب كشف الغطاء عن فسادها بالإرشاد إلى مدرك الفرق بين الحلال ~~والشبهة. # ونحن نوضح ذلك في أقسام: ms061 # القسم الأول: في فضيلة طلب الحلال، وذم الحرام، ودرجات الحلال والحرام. ~~قال الله تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون: ~~51]، والطيبات: الحلال، فأمر بذلك قبل العمل، وقال في ذم الحرام: {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188]، إلى غير ذلك من الآيات. # وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" وذكر الحديث إلى قوله: "ثم ~~ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يارب يارب! ومطعمه ~~حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" رواه ~~مسلم. وروي في ذلك غير حديث. # وروى أن سعدا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تستجاب دعوته، ~~فقال له "أطب طعمتك تستجب دعوتك" (1). # وقد كان السلف ينظرون في الحلال ويدققون فيه، فأكل أبو بكر الصديق رضى ~~الله عنه شيئا من شبهة ثم قاءه (2). ### | 6 فصل في درجات الحلال والحرام # أعلم: أن الحلال كله طيب، ولكن بعضه أطيب من بعض، والحرام كله خبيث، ولكن ~~بعضه أخبث من بعض، كما أن الطيب يحكم على كل حلو بالحرارة، PageV01P087 # # ولكنه يقول: هذا حار في الدرجة الأولى، وهذا في الدرجة الثانية، وهذا في ~~الثالثة، وهذا في الرابعة. مثال ذلك في الحرام المأخوذ بعقد فاسد، حرام ~~ولكنه ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر، بل المغصوب أغلظ، إذ فيه إيذاء ~~الغير، وترك طريق الشرع في الاكتساب، وليس في العقود الفاسدة إلى ترك طريق ~~التعبد فقط، وكذلك المأخوذ ظلما من فقير أو صالح أو يتيم، أخبث وأغلظ من ~~المأخوذ من قوي أو غني أو فاسق. ### | 7 فصل [في درجات الورع] # والورع له درجات أربع: # الدرجة الأولى: وهى درجة العدول عن كل ما تقتضي الفتوى تحريمه، وهذا لا ~~يحتاج إلى أمثلة. # الدرجة الثانية: الورع عن كل شبة لا يجب اجتنابها، ولكن يستحب، كما يأتى ~~في قسم الشبهات. ومن هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم "دع ما ms062 يريبك إلى ما ~~لا يريبك". # الدرجة الثالثة: الورع عن بعض الحلال مخافة الوقوع في الحرام. # الدرجة الرابعة: الورع عن كل ما ليس لله تعالى، وهو ورع الصديقين، مثال ~~ذلك ما روى عن يحيى بن يحيى النيسابوري رحمة الله عليه أنه شرب دواء، فقالت ~~له امرأته: لو مشيت في الدار قليلا حتى يعمل الدواء، فقال: هذه مشية لا ~~أعرفها، وأنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة. فهذا رجل لم تحضره نية في هذه ~~المشية تتعلق في الدين، فلم يقدم عليها، فهذا من دقائق الورع. # والتحقيق فيه أن الورع له أول وغاية، وبينهما درجات في الاحتياط، فكلما ~~كان الإنسان أشد تشديدا، كان أسرع جوازا على الصراط، وأخف ظهرا، وتتفاوت ~~المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع، كما تتفاوت دركات ~~النار في حق الظلمة بحسب درجات الحرام، فإن شئت فزد في الاحتياط، وإن شئت ~~فترخص، فلنفسك تحتاط وعليها تترخص. # القسم الثاني: في مراتب الشبهات وتمييزها عن الحلال والحرام، وحديث ~~النعمان بن بشير رضى الله عنه نص في هذه الأقسام الثلاثة، وهى الحلال ~~والحرام وما # PageV01P088 # # بينهما، والمشكل فيها هو المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس، وهو ~~الشبة. # ونحن نكشف الغطاء عنها فنقول: الحلال المطلق الذي لا يتعلق بذاته صفة ~~توجب تحريما لعينه، ولا يتعلق بأسبابه ما يطرق إليه تحريما أو كراهية. # مثال ذلك الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد. ~~الحرام المحض: ما فيه صفة محرمة، كالشدة في الخمر، والنجاسة في البول، أو ~~حصل بسبب منهي عنه، كالمتحصل بالظلم والربا، فهذان الطرفان ظاهران، ويلتحق ~~بهما ما تحقق أمره، ولكن يحتمل تغيره، ولم يكن لذلك الاحتمال سبب ظاهر يدل ~~عليه، فإن صيد البر والبحر حلال، إلا أنه من صاد ظبية أو سمكة، فإنه يحتمل ~~أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت، وهذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر ~~المختطف من الهواء، فمساكنة ذلك الاحتمال في الصيد ورع الموسوسين، لأنه وهم ~~مجرد لا دلالة عليه، فلو دل عليه دليل، ms063 مثل أن يجد الظبية جرحا لا يقدر ~~عليه، إلا بعد الضبط، كالكى، ويحتمل أن يكون غيره، فهذا موضع الورع. # وحد الشبهة ما تعارض فيه اعتقادان صدرا عن شيئين مقتضيين لاعتقادين. ~~ومثالات الشبهة كثيرة، والمهم منها مثالان: # المثال الأول: الشك في السبب المحلل أو المحرم، وينقسم إلى أربعة أنواع: # النوع الأول: أن يكون الحل معلوما من قبل، ثم يقع الشك في المحلل، فهذه ~~شبهة يجب اجتنابها، ويحرم الإقدام عليها، مثاله أن يرى صيدا فيجرحه فيقع في ~~الماء فيصادفه ميتا، ولا يدرى هل مات بالغرق أو بالجرح؟ فهذا حرام، لأن ~~الأصل التحريم. # النوع الثاني: أن يعرف الحل ويشك في المحرم، فيكون الأصل الحل، والحكم ~~له، كما لو طار طائر، فقال رجل: إن كان هذا غرابا فامرأته طالق، وقال آخر: ~~وإن لم يكن غرابا، فامرأته طالق، تم التبس الأمر، فإنا لا نقضي بالتحريم في ~~واحد منها، ولكن الورع اجتنابهما وتطليقهما. # النوع الثالث: أن يكون الأصل التحريم، ولكن طرأ ما يوجب التحليل بظن غالب ~~فهو مشكوك فيه، والغالب حله، مثاله أن يرمى إلى صيد فيغيب عنه ثم يدركه ~~ميتا وليس عليه أثر سوى سهمه، فهذا الظاهر فيه الحل، لأن الاحتمال إذا لم ~~يستند إلى # PageV01P089 # # دليل التحق بالوسوسة، فأما إن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى التحق ~~بالنوع الأول. # النوع الرابع: أن يكون الحل معلوما، ولكن يغلب على الظن طريان المحرم ~~بسبب معتبر في غلبة الظن شرعا، مثاله أن يؤدى اجتهاده إلى نجاسة أحد ~~الإناءين بالاعتماد على علامة معينة توجب عليه الظن، فتوجب تحريم شربه، كما ~~أوجب منع الوضوء به. # المثال الثاني: أن يختلط الحرام بالحلال، ويشتبه الأمر فيه. وذلك على ~~أضرب: # أحدها: إذا اختلطت ميتة بمذكاة، أو بعشرة من المذكيات، ونحو ذلك من العدد ~~المحصور، ومثله أن تشتبه أخته بأجنبيات، فهذه شبهة يجب اجتنابها. # الثاني: أن يختلط حرام محصور بحلال غير محصور، كما لو اشتبهت أخته أو عشر ~~رضائع بنسوة بلد كبير، فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح أهل البلد، بل له أن ينكح ms064 ~~من شاء منهن، لأن في تحريمهن حرجا كبيرا، وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه ~~حرام قطعا، لم يلزمه ترك الشراء والأكل، لأن في ذلك حرجا، وقد علم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أن في الناس من يرابى، وما تركو ~~الدراهم بالكلية، وأن مجنا سرق في زمانه، وما تركوا شراء مجن، فاجتناب هذا ~~من ورع الوسوسة. # الثالث: أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر، كحكم الأموال في زماننا ~~هذا، فلا يحرم بهذا الاختلاط تناول شئ بعينه، إلا أن يقترن بتلك العين ~~علامة تدل على أنه من الحرام نحو أن يأخذه من يد سلطان ظالم، فإن لم يكن له ~~علامة، فتركه ورع، ولا يحرم ذلك، لأنه قد علم في زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم والخلفاء بعده أن أثمان الخمور ودراهم الربا وغلول الغنيمة ~~اختلطت بالأموال، وقد أدركت الصحابة نهب المدينة وتصرف الظلمة ولم يمنعوا ~~من الشراء بالسوق، ولولا صحة ذلك لانسد باب جميع التصرفات فإن الفسق يغلب ~~على الناس، لكن الأصل في الأموال الحل، وإذا تعارض اصل وغالب، ولا أمارة ~~على الغالب، حكم بالأصل، كما قلنا في طين الشوارع وأواني المشركين، فقد ~~توضأ عمر رضى الله عنه من جرة نصرانية، مع أن مشربهم الخمر ومطعمهم الخنزير ~~ولا يحترزون من نجاسة، وكانت الصحابة تلبس الفراء المدبوغة والثياب ~~المصبوغة. # PageV01P090 # # ومن تأمل أحوال الدباغين والصباغين، علم غلبة النجاسة عليهم، فيدل ذلك ~~على أنهم لم يكون يحترزون إلا من نجاسة مشاهدة، أو يكون عليها علامة، فأما ~~الظن الذي يستفاد من رد الوهم إلى مجارى الأحوال، فلم يعتبروه، فان قيل قد ~~كانوا يتوسعون في أمور الطهارة ويحترزون من شبهات الحرام، فما الفرق؟ # قلنا: إن أردت أنهم كان يصلون مع النجاسة فباطل، وإن أردت انهم احترزوا ~~من كل نجاسة وجب اجتنابها فصحيح، وأما تورعهم عن الشبه، فكان بطريق كف ~~النفس عما ليس به بأس مخافة ما به بأس، والنفس تميل إلى الأموال كيف كانت ~~بخلاف الأنجاس، وقد كانوا يمتنعون مما ms065 يشغل قلوبهم من الحلال، والله أعلم. # القسم الثالث: من الكتاب: فى الحلال والحرام والبحث، والسؤال، والهجوم، ~~والإهمال ومظانها. # اعلم: أنه لو قدم لك الطعام أو أهديت لك هدية، أو أردت أن تشترى شيئا من ~~شخص فليس لك أن تقول: هذا مما لا أتحقق حله، فأريد أن أفتش عنه وليس لك أن ~~تترك البحث مطلقا، بل السؤال واجب مرة، ومندوب مرة، ومكروه مرة. # والقول الشافي فيه: أن مظنة السؤال الريبة، وهى تحصل إما من أمر يتعلق ~~بالمال أو بصاحب المال، أما ما يتعلق بصاحب المال، فنحو أن يكون مجهولا، ~~وهو الذي ليس عليه قرينة تدل على ظلمة، كزي الأجناد، ولا على صلاحه. كثياب ~~أهل العلم والزهد، فها هنا لا يجب السؤال ولا يجوز، لأن فيه هتك المسلم، ~~وإيذاءه، ولا يقال لهذا: إنه مشكوك فيه، لأن المشكوك فيه هو الذي تحصل فيه ~~الريبة بدلالة، مثل أن يكون على خلقة الأتراك، وأهل البوادي المعروفين ~~بالظلم، وقطع الطريق، فهذا يجوز معاملته، لأن اليد تدل على الملك، وهذه ~~الدلالات ضعاف، إلا أن الترك من الورع. # وأما ما يتعلق بالمال. فنحو أن يختلط الحرام بالحلال، كما إذا طرح فى ~~السوق أحمال من طعام مغصوب فاشتراها أهل السوق، فإنه لا يجب على من يشترى ~~فى تلك البلدة من السوق أن يسأل عما يشتريه، إلا أن يظهر أن أكثر ما في ~~أيديهم حرام، فعند ذلك يجب السؤال، فإن لم يكن الأكثر حراما كان التفتيش ~~ورعا غير واجب. # وكذلك نقول في رجل له مال حلال خالطه حرام، مثل أن يكون تاجرا يعامل # PageV01P091 # # معاملات صحيحة ويرابي، فهذا إن كان الأكثر من ماله حراما، لم تجز قبول ~~ضيافته ولا هديته إلا بعد التفتيش، فإن ظهر أن المأخوذ من وجه حلال جاز، ~~وإلا ترك، وإن كان الحرام أقل، فالمأخوذ شبهة، والورع تركه. # واعلم: أن السؤال إنما يقع لأجل الريبة، فلا ينقطع إلا من حيث تنقطع ~~الريبة المفضية له، بأن لا يكون المسؤول متهما، فإن كان متهما وعلمت أن له ~~غرضا في حضورك ms066 أو قبول هديته، فلا ثقة بقوله، وينبغى أن يسأل غيره. # القسم الرابع: في باب الحلال والحرام، وكيفيه خروج التائب عن المظالم ~~المالية. # اعلم: أن من تاب وفى يده مال مختلط، فعليه تمييز الحرام وإخراجه، فإن كان ~~معلوم العين، فأمره سهل، وإن كان ملتبسا مختلطا، فإن كان من ذوات الأمثال، ~~كالحبوب والنقود والأدهان، وكان معلوم القدر، ميز ذلك القدر، فإن أشكل فله ~~طريقان: # أحدهما: الأخذ بغالب الظن. # والثاني: الأخذ باليقين، وهو الورع. # فإذا أخرج المال، فإن كان له مالك معين، وجب صرفه إليه أو إلى وارثه، وإن ~~كان لذلك المال زيادة ومنفعة، جمع ذلك كله وصرفه إليه، وإن يئس من معرفة ~~المالك ولم يدر أمات عن وارث أم لا؟ فليتصدق به، وإن كان ذلك من مال الفيء ~~والأموال المرصدة لمصالح المسلمين، صرف ذلك إلى القناطر والمساجد ومصالح ~~طريق مكة وما ينتفع به كل من يمر من المسلمين. # مسألة: إذا كان في يده مال حلال وشبهة، فليخص نفسه بالحلال، وليقدم قوته ~~وكسوته على أجرة الحجام والزيت وإسجار التنور، وأصل هذا قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فى كسب الحجام: "اعلفه ناضحك". # ولو كان في يد أبويه حرام، فليمتنع من مؤاكلتهما، فإن كان شبهة داراهما، ~~فإن لم يقبلا تناول اليسير. # وقد روى أن أم بشر الحافي ناولته تمرة فأكلها، ثم صعد الغرفة فقاءها. # PageV01P092 # # القسم الخامس: في إدرار السلاطين وصلاتهم، وما يحل من مخالطة السلاطين ~~الظلمة، ونحو ذلك. # اعلم: أن من أخذ مالا من السلطان فلا بد أن ينظر في مدخل ذلك إلى السلطان ~~من أين هو، وفى صفته التي يستحق بها الأخذ، وفى المقدار الذي يأخذه، هل ~~يستحقه؟ # وقد تورع جماعة عن ذلك، وكان فيهم من يأخذه فيتصدق به. # وأما في هذا الزمان، فالاحتراز عنه أولى، لأنه قد علم طريق الأخذ، ثم لا ~~ينال إلا بالذل والسؤال والسكوت على الإنكار. # وقد كان بعض السلف لا يأخذ، ويعلل بأن باقي المستحقين لم يأخذوا، وهذا ~~ليس بشيء، لأنه يأخذ حقه ويبقى أولئك في مقام مظلوم، ms067 وليس المال مشتركا. ### | 8 فصل [في أحوال من يخالط الأمراء والعمال والظلمة] # اعلم: أن لك مع الأمراء والعمال والظلمة ثلاثة أحوال: # الحالة الأولى: أن تدخل عليهم وهى شرها. # فقد روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من أتى أبواب ~~السلاطين افتتن" (1) "وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله ~~بعدا" (2). # وقال حذيفة: إياكم ومواقف الفتن، فقيل: وما مواقف الفتن؟ قال: أبواب ~~الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه. # وقال بعض الأمراء لبعض الزهاد: ألا تأتينا؟ فقال: أخاف إن أدنيتني ~~فتنتني، وإن أقصيتنا حرمتني، وليس في يدك ما أريده، ولا في صدى ما أخافك ~~عليه، وإنما أتاك من أتاك ليستغني بك عمن سواك، وقد استغنيت عنك بمن أغناك ~~غنى. # فهذه الآثار تبين كراهية مخالطة السلاطين. PageV01P093 # # وأيضا فان الداخل على السلطان معرض لأن يعصى الله عز وجل، إما بفعله أو ~~قوله أو سكوته. # أما الفعل: فإن الدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى أماكن مغصوبة، ولو ~~فرض أنه في موضع غير مغصوب، ففى الغالب يكون ما تحته أو ما يظله من خيمة أو ~~نحوها من ماله الحرام، والانتفاع بذلك حرام، ولو فرض ذلك حلالا، فربما يقع ~~في غيره من المحذورات، إما أن يسجد له، أو يتمثل له قائما، ويخدمه، ويتواضع ~~له بسبب ولايته التي هي آلة ظلمه. # والتواضع للظالم معصية، بل من تواضع لغنى لأجل غناه لا لمعنى آخر يقتضي ~~التواضع، ذهب ثلثا دينه، فكيف إذا تواضع للظالم؟! # وتقبيل اليد له معصية، إلا أن يكون عند خوف، أو لإمام عادل، أو عالم ~~يستحق ذلك، فأما غير ما ذكرنا، فلا يباح في حقهم إلا مجرد السلام. # وأما القول: فهو أن يدعو للظالم، أو يثنى عليه، أو يصدقه فيما يقول من ~~باطل بصريح قوله، أو بتحريك رأسه، أو باستبشار في وجهه، أو يظهر له الحب ~~والموالاة والاشتياق إلى لقائه، والحرص على طول بقائه، فإنه في الغالب لا ~~يقتصر على السلام، بل يتكلم ولا يعدو كلامه ms068 هذه الأقسام. # وقد جاء في الأثر: "من دعا لظالم بطول البقاء، فقد أحب أن يعصى الله". # ولا يجوز دعاؤه له إلا أن يقول: أصلحك الله، أو وفقك الله، أو نحو ذلك. # وأما السكوت: فهو أن يرى في مجالسهم في الفرش الحرير، وأوانى الفضة، ~~والملبوس المحرم على غلمانهم من الحرير، ونحو ذلك، فيسكت. وكل من رأى شيئا ~~من ذلك وسكت فهو شريك فيه، وكذا إذا سمع من كلامهم ما هو فحش وكذب وشتم ~~وإيذاء، فإن السكوت عن ذلك كله حرام، لأنه يجب عليه الأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر. # فإن قلت: إنه يخاف على نفسه، فهو معذور في السكوت. # قلنا: صدقت، إلا أنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر، ~~لأنه لو لم يدخل ويشاهد، لم يجب عليه الأمر والنهى، وكل من علم بفساد فى ~~مكان، وعلم أنه إذا حضر لم يقدر على إزالته، لم يجز له أن يحضر. # PageV01P094 # ### | 9 فصل [في الدخول على الأمراء الظلمة بعذر] # فإن سلم مما ذكرنا، وهيهات، لم يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه، لما يرى من ~~توسعهم في التنعم، فيزدرى نعمة الله عليه، ثم يقتدي به غيره في الدخول، ~~ويكون مكثرا لسواد الظلمة. # وروى أن سعيد بن المسيب دعي إلى البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك، ~~فقال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار. فقالوا: ادخل من هذا الباب ~~واخرج من الآخر، قال: لا والله لا يقتدي بى أحد من الناس، فجلد مائه وألبس ~~المسوح. # فعلى ما بينا لا يجوز الدخول على الأمراء الظلمة إلا بعذرين: # أحدهما: إلزام من جهتهم يخاف من الخلاف فيه الأذى. # والثاني: أن يدخل عليه السلطان زائرا، فجواب السلام لا بد منه. # وأما القيام والإكرام، فلا يحرم مقابلة له على إكرامه، فإنه بإكرام العلم ~~والدين مستحق للحمد، كما أنه بالظلم مستحق للذم. فإن دخل عليه وحده، وقد ~~رأى أن يقوم إعزازا للدين فهو أولى وأمثل. ولا بأس بالقيام على هذه النية. # وإن علم أن ذلك لا يورث فسادا ms069 في الرعية ولا يناله أذى من غضبه، فترك ~~الإكرام بالقيام أولي، ثم يجب عليه أن ينصحه، ويعرفه تحريم ما يفعله مما لا ~~يدرى أنه محرم. # فأما إعلامه بتحريم الظلم وشرب الخمر، فلا فائدة فيه، بل عليه أن يخوفه ~~من ركوب المعاصي مهما ظن أن التخويف يؤثر في قلبه، وعليه أن يرشده إلى ~~المصالح. ومتى عرف طريقا للشرع يحصل به غرض الظالم عرفه إياه. # الحال الثالث: أن يعتزل عنهم فلا يراهم ولا يرونه، والسلامة في ذلك، ثم ~~ينبغي أن يعتقد بغضهم على ظلمهم، فلا يحب لقاءهم، ولا يثنى عليهم، ولا ~~يستخبر # PageV01P095 # # عن أحوالهم، ولا يقترب إلى المتصلين بهم، ولا يتأسف على ما يفوته بسبب ~~مفارقتهم، كما قال بعضهم: إنما بيني وبين الملوك يوم واحد، إما يوم مضى فلا ~~يجدون لذته، وأنا وإياهم في غد على وجل، وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون ~~في اليوم؟! # مسألة: إذا بعث إليك سلطان مالا لتفرقه على الفقراء، وكان له مالك معين، ~~لم يحل أخذه، وإن لم يكن له، كان حكمه أن يتصدق به كما سبق بيانه، ويتولى ~~تفرقته على الفقراء. # ومن العلماء من امتنع من أخذه، وإذا كان اكثر أموالهم الحرام، حرمت ~~معاملتهم وما بنته الظلمة من القناطر والمساجد والسقايات، ينبغي أن ينظر ~~فيه، فإن كانت تلك الأعيان التي بنيت بها لمالك معين، لم يجز العبور عليها ~~إلا للضرورة، وإن لم يعرف مالكها جاز العبور عليها، والورع الامتناع، والله ~~أعلم. # *** # PageV01P096 # ### | كتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق ونحو ذلك # اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، لأن حسن الخلق ~~يوجب التحابب والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتدابر، ولا يخفى ما فى ~~حسن الخلق من الفضل، والأحاديث دالة على ذلك. # فقد روى من حديث أبى الدرداء رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: "ما من شىء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" ~~رواه الترمذي وصححه. وفى حديث آخر: "إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم ms070 ~~القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة ~~مساويكم أخلاقا". # وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنه؟ فقال: ~~"تقوى الله وحسن الخلق". # وأما المحبة فى الله تعالى، ففى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضى الله ~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "سبعة يظلهم الله فى ظله ~~يوم لا ظل إلا ظله" فذكر منهم: "ورجلان تحابا فى الله اجتمعا على ذلك ~~وتفرقا عليه". # وفي حديث آخر يقول الله عز وجل: "حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي # للمتباذلين في، وحققت محبتي للمتزاورين في". # وفى حديث آخر: "أوثق عرى الإيمان، أن تحب فى الله وتبغض في الله"، ~~والأحاديث فى ذلك كثيرة. # واعلم: أن يحب فى الله ويبغض فى الله، فإنك إذا أحببت إنسانا لكونه مطيعا ~~لله، فإذا عصى الله أبغضته فى الله، لأن من أحب لسبب أبغض لوجود ضدده، ومن ~~اجتمعت فيه خصال محمودة ومكروهة، فإنك تحبه من وجه وتبغضه من وجه. # فينبغى أن تحب المسلم لأسلامه، وتبغضه لمعصيته، فتكون معه على حالة ~~متوسطة بين الانقباض والاسترسال، فأما ما يجرى منه مجرى الهفوة التى يعلم ~~أنه نادم عليها، فالأولى حينئذ الإغماض والستر، فإذا أصر على المعصية، فلا ~~بد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد، وتغليظ القول له على حسب غلظ ~~المعصية وخفتها. # PageV01P097 # # واعلم: أن المخالف لأمر الله تعالى على أقسام: # أحدهما: أن يكون كافرا، فإن كان حربيا فهو مستحق للقتل والإرقاق، وليس ~~بعد هذين إهانة، وإن كان ذميا فلا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه، والتحقير ~~له بالاضطرار له إلى أضيق الطريق، وترك البداءة بالسلام. فإن سلم قيل له: ~~وعليك. # والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته، ومن المكروه الاسترسال إليه ~~والانبساط كما يفعل بالأصدقاء. # القسم الثانى: المبتدع، فان كان ممن يدعو إلى بدعة، وكانت البدعة بحيث ~~يكفر بها، فأمره أشد من الذمي، لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة، وإن ~~كان ممن لا يكفر بها، فأمر اشد من الذمى، ms071 لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ~~ذمة، وإن كان ممن لا يكفر بها. فأمره بينه وبين الله تعالى أخف من أمر ~~الكافر لا محالة، ولكن الأمر فى الإنكار عليه أشد منه على الكافر، لأن شر ~~الكافر غير متعد، لأنه لا يلتفت إلي قوله، بخلاف المبتدع الذي يدعو إلى ~~بدعته لأنه يزعم أن ما يدعو إليه حق، فيكون سببا لغواية الخلق، فشره متعد، ~~فإظهار بغضه والانقطاع عنه ومعاداته وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير ~~الناس عنه أشد. # فأما المبتدع العامى الذي لا يقدر أن يدعو ولا يخاف الاقتداء به، فأمره ~~أهون، والأولى أن يتلطف به فى النصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب، فإن لم ~~ينفع النصح وكان فى الإعراض عنه تقبيح لبدعته فى عينه، تأكد استحباب ~~الإعراض عنه، وأن علم أن ذلك لا يؤثر لجمود طبعه ورسوخ اعتقاده فى قلبه، ~~فالأعراض عنه أولى، لأن البدعة إذا لم يبالغ فى تقبيحها شاعت بين الخلق وعم ~~فسادها. # القسم الثالث: العاصي بفعله لا باعتقاده، فإن كانت بحيث يتأذى بها غيره، ~~كالظلم والغضب وشهادة الزور والغيبة والنميمة ونحو ذلك، فالأولى الأعراض ~~عنه وترك مخالطته والانقباض عن معاملته، وكذلك الحكم فيمن يدعو إلى الفساد، ~~كالذى يجمع بين الرجال والنساء ويهيء أسباب الشرب لأهل الفساد، فهذا ينبغى ~~إهانته ومقاطعته والإعراض عنه. # فأما الذي يفسق فى نفسه بشرب خمر أو زنا أو سرقة أو ترك واجب، فالأمر فيه ~~أخف، ولكنه فى وقت مباشرته إن صودف، وجب منعه بما يمتنع به، فإن كان النصح ~~يرده وكان أنفع له، نصح وإلا أغلظ له. # PageV01P098 # ### | 1 فصل في بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته # روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "المرء على دين خليله ~~فلينظر أحدكم من يخالل". # وأعلم: أنه لا يصلح للصحبة كل أحد، ولابد أن يتميز المصحوب بصفات وخصال ~~يرغب بسببها في صحبته، وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة، ~~وهي إما دنيوية كالانتفاع بالمال والجاه، أو بمجرد الاستئناس بالمشاهدة ~~والمحاورة، وليس ذلك غرضنا، وأما ms072 دينية، وتجتمع فيها أغراض مختلفة، منها ~~الاستفادة بالعلم والعمل، ومنها الاستفادة من المال للاكتفاء به عن تضييع ~~الأوقات في طلب القوت، ومنها الاستعانة في المهمات، فتكون عدة في المصائب ~~وقوة في الأحوال، ومنها انتظار الشفاعة في الآخرة، كما قال بعض السلف: ~~استكثروا من الإخوان، فإن لكل مؤمن شفاعة. فهذه فوائد تستدعى كل فائدة ~~شروطا لا تحصل إلا بها. # وفى جملة، فينبغى أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: # أن يكون عاقلا حسن الخلق غير فاسق ولا مبتدع ولا حريص على الدنيا. # أما العقل، فهو رأس المال، ولا خير في صحبة الأحمق، لأنه يريد أن ينفعك ~~فيضرك، ونعنى بالعاقل الذي يفهم الأمور على ما هى عليه، إما بنفسه، وإما أن ~~يكون بحيث إذا أفهم فهم. # وأما حسن الخلق، فلابد منه، إذ رب عاقل يغلبه غضب أو شهوة فيطيع هواه فلا ~~خير في صحبته. # وأما الفاسق، فإنه لا يخاف الله، ومن لا يخاف الله تعالى لا يؤمن غائلته ~~ولا يوثق به. # وأما المبتدع فيخاف من صحبته بسراية بدعته. # قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، ~~فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما ~~يقليك منه، واعتزال عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى # PageV01P099 # # الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في ~~أمرك الذين يخشون الله تعالى. # قال يحيى بن معاذ: بئس الصديق تحتاج أن يقول له: اذكرنى في دعائك، وأن ~~تعيش معه بالمداراة، أو تحتاج أن تعتذر إليه. # ودخل جماعة على الحسن وهو نائم، فجعل بعضهم يأكل من فاكهة في البيت، ~~فقال: رحمك الله، هذا والله فعل الإخوان. # وقال أبو جعفر لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كم أخيه فيأخذ منه ما يريد؟ ~~قالوا: لا، قال: فلستم بإخوان كما تزعمون. # ويروى أن فتحا الموصلي جاء إلى صديق له يقال له: عيسى التمار، فلم يجده ~~في المنزل، فقال للخادمة: أخرجي لى كيس أخى، ms073 فأخرجته، فأخذ منه درهمين، ~~وجاء عيسى إلى منزله فأخبرته الجارية بذلك، فقال: إن كنت صادقة، فأنت حرة، ~~فنظر فإذا هى قد صدقت، فعتقت. ### | 2 فصل في بيان ما على الإنسان لأخيه من الحقوق # الحق الأول: قضاء الحاجات والقيام بها، وذلك درجات: أدناها: القيام ~~بالحاجة عند السؤال والقدرة، لكن مع البشاشة والاستبشار. # وأوسطها: القيام بالحوائج من غير سؤال. # وأعلاها: تقديم حوائجه على حوائج النفس. # وقد كان بعض السلف يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة فيقضى حوائجهم. # الحق الثاني: على اللسان بالسكوت تارة، وبالنطق أخرى. # أما السكوت، فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في حضوره وغيبته، وعن الرد عليه ~~ومماراته ومناقشته، وعن السؤال عما يكره ظهوره من أحواله. ولا يسأله إذا ~~لقيه: إلى أين؟ فربما لا يريد إعلامه بذلك، وأن يكتم سره ولو بعد القطيعة، ~~ولا يقدح في أحبابه وأهله، ولا يبلغه قدح غيره فيه. # الحق الثالث: وينبغى أن يسكت عن كل ما يكرهه، إلا إذا وجب عليه النطق في # PageV01P100 # # أمر بمعروف أو نهى عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت، فإن مواجهته بذلك ~~إحسان إليه في المعنى. # واعلم: أنك إن طلبت منزها عن كل عيب لم تجد، ومن غلبت محاسنه على مساويه ~~فهو الغاية. # وقال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات. وقال ~~الفضيل: الفتوة: الصفح عن زلات الإخوان. # وينبغى أن تترك إساءة الظن بأخيك، وأن تحمل فعله على الحسن مهما أمكن، ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وإياكم والظن فإن الظن أكذب ~~الحديث". # واعلم: أن سوء الظن يدعو إلى التجسس المنهى عنه، وأن ستر العيوب والتغافل ~~عنها سيمة أهل الدين. # واعلم: أنه لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأقل درجات ~~الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به، ولا شك أنك تنتظر من أخيك أن ~~يستر عورتك، وأن يسكت عن مساويك، فلو ظهر لك منه ضد ذلك اشتد عليك فكيف ~~تنتظر منه مالا تعزم عليه له؟ # ومتى التمست من الأنصاف مالا ms074 تسمح به دخلت في قول الله تعالى: {الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [المطففين: 2 ~~- 3]. ومنشأ التقصير في ستر العورة والمغرى بكشفها الحقد والحسد. # واعلم: أن من أشد الأسباب لإثارة الحقد والحسد بين الإخوان المماراة، ولا ~~يبعث عليها إلا إظهار التميز بزيادة الفضل والعقل واحتقار المردود عليه، ~~ومن مارى اخاه، فقد نسبه إلى الجهل والحمق، أو إلى الغفلة والسهو عن فهم ~~الشىء على ما هو عليه. وكل ذلك استحقار، وهو يوغر الصدر ويوجب المعادة، وهو ~~ضد الأخوة. # الحق الرابع: على اللسان بالنطق، فإن الأخوة كما تقتضى السكوت عن ~~المكروه، تقتضى النطق بالمحبوب، بل هو أخص بالأخوة، لأن من قنع بالسكوت صحب ~~أهل القبور، وإنما يراد الإخوان ليستفاد منهم لا ليتخلص منهم، لأن السكوت ~~معناه كف الأذى، فعليه أن يتودد إليه بلسانه، ويتفقده في أحواله، ويسأل عما ~~عرض له، ويظهر شغل قلبه بسببه، ويبدى السرور بما يسر به. # PageV01P101 # # وفى الصحيح من رواية الترمذي (1): "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه". # ومن ذلك أن يدعوه بأحب أسمائه إليه، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: # ثلاث يصفين لك ود أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه ~~بأحب أسمائه إليك. # ومن ذلك أن يثنى عليه بما يعرفه من محاسن أحواله عند من يؤثر الثناء ~~عنده، وكذلك الثناء على أولاده وأهله وأفعاله، حتى في خلقه وعقله وهيئته ~~وخطه وتصنيفه وجميع ما يفرح به من غير إفراط ولا كذب. # وكذلك ينبغي أن تبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح به، فإن إخفاء ~~ذلك محض الحسد. # ومن ذلك أن تشكره على صنيعه في حقك، وأن تذب عنه في غيبته إذا قصد بسوء، ~~فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة. # وفى الحديث الصحيح: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"، ومتى أهمل ~~الذب عن عرضه يكون قد أسلمه، ولك في ذلك معياران: # أحدهما: أن تقدر أن الذي قيل فيه، قد قيل فيك وهو حاضر، فتقول ما تحب أن ~~يقوله. # الثاني: أن ms075 تقدر أنه حاضر وراء جدار يتسمع عليك، فما تحرك في قلبك من ~~نصرته في حضوره ينبغى أن يتحرك في غيبته. ومن لم يكن مخلصا في إخائه فهو ~~منافق. # ومن ذلك التعليم والنصيحة، فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى ~~المال، وإذا كنت غنيا بالعلم فواسه وأرشده. # وينبغى أن يكون نصحك إياه سرا، والفرق بين التوضيح والنصيحة الإعلان ~~والإسرار، كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الأعضاء، ~~فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى فيه إصلاح أخيك بالإعضاء، فأنت مدار، وإن ~~أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن. PageV01P102 # # ومن ذلك: العفو عن الزلات، فإن كانت زلته في دينه فتلطف في نصحه مهما ~~أمكن، ولا تترك زجره ووعظه، فإن أبى فالمصارمة: # الحق الخامس: الدعاء للأخ في حياته وبعد موته بكل ما تدعو به لنفسك. # وفى أفراد مسلم من حديث أبى الدرداء، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما # دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل". # وكان أبو الدرداء رضى الله عنه يدعو لخلق كثير من إخوانه يسميهم ~~بأسمائهم. وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يدعو في السحر لستة نفر. # وأما الدعاء بعد الموت، فقال عمرو بن حريث: إذا دعا العبد لأخيه الميت، ~~أتى بها ملك قبره، فقال: يا صاحب القبر الغريب، هذه هدية من أخ عليك شفيق. # الحق السادس: الوفاء والإخلاص، ومعنى الوفاء: الثبات على الحب إلى الموت، ~~وبعد موت الأخ مع أولاده وأصدقائه، وقد أكرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عجوزا وقال: "إنها كانت تغشانا في أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان". # ومن الوفاء أن لا يتغير على أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه واتسعت ~~ولايته وعظم جاهه. # واعلم: أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الدين، فقد كان الشافعى ~~رحمه الله آخى محمد بن عبد الحكم، وكان يقربه ويقبل عليه، فلما احتضر قيل ~~له: إلى من ms076 نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو ~~عند رأسه ليومئ إليه فقال: إلى أبى يعقوب البويطى، فانكسر لها محمد، ومع أن ~~محمدا كان قد حمل مذهبه، لكن البويطى كان أقرب إلى الزهد والورع، فنصح ~~الشافعى رحمه الله المسلمين وترك المداهنة، فانقلب ابن الحكم عن مذهبه، ~~وصار من أصحاب مالك. # ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه، ولا يصادق عدو صديقه. # الحق السابع: التخفيف وترك التكليف [والتكليف] (1)، وذلك أن لا يكلف أخاه ~~PageV01P103 # # ما يشق عليه، بل يروح سره عن مهماته وحاجاته، ولا يستمد من جاهه ولا ~~ماله، ولا يكلفه التفقد لأحواله والقيام بحقوقه والتواضع له، ويكون قصده ~~بمحبته الله وحده، والتبرك بدعائه، والاستئناس بلقائه، والاستعانة على ~~دينه، والتقرب إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه، وتمام التخفيف طى بساط ~~الاحتشام حتى لا يستحى منه فيما لا يستحى فيه من نفسه. # قال جعفر بن محمد: أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم على ~~قلبي من أكون معه كما أكون وحدي. # وقال بعض الحكماء: من سقطت كلفته دامت ألفته، ومن تمام هذا الأمر أن ترى ~~الفضل من أكون معهم منزلة الخادم. ### | 3 فصل [جملة من آداب المعاشرة للخلق] # ولنذكر في آخر هذا الباب جملة من آداب المعاشرة للخلق: # فمن حسن المعاشرة أن تتوفر من غير كبر، وتتواضع في غير ذلة، وأن تلقى ~~الصديق والعدو بوجه الرضى من غير ذل لهم ولا خوف منهم، وتتحفظ في مجالسك من ~~تشبيك أصابعك، وإدخال إصبعك في أنفك، وكثرة بصاقك، والتثاؤب. # أصغ إلى محدثك، ولا تسأله الإعادة، ولا تحدث بإعجابك بولدك وجاريتك، ولا ~~تتصنع تصنع المرأة في التزيين، ولا تتبذل تبذل العبد. # وخوف أهلك في غير عنف، ولن لهم من غير ضعف. # ولا تهازل أمتك وعبدك، فيسقط وقارك، ولا تكثر الالتفات إلي ورائك. # ولا تجالس السلطان، فإن فعلت فاحذر الذنوب والغيبة، وصن سره، واحذر ~~المداعبة عنده، وتحفظ من الجشاء بحضرته والتخلل، وإن قربك فكن منه على حذر، ~~وإن استرسل إليك ms077 فلا تأمن انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبى، وكلمة بما ~~يشتهيه، ولا تدخل بينه وبين أهله وحشمه. # وإياك وصديق العافية. # ولا تجعل مالك أكرم من عرضك. # PageV01P104 # # وإذا دخلت مجلسا فأجلس فيما هو أقرب للتواضع. # ولا تجلس على الطريق، فإذا جلست فغض البصر، وانصر المظلوم، وأرشد الضال. # ولا تبصق في جهة القبلة ولا عن يمينك، ولكن عن يسارك تحت قدمك اليسرى. # واحذر مجالسة العوام، فإن فعلت فعليك بالتغافل عما يجرى من سوء أخلاقهم ~~وترك الخوض في حديثهم. واحذركثرة المزاح فإن اللبيب يحقد عليك في المزح، ~~والسفيه يجترئ عليك. # ... ### | 4 باب في حقوق المسلم والرحم والجوار والملك ونحو ذلك # فمن حقوق المسلم: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشتمه إذا ~~عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه، وتنصح له إذا ~~استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما ~~تكره لنفسك. وجميع هذا منقول في الآثار. # ومنها: أن لا تؤذى أحدا من المسلمين بقول ولا فعل، وأن تتواضع للمسلمين، ~~فلا تتكبر عليهم، ولا تسمع بلاغات الناس بعضهم في بعض، ولا تبلغ بعضهم ما ~~تسمع من بعض. # ومنها: أن لا تزيد في الهجرة على ثلاثة أيام لمن تعرفه، للحديث المشهور ~~في ذلك. # وفى حديث آخر عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: "لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاثة أيام، فإذا مرت به ثلاثة ~~أيام فلقيه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام، فقد اشتركا في الأجر، وأن لم ~~يرد عليه فقد برئ المسلم من الهجرة". # واعلم: أن هذه الهجرة إنما هى فيما يتعلق بالدنيا، أما حق الدين، فإن ~~هجران # PageV01P105 # # أهل البدع والأهواء والمعاصى ينبغى أن تدوم، ما لم تظهر منهم التوبة ~~والرجوع إلى الحق. # ومنها: أن يحسن إلى كل من يقدر أن يحسن إليه من المسلمين ما استطاع، وأن ~~لا يدخل على أحد منهم إلا باذنه، ويستأذن ثلاثا فإن لم يأذن انصرف. # ومنها: أن يخالق ms078 الناس بخلق حسن، وذلك أن يعامل كلا منهم بحسب طريقته، ~~فإنه متى لقى الجاهل بالعلم، واللاهى بالفقه، والغبى بالبيان، أذى وتأذى. # ومنها: أن يوقر المشايخ، ويرحم الصبيان، وأن يكون مع الخلق كافة طلق ~~الوجه رقيقا، وأن يفي لهم بالوعد، وينصف الناس من نفسه، ولا يأتى إليهم إلا ~~ما يجب أن يؤتى إليه. # قال الحسن: أوحى الله إلى آدم عليه السلام أربع كلمات، وقال: فيهن جماع ~~الأمر لك ولولدك: واحدة لى، وواحدة لك، وواحدة بينى وبينك، وواحدة بينك ~~وبين الخلق. فأما التى لى: فتعبدنى لا تشرك بى شيئا. وأما التى لك: فعملك ~~أجزيك به أفقر ما تكون إليه. وأما التى بينى وبينك: فعليك الدعاء وعلى ~~الإجابة. وأما التى بينك وبين الناس: فتصحبهم بالذى تحب أن يصحبوك به. # ومنها زيادة توقير ذوي الهيئات. # ومنها: إصلاح ذات البين، وستر عورات المسلمين. # واعلم: أنه من تأمل ستر الله تعالى على العصاة في الدنيا اقتدى بلطفه، ~~فإنه جعل الشهادة في الزنى أن يشهد أربعة من العدول أنهم شهدوا ذلك كالميل ~~في المكحلة، وهذا لا يتفق، ومن هذا أثر كرمه في الدنيا يرجى منه ذلك في ~~الآخرة. # ومنها: أن يتقى مواضع التهم، صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن به، وألسنتهم ~~عن غيبته. # ومنها أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة، ويسعى ~~في قضاء حوائجهم. # ومنها: أن يبدأ بالسلام كل مسلم قبل أن يكلمه، ومن السنة المصافحة. فقد ~~روى عن أنس رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما ~~من # PageV01P106 # # مسلمين التقيا، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، إلا كان حقا على الله عز وجل أن ~~يحضر # دعاءهما، وأن لا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما". # وفى حديث آخر: "إذا صافح المؤمن المؤمن نزلت عليهما مائة رحمة، تسعة ~~وتسعون لأبشهما وأحسنهما خلقا" (1). # ولا بأس بتقبيل يد المعظم في الدين، ولا بأس بالمعانقة. وأما الخذي ~~بالركاب لتوقير العلماء، فقد فعل ذلك ابن عباس بزيد بن ثابت رضى الله ~~عنهما، ms079 والقيام على سبيل الإكرام لأهل الفضل حسن، وأما الانحناء فمنهى عنه. # ومنها: أن يصون عرض أخيه المسلم ونفسه وماله عن ظلم الغير، ويناضل دونه ~~وينصره. # ومنها: أنه إذا ابتلى بذي شر، فينبغى أن يجامله ويتقيه، لحديث عائشة رضى ~~الله عنها. # وقال محمد بن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من ~~معاشرته بدا، حتى يجعل الله عز وجل له فرجا. # ومنها: أن يجتنب مخالطة الأغنياء، ويختلط بالمساكين، ويحسن إلى الأيتام. # ومنها: عيادة مرضاهم. # ومن آداب العائد: أن يضع يده على المريض، يسأله كيف هو، ويخفف الجلوس، ~~ويظهر الرقة، ويدعو له بالعافية، ويغض البصر عن عورات المكان. # ويستحب للمريض أن يفعل ما أخرجه مسلم في أفراده، من حديث عثمان بن أبى ~~العاص رضى الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعا ~~يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ضع ~~يدك على الذي يألمك # من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ~~ما # أجد وأحاذر". # وجملة آداب المريض: حسن الصبر، وقلة الشكوى والتضجر، والفزع إلى ~~PageV01P107 # # الدعاء، والتوكل على الله سبحانه. # ومنها: أن يشيع جنائزهم، ويزور قبورهم. # والمقصود من التشييع: قضاء حق المسلمين، والاعتبار. # قال الأعمش: كنا نحضر الجنائز، فلا ندرى من نعزى لحزن القوم كلهم. # والمقصود من زيارة القبور: الدعاء، والاعتبار، وترقيق القلب. # ومن آداب تشييع الجنائز: المشي، ولزوم الخشوع، وترك الحديث، وملاحظة ~~الميت، والتفكير في الموت، والاستعداد له. # وأما حقوق الجار: فاعلم أن الجوار يقتضى حقا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام ~~فيستحق ما يستحقه كل مسلم وزيادة، وجاء في الحديث: "إن الجيران ثلاثة: جار ~~له حق واحد. وجار له حقان: فالجار المسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار. وأما ~~الذي له حق واحد: فالجار المشرك" (1). # واعلم: انه ليس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى والرفق، وابتداء ~~الخير، وأن يبدأ جاره بالسلام، ولا يطيل مهم الكلام، ويعوده في المرض، ms080 ~~ويعزيه في المصيبة، ويهنئه في الفرح، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع إلى داره، ~~ولا يضايقه في وضع الخشب على جداره، ولا في صب الماء في ميزابه، ولا في طرح ~~التراب في فنائه، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف من ~~عوراته، ولا يتسمع عليه كلامه، ويغض طرفه عن حرمه، ويلاحظ حوائج أهله إذا ~~غاب. ### | 5 فصل في حقوق الأقارب والرحم # وأما حقوق الأقارب والرحم، ففى الحديث الصحيح، من رواية عائشة، أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلنى وصله ~~الله، ومن قطعنى قطعه الله". PageV01P108 # # وفى حديث آخر من أفراد البخارى: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي ~~إذا قطعت رحمه وصلها". # وفى حديث آخر من أفراد مسلم أن رجلا قال: يارسول الله، إن لى قرابة أصلهم ~~ويقطعونى، وأحسن إليهم ويسيئون إلى، وأحلم عنهم ويجهلون على، قال؛ "لئن كنت ~~كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولايزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ~~ذلك". والمعنى أنك منصور عليهم، وقد انقطع احتجاجهم عليه بحق القرابة، كما ~~ينقطع كلام من سف المل، وهو الرماد الحار. والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة ~~في صلة الرحم، وفي حقوق الوالدين، وفي تأكد حق الأم. # وأما حقوق الولد، فاعلم أنه لما كانت الطباع تميل إلى الولد لم يحتج إلي ~~تأكيد الوصية به، إلا إنه قد يغلب هوى الوالد للولد، فيترك تعليمه وتأديبه. ~~وقد قال الله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6]. # قال المفسرون: معناه: علموهم وأدبوهم. # وينبغى للوالد أن يحسن اسم ابنه، ويعق عنه (1)، فإذا بلغ سبع سنين أمره ~~بالصلاة وختنه، فإذا بلغ زوجه. # وأما حقوق المملوك، فأن يطعمه، ويكسوه، ولا يكلفه ما لا يطيق، ولا ينظر ~~إليه بعين الازدراء، وأن يعفو عن زلله، وليتذكر الله عند زلل نفسه، فيعفو ~~رجاء أن يعفو الله تعالى عنه. # ... ### | باب العزلة # اختلف الناس في العزلة والمخالطة، أيتهما أفضل؟ مع أن كل واحدة منهما لا ~~تنفك عن فوائد وغوائل، وأكثر الزهاد اختاروا العزلة. # وممن ذهب ms081 إلي اختيار العزلة: سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وداود ~~PageV01P109 # # الطائي، والفضيل، وبشر الحافي، في آخرين. # وممن ذهب إلى استحباب المخالطة سعيد بن المسيب، وشريح، والشعبي، وابن ~~المبارك في آخرين. # ولكل طائفة فيما ذهبت إليه حجج، ونحن نشير إلى ذلك. # أما حجة الأولين، فقد روى في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد قال: قيل: يا ~~رسول الله، أي الناس خير؟ قال: "رجل يجاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من ~~الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره". # وفي حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ # قال: "املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك". # وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: خذوا بحظكم من العزلة. # وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لوددت أن بيني وبين الناس بابا من ~~حديد، لايكلمنى أحد ولا أكلمه حتى ألقى الله سبحانه. # وقال ابن مسعود رضى الله عنه: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الليل، أحلاس ~~البيوت (1) جدد القلوب (2) خلقان (3) الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون ~~على أهل الأرض. # وقال أبو الدرداء رضى الله عنه: نعم صومعة المرء المسلم بيته، يكف لسانه ~~وفرجه وبصره، وإياكم ومجالس الأسواق، فإنها تلهى وتلغى. # وقال داود الطائى: فر من الناس كما تفر من الأسد. # وقال أبو مهلهل: أخذ بيدي سفيان الثوري وأخرجني إلى الجبانة، فاعتزلنا ~~ناحية، فبكى ثم قال: يا أبا مهلهل، إن استعطت أن لا تخالط في زمانك أحدا ~~فافعل، وليكن همك مرمة (4) جهازك. PageV01P110 # # أما حجة من اختار المخالطة، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~" المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا ~~يصبر على أذاهم "، واحتجوا بأشياء غير ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة على ذلك، ~~منها قول الله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: ~~105]، وهذا ضعيف، لأن المراد تفرق الآراء والمذاهب في أصل الشريعة، واحتجوا ~~أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا هجرة فوق ثلاث " قالوا: والعزلة ~~هجر بالكلية، وهذا ضعيف ms082 لأن المراد به قطع الكلام والسلام والمخالطة ~~المعتادة. ### | 1 فصل في ذكر فوائد العزلة وغوائلها وكشف الحق في فضلها # اعلم: أن اختلاف الناس في هذا أيضا هو كاختلافهم في فضيلة النكاح ~~والعزوبة، وقد ذكرنا أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فكذلك نقول ~~فيما نحن فيه، فلنذكر أولا فوائد العزلة وهى ست. # الفائدة الأولى: الفراغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه، فإن ~~ذلك يستدعى فراغا، لا فراغ مع المخالطة، فالعزلة وسيلة إلى ذلك خصوصا في ~~البداية. # قيل لبعض الحكماء: إلى أي شئ أفضى بهم الزهد والخلوة؟ قال: إلى الأنس ~~بالله. # وقال أويس القرني رضى الله عنه: ما كنت أرى أن أحدا يعرف ربه فيأنس ~~بغيره. # واعلم: أن من تيسر له بدوام الذكر الأنس بالله، أو بدوام الفكر تحقيق ~~معرفة الله، فالتجرد لذلك أفضل من كل ما يتعلق بالمخالطة. # الفائدة الثانية: التخلص بالعزلة عن المعاصيالتي يتعرض لها الإنسان غالبا ~~بالمخالطة، وهى أربعة: # أحدهما: الغيبة، فإن عادة الناس التمضمض بالأعراض والتفكه بها، فإن ~~خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرضت لسخط الله تعالى، وإن سكت كنت شريكا، فإن ~~المستمع أحد المغتابين، وإن أنكرت أبغضوك واغتابوك فازدادوا غيبة إلى ~~الغيبة، وربما # PageV01P111 # # خرجوا إلى الشتم. # الثانية: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن من خالط الناس لم يخل ع ~~مشاهدة المنكرات، فإن سكت عصى الله، وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر، في ~~العزلة سلامة من هذا. # الثالثة: الرياء، وهو الداء العضال الذي يعسر الاحتراز منه، وأول ما في ~~مخالطة الناس إظهار التشوق إليهم، ولا يخلو ذلك عن الكذب، إما في الأصل، ~~وإما في الزيادة، وقد كان السلف يحترزون في جواب قول القائل: كيف أصبحت، ~~وكيف أمسيت؟ كما قال بعضهم وقد قيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا ضعفاء ~~مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا. # واعلم: أنه إذا كان سؤال السائل لأخيه: كيف أصبحت؟ لا يبعثه عليه شفقة ~~ولا محبة، كان تكلفا أو رياء، وربما سأله وفى القلب ضغن وحقد يورث أن يعلم ~~فساد حاله، وفى العزلة الخلاص عن هذا، لأنه من لقي ms083 الخلق ولم يخالقهم ~~بأخلاقهم، مقتوه واستثقلوه واغتابوه، ويذهب دينهم فيه، ويذهب دينه ودنياه ~~في الانتقام منهم. # الرابعة: مسارقة الطبع من أخلاقهم الرديئة، وهو داء دفين قلما ينتبه له ~~العقلاء فضلا عن الغافلين، وذلك أنه قل أن يجالس الإنسان فاسقا مدة، مع ~~كونه منكرا عليه في باطنه، إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لوجد فارقا ~~في النفور عن الفساد، لأن الفساد يصير بكثرة المباشرة هينا على الطبع، ~~ويسقط وقعه واستعظامه، ومهما طالت مشاهدة الإنسان الكبائر من غيره، احتقر ~~الصغائر من نفسه، كما أن الإنسان إذا لاحظ أحوال السلف في الزهد والتعبد، ~~احتقر نفسه، واستصغر عبادته، فيكون ذلك داعية إلى الاجتهاد، وبهذه الدقيقة ~~يعرف سر قول القائل: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. # ومما يدل على سقوط وقع الشيء بسبب تكرره ومشاهدته، أن أكثر الناس إذا ~~رأوا مسلما قد أفطر في رمضان، استعظموا ذلك، حتى يكاد يفضي إلى اعتقادهم ~~فيه الكفر، وقد يشاهدون من يؤخر الصلاة عن أوقاتها، فلا ينفرون عنه نفورهم ~~عن تأخير الصوم، مع أن ترك صلاة واحدة تخرج إلى الكفر، ولا سبب لذلك إلا أن ~~الصلاة تتكرر، والتساهل فيها يكثر، وكذلك لو لبس الفقيه ثوبا حرير، أو ~~خاتما من ذهب، لاشتد إنكار الناس لذلك، وقد يشاهدونه يغتاب، فلا يستعظمون ~~ذلك، # PageV01P112 # # والغيبة أشد من لبس الحرير، ولكن لكثرة سماعها، ومشاهدة المغتابين، سقط ~~عن القلوب وقعها، فافطن لهذه الدقائق واحذر مجالسة الناس، فانك لا تكاد ترى ~~منهم إلا ما يزيد في حرصك على الدنيا، وفى غفلتك عن الآخرة، وتهون عليك ~~المعصية، وتضعف رغبتك في الطاعات، فإن وجدت مجلسا يذكر الله فيه، فلا ~~تفارقه فإنه غنيمة المؤمن. # الفائدة الثالثة: الخلاص من الفتن والخصومات، وصيانة الدين عن الخوض ~~فيها، فإنه قلما تخلو البلاد من العصبية والخصومات، والمعتزل عنهم سليم. # وقد روى ابن عمر رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر ~~الفتن، ووصفها وقال: "إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم (1)، وخفت أماناتهم، ~~فكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه، فقلت: ما ms084 تأمرني؟ فقال: "الزم بيتك، واملك ~~عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ما تنكر، وعليك بأمر الخاصة، ودع أمر العامة". # وقد روى غير ذلك من الأحاديث في معناه. # الفائدة الرابعة: الخلاص من شر الناس، فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة، ومرة ~~بالنميمة، ومرة بسوء الظن، ومرة بالتهمة، ومرة بالأطماع الكاذبة، ومن خالط ~~الناس لم ينفك من حاسد وعدو، وغير ذلك من أنواع الشر التي يلقاها الإنسان ~~من معارفه، وفى العزلة خلاص من ذلك، كما قال بعضهم: # عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب # وقال عمر رضى الله عنه: في العزلة راحة من خلطاء السوء. # وقال إبراهيم بن أدهم: لا تتعرف إلى من لا تعرف، وأنكر من تعرف. وقال رجل ~~لأخيه: أصحبك إلى الحج؟ فقال: دعنا نعش في ستر الله، فإنا نخاف أن يرى ~~بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. # وهذه فائدة أخرى في العزلة، وهى بقاء الستر على الدين والمروءة وسائر ~~العورات. PageV01P113 # # الفائدة الخامسة: أن ينقطع طمع الناس عنك، وطمعك عنهم. # أما طمعهم، فإن رضاهم غاية لا تدرك، فالمنقطع عنهم قاطع لطمعهم في حضور ~~ولائمهم وإملاكاتهم (1)، وغير ذلك. # وقد قيل: من عم الناس بالحرمان رضوا عنه كلهم. # وأما انقطاع طمعك، فإن من نظر إلى زهرة الدنيا تحرك حرصه، وانبعث بقوة ~~الحرص طمعه، ولا يرى إلا الخيبة في أكثر المطامع فيتأذى. # وفى الحديث: "انظروا إلى من دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر ~~أن لا تزدروا نعمة الله عليكم". # وقال الله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا} [طه: 131]. # الفائدة السادسة: الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى، ومقاساة أخلاقهم، ~~وإذا تأذى الإنسان بالثقلاء، لم يلبث، أن يغتابهم، فإن آذوه بالقدح فيه ~~كافأهم، فانجر الأمر إلى فساد الدين، وفى العزلة سلامة من ذلك. ### | 2 فصل في آفات العزلة # اعلم: أن من المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد من الاستعانة بالغير، ~~ولا يحصل ذلك إلا بالمخالطة. # ومن فوائد المخالطة: التعلم والتعليم، ms085 والنفع والانتفاع، والتأديب ~~والتأدب، والاستئناس والإيناس، ونيل الثواب في القيام بالحقوق، واعتياد ~~التواضع، واستفادة التجارب من مشاهدة هذه الأحوال، والأحوال، والاعتبار ~~بها، فهذه فوائد الخلطة، ولنفصلها: # الفائدة الأولى: التعلم والتعليم، وقد ذكرنا فضلهما في كتاب العلم، فأما ~~من تعلم الفرض ورأى أنه لا يتأتى منه الخوض في العلوم، ورأى الاشتغال ~~بالعبادة، فليعتزل، وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع فالعزلة في حقه ~~قبل التعلم غاية الخسران PageV01P114 # # ولهذا قال الربيع بن خثيم: تفقه ثم اعتزل، والعلم أصل الدين، ولا خير في ~~عزلة العوام. # سئل بعض العلماء: ما تقول في عزلة الجاهل؟ فقال: خبال ووبال، فقيل له: ~~فالعالم؟ فقال: مالك ولها، دعها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر ~~حتى يلقاها ربها (1). # وأما التعليم، ففيه ثواب عظيم إذا صحت النية فيه، ومتى كان القصد إقامة ~~الجاه والاستكثار من الأتباع، فهو هلاك الدين، وقد سبق ذلك في كتاب العلم، ~~والغالب في هذا الزمان سوء القصد من المتعلمين، فيقتضي الدين الاعتزال عنه، ~~ولا يحل كتمان العلم، ولا ينبغي أن يغتر بقول من قال: تعلمنا العلم لغير ~~الله فأبى أن يكون إلا لله، فإنه أشار بهذه إلى علوم القرآن والحديث ومعرفة ~~سير الأنبياء والصحابة، وذلك يتضمن التخويف والتحذير، وهو سبب لإثارة الخوف ~~من الله سبحانه، فإن لم يؤثر في الحال أثر في المال، فأما علم الكلام وعلم ~~الخلاف، فإنه لا يرد الراغب في الدنيا إلى الله تعالى، بل لا يزال صاحبة ~~متماديا في حرصه إلى آخر عمره. # الفائدة الثانية: النفع والانتفاع، أما الانتفاع بالناس، فبالكسب ~~والمعاملة، والمحتاج إلى ذلك مضطر إلى ترك العزلة، وأما إن كان معه ما ~~يقنعه، فالعزلة أفضل، إلا أن يقصد التصديق بكسبه، فذلك أفضل من العزلة، إلا ~~أن تكون العزلة مفيدة له معرفة الله تعالى والأنس به، عن كشف وبصيرة، لا عن ~~أوهام وخيالات فاسدة. # وأما النفع: فهو أن ينفع الناس، إما بماله أو ببدنه لقضاء حوائجهم، ومن ~~قدر على ذلك مع القيام بحدود الشرع، فهو أفضل من العزلة إن كان ms086 لا يشتغل في ~~عزلته إلا بنوافل الصلوات والأعمال البدنية، وإن كان ممن انفتح له طريق ~~العمل بالقلب بدوام ذكر أو فكر، فذاك الذي لا يعدل به البتة. PageV01P115 # # والمجاهدة في تحمل أذاهم، وكسر النفس، وقهر الشهوة، وذلك أفضل من العزلة ~~في حق من لم تتهذب أخلاقه. # وينبغي أن يفهم أن الرياضة لا تراد لنفسها كما لا يراد ذلك من رياضة ~~الدابة، بل المراد منها أن تتخذ مركبا تقطع عليه المراحل، والبدن مطيه يسلك ~~بها طريق الآخرة، وفيها شهوات إن لم تكسر جمحت براكبها في الطريق، فمن ~~اشتغل طول عمره بالرياضة كان كمن اشتغل طول عمره برياضة الدابة ولم يركبها، ~~ولا يستفيد إلا الخلاص من عضها ورفسها، وهى لعمري فائدة، ولكن ليست معظم ~~المقصود، قيل لراهب: يا راهب، فقال: لست براهب، إنما أنا كلب عقور، حبست ~~نفسي حتى لا أعقر الناس، وهذا حسن بالإضافة إلى من يعقر، من يعقر، لكن لا ~~ينبغي أن يقتصر عليه. # وأما التأديب: فهو أن يؤدب غيره، ويتطرق إليه من دقائق الآفات ما يتطرق ~~إلى نشر العلم على ما ذكره. # الفائدة الرابعة: الاستئناس والإيناس، وقد يكون مستحبا كالاستئناس بأهل ~~التقوى وقد يقصد به ترويح القلوب من كرب الوحدة، فينبغي أن يكون الاستئناس ~~في بعض الساعات بمن لا يفسد بقيتها، وليحصل أن يكون حديثه عند اللقاء في ~~أمور الدين. # الفائدة الخامسة: في نيل الثواب وإنالته. # أما الأول فبحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وحضور الإملاكات، والدعوات، ~~ففيها ثواب من جهة إدخال السرور على المؤمن. # وأما الثاني: فهو أن يفتح بابه للناس ليعزوه أو يهنوه أو يعودوه، فإنهم ~~ينالون بذلك ثوابا، وكذلك إن كان من العلماء فأذن لهم في زيارته. # ولكن ينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها، فيرجح العزلة أو ~~المخالطة، وقد كان أكثر السلف يؤثرون العزلة عليها. # الفائدة السادسة: التواضع، ولا يقدر على ذلك في الوحدة، فقد يكون الكبر ~~سببا في اختياره العزلة، ويمنعه في المحافل التقصير في إكرامه وتقديمه، ~~وربما ترفع عن مخالطتهم لارتفاع محله عند نفسه، أو نحو ms087 ذلك. # PageV01P116 # # وعلامة من هذه صفته أن يحب أن يزار ولا يحب أن يزور، ويفرح بتقرب ~~السلاطين والعوام إليه واجتماعهم على بابه، وتقبيل يده، فالعزلة بهذا السبب ~~جهل، لأن التواضع لا يغض من منصب الكبير. # فإذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقا بالتفضيل ~~نفيا وإثباتا خطأ، بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله، وإلى الخليط وحاله، ~~وإلى الباعث على مخالطته، وإلى الفائت بسبب مخالطته من الفوائد، ويقاس ~~الفائت بالحاصل، فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل. # فقد قال الشافعي رحمه الله: الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط ~~إليهم مجلبة للسوء، فكن بين القبض والبسط، ومن ذكر سوى هذا فهو قاصر، وإنما ~~هو إخبار عن حاله، فلا يجوز أن يحكم بها على غيره المخالف له في الحال. # فإن قيل: فما آداب العزلة؟ # قلنا: ينبغي للمعتزل أن ينوى بعزلته كف شره عن الناس، ثم طلب السلامة من ~~شر الأشرار، ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين، ثم تجريد ~~الهمة لعبادة الله تعالى أبدا، فهذه آداب بينة. # ثم ليكن في خلواته مواظبا على العلم والعمل، والذكر والفكر، فيجتنى ثمرة ~~العزلة وليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته ليصفو وقته، وليكف عن ~~السؤال عن أخبارهم، وعن الإصغاء إلى أراجيف البلد وما الناس مشغولون به، ~~فإن جميع ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث في أثناء الصلاة، فوقع الأخبار في ~~السمع كوقوع البذر في الأرض، وليقنع باليسير من المعيشة، وإلا اضطره التوسع ~~إلى مخالطة الناس. # وليكن صبورا على ما يلقاه من أذى الناس، ولا يصغي إلى الثناء عليه ~~بالعزلة، ولا القدح فيه بترك الخلطة، فإن ذلك يؤثر في القلب فيقف عن السير ~~في طريق الآخرة. # وليكن له جليس صالح يستريح إليه ساعة عن كد المواظبة، ففى ذلك عون على ~~بقية الساعات، ولا يتم الصبر في العزلة إلا بقطع عن الدنيا، ولا ينقطع طمعه ~~إلا بقصر أمله، فيقدر أنه إذا أصبح لا يمسي، وإذا أمسى لا يصبح، فيسهل عليه ~~صبر يوم. # PageV01P117 # # وليكن كثير الذكر ms088 للموت ووحدة القبر متى ضاق عليه قلبه من الوحدة، ~~وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به، لم يطق ~~وحشة الوحدة بعد الموت، وأن من انس بذكر الله ومعرفته لم يزل الموت أنسه، ~~لأن الموت لا يهدم محل الأنس والمعرفة، كما قال الله تعالى في حق الشهداء: ~~{بل أحياء عند ربهم يرزقون} [سورة آل عمران: 169] وكل متجرد لله في جهاد ~~نفسه، فهو شهيد، كما ورد عن بعض الصحابة أنه قال: رجعنا من الجهاد الأصغر ~~إلى الجهاد الأكبر. # *** # PageV01P118 # ### | كتاب آداب السفر # السفر وسيلة إلى الخلاص من مهروب عنه، أو الوصول إلى مرغوب إليه. # والسفر سفران: سفر بظاهر البدن عن الوطن، وسفر بسير القلب عن أسفل سافلين ~~إلى ملكوت السماوات، وهذا أشرف السفرين، فإن الواقف على الحالة التى نشأ ~~عليها عقيب الولادة، الجامد على ما تلقفه بالتقليد من الآباء، لازم درجة ~~القصور، قانع برتبة النقص، ومستبدل بمتسع عرضه السماوات والأرض ظلمة السجن ~~وضيق الحبس. # ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام # إلا أن هذا السفر لما كان مقتحمه في خطر خطير، اندرست مسالكه. # فأما سفر البدن: فهو أقسام، وله فوائد وآفات عظيمة، فإنه يضاهي النظر في ~~العزلة والمخالطة، وقد ذكرنا منهاج ذلك. # فالفوائد الباعثة عليه لا تخلو من هرب أو طلب، فالهرب إما من أمر له ~~نكاية في الأمور الدنيوية، كالطاعون إذا ظهر ببلد، أو كخوف فتنة وخصومة، أو ~~غلاء سعر. # وإما أمر له نكاية في الدين، كمن ابتلى في بلده بجاه أو مال أو اتساع ~~أسباب، فصده عن التجرد لله تعالى، فيؤثر الغربة والخمول ويجتنب السعة ~~والجاه، وكمن يدعى إلى بدعة أو إلى ولاية عمل لا تحل مباشرته، فيطلب الفرار ~~منه. # وأما المطلوب، فهو إما دنيوى كالمال والجاه، أو دينى كالعلم بأمور دينه، ~~أو بأخلاقه في نفسه، أو بآيات الله في أرضه، وقل مذكور بالعلم محصل من زمان ~~الصحابة رضى الله عنهم إلى زماننا إلا وحصل العلم بالسفر وسافر لأجله. # وأما علمه ms089 بنفسه وأخلاقه، فذلك أيضا مهم، فإن سلوك الآخرة لا يمكن إلا ~~بتحسين الخلق وتهذيبه، وإنما سمى السفر سفرا، أنه يسفر عن الأخلاق. # وفى الجملة فالنفس في الوطن لا تظهر خبائث أخلاقهم لاستئناسها بما يوافق ~~طبعها من المألوفات المعهودة، فإذا حملت وعثاء السفر، وصرفت عن مألوفاتها ~~المعتادة، ولامتحنت بمشاق الغربة، انكشفت غوائلها، ووقع الوقوف على عيوبها. # PageV01P119 # # وأما آيات الله في أرضه، ففى مشاهدتها فوائد للمستبصر: # ففيها قطع متجاورات، وفيها الجبال والبرارى والقفار والبحار، وأنواع ~~الحيوان والنبات، وما من شئ إلا وهو شاهد لله بالوحدانية، ومسبح بلسان ذلق ~~لا يدركه إلا من ألقى السمع وهو شهيد. # وإنما نعني بالسمع: سمع الباطن، فبه يدرك نطق لسان الحال، وما من ذرة في ~~السماوات والأرض إلا ولها أنواع شاهدات لله سبحانه بالوحدانية. # وقد ذكرنا أن فوائد السفر الهرب من الولاية والجاه وكثرة العلائق، لأن ~~الدين لا يتم إلا بقلب فارغ عن غير الله، ولا يتصور فراغ القلب في الدنيا ~~عن مهمات الدنيا والحاجات الضرورية، ولكن يتصور تخفيفها وتقليلها، وقد نجا ~~المخفون وهلك المثقلون، والمخف الذي ليست الدنيا أكبر همه. ### | 1 فصل [في السفر المباح] # ومن أقسام السفر أن يكون مباحا، كسفر التفرج والتنزه، فأما السياحة في ~~الأرض لا لمقصود، ولا إلى مكان معروف، فإنه منهى عنه. # فقد روينا من حديث طاووس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا ~~رهبانية، ولا تبتل، ولا سياحة في الإسلام" (1). PageV01P120 # # وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما السياحة من الإسلام في شئ ولا من فعل ~~النبيين ولا الصالحين. ولأن السفر يشتت القلب، فلا ينبغى للمريد أن يسافر ~~إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدى به في سيرته. # وللسفر آداب معروفة مذكورة في مناسك الحج وغيرها. # من ذلك أن يبدأ برد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لمن تلزمه ~~نفقته، ورد الودائع. # ومنها: أن يختار رفيقا صالحا، ويودع الأهل والأصدقاء. # ومنها: أن يصلي صلاة الاستخارة، وأن يكون يوم الخميس بكرة. # ومنها: أن لا يمشى منفردا، وأن يكون أكثر سيره بالليل، ms090 ولا يهمل الأذكار ~~والدعية إذا وصل منزلا أو علا نشزا أو هبط واديا. # ومنها: أن يستصحب معه ما فيه مصلحته، كالسواك، والمشط، والمرآة، ~~والمكحلة، ونحو ذلك. ### | 2 فصل فيما لابد للمسافر منه # ينبغى له أن يتزود للدنيا والآخرة، أما زاد الدنيا، فالمطعم والمشرب وما ~~يحتاج إليه. # ولا ينبغى أن يقول: أخرج متوكلا فلا أحمل زادا، فهذا جهل، فإن حمل الزاد ~~لا يناقض التوكل. # وأما زاد الآخرة، فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصلاته وعبادته، ~~وتعلم رخص السفر، كالقصر والجمع والفطر، ومدة مسح السفر على الخفين ~~والتيمم، والتنفل للماشى، وكل ذلك مذكور في كتب الفقه بشروط. # ولابد للمسافر من معرفة ما يتجدد بسب السفر، وهو علم القبلة والأوقات، ~~فمعرفة ذلك في السفر آكد من الحضر. # ويستدل على القبلة بالنجوم والشمس والقمر والرياح والمياه والجبال ~~والمجرة على ما هو مبين في موضعه، ويعتبر الجبال بأن وجودها جميعها مستقبلة ~~البيت. # PageV01P121 # # وأما المجرة فتكون أول الليل ممتدة على كتف المصلى اليسرى إلى القبلة، ثم ~~يلتوى رأسها حتى تصير في آخر الليل على كتفى اليمنى، وتسمى المجرة: سرج ~~السماء. # وأما معرفة أوقات الصلوات، فلابد منها، ووقت الظهر يدخل بزوال الشمس، ~~فلينصب المسافر عودا مستقيما، وليعلم علامات على رأس الظل، ولينظر، فإن رآه ~~في النقصان علم انه لم يدخل وقت الظهر، فإذا أخذ في الزيادة علم أنه قد ~~زالت الشمس ودخل الوقت، وهو أول وقت الظهر، وآخره إذا سرى ظل كل شئ مثله، ~~ثم يدخل أول وقت على العصر، وآخره إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه. # وعن الإمام أحمد: أن آخره ما لم تصفر الشمس، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى ~~وقت الجواز إلى غروب الشمس، وباقى الأوقات معروفة. # *** # PageV01P122 # ### | كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # أعلم: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب العظم في الدين، وهو ~~المهم الذي بعث الله به النبيين، ولو طوى بساطه، لاضمحلت الديانة، وظهر ~~الفساد، وخربت البلاد. # قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون ms091 عن المنكر وأولئك هم المفلحون}. [آل عمران: 104]، وفى هذه الآية ~~بيان أنه فرض على الكفاية لا فرض عين، لأنه قال: {ولتكن منكم أمة}، ولم ~~يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، فإذا قام به من يكفى سقط عن الباقين، ~~واختص الفلاح بالقائمين المباشرين له. وفى القرآن العظيم آيات كثيرة في ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. # وعن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: "مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها مثل قوم ركبوا ~~سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين ~~في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو خرقنا في ~~نصينا خرقا فاستقينا منه، ولم نؤذى من فوقنا، فإن تركوها وأمرهم هلكوا ~~جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا". ### | 1 فصل في مراتب الإنكار وبعض ما ورد فيه # فقد جاء في الحديث المشهور من رواية مسلم، أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم ~~يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". # وفى حديث آخر: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". # وفي حديث آخر: "إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت ظالم، فقد ~~تودع منهم". وقام أبو بكر رضى الله عنه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم ~~قال: أيها الناس، # PageV01P123 # # إنكم تقرؤون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروا أوشك أن يعمهم الله ~~بعذاب". # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن ~~المنكر، أو ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم". ### | 2 فصل في أركانه وشروطه ودرجاته وآدابه ونحو ذلك # اعلم: أن أركان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أربعة: # أحدها: أن يكون المنكر مكلفا مسلما قادرا، وهذا شرط لوجوب الإنكار. # فإن ms092 الصبي المميز، له إنكار المنكر، ويثاب على ذلك، لكن لا يجب عليه. # وأما عدالة المنكر، فاعتبرها قوم وقالوا: ليس للفساق أن يحتسب، وإنما ~~استدلوا بقوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] ~~وليس لهم في ذلك حجة. # واشترط قوم كون المنكر مأذونا فيه من جهة الإمام أو الوالي، ولم يجيزوا ~~لآحاد الرعية الحسبة، وهذا فاسد، لأن الآيات والأخبار عامة تدل على أن كل ~~من رأى منكرا فسكت عنه عصى، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم. # ومن العجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا: لا يجوز الأمر بالمعروف ما ~~لم يخرج الإمام المعصوم، وهؤلاء أخس رتبة من أن يتكلموا، لكن جوابهم أن ~~يقال لهم إذا جاءوا إلى القاضي طالبين حقوقهم: نصرتكم أمر بالمعروف، ~~واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهى عن المنكر، ولم يجئ زمان ذلك لأن ~~الإمام لم يخرج بعد. # فإن قيل: بى الأمر بالمعروف إثبات سلطنة وولاية على المحكوم عليه، ولذلك ~~لم يثبت للكافر على المسلم، مع كونه حقا، فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية ~~إلا بتفويض من السلطان. # قلنا: أما الكافر فممنوع من ذلك لما فيه من السلطة والعز، وأما آحاد ~~المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة. # PageV01P124 # # واعلم أن الحسبة لها خمس مراتب: # 1 التعريف: # 2 والوعظ بالكلام اللطيف. # الثالثة: السب والتعنيف، ولسنا نعنى بالسب الفاحشة، بل نقول له: يا جاهل ~~يا أحمق، ألا تخاف من الله تعالى! ونحو ذلك. # والرابعة: المنع بالقهر، ككسر الملاهي وإراقة الخمر. # والخامسة: التخويف والتهديد بالضرب، أو مباشرة الضرب له حتى يمتنع عما هو ~~عليه، فهذه المرتبة تحتاج إلى الإمام دون ما قبلها، لأنه ربما جر إلى فتنة. # واستمرار عادات السلف على الحسبة للولد على الوالد، والعبد على السيد، ~~والزوجة على الزوج، والرعية على الوالي؟. # قلنا: أصل الولاية ثابت للكل، وقد رتبنا للحسبة خمس مراتب. فللولد من ذلك ~~الحسبة بالتعريف، ثم بالوعظ والنصح باللطف. وله من الرتبة الخامسة: أن يكسر ~~العود، ويريق الخمر، ونحو ذلك، وهذا الترتيب ينبغي أن يجرى في العبد ~~والزوجة. # وأما الرعية ms093 مع السلطان، فالأمر فيه أشد من الولد، فليس معه إلا التعريف ~~والنصح. ويشترط كون المنكر قادرا على الإنكار، فأما العاجز، فليس عليه ~~إنكار إلا بقلبه، ولا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي، بل يلتحق به خوف ~~مكروه يناله، فذلك في معنى العجز. وكذلك إذا علم أن إنكاره لا ينفع، فيقسم ~~إلى أربعة أحوال: # أحدها: أن يعلم أن المنكر يزول بقوله أو فعله من غير مكروه يلحقه، فيجب ~~عليه الإنكار # PageV01P125 # # الحالة الثانية: أن يعلم أن كلامه لا ينفع وأنه إن تكلم ضرب، فيرتفع ~~الوجوب عنه. # الحالة الثالثة: أن يعلم إن إنكاره لا يفيد، لكنه لا يخاف مكروها، فلا ~~يجب عليه الأمر لعدم الفائدة، لكن يستحب لإظهار شعائر الإسلام والتذكير ~~بالدين. # الحالة الرابعة: أن يعلم أنه يصاب بمكروه، ولكن يبطل المنكر بفعله، مثل ~~أن يكسر العود، ويريق الخمر، ويعلم أنه يضرب عقيب ذلك، فيرتفع الوجوب عنه، ~~ويبقى مستحبا لقوله في الحديث: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". # ولا خلاف أنه يجوز للمسلم الواحد أن يهجم على صفوف الكفار ويقاتل، وإن ~~علم أنه يقتل، لكن إن علم أنه لا نكاية له في الكفار، كالأعمى يطرح نفسه ~~على الصف، حرم ذلك، وكذلك لو رأى فاسقا وحده وعنده قدح خمر وبيده سيف، وعلم ~~أنه لو أنكر عليه لشرب الخمر لضرب عنقه، لم يجز له الإقدام على ذلك، لأن ~~هذا لا يؤثر في الدين أثرا يفديه بنفسه، وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر ~~على إبطال المنكر، وظهر لفعله فائدة، كمن يحمل في صف الكفار ونحوه. # وإن علم المنكر أنه يضرب معه غيره من أصحابه، لم تجزله الحسبة، لأنه عجز ~~عن دفع المنكر إلا بإفضائه إلى منكر آخر، ليس ذلك من القدرة في شىء. ولسنا ~~نعنى بالعلم في هذه المواضيع إلا غلبة الظن، فمن غلب على ظنه أنه يصيبه ~~مكروه، لم يجب عليه الإنكار، وإن غلب على ظنه أنه لا يصيبه وجب، ولا اعتبار ~~بحالة الجبان، ولا الشجاع المتهور، بل الاعتبار بالمعتدل الطبع، السليم ~~المزاج. ونعنى ms094 بالمكروه: الضرب أو القتل، وكذلك نهب المال، والإشهار في ~~البلد مع تسويد الوجه، فأما السب والشتم، فليس بعذر في السكوت، لأن الآمر ~~بالمعروف يلقى ذلك في الغالب. # الركن الثاني: أن يكون ما فيه الحسبة منكرا موجودا في الحال ظاهرا، فمعنى ~~كونه منكرا أن يكون محذور الوقوع في الشرع، والمنكر أعم من المعصية، إذ من ~~رأى صبيا أو مجنونا يزنى بمجنونة أو بهيمة، فعليه أن يمنعه. # وقولنا: موجودا في الحال، احتراز ممن شرب الخمر وفرغ من شربها، ونحو # PageV01P126 # # ذلك، فإن ذلك ليس إلى الآحاد، وفيه أيضا احتراز عما سيوجد في ثاني الحال، ~~كمن يعلم بقرينه حاله أنه عازم على الشرب الليلة، فلا حسبة عليه إلا ~~بالوعظ. # وقولنا: ظاهرا، احتراز ممن تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه، فإنه لا ~~يجوز أن يتجسس عليه، إلا أن يظهر ما يعرفه من هو خارج الدار، كأصوات ~~المزامير والعيدان، فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي، فإن فاحت رائحة ~~الخمر، فالأظهر جواز الإنكار. # ويشترط في إنكار المنكر أن يكون معلوما كونه منكرا بغير اجتهاد، فكل ما ~~هو في محل الاجتهاد، فلا حسبة فيه، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله ~~متروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه يسير النبيذ الذي ليس ~~بمسكر. # الركن الثالث: في المنكر عليه، ويكفى في صفته أن يكون إنسانا، ولا يشترط ~~كونه مكلفا كما بينا قبله من أنه ينكر على الصبي والمجنون. # الركن الرابع: نفس الاحتساب، وله درجات وآداب. # الدرجة الأولى: أن يعرف المنكر، فلا ينبغي له أن يسترق السمع على دار ~~غيره ليسمع صوت الأوتار، ولا يتعرض للشم ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يمس ما ~~قد ستر بثوب ليعرف شكل المزمار، ولا أن يستخبر جيرانه بما يجرى، بل لو ~~أخبره عدلان ابتداء أن فلانا يشرب الخمر، فله إذ ذاك أن يدخل وينكر. # الدرجة الثانية: التعريف، فإن الجاهل يقدم على الشيء لا يظنه منكرا، فإذا ~~عرف أقلع عنه، فيجب تعريفه باللطف، فيقال له: إن الإنسان لا يولد عالما، ~~ولقد كنا ms095 جاهلين بأمور الشرع حتى علمنا العلماء، فلعل قريتك خالية من أهل ~~العلم. # فكهذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء. ومن اجتنب محذور السكوت عن ~~المنكر، واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه، فقد غسل الدم ~~بالبول. # الدرجة الثالثة: النهى بالوعظ والنصح والتخويف بالله، ويورد عليه الأخبار ~~الواردة بالوعيد، ويحكي له سيرة السلف، ويكون ذلك بشفقة ولطف من غير عنف ~~وغضب، وها هنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها، وهو أن العالم يرى عند التعريف ~~عز نفسه بالعلم، وذل غيره بالجهل. # PageV01P127 # # ومثال ذلك مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو غاية الجهل، ~~ومذلة عظيمة، وغرور من الشيطان، ولذلك محك ومعيار، فينبغي أن يمتحن به ~~المحتسب نفسه، أو باحتساب غيره عليه، أحب إليه من امتناعه باحتسابه، فإن ~~كانت الحسبة شاقة عليه، ثقيلة على نفسه، وهو يود أن يكفى بغيره، فليحتسب، ~~فإن باعثه هو الدين، وإن كان الأمر بالعكس، فهو متبع هوى نفسه، متوسل إلى ~~إظهار جاهه بواسطة انكاره، فليتق الله وليحتسب أولا على نفسه. # وقيل لداود الطائي: أرأيت رجلا دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ~~ونهاهم عن المنكر؟ قال: أخاف عليه السوط. قيل: هو يقوى على ذلك، قال أخاف ~~عليه السيف، قيل: هو يقوى على ذلك، قال أخاف عليه الداء الدفين: العجب. # الدرجة الرابعة: السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن، وإنما يعدل إلى هذا ~~عند العجز عن المنع باللطف، وظهور مبادئ الإصرار، والاستهزاء بالوعظ ~~والنصح، ولسنا نعنى بالسب: الفحش والكذب، بل نقول له: يا فاسق، يا أحمق، يا ~~جاهل، ألا تخاف الله، قال الله تعالى حاكية عن إبراهيم عليه السلام: {أف ~~لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} [الأنبياء: 67]. # الدرجة الخامسة: التغيير باليد، ككسر الملاهى، وإراقة الخمر، وإخراجه من ~~الدار المغصوبة، وفي الدرجة أدبان: # أحدهما: أن لا يباشر التغيير ما لم يعجز عن تكليف المنكر علي ذلك، فإذا ~~أمكنه أن يكلفه الخروج عن الأرض المغصوبة، فلا ينبغي أن يجره ولا يدفعه. # والثاني: أن يكسر الملاهي كسرا يبطل صلاحيتها للفساد، ms096 ولا يزيد على ذلك ~~ويتوقى في إراقة الخمور كسر الأواني إن وجد إليه سبيلا، وإن لم يقدر إلا ~~بأن يرمى ظروفها بحجر أو نحوه، فله ذلك، وتسقط قيمة الظرف، ولو ستر الخمر ~~بيديه، فإنه يقصد بيديه بالضرب ليتوصل إلى إراقة الخمر، ولو كانت الخمر في ~~قوارير ضيقة الرؤوس، بحيث أنه إذا اشتغل بإراقتها طال الزمان وأدركه الفساق ~~فمنعوه، فله كسرها، لأن هذا عذر وكذلك إن كان يضيع الزمان في صبها، وتتعطل ~~أشغاله، فله كسرها ولو لم يحذر من الفساق. # PageV01P128 # # فإن قيل: فهلا يجوز الكسر زجرا، وكذلك الجر بالرجل في الإخراج من الدار ~~المغصوبة زجرا؟ # قلنا: إنما يجوز مثل ذلك للولاة، ولا يجوز لآحاد الرعية، لخفاء وجه ~~الاجتهاد فيه. # الدرجة السادسة: التهديد والتخويفكقوله: دع عنك هذا وإلا فعلت بك كذا ~~وكذا، وينبغى أن يقدم هذا على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه. # والأدب في هذه الرتبة أن لا يهدد بوعيد لا يجوز تحقيقه، كقوله: لأنهبن ~~دارك، ولأسبين زوجتك، لأنه إن قال ذلك عن عزم، فهو حرام، وإن قاله عن غير ~~عزم، فهو كذب. # الدرجة السابعة: مباشرة الضرب باليد والرجلوغير ذلك مما ليس فيه إشهار ~~سلاح، وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة، فإذا اندفع ~~المنكر فينبغي أن يكف. # الدرجة الثامنة: أن لا يقدر على الإنكار بنفسه ويحتاج إلى أعوان يشهرون ~~السلاح، فإنه ربما يستمد الفاسق أيضا بأعوانه ويؤدى إلى القتال، فالصحيح أن ~~ذلك يحتاج إلى إذن الإمام، لأنه يؤدى إلى الفتن وهيجان الفساد. # وقيل: لا يشترط في ذلك إذن الإمام. ### | 4 فصل [في صفات المحتسب] # (1) # وقد ذكرنا آداب المحتسب مفصلة، وجملتها ثلاث صفات في المحتسب. # العلم بمواقع الحسبة وحدودها ومواقعها، ليقتصر على حد الشرع. # والثاني: الورع، فانه قد يعلم شيئا ولا يعمل به لغرض من الأغراض. # والثالث: حسن الخلق، وهو أصل ليتمكن من الكف، فإن الغضب إذا هاج لم يكف ~~مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع خلق حسن. # قال بعض السلف: لا يأمر بالمعروف إلا رفيق ms097 فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى ~~عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ~~ينهى عنه. PageV01P129 # # ومن الآداب: تقليل العلائق، وقطع الطمع عن الخلق لتزول المداهنة، فقد حكى ~~عن بعض السلف أنه كان له سنور، وكان يأخذ لسنوره في كل يوم من قصاب في ~~جواره شيئا من الغدد. فرأى على القصاب منكرا، فدخل الدار فأخرج السنور، ثم ~~جاءه فأنكر على القصاب، فقال: لا أعطيك بعد هذا شيئا لسنورك، فقال: ما ~~أنكرت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك، وهذا صحيح، فإن لم يقطع ~~الطمع من الناس من شيئين لم يقدر على الإنكار عليهم. # أحدهما: من لطف ينالونه به. # والثاني: من رضاهم عنه وثنائهم عليه. # وأما الرفق في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فمتعين، قال الله تعالى: ~~{فقولا له قولا لينا} [طه: 44]. # وروى أن أبا الدرداء رضى الله عنه مر على رجل قد أصاب ذنبا والناس ~~يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: ~~بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافكم، فقالوا: أفلا تبغضه؟ ~~فقال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه، فهو أخي. # ومر فتى يجر ثوبه، فهم أصحاب صلة بن أشيم أن يأخذوه بألسنتهم أخذا شديدا، ~~فقال صلة: دعوني أكفكم أمره، ثم قال: يا ابن أخي، إن لى إليك حاجة. قال ما ~~هي؟ قال: أحب أن ترفع إزارك، قال نعم ونعمى عين (1)، فرفع إزاره، فقال صلة، ~~لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم، فإنكم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم. # ودعي الحسن إلى عرس، فجئ بجام من فضة فيه خبيص، فتناوله وقلبه على رغيف، ~~فأصاب منه، فقال رجل: هذا نهى في سكون. # ... PageV01P130 # ### | باب المنكرات المألوفة في العادات وفى الإنكار على الأمراء والسلاطين، وأمرهم بالمعروف # ولنذكر في ذلك فصلين: ### | الفصل الأول # اعلم: أن المنكرات المألوفة في العادات لا يمكن حصرها، لكنا نشير إلى جمل ~~يستدل بها على أمثالها، فمن ذلك: ### | منكرات المساجد # مما يشاهد كثيرا في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في ms098 الركوع ~~والسجود وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة، من نجاسة على ثوب المصلى لايراها، ~~أو انحراف عن القبلة بسبب عمى أو ظلام. # ومن ذلك اللحن في القراءة. # واشتغال المعتكف بإنكار هذه الأشياء وتعريفها أفضل له من نافلة يقتصر ~~عليها. # ومن ذلك: تراسيل (1) المؤذنين وتطويلهم مد كلماته. # ومن ذلك: أن يكون على الخطيب ثوب حرير، أو بيده سيف مذهب. # ومن ذلك: ما يجرى من القصاص في المساجد من الكذب، والأشياء المنهى عنها، ~~كالخوض في الكلام الموجب للفتن، ونحو ذلك. # ومن ذلك أن يكون الرجال مختلطين بالنساء، فينبغى إنكار ذلك عليهم. # ومنها: الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة، والتعويذات، وقيام ~~السؤال، وإنشادهم الأشعار، ونحو ذلك. فهذه منها ما هو حرام، ومنها ما هو ~~مكروه. ### | منكرات الأسواق # ومن ذلك: الكذب في المرابحة: وإخفاء العيب، فمن قال: اشتريت هذه السلعة ~~بعشرة، ورابح درها، وكان كاذبا، فهو فاسق. PageV01P131 # # ويجب على من عرف ذلك أن يخبر المشترى بكذبه، فإن سكت مراعاة للبائع، كان ~~شريكا له في الخيانة. وكذلك إذا علم العيب، لزمه أن يبينه للمشترى، وكذلك ~~التفاوت في الميزان والذراع، يجب على كل من عرفه تغييره، إما بنفسه، أو ~~برفعه إلى الوالى حتى يغيره. # ومنها: الشروط الفاسدة، واستعمال الربا، وبيع الملاهى، والصور المجسمة، ~~ونحو ذلك. ### | منكرات الشوراع # ومن ذلك بناء دكان متصلة بالأبنية المملوكة، وإخراج الأجنحة، وغرس ~~الأشجار إذا كان ذلك يؤدى إلى تضييق الطريق والإضرار بالمارة، فأما وضع ~~الحطب والطعام في الطريق بمقدار ما ينقل إلى البيوت فجائز، فإن ذلك يشترك ~~الكافة في الحاجة إليه. # ومن المنكرات: ربط الدواب على الطريق بحيث تضيق وتؤذى الناس، فيجب المنع ~~من ذلك، إلا إذا كان بمقدار الحاجة للنزول والركوب. # ومن ذلك: تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيق، وكذلك طرح الكناسة على ~~جواد الطريق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه الزلق، والماء ~~الذي يجتمع في ميزاب معين. فأما إن كان من المطر، فذلك على الولاة، وليس ~~للآحاد في ذلك إلا الوعظ. ### | منكرات الحمامات # من ms099 ذلك: صور الحيوانات على باب الحمام أو داخله، ويكفى في زوال ذلك أن ~~تشوه وجوه الصور، بحيث يبطل تصويرها. ومن لم يقدر على الإنكار، لم يجزله ~~الدخول إلا لضرورة، وليعدل إلى حمام آخر. # ومن ذلك: كشف العورات، والنظر إليها، وكشف المدلك عن الفخذ، وما تحت ~~السرة، لتنحيه الوسخ أو مس العورة. # ومنها: غمس اليد والأواني النجسة في المياه القليلة، فإن فعل ذلك مالكى، ~~لم ينكر عليه، بل يتلطف به، ويقول له: يمكنك أن لا تؤذينى بتفويت الطهارة ~~علي. # PageV01P132 # ### | منكرات الضيافة # من ذلك: فرش الحرير للرجال، والبخور في مجمررة فضة أو ذهب، والشرب فيهما، ~~استعمال ماء الورد منهما، وكذلك تعليق الستور وفيها الصور، وسماع القينات ~~والأوتار، واطلاع النساء على الشباب الذين تخاف فتنتهم، فكل ذلك منكر يجب ~~تغييره، ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج. # وأما الصور على النمارق والبسط، فليس بمنكر، وكذلك الفرش والحرير، والذهب ~~للنساء، فانه جائز، ولا رخصة في تثقيب آذان الصبية لأجل تعليق حلق الذهب، ~~فإن ذلك جرح مؤلم لا يجوز، وفى المخانق والأسورة كفاية عن ذلك والاستئجار ~~على ذلك غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرام. # ومن ذلك أن يكون في الضيافة مبتدع يتكلم في بدعته، فلا يجوز الحضور معه ~~إلا لمن يقدر على الرد عليه، وإن لم يتكلم المبتدع جاز الحضور مع إظهار ~~الكراهة له والإعراض عنه، وإن كان هناك مضحك بالفحش والكذب، لم يجز الحضور، ~~ويجب الإنكار، فإن كان مزحا لا كذب فيه ولا فحش، أبيح ما لم يقل من ذلك، ~~فأما اتخاذه صناعة وعادة فيمنع منه. ### | المنكرات العامة # من تيقن أن في السوق منكرا يجرى على الدوام، أو في وقت معين وهو قادر على ~~تغييره، لم يجز له أن يسقط ذلك عنه بالقعود في بيته، بل يلزمه الخروج، فإن ~~قدر على تغيير البعض لزمه. # وحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه، فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك ~~المحرمات، ثم يعلم ذلك أهله وأقاربه، ثم يتعدى إلي جيرانه وأهل محلته، ثم ~~إلي أهل بلده، ثم إلي السواد ms100 كذلك إلي أقصى العالم، فإن قام بذلك الأقرب، ~~سقط عن الأبعد، وإلا خرج به كل قادر عليه. ### | الفصل الثاني: في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر. # وقد ذكرنا درجات الأمر بالمعروف، والجائز من ذلك مع السلاطين القسمان ~~الأولان وهما: التعريف والوعظ، فأما تخشين القول، نحو: يا ظالم، يا من لا ~~يخاف # PageV01P133 # # الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير، لم يجز، وإن لم يخف ~~إلا على نفسه، فهو جائز عند جمهور العلماء، والذى أراه المنع من ذلك، لأن ~~المقصود إزالة المنكر، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر أكبر من ~~المنكر الذي قصد إزالته، وذلك أن أقرب السلاطين التعظيم، فان سمعو من آحاد ~~الرعية: يا ظالم، يا فاسق، رأوا غاية الذل، لم يصبروا على ذلك. # قال الإمام أحمد رحمه الله: لا تتعرضن بالسلطان، فان سيفه مسلول، فأما ما ~~جرى من السلف من التعرض لأمرائهم، فانهم كانوا يهابون العلماء، فإذا ~~انبسطوا عليهم احتملوهم في الأغلب. # وقد جمعت مواعظ السلف للخلفاء والأمراء في كتاب " المصباح المضئ " وأنا ~~أنتخب منه ها هنا حكايات. # قال سعيد بن عامر لعمر بن الخطاب رضى الله عنه: إنى موصيك بكلمات من ~~جوامع الآلام ومعالمه: اخش الله في الناس، ولا تخش الناس في الله، ولا ~~يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه الفعل، وأحب لقريب المسلمين ~~وبعيدهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، وخض الغمرات إلى الحق حيث علمته، ولا تخف ~~في الله لومة لائم. قال: ومن يستطع ذلك يا أبا سعيد؟ قال: من ركب في عنقه ~~مثل الذي ركب في عنقك. # ... # وقال قتادة: خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه من المسجد ومعه الجارود، ~~فإذا امرأة برزة على الطريق، فسلم عليها، فردت عليه، أو سلمت عليه، فرد ~~عليها، فقال: هيه يا عمر، عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تصارع ~~الصبيان، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير ~~المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت ms101 خشى الفوت، فبكى ~~عمر رضى الله عنه، فقال الجارود: هيه، لقد تجرأت على أمير المؤمنين ~~وأبكيتيه. # فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه؟ هى خولة بن حكيم التى سمع الله قولها من ~~فوق سماواته، فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها. # ... # ودخل شيخ من الأزد على معاوية، فقال: اتق الله يا معاوية، واعلم أنك كل ~~يوم # PageV01P134 # # يخرج عنك، وفى كل ليلة تأتى عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا، ومن ~~الآخرة إلا قربا، وعلى إثرك طالب لا تفوته، وقد نصب لك علم لا تجوزه، فما ~~أسرع ما تبلغ العلم، وما أوشك أن لحقك الطالب، وإنا وما نحن فيه وأنت زائل، ~~والذى نحن صائرون إليه باق، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # ... # ودخل سليمان بن عبد الملك المدينة، فأقام بها ثلاثا، فقال: ما هاهنا رجل ~~ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثنا؟ # فقيل له: ها هنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه فجاء. # فقال سليمان: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: وأى جفاء رأيت ~~منى؟ فقال له: أتاني وجوه المدينة كلهم ولم تأتنى؟! فقال: ما جرى بينى ~~وبينك معرفة آتيك عليها. قال صدق الشيخ. يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ ~~قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلو من العمران ~~إلى الخراب. # قال: صدقت يا أبا حازم، فكيف القدوم على الله تعالى؟ قال: أما المحسن ~~فكالغائب يقدم على أهله فرحا مسرورا، وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه ~~خائفا محزونا. # فبكى سليمان وقال: ليت شعرى، ما لنا عند الله يا أبا حازم، فقال أبو ~~حازم: اعرض نفسك على كتاب الله؟ قال: عند قوله {إن الأبرار لفي نعيم (13) ~~وإن الفجار لفي جحيم (14)} [الانفطار: 13 - 14]. قال: يا أبا حازم، فأين ~~رحمة الله؟ قال: {قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] قال: يا أبا حازم، من ~~أعقل الناس؟ قال: من تعلم الحكمة وعلمها الناس. قال: فمن أحمق الناس؟ قال: ~~من حط نفسه في هوى رجل وهو ظالم، فباع أخرته ms102 بدنيا غيره. قال: يا أبا حازم ~~فما أسمع الدعاء؟ قال: دعاء المخبتين. قال: فما أزكى الصدقة؟ قال: جهد ~~المقل. # قال يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أعفني من هذا. قال سليمان ~~نصيحة تلقيها. قال أبو حازم: إن ناسا أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة ~~المسلمين، ولا إجماع عن رأيهم، فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا، ثم ~~ارتحلوا عنه، فليت شعرى، ما قالوا؟ وما قيل لهم؟ فقال بعض جلسائهم؟ بئس ما ~~قلت يا # PageV01P135 # # شيخ، فقال أبو حازم: كذبت، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا ~~يكتمونه. قال سليمان: يا أبا حازم، أصبحنا تصيب منا ونصيب منك. قال: أعود ~~بالله من ذلك. قال: ولم؟ قال: أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا، فيذيقنى ضعف ~~الحياة، وضعف الممات. قال. فأشر على، قال: اتق الله أن يراك حيث نهاك، أو ~~يفقدك حيث أمرك. # قال: يا أبا حازم، ادع لنا بخير. فقال: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره ~~للخير، وإن كان غير ذلك، فخذ إلى الخير بناصيته، فقال: يا غلام، هات مائة ~~دينار ثم قال: خذ يا أبا حازم. قال لا حاجة لى به، لى ولغيرى في هذا المال ~~أسوة، فإن واسيت بيننا وإلا فلا حاجة لى فيها، إنى أخاف أن يكون لما سمعت ~~من كلامى. فكأن سليمان أعجب بأبى حازم، فقال الزهرى: إنه لجارى منذ ثلاثين ~~سنة، ما كلمته قط، فقال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتنى. قال الزهرى: ~~أتشتمنى؟ قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على الجار حقا؟ ~~قال أبو حازم: إن بنى إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى ~~العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها منهم، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس ~~تعلموا العلم، وأتوا به الأمراء، واجتمع القوم على المعصية، فسقطوا ~~وانتكسوا، ولو كان العلماء يصونون دينهم وعلمهم، لم تزل الأمراء تهابهم. ~~قال الزهرى: كأنك إياى تريد وبى تعرض؟ قال: هو ما تسمع. # ... # وحكى أن أعرابيا دخل على سليمان بن عبد ms103 الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، ~~إنى مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته. قال: قل، ~~قال: يا أمير المؤمنين، إنه قد أكتنفك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك ~~بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوه فيك، خربوا الآخرة وعمروا الدنيا، فهم ~~حرب للآخرة، سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فانهم لم ~~يألو الأمانة تضييعا والأمة خسفا، وأنت مسؤول عما اجترحوا، وليسوا بمسؤولين ~~عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فان أعظم الناس غبنا بائع آخرته ~~بدنيا غيره. فقال سليمان: أما أنت فقد سللت لسانك، وهو أقطع من سيفك. فقال: ~~أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك. قال: فهل من حاجة في ذات نفسك؟ قال: أما ~~خاصة دون عامة فلا، ثم قام # PageV01P136 # # فخرج. فقال سليمان: لله دره ما أشرف أصله، وأجمع قلبه، وأذرب لسانه، ~~وأصدق نيته، وأروع نفسه، هكذا فليكن الشرف والعقل. # ... # وقيل: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لأبى حازم: عظنى. فقال: اضطجع ثم ~~اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ فيه الآن، ~~وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن. # ... # وقال محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، إنما الدنيا سوق ~~من الأسواق، منها خرج الناس بما يضرهم وما ينفعهم، وكم من قوم غرهم منها ~~مثل الذي أصبحنا فيه، حتى أتاهم الموت فاستوعبهم فخرجوا منها ملومين لم ~~يأخذوا منها لما أحبوا من الآخرة عدة، ولا لما كرهوا منها جنة، اقتسم ما ~~جمعوا من لم يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم فنحن محققون يا أمير المؤمنين ~~أن ننظر إلى تلك الأعمال التى نغبطهم بها فنخلفهم فيها، وإلى الأعمال التى ~~نتخوف عليهم فيها فنكف عنها، فاتق الله، وافتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر ~~المظلوم، ورد الظالم. ثلاث من كن فيه استكمل الأيمان بالله عز وجل: إذا رضى ~~لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم ~~يتناول ما ms104 ليس له. # ... # ودخل عطاء بن أبى رباح على هشام، فرحب به وقال: ما حاجتك يا أبا محمد؟ ~~وكان عنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا، فذكره عطاء بأرزاق أهل الحرمين ~~وعطياتهم. فقال: نعم يا غلام اكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاء أرزاقهم، ثم ~~قال: يا أبا محمد هل من حاجة غيرها؟ فقال: نعم فذكره بأهل الحجاز، وأهل ~~نجد، وأهل الثغور، ففعل مثل ذلك، حتى ذكره بأهل الذمة أن لا يكلفوا مالا ~~يطيقون، فأجابه إلى ذلك، ثم قال له في آخر ذلك: هل من حاجة غيرها؟ قال: نعم ~~يا أمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر ~~وحدك، وتحاسب وحدك، لا والله ما معك ممن ترى أحد. # قال: فأكب هشام يبكى، وقام عطاء. فلما كان عند الباب إذا رجل قد تبعه ~~بكيس # PageV01P137 # # ما تدرى ما فيه، أدراهم أم دنانير؟ وقال: إن أمير المؤمنين قد أمر لك ~~بهذا، فقال: {ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} ثم خرج ~~ولا والله ما شرب عندهم حسوة ماء فما فوقها. # ... # وعن محمد بن على قال: إنى لحاضر مجلس المنصور، وفيه ابن أبى ذئب، وكان ~~والى المدينة والحسن بن زيد، فأتى الغفاريون فشكوا إلى أبى جعفر المنصور ~~شيئا من أمر الحسن بن زيد، فقال الحسن: يا أمير المؤمنين، سل عنهم ابن أبى ~~ذئب. قال: فسأله عنهم، فقال: أشهد أنهم أهل الحطم في أعراض الناس. فقال أبو ~~جعفر: قد سمعتم؟ فقال الغفاريون: يا أمير المؤمنين، فسله عن الحسن بن زيد. ~~فسأله، فقال: أشهد أنه يحكم بغير الحق. فقال: قد سمعت يا حسن. قال يا أمير ~~المؤمنين، سله عن نفسك. فقال: ما تقول في؟ قال: أو يعفينى أمير المؤمنين؟ ~~فقال والله لتخبرنى. فقال أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه، وجعلته في ~~غير أهله. فوضع يده في قفا ابن أبى ذئب، وجعل يقول له: أما والله ولا أنا ~~لأخذت أبناء فارس والروم والدليم والترك بهذا المكان منك. فقال ابن أبى ~~ذئب: ms105 قد ولى أبو بكر وعمر فأخذا بالحق وقسما بالسوية، وأخذا بأقفاء فارس ~~والروم، فخلاه أبو جعفر، وقال: والله لولا أنى أعلم أنك صادق لقتلتك، فقال: ~~والله يا أمير المؤمنين إنى أنصح لك من ابنك المهدي. # ... # وعن الأوزاعي رحمه الله قال: بعث إلى المنصور وأنا بالساحل فأتيته، فلما ~~وصلت إليه وسلمت عليه استجلسنى، ثم قال: ما الذي أبطأ بك يا أوزاعي؟ # قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس ~~منكم. # قلت: فانظر يا أمير المؤمنين أن تسمع شيئا ثم لا تعمل به، فصاح بى الربيع ~~وأهوى بيده إلى السيف، فانتهزه المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس ~~عقوبة، فطابت نفسى وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين، حدثنى مكحول ~~عن عطية بن بشر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أيما وال مات ~~غاشا # PageV01P138 # # لرعيته حرم الله عليه الجنة". # يا أمير المؤمنين، كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين ~~أصبحت تملكهم، أحمرهم، وأسودهم ومسلمهم، وكافرهم، وكل له عليك نصيب من ~~العدل، فكيف بك إذا انبعث منهم فئام وراء فئام (1)، ليس منهم أحد إلا هو ~~يشكو بلية أدخلتها عليه، أو ظلامة سقتها إليه. # يا أمير المؤمنين، حدثنى مكحول عن زياد بن حارثة عن حبيب بن سلمة، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا إلى القصاص نفسه في خدش خدشه ~~أعرابيا لم يتعمده، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله تعالى لم يبعثك ~~جبارا ولا متكبرا، فدعا ? الأعرابي، فقال: "اقتص مني"، فقال الأعرابي: قد ~~أحللتك، بأبي أنت وأمى، وما كنت لأفعل ذلك أبدا، ولو أتيت على نفسى. فدعا ~~له بخير. يا أمير المؤمنين، رض نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك. # يا أمير المؤمنين، إن الملك لو بقى لمن قبلك لم يصل إليك، وكذلك لا يبقى ~~لك كما لم يبق لغيرك. # يا أمير المؤمنين، جاء في تأويل هذه الآية عن جدك {مال هذا الكتاب لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} ms106 [الكهف: 49]، قال الصغيرة: التبسم، ~~والكبيرة الضحك، فكيف بما عملته الأيدى، وحصدته الألسن. # يا أمير المؤمنين، بلغنى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: لو ماتت ~~سخلة على شاطئ الفرات ضيعة، لخشيت أن أسأل عنها، فكيف بمن حرم عدلك وهو على ~~بساطك؟ # يا أمير المؤمنين، جاء في تأويل هذه الآية عن جدك: {يا داوود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} [ص: 26] قال: إذا ~~قعد الخصمان بين يديك، وكان لك في أحدهما هوى، فلا تتمنين في نفسك أن يكون ~~الحق له فيفلج على صاحبه، فأمحوك من نبوتى، ثم لا تكون خليفتى، يا داود: ~~إنما جعلت رسلى إلي عبادى رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية، ورفقهم ~~بالسياسة، PageV01P139 # # ليجبروا الكسر، ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء. # يا أمير المؤمنين، إنك قد بليت بأمر لو عرض على السماوات والأرض والجبال ~~لأبين أن يحملنه وأشفقن منه. # يا أمير المؤمنين: حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن أبي عميرة ~~الأنصاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلا من الأنصار على ~~الصدقة: فرآه بعد أيام مقيما، فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟ أما ~~علمت أن لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله؟ قال: لا. قال: وكيف ذلك؟ قال: ~~لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من وال يلي شيئا ~~من أمور الناس، إلا أتى يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، يوقف على جسر ~~جهنم، ينتفض به ذلك الجسر انتفاضة تزيل كل عضو منه عن موضعه، ثم يعاد ~~فيحاسب، فإن كان محسنا نجا بإحسانه، وإن كان مسيئا انخرق به ذلك الجسر فهوى ~~به في النار سبعين خريفا". فقال له: ممن سمعت هذا؟ فقال: من أبي ذر وسلمان ~~رضي الله عنهما، فأرسل إليهما عمر فسألهما، فقالا: نعم، سمعناه من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال عمر: واعمراه من يتولاها (1) بما فيها؟ ~~فقال أبو ذر رضي الله عنه: من سلت (2) الله أنفه، وألصق خده ms107 بالأرض، فأخذ ~~المنديل -يعني المنصور- فوضعه على وجهه ثم بكى وانتحب حتى أبكاني. # ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قد سأل جدك العباس رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إمارة على مكة والطائف أو اليمن، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "يا عم نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها" (3) نصيحة منه لعمه ~~وشفقة منه عليه، وأخبره أنه لا يغنى عنه من الله شيئا إذا أوحى إليه: ~~{وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] فقال: يا عباس، ويا صفية، ويا ~~فاطمة، إنى لست أغنى عنكم من الله شيئا، لى عملى ولكم عملكم، وقد قال عمر ~~بن الخطاب: لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل، لا تأخذه في الله لومة لائم، ~~وذكر تمام كلامه للمنصور، ثم قال: فهى نصيحة، والسلام عليك. # ثم نهض فقال: إلى أين؟ فقال: إلى الوطن بأذن أمير المؤمنين. فقال: أذنت ~~PageV01P140 # # لك، وشكرت لك نصيحتك، وقبلتها بقبولها، والله الموفق للخير، والمعين ~~عليه، وبه أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبى ونعم الوكيل، فلا تخلنى من ~~مطالعتك إياى بمثلها، فإنك المقبول القول غير المتهم في النصيحة. # قلت: أفعل إن شاء الله. فأمر له بمال يستعين به على خروجه، فلم يقبله، ~~وقال: أنا في غنى عنه، وما كنت لأبيع نصيحتى بعرض الدنيا كلها، وعرف ~~المنصور مذهبه فلم يجد عليه في رده. # ... # ولما حج الرشيد قيل له: يا أمير المؤمنين، قد حج شيبان. قال: اطلبوه لى، ~~فأتوه به، فقال: يا شيبان، عظنى، قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل ألكن، لا ~~أفصح بالعربية، فجئنى بمن يفهم كلامى حتى أكلمه. فأتى برجل يفهم كلامه، ~~فقال له بالنبطية: قل له: يا أمير المؤمنين، إن الذي يخوفك قبل أن تبلغ ~~المأمن، أنصح لك من الذي يؤمنك قبل أن تبلغ الخوف، قال له: أى شىء تفسير ~~هذا؟ قال: قله: الذي يقول لك: اتق الله فإنك رجل مسؤول عن هذه الأمة، ~~استرعاك الله عليها، وقلدك أمورها، وأنت مسؤول عنها، فاعدل في الرعية، ~~واقسم بالسوية، وانفذ في السرية، واتق الله في نفسك، ms108 هذا الذي يخوفك، فإذا ~~بلغت المأمن أمنت، هذا أنصح لك ممن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم ~~قرابة نبيكم وفى شفاعته، فلا يزال يؤمنك حتى إذا بلغت الخوف عطبت، قال: ~~فبكى هارون حتى رحمه من حوله، ثم قال: زدنى، قال: حسبك. # ... # وعن علقمة بن أبى مرثد، قال: لما قدم عمر بن هبيرة العراق، أرسل إلى ~~الحسن وإلى الشعبى، فأمر لهما ببيت، فكانا فيه نحوا من شهر، ثم دخل عليهما ~~وجلس معظما لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إلى كتبا، ~~أعرف أن في إنقاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله، فهل ~~تريان في متابعتى إياه فرجا؟ فقال الحسن: يا أبا عمرو، أجب الأمير. فتكلم ~~الشعبى، فانحط في أمر ابن هبيرة، كأنه عذره، فقال: ما تقول أنت يا أبا ~~سعيد؟ قال: أيها الأمير، فقد قال الشعبى ما قد سمعت. فقال: ما تقول أنت؟ ~~قال: أقول: يا عمر بن هبيرة، ويوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ ~~غليظ لا يعصى الله ما أمره، فيخرجك # PageV01P141 # # من سعة قصرك إلى ضيق قبرك. # يا عمر بن هبيرة، إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولن يعصمك ~~يزيد بن عبد الملك من الله تعالى. # يا عمر بن هبيرة، لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة ~~يزيد بن عبد الملك، فيغلق به باب المغفرة دونك. # يا عمر بن هبيرة، لقد أدركت ناسا من صدر هذه الأمة، كانوا عن الدنيا وهى ~~مقبلة عليهم أشد إدبارا من إقبالكم عليها وهى مدبرة عنكم. # يا عمر بن هبيرة، إنى أخوفك مقاما خوفكه الله تعالى فقال: {ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد} [إبراهيم: 14]. # يا عمر بن هبيرة، إن تك مع الله في طاعته، كفاك يزيد بن عبد الملك، وإن ~~تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصى الله وكلك الله إليه. # فبكى عمر بن هبيرة وقام بعبرته. # فلما كان من الغد أرسل إليهما باذنهما وجوائزهما، ms109 وأكثر فيها للحسن، وكان ~~في جائزة الشعبى بعض الإقتار، فخرج الشعبى إلى المسجد، فقال: أيها الناس، ~~من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه، فليفعل، فوالذى نفسى بيده، ما ~~علم الحسن شيئا منه فجهلته، ولكنى أردت وجه ابن هبيرة، فأقصانى الله منه. # ... # ودخل محمد بن واسع رحمه الله على بلال بن أبى بردة في يوم حار وبلال في ~~حبشة، وعنده الثلج، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف ترى بيتنا هذا؟ قال: إن ~~بيتك لطيب، والجنة أطيب منه، وذكر النار يلهى عنه. قال: ما تقول في القدر؟ ~~قال: جيرانك أهل القبور، ففكر فيهم، فإن فيهم شغلا عن القدر. قال: ادع الله ~~لى. قال: وما نصنع بدعائى؟ وعلى بابك كذا وكذا يقولون: إنك ظلمتهم، يرفع ~~دعاؤهم قبل دعائى، لا تظلم، ولا تحتاج لدعائى. # ... # فهذا مختصر من أخبار من وعظ الأمراء، فمن أراد الزيادة، فلينظر في ~~"المصباح المضيء". # PageV01P142 # # وهذه كانت سير العلماء وعاداتهم في الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، ~~وقلة مبالاتهم بسطوات السلاطين إيثارا لإقامة حق الله تعالى على تقاتهم ~~(1)، إلا أن السلاطين كانوا يعرفون حق العلم وفضله فيصبرون على مضض مواعظ ~~هؤلاء. # والذى أراه الآن الهرب من السلاطين، فهو الأولى، فإن قدر لقاء، أقتنع ~~بلطف الموعظة حسب. # ولذلك سببان: # أحدهما: يتعلق بالواعظ، وهو سوء قصده وميله إلى الدنيا والرياء، فلا يخلص ~~له وعظه. # والثانى: يتعلق بالموعوظ، فإن حب الدنيا قد شغل الأكثرين عن ذكر الآخرة، ~~وتعظيمهم الدنيا أنساهم تعظيم العلماء، وليس لمؤمن أن يذل نفسه. # ... # آخر كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وذكر المصنف قبل ذلك كتابا في ~~السماع والوجد، فلنذكر شيئا منه ها هنا مختصرا. ### | فصل في حكم السماع # اعلم: أن السماع الذي نعنى به الغناء من أكبر ما تطرق به إبليس إلى فساد ~~القلوب، وغر به خلقا لا يحصون من العلماء والزهاد، فضلا عن العوام، حتى ~~ادعوا حضور القلب مع الله عند سماع الأغانى المطربة، وظنوا أن ما أوجبه ~~السماع من طرب القلوب وانزعاجها، وجد يتعلق بالآخرة. # وإذا ms110 أردت أن تعرف الحق، فانظر في القرن الأول، هل فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم شيئا من ذلك أو أصحابه، ثم انظر إلى أقوال التابعين ~~وتابعيهم، وفقهاء الأمة، كمالك، وأبى حنيفة، والشافعى، وأحمد رحمهم الله، ~~فكل القوم ذموا الغناء، حتى قال مالك: إذا اشترى جارية، فوجدها مغنية، كان ~~له ردها، وسئل عن الغناء، قال: إنما يفعله الفساق. PageV01P143 # # وسئل الإمام أحمد عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية، فاحتاج الصبي إلى ~~بيعها، فقال: تباع على أنها ساذجة لا مغنية، فقيل له: إنها تساوى ثلاثين ~~ألفا إذا كانت مغنية، وإذا بيعت ساذجة ربما ساوت عشرين دينارا، فقال: لا ~~تباع إلا على أنها ساذجة. وقد أطبق الفقهاء على الزجر عن الغناء. # ومن المتأخرين أبو الطيب الطبرى من كبار أصحاب الشافعى، وصنف كتابا، ~~وبالغ في النهى عنه، وإنما تعلق بإباحته قوم مفتونون، قالوا: قد أجازه قوم ~~من السلف. وقد سمع أحمد بن حنبل قول قوال، فقال: لا بأس بهذا، فينبغى أن ~~يتأمل الذي أفتى بجوازه ماهو، وليس إلا الأشعار الزهدية وما يشبهها، من غير ~~ضرب بقضيب، أو آلة تطرب، ولا ضم إلى ذلك تصفيق ولا رقص. # وعلى هذا يحمل حديث عائشة في الجاريتين المغنيتين لما غنتا بما تقاولته ~~الأنصار يوم بعاث فإن ذلك لا يطرب. # ومعلوم أنه لم يكن للأوائل ما أحدثه الأواخر من الدف والصنج والشبابة ~~والشعر الرقيق، فإن هذه الأشياء تثير دفائن الهوى الكامنة في النفوس وتزعج، ~~فيحسب الجاهل هذا الانزعاج معلقا بالأبخرة، وهيهات. # وليتهم قالوا: إن هذا مباح من اللهو فنستريح إليه، وإنما يظنونه قربة، ~~ويسمون الطرب المخرج عن حد العقل وجدا، وربما أوجد الطرب مالا يحل، من ~~تمزيق الثياب، والتخبط، وكل هذا بمعزل عن طريق السلف، وغير خاف أنه ضلال عن ~~الجادة، فلا ينبغى للإنسان أن يغالط نفسه، وإنما الوجد الصحيح وجد القلب ~~عند سماع القرآن والوعظ، فحينئذ يثور من الباطن خوف من الوعيد، وشوق من ~~الوعد، وندم على التفريط، وجميع هذه الحركات الباطنة توجب سكون الظاهر، لا ms111 ~~الجمز والتصفيق، ولم يضق علينا القرآن والوعظ وأشعار الزهد، حتى نحتاج في ~~إحضار القلوب إلى باب الله تعالى أن نذكر سلمى وسعدى، ولا ننكر أنه قد يتفق ~~في بعض تلك الأشعار ما يصح أن يوجد إشارة، إلا أن الأغلب منها إمالة القلوب ~~إلى الهوى الدنيوى. # ومثل من أراد أن يأخذ منها للآخرة، كمثل من قال: أنا أنظر إلى الأمرد ~~المستحسن لأتعجب من صنعة القادر، فإنه قد أخطأ الطريق، لأن ما تستلبه ~~الشهوة والطبع عند النظر يكدر طريق الفكر ويشغل عنه، فلذلك نمنعه ونقول: ~~انظر إلى مالا مكدر فيه قوله تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها} [ق: 6]. ومن قال: إنه لا يؤثر عندى ما يؤثر عند غيرى من ~~انجذاب الطبع إلى الهوى، كان مدعيا ما يخالف # PageV01P144 # # الجبلة، فلا يلتفت إلى دعواه، وقد بالغت في الكشف عن هذا كله في كتابى ~~المسمى ب " تلبيس إبليس " فلم أر التطويل هاهنا، والله أعلم. ### | باب آداب المعيشة وأخلاق النبوة # اعلم: أن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن، وحركات الجوارح ثمرات ~~الخواطر، والأعمال نتائج الأخلاق، والآداب رشح المعارف، وسرائر القلوب هى ~~مغارس الأفعال ومنابعها، وأنوار السرائر هى التى تشرق على الظواهر فتزينها ~~وتحليها. ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه، ومن لم يكن صدره مشكاة الأنوار ~~الإلهية، لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية. # وقد أسلفنا جملة من الآداببما يغنى عن إعادتها هاهنا، لكن نقتصر في هذا ~~الباب على شىء من آداب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخلاقه لنجمع مع ~~جمع الآداب تأكيد الإيمان بمشاهدة أخلاقه الكريمة التى يشهد آحادها بأنه ~~أكرم الخلق وأعلاهم مرتبة وأجلهم قدرا، فكيف بمجموعها؟. # سئلت عائشة رضى الله عنه الله، عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ولما كمل الله تعالى ~~خلقه أثنى عليه فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 5] فسبحان من أعطى ثم ~~أثنى. ### | وهذه جملة من محاسن أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم، وصفته ms112 # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحلم الناس، واسخي الناس، وأعطف ~~الناس. وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله. # وكان أشد حياء من العذراء في خدرها. # وكان يجيب دعوة المملوك، ويعود المرضى، ويمشى وحده، ويردف خلفه، ويقبل ~~الهدية، ويأكلها، ويكافئ عليها، ولا يأكل الصدقة، ولا يجد من الدقل (1) ما ~~يملأ بطنه، ولم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام تباعا. # وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع. PageV01P145 # # وكان يأكل ما حضر، وما عاب طعاما قط. # وكان لا يأكل متكئا، ويأكل مما يليه. # وكان أحب الطعام إليه اللحم، ومن الشاة الكتف، ومن البقول الدباء، ومن ~~الصبغ الخل، ومن التمر العجوة. # وكان يلبس ما وجد، مرة برد حبرة، ومرة جبة صوف. # ويركب تارة بعيرا وتارة بغلة، وتارة حمارا، ويمشى مرة راجلا حافيا. # وكان يحب الطيب، ويكره الريح الخبيثة. # ويكرم أهل الفضل، ويتألف أهل الشرف. # ولا يجفو على أحد، ويقبل معذرة المعتذر إليه. # يمزح ولا يقول إلا حقا، يضحك في غير قهقهة، لا يمضى عليه وقت في غير عمل ~~لله تعالى، أو فيما لابد منه من صلاح نفسه. # وما لعن امرأة ولا خادما قط. # وما ضرب أحدا بيده قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله. # وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله. # وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون مأثما أو قطيعة رحم، ~~فيكون أبعد الناس منه. # وقال أنس رضى الله عنه: خدمته عشر سنين، فما قال لى: أف قط، ولا قال لشىء ~~فعلته: لم فعلته، ولا لشىء لم أفعله: لا فعلت كذا؟ # ومن صفته في التوراة: محمد رسول الله، عبدى المختار، ليس بفظ، ولا غليظ، ~~ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. # وكان من خلقه أنه يبدأ بالسلام من لقيه، ومن فاره بحاجة صابره حتى يكون ~~هو المنصرف. وما أخذ أحد يده فأرسل يده حتى يرسلها الآخذ. # وكان يجلس حيث ينتهى به المجلس مختلطا بأصحابه كأنه أحدهم، فيأتى الغريب ~~فلا يدرى ms113 أيهم هو حتى يسأل عنه. # وكان طويل السكوت، فإذا تلكم لم يسرد كلامه، بل يتثبت فيه ويكرره ليفهم. ~~وكان يعفو مع القدرة، ولا يواجه أحدا بما يكره. # وكان أصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، ومن ~~رآه بديهة هابة، ومن خالطه معرفة أحبه، وكان أصحابه إذا تكلموا في أمر ~~الدنيا تحدث # PageV01P146 # # معهم، وكانوا يتذاكرون أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم. # وكان أشجع الناس. قال بعض أصحابه: البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ولم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير، كان ربعه من القوم. # وكان أزهر اللون ولم يكن بالآدم. # وكان رجل الشعر، ليس بالبسط ولا الجعد القطط، وكان شعره إلى شحمة أذنه. # وكان واسع الجبهة، أزج الحواجب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، أقنى ~~العرنين، سهل الخدين، كث اللحية، كأن عنقه جيد دمية، عريض الصدر، سواء ~~البطن والصدر، رحب الراحة، طويل الزندين، كفه ألين من الحرير صلى الله عليه ~~وآله وسلم. ### | وأما معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم # فإن من شاهد أحواله وسمع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وآدابه ~~وبدائع تدبيره لمصالح الخلق ومحاسن إشارته في تفصيل ظاهر الشرع الذي تعجز ~~العقلاء والفصحاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم، لم يبق عنده ريب ~~في أن ذلك لم يكن محتسبا بحيلة وأنه لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد ~~سماوى وقوة إلهية، وأن ذلك لا يصح لملبس ولا كذاب، بل كانت شمائله وأحواله ~~شواهد قاطعة بصدقة. # ومن أعظم معجزاته، وأوضح دلالته القرآن العزيز الذي عجز الخلائق عن ~~الإتيان بمثله، ومعجز كل نبي انقضى بذهابه، وهذا المعجز باق أبدا. # ومن معجزاته انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وإطعامه الخلق ~~الكثير من الطعام اليسير، ورميه بحصيات يسيرة فوصلت إلى أعين الخلق الكثير، ~~وحنين الجذع إليه كما يحن العشار، وإخباره بالغائبات فكانت كما قال، ورد ~~عين قتادة بيده فكانت أحسن عينيه، وتفل في عين على رضى الله عنه وهو أرمد ~~فصح من وقته، إلى غير ذلك من المعجزات التى شاعت ولم يوجد ms114 سبيل إلى ~~كتمانها، نسأل الله أن يوفقنا للاقتداء بأخلاقه وصفاته، إنه كريم مجيب، ~~والحمد لله رب العالمين. # *** # PageV01P147 # ### | الربع الثالث: ربع المهلكات ### | كتاب شرح عجائب القلوب # اعلم: أن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله، العامل له، الساعي ~~إليه، المقرب المكاشف، بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها ~~القلب استخدام الملوك للعبيد. # ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، والله يحول ~~بين المرء وقلبه، وحيلولته أن يمنعه من معرفته ومراقبته، فمعرفة القلب ~~وصفاته أصل الدين، وأساس طريق السالكين. ### | 1 فصل [في مداخل إبليس في قلب الإنسان] # اعلم: أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، ~~مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم، إلى أن ينفتح ~~القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا كما قال ~~تعالى {من شر الوسواس الخناس} [الناس: 4] وهو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا ~~وقعت الغفلة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، ~~فإنه لا قرار له مع الذكر. # واعلم: أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ~~ويستولى عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة ~~أبوابه من لا يعرفها، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل ~~الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهى كثيرة، إلا أنا نشير إلى الأبواب العظيمة ~~الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان. # فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص، فمتى كان العبد حريصا على شئ، أعماه ~~حرصه وأصمه، وغطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان. # وكذلك إذا كان حسودا فيجد الشيطان حينئذ الفرصة، فيحسن عند الحريص كل ما ~~يوصله إلى شهوته، وإن كان منكرا أو فاحشا. # ومن أبوابه العظيمة: الغضب، والشهوة، والحدة، فإن الغضب غول العقل، وإذا # PageV01P148 # # ضعف جند العقل هجم حينئذ الشيطان فلعب بالإنسان. وقد روى أن إبليس يقول: ~~إذا كان العبد حديدا، قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة. # ومن أبوابه: حب التزيين في ms115 المنزل والثياب والأثاث، فلا يزال يدعو إلى ~~عمارة الدار وتزيين سقوفها وحيطانها، والتزين بالثياب، والأثاث، فيخسر ~~الإنسان طول عمره في ذلك. # ومن أبوابه: الشبع، فإنه يقوى الشهوة، ويشغل الطاعة. # ومنها: الطمع في الناس، فإن من طمع في شخص، بالغ بالثناء عليه بما ليس ~~فيه، وداهنه، ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر. # ومن أبوابه: العجلة، وترك التثبت، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "العجلة من الشيطان، والتأني من الله تعالى" (1). # ومن أبوابه: حب المال، ومتى تمكن من القلب أفسده، وحمله على طلب المال من ~~غير وجهه، وأخرجه إلى البخل، وخوفه الفقر، فمنع الحقوق اللازمة. # ومن أبوابه: حمل العوام على التعصب في المذاهب، دون العمل بمقتضاها. # ومن أبوابه أيضا: حمل العوام على التفكير في ذات الله تعالى، وصفاته، وفى ~~أمور لا تبلغها عقولهم حتى يشككهم في أصل الدين. # ومن أبوابه: سوء الظن بالمسلمين، فإن من حكم على مسلم بسوء ظنه، احتقره ~~وأطلق فيه لسانه، ورأى نفسه خيرا منه، وإنما يترشح سوء الظن بخبث الظان، ~~لأن المؤمن يطلب المعاذير للمؤمن، والمنافق يبحث عن عيوبه. # وينبغى للإنسان أن يحترز عن مواقف التهم، لئلا يساء به الظن، فهذا طرف من ~~ذكر مداخل الشيطان، وعلاج هذه الآفات سد مداخل بتطهير القلب من الصفات ~~المذمومة، وسيأتي الكلام عن هذه الصفات، إن شاء الله تعالى مفصلا. # إذا قلعت من القلب أصول هذه الصفات، بقى للشيطان بالقلب خطرات واجتيازات ~~من غير استقرار، فيمنعه من ذلك ذكر الله تعالى، وعمارة القلب بالتقوى. ~~PageV01P149 # # ومثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك، فإن لم يكن بين يديك لحم وخبزه، ~~فإنه ينزجر بأن تقول له: اخسأ، وإن كان بين يديك شئ من ذلك وهو جائع، لم ~~يندفع عنك بمجرد الكلام، فكذلك القلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه ~~بمجرد الذكر. # فأما القلب الذي غلب عليه الهوى، فإنه يرفع الذكر إلى حواشيه، فلا يتمكن ~~الذكر من سويدائه، فيستقر الشيطان في السويداء. # وإذا أردت مصداق ذلك، فتأمل هذا في صلاتك، وانظر إلى الشيطان ms116 كيف يحدث ~~قلبك في مثل هذا الموطن، بذكر السوق، وحساب المعاملين، وتدبير أمر الدنيا. # واعلم: أنه قد عفي عن حديث النفس، ويدخل في ذلك ما هممت به، ومن ترك ذلك ~~خوفا من الله تعالى كتبت له حسنة وإن تركه لعائق، رجونا له المسامحة، إلا ~~أن يكون عزما، فإن العزم على الخطيئة خطيئة، بدليل قول رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، ~~قيل: ما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه". # وكيف لا تقع المؤاخذة بالعزم، والأعمال بالنية، وهل الكبر والرياء والعجب ~~إلا أمور باطنة؟ ولو أن إنسانا رأى على فراشه أجنبية ظنها زوجته لم يأثم ~~بوطئها، ولو رأى زوجته وظنها أجنبية أثم بوطئها، وكل هذا متعلق بعقد القلب. ### | 2 فصل [في ثبات القلوب على الخير] # وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: "يا مقلب ~~القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلبنا إلى طاعتك". # وفى حديث آخر: "مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح" (1). # واعلم: أن القلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة: ~~PageV01P150 # # القلب الأول: قلب عمر بالتقوى، وزكى بالرياضة، وطهر عن خبائث الأخلاق، ~~فتتفرج فيه خواطر الخير من خزائن الغيب، فيمده الملك بالهدى. # القلب الثاني: قلب مخذول، مشحون بالهوى، مندس بالخبائث، ملوث بالأخلاق ~~الذميمة، فيقوى فيه سلطان الشيطان لاتساع مكانه، ويضعف سلطان الإيمان، ~~ويمتلئ القلب بدخان الهوى، فيعدم النور، ويصير كالعين الممتلئة بالدخان، لا ~~يمكنها النظر، ولا يؤثر عنده زجر ولا وعظ. # والقلب الثالث: قلب يبتدئ فيه خاطر الهوى، فيدعوه إلى الشر، فيلحقه خاطر ~~الإيمان فيدعوه إلى الخير. # مثاله، أن يحمل الشيطان حملة على العقل، ويقوى داعي الهوى ويقول: أما ترى ~~فلانا وفلانا كيف يطلقون أنفسهم في هواها، حتى يعد جماعة من العلماء، فتميل ~~النفس إلى الشيطان، فيحمل الملك حملة على الشيطان، ويقول: هل هلك إلا من ~~نسى العاقبة، فلا تغتر بغفلة الناس عن أنفسهم، أرأيت لو وقفوا ms117 في الصيف في ~~الشمس ولك بيت بارد، أكنت توافقهم أم تطلب المصلحة؟ أفتخالفهم في حر الشمس، ~~ولا تخالفهم فيما يؤول إلى النار؟ فتميل النفس إلى قول الملك، ويقع التردد ~~بين الجندين، إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به، فمن خلق للخير يسر له، ~~ومن خلق للشر يسر له: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} [الأنعام: 125] اللهم ~~وفقنا لما تحبه وترضاه. # ... ### | كتاب رياضة النفس وتهذيب الخلق ومعالجة أمراض القلوب # وذلك في فصول: # أعلم: أن الخلق الحسن صفة من صفات الأنبياء والصديقين، وأن الأخلاق ~~السيئة سموم قاتلة، تنخرط بصاحبها في سلك الشيطان، وأمراض تفوت جاه الأبد، ~~فينبغي أن تعرف العلل ثم التشمير في معالجتها، ونحن نشير إلى جمل من ~~الأمراض، وكيفية معالجتها في الجملة من غير تفصيل، فإن ذلك يأتى مبينا إن ~~شاء الله تعالى. # PageV01P151 # ### | 1 الفصل الأول في فضيلة حسن الخلق وذم سوء الخلق # وقد ذكر شئ من ذلك في آداب الصحبة. # واعلم: أن الناس قد تكلموا في حسن الخلق متعرضين لثمرته لا لحقيقته، ولم ~~يستوعبوا جميع ثمراته، بل ذكر كل منهم ما حضر في ذهنه، وكشف الحقيقة في ذلك ~~أن يقال: كثيرا ما يستعمل حسن الخلق مع الخلق فيقال: فلان حسن بالخلق ~~والخلق. أي حسن الظاهر والباطن، فالمراد بالخلق: الصورة الظاهرة، والمراد ~~بالخلق: الصورة الباطنة، وذلك أن الإنسان مركب من جسد ونفس. # فالجسد مدرك بالبصر، والنفس مدركة بالبصيرة، ولكل واحدة منها هيئة وصورة ~~إما جميلة وإما قبيحة، والنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا من الجسد المدرك ~~بالبصر، ولذلك عظم الله سبحانه وتعالى أمره فقال: {إني خالق بشرا من طين ~~(71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} [ص: 71 - 72]، فنبه على أن الجسد منسوب ~~إلى الطين، والروح منسوب إليه سبحانه وتعالى، فالخلق عبارة عن هيئة للنفس ~~راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت ~~الأفعال جميلة سميت خلقا حسنا، وإن كانت ms118 قبيحة سميت خلقا سيئا. # وقد زعم بعض من غلبت عليه البطالة فاستثقل الرياضة، أن الأخلاق لا يتصور ~~تغييرها، كما لا يتصور تغيير صورة الظاهر. # والجواب: أنه لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لم يكن للمواعظ والوصايا ~~معنى، وكيف تنكر تغيير الأخلاق ونحن نرى الصيد الوحشي يستأنس، والكلب يعلم ~~ترك الأكل، والفرس تعلم حسن المشي وجودة الانقياد، إلا أن بعض الطباع سريعة ~~القبول للصلاح، وبعضها مستصعبة. # وأما خيال من اعتقد أن ما في الجبلة لا يتغير، فاعلم أنه ليس المقصود قمع ~~هذه الصفات بالكلية، وإنما المطلوب من الرياضة رد الشهوة إلى الاعتدال الذي ~~هو وسط بين الإفراط والتفريط، وأما قمعها بالكلية فلا، كيف والشهوة إنما ~~خلقت لفائدة ضرورية في الجبلة، ولو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان، أو ~~شهوة الوقاع لانقطع النسل، ولو انعدم الغضب بالكلية، لم يدفع الإنسان عن ~~نفسه ما يهلكه. وقد قال الله # PageV01P152 # # تعالى: {أشداء على الكفار} [الفتح: 29] ولا تصدر الشدة إلا عن الغضب، ولو ~~بطل الغضب لامتنع جهاد الكفار، وقال تعالى: {والكاظمين الغيظ} [آل عمران: ~~134] ولم يقل: الفاقدين الغيظ. # وكذلك المطلوب في شهوة الطعام الاعتدال دون الشره والتقلل: قال الله ~~تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] إلا أن الشيخ المرشد ~~للمريد إذا رأى له ميلا إلى الغضب أو الشهوة، حسن أن يبالغ في ذمها على ~~الطلاق ليرده إلى التوسط، ومما يدل على أن المراد من الرياضة الاعتدال أن ~~السخاء خلق مطلوب شرعا وهو وسط بين طرفي التقتير والتبذير وقد أثنى الله ~~عليه بقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} ~~[الفرقان: 67]. # واعلم: أن هذا الاعتدال. تارة يحصل بكمال الفطرة منحة من الخلق، فكم من ~~صبى يخلق صادقا سخيا حليما، وتارة يحصل بالاكتساب، وذلك بالرياضة، وهى حمل ~~النفس على الأعمال الجالبة للخلق المطلوب، فمن أراد تحصيل خلق الجود ~~فليتكلف فعل الجود من البذل ليصير ذلك طبعا له. # وكذلك من أراد التواضع تكلف أفعال المتواضعين، وكذلك جميع الأخلاق ~~المحمودة فإن للعادة أثرا في ذلك، كما أن ms119 من أراد أن يكون كاتبا تعاطى فعل ~~الكتابة، أو فقيها تعاطى فعل الفقهاء من التكرار، حتى ينعطف على قلبه صفة ~~الفقه، إلا أنه لا ينبغي أن يطلب تأثير ذلك في يومين أو ثلاثة، وإنما يؤثر ~~مع الدوام، كما لا يطلب في النمو علو القامة في يومين أو ثلاثة، وللدوام ~~تأثير عظيم. # وكما لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعات، فإن دوامها يؤثر، وكذلك لا ~~يستهان بقليل من الذنوب. # كما أن تعاطى أسباب الفضائل يؤثر في النفس ويغير طبعها، فكذلك مساكنة ~~الكسل أيضا يصير عادة، فيحرم بسببه كل خير. # وقد تكتسب الأخلاق الحسنة بمصاحبة أهل الخير، فإن الطبع لص يسرق الخير ~~والشر. # قلت: ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "المرء على دين خليله ~~فلينظر أحدكم من يخالل". # PageV01P153 # # 2 ### | الفصل الثاني في بيان الطريق إلى تهذيب الأخلاق # قد عرفت أن الاعتدال في الأخلاق هو الصحة في النفس، والميل عن الاعتدال ~~سقم ومرض، فاعلم أن مثال النفس في علاجها كالبدن في علاجه، فكما أن البدن ~~لا يخلق كاملا، وإنما يكمل بالتربية والغذاء، كذلك النفس تخلق ناقصة قابلة ~~للكمال، وإنما تكمل بالتزكية وتهذيب الأخلاق، والتغذية بالعلم. # وكما أن البدن إذا كان صحيحا، فشأن الطبيب العمل على حفظ الصحة، وإن كان ~~مريضا، فشأنه جلب الصحة إليه، كذلك النفس إذا كانت زكية طاهرة مهذبة ~~الخلاق، فينبغي أن يسعى بحفظها وجلب مزيد القوة إليها، وإن كانت عديمة ~~الكمال، فينبغي أن يسعى بجلب ذلك إليه. # وكما أن العلة الموجبة لمرض البدن لا تعالج إلا بضدها، إن كانت من حرارة ~~فبالبرودة وإن كانت من البرودة فبالحرارة، فكذلك الأخلاق الرذيلة التي هي ~~من مرض القلب، علاجها بضدها، فيعالج مرض الجهل بالعلم، ومرض البخل بالسخاء، ~~ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن المشتهى. # وكما أنه لابد من احتمال مرارة الدواء، وشدة الصبر عن المشتهيات لصلاح ~~الأبدان المريضة، فكذلك لابد من احتمال المجاهدة، والصبر على مداومة مرض ~~القلب بل أولى، فإن مرض البدن يخلص منه بالموت، ومرض القلب عذاب يدوم بعد ms120 ~~الموت أبدا. # وينبغى للذي يطب نفوس المريدين أن لا يهجم عليهم بالرياضة في فن مخصوص، ~~حتى يعرف أخلاقهم وأمراضهم، إذ ليس علاج كل مريض واحدا، فإذا رأى جاهلا ~~بالشرع علمه، وإذا رأى متكبرا حمله على ما يوجب التواضع، أو شديد الغضب ~~ألزمه الحلم. # وأشد حاجة الرائض لنفسه، قوة العزم، فمتى كان مترددا بعد فلاحه، ومتى أحس ~~من نفسه ضعف العزم تصبر، فإذا انقضت عزيمتها عاقبها لئلا تعاود، كما قال ~~رجل لنفسه: تتكلمين فيما لا يعنيك؟ لعاقبنك بصوم سنة. # PageV01P154 # # 3 ### | الفصل الثالث: في علامات مرض القلب وعوده إلى الصحة وبيان الطريق إلى معرفة الإنسان عيوب نفسه # اعلم: أن كل عضو خلق لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، أو ~~يصدر منه مع نوع من الاضطراب، فمرض اليد تعذر البطش، ومرض العين تعذر ~~الإبصار، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله، وهو ~~العلم والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وعبادته، وإيثار ذلك على كل شهوة. # فلو أن الإنسان عرف كل شئ ولم يعرف الله سبحانه، كان كأنه لم يعرف شيئا. # وعلامة المعرفة: الحب، فمن عرف الله أحبه، وعلامة المحبة أن لا يؤثر عليه ~~شيئا من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئا من المحبوبات فقلبه مريض، كما أن ~~المعدة التي تؤثر أكل الطين على أكل الخبز -وقد سقطت عنها شهوة الخبز- ~~مريضة. # ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه ~~الصبر على مرارة دوائه، لأن دواءه مخالف الهوى، وإن وجد الصبر لم يجد طبيبا ~~حاذقا يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب ~~المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالا، واندرس هذا العلم، ~~وأنكر طب القلوب ومرضها بالكلية وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات ~~وباطنها عادات فهذه علامة أصل المرض. # وأما عافيته وعوده إلى الصحة بعد المعالجة، فهو أن ينظر إلى العلة، فإن ~~كان يعالج داء البخل، فعلاجه بذل المال، ولكنه لا يسرف، ويصير إلى حد ~~التبذير فيحصل داء آخر ms121 فيكون كمن يعالج البرودة بالحرارة الغالبة حتى تغلب ~~الحرارة، فيكون داء أيضا، بل المطلوب الاعتدال. # وإذا أرادت أن تعرف الوسط، فانظر إلى نفسك، فإن كان إمساك المال وجمعه ~~ألذ عندك، وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فاعلم أن الغالب عليك خلق البخل، ~~فعالج نفسك على البذل، وإن صار البذل للمستحق ألذ عندك، وأخف عليك من ~~الإمساك فقد غلب عليك التبذير، فارجع إلى المواظبة على الامساك، ولا تزال ~~تراقب نفسك، # PageV01P155 # # وتستدل على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها، حتى تنقطع علاقة قلبك عن المال ~~فلا تميل إلى بذله ولا إمساكه، بل يصير عندك كالماء، فلا تطلب فيه إمساكه ~~لحاجة محتاج، أو بذله لحاجة محتاج، فكل قلب صار كذلك، فقد جاء الله سليما ~~في هذا المقام. # ويجب أن يكون سليما على سائر الأخلاق حتى لا تكون له علاقة بشيء من ~~الدنيا، حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق منها، غير ملتفته إليها، ~~ولا متشوقة إلى أسبابها، فحينئذ ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة. # ولما كان الوسط الحقيقي بين الطرفين في غاية الغموض، بل هو أدق من الشعر ~~وأحد من السيف فلا جرم من استوى على هذا الصراط في الدنيا، جاز على مثل هذا ~~الصراط في الآخرة، ولأجل عسر الاستقامة أمر العبد أن يقول في كل يوم مرات ~~{اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]، ومن لم يقدر على الاستقامة، فليجتهد ~~على القرب من الاستقامة فان النجاة بالعمل الصالح. # ولا تصدر الأعمال الصالحة إلا عن الأخلاق الحسنة، فليتفقد كل عبد صفاته ~~وأخلاقه، وليشتغل بعلاج واحد بعد واحد، وليصبر ذو العزم على مضض هذا الأمر، ~~فإنه سيحلو كما يحلو الفطام للطفل بعد كراهته له، فلو رد إلى الثدي لكرهه، ~~ومن عرف قصر العمر بالنسبة إلى مدة حياة الآخرة حمل مشقة سفر أيام لتنعم ~~الأبد، فعند الصباح يحمد القوم السرى. # واعلم: أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه، فمن كانت له ~~بصيرة، لم تخف عليه عيوبه، وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكن اكثر الناس ~~جاهلون بعيوبهم، يرى أحدهم ms122 القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه. # فمن أراد الوقوف على عيب نفسه فله في ذلك أربع طرق: # الطريقة الأولى: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، يعرف عيوب نفسه ~~وطرق علاجها، وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده، فمن وقع به، فقد وقع بالطبيب ~~الحاذق فلا ينبغي أن يفارقه. # الطريقة الثانية: أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا، وينصبه رقيبا على ~~نفسه لينبهه على المكروه من أخلاقه وأفعاله. # PageV01P156 # # وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: رحم الله امرءا ~~أهدى إلينا عيوبنا. # وسأل سلمان رضى الله عنه لما قدم عليه من عيوبه، فقال: سمعت أنك جمعت بين ~~إدامين على مائدة، وان لك حلتين: حلة بالليل، وحلة بالنهار، فقال: هل بلغك ~~غير هذا؟ قال: لا، قال: أما هذا فقد كفيتهما. # وكان عمر رضى الله عنه يسأل حذيفة: هل أنا من المنافقين؟ وهذا لأن كل من ~~علت مرتبته في اليقظة زاد اتهامه لنفسه، إلا أنه عز في هذا الزمان وجود ~~صديق على هذه الصفة، لأنه قل في الأصدقاء من يترك المداهنة، فيخبر بالعيب ~~أو يترك الحسد، فلا يزيد على قدر الواجب. # وقد كان السلف يحبون من ينبههم على عيوبهم، ونحن الآن في الغالب أبغض ~~الناس إلينا من يعرفنا عيوبنا. # وهذا دليل على ضعف الإيمان، فإن الأخلاق السيئة كالعقارب، لو أن منبها ~~نبهنا على أن تحت ثوب أحدنا عقربا لتقلدنا له منة، واشتغلنا بقتلها، ~~والأخلاق الرديئة أعظم ضررا من العقرب على ما لا يخفى. # الطريقة الثالثة: أن يستفيد معرفة نفسه من ألسنة أعدائه، فإن عين السخط ~~تبدى المساوئ، وانتفاع الإنسان بعدو مشاجر يذكر عيوبه، أكثر من انتفاعه ~~بصديق مداهن يخفى عنه عيوبه. # الطريقة الرابعة: أن يخالط الناس، فكل ما يراه مذموما فيما بينهم، ~~يجتنبه. ### | 4 فصل [في شهوات النفوس] # وقد ذكرنا أن شهوات النفوس لم توضع إلا لفائدة، إذ لولا شهوة المطعم ما ~~حصل تناول الغذاء، ولولا شهوة الجماع لانقطع النسل، وإنما المذموم فضول ~~الشهوات وطغيانها، وثمة ms123 قوم لم يفهموا هذا القدر، فأخذوا يتركون كل ما ~~تشتهيه النفس، وهذا ظلم لها بإسقاط حقها، فإن لها حقا بدليل قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: "إن لنفسك عليك حقا" حتى إن قائلا منهم يقول: لى كذا وكذا ~~سنة اشتهي كذا فلا أتناوله، وهذا انحراف عن الحل وخلاف سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فإنه كان # PageV01P157 # # يتناول المشتهى من الحلو والعسل وغيرهما، فلا يلتفت إلى زاهد قل علمه، ~~فحرم نفسه حظها من المشتهى على الإطلاق، فإنه إلى الظلم أقرب منه إلى ~~العدل، وإنما يترك المشتهى إذا صعبت الطريق إليه، مثل أن لا يحصل إلا بوجه ~~مكروه، أو يخاف من تناوله انحلال عزمه، فتطمع النفس في استدامته، أو يحذر ~~من ذلك زيادة شبع، فيثقله عن عبادته، فأما تناوله في بعض الأوقات لتقوية ~~النفس، فذلك كالطب للمريض، يمدح ولا يذم، ولا بأس بالرفق بالنفس لتقوى على ~~السلوك. ### | 5 بيان علامات حسن الخلق # ربما جاهد المريد نفسه حتى ترك الفواحش والمعاصي، ثم ظن أنه قد هذب خلقه، ~~واستغنى عن المجاهدة، وليس كذلك، فإن حسن الخلق هو مجموع صفات المؤمنين، ~~وقد وصفهم الله تعالى فقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 2 - 4] ~~وقال: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: ~~112] وقال تعالى: {قد أفلح المؤمنون} إلى قوله {أولئك هم الوارثون} ~~[المؤمنون: 1 - 10]، وقال: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} ~~[الفرقان: 63] إلى آخر السورة، فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه ~~الآيات، فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء ~~الخلق ووجود بعضها دون البعض يدل على البعض دون البعض فليشتغل بحفظ ما وجده ~~وتحصيل ما فقده. # وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤمن بصفات كثيرة، وأشار ~~بها إلى محاسن الأخلاق. # ففي الصحيحين ms124 من حديث أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبدا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". # وفيهما أيضا من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه # PageV01P158 # # قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يؤذى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا ~~أو ليصمت". # وفى حديث آخر: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا". # ومن حسن الخلق: احتمال الأذى، ففى "الصحيحين" أن أعرابيا جذب رداء النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حتى أثرت حاشيته في عاتقه صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ثم قال: يا محمد، مر لى من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء. # وكان إذا آذاه قومه قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". # وكان أويس القرني إذا رماه الصبيان بالحجارة يقول: يا إخوتاه، إن كان ~~ولابد، فارموني بالصغار لئلا تدموا ساقي فتمعنوني من الصلاة. # وخرج إبراهيم بن أدهم إلى بعض البرارى، فاستقبله جندي فقال: أين العمران؟ ~~فأشار إلى المقبرة، فضرب رأسه فشجه، فلما أخبر أنه إبراهيم، جعل يقبل يده ~~ورجله، فقال: إنه لما ضرب رأسي سألت الله له الجنة، لأني علمت أنى أوجر ~~بضربه إياي فلم أحب أن يكون نصيبي منه الخير، ونصيبه منى الشر. # وأجتاز بعضهم في سكة، فطرح عليه رماد من السطح، فجعل أصحابه يتكلمون. ~~فقال: من استحق النار فصولح على الرماد، ينبغي له أن لا يغضب. # فهذه نفوس ذللت بالرياضة، فاعتدلت أخلاقهم، ونقيت عن الغش بواطنها، ~~فأثمرت الرضى بالقضاء، ومن لم يجد من نفسه بعض هذه العلامات التي وجدها ~~هؤلاء، فينبغي أن يداوم الرياضة ليصل، فإنه بعد ما وصل. ### | 6 فصل في رياضة الصبيان في أول النشوء # اعلم: أن الصبي أمانة عند والديه، وقلبه جوهرة ساذجة، وهى قابلة لكل نقش، ~~فإن عود الخير نشأ عليه وشاركه أبواه ومؤدبه ms125 في ثوابه، وإن عود الشر نشأ ~~عليه، وكان الوزر في عنق وليه، فينبغي أن يصونه ويؤدبه ويهذبه، ويعلمه ~~محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء، ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه ~~أسباب الرفاهية # PageV01P159 # # فيضيع عمره في طلبها إذا كبر. # بل ينبغي أن يراقبه من أول عمره، فلا يستعمل في رضاعة وحضانته إلا امرأة ~~صالحة متدينة تأكل الحلال، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا ~~بدت فيه مخايل التمييز وأولها الحياء، وذلك علامة النجابة وهى مبشرة بكمال ~~العقل عند البلوغ، فهذا يستعان على تأديبه بحيائه. # وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يعلم آداب الأكل، ~~ويعوده أكل الخبز وحده في بعض الأوقات لئلا يألف الإدام فيراه كالحتم، ~~ويقبح عنده كثرة الأكل، بأن يشبه الكثير الأكل بالبهائم، ويحبب إليه الثياب ~~البيض دون الملونة والإبريسم ويقرر عنده أن ذلك من شأن النساء والمخنثين، ~~ويمنعه من مخالطة الصبيان الذين عودوا التنعم، ثم يشغله في المكتب بتعليم ~~القرآن والحديث وأحاديث الأخبار، ليغرس في قلبه حب الصالحين، ولا يحفظ من ~~الأشعار التي فيها ذكر العشق. # ومتى ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمول، فينبغي أن يكرم عليه، ويجازى بما ~~يفرح به، ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال تغوفل عنه ولا ~~يكاشف، فإن عاد عوتب سرا وخوف من اطلاع الناس عليه، ولا يكثر عليه العتاب، ~~لأن ذلك يهون عليه سماع الملامة، وليكن حافظا هيبة الكلام معه. # وينبغى للأم أن تخوفه بالأب، وينبغى أن يمنع النوم نهارا، فإنه يورث ~~الكسل، ولا يمنع النوم ليلا ولكنه يمنع الفرش الوطيئة لتتصلب أعضاؤه. # ويتعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم. # ويعود المشي والحركة والرياضة لئلا يغلب عليه الكسل. # ويمنع أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه أبواه، أو بمطعمه أو ملبسه. # ويعود التواضع والإكرام لمن يعاشره. # ويمنع أن يأخذ شيئا من صبى مثله، ويعلم أن الأخذ دناءة، وأن الرفعة في ~~الإعطاء. # ويقبح عنده حب الذهب والفضة. # ويعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يتمخط، ms126 ولا يتثاءب بحضرة غيره، ولا يضع ~~رجلا على رجل، ويمنع من كثرة الكلام. # PageV01P160 # # ويعود أن لا يتكلم إلا جوابا، وأن يحسن الاستماع إذا تكلم غيره ممن هو ~~أكبر منه، وأن يقوم لمن هو فوقه ويجلس بين يديه. # ويمنع من فحش الكلام، ومن مخالطة من يفعل ذلك، فإن أصل حفظ الصبيان حفظهم ~~من قرناء السوء. # ويحسن أن يفسح له بعد خروجه من المكتب في لعب جميل، ليستريح به من تعب ~~التأديب، كما قيل: روح القلوب تع الذكر. # وينبغى أن يعلم طاعة والديه ومعلمه وتعظيمهم. # وإذا بلغ سبع سنين أمر بالصلاة، ولم يسامح في ترك الطهارة ليتعود، ويخوف ~~من الكذب والخيانة، وإذا قارب البلوغ، ألقيت إليه الأمور. # وأعلم: أن الأطعمة أدوية، والمقصود منها تقوية البدن على طاعة الله ~~تعالى، وأن الدنيا لا بقاء لها، وأن الموت يقطع نعيمها، وهو منتظر في كل ~~ساعة، وأن العاقل من تزود لآخرته، فإن كان نشوؤه صالحا ثبت هذا في قلبه، ~~كما يثبت النقش في الحجر. # قال سهل بن عبد الله: كنت ابن ثلاث سنين، وأنا أقوم بالليل أنظر إلى صلاة ~~خالي محمد بن سوار، فقال لى خالي يوما: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ قلت: كيف ~~أذكره؟ قال: قل بقلبك ثلاث مرات من غير أن تحرك لسانك: الله معي، الله ناظر ~~إلى، الله شاهدى، فقلت ذلك ليالي، ثم أعلمته، فقال: قلها في كل ليلة إحدى ~~عشر مرة. # فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة، قال لى خالي: احفظ ما ~~علمتك، ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فلم أزل على ذلك سنين فوجدت له حلاوة ~~في سري ثم قال لي خالي: يا سهل من كان الله معه، وهو ناظر إليه، وشاهد ~~عليه، هل يعصيه؟ إياك والمعصية ومضيت إلى المكتب، وحفظت القرآن، وأنا ابن ~~ست سنين أو سبع، ثم كنت أصوم الدهر، وقوتي من خبز الشعير، ثم بعد لك كنت ~~أقوم الليل كله. ### | 7 فصل [في شروط الرياضة] # واعلم: أن من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين، ms127 أصبح بالضرورة مريدا لها، # PageV01P161 # # زاهدا في الدنيا، فإن من كان معه خرزة، فرأى جوهرة نفيسة، لم يبق له رغبة ~~في الخرزة، فإذا قيل له: بعها بالجوهرة، أسرع في ذلك. # واعلم: أن من رزقه الله تعالى الانتباه لذلك، فإن عليه لسلوك الرياضة ~~شرطا لابد من تقديمه، ومعتصما لابد من التمسك به، وحصنا لابد من التحصن به. # فأما الشرط، فهو رفع الحجاب بترك الذنوب. # وأما المعتصم، فشيخ يدله على الطريق لئلا تختطفه الشياطين في السبل. # وأما الحصن، فالخلوة، وعليه من الوظائف مخالفه الهوى، وكثرة الذكر ~~والاقتصاد في الأوراد. # ومنتهى الرياضة أن يجد قلبه مع الله أبدا، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن ~~غيره، ولا يخلو إلا بطول المجاهد، فهذا منهاج رياضة المريد وترتيبه في ~~التدريج، فأما تفصيل الرياضة في كل صفحه، فسيأتي إن شاء الله تعالى. # *** # PageV01P162 # ### | كتاب كسر الشهوتين: [شهوة البطن وشهوة الفرج] # شهوة البطن من أعظم المهلكات، وبها أخرج آدم عليه السلام من الجنة، ومن ~~شهوة البطن تحدث شهوة الفرج والرغبة في المال، ويتبع ذلك آفات كثيرة، كلها ~~من بطر الشبع. # وفى حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "المؤمن يأكل في معي واحد، ~~والكافر يأكل في سبعة أمعاء". # وفى حديث أخر: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن أدم أكلات يقمن ~~صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشربه، وثلث لنفسه". # وقال عقبة الراسبي: دخلت على الحسن وهو يتغذى، فقال: هلم، فقلت: أكلت حتى ~~لا أستطيع، فقال: سبحان الله أو يأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟! # ‍‍‍وقد بالغ جماعة من الزهاد في التقلل من الأكل والصبر على الجوع، وقد ~~بينا عيب ما سلكوا في غير هذا الكتاب، ومقام العدل في الأكل رفع اليدين مع ~~بقاء شىء من الشهوة، ونهاية المقام الحسن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه". # فالأكل ‍‍في مقام العدل يصح البدن وينفى المرضى، وذلك أن يتناول الطعام ~~حتى يشتهيه، ثم يرفع يده وهو يشتهيه، والدوام ms128 على التقلل من الطعام يضعف ~~القوى، وقد قلل أقوام مطاعمهم حتى قصروا عن الفرائض، وظنوا بجهلهم أن ذلك ~~فضيلة، وليس كذلك، ومن مدح الجوع، فإنما أشار إلى الحالة المتوسطة التي ~~ذكرناها. # وطريق الرياضة في كسر شهوة البطن أن من تعود استدامة الشبع، فينبغي له أن ~~يقلل من مطعمه يسيرا مع الزمان، إلى أن يقف على حد التوسط الذي أشرنا إليه، ~~وخير الأمور أوساطها، فالأولى تناول مالا يمنع من العبادات، ويكون سببا ~~لبقاء القوة، فلا يحس المتناول بجوع ولا شبع، فحينئذ يصح البدن، وتجتمع ~~الهمة، ويصفو الفكر، ومتى زاد في الأكل أورثه كثرة النوم، وبلادة الذهن، ~~وذلك بتكثير البخار في الدماغ حتى يغطى مكان الفكر، وموضع الذكر، ويجلب ~~أمراضا أخر. # وليحذر من ترك شيئا من الشهوات أن تتطرق إليه آفة الرياء، وقد كان بعضهم # PageV01P163 # # يشترى الشهوة ويعلقها في بيته وهو زاهد فيها، يستر بها زهده، وهذا هو ~~نهاية الزهد، الزهد في الزهد بإظهار ضده، وهو عمل الصديقين، لأنه يجرع نفسه ~~كأس الصبر مرتين، والثانية أمر. # وأما شهوة الفرج، فاعلم أن شهوة الوقاع سلطت على الآدمي لفائدتين: # إحداهما: بقاء النسل، والثانية ليدرج لذة يقيس عليها لذات الآخرة، فإن ما ~~لم يدرك جنسه بالذوق، لا يعظم إليه الشوق، إلا أنه إذ لم ترد هذه الشهوة ~~إلى الاعتدال، جلبت آفات كثيرة، ومحنا، ولولا ذلك ما كان النساء حبائل ~~الشيطان. # وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما تركت في الناس ~~بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء". # وقال بعض الصالحين: لو ائتمنني رجل على بيت مال، لظننت أن أودى إليه ~~الأمانة، ولو ائتمنني على زنجية أخلو بها ساعة واحدة، ما ائتمنت نفسي ~~عليها. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يخلو رجل بامرأة فإن ثالثهما ~~الشيطان". # وقد ينتهي الإفراط في هذه الشهوة، حتى تصرف همة الرجل إلى كثرة التمتع ~~بالنساء فيشغله عن ذكر الآخرة، وربما آل إلى الفواحش، وقد تنتهي بصاحبها ~~إلى العشق، وهو أقبح الشهوات، وأجدرها أن تستحيي ms129 منه، وقد يقع عند كثير من ~~الناس عشق المال، والجاه، واللعب بالنرد، والشطرنج، والطنبور، ونحو ذلك، ~~فتستولي هذه الأشياء على القلوب فلا يصبرون عنها. # ويسهل الاحتراز عن ذلك في بدايات الأمور، فإن آخرها يفتقر إلى علاج شديد، ~~وقد لا ينجح، ومثاله من يصرف عنان الدابة عند توجهها إلى باب تريد دخوله، ~~فما أهون منعها يصرف عنانها، ومثال من يعالجه بعد استحكامه، مثال من يتركها ~~حتى تدخل الباب وتجاوزه، ثم يأخذ بذنبها يجرها إلى وراء، وما أعظم التفاوت ~~بين الأمرين!! # *** # PageV01P164 # ### | كتاب آفات اللسان # آفاته كثيرة ومتنوعة، ولها في القلب حلاوة، ولها بواعث من الطبع، ولا ~~نجاة من خطرها إلا بالصمت، فلنذكر أولا فضيلة الصمت، ثم نتبعه الآفات مفصلة ~~إن شاء الله تعالى. # اعلم: أن الصمت يجمع الهمة ويفرغ الفكر. # وفى الحديث، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من يضمن لى ما بين ~~لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة". # وفى حديث آخر: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه ~~حتى يستقيم لسانه" (1). # وفى حديث معاذ في آخره: "كف عليك هذا" فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون ~~بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على ~~وجوههم، أو قال: على مناخرهم، ألا حصائد ألسنتهم؟ ". # وفى حديث آخر: "من كف لسانه ستر الله عورته" (2). وقال ابن مسعود: ما شيء ~~أحوج إلى طول سجن من لساني. # وقال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعلت لك أذنان وفم واحد ~~لتسمع أكثر مما تتكلم به. # وقال مخلد بن الحسين: ما تكلمت منذ خمسين سنة بكلمة أريد أن أعتذر منها. ### | 1 ذكر آفات الكلام # الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعنى. # واعلم: أن من عرف قدر زمانه، وأنه رأس ماله، لم ينفقه إلا في فائدة، وهذه ~~PageV01P165 # # المعرفة توجب حبس اللسان عن الكلام فيما لا يعنى، لأنه من ترك الله تعالى ~~واشتغل فيما لا يعنى، كان كمن قدر على أخذ جوهرة، فأخذ عوضها مدرة، وهذا ~~خسران العمر. # وفى ms130 الحديث الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من حسن إسلام ~~المرء تركه مالا يعينه". # وقيل للقمان الحكيم: ما بلغ من حكمتك؟ قال: لا أسأل عما كفيته، ولا أتكلم ~~بما لا يعنيني. # وقد روى أنه دخل على دواء عليه السلام وهو يسرد درعا، فجعل يتعجب مما ~~رأى، فأراد أن يسأله عن ذلك، فمنعته حكمته فأمسك، فلما فرغ داود عليه ~~السلام، قام ولبس الدرع ثم قال: نعم الدرع للحرب. فقال لقمان: الصمت حكم ~~وقليل فاعله. # الآفة الثانية: الخوض في الباطل، وهو الكلام في المعاصي، كذكر مجالس ~~الخمر، ومقامات الفساق. # وأنواع الباطل كثيرة. وعن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: " إن العبد ليتكلم بالكلمة يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق ~~والمغرب،. وقريب من ذلك الجدال والمراء وهو كثرة الملاحاة (1) للشخص لبيان ~~غلطة وإفحامه، والباعث على ذلك الترفع. # فينبغي للإنسان أن ينكر المنكر من القول، ويبين الصواب، فإن قبل منه وإلا ~~ترك المماراة، هذا إذا كان الأمر معلقا بالدين، فأما إذا كان في أمور ~~الدنيا، فلا وجه للمجادلة فيه، وعلاج هذه الآفة بكسر الكبر الباعث على ~~إظهار الفضل، وأعظم من المراء الخصومة، فإنها أمر زائد على المراء. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أبغض الرجال إلى الله الألد ~~الخصم". وهذه الخصومة نعنى بها الخصومة بالباطل أو بغير علم، فأما من له حق ~~فالأولى أن يصدف (2) عن الخصومة، مهما أمكن لأنها، توغر الصدر، وتهيج الغضب ~~الغضب، PageV01P166 # # وتورث الحقد، وتخرج إلى تناول العرض. # الآفة الثالثة: التقعر في الكلام، وذلك يكون بالتشدق (1) وتكلف السجع. # وعن أبى ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أبغضكم ~~إلى وأبعدكم منى يوم القيامة مساويكم أخلاقا الثرثارون (2) المتشدقون ~~المتفيهقون (3) ". # ولا يدخل في كراهة السجع والتصنع ألفاظ الخطيب، والتذكير من غير إفراط، ~~ولا إغراب، لأن المقصود من ذلك تحريك القلوب، وتشويقها، ورشاقة اللفظ ونحو ~~ذلك. # الآفة الرابعة: الفحش والسب والبذاء (4)، ونحو ذلك، فإنه مذموم منهي عنه، ~~ومصدره ms131 الخبث واللؤم. # وفى الحديث: "إياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ". " الجنة ~~حرام على كل فاحش" (5). # وفى حديث آخر: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء". # واعلم: أن الفحش والبذاء هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات ~~الصريحة، وأكثر ما يكون ذلك في ألفاظ الجماع وما يتعلق به، فإن أهل الخير ~~يتحاشون عن تلك العبارات ويكنون عنها. # ومن الآفات: الغناء وقد سبق فيه كلام في غير هذا الموضوع. # الآفة الخامسة: المزاح، أما اليسير منه، فلا ينهى عنه إذا كان صدقا. # فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقا، فإنه قال ~~لرجل: "يا ذا الأذنين"، وقال لآخر: "إنا حاملوك على ولد الناقة"، وقال ~~للعجوز: "إنه لا يدخل الجنة عجوز" ثم قرأ: {إنا أنشأناهن إنشاء* فجعلناهن ~~أبكارا} [الواقعة: PageV01P167 # ### | 35 - 36 # ] (1)، وقال لأخرى: "زوجك الذي في عينيه بياض؟ " (2). # فقد اتفق في مزاحه صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أشياء: # أحدها: كونه حقا. # والثاني: كونه مع النساء والصبيان، ومن يحتاج إلى تأديبه من ضعفاء ~~الرجال. # والثالث: كونه نادرا، فلا ينبغي أن يحتج به من يريد الدوام عليه، فان حكم ~~النادر ليس كحكم الدائم، ولو أن إنسانا دار مع الحبشة ليلا ونهارا ينظر إلي ~~لعبهم واحتج بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف لعائشة وأذان لها أن ~~تنظر إلى الحبشة، لكان غالطا، لندور ذلك، فالإفراط بى المزاح والمداومة ~~عليه منهي عنه، لأنه يسقط الوقار، ويوجب الضغائن والأحقاد، وأما اليسير كما ~~تقدم، من نحو نوع مزاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن فيه انبساطا ~~وطيب نفس. # الآفة السادسة: السخرية والاستهزاء، ومعنى السخرية: الاحتقار والاستهانة، ~~والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في ~~الفعل والقول، وقد يكون بالشارة والإيماء، وكله ممنوع منه في الشرع، ورد ~~النهى عنه في الكتاب والسنة. # الآفة السابعة: إفشاء السر، وإخلاف الوعد والكذب في القول واليمين، وكل ~~ذلك منهي عنه، إلا ما رخص فيه من الكذب لزوجته، ms132 وفى الحرب فإن ذلك يباح. # وضابطه أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب، فهو فيه مباح ~~إن كان هذا المقصود مباحا. وإن كان المقصود واجبا، فهو واجب، فينبغي أن ~~يحترز عن الكذب مهما أمكن. # وتباح المعاريض، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن في المعاريض مندوحة ~~عن الكذب" (3)، وإنما تصلح المعاريض عند الحاجة إليها، فأما مع غير الحاجة، ~~PageV01P168 # # فمكروهة لأنها تشبه الكذب. # فمن المعاريض ما روينا عن عبد الله بن رواحة رضى الله عنه أنه أصاب جارية ~~له، فعلمت امرأته، فأخذت شفرة، ثم أتت فوافقته قد قام عنها، فقالت: ~~أفعلتها؟ فقال: ما فعلت شيئا، قالت، لتقرأن القرآن أو لأبعجنك بها، فقال ~~رضى الله عنه: # وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع # يبيت يجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع # قالت: آمنت بالله وكذبت بصري. # وكان النخعى إذا طلب قال للجارية: قولي لهم: اطلبوه في المسجد. # الآفة الثامنة: الغيبة، وقد ورد الكتاب العزيز بالنهى عنها، وشبه صاحبها ~~بآكل الميتة. وفى الحديث: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام". # وعن أبى برزة الأسلمى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا ~~معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا ~~تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله ~~عورته يفضحه ولو في جوف بيته". # وفى حديث آخر: "إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، وإن الرجل قد ~~يزنى ويشرب، ثم يتوب ويتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر الله له حتى ~~يغفر صاحبه" (1). # وقال على بن الحسين رضى الله عنهما: إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب الناس ~~والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة مشهورة. # ومعنى الغيبة: أن تذكر أخاك الغائب بما يكره إذا بلغه، سواء كان نقصا في ~~PageV01P169 # # بدنه، كالعمش، والعورة، والحول، والقرع، والطول، والقصر، ونحو ذلك. # أو في نسبه، كقولك: أبوه نبطي، أو هندي ms133 أو فاسق، أو خسيس، ونحو ذلك. # أو في خلقه كقولك، هو سئ الخلق بخيل متكبر ونحو ذلك. # أو في ثوبه، كقولك: هو طويل الذيل، واسع الكم، وسخ الثياب. # والدليل على ذلك، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الغيبة قال: ~~"ذكرك أخاك بما يكره". قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول يا رسول الله؟ ~~قال: "إن كان في أخاك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد ~~بهته". # واعلم أن كل ما يفهم منه مقصود الذم، فهو داخل في الغيبة، سواء كان بكلام ~~أو بغيره، كالغمز، والإشارة والكتابة بالقلم، فإن القلم أحد اللسانين. # وأقبح أنواع الغيبة، غيبة المتزهدين المرائين، مثل أن يذكر عندهم إنسان ~~فيقولون: الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان، والتبذل في طلب ~~الحطام، أو يقولون: نعوذ بالله من قلة الحياء، أو نسأل الله العافية، فإنهم ~~يجمعون بين ذم المذكور ومدح أنفسهم. # وربما قالا أحدهم عند ذكر إنسان: ذاك المسكين قد بلى بآفة عظيمة، تاب ~~الله علينا وعليه، فهو يظهر الدعاء ويخفى قصده. # واعلم: أن المستمع للغيبة شريك فيها، ولا يتخلص من إثم سماعها إلا أن ~~ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه وإن قدر على القيام، أو قطع الكلام بكلام آخر، ~~لزمه ذلك. # وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من أذل عنده مؤمن وهو ~~يقدر أن ينصره أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق" (1). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من حمى مؤمنا من منافق يعيبه، بعث الله ~~ملكا يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم" (2). PageV01P170 # # ورأى عمر بن عتبة مولاه مع رجل وهو يقع في آخر، فقال له: ويلك نزه سمعك ~~عن استماع الخنا كما تنزه نفسك عن القول به، فالمستمع شريك القائل، إنما ~~نظر إلى شر ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو ردت كلمة سفيه في فيه لسعد ~~بها رادها كما شقي بها قائلها. # وقد وردت أحاديث في حق المسلم على المسلم، تقدمت في ms134 كتاب الصحبة. ### | 2 فصل في بيان الأسباب الباعثة على الغيبة وذكر علاجها # أما الأسباب التي تبعث على الغيبة فكثيرة. # منها: تشفى الغيظ، بأن يجرى من إنسان في حق آخر سبب يوجب غيظه، فكلما هاج ~~غضبه تشفى بغيبة صاحبه. # السبب الثاني: من البواعث على الغيبة موافقة الأقرانومجاملة الرفقاء ~~ومساعدتهم، فإنهم إذا كانوا يتفكهون في الأعراض، رأى هذا أنه إذا أنكر ~~عليهم أو قطع كلامهم استثقلوه ونفروا عنه، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن ~~المعاشرة. # الثالث: إرادة رفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول: فلان جاهل، وفهمه ركيك، ونحو ~~ذلك، غرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه، ويريهم أنه أعلم منه. # وكذلك الحسد في ثناء الناس على شخص وحبهم له وإكرامهم، فيقدح فيه ليقصد ~~زوال ذلك. # الرابع: اللعب والهزل، فيذكر غيره بما يضحك الناس به على سبيل المحاكاة، ~~حتى إن بعض الناس يكون كسبه من هذا. # وأما علاج الغيبة، فليعلم المغتاب أنه بالغيبة متعرض لسخط الله تعالى ~~ومقته، وأن حسناته تنقل إلى المغتاب إليه، وإن لم يكن له حسنات نقل إليه من ~~سيئات خصمه، فمن استحضر ذلك لم يطلق لسانه بالغيبة. # وينبغى إذا عرضت له الغيبة أن يتفكر في عيوب نفسه، ويشتغل بإصلاحها، ~~ويستحي أن يعيب وهو معيب، كما قال بعضهم: # فإن عبت قوما بالذي فيك مثله ... فكيف يعيب الناس من هو أعور # PageV01P171 # # وإذا عبت قوما بالذي ليس فيهم ... فذلك عند الله والناس أكبر # وإن ظن أنه سليم من العيوب، فليتشاغل بالشكر على نعم الله عليه، ولا يلوث ~~نفسه بأقبح العيوب وهو الغيبة، وكما لا يرضى لنفسه بغيبة غيره له، فينبغي ~~أن لا يرضاها لغيره من نفسه. # فلينظر في السبب الباعث على الغيبة، فيجتهد على قطع، فإن علاج العلة يكون ~~بقطع سببها. وقد ذكرنا بعض أسبابها، فيعالج الغضب بما سيأتي في كتاب الغضب، ~~ويعالج موافقة الجلاس بأن يعلم أن الله تعالى يغضب على من طلب رضى ~~المخلوقين بسخطه، بل ينبغي أن يغضب على رفقائه، وعلى نحو هذا معالجة ~~البواقي. ### | 3 فصل [في حصول الغيبة ms135 بسوء الظن] # وقد تحصل الغيبة بالقلب، وذلك سوء الظن بالمسلمين. # والظن ما تركن إليه النفس ويميل القلب، فليس لك أن تظن بالمسلم شرا، إلا ~~إذا انكشف أمر لا يحتمل التأويل فإن أخبرك بذلك عدل، فمال قلبك إلى تصديقه، ~~كنت معذورا، لأنك لو كذبته كنت قد أسأت الظن بالمخبر، فلا ينبغي أن تحسن ~~الظن بواحد وتسيئه بآخر، بل ينبغي أن تبحث، هل بينهما عداوة وحسد؟ فتتطرق ~~التهمة حينئذ بسبب ذلك، ومتى خطر لك خاطر سوء على مسلم، فينبغي أن تزيد في ~~مراعاته وتدعو له بالخير، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك، فلا يلقى إليك ~~خاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة. # وإذا تحققت هفوة مسلم، فانصحه في السر. # واعلم: أن من ثمرات سوء الظن التجسس، فان القلب لا يقنع بالظن، بل يطلب ~~التحقيق فيشتغل بالتجسس، وذلك منهي عنه، لأنه يوصل إلى هتك ستر المسلم، ولو ~~لم ينكشف لك، كان قلبك أسلم للمسلم. ### | 4 بيان الأعذار المرخصة في الغيبة وكفارة الغيبة # اعلم: أن المرخص في ذكر مساوئ الغير، وهو غرض صحيح في الشرع، لا # PageV01P172 # # يمكن التوصل إليه إلا به، وذلك يدفع إثم الغيبة، وهو أمور: # أحدها التظلم، فإن للمظلوم أن يذكر الظالم إذا استدعاه إلى من يستوفى ~~حقه. # الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد الظالم إلى منهاج الصلاح. # الثالث: الاستفتاء، مثل أن يقول للمفتى ظلمني فلان، أو أخذ حقى، فكيف ~~طريقي في الخلاص، فالتعيين مباح، والأولى التعريض، وهو أن يقول: ما تقول في ~~رجل ظلمه أبوه أو أخوه ونحو ذلك؟ # والدليل على إباحة التعيين حديث هند حين قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح ولم ~~ينكر عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # الأمر الرابع: تحذير المسلمين، مثل أن ترى متفقها يتردد إلى مبتدع أو ~~فاسق، وتخاف أن يتعدى إليه ذلك، فلك أن تكشف له الحال. # وكذلك إذا عرفت من عبدك السرقة أو الفسق، فتذكر ذلك للمشترى. # وكذلك المستشار في التزويج أو إيداع الأمانة، له أن يذكر ما يعرفه على ~~قصد النصح للمستشير، ms136 لا على قصد الوقيعة، إذا علم أنه لا ينزجر إلا ~~بالتصريح. # الخامس: أن يكون معروفا بلقب، كالأعرج، والأعمش، فلا إثم على من يذكره ~~به، وإن وجد عن ذلك معدلا كان أولى. # السادس: أن يكون مجاهرا بالفسق، ولا يستنكف أن يذكر به. # وقد روى عن النبي صلى اله عليه وآله وسلم أنه قال: " من ألقى جلباب ~~الحياء فلا غيبة له" (1). # وقيل للحسن: الفاجر المعلن بفجوره، ذكرى له بما فيه غيبة: قال: لا، ولا ~~كرامة. # وأما كفارة الغيبة، فاعلم أن المغتاب قد جنى جنايتين: PageV01P173 # # إحداهما: على حق الله تعالى، إذ فعل ما نهاه عنه، فكفارة ذلك التوبة ~~والندم. # والجناية الثانية: على محارم المخلوق، فان كانت الغيبة قد بلغت الرجل، ~~جاء إليه واستحله واظهر له الندم على فعله. # وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه، من مال أو عرض، فليأته فليستحلها منه قبل ~~أن يؤخذ وليس عنده درهم ولا دينار، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته ~~فأعطيها هذا، وإلا أخذ من سيئات هذا فألقى عليه". # وإن كانت الغيبة لم تبلغ الرجل، جعل مكان استحلاله الاستغفار له، لئلا ~~يخبره بما لا يعلمه، فيوغر صدره. # وقد ورد في الحديث: "كفارة من اغتبت أن تستغفر له" (1). # وقال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تثنى عليه وتدعو له بخير، وكذلك إن ~~كان قد مات. # الآفة التاسعة: من آفات اللسان النميمة، وفى الحديث ان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: "لا يدخل الجنة قتات" وهو النمام. # واعلم: أن النميمة تطلق في الغالب على نقل قول إنسان في إنسان، مثل أن ~~يقول: قال فيك فلان كذا وكذا، وليست مخصوصة بهذا، بل حدها كشف ما يكره ~~كشفه، سواء كان من الأقوال أو الأعمال، حتى لو رآه يدفن مالا لنفسه فذكره ~~فهو نميمة وكل من نقلت إليه النميمة، مثل أن يقال له: قال فيك فلان كذا ~~وكذا أو فعل في حقك كذا، ونحو ذلك فعليه ms137 ستة أشياء: # الأول: أن لا يصدق الناقل، لأن النمام فاسق مردود الشهادة. # الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه. # الثالث أن يبغضه في الله، فإنه بغيض عند الله. # الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء. # الخامس: أن لا يحمله ما حكى له على التجسس والبحث، لقوله تعالى: {ولا ~~PageV01P174 # # تجسسوا} [الحجرات: 12]. # السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكى نميمته. # ويروى أن سليمان بن عبد الملك قال لرجل: بلغني أنك وقعت فى، وقلت كذا ~~وكذا. فقال الرجل: ما فعلت، فقال سليمان: صدقت، اذهب بسلام. # وقال يحيى بن أبى كثير: يفسد النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في شهر. # وقد حكى أن رجلا ساوم بعبد، فقال مولاه: إني أبرأ منك من النميمة والكذب، ~~فقال: نعم، أنت برئ منهما، فاشتراه. فجعل يقول لمولاه إن امرأتك تبغي ~~وتفعل، وإنها تريد أن تقتلك، ويقول للمرأة: إن زوجك يريد أن يتزوج عليك ~~ويتسرى، فان أردت أن أعطفه عليك، فلا يتزوج ولا يتسرى، فخذ الموسى واحلقي ~~شعرة من حلقه إذا نام، وقال للزوج: إنها تريد أن تقتلك إذا نمت. قال فذهب ~~فتناوم لها، فجاءت بموسى لتحلق شعرة من حلقه، فأخذ بيدها فقتلها، فجاء ~~أهلها فاستعدوا عليه فقتلوه. # الآفة العاشرة: كلام ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعادين، وينقل كلام ~~كل واحد إلى الآخر، ويكلم كل واحد بكلام يوافقه، أو يعده أنه ينصره، او ~~يثنى على الواحد في وجهه ويذمه عند الأخر. # وفى الحديث: "إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه". # واعلم: أن هذا فيمن لم يضطر إلى ذلك، فأما إذا اضطر إلى مداراة الأمراء ~~جاز. # قال أبو الدرداء رضى الله عنه: إنا لنكشر (1) في وجوه أقوام، وإن قلوبنا ~~لتلعنهم. # ومتى قدر أن لا يظهر موافقتهم لم يجز له. # الآفة الحادية عشرة: المدح، وله آفات: # منها: ما يتعلق بالمادح، ومنها: ما يتعلق بالممدوح. فأما آفات المادح، ~~فقد PageV01P175 # # يقول مالا يتحققه، ولا سبيل للاطلاع عليه، مثل أن يقول: إنه ورع وزاهد، ~~وقد يفرط ms138 في المدح فينتهي إلى الكذب، وقد يمدح من ينبغي لأن يذم. # وقد روى في حديث: "إن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق" (1). # وقال الحسن: من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله. # وأما الممدوح، فإنه يحدث فيه كبرا أو إعجابا، وهما مهلكان ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع رجلا يمدح رجلا: "ويلك، قطعت عنق ~~صاحبك" .. الحديث وهو مشهور. # وقد روينا عن الحسن قال كان عمر رضى الله عنه قاعدا ومعه الدرة والناس ~~حوله، إذ أقبل الجارود، فقال رجل: هذا سيد ربيعة، فسمعها عمر رضى الله عنه ~~ومن حوله، وسمعها الجارود، فلما دنا منه خفقه (2) بالدرة، فقال: مالي ولك ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: مالي ولك، أما سمعتها؟ قال: سمعتها، فمه؟ قال: خشيت ~~أن يخالط قلبك منها شئ فأحببت أن أطأطئ (3) منك، ولأن الإنسان إذا أثنى ~~عليه بالخير رضى عن نفسه، وظن أنه قد بلغ المقصود، فيفتر عن العمل، ولهذا ~~قال: "قطعت عنق صاحبك ... ". # فأما إذا سلم المدح من هذه الآفات لم يكن به بأس، فقد أثنى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم على أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وغيرهما من الصحابة ~~رضى الله عنهم. # وعلى الممدوح أن يكون شديد الاحتراز من آفة الكبر والعجب والفتور عن ~~العمل، ولا ينجو من هذه الآفات إلا أن يعرف نفسه، ويتفكر في أن المادح لو ~~عرف منه ما يعرف من نفسه ما مدحه. # وقد روى أن رجلا من الصالحين أثنى عليه، فقال: اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني ~~وأنت تعرفني. # الآفة الثانية عشرة: الخطأ في فحوى الكلام فيما يرتبط في أمور الدين، ~~PageV01P176 # # لاسيما فيما يتعلق بالله تعالى، ولا يقدر على تقويم اللفظ بذلك إلا ~~العلماء الفصحاء، فمن قصر في علم أو فصاحة، لم يخل كلامه عن الزلل، لكن ~~يعفو الله عنه لجهله. # مثال ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: "لا يقل ~~أحدكم: ما شاء الله شئت، ولكن ليقل، ما شاء الله ثم شئت" (1)، وذلك ms139 لأن في ~~العطف المطلق تشريكا وتسوية، وقريب من ذلك إنكاره على الخطيب قوله: "ومن ~~يعصهما فقد غوى" وقال: "ومن يعص الله ورسوله". # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يقل أحدكم: عبدى وأمتى، كلكم عبيد ~~الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل، غلامي وجاريتي". # وقال النخعى: إذا قال الرجل للرجل: يا حمار، يا خنزير، قيل له يوم ~~القيامة: أرأيتني خلقته حمارا، أو أرأيتني خلقته خنزيرا. # فهذا وأمثاله مما يدخل في الكلام، ولا يمكن حصره، ومن تأمل ما أوردناه في ~~آفات اللسان، علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم، وعند ذلك يعرف سر قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: "من صمت نجا"، لأن هذه الآفات مهالك وهى على طريق ~~المتكلم، فإن سكت سلم. ### | 5 فصل [لا تسأل عن صفات الله عز وجل] # ومن آفات العوام سؤالهم عن صفات الله سبحانه وتعالى وكلامه. # اعلم: أن الشيطان يخيل إلى العامي أنك بخوضك في العلم تكون من العلماء ~~وأهل الفضل، فلا يزال يحبب إليه ذلك حتى يتكلم بما هو كفر وهو لا يدرى. قال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " يوشك الناس أن يسألوا، حتى يقولوا: هذا ~~الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ " فسؤال العوام عن غوامض العلم أعظم الآفات، ~~وبحثهم عن معاني الصفات مما يفسدهم لا مما يصلحهم، إذ الواجب عليهم ~~التسليم، فالأولى بالعامي الإيمان بما ورد به القرآن، ثم التسليم لما جاء ~~به الرسول من غير بحث، PageV01P177 # # واشتغالهم بالعبادات، فإن اشتغالهم بالبحث عن أسرار العلم، كبحث سائمة ~~الدواب عن أسرار الملك. # ... ### | كتاب ذم الغضب والحقد والحسد # اعلم: أن الغضب شعلة من النار، وأن الإنسان ينزع فيه عند الغضب عرق إلى ~~الشيطان اللعين، حيث قال: {خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] فإن ~~شأن الطين السكون والوقار، وشأن النار التلظي والاشتعال، والحركة ~~والاضطراب. ومن نتائج الغضب: الحقد والحسد، ومما يدل على ذم الغضب قول ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرجل الذي قال له: أوصني، قال: "لا تغضب"، ~~فردد عليه مرارا، قال: "لا ms140 تغضب". # وفى حديث آخر أن ابن عمر رضى الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ماذا يبعدني من غضب الله عز وجل؟ قال: "لا تغضب". # وفى المتفق عليه من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند ~~الغضب". # وعن عكرمة في قوله تعالى: {وسيدا وحصورا} [آل عمران: 39] قال: السيد الذي ~~يملك نفسه عند الغضب ولا يغلبه غضبه. # وروينا أن ذا القرنين لقي ملكا من الملائكة فقال: علمني علما ازداد به ~~إيمانا ويقينا، قال: لا تغضب، فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين ~~يغضب، فرد الغضب بالكظم، وسكنه بالتؤدة، وإياك والعجلة، فإنك إذا عجلت ~~أخطأت حظك، وكن سهلا لينا للقريب والبعيد، ولا تكن جبارا عنيدا. # وروينا أن إبليس لعنه الله بدا لموسى عليه السلام، فقال يا موسى: إياك ~~والحدة، فإني ألعب بالرجل الحديد كما يلعب الصبيان بالكرة، وإياك والنساء، ~~فإني لم انصب فخا في نفسي قط أثبت في نفسي من فخ أنصبه بامرأة، وإياك ~~والشح، فإني أفسد على الشحيح الدنيا والآخرة. # PageV01P178 # # وكان يقال: اتقوا الغضب، فإنه يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل، والغضب ~~عدو العقل. # وحقيقة الغضب: غليان دم القلب لطلب الانتقام، فمتى غضب الإنسان ثارت نار ~~الغضب ثورانا يغلى به دم القلب، وينتشر بى العروق، ويرتفع إلى أعالي البدن، ~~كما يرتفع الماء الذي يغلى في القدر، ولذلك يحمر الوجه والعين والبشرة وكل ~~ذلك يحكى لون ما وراءه من حمرة الدم، كما تحكى الزجاجة لون ما فيها، وإنما ~~ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه. # فإن كان الغضب صدر ممن فوقه، وكان معه يأس من الانتقام، تولد منه انقباض ~~الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب، فصار حزنا، ولذلك يصفر اللون، وإن كان ~~الغضب من نظير يشك فيه، تردد الدم بين انقباض وانبساط، فيحمر ويصفر ويضطرب، ~~فالانتقام هو قوت لقوة الغضب. # والناس في قوة الغضب على درجات ثلاث: ms141 إفراط، وتفريط، واعتدال. # فلا يحمد الإفراط فيها، لأنه يخرج العقل والدين عن سياستهما، فلا يبقى ~~للإنسان مع ذلك نظر ولا فكر ولا اختيار. # والتفريط في هذه القوة أيضا مذموم، لأنه يبقى لا حمية له ولا غيرة، ومن ~~فقد الغضب بالكلية، عجز عن رياضة نفسه، إذ الرياضة إنما تتم بتسلط الغضب ~~على الشهوة، فيغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة، ففقد الغضب ~~مذموم، فينبغي أن يطلب الوسط بين الطريقين. # واعلم: أنه متى قويت نار الغضب والتهبت، أعمت صاحبها، وأصمته عن كل ~~موعظة، لأن الغضب يرتفع إلى الدماغ، فيغطى على معادن الفكر، وربما تعدى إلى ~~معادن الحس، فتظلم عينه حتى لا يرى بعينه، وتسود الدنيا في وجهه، ويكون ~~دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار، فاسود جوه، وحمى مستقره، وامتلأ ~~بالدخان، وكان فيه سراج ضعيف فانطفأ، فلا يثبت فيه قدم، ولا تسمع فيه كلمة، ~~ولا ترى فيه صورة، ولا يقدر على إطفاء النار، فكذلك يفعل بالقلب والدماغ، ~~وربما زاد الغضب فقتل صاحبه. # ومن آثار الغضب في الظاهر، تغير اللون، وشدة الرعدة في الأطراف، وخروج # PageV01P179 # # الأفعال عن الترتيب، واستحالة الخلقة، وتعاطى فعل المجانين، ولو رأى ~~الغضبان صورته في حال غضبه وقبحها لأنف نفسه من تلك الحال، ومعلوم أن قبح ~~الباطن أعظم. ### | 1 فصل في بيان الأسباب المهيجة للغضب وذكر علاج الغضب # قد عرفت أن علاج كل علة بحسم مادتها وإزالة أسبابها. # فمن أسبابه: العجب، والمزاح، والمماراة، والمضادة، والغدر وشدة الحرص على ~~فضول المال والجاه، وهذه الأخلاق رديئة مذمومة شرعا، فينبغي أن يقابل كل ~~واحد من هذه بما يضاده، فيجتهد على حسم مواد الغضب وقطع أسبابه. # وأما إذا هاج الغضب فيعالج بأمور: # أحدها: أن يتفكر في الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ، والعفو، والحلم، ~~والاحتمال، كما جاء في البخاري من حديث ابن عباس رضى الله عنهما، أن رجلا ~~استأذن على عمر رضى الله عنه، فآذن له، فقال له: يا ابن الخطاب، والله ما ~~تعطينا الجزل (1)، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر رضى الله ms142 عنه، حتى هم ~~أن يوقع به (2). فقال الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قال ~~لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ~~[الأعراف: 199] وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر رضى الله عنه ~~حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل. # الثاني: أن يخوف نفسه من عقاب الله تعالى، وهو أن يقول: قدرة الله على ~~أعظم من قدرتي على هذا الإنسان، فلو أمضيت فيه غضبى، لم آمن أن يمضى الله ~~عز وجل غضبه على يوم القيامة فأنا أحوج ما أكون إلى العفو. وقد قال الله ~~تعالى في بعض الكتب: يا ابن آدم! اذكرني عند الغضب، أذكرك حين أغضب، ولا ~~أمحقك فيمن أمحق. PageV01P180 # # الثالث: أن يحذر نفسه عاقبة العداوة، والانتقام، وتشمير العدو في هدم ~~أعراضه، والشماتة بمصائبه، فان الإنسان لا يخلو عن المصائب، فيخوف نفسه ذلك ~~في الدنيا إن لم يخف من الآخرة وهذا هو تسليط شهوة على غضب ولا ثواب عليه، ~~لأنه تقديم لبعض الحظوظ على بعض، إلا أن يكون محذوره أن يتغير عليه أمر ~~يعينه على الآخرة، فيثاب على ذلك. # الرابع: أن يتفكر في قبح صورته عند الغضبعلى ما تقدم، وأنه يشبه حينئذ ~~الكلب الضارى، والسبع العادي، وانه يكون مجانبا لأخلاق الأنبياء والعلماء ~~في عادتهم، لتميل نفسه إلى الاقتداء بهم. # الخامس: أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام، مثل أن يكون سبب ~~غضبة أن يقول له الشيطان: إن هذا يحمل منك على العجز، والذلة والمهانة، ~~وصغر النفس، وتصير حقيرا في أعين الناس، فليقل لنفسه: تأنفين من الاحتمال ~~الآن، ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم ~~منك، وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس، ولا تحذرين من أن تصغري عند الله ~~تعالى وعند الملائكة والنبيين. # وينبغى أن يكظم غيظه، فذلك يعظمه عند الله تعالى، فماله وللناس؟ أفلا يجب ~~أن يكون هو القائم يوم القيامة إذا نودي: ليقم من وقع أجره على الله، ms143 فلا ~~يقوم إلا من عفا، فهذا وأمثاله ينبغي أن يقرره على قلبه. # السادس: أن يعلم أن غضبه إنما كان من شىء جرى على وفق مراد الله تعالى، ~~لا على وفق مراده، فكيف يقدم مراده على مراد الله تعالى، هذا ما يتعلق ~~بالقلب. # وأما العمل، فينبغي له السكون، والتعوذ، وتغيير الحال، وإن كان قائما ~~جلس، وإن كان جالسا اضطجع، وقد أمرنا بالوضوء أيضا عند الغضب، فهذه الأمور ~~وردت في الأحاديث. # أما الحكمة في الوضوء عند الغضب، فقد بينها في الحديث. كما روى أبو وائل ~~قال: كنا عند عروة بن محمد، فكلمه رجل بكلام، فغضب غضبا شديدا فقام وتوضأ، ~~ثم جاء فقال: حدثني أبى عن جدي عطية- وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق # PageV01P181 # # من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ". # وأما الجلوس والاضطجاع، فيمكن أن يكون إنما أمر بذلك ليقرب من الأرض التي ~~منها خلق، فيذكر أصله فيذل، ويمكن أن يكون ليتواضع بذله، لأن الغضب ينشأ من ~~الكبر، بدليل ما روى أبو سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر ~~الغضب وقال: "من وجد شيئا من ذلك، فليلصق خده بالأرض" (1). # وقيل: غضب المهدى على رجل، فدعا بالسياط فلما رأى شبيب شدة غضبه، وإطراق ~~الناس، فلم يتكلموا بشيء، قال: يا أمير المؤمنين، لا تغضبن لله بأشد مما ~~غضب لنفسه، فقال: خلوا سبيله. ### | 2 فصل في كظم الغيظ # قال الله تعالى: {والكاظمين الغيظ} [آل عمران: 134] فذكر ذلك في معرض ~~المدح. # وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من كظم غيظا وهو قادر على ~~أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء". # وروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف ~~الله لم يفعل ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون. ### | 3 فصل في الحلم # روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبي ms144 صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~" إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم" (2). # "اطلبوا العلم، واطلبوا مع العلم السكينة والحلم، لينوا لمن تعلمون ولمن ~~PageV01P182 # # تعلمون منه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فيغلب جهلكم عليكم" (1). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم لأشج بن قيس (2): "إن فيك خلقين يحبهما ~~الله ورسوله: الحلم والأناة (3) ". # وشتم رجل ابن عباس رضى الله عنه فلما قضى مقتله، فقال: يا عكرمة، انظر هل ~~للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى. # وأسمع رجل معاوية كلاما شديدا فقيل له: لو عاقبته؟ فقال: إني لأستحي أن ~~يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي. # وأقسم معاوية نطعا (4)، فبعث منها إلى شيخ من أهل دمشق فلم يعجبه فجعل ~~عليه يمينا أن يضرب رأس معاوية، فأتى معاوية فأخبره، فقال له معاوية: أوف ~~بنذرك وارفق بالشيخ. # وجاء غلام لأبى ذر وقد كسر رجل شاة له، فقال له: من كسر رجل هذه؟ قال: ~~أنا فعلته عمدا لأغيظك، فضربنى، فتأثم. فقال: لأغظين من حرضك على غيظي، ~~فأعتقه. # وشتم رجل عدى ابن حاتم وهو ساكت، فلما فرغ من مقالته قال: إن كان بقي ~~عندك شئ فقل قبل أن يأتي شباب الحي، فإنهم إن سمعوك تقول هذا لسيدهم لم ~~يرضوا. # ودخل عمر بن عبد العزيز المسجد ليلة في الظلمة، فمر برجل نائم فعثر به، ~~فرفع رأسه وقال: أمجنون أنت؟ فقال عمر: لا، فهم به الحرس، فقال عمر: مه، ~~إنما سألني أمجنون؟ فقلت: لا. # ولقي رجل على بن الحسين رضى الله عنهما، فسبه، فثارت إليه العبيد، فقال: ~~مهلا، ثم أقبل على الرجل فقال: ما ستر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك ~~PageV01P183 # # عليها؟ فاستحى الرجل، فألقى عليه خميصة (1) كانت عليه، وأمر له بألف ~~درهم، فكان الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك من أولاد الرسول. # وقال رجل لوهب بن منبه: إن فلانا شتمك، فقال: ما وجد الشيطان بريدا غيرك. ### | 4 فصل في العفو والرفق # أعلم: أن معنى العفو أن تستحق حقا فتسقطه، وتؤدى عنه من قصاص أو غرامة، ~~وهو غير الحلم ms145 والكظم. وقال الله تعالى: {والعافين عن الناس}. [آل عمران: ~~134] وقال: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40]، وفى الحديث أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله ~~عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". # وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا ~~عقبة، ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك، وتعطى من ~~حرمك، وتعفو عمن ظلمك" (2). # وروى أن مناديا ينادى يوم القيامة: ليقم من وقع أجره على الله؟ فلا يقوم ~~إلا من عفا عمن ظلمه. # وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن ~~الله رفيق يحب الرفق، ويعطى عليه مالا يعطي على العنف". # وفى "الصحيحين" من حديث عائشة رضى الله عنها، عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل يحب الرفق في الأمر كله". # وفى حديث آخر "من يحرم الرفق يحرم الخير". PageV01P184 # ### | 5 باب في الحقد والحسد # اعلم: أن الغيظ إذا كظم لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن، فاحتقن ~~فيه فصار حقدا. # وعلامته دوام بغض الشخص واستثقاله والنفور منه، فالحقد ثمرة الغضب، ~~والحسد من نتائج الحقد. # وعن الزبير بن العوام رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء" (1). # وفى "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا تباغضوا، ~~ولا تقاطعوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، كونوا عباد الله إخوانا". # وفى حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إن الحسد يأكل ~~الحسنات كما تأكل النار الحطب (2) ". # وفى حديث آخر أنه قال: "يطلع عليكم من هذا الفج (3) رجل من أهل الجنة، ~~فطلع رجل، فسئل عن عمله، فقال: إني لا أجد لأحد من المسلمين في نفسي غشا ~~ولا حسدا على خير أعطاه الله إياه". # وروينا أن الله تبارك وتعالى يقول: # "الحاسد عدو ms146 نعمتي، متسخط لقضائي، غير راض بقسمتي بين عبادي". # وقال ابن سيرين: ما حسدت أحدا على شئ من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل ~~الجنة، فكيف أحسده على شئ من أمر الدنيا، وهو يصير إلى الجنة، وإن كان من ~~أهل النار، فكيف أحسده على شئ من أمر الدنيا، وهو يصير إلى النار. # وقال إبليس لنوح عليه السلام: إياك والحسد، فإنه صيرني إلى هذه الحال. ~~PageV01P185 # # واعلم: أن الله تعالى إذا نعم على أخيك نعمة، فلك فيها حالتان: # إحداها: أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها، فهذا هو الحسد. # والحالة الثانية: أن لا تكره وجودها ولا تحب زوالها، ولكنك تشتهى لنفسك ~~مثلها، فهذا يسمى غبطة. # قال المصنف رحمه الله: # قلت: واعلم أنى ما رأيت أحدا حقق الكلام في هذا كما ينبغي، ولابد لى من ~~كشفه فأقول: # اعلم: أن النفس قد جلبت على حب الرفعة، فهي لا تحب أن يعلوها جنسها، فإذا ~~علا عليها، شق عليها وكرهته، وأحبت زوال ذلك ليقع التساوي، وهذا أمر مركوز ~~في الطباع. وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: "ثلاث لا ينجو منهن أحد: الظن، والطيرة، والحسد، وسأحدثكم ما ~~المخرج من ذلك، إذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ" ~~(1). # وعلاج الحسد، تارة بالرضى بالقضاء، وتارة بالزهد في الدنيا، وتارة بالنظر ~~فيما يتعلق بتلك النعم من هموم الدنيا وحساب الآخرة، فيتسلى بذلك ولا يعمل ~~بمقتضى ما في النفس أصلا، ولا ينطق، فإذا فعل ذلك لم يضره ما وضع في جبلته. # فأما من يحسد نبيا على نبوته، فيجب أن لا يكون نبيا، أو عالما على علمه، ~~فيؤثر أن يرزق ذلك أو يزول عنه، فهذا لا عذر له، ولا تجبل عليه إلا النفوس ~~الكافرة أو الشريرة، فأما إن أحب أن يسبق أقرانه، ويطلع على ما لم يدركوه، ~~فإنه لا يأثم بذلك، فإنه لم # يؤثر زوال ما عندهم عنهم، بل أحب الارتفاع عنهم ليزيد حظه عند ربه، كما ~~لو استبق عبدان ms147 إلى خدمة مولاهما، فأحب أحدهما أن يستبق. وقد قال الله ~~تعالى: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 26] (2). # وفى "الصحيحين" من حديث ابن عمر رضى الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله عز وجل القرآن، ~~فهو يقوم PageV01P186 # # به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه في الحق ~~آناء الليل وآناء النهار". # والحسد له أسباب: # أحدها: العداوة، والتكبر، والعجب، وحب الرياسة، وخبث النفس، وبخلها، ~~وأشدها: العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان بسبب من الأسباب، وخالفه في ~~غرضه، أبغضه قلبه، ورسخ في نفسه الحقد. # والحقد يقتضي التشفي والانتقام، فمهما أصاب عدوه من البلاء فرح بذلك، ~~وظنه مكافأة من الله تعالى له، ومهما أصابته نقمة ساءه ذلك، فالحسد يلزم ~~البغض والعداوة ولا يفارقهما، وإنما غاية التقى أن لا يبغي، وأن يكره ذلك ~~من نفسه، فأما أن يبغض إنسانا فيستوي عنده مسرته ومساءته، فهذا غير ممكن. # وأما الكبر، فهو أن يصيب بعض نظرائه مالا أو ولاية، فيخاف أن يتكبر عليه ~~ولا يطيق تكبره، وأن يكون من أصاب ذلك دونه، فلا يحتمل ترفعه عليه أو ~~مساواته. وكان حسد الكفار لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريبا من ~~ذلك. قال الله تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم} [الزخرف: 31] وقال في حق المؤمنين: {أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} ~~[الأنعام: 53] وقال في آية أخرى: {ما أنتم إلا بشر مثلنا} [يس: 15] وقال: ~~{ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون} [المؤمنون: 34] فعجبوا وأنفوا من ~~أن يفوز برتبة الرسالة بشر مثلهم فحسدوهم. # وأما حب الرياسة والجاه، فمثاله أن الرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير ~~في فن من الفنون، إذا غلب عليه حب الثناء، واستفزه الفرح بما يمدح به، من ~~أنه أوحد العصر، وفريد الدهر في فنه، إذا سمع بنظير له في أقصى العالم، ~~ساءه ذلك وأحب موته، أو زوال النعمة التي بها يشاركه في علم، أو شجاعة، أو ~~عبادة، أو ms148 صناعة، أو ثروة، أو غير ذلك، وليس ذلك إلا لمحض الرياسة بدعوى ~~الانفراد. # وقد كان علماء اليهود ينكرون معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ~~يؤمنون خوفا من بطلان رئاستهم. # وأما خبث النفس وشحها على عباد الله، فإنك تجد من الناس من لا يشتغل ~~برئاسة # PageV01P187 # # ولا تكبر، وإذا وصف عند حسن حال عبد من عباد الله تعالى فيما أنعم عليه ~~به، شق عليه ذلك، وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وإدبارهم، وتنغيص عيشهم، ~~فرح به، فهو أبدا يحب الإدبار لغيره، ويبخل بنعمة الله على عباده، كأنهم ~~يأخذون ذلك من ملكه وخزانته. # وقد قال بعض العلماء: البخيل من يبخل بمال نفسه، والشحيح الذي يبخل بمال ~~غيره، فهذا يبخل بنعمى الله على عباده الذين ليس بينهم وبينه عداوة ولا ~~رابطة، وهذا ليس له سبب إلا خبث النفس ورداءة الطبع، وهذا معالجته شديدة، ~~لأنه ليس له سبب عارض، فيعمل على إزالته، بل سببه خبث الجبلة، فيعسر ~~إزالته، فهذه أسباب الحسد. ### | 6 فصل [في سبب كثرة الحسد] # واعلم: أنما يكثر الحسد بين أقوام تكثر بينهم الأسباب التي ذكرناها، ويقع ~~ذلك غالبا بين الأقران، والأمثال، والإخوة، وبنى العم، لأن سبب التحاسد ~~توارد الأغراض على مقاصد يحصل فيها، فيثور التنافر والتباغض. # ولذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون ~~العالم، والتاجر يحسد التاجر، والإسكاف يحسد الإسكاف، ولا يحسد البزاز إلا ~~أن يكون سبب آخر، لأن مقصد كل واحد من هؤلاء غير مقصد الآخر. # فأصل العداوة التزاحم على غرض واحد، والغرض الواحد لا يجمع متباعدين، إذ ~~لا رابطة بين شخصين في بلدين، ولا يكون بينهما محاسدة إلا من اشتد حرصه على ~~الجاه، فإنه يحسد كل من في العالم ممن يساهمه في الخصلة التي يفاخر بها. # ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا، فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين، وأما ~~الآخرة، فلا ضيق فيها، فإن من احب معرفة الله تعالى، وملائكته، وأنبياءه، ~~وملكوت أرضه وسماءه، لم يحسد غيره إذا عرف ذلك، لأن المعرفة لا تضيق ms149 على ~~العارفين، بل المعلوم الواحد يعرفه ألف ألف عالم، ويفرح بمعرفة غيره، فلذلك ~~لا يكون بين علماء الدين محاسدة، لأن مقصودهم معرفة الله سبحانه، وهو بحر ~~واسع لا ضيق فيه، وغرضهم المنزلة عند الله، ولا ضيق فيما عند الله، لأن أجل ~~ما عند الله من النعيم لذة لقائه، وليس فيه ممانعة ولا مزاحمة. ولا يضيق ~~بعض الناظرين على # PageV01P188 # # بعض، بل يزيد الأنس بكثرتهم، إلا أنه إذا قصد العلماء بالعلم المال ~~والجاه تحاسدوا. # والفرق بين العلم والمال، أن المال لا يحل في يد ما لم يرتحل عن يد أخرى، ~~والعلم مستقر في قلب العلم، ويحل في قلب غيره بتعليمه من غير أن يرتحل عن ~~قلبه، ولا نهاية له، فمن عود نفسه الفكر في جلال الله وعظمته وملكه، وصار ~~ذلك عنده ألذ من كل نعيم، لأنه لم يكن ممنوعا عنه ولا مزاحما فيه، فلا يكون ~~في قلبه حسد لأحد من الخلق، لأن غيره لو عرف مثل معرفته لم ينقص من لذته، ~~فقد عرفت أنه لا حسد إلا في المتوارد على مقصود يضيق عن الوفاء بالكل. # ولهذا لا ترى الناس يتزاحمون على النظر إلى زينة السماء، لأنها واسعة ~~الأقطار، وافيه بجميع الأبصار، فعليك إن كنت شفيقا على نفسك أن تطلب نعيما ~~لا زحمة فيه، ولذة لا تتكدر، ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله ~~تعالى وعجائب ملكوته، ولا ينال ذلك في المعرفة أيضا، فإن كنت لا تشتاق إلى ~~معرفة الله سبحانه، ولم تجد لذتها، وضعفت فيها رغبتك، فلست برجل، إنما هذا ~~شأن الرجال، لأن الشوق بعد الذوق، ومن لم يذق لم يعرف، ومن لم يعرف لم ~~يشتق، ومن لم يشتق لم يطلب، ومن لم يطلب لم يدرك، ومن لم يدرك بقى من ~~المحرومين. # واعلم: أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض القلوب إلا ~~بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف حقيقة أن الحسد ضرر ~~عليك في الدين والدنيا، وأنه لا يضر المحسود في الدين ولا في الدنيا، ms150 بل ~~ينتفع به، والنعمة لا تزول عن المحسود بحسدك، ولو لم تكن تؤمن بالبعث لكان ~~مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد، لما فيه من ألم القلب مع عدم ~~النفع، فكيف وأنت تعلم ما فيه من العذاب في الآخرة. # وبيان قولنا: أن المحسود لا ضرر عليه في الدين ولا في الدنيا، بل ينتفع ~~بحسدك في الدين والدنيا، لأن ما قدره الله من نعمة لا بد أن تدوم إلى اجله ~~الذي قدره، ولا ضرر عليه في الأبخرة، لأنه لا يأثم هو بذلك، بل ينتفع به، ~~لأنه مظلوم من جهتك. لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل. # وأما منفعته في الدنيا، فهو من أهم أغراض الخلق غم الأعداء، ولا عذاب ~~أعظم مما أنت فيه من الحسد. # PageV01P189 # # فإذا تأملت ما ذكرنا، علمت أنك عدو لنفسك، وهو صديق لعدوك، فما مثلك إلا ~~كمثل من يرمى حجرا عدوه ليصيب مقتله فلا يصيبه، ويرجع الحجر على حدقته ~~اليمنى فيقلعها، فيزيد غضبه، فيعود ويرميه بحجر أشد من الأول، فيرجع الحجر ~~على عينه الأخرى فيعميها، فيزداد غيظه، فيرميه الثالثة، فيعود الحجر على ~~رأسه فيشدخه، وعدوه سالم يضحكك منه، فهذه الأدوية العلمية، فإذا تفكر ~~الإنسان فيها، أخمدت نار الحسد في قلبه. # وأما العمل النافع فيه، فهو أن يتكلف نقيض ما يأمر به الحسد فإذا بعثه ~~على الحقد والقدح في المحسود، كلف نفسه المدح له، والثناء عليه، وإن حمله ~~الكبر، ألزم نفسه التواضع له، وإن بعثه على كف الأنعام عنه، ألزم نفسه ~~زيادة في الإنعام. # وقد كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن شخصا اغتابهم، أهدوا إليه هدية. # فهذه أدوية نافعة للحسد جدا، إلا أنها مرة، وربما يسهل شربها أن يعلم أنه ~~إذا كلن لا يكون كل ما تريد، فأرد ما يكون، وهذا هو الدواء الكلى، والله ~~أعلم. ### | 7 باب في ذم الدنيا # الآيات الواردة في القرآن العزيز بعيب الدنيا، والتزهيد فيها، وضرب ~~الأمثال لها كثيرة كقوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة ms151 من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك ~~متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} ~~[آل عمران: 14 - 15]، وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل ~~عمران: 185]، وقوله: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء} ~~الآية [يونس: 24]، وقوله: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة} ~~[الحديد: 20]، وقوله: {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك ~~للمتقين} [الزخرف: 35]، وقوله: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم} [النجم: 29، 30]. # وأما الأحاديث، ففى "الصحيحين" من رواية المستور بن شداد، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل ~~أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع؟ ". # PageV01P190 # # وفى حديث آخر: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" رواه مسلم. # وفى حديث آخر: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها ~~كافرا شربة ماء". رواه الترمذي وصححه. # وفى حديث آخر: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها" (1). # وروى أبو موسى، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من أحب ~~دنياه، أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما بقى على ما يفنى" ~~(2). # وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز في ذم الدنيا كتابا طويلا فيه: أما بعد ~~فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار مقام، وإنما أنزل إليها آدم عقوبة، فاحذرها ~~يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، تذل من أعزها، ~~وتفقر من جمعها، كالسم يأكله من لا يعرفها وهو حتفه، فاحذر هذه الدار ~~الغرورة الخيالة الخادعة، وكن آثر ما تكون فيها، أحذر ما تكون لها، سرورها ~~مشوب بالحزن، وصفوها مشوب بالكدر، فلو كان الخالق لم يخبر عنه خبرا، ولم ~~يضرب له مثلا لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله ~~عز وجل وعنه زاجر، وفيها واعظ، فما لها عند الله سبحانه قدر ولا وزن، وما ~~نظر إليها منذ خلقها. # ولقد ms152 عرضت على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مفاتيحها وخزائنها، لا ~~ينقصها عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وكره أن يحب ما أبغض خالقه، ~~أو يرفع ما وضع مليكه، زواها الله عن الصالحين اختيارا، وبسطها لإعدائه ~~اغترارا، أفيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها؟ ونسى ما صنع الله ~~بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم حين شد على بطنه الحجر، والله ما أحد من ~~الناس بسط له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مكر به، إلا كان قد نقص عقله، ~~وعجز رأيه وما امسك عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها، إلا كان قد نقص ~~عقله وعجز رأيه. # وقال مالك بن دينار: اتقوا السحارة، فإنها تسحر قلوب العلماء، يعنى ~~الدنيا. PageV01P191 # # ومن أمثلة الدنيا: قال يونس بن عبيد: شبهت الدنيا كرجل نائم، فرأى في ~~منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك انتبه. # ومثل هذا قولهم: الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. # والمعنى انهم ينتبهون بالموت وليس في أيديهم شئ مما ركنوا إليه وفرحوا ~~به. # قيل: إن عيسى عليه السلام رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء (1) عليها من كل ~~زينة. فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم. قال: فكلهم مات عنك أو كلهم ~~طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلت، فقال عيسى عليه السلام: بؤسا لأزواجك الباقين، ~~كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، كيف تهلكينهم واحدا بعد واحد، ولا يكونون ~~منك على حذر. # وروى ابن عباس رضى الله عنه قال: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز ~~شمطاء (2) زرقاء أنيابها بادية، مشوه خلقها، فتشرف على الخلق، فيقال: هل ~~تعرفون هذه؟ فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه. فيقال: هذه الدنيا التي ~~تشاجرتم عليها وبها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم ~~تقذف في جهنم، فتنادى: يا رب أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول: ألحقوا بها ~~أتباعها وأشياعها. # وعن أبى العلاء، قال: رأيت في النوم عجوزا كبيرة عليها من كل زينة، ~~والناس عكوف عليها متعجبون، ينظرون إليها، فقلت: أعوذ بالله من شرك. قالت: ~~إن ms153 أحببت أن تعاذ من شرى فأبغض الدرهم. # وقال بعضهم: رأيت الدنيا في النوم عجوزا مشوهة الخلقة حدباء. # مثال آخر: واعلم أن أحوالك ثلاث: # حال لم تكن فيها شيئا، وهي قبل أن توجد. # وحال أخرى، وهى من ساعة موتك إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمدي، فإن ~~لنفسك وجودا بعد خروجها من بدنك، إما في الجنة أو النار، وهو الخلود ~~الدائم. # وبين هاتين الحالتين حالة متوسطة، وهى أيام حياتك في الدنيا، فانظر إلى ~~مقدار PageV01P192 # # ذلك، وأنسبه إلى الحالتين، تعلم أنه أقل من طرفه عين في مقدار عمر ~~الدنيا. # ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن لها، ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضرر ~~وضيق، أو سعة ورفاهية، ولهذا لم يضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة وقال: "مالي وللدنيا؟ إنما مثلى ومثل ~~الدنيا كراكب قال (1) تحت الشجرة، ثم راح وتركها". # وقال عيس عليه السلام الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها. هذا مثل واضح، ~~فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة، والمهد هو الركن الأول على أول ~~القنطرة، والحد هو الركن الثاني على آخر القنطرة. # ومن الناس من قطع نصف القنطرة، ومن الناس من قطع ثلثيها، ومنهم من لم يبق ~~له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيفما كان فلابد من العبور، فمن وقف ~~يبنى على القنطرة ويزينها وهو يستحث للعبور عليها، فهو في غاية الجهل ~~والحمق. # وقيل: مثال طالب الدنيا، مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شرابا ازداد عطشا ~~حتى يقتله. # وكان بعض السلف يقول لأصحابه: انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى ~~مزبلة فيقول: انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم. # مثال آخر: روى عن الحسن قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: "إنما مثلى ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء، حتى ~~إذ لم يدوروا ما سلكوا منها اكثر ما بقى، أنفذوا الزاد واخسروا الظهر، ~~وابقوا بين ظاهراني المفازة، لا زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم ms154 ~~كذلك، إذ طلع عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا: إن هذا قريب عهد بريف، ~~وما جاء هذا إلا من قريب، فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء، علام أنتم؟ ~~قالوا: على ما ترى. قال: عهودكم ومواثيقكم بالله. قال: فأعطوه عهودهم ~~ومواثيقهم بالله، ثم قال: يا هؤلاء، الرحيل. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ~~ليس كمائكم، وإلى رياض ليست كرياضكم، فقال أكثر PageV01P193 # # القوم: والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده، وما نصنع بعيش خير من ~~هذا؟ وقالت طائفة قليلة: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا ~~تعصونه؟ وقد صدقكم في أول حديثه، فوالله ليصدقنكم في آخره. قال: فراح فيمن ~~اتبعه، وتخلف بقيتهم فنزل عدو، فأصبحوا بين أسير وقتيل" (1). # وفى "الصحيحين" من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: "إنما مثلى ومثل ما بعثتي الله به، كمثل رجل أتى قومه ~~فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعينى، وأنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه ~~طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبته طائفة منهم، ~~فأصبحوا مكانهم. فصبحهم الجيش في مكانهم، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من ~~أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من حق". ### | 8 فصل في بيان حقيقة الدنيا والمذموم منها والمحمود # قد سمع خلق كثير ذم الدنيا مطلقا، فاعتقدوا أن الإشارة إلى هذه الموجودات ~~التي خلقت للمنافع، فأعرضوا عما يصلحهم من المطاعم والمشارب. # وقد وضع الله في الطباع توقان النفس إلى ما يصلحها، فكلما تاقت منعوها، ~~ظنا منهم أن هذا هو الزهد المراد، وجهلا بحقوق النفس، وعلى هذا أكثر ~~المتزهدين، وإنما فعلوا ذلك لقلة العلم، ونحن نصدع بالحق من غير محاباة ~~فنقول: # اعلم: أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان، فيها حظ، وهى الأرض وما ~~عليها، فإن الأرض مسكن الأدنى، وما عليها ملبس ومطعم ومشرب ومنكح، وكل ذلك ~~علف لراحلة بدنه السائر إلى الله عز وجل، فإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح، ~~كما لا تبقى ms155 الناقة في طريق الحج إلا بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه ~~على الوجه المأمور به مدح، ومن أخذ منها فوق الحاجة يكتنف الشره وقع في ~~الذم، فإنه ليس للشره في تناول الدنيا وجه، لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى، ~~ويشغل عن طلب الآخرة فيفوت المقصود، ويصير بمثابة من أقبل يعلف الناقة، ~~ويرد لها الماء، ويغير عليها PageV01P194 # # ألوان الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت، فإنه يبقى في البادية فريسة ~~للسباع هو وناقته. # ولا وجه أيضا للتقصير في تناول الحاجة، لأن الناقة لا تقوى على السير إلا ~~بتناول ما يصلحها، فالطريق السليم هي الوسطى، وهى أن يؤخذ من الدنيا قدر ما ~~يحتاج إليه من الزاد للسلوك، وإن كان مشتهى، فإن إعطاء النفس ما تشتهيه عون ~~لها وقضاء لحقها. # وقد كان سفيان الثوري يأكل في أوقات من طيب الطعام، ويحمل معه في السفر ~~الفالوذج. # وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من الطيبات في بعض الأوقات، فيقول: إذا وجدنا ~~أكلنا أكل الرجال، وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال. # ولينظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته، فإنهم ما كان ~~لهم إفراط في تناول الدنيا، ولا تفريط في حقوق النفس. # وينبغى أن يتلمح حظ النفس في المشتهى، فإن كان في حظها حفظها وما يقيمها ~~ويصلحها وينشطها للخير، فلا يمنعها منه، وإن كان حظها مجرد شهوة ليست ~~متعلقة بمصالحها المذكورة فذلك حظ مذموم، والزهد فيه يكون. ### | 9 باب في ذم البخل والحرص والطمع وذم المال ومدحه ومدح القناعة والسخاء، ونحو ذلك # اعلم: أن المال لا يذم لذاته بل يقع الذم لمعنى من الآدمي، وذلك المعنى ~~إما شدة حرصه أو تناوله من غير حلة، أو حبسه عن حقه، أو إخراجه في غير ~~وجهه، أو المفاخرة به، ولهذا قال الله تعالى: {أنما أموالكم وأولادكم فتنة} ~~[الأنفال: 28]. # وفى "سنن الترمذي" عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما ذئبان ~~جائعان أرسلا في غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه". # وقد كان السلف ms156 يخافون من فتنة المال. وكان عمر رضى الله عنه إذا رأى ~~الفتوح يبكى ويقول: ما حبس الله هذا عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعن ~~أبى بكر لشر أراده # PageV01P195 # # الله بهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له. # وقال يحيى بن معاذ: الدرهم عقرب، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن ~~لدغك قتلك سمه. قيل: ما رقيته؟ قال: أخذه من حله ووضعه في حقه. وقال: ~~مصيبتان للعبد في ماله عند موته لا تسمع الخلائق بمثلهما، قيل: ما هما؟ ~~قال: يؤخذ منه كله، ويسأل عنه كله. ### | 10 بيان في مدح المال # قد بينا أن المال لا يذم لذاته بل ينبغي أن يمدح، لأنه سبب للتوصل إلى ~~مصالح الدين والدنيا، وقد سماه الله تعالى خيرا، وهو قوام الآدمي. قال الله ~~تعالى في أول سورة النساء: {ولا تؤتوا السفهاء (1) أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما} [النساء: 5]. # وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، ~~يكف به وجهه عن الناس، ويصل به رحمه، ويعطى منه حقه. # وقال أبو إسحاق السبيعى: كانوا يرون السعة عونا على الدين. # وقال سفيان: المال في زماننا هذا سلاح المؤمنين. # وحاصل الأمر؛ أن المال مثل حية فيها سم وترياق، فترياقه فوائده، وغوائله ~~سمه، فمن عرف فوائده وغوائله، أمكنه أن يحترز من شره، ويستدر من خيره. # أما فوائده، فتنقسم إلى دنيوية ودينية: # أما الدنيوية، فالخلق يعرفونها، ولذلك تهالكوا في طلبها. # وأما الدينية، فتنحصر في ثلاثة أنواع: # أحدها: أن ينفقه على نفسه، إما في عبادة، كالحج والجهاد، وإما في ~~الاستعانة على العبادة، كالمطعم والملبس والمسكن وغيرها من ضرورات المعيشة، ~~فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر، لم يتفرغ القلب للدين والعبادة، وما لا ~~يتوصل إلى العبادة إلا به، فهو عبادة، فأخذ الكفاية من الدنيا للاستعانة ~~على الدين من الفوائد الدينية، ولا يدخل في هذا التنعم والزيادة على ~~الحاجة، فإن ذلك من حظوظ الدنيا. PageV01P196 # # النوع الثاني: ما يصرفه إلى الناس، وهو أربعة أقسام # أحدها: الصدقة، وفضائلها كثيرة ms157 ومشهورة. # القسم الثاني: المروءة، ونعنى بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ~~ضيافة وهدية وإعانة ونحو ذلك، وهذا من الفوائد الدينية، إذ به يكتسب العبد ~~الإخوان والأصدقاء. # القسم الثالث: وقاية العرض نحو بذل المال لدفع هجو الشعراء، وثلب (1) ~~السفهاء، وقطع ألسنتهم، وكف شرهم، فهو من الفوائد الدينية، فان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: "وما وقى الرجل به عرضه فهو صدقة" (2). وهذا لأنه ~~يمنع المغتاب من معصية الغيبة، ويحرز مما يثير كلامه من العداوة التي تحمل ~~في الانتقام على مجاوزة حدود الشريعة. # القسم الرابع: ما يعطيه أجرا على الاستخدام، فإن الأعمال التي يحتاج ~~إليها الإنسان لمهنة أسبابها كثيرة، ولو تولاها بنفسه ضاعت أوقاته، وتعذر ~~عليه سلوك الآخرة بالفكر والذكر اللذين هما أعلى مقامات السالك، ومن لا مال ~~له يفتقر إلى أن يتولى خدمة نفسه بنفسه، فكل ما يتصور أن يقوم به غيرك، ~~ويحصل بذلك غرضك، فإن تشاغلك به غبن، لأن احتياجك إلى التشاغل بما لا يقوم ~~به غيرك من العلم والعمل والذكر والفكر أشد. # النوع الثالث: ما لا يصرفه الإنسان إلى معين، لكن يحصل عليه به خيرا ~~عاما، كبناء المساجد، والقناطر، والوقوف المؤبدة، فهذه جملة فوائد المال في ~~الدين، سوى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة، من الإخلاص من ذل السؤال، وحقارة ~~الفقر، والعز بين الخلق، والكرامة في القلوب، والوقار. # وأما غوائل المال وآفاته، فتنقسم أيضا إلى دينية ودنيوية: # أما الدينية فثلاث فئات: # الأولى: أنه يجر إلى المعاصي غالبا، لأنه من استشعر القدرة على المعصية، ~~PageV01P197 # # انبعثت داعيته إليها. # والمال نوع من القدرة يحرك داعيته إلى المعاصي، ومتى يئس الإنسان من ~~المعصية، لم تتحرك داعيته إليها. # ومن العصمة أن لا تجد، فصاحب القدرة إن اقتحم ما يشتهى هلك، وإن صبر لقي ~~شدة في معاناة الصبر مع القدرة، وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء. # الثانية: أنه يحرك إلى التنعم في المباحات، حتى تصير له عادة وإلفا، فلا ~~يصبر عنها، وربما لم يقدر على استدامتها إلا بكسب فيه شبهة، فيقتحم ~~الشبهات، ويترقى إلى آفات ms158 من المداهنة والنفاق، لأن من كثر ماله خالط ~~الناس، وإذا خالطهم لم يسلم من نفاق وعداوة وحسد وغيبة، وكل ذلك من الحاجة ~~إلى إصلاح المال. # الثالثة: وهى التي لا ينفك عنها أحد، وهو أن يلهيه ماله عن ذكر الله ~~تعالى، وهذا هو الداء العضال، فإن أصل العبادات ذكر الله تعالى، والتفكير ~~في جلاله وعظمته، وذلك يستدعى قلبا فارغا. # وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكرا في خصومة الفلاحين ومحاسبتهم وخيانتهم، ~~ويتفكر في منازعة شركائه في الحدود والماء، وأعوان السلطان في الخراج ~~والأجراء على التقصير في العمارة ونحو ذلك. # وصاحب التجارة يمسي ويصبح متفكرا في خيانة شريكه، وتقصيره في العمل، ~~وتضيعه المال. # وكذا سائر أصناف المال، حتى صاحب المال المجموع المكنوز يفكر في كيفية ~~حفظه، وفى الخوف عليه. # ومن له قوت يوم بيوم فهو في سلامة من جميع ذلك، وهذا سوى ما يقاسيه أرباب ~~الأموال في الدنيا، من الخوف والحزن والهم والغم والتعب. # فإذا ترياق المال أخذ القوت منه، وصرف الباقي إلى الخيرات، وما عدا ذلك ~~سموم وآفات. # PageV01P198 # ### | 11 بيان ذم الحرص والطمع ومدح القناعة واليأس # واعلم: أن الفقر محمود، ولكن ينبغي للفقير أن يكون قانعا، منقطع الطمع عن ~~الخلق، غير ملتفت إلى ما في أيديهم، ولا حريص على اكتساب المال كيف كان، ~~ولا يمكنه ذلك إلا بأن يقنع بقدر الضرورة من المطعم والملبس. # وقد روى في "صحيح مسلم" عن عمرو بن العاص رضى الله عنه، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما ~~آتاه". # وقال سليمان بن داود عليهما السلام: قد جربنا العيش كله، لينه من شديده، ~~فوجدناه يكفى منه أدناه. # وفى حديث جابر رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~"القناعة مال لا ينفذ" (1). # وقال أبو حازم: ثلاث من كن فيه كمل عقله: من عرف نفسه، وحفظ لسانه، وقنع ~~بما رزقه الله عز وجل. # وقرأ بعض الحكماء: أنت أخو العز ما التحفت بالقناعة. # أما الحرص، فقد نهى ms159 عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أيها ~~الناس، أجملوا في الطلب، فإنه ليس للعبد إلا ما كتب له" # ونهى عن الطمع فقال: "اجمع اليأس مما في أيدي الناس" (2). # وقال بعضهم: لو قيل للطمع: من أبوك؟ قال: الشك في المقدور، ولو قيل له: ~~ما حرفتك؟ قال: اكتساب الذل، ولو قيل له: ما غايتك؟ قال: الحرمان. # وقيل: الطمع يذل الأمير، واليأس يعز الفقير. PageV01P199 # ### | 12 بيان علاج الحرص والطمع والدواء الذي تكتسب به صفة القناعة # اعلم: أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان: # الصبر، والعلم، والعمل، ومجموع ذلك خمسة أمور: # الأول: الاقتصاد في المعيشة، والرفق في الإنفاق، فمن أراد اقناعة فينبغي ~~أن يسد عن نفسه أبواب الخروج ما أمكنه، ويرد نفسه إلى ما لابد منه، فيقنع ~~بأي طعام كان، وقليل من الإدام، وثوب واحد، ويوطن نفسه على ذلك، وإن كان له ~~عيال، فيرد كل واحد إلى هذا القدر. # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما عال من اقتصد" (1) وفى حدث آخر: ~~"التدبير نصف العيش" (2). وفى حديث آخر: "ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في ~~السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقير، والعدل في الرضى والغضب". # الثاني: إذا تيسر له في الحال ما يكفيه، فلا يكون شديد الاضطراب لأجل ~~المستقبل ويعينه على ذلك قصر الأمل، واليقين بأن رزقه لا بد أن يأتيه، ~~وليعلم أن الشيطان يعده الفقر. # وعن ابن مسعود رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: "إن روح القدس نفث في روعى، أنه ليس من نفس تموت حتى تستكمل رزقها ~~واجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن ~~تطلبوه بمعاصي الله عز وجل، فإنه لا يدرك عند الله إلا بطاعته". # وإذا انسد عنه باب كان ينتظر الرزق منه، فلا ينبغي أن يضطرب قلبه، فإن في ~~الحديث: " أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب (3). # الثالث: أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء، وما في الطمع والحرص من ~~الذل. ms160 PageV01P200 # # وليس في القناعة إلا الصبر عن المشتبهات والفضول، مع ما يحصل له من ثواب ~~الآخرة، ومن لم يؤثر عز نفسه عن شهوته، فهو ركيك العقل، ناقص الإيمان. # الرابع: أن يكثر تفكره في تنعم اليهود والنصارى وأراذل الناس والحمقى ~~منهم، ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء والصالحين، ويسمع أحاديثهم، ~~ويطالع أحوالهم، ويخير عقله بين مشابهة أراذل العالمين، أو صفوة الخلق عند ~~الله تعالى، حتى يهون عليه الصبر على القليل والقناعة باليسير، وأنه إن ~~تنعم بالأكل فالبهيمة أكثر أكلا منه، وإن تنعم بالوطء فالعصفور أكثر سفادا ~~(1) منه. # الخامس: أن يفهم ما في جمع المال من الخطر، كما ذكرنا في آفات المال، ~~وينظر إلى ثواب الفقر، ويتم ذلك بأن ينظر أبدا من دونه في الدنيا، وإلى من ~~فوقه في الدين، كما جاء في الحديث من رواية مسلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو ~~فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم". # عماد الأمر: الصبر وقصر الأمل، وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام ~~قلائل لتمتع دائم، فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لما يرجو من ~~الشفاء. ### | 13 فصل [في لزوم القناعة لمن فقد المال] # ينبغي لمن فقد المال أن يستعمل القناعة كما ذكرنا، ولمن وجده أن يستعمل ~~السخاء والإيثار واصطناع المعروف، فإن السخاء أخلاق الأنبياء، وهو أصل من ~~أصول النجاة. # وعن جابر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " قال ~~جبريل عليه السلام: قال الله عز وجل: الإسلام دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه ~~إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه" (2). # وفى حديث آخر: عن ابن عباس رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم PageV01P201 # # قال: "تجافوا عن ذنوب السخي، فإن الله آخذ بيده كلما عثر" (1). # وفى حديث آخر: "الجنة دار الأسخياء، وما جبل ولى الله إلا على السخاء" ~~(2). # وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى ms161 الله عليه وآله وسلم: "إن ~~بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بعبادة ولا بصيام، ولكن دخلوها بسخاء النفس، ~~وسلامة الصدر، والنصح للمسلمين" (3). # وفى حديث آخر: "عليكم باصطناع المعروف، فإنه يمنع مصارع السوء". # وقال ابن السماك: عجبت ممن يشترى المماليك بماله، كيف لا يشترى الأحرار ~~بمعروفه؟! # ومن حكايات الأسخياء: # قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان أجود بالخير من الريح ~~المرسلة، وأنه ما سئل شيئا قط فقال: لا وأن رجلا سأله، فأعطاه غنما بين ~~جبلين، فأتى الرجل قومه، فقال: يا قوم: أسلموا، فإن محمدا يعطى عطاء من لا ~~يخشى الفقر. # وقيل: كان لعثمان على طلحة رضى الله عنهما خمسون ألف درهم، فخرج إلى ~~المسجد، فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك يا أبا محمد معونة ~~على مروءتك. # وجاء أعرابي إلى طلحة، فسأله، وتعرف إليه برحم، فقال: إن هذه الرحم ما ~~سألني بها أحد قبلك، فأعطاه ثلاثمائة ألف درهم. # وقال عروة: رأيت عائشة رضى الله عنها تقسم سبعين ألفا، وهى ترقع درعها. ~~PageV01P202 # # وروى أنها قسمت في يوم ثمانين ألف بين الناس، فلما أمست قالت: يا جارية ~~على فطوري، فجاءتها بخبز وزيت: فقالت لها أم درة: أما استطعت فيما قسمت ~~اليوم أن تشترى لنا بدرهم لحما نفطر عليه!؟ فقالت: لو ذكرتني لفعلت. # واشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة داره التي في السوق بتسعين ألف ~~درهم، فلما كان الليل، سمع بكاء أهل خالد. فقال لأهله: ما لهؤلاء؟ قالوا: ~~يبكون على دراهم، قال: يا غلام: ائتهم، فأعلمهم أن الدار والمال لهم جميعا. # وبعث رجل إلى عبد الله أنه قد وصف لى لبن البقر، فابعث لى بقرة أشرب من ~~لبنها. فبعث إليه بسبعمائة بقرة ورعاتها، وقال: القرية التي كانت ترعى فيها ~~لك. # ودخل على بن الحسن على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه، فجعل يبكى: فقال: ~~ما شأنك؟ قال: على دين، قال: كم هو؟ قال: خمسة عشر ألف دينار، أو بضعة عشر ~~ألف دينار. قال: فهي ms162 علي. # وجاء رجل إلى معن، فسأله، فقال: يا غلام: ناقتي الفلانية وألف دينار، ~~فدفعها إليه وهو لا يعرفه. # وبلغنا عن معن أن شاعر أقام ببابه مدة فلم يتهيأ له لقاؤه، فقال لبعض ~~خدمه: إذا دخل الأمير البستان فعرفني، قال: فلما دخل عرفه، فكتب الشاعر ~~بيتا على خشبة، وألقاها في الماء الذي يدخل البستان، فلما بصر معن بالخشية، ~~أخذها، فإذا فيها مكتوب: # أيا جود معن ناج معنا بحاجتي ... فما لى إلى معن سواك شفيع # فقال من صاحب هذه؟ فدعا الرجل، فقال له: كيف قلت؟ فقاله، فأمر له بعشر ~~بدر (1)، فأخذها ووضع الأمير الخشبة تحت بساطة فلما كان اليوم الثاني ~~أخرجها من تحت البساط، وقرأ ما فيها ودعا الرجل، فدفع إليه مائة ألف درهم ~~أخرى، فلما أخذها الرجل، خاف أن يعود فيستعيدها منه، فخرج، فما كان اليوم ~~الثالث، قرأ ما فيها، فدعا الرجل فطلب فلم يوجد. فقال معن: حق على أن أعطيه ~~حتى لا يبقى في بيت مالي درهم ولا دينار. PageV01P203 # # ومرض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ إخوانه، فقيل له، إنهم يستحيون مما لك ~~عليهم من الدين. فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر ~~مناديا، ينادى: من كان عليه لقيس حق، فهو منه في حل، قال: فانكسرت درجته ~~بالعشي لكثرة من عاده. # وقام رجل إلى سعيد بن العاص يسأله، فأمر له بمائة ألف درهم، فبكى، فقال: ~~سعيد: ما يبكيك؟ قال: أبكى على الأرض أن تأكل مثلك، فأمر له بمائة ألف ~~أخرى. ### | 14 فصل في البخل وذمه # عن أبى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خصلتان لا ~~تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق" (1). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد ~~أبدا". # وفى أفراد مسلم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: "اللهم ~~إني أعوذ بك من الجبن والبخل". # وروى جابر رضى الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبنى ~~سلمة: "من سيدكم؟ قالوا: ms163 جد بن قيس على أننا نبخله، قال: وأي داء أدوأ من ~~البخل؟ بل سيدكم بشر بن البراء بن معرور" وهي أصح ما من ذكر عمرو بن ~~الجموح، وغلط بعض الرواة، فقال: البراء بن معرور، البراء مات قبل الهجرة. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى ~~متبع، وإعجاب المرء بنفسه". # قال الخطابي: الشح في المنع أبلغ من البخل. # وقال سلمان: إذا مات السخي، قالت الأرض والحفظة: رب تجاوز عن عبدك في ~~الدنيا بسخائه، وإذا مات البخيل قالت: اللهم احجب هذا العبد عن الجنة، ~~PageV01P204 # # كما حجب عبادك عما جعلت في يديه من الدنيا. # وقال بعض الحكماء: من كان بخيلا ورث ماله عدوه. # ووصف أعرابي رجلا فقال: لقد صغر في عيني لعظم الدنيا في عينه. # وذم أعرابي قوما فقال: يصومون عن المعروف ويفطرون على الفواحش. # من حكايات البخلاء: # روى عن ابن عباس رضى الله عنه قال: كان الحاجب رجلا من أجل العرب، وكان ~~بخيلا، وكان لا يوقد نارا بليل كراهة أن يراها راء فينتفع بضوئها، فإذا ~~احتاج إلى إيقادها فأوقد ثم بصر بمستضيئ بها أطفأها. # وقيل: كان مروان بن أبى حفصة من أبخل الناس، فخرج يريد المهدى، فقالت له ~~امرأته: مالي عليك إن رجعت بالجائزة؟ # قال: إن أعطيت مائة ألف درهم، أعطيتك درهما، فأعطى ستين ألف درهم. ~~فأعطاها أربعة دوانق. # وقيل: كان بعض البخلاء موسرا كثير الأموال، وكان ينظر في دقائق الأشياء ~~فاشترى شيئا من الحوائج، ودعا حمالا وقال: بكم تحمل هذه الحوائج؟ قال: ~~بحبة: قال: أبخس. قال ما أقل من حبة؟ لا أدرى ما أقول. قال: نشترى بالحبة ~~جزرا، فنجلس جميعا فنأكله. ### | 15 فصل في فضل الإيثار وبيانه # اعلم أن السخاء والبخل درجات: # فأرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه. # وأشد درجات البخل، أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك ~~المال، ويمرض فلا يتداوى، ويشتهى الشهوة فيمنعه منها البخل. # فكم بين من يبخل على نفسه مع الحاجة، ms164 وبين ما يؤثر على نفسه مع الحاجة، ~~فالأخلاق عطايا يضعها الله عز وجل حيث يشاء. # وليس بعد الإيثار درجة في السخاء. وقد أثنى الله تعالى على أصحاب رسول ~~الله # PageV01P205 # # صلى الله عليه وآله وسلم بالإيثار، فقال: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة} [الحشر: 8] وكان سبب نزول هذه الآية قصة أبى طلحة، لما آثر ذلك ~~الرجل المجهود بقوته وقوت صبيانه، وحكايته مشهورة. # واستشهد باليرموك عكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، ~~وجماعة من بنى المغيرة، فأتوا بماء وهم صرعى، فتدافعوه حتى ماتوا ولم ~~يذقوه. # أتى عكرمة بالماء فنظر إلى سهيل بن عمرو ينظر إليه، فقال: ابدأ بهذا، ~~ونظر سهيل إلى الحارث ينظر إليه، فقال: ابدأ بهذا، وكل منهم يؤثر الآخر على ~~نفسه بالشربة، فماتوا كلهم قبل أن يشربوا، فمر بهم خالد بن الوليد فقال: ~~بنفسي أنتم. # وأهدى إلى الرجل من الصحابة رضى الله عنه رأس شاة، فقال: إن أخي أحوج ~~إليه منى، فبعث به إلى الرجل، فبعث به ذلك إلى آخر، حتى تداولته سبع أبيات، ~~فرجع إلى الأول. # خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له، فنزل على نخل لقوم فيها غلام أسود ~~يعمل فيها، إذ أتى الغلام بقوته، فدخل الحائط كلب، فدنا من الغلام فرمى ~~إليه قرصا فأكله، ثم رمى إليه قرصا آخر فأكله، ثم رمى إليه ثالث فأكله، ~~وعبد الله ينظر فقال: يا غلام! كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت، قال: فلم ~~آثرت به هذا الكلب؟ قال: ماهى بأرض كلاب، جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت ~~رده، قال: فما أنت صانع؟ قال: أطوي يومي هذا، فقال عبد الله بن جعفر: ألام ~~على السخاء وهذا أسخى منى، فاشترى الحائط وما فيه من الآلات، # واشترى الغلام وأعتقه ووهبه له. # واجتمع جماعة من الفقراء في موضع لهم وبين أيديهم أرغفة معدودة لا تكفيهم ~~فكسروا الرغفان، وأطفؤوا السراج، وجلسوا للأكل، فلما رفع الطعام، إذا هو ~~بحاله، لم يأكل أحد منهم شيئا إيثارا لأصحابه. ### | 16 فصل [في حد البخل ms165 والسخاء] # وقد تكلم الناس في حد البخل والسخاء، فذهب قوم إلى أن حد البخل منع ~~الواجب، وأن من أدى ما يجب عليه، فليس ببخيل، وهذا غير كاف، فإن من لم يسلم ~~إلى عياله إلا القدر الذي يفرضه الحاكم، ثم يضايقهم في زيادة لقمة أو ثمرة ~~فإنه # PageV01P206 # # معدود من البخلاء، فالصحيح أن البراءة من البخل تحصل بفعل الواجب في ~~الشرع واللازم بطريق المروءة مع طيب القلب بالبذل. # فأما الواجب بالشرع، فهو الزكاة، ونفقة العيال. # وأما اللازم بطريق المروءة، فهو ترك المضايقة، والاستقصاء عن المحقرات ~~فإن ذلك يستفتح، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد يستقبح من الغنى ~~ما لا يستقبح من الفقير، ويستقبح من الرجل المضايقة لأهله وأقاربه وجيرانه ~~مالا يستقبح من الأجانب، فالبخيل الذي يمنع مالا ينبغي أن يمنع، إما بحكم ~~الشرع أو لازم المروءة. ومن قام بواجب الشرع، ولازم المروءة، فقد تبرأ من ~~البخل، لكن لا يتصف بصفة الجود مالم يبذل زيادة على ذلك. # قال بعضهم: الجواد: هو الذي يعطى بلا من. وقيل: هو الذي يفرح بالإعطاء. ~~فأما علاج البخل، فاعلم أن سبب البخل حب المال. # ولحب المال سببان: # أحدهما: حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل، وإن كان ~~قصير الأمل وله ولد، فإنه يقوم مقام طول الأمل. # الثاني: أن يحب عين المال، فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره لو ~~اقتصر على ما جرت عادته به، ويفضل معه آلاف، ويكون شيخا لا ولد له، ثم لا ~~تسمح نفسه بإخراج الواجب عليه، ولا بصدقة تنفعه، ويعلم أنه إذا مات أخذه ~~أعداؤه، أو ضاع إن كان مدفونا، وهذا مرض لا يرجى علاجه. # ومثال ذلك رجل أحب شخصا، فلما جاء رسوله، أحب الرسول ونسى محبوبه واشتغل ~~بالرسول، فإن الدنيا رسول مبلغ إلى الحاجات، فيحب الدنانير لذاتها، وينسى ~~الحاجات، وهذا غاية الضلال. # واعلم: أن علاج كل علة بمضادة سببها. # فيعالج حب الشهوات بالقناعة والصبر، وطول الأمل بكثرة ذكر الموت. # ويعالج التفات القلب إلى الولد، بأن من خلقه معه ms166 رزقه، وكم ممن لم يرث ~~شيئا أحسن حالا ممن ورث. # PageV01P207 # # فليحذر أن يترك لولده الخير، ويقدم على الله بشر، فإن ولده إن كان صالحا ~~فالله يتولاه، وإن فاسقا فلا يترك ما يستعين به على المعاصي، وليردد على ~~سمعه ما ذكرناه في ذم البخل ومدح السخاء. # واعلم: أنه إذا كثرت المحبوبات في الدنيا، كثرت المصائب بفقدها، فمن عرف ~~آفة المال لم يأنس به، ومن لم يأخذ منه إلا قدر حاجته، وأمسك ذلك لحاجته ~~فليس ببخيل، والله أعلم. # *** # PageV01P208 # ### | كتاب ذم الجاه والرياء وعلاجهما وفضيلة الخمول وغير ذلك # وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن أخوف ما أخاف على ~~أمتي الرياء والشهوة الخفية". وهذه الشهوة الخفية يعجز عن الوقوف على ~~غوائلها كبار العلماء، فضلا عن عامة العباد، وإنما يبتلى بها العلماء ~~والعباد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة، فإنهم لما قهروا نفوسهم ~~وفطموها عن الشهوات، وحملوها بالقهر على أسباب العبادات، لم تطمع في ~~المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فاستراحت إلى التظاهر بالعلم ~~والعمل، ووجدت مخلصا من شدة المجاهدة في لذة القبول عند الخلق، ونظرهم ~~إليها بعين الوقار والتعظيم، فأصابت النفس في ذلك لذة عظيمة، فاحتقرت فيها ~~ترك المعاصي، فأحدهم يظن أنه مخلص لله عز وجل، وقد أثبت في ديوان ~~المنافقين، وهذه مكيدة عظيمة لا يسلم منها إلا المقربون. # ولذلك قيل: آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة، وإذا كان هو الداء ~~الدفين، الذي هو أعظم شبكة للشياطين، وجب شرح القول في سببه، وحقيقته ~~وأقسامه. # اعلم: أن أصل الجاه هو حب انتشار الصيت والاشتهار، وذلك خطر عظيم، ~~والسلامة في الخمول. وأهل الخير لم يقصدوا الشهرة، ولم يتعرضوا لها ولا ~~لأسبابها، فإن وقعت من قبل الله تعالى، فروا عنها، وكانوا يؤثرون الخمول، ~~كما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه خرج من منزله، فتبعه جماعة، فالتفت ~~إليهم وقال: علام تتبعونى؟ فوالله لو علمتم ما أغلق عليه بابي ما اتبعني ~~منكم رجلان. # وفى لفظ آخر أنه قال: ارجعوا، فإنه ms167 ذلة للتابع وفتنة للمتبوع. # وكان أبو العالية رحمه الله إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام. # وكان خالد بن معدان رحمه الله إذا عظمت حلقته، قام وانصرف كراهة الشهرة. # وقال الزهري رحمه الله: ما رأينا الزهد في شىء أقل منه في الرياسة، نرى ~~الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال، فإذا نوزع الرياسة، حامى عليها ~~وعادى. # PageV01P209 # # قال رجل لبشر الحافي رحمه الله: أوصني، فقال: أخمل ذكرك، وطيب مطعمك. ~~وقال: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس. # وقد روى في "صحيح مسلم" أن عمر بن سعد انطلق إلى أبيه سعد وهو في غنم له ~~خارجا عن المدينة، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما أتاه ~~قال: يا ابت أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب ~~سعد في صدره وقال: اسكت، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~"إن الله يحب العبد التقى الغنى الخفي". # وعن أبى أمامة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه، ~~وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه ~~كفافا، فصبر على ذلك" ثم نقر بيده، فقال: "عجلت منيته، قلت بواكيه، قل ~~تراثه" حديث حسن. # وكان ابن مسعود رضى الله عنه يوصى أصحابه، فيقول: كونوا ينابيع العلم، ~~مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون ~~في السماء، وتخفون على أهل الأرض. # فإن قيل: هذا فيه فضيلة الخمول، وذم الشهرة وأي شهرة أكثر من شهرة ~~الأنبياء، وأئمة العلماء. # قلنا: المذموم طلب الإنسان الشهرة، وأما وجودها من جهة الله تعالى من غير ~~طلب الإنسان فليس بمذموم، غير أن في وجودها فتنة على الضعفاء، فإن مثل ~~الضعيف كالغريق القليل الصنعة في السباحة، إذا تعلق به أحد غرق وغرقه، فأما ~~السابح النحرير، فإن تعلق الغرقى به سبب لنجاتهم وخلاصهم. ### | 1 فصل [في أن ms168 الجاه والمال هما ركنا الدنيا] # واعلم: أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا، ومعنى المال ملك الأعيان ~~المنتفع بها، ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوب تعظيمها، وطاعتها، والتصرف ~~فيها. # PageV01P210 # # فالجاه هو قيام المنزلة في قلوب الناس، وهو اعتقاد القلوب نعتا من نعوت ~~الكمال في هذا الشخص، إما من علم أو عبادة، أو نسب أو قوة، أو حسن صورة، أو ~~غير ذلك مما يعتقده الناس كمالا فبقدر ما يتعقدون له من ذلك، تذعن قلوبهم ~~لطاعته، ومدحه وخدمته، وتوقيره. # فبهذا يبين أن الجاه محبوب بالطبع وأنه أبلغ من حب المال، لأن المال لا ~~يتعلق الغرض بعينه، بل لكونه وسيلة إلى المحبوبات، فاشتراك الجاه والمال في ~~السبب اقتضى الاشتراك في المحبة، والجاه في ذلك أرجح من المال. # واعلم: أن من الجاه ما يحمد وما يذم، لأن من المعلوم أنه لابد للإنسان من ~~مال لضرورة المطعم والملبس ونحوهما، فكذلك لابد له من جاه لضرورة المعيشة ~~مع الخلق، لأن الإنسان لا يخلو من الحاجة إلى سلطان يحرسه، ورفيق يعينه، ~~وخادم يخدمه، فحبه ذلك ليس بمذموم، لأن الجاه وسيلة إلى الأغراض، كالمال. # والتحقيق في هذا أن لا يكون المال والجاه محبوبين لأعيانهما، ومتى طلب ~~الإنسان قيام جاهه لأجل صفة هو متصف بها لغرض صحيح، كقول يوسف عليه السلام: ~~{اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55] أو قصد إخفاء عيب من ~~عيوبه لئلا نزول منزلته، كان ذلك مباحا، فإن طلب المنزلة باعتقادهم فيه صفة ~~ليست فيه، كالعلم، والورع، والنسب، فذلك محظور. # وكذلك لو حسن الصلاة بين أيديهم ليعتقدوا فيه الخشوع. فإنه يكون مرائيا ~~بذلك، فلا يجوز تملك القلوب بتزوير، ولا تملك المال بتلبيس. ### | 2 بيان علاج حب الجاه # اعلم: أن من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، ~~مشغوفا بالتردد إليهم، والمرآة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا إلى ~~ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق، وأصل الفساد، لأن كل من طلب ~~المنزلة في قلوب الناس اضطر أن ينافقهم بإظهار ما هو خال ms169 عنه، ويجر ذلك إلى ~~المراءاة بالعبادات واقتحام المحظورات، والتوصل إلى اقتناص القلوب. # PageV01P211 # # ولذلك شبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حب المال والشرف وإفسادهما ~~للدين بذئبين ضاريين أرسلا في غنم. # فحب الجاه إذا من المهلكات، يجب علاجه وعلاجه مركب من علم وعمل، أما ~~الأول، فهو أن يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الجاه، هو كمال القدوة على ~~أشخاص الناس وقلوبهم، وذلك إذا صفا وسلم يكون في آخره الموت فينبغي أن ~~يتفكر في نفسه في الأخطار والآفات اللاحقة لأصحاب الجاه في الدنيا، من تطرق ~~الحسد إليهم، وقصدهم بالإيذاء، فتراهم خائفين على الدوام من زوال جاههم، ~~محترزين من تغيير منزلتهم في القلوب. # والقلوب أشد تغيرا من القدرة في غليانها، فالاشتغال بمراعاة ذلك غموم ~~عاجلة، مكدرة لحفظ الجاه، فلا يفي مرجو الدنيا بمخوفها، فضلا عما يفوت في ~~الآخرة، فهذا من حيث العلم. # وأما العلاج من حيث العمل، فهو إسقاط الجاه من قلوب الخلق بأفعال توجب ~~ذلك، كما روى أن بعض الملوك قصد زيارة رجل زاهد، فلما قرب منه، استدعى ~~طعامه وبقلا ولبنا وجعل يأكل بشره، ويعظم اللقمة فلما نظر إليه الملك سقط ~~من عينه. # ولما أريد إبراهيم النخعى على القضاء لبس قميصا أحمر وقعد في السوق. # واعلم: أن انقطاع الزاهد عن الناس يوجب جاها له عندهم، فإذا خاف من تلك ~~الفتنة، فليخالطهم على وجه السلامة، وليمش في الأسواق، وليشتر حاجته ~~ويحملها، وليقطع طمعه من دنياهم، وقد تم مراده. # وكان بشر الحافي يجلس إلى عطار، وكانوا يراعون نواميس المتزهدين اليوم. ### | 3 فصل [في عدم الاكتراث بذم الناس] # واعلم: أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت ~~حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفا من الذم، وذلك من ~~المهلكات، فوجبت معالجته. # وطريق ذلك أن ننظر إلى الصفة التي مدحت بها، إن كانت موجودة فيك فلا # PageV01P212 # # يخلو: إما أن يكون مما يفرح به كالعلم والورع، أو مما لا يصلح أن يفرح ~~به، كالجاه والمال. # أما الأول: فينبغي أن يحذر من ms170 الخاتمة، فإن الخوف منها شغل عن الفرح ~~بالمدح، ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة، فينبغي أن يكون فرحك ~~بفضل الله عليك بالعلم والتقوى لا بمدح الناس. # وأما القسم الثاني، وهو المدح بسبب الجاه والمال، فالفرح بذلك، كالفرح ~~بنبات الأرض الذي يصير عن قريب هشيما، ولا يفرح بذلك إلا من قل عقله، وإن ~~كنت خاليا عن الصفة التي مدحت بها، ففرحك بالمدح غاية الجنون. # وقد ذكرنا آفات المدح فيما تقدم في كتاب آفات اللسان، فلا ينبغي أن تفرح ~~به، بل تكرهه، كما كان السلف يكرهونه، ويغضبون على فاعله. # وعلاج كراهية الذم يفهم من علاج حب المدح، فإنه ضده، والقول الوجيز فيه ~~أن من ذمك، إما أن يكون صادقا فيما قال، قاصدا للنصح لك، فينبغي أن تتقلد ~~منته، ولا تغضب، فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن لم يقصد بذلك النصح، فإنه ~~يكون قد جنى هو على دينه، وانتفعت بقوله، لأنه عرفك ما لم تكن تعرف، وذكرك ~~من خطاياك ما نسيت، وإن افترى عليك بما أنت منه بريء، فينبغي أن تتفكر في ~~ثلاثة أشياء: # أحدها: أنك إن خلوت من ذلك العيب لم تخل من أمثاله، فما ستر الله عز وجل ~~عليك من عيوبك أكثر، فاشكره إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك فذكر ما أنت ~~عنه بريء. # الثاني: أن ذلك كفارات لذنوبك. # الثالث: أنه جنى على دينه، وتعرض لغضب الله عليه، فينبغي أن يسأل الله ~~العفو عنه، كما روى أن رجلا شج إبراهيم بن أدهم، فدعا له بالمغفرة وقال: ~~صوت مأجور بسببه، فلا أجعله معاقبا بسببي، وقد تقدمت هذه الحكاية في فضل ~~الحلم. # PageV01P213 # ### | القسم الثاني من الكتاب في بيان الرياء وحقيقته وأقسامه وذمه ونحو ذلك # وقد ورد ذم الرياء في الكتاب والسنة، من ذلك قوله تعالى: {فويل للمصلين ~~(4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراءون} [الماعون: 4 - 6] ~~وقوله: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا} [الكهف: 110] # وأما الأحاديث، فقد روى عن رسول الله ms171 صلى الله عليه وآله وسلم، فيما ~~يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: "من عمل عملا أشرك فيه غيرى، فهو للذي أشرك، ~~وأنا منه بريء". # وفى حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن أخوف ما ~~أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: يا رسول الله: وما الشرك الأصغر؟ قال: ~~الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذ جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا ~~إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم خيرا". # وقال بشر الحافي: لأن أطلب الدنيا بمزمار أحب إلى من أن أطلبها بالدين. # واعلم: أن الرياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتقة من السماع، فالمرائي يرى ~~الناس ما يطلب به الحظوة عندهم وذلك أقسام: # الأول: الرياء في الدين، وهو أنواع: # أحدهما: أن يكون من جهة البدن، بإظهار النحول والصفار، ليريهم بذلك شدة ~~الاجتهاد، وغلبة خوف الآخرة، وكذلك يرائي بتشعث الشعر، ليظهر أنه مستغرق في ~~هم الدين، لا يتفرغ لتسريح شعره. # ويقرب من هذا خفض الصوت، وإغارة العينين، وذبول الشفتين، ليدل بذلك على ~~أنه مواظب على الصوم، ولهذا قال عيسى بن مريم عليه السلام: إذا صام أحدكم # PageV01P214 # # فليدهن رأسه، ويرجل شعره. وذلك لما يخاف على الصائم من آفات الرياء، فهذا ~~الرياء من جهة البدن لأهل الدين. # وأما أهل الدنيا، فيراؤون بإظهار السمن، وصفاء اللون، واعتدال القامة، ~~وحسن الوجه، ونظافة البدن. # النوع الثاني: الرياء من جهة الزي، كالإطراق حالة المشي، وإبقاء أثر ~~السجود على الوجه، وغلظ الثياب، ولبس الصوف، وتشمير الثياب كثيرا، وتقصير ~~الأكمام، وترك الثوب مخرقا غير نظيف. # ومن ذلك لبس المرقعة، والثياب الزرق، تشبها بالصوفية مع الإفلاس من ~~صفاتهم في الباطن. # ومنه التقنع فوق العمامة، لتنصرف إليه الأعين بالتمييز بتلك العادة. # وهؤلاء طبقات، منهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح، بإظهار التزهد بلبس ~~الثياب المخرقة الوسخة الغليظة، ليرائي بذلك، ولو كلف هذا أن يلبس ثوبا ~~وسطا نظيفا مما كان السلف يلبسونه، لكان عنده بمنزلة الذبح، لخوفه أن يقول ~~الناس: قد بدا له من الزهد، وقد رجع ms172 عن تلك الطريقة. # وطبقة أخرى: يطلبون القبول عند أهل الصلاح، وعند أهل الدنيا من الملوك ~~والأمراء والتجار، فلو لبسوا الثياب الفاخرة لم تقبلهم القراء أهل الصلاح، ~~ولو لبسوا المخرقة الدنية لازدرتهم الملوك والأغنياء، فهم يريدون الجمع بين ~~قبول أهل الدين والدنيا، فيطلبون الأثواب الرقيقة، والأكسية الرفيعة والفوط ~~الرفيعة فيلبسونها، وأقل قيمة ثوب أحدهم قيمة ثوب الغنى، ولونه وهيئته لون ~~ثياب الصلحاء، فيلتمسون القبول عند الفريقين. # وهؤلاء لو كلفوا لبس خشن أو وسخ، لكان عندهم كالذبح، خوفا من السقوط في ~~أعين الملوك والأغنياء، ولو كلفوا لبس الرقيق ورفيع الكتان الأبيض ونحو ~~ذلك، لعظم # PageV01P215 # # ذلك عليهم، خوفا من أن تنحط منزلتهم عند أهل الصلاح، وكل مراء بزي مخصوص ~~ثقل عليه الانتقال إلى ما دونه أو فوقه خوفا من المذمة. # وأما أهل الدنيا، فمراءاتهم بالثياب النفيسة، والمراكب الحسنة، وأنواع ~~التجميل في الملبس والمسكن وأثاث البيت، وهم في بيوتهم يلبسون الثياب ~~الخشنة، ويشتد عليهم أن يروا بتلك المنزلة. # النوع الثالث: الرياء بالقول، ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير وحفظ ~~الأخبار والآثار، لأجل المحاورة، وإظهار غزارة العلم والدلالة على شدة ~~العناية بأحوال السلف، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب ~~للمنكرات بين الناس، وخفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن، ليدل بذلك على ~~الخوف والحزن ونحو ذلك. # وأما أهل الدنيا، فمراءاتهم بحفظ الأشعار والأمثال والتفاصح في الكلام ~~ونحو ذلك. # النوع الرابع: الرياء بالعمل، كمرآة المصلى بطول القيام، وتطويل الركوع ~~والسجود، وإظهار الخشوع، ونحو ذلك. # وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة ونحو ذلك. # وأما أهل الدنيا فمراءاتهم، بالتبختر، والاختيال، وتحريك اليدين، وتقريب ~~الخطى، والأخذ بأطراف الذيل، وإمالة العطفين، ليدلوا بذلك على الحشمة. # النوع الخامس: المراءاة بالأصحاب والزائرين، كالذي يتكلف أن يستزير عالما ~~أو عابدا، ليقال: إن فلانا قد زار فلانا، وإن أهل الدين يترددون إليه، ~~ويتبركون به، وكذلك من يرائي بكثرة الشيوخ، ليقال: لقي شيوخا كثيرة، ~~واستفاد منهم، فيباهى بذلك، فهذه مجامع ما يرائي به المراؤون، يطلبون بذلك ~~الجاه والمنزلة في قلوب العباد. # PageV01P216 # # ومنهم من يطلب مجرد الجاه، وكم ms173 من عابد اعتزل في جبل، وراهب انزوى إلى ~~دير، مع قطع طمعهم من مال الناس، لكنه يحب مجرد الجاه. # ومنهم من يكون قصده المال، ومنهم من قصده الثناء وانتشار الصيت. # فإن قيل: هل الرياء حرام، أم مكروه، أم مباح؟ # فالجواب: أن فيه تفصيلا، وهو إما أن يكون بالعبادات، أو بغيرها، فان كان ~~الرياء بالعبادات، فهو حرام، فإن المرائي بصلاته وصدقته وحجته، ونحو ذلك، ~~عاص آثم، لأنه يقصد بذلك غير الله تعالى المستحق للعبادة وحده، فالمرائي ~~بذلك في سخط الله. # وأما إن كان بغير العبادات، فهو كطلب المال على ما تقدم، لا يحرم من حيث ~~إنه طلب منزلة في قلوب العباد، ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب ~~محظورة، فكذلك الجاه، وكما أن كسب قليل من المال وهو الذي طلبه يوسف عليه ~~السلام في قوله: {إني حفيظ عليم} [يوسف: 55] ولا نقول بتحريم الجاه وإن ~~كثر، إلا إذا حمل صاحبه على ما لا يجوز على نحو ما ذكرنا في المال. # وأما سعة الجاه من غير حرص على طلبه، ومن غير اغتمام بزواله وإن زال، فلا ~~ضرر فيه، إذ لا جاه أوسع من جاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلماء ~~الدين بعده، ولكن انصراف الهمم إلى طلب الجاه نقصان في الدين، ولا يوصف ~~بالتحريم. # وتحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس، إنما هو ليراه ~~الناس، وكذلك كل تجمل لأجلهم لا يقال: إنه منهي عنه. # وقد تختلف المقاصد بذلك، فإن أكثر الناس يحبون أن لا يروا بعين نقص في ~~حال. # وفى أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وآله # PageV01P217 # # وسلم أنه قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقال ~~رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنة، ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب ~~الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس". # ومن الناس من يؤثر إظهار نعمة الله عليه، وقد أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بذلك. ms174 ### | 1 فصل [في أن أبواب الرياء بعضها أشد من بعض] # واعلم: أن بعض أبواب الرياء أشد من بعض، لأنه درجات. # أشدها وأغلظها أن لا يكون مراده بالعبادة الثواب أصلا، كالذي يصلى بين ~~الناس، ولو انفرد لم يصل. # الدرجة الثانية: أن يقصد الثواب مع الرياء قصدا ضعيفا بحيث لو كان خاليا ~~لم يفعله، فهو قريب من القسم الأول في كونهما ممقوتين عند الله تعالى. # الدرجة الثالثة: أن يكون قصد الرياء، وقصد الثواب متساويين، بحيث لو ~~انفرد كل واحد منهما عن الآخر لم يبعثه على العمل، فهذا قد أفسد مثل ما ~~اصلح، ولا يسلم من الإثم. # الرابعة: أن يكون إطلاع الناس عليه مقويا لنشاطه، ولو لم يطلع عليه أحد ~~لم يترك العبادة، فهذا يثاب على قصده الصحيح، ويعاقب على قصده الفاسد، ~~وقريب من ذلك الرياء بأوصاف العبادة لا بأصلها، كالذي يصلى وغرضه تخفيف ~~الركوع والسجود ولا يطيل القراءة، فإذا رآه الناس أحسن ذلك فهذا أيضا من ~~الرياء المحظور، لأنه يتضمن تعظيم الخلق، ولكنه دون الرياء بأصول العبادات. ### | 2 بيان الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل # اعلم أن الرياء جلي وخفي. # فالجلي: هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه. # PageV01P218 # # وأخفى منه قليلا رياء لا يبعث على العمل بمجرده، لكن يخفف العمل الذي ~~أريد به وجه الله تعالى، كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل ~~عنده ضيف نشط له وسهل عليه. وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ولا في ~~التسهيل، لكنه مع ذلك مستبطن في القلب، ومتى لم يؤثر الدعاء في العمل لم ~~يكن أن يعرف إلا بالعلامات، وأجلى علاماته أنه يسر باطلاع الناس على طاعته، ~~فرب عبد مخلص يخلص العمل، ولا يقصد الرياء بل يكرهه، ويتم العمل على ذلك، ~~لكن إذا اطلع الناس عليه سره ذلك وارتاح له، وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة، ~~فهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور، ثم إذا استشعر تلك اللذة ~~بالاطلاع لم يقابل ذلك بكراهة، بل قد يتحرك حركة ms175 خفيفة، ويتكلف أن يطلع ~~عليه بالتعريض لا بالتصريح. # وقد يخفى، فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق تعريضا ولا تصريحا، ولكن بالشمائل ~~كإظهار النحول، والصفار، وخفض الصوت، ويبس الشفتين وآثار الدموع وغلبة ~~النعاس الدالة على طول التهجد. # وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الاطلاع عليه، ولكنه مع ذلك إذا رأى ~~الناس أحب أن يبدؤوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وينشطوا في ~~قضاء حوائجه، ويسامحوه في المعاملة، ويوسعوا له المكان، فان قصر في ذلك ~~مقصر، ثقل ذلك على قلبه، كأن نفسه تتقاضى الاحترام على الطاعة التي أخفاها. # ومتى لم يكون وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق، لم يكن خاليا ~~عن شوب خفي من الرياء، وكل ذلك يوشك أن يقص الأجر، ولا يسلم منه إلا ~~الصديقون. # وقد روينا عن وهب بن منبه، أن رجلا من العباد قال لأصحابه: إنا قد فارقنا ~~الأموال والأولاد مخافة الطغيان، وأنا نخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا ~~من هذا الطغيان أكثر مما دخل على الأهل الأموال في أموالهم، إن أحدنا إذا ~~لقي أحب أن يعظم لمكان دينه، وإن كان له حاجة أحب أن تقضى لمكان دينه: وإن ~~اشترى شئيا أحب أن يرخص له لمكان دينه، فبلغ ذلك ملكهم، فركب في موكبه، ~~فإذا السهل والجبل قد امتلأ من الناس، فقال العابد: ما هذا؟ قيل: هذا ~~الملك، فقال لصاحبه: ائتني بطعام، فأتاه # PageV01P219 # # ببقل وزبيب وقلوب الشجر، فجعل يحشو شدقيه ويأكل أكلا عنيفا، فقال الملك: ~~أين صاحبكم؟ فقالوا: هذا، كيف أنت؟ قال: كالناس، فقال الملك ما عند هذا ~~خير، وانصرف عنه، فقال: الحمد لله الذي صرفه عنى وهو لى لائم. # ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفى، يجتهدون في مخادعة الناس عن ~~أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم ما يحرص الناس على إخفاء ~~فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة ~~بإخلاصهم. # وشوائب الرياء الخفى كثيرة لا تنحصر، ومتى أدرك الإنسان من نفسه تفرقة ~~بين أن يطلع على عبادته أو لا يطلع، ms176 ففيه شعبة من الرياء، ولكن ليس كل شوب ~~محبطا للأجر ومفسدا للعمل، بل فيه تفصيل. # فإن قيل: فما ترى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعته، فهل جميع ذلك ~~مذموم؟ # فالجواب: أن السرور ينقسم إلى محمود ومذموم. # فالمحمود: أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله، ولكن لما اطلع عليه ~~الخلق علم أن الله تعالى أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله، فيسر بحسن صنع ~~الله ونظره له ولطفه به، حيث كان يستر الطاعة والمعصية، فأظهر الله سبحانه ~~عليه الطاعة، وستر عليه المعصية، ولا لطف أعظم من ستر القبيح، وإظهار ~~الجميل، فيكون فرحه بذلك، لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم، أو يستدل ~~بإظهار الله الجميل، وستر القبيح عليه في الدنيا، أنه كذلك يفعل به في ~~الآخرة، فإنه قد جاء معنى ذلك في الحديث. # فأما إن كان فرحه باطلاع الناس عليه لقيام منزلته عندهم، حتى يمدحوه ~~ويعظموه ويقضوا حوائجه، فهذا مكروه مذموم. # فإن قيل: فما وجه حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رجل: يا رسول ~~الله، الرجل يعمل العمل فيسره، فإذا اطلع عليه، أعجبه، فقال: "له أجران: ~~أجر السر، وأجر العلانية". # فالجواب: أن هذا الحديث ضعيف، وقد رواه الترمذي، وفسره بعض أهل العلم بأن ~~معناه: أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير، لقوله عليه السلام: "أنتم شهداء ~~الله في الأرض". # PageV01P220 # # وقد روى في أفراد مسلم من حديث أبى ذر رضى الله عنه قال: قيل: يارسول ~~الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ فقال: "تلك عاجل ~~بشرى المؤمن". # فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير ويكرموه عليه، فهذا رياء. ### | 3 فصل في بيان ما يحبط العمل من الرياء وما لا يحبط # إذا ورد على العبد وراد الرياء، فلا يخلو: # إما أن يكون ورد بعد فراغه من العبادة أو قبله، فان ورد عليه بعد الفراغ ~~سرور بالظهور من غير إظهار منه، فهذا لا يحبط العمل، لأنه قد تم على نعت ~~الإخلاص فلا ينعطف ما طرأ عليه بعده، لا سيما إذا لم ms177 يتكلف هو إظهاره ~~والتحديث به، فأما إن تحدث به بعد تمامه وأظهره، فهذا مخوف، والغالب عليه ~~أنه كان في قلبه وقت مباشرة العمل نوع رياء، فإن سلم من الرياء نقص أجره، ~~فإن بين عمل السر والعلانية سبعين درجة. # وأما إذا ورد الرياء قبل الفراغ من العبادة، كالصلاة التي عقدها على ~~إخلاص فإن كان مجرد سرور، لم يؤثر في العمل، وإن كان رياء باعثا على العمل، ~~مثل أن يطيل الصلاة ليرى مكانه، فهذا يحبط الأجر. # وأما ما يقارن العبادة، مثل أن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء، فإن أتمها ~~على ذلك لم يعتد بها، وإن ندم فيها على فعله، فالذي ينبغي له أن يبتدئها، ~~والله أعلم. # وأما ما يقارن العبادة، مثل أن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء، فإن أتمها ~~على ذلك لم يعتد بها، وإن ندم فيها على فعله، فالذي ينبغي له أن يبتدئها، ~~والله أعلم. ### | 4 باب في دواء الرياء وطريقة معالجة القلب فيه # قد عرفت أن الرياء محبط للأعمال، وسبب لمقت الله تعالى، وأنه من ~~المهلكات، ومن هذا حاله، فجدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته. # وفى معالجته مقامان: # أحدهما: في قلع عروقه وأصوله التي منها انشعابه. # والثاني: في دفع ما يخطر منه في الحال. # PageV01P221 # # المقام الأول: اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فصل، رجع إلى ~~ثلاثة أصول. # وهى حب لذة الحمد، والفرار من ألم الذم، والطمع فيما في أيدي الناس. # ويشهد لذلك ما في "الصحيحين" من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال: جاء رجل ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فقال يارسول الله، أرأيت الرجل يقاتل ~~شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله". # فمعنى قوله: "يقاتل شجاعة" أي: ليذكر ويحمد، ومعنى قوله "يقاتل حمية" أي: ~~يأنف أن يقهر أو يذم، ومعنى: "يقاتل رياء" أي: ليرى مكانه، وهذه هو لذة ~~الجاه والمنزلة في القلوب. # وقد لا يشتهى الإنسان الحمد، ولكنه يحذر ms178 من الذم، كالجبان بين الشجعان، ~~فإنه يثبت ولا يفر لئلا يذم. وقد يفتى الإنسان بغير علم حذرا من الذم ~~بالجهل، فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك إلى الرياء. # وعلاجه أن الإنسان إنما يقصد الشيء ويرغب فيه إذا ظن أنه خير له ونافع، ~~إما في الحال أو المآل، فإن علم أنه لذيذ في الحال ضار في المآل، سهل عليه ~~اجتنابه وقطع عنه الرغبة، كمن يعلم أن العسل لذيذ، ولكن إذا بان أن فيه ~~سما، أعرض عنه، فكذلك طريق هذه الرغبة أن تعلم ما فيها من المضرة، فإن ~~الإنسان متى عرف مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قلبه، ومن المنزلة في ~~الآخرة، وما يتعرض له من العذاب والمقت والخزي، هذا مع ما يتعرض له في ~~الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق، فإن رضى الناس غاية لا تدرك، ~~فكل ما يرضى به فريق يسخط به فريق، ومن طلب رضاهم في سخط الله، سخط الله ~~عليه وأسخطهم عليه. ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله له لأجل مدحهم؟ ~~ولا يزيد مدحهم رزقا ولا أجلا، ولا ينفعه يوم فقره وفاقته. وكذلك ذمهم لم ~~يحذر منه؟ ولا يضره ذمهم شيئا ولا يجعل أجله، ولا يؤخر رزقه، فإن العباد ~~كلهم عجزة، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا ~~نشورا، فإذا قرر هذا في نفسه، فترت رغبته في الرياء، وأقبل على الله تعالى ~~بقلبه، فإن العاقل لا يرغب فيما يضره ويقل نفعه. # PageV01P222 # # وأما الطمع فيما في أيدي الناس، فيزيله بأن يعلم أن الله تعالى هو المسخر ~~للقلوب بالمنع والإعطاء، وأنه لا رازق سواه، ومن طمع في الخلق لم يخل من ~~الذل والخيبة، وإن وصل إلى المراد، لم يخل من المنة والمهانة، فكيف يترك ما ~~عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد. # ومن الدواء النافع أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، ~~كما تغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال، ~~وذلك يشق في بداية المجاهدة، ms179 فإذا صبر عليه مدة بالتكلف، سقط عنه ثقله، ~~وأمده الله بالعون، فعلى العبد المجاهدة، ومن الله التوفيق. # المقام الثاني: في دفع العارض من الرياء أثناء العبادة، وذلك لا بد من ~~تعلمه أيضا، فإن من جاهد نفسه، وقلع مغارس الرياء من قلبه بالقناعة وإسقاط ~~نفسه من أعين الناس، واحتقار مدحهم وذمهم، فإن الشيطان لا يتركه في أثناء ~~العبادة، بل يعارضه بخطرات الرياء، فإذا خطر له معرفة الخلق بعبادته ~~واطلاعهم عليها، دفع ذلك بأن يقول: مالك وللخلق علموا أو لم يعلموا، والله ~~عالم بحالك، فأي فائدة في علم غيره؟ # فإن هاجت الرغبة إلى آفة الحمد، ذكرها آفات الرياء والتعرض للمقت، فيقابل ~~تلك الرغبة بكراهة المقت، فإن معرفة اطلاع الناس تثير شهوة، ومعرفة آفة ~~الرياء تثير كراهة. ### | 5 فصل في بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات وبيان الرخصة في كتمان الذنوب، وكراهة اطلاع الناس على الذنب وذمهم له # أما الأول، فاعلم أن في إسرار الأعمال فائدة لإخلاص والنجاة من الرياء، ~~وفي الإظهار فائدة الاقتداء، وترغيب الناس في الخير. # ومن الأعمال ما لا يمكن الإسرار به كالحج والجهاد. # والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه، حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي، بل ~~ينوي الاقتداء به، ولا ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك، فإن مثال الضعيف ~~مثل الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة، فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم، وأقبل # PageV01P223 # # عليهم حتى تشبثوا به، فهلكوا وهلك معهم. # فأما من قوي وتم إخلاصه، وصغر الناس في عينه، واستوى عنده مدحهم وذمهم، ~~فلا بأس بالإظهار له، لأن الترغيب في الخير خير. # وقد روي ذلك عن جماعة من السلف أنهم كانوا يظهرون شيئا من أحوالهم ~~الشريفة ليقتدي بهم، كما قال بعضهم لأهله حين احتضر: لا تبكوا علي، فإني ما ~~لفظت بخطيئة منذ أسلمت. # وقال أبو بكر بن عياش رحمه الله لابنه: إياك أن تعصي الله تعالى في هذه ~~الغرفة، فإني ختمت فيها اثني عشر ألف ختمة. # ونحو ذلك كثير من كلامهم، والله أعلم. # وأما الرخصة في كتمان الذنوب، فربما ms180 ظن ظان أن كتمان الخطايا رياء، وليس ~~كذلك فإن الصادق الذي لا يرائي إذا وقعت منه معصية، كان له سترها، لأن الله ~~يكره ظهور المعاصي ويحب سترها. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ارتكب شيئا من هذه ~~القاذورات، فليستتر بستر الله عز وجل" (1). # فهذا وإن عصى بالذنب، لم يخل قلبه عن محبة ما أحبه الله عز وجل، وهذا ~~ينشأ عن قوة الإيمان. # وينبغي أن يكره ظهور الذنب من غيره أيضا، فهذا أثر الصدق فيه. # ومن ذلك أن يكره ذم الناس له، من حيث إن ذلك يشغل قلبه وعقله عن طاعة ~~الله تعالى، فإن الطبع يتأذى بالذم، وبهذه العلة أيضا ينبغي أن يكره المدح ~~إذا كان يشغله عن الله تعالى، ويستغرق قلبه، ويصرفه عن الذكر، فإن هذا أيضا ~~من قوة الإيمان. PageV01P224 # ### | 6 فصل [في ترك الطاعات خوفا من الرياء] # فأما ترك الطاعات خوفا من الرياء، فإن كان الباعث له على الطاعة غير ~~الدين، فهذا ينبغي أن يترك، لأنه معصية لا طاعة فيه. # وإن كان الباعث على ذلك الدين، وكان ذلك لأجل الله تعالى خالصا، فلا ~~ينبغي أن يترك العمل، لأن الباعث الدين. # وكذلك إذا ترك العمل خوفا من أن يقال: إنه مراء، فلا ينبغي ذلك، لأنه من ~~مكائد الشيطان. # قال إبراهيم النخعي: إذا أتاك الشيطان وأنت في الصلاة فقال: إنك مراء، ~~فزدها طولا. # وأما ما روي عن بعض السلف أنه ترك العبادة خوفا من الرياء، كما روي عن ~~إبراهيم النخعي أن إنسانا دخل عليه وهو يقرأ في المصحف، فأطبق المصحف وترك ~~القراءة، وقال: لا يراني هذا أني أقرأ كل ساعة، فيحمل هذا علي أنهم أحسوا ~~من نفوسهم بنوع تزين فقطعوا. ### | 7 فصل في بيان ما يصح من نشاط العبد بسبب رؤية الخلق وما لا يصح # قد يبيت الرجل مع المتهجدين، فيصلون أكثر الليل، وعادته قيام ساعة، ~~فيوافقهم، أو يصومون فيصوم، ولولاهم ما انبعث هذا النشاط. # فربما ظن ظان أن هذا رياء، وليس كذلك على الإطلاق، بل ms181 فيه تفصيل، وهو أن ~~كل مؤمن يرغب في عبادة الله تعالى، ولكن تعوقه العوائق، فإن الإنسان إذا ~~كان في منزله تمكن من النوم على فراش وطيء وتمتع بزوجته، فإذا بات في مكان ~~غريب، اندفعت هذه الشواغل، وحصلت له أسباب تبعث على الخير، منها مشاهدة ~~العابدين. # وقد يعسر عليه الصوم في منزله لكثرة المطاعم، بخلاف غيره، ففي مثل هذه ~~الأحوال ينتدب الشيطان للصد عن الطاعة، ويقول: إذا عملت غير عادتك كنت ~~مرائيا فلا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما ينبغي أن ينظر إلى قصده الباطن، ولا ~~يلتفت إلى وسواس الشيطان. # PageV01P225 # # ويختبر أمره بأن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه، فإن رأى نفسه تسخو ~~بالتعبد فهو لله، وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم رياء، وقس على هذا. # فهذه جملة آفات الرياء، فكن بحاثا عنها، وتفقد نيتك، فإن الرياء أخفى من ~~دبيب النمل. # وينبغي للمريد أن يلزم قلبه القناعة بعلم الله في جميع طاعته. # وإنما يقنع بذلك من خاف الله ورجاه، ولا ينبغي أن يؤيس نفسه من الإخلاص # بأن يقول: إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء، وأنا من المخلطين، فيترك ~~المجاهدة في تحصيل الإخلاص، لأن المخلط إلى ذلك أحوج. # قال إبراهيم بن أدهم: تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان: دخلت على ~~صومعته فقلت له: منذ كم أنت في صومعتك هذه؟ قال منذ سبعين سنة، قلت: ما ~~طعامك؟ قال: كل ليلة حمصة، قلت: فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه ~~الحمصة؟ قال: ترى (الدير) الذي بحذائك؟ قلت: نعم، قال: إنهم يأتوني في كل ~~سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها يعظموني بذلك، فكلما تثاقلت ~~نفسي عن العبادة، ذكرتها عز تلك الساعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة، ~~فاحتمل ياحنيفي جهد ساعة لعز الأبد، فوقر في قلبي المعرفة، فقال: أزيدك؟ ~~قلت: نعم، قال: أنزل عن الصومعة، فنزلت فأدلى إلي ركوة فيها عشرين حمصة، ثم ~~قال لي: ادخل الدير، فقد رأوا ما أدليت إليك، فلما دخلت الدير، اجتمعت ~~النصارى فقالوا: يا حنيفي، ما الذي أدلى ms182 إليك الشيخ؟ قلت: شيئا من قوته. ~~قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق به، ساوم به، قلت: عشرون دينارا، فأعطوني ~~عشرين دينارا، فرجعت إلى الراهب، فقال: أخطأت، لو ساومتهم عشرين ألفا ~~لأعطوك، هذا عز من لا يعبده، فانظر كيف يكون عز من يعبده، يا حنيفي أقبل ~~على عبادة ربك. # فقد بان بهذا أن استشعار النفوس عز العظمة في القلوب يكون باعثا إلى ~~الخلوة، فهذه آفة عظيمة، وعلامة سلامته منها أن يكون الخلق عنده والبهائم ~~بمثابة واحدة، ويكون عمله عمل من ليس على الأرض غيره، فإذا خطرت خطرات ~~ضعيفة ردها الله، والله تعالى أعلم. # *** # PageV01P226 # ### | كتاب ذم الكبر والعجب # وهما فصلان: ### | 1 الفصل الأول في الكبر # قال الله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} ~~[الأعراف: 146] وقال: {إنه لا يحب المستكبرين} [النحل: 23]. # وفى الحديث الصحيح من أفراد مسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". # وفي "الصحيحين" عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "قالت النار: أوثرت ~~بالمتكبرين". # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "يحشر الجبارون والمتكبرون يوم ~~القيامة في صورة الذر، يطؤهم الناس لهوانهم على الله عز وجل". # وقال سفيان بن عيينة رحمة الله: من كانت معصيته في شهوة، فارج له التوبة، ~~فإن آدم عليه السلام عصى مشتهيا فغفر له، فإذا كانت معصيته من كبر، فاحش ~~عليه اللعنة، فإن إبليس عصى مستكبرا فلعن. # وفي "الصحيحين": أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من جر ثوبه ~~خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقال أبو بكر: يارسول الله إن أحد ~~شقي إزاري ليسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "لست ممن يصنعه خيلاء". # واعلم: أن الكبر خلق باطن تصدر عنه أعمال هي ثمرته، فيظهر على الجوارح، ~~وذلك الخلق هو رؤية النفس على المتكبر عليه، يعنى يرى نفسه فوق الغير في ~~صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبرا. ms183 # PageV01P227 # # وبهذا ينفصل عن العجب، فان العجب لا يستدعى غير المعجب، حتى لو قدر أن ~~يخلق الإنسان وحده تصور أن يكون معجبا، ولا يتصور أن يكون متكبرا، إلا أن ~~يكون مع غيره وهو يرى نفسه فوقه، فإن الإنسان متى رأى نفسه بعين الاستعظام، ~~حقر من دونه وازدراه، وصفة هذا المتكبر، أن ينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى ~~الحمير استجهالا واستحقارا. # وآفة الكبر عظيمة، وفيه يهلك الخواص، وقلما ينفك عنه العباد والزهاد ~~والعلماء. # وكيف لا تعظم آفته، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه لا يدخل ~~الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. # وإنما صار حجابا دون الجنة، لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين، ~~لأن صاحبه لا يقدر أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، فلا يقدر على التواضع، ~~ولا على ترك الحقد والحسد والغضب، ولا على كظم الغيظ وقبول النصح، ولا يسلم ~~من الازدراء بالناس واغتيابهم. فما من خلق ذميم إلا وهو مضطر إليه. # ومن شر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم، وقبول الحق، والانقياد له. # وقد تحصل المعرفة للمتكبر، ولكن لا تطاوعه نفسه على الانقياد للحق، كما ~~قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] {فقالوا ~~أنؤمن لبشرين مثلنا} [المؤمنون: 47] {إن أنتم إلا بشر مثلنا} [إبراهيم: 10] ~~وآيات كثيرة نحو هذا، وهذا تكبر على الله وعلى رسوله. # وقد تقدم أن التكبر على العباد هو احتقارهم واستعظام نفسه عليهم، وذلك ~~أيضا يدعو إلى التكبر على أمر الله تعالى، كما حمل إبليس كبره على آدم عليه ~~السلام أن امتنع من امتثال أمر ربه في السجود. # وقد شرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكبر فقال: "الكبر: بطر الحق ~~وغمط الناس". ومعنى غمط الناس: الازدراء بهم، واستحقارهم. ويروى: غمص الناس ~~بمعنى غمط الناس. # PageV01P228 # ### | 1 فصل [في تقسيم آفات الكبر] # واعلم: أن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاثة درجات: # الأولى: أن يكون الكبر مستقرا في قلب الإنسان منهم، فهو يرى نفسه خيرا من ~~غيره، إلا أنه يجتهد ms184 ويتواضع، فهذا في قلبه شجرة الكبر مغروسة، إلا أنه قد ~~قطع أغصانها. # الثانية: أن يظهر لك بأفعاله من الترفع في المجالس، والتقدم على الأقران، ~~والإنكار على من يقصر في حقه، فترى العالم يصعر (1) خده للناس، كأنه معرض ~~عنهم، والعابد يعيش ووجهه كأنه مستقذر لهم، وهذان قد جهلا ما أدب الله به ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، حين قال: {واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين} [الشعراء: 215]. # الدرجة الثالثة: أن يظهر الكبر بلسانه، كالدعاوى والمفاخر، وتزكية النفس، ~~وحكايات الأحوال في معرض المفاخرة لغيره، وكذلك التكبر بالنسب، فالذي له ~~نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملا. # قال ابن عباس: يقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك، وليس أحد أكرم من أحد إلا ~~بالتقوى. قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13}. # وكذلك التكبر بالمال، والجمال، والقوة، وكثرة الأتباع، ونحو ذلك، فالكبر ~~بالمال أكثر ما يجرى بين الملوك والتجار ونحوهم. # والتكبر بالجمال أكثر ما يجرى بين النساء، ويدعوهن إلى التنقص والغيبة ~~وذكر العيوب. # وأما التكبر بالأتباع والأنصار، فيجرى بين الملوك بالمكاثرة بكثرة ~~الجنود، وبين العلماء بالمكاثرة بالمستفيدين. # وفي الجملة فكل ما يمكن أن يعتقد كمالا، فإن لم يكن في نفسه كمالا، أمكن ~~أن PageV01P229 # # يتكبر به، حتى إن الفاسق قد يفتخر بكثرة شرب الخمرة والفجور، لظنه أن ذلك ~~كمال. # واعلم: أن التكبر يظهر في شمائل الإنسان، كصعر وجهه، ونظره شزرا، وإطراق ~~رأسه، وجلوسه متربعا ومتكئا، وفى أقواله، حتى في صوته ونغمته، وصيغة إيراده ~~الكلام، ويظهر ذلك أيضا في مشيه وتبختره، وقيامه وقعوده وحركاته وسكناته ~~وسائر تقلباته. # ومن خصائل المتكبر، أن يحب قيام الناس له. # والقيام على ضربين: # قيام على رأسه وهو قاعد، فهذا منهي عنه، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوا مقعده من النار". ~~وهذه عادة الأعاجم والمتكبرين. # الثاني: قيام عند مجيء الإنسان، فقد كان السلف لا يكادون يفعلون ذلك. # قال أنس: لم يكن شخص أحب إلينا من ms185 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك. # وقد قال العلماء: يستحب القيام للوالدين والإمام العادل، وفضلاء الناس، ~~وقد صار هذا كالشعار بين الأفاضل، فإذا تركه الإنسان في حق من يصلح أن يفعل ~~في حقه، لم يأمن أن ينسبه إلى إهانته، والتقصير في حقه، فيوجب ذلك حقدا. # واستحباب هذا في حق القائم لا يمنع الذي يقام له أن يكره ذلك، ويرى أنه ~~ليس بأهل لذلك. # ومن خصال المتكبر: أن لا يمشى إلا ومعه أحد يمشى خلفه. # ومنها أن لا يزور أحدا تكبرا على الناس. # ومنها أن يستنكف من جلوس أحد إلى جانبه أو مشيه معه. # وقد روى أنس رضى الله عنه قال: كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتنطلق به في حاجتها. # وقال ابن وهب: جلست إلى عبد العزيز بن أبى رواد، وإن فخذى لتمس فخذه # PageV01P230 # # فنحيت نفسي عنه، فأخذ ثيابي فجرني إليه وقال: لم تفعلون بى ما تفعلون ~~بالجبابرة، وإني لا أعرف منكم رجلا شرا منى؟ ‍! # ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته، وهذا بخلاف ما كان عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # ومنها أن لا يحمل متاعه من سوقه إلى بيته، وقد اشترى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم شيئا وحمله. وكان أبو بكر رضى الله عنه يحمل الثياب إلي ~~السوق يتجر فيها. واشترى عمر رضى الله عنه لحما فعلقه بيده وحمله إلى بيته. ~~واشترى على رضى الله عنه تمرا فحمله في ملحفة، فقال له قائل: أحمل عنك؟ ~~قال: لا، أبو العيال أحق أن يحمل. # وأقبل أبو هريرة رضى الله عنه يوما من السوق وقد حمل حزمة حطب، وهو يومئذ ~~خليفة مروان، فقال لرجل: أوسع الطريق للأمير. # ومن أراد إن ينفى الكبر، ويستعمل التواضع، فعليه بسيرة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقد سبقت الإشارة إليها في كتاب "آداب المعيشة". # ... ### | 2 بيان معالجة الكبر واكتساب التواضع ms186 # واعلم: أن الكبر من المهلكات، ومداواته فرض عين، ولك في معالجته مقامان: # الأول: في استئصال أصله وقطع شجرته، وذلك بأن يعرف الإنسان نفسه ويعرف ~~ربه، فإنه إذا عرف نفسه حق المعرفة، علم أنه أذل من كل ذليل، ويكفيه أن ~~ينظر في أصل وجوده بعد العدم من تراب، ثم من نطفة خرجت من مخرج البول، ثم ~~من علقة، ثم من مضغة، فقد صار شيئا مذكورا، بعد أن كان جمادا لا يسمع ولا ~~يبصر، ولا يحس ولا يتحرك، فقد ابتدأ بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوته، ~~وبفقره قبل غناه. # وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: {من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه ~~فقدره} [عبس: 18 و 19] ثم امتن عليه بقوله: {ثم السبيل يسره} [عبس: 20]، ~~وبقوله: # PageV01P231 # # {فجعلناه سميعا بصيرا} [الدهر: 2] فأحياه بعد الموت، وأحسن تصويره، ~~وأخرجه إلى الدنيا، فأشبعه وأرواه، وكساه وهداه وقواه. # فمن هذا بدايته، فأي وجه لكبره وفخره؟ # على أنه لو دام له الوجود على اختياره لكان لطغيانه طريق، بل قد سلط عليه ~~الأخلاط المتضادة، والأمراض الهائلة، بينما بنيانه قد تم، إذ هو قد وهى ~~وتهدم، لا يملك الشيء لنفسه ضرا ولا نفعا، بينها هو يذكر الشيء فينساه، ~~ويستلذ بشيء فيرديه، ويروم الشيء فلا يناله، ثم لا يأمن أن يسلب حياته ~~بغتة. # هذا أوسط حاله، وذاك أول أمره، وأما آخر أمره، فالموت الذي يعده جمادا ~~كما كان، ثم يلقى في التراب فيصير جيفة منتنه، وتبلى أعضاؤه، وتنخر عظامه، ~~ويأكل الدود أجزاؤه، ويعود ترابا يعمل منه الكيزان، ويعمر منه البنيان، ثم ~~بعد طول البلى تجمع أجزاؤه المتفرقة، ويحضر عرصة القيامة، فيرى أرضا مبدلة، ~~وجبالا مسيرة، وسماء منشقة، ونجوما منكدرة، وشمسا مكورة، وأحوالا مظلمة، ~~وجحيما تزفر، وصحائف تنشر، ويقال له: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا} [الإسراء: 14]. فيقول: وما كتابي؟ فيقال: كان قد وكل بك في حياتك ~~التي كنت تفرح بها وتتكبر بنعيمها ملكان يحصيان ما تنطق به وتعمل من قليل ~~وكثير، وقيام وقعود، وأكل وشرب، وقد نسيت ذلك، وأحصاه الله ms187 تعالى، فهلم إلى ~~الحساب عليه، وأعد جوابا به، وإلا فأنت تساق إلى النار، فما لمن هذه حاله ~~التكبر؟ فإن صار إلى النار، فالبهائم أحسن حالا منه، لأنه تعود إلى التراب، ~~ومن هذا حاله وهو على شك من العفو عن أخطائه، كيف يتكبر؟! ومن الذي يسلم من ~~ذنب يستحق به العقوبة، وما مثله إلا كمثل رجل جنى على ملك جناية استحق أن ~~يضرب لأجلها ألف سوط، فحبس في السجن ليخرج فيعاقب، وهو منتظر أن يدعى به ~~لذلك. أفتراه يتكبر على أهل السجن؟ وهل الدنيا إلا سجن، وهل المعاصي إلا ~~موجبة للعقاب؟. # وأما معرفة ربه، فيكفيه أن ينظر في آثار قدرته وعجائب صنعته، فتلوح له ~~العظمة، وتظهر له المعرفة، فهذا هو العلاج القالع لأصل الكبر. # ومن العلاج العملي التواضع بالفعل لله تعالى ولعباده، وذلك بالمواظبة على ~~استعمال خلق المتواضعين، وقد تقدمت الإشارة إلى طريقة رسول الله صلى الله ~~عليه # PageV01P232 # # وآله وسلم، وما كان عليه من التواضع والأخلاق الجميلة. # المقام الثاني: فيما يعرض من التكبر بالأنساب، فمن اعتراه الكبر من جهة ~~النسب، فليعلم أن هذا تعزز بكمال غيره، ثم يعلم أباه وجده، فإن أباه القريب ~~نطفة قذرة، وأباه البعيد تراب، ومن اعتراه الكبر بالجمال، فلينظر إلى باطنه ~~نظر العقلاء، ولا ينظر إلى ظاهره نظر البهائم، ومن اعتراه من جهة القوة، ~~فليعلم أنه لو آلمه عرق، عاد أعجز من كل عاجز، إن حمى يوم تحلل من قوته ما ~~لا يود في مدة، وإن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته، وبقة لو دخلت في أذنه ~~لأقلقته. # ومن تكبر بسبب الغنى، فإذا تأمل خلقا من اليهود، وجدهم أغنى منه، فأف ~~لشرف تسبق به اليهود ويستلبه السارق في لحظة، فيعود صاحبه ذليلا. # ومن تكبر بسبب العلم، فليعلم أن حجة الله على العالم آلد من الجاهل، ~~وليتفكر في الخطر العظيم الذي هو بصدده، فإن خطره أعظم من خطر غيره، كما أن ~~قدره أعظم من قدر غيره. # وليعلم أيضا أن الكبر لا يليق بالله سبحانه، وأنه إذا تكبر صار ms188 ممقوتا ~~عند الله تعالى بغيضا عنده. وقد أحب الله منه أن يتواضع، وكذلك كل سبب ~~يعالجه بنقيضه ويستعمل التواضع. # واعلم: أن هذا الخلق كسائر الأخلاق له طرفان ووسط: # فطرفه الذي يميل إلى الزيادة تكبرا. # وطرفه الذي يميل إلى النقصان يمسي تخاسسا ومذلة. # والوسط يمسي تواضعا، وهو المحمود وهو أن يتواضع من غير مذلة، فخير الأمور ~~أوساطها، فمن تقدم على أقرانه فهو متكبر، ومن تأخر عنهم، فهو متواضع، لأنه ~~قد وضع شيئا من قدره، فأما إذا أدخل على العالم إسكاف أو نحوه، فتنحى له عن ~~مجلسه أو أجلسه فيه، ثم قدم له نعله ومشى معه إلى الباب، فقد تخاسس وتذلل، ~~فذلك غير محمود، بل المحمود العدل، وهو أن يعطى كل ذي حق حقه، لكن تواضعه ~~للسوقة بالرفق في السؤال واللين في الكلام، وإجابة الدعوة، والسعى في ~~الحاجة، ولا يحقره، ولا يستصغره، والله أعلم. # PageV01P233 # ### | 2 الفصل الثاني في العجب # روى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "بينما رجل ~~يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه، خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل (1) فيها ~~إلى يوم القيامة". # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب ~~المرء بنفسه". # وروى عن ابن مسعود أنه قال: الهلاك في شيئين: العجب والقنوط. وإنما جمع ~~بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالطلب والتشمير، والقانط لا يطلب، والمعجب ~~يظن أنه قد ظفر بمراده فلا يسعى. # قال مطرف رحمه الله: لأن أبيت نائما وأصبح نادما، أحب إلى من أن أبيت ~~قائما وأصبح معجبا. # واعلم: أن العجب يدعو إلى الكبر، لأنه أحد أسبابه، فيتولد من العجب ~~الكبر، ومن الكبر الآفات الكثيرة، وهذا مع الخلق. # فأما مع الخالق، فإن العجب بالطاعات نتيجة استعظامها، فكأنه يمن على الله ~~تعالى بفعلها، وينسى نعمته عليه بتوفيقه لها، ويعمى عن آفاتها المفسدة لها. # وإنما يتفقد آفات الأعمال من خاف ردها دون من رضيها وأعجب بها. # والعجب إنما يكون بوصف كمال من علم أو عمل، فإن انضاف إلى ms189 ذلك أن يرى حقا ~~له عند الله إدلالا، فالعجب، يحصل باستعظام ما عجب به، والإدلال يوجب توقع ~~الجزاء، مثل أن يتوقع إجابة دعائه وينكر رده. ### | 1 فصل في علاج العجب # اعلم أن الله سبحانه هو المنعم عليك بإيجادك وإيجاد أعمالك، فلا معنى ~~لعجب عامل بعمله، ولا عالم بعلمه، ولا جميل بجماله، ولا غنى بغناه، إذ كل ~~ذلك من فضل الله تعالى، وإنما الآدمي محل لفيض النعم عليه، وكونه محلا له ~~نعمة أخرى. PageV01P234 # # فان قلت: إن العمل حصل بقدرتك ولا يتصور العمل إلا بوجودك ووجود عملك ~~وإرادتك وقدرتك فمن أين قدرتك، وكل ذلك من الله تعالى لا منك، فإن كان ~~العمل بالقدرة فالقدرة مفتاحه، وهذا المفتاح بيد الله تعالى، وما لم تعط ~~المفتاح لا يمكنك العمل كما لو قعدت عند خزانة مغلقة لم تقدر على ما فيها ~~إلا أن تعطى مفتاحها. # وفى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: "لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ~~"ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل". # واعلم: أن العجب يكون بالأسباب التي يقع بها الكبر، وقد سبق ذكرها ~~وعلاجها. # ومن ذلك العجب بالنسب، كما يتخيل الشريف أنه ينجو بشرف آبائه، وعلاجه أن ~~يعلم أنه متى خالف آباءه، وظن أنه ملحق بهم، فقد جهل، وإن اقتدى بهم، فإنه ~~لم يكن العجب من أخلاقهم، بل الخوف والإزراء على النفس. # وإنما شرفوا بالطاعة المحمودة، لا بنفس النسب. قال الله تعالى: {إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]، وقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "يا فاطمة، لا أغنى عنك من الله شيئا". # فإن قلت: إنما يرجو الشريف أن يشفع فيه ذوو قرابته. # فالجواب: أن كل المسلمين يرجون الشفاعة، وقد يشفع في الشخص بعد إحراقه ~~بالنار، وقد يقوى الذنب فلا تنجى الشفاعة. # وفي "الصحيحين" من حديث أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~"لا ألفين (1) أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته ms190 بعير له رغاء، فيقول: يا ~~رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك". # ومثل المنهمك في الذنوب اعتمادا على رجاء الشفاعة، كمثل المريض المنهمك ~~في الشهوات، اعتمادا على طبيبه الحاذق المشفق، وذلك جهل، فإن اجتهاد ~~الطبيب، ينفع بعض الأمراض لا كلها. PageV01P235 # # ويوضح هذا أن سادات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يخافون من ~~الآخرة، فكيف يتكل من ليس في مثل مراتبهم؟! # ومن ذلك العجب بالرأي الخطأ، كما قال الله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله ~~فرآه حسنا} [فاطر: 8]. وعلاج هذا أشد من علاج غيره، فإن هذا متى كان معجبا ~~برأيه لم يصغ إلى نصح ناصح، وكيف يترك ما يعتقده نجاة؟! وإنما علاجه في ~~الجملة أن يكون متهما لرأيه أبدا، لا يغتر به، إلا أن يشهد له قاطع من ~~كتاب، أو سنة أو دليل عقلي جامع لشروط الأدلة، ولن يعرف ذلك إلا بمجالسة ~~أهل العلم وممارسة الكتاب والسنة. # والأولى لمن يتفرغ لاستغراق العمر في العلم أن لا يخوض في المذاهب، ولكن ~~يقف عند اعتقاد الجمل، وأن الله سبحانه واحد لا شريك له، {ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير}، وأن رسول الله صادق فيما جاء به ويؤمن بما جاء به ~~القرآن من غير بحث ولا تنقير، ويصرف زمنه في التقوى، وأداء الطاعات، فمتى ~~خاض في المذاهب ورام ما لا يصل إلى معرفته، هلك. # *** # PageV01P236 # ### | كتاب الغرور وأقسامه ودرجاته # ومن الناس من غرته الدنيا، فقال: النقد خير من النسيئة، والدنيا نقد، ~~والآخرة نسيئة، وهذا محل التلبيس، فإن النقد لا يكون خيرا من النسيئة، إلا ~~إذا كان مثل النسيئة، ومعلوم أن عمر الإنسان بالإضافة إلى مدة الآخرة ليس ~~بجزء من ألف جزء إلى أن ينقطع النفس، وإنما أراد من قال: النقد خير من ~~النسيئة، إذا كانت النسيئة مثل النقد، وهذا غرور الكفار. # فأما ملابسو المعاصي مع سلامة عقائدهم، فإنهم قد شاركوا الكفار في هذا ~~الغرور، لأنهم آثروا الدنيا على الآخرة، إلا أن أمرهم أسهل من أمر الكفار، ~~من جهة أن أصل الإيمان يمنعهم ms191 من عقاب الأبد. # ومن العصاة من يغتر، فيقول: إن الله كريم، وإنما نتكل على عفوه، وربما ~~اغتروا بصلاح آبائهم. # وقد قال العلماء: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه، ومن رجا ~~الغفران مع الاصرار، فهو مغرور. # وليعلم أن الله تعالى مع سعة رحمته شديد العقاب، وقد قضى بتخليد الكفار ~~في النار، مع أنه لا يضره كفرهم، وقد سلط الأمراض والمحن على خلق من عباده ~~في الدنيا، وهو سبحانه قادر على إزالتها، ثم خوفنا من عقابه، فكيف لا ~~نخاف؟! # فالخوف والرجاء سائقان يبعثان على العمل، وما لا يبعث على العمل فهو ~~غرور. يوضح هذا أن رجاء أكثر الخلق يحملهم على البطالة، وإيثار المعاصي. # والعجب أن القرن الأول عملوا وخافوا، ثم أهل هذا الزمان أمنوا مع التقصير ~~واطمأنوا، أتراهم عرفوا من كرم الله تعالى ما لم يعرف الأنبياء والصالحون. # ولو كان هذا الأمر يدرك بالمنى، فلم تعب أولئك وكثر بكاؤهم؟! وهل ذم أهل ~~الكتاب بقوله: {يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا} [الأعراف: 169]، ~~إلا لمثل هذا الحال؟! # وأما من اغتر بصلاح آبائه، فهلا يذكر قصة نوح عليه السلام مع ابنه، ~~وإبراهيم عليه السلام مع أبيه، ومحمد مع عمه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى ~~سائر النبيين. # PageV01P237 # # ويقرب من هذا الغرور، غرور أقوام لهم طاعات ومعاصي، إلا أن معاصيهم أكثر، ~~وهم يظنون أن حسناتهم ترجح، فترى الواحد منهم يتصدق بدرهم ويكون قد تناول ~~من الغصب أضعاف ذلك، ولعل الذي تصدق به من المغصوب، ويتكل على تلك الصدقة، ~~وما هو إلا كمن وضع درهما في كفه وألفا في أخرى، ثم رجا أن يرجح الدرهم ~~بآلف. # ومنهم من يظن أن طاعاته أكثر من معاصيه، وسبب ذلك أنه يحفظ عدد حسناته، ~~ولا يحاسب نفسه على سيئاته، ولا يتفقد ذنوبه، كالذي يستغفر الله ويسبحه ~~مائة مرة في اليوم ثم يظل طول النهار يغتاب المسلمين، ويتكلم بما لا يرضى، ~~فهو ينظر في فضائل التسبيح والاستغفار، ولا ينظر في عقوبة الغيبة والكلام ~~المنهي عنه. ### | 1 فصل [الاغترار ms192 واقع بالعلماء والعباد] # ويقع الاغترار في الأغلب في حق أربعة أصناف: # العلماء، والعباد، والمتصوفة، والأغنياء. ### | الصنف الأول: العلماء # فأما أهل العلم، فالمغترون منهم فرق: # منهم فرق أحكموا العلوم الشرعية والعقلية، وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها ~~عن المعاصي، وإلزامهم الطاعات، واغتروا بعلمهم، وظنوا أنهم من الله بمكان، ~~ولو نظر هؤلاء بعين البصيرة، علموا أن علم المعاملة لا يراد به إلا العمل، ~~ولولا العمل لم يكن له قدر. قال الله تعالى: {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9] ~~ولم يقل: قد أفلح من تعلم كيف يزكيها، فإن تلا عليه الشيطان فضائل أهل ~~العلم، فليذكر ما ورد في العالم الفاجر، كقوله تعالى: {فمثله كمثل الكلب إن ~~تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} [الأعراف: 176]، و {كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا} [الجمعة: 5]. # ومنهم فرقة أخرى أحكموا العلم والعمل الظاهر، ولم يتفقدوا قلوبهم ليمحوا ~~الصفات المذمومة منها، كالكبر والحسد والرياء، وطلب العلو، وطلب الشهوة، ~~فهؤلاء زينوا ظاهرهم، وأهملوا بواطنهم، ونسوا قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم". # PageV01P238 # # فتعاهدوا الأعمال، ولم يتعاهدوا القلوب، والقلب هو الأصل، إذ لا ينجو إلا ~~من أتى الله بقلب سليم. # ومثال هؤلاء كمثل رجل زرع زرعا، فنبت معه حشيش يفسده، فامر بقلعه، أخذ ~~يجز رؤوسه وأطرافه ويترك أصوله، فلم تزل أصوله تقوى. # وفرقة أخرى علموا أن هذه الأخلاق الباطنة مذمومة، إلا أنهم بعجبهم ~~بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها، وأنهم أرفع عند الله من أن يبتليهم بذلك، ~~وإنما يبتلى بذلك العوام دون من بلغ مبلغهم من العلم، فإذا ظهر عليهم مخايل ~~الكبر والرياسة. قال أحدهم: ما هذا بكبر، وإنما هو طلب عز الدين، وإظهار ~~شرف العلم، وإرغام المبتدعين، فإني لو لبست الدون من الثياب، وجلست في ~~الدون من المجالس، شمتت بى أعداء الدين، وفرحوا بذلى، وفى ذلي ذل الإسلام، ~~وينسى الغرور، وأن إبليس هو الذي سول له هذا بدليل أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأصحابه كانوا يتواضعون ويؤثرون الفقر والمسكنة. # وقد روينا عن عمر ms193 بن الخطاب رضى الله عنه أنه لما قدم الشام عرضت له ~~مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع خفيه وأمسكهما، وخاض الماء، ومعه بعيره، فقال ~~له أبو عبيدة: لقد صنعت اليوم صنعا عظيما عند أهل الأرض، فصك في صدره وقال: ~~أوه لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة. # إنكم كنتم أذل وأحقر الناس، فأعزكم الله برسوله، فمهما تطلبوا العز بغيره ~~يذلكم الله (1). # وفى رواية عنه: لما قدم الشام، استقبله الناس وهو على بعيره. قيل له: لو ~~ركبت برذونا تلقى به عظماء الناس ووجوههم؟ فقال عمر رضى الله عنه: لا أراكم ~~هاهنا، إنما الأمر من هاهنا -وأشار بيده إلى السماء- خلوا سبيل جملي. # ثم العجب من مغرور يطلب عز الدنيا بالثياب الرفيعة، والخيول الفارهة ونحو ~~ذلك، وإذا خطر له خاطر الرياء قال: إنما غرضي بهذا إظهار العلم والعمل، ~~لاقتداء الناس بى ليهتدوا إلى الدين، ولو كان هذا قصده لفرح باقتداء الناس ~~بغيره كما يفرح باقتدائهم به، لأن من كان قصده صلاح الخلق يفرح بصلاحهم على ~~يد من كان، PageV01P239 # # وكذلك من يدخل منهم على سلطان، ويتودد إليه، ويثنى عليه، ويتواضع له ~~ويقول: إنما غرضي بهذا أن أشفع في مسلم عنه الضرر، والله يعلم أنه لو أظهره ~~لبعض أقرانه قبول عند السلطان لثقل عليه ذلك. # وقد ينتهي غرور بعضهم أنه يأخذ من مالهم الحرام ويقول: هذا مال لا ملك ~~له، وهو لمصالح المسلمين، وأنت إمام من أئمتهم، فيغير بهذا التلبيس من جهة ~~نظره إلى نفسه. وربما كان دجالا من الدجالين من جهة قوله: هذا مال لا ملك ~~له. وغاية الأمر وقوع الاختلاط في الأموال، وذلك لا يمنع كونهما حراما، وقد ~~يكون عالما بمن أخذ منه المال. # وفرقة أخرى أحكموا العلم، وطهروا جوارحهم وزينوها بالطاعات، وتفقدوا ~~قلوبهم بتصفيتها من الرياء والحسد والكبر ونحو ذلك، ولكن بقيت في زوايا ~~القلب خفايا من مكائد الشيطان وخدع النفس لم يفطنوا لها وأهملوها، فترى ~~أحدهم يسهر ليله وينصب (1) نهاره في جمع العلوم وترتيبها وتحسين ألفاظها، ~~ويرى أن باعثه على ذلك الحرص ms194 على إظهار دين الله تعالى، وربما كان الباعث ~~لذلك طلب الذكر وانتشار الصيت، ولعله لا يخلو في تصنيفه من الثناء على ~~نفسه، إما صريحا بالدعاوى الطويلة العريضة، وإما ضمنا بالطعن في غيره ليبين ~~في طعنه في غيره أنه أفضل من ذلك الغير، وأعظم منه علما. فهذا وأمثاله من ~~خفايا العيوب التي لا يفطن لها إلا الأكياس الأقوياء، ولا مطمع فيه ~~لأمثالنا من الضعفاء، إلا أن أقل الدرجات أن يعرف الإنسان عيوب نفسه، ويحرص ~~على صلاحها. # ومن سرته حسنته وساءته سيئته، فهو مرجو أمره، بخلاف من يزكى نفسه ويظن ~~أنه من خيار الخلق. فهذا غرور الذين حصلوا العلوم المهمة، فكيف بالذين ~~قنعوا من العلوم بما لا يهمهم وتركوا المهم. # فمنهم من اقتصر على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات ~~الدنيوية الجارية بين الخلق لصلاح المعايش، وربما ضيعوا الأعمال الظاهرة ~~وارتكبوا بعض المعاصي من الغيبة والنظر إلى ما لا يحل، والمشى إلى ما لا ~~يجوز، ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والحسد والرياء وجميع المهلكات، فهؤلاء ~~مغرورون من وجهين: أحدهما من حيث العمل، والآخر من حيث العلم PageV01P240 # # ومثالهم مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه، لا بل ~~مثلهم مثل من به علة البرسام وهو مشرف على الهلاك، فاشتغل بتعلم دواء ~~الاستحاضة، وجعل يكرر ذلك، وذلك غاية الغرور. # وسبب غروره ما سمع في النقل من تعظيم الفقه، ولم يدر أن الفقه هو الفقه ~~عن الله تعالى، ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة، ليستشعر القلب الخوف ويلازم ~~التقوى. # وقد قال الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين} الآية [التوبة: 122]. والذي يحصل له الإنذار غير هذا العلم، فان ~~مقصود هذا العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات، وحفظ الأبدان بالأموال، ودفع ~~القتل والجراحات والمال في طريق الله تعالى آلة، والبدن مركب. # وإنما العلم المهم معرفة سلوك الطريق، وقطع عقابات القلب التي هي من ~~الصفات المذمومة، فهي الحجاب بين العبد وبين الله تعالى. # ومثال من اقتصر على ذلك، كمثل من اقتصر في سلوك ms195 الحج على علم خرز الراوية ~~والخف، ولا شك أنه لابد من ذلك: ولكن ليس من الحج في شئ. # ومن هؤلاء من اقتصر على علم الخلاف، ولم يهمه إلا طريق المجادلة، ~~والإلزام، والإفحام، ودفع الحق لأجل الغلبة، فهو أسوأ حالا ممن ذكر قبلهم، ~~وجميع دقائق الجدل في الفقه بدعة لم يعرفها السلف. # وأما أدلة الأحكام، فيشتمل عليها علم المذهب، وهى كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # وأما حيل الجدل، من الكسر، والقلب، وفساد الوضع والتركيب، والتعدية فإنما ~~أبدعت لإظهار الغلبة والإفحام. # وفرقة أخرى اشتغلوا بعلم الكلام والمجادلة في الأهواء، والرد على ~~المخالفين. # ثم هؤلاء طائفتان: ضالة، ومحقة، فالضالة التي تدعو إلى غير السنة، ~~والمحقة التي تدعو إلى السنة، والغرور شامل لجميعهم. # أما الضالة، فاغترارها ظاهر، وأما المحقة فاغترارها من حيث إنها ظنت أن ~~الجدال أهم الأمور، وأفضل القربات في دين الله تعالى، وزعمت أنه لا يتم لا ~~حد دينه # PageV01P241 # # ما لم يبحث، وأن من صدق الله ورسوله من غير تحرير دليل، فليس بكامل ~~الإيمان، فلهذا الظن الفاسد قطعوا أعمارهم في تعلم الجدل والبحث عن ~~المقالات، وعميت بصائرهم، فلم يلتفتوا إلى القرن الأول، وأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم شهد لهم بأنهم خير الخلق، وأنهم قد أدركوا كثيرا من البدع ~~والهوى، فلم يجعلوا أعمارهم ودينهم عرضا للخصومات والمجادلات، ولم يشتغلوا ~~بذلك عن تفقد قلوبهم وجوارحهم، بل لم يتكلموا فيه إلا لضرورة رد الضلال، ~~فان رأوه مصرا على بدعته هجروه من غير مماراة ولا جدل. # وقد روى في الحديث: "ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل". # وفرقة أخرى اشتغلوا بالوعظ، وأعلاهم رتبة من يتكلم في أخلاق النفس وصفات ~~القلب، من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والزهد واليقين والإخلاص، ~~وهم يظنون أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات وهم منفكون عنها أنهم من أهلها، ~~فهؤلاء يدعون إلى الله وهم هاربون منه، فهم أعظم الناس غرة. # ومن هؤلاء من يعدل عن المنهاج الواجب في الوعظ إلى الشطح وتلفيق كلام ~~خارج عن قانون ms196 الشرع والعقل طلبا للأغراب. # ومنهم من يستشهد بأشعار الوصال والفراق، وغرضهم أن يكثر الصياح مجالسهم ~~والتواجد، ولو على أغراض فاسدة، فهؤلاء شياطين الإنس. # ومنهم فرقة استغرقوا أوقاتهم في سماع الحديث، وجمع رواياته، وأسانيده ~~الغريبة والعالية، فهم أحدهم أن يدور البلاد، ويرى الشيوخ ليقول: أنا أروى ~~عن فلان، ولقيت فلانا، ولى من الإسناد ما ليس لغيري. # ومنهم فرقة اشتغلوا بعلم النحو واللغة والشعر، وزعموا أنهم علماء الأمة، ~~وأذهبوا أعمارهم في دقائق النحو واللغة، ولو عقلوا لعلموا أن مضيع عمره في ~~معرفة لغة العرب كالمضيع عمره في معرفة لغة الترك، وإنما فارقتها لغة العرب ~~لأجل ورود الشريعة بها، فيكفى من اللغة على الغريبين: غريب القرآن، ~~والحديث، ومن النحو ما يقوم به اللسان. # فأما التعمق إلى درجات لا تتناهى، فذلك يشغل عما هو أجود منه وألزم. # PageV01P242 # # ومثال التعمق في ذلك، مثال من ضيع عمره في تصحيح مخارج الحروف في القرآن، ~~مقتصرا على ذلك، وذلك غرور، لأن المقصود من الحروف المعاني، وإنما الحروف ~~ظروف وأدوات، ومن احتاج إلى شرب السكنجبين لإزالة الصفراء، فضيع عمره في ~~تحسين القدح الذي يشرب فيه، فهو مغرور، والسعيد من أخذ من كل شئ من هذا ~~حاجته المهمة لا غير، وتجاوز إلى العمل، واجتهد فيه وفى تصفيته من الشوائب، ~~فهذا هو المقصود. # وفرقة أخرى عظم غرورهم، فوضعوا الحيل في دفع الحقوق، وظنوا أن ذلك ~~ينفعهم، بل ذلك غرور، فان الإنسان إذا ألجأ زوجته إلى أن تبرئه من حقها لم ~~يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى. # وكذلك هبة الرجل مال الزكاة في آخر الحول لزوجته، واتهابه مالها لإسقاط ~~الزكاة، ونحو ذلك من أنواع الحيل. ### | الصنف الثاني: أرباب التعبد والعمل، وهم فرق # فرقة أهملوا الفرائض واشتغلوا بالنوافل الفضائل، وربما تعمقوا في استعمال ~~الماء حتى خرجوا إلى الوسوسة في الوضوء، فترى أحدهم لا يرضى بالماء المحكوم ~~له بالطهارة شرعا، بل يقدر الاحتمالات البعيدة في التنجس، ولا يقدر ذلك في ~~مطعمه، فلو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى المطعم، لكان أشبه بسير السلف، ~~فإن ms197 عمر رضى الله عنه توضأ من جرة نصرانية مع ظهور احتمال النجاسة، وكان مع ~~هذا يدع أنواعا من الحلال خوفا من الوقوع في الحرام. # وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضأ من مزادة مشركة (1). # ثم منهم من يخرج إلى الإسراف في الماء، ويطول به الأمر، حتى تضيع الصلاة ~~ويخرج وقتها. # ومنهم من غلبت عليه الوسوسة في تكبيرة الإحرام في الصلاة، حتى ربما فاتته ~~ركعة مع الإمام. PageV01P243 # # ومنهم من يتوسوس في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من مخارجها، فلا ~~يزال يحتاط في التشديدات، والفرق بين الضاد والظاء فوق الحاجة، ونحو ذلك، ~~بحيث يهتم بذلك حتى لا يتفكر فيما سواه، ويذهل عن معنى القرآن والاتعاظ به، ~~وهذا من أقبح أنواع الغرور فان الخلق لم يتكلفوا من تحقيق مخارج الحروف في ~~تلاوة القرآن إلا بما جرت به العادة في الكلام. # ومثال هؤلاء مثال من حمل رسالة إلى سلطان، فأخذ يؤدى الرسالة بالتأنق في ~~مخارج الحروف وتكراره، وهو غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة حرمة المجلس، فما ~~أحراه بالطرد والتأديب. # وفرقة أخرى اغتروا بقراءة القرآن، فهم يهذونه هذا، وربما ختموا في اليوم ~~مرتين، فلسان أحدهم يجرى به وقلبه يتردد في أودية الأمانى، ولا يتفكر في ~~معاني القرآن ولا يتعظ بمواعظه، ولا يقف عند أوامره ونواهيه، فهذا مغرور ~~يظن أن المقصود من القرآن التلاوة فقط. # ومثال ذلك، مثال عبد كتب إليه مولاه كتابا يأمره فيه وينهاه، فلم يصرف ~~عنايته إلى فهمه والعمل به، بل اقتصر على حفظه وتكراره، ظانا أن ذلك هو ~~المراد منه، مع مخالفته أمر مولاه ونهيه. # ومنهم من يلتذ بصوته بالقرآن، معرضا عن معانيه، فينبغي أن يتفقد قلبه ~~فيعرف هل التذاذه بالنظم، أو بالصوت، وبالمعاني. # وفرقة أخرى اغتروا بالصوم وأكثروا منه، وهم لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة ~~والفضول، ولا بطونهم من الحرام عند الإفطار، ولا خواطرهم عن الرياء. # ومنهم من اغتر بالحج، فيخرج إليه من غير خروج عن المظالم، وقضاء الديون، ~~واسترضاء الوالدين، وطلب الزاد الحلال، وقد يفعلون ذلك بعد ms198 سقوط فرض الحج، ~~ويضيعون في الطريق العبادة والفرائض ويعجزون عن طهارة الثوب والبدن، ولا ~~يحترزون من الرفث والخصام، وهم مع ذلك يظنون انهم على خير وهم مغرورون. # وفرقة أخرى أخذوا في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ونسوا أنفسهم. # ومنهم من يؤم في مسجد، ولو تقدم عليه أورع منه وأعلم، ثقل عليه. # PageV01P244 # # ومنهم من يؤذن ويظن أن ذلك لله، ولو أذن غيره في غيبته، أشتد عليه ذلك ~~وقال: قد زاحمني في مرتبتي. # ومنهم من يجاور بمكة أو المدينة وقلبه متعلق ببلاده، وقول الناس: فلان ~~مجاور بمكة أو المدينة، ثم إنه يجاور ويطمع في أوساخ الناس، وقد يجمع ذلك ~~ويشح به ويجتمع له جملة من المهلكات. وما من عمل إلا وفيه آفات، فمن لم ~~يعرفها وقع فيها، ومن أراد أن يعرفها، فلينظر في كتابنا هذا، فينظر في آفات ~~الرياء الحاصل في العبادات من الصوم والصلاة وفى جميع القربات في الأبواب ~~المرتبة في هذا الكتاب، وإنما الغرض الآن الإشارة إلى مجامع ما سبق. # وفرقة أخرى زهدت في المال، وقنعت بالدون من اللباس والطعام، وقنعت من ~~المسكن بالمساجد، فظنت أنها أدركت رتبة الزهاد، وهم مع هذا شديدو الرغبة في ~~الرياسة والجاه، فقد تركوا أهون الأمرين وباؤوا بأعظم المهلكين. # وفرق أخرى حرصت على النوافل، ولم تعتن بالفرائض، فترى أحدهم يفرح بصلاة ~~الضحى وصلاة الليل، ولا يجد للفريضة لذة. ولا يحرص على المبادرة إليها في ~~أول الوقت، وينسى قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: ~~"ما تقرب المتقربون إلا بمثل أداء ما افترضت عليهم" (1). ### | الصنف الثالث: المتصوفة # والمغرورون منهم فرق: # فرقة منهم اغتروا بالزي والنطق والهيئة، فتشبهوا بالصادقين من الصوفية ~~بالظاهر، ولم يتعبوا أنفسهم في المجاهدة والرياضة، ثم هم يتكالبون على ~~الحرام والشبهات PageV01P245 # # وأموال السلاطين ويمزق بعضهم أعراض بعض إذا اختلفوا في غرض، وهؤلاء ~~غرورهم ظاهر. # ومثالهم مثال عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال من المقاتلين تثبت أسماؤهم ~~في الديوان، ويقطع كل واحد منهم قطرا من أقطار الأرض، فاشتاقت نفسها إلى ~~ذلك، ms199 فلبست درعا ووضعت على رأسها مغفرا، وتعلمت من رجز الأبطال أبياتا، ~~وتعلمت زيهم وجمع شمائلهم، ثم توجهت إلى العسكر، فكتب اسمها في ديوان ~~الشجعان، فلما حضرت في ديوان العرض، أمرت بتجريد المغفر والدرع لينظر ما ~~تحته وتمتحن بالمبارزة، فلما جردت إذا هي عجوز ضعيفة زمنة، فقيل لها: جئت ~~تستهزئين بالملك وأهل حضرته، خذوها وألقوها بين أيدي الفيل، فألقيت إليه. # فهكذا يكون حال المدعين التصوف في القيامة إذا كشف عنهم الغطاء، وعرضوا ~~على الحاكم الأكبر الذي ينظر إلى القلب لا إلى المرقعات والزي. # وفرقة أخرى ادعت علم المعرفة، ومشاهدة الحق، ومجاورة المقامات والأحوال، ~~والوصول إلى القرب، ولا يعرفون من تلك الأمور إلا الأسماء، فترى أحدهم ~~يرددها ويظن أن ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء ~~والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء، فضلا عن العوام، حتى إن بعض ~~العامة يلازمهم الأيام الكثيرة، ويتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة، ويرددها ~~كأنه يتكلم عن الوحى، ويحتقر في ذلك جميع العلماء والعباد، ويقول: إنهم ~~محجوبون عن الله، وإنه هو الواصل إلى الحق، وإنه من المقربين، وهو عند الله ~~من الفجار المنافقين، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين، لم يحكم علما ~~ولم يهذب خلقا، ولم يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وحفظ الهذيان. # وفرقة منهم طووا بساط الشرع، ورفضوا الأحكام، وسووا بين الحلال والحرام، ~~وبعضهم يقول: إن الله مستغن عن عملي فلم أتعب نفسي؟ # وبعضهم يقول: لا قدر للأعمال بالجوارح، وإنما النظر إلى القلوب، وقلوبنا ~~والهة بحب الله تعالى، وواصلة إلى معرفته، وإنما نخوض في الدنيا بأبداننا، ~~وقلوبنا عاكفة في الحضرة الربانية، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب، ~~ويزعمون انهم قد تراقوا عن رتبة العوام، واستغنوا عن تهذيب النفس بالأعمال ~~البدنية، وأن الشهوات # PageV01P246 # # لا تصدهم عن طريق الله تعالى لقوتهم فيها، ويرفعون أنفسهم عن درجة ~~الأنبياء، لأن الأنبياء عليهم السلام كانوا يبكون على خطيئة واحدة سنين. # وأصناف غرور أهل الإباحة لا تحصى، وكل ذلك أغاليط ووساوس، خدعهم الشيطان ~~بها، لاشتغالهم بالمجاهدة قبل إحكام العلم، من غير ms200 اقتداء بشيخ صاحب علم ~~ودين صالح للاقتداء به. # ومنهم فرقة أخرى جاوزوا هذه الطريق، واشتغلوا بالمجاهدة، وابتدؤوا بسلوك ~~الطريق وانفتح لهم باب المعرفة، فلما استنشقوا مبادئ ريح المعرفة، تعجبوا ~~منها وفرحوا بها وأعجبهم غريبها، فتقيدت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكر ~~فيها، وكيفية انفتاح بابها عليهم وانسداده عن غيرهم، وكل ذلك غرور، لأن ~~عجائب طريق الله سبحانه وتعالى ليس لها نهاية. ولو وقف مع كل أعجوبة وتقيد ~~بها، قصرت خطاه وجره الوصل إلى القصد، وكان مثاله مثال من قصد ملكا، فرأى ~~على بابه روضة فيها أزهار لم يكن رأى مثلها، فوقف ينظر إليها حتى فاته ~~الوقت الذي يمكن فيه لقاء الملك. ### | الصنف الرابع: أرباب الأموال # وهم فرق: # ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وما ~~يظهر للناس ويكتبون أسماءهم عليها ليتخلد ذكرهم، ويبقى بعد الموت أثرهم، ~~ولو كلف أحدهم أن ينفق دينارا ولا يكتب اسمه في الموضع الذي أنفق عليه لشق ~~عليه، ولولا أنه يريد وجه الناس لا وجه الله، لما شق عليه ذلك، فإن الله ~~يطلع عليه، سواء كتب اسمه أو لم يكتبه. # وبعضهم يصرف المال في زخرفة المساجد، وتزيينه بالنقوش التي هي منهي عنها ~~وشاغلة للمصلين، فإن المقصود من الصلاة الخشوع وحضور القلب، وذلك يفسد قلوب ~~المصلين. # فأما إن كان المال الذي صرفه في ذلك حراما، كان أشد في الغرور. # قال مالك بن دينار رحمه الله: أتى رجل مسجدا، فوقف على الباب وقال، مثلى ~~لا يدخل بيت الله، فكتب في مكانه صديقا. # فبهذا ينبغي أن تعظم المساجد، وهو أن يرى تلويث المسجد بدخوله فيه بنفسه # PageV01P247 # # جناية على المسجد، لا أن يرى تلويث المسجد بالحرام، أو بزخرف الدنيا منه ~~على الله تعالى، فغرور هذا من حيث أنه يرى المنكر معروفا. # وفرقة أخرى يحفظون الأموال ويمسكونها بخلا، ثم يشتغلون بالعبادات البدنية ~~التي لا تحتاج إلى نفقة المال، كالصيام والصلاة وختم القرآن، وهم مغرورون ~~لأن البخل مهلك، وقد استولى على قلوبهم، فهم محتاجون إلى قمعه بإخراج ~~المال، فقد اشتغلوا عنه بفضائل ms201 لا تجب عليهم. # ومثالهم مثال من دخلت في ثوبه حية، فاشتغل عنها بطبخ السكنجبين لتسكن به ~~الصفراء. # ومنهم من لا تسمح نفسه إلا بأداء الزكاة فقط، فيخرج الرديء من المال، أو ~~يعطى من الفقراء من يخدمه، ويتردد في حاجاته، أو من يحتاج إليه في المستقبل ~~أو من له فيه غرض. # ومنهم من يسلم من ذلك إلى بعض الأكابر ليفرقه، لينال بذلك عنده منزلة ~~ويقوم بحوائجه، وكل ذلك مفسد للنية وصاحبه مغرور، لأنه يطلب بعبادة الله ~~تعالى عوضا عن غيره. # وفرقة أخرى من أرباب الأموال وغيرهم، اغتروا بحضور مجالس الذكر، وظنوا أن ~~نفس الحضور يغنيهم عن العمل والاتعاظ، وليس كذلك، لأن مجلس الذكر إنما فضل ~~لكونه مرغبا في الخير، وكل ما يراد لغيره إذا لم يوصل إلى ذلك الغير فلا ~~وقع له، وربما سمع أحدهم التخويف، فلا يزيد على قوله: يا سلام سلم، أو أعوذ ~~بالله، ويظن أنه قد أتى المقصود. # ومثال هذا كمثل مريض يحضر عند الأطباء فيسمع ما يجرى، أو الجائع يحضر عند ~~من يصف له الأطعمة اللذيذة، ثم ينصرف فلا يغنى ذلك عنه. فكذلك سماع وصف ~~الطاعات دون العمل بها، فكل وعظ لم يغير منك صفة تتغير بها أفعالك، فهو حجة ~~عليك. # فإن قيل: فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يكاد يخلص منه. # فالجواب: أن مدار أمر الآخرة على معنى واحد، وهو تقويم القلب، ولا يعجز # PageV01P248 # # عن ذلك إلا من لم تصدق نيته، فإن الإنسان لو اهتم بأمر الآخرة كما يهتم ~~بأمر الدنيا لنالها. وقد فعل ذلك السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان. # ويستعان على التخلص من الغرور بثلاثة أشياء. # العقل: وهو النور الأصلي الذي يدرك به الإنسان حقائق الأشياء. # والمعرفة: التي يعرف بها الإنسان نفسه وربه ودنياه وأخرته. # وفى كتاب المحبة، وشرح عجائب القلب، والتفكر، وكتاب الشكر إشارات إلى وصف ~~النفس، ووصف جلال الله سبحانه. # ويستعين على معرفة الدنيا والآخرة بما ذكر في كتاب "ذم الدنيا" وكتاب ~~"ذكر الموت"، فإذا حصلت هذه المعارف، ثار من القلب بمعرفة ms202 الله تعالى حب ~~الله، وبمعرفة الآخرة حب شدة الرغبة فيها، وبمعرفة الدنيا شدة الرغبة عنها، ~~فيصير أهم أموره إليه ما يوصله إلى الله تعالى، وينفعه في الآخرة، وإذا ~~غلبت هذه الإرادة على قلب، صحت نيته في الأمور كلها، واندفع عنه كل غرور. # فإذا غلب حب الله تعالى على قلبه لمعرفته به وبنفسه، واحتاج إلى الأمر ~~الثالث وهو العلم، ونعنى به العلم بكيفية سلوك الطريق إلى الله تعالى ~~وآفاتها، والعلم بما يقربه منه ويهديه، وجميع ذلك في كتابنا هذا. # فيعرف من ربع العبادات والعادات ما هو محتاج إليه، وما هو مستغن عنه، ~~ويتأدب بأدب الشرع. # ويعرف من ربع المهلكات جميع العقبات المانعة من طريق الله تعالى، وهى ~~الصفات المذمومة في الخلق. # ويعرف من ربع المنجيات الصفات المحمودة التي لابد أن توضح خلفا من ~~المذمومة بعد محوها، فإذا أحاط بجميع ذلك، أمكنه الحذر من الأنواع التي ~~أشرنا إليها من الغرور، والله أعلم. # وإذا فعل جميع ذلك ينبغي أن يكون خائفا أن يخدعه الشيطان، ويدعوه إلى ~~الرياسة ويخاف عليه أيضا من الأمن من مكر الله تعالى. # PageV01P249 # # ولذلك قيل: والمخلصون على خطر عظيم (1). # وقال الإمام احمد رحمه الله للشيطان حين قال له عند الموت: فتني. فقل: لا ~~بعد. # فلا ينبغي أن يفارق الخوف قلوب الأولياء أبدا. نسأل الله تعالى السلامة ~~من الغرور، وحسن الخاتمة، إنه قريب مجيب. آخر الغرور. # وبه تم ربع المهلكات، ونشرع الآن في ربع المنجيات. PageV01P250 # ### | الربع الرابع: ربع المنجيات كتاب التوبة وذكر شروطها وأركانها وما يتعلق بذلك # اعلم: أن الذنوب حجاب عن المحبوب، والانصراف عما يبعد عن المحبوب واجب. # وإنما يتم ذلك بالعلم والندم والعزم، فإنه متى لم يعلم أن الذنوب أسباب ~~البعد عن المحبوب، لم يندم على الذنوب، ولم يتوجع بسبب سلوكه طريق البعد، ~~وإذا لم يتوجع لم يرجع. # وقد أمر الله تعالى بالتوبة فقال: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون} [النور: 31] وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى ~~الله توبة نصوحا} الآية [التحريم: 8]. وقال: {إن الله ms203 يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين} [البقرة: 222]. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني ~~أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة". # وفى "الصحيحين" من حديث ابن مسعود رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: "لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية ~~(1) مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها ~~حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، ~~فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامه ~~وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته". # والأحاديث في هذا كثيرة، والإجماع منعقد على وجوب التوبة، لأن الذنوب ~~مهلكات مبعدات عن الله تعالى، فيجب الهرب منها على الفور. # والتوبة واجبة على الدوام، فإن الإنسان لا يخلو عن معصية، لو خلا عن ~~معصية بالجوارح لم يخل عن الهم بالذنب بقلبه، وإن خلا عن ذلك، لم يخل عن ~~وسواس PageV01P251 # # الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله تعالى، لو خلا عنه ~~لم يخل عن غفلة وقصور في العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، ~~ولا يسلم أحد من هذا النقص، وإنما الخلق يتفاوتون في المقادير، وأما أصل ~~ذلك، فلا بد منه. # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنه ليغان على قلبي، فأستغفر ~~الله في اليوم والليلة سبعين مرة". ولذلك أكرمه الله تعالى بقوله: {ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] فأما غيره فكيف يكون حاله؟ ~~ومتى اجتمعت شروط التوبة كانت صحيحة مقبولة، قال الله تعالى: {وهو الذي ~~يقبل التوبة عن عباده} [الشورى: 25]. # وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله يقبل ~~توبة العبد ما لم يغرغر". والأحاديث في ذلك كثيرة. ### | 1 فصل في بيان أقسام الذنوب # أعلم: أن للإنسان أخلاقا وأوصافا كثيرة، لكن تنحصر مثارات الذنوب في أربع ~~صفات: # أحدها: صفات ربوبية، ومنها يحدث الكبر والفخر، وحب المدح ms204 والثناء، والعز ~~وطلب الاستعلاء ونحو ذلك، وهذه ذنوب مهلكات، وبعض الناس يغفل عنها، فلا ~~يعدها ذنوبا. # الثانية: صفات شيطانية، ومنها يتشعب الحسد، والبغي والحيل والخداع ~~والمكر، والغش والنفاق والأمر بالفساد ونحو ذلك. # الثالثة: الصفات البهيمية، ومنها يتشعب الشر والحرص على قضاء شهوة البطن ~~والفرج، فيتشعب من ذلك الزنى واللواطة والسرقة، وأخذ الحطام لأجل الشهوات. # الرابعة: الصفات السبعية، ومنها يتشعب الغضب والحقد، والتهجم على الناس ~~بالقتل والضرب، وأخذ الأموال، وهذه الصفات لها تدرج في الفطرة. # فالصفة البهيمية هي التي تغلب أولا، ثم تتلوها الصفة السبعية ثانيا، فإذا ~~اجتمعت هاتان، استعملتا العقل في الصفات الشيطانية، من المكر والخداع ~~والحيل، ثم تغلب الصفات الربوبية. # PageV01P252 # # فهذه أمهات الذنوب ومنابعها، ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع إلى ~~الجوارح، فبعضها في القلب، كالفكر، والبدعة، والنفاق، وإضمار السوء، وبعضها ~~في العين، وبعضها في السمع، وبعضها في اللسان، وبعضها في البطن والفرج، ~~وبعضها في اليدين والرجلين، وبعضها على جميع البدن، ولا حاجة إلى تفاصيل ~~ذلك فإنه واضح. ثم الذنوب تنقسم إلى ما يتعلق بحقوق الآدميين، وإلى ما بين ~~العبد وبين ربه. # فما يتعلق بحقوق العباد، فالأمر فيه أغلظ، والذي بين العبد وبين ربه، ~~فالعفو فيه أرجى وأقرب، إلا أن يكون شركا والعياذ بالله، فذلك الذي لا ~~يغفر. # وقد روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به، وديوان لا ~~يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره ~~الله تعالى، فالشرك. قال الله تعالى {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة} [المائدة: 72]. وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد ~~نفسه فيما بينه وبين الله عز وجل، يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء. وأما الديوان ~~الذي لا يترك منه شيئا، فظلم العباد بعضهم بعض، فالقصاص لا محالة". # قسمة أخرى: # اعلم: أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر الاختلاف فيها، واختلفت ~~الأحاديث في عدد ms205 الكبائر. # والأحاديث الصحاح في ذكرها خمسة. # الأول: حديث أبى هريرة رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: "اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك ~~بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال ~~اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". # PageV01P253 # # الثاني: حديث ابن مسعود رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~سئل أي الذنب أكبر؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن ~~تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك". # الثالث: حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين". # الرابع: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: قول الزور -أو قال- شهادة الزور". # الخامس: حديث أبى بكرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت عنده ~~الكبائر قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس، فقال: ألا ~~وقول الزور، وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. # وقت اختلفت العلماء فيها على أقوال كثيرة، والأحاديث في الكبائر لا تدل ~~على حصرها فيها، ولعل الشارع قصد الإبهام ليكون الناس على وجل من الذنوب، ~~لكن يعرف من الأحاديث أجناس الكبائر، ويعرف أيضا أكبر الكبائر. # فأما أصغر الصغائر، فلا سبيل إلى معرفته، وقد تكلم العلماء في عدد ~~الكبائر، فروى عن ابن مسعود رضى الله عنه: وهي أربع: # وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: هي سبع. # وكان ابن عباس رضى الله عنهما إذا بلغه قول عمر: إنها سبع، قال: هي إلى ~~سبعين أقرب منها إلى سبع. # وقال أبو صالح عن ابن عباس: هي ما أوجب الحد في الدنيا. # وعن ابن مسعود أن الكبائر من فاتحة النساء إلى قولة: {إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه} [النساء: 31]. # وقال سعيد بن جبير وغيره: هي كل ذنب أوعد الله عليه النار. # وقال أبو طالب المكي: الكبائر سبع عشرة ms206 جمعتها من جملة الأخبار. أربعة في ~~القلب: الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر ~~الله تعالى. # PageV01P254 # # وأربعة في اللسان: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر. # وثلاثة في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا. # واثنتان في الفرج: الزنا واللواطة. # واثنتان في اليدين: القتل والسرقة. # وواحدة في الرجلين: الفرار من الزحف. # واحدة في جميع البدن، وهى عقوق الوالدين. # وهذا يمكن أن يزاد عليه، وينقص منه، فإن ضرب اليتيم وتعذيبه أكبر من أكل ~~ماله، والله أعلم. ### | 2 فصل في كيفية توزع الدرجات في الآخرة على الحسنات والسيئات في الدنيا # اعلم: أن الناس يتفاوتون في الآخرة، كما يتفاوتون في الدنيا، وينقسمون ~~إلى أربعة أقسام: هالكين، ومعذبين، وناجين، وفائزين. # ومثال ذلك أن يستولي ملك من الملوك على إقليم، فيقتل بعض أهله، ويعذب ~~بعضهم ولا يقتلهم، ويخلى بعضهم، فهم الناجون، ويخلع بعضهم وهم الفائزون. # وإذا كان الملك عادلا، فلا يقسمهم كذلك إلا باستحقاق، ولا يقتل إلا جاحدا ~~لاستحقاق الملك، معاندا له في أصل الولاية، ولا يعذب إلا من قصر في خدمته ~~مع الاعتراف له بالملك، ولا يخلى إلا معترفا له بالملك، ولم يقصر، ولا يخلع ~~إلا على من أبلى عمره في الخدمة والنصرة، وكل واحد من هذه الأقسام يتفاوتون ~~في النعيم والتعذيب على حسب أحوالهم، ويشهد لذلك ما ورد في الحديث أن من ~~الناس من يمر على الصراط كالبرق الخاطف، ومنهم من يبقى في النار سبعة آلاف ~~سنة، وبين اللحظة وسبعة آلاف سنة تفاوت كثير. # وأما اختلاف العذاب بالشدة، فلا نهاية لأعلاه، وأدناه التعذيب بالمناقشة ~~في الحساب، كما أن الملك قد يعذب بعض المقصرين في الأعمال بالمناقشة في # PageV01P255 # # الحساب، ثم يعفو، وقد يضرب بالسياط أو يعذب بغيرها من أنواع العذاب. # وتفاوت منازل أهل السعادة على نحو ذلك في النعيم، فهذه الأمور الكلية ~~معلومة بالنقل ونور المعرفة. # فأما من جهة التفصيل، فنقول: كل من أحكم أصل الإيمان، واجتنب جميع ~~الكبائر، أحسن جميع الفرائض ولم يكن منه إلا صغائر متفرقة ms207 لا يصر عليها، ~~فيشبه أن يعفى عنه، فقد نص القرآن على اجتناب الكبائر مكفر للصغائر. # وهذا إما أن يلتحق بالمقربين، أو أصحاب اليمين، وذلك بحسب إيمانه، ~~ويقينه، فإن قل أو ضعف، دنت منزلته، وإن كثر وقوى، علت منزلته. # ثم إن المقربين يتفاوتون بحسب تفاوت معرفتهم بالله تعالى، ودرجات ~~العارفين في المعرفة لا تنحصر، لأن بحر المعرفة لا ساحل له، وإنما يغوص فيه ~~الغواصون بقدر قواهم، فأعلى درجات أصحاب اليمين، أدنى درجات المقربين، هذا ~~حال من اجتنب الكبائر وأدى الفرائض. # فأما من ارتكب، أو أهمل أركان الإسلام، فإنه إن تاب توبة نصوحا قبل قرب ~~الأجل، التحق بمن لم يرتكب، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والثوب ~~المغسول كالذي لم يتسخ أصلا. # فأما إن مات قبل التوبة، فأمره خطر، إذ ربما يكون موته على الإصرار سببا ~~لتزلزل إيمانه، فيختم له بسوء الخاتمة، لا سيما إذا كان إيمانه تقليدا فإنه ~~قابل للانحلال بأدنى شك وخيال، والعارف الموقن أبعد من أن يخاف عليه سوء ~~الخاتمة. ثم إن عذاب الميت عن غير توبة يكون بحسب قبح الكبائر ومدة ~~الإصرار. ثم ينزل البله المقلدون الجنة، وينزل العارفون المستبصرون أعلى ~~عليين، وما ذكرناه من مراتب العباد في المعاد حكم ظاهر الأسباب، يضاهى حكم ~~الطبيب على مريض بأنه يموت لا محالة، ولا يقبل إصلاح العلاج، وعلى مريض آخر ~~بأن عارضه خفيف، وعلاجه هين، فإن ذلك ظن يصيب غالبا، وقد تثوب إلى الهلاك ~~نفسه من حيث لا يشعر الطبيب، وقد يساق إلى ذي العارض الخفيف أجله من حيث لا ~~يطلع عليه، وذلك لأسرار الله تعالى الخفية، وفى أرواح الأحياء غموض للأسباب ~~التي رتبها المسبب، وليس في قوة البشر الوقوف على كنهها، وكذلك الفوز ~~والهلاك في الآخرة لهما أسباب خفية ليس في قوة # PageV01P256 # # البشر الاطلاع عليها، وكذلك يجوز العفو عن المعاصي وإن كثرت سيئاته، ~~والغضب على المطيع وإن كثرت طاعاته الظاهرة، فإن الاعتماد على التقوى، ~~والتقوى في القلب، وأحوال القلب قد تخفى على صاحبه، فكيف على غيره؟ # وأما ms208 الناجون، ونعنى بالنجاة السلامة فقط دون السعادة والفوز، وهم قوم لم ~~يخدموا فيخلع عليهم، ولم يقصروا فيعذبوا، ويشبه أن يكون هذا حال المجانين، ~~وأولاد الكفار، والذين لم تبلغهم الدعوة، فلم يكن لهم معرفة، ولا جحود، ولا ~~طاعة ولا معصية، ويصلح أن يكونوا على الأعراف. # وأما الفائزون، فهم العارفون، وهم المقربون والسابقون، وهؤلاء الذين لم ~~تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، وليس حرصهم على الجنة، بل على لقاء الله ~~سبحانه وتعالى والنظر إليه. # ومثالهم مثال المحب، فإنه في تلك الحال غافل عن نفسه، لا يحس بما يصيبه ~~في بدنه، ولا هم له سوى محبوبه، فهؤلاء الواصلون إلى قرة أعين، ولا تخطر ~~على قلب بشر، فهذا القدر كافي بيان توزيع الدرجات على الحسنات. ### | 3 فصل في بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب # اعلم: أن الصغيرة تكبر بأسباب: منها الإصرار والمواظبة. # وفى الحديث من رواية ابن عباس رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: "لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار" (1). # واعلم: أن العفو عن كبيرة قد انقضت ولم يتبعها مثلها، أرجى من العفو عن ~~صغيرة يواظب عليها العبد. # ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على حجر متواليات، فإنها تؤثر فيه، ولو ~~جمعت تلك القطرات في مرة وصبت عليه لم تؤثر، ولهذا قال صلى الله عليه وآله ~~وسلم "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل". PageV01P257 # # ومن الأسباب التي تعظم الصغائر أن يستصغر الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه ~~العبد، صغر عند الله تعالى، وكلما استصغره العبد، كبر عند الله تعالى، فإن ~~استعظامه يصدر عن نفور القلب منه وكراهيته له. # قال ابن مسعود رضى الله عنه: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف ~~أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا. ~~أخرجاه في "الصحيحين". # وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله تعالى، فإذا نظر إلى ~~عظمة من عصى، رأى الصغيرة كبيرة. # وفى البخاري من حديث أنس ms209 رضى الله عنه: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في ~~أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~من الموبقات". # وقال بلال بن سعد رحمه الله: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى ~~عظمة من عصيت. # ومن الأسباب أن يفرح بالصغيرة ويتمدح بها، كما يقول: أما رأيتني كيف مزقت ~~عرض فلان، وذكرت مساويه حتى خجلته، أو يقول التاجر: أما رأيت كيف روجت عليه ~~الزائف، وكيف خدعته وغبنته، فهذا وأمثاله تكبر به الصغائر. # ومنها أن يتهاون بستر الله تعالى وحلمه عنه وإمهاله إياه ولا يدرى أن ذلك ~~قد يكون مقتا ليزداد بالإهمال إثما. # ومنها أن يأتى الذنب ثم يذكره بمحضر من غيره، وفى "الصحيحين" من حديث أبى ~~هريرة رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "كل أمتي معافى ~~إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل، ثم يصبح وقد ~~ستره الله عليه، فيقول: يا فلان: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ~~الله عليه، ويصبح يكشف ستر الله عنه". # ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدي به، فإذا علم منه الذنب، كبر ذنبه، ~~كلبسه الحرير، ودخوله على الظلمة مع ترك الإنكار عليهم، وإطلاق اللسان في ~~الأعراض، واشتغاله من العلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه، كعلم الجدل، فهذه ~~ذنوب يتبع العالم # PageV01P258 # # عليها، فيموت ويبقى شره مستطيرا في العالم، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ~~ذنوبه. # وفى الحديث: "ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ~~بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ". # فعلى العالم وظيفتان: # إحداهما: ترك الذنب، والثانية: إخفاؤه إذا أتاه. # وكما تتضاعف أوزار العلماء إذا أتبعوا على الذنوب، كذلك تتضاعف حسناتهم ~~إذا أتبعوا على الخير. # وينبغى للعالم أن يتوسط في ملبسه ونفقته، وليكن إلى التقلل أميل، فإن ~~الناس ينظرون إليه. # وينبغى له الاحتراز مما يقتدي به فيه، فإنه متى ترخص في الدخول على ~~السلاطين وجمع الحطام، فاقتدى به غيره، كان الإثم ms210 عليه، وربما سلم هو في ~~دخوله، ولم يفهموا كيفية سلامته. # وقد رأينا أن ملكا كان يكره الناس على أكل لحم الخنزير، فجيء برجل عالم، ~~فقال له حاجب الملك: قد ذبحت له جديا فكل منه، فلما دخل قرب إليه فلم يأكل، ~~فأمر بقتله، فقال له الحاجب: ألم أقل لك إنه جدى، فقال: ومن أين يعلم حالي ~~من يقتدي بى. ### | 4 ### | فصل في شروط التوبة # # واعلم: أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا، وذلك الندم يورث العلم ~~بأن تكون المعاصي حائلا بين الإنسان وبين محبوبه. # والندم هو توجع القلب عنده شعوره بفراق المحبوب، وعلامته طول الحزن ~~والبكاء، فإن من استشعر عقوبة نازلة بولده أو من يعز عليه، طال بكاؤه، ~~واشتدت مصيبته، وأي عزيز أعز عليه من نفسه؟ وأي عقوبة أشد من النار؟ وأي ~~سبب أدل على نزول العقوبة من المعاصى؟ وأى خبر أصدق من رسول الله؟ ولو ~~أخبره طبيب أن ولده لا يبرأ من مرضه لاشتد في الحال حزنه، وليس ولده بأعز ~~من نفسه، ولا الطبيب أعلم من # PageV01P259 # # الله ورسوله، ولا الموت بأشد من النار، ولا المرضى أدل على الموت من ~~المعاصي على سخط الله، والتعرض بها للنار. # وينبغى للتائب أن يتفقد ما عليه من صلاة فائتة، أو بغير شرطها؟ مثل أن ~~يكون صلاها في ثوب نجس، أو بنية غير صحيحة، لجهله بذلك، فيقضيها كلها. # وكذلك إن كان عليه صوم، أو زكاة، أو حج، أو غير ذلك من الموجبات، يقضيها ~~كلها، ويفتش على ذلك ويتداركه. # وأما المعاصى، فينبغى أن يفتش من أول بلوغه عن معصية صدرت منه، وينظر ~~فيها، فما كان من ذلك فيما بينه وبين الله تعالى، فالتوبة منه الندم ~~والاستغفار. # ثم ينظر إلى مقادير ذنوبه، فيطلب لكل معصية منه حسنة تناسبها، فيأتي من ~~الحسنات بمقدار تلك السيئات. قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} ~~[هود: 114] وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أتبع السيئة الحسنة ~~تمحها". # مثال ما ذكرنا: أن يكفر سماع الملاهي بسماع القرآن ومجالس الذكر، ويكفر ~~مسح ms211 المصحف بغير طهارة بإكرامه وكثرة القراءة فيه، وإن أمكنه أن يكتب مصحفا ~~ويقفه فليفعل، ويكفر شرب الخمر بالتصدق بالشراب الحلال. وعلى هذا فاسلك ~~سبيل المضادة، فإن الأمراض إنما تعالج بضدها، فهذا حكم ما بينه وبين الله ~~تعالى. # وأما مظالم العباد، ففيها أيضا معصية الله تعالى، لأنه نهى عن ظلم ~~العباد، فالظالم لهم قد ارتكب نهيه تعالى، فيتدارك ذلك بالندم والعزم على ~~ترك مثل ذلك في المستقبل، والإتيان بالحسنات المضادة لتلك المظالم كما تقدم ~~في القسم الأول. فيقابل إيذاء الناس بالإحسان إليهم، ويكفر غصب الأموال ~~بالتصدق بماله الحلال، ويكفر تناول أعراضهم بالثناء على أهل الدين، ويكفر ~~قتل النفوس بالعتق. # هذا فيما يتعلق بحق الله تعالى، فإذا فعل ذلك، لم يكفه حتى يخرج من مظالم ~~العباد. # ومظالمهم إما في النفوس، أو الاموال، أو الأعراض، أو إيذاء القلوب. # أما الأول: فإنه إذا قتل خطأ أو أوصل الدية إلى مستحقيها، إما منه أو من ~~عاقلته، وإن قتل عمدا، وجب عليه القصاص بشروطه، فعليه أن يبذل نفسه لولى ~~الدم، إن # PageV01P260 # # شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، ولا يجوز له إخفاء أمره، بخلاف ما لو زنا، أو ~~سرق، أو شرب الخمر، أو باشر ما يجب فيه حد لله تعالى، فإنه لا يلزمه فى ~~التوبة أن يفضح نفسه، بل عليه أن يستر نفسه، فإن رفع أمره إلى الولي حتى ~~أقام عليه الحد، وقد ذلك موقعه وكانت توبته صحيحة مقبولة عند الله تعالى، ~~بدليل قصة ماعز والغامدية. # وكذلك حد القذف، لابد فيه من تحكيم المستحق فيه. # الثاني: المظالم المتعلقة بالأموال، نحو الغضب، والخيانة، والتلبيس فى ~~المعاملات، فيجب عليه رد ذلك إلى أصحابه والخروج منه. # وليكتب إلى أصحاب المظالم، وليؤد إليهم حقوقهم، ويستحلهم، فإن كثر ظلمه ~~بحيث لا يقدر على أدائه، فليفعل ما يقدر عليه من ذلك، ولم يبق له طريق إلا ~~الاستكثار من الحسنات، لتؤخذ منه في القصاص يوم القيامة فتوضع فى موازين ~~أرباب المظالم، فإنها إن تفي بذلك أخذ من سيئاتهم، فتوضع فوق سيئاته. # هذا حكم المظالم ms212 الثابتة فى الذمة والأموال الحاضرة، فإن كان عنده أموال ~~من شئ من ذلك لم يعرف مالكه ولا ورثته، تصدق به عنه، وإن اختلط الحلال ~~بالحرام، عرف قدر الحرام بالاجتهاد، وتصدق بمقداره. # الثالث: الجناية على الأعراض، وإيذاء القلوب، فعليه أن يطلب كل واحد ~~منهم، وليستحله، وليعرفه قدر الجناية، فإن الاستحلال المبهم لا يكفى، وربما ~~لو عرف ذلك لم تطب نفسه بالإحلال، إلا أن تكون تلك الجناية إذا ذكرت كثر ~~الأذى، كسبته إلى عيب من خفايا عيوبه، أو كزنى بجارته، فليجتهد فى اللطف به ~~والإحسان إليه، ثم ليستحله مبهما، ولابد أن يبقى فى مثل ذلك مظلمة تجبر ~~بالحسنات يوم القيامة، وكذلك من مات من هؤلاء فإنه يفوت أمره، ولا يتدارك ~~إلا بكثير الحسنات، لتؤخذ منه عوضا يوم القيامة، ولا خلاص إلا برجحان ~~الحسنات. ### | 5 فصل [في شروط التوبة] # ومن شروط التوبة الصحيحة العزم على أن لا يعود فى المستقبل إلى تلك ~~الذنوب، ولا إلى أمثالها، ويعزم على ذلك عزما مؤكدا. # PageV01P261 # # مثال ذلك المريض الذي يعلم أن الفاكهة تضر في مرضه، فيعزم عزما جزما أن ~~لا يتناول شيئا من الفاكهة ما دام في مرضه ذلك، فإن هذا العزم يتأكد في ~~الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة في ثاني الحال، ولكن لا يكون تائبا ما ~~لم يتأكد عزمه في الحال، ولا يتصور أن يتم ذلك للتائب في أول مرة إلا ~~بالعزلة، والصمت وقلة الأكل والنوم، وإحراز قوت حلال، ويترك الشبهات ~~والشهوات من المأكولات والملبوسات. # قال بعضهم: من صدق في ترك الشهوة، وجاهد نفسه فيها سبع مرات، لم يبتل ~~بها، وقال: من تاب من ذنب واستقام سبع سنين، لم يعد إليه أبدا. ### | 6 بيان أقسام العباد في دوام التوبة # الناس في التوبة أربع طبقات: # الطبقة الأولى: تائب يستقيم على التوبة إلى آخر عمره، ويتدارك ما فرط من ~~أمره، ولا يحدث نفسه بالعودة إلى ذنوبه، إلا الزلات التي لا ينفك عنها ~~البشر في العادات، فهذه هي الاستقامة في التوبة، وصاحبها هو السابق ~~بالخيرات. # وتسمى هذه ms213 التوبة: النصوح، وتسمى هذه النفس: المطمئنة، وهؤلاء يختلفون ~~منهم من سكنت شهوته تحت قهر المعرفة ففتر نزاعها، ومنهم من تنازعه نفسه وهو ~~ملئ بمجاهدتها. # الطبقة الثانية: تائب قد سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وكبائر ~~الفواحش، إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه، لا عن عمد، ولكنه يبتلى بها في ~~مجارى أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها، وكلما أتى شيئا منها ~~لام نفسه، وندم وعزم على الاحتراز من أسبابها، فهذه هي النفس اللوامة لأنها ~~تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة، فهذه رتبة عالية أيضا، ~~وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى، وهى أغلب أحوال التائبين، لأن الشر معجون ~~بطينة الآدمى، فقلما ينفك عنه، وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره، حتى يثقل ~~ميزانه، فترجح حسناته، فأما إن تخلو كفة السيئات، فبعيد. # وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله سبحانه وتعالى، إذ قال: {الذين يجتنبون ~~كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة} [النجم: 32] والى هذه ~~الرتبة الإشارة # PageV01P262 # # بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يحب المؤمن المفتن التواب" (1). # الطبقة الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته في ~~بعض الذنوب، فيقدم عليها لعجزه عن قهر الشهوة، إلا أنه مع ذلك مواظب على ~~الطاعات، وترك جملة من الذنوب مع القدرة عليها والشهوة لها، وإنما قهرته ~~شهوة واحدة أو شهوتان، وهو يود لو أقدره الله على قمعها، وكفاه شرها، فإذا ~~انتهت ندم، لكنه يعد نفسه بالتوبة عن ذلك الذنب، فهذه هي النفس المسؤولة، ~~وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا} فأمر هذا من حيث مواظبته على الطاعات وكراهيته لما ~~يتعاطاه مرجو لقوله تعالى: {عسى الله أن يتوب عليهم} [التوبة: 103] وعاقبته ~~خطرة من حيث تأخيره وتسويفه، فربما يختطف قبل التوبة، فإن الأعمال ~~بالخواتيم، فعلى هذا يكون الخوف من الخاتمة، وكل نفس يمكن أن يتصل به ~~الموت، فتكون الخاتمة، فليراقب الأنفاس، وليحذر وقوع المحذور. # الطبقة الرابعة: أن يتوب ms214 ويجرى مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب ~~منهمكا من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله، فهذا من ~~المصرين، وهذه النفس هي الأمارة بالسوء، ويخاف على هذا سوء الخاتمة. # فإن مات هذا على التوحيد، فإنه يرجى له الخلاص من النار، ولو بعد حين، ~~ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفي لا يطلع عليه، إلا أن التعويل على ~~هذا لا يصلح، فإن من قال: إن الله تعالى كريم، وخزائنه واسعة، ومعصيتي لا ~~تضره، ثم تراه يركب البحار في طلب الدينار، فلو قيل له: فإذا كان الحق ~~كريما فاجلس في بيتك لعله يرزقك، استجهل قائل هذا وقال: إنما الأرزاق ~~بالكسب فيقال له: هكذا النجاة بالتقوى. ### | 7 فصل [فيما ينبغي للتائب فعله] # وقد ذكرنا أن التائب ينبغي له أن يأتى بحسنات تضاد ما عمل من السيئات، ~~PageV01P263 # # لتمحوها وتكفرها، والحسنات المكفرة تكون بالقلب واللسان والجوارح على حسب ~~السيئات، فما كان بالقلب، فنحو التضرع والتذلل، وأما اللسان، الاعتراف ~~بالظلم والاستغفار، مثل أن يقول: رب ظلمت نفسي فاغفر لي. # روى في الحديث، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من رجل يذنب ~~ذنبا، فيتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلى ركعتين، ويستغفر الله عز وجل، إلا غفر ~~له". # وأما الجوارح فبالطاعات، والصدقات، وأنواع العبادات. ### | 8 فصل في دواء التوبة وطريق علاج حل عقد الإصرار # اعلم: أنه لا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى بالدواء ~~إلا مناقضة أسباب الداء، ولا يبطل الشيء إلا بضده، وسبب الإصرار الغفلة ~~والشهوة، ولا تضاد الغفلة إلا بالعلم، ولا تضاد الشهوة إلا بالصبر على قطع ~~الأسباب المحركة للشهوة. # الغفلة رأس الخطايا، فلا دواء إذا للتوبة إلا بمعجون يعجن من حلاوة العلم ~~ومرارة الصبر، كما يجمع في السكنجبين حلاوة السكر وحموضة الخل، فيحصل ~~بمجموعهما قمع الصفراء. # والأطباء لهذا المرض هم العلماء، لأنه مرض القلوب ومرض القلوب أكثر من ~~مرض الأبدان، وإنما صار مرضها أكثر لأمور: # أحدها: أن المريض لا يدرى أنه مريض. ms215 # الثاني: أن عاقبته غير مشاهدة في هذا العالم، بخلاف مرض الأبدان، فإن ~~عاقبته مشاهد ينفر الطبع عنه، وما بعد الموت غير مشاهد، فقلت النفرة عن ~~الذنوب وإن علمها مرتكبها، فلذلك تراه يتكل على فضل الله في مرض القلب، ~~ويجتهد في علاج البدن من غير اتكال. # الأمر الثالث: وهو الداء العضال فقد الطبيب، فإن الأطباء هم العلماء، وقد ~~مرضوا في هذه الأعصار، لأن الداء المهلك هو حب الدنيا، وقد غلب هذا الداء ~~على # PageV01P264 # # الأطباء، فلم يقدروا على تحذير الخلق استنكافا من أن يقال لهم: فما لكم ~~تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم؟ فبهذا السبب عم الداء وانقطع الدواء. # فإن قيل: فما ينبغي للواعظ سلوكه من الخلق؟ # فالجواب: أن ذلك يطول، لكنا نشير إلى الأعمال النافعة في ذلك، وهى أربعة ~~أنواع: # الأول: أن يذكر ما في القرآن العزيز من الآيات المخوفة للمذنبين، وما ورد ~~في الأخبار والآثار من ذلك، ويمزج ذلك بمدح التائبين. # النوع الثاني: حكايات الأنبياء عليهم السلام، والسلف الصالح، وما أصابهم ~~من المصائب بسبب الذنوب، كحال آدم عليه السلام، وما لقي في عصيانه الإخراج ~~من الجنة، وما جرى لداود وسليمان ويوسف عليهم السلام، ولم يورد القرآن هذه ~~الأشياء إلا للاعتبار. # وكان من سعادتهم معالجتهم بذلك، والأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما، ولأن ~~عذاب الآخرة أشد، فينبغي أن يكثر من هذا على أسماع المصرين، فإنه نافع في ~~تحريك دواعي التوبة. # النوع الثالث: أن يقرر عندهم، أن تعجل العقوبة في الدنيا متوقع، وأن كل ~~ما يصيب العبد من المصائب، فهو سبب جناياته، فرب عبد يتساهل في أمر الآخرة ~~يخاف عقوبة الدنيا أكثر لفرط جهله، والذنوب قد يتعجل في الدنيا شؤمها، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" ~~(1). # وقال الفضيل بن عياض: إنى لأعصى الله، فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي. # وقال أبو سليمان الداراني: الاحتلام عقوبة، ولا يفوت أحدا صلاة إلا بذنب ~~يذنبه. PageV01P265 # # وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~" إن ms216 المؤمن إذا أذنب كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل ~~قلبه، وذلك الران الذي ذكر الله عز وجل في كتابه: {كلا بل ران على قلوبهم ~~ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14] قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وقال الحسن رحمه الله: الحسنة نور في القلب، وقوة في البدن، والسيئة ظلمة ~~في القلب، ووهن في البدن. # النوع الرابع: ذكر ما ورد من العقوبات في آحاد الذنوب، كشرب الخمر، ~~والزنى، والقتل، والكبر، والحسد، والغيبة. # وينبغى أن يكون طبيبا يعلم الداء، ويدرى كيف يصنع الدواء، فإن رجلا سأل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أوصني، قال: "لا تغضب". # وقال آخر: أوصني، فقال: "عليك باليأس مما في أيدي الناس". # فكأنه تخايل في الأول مخايل الغضب، وفى الثاني مخايل الطمع. # وهذا الذي ذكرنا هو علاج الغفلة، فيبقى علاج الشهوة، وطريق علاجها يؤخذ ~~مما ذكرنا في كتاب " رياضة النفس " ولابد من الصبر، فإن المريض إنما يطول ~~مرضه لتناوله ما يضره، وإنما يحمله على ذلك شدة شهوته، أو غفلته أو مضرته، ~~فلابد من مرارة الصبر، وكذلك يعالج الشهوة في المعاصي، كالشاب مثلا إذا ~~غلبته شهوة، فصار لا يقدر على حفظ عينه وقلبه وجوارحه في السعى وراء ~~الشهوة، فينبغي أن يستحضر المخوفات التي جاءت في كتاب الله تعالى، وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا اشتد خوفه تباعد عن الأسباب المهيجة ~~للشهوة. # والذي يهيج الشهوة من خارج، هو حضور المشتهى، والنظر إليه، وعلاجه: الجوع ~~والصوم الدائم، وكل ذلك لا يتم إلا بصبر، ولا يصبر إلا عن خوف، ولا يخاف ~~إلا عن علم، ولا يعلم إلا عن بصيرة، فأول الأمر حضور مجالس الذكر، ~~والاستماع بقلب مجرد عن الشواغل، ثم التفكر فيما قيل، فينبعث الخوف، ويسهل ~~الصبر، وتتيسر الدواعي لطلب العلاج، وتوفيق الحق سبحانه من وراء ذلك كله. # فإن قيل: ما بال الإنسان يقع في الذنب مع علمه بقبح عواقبه؟ # فعن ذلك أجوبة: منها: أن العقاب الموعود ليس بحاضر. # PageV01P266 # # ومنها: أن المؤمن إذا أذنب لابد أن يعزم على ms217 التوبة، وقد وعد أن التوبة ~~تجبر ما فعل، وطول الأمل غالب على الطباع، فلا يزال يسوف بالتوبة، فلما رجا ~~التوبة أقبل على الذنب. # ومنها: أنه يرجو عفو الله عنه، وعلاج هذه الأسباب أن يفكر في نفسه أن كل ~~ما هو آت قريب، والمسوف يبنى الأمر على ما ليس إليه، وهو البقاء، فلعله لا ~~يبقى، وإن بقى فربما لا يقدر على الترك غدا كما يقدر عليه اليوم، وهل عجز ~~عن الحال إلا لغلبة الشهوة وهى غير مفارقة له غدا؟ بل يتأكد بالاعتياد، ومن ~~هذا هلك المسوفون، لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين، وما مثال المسوف إلا ~~مثال من احتاج إلى قلع شجرة، فرآها قوية لا تنقطع إلا بمشقة شديدة، فقال: ~~أؤخرها سنة ثم أعود إليها، وهو لا يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها، ~~وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه، فالعجب من عجزه مع قوته عن مقاومتها في حال ~~ضعفها، كيف ينظر الغلبة إذا ضعف وقويت. # وأما انتظار عفو الله تعالى، فعفو الله سبحانه ممكن، إلا أن الإنسان ~~ينبغي له الأخذ بالحزم، وما مثال ذلك إلا كمثل رجل أنفق أمواله كلها، وترك ~~نفسه وعياله فقراء ينتظر من الله تعالى أن يرزقه العثور على كنز في خربة، ~~وهذا ممكن إلا أن صاحبه ملقب بالأحمق، والله سبحانه وتعالى أعلم. # *** # PageV01P267 # ### | كتاب الصبر (1) والشكر # وهو شطران: # الأول: فضل الصبر وحقيقته وأقسامه ونحو ذلك. وقد ذكر الله تعالى الصبر في ~~القرآن في نحو من تسعين موضعا، وأضاف إليه أكثر الخيرات والدرجات وجعلها ~~ثمرة له، فقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} [السجدة: ~~24]. وقال: {وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} [الأعراف: ~~137]. وقال: {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: ~~96] وقال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10]. # فما من قربة إلا أجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر ~~قال الله تعالى (2): "الصوم لى وأنا أجزى به". وقد وعد الله الصابرين بأنه ~~معهم، وجمع للصابرين بين أمور لم ms218 يجمعها لغيرهم، فقال: {أولئك عليهم صلوات ~~من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 157] والآيات في هذا كثيرة. # وأما الأحاديث، ففى "الصحيحين" من حديث أبى سعيد رضى الله عنه، عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر" ~~وفى حديث آخر: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" (3). # وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله عز وجل إلا لعبد ~~كريم عنده. وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل ساعة فيطالعها، ~~وفيها: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور: 48]. # واعلم: أن الصبر من خاصية الإنسان، ولا يتصور في البهائم لنقصانها، وغلبة ~~الشهوات عليها من غير شئ يقابلها، ولا يتصور الصبر أيضا في الملائكة ~~لكمالها، فإن الملائكة جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية، ولم تسلط عليهم شهوة ~~صارفة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصدها عن حضرة الجلال. PageV01P268 # # وأما الإنسان فإنه يخلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة، لم يخلق فيه ~~إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة، ثم ~~شهوة النكاح، وليس له قوة الصبر، فإذا تحرك العقل وقوى، ظهرت مبادئ إشراق ~~نور الهداية عند سن التمييز، ولكنها هداية قاصرة لا مرشد لها إلى المصالح ~~الآخرة، فإذا عقد بمعرفة الشرع تلمح ما يتعلق بالآخرة وكثر سلاحه، إلا أن ~~الطبع يقتضي ما يحب، وباعث الشرع والعقل يمنع، والحرب بينهما قائمة، ومعركة ~~هذا القتال قلب العبد، فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث ~~الشهوات، فإن ثبت حتى قهر الشهوة التحقق بالصابرين، وإن ضعف حتى غلبت ~~الشهوة ولم يصبر على دفعها، التحق بأتباع الشياطين، وإذا ثبت أن الصبر ~~عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة الهوى، فهذه المقاومة من خاصية ~~الآدميين. ### | 1 فصل [في أقسام الصبر] # اعلم أن الصبر على ضربين: # أحدهما: بدني، كتحمل المشاق بالبدن، وكتعاطي الأعمال الشاقة من العبادات ~~أو من غيرها. # الضرب الآخر: هو الصبر النفساني على مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى، وهذا ~~الضرب إن كان ms219 صبرا عن شهوة البطن والفرج، سمى عفة، وإن كان الصبر في قتال، ~~سمى شجاعة، وإن كان في كظم غيظ سمى حلما، وإن كان في نائبة مضجرة، سمى سعة ~~صدر، وإن كان في إخفاء أمر سمى كتمان سر، وإن كان في فضول عيش سمى زهدا، ~~وإن كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمى قناعة. # وأما المصيبة، فإنه يقتصر فيها على اسم الصبر، فقد بان بما ذكرنا أن أكثر ~~أخلاق الإيمان داخلة في الصبر، وإن اختلفت الأسماء باختلاف المتعلقات. # ثم اعلم أن العبد لا يستغني عن الصبر في كل حال من الأحوال، وذلك أن جميع ~~ما يلقى العبد في الدنيا لا يخلو من نوعين: # النوع الأول: # ما يوافق هواه من الصحة، والسلامة والمال، والجاه، وكثرة العشيرة، # PageV01P269 # # والأتباع، وجميع ملاذ الدنيا، فالعبد محتاج إلى الصبر في جميع هذه ~~الأمور، فلا يركن إليها، ولا ينهمك في التلذذ بها، ويراعى حق الله تعالى في ~~ماله بالإنفاق، وفى بدنه بالمعونة للحق. # ومتى لم يضبط نفسه عن الانهماك في الملاذ والركون إليها، أخرجه ذلك إلى ~~البطر والطغيان، حتى قال بعض العارفين: المؤمن يصبر على البلاء، ولا يصبر ~~على العافية إلا صديق. # وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: ابتلينا بالضراء فصبرانا، وابتلينا ~~بالسراء فلم نصبر. # ولذلك قال الله تعالى: {لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} ~~[المنافقون: 9] وقال تعالى: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} ~~[الأنفال: 28] {إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} [التغابن: 14]. # فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية، وهذا الصبر متصل بالشكر، فلا يتم ~~إلا بالقيام بحق الشكر، وإنما كان الصبر على السراء شديدا، لأنه مقرون ~~بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام ~~اللذيذ. # النوع الثاني المخالف للهوى وهو ثلاثة أقسام: # أحدها: الطاعات، فيحتاج العبد إلى الصبر عليها، لأن النفس بطبعها تنفر عن ~~العبودية. # ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة، ومنا ما يكره بسبب البخل ~~كالزكاة، ومنها ما يكره بسببها جميعا كالحج والجهاد. # ويحتاج المريد ms220 إلى الصبر على طاعته في ثلاثة أحوال: # حال قبل العبادة، وهى تصحيح النية، والإخلاص والصبر على شوائب الرياء، ~~وحال في نفس العبادة، وهى أن لا يغفل عن الله تعالى في أثناء العبادة، ولا ~~يتكاسل عن تحقيق الآداب والسنن، فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ ~~من العمل. # PageV01P270 # # الحالة الثالثة بعد الفراغ من العمل: وهى الصبر عن إفشائه، والتظاهر به ~~لأجل الرياء والسمعة، وعن كل ما يبطل عمله، فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المن ~~والأذى أبطلها. # القسم الثاني: الصبر عن المعاصي، وما أحوج العبد إلى ذلك. # ثم إن كان الفعل مما تيسر فعله، كمعاصي اللسان من الغيبة، والكذب والمراء ~~ونحوه، كان الصبر عليه أثقل، فترى الإنسان إذا لبس حريرا استنكر ذلك، ~~ويغتاب أكثر نهاره، فلا يستنكر ذلك. ومن لم يملك لسانه في المحاورات، ولم ~~يقدر على الصبر، لم ينجه إلا العزلة. # القسم الثالث: ما لا يدخل تحت الاختبار: كالمصائب، مثل موت الأحبة، وهلاك ~~الأموال، وعمى العين، وزوال الصحة، وسائر أنواع البلاء، فالصبر على ذلك من ~~أعلى المقامات، لأن سنده اليقين. # وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من يرد الله به خيرا يصب به". # وقريب من هذا القسم، الصبر على أذى الناس، كالذي يؤذى بقول أو فعل أو ~~جناية على نفسه أو ماله، والصبر على ذلك يكون بترك المكافآت. # والصبر على أذى الناس من أعلى المراتب، قال الله تعالى: {وإن تصبروا ~~وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186]. وقال {ولقد نعلم أنك يضيق ~~صدرك بما يقولون} [الحجر: 97] وقال: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: ~~126]. # وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "الصبر ثلاثة: صبر ~~على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر عن المصيبة حتى ~~يردها بحسن عزائها، كتب الله له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الأخرى ~~كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتبت له ستمائة درجة، ما بين ~~الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش، ومن ms221 صبر على ~~المعصية كتب الله له تسعمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم ~~الأرض إلى منتهى العرش مرتين" (1). PageV01P271 # # والأحاديث في فضائل الصبر كثيرة، منها: ما أخرجناه في "الصحيحين" عن ~~عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من ~~مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز وجل بها عنه، حتى الشوكة يشاكها". # وفى حديث آخر: "ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ~~ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه". أخرجاه في ~~"الصحيحين". # وفى حديث آخر: "لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة، في جسده وفى ماله وفى ~~ولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة". # وفى حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس ~~أشد بلاء؟ قال "الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يبتلى ~~الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه ~~رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشى على الأرض وليس عليه خطيئة" ~~قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: قال الله تعالى: " إذا ~~وجهت إلى عبد من عبادي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر ~~جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا" (1). ### | 2 فصل [في آداب الصبر] # ومن آداب الصبر استعماله في أول صدمة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"إنما الصبر عند الصدمة الأولى" حديث صحيح. # ومن الآداب الاسترجاع عند المصيبة، لحديث أم سلمة رضى الله عنها وهو من ~~رواية مسلم. # ومن الآداب سكون الجوارح واللسان، فأما البكاء فجائز. # قال بعض الحكماء: الجزع لا يرد الفائت، ولكن يسر الشامت. PageV01P272 # # ومن حسن الصبر أن لا يظهر أثر المصيبة على المصاب، كما فعلت أم سليم ~~امرأة أبى طلحة لما مات ابنها، وحديثها مشهور في "صحيح مسلم". ms222 # وقال ثابت البنانى: مات عبد الله بن مطرف، فخرج مطرف على قومه في ثياب ~~حسنة وقد ادهن، فغضبوا، وقالوا: يموت عبد الله، ثم تخرج في ثياب من هذه ~~مدهنا؟! قال: أفأستكين لها، وعدني ربى تبارك وتعالى ثلاث خصال، كل خصلة ~~منها أحب إلى من الدنيا وما فيها. # قال الله تعالى: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} ~~[البقرة: 156 و 157]. # وقال مطرف: ما شىء أعطى به في الآخرة قدر كوز من ماء، إلا وددت أنه أخذ ~~منى في الدنيا. # وكان صلة بن شيم في مغزى له ومعه ابنه، فقال: أي بنى! تقدم فقاتل حتى ~~أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم فقتل، فاجتمع النساء عند أمه معاذة ~~العدوية، فقالت: مرحبا إن كنتن جئتن تهنئننى، وإن كنتن جئتن لغير ذلك ~~فارجعن. # وإذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها، فكتمانها من نعم الله عز وجل ~~الخفية. # وروى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~"إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين، فيقول: انظروا ما يقوله لعواده، فإن ~~هو حمد الله تعالى إذا دخلوا عليه، رفعا ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم. ~~فيقول: لعبدي إن أنا توفيته أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدله لحما ~~خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، وأن أكفر عنه خطاياه" (1). # وقال على رضى الله عنه: من اجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك، ولا ~~تذكر مصيبتك. # وقال الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة، ما ذكرتها لأحد. PageV01P273 # # وقال رجل للإمام أحمد: كيف تجدك يا أبا عبد الله؟ قال: بخير في عافية. ~~فقال له: حممت البارحة؟ قال: إذا قلت لك: أنا في عافية فحسبك، لا تخرجني ~~إلى ما أكره. # وقال شقيق البلخى: من شكي مصيبة به إلى غير الله، لم يجد في قلبه لطاعة ~~الله حلاوة أبدا. # وقال بعض الحكماء: من كنوز البر كتمان المصائب، وقد كانوا يفرحون ms223 ~~بالمصائب نظرا إلى ثوابها، وحكاياتهم مشهورة في ذلك. # منها: ما روى أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لما مات دفنه عمر، وسوى ~~عليه ثم استوى قائما، فأحاط به الناس، فقال: رحمك الله بابني! قد كنت برا ~~بأبيك، والله ما زلت منذ وهبك الله لى مسرورا بك، ولا والله ما كنت قط أشد ~~بك سرورا، ولا أرجى بحظي من الله تعالى فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي ~~صيرك الله إليه. # فإن قيل: إن كان المراد من الصبر عدم كراهية المصائب، فلا قدرة للآدمي ~~على ذلك، وإن كان الفرح بوجودها كما حكيتم، فهو أبعد. # والجواب: أن الصبر لا يكون إلا عن محبوب أو على مكروه، ولا ينهى عما لا ~~يدخل تحت الكسب، وهو انزعاج الباطن، وإنما ينهى عن المكتسب، كشق الجيوب، ~~ولطم الخدود، والقول باللسان، فأما ما ذكرنا من فرح بعضهم، فذلك فرح شرح لا ~~طبعي، إذ الطبع لابد له من كراهة المصائب. # ومثال هذا رجل مريض له شربة لمرضه، فسعى في طلب حوائجها، وأنفق عليها ~~مالا، فلما تمت، فرح بتمامها وتناولها لما يرجو لها من العافية، فأما طبعه، ~~فما زالت عنه كراهة التناول أصلا. ولو أن ملكا قال لرجل فقير: كلما ضربتك ~~بهذا العود اللطيف ضربة أعطيتك ألف دينار، لأحب كثرة الضرب، لا لأنه لا ~~يؤلم، ولكن لما يرجوا من عاقبة، وإن أنكاه الضرب، فكذلك السلف تلمحوا ~~الثواب، فهان عليهم البلاء. ### | 3 فصل في بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه # اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد بالشفاء، فالصبر وإن كان شاقا ~~فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل، فمنهما تركب الأدوية لأمراض القلوب ~~كلها، # PageV01P274 # # فيحتاج كل مرض إلى علم وعمل يليق به، فإن العلل إذا اختلفت اختلف العلاج، ~~إذ معنى العلاج: مضادة العلة. # ونضرب لك مثالا، فنقول: إذا افتقر الإنسان إلى الصبر عن شهوة الجماع، وقد ~~غلبت عليه بحيث لا يملك فرجه ولا عينه ولا قلبه، فعلاج ذلك بثلاثة أشياء: # أحدها: مواظبة الصوم، والاقتصار عند الإفطار على ms224 قليل من الطعام. # الثاني: قطع أسباب المهيجة، فإنه إنما يهيج بالنظر، والنظر بالقلب، ~~والقلب يحرك الشهوة، ودواء هذا العزلة، والاحتراز عن مظان وقوع البصر على ~~الصور المشتهاة، فان النظر سهم مسموم من سهام إبليس، ولا يمنع عنه إلا غمض ~~الجفن أو الهرب. # الثالث: تسلية النفس بالمباح من جنس المشتهى، وذلك بالنكاح، وكل ما ~~يشتهيه الطبع من الحرام، ففى المباحات غنية عنه، وهذا هو العلاج الأرفع في ~~حق أكثر الناس، لأن قطع الغذاء يضعف، ولا يقمع الشهوة بخلاف هذا. # وينبغى للإنسان أن يعود نفسه المجاهدة، فإن من عود نفسه مخالفة الهوى، ~~غلبها متى أراد. # واعلم: أن أشد أنواع الصبر والمجاهدة، كف الباطن من حديث النفس، وإنما ~~يشتد ذلك على من تفرغ واعتزل، فان الوساوس لا تزال تجاذبه، ولا علاج لهذا ~~إلا قطع العلائق، وجعل الهم هما واحدا، وصرف الفكر إلى ملكوت السموات ~~والأرض وعجائب صنع الله تعالى، وجميع أبواب معرفة الله تعالى، حتى إذا ~~استولى ذلك على قلبه، دفع اشتغاله مجاذبة الشيطان ووسواسة، وإن لم يكن له ~~سير الباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة، من القراءة، والأذكار، ~~والصلوات، ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور، فإن الفكر الباطن هو الذي ~~يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة، فهذا الذي يمكن أن ينال بالاكتساب ~~والجهد. # فأما مقادير ما ينكشف، ومبالغ ما يرد من لطف الله تعالى من الأحوال ~~والأعمال، فذلك يجرى مجرى الصيد، وهو بحسب الرزق، فقد يقل الجهد، ويكثر ~~الصيد، وقد يطول الجهد ويقل الصيد، والمعلوم وراء هذا الاجتهاد على جذبه من ~~جذبات الرحمن عز وجل، فإنها توازى أعمال الثقلين، وليس ذلك اختيار العبد، ~~بل # PageV01P275 # # اختياره أن يتعرض لتلك الجذبة، بأن يقلع عن قلبه جواذب الدنيا، فان ~~المجذوب إلى أسفل سافلين، لا يجذب إلى أعلى عليين، وكل منهوم بالدنيا هو ~~منجذب إليها، فقطع العلائق الجاذبة، هو المراد بقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم الله عليه وآله وسلم: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها" ~~(1). # فالذي علينا تفريغ المحل، والانتظار لنزول الرحمة، ms225 كالذي يصلح الأرض ~~وينقيها من الحشيش، ويضع فيها البذر، وكل ذلك لا ينفع إلا بمطر، ولا يدرى ~~متى يقدر الله أسباب المطر، إلا أنه يثق بفضل الله تعالى أنه لا يخلى سنة ~~عن مطر، وكذلك قلما تخلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من ~~النفحات. # فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب من حشيش الشهوات، وبذر الإرادة ~~والإخلاص، وعرضه لمهاب ريح الرحمة، وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات ~~الربيع عند ظهور الغيم، كذلك انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة، وعند ~~اجتماع الهم ونشاط القلوب، كيوم عرفة، ويوم الجمعة، وفى رمضان. والهمم ~~والأنفاس أسباب لاستدرار رحمة الله تعالى بحكمته وتقديره. # ... ### | الشطر الثاني من الكتاب # 4 ### | في الشكر وفضله وذكر النعم وأقسامها ونحو ذلك # قال الله تعالى: {وسنجزي الشاكرين} [آل عمران: 145] وقال الله تعالى: {ما ~~يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} [النساء: 147] وقال: {وقليل من عبادي ~~الشكور} [سبأ: 13] وقطع بالمزيد مع الشكر فقال: {لئن شكرتم لأزيدنكم} ~~[إبراهيم: 7] مع كونه وقف أشياء كثيرة غيره على المشيئة كقوله: {فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شاء} [التوبة: 28] وقوله: {فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء} [الأنعام: 41] وقوله: {يرزق من يشاء} [البقرة: 212] {ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء} [النساء: 48]، {ويتوب الله على من يشاء} [التوبة: 15]. ~~PageV01P276 # # ولما عرف إبليس قدر الشكر في الطعن على بنى آدم: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} ~~[الأعراف: 17]. # وروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم قام حتى ~~تفطرت قدماه، فقالت عائشة رضى الله عنها: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: "أفلا أكون عبدا شاكرا". # وعن معاذ رضى الله عنه قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الله عليه وآله وسلم: "إنى أحبك فقل: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن ~~عبادتك". ### | 5 فصل [في كون الشكر بالقلب واللسان والجوارح] # والشكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح. # أما بالقلب، فهو إظهار الشكر لله بالتحميد. # وأما بالجوارح، فهو استعمال نعم الله في طاعته، ms226 والتوقى من الاستعانة بها ~~على معصيته، فمن شكر العينين أن تستر كل عيب تراه لمسلم، ومن شكر الأذنين ~~أن تستر كل عيب تسمعه، فهذا يدخل في جملة شكر هذه الأعضاء. # والشكر باللسان: إظهار الرضى عن الله تعالى، وهو مأمور به. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: "التحدث بالنعم شكر، وتركها كفر" (1). # وروى أن رجلين من الأنصار التقيا، فقال أحدهما لصاحبه: كيف أصبحت؟ فقال: ~~الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "قولوا هكذا". # وروى أن رجلا سلم على عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فرد عليه، ثم قال له ~~عمر: كيف أصبحت؟ قال: أحمد الله، فقال عمر: ذاك الذي أرادت. # وقد كان السلف يتساءلون، ومرادهم استخراج الشكر لله، فيكون الشاكر مطيعا، ~~والمستنطق مطيعا. PageV01P277 # # وقال أبو عبد الرحمن الحبلى: إن الرجل إذا سلم على الرجل، وسأله كيف ~~أصبحت؟ فقال له الآخر: أحمد الله إليك، قال: يقول الملك الذي عن يساره للذي ~~عن يمينه: كيف تكتبها؟ قال: أكتبه من الحامدين. فكان أبو عبد الرحمن إذا ~~سئل: كيف أصبحت؟ يقول: أحمد الله إليك والى جميع خلقه. ### | 6 فصل [في فعل الشكر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله] # اعلم: أن فعل الشكر وترك الكفران، لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى، ~~إذ معنى الشكر استعمال نعمة في محابه، ومعنى الكفران نقيض ذلك، إما بترك ~~الاستعمال، أو استعماله فيما يكرهه. # ولتمييز ما يحبه الله فيما يكرهه مدركان: # أحدهما: السمع، ومستنده الآيات. # والثاني: بصيرة القلب، وهو النظر بعين الاعتبار، وهذا الأخير عسير عزيز، ~~ولذلك أرسل الله تعالى الرسل، وسهل بهم الطرق على الخلق، ومعرفة ذلك تبنى ~~على معرفة جميع أحكام الشرع في. أفعال العباد، فمن لا يطلع على حكم الشرع ~~في جميع أفعاله، لم يمكنه القيام بحق الشكر أصلا. # وأما الثاني: وهو النظر بعين الاعتبار، فهو إدراك حكمة الله تعالى في كل ~~موجود خلقه: إذ ما خلق الله تعالى شيئا في العالم إلا وفيه حكمة، وتحت ~~الحكمة مقصود، وذلك المقصود هو ms227 المحبوب. وتلك الحكمة منقسمة إلى جلية ~~وخفية. # أما الجلية، فكالعلم بأن الحكمة في خلق الشمس أن يحصل الليل والنهار، ~~فيكون النهار معاشا، والليل سباتا، فتتيسر الحركة عند الأبصار، والسكون عند ~~الاستتار، فهذا من جملة حكم الشمس، لا كل الحكمة فيها، كذلك معرفة الحكمة ~~في الغيم ونزول الأمطار. # وأما الحكمة في خلق الكواكب، فخفية لا يطلع عليها كل الخلق، وقد يطلعون ~~على بعض ما فيها من الحكم، نحو كونها زينه للسماء، وجميع أجزاء العالم لا ~~تخلو منه ذرة عن حكمة، وكذلك أعضاء الحيوان، منها ما تبين حكمته بيانا ~~ظاهرا، كالعلم، بأن العين للإبصار، واليد للبطش، والرجل للمشى. # PageV01P278 # # فأما الأعضاء الباطنة، كالمرارة، والكلية والكبد، وآحاد العروق، والأعصاب ~~وما فيها من التجاويف والرقة والغلظة، فلا يعرف الحكمة فيها كل الناس، ~~والذين يعرفونها إنما يعرفون منها قدرا يسيرا بالنسبة إلي علم الله تعالى، ~~فكل من استعمل شيئا في جهة غير الجهة التي خلق لها ذلك الشيء على غير الوجه ~~الذي أريد به، فقد كفر نعمة الله تعالى فيه، فمن ضرب غيره بيده بغير حق، ~~فقد كفر نعمة الله تعالى في اليد لأنها خلقت ليدفع بها عن نفسه ما يؤذيه، ~~ويتناول ما ينفعه، لا ليؤذى بها غيره، وكذلك العين إذا نظر بها إلى محرم، ~~فقد كفر نعمتها، ونعمة الشمس أيضا، إذا الإبصار يتم بها، فالعين والشمس ~~خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه، ويبقى بهما ما يضره فيهما. # واعلم: أن المراد من خلق الخلق وخلق الدنيا وأسبابها، أن يستعين بها ~~الخلق على الوصول إلى الله تعالى، ولا أنس إلا بدوام الذكر، ولا محبة إلا ~~بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر، ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا بدوام ~~البدن، ولا يبقى البدن إلا بالأرض والماء والهواء، ولا يتم ذلك إلا بخلق ~~السماء والأرض وخلق جميع الأعضاء الباطنة والظاهرة، وكل ذلك لأجل البدن، ~~والبدن مطية النفس، والراجع إلى الله هي النفس المطمئنة بطول العبادة ~~والمعرفة، ولذلك قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: ~~56] فكل من ms228 استعمل شيئا في غير طاعة الله، فقد كفر نعمة الله في جميع ~~الأسباب التي لا بد منها، لإقدامه على تلك المعصية. # ولنذكر مثالا واحدا للحكم الخفية التي ليست في غاية الخفاء، حتى يعتبر ~~بها، ويعلم طريق الشكر والكفران على النعم، فيقول: من نعم الله تعالى خلق ~~الدراهم والدنانير اللذين بهما قوام الدنيا، وهما حجران لا منفعة في ~~أعينهما، ولكن يضطر الخلق إليهما، من حيث كل إنسان يحتاج إلى أعيان كثيرة، ~~في مطعمه، ومشربه، وملبسه، ومركبه، وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه، ~~ويملك ما يستغني عنه، كمن يملك قدرا من الزعفران مثلا وهو يحتاج إلى جمل ~~يركبه، وآخر يملك الجمل، وربما استغنى عنه، ويحتاج إلى الزعفران، فلا بد ~~بينهما من معاوضة، ولابد في مقدار العوض من تقدير، إذا لا يبذل صاحب الجمل ~~جمله بكل مقدار من الزعفران، ولا مناسبة بين الزعفران والجمل، حتى يعطى ~~مثله في الوزن والصورة. # PageV01P279 # # وكذا من يشترى دارا بثياب، أو عبدا بخف، أو دقيقا بحمار، فهذه الأشياء لا ~~تناسب بينهما، فخلق الله تعالى الدراهم والدنانير، حاكمين ومتوسطين بين ~~سائر الأموال، حتى تقدر بهما، فيقال: هذا الجمل يساوى مائة، وهذا القدر من ~~الزعفران يساوى مائة، فحصل التساوي بينهما حينئذ، وإنما أمكن التعديل ~~بينهما بالنقدين، إذ لا غرض في أعيانهما، فإنه لو كان في أعيانهما فرض لم ~~ينتظم الأمر، فخلقهما الله لتداولها الأيدي، ويكون حاكمين بين الأموال ~~بالعدل، وجعلهما عزيزين في أنفسهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة، ~~فمن ملكهما، فكأنه ملك كل شئ. # إذا عرفت حكمتهما، فكل من عمل فيهما عملا يخالف المقصود منهما، ولا يليق ~~بحكمتهما، فقد كفر نعمة الله فيهما، فمن كنزهما فقد أبطلهما وأبطل الحكمة ~~فيهما، ومنع الأيدى من تداولهما. ولما كان كثير من الخلق عاجزين عن قراءة ~~الأسطر الإلهية المكتوبة على صفحات الموجودات بخط إلهي لا يدرك بعين البصر، ~~بل بعين البصيرة، أخبرهم الله تعالى بكلام سمعوه بواسطة رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم الله عليه وآله وسلم، فقال: {والذين يكنزون الذهب والفضة ms229 ~~ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34]. # وكل من اتخذ الدراهم والدنانير آنية، فقد كفر نعمة الله فيهما، لأنه أسوأ ~~حالا ممن كنزهما. # ومثال ذلك من استعمل حاكم البلد في الحياكة والكنس والأعمال التي يقوم ~~بها أخس الناس، وذلك أن الحديد والنحاس والخزف وغيرها يقوم مقام الذهب ~~والفضة من كونهما قيم الأشياء، فمن لم تنكشف له هذه الحكمة بالرحمة الإلهية ~~قيل له: "من شرب في إناء ذهب أوفضة، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وكذلك ~~كل من عامل بالربا في الدراهم والدنانير، فقد أخرجهما عن مقصودهما، فهذا ~~مثال لحكمة خفية من حكم النقدين. # فينبغي أن تعتبر شكر النعمة وكفرها بهذا المثال في غيره من جميع أمورك، ~~في حركتك، وسكونك، ونطقك، وسكوتك في كل فصل صادر منك، إما شكرا أو # PageV01P280 # # عكسه، وهو الكفر وبعض ذلك تصفه بالكراهة، وبعضه بالحظر. # ومن ذلك أن الله تعالى خلق لك يدين، جعل إحداهما أقوى من الأخرى، فاستحقت ~~بمزيد القوة رجحانا وشرفا على الأخرى، وقد أحوجك من أعطاك اليدين إلى ~~أعمال، بعضها شريفة، كأخذ المصحف، وبعضها خسيسة، كإزالة النجاسة، فإذا أخذت ~~المصحف باليسار، وأزلت النجاسة باليمين، فقد عكست المقصود، وخصصت الشريف ~~بما هو خسيس، فظلمته. # وكذلك في الرجلين، إذا ابتدأت باليسرى في لبس الخف، فقد ظلمت اليمنى، لأن ~~الخف وقاية الرجل، وقس على ذلك. # وكذلك نقول: من كسر غصنا من شجرة لغير حاجة مهمة وغرض صحيح، فقد خالف ~~الحكمة في خلق الأشجار، لأنها خلقت للمنفعة بها، فإن كان كسره لغرض صحيح، ~~فلا بأس، وإن فعل ذلك في ملك غيره، فهو ظالم، وإن كان محتاجا، إلا أن يأذن ~~صاحبه. ### | 7 فصل في بيان النعم وحقيقتها وأقسامها # اعلم: أن كل مطلوب يسمى نعمة، ولكن النعمة في الحقيقة هي السعادة ~~الأخروية، وتسمية ما عداها نعمة تجوز، والأمور كلها بالإضافة إلينا تنقسم ~~أربعة أقسام: # أحدهما: ما هو نافع في الدنيا والآخرة جميعا، كالعلم، وحسن الخلق، وهو ~~النعمة الحقيقية. # الثاني: ما هو ضار فيهما جميعا، وهو البلاء حقيقة. # القسم ms230 الثالث: ما ينفع في الحال، ويضر في المآل، كالتلذذ، واتباع ~~الشهوات، فهو بلاء عند ذوى الأبصار، والجاهل يظنه نعمة. # ومثاله: الجائع إذا وجد عسلا فيه سم، فأنه يعده نعمة إن كان جاهلا، فإذا ~~علم ذلك عدة بلاء. # القسم الربع: الضار فىالحال، النافع في المآل، وهو نعمة عند ذوى الألباب، ~~بلاء عند الجهال. # ومثاله: الدواء الشنيع مذاقه في الحال، الشافي في المآل من الأسقام، ~~فالصبى # PageV01P281 # # الجاهل، إذا كلف شربه ظنه بلاء، والعاقل يعده نعمه، وكذلك إذا احتاج ~~الصبي إلى الحجامة، فإن الأب يدعوه إليها ويأمره بها، لما يلحظ في عاقبتها ~~من الشفاء، والأم تمنعه من ذلك لفرط حبها وشفقتها، لكونها جاهلة بالمصلحة ~~في ذلك، فالصبي يتقلد من أمه بجهله، ويأنس إليها دون أبيه، ويقدر أباه ~~عدوا، ولو عقل لعلم أن الأم هي العدو الباطن في صورة صديق، لأن من منعها ~~إياه من الحجامة يسوقه إلى أمراض أشد من ألم الحجامة، فالصديق الجاهل شر من ~~العدو العاقل، وكل إنسان صديق نفسه، ولكن النفس صديق جاهل، فلذلك تعمل بما ~~لا يعمل العدو. ### | 8 فصل في بيان كثرة نعم الله تعالى وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء # اعلم: أن النعم تنقسم إلى ما هو غاية مطلوبة لذاتها، وإلى ما هو مطلوب ~~لأجل الغاية. # أما الغاية فهي سعادة الآخرة، ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور: بقاء لا فناء ~~له، وسرور لا غم فيه، وعلم لاجهل معه، وغنى لا فقر بعده، وهى السعادة ~~الحقيقية. # وأما القسم الثاني: فهو الوسائل إلى السعادة المذكورة، وهى أربعة أقسام: # أعلاها: فضائل النفس، كالإيمان، وحسن الخلق. # الثاني: فضائل البدن، من القوة والصحة ونحوهما. # الثالث: النعم المطيفة للبدن، من المال والجاه والأهل. # الرابع: الأسباب التي جمع بينها وبين ما يناسب الفضائل، من الهداية ~~والإرشاد، والتسديد، والتأييد، وكل هذه نعم عظيمة. # فإن قيل: ما وجه الحاجة لطريق الآخرة إلى النعم الخارجة في المال والجاه ~~ونحوهما؟ # قلنا: هذه الأشياء جارية مجرى الجناح المباح، والآلة المستعملة للمقصود. # أما المال، فإن طالب العلم إذا لم تكن معه كفاية، ms231 كان كساع إلى الهيجاء ~~بغير سلاح، ولأنه يبقى مستغرق الأوقات في طلب القوت، فيشغله عن تحصيل ~~العلم، وعن الذكر، والفكر، ونحو ذلك. # PageV01P282 # # وأما الجاه فيه يدفع عن نفسه الذل والضيم، ولا ينفك عن عدو يؤذيه، وظالم ~~يهوش عليه، فيشغل قلبه، وقلبه رأس ماله، وإنما تدفع هذه الشواغل بالعز ~~والجاه. # وأما الصحة والقوة وطول العمر ونحوها، فهي نعم، إذ لا يتم علم ولا عمل ~~إلا بذلك. # وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثر من ~~الناس: الصحة، والفراغ". # ولما سئل: من خير الناس؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله". # وأما المال والجاه، وإن كانا نعمتين، فقد ذكرنا ما فيهما من الآفات فيما ~~تقدم، وأنهما ليسا بمذمومين على الإطلاق. # وأما الهداية والرشد والتسديد والتأييد، فلا خفاء في كونهما من أعظم ~~النعم، فلا يستغني أحد عن الحاجة إلى التوفيق، ولذلك قيل: # إذا لم يكن عون الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده ### | 9 فصل [من نعم الله الأسباب التي يتم بها الأكل] # واعلم: أنا قد ذكرنا جملة من النعم، وجعلنا صحة البدن نعمة واحدة من ~~النعم الواقعة في الرتبة الثانية، فلو أردنا أن نستقصي الأسباب التي بها ~~تمت هذه النعمة، لم نقدر عليها، ولكن الأكل أحد أسباب الصحة، فلنذكر شيئا ~~من جملة الأسباب التي يتم بها الأكل على سبيل التلويح، لا على سبيل ~~الاستقصاء، فنقول: من جملة نعم الله عليك أن خلق لك آلة الإحساس، وآلة ~~الحركة في طلب الغذاء، فانظر إلى ترتيب حكمة الله تعالى في الحواس الخمس، ~~التي هي آلة للإدراك. # فأولهما: حاسة اللمس، وهو أول حس يخلق للحيوان، وأنقص درجات الحس أن يحس ~~بما يلاصقه، فإن الإحساس بما يبعد منه أتم لا محالة، فافتقرت إلى حس تدرك ~~به ما بعد عنك، فخلق لك الشم تدرك الرائحة من بعيد، ولكن لا تدرى من أي ~~ناحية جاءت الرائحة، فتحتاج أن تطوف كثيرا حتى تعثر على الذي شممت رائحته، # PageV01P283 # # وربما لم تعثر، فخلق لك البصر لتدرك به ما بعد ms232 عنك، وتدرك جهته فتقصدها ~~بعينها، إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصا، إذ لا تدرك بذلك ما ~~وراء الجدار والحجاب، فربما قصدك عدو بينك وبينه حجاب، وقرب منك قبل أن ~~يكشف الحجاب، فتعجز عن الهرب، فخلق لك السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء ~~الحجرات عند جريان الحركات، ولا يكفى ذلك، لو لم يكن لك حسن الذوق، إذ به ~~تعلم ما يوافقك وما يضرك، بخلاف الشجرة، فإنه يصب في أصلها كل مائع، ولا ~~ذوق له فتجذبه، وربما يكون ذلك سبب جفافها، ثم أكرمك الله تعالى بصفة أخرى، ~~هي أشرف من الكل، وهو العقل، فبه تدرك الأطعمة ومنفعتها، وما يضر في المآل، ~~وبه تدرك طبخ الأطعمة وتأليفها وإعداد أسبابها، فتنتفع به في الأكل الذي هو ~~سبب صحتك، وهو أدنى فوائد العقل، والحكمة الكبرى فيه معرفة الله تعالى، وما ~~ذكرنا من الحواس الخمس الظاهرة فهي بعض الحركات، ولا تظن أننا استوفينا ~~شيئا من ذلك، فإن البصر واحد من الحواس، والعين آلة له، وقد ركبت العين من ~~عشر طبقات مختلفة، بعضها رطوبات، وبعضها أغشية مختلفة، لكل واحد من الطبقات ~~العشر صفة، وصورة، وشكل، وهيئة، وتدبير، وتركيب، لو اختلت طبقة واحدة أو ~~صفة واحدة لاختل البصر، وعجز عنه الأطباء كلهم، فهذا في حس واحد، وقس حاسة ~~السمع وسائر الحواس، ولا يمكن أن يستوفى ذلك في مجلدات، فكيف ظنك بجميع ~~البدن؟! # ثم انظر بعد ذلك في خلق الإرادة والقدرة، وآلات الحركة في أصناف النعم، ~~وذلك أنه لو خلق لك البصر حتى تدرك به الطعام، ولم يخلق لك في الطبع شوق ~~إليه وشهوة تستحثك على الحركة، كان البصر معطلا، فكم من مريض يرى الطعام ~~وهو أنفع الأشياء له، ولا يقدر على تناوله لسقوط شهوته، فخلق الله لك شهوة ~~الطعام وسلطها عليك، كالمتقاضى الذي يضطرك إلى تناول الغذاء. # ثم إن الشهوة لو لم تسكن عند أخذ مقدار الحاجة من الطعام، لأسرفت وأهلكت ~~نفسك، فخلق لك الكراهة عند الشبع لتترك الأكل بها، وكذلك القول في ms233 شهوة ~~الوقاع لحكمة بقاء النسل. # ثم خلق لك الأعضاء التي هي آلات الحركة في تناول الغذاء وغيره، منها ~~اليدان، # PageV01P284 # # وهما مشتملتان على مفاصل كثيرة لتتحرك في الجهات وتمتد وتنثني، ولا تكون ~~كخشبة منصوبة. # ثم جعل رأس اليد عريضا، وهو الكلف، وقسمه خمسة أقسام، وهى الأصابع وجعلها ~~مختلفة في الطول والقصر، ووضعها في صفين، بحيث يكون الإبهام في جانب، ويدور ~~على الأصابع البواقى، ولو كانت مجتمعة متراكمة، لم يحصل تمام الغرض، ثم خلق ~~لها أظافر، وأسند إليها رؤوس الأصابع، لتقوى بها، ولتلتقط بها بعض الأشياء ~~الدقيقة التي لا تحويها الأصابع، ثم هب أنك أخذت الطعام باليد، فلا يكفيك ~~حتى يصل إلى باطنك، فجعل لك الفم واللحيين، خلقهما من عظمين، وركب فيهما ~~الأسنان، وقسمها بحسب ما يحتاج إليه الطعام، فبعضها قواطع كالرباعيات، ~~وبعضها يصلح للكسر كالأنياب، وبعضها طواحن كالأضراس، وجعل اللحى الأسفل ~~متحركا حركة دورية، واللحى الأعلى ثابتا لا يتحرك، فانظر إلى عجيب صنع الله ~~تعالى، وإن كل رحى صنعها الخلق يثبت منها الحجر الأسفل ويدور الأعلى، إلا ~~هذه الرحى التي هي من صنع الله سبحانه وتعالى، فإنه يدور منها الأسفل على ~~الأعلى، إذ لو دار الأعلى خوطر بالأعضاء، الشريفة التي يحتوى عليها. # ثم انظر كيف أنعم الله عليك بخلق اللسان، فإنه يطوف في جوانب الفم، ويرد ~~الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة، كالمجرفة التي ترد الطعام إلى ~~الرحى، هذا مع ما فيه من عجائب قوة النطق. # ثم هب أنك قطعت الطعام وعجنته وهو يابس، فلا تقدر على الابتلاع إلا بأن ~~ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة. # انظر كيف خلق الله تعالى تحت اللسان عينا يفيض منها اللعاب، وينصب بقدر ~~الحاجة حتى ينعجن به الطعام. # ثم هذا الطعام المطحون المعجون من يوصله إلى المعدة وهو في الفم، فإنه لا ~~يمكن إيصاله باليد، فهيأ الله تعالى المريء (1) والحنجرة، وجعل رأسها طبقات ~~ينفتح لأخذ الطعام، ثم ينطبق وينضغط حتى يقلب الطعام، فيهوى في دهليز ~~المريء إلى المعدة، فإذا ورد الطعام إلى المعدة وهو خبز ms234 وفاكهة مقطعة، فلا ~~يصلح أن يصير لحما PageV01P285 # # وعظما ودما على هذه الهيئة حتى يطبخ طبخا تاما، فجعل الله المعدة على ~~هيئة قدر يقع فيه الطعام، فتحتوى عليه وتغلق عليه الأبواب، وينضج بالحرارة ~~التي تتعدى إليها من الأعضاء الأربعة، وهى الكبد من جانبها الأيمن، والطحال ~~من جانبها الأيسر، والثرب (1) من أمامها، ولحم الصلب من خلفها، فينضج ~~الطعام ويصير مائعا متشابها يصلح للنفوذ في تجاويف العروق، ثم ينصب الطعام ~~من العروق إلى الكبد، فيستقر فيها ريثما يصلح له نضج آخر. # ثم يتفرق في الأعضاء ويبقى منه ثقل ثم يندفع. # ولو استوفينا الكلام في ذلك لطال. # وفى الآدمي من العضلات والعروق ما لا يحصى، مختلف بالصغر والكبر والدقة ~~والغلظ، ولا شئ منها إلا وفيه حكمة، وكل ذلك من الله سبحانه، ولو سكن من ~~جملتها عرق متحرك أو تحرك عرق ساكن، لهلكت يا مسكين. # فانظر إلى نعم الله تعالى عليك، لتقوى على الشكر، فإنك لا تعرف من نعمة ~~الله تعالى إلا نعمة الأكل، وهى أخسها، ثم لا تعرف منها إلا أنك تجوع ~~وتأكل، والبهيمة أيضا تعرف أنها تجوع وتأكل، وتتعب فتنام، وتشتهى فتجامع، ~~وإذ لم تعرف أنت من نفسك إلا ما يعرف الحمار، فكيف تقوم بشكر الله؟! ‍‍ ~~وهذا الذي رمزنا إليه على الإيجاز قطرة من بحر نعم الله تعالى، فقس على ~~ذلك. # وجملة ما عرفنا وعرفه الخلق كلهم من نعم الله تعالى بالإضافة إلى ما لم ~~يعرفوه، أقل من قطرة في بحر. قال الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها} [إبراهيم: 34 والنحل: 17]. ### | 10 فصل [في عجائب الأغذية والأدوية] # واعلم: أن الأطعمة كثيرة مختلفة، والله تعالى في خلقها عجائب لا تحصى، ~~وهى تنقسم إلى أغذية وأدوية وفواكه وغيرها: # فنتكلم عن بعض الأغذية، فنقول: إذا كان عندك شئ من الحنطة، فلو أكلتها ~~PageV01P286 # # لفنيت وبقيت جائعا، فما أحوجك إلى عمل ينمى به حب الحنطة ويتضاعف حتى يفي ~~بتمام حاجتك، وهو زرعها، وهو أن تجعلها في أرض فيها ماء يمتزج ماؤها بالأرض ~~فيصير طينا، ثم لا ms235 يكفى الماء والتراب، إذ لو تركت في الأرض ندية صلبة، لم ~~تنبت لفقد الهواء، فيحتاج إلى تركها إلى أرض متخلخلة يتغلغل الهواء فيها، ~~ثم الهواء لا يتحرك إليه بنفسه، فيحتاج إلى ريح تحرك الهواء، وتصرفه بقهر ~~على الأرض، حتى ينفذ فيها، ثم كل ذلك لا يغنى، فيحتاج إلى حرارة الربيع ~~والصيف، فإنه لو كان في البرد المفرط لم ينبت. # ثم انظر إلى الماء الذي يحتاج إليها هذه الزراعة كيف خلقه الله تعالى؟ ~~فجر العيون وأجرى منها الأنهار، ولما كان بعض الأرض مرتفعا لا يناله الماء، ~~أرسل إليها الغيوم، وسلط عليها الرياح لتسوقها بإذنه إلى أقطار العالم، وهى ~~سحب ثقال، ثم يرسله على الأرض مدرارا في وقت الحاجة. # وانظر كيف خلق الله الجبال حافظة للماء، تنفجر منها العيون تدريجا، فلو ~~خرجت دفعة واحدة لغرقت البلاد وهلك الزرع وغيره. # وانظر كيف سخر الشمس وخلقها، مع بعدها عن الأرض، مسخنة لها في وقت دون ~~وقت، ليحصل البرد عند الحاجة إليه، والحر عند الحاجة إليه. # وخلق القمر وجعل من خاصيته الترطيب، كما جعل من خاصية الشمس التسخين فهو ~~ينضج الفواكه بتقدير الحكيم الخبير، وكل كوكب خلق في السماء، فهو مسخر لنوع ~~فائدة، كما سخرت الشمس والقمر، ولا يخلو كل واحد منها عن حكم كثيرة لا تفي ~~قوة البشر بإحصائها، وكذلك الشمس والقمر، فيهما حكم آخر غير ما ذكرنا لا ~~تحصى. # ولما كانت كل الأطعمة لا توجد في كل مكان، سخر الله تعالى التجار، وسلط ~~عليهم الحرص على جمع المال، مع أنه لا يغنيهم في غالب الأمر شئ، بل يجمعون ~~الأموال، فإما أن تغرق بها السفن أو تنهبها قطاع الطرق، أو يموتون في بعض ~~البلاد، فتأخذها السلاطين، وأحسن أحوالها أن يأخذها ورثتهم، وهم أشد ~~أعدائهم لو عرفوا، فانظر كيف سلط الله عليهم الأمل والغفلة، حتى يقاسوا ~~الشدائد في طلب الريح في ركوب البحار، وركوب الأخطار، فيحملون الأطعمة ~~وأنواع الحوائج من أقصى # PageV01P287 # # الشرق والغرب إليك. # واعلم: أن الخلق لم يقصروا عن شكر النعمة إلا للجهل والغفلة، ms236 فإنهم منعوا ~~بذلك عن معرفة النعم، ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها، ثم إن عرفوا ~~نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول أحدهم بلسانه: الحمد لله، والشكر لله، ~~ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن تستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت ~~بها، وهى طاعة الله تعالى. # أما الغفلة عن النعم فلها أسباب: # أحدها: أن الناس لجهلهم لا يعدون ما يعم الخلق في جميع أحوالهم نعمة، ~~فلذلك لا يشكرون على جملة ما ذكرناه، من النعم، لأنها عامة للخلق، فلا يعده ~~نعمة، فلا تراهم يشكرون الله على روح الهواء، ولو أخذ بمخنقهم لحظة حتى ~~انقطع الهواء عنهم ماتوا، ولو حبسوا في حمام أو بئر ماتوا غما، فإن ابتلى ~~أحدهم بشيء من ذلك ثم نجا، قدر ذلك نعمة يشكر الله عليها، وهذا غاية الجهل، ~~إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة، ثم ترد إليهم في بعض ~~الأحوال، فالنعم في جميع الأحوال أولى بالشكر، فلا ترى البصير يشكر صحة ~~البصر إلا أن يعمى، فإذا أعيد بصره أحس بالنعمة وشكرها حينئذ وعدها نعمة، ~~وهو مثل عبد السوء يضرب دائما، فإذا ترك ضربه ساعة، شكر وتقلد ذلك منة، وإن ~~ترك ضربه أصلا، غلبه البطر وترك الشكر، فصار الناس لا يشكرون إلا على المآل ~~الذي يتطرق الاختصاص إليه م حيث الكثرة والقلة، وينسون جميع نعم الله تعالى ~~عليهم. # كما روى أن بعضهم شكا فقره إلى بعض أرباب البصيرة، وأظهر شدة اغتمامه ~~بذلك، فقال له: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟ قال لا، قال: أيسرك أنك ~~أخرس ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ~~ولك عشرون ألفا؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف؟ قال: لا، ~~قال: أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا. # وحكى عن بعض الفقراء أنه اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعا، فرأى في المنام ~~كأن قائلا يقول له: أتود أن أنسيناك سورة الأنعام ولك ألف دينار؟ قال: لا، ~~قال: ms237 فسورة هود؟ قال: لا، قال: فسورة يوسف؟ قال: لا، قال فمعك قيمة مائة ~~ألف دينار وأنت تشكو؟ فأصبح وقد سرى عنه. # PageV01P288 # # ودخل ابن السماك على الرشيد في عظة. فبكى ثم دعا بماء في قدح فقال: يا ~~أمبر المؤمنين، لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفديها بها، ~~قال: نعم، قال فاشرب ريا، بارك الله فيك. فلما شرب، قال له: يا أمير ~~المؤمنين، أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها، أكنت ~~تفتدى ذلك؟ قال: نعم قال فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه! # وهذا يبين أن نعمة الله على العبد في شربة ماء عند العطش أعظم من ملك ~~الأرض كلها، ثم تسهيل خروج الحدث من أعظم النعم، وهذه إشارة وجيزة إلى ~~النعم الخاصة. # اعلم: أن ما من عبد إلا إذا أمعن النظر رأى من نعم الله نعما كثيرة لا ~~يشاركه فيها عموم الناس، بل قد يشاركه في ذلك كثير منهم، من ذلك العقل، فما ~~من عبد إلا وهو راض عن الله سبحانه في عقله، يعتقد أنه أعقل الناس، وقلما ~~يسأل الله العقل، وإذا كان ذلك اعتقاده، فيجب عليه أن يشكر الله تعالى على ~~ذلك. # ومن ذلك الخلق، فإنه ما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبا يكرهها، وأخلاقا ~~يذمها، ويرى نفسه بريئا منها، فينبغي أن يشكر الله تعالى على ذلك، حيث أحسن ~~خلقه وابتلى غيره. # ومن ذلك أن ما من أحد إلا وهو يعرف من بواطن أمور نفسه وخفايا أركانها ما ~~هو منفرد به، ولو كشف الغطاء عنه حتى أطلع عليه أحد من الخلق لافتضح، فكيف ~~لو اطلع الناس كافة؟ فلم لا يشكر الله بستره الجميل على مساويه، حيث أظهر ~~الجميل وستر القبيح. # ولننزل إلى طبقة أعم من هذا القبيل، فنقول: ما من عبد إلا وقد رزقه الله ~~تعالى في صورته، أو أخلاقه أو صفاته، أو أهله، أو ولده، أو مسكنه أو بلده، ~~أو رفيقه أو أقاربه، أو جاهه، أو سائر محابه، أمورا، لو سلب ms238 ذلك وأعطى ما ~~خصص به من ذلك غيره، لكان لا يرضى به، وذلك مثل أن جعله مؤمنا لا كافرا، ~~وحيا لا جمادا، وإنسانا لا بهيمة، وذكرا لا أنثى، وصحيحا لا مريضا، وسليما ~~لا معيبا، فإن كل هذه خصائص. # فإن كان لا يرى أن يبدل حاله بحال غيره، مثل أن يعرف شخصا يرتضى لنفسه ~~حاله بدلا عن حال نفسه، إما على الجملة، أو في أمر خاص، فإن الله عليه نعما ~~ليست # PageV01P289 # # له على أحد من عباده سواه، وإن كان يرى انه يبدل حال نفسه بحال بعضهم دون ~~بعض، فلينظر إلى عدد المغبوطين عنده، فإنه يراه عنده لا محالة أقل من ~~غيرهم، فيكون من دونه في الحال أكثر بكثير ممن فوقه، فما باله ينظر فوقه ~~ولا ينظر إلى من دونه؟! # وفى "الصحيحين" عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق، فلينظر ~~إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه". وقد رواه الترمذي بلفظ آخر: "انظروا إلى ~~من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن تزدروا نعمة الله ~~عليكم" (1). # فإن من اعتبر حال نفسه، وفتش على ما خص به، وجد لله تعالى نعما كثيرة، لا ~~سيما من خص الإيمان، والقرآن، والعلم، والسنة، ثم الفراغ، والصحة والأمن ~~وغير ذلك. # وقد روى في بعض الأحاديث "من قرأ القرآن فهو غني". وفي لفظ: "القرآن غنى ~~لا فقر بعده، ولا غنى دونه" (2). # وفى حديث آخر: "من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، ~~فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها". # وقال بعضهم: # إذا ما القوت يأتي ل ... ك والصحة والأمن # وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن # فإن قيل: فما علاج القلوب الغافلة عن شكر نعم الله تعالى؟ # فالجواب: أما القلوب المبصرة، فتتأمل ما رمز إليه من أصناف نعم الله عز ~~وجل، وأما القلوب البليدة التي لا تعد النعمة نعمة إلا إذا نزل بها البلاء، ~~فسبيل ms239 صاحبها أن PageV01P290 # # ينظر أبدا إلى من دونه، ويفعل ما كان يفعله بعض القدماء، فإنه كان يحضر ~~دار المرضى ليشاهد أنواع البلاء عليهم، ثم يتأمل صحته وسلامته، ويشاهد ~~الجناة الذين يقتلون وتقطع أيديهم وأرجلهم ويعذبون، فيشكر الله على سلامته ~~من تلك العقوبات، ويحضر المقابر، فيعلم أن أحب الأشياء إلى الموتى أن يردوا ~~إلى الدنيا، ليتدارك من عصا عصيانه، وليزيد في الطاعة من أطاع، فإن يوم ~~القيامة يوم التغابن، فإذا شاهد المقابر، وعلم أحب الأشياء إليهم، فليصرف ~~بقية عمره في طاعة الله تعالى وشكره في الإمهال، بأن يصرف العمر إلى ما خلق ~~لأجله، وهو التزود للآخرة. # ومما ينبغي أن تعالج به القلوب البعيدة عن الشكر أن يعرف أن النعمة إذا ~~لم تشكر زالت. # كان الفضيل رحمه الله تعالى يقول: عليكم بمداومة الشكر على النعم، فقل ~~نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم. ### | 11 فصل في بيان اجتماع الصبر والشكر على وجه واحد # لعلك تقول: قد ذكرت أن لله تعالى في كل موجود نعمة، وهذا يشير إلى أن ~~البلاء لا وجود له أصلا، فما معنى الصبر، وإن كان البلاء موجودا، فما معنى ~~الشكر على البلاء؟ وكيف يجتمع الصبر والشكر؟! فإن الصبر يستدعى ألما والشكر ~~يستدعى فرحا، وهما متضادان. # فاعلم أن البلاء موجود، كما أن النعمة موجودة، وأنه ليس كل بلاء يأمر ~~بالصبر عليه، مثل الكفر، فإنه بلاء، ولا معنى للصبر عليه، وكذا المعاصي، ~~إلا أن الكافر لا يعلم أن كفره بلاء، فيكون كمن به علة، وهو لا يتألم بها، ~~بسبب غشيته، والعاصي يعرف عصيانه، فعليه ترك المعصية، وكل بلاء يقدر ~~الإنسان على دفعه لا يأمن الصبر عليه، فلو ترك شرب الماء مع العطش حتى عظم ~~ألمه، لم يأمر بالصبر على ذلك، بل يأمر بإزالة الألم، وإنما يكون الصبر على ~~ألم ليس إلى العبد إزالته، فإذن يرجع الصبر في الدنيا إلى ما ليس ببلاء ~~مطلق، بل يجوز أن يكون نعمة من وجهه، فلذلك يتصور أن يجتمع عليه وظيفة ~~الشكر ووظيفة الصبر، فإن الغنى مثلا يجوز ms240 أن يصير سبب هلاك الإنسان، حتى ~~يقصد قتله بسبب ماله، والصحة أيضا كذلك، فما من نعمة من نعم الدنيا إلا ~~ويجوز أن تصير بلاء وقد يكون على العبد في بعض الأمور # PageV01P291 # # بلاء وفيه نعمة. # مثال ذلك. جهل الإنسان بأجله، فإنه نعمة عليه، إذ لو عرفه تنغص عليه ~~العيش، وطال بذلك غمه، وكذلك جهله بما يضمره بعض الناس له، إذ لو اطلع عليه ~~لطال ألمه وحقده وحسده واشتغاله بالانتقام، وكذلك جهله بالصفات المذمومة من ~~غيره، إذ لو عرف منه ذلك، أبغضه وآذاه، فكان ذلك وبالا عليه. # ومن ذلك إبهام القيامة، وليلة القدر، وساعة الجمعة، وكل ذلك نعمة، لأن ~~الجهل يوفر الدواعي على الطلب والاجتهاد، فهذه وجوه نعم الله تعالى في ~~الجهل، فكيف في العلم؟! # وقد قلنا: إن لله سبحانه في كل موجود نعمة، حتى إن الآلام قد تكون نعمة ~~في حق المتألم، وقد تكون نعمة في حق غيره، كألم الكفار في النار في الآخرة، ~~فإنه نعمة في حق أهل الجنة، إذ لو لم يعذب قوم، ما عرف المتنعمون قدر ~~نعيمهم، وإنما يتضاعف فرح أهل الجنة إذا ذكروا ألم أهل النار، ألا ترى أن ~~أهل الدنيا لا يشتد فرحهم بنور الشمس، مع شدة حاجتهم إليها مع أنها عامة ~~ومبذولة، ولا بالنظر إلى زينة السماء، وهى أحسن من كل نبت، لأنها عامة، ~~فلذلك لم يشعروا بها، ولم يفرحوا بسببها، فإذا صح قولنا: إن الله تعالى لم ~~يخلق شيئا إلا وفيه حكمة ونعمة، إما على جميع العباد، أو على بعضهم، ففى ~~خلق الله تعالى البلاء نعمة أيضا، إما على المبتلى، أو على غيره، فيجتمع ~~على العبد وظيفة الشكر والصبر في كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق، ولا ~~نعمة مطلقة، فإن الإنسان قد يفرح بالشيء الواحد من وجه، ويغتم به من وجه ~~آخر، فيكون الصبر من حيث الاغتمام، والشكر من حيث الفرح. # واعلم: أن في كل فقر، ومرض، وخوف، وبلاء في الدنيا، خمسة أشياء ينبغي أن ~~يفرح العاقل بها، ويشكر عليها: # أحدها: أن كل ms241 مصيبة ومرض يتصور أن يكون عليها أكثر منها، لأن مقدورات ~~الله تعالى لا تتناهى، فلو أضعفها الله عز وجل على العبد، فما كان يمنعه؟ ~~فليشكر إذ لم يكن أعظم. # الثاني: أن المصيبة لم تكن في الدين. # قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى على ~~فيه أربع # PageV01P292 # # نعم، إذ لم يكن في ديني، وإذ لم يكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا به، وإذ ~~أرجو الثواب عليه. # قال رجل لسهل بن عبد الله: دخل اللص بيتي وأخذ متاعي، فقال: اشكر الله ~~تعالى، لو دخل الشيطان قلبك فأفسد إيمانك، ماذا كنت تصنع؟ ومن استحق أن ~~يضربك مائة سوط، فاقتصر على عشرة فهو مسحق للشكر. # الثالث: أن ما من عقوبة إلا كان يتصور أن تؤخره إلى الآخرة، ومصائب ~~الدنيا يتسلى عنها فتخفف، ومصيبة الآخرة دائمة، وإن لم تدم، فلا سبيل إلى ~~تخفيفها، ومن عجلت عقوبته في الدنيا لم يعاقب ثانيا، كذا ورد في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وفى "صحيح مسلم": "إن كل ما يصاب به المسلم يكون كفارة له، حتى النكبة ~~ينكبها، والشوكة يشاكها". # الرابع: أن هذه المصيبة كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب، ولم يكن بد من ~~وصولها إليه، فقد وصلت واستراح منها، فهي نعمة. # الخامس: أن ثوابها أكثر منها، فإن مصائب الدنيا طرق إلى الآخرة، كما يكون ~~المنع من أسباب اللعب نعمة في حق الصبى، فإنه لو خلى واللعب، لكان يمنعه، ~~ذلك من العلم والأدب، فكان يخسر طول عمره، وكذلك المال والأهل والأقارب ~~والأعضاء، قد تكون سببا لهلاكه، فالملحدون غدا يتمنون أن لو كانوا مجانين ~~وصبيانا، ولم يتصرفوا بعقولهم في دين الله تعالى، فما من شئ من هذه الأسباب ~~يوجد من العبد، إلا ويتصور أن يكون له في ذلك خبرة دينية، فعليه أن يحسن ~~الظن بالله عز وجل، ويقدر الخيرة فيما أصابه، ويشكر الله تعالى عليه، فإن ~~حكمة الله تعالى واسعة، وهو أعلم بمصالح العباد منهم، وغدا يشكره العباد ~~على البلاء ms242 إذا رأوا ثوابه، كما يشكر الصبي بعد البلوغ أستاذه وأباه على ~~ضربه وتأديبه، إذ رأى ثمرة ما استفاد من التأديب. # والبلاء تأديب من الله تعالى، ولطفه بعباده أتم وأوفى من عناية الآباء ~~بالأولاد .. # وفى الحديث: "لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له". # وأيضا، فاعلم أن رأس الخطايا المهلكة حب الدنيا، ورأس أسباب النجاة ~~التجافي بالقلب عنها، ومواتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ~~ومصيبة تورث # PageV01P293 # # طمأنينة القلب إلى الدنيا والأنس بها، فإذا كثرت المصائب انزعج القلب عن ~~الدنيا ولم يسكن إليها، فصارت سجنا له، فكانت نجاته منها غاية المراد كخلاص ~~المسجون من السجن. # وأما التألم فهو ضروري وذلك يضاهى فرحك بمن يحجمك أو يسقيك دواء نافعا ~~بلا أجر فإنك تتألم وتفرح، فتصبر على الألم، وتشكر على سبب الفرح، فمن عرف ~~هذا تصور منه أن يشكر على البلاء، ومن لا يؤمن أن ثواب المصيبة أكثر منها ~~لم يتصور منه الشكر على المصيبة. # وقد روى أن أعرابيا عزى ابن عباس رضى الله عنه بأبيه فقال: # اصبر نكن بك صابرين فإنما ... صبر الرعية عند صبر الرأس # خير من العباس صبرك بعده ... والله خير منك للعباس # فقال ابن عباس رضى الله عنهما: ما عزاني أحد أحسن من تعزيته. # وقد سبق ذكر أنواع البلاء، وثواب الصبر عليها. # فإن قال قائل: الأخبار الواردة في فضل الصبر تدل على أن البلاء في الدنيا ~~خير من النعيم، فهل لنا أن نسأل الله عز وجل البلاء؟ # فالجواب: أنه لا وجه لذلك، فإن في الحديث من رواية أنس، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عاد رجلا من المسلمين صار مثل الفرخ، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: "هل كنت تدعو بشيء أو تسأله؟ " قال: نعم، ~~كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله لى في الدنيا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه، ~~فهلا قلت: اللهم آتتا في الدنيا حسنة وفى الآخرة ms243 حسنة وقنا عذاب النار". # ومن حديث أنس رضى الله عنه أيضا، أن رجلا قال: يا نبى الله: أي الدعاء ~~أفضل؟ قال: "سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة" ثم أتاه الغد، فقال ~~يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: "سل الله العفو والعافية في الدنيا ~~والآخرة" ثم أتاه اليوم الثالث، فقال: "سل الله العفو والعافية في الدنيا ~~والآخرة، فإن أعطيت العفو والعافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت". # وفى "الصحيحين" انه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "تعوذوا بالله من جهد # PageV01P294 # # البلاء، ودرك الشفاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء". # وقال مطرف: لأن أعافى فأشكر، أحب إلي من أن ابتلى فأصبر. ### | 12 فصل في بيان أيهما أفضل الصبر أم الشكر # واختلف الناس: هل الصبر أفضل من الشكر، أو بالعكس؟ وفى ذلك كلام طويل، ~~ذكره المصنف رحمه الله، وتلخيص القول فيه: أن لكل واحد من الصبر والشكر ~~درجات. # فأقل درجات الصبر، ترك الشكوى مع الكراهة، ووراءها المرضى، وهو مقام وراء ~~الصبر، ووراء ذلك الشكر على البلاء وهو وراء الرضى. # ودرجات الشكر كثيرة، فإن حياء العبد مع تتابع نعم الله عليه شكر، ومعرفته ~~بالصبر عن الشكر شكر، والمعرفة بعظيم حلم الله وستره شكر، والاعتراف بأن ~~النعم ابتداء من الله بغير استحقاق شكر، والعلم بأن الشكر نعمة من نعم الله ~~شكر، وحسن التواضع في النعم والتذلل فيها شكر، وشكر الوسائط شكر، لقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: " لا يشكر الله من لا يشكر الناس" وقلة الاعتراض وحسن ~~الأدب بين يدي المنعم شكر، وتلقى النعم بحسن القبول واستعظام صغيرها شكر، ~~فما يندرج من الأعمال والأقوال تحت اسم الشكر والصبر لا ينحصر، وهى درجات ~~مختلفة، فكيف يمكن إجمال القول بتفضيل أحدهما على الآخر؟ # لكن نقول: إذا أضيف إلى الشكر الذي هو صرف المال إلى الطاعة، فالشكر ~~أفضل، لأنه تضمن الصبر أيضا، وفيه فرح بنعمة الله عز وجل، وفيه احتمال ألم ~~في صرفه إلى الفقراء، وترك صرفه إلى التنعيم المباح، فهو أفضل من الصبر ~~بهذا الاعتبار. # وأما إذا كان ms244 شكر المال ألا يستعين به على معصية، بل يصرفه إلى التنعيم ~~المباح، فالصبر هنا أفضل من الشكر، والفقير الصابر أفضل من الممسك ماله ~~الصارف له في المباحات، لأن الفقير قد جاهد نفسه وأحسن الصبر على بلاء الله ~~تعالى، وجميع ما ورد من تفضيل أجزاء الصبر على الشكر، إنما أريد به هذه ~~الرتبة على الخصوص، لأن # PageV01P295 # # السابق إلى إفهام الناس، من نعمة الأموال، والغنى بها، والسابق من ~~الإفهام من الشكر أن يقول الإنسان: الحمد لله، فإذن الصبر الذي يعتمده ~~العامة أفضل من هذا الشكر الذي يفهمونه، ومتى لحظت المعنى الذي ذكرناه، ~~علمت بأن لكل واحد من القولين وجها في بعض الأحوال، فرب فقير صابر أفضل من ~~غنى شاكر كما ذكر، ورب غنى شاكر أفضل من فقير صابر، وذلك هو الغنى الذي يرى ~~نفسه مثل الفقير الذي لا يمسك لنفسه من المال إلا قدر الضرورة، ويصرف ~~الباقي في الخيرات، أو يمسكه على اعتقاده أنه خازن للمحتاجين، وإنما ينتظر ~~حاجة تسنح حتى يصرف إليها، وإذا صرفه لم يصرفه لطلب جاه ولا تقليد منه، ~~فهذا أفضل من الفقير الصابر، والله سبحانه وتعالى أعلم. # *** # PageV01P296 # ### | كتاب الرجاء والخوف # اعلم: أن الرجاء والخوف جناحان، بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ~~ومطيتان بهما يقطع طريق الآخرة كل عقبة كؤود، ولابد من بيان حقيقتهما ~~وفضيلتهما وسببهما، وما يتعلق بذلك، ونحن نذكرهما في شطرين: # الأول: في الرجاء. والثاني: في الخوف. ### | الشطر الأول: الرجاء # واعلم: أن الرجاء من جملة مقامات السالكين وأحوال الطالبين، وإنما يسمى ~~الوصف مقاما إذا ثبت وأقام، فإن كان عارضا سريع الزوال سمى حالا، كما أن ~~الصفرة تنقسم إلى ثابتة، كصفرة الذهب، وإلى سريعة، كصفرة الوجل، وإلى ما ~~بينهما كصفرة المرض، وكذلك صفات القلب تنقسم إلى هذه الأقسام، وإنما سمى ~~غير الثابت حالا، لأنه يحول عن القلب. # واعلم: أن كل ما يلاقيك من محبوب أو مكروه ينقسم إلى موجود في الحال وإلى ~~موجود فيما مضى. # فالأول: يسمى وجدا وذوقا وإدراكا. # والثانى: يسمى ذكرا وإن كان قد خطر ms245 ببالك شئ في الاستقبال، وغلب على ~~قلبك، سمى انتظارا وتوقعا، فإن كان المنتظر محبوبا، سمى رجاء، وإن كان ~~مكروها، سمى خوفا. # فالرجاء: هو ارتياح لانتظار ما هو محبوب عنده، ولكن ذلك المتوقع لابد له ~~من سبب حاصل، فإن لم يكن السبب معلوم الوجود ولا معلوم الانتفاء، سمى ~~تمنيا، لأنه انتظار من غير سبب، ولا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما ~~يتردد فيه، فأما ما يقطع به فلا، إذ لا يقال: أرجو طلوع الشمس وأخاف ~~غروبها، لأن ذلك مقطوع به عند طلوعها وغروبها، ولكن يقال: أرجو نزول المطر ~~وأخاف انقطاعه. # وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض، والإيمان ~~كالبذر فيه، والطاعات جارية مجرى تنقية الأرض وتطهيرها، ومجرى حفر الأنهار ~~ومساقى الماء إليها. # وإن القلب المستغرق بالدنيا، كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر. # ويوم القيامة هو يوم الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمو زرع إلا ~~من بذر # PageV01P297 # # الإيمان، وقل أن ينفع مع خبث القلب وسوء أخلاقه، كما لا ينمو البذر في ~~الأرض السبخة. # فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع، فكل من طلب أرضا ~~طيبة، وألقى فيها بذرا جيدا غير مسوس ولا عفن، ثم ساق إليها الماء في أوقات ~~الحاجة، ونقى الأرض من الشوك والحشيش وما يفسد الزرع، ثم جلس ينتظر من فضل ~~الله تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة، إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته، ~~فهذا يسمى انتظاره رجاء. # فأما إن بذر في أرض سبخة صلبة مرتفعة لا يصل إليها الماء ولم يتعاهدها ~~أصلا، ثم انتظر الحصاد، فهذا يسمى انتظاره حمقا وغرورا، لا رجاء. # وإن بث البذر في أرض طيبة، ولكن لا ماء لها، وأخذ ينتظر مياه الأمطار، ~~سمى انتظاره تمنيا لا رجاء. # فإذن اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت أسبابه الداخلة تحت ~~اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس إلى اختياره، وهو فضل الله سبحانه، بصرف ~~الموانع المفسدات، فالعبد إذا بث بذر الإيمان، وسقاه ماء الطاعات، وطهر ~~القلب من ms246 شوك الأخلاق الرديئة، وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك ~~إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره لذلك رجاء ~~محمودا باعثا على المواظبة على الطاعات والقيام بمقتضى الإيمان إلى الموت، ~~وإن قطع بذر الإيمان عن تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحونا برذائل ~~الأخلاق، وانهمك في طلب لذات الدنيا، ثم انتظر المغفرة، كان ذك حمقا ~~وغرورا. قال الله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا ~~الأدنى ويقولون سيغفر لنا} [الأعراف: 169] وذم القائل: {ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا} [الكهف: 36]. # وروى شداد بن أوس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الكيس ~~من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على ~~الله عز وجل الأماني" (1). # وقال معروف الكرخى رحمه الله: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق. ولذلك ~~PageV01P298 # # قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولئك يرجون رحمت الله} [البقرة: 218]. # المعنى: أولئك الذين يستحقون أن يرجوا، ولم يرد به تخصيص وجود الرجاء، ~~لأن غيرهم أيضا قد يرجو ذلك. # واعلم: أن الرجاء محمود، لأنه باعث على العمل، واليأس مذموم، لأنه صارف ~~عن العمل، إذ من عرف أن الأرض سبخة، وأن الماء مغور، وأن البذر لا ينبت، ~~ترك تفقد الأرض، ولم يتعب في تعاهدها. # وأما الخوف، فليس بضد الرجاء، بل رفيق له، كما سيأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى. # وحال الرجاء يورث طريق المجاهدة بالأعمال، والمواظبة على الطاعات كيفما ~~تقلبت الأحوال، ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله عز وجل، والتنعم ~~بمناجاته، والتلطف في التملق له، فإن هذه الأحوال لابد أن تظهر على كل من ~~يرجو ملكا من الملوك، أو شخصا من الأشخاص، فكيف لا يظهر ذلك في حق الله ~~سبحانه وتعال؟ فمتى لم يظهر، استدل به على حرمان مقام الرجاء، فمن رجا أن ~~يكون مرادا بالخير من غير هذه العلامات، فهو مغرور. ### | 1 فصل في فضيلة الرجاء # روى في "الصحيحين" من حديث ms247 أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: "قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدى بي" وفى رواية ~~أخرى "فليظن بى ما شاء". # وفى حديث آخر من رواية مسلم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا ~~يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله". # وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: أحبنى، وأحب من يحبنى، وحببنى ~~إلى خلقي. قال: يارب: كيف أحببك إلى خلقك؟ قال: اذكرني بالحسن الجميل، ~~واذكر آلائي وإحساني. # وعن مجاهد رحمه الله قال: يؤمر بالعبد يوم القيامة إلى النار، فيقول: ما ~~كان هذا ظني فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تغفر لى، فيقول: خلو سبيله. # PageV01P299 # ### | 2 فصل في دواء الرجاء والسبب الذي يحصل به # اعلم: أن دواء الرجاء يحتاج إليه رجلان: # إما رجل قد غلب عليه اليأس حتى ترك العبادة. # وإما رجل غلب عليه الخوف حتى أضر بنفسه وأهله. # فأما العاصي المغرور المتمني على الله مع الإعراض عن العبادة، فلا ينبغي ~~أن يستعمل في حقه إلا أدوية الخوف، فإن أدوية الرجاء تقلب في حقه سموما، ~~كما أن العسل شفاء لمن غلبت عليه البرودة، مضر لمن غلبت عليه الحرارة. # ولهذا يجب أن يكون واعظ الناس متلطفا، ناظرا إلى مواضع العلل، معالجا كل ~~علة بما يليق بها، وهذا الزمان لا ينبغي أن يستعمل فيه مع الخلق أسباب ~~الرجاء، بل المبالغة في التخويف، وإنما يذكر الواعظ فضيلة أسباب الرجاء إذا ~~كان مقصوده استمالة القلوب إليه، لإصلاح المرضى. # وقد قال على رضى الله عنه: إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ~~ولا يؤمنهم مكر الله. # إذا عرفت هذا، فاعلم أن من أسباب الرجاء، ما هو من طريق الاعتبار، ومنها ~~ما هو من طريق الأخبار. أما الاعتبار، فهو أن يتأمل جميع ما ذكرناه من ~~أصناف النعم في كتاب الشكر، فإذا علم لطائف الله تعالى بعباده في الدنيا، ~~وعجائب حكمته التي راعاها في فطرة الإنسان، وأن لطفه الإلهي لم يقصر عن ~~عباده في ms248 دقائق مصالحهم في الدنيا، ولم يرض أن تفوتهم الزيادات في الرتبة، ~~فكيف يرضى سياقتهم إلى الهلاك المؤبد؟! فإن من لطف في الدنيا يلطف في ~~الآخرة، لأن مدبر الدارين واحد. # وأما استقراء الآيات والأخبار، فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا} [الزمر: 53]. وقال تعالى: {والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون ~~لمن في الأرض} [الشورى: 4]. # وأخبر تعالى أنه أعد النار لأعدائه، وإنما خوف بها أولياءه، فقال: {لهم ~~من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده} [الزمر: 16]. ~~وقال تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131]. وقال: # PageV01P300 # # {فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى} ~~[الليل: 14 - 16]. وقال تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} ~~[الرعد: 6]. # ومن الأخبار ما روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إن إبليس قال لربه عز وجل: بعزتك وجلالك، ~~لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأروح فيهم. فقال الله عز وجل: فبعزتي ~~وجلالى، لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني" (1). # وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ~~فيستغفرون فيغفر لهم" رواه مسلم. # وفى "الصحيحين" من حديث عائشة رضى الله عنها، أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: "سدودا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل أحدا الجنة عمله، ~~قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله منه ~~برحمته". # وفى "الصحيحين" من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: "يقول الله عزل وجل يوم القيامة: يا آدم: قم فابعث بعث ~~النار فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك. يارب: وما بعث النار؟ قال: من كل ~~ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ يشيب المولود، {وتضع كل ذات حمل ms249 حملها ~~وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} [الحج: 2]. فشق ذلك ~~على الناس، حتى تغيرت وجوههم، وقالوا: يارسول الله! وأينا ذلك الواحد؟ فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: "من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم ~~واحد" فقال الناس: الله أكبر. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " والله ~~إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة. والله إنى لأرجو أن تكونوا ثلث أهل ~~الجنة، والله إنى لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة. فكبر الناس، فقال: "ما ~~أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة ~~السوداء في الثور الأبيض". # فانظر كيف جاء بالتخويف، فلما أزعج جاء باللطف، ومتى اطمأنت القلوب إلى ~~PageV01P301 # # الهوى، فينبغي أن تزعج فإذا اشتد قلقها، ينبغي أن تسكن ليعتدل الأمر. # وقال ابن مسعود رضى الله عنه: ليغفر الله عز وجل يوم القيامة مغفرة لم ~~تخطر على قلب بشر. # وروى أن مجوسيا استضاف إبراهيم الخليل عليه السلام فلم يضفه وقال: إن ~~أسلمت، أضفتك، فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم منذ تسعين سنة أطعمه على ~~كفره فسعى إبراهيم عليه السلام خلفه، فرده وأخبره في الحال، فتعجب من لطف ~~الله تعالى. فأسلم. # فهذه الأسباب التي تجتلب بها روح الرجاء إلى قلوب الخائفين واليائسين. ~~فأما الحمقى المغرورون، فلا ينبغي أن يسمعوا شيئا من ذلك، بل يسمعون ما ~~سنورده في أسباب الخوف، فإن أكثر الناس لا يصلحون إلا على ذلك، كعبد السوء ~~الذي لا يستقيم إلا بالعصا. ### | الشطر الثاني من الكتاب # في ### | 3 الخوف وحقيقته وبيان درجاته وغير ذلك # اعلم: أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في ~~الاستقبال. # مثال ذلك، من جنى على ملك جناية، ثم وقع في يده، فهو يخاف القتل، ويجوز ~~العفو، ولكن يكون تألم قلبه بحسب قوة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله، ~~وتفاحش جنايته، وتأثيرها عند الملك، وبحسب ضعف الأسباب يضعف الخوف. وقد ~~يكون الخوف لا عن سبب جناية، بل عن صفة المخوف وعظمته وجلاله، إذ قد علم أن ~~الله ms250 سبحانه، لو أهلك العالمين لم يبال، ولم يمنعه مانع، فبحسب معرفة ~~الإنسان بعيوب نفسه، وبجلال الله تعالى واستغنائه، وأنه لا يسأل عمل يفعل، ~~يكون خوفه. # وأخوف الناس أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "أنا أعرفكم بالله، وأشدكم له خشية" (1). وقال تعالى: {إنما يخشى ~~الله من عباده PageV01P302 # # العلماء} [فاطر: 28] وإذا كملت المعرفة، أثرت الخوف، ففاض أثرت الخوف، ~~ففاض أثره على القلب، ثم ظهر على الجوارح والصفات بالنحول والاصفرار ~~والبكاء والغشى، وقد يفضي إلى الموت، وقد يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل. # وأما ظهور أثره على الجوارح، فبكفها عن المعاصي، وإلزامها الطاعات، ~~تلافيا لما فرط، واستعدادا للمستقبل. # قال بعضهم: من خاف أدلج. وقال آخر: ليس الخائف من بكى، إنما الخائف من ~~ترك ما يقدر عليه. # ومن ثمرات الخوف، أنه يقمع الشهوات، ويكدر اللذات، فتصير المعاصي ~~المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل مكروها عند من يشتهيه إذ علم أن فيه ~~سما، فتحترق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويذل القلب ويستكين، ويفارقه ~~الكبر والحقد والحسد، ويصير مستوعب الهم لخوفه، والنظر في خطر عاقبته، فلا ~~يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة، والمجاهدة، والضنة ~~بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس في الخطرات والخطوات والكلمات، ويكون ~~حاله كحال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدرى أيغفل عنه فيفلت، أو يهجم عليه ~~فيهلكه، ولا شغل له إلا ما وقع فيه، فقوة المراقبة والمحاسبة بحسب قوة ~~الخوف، وقوة الخوف بحسب قوة المعرفة بجلال الله تعالى، وصفاته، وبعيوب ~~النفس، وما بين يديها من الأخطار والأهوال. # وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال، أن يمنع المحظورات، فإن منع ~~ما يتطرق إليه إمكان التحريم، سمى ورعا، وإن انضم إليه التجرد والاشتغال ~~بذلك عن فضول العيش، فهو الصدق. ### | 4 فصل [الخوف سوط الله تعالى] # اعلم: أن الخوف سوط الله تعالى يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم ~~والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى. # والخوف، له إفراط، وله اعتدال، وله قصور. # والمحمود من ذلك الاعتدال، وهو ms251 بمنزلة السوط للبهيمة فإن الأصلح للبهيمة ~~أن لا تخلو عن سوط، وليس المبالغة في الضرب محمودة ولا التقاصر عن الخوف ~~أيضا محمود، وهو كالذي يخطر بالبال عند سماع آية، أو سبب هائل، فيورث ~~البكاء، فإذا # PageV01P303 # # غاب ذلك السبب عن الحس، رجع القلب إلى الغفلة، فهو خوف قاصر قليل الجدوى، ~~ضعيف النفع، وهو كالقضيب الضعيف الذي يضرب به دابة قوية فلا يؤلمها ألما ~~مبرحا، فلا يسوقها إلى المقصد، ولا يصلح لرياضتها، وهذا هو الغالب على ~~الناس كلهم، إلا العارفين والعلماء، أعنى العلماء بالله وبآياته، وقد عز ~~وجودهم. وأما المرتسمون برسوم العلم، فإنهم أبعد الناس عن الخوف. # وأما القسم الأول، وهو الخوف المفرط، فهو كالذي يقوى ويجاوز حد الاعتدال ~~حتى يخرج إلى اليأس والقنوط، فهو أيضا مذموم، لأنه يمنع من العمل، وقد يخرج ~~المرض والوله والموت، وليس ذلك محمودا، وكل ما يراد لأمر، فالمحمود منه ما ~~يفضي إلى المراد المقصود منه، وما يقصر عنه أو يجاوزه، فهو مذموم، وفائدة ~~الخوف الحذر، والورع، والتقوى، والمجاهدة والفكر، والذكر، والتعبد وسائر ~~الأسباب التي توصل إلى الله تعالى، وكل ذلك يستدعى الحياة، مع صحة البدن ~~وسلامة العقل، فإذا قدح في ذلك شىء، كان مذموما. # فإن قيل: فما تقول فيمن مات من الخوف؟ # فالجواب: أنه ينال لموته على تلك الحال مرتبة لا ينالها لو مات من غير ~~خوف، إلا أنه لو عاش وترقى إلى درجات المعارف والمعاملة، كان أفضل، فإن ~~أفضل السعادة طول العمر في طاعة الله تعالى، فكل ما أبطل العمر والعقل ~~والصحة فهو نقصان وخسران. ### | 5 بيان أقسام الخوف # اعلم: أن مقامات الخائفين تختلف، فمنهم من يغلب على قلبه خوف الموت قبل ~~التوبة، ومنهم من يغلب عليه خوف الاستدراج بالنعم، أو خوف الميل عن ~~الاستقامة، ومنهم من يغلب عليه خوف سوء الخاتمة. وأعلى من هذا خوف السابقة، ~~لأن الخاتمة فرع السابقة، والله تعالى يرفع من يشاء من غير وسيلة، ويضع من ~~يشاء من غير وسيلة، لا يسأل عما يفعل. # وقد قال: "هؤلاء في الجنة ولا ms252 أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي". # ومن أقسام الخائفين، من يخاف سكرات الموت وشدته، أو سؤال منكر ونكير، أو ~~عذاب القبر. # ومنهم من يخاف هيبة الوقوف بين يدي الله تعالى، والخوف من المناقشة ~~والعبور على الصراط، والخوف من النار وأهوالها، أو حرمان الجنة، أو الحجاب ~~عن الله سبحانه # PageV01P304 # # وتعالى، وكل هذه الأسباب مكروهة في أنفسها، مخوفة. # فأعلاها رتبة خوف الحجاب عن الله تعالى، وهو خوف العارفين، وما قبل ذلك ~~خوف الزاهدين والعابدين. ### | 6 فصل في فضيلة الخوف والرجاء وما ينبغي أن يكون الغالب منهما # فضيلة كل شىء بقدر إعانته على طلب السعادة، وهى لقاء الله تعالى، والقرب ~~منه، فكل ما أعان على ذلك فهو فضيلة. قال الله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان} [الرحمن: 46]. وقال تعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ~~ربه} [البينة: 8]. # وفى الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إذا اقشعر جلد ~~العبد من مخافة الله عز وجل تحاتت عنه ذنوبه، كما يتحات عن الشجرة اليابسة ~~ورقها" (1). # وفى حديث آخر: "لن يغضب الله على من كان فيه مخافة" (2) # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله عز وجل: "وعزتي وجلالى، لا ~~أجمع على عبدى خوفين، ولا أجمع له أمنين، إن أمنني في الدنيا، أخفته يوم ~~القيامة، وإن خافني في الدنيا، أمنته يوم القيامة" (3). # وعن ابن عباس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~"عينان لا تمسهما النار أبدا: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في ~~سبيل الله". # واعلم: أن قول القائل: أيما أفضل الخوف، أو الرجاء؟ كقوله: أيما أفضل ~~الخبز أو الماء؟ # وجوابه: أن يقال الخبز للجائع أفضل، والماء للعطشان أفضل، فإن اجتمعا، ~~نظر إلى الأغلب، فإن استويا، فهما متساويان، والخوف والرجاء دواء أن يداوى ~~بهما القلوب، ففضلهما بحسب الداء الموجود، فإن كان الغالب على القلب الأمن ~~من مكر الله، فالخوف أفضل، وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية، وإن كان ~~الغالب PageV01P305 # # عليه اليأس ms253 والقنوط، فالرجاء أفضل. ويجوز أن يقال مطلقا: الخوف أفضل، كما ~~يقال: الخبز أفضل من السكنجبين لأن الخبز يعالج به مرض الجوع، والسكنجبين ~~يعالج به مرض الصفراء، ومرض الجوع أغلب وأكثر، فالحاجة إلى الخبز أكثر، فهو ~~أفضل بهذا الاعتبار، لأن المعاصي والاغترار من الخلق أغلب. # وإن نظرنا إلى موضع الخوف والرجاء فالرجاء أفضل لأن الرجاء يستقي من بحر ~~الرحمة، والخوف يستقي من بحر الغضب. # وإما المتقي، فالأفضل عنده اعتدال الخوف والرجاء، ولذلك قيل: لو وزن خوف ~~المؤمن ورجاؤه، لاعتدلا. # قال بعض السلف: لو نودي: ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا، لخشيت أن ~~أكون أنا ذلك الرجل. ولو نودي: ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا، لرجوت ~~أن أكون أنا ذلك الرجل. وهذا ينبغي أن يكون مختصا بالمؤمن المتقى. # فإن قيل: كيف اعتدال الخوف والرجاء في قلب المؤمن، وهو على قدم التقوى؟ ~~فينبغي أن يكون رجاؤه أقوى. # فالجواب: أن المؤمن غير متيقن صحة عملهن فمثله مثل من بذر بذرا ولم يجرب ~~جنسه في أرض غريبة، والبذر الإيمان، وشروط صحته دقيقة، والأرض القلب، ~~وخفايا خبثه وصفائه من النفاق، وخبايا الأخلاق غامضة، والصواعق أهوال سكرات ~~الموت، وهناك تضطرب العقائد، وكل هذا يوجب الخوف عليه، وكيف لا يخاف ~~المؤمن؟ # وهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه يسأل حذيفة رضى الله عنه: هل أنا من ~~المنافقين؟ وإنما خاف أن تلتبس حاله عليه، ويستتر عيبه عنه، فالخوف المحمود ~~هو الذي يبعث على العمل، ويزعج القلب عن الركون إلى الدنيا. # وأما عند نزول الموت، فالأصلح للإنسان الرجاء، لأن الخوف كالسوط الباعث ~~على العمل، وليس ثمة عمل، فلا يستفيد الخائف حيئنذ إلا تقطيع نياط (1) ~~قلبه، والرجاء في هذه الحال يقوى قلبه، ويحبب إليه ربه، فلا ينبغي لأحد أن ~~يفارق الدنيا PageV01P306 # # إلا محبا لله تعالى، محبا، للقائه، حسن الظن به. # وقد قال سليمان التيمي عند الموت لمن حضره: حدثني بالرخص، لعلى ألقى الله ~~وأنا أحسن الظن به. ### | 7 فصل في بيان الدواء الذي يستجلب به الخوف # وذلك يحصل بطريقين: ms254 # أحدهما أعلى من الآخر. مثاله أن الصبي إذا كان في بيت، فدخل عليه سبع، أو ~~حية، ربما لم يخف منه، وربما مد يده إلى الحية ليأخذها يلعب بها، ولكن إذا ~~كان معه أبوه فهرب منها وخافها، هرب الصبي، وخاف موافقة لأبيه، فخوف الأب ~~عن معرفة، وخوف الولد من غير معرفة، بل هو تقليد لأبيه. # فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الخوف من الله تعالى على مقامين: # أحدهما: الخوف من عذابه، وهذا خوف عامة الخلق، وهو حاصل بالإيمان بالجنة ~~والنار، وكونها جزاءين على الطاعة والمعصية، ويضعف هذا الخوف بسبب ضعف ~~الإيمان، أو قوة الغفلة. # وزوال الغفلة يحصل بالتذكر، والتفكر في عذاب الآخرة، ويزيد بالنظر إلى ~~الخائفين ومجالستهم، أو سماع أخبارهم. # المقام الثاني: الخوف من الله تعالى، وهو خوف العلماء العارفين. قال الله ~~تعالى: # {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 3]. # وصفاته سبحانه تقتضي الهيبة والخوف، فهم يخافون البعد والحجاب. # قال ذو النون: خوف النار عند خوف الفراق، كقطرة في بحر، ولعامة الناس حظ ~~من هذا الخوف، ولكن بمجرد التقليد، فهو يضاهى خوف الصبي من الحية، تقليدا ~~لأبيه، فلذلك يضعف، فإن العقائد التقليدية ضعيفة في الغالب، إلا إذا قويت ~~بمشاهدة أسبابها المولدة لها على الدوام، وبالمواظبة على مقتضاها في تكثير ~~الطاعات، واجتناب المعاصي، فإذا ارتقى العبد إلى معرفة اله تعالى، خافه ~~بالضرورة، ولا يحتاج إلى علاج يجلب الخوف إلى قلبه، بل يخاف بالضرورة. # PageV01P307 # # من قصر، فسبيله أن يعالج نفسه بسماع الأخبار والآثار، فيطالع أحوال ~~الخائفين وأقوالهم، ويسبب عقولهم ومناصبهم إلى مناصب الراجين المغرورين، ~~فلا يتمارى في أن الاقتداء لهم أولى، لأنهم الأنبياء والعلماء والأولياء. # وفى "صحيح مسلم" من حديث عائشة رضى الله عنها، قالت: دعي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار. فقلت: يا رسول الله، طوبى ~~لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يدرك الشر ولم يعمله، قال: "أو غير ذلك يا ~~عائشة؟ إن الله عز وجل خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، ~~وخلق للنار أهلا، خلقهم ms255 لها وهم في أصلاب آبائهم". # ومن أعجب ما ظاهره الرجاء وهو شديد التخويف، قوله تعالى: {وإني لغفار لمن ~~تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} [طه: 82] فإنه علق المغفرة على أربعة شروط، ~~يبعد تصحيحها. # ومن المخوفات قوله تعالى: {والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2)} [العصر: ~~1، 2] ثم ذكر بعدها أربعة شروط، بها يقع الخلاص من الخسران. وقال تعالى: ~~{ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} [السجدة: 13]. # ومعلوم أنه لو كان الأمر مستأنفا لامتدت الأطماع في التحيل، فأما ما حق ~~في القدم، فلا يمكن تداركه فليس إلا التسليم، لولا أن الله تعالى لطف ~~بعارفيه، وروح قلوبهم بالرجاء، لاحترقت من نار الخوف. # وقال أبو الدراء رضى الله عنه: ما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه عند الموت ~~إلا سلبه. # ولما حضرت سفيان الثوري الوفاة، جعل يبكى، فقال له رجل: يا أبا عبد الله: ~~أراك كثير الذنوب، فرفع شيئا من الأرض وقال: والله لذنوبي أهون عندي من ~~هذا، ولكن أخاف أن أسلب الإيمان قبل الموت. # وكان سهل رحمه الله تعالى يقول: المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف ~~يخاف أن يبتلى بالكفر. # PageV01P308 # # ويروى أن نبيا من الأنبياء، شكا إلى الله تعالى الجوع والعرى، فأوحى الله ~~عز وجل إليه: عبدى، أما رضيت أن عصمت قلبك أن يكفرني حتى تسألني الدنيا؟! # فأخذ التراب فوضعه على رأسه وقال: بلى قد رضيت، فاعصمني من الكفر. # فإذا كان هذا خوف العارفين من سوء الخاتمة مع رسوخ أقدامهم، فكيف لا يخاف ~~ذلك الضعفاء؟! # ولسوء الخاتمة أسباب تتقدم على الموت، مثل البدعة، والنفاق، والكبر، ونحو ~~ذلك من الصفات المذمومة، ولذلك اشتد خوف السلف من النفاق. # قال بعضهم: لو أعلم أنى برى من النفاق، كان أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، ~~ولم يريدوا بذلك نفاق العقائد، إنما أرادوا نفاق الأعمال، كما ورد في ~~الحديث الصحيح: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن ~~خان". # وسوء الخاتمة على رتبتين: # إحداهما أعظم، وهو أن يغلب ms256 على القلب والعياذ بالله شك، أو جحود عند ~~سكرات الموت وأهواله، فيقتضي ذلك العذاب الدائم. # والثانية دونها، وهى أن يسخط الأقدار، ويتكلم بالاعتراض، أو يجوز في ~~وصيته، أو يموت مصرا على ذنب من الذنوب. # وقد روى أن الشيطان لا يكون في حال أشد على ابن آدم من حال الموت، يقول ~~لأعوانه: دونكم هذا، فإنه إن فاتكم اليوم لم تلحقوه. # وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه كان يدعو: "اللهم إنى ~~أعوذ بك أن يتخبطنى الشيطان عند الموت" (1). # قال الخطابي: وذلك أن يستولي على الإنسان حينئذ، فيضله ويحول بينه وبين # التوبة أو يمنعه الخروج من مظلمة، أو يؤيسه من رحمة الله ويكره إليه ~~الموت، فلا PageV01P309 # # يرضى بقضاء الله عز وجل. # والأسباب التي تفضي إلى سوء الخاتمة لا يمكن انحصارها على التفصيل، لكن ~~يمكن الإشارة إلى مجامع ذلك. أما الختم على الشك والجحود، فسببه البدعة، ~~ومعناها أن يعتقد في ذات الله تعالى، أو صفاته، أو أفعاله خلاف الحق، إما ~~تقليدا، أو برأيه الفاسد، فإذا انكشف الغطاء عند الموت، بان له بطلان ما ~~اعتقده، فيظن أن جميع ما اعتقده هكذا لا أصل له. # ومن اعتقد في الله سبحانه وصفاته اعتقادا مجملا على طريق السلف من غير ~~بحث ولا تنقر، فهو بمعزل عن هذا الخطر إن شاء الله تعالى. # وأما الختم على المعاصي، فسببه ضعف الإيمان في الأصل، وذلك يورث الانهماك ~~في المعاصى، والمعاصى مطفئة لنور الإيمان، وإذا ضعف الإيمان ضعف حب الله ~~تعالى، فإذا جاءت سكرات الموت، ازداد ذلك ضعفا، لاستشعاره فراق الدنيا، فإن ~~السبب الذي يفضي إلى مثل هذا الخاتمة، وهو حب الدنيا، والركون إليها، مع ~~ضعف الإيمان الموجب لضعف حب الله، فمن وجد في قلبه حب الله تعالى، أغلب من ~~حب الدنيا، فهو أبعد من هذا الخطر، وكل من مات على محبة الله تعالى، قدم به ~~قدوم العبد المحسن المشتاق إلى مولاه، فلا يخفى ما يلقاه من الفرح والسرور ~~بمجرد القدوم، فضلا عما يستحقه من الإكرام. # ومن فارقه ms257 الروح في حال، خطر بباله فيها لإنكار على الله سبحانه في فعله، ~~أو كان مصرا على مخالفته، قدم على الله قدوم من قدم به قهرا، فلا يخفى ما ~~يستحقه من النكال. # فمن أراد طريق السلامة، تزحزح عن أسباب الهلاك، على أن العلم بتقليب ~~القلوب وتغيير الأحوال، يقلقل قلوب الخائفين. # وقد ورد في "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وإنه لمن أهل الجنة، وإن ~~الرجل ليعمل بعمل أهل الجنه وإنه من أهل النار". # وروى: "إن العبد إذا عرج بروحه إلى السماء، قالت الملائكة: سبحان الله! ~~نجا هذا العبد من الشيطان: يا ويحه! كيف نجا"؟! # PageV01P310 # # وإذا عرفت معنى سوء الخاتمة، فاحذر أسبابها، وأعد ما يصلح لها، وإياك ~~والتسويف بالاستعداد، فان العمر قصير، كل نفس من أنفاسك بمنزلة خاتمتك، ~~لأنه يمكن أن تخطف فيه روحك، والإنسان يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما ~~مات عليه. # واعلم: أنه لا يتيسر لك الاستعداد بما يصلح، إلا أن تقنع بما يقيمك، ~~وترفض طلب الفضول، وسنورد عليك من أخبار الخائفين ما نرجو أن يزيل بعض ~~القساوة من قلبك، فانك متحقق أن الأنبياء والأولياء كانوا أعقل منك، فتفكر ~~في اشتداد خوفهم، لعلك تستعد لنفسك. ### | 8 ذكر خوف الملائكة عليهم السلام # قال الله تعالى في صفتهم: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} ~~[النحل: 50]. # وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن لله ملائكة ~~ترعد فرائصهم من مخافته" (1). وذكر تمام الحديث. # وبلغنا أن من حملة العرش من تسيل عينيه مثل الأنهار، فإذا رفع رأسه قال: ~~سبحانك ما تخشى حق خشيتك، فيقول الله: لكن الذين يحلفون باسمي كاذبين لا ~~يعلمون ذلك. # وعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لما ~~كان ليلة أسرى بى، رأيت جبريل عليه السلام كالشن (2) البالي من خشية الله ~~تعالى". # وبلغنا أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله ms258 عليه وآله وسلم وهو ~~يبكى فقال: له: "ما يبكيك، قال: ما جفت لى عين منذ خلق الله جهنم مخافة أن ~~أعصيه، فليقيني فيها". # وعن يزيد الرقاشي قال: إن لله تعالى ملائكة حول العرش تجرى أعينهم مثل ~~الأنهار إلى يوم القيامة، يميدون كأنما تنفضهم الريح من خشية الله تعالى، ~~فيقول لهم PageV01P311 # # الرب عز وجل: يا ملائكتي ما الذي يخيفكم وأنتم عندى؟ فيقولون: يارب! لو ~~أن أهل الأرض اطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا عليه، ما أساغوا طعاما ~~ولا شرابا، ولا انبسطوا في فرشهم، ولخرجوا إلى الصحارى يخورون كما تخور ~~البقر. # وقال محمد بن المنكدر: لما خلقت النار، طارت أفئدة الملائكة من أماكنها، ~~فلما خلق آدم عادت. # وروي أنه لما ظهر من إبليس ما ظهر، طفق جبريل وميكائيل يبكيان، فأوحى ~~الله تعالى إليهما: "ما هذا البكاء؟ قالا: يارب! ما نأمن من مكرك. فقال ~~تعالى: هكذا فكونا". ### | 9 ذكر خوف الأنبياء عليهم السلام # قال وهب: بكى آدم عليه السلام على الجنة ثلاثمائة عام، وما رفع رأسه إلى ~~السماء بعد ما أصاب الخطيئة. # وقال وهيب بن الورد: لما عاتب الله تعالى نوحا عليه السلام في ابنه فقال: ~~{إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] بكى ثلاثمائة عام حتى صار تحت ~~عينيه أمثال الجداول من البكاء. # وقال أبو الدرداء رضى الله عنه: كان يسمع لصدر إبراهيم عليه السلام إذا ~~قام إلى الصلاة أزيز من بعد خوفا من الله عز وجل. # وقال مجاهد: لما أصاب داود عليه السلام الخطيئة، خر لله ساجدا أربعين ~~يوما حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه، ثم نادى يارب: قرح ~~الجبين، وجمدت العين، وداود لم يرجع إليه في خطيئته شىء، فنودي: أجائع أنت ~~فتطعم؟ أم مريض فشفى؟ أم مظلوم فتنصر، فنحب نحيبا هاج كل شىء نبت، فعند ذلك ~~غفر له. # وقيل: كان داود عليه السلام يعود الناس يظنون أنه مريض، وما به إلا شدة ~~الفرق من الله عز وجل. # وكان عيسى عليه السلام إذا ذكر الموت يقطر ms259 جلده دما. # PageV01P312 # # وبكى يحيى بن زكريا عليهما السلام حتى بدت أضراسه، فاتخذت أمه قطعين من ~~لبود فألصقتها بخدية. ### | 10 ذكر خوف نبينا صلى الله عليه وآله وسلم # عن عائشة رضى الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قط مستجمعا ضاحكا، حتى أرى لهواته (1) إنما كان يبتسم، وكان إذا رأى غيما ~~وريحا عرف ذلك في جهه، فقلت: يارسول الله: الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء ~~أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت الكراهه في وجهك! فقال: "يا ~~عائشة: مايؤمننى أن يكون فيه عذاب؟ قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب ~~فقالوا: هذا عارض ممطرنا" أخرجاه في "الصحيحين". # وكان صلى الله عليه وآله وسلم يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. ### | 11 ذكر خوف أصحابه رضى الله عنهم # روينا عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه كان يمسك لسانه ويقول: هذا ~~الذي أوردني الموارد. وقال: ياليتنى كنت شجرة تعضد ثم تؤكل. وكذلك قال طلحة ~~وأبو الدرداء وأبو ذر رضى الله عنهم. # وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يسمع آية فيمرض فيعاد أياما. وأخذ يوما ~~تبنة من الأرض فقال: باليتني كنت هذه التبنة، ياليتنى لم أك شيئا مذكورا، ~~ياليت أمي لم تلدني. وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء. # وقال عثمان رضى الله عنه: وددت أني إذا مت لا أبعث. # وقال أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه: وددت أنى كنت كبشا فذبحني أهلي، ~~فأكلوا لحمى، وحسوا مرقي. # وقال عمران بن حصين: ياليتنى كنت رمادا تذروه الرياح. PageV01P313 # # وقال حذيفة رضى الله عنه: وددت أن لى إنسانا يكون في مالي، ثم أغلق على ~~بابى، فلا يدخل على أحد حتى ألحق بالله عز وجل. # وكان مجرى الدمع في خد ابن عباس رضى الله عنه كالشراك البالي. # وقالت عائشة رضى الله عنها: ياليتنى كنت نسيا منسيا. # وقال على رضى الله عنه: والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم فما أرى اليوم شيئا يشبههم. لقد ms260 كانوا يصبحون شعثا غبرا، بين أعينهم ~~أمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجدا وقياما، يتلون كتاب الله تعالى، ~~يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله عز وجل، مادوا كما ~~يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكأن القوم ~~باتوا غافلين. ### | 12 ذكر خوف التابعين ومن بعدهم # قال هرم بن حيان: وددت والله أنى شجرة أكلتني ناقة، ثم قذفتني بعرا، ولم ~~أكابد الحساب يوم القيامة، إنى أخاف الداهية الكبرى. # وكان على بن الحسين إذا توضأ اصفر وتغير، فيقال: ما لك؟ فيقول: أتدرون ~~بين يدي من أريد أن أقوم؟ # وكان محمد بن واسع يبكى عامة الليل لا يكاد يفتر. # وكان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكى حتى ~~تجرى دموعه على لحيته. وبكى ليلة فبكى أهل الدار، فلما تجلب عنهم العبرة ~~قالت فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال: ذكرت منصرف القوم من ~~بين يدي الله تعال، فريق في الجنة، وفريق في السعير. ثم صرخ وغشى عليه. # ولما أراد المنصور بيت المقدس، نزل براهب كان ينزل به عمر بن عبد العزيز ~~فقال له: أخبرني بأعجب ما رأيت من عمر. فقال: بات ليلة على سطح غرفتي هذه ~~وهو من رخام، فإذا أنا بماء يقطر من الميزاب، فصعدت فإذا هو ساجد، وإذا ~~دموع عينه تنحدر من الميزاب. # وقد روينا عن عمر بن العزيز وفتح الموصلي أنهما بكيا الدم. # PageV01P314 # # وقال إبراهيم بن عيسى اليشكرى: دخلت على رجل بالبحرين قد اعتزال الناس، ~~وتفرغ لنفسه، فذاكرته شيئا من أمر الآخر، وذكر الموت. قال: فجعل يشهق حتى ~~خرجت نفسه. # وقال مسمع: شهدت عبد الواحد بن زيد وهو يعظ، فمات يومئذ في ذلك المجلس ~~أربعة أنفس. # وكان يزيد بن مرشد يبكى كثيرا ويقول: والله لو تواعدني ربى أن يسجنني في ~~الحمام، لكان حقي أن لا أفتر من البكاء، فكيف وقد تواعدني أن يسجنني في ~~النار إن عصيته؟! # وقال السري السقطي: إنى لأنظر كل يوم إلى أنفى مخافة أن ms261 يكون قد اسود ~~وجهي. # فهذه مخاوف الملائكة والأنبياء والعلماء والأولياء، ونحن أجدر بالخوف ~~منهم، ولكن ليس الخوف بكثرة الذنوب ولكن بصفاء القلوب وكمال المعرفة، وإنما ~~أمنا لغلبة جهلنا وقوة قساوتنا، فالقلب الصافي تحركه أدنى مخافة، والقلب ~~الجامد تنبو عنه كل المواعظ. # قال بعض السلف: قلت لراهب: أوصني، فقال: إن استطعت أن تكون بمنزلة رجل قد ~~احتوشته السباع والهوام، فهو خائف حذر يخاف أن يغفل فيفترسنه، أو يسهو ~~فينهشنه، فهو مذعور فافعل. قلت: زدني. فقال: الظمآن يجزيه من الماء أيسره. ~~وما ذكره هذا الراهب من تقدير شخص احتوشته السباع والهوام، فهو حقيقة في حق ~~المؤمن، فان من نظر إلى باطنه بنور بصيرته، رآه مشحونا بالسباع والهوام، ~~كالغضب، والحقد، والحسد، والكبر، والعجب، والرياء، وغير ذلك، وكلهن ينهشه ~~ويفترسنه إن سها عنهن، إلا أنه محجوب عن مشاهدتها، فإذا انكشف الغطاء ووضع ~~في القبر، عاينها متمثلة حيات وعقارب يلدغنه، وإنما هي صفاته الحاضرة الآن، ~~فمن أراد أن يقهرها قبل الموت ويقتلها فليفعل، وإلا فليوطن نفسه على لدغها ~~لصميم قلبه، فضلا عن ظاهر بشرته والسلام. # أخر كتاب الخوف. # *** # PageV01P315 # ### | كتاب الزهد والفقر # اعلم: أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وبعضها أسباب كل طاعة، وقد سبق ذم ~~الدنيا في ربع المهلكات، ونحن نذكر الآن فضل البغض لها والزهد فيها، فإنه ~~رأس المنجيات. ومقاطعتها إما أن تكون بانزوائها عن العبد ويسمى ذلك فقرا، ~~وإما بانزواء العبد عنها، ويسمى ذلك زهدا، ولكل واحد منهما درجة في نيل ~~السعادات، وحظ في الإعانة على الفوز والنجاة. ونحن نذكر الفقر، والزهد، ~~ودرجاتهما، وأقسامهما، وما يتعلق بهما في شطرين: ### | الشطر الأول من الكتاب في الفقر # اعلم: أن الفقير إلى الشيء هو المحتاج إليه، وكل موجود سوى الله تعالى ~~فهو فقير، لأنه محتاج إلى دوام الموجود، وذلك مستفاد من فضل الله تعالى. # وأما فقر العبد بالإضافة إلى أصناف حاجاته فلا يحصر، ومن جملة حاجاته ما ~~يتوصل إليه بالمال، ثم يتصور أن يكون له خمسة أحوال عند فقرة: # الأولى: أن يكون بحيث لو أتاه المال ms262 لكرهه وتأذى به، وهرب من أخذه بغضها ~~له واحترازا من شره وشغله، وصاحب هذه الحالة يسمى زاهدا. # الحالة الثانية: أن يكون بحيث لا يرغب فيه رغبة يفرح بحصوله، ولا يكرهه ~~كراهه يتأذى بها، وصاحب هذه الحالة يسمى راضيا. # الثالثة: أن يكون وجود المال أحب إليه من عدمه لرغبة له فيه، ولكن لم ~~يبلغ من رغبته أن ينهض لطلبه، بل إن أتاه عفوا أو صفوا أخذه وفرح به، وإن ~~افتقر إلى تعب في طلبه لم يشتغل به. وصاحب هذه الحالة يسمى قانعا. # الرابعة: أن يكون تركه للطلب لعجزه، وإلا فهو راغب فيه، لو وجد سبيلا إلى ~~طلبه بالتعب لطلبه، وصاحب هذه الحالة يسمى الحريص. # الخامسة: أن يكون مضطرا إلى ما قصده من المال، كالجائع، والعاري الفاقد ~~للمأكول والملبوس. ويسمى صاحب هذه الحالة مضطرا، كيفما كانت رغبته في الطلب ~~ضعيفة أو قوية. # PageV01P316 # # وأعلى هذه الخامسة: الحالة الأولى، وهى: الزهد، ووراءها حالة أخرى أعلى ~~منها، وهى أن يستوي عنده وجود المال وعدمه، فإن وجده لم يفرح به، ولم يتأذ ~~إن فقده، كما روينا عن عائشة رضى الله عنها أنها جاءها مال في غرارتين ~~(1)،ففرقته في يومها، فقالت لها جاريتها: أما استطعت أن تشترى لنا مما قسمت ~~لحما بدرهم نقطر عليه؟ فقالت: لو ذكريني لفعلت. # فمن هذه حاله لو كانت الدنيا بحذافيرها في يده لم تضره، إذ هو يرى ~~الأموال في خزانة الله تعالى، لا في يد نفسه. # وينبغى أن يسمى صاحب هذه الحالة المستغنى، لأنه غنى عن عند فقد المال ~~وجوده جميعا، ومتى كان الزاهد في الدنيا لا يرغب في وجودها، ولاعدمها، فهو ~~في غاية الكمال. # قال أحمد بن أبى الحواري لأبى سليمان الدارانى: قال مالك بن دينار ~~للمغيرة: اذهب إلى البيت فخذ الزكاة التي أهديتها لى، فإن الشيطان يوسوس لى ~~أن اللص قد أخذها، فقال أبو سليمان: هذا من ضعف الزهد، هو قد زهد في الدنيا ~~ما عليه من أخذها. فالهرب من المال والزهد فيه في حق الضعفاء كمال، فآما في ~~حق ms263 الأنبياء والأقوياء، فسواء عليهم وجوده وعدمه. وقد يظهر القوى النفار من ~~المال ليقتدي به الضعفاء في الترك، والله أعلم. ### | 1 فصل في فضيلة الفقر وتفضيل الفقر على الغنى # أما الآيات فقد قال الله تعالى في معرض المدح في حق الفقراء: {للفقراء ~~الذين أحصروا في سبيل الله} الآية [البقرة: 273]. وقال: {للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم}. . . الآية [الحشر: 8]. # وأما الأخبار فكثيرة، منها: قول صلى الله عليه وآله وسلم: " قمت على باب ~~الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء، إلا أن أصحاب الجد محبوسون " وذكر تمام ~~الحديث. وهو في "الصحيحين". PageV01P317 # # وفيهما من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا". # وفيهما من حديث عائشة رضى الله عنها قالت: ما شبع آل محمد منذ قدم ~~المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعا حتى قبض. # وفي أفراد مسلم من حديث عمر رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يظل اليوم يتلوي ما يجد دقلا (1) يملأ بطنه. # وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~"يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام" وقال الترمذي: حديث ~~صحيح. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة رضي الله عنها: "إياك ومجالسة ~~الأغنياء" (2). # وقال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعتذر الله عز وجل إليه كما يعتذر الرجل ~~إلى الرجل في الدنيا، فيقول: وعزتي وجلالى ما زويت الدنيا عنك لهوانك على، ~~ولكن لما أعددت لك من الكرامة. اخرج يا عبدى إلى هذه الصفوف، فمن أطعمك أو ~~كساك يريد بذلك وجهي، فخذ بيده فهو لك" (3). # وقيل لموسى عليه السلام: إذا رأيت الفقر مقبلا، فقل: مرحبا بشعار ~~الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته. # وقال أبو الدرداء: حساب ذي الدرهمين أشد حسابا من ذي الدرهم. # وكان الفقراء يتقدمون في مجلس الثوري على الأغنياء. # وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها، وقال: تريد ms264 أن ~~تمحو اسمي من ديوان الفقراء!؟ لا أفعل. PageV01P318 # # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "طوبى لمن هدى إلى الإسلام وكان ~~عيشه كفافا، وقنع بما آتاه عز وجل". # وقد ذكرنا في القناعة وذم الحرص والطمع في كتاب ذم المال ما يغنى عن ~~الإعادة، ولا يقدر على ذلك إلا بعد القوة الصبر. # وأما التفضيل بين الغنى والفقير، فظاهر النقل يدل على تفضيل الفقير، ولكن ~~لابد من تفصيل، فنقول: إنما يتصور الشك والخلاف في فقير صابر ليس بحريص ~~بالإضافة إلى غنى شاكر ينفق ماله في الخيرات، أو فقير حريص مع غنى حريص، إذ ~~لا يخفى أن الفقير القانع الحريص، فإن كان متمتعا بالمال في المباحات، ~~فالفقير القنوع أفضل منه. # وكشف الغطاء في هذا أن ما يراد لغيره، ولا يرد لعينه، ينبغي أن يضاف إلى ~~مقصوده، إذ به يظهر فضله، والدنيا ليست محذورة لعينها، بل لكونها عائقة عن ~~الوصول إلى الله تعالى، والفقر ليس مطلوبا لعينه، ولكن لأن فيه فقد العائق ~~عن الله تعالى، وعدم التشاغل عنه. # وكم من غنى لا يشغله عن الله تعالى، كسليمان عليه السلام، وكذلك عثمان ~~[بن عفان] وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما. # وكم من فقير شغله فقره عن المقصود، وصرفه عن حب الله تعالى والأنس به، ~~وإنما الشاغل له حب الدنيا، وإذا لا يجتمع معه حب الله تعالى، فإن المحب ~~للشيء مشغول به، سواء كان في فراقه، أو في وصاله، بل قد يكون شغله في ~~الفراق أكثر. # والدنيا معشوقة الغافلين، فالمحرم منها مشغول بطلبها، والقادر عليها ~~مشغول بحفظها والتمتع بها. وإن أخذت الأمر باعتبار الأكثر، فالفقير عن ~~الخطر أبعد، لأن فتنة السراء أشد من فتنة الضراء، ومن العصمة أن لا تجد، ~~ولما كان ذلك طبع الآدميين إلا القليل منهم، جاء الشرع بذم الغنى وفضل ~~الفقر. وقد تقدم ما يدل على فضله. # ومن ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: "التقى مؤمنان على باب الجنة: مؤمن ms265 غنى، ومؤمن فقير، كانا ~~في الدنيا، فأدخل الفقير الجنة، وحبس الغنى ما شاء الله تعالى أن يحبس، ثم ~~أدخل # PageV01P319 # # الجنة، فلقيه الفقير، فقال: أي أخي: ماذا حبسك؟ والله لقد احتبست حتى خفت ~~عليك، فقال:: أي أخي حبست بعدك محبسا قطيعا كريها، وما وصلت إليك حتى سال ~~منى العرق ما لو ورده ألف بعير كلها آكلة حمض، لصدرت عنه رواء" (1). # واعلم: أن فراق المحبوب شديد، فإذا أحببت الدنيا، كرهت لقاء الله تعالى، ~~فيكون قدومك بالموت على ما تكرهه، وفراقك لما تحبه، وكل من فارق محبوبا كان ~~أذاه في فراقه بقدر حبه له وأنسه به، فينبغي أن تحب من لا يفارقك، وهو الله ~~تعالى، ولا تحب الدنيا التي تفارقك. ### | 2 فصل في آداب الفقير في فقره # ينبغي له أن لا يكون كارها لما ابتلاه الله به من الفقر. # وأرفع من هذا أن يكون راضيا فرحا، ويكون متوكلا على الله سبحانه، واثقا ~~به ومتى عكس الحال، وكان يشكو إلى الخلق، ولا يشكو إلى الله تعالى، كان ~~الفقر عقوبة في حقه، فلا ينبغي له إظهار الشكوى، بل يظهر التعفف والتجمل. ~~قال الله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} [البقرة: 273]. # وينبغى للفقير أن لا يتواضع لغنى لأجل غناه، ولا يرغب في مجالسته. # وينبغى له أيضا أن لا يفتر عن العبادة بسبب فقره، ولا يمنع بذلك ما فضل ~~عنه، فإن ذلك جهد المقل. روى أبو ذر رضى الله عنه قال: قلت: يارسول الله: ~~أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقل إلى فقير في السر" (2). ### | 3 بيان آدابه في قبول العطاء # إذا جاءه بغير سؤال ينبغي أن يلاحظ فيما جاءه ثلاثة أمور: نفس المال، ~~وغرض المعطى، وغرضه في الأخذ. # الأول: أما في نفس المال، فينبغي أن يكون خاليا عن الشبهات كلها، فان كان ~~PageV01P320 # # فيه شبهة فليحترز عن أخذه. # وقد تقدم في كتاب الحلال والحرام درجات الشبهة، وما يجب اجتنابه، وما ~~يستحب. # وأما غرض المعطى، فلا يخلو، إما أن يكون طلبا للمحبة، وهو الهدية، فلا ~~بأس بقبولها إذا ms266 لم تكن رشوة ولم يكن فيها منة. # الثاني: أن يكون غرض المعطى الثواب، وهو الزكاة والصدقة، فعليه أن ينظر ~~في صفات نفسه، هل هو مستحق أم لا؟ فان اشتبه عليه فهو محل شبهة، وإن كان ~~صدقة، فكان المعطى إنما يعطيه لدينه، فلينظر إلى باطنه، فإن كان مقارنا ~~لمعصية في السر، يعلم أن المعطى لو علم بذلك، لنفر طبعه ولما تقرب إلى الله ~~بالصدقة عليه، لم يأخذه كما لو أعطاه لظنه أنه عالم لم يكن. # الثالث: أن يكون غرض المعطى الشهرة والرياء والسمعة، فينبغي أن يرد عليه ~~قصده الفاسد، ولا يأخذه، لأنه إذا قبله يكون معينا له على قصده الفاسد. ~~وأما غرضه في الأخذ، فلينظر أهو محتاج إليه أو مستغن عنه؟ فان كان مستغنيا ~~لم يأخذه، وإن كان محتاجا إليه، وقد سلم من الشبة والآفات التي ذكرناها، ~~فالأفضل له الأخذ، لما روى عن عمر رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: "ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه، ومالا ~~فلا تتبعه نفسك" أخرجاه في "الصحيحين". # وفى حديث آخر: "من جاءه من أخيه معروف من غير إسراف ولا مسألة، فليقبله ~~ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه". ### | 4 فصل في بيان تحريم السؤال من غير ضرورة وآداب الفقير المضطر في السؤال # اعلم: أنه قد ورد في السؤال أحاديث في النهى عنه، وفى الترخيص فيه. # أما الترخيص: فكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "للسائل حق وإن جاء على # PageV01P321 # # فرس" (1): وفى بعض الأحاديث: "ردوا السائل ولو بظلف محرق". ولو كان ~~السؤال حراما، لما جاز إعانة المعتدى على عدوانه، والإعطاء إعانة. # وأما أحاديث النهى عن السؤال: فروى ابن عمر رضى الله عنهما: قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله ~~عز وجل وليس في وجهه مزعة لحم" أخرجاه في "الصحيحين". # وفيهما أيضا: أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر التعفف عن المسألة فقال: ~~"اليد العليا خير من اليد ms267 السفلي". واليد العليا المعطية، والسفلي السائلة. # وفى حديث ابن مسعود رضى الله عنه: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:" من ~~سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو كدوحا في وجهه" إلى ~~آخره. # وهو حديث حسن، وفى المعنى أحاديث كثيرة. # وكشف الغطاء في هذا أن نقول: السؤال في الأصل حرام، لأنه لا ينفك عن ~~ثلاثة أمور: # أحدها: الشكوى. # والثاني: إذلال نفسه، وما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. # والثالث: إيذاء المسؤول غالبا. # وإنما يباح السؤال في حال الضرورة والحاجة المهمة القريبة من الضرورة، ~~أما المضطر، فهو كسؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتا أو مرضا، وكسؤال ~~العاري الذي ليس له ما يواريه. # وأما المحتاج حاجة مهمة فهو كمن له جبة ولا قميص تحتها في الشتاء، فهو ~~يتأذى بالبرد تأذيا لا ينتهي إلى حد الضرورة، فكذلك من يقدر على المشي لكن ~~بمشقة، يجوز له أن يسأل أجرة يكترى بها للركوب، وتركه أولى، ومن وجد الخبز ~~وهو محتاج إلى الأدم، فله أن يسأل مع الكراهة، وكذلك إذا سأل المحمل من هو ~~قادر على الراحلة. # وينبغى في مثل هذه المسألة أن يظهر الشكر لله تعالى، ولا يسأل سؤال ~~محتاج، PageV01P322 # # بل يقول: أنا مستغن بما أملكه، وإنما النفس تطالبني، فيخرج بهذا عن حد ~~الشكوى لله تعالى. # وينبغى أن يسأل أباه أو قريبه أو صديقه الذي لا ينقص بذلك في عينه، أو ~~السخي الذي أعد ماله للمكارم، فيخرج بذلك من الذل. # وإن أخذ ممن يعلم أنه إنما أعطاه حياء، لم يجز له الأخذ، ويجب رده إلى ~~صاحبه. # ولا يجوز للفقير أن يسأل إلا مقدار ما يحتاج إليه، من بيت يكنه، وثوب ~~يستره، وطعام يقيمه. # ويراعى في هذه الأشياء ما يدفع الزمان من غير تنوق (1) في شئ من ذلك، فإن ~~كان يعلم أنه يجد من يسأله كل يوم، لم يجز أن يسأل أكثر من قوت يومه ~~وليلته، وإن خاف أن لا يجد من يعطيه، أو خاف أن يعجز عن السؤال، أبيح له ~~السؤال أكثر ms268 من ذلك. # ولا يجوز له في الجملة أن يسأل فوق ما يكفيه لسنته، وعلى هذا يتنزل ~~الحديث المروى في تقدير الغنى بخمسين درهما، فإنها تكفى المنفرد المقتصد ~~لسنة، فأما ذو العائلة فلا. ### | 5 بيان أحوال السائلين # كان بشر الحافي يقول: الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل، وإن أعطى لا يأخذ، ~~فهذا من الروحانيين. # وفقير لا يسأل، إن أعطى أخذ، فذاك من أهل حظيرة القدس. # وفقير إذا احتاج سأل، فكفارة مسألته صدقه في السؤال. # قال الشيخ جمال الدين رحمه الله: قلت: وفصل الخطاب أنه متى قدر الفقير ~~على دفع الزمان من غير سؤال، لم يجز له أن يسأل، فإن كان يندفع على مضض، ~~نظرت، فإن كان مثله لا يحتمل، ولا يخاف منه التلف، فالسؤال مباح وتركه ~~فضيلة، وإن كان PageV01P323 # # مثله لا يحتمل، وجب عليه أن يسأل. # قال سفيان الثوري رحمه الله: من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار. # ... ### | الشطر الثاني من الكتاب ### | 6 وفيه بيان حقيقة الزهد وفضيلته وذكر درجاته وأقسامه ونحو ذلك # اعلم: أن الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين، والزهد عبارة عن ~~انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، وشرط المرغوب عنه أن يكون ~~مرغوبا فيه بوجه من الوجوه، فمن رغب عن شئ ليس مرغوبا فيه ولا مطلوبا في ~~نفسه، لم يسم زاهدا، كمن ترك التراب لا يسمى زاهدا. # وقد جرت العادة بتخصيص اسم الزاهد بمن ترك الدنيا، ومن زهد في كل شئ سوى ~~الله تعالى، فهو الزاهد الكامل، ومن زهد في الدنيا مع رغبته في الجنة ~~ونعيمها، فهو أيضا زاهد، ولكنه دون الأول. # واعلم: أنه ليس من الزهد ترك المال، وبذله على سبيل السخاء والقوة، ~~واستمالة القلوب، وإنما الزهد أن يترك الدنيا للعلم بحقارتها بالنسبة إلى ~~نفاسة الآخرة. # ومن عرف أن الدنيا كالثلج يذوب، والآخرة كالدر يبقى، قويت رغبته في بيع ~~هذه بهذه. وقد دل على ذلك قوله تعالى: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ~~لمن اتقى} [النساء: 77] وقوله: {ما عندكم ينفد وما عند ms269 الله باق} [النحل: ~~69]. ومن فضيلة الزهد قوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} [طه: 131]. وقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "من أصبح وهمه الدنيا، شتت الله عليه أمره، وفرق عليه ضيعته، ~~وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، # PageV01P324 # # ومن أصبح وهمه الآخرة، جمع الله له همه، وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناه في ~~قلبه، وأتته الدنيا وهو راغمة". # وقال الحسن: يحشر الناس عراة ما خلا أهل الزهد، وقال: إن أقواما أكرموا ~~الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها. # وقال الفضيل: جعل الشر كله في بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير ~~كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا. # وكان بعض السلف يقول: الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، والرغبة فيها ~~تكثر الهم والحزن. ### | 7 فصل في درجات الزهد وأقسامه # من الناس من يزهد في الدنيا وهو لها مشته، لكنه يجاهد نفسه، وهذا يسمى: ~~المتزهد، وهو مبدأ الزهد. # الدرجة الثانية: أن يزهد فيها طوعا لا يكلف نفسه ذلك، لكنه يرى زهده ~~ويلتفت إليه، فيكاد يعجب بنفسه، ويرى أنه قد ترك شيئا له قدر لما هو أعظم ~~قدرا منه، كما يترك درهما لأخذ درهمين، وهذا أيضا نقصان. # الدرجة الثالثة: وهى العليا أن يزهد طوعا، ويزهد في زهده، فلا يرى أنه ~~ترك شيئا، لأنه عرف أن الدنيا ليست بشئ، فيكون كمن ترك خرقة، وأخذ جوهرة ~~فلا يرى ذلك معاوضة، فإن الدنيا بالإضافة إلى نعيم الآخرة، أحسن من خرقة ~~بالإضافة إلى جوهرة، فهذا هو الكمال في الزهد. # واعلم: أن مثل من ترك الدنيا، مثل من منعه عن باب الملك كلب على بابه، ~~فألقى إليه لقمة من خبز فشغله بذلك ودخل، فقرب من الملك، أفتراه يرى لنفسه ~~يدا عند الملك بلقمة ألقاها إلى كلبه في مقابلة ما قد ناله؟ # فالشيطان كلب في باب الله عز وجل، ويمنع الناس من الدخول، مع أن الباب ~~مفتوح، والحجاب مرفوع، والدنيا ms270 كلقمة، فمن تركها لينال عز الملك، فكيف ~~يلتفت إليها؟ ثم إن نسبتها، أعنى ما سلم لكل شخص منها ولو عمر ألف سنة ~~بالإضافة # PageV01P325 # # إلى نعيم الآخرة، أقل من لقمة بالإضافة إلي ملك الدنيا، لأن الفاني لا ~~نسبة له إلى الباقي، كيف ومدة العمر قصيرة ولذات الدنيا مكدرة؟ # وأما أقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه، فعلى ثلاث درجات: # أحدها: الزهد للنجاة من العذاب، والحساب، والأهوال التي بين يدي الآدمي، ~~وهذا زهد الخائفين. # الدرجة الثانية: الزهد للرغبة في الثواب، والنعيم الموعود به، وهذا زاهد ~~الراجين فإن هؤلاء تركوا نعيما لنعيم. # الدرجة الثالثة: وهى العليا. وه أن لا يزهد في الدنيا للتخلص نم الآلام، ~~ولا للرغبة في نيل اللذات، بل لطلب لقاء الله تعالى وهذا زهد المحسنين ~~العارفين، فإن لذة النظر إلى الله سبحانه وتعالى بالإضافة إلى لذات الجنة، ~~كلذة ملك الدنيا، والاستيلاء عليها، بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على عصفور ~~واللعب به. ### | 8 فصل في بيان تفصيل فيما هو من ضروريات الحياة # والضروريات المهمات سبعة أشياء: المطعم، والملبس، والمسكن، وأثاثه، ~~والمنكح، والمال، والجاه. # فأما الأول: -وهو المطعم- فاعلم أن همة الزاهد منه ما يدفع به الجوع مما ~~يوافق بدنه من غير قصد الالتذاذ. # وفى الحديث: "إن عباد الله ليسوا بالمتنعمين". # وقالت عائشة رضى الله عنها لعروة: كان يمر بنا هلال، وهلال، ما يوقد في ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نار. قال: قلت: يا خالة: فعلى أي شئ ~~كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين: الماء والتمر. # والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة. وقد كان كثير من الزهاد يخشنون المطعم، ~~وكان فيهم من لا يطيق ذلك، فكان الثوري حسن المطعم، وربما حمل في سفرته ~~اللحم المشوي والفالوذج. # PageV01P326 # # وفى الجملة فالزاهد يقصد ما يصلح به بدنه، ولا يزيد في التنعم، إلا أن ~~الأبدان تختلف، فمنها ما لا يحمل التخشن. # وقد يدخر بعض الناس الزاد الحلال بتقوته، فلا يخرجه ذلك من الزهد، فقد ~~كان السبتي يعمل من السبت إلى السبت ويتقوته. # وورث داود الطائى عشرين دينارا، فأنفقها ms271 في عشرين سنة. # الثاني: الملبس، فالزاهد يقتصر فيه على ما يدفع الحر والبرد، ويستر ~~العورة، ولا بأس أن يكون فيه نوع تجمل، لئلا يخرجه التقشف إلى الشهرة. وكان ~~أكثر لباس السلف خشنا، فصار لبس الخشن شهرة. # وقد روى عن أبى بردة قال: أخرجت إلينا عائشة رضى الله عنها كساء ملبدا، ~~وإزارا غليظا، وقالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذين. ~~أخرجاه في "الصحيحين". # وعن الحسن قال: خطب عمر رضى الله عنه وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتا ~~عشرة رقعة. # الثالث: المسكن، فللزاهد فيه ثلاث درجات. # أعلاها: أن لا يطلب موضعا خاصا لنفسه، بل يقنع بزوايا المساجد، كأصحاب ~~الصفة. # وأوسطها: أن يطلب موضعا خاصا لنفسه، مثل كوخ في سعف، أو خص وما أشبه ذلك. # وأدناها: أن يطلب حجرة مبنية. ومتى طلب السعة وعلو السقف، فقد جاوز حد ~~الزهد في المسكن. وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يضع لبنة ~~على لبنة. # قال الحسن: كنت إذا دخلت بيوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نلت ~~السقف. # وفى الحديث: "إن المسلم ليؤجر في كل شئ ينفقه إلا في شئ يجعله في هذا ~~التراب". # PageV01P327 # # وقال إبراهيم النخعى رحمه الله: إذا كان البنيان كفافا، فلا أجر ولا وزر. # وفى الجملة: إن كل ما يراد للضرورة فلا ينبغي أن يجاوز حد الزهد. # الرابع: أثاث البيت، فينبغي للزاهد أن يقتصر فيه على الخزف، ويستعمل ~~الإناء الواحد في مقاصده، فيأكل في القصعة، ويشرب فيها، ومن خرج إلى كثرة ~~العدد في الآلة، أو في نفاسة الجنس، خرج عن الزهد. # ولينظر إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ففى "صحيح مسلم" من ~~حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو مضطجع على حصير، وإذا الحصير قد أثر على جنبه، فنظرت في ~~خزانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا أنا بقبضة من شعير، نحو ~~الصاع. وفى رواية البخاري: فوالله ما ms272 رأيت شيئا يرد البصر. والحديث مشهور ~~في "صحيح مسلم" (1). # وقال على رضى الله عنه: تزوجت فاطمة وما لى ولها فراش إلا جلد كبش، كنا ~~ننام عليه بالليل، ونعلف عليه الناضح بالنهار، ومالي خادم غيرها، ولقد كانت ~~تعجن، وإن قصتها (2) لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذي بها. # ودخل رجل على أبى ذر رضى الله عنه، فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ~~ذر‍‍‍‍? ما أرى في بيتك متاعا، ولا أثاثا. فقال: إن لنا بيتا نوجه إليه ~~صالح متاعنا. فقال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا، فقال: إن صاحب ~~المنزل لا يدعنا فيه. # الخامس: المنكح، لا معنى للزهد في أصل النكاح، ولا في كثرته. # قال سهل بن عبد الله: حبب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النساء. # وكان على رضى الله عنه من أزهد الصحابة، وكان له أربعة نسوة، وبضع عشرة ~~سرية. # وكان أبو سليمان الدارانى يقول: كل ما شغلك عن الله، من أهل، ومال، وولد، ~~فهو مشؤوم. # وكشف الغطاء عن ذلك أن نقول: من غلبت عليه شهوته وخاف على نفسه، تعين ~~عليه النكاح، فأما من لا يخاف، فهل النكاح في حقه أفضل أو التعبد؟ فيه ~~اختلاف بين PageV01P328 # # العلماء. والناس مختلفون فيه منهم من يقصد النكاح لطلب النسل ويمكنه ~~الكسب الحلال للعائلة، فلا يقدح ذلك في دينه، ولا يتشتت قلبه، بل يجمع ~~النكاح همه، ويكف بصره، ويرد فكره، فهذا غاية في الفضيلة، وعليه يحمل حال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحال على رضى الله عنه، ومن جرى ~~مجراهما، ولا التفات إلى قول من يرى الزهد بترك الالتذاذ بالنكاح، فإن ذلك ~~يقع ضمنا وتبعا للمقصود. # وقد كان بعض السلف يختار المرأة الدون على الجميلة، وذلك محمول على أن ~~تلك تكون إلى الدين أميل، والنفقة عليها أقل، والاهتمام بأمرها يسير، بخلاف ~~المستحسنة، فإنها تشتت القلب، وتشغله، وتريد زيادة في النفقة، وربما لم ~~يكن. # وقد قال مالك بن دينار، يعمد أحدهم فيتزوج ديباجة الحي فتقول: أريد مرطا ms273 ~~(1) فتمرط دينه. # السادس: المال: وهو ضروري في المعيشة، فالزاهد يقتصر منه على ما يدفع به ~~الوقت، وكان في الصالحين من يتشاغل بالتجارة ويقصد بها العفاف. # وكان حماد بن سلمة إذا فتح حانوته وكسب حبتين، قام. # وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت، وخلف أربعمائة دينار، وقال: إنما ~~تركتها لأصون بها عرضي وديني. # السابع: الجاه، ولابد للإنسان من جاه حتى في قلب خادمه، واشتغال الزاهد ~~بالزهد يمهد له الجاه في القلب، فينبغي أن يتحرز من شر ذلك. # وفى الجملة فإن الحوائج الضرورية ليست من الدنيا، وكان كثير من السلف ~~يعرض لهم بالمال الحلال، فيقولون: لا نأخذه، نخاف أن يفسد علينا ديننا. ### | 9 فصل في بيان علامات الزهد # وقد تظن أن تارك المال زاهد، وليس كذلك، فإن ترك المال، وإظهار التخشن، ~~سهل على من أحب المدح بالزهد، فكم من راهب قد لازم الدير، وقلل المطعم، ~~PageV01P329 # # وقواه على ذلك حسب المحمدة، كما سبق ذكره في كتاب الرياء. # ولابد من الزهد في فضول الأموال والجاه جميعا، حتى يكمل الزهد في حظوظ ~~النفس، فأول معرفة الزهد مشكل. # وقد قال ابن المبارك: أفضل الزهد إخفاء الزهد، وينبغى أن يعول في هذا على ~~ثلاث علامات. # الأولى: أن لا يفرح بموجود، ولا يحزن بمفقود، كما قال تعالى {لكيلا تأسوا ~~على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} [الحديد: 23] وهذا علامة الزهد في ~~المال. # الثاني: أن يستوي عنده ذامه ومادحه، وهذه علامة الزهد في الجاه. # الثالث: أن يكون أنسه بالله، والغالب على قلبه حلاوة الطاعة. # فأما محبة الدنيا ومحبة الله تعالى، فهما في القلب كالماء والهواء في ~~القدح، إذا دخل الماء خرج الهواء، فلا يجتمعان. # قيل لبعضهم: إلام أفضى بهم الزهد؟ قال: إلى الأنس بالله. # قال يحيى بن معاذ: الدنيا كالعروس، ومن يطلبها ماشطتها (1)، والزاهد يسخم ~~(2) وجهها، وينتف شعرها، ويخرق ثوبها، والعارف مشتغل بالله تعالى عنها. # فهذا الإمام أردنا ذكره من حقيقة الزهد وحكامه. # وإذا كان الزهد لا يتم إلا بالتوكل فلنشرع في بيانه إن شاء الله تعالى. # ... PageV01P330 # ### | كتاب التوحيد ms274 والتوكل ### | بيان فضيلة التوكل # قال الله تعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 122]. وقال: ~~{ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3]. # وفى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أنه يدخل الجنة من ~~أمته سبعون ألفا لا حساب عليهم، ثم قال: "هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ~~ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". أخرجاه في "الصحيحين". # وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم الله عليه وسلم يقول: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما ~~يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا". # وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم إني أسألك التوفيق ~~لمحابك من الأعمال، وصدق التوكل عليك، وحسن الظن بك" (1). # والتوكل يبتنى على التوحيد، والتوحيد طبقات: # منها أن يصدق القلب بالوحدانية المترجم عنها قولك، لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، فيصدق بهذا اللفظ، ~~لكن من غير معرفة دليل، فهو اعتقاد العامة. # الثانية: أن يرى الأشياء المختلفة، فيراها صادرة عن الواحد، وهذا مقام ~~المقربين. # الثالثة: أن يرى الإنسان إذا انكشف عن بصيرته أن لا فاعل سوى الله، لم ~~ينظر إلى غيره، بل يكون منه الخوف وله الرجاء وبه الثقة وعليه التوكل، لأنه ~~في الحقيقة هو الفاعل وحده، فسبحانه والكل مسخرون له، فلا يعتمد على المطر ~~في خروج الزرع، ولا على الغيم في نزول المطر، ولا على الريح في سير ~~السفينة، فإن الاعتماد على ذلك جهل بحقائق الأمور. ومن انكشفت له الحقائق، ~~علم أن الريح لا تتحرك PageV01P331 # # بنفسها، ولا بد لها من محرك. فالتفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهى ~~التفات من أخذ لتضرب عنقه، فوقع له الملك بالعفو عنه، فأخذ يشتغل بذكر ~~الحبر والكاغد والقلم الذي كتب به التوقيع، ويقول: لولا هذا القلم ما ~~تخلصت، فيرى نجاته من القلم لا من محرك القلم، وهذا غاية الجهل. ومن علم أن ~~القلم لا حكم له في نفسه، شكر ms275 الكاتب دون القلم، وكل المخلوقات في قهر ~~تسخير الخالق أبلغ من القلم في يد الكاتب، فسبحان مسبب الأسباب الفعال لما ~~يريد. ### | 1 فصل في بيان أحوال التوكل وأعماله وحده ونحو ذلك # اعلم: أن التوكل مأخوذ من الوكالة، يقال: وكل فلان أمره إلى فلان، أي فوض ~~أمره إليه، واعتمد فيه عليه. # فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب على الموكل، ولا يتوكل الإنسان على غيره ~~إلا إذا اعتقد فيه أشياء: الشفقة، والقوة، والهداية. فإذا عرفت هذا، فقس ~~عليه التوكل على الله سبحانه، وإذا ثبت في نفسك أنك لا فاعل سواه واعتقدت ~~مع ذلك أنه تام العلم والقدرة والرحمة، وأنه ليس وراء قدرته قدرة، ولا وراء ~~علمه علم، ولا وراء رحمته رحمة، اتكل قلبك عليه وحده لا محالة، ولم يلتفت ~~إلى غيره بوجه، فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين: # إما ضعف اليقين بأحد هذه الخصال. # وإما ضعف القلب باستيلاء الجبن عليه، وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة ~~علية، فإن القلب قد ينزعج ببقاء الوهم وطاعته له من غير نقصان في اليقين، ~~فإنه من كان يتناول عسلا، فشبه بين يديه بالعذرة، ربما نفر طبعه منه، وتعذر ~~عليه تناوله. # ولو كلف العاقل أن يبيت مع الميت في قبر أو فراش أو بيت، نفر طبعه من ~~ذلك، وإن كان متيقنا كونه ميتا جمادا في الحال، ولا ينفر طبعه عن سائر ~~الجمادات، وذلك جبن في القلب، وهو نوع ضعف قلما يخلو الإنسان منه، وقد يقوى ~~ذلك حتى يصير مرضا، حتى يخاف أن يبيت في البيت وحده مع غلق الباب وإحكامه. # فإذا لا يتم التوكل إلا بقوة القلب، وقوى اليقين جميعا، فإذا انكشف لك ~~معنى # PageV01P332 # # التوكل، وعلمت الحالة التي تسمى توكلا، فاعلم أن تلك الحالة لها في القوة ~~والضعف ثلاث درجات: # الأولى: ما ذكرناه، وهو أن يكون حاله في حق الله تعالى الثقة بكفالته ~~وعنايته، كحاله في الثقة بالوكيل. # الدرجة الثانية: وهى أقوى، أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل مع أمه ~~فإنه لا يعرف ms276 غيرها ولا يفزع إلى سواها، ولا يعتمد إلا إياها، وإن نابه أمر ~~كان أول خاطر يخطر على قلبه، وأول سابق إلى لسانه: يا أماه. فمن كان تألهه ~~إلى الله، ونظره إليه، واعتماده عليه، كلف به كما يكلف الصبي بأمه، فيكون ~~متوكلا حقا. # والفرق بين هذا وبين الأول، أن هذا متوكل قد فني في توكله عن توكله، إذا ~~لا يلتفت إلى غير المتوكل عليه، ولا مجال في قلبه لغيره. # وأما الأول، فهو متوكل بالتكليف والكسب، وليس فانيا عن توكله، بل له ~~التفات إليه، وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده. # الدرجة الثالثة: وهى أعلى منهما، أن يكون بين يدي الله تعالى مثل الميت ~~بين يدي الغاسل، لا يفارقه إلا أنه لا يرى نفسه ميتا، وهذا يفارق حال الصبي ~~مع أمه فإنه يفزع إلى أمه، ويصيح ويتعلق بذيلها. # وهذه الأحوال توجد في الخلق، إلا أن الدوام يبعد، ولاسيما المقام الثالث. ### | 2 فصل في بيان أعمال المتوكلين # قد يظن بعض الناس أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، ~~والسقوط على الأرض كالخرقة، وكلحم على وضم (1)،وهذا ظن الجهال، فإن ذلك ~~حرام في الشرع. # والشرع قد أثنى على المتوكلين، وإنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد ~~وسعيه إلى مقاصده، وسعى العبد إما أن يكون لجلب نفع مفقود كالكسب، أو حفظ ~~موجود PageV01P333 # # كالادخار، وإما لدفع ضرر لم ينزل، كدفع الصائل، أو لإزالة ضرر قد نزل، ~~كالتداوى من المرض، فحركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة. # الفن الأول: في جلب المنافع، فنقول: الأسباب التي بها تجلب المنافع على ~~ثلاث درجات. # أحدها: سبب مقطوع به كالأسباب التي ارتبطت بها المسببات بتقدير الله ~~تعالى ومشيئته ارتباطا مطردا لا يختلف، مثاله، أن يكون الطعام بين يديك ~~وأنت جائع، فلا تمد يدك إليه وتقول: أنا متوكل، وشرط التوكل ترك السعي، ومد ~~اليد إلى الطعام سعى، وكذلك مضغه وابتلاعه، فهذا جنون محض، وليس من التوكل ~~في شئ، فإنك إذا انتظرت أن يخلق الله فيك شبعا دون أكل الطعام، ms277 أو يخلق في ~~الطعام حركة إليك، أو يسخر ملكا ليمضغه ويوصله إلى معدتك، فقد جهلت سنة ~~الله. # وكذلك لو لم تزرع، وطمعت أن يخلق الله تعالى نباتا من غير بذر، أو تلد ~~الزوجة من غير وقاع، فكل ذلك جنون، وليس التوكل في هذا المقام ترك العمل، ~~بل التوكل فيه بالعلم والحال. # أما العلم: فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام، واليد، والأسباب، وقوة ~~الحركة، وأنه الذي يطعمك ويسقيك. # وأما الحال، فهو أن يكون قلبك واعتمادك على فضل الله تعالى، لا على اليد ~~والطعام، لأنه ربما جفت يدك، وبطلت حركتك، وربما سلط الله عليك من يغلبك ~~على الطعام، فمد اليد إلى الطعام لا ينافى التوكل. # الدرجة الثانية: الأسباب التي ليست متيقنة، لكن الغالب أن المسببات لا ~~تحصل دونها. مثاله من يفارق الأمصار، ويخرج مسافرا إلى البوادي التي لا ~~يطرقها الناس إلا نادرا، ولا يستصحب معه شيئا من الزاد، فهذا كالمجرب على ~~الله تعالى، وفعله منهي عنه، وحمله للزاد مأمور به، فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لما سافر تزود واستأجر دليلا إلى المدينة. # الدرجة الثالثة: ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ~~ثقة ظاهرة، كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه، ~~فمتى كان قصده صحيحا وفعله لا يخرج عن الشرع، لم يخرج عن التوكل، لكنه ربما ~~دخل # PageV01P334 # # في أهل الحرص إذا طلب فضول العيش. # وترك التكسب ليس من التوكل في شئ، إنما هو من فعل البطالين الذين آثروا ~~الراحة، وتعللوا بالتوكل. # قال عمر رضى الله عنه: المتوكل الذي يلقى حبه في الأرض ويتوكل على الله. # الفن الثاني: في التعرض للأسباب بالادخار، ومن وجد قوتا حلالا يشغله كسب ~~مثله عن جمع همه، فادخاره إياه لا يخرجه عن التوكل، خصوصا إذا كان له ~~عائلة. # وفى "الصحيحين" من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يبيع نخل بنى النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم. # فإن قيل: فقد نهى رسول الله ms278 صلى الله عليه وآله وسلم بلالا أن يدخر، ~~فالجواب: أن الفقراء كانوا عنده كالضيف، فما كان ينبغي أن يدخر فيجوعون، بل ~~الجواب: أن حال بلال وأمثاله من أهل الصفة كان مقتضاها عدم الادخار، فإن ~~خالفوا كان التوبيخ على الكذب في دعوى الحال لا على الادخار الحلال. # الفن الثالث: مباشرة الأسباب الدافعة للضرر. ليس من شرط التوكل ترك ~~الأسباب الدافعة للضرر، فلا يجوز النوم في الأرض المسبعة (1)، أو مجرى ~~السيل، أو تحت الجدار الخراب، فكل ذلك منهي عنه. # وكذلك لا ينقض التوكل لبس الدرع، وإغلاق الباب، وشد البعير بالعقال. وقال ~~الله تعالى {وليأخذوا أسلحتهم} [النساء: 102]. # وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يارسول الله أعقلها ~~وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل". # ويتوكل في ذلك كله على المسبب لا على السبب، ويكون راضيا بكل ما يقضى ~~الله عليه ومتى عرض له إذا سرق متاعه أنه لو احترز لم يسرق، أو أخذ يشكو ما ~~جرى عليه، فقد بان بعده عن التوكل. # وليعلم أن القدر له كالطبيب، فإن قدم إليه الطعام فرح، وقال: لولا أنه ~~علم أن PageV01P335 # # الغذاء ينفعني ما قدمه، وإن منعه فرح، وقال: لولا أنه علم أن الغذاء ~~يؤذيني لما منعني. # واعلم: أن كل من لا يعتقد في لطف الله تعالى ما يعتقده المريض في الطبيب ~~الحاذق الشفيق، لم يصح توكله، فإن سرق متاعه رضى بالقضاء، وأحل الآخذ، شفقة ~~على المسلمين. فقد شكا بعض الناس إلى بعض العلماء أنه قطع عليه الطريق، ~~وأخذ ماله، # فقال: إن لم يكن غمك كيف صار في المسلمين من يفعل هذا أكثر من غمك بمالك، ~~فما نصحت المسلمين. # الفن الرابع: السعي في إزالة الضرر، كمداواة المريض ونحو ذلك. # اعلم: أن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى ثلاثة أقسام: # إلى مقطوع به، كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع، فهذا ~~القسم ليس تركه من التوكل في شئ. # القسم الثاني: أن يكون مظنونا، كالفصد، والحجامة، وشرب المسهل، ونحو ذلك. ~~فهذا لا يناقض التوكل، فإن رسول ms279 الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تداوى ~~وأمر بالتداوى. # وقد تداوى خلق كثير من المسلمين، وامتنع عنه أقوام توكلا، كما روى عن أبى ~~بكر الصديق رضى الله عنه أنه قيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: رآني ~~الطبيب. قيل: فما قال لك؟ قال: إنى فعال لما أريد. # قال المصنف رحمه الله: والذي ننصره أن التداوي أفضل، وتحمل حال أبى بكر ~~رضى الله عنه أنه قد تداوى ثم أمسك بعد انتفاعه بالدواء، أو يكون قد علم ~~قرب أجله بأمارات. # واعلم: أن الأدوية أسباب مسخرة بإذن الله تعالى. # القسم الثالث: أن يكون السبب موهوما، كالكى، فيخرج عن التوكل، لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وصف المتوكلين بأنه لا يكتوون. # وقد حمل بعض العلماء الكي المذكور في قوله: "لا يكتوون" على ما كانوا ~~يفعلونه في الجاهلية، فإنهم كانوا يكتوون ويسترقون في زمن العافية لئلا ~~يمرضوا، فإن # PageV01P336 # # النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرقى الرقية بعد نزول المرض، وقد كوى ~~أسعد بن زرارة رضى الله عنه. # وأما شكوى المريض، فهي مخرجة عن التوكل، وقد كانوا يكرهون أنين المريض، ~~لأنه يترجم عن الشكوى، فكان الفضيل يقول: أشتهي مرضا بلا عواد. # وقال رجل للإمام أحمد: كيف أنت؟ قال: بخير. قال حممت البارحة؟ قال: إذا ~~قلت لك: أنا بخير، فلا تخرجني إلى ما أكره. # فأما إذا وصف المريض للطبيب ما يجده، فإنه لا يضره. وقد كان بعض السلف ~~يفعل ذلك، ويقول: إنما أصف قدرة الله في، ويتصور أن يصف ذلك لتلميذ يقويه ~~على الضراء ويرى ذلك نعمة، فيصف ذلك كما يصف النعمة شكرا لها، ولا يكون ذلك ~~شكوى. # وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إنى أوعك كما يوعك ~~رجلان منكم". # آخر التوكل. # PageV01P337 # ### | كتاب المحبة والشوق والأنس والرضى # اعلم: أن المحبة لله تعالى هي الغاية القصوى من المقامات، فما بعد إدراك ~~المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق، والأنس، ~~والرضى، ولا قبل المحبة، مقام إلا وهو من ms280 مقدماتها، كالتوبة، والصبر، ~~والزهد وغيرها. # واعلم: أن الأمة مجمعة على أن الحب لله ولرسوله فرض، ومن شواهد المحبة ~~قوله تعالى: {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] وقوله تعالى: {والذين آمنوا أشد ~~حبا لله} [البقرة: 165] وهذا دليل على إثبات الحب لله، وإثبات التفاوت فيه. # وفى الحديث الصحيح: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~الساعة فقال: "ما أعددت لها؟ " قال: يا رسول الله: ما أعددت لها من كثرة ~~صلاة ولا صيام، إلا أنى أحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "المرء مع من أحب، وأنت مع من أحببت"، فما فرح المسلمون بعد ~~الإسلام فرحهم بها. # وروى أن ملك الموت جاء إلى الخليل عليه السلام ليقبض روحه، فقال له: هل ~~رأيت خليلا يميت خليله؟ فأوحى الله إليه: هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه؟ ~~فقال: يا ملك الموت اقبض. # وقال الحسن البصري رحمه الله: من عرف ربه أحبه، ومن أحب غير الله تعالى، ~~لا من حيث نسبته إلى الله، فذلك لجهله وقصوره عن معرفته، فأما حب الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فذلك لا يكون إلا عن حب الله تعالى، وكذلك حب ~~العلماء والأتقياء، لأن محبوب المحبوب محبوب، بل إن ما يفعل المحبوب محبوب، ~~ورسول الله المحبوب محبوب، وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل، ولا محبوب في ~~الحقيقة عند ذوى البصائر إلا الله تعالى، ولا مستحق للمحبة سواه. # وإيضاح ذلك يرجع إلى أسباب: # أحدها: أن الإنسان يحب نفسه، وبقاءه، وكماله، ودوام وجوده، ويكره ضد ذلك ~~من الهلاك والعدم والنقصان، وهذا جبلة كل حي لا يتصور أن ينفك عنها. وهذا # PageV01P338 # # يقتضي غاية المحبة لله عز وجل، فإن الإنسان إذا عرف ربه، عرف قطعا أن ~~وجوده ودوامه وكماله من الله، وأنه المخترع له، الموجد لذاته بعد أن كان ~~عدما محضا لولا فضل الله عليه بإيجاده، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله ~~عليه بالتكميل ولذلك قال الحسن البصري: من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا، ~~زهد فيها. # وكيف يتصور أن ms281 يحب الإنسان نفسه، ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه. # السبب الثاني: أن الإنسان بالطبع يحب من أحسن إليه ولاطفه وواسه، وانتدب ~~لنصرته وقمع أعدائه، وأعانه على جميع أغراضه، فإنه محبوب عنده لا محالة. # وإذا عرف الإنسان حق المعرفة علم أن المحسن إليه هو الله سبحانه وتعالى ~~فقط. وأنواع إحسانه لا يحيط به حصر، كما قال تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها} [إبراهيم: 34، والنحل: 18]. # وقد أشرنا إلى طرف من ذلك في كتاب الشكر، ولكنا نبين أن الإحسان من الناس ~~غير متصور إلا بالمجاز، وأن، المحسن في الحقيقة هو الله تعالى. # بيان ذلك أنا نفرض أن شخصا أنعم عليك بجميع خزائنه وما يملك، ومكنك فيها ~~لتتصرف كيف شئت، فإنك تظن أن هذا الإحسان منه، وهو غلط، فإنه إنما تم ~~إحسانه بماله، وبقدرته على المال، وبداعيته الباعثة له على صرف المال. فمن ~~الذي أنعم بخلقه وخلق ماله وخلق إرادته وداعيته؟ ومن الذي حببك إليه، وصرف ~~وجهه إليك وألقى في نفسه أن صلاح دينه ودنياه في الإحسان إليك، ولولا ذلك ~~ما أعطاك، فكأنه صار مقهورا في التسليم لا يستطيع مخالفته. فالمحسن هو الذي ~~اضطره وسخره لك، فهو جار مجرى خازن أمير أمره أن يسلم إلى الإنسان خلعة ~~خلعها عليه الأمير، فإن الخازن لا يرى محسنا بتسليم خلعة الأمير، لأنه مضطر ~~إلى طاعته، ولو خلاه الأمير ونفسه لما سلم ذلك. وكذلك كل محسن لو خلاه الله ~~ونفسه، لم يبذل حبه من ماله حتى يسلط الله عليه الدواعي، ويلقى في نفسه أن ~~حظه في بذل ذلك فيبذله. فينبغي للعارف أن لا يحب إلا الله، إذا الإحسان من ~~غيره محال. # السبب الثالث: أن المحسن في نفسه وإن لم يصل إليك إحسانه محبوب في ~~الطباع، فإنه إذا بلغك عن ملك من الملوك أنه عالم عادل عابد رفيق بالناس، ~~متلطف بهم وهو في # PageV01P339 # # قطر بعيد، فإنك تحبه، وتجد في نفسك ميلا كثيرا إليه. فهذا حب المحسن من ~~حيث إنه محسن، فضلا عن أن يكون محسنا إليك. وهذا ms282 ما يقتضي حب الله تعالى، ~~بل يقتضي أن لا يحب غيره، إلا بحيث أن يتعلق منه بسبب، فإنه سبحانه هو ~~المحسن إلى الكل كافة، بإيجادهم وتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ~~ضروراتهم وترفيههم، إلى غير ذلك من النعم التي لا تحصى، كما قال تعالى: ~~{وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34، والنحل: 18]. فكيف يكون ~~غيره محسنا؟ وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته، فمن عرف هذا لم يحب إلا الله ~~تعالى. # وكذلك نقول: كل من كان متصفا بالعلم، أو بالقدرة أو كان متنزها عن الصفات ~~الرذيلة، فإن ذلك يوجب له المحبة. فصفات الصديقين الذين تحبهم القلوب طبعا، ~~ترجع إلى علمهم بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وشرائع أنبيائه، إلى ~~قدرتهم على إصلاح نفوسهم والى تنزيههم عن الرذائل والخبائث ولمثل هذه ~~الصفات تحب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإذا نسبت هذه الصفات إلى صفات ~~الله تعالى، وجدتها مضمحلة بالنسبة إلى صفاته سبحانه وتعالى. # أما العلم، فإن علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذي يحيط بالكل، ~~حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. وقد خاطب الخلق كلهم ~~فقال: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85]. # ولو أجتمع أهل السموات والأرض، على أن يحيطوا بعلمه وحكمته في تفصيل خلق ~~نملة، لم يطلعوا على عشر عشر ذلك، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، ~~والقدر اليسير الذي علمه الخلق كلهم، بتعليمه، علموه. ففضل علم الله سبحانه ~~على علم الخلائق كلهم خارج عن النهاية، إذ معلوماته لا نهاية لها. # وأما صفة القدرة، فهي أيضا صفة كمال، فإذا نسبت قدرة الخلق كلهم إلى قدرة ~~الله تعالى، وجدت أعظم الأشخاص قوة، وأوسعهم ملكا، وأقواهم بطشا، وأجمعهم ~~للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره، غاية قدرته أن يقدر على بعض صفات نفسه، ~~وعلى بعض امتحان الإنس في بعض الأمور، وهو مع ذلك لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا، بل لا يقدر على حفظ عينه من ~~العمى، ولا على حفظ ms283 لسانه من الخرس، ولا آذانه من الصمم، ولا بدنه من ~~المرض، ولا يقدر # PageV01P340 # # على ذرة من ذرات المخلوقات. وما هو قادر عليه من نفسه وغيره، فليست قدرته ~~من نفسه، بل الله خالقه وخالق قدرته وخالق أسبابه والممكن له من ذلك. ولو ~~سلط بعوضة على أعظم ملك وأقوى شخص لأهلكته، فليس للعبد قدرة إلا بتمكين ~~مولاه. # قال الله تعالى في حق أعظم ملوك الأرض ذي القرنين: {إنا مكنا له في ~~الأرض} [الكهف: 84] فلم يكن جميع ملكه وسلطانه إلا بتمكين الله تعالى، ~~فنواصي الخلق جميعهم في قبضته وقدرته، إن أهلكهم لم ينقص من ملكه وسلطانه ~~ذرة، وإن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعبأ بخلقه، فلا قادر إلا هو، فله الكمال ~~والعظمة والبهاء والكبرياء والقهر والاستيلاء. فإن تصور أن تحب قادرا لكمال ~~قدرته وعظمته وعلمه، فلا يستحق ذلك سواه، ولا يتصور كمال التقديس والتنزيه ~~إلا له سبحانه، فهو الواحد الذي لا ند له، الفرد الذي لا ضد له، الصمد الذي ~~لا منازع له، الغنى الذي لا حاجة له، القادر الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما ~~يريد، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة ~~في الأرض ولا في السماء. # وكمال معرفة العارفين الاعتراف بالعجز عن معرفته، وهو المستحق لكمال ~~المحبة استحقاقا لا يساهم فيه أصلا. ### | 1 فصل في بيان أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله سبحانه والنظر إلى وجهه الكريم وأنه لا يتصور أن يؤثر على ذلك لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة # اعلم: أن اللذات تابعة للإدراكات، والإنسان جامع لجملة من القوى ~~والغرائز، ولكل قوة غريزة لذة، ولم تخلق هذه الغرائز عبثا، بل لأمر من ~~الأمور، وهو مقتضاها بالطبع، فغريزة شهور الطعام خلقت لتحصيل الغذاء الذي ~~به القوام، ولذة البصر والسمع في الإبصار والإسماع. # وكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهي، وقد تسمى العقل، وتسمى البصيرة ~~الباطنة، وتسمى نور الإيمان واليقين، وهذه الغريزة خلقت ليعلم بها حقائق ~~الأمور كلها بطبعها، فمقتضى طبعها العلم والمعرفة، وذاك لذتها. ms284 # PageV01P341 # # وليس يخفى أن العلم والمعرفة، ولو في شئ خسيس يفرح به، وأن من ينسب إلى ~~الجهل ولو في شئ خسيس يغتم به. وكل ذلك لفرط لذة العلم، وما يستشعره من ~~كمال ذاته. فان العلم من أحسن الصفات ومنتهى الكمال، ولذلك يرتاح الإنسان ~~بطبعه إذا أثنى عليه بالذكاء، وغزارة العلم، ثم ليس لذة العلم بالحراثة ~~والخياطة كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمر الخلق، ولا لذة العلم بالشعر ~~والنحو، كلذة العلم بالله تعالى وملائكته وملكوت السموات والأرض، بل لذة ~~العلم بقدر شرف العلم، وشرف العلم بقدر شرف المعلوم، فبهذا استبان أن ألذ ~~المعارف وأشرفها، وشرفها بحسب شرف المعلوم، فإن كان في المعلومات ما هو ~~الأجل والأكمل والأشرف والأعظم، فالعلم به ألذ العلوم لا محالة وأشرفها. # وليت شعري، هل في الوجود شئ أجل وأعلى وأشرف وأكمل وأعظم من خالق الأشياء ~~كلها ومكملها. ومزينها ومبديها ومعيدها ومدبرها ومرتبها؟ ‍‍‍‍‍‍ وهل يتصور ~~أن يكون حضرة في الملك والكمال والجمال والبهاء والجلال أعظم من الحضرة ~~الربانية التي لا يحيط بجلالها وكمالها وعجائب أمورها وصف الواصفين؟! ‍ # فينبغي أن تعرف أن لذة المعرفة أقوى من جميع اللذات المدركة بالحواس ~~الخمس، فإن المعاني الباطنة أغلب على ذوى الكمال من اللذات الظاهرة. فلو ~~خير الرجل بين لذة أكل الدجاج السمين واللوزينج، وبين لذى الرياسة، وقهر ~~الأعداء، ونيل درجة الاستيلاء، فان كان المخير خسيس الهمة ميت القلب شديد ~~الشهوة البهيمية اختار اللحم والحلواء، وإن كان علي الهمة، كامل العقل، ~~فإنه يختار الرياسة، ويهون عليه الجوع والصبر على ضرورة القوت أياما. # فاختياره للرياسة دليل على أنه ألذ عنده من المطعومات الطيبة، وكما أن ~~لذة الرياسة أغلب اللذات على من جاوز نقصان الناقص الهمة، فلذة معرفة الله ~~سبحانه وتعالى والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي ~~أعلى اللذات الغالبة على الخلق وهذا لا يعرفه إلا من ذاق اللذتين جميعا، ~~فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد والفكر والذكر، وينغمس في بحار المعرفة، ~~ويترك الرياسة، ويحتقر الخلق، لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه ms285 رياسته، ~~وكون ذلك مشوبا بالكدر، مقطوعا بالموت. وتعظم عنده معرفة الله سبحانه ~~وتعالى، ومطالعة صفاته وأفعاله، ونظام مملكته، فإنها خالية عن الزاحمات ~~والمكدرات، متسعة للمتواردين عليها، لا تضيق عنهم، فلا يزال # PageV01P342 # # العارف بمطالعتها في جنة عرضها السموات والأرض، يرتع في رياضتها، ويقطف ~~من ثمارها، ويكرع من حياضها، وهو آمن من انقطاعها، إذ هي أبدية سرمدية، لا ~~يقطعها الموت، لأن الموت لا يهدم محل معرفة الله تعالى، إذ محلها الروح، ~~وإنما الموت يغير أحوالها، أما أن يعدمها فلا. # والعارفون درجات عند الله تعالى متفاوتون، لا يدخل تفاوت درجاتهم تحت ~~الحصر، وهذه الأمور لا تدرك إلابالذوق، والحكاية فيها قليلة الجدوى. فهذا ~~القدر ينبهك على أن معرفة الله تعالى ألذ الأشياء، وأنه لا لذة فوقها ولهذا ~~قال أبو سليمان الدارانى رحمه الله: إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله عز ~~وجل خوف النار ولا رجاء الجنة، فكيف تشغلهم الدنيا عن الله تعالى؟! ‍ # وقال بعض أصحاب معروف: قلت له: أي شئ أهاجك على العبادة؟ فسكت. فقلت: ذكر ~~الموت؟ فقال: وأي شئ الموت؟ قلت: ذكر القبر. فقال وأي شئ القبر؟ قلت: خوف ~~النار ورجاء الجنة؟ فقال: وأي شئ هذا؟ إن ملكا هذا كله بيده، إن أحببته ~~أنساك جميع ذلك، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع ذلك. # وقال أحمد بن الفتح: رأيت بشر بن الحارث في منامى، فقلت له: ما فعل معروف ~~الكرخى؟ فحرك رأسه ثم قال: هيهات، حالت بيننا وبينه الحجب، إن معروفا لم ~~يعبد الله شوقا إلى جنته ولا خوفا من ناره، وإنما عبده شوقا إليه، فرفعه ~~الله إلى الرفيق الأعلى، ورفع الحجب بينه وبينه. # فمتى حصلت محبة الله تعالى لشخص، صار قلبه مستغرقا بها، ولا يلتفت إلى ~~جنة، ولا يخاف من نار، فإنه قد بلغ النعيم الذي ليس فوقه نعيم. قال بعضهم: # وهجره أعظم من ناره ... ووصله أطيب من جنته # وإنما أراد بهذا لذة القلب في معرفة الله تعالى. وأنها مفضلة على لذة ~~الأكل والشرب والنكاح، فإن الجنة معدن تمتع الحواس، وأما ms286 القلب فلذته في ~~لقاء الله تعالى فقط. # واعلم: أن لذة النظر في الآخرة تزيد على المعرفة في الدنيا، وقد اقتضت ~~سنة الله تعالى أن النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن، ومقتضى الشهوات وما ~~يغلب عليها من الصفات البشرية، ولا تنتهي إلى المشاهدة، بل هذه الحياة حجاب ~~عنها بالضرورة، كحجاب الأجفان عن رؤية الإبصار. # PageV01P343 # # والقول في سبب كونه حجابا يطول، فإذا ارتفع الحجاب بالموت، بقيت النفس ~~وفيها نوع تلوث بالدنيا، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة وقد صفوا عن الأكدار، ~~تجلى لهم الحق سبحانه وتعالى على قدر معرفتهم في الدنيا. # فكل من لا يعرف الله تعالى في الدنيا، لا يراه في الآخرة. وما يستأنف ~~لأحد في الآخرة مالم يصحبه في الدنيا، ولا يحصد أحد ما زرع، ولا يموت المرء ~~إلا على ما عاش عليه، فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه، إلا أنه ~~ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء، فتضاعف اللذة، والعيش عيش الآخرة. {وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان} [العنكبوت: 64]. # وعيش الآخرة بقدر المعرفة، ولهذا جاء في الحديث: "خير الناس من طال عمره ~~وحسن عمله" وذلك لأن المعرفة إنما تكمل وتكثر وتتسع في العمر الطويل ~~بمداومة الفكر والذكر، والمواظبة على المجاهدة، والانقطاع عن علائق الدنيا، ~~والتجرد للطلب، فقد عرفت بما ذكرنا معنى المحبة، ومعنى لذة المعرفة، ومعنى ~~الرؤية ولذتها، ومعنى كونها ألذ من سائر اللذات عند أهل الكمال. ### | 2 فصل في بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى وتفاوت الناس في الحب وبيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله تعالى # واعلم: أن أسعد الناس وأحسنهم حالا في الآخرة أقواهم حبا لله تعالى، فإن ~~الآخرة معناه القدوم على الله تعالى، ودرك سعادة لقائه. وما أعظم نعيم ~~المحب إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه، وتمكن من مشاهدته من غير منغص ولا ~~مكدر، إلا أن هذا النعيم على قدر المحبة، فكلما ازداد الحب ازدادت اللذة. # وأصل الحب لا ينفك عن مؤمن، لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة، وأما قوة الحب ~~واستيلاؤه، فذلك ينفك ms287 عنه الأكثرون، وإنما يحصل ذلك بشيئين: # أحدهما: قطع علائق الدنيا، وإخراج حب غير الله من القلب، فأحد أسباب ضعف ~~حبه، قوه حب الدنيا، وبقدر ما يأنس القلب بالدنيا ينقص أنسه بالله، والدنيا # PageV01P344 # # والآخرة ضرتان، وسبيل قطع الدنيا عن القلب سلوك طريق الزهد، وملازمة ~~الصبر والانقياد إليهما بزمام الخوف والرخاء، وما ذكرناه من المقامات ~~كالتوبة والصبر والشكر والزهد والخوف وغير ذلك. # السبب الثاني لقوة المحبة: معرفة الله تعالى، فإذا حصلت المعرفة تبعتها ~~المحبة، ولا يوصل إلى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب إلا ~~الفكر الصافي، والذكر الدائم، والتشمير في الطلب، والاستدلال عليها بأفعاله ~~سبحانه: وأقل أفعاله الأرض وما عليها، بالإضافة إلى الملائكة وملكوت ~~السموات. # والشمس على ما يرى من صغر حجمها مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة، فانظر ~~إلى صغر الأرض بالإضافة إليها، ثم انظر إلى صغر الشمس بالإضافة إلى فلكها ~~الذي هي مركوزة فيه وهى في السماء الرابعة (1) والسماء الرابعة صغيرة ~~بالنسبة إلى ما فوقها من السموات، ثم السموات السبع في الكرسي كحلقة ملقاة ~~في فلاة، والكرسي في العرش كذلك. # ثم انظر إلى الآدمي المخلوق من التراب هو جزء من الارض، وإلى سائر ~~الحيوانات، وإلى صغره بالإضافة إلى الأرض، واصغر ما تعرفه من الحيوانات ~~البعوض، فانظر فيه بعقل حاضر، كيف خلقه الله عز وجل على شكل الفيل الذي هو ~~أعظم الحيوانات، وزاده الجناحين، وانظر كيف شق سمعه وبصره، وخلق في باطنه ~~من أعضاء الغذاء وآلاته، ودبره في سائر أحواله، من القوى الجاذبة والدافعة ~~والهاضمة، وانظر كيف خلق له الطيران، يطير إذا طلب، وجعل له خرطوما محددا ~~يمص به الدم. # وانظر إلى النحل في تناولها الأزهار من الأنوار، واحترازها عن الأقذار، ~~وطاعتها إلى كبيرها، حتى إنه يقتل كل ما ورد عليه وقد أكل مستقذرا، والى ~~اختيارها الشكل المسدس، فلا تبنى بيتا مربعا، ولا مستديرا، ولا مخمسا، بل ~~مسدسا لخاصيته في الشكل المسدس، فإن أوسع الأشكال وأحواها المستدير وما ~~يقرب منه، فإن المربع تخرج منه الزوايا ضائعة، ثم لو بناها ms288 مستديرة لبقيت ~~خارج البيوت فرج ضائعة، فإن الأشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة، ~~فلا شكل في الأشكال ذوات الزوايا PageV01P345 # # يقرب في الاحتواء من المستدير، ثم تتراص الجملة منه، بحيث لا يبقى بعد ~~اجتماعها فرجة إلى المسدس، فانظر كيف الهمه الله تعالى ذلك على صغر حجمه ~~وضعفه، فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات، فالنظر في هذا ~~وأشباهه تزداد المعرفة به، فتزداد المحبة. # وأما السبب في تفاوت الناس في الحب. # فاعلم أن الناس مشتركون في أصل الحب، لكنهم يتفاوتون لتفاوت المعرفة، ~~فكثير من الناس ليس لهم من معرفة الله إلا الصفات والأسماء التي قرعت ~~أسماعهم، والعالم البصير يطالع تفصيل صنع الله تعالى حتى يرى ما يبهر عقله، ~~فتزداد عظمة الله في قلبه، فيزداد حبا له، وتجر هذه المعرفة التي هي معرفة ~~عجائب صنع الله تعالى إلى بحر لا ساحل له. # وأما السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله تعالى، فاعلم أن كل من صنع ~~شيئا دل المصنوع على وجود صانعه، وعلى علمه وحياته وقدرته دلالة جلية ~~ظاهرة، وإن كانت هذه الصفات لا تدرك بشيء من الحواس الخمس. فوجود الله ~~سبحانه وتعالى وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهد من ~~حجر وشجر ومدر ونبات وحيوان وأرض وسماء وكوكب وبر وبحر، بل أول شاهد علينا ~~أنفسنا وأجسامنا، وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا، وجميع أطوارنا في حركاتنا ~~وسكناتنا. # وجميع ما في العالم شواهد ناطقة، وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ~~ومصرفها ومحركها، ودالة على علمه وقدرته وحياته ولطفه وحكمته وعظمته ~~وجلاله، إذ كل ذرة تنادى بلسان حالها: إنه ليس وجودها بنفسها، وإنها تحتاج ~~إلى موجد لها، لكن عقولنا بالنسبة إلى إدراك الحضرة الإلهية، كالخفاش ~~بالنسبة إلى النهار، فإنه لضعف بصره يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، وليس ~~عدم إبصاره بالنهار لخفائه، بل لشدة ظهوره واستنارته وضعف أعين الخفاش، ~~فكذلك عقولنا ضعيفة عن إدراك الحضرة الإلهية، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، ~~واختفى به عن البصائر والأبصار، فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن ms289 معرفة ~~الله سبحانه وتعالى، وانضم إلى ذلك أيضا أن المدركات الشاهدة لله تعالى، ~~إنما يدركها الإنسان في حال الصبا قبل حضور العقل عنده، ثم تبدو فيه غريزة ~~العقل قليلا قليلا، وهو مستغرق الهم، مشغول به، وقد أنس بمدركاته وألفها، ~~فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس. # PageV01P346 # # وكذلك إذا رأى فجأة حيوانا غريبا، أو نباتا، أو فعلا من أفعال الله تعالى ~~عجيبا خارقا للعادة، انطلق لسانه بالتعجب، فقال: سبحان الله! سبحان الله! ~~وهو يرى طول النهار نفسه، وجميع أعضائه، وجميع الحيوانات المألوفة، وكلها ~~شواهد قاطعة، فلا يحس بشهادتها لطول الأنس بها. # ولو فرض أن أعمى بلغ عاقلا، ثم انقشعت غشاوة عينه، فامتد بصره إلى السماء ~~والأرض، والأشجار، والنبات، والحيوان دفعة واحدة، لخيف على عقله أن ينبهر، ~~لعظم عجبه من مشاهدة هذه العجائب، وشهادتها لخالقها، فهذا وأمثاله من ~~الأسباب مع الانهماك في الشهوات، وهو الذي سد على الخلق في سبيل الاستضاءة ~~بنور المعرفة، والسباحة في بحارها الواسعة، والله أعلم وأحكم. ### | 3 فصل في بيان معنى الشوق إلى الله تعالى # قد تقدم الكلام في المحبة وإثباتها بالأدلة، وأن الشوق ثمرة من ثمارها، ~~فإن أحب شيئا اشتاق إليه. # واعلم: أن الشوق لا يتصور إلا لشيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه. # فأما ما لا يدرك أصلا، فلا يشتاق إليه، وكمال الإدراك بالرؤية، وإنما ~~يكون ذلك في الآخرة. # واعلم: أن الأمور الإلهية لا نهاية لها، وإنما يكشف لكل عبد من العباد ~~بعضها، ويبقى أمور لا نهاية لها، والعارف يعلم وجودها، وكونها معلومة لله ~~تعالى، ويعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر، فلا يزال العبد ~~متشوقا إلى أن يحصل له اصل المعرفة، وينتهى الشوق الأول في الدار الآخرة ~~بالمعنى الذي يسمى رؤية ومشاهدة، ولا يتصور أن يسكن قلب المشتاق في الدنيا. # وكان إبراهيم ابن أدهم من المشتاقين، فقال يوما يارب! إن كنت أعطيت أحدا ~~من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني، فقد أضر بى القلق. قال: ~~فرأيته عز وجل ms290 في النوم، فقال: يا إبراهيم! أما استحييت منى؟! تسألني أن ~~أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي، وهل يسكن قلب المشتاق قبل لقاء حبيبه؟ ~~فقلت: يا رب: تهت في حبك فلم أدر ما أقول، فهذا الشوق يسكن في الآخرة. وأما ~~غير ذلك مما هو # PageV01P347 # # معلوم لله فلا نهاية له، فلا يتضح للعبد ولا يحط به، فهو مشغول بلذة ما ~~ظهر له، ولا يزال النعيم واللذة متزايدين حتى يشغل عن الإحساس بالشوق إلى ~~ما وراء ذلك، فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق ومعانيه. # ومن شواهد الأخبار، ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم ~~رجلا دعاء، وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، فذكر فيه: "أسألك اللهم الرضى ~~بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقا إلى لقائك". # وفى التوراة: يقول الله تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى ~~لقائهم أشد شوقا. # وفى بعض ما أوحى الله عز وجل إلى بعض عباده: إن لى عبادا من عبادى، ~~يحبونى وأحبهم، وأشتاق إليهم ويشتاقون إلى، ويذكروني وأذكرهم، فان حذوت ~~طريقهم أحببتك، وإن عدلت عنهم مقتك. قال: يا رب! وما علامتهم؟ قال: يرعون ~~الظلال بالنهار، كما يراعى الراعي الشفيق غنمه؟ ويحنون إلى غروب الشمس كما ~~تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب، فإذا جنهم الليل، واختلط الظلام، وفرش ~~الفرش، وخلال كل حبيب بحبيبه، نصبو أقدامهم، وافترشوا وجوههم، وناجوني ~~بكلامي، وتملقونى بإنعامي، فبين صارخ وباك، وبين متأوه وشاك، وبين قائم ~~وقاعد، وبين راكع وساجد، بعيني ما يتحملون من أجلى، وبسمعي ما يشكون من ~~حبي. ### | 4 فصل في بيان محبة الله تعالى للعبد ومعناها وبيان علامات محبة العبد لله تعالى # وأما محبة الله تعالى للعبد، فاعلم: # أن شواهد القرآن متظاهرة على ذلك كقوله تعالى: {إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين} [البقرة 222]، {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا}، ~~الآية [الصف: 4] ونبه على أنه لا يعذب من يحبه، لأنه رد على من ادعى أنه ~~حبيبه بقوله: {قل فلم ms291 يعذبكم بذنوبكم} [المائدة: 18] وشرط للمحبة غفران ~~الذنوب فقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم} [آل عمران، 31]. # PageV01P348 # # وفى الحديث الصحيح، من رواية أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن الله تعالى يقول: "ما يزال عبدى يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى أحبه"، إلى أخره. وهو حديث مشهور. # ومن علامة حب الله تعالى للعبد، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إن ~~الله إذا أحب عبدا ابتلاه" (1). # ومن أقوى العلامات، حسن التدبير له، يربيه من الطفولة على أحسن نظام، ~~ويكتب الإيمان في قلبه، وينور له عقله، فيتبع كل ما يقربه، وينفر عن كل ما ~~يبعد عنه، ثم يتولاه بتيسير أموره، من غير ذل للخلق، ويسدد ظاهره وباطنه، ~~ويجعل همه هما واحدا، فإذا زادت المحبة، شغله به عن كل شىء. # وأما محبة العبد لله تعالى، فاعلم: # أن المحبة يدعيها كل أحد، فما أسهل الدعوى وأعز المعنى، فلا ينبغي أن ~~يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان، وخداع النفس إذا ادعت محبة الله تعالى، مالم ~~يمتحنها بالعلامات، ويطالبها بالبراهين، فمن العلامات حب لقاء الله تعالى ~~في الجنة، فإنه لا يتصور أن يحب القلب محبوبا إلا ويحب لقاءه ومشاهدته، ~~وهذا لا ينافى كراهة الموت، فإن المؤمن يكره الموت، ولقاء الله بعد الموت. # ومن السلف من أحب الموت، ومنهم من كرهه، إما لضعف محبته، أو لكونها مشوبة ~~بحب شيء من الدنيا، أو لأنه يرى ذنوبه فيحب أن يبقى ليتوب. # ومنهم من يرى نفسه في ابتداء مقام المحبة، فسكره عجلة الموت قبل أن يستعد ~~للقاء الله تعالى، وهذا كمحب يصله الخبر بقدوم حبيبه عليه، فيحب أن يتأخر ~~قدومه ساعة ليهيئ له داره، ويعدل له أسبابه، فيلقاه كما يهواه، فارغ القلب ~~عن الشواغل، خفيف الظهر عن العوائق، فالكراهة بهذا السبب لا تنافى كمال ~~المحبة، وعلامة هذا: الدؤوب في العمل، واستغراق الهم في الاستعداد. # ومنها أن يكون مؤثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه، ~~فيجتنب PageV01P349 # # اتباع الهوى، ويعرض ms292 عن دعة الكسل، ولا يزال مواظبا على طاعة الله تعالى ~~متقربا إليه بالنوافل. # ومن أحب الله فلا يعصيه، إلا أن العصيان لا ينافى أصل المحبة، إنما يضاد ~~كمالها، فكم من إنسان يحب الصحة ويأكل ما يضره، وسببه أن المعرفة قد تضعف ~~والشهوة قد تغلب، فيعجز عن القيام بحق المحبة، ويدل على ذلك حديث نعيمان ~~أنه كان يؤتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيحده (1) إلى أن ~~أتى به يوما، فحده فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: "لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله" فلم تخرجه المعصية ~~عن المحبة، وإنما تخرجه عن كمال المحبة. # ومن العلامات أن يكون مستهترا بذكر الله تعالى، لا يفتر عنه لسانه، ولا ~~يخلو عنه قلبه، فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره بالضرورة، ومن ذكر ما يتعلق ~~به. # فعلامة حب الله تعالى حب ذكره، وحب القرآن الذي هو كلامه، وحب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم} [آل عمران: 31]. # وقال بعض السلف: كنت قد وجدت حلاوة المناجاة، فكنت أدمن قراءة القرآن، ثم ~~لحقني فترة فانقطعت، فرأيت في المنام قائلا يقول: # إن كنت تزعم حبي ... فلم هجرت كتابي # أما تدبرت ما في ... ه من لطيف عتابي # ومنها أن يكون أنسه بالخلوة، ومناجاة الله تعالى، وتلاوة كتابه، فيواظب ~~على التهجد، ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق، فان أقل درجات ~~الحب التلذذ بالخلوة بالحبيب، والتنعم بمناجاته. # روى أن عابدا عبد الله غيضة دهرا، فنظر إلى طائر قد عشش في شجرة يأوى ~~إليها، ويصفر عندها. فقال: لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة كنت آنس بصوت ~~PageV01P350 # # هذا الطائر، ففعل، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: قل لفلان العابد: استأنست ~~بمخلوق، لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا. # فإذن علامة المحبة، كمال الأنس بمناجاة المحبوب، وكمال التنعيم بالخلوة، ~~وكمال الاستيحاش من كل ما ينقض عليه ms293 الخلوة. # ومتى غلب الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عين تدفع جميع الهموم، ~~بل يستغرق الحب والأنس قلبه، حتى لا يفهم أمور الدنيا، مالم تتكرر على سمعه ~~مرارا، مثل العاشق الولهان. # ومنها أن يتأسف على ما يفوته من ذكر الله تعالى، ويتنعم بالطاعة، لا ~~يستثقلها، ويسقط عنه تعبها. # قال ثابت البنانى رحمة الله: كابدت الصلاة عشرين سنه، وتنعمت بها عشرين ~~سنه. # وقال الجنيد: علامة المحبة دوام النشاط، والدؤوب بشهوة يفتر بدنه ولا ~~يفتر قلبه، وكل هذا موجود المثال في المشاهدات، فإن المحب لا يستثقل السعي ~~في مراد محبوبه، ويستلذ خدمته بقلبه، إن كان شاقا على بدنه، وكل حب قاهر لا ~~محالة، فمن كان محبوب أحب إليه من الكسل، ترك الكسل في خدمته، وإن كان أحب ~~إليه من المال، ترك المال في حبه. # ومنها أن يكون شفيقا على جميع عباد الله، رحيما بهم، شديدا على أعدائه، ~~كما قال تعالى: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: 29] ولا تأخذه في ~~الله لومة لائم، ولا يصرفه عن الغضب له صارف، فهذه علامات المحبة، فمن ~~اجتمعت فيه فقد تمت محبته، وصفا في الآخرة شرابه. ومن امتزج بحبه حب غير ~~الله، تنعم في الآخرة بقدر حبه، فيمزج شرابه بشيء من شراب المقربين، كما ~~قال عز وجل: {إن الأبرار لفي نعيم} إلى قوله: {يسقون من رحيق مختوم (25) ~~ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا ~~يشرب بها المقربون} [المطففين: 25 - 28] فقوبل الخالص بالصرف، والمشوب ~~بالمشوب. {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ~~[الزلزلة: 7 - 8]. # PageV01P351 # # ومنها أن يكون في حبه خائفا بين الهيبة والتعظيم، فإن الخوف لا يضاد ~~المحبة، ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ليست لغيرهم، وبعضها أشد من ~~بعض، فأولها خوف الإعراض، وأشد منه خوف الحجاب، وأشد منه خوف الإبعاد. # ومنها كتمان الحب، واجتناب الدعوى، والتوقى من إظهار الوجد والمحبة، ~~تعظيما للحبوب، وإجلالاله، وهيبة وغيره على سره، فإن الحب سر من أسرار ~~الحبيب. وقد يقع المحب في دهش وسكر، ms294 فيظهر عليه الحب من غير قصد، فهو في ~~ذلك معذور، كما قال بعضهم. # ومن قلبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ### | 5 فصل في بيان معنى الأنس بالله والرضى بقضاء الله عز وجل # اعلم: أن من غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة، ~~لآن الأنس بالله يلازمه التوحش من غيره، ويكون أثقل الأشياء على القلب كل ~~ما يعوق عن الخلوة. # قال عبد الواحد بن زيد: قلت لراهب: لقد أعجبتك الخلوة، فقال: لو ذقت ~~حلاوة الخلوة لا ستوحشت إليها من نفسك، قلت: متى يذوق العبد حلاوة الأنس ~~بالله تعالى؟ قال: إذا صفا الود، خلصت المعاملة. قلت: متى يصفو الود؟ قال: ~~إذا اجتمع الهم، فصار هما واحدا في الطاعة. # فإن قيل: ما علامة الأنس؟ قيل: علامته الخاصة ضيق الصدر عن معاشرة الخلق، ~~والتبرم بهم، وإن خالط، فهو كمنفرد غائب مخالط بالبدن، منفرد بالقلب. # واعلم: أن الأنس إذا دام وغلب واستحكم، قد يثمر نوعا من الانبساط ~~والإدلال، وقد يكون ذلك منكرا في الصورة، لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة، ~~وإن كان محتملا ممن أقيم مقام الأنس. وأما إذا صدر ممن لا يفهم ذلك المقام، ~~أشرف به على صاحبه على الكفر، وذلك كما يروى عن أبى حفص أنه كان يمشى يوما، ~~فاستقبله رجل مدهوش (1) فقال: مالك؟ قال: ضل حماري، ولا أملك غيره، فوقف ~~PageV01P352 # # أبو حفص وقال: وعزتك لا أخطو خطوة ما لم ترد عليه حماره، فظهر الحمار. # وروى عن برخ العابد أنه خرج يستقى فقال: يارب: أنت بالبخل لا ترمى، أنفذ ~~ما عندك، اسقنا الساعة. # ولا يستبعد أن يحتمل من شخص ما لم يحتمل من غيره. وأما الرضى بقضاء الله ~~تعالى، فهو من أعلى مقامات المقربين، وهو من ثمار المحبة، وحقيقته غامضة، ~~ولا ينكشف الأمر فيه إلا لمن يفهمه عن الله تعالى. # ومن فضائل الرضى ما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~"إذا أراد الله بعبد خيرا أرضاه بما قسم له". ms295 # وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: يا داود: إنك لن تلقاني بعمل هو ~~أرضى لى عنك، ولا أحط لوزرك من الرضى بقضائي. # ونظر علي بن أبى طالب رضى الله عنه إلى عدى بن حاتم كئيبا، فقال: ياعدى: ~~مالي أراك كئيبا حزينا؟ فقال: وما يمنعني فقد قتل ابناي، وفقئت عيني فقال: ~~يا عدى! من رضى بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله ~~جرى عليه وحبط عمله. # ودخل أبو الدرداء رضى الله عنه على رجل وهو يموت وهو يحمد الله تعالى، ~~فقال أبو الدرداء: أصبت، إن الله عز وجل إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به. # وقال ابن مسعود رضى الله عنه: إن الله تعالى بقسطه وعمله جعل الروح ~~والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. # وقال علقمة في قوله عز وجل: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 11] ~~قال: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى. # وقال أبو معاوية الأسود في قوله تعالى: {فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: 97] ~~قال: الرضى والقناعة. # وفى الأخبار السالفة (1): أن نبيا من الأنبياء شكا إلى ربه عز وجل الجوع ~~والفقر عشر سنين، فما أجيب إلى ما أراد، ثم أوحى الله إليه: كم تشكو؟ هكذا ~~كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السماوات والأرض، وهكذا سبق لك ~~منى، وهكذا قضيت PageV01P353 # # عليك قبل أن أخلق الدنيا، أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك؟ أم تريد أن ~~أبدل ما قدرت لك؟ فيكون ما تحب فوق ما أحب، ويكون ما تريد فوق ما أريد، ~~وعزتي وجلالى، لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة. # وفي "زبور داود" عليه السلام: هل تدرى من أسرع الناس مرا على الصراط؟ ~~الذين يرضون بحكمي وألسنتهم رطبة من ذكرى. # وقال داود عليه السلام: يارب! أي عبادك أبغض إليك؟ قال: عبد استخارتي في ~~أمر، فخرجت له، فلم يرض. # وقال عمر بن العزيز: ما بقى لى سرور إلا في مواقع ms296 القدر. # وقيل له: ما تشتهى؟ فقال: ما يقضى الله عز وجل. # وقال الحسن: من رضى بما قسم له، وسعه، وبارك الله فيه، ومن لم يرض لم ~~يسعه، ولم يبارك له فيه. # وقال عبد الواحد بن زيد: الرضى باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح ~~العابدين. # وقال بعضهم: لن يرد الآخرة أرفع درجات من الراضين عن الله تعالى على كل ~~حال، فمن وهب له الرضى، فقد بلغ أفضل الدرجات. # وأصبح أعرابي وقد مات له أباعر كثيرة، فقال: # لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوى إحن # ما سرني أن إبلي في مباركها ... وأن شيئا قضاه الله لم يكن ### | 6 فصل [يتصور الرضى فيما يخالف الهوى] # ويتصور الرضى فيما يخالف الهوى. وبيان ذلك إذا جرى على الإنسان الألم، ~~فتارة يحس به ويدرك ألمه، ولكنه يكون راضيا به، راغبا في زيادته بعقله، وإن ~~كان كارها له بطبعه لما يوصله من الثواب. مثاله أن يلتمس من الحجام الحجامة ~~والفصد، فإنه يدرك ألم ذلك، إلا أنه راض به، وراغب فيه ومتقلد منه الحجام. # PageV01P354 # # وكذلك كل من يسافر في طلب الربح، فإنه يدرك مشقة السفر، لكن حبه لثمرة ~~سفره طيب عنده تلك المشقة، وجعله راضيا بها، وكل من أصابه بلية من الله ~~تعالى وكان له يقين، فانه يتوقع الأجر فوق ما فاته، فيرضى بما أصابه، ويشكر ~~الله تعالى عليه، ويجوز أن يغلبه الحب، بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه، ~~ويبطل الإحساس بالألم لفرط الحب، وليس ذلك بعجيب، فان الرجل المحارب في حال ~~غضبة أو خوفه، تصيبه الجرحات ولا يحس بها، ولا يشعر بها في تلك الحال، وذلك ~~لأن قلبه مستغرق، وإذا كان القلب مستغرقا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه، ~~وذلك موجود في المشاهدات. # قال الجنيد رحمة الله: سألت سريا: هل يجد المحب ألم البلاء؟ قال: لا. # وقد روينا عن خلق كثير من أهل البلاء، أنهم كانوا يقولون: لو قطعنا إربا ~~إربا، ما ازددنا له إلا حبا. # وقد تقدم أن فرط الحب يزيل ms297 إحساس الألم، وهو متصور في حب الخلق، كما حكى ~~بعضهم. قال: كان في جيراننا رجل له جارية يحبها، فاعتلت، فجلس يصلح لها ~~حساء (1)، فبينا هو يحرك القدر، قالت: أوه، فدهش وسقطت الملعقة من يده، ~~وجعل يحرك القدر بيده حتى تساقطت أصابعه وهو لا يعلم. ويؤيد هذا قصة النسوة ~~حين شاهدن يوسف عليه السلام، فإنهن قطعن الأيدي، وما أحسن بألم، فقد بان ~~بما ذكرنا أن الرضى بما يخالف الهوى ليس مستحيلا، وإذا كان ذلك ممكنا في حق ~~الخلق وحظوظهم، كان ممكنا في حق الله سبحانه، وحظوظ الآخرة بطريق الأولى. # وإمكان ذلك في ثلاثة أوجه: # أحدهما: علم المؤمن بأن تدبير الله تعالى خير من تدبيره. # وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما قضى الله لمؤمن من قضاء إلا ~~كان خيرا له". # وعن مكحول قال: سمعت ابن عمر رضى الله عنه يقول: إن الرجل يستخير الله ~~فيختار له، فيسقط فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له. ~~PageV01P355 # # وعن مسروق قال: كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك، فالديك يوقظ للصلاة، ~~والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل خباءهم، والكلب يحرسهم. فجاء الثعلب فأخذ ~~الديك، فحزنوا فقال الرجل: عسى أن يكون خيرا، ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار، ~~فحزنوا، فقال، الرجل: عسى أن يكون خيرا، ثم أصبحوا ذات يوم، فنظروا فإذا قد ~~سبي من حولهم وبقوا هم، وإنما أخذ أولئك بما كان عندهم من الصوت والجلبة، ~~ولم يكن عند أولئك شىء يجلب، قد ذهب كلبهم وحمارهم وديكهم. # وعن سعيد بن المسيب قال: قال لقمان لابنه: يابنى: لا ينزلن بك أمر رضيته ~~أو كرهته، إلا جعلت في الضمير أن ذلك خير لك. قال: أما هذه فلا أقدر أن ~~أعطيكها دون أن أعلم ما قلت أنه كما قلت. قال: يابنى: فإن الله قد بعث نبيا ~~هلم حتى نأتيه، فعنده بيان ما قلت لك. قال: اذهب بنا إليه، فخرج على حمار ~~وابنه على حمار، وتزودوا ما يصلحهما، ثم سارا أياما وليالى، حتى تلقهما ~~مفازة، ms298 فأخذا أهبتهما ودخلاها، فسارا ما شاء الله أن يسيرا، حتى تعالى ~~النهار واشتد الحر ونفد الماء والزاد، فاستبطآ حماريهما، فنزلا يمشيان، ~~فبينما هما كذلك، إذ نظر لقمان أمامه، فإذا هو بسواد ودخان، فقال في نفسه: ~~السواد شجر، والدخان عمران وناس، فبينما هما كذلك يشهدان، إذ وطئ ابن لقمان ~~على عظم على الطريق، فدخل في باطن قدمه حتى ظهر من أعلاها، فخر مغشيا عليه، ~~فحانت من لقمان التفاتة، فإذا هو بابنه صريع، فوثب إليه فضمه إلى صدره، ~~واستخرج العظم بأسنانه، وشق عمامة كانت عليه فعصب رجله، ثم نظر إلى وجه ~~ابنه فذرفت عيناه فقطرت قطرة من دموعه على خد الغلام فانتبه لها، فنظر إلى ~~أبيه يبكى، فقال يا أبت: أنت تبكى وأنت تقول هذا خير لي، فكيف ذلك وأنت ~~تبكى؟! وقد نفذ الطعام والشراب وبقيت أنا وأنت في هذا المكان. قال: أما ~~بكائي يابنى، فوددت أنى افتديتك بجميع حظي من الدنيا، ولكنى والد ومنى رقة ~~الوالد. وأما قولك: كيف يكون هذا خيرا لى؟ فلعل ما صرف عنك أعظم مما ابتليت ~~به، ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، فبينما هو يحاوره، إذ نظر لقمان ~~أمامه، فلم ير الدخان والسواد، فقال في نفسه: لم أر شيئا، ثم قال: قد رأيت، ~~ولكن لعله أن يكون قد أحدث ربى بما رأيت شيئا، فبينما هو يتفكر في ذلك، إذا ~~نظر فإذا هو بشخص قد أقبل على فرس أبلق، عليه ثياب بيض، يمسح الهواء مسحا. ~~فلم يزل يرمقه بعينيه حتى كان منه قريبا، فتوارى عنه ثم صاح به # PageV01P356 # # فقال: أنت لقمان؟ قال: نعم. قال: ما قال لك ابنك هذا السفيه؟ قال: يا عبد ~~الله من أنت؟، ما لي أسمع كلامك ولا أرى لك وجهك؟ قال أنا جبريل، لا يراني ~~إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، لولا ذلك لرأيتني، فما قال لك ابنك هذا السفيه؟ ~~قال: أما علمت ذلك؟ فقال جبريل: مالي بشيء من أمركما علم، إلا أن حفظتكما ~~أتوني، وقد أمرني ربى تعالى بخسف هذه ms299 المدينة وما فيها ومن يليها، فأخبروني ~~أنكما تريدان هذه المدينة، فدعوت ربى أن يحسبكما عنى بما شاء، فحبسكما عنى ~~بما ابتلى به ابنك، ولولا ذلك لخسف بكما مع من خسف به، ثم مسح جبريل عليه ~~السلام بيده على قدم الغلاف، فاستوى قائما، ومسح يده على الذي كان فيه ~~الطعام فامتلأ طعاما، ومسح على الذي كان فيه ماء فامتلأ ماء، ثم حملهما ~~وحماريهما فرحل بهما كما يرحل الطير، فإذا هما في الدار التي خرجا منها بعد ~~أيام وليالى. # الوجه الثاني: الرضى بالألم، لما يتوقع من الثواب المدخر، كما تقدم من ~~الرضى بالفصد والحجامة وشرب الأدوية انتظارا للشفاء. # الوجه الثالث: الرضى به لا لحظ وراءه، بل لكونه مراد المحبوب، فيكون ألذ ~~الأشياء عنده ما فيه رضى محبوبه، ولو كان في ذلك هلاك نفسه، كما قال بعضهم: ~~فما لجرح إذا أرضاكم ألم. # وقد سبق أن الحب يستولي بحيث يدهش عن إدراك الألم، ولا ينبغي أن ينكر ذلك ~~من فقده من نفسه، لأنه إنما فقده لفقد سبية، وهو فرط حبه، ومن لم يذق طعم ~~الحب لم يعرف عجائبه، ولعمري إن من فقد السمع أنكر لذة الألحان والنغمات، ~~فمن فقد القلب، فلابد أن ينكر هذه اللذات التي لا مظنة لها سوى القلب. ### | 7 فصل [في أن الدعاء لا يناقض الرضى] # واعلم: أن الدعاء لا يناقض الرضى، كذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها ~~وأسبابها، والسعى في إزالتها. # أما الدعاء، فقد تعبدنا الله تعالى به، وقد أثنى الله تعالى على بعض ~~عباده بقوله: {ويدعوننا رغبا ورهبا} [الأنبياء: 90] ودعاء رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وغيره # PageV01P357 # # من الأنبياء والصالحين معلوم. # وأما إنكار المعاصي وعدم الرضى بها، فقد تعبدنا الله تعالى به، وذم ~~الراضي به، وكذلك بغض الكفار والفجار، والإنكار عليهم، وشواهد ذلك في ~~القرآن والأخبار كثيرة جدا. # فإن قيل: فقد وردت الأخبار بالرضى بقضاء الله تعالى، فإن كانت المعاصي ~~بغير قضاء الله تعالى، فهو محال، وإن كانت بقضائه، فكراهتها كراهة لقضائه، ~~فكيف الجمع بين هذين الحالين. # فاعلم أن ms300 هذا مما يلتبس على القاصرين على الوقوف على أسرار العلم، حتى ~~التبس على قوم، فرأوا السكوت عن الإنكار مقاما من مقامات الرضى، وسموه حسن ~~الخلق، وهو جهل محض، بل نقول: الرضى والكراهه يتضادان، إذا تواردا على شىء ~~واحد، من جهة واحدة، على وجه واحد. فأما إذا رضيت بشيء من وجه، وكرهته من ~~وجه آخر، فليس ذلك بمتضاد، نحو أن يموت عدوك الذي هو أيضا عدو لبعض أعدائك، ~~وساع في إهلاكه، فتكره موته من حيث إنه مات عدو عدوك، وترضاه من حيث إنه ~~عدوك، وكذلك للمعصية وجهان: # وجه إلى الله تعالى، من حيث إنها اختياره وإرادته، فترضى بها من هذا ~~الوجه تسليما للملك إلى مالك الملك. # ووجه إلى العبد من حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت، فهو من هذا الوجه ~~منكر ومذموم، ولا ينكشف هذا إلا بمثال، فلنفرض محبوبا من الخلق قال بين يدي ~~محبة: إنى أريد أن أميز بين من يحبني ويبغضني، وأنصب لذلك معيارا صادقا، ~~وهو أنى أقصد إلى فلان فأضربه ضربا شديدا يضطره ذلك إلى الشتم لى، حتى إذا ~~شتمني أبغضته واتخذته عدوا، فكل من أحبه علمت أنه أيضا عدو لى، وكل من ~~أبغضه علمت أنه محبي وصديقى، ثم فعل ذلك وحصل مراده من الشتم الذي هو سبب ~~البغض، وحصل البغض الذي هو سبب العداوة، فحق على كل من هو صادق في محبته أن ~~يقول: أما تدبيرك في ضرب هذا الشخص وأذاه، فأنا محب له، فإنه رأيك وتدبيرك ~~وفعلك، وأما شتمه إياك من حيث نسبته إلى هذا الشخص، فإنه عدوان منه وتهجم ~~عليك، فأنا كاره له من حيث نسبته إليه إذ كان حقه أن يصبر ولا يشتم، فكذلك ~~تسليط الله سبحانه وتعالى دواعي الشهوة والمعاصي على العبد، وبغضه على ~~عصيانه. # PageV01P358 # # فواجب على كل عبد محب لله أن يبغض من أبغضه الله عز وجل، ويعادى من عاداه ~~وأبعده عن حضرته، وإن اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته، فإنه بعيد ~~مطرود، والمبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون بغيضا إلى ms301 جميع المحبين، ~~موافقة لمحبوبهم، بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده. # وبهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض في الله والحب في الله، ~~والتشديد على الكفار والتغليظ عليهم، والمبالغة في مقتهم، مع الرضى بقضاء ~~الله تعالى، من حيث إنه قضاؤه، وهذا كله يستمد من سر القدر الذي لا رخصة في ~~إفشائه، وهو أن الخير والشر كلاهما داخلان في المشيئة والإدارة، ولكن الشر ~~مراد مكروه، والخير مراد مرضى به. # والأولى السكوت والتأدب بأدب الشرع، والوقوف مع ما تعبد به الخلق، من ~~الجمع بين الرضى بقضاء الله تعالى ومقت المعاصي، والله تعالى أعلم. # ومما يتعلق بالمحبة. # قيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: لو يعلم المدبرون عنى كيف ~~انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقا إلى، وتقطعت ~~أوصالهم من محبتي. # يا داود: هذه إرادتي في المدبرين عنى، فكيف إرادتي في المقبلين على؟ # يا داود أحوج ما يكون العبد إلى إذا استغنى عنى، وأجل ما يكون عندي إذا ~~رجع إلي. # وكانت امرأة متعبدة تقول: والله لقد سئمت الحياة، حتى لو وجدت الموت يباع ~~لاشتريته شوقا إلى الله تعالى، وحبا للقائه. فقيل لها: فعلى ثقة أنت من ~~عملك؟ قالت: لا، ولكنى لحبى إياه وحسن ظني به، أفتراه يعذبني وأنا أحبه؟ # ... ### | 8 باب في النية والإخلاص والصدق # اعلم: أنه قد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أنه لا ~~وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة. # PageV01P359 # # فالناس كلهم هلكى، إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، ~~والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم (1). # فالعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير تحقيق ~~هباء. قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ~~[الفرقان: 23]. وليت شعرى، كيف تصلح نية من لا يعرف حقيقة النية؟ أو كيف ~~يخلص من صحح النية إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص؟ ‍ أو كيف يطالب المخلص نفسه ~~بالصدق إذا لم يتحقق معناه؟ # فالوظيفة الأولى على كل عبد أراد ms302 طاعة الله تعالى، أن يعلم النية أولا، ~~لتحصل له المعرفة، ثم يصححها بالعمل بعد فهم حقيقة الصدق والإخلاص اللذين ~~هما وسيلتان للعبد إلى النجاة. ونحن نذكر ذلك في ثلاثة فصول: ### | 9 الفصل الأول في النية وحقيقتها وفضلها وما يتعلق بذلك # قال الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ~~[الأنعام: 52] والمراد بالإرادة: النية. # وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته ~~إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ~~أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". # وعن أبى موسى الأشعرى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ~~ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قاتل لتكون ~~كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". أخرجاهما في "الصحيحين". # وعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لقد ~~خلفتم بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا، إلا شاركوكم في ~~الأجر، حبسهم المرض" أخرجه مسلم، وأخرجه البخاري من حديث أنس. PageV01P360 # # وفى "الصحيحين" من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~"من هم بحسنة فعملها كتبت له حسنة". # وعن أبى كبشة الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مثل ~~هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يعمل به في ماله ~~ينفقه في حقه. ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، وهو يقول: لو كان لى مثل ~~مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~فهما في الأجر سواء. ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يخبط فيه، ~~ينفقه في غير حقه. ورجل لم يؤته مالا ولا علما، ms303 فيقول: لو كان لى مثل هذا ~~عملت فيه مثل الذي يعمل. قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: فهما في الوزر ~~سواء". # وعن أبى عمران الجوني قال: تصعد الملائكة بالأعمال، فينادى الملك: ألق ~~تلك الصحيفة، قال: فتقول الملائكة: ربنا قال خيرا وحفظناه عليه. فيقول ~~تبارك وتعالى: إنه لم يرد به وجهي. قال: وينادى الملك: اكتب لفلان كذا ~~وكذا، مرتين. فيقول: يارب: # إنه لم يعمله، فيقول عز وجل: إنه قد نواه. # وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله ~~تعالى، والورع عما حرم الله تعالى، وصدق النية فيما عند الله تعالى. # وكان بعضهم يقول: دلوني على عمل لا أزال به عاملا لله تعالى، فقيل له: ~~انو الخير، فانك لا تزال عاملا وإن لم تعمل، فالنية تعمل وإن عدم العمل، ~~فانه من نوى أن يصلى بالليل فنام، كتب له ثواب ما نوى أن يفعله. # وقد جاء في الحديث: "ما من رجل يكون له ساعة من الليل يقومها، فينام عنها ~~إلا كتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة تصدق بها عليه". # وقد جاء في الحديث " نية المؤمن خير من عمله" (1). # والنية، والإدارة، والقصد، عبارات متواردة على معنى واحد. ### | 10 واعلم أن الأعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام # القسم الأول: المعاصى، فلا تتغير عن موضعها بالنية، مثل من يبنى مسجدا ~~PageV01P361 # # بمال حرام يقصد بذلك الخير، فان النية لا تؤثر فيه، فان قصد الخير بالشر ~~شر آخر، فان الخيرات إنما تعرف كونها خيرات بالشرع، فكيف يمكن أن يكون الشر ~~خيرا، هيهات!. # واعلم: أن من تقرب من السلاطين ببناء المساجد والمدارس بالمال الحرام، ~~كان كتقرب علماء السوء بتعليم العلم للسفهاء والأشرار المشغولين بالفسق، ~~فان هؤلاء إذا تعلموا كانوا قطاع طريق الله تعالى، يتكالبون على الدنيا، ~~ويتبعون الهوى، ووبال ذلك راجع إلى معلمهم، إذ علم فساد نياتهم ومقاصدهم. # ومن هذا القبيل تعلم القصاص القصص، فان مقاصد أكثرهم معروفة، وقصدهم ~~اجتلاب الدنيا، وأخذ الأموال كيف اتفق، فتعليمهم إعانة على الفساد، فقد ~~علمت أن الطاعة ms304 تنقلب معصية بالقصد. # وأما المعصية، فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلا بل إذا انضاف إليها قصد خبيث ~~تضاعف وزرها وعظم وبالها. # القسم الثاني: الطاعات، وهى مرتبطة بالنيات في أصل صحتها، وفى تضاعف ~~فضلها، وأما الأصل، فهو أن ينوى عبادة الله تعالى لا غير، فإن نوى الرياء ~~صارت معصية. وأما تضاعف الفضل، فبكثرة النيات الحسنة، فإن الطاعة الواحدة ~~يمكن أن ينوى بها خيرات كثيرة، فيكون له بكل نية ثواب، إذ كل واحدة منها ~~حسنة، ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها. # مثال ذلك القعود في المسجد، فإنه طاعة، ويمكن أن ينوى بها نيات كثيرة: ~~منها أن ينوى بدخوله انتظار الصلاة، ومنها الاعتكاف وكف الجوارح، فإن ~~الاعتكاف كف، ومنها دفع الشواغل الصارفة عن الله تعالى بالانقطاع إلى ~~المسجد، وإلى ذكر الله تعالى فيه، ونحو ذلك، فهذا طريق تكثير النيات، فقس ~~على ذلك سائر الطاعات، إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة. # القسم الثالث: المباحات، فما من شىء من المباحات إلا ويتحمل نية أو نيات، ~~وتصير بها قربات، وينال بها معالي الدرجات، فما أعظم خسران من يغفل عنها ~~ويتعاطاها تعاطى البهائم المهملة. # ولا ينبغي أن يحتقر العبد الخطرات واللحظات، فكل ذلك يسأل عنه في ~~القيامة، # PageV01P362 # # لم فعله؟ وما الذي قصد به؟ # مثال ما ينوى به القربة من المباحات إن يتطيب، وينوى بالطيب اتباع السنه، ~~واحترام المسجد، ودفع الروائح الكريهة التي تؤذى مخالطيه. # وقال الشافعي رحمه الله: من طاب ريحه زاد عقله. # وكذلك معالجة رأسه تزايد فطنته وذكاءه، فيسهل عليه إدراك مهمات دنيه. # وقال بعض السلف: إنى لا ستحب أن يكون لى في كل شىء نية، وحتى في آكلي ~~وشربي ونومي ودخولي الخلاء، وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله ~~تعالى، لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب من مهمات الدين، فمن قصد ~~من الأكل التقوى على العبادة، ومن النكاح تحصين دينه، وتطييب قلب أهله، ~~والتوصل إلى ولد يعبد الله بعده، أثيب على ذلك كله، ولا تحتقر شيئا من ~~حركاتك ms305 وكلماتك، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وصحح قبل أن تفعل ما تفعله، ~~وانظر في نيتك فيما تتركه أيضا. # واعلم: أن النية هي انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أنه مصلحة لها، ~~إما في الحال أو المآل، وربما سمع بعض الجهال ما أوصينا به من تحسين النية، ~~فقال عند أكله: نويت أن آكل لله، أو عند قراءته: نويت أن أقرأ لله، وظن أن ~~ذلك نية، وليس كذلك، إنما النية انبعاث القلب، وتجرى مجرى الفتوح من الله ~~تعالى، وليست النية داخلة تحت الاختيار، فقد تتيسر في بعض الأوقات، وقد ~~تتعذر، وإنما تتيسر له في الغالب لمن قلبه يميل إلى الدين دون الدنيا. # والناس في النيات على أقسام: # منهم من يكون عمله للطاعة إجابة لباعث الخوف. # ومنهم من يكون عمله إجابة لباعث الرجاء. وثمة مقام أرفع من هذين، وهو أن ~~يعمل الطاعة على نية جلال الله تعالى لاستحقاقه الطاعة والعبودية، وهذه لا ~~تتيسر لراغب في الدنيا، وهى أعز النيات وأعلاها، وقليل من يفهمها، فضلا عن ~~أن يتعاطاها، وصاحب هذا المقام لا يجاوز ذكر الله تعالى والفكر في جلاله ~~حبا له. # وقد حكى أحمد بن خضرويه أنه رأى رب العزة في منامه، فقال له: كل الناس ~~يطلبون منى، وأبو يزيد يطلبني. # وغرضنا أن هذه النيات متفاوتة في الدرجات ومن غلب على قلبه منها، فربما ~~لم # PageV01P363 # # يتيسر له العدول إلى غيرها، ومن حضرت له نية في المباح، ولم تحضر في ~~فضيلة فالمباح أولى، وانتقلت الفضيلة إليه. # مثال ذلك أن تحضره نية الأكل والنوم ليتقوى بذلك على العبادة ويريح بدنه ~~ولم تنبعث نيته في الحال إلى الصلاة والصوم، فالأكل والنوم أفضل، بل لو مل ~~العبادة لكثرة مواظبته عليها، وعلم أنه لو رفه ساعة مباح عاد نشاطه، فذلك ~~أفضل من التعبد حينئذ. # قال علي عليه السلام: روحوا القلوب، واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تمل ~~كما تمل الأبدان. # وقال بعضهم: روحوا القلوب تعي الذكر. # وهذه دقائق لا تدركها إلا بممارسة العلماء، فإن الحاذق في الطب قد يعالج ms306 ~~المحرور باللحم مع حرارته، ويستبعد ذلك القاصر في الطب، وإنما يبتغى به أن ~~تعود قوته ليتحمل المعالجة، وكذلك الخبير بالقتال، قد يفر من بين يدي قرنه ~~حيلة منه، ليستجره إلى مضيق، فسلوك طريق الله تعالى كله حرب مع الشيطان، ~~ومعالجة للقلب، والمبصر الموفق يقف في تلك الطريق على لطائف من الحيل ~~يستبعدها الضعفاء، فلا ينبغي لهم ما خفي عليهم، بل يسلمون لأصحاب الأحوال ~~إلى أن ينكشف لهم أسرار ذلك، أو ينالوا ذلك المقام. ### | 11 الفصل الثاني في الإخلاص وفضيلته وحقيقته ودرجاته # قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: ~~4]، وقال: {ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 3] وغير ذلك من الآيات. # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل رضى الله عنه: "أخلص ~~دينك يكفك القليل من العمل" (1). PageV01P364 # # وفى حديث أنس رضى الله عنه أنه قال: "إذا كان يوم القيامة جاءت الملائكة ~~بصحف مختمة، فيقول الله عز وجل: ألقوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: ~~وعزتك ما كتبنا إلا ما كان، فيقول: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم إلا ~~ما كان لى". # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الملائكة يرفعون عمل العبد ~~فيكثرونه ويزكونه، فيوحي الله تعالى إليهم، أنتم حفظة على عمل عبدى، وأنا ~~رقيب على ما في نفسه، إن عبدى لم يخلص في عمله، فاجعلوه في سجين، ويصعدون ~~بعمل العبد يستقلونه، فيوحي الله إليهم: إنكم حفظة على عمل عبدى، وأنا رقيب ~~على ما في نفسه فضاعفوه واجعلوه في عليين". # ويروى عن الحسن قال: كانت شجرة تعبد من دون الله، فجاء إليها رجل فقال: ~~لأقطعن هذه الشجرة، فجاء إليها ليقطعها غضبا لله، فلقيه الشيطان في صورة ~~إنسان فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع الشجرة التي تعبد من دون الله، ~~قال: إذا أنت لم تعبدها، فما يضرك من عبدها؟ قال: لأقطعنها، فقال له ~~الشيطان: هل لك بما هو خير لك من ذلك لا تقطعها ولك ديناران إذا أصبحت عند ~~وسادتك، قال فمن لى ms307 بذلك؟ قال: أنا لك، فرجع فأصبح فوجد عند وسادته ~~دينارين، ثم أصبح بعد فلم يجد شيئا، فقام غضبان ليقطعها، فتمثل له الشبطان ~~في صورته، فقال ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون ~~الله، قال كذبت، مالك إلى قطعها سبيل، فذهب ليقطعها، فضرب به الأرض وخنقه ~~حتى كاد يقتله، ثم قال له أتدرى من أنا؟ فأخبره أنه الشيطان، وقال: جئت أول ~~مرة غضبا لله، فلم يكن لى عليك سبيل، فخدعتك بالدينارين فتركتها، فلما ~~فقدتهما جئت غضبا للدينارين فسلطت عليك. # وكان معروف الكرخى يضرب نفسه ويقول: يا نفسي أخلصي وتخلصي. # وقال أبو سليمان: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله ~~تعالى. # وحكى أن رجلا كان يخرج في زي النساء، فيحضر حيث يحضرون من عرس، أو مأتم، ~~فاتفق أنه حضر يوما موضعا فيه مجمع النساء، فسرقت درة، فصاحوا، أغلقوا ~~الباب حتى نفتش، ففتشوا واحدة واحدة حتى بلغت النوبة إلى الرجل وإلى امرأة ~~معه، فدعا الله بالإخلاص وقال: إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل ~~هذا، فوجدت الدرة مع تلك المرأة فصاحوا: أطلقوا الحرة، فقد وجدنا الدرة. # PageV01P365 # # 12 ### | بيان حقيقة الإخلاص # اعلم: أن كل شئ يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه، سمى ~~إخلاصا. # والإخلاص يضاده الإشراك، فمن ليس مخلصا فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات. # فالإخلاص في التوحيد يضاده الشرك في الإلهية. # والشرك منه جلى، ومنه خفي، وكذلك الإخلاص، وقد ذكرنا درجات الرياء فيما ~~تقدم في بابه، وإنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب، ولكن أمتزج بهذا ~~الباعث باعث آخر، إما من الرياء، أو من غيره من حظوظ النفس. # ومثال ذلك، أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب، أو ~~يعتق عبد ليتخلص من مؤونته وسوء خلقه، أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر، أو ~~للتخلص من شر يعرض له، أو يغزو ليمارس الحرب ويتعلم أسبابها، أو يصلى ~~بالليل وله غرض في دفع النعاس عن نفسه ليراقب رحله أو ms308 أهله، أو يتعلم العلم ~~ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال، أو يشتغل بالتدريس ليفرح بلذة الكلام، ~~ونحو ذلك، فمتى كان باعثه التقرب إلى الله تعالى ولكن أنضاف إليه خاطر من ~~هذه الخواطر حتى صار العمل أخف عليه بسبب من هذه الأمور، فقد خرج عمله عن ~~حد الإخلاص. # والإنسان قلما ينفك فعل من أفعاله، وعبادة من عباداته عن شئ من هذه ~~الأمور، فلذلك قيل: من سلم له من عمره لحظة واحدة خالصة لوجه الله تعالى، ~~نجا، وذلك لعزة الإخلاص، وعسر تنقية القلب من هذه الشوائب، لأن الخالص هو ~~الذي لا باعث عليه إلا طلب التقرب من الله تعالى. # قيل لسهل: أي شئ أشد على النفس؟ قال: الإخلاص، إذ ليس لها فيه نصيب. # واعلم: أن الشوائب المكدرة للإخلاص متفاوتة، بعضها جلى، وبعضها خفي، وقد ~~ذكرنا درجات الرياء في بابه. # ومن الرياء ما هو أخفى من دبيب النمل، فليطلب هناك، وحاصله أن مادام ~~العامل # PageV01P366 # # يفرق بين مشاهدة الإنسان والبهيمة في حالة من العمل، فهو خارج عن صفو ~~الإخلاص، ولا يسلم من الشيطان إلا من دق نظره وسعد بعصمة الله تعالى ~~وتوفيقه. # وقد قيل: ركعتان من عالم أفضل من سبعين ركعة من جاهل، وأريد به العالم ~~بدقائق آفات الأعمال حتى يخلص عنها، والجاهل ينظر إلى ظاهر العبادة، وقيراط ~~من الذهب الذي يرتضيه الناقد خير من دينار يرتضيه الغر الغبي. ### | 13 فصل في حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به # أما العمل الذي لا يريد به إلا الرياء فهو على صاحبه لا له، وهو سبب ~~للعقاب، كما أن العمل الخالص لوجه الله تعالى سبب للثواب. ولا إشكال في ~~هذين القسمين، وإنما النظر في العمل المشوب الممتزج بشوب الرياء وحظوظ ~~النفس. # وقد اختلف الناس في ذلك، هل يقتضي ثوابا أو عقابا، أو لا يقتضي شيئا ~~أصلا؟ وليس تخلو الأخبار عن تعارض في ذلك. # والذي يتضح لنا فيه -والعلم عند الله تعالى- أن ننظر إلى قدر قوة ~~البواعث، فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفساني تقاوما وتساقطا، ~~وصار ms309 العمل لا له ولا عليه، وإن كان باعث الرياء أقوى، ضر وأوجب العقاب، ~~لكن عقابه دون عقاب من تجرد للرياء، وإن كان الباعث الديني أقوى من الآخر، ~~فله ثواب بقدر ما فضل من قوته، قال الله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~وإن تك حسنة يضاعفها} [النساء: 40]. # ويشهد لما ذكرنا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة، صح حجه ~~وأثيب عليه، وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس، إلا أنه متى كان الحج هو ~~المحرك الأصلى، لم ينفك السفر عن ثواب، وكذلك الغازي إذا قصد الغزو ~~والغنيمة ويكون قصد الغنيمة على سبيل التبع، حصل له الثواب، ولكنه لا يساوى ~~ثواب من لا يلتفت إلى الغنيمة أصلا، والله تعالى أعلم. # PageV01P367 # ### | 14 الفصل الثالث في الصدق وحقيقته وفضله # عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى ~~الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا" رواه ~~البخاري ومسلم. # وقال بشر الحافي: من عامل الله بالصدق، استوحش من الناس. # واعلم أن لفظ الصدق قد يستعمل في معان: # أحدهما: الصدق في القول: فحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه، ولا يتكلم إلا ~~بالصدق، والصدق باللسان هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها. # وينبغى أن يحترز عن المعاريض، فإنها تجانس الكذب إلا أن تمس الحاجة ~~إليها، وتقتضيها المصلحة في بعض الأحوال، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيها لئلا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيتهيؤوا ~~لقتاله، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس بكاذب من أصلح بين اثنين فقال ~~خيرا، أو نمى خيرا". # وينبغى أن يراعى معنى الصدق في ألفاظه التي يناجى بها ربه، كقوله: وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض، فإن كان قلبه منصرفا عن الله مشغولا ~~بالدنيا فهو كاذب. # الثاني: الصدق في النية والإرادة، وذلك يرجع إلى الإخلاص، فإن مازج عمله ~~شوب من حظوظ ms310 النفس، بطل صدق النية، وصاحبه يجوز أن يكون كاذبا كما في حديث ~~الثلاثة: العالم، والقارئ، والمجاهد. لما قال القارئ: قرأت القرآن إلى ~~آخره، إنما كذبه في إرادته ونيته، لا في نفس القراءة، وكذلك صاحباه. # الثالث: الصدق في العزم والوفاء به. # أما الأول: فنحو أن يقول: إن آتاني الله مالا تصدقت بجميعه، فهذه العزيمة ~~قد تكن صادقة، وقد يكون فيها تردد. # PageV01P368 # # وأما الثاني: فنحو أن يصدق في العزم وتسخو النفس بالوعد، لأنه لا مشقة ~~فيه إلا إذا تحققت الحقائق، وانجلت العزيمة، وغلبت الشهوة، ولذلك قال الله ~~تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 23] وقال ~~في آية أخرى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} إلى قوله ~~{وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 75 - 77]. # الرابع: الصدق في الأعمال، وهو أن تستوي سريرته وعلانيته، حتى لا تدل ~~أعماله الظاهرة من الخشوع ونحوه على أمر في باطنه، ويكون الباطن بخلاف ذلك. ~~قال مطرف: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله عز وجل: هذا عبدى حقا. # الخامس: الصدق في مقامات الدين، وهو أعلى الدرجات، كالصدق في الخوف ~~والرجاء والزهد والرضى والحب والتوكل، فإن هذه الأمور لها مبادئ ينطلق ~~عليها الاسم بظهورها، ثم لها غايات وحقائق، فالصادق المحقق من نال حقيقتها، ~~وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمى صاحبه صادقا، قال الله تعالى: {ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر .. } إلى قوله: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون} [البقرة: 177] وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون} [الحجرات: 15]. # ولنضرب للخوف مثلا فنقول: ما من عبد يؤمن بالله إلا وهو خائف من الله ~~خوفا يطلق عليه الاسم وهو غير بالغ إلى درجة الحقيقة، ألا تراه إذا خاف ~~سلطانا كيف يصفر ويرتعد خوفا من وقوع المحذور، ثم إنه يخاف النار ولا يظهر ~~عليه شئ من ذلك عند فعل المصيبة، ولذلك قال عامر بن عبد قيس: عجبت للجنة ~~نام طالبها، وعجبت للنار نام هاربها. # والتحقيق ms311 في هذه الأمور عزيز جدا، فلا غاية لهذه المقامات حتى نال ~~تمامها، ولكن لكل حظ بحسب حاله، إما ضعيف وإما قوى، فإذا قوى سمى صادقا، ~~وإذا علم الله من عبد صدقا صغى له، والصادق في جميع هذه المقامات عزيز، وقد ~~يكون للعبد صدق في بعضها دون بعض. ومن علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات ~~جميعا وكراهة اطلاع الخلق على ذلك. # PageV01P369 # ### | 15 باب في المحاسبة والمراقبة # قال الله تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ~~تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 30] وقال: ~~{ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] وقال: ووضع الكتاب فترى ~~المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: ~~49] وقال: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 6 - 8] فاقتضت هذه ~~الآيات وما أشبهها خطر الحساب في الآخرة. # وتحقق أرباب البصائر أنهم لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة ~~لأنفسهم وصدق المراقبة، فمن حاسب نفسه في الدنيا، خف في القيامة حسابه، ~~وحسن منقبله، ومن أهمل المحاسبة دامت حسراته، فلما علموا أنهم لا ينجيهم ~~إلا الطاعة وقد أمرهم الله تعالى بالصبر والمرابطة فقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} [آل عمران: 200] فرابطوا أنفسهم أولا ~~بالمشارطة، ثم المراقبة، ثم بالمحاسبة، ثم بالمعاقبة، ثم بالمجاهدة، ثم ~~بالمعاتبة، فكانت لهم في المرابطة ست مقامات، وأصلها المحاسبة، ولكن كل ~~حساب يكون بعد مشارطة ومراقبة، ويتبعه عند الخسران المعاتبة والمعاقبة، ~~ولابد من شرح ذلك المقام. ### | المقام الأول: المشارطة # اعلم: أن التاجر كما يستعين بشريكه في التجارة طلبا للربح، ويشارطه ~~ويحاسبه، كذلك العقل يحتاج إلى مشاركة النفس، ويوظف عليها الوظائف، ويشرط ~~عليها الشروط، ويرشدها إلى طريق الفلاح، ثم لا ms312 يغفل عن مراقبتها، فإنه لا ~~يأمن خيانتها وتضييعها رأس المال، ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها ~~بالوفاء بما شرط عليها، فإن هذه التجارة ربحها الفردوس الأعلى، فتدقيق ~~الحساب في هذا مع النفس أهم من تدقيقه بكثير من أرباح الدنيا، فحتم على ذي ~~عزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في ~~حركاتها وسكناتها وخطراتها، فإن كل # PageV01P370 # # نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها. # فإذا فرغ العبد من فريضة الصبح، ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة نفسه ~~فيقول للنفس: ما لى بضاعة إلا العمر، فإذا فني منى رأس المال وقع اليأس من ~~التجارة، وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه، وأخر أجلى، ~~وأنعم على به، ولو توفانى لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا حتى أعمل فيه ~~صالحا، فاحسبي يا نفس أنك قد توفيت ثم رددت، فإياك أن تضيعي هذا اليوم، ~~وأعلمي أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وأن العبد ينشر له بكل يوم أربع ~~وعشرون خزانة مصفوفة، فيفتح له منها خزانة، فيراها مملوءة نورا من حسناته ~~التي عملها في تلك الساعة، فيحصل له من السرور، بشاهدة تلك الأنوار ما لو ~~وزع على أهل النار لأدهشتهم عن الإحساس بألم النار، ويفتح له خزانة أخرى ~~سوداء مظلمة يفوح ريحها ويغشاه ظلامها، وهى الساعة التي عصا الله تعالى ~~فيها، فيحصل له من الفزع والخزى ما لو قسم على أهل الجنة لنغص عليهم ~~نعيمهم، ويفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسوؤه ولا يسره، وهى الساعة ~~التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من المباح، ويتحسر على خلوها، ويناله ~~ما نال القادر على الربح الكثير إذا أهمله حتى فاته، وعلى هذا تعرض عليه ~~خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه، اجتهدي اليوم في أن تعمري خزانتك، ولا ~~تدعيها فارغة، ولا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة، فيفوتك من درجات ~~عليين ما يدركه غيرك. # قال بعضهم: هب أن المسيء قد عفي عنه، أليس قد فاته ثواب ms313 المحسنين؟ فهذه ~~وصيته في نفسه وفي أوقاته، ثم يستأنف لها وصية أخرى في أعضائه السبعة، وهى: ~~العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل، وتسليمها إلى النفس، ~~فإنها رعايا خادمة لها في هذه التجارة المخلدة، بها يتم أعمالها، ويعملها ~~أن أبواب جهنم سبعة على عدد هذه الأعضاء، فتعيين تلك الأبواب لمن عصى الله ~~تعالى بهذه الأعضاء، فيوصيها بحفظها عن معاصيها. # أما العين فيحفظها عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، أو إلى مسلم بعين ~~الاحتقار، وعن كل فضول مستغنى عنه، ويشغلها بما فيه تجارتها وربحها، وهو ~~النظر إلى ما خلقت له من عجائب صنع الله تعالى بعين الاعتبار، والنظر إلى ~~أعمال الخير للاقتداء والنظر إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ومطالعة كتب الحكم للاتعاظ والاستفادة. # PageV01P371 # # وهكذا ينبغي أن يتقدم إلى كل عضو بالوصية، بما يليق به، ولا سيما اللسان ~~والبطن، وقد ذكرنا آفات اللسان فيما تقدم، فيشغله بما خلق له، من الذكر ~~والتذكير، وتكرار العلم والتعليم، وإرشاد عباد الله تعالى إلى طريق الله، ~~وإصلاح ذات البين، إلى غير ذلك من الخير. # وأما البطن، فيكلفه ترك الشرة، واجتناب الشبهات والشهوات، ويقتصر على قدر ~~الضرورة، ويشترط على نفسه إذا خالفت شيئا من ذلك أن يعاقبها بالمنع من ~~شهوات البطن، ليفوتها أكثر مما نالت بشهوتها، وهكذا في جميع الأعضاء، ~~واسقصاء ذلك يطول، وكذلك ما تخفى طاعات الأعضاء ومعاصيها. # ثم يستأنف وصيتها في وظائف العبادات التي تتكرر في اليوم والليلة، في ~~النوافل التي يقدر عليها، وعلى الاستكثار منها، وهذه شروط يفتقر إليها كل ~~يوم إلى أن تتعود النفس ذلك، فيستغني عن المشارطة، ولكن لا يخلو كل يوم من ~~حادثة لها حكم جديد لله تعالى عليه في ذلك حق، ويكثر هذا على من يشتغل بشيء ~~من أعمال الدنيا، من ولاية أو تجارة أو نحو ذلك، إذ قل أن يخلو يوم عن ~~واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضى حق الله فيها، فعليه أن يشرط نفسه الاستقامة ~~فيها، والانقياد للحق. # وعن ms314 شداد بن أوس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، ~~وتمنى على [الأماني] " (1). # وقال عمر رضى الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن ~~توزنوا، وتهيؤوا للعرض الأكبر {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة: ~~18] ### | المقام الثاني: المراقبة # إذا أوصى الإنسان نفسه، وشرط عليها ما ذكرناه، لم يبق إلا المراقبة لها ~~وملاحظتها، وفى الحديث الصحيح في تفسير الإحسان، لما سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك " أرد بذلك استحضار عظمة الله ومراقبته في حال العبادة. PageV01P372 # # قيل: دخل الشبلى على ابن أبى الحسين النوري (1) وهو قاعد ساكن، لا يتحرك ~~من ظاهر شئ، فقال له: ممن أخذت هذه المراقبة والسكون؟ فقال: من سنور كانت ~~لنا، إذا أرادت الصيد رابطت رأس الحجر حتى لا يتحرك لها شعرة. # وينبغى أن يراقب الإنسان نفسه قبل العمل وفى العمل، هل حركه عليه هوى ~~النفس أو المحرك له هو الله تعالى خاصة؟ فإن كان الله تعالى، أمضاه وإلا ~~تركه، وهذا هو الإخلاص. # قال الحسن: رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره ~~تأخر. # فهذه مراقبة العبد في الطاعة وهو أن يكون مخلصا فيها، ومراقبته في ~~المعصية تكون بالتوبة والندم والإقلاع، ومراقبته في المباح تكون بمراعاة ~~الأدب، والشكر على النعم، فإنه لا يخلو من نعمة لابد له من الشكر عليها، ~~ولا يخلو من بلية لابد من الصبر عليها، وكل ذلك من المراقبة. # وقال وهب من منبه في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يشغل عن أربع ~~ساعات، ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى ~~إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه على نفسه، وساعة يخلو بين نفسه وبين ~~لذاتها فيما يحل ولا يحرم، فإن هذه الساعة عون على الساعات وإجمام للقوة. # وهذه الساعة التي هو ms315 مشغول فيها بالمطعم والمشرب، لا ينبغي أن تخلو عن ~~عمل هو أفضل الأعمال، وهو الذكر والفكر، فإن الطعام الذي يتناوله فيه من ~~العجائب ما لو تفكر فيه كان أفضل من كثير من أعمال الجوارح. ### | المقام الثالث: المحاسبة بعد العمل # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت ~~لغد} [الحشر: 18] وهذه إشارة إلى المحاسبة بعد العمل، ولذلك قال عمر رضى ~~الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. # وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه، وقال: إن المؤمن يفجؤه ~~PageV01P373 # # الشيء يعجبه فيقول: والله إنى لأشتهيك وإنك لمن حاجتى، ولكن والله ما من ~~حيلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ~~ما أردت إلى هذا، ما لى ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا إن شاء. # إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير ~~في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل، يعلم ~~أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفى بصره، وفى لسانه، وفى جوارحه، مأخوذ عليه في ~~ذلك كله. # واعلم: أن العبد كما ينبغي أن يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه، ~~كذلك ينبغي أن يكون له ساعة يطالب فيها نفسه في آخر النهار، ويحاسبها على ~~جميع ما كان منها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو ~~شهر أو يوم. # ومعنى المحاسبة أن ينظر في رأس المال، وفى الربح، وفى الخسران لتتبين له ~~الزيادة من النقصان، فرأس المال في دينه الفرائض، وربحه النوافل والفضائل، ~~وخسرانه المعاصي، وليحاسبها أولا على الفرائض، وإن ارتكب معصية اشتغل ~~بعقابها ومعاقبتها ليستوفى منها ما فرط. # قيل: كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما فإذا هو ~~ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ ~~وقال: يا ويلتا! ألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب وخمسمائة ذنب! كيف وفى كل ~~يوم عشرة آلاف ذنب!! ms316 ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: يا ~~لها ركضة إلى الفردوس الأعلى! # فهكذا ينبغي للعبد أن يحاسب نفسه على الأنفاس وعلى معصية القلب والجوارح ~~في كل ساعة، فإن الإنسان لو رمي بكل معصية يفعلها حجرا في داره لامتلأت ~~داره في مدة يسيرة، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي وهى مثبتة {أحصاه الله ~~ونسوه}. ### | المقام الرابع: معاقبة النفس على تقصيرها # اعلم: أن المريد إذا حاسب نفسه فرأى منها تقصيرا، أو فعلت شيئا من ~~المعاصي فلا ينبغي أن يمهلها، فإنه يسهل عليه حينئذ مفارقة الذنوب ويعسر ~~عليه فطامها، بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباحة كما يعاقب أهله وولده. # وكما روى عن عمر رضى الله عنه: أنه خرج إلى حائط له، ثم رجع وقد صلى # PageV01P374 # # الناس العصر، فقال: إنما خرجت إلى حائطي، ورجعت وقد صلى الناس العصر، ~~حائطي صدقة على المساكين. قال الليث: إنما فاتته الجماعة، وروينا عنه أنه ~~شغله أمر عن المغرب حتى طلع نجمان، فلما صلاها أعتق رقبتين. # وحكى أن تميم الداري رضى الله عنه نام ليلة لم يقم يتهجد فيها حتى أصبح، ~~فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع. # ومر حسان بن سنان بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: ~~تسألين عما لا يعنيك! لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها. # فأما العقوبات بغير ذلك مما لا يحل، فيحرم عليه فعله، مثال ذلك: ما حكى ~~أن رجلا من بنى إسرائيل، وضع يده على فخذ امرأة، فوضعها في النار حتى شلت، ~~وأن آخر حول رجله لينزل إلى امرأة، ففكر وقال: ماذا أردت أن أصنع؟ فلما ~~أراد أن يعيد رجله قال: هيهات رجل خرجت إلى معصية الله لا ترجع معى، فتركها ~~حتى تقطعت بالمطر والرياح، وأن آخر نظر إلى امرأة فقلع عينيه، فهذا كله ~~محرم، وإنما كان جائزا في شريعتهم، وقد سلك نحو ذلك خلق من أهل ملتنا، ~~حملهم على ذلك الجهل بالعلم، كما حكى عن غزوان الزاهد: أنه نظر إلى امرأة، ~~فلطم عينه حتى نفرت. # وروينا عن ms317 بعضهم: أنه أصابته جنابة وكان البرد شديدا، وأنه وجد في نفسه ~~توقفا عن الغسل، فآلي ألا يغتسل إلا في مرقعته، ألا ينزعها ولا يعصرها، ~~فكانت شديدة الكثافة تزيد على عشرين رطلا. وقد ذكرت كثيرا من هذا الفن ~~الصادر عن المتعبدين على الجهل في كتابي المسمى ب "تلبيس إبليس" ### | المقام الخامس: المجاهدة # وهو أنه إذا حاسب نفسه، فينبغي إذا رآها قد قارفت معصية أن يعاقبها كما ~~سبق، فإن رآها تتوانى بحكم الكسل بى شئ من الفضائل، أو ورد من الأوراد، ~~فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها، كما ورد عن ابن عمر رضى الله عنه ~~أنه فاتته صلاة في جماعة، فأحيا الليل كله تلك الليلة، وإذا لم تطاوعه نفسه ~~على الأوراد، فإنه يجاهدها ويكرهها ما استطاع. # وقال ابن المبارك: إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوا، وإن # PageV01P375 # # أنفسنا لا تواتينا إلا كرها. # ومما يستعان به عليها أن يسمعها أخبار المجتهدين، وما ورد في فضلهم، ~~ويصحب من يقدر عليه منهم، فيقتدي بأفعاله. # قال بعضهم: كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى وجه محمد بن واسع ~~وإلى اجتهاده؟ فعملت على ذلك اسبوعا. وقد كان عامر بن عبد قيس يصلى كل يوم ~~ألف ركعة. وكان الأسود بن يزيد يصوم حتى يخضر ويصفر، وحج مسروق فما نام إلا ~~ساجدا، وكان داود الطائى يشرب الفتيت مكان الخبز، ويقرأ بينهما خمسين آية، ~~وكان كرز بن وبرة يختم كل يوم ثلاث ختمات، وكان عمر بن عبد العزيز وفتح ~~الموصلي يبكيان الدم، وصلى أربعون نفسا من القدماء الفجر بوضوء العتمة، ~~وجاور أبو محمد الحريري سنة فلم ينم ولم يتكلم، ولم يستند إلى حائط، ولم ~~يمد رجله، فقال له أبو بكر الكتاني: بم قدرت على هذا؟ قال: علم صدق باطني ~~فأعانني على ظاهري. # ودخلوا على زحلة العابدة فكلموها بالرفق بنفسها فقالت: إنما هي أيام ~~مبادرة، فمن فاته اليوم شئ لم يدركه غدا والله يا إخوتاه! لأصلين لله ما ~~أقلتني جوارحي، ولأصومن له في أيام حياتي، ولأبكين ما حملت الماء ms318 عيناي. # ومن أراد أن ينظر في سير القوم، ويتفرج في بساتين مجاهداتهم، فلينظر في ~~كتابي المسمى ب "صفة الصفوة" فإنه يرى من أخبار القوم ما يعد نفسه بالإضافة ~~إليهم من الموتى، بل من أخبار المتعبدات من النسوة ما يحتقر نفسه عند ~~سماعه. ### | المقام السادس: في معاتبة النفس وتوبيخها # قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من ~~مقته. # وقال أنس رضى الله عنه: سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه ودخل حائطا ~~فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ، والله ~~لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك. # وقال البخترى بن حارثة: دخلت على عابد فإذا بين يديه نار قد أججها وهو ~~يعاتب نفسه، فلم يزل يعاتبها حتى مات. # وكان بعضهم يقول إذا ذكر الصالحون: فأف لى وتف. # PageV01P376 # # واعلم: أن أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء، ~~ميالة إلى الشر، وقد أمرت بتقويمها وتزكيتها وفطامها عن مواردها، وأن ~~تقودها بسلاسل الدهر إلى عبادة ربها، فإن أهملتها جمحت وشردت، ولم تظفر بها ~~بعد ذلك، وإن لزمها بالتوبيخ رجونا أن تصير مطمئنة، فلا تغفلن عن تذكيرها. ~~وسبيلك أن تقبل عليها، فتقرر عندها جهلها وغباوتها وتقول: يا نفس، ما أعظم ~~جهلك، تدعين الذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا، أما تعلمين أنك ~~صائرة إلى الجنة أو النار؟ فكيف يلهو من لا يدرى إلى أيتهما يصير؟! وربما ~~اختطف في يومه أو في غده! أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب، وأن الموت يأتى ~~بغتة من غير موعد، ولا يتوقف على سن دون سن، بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن ~~يكون فيه الموت فجأة، وإن لم يكن الموت فجأة كان المرض فجأة، ثم يفضي إلى ~~الموت. فمالك لا تستعدين للموت وهو قريب منك؟! يا نفس، إن كانت جرأتك على ~~معصية الله تعالى لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك، وإن كانت مع ~~علمك باطلاعه عليك، فما أشد ms319 رقاعتك، وأقل حياءك! ألك طاقة على عذابه؟ جربى ~~ذلك بالقعود ساعة في الحمام، فاطلبي الشهوات الباقية الصافية عن الكدر، ورب ~~أكلة منعت أكلات. # وما قولك في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء ثلاثة أيام ليصح ~~ويتهيأ لشربه طول العمر؟ فما مقتضى العقل في قضاء حق الشهوة؟ أيصبر ثلاثة ~~أيام ليتنعم إلى الأبد الذي هو مدة نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار أقل من ~~ثلاثة أيام بالإضافة إلى جميع العمر، بل أقل من لحظة بالإضافة إلى عمر ~~الدنيا. وليت شعري! ألم الصبر عن الشهوات أشد وأطول، أم النار في الدركات؟ ~~فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة، كيف يطيق ألم العذاب في الآخرة؟ أشغلك ~~حب الجاه؟ أما بعد ستين سنه أو نحوها، لا تبقين أنت ولا من كان لك عنده ~~جاه. هلا تركت الدنيا لخسة شركائها، وكثرة عنائها وخوفا من سرعة فنائها؟ ~~أتستبدلين بجوار رب العالمين صف النعال في صحبة الحمقى؟ قد ضاع أكثر ~~البضاعة، وقد بقيت من العمر صبابة، ولو استدركت ندمت على ما ضاع، فكيف إذا ~~أضفت الأخير إلى الأول؟ اعملي في أيام قصار لأيام طول، وأعدى الجواب للسؤل. ~~أخرجي من الدنيا خروج الأحرار قبل أن تكون خروج اضطرار إنه من كانت مطيته ~~الليل والنهار سير به وإن لم يسر. تفكري في هذه # PageV01P377 # # الموعظة، فإن عدمت تأثيرها، فابكي على ما أصبت به فمستقى الدمع من بحر ~~الرحمة. # ... ### | 16 باب التفكر # قد أمر الله سبحانه بالتفكر والتدبر في كتاب العزيز، وأثنى على المتفكرين ~~بقوله: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا} [آل ~~عمران: 191] وقال: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الرعد: 3]. # وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله" (1). # قال أبو الدرداء رضى الله عنه: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. # وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم، وما فهم إلا علم، وما ms320 ~~علم إلا عمل. # وقال بشر الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه. # وقال الفريابى في قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق} [الأعراف: 147]، قال: أمنع قلوبهم من التفكر في أمري. # وكان داود الطائى على سطح في ليلة قمراء، فتفكر في ملكوت السموات والأرض، ~~فوقع في دار جار له، فوثب عريانا وبيده السيف، فلما رآه قال: يا داود، ما ~~الذي ألقاك؟ قال: ما شعرت بذلك. # وقال يوسف بن أسباط: إن الدنيا لم تخلق لينظر إليها، بل لينظر بها إلى ~~الآخرة. وكان سفيان من شدة تفكره يبول الدم. # وقال أبو بكر الكتاني. روعة عند انتباهة من غفلة، وانقطاع عن حظ نفساني، ~~وارتعاد من خوف قطيعة، أفضل من عبادة الثقلين. PageV01P378 # ### | 17 بيان مجارى الفكر وثمراته # واعلم: أن الفكر قد يجرى في أمر يتعلق بالدين، وقد يجرى في أمر يتعلق ~~بغيره، وإنما عرضنا ما يتعلق بالدين، وشرح ذلك يطول. فلينظر الإنسان في ~~أربعة أنواع: الطاعات، والمعاصي، والصفات المهلكات، والصفات المنجيات. فلا ~~تغفل عن نفسك، ولا عن صفاتك المباعدة عن الله، والمقربة إليه. # وينبغى لكل مريد أن تكون له جريدة يثبت فيها جملة الصفات المهلكات، وجملة ~~الصفات المنجيات، وجملة المعاصي والطاعات، ويعرض ذلك على نفسه كل يوم. # ويكفيه من المهلكات النظر في عشرة، فإنه إن سلم منها سلم من غيرها، وهى: ~~البخل، والكبر، والعجب، والرياء، والحسد، وشدة الغضب، وشره الطعام، وشره ~~الوقاع، وحب المال، وحب الجاه. # ومن المنجيات عشرة: الندم على الذنوب، والصبر على البلاء، والرضى بالقضاء ~~والشكر على النعماء، واعتدال الخوف والرجاء، والزهد في الدنيا والإخلاص في ~~الأعمال، وحسن الخلق مع الخلق، وحب الله تعالى، والخشوع. # فهذه عشرون خصلة: عشرة مذمومة، وعشرة محمودة، فمتى كفى من المذمومات ~~واحدة خط عليها في جريدته، وترك الفكر فيها، وشكر الله تعالى على كفايته ~~إياها. وليعلم أن ذلك لم يتم ألا بتوفيق الله تعالى وعونه، ثم يقبل على ~~التسعة الباقية، وهكذا يفعل حتى يخط على الجميع. وكذلك يطالب نفسه بالاتصاف ~~بالصفات ms321 المنجيات، فإذا اتصف بواحدة منها، كالتوبة والندم مثلا، خط عليها ~~واشتغل بالباقي، وهذا يحتاج إليه المريد المشمر. # فأما أكثر الناس من المعدودين في الصالحين، فينبغي أن يثبتوا في جرائدهم ~~المعاصي الظاهرة، كأكل الشبهات، وإطلاق اللسان بالغيبة والنميمة، والمراد، ~~والثناء على النفس، والإفراط في موالاة الأولياء، ومعاداة الأعداء، ~~والمداهنة في ترك الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، فإن أكثر من يعد نفسه ~~من جوه الصالحين لا ينفك عن جملة من هذه المعاصي في جوارحه، ومالم تطهر ~~الجوارح من الآثام، لا يمكن الاشتغال بعمارة القلب وتظهيره. # PageV01P379 # # وكل فريق من الناس يغلب عليهم نوع من هذه الأمور، فينبغي أن يكون تفقدهم ~~لها وتفكيرهم فيها. مثاله العالم الورع فإنه لا يخلو في غالب الأمر من ~~إظهار نفسه بالعلم، وطلب الشهرة، وانتشار الصيت، إما بالتدريس، أو بالوعظ. ~~ومن فعل ذلك، فقد تصدى لفتنة عظيمة لا ينجو منها إلا الصديقون. وربما ينتهي ~~العلم بأهل العلم إلى أن يتغايروا كما يتغاير النساء وكل ذلك من رسوخ ~~الصفات المهلكات في سر القلب التي يظن العالم النجاة منها، وهو مغرور فيها. # ومن أحس من نفسه هذه الصفات، فالواجب عليه الانفراد والعزلة، وطلب الخمول ~~والمدافعة للفتاوى، فقد كان الصحابة يتدافعون الفتاوى، وكل منهم يود لو أن ~~أخاه كفاه. وعند هذا ينبغي أن يتقى شياطين الإنس، فإنهم قد يقولون: هذا سبب ~~لاندراس العلم، فليقل لهم: دين الإسلام مستغن عنى، ولو مت لم ينهدم ~~الإسلام، وأنا غير مستغن عن إصلاح قلبى، فليكن فكر العالم في التفطن لخفايا ~~هذه الصفات من قلبه، نسأل الله أن يصلح فساد قلوبنا وأن يوفقنا لما يرضاه ~~عنا. ### | 18 فصل [في أن التفكر في ذات الله ممنوع منه] # قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "تفكروا في آلاء الله ولا ~~تفكروا في الله" فالتفكر في ذاته سبحانه ممنوع منه، وذلك أن العقول تتحير ~~في ذلك، فإنه أعظم من أن تمثله العقول بالتفكير، أو تتوهمه القلوب ~~بالتصوير: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. # فأما التفكر في ms322 مخلوقات الله تعالى، فقد ورد القرآن بالحث على ذلك كقوله ~~تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب} ... الآيات [آل عمران: 190]. وقوله {قل انظروا ماذا في السماوات ~~والأرض} [يونس: 101]. # ومن آيات الله تعالى الإنسان المخلوق من نطفة، فيتفكر الإنسان في نفسه، ~~فإن في خلقة من العجائب الدالة على عظمة الله تعالى بالتدبر في نفسه، فقال: ~~{وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21]. وقد تقدم في كتاب الشكر الكلام ~~على # PageV01P380 # # بعض خلق الإنسان فليطلب هناك. # ومن آياته الجواهر المودعة في الجبال، والمعادن من الذهب والفضة ~~والفيروزج ونحوها، وكذلك النفط والكبريت والقار وغيرها. ومن آياته البحار ~~العظيمة العميقة المكتنفة لأقطار الأرض، التي هي قطع من البحر الأعظم ~~المحيط بجميع الأرض. ولو جمع المكشوف من الأرض، من البراري، والجبال، لكان ~~بالإضافة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وفى البحر عجائب أضعاف ما ~~نشاهده في البر. # وانظر كيف خلق اللؤلؤ، ودورة في صدفة تحت الماء، وانظر كيف أنبت المرجان ~~في صم الصخور تحت الماء، وكذلك ما عداه من العنبر وأصناف ما يقذفه البحر، ~~وانظر إلى عجائب السفن كيف أمسكها الله تعالى على وجه الماء، وسيرها في ~~البحار تسوقها الرياح وأعجب من ذلك الماء، فإنه حياة كل ما على الأرض من ~~حيوان ونبات، فلو احتاج العبد إلى شربة ماء، ومنع منها لبذل جميع خزائن ~~الدنيا في تحصيلها لو ملك ذلك، ثم إذا شربها ومنع خروجها، لبذل جميع خزائن ~~الأرض في إخراجها، فلا يغفل العبد عن هذه النعمة. # ومن آياته الهواء وهو جسم لطيف لا يرى بالعين، ثم انظر إلى شدته وقوته، ~~وانظر إلى عجائب الجو، وما يظهر فيه من الغيوم والرعد والبرق والمطر والثلج ~~والبرد والشهب والصواعق، وغير ذلك من العجائب. وانظر إلى الطير تسبح ~~بأجنحتها بالهواء كما يسبح حيوان البحر في الماء، ثم انظر إلى السماء ~~وعظمها وكواكبها وشمسها وقمرها، وما فيها كوكب إلا ولله فيه حكمة في لونه ~~وشكله وموضعه، وانظر إلى إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل، وانظر ms323 ~~مسير الشمس، كيف اختلف في الصيف والشتاء والربيع والخريف. # وقد قيل: إن الشمس مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة، وإن أصغر كوكب في ~~السماء مثل الأرض ثمان مرات، فإذا كان هذا قدر كوكب واحد، فانظر إلى كثرة ~~الكواكب، والى السماء التي فيها الكواكب، والى إحاطة عينك بذلك مع صغرها، ~~والعجب منك أنك تدخل بيت غنى مزخرف مموه بالذهب، فلا ينقطع تعجبك منه، ولا ~~تزال تذكره وأنت تنظر إلى هذا البيت العظيم، وإلى أرضه وسقفه وعجائبه ~~وأمتعته وبدائع نقوشه، ثم لا تلتفت إلى نحوه بقلبك، ولا تتفكر في بناء ~~خالقك، فلقد نسيت نفسك وربك، واشتغلت ببطنك وفرجك، فما مثلك في غفلتك إلا ~~كمثل نملة تخرج # PageV01P381 # # من بيتها الذي حفرته في حائط قصر الملك، فتلقى أختها فتتحدث معها في حديث ~~بيتها، وكيف بنته وما جمعت فيه، ولا تذكر قصر الملك ولا من فيه. فهكذا أنت ~~في غفلتك، فما تعرف من السماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتك. # فهذا بيان معاقد الجمل التي يجول فيها فكر المتفكرين، والأعمار تقصر، ~~والعلوم تقل عن الإحاطة ببعض المخلوقات، إلا أنك كلما استكثرت من معرفة ~~عجائب المصنوعات، كانت معرفتك بجلال الصانع أتم. فتفكر فيما أشرنا إليه ها ~~هنا مع ما قدمناه من الإشارة في كتاب الشكر. فمن نظر في هذه الأشياء من حيث ~~إنها فعل الله وصنعه، استفاد المعرفة بجلال الله تعالى وعظمته، ومن قصر ~~النظر عليها من حيث تأثير بعضها في بعض، لا من حيث ارتباطها بمسبب الأسباب، ~~شقي. نعوذ بالله من تأثير بعضها في بعض الجهال، ومن الركون إلى أسباب ~~الضلال، ولا وجه للتفكر فيما لا نراه من الملائكة والجن، فلذلك عدلنا عنه ~~إلى ما نراه والله أعلم. # ... ### | 19 باب في ذكر الموت وما بعده وما يتعلق به # اعلم: أن المنهمك في الدنيا المكب في غرورها، يغفل قلبه لا محالة عن ذكر ~~الموت فلا يذكره، وإن ذكره كرهه ونفر منه، ثم الناس إما منهمك، أو تائب ~~مبتدىء، أو عارف منتبه. # فأما المنهمك فلا يذكره، ms324 وإن ذكره فيذكره لتأسف على دنياه، ويشتغل بذمه، ~~وهذا لا يزيده ذكر الموت من الله تعالى إلا بعدا. # وأما التائب، فإنه يكثر ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية، فيفي ~~بتمام التوبة، وربما يكره الموت خيفة أن يختطفه قبل تمامها أو قبل إصلاح ~~الزاد، وهو معذور في كراهة الموت. ولا يدخل بهذا تحت قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "من كره لقاء الله كره الله لقاءه " فإنه إنما يخاف لقاء الله ~~لقصور وتقصيره، فهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه ~~على وجه يرضاه، فلا يعد كارها للقائه، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد ~~له، لا شغل له سواه، وإلا التحق بالمنهمك في الدنيا. # وأما العارف، فإنه يذكر الموت دائما، لأنه موعد لقاء الحبيب، وهو لا ينسى # PageV01P382 # # موعد لقاء حبيبه. هذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء الموت، ويحبه ليتخلص من ~~دار العاصين، وينتقل إلى جوار رب العالمين، كما قال بعضهم: حبيب جاء على ~~فاقة. # فإذن: التائب معذور في كراهة الموت، وهذا معذور في حب الموت وتمنيه، ~~وأعلى منهما من فوض أمره إلى الله تعالى، فصار لا يختار لنفسه موتا ولا ~~حياة، بل تكون الأشياء إليه أحبها إلى مولاه، فهذا قد انتهى بفرط الحب ~~والولاء إلى مقام التسليم والرضى، وهو الغاية والمنتهى. # وعلى كل حال، ففى ذكر الموت ثواب وفضل، فإن المنهمك في الدنيا قد يستفيد ~~بذكر الموت التجافى عن الدنيا، لأن ذكره ينغص عليه نعيمه ويكدره. ### | 20 باب ما جاء في فضل ذكر الموت # عن أبى هريرة رضى الله عنه رضى الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت". # وعن أنس رضى الله عنه: أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأحسنوا عليه الثناء، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كيف كان ذكر ~~صاحبكم للموت؟ " قالوا: ما كنا نسمعه يذكر الموت. قال: "فإن صاحبكم ليس ~~هناك" (1). # وعن ابن عمر رضى الله عنه: أن النبي صلى الله عليه ms325 وآله وسلم سئل: "أي ~~المؤمنين أكيس، قال: أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم استعدادا له أولئك هم ~~الأكياس" (2). # وقال الحسن البصري: فضح الموت الدنيا، فلم يترك لذي لب فيها فرحا، وما ~~ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عليه، وهان عليه جميع ما فيها. # وكان ابن عمر رضى الله إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، وكان يجمع كل ~~ليلة الفقهاء، فيتذكرون الموت والقيامة ثم يبكون، حتى كأن بين أيدهم جنازة. ~~PageV01P383 # # وكان حامد القيصري يقول: كلنا قد أيقن الموت، وما نرى له مستعدا، وكلنا ~~قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملا، كلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفا، ~~فلا تفرحون؟ وما عسيتم تنتظرون؟! الموت، فهو أول وارد عليكم من أمر الله ~~بخير أو بشر، فيا إخوتاه! سيروا إلى ربكم سيرا جميلا. # وقال شميط بن عجلان: من جعل الموت نصب عينيه، لم يبال بضيق الدنيا ولا ~~بسعتها. # واعلم: أن خطر الموت عظيم، وإنما غفل الناس عنه لقلة فكرهم وذكرهم له، ~~ومن يذكره منهم إنما يذكره بقلب غافل، فلهذا لا ينجع فيه ذكر الموت، ~~والطريق في ذلك أن يفرغ العبد قلبه لذكر الموت الذي هو بين يديه، كالذي ~~يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة، أو يركب البحر، فإنه لا يتفكر إلا في ذلك. ~~وأنفع طريق في ذلك ذكر أشكاله وأقرانه الذين مضوا قلبه، فيذكر موتهم ~~ومصارعهم تحت الثرى. # قال ابن مسعود رضى الله عنه: السعيد من وعظ بغيره. وقال أبو الدرداء رضى ~~الله عنه: إذا ذكر الموتى، فعد نفسك كأحدهم. # وينبغى أن يكثر دخول المقابر، ومتى سكنت نفسه إلى شىء في الدنيا، فليتفكر ~~في الحال أنه لا بد من مفارقته، ويقصر أمله. # وقد روى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" وكان ~~ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، ~~وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. # وفى ms326 حديث آخر "إن أخوف ما أخاف على أمتي: الهوى وطول الأمل، فأما الهوى ~~فيضل عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة" (1). # وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: "أكلكم ~~يحب أن يدخل الجنة؟ " قالوا: نعم يارسول الله؟ قال: "قصروا الأمل، وأثبتوا ~~آجالكم بين أبصاركم، واستحيوا من الله عز وجل حق حيائه (2) ". PageV01P384 # # وعن أبى زكريا التيمى قال: بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام، ~~إذا أتى بحجر منفوش، فطلب من يقرأه، فإذا فيه: ابن آدم! لو رأيت قرب ما بقى ~~من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك ~~وحيلك، وإنما يلقاك ندمك لو قد زلت بك قدمك، وألمك أهلك وحشمك، فبان منك ~~الوالد والنسب، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم ~~القيامة يوم الحسرة والندامة. # واعلم: أن السبب في طول الأمل شيئان: # أحدهما: حب الدنيا، والثاني: الجهل. # أما حب الدنيا فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها، ثقل ~~على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، ~~وكل من ذكره شيئا دفعه عن نفسه، والإنسان مشغول بالأماني الباطلة، فيمنى ~~نفسه أبدأ بما يوافق مراده من البقاء في الدنيا، وما يحتاج إليه من مال ~~وأهل ومسكن وأصدقاء وسائر أسباب الدنيا، فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر، ~~فيلهو عن ذكر الموت، ولا يقدر قربه. فإن خطر له الموت في بعض الأحوال ~~والحاجة إلى الاستعداد له، سوف بذلك ووعد نفسه، وقال: الأيام بين يديك إلى ~~أن تكبر ثم تتوب. وإذا كبر قال: إلى أن تصير شيخا، وإن صار شيخا، قال: إلى ~~أن يفرغ من بناء هذه الدار، وعمارة هذه الضيعة، أو يرجع من هذه السفرة. فلا ~~يزال يسوف ويؤخر، ولا يحرص في إتمام شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة ~~أشغال، وهكذا على التدريج يؤخر يوما بعد يوم، ويشتغل بشغل بعد شغل، إلى أن ~~تختطفه المنية في وقت لا يحتسبه، فتطول عند ذلك ms327 حسرته. # وأكثر صياح أهل النار من "سوف" يقولون: واحسرتاه! من "سوف". وأصل هذه ~~الأماني كلها، حب الدنيا والأنس بها، والغفلة عن قول النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "أحبب ما شئت فإنك مفارقه". # السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان يعول على شبابه، ويستبعد قرب الموت ~~مع الشباب، أو ليس يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عدوا كانوا أقل من ~~العشر؟ وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، والى أن يموت شيخ قد يموت ألف ~~صبى وشباب وقد يغتر بصحته، ولا يدرى أن الموت يأتى فجأة، وإن استبعد ذلك، ~~فإن # PageV01P385 # # المرض يأتى فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا، ولو تفكر وعلم أن الموت ~~ليس له وقت مخصوص، من صيف وشتاء وربيع وخريف وليل ونهار، ولا هو مقيد بسن ~~مخصوص، من شاب وشيخ أو كهل أو غيره، لعظم ذلك عنده واستعد للموت. ### | 21 فصل [في تفاوت الناس في طول الأمل] # والناس متفاوتون في طول الأمل تفاوتا كثيرا، منهم من يأمل البقاء إلى ~~زمان الهرم، ومنهم من لا ينقطع أمله بحال، ومنهم من هو قصير الأمل، فروى عن ~~أبى عثمان النهدى أنه قال: بلغت ثلاثين ومائه سنه، وما من شىء إلا قد عرفت ~~فيه النقصان إلا أملى فإنه كما هو. # وحكى في قصر الأمل أن امرأة حبيب أبى محمد قالت: كان يقول لى- يعنى أبا ~~محمد- إن مت اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني ويفعل كذا، واصنعي كذا وكذا، ~~فقيل لها: أرى رؤيا؟ قالت: هكذا يقول كل يوم. # وعن إبراهيم بن سبط قال: قال لى أبو زرعة: لأقولن لك قولا ما قلته لأحد ~~سواك: ما خرجت من المسجد منذ عشرين سنه، فحدثتني نفسي أن أرجع إليه. وقيل ~~لبعضهم: ألا تغسل قميصك؟ قال: الأمر أعجل من ذلك. # وعن محمد بن أبى توبة قال: أقام معروف الصلاة ثم قال لى: تقدم، فقلت: إنى ~~إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها، فقال معروف: أنت تحدث نفسك أنك ~~تصلى صلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل ms328 فإنه يمنع خير العمل. # فهذه أحوال الزهاد في قصر الأمل، وكلما قصر الأمل، جاد العمل، لأنه يقدر ~~أن يموت اليوم، فستعد استعداد ميت، فإذا أمسى شكر الله تعالى على السلامة، ~~وقدر أنه يمون تلك الليلة فيبادر إلى العمل. # وقد ورد الشرع بالحث على العمل والمبادرة إليه ففى "صحيح البخاري" عن ابن ~~عباس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "نعمتان ~~مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ". # وعنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل وهو يعظه: "اغتنم # PageV01P386 # # خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك ~~قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". # وقال عمر رضى الله عنه: التؤدة في كل شىء خير، إلا ما كان من أمر الآخر. # وكان الحسن يقول: عجبا لقوم أمروا بالزاد، ونودي فيهم بالرحيل، وحبس ~~أولهم على آخرهم، وهم قعود يلعبون. # وقال سحيم مولى بنى تميم: جلست إلى عبد الله بن عبد الله، فأوجز في ~~صلاته، ثم أقبل على وقال: أرحني بحاجتك، فإني أبادر. فقلت: وما تبادر؟ قال: ~~ملك الموت. وكان يصلى كل يوم ألف ركعة. # وكانوا يبادرون بالأعمال غاية ما يمكن، فكان ابن عمر يقوم في الليل ~~فيتوضأ ويصلى، ثم يغفى إغفاء الطير، ثم يقوم يصلى، يفعل ذلك مرارا. وكان ~~عمير بن هانئ يسبح كل يوم مائه ألف تسبيحه، وقال أبو بكر بن عياش: ختمت ~~القرآن في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة. ### | 22 فصل في ذكر شدة الموت وما يستحب من الأحوال عنده # اعلم: أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب، ولا هول سوى الموت، لكان ~~جديرا أن ينغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، وتطول فيه فكرته. والعجب أن ~~الإنسان لو كان في أعظم اللذات، فانتظر أن يدخل عليه جندي يضربه خمس ضربات، ~~لكدرت عليه عيشه ولذته، وهو في كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات ~~النزع، وهو غافل عن ذكر ذلك، وليس لهذا سبب إلا الجهل والغرور. ms329 # اعلم: أن الموت أشد من ضرب السيف، وإنما يصيح المضروب، ويستغيث لبقاء ~~قوته، وأما الميت عند موته، فإنه ينقطع صوته من شدة ألمه، لأن الكرب قد ~~بالغ فيه، وغلب على قلبه وعلى كل موضع منه، وضعفت كل جارحة فيه، فلم يبق ~~فيه قوة لاستغاثة، ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة. ~~وتجذب الروح من جميع العروق، ويموت كل عضو من أعضائه تدريجا، فتبرد أولا ~~قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، حتى تبلغ الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره إلى ~~الدنيا وأهلها، ويغلق دونه باب # PageV01P387 # # التوبة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله يقبل التوبة من ~~العبد مالم يغرغر". # وقد روى أن الملكين الموكلين بالعبد يتراءيان له عند الموت، فإن كان ~~صالحا أثنيا عليه، وقالا: جزاك الله خيرا، وإن كان صحبهما بشر، قالا: لا ~~جزاك الله خيرا (1). # عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "إن الله عز وجل وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قالا: ~~قد مات، أتأذن لنا أن تصعد إلى السماء؟ قال: فيقول الله تعالى: إن سمائي ~~مملؤة من ملائكتي يسبحوني. فيقولون: فتأذن لنا فنقيم في الأرض؟ فيقول الله ~~تعالى: إن أرضى مملوءة من خلقي، يسبحوني. فيقولان: فأين تقيم؟ فيقول: قوما ~~على قبر عبدى، فسبحاني واحمداني وكبراني وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم ~~القيامة". # وفى "الصحيحين" من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: "إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس ~~شىء أحب إليه مما أمامه، وأما صاحب النار الذي ختم له بسوء فهو يبشر بها ~~وهو في تلك الأهوال". # وقد كان كثير من السلف يخافون سوء الخاتمة، وقد ذكر ذلك في كتاب الخوف، ~~وهو لائق بهذا المكان، نسأل الله أن يرحمنا برحمته التي وسعت كل شىء، وأن ~~يلطف بنا، وأن يختم لنا بخير إنه جواد كريم. # وأما ما يستحب من الأحوال عند المحتضر، فأن يكون قلبه ms330 يحسن الظن بالله ~~تعالى، ولسانه ينطق بالشهادة، والسكون من علامات اللطف، وهو أمارة على أنه ~~قد رأى الخير، وقد روى أن روح المؤمن تخرج رشحا. ويستحب تلقينه: لا إله إلا ~~الله، كما جاء في الحديث الصحيح من رواية مسلم: "لقنوا موتاكم لا إله إلا ~~الله". # وينبغى للملقن أن يرفق به، ولا يلح عليه. وقد جاء في حديث آخر: "احضروا ~~موتاكم، ولقنوهم لا إله إلا الله، وبشروهم بالجنة، فإن الحليم العليم من ~~الرجال والنساء يتحير عند ذلك المصرع، وإن إبليس عدو الله أقرب ما يكون من ~~العبد في ذلك الموطن" (2). وذكر الحديث إلى آخره. PageV01P388 # # وفي الحديث الصحيح: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله". # وروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل على رجل وهو يموت فقال: "كيف ~~تجدك؟ " قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال: "ما اجتمعا في قلب عبد في مثل ~~هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، وأمنه من الذي يخاف". # والرجاء عند الموت أفضل، لأن الخوف سوط يساق به، وعند الموت يقف البصر، ~~فينبغي أن يتلطف به، ولأن الشيطان يأتي حينئذ يسخط العبد على الله فيما ~~يجرى عليه، ويخوفه فيما بين يديه، فحسن الظن أقوى سلاح يدفع به العدو. # وقال سليمان التيمى لابنه عند الموت: يا بني! حدثني بالرخص، لعلي ألقى ~~الله تعالى وأنا أحسن الظن به. ### | 23 باب ذكر وفاة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين رضى الله عنهم # اعلم: أن في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة في كل أحواله، ~~ومعلوم أنه ليس في المخلوقين أحد أحب إلى الله تعالى منه، ولم يؤخره الله ~~تعالى حين انقضى أجله. # وقد لقي صلى الله عليه وآله وسلم من الموت شدة، فروى البخاري في "صحيحه" ~~من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ركوة أو علبة فيه ماء، فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه ~~ويقول: "لا إله إلا الله، إن ms331 للموت لسكرات". # وفى "صحيح البخاري" من حديث أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب ~~أبتاه! فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم". # وروى ابن مسعود قال: اجتمعنا في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها، فنظر ~~إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدمعت عيناه، فنعى إلينا نفسه ~~وقال: مرحبا، حياكم الله بالسلام، حفظكم الله، ورعاكم الله، جمعكم الله، ~~نصركم الله، وفقكم # PageV01P389 # # الله، نفعكم الله، رفعكم الله، سلمكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي ~~الله بكم، وأستخلفه عليكم ". قلنا: يا رسول الله: متى أجلك؟ قال: " قد دنا ~~الأجل، والمنقلب إلي الله، والى سدرة المنتهى وجنة المأوى، والفردوس الأعلى ~~". قلنا: يا رسول الله، ففيم نكفنك؟ قال: " في ثيابي هذه إن شئتم، أو ~~يمنية، أو بياض " فقلنا: يا رسول الله! من يصلي عليك؟ وبكينا، فقال: " ~~مهلا، رحمكم الله، وجزاكم عن نبيكم خيرا، إذا غسلتموني وكفنتموني، فضعوني ~~على سريري هذا على شفير قبرى، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي علي ~~خليلي وحبيبي جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت، ثم ملائكة ~~كثيرة، ثم ادخلوا علي فوجا فوجا، فصلوا علي وسلموا تسليما، ولا تؤذوني ~~بتذكية، ولا برنة، ولا بصيحة، وليبدأ بالصلاة علي رجال أصحابي، وعلى من ~~تابعني على ديني إلى يوم القيامة، ألا واني أشهدكم أنى قد سلمت على كل من ~~دخل في الإسلام" (1). # ولقد دخل عليه جبريل قبل موته بثلاثة أيام فقال: يا محمد؟ إن الله أرسلني ~~إليك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ فقال: "أجدنى يا جبريل ~~مغموما، وأجدنى مكروبا" ثم أتاه في اليوم الثاني، فأعاد الكلام، وأعاد عليه ~~الجواب، ثم جاءه في اليوم الثالث وأعاد عليه الكلام، فأعاد عليه الجواب، ~~فإذا ملك الموت يستأذن، فقال جبريل: يا أحمد! هذا ملك الموت يستأذن عليك، ~~ولم يستأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال: "ائذن له"، ~~فدخل، فوقف بين يديه ms332 وقال: إن الله أرسلني إليك: وأمرني أن أطيعك، فإن ~~أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: "وتفعل يا ملك الموت؟ " قال: كذلك أمرت أن أطيعك. ~~فقال جبريل: يا أحمد! إن الله قد اشتاق إليك. فقال: "فامض لما أمرت به يا ~~ملك الموت"، فقال جبريل عليه السلام: السلام عليك يا رسول الله، هذا آخر ~~موطني في الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا (2). # فتوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستندا إلى صدر عائشة رضى الله ~~عنها في PageV01P390 # # كساء ملبد، وإزار غليظ، وقامت فاطمة رضى الله عنها تندب وتقول: يا أبتاه! ~~أجاب ربا دعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه، ~~يا أبتاه! من ربه ما أدناه، فلما دفن قالت: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا ~~التراب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! # وقال أبو بكر رضى الله عنه: # لما رأيت نبينا متجدلا ... ضاقت علي بعرضهن الدور # وارتعت روعه مستهام واله ... والعظم منى واهن مكسور # أعتيق ويحك إن حبك قد ثوى ... وبقيت منفردا وأنت حسير # يا ليتنى من قبل مهلك صاحبى ... غيبت في جدث علي صخور # 24 ### | وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه # روى أبو المليح أن أبا بكر رضى الله عنه لما حضرته الوفاة أرسل إلى عمر ~~رضى الله عنه فقال: إنى أوصيك بوصية، إن أنت قبلت عنى: إن لله عز وجل حقا ~~بالليل لا يقلبه بالنهار، وإن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا ~~يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه في ~~الآخرة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقلت ذلك عليهم، وحق لميزان يوضع فيه ~~الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم ~~الباطل، وخفته عليهم في الدنيا، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا. # ألم تر أن الله أنزل آيه الرجاء عند آية الشدة، وآية الشدة عند آية ~~الرجاء، ليكون العبد ms333 راغبا راهبا لا يلقى بيديه إلى التهلكه، ولا يتمنى على ~~الله غير الحق. فإن أنت حفظت وصيتي هذه، فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت، ~~ولا بد لك منه، وإن أنت ضيعت وصيتي هذه فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت، ~~ولا بد لك منه ولست تعجزه. # وقيل: لما احتضر جاءت عائشة رضى الله عنها فتمثلت بهذا البيت: # PageV01P391 # # لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (1) # فكشف عن وجهه وقال: ليس كذلك، ولكن قولي: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما ~~كنت منه تحيد} [ق: 19]. انظروا ثوبي هذين، فاغسلوهما وكفنوني فيهما فإن ~~الحي أحوج إلى الجديد من الميت. # 25 ### | وفاة عمر بن الخطاب رضى الله عنه # وعن ابن عمر قال: كان رأس عمر في حجري بعد ما طعن، وكان مرضه الذي توفى ~~فيه، فقال: ضع خدي على الأرض، فقلت: وما عليك إن كان في حجري أم على الأرض؟ ~~وظننت أن ذلك تبرم به، فلم أفعل، فقال: ضع خدي على الأرض لا أم لك، ويلي ~~وويل أمي إن لم يرحمني ربى. # وروى أنه لما طعن وحمل إلى بيته، وجاء الناس يثنون عليه، جاء رجل شباب ~~فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى من الله لك، صحبة من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، ~~فقال: وودت أن ذلك كان كفافا، لا لى ولا على، ثم قال: يا عبد الله بن عمر، ~~انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: عمر يقرأ عليك السلام، ولا تقل: أمير ~~المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن ~~يدفن عند صاحبيه. فمضى وسلم واستأذن عليها، ثم دخل فوجدها قاعدة تبكى، ~~فقالت: عمر يقرأ عليك السلام، ويستأذن أن يدفن عند صاحبيه، فقالت: كنت ~~أريده لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي. فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله بن ~~عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما وراءك؟ قال: الذي تحب ~~يا ms334 أمير المؤمنين، قد أذنت. قال: الحمد لله، ما كان شىء أحب إلى من ذلك، ~~فإذا أنا مت فاحملوني، ثم سلم، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فان أذنت لي، ~~فأدخلوني، وإن ردتني، فردوني إلى مقابر المسلمين. # وفى أفراد مسلم من حديث المسور بن مخرمة، أن عمر قال: والله لو أن لى ~~طلاع (2) PageV01P392 # # الأرض ذهبا، لا فتديت به من عذاب الله قبل أن أراه. # وفى خبر آخر: والله لو أن لى ما طلعت عليه الشمس أو غربت، لا فتديت به من ~~هول المطلع. # 26 ### | وفاة عثمان بن عفان رضى الله عنه # عن نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان رضي الله عنه، قالت: لما كان اليوم ~~الذي قتل فيه عثمان، ظل في اليوم الذي قبله صائما، فلما كان عند إفطاره، ~~سألهم الماء العذاب فلم يعطوه، فنام ولم يفطر، فلما كان وقت السحر أتيت ~~جارات لى على أجاجير متصلة، فسألتهم الماء العذب، فأعطوني كوزا من ماء، ~~فأتيته فحركته فاستيقظ، فقلت: هذا ماء عذب، فرفع رأسه فنظر إلى الفجر، ~~فقال: إنى قد أصبحت صائما، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اطلع على ~~من هذا السقف ومعه ماء عذب، فقال: "اشرب يا عثمان"! فشربت حتى رويت، ثم ~~قال: "ازدد"، فشربت حتى نهلت، ثم قال: "إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ~~ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا" قال: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه. # وعن العلاء بن الفضيل، عن أبيه، قال: لما قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه ~~فتشوا خزانته، فوجدوا فيها صندوقا مقفلا ففتحوه، فوجدوا فيه حقة فيها ورقة ~~مكتوب فيها: هذه وصية عثمان، بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، ~~وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه، إن الله لا ~~يخلف الميعاد، عليها نحيا، وعليها نموت، وعليها نبعث إن شاء الله تعالى. # 27 ### | وفاة علي بن أبى طالب رضى الله عنه # عن ms335 الشعبي، قال: لما ضرب على رضى الله عنه تلك الضربة، قال: ما فعل ~~بضاربي؟ قالوا: أخذناه، قال: أطعموه من طعامى، واستقوه من شرابي، فإن أنا ~~عشت رأيت فيه رأيي، وإن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها، ثم ~~أوصى الحسن أن يغسله وقال: لا تغالي في الكفن، فإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم # PageV01P393 # # يقول: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا"، امشوا بى المشيتين لا ~~تسرعوا بى، ولا تبطئوا، فإن كان خيرا عجلتمونى إليه، وإن كان شرا ألقيتمونى ~~عن أكتافكم. # وروى أنه لما كانت الليلة التي أصيب فيها على رضى الله عنه أتاه ابن ~~التياح حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهو مضطجع متثاقل، فعاد الثانية وهو ~~كذلك، ثم عاد الثالثة فقام يمشى وهو يقول: # أشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لا قيك (1) # ولا تجزع من الموت ... وإن حل بناديك # فلما بلغ الباب الصغير شد عليه عبد الرحمن بن ملجم فضربه. ### | 28 ذكر كلمات نقلت عن جماعة عند موتهم من الصحابة وغيرهم وذكر زيارة القبور ونحو ذلك # لما نزل الموت بالحسن بن على رضى الله عنهما قال: أخرجوا فراشي إلى صحن ~~الدار، فأخرج فقال: اللهم إنى أحتسب نفسي عندك، فإني لم أصب بمثلها. # وقد ذكرنا ما تقدم من كلام الخلفاء الأربعة رضى الله عنهم. # وروى أن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قال: انظروا هل أصبحنا؟ فأتى فقيل: ~~لم تصبح، حتى أتى في بعض ذلك، فقيل له: لقد أصبحنا، فقال: أعوذ بالله من ~~ليلة صباحها النار، ثم قال: مرحبا بالموت زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، ~~اللهم إنى كنت أخافك وأن اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحب ~~الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار (2) ولا لغرس الأشجار، ولكن لطول ظمأ ~~الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند ~~حلق الذكر. # وقال أبو مسلم: جئت أبا الدرداء وهو يجود بنفسه ويقول: ألا رجل يعمل لمثل ~~PageV01P394 # # مصرعي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟ ألا ms336 رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟ ثم ~~قبض رحمه الله. # وبكى سليمان الفارسي عند موته، فقيل له، ما يبكيك؟ فقال: عهد إلينا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب، وحولي هذه ~~الأزواد. وقيل: إنا كان حوله إجانة وجفن ومطهرة. # وروى المزني قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف ~~أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ~~ولكأس المنية شاربا، وعلى الله واردا، ولا أدرى أروحى تصير إلى الجنة ~~فأهنئها، أم إلى النار فأعزيها، ثم أنشد يقول: # ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني بعفوك سلما # تعاظمي ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربى كان عفوك أعظما # وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما # قيل: كان أبو الدرداء رضى الله عنه يقعد إلى القبور، فقيل له ذلك، فقال ~~أجلس إلى قوم يذكروني معادى، وإن غبت لم يغتابوني. # وقال ميمون بن مهران: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة، فلما نظر ~~إلى القبور بكى، ثم أقبل على فقال: يا ميمون، هذه قبور آبائي بنى أمية، ~~كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشهم، أما تراهم صرعى قد حلت بهم ~~المثلات، واستحكم فيهم البلاء، وأصاب الهوام مقيلا في أبدانهم، ثم بكى ~~وقال: والله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور، وقد أمن من عذاب ~~الله تعالى. # وتستحب زيارة القبور، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "زوروا ~~القبور فإنها تذكركم الآخرة" ومن زار قبرا فليستقبل وجه الميت، وليقرأ شيئا ~~من القرآن ويهديه له، ولتكن الزيارة يوم الجمعة. # وقد روى أنه لما مات عاصم الجحدرى رآه رجل من أهله في المنام بعد موته ~~بسنتين فقال له: ألست قد مت؟ قال: بلى. قال: وأين أنت: قال عاصم: أنا والله ~~في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابى، نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها ~~إلى أبى بكر بن عبد الله المزني نتلاقى أخباركم، قال: قلت ms337 له: أجسامكم أم # PageV01P395 # # أرواحكم؟ قال: هيهات ‍ بليت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح. قلت: فهل ~~تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله، ويوم ~~السبت إلى طلوع الشمس. قلت: وكيف ذلك دون الأيام كلها؟ قال: لشرف يوم ~~الجمعة وعظمه. # وحكى عثمان بن سواد الطفاوى وكانت أمه من العابدات، وكان يقال لها: ~~راهبة، قال: لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء وقالت: يا ذخرى ويا ذخيرتي ~~ومن عليه اعتمادي في حياتي وبعد مماتي، لا تخذلني عند الموت، ولا توحشني في ~~قبرى. قال: فماتت، فكنت آتيها كل جمعة وأدعو لها، وأستغفر لها ولأهل ~~القبور، فرأيتها ليلة في منامي فقلت لها: يا أماه ‍‍‍? كيف أنت؟ قالت: يا ~~بنى ‍‍‍? إن الموت لكرب شديد، وأنا بحمد الله في برزخ محمود، يفترش فيه ~~الريحان، ويتوسد فيه السندس والإستبرق إلى يوم النشور. فقلت: ألك حاجة؟ ~~قالت: نعم، لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا فإني لأسر بمجيئك يوم الجمعة إذا ~~أقبلت من أهلك، فيقال لى: يا راهبة! هذا ابنك قد أقبل، فأسر ويسر بذلك من ~~حولي من الأموات. # وعن أنس بن منصور قال: كان رجل يختلف إلى الجنائز فيشهد الصلاة عليها، ~~فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز ~~عن سيئاتكم، وقبل حسناتكم، ولا يزيد على هؤلاء الكلمات، قال ذلك الرجل: ~~فأمسيت ذات ليلة، ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو، فبينا أنا نائم إذا ~~أنا بخلق كثير قد جاؤوني فقلت: من أنتم؟ وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل ~~المقابر، إنك كنت عودتنا منك هدية. فقلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت ~~تدعوا بها. قلت: فإني أعود لذلك، فما تركتها بعد. # وقال بشار بن غالب: رأيت رابعة في منامى، وكنت كثير الدعاء لها، فقالت ~~لى: يا بشار ? هداياك تأتينا على أطباق من نور، مخمرة بمانديل الحرير. قلت: ~~وكيف ذلك؟ قالت: هكذا دعاء الأحياء إذا دعوا للموتى واستجيب لهم، جعل ذلك ~~الدعاء على أطباق النور، وخمر بمناديل الحرير، ثم أتى به إلى الذي دعي ms338 له ~~من الموتى، فقيل له، هذه هدية فلان إليك. # PageV01P396 # ### | 29 فصل [في حقيقة الموت] # والذي تدل عليه الآيات والأخبار أن حقيقة الموت، هو مفارقة الروح للجسد، ~~وأن الروح تكون بعد ذلك باقية، إما معذبة أو منعمة، فإن الروح قد تتألم ~~بنفسها بأنواع الحزن والغم، وتتنعم بأنواع الفرح والسرور من غير تعلق لها ~~بالأعضاء فكل ما هو وصف للروح بنفسها، يبقى معها بعد مفارقة الجسد، وكل ما ~~هو لها بواسطة الأعضاء يتعطل بموت الجسد إلى أن تعاد الروح إلى الجسد. ولا ~~يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر، ولا يبعد أن تؤخر إلى يوم البعث، ~~والله سبحانه أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده. # فمعنى الموت انقطاع تصرف الروح عن البدن، وخروج البدن عن أن يكون آلة ~~لها، وسلب الإنسان عن أمواله وأهله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا ~~العالم. فإن كان له بالدنيا شئ يفرح به، ويستريح اليه، عظمت حسرته عليه بعد ~~الموت، وإن كان لا يفرح إلا بذكر الله تعالى والأنس به، عظم نعيمه وتمت ~~سعادته إذا خلى بينه وبين محبوبه، وقطعت عنه العوائق والشواغل، لأن جميع ~~شواغل الدنيا شاغلة عن ذكر الله تعالى. # وينكشف للميت بالموت ما لم يكن مكشوفا في حال الحياة، كما ينكشف للمتيقظ ~~ما لم يكن مكشوفا له عند النوم، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. وأول ما ~~ينكشف له ما يضره وما ينفعه من حسناته وسيئاته، وقد كان ذاك مسطورا في كتاب ~~مطوي في سر قلبه، وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا، فلما انقطعت ~~انكشفت له جميع أعماله، فلا ينظر إلى سيئة إلا ويتحسر عليها تحسرا يؤثر أن ~~يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة، وكل ذلك ينكشف له عند الموت، وهذه ~~آلام تهجم على العاصي قبل الدفن، نسأل الله العافية. # ومما يدل على أن الروح لاتنعدم بالموت، قول تعالى: {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169]. قال ~~مسروق: سألنا عبد الله ms339 بن مسعود رضى الله عنه عن هذه الآية فقال: أرواحهم ~~في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي ~~إلى تلك القناديل، وذكر تمام الحديث. وجاء في قوله تعالى: {النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: ~~46]. أخبر أنهم # PageV01P397 # # يعذبون بعد الموت. # وفى "الصحيحين" عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: "إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان ~~من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: ~~هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة". # وقد تقدم أن الإنسان إذا انكشفت له سيئاته تحسر لها وتألم تألما عظيما، ~~فأما المؤمن، فقال عبد الله بن عمر: مثل المؤمن حيث تخرج نفسه مثل رجل كان ~~في سجن فأخرج منه، فهو يتفسح في الأرض، ويتقلب فيها. وهو صحيح، فإن المؤمن ~~ينكشف عليه عقيب الموت من فضل الله وكرامته ما تكون الدنيا بالإضافة إليه ~~كالسجن، فيكون محبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستان واسع الأكناف، فيه ~~أنواع الأشجار، فلا يسره الرجوع إلى الدنيا كما لا يسره العود إلي بطن أمه. # وقال مجاهد: إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعد لتقر بذلك عينه. ### | 30 فصل في ذكر القبر # روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "القبر روضة من رياض ~~الجنة، أو حفرة من حفر النار" (1). # وروى أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "يقول القبر للميت ~~حين يوضع فيه: ويحك يا ابن آدم! ما غرك؟! ألم تعلم أنى بيت الظلمة، وبيت ~~الوحدة، وبيت الدود؟ " (2). # وروى الترمذي عن أبى سعيد قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مصلاه، فرأى ناسا كأنهم يكثرون، فقال: "أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم ~~اللذات لشغلكم عما أرى، فأكثروا ذكر هاذم اللذات الموت، فإنه لم يأت على ~~القبر يوم إلا ms340 يتكلم فيقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت ~~التراب، أنا بيت الدود. فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا، ~~أما إن كنت لأحب من يمشى على ظهري إلي، فإذ وليتك اليوم وصرت إلي، فسترى ~~صنيعي بك، فيتسع له مد البصر، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد ~~الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا PageV01P398 # # مرحبا ولا أهلا، أما إن كن لأبعض من يمشى على ظهري إلي، فإذا وليتك ~~اليوم، وصرت إلى، فسترى صنيعي بك، قال: فيلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه"، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصابعه، فأدخل بعضها في بعض قال: ~~" ويقيض له سبعون تنينا، لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما ~~بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه، حتى يفضي به إلى الحساب، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: "القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار" ~~(1) # وقال كعب: إذا وضع الرجل الصالح في قبره، احتوشته أعماله الصالحة، ~~الصلاة، والصيام، والحج، والجهاد، والصدقة. وقال وتجئ ملائكة العذاب من قبل ~~رجليه فتقول الصلاة: إليكم عنه فلا سبيل لكم عليه، فقد أطال بى القيام لله ~~عز وجل، قال: فيأتونه من قبل رأسه، فيقول الصيام: لا سبيل لكم عليه فقد ~~أطال بى الصيام، قال: فيأتونه من قبل جسده، فيقول الحج والجهاد: إليكم عنه، ~~فقد أنصب نفسه وأتعب بدنه، وحج وجاهد لله عز وجل، لا سبيل لكم عليه، ~~فيأتونه من قبل يديه، فتقول الصدقة، كم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى ~~وضعت في يد الله ابتغاء وجهه، فلا سبيل لكم عليه، قال: فيقال له: هنيئا طبت ~~حيا، وطبت ميتا، قال: وتأتيه ملائكة الرحمة، فتفرشه فراشا في الجنة ودثارا ~~من الجنة، فيفسح له في قوة مد بصره، ويؤتى بقنديل من الجنة، يستضئ بنوره ~~إلى يوم يبعثه الله من قبره. # وعن أنس بن مالك أن نبى الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن العبد إذا ~~وضع في قبره وتولى عنه ms341 أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان ~~فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقولان: انظر إلى ~~مقعدك من النار قد أبدلك الله عز وجل به مقعدا في الجنة. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: فيراهما جميعا وأما الفاجر أو المنافق فقال له: ما ~~كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدرى كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: ~~لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة ~~يسمعها من يليه غير الثقلين" أخرجاه في "الصحيحين". PageV01P399 # # وفيهما من حديث أسماء بنت أبى بكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: "أوحى إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل -أو قال قريبا من- فتنة المسيح ~~الدجال، يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ~~ورسوله ... " وذكر باقي الحديث. # وعن ابن عباس قال: لما أخرجت جنازة سعد بن معاذ وسوينا عليها، التفت ~~إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "ما من أحد من الناس إلا ~~وله ضغطة في قبره، ولو كان منفلتا منها أحد لانفلت سعد بن معاذ" وذكر باقي ~~الحديث. # وعن عبد الله الصنعانى قال: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته بأربع ~~ليال، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: تقبل منى الحسنات، وتجاوز عن السيئات. ~~قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم، غفر لى ذنوبي ~~وأدخلني الجنة، قلت: بم نلت الذي نلت؟ قال: بمجالس الذكر، وقولي الحق، ~~وصدقي في الحديث، وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر، قلت: منكر ونكير ~~حق؟ قال: أي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وسألاني: من ربك؟ وما ~~دينك، ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب، وقلت: مثلى يسأل؟! ~~أنا يزيد بن هارون الواسطى، كنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس، فقال ~~أحدهما: صدق هو ms342 يزيد بن هارون، نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم. # وقال المروزى: رأيت أحمد بن حنبل في النوم في روضة، وعليه حلتان خضروان، ~~وعلى رأسه تاج من النور، وإذا هو يمشى مشية لم أكن أعرفها له، فقلت يا ~~أحمد: ما هذه المشية التي لم أكن أعهدها لك؟ فقال: هذه مشية الخدام في دار ~~السلام. فقلت: وما هذا التاج الذي أراه على رأسك؟ فقال: إن ربى عز وجل ~~أوقفني وحاسبني حسابا يسيرا، وكساني وحباني وقربني، وأنا أنظر إليه، وتوجني ~~بهذا التاج وقال لى: يا أحمد هذا تاج الوقار توجتك به، كما قلت: القرآن ~~كلامي غير مخلوق. ### | 31 فصل في أحوال الميت من وقت نفخة الصور إلى حين الاستقرار في الجنة أو النار # قد أشرنا إلى أهوال القبر، وأشد من ذلك نفخ الصور والبعث والحساب ونصب # PageV01P400 # # الميزان والصراط، وهذه أهوال يجب الإيمان بها، وينبغى تطويل الفكر فيها، ~~وجمهور الناس لم يتمكن من قلوبهم الإيمان بالآخرة، ولو أن الإنسان لم يشاهد ~~توالد الحيوانات، ثم قيل له: إن صانعا يصنع من هذه النطفة القذرة مثل هذا ~~الآدمي المتصور العاقل المتكلم، لاشتد نفور طبعه عن التصديق بذلك، فخلفه ~~على ما قيل من العجائب، يزيد على بعثه وإعادته. وكيف ينكر ذلك من قدرة الله ~~تعالى وحكمته من يشاهد البداية؟ فإن كان في إيمانك ضعف، فقوة الإيمان ~~بالنظر إلى النشأة الأولى، فإن الثانية مثلها وأسهل منها، وإن كنت قوى ~~الإيمان بها، فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار، وأكثر فيها التفكير ~~والاعتبار، وليحثك ذلك على الجد والتشمير، وأول ما يقرع أسماع الموتى صوت ~~إسرافيل حين ينفخ ذلك في الصور، فصور نفسك وقد قمت ذاهلا مبهوتا شاخصا نحو ~~النداء. قال الله تعالى: {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون} [يس: 51]. # عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كيف ~~أنعم وصاحب الصور قد حنى جبهته، وأصغى بسمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ في ~~الصور فينفخ؟ " قال المسلمون: كيف نقول يا رسول ms343 الله؟ قال: قولوا "حسبنا ~~الله ونعم الوكيل، وتوكلنا على الله" ثم انظر كيف يحشر الناس يوم القيامة، ~~فيساقون بعد البعث حفاة عراة إلى أرض المحشر، وهى قاع ليس فيها ربوة يختفي ~~الإنسان بفنائها. # وفى "الصحيحين" قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم "يحشر الناس يوم ~~القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي". # ثم تفكر في ازدحام الناس، وقرب الشمس من رؤوسهم، وشدة العرق، مع ما في ~~القلوب من القلق. # وفى الحديث: "إن العرق يأخذ الناس على قدر أعمالهم". # وتفكر يا مسكين في سؤال ربك لك عن أعمالك بغير واسطة، فقد روى عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، ~~فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف، فآخذ ~~بيمينه وآخذ بشماله". # وعن أبى برزة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"لا # PageV01P401 # # تزول قدما عبد حتى يسأل: عن عمره فيما أفناه، وعن عمله فيما عمل فيه، وعن ~~ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه". # وعن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد ابن عمر رضى الله عنه، إذ عرض له ~~رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن الله عز ~~وجل يدنى المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول: ~~أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى ~~في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك ~~اليوم، قال: ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ~~{هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] أخرجاه ~~في "الصحيحين". # وفى "الصحيحين" من حديث أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: "يضرب جسر على جهنم فأكون أول من يجوز؟ ". # وفيهما أيضا، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يؤتى بالجسر فيجعل ~~بين ظهري جهنم، قالوا: يا رسول ms344 الله ما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليها ~~خطاطيف وكلاليب وحسك، يمر المؤمنين عليه كالطرف، وكالبرق الخاطف، وكالريح، ~~وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا". ### | 32 ذكر جهنم أعاذنا الله منها # (1) # عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوما، فسمعنا وجبة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أتدرون ما هذا؟ ~~قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفا، فالآن ~~انتهى إلى قعرها" رواه مسلم. # وفى "الصحيحين" عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من نار ~~جهنم، PageV01P402 # # قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة ~~وستين جزءا، كلها مثل حرها". # وفى أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ~~ألف ملك يجرونها". # وعن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: يلقى على أهل النار الجوع، فيعدل ~~عندهم ما فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا ~~يغنى من جوع، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون ~~الغصة بالشراب، فيستغيثون بالشراب، فيغاثون بالحميم، ينالونه بكلاليب من ~~حديد، فإذا دنا منهم شوى وجوههم، وإذا دخل بطونهم قطع ما في بطونهم، ~~فيطلبون إلى خزنة جهنم، أن {ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} فيجيبونهم ~~{قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 49] فيقولون سلوا مالكا: فيقولون {يا مالك ~~ليقض علينا ربك} فيقول: {إنكم ماكثون} [الزخرف: 77] فيقولون: {ربنا أخرجنا ~~منها فإن عدنا فإنا ظالمون} فيقول عز وجل {اخسئوا فيها ولا تكلمون} ~~[المؤمنون: 107 - 108] فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الشهيق ~~والويل والثبور. # وتفكر في حياتها وعقاربها، ففى الحديث: "إن حياتها ms345 أمثال أعناق البخت، ~~وعقاربها كالبغال الموكفة". # وعن الحسن: أن النار تأكلهم كل يوم سبعين ألف مرة ثم يعودون كما كانوا. # واعلم: أن صفة جهنم تطول، وأيسر اليسير من ذلك ينبغي أن يكفى في التخويف، ~~فإن كنت مؤمنا بهذا فانتبه لنفسك، وخف ما بين يديك، فإن الله لا يجمع على ~~عبد خوفين، ولسنا نعنى بالخوف رقة النساء فتبكى ساعة ثم تترك العمل، وإنما ~~نريد خوفا يمنع عن المعاصي، ويحث على الطاعة، فأما خوف الحمقى الذين ~~اقتصروا على سماع الأهوال، وأن يقولوا: استعنا بالله، نعوذ بالله، يا رب ~~سلم، وهم مع ذلك مصرون على القبائح، والشيطان يسخر بهم كما يسخر ممن قصده ~~سبع ضار وهو إلى جانب حصن فيقول: أعوذ بالله من هذا، وهو لا يدخل الحصن ولا ~~يبرح مكانه. # PageV01P403 # ### | 33 [فصل في محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم] # وكن في الدنيا محبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حريصا على تعظيم ~~سنته، لعله يشفع فيك في الآخرة، فإن له شفاعة يتقدم فيها على الأنبياء ~~كلهم، ويسأل الله في أهل الكبائر من أمته فينجيهم، واستكثر من الإخوان ~~الصالحين، فلكل مؤمن شفاعة، ولا تحملنك العزة على التواني وتسمى ذلك رجاء، ~~فإن من رجا شيئا طلبه، واحترز من المظالم، فإن من كانت عليه مظالم ومات قبل ~~ردها، فإن غرماءه يحيطون به يوم القيامة فهذا يقول ظلمني: وهذا يقول: ~~استهزأ بى، وهذا يقول: أساء جواري، وهذا يقول غشنى، فلا خلاص لك من أيديهم، ~~فإذا توهمت الخلاص قيل: لا ظلم اليوم. # وعن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يخلص ~~المؤمنون يوم القيامة من النار، فيسحبون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص ~~لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في ~~دخول الجنة". # وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~"أتدرون ما المفلس"؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: "إن ~~المفلس من ms346 أمتي من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم، وقذف ~~هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من ~~حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم ~~طرح في النار". # وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال "لتؤدن ~~الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". # وهذه الأحاديث كلها في الصحاح، فانظر وفقك الله إلى بعد سلامة حسناتك ~~لدخول ما يبطلها عن الرياء والغيبة، فأن سلمت أخذها الخصوم، فتيقظ لنفسك، ~~ولا تفرط في أوقاتك، فإن المسكين من آثر لذة متقطعة، واشترى بها عذابا ~~شديدا دائما نسأل الله السلامة والتوفيق. # PageV01P404 # ### | 34 ذكر صفة الجنة نسأل الله العظيم من فضله # عن أبى هريرة رضى الله عنه قلنا: يا رسول! حدثنا عن الجنة، وما بناؤها؟ ~~قال: "لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ ~~والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد يموت، لا تبلى ~~ثيابه، ولا يفنى شبابه". # وفى حديث أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوما ~~وذكر الجنة: "ألا مشمر لها؟ هي ورب الكعبة ريحانة تهتز، ونور يتلألأ، ونهر ~~مطرد، وزوجة لا تموت، في حبور ونعيم، ومقام في أبد" فقالوا: نحن المشمرون ~~لها يا رسول الله، قال: "قولوا: إن شاء الله" (1). # وفى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: "إن الله عز وجل ~~قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر". # وفيهما أيضا من حديثه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أول ~~زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد ~~كوكب درى في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، ~~أمشاطهم الذهب، وريحهم المسك، ومجامرهم الألوة الألنجوج (2)، أزواجهم الحور ~~العين، على خلق رجل ms347 واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء". وفى ~~رواية أخرى: "لكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، ~~لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا". # وعن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما ~~فيهما، وما بين PageV01P405 # # القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". ~~أخرجاه في "الصحيحين". # وفيهما من حديث أبى موسى أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن ~~في الجنة لخيمة من درة مجوفة، عرضها ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل ما ~~يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن". # واعلم: أن الله تعالى ذكر نعيم الجنة مبسوطا في مواضع القرآن، ثم جمعه في ~~آيات. منها قوله تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} [الزخرف: ~~71]. وقوله: {لا يبغون عنها حولا} [الكهف: 108] ثم زاد على ذلك بقوله: {فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17]. # صفات الجنة كثيرة اقتصرنا منها على هذا. # وأفضل ما ينال في الجنة رؤية الله تعالى. وفى "الصحيحين" من حديث أبى ~~هريرة رضى الله عنه أنه قيل: يا رسول الله! هل نرى ربنا؟ فقال: "فهل تضامون ~~في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه يوم ~~القيامة كذلك" ### | 35 باب في ذكر سعة رحمة الله تعالى # نختم الكتاب بذكر سعة رحمة الله عز وجل، نرجو بذلك فضله، إذ ليس لنا ~~أعمال نرجو بها العفو، لكن نرجو ذلك من رحمته وكرمه، قال الله تعالى: {قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53]. # وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"لما قضى الله عز وجل الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش، ms348 إن رحمتي غلبت ~~غضبى" أخرجاه في "الصحيحين". # وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن ~~لله عز وجل مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والهوام ~~والبهائم، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على أولادها، ~~وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة". # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن ربكم ~~تبارك وتعالى رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت ~~له عشر # PageV01P406 # # حسنات إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها ~~كتبت له سيئة واحدة أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله تعالى إلا هالك". # وعن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"يقول الله عز وجل: من عمل حسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة، ~~فجزاء سيئة مثلها أو أغفر، ومن اقترب إلى شبرا اقتربت إليه ذراعا، ومن ~~اقترب إلى ذراعا اقتربت منه باعا، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة". # وعن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا ~~أذنب ذنبا فقال: أي رب! أذنبت ذنبا فاغفر لى، فقال تبارك وتعالى: علم عبدى ~~أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فقد غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم ~~أذنب ذنبا آخر فقال: أي رب! عملت ذنبا فاغفره لى، فقال عز وجل: علم عبدى أن ~~له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدى. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ~~ذنبا آخر فقال: أي رب! عملت ذنبا فاغفره لى، فقال: علم عبدى أن له ربا يغفر ~~الذنب، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء". هذه الأحاديث كلها صحاح. # وفى "الصحيحين" من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قدم على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبي، وإذا امرأة من السبى تسعى، إذا وجدت ms349 ~~صبيا في السبى فأخذته، فألصقته ببطنها، فأرضعته، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ " قلنا: لا ~~والله. قال: "لله أرحم بعباده من هذه المرآة بولدها". # وفى "الصحيحين" من حديث أبى ذر رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا ~~دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق، وإن زنى وإن ~~سرق! وإن زنى وإن سرق" ثم قال الرابعة: "على رغم أنف أبى ذر". # وفيهما من حديث عتبان بن مالك رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: "إن الله حرم النار على من قال: لا إله إلا الله، يبتغى بذلك ~~وجه الله". # وفيهما من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من ~~الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في ~~قلبه من الخير وزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في ~~قلبه من الخير ما يزن ذرة". # PageV01P407 # # وعن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~"إذا كان يوم القيامة لم يبق مؤمن إلا أتى بيهودي أو نصراني حتى يدفع إليه ~~فيقال له: هذا مكانك من النار". # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: "إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، ~~فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا ~~شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يارب، فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت ~~الرجل فيقول: لا يا رب فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، ms350 لا ظلم عليك ~~اليوم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله، فيقول أحضروه، فيقول: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال: إنك ~~لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة. قال: فطاشت السجلات وثقلت ~~البطاقة، ولا يثقل شئ مع اسم الله عز وجل". # ونظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم يوم عرفة فقال: أرأيتم لو ~~أن هؤلاء صاروا إلى رجل يسألونه دانقا (1)، أكان يردهم؟ فقيل: لا فقال: ~~والله المغفرة عند الله عز وجل أهون من إجابة رجل لهم بدانق!. # وعن إبراهيم بن أدهم قال: خلا لى الطواف في ليلة مظلمة شديدة المطر، فلم ~~أزل أطوف إلى السحر، ثم رفعت يدي إلى السماء. فقلت: اللهم إنى أسألك أن ~~تعصمني عن جميع ما تكره. فإذا قائل يقول في الهواء: أنت تسألني العصمة، وكل ~~خلقي يسألني العصمة، فإذا عصمتك فعلى من أتفضل؟ # فهذه الأحاديث مع ما ذكرناه في كتاب الرجاء، تبشرنا بكرم الله تعالى وسعة ~~رحمته وجوده. ونحن نرجو من الله سبحانه أن لا يعاملنا بما نستحقه، وأن ~~يتفضل علينا بما هو أهله. ونحن نستغفر الله عز وجل من أقوالنا التي تخالف ~~أعمالنا ومن كل تصنع تزينا به للناس، وكل علم وعمل قصدناه، ثم خالطه ما ~~يكدره، فبكرمه نستشفع إلى كرمه، وبجوده نسأل من جوده، إنه قريب مجيب. # والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، ~~وكما ينبغي لكريم وجهه عز وجل. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. PageV01P408 ms351