######OpenITI# #META#Header#End# # ... ... ... صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة يجازي عنها الشكور. # وبعد : فإنه لما كانت السيرة طراز الدول، ومرآة يرى الناظر فيها أحوال ~~الملوك الأول، وشهادة على ما يحسن كل منهم أو يسيء فيه من قول وعمل ؛ وبها ~~يعلم الناس كيف تصمت الأيام وتصرفت، وبماذا جرت وتوقفت، وعلى ماذا أقبلت ~~عليه من خير وشر وتقفت ؛ فلم تخل دولة من الدول من مؤرخ يسطر أخبارها، ~~ويودع الصحف آثارها ؛ وكانت الدولة الشريفة، السلطانية، الملكية، الظاهرية، ~~الركنية - لا زالت في جبهة الدول غرة واضحة، وفي عقد الممالك درة لائحة ! - ~~قد فضلها الله على غيرها، وهيأ فيها من أسباب السعادة ما استدل كل أحد به ~~على خيرها ؛ وقد جمع الله فيها من النصرة والمعدلة والفتوحات ما لا جمعه ~~الدولة مثلها، [ وسخر ] لها من السعادة، وبلوغ الإرادة ما لا سخر لدولة كانت من قبلها، وجعلها [ حديثة يمشي به الناس ؟] ..... [ يتقن كل بالايناس ~~؟]...[ولم يخطر بباله يجرد سیفة المجالدة، ولا يربط فرسا إلا طرب، لا ~~لمجاهدة ؛ ولم يبق أحد إليه بالنصر يشار، PageV01P045 ولا ملك يتوهم أن ~~ستكون للمتقين عقبى الدار ؛ فبعث الله السلطان مقوية عزائم أهل الإيمان، ~~ومشجعة هممهم، ومثبتة أقدامهم، ورافعة علمهم ؛ فكانت آراؤه من أكبر أسباب ~~النصرة، وإقدامه وقدومه من أعظم دواعي الفتوحات، التي جاءت من تخاذل الملوك ~~على فترة ؛ وترتب على ذلك كل نصر عزیز، وفتح وجيز، وحرز للأمة حريز ؛ وكان ~~ما سيذكر في مكانه، ويستقصي في بيانه - وجب أن تسطر سيرتها لتبقى على ممر ~~الأيام، وتكتب حسناتها، وإن كانت قد كتبتها الملائكة الكرام. وكان المملوك ~~الأصغر مشاهدها سفرة وحضرة، ومعاينة لا خبرة، والمطلع على غوامض أسرارها، ~~وتسطير مبارها . # خدمت الخزانة المعمورة بجمع هذه السيرة ....... [ بيد ]اعها كل حسنة، ~~وتضمينها كل مكرمة، لا يحتاج بيانها ....... عيانا فنقلته، ومنه ما سألته ~~......................... والسائس الذي أجرى الأمور على أحسن الأوضاع. # وها أنذا أذكر كل شيء منه في موضعه، وأبينه في مكانه، وأجلوه عن عين ~~الناظر ومسمعه، وأثبته في مكانه وأوقعه. والله ولي التدبير، وإياه أسأل ~~إجمال التأثير، ms001 بمنه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل ! # هذا السلطان، الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبر س بن عبد الله ~~الصالحي النجمي، تركي، برلي الجنس، تنقلت به إلى السعادة همته العالية، ~~ووصلته إلى المواطن الشامية، فاختص بالسلطان الشهيد الملك PageV01P046 ~~الصالح نجم الدين أيوب بن الملاك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل ~~سيف الدين أبي بكر بن أيوب - رحمهم الله أجمعين ! - وهو الملك الذي فاق ~~الملوك، وسلك في المهابة والعفة أحسن السلوك، ولم يشر قبله ملك حاز ما حاز ~~من الوقار، ولا جمع لغيره ما جمع له من الفخار، ولا احتمی ملك بما احتمی به ~~من الأنصار ؛ تهذب بأخلاقه، وتعلم من شريف أعراقه، واستفاد منه حسن السجايا ~~الملوكية وتعلمها، والتهم المزايا المرضية وتفهمها، وكان فيه استعداد انطبع ~~فيه تلألؤ تلك الأنوار المضيئة، وقبول تلقي عدوی كذا تلك الأخلاق الرضيئة، ~~فسمت إلى ترقي منازل الملك نفسه، وصدق في طلب حياطة الخلائق حدسه؛ وكانت ~~السلطنة في وجه أفعاله تلوح، والفراسة بما سيجعله الله منها تبوح. ولم يزل ~~من أكبر جمدارينه ؟ الخواص، وأوليائه الذين لهم به أعظم اختصاص، حتى انتقال ~~السلطان الشهيد إلى جوار ربه، وخصه الله بشریف تر به، فأقام السلطان الملك ~~الظاهر بين خشداشيته كالشمس بين الكواكب الزاهرة، وكالأسد بين الأشبال ~~الخادرة، يتدرب في غزو الكفار، ويديم الجهاد" آناء الليل، وأطراف النهار، ~~لأن وفاة الشهيد كانت بالمنصورة عندما قصد الفرنج الديار المصرية في سنة ~~سبع وأربعين وستمائة، وذلك في ليلة الاثنين منتصف PageV01P047 شعبان من ~~السنة المذكورة ؛ ففعل في الجهاد ما وصلت همته إليه، وجاهد في الكفار جهادة ~~أثابه الله عليه. # واتفق حضور الملك المعظم وجلوسه في دست المملكة، وخدمه مماليك والده كلهم ~~أتم خدمة، وبذلوا له ما يستحقه مثله من أولياء النعمة ؛ اعتقادا منهم أن ~~ذلك فيه يفيد، أو أنه يأتي برأي سديد، وفعل رشيد ؛ فشرع في تقديم من معه من ~~الأطراف والسفل، وأخذ أمره في استعجال قاده إلى الوهل ؛ فصار يتوعد مماليك ~~والده، الذين رباهم كأولاده، بقطع الأخباز، ونهب الأموال ؛ وكتبت ms002 ~~مناشير ا كثيرة ما سمي فيها اسم أحد، إلا خليت مواضع الأسماء ليجعل مكان كل ~~واحد من أمراء والده واحدة من غلمانه الأطراف الأوباش ؛ وصار يقدم قومة ~~الاخلاق" لهم، ومن جملتهم عبد أسود، نوبي الجنس، جعله أمير جانداره ، ~~وأقطعه الإقطاعات العظيمة، وأفاده النعم الجسيمة ؛ وغيره من العبيد الخدام، ~~الذين هم كالأنعام ؛ ولم يرع لأمراء والده ومماليكه فضل التربية، ولا حقوق" ~~الخدمة، ولا ما قاسوه معه في بلاد الشرق، وصبروا عليه من ملازمة الفاقة، ~~ومداومة التعب، ولا كونهم حموا رأسه عند وصوله PageV01P048 إلى مصر من ~~الأعداء، ولا كونهم كسروا الفرنج في نوبة غة، وفتحوا له دمشق وطبرية، ~~وعسقلان. # ولم يفد كل ذلك عنده، وشرع في فساد الأحوال، وإعطاء من لا يستحق، وإحرام ~~من يستحق ؛ ويتوعد من لا ذنب له، ويغري الناس بالناس، وكان ذلك في وقت لا ~~يحتمل مثل هذه الأمور. واتفق ما قدره الله سبحانه وتعالى من هروب ريدا ~~فرنسا وجماعة الفرنج، وركوب الناس خلفه ؛ والملك المعظم لا تحدثه نفسه ~~بركوب فرس القتال، بل إنه ركب في مركب على صورة متفرج، وكان الواجب عليه ~~الركوب، واجتماع الناس عليه، وإظهار الشهامة والصرامة، والإحسان إلى من رآه ~~بذل نفسه في سبيل الله، واقتحم المهالك، لأن الناس إذا رأوا ملكتهم قد ثبت ~~جأشه، وأعطى من أظهر شجاعة، تشبهوا من بعضهم البعض، وقاتلوا، هذا لله ~~وللدين، وهذا للشكر والثناء، وهذا للإقطاعات والعطاء. فرحم الله المسلمين، ~~ونصرهم على عدو الدين، وأسوا ريدا فرنس، وجماعة من الفرنج. وبقيت دمياط في ~~يد الكفر، وهو لا يرجع عن ذلك التخليط، وزاد في تغليث قلوب الناس. فلما رأى ~~السلطان الملك الظاهر هذه الأمور القبيحة، والأسباب التي هي من أكبر فضيحة ~~؛ وبلغه. سوء اعتماده في حق حريم والده السلطان الشهيد، الذين كانوا عنده ~~في حصن کیفا ، وما تجرأ عليه من PageV01P049 الفتك بجدته والدة السلطان ~~الشهيد، عندما أنكرت عليه أمورة لا ترضي، على ما ذكر. وصار الملك المعظم ~~يتنقص والده، ولا يرضى عن شيء من فعله، ولا يحلف الا بتربة الملك ms003 ~~الكامل جده. وآل الأمر به إلى أن صار يبسط السجادة، ويقوم يصلي وهو على غير ~~طهارة، وتدخل إليه الكيزان مملوءة خمرة على أنه ماء، ويشرب ذلك بحضور الناس ~~؛ ويكون جالسة صاحية، فيتفكر ساعة، ويشقق ثيابه بغير سببا - غار السلطان ~~بخوشداشيته، وعلم أن الملك المعظم المذكور لا يتأتى منه خير، ولا يجي منه ~~ملك يقيم منار بيته، وتبقى كلمة السلطنة باقية في عقبه ؛ وأنه متى اطمأن، ~~وأمن، أهلك الحرث والنسل، وبدد الشمل ؛ وأدی ذلك إلى انقراض الدولة ~~الصالحية، وهلاك أمرائها في الحبوس، وأخذ أموالهم وإعطائها لغيرهم من شيعته ~~الأوباش ؛ فوثب هو وجماعة من خوشداشيته عليه، وثبة الأسد المفترس، وانصبوا ~~إليه انصباب الستيل المحتبس ؛ فكان ما قدره الله من انتقاله. وللوقت اجتمع ~~الناس، واتفقوا ولم يرق دم آخر، وسكنت الفتنة، وطابت القلوب. ولما رأى ريدا ~~فر نس ما جرى خاف على نفسه وستم دمياط، ودخلت العساكر إلى القاهرة، وانعكف ~~الناس على خدمة السلطان، وقامت له المهابة في قلوب العالم. PageV01P050 ### | ذکر خروجه للعربان # لما دخلت العساكر إلى القاهرة من المنصورة بعد أن جرى ما ذكرناه، مال ~~عربان الصعيد إلى الفتنة، ونهب البلاد، وحشدوا الحشود ؛ فجرد عسكر إلى ~~جهتهم، وخرج السلطان في جملة من خرج. وكانت حشود العربان ثلاثة عشر ألفا من ~~فارس وراجل، والسلطان وجماعته في مائي فارس - وذلك ما خبرني به السلطان - ~~فالتجأ السلطان إلى دهروطا، فقام أهلها بنصرتيه، وأحسنوا في خدمته ؛ وأقام ~~إلى تكامل العسكر المذكور، وهو مائتا فارس ؛ ثم ساق فأوقع بالعر بان أشد ~~التكال، وأرمل الحلائل ؛ وفتك بالرجال، وهجم بنفسه على ابن حاتم المقدم ~~فقتله، وأحضر رأسه على رمح، فكسر شوكتهم، وبدد زمرتهم. ولما رد الله إلى ~~السلطان أمر المملكة أحسن إلى أهل دهروط، وكتب لهم بالمسامحات والعطايا، ~~ورعي لهم تلك الحرمة، ولم تضع عنده تلك الخدمة. ### | ذكر ما فعله السلطان مع الملك المعز، وما فعله الملك المعز في حقه # لما جرى في المنصورة ما جرى اتفق الناس على أتابكية PageV01P051 الأمير عز الدين التركماني الصالحي، وأن يكون ~~الرأي والتدبير ms004 لوالدة خليل، ولد الملك الصالح، لأنها كانت تعرف ~~أخلاقه، ومنازل" أمرائه ومماليكه، فأقام الأمر على ذلك مدة، فداخلت الأمير ~~عز الدين الطمعة في المملكة، وتسمى بالملك المعز، وتسلطين، ثم خاف فرجع عن ~~ذلك، وبقي اللقب له. # وصار يقدم جماعة خلف جماعة، ويداري في الظاهر، ولا يجسر إلا على إظهار ~~التبعية، والتسمي بالأتابكيتة. هذا والسلطان والأمير فارس الدين أقطاي يشد ~~ان منه غاية الشدة، ويرد ان أعظم رد ؛ ويمنعانه من كل متعرض، ويحميانه من ~~كل متغرض ؛ ويردعان عنه كل صائل، ويجاوبان عنه كل قائل ؛ وهما سيلفاه إذا ~~صال، وجناحاه إذا جال، ويداه إذا قارعة العيدي، ومثبتاه إذا خار من الدي ؛ ~~وهو يضمر لهما ولحوشداشيتهما الغدر في قلبه، ولا يخفى ذلك على السلطان ؛ ~~وأخذ في تحذير الأمير فارس الدين وتخويفه ؛ وكان الأمير فارس الدين يدل ~~بشجاعته وبكر مه وإحسانه إلى الناس، ومحبتهم له. فلما كان يوم الأحد طلب ~~الأمير فارس الدين فحضر، وحضر السلطان الملك PageV01P052 الظاهر إلى ~~القلعة، وكان الملك المعزة قد قرر مع الأمير سيف الدين قطز، مملوكه، وجماعة ~~من مماليكه وأمرائه، قتل فارس الدين ؛ فلما حضر السلطان" معه لم يجسر أحد ~~عليه، وعلموا أنه لا قبل لهم به، وأن يقظته لا تجوز عليها المكائد، ولا ~~تنصب عليها حبال المصائد ؛ فلم يبق لأحد منهم يد يقبضها على سيف، ولا عقل ~~يدري به أين ولا كيف ؛ فقدوا ساعة، فركب السلطان الظاهر والأمير فارس الدين ~~ونزلا ؛ فاجتمع السلطان بالأمير فارس الدين وحذره، واجتمع الملك المعز ~~بمماليكه، وتوعدهم وجزاهم ؛ ثم سيتر خلف الأمير فارس الدين يطلبه لهم قد ~~اتفق، ورأي يستشيره فيه ؛ فحسب السلطان الحساب، وخوفه، فأبى إلا الرجوع، ~~ولكل أجل كتاب . وعاد إلى القلعة، وتم السلطان على حاله محترزا على نفسه، ~~فلم يكن أكثر مما دخل الأمير فارس الدين إلى قاعة العمد بالقلعة، وقام منها ~~إلى قاعة أخرى وإذا بالأمير سيف الدين قطز قد ضربه بالسيف وهو غافل، وأعانه ~~بقية الجماعة، وقتلوه غدرة في دهلييز ضيق، وكتم الأمر إلى المغرب . PageV01P053 # وبلغ السلطان أن ms005 أمرا جرى في القلعة لم يتحقق ما هو، فقطع بقتل ~~الأمير فارس الدين، ولوفته ركب، واجتمع اليه خوشداشيته، وجماعة كبيرة، وجعل ~~كل أحد يشير برأي، ولا يتفق أحد مع أحد، إلا انقسمت الآراء، وتفرقت الأهواء ~~؛ وصار هذا قلبه في أهله وأولاده، وهذا خاطره في اقطاعه أو ملكه، وهذا يقول ~~: « مالي ذنب أهرب منه ». وهذا يقول : « أنا فعلت مع الملك المعز خيرة لا ~~بد وأن يكافيني عنه ». وأظلم الليل، وضاقت المدة عن اعتماد حيله، وعلم ~~السلطان أنه إن أصبح الصبح تفرق من بقي إلا القليل، ولم يجد إلى الخلاص من ~~سبيل؛ فساق في جماعة من أهل النجدة، يتبعونه في الرخاء والشدة، وأصبح الصبح ~~فلم يقع أحد له على خبر، ولا رأي أحد له عينة ولا أثرا. وأصبح كل متأخر عنه ~~يؤخذ وينهب، وتهتك حرمته وحريمه ويسلب ؛ والحاضر يقيد، والغائب پز سل خلفه ~~فيمسك ويخشب ؛ فامتلأت بهم الحبوس والأجباب، وتعاون عليهم من كانوا يعتمدون ~~عليه من الأصحاب ؛ فكأنما كان السلطان - مد الله ظل سلطانه ! - سورة حصينة، وحصنة مانعة، وسیاجة ~~وافية، وحرزا حريز ) ؛ فلما زال ظله - لا تلتصه الله ! – أحرقتهم شموس ~~الحتوف، وحل بهم كل أمر مخوف ؛ وطمع فيهم كل من كان لا يدفع عن نفسه، وتجاسر عليهم كل من كان لا يتجاسر أن يكلم أحدا منهم ~~بكلمة. وصارت الأرض لا تسع الهارب، ويود كل منهم لو قبير حيا حتى يستريح من تلك الذلة، وذلك الخوف ؛ واستغني ~~بأموالهم كل فقير، وسكن أملاكهم ودورهم كل طريد، ولم يظن أحد منهم أنهم ~~تقوم لهم قائمة، وما سبب ذلك إلا تهاونهم في PageV01P054 مصالحهم كما يخادع ~~الضبع إذا قيل له أم عمرو نائمة. وعند ذلك تسلطن الملك المعز. ### | ذکر وصول السلطان إلى الشام # لما وصل السلطان إلى الشام تلقاه الملك الناصر صلاح الدين ابن الملك ~~العزيز، صاحب دمشق وحلب، وأكرمه وأكرم من وصل معه من الأمراء خوشداشيته. ~~وتسلسل الهاربون من البحرية إلى السلطان، فجمع شملهم، وصارت لهم به صورة ~~عظيمة، وصار إليهم بالشجاعة يشار، ولمملكة الشام به ms006 أعظم افتخار ؛ ~~فحسنوا لهم قصد الديار المصرية، فخرج عسكر الشام، وهو لا يستطيع إقدامة ولا رجوعة. # هذا والأمير عز الدين الأفرم الصالحي وجماعة من خشداشيته في الصعيد قد ~~فتحوا الكثير من البلاد، واستولوا عليها، وخطبوا للملك الناصر فيها ؛ ~~وكتبوا إليه يعلمونه بهذه الأمور ويجسرونه ؛ والملك الظاهر وجماعة البحرية ~~يعضون أناملهم من الغيظ، ويأكلون أيديهم من الغيينة ؛ ولا يمكنهم يجمعهم ~~القليل مصادمة عسکر مصر، ومعاداة عسكر الشام، فصبروا بغير الاختيار، وقعدوا ~~وفي قلوبهم النار، إلى أن وصل الشيخ نجم الدين عبد الله البادراي، رسول ~~بغداد، فأصلح بين PageV01P055 الملك الناصر وبين الملك المعز، ورجعت عساكر ~~الشام وصحبتها الملك الظاهر وخوشداشيته، فاشتغل الملك الناصر عنهم، وفترت ~~همتهم في الإحسان إليهم، وصارت نقود هم تنكسر الأشهر الكثيرة، وضاقت ~~بالسلطان الأحوال، لأن الجميع كانوا من عيلته، ولا يسع الاختصاص عنهم، حتى ~~لقد بلغني أن الملك الناصر مسأله في بعض الأيام أن يأخذ مستحقه - وهو جملة ~~كبيرة - ويأخذ خوشداشيته البعض، فقال : « أعطوا خشداشيتي وخلوني أنا، أو ~~اعطونا جميعنا !». # وشاهد الملك الظاهر أن تلك العهود تغيرت من الملك الناصر. وصار الملك ~~المعز هادي الملك الناصر، ويخوفه من السلطان وخوشداشيته، ويكتب على ألسنتهم ~~المكاتبات الباطلة ؛ ففهم ذلك الملك الظاهر، وتحقق أنه إن لم يخرج من باب ~~حيلة دخل عليه من أبواب. وكانت نابلس إقطاعه، فطلب دستورة يروح إليه، ~~فتوجه. وكانت جماعة من خوشداشيته مقطعين بغزة والساحل، فأخذهم وتوجه إلى ~~الكرك، وصحبته الأمير سيف الدين قلاون الألفي، وعز الدين أو غان الركني ~~وغيرهما. وصادفهم في الطريق خلق من التجار، ومن جملتهم تجار الملك الناصر، ~~وصحبتهم متاجره، فما من السلطان أحدة يتعرض إلى شيء من ذلك، حتى أن أحد ~~خوشداشيته الكبار تعرض إلى بعض التجار للملك الناصر فأنكر السلطان ذلك ~~عليه، وضربه بالسيف ورد المال" لمن كان معه ؛ ولم يمكن أحدة من التعرض إلى ~~شيء من ذلك .PageV01P056 ### | ذکر خروج السلطان إلى الكرك، وانفصاله عن الشام، وقصد الديار المصرية مرتين ورجوعه لما جرت للسلطان في الشام هذه الأمور سار إلى جهة ms007 الكرك، هو والجماعة ~~المذكورون، فتلقاه صاحبها الملك المغيث، وتسامع خوشداشيته به، وقصدوه من كل ~~جهة، هم وغيرهم ؛ فرتب السلطان أمور الكرك وجعل لصاحبها حرمة في قلوب ~~الناس. ثم تجهز بعد مدة في جماعة من خوشداشيته وغيرهم، وعدهم سبعمئة فارس - ~~منهم ثلاثمائة مقاتلة - وقصد الديار المصرية، وفعل ما لا فعل غيره، وهجم ~~على الديار المصرية، وفيها العساكر العظيمة، ولم يعلم به إلا وقد تعدى ~~العريش، فخرجت العساكر من مصر صحبة الأتاباك فارس الدين أقطاي والأمير سيف ~~الدين قطز ؛ فلما التقوا جال السلطان بين الصفوف ؛ وكان معه طبل باز، امارة ~~بينه وبين أصحابه، فلم يبق مكان إلا وحس الطبل باز يسمع منه، تارة يمينا، ~~وتارة يسارة ؛ وهجم إلى أن وصل السناجق، فقطعها، وكسر الرماح، ورمي النقار ~~اتية، وبدد الجموع، وفعل ما لا فعله عنترة العبسي PageV01P057 ولا غيره من ~~أبطال الجاهلية والإسلام. ولما اشتفي قلبه بعض التشفي، وشاهد كثرة العساكر ~~رجع كما قال الشاعر : # لا يركنن أحد إلى الإحجام %~% يوم الوغى متخوفة لحمام # فلقد أراني للرماح درية %~% من عن يميني مرة وأمامي # حتي خضبت بما تحدر من دم %~% أكناف سرجي أو عنان لجامي # ثم انصرفت وقد أصبت ولم %~% أصب جذع البصيرة قارح الأقدام » # ووسار السلطان في ثلاثة أنفس بغير زاد، إلا يأكلون الشعير، ويستفون ~~الدقيق. وأقام ثلاثة أيام ما أكل شيئا، ووجد قطعة سكر فلم يجد شيئ يذيبها، ~~فجعلها في فمه وبلها بريقه. ولما وصل منزلة أعوج كاد يهلك عطشة، فأرسل الله ~~سبحانه فيها مطرة غرقت الأرض ولم يكن مع السلطان ما يشرب به، والأرض رمل لا ~~يجتمع فيها ماء، فوجد السلطان مكان حافر فرسه قد اجتمع فيه ماء، فشرب منه، ~~ووجد يسير تبن في مكان لو كانت فيه جبال رمال أذهبتها الرياح، كأن الله ~~أرسله له، رفقة به ولطفا. فنزل السلطان وشكر الله، وجعل ذلك في طرف قبائه، ~~وأطعم فرسه، وكان ذلك سبب السلامة. # ولما استقر بالكرك توالى الناس من كل جانب، وتوافدوا عليه من كل جهة، ~~فاجتمع عنده في أيام قلائل ms008 ألف وخمسمائة فارس من الأمراء وغير هم مثل ~~الأمير ركن الدين الصيرفي، والأمير بدر الدين بلغاق الأشرفي، وجماعة مثل ~~الأمراء أولاد برکه خان وغيرهم، وعز الدين الحموي الصالحي، وجمال الدين ~~هارون التيمري، وعز الدين بن خان بردی، وعلم الدين الكبش، وسنقرجاه الغرسي، ~~وعز الدين الحواش، وسيف الدين تتكياجكا، وسيف الدين بلجي، وحسام الدين بن ~~أطلس خان، PageV01P058 وجمال الدين أقوش السلاح دار، وحسام الدين الأصبهاني ~~الصالحي، وجماعة كبيرة. وصارت الجماعة بعد الجماعة يصلون إليه من القاهرة ~~المحروسة، فاحتمت عنده جماعة كبيرة ؛ فأحسن إلى جمعهم، وتلقاهم بالإحسان، ~~وأخذهم ووصل بهم غزة، ثم ركب السلطان على خيل البريد، وساق إلى الكرك، وحسن ~~لصاحبها النزول، والاختلاط بالعسكر، فنزل صحبته وسارا حتى وصلا غزة. وكان ~~الأمير عز الدين الرومي الصالحي قد تخيل في مصر أمورا أوجبت مسيره إلى ~~جهتهم، فاجتمعوا كلهم وساروا. # وبلغ العساكر المصرية، فخرجت صحبة الأتابك، والأمير سيف الدين قطز، ~~فالتقوا على الصالحية، وكان قد فقدت جماعة من الحلقة ، فبينا السلطان فيما ~~هو فيه من كر وفر، إذا بالعساكر المصرية قد أقبلت، والعساكر الكركية قد فرت ~~وقفلت، بعد ما كانت کرت ؛ فلم يمكن السلطان إلا اتباعها، فساق وعليه واقية ~~باقية من شجاعته، وحصن حصين من بسالته وكان الله - سبحانه ! - قد أخر هذا ~~الفتوح ليكون. اليه مصيره، ولديه تقديره. # حكى السلطان قال : «لما توجهنا إلى غزة فسدت النيات وتغيرت، PageV01P059 ~~وحصل اتفاق جماعة على أنهم يلعبون بالسيف في بعضهم البعض، فتضرعت إلى الله ~~- تعالى ! - في أن لا ينصرنا، وأن يهلك الجيش الذي ينوي الغدر والفساد، ~~وسألت الله أن يرمي الكسرة علينا، وأن أكون أنا أسلم. فكان ما قدره الله - ~~تعالى ! - ورجع السلطان إلى الكرك سالم، وقد سكنت مهابته القلوب، وضربت به ~~الأمثال في حسن الدخول في الحروب والخروج منها. # ولما وصل إلى الكرك ما مكنه صاحبها من الدخول عليه، وقال : « ينزل في ~~الثنية هو وخشداشيته ». فقال السلطان له : «آن کنت ما أصلح لخدمتك أنا ~~التقيا استاذة أخدمه ». فخاف الملك المغيث من هذا القول، وطيب. قلبه. ms009 # وأخذ السلطان في جمع من عنده من خشداشيته، وذلك في سنة سبع وخمسين، وأغار ~~على الغوريات والساحليات، حتى وصلت الغارة إلى قریب دمشق. وسير الملك ~~الناصر عسكرة إلى غزة، مقدمه الأمير مجير الدين بن أبي زكرى، فهز مهم، وأسر ~~الأمراء، ونهب ذلك العسكر، وكانت عدته ألفي فارس، والسلطان وجماعته في ~~ستمائة فارس، منهم ثلاثمائة مقاتلة، منها سبعون فارسة سنجقية. فحمل عسكر ~~الشام على جماعة السلطان فانكسرت ميمنتهم والميسرة، ولم يبق إلا السنجقية، ~~وهم سبعون فارسا، فحملت على معسكر الشام فكسرته، وقتل این در باس، وأسر ابن ~~أبي زكري وغيره ؛ وأبيعت البطيقه بفرس في غزة. # ووصل المنهزمون إلى دمشق، فخرج الملك الناصر بنفسه إلى هذه الجماعة ~~PageV01P060 البحرية، ونزل ببركة زيزا ؟، وطالت إقامته هناك، حتى ملت منه تلك البراري ~~والقفار، وضجر منه سواد الليل وبياض النهار، ولم يقدر على فرصة ينتهز ها. ~~ولا غنيمة يحرزها ؛ فتنوع في استمالة الملك الظاهر واستعطافه، ووعده ~~بالإحسان، وضاعف له الاقطاعات ؛ وفهم السلطان تغير الملك المغيث، وأنه ربما ~~ما عليه وعلى البحرية في الباطن، وأنه يتقرب إلى الملك الناصر بإمساكهم ؛ ~~وكذلك فعل بعد انفصال السلطان على ما سيذكر ؛ وبلغ السلطان ما العدو ~~والتتار عليه من قصد بلاد الإسلام فحضر الملك الناصر، فبالغ في السرور به، ~~والانتصار بحزبه، وصالح صاحب الكرك على من عنده من البحرية، فسلمهم ورجع ~~الملك الناصر إلى دمشق، والسلطان صحبته، ومن قبض عليه صاحب الكرك من ~~البحرية تحت الحوطة. وهذا دليل على أن السلطان هو مادة سعادة البحرية، ومن ~~خالفه ندم، ومن بعد عنه حرم. # وتوالت أخبار العدو بقصد الشام، وصار كل أحد لا تحدثه نفسه إلا بالهروب، ~~والسلطان يعرض نفسه على الملك الناصر، ويقول : «لو جهزت معي عسكرة فيه ~~ثلاثة آلاف فارس سقت إلى العدو، إلى المكان الذي هم فيه ». وكان الخبر أنهم ~~على بالس، وأنهم في ثمانية آلاف فارس، فلم PageV01P061 يقبل ذلك منه، ولم ~~يزد الملك الناصر دعاء الناس إلا فرارا، ولا نصحهم إلا نفارا. # وخرج الملك الناصر فنزل إلى برزة، وجعل ms010 يتشاغل فيما لا يفيد، ويضيع أوقاته بعمل شعر أو سماع قصيد ؛ وكان الواجب عليه في مثل تلك الحالة ~~أنه يقسم أوقاته بين رماح تقوم، وأجناد تستخدم، وسيوف تصقل، وجواشن تعمل، ~~وخيول تنقل، وعساكر تجرد، وسهام تسدد، وطلائع تبعث إلى العدو، وعيون تسير ~~في الرواح والغدر، وأموال تنفق، وأنعام تطلق ؛ فلما رأى مماليكه أن أحواله ~~لا تسفر عن صلاح، ولا تقبل على فلاح، عزموا على إمسا که مرارة . # وصار الملك الناصر يتوهم في جميع مماليكه السوء والغدر ؛ وتخيل من كل ~~أحد، وحضر إلى السلطان من أوهمه منه ونفره عنه ؛ فخرج جريدة، ووصل إلى ~~نابلس. واتفق خروج المماليك الناصرية، وجماعة من العسكر هاربين، فوصلوا إلى ~~غزة، فوجد السلطان الشهر زورية، فامتزج بهم وخالطهم ؛ وكان العسكر المصري ~~الذي توجه نجدة للملك الناصر قد عزم الشهرزورية على اتلافه، فأعلم السلطان ~~الأمير جمال الدين النجيبي بذلك، فرجع العسكر المصري، وأقام السلطان بغزة. ~~حتى سيتر إلى الديار المصرية الأمير علاء الدين طیبر س الوزيري إلى الملك ~~المظفر سیف الدين قطز - رحمه الله ! – فاستوثق منه، وحضر إليه وصحبته جماعة ~~من خوشداشيته، فتحدث الملك المظفر معه في أمر الجهاد، فقوى نفسه، وثبت ~~جأشه. واتفق ما اتفق من خروج الملك الناصر من الشام بالعساكر، PageV01P062 ~~ووصوله إلى قطيا، ورجوعه منها، ووصول العساكر، وخروج الملك المظفر إلى ~~الصالحية ؟، فتحدث مع السلطان في الركوب، وقصد الشهر زورية ؛ وداخل الملك ~~المظفر الخوف من قصد العسكر الشامي، فركب السلطان ومعه جماعة، وسار ليله ~~كله حتى أشرف على الشهر زورية بمن معه ؛ فداخلهم الرعب، وفرق شملهم، وبداد ~~جمعهم، وتلاحقوا العساكر المصرية، فكسبوا وغنموا. وقتل مقدمهم الأمير نور ~~الدين حسن ابن بدل . وأصلح حال عسكر الشام عند الملك المظفر - رحمه الله ! -. ### | ذكر الخروج لغزاة التتار - خذلهم الله ! - # لما ورد عسكر الشام إلى الديار المصرية أوقع الله في قلب الملك المظفر ~~الخروج إلى الغزاة ؛ وصار يجتمع بالسلطان في هذا المعنى، فيشير عليه بما ~~فيه مصلحة الإسلام ؛ فخرج وصحبته العساكر، وذلك في العشر الأوسط من شعبان ~~سنة ثمان ms011 وخمسين وستمائة. وسار السلطان صحبته، يركب بركوبه، وينزل ~~بنزوله ؛ ولم يبق وجها من وجوه الخدمة إلا بذها السلطان له. وعبر على بلاد ~~الفرنج، واجتاز على عكا، ودخل الملك الظاهر مختفية PageV01P063 إلى عكا حتى ~~رآها. ولقد دخلت اليها صحبة الأمير فارس الدين الأتابك، وسمعت جماعة من ~~الفرنج يقولون : «یا مسلم ! أرونا فلانا » - يعنون السلطان. # ولما رحل العسكر مرحلتين من عكا ركب السلطان ومعه جماعة من الأمراء، ~~وساقوا بقية النهار والليل وطلع السلطان إلى الجبل الذي يعلو عين جالوت، ~~وأقام طول ليله، وهو ومن معه، على ظهور خيلهم جميع الليل، والتتار نازلون قريبة منهم. ورحل الملك المظفر والعسكر، ~~ولا علم عندهم بقرب العدو، حتى وردت رسل الملك الظاهر ينذر الناس، ويعلمهم ~~بقرب العدو، وينبه على عورات العدو، ويقالهم في أعينهم، ويجسر هم على ~~انتهاز الفرصة، وكان ذلك أحد أسباب النصر ؛ ولولاه يسمح بنفسه، ويقدم، ~~ويتقدم ويبيت ساهرة في الذب عن الحوزة لكان الحال - والعياذ بالله ! - ~~مخوفة، [ والبلاد فخراب ] ؛ لأن المسلمين كانوا يركبون على غيرة، بسبب أن العدو كان قد أخفى خبره، فسبق العدو خبره. # ولما وصلت العساكر إلى السلطان وقف في صدر العدو، وصبر على تكاية صدمتهم ~~الأولى، فرأى العدو منهم شجاعة ما سمع بمثلها .. ورآه المسلمون قد ثبت ~~فيهم، فجسروا على العدو، وساقوا، وساق الماك المظفر والأتابات مع السناجق، ~~فكان ما قدره الله من النصر الذي كان الملك الظاهر فيه السيب. # ولما طلع العدو إلى الجبل منهز ما طلع الملك الظاهر راجلا خلفه، ووقف ~~PageV01P064 قبالته طول النهار كله إلى الليل، والناس تتسامع بوقوفه ~~ويطلعون إليه من كل جهة، وهو يقاتل قتال من استقتل. وصارت الرجالة تطلع ~~وتأخذ روس من يقتله ويقتل بين يديه، وتحمل إلى الملك المظفر، مثل كتبغا ~~نوین وغيره، فما انقضى النهار إلا وقد صارت جملة كبيرة من الروس قدام الملك ~~المظفر. # ولما نزل الملك الظاهر لم يشغله ما قاساه من النصب حتى ركب، وساق خلف ~~العدو، وتبعه الناس. ولم يزل سائقة ليله ونهاره لا يصبر، وهو يقتل، ويأسر ms012 ~~ من سلم، والعدو بين يديه منهزمة ؛ وما ثني أعنة خيله إلى حارم. ولما ~~وصل أفامية اجتمعوا أيضا، فكسرهم كسرة شنعة على أفامية"، في يوم الجمعة ~~أيضا. وغنمت الأموال، والحريم، والصغار، والخيول. # وفي أثناء ذلك سير إلى دمشق من أمنها وطمنها، وعرف الناس بالنصر على ~~العدو المخذول، وبصرهم بهم، وأمر بالإيقاع بنوابهم وغلمانهم، وعدم الالتفات ~~إليهم، وتحذيرهم من تمكين نواب العدو من اعتماد مضرة البلاد، وفي أحد من الناس. # وسار الملك المظفر - رحمه الله - وسائر عسكره، فوجدوا مولانا PageV01P065 ~~السلطان - نصره الله ! - قد مهد لهم البلاد، وسكن من بقي فيها من الرعايا، ~~وجسر الناس على التقدم، ووصل الملك المظفر إلى دمشق بغير تعب ولا نصب. ~~ووصلت كتب مولانا السلطان إلى الملك المظفر إلى دمشق بما فعله، وما فتحه، ~~وما مهده، وأنه سير الأمير عماد الدين أبا بكر بن المجير إلى حلب، وأنه ولي ~~في البلاد، وأنه لم يبق قدامه أحد في بلاد الشام ولا حلب، وسير إلى حماه ~~وحمص وغيرها من أمنها وطمأنها .. # وكان هذا الفتوح كله بسيفه، وهذا النصر جميعه من عند الله ومن عنده، ~~والخوف الذي حل بالأعداء إنما هو من مهابته. ### | حكاية # حكي الأمير افتخار الدين، والي بصري، قال : # « حضرت يوما عند كتبغا، وهو في مجلس عظيم، كان من جملة من كان فيه المولى ~~الملك الأشرف، صاحب حمص، وقد التفت وقال له : « بأمر من أخذت حواصل شیرز، ~~وسيرتها إلى ولدى؛ ھلاون ؟ » قال : « بأمر ملك البسيطة » - يعني هلاون. ~~فقال له : « فعلته إلا من عندك جسارة، وإلا أبي ؛ هلاوون ما يسيرني قط إلى ~~جهة ويكتب لغيري PageV01P066 في مصلحة تتعلق بالبلاد ولا به، ولا يتحدث في أمر من الأمور إلا من جهتي، ~~ولا يفعل أمرة إلا ويشاورني فيه ؛ وإنما هذه جرأة منك، ودعوى شجاعة، ولكن ~~قد سمعنا أن فلانة - يعني السلطان - قد خرج من مصر، ومعه جماعة، فإن كنت ~~شجاعة - كما تزعم في نفسك - فاخرج والتقيه ».. # وهذا في غاية ما يكون من استعظام السلطان، وتحقق شجاعته، وصرامته في ~~قلوبهم ؛ ولولا أن ذلك ms013 قد ثبت في قلوبهم لما ذكره كتبغا في هذا ~~المحفل العظيم، في معرض التوبيخ للملك الأشرف؛ فمولانا السلطان أحق بهذا ~~الفتوح دون سائر الناس، وأولى بأن يعزى إليه، وينسب إلى عز ائمه، ويقرن ~~باسمه، ويؤرخ في سيرته ، ويدعى له لأجله ؛ لأن كل الناس عتقاء سيفه، وما ~~استراحوا إلا بتعبه، ولا أمنوا إلا بمخاطرته، ولا أقدموا وتقدموا إلا بطلبه ~~واستدعائه، ولا ناموا إلا بسهره، فالله تعالى يحرس بطول بقائه الإسلام، ~~ويجعل عليه واقية باقية على ممر الأيام والأعوام، بمحمد وآله، عليه الصلاة ~~والسلام ... ### | ذکر مسير السلطان إلى الديار المصرية ووفاة الملك المظفر # لما توجه الملك المظفر، والسلطان صحبته، صار يظهر تکبر ، وتغيرت ~~PageV01P067 نيته ؛ وفهم السلطان ذلك منه، وطلب السلطان أن يفعل في الجهاد شيئة يشكره ~~الله والناس عليه، والملك المظفر يمنعه لئلا ينفرد السلطان بالذكر الحسن ~~دونه. ولما كان يوم السبت سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمئة ساق ~~السلطان معه في الصيد، وهو قريب القصير، وقد واعد جماعة قليلة ؛ وساق إلى ~~جانبه، وتحدث معه، وقبض على يده، والسيف، ثم تباعد عنه وضربه. وكان ما قدره ~~الله من وفاته وانتقالها. # وفعل السلطان الملك الظاهر ما فعله بنفسه، وبلغ غرضه بمفرده وذلك بين ~~العساكر العظيمة، والاحتراز الشديد، وما قدر أحد أن يتكلم، ولا جسر أن يمد ~~يده اليه ؟. ### | ذكر تفویض الممالك الشريفة للسلطان الملك الظاهر - جعلها الله باقية في عقبه ! - # لما توفي الملك المظفر - رحمه الله ! - ساق السلطان في جماعة خشداشيته ~~وأصحابه إلى القصير لابسة عدته، ووصل إلى الدهليز، وأخذ الأتابك وقعد به في ~~الدهليز، ونزل معه الناس، ومنهم جماعة من المعزية وغيرهم ممن كان معتقلا في الاسكندرية، وخلصهم الملك المظفر، والتقوه بغزة، مثل الأمير ~~سيف الدين بلبان الرشيدي، والأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي، PageV01P068 ~~والأمير سيف الدين بهادر، وجماعة أخرى، فقعد السلطان جانبة عن الطراحة، ~~ووقع الخلف في الحديث، فقال الأتابك : « اسمعوا يا أصحابنا ! والله لو كان ~~الملك المظفر حية، أو له ولد له في عنقنا يمين، أول ما كنت أقاتلكم ms014 ~~بسيفي، وإنما الساعة قد فات فيه الفوت، ولا شك أن الذي قتله، وغرر بنفسه، ~~وفعل هذا الأمر العظيم ما فعله لغيره، ولا بذل نفسه وخاطر بها ليكون الأمر ~~والنهي لغيره، فمن قتله فهو أحق بمكانه ». فقال السلطان : وأنا الذي فعلت ~~هذا الأمر ». فوافق الجماعة على ذلك، فقام السلطان وجلس في الطراحة، وبقي ~~الجماعة سكوتة ؛ فقال لبعض الجماعة الأمراء : « احلفوا ! » فقال الأتابك ~~للسلطان : « هؤلاء الجماعة أكثرهم بطالون، وقد خرجوا من شدة وإنما السلطان ~~يحلف لهم أنه يواسيهم بما تصل قدرته إليه، في عاجل الوقت، وبعد ذلك يحلفون ~~للسلطان ». فأعجب هذا الحديث الجماعة، وحلف السلطان لهم، وحلفوا بعد ذلك، ~~وحلف الناس إلى بعد العصر. # هذا ما أخبرني به الأتابك، قال : « والتفت إلى السلطان فقلت : والمصلحة ~~الركوب ». فقال السلطان : «نقعد حتى تحضر بقية الأمراء المتأخرين في الطريق ~~ونكمل حلفهم ». قال : قلت : «ان تأخر السلطان ارتأى الناس وتشاوروا، ولكل ~~أحد غرض وهوى، والمصلحة ركوب السلطان وسوقه، يعتقد ناس أن السلطان سبق، ~~ويعتقد آخرون أنه تأخر والأمراء يقولون هو مع الحلقة، والحلقة يقولون هو مع ~~الأمراء، وكل أحد يشتغل بحفظ قماشه وخیله، ويقصد تعجيل الحضور إلى بيته ~~لحفظه ». فلما سمع السلطان ذلك ركب في جماعة، وساق ليله كله. # وتقدم الأمير عز الدين أيدمر الحالي إلى القلعة، فتحدث مع النواب ~~PageV01P069 بها، واستمال قلوبهم، وهم يعلمون دينه وأمانته، وأنه لا يقول ~~إلا الحق، وأخبر هم بوفاة الملك المظفر، وأن الناس اجتمعوا، وحلفوا للسلطان ~~الملك الظاهر ركن الدين ؛ فرجعوا إلى قوله، وركنوا إلى وفاء وعده، فتسلم ~~منهم القلعة والخزائن، وحلف الناس الذين بالقلعة للسلطان، وسيتر نسخة ~~الايمان، وطاب قلبه، وساق، ودخل القلعة ليلة الاثنين تاسع عشر ذي الحجة سنة ~~ثمان وخمسين وستمئة. # وأصبح جالسا بالقلعة في دست المملكة، وعظمة السلطنة. وطابت قلوب الرعايا ~~بكون الله فوض أمورهم إلى من يقوم بحقوق الجهاد، ويأمر فيهم بالعدل ~~والإحسان ؛ وكان كما قال الشاعر : # وأتته السعادة منقادة %~% اليه؟ تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له، %~% ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها ms015 أحد غيره، %~% لزلزلت الأرض زلزالها ### | ذكر ما اعتمده السلطان عند ملکه الديار المصرية # ولما استقر السلطان بقلعته، وجلس في ايوان ملكه، حلف الناس على اختلاف ~~طبقاتهم، فما بقي أحد إلا حلف ؛ واستقام الأمر بغير منازع، فأمر ونهی، وبذل ~~الأموال، وأمر وأمر، وولتي وعزل، وكتب إلى PageV01P070 صاحب الغرب، وإلى ~~صاحب اليمن، وإلى جميع ملوك الشام، بما قدره الله من سلامة سلطانه، وطاعة ~~أعوانه. وشرع في إقامة الدولة الصالحية على ما كانت عليه من نوامیس ورسوم، ~~وولي في أموره غلمان الشهيد الملك الصالح، ممن كان - رحمه الله ! - قد ~~اختارهم وانتخبهم ؛ فعظمت حرمة بابه، واستبشر الناس بأن الله ولى عليهم من ~~يعرف أمور المملكة، وقوانينها، ويحل الناس في منازلهم ؛ وبطل المحدثات، وهي ~~ألوف على ما سيأتي ذكره. وكتب بإقامة الشريعة المطهرة، وأقام مدة ما اهتم ~~بركوب، ولا اشتغل إلا بترتيب الأمور، واستخلاص الأولياء وكشف حال الأعداء، ~~وإحياء الرسوم الصالحية وتنويه ذكرها، إلى أن عرف المفسد من المصلح. # وركب في شهر صفر سنة تسع وخمسين وستمئة بشعار السلطنة وشق PageV01P071 ~~المدينة ، وطلع إلى القلعة، ونثرت عليه الدنانير والدراهم، ومشى الناس في ~~خدمته، وأفيضت عليهم التشاريف ، وسكنت الدهماء، وطابت قلوب خشداشيته. ~~PageV01P072 ### | ذكر ما اعتمده في حق خوشد اشيته # قد تقدم أنه مادة سعادتهم في كل وقت، لأنه هو الذي حماهم من الملك المعظم ~~في المنصورة، ولولاه ما أبقى منهم أحدة، وهو الذي جعل لهم الحرمة في الديار ~~المصرية في الأيام المعزية. ولما توجه إلى الشام زالت تلك النعمة عنهم، ~~ولما حضروا إلى دمشق وصل أرزاقهم، وحملت اليهم الخلع والأموال، وأكلوا ~~الخبز بسيفه. ولما انفصل وسار إلى جهة الكرك وتوجهوا إليه، قامت حر متهم ~~به، وحصل لهم الافتقاد والانعام بسببه ؛ ولما انفصلوا عن جهة الكرك حصل لهم ~~بتأخرهم عنه الأذى، ولمن تبعه منهم السعادة. # ومن أكبر الأدلة على مروءة هذا السلطان أنه أقام في الغربة مدة سبع سنين، ~~وكابد القلة، وهو لا يفارق خوشداشيته. وكان كلما رآهم تضيق PageV01P073 ~~صدورهم يضيق صدره، وينتقل بهم من جهة إلى جهة، ms016 والملوك تتلقاه ~~ويكاتبونه من الشام ومصر. وأكبر قصده [ هب ] سلامتهم، لأنه كان يعرف ما لا ~~يعرفون. ولما أعطاه الله الملك لم يشغله شيء عن الإحسان إلى كبير هم ~~وصغيرهم، وقدمهم بعد أن اعتقد كل منهم أنهم لا تقوم لهم قائمة أبدا، وجمع ~~شملهم بعد أن كانوا تهججوا في البلاد، واستخفوا حتى أن أحدا منهم ما كان يجسر يذكر لفظة « التركية » ولا «الجندية ». فلما ~~من الله بإقبال دولة السلطان جمع منهم الشريد، وقرب البعيد، وقدم المتأخر، ~~وولي المعزول، ورد عليهم ما كان غصب من أملاكهم وأموالهم ونعمهم، وأمر من ~~يستحق الأمرة، وقدم عليهم من يصلح للتقدمة، وجعل لهم ديوانة مفردة. وصاروا ~~من المختصين به، والحافظين لقلعته في غيبته وحضوره. وما اقتنع بذلك، حتى ~~تفقد أولاد من مات في هذه المدة من خوشداشيته ومماليكهم وغلمانهم وأتباعهم، ~~وقرر لهم المقررات. ### | ذکر فصول يجب تقديمها هنا # وهو ما خص الله هذا السلطان به من حسن السجايا والأخلاق والمزايا ؛ فمن ذلك : ### || شجاعته : # قد اتفق الناس أنه ما ركب فارس فرسة في زمانه أشطر منه ولا أفرس، PageV01P074 ولا أخبر بمواقع الحروب، ~~والدخول فيها، والخروج منها ؛ ومواقف جهاده تشهد بصحة هذه الدعوى، وكذلك ~~قدومه في المرتين إلى الديار المصرية، وخروجه منها سالمة، وكذلك أخذه ~~الملاك بسيفه لا بأحد. ### || عفوه وحلمه : # قد آتاه الله العفو والحلم اللذين لو وقعا في زمن من تقدم مثل الأحنف ابن ~~قیس لاستكثر منه، وأكبر شاهد على ذلك قضية الأمير علم الدين الحلبي، وما ~~فعله معه، وكيف عفا عنه، وولاه نيابة السلطنة في حلب، وما جرى منه فيها ~~أيضا، وحضوره أيضا إلى دمشق، وانفصاله منها على غير الصورة المرضية، ~~وانزعاج الناس لذلك، والإفراج عما وقعت الحوطة له عليه، وهو جملة كبيرة في ~~المرة الأولى والمرة الثانية. وبعد هذا كله أحسن اليه، وأقطعه إقطاعة بستين ~~فارسة، واستدام الإحسان إليه، ولا أظهر له يوما من الأيام عتبا. # وكذلك أكثر خوشداشيته ما منهم إلا من فارقه وقت الحاجة اليه، ومنهم من ~~سعى في مضرته، ولم يؤاخذ ms017 أحدة منهم، ولا عاتبه. ومن ذلك أنه لما جرى ~~في الأيام المعزية ما جرى من انتزاح البحرية، لم يبق إلا من أخذ لمولانا ~~السلطان إما من اقطاعه، وإما من اسطبلاته وإما من بيوته، وإما من أصحابه، ~~ولما أعطاه الله الملك ما واخذ أحدة ولا أظهر شيئا من ذلك. # ومن ذلك أنه لما توجه إلى الشام بلغه عن جماعة من الناصرية ما أوجب ~~PageV01P075 انتقامه منهم، فأمسكهم، وسير من اعتقلهم بقلعة الجبل، وأمر أن ~~لا يتعرض أحد إلى شيء من أموالهم، ولا دوابهم، ولا غلمانهم، وحفظ الجميع ~~لهم إلى أن خلصوا ؛ وكتب إلى النواب بالإنفاق عليهم، وعلى نوابهم، ودوابهم، ~~مدة اعتقالهم ؛ فأقاموا كذلك حتى عاد السلطان من الشام في سنة ستين، فأفرج ~~عنهم، واقطعهم وأحسن اليهم. ### || کرمه وعطاؤه : # قد علم كل أحد ما حصل له في الأيام المعزية والناصرية، والكرك وبصر ،. ~~وما كان له من الإقطاعات، وما حمل اليه من الأموال الجزيلة والنعم الوافرة، ~~وأنه لم ينتبه من جميع ذلك إلا قباء وسيف وفرس. ولمه ملك أفاض الخلع، ووالى ~~الانعام، ووهب الحصون، مثل تل باشرا والصبية وغيرهما، بما تشتمل عليه من ~~ذخائر وحواصل. # ويكفي ما فعله مع مولانا الخليفة، وانفقه عليه، وعلى عسكره، وجهز به ~~الملوك المواصلة، الواصلين إليه، وهو ما خبرني به مولانا السلطان، قال : « ~~الذي أنفقته عليهم ألف ألف وستين ألف دينار ذهبا، كل هذا رعاية لحق الله ~~ورغبة في تعظیم شعائره ». PageV01P076 ### || عدله : # كان الناس هلكوا من الظلم، وطلب التقويم والتصقيع منهم، وكذلك الخمس ~~والزكاة المعجلة، والحوالي المعجلة، والتبرع، والراجل ونفادت الأموال ~~للرقاصين والحوانية، وأصحاب الأرباع. ولما أقبلت هذه الدولة أبطال الله ~~المظالم على يدي هذا السلطان، وجملتها ستمئة ألف دینار، حسبما يشهد بذلك ~~جرائد الديوان ؛ وكتب بذلك المسامحات، وقرئت على المنابر، وابتهل الناس ~~بالدعاء، واستقرت الأحوال. # ثم أنه نصب دار العدل على ما كانت عليه، وأقام فيها الأمير فارس الدين ~~الأتابك ينصف بين الناس . ### || ذكر انصافه : # ما رفعت إليه مظلمة إلا كشفها، ولا نه على قضية إلا بحث عنها ms018 ~~وعرفها ؛ فمن ذلك أن أحد الأمراء الذين هم في اعتقاله أودع في صندوق له ~~جملة كبيرة من المال عند بعض الفقهاء في مدرسة، وكان عند الفقيه المذكور ~~صبي يقرأ عليه، فأغفله ليلة وسرق الصندوق وخرج به، فأمسك، PageV01P077 وأتي ~~به إلى والي القاهرة، وكشف الحال، فاطلع على ذلك، فطالع به مولانا السلطان ~~، فأمر بإحضار الصندوق والفقيه، وفتح الصندوق، وسأله مولانا السلطان : « ~~هذا المال لمن » ؟ فصدقه الفقيه - وكانت فيه جملة كبيرة - فقال مولانا ~~السلطان للفقيه : «خذ هذا المال، واحفظه لصاحبه، وفي الله أمانتك ! ». ~~فتسلمه الفقيه وخرج وهو يدعو. # ومن ذلك أنه أنهي اليه أن ما للصاحب شرف الدين الفائزي مودعة عند الرشید حسین بن بصاصه وغيره، فأمر باحضارهم، فحضروا والمال بين يدي ~~السلطان، فقال بعض الحاضرين : « يطلب منهم فائدة هذا المال في طول هذه ~~المدة ». فبلغي أن مولانا السلطان أخذ من وسط هذا المال شيئا، وقرئت ~~تواريخه، وأسماء الملوك في السكك، فلم يوجد فيها شيء عليه اسم الملك ~~المنصور، ولا الملك المظفر، ولا اسم مولانا السلطان. فقال : «هذا مال ما ~~بيع فيه ولا اشتري، ولا تصرف فيه، ولو كان كذلك لكانت فيه هذه النقود ». ~~وطلب الرشيد المذكور منه براءة شرعية، تسلم بها المال المذكور، وبرأ ذمته ~~منه فيما بعد ؛ فأجابه السلطان إلى بغيته، وطلب قاضي القضاة والشهود، وفعل ~~له ما برأ ساحته، وأحسن عاقبته . ### || حسن معاملته : # مذ ولاه الله الأمر ما زال يخرج أمره إلى النواب بأن لا يؤخذ لأحد شيء ~~إلا بثمنه ؛ ولما سافر إلى الشام في سنة تسع وخمسين وستمئة اشتري النواب ~~أصنافا لمولانا الخليفة، وللسلطان، يحمل كبيرة، تولى الأمير عز PageV01P078 ~~الدين الحلي، والصاحب بهاء الدين إيفاء أصحابها ثمنها ؛ فما كتب كتابا في ~~هذه السفرة لهما إلا وفيه ايفاء الديون، وبراءة الذمة. # وحضر في أيام سلطنته من ادعى أنه كان له عنده شيء في حال الأمرة فطلب ~~منهم شهادة، فلم يحضر أحد شهادة، فحلفهم .. وأعطاهم، وأبرأ ذمته. ### || حسن وفائه : # من جملة ذلك أخذه لثأر أخيه الأمير فارس الدين أقطاي من ms019 الملك ~~المظفر ؛ ووفی ما كان على فارس الدين أقطاي من الديون، وعمر له تربة قریب باب القلعة، ووقف عليها وقفة يقوم بكلفها. # ومن ذلك إحسانه إلى دور الملك الناصر وأهله، ودور أخيه الملك الظاهر، ~~وإلى جميع أبناء الملوك وأتباعهم ؛ فإنهم ؛ وصلوا في الأيام المظفرية، ~~عندما جرى في الشام ما جرى من العدو، ومفارقتهم الأوطان والأوطار، وحلولهم ~~دار الغربة، وزوال عز السلطنة، وكانوا كما قال الله تعالى : وكتم تركوا من ~~جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين. واتفق وصولهم ~~والملك المظفر مشتغل بالغز و، فضاعت مصالحهم : فلما صار الأمر إلى السلطان ~~أطلق لهم النفقات والإقامات، وسيأتي ذكر ذلك مفصلا في مكانه، وجبر ولده، ~~وولد أخيه بالركوب معه في الموكب. وعم إحسانه الدار الكركية، والدار ~~العادلية، والأدر القطبية، والدار الأشرفية، والدار المسعودية. PageV01P079 ### || ذکر فصل يدل على كافا هذه الدولة ومبارها # ما حط من المظالم عن الرعية : المقرر للنقدية في دولته ألف ألف دینار، في ~~كل سنة ستمائة ألف دينار وثلاثمائة [2] مركب من الغلة. # المنفق في البيوتات السلطانية، وهي : # الخزائن، والحوائج خاناه والطبلخاناه، والسلاح ۹ خاناه، PageV01P080 ~~والركبخاناها، والفرشخاناه ؟، خمسمائة ألف دينار. # المقرر على بيت المال، في جامکیات المماليك البحرية، خارجة عن النقدية ثلاثمائة ألف دينار وثمانون ألف دينار . # المقرر على الديوان وبيت ماله لنفقات أدر الملوك وأولاد الملوك في السنة أربعون ألف دينار. # المقرر لأرباب الرواتب وجاميات المستخدمين بالباب والأعمال، .ما ينفق في ~~الفقراء مائة ألف دينار وسبعون ألف وعشرون دینارة. # وعشرون ألف أردب غلة، الذي يحتاجه الخاصه ومماليكه، في كل سنة برسم المخابز وعليق خیله مائة وعشرون ألف أردب. # له كل يوم برسم ملبوسه بدلة واحدة كاملة، يلبسها ذلك اليوم ويخلعها، ولا يعود يلبسها، وينعم بها. PageV01P081 # الذي تقرر برسم الصدقات في شهر رمضان، إطعام خمسة آلاف ۱ نفس، في كل ليلة. # صدقة السر في دولته، من أوقافة المرصدة لذلك، في السنة ما يناهز متمئة ~~كسوة، خارجة عما يطلقه الله على يديه من الكساوي في كل سنة - وهي جملة من ~~القماش ms020 ؛ ومن الخبز ألف قنطار ؛ ومن العبيد الذين يعتقهم في شهر ~~رمضان، وعدتهم ثلاثون عبدة. # ولو حصر ذلك لامتلأت به الأوراق، وإنما هذه جملة يستدل بها على كثرة ~~المنفق. # ونذكر شيئا يعلم به كثرة ما ينفق في الحوائج خاناه وغيرها، إذا كانت عدة الأصناف لا تحصى : # وهو السكر البياض، برسم الشراب خاناه. والمطابخ، ألف قنطار لسنة واحدة، ~~ورسم المعاجين وغيرها خمسمئة قنطار لسنة واحدة. # ثمن الزبادي الغضار الحرف خارجة عن النحاس، والصيني، والقاشاني كل سنة ألف وخمسمائة دينار. PageV01P082 # المنفق في أيامه على الثواني، والحراريق، والطرائد ، والسلالير وغيرها. مائة ألف دينار لسنة واحدة. # ومن جملة إحسانه ما أبقاه على الأتابك من الاقطاعات في الشام ومصر، والعدة ثلاثمائة وخمسون طواشيا. # وقد كان يستكثر إقطاعات فخر الدين عثمان بن قزل، في الأيام الكاملية، ~~واستكثر منه أنه حمل مرة إلى الأمراء الكاملية ألف أردب شعيرة، والذي حمل ~~من الديوان الأتابكي إلى القلاع السلطانية، معونة، ما قيمته خمسمائة ألف ~~درهم وثمانية آلاف درهم، وهو قمح ثمانمئة واحدى وعشرون غرارة، شعير ~~ثلاثمائة وسبعون غرارة، وجملة من الفول والحبوب والزيت والأغنام في سنة واحدة. # هذا ورأيت الأتابك مستقرة على حاله من الأغنام والشموع، والأصناف ~~PageV01P083 # وغيرهما مما يحمل اليه في كل يوم، وكل ذلك من نعمتها : # ألم ترنا نهدي إلى الله ماله %~% وإن كان عنا ذا غنى فهو قابله # کالبحر يمطره السحاب، وما له %~% فضل عليه لأنه من مائه » ### || إقامته لحرمة الشريعة المطهرة : # ولى فيها القاضي تاج الدين، فأحسن فيها السيرة، وعمر الأوقاف، وفوض اليه الأحباس والأوقاف والمساجد. # وكان السلطان قد مات له مملوك من مدة، ودفن قريبا من تربة الشيخ أبي ~~السعود - رحمه الله تعالى ! - ورأى السلطان احتياج الفقراء إلى الارتفاق ~~بالماء، فشرع في عمل بئر هناك، وحفرت إلى أن وصل الحفر إلى الابليز، ثم ~~اتفق ما ذكر من توجه للسلطان إلى الشام عند قتل الأمير فارس الدين، فحضر من ~~عمر البئر ؛ وكملها على ما ادعاه، وهو جمال الدين محمود، أحد الأجناد، وحصل ~~منه في بعض الأيام سوء ms021 كلام بسبب استعمال البئر، فانزعجت منه خواطر ~~الفقراء، فبلغ ذلك السلطان، وتذكر القصة، وطلب من تعدي وعمر البئر، فحضر ~~محمود المذكور، وطلب الشرع ؛ فلما كان يوم الثلاثاء تاسع شهر رجب سنة ستين وستمئة حضرت ورقة من النواب في دار ~~العدل، كتبت بالإشارة الأتابكية إلى السلطان مضمونها طلب الخصم الشرع ؛ ~~فرسم للأتابك بأخذ قاضي القضاة والحضور إلى دار PageV01P084 العدل بالقلعة، ~~فحضروا، وحضرت جماعة دار العدل وفقهاء المذاهب الأربعة وخرج السلطان فقرئت ~~عليه القصص وامر ونهی إلى أن حضر الخصم، فقال الأتابك للسلطان : « مولانا ~~يقوم معه إلى الشرع، فقام السلطان وحل سيفه من وسطه، وأعطاه لسلاح داره؟ ~~وتساوي مع خصمه بين يدي قاضي القضاة وقوفا، وهو جالس، فأمر هما قاضي القضاة ~~بالجلوس، فجلسا ! وشرح السلطان الحال، وتكلم الخصم، وحصل التجاذب، فثبت في ~~أثناء ذلك الحق للسلطان، وسأل الأتابك أئمة المذاهب الأربعة، فذكروا أن ~~الحق للسلطان، وأن البئر له وأن بعض البناء والعدة للخصم ؛ والترم السلطان ~~بقيمة ذلك، وأوقف ذلك لله تعالى، ورسم أن يعين له أوقاف تقوم بكلفه، من ~~علوفة وجامكيات، وأن يكتب اسمه عليه. وأراح خواطر الفقراء من ذلك الأذى ~~الذي أتبعت به تلك الصدقة، وذلك المن الذي غدت آمالهم به محققة 3. # وانفصل المجلس، فسير السلطان الخلع للأتابك، لأنه متولي دار العدل، ~~ومباشر هذه الحكومة، والمتر جم عن السلطان بالعربية، وخلع PageV01P085 على ~~قاضي القضاة، وعلى غلامه الذي حضر بسبب ذلك، وعلى الخصم. # ثم حضر من ادعى في البئر بعد ذلك دعوى أخرى، فحمل الأمر في بت الحال على ~~الشرع الشريف. # ولما شاهد الناس ذلك من السلطان، وتسامعوا به، خاف الناس من الحيف، وصار ~~كل أحد ينصف من نفسه، ويقول : « إذا كان السلطان حضر إلى الشرع، كيف يمكن ~~الامتناع من الحق !» وانكف الناس غاية الكف، وهذه سياسة حسنة، ومكرمة ~~جميلة، كتب الله له بذلك الأجر، ومنحه منه ومن خلقه أحسن الذكر. ### || ذكر إحسانه إلى من خدمه، وربي في نعمته # من جملة مماليكه الأمير بدر الدين بيليك الخزندار ؛ رباه، وجرب دينه ~~وأمانته، فما ms022 رأى منه إلا خيرة ونصحة، فأمره، وقدمه على عساکره فكفاه ~~أمر تدبيرها، وأحسن في توزيع الاقطاعات، واستجلب قلوب الناس، فزوجه بنت ~~الملك الرحيم، صاحب الموصل، وعقد العقد بغزة في شوال سنة تسع وخمسين وستمئة ~~؛ وحضر السلطان العقد بالمهر ؛ ولما PageV01P086 وصل إلى الشام في هذه ~~السنة ملكه حصن الصبيبة وبانياس، وأعمالها تمليكة صحيحة، وأقطعه زيادة ~~خمسين فارسة في الشام، وسلم ذلك إلى نوابه، ولما وصل إلى مصر عمل عرسه. ### | ذكر من وصل إليه في سنة ستين وستمئة # وصل السيد أبو العباس أحمد، نجل الخلفاء الراشدين، قریب مولانا الخليفة، ~~فتلقاه السلطان بنفسه، وأنزله في القلعة، في المكان الذي كان الإمام ~~المستنصر بالله قد نزل به، وأطلق له الرواتب وسير اليه ما [ ۱ / ۱۰ ] يحتاجه من الآدر. # ووصل إلى أبوابه الأمير سيف الدين ميكلان بن مجلي، صاحب حول؟ مرك وأولاده ~~؛ فأحسن إليهم، وكتب له منشورة بأربل، وأعطاه الطبلخاناه، وجعل له حاشية ~~كحاشية ملك. # ووصل إلى أبوابه ملوك التكروره حجاجة، فأحسن اليهم، وكتب PageV01P087 إلى ~~ملكهم الكبير بمدينة كانم، يذكر أنه مهتم بمن يرد من جهته من الحجاج. # ومن جملة من شمله الإحسان الأمير شهاب الدين أبو بكر بن الشايب جهزه إلى ~~الشرق، فوردت كتبه في شعبان سنة ستين أنه استولى على الجزيرة، وحلف من بها ~~للسلطان، وهو متصرف فيها. # ووصل الأمير جلال الدين الكلالي، صاحب أربل، فأحسن إليه ؛ ووصل إلى خدمته ~~الأمير شرف الدين بن مهنا، والأمير نور الدين زامل بن علي، فأحسن إليهم. # ووصل كتاب الأشكرى، وهو يقسم : « أنه متى احتاجت سلطنة الملك الظاهر إلى ~~مساعدة، مساعدت بكل ما تقدر سلطني عليه ». وسيتر السلطان هدية إلى الانبر ~~ور، من جملتها الزراف، وجماعة من التتار الأساری، بخيولهم الترية وعدمهم. # وكتب إلى برکه، كبير ملوك التتار، كتابة، كتبته عنه، يغريه بهلاؤن، ويوقع ~~بينهم العداوة والبغضاء ، ويقيم الدليل عليه أنه يجب عليه جهاد التتار، ~~لأنه تواترت الأخبار باسلامه، ويترتب على ذلك جهاد الكفار، ولو كانوا أهله، ~~فإن النبي - صلى الله علية وسلم ! - PageV01P088 قاتل عشيرته الأقربين، ~~وجاهد ms023 قریشر، وأمر أن يقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله »، وليس الإسلام قولا باللسان والجهاد أحد ما له من ~~الأركان، وقد توالت الأخبار بأن هلاون لأجل زوجته، وكونها نصرانية، أقام دين الصليب، ~~وقدم مراعاة دين زوجته على دينك، وأسكن الجاثليق الكافر مواطن الخلفاء ~~ایثارة لزوجته عليك ». وفي هذا الكتاب اغراء كثير ؛ ووصف ما السلطان عليه ~~من الجهاد، وبعث الكتاب صحبة من يثق به من تجار العلاتنا. ### | ذكر ما جدد في أيامه من العمائر المباركة ### || عمارة الحرم الشريف النبوي : # اهتم بعمارته، وجهز الأموال والأصناف صحبة علم الدين الغوري. # ووصلت الكتب في سنة تسع وخمسين بأن القبة التي بالصخرة الشريفة قد تداعت أركانها، وكاد ينهدم بنيانها، فجهزت لها الصناع والآلات من دمشق، ~~ووصلت الكتب في سنة ستين بأنه نجز بناؤها . ### || وقف اخليل - عليه [ با ۱۲۶] الصلاة والسلام ! - # كانت عدة ضياع من أوقاف الخليل - عليه الصلاة والسلام ! - قد PageV01P089 ~~دخلت في الأقطاع، فأمر بارتجاعها، وعوض الأمراء عنها، ثم وقف وحبس القرية ~~المعروفة بإذنا عليه وقفة صحيحة شرعية وأثبته عند الحكام، وسیر نسخ كتاب ~~الوقف لتكون نسخة عند شيخ المقام، ونسخة في مودع الحكم العزيز بدمشق. ### || المدرسة السعيدة بين القصرين : # كان الابتداء بعمارتها في ثامن شهر ربيع الآخر سنة ستين، وتنجز بابها ~~ودهلیزها وایوانها وكتاب السبيل في أواخر شعبان من السنة المذكورة ؛ ولم ~~يشرع في بنائها حتى رتب أمور أوقافها، وكتب إلى الأمير جمال الدين ابن ~~يغمور بأن لا يستعمل فيها أحدة إلا بأجرته . ### || ذکر بناء حصن الجزيرة : # كان السلطان الشهيد الملك الصالح قد اختارها، وانفق فيها الأموال، وجاءت ~~من أحصن الحصون، فهدمها الملك المعز لا لغرض، ولا أصلحة، وأباح رخامها، ~~وأصنافها للناس ؛ فرسم السلطان للأمير جمال الدين بن يغمور بالشروع في ~~عمارتها، فأصلح قاعاتها المستهدمة، ورتب فيها الجاندارية، وأعادها إلى ما ~~كانت عليه من الحرمة، وفرقت الأبراج على الأمراء، ورسم أن يكون برج الزاوية ~~للأمير سيف الدين قلاون الألفي، وثانيه للأمير ب / ۲۶ ب] عز الدين الحلي، والأمير عز الدين أو غانا البرج الثالث، ms024 ~~والأمير بدر الدين بيسري الشمسي برج الزاوية الغربي، والأمراء بر جا بر جا، ~~وتكون اصطبلاهم والبيوتات فيها، وتسام المفاتيح لهم. PageV01P090 ### || عمارة القناطر بجسر شبرمنت : # جسر شبر منت أكثر ما كانت الحيزية تشرق منه ، فبني قناطر في هذا الجسر، ~~تلتقي صدمة الماء الأولى، ويفتح عند تصريف الماء. ### || ذكر عمارة مشهد النصر بعين جالوت : # لما جرى ما يسره الله من النصر على التتار بعين جالوت، وكان ذلك الموضع ~~شريفة، وقد ذكره الله في كتابه العزيز في قصة طالوت وجالوت ؟. ورأى السلطان ~~شرف هذه البقعة، وأن الله ادخر هذا الفتح العزيز لها، رغب في ابتناء مشهد ~~هناك، يعلم به قدر منحة الله، وما سفك بذلك المكان من دماء الأعداء، وكتب ~~بذلك إلى النواب بالشام. # حث على عمارة أسوار الاسكندرية، وحفر خنادقها، واصلاح الواهي منها، ورتب جملة لذلك تنفق [ فيه ] في كل شهر. # وبني الثغر رشید مرقبة لكشف مراكب العدو المخذول. # رسم بعمل فم بحر دمیاط، وردمه بالقرابيص، ورتب جماعة الحجارين التضييقه ليمنع السفن العظيمة من الدخول فيه. # بلغه أن بحر أشموم ربي البحر فيه طينة عظيمة حتى صار خوضأ، فنفذ الأمير ~~سيف الدين الرشيدي لمباشرة هذه المصلحة العامة، التي عادة الملوك ~~PageV01P091 يباشرونها، فتوجه الأمير المذكور، وحضر الولاة إلى خدمته، وحفر ~~ما يجب حفره، وغرق المراكب، ورد الماء اليه. # وأمر هذا البحر من أكبر المهمات ؛ وذلك لأنه لما وردت الفرنج في سنة خمس ~~عشرة، وفي سنة سبع وأربعين وستمائة ما انتفع المسلمون بشيء كانتفاعهم بهذا ~~البحر، وهو بمشيئة الله أحد أسباب النصر. ### || الاهتمام بالشواني المنصورة : # لما برد الله الملك إلى السلطان وجد من كان قبله قد أهمل أمور الشوافي، ~~وهي خيل البحر، وستور الثغور، وما برحت الملوك تهتم بهذا الأمر، وتقطع ~~رجالها الاقطاعات ؛ فوجد الأمراء قد أخذوا جماعة من رجالها في الحراريق ~~وغيرها، فأعادها إلى ما كانت عليه في الأيام الكاملية، والصالحية، واحترز ~~على الحراج، ومنع من التصرف في أعواد العمل، وأمر بعمارة شواني للثغرين، ~~ونزل بنفسه إلى الصناعة، ورتب ما يجب ترتيبه في ms025 مصالح الشواني، ~~وأحضر، شواني الثغور إلى مصر، وكانت فوق الأربعين قطعة، وعدة كثيرة من ~~الحراريق، والطرائد، والسلالين. # وفي يوم الأحد تاسع عشر شهر رجب سنة تسع وخمسين ركب الخليفة ومولانا ~~السلطان من القلعة، وتزلا جميعا إلى مصر، ثم ركبا الحراريق وتفرجا، وطلعا ~~إلى قلعة الجزيرة، وجلسنا بمقعد البانياسي ولعبت الشواني، ثم عاد إلى ~~القلعة. PageV01P092 ### || عمائر القلاع المحروسة : # كان التتار [۱۲/ ب ) - خذلهم الله تعالى ! - لما استولوا على الشام شرعوا ~~في تخريب الحصون والأسوار، فهدموا أسوار قلعة دمشق، وقلعة الصلت ا، وقلعة ~~عجاون، وقلعة صرخد ۳، وقلعة بصری، وقلعة بعلبك، وقلعة الصبيبة، وقلعة شيزر، ~~وقلعة شميميس فلما تولى السلطان، وأقامه الله رکنا للدين، اهتم بعمارة هذه ~~الحضون، وتكميل بنائها المتهدم ؟، لأنها معاقل الإسلام، فبنيت جميعها في ~~أيامه، ونظفت خنادقها، ووسعت بدناتها، وحملت اليها العدد، وجد اليها ~~المماليك والأجناد. ### | ذکر عناية الله به في ظفره بكل من ينوي له سوءة # مذ ملکه الله الملك ما نوى له أحد سوءا إلا أطلعه الله عليه، وسبب ذلك ~~العدل الذي تطول به المدد، وتدوم الدول، ويمكن الله PageV01P093 من ~~الأعداء، ومن خالف الله تعالى بعصيان ولي الأمر، فيعفو تارة ثم ينتقم تارة، ~~ثم يعفو ويطلق، ويتناسى ما جرى حتى كأنه لم يكن. # ومن جملة ذلك أن الملك المظفر كان ولى نيابة السلطنة بالشام للأمير علم ~~الدين الحلبي الصالحي النجمي - رحمه الله تعالى ! - فلما جرى للملك المظفر ~~ما قدره الله، كتم الأمير علم الدين الصورة، ولم يعلمهم بأن الملك قد صار ~~لمن هو به أحق، واستحاف الناس لنفسه، وتسمى بالملك المجاهد، وركب بشعار ~~السلطنة، وبلغ السلطان ذلك فكتب اليه يقبح عليه هذا الأمر، فوردت أجوبته ~~يغالط فيها، وسير اليه جمال الدين المحمدي يستميله، ويسترده عن تعاطي ما لا ~~يتم له، وسير اليه صحبته مائة ألف وعشرين ألف درهم نقرة، وحو ائص، وخلعة، ~~وملابس بألفي دينار عينة. ثم انه رأى اختلاف الناس عليه، فجلس مجلسا عاما، ~~فيه الناس، وأشهدهم أنه قد نزل عن الأمر الذي كان أستحلف الناس عليه، ~~وأنه ms026 من جملة النواب ؛ ثم رجع عن ذلك الرأي وركب بشعار السلطنة، على ما كان ~~أولا، فخرج الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار ' إلى ظاهر المدينة، ونادی ~~باسم السلطان، وتبعه جماعة، وساق إلى جهة السواد، وسیر جماعة القتالهم، ~~فانهزم أصحاب الحلبي، ثم رأى اتفاق الناس عليه فخرج من PageV01P094 دمشق ~~هاربة، وقصد قلعة بعلبك، وبلغ الخبر للأمير علاء الدين فساق إلى أن دخل ~~دمشق، وحلف الناس للسلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس. # ولما بلغه أن الأمير علم الدين الحلبي في بعلبك، سير اليه من أحضره تحت ~~الحوطة، وبلغ السلطان الخبر، فجدد المناشير للناس جميعهم، وقرر السلطان ~~حديث الأموال والقلعة للأمير علاء الدين طيبرس الحاج الوزيري، وتقدم بحضور ~~الأمير علم الدين الحلبي، [۱/ ب ) ولم يؤاخذ السلطان أحد بما جرى في الأيام ~~الماضية، ولا عاتب كبيرة ولا صغيرة، وكاتب أمراء العربان، وطيب قلوبهم. # ورتب البريد في جميع الطرقات حتى صار الخبر يصل إلى دمشق في أربعة أيام، ~~ويعود في أربعة أيام، ولا تبطيء أجوبة الكتب أكثر من كتابتها بدمشق ومصر. ~~وهذه همة عالية، فإنه يرتب بذلك أمور الشام والقلاع، وأكثر ممالكه، في كل ~~جمعة مرة أو مرتين، ويقطع ويقطع، ويولي ويعزل في جميع الشام وحلب، وهو في ~~مصر ولا تخفى عليه أخبار الشام والساحل وحلب، وغير ذلك من بلاد الفرنجية. ~~ولعل الملوك الذين مضوا كان أحدهم يقيم القاصد في بابه مدة لا يجد من يأخذ ~~كتابه، وإذا أخذ، يقيم مدة حتى يكتب ومدة حتى يعلم عليه، ويسير ؛ وفي أثناء ~~هذا تضيع مهمات. وإذا وردت الكتب على الملك الظاهر تقرأ عليه جميعها، ولو ~~حسب ما أنفق في دولته على البريد کان خزانة ملك. وهذه أمنية كان الخلفاء ~~تتمناها ؛ قال بعضهم : « تمنيت بريدة صادقة سريعة، لا يخفيني شيئا من ~~المتجددات، ولا تنطوي عني حالة من الحالات ». PageV01P095 # ولما وصل الأمير علم الدين الحلبي مقيدة، سير السلطان الأمير بدر الدين ~~الشمسي بيسرى الصالحي تلقاه، ودخل من باب القرافة، ولم يعلم به أحد، واعتقل ~~بالقلعة، ثم انه في بعض الأيام ms027 طلبه، وأفرج عنه ؛ وصار السلطان يعطيه ~~الخلع بعد الخلع، ولم يزل كذلك حتى سيره إلى حلب - على ما سيذكر. # ورتب دار العدل بدمشق لانصاف الضعيف من القوي، وجهز الغلال إلى الشام ~~للتقاوى، واهتم بعمارة القلاع، وارسال الذخائر [ اليها ]. ### | ذكر أحوال حلب في الأيام الظاهرية # وأما حلب، فإن الملك المظفر - رحمه الله ! - كان ولى فيها الملك المظفر ~~علاء الدين ابن صاحب الموصل، وسماه بالملك السعيد، لاشتراكه معه في الاسم، ~~وتوجه اليها، فحصلت منه أمور انكرت عليه. وكان الملك المظفر سيف الدين قطز ~~قد اقطع جماعة من العزيزية والناصرية في حلب وبلادها، فلما بلغتهم وفاة ~~الملك المظفر حسدوه على المنصب، واجتمعوا عليه، وقبضوه، وقدموا عليهم ~~الأمير حسام الدين الجوكندار ؛ العزيزي، خوشداشهم فكتب السلطان له تقليدة ~~بالمملكة الحلبية. PageV01P096 # ولما بلغ التتار ذلك تجمعوا من كل جهة، وحصل الاختلاف بين العزيزية ~~والناصرية، وساروا واجتمعوا بصاحب حماه وحمص، وكانت الوقعة العظيمة التي ~~أهلكت شجعان التتار، وهي وقعة حمص، التي بددت جمعهم العظيم، وقتل فيها ~~أكابر هم على يد الملك الأشرف والملك المنصور، وجماعة العزيزية والناصرية. ~~ووقفت على كتاب ورد إلى السلطان بأسماء التتار الذين كانوا تجمعوا، وهم : ~~عليجق وقجر، کلغانوس، وبلاغا، وفوارغا، وعلل المد اللكتي. وقتلت في هذه ~~الوقعة أبطالهم، وكماتهم، وحماتهم، وانهزموا والنصر ينشدهم : # فإن كان أعجبكم عامكم %~% فعودوا إلى حمص في قابل # فإن الحسام الصقيل الذي %~% قتلتم به في يد القاتل » # واختلف العزيزية والناصرية، فحضروا إلى الساحل، فأعطى السلطان بعضهم ~~اقطاعات، وحضر الباقون إلى مصر. # وكان الأمير شمس الدين أقوش البرلي مقطعة مدينة نابلس، من الأيام ~~المظفرية، وزاده السلطان بيسان، وأعطى مملوكه قجقار جماعة، وتوجه إلى دمشق، ~~فحصلت أسباب أوجبت إمساك الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفي، فخرج الأمير شمس ~~الدين أقوش البرلي ؟ هو وجماعة من الأشرفية والعزيزية والناصرية، ونزلوا ~~بالمرج، وتوجهوا إلى حلب. . وكان السلطان قد ولى الأمير علم الدين الحلي المذكور نيابة السلطنة بحلب، ~~قبل حدوث هذه الواقعة، وأمر جماعة وهم : الأمير شرف الدين PageV01P097 ~~قيران الفخري، وجعل استادارا، والأمير بدر الدين جماق، ms028 وجعل أمير ~~جاندار، وعلاء الدين أيدكين الشهابي، وجعل مستد الدواوين . فجهز الأمير علم ~~الدين وسافر كما يسافر الملوك . # ولما بلغ السلطان حديث البرلي، كان قد جرد عسكرة قدم عليه الأمير فخر ~~الدين الحمصي، وأمره بالتوجه إلى الشام، وعسكرا وقدم عليهم الأمير جمال ~~الدين المحمدي للتوجه لمضايقة الكرك. وفي السابع عشر من شعبان سنة تسع ~~وخمسين، وردت مكاتبة الأمير علم الدين الحلبي يذكر [ب/ ۲۸ ب ) انه ساق ~~جريدة، ودخل حلب، الرابعة من نهار السبت ثالث شعبان، ودخلت بقية الحلقة ~~والأمراء الشاميين والمصريين في يوم الأحد. وحضر جماعة من العزيزية ~~والناصرية يطلبون الأمانات. # وكتب السلطان منشور الأمرة على جميع العربان للأمير شرف الدين عیسی ابن مهنا، وأطلق السلطان للعربان الغلات من بلد حلب. # واتفق أن جماعة من العسكر ساقوا خلف العزيزية والناصرية، ولم يصبر وا لمن خلفهم، فحصل لهم طمع، وبعد ذلك غلت الأسعار، حتى PageV01P098 عدمت الأقوات، فتوجه العسكر إلى دمشق، وبقي الأمير علم الدين، فحدثت أمور ~~أوجبت انفصاله عن حلب. ### | ذکر حضور مولانا الخليفة إلى الديار المصرية، وأخذ البيعة له، وما جرى له في العشر الآخر من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وستمائة # ورد کتاب الأمير علاء الدين البندقدار، والأمير علاء الدين طیبر س، ~~مضمونه أنه وصل إلى جهة دمشق، في أول الغوطة، رجل ادعي أنه أحمد بن الإمام ~~الظاهر بن الإمام الناصر، ومعه جماعة من عرب خفاجة في قريب الخمسين فارسا، ~~وأن الأمير سيف الدين قليب البغدادي عرف أمراء العرب المذكورين وقال « ~~بهؤلاء يحصل القصد من العراق ». فكتب السلطان بخدمته، وتعظيم حرمته، وأن ~~يسير صحبته حجاب ؛ فوصل يوم الخميس تاسع رجب سنة تسع وخمسين وستمائة. وخرج ~~السلطان للقائه، وجميع أهل المدينتين، وسائر الخلق ؛ وكان يوما مشهودة، وشق ~~المدينة، وهو لابس شعار بي العباس، وطلع القلعة راكبا، ونزل في المكان الذي ~~أخلي له، وهو مكان حسن الاشراف. # وفي يوم الاثنين، ثالث عشر رجب، أحضر السلطان الفقهاء والأئمة ~~PageV01P099 العلماء، والأمراء، والصوفية، والتجار، وجميع الناس بقاعة ~~العمد، وحضر الشيخ عز الدين عبد ms029 السلام، وحضر الخليفة - رضي الله عنه ~~! - والسلطان، وتأدب السلطان معه في الجلوس، فلم يفرش له طر احة، ولم يحط ~~له كرسي ولا منبر، وسئل العربان الذين معه، وخادم من البغاددة ،. فأخبروا ~~أنه الإمام المذكور، فشهدت جماعة الاستفاضة – وهم : القاضي جمال الدين ~~يحيى، نائب الحكم العزيز بمصر المحروسة، والفقيه علم الدين ابن رشيق، ~~والقاضي صدر الدين موهوب الجزري، ونجيب الدين الحراني، وسديد الدين ~~التزمنتي، نائب الحكم بالقاهرة - أنه الإمام أحمد بن الإمام بن الظاهر بن ~~الإمام الناصر، وشهدوا عند قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن الأعز خلف ~~بذلك، فأسجل على نفسه بالثبوت ؛ وقام قاضي القضاة في ذلك المحفل قائمة على ~~قدميه، واشهد على نفسه بالثبوت بحضور السلطان ؛ وسمي بالإمام المستنصر ~~بالله، اسم أخيه - رحمه الله تعالى ! - وبايعه مولانا السلطان على كتاب ~~الله، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - وعلى الأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأخذ أموال الله بحقها، وصرفها في ~~مستحقها. وبعد ذلك قلد مولانا الخليفة مولانا السلطان البلاد الإسلامية، ~~وما سيفتحه من أيدي الكفار - على ما سيذكر في التقليد الشريف، ثم. بايعه ~~الناس على اختلاف طبقاتهم. وكتب السلطان إلى البلاد بأخذ البيعة [ له ]، ~~وأن يخطب PageV01P100 باسمه على المنابر، وتنقش الصلة باسمه. # ولما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب المذكور، خطب الخليفة بالناس، في جامع ~~القلعة، واهتم السلطان بذلك، ونثرت جمل من الذهب والفضة، وحصل له توقف في ~~الخطبة. # وفي يوم الاثنين رابع شعبان، زكب السلطان إلى خيمة ضربت في البستان ~~الكبير، وسائر الناس في خدمته، وحملت الخلع صحبة الأمير مظهر الدين وشاح ~~الخفاجي، وخادم الخليفة. ودخل السلطان إلى خيمة أخرى، ولبس وخرج، وهو ~~كالبدر إذا طلع في الليلة الظلماء، وعليه عمامة سوداء مذهبة مزركشة، ودراعة ~~بنفسجية، وطوق، وعدة، وسيوف تقلد منها [ واحدا ] وحملت [ البقية ] خلفه ؛ ~~ولواءان، وبهمان كبيرانه، وترس، وغير ذلك مما جرت العادة به. وقدم له فرس ~~أشهب، في رقبته مشدة سوداء، وعليه كنبوش أسود وطلب الأمراء واحدة واحدة. ~~وخلع عليهم، وكذلك قاضي ms030 القضاة تاج الدين، والصاحب بهاء الدين، وصاحب ~~دیوان الإنشاء فخر الدين بن لقمان، منشي التقليد الشريف، وطلع على المنبر ~~الشريف، المجلل بالأطلس الأصفر، وقرأه على الناس كافة، ونسخته : ~~PageV01P101 # « الحمد لله الذي اصطفى الإسلام بملابس الشرف، وأظهر بهجة درره، وكانت ~~خافية بما استحكم عليها من الصدف ، وشيد ما وهي من علائه، حتى أنسى ذكر ما ~~سلف، وقيض لنصره ملوكا اتفق على طاعتهم من اختلف. # أحمده على نعمة التي رتعت الأعين منها في الروض الأنف، وألطافه التي وقف ~~" الشكر عليها فليس له عنها منصرف. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك ~~له، شهادة توجب من المخاوف أمنا، وتسهل من الأمور ما كان حزنا. وأشهد أن ~~محمدا عبده الذي جبر من الدين وهنا، ورسوله الذي أظهر من المكارم فنونا لا ~~فنا. - صلى الله عليه وعلى آله الذين أضحت مناقبهم باقية لا تفي، وأصحابه ~~الذين أحسنوا في الدين، فاستحقوا الزيادة من الحسني، [ وسلم تسليما كثيرة ]. # وبعد : فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقهم أن يصبح القلم راكعة ~~وساجدة في تسطير مناقبه وبره، من سعى فأضحى بسعيه الحميد متقدما، ~~PageV01P102 ودعا إلى طاعته فأجاب من كان منجدة ومتهما، وما بدت يد من ~~المكرمات إلا كان لها زندأ ومعصمة، ولا استباح حمي وغي إلا أضرمه نارة ~~وأجراه دما. # ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالي المولوي السلطاني ~~الملكي الظاهري الركني - شرفه الله واعلاه ! - ذكره الديوان العزيز النبوي ~~الإمامي المستنصري - أعز الله سلطانه ! - تنويها بشرف ؛ قدره واعترافا ~~بصنعه الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره، وكيف لا ؟ وقد أقام ~~الدولة العباسية بعد أن أقعدتها زمانة الزمان، وأذهبت : ما كان لها من ~~محاسن وإحسان ؛ وأعتب دهرها المسيء لها فأعتب، وأرضى عنها زمنها وقد كان ~~صال عليها صولة مغضب، فأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا، وصرف اليها ~~اهتمامه فرجع كل متضايق من أمورها رحبة ؛ ومنح أمير المؤمنين عند القدوم ~~عليه حنوا وعطفة، وأظهر من الولاء رغبة في ثواب الله ما لا يخفي ؛ وأبدى ~~ من الاهتمام بأمر ms031 PageV01P103 [ الشريعة والبيعة أمرا لو رامه غيره لامتنع عليه ولو تمسك بحبله متمسك ~~الانقطع به قبل الوصول اليه، ولكن الله ادخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ~~ثوابه، ويخفف بها يوم القيامة حسابه - والسعيد من خفف حسابه ؛ فهذه منقبة ~~أبى الله إلا أن يخلدها في صحيفة ! صنعه، ومكرمة قضت لهذا البيت الشريف ~~بجمعه ، بعد أن حصل الاياس من جمعه. وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصنائع، ويعترف أنه لولا اهتمامك [ بأمره ]• ~~لاتسع الحرق على الراقع ؛ وقد قلدك الديار المصرية، والبلاد والديار بكرية ~~والحجازية، واليمنية، والفراتية، وما يتجدد من الفتوحات غورة ونجدة، وفوض ~~أمر جندها ورعاياها اليك، حين أصبحت بالمكارم فردا، وما جعل منها بلدة من ~~البلاد، ولا حصنا من الحصون مستني، ولا جهة من الجهات تعد في الأعلى ولا في ~~الأدنى . # فلاحظ أمور الأمة، فقد أصبحت لها حاملا، وخلص نفسك من التبعات اليوم، ففي ~~غد تكون مسؤولا لا سائلا، ودع الاغترار بأمر الدنيا فما نال أحد منها طائلا ~~وما رآها أحد بعين الحق إلا رآها خيالا زائلا ؛ PageV01P104 فالسعيد من قطع ~~منها آماله الموصولة، وقدم لنفسه زاد التقوى فتقدمة غير التقوى مردودة لا ~~مقبولة، وابسط يدك بالإحسان والعدل، فقد أمر؟ الله بالعدل والإحسان ، [ ~~وكرر ذكره ] في مواضع من القرآن ؛ وكفر به عن المرء ذنوبة كتبته عليه ~~وآثاما، وجعل يوما واحدا منه كعبادة العابد ستين عاما، وما سلك أحد سبيل ~~العدل إلا واجتنبت ثماره من أفنان، ورجع الأمر به بعد تداعي أركانه وهو ~~مشيد الأركان، وتحصن به من حوادث زمانه - والسعيد من تحصن من حوادث الزمان. ~~وكانت أيامه في الأيام أبهي من الأعياد، وأحسن في العيون من الغرر في أوجه ~~الحياد، وأحلى من العقود إذا حلي بها عطل الأجياد. # وهذه الأقاليم المنوطة بك تحتاج إلى نواب، وحكام، وأصحاب رأي من أصحاب ~~السيوف والأقلام ؛ فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك فنقب " عليه تنقيبا، ~~واجعل عليه في تصرفاته رقيبا، وسلPageV01P105 عن أحواله، ففي يوم القيامة ~~تكون عنه مسؤولا، وبما أجرم' مطلوبة، ولا تول منهم إلا من تكون ~~مساعيه ms032 حسنات لك لا ذنوبا، وأمرهم بالأناة في الأمور والرفق، ومخالفة الهوى ~~إذا ظهرت أدلة الحق ؛ وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغر الباسم، ~~والوجه الطلق، وأن لا يعاملوا أحدة على الإحسان، والاباءة، الا بما يستحق ؛ ~~وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية ؟ إخوانا، وأن يوسعوهم برا وإحسانا، ~~وأن لا يستحلوا حرماتهم إذا استحل الزمان لهم حرمانا، والمسلم أخو المسلم، ~~ولو كان أميرة عليه أو سلطانة، فالسعيد من نسج ولاته في الخير على منواله، ~~واستنوا بسنته في تصرفاته وأحواله، وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل ~~أثقاله. # ومما يؤمرون به أن يمحي ما أحدث من سيء السنن، وجدد من المظالم التي هي [ ~~على الخلائق ] من أعظم المحن ؛ وأن يشتري بإبطالها المحامد [ فان المحامد ] ~~رخيصة بأغلى ثمن ؛ ومهما جبي منها من الأموال فإنما هي باقية في الذمم ~~حاصلة، وأجياد الخزائن أن أضحت بها حالية فإنما على الحقيقة منها عاطلة ؛ ~~وهل أشقى ممن احتقب إثما، واكتسب بالمساعي الذميمة ذمة، وجعل السواد الأعظم ~~يوم القيامة خصمة، وتحمل ظلم الناس فيما صدر عنه من أعمال، ووقد خاب من حمل ~~ظلما. PageV01P106 # وحقيق بالمقام الشريف، السلطاني، الملكي، الظاهري، الركني، أن تكون ~~ظلامات الأنام مردودة بعدله، وعزائمه تخفف ثقلا لا طاقة لهم بحمله ۳، فقد ~~أضحى على الإحسان قادرة، وصنعت له الأيام ما لم تصنعه الغيره ممن تقدم من ~~الملوك، وأن جاء آخرة. فاحمد الله على أن وصل إلى جنابك • امام هدى أوجب لك ~~مزية التعظيم، ونبه الخلائق على ما خصلك الله به من هذا الفضل العظيم. وهذه ~~أمور يجب أن تلاحظ وترعى، وأن يوالى عليها حمد الله، فإن الحمد يجب عليها ~~عقلا وشرعا؛ وقد تبين أنك صرت في الأمور أصلا وصار غيرك فرعا. # ومما يجب أيضا تقديم ذكره، أمر الجهاد، الذي أضحى على الأمة فرضا، وهو ~~العمل الذي يرجع به مسود الصحائف مبيضة، وقد وعد الله المجاهدين بالأجر ~~العظيم، وأعد لهم عنده المقام الكريم، وخصهم بالجنة التي لا لغو فيها ولا ~~تأثيم. وقد تقدمت لك في الجهاد يد بيضاء ms033 PageV01P107 أسرعت في سواد ~~الحساد، وعرفت منك عزمة هي أمضى مما تجنه ضمائر الأغماد، واشتهرت لك مواقف ~~في القتال هي أشهر وأشهى إلى القلوب من الأعياد ؛ وبك صان الله حمى الإسلام ~~من أن يبتذل، وبعز ملك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول ؛ وسيفك أثر في ~~قلوب الكافرين قروحة لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع مقر الخلافة إلى ما كان ~~عليه في الأيام الأول، فايقظ لنصرة الإسلام جفنة ما كان غاغية ولا هاجعة، ~~وكن في مجاهدة أعداء الله إماما متبوعة لا تابعا، وأيد كلمة التوحيد، فما ~~تجد في تأييدها إلا مطيعا سامعا. # ولا تخل. الثغور من اهتمام بأمرها، تبتسم له الثغور، واحتفال يبدل ما دجى ~~من ظلماتها بالنور .، واجعل أمرها على الأمور مقدمة، وشيد منها كل ما غادره ~~العدو متهدمة، فهذه حصون بها يحصل الانتفاع وهي على العدو داعية افتراق لا ~~اجتماع ؛ وأولاها بالاهتمام ما كان البحر له مجاورة، والعدو له ملتفتأ ~~ناظرة، لا سيما ثغور الديار المصرية، فإن العدو PageV01P108 وصل إليها ~~رابحة، وراح خاسرة، واستأصلهم الله فيها حتى ما أقال منهم عاثر.. . # وكذلك الأسطول الذي تری خیله کالاهلة، وركائبه سائقة بغير سائق مستقلة ؛ ~~وهو أخو الجيش السليماني، فإن ذاك غدت الرياح له • حاملة، وهذا تكفلت بحمله ~~المياه السائلة ؛ وإذا لحظها الطرف جارية في البحر كانت كالأعلام، وإذا ~~شبهها قال : « هذه ليال تقلع بالأيام » . # وقد سني لك الله من السعادة كل مطلب، وآتاك من أصالة الرأي الذي بريك ~~المغيب؛ وبسط بعد القبض منك الأمل، ونشط بالسعادة ما كان من كسل ؛ وهداك ~~إلى مناهج الحق - وما زلت مهتديا اليها – وألزملك؟ المراشد فلا تحتاج إلى ~~تنبيه عليها. والله يمدك بأسباب نصره، ويوزعك PageV01P109 شكر نعمه، فإن ~~النعمة تستثمر ؟ بشكره [ ان شاء الله تعالى ] .» # وركب السلطان، وشق المدينة، بعد أن زينت، وكان لبسه [ الخلعة، والطوق ~~الذهب، والقيد الذهب ]• والطالع السنبك. وحمل التقليد الأمير جمال الدين ~~النجيبي، استاذ الدار، والصاحب بهاء الدين في بعض الطريق. وبسط أكثر الطريق ~~تیابا " مشي عليها بفرسه، ووصل إلى قلعته، والخلائق تبتهل ms034 بالادعية ~~له، بخلود أيامه، واعزاز نصره، وأن يجعلها خلع الرضا منه، وعنوانا لخلع ~~الحنات. # وكان كما قال الشاعر : # وخلع خلعن من العداة قلوبهم %~% وملأن بالاشراق أبصار الملا # لما طلعت بها بهرت فلم يطق %~% طرف اليك من الشعاع تأملا # وبدا عليك الطوق رصع دره %~% فرأيت بدرة بالنجوم مكللا » # وشرع السلطان في الاستخدام لمولانا الخليفة، فكتب للأمير سابق الدين ~~بوزبا ۷، أثابك العسكر، بألف فارس ؛ والطواشي بهاء الدين صندل، الشرابي، ~~بخمسمائة فارس ؛ والأمير ناصر الدين بن صير م الخزندار، بمائتي فارس ؛ ~~والأمير الشريف نجم الدين، استاذ الدار PageV01P110 بخمسمائة فارس ؛ وسيف ~~الدين بلبان الشمسي، الدوادار، بخمسمائة فارس ؛ وكذلك جماعة من العربان ~~أمرهم، وحملت اليهم الطبلخاناه، والسناجق، وانفقت فيهم الأموال بعدة شهور ~~واشترى السلطان مائة مملوك جمدارية، وسلاحدارية، وأعطى كلا منهم ثلاثة أروس ~~خيلا، وجملا لعدته ؛ فلم يبق ممن تدعو الحاجة اليه : من صاحب دیوان، ولا ~~كاتب انشاء، ولا ديوان، ولا أئمة، ولا غلمان، إلا استخدموا، حتى الحكماء ~~والحرائحية. وصارت بيوته أكبر البيوت، لما جمعت من الخيول، والأسلحة، ~~والجنائب. ولما تكامل ذلك تقدم بالاستخدام، وبخروج العساكر. # وفي يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان سنة تسع وخمسين وستمئة، ركب الخليفة، ~~والسلطان صحبته، في السادسة من النهار، وساقا، فنزل كل منهما في دهليزه. ~~واستمرت النفقة في الاجناد الخليفية. ويوم العيد ركب السلطان صحية الخليفة، ~~تحت المظلة، وصليا العيد. وفي هذه الليالي حضر الخليفة إلى خيمة السلطان ~~بالمنزلة وألبسه الفتوه ؛ وحضرت جماعة يعتبر حضورهم في ذلك. # وفي يوم السبت سادس شوال رحلا متوجهين إلى الشام، فلما وصلا PageV01P111 ~~إلى الكسوها خرج عسكر الشام، ونزل السلطان بالقلعة، ونزل الخليفة في جبل ~~الصالحية، في تربة الملك الناصر. وجرد الأمير سيف الدين الرشيدي، والأمير ~~شمس الدين سنقر الرومي إلى جهة حلب، وأمرهم بالمسير إلى الفرات، وأنهم متي ~~ورد عليهم كتاب الخليفة يحضر إلى خدمته، إلى العراق، من يستدعيه منهم. # وركب السلطان فودع الخليفة، وسير اليه الملوك المواصلة. وورد کتاب الخليفة بأنه وصل إلى الحديثة " وعانا ، وولي فيهما، ولم يحترز ~~الخليفة، ولا طلب العسكر ms035 الذي كان توجه إلى الفرات مع الأمير سيف الدين ~~الرشيدي ؛ فكان ما قدره الله من انتقاله إلى جواره، مجاهدة في سبيل الله. . # قال لي السلطان : « الذي أنفقته على الخليفة، والملوك المواصلة ألف ألف ~~دينار وستون ألف دينار عينة ؛ والاقدار لا تعاند، وما النصر إلا من عند ~~الله، وإذا أراد الله شيئا أمضاه، ووعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. PageV01P112 ### | ذكر ما اعتمده السلطان في حركته إلى الشام سنة تسع وخمسين وستمائة، وصلح الفرنج # قد ذكرنا توجه السلطان صحبة الخليفة، وجرت أمور في أثناء ذلك، منها : أنه ~~لما توجه الأمير علم الدين الحلبي عائدة إلى دمشق بقيت حلب خالية، فحضر ~~البر لي وجماعته [ اليها ] ؛ وسير الحلبي رسولا منه إلى السلطان يبذل له ~~الطاعة، فأبي السلطان إلا حضوره إلى الخدمة. ووصل السلطان إلى دمشق، فجرد ~~العساكر - على ما ذكرناه - ولما بلغ البرلي ذلك انفصل عن حلب، وسار العسكر، ~~فوصل إلى حلب ؛ ورحل منها، ولم يزل سائقة إلى الفرات وعاد فأغار على بلاد ~~أنطاكية، وكسب العسكر، وغنم، وحرق للعدو غلالا، ومراكب، وعاد العسكر. . # وكان السلطان قد رسم بتقليد ؟ بنيابة حلب للأمير علاء الدين البندقدار، ~~فكتب، وأقام بها والبلاد في أشد ما تكون من غلاء الأسعار، وعدم الأقوات، ~~فتضرر العسكر من عدم الأقوات ولم تمكنه الإقامة. # ووصلت كتب ألبرلي يسأل الصلح، وسير الأمير علم الدين جلم الأشرفي، ومعه ~~كفنه وسيفه، ويقولون أنهم اندفعوا قدام العسكر طاعة ؛ فكتب اليهم بأطابة ~~قلوبهم. ووصل الأمير علاء الدين إلى حماه، فأقام بها. وورد کتاب البر لي ~~يعتذر من رجوعه، PageV01P113 وأنه ما رجع الا طائعة، وأن الأمير علاء الدين ~~انفصل عن حلب اختيارة منه، ولو أقام لما قصده أحد. وتوالت كتبه بالاعتذار، ~~واستأذن في توجهه إلى الموصل، والسلطان يغلظ له وقتأ، ويلين وقتا آخر. # وجرد السلطان العساکر صحبة الأمير شمس الدين سنقر الرومي لنجدة الموصل، ~~وأنفق فيهم المال. وبلغ البر لي الخبر فسار إلى جهة. سنجار، والتقى التتار، ~~وكان ما قدره الله من خذلانه، وذلك أنه سار وأهل البلاد ms036 يدعون عليه ~~لما فعله معهم، من نهب الأموال، واخراب البيوت، والنصر لا يكون إلا باطابة ~~القلوب، والابتهال بالأدعية، وبسط العدل، ولا أفلح من ظلم، ولا صر من دعي ~~عليه. ووصل العسكر المنصور إلى دمشق، واستصحب عسكرها، وسار إلى جهة حلب. ### || ومن ذلك : حضور الملوك إلى الساطان بدمشق ومصر : ### ||| الملك الصالح صاحب الموصل : وردت الكتب من دمشق بحضور الملك الصالح، المذكور، بأهله وأولاده وغلمانه، ~~فكتب السلطان إلى نواب دمشق بالمبالغة في خدمتهم، وعبيت لهم الإقامة من ~~دمشق إلى مصر ؛ فوصل في شعبان سنة تسع وخمسين وستمئة، وتلقاه السلطان [ / ۲۰ ] وأنزل في آدر أخليت له. ووصل بعده بمدة أيام الخبر بوصول أخيه الملك ~~المجاهد، صاحب الجزيرة، فاعتمد السلطان في خدمته ما اعتمده في حق أخيه في ~~الشام ومصر، من التلقي والخدمة. وأما الملك المظفر، صاحب سنجار، أخوهما، ~~فإنه كان اعتقله العزيزية - كما ذكرنا - في بعض قطع حلب، فبعث السلطان ~~PageV01P114 أطلقه، وكتب الكتب برد ما أخذ له، وغلظ على الأمراء بسبب ذلك.، ~~ووصل إلى الديار المصرية، فأحسن السلطان اليه ؛ ولما أن وصل أخواه استأذن ~~في تلقيهما، وخرج واجتمع بهما. # وصار الافتقاد لا ينقطع عنهم، ولا الخيول، والحوائص، والخلع، لهم ~~ولأصحابهم، عند لعب الكرة ؛ وعينت جماعة من البحرية برسم خدمتهم، وتصريف ~~مهماتهم. # ثم رسم السلطان بكتابة تقاليدهم ببلادهم [ التي فوضت إلى السلطان ] من ~~مولانا الخليفة ؛ فكتب تقليد الموصل وبلادها وقلاعها للملك الصالح ركن ~~الدين اسماعيل، وهي : الموصل وولاياتها ورساتیقها، ونصيبين وولاياتها، ~~بالوصا والجزيرة ؛ مدينة بوازيج وما يتعلق بها الزيادة عقر، شوش، ودارا " ~~وأعمالها - القلاع العمادية وبلادها، PageV01P115 كواشي وبلدها، أهرور ~~وبلدها ؛ جلصورا وبلدها، کنکور؛ وبلدها وكتبت بلاد الجزيرة وأعمالها للملك ~~المجاهد : سيف الدين اسحاق - وزيادة حمرين - وكتبت للماك المظفر سننجار ~~وأعمالها. وكتب لعلاء الملك، ولد الملك الصالح المذكور تقليدة بقلعة ~~الهيثم. ولما خرج السلطان متوجها إلى الشام، وخيم بظاهر القاهرة، سيترت هذه ~~التقاليد إليهم، وصحبتهما الأحمال الكوسات، والسناجق، والأموال برسم ~~التجهيز ه، واعفوا من الحضور والخدمة عليها. # وساروا صحية السلطان إلى الشام، فسلطنهم - وذلك أنه ms037 أحضرهم مجلسه ؛ ~~وجهز لهم خيل النوبة، والعصائب، والحمدارية ولبسوا الخلع، وقبلوا الأرض، ~~وخرجوا، والمولى الأتابك في خدمتهم بشعار السلطنة ؛ وأعطاهم في لعب الكرة ~~شيئا كثيرة ؛ وتوجهوا صحبة الخليفة، فاتفق انفصالهم منه في أثناء الطريق ~~لأسباب جرت. # وتوجه كل منهم إلى مملكته، فأما الملك الصالح فتوجه إلى الموصل، وأقام ~~بها، ونواب السلطان معه ؛ فاتفق اجتماع التتار على الموصل ومحاصرتهم لها. ~~وأما أخواه فإنهما خافا من مهاجمة العدو، فوصلا PageV01P116 إلى الشام، ~~وأذن لهما السلطان في الحضور وسألا انجاد أخيهما، فأجابهما، وجرد الأمير ~~شمس الدين سنقر الرومي، وجماعة من البحرية والحلقة، فسافر في رابع جمادى ~~الأولى وكتب إلى دمشق بخروج عسكرها صحبة الأمير علاء الدين الحاج طيبر س، ~~ورحل عسكر مصر، وعسكر الشام من دمشق، في عاشر جمادى الآخرة. . ### ||| حضور الملكين صاحب حمص وصاحب حماه # لما وصل السلطان إلى دمشق وصل إلى خدمته الملك المنصور، صاحب حماه، ~~والملك الأشرف، صاحب حمص ؛ فتلقاهما بالاكرام وأنعم عليهما بخيل النوبة، ~~والعصائب، وشعائر المملكة، وركب كل منهما 3 بمفرده، والأمراء متر جلون في ~~خدمتهما ؛ وكتب لهما ؛ بالتقاليد وزيد الملك الأشرف تل باشر، والملك ~~المنصور بلاد الاسماعيلية، وتوجها إلى بلادهما. ### || ذكر الصلح مع الفرنج # لما توجه السلطان إلى جهة الشام سیر سیر جوان دبلين، كنديافا، يبذل ~~PageV01P117 الطاعة، وحمل الإقامات. وكان السلطان وجماعة من الأمراء قد ~~بعثوا شيئا عظيمة من الشعير والدقيق في البحر، من جهة دمياط إلى يافا ؛ ~~ولما وصل السلطان إلى العوجا سير کنديافا يسأل الأمان للحضور إلى الدهليز، ~~فساق الأتابك اليه فأخذه وحضر به فأكرمه الساطان، وكتب له منشورة ببلاده، ~~ورده مسلمة إلى مدينته. # ولما استقرت الأخبار عند الفرنجية بقدوم الركاب الشريف بعثوا الإقامات ~~العظيمة، وبعثوا رسلهم يهنون السلطان بالسلامة. ولما وصل إلى دمشق حضر رسول ~~من جهة عكا يسأله أمانا للرسل، المتوجهين من البيوت كلها، فكتب إلى والي ~~بانياس بتمكينهم فحضر أكابر الفرنج، والتمسوا الصلح، فتوقف السلطان عليهم، ~~وطلب منهم أمور كثيرة، فلما امتنعوا زجرهم السلطان وأهانهم. وكان العسكر قد ~~توجه للغارة على بلادهم من ms038 من جهة بعلبك، فسألوا في رجوعه، واتفق ~~غلاء الأسعار بالشام، وان كثرة الحلب انما يكون من بلاد الفرنج، فتقرر ~~الصلح على ما كان الأمر عليه إلى آخر الأيام الناصرية، واطلاق الأسارى من ~~حين انفصال الأيام المذكورة إلى وقت الهدنة، وتوجهت الرسل معهم لأخذ العهود ~~عليهم. وكذلك تقررت الهدنة لصاحب يافا، ومتملك بيروت على حكم الأيام ~~الناصرية إلى آخرها. وأمنت السبل، وكثر الجلب. # وشرع السلطان في جمع الأسارى، وسير هم حفظا للعهد، إلى مدينة نابلس، ~~والفرنج بكاسرون في أمر الأسارى من يوم إلى يوم، ولما طال ذلك رسم السلطان ~~بنقل الأسارى إلى دمشق، واستعمالهم في العمائر. وتعلل الفرنج بالعوض عن ~~زرعين، فأجابهم السلطان : « انكم أخذتم العوض PageV01P118 عنها في الأيام ~~الناصرية، من مرج عيون، وقابضتم صاحب تبنين مواضع، والمقايضة في أيديكم، ~~فكيف تطلبون العوض مرتين ؟ فإن كنتم باقين على العهد، وإلا فما لنا شغل إلا ~~الجهاد ». فوردت كتبهم يتنصلون، وبقي الحال موقوفة. ### | ذكر ما فعله في الشام # لما دخل السلطان إلى دمشق جهز الخليفة - كما ذكرناه - والملوك - حسبما شرحناه - وحضر اليه أمراء العربان، فأعطاهم، ووصل أرزاقهم، وسلم ~~لهم بخفر البلاد، وألزمهم حفظها إلى حدود العراق وفوض إلى الأمير علاء ~~الدين الحاج طی بر س الوزيري نيابة السلطنة بالشام وولي القاضي شمس الدين ~~أحمد بن خلكان، على ما ذكرناه. # ولعب السلطان في ميدان دمشق، فرأيت في خدمته جماعة من الملوك، وهم : ~~الملك الصالح، صاحب الموصل ؛ الملك المجاهد، صاحب الجزيرة والملك المظفر، ~~صاحب مسنجار، الملك علاء الملك ؛ الملك الأشرف، صاحب حمص، عمه الملك الزاهر ~~بن أسد الدين ؛ الملك المنصور، صاحب حماه، وأخوه الملك الأمجد تقي الدين بن ~~الملك PageV01P119 العادل أبي بكر، الملك المنصور والملك السعيد والملك ~~المسعود أولاد الصالح اسماعيل والملك الأمجد وإخوته أولاد الملك الناصر ~~داود ؛ الملك الأشرف ابن اقسيس، الملك القاهر بن المعظم، وجماعة كبيرة منهم ~~؛ وهذا ما لا رآه مالك آخر. حكى ابن الأثير في تاريخه ، قال : « ركب ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمه الله ! - في بعض الأيام، ~~فعضده رجل ms039 كان في خدمته من السلاجقة، وعدل ثيابه رجل من بيت أتابك، فرآه ~~رجل فقال : «ما بقيت تبالي بالموت بعدها يا بن أيوب، سلجوقي يعضدك وأتابكي ~~يعدل ثيابك » فأين هذا القائل يشاهد السلطان، وهؤلاء الملوك في خدمته ؟ ### | ذكر الغارة على العرب والفرنج # لما وصل السلطان إلى الشام جرد الأمير جمال الدين المحمدي، وجرد معه ~~جماعة من العسكر المنصور، ورسم له بالإغارة على بلاد الفرنج ؛ فساقوا، ~~ونهبوا وكسبوا وعادوا سالمين. وجرد جماعة من البحرية، وكم الخبر ؛ وكان ~~السلطان بلغه أن جماعة من عرب زبيد قد كثر فسادهم، وأنهم مخالطو الفرنج، ~~ويدلونهم على عورات المسلمين، فساق الجماعة اليهم، فانتهبوا أموالهم، ~~وذبحوا منهم جماعة، وكفى الناس شرهم . PageV01P120 ### | ذكر عود السلطان إلى الديار المصرية # ولما استقرت هذه الأمور بالشام عاد الركاب الشريف إلى الديار المصرية، ~~وذلك في يوم السبت سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وخمسين، ووصل إلى مستقر ملكه، ~~وطلع بدست المملكة كما ينتقل البدر في منازله، ويطلع في بروج شرفه، فعم ~~غلمانه وأتباعه بالخلع والاحسان. ### | ذكر أخذ الشوبك # جهز السلطان الأمير بدر الدين الأيدمري، وبعث صحبته جماعة، وما أعلم أحدا ~~ممن جرده بتوجههم إلى أي جهة، وسار فوصل إلى الشوبك، وبذل الأموال والخلع، ~~فلما كان يوم الأحد وقت العصر تستمت ؛ ووصل الخبر بتسليمها في سادس وعشرين ~~الشهر وولى فيها سيف الدين بلبان المختصي، واستخدم فيها النقباء والجنادرة، ~~وأفرد الخاص القلعة ما كان في الأيام الصالحية. PageV01P121 ### | ذكر الصلح مع صاحب الكرك # كان السلطان لما ملكه الله قد ترددت بينه وبين الملك المغيث. صاحبها، عدة ~~رسائل ؛ وكان الملاك المغيث قد سير في الباطن إلى جماعة من الشهر زورية، ~~واستمالهم اليه، وهربوا إلى الكرك ؛ وكان السلطان قد سير عسكرا مقدمه ~~الأمير شجاع الدین طغربل الشبلي" إلى جهة الشوبك فأغاروا على البلاد مرة ~~بعد مرة، وعسكر السلطان يردهم، ويصدهم، ولما كثر ذلك جرد السلطان الأمير ~~جمال الدين المحمدي، وتوجه إلى الكرك يحاصرها، فنزل عليها، وضايقها، ثم رحل ~~عنها إلى جهة حلب، على ما ذكرناه. # ولقد قال السلطان ms040 : «والله ما قصدته بسوء حتي ابتدأ به، وسير إلى بلادي ~~أفسد الشهر زورية، واستعان بهم على فساد». وشرع السلطان في تجهيز عسكر آخر، ~~فوردت رسل صاحبها إلى الخليفة يسأله الشفاعة، فكتب إلى السلطان وشفع، وعاود ~~فقبل شفاعته، ولم يسير أحدة، وسير الخليفة رسولا" صحبة رسول السلطان. ولما ~~خرج السلطان إلى جهة الشام وردت الرسل من جهته، ولم يتقرر حال، والوافدون ~~من جهته تتواصل، وأهل البلاد يطلبون رضى السلطان. # وكان الملك المغيث قد سير ولده إلى هلاون، وعاد إلى دمشق، واتفق دخول ~~الملك المظفر اليها، فأحضره إلى مصر، فاعتقل بها، ولما ضاق الحال ~~PageV01P122 على الملك المغيث، وقلت حيلته، ورأى الأمر عليه قد صعب، شرع في ~~استعطاف السلطان، فأبقي السلطان عليه الكرك وبلادها، وأطلق الملك العزيز ~~ولده، وأقطعه دبيان بمنشور شريف، وحلف السلطان لوالده. ثم بعد ذلك سير ~~السلطان له سنجقة، وشعار السلطنة، فقبل عقب السنجق، وركب بشعار السلطنة. ~~واستأمن الشهر زورية إلى السلطان، فعفا عنهم، وأمر بعضهم. ### | ذكر تحليف الناس لولي العهد # ثم أن السلطان باشر عرض العساكر بنفسه ؛ وحلف الناس لولي العهد الملك ~~السعيد ناصر الدين خاقان برکه خان - جمع الله به الشمل، وأتم نعمته عليه ~~كما أتمها على أبويه من قبل ! فحلف الناس بامال منبسطة وطاعة غير مشترطة، ~~وعهود بالوفاء مغتبطة. وسيرت نسخ الأيمان إلى القلاع، فحلف الناس جميعهم. ### | ذکر متجددات # في نصف رجب سنة ستين وستمئة وردت جماعة من البغاددة، مماليك الخليفة ~~الذين كانوا تأخروا في بلاد العراق بعد قتل الخليفة، ومقدمهم PageV01P123 ~~الأمير شمس الدين سلار، فالتقاهم السلطان بالإحسان، وأعطي الأمير شمس الدين ~~سلار خمسين فارسأ في الشام، نصف مدينة نابلس، ثم غيره له، وأعطاه طبلخاناه. ~~بمصر ؛ فلما شاهد إحسان السلطان كتب إلى من تأخر من خوشداشيته، وإلى أصحابه ~~من خفاجه، يعلمهم بالحال كما قال الله تعالى: «يا ليت قومي يعلمون بما غفر ~~لي ربي وجعلني مین المكرمين » . # وكان قد جرى من الأمير سيف الدين قليب البغدادي المستنصري أمر أوجب ~~اعتقاله، بعد أن كان السلطان أعطاه الاقطاعات العظيمة، ms041 له ولولده، ~~فلما كان في بعض الأيام افتكره السلطان وعلم أنه لعظم ذنبه لم يجسر أحد من ~~الأمراء يشفع فيه عنده، وأن الأسباب انقطعت عنه، فأطلقه بغير شفيع، وجعله ~~يلعب معه الكرة، وشاهده البغاددة الواصلون على هذه الحالة، فدعوا للسلطان ~~وشکر وا حلمه . # وفي شعبان سنة ستين وستمئة ، وصل الأمير سيف الدين الكرزي، والقاضي أصيل ~~الدين خواجا إمام، رسولات السلطان اللذان کانا توجها إلى الأنبر ور، ~~وصحبتهما كتابه، ويذكر انه انه اهتم بهما اهتماما عظيمة، وأحضرهما ساعة ~~الوصول قبل أن يستريحا، وأن الانبر ور تجمل لهما تجملا عظيمة، وعرضت عليه ~~الهدية، فأعجبته الزرافة إعجابا PageV01P124 عظيما، وشاهد التتار المسيرين اليه، وقرىء عليه كتاب السلطان وهو يردده، ~~ويتفهمه ؛ وجهز رسولا وهدية تحضر صحية رسله فيما بعد. ولما وصل رسل السلطان ~~المذكورون كان في جملتهم نفر ان من البحرية أمر السلطان بتأديبهما، لأنه ~~بلغه سوء اعتمادهما، وسير هما إلى قلعة الجزيرة يعملان فيها. # وكذلك الأمير شرف الدين الجاكي، والشريف عماد الدين الهاشمي، وصلا من عند ~~صاحب الروم عز الدين کيکاوس بن كيخسرو، وصحبتهما الأمير ناصر الدين نصر ~~الله بن كوخ رسلان، أمير حاجب، والصدر صدر الدين الأخلاطي "، رسولان منه، ~~ومعهما كتابه إلى السلطان يتنزل فيه تنزلا عظيمة، وأنه نزل للسلطان عن نصف ~~بلاده ؛ وسير در وجة فيها علائم بما يقطع من البلاد لمن يختاره السلطان، ~~ويؤمره، ويكتب له من جهته منشورة قرين منشور صاحب الروم. # فلما وصل الرسل أكرمهم السلطان، وسكن جأشهم، وشرع في تجهيز جيش نجدة ~~لصاحب الروم، وأمر بكتب المناشير، وعين الأمير ناصر الدين أغلمش، السلاح ~~دار الصالحي، لتقدمة العسكر، وعين له ثلاثمئة فارس، وأقطعه في الروم. # ووصلت تذكرة على يد الأمير ناصر الدين المذكور، نسختها بالعربية بمقتضى الوقت والحال. PageV01P125 « حصل من جهة حضرة جلال السلطنة - أجلتها ~~الله ! - للجناب ۱ المحروس، الاسفهسالار ، الأجل، الكبير، العالم، العادل، ~~المؤيد، المنصور، المظفر، المجاهد، المثاغر، المعاون، المساعد، المفاخر، ~~ناصر الدين، نصرة الإسلام، عدة الملك، عمدة الممالك، ذخيرة الحضرة كهف ~~الجيوش، قائد العساكر، نصرة الغزاة، سيد ms042 الأمراء والحجاب، صاحب السيف ~~والقلم، عضد الملوك والسلاطين، ایناقتلغ ملكا وفادار خاص، سوباشي سيد ~~الأمراء والخواص، ملك الحجاب، ناصر الدين، حاكمة مطلقة، وسلم اليه ~~المناشير، وشرف بما يليق به، ورسم له بالسنجق ؛ والمنديل واليد کجاري ~~العادة وسير إلى خدمة الجناب العالي، المولوي، الملكي، الظاهري - خلد الله ~~سلطانه ! – وأقسمنا بالله - سبحانه وتعالى - وابتدینا بوالله والله والله، ~~وتالله وتالله وتالله، وبالله وبالله وبالله، الطالب، الغالب، الضار، ~~النافع، المدرك، المهلك، الحي، القيوم، الذي أرسل مائة ألف نبي [و] أربعة ~~وعشرين ألف نبي إلى الخلائق كافة، وبالحلال والحرام - يعني الطلاق - أنه ~~مهما أمر به مولانا السلطان الملك الظاهر - خلد الله سلطانه ! – بحضور ~~الأمير ناصر الدين، هو مقرر على ما يتقرر، من غير تبديل ولا تغيير، على ~~جماعة الأمراء وغيرهم، لا يتطرق إلى ذلك كلام أحد، ولا يسمع في ذلك قول ~~قائل " ولا ينقضه .PageV01P126 وهذه اليمين يميني، وقد حلفت بها مهما من ~~المدن والاقطاعات والملكية، وغير ذلك ؛ مهما قرر ورسم يكون مقررة على الوجه ~~الذي يؤمر به ؛ ولا يعزل أحد من الجماعة المذكورون وكل من أحضر من الديوان ~~العالي، المولوي، السلطاني، الملكي الظاهري، مثالا أو توقيعة، يمتثل ذلك ~~بعد اليوم. وصار البيتان واحدة، والمحبة الكلية تؤكد ذلك ؛ ووالله على ما ~~نقول وكيل. # كتب في أواخر جمادى الآخرة سنة ستين وستمائة. # وكتب السلطان للأمير ناصر الدين، الرسول المذكور، منشورة بثلاثمئة طواش ~~3، وأقطعه آمد؛ وأعمالها، وتقرر سفره صحبة العسكر المتوجه، وأن يتوجه صدر ~~الدين، الرسول الآخر، صحبة رسل السلطان في البحر، إلى السلطان عز الدين، ~~واعلامه بأن السلطان قد أجاب داعيه، ولبى مناديه ؛ ووقع الاهتمام في كتب ~~المناشير، وتجرید الأمراء من حلب والشام . # وفي شهر رجب من هذه السنة وصل الأمير. عماد الدين ولد الأمير مظفر الدین ~~صاحب صهيون، رسولا من جهة أخيه الأمير سيف الدين، وصحبته الهدايا الحسنة، ~~فأحسن اليه السلطان وكتب PageV01P127 له منشور في بلاد حلب بثلاثين فارسا؟، ~~وكتب له منشورة آخر في البلاد الرومية بمائة طواش. # وفي هذا التاريخ وصل کتاب صاحب الروم، يذكر ms043 فيه أن العدو لما بلغهم ~~اتفاقه مع السلطان خافوا من هيبته، فولوا هاربين، وأنه سير إلى قونية " ~~يحاصرها ليأخذ من بها من أصحاب أخيه. # وفي هذا التاريخ وصل كتاب السلطان الملك المنصور، صاحب حماة، وصحبته قصاد ~~وصلوا اليه من التتار، وعلى أيديهم فرمان الملك المنصور، فشكر السلطان على ~~ذلك، واعتقل القصاد. # وفي هذا التاريخ وصلت كتب الأمير عز الدين، أمير جاندار، مقدم العسكر ~~المتوجه إلى جهة الصعيد للعربان ، بتبديد شملهم ؛ وسبب ذلك سوء اعتمادهم، ~~وتعديهم على الأمير عز الدين الحواش، والي قوصه، وقتله ؛ وأنه أراح ~~المسلمين من فسادهم، والله لا يحب الفساد. # وفي شعبان من هذه السنة توالى وصول جماعة ممن كان صحبة البرلي، ~~PageV01P128 من العزيزية والناصرية، وأحسن إليهم السلطان، ولم يؤاخذ أحدة ~~منهم بشيء مما جرى. # ووصل الأمير فارس الدين أقوش المسعودي، الذي كان توجه رسولا إلى الأشكري ~~؛ وكان قد سير الأشكري إلى السلطان يلتمس منه بطركة للنصارى الملكيين، فعين ~~الرشيد الكحال لذلك، وسير اليه صحبة الأمير فارس الدين المذكور، فأكرمه ~~وأكرم من صحبته من جماعة الأساقفة، وأعطاه. ولما وصل البطرك المذكور أحضر ~~هدية كبيرة، من جملتها مصوغ من فضة، وقماش، وذهب، وما تحصل له من مال، فرد ~~السلطان ذلك عليه. # وكان قد صادف وصولهم إلى الأشكري فتح القسطنطينية، فركب یومة ليفرج فارس ~~الدين المذكور فيها، وفي عمائرها، ثم عبر على مكان فقال : « جامع، وقد ~~أبقيته ليكون ثوابه للسلطان. فلما سمع السلطان هذا الخبر فرح به، وأعجبه ~~كون الله - سبحانه وتعالى ! - هيأ هذه الحسنة في أيامه، وجعل شعار الإسلام ~~يقام في بلاد الكفر بهيبته وأمر لوقته بتجهيز الحصر العبداني، والقناديل ~~المذهبة، والستور المر قومة، والمباخر، والسجادات، والمسلك، وماء الورد، ~~والعنبر، والعود. # وإذ قد جرى ذكر هذا المسجد فنذكر ما نقل ابن حمدون في كتابه « التذكرة » ~~[ في ] سبب بنائه، قال : « في سنة ست وتسعين وقع الصلح مع الروم على أن ~~يبني بها مسجد جامع، فبني، ولما طالت مدته جعلوه جبا . وقال غيره ان الصلح ~~كان قد تقرر على أن يبني ms044 مسجد قدر جلد PageV01P129 بعير، وتقررت ~~العهود على ذلك، فلما استقر الحال عمد المسلمون إلى جلد بعير، فقدوه سیورة، ~~ومدوها، فأنكر الروم ذلك، فقال المسلمون : ان هذا جلد البعير، ما زدنا عليه ~~شيئا، وعليه كان الاتفاق ». فسكتوا وقيل أن بانيه مسلمة بن عبد الملك في ~~أيام أخيه الوليد، وقد كان يزيد بن معاوية، في سنة إحدى وخمسين من الهجرة، ~~غزا القسطنطينية، ومعه أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ! - فلما حضرته الوفاة وصى أنه يترك تحت أرجل الخيل حتى تدوسه خيل ~~المجاهدين ؛ ففعل ذلك ؛ وقيل انه دفن تحت سورها، والروم إلى الآن يستسقون ~~المطر - إذا اتحبس عليهم الغيث - بقبره، ويدعون الله تعالى به. PageV01P130 # وقد كان الملك الناصر صلاح الدين - رحمه الله ! - لما صالح ملكها أراد أن ~~يعمر هذا الجامع، ويخطب له فيه، وسير ابن البرار في هذا السبب، فما أجابه ~~الروم، ولا مكنوه منه، وأخر الله تعالى ذلك ليكون أجره للسلطان، وفخره ~~لدولته، وذكر الله فيه بطريقه. وهذا عمل صالح للسلطان لأن الله تعالى يقول ~~: في ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار، ولا ينالون من PageV01P131 عدو نيلا، ~~إلا كتب لهم به عمل صالح که. # وفي هذه السنة توالت التجار من اليمن في سنة واحدة مرتين، وسبب ذلك عدل ~~السلطان. وقد كان التجار سافروا إلى اليمن، وعزموا على الإقامة، فلما بلغهم ~~عدل السلطان سافروا في غير أوان السفر، ووصلوا ناس بعد ناس. وهذا ما لا سمع ~~بمثله. ومن هيبة السلطان أن التجار وصلوا بأموال عظيمة في براري عيذاب ~~عندما هرب العربان قدام العساكر، وخلوها من وال، وذلك عندما جرى على عز ~~الدين الحواش ما ذكر، ولم يتعرض أحد إلى شيء من أموال التجار. ### | ذکر نزول العساكر على انطاكية ورجوعهم عنها # قد ذكرنا تقدم العساكر السلطانية إلى جهة حلب ؛ ولما استقرت بالبلاد الحلبية صلحت الأمور، وحفظت الغلات. وكان البرنس صاحب ~~انطاكية مستمرة على ما هو عليه من التخوف من المهابة السلطانية، فحصل ~~التقدم للعساكر بالاغارة على بلاده، فتوجهت العساكر اليها صحبة ms045 ~~الأمير شمس الدين سنقر الرومي ؛ وكان من جملة من صحبته صاحب حمص، وصاحب ~~حماه، والأمراء كلهم، فنازلتها، وأخذت الميناء، PageV01P132 وأحرقت ~~المراكب، وأخذت حواصلها، وحاصرت السويداء وأخذتها، وقتلت، وأسرت، وجاهدت ~~أحسن جهاد، وعادت ودخلت القاهرة في يوم الخميس تاسع وعشرين شهر رمضان سنة ~~ستين صحبة الأمير المذكور، وصحبته الأسرى وهم مائتان نیفا وخمسون أسيرة، ~~فأحسن السلطان إلى المقدم المذكور والأمراء، وسير الخلع إلى الملوك ~~المذكورين إلى بلادهم. # وفي محرم سنة إحدى وستين خرج إلى الصيد بأوسيم، وصحبته الملك السعيد ~~والأمراء، فتصيد، ورمي البندق، وخلع على الأمراء جميعهم الخلع الفاخرة ~~الكاملة، وعم" بما سير اليهم من الأغنام وغير ذلك. وانتقل إلى البركة الصيد ~~أيضا، فجرى على عادته في الإحسان إلى من صحبته من الأمراء والخواص. ### | ذکر حضور الأمير شمس الدين البرلي، وما جرى له # قد ذكرنا أحوال الأمير شمس الدين أقوش البرلي العزيزي، وما جرى له في ~~بلاد حلب، ولم يزل السلطان يرغبه، وير هبه، ويضيق عليه PageV01P133 المجال، ~~ويبسط له الآمال، إلى أن سأل الدخول في الطاعة، فأجابه السلطان إلى سؤاله، ~~فوصل إلى دمشق، وكتب السلطان بالإحسان إليه، ورتب له الإقامات في جميع ~~الطرقات إلى مصر، وكان متمر ضا من جراحة في رجله [ف ] سيتر له الأدوية، ~~وسير اليه الأمير بدر الدين بكتاش، أمير سلاح، أحد أمرائه، لتلقيه ؛ واهتم ~~به اهتماما عظيمة. # وفي ثاني ذي الحجة سنة ستين وصل إلى القاهرة، وركب السلطان لتلقيه، وسير ~~اليه من المال والخلع والقماش والخيول والبيوتات شيئة لعله يكون خزانة ملك، ~~ولم يترك شيئا مما يحتاجه الأمراء إلا وسيره اليه، وأعطى كل من وصل معه من ~~الأمراء وغيرهم [ کلا] على قدر منزلته، فاستغى في وقت واحد، وحصل له ما ملأ ~~خزانته، واسطبلاته، ومناخاته، ودوره، وفاض على غلمانه. ثم بعد ذلك كتب له ~~منشورة بستين فارسة، وأعطاه طبلخاناه [ ب ه 4 ب) وكذلك الأمراء الواصلون ~~صحبته أمرهم، وأحسن اليهم. ولما استقر كتب إلى السلطان يطلب منه زيادة في ~~الشام أو في نابلس، أو بلاد الصلت، أو بلاد ms046 بعلبك، أو في حران، وينزل ~~عن البيرة، ويقول ان قدرته تعجز عنها، فشكره السلطان، ولم يقبل البيرة منه، ~~وقال : « أنا أرجو لك الزيادة ». # وصار السلطان يقربه، وهو مساره إذا ركب، ومشيره إذا جلس، ولسانه إذا قال، ~~ويده إذا صال ؛ وساهمة في كل شيء حتى فيما يكون بين يديه مما يستطرف، ولم ~~يفارقه في صيد ولا غيره، ولم يزل يسأل حتى PageV01P134 قبل منه البيرة، ~~وأعطاه الرها وغيرها، وأمر مماليكه، وسافر في الخدمة إلى الطور، والسلطان ~~يفتقده طول الطريق بأنواع الإحسان، ولم يزل كذلك حتى جرى منه ما أوجب التغير عليه، وأمسكه، وذلك في شهر رجب سنة إحدى وستين ~~؛ وأحسن إلى أهله وولده، وقرر لهم الرواتب واستمر با قطاعاتهم في مصر. ### | ذکر وصول جماعة التتار الوافدين إلى الباب الشريف # لم يزل السلطان مهتمة بأمر الأعداء، ومحترزا من مكائدهم، وآخذة بالحزم في ~~أمورهم، وقصاده لا تنقطع من بغداد، وخلاط 3 وغيرهما من بلاد الشرق والعجم، ~~وهو يغرم عليهم الأموال الكثيرة، لأن من يسافر في هذا المهم، ويسخو بنفسه ~~لا بد أن يأخذ مثل ديته ؛ ولولا ذلك ما غرر أحد بنفسه. فلما أرشد الله ~~السلطان لهذه المصلحة ترددت القصاد، وتعرفت بمن يطاعها على البواطن ؛ ~~وكاتبهم السلطان، وسير اليهم التحف، وسیر وا يعرفون أن هلاون - خزاه الله ! ~~- جمع جمعة كثيرة، ولم يعلم قصده ؛ فاحترز السلطان، وسير الكشافة من خواصه، ~~وجرد معهم جماعة PageV01P135 من الترك الخفاف بالخيول المسومة والجنائب ؛ ~~وسير الكشافة جمال الدين الرومي، السلاح دار من الخواص، ومعه خيول منها ~~حجرة من خيل خفاجة سابقة، وغيرها من الخيل كل فرس بألف دينار وأكثر، ثم ~~الأمير علاء الدين اقسنقر الناصري كذلك، حتى أخذ السلطان الأخبار، وأمسك من ~~وسط التتار ناسا أخذ الأخبار منهم، وكانوا مسلمين، فأطاقهم ؛ وكتب إلى ~~الشام بإردافهم بجماعة، وارسال أمراء العربان معهم، فساقوا إلى حدود ~~العراق. # ولما توالت الأخبار بحركة هلاون عمل السلطان. بالحزم، وتقدم إلى أهل دمشق ~~بالحضور بأهاليهم، لتخف ظهورهم، وترخص الأسعار، ويؤمن نفاق من له ميل إلى ~~جهة العدو ؛ فحضرت ms047 جماعة كبيرة، وكتب السلطان بتخفير هم من ولاية إلى ~~ولاية، إلى باب القاهرة وأن لا يؤخذ منهم حق طريق، ولا زكاة، ولا غيرها، ~~ولا يتعرض إلى ما معهم من متجر، وقماش، ولا يفتش لهم محائر، ولا شدات ؛ ~~فوصلوا إلى القاهرة سالمين. وكتب إلى النواب بحلب بحريق الأعشاب، وسير ~~جماعة إلى بلاد آمد، ومواضع الأعشاب التي جرت عادة هلاون بنزولها لما وصل ~~إلى حلب، وكانت محمية لحريق الأعشاب ؛ وتوجهوا وأحرقوا تلك المروج، مسيرة ~~عشرة أيام إلى أن صارت جميعها رمادا وفعل في إحراق أعشاب بلاد خلاطا كذلك، ~~وقطع السبيل احتر از، ثم سير كشافة أخرى مثل الأولى، وصحبتهم العربان. # وفي أثناء هذه الحال بلغته أمور عن الأمير علاء الدين طیبر س الوزيري، ~~النائب بدمشق، أنكرها، فسير الأمير عز الدين الدمياطي والأمير علاء ~~PageV01P136 الدين أيدغدي الحاج الركني، فأمسكوه خارج دمشق وأحضروه إلى ~~القاهرة، وتسلم الأمير علاء الدين المذكور دمشق، ينظر فيها إلى حين حضور ~~نائب مستقل، وذلك في يوم الأربعاء رابع ذي القعدة سنة ستين وستمائة، ووصل ~~الخبر في يوم الأحد بعد الظهر. # وسير الحاج علاء الدين الكشافة جماعة بعد جماعة، فلما كان بتاريخ ...... وصل كتاب الحاج علاء الدين بأن الكشافة وجدوا جماعة كبيرة من التتار مستأمنين وافدين إلى الباب الشريف لأنهم من أصحاب ~~الملك برکه، وكانوا نجدة عند هلاون، فلما وقع بينهما كتب الملك برکه اليهم ~~بالحضور اليه، وان لم يقدروا على ذلك يتجاوزون إلى عسكر الديار المصرية، ~~ويذكرون أن العداوة قد استحكمت بينهما، وأن ولد هلاون قتل في المصاف، وأنهم ~~فوق المائي ؟ فارس ؛ فكتب السلطان إلى نواب الشام باكر امهم، والإقامة بهم، ~~وحمل الخلع اليهم وإلى نسائهم ؛ وأحسن إلى مقدمتهم الأربعة، وسير الاقامات ~~من مصر، من الأغنام والسكر والشعير والحوائج خاناه ووصلوا في يوم الخميس ~~رابع وعشرين ذي الحجة، وخرج السلطان للقائهم يوم السبت السادس والعشرين منه ~~؛ ولم يبق أحد من أهل القاهرة ومصر حتى خرج، وكان يوما عظيمة، ورأوا من ~~كثرة العساكر، وكثرة العالم شيئآ بهر عقولهم. وكان السلطان ms048 قد رسم ~~بعمارة آدر ومساكن لهم قريب اللوق. # وفي يوم السبت سادس [ و]عشرين الشهر عملت لهم دعوة عظيمة PageV01P137 في ~~اللوق، وحملت اليهم الخلع، وسيقت الخيول، وفرقت فيهم الأموال، ولعبوا الكرة ~~مع السلطان، ثم أمر كبراءهم بمائة فارس فما دونها، وباقيهم نزلهم في جملة ~~بحريته ومماليكه، وصار كل منهم كأمير مستقل، له الأجناد والغلمان، واسبغت ~~عليهم النعم ظاهرة وباطنة، وافردت لهم جهات يستخرج منها مرتبهم، وحسن اسلام ~~جميعهم. وبلغ التتار ذلك، فتوافدوا جماعة بعد جماعة، والسلطان يعتمد معهم ~~هذا الإحسان، ويفرقهم كل جماعة بين أضعافها من المماليك السلطانية. # ثم ان السلطان نظر في مصلحة عامة للإسلام، وهي انفاذ رسل إلى الملك برکه ~~س زيدت عظمته – فسير الفقيه مجد الدين، والأمير سيف الدين کشر بك، ومعهما ~~تفران من التتار الواصلين أصحاب صراغان، وكتب على أيديهم الكتب بأحوال ~~الإسلام، ومبايعة الخليفة - عليه السلام ! - وأمر بعمل نسبته الطاهرة إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم ! - فكتبت وأذهبت، وسيرها إلى الملك برکه، وسير ~~ثبوت نسبه مسجولا على قاضي القضاة تاج الدين. . # ولما تجهزت هذه الكتب أحضر السلطان الأمراء والمفاردة، وغيرهم، وقرأ ~~الكتاب على الجميع، واستشارهم في ذلك، فاستصوبوا رأيه. ووصل بعد ذلك كتاب ~~الملك الأشكري يذكر وصول هؤلاء الرسل اليه، وأنه جهز هم صحبة رسله خدمة. ~~PageV01P138 ### | ذكر إنفاذ الرسل إلى الملك برکه # ولما وصلت جماعة التتار الذين وصلوا أولا إلى السلطان، وأستطلع منهم ~~الحال، وعرف أحوال الملك برکه، ومقامه، والطريق اليه، جهز الرسل اليه - على ~~ما ذكرناه - وسير صحبتهم نفرين من التتار المذكورين، من غلمان الملك ~~وأصحابه، وممن يعرف البلاد، وكتب على أيدي الرسول كتابة فيه شيء عظيم من ~~الاستمالة والحث على الجهاد، ووصف العساكر الإسلامية وكثرتهم، وعدة ~~أجناسهم، ومن فيها من جيل وتركمان وعشائر أكراد، وقبائل عربان، ومن أطاعها ~~من الملوك الإسلامية والفرنجية، ومن خالفها ووافقها، ومن هاداها ؟ وهادنها ~~؛ وأن جميعها في طاعته، وسامعة لاشارته ؛ إلى غير ذلك من الاغراء بهلاون - ~~خزاه الله ! - وتهوين أمره، والاشلاء عليه، وتقبيح الغفلة عنه، وافهامه أن ~~ كل ما يفعله ms049 عناد له. ويعلم فيه بوصول جماعة التتار الذين وصلوا، ~~وادعوا أهم من أصحابه وأن الإحسان اليهم إنما هو من أجله. # وسير في هذه الرسالة، صحبة النفرين المغل، الأمير کشر بك، وهو رجل تركي، ~~كان جمدار خوارزم شاه، له معرفة بالبلاد، والالسنة، والفقيه مجد الدين ~~الروذر اودي. وجهزهم السلطان وركبهم في الطرائد، وأعطاهم زوادة شهور كثيرة، ~~وقرىء الكتاب مرتين، أحدهما بحضور PageV01P139 الأمراء كلهم في الأيوان، ثم ~~حضر مولانا الخليفة، وبويع بحضورهم، وبایعه الرسل، ثم حضروا خطبته ~~المباركة، واجتمعوا به، وحملهم السلطان من المشافهة ما فيه صلاح الإسلام، ~~وعرفهم أصحابهم التتار أحوال عساکره، وكثرتها، وما هو بصدده من جهاد، وما ~~يبذله من نصرة الدين، وقتال الأعداء المشركين، وأنه محب في الملك برکه، ~~وداع له بالنصر على الأعداء ،. وموافق له على ما فيه صلاح العالم. . # فتوجها في المحرم من سنة احدى وستين، ووصلوا بلاد الأشكري فأحسن اليهم، ~~وصادف وصولهم رسل الملك بركه إلى الملك الأشكري، فسير هم صحبتهم ؛ ورجع ~~الفقيه مجد الدين، المرض حصل له، صحبة رسولي ؟ الملك برکه : الأمير جلال ~~الدين، والشيخ نور الدين علي، وسافر الأمير سيف الدين كشرتك ؟ ورفقته. ~~ووصلت كتب المالك الأشكري بأن رسل السلطان توجهوا سالمين وربما وصلوا إلى ~~جهة الملك برکه صحبة رسله. ### | ذكر تفویض سلطنة الشام إلى الأمير جمال الدين النجيبي الصالحي - # ولما تسلم الأمير علاء الدين الركني تدبير دمشق اختار السلطان الأمير ~~PageV01P140 جمال الدين أقوش النجيبي الصالحي، وعينه لنيابة السلطنة بها، ~~وتقدم لصاحب عز الدين العزيز بن وداعه، وزير الشام - وكان قد جرت بينه وبين ~~الأمير علاء الدين طيبرس مفاوضات أوجبت حضوره إلى مصر، صحبة الركاب الشريف ~~- بالعود إلى وزارته، ومباشرة ما هو معذوق به. وكتب على أيديهما تذكرة ~~تشتمل على كل شيء من الكليات والجزئیات ۳، وأحوال الحصون، وذخائرها، يستعين ~~من يتولى الأمور بالنظر فيها، والاستمداد منها ؛ وفيها من الأمور الملوكية، ~~والأسباب الدينية، وأحوال الأموال، وعرض الرجال، ما لو كتب بمفرده لكان ~~كتابا ينتفع به في زب تدبير الملك، وخلع السلطان عليهما، واعطاهما ~~الاقطاعات في ms050 الشام، وتوجها. ### | ذكر البيعة للإمام الحاكم بامر الله أبي العباس أحمد أمير المؤمنين - صلوات الله عليه ورضوانه - # كان قد وصل هذا الإمام إلى الديار المصرية، فأكرمه السلطان والتقاة ~~وخدمه، وأنزله بقلعته، وأدر عليه النفقات، وكذلك جميع من معه. ولما كان يوم ~~الخميس ثاني ؛ محرم، سنة إحدى وستين وستمائة، جلس السلطان مجلسة عامة فيه ~~جميع الناس، وجماعة التتار الوافدين، ورسل PageV01P141 السلطان المتوجهون ~~إلى الملك برکه، وحضر الإمام الحاكم - سلام الله عليه ! - راكبة إلى ~~الابوان الكبير بقلعة الجبل المحروس، وبسط له إلى جانب السلطان، وذلك بعد ~~ثبوت نسبه الشريف. وأمر السلطان بعمل شجرة نسب له، فعملتها، وقرأتها بين ~~يديه على الناس، وبعد ذلك أقبل مولانا السلطان عليه، وبايعه على كتاب الله ~~وسنة رسول الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد أعداء الله، وأخذ ~~أموال الله بحقها، وصرفها في مستحقها، والوفاء بالعهود، وإقامة الحدود، وما ~~يجب على الأئمة فعله من أمور الدين، وحراسة المسلمين. وعند ذلك أقبل على ~~السلطان، وقلده أمور البلاد والعباد، ووكل اليه تدبير الخلق، وجعله قسيمه ~~في القيام بالحق، وفوض اليه سائر الأمور، وعذق به صلاح الجمهور. ثم أخذ ~~الناس على اختلاف طبقاتهم في مبايعته، فلم يبق ملك ولا أمير، ولا وزير ولا ~~قاض ولا مشير "، ولا جندي ولا فقيه، إلا وبايعه. وتمت هذه البيعة المباركة، ~~وحصل الحديث معه في انفاذ الرسل إلى الملك برکه، فوافق على ذلك، وانفصل ~~المجلس. # ولما كان يوم الجمعة ثاني هذا اليوم، اجتمع الناس، وحضر الرسل إلى الملك برکه، وخطب الخليفة، وصلى بالناس. PageV01P142 ### || وهذه الخطبة المباركة : # « الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركنة وظهيرة، وجعل لهم من لدنه سلطانا ~~نصير أ. أحمده على السراء والضراء"، واستنصره على دفع الأعداء ؛ وأشهد أن ~~لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى الله ~~عليه، وعلى آله وصحبه ! - نجوم الاهتداء، وأئمة الاقتداء، الأربعة الخلفاء ~~؛ وعلى العباس عمه، وكاشف غمه، أبي السادة الخلفاء الراشدين والأئمة ~~المهديين ؛ وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم ] بإحسان إلى يوم ms051 الدين . # أيها الناس ! اعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام، والجهاد محتوم على ~~جميع الأنام ؛ ولا يقوم علم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد، ولا سبيت ~~الحرم إلا بانتهاك المحارم، ولا سفكت الدماء إلا بارتكاب المأثم ؛ فلو ~~شاهدتم أعداء الإسلام حين دخلوا دار السلام، واستباحوا الدماء والأموال، ~~وقتلوا الرجال والأبطال والأطفال وهتكواة حرم الخلافة والحريم، وأذاقوا من ~~استبقوا العذاب الأليم، فارتفعت الأصوات بالبكاء والعويل، وعلت الضجات من ~~هول ذلك اليوم الطويل ؛ فكم من PageV01P143 شیخ خضبت شيبته بدمائه، وكم [ ~~من ] طفل بكى ؟ فلم يرحم لبكائه ؛ فشمروا عن ساق الاجتهاد، في احياء فرض ~~الجهاد، وواتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيرة الأنفسكم، ~~ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . فلم يبق معذرة في القعود عن أعداء ~~الدين، والمحاماة عن المسلمين. # وهذا السلطان الملك الظاهر، السيد، الأجل، العالم، العادل، المجاهد، ~~المرابط 4، رکن الدنيا والدين قد قام بنصره الإمامة عند قلة انصار، وشرد ~~جيوش الكفر بعد أن جاسوأ خلال الديار، فأصبحت البيعة باهتمامها منظمة ~~العقود، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود، فبادروا عباد الله إلى شكر ~~هذه النعمة، وأخلصوا نياتكم تنصروا، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفر وا، ولا ~~يرو عنكم. جرى، فالحرب سجال، والعاقبة للمتقين، والدهر يومان، والآخر ~~للمؤمنين. # جمع الله على التقوى أمركم، وأعز بالإيمان نصركم، واستغفر الله العظيم لي ~~ولكم، ولسائر المسلمين ؛ فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم ». PageV01P144 ### || الخطبة الثانية : # والحمد لله حمدا يقوم بشكر نعمائه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا ~~شريك له، عدة عند لقائه ؛ وأشهد أن محمد سيد رسله وأنبيائه - صلى الله عليه ~~وعلى آله وصحبه ! - عدد ما خلق في أرضه وسمائه. # أوصيكم عباد الله بتقوى الله، أن أحسن ما وعظ به الإنسان كلام الملك ~~الديان : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر ~~منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا. # نفعنا الله بكتابه، وأجزل لنا ولكم من ثوابه، وغفر لي ولكم وللمسلمين أجمعين ». # وكتب بدعوته ms052 إلى الآفاق، وتعلل بذكرها الرفاق ؛ وكتب الله للسلطان هذه ~~الحسنة، التي يجدها يوم ينفد كل شيء وما عند الله باق ۲. وكتب السلطان إلى ~~الملاك برکه يعلمه بذلك. # ولما كان ليلة الأربعاء ثالث شهر رمضان من السنة المذكورة سأل مولانا السلطان مولانا الخليفة - سلام الله عليه ! - هل لبس الفتوة أحد من أهل ~~بيته الطاهرين، أو من أوليائهم المتقين، فقال : «لا ! » والتمس من السلطان ~~PageV01P145 أن يصل سببه بهذا المقصود، ويتيحها هذا الأمر الذي من بيته بدأ ~~واليه يعود. فلم يمكن السلطان إلا طاعته المفترضة، وأن يمنحه ما كان ابن ~~عمه - رضي الله عنه ! - افترضه كذا وأن يحلي بالجوهر منضده، ويقلد بالسيف ~~مجرده، ويعطي القوس باريها، ويسلم الصهوة لراقيها ؛ ويكون في ذلك كمجیب ~~الخلة للابسها، ومقتدح الحذوة لقابسها. وليس في الليلة المذكورة بحضور من ~~يعتبر حضوره في مثل ذلك ؛ وباشر ذلك المولى الأتابك فارس الدين أقطاي بطريق ~~الوكالة المعتبرة عن السلطان. # « أنا للإمام المستنصر بالله، أمير المؤمنين، ولد الإمام الظاهر، وأبوه ~~الجده الناصره رضوان الله عليهم ! - لعبد الجبار، لعلي بن دغيم، لعبيد الله ~~بن الفيره، لعمر بن الرصاص، لأبي بكر بن الجحيش، الحسن بن السار بار لبقاء ~~بن الطباخ، لنفیس العلوي، لأبي هاشم بن PageV01P146 أبي حية، لمعز بن أنس، ~~لأبي علي الصوفي، لمهنا العلوي، للقائد ؟ عيسى، للأمير وهران، لروزبه ~~الفارسي، للملك؛ أبي كنجیار، لأبي الحسن النجار، تفضل الفرقاشي ه، للقائد ~~شبل بن المكدم، لأبي الفضل القرشي، للأمير حسان، بلجوشن الفزاري، للأمير ~~هلال النبهاني، لأبي مسلم الخراساني، لأبي العز النقيب، لعوف الغساني، ~~للحافظ الكندي، لأبي علي النوبي، لسلمان الفارسي، صاحب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم ! - الذي قال له - صلى الله عليه وسلم ! - سلمان من أهل ~~البيت، للإمام الطاهر " التقي النقي علي - سلام الله عليه ! - ». # وحمل إليه السلطان من الملابس الشريفة لأجل ذلك مما يليق بجلاله. . # وفي الليلة الثانية حضر رسل الملك برکه إلى القلعة، وألبسهم مولانا ~~الخليفة - سلام الله عليه ! - بتفويض الوكالة للأتابك، وحمل اليهم من ~~الملابس ما يليق بمثلهم. وفي يوم الجمعة ms053 ثامن وعشرين شعبان ~~PageV01P147خطب مولانا الخليفة أيضا بحضور رسل الملك برکه، ودعا للسلطان، ~~وللملك برکه، وصلى بالناس، واجتمع بالسلطان وبالرسل في مهمات الإسلام. ### | ذكر مسير السلطان إلى جهة الطور # في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وستمئة عزم السلطان على التوجه إلى ~~الشام، فتجهز الناس، وخرج من قلعته في سابع " شهر ربيع الآخر، وأقام على ~~باب القاهرة مخيمة إلى حين تجهز التأس. وسافر في حادي عشر الشهر المذكور، ~~فوصل إلى محروسة غزة، وهو يديم الصيد في الطريق، وضرب حلقة بالعريش بثلاثة ~~آلاف فارس، كلهم خواصه، وكان في هذه الحلقة من الصيد شيء كثير. وتقطر ~~الأمير شمس الدين سنقر الرومي، فساق السلطان اليه، ونزل عنده، وجعل رأسه ~~على ركبته، وأخرج من خريطته مومياء، فسقاه، وسار به إلى خيمته. وكذلك ~~الأمير سيف الدين قلاون الألفي تقطر أيضا، فاعتمد معه هذا الاعتماد. # ووصل إلى غزة، فوجد فيها والدة الملك المغيث، فأحسن اليها، وأنعم عليها ~~واعطاها شيئا كثيرة. وحصل الحديث في حضور ولدها وتقررت الأمور على ما لم ~~يعلمه أحد، وأعاد عليها العطاء والإنعام، وعلى كل من حضر معها حتى أنه حمل ~~في جملة ذلك من الصيد خمسة PageV01P148 عشر حملا. وتوجهت والدة الملك ~~المغيث، وصحبتها الأمير شرف الدين الحاكي المهمندار، برسم الاقامات، ~~وتجهيزها للملك المغيث إذا حضر. # ونظر السلطان في أمر أمراء التركمان، وخلع عليهم، وأحضر أمراء العائد، ~~وجرم، وثعلبة، وضمنهم البلاد، والزمهم بالعداد، وشرط عليهم البريد، وإحضار ~~الخيل برسمه. ورأى أعمال الحيلة البعيدة المرامي في أمر العدو المخذول، ~~وكتب إلى ملك شير از ۲، وملك اللور وإلى خفاجه، يستجيشهم على هلاون، ~~ويعرفهم بما وصلت به الأخبار من جهة الروم في البر والبحر من کسر برکه له ~~مرة بعد مرة. # وسار من غزة فنزل الطور في ثاني عشر جمادى الأولى. وسير الملك الأشرف، ~~صاحب حمص، يلتمس الأذن له في الحضور إلى الخدمة فأذن له، فحضر في نصف ~~الشهر، فتلقاه السلطان، واحسن اليه ؛ وسير اليه سبعين غزالا جملة واحدة ~~، وقال : «صيد هذا اليوم جعلته لك ». # وأما ms054 الملك المغيث فانه صارت رسله تتوالى إلى السلطان، وهو يعطيهم، وينعم ~~اليهم. وخرج من الكرك، وأقام مدة في الطريق ؛ وأظهر السلطان من الاحتفال به ~~شيئا كثيرة، وخدعه أعظم خديعة وأتی PageV01P149 بيوت الخداع من أبوابها، ~~وكتم أمره عن كل أحد، ولم يستشر في أمره غير نفسه. # ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا » # ولما وصل الملك المغيث إلى بيسان ركب السلطان لتلقيه يوم السبت سابع ؟ ~~وعشرين جمادى الأولى، وسار في أحسن زي، فالتقى الملك المغيث، وسار إلى جانب ~~السلطان ولما وصل إلى باب الدهليز ترجل، ودخل الخيمة المنصورة ، ودخل به ~~إلى خركاة ، واحتيط عليه، وعلى أصحابه، وشفى السلطان غيظه ه. # وكان السلطان قد استدعي قبل ذلك قاضي القضاة بدمشق، والعلماء وأظهر أن ~~ذلك لملك ومبايعة، ولم يطلع أحد على غير ذلك ؛ فلما وقعت الحوطة على الملك ~~المغيث أحضر السلطان الملوك والأمراء والقاضي والشهود والأجناد ورسل ~~الفرنجية وأخرج كتية من جهة العدو المخذول اليه. وقال الأتابك : السلطان ~~يسلم عليكم ويقول : « ما أخذت الملك المغيث إلا بهذا السبب ». وقرئت هذه ~~الكتب وانصرف الملك الأشرف والجماعة كلهم ؛ وقال القاضي ولجماعة العلماء : ~~« ما طلبتكم إلا بهذا السبب ». PageV01P150 وكتب مكتوب بصورة الحال، وكتب فيه القاضي والجماعة. ثم تجهز الملك الأشرف، ~~وركب السلطان لوداعه. # وفي اليوم المذكور الذي أمسك فيه الملك المغيث جلس السلطان بعد انفضاض ~~المجلس وأمر بالكتب إلى الكرك، يبعد من فيها بالإحسان ويحذرهم عواقب ~~الطغيان وسير الأمير بدر الدين بيسري الشمسي. والأمير عز الدين الظاهري، ~~استاذ الدار العالية، إلى جهة الكرك، وجهز الخلع والأموال ليلحقها بهما. ~~وجهز الملك المغيث عشية إلى الديار المصرية، صحبة من يوصله إليها، وأطلق ~~أهله، وحاشيته ؛ وسير حريمه إلى مصر، وأطلق لهم الرواتب. # وفي ذلك اليوم تحدث مع رسل الفرنجية - على ما سيشرح - وانفصلوا عن غير رضي إلى عكا. ### | ذكر الأمور التي أوجبت الانحراف على الفرنج، وأخذ بلادهم # قد تقدم في أوائل هذه السيرة حديث الصلح مع الفرنج ؛ ولما رأوا إحسان ~~السلطان شرعوا يحيدون عن الحق، ويطلبون زرعين، والسلطان يجاوبهم : « ~~بأنكم ms055 أخذتم عرضها في الأيام الناصرية عشر ضياع من مرج عيون PageV01P151 ~~وقایضتم بها صاحب تبنين ». وصارت كتبهم ترد : « بأن شلوحا سرقونا من جهة ~~الأطرون، وتارة من جهة بانياس ». والسلطان يأمر برد ظلاماتهم. ووصلت كتب ~~النواب يشكون منهم وأنهم اعتمدوا أمورة تفسخ الهدنة. # ولما سار السلطان إلى وسط بلادهم ورد رسل منهم، بهنون بالسلامة، ويقولون ~~: « ما عرفنا بوصول السلطان ». فكان الجواب : «إن من يريد [ أن يتولى أمرا ~~ينبغي أن يكون فيه يقظة، ومن خفي عنه خروج هذه العساكر، وجهل ما علمته ~~الوحوش في الفلاة، والحيتان في المياه، من كثرة هذه العساكر التي لعل ~~بيوتكم ما فيها موضع إلا ويكنس منه التراب الذي أثارته حوافر خيل هذه ~~العساكر، ولعل وقع سنابكها قد أصم أسماع من وراء البحر من الفرنج، وفي ~~موغان من التتار، إذا كانت هذه العساکر تصل جميعها إلى أبواب بيوتكم ولا ~~تدرون ؛ فأي شيء تعلمون ؟ وانفصل الرسل على هذا الحال. # ووصلت نواب يافا، ونواب أرسوف" بهدية، أخذت منهم تطييبا لهم، وتسكينة ~~لقلوبهم. هذا والسلطان يأمر بأن لا ينزل أحد لهم في زرع، ولا يسيب فرس، ولا ~~يؤذي لهم ورقة خضراء، ولا يتعرض إلى شيء من مواشيهم، ولا فلاحيهم ؛ ورفق ~~بهم أتم رفق، انتظارا لرجوعهم عن الغي. وكانت كتبهم قبل توجه السلطان ~~مضمونها طلب فسخ الهدنة، والندم عليها ؛ وصارت عند قرب السلطان ترد كتبهم ~~PageV01P152 بأنهم باقون على العهد مستمسكون بأذيال المواثيق. # وكان مقدم الاسيتار قد كتب عدة كتب، منها جواب عن مشافهة على لسان افرير ~~صافاج، کمندور الديوية بقبر س مضمونها : «انكم نقضتم العهد بأمور منها : ~~«ان شرط الهدنة لا يجدد بناء، وقد شرع بيت الاسبتار في بناء ربض على أرسوف ~~». فكان جوابهم : « اننا لم نبن هذا الربض إلا لحماية الصعاليك من متحرمة ~~المسلمين، ولأمور قد بلغتنا سوف تسمعونها - يعني أخبار التتار - فكان ~~الجواب اليه : «أما تجديد الربض لحفظ الصعاليك ؛ فالبلاد ما تحفظ بالأسوار، ~~ولا تحفظ الرعية بالخنادق، ولا تحفظ إلا بأحد أمرين : إما بالسيوف ~~والعزائم، وإما بحسن الحيرة، وبذل الإحسان، وكف ms056 الأذى ؛ ومن يخاف من اللصوص ~~لم لا يخاف من غير هم؟ وأما أمر التتار، فقد [ بده ب ] علم كل أحد أنا ~~عندما تحصنم بالأسوار والخنادق خرجنا إلى التتار، وما جعلنا حصوننا إلا ~~خيولنا، ولا خنادقنا إلا سيوفنا، ولا أسوارنا إلا رجالنا. # ولم تزل رسلهم تتردد في هذا ومثله إلى أن فرغ السلطان من شغله الذي كان ~~في نفسه، وهو حديث الملك المغيث، فلما كان اليوم [ الذي ] أمسكه فيه، أحضر ~~رسل بيوت الفرنجية، وقال : «ما تقولون ؟ قالوا : « نتمسك بالهدنة التي ~~بيننا ». فكان الجواب : # لم لا كان هذا قبل حضورنا إلى هذا المكان، وانفاق الأموال التي لو جرت ~~لكانت بحارة ؛ ونحن ؟ ما آذينا لكم زرعة ولا غيره، وأنتم PageV01P153 منعتم ~~الجلب والميرة عن العسكر، وسيرتم الينا إلى دمشق نسخة يمين حلفنا عليها، ~~وسيرنا نسخة يمين ؟ لم تحلفوا عليها، وعملتم أنتم نسخة يمين حلفتم عليها، ~~وشرط اليمين الأولي متعلق بالثانية، وسيرنا الأسارى إلى نابلس، ومنها إلى ~~دمشق، وما سيرتم أنتم أحدا إلا كل بيت يحيل على الآخر ۳، وسيرنا كمال الدين ~~بن شیث رسولا يعلمكم بوصول الأسرى، فلم تبعثوا أحدة، ولم ترحموا أهل ملتكم ~~الأسرى، وقد وصلوا إلى أبواب بيوتكم ؛ كل ذلك حتى لا تبطل أشغالكم من أسرى ~~المسلمين عندكم، وأموال التجار شرطيم القيام بما أخذتموه لهم، ثم قلتم : ~~«ما أخذت في بلادنا »، وإنما قلتم: «[ كان ]؛ أخذها في أنطرطوس، [ وحمل ~~المال إلى خزانة الديوية والأسرى في بيت الديوية » ؛ فإن كانت أنطرسوس ] ما ~~هي لكم، فالله يحقق ذلك !. ثم انا سير نا رسلا إلى جهة الروم، وكتبنا إليكم ~~بتسفير هم في البحر، فأشرتم عليهم بالسفر إلى قبرس"، فأخذوا وقيدوا، وضيق ~~عليهم، وأتلف أحدهم، على ما ذكره، مع إحسانا إلى رسلكم، وجرت عادة الرسل ~~أنها لا تؤذي، وما زالت الحرب قائمة، PageV01P154 والرسل تتردد، وان كان هذا بغير رضاكم، فهذا نقص في حرمتكم إذا كان صاحب ~~جزيرة من ملتكم يخرق [ حرمتكم، ولا يفي بعهد كم، ولا يحفظ ذمامكم، ولا يقبل ~~ شفاعتكم، فأي حرمة تبقى لكم ؟ وأي دمام يوثق ms057 به منكم ؟ وأي شفاعة ~~تقبل عند المسلمين والفرنجية ؟]. وهل كانت الملوك تقى النفوس والأموال إلا ~~لحفظ الحرمة ؟ وصاحب قبر س أكثر تعلقاته في عكا والساحل، وله عندكم المراكب ~~والتجاره ؛ وما هو منفرد بنفسه، عنده الديوية، وجميع البيوت، والنواب ~~مقيمون عنده، وعنده كنديا فا، فلو کنم لا تؤثرون ذلك، كنتم قمتم جميعكم ~~عليه، واحتطتم على كل ما يتعلق به، وكتبتم إلى ملوك الفرنجية، وإلى الباب ~~بما فعله، وكان الواجب على اللكاط ^ احرامه. PageV01P155 # وقال السلطان : # أنتم في أيام الصالح إسماعيل أخذتم صفد والشقيف على أنكم تنجدونه على ~~السلطان الشهيد الملك الصالح، وخرجتم جميعكم في خدمته ونجدته، وجرى ما جرى ~~من خذلانه، وقتلكم وأسركم، وأسر ملوككم، ومقدميكم ؛ وكل أحد يتحقق ما جرى ~~عليكم من ذهاب الأرواح والأموال. وانتقضت تلك الدولة وانقضت، ولم يؤاخذكم ~~السلطان الشهيد عند فتحه البلاد، وأحسن اليكم، فقابلتم ذلك بأنكم رحيم إلى ~~الريدا فر نس، وساعدتموه، واتيتم صحبته إلى مصر حتى جرى عليكم ما جرى من ~~القتل والأسر ؛ فأي مرة وفيتم فيها المملكة مصر، أم أي حركة أفلحتم فيها ؟ ~~وبالجملة فأنتم أخذتم هذه البلاد من الصالح إسماعيل لاعانة مملكة الشام، ~~وإطاعة ملكها ونصرتها، وقد صارت مملكة الشام وغيرها لي، وما أنا محتاج إلى ~~نصرتكم ولا إلى نجدتكم، فتردون ما أخذتم للإسلام بهذا الطريق وتفكون أسرى ~~المسلمين جميعهم، وغير ذلك لا أقبله ». # فلما سمعوا هذه المقالة نبهت الذي كفر که"، وقالوا: «نحن لا ننقض الهدنة، ~~ونطلب مراحم السلطان في استصحابها، واستدامتها، ونحن نزيل شكوى النواب ~~جميعها، وتفك الأسرى ». فقال السلطان : كان هذا قبل خروجي في هذا الشتاء ~~وهذه الأمطار، ووصول العساكر إلى هنا. # وانفصلوا على هذه الصورة، وأمر أنهم لا يبيتون في الوطاق، ورسم ~~PageV01P156 بهادم كنيسة الناصرة، وهي أكبر مواطن العبادات التي لهم، ~~ويقولون آن منها خرج دين النصرانية، فوجه الأمير عز الدين، أمير جاندار ~~إليها، وهدمها إلى الأرض، فلم يجسر أحد من سائر الفرنجية أن يخرج من باب ~~عكا، ولم يتكلم بكلمة واحدة. # ثم جرد الأمير بدر الدين الأيدمري، وصحبته ms058 جماعة، فتوجهوا إلى جهة عكا، ~~وهجموا إلى أبوابها. ثم توجه الأمير المذكور مرة أخرى، فأغار على المواشي، ~~واستباح منها شيئا كثيرة، وحضر بجميع ذلك إلى المخيم المنصور. # واستمر جلوس السلطان كل يوم على باب الدهليز، وعلى الصفة التي عمرها ~~هناك، وكتب اسمه عليها ؛ وهي مبنية بالحجر المنحوت ؛ لا يحتجب عن أحد، ومن ~~وقف أحضره، وأخذ قصته، وأنصفه. وهو لا يشتغل بغير أمر، ونهي، وعطاء وتدبير ~~في أمر الكرك، وإرسال خلع ومال، واستجلاب أهلها. # ووصلت رسل دار الدعوة، ومعهم الهدايا ؛ ووصل ولدا الصاحبين، مقدمي ~~الدعوة، فأحسن السلطان اليهما، وتوجها. # ولم يخل السلطان وقتا من تأمير جماعة في الشام والساحل ؛ ومن جملة من أمر ~~الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار، أعطاه اقطاعة جيدة في مصر، وطبلخاناه ~~؛ وكذلك الأمير سيف الدين الكاملي ؛ والأمير شمس الدين سنقر الخزندار ~~العمادي، أمر هما بالشام، وأعطاهما الطبلخاناه وكذلك الأمير حسام الدين ~~العين تا بي، أمره في بلاد حلب، وأعطاه طبلخاناه ؛ وكتب للأمير جمال الدين ~~ايدغدي العزيزي بزيادة جماعة جيدة، وخاص في الشام، وهي ثلاثون فارسا. ~~PageV01P157 # ووجد أهل البلاد والأهواء قد عاثوا، وتسلطوا على الرعية، ولزمتهم دیات ~~بذلك مجهولة الصرف ؛ وفيهم عيون الفرنج ؛ ووجدهم فلاحي البلاد، لا يمكن ~~اتلافهم، فقدر عليهم جنايات يقومون بها لبيت المال عن دیات من قتل وليس له ~~وارث، وعما نهبوه من مال جهل مالكه ؛ فحملت جمل كبيرة من البلاد الساحلية، ~~والجبال النابلسية، وانكسرت شوكتهم. # وركب السلطان مرارة إلى قبر دحية الكلبي، صاحب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ! - وزاره، ورأى في طريقه قبر أبي هريرة في يبني ا. ### | ذکر مسير السلطان إلى عكا # لما كانت ليلة السبت رابع جمادى الآخرة ركب السلطان، وجرد من كل عشرة ~~فارسة واحدة صحبته ؛ واستناب الأمير شجاع الدين الشبلي، أمير مهمندار، في ~~الدهليز، وساق من منزلة الطور نصف الليل، فلما أصبح وقف قريب عكا، في ~~الوادي الذي يقاربها، ومنه يشرف عليها، وأمر الناس بلبس السلاح، ورتب ~~العسكر ؛ ولم يزل سائقا إلى أن طاف بها من جهة البر. وسير جماعة ms059 إلى ~~برج كان قريبة منها فيه جماعة، فحاصره، وللوقت أخذت فيه النقوب. وكان توجه ~~السلطان اليها في هذه الجماعة إنما هو لكشفها ؛ وكان الفرنج يقولون إن أحدا ~~لا يجسر على أن يقرب منها. ولم يزل كذلك إلى قريب المغرب، والفرنج ينظرون ~~من أبواب المدينة، PageV01P158 وتل الفضول. ثم رجع إلى الدهليز قريب البرج ~~المذكور عند المساء. # ولما أصبح ركب، وركب الناس في خدمته، وساق اليها ؛ وكان الفرنج - خذلهم ~~الله ! - قد حفروا خنادق حول تل الفضول، وجعلوها معاثر في الطريق. ووقف ~~الفرنج صفوفة على التل المذكور ؛ ولما أخذت العساكر أهبة القتال، والسلطان ~~بنفسه يسوق ميمنة وميسرة، ويرتب الناس، حتى أنه مما كان يذكر اسم الله - ~~سبحانه وتعالى ! - ويأمر الناس بالتهليل والتكبير، ويندب اليه من المصالح، ~~تشوش صوته، وللوقت ردمت الخنادق بحوافر الخيل، وأيدي الرجالة من غلمان ~~العساكر والفقراء المجاهدين. وطلع الناس إلى تل الفضول، وانهزمت الفرنج إلى ~~المدينة، وحرق الناس ما حول عكا من الأبراج والأسوار، وقطعوا الأشجار، ~~وحرقوا الثمار، فلا يرى الناس إلا دخانة، أو عجاجة، وسيوفة لامعة، وأسنة ~~قاطعة. وساق العسكر إلى أبواب عكا، يقتلون ويأسرون، ففي ساعة واحدة قتل ~~جماعة من كنودهم وفرسانهم وخیالتهم، وأسرت جماعة بخيولهم، وجرح أكابر هم، ~~وحف بهم البلاء، وطمع فيهم الناس، ورموهما الخنادق بخيولهم، وفيهم جماعة من ~~الديوية والاسبتار، وهرب من بقي من الفرنج إلى الأبواب من جهة الأسوار، ~~ونزلوا لحفظ الأبواب، و[هم] يز عقون بصوت واحد : « الباب ! الباب ! » خوفا ~~من الهجوم عليهم ؛ والسلطان واقف على رأس التل مما يلي عكا، ينعم ويعد، ~~وحضر اليه رجل اسمه حسن 3، من أصحاب بن أطلس خان، PageV01P159 بفارس طعنه ~~ورماه، وقامت الضجة لأجل رميه من الفرنج، فأسره، وأعطاه السلطان منديله ~~بأربعين فارسا. وضرب السلطان مشورة من أي جهة يأخذها وعرف أحوالها ؛ وحمل ~~الأمراء واحد ثم واحد إلى الأبواب، فجرح في ذلك النهار من أعيان الأمراء ~~الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي في ركبته جرحة خفيفة. ثم حمل الناس حملة ~~واحدة إلى أن رموا الفرنج في الخنادق، وهلكت جماعة منهم ms060 في الأبواب. ~~وكان أول ما وقف السلطان ساق الأمير على الشهر زوري عند اللقاء اقتلع رمحا ~~من يد أحد الخيالة، أخذه وساق ؛ وكان مما أحضر تسعة حصن ببر کصطواناتها . # وثني بعد ذلك عنان فرسه امهالا وإهمالا، وسار إلى عسكره المنصور، فجلس، ~~وأحسن إلى من جاهد، وفرق كتب البشائر على من عمل صالحا في ذلك اليوم، ولم ~~يزل منتصبة كذلك إلى قريب العصر، [ثم ] ليس عدته، وساق إلى البرج الذي كان ~~النقابون علقوه، فوقف حتى رمي، وأخرج منه بأمانه أربعة خيالة اخوة، ونيف ~~وثلاثون راجلا. ولما جرح الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي، ساق اليه ~~السلطان وسلم عليه، وسير اليه تشريفة من ملابسه الخاص. # وبات، وأصبح راجعة، وعبر على بلادهم، وكشفها مكانة مكانة ؛ وعبر على ~~كنيسة الناصرة، وكان فيما قبل قد سير اليها الأمير عز الدين الأفرم، أمير ~~جاندار، علقها وخربها، وهدمها إلى الأرض ولما رجع PageV01P160 نزل وجلس على ~~المصطبة التي أمر ببنائها قبالة الطور، وأحضر الشموع بالمنجنیقات، ونصب ~~عليها خيمة، وأحضر الصاحب فخر الدين، وزیر الصحية، وجماعة كتاب الدرج ~~الشريف، وهم سبعة : الصاحب فخر الدين بن لقمان، والصدر بدر الدين حسن بن ~~الموصلي، والصدر كمال الدين أحمد بن العجمي - رحمه الله ! - والصدر فتح ~~الدين بن القيسراني، والصدر شهاب الدين أحمد بن عبيد الله، والصدر برهان ~~الدين ؛ وكتاب الجيش، وهم : الصاحب فتح الدين بن سناء الملك، والشريف ~~الطاهر شرف الدين المطر سي، والقاضي جمال الدين الحنفي، وبقية كتاب الجيش ؛ ~~والسديد مستوفي الصحبة ؛ وجعل الأمير سيف الدين الزيني، أمير علم، جالسة ~~عند ديوان الجيش، الكتابة المناشير، وتجهيز الطبلخاناه، والأتابك بين يدي ~~السلطان. واستدعی من دشاراته خمسمائة فرس برسم الطبلخاناه، وخيول الأمراء ؛ ~~واحضرت الخلع الكثيرة بين يديه، وأمر سلاح داریته بأن يستريحوا بالنوبة ~~ويحضروا. ولم تزل المثالات والمناشير تكتب، وهو يعلم، وأعطى تلك الليلة ~~الحراس الهنود جملة، وكتب بين يديه تلك الليلة ستة وخمسون منشورة كبارة بطب ~~وطغر، لأمراء كبار، والصاحب فخر الدين يعلم، وصاحب ديوان الخزائن فتح ~~الدين بن سناء الملك حاضر، وهو ms061 صاحب دیوان الجيوش المنصورة، يعلم، والأمير ~~بدر الدين الخزندار واقف يعلم، والمستوفي ينزل، حتى كملت بين يديه. # وأصبح فخلا بنفسه، وجهز الطبلخاناه، والصناجق، والخيل، والخلع، إلى ~~الأمراء، وجعل الأمير ناصر الدين القيمري، نائب السلطنة بالفتوحات الساحلية ~~.PageV01P161 # ورحل السلطان من الطور يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الآخرة، ثم جرد جماعة ~~صحبته، وجماعة إلى الصالحية، توجه صحبتهم الأمير عز الدين، أمير جاندار. ~~وفي يوم الجمعة وصل إلى البيت المقدس، وزار مواضع الزيارة، وطلع على القبة ~~التي على الصخرة من خارجها، هو وشيخ الحرم، وشاهد ما ذكر أنه محتاج إلى ~~العمارة، ورأى ذلك بنفسه، وطاف ورأى تلك البقاع الشريفة، ثم صلى الجمعة ~~وتصدق ونظر في أمر الأوقاف، وتحرير ريعها ومصروفها، وكتب بحماية أوقافه، ~~وأنه مهما طلب من الشام برسم العمائر يسير سريعة. # ونادي بأن أحدا لا ينزل في زرع بحيث ضرب الأتابك أحد مماليكه على شيء ~~يسير من حشيش أطعمه لفرسه. وسار السلطان إلى جهة الكرك، ولما نزل راجعة في ~~العوجا طارت حبارج أخذها الناس باليد، وتفاءل السلطان بإمساكها. ### | ذکر فتوح الكرك # لما كان يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة نزل السلطان على الكرك، وصحبته ~~العساكر، وأحضرت السلاليم الخشب من جهة الصلت وغيرها ؛ وكان السلطان قد ~~استصحب من الديار المصرية جماعة من الحجارين PageV01P162 والبنائين، ~~والنجارين، والصناع، على أنه يبني الطور، وأحضر جماعة من دمشق وغيرها، ~~وسيروا إلى عين جالوت وأشاع السلطان أن ذلك لبناء جامع، وكان ذلك كله لأجل الكرك، وعزم على الطلوع اليها بنفسه، فخاف أهل ~~الكرك، ونزل أولاد الملك المغيث، وقاضي المدينة، وخطيبها، وجماعة من أهلها، ~~ومعهم مفاتیح الحصن والمدينة، وطلبوا العفو، فحاف لهم السلطان على ما ~~طلبوه، وأعطاهم حتى أرضاهم وسير الأمير عز الدين أيدمر، استاذ الدار، ~~والصاحب فخر الدين بن الصاحب بهاء الدين لتسلم الحصن، فطلعا في ليلة ~~الجمعة، وقت المغرب وتسلماه. # وفي بكرة الجمعة دعي للسلطان على أسوارها، ونصبت ناجقه على أبراجها، ~~وأصبح السلطان مد الخوان، وكتب بإحضار الرماة، وركب في الساعة ~~الثالثة من نهار الجمعة المذكورة، وطلع ms062 إلى الحصن المحروس، ودخل اليها، ~~ورسم بأن لا يؤذي أحد من أهلها، وعفا عما مضى من ذنوب أهل الكرك، واساءتهم ~~اليه وإلى البحرية في الأيام المغيثية، وجلس في القاعة الناصرية، وشكر الله ~~على ما وهبه من هذه الموهبة السنية، وطلب دیوانها، وكتاب الإنشاء، ورتب أمر ~~جيشها، وسأل عن رجالها، فقيل : الهم عدة شهور لم يعطوا شيئا، وأعطاهم ~~جامكية ثلاثة شهور من خزانته. # واهتم بيلادها، وعين لها خاصة، وأطلق جامکیات أهلها، وما غير حالة، وزاد ~~الاسفهلارية، والقراغلامية، وأعطى أولاد الملك المغيث جميع ما حواه الحصن ~~من مال، وقماش، وأثاث، وكذلك سائر غلمانهم، وكذلك جميع الأمراء والمفاردة، ~~والأجناد، لم يتعرض لأحد منهم إلى شيء، ونزل الجميع في ذلك النهار، وصلى ~~السلطان بها PageV01P163 الجمعة، وخطب الخطيب، ودعا للسلطان ؛ ورتب أمر ~~الكرك وبلادها، ونزل وقت المغرب. # وأصبح يوم الأحد فسير إلى الملك العزيز، ولد الملك المغيث، الخلع والقماش ~~؛ وكذلك الطواشي بهاء الدين صندل، والأمير شهاب الدين صعلوك، أتابكه، أحسن ~~اليهما، وكتب كتب البشائر، وكتب بحمل الغلال والذخائر والأصناف اليها. # وأصبح يوم الاثنين ركب، وطلع اليها، وأحضر ديوان الإنشاء، ودیوان الجيوش، ~~وديوان الاستيفاء، وديوان الكرك، وكتب المناشير العربانها ومن بها، وكانت ~~تزيد على ثلاثمئة منشور، وفي وقت واحد كتبت الأمثلة، ونزلت، وعلم السلطان ~~عليها، وكتبت المناشير وعلم عليها، وسلمت لأصحابها بعد تحليفهم بين يدي ~~السلطان، كل هذا في بعض يوم، وكتبت تواقيع لأهل مناصب دينية، وديوانية. ~~وأجرى أرزاق الناس على ما كانت عليه، وجرد بها جماعة من البحرية، والظاهرية ~~واستناب الأمير عز الدين أيدمر، أستاذ الدار، بالكرك، وكتب له تقليد بذلك، ~~وأضاف اليه النظر على الشوبك وأعمالها، وحلف مقدمي المدينة، وكذلك نصاراها ~~حلفهم بالإنجيل ؛ وقال لأهل الكرك : « اعلموا أنكم اسأتم إلي في الأيام ~~الماضية، وقد اغتفرت لكم ذلك لكونكم ما كاتبتوني، ولا خامرتم على صاحبكم، ~~وقد ازددتم بذلك محبة إلي، فتناسوا الحقود، والضغائن، ولا تقيموا فتنة فيما ~~بينكم ». وأحضر الأمير عبية وغيره من بني مهدي وبني عقبة، وقال : « ~~يا عبيتة ! أنا كنت بالأمس أحسن اليك، ms063 وأسامحك بما جرى منك ومن غيرك لأجل ~~الكرك حتى حصلت، PageV01P164 والآن والله ما يروح لأحد خيط إلا آخذه منك، ~~وأمسك رقبتك عليه ؛ وأهل هذه البلاد ما يشرب أهلها إلا من صهاريج من ماء ~~المطر، ومتى شرب العربان منها، وسقوا خيولهم فرغت سريعة، فيعطش أهل القرية ~~وتخرب ). # ورسم بأن أحدا من العر بان لا يشرب، ولا يسقي خيله من صهريج. وضمنهم خفر ~~البلاد إلى الحجاز، وطاف على القلعة والمدينة من خارجها وباطنها. ورسم ~~بعمارة ما يحتاج إلى العمارة، وكتب تذكرة بالمهمات، وحمل اليها الزردخاناه ~~التي كانت معه والمال والأغنام والشعير، وغيره من سائر الأصناف والقماش، ~~وسبعين ألف دينار عينة، ومائة وخمسين ألف درهم نقرة، وأعطى الأمير عز ~~الدين، استاذ الدار، ثلاثين ألف درهم، وجملة من القماش، ونزل إلى المخيم، ~~ثم أصبح وطلع إليها. # وفي يوم الأربعاء توجه مسافرا إلى القاهرة فدخلها في سابع عشر رجب، وزينت ~~المدينة أحسن زينة ؛ وشق السلطان المدينة، وفرش له القماش الأطلس، ~~والعتابي، والنسيج، وخلع على الأمراء والمفاردة والقدمين، وجميع حاشيته ~~وغلمانه، والمملوك كاتب السيرة. وكانت هذه السفرة من أعظم السفرات المسفرات ~~عن السعادة المتضاعفة، والنعمة المترادفة، ولم يسمع أن ملكة ساق في هذه ~~الجيوش العظيمة إلى أبواب عكا وطعن في أسوارها، وهدم، وحرق، وأخذ مثل ~~الكرك، ودبر أمورها وملك البلاد الساحلية، واستخدم عليها ألوفة من العساكر، ~~واستخدمهم جيشأ عظيمة للإسلام، PageV01P165 في مدة قريبة، وهي من يوم خروجه ~~من مصر إلى يوم دخوله اليها خمسة وتسعون يوما ؛ وكيف لا؟ والسعد قرينه، ~~ولطف الله يعينه. ### | ذكر السبب في امساك الأمراء الرشيدي والبر لي والدمياطي # لما فوض الله إلى السلطان أمر المملكة ساهم الأمير سيف الدين الرشيدي في ~~كل شيء، وأنفد كلمته، وأطلق له في كل جمعة خوانين من عنده، يشمدان له، حتى ~~ماء الورد إلى غير ذلك، ورتب في كل شهر کلونتين زرکشا کل کلوته بخمسين ~~دينارة عينة، وكلهبندها بأربعين دينارا وكل هذه زيادة على الإقطاعات ~~العظيمة، والمرتبات الكثيرة، وعلى الانعام، حتی جامكيات البزدارية، ~~والفهادين، وعليق خيلهم ؛ واشتغل ms064 الرشيدي بالشرب، وحمي حاشيته أشياء كثيرة ~~من البلاد وصارت تصدر منه أمور لا تسر، والسلطان يكاسر عنها. # وأما الأمير عز الدين الدمياطي، فإن السلطان أعطاه وزاده، ومن جملة ما ~~كان بيده نصف مدينة غزة زيادة . ورأى أنه رجل كبير لا يتقدم أحد عليه، وكتب ~~له توقيعة أنه إذا سافر في جميع المملكة لا يمنع شيئا يطلبه في الشام من ~~غزة إلى الفرات. PageV01P166 # ولما سافر السلطان إلى جهة الطور أحسن إلى هؤلاء الأمراء إحسانا كثيرة. # وبلغ السلطان أن نية الرشيدي قد فسدت وتغيرت، فجعل عليه عيونا تحفظ كل ما ~~يجري منه، ولما جرى ما جرى من طلب صاحب الكرك وصل الأمير شاركوه، أستاذ ~~داره يقول : «آن كتابة من الرشيدي وقاصدأ حضر إلى عندي يقول : «لا تحضر إلى ~~السلطان فإنه يريد أن يمسكك ». وقد أمسكت القاصد. فكان جواب السلطان : « إن ~~كان الملك المغيث قد حلف للرشيدي فلا يحضر، وإن كان حلف لي فيحضر. ولم يظهر ~~السلطان للرشيدي شيئا من ذلك. وسير السلطان الأمير بدر الدين بيسري الشمسي ~~إلى جهة الكرك - على ما سيذكر - فسير الأمير بدر الدين المذكور إلى السلطان ~~يقول : « انني أمسكت كتابة من الرشيدي إلى الكرك يقول لا يسلموا الكرك، ~~ويحسن لهم التوقف عن التسليم، ويعرض عليهم الاتفاق معهم، على أنه يحضر ~~اليهم هو ويتسلمها، ويحفظها لهم، ويكون هو عونا لهم، ويتفق معهم على إفساد ~~الحال كله. فكتم السلطان هذا كله، وأمر الأمير بدر الدين بيسري بالاحتر از ~~والتحفظ. # ولما توجه السلطان إلى الكرك جعل على الرشيدي عيونة، فبلغ الساطان أنه ~~لما نزل على الكفرين ونمرين طلب أنه يركب في مماليكه وأصحابه، ويسبق إلى ~~الكرك يدخلها هجمة، فركب السلطان اليه، ونزل عنده، ولاطفه، ومازحه، وما ~~أظهر له شيئا من ذلك ؛ وركب السلطان وركب الرشيدي، PageV01P167 ففاتت ~~الحيلة. وجرد السلطان الأمير بدر الدين الأيدمري، ومعه جماعة كبيرة ، ~~وأمرهم بالتقدم لحفظ الطرقات على الرشيدي لئلا يسبق إلى الكرك، فحفظ عليه ~~الطرقات. وجهز صحبة بدر الدين الأيدمري دهلیزا مخلعة على البغال حتى ~~يظهر للناس ms065 ما يخفي أفعالهم، ويقضي بسكون النفوس ونزل السلطان بركة زيزا، ~~فبلغه أن الرشيدي عازم على شيء من ذلك، وأنه ربما يركب ويسوق إلى الكرك، ~~فعمل السلطان معه خديعة حسنة، وذلك أنه سير اليه أحد خواصه يبشره بأن الكرك ~~قد تسلمت، فلما سمع الرشيدي ذلك أظهر فرحة، وخلع على المبشر، ووقف عن فعله ~~وبطلت حركاته. وساق السلطان إلى الكرك، واتفق ما قدره الله من فتوحها على ~~ما ذكرناه، وترتيب قواعدها ؛ والسلطان لا يزيد الرشيدي إلا الإحسان ~~والتقريب ؛ ولما وصلت الخيل من جهة العر بان تقادم طلب منه، فسير له خيلا ~~من أجودها. # ونزل السلطان غزة راجعة فقام ليسبغ الوضوء سحرة على عادته وتفرقت ~~الخاصكية للوضوء، والتهيؤ لصلاة الجماعة على العادة، وقام السلطان يتركع ~~قبل الأذان، وإذا بالرشيدي قد أقبل في مقدار ثلاثمائة فارس مستعدة من ~~مماليكه، والدمياطي والبرلي ، فما احتفل السلطان بهم، ولا قطع صلاته ؛ ~~وسلم، ولبس سيفه، ولم يجد أحدة حاضرة إلا الأمير شمس الدين سنقر الرومي، ~~فقال له السلطان : « ما الذي رأيت ؟ » قال : « جماعة ما جاؤوا في خير ». ~~وبعد هذا حضر الأمير سيف الدين قلاوون الألقي بغير سيف، إلا في وسطه ترکاشة ~~لأجل الصيد، فأنكر السلطان ذلك منه، ففهم، وراح وشد سيفه، وركب فرسة جيدة، ~~ووقف، PageV01P168 وتراجعت الخاصكية والجماعة وركب السلطان، فأتي الرشيدي ~~فوقف قريبة من السلطان، في مكان ما جرت عادتها بالوقوف فيه ؛ فحضر الأمير ~~عز الدين أوغان ؟ الركني، فقال الرشيدي : « أراك في هذا المكان، ما هذا ~~مکانات يا سيف الدين » ؛ وأظهر أنه في مزح، وما زال به حتى ساق من ذلك ~~المكان، وساق الدمياطي والبر لي، وتفرقوا. # وكانت جرت من الدمياطي قضية أخرى، وهي أن السلطان لما ملك الكرك، ونزل ~~أولاد الملك المغيث أعطاهم السلطان خلعة وأقمشة وإنعاما كثيرة، وأنزلهم في ~~المنظرة التي في الوادي، تحت الكرك، قريبة من منزلة السلطان، [ف] سیر لهم ~~الدمياطي ضوها وجماعة يبيتون حولهم، بغير مرسوم، إلا ابتداء من نفسه، ثم ~~حضر في الليل اليهم جماعة من مماليكه بالسيوف، ملثمين، وكسروا ~~الصناديق، ms066 وأخذوا القماش الذي كان السلطان أعطاهم اعتقادا منهم أن تقوم ~~فتنة في الليل، وشوشة في العسكر، ولا يعلم أحد أنهم مماليك الدمياطي، وإذا ~~عوتب الدمياطي في ذلك، قال : « أنا سيرت حتى يحفظونهم "، وسیرت الضوء». ~~فكشف الله ذلك، وظهر القماش عند مماليكه الخواص ؛ فاطلع السلطان على ~~القضية، فتحدث معه الأمير شجاع الدين، المهمندار، فما سلمهم، ولا أنصف ~~منهم، وقال : « أنا أغرم عنهم ما عدم ». وأحضر بعض القماش، وقرر أن يقوم ~~بدراهم عن بقية ذلك والسلطان ساکت، لا يتكلم بكلمة، إلا يحتمل هذا ويحترز ~~على نفسه، إلى أن دخل إلى مصر، واستقر بها، وأصبح PageV01P169 فطلب ~~الرشيدي، فاعتقله، وطلع الأمراء إلى الخدمة في اليوم الثاني، فأمسك ~~الدمياطي والبرلي، وحسم هذه المادة، وأحسن إلى مماليكهم، وخواصهم، وأقرهم ~~على أخباز هم، ولم يغير على أحد منهم شيئا، ولا تعرض إلى بيوت الأمراء، ~~وزاد الأمراء الناصحين له على القطاعاتهم، وأمر من يستحق الإمرة. ### | ذکر وصول رسل الأمير برکه [ با ۲۰ ب] # ثم وصل ولد الملك المغيث، وهو الولد الأكبر، وإخوته وحرمه فأمره السلطان ~~بمئة فارس، وخلع عليه، وأعطاه طبلخاناه، وأطلق لإخوته، وحرم والده جميعهم ~~كل ما يحتاجونه لهم ولغلمانهم ولمعارفهم، وعمتهم الصدقات الشريفة للكبير ~~والصغير، وكذلك جميع المفاردة الكركية، عوضهم عن مغلهم الذي كان في الكرك، ~~وأعطاهم الاقطاعات. وكان حضر اليه الأمير سيف الدين الزرزاري في رسالة بسبب ~~تسليم الكرك ؟، فرآه السلطان في بعض الأيام فطلبه وأعطاه ألف دينار عينة، ~~طلب بها أملاكا، فكوتب عليها مكاتبة شرعية. # ولما وصل السلطان قريبا من غزة، وهو عائد من الكرك، وصل اليه البريد من ~~الأمير عز الدين الحلي، نائب السلطنة بالديار المصرية، يذكر وصول الكتب من ~~الاسكندرية، بوصول رسل الملك بركة، وهم : الأمير جلال الدين بن القاضي، ~~والشيخ نور الدين علي، ومعهما جماعة ؛ ويخبره PageV01P170 بوصول رسل الملك ~~الأشكري، ووصول مقدم الجنوية، ورسل السلطان عز الدين، صاحب الروم ؛ فكتب ~~السلطان بالإحسان إليهم جميعهم. # ولما استقر السلطان في قلعته اجتمع بهم بحضور الأمراء، والناس، ~~وقرىء كتابه الذي على يد الأمير جلال ms067 الدين، وكتابه الذي على يد الشيخ نور ~~الدين، ومضمونهما السلام والشكر، وطلب الأنجاد على هلاون، والإعلام بما هو ~~عليه من مخالفة شنكز خان، وشريعة أهله، وأن كل ما فعله من إتلاف النفوس ~~بطريق العدوان منه، «وأني قد قمت أنا واخوتي الأربعة لحربه ؟ من سائر ~~الجهات، لإقامة منار الإسلام، وإعادة مواطن الهدى إلى ما كانت عليه من ~~العمارة، وذكر الله والأذان والقراءة والصلاة، وأخذ ثأر الأئمة والأمة ». ~~ويلتمس انفاذ جماعة من العسكر إلى جهة الفرات الإمساك الطريق على هلاون، ~~ويوصي على السلطان عز الدين، صاحب الروم، ويستمد مساعدته، وانفصل هذا. # وحمل إلى الرسل من الانعام ما لا يحصى، ورسم بتجهيز الهدية إلى الملك ~~برکه من كل شيء على اختلافه، وعمل لهم في الوق دعوة، واستمر تفقدهما في كل ~~يوم سبت وثلاثاء - يومي لعب الكرة - بأصناف الأنعام والأقمشة. # وكتب المملوك جوابه في قطع النصف في سبعين ورقة بغدادية ؛ فيه الآيات من ~~كتاب الله تعالى، وأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - في الترغيب ~~في الجهاد، وما ورد في مصر من الأحاديث PageV01P171 والآيات وفي قتال ~~المشركين والاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم ! - في الجهاد ؛ وفيه [ من ~~ذكر مواطن العبادات، ومواضع الزيارة، في سائر البلاد التي دعي له فيها، شيء ~~كثير ؛ وجمع هذا الكتاب من الترغيب والترهيب، والاستمالة، والإغراء، ~~والتعاظم عليه، وإظهار الميل اليه، ووصف كثرة جنود الديار المصرية، وما هي ~~عليه، وزيادة عساکرها عن المعتاد، وأنها كلها موافقة في نصرة الإسلام. # وقرأت الكتاب على السلطان بحضور جماعة الأمراء، وهو يزيد فيه وكذلك ~~الأتابك ممليه. ولما تكامل هذا الكتاب، وتجهزت الهدية المباركة، وهي : # ختمة شريفة ذكر أنها خط عثمان بن عفان، رضي الله عنه ! - بغلاف أطلس أحمر ~~مزركش، ضمن درج أدم مبطن بعتابي، وكرسي لها عاج وأبنوس مخرم، بسقط فضة، ~~وقفل فضة خروق بندقي کوامل عدة كبيرة ؛ تمزلوقات الصلاة وسجادات ألوان ~~متنوعة ؛ أكسية لواتية الوانا عدة ؛ من الأديم الدسوت، والأنطاع المسردقة، ~~وسفر الشمعدانات، جملة كبيرة ؛ سيوف قلجورية باسقاط فضة ؛ دبابيس ~~بنصب حديد مذهبة وغيرها، ms068 خود فرنجية بأطراف فضة ؛ طوارق مدهونة ؛ فوانيس ~~بأغشية بندتي ؛ منجنیقات للشمع مدهونة، بأغشية ؛ فوانيس فضة بأغشية بندقي ؛ ~~صار وقات. برسم الرماح ؛ للفوانيس الفضة کفایتها مشاعل جفتاه، وقواعدها كفت ~~؛ جملة لحم كفت برؤوس مخروزة PageV01P172 بشريط محلاة بفضة ؛ وكوابح فضة ~~مطلاة ؛ وأثفار محلاة، وألباب سروج خوارزمية، ونمازینات برسمها ؛ جراوات بر ~~غالي محروزة بشريط، واسقاط فضة ؛ قسي حلق دمشقية ؛ أوتار حریر ؛ قسي بندق ~~بأوتارها ؛ اجراخ ؛ جلود للقرود البلق ؛ شمعدانات مطعمة بفضة ؛ رماح قي ؛ ~~أسنة حديد عربية ؛ نشاب بديع الصنعة في صنادیق مجلدة ؛ قدور برام. ؛ قناديل ~~كبار مذهبة ؛ رنك سلاسل فضة مطلاة ؛ خدام ؛ جواري طباخات ؛ نغانغ عجيبة عدة ~~؛ خيل جياد سبق با عبي عربية كفايتها ؛ هجن نوبية نادرة ؛ دواب فره" لا ~~تلحق ؛ نسانيس معلمة، أكوار للهجن كفايتها ؛ مقاود بسلاسل ؛ اجلال قص ~~للدواب ؛ وملاليط خطاي للنسانيس ؛ زراف جل كله قص ممغور مصور ». # وسير من ذلك كله عدد كثير، وغير ذلك أشياء مستطرفة وتحف مستغربة، ولطائف ~~لا يوجد مثلها في خزانة ملك كبير ؛ وصحبتها غلمان، ومن يقوم بهذه ~~الحيوانات. وسلم جميع ذلك لرسل السلطان، واهتم به اهتماما كثيرة، كل هذا ~~المصلحة الإسلام. # وجهز الأمير فارس الدين أقوش المسعودي، والشريف عماد الدين الهاشمي، ~~رسولين إلى الملك بركه، وأصحبهما هذه الهدية، وألبس رسله الفترة من مولانا ~~الخليفة - سلام الله عليه ! - واحضرهما خطبته والصلاة خلفه، والاجتماع به ~~للحث على إقامة فريضة الجهاد ؛ وحملهما من الوصايا PageV01P173 للملك برکه، ~~والمشافهة، والشكر لمساعي السلطان، وما هو بصدده من إقامة الشريعة، وسد ~~الذريعة، ورفع منار الدين، وجهاد المشركين، وملازمة العفاف، ومعاملة الرعية ~~بالعدل والإنصاف وما جمعه من العساکر والجنود التي ليس لها أول ولا آخر، ما ~~يعيدانه على الملك برکه. وجهز لهما طريدة عظيمة جمعت من أصناف الحيوانات ~~المسيرة هدية، وما فيها من الأشياء الفاخرة، وجهز لهما عدة كثيرة من الرماة ~~والزراقين، والجرخية، وحمل معهم مؤونة سنة. وتقدم بأن يزار بهم مواطن ~~العبادات، وكتب السلطان بأن يدعى له بمكة - شرفها الله ! - والمدينة ~~المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ! - والبيت المقدس، وأن ~~يدعى له ms069 بعده في الخطبة، وسير إلى مكة - شرفها الله تعالى ! - عمرة شريفة - ~~كتبتها - يعتمر له بها. وسافروا في سابع عشر رمضان سنة إحدى وستين [ وستمئة ~~]، وقد شاهدوا من عظمة السلطان ما بهر عقولهم. ### | ذكر توجه السلطان إلى الإسكندرية # في سادس شوال سنة إحدى وستين وستمئة توجه السلطان إلى الصيد، فعدى من ~~الحيزية، وصحبته خواص دولته الزاهرة، وأوليائه المتناصرة، ووصل إلى تروجة ~~أقام بها أياما، ثم دخل البرية يتصيد، ويضرب حلقة صيد، فحصل له من ذلك شيء ~~كثير ؛ واهتم بأمر المياه، والتساوي في وردها، فولي أمرها أحد حجابه شجاع ~~الدين الزاهدي، وأحضر من PageV01P174 الاسكندرية الرجال الحفر الآبار ~~ونزحها من الأكدار. # ولما قضى وطره من الصيد ورجع، وقد سفك من دماء الوحوش ما عادته يسفكه من ~~دماء أعداء الدين، عاد إلى تروجة، وتوجه منها إلى الاسكندرية، وكان الصاحب ~~الوزير بهاء الدين قد سبق إلى الاسكندرية، فأحسن إلى أهلها، وحصل جملا ~~كثيرة للخزانة العالية، ومن جملة ما حمل خمسة وتسعين [ كذا ] لفة قماشة، ~~وحصل من الأموال ما لا يحصى كثرة، ولم يضرب أحدة. # وضرب السلطان خيمته خارج المدينة، ونادى بأن لا يقيم في الثغر جندي، ولا ~~ينزل أحد في دار، فحصل للناس بذلك رفق، واستقر الناس في أوطانهم. وفي يوم ~~الأربعاء مستهل ذي القعدة دخل السلطان الاسكندرية من باب رشيد، وتلقاه أهل ~~المدينة، واستدعى الخزائن والأمتعة، وشرع في تعبية ما يعبيه الأمراء، على ~~قدر مراتبهم، ورسم بمكتوب برد مال السهمين، وصلة أرزاق الفقراء. وكان أهل ~~الاسكندرية قد كثر ألمهم بسبب استخراج ربع دينار على كل قنطار يباع، فحطه ~~عنهم وأبطله عن الرعية، ولعب الكرة، فخلع على الأمراء، وأعطى الأتابك ثلاثة ~~آلاف دينار، وأعطى الأمراء مثل ذلك وأقل من هذه الجملة على طبقاتهم إلى ~~مائة دينار. # وركب السلطان لزيارة الشيخ الصالح القباري، وحضر شخص ،PageV01P175 وقال : ~~« إن الشيخ استؤذن على حضور السلطان اليه، والطلوع إلى قصره فأذن ». ثم حضر ~~آخر، وقال : «لا سبيل إلى الطلوع، ولا إلى كلامه إلا من أسفل البستان ~~»، وأتي لزيارة الشيخ الشاطبي، ms070 وعاد في البحر إلى سرير سلطانه. # وكان قد حضر شخص يقال له ابن البوري، وادعى أن بالثغر أموالا ضائعة، ~~وأعطاه بها أوراقا. وكذلك رجل آخر يعرف بالمكرم بن الزيات، كتب أوراقا، ~~فاستدعى السلطان، في يوم الثلاثاء، سابع ذي القعدة الأتابك والصاحب والقاضي ~~والفقهاء، وقرئت الأوراق وصار السلطان كلما فتح له باب مظلمة سده، ويعود ~~على المذكورين بالانكار ؛ ولقد قال السلطان : واعلموا أنني تركت لله، ستمئة ~~ألف دينار من التصنيع والتقويم، والراجل والعبد والجارية وتقويم النحل 3، ~~وعوضي الله من الجهات الحلال أكثر منه، وطلبت جرائد الحساب، فزادت بعد حط ~~المظالم جملة، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرة». وأمر بإشهار ابن البوري. # وجلس السلطان يوم الخميس تاسع ذي القعدة بدار العدل، وبسط المعدلة، وأمر ~~بعد ذلك بتطهير الثغر من الحواطي الفرنجيات. وفي يوم الاثنين الثالث عشر من ~~ذي القعدة توجه السلطان سائرة إلى مستقر ملکه PageV01P176 ونزل تروجة، وأمر ~~عربانها بالسباق بالحيل، فاجتمع من عربها لا غير ألفا فارس، واجتمع اليها ~~جملة من خيل العسكر وكان مداها من المرقب إلى التل، قریب تروجة. ووقف ~~السلطان بالتل، وأوقف الرماح، وعليها الثياب الأطلس والعتابي، وفيها المال، ~~فلم يكن غير ساعة وإذا بالخيل قد أقبلت كأنها العقبان، فأخذ كل راكب خصل ~~السباق، ولم تطمح عينه إلى شيء من الخيل. # وفي يوم الأربعاء ثامن ذي القعدة وردت الكتب من جهة البيرة، وحلب، بأن ~~جماعة مستأمنة واردة إلى الباب العزيز فوق الألف وثلاثمائة فارس من المغل ~~والبهادرية فكتب السلطان بالإحسان اليهم. # ولما حل السلطان بر مصر زاد النيل، واستمرت زيادته : # «لا عجب للنيل ان زاد من %~% بعد انتقاص كان منه الحذار # فمقدم السلطان وافي به %~% وإنما السحب تمد البحار » # ولما وصل السلطان من الاسكندرية إلى مقر ملكه أعاد الفكرة في قضاء الثغر ~~المحروس، ورأى توليته لرجل غريب، فوقع الاختيار على الفقيه العالم برهان ~~الدين المالكي، وهو رجل زاهد عابد، يأوي في مسجد بمصر، فقلده القضاء ~~بالاسكندرية، وتوجه اليها. وفوض الخطابة اللقاضي زين الدين بن أبي ~~الفرج الذي ms071 كان حاكما، وصلح الحال بهذا التدبير. # وفي أواخر ذي القعدة من هذه السنة نزل السلطان إلى القاهرة فعاد الأمير ~~سيف الدين قلاون الألفي، والأمير علاء الدين الحاج ايدغدي الركني، ~~PageV01P177 والأمير حسام الدين بن برکه خان. وفي ليلة الأربعاء الخامس من ~~ذي الحجة منها توفي الأمير حسام الدين بن برکه خان، ونزل السلطان وحضر ~~جنازته، ومشي فيها. ### | ذکر وصول التتار المستأمنين # قد تقدم ذكر اهتمام السلطان بوصول التتار ، وتجهيز الاقامات لهم. وفي يوم ~~الخميس السادس من ذي الحجة وصلوا، فركب السلطان التلقيهم والملائكة والملوك ~~به محيطة، والملة الإسلامية به محوطة. ولما قرب التتار، وشاهدوا السلطان، ~~وهو كالبدر ليلة كماله، والاسد بين أشباله، نزلوا وقبلوا الأرض. # قال كاتب السيرة : «الواجب الدعاء لملك نصر الإسلام، وأعزه بعد الاهتضام، ~~فإنه فرق بين ملك تقبل ملوك التتار الأرض بين يديه وهو راكب، وبين ملك كانت ~~التتار تطلب منه حضور الحرم في المشارب، وبين ملك تهادنه ملوك الإسلام، ~~والكفر تطلب منه الرضى والغفران، PageV01P178 وملوك تهادي ملوك الكفر تطلب ~~منهم الأمن والأمان، وبين ملك تسلم من الكفر البلاد والحصون، وبين ملوك ~~سلموا للكفر من البلاد والقلاع والحرم والأولاد والأموال كل مصون ».. # وكان قد عمرت لهم مساكن باللوق فأنزلوا بها، وفي يوم السبت لبسوا الخلع ؛ ~~واتفق أن السلطان نزل إلى عند حسام الدين بن برکه خان، ووافوه عند باب ~~الجامع الصالح، وشاهدوا على باب زويلة رأس كتبغا نوین، مقدم عسكر التتار، ~~المقتول بعين جالوت، وغيره من أكابر التتار المعلقة على علو الباب، فنظم ~~المملوك : # « يا مليكة له الحسام المبيد %~% وكريما له العطاء المسفيد # لك سيف به الغوي شقي %~% ونوال به الولي سعيد # شاهد الناس منك يا ملك الأر %~% ض أمورا بها ؛ يلين الحديد # شاهدوا منك إذ ركبت من الصا %~% لح نصرة به يموت الحسود # فرؤوس على الشراريف قتلى %~% ورؤوس على التراب سجود # حين وافي التتار في خلع من %~% ك، وكل صنائع وعبيد # ورأوا منهم رؤوسا على السو %~% ر بحكم الرماح أمست تميد # هذه قد عصت وهذي أطاعت هكذا ms072 %~% هكذا تكون السعود PageV01P179 # دمت ترقى لك الحباها صعيدا %~% كل يوم لها اليه صعود » # وأقاموا في الإحسان يتقلبون، وكل منهم يقول لما يشاهد من الخير : ويا ليت قومي يتعلمون !. # ووصلت الكتب بقدوم جماعة أخرى كبيرة منهم، فاحتفل السلطان بهم، وركب ~~لتلقيهم، ثم ورد جماعة أخرى، فاعتمد معهم هذا الاعتماد. وكان الواصل إلى ~~الخدمة، في هذه الثلاث مرار، من أمرائهم الأكابر : کر مون أغا، وهو الذي ~~فتح بلاد الترك جميعها، وامتعا أغا، ونوكا أغا، وجبر اك أغا، وقنان أغا، ~~وطبشور، وتاسفيه، وهتو، وصجي، وخوجلا واجقرقا، وارقرق، وصلاغيه، ومصدمه، ~~واجتمعوا بمن كان وصل قبلهم من أمراء التتار، وهم صراغان أغا، ومن كان معه، ~~وصار كل منهم لوقته أميرة. ثم أن السلطان عرض عليهم الإسلام، فأسلموا على ~~يده الشريفة وطهروا جميعهم؛ فنظم المملوك في ذلك : # « يا مالك الدنيا الذي %~% أضحى صلاحا للأمم # یا من محا بالعدل ما %~% للظلم فينا من ظلم # يا من تساق له التتا %~% ر غنيمة مثل الغنم # خافوا سيوفك، %~% انها ستسوقهم نحو النقم # فأتوا لبابك كلهم %~% يأوون منه إلى حرم PageV01P180 # أمنوا به مما يخا %~% ف من البلايا والسقم # جعلوا جنابك جنة ،%~% وثري خيولك مستلم # بسطوا يمينا للهدا %~% ية طالما خضبت بدم # أعطيتهم ما للمؤ %~% لفة القلوب من القسيم # لا زلت يا ملك الزما %~% ن لك الملوك من الخدم » # وفي هذه السنة تقدم بهاء الدين، أمير آخور، أحد ترابي السلطان وخواصه، ~~بضرب أحد منادية سوق الخيل، الأمر جرى منه فيما يتعلق بالاسطبلات وما يشتري ~~لها من الخيل، فضرب، وحمل إلى بيته، فمات ؛ فعز هذا الأمر على السلطان، ~~فهرب بهاء الدين واستخفي، واستر عند الأمير سيف الدين قلاون الألفي، لتقع ~~فيه شفاعة، فدخل على الأتابك، فأخرج لأولاد المتوفي من ماله. خمسة آلاف ~~درهم، ومائة أردب غلة، وكسوة، فأبرأه مستحقو الإرث، وأقروا أن أباهم مات ~~بقضاء الله وقدره ودخل الأتابك وتحدث في أمره، فغضب السلطان، فقال له ~~الأتابك ؟ : « تغضب للشرع الشريف والشرع معنا، فإن كان هذا قتل عمدة ~~أو خطأ فهذا الإبراء ». وعند ذلك ms073 شفع الأمراء الأكابر، فسكت السلطان سکوت ~~من أسكته الحق. وهذا فعله في حق أقرب أوليائه اليه، فكيف الأباعد ؟ # وفي هذه السنة أمر بعمل جامع خام، يضرب على يمنة الخيمة السلطانية ~~PageV01P181 وعمل له محاريب، وعدة أبواب، وعملت فيه مقصورة برسم صلاة ~~السلطان. # وفي هذه السنة وصلت رسل اليمن بتقادمه، وذكر الرسل أن معهم هدايا لخواص ~~الأمراء تقربا لخاطر السلطان، فأمر بإنفاذها إلى من عينت له، وأذن للأمراء ~~في قبولها. # وفي هذه السنة عرض السلطان العساكر، وجلس لذلك في كل خميس واثنين، ولم ~~يجر عرض أحد حتى حقق النظر، وأي جندي اشتكى من مخدومه أمر بإنصافه منه. # وفي هذه السنة نظر السلطان في كثرة الناس، وأن القاهرة هي دار الملك، وقد ~~جمعت أهل المذاهب من العلماء، فأمر بنصب أربعة قضاة نوابة لقاضي القضاة تاج ~~الدين ؛ فاستناب قاضية حنفية، وقاضية مالكية، ولقلة الحنابلة لم ينصب قاض ~~حنبلي، بل جعل لهم عاقد ؛ فوجد الناس بذلك راحة .. # وفي هذه السنة جهز السلطان عرب خفاجة، وسير الخلع إلى براء العراق، وكتب ~~إلى صاحب شیراز، وغيره ، بالإغراء بهلاون. وكانت وصلت جماعة من أمراء ~~خفاجة، فألبسهم الفتوة، وجهز معهم عز الدين أيدمر الأتابكي رسولا إلى ~~شیراز، وغيرها، صحبة أمراء عرب العراق. # وأمر السلطان بعمارة دار العدل تحت قلعة الجبل، وتجدید بنائها. # واستهلت سنة اثنتين وستين وستمئة. # فاستفتحها السلطان بالعدل والإنصاف، وحضر إلى دار العدل فوقف PageV01P182 ~~له ناصر الدين بن أبي نصر، وشكا أنه أخذ له بستان في الأيام المعزية، وهو ~~بأيدي المقطعين، وأخرج كتاب مثبوتة، وإخراج حال من ديوان الجيوش المنصورة ~~بأن بستانه ما هو من حقوق الديوان فأمر برده عليه، فرد إليه ما كان غصب من ~~حقه، وأطلع نجم الحق من أفقه. # وأحضرت ورقة مختومة، فكشف عمن أحضرها، فوجد محضرها خادم أسود، فقرئت، ~~فوجد فيها رفاعة في القاضي شمس الدين شيخ الحنابلة، يذكر فيها أنه يغض من ~~السلطان ، ويتمنى زوال دولته ؛ وسبب ذلك أن السلطان ما جعل للحنابلة ~~مكانة في المدرسة الجديدة، ولا جعل حنبلية قاضية، وتحدث ms074 في أشياء قادحة في ~~الشيخ المذكور، فقرئت على الشيخ المذكور، فحلف أن ذلك ما جرى منه، وقال : « ~~هذا الخادم كان يخدمني وطردته ». فقال السلطان : «ولو شتمتني أنت في حل ». ~~وأمر بضرب الخادم، فضرب مائة عصا. # وأمر بأن ينادي في القاهرة ومصر بأن امرأة لا تتعمم بعمامة ولا تتزيا بزي ~~الرجال، ومن فعلت ذلك بعد ثلاثة أيام تسلب ما عليها من الكسوة .. # وفي صفر من هذه السنة وصل الحجاج مخبرين بأنه خطب للسلطان بمكة، وتسلم ~~الصدر جمال الدين حسين بن الموصلي، كاتب الإنشاء الشريف المتوجه إلى مكة ~~نائبة بها، مفتاح البيت الشريف، وقفله بالقفل المسير صحبته، وأباح البيت ~~الشريف ثلاثة أيام بغير شيء، ولا يؤخذ من أحد درهم واحد. وكتب الله له هذه ~~الحسنة التي عامل الرعية فيها بالإحسان PageV01P183 والحسني، وجعل البيت ~~مثابة للناس وأمنا .. # وفي أول هذه السنة طلب الطواشي شجاع الدین مرشد الحموي، فحضر، فتحدث ~~السلطان معه في اشتغال صاحب حماه بالملاذ، وقال له : «قد كتبت إليه أنبهه ~~من هذه الغفلة، وطلبت شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ، وسيرته إليه في هذا ~~الأمر، فما أفاد ». وقال له : « أنا اعتمدت عليك في مصلحة هذا البلد لما ~~فيك من دین وخير وشجاعة. وقرر معه أنه يلتزم بتكميل الاستخدام، وأن يلزم ~~الأجناد باقامة اليزك"، والعدة الكاملة ؛ فالتزم بهذه الأمور، وكتب له ~~تقليد شریف، وتوجه. # وفي يوم الأحد الخامس من صفر من هذه السنة اجتمع أهل العلم بالمدرسة ~~الملكية الظاهرية، وحضر القراء، وكان قد فوض تدريس الحنفية للصدر مجد الدين ~~بن الصاحب كمال الدين بن العديم، وتدریس الشافعية للشيخ تقي الدين بن رزين، ~~وتصدر الاقراء للفقيه كمال الدين المحلي، والتصدر لإفادة الحديث النبوي ~~للفقيه شرف الدين الدمياطي. وذكرت الدروس كل واحد في إيوانه، ومدت الأسمطة ~~لهم، وأنشد سراج الدين الوراق قصيدة منها : # مليك له في العلم حب وأهله %~% فلله حب ليس فيه ملام # نشيدها للعلم مدرسة غدا %~% عراق إليها شيق وشام # ولا تذكرن یومة نظامية لها %~% فليس يضاهي ذا النظام نظام ~~PageV01P184 # ولما بناها ms075 زعزعت كل بيعة %~% متى لاح صبح ما. استقر ظلام # ومذ برزت كالروض في الحسن أنبأت %~% بأن يديه في النوال غمام # ألم تر محرابة كأن أزاهرة %~% تفتح عنهن الغداة كمام # وأنشد جمال الدین یوسف بن الخشاب : # قصد الملوك حماك والحلفاء %~% فافخر فإن محلك الجوزاء # أنت الذي أمراؤه بين الورى %~% مثل الملوك وجنده أمراء # ملك تزینت الممالك باسمه %~% وتجملت بمديحه الفصحاء # وترفعت لعلاه خير مدارس %~% حلت بها العلماء والفضلاء # يبقى كما يبقى الزمان وملکه %~% باق له ولحاسدیه فناء # كم للفرنج ولتتار بیا به %~% رسل مناها العفو والاعفاء # وطريقه لبلادهم موطوءة %~% وطريقهم لبلاده عذراء # دامت له الدنيا ودام مخلدا %~% ما أقبل الإصباح والإمساء # وأنشد جمال الدين أبو الحسن الجزار : # ألا هكذا يبي المدارس من بني %~% ومن يتعالى في الثواب وفي الثنا # لقد ظهرت للظاهر الملك همة %~% بها اليوم في الدارين قد بلغ المنى # تجمع فيها كل حسن مفرق %~% فراقت قلوبا للأنام وأعينا # ومذ جاورت قبر الشهيد فنفسه %~% النفيسية منها في سرور وفي هنا # وما هي إلا جنة الخلد أزلفت %~% له في غد فاختار تعجيلها هنا # فرسم لهؤلاء الشعراء بالتشاريف. PageV01P185 # وفي صفر من هذه السنة خرج متصيدة إلى جهة أوسيم، وتوجه منها إلى الغربية، ~~وشكا أهلها من واليها ابن الهمام، وصار السلطان يركب للصيد، ثم ينفرد وحده ~~متخفيا، ويسأل عن حال المذكور، وحال نوابه، وغلمانه، وعن المباشرين، ولما ~~تحقق سوء اعتماده أمسكه وأدبه وعزله، وولي غيره. واطلع على أن رجلا من ~~النصارى القبط، يعرف بابن خلوف، يظلم الناس ويؤذيهم، فأمر بإمساكه وشنقه. ~~قال مؤلف السيرة : «وكان المذكور نقل عنه تعرض إلى ذكر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم ! - بما لا يليق بشرف النبوة فأسلم ثم ارتد. # وتوجه السلطان إلى دمياط، وزار البرزخ، ثم عاد إلى أشموم، إلى منزلة ابن ~~حسون، وتصيد بها، ثم عاد من جهة الشرقية. # وفي يوم الجمعة حادي عشر صفر من هذه السنة توفي الملك الأشرف مظفر الدين ~~موسى بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد شیرکوه بن الأمير ~~ناصر الدين ms076 محمود بن أسد الدین شیر کوه بن شادي - رحمهم الله تعالى ! - ولم ~~يكن له ولد ولا أخ، ولا ولي عهد، [ وكان حينئذ صاحب حمص ] ۳، فسير السلطان ~~إلى نوابه بتسليمها، فوصل البريد في سابع عشر من صفر بأن بدر الدين بيليك ~~العلائي، أحد الأمراء، قد تسلمها، وحلف الناس بها للسلطان، وكذلك الرحبة، ~~والدير، وكان المسير إلى الرحية خاصة عشرين ألف دينار عينا. # وفي هذا التاريخ ورد کتاب الأمير جمال الدين النجيبي يذكر أنه ولي ~~PageV01P186 حران للأمير جمال الدين الجاكي، وولي الرقة الأمير آخر. # وفي هذا الشهر سأل الفرنج نواب السلطان أنهم يأذنون لهم في زراعة البلاد ~~وتقويتها من أموالهم، وهي جملة كبيرة من الغلات، فتقررت الهدنة معهم إلى ~~أيام الحصاد، وهي مصلحة ظاهرة لأنهم يخرجون من ذخائر هم جملة من الغلات، ~~وتكون كما قال الله تعالى : فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون. وعند ~~استوائها تحصد سيوف الإسلام رؤوسهم قبل حصادها، وينفذ أمر الله فيهم قبل ~~نفاذهم في إنفاذها. # وفي شعبان من هذه السنة أمر السلطان بتكملة عمارة بئر الليونة قريب الاسكندرية. # وفي هذه السنة بلغ السلطان أن صاحب دهلك، وصاحب سواكن يتعرضان إلى أموال ~~من يتوفى من التجار في تلك البحار، فسير إليهما بدر الدين بن الداية، أحد ~~رجال الحلقة، رسولا بهذا السبب، وبالانکار عليهما لتعرضهما لأموال من یتوفي ~~من التجار. # وفي هذه السنة من القرط الذي قضمته الخيول السلطانية، وجمال المناخات، ~~فكان ثمنه خمسين ألف دينار. قلت وكثرة الخيول قد ندب إليه الله، وأشار في ~~كتابه العزيز إلى الاستكثار منها، قال الله تعالى : هو وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومين رباط الخيل که ۲. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم ! - ~~: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ». « والخيل PageV01P187 ~~الثلاثة : هي لرجل أجر، وللآخر ستر، والآخر وزر ؛ فأما التي هي له أجر، ~~فرجل ربطها في سبيل الله، فما غيبت في بطونها فهو له أجر، ولو رعاها في مرج ~~ كان له بكل شيء غيبت في بطونها أجر، ولو استنت شرفة ms077 أو شرفين كان له ~~بكل خطوة خطتها أجر، ولو عرض له نهر فسقاها منه كان له بكل قطرة غيبها في ~~بطونها أجر، حتى انه لي ذكر الأجر في أرواثها وأبو الها ؛ وأما الذي هي له ~~ستر، فرجل يتخذها تعففة وتكرما وتجملا ، ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في ~~عسرة ويسرة، وأما الذي هي عليه وزر، فرجل يتخذها أشرة وبطرة، ورئاء الناس، ~~وبذخة عليهم ». وقد علم كل أحد أن هذا السلطان لا يربطها إلا في سبيل الله ~~تعالى ليركب عليها المجاهدين، فكم له من أجر - جعله الله من أكبر الذخر ! - ### | ذکر جلوسه بدار العدل عند غلو الأسعار # في شهر ربيع الآخر من هذه السنة غلت الأسعار، ووصل الأردب إلى قريب ~~المائة درهم نقرة، فرسم السلطان بالتسعير طلبا للرفق، فاشتدا الحال، وعدم ~~الخبز، فأمر السلطان بالنداء باجتماع الفقراء تحت القلعة. وفي يوم الخميس ~~سابع ربيع الآخر نزل إلى دار العدل، فأول ما تحدث فيه أمر الغلة، وبطل ~~التسعير، وكتب إلى الأمراء ببيع خمسمئة أردب كل يوم، بما يقدره الله تعالى ~~من وينبتين فما دونهما لئلا يشتري منه الخزان، بل يباع على الضعفاء ~~والأرامل ؛ ونزل حجابه إلى تحت القلعة، وكتب PageV01P188 أسماء الفقراء، ~~وسير إلى كل جهة حاجبة الكتب الاسماء في القاهرة ومصر وحواضرهما، وقال : ~~«والله أو كانت عندي غلة تكفي هذا العالم لفرقتها ». فلما عد العالم وصروا ~~أخذ منهم السلطان ألوفة، وأعطى لنواب ولده الملك السعيد كذلك وأحضر ديوان ~~الجيوش المنصورة، وكتبت الأسماء، وأعطى لكل أمير جماعة على قدر عدته، وفرق ~~الفقراء على الأمراء والأجناد، ومفاردة الحلقة والمقدمين والبحرية، وعزل ~~للتر كمان ناحية، وكذلك الأكراد والبلديين، ورسم بأن يعطى لكل فقير كفاية ~~مؤونته مدة ثلاثة شهور ؛ وتسلم نواب الأمراء الفقراء، وكذلك الأكابر ~~والتجار والشهود والناس على اختلاف أحوالهم. وكان في هذا الفعل ستر الوجوه ~~عن الكدية. وقال السلطان : « هؤلاء المساكين جمعناهم اليوم، وقد انقضى نصف ~~النهار، فليعط كل منهم نصف درهم يتقوت به خبزة، ومن غد يتقرر الحال. ~~فأنفقت فيهم جملة كبيرة لهذا القدر ms078 خاصة. قال الله تعالى، فيما ورد من ~~الأخبار : « الراحمون يرحمهم الرحمن ؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في ~~السماء ». وأخذ الصاحب جماعة العميان، وأخذ الأتابك التركمان، ولم يبق أحد ~~من الخواص ولا من الحواشي ولا من الحجاب والولاة، وأصحاب المناصب، وذوي ~~المراتب والثروة حتى أخذ جماعة، وذلك بحسن تلطف من السلطان. وقال لصارم ~~الدين المسعودي، والي القاهرة : «خذ مائة فقير، أطعمهم لله ! » فقال : : ~~فعلت ذلك وأخذتهم دائما ». فقال : « ذلك فعلته ابتداء من نفسك، وهذه افعلها ~~لأجلي ! » فأخذ مائة فقير، وشرع الناس في فتح الأهراء والمخازن، وتفرقة ~~الصدقة. # قال مؤلف السيرة : ولقد وصل الأردب القمح في الغلاء الكائن في ~~PageV01P189 سنة سبع وتسعين وخمسمئة في الأيام العادلية بولاية عهد الملك ~~الكامل إلى ثمانين درهما نقرة كل أردب ؛ وأكل الناس بعضهم بعضا، وما دبر ~~أحد هذا التدبير الحسنا. وكذلك الغلاء الكائن في زمان المستنصر العلوي أحد ~~خلفائهم بمصر، عم الجوع والبلاء، حتى أن الوزير ركب إلى. دار الوزارة فأخذت ~~بغلته وأكلت للوقت، فأخذ آكلوها وشنقوا، فأكلوا على الخشب ؟، وزاد السعر في ~~هذه السنة على ما ذكرناه وما جرى إلا الخير بنية السلطان، ونزل السعر عشرين ~~درهما، وقلت الفقراء وكثر الخير. # وفي هذا الوقت قرئت قصة على السلطان من ضمان دار الضرب، أنهوا توقفت ~~الدراهم، وسألوا ابطال الناصرية ، وذكروا أن ضمانهم مائتا ألف وخمسون ألف ~~درهم. فقال : « يحط عنهم خمسون ألف درهم ولا يؤذي الناس في أموالهم ». # وفي ثالث وعشرين ربيع الآخر رسم بمسامحة بنات الأمير حسام الدين ~~الجوكندار العزيزي بما وجب للديوان في تركة أبيهن، وجملته أربعمئة ألف درهم ~~نقرة خارجة عما له من الأملاك والغلال والخيل، وكتب بذلك إلى الشام. # وهذه جملة ما سمح بمثلها ملك لورثة أمير. وقد كان هذا الأمير وصل من حلب ~~[ إلى دمشق ] وحاله ضعيف، وقد نهب التتار موجوده، فأحسن السلطان إليه، وزاد ~~في إقطاعاته وافتقاده حتى جمع هذه الحمل ؛ ولما رمي البندق وادعي للسلطان ~~سير إليه جملة عظيمة. فهذه PageV01P190 الجمل المذكورة السلطان هو الذي وهبها له في ms079 الأول، وفي الآخر لبناته، ~~وكأنه أفهم بذلك أن كل من يموت في خدمته، ويحفظ يمينه ينظر في أمر ورثته، ~~ويبقي عليهم ما يخلفونه. وكان كما قال الشاعر : # « يا ذا الذي سعدت به الآباء %~% في الدنيا وبعد مماتها الأولاد » # وكذلك الأمير شهاب الدين القيمري، أخو الأمير ناصر الدين القيمري نائب ~~السلطنة بالفتوحات الساحلية، لما توفي إلى رحمة الله أمر بنقل إقطاعه، وهو ~~مائة طواش، لولده. وكذلك أحد الأمراء بالساحل، وهو شجاع الدين، والي سرمين، ~~سيره الأمير ناصر الدين رسولا إلى فرقة من الفرنج فصادفته فرقة أخرى، ~~فأسرته، فأبقى السلطان خبزه عليه يستغله أخوته وغلمانه، ولم يغير عليهم ~~شيئا. وكل هذه مکارم تستجلب القلوب. ### | ذكر قصد متملك الأرمن - خذله الله ! - حلب المحروسة، ورجوعه خاسرا # في هذه السنة وصل هیتوم بن قسطنطين، متملك الأرمن - خذله الله تعالى ! - ~~من جهة هولاكو - خزاه الله ! - ولما وصل لم يدخل إلى بلاده، وتوجه إلى ~~السلطان رکن الدین، صاحب الروم، فلما وصل إليه عزم على الإيقاع به على غرة، ~~وأنه ينسب ذلك إلى التركمان، PageV01P191 ففطن الطاغية، وكان قد استصحب صحبته قاضي بلاد هولاكو ليصلح بينه وبين ~~السلطان ركن الدين، وأعطاه متملك الأرمن عطاء كثيرة، واستماله وقال : «لا ~~أقدر على الدخول إلى بلاد الروم حتى يحضر جماعة من التتار تخفرني. فكتب ~~القاضي إلى التتار الذين في الروم، فحضر منهم جماعة تقدير أربعمئة فارس، ~~فتوجه بعد ذلك، فالتقاه صاحب الروم متر جلا لأجل قاضي هولاكو، والارمني لم ~~يترجل، وقدم كل منهما لصاحبه تقادم سنية، وكانت تقدمة صاحب الروم أربعة عشر ~~فرسة وأربعين ألف درهم، وجميع آنية المجلس من ذهب وفضة وبغال وغيرها، وقدم ~~له الأرمني أربعة حصن. وجاؤوا جميعهم إلى هرقلة وتحالفا، واتفقا. # واهتم الأرمني بجمع العساكر المخذولة في بلاده لقصد البلاد الإسلامية ~~وسار، فلما وصل إلى قلعة صرفند کار نادى في عسكره بأن يأخذوا إقامة الثلاثة ~~أيام. وكان في عسكره من بني كلاب ألف فارس عربة، وقصدوا عين تاب. # وكان السلطان قد فهم منهم هذا الاتفاق، لاهتمامه باستطلاع الأخبار ms080 ؛ فسير ~~إلى عسكري حماه وحمص، فتوجهوا، وتوجهت جماعة من العسكر المنصور، فأغارت على ~~عسكر الأرمن، وأسرت أميرة من أمرائه، وأخذ له مائة جمل من البخاتي، فولوا ~~منهزمين، وقتل منهم ثلاثون نفرة، وجرح صاحب حموص، قرابة الملك، وهو بارو ~~بهرام، جراحة شديدة. وكتب إلى التتار الذين كانوا في الروم وهم سبعمائة ~~راكب، فأحضرهم، وكان قصده الشام، فلما وصلوا إلى حارم وقعت ثلوج شديدة، ~~وكان الطاغية PageV01P192 المذكور قد كتب إلى أنطاكية يطلب نجدة، فأنجد ~~منها بمئة وخمسين فارس)، ولبس الجميع السراقوجات تشبها بالتتار واجتمعوا ~~كلهم قریب حارم، وأرسل الله الثلوج والأمطار حتى كادوا يهلكون. # وأما العسكر المنصور فإنه خرج لقصدهم، واتصلت بهم الأخبار، وانقطعت عنهم ~~الميرة، فخافوا، وتأخروا راجعين، فعدم من أصحابه مئة وعشرون فارسة، وثلاثون ~~تترية، وستة نفر من خيالة أنطاكية، وجماعة من رجالتهم ؛ ونصر الإسلام بنية ~~هذا السلطان الذي تنصره الملوك والملائكة، وتمده السماء تارة بشهبها ~~المحرقة، وتارة بأمطارها وثلوجها المتداركة، وتنهزم جموع الأعداء بأخبار ~~عزائمة المباركة - زاده الله سلطانة إلى سلطانه، وهزم الشرك بإيمانه ! - # وفي هذه السنة كان خليج الاسكندرية قد استدا، وامتلأت فوهته وهو البحر ~~الذي يقال إن الاسكندر حفره، وتشحط الماء في الاسكندرية بهذا السبب ؛ فقام ~~الاسكندر الثاني بهذه الحسنة، وهو السلطان الملك الظاهر، وسير الأمير عز ~~الدين، أمير جاندار، لعمارة هذا البحر، فحفره وحفر المكان المعروف ~~بالنقيدي، وأمر ببناء مسجد هناك ليكون تذكرة باقية ؛ وكأن السلطان الملك ~~الصالح - رحمه الله تعالى ! - وغيره من الملوك اهتموا بهذا البحر، وغرموا ~~عليه الأموال، وما حصل له مقصود ؛ وباشر ذلك العمل ؟ تعاسيف ناظر الدواوين، ~~وأخر الله هذه الحسنة لتكون في دولة هذا السلطان. وكذلك جزيرة بني نصر لما ~~بلغه قلة ريتها في أكثر السنين سير الأمير جمال الدين موسی بن يغمور، استاذ ~~الدار العالية، PageV01P193 المباشرة أمرها، فاحتفل بها أعظم احتفال - لا ~~زال هذا السلطان متسببة في مصالح الأمة، مجتهدأ لهم في استجلاب الرحمة ! - # وفي جمادى الأولى من هذه السنة تقدم السلطان إلى الأمير سيف الدين ~~بلبان الزيتي، أمير علم، بالتوجه ms081 إلى الشام المحروس، لتجهيز مهمات البلاد ~~والقلاع وعرض عساکر حماه وحلب، والنظر في أمر رجال الثغور، والحديث في ~~المهمات الخاصة والعامة، وإلزام الأمراء بتكميل العيدة والعدة، وإزاحة ~~الأعذار بسبب الجهاد. وكتب على يده تذكرة تتضمن مهمات البلاد، وما يعتمد ~~فيها ؛ وكتب على يده إلى دمشق بحمل خزانة كبيرة إلى البيرة، برسم نفقاتها ؛ ~~وسافر في التاريخ المذكور. # وفي هذا التاريخ وصلت جماعة من عربان خفاجة، وعلى أيديهم كتب من تأخر ~~منهم بالعراق، ويذكرون أنهم يغارونا على التتار، وأن غاراتهم تصل إلى باب ~~بغداد والبصرة، ويخبرون بأحوال شير از وأن ملكها سرغل شاه قتل ملكتها، وهي ~~زوجته، ووصلت اليه جماعة من التتار فهزمهم، فكتب السلطان اليه يقوي نفسه ؛ ~~وسير الكتب إلى عز الدين أيدمر الأتابكي، وكان متاجرة بالعراق، يأمره ~~بالتوجه واستصحاب أمراء العربان صحبته. وأحسن السلطان إلى أمراء خفاجة وكتب ~~لهم إلى الشام بالإنعام والجن، وتوجهوا. # وفي هذا الشهر جهز جماعة إلى جهة الملك برکه . # وفي هذه السنة حسن إسلام عالم كثير، على يد السلطان، من التتار ~~PageV01P194 الواصلين، ومن الفرنجية المستأمنين، والأسارى والنوبة الواصلين من جهة ~~ملكها، وصاروا كل يوم في زيادة، بحيث أن الأمير بدر الدين الخزندار فرق ~~عليهم في ساعة واحدة مئة وثمانين فرسة. قال الله تعالى : إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم. وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم ! - : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها عصموا دماءهم، ونفوسهم ». # وفي العشر الأوسط من جمادى الآخرة حصل الظفر بجاسوسين للتتار، وذلك لكثرة ~~احتفال السلطان بحديث القصاد، وتر تیب ألحامكيات والجرايات لهم. وكان قد ~~سير قصادة إلى جهة هولاكو، فأقاموا بالأردو ، وطالعوا بأن هلاون جهز ~~قاصدين، وعينوا أسماءهم، فلما حضروا إلى سيس طالع أرباب الأخبار بصفاتهم، ~~وقيل لهم أن الطرقات محفوظة، فأتوا إلى عكا، فطالع بهم أرباب الأخبار في ~~عكا، وركبوا في البحر إلى جهة دمياط، والدنيا قد حفظت عليهم، فلما وصلوا ~~أحضروا سريعة إلى السلطان، فسألهم وأعطاهم الاماير، فأقر وا، ووجدت ~~معهم فرامين للأتابك ms082 من هولاكو، وهو يرغبه، ويستميله، اعتقادا منه أن هذه ~~الأمور يفسد بها نظام، أو أن السلطان إذا وقع له ذلك لا يتثبت، أو أنه ~~يتوهم في أكبر خواصه أو أن الأتابك يميل إلى هذا الهذيان، ففطن السلطان إلى ~~هذه المكيدة، وطلب الأتابك في الساعة الراهنة، PageV01P195 وأفهمه أنها ~~حيلة، وأراه الكتاب، وقال له : « اني ما صدقت شيئا من هذا فيك ». ورسم ~~بتخريق ذلك وتمزيقه. واستدل السلطان بذلك على ضعف هولاكو، وأنه يتشبث بكل ~~شيء ، وهذه همة عالية ما سمع أن ملكة اهتم بهذه الهمة، ولا بذل في أغراضه ~~الجميلة هذه النعمة. # وفي هذا الشهر من هذه السنة تنجز البرج الذي كان السلطان رسم بعمله في ~~قارا، وشرع في بناء برج أكبر منه لمصلحة الإسلام، وحفظ الطرقات، وصونا ~~للرعية من عوادي الفرنج المجاورین. ### | ذكر قصد متملك الأرمن البلاد مرة أخرى، وتخييب سعيه # في هذه السنة اهتم متملك الأرمن هيتوم، وجمع العساكر المخذولة من كل جهة، ~~وفصل ألف قباء تتري، وألف سراقوج ألبسها أصحابه ليرهب أنهم نجدة من التتار، ~~فسير السلطان إلى دمشق جرد منها عسكرة إلى حمص، وجرد جماعة من حماة، ورسم ~~بأن عر بان الشام لا يخرجون البرية في تلك السنة، فتوجه الأمير حسام الدين ~~العين تابي، فأغار على مرزبان، وقتل وأسر، وعاد سالمة، وتوالت الغارات من ~~جميع الجهات. فلما أحس العدو بهذه العزائم جر خيول الهزائم، وتفرقت نجداته، ~~وخمدت جمراته، وبقي خائفة متر قبة، وعدلت العساكر إلى انطاكية، فغنمت وقتلت ~~وأسرت. PageV01P196 # وفي جمادى أغارت العساكر التي بالفتوحات الساحلية، صحبة الأمير ناصر ~~الدين القيمري، ووصلت إلى أبواب عكا، وأغار الأمير عز الدين الشجاعي على ~~بلاد الفرنج من جهة الخيط. # وفي جمادی المذكور شرع النواب بالشام في بناء شقيف تيرون. وفي هذا الشهر ~~أنعم السلطان على العسكر الساحلي، الذين صحبة الأمير ناصر الدين القيمري ~~بمئتي ألف درهم، وفرقت عليهم. # وفي مستهل رجب من هذه السنة جلس السلطان بدار العدل، وأنهي إليه ~~بأن على باب مشهد السيد الحسين - رضي الله عنه ! - مسجدة وإلى ms083 جانبه مكان من حقوق القصور، وبيع، وحمل ثمنه للديوان، وهو ستة آلاف درهم، ~~فسأل السلطان عن صورة المسجد، وهذا الموضع وهل كل منهما بمفرده، أو عليهما ~~حائط دائر، فقيل بينهما زرب قصب، فأمر برد المبلغ إلى صاحبه، وأبقى الجميع ~~مسجدة وأمر بعمارة المسجد. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! س « من ~~بنى مسجدا لله ولو كفحص قطاة بني الله له بيتا في الجنة. # - وفي هذا اليوم وقف رجل من الأجناد، ومعه صغير يتيم، فقال : « أنا وصي ~~هذا الصغير ». وشکا من قضية تتعلق به ؛ فقال السلطان القاضي القضاة : «اعلم ~~أن الأجناد يموت واحد منهم فيستولي خشداشه على موجوده ، ويجعل اليتيم ~~وشاقيه، ويموت اليتيم، فيستولي الوصي على الموجود، أو يكبر اليتيم ولا يجد ~~شيئا ولا تقوم له حجة على موجوده ؛ والوصي قد يموت فينغمس مال اليتيم في ~~ماله .PageV01P197 وأنا أرى أن أحدا من الأوصياء لا ينفرد بوصية، وليكن نظر ~~الشرع شاملا، وأموال اليتامی مضبوطة، وأمناء الحكم يحاققون على المصروف ». ~~وطلب نواب الأمراء، ونقباء العساكر، وأمرهم بذلك، وأمر باستمرار الحال عليه. # وفي جمادى بلغ السلطان أن جماعة من عسكر شير از واصلون لطلب صدقات ~~السلطان، فتقدم بالإحسان إليهم، ووصلوا في ثالث رجب، ومقدمهم الأمير سيف ~~الدين بكلك، ورفقته، وهم : سيف الدين اقتبار، جمدار جلال الدین خوارزم شاه، ~~والأمراء الأتابكية غلمان أتابك سعد - رحمه الله تعالى ! - وهم جماعة كبيرة ~~منهما سنقر جاه وغيره من الأتابكية. ووصل في صحبتهم حسام الدين حسين بن ~~ملاج، أمير العراق، وجماعة من أمراء خفاجة، فأحسن السلطان إلى الجميع ~~وتلقاهم بنفسه، وأمر الأمير سيف الدين بكلك، وأعطاه طباخاناه، وكذلك أمراء ~~خفاجة، والأمير مظهر الدين وشاح بن شهري. وأطلق لحسين بن ملاج قرية في ~~الشام، وجهز هم إلى بلادهم. # وفي شعبان عدى إلى الحيزية متنزها في الأهرام، وركب، ورمی، فعداها نشابه، ~~وطولها أربعمئة ذراع بذراع العمل، وطلع إليها جماعة من خارجها، حتى إن ~~فراشة للأمير سيف الدين قشتمر العجمي طلع بخركاه، ونصبها على علوها، ~~وأقامت أياما. PageV01P198 ### | ذکر نكتة فيها حسن ms084 سياسة # في شعبان منها وصلت الأخبار إلى السلطان بأن علم الدين قيصر الظاهري، ~~والي سرمين، سير إليه الأمير نور الدين، نائب السلطنة بحلب، يأمره بمصلحة ~~من المصالح، فقال كلاما فيه استنقاص وعدم مبالاة به، فعز ذلك على الأمير ~~نور الدين، ثم رضي عنه، فسير السلطان بريدية يأمر فيه بإحضار قاضي القضاة ~~بحلب، وإحضار والي سرمين بحضور الأمراء، وتأديبه الأدب الزاجر، وكتب محضر ~~بما جرى، وأخذ خط الجميع فيه، ورسم بأن يقال، إذا فرغ من تأديبه : « نواب ~~السلطنة لا يفتري عليهم، ولا يتجرأ، وهذا أدب ذاك القول، وقد عزلناك من ~~ولايتك زيادة في الأدب ». ويقال للأمير نور الدين : «أنتم اصطلحتم ونحن ما ~~نصطلح ). فاعتمد ذلك كله. # وفي هذه المدة أمر السلطان الأمراء والأجناد بعمل العدد الكاملة لهم ~~ولمماليكهم، فلم يبق لأحد اهتمام إلا في تفصيل البركصطوانات وعمل الجو اشن، ~~وصقل الزرد، وكفت الحود، وعمل وجوه الخيل. وإذا عبر الإنسان في سوق السلاح ~~لا يقدر على العبور من كثرة الخيل للأجناد الواقفين به ؛ وارتفع سعر ~~الحديد، وأجر الحدادين والجواشنة والصياقلة، ولم يبق لأحد همة في شيء إلا ~~تكملة عدته النافعة، وفي كل دار معلم للعب الرمح ؛ وتعلم جمع كبير من ~~المماليك الظاهرية لعب النار على الخيل، وما بقي لأحد رغبة إلا في الاشتغال ~~بعدة الحرب، والناس على دين الملك، وان حلفا حالف أن أحدة من العسكر ما ~~أنفق شيئا من PageV01P199 مغل إلا في ذلك، لصدق، وقد كان من تقدم من الحند ~~ينفقون مالهم فيما لا يرضي الله تعالى من الأمور المحبطة للأعمال ؛ وهذا ~~الملك شغله هذا لا ينتهي عنه بلذة ولا طرب، ولا ينقضي وقته إلا في حسنة قد ~~سطر الله أجرها وكتب. # وفي شعبان وصل كتاب أمير المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ! - ~~يذكر أنه ركب بنفسه، وسار إلى جهة مكة - شرفها الله ! - صحبة الكسوة، ~~وعلقت. وفي شهر رمضان منها تنجزت كسوة الضريح الشريف النبوي - شرفه الله ! ~~- وتقرر سفرها صحية الطواشي جمال الدين محسن الصالحي، وشرع في تجهيز ~~الشموع والزيت والطيب. ms085 # وفي هذه السنة في شهر رمضان منها وصل كتاب الأمير ناصر الدين القيمري، ~~يذكر أنه بلغه أن الفرنج المخذولين توجهوا إلى جهة يافا، وكان السلطان قد ~~اطلع على حركتهم، فأمره بالغارة على قيسارية وعثليث فساق إلى باب عثليث [ ~~و]هب وقتل وأسر، ثم ساق إلى قيسارية، واعتمد فيها هذا الاعتماد، وبلغ الذين ~~اجتمعوا في يافا من الفرنج ذلك، فسقط في أيديهم، وانعكست القضية، فخافوا ~~ورجعوا، وورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراها. # وفي شهر رمضان جرد السلطان على عادته في إجراء الصدقات بمطابخ في القاهرة ~~ومصر، برسم الفقراء يفرق فيها كل ليلة جملة من الطعام والخبز ؛ قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم ! - : « من فطر صائمة فله أجر PageV01P200 صائم ~~»، وكذلك جرى على عادته الحسنة في عتق ثلاثين نسمة على عادة الملوك ~~الماضين، هذا غير من أعتق من مماليكه الأمراء وخواصه، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من أعتق نسمة مؤمنة كان له بكل عضو منها عتقي عضو من ~~النار » # وبلغ السلطان أن الفرنج أخذوا أخيذة. من بلاد الإسلام، فأنكر ذلك، وتقدم ~~إلى النواب بالاجتهاد في ردها، فوصل كتاب الأمير ناصر الدين القيمري، يذكر ~~أن الفرنج ردوا الأخيذة، وهي عالم كبير من أهل البلاد، وجملة من المواشي، ~~فسمع في تلك الساعة من اختلاف الأصوات بدعاء الرجال والنساء، وبكاء ~~الأطفال، ما تكاد ترى له الحجارة. وكان السبب في رد هذه الأخيذة أن الأمير ~~المذكور سير إلى الفرنج يتهددهم، ويقول لهم : «نحن هادناكم كما سألتم المدة ~~التي طلبتموها، وهذه الأخيذة كانت في مدة الهدنة. فبعث النمر نج وزير ~~قيسارية ليتحدث في ذلك، فأمسكه الأمير ناصر الدين، وما زال حتى أحضر جميع ~~ذلك، وبعد ذلك سيب الوزير. # وفي هذا التاريخ وصلت كتب نواب البيرة يذكرون أن صارم الدين بكتاش ~~الزاهدي ركب في جماعة، وأغار إلى باب قلعة الروم، وأغار مرارة. # وفي شهر رمضان وصل رسول من الملك شارل أخي الملك فرنسيس، وهو صاحب ~~مرشيلية، ووصلت صحبته عدة من السنافر الشهب، والأمتعة، ومضمون كتابه ms086 المحبة ~~والمشايعة ؛ ووصلی کتاب استاذ داره بأن مخدومه أمره أن يكون أمر السلطان ~~نافذة في بلاده، وأن أكون نائب السلطان كما أنا نائبه .PageV01P201 # وفي يوم الجمعة خامس عشر رمضان قریء مكتوب بجامع مصر بإبطال ما كان قرر ~~على ولاية مصر من الرسوم، وهي مائة ألف درهم وأربعة آلاف درهم نقرة، وشملت ~~المسامحة بذلك. # وفي شهر رمضان أحضرت فلوس من جهة قوص، وجدت مدفونة فأخذ منها فلس، فإذا ~~عليه صورة ملك واقف، في يده اليمين ميزان، وفي يده الشمال سيف ؛ وفي الوجه ~~الآخر رأس مصور بأذن كبيرة ؛ وبدائر الفلس سطور، فقرأها راهب يوناني، فكان ~~تاريخه إلى وقت قراءتها ألفين وثلاثمئة سنة، وفيه مكتوب : «أنا غلياث ~~الماك، ميزان العدل والكرم في يميني لمن أطاع، والسيف في يساري لمن عصى. ~~وفي ( الوجه الآخر : « أنا غلياث الملك، أذني مفتوحة لسماع كلمة المظلوم، ~~وعيني مفتوحة أبصر بها مصالح ملكي ». # وفي هذا الشهر بلغ السلطان أن رسله الذين كانوا توجهوا إلى الملك برکه ~~وصحبتهم رسل الملك برکه عوقهم الملك الأشكري، فطلب السلطان نسخ الأيمان، ~~وأخرج منها يمين الملك كر ميخائيل الأشكري، وهي بالرومية، وأحضرت البطاركة ~~والأساقفة، وتحدث معهم فيمن يحلف بكذا وكذا من الأيمان، ثم يخرج عنه، ~~فقالوا يلزمه كذا وكذا من الأمور المخرجة له عن دينه، وأنه يكون محرومة من ~~دينه ؛ فأخذ خطوطهم بذلك، وهم لا يعلمون ما يراد منهم ؛ ثم أخرج لهم نسخ ~~أيمان الأشكري، وقال : «قد نكث بإمساك وسلي، ومال إلى جهة هولاكو ». ثم طلب ~~PageV01P202 الفيلسوف اليوناني الذي قرأ الفلس، وطلب أسقفة وقسيسة، وجهز هم ~~إلى الأشكري، وهو يغلظ له في القول، ويقول له : « إن كان سبب إمساك رسلي ~~فساد حالك مع الملك برکه، وكون عساکره أفسدت في بلادك، فأنا أصلح الحال ~~بينك وبينه ». وكتب السلطان كتابة إلى الملك برکه بذلك، وسیره إلى الأمير ~~فارس الدين أقوش المسعودي المتوجه بالهدية إلى الملك برکه، وأمره بالتوسط ~~في الصلح، وتوجهت الجماعة المذكورون بذلك، فلوقته أطلق الجميع على ما ~~سيذكر في مكانه، ان شاء الله ! ### | ذکر ms087 سلطنة الملك السعيد برکه # وفي شوال سنة اثنتين وستين وستمئة وردت أخبار بأن جماعة من التتار ~~مستأمنة، وجلال الدين بن الدويدار واصل، وصحبته جماعة كثيرة من الأتراك ~~والبغاددة قاصدوا باب السلطان، فأخذ السلطان با لحزم، وأعلم الأمراء ~~الأكابر بذلك، وقال : «ما جمعت هذه الأموال إلا لمهم يحصل للمسلمين، وهؤلاء ~~- على كثرتهم من جهات - فيه استرابة، ونحن تخرج، فإن كان هؤلاء طائعين كان ~~لهم ما لأولي الطاعة، وإلا فتكون سيوفنا لا عاقة عن تجريدها، ومن احتاج ~~منكم ومن العساكر المنصورة أعطيته، ومن عدم واسيته، وأنا في نصرة الإسلام ~~كأحد كم، لا أوفر نفسي في أمر، وأنا ينوبي فرس، وجميع ما عندي من خيل وجمال ~~كله لكم ولمن يجاهد في سبيل الله، فتقرر خروجه. وأشار بعض الأمراء بسلطنة ~~الملك السعيد، ولد السلطان، ليكون بالديار المصرية. PageV01P203 # وفي يوم الخميس ثالث عشر شوال من هذه السنة أركب ولده الملك السعيد بشعار ~~السلطنة، وخرج بنفسه في ركابه، وحمل الغاشية راجلا بين يديه، وأخذها ~~الأمراء، وعليهم الخلع الفاخرة، ولم يبق أحد من أولياء الخدمة إلا وعمته ~~الخلع، ورجع السلطان إلى مقر ملكه، ولم تزل الملوك والأمراء والعالم في ~~خدمته إلى باب النصر، ودخلوا من القاهرة رجالة يحملون الغاشية، وقد زينت ~~أحسن زينة ؛ واهتم الأمراء بنصب القباب، وشق المدينة، وأتابكه الأمير عز ~~الدين الحلي راكب إلى جانبه، ولم تزل الثياب الأطلس والعتابي وغيرها تفرش ~~له إلى حيث عاد إلى قلعته، ولم يبق أمير إلا بسط، فحملت من ذلك أحمال ~~تفرقها المماليك السلطانية، وأرباب المنافع، وانبسطت الأيدي والألسنة ~~بالدعاء له يسألون الله إعزاز نصره، وإتمام هلاله، وبقاء بدره، وأن يجمع به ~~للإسلام الشمل، ويتم نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبل. # وكتب مؤلف السيرة المولى محيي الدين التقليد بتفويض عهد السلطنة له. وفي ~~سابع عشر الشهر المذكور اجتمع الأمراء، وقاضي القضاة والعلماء، وقرىء ~~التقليد، وهو : # « الحمد لله منمتي الغروس، ومبهج النفوس، ومزين سماء المملكة بأحسن ~~الأهلة، وأضوأ البدور وأشرق الشموس ؛ الذي شد ازر الإسلام بملوك يتعاقبون ~~مصالح ms088 الأنام، ويتناوبون تدبير هم كتناوب العينين واليدين في مهمات الأجساد ~~وملمات الأجسام. PageV01P204 # نحمده على نعمة التي أيقظت جفن الشكر المتغافي، وأوردت منهل الفضل ~~الصافي، وخولت الآلاء حتى تمسكت الآمال منها بالوعد الوافي، وأخذت بالوزن ~~الصافي. ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له شهادة عبد كثر الله ~~عدده وعدده، وأحمد أمسه ويومه ويحمد - إن شاء الله - غده ؛ ونصلي على سيدنا ~~محمد الذي أطلع الله به نجم الهدى، وألبس المشركين به أردية الردي، وأوضح ~~به مناهج الدين وكانت وطرائق قد دا " - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة ~~لا تنقضي أبدا ! - # وبعد : فإنا لما ألهمنا الله من مصالح الأمم، وخولناه من الحرص على مهمات ~~العباد الذي ه قطع به شأفة الكفر وحسم، وأتى بنا والشرك قد علم كل أحد ~~اشتعال ناره فكان علما بنار مضرمة لا نارا على علم ؛ وقدره من دفع الكفر من ~~جميع الجوانب، وقمعهم من كل جهة حتى رميناهم بالحتف الواصل والعذاب الواصب، ~~فأصبح الشرك من الإبادة في شرك، والإسلام لا يخشى من فتك، ولا يخاف من درك ~~؛ وثغور الإسلام عالية المبتني نامية المقتني، جانية ثمار الادخار من هنا ~~ومن هنا ؛ تزاحم بر وجها في السماء البروج ، وتشاهد الأعداء منها سماء، ~~PageV01P205 قد بنيت وزینت وما لها من فروج. وعساكر الملة المحمدية في كل ~~طرف من أطراف الممالك تجول، وفي كل واد تهيم حتى تشعر بالنصر، ولكنها تفعل ~~ما تقول ؛ قد دوخت البلاد، فقتلت الأعداء تارة بالإلمام، وتارة بالأوهام، ~~وسلت سيوفها فراعتهم يقظة بالقراع ونوما بالأحلام. نری أنا قد لذ لنا هذا ~~الأمر التذاذ المستطيب، وحسن لدينا موقعه فعكفنا عليه عكوف المستجيد، ~~ولبيناه تلبية المستجيب ؛ وشغلنا فيه جميع الأوقات 3 والحواس، وتقسمت ~~مباشرته، ومؤامرته سائر الزمن حتى غدا أكثر ترددة إلى النفس من الأنفاس ؛ ~~واستنفذنا الساعات في امتطاء الضمر الشوس، وادراع محكم الدلاص التي كأمها ~~ومضات برق أو شعاع شموس ؛ وتجريد المرهفات التي قد جفت لحاظها ~~الأجفان، وجرت نکالمياه، واضطربت ۷ فكالغدران، وتفويق السهام التي غدت ~~قسيها ms089 من اتعابنا لها تئن، واعتقال السمهرية التي تقرع الأعداء سنها ندما ~~كلما قرعت هي السن ؛ إلى غير ذلك من كل غارة شعواء تسيء للكفار الصباح، ~~وتصدم كالجبال، وتسير " كالرياح ؛ ومنازلات کم استلبت من موجود، وكم ~~استنجزت PageV01P206 من نصر موعود، وكم مدينة أضحت لها مدنية، ولكن أخرها ~~الله إلى أجل معدود . # وكانت شجرتنا المباركة قد امتد منها فرع تفر سنا فيه الزيادة والنمو، وتوسمنا منه حسن الجني المرجو ؛ ورأينا أنه الهلال الذي أخذ في ترقي منازل ~~السعود إلى الأبدار، وأنه سرنا الذي صادف مكان الاختيار له حسن الاختبار. ~~أردنا أن ننصبه في منصب أحلنا الله فسيح غرفه، ونشرفه بما خولنا الله من ~~شرفه، وأن تكون يدنا ويده تقتطفان من ثمره، وجيدنا وجيده يتحليان بجوهره ؛ ~~وأنا نكون للسلطنة الشريفة السمع والبصر، والمملكة المعظمة في التناوب ~~بالإضاءة الشمس والقمر ؛ وأن تصول الأمة منا ومنه بحدين، ويبطشون من أمرنا ~~وأمره بيدين ؛ وأن نربيه على حسن سياسة تحمد الأمة - إن شاء الله ! - ~~عاقبتها عند الكبر، وتكون الأخلاق الملوكية منتشئة معه ومنتشبة به من الصغر ~~؛ ويجعل سعي الأمة بتمني مثله حميدة، ويب لهم منه سلطانا نصيرة، وملكة ~~سعيدة، ويتوی به عضد الدین، ويريش جناح المملكة وينجح مطالب الأمة بإیالته، ~~وكيف لا ينجح مطلب يكون فيه بركة. # وخرج أمرنا - لا برح مسعدة ومسعفة، ولا عدمت الأمة منه خلفة منیلا ونوءة ~~مخلفة - بأن يكتب هذا التقليد لولدنا الملك السعيد ناصر الدين برکه خاقان ~~محمد، جعل الله مطلع سعده بالإشراق محفوفا، وأري الأمة من میامنه ما يدفع ~~للدهر صرفا، ويحسن بالتدبير تصريفا، بولاية PageV01P207 العهد الشريف على ~~قرب البلاد وبعدها، وغورها ونجدها وعساکرها وجنادها ؛ وقلاعها وثغورها، ~~وبرورها ومحورها ؛ وولاياتها وأقطارها، ومدنها وأمصارها وسهلها وجبلها، ~~ومعطلها ومعتملها ؛ وما تحوي أقطاره الأقلام، وما ينسب للدولة القاهرة من ~~يسمن وحجاز ومصر وغرب وسواحل وشام بعد شام ؛ وما يتداخل ذلك من قفار ومن ~~بيد في سائر هذه الجهات، وما يتخللها من نيل وملح وعذب وفرات ؛ ومن ~~يسكنها من حقير وجليل، ومن يحتلها ؟ من صاحب ms090 رغاء وثغاء وصليل وصهيل. ~~وجعلنا يده في ذلك كله مبسوطة "، وطاعته المشروطة، ونواميسه المضبوطة ؛ ولا تدبير زب ملك كلي ~~[ ولا جزئي ] إلا بنا أو بولدنا يعمل، ولا سيف ولا رزق إلا بأمرنا - هذا ~~يسل وهذا يسأل ؛ ولا دست سلطنة إلا بأحدنا يتوضح منه الإشراق، ولا غصن قلم ~~في روض أمر ونهي إلا ولدينا أو لديه تمتد له الأوراق ؛ ولا منبر خطيب إلا ~~باسمنا يميس، ولا وجه درهم ولا دينار إلا بنا يشرق ويكاد تبرجة لا بهرجة ~~يتطلع من خلال الكيس. # فليتقلد الولد ما قلدناه من أمور العباد، وليشركنا فيما يباشره من مصالح ~~الثغور والقلاع والبلاد ؛ وسنتعاهد الولد من الوصايا بما سينشأ معه توأمة، ~~ويمتزج بلحمه ودمه حتى يكاد يكون ذلك إلهاما لا تعلمة. وفي الولد بحمد الله ~~من نقاء الذهن، وصحة التصور ما يتشكل فيه الوصايا أحسن التشكيل، ~~PageV01P208 وتظهر صورة الابانة' في صفائه الصقيل ؛ فلذلك استغنينا عن شرحها هاهنا ~~مسرودة، وفيه بحمد الله من حسن الخليقة ما يحقق أنها بشرف الإلهام موجودة ؛ ~~والله لا يعدمنا منه اشفاقة وبرة، ويجعله أبدا للأمة سندة وذخرة » . # ثم وردت الأخبار بفتور عزائم العدو، وأن سبب حركة جلال الدين ولد ~~الدوادار ، أن هلاون بلغه أن بلاد العراق فيها جماعة من الأجناد، والأتراك ~~قد استخفوا، وتزيوا بزي الفقراء والفقهاء، وانقطعوا بالمدارس والربط، وأنهم ~~في كل مدة يتسللون الجماعة بعد الجماعة إلى الديار المصرية فأراد التحيل ~~عليهم بحيلة يجمعهم بها، وتحقق أن المذكورين لا يركنون إلى التتار، فيسير ~~إلى جلال الدين المذكور يفهمه طلب نجدة، ويحسن له طلب جماعة من الأتراك ~~والجند، والإنفاق فيهم، واستخدامهم بجدة على برکه، فسارع جلال الدين إلى ~~ذلك، وبذل الأموال واستخدم، فاجتمعت له جماعة كبيرة ؛ وفهم في أثناء هذه ~~الحال القصد في هذا الأمر، وأنه فيه هلاك لجميعهم، فتجهز وخرج معرجة إلى ~~خدمة السلطان. # وتواصلت الأخبار بذلك، فابتهج السلطان به، وفتر عزم الحركة وشرع في ختان ~~ولده الملك السعيد، وأمر الناس بالتأهب للعرض بالأسلحة والحواشن وآلة ~~الحروب خاصة. # وأما ولد الدوادار، فإنه ms091 خرج واجتمع هو والعربان بنو خفاجة، PageV01P209 ~~غلمان السلطان، ووصلت جماعة من جهته، فكتب السلطان بإطابة قلبه. وكتب إلى ~~سائر أمراء خفاجة وغزية وغير هم بخدمتهم وإعانتهم ؛ وأمر أمراء البغاددة ~~بالكتابة اليه بما هم فيه من نعمة. ### | ذكر العرض السعيد # قد ذكرنا اهتمام السلطان بأمر العدد والاستكثار منها، وإلزام الأمراء ~~والمفاردة والجند بتكملة العدة، وهي عدة الحرب، وعدة النجارة، وعدة ~~الحجارة، ونفذ بذلك إلى جميع البلاد الشامية والحلبية وإلى الملك المنصور، ~~صاحب حماه، فاهتموا بذلك همة عظيمة، ولم يبق لهم شغل إلا تحصيل العدد، ~~والاستكثار منها ومن الجوشن الكيمخت الصفحة بالذهب والفضة، وبرکصطوانات ~~الخيل جواشنا والحود الفرنجية : فرأى عرض العساكر جميعها في يوم واحد، ~~وتقدم قبل ذلك إلى كل أمير ومقدم أن يعرض أصحابه ومضافيه. # وفي العشر الأول من ذي القعدة جلس السلطان على الصفة التي بجانب دار ~~العدل عند طلوع الشمس، والعالم قد شرعوا في الليس من الليل، وامتلأت الدنيا ~~عساكر، فلا تقع العين إلا على خود لامعة وأنوار ساطعة، وخيول تصهل، وجنود ~~تقبل؛ وأطلاب سائقة وعسا کر متلاحقة. وساق كل أمير في طلبه، لابسة لأمة ~~حربه ؛ وجروا من الجنائب خيولا كأنها PageV01P210 الرياح في المطاردة، ~~والجبال في المشاهدة، عليها من عدد الحروب ما تطمئن به من الممتطين لصولتها ~~القلوب. وأمر السلطان بأن لا يلبس أحد في هذا اليوم إلا ما هو من شعار ~~الحروب، وأن تكون التشاهیر والمراوات لوقت آخر. # وكان السلطان قد عفا عن سير جرود، قسطلان يافا، وأطلقه على ما سيذكر، ~~فركب، وشاهد ما بهر عقله، وقال : « رأيت عسكر الفرنج، وعساكر هلاون، وما ~~رأيت مثل هذه العساكر العظيمة ». # ولم يزل السلطان جالسة، والعساکر سائقين لابسين، وديوان الجيوش بين يدي ~~السلطان، يجيبون عما يسألون مع أن السلطان لا يكاد يخفى عليه شيء من عساكره ~~بالأسماء والصفات ؛ وعبرت العساكر خمسة خمسة، وطال الأمر فعبروا عشرة عشرة، ~~وكاد الناس يهلكون من الزحام وحمو الحديد : # وحمى الحديد عليهم فكأنه %~% ومضات برق أو شعاع شموس » # فعبر الناس بلا حساب، وطال الأمر، وقرب وقت ms092 المغرب، والعالم لا يزدادون ~~إلا كثرة، وهلك ذلك اليوم من الزحام جماعة منهم عز الدين أيبك، مملوك ~~الأمير عز الدين الحلي ؛ وكان قصد السلطان بركوب الناس في يوم واحد حتى لا ~~يقال إن أحدة استعار من أحد شيئة؛ وبقي كل أحد يدخل من باب القرافة ويخرج ~~من جهة الجبل إلى باب النصر، إلى الدهليز المضروب هناك، ولما قرب وقت ~~المغرب ركب السلطان بقباء أبيض لا غير، وساق في وسط العساكر اللابسة العدد ~~في جماعة يسيرة من سلاح داريته وخواصه، ونزل إلى الدهليز، ورتب المنازل، ~~ورجع إلى قلعته، وقت المغرب ومهابته أعظم في القلوب من PageV01P211 وقع ~~السلاح، وعظمته تخطف الأبصار، ولا يقدر أحد على تلحظ له ولا التماح. # ثم أن الناس اهتموا باللعب، ولبسوا خيولهم التشاهير والبر اشم البحرية، والمراوات والأهلة الذهب والفضة والأطلس والخطاي وغير ذلك شيئا عظيما. ونزل ~~السلطان وجنائبه تجر بين يديه تبهر العيون بحسنها، وحسن ما عليها من ~~الأهلية والمراوات والبنود. قال مؤلف السيرة القاضي محيي الدين : قال لي ~~القاضي فتح الدين بن سناء الملك، قبل هذا الوقت بمدة سنة : «ان الذي دخل في ~~المراوات من البنود الأطلس الأصفر قیمته عشرة آلاف دينار ». وما تجدد بعد ~~ذلك لا يحصى. # وساق السلطان إلى ميدان العيد، وقدامه جنائبه التي ما سمع أن ملكة جمع ~~مثلها، ولا غالى في أثمانها كمغالاته. ولقد سير طلب فرس من هذه الخيول من ~~صاحب المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ! - فحضر والد صاحب ~~المدينة، وصحبته عدة خيول من جملتها هذا الفرس، وذكر أنه سيتر إلى نجد ودخل ~~على أصحابه دخول الذمام وبذل لهم جملة من إبل وجواري، وقماش، حتى أخذه ~~منهم، فأعطاه السلطان ألفي دينار مضافة إلى الخلع والافتقاد، وأعطى ولده ~~جملة كبيرة. وأكثر تحصيل هذه الخيول على هذه الصفة ؛ وكانت كما قيل : # وخيل عليها الدار عون كأنها %~% رياح سرت يحملن في السحب أمواها # الفن القنا حتي لوان نصاها %~% تميز عن آذانها ما عرفناها # يصرفها ماضي العزيمة جاعل %~% بمصر - على اسم الله واليمن ms093 - مرساها # مليك لوان الأرض في ظل عفوه %~% وستر سجاياه الكرام لغطاها » PageV01P212 # وشرط السلطان لكل أمير يصيب القبق فرسة من هذه الخيل بما عليه من ~~التشاهير، وخلعة لكل مفردي أو مملوك أو جندي تليق بمثله. وساق السلطان ~~والأمراء على طبقاتهم، ثم المفاردة والبحرية والظاهرية، والحلقة والأجناد. ~~ودخلن الناس بالرماح بكرة النهار. ونزل السلطان وقت الصلاة للصلاة، واطعام ~~الطعام ، ثم ركب الناس، وليسوا، وركب السلطان، وشفع ذلك برمي النشاب ~~والعطاء والخلع. # وحضر رسل بركه في ذلك الوقت فشاهدوا من كثرة العساكر، وحسن زيهم، واهتمام ~~السلطان، وحسن الرجال، والخيول المسومة، ما بهرهم. واستمر وقوف السلطان وهم ~~إلى جانبه يشاهدون خفة حركات هذه الجنود، وإصابة رميها، وأقاموا كذلك ~~أيامين على هذه الصفة. # وفي تاسع ذي القعدة خلع السلطان على من خلع عليه من الملوك والأمراء ~~والبحرية، والحجاب، والحلقة، وأرباب المناصب، والعمائم، والوزراء، والقضاة ~~وأرباب البيوت أعطاهم ذلك مرة ثانية. وحضر الناس لابسين الخلع ولعبوا بقية ~~ذلك النهار. فقالت رسل برکه للسلطان : « هذه عساکر مصر والشام ؟» فقال : « ~~بل عساكر المدينة خاصة، غير الذين في الثغور مثل اسكندرية ودمياط ورشيد ~~وقوص، والمجر دین والذين في اقطاعهم ». فعجبوا من ذلك وذكر الرسول أنه ما ~~رأى خيلا ولا عدة في عساکر جلال الدين ولا غير هم مثل هذا الموكب. # وفي عاشر الشهر المذكور عمل السماط في القلعة المحروسة، وحضر PageV01P213 ~~الملك السعيد، وحضر في خدمته أولاد الملوك، وأولاد الأمراء فطر الملك ~~السعيد، ثم طهر ابن الأمير عز الدين الحلي، وابن الأمير شمس الدين سنقر ~~الرومي، وولد سيف الدين سكز، وولد حسام الدين ابن بركتخان، وولد الملك ~~المجاهد ابن صاحب الموصل، ثم أولاد الملك المغيث، صاحب الكرك، الثلاثة، ~~وولد فخر الدين الحمصي، وجماعة من أولاد الأمراء. وتقدم قبل ذلك بكسوة ~~جماعة من الأيتام، وأبناء الفقراء بمصر والقاهرة فأحضروا إلى القلعة، ~~وطهروا. وحمل السلطان عن الأمراء الخواص ؟ كلفة التقادم، وسد هذا الباب شرف ~~نفس منه، وعدولا عما كان يفعله غيره من الملوك في مثل هذا المهم من ~~تكليف الناس : # « ملك تعود ms094 أنه %~% يهب البلاد مع الممالك # ويجود بالمدن العظا %~% م وبالحصون وما هنالك # حاشاه يسلك من قبو %~% ل هدية تلك المسالك # أو أنه مع جوده %~% وعطائه يرضى بذلك » ### | ذکر وصول رسل الملك برکه # تقدم في أول السيرة إنفاذ رسل السلطان إلى الملك برکه، واستمالته إلى فئة ~~الإسلام، وإغرائه بهولاكو والإيقاع به، ولما وصل الرسل إلى بلد PageV01P214 ~~الأشكري مر ض الفقيه مجد الدين، فرجع صحبة رسل الملك برکه الواصلين وهم : ~~جلال الدين بن القاضي، والشيخ علي الدمشقي ؛ وتوجه سيف الدين كسباك، ~~والنفران من المغل. وكان اجتماع الرسل بالأشكري في ابيه، ثم رحلوا إلى ~~القسطنطينية، في عشرين يوما، ومنها إلى اصطنبول، ومنها إلى دفنسيا "، وهي ~~ساحل السوداق من جهة الأشكري ؛ ثم ركبوا في البحر إلى البر الآخر، ومسيرته ~~ما بين العشرة أيام إلى اليومين، ثم طلعوا إلى جبل يعرف بسوداق، فالتقاهم ~~الوالي بتلك الجهة في قرية اسمها القرم يسكنها عدة أجناس من القفجاق والروس ~~والعلان، ومن الساحل إلى هذه القرية مسيرة يوم واحد ؛ ثم ساروا من القرم ~~إلى برية يوما واحدا، فوجدوا بها مقدم عشرة آلاف فارس حاكمة على تلك الجهات ~~؛ ثم ساروا عشرين يوما في صحراء عامرة بالخرکاوات والأغنام إلى بحر إيل، ~~وهو بحر حلو سعته سعة بحر النيل، وفيه مراكب الروس ؛ ومنزلة الملك برکه ~~الساحل منه، وحملت اليهم الإقاماته، والأغنام، طول هذه الطرقات. # ولما قاربوا الاردو التقاهم الوزير شرف الدين القزويني، ثم حضروا عند ~~الملك برکه، وكانوا قد فهموا آدابه التي تعتمد معه، وهي الدخول من جهة ~~اليسار، فإذا أخذت الكتب منهم ينتقلون إلى جهة اليمين PageV01P215 ويكون ~~التعود على الركبتين، ولا يدخل أحد معه إلى خركاته بسيف ولا سكين ولا عدة، ~~ولا يدوس برجله عتبة الحركاة، ولا يقلع الإنسان عدته إلا على الجانب ~~اليسار، ولا يترك القوس في القربان ولا يخلیه موتورة، ولا يحط في قر بانها ~~نشابة، ولا يأكل الثلج، ولا يغسل ثوبه في الأردو . ووجد في خركاة كبيرة تسع ~~ [ خمس ]مائة رجل، مكسوة لبادة أبيض، ومیثرة من داخلها بصندات ms095 وخطاي ~~وجواهر ولؤلؤ، وهو جالس على تخت وإلى جانبه الخاتون الكبرى، وعنده خمسون ~~أميرة، أو ستون، على كراسي الحركاة. ولما دخلوا إليه أمر وزيره بقراءة ~~الكتاب ثم نقلهم عن يساره إلى يمينه، وسألهم عن النيل، وقال : «سمعت أن ~~عظما لابن آدم ممتدة على النيل يعبر به الناس عليه ». فقالوا : «ما رأينا هذا ». # قال القاضي محيي الدين، مؤلف السيرة : «نقلت من خط أبي زكريا یزید بن ~~ایاس بن القاسم، صاحب تاريخ الموصل، قال : قال عبيد الله بن اسحاق : « ~~بلغنا أنه لم ينج من الغرق إلا من كان في السفينة، ورجل يقال له عوج بن ~~عنق، زعموا أن الماء كان إلى نصف ساقه، ثم أهلكه الله تعالى بعد ذلك فيما ~~يزعمون، في زمن موسی - عليه السلام ! - ولم يكن له ولد ». وقال محمد بن ~~اسحاق : « انه كان يضرب بيده فيأخذ بها الحوت من البحر فيشوبه في حر الشمس ~~حتى ينضجه، ثم يأكله، وكان عمره فيما يذكر ثلاثة آلاف سنة وستمئة سنة ؛ ~~وكانت أمه من بنات آدم، فعاش حتى قتله موسى - عليه الصلاة والسلام ! - » ~~PageV01P216 وذكر في سلامته من الغرق ما ذكره الطلحي، وكان ارتفاع الماء ~~فيما روي عن وهب بن سليمان عن شعيب الجباي قال : « سبق ماء الأرض ماء ~~السماء بأربعين يوما، وعلا الماء فوق أطول جبل في الأرض مسيرة خمسة أشهر ~~صعدا ». وقيل إن الماء علا فوق كل شيء خمسة عشر ذراعة. وقد ذكر أن موسى - ~~عليه السلام ! - كان طوله منبعة أذرع بذراعه وقفز عن الأرض سبعة أذرع فوصل ~~إلى كعبه، وما صح ذلك، والدليل على أن أطوال الناس متناسبة أنه منذ قيام ~~الدنيا وإلى هذا الوقت، أن الناؤوس، وهو القبر الموجود الآن بالأهرام، ولا ~~خلاف أنه قبر بانيها وهو على طول الإنسان، وكذلك بقية النواويس الموجودة في ~~مصر القديمة وغيرها، والأهرام بنيت - فيما ورد - قبل طوفان نوح - عليه ~~الصلاة والسلام ! - لأن بانيها رأي في علمه أن آفة من الماء تهلاك العالم، ~~فيناها وقاية له، والصحيح أنها قبور، والله أعلم. # عدنا إلى حديث ms096 برکه. وفسر قاضي القضاة، الذي عنده، الكتاب وبعث ؟ به نسخة ~~إلى القان. وقری، کتاب السلطان بالتركي على من عنده وفرخوا به، وأعاد الرسل ~~بجوابه، وسير معهم رسله. ولكل أمير عنده مؤذن وإمام، ولكل خاتون مؤذن ~~وإمام، والصغار يتلقون القرآن العزيز في المكاتب. # وعادوا من جهة الأشكري، وحضروا والعساكر المنصورة لابسة - على ما ذكرناه ~~– وذلك في عاشر ذي القعدة سنة اثنتين وستين وستمثة وما PageV01P217 زال ~~الرسل يحضرون إلى الخدمة، ويشاهدون لعب الكرة؛ وحضروا الطهور، وأنزلوا ~~باللوق. ### | ذکر توجه السلطان إلى الإسكندرية والصيد # ولما فرغ السلطان من هذا المهم توجه إلى الاسكندرية متصيدة، فعدتی في ذي ~~القعدة، وسار إلى الطرانة، إلى وادي هبيب، ونزل بالديرة التي هناك، ووصل ~~تروجة، وأخذ منها إلى جهة الحمامات وسار إلى منزلة الكرش، قريب العقبة ~~الصغرى، وركب [ من الكرش الظهر، وضرب ] حلقة في اليوم الثاني، ووصلت ~~الميسرة إلى فوق العقبة الصغرى [ وعيد ] عيد الأضحى، ونحر الأضاحي، وصلى ~~صلاة العيد. وبلغه أن بعض العربان المتسحبين قد عصوا في بعض البراري، فجرد ~~اليهم جماعة وحضر جماعة من عرب هوارة، وعرب سليم، فكتب عليهم الحجج بعمارة ~~البلاد، وان لا يقربوا أحدة من العربان العصاة. # وعاد السلطان من الاسكندرية، وصلى في الجامع الغربي، وعم جميع الأمراء، ~~والمفاردة، وخواصه، بما فرقه عليهم من الأموال والأقمشة عمل دار الطراز، ~~والأشكر لاط، والبندقي وغيره. وركب يوم السبت وتسابق الأمراء قدامه بالخيول ~~ولعب الكرة بميدان الاسكندرية، وزار [ الشيخ ] الشاطبي. وسار في يوم ~~الاثنين متوجها إلى القاهرة. PageV01P218 # ولما نزل بتروجة رسم بتقديم سيف الدين عطاء الله بن عزاز على عرب برقة، ~~وتحدث معه في أمر العربان، وكونهم ينتفعون في مصر بأثمان الخيول المجلوبة ~~والأغنام وغيرها، وأنهم يستنتجون الأغنام، ويزرعون الزرائع، ولا يقومون بحق ~~الله من الزكاة والعشر، وأبو بكر - رضي الله عنه ! - يقول : «ولو منعوني ~~عقالا كانوا يعطونه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - لقاتلتهم على منعه ~~». وقد قال الله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. فالتزم سیف ~~الدین عطاء الله بهذا الأمر، وأنعم السلطان عليه بسنجق ms097 ونقارات، وتوجه ~~ملتزمة حفظ البلاد واستخراج الزكاة من العربان. # ولما وصل السلطان من الاسكندرية وصل شحنة تكريت، ومعه جماعة، فأحسن ~~السلطان إليهم، وعمل فيهم كما قال الله تعالى : وأطعمهم مین جوع، وآمنهم ~~مین خوف. # وفي هذه السنة وصل للسلطان عشرة عقبان فأطلقها، فعمل في ذلك الأمير جمال الدين ابن الإمام الحاجب : # « جاءت ملوك الطير في يد آسر %~% قهرة إلى ملك الأنام الظاهر # أضحى سليمان الزمان فملكه %~% يسمو به لقياصر وأكابر » # منها : PageV01P219 # « ملك الزمان سيأتينك مثلهم %~% في أسر خادماك الزمان الحائر » # وفي المحرم من هذه السنة وصل الأمير جلال الدين يشكر، ولد الدواڈار، وكان ~~أبوه المجاهد در ادار الخليفة ببغداد، وكانت له نعمة عظيمة ومماليك وغيرها، ~~فأحسن إليه السلطان، وأعطاه طبلخاناه. ### | ذکر توجه العسكر إلى خيبر وفتحها # ثم أن السلطان أبت همته إلا افتتاح البلاد القريبة والبعيدة واحتمال ~~المشاق في المهمات العتيدة، ورأى أن بلاد الحجاز طريق البلاد اليمنية، وظهر ~~البلاد الكركية والشوبكية، ونظر إلى جهة خيبر فوصلته كتب أصحابها عبيد الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ! يبذلون الطاعة ~~والخدمة، ويستجدون أسباب النعمة، فسير نجابين ليستصح الأخبار، وانتدب ~~الأمير أمين الدين موسى بن التركماني، وجهز الرماة، والمقاتلة، وأنفق فيهم ~~الأموال، وجهز الخلع للمقدمين والمشائخ، وكتب إلى نائب الكرك بتجهيز أمراء ~~العربان، وجماعة من البحرية المجردين بالكرك صحبته، وجهز الغلال والذخائر ~~لهذه القلعة. فتوجه الأمير أمين الدين، وافتتحها. # وفي صفر قریء كتاب وقف الحان بالقدس الشريف بحضور السلطان وقاضي القضاة ~~تاج الدين، وحررت شروطه بين يديه، وكتب بذلك عدة PageV01P220 نسخ. وكذلك ~~أوقف اصطبلين تحت القلعة، يعرف أحدهما بجوهر النوبي، وحبسهما على وجوه البر. # وفي صفر من هذه السنة وردت كتب الأمير عز الدين، استاذ الدار، النائب بالكرك، بأنه رتب رواتب الخليل - عليه الصلاة والسلام ! - ورتب ~~الأسمطة، والضيافة للوافدين وكان ذلك قد قطع من مدة طويلة، وعده ذلك من ~~حسنات هذه الدولة. # واستهلت سنة ثلاث وستين وستمائة . # ووصل في المحرم من الاسكندرية، ثم توجه إلى الصيد، فأقام بأوسيم، ~~وعرج إلى جهة ms098 العباسية، ورمي البندق ؛ وأصرع جماعة، وادعوا للسلطان، ومن ~~جملتهم الأمير فخر الدين عثمان، ولد الملك المغيث، صاحب الكرك. وصرع ~~السلطان نسرة في ثالث ربيع الأول، قریب رأس الماء. ### | ذكر الغزوات المباركة، وما جرى فيها من الوقائع مد وتهيأ بها للإسلام من سد الذرائع، وذكر الموجب للسفر # كان السلطان خرج متصيدة وبلغه بجهة العباسة وأعراس أن التتار قد جمعوا، ~~ونازلوا البيرة المحروسة، فوثب وثبة الأسد المفترس، واندفع اندفاع السيل ~~المحتبس، وأخذته الحمية للإسلام، ومنع جنبه أن يضطجع، وعينه أن تنام، وأمر ~~الأمير بدر الدين الخزندار بالركوب على الجيل السابقة، PageV01P221 وأنه ~~ساعة وصوله يجرد أربعة آلاف فارس من العسكر الخفيف، وساقوا وساق السلطان من ~~أعراس إلى قلعته، فأقام ليلة واحدة؛ وكانت العساکر متفرقة في البلاد، ~~والخيول على الربيع، وكان الفرنج قد أفهمت التتار ذلك، وأن عساكر الديار ~~المصرية لا يمكنها وقت الربيع الحركة، وما علموا أن للإسلام ملكا يحمل ~~النفس على المشاق، وإذا ساق إلى جهة يخيل أنه ركب على البرق أو البراق. # فلما استقر بقلعته ر سم للأمير عز الدين يوغان [ بتقدمة العساكر، ومن هو ~~مسافر معه، بالتوجه جرائد، ومنهم الأمير فخر الدين الحمصي ] والأمير بدر ~~الدين بيليك الأيدهري، والأمير علاء الدين کشتغدي الشمسي، وجماعة من ~~الأمراء، والحلقة ؟، وتوجهت هذه العساكر في رابع الشهر. وأمر الأمير جمال ~~الذين المحمدي، وجمال الدين ايدغدي الحاجبي بالتجهز في قريب أربعة آلاف ~~أخرى، فخرجت هذه العساكر ثاني يوم خروج الأمير عز الدين ايغان، وسافروا بعد ~~سفر العسكر الأول بأربعة أيام. # ولما توجهوا شرع السلطان في التجهيز، وسير سلاح داریته لإحضار الدواب من ~~الربيع، وإحضار الجند، وخرج السلطان بنفسه، في خامس ربيع الآخر، ورحل في ~~سابع الشهر، وسار والنصر يقدمه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - : ~~« يضمن الله لمن خرج في سبيل الله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، والإيمان ~~بي، وتصدیق لرسلي، أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ~~ما نال من أجر أو غنيمة ». وكانت العساكر تملأ الأرض ، وما ms099 نقصت في ~~العين بسبب من جرد؛ وصارت PageV01P222 الجمال تتفانی بلا سبب، وبقيت أموال ~~الناس مطروحة على الطرقات ولمهابة السلطان لم يتأخر أحد ؛ ولما عرفوا ~~السلطان بحال الناس بموت الجمال قال : « ما أنا في قيد الحمال، أنا في قيد ~~نصرة الإسلام ». # ونزل غزة في العشرين من ربيع الآخر، فوصلت كتب النواب بأن العدو نصب على ~~البيرة سبعة عشر منجنيقة، فكتم هذا الأمر عن أمرائه، ولم يطلع عليه إلا ~~الأميرين شمس الدين سنقر الرومي، وسيف الدين قلاون الألفي، وصار يكتب إلى ~~الأمير عز الدين ايغان ويقول : « متى لم تدركوا هذه القلعة، وإلا سقت إليها ~~بنفسي جريدة »، فساق العسكر وحث السير. ولما نزل السلطان في قرتيا ركب ~~للصيد، فتقطر عن فرسه، وانهشم وجهه، وانسلخ جلده، فأظهر تجلدة ورخل فنزل ~~يبني . وحضر [ إلى ] الخدمة قسطلان يافا، وأحضر جملة من التقادم والبزاة. ### | ذکر ورود البشارة من جهة البيرة # في السادس والعشرين من ربيع الآخر ورد البريد من جهة الأمير جمال الدين ~~النجيبي، نائب السلطنة بالشام، وكان السلطان قد دخل إلى الحمام في دهليزه ~~المنصور، فسمع أنه قد وصل خبر طيب، فقام لوقته PageV01P223 عريانا، وقرئت ~~عليه الكتب، فوجد في كتاب الأمير جمال الدين النجيبي بطاقة من الملك ~~المنصور، صاحب حماه، مضمونها أنه وصل إلى البيرة بالعسكر المنصور صحبة ~~الأمير عز الدين ايفان، وجماعة الأمراء يوم الاثنين، وأن التتار عندما ~~شاهدوهم، ورأوا عزائمهم الماضية، هربوا ورموا مجانيقهم، وغرقوا مراكبهم، ~~وانهزموا لا يلوي أحد على أحد، ولا يقف والد لولد، وكان تاريخ كتابتها من ~~البيرة إلى حين وصولها إلى يبني أربعة أيام، فإن البطاقة وصلت إلى حماه، ~~إلى دمشق على الجناح، ومن دمشق حضر البريد بها إلى يبني. وهذا الاحتفال ~~السلطان بأمور الإسلام، وترتيب المصالح العامة، وأي همة أعظم من همة ملك ~~تبلغه أخبار البيرة وهو في أول بلد الساحل في أربعة أيام، ويكون في الحمام ~~فلا يصبر إلى أن يلبس قماشه، بل يخرج على الصفة التي ذكرناها عجلا، ~~خشية من مصلحة تفوت. وللوقت سير البطاقة صحبة الأمير ms100 حسام الدين لاجين ~~الدوادار، فأوقف عليها الأمير شمس الدين سنقر الرومي والأمير سيف الدين ~~قلاون الألفي. # ثم حضر أربعة مماليك من جهة الأمير عز الدين ايغان، والأمير فخر الدين ~~الحمصي، والأمير بدر الدين الأيدمري، والأمير بدر الدين العلائي مقدم عسكر ~~الشام، بالبشارة، فطلب السلطان أمراء دولته وقرأوا الكتب واستبشروا بهذا ~~النصر، وكفى الله المؤمنين القيتال. # وكتب كتب البشائر، وأصبح ينظر في أمور دولته، لأنه كان إذا PageV01P224 ~~لم يركب يصلي الصبح، ويخرج إلى باب دهلیزه، ويجلس على كرسي أمير جانداره، ~~ظاهرة للناس كافة، يقرب منه الفقير والمرأة والضعيف ويقضي حوائج الناس، ~~ويسمع قصص الرعايا، ويوقع عليها بين يديه إلى أن يرى أمراءه حضروا من سوق ~~الخيل، يقوم ويجلس في مرتبة السلطنة، ويحضر الأمراء، ويمد لهم الخوان ؛ ~~ويجلس لقضاء حوائج الناس، وللعلامة على الكتب. وإنما ذكرنا ذلك ليعلم أن ~~هذا السلطان أوقاته مستغرقة في مصالح المسلمين، ولذته في الاهتمام بأمور ~~الدين. . # ثم أحضر البريدية سكك حديد كان العدو صنعها للصعود في الأسوار، وورد کتاب ~~جمال الدين أقوش المغيني النائب بالبيرة يذكر صفة الحال، وما اشتملت عليه ~~من قوة العزائم، وشدة الشكائم، وأنه لما كثر العدو على القلعة، وطم الخندق، ~~حفر أهل البيرة حفيرة قدر قامة، وعملوا فيه ؟ سردابة نافذة إلى الأحطاب ~~التي كان العدو ردمها في الخندق ؛ ورموا فيها النار، فاحترقت جميعها في ~~الخندق، وما قدر العدو على طفيها، ثم سد المسلمون السرب المحفور ؛ وذكر ~~مصابرة أهل الثغر، وأن نساءهم فعلن من حسن البلاء في قتال الأعداء ما لا ~~تفعله الرجال ؛ ومن جملة ما وصف أن برجة واحدة كان عليه خمسة عشر منجنيقة، ~~وثبت شهرين، وكان العدو قد ضربوا أربعين سكة كل سكة ثلاثة أرطال بالحلي، ~~وخمسين سكة كبيرة، وجعلوا فيها الحبال ليجر وا بها السلام، ويرفعوا ~~المقاتلة فأخذ أهل الثغر الجميع، وأخذ من العدو عدة مراكب، كبارة وصغارا ~~.PageV01P225 # فكتب السلطان بإطابة قلوبهم، وعينت أمثلة بإقطاعات لمن جاهد من البحرية ~~وغيرهم بالبيرة، واستشهد صارم الدين بكتاش الزاهدي، أحد الأمراء ~~المجردين بها بحجر ms101 منجنيق، وترك موجودة كثيرة وبنتة واحدة تستحق نصف ~~میراثه، فرسم أن يكون جميع ميراث أبيها لها لا تشارك فيه، لما فعله أبوها ~~في الخدمة، واهتم بعمارتها، وحمل الأقوات إليها، وكتب إلى جميع القلاع ~~والولايات بمساعدة هذا الثغر، وكتب تذاكر بما يحمل إليها من مصر والشام من ~~أصناف وأسلحة وعدد مجانيق وغيرها، وكل ما تحتاجه هذه القلعة، ومن فيها، عشر سنين. # وكتب، إلى الأمراء أنهم لا يتحركون من مكانهم حتى ينظفوا جميع الخندق ~~وينقلوا الحجارة التي فيه. وكتب بذلك إلى الملك المنصور، صاحب حماه، وإلى ~~جميع الناس، وأمر بنقل ذلك على أكتافهم، وخيلهم ؛ فأقاموا كذلك مدة. ووردت ~~كتب الأمراء بها، وهم يصفون ما يعتمدونه من حمل التراب بنفوسهم، ونقل ~~الحجارة. فصادف ذلك أن السلطان واقف على سور قيسارية، وهو يهدم بنفسه، وفي ~~يده القطاعة، وقد تجرحت يده، فكتب في الجواب : « إنا بحمد الله تعالى ما ~~تخصصنا عنكم براحة، ولا دعة، ولا أنتم في ضيق ونحن في سعة، ما منا إلا من ~~هو مباشر الحروب، الليل والنهار، وناقل الحجار، ويرابط الكفار ؛ وقد ~~تساوينا في هذه الأمور، وما ثم ما تضيق به الصدور. # ووردت كتب الأمراء يخبرون بأن النوبة كانت للأمير عز الدين ايغان، ~~والأمير فخر الدين الحمصي، والأمير بدر الدين الأيدمري، وجماعة من ~~PageV01P226 البحرية وكانت خيلهم في الجانب الشامي ترتعي، وهم رجالة ~~يعملون، فأحاطت بهم فرقة من التار المغل ملبسة، فاجتمعوا ورموهم بالنشاب، ~~وأنكو هم بالجراحات، فولوا منهزمين، وساق العسكر خلفهم، فوجد منهم جماعة قد ~~هلكوا من تلك الجراح في الطريق، وفي حران وغيرها، وجماعة من كبر انهم قتلوا ~~في ذلك اليوم. # وسير السلطان استدعي من الديار المصرية مئتي ألف درهم، ومئتي تشریف، وجهز ~~معها من دمشق مثة تشريف، ودراهم، وسير الجميع إلى البيرة، وكتب إلى عز ~~الدين ايغان بأن يحضر أهل القلعة وجميع من بها من أمير ومأمور وجندي وعامي ~~ويخلع على الجميع، وينفق فيهم المال حتى الحراس وأرباب الضوء، وأنهم ~~يلبسون الخلع، ويخدمون بباب القلعة : روي عن رسول الله، صلى ms102 الله عليه وسلم ~~: أن رجلا قال : « یا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال : «مؤمن مجاهد بنفسه ~~وماله في سبيل الله، ثم رجل في شعب من الشعاب يعبد الله ». وقال الله تعالى ~~: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء. ووصل كتاب الأمير عز الدين ايغان ~~بأنه اعتمد هذا الأمر، وسار خبره في البلاد، وتحقق الناس أن السلطان لا ~~يضيع لديه عمل عامل، وأنه ليس عن غلمانه بغافل ؛ وطابت قلوب أهل القلاع ~~بذلك، وقالوا : « السلطان يطوي لنجدتنا المراحل، وتسبق عساكره الأخبار إلى ~~العدو المنازل ». # ولما وصل الأمير جمال الدين المحمدي رسم السلطان بأن يكون مقدمة ~~PageV01P227 على العساكر المصرية والشامية لكبر سنه، والأمير عز الدين ~~ايغان يتحدث في المهمات، واطلاق الأموال، وترتيب أمور البلاد، فوردت كتبهم ~~بأن الخنادق قد تنظفت، ولم يبق لهم عائق، فرسم السلطان أن يحملوا إلى ~~القلعة حجارة زلط، وقرر على صاحب حماه لنفسه خاصة ألف زلطة وكل أمير من ~~أمرائه مائة حجر، وكل جندي خمسين زلطة، وكذلك قرر على جميع الأمراء والجند، ~~وقرر عليهم حمل السهام والأخشاب للمجانيق. # وجرد للعمارة الأمير علم الدين والأمير سيف الدين بلبان الحبيشي، وركن ~~الدين الصروي، وتجرد من كل أمير صحبتهم ثلاثة نفر يقيمون النجاز العمارة ~~وإذا اعتمدوا ذلك يتوجهون إلى تل باشر للإغارة على بلاد سیس، فوردت كتبهم ~~باعتماد ذلك جميعه، واستمر حمل الغلال إلى البيرة، فلا ترى إلا قوافل ~~حاملة، وركائب موسقة راحلة. وكتب السلطان إلى الأمير جمال الدين النجيبي ~~بالحث على ذلك والتوبيخ ؛ فعزم عزمة الرجال، وحمل ما ملأ الأرض من الغلال ~~وحملت إليه المجانيق من شيزر، وعوضت عنها من دمشق، ورحل عنها العسكر وقد ~~نصره الله وأظفره، وشيد بنية السلطان الثغر وعمره. # ثم أنه رأي حسنة حسنة، وإزالة منكر تغدو آثاره بينة، فكتب إلى الديار ~~المصرية بتبطيل المزر، وأن تعفي آثاره، وتخرب بيوته، وتكسر مواعينه، ويسقط ~~ ارتفاعه من الديوان. وكتب إلى الأمير عز الدين الحلي : وأشتهي ms103 لأجلي ~~تزيل هذا المنكر، فإن بعض الصالحين تحدث معي في ذلك، وقال : [ القمح الذي ~~جعله الله قوت العالم يداس بالأرجل !] وقد تقربت إلى الله بإبطاله، ومن ترك ~~شيئا لله عوضه الله خيرا منه، ومن كان له PageV01P228 على هذه الجهة شيء ~~يعوضه الله من مال الله الحلال ». فوردت الكتب باعتماد ذلك ؛ وعوض ~~المقطعون، وكتب هذه الحسنة في صحائف هذه الدولة. ### | ذكر الفتوحات بالبلاد الفرنجية # لما وصلت الأخبار إلى السلطان وهو بالساحل بالنصرة على التتار، وانهزامهم ~~شر هزيمة، وتقدم بعمارة ثغر البيرة على ما شرح، ثي أعنته إلى جهة الفرنج ~~ليدينهم كما دانوا، ويكون لهم كما كانوا، وما أعلم أحد مغزاه، ولا فهم أين ~~مر امه ومرماه ؛ وركب من العوجاء بعد رحيل الأطلاب للتصيد في غابة. أر سوف ~~ورسم للأمراء بأن من أراد الصيد فليحضر فإن الغابة كثيرة السباع، وكان قد ~~أحضر إلى باب دهلیزه سبع مقتول، أحضره أحد الأجناد، فأنعم على قاتله، وتشوف ~~إلى تنظيف الغابة من الوحوش الكاسرة، وساق فمر على قنطرة نهر العوجاء، فوجد ~~جماعة من الرعية السوقية عابرين على القنطرة في ليلة شاتية، فوقف، وأمر أن ~~لا يعبر أحد حتى يعبر الضعفاء ؛ ووقفت لرجل دابة فما زال واقفا حتى نزل ~~خواصه وحملوا الدابة، ونقلوا القماش، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : ~~« ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. . # - وساق من ذلك المكان ورتب الحلقة ميمنة وميسرة، ودخل الغابة وقضى همته من صيده، وجرب سيوفه في تلك الوحوش، على أنها لم تزل مجربة، ورتب ~~الحتوف على الأعداء، وإن كانت عليهم مترتبة ؛ PageV01P229 وسار إلى أرسوف ~~وقيسارية، وشاهدهما، وعاد إلى دهلیزه فوجد أخشابا للمنجنیقات قد أحضرت، ~~صحبة زردخاناه كان الأمير علم الدين، نائب أمير جاندار قد أحضرها، فطلب ~~الأمير عز الدين أمير جاندار، وأمره بنصب عدة مجانية مغربية وفرنجية من ~~الأخشاب المذكورة. وفي وقت السحر من اليوم الثاني خرج بنفسه، وجلس عند ~~الصناع ليبذل الاجتهاد، فعمل في ذلك اليوم أربع منجنیقات کبار، خارجة ~~عن الصغار. وكتب إلى قلاعه بطلب ms104 المنجنيقات والصناع والحجارين ورسم للعسكر ~~بعمل سلالم، وعين لكل أمير حمل عدة منها، ورحل إلى قريب عيون الأساور، فأمر ~~بعد عشاء الآخرة بلبس العدد، وركب قريب الصبح، وساق إلى قيسارية على حين ~~غفلة من أهلها. ### | ذکر فتوح قيسارية # نزل عليها يوم الخميس تاسع جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمئة ولوقته ~~طاف بها، وهاجمها الناس، وألقوا نفوسهم في خنادقها، وعمدوا إلى السكك ~~الحديد التي للخيل والشبح والمقاود فتعلقوا فيها وطلعوا من كل جانب ونصبت ~~عليها السناجق، وحرقت أبوابها، وهتك حجابها، فهرب أهلها إلى قلعتها، وسيرت ~~كتب البشائر إلى البلاد وإلى الأتابك فارس الدين بحكم تأخره لمرضه، ونصبت ~~المنجنيقات على القلعة، وهي من أحصن القلاع وأحسنها، وتعرف بالخضراء. وكان ~~الريدافر نس حمل اليها العمد الصوان وأتقنها، وما رؤي في الساحل أحسن منها ~~عمارة ولا أمنع PageV01P230 ولا أرفع، لأن البحر المالح حاف بها، وجائز في ~~خنادقها، والنقوب لا تعمل فيها للعمد الصوان المصلية في بنائها، حتى إذا ~~علقت لا تقع، واستمر الزحف عليها، ورمي المنجنیقات، والسلطان تارة يرمي ~~بالنشاب من على كنيسة قبالة القلعة، وتارة يركب ويخوض عباب البحر، ويقاتل ؛ ~~وعملت دبابات وزحافات، وأطلق النشاب العساكر من قلعة عجلون لكل صاحب مائة ~~فارس أربعة آلاف سهم، وكذلك الحلقة والجند، ورسم بنقل الأحطاب، وحجارة ~~المجانيق. وخلع على الأمير عز الدين الأفرم أمير جاندار لاجتهاده في المنجنیقات، وعلى المنجنيقية ؛ وجرد الأمير شهاب الدين ~~القيمري بجماعة من عسكر الساحل بجهة بيسان، فسير جماعة من التركمان ~~والعربان إلى أبواب عكا، فأسروا جماعة من الفرنج، ودوابا وغيرها. # واستمر السلطان على المصابرة والمثاغرة، وأقام بالكنيسة لا يخرج إلى ~~دهلیزه بر امي هو، وجماعة الأقجية يمنعون الفرنج من الصعود إلى على القلعة، ~~وتارة يركب في بعض الدبابات ذوات العجل، وتجر من تحته حتى يصل إلى الأسوار، ~~ويرى النقوب بنفسه، وأخذ في بعض الأيام في يده ترسا وقاتل وما رجع إلا وفي ~~ترسه عدة سهام. # وفي ليلة الخميس منتصف جمادى الأولى هرب الفرنج، وأسلموا القلعة ~~بما فيها، وتسلق المسلمون إليها من ms105 الأسوار، وحرقوا الأبواب، ودخلوها من ~~أعلاها وأسفلها، وأذن بالصبح عليها، وطلع السلطان إلى القلعة، وقسم المدينة ~~على أمرائه، وخواصه، ومماليكه، وحلقته، وشرع في الهدم، ونزل وأخذ بيده ~~قطاعة، ووقف يهدم بنفسه، ورآه الناس فتشبهوا به، وعملوا بنفوسهم، وصار ~~يباشر ذلك بنفسه ويده، وقد اكتسى من الغبار أثواب). قال رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم : PageV01P231 لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود ~~اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم». وقال، ~~صلى الله عليه وسلم : « ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار. # وفي جمادى الأولى وردت كتب الأمراء المجر دين للغارة بأنهم وصلوا إلى أبواب عكا وغنموا، وعادوا سالمين. # قال مؤلف السيرة القاضي محيي الدين: وهذه قيسارية من المدائن قديما، فتحت ~~في صدر الإسلام، وذلك في سنة تسع عشرة من الهجرة النبوية وسبب فتوحها أن ~~الكفار والمنتزحين بين يدي المسلمين التجأوا إليها، وتحصنوا فلما فرغ ~~المسلمون من غزاة أجنادين، ومن فتوح دمشق، ومن وقعة فيحل، ومن وقعة اليرموك ~~التي بدد الله فيها جميع الروم، كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله ~~عنه، إلى يزيد بن أبي سفيان : « أما بعد : فقد وليتك أجناد الشام كله، ~~وكتبت إليهم أن يسمعوا ويطيعوا، ولا يخالفوا لك أمرا، فاخرج فعسكر ~~بالمسلمين، ثم سر بهم إلى قيسارية فانزل عليها، ثم لا تفارقها حتى يفتحها ~~الله عليك، فإنه لا ينبغي افتتاح ما افتتحتم من أرض الشام مع مقام أهل ~~قيسارية فيها، وهم عدوكم، وإلى جانبكم ؛ وإنه لا يزال قیصر طامعة في الشام ~~ما بقي فيها أحد من أهل طاعته، ولو قد فتحتموها، قطع الله رجاه من جميع ~~الشام، والله عز وجل فاعل ذلك، وصانع للمسلمين إن شاء الله تعالى ». فسار ~~إليها يزيد وقاتلها قتالا شديدا فلم ينالوا منهم شيئا فقام عبادة بن الصامت ~~ثم قال، في جملة ما وعظهم به : « إني خائف عليكم أن تكونوا قد غللتم» ~~- يعني سرقتم المكاسب ولم تقسموها - فإن عمر - رضي الله عنه ms106 قال للمسلمين ~~في نوبة اليرموك : PageV01P232 « سبحان الله أو قد واقفوهم - يعني المشركين ~~- ما أظن المسلمين إلا قد غلوا». وقال : «لو لم يغلوا ما واقفوهم، ولظفروا ~~بهم بغير مؤونة » – أي بغير تعب. فصدقهم المسلمون القتال ؛ فلما كان بعض ~~الأيام خرج أهل قيسارية والمسلمون غافلون، فأجمعوا عليهم من كل جهة، ونصر ~~الله عليهم، فقتل في المعركة خمسة آلاف رجل ؛ ولما شاهد يزيد تلاف حالهم، ~~استخلف عليها معاوية، ورحل عنها، ففتحها الله على يديه في التاريخ المذكور ~~ولم يبقى في الشام حينئذ عدو للمسلمين في أقصاه ولا أدناه ب وصار الشام كله ~~للمسلمين. # وفي هذه الأيام ورد خبر من جهة يافا بأن الأمير علم الدين سنجر الصير في ~~عمل حيلة على طشتداره وسيره إلى يافا ليقضي له شغلا، وكان قد اتفق مع ~~قسطلان يافا على إمساكه فأمسك، واعتقل في الحب، فأنكر السلطان ذلك فأحضر من ~~يافا كتاب استاذه إليهم بحبسه، فجمع السلطان الأمراء، وفي جملتهم الأمير ~~علم الدين الصيرفي، وأنكر عليه هذا الأمر غاية الإنكار، وخلص المذكور من ~~الأسر، قال الله تعالى : وما تكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من ~~الرجال، والنساء والولدان. قالت العلماء : « إنقاذ أسراء المسلمين من أيدي ~~الكفار من أفضل القربات والمثوبات ». وقد قال بعض العلماء : « إذا أسروا ~~مسلمة واحدة وجب على الإسلام أن يواظبوا على قتالهم حتى يخلصوه أو يبيدوا ~~الكفار ». PageV01P233 ### | ذكر التوجه إلى جهة عثليث وأخذ حصن الملوحة وحصن حيفا # ولما قارب الفراغ من هدم قيسارية سير الأمير شمس الدين سنقر الألفي ~~الظاهري، والأمير سيف الدين المستعربي وجماعة، فهدموا قلعة للفرنج عند ~~الملوحة وكانت عاتية عاصية، ودكوها إلى الأرض. # وفي سادس وعشرين جمادى الأولى توجه السلطان إلى جهة عثليث جريدة، وسير ~~الأمير شمس الدين اقسنقر السلاح دار الظاهري، والأمير عز الدين الحموي، ~~والأمير شمس الدين سنقر الألفي الظاهري إلى حيفا، فساروا إليها، ودخلوا ~~قلعتها، فنجا الفرنج بأنفسهم إلى المراكب بعد أن قتل منهم، وأسر ؛ وأحضرت ~~الأسارى والروس، وأخربوا المدينة وقلعتها وأحرقوا أبوابها، وجعلوها ~~خاوية على عروشها، كأن ms107 لم تغن بالأمس "، وكان أخذها، وما اعتمد فيها من قتل ~~وأسر وإخراب وإحراق في يوم واحد وعاد الأمراء سالمين. # وأما السرطان فإنه وصل إلى عثليث وأمر بتشعيثها، وقطع أشجارها فقطعت ~~جميعها وخربت أبنيتها في ذلك النهار وعاد السلطان وأذاق الكفار حسرة وأي ~~حسرة، ولا بد أن يعيد الحتف عليهم كما بدأ أول مرة، وثی العنان عنها وهو ~~إليها يمتد، وحول الساعد وهو إلى مرفاتها يشتد وأختر ها، إلى أجل مسمی، ~~ورأى أنه يقدم على أمرها الذي ليس بمهم، PageV01P234 وترك أهلها في حيس ~~منها، وقطع قلوبهم قبل قطع الميرة عنها، وعاد إلى دهلیزه بقيسارية وكل هدمها. ### | ذکر متجددات والسلطان على قيسارية # منها وصول الأمير سيف الدين الزيني، وصحبته المنجنيقات المحضرة من ~~الصييبة ؛ ووصول زردخاناه من دمشق. وورد جماعة مستأمنين من جهة الفرنج، ومن ~~جملتهم أحد أبناء الملوك، فأعطاهم الإقطاعات وأحسن إليهم. ومرض جماعة من ~~الأمراء فركب السلطان وعادهم، وهم الأمير شمس الدين سنقر الرومي، والأمير ~~عز الدين أمير جاندار، والأمير سيف الدين الزيني أمير علم. ### | ذکر فتوح أرسوف . وفي تاسع وعشرين جمادى الأولى رحل السلطان من قيسارية ولم يعلم أحد إلى ~~أين توجهه، وسار إلى أرسوف، فنزل بها مستهل جمادى الآخرة وأمر بنقل ~~الأحطاب، فصارت حولها كالجبال الشاهقة، والتلال السامقة، وما إذا ظل ~~الأعداء لها يشاهدون، قالت لهم الأقدار : وحصب جهنم أنتم لها واردون. فعملت ~~منها الستائر، وأمر بحفر سرابين PageV01P235 من خندق المدينة إلى خندق ~~القلعة، وسقفت [ كذا بالأخشاب. ولما فرغ من السرابين سلم أحدهما للأمير شمس ~~الدين سنقر الرومي، وللأمير بدر الدين بيسري، والأمير بدر الدين الخزندار ~~الظاهري، والأمير شمس الدين الدكز الكركي، وجماعة الأمراء السنجقية وغيرهم ~~؛ وسلم السرب الآخر للأمير سيف الدين قلاون الألفي، والأمير علم الدين ~~الحلبي الكبير، والأمير سيف الدين کر مون، وجماعة من الأمراء. وعمل طريق من ~~الخنادق إلى القلعة، فخرج الفرنج لإحراق الأحطاب، فطلبهم الأمير سيف الدين ~~قلاون وغيره، وقلب عليها المياه بنفسه، وبجماعة الأمراء، وطفيت تلك ~~النار. ولما تكامل ودم الأحطاب بالخندق تحيل الفرنج ms108 بأن نقبوا من داخل ~~القلعة إلى أن وصلوا إلى تحت الردم، فخرقوا الأرض إلى الأحطاب، وعملوا ~~بتاني ملانة أدهانا وشحومة وأوقدوا النيران، وعملوا في النقوب المنافخ، ولم ~~يعلم العسكر بهذه الحيلة إلا بعد تمكن النيران، وكان ذلك في الليل، فحفر ~~السلطان بنفسه في الليل، ورمي الناس تقوسهم في النار لإطفائها، وسكبت ~~المياه بالر وايا فما أفادت شيئا، واشتعل جميع ما بالخندق من الأحطاب، ~~وصارت هباء منشورة، وتمت الحيلة لافرنج ؛ ولكن أحدث الله بعد هذا اللندر ~~أمورة، وهو بأن السلطان تقدم إلى الأمير شمس الدين سنقر الرومي ومن معه، ~~وهم نصف أمراء السنجقية، وميمنة الأمراء البحرية، وميمنة الحلقة، وميمنة ~~الأمراء الحاضرين، غير من هو مجرد في البيرة وغيرها بأنه يأخذ هو والجماعة ~~المذكورون من مكانه في باب السرب من حافات الخندق، من جهة سوره حفرة إلى ~~البحر المالح. وتقدم إلى الأمير سيف الدين قلاون الألفي) بأن يأخذ هو ونصف ~~السنجقية من جهة الميسرة، وميسرة الحلقة، PageV01P236 وميسرة البحرية بأنهم ~~يحفرون إلى آخر الخندق من الجهة الأخرى، وأن يحفروا من كل ناحية من هذه ~~النواحي سربما يكون حائط خندق العدو ساترة له، ويحفر في هذا الحائط أبواب، ~~ويرمي التراب منها، وينزل في هذا السرب حتى يساوي أرضها بأرض الخندق. وطلب ~~عز الدين أيبك الفخري، أحد أصحاب الأتابك، وأحضر المهندسين وعذق هذا الأمر به. # فاستمر العمل في هذه الخنادق، والسلطان طائف بنفسه، وملازم الخندق يعمل ~~فيه بيده، ويساوي الناس في جر المنجنیقات، ورمي التراب، ونقل الحجارة ؛ قال ~~القاضي محيي الدين مؤلف السيرة : « فتعست أم الجبان، ولقد رأيت السلطان ~~يبذل من نفسه كل مصون، ويهون منها ما لا يهون ؛ وهو بمفرده ماش في يده ترس، ~~وهو تارة في السرب، وتارة في الأبواب التي تفتح، وتارة على حافة البحر رامي ~~مراكب الفرنج، ويجر في المجانيق، ويطلع فوق، الستائر، يرمي من فوقها ويرى ~~كل أحد حقه من المباشرة، والأمر بالجهاد، وشكر من يجب شكره والخلع على كل ~~ من يفعل فعلا حسنة من سائر الناس ؛ ومع هذا رحم ms109 الله الأمة بسلامته، ~~ومن عليهم بوقايته. # قال مؤلف السيرة القاضي محيي الدين : «حكي لي الأمير جمال الدين بن نهار ~~قال : رأيت السلطان في هذا النهار رمی ثلاثمئة سهم نشابة ». وقد قال، صلى ~~الله عليه وسلم : «ألا إن القوة الرمي ». وقال - صلى الله عليه وسلم ! - « ~~من رمى بسهم في سبيل الله كان كعتق رقبة ». وقال - صلى الله عليه وسلم ! - ~~« إذا أكثبوکم فارموهم بالنبل، ولا تستوا السيوف حتى يغشوكم ». # واتفق أن السلطان حضر إلى السرب، وقعد في رابية خلف طاقة يرمي ~~PageV01P237 فيها، فخرجت جماعة من الفرنج الفرسان، ومعهم الرماح بخطاطيف، ~~فلم يشعر إلا وهم على باب السرب، فقام وقاتلهم يدا بيد ؛ وكان معه الأمير ~~شمس الدين سنقر الرومي، والأمير بدر الدين بيسري الشمسي [ والأمير بدر ~~الدين الخزندار وغيره، وصار الأمير شمس الدين سنقر الرومي يناوله الحجارة ' ~~فقتل بها فارسين، وقطع الأمير حسام الدين الدوادار أحد الخطاطيف بسيفه، ~~وجرح في عضده، ورجع الفرنج على أسوأ حالة. وكان السلطان يطوف بين عساکره في ~~الحصار بمفرده ولا يجسر أحد ينظر إليه، ولا يشير بإصبعه. # وحضر العباد والزهاد والفقهاء والفقراء إلى هذه الغزاة المباركة، التي ~~ملأت الأرض بالعساكر، وأصناف العالم، ولم يتبعها خمر ولا شيء من الفواحش بل ~~النساء الصالحات، يسقين الماء في وسط القتال، ويحررن في المجانيق، وأطلق ~~بجماعة من الصالحين الرواتب، مثل الشيخ علي المجنون، والشيخ الياس من ~~الأغنام والحوائج ؛ وأطلق للشيخ علي البكاء جملة من المال، وما سمع أن أحدا ~~من خواصه اشتغل عن الجهاد في نوبته بشغلة، ولا سير أمير غلمانه في نوبته ~~واستراح هو، إلا الناس سواء في هذه الأمور، ولازم السلطان تفقد المجانيق ~~بنفسه في كل وقت ؛ وعمل کر مون أغا منجنيقة بسبعة سهام أثر أثرة حسنة وأحضر ~~من دمشق مجانيق، وكانت المفاردة في العقاب تحملها على الرقاب. واجتهد ~~الأمير عز الدين الأفرم - رحمه الله ! - في أمر الحصار، الاجتهاد التام ولم ~~يزل يلازم المبيت عند المنجنیقات، وهو المتصرف فيها. # ولما أثرت المنجنيقات في هدم الأسوار، وفرغ من السرابات التي ~~PageV01P238 إلى ms110 جانب الخندق من الجهتين، وفتحت فيها أبواب متسعة، حصل ~~الزحف على أرسوف، في نهار الاثنين ثامن شهر رجب، وفتحت في ذلك النهار. # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - : «حرمت النار على عين بكت من ~~خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله ». وقال - صلى الله عليه ~~وسلم ! - : « غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ورباط يوم ~~في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها ». وقال - صلى الله عليه وسلم ! - : ~~«طوبی لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه فإن كان ~~في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة ». # وزار السلطان قبر الشيخ الصالح علي بن عليم، المدفون إلى جانب أر سوف ؛ ~~وهذا الشيخ علي بن عليم من الصالحين المشهورين بالبركات، والكرامات ؛ من ~~جملة بركاته أنه مدفون على باب أر سوف، ولا يدخل إلى تربته خنزير، ويساق ~~فيرجع من الباب، وعاند این باليان، صاحب أر سوف في أمره، وشرب عند تربته، ~~فيبست يده، وأقام ثلاثة أيام ومات ؛ فعظمته الافرنج من ذلك الوقت. # ويحكي عنه - رحمه الله تعالى ! - إن خادمه دخل عليه يوما، وهو في خلوته، ~~فسمعه يقول : «والله لا أرضي ». فخرج ،. ودخل مرة أخرى فسمعه يقول : «والله ~~ما أرضى ». ثم سمعه يقول : «رضيت » ؛ فبقي في قلب الخادم من ذلك شيء ؛ فلما ~~حضرت الشيخ الوفاة قال لأخادم : « في خاطرك شيء لا بد أن أزيله، وهو ذلك ~~الذي سمعتني أذكره، قال : « نعم » ؛ قال : «شفعني الحق - سبحانه وتعالى ! - ~~في ألف رجل ممن زارني، فلم أر ض ثم شفعني في ألفين ولم أرض PageV01P239 إلا في جميع من زارني أن لا يعذبه الله بالنار، فعند ذلك رضيت ». وعبرت ~~مركب، وفيها رجل مسلم، فسأل عنه، فقيل له : «هذا قبر رجل صالح، فقال : « ~~اللهم إن كان لعبدك هذا عندك حرمة، وهو من عبادك الصالحين، فخلصني ! » ورفع ~~صوته. فضربه الفرنج، فوقفت المركب ثلاثة أيام، حتى أطلقوه، فنزل إلى ~~قبره وهذا الشيخ [ - رحمه PageV01P240 الله ! - مشهور، مذكور ms111 في الكتب .. # وجرت نكتة غريبة، وهي أن الشيخ الصالح علي المجنون، وله کرامات معروفة، ~~كان حاضرة " هذه الغزاة - على ما شرحناه ؛ - ركب في يوم الفتح، قبل أن يعلم ~~أحد حديث الفتوح، وحصل له حال، فساق إلى أن وقف على حافة الخندق، وأزبد ~~وغاب ذهنه، وصار يرفع صوته، ويشير إلى القلعة وستره الناس بالطوارق، ولم ~~يزل على هذه الحالة حتى سير الأمير شجاع الدين الشبلي، وعرف السلطان أن ~~الباشورة انشقت، فلما ثني الشيخ رأس فرسه، ورجع إلى باب السرب، وقع سور ~~الباشورة، وشاهد الناس هذه الكرامة. # وحكي عن ابن صبرة قال : «كنت أخدم صاحب ماردین، فحضر PageV01P241 هذا ~~الشيخ علي المجنون اليه، وشفع في تركمان حبسهم المذكور، فلم يقبل شفاعته ~~فيهم، فأعاد السؤال، فأنكر عليه صاحب مار دين دخوله في هذه القضية فحصل ~~للشيخ حال، وقال : « والله لأرمين حجارة هذه القلعة على رأسه ». فأرسل الله ~~سحابة، وكان الوقت صيفا، واستقلت على القلعة، واسودت حتى أظلم الوقت، ~~وامطرت حجارة، فتطارح صاحب ماردين على رجليه حتى رضي، واقلعت السحابة. . # ولما قدر الله وقوع الباشورة، في الساعة الرابعة من نهار الخميس، طلع ~~المسلمون إليها، تسليقة، وما أحس الفرنج بالمسلمين إلا وقد خالطوهم من كل ~~باب، ورفعت الأعلام على الباشورة، وحفت بها المقاتلة، وطرحت النيران في ~~أبوابها. وأعطى السلطان سنجقه للأمير شمس الدين سنقر الرومي وأمره أن يؤمن ~~الفرنج به من القتل، عندما طلبوا الأمان، فلما رآه الفرنج بطلوا القتال ؛ ~~وسلم السنجق للأمير علم الدين سنجر المسروري، الحاجب، المعروف بالخياط، ~~ودليت له الجبال من قلعة أرسون، فربطها في وسطه والسنجق معه، ونشله الفرنج ~~إلى القلعة، فأخذ سيوفهم، وأحضروا في الحبال، والأمراء صفوف، والأسارى يؤتى ~~بهم ألوف [ بعد ألوف ]. # وكان فتح قيسارية يوم الخميس، وفتح قلعتها يوم الخميس ؛ وفتح أرسوف يوم ~~الخميس ؛ وهذا دليل على توفيق الله - سبحانه وتعالى ! - للسلطان، لأنه روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم ! - أنه ما كان يخرج في سفر إلا يوم الخميس ~~. وقالت العلماء : « ينبغي للمجاهد أن لا يخرج إلا في يوم ms112 الخميس ~~اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - في أسفاره، لأن الأعمال تعرض ~~على الله - سبحانه وتعالى ! - في يوم الخميس. PageV01P242 # ولما لم يبق بأرسوف أحد من الفرنج أباح القلعة المسلمين بما فيها من غلال ~~وذخائر ومال، وكانت بها جملة من الخيول والبغال لم يتعرض منها إلا لما ~~اشتراه بماله. وكان في أسر الفرنج جماعة من المسلمين خلصوا تلك الساعة، ~~وأخذت قيودهم قيد بها الفرنج، ونقل الأسر من المسلمين إلى الكافرين، وشفی ~~به دور قوم مؤمنين. # وجرد جماعة من المقدمين يتوجهون مع الأسارى ؛ وسير لكل أمير جماعة ولكل ~~مقدم جماعة. وكتب إلى قسطلان یافا بأن يكتب إلى صاحبه : « بأنها لا تحتمل ~~الهضيمة، وإذا أخذ أحد [ لنا] مزرعة أخذنا عوضها قلعة مرتفعة، وإذا أسر لنا ~~فلاح أسرنا ألفا من المقاتلة لابسة السلاح، وإذا هدموا جدارة هدمنا أسوارة، ~~والسيف في يد الضارب، والجواد عنانه في قبضة الراكب، ولنا يد تقطع الأعناق، ~~ويد تصل الأرزاق ؛ ومن تحرش فعن تجربة، ومن أراد شيئا من الأشياء فهذه ~~الأمور له مرتبة .. # وشرع السلطان في تقسيم أبراج أر سوف على الأمراء، وجعل هدمها دستور هم ؛ ~~ورسم بإحضار الأسارى لإخرابها، فكانوا كما قال الله تعالى : ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. # فنظم القاضي محيي الدين، جامع السيرة، في وصف الفتح المذكور أبيات : # وقد غلبت على الدنيا فدونكها %~% كما تسرك والدنيا لمن غلبا PageV01P243 # ويحسبون كل صيحة عليهم، ضنة بالنفوس، ورغبة عن لباس البوس ؛ وسوء ظن ~~بأقدار الله التي لا محيد عنها، واشتغالا بالفكرة في الأمور التي فرغ ربك ~~منها ؛ وإلا لو شاهد سنان هذا الملك، الذي تسبق أعنة خيوله الرياح، وتملأ ~~جيوشه البطاح، وتسمح أولياؤه بالنفوس، مستربحة رضوان الله برضاه، والسماح ~~رباح، وتقصد القنا طعناته، فكم أفنت من سنان، وكم حطمت من رماح، لقرع السن ~~ندما، ولشغل بكلامه عن أن يحير كلمة ؛ ولراعه كما يديرون رحى الحرب الزبون، ~~ويتداوون مع صحة أذهانهم في الحروب من الجنون بالجنون، ويمتنعون بوطي الحصن ~~إذا امتنع غیر هم بعتلى الحصون ؛ ولأجرت تلك الرماح لسانه فلا ms113 يقول، ~~ولقطع بأن سكاكين قومه الذين يقولون نصول بها أنها لسهام هذا السلطان نصول ~~؛ ولتيقن أن تلك الدعوة في مملكة من ممالك الدولة لم تجب، وتلك الرغوة التي ~~....... .... ولوقف موقف الاعتذار، ونسأل الأمان لرجاله الذين أكثر بهم ~~الفخار، ولطلب من السيوف الظاهرية الطوال، بأيدي أربابها، العفو عن سكاكين ~~تلك الباطنية القصار ؛ ولقال عند سماع غوغاء الحروب : هذه أسود تزأر ~~بالغيل، لا ذبابة تطن بأذن فيل، وملوك تأتي من الملائكة في قبيل، لا بعوضة ~~تعد من التماثيل ولما وصف نفسه وأصحابه بأنهم كالريح العاصف التي لا تؤذي ~~الهشيم احتقارا، وتعثر بالحبال الراسية، فتنسفها اقتدارة والعلموا أنهم ان ~~كانوا ريحة فقد لاقوا إعصارة، وان من الجبال الراسية ما تعثر الرياح بها - ~~كما قال - إذا عثرت لا تقبل لها عثارة، وقد أنكتهم الرياح العواصف، فكيف ~~PageV01P244 لا تتألم الحشاشة الحشيشية من عواصف الرياح ! وظنوا أن كل جبل ~~كجبالهم المنسوفة، وما علموا أن توقل صواهل الحياد خير من صهوات الجبال، ~~وخير من التوقي بالصحائف التوقي بالصفاح. فالحمد لله على أن ادخر؛ هذه ~~الموهبة لهذه المملكة، ختى جرى ما جرى من الخضوع والذلة، وأحوج إلى رحمة ~~هذا السلطان من كان لا يرحم الملوك قبله » ۲. # وفي ثامن صفر سنة أربع وستين وستمئة كسر عسكر السلطان بحمص الفرنج ~~بطرابلس ؛ وذلك أن البرنس بيمند بن بیمند جمع واستنصر بالداوية، والاسبتار، ~~وقصد جهة حمص، وكان النائب بها الأمير علم الدين الباشقردي قد فهم حركته، ~~فاحترز، وجعل الطلائع على المخائض، فقصد البرنس مخاضة بلالة، فسبقه الأمير ~~علم الدين فيمن عنده من عسكر، فملك المخاضة، فأتى الكافر بخيله ورجله، فوجد ~~المخاضة قد ملكت، فعدل إلى غيرها، فقويت نفوس المسلمين، وعدوا الماء اليه، ~~وتبعوه فانهزم، وما زالوا خلفه يقتلون وينهبون إلى أن توغل في بلاده، ورد ~~طريدة شريدة، قد قنع من الغنيمة بالإياب، وكان له أمل فخاب، ورجع المسلمون ~~إلى البلد، ولم يعدم أحد. # - وفي هذه المدة سير إلى دمشق بعمل مراكب فعملت، وحملت إلى البيرة. ~~وفي هذه المدة توجه السلطان إلى خليج ms114 الإسكندرية لرؤيته، وتقدم بما يجب من ~~حفره ؛ وتصيد في جهة الحمامات ورجع. # وفي جمادى الأولى وصل فخر الدين بن جلبان من البلاد الفرنجية بعد ~~PageV01P245 أن خلص جماعة من الأسر بمال الوقف المسير من جهة الأمير جمال ~~الدين التجيبي وفرجت به کربات كثيرة لنساء وأطفال، وسير الجميع إلى دمشق، ~~وسلموا للقاضي ليزوج من يؤثر منهن التزویج. # وفي هذا الشهر رسم السلطان ببناء جسر على الشريعة، وجهز الأمير جمال ~~الدين بن نهار الصالحي المهمندار لبنائه، وجهزت له الأصناف من دمشق ورسم أن ~~يكون خمس قناطر. # وفي جمادى الأولى من هذه السنة تكاملت عمارة الدار الجديدة، المرسوم ~~بعمارتها عند باب السر الذي بالإيوان المطل على سوق الخيل، وعمل بها دعوة ~~للأمراء. فعمل القاضي محيي الدين، مؤلف السيرة : # يا مالك الدنيا الذي %~% أضحى بعون الله غالب # یا من به الكفار قد %~% نهبوا بأنياب النوائب # يا ذا الذي لولاه قد %~% كان البقاء من العجائب # منها: # لولا سيوفك لم يكن %~% بالثأر للإسلام طالب # کم جنة لك أزلفت %~% بعظیم کتيك والكتائب فتلهفت شوقا وأض %~% حت بالحلول بها تطالب # ورأتك قد أعطاك رب %~% ك طول أعمار الكواكب # فاستعجلت وأتت بما %~% تبغي سعودة من مطالب PageV01P246 # دار يرف بها النعي %~% م وتلتقي فيها المارب # قد صورت فيها الجنو %~% د على الخيول لها القواضب # لتكون في الخلوات لي %~% س ترى بغير السيف ضارب # في السلم حولك مثلما %~% في الحرب دونك في المواكب # لا مثلما قسد صور ال %~% أملاك قبلك من غرائب # كل يصور نفسه بين %~% الأغاني والمشارب # فبقيت يا ملك الز %~% مان لك العطايا والمواهب # أبدا تمتع بالنعيم %~% وما الملكك من مجاذب # وفي هذه السنة اهتم بحفر خليج الاسكندرية، وسير الأمير علم الدين ~~المسروري لذلك، فتوجه، ثم توجه السلطان بنفسه، وتمرض جسم السلطان في ~~الطريق، ولم يرجع، ولما صلح مزاجه باشر الحفر بنفسه، وعمل الأمراء وجميع ~~الناس، وأزيلت الرملة التي على الساحل بين النقيدي وفم الخليج ؛ ثم عدتي ~~إلى بر أبيار، وغرق مراكب هناك، وبني عليها بالحجارة ؛ ثم رجع إلى ~~القاهرة ms115 المحروسة، وجهز المحمل المبارك، وخلع على المتوجه بذلك، وهو الأمير ~~جمال الدين نائب دار العدل، وسیرت عشرة آلاف درهم بر سم عمارة حرم المدينة ~~النبوية وسير القمح لجرايات الصناع. # وفي شهر رمضان منها وصل ولد الإمام المستعصم، المسمى بالمبارك، الذي كان ~~عند هلاؤن، وصحبته جماعة من أمراء العربان، فرسم للأمير جمال الدين ~~النجيبي، نائب الشام، بإنزاله في أعز مكان. ولما وصل السلطان إلى دمشق سير ~~إليه جلال الدين بن الدوادار، والطواشي مختار، فما عرفوه، وظهر أنه بخلاف ~~ما أظهر فسيره إلى مصر محتفظا به. PageV01P247 # وفي ذي القعدة وصل شخص آخر أسود ادعى أنه من أولاد الخلفاء، فسير أيضا إلى مصر. . ### | ذکر فتوح سواكن # قد ذكرنا ما اعتمده علم الدين اسبعاني، صاحب سواكن، من التعرض إلى ~~التجار، وأخذ ميراث من يموت في البحر، ومنع أولاده منه ؛ ولما كثر ذلك منه ~~رسم لعلاء الدين، والي قوص، واخميم، بقصده. فورد كتابه أنه وصل إلى عيذاب، ~~وسير عسكرة يقدمه إلى سواكن، فهرب صاحب سواكن ؛ وتوجه صحبة الأمير علاء ~~الدين نيف وأربعون مركبة، كبارا وصغارا، ووصلت اليه من القصير خمسة كلالين ~~موسقة بالمقاتلة، ودخل سواكن، وأقام بها، ووردت البشائر ؟ بذلك إلى القاهرة ~~المحروسة يوم الجمعة ثاني عشر رمضان، وكان مسيره إليها من عيذاب في عشرة ~~أيام، ومهدت البلاد، وعاد والي القوص. ثم ان صاحب سواكن قصدها بعد سفر ~~الأمير علاء الدين، فقاتله من بها أشد قتال، وعاد خاسرا. PageV01P248 ### | ذكر واقعة الأمير عز الدين الحلي # لما كان يوم الاثنين منتصف ذي الحجة سنة أربع وستين وستمئة جلس الأمير عز ~~الدين ومعه الصاحب والقضاة بدار العدل، وإذا بإنسان يخرق الصفوف وبيده قصة، ~~فوقف قدامه، وكانت بيده سكين بين أثوابه وعمد إلى حلق الأمير عز الدين ~~فضربه، فأمسكها الأمير عز الدين بيده، فجرحت يده، ثم رفسه بر جله، ونام على ~~ظهره، فوقع، وقصد أن يضربه مرة أخرى، أو يضرب الصاحب، فرجعت السكين في فؤاد ~~الأمير صارم الدين المسعودي فمات في ساعته ؛ وكان فخر الدين، والي ~~الجيزة، حاضرة، فأمسكه ms116 ورماه، فوقع على قاضي القضاة عز الدين فسلمه الله، ~~وضربته السيوف فمات. وحمل الأمير عز الدين إلى داره بالقلعة، وحضر ~~المزينون، فوجد مكان السكين بين البلعوم والمنحر، ووجد في اذن الفقير قطن، ~~وعرف أنه جاندار کانت به شعبة من الجنون، وأنه كان أكل حشيشة. ووصل الخبر ~~إلى السلطان، وهو راجع من جهة أفامية، فشق ذلك عليه. # قال مؤلف السيرة : «حكي المولى الأتابك قال : لما بلغ السلطان خبر الأمير ~~عز الدين الحلي قال : «والله يهون علي موت ولدي بركة، ولا يموت الحلي » ؛ ~~قال الأتابك : « فقلت : يا خوند ! والله طيبت قلوبنا إذا كنت تشتهي لو فديت ~~غلاما من غلمانك بولدك وولي عهدك ؛ فأي جزاء مجازيك به ؟». # ثم ورد مملوك الأمير عز الدين الحلي مبشرة بعافيته، فخلع عليه السلطان ~~وأعطاه ألف دينار مصرية، وأعطى رفيقه ثلاثة آلاف درهم ؛ وأحسن إلى ورثة ~~PageV01P249 الصارم المسعودي. ولما توجه منكورس المهمندار مبشرة بعافية ~~السلطان أعطاه الحلي خمسمئة دينار عينة، وقال : «لولا أن الساطان أعطى ~~مملوكي ألف دينار ما سيرت إلا ألف دينار، إنما هذا أدب مع السلطان ». ### | ذكر غزاة صفد وما جرى فيها من الوقائع والملاحم وما فتح من البلاد، وغم من الغنائم # في شهر رجب سنة أربع وستين وستمئة اهتم السلطان بأمر الغزاة وسير إلى أعمال الديار المصرية لإحضار الجند من اقطاعاتهم، فاتفق تأخير بعض ~~الجند، فسير سلحداريته إلى جميع الولايات، فعلقوا ولاة البلاد بأيديهم ~~ثلاثة أيام تادیبأ لكونهم ما سارعوا إلى إحضار الأجناد، وكان في الولاة ~~أمراء اسفهسلارية فحضر الجند، وخرج السلطان في مستهل شعبان، ورحل في ثالثه. # ولما وصل غزة جرد الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي، والأمير سيف الدين ~~قلاون، وجماعة من العسكر المنصور، فتوجهوا إلى العوجاء. وتوجه السلطان ~~لزيارة الخليل - عليه الصلاة والسلام ! - والقدس الشريف فوصل إلى الخليل ~~فزار الشيخ علي البكاء، ثم دخل إلى مقام إبراهيم، وزار وكشف المظالم، وقرئت ~~القصص بين يديه، ووقع عليها، ومد سماط الخليل - عليه الصلاة والسلام ~~! - وأكل منه، وأكل الناس والفقراء ؛ وفرق جملة من المال على الأئمة ms117 ~~والقراء والمؤذنين والقوام وغيرهم. PageV01P250 # وبلغه أن اليهود والنصارى تؤخذ منهم حقوق عن زيارة الخليل - عليه السلام ~~! - والنزول إلى المغارة بنجسهم ورجسهم ؛ فأنكر ذلك وكتب مرسومة يمنع ~~النصارى واليهود من دخول المقام الشريف. ثم توجه إلى القدس الشريف فرز اره ~~وتصدق بجملة كثيرة، ثم أتي الحرم الشريف مستخفيا في نفرين أو ثلاثة، وصلى ~~الجمعة بالقدس، ورحل إلى عين جالوت. وأما العساكر المجردة فتوجهوا إلى حمص، ~~ولم يكن عندهم علم بالحركة إلى أي جهة. ### | ذكر إغارة العساكر على طرابلس وفتح قلعة حلبا وعرقا # ولما وصلت العساكر إلى حمص ورد إليهم كتاب السلطان بالتوجه إلى طرابلس ~~فركبوا على غرة من العدو، فجاسوا خلال الديار، وانصبوا في الأودية كالبحار، ~~وأصبحوا على حصن الأكراد، وأغاروا إلى ساحل البحر من جهة طرابلس، ونزلوا ~~على حصن يعرف ست من عمل حصن الأكراد فأقاموا عليه يوما واحدا، وأخذوه ~~وأسروا به جماعة، وكان بقلعة حلبا جماعة، فهربوا وأخلوها، ودخل العسكر ~~اليها، وكسبوا منها شيئا كثيرة من نحاس وصناديق وسكر وغيره، وهذه القلعة ~~تشبه قلعة عجلون حصانة ؛ ولما هرب أهلها أدرك العسكر أواخر هم فقتلوهم، ~~وأخذوا نساءهم. ولما شاهد أهل قلعة عرقا ما جرى في حلبا نجوا بأنفسهم. وهذه ~~قلعة عرقا شبه قلعة حمص، وبها من الغلات شيء كثير منحصلPageV01P251 بلدها ~~في السنة من الهلالي ( خمسة عشر ألف دينار )، والأقصاب (عشرون ألف دينار )، ~~والمزروعات شيء كثير. وما زالت العساكر حي أخربت القلعتين المذكورتين .. ~~ونزلوا على حصن يعرف بالقليعات، وهو حصن عظیم وتستموه في رابع شهر رمضان ~~بالأمان، وهدمت أيضا. # وفي عود العساكر نزل الأمير سيف الدين قلاون الألفي قريب القليعات وسير ~~في الليل بعض المقدمين ليترقب من يخرج من الفرنج، فوجد خمسين نفر متوجهين ~~من صافيتا إلى حصن الأكراد أقجية وجر خية، فأخذ الجميع وقتلوا وأحضرت ~~رؤوسهم. وخرج جماعة من الداوية للغارة على الذين يحشون لخيل العساكر، وكان ~~الأمير سيف الدين قلاون قد رتب مع الغلمان جماعة من العسكر، فلما خرج ~~الديوية على الغلمان خرج عليهم العسكر، وقتل بعضهم، وأسر البعض. ms118 وسير صاحب ~~صافيتا جاسوسة فأمسك وشنق. ووصلت بطاقة الأمراء المذكورين بأنهم وجدوا خيلا ~~ورجالا متوجهين من صافيتا نجدة إلى حصن الأكراد، وأنهم قتلوا منهم مقدار ~~خمسين نفرة ؛ ویذکرون وصول ألفي فارس من العربان، وأنهم جاهدوا أتم جهاد، ~~وجرح الأمير شرف الدين عیسی بن مهنا جرجين ب ورسم السلطان أنه من عدم له ~~رأس من الخيل يعوض عنه رأسين من البقر، ورسم بتجرید جماعة بحمص، وحضور ~~العساكر إلى خدمته .. PageV01P252 ### | ذكر إغارة العسكر على صور # ولما وصل السلطان إلى جهة عكا جرد الأمير علاء الدين البندقدار، والأمير ~~عز الدين أو غان الركني بجماعة من العسكر إلى جهة صور، فدخلوا الجبال في ~~الليل وقاسوا شدة لصعوبة الأوعار، وأغاروا على صور، وغنموا كثيرة من ~~الجمال، والبقر، والغنم، وأسر كمندور، صاحب سیس، ومعه نفران ؛ [و] كانوا ~~انحازوا إلى برج فأخذوا بالأمان، وأخذ وزیر صور وجماعة من الفرنج، وتوجه ~~الأمير سيف الدين أتامش إلى جهة صيدا، ورسم لهم السلطان بالحضور إلى جهة صفد. د # وتوجه السلطان إلى عكا ( ونزل منزلة تعرف بالفرج، قريب من معصرة الأرمن، ~~وهي كثيرة المياه )، وجرد السلطان الأمير بدر الدين الأيدمري ؛ والأمير بدر ~~الدين بيسري إلى جهة القرن ؛ وجرد الأمير فخر الدين الحمصي إلى جبل عاملة، ~~فأغارت العساكر من كل جهة. وحاصر الأمراء القرن ؛ وأخذت قلعة قريب عكا، ~~وتوالت المكاسب حتى لم يوجد للأبقار والجواميس من يشتريها، وعمت الغارة ~~بلاد الفرنج من حدود طرابلس إلى قريب أرسون ؛ العسكر المتوجه إلى طرابلس في ~~تلك الجهة، والعسكر المتوجه إلى صور في جهة، والسلطان في جهة عكا، والأمير ~~ناصر الدين القيمري في جهة عثليث. # ووصل كتاب من مقدم الاستار بعكا إلى الأتابك بأنه يسعى في الصلح ~~PageV01P253 وفيه تعريض بما يصل إليهم من عمائر طرابلس وبلد الأرمن. فكتب ~~إليهم في الجواب بما يجب من تهديدهم وتخويفهم. # ثم إن السلطان اهتم بأمر صفد لأنها الغصة في حلق الشام والشجا في صدر ~~الإسلام. ### | ذکر فتوح صفد # كان السلطان قبل حضوره إلى عكا قد رسم للأمير علاء الدين أيدكين ms119 الشهابي ~~أحد أمراء الشام والجماعة من العسكر المنصور بأن يتوجهوا إلى بلاد الفرنج، ~~ولم يعلم إلى أين. ثم سير كتابة وأمره أن لا يقرأه إلا إذا ركب هو والعساكر ~~متوجهين وكان مضمونه أنه يتوجه إلى صفد، ويتوجه فخر الدين الفائزي إلى ~~الشقيف فأحاط بها الأمير علاء الدين إحاطة حافظ لا مقاتل، ثم جرد الأمير ~~بدر الدين بكتاش الفخري، أمير سلاح، ومعه دهليز إلى صفد ؛ ثم حضر إليها ~~الأمير علاء الدين البندقدار، والأمير عز الدين أو غان - على ما ذكرناه. ~~فنزلوا عليها واستدت مضایقها ۲. # وأقام السلطان على عكا حتي حضرت العساكر المغيرة، وعمل عدة مجانيق وفرقها ~~على الأمراء ليحملوها، ثم رحل والعساكر لابسة، وساق إلى قريب من باب عكا، ~~ووقف على تل الفضول، ثم رحل إلى عين جالوت. PageV01P254 وكان الأمير سيف ~~الدين الزيني قد توجه لإحضار المجانيق من دمشق فاجتهد في إحضارها، واهتم ~~بها الأمير جمال الدين النجيبي، وحملت على الرقاب. وسار السلطان إلى أن نزل ~~على صفد يوم الاثنين ثامن شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة. ### || أسباب جرت في أثناء فتح صفد # منها : حضور رسول متملك صور، وإنكار السلطان عليه لأن السلطان كان سير ~~إليه يقول له : «إن أردت أماني فأخرج عنك أعدائي من الفرنج، فإن اليمين ~~متضمنة أن تكون عدو عدوي ». وبسبب إعانتهم للفرنج على الإغارة على بانياس ~~وقتل شخص من الرعية، وأن هذه الأسباب موجبة نقض العهد، « وأن رسولكم كان ~~حضر إلى عندي في تقرير قواعد المنوية، وأنهم يحضرون في البطس الكبار، ~~ويقاتلون عكا في البحر، وأنا وعساكري في البر، وأن متملك صور يكون هو ~~والجنوبية في البحر على أهل عكا، فحضرت، وما حضر أحد منهم، فتعرف صاحبك أن ~~نقض العهد كان من جهته ». وانفصل الرسول على ذلك. # ووصلت رسل الفداوية، فقال لهم السلطان : « بلغني أنه لما غارت العساكر ~~على بلاد طرابلس حميتم مواشي الفرنج، واستودعتم أموالهم ؛ وكتبكم كانت ترد ~~بالشكوى من مجاورة الفرنج، وتقولون ما نعطيهم PageV01P255 القطيعة ~~إلا لأن عساكر السلطان بعيدة، وإلا لو قربت العساكر منا ms120 روينا سكاكيننا من ~~دمائهم. فلما وصلت عساكري إلى أبوابكم لدفع الضيم عنكم حسنتم وجوهكم معهم ~~باستيداع مواشيهم ». وأنكر عليهم كونهم يستغلون بلاد الحصون التي بأيديهم ~~وليس لهم عسکر ينجد الإسلام، وطلب منهم إرسال نجدة أو مال يستخدم به عسكرة، ~~أو حمل القطيعة التي كانوا يحملونها إلى الفرنج، ولعبد مؤمن خير من مشرك ~~ها. ولما توجه رسولهم بهذا الجواب حضر أحدهم، وهو الصاحب جمال الدين - وما ~~سمع قط حضر بنفسه - فأكرم. وشاهد أحوال العساكر، وأحضر هدية لطيفة، فأنكر ~~عليه بسببها، فسأل الأتابك في استعطاف السلطان، وزاد الهدايا شيئا كثيرة، ~~والتزم بحمل جملة من المال، وتوجه لإحضاره. # وورد رسول بيروت بتقادم، فقال له السلطان : «ان صاحبكم الذي كان متفقة ~~معنا قد هلك » ؛ وأنكر عليهم تعرض کر سالیتهم في البحر المركب الأتابك، ~~غدروا بأهله وأخذوه ؛ وانفصل على هذه الحالة، ولم يحصل الرضى عن ملكته. # ووردت رسل يافا فأنكر السلطان عليهم كونهم نصبوا المجانيق على قلعة يافا مع أنهم صلح. # ووصلت رسل صهيون، وأنكر عليهم [ أن صاحبهم ما حضر بنفسه وأحضر نجدة. # وأنفق السلطان في العساكر المنصورة ؛ وكان يباشر الحصار والزيارات تتعداه. واتفق أن الناس تناوشوا القتال، فساق الأمير عز الدين خاص ~~PageV01P256 ترك الظاهري فوصل الطعن ؛ فتقدم الحجار ون وأخذوا في النقوب، ~~ورمي الزراقون قوارير نفط في الباب، فاحترق، وأنعم السلطان على خاص ترك ~~الظاهري بعشرة آلاف درهم وفرس قيمته نفيسة، وجوشن، وخلعة. # وفي حادي وعشرين الشهر ا وصلت المجانيق، واهتم بها السلطان وسیتر الأمير ~~عز الدين أمير جاندار للقائها، وعجزت عنها الجمال، فجهز الأمراء والجند ~~وسائر الناس لحملها على الرقاب من جسر يعقوب، وهو مرحلة من صفد ؛ وخرج ~~السلطان بنفسه وخواصه، وجر أخشاب المجانيق مع البقر. # قال مؤلف السيرة : «حكي لي الملك المجاهد، صاحب الجزيرة، قال : جررت مع ~~السلطان حتى تعبت، ورحت استر حت، ثم حضرت وجررت زمانة، ثم رحت مرارة ~~والسلطان على حاله ما استراح ». # واستمر عمله في نقل الأخشاب بنفسه وحاشيته وغلمان البيوت ~~والاسطبلات فرمت في سادس عشرين رمضان، وكان المقدم ms121 الفرنج بيت داخل صفد ~~وأعطى السلطان أمایره فطلع بنفسه إلى أعلى المنجنيق المغربي حتى شاهده، ~~وأمر المنجنيقية برمیه فرمي، ولازم الركوب، والوقوف تحت المجانيق، وصار ~~يخلع ويعطي، ويحضر إليه بالأسرى من جهة عكا وصور فينعم على من يحضرهم. # ووصلت العساكر المصرية والشامية التي كانت في بلاد طرابلس، ولما تكامل عبورهم نزل كل أمير في منزلته، وحضر الأمراء فقبلوا الأرض ~~والسلطان لازم نوبته ومكانه لم يتغير منه. ولما رأى الفرنج من صفد وصول هذه ~~العساكر، قال واحد منهم : « يا مسلمين ! أنتم قليل واستدعوا PageV01P257 ~~عسكرا، فعل الله بالبعداء وصنع !». وخرج بدر الدين الأيدمري ليرى هلال شوال ~~فوقع في رأسه حجر، فرسم بأن لا يجتمع أحد لسلام العيد، ولا يتزحزح من ~~مكانه، خشية من انتهاز العدو غرة من العسكر. ورمي المنجنيق المغربي في هذا ~~اليوم، فأثر آثارة حسنة. ونودي في العسكر بأن من جلب خمرة أو شربها شنق. # وفي ثاني شوال حصل الاهتمام بالزحف، وقرر ذلك مع الملك المنصور صاحب ~~حماه، والأمراء الأكابر، فتحالل الناس، واجتهدوا ؛ وكان قد عمل من النفط ~~أشياء من السهام الطيبة والرماح، ففرق ذلك على الزراقين ووعد الحجار ون أنه ~~من أخذ أول حجر كان له مائة دينار، وكذلك الثاني، والثالث، إلى العشرة. ~~وأمر حاشيته بأن يلاز موا مواضع قتالهم، ولا يشتغلوا بخدمته. وشرع الناس في ~~أمر الزحف من العشاء. وكان قد وصل جماعة من الصلحاء للغزاة، ووصل الشيخ ~~الصالح، قاضي قضاة الحنابلة بدمشق ؛ فحرکت الطبلخانات السلطانية نصف الليل، ~~وركب السلطان، وهجم خندق الباشورة فقاتل الفرنج قتالا شديدا، وابتلي ~~المؤمنين ؟ بلاء شديدة، واستشهد جماعة من المجاهدين ؛ وصار الإنسان يرى ~~رفيقه يقتل، فيجره، ويقف مكانه وتكاثرت النقوب، ودخل النقابون إليها، ~~وأعطاهم السلطان ثلاثمئة دينار وصار كل من عمل شيئا جزاه عنه لوقته بخلع ~~تفرق، وأموال تبذل، وهو يشارك الناس فيما هم فيه من قتال، ودخول نقوب، وزحف ~~؛ ونصب خيمة قريب صناجقه، وجعل فيها حكماء وجرائحية، وأحضر إليها ~~المجرحين من الغرباء والحجارين، وأطلق الأشربة والمأكول للجند. PageV01P258 # وفي ثامن الشهر خاسفت الفرنج ms122 المسلمين في النقوب فوقع خسفهم فوق خسف ~~الأمير سيف الدين قلاون الألفي، فقاتلوهم بالأيدي، وعمل بعد ذلك جسر على ~~باب القلعة يتوصل منه إليها. # وفي حادي عشر شوال ركب السلطان، ووقف عند المجانيق، ثم ساق بمفرده، ونزل ~~عن فرسه وأخذ ترسة، ودخل إلى النقوب، وشاهدها. # وفي ليلة رابع عشرة زحف المسلمون أشد زحفة ؛ وساق السلطان إلى قريب الباب ~~فارتفعت أصوات المسلمين يسألونه أن لا يغرر بنفسه، فرأى النقوب، وعاد ؛ ولم ~~تزل الحرب قائمة، والسلطان في وسط هذه الأمور ؛ وفي وقت القائلة رأي الناس ~~قد تعبوا من القتال، وتفرق بعضهم، فأمر خواه بالسوق إلى الصواوين وإقامة ~~الأمراء والجند منها بالدبابيس، وقال : « المسلمون على هذه الصورة وأنتم ~~تستريحون ! فأقيموا جميعهم ؛ ورسم بإمساك الأمراء - وكانوا نیفة وأربعين ~~أميرة - فقيدهم، وأحضرهم إلى الزر دخاناه ثم بعد ذلك وقعت الشفاعة فيهم، ~~وأمرهم بملازمة مواضعهم. ووسعت النقوب، وشرطت الأسوار فجبن الفرنج، وحرقوا ~~الستائر التي كانت على الباشورة ليحموها من التسلية، فما أفادهم ذلك. ولما ~~شاهد السلطان ذلك أمر بضرب الطبلخاناه المستجدة - وهي خمسة وعشرون حملا، ~~فقام [ كل أحد إلى جهته، فضرب المسلمون سكك الحيل في سفح الباشورة فما أصبح ~~الصبح إلا والصناجق على أسوار الباشورة من كل جهة، واندفع الفرنج إلى ~~القلعة، وسلموا الباشورة. # هذا في يوم الثلاثاء، نصف الشهر ؛ وفي هذا اليوم أخذت النقوب PageV01P259 ~~في برج اليتيم وغيره من أبراج القلعة. وفي هذه الأيام استشهد الشيخ الصالح ~~نبهان - رحمه الله ! - وهو يجدد الوضوء في خيمة الأمير بدر الدين الخزندار. ### || ذکر تسلیم صفد # لما تقطعت الأسباب الفرنج سیر وا رسلهم إلى السلطان في طلب الأمان، ~~فاشترط عليهم أن لا يستصحبوا سلاحا ولا لامة حرب ولا شيئا من الفضيات، ولا ~~يؤذوا شيئا من دخائر القلعة بنار ولا هدم ؛ فتوجهوا، وصار السلطان يعمل ~~الحيلة، ويعطي بعضهم الأمانات من المرامي، ويسير المناديل ورو تقرر مع ~~جماعة أنهم يفتحون الأبواب، فتسامع الفرنج، وحصل بينهم الخلف، وحضر خمسة ~~ عشر نفرة من القلعة مقفزين في وقت واحد، فخلع عليهم، وقالوا لأصحابهم ~~ما ms123 حصل لهم من الخير، ونودي في العسكر بأن لا يرموا أحدا من الفرنج ~~والنصارى والمستعربة غير الديوية، فأمسك الفرنج من تلك الساعة عن القتال، ~~وردوا الأمان، وقالوا ما ندخل في شرط، ورمي الرسل الخلع والمال المنعم به ~~عليهم من الأسوار ؛ فلما أيقنوا بالهلك سيروا رسلهم في يوم الجمعة ثامن عشر ~~الشهر، سیر وا يطلبون ما كانوا طلبوه أولا، فامتنع عليهم، فأخذ الأتابك ~~منديل مقدم PageV01P260 الحمدارية، وهو الأمير جمال الدين أقوش القليجي، ~~وأعطاه لهم، على أنهم لا يخرجون بشيء مما ذكرناها ؛ فتوجه الرسل، وبعد صلاة ~~الجمعة صاح أهل القلعة : «یا مسلمين ! الأمان !». # وكان في ذلك الوقت قد خطب خطیب دمشق، ودعا عقيب خطبة الجمعة للمجاهدين، ~~ودعا الناس، وكشفت الرؤوس، وخشعت الأصوات، فاستجاب الله منهم، وكان صباح ~~الفرنج تطلب الأمان في تلك الساعة وما بقي أحد يقاتل ؛ فلما كان وقت العصر ~~فتحت الأبواب، وطلعت الصناجق، وكانت ساعة مشهودة ؛ ووقف السلطان راكبا على ~~باب صفد، ونزل الفرنج أولا" فأولا، وصاروا جميعهم بين يديه، وأخرجوا معهم ~~الأسلحة والفضيات وأخفوها في قماشهم، وتحدثوا على جماعة من أسرى المسلمين، ~~وأخذوهم على أنهم نصارى وكذلك صغار المسلمين المأسورين عندهم، فما أخفى ~~الله ذلك ورسم بتفتيشهم، فوجد معهم ما ذكرناه مما ينقض الأمان، لو كان ~~حقيقة، فكيف وما أعطاهم السلطان أمانة معتبرة، فأخذت منهم العدد، وأنزلوا ~~عن خيولهم لكونهم ما رفوا بالشرط، وجعلوا في خيمة محفوظین. # وتسلم المسلمون صفد، وولى في القلعة الأمير مجد الدين الطوري، وجعل فيها ~~نائب عز الدين العلائي، ومقدم العسكر الأمير علاء الدين ايدغدي السلاح دار. ~~وأصبح السلطان جالسا وحضر إلى خدمته الأمراء والمقدمون من عسكر مصر والشام ~~فشكر اجتهادهم وذكر رضاه PageV01P261 عنهم، وقال : «ربما عتبت على أحد منكم ~~أو جرى مني إنكار أو تأدیب، وما قصدت بذلك إلا حثكم على هذا الفتح العظيم، ~~ومن هذا الوقت نتحالل ». وذكر أسري صفد وخروجهم بغير أمان معتبر، وما كان ~~استقر من خروجهم بغير عدة، ونقضهم لذلك، وأنهم ما كلفوا السلطان ~~يمينة، وأمرهم بضرب رقابهم، فركبوا، وأحضرت ms124 خيالة الديوية والاسبتار، وجميع ~~من أخرج من صفد من الفرنج، فضربت رقابهم على تل قریب صفد، في مكان كانوا ~~يضربون فيه رقاب المسلمين، ولم يسلم منهم غير نفرين، أحدهما الرسول بحكم أن ~~السلطان كان شرب قمزة في النقب وخرج إليه هذا الرسول فسقاه منه فعفى ~~السلطان عنه، وخيره في التوجه إلى قومه، فاختار المقام في خدمة السلطان، ~~وأسلم على يده، فأحسن اليه وأعطاه اقطاعا وقربه منه واستمر في الخدمة. وأما ~~النفر الآخر فإن الأتابك شفع فيه ليخبر الفرنج بما جرى، وهو من بيت ~~الاسبتار، وكان خرج رسولا، فعفى السلطان عنه ؛ وفي ذلك مكيدة فإن هذا ~~الاسبتاري لما وصل إلى عكا استخفى عند الاسبتار، فطلبه الديوية الذين كانوا ~~أصحاب صفد، وقالوا : «هذا لما خرج رسولا" هو وافرير ليون ما حلف السلطان، ~~وعملوا على الفرنج ». وكادت تقوم بينهم فتنة بسببه، وأراد الله أن هذا ~~الاسبتاري خرج في غارة بعد ذلك، فقتل بيد العساكر الإسلامية وأبی الله أن ~~يجعل له إلى الحياة سبيلا، أو أنه يفر من السيوف الإسلامية، وإنما متعه ~~متاعا قليلا. وكان الأتابك قد سير مع هذا الأخ كتابة فيه توبيخ لمقدم بيت ~~الاسبتار، ومن جملته : وأنا أقول لك هذا السلطان سعيد وأنت تغالط وكتبت إلى ~~نوبة أرسوف PageV01P262 تقول أرسوف ما تبالي بالعساكر، وكذلك قلت عن صفد ؛ ~~وقد ظهر لك صدق حديني ». # ولما قتل الفرنج دخل السلطان قلعة صفد، وفرق على الأمراء من العدد ~~الفرنجية، والجواري، والمماليك، ونقلت إليها الزردخاناه التي كانت صحبته، ~~وصار يحمل فردة حمل النشاب على كتفه إلى داخل القلعة، فتشبه الناس به، ~~فنقلت الزردخاناه والمنجنیقات إليها في أسرع وقت، وطلب لها الرجال من دمشق ~~؛ وتقررت نفقة رجالها في الشهر ثمانين ألف درهم، واستخدم على جميع بلادها ~~الأمراء، وعمل بها جامع في القلعة، وجامع في الربض. # ولم ينس نصيب الآخرة فأوقف على الشيخ خضر نصف قدیثا، وأوقف على الشيخ علي ~~المجنون نصف وربع الحقاب، والربع منها على الشيخ الياس ؛ ووقف على ~~قبر خالد بن الوليد قرية فرغم من ms125 صفد ؛ ووقف على قبر شعيب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم ! - قرية منها. وركب العيادة الأمير جمال الدين ايدغدي العزيزي وغيره. # وفي سابع وعشرين شوال رحل متوجها إلى دمشق، فنزل بالحسورة، وأمر بأن ~~العساكر لا تدخل دمشق بل تبقى على حالها لتتوجه إلى سيس، ودخل دمشق جريدة، ~~ورسم بتوجه الملك المنصور صاحب حماه مقدم) على العساكر إلى سيس ووصاه بما ~~يعتمده وجهزه. # وفي ثالث ذي القعدة توني كر مون أغا. وفي ثامنه أنعم على أمراء دمشق ~~وقضاتها، وأرباب المناصب بالتشاريف. ولما استقر السلطان بدمشق نظر في أمر ~~جامعها، ومنع من مبيت الفقراء به، وأزال صناديقهم التي كانت PageV01P263 ~~ضيقت الجامع ؛ ووسعه للمصلين، قال الله تعالى : وفي بيوت أذن الله أن ترفع، ~~ويذكر فيها اسمه ". قال العلماء : « تغلق فلا تفتح إلا أوقات الصلوات ». # وفي عاشر الشهر جلس الأتابك مع الأمير جمال الدين لكشف ظلامات الناس، ~~والتوقيع على القصص بدار السعادة. وتوجه السلطان إلى عذراء وضمير متصيدة، ~~وما أحضر أحد صيدة إلا خلع عليه السلطان حتى الغلمان والسوقية، وفرغت الخلع ~~فأطلق لهم دراهم. # وفي ذي القعدة جمع السلطان أهل البلاد، وطلع الجبل الذي عند جرود، وصحبته ~~الأمراء، وكان يوما شديد الحر، واشتد العطش، فكاد الناس يهلكون فدلهم شخص ~~من الجبلية على عين ماء جارية لكنها يسيرة النبع، فوقف السلطان عندها، وصار ~~يسقي الناس بيده، وهذه كرامة، وما أحقه بقول الشاعر : # والله لولا الخوف من %~% ه مهابة أمسي يزار # ثم ضرب حلقات صيد فعمل مؤلف السيرة : # يا أيها الملك الذي %~% فيه العقول غدت تحار ! # يا من إليه بفعل ما %~% يرضى الإله غدا يشار ! # بالله قل لي، هل دم %~% يجريه سيفك أم بحار ؟ # وهل الخيول لها مس %~% ير تحت سرجك أم مطار؟ PageV01P264 # إن السيوف تركتها %~% لا يستقر لها قرار # عودتها سفك الدماء %~% فما لها عنها اصطبار # لم يبق في الدنيا فر %~% نج لا ولا بقيت تتار # فالوحش عن مهج العدى %~% لما تفانت تستعار # وأظنها بك سوف تق %~% فر من سوانحها القفار # ان الدماء من العدى %~% والوحش ms126 أفناها الغرار # فأسلم ودم في نعمة %~% وبعز بابك يستجار ### | ذكر ما جرى للأمير أحمد بن حجي وولده مع خصومه مما يدل على عدل السلطان # في هذه السنة بلغ السلطان أن الأمير أحمد، وهو أكبر عربان آل مرا - قال ~~مؤلف السيرة : وسمعته يقول انه من نسل البرامكة، من أخت الرشيد، وادعى أنها ~~كانت زوجة يحي بكتاب، وانه رزق منها أولادا، فلما جرى ما جرى هربتهم إلى ~~البادية، فأخذهم جده. وهذا فيه نظر - اعتمد أمورة لا ترضي، منها : أنه خصى ~~بعض التجار، وأنه نزل على عرادة البلوي ) فقتله، وقتل ولده سليمان ولد ~~أخيه، وطولع الساطان بذلك، فأجاب : « أن هؤلاء في الحجاز يفتصلون » وقصد ~~بذلا تطمين الأمير أحمد، فاطمأن. وكتب السلطان إلى النجيبي بإمساك سليمان، ~~ولد أحمد، فأمسك، ووقعت الحوطة على اقطاع أحمد، فحضر إلى الباب PageV01P265 الشريف، فأمر بتسليمه لغريمه الذي خصاه، فراضاه على ثمانية آلاف درهم. وكان ~~السلطان في حصار صفد، ولما حضر السلطان إلى دمشق وصل وكيل ولد عرادة، ووكيل ~~ولد عمته، فاعتقل الأمير أحمد، وسلم للوكيل، ليقتص منه بمقتضى الشرع، ونصبت ~~له خشبة على باب دمشق، فذكر بسالف خدمة، وبكى الأتابك والناس فاشتراه ~~السلطان بألف دينار من مال السلطان. ثم ادعي على ولد أحمد بقتل ولد أخي ~~عرادة، ففدى نفسه بألف دينار، وتسلم الوكيل المال ؛ وهذه معدلة جميلة، وبعد ~~ذلك أحسن إلى الأمير أحمد، وإلى ولده، وأفرج عن اقطاعه. # وفي هذه الأيام أبطل السلطان ضمان الحشيشة، ابتغاء ثواب الله تعالى، وأمر ~~بتأدیب آكلها، وأمر ببناء مكان بجبل المزة للشيخ خضر، وتوجه إلى الشيخ خضر ~~وزاره، وشاهد المقاسم التي عمرت في دولته، وهي أحسن مما عمر في زمن الروم. # وفي هذه السنة حضر رسول الاسبتار، وسأل استقرار الصلح على بلادهم من جهة ~~حمص، وبلاد الدعوة ؛ فقال السلطان : «ما أجيبكم إلى هذا إلا بشرط إبطال ما ~~لكم من القطائع على مملكة حماه، وهي أربعة آلاف دينار ؛ وما لكم من ~~القطيعة على بلاد بوقبیس، وهي ثمانمئة دينار ؛ وقطيعتكم على بلاد الدعوة، ~~وهي ألف ms127 ومائتا دینار، ومائة ر ألف ) مد حنطة وشعيرة نصفين فأجابوا إلى ~~إبطال ذلك جميعه، وكتبت الهدنة بذلك، وشرط فيها أن الفسخ للسطان متى أراد، ~~ويعلمهم قبل بمدة. وكان السلطان قد أحسن إلى الجبلية مدة إقامته بالساحل ~~بالخلع PageV01P266 والمناشير، فصاروا يأخذون الفرنج من كل جهة في مدة ~~إقامة السلطان بالساحل . # وفي نصف رمضان ورد کتاب الأمير جمال الدين النجيبي، متضمنة ورود کتاب ~~الحلا، والي بعلبك، بأن مقدمي ( بلد ) جبيل جمعوا، وجاسوا بلاد جبيل، ~~ووصلوا إلى حصن على نهر إبراهيم، فقاتلوا من به من الفرنج يوما كاملا، وملك ~~المسلمون الحصن، وهدم. # ووصل كتاب الأمير ناصر الدين القيمري بأنه سير التركمان، والشهاب الربوي ~~إلى حيفا. فأغاروا عليها، وغنموا اثني عشر نفرة، وقطعوا أشجار وكروما. ولما ~~استقر السلطان بدمشق خرج جماعة من عكا إلى ( طبر سنجار، وجدوا بها أربعة ~~نفر من أهلها فشنقوهم فرسم السلطان بالإغارة ) ' [ على ] بلاد الفرنج ؛ ~~فقتلت عساکره فوق المئي نفر من الفرنج، وساقوا جملة من الجواميس والبقر ~~والدواب، وعاد العسكر سالمة إلى صفد. # وفي محرم جرد الأمير سيف الدين بكتمر الساتي، والأمير شهاب الدين بوزبا الموصلي، وجماعة من العسكر، ورجالة جبلية، فقطعوا أقصاب الفرنج ~~وعادوا إلى صفد.PageV01P267 ### | ذکر وقعة الفرنج وانتصار المسلمين في محرم سنة خمس وستين وستمئة # بلغ العسكر الصفدي أن العدو أغار على بلد طبرية، فركب العسكر، وطلبوا جهة ~~عكا، فلما وصلوا إلى وادي عثلين خرج عليهم الفرنج، وكان قد وصلتهم نجدة من ~~قبرس وغيرها، فضرب العسكر معهم مصافا، فانكسروا، وكانت عدة الفرنج ألف ~~ومائة فارس، فقتل أكثر هم، وصار في عكا بسببهم عزاء عظيم، لما قتل من ~~ملوكهم في هذه الغزاة. ### | ذکر متجددات ### || منها استخراج الأموال في المغرب : # قد ذكرنا اهتمام السلطان بأمر الغرب، واستخدامه أربعين ديوانة يتوجهون ~~إليه لاستخراج الزكاة. وتوجه الأمير جمال الدين أقوش الشقيري، فلما كان في ~~شعبان وصل كتابه بأنه توجه هو وزين الدين مرید بن عزاز، وقصدوا بلاد ~~الحواشنة أولاد رافع، وأنهم لما رأوهم اجتمعوا في خيلهم ورجلهم، ~~وقالوا : «نحن ما طرق بلادنا ms128 طارق، وفي قديم الزمان دخل المايرقي إلينا ~~فقتلناه وجميع من معه ؛ ووصل إلينا في قديم الزمان ابن الدوبلك في جمع ~~فقتلناه هو وأصحابه ؟ وصاحب الغرب أقرب إلينا PageV01P268 منكم، ولو أطعنا ~~أحدة كان أحق بطاعتنا، وليس لكم إلا السيف ». فخوفهم جمال الدين المذكور ~~وزين الدين مرید بن عزاز من السلطان، وقالوا لهم : «ان كنم كرهتم الإقامة ~~في هذه الأرض فافعلوا ما شئتم فإن العساكر تقصدكم إلى أقصى الغرب، وان ~~أردتم صون أموالكم فأدوا الزكاة التي فرضها الله ». فدخل المذكورون في ~~الطاعة، واستخرجت منهم الزكاة وغيرها من الحقوق، وذلك في جمادى الآخرة سنة ~~أربع وستين وستمئة. ### | ذكر غزوة سيس، وأسر ملكها وقتل أخيه وعمه وأسر ولد عمه # قد ذكرنا ۱ مراوغة التكفور، صاحب سیس، وانه لما انفصل حديث صفد، ونزل ~~السلطان على الحسورة رسم بأن العساكر لا تدخل دمشق. فاتفق أنهم تسللوا ~~واحدة واحدة، ودخلوا دمشق، فأمر السلطان بهم فأخرجوا مكتفين بالحبال. # وجهز السلطان الملك المنصور ومن جرد في خدمته من الأمراء، وهم الأمير عز الدين أوغان، والأمير سيف الدين قلاون الألفي، ورسم للأمراء ~~بتعظيم صاحب حماه. وكتبت تذكرة بما يعتمدونه في جميع الأمور، وتوجهوا في ~~خامس ذي القعدة، فوصلوا الدرب ساك، ودخلوا بعد ذلك الدربند مطلبين. وكان ~~الملك المجير هيتوم بن کسطنتين بن باساك PageV01P269 قد ملك ولده ليفون، ~~وانقطع هو متر هبة ؛ فلما طلب المسلمون وقف ليفون، متملك سيس، في عسکر هم ~~مطلبين، وتو هم هوا أن المسلمين لا يستطيعون طلوعة في الجبال، لأن التكفور ~~كان بني على رؤوس الجبال أبراجا ؛ فكانت كقول الشاعر : # وإن يبن حيطانا عليه فإنما %~% أولئك عقالاته لا معاقله # فطلعت العساكر من رؤوس الجبال ؛ فلما وقعت العين في العين أسر الملك ~~بارون ليفون، وقتل أخوه، وقتل عمه، وانهزم کند اسطبل، عمه الآخر، وأسر ولده ~~؛ وهرب صاحب حموص. وكان فيهم اثنا عشر ملكا منهم تمزقوا كل ممزق ؛ وقتلت ~~أبطالهم وجنودهم ؛ وساقت العساكر في هذا النهار من مرئي، وأقامت على ~~كر نجيل من عمل سرفند کار، ونزلت في اليوم ms129 الثاني بأعمال تل حمدون، وهي ~~تقتل وتأسر وتحرق، وأحرقوا حموص، ثم توجهوا ثاني هذا اليوم إلى نهر جهان، ~~والأرمن تسمية الفرات لأنه نهر كبير، فخاضته العساكر ؛ وكان في مقدمة ~~العساكر الأمير عز الدين أو غان والأمير سيف الدين قلاون الألفي. ولما ~~نزلوا قريبا من العمودين، وهي قلعة حصينة، شاهقة في الهواء، للديوية، وطافت ~~بها العساكر أذعن أهلها لتسليمها ؛ وكان فيها من تتر تقاتل وغير هم ألفان ~~ومائتا نفر، فقتل الرجال، وفرقت السبايا على العساكر. وكان بها جماعة من ~~الديوية، قتلوا، وأحرقت هذه القلعة بما فيها من حواصل وذخائر. # ورحلوا إلى سيس، فأخربوها وجعلوها خاوية على عروشها، وأصبح عاليها سافلها ~~؛ وأقامت الغساكر أيام تحرق وتقتل وتأسر، وتوجه الأمير عز الدين أو غان إلى ~~جهة الروم ؛ والأمير سيف الدين قلاون الألفي إلى المصيصة وأذنة واياس ~~وطرسوس، فقتلوا واحرقوا وهدمت قلعة الديوية PageV01P270 المعروفة بالنيات، ~~وحرقت لهم أماكن كثيرة، من حصون وبلاد، وهدمت. # هذا وصاحب حماه مقيم في سيس ؛ ولما عادت العساكر اجتمعت وغنمت، وقيد ~~الملك ليفون، وابن عمه، وغنمت العساكر ما لا يعد ولا يحصى حتى بيع الرأس ~~البقر بدر همين، ولا يوجد من يشتريه، وكانت ذبائح العسكر في كل يوم جملة من ~~البقر والجاموس والأغنام، واستاقت العساكر الغنائم. # ولما وردت هذه الأخبار إلى السلطان، كان في الصيد بجرود، أعطى المبشر ألف ~~دينار ؛ ودخل السلطان دمشق، فتجهز وخرج، فعيد في حماه، وسار منها إلى ~~أفامية، ورحل منها للقاء العساكر في ثالث عشر ذي الحجة ؛ وكان قد أخرج نصيب ~~السلطان من الغنائم، فلما التقته العساكر فرق ذلك على عساکره، وأحسن إلى ~~صاحب سیس ومن معه في الأسر. # وعاد السلطان إلى دمشق في رابع وعشرين ذي الحجة، فدخلها مطلبة وصاحب سيس، ~~وابن عمه، وأصحابه، بين يديه، وخلع على الملوك والأمراء الشامية والقدمين. ~~وسير لصاحب حماه الخيول والأموال والخلع له ولجميع أصحابه، وودعه وتوجه إلى ~~مملكته. وامتلأت دمشق بالمكاسب وبيع من الجواهر والحلي والرقيق ~~والحرير ما لا يحصى ؛ وما تعرض السلطان إلى شيء من ذلك. # وخرج ms130 السلطان من دمشق في يوم الاثنين ثاني المحرم سنة خمس وستين وستمئة ~~إلى جهة الكرك، وفارق العسكر من الفوار وتوجه جريدة، فلما كان قريب زیزا ~~تقطر عن فرسه وذلك في يوم الأحد ثامن المحرم، فتأخر هناك أياما حتى صلح ~~مزاجه، ولما جرى ما أوجب هذا التأخير أنعم على PageV01P271 جميع عسكره ~~وأمرائه بجميع كلفهم من غلات الكرك، وعم بذلك الخواص والكتاب، وفرق فيهم ~~الحمل الكثيرة من المال ؛ وطلب من غزة الأمراء أصحاب الطبلخاناه، فأحسن ~~اليهم كإحسانه إلى من كان صحبته، وطلب الأمير عز الدين أيدمر نائبه في ~~الكرك، فنزل إليه، فأعطاه ألف دینار، وخلع عليه، وسير إلى من في الكرك ~~الخلع، وقرر قواعدها. # ثم توجه في محفته على رؤوس أمرائه، وخواصه في الجبال والأوعار إلى غزة. ~~قال مؤلف السيرة : «و أراد الله أن يرى هذا السلطان شيئا من الملك ~~السليماني، فجعل المحفة عوضا عن البساط، والطير يطعم على رأسه طول الطريق ~~». ووصل إلى بلبيس ثالث عشر صفر، فالتقاه ولده الملك السعيد والأمير عز ~~الدين الحلي ؛ وزینت المدينة زينة عظيمة لسلامة السلطان، وما حصل من النصرة ~~في جميع الجهات. # وفي أول ربيع الأول ركب السلطان فرسه، وضربت البشائر بذلك، ونزل بباب ~~النصر، وأقام هناك خامس ربيع الأول. وفي هذه الأيام أعطى ولده إقطاعة كتب ~~له به منشور، فركب وشق المدينة، وخرج إلى الدهليز وقبل السنجق، وبسط له ~~قماشة كثيرة. ودخل السلطان في التاريخ المذكور، وخلع السلطان على الأمراء ~~والوزراء والقضاة. # وفي هذه الأيام وصل رسول صاحب سيس، وتحدث في أمر الملك لينون، ففك قيده ~~ليلة الجمعة ثاني وعشرين ربيع الأول، وكتبت له موادعة على بلاده إلى سنة، ~~وتوجه السلطان إلى بركة الحب الرماية البندق، واستصحب معه صاحب سيس، وفرحه، ~~وأحسن اليه. # وفي ربيع الآخر سير السلطان الأتابك والصاحب فخر الدين، ولد PageV01P272 ~~الصاحب لكشف مكان يعمل جامعة بالحسينية، فتوجها واتفقا على مناخ الجمال ~~السلطانية فقال السلطان : « أولى ما جعلت ميداني الذي هو نزهتي جامعة ». وركب السلطان في ثامن ربيع الآخر، وصحبته الصاحب بهاء ms131 الدين ~~والقضاة، ونزل إلى ميدان قراقوش، ورتب أمور بنائه جامعة، وأن يكون بقية ~~الميدان وقفة على الجامع. ثم دخل إلى المدرسة بالقاهرة، ولما شاهد الفقهاء ~~والقراء والمحدثين بالأواوين الأربعة قال : « هذا مكان قد جعلته لله تعالى، ~~فإذا مت لا تدفنوني هنا، ولا تغيروا معالم هذا المكان. ### | ذكر إمساك جلال الدين بن الذوادار # ولما كان السلطان بدمشق بلغه أن العدو المخذول مهتمون بإرسال قصاد إلى ~~جلال الدين كجقن، ولد الدوادار، فاعتقله بقلعة دمشق ؛ ولما أمسكه وجد عنده ~~هجنة وعربا، فاستدل بها على أنه كان على نية التسحب وحصلت الريبة في أمره ~~بسبب أنه أراد تجهيز والدته وأخته خفية، وورد الخبر بأن من جملة قصاد ~~المخذولين شخصا عجمية، فلما وصل إلى البيرة احتفظ به وسير إلى السلطان، فلم ~~يعترف بأنه قاصدا، وكان بلغ السلطان أنه يعرف بالتركي، فأنكر ذلك، فرسم ~~بتقريره، فاعترف وتكلم بالتركي، وذكر أنه وصل من عند العدو إلى ولد ~~الدوادار، فشق العجمي المذكور. PageV01P273 ### | ذکر وصول الملك المنصور، صاحب حماه # ووردت كتب صاحب حماه يستأذن في الحضور ليشاهد صحة مزاج السلطان، فأجبت ~~إلى ذلك، وخرج السلطان إلى الصيد بجهة العباسية فحضر صاحب حماه في سابع ~~وعشرين ربيع الآخر، والتقاء السلطان برأس الماء وسيرت له ولمن معه ~~التشارين. وعاد السلطان إلى قلعته وطلب صاحب حماه التفرج في الاسكندرية، ~~فسيره إليها وسير في خدمته الأمير شمس الدين سنقر جاه الظاهري، أحد ~~الأمراء، فوصل إليها وحملت إليه الإقامات وعظم تعظيما حسن موقعه، ثم عاد. ~~ولما توجه السلطان إلى الشام توجه في خدمته إلى غزة، وتوجه منها لزيارة ~~الخليل - صلوات الله عليه وسلامه ! - والقدس الشريف، وسير صحبته جمال الدين ~~بن نهار، ورتبت له الإقامات وتوجه إلى مملكته وقد شمله من الإحسان ما أنساه ~~الأوطار والأوطان. # وفي جمادى الآخرة وصلت رسل الدعوة وصحبتهم جملة من الذهب وقالوا : « هذا ~~المال الذي كنا نحمله قطيعة للفرنج قد حملناه لبيت مال المسلمين لينفق في ~~ المجاهدين ». وهذه سعادة للسلطان لأن بيت الدعوة ما زالوا يقطعون ~~مصانعات الملوك ويحبون القطيعة ms132 من الخلفاء والملوك. وكانت لهم على مملكة ~~الديار المصرية قطائع في كل سنة، وفي دولة السلطان صاروا من جملة غلمانه، ~~وحملوا إليه القطيعة كما ذكرنا. PageV01P274 ### | ذكر عمارة قلعة قاقون # لما فتح السلطان قيسارية وأرسوف، وهدمهما احتاج الرعية إلى مكان يحفظهم، ~~فرسم بعمارة قلعة قاقون، فعمرت، وجاءت قلعة حصينة، وعمرت الكنيسة جامعة، ~~وانتجعها الناس من سائر الجهات. ### | ذكر اهتمام السلطان باستخراج الزكاة من سائر الجهات # قال الله تعالى : وويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وقال الله تعالى : فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ه ۲. وقال الله تعالى : ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون. قال الشافعي - رضي الله عنه ! - «هو المال الذي لا ~~يؤدي فيه الزكاة ». وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بي الإسلام ~~على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله، واقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم ~~رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا». وروي عن أبي بكر الصديق - رضي ~~الله عنه ! - أنه قاتل مانعي الزكاة وتابعه جميع الصحابة على ذلك. قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم ! - : « ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا حمي ~~في نار PageV01P275 جهنم، فيجعل صفائح، فتكوى بها جنباه، وجبينه حتى يحكم ~~الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى ~~الجنة وإما إلى النار. # قد ذكرنا إذعان أهل المغرب للقيام بزكاة المواشي، وزكاة الزراعات وأما من ~~جهة اليمن، ففتوح سواكن وجزائرها، وإقامة نواب السلطان في تلك الجهات. وأما ~~الحجاز، فسير إليه الأمير شكاك ؟ بن محمد، فوصل إلى الأمير عز الدين جماز ~~أمير المدينة النبوية - صلوات الله وسلامه على ساكنها ! - وطلب العداد من ~~بلاده، فدافع الشريف عن ذلك، فحضر شكاك إلى بني خالد، وأخذهم، واستعان بهم ~~على عرب الشريف فخاف، وسير إلى السلطان وطلب انقاذ من يستحلفه على أنه ~~يستخرج حقوق الله - سبحانه وتعالى ! - وهذا بحسن اهتمام السلطان. # ملك إذا ذكر اسمه %~% فالرعب يقذف في القلوب # وتكاد تخرج من مخا %~% فتها اليه من الجيوب # لم يبق إلا من أطاع %~% من البعيد ms133 أو القريب # فالله ينصره، فإن %~% ن بنصره کشف الكروب PageV01P276 ### | ذكر إقامة الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة # لما كان يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وستمئة أقيمت ~~الجمعة بالجامع الأزهر، وسبب ذلك أن الأمير عز الدين الحلي جار هذا الجامع ~~من مدة سنين، فرعی له حرمة الحار، ورأى أن يكون كما هو جاره في دار الدنيا ~~أنه غدا يجاوره ثوابه في تلك الدار فانتزع له أشياء من أوقاف كانت مغصوبة ~~في أيدي جماعة، وحاط أموره حتى جمع له شيئا جيدا. وتبرع الأمير عز الدين له ~~بجملة من المال الجزيل ؛ واستطلق له من السلطان جملة من المال، وشرع في ~~عمارته، فعمر الواهي من أركانه وجدرانه، وبيضه، وبلطه، وأصلح سقوفه، وفرشه ~~وصار حرمة في وسط المدينة واستجد به مقصورة حسنة، وأثر فيه آثارة صالحة ~~يثيبه الله عليها ؛ وعمل الأمير بدر الدين بيليك الخزندار الظاهري فيه ~~مقصورة كبيرة، ورتب فيها مدرسة وجماعة من الفقهاء على مذهب الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه ! - وان كان مذهبه حنفية : ورتب في هذه المقصورة محدثة يسمع ~~الحديث النبوي والرقائق وسبعة لقراءة القرآن، وأوقف على ذلك أوقافة، وأقيمت ~~الجمعة فيه، وحضر الأتابك والصاحب وجماعة من الأمراء والكبراء، وكانت جمعة ~~مشهودة. وكتبت فتيا في جواز الجمعة في الجامع المذكور، وأخذت خطوط العلماء ~~بجواز ذلك ؛ ووجد الناس به رفقا وراحة لقربه. # قال مؤلف السيرة : وهذا الجامع هو أول بيت وضع للناس بالقاهرة ~~PageV01P277 المحروسة، وفرغ من بنائه، وأقيمت فيه الجمعة في شهر رمضان سنة ~~إحدى وستين وثلاثمئة، وكان بناء القاهرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، ثم أتی ~~العزيز، ولد المعز، فجدد به أشياء، وعمر به عدة أماكن، ويقال آن به طلسما ~~لا يسكنه عصفور، ولا يفرخ به. # وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمئة سأل الوزير أبو الفرج بن کلس الذي عرفت ~~الوزيرية به، وتحدث مع الخليفة العزيز بالله في صلة رزق جماعة من الفقهاء ~~فأطلق لكل منهم كفايته، واشترى لهم دار إلى جانب الجامع الأزهر وإذا ~~كان يوم الجمعة حضروا الجامع، وذكروا ms134 فيه دروس فقه، وكان شيخهم أبو يعقوب، ~~قاضي الخندق، وكانوا نيفا وثلاثين فقيها ؛ نقل حديث الفقهاء ابن زولاق، ~~وعزاه إلى أخبار المسيحي، وهذا غريب، لأن دولة المصريين ما كان يشتغل فيها ~~بفقه. وعليت منارة الجامع الأزهر في أيام القاضي صدر الدين - رحمه الله! # وكانت له أوقاف كثيرة، وكان من جملة أوقافه جزء بدار الضرب بمصر، وجزء في ~~قيسارية الصوف، وجزء في دار الحرق الجديدة بمصر، ومتحصل ذلك ألف دينار ~~وسبعة وستون دینارة ونصف دینار وثمن دینار ؛ الحطيبه أربعة وثمانون دينارة، ~~وثمن ألف ذراع حصرة عبداني بالقيمة الحاضرة، وثلاثة عشر ألف ذراع حصرة ~~مضفورة، وثمن زجاج قناديل، وهي ثلاثة قناطير، اثنا عشر دینارة، ونصف وربع ~~وثمن عود بخور خمسة PageV01P278 عشر دينارا، وثمن زيت وشمع قدر الكفاية، ~~وبقية ذلك يصرف في مصالحه، على ما شرح في كتاب الوقف ؛ ورأيت منه نسخة عند ~~نجم الدين بن الحالي، وانتقلت هذه النسخة الآن إلى قاضي القضاة تقي الدين ~~بن رزين. # ولما أحرقت مصر في سنة أربع وستين وخمسمئة تغيرت هذه المعالم وجهلت، ولم ~~تعرف. وكان هذا الجامع قد بني قصيرة، فزید بعد ذلك ذراعة، وعلي، واستمرت ~~الخطبة فيه حتى بي الجامع الحاكمي. وعلى باب الجامع الحاكمي مكتوب أنه أمر ~~بعمله الحاكم أبو علي المنصور في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمئة، وعلى منبره ~~مكتوب أنه أمر بعمل هذا المنبر الحاكم للجامع الحاكمي المنشأ ظاهر بأب ~~الفتوح في سنة ثلاث وأربعمئة. # قال مؤلف السيرة : رأيت في سيرة الحاكم مكتوبة يقول: في يوم الجمعة أقيمت ~~الجمعة في الجامع الذي كان الوزير - يعني أبا الفرج بن كلس - بناه بباب ~~الفتوح. ورأيت في سيرة الوزير المذكور انه قال في يوم الأحد عاشر شهر رمضان ~~سنة تسع وسبعين حط أساس الجامع الجديد بالقاهرة خارج الطابية مما يلي باب ~~الفتوح، فانتقلت الخطبة إليه، في شهر رمضان، فإن الخليفة كان يخطب فيه ~~جمعة، وفي الجامع الأزهر جمعة، وفي جامع ابن طولون جمعة، وفي جامع ~~مصر جمعة. وكان هذا الجامع خارج القاهرة فجدد بعد ذلك ms135 باب الفتوح، وعلى ~~البدنة التي تجاور باب الفتوح، وبعض البرج مكتوب ان ذلك بني في زمن ~~المستنصر أبي تميم معد، في وزارة أمير الجيوش في سنة ثمانين وأربعمئة، ~~فيكون بينهما سبعة وثمانون سنة ؛ وهذا الجامع خارج القاهرة. وذكر الناس ~~شيئا لم أره منقولا أن الخليفة الحاكم كان يعرف صناعة النجوم وأنه رأى مصر ~~تملك من ذريته، فاشتهي أن لا يخطب في مدينتهم إلا لهم، فبي هذا الجامع خارج ~~المدينة حتى PageV01P279 لا يخطب لأحد في مدينتهم إلا له ولولده الظاهر من ~~بعده ولذريته ؛ وانقطعت الخطبة من هذا الجامع من مئة سنة لأن الأيوبيين" ~~ملكوا مصر، واستولوا عليها في سنة أربع وستين وخمسمائة، فيقدر الله أن هذا ~~الجامع ما خطبت به [ خطبة ] إلا للحاكم الخليفة ومن بعده للسلطان الملك ~~الظاهر، وهذا من عجيب الاتفاق. ### | ذکر خروج السلطان إلى الشام لعمارة صفد # في يوم السبت عشرين جمادى الآخرة توجه السلطان في جماعة من أمرائه وأراح ~~بقية العساكر بالديار المصرية ؛ ولما وصل غزة ورد إليه رسل الفرنج بهدية ~~وجماعة من أسرى المسلمين كساهم السلطان، وأطلقهم ؛ وسار السلطان إلى صفد ~~فعند وصوله إليها بلغه أن التتار على عزم قصد الرحبة، فرتب أمر عمارة صفد ~~وتوجه إلى دمشق المحروسة مسرعا، فوصل إلى دمشق رابع عشر رجب، فاهتم بأمر ~~الرحبة، وعزم على الخروج بسببها ؛ وخرجت الخزانة، فورد الخبر برجوع التتار ~~وأن العسكر المجرد في الرحبة تبعوهم، وقتلوا منهم وأسروا، وقتلوا منهم شخصا ~~من كبارهم. فلما تحقق السلطان ذلك عاد إلى جهة صفد، وكان مقامه بدمشق مقدار ~~خمسة أيام، ووصل إلى صفد في رابع وعشرين رجب فقسم الخندق على الأمراء، وأخذ ~~نصيبا وافرا لنفسه، ومماليكه وحاشيته. وشرع الناس PageV01P280 في العمل ~~وعمل السلطان بنفسه وبيده، وكذلك جميع بيوتاته من بابية وغير هم، ولم يتوفر ~~أحد من العمل، ولازموا نقل الحجارة، ورمي التراب، وتسابق الناس في النجاز. # ووصل رسل الفرنج إلى السلطان، وهو على صفد، وشاهدوا من أمرها ~~واهتمام السلطان بها ما قطع أكبادهم حسرات، وتحدثوا مع السلطان في أمر ms136 ~~بلادهم، وأجابوا إلى ما قاله لهم من أمر صيدا من المناصفة، وهدم الشقيف ~~وأنكر عليهم أغارتهم على جهة مشغرا، وأقيموا قيامة مزعجة. # وأمر السلطان العساكر بالركوب خفية للغارة، وركب السلطان، وكان الفرنج قد ~~اطمأنوا بإرسال رسلهم إليه فما أحسوا إلا بالعساكر قد وصلت إليهم وساق ~~السلطان، ونزل على باب عكا بتل الفضول، وشرع في القتل، وأحضرت إليه رؤوس ~~القتلى من كل جهة، وحمي عليه الحر، فضرب عليه عباة لواتية على رمح استظل ~~بها، وضرب دهلیزه تحت التل، وبات فيه، ثم أصبح على تلك الحالة، ثم عاد إلى ~~جهة صفد. # ووصلت رسل سیس بالهدايا، فشاهدوا هم، ورسل الفرنج رؤوس القتلى على ~~الرماح، وأحضر جماعة ممن أسر في هذه الغارة فقتلوا في صفد وطلب السلطان رسل ~~الفرنج، وقال : « هذه الغارة في قبالة إغارتكم على بلد الشقيف ». ولما لم ~~ينتظم أمر الصلح رد رسول الفرنج بغير جواب. # وركب في حادي وعشرين شعبان، وساق إلى عكا، فما علم به أحد إلا وهو على ~~أبوابها، فقسم الحجارين والناس على البساتين والأبنية والآبار الهدم ذلك ~~وقطعه، وعمل اليزك بنفسه على باب عكا تحت ذيل التل، واقفة على فرسه في يده ~~رمح، وأقام على هذه الحالة أربعة أيام. ولما تكامل الإحراق PageV01P281 ~~والهدم قطع الأشجار، وسير إلى طاحون کر دانة التي لبيت الأسيتار هدمها، ~~وألقيت النيران في جميع تلك الأشجار. قال مؤلف السيرة : قد جوز العلماء ~~إحراق غلات العدو، وقطع أشجارهم، إذا رأى ذلك الإمام صلاحة يستضعفهم به، ~~فقد قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - کروم أهل الطائف، وكان ذلك ~~سببا لإسلامهم، وأمر في حرب بني النضير بقطع نوع من النخل يقال له الأصفر، ~~يشری نواه من وراء اللحم. ثم توجه السلطان إلى مخيمة بصفد بعد أن أنكى ~~العدو أشد نكاية، وسهر في سبيل الله فإنه كان هذه الليالي لا يهجع. # وفي هذه الأيام أحضر رسل سيس، ورسل بيروت، جماعة من أسرى المسلمين، ~~وردوا مال التجار، وكتبت أجوبتهم وتوجهوا. # وفي رمضان وصل رسل صور، وسألوا استمرار الهدنة، ms137 فقال السلطان : « أنا ما ~~فعلت ما فعلت إلا لأنكم قتلتم السابق شاهين، غلامي، وإخوته وأولاده حاضرون، ~~وإذا قمتم بديته استمرت الهدنة ». وأحضر أولاد السابق شاهين، فقررت دیته ~~خمسة عشر ألف دينار صورية، أحضر الرسل نصف ذلك، وهو سبعة آلاف دينار ~~وخمسمئة دينار صورية، وجماعة من أسارى المسلمين المغاربة، واستمهلوا ~~بالباقي، وقال السلطان : « تبنين وهونين وبلادهما قد أخذتهما بسيفي، وصارت ~~للإسلام ،، فاستقرت للمسلمين، وأجيبوا إلى الصلح، وكتبت هدنة لمدة عشر سنين ~~الصور وبلادها، وهي تسعة وتسعون قرية. PageV01P282 ### | ذكر الصلح مع بيت الاسبتار على حصن الأكراد والمرقب # قد تقدم الحديث في طلبهم لذلك، واستقر هذا الأمر بشرط أن الفسخ يكون ~~للسلطان، ولما حضرت رسلهم هذه المرة التمسوا أن يحلف لهم السلطان وأجابوا ~~إلى حديث الطاحون - حسب ما شرحناه - فقررت الهدنة العشر سنين وعشرة ؟ شهور، ~~[ وعشرة أيام وعشر ساعات، وبطلت القطائع عن بلاد الدعوة وحماه، وقد تقدم ~~ذكر ما كان على حماه والدعوة من القطيعة، وشیزر وأفامية، وهي في كل سنة على ~~أبو قبیس ستمائة دينار مصرية، حساب خمسمئة دينار صورية، الرسم المعروف ~~بالمفادنة، وهو عن كل فدان مكوكان غلة، وستة دراهم ؛ وسير لاستحلاف مقدم ~~بيت الاسبتار الأمير فخر الدين المقري، الحاجب، والقاضي شمس الدين بن قريش، ~~كاتب الدرج الشريف، فحلفوه. ### | ذکر استمرار صلح بيروت # كان الأمر مستقرة لملكة بيروت، فلما بلغ السلطان أن مركبا للأتابك ~~PageV01P283 توجه فيه جماعة تجار إلى جزيرة قبرس، فاحتاجت إلى إصلاح، ~~فأمنهم أخو صاحبة بيروت، ثم غدر بهم وأمسكهم. ولما حضر السلطان إلى الشام ~~في سنة أربع وستين وستمئة حضر رسولهم، فحوققوا على حديث المركب، وأنكر ~~عليهم، فالتزموا آخر الحال بمال التجار، وثمن المركب، وإطلاق التجار، فعند ~~ذلك قبل السلطان هديتهم، واستقرت قاعدة الصلح. ### | ذکر وصول الشريف بدر الدين مالك بن منيف # في هذه السنة وصل الشريف بدر الدين مالك بن منيف بن شيحة وكان السلطان ~~على صفد، فشكا من الشريف جماز، وقال : «ان المدينة النبوية - على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام ! - كانت بين أبي وبين الشريف جماز نصفين، ms138 ~~وتوفي والدي وأنا صغير، فظلمني الشريف جماز، وأخذ نصيبي، وقد جئت مستجيرة ~~بالسلطان في رد حقي ». فكتب السلطان إلى الشريف جماز يأمره بتسليم النصف ~~الذي كان يخص منيف لولده الشريف بدر الدين مالك ؛ وكتب له عن السلطان تقليد ~~بنصف المدينة الشريفة، ونصف الأوقاف التي تخص المدينة في الشام ومصر ؛ ~~وستمت إليه نصف الأوقاف المذكورة. # وأما الشريف جماز فإنه سیر جوابه بامتثال المرسوم، وأرسل خادمین ~~PageV01P284 من خدام الضريح الشريف النبوي يشهدان بذلك ؛ فكتب السلطان ~~يشكره على ذلك، وكتبت على يد الشريف. مالك الكتب، وما ضاع حق قصده، ويرد ~~إليه حقه. ### || في صفر سنة ست وستين وستمئة # وصل الأمير ناصر الدين بن محيي الدين الجزري، الحاجب، من المدينة النبوية ~~- صلوات الله وسلامه على ساكنها ! - وكان قد توجه لاستخراج الزكاة والعشر، ~~فأحضر صحبته مئة وثمانين جملا وعشرة آلاف درهم، فأستقلها السلطان، وأمر ~~بردها عليه. # وفي هذه السنة وصل بنو صخر، وبنو لام، وبنو عنترة وغيرهم من عربان ~~الحجاز، والتزموا بالزكاة من الغنم والإبل ؛ وتوجه معهم مشدون لاستخراج ذلك. # هؤلاء كلهم وردوا إلى السلطان وهو مباشر عمارة قلعة صفد بنفسه، إما ~~راكبا، وإما راجلا، وإما عاملا بيده، وإما بنقل الحجارة، فتنجز حفر الخندق، ~~وأمر بعمل المجائر، وقسم على الأمراء وغيرهم، ونقلت الأخشاب للوقود؛ وما ~~وفر نفسه من شيء من ذلك. ونقل السلطان الأحطاب على فرسه، ونقل الناس على ~~خيولهم. ولما تجهزت المجائر شرع في العمارة وقسمت على الأمراء والبحرية ~~والحلقة، وأخذ السلطان لنفسه نصيب وافرة. هذا والناس صيام. وباشر عمارة ~~أبراج الأمير سيف الدين الزيني، وعملت أبواب سر إلى الخندق. وجاءت من أحسن ~~ما يكون، ورسم أن يكتب على أسوارها : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ~~PageV01P285 أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. وأولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون. أمر بتجديد هذه القلعة وتحصينها وتكملة عمارتها، ~~وتحسينها، [ من خلصها ]من أسر الفرنج الملاعين، وردها إلى يد المسلمين ~~، ونقلها من اخوة • الديوية إلى إخوة المؤمنين، ( وأعادها إلى الإيمان ~~كما بدأ بها أول مرة ms139 وجعلها للكفار خسارة وحسرة )، واجتهد وجاهد حتى بدل ~~الإيمان بالكفر ]، والناقوس بالأذان، والإنجيل بالقرآن، ووقف بنفسه حتى حمل ~~تراب خنادقها وحجارتها منه ومن خواصه على الرؤوس، السلطان الملك الظاهر أبو ~~الفتح بيبر س، فمن صارت إليه هذه القلعة من ملوك الإسلام، ومن سكنها من ~~المجاهدين فليجعل له نصيبا PageV01P286 من أجره، ولا يخله من الترحم في سره ~~وجهرها، فقد صار يقال : « عمر الله سرحها » بعد أن كان يقال : « عجل الله ~~فتحها، والعاقبة للمتقين إلى يوم الدين ). # وفي هذه الأيام طلع السلطان إلى القلعة ليصلي في البرج الذي كان يجلس فيه ~~فرأى به صنمة كبيرة كان الفرنج يقولون أن القلعة في خفارته، ويسمونه أبا ~~جرج، فأمر بقلعه وتكسيره، وطهر ذلك المكان منه، وعمل مكانه محرابة. قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - : « أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ~~ولا صورة ». ولما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - مكة شرفها الله ~~كسر الأصنام، وقال : لو جاء الحق وزهق الباطل" که . فأجرى هذه الحسنة على ~~يد السلطان. # في شهر صفر من هذه السنة رسم بتجديد عمارة الخليل - صلوات الله عليه ! - ~~وكتب بذلك إلى دمشق، وتوجه الأمير جمال الدين بن نهار، فجددت به الأخشاب ~~والمقاصير والأبواب، ودهن ما يحتاج منها إلى الدهان، وعملت المقاصير ليجعل ~~الله له عوضها مقاصير الجنان، وجددت الضرائح المقدسة، وتلك الأبنية التي هي ~~على التقوى مؤسسة. PageV01P287 ### | ثم استهلت سنة ست وستين وستمئة # في صفر من هذه السنة كتب إلى القائم مقام الملك بركة بالتعزية والتهنئة ~~واسمه منكوتمر بن طغان بن باتو اقان بن بشوقان، وكتب إليه بالاغراء بولد هلاکو. ### || ذکر ظهور الماء بالقدس الشريف # في هذه السنة ورد کتاب قاضي القدس بأن الماء انتزح من بئر السقاية و عظمت مشقة الناس، فنزل رجل إلى البئر، وشاهد قناة مسدودة من زمن بختنصر ~~الذي هدم البيت المقدس، فأحضر الأمير علاء الدين الحاج الركني بنائين، ~~وكشفت القناة السليمانية، ومشوا فيها تحت الأرض إلى الجبل الذي تحت ~~الصخرة المقدسة، فوجدوا بابا مقنطرة، ففتحوه، ms140 فخرجت عين ماء كادت تغرقهم ؛ ~~وكان خروج الماء من العين المذكورة في ذي الحجة سنة خمس وستين وستمئة. # قال مؤلف السيرة : وجدت في كتاب دير تامين من أسفار الملوك من تواريخ ~~النصارى، أن ملك آشور، يعني ملك الموصل، قصد أوراشلم، يعني بيت المقدس، في ~~جيوشه، فاتفق حزقيا هو وجماعته على دفن المياه التي بها فدفنوا جميع ~~الينابيع التي فيها، لئلا بحضر ملك الموصل، واسمه PageV01P288 سحاريب، فيجد ~~ماء يتقوى به. # وورد کتاب الحاج علاء الدين الركني بأنه نقص ماء السقاية الذي ظهر، فنزح، ~~ودخل الصناع إليه، فوجدوا سدة، فنقب فيه الحجارون مقدار عشرين يوما، ووجد ~~سقف مقلفط، فنقب به مائة وعشرون ذراعة بالعمل، فخرج الماء وملأ القناة. ### || ذكر ما حفر من البحور وأنشيء من القناطر والجسور بالديار المصرية، في أيام السلطان # من ذلك ما تولاه الأمير عز الدين الأفرم خاصة : النقيدي وبحر الإسكندرية، ~~وأنشيء المسجد والزربية على فم بحر النقيدي بحر طناح، كان عمي وأنشيء ~~مستجدة. ترعة الصلاح، أنشئت عوضا عن ترعة رمسيس. المحائري كان قد عمي أيضا، ~~من أيام الملوك الأول، وحفر سنة أربع وستين وستمئة. الكافوري حفر أيضا في ~~السنة المذكورة. ترعة كياد تجدد فيها مئة قصية في عرض ثلاث ؟ أربع قصبات ~~ترعة الفضل. بحر الصمصام بالقليوبية. بحر السردوسي. جسر سهم الدين ~~بالقليوبية، أنشيء في السنة المذكورة. والقناطر عشرون قنطرة : قنطر تان في ~~البدماص بقرب المنصورة ؛ قنطرة ( بحر ) بنية الخنازير ؛ وقنطرة بالقصير ~~بأربعة PageV01P289 أبواب ؛ قنطرة على بحر أمواس بسبعة أبواب ؛ وفي الجسر ~~الذي يسلك عليه إلى دمیاط ست عشرة قنطرة. ### || ذکر وصول هدية صاحب اليمن # ووصلت رسل صاحب اليمن، وأحضروا من الحيل المسومة عشرين فرسة ~~بالبركصطوانات الأطلس المزركشة، وفيلة وحمارة وحش عتابية اللون، وهي من ~~أحسن الحيوانات لونة، وما جرت به العادة من المسك والعنبر والعود القماري ~~والكلامي والفضيات واليشم والصيني، فقبلت هديته وجهزت له هدية وسنجق وخلعة، ~~وشعار السلطنة. وسأل على لسان رسوله قميص من ملابس السلطان ليكون ~~أمانة له، فجهز له ذلك، وجهز له جوشن وكيرا وغيره ms141 من آلة الحرب، وقيل له : ~~«قد سير نا لك آلة السلم والحرب مما لاصق جسدنا في مواطن الجهاد. وسيرت له ~~طيور جوارح ؛ ورسم السلطان بأن يكاتب بالمقام العالي المولوي السلطاني ؛ ~~وكاتبه السلطان بالمملوك. وتوجه بالهدية الأمير فخر الدين المقري، وسومح ~~بالحقوق التي على البهار الواصل صحبة رسله، ووصل صحبة أحد رسوليه، وهو ابن ~~الماكساني، التاجر بها، وذكر أن والدة صاحب اليمن سير ته للمجاهدين، الوجوه ~~البر، فأودع ثمنه في الخزانة، ولما توجه السلطان للغزاة أنفق منه جملة في ~~مجانيق أفردها لها، وجعل أجرها لها، واستفك بالباقي أساری. PageV01P290 ### || ذکر بناء الظاهرية # في هذه الأيام مر السلطان على السدير، قريب العباسة، فأعجبه فاختار منه ~~مكانا بني به قرية سماها الظاهرية، وعمر به جامعا. # قال مؤلف السيرة : هذه العباسة ما زالت الملوك تتنزه بها، وولد بها ~~العباس بن أحمد بن طولون، صاحب مصر، وسمي العباس لذلك. وولد بها الملك ~~الأمجد تقي الدين عباس بن الملك العادل الكبير ؛ وكان الملك الكامل يقيم ~~فيها المدة الطويلة، ويقول : «هذه قفل [ ديار ] مصر، إذا أقمت بها أصطاد ~~الطير من السماء، والسمك من الماء، والوحش من الفضاء، ويصل الخبز من قلعي ~~إلي بها وهو سخن ». وبي بها الكامل آدرة ومناظر وبساتين، وبني أمراؤه لهم ~~بها بساتين ؛ وما خربت المناظر إلا في الأيام المعزية. ### || ذکر حركة السلطان إلى الشام # في هذه السنة كان السلطان في الصيد فبلغه أن التتار المخذولين في عز مهم ~~الغارة على جهة حلب، فرجع إلى القاهرة، وأمر بخروج العساكر وأخرجت الخيام ؛ ~~فأنكر على جماعة لم تعجبه خيامهم، وجرس منهم وأدب وخرج PageV01P291 مسافرا ~~في مستهل جمادى الآخرة، وكتب إلى نائب السلطنة بالشام بتجهيز العسكر الشامي ~~إلى أن يحضر بريدي يسير قدامهم، ولم يعرف إلى أين. ولما خرج السلطان توجه ~~البريدي، وكان قد قرر مع الأمير جمال الدين، نائب الشام، أمارة يمسكها ~~البريدي من يده، فوصل البريدي إلى دمشق، وأمسك الأمارة من يد الأمير ~~جمال الدين فللوقت أحضر الأمراء، ورسم لهم باتباع البريدي، فسار بهم إلى ~~بانياس ms142 فأخرج لهم بريدي آخر كتبا مختومة في بانياس للأمير علم الدين ~~الحصني، والأمير بدر الدين الأتابكي متضمنة منازلتهم للشقيف، وأنهم لا ~~يحدثون قتالا ولا غيره ؛ فما عرف بهم إلا وقد نازلوا الشقيف ؛ وكان جماعة ~~من الفرنج قد توجهوا من الشقيف إلى عكا وصيدا، فناز له العسكر قبل حضورهم ؛ ~~وسار بعض العسكر إلى جهة صيدا، فأسروا وقتلوا، وسار السلطان من مخيمه بباب ~~النصر في ثالث جمادى الآخرة، فوصل غزة وبلغه أن جماعة من الجمالين تعرضوا ~~إلى الزروع فقطع أنوفهم، وأن علم الدين سنجر الحموي، أحد أمرائه، ساق في ~~زرع، فأنزله عن فرسه وأعطاه بسرجه ولحامه لصاحب الزرع. ونزل السلطان ~~العوجا. ### || ذكر فتوح يافا # قد ذكرنا فيما تقدم ما كان استقر بين السلطان وصاحب يافا جوان دبلين، ~~يعني دبلين نسبه إلى يبي التي فيها قبر أبي هريرة - رضي الله عنه ! - ~~PageV01P292 فإن أصله منها ؛ وصار نوابه يتعدون، وسير وا متحرمة في زي ~~صيادين، إلى قطنا، وهلك صاحب يافا وقام ولده جاك بعده ؛ ولما كان السلطان ~~على صفد للعمارة حضر إليه قسطلان يافا، وسأله في هدنة لولد صاحب يافا ~~فامتنع السلطان من ذلك، وقال : « الذي كان معي صلحا قد مات. # ووصلت الأخبار بأن أهل يافا يحملون الميرة إلى عكا، وكانت الميرة ممنوعة ~~عن أهل عكا. وأقاموا في يافا حانة، وأوقفوا فيها عدة من المسلمات. واعتمدوا ~~أسبابة ليست في هدنة. فلما وصل السلطان إلى العوجا حضر القسطلان وأكابر ~~يافا، فعوقوا إلى أن يخرجوا من الدعاوى، فبذلوا للسلطان تسليم المدينة ~~والقلعة على أن يطلقوا بأموالهم وأولادهم ؛ فأجيبوا إلى ذلك. # وركب السلطان في العشرين من جمادى الآخرة، وساق إليها، وما أحس أهلها إلا ~~والعساكر قد أطافت بها، وأخذ الأتابك من حصل معه الحديث منهم، وحضر به إلى ~~يافا، فما تفاوضوا في الحديث إلا والعساكر قد طلعتها من كل جانب، وفتحت ~~أبوابها، ثم زحفوا على القلعة، فسلمها أهلها في اليوم المذكور، ومنع ~~السلطان من نهبها ؛ وطلع إلى القلعة، وطيب قلوب أهلها، وتجهزهم إلى ~~مأمنهم، وجرد معهم الأمير بدر ms143 الدين بيسري الشمسي. # وشرع في هدم القلعة فهدمت جميعها، وأخذ من أخشابها وألواح رخام وجدت ~~فيها، وأوسق بها مركبة، وسيرها إلى القاهرة، ورسم بعمل ذلك الخشب مقصورة في ~~الجامع الظاهري بالحسينية والرخام لمحرابه ؛ فعمل ذلك، وأمر ببناء الجوامع ~~والمساجد بهذه البلاد، واظهار شعائر الإسلام، وإزالة المنكرات منها، ومن ~~بلاد له، ورتب الخفراء على السواحل وألزمهم PageV01P293 بدرکها، ورسم أن ~~المال المتحصل من هذه البلاد لا يغمس في غيره، وقال : « هذه بلاد فتحها ~~الله على يدي ». واختار أن يكون مأكوله ومشرو به من هذا المال، واقتدى ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم ! - حين غزا بني النضير، وملك أرضهم، وهي أول ~~أرض أفاءها الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم ! - وأجلاهم عنها، وجعل ~~لهم ما حملته الإبل من أموالهم إلا الحلقة - وهي السلاح - فخرجوا إلى خيبر ~~والشام وصارت أرضهم كلها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - إلا ما كان ~~لا بن عمير وأبي سعد بن وهيب، فإنهما أسلما، فأحرز لهما إسلامهما جميع ~~أموالهما. # وملك الأمير علاء الدين الحاج طيبر س منها قرية، والأمير علم الدين سنجر ~~الحموي منها قرية ؛ ورتب إقامة التركمان بالبلاد الساحلية لحمايتها، وقرر ~~عليهم خيلا" وعدة، فتحددا بذلك عسکر بلا كلفة. ورسم بتجديد مقام الخليل - ~~عليه الصلاة والسلام ! - وعمل مكان الحوان ناحية عن الحرم. # وجهز عسكرة صحبة الأمير بدر الدين بجكا العزيزي إلى الشقيف، وكانت المنجنیقات قد حملت من صفد إلى الشقيف. # قال مؤلف السيرة : وهذه يافا فتحها عمرو بن العاص في خلافة أبي بكر - رضي ~~الله عنه ! - ويقال بل فتحها معاوية، ذكره البلاذري ؛ وذكر عز الدين بن ~~عساكر : أن الملك طنكلي بناها في سنة ثلاث وتسعين وأربعمئة، ونزل عليها ~~السلطان صلاح الدين - رحمه الله ! - في سنة ثمان [ وسبعين ۲وخمسمائة، ~~وضايقها، فخرج البطرك وجماعة منها، وسألوا PageV01P294صلاح الدين - رحمه ~~الله ! - على أنهم يسلمونها بالأمان، على أنهم يكونون أسارى يقيدون أسيرة ~~بأسير ؛ وتقرر ذلك، وخرج السلطان ؛ ثم إهم استمهلوا في التأخير إلى ~~الصبح فأمهلهم السلطان، فوصل ملك الانكتير في الليل إليها، ودخل قلعتها ms144 ~~ونقض ما كان تقرر ؛ فرحل السلطان عنها، ونزل اللاطون. ثم نزل عليها الملك ~~العادل بعساكر ولد أخيه الملك العزيز عثمان، صاحب مصر، ففتحها في سنة أحدى ~~وتسعين وخمسمئة. ولما حضر الانبر ور فردريك في أيام الملك الكامل نزلها ~~وحصن قلعتها وبناها. ولما حضر الريدافر نس بعد خلاصه من الأسر مستهل سنة ~~ثمان وأربعين وستمئة عمر مدينتها، وأنفق عليها أموالا كثيرة. # ولما فرغ السلطان من هدم يافا رحل عنها في ثاني عشر رجب، متوجها إلى صفد ~~لمشاهدة عمارتها المتجددة، فشاهدها، وأمر بنقل ربضها، ثم رحل عنها إلى ~~الشقيف. ### || ذکر فتوح شقيف أرنون # وهذا الشقيف من أحصن المعاقل وأحسنها، وكان مضرة على بلاد الصبيبة ؛ وكان ~~الملك العادل الكبير قد جدده، وما زال في يد الإسلام إلى أن سلمه الصالح ~~اسماعيل أبو الخيش للفرنج سنة [ ثمان ]وثلاثين PageV01P295 وستمئة، هو ~~وصفد، وغير ذلك من البلاد الإسلامية، ولما تسلموه عمر وه، وعمر وا إلى ~~جانبه قلعة أخرى، فانقطعت به السبل لتوسطه في تلك الجهات. # ولما فتح الله بصفد على السلطان لم يجعل وكده غير الشقيف، ورسم بما ~~ذكرناه من نزول العسكر الدمشقي عليها : فنقلوا أخشاب المجانيق إليها وأحطاب ~~الستائر، وجهز اليها الأمير بدر الدين بكتوت يجكا العزيزي بعد فتوح يافا ~~بعسکر مصري، فنزل عليها، وعرفوا الجهات التي تؤخذ منها، وتوجه إليها ~~السلطان، فنزل عليها ( يوم الأربعاء ) ۱ تاسع عشر شهر رجب ۲، فأقام ~~منجنیقین، ورمى بهما ثاني يوم وصوله. ووصلت المشائخ الصالحون والعلماء مثل ~~الشيخ شمس الدين الحنبلي، قاضي القضاة والشام، والشيخ تقي الدين بن الواسطي ~~وغيرهم من الصلحاء واجتهد كل واحد منهم في الجهاد على قدر حاله. # واتفق أن الفرنج الذين بالشقيف كانوا سير وا شخصا إلى عكا لما نزل عليها ~~العسكر الشامي يعلمونهم بحالهم، ويذكرون هم عورات الحصن ؛ فسير وا لهم من ~~عكا جوابهم، فلما وصل القاصد بأجوبة أهل عكا حضر إلى السلطان، وأحضر الكتب، ~~فحصل التحيل في قراءتها، والعلم بمضمونها، وعلم منها أسماء المقدمين ~~الذين بالشقيف، فكتبت لهم أمانات بأسمائهم، وجعلت في النشاب، ms145 ورمي بها إلى ~~الحصن، وكتب أحد التراجمة العارفين بالقلم الفرنجي عوض أجوبة عكا أجوبة على ~~لسان أهل عكا، وعكس عليهم فيها القضايا ؛ وكان في الكتاب : أن الوزير ~~بالشقيف لا يكن خاطره PageV01P296 مثغلثا بسبب المصادرة له، ففي ساعة يمكن ~~تعويضه عن ذلك. فعكست هذه الأجوبة، وقيل للمقدم بالشقيف يحترز من الوزير ~~كليام ففي قلبه احنة من مصادرتنا له ؛ وأغرى بینهم بهذا القول وما ناسبه، ~~ورميت لهم الكتب في سهم. فحصل الاختلاف بينهم ؛ ووجدوا الأمانات التي كانت ~~كتبت للمقدمين، فأمسكوا جماعة وتوهموا من الوزير، ووقع الحلف بينهم، وهذا ~~من سعادة السلطان وحسن رأيه. « والرأي قبل شجاعة الشجعان ». وباشر السلطان ~~الحرب بنفسه وكمل في أيام يسيرة ستة وعشرين منجنیقا. ### || ذکر تسليم إحدى قلعتي الشقيف # لما حصلت المضايقة للفرنج عجزوا أن يجمعوا قلعتين، أو يحفظوا جهتين، أو ~~يجمعوا مع كفرهم إلا ما قد سلف بين الأختين، حرقوا جميع ما لهم في القلعة ~~الواحدة، التي حددها الديوية، ليلة الأربعاء سادس وعشرين رجب سنة ست وستين ~~وستمئة، وأتلفوا جميع ما فيها من غلة وقماش وغيره ؛ وأصبح المسلمون ~~فتسلموها عفوا صفوة. وأقام السلطان في سطح من أبر اجها قريبة من العدو، ~~وقدمت المجانيق إلى القلعة الأخرى في سابع وعشرين الشهر المذكور ورمي بها، ~~وعرف الفرنج موضع السلطان، فرموا حجرة قريبة منه، قتل ثلاثة نفر، ولم ينتقل ~~عن موضعه، وهذا المكان PageV01P297 الذي [ كان يجلس فيه السلطان في علو ~~القلعة، وكان باب هذه القلعة من جهة القلعة الأخرى، فعمل السلطان سرياقة ~~طويلا في أعلى القلعة نازلا إلى أسفل، وصار يتعلق به طالعة نازلا، وهو لابس ~~عدته. وكان الأمير عز الدين الحلي، نائب السلطنة بالديار المصرية قد سير ~~جملة من المال في الخزانة المعمورة برسم الجهاد، فأفرد له السلطان مجانيق ~~تر می على اسمه، وينفق في رجالها من ذلك المال، واشتد القتال فيما بينهم، ~~والناس فيما هم فيه من الجهاد، وإذا بالوزیر کلیام المقدم ذكره، قد ~~خرج مستأمنا ؛ ثم سألوا الأمان على نفوسهم، وأنهم يؤخذون أسارى، وسألوا ~~إطلاق الحريم والأطفال، ms146 فأجاب السلطان إلى ذلك. # وفي نهار الأحد سلخ رجب استدعوا الصناجة فرفعت على القلعة، وسير الأمير ~~بدر الدين الخزندار فتسلمها، وخرج الفرنج إلى الخنادق، فقيدوا، وأخرج ~~النساء والأطفال. وجرد الأمير بدر الدين بيسري الشمسي صحبتهم، فأوصلهم إلى ~~جهة صور، وقيد الفرنج الذين كانوا في الشقيف كلهم وسلموا للعساكر. # واستقرت الشقيف في يد السلطان، وأنفق في العساكر جميعها، وخلع على الملوك ~~الذين في خدمته مثل الملك المنصور، صاحب حماه، وأخيه، وأولاد صاحب الموصل، ~~والملك الأمجد بن العادل، وغيرهم، وأولاد الملوك، وعلى الأمراء والمقدمين، ~~وكل من جرت عادته بالخلع. # وشرع السلطان في هدم القلعة المستجدة، فهدمت إلى الأرض، ورتب نائبة بقلعة ~~الشقيف صارم الدين قيماز الكافري، ورتب فيها الأجناد والرجالة PageV01P298 ~~ورتب بها قاض وخطيب، وأقيمت شعائر الإسلام بتلك البلاد جميعها. وولتی ~~الأمير سيف الدين بلبان الزيني عمارتها. وكان قد خرج منها حالة الحصار ~~جماعة من المسلمين، فكتب لهم فدنة وقفا عليهم. # وفي رجب من هذه السنة وصل الرسول الذي كان السلطان سيره إلى الكرج ~~بكتابين من ملوك الكرج، أحدهما من ملك أنجار، والآخر من داؤود، ملك تفليس، ~~ومضمونها أنهما خرجا عن التتار لأجل السلطان ؛ وذكر ملك النجار أنه انحاز ~~إلى الملك بركه لما علم أنه محب في السلطان. # وفي شعبان وصل رسول بيروت بهدية وجماعة من تجار المسلمين كانوا أخذوا في ~~البحر من عدة سنين، ما زال السلطان يجتهد حتى خلصهم وخلص أموالهم. # وفي الشهر المذكور ودع صاحب حماه، وعاد إلى مملكته. وفي عاشر الشهر ~~المذكور رحل السلطان من الشقيف. ### || ذکر توجه السلطان إلى طرابلس وإغارته عليها # كان بيموند [ بن بيموند ]۲، صاحب طرابلس قد كثر تعديه على بلاد الإسلام ~~وأخذ البلاد المجاورة له، وذلك بعد زوال الأيام الناصرية، PageV01P299 ~~واستيلاء التتار على الشام، وكان من أكبر أعوان التتار، وأشدهم نكاية في ~~المسلمين، وأخذ من بلاد المسلمين وحصونهم : دیر کوش وبلاده، وشقيف كفر دبين ~~وبلاده، وشقيف كفر تلميس ؛ هذا من الجهة الشمالية. وأخذ اللاذقية، ~~وجدد على الميناء برجة حصينة، وأخذ عدة قرايا من بلاد ms147 المسلمين ؛ ولما ملك ~~الله السلطان البلاد حضر مرة إلى قريب حمص الغارة، فرده العسكر الحمصي أنحس ~~رد، وسير السلطان العساكر المصرية والشامية صحبة الأمير علاء الدين الحاج ~~طيبر س، والأمير شمس الدين سنقر الرومي، فأغارت إلى قريب أنطاكية ؛ وسير ~~الأمير جمان الدين ايدغدي العزيزي، والأمير سيف الدين قلاون الألفي، ~~فأغاروا على بلاد طرابلس على ما ذكرناه. وأمسك قصاد كان السلطان أرسلهم إلى ~~ملك الكرج، وعادوا من عنده بهدية، فر ما هم الريح إلى طرابلس، فسير هم إلى هلاكو. # فلما رحل السلطان من الشقيف نزل قريبة من جسر بانياس، وجهز الأثقال إلى ~~دمشق، وجرد الأمير عز الدين أو غان بجماعة توجهوا من جهة والأمير بدر الدين ~~الأيدمري بجماعة من جهة أخرى. فحفظت الطرقات، وامتلأت بالعساكر. وتوجه ~~السلطان على بعلبك، وتوجه منها إلى طرابلس، على جبال الضنين ؛ وكان البرنس ~~قد وعر الطرقات، فوصل [ السلطان ] طرابلس في نصف شعبان، وما تأخر أحد في ~~هذه الجبال الصعبة التي يقول فيها المتنبي : # عقاب لبنان وكيف بقطعها %~% وهو الشتاء وصيفهن شتاء PageV01P300 # لبس الثلوج بها على مسالكي %~% فكأنها ببياضها سوداء # ولما طلعت العساكر الجبال، واشتد الحر لم يجدوا سوى الثلج، أكله الناس، ~~وأطعموا منه خيولهم. # وخيم السلطان قريبا من طرابلس، في مكان بعد عهد الإسلام بحلوله، لأن ~~طرابلس هذه كانت في قديم الزمان ثلاث مدن مجتمعة، ولما ولي معاوية ابن أبي ~~سفيان الشام في أيام عثمان - رضي الله عنه ! - وجه سفيان بن مجيب الأزدي ~~إلى طرابلس، وهي ثلاث مدن كما ذكرنا، فبي في مرج منها على أميال منها حصنا ~~يسمى حصن سفيان، فقطع المادة عن أهلها من البحر وغيره، وحاصرهم. فلما اشتد ~~الحصار عليهم اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة، وكتبوا إلى ملك الروم يسألونه ~~أن يمدهم، أو يبعث إليهم بمراكب مهربون فيها إليه، فوجه اليهم مراكب، ~~فركبوا فيها وهربوا، فلما أصبح سفيان، وكان يبيت كل ليلة في حصنه ويحصن ~~ المسلمين فيه، ثم يعدو على العدو، فلما كان في صبيحة اليوم الذي ~~هربوا فيه توجه إليهم، فلم يجد ms148 أحدة منهم في الحصن الذي كانوا فيه فدخله ~~وكتب بالفتوح إلى معاوية، فأسكنه معاوية جماعة كبيرة من اليهود. وهو هذا ~~الحصن الذي فية الميناء ب ثم بناه عبد الملك بن مروان فيما بعد وحصنه. فكان ~~معاوية يوجه في كل عام جماعة إلى طرابلس من الحند يشحنها بها، ويولي فيها ~~والية، فإذا تغلق البحر المالح عاد العسكر، روبقي الوالي في جماعة يسيرة. ~~ولم يزل الأمر جارية على ذلك حتى ولي عبد الملك بن مروان، فقدم في أيامه ~~بطريق من بطارقة الروم، ومعه جماعة يسيرة، فسأل أن يعطى الأمان على أنه ~~يقيم بها يؤدي الخراج فأجيب إلى مسألته، فلم يلبث إلا سنتين أو PageV01P301 ~~أكثر منهما، حتى قرب رجوع العسكر، فلما رجع غلق بابها، وقتل واليها، وقتل ~~جماعة من اليهود وأسر جماعة من الجند، وهرب إلى الروم، هو وأصحابه ؛ فقدر ~~الله بعد ذلك أن المسلمين قدروا عليه، وهو متوجه إلى سواحل المسلمين في ~~مراكب كثيرة، فقتلوه، ويقال : بل أسروه، وأحضر إلى عبد الملك فقتله، وصلبه ~~ويقال : بل أخذه لما ظفر به في طرابلس وقتله. # وحكي علي بن محمد المداني : قال عنين بن إبراهيم : فتح طرابلس سفيان بن ~~مجيب يوم نقض أهلها العهد أيام عبد الملك، فتحها الوليد في زمانه ولم تزل ~~في أيدي المسلمين إلى أن ملكها القاضي جلال الملك علي بن محمد بن عمار، ~~وأقام مالكة لها إلى أن مات في سلخ شعبان سنة اثنين وتسعين وأربعمئة، ~~وملكها بعده أخوه فخر الملك عمار [ بن محمد بن عمار، وما زال حاكما فيها ~~حتى خرج الفرنج إلى الشام في سنة تسعين وأربعمئة، وفتحوا أنطاكية في مستهل ~~شهر رجب سنة إحدى وتسعين وأربعمئة، نزل الملك صنجيل واسمه میمنت، وهو ~~المسمی میمون ؛ قال عز الدين ابن عساکر : ونسبه إلى صنجيلية، مدينة يجموعه ~~على طرابلس، في رجب سنة خمس وتسعين وأربعمئة، وعمر عليها حصنة يقاتلها منه، ~~وضايقها مدة طويلة، فلما طال مقامه عليها خرج صاحبها يستغيث ~~المسلمين، فقصد سلطان بغداد في سنة إحدى وخمسمئة، واستناب في طرابلس ms149 ولد ~~عمه أبا المناقب، ورتب معه رجلا يعرف بسعد الدولة، فتيان ابن الأعسر، فاتفق ~~أنه جلس في بعض الأيام في مجلسه، وعنده جماعة من PageV01P302 كبراء البلد، ~~وكبراء العساكر فشرع يتجنن ويخلط، فنهاه سعد الدولة المذكور، فصاح عليه ~~وحذفه بالسيف فقتله ؛ وقام هذا الذي تجنن وطلع على السور، ورقص، وصفق فقام ~~أهل البلد وأمسكوه، وذلك في شهر رمضان من هذه السنة، ونادوا باسم الأفضل ~~ابن أمير الجيوش الذي كان سلطانة في مصر، وحموا البلد، وأقاموا إلى أن مات ~~صنجيل وهو يحاصر طرابلس، وما زالوا حتى تستموها في يوم الثلاثاء ثالث ذي ~~الحجة سنة اثنين وخمسمئة ؛ وكان الحصار الشديد المتتابع عليها الذي لا فرح ~~يتخلله سبع سنين، وتولاها مقدم منهم اسمه السرداني فتملكها، وأقام مدة حتى ~~وصل مركب من جهة بلاد المغرب وفيه صبي من أولاد صنجيل اسمه تبران تبص ~~طلولا، ومعه شیوخ من أصحاب أبيه يخدمونه ويدبر ونه، فحضروا عند السرداني، ~~وقالوا هذا ولد صنجيل، وهو يريد مدينة والده، فقام السرداني ورفسه برجله، ~~فرماه من السرير، وأخرجه، فأخذه أصحابه، وطافوا به على الفرنجية والفرسان، ~~فرحموه، وتذكروا الأيمان التي كان أبوه حلفها لهم، وقالوا له : « إذا كان ~~غدا فاحضر ونحن عنده، وتحدث ». فلما حضر عنده وخاطبه صاح عليه، فقام ~~الفرسان كلهم على السرداني وأخرجوه من المملكة، وسلموها للصغير، فأقام ~~مالكة لها إلى أن قتله برواج يوم الأحد رابع شهر رجب سنة إحدى وثلاثين ~~وخمسمئة، وقتل أكثر أصحابه، وأسر بطرس الأعور، واستخلف " في طرابلس ولده ~~القمص بدران، فأسره الأتابك زنكي بن قسيم الدولة لما كان في صحية مالك ~~القدس فلك بن فلك، وذلك قريب حصن بعرين ؛ وطلع PageV01P303 الملك وجماعة ~~معه إلى قلعة بعرين، فحاصرهم الأتابك، ونصب عليهم أربعة عشر منجنيقة، ~~وضايقهم إلى أن صانعة الملك على تسليم حصن بعرين، واستخلص القومص صاحب ~~طرابلس، وجميع الأسرى، وعاد القومص إلى طرابلس، وأقام حتى وثب عليه ~~الإسماعيلية، فولي بعده ريمند، وهو صبي، وحضر الحرب مع الملك العادل ~~محمود بن زنكي على حارم، فكسرهم الملك العادل نور ms150 الدين، وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، ومنهم القومص صاحب طرابلس، وذلك في سنة تسع وخمسين وخمسمئة ؛ فلما ~~ملك صلاح الدين الشهيد مدينة دمشق يوم الاثنين تاسع وعشرين شهر ربيع الأول ~~سنة سبعين [ وخمسمئة ] أعتقه وأحسن إليه، وبقي الملك في أولاده إلى هذا ~~الذي هو بها الآن. # هذا هو السبب في ملك الفرنج لها، ويقال : وان كنت ما رأيته مسطورة، أن ~~صاحبها لما طال الحصار عليه سير إلى الخليفة يستنجده، فهو في أشد حالة، ~~وإذا بمركب فيه جماعة، فاعتقد أنه نجدة، ففرح المسلمون، وإذا برسول قد وصل ~~فيه، وهو يقول : « بلغ الخليفة أن عندك جارية تصلح لخدمته، وأنها حسنة ~~الصورة ». فلما سمع المسلمون هذا الحديث فت في أعضادهم، وأيسوا من الفرح، ~~وسلموها. أعادها الله للمسلمين قريبة ! # واستمر السلطان على الركوب إلى طرابلس، والعساکر تناوش أهلها القتال، ویر ~~اموهم بالنشاب ؛ وافتتح برجا كان قد عصى فيه جماعة من الفرنج، ضرب رقابهم ؛ ~~وجرد جماعة خربوا الحدث، ونهبوا تلك PageV01P304 الجبال، وحصلت العساكر ~~الغنائم، وأحضروها إلى باب الدهليز وأخذوا عدة مغاير بالسيف ؛ ولما أحضرت ~~العساكر الأسرى رسم السلطان بضرب رقاب الجميع ؛ وقطعت الأشجار، وهدمت ~~الكنائس، وفي المياه، وقناتها الرومانية، وهي بناء عظيم لم ير مثله. وقسم ~~السلطان الغنائم في العساكر ورحل من طرابلس تاسع وعشرين شعبان. ### || ذكر ما تخلل هذه الغزوة من المهمات التي باشرها بأسرها ### ||| منها : حديث الاسبتار وفتوح تل خليفة : # قد ذكرنا الصلح الذي وقع مع الأسيتار، لما كان السلطان في صفد المرة الثانية، وكونهم صالحهم على حصن الأكراد والمرقب ولما توجه السلطان ~~في هذه الوجهة المباركة، فكتب إلى النائب بحمص بأن يقيم بحدود حصن الأكراد ~~لدفع الضرر عن بلاد الهدنة، وكتب إلى عدة جهات بالوصية بهم، وحضر رسول حصن ~~الأكراد يسأل الوصية، فأعطاهم علما برنکه، ولما عبرت الأثقال من جهة القصب ~~عبر أحد الحرافشة، ومعه رفقة له، على بستان قریب تل خليفة، فأخذوا منه شيئا ~~ لا مقدار له ؛ ( فسير المقدم بتل خليفة أحضر المذكورين وضرب رقابهم، ~~وأسر البقية، فنزل النائب بحمص على تل ms151 خليفة، وطلب الخصوم، فامتنع النائب ~~بها PageV01P305 من تسليمهم، وقال : « أنا قتلت ». وأساء في القول كما أساء ~~في الفعل، فحاصرهم، وسير إليهم شجاع الدين بن يجير، فاحتال إلى أن استنزل ~~الخصوم، وسيروا إلى السلطان، فحضرت رسل من حصن الأكراد بطلبهم، فأجابهم ~~السلطان أنه لا بد من تحقيق هذه القضية، فعزت نفوس الذين في حصن الأكراد، ~~وغلق النائب باب الحصن، ومنع الميرة، وألبس جماعة العدد، ولما رجع السلطان ~~من طرابلس نزل تحت حصن الأكراد متوجها إلى حمص، فسير يقول : « ما كان ينبغي ~~لكم تعبرون من هنا إلا بأمري ». وقيل له : «لأي معنى غلقتم الأبواب، ولبستم ~~العدد، وأنتم في صلح ؟ » فقال : «ما غلقناها إلا شفقة على عسكر السلطان من ~~الفرنج الغرب الذين عندنا، لأنهم لا يخافون الموت ». فعز هذا القول على ~~السلطان، لأن الغرب الذين عنده عدتهم دون مئة نفر فكيف تصل قدرتها إلى أذية ~~العساكر الإسلامية، ومع هذا فما تعرض السلطان إلى بلاده. ### || ذكر ما اعتمده افرير ماهي صافاج من الخدمة # فقد تقدم الحديث في خدمة المذكور للسلطان، ولما علم أن السلطان يقصد تلك ~~الجهات تلقى العساكر بالخدمة، وسار في خدمتها، فحمت بلاده، ولما نزل ~~السلطان على طرابلس حضر وأحضر الهدايا، واستصحب عسكرة توجه معه لحماية ~~بلاده، وهي صافيث، وأنطرسوس، وأحضر الأسارى الذين عنده من المسلمين، وكانوا ~~مقدار ثلاثمئة أسير، وانفصل وهو مشکور، وبلاده محمية. PageV01P306 ### || ذكر المسير إلى مدينة أنطاكية وفتحها # لما رحل السلطان من طرابلس لم يطلع أحدة على الجهة التي يقصدها فتوجه إلى ~~حمص، فنزل بها في سابع وعشرين شعبان، وأمر بإبطال الخمر والمنكرات، ورسم ~~ببناء مسجد بحمص ؛ ولما وصل حماه رتب العسكر ثلاث فرق : فرقة صحبة الأمير ~~بدر الدين الخزندار، وفرقة مع الأمير عز الدين إيغانا، وفرقة صحبة السلطان، ~~فتوجه الأمير بدر الدين الخزندار إلى السويدية، وتوجه الأمير عز الدين ~~أوغان إلى الدربسالك، فقتلوا وأسروا وتوافوا جميعهم إلى أنطاكية. ونزل ~~السلطان أفامية ومنها إلى جسر تحت الشعر وبكاس ۲. # وأصبح مغيرة على أنطاكية، وذلك في مستهل رمضان، وتقدم في الحاليش ms152 الأمير ~~شمس الدين اقسنقر، استاذ الدار، فصادف جماعة من عسكر أنطاكية انتشب الحرب ~~بينهم، فحمل أحد أجناد الأمير شمس الدين اقسنقر، وهو ...... الدين المظفري، ~~رمی كنداصطبل، وأحضره إلى السلطان، فأمره السلطان وأحسن إليه. # وأطافت العساكر بأنطاكية من كل جانب، وكان النزول عليها بالخيام والثقل ~~بكرة يوم الجمعة ثالث شهر رمضان سنة ست وستين وستمئة، ولما PageV01P307 حضر ~~كنداصطبل إلى السلطان رآه رجلا عاقلا، وسأل انه يدخل إلى أنطاكية، ويتوسط ~~لأهلها، فجرى السلطان على عادته في الإنذار قبل المهاجمة الإقامة الحجة عند ~~الله تعالى، فسير كنداصطبل أحضر ولده جعله رهينة، ودخل البلد، وتحدث، وخرج ~~معه جماعة من القسيسين والرهبان، وأقاموا يترددون ثلاثة أيام، فظهر منهم ~~قوة نفس وخوف من صاحبهم البرنس. # وفي بكرة السبت أنذرهم السلطان بالزحف، وصبر حتى دخل الأقساء والرهبان ~~إلى أنطاكية، ورسم بزحف العساكر، فأطافت بالمدينة والقلعة على اتساعها، ~~وقاتل أهلها قتالا شديدة، فتسور المسلمون الأسوار من جهة الجبل بالقرب من ~~القلعة، ونزلوا المدينة فهرب أهلها إلى القلعة، وشرعت العساكر في النهب ~~والقتل والأسر، وما رفع السيف عن رجل في المدينة، وكان بها فوق المئة ألف ~~نفر، حسب ما عده نائب التتار، ولما وردوا استخرج عن كل رأس دینارة، وأخذ ~~التركمان من الغنائم ما لا يحصى. ثم رسم السلطان بحفظ أبواب المدينة، ~~والاحتراز عليها. وأما القلعة فاجتمع فيها ثمانية آلاف نفر مقاتلة غير الحريم والأولاد، ~~فتحاشروا بها، فمات عالم كثير، وأما البالي والوزير والوالي، فإنهم لما ~~شاهدوا تلك الحال هربوا في الليل رجالة في الجبال، وأصبح أهل القلعة فما ~~وجدوا أحدا منهم، ولم يكن بالقلعة مياه ولا طواحين تكفيهم، فسيروا يوم ~~الأحد ثاني يوم الفتح يطلبون الأمان من القتل، وأنهم يؤخذون أسرى ؛ فللوقت ~~طلع السلطان فصادف جميع من في القلعة. و[ قد خرج إلى PageV01P308 ظاهرها ~~وعليهم الملابس التي كأنها زهر الرياض، واستغاثوا إلى السلطان، فعفا عنهم ~~من القتل ؛ وأحضرت الحبال، وتسلم كل أمير جماعة، وكل مقدم جماعة، ~~والكتاب بين يدي السلطان ينزلون الأسماء، وكتبت كتب البشائر، ومن جملتها ~~كتاب ms153 إلى صاحب أنطاكية نسخته: # « قد علم القومص الجليل [ المبجل، المعزز، الهمام، الأسد الضرغام ؛ فخر ~~الأمة المسيحية، رئيس الطائفة الصليبية، كبير الأمة العيسوية ] بيمند ~~المنتقلة مخاطبته - بأخذ أنطاكية منه - من البرنسية إلى القوصية ؛ ألهمه ~~الله رشده، وقرن بالخير قصده، وجعل النصيحة محفوظة عنده ؛ ما كان من قصدنا ~~طرابلس، وغزونا له في عقر الدار، وما شاهده بعد رحيلنا من إخراب العمائر، ~~وهدم الأعمار ؛ وكيف كنيست تلك الكنائس من على بساط الأرض، ودارت الدوائر ~~على كل دار ؛ وكيف جعلت تلك الجزائر من الأجساد على ساحل البحر كالجزائر ؛ ~~وكيف قتلت الرجال، واستخدمت الأولاد، وتملكت الحرائر ؛ وكيف قطعت الأشجار، ~~ولم يترك إلا ما يصلح لأعواد المجانيق - إن شاء الله ش والستائر ؛ وكيف هبت ~~لك ولر عيتاك الأموال والحريم والأولاد والمواشي، وكيف استغى الفقير، وتأهل ~~العازب، واستخدم الخديم، وركب الماشي ؛ هذا وأنت تنظر نظر المغشي عليه من ~~الموت، وإذا سمعت صوتا قلت فزعة : «علي PageV01P309 هذا الصوت ». وكيف ~~رحلنا عنلكا [ لكن ] رحيل من يعود، وأخرناك وما كان تأخيرك إلا إلى أجل ~~معدود؛ وكيف فارقنا بلادك وما بقيت فيها ماشية إلا وهي لدينا ماشية، ولا ~~جارية إلا وهي في ملكنا جارية، ولا سارية إلا وهي بين أيدي المعاول سارية ؛ ~~ولا زرع إلا وهو محصود، ولا موجود لك إلا وهو منك مفقود ؛ وما منعت تلك ~~المغائر التي في رؤوس الجبال الشاهقة، ولا تلك الأودية التي هي في التخومه ~~مخترقة، وللعقول خارقة ؛ وكيف سقنا عنك ولم يسبقنا إلى مدينتك انطاكية خبر، ~~وكيف وصلنا إليها وأنت لا تصدق أننا نبعد عنك، وإن بعدنا فسنعود على الأثر. ~~وها نحن نعلملك بما تم، ونفهمك بالبلاء الذي عم. # كان رحيلنا عنك من طرابلس في يوم الأربعاء رابع وعشرين شعبان، ونزولنا ~~أنطاكية في مستهل شهر رمضان وفي حالة النزول خرجت عساكرك للمبارزة، فكسروا، ~~وتناصروا فما نصروا ؛ وأسر من بينهم كنداصطبل، فسأل في مراجعة أصحابك، فدخل ~~إلى المدينة، فخرج هو وجماعة من رهبانك، وأعيان أعيانك، فتحدثوا ~~معنا، فرأيناهم على رأيك من إتلاف PageV01P310 النفوس بالغرض الفاسد، وأنهم ms154 ~~رأيهم في الخير مختالف، وقولهم في الشر واحد ؛ فلما رأيناهم قد فات فيهم ~~الفوت، وأنهم قد قدر الله عليهم الموت، رددناهم وقلنا : «نحن الساعة لكم ~~نحاصر، وهذا هو الأول في الإنذار والآخر». فرجعوا متشبهين بفعلك، ومعتقدين ~~أنك تدركهم بخيلك ورجلك ؛ ففي بعض ساعة مر شان المرشان، وداخل الرعب ~~الرهبان، ولان البلاء القسطلان، وجاءهم الموت من كل مكان. وفتحناها بالسيف ~~في الساعة الرابعة من يوم السبت رابع شهر رمضان ؛ وقتلنا كل من اخترته ~~الحفظها، والمحاماة عنها ؛ وما كان أحد منهم إلا وعنده شيء من الدنيا، فما ~~بقي أحد منا إلا وعنده شيء منهم ومنها ؛ فلو رأيت خيالتك وهم به صرعی تحت ~~أرجل الخيل، ودیارك والنهاية فيها تصول، والكسابة فيها تجول، وأموالا وهي ~~توزن بالقنطار، وداماتك ؟ فكل أربع منهن تباع، فتشترى من مالك بدينار ؛ ولو ~~رأيت كنائسك وصلبانها قد كسرت ونشرتی وصحتفها من الأناجيل المزورة وقد ~~نشرت، وقبور البطارية وقد بعثرته ؛ ولو رأيت عدوك المسلم، وقد داس مكان ~~القداس والمذبح، وقد ذبح فيه الراهب والقسيس والشماس ؛ والبطارقة وقد دعموا ~~بطارقة، وأبناء المملكة وقد دخلوا في المملكة ؛ ولو شاهدت النيران وهي في ~~قصورك تخترق، والقتلى بنار الدنيا قبل نار الآخرة تحترق ؛ وقصورك وأحوالها ~~قد PageV01P311 حالت، وكنيسة بولص وكنيسة القسيان وقد زلت كل منهما وزالت ؛ ~~لكنت تقول : يا ليتني كنت ترابا، «ويا ليتني لم أوت بهذا الخبر كتابا ». ~~ولكانت نفسك تذهب من حسرتك، ولكنت تطفي تلك النيران بماء عبر تك. ولو رأيت ~~مغانيك وقد أقفرت من مغانيك، ومراكبك وقد أخذت في السويدية بمراكبك، فصارت ~~3 شوانيك من شوانیك ؛ ليقنت 4 أن الإله الذي أنطاك أنطاكية منك استرجعها، ~~والرب الذي أعطاك قلعتها منك قلعها ومن الأرض اقتلعها ؛ ولتعلم أنا قد ~~أخذنا بحمد الله منك ما كنت أخذته من حصون الإسلام، وهو دیر کوش، وشقيف ~~تلميس، وشقيف كفردبين، وجميع ما كان لك في بلاد أنطاكية، واستنزلنا أصحابك ~~من الصياصي وأخذناهم بالنواصي، وفرقناهم في الداني والقاصي ولم يبق ~~شيء يطلق عليه اسم العصيان إلا النهر فلو استطاع ms155 لما تسمى بالعاصي ؛ وقد ~~أجرى دموعه ندمة، وكان يذرفها عبرة صافية فها هو أجراها بما سفكناه فيه دما. # وكتابنا هذا يتضمن البشري لك بما وهبك الله من السلامة، وطول العمر بكونك ~~لم يكن لك في أنطاكية في هذه المدة إقامة، وكونك ما كنت بها فتكون إما ~~قتيلا وإما أسيرة وإما جريحا وإما كسيرة وسلامة النفس هي التي يفرح بها ~~الحي إذا شاهد الأموات، ولعل الله ما أخرك • إلا لأن تستدرك من الطاعة ~~والخدمة ما فات ولما لم يسلم أحد يخبرك بما جرى خبر ناك، PageV01P312 ولما ~~لم يقدر أحد يباشرك بالبشری بسلامة نفسك، وهلاك ما سواها باشرناك بهذه ~~المفاوضة وبشرناك ؛ لتحقق الأمر على ما جرى، وبعد هذه المكاتبة لا ينبغي لك ~~أن تكذب لنا خبرة، كما أن بعد هذه المخاطبة يجب أن لا تسأل غيرها مخبرة». # ولما وصل إليه هذا الكتاب اشتد غضبه، ولم يبلغه خبر أنطاكية إلا من هذا الكتاب. # ولما تسلم السلطان القلعة سلمها للأمير بدر الدين الخزندار، والأمير بدر ~~الدين بيسري الشمسي. وأما كنداصطبل فإن السلطان أطلقه وأطلق أهله وأقاربه، ~~واختار التوجه إلى سيس، ففسح له في ذلك. # وإذ قد ذكرنا أنطاكية، فنذكر أخبارها، وأول ما نذكر قوله تعالى : وواضرب ~~لهم من أصحاب القرية إذ جاءها المرسون ه. قال المفسرون : القرية أنطاكية. ~~وأما ما ذكره أصحاب الأخبار في أمرها، فيقال إن الملك اسو خشه قصد بناء ~~مدينة يعمرها تكون نسبتها إليه ؛ فسير حكماءه ووزراءه لاختيار مكان يكون ~~طيب الهواء والماء، قريبة من البحر والحبل ؛ فوجدوا هذا المكان لكونه جبلية ~~بحرية ينصب إليه الهواء PageV01P313 الغربي وعيون المياه العذبة حوله وفيه ~~البحيرة شرقية، والبحر المقلوب، وهو العاصي، خارج سورها، وعليه طواحينها، ~~وفيه المراكب تحمل الغلات إليها، وغير ذلك ؛ وعرفوا ملكهم بهذه الأوصاف، ~~فأمر ببنائها، وأخرج النفقات ؛ وطلبوا حجرة جيدة لبنائها، فوجدوه في مسافة ~~يومين منها، واستخدم لها من الرجال والأمانين وغيرهم ثمانين ألف رجل ~~وثمانمئة رجل، وستمائة عجلة، وألف وتسعمئة حمار، ومئة زورق لنقل الحجارة ~~خارجا عما في ميناء السويدية ms156 من المجل والرجال والزوارق التي تحمل الرخام ~~والحمد والقواعد. فتنجزت في ثلاث سنين ونصف، وبنيت أسوارها وأبراجها وهي : ~~مئة وثلاثة وخمسون برجا، ومئة وثلاث وخمسون بدنة، وسبعة أبواب، منها خمسة ~~كبارة وبابان صغير انا ؛ وجعل فيها سبع عوادي ترمي إلى النهر، عند الوادي ~~المسمى الحشكروت وجعل منه باب في الجبل، منه ينزل للمدينة، وعليه قناطر ~~يعبر الناس عليها، وإذا امتلا يخرج من تحت السور، وساقوا الماء إليها في ~~قناتين البوليط والعاوية، ولما فرغت حضر الملك إليها ورآها، فأكرم الصناع ~~ومد لهم طعاما ثلاثة أيام، وأمر ببناء الآدر والدكاكين، فشرع الناس في ~~بنائها، ووهب كل من يحضر إليها وينزل حولها خراج ثلاث سنين ؛ وبني الكنائس، ~~وبيوت عباداتهم، فاجتمع العالم إليها. # واتفق أن الملك جلس في بعض الأيام، وهو في ارته مسرور فرح، فقال له وزيره ~~: «لو عرفت ما انفقت في هذه المدينة ما كنت تفرح. فاستيقظ لنفسه، وأمر بعمل ~~حساب ما أنفق فيها سوى الضيافات، والجواميس PageV01P314 التي أخذت من ~~المروج والبهائم بغير ثمن ؛ فجاءت أربعة آلافا قنطار وخمسين قنطارة ذهبية ، ~~فعز ذلك عليه ، وأمساك عن العمارة ، وشرع في بناء مدائن تخل ؛ فبنى سبع ~~مدائن ، وأسكن الناس فيها ، واستمرت في أيدي الملك وما زالت تتزايد ~~عمارتها، وكل ملك يؤثر بها تأثير وطلسمة أو أثرة حسنة إلى حين ظهر السيد ~~المسيح - صلوات الله وسلامه عليه ! - فجرى ما ذكره أصحاب الأخبار . # وما زالت في أيدي الروم إلى حيث الفتوح المبارك ، فکی الرملي في كتاب ~~فتوح الشام ، قال : «لما بلغ ملك الروم هزيمة جنده بين بدي خالد بن الوليد ~~وأبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهما ! - في نوبة اليرموك - وكان ~~بأنطاكية - نادي في أصحابه بالرحيل إلى القسطنطينية وسار ، فلما استقبل ~~الطريق عاد بوجهه ، وقال : السلام عليك يا سورية سلام مودع لا يعتقد أنه ~~يرجع إليك أبدأ، ثم أقبل على أرض أنطاكية فقال : ويحك أرضا ما أنفعك لعدوك ~~بكثرة ما فيك من الأعشاب والخصب والخير » . # وقال البلاذري في كتاب فتوح البلدان 4 : إن أبا عبيدة بن ms157 الجراح لما توجه ~~إلى جهة حلب المحروسة صادف أهلها قد انتقلوا إلى أنطاكية وصالحوا منها على ~~مدينتهم ؛ ولما تم صلحهم رجعوا . قال : وسار أبو عبيدة إلى أنطاكية ، وقد ~~تحصن بها خلق كثير من أهل جند فنسرين ، فلما صار PageV01P315 بهروبة ، وهي ~~على قريب فرسخين من مدينة أنطاكية لقيه جمع العدو ، فکسرهم ، وألحاهم إلى ~~المدينة ، وحاصرهم من جميع أبوابها ، وكان أكثر الجيش على باب فارس ، ~~والباب الذي يدعى باب الترحيم ، فقال إنهم صالحوه على الجزية والجلاء ، ~~فجلا بعضهم ، وأقام بعضهم ، فأمنهم ، ووضع على كل محتلم منهم دینارة وجريبة ~~؛ ثم نقضوا فوجه إليهم عياضة ، وحبيب بن مسلم ، ففتحاها على الصلح الأول ، ~~بل يقال نقضوا بعد رجوعه إلى فلسطين ، فتوجه عمرو بن العاص من ايليا ، وهو ~~البيت المقدس ، ففتحها ثم رجع . # وقال البلاذري عن مشائخه : « كانت أنطاكية عظيمة الذكر عند عمر وعثمان ~~فلما فتحت كتب عمر إلى أبي عبيدة أن رتب بأنطاكية جماعة من المسلمين أهل ~~ثبات وحسبة ومرابطة ، ولا تحبس عنهم العطاء ؛ ثم لما ولي معاوية كتب بمثل ~~ذلك . قال : «و نقل معاوية إلى أنطاكية في سنة اثنتين وأربعين جماعة من ~~الفرس ، وأهل بعلبك وحمص ، وكان منهم مسلم بن عبد الله ، جد عبد الله بن ~~حبيب بن مسلم الأنطاكي ، وكان مسلم تل على باب أنطاكية ، والباب يعرف بباب ~~مسلم لأنه رماه رجل بحجر لأن مسلما كان على السور فرماه علج بحجر فقتله » . # وقيل إن معاوية شرع في تدبير الثغور ، فنقل أهل بعليك وحمص وأنطاكية إلى ~~سواحل الأردن : صور وعكا وغيرهما ، ونقل جماعة من أساورة الكوفة والبصرة ~~إلى بعلبك وحمص وأنطاكية ، وذلك في سنة اثنتين وأربعين ، وما حولها . ~~PageV01P316 # وفي أيام بني أمية حرقها عباس بن الوليد بن عبد الملك ، وفي أيام المعتصم ~~بني محمد بن يوسف المرودي ، المعروف بأبي سعيد ، حصنا بساحل أنطاكية من ~~أكبر ثغور الشام ، وكان الرشید سمی ثغور الشام العواصم ، وهي أنطاكية ~~وطرسوس ، والحصون التي بينهما. # واستقرت أنطاكية في يد بني حمدان ، فلما مات سيف الدولة بن حمدان اتفق ~~أهلها على ms158 أنهم لا يمكنون أحدة من الحمدانية يدخلها ، ووتوا شخصا يعرف ~~بعلوش الكردي ، وكان قد ورد الغزاة من خراسان خمسة آلاف نفرة فأمسكهم وتقوى ~~بهم ، واشتد أمره ؛ وكان رجل أسود من الصعاليك يعرف بالزعبلي قد جمع معه ، ~~وسموا نفوسهم بالغزاة ، فدخل يوما عليه ليسلم عليه ، ويقبل يده ، فقتل ~~الكردي ، وهرب أصحابه واستولى الأسود على المدينة ، هو وجماعة ؛ وكان في ~~بغراس نائب الروم [و] اسمه مخائيل البرجي وبطرس الأسطر أبو بدرح" ، فحضر ~~إليها في جماعة كثيرة ، فعجز المسلمون عن حفظها لاتساعها ، فملكها الروم في ~~يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة ، وطرح ~~المسلمون النار بينهم وبين الروم وفتحوا باب البحر ، وخرجوا منه ، وأسر ~~الروم جميع من كان بها من المسلمين فقري الروم بفتحها ، فتوجهوا إلى حلب ، ~~فصالحهم أهلها وأهل حمص PageV01P317 على مال يحمل في كل سنة إلى ملك الروم ~~، وهو عشرة قناطير ذهبا ، ومن كل مسلم دينار سوى ذوي العاهات . وأقامت إلى ~~سنة ست وستين وثلاثمئة ، فسير جعفر بن فلاح غلامه فتوحة إلى أنطاكية ، ~~فحاصرها خمسة أشهر ، فلم يقدر عليها . وحدثت في هذه السنة زلزلة عظيمة هدمت ~~قطعة من سورها ، فأنفذ ملك الروم نائبة ومعه اثنا عشر ألف بناء وصانع ~~لإصلاح بنائها ، فبنيت أحسن ما كانت . وبنى قلعتها لاون بن الفقاس ، وكان ~~في خدمته جماعة من الأرمن وغيرهم ، وحصنها ، ومات با نكمل عمارتها الملك ~~بسيل ، وبسيل هذا هو الذي وجد له لما مات ستة آلاف قنطار ذهب ولما ولي كان ~~في الحاصل ببيت المال أربعة قناطير لا غير ، وهو الذي ملاك أرجیش من بلاد ~~أرمينية في سنة خمس عشرة وأربعمئة، وكان قد بني له مدفنا وتربة عظيمة وديرة ~~عليها وعمل له قبرة من الرخام ، فلما حضرته الوفاة قال : « قبيح أنني ألقى ~~الله وأنا في زي الملوك ». وقال : « ادفنوني بين الغرباء وكفنوني بكفين ~~الفقراء ». وكان ملكه تسعة وأربعين سنة وأحد عشر شهرا ، وعاش ثمانية ~~وستين سنة وبقيت في أيديهم إلى سنة ...... . # وكان الملك سلمان بن الأمير قتلمش بن ms159 إسرائيل بن سلجوق قد ملك ببقية من ~~أخيه منصور ، وأطاعه التركمان ، وفتح أكثر بلاد الروم ، وتمكن سلطانه فأعمل ~~الحيلة في فتوح أنطاكية ، فسار إليها خفية في مئتي؟ وثمانين فارسة من أجناد ~~عسكره ، وقطع الدروب ، وأوهم أن القلادروس قد استادعاه وحث السير ، فوصل ~~إلى أنطاكية في ليلة السابع والعشرين من PageV01P318 شهر رجب من هذه السنة ~~، وقتل أهل ضيعة تعرف بالعمرانية ، جميعهم ، لئلا ينذروا به ، وعلقوا ~~الحبال في شرفاتها بالرماح ، وطالع في الحبال من يرفع منشار باب فارس ، ~~وفتحوه ، ودخل الناس ، وصاحوا صيحة مزعجة ، وظنها أهل أنطاكية من أصحابهم ؛ ~~ثم تمادت الحرب ، فهرب من هرب إلى القلعة ثم فتحها في ثاني عشر شعبان ~~بالأمان ، وتهب من الأموال جملة عظيمة لا تحصى، وسكنها سلمان ، وتوافت إليه ~~عساکره ، وفتح الحصون المجاورة من أعمالها وصار له من باب قسطنطينية إلى ~~طرابلس . ولما قتل سلمان في ثالث عشر صفر سنة تسع وسبعين وأربعمئة صارت بيد ~~وزير الحسن بن طاهر الشهرستاني يتولى أمورها ؛ فلما استرد السلطان ملکشاه ~~بلاد الشام لما وصل الشام استردها في الحملة وضمها للوزير المذكور ، فأقام ~~بها إلى إحدى وثمانين وأربعمئة ، ثم سار عنها ، ودخل الروم ، فسلم أنطاكية ~~لبغي سغان بن ألب ( وكانت بنته متزوجة للملك رضوان ، صاحب حلب ، أم ولده ~~ألب )؛ رسلان الذي تملك بعده سحلب . وحدثت في ليلة التاسع عشر من شعبان سنة ~~أربع وثمانين بأنطاكية زلزلة أخربت دورها ، وأهلكت خلقة عظيمة ، ورمت من ~~أبراجها نحو السبعين برجا وتقدم السلطان بعمارة ما انهدم في سنة خمس ~~وثمانين وأربعمئة . # واستمرت أنطاكية في يد الإسلام إلى سنة تسعين وأربعمئة ، فوردت مراكب ~~العدو في البحر ، فنازلوها في ذي القعدة ، وفتحوها ، وقيل في PageV01P319 ~~سلخ جمادى الآخرة في مستهل شهر رجب سنة إحدى وتسعين وأربعمئة ، فهرب النائب ~~المذكور فيها من جهة ملكشاه ، سلطان بغداد الذي اسمه بغي سغان بن ألب ؛ ~~ومات في الطريق . # وكان تسليم الفرنج لها بعملة عملها على البلد بر جل اسمه ارجرز ~~الأرمني واتفق عليها هو وأحد الملوك الذين كانوا يحاصروها ، واسمه میمون ، ~~وذلك ms160 أن الأرمني كان من الجهة التي كان فيها میمون هذا ، فكتب رقعة رماها ~~في سهم ، وهو يقول فيها : « أسلم للك المدينة » . فتقرر ذلك بينهما . وكان ~~الملك الكبير الذي إليه مرجع الأمر اسمه كشندفري ، فلما استوثق ميمون ~~الحيلة حضر إلى هذا الملك ، وقال : « هذه المدينة إذا فتحت لمن تكون ؟ » ~~فجرى في ذلك حديث ، وآخر الأمر أنه تقرر الحال على أن كل ملك من الملوك ~~المنازلين لها يحاصرها عشرة أيام ، ومن أخذها في نوبته كانت له ، فتمت ~~الحيلة لميمون ، فلما جاءت نوبه میمون عمل السلاليم ، وسلمها له من كان حصل ~~الاتفاق معه على تسليمها ، وملكها ، واحتمت القلعة ، وفيها أحمد بن مروان ~~فراسله الفرنج وأمنوه ، وسلمها لهم ، فوفوا له ، وسير وه إلى بلاد الإسلام . # فاجتمعت عساكر الشام ، ومقدمهم ظهير الدين طغتكين ، وصاحب حمص المسمى ~~جناح الدولة حسن أتابك رضوان ، وكر بغا صاحب PageV01P320 الموصل ، وحاصروا ~~أنطاكية ، وكان الفرنج في قيل" ، فقالوا : «الأمان من المسلمين ، ليخرجوا ، ~~فلم يجيبوهم ، فلما أمسوا ، خرجوا إليهم ، فحاربهم ؛ فانكسر المسلمون من ~~غير قتال ، وبقي میمون مالكها حتى كسره بن الدانشمند ، وأسره، وقتل أكثر ~~عسكره وذلك في سنة ثلاث وتسعين وأربعمئة " ، واشترى نفسه بعد ذلك بمائة ألف ~~دينار ، واستخلف في انطاكية ولد أخيه طنکری ، وركب في البحر ، وسار إلى ~~بلاده ليستنجد الفرنج ويعود ، فأهلكه الله ، واستمر طنکری مالكا لأنطاكية ~~وأعمالها إلى أن أهلكه الله في ثاني عشر ربيع الأول سنة ست وخمسين وخمسمئة ~~• وملكها بعده روجار" ، وكان طنکری قد استدعاه من بلاده وجعله ولي عهده ، ~~فكان يسمى : «الوارث ، وهو الذي حضر إلى بيت المقدس في ملك بغدوين بن ~~الرويس ، وكان بغدوين شيخا كبيرة ، فاجتمع هو وروجار بالبيت المقدس ، وقررا ~~عهدا أن من مات منهم قبل الآخر كانت مملكته للباقي ، وكان رو جار شابا ~~مليحة ، وهو زوج بنت بغدوين الملك فاتفق أن روجار اقتتل هو ونجم الدين ~~الغازي بن أرتق على درب سرمدا فكسره الغازي ، وذلك في يوم السبت ثامن ~~عشر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وخمسمئة ، وقتله وقتل جميع خيالته والرجالة ms161 ، ~~فسار بغدوين PageV01P321 إلى أنطاكية فملكها ، ومات الشاب . وعاش الشيخ ~~الكبير ، وأقام مالكها حتى وصل في ثامن شهر رمضان سنة عشرين وخمسمئة ، فحضر ~~صبي في مركب ادعى أنه میمون بن ميمون بن انبرت الذي كان صاحب أنطاكية ، ~~وعرف بغدوين بالقضية ، فسلم أنطاكية لهذا الصبي ، وخرج منها من يومه ؟ ، ~~فملكها الصبي ، وكان شجاعة مقداما ، وأقام بها إلى [ ان ]سار نحو الدروب ، ~~فلقيه ابن الدنشمند فكسره وقتله وقتل جماعة من عسكره بأرض عين زربية ، وذلك ~~في نصف شهر رمضان سنة أربع وعشرين؛ وخمسمئة ؛ وملك بعده أنطاكية الابرنس ، ~~وأقام بها في قوة واقتدار ، ولقي الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ~~الشهيد على حصن الأكراد في رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمئة ، فكسر المسلمين ه ~~، وأخذ الأثقال وقتل من حان أجله . ثم ان نور الدين جمع والتقاه في يوم ~~الأربعاء الحادي والعشرين من صفر سنة أربع وأربعين وخمسمئة فقتله ، وقتل ~~فرسانه ، واستولى على خيامه ، وحملت رؤوس رجاله إلى البلاد ، وولي أنطاكية ~~بعده الابرنس ارناط ، فأقام إلى أن لقيه مجد الدين أبو بكر ، نائب الملك ~~العادل نور الدين في المملكة الحلبية ، وذلك في صفر سنة إحدى وخمسين ~~PageV01P322 وخمسمائة فكسره ، وقتل أصحابه ، وأخذه أسيرة ، وأقام في حبس ~~نور الدين الشهيد - رحمه الله ! - وملاك أنطاكية ، وهو في الأسر ، رجل من ~~ذريته ، ملكها میمون، واستمر بها ، وخلص أرناط فتزوج صاحبة الكرك ، فأقام ~~به حتى أخذه منه السلطان الشهيد الملك الناصر صلاح الدين - رحمه الله ! - ~~وقتله . في سنة أربع وثمانين عقد السلطان الملك الناصر مع بیمند صاحبها ~~هدنة لمدة ثمانية أشهر من تشرين الأول إلى آخر أيار ، وحانا على ذلك ، ~~وترحل عنها في ثالث شعبان سنة أربع وثمانين وخمسمئة . وتوجه إلى حلب ووصل ~~الابرنس بيمند إلى خدمة السلطان ، وأحسن إليه ، وكان معه أربعة عشر نفرة ~~بارونية أعطاهم إقطاعة في مناصفات انطاكية في كل سنة أربعة عشر ألف دينار ؛ ~~وكان الاجتماع والانفصال في يوم واحد ؛ وتوجه من عنده في يوم الأحد ~~ثاني وعشرين شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمئة . (ثم ملكها الابرنس ms162 المعروف ~~بالأسير ، ومن بعده ملكها ابنه سد؟ وبعده وكان وصوله إليه إلى بيروت ملكها ~~بيمند ولده أيضا ، ومنه أخذت ) ويعرفون كلهم بدلز نيال ، وهذه النسبة إلى ~~بلد جوا البحر . # ولما فرغ الناس من نهب أنطاكية رسم السلطان بإحضار المكاسب للقسمة ، وركب ~~وأبعد عن الخيام ، وحمل ما غنمه ، وما غنمته مماليكه ، وخواصه ، وقال : ~~«والله ما خبأت شيئا مما حمل إليه ، ولا خليت مماليكي يخبئون شيئا ، ولقد ~~بلغني أن غلاما لأحد ممالیكی خبأ شيئة لا قيمة له فأدبته الأدب PageV01P323 ~~العظيم ، وينبغي لكل أحد منكم أن يخلص ذمته ؛ وأنا أحلف الأمراء والمقدمين ~~، وهم يحلفون أجنادهم ، ومضافيهم » . فأحضر الناس من الأموال والمصاغ ~~والأمتعة شيئا كثيرة، وأحضر القبان الوزن الأموال والمصاغ والذهب والفضة ، ~~وطال الوزن فقسمت النقود بالطاسات والشربات ، ولم يبق غلام إلا له غلام ، ~~وتقاسم الناس النسوان والبنات والأطفال ، وبيع الصغير باثني عشر درهما ، ~~والجارية بخمسة دراهم . [ وأقام السلطان " يومين يباشر القسمة بنفسه ، وقصر ~~الناس في إحضار المغنم ، فرجع مغضبا ، فاجتهد الأمراء ، واحترزوا ، وأحضروا ~~، واعتذروا ، فلم يزل السلطان راكب فرسه ، إلى المغرب ، وما ترك شيئا ، حتى ~~قسمه ، من الأموال والقماش والمصاغ والدواب والمواشي ثم ركب إلى قلعة ~~أنطاكية ، وأحرقها ، وعم الحريق أنطاكية ، وأخذ الناس حديد أبوابها ، ورصاص ~~كنائسها ، وأقيمت الأسواق ظاهرها ، فقصدها التجار من كل جهة . # وكان صاحب طرابلس قد استولى عند أخذ التتار المخذولين حلب المحروسة على ~~دير کوش ، وهو من أمنع الحصون ، وعلى شقيف كفردبين ، وعلى شقيف كفر لميس ، ~~وهذه الحصون كانت شجة في حلقه وغصة في صدره ، فلما فتحت أنطاكية انقطعت ~~حيلة أهل هذه الحصون ، فطلبوا الأمان على أنهم يسلمون ويؤسرون ؛ فسير ~~الأمير بدر الدين بيليك الأشرفي PageV01P324 الظاهري تسلم دیر کوش ليلة ~~الجمعة حادي عشر شهر رمضان ، وتسلم بقية هذه الحصون وأسر من فيها ، ورجعت ~~إلى يد الإسلام أحسن ما كانت . ### || ذکر صلح القصير # كانت القصير للبطرك الكبير ، خالصة له ، وزعموا أن بأيديهم خطأ من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ! - ولما نزل السلطان هذه الجهات ~~بذلوا نصف البلاد للسلطان ؛ فكتبت ms163 لهم هدنة بذلك ، وانضافت إلى المملكة ~~الإسلامية نصف بلاد القصير . ### || ذكر فتوح حصن بغراس من أيدي الديوية # لما فتح الله على السلطان بأنطاكية ودير كوش والحصون المذكورة ( ونصف ~~بلاد القصير ) ؟ ولم يبق بتلك الجهات سوى بغراس ، خاف من بها من الديوية ، ~~لا سيما لما تقرر الصلح مع صاحب سیس ، فانهزموا وتركوها ، فجهز الأمير شمس ~~الدين أقسنقر ، أستاذ الدار العالية بعسكر فتسلمها في يوم السبت ثالث عشر ~~رمضان ولم يجد بها سوى امرأة عجوز ، فوجدها عامرة بالحواصل والذخائر ، وكل ~~ما يدخر في مثلها من الحصون ، PageV01P325 وصارت في حوزة الإسلام بغير تعب . # وإذا السعادة أحرزتك عيونها %~% ثم فالمخاوف كلهن أمان # واصطد بها العنقاء فهي حبائل %~% واقبض بها الجوزاء فهي عنان # قال مؤلف السيرة : «في أيام الملك العزيز ، صاحب حماه ، ابن الملك الظاهر ~~ابن السلطان صلاح الدين - رحمهم الله ! – نزل عليها العسكر الحلبي حاصرها ~~سبعة أشهر ولم يأخذها » . وقال البلاذري : «كانت أرض بغراس المسلمة بن عبد ~~الملك فوقفها في سبيل البر ، ولما قصد المسلمون غزاة عمورية صحبة مسلمة بن ~~عبد الملك حمل هو والعسكر ا نساءهم معهم ، للجدل في القتال ، فلما صار في ~~عقبة بغراس عند الطريق المستدقة التي تشرف على الوادي سقط جمل فيه امرأة ، ~~فأمر مسلمة النساء أن يمشين ، فسميت؟ بذلك العقبة «عقبة النساء » . وكان ~~المعتصم بن على حد الطريق حائطا قصيرة . « قال : وكان في تلك الطريق سباع ~~لا يسلك إليها بسببها ، فشكي ذلك إلى الوليد بن عبد الملك ، فبعث أربعة ~~آلاف جاموسة هي وفحولها ، فأتلفت ؛ السباع . # وبناها بعد ذلك وحصنها ، أنتم تحصين ، الملك تقفور ، ملك الروم ، الذي ~~كان خرج إلى بلاد الإسلام في آخر سنة سبع وخمسين وثلاثمئة ، وقتل وسبي ووصل ~~إلى بلاد الشام ، وفتح معرة نصرين ومعرة النعمان PageV01P326 وحماه وحمص ، ~~وأخذ من حمص رأس القديس مريحنا الاندرمس ، وفتح عرقه بالسيف ، وهو الذي أخذ ~~أنطرسوس ، ومرقية، وجبلة ، ولما بني هذا الحصن الذي هو حصن بغراس ، ~~رتب فيه نائبا له يعرف بالبرجي، ورتب معه ألف رجل ، وحضن بغراس حتى لا تكاد ms164 ~~ولا تؤخذ ؛ ثم ملكه الفرنج ، وما زالوا يتداولون تحصينه وعمارته في طول ~~المدد وبعد ذلك عجزهم الله، وسلمه بغير حيلة ولا تعب . فسبحان المسهل . ~~وكان السلطان الشهيد صلاح الدين - رحمه الله ! - نازلها ، وتسلمها في ثاني ~~شعبان سنة أربع وثمانين وخمسمئة بالأمان وسلمها هي ودر بساك لعلم الدين ~~سنجر بن حندر . ### || ذكر الصلح مع التكفور هیتوم ، صاحب سیس وإطلاق ولده ، وإحضار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر الصالحي # قد ذكرنا ما كان من قصد العساكر سيس، وأسر ولده ليفون ؛ وما زالت رسل ~~أبيه تتردد وهو يعرض على السلطان كل ما يقدر [ عليه ] من مال وقلاع ، ~~فاقتضي حسن عهد السلطان طلبه للأمير شمس الدين سنقر الأشقر .؛ وكان التتار ~~أسروه من حلب لما ملكوها من الملك الناصر ، وتوغل في البلاد ، وانضاف إلى ~~سلطان جق ، أحد مقدمي التتار ؛ فاقترح السلطان على صاحب سيس إحضاره عوض ~~ولده ، ورد القلاع التي أخذها من PageV01P327 المملكة الحلبية ، فسأل مهلة ~~سنة إلى أن توجه إلى الأردو ، وحقق خبره ، وسير يعلم السلطان بأنه قد أجيب ~~إلى إطلاقه ، فجمع السلطان الأمراء ، وقال : «یا أمراء ! لو وقعت في الأسر ~~ما کنتم تفعلون ؟ » فقالوا : كنا نبذل أموالنا ، وأرواحنا في حماية السلطان ~~من المكاره » . فقال : وقد وقع أحدكم في الأسر ، ونسيه خشداشيته ، وما ~~نسيته أنا ، وهو شمس الدين سنقر الأشقر ، وبذل لي صاحب سيس الأموال والبلاد ~~في ولده ، وما تطلعت إلى شيء منها ، وطلبت المذكور ، ووصل كتاب صاحب سیس ~~بأنه حصله » . فدعا له الأمراء ، وانفصل الحال على ذلك. # وكتب السلطان جواب صاحب سيس يؤكد عليه في إحضاره ، ثم حضرت رسل سیس بكتاب ~~سنقر إلى السلطان وعلائم وأمائر ، وغيروا حدیثهم في بعض ما كان تقدم من ~~تسليم القلاع ، فردهم السلطان ، وكتب إلى متملاك سيس : « بأنك إذا كنت قسوت ~~على ولدك وولي عهدك أنا أقسو على صديق ما بيني وبينه نسب ويكون الرجوع منك ~~لا مني ، ونحن خلف كتابنا ، ومهما شئت أفعل بسنقر الأشقر » . فلما ~~توجهت رسله بهذا الكتاب والسلطان على أنطاكية خاف وبذل ما رسم له ms165 السلطان ~~وتقرر الصلح على تسليم قلعة بهسنا والدربساك ، ومرزبان ، ورعيان والزرب ~~وشيح الحديد وكل ما كان أخذه من بلاد الإسلام ، وردها بحواصلها كما تسلمها ~~. وتقرر إطلاق سنقر الأشقر ، وأن يطلق السلطان له ولده وولد أخيه وغلمانهما ~~وأنه يحضر رهينة فاساكا أخا الملك وسير ريمون أخا زوجة ليفون ويبقى باسيل ~~الماسور بن كنداصطبل رهينة هو وهؤلاء على تسليم القلاع . PageV01P328 # وكتبت الهدنة بذلك في شهر رمضان بأنطاكية ، ورسم السلطان للأمير سيف ~~الدين بلبان الرومي الدوادار ، والصدر فتح الدين بن القيسراني ، كاتب الدرج ~~الشريف بالتوجه لاستحلاف الملك فتوجها صبحة هذا اليوم ، وجهز الأمير بدر ~~الدين بجكا الرومي لإحضار الملك ليفون من الديار المصرية على البريد في ~~ليلة الأحد ثالث عشر رمضان ؛ فوصل إلى الديار المصرية ، وخرج ثاني يوم ، ~~وهو يوم الجمعة ، ووصل ليفون صحية الأمير بدر الدين يجكا الرومي إلى دمشق ~~ليلة الاثنين سادس وعشرين رمضان ، وأصبح خرج اللقاء السلطان ؛ فكان بين ~~توجه بدر الدين بجكا من أنطاكية ، وبين وصوله إلى دمشق ثلاثة عشر يوما ، ~~وحلف التكفور صاحب سيس في سابع عشر رمضان ، وانتظم الصلح . # ولما شاهد أهل سيس الأمير سيف الدين الدو ادار اعتقدوا أنه أول العسكر ، ~~فغرق منهم جماعة في النهر هربا ، ولما استقر السلطان بدمشق أحسن إلى ولد ~~صاحب سیس ، وحمل إليه من كل شيء ؛ وحلف في ثالث شوال على النسخة التي حلف ~~عليها أبوه قائمة على قدميه مكشوف الرأس ، وتوجه في حادي عشر شوال ، صحية ~~بدر الدين بجكا على البريد ، واستقر في مملكة أبيه ، ثم توجه الأمير سيف ~~الدين الدو ادار إلى سيس لتقرير فصول رسم بها ، ولما وصلت الرهائن ~~المذكورون تبت لهم الإقامات ، وعوملوا بالإحسان ، ثم تسلم نواب السلطان ~~القلاع ، وعادت الرهائن شاكرين لإحسان السلطان . PageV01P329 ### || ذکر وصول الأمير شمس الدين سنقر الأشقر # لما توجه والد صاحب سيس إليه أطلق شمس الدين سنقر الأشقر ، وكان السلطان ~~متصيدة بجرود ، قريبا من حمص ، فلما بلغ السلطان قر به ركب محتفية ~~والتقاه ، وحضر هو وإياه إلى الدهليز ، وبات عنده ، ولما أصبح اجتمع ms166 الناس ~~في الخدمة ، فخرج السلطان وفي خدمته شمس الدين سنقر الأشقر ، فأهت الناس ~~لرؤيته ، وسير له السلطان المال والخلع والخوائص والخيل والبغال والجمال ~~والمماليك ، وما ترك شيء يحتاج مثله إليه ؛ وحمل الأمراء إليه التقادم، ~~وفعل السلطان معه إحسانا ما فعله أحد مع ولده ، واستمر في الخدمة ، وبنيت ~~له دار في قلعة القاهرة المحروسة ؛ ولما حضر إلى الديار المصرية أمره ، ~~واستدر من خواصه. ### || ذكر عدة متجددات في ضمن هذه الوقائع ### ||| منها فتوح جبلة : كان قد استولوا على جبلة وأخذوها الاسبتار والديوية من بلاد الإسلام وأخذوا ~~أماكن غيرها ، فلما فتحت صفد وحضر السلطان إلى الشام ولقيه افربر ما هي ~~صافاج على ما ذكرناه ؟ سأل أمانا على صافيثا وانطرطوس ، PageV01P330 فاشترط ~~عليه السلطان تسليم جبلة وبلادها ، فعلق الإجابة على التوجه إلى عكا ~~والحديث مع المقدم والإخوة ، فتوجه إليهم ، وقرر تسليم جبلة ، وكتب إلى ~~السلطان بذلك ، فولى السلطان فيها علاء الدين بن القاضي ، واستناب بها حسام ~~الدين الجلدكي ، وتسلم نواب السلطان المذكورون ما يختص بالديوية، وامتنع ~~الاسبتار من تسليم ما يخصهم، فما التفت النواب إليهم؛ ولما حضر رسل عكا ~~ذكروا أن النواب استغلوا بلادهم ، فرسم السلطان بأن تخزن غلة الاسبتار إلى ~~أن يحضر المرسوم ، فركب مقدم الاسبتار ، واستنصر بصاحب طرابلس ، وهجم على ~~حسام الدين النائب بجبلة ، وطلع هو وجماعة من الرجالة إلى برج هناك فحاضرهم ~~الفرنج ، وأخذوهم ، فقتلوا بعضهم . وكتب مقدم الاسبتار إلى صاحب حماه يسأل ~~تمھید عذرة عند السلطان ، ويقول : نواب السلطان كانوا آذوهم ، وان الذي جرى ~~ما كان برضاه ؛ فرسم السلطان النائب حمص بإخراج من في حيس حمص من إخوة ~~الاسبتار المأخوذين من تل خليفة ، وضرب رقابهم عوضا عمن قتلوه في البرج ~~فاعتمدوا ذلك ، وعاد النائب إلى جبلة . ### || ذكر الصلح مع ملك عكا وما حدث من نقضه # لما فتحت الشقيف أراد أهل عكا أن يملكوا عليهم ملكا يصلح أمورهم ، وكان ~~بقبر س ملك صغير ، وله بال ، مقدم على عسكره ، اسمه أوك بن هيري ~~وعمره دون الثلاثين سنة ، وهو ابن عم صاحب طرابلس ، PageV01P331 وهو ms167 ابن ~~أخت صاحب قبر س والد الصبي الذي ذكرناه ، فاتفق أن الصبي مات ، وهذا البال ~~مزوج عند أصحاب أرسوف ، ومرجع الملك لهذا الشاب ولابن خالته ؛ وولد خالته ~~أحق بالملك منه لأن أمه الكبرى ، وهذا في اصطلاح الفرنج أنه يقدم ولد ~~الكبرى ، وإنما كان غائبة في بلاد سيس ، فاستولى هذا الشاب على قبر س؛ ثم ~~استدعاه الفرنج إلى عكا، والمملكة العكاوية مضافة للمملكة القبر سية ، فوصل ~~إليها ، وحلف له أهل عكا ؛ وورد کتاب ملك صور يذكر وصول هذا الملك ، وأنه ~~رجل عاقل ، وأنه لما وصل سفه آراء الفرنج في كونهم ما أحسنوا مجاورة ~~السلطان ، وأنه قال : «ما جری مني ما يوجب عداوة ». وسأل صاحب صور في أن ~~السلطان يصالحه . # ولما عاد السلطان من غزاة أنطاكية إلى دمشق وصلت رسله وجماعة من خيالتهم ~~قريب المئة نفس ، وأحضروا هدية ومصوغا وجوارح وغيرها ، وحصل الاتفاق بين ~~السلطان وبين هذا الملك على شيء يسير ، وهو مدينة عكا وبلادها، وهي إحدى ~~وثلاثون ضيعة ؛ وتقرر أن حيفا تكون للفرنج ، ولها ثلاث ضياع ، وبقية بلادها ~~مناصفة ؛ وبلاد الكرمل تكون مناصفة ؛ وعثليث يكون لها خمس قرى ، والباقي ~~مناصفة ؛ والقرين عشر قرايا ، والباقي للسلطان ؛ وبلاد صيدا ، الوطاة ~~للفرنج ، والحبليات للسلطان واتفق الصلح على مملكة قبرص . # هذا ما استقر عليه الحال في البلاد كلها ، وأن تكون الهدنة لعشر سنين ~~وأنها لا تنقض برجل غريبة ، ولا ملك يحضر في البحر . واشترط عليه إطلاق ~~رهائن البلاد . قال مؤلف السيرة : «و توجهت رسولا ، أنا والأمير كمال الدين ~~بن شيث لاستحلاف الملك ، وسير السلطان معنا هدية عشرين نفرة من أساري ~~أنطاكية ، قسيسين ورهبانة ، فدخلنا عكا في رابع وعشرين PageV01P332 شوال ، ~~واحتفل بنا احتفالا كثيرة ، وكان السلطان قد وصى بأنا لا نتواضع له في جلوس ~~ولا مخاطبة ، فلما دخلنا إليه رأيناه على كرسي ، هو والمقدمين ، فلم تجلس ~~إلى أن وضع لنا كرسي قبالته ، ومد الوزير يده ليأخذ الكتاب فلم نعطه حتى ~~ مد الملك يده وأخذه ، وتوقف في أشياء منها أنه رغب في أن مملكة قبرس ~~يكون لها ms168 صلح بمفردها ، وأن الصلح يستقر ما لم تصل رجل غريبة أو أحد من ~~ملوك البحر ، وأن الاسماعيلية لا يكون لهم حديث في الهدنة ؛ واستعفي من ~~حديث الرهائن ، وفصول أخر ، وعادت رسل السلطان عنه ، ولم يحلف ، وبقيت ~~الأمور ساكنة . # وكان هذا الملك بعكا كلما تكلم يقول : « أنا أخاف من الملك جارلا1 أخي ريدافر نس ، ولا أقدر أبت صلحة خوفا منه . ### || ذكر رحيل السلطان من أنطاكية # لما فرغ من الفتح ، وقسم الغنائم ، رحل ووصل شیزر ، وتوجه منها في البرية ~~إلى حمص للصيد ، ورفقا بصاحب حماة ، ونزل العسكر حماة ، ووصل السلطان إلى ~~دار النائب بحمص في ثلاثة نفر : الأمير بدر الدين بيسرى ، والأمير بدر ~~الدين الخزندار ، والأمير حسام الدين الدوادار ؛ ودخل دمشق سادس وعشرين ~~رمضان ، والأسرى بين يديه ، وصاحب سيس في خدمته ، وخرج من دمشق في ثامن عشر ~~ذي القعدة من السنة PageV01P333 المذكورة ، وعيد في أم الباردة وكان الملك ~~السعيد قد خرج لتلقيه فعيدا جميعا ، ودخل قلعته حادي عشر ذي الحجة ، وحمل ~~عن الناس كلفة الزينة . ### | ثم استهلت سنة سبع وستين وستمئة # فابتدأها السلطان بالنزول إلى جامعة الظاهري ، الذي أمر ببنائه في ~~الميدان القراقوشي ، ورآه في غاية ما يكون من حسن ، وتوجه لمباشرة كسر بحر ~~أبي المرجي بنفسه. ### || ذكر من جهزه من رسل الملوك بعد وروده من الشام في هذه المدة # من كان اجتمع في الديار المصرية رسول الأشكري ؛ تضمن الكتاب الوارد على ~~يده رجوعه عن رأيه الأول في النفور والإرعاد والإبراق الذي تقدم منه ؛ ~~وأجيب عنه بأكثر من ذلك . ويقول إنه سير رسل السلطان بعد أن حلف للسلطان ~~وما أخر الرسول إلا لوفاة الملك برکه وجلوس ولد أخيه بعده ، ويسأل استمرار ~~السلطان على صلحه ، ويسأل الدخول في صلح السلطان مع أبغا ولد هولاكو ، وأنه ~~يقرر هذا الأمر ، وكذلك مع بيت بركة، وحررت نسخة من السلطان للأشكري ~~ومضمونها الإجابة إلى ملتمسه PageV01P334 من اليدين ، وإلى تقرير صالحه مع ~~ منكو تمر بن طغوان ابن سوفا ، وأما أبغا فما له إلا السيف ، وهو مطلوب منا بثار ms169 المسلمين». وسأل في نسخة ~~اليمين أن يكون السلطان صديق صديقه ، وكان قصد الأشكري أن يدخل أبغا بن ~~هلاكو في هذه اليدين لأنه صهره فما أجاب السلطان إلى ذلك . ### || رسل الملك برکا # ذكرنا وصول هؤلاء الرسل ، وكانوا تأخروا من جهة الطرقات من جهة الأشكري ، ~~فلما حلف الأشكري جهز هم السلطان ، وكتب على أيديهم كتابة إلى الملك منكو ~~تمر بالإغراء على بيت هلاكو ، وأن أحقادهم لا تزول ؛ والتهويل ببلاد ~~السلطان وعساکره ، وحديث الأشكري ، وتقرير صلحه معهم ، والشفاعة في أمره ؛ ~~وجهزت معهم هدية للملك بركه. PageV01P335 ### || تجهیز رسل الملك جارلا ، أخي لويس المعروف بالريد فرانس # والفرنج في تسميته مختلفون ، يقولون : «ريجار » ، ويقولون : « جارلا » ، وإنما نكتبه جارلا . # كان رسل الملك جارلا وصلوا بكتابه إلى السلطان يوصي بالفرنج الساحلية ~~ورفع السيف عنهم ، فكتب السلطان إليه بقبول شفاعته في الساحلية ، وبأنهم ~~أتلفوا أنفسهم بأيديهم ، وبنقض الصغير منهم ما يقرره الكبير ، وسير صحبة ~~رسله بدر الدين محمد بن عزيز الحاجب ، وقال السلطان في كتابه : « أنا سبقت ~~إلى اصطناعه واصطناع أخيه لويس بن لويس المعروف بالريدا فرنس لما أسر في ~~نوبة دمياط، وكان قد قال : أشتهي المودة التي كانت للأنبر ور مع ملوك مصر ، ~~مثل الملك الكامل ، وولده الملك الصالح ، يكون بينه وبين السلطان ، فوعد ~~بالإجابة إلى ذلك . وكان رسول الباب قد وصل مع رسل الملك جارلا مستخفيا ~~ليسمع ما يتجدد فعرفه السلطان لأن خبره كان وصل إليه ، فقال له السلطان : ~~«لأي شيء تخفي نفسك ؟ » فاعترف ، وتحدث في الأمور ؛ وكتب جوابه بقبول ~~الشفاعة في الساحلية. # وكان رسل كرات ، ولد الانبر ور ، وردوا إلى الشام بكتاب مضمونه انتصاره ~~على الملك جارلا ، وأن الله رد إليه حق أسلافه الذي كان غصب ، PageV01P336 ~~وأنه يسترجع بلاده أول فأول . فكتبت أجوبته بإطابة قلبه ، وأن يكون محسنة ~~إلى أصحاب عمه وجده . # وكان متملك التوبة أبو العز مریشكراا قد عمي ، فتغلب على ملکه ولد أخته ~~داوود ، وحبس خاله ، ونفى أولاده إلى الأبواب ، ووصل كتابه إلى ~~السلطان يعلمه بذلك ، وسير هدية [ وزرافة ]، فكتب إليه بطلب البقط . ### || تجهيز ms170 رسل المغرب # ولما فتح الله على السلطان بما فتح رأى أن يعلم هذه الجهة بذلك ليشتد أزر ~~المسلمين على الفرنج، فجهز الأمير بدر الدين جماق، وسير معه هدية : مماليك ~~وخدام ودهن بلسان ، وكتب إلى الغرب كتابة بالبشارة بما جدد الله من ~~الفتوحات . وكتب بالبشرى أيضا إلى صاحب اليمن . # وفي هذه المدة وصل رسول الفنش بمكاتبته ، متضمنة المودة ، واستعراض الخدم ، فكتب إليه بالإقبال والقبول . # وورد أيضأ رسل الملك البر شنوني بكتابه ، جوابا عن كتاب كتبه السلطان ~~إليه في معنى تجار أمسكهم الكيتلان في البحر ، فأرسل التجار المأخوذين صحبة ~~رسله ، فكتب جوابه بمطالبته بأموالهم أيضا. PageV01P337 ### || ذكر تجديد التحليف للملك السعيد # ثم إن السلطان تحدث مع الأمراء في أمر ولده الملك السعيد ، وتفويض الأمور ~~إليه ، فأجابوا بالسمع والطاعة ، ويوم الخميس تاسع صفر جلس الملك السعيد في ~~مرتبة الملك ، وحضر الأمراء ، وقبلوا الأرض ، وجلس الأمير عز الدين الحلي ~~والأتابك بين يديه ، والصاحب بهاء الدين ، وكتاب الإنشاء ، وحاف له الأمراء ~~وسائر العساكر المنصورة . وفي ثالث 1 الشهر ركب في الموكب كما يركب والده ، ~~وجلس في الإيمان ، وقرئت عليه القصص ؛ وفي العشرين من الشهر المذكور قریء ~~بالإيوان تقليده بتفويض السلطنة إليه ، واستمر جلوس الملك السعيد وركوبه. ### || ذكر احتفال السلطان برمي النشاب وأمور الحرب # في المحرم من هذه السنة حث الناس السلطان - خصوصا خواصه - على رمي النشاب ~~ولعب الرمح ؛ وبي مصطبة بميدان العيد بباب النصر ، وصار ينزل إليها في كل ~~يوم من الظهر ، ويركب منها العشاء الآخرة ، ويرمي ، ويحرض الناس على الرمي ~~والرهان ، فما بقي أمير ولا مملوك إلا وهذا شغله ، وتوفر الناس على لعب ~~الرمح ورمي النشاب . وفي ربيع الآخر توجه إلى الصيد بالوجه البحري . ~~PageV01P338 ### || ذكر التوجه إلى الشام # في ثاني عشر جمادى الآخرة استصحب السلطان أكابر الأمراء وجماعة من العسكر ~~المنصور ، وخرج متوجها إلى الشام ، وأمر بقية العساكر بالاستراحة بالديار ~~المصرية . وفي غزة شرع في النفقة في الأمراء الذين صحبته ؛ ونزل ~~أرسوف لكثرة مراعيها . ### || ذکر وصول رسول أبغا بن هولاكو # كان صاحب سيس قد كتب ms171 إلى السلطان في معنى التوسط بين السلطان وبين بيت ~~هولاكو في الصلح ، وعرض بحديث أولاد سنقر الأشقر وغيرهم ، ويستنجز كتاب من ~~السلطان إلى نفسه في طلب هؤلاء ليتحدث عليه ؛ فكتب السلطان إلى التكفور في ~~هذا المعنى ، وليس فيه تعريض بشيء، فسير أبغا رسولا من جهته ومعه يرلغ ~~وبایزه ؟ ذهب ، فحضر الرسول مع التكفور إلى سيس ، وطلب من يتسلمه ، فسير ~~الأمير ناصر الدين بن صيرم ، مشد حلب ، تسلمه واحترز عليه بحيث لا يتحدث مع ~~أحد . ولما بلغ السلطان وصول الرسول ركب وصحبته الأمراء ، وأخر الأثقال ~~بأرسوف ، وسار إلى دمشق ، وكان قد وصل الرسول ، فلم يحتفل بلقائه ، ولما ~~التقى السلطان أعفي الرسول من النزول ثم أحضر كتابة بغير ختم ، نسخته : ~~PageV01P339 # ايرلغ بمعنى صك أو وثيقة . بایزه بمعنى دوار أو حزام . « بقوة الله تعالى باقبال قاآن فرمان اباقا ، يعلم السلطان ' ركن الدين أنه ~~لأجل أن عرض على رأينا كتب إلى عند التكفور أن الرسل الذين أنفذهم ایلخان ~~ما قتلهم إلا قطز ، والملوك يطلبون التوسط حتى يصيروا إيل ، والآن لو ينعم ~~في حقي ايلخان أصير ايل ، وقد سمعنا أن قد طلبت القفجاق الذي عندنا ، وهم : ~~سيف الدين بلبان ، وبدر الدين بكمش ، وأولاد سيف الدين سكيز ؛ ولا ريب منذ ~~سنين الذين ما كان قبلكم معنا . صحيح كان بين إخواننا الكبار والصغار بعضهم ~~بعضا خلف ، فلأجل ذلك ما قدرنا نركب إلى صوبكم ، والآن إذ نحن جميعنا من ~~الإخوة الكبار والصغار عملنا قور يلتاي ، واتفقنا على أن ما نغير فرمان ~~ویاساه قاآن. وأنتم أيضا قد تقدمتم وعرضتم إنا نحن نصیر ایل ونعطي القوة ؛ ~~استحسنا ذلك منكم ، فمن مطلع الشمس إلى مغيبها في جميع العالم من الذي ~~استقبل وأطاع ودخل في العبودية - وكان من قبل هذا في فرمان وياسات جنیلکز ~~خان والآن أيضا في فرمان وياسات قاآن هنکداه هو أن إذا أذنب الأب ما يذنب ~~الولد ، ولو يذنب الأخ ما يمسكونه بذنب الأخ الصغير فلو أذنب الذنب ~~أذنب السلطان قودوز وهو رجل في ذنبه . فقبل على يدك الحق ms172 ، فأنت لو وصلت ~~إلى كلامك الذي قلت نفذ إلينا من إخوانك ومن أولادك أو من أمرائك الحياد ها ~~هنا حتى نسمعهم ونفهمهم برليغ " وياسات قاآن ، PageV01P340 ويعودون إليك ، ~~فإذا وقع الاتفاق بيننا ، الناس الذين طلبت منا يمشون نحن نعطيكم ، ولو أن ~~ما تصل إلى كلامك ، وتكون باغي ، وتفكر غير الصحيح ، نحن إيش نعلم ذلك يعلم ~~الله واقبال قاآن . # أمرنا هكذا ونفذنا إليكم هذين الرسولين وهما : بيك طوت وأبو الغريب بالاولاغ . # كتب في عشرين شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين وستمئة بمقام بغداد . وفيه ~~أربع طمغات بالأحمر على الأوصال . # وكتب جوابه من السلطان ، ونسخته : # « بسم الله الرحمن الرحيم . # بعون الله تعالى وقوته ، بإقبال السلطان الأعظم بيبرس الصالحي يفهم الملك اباقا اننا ما رسمنا للتكفور أن يفهم الملك إلا جواب ما ذكره لنا شمس ~~الدين سنقر الأشقر . أما قتل الملك المظفر - رحمه الله ! - للرسل ، فنحن ~~رسلك أعدناهم إلى الملك مثلما حضروا سالمين . وعلى قدر ما فهمنا الأمير شمس ~~الدين سنقر الأشقر رسمنا للتكفور أنه يكون الواسطة بيننا وبين الذين طلبناه ~~ما أبصرنا شيئا ، وكيف يقع الاتفاق ، ونحن اليوم الياساه ؟ التي لنا هي ~~أعظم من ياساه " جنیلکز خان ؟ وقد أعطانا الله ملك أربعين ملكة . وأما ما ~~ذكره من أنه من مطلع الشمس إلى مغيبها أطاعوه ، فأي شيء جرى PageV01P341 ~~على كتبغا نوین ؟ وكيف كان دماره ؟ وأنت لو وقفت على قولك الذي ذكرته لسنقر ~~الأشقر ، وسیرت أحد إخوانك أو من أولادك أو من أمرائك الكبار کنا سيرنا ~~إليك نحن أيضا الذي ذكرته »: # وعمل على الكتاب طمغات فيها رنك السلطان ، وأعيدوا الرسل . ### || ذکر توجه السلطان إلى الديار المصرية خفية ، ورجوعه إلى مخيمه يخربة اللصوص # قال مؤلف السيرة حسبما أملاه السلطان من لفظه : لما خرج السلطان من دمشق ~~بعد تجهيز الرسل ودع الأمراء كلهم ، فتوجهوا إلى مصر ، ولم يبق معه من الأمراء الأكابر غير الأتابك والمحمدي والأيدمري وابن أطلس خان وأقوش الرومي ؛ وتوجه إلى القلاع ، فابتدأ بالصبيبة ، ثم منها ~~إلى الشقيف وصفد ؛ وبلغته وفاة الأمير عز الدين الحلي ms173 ، وكتب إلى الأمير ~~شمس الدين القسنقر ، استاذ الدار ، بالحضور بالأثقال والعساكر إلى خربة ~~اللصوص ! ووصل السلطان إلى خربة اللصوص والعسكر قد خيم بها ؛ وخطر له ~~التوجه إلى الديار المصرية ، فكتب إلى النواب بالشام بمكاتبة الملك السعيد ~~، والاعتماد على أجوبته ، ورتب أنه كلما جاء بريد يقرأ عليه ، وتخرج علائم ~~على دروج بيض يكتب عليها أجوبة البريد ، واستقرت هذه القاعدة مدة . ~~PageV01P342 # وفي رابع عشر شعبان أظهر تشوشا ، وحضر الحكماء إلى الخيمة ، وحصل احتفال ~~ظاهر بهذا الأمر ؛ وأصبح الأمراء فدخلوا ، وشاهدوه متجمعة في صورة متألم ؛ ~~وكتب إلى دمشق باستدعاء الأشربة ، وتقدم إلى الأمير بدر الدين الأيدمري ، ~~وسيف الدين بكتوت جرمك الناصري بأنهما يتوجهان إلى حلب على خيل البريد ، ~~وودعاه وصحبتهما بريدي ، وتوجها في ليلة السبت سادس عشر شعبان ، وأوصاهم ~~أنهم إذا ركبوا يحيدون إلى خلف الدهليز ليتحدث معهم مشافهة ؛ وجهز اقسنقر ~~الساقي في البرية إلى الديار المصرية ، وأعطاه تر کاشة ، وأمره بالوقوف خلف ~~خيمة الحمدارية ، خلف الدهليز ، فوقف في المكان المرسوم له به . ولبس ~~السلطان جوخة مقطعة ، وتعمم بشاش دخاني عتيق ، وأراد أن يخرج ،. ولا يعلم ~~به الحراس ، فوجد قماش نوم الأحد المماليك فطلب خادمة من خواصه ، وقال : « ~~ها أنا خارج بهذا القماش احمله ، فامش قدامي ، فإن سألك أحد فقال : هذا بعض ~~البابية معه قماش أحد الصبيان حصل له مرض ، وما يقدر يحضر للخدمة الليلة ، ~~وهذا غلامه خارج إليه بقماشه . فخرج بهذه الحيلة . # وتوجه السلطان إلى الجهة التي واعد اقسنقر إليها ، وكان قد حصل من الخيل ~~أربعة أرؤس ، وسيرها مع بهاء الدين ، أمير آخر ، وقف بها في مكان فأخذ ~~اقسنقر الخيل ، ثم سير السلطان إليها أمير آخر إلى التلى ، فوجد الأيدمري ~~ورفقته ، فأحضرهم إلى السلطان ، فلما اختلطوا في السوق ، قال PageV01P343 ~~للأيدمري : « تعرفي ؟ » قال : « أيوالله ! » وأراد النزول لتقبيل الأرض ، ~~فمنعه ؛ وقال الحرمك : « تعرفي ؟» فقال «ایش هذا يا خوند ؟» فقال له : «لا ~~تتكلم !» وكان معهم علم الدين شقير ، مقدم البريدية - رحمه الله ! - ~~فصارت جملتهم خمسة نفر ، ومعهم أربعة جنائب من خيل السلطان الخاص . # وساقوا إلى ms174 جهة مصر ، ووصلوا إلى القصير المعيني نصف الليل ، فدخل ~~السلطان إلى الوالي ليأخذ فرسه ، فقام إليه بأربعين [ أو ] خمسين راجلا ~~يهاوشه وقال : « الضيعة ملك السلطان ، ما يقدر أحد يأخذ منها فرسا ، ~~فتروحوا وإلا قتلناكم ؟ » فتركوه ، وتوجهوا إلى بيسان إلى دار الوالي ، ~~وقالوا : «نريد خيلا للبريد » . فقال : « انزلوا خذوا » . فنزلوا ، وقعد ~~السلطان عند رجل الوالي وهو نائم . ثم قال للأيدمري : «الخلائق على بابي ، ~~وأنا على باب هذا الوالي لا يلتفت علي ، ولكن الدنيا نوبات » . وطلب من ~~الوالي كوزة ، فقال : ما عندنا كوز ، إن كنت عطشان اخرج اشرب من برا ! » ~~فأحضر له الأيدمري كرازة شرب منه . وركبوا ، فصا بحوا جينين ، فوجدوا بها ~~خيل البريد عرجة معقرة ، فركب السلطان منها فرسا ما كاد يثبت عليه من رائحة ~~عقوره ؛ ولما نزلوا تل العجول بقي كل واحد ماسكة فرسه ؛ ولما وصلوا العريش ~~قام السلطان والأمير سيف الدين جرمك ، ونقيا الشعير ؛ وقال السلطان ~~للأيدمري : «أين السلطنة واستاذ الدار ، PageV01P344 وأمير جاندار ؟ وأين ~~الخلق الوقوف في خدمتنا ؟ هكذا يخرج الملوك من ملكهم ، وما يدوم إلا الله ~~سبحانه وتعالى ». ولم يبق معهم من الجنائب الأربعة إلا الذي على يد السلطان ~~، وصل معه إلى الصالحية . # ووصلوا إلى القلعة ليلة الثلاثاء، الثلث الأول ، فأوقفهم الحراس حتى ~~شاوروا الوالي . ونزل السلطان في باب الاسطبل ، وطلب السلطان أمير آخر ؛ ~~وكان السلطان قد رتب مع زمام الأدر أنه لا يبيت إلا خلف باب السر ؛ ودق ~~السلطان باب السر ، وذكر علائم لزمام الأدر ، فتح الباب ، وأحضر السلطان ~~رفقته إلى باب السر ، وأقام السلطان ورفقته يوم الثلاثاء والأربعاء وليلة ~~الخميس لا يعلم به أحد ، وهو يتفرج على الأمراء في سوق الخيل ، ولم يعلم به ~~إلا الطواشي لا غير ؛ ولما قدم الفرس للملك السعيد يوم الخميس قدم أمير ~~آخر" للسلطان فرسة ؛ ولما خرج الملك السعيد ما أحس إلا والسلطان [ قدم خرج ~~إليه ، فخاف ، فلما عرفه قبل الأرض . وركب السلطان ، وخرج على غفلة ، ~~والوقت مغلس ، فأنكر الأمراء ذلك ، وأمسكوا قبضات سيوفهم وطلعوا في وجه ~~السلطان ، فاما حققوه قبلوا ms175 الأرض ؛ وساق السلطان إلى ميدان العيد ، وعاد ~~إلى القلعة ، فقضى أشغال الناس ، وأقام بقية يوم الخميس ويوم الجمعة ؛ ولعب ~~الكرة يوم السبت ، وتوجه يوم الأحد إلى مصر رمي الشواني ، وركب في الحراريق . # وسافر ليلة الاثنين على البريد ؛ ولما قربوا من الدهليز المنصور رد ~~الأيدمري PageV01P345 وجرمك إلى خيامهم ، وأخذ السلطان على يده جراب البريد ~~وفي كتفه فوطة وتوجه راجلا"، ودخل من جهة الحراس فسنعه حارس وأمسك الحارس ~~طوق السلطان نتشه ، فانجذب منه، ودخل من باب سر الدهليز . وركب عصر يوم ~~الجمعة ، وحضر الأمراء إلى الخدمة ، فأظهر أنه كان متغلث المزاج ، وضربت ~~البشائر بالعافية . وجرت هذه الأمور كلها ، ولم يدر بها إلا الأتابك ، ~~وأستاذ الدار ، والدو ادار ، وخواص الحمدارية ؛ وكانت المكاتبات تكتب ، ~~والأحوال ماشية في غيبته كأنه حاضر . ### || ذكر ما جرى للفرنج الساحلية # وبعد حضور السلطان من مصر بلغه أن الفرنج شنعوا عليه بالموت ، وحضر رسول ~~الفرنج في طلب المهادنة ، وكان قد هرب أربعة مماليك للسلطان ، ودخلوا إلى ~~عكا ، فلما طلبهم السلطان طلبوا العوض عنهم ، فلما أنكر عليهم ذلك أحضروا ~~المماليك ونصروهم، فأمر بتقييد رسلهم ، وكتب إلى النواب بوقوع الفسخ ؛ ~~فأغار عليهم الأمير جمال الدين أقوش الشمسي ، وقتل وأسر منهم جماعة ؛ ~~واتفقت حركة السلطان إلى الحجاز فأطلق الذين أسرهم الشمسي ، واستمر تعويق ~~الرسل على إحضار المماليك ؛ وأطلق منهم وزير الاسبتار لأنه كان يخدم ~~السلطان . PageV01P346 ### || ذكر الإغارة على صور # كان قد كتبت مهادنة بين السلطان وبين صاحب صور ، فلما توجهت الرسل إليه ~~حلف على بعضها ، وأسقط فصولا لم يحلف عليها ؛ ولما ورد السلطان إلى الشام ~~وقفت له امرأة ذكرت أنها كانت أسيرة في صور ، وأنها اشترت نفسها ، ثم قطعت ~~على بنت لها قطيعة ، وحصلت من أوقاف دمشق مبلغا اشترتها به من صور بمكاتبة ~~عليها خط الفرنج ، ولما خرجت بها إلى قریب بلاد صفد سير خلفها جماعة من صور ~~أخذ البنت ونصرها . فلما سمع السلطان هذا الحديث غضب الله تعالى ، ~~وكتب بطلب هذه البنت ، فاعتذروا بأنها تنصرت ، وكان بالنواقير من جهة صفد ~~جماعة سير ms176 صاحب صور أمسكهم ، وقتل منهم نفرين . واعتقل الباقين ، وطلبهم ~~السلطان ، فأصر على منعهم ، فركب السلطان في العشرين من شهر رمضان ، وساق ~~بنفسه ، ومن معه من العسكر الخفيف ؛ وتوجه الأمير جمال الدين المحمدي من ~~جهة ، والأتابك من جهة ، وصلوا إلى صور فأمسكوا جماعة من الرجال والنساء ~~والصغار ؛ وهرب في ذلك الوقت مملوك لجمال الدين أقوش الرومي ، فنصره صاحب ~~صور لوقته ، وطلب منه فدافع عنه ، وأمسك السلطان عن إتلاف زرعه ، ورد ~~الحريم والأطفال ، وكانوا جملة كبيرة ، ورجع السلطان إلى المخيم ، وأمهل ~~عليه مدة ، فلما استمر على منع البنت والمماليك " جرد السلطان جماعة ~~لاستغلال بلاده، وقطع الميرة عنها . PageV01P347 ### || ذکر تسليم بلاطنس # كانت بلاطنس من الحصون الجارية في مملكة الناصر - رحمه الله ! - فلما ~~استولى التيار على البلاد استولى عليها مظفر الدين عثمان ، صاحب صهيون ، ~~وطلب السلطان منه رد هذا الحصن فصار يكاسر ويقول : « أنا من جملة النواب ». ~~ولما توجه السلطان إلى أنطاكية سير هدية ردها عليه السلطان ؛ فسير جماعة من ~~عسكر حلب أغاروا عليها ، فعند ذلك توالت رسله تذعن للتسليم ، ويطلب قرية ~~توقف عليه ؛ ووصل كتاب أخيه بذلك ، فعين السلطان له قرية الحلمة من بلد ~~شیرز ، ووقفها عليه وعلى أولاده ، وقرر أن يعطي صاحب بلاطنس شيئا من بلد ~~صهيون ، فقالوا كانت خمسة قرایا ، فقرر السلطان لصاحب بلاطنس من بلد صهيون ~~بلادة تعمل ثلاثين ألف درهم ، وتسلمت بطنس منه في سادس عشر شهر رمضان ~~المبارك . # قال مؤلف السيرة : وهذه بلاطنس حصن عظيم حصين من جملة معاقل الإسلام ~~المذكورة ، وحصونه المشهورة ، لأنه بري بحري، جبلي سهلي ، ما أخذ بالسيف قط ~~؛ بناه رجال يعرفون ببني الأحمر، من أهل الجبال ، وحصنوه ؛ ولما سمع بهم ~~قطبان أنطاكية المسمى نيقيطا عاجلهم قبل إتمامه ، فملكه بالأمان وأخذ في ~~تحصينه ، وتعظیم بنائه ، وذلك PageV01P348 في سنة اثنتين وعشرين وأربعمئة ، ~~فلما كان في سنة إحدى عشرة وتحمسمئة خرج روجار ، صاحب أنطاكية ، فدوخ بلاد ~~الإسلام ، وقصد حصن بلاطنس ، وفيه بنو صليعة ، أولاد أخي القاضي شرف ~~الدين ، فنزل على بلاطنس في يوم الثلاثاء ثامن وعشرين ذي ms177 الحجة من السنة ~~المذكورة ، وأجلب عليه ، وأظهر أنه أسس حصنایعمره عليها ، ليحصرهم فيه ~~ويأخذهم ، فتقطعت قلوبهم ، وسلموا إليه في يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة ~~اثنتين وخمسمئة ، وعوضهم معيشة عنه بأنطاكية ثلاث قرى ، وأخذهم معه ، فما ~~قدروا على الخلاص من أنطاكية إلا في كسرته على سرمدا . # ولما كانت سنة ثلاثين وخمسمئة في يوم السبت سابع وعشرين شعبان وثب أهل ~~بلاطس على الفرنج الذين هم فيه ، وقتلوهم ، فاحتمت عليهم القلة فأرسل أهل ~~الجبل إلى منكجك التركماني ، صاحب بکسرائیل ، يستنجدونه ، فأتاهم وأقام ~~يحاصرها مدة ، فعمل الفرنج ، الذين هم بها ، حيلة عليه وراسلوه " ، وبذلوا ~~له تسليمها لكن على شرط أنهم تخفر نساهم وأولادهم ، حتى يصلوا إلى جبلة ~~وإلى صهیون، فإذا جاءت لهم العلامة أنهم وصلوا سالمين سلموها له ، فلما وصل ~~أهلهم وأولادهم إلى بلادهم ، وتحققوا وصولهم امتنعوا من التسليم وكان ذلك ~~حيلة منهم ، فإن الأقوات ضاقت عندهم ، وضاقت القلة عليهم ، فاستر احوا ~~بخروجهم عنهم ، وقويت نفوسهم ؛ وبلغت الأخبار الأنطاكية ، فسيروا إليها ~~عسكرة دفعه عنها ، واستقرت بأيديهم إلى أن ملكها السلطان صلاح الدين ، ~~واستقرت بيد الإسلام - لا نزعها الله عنهم ! PageV01P349 ### || تبطيل المفسدات # في تاسع جمادى الآخرة رسم السلطان بإبطال الخواطیء من القاهرة ومصر ~~والديار المصرية ، فطهرت الديار المصرية من هذا المنكر ، وأمر بحبسهن ~~وتزويجهن ، وكتب إلى جميع البلاد بمثل ذلك . ### || الزلزلة الكائنة في بلد سيس # في حادي وعشرين شعبان من سنة سبع وستين وستمئة وردت الأخبار بأن زلزلة ~~حدثت في بلاد سيس، وأخربت قلاعها مثل : سرفند کار وحجر شعلان ، وقتل جماعة ~~حتى سال النهر دما ، وأتلفت عدة جهات ، ووصلت رسل سیس وأخبروا بما يناسب ذلك . ### || ذكر وفاة الأمير عز الدين الحلي الصالحي # لما خرج السلطان لسماع رسالة الملك أبغا ، خرج الأمير عز الدين الحلي معه ~~، فلما نزل السلطان أرسوف طلب دستورا ، وتوجه إلى دمشق لملاحظة أملاكه ، ~~فأقام بها مدة ، ولما عبر السلطان إلى دمشق أطلق له شيئا كثيرة من ~~مال وقماش ، وزار السلطان شيخا من الفقراء ، يجبلى المزة ، وكان الأمير عز ~~الدين في خدمته ms178 ، وقام الأمير عز الدين ليجدد الوضوء ، فقالPageV01P350 ~~الشيخ للسلطان : «هذا يموت في هذه الأيام، ولا بقي يخرج من دمشق . فعجب ~~السلطان من هذا الحديث ، فإنه كان كالأسد قوة ؛ وفي ثاني يوم قيل إن الأمير ~~عز الدين بات متشوشة ، فتوفي في أوائل شعبان ، وحضر ولده إلى الدهليز بخربة ~~اللصوص ، وأحسن السلطان إليه ، وسيره إلى الديار المصرية ولما وصل السلطان ~~إلى الديار المصرية كما ذكرنا أمره بأربعين فارسا ، وأمر أربعة من أكابر ~~الأمراء ، وهم : الأمير سيف الدين قلاون الألفي ، والأمير عز الدين أو غان ~~، والأمير بدر الدين بيسري الشمسي ، والأمير بدر الدين أمير سلاح ، بأنهم ~~يباشرون الحوطة على ماله ، فباشروا ذلك ؛ ولم يتعرض السلطان له إلى شيء مع ~~كثرة ميراثه . # وفي هذه السنة توجهت الغيارة من البيرة وغيرها إلى جهة كركر ، فأحرقوا ~~بلدها ، وأخذوا مواشي ، وتوجهوا إلى قلعة بين كركر والكحتا'، اسمها شرموشاك ~~، فزحفوا عليها ، وأخذوها ، وقتلوا رجالها ، ونهبوا من المواشي شيئا كثيرة ~~، وأخرجوا من الفلاحين إلى البلاد السلطانية خلقا كثيرة ، وأخذ الخمس من ~~الغنيمة للديوان ، ورسم بترتيب الناجمين في البلاد الحمصية ، والشيزرية ، ~~وجهات أنطاكية . # وفي هذه السنة وردت كتب الشريف نجم الدين أبي نمي ، أحد أمراء مكة يذكر ~~فيها أنه لما شاهد من عمه الشريف بهاء الدين ادريس بن قتادة ميلا إلى صاحب ~~اليمن ، وتحاملا على دولة السلطان أخرجه من مكة ، وانفرد بالإمرة وخطب ~~للسلطان ، وسأل مرسومه إلى أمراء المدينة أن لا بنجدونها عليه ، فاشترط ~~عليه السلطان تسبیل بیت الله للعاكف وللباد ، PageV01P351 وأن لا يؤخذ عنه ~~حق ، ولا يمنع زائره في ليل ولا نهار ، وله عشرون ألف درهم في كل سنة قبالة ~~تسبيله ، وأن لا يتعرض إلى تاجر ولا حاج بظلم ، وأن تكون الخطبة والصكة ~~للسلطان. فورد جوابه بالالتزام بذلك ، وكتب له تقليد بالإمرة وبعد ذلك وردت ~~كتب الشريف بهاء الدين ادريس يذكر أنه حشد وتوجه إلى مكة - شرفها الله ~~تعالى ! - ثم اتفقا على الطاعة ، ووردت كتبهها بذلك وسلمت الأوقاف ~~لنوابهما . # وأما أمراء المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ! - فقد ~~ذكرنا ms179 ما جرى للشريف بدر الدين مالك بن منيف مع عمه جماز ، وآخر الأمر ~~أنهما اتفقا على المشاركة ، وبقي السلطان لا يرضيه فعل الشريف بدر الدين ~~مالك ، ولما تجهز الركب في هذه السنة كان الشريف شمس الدين ، قاضي المدينة ~~وخطيبها ووزيرها ، قد حضر رسولا من جماز عند الشريف عز الدين جماز ، فاعتقل ~~بدمشق ، فأحضره السلطان ، وخلع عليه ، وطلب الجمال التي كان أحمد بن حجي ~~أخذها الأشراف المدينة ، وهي دون الثلاثة آلاف جمل وساتمها إليه ليوصلها ~~إلى أربابها ، وعرفه أن أخذ أحمد الحمالهم ما كان بمرسوم ولا يرضي السلطان . # ولما فرغ السلطان من هذه الأمور وصل الطواشي جمال الدين محسن الصالحي ، ~~شیخ خدام الحجرة الشريفة النبوية - صلوات الله وسلامه على ساكنها ! - ~~فأكرمه السلطان أتم كرامة ، وضرب له خيمة بشقة على باب الدهليز ، وكتب إلى ~~دمشق بتجهيزه كما تجهز الملوك من مأكول وجمال وسكر وغير ذلك . ورسم بحمل ~~مئني أردب غلة في كل سنة إلى المدينة النبوية ، وصرف أجرتها من مال الديوان ~~بالكرك ، حتى قال PageV01P352 السلطان : تقدير ما وصل إليه فوق المئتي ألف ~~درهم . وتوجه صحبة ركب الشام ، وقاضي المدينة ، والجمال . # وتوجه في هذه السنة أمير الركب المصري الأمير عز الدين ، أمير جاندار ، ~~وتوجهت فيه والدة الملك السعيد، والأمير علم الدين الحلبي ، وجهزت الكسوة ~~لمكة - شرفها الله تعالى ! - والمدينة النبوية ، على ساكنها أفضل الصلاة ~~والسلام ! # قال مؤلف السيرة : وقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه ! - عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم ! : « أن أول من كسا البيت أسعد اليماني ، ثم كساها رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم ! - الثياب اليمانية ، ثم كساها عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه ! – القباطي ، ثم كساها يزيد بن معاوية الديباج الخراساني . ~~وحكى محارب بن الديار : أن أول من كسا البيت الديباج خالد بن جعفر بن کلاب ~~، أصاب لطيمة في الجاهلية وفيها نمط دیباج ، فناطه بالكعبة . ثم كساها ابن ~~الزبير والحجاج الديباج ، ثم كساها بنو أمية في بعض أيامهم الحلل ~~التي كانت على أهل نجران في جزيتهم ، وفوقها الديباج . ولما جددها ms180 المتوكل ~~، وجدد رخامها ، وأزرها بفضة ، وألبس سائر حيطانها ، وسقوفها الذهب ، كسا ~~أساطينها الديباج ، ثم لم يزل الديباج کسونها في الدولة العباسية بأسرها ، ~~إلى أن انقضت، فكساها السلطان - خلد الله سلطانه ! PageV01P353 ### || ذکر توجه السلطان إلى الحجاز الشريف # ولما قوي عزم السلطان على التوجه إلى الحجاز الشريف أنفق في العساكر ~~جميعها ، وجرد جماعة صحبة الأمير جمال الدين أقوش الرومي ، السلاح دار ، ~~وهم المتوجهون صحبة السلطان ، وجرد العساكر التي بقيت معه صحبة الأمير شمس ~~الدين أقسنقر ، استاذ الدار ، إلى دمشق ، فنزلوا بظاهرها ، وأقاموا [ بها ، ~~ولما جهز السلطان العساكر إلى صفد والشقيف ودمشق المحروسة توجه السلطان إلى ~~الكرك بصورة صيد ، ولم يجسر أحد يتفوه بأنه متوجه إلى الحجاز ، حتى إن جمال ~~الدين بن الداية ، الحاجب ، سیر يقول : « أشتهي أتوجه صحية السلطان » . ~~فأمر بقطع لسانه ، فما بقي أحد يتفوه بذلك . # وتوجه السلطان من الفوار يوم الخميس خامس وعشرين شوال ، فوصل الكرك مستهل ~~ذي القعدة ، وكان قد دبر أموره خفية من غير أن يطلع أحد على ذلك ، بحيث جهز ~~البقسماط والدقيق والروايا والقرب والأشربة والعربان المتوجهين معه، ~~والمرتبين في المنازل . فلما وصل وجد الأمور كلها مجهزة ، فأعطى المجردين ~~الشعير على قدر كفايتهم وتوجه الثقل رابع ذي القعدة . وتوجه السلطان سادس ~~ذي القعدة إلى الشوبك ، وصحبته المجردون ، فأقام هناك أياما ، ورسم بإخفاء خبره . # وتوجه - مع سلامة الله - في خامس عشر الشهر المذكور ، ووصل PageV01P354 ~~البريد من مصر ، فجهزت الكتب إليه صحية العربان من جهة الكرك ، فكتبت ~~أجوبتها من هناك ، ووصل المدينة - صلوات الله وسلامه على ساكنها ! خامس ~~وعشرين ذي القعدة ، فزار تلك البقاع المنيفة ، وأماكن الوحي الشريفة ؛ ورحل ~~منها في سابع وعشرين الشهر المذكور ، فوصل إلى الميقات ، فأحرم وأحرم الناس ~~، وسار أشعث أغبر ، وقدم مكة - شرفها الله ! - خامس ذي الحجة وصافح بيده ~~المجاهدة في سبيل الله تعالى أركان البيت الشريف متبركة، وما ترك - والحمد ~~لله ! - مزارة ، ولا أغفل منسكا ، وأعطي خواصه جملة من المال ~~يفرقونها سرت، وفرقت أقمصة وكساوی على أهل الحرمين ، وبقي كأحد الناس لا ~~يحجبه أحد، ms181 ولا يحفظه إلا الله تعالى ، وهو منفرد ، مصلية وطائفة وساعية ثم ~~عمد إلى الكعبة - شرفها الله تعالى - فغسلها بيده ، وحمل الماء في القرب ~~على كتفه ، وغسل البيت الشريف ، وبقي في وسط الخلائق، وكل من رمي إليه ~~إحرامه غسله له بما ينصب من الماء في الكعبة الشريفة ، ويرميه إلى صاحبه ، ~~وجلس على باب الكعبة ، فأخذ بأيدي الناس - أخذ الله بيده ! - ليطلع بهم إلى ~~الكعبة ، وتعلق أحد العوام به ، ولما لم يقدر على يده لتزاحم الناس عليه ~~تعلق بإحرامه فقطعه ، وكاد يرميه إلى الأرض ، وهو مستبشر بهذا الأمر وعلق ~~كسوة البيت الشريف المستعملة بالديار المصرية ، ورفعها بيده على أركان ~~البيت الشريف بنفسه وخواصه ، وسبل البيت الشريف لسائر الناس ، وتردد إلى ~~الصالحين . # هذا وقاضي القضاة صدر الدين سليمان الحنفي مرافقه طول الطريق يستفتيه ، ~~ويتفهم منه أمر دينه ، ويتحرى في أمر دينه أتم تحر ، ولم يغفل تدبير ~~الممالك ، وكتاب الإنشاء تكتب عنه في المهمات . وكتب إلى صاحب PageV01P355 ~~اليمن كتابا ينكر عليه أمورة ، وكتب فيه : « سطرتها من مكة ، وقد أخذت ~~طريقها في سبعة عشر خطوة » -- يعني بالخطوة المنزلة . وكتب إليه بأن : « ~~الملك هو الذي يجاهد في الله حق جهاده ، ويبذل نفسه [ في الذب عن حوزة ~~الدين فإن كنت ملكة فاخرج والتقى التار». . # وقضى السلطان فرض الحج كما يجب، وحلق ، ونحر ، وأحسن إلى أميري مكة - ~~شرفها الله تعالى ! - الأمير نجم الدين أبي نمي ، والأمير إدريس ابن قتادة ~~، وإلى صاحب ينبع ، وصاحب خليص ، وزعماء الحجاز كلهم ؛ وكتب منشورية أميري ~~مكة - شرفها الله تعالى ! - وطلبا نائبة من السلطان تقوى به نفسهما ، فرتب ~~شمس الدين مروان نائب الأمير عز الدين ، أمير جاندار ، نائبة بمكة - شرفها ~~الله تعالى ! - يرجع أمرهم إليه ، ويكون الحل والعقد على يديه ، وزاد أميري ~~مكة - شرفها الله تعالى ! - جملة من المال والغلال في كل سنة ، بسبب تسبیل ~~البيت الشريف ، وزاد أمراء الحجاز ، غیر جماز ، أمير المدينة ، ومالك ، ~~فإنهما انتزحا من بين يديه . # وكان التتار قد جهزوا ركبا إلى الحجاز ، وقصدوا بذلك كشف الطرقات والتلصص ~~على تلك ms182 الجهات ، فركبوا الطريق ، ومعهم جماعة من المغل لا يعرفون الله ، ~~ولا حرمه ، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، كم أهلكوا من أمم ! وكان ~~قصدهم استباحة دم الحجاج في الحرم ، فبلغتهم حركة السلطان ، فرجعوا خائبين ~~وقفلوا هابلين . وكان السلطان قد بلغته PageV01P356 هذه الأخبار قبل توجهه ~~إلى الحجاز فأقدم وتقدم ، وعزم على الجمع بين الحج والجهاد ، وصمم ، وطهر ~~الله تلك البقاع الشريفة من أن تسفك بها دماؤهم القذرة ، أو تراق ، وقالت ~~رقابهم لسيوفه : إليكن حديثنا يساق . # وخرج من مكة - شرفها الله - في ثالث عشر ذي الحجة ، ووصل المدينة في ~~العشرين من ذي الحجة ، وخرج باكر النهار الثاني ، ولما توجه من المدينة أجد ~~السير في جماعة يسيرة، فوصل الكرك بكرة الخميس سلخ ذي الحجة ، ولم يعلم به ~~أحد إلى أن وصل قبر جعفر الطيار - رضي الله عنه ! - فركب الناس والتقوه ، ~~ودخل الكرك لابسة عباءة ، راكبة هجينة ، وبات بالكرك ، ثم أصبح متوجها ، ~~فنظم مؤلف السيرة أبيات منها : # حتى أتاها ظاهر ملك إذا %~% شاء اختفى ، فأموره تتلبس # متأنس بالله ليس بغيره %~% في طرقه وطروقه يتأنس # بينا تراه في الحجاز إذا به %~% في الشام للحج الشريف # يقدس وتراه في حلب يدبر أمرها %~% وتراه في مصر يذب ويحرس # أعطى وأنعم في الحجاز فما به %~% من يوم حجته الشريفة مفلس # كم ألهب النيران حول خيامه %~% ذهبا بدا بأبي قبيس يقبس # ويلوح في حج عليه عباءة %~% ويلوح في غزو عليه أطلس # فمن العجاجة كم له من ليلة %~% فيها الصباح من الظبي تتنفس # وبه بساط. الأرض أقسم أنه %~% بسعوده عند الكنائس تکنس # فللحد كم راح وهو مصبح %~% ولمسجد كم جاء وهو مغلس # متعود سفك الدماء فكم له %~% بالحق في أرض دم يتبجس PageV01P357 # لا زال للدنيا يسوس أمورها %~% ويشيد الأخرى بها ويؤسس # وورد في هذه المدة إلى الباب السلطاني صاحب جماين ، وصحبته أخوه وأولاده ~~، فأحسن إليهم ، واستقروا بالبلاد الإسلامية ، وكذلك صاحب صهيون الأمير سيف ~~ الدين ، وأخوه الأمير عز الدين أحمد صاحب بلاطنس وصلا ، فأحسن ~~السلطان إليهما ؛ وعاد الأمير سيف الدين ms183 إلى بلاده ، وعاد الأمير عز الدين ~~لتدبير مصالح ضيعته ، المنعم بها عليه ، وهي قرية الحلمة . # ووصل رسول بيروت بهدية ، وأساری مسلمين ، اطلقوا بباب الدهليز المنصور ، ~~وكتبت هدية الملكة زابين ، صاحبة بيروت ، وحلف لها السلطان في رمضان سنة ست ~~وستين وستمئة. # الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ، وصل إلى الدهليز المنصور ، وصحبته جماعة ~~من أمراء العرب ، قبل توجه السلطان إلى الحجاز ، فأوهمه السلطان أن حركته ~~إلى العراق ، ولم يفهمه شيئا من توجهه إلى الحجاز ، وأمره بالتأهب إلى أن ~~يرسم له بالحركة ، فتأهب وما وصله خبر حتى توجه السلطان إلى الحجاز ، وعاد ~~منه ، وهو وجماعة العربان في انتظار التوجه للغنائم . PageV01P358 ### | واستهلت سنة ثمان وستين وستمئة ### || ذکر توجه السلطان إلى دمشق وحلب وزيارته للقدس والخليل ، عليه الصلاة والسلام ! # لما وصل السلطان إلى الكرك بات بها كما ذكرنا ، وأصبح يوم الجمعة مستهل ~~السنة صلى الجمعة بالكرك ، وركب جريدة على يده فرس ، وعلى يد كل من أصحابه ~~فرس ، وساق إلى دمشق ، ولما قاربها ، والناس لا يعلمون شيئة من حاله ، ولا ~~يدري هل هو في شام أو حجاز أو غيره ، ولا يجسر أحد يتكلم ، سير أحد خواصه ~~في البريد إلى دمشق بكتب البشائر بسلامته ، وقضاء حجه ؛ فأحضر الأمير جمال ~~الدين النجيبي الناس ليسمعوا البشري ، فبينا هم في ذلك ، وقد بلغهم أن ~~السلطان في الميدان ، فتوجه إليه الأمير جمال الدين [و] وجد السلطان قد نزل ~~في الميدان بمفرده ، ووهب فرسه لإنسان من منادية سوق الخيل عرفه ، وقبل ~~الأرض بين يديه ؛ وحضر إلى خدمته الأمير شمس الدين اقسنقر ، استاذ الدار ، ~~والأمراء المصريون ؛ وأكل شيئا . وتوجه الناس ليستريح السلطان ، فقام وركب ~~في جماعته اليسيرة ، وتوجه إلى حلب ، وحضر الناس إلى الخدمة فلم يجدوا أحدة ~~. ودخل السلطان حلب والأمراء في المواكب ، فساق إليهم ، فما عرفه أحد، وبقي ~~ساعة حتى عرفه الصروري، فنزل الأمراء، وقبلوا الأرض ، ونزل بدار نائب ~~السلطنة بحلب ، وشاهد قلعتها ، وعاد PageV01P359 منها ، ولم يدر به ~~أحد ، فوصل إلى دمشق في ثالث عشر المحرم ، ولعب الكرة ، وركب في الليل، ms184 ~~وتوجه إلى القدس الشريف والخليل ، عليه الصلاة والسلام ! فزارهما ، وتصدق ، ~~وكان العسكر المصري قد سبقه صحية الأمير شمس الدين اقسنقر ، أستاذ الدار ~~العالية ، إلى تل العجول ؛ وحضر السلطان إلى تل العجول ، وكان قد صلى ~~الجمعة في الكرك ، والجمعة الأخرى في حلب ، والجمعة الأخرى في دمشق وحضر ~~إلى تل العجول ، وذلك كله في عشرين يوما ، وما غير عباته التي حج فيها . ~~وسارت العساکر صحبته من تل العجول في حادي وعشرين المحرم ، وخرج ولده الملك ~~السعيد إلى الصالحية ، والتقاه بها ، ودخل قلعته في ثالث صفر . ### || ذکر توجه السلطان إلى الاسكندرية # في ثاني عشر صفر توجه السلطان ، وصحبته الأمراء والمقدمون ، وركب في ~~الحراريق إلى الطرانة ، ودخل البرية ، وضرب حلقة على الكحيليات، فأحضر إلى ~~الدهليز ثلاثمئة غزال وخمس عشرة نعامة ، فأعطى عن كل غزال بغلطاقا بسنجاب ، ~~وعن كل نعامة فرسة ثمينة مسرجة ملجمة . ودخل الاسكندرية في الحادي والعشرين ~~من الشهر المذكور ، وكان الصاحب بهاء الدين قد سبق [ إلى ] الاسكندرية ، ~~وحصل الأموال والقماش ، فخلع السلطان على الأمراء وحمل إليهم التعابي ، ~~والنفقة الكثيرة ، ولعب بالكرة PageV01P360 بظاهر الاسكندرية ، وخرج متوجهة ~~إلى الحمامات ، ونزل بالليونة واتباعهاا من وكيل بيت المال ، وبلغته أخبار ~~التتار المخذولين ، فعاد إلى قلعته ، ووصلها في ثامن ربيع الأول. ### || ذکر حركته إلى الشام جريدة # ولما بلغته حركة التتار ، وأنهم تو اعدوا مع الفرنج الساحلية ، وتقوى ~~الفرنج بمن وصل إليهم من أصحاب الريدراکون ، وأن التتار أغاروا على الساجور ~~، قريبة من حلب ، وعلى جهة أخرى ، وأخذوا مواشي العربان ، استشار الأمراء ~~في توجهه جريدة ، فأشاروا عليه بأن يخرجوا هم قبله ، ويبقى السلطان بقلعته ~~، فلم ير أن يتلقى هذا الأمر إلا بنفسه ليكتب في حسناته ، وأفهم الله ~~الخلائق أنه وحده يقوم مقام العساكر الكثيرة في هزم الأعداء ، وأنه إنما ~~يطعم عساكره لوجه الله لا يريد منهم جزاء ولا شكورا "، وأنه اسمه يسترد ~~الأعداء المتوثبة من كل جانب ، ويصيبهم بسهام المصائب ، فأراح عساکره ، ~~وجرد الأمير علاء الدين البندقدار بجماعة من العسكر ليقيموا في أوائل ~~البلاد الشامية ، لاحتمال أنه إذا طلبهم ms185 ساروا إليه ؛ وسار السلطان في ~~جماعة يسيرة من قلعته ، وذلك PageV01P361 ليلة الاثنين حادي وعشرين ربيع ~~الأول ، ووصل غزة ، وتوالت الأمطار ، وسقيت البلاد بوجهه المبارك ، وسار ~~فوصل دمشق ، سابع ربيع الآخر ، ووردت إليه الأخبار بانهزام التتار عندما ~~سمعوا بوصول السلطان . ### || ذكر إغارته على عكا # في هذه السنة وردت جماعة من الفرنج الغرب إلى عكا ، وتباشر الفرنج وحضرت ~~إليهم سفائن يذكرون أن الريدراکون ، أحد ملوك الغرب ، واصل إليهم بجماعة ~~مقاتلة ، ووصل أصحابه ، وأقاربه في هذه السفائن ، وتوجهت رسله إلى أبغا ~~هلاؤن بأنه واصل لمواعدته ، وأتصلت الطرقات بينهما من جهة سيس . فأرسل الله ~~رياحة مزعجة ، أهلكت جماعة من سفائنه ، ولم يسمع بعدها للمذكور خبر . # وخرج الفرنج الغرب ، وأهل عكا ، وخيموا بظاهر عكا ، وصاروا يركبون ~~وتعجبهم نفوسهم ، وبلغتهم قلة من وصل مع السلطان إلى الشام ، فتوهموا أنه ~~لا يقصدهم ، فخرج السلطان •تصيدة إلى جهة الحارثية ، وعاد مسرعة وتوجه على ~~أنه يتصيد في مرج برغوث ؟ ، ولما وصل في أثناء الطريق إلى برج الفلوس سير ~~مملوكه الأمير عز الدين معن ، السلاح دار ، لإحضار العدد والحواشن ؛ وسير ~~الأمير ركن الدين اباحي - رحمه الله ! - لإخراج PageV01P362العسكر الشامي، ~~وسير كلا من خواص السلطان غلام) لإحضار عدته . # وفي بكرة الثلاثاء الحادي والعشرين من هذا الشهر تكامل الناس من مرج بر ~~غوث ، وركب وساق ، فوصل جسر يعقوب عشية النهار ، وساق فأصبح الصبح والسلطان ~~بأول المرج ، وكان قد سير إلى الأمير جمال الدين الشمسي ، مقدم عسكر عين ~~جالوت ، وإلى الأمير علاء الدين أيدغدي ، مقدم عسكر صفد ، بالإغارة في ثاني ~~وعشرين الشهر ، وأنهم ينهزمون قدام الفرنج ، فخرج جماعة من الفرنج ، مقدمهم ~~کندلوفيرا ، المسمى بزيتون ، وفيهم أقارب الريدراکون وغيرهم من الغرب ، ~~ودخل السلطان الكمين ، فعندما خرج الفرنج لقتال العسكر الصفدي تقدم الأمير ~~عز الدين إيغان الركني ، وبعده الأمير جمال الدين الحاجبي ، ومعهما أمراء ~~الشام ، وساق قدام السلطان الأمير سيف الدين ایتمش السعدي ، والأمير علاء ~~الدين كند غدي ، أمير مجلس ، الظاهري ، ومعهما مقدمو الحلقة ، وقاتل ~~الأمراء الشاميون أحسن قتال ، وأمساك الأمير عز الدين ايغان فارسا اسمه ms186 ~~ريمون دکول . # وأما السلطان ومن كان قدامه من الأمراء المذكورين فما وصلوا إلى الأمراء ~~المتقدمين إلا والعدو قد انكسر ، فلم يحصل لهم أختلاط ، وكان القتال شديدة ~~تماسكا بالأيدي ، وبقيت الخيالة والخيل مطر حين في المرج ، وأكمن زیتون ~~فحال العسكر بينهم ، وأخذوا عليه وعلى أكابر الفرنج حلقة ، وقتل أخو زيتون ~~، وأسر ابن أخت الري در اكون ، وجماعة من الخيالة PageV01P363 المحتشمين لم ~~يؤسر مثلهم إلا في نوبة المنصورة الأولى ، وقتل نائب فرنسيس بعكا ، ولم ~~يعدم من عسكر الإسلام إلا الأمير فخر الدين الطوبا الفائزي . # وعاد السلطان ، ورؤوس القتلى قدامه ، إلى صفد، وتوجه منها إلى دمشق ، ~~فدخلها يوم الأحد سادس عشرين الشهر ، والأسرى والرؤوس بين يديه ، وخلع على ~~الأمراء ؛ ولما وصل السلطان إلى دمشق توجه إلى حماه ، ورحل منها إلى كفر ~~طابا ، ولم يفهم أحد مقصوده ، وترك الثقل صحية الملك الأمجد بن العادل ، ~~وصحبة الطواشي مرشد الحموي ؛ وأخذ أصحاب الخيول الحيدة وساق إلى جهة المرقب ~~، وحصلت أمطار عظيمة ، وأشتية ، فعاد إلى حماه ، فأقام تسعة عشر يوما بظاهر ~~حماه ، ثم قصد الإغارة على المرقب مرة أخرى ، ووصل إلى قريب بلاد ~~الاسماعيلية ، فعاقته الأمطار والثلوج . # ورحل من حماه في ثالث جمادى الآخرة ، وتوجه إلى حصن الأكراد بمقدار مئتي ~~فارس لا غير ، بغير عدة ، ورأى جماعة من الفرنج ، وصعد جبل حصن الأكراد ، ~~وما معه غير أربعين فارسا لا غير ، فخرج جماعة من الفرنج ملبسين ، فحمل ~~فيهم ، وكسرهم ، وقتل جماعة منهم ؛ وكان السلطان لما أغار على طرابلس سنة ~~أنطاكية عبر على حصن الأكراد ، فحضر إليه رسول من الحصن ، وقال : «الإخوة ~~يسلمون على السلطان ؛ وقالوا نريد منه أنه لا يتقرب من الحصن لأن عندنا ~~فرنجة غربا تخاف على عسكر السلطان منهم ؟ ». وكان مع السلطان ذلك الوقت ~~العساكر المصرية ، والشامية ؛ فبقي هذا الكلام في خاطر السلطان ، فلما أغار ~~هذه الغارة وصل إلى PageV01P364 خنادقهم . قال ، وهو مستخف لا يعلم من هو : ~~«قولوا لذاك الرسول الذي حضر سنة طرابلس : على الفرنج الغرب يخرجون، ~~فما نحن أكثر من أربعين فارسا ، بأقبية بيض ms187 ». وعاد السلطان إلى مخيمه ، ~~ورعت الخيول مروجها ، وزروعها ؛ وكان ذلك أحد أسباب الاستيلاء على الحصن ، ~~لأنه ليس له مادة إلا من زرع بلده ، فرعت العساكر في هذه المدة زروعها ~~جميعها . ### || ذكر الاستيلاء على بلاد الإسماعيلية # قد ذكرنا ما اعتمده السلطان من كسر شوكة الاسماعيلية ، وإبطال رسومهم ~~التي كانت مقررة على ملوك الديار المصرية ، وتقرير القطائع عليهم ، ~~ومضايقتهم . ولما نزل السلطان في هذه المدة قريبة منهم لم يبق أحد إلا وحضر ~~إليه ، مثل : صاحب حماه ، وصاحب صهيون ، ولم يحضر نجم الدين بن الشعراني ، ~~صاحب الاسماعيلية ، ولا ولده شمس الدين وسير وا يطلبون تنقيصة من القطيعة ~~التي كانوا يقومون بها للفرنج وأبطلها السلطان وتقررت لبيت المال ؛ وكان ~~صارم الدين بن الرضى صاحب العليقة ، قد غضب السلطان عليه لأجلهم من عدة ~~سنين ، فتوصل صاحب صهيون في إصلاح أمره ، وما تيقظ نجم الدين وولده من سنة ~~الغفلة حتى حضر PageV01P365 صارم الدين المذكور إلى الخدمة وسلك طريق الرضى ~~، فقلده السلطان بلاد الدعوة استقلالا ، وسير إليه طبلخاناه ، وعزل نجم ~~الدين وولده من نيابة الدعوة ، وبعث صارم الدين بالصحوبية على عادة نواب ~~الدعوة ، وتوجه في سابع عشرين جمادى الآخرة ، وصحبته عز الدين العديمي ، ~~أحد مفاردة الشام لتقرير أمره ، وجرد صحبته جماعة من شيزر وغيرها ، فوصلوا ~~إلى مصياف وتحدثوا مع أهلها ، فامتنعوا ، فسير السلطان إليهم عسكرة ، ~~فسلموها في العشر الأوسط من شهر رجب سنة ثمان وستين وستمئة . # ومصياف هذه كرسي مملكة الدعوة ، وبها أكابرهم ، ومنها رسلهم إلى الملوك ، ~~وبها مقر الفداوية ؛ فلما علم نجم الدين وولده سرعة هذا الاستيلاء ، سألوا ~~الحضور ، وحضر الصاحب نجم الدين ، وعمره تسعون سنة ، فرحمه السلطان ، وعفا ~~عنه لأجل حضوره إلى بابه ، وولاه النيابة شريكا لولد الرضى ، لأنه صهره ، ~~وكان أبوه هو المشار إليه ، وقرر عليه حمل مئة وعشرين ألف درهم في كل سنة ؛ ~~وتوجه نجم الدين وبقي ولده ملازم باب السلطان ، وتقرر على ولد الرضي حمل ~~ ألفي دينار في كل سنة ؛ وهذا من العجائب لأن الاسماعيلية عادهم ~~يأخذون ولا يعطون . # قال مؤلف السيرة ms188 : وهذه مصياف كثيرا ما تكتب بالثاء المعجمة بثلاث نقط ، ~~وكان قديمأ بها الأمير وثاب بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس أبو الدوام ، ~~من أمراء بني كلاب ، فلما مات سنة خمس وتسعين وأربعمئة بمصياف - لما فصده ~~المزين ، فاسودت يده ، PageV01P366 وكان من الدهاة - ملكها ولده ناصر الدين ~~سابق ، فباعها لعز الدين أبي العساکر سلطان بن منقذ في سنة إحدى وعشرين ~~وخمسمئة ، وجعل فيها الحاجب سنقر ، فقتلته الباطنية ، وملكوا الحصن في سنة ~~خمس وثلاثين وخمسمئة ، وبقي في أيديهم إلى الآن ، ذكر ذلك مويد الدين بن ~~منقذ في كتاب الحصون . # وهؤلاء الاسماعيلية أول من قام بدعوتهم الحسن بن صباح ، المعروف بالكيال ~~، وهو من تلامذة ابن عطاش الطبيب ؛ قدم مصر في زمن المستنصر العلوي في زي ~~تاجر في سنة ثمانين وأربعمئة ، ودخل على المستنصر ، وخاطبه في إقامة الدعوة ~~ببلاد العجم ، فأذن له ؛ وكان الحسن کاتبا للرئيس عبد الرزاق بن بهرام ~~بالري، وادعى أنه قال للمستنصر : « من إمامي بعدك ؟ » فأشار إلى نزار ، فمن ~~هناك سموا بالنزارية ، وكان أول إظهار دعوتهم بالألموت ، وطلوع أعلامه في ~~سنة ثلاث وثمانين . # ثم إن نزارا بعد أبيه جرى له ما لا يخفى ، وراح إلى الاسكندرية وادعي ~~الخلافة ، ولقب بالمصطفى بالله ، وأخذه منها الأفضل بن أمير الجيوش ، ودخل ~~به القصر ، فما عاد خرج منها ، وانفصل أهل الالموت من المصريين من ذلك ~~الوقت، وشرع الاسماعيلية في افتتاح الحصون ، فأخذوا قلعة ، وبنوا أخرى ، ~~وأظهروا شغل السكين التي ابتدأ بها علي اليعقوبي ، ثم بعثوا داعية من ~~دعاتهم يعرف بأبي محمد إلى الشام ، فملك قلاعة من بلاد النصيرية ، ثم ملك ~~بعده سنان ، وهو سنان بن سليمان بن محمد البصري ، وأصله من قرية من قرى ~~البصرة ، تعرف بعقر السدن ، وأقام في الشام PageV01P367 نيفا وثلاثين سنة ، ~~وولي مكانه أبو منصور بن محمد ؛ وكان سنان يلبس الخشن ، ولا يراه أحد يأكل ~~ولا يشرب ولا يبول ولا يبصق ، بل يجلس على صخرة ، ويتكلم من أول ~~النهار إلى آخره ، فاعتقدوا فيه التأله . # وكان ابن صباح المقدم ذكره لما قتل ms189 نزار طلبوها به ، فقال : « إنه بين ~~أعداء كثيرة ، والبلاد بعيدة ، ولا يمكنه الحضور ، وقد عزم على أن يستخفي ~~في بطن امرأة ، ويجيء سالم ، ويستأنف الولادة » ، فقنعوا بذلك ؛ وأحضر ~~جارية قد حبلها وقال : « إنه قد أختفى في هذه ، فعظموها » . فولدت ابنا ، ~~سماه حسنة ، وقال : « تغيير الاسم التغيير الصورة » . فلما مات حسن في سنة ~~خمس عشرة وخمسمئة خلف ولده محمدا ، ولمحمد ولد اسمه حسن ، خلف أباه بعد موته . # ولما اتسع ملك خوارزم شاه قصد بلادهم ، فأظهر حسن بن محمد هذا أنه رأى ~~منامة ، وأن عليا عليه السلام قال له : « تعيد شعائر الإسلام وفرائضه وسننه ~~» . فعرف جماعة بما ادعى أنه " [ رآه ] ؛ ثم قال لهم : أليس الدين لنا ~~نتصرف تارة بوضع التكاليف عنكم ، وتارة نأخذها منكم ؟ » فقالوا : «السمع ~~والطاعة » . فكتب إلى بغداد ، وسائر البلاد ، بذلك ، واستدعى القراء ~~والفقهاء ، واستخدم أهل قزوين في ركابه ، وسير الخليفة رسولا صحبة رسوله ~~إلى حلب بتقوية يد نوابه ، وأن يقتل النائب القديم ؛ وتولى هذا الواصل ، ~~فخلصوا بذلك من صولة خوارزم شاه . # وقال ابن السمعاني في تاريخه : إنما سموا بالاسماعيلية لأن جماعة من ~~PageV01P368 الباطنية ينتسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق لانتساب ~~زعيمهم المغربي إلى محمد بن إسماعيل المذكور . وفي كتاب الشجرة أنه لم يعقب . # وأول عملهم بالسكين أن ابن صباح كان ذا دين في الظاهر ، وله جماعة من ~~نسبته يتبعونه ، فلما حضر من مصر إلى الألموت ، وهي حصينة ، وكان أصحابها ~~ضعفاء ، فقال لأصحابها : «نحن قوم زهاد ، نعبد الله ، ونشتري منكم نصف هذه ~~القلعة ، ونقيم معكم نعبد الله » . فاشتری نصفها بتسعة آلاف دينار ، ثم قوي ~~واستولى عليها ، وصاروا جماعة فبلغ خبر هم إلى ملك تلك البلاد ، فقصدهم ~~بعساکره ، فقال رجل منهم ، يعرف بعلي اليعقوبي : « أي شيء يكون لي عندكم أن ~~كفيتكم أمر هذا الجيش ؟ » قالوا : «نذكرك في تسابيحنا » . فقال : «رضيت ، ~~ونزل بهم ، وقسمهم أرباعا في أرباع العساكر ، وجعل معهم طبولا ، وقال : « ~~إذا سمعتم الصائح ، فاضربوا الطبول ! » وأما علي فهجم على الملك ~~فقتله ، فصاح أصحابه ، فضرب أولئك الطبول ، فامتلأت قلوبهم ms190 خوفا ، وهجوا ~~على وجوههم ، وأصبحت خيامهم خالية ، فنقلوا الجميع إلى القلعة . ومن ذلك ~~الوقت سوا سن السكين . # ويقال إن الاسماعيلية قالوا لحسن بن الصباح : «لا بد من أمر تقيمه لنا ~~برهانا على حقيقة حضور نزار ». فقال لهم : «الآية في ذلك أن يطلع القمر في ~~غير وقته ، ومن غير مطالعه » . ثم عمد إلى جبل هناك مرتفع شاهق وأخذ شيئا ~~شبيه الدف الكبير ، فعمل خلفه ضوءة، فرفعه ، فلما رأوه بشر بعضهم بعضا ~~بالإمام . PageV01P369 # وكان سنان أعرج من حجر وقع عليه سنة اثنتين وخمسين ، بالزلزلة ، فبلغ ~~الاسماعيلية أنه أعرج ، قالوا : «الإله لا يكون به عرج ». وهموا بقتله إن ~~لم يزل عرجه ؛ فاستبصرهم ، ونزل بهم إلى مقتاة في شهر رمضان ، وأكل فأكلوا ~~، وبايعوه . # ولما فرغ السلطان من هذه الأمور عاد من جهة حصن الأكراد ، فدخل في ثامن ~~وعشرين رجب سنة ثمان وستين وستمئة ؛ وعاد إلى مصر لأنه بلغه أن الفرنسيس ، ~~هو لویس بن لويس، وملوك الفرنج ، وهم : ملك الانكتار ؛ وملك أسكو سنا ؛ ~~وملك نورك [ ۱٤۳/ب، وهي بلاد السنافر ؛ وملك نبره، وهو قمص قينانية ؛ ~~والملك البر شنوني ، واسمه ريدراکون ؛ وولد أخي فرنسيس ؛ وقمص افلاندر ، ~~وامه ، ومعها خمسمئة فارس ؛ وقمص بلوش ؛ وقمص بليونة ، قد ركبوا ، ولم يعلم ~~قصدهم ، فاهتم السلطان بالثغور والشواني ، وعمر الجسور على المراكب من مصر ~~إلى الجزيرة ، ومن الجزيرة إلى الجيزة لأجل عبور العساكر ؛ وفكر في جهة ~~عسقلان ، وأن الريدافر نس ربما يقصدها ليعمرها كما عمر في السنين الحالية ~~قيسارية ؛ وكان بعسقلان بقايا أسوار لا سيما قلعتها ، فتوجه إليها بنفسه . ~~PageV01P370 ### | واستهلت سنة تسع وستين وستمئة # في مستهلها ورد کتاب من بيسو نوغاي ، قریب الملك برکه ، وهو أكبر مقدمي جيوشه ، ونسخته : # « صدر هذا الكتاب من بیسو نوغا إلى الملك الظاهر . أحمد الله تعالى على ~~أن جعلني من جملة المسلمين ، وصيرني ممن يتبع الدين المستبين ؛ وأصلي على ~~مختتم الرسالة ، ومعلم الدلالة ؛ إمام المرسلين ، وقوام المتقين ، محمد - ~~صلى الله عليه وسلم ! - وعلى إخوانه النبيين ، وأصحابه المحبين ، ~~أرباب الحق ، وأصحاب التمكين . # وبعد : فإن كتابنا هذا محتمل على ms191 معنيين ؛ أحدهما : التحية والسلام ، منا ~~إليك ، والثاني أنا سمعنا من اربوغا” أنه لصدق عهده مع أبينا برکه خان ~~استخبر عن أولاده وأقربائه ومن أسلم منهم ، فلما خبر هذا الخبر أخلصنا ~~المحبة للملك الظاهر ، الوفي بالعهود ؛ وقلنا ما استخباره عنا إلا لحميته ~~في الإسلام ، وصدق نيته في تجديد العهود . # وكتبنا هذا الكتاب على يد اريتموا وتوق بوغا ، معلمة أنا دخلنا في ~~الإسلام ، وآمنا بالله ، وبما جاء من عند الله ، وبرسول الله محمد - صلى ~~الله عليه وسلم ! - فيثق بما قلناه ، وأنا نستن بسنة أبينا برکه خان ، ~~ونتبع PageV01P371 الحق ، وتجتنب البطلان ؛ فلا تقطع ارسال المكاتبة عنا ، ~~فنحن معك كالأنامل لليد ، نوافق من يوافقك ، وتخالف من يخالفك . # فكتب جوابه عن السلطان .. ونسخته : # صدرت هذه المكاتبة إلى سامي مجلس العزيز الأصيل المجاهد في سبيل ربه ، ~~المستضيء بنور قلبه ؛ ذخيرة المسلمين ، وعون المؤمنين : بیسونوغا - عمر ~~الله قلبه بالإيمان ، وجعله في أمر دنياه وأخراه في أمان ، وعامله بما عامل ~~به التابعين بإحسان . # نعلم بورود کتاب منه سر السمع والقلب ، وحكم للتوفيق بالغلب ؛ ووجدناه ~~مقصورة على افهام ما هو عليه من صحة الاعتقاد ، والاقتفاء الأثر الملك بركة ~~خان ، في اجتهاد في الدين وجهاد ، وهذا كان عندنا منه أمر لا يترك مثله ولا ~~يلغي ؛ وقد تلونا قوله تعالى : وذلك ما كنا نسبغ ھ . وحمدنا الله تعالى على ~~أن كثر به حزب المؤمنين ، وجعله في ذلك مبتلا لقتال الكافرين . وقد علم أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم ! - جاهد عشيرته الأقربين ، وأنكر على من ~~رضي أن يكون مع القاعدين ؛ والقصد التذكار بذلك ، وإبلاغ التحية لمن في ~~الجانب المحروس ، ممن نور الله بصير ته حني اهتدى للحق ، واقتدى بالملك ~~بركة خان - رضي الله عنه ! - في جهاده ، وداوم على الجهاد ، الذي كتب الله ~~لنا أجره في الغرب ، ولهم PageV01P372 أجره في الشرق ، حتى تنكسر شوكة ~~الكفار ، ويعلم الكافير اليمن عقبی الدار ، ويخذل أنصار المشركين وما ~~للظالمين من أنصار. # وتضمن الكتاب الاشلاء على التتار . # وفي سابع صفر من هذه السنة توجه السلطان إلى عسقلان ms192 ، وعفا آثار عمارتها ~~، ورمی حجارتها في ميناها. وعاد فوصل إلى قلعته في ثامن ربيع الأول. ### || ذکر نزول الفرنسيسن على تونس وموت الفرنسيس ، ورحيلهم عنها # في محرم من هذه السنة تواردت الأخبار بأن الفرنسيس نزل على تونس ، وأنه ~~كان نزوله على بلاد البربر ، وأنه جرت ملحمة كبيرة . وورد کتاب والي ~~الاسكندرية مضمونه ورود مركب من اقریطش ، أخبر أهله أن فرنسيس وجموعه ، وقع ~~بينهم وبين أهل تونس مصاف عظيم ، واستظهر الفرنج على المغاربة ، وقاربوا ~~تونس . وكانت عدة خيالة الفرنج مقدار خمسة آلاف فارس وتركبلية وجرخية مثل ~~ذلك ، خارجة عن رجال الشواني ، وكانوا في انتظار ملك الانكتار ، فكتب ~~السلطان PageV01P373 إلى صاحب تونس يثبته بوصول العساكر لنجدته ؛ وكتب إلى ~~عربان الغرب ، وبلاد برقة بالتقدم لانجادهم وحفر الآبار في طرقات العساكر ؛ ~~واهتم بتجريد العساكر إلى جهة الغرب ، فوصلت الأخبار بموت فرنسيس ، وموت ~~ولده ، وجماعة من عسكره ، واستشهاد جماعة من المسلمين . وبلغهم حفر الآبار ~~، وعمل الفرنج عليهم خنادق ، وتوجهت نجدات العرب إلى تونس . ولما وهن ~~الفرنج بموت ملوكهم تحدثوا في الصلح على أن صاحب تونس يقوم بما غرموه ، ~~ويمدهم بنجدة ، ورحلوا عن تونس في خامس صفر . ### || ذكر وفاة صاحب سیس # وكان اسمه الملك المجير هيتوم بن قسطنطين ، ووفاته في حادي وعشرين ربيع الأول. ### || ذکر فتوح قلعة صافيثا # ولما علم السلطان أن الله قتل ملوك الفرنج بسيوف الأقدار ، وأحلهم من ~~الخذلان دار البوار ، توجه في عاشر جمادى الآخرة ، وصحبته ولده الملك ~~السعيد ، وبقي أمر السلطنة إلى الملك السعيد ، ودخل الملك السعيد دمشق ثامن ~~شهر رجب ، وخرج هو والأمير بدر الدين الخزندار من جهة القطيفة . ~~PageV01P374 # وكان الملك الظاهر قد توجه من جهة بعلبك ، ووصل إلى طرابلس ، فقتل من ~~رعاياها ، وأسر ، واتصلت الغارة بصافيثا ، وكان الفرنج اتفقوا على هدمها ~~حتى لا يتسلط بأخذها على طرابلس ، فلما وصل السلطان في هذه الغارة طلب من ~~بصافيتا الأمان ثم نكثوا ، فرحل عنهم السلطان وخلتی جماعة حولهم ، ~~فسیر کمندور أنطرطوس إلى السلطان يشفع في الإخوة الديوية بصافيثا على أنه ~~يأمرهم بالتسليم ، فأجابه السلطان ms193 ، وسير إليهم ، فنزلوا ، وكانوا سبعمئة ~~رجل ، خارجة عن النساء والأطفال ، وأحضروا إلى السلطان ، وهو على حصن ~~الأكراد ، فعزم على قتلهم لأنهم لم يثقوا بأمانه ، فشفع فيهم الملك السعيد، ~~فأطلقهم لأجله ، وسير معهم من أوصلهم سالمين . وتسلم السلطان صافيتا ~~وبلادها ، وتسلمت الحصون والأبراج المجاورة لحصن الأكراد مثل تل خليفة وغيره. ### || ذكر فتوح حصن الأكراد # وفي تاسع رجب نازل السلطان حصن الأكراد بعد إغارته على طرابلس . وفي ~~العشرين منه أخذت أرباض حصن الأكراد ، ووصل الملك المنصور ، صاحب حماه ~~بعسكره ، فالتقاه السلطان ، وترجل لترجله ؛ وساق السلطان تحت سناجق صاحب ~~حماه بغير جهدارية ولا سلاح دارية ، تأدب مع صاحب حماه ، وسير إليه ~~دهلیزأمره بنصبه . ووصل الأمير سيف الدين ، صاحب صهیون ؛ وصاحب دعوة ~~الاسماعيلية الصاحب نجم الدين . وفي أواخر PageV01P375 رجب تكمل نصب عدة ~~مجانيق ؛ وفي سابع شعبان أخذت الباشورة بالسيف ؛ وجعل للسلطان مكانا يرمي ~~منه النشاب ، وصار يعطي المال والخلع . وفي سادس عشر شعبان تشقق برج من ~~أبراج القلعة ، وزحف الناس ، وطلعوا على القلعة ، وتسلموها ، وطلع الفرنج ~~إلى التلة ، وأحضر جماعة من الفرنج والنصارى ، فأطلقهم السلطان صدقة عن ~~الملك السعيد، ونقلت المجانيق إلى القلعة ، ونصبت بها على التلة ، وكتب ~~السلطان كتب على لسان مقدم الفرنج بطرابلس إلى من بالتلة ، يأمرهم بالتسليم ~~، ثم طلبوا الأمان ، فكتب لهم أمان على أنهم يتوجهون إلى بلادهم . وفي يوم ~~الثلاثاء رابع عشرين شعبان ، خرج الفرنج منها ، وجهزوا إلى بلادهم ، وتسلم ~~الحصن . # وكتب إلى مقدم بيت الاسبتار ، صاحب حصن الأكراد ، کتاب بالبشارة ، منه : # « هذه المكاتبة إلى افرير او - جعله الله ممن لا يعترض على القدر ، ولا ~~يعاند من سخر لجيشه الظفر والنصر ، ولا يعتقد أنه ينجي من أمر الله الحذر ، ~~ولا يحمي منه محجور البناء ولا مبنى الحجر ! - تعلمه بما سهل الله من فتح ~~حصن الأكراد ، الذي حصنته وبنيته ، وخليته وكنت الموفق لو أخليته ، واتكلت ~~في حفظه على إخوتك فما نفعوك ، وضيعتهم بالإقامة فيه فضيعوه وضيعوك ، ~~وما كانت هذه العساكر تنزل على حصن ويبقى ، أو تخدم سعيدة ويشقى ». ~~PageV01P376 # ورتب السلطان الأمير ms194 صارم الدين الكافري نائبة بحصن الأكراد ، وفوض ~~عمارتها للأمير عز الدين الأفرم ، وعز الدين أيبك الشيخ ، وأمسك السلطان ~~وهوا محاصر حصن الأكراد فران فداوية ؟ كانا سيرا من العليقة إلى صاحب ~~طرابلس ، وقرر معهما اغتيال السلطان؛ فلما حضر الصاحب نجم الدين ، أنكر ~~السلطان عليه ذلك ، ثم أطلقهم . ### || ذكر شيء من أخبار الحصن # كان صنجيل - لعنه الله ! - منذ نازل طرابلس لا يقطع الغارات عن هذا الحصن ~~وما قاربه من الحصونه ؛ ثم إنه قصده في سنة ست وتسعين وأربعمائة ، وحاصره ، ~~وضيق عليه ، وأشرف على أخذه ، فاتفق قتل جناح الدولة ، صاحب حمص ، فطمع في ~~حمص ، ورحل عنه ؛ واتفق هلاکه ، وورود ابنه بدران"، فيجري على عادة أبيه في ~~أذية هذا الحصن ، وإفساد أعماله ؛ فيخافه من كان فيه ؛ وتوجه لحصار بيروت ، ~~فخرج طنكلي ، صاحب أنطاكية ، واستولى على أكثر البلاد ، وداراه أهل بلاد ~~PageV01P377 الشام ، فنزل على هذا الحصن، وأهله في غاية ما يكون من الضعف ، ~~فسلمه صاحبه إليه ، وكان يرجو أنه يبقيه فيه لأنه اختاره على صنجيل فأنزل ~~أهله منه . وأخذه صحبته ، ورتب فيه من يحفظه من الفرنج ، هذا ما ذكره ابن ~~عساكر . # وذكر ابن منقذ في كتاب البلدان أن الشهيد نور الدين - رضي الله عنه ! - ~~كان قد عامل بعض رجاله التركمان المستخدمين في جهة الفرنج على أنه إذا قصده ~~الشهيد يثور هو وجماعة من أصحابه في الحصن ، ويرفعون علم نور الدين الشهيد ~~على الحصن ، وينادون باسمه ؛ وكان هذا التركماني له أولاد وإخوة، وقد وثق ~~الفرنج بهم في هذا الحصن، وكانت العلامة بينه وبين نور الدين أنه يقف على ~~رأس باشورة، فاتفق أن الشهيد لم يطلع أحدة على هذا الأمر ، وتقدمت العساكر ~~، فرأوا التركماني ، فرموه فقتلوه، واشتغل أهله بوفاته ، وبطلت الحيلة . ~~ولم يفتحه السلطان صلاح الدين - رضي الله عنه !. ### || ذکر صلح أنطرطوس والمرقب # ثم إن السلطان أجاب كمندور أنطرطوس ، ومقدم بيت الاسبتار إلى الصلح على ~~أنطرطوس خاصة ، خارجة عن صافيتا وبلادها وعلى المرقب ، واسترجع منهم ~~بلدة وأعمالها ، وما أخذوه في الأيام الناصرية ، وعلى أن PageV01P378 جميع ~~ما لهم ms195 من المناصفات والحقوق على بلاد الإسلام يتركونه ، وعلى أن تكون بلاد ~~المرقب ، ووجوه أمواله ، مناصفة بين السلطان وبين الاسبتار ، وعلى أن لا ~~تجدد عمارة بالمرقب وحلف لهم السلطان ، وتوجه الرسل الاستحلاف المقدم . # (قال مختصر السيرة : توجه لتحليف المقدم المذكور بأنطرطوس الأمير فخر ~~الدين المقري ووالدي ، وتوجهت مع والدي عندما توجه في هذه الرسالة ) . # وأخلى الفرنج برج قرفيص ، وأخرجوا مالا أمكنهم حمله من موجودهم، وتسلم البرج المذكور في هذه الأيام وكذلك البرج الذي في بلده هدم الفرنج بعضه ، وحرقوه ، ورسم بهدم باقيه . ### || ذکر فتوح حصن عكار # كان على المسلمين من هذا الحصن مضرة ، لأنه في جبال صعية المرتقى بعيدة ~~المستقي ، يهبط منه المتحرمة ، ويتحصنون به ، كم أتعب من ملوك ، وهدر به دم ~~مسفوك ؛ ولأجلهم قتل السلطان نصارى قارا ، لأنهم كانوا لهم عيونا ؛ ولما ~~سهل الله فتح حصن الأكراد نازله السلطان في يوم الأربعاء سابع عشر رمضان ، ~~ورتب طلوع المنجنیقات ، وركب بنفسه على الأخشاب PageV01P379 فوق العجل في ~~تلك الجبال إلى أن وصلها إلى مكان نصيت به ، وطلب الحجارين وعمل بيده ، ~~ومهد الطرقات ، وحضرها ، وشرع في نصب المجانيق الكبار في العشرين منه . وفي ~~هذا اليوم استشهد الأمير ركن الدين منكورس الدواداري ، وكان يصلي في خيمة ~~فجأة حجر منجنیق فمات ، وفي تاسع وعشرين منه طلبوا الأمان ، ورفعت السناجق ~~على أبراجها . وفي يوم الثلاثاء سلخ رمضان خرج أهل حصن عكار منها ، فجهزوا ~~إلى مأمنهم ، وعيد السلطان بها ، ورحل إلى مخيمه بالمرج ؛ وكتب إلى صاحب ~~طرابلس بالتمعيرية ، وهو : # وقد علم القومص بیمند - جعله الله ممن ينظر لنفسه ، ويفكر في عاقبة يومه ~~من أمسه ! - نزولنا بعد ( حصن الأكراد ) على حصن عكار ، وكيف نقلنا ~~المنجنیقات إليها في جبال تستصعبها الطيور لاختيار الأوكار ؛ وكيف صبر نا ~~في جرها على منا كدة الأوحال ، ومكابدة الأمطار ؛ وكيف نصبنا المنجنيقات ~~على أمكنة يزلق عليها النمل إذا مشى ، وكيف هبطنا في تلك الأودية التي لو ~~أن الشمس من الغيوم ترى بها ما كان عير حبالها رشا ؛ وكيف صابرت ~~رجالك الذين ما قصرت في ms196 انتخابهم ، وحسنت بهم استعانة نائيك الذي انتخي بهم . # وكتابنا هذا يبشرك بأن علمنا الأصفر نصب مكان علمك الأحمر ، وأن صوت ~~الناقوس صار عوضه «الله أكبر » ؛ ومن بقي من رجالك PageV01P380 أطلقوا ولكن ~~جرحى القلوب والجوارح ، وسلموا ولكن من ندب السيوف إلى بكا النوائح ؛ ~~وأطلقناهم ليحدثوا القومص بما جرى ، ويحذروا أهل طرابلس من أنهم يغترون ~~بحديثك المفتری ؛ ولير وهم الجراح التي أريناهم بها نفاذا ، وكیشند وهم ~~لقاء يومهم هذا ؛ ويفهموكم أنه ما بقي من حياتكم إلا القليل ، وأهم ما ~~تركونا إلا على رحيل ؛ فتعرف كنائسك وأسوارك أن المنجنيقات تسلم عليها إلى ~~حين الاجتماع عن قريب ، وتعلم أجساد فرسانك أن السيوف تقول إنها عن الضيافة ~~لا تغيب ، الأن أهل عكار ما سدوا لها جوعا ، ولا قضت من ربها بدمائهم الوطر ~~، وما أطلقوا إلا لما عافت شرب دمائهم ، وكيف لا وثلاثة أرباع عكار عكر . # يعلم القومص هذه الحملة المسرودة ، ويعمل بها ، وإلا فيجهز مراكبه ، و مراكب أصحابه ، وإلا فقد جهزنا قيودهم وقيوده » . # قال مؤلف السيرة : وقلت في ذلك : # يا مليك الأرض بشراك %~% فقد نلت الإرادة # إن عكار يقينا %~% هي عكا وزيادة PageV01P381 ### || ذكر نبذة من أخبار حصن عكار # هذا الحصن يعرف بابن عكار ، كان للمسلمين ، فلما ملك الفرنج تلك الجهات ، ~~[و] فرغوا من طرابلس وأعمالها ، وتوجهوا إلى رومية وغيرها ، ترددت الرسل ~~بينهم وبين أتابك طغتكين ، وهو بحمص ، واصطلحوا على أن للفرنج ثلث البلاد ~~من البقاع ، ويتسلمون حصن المنيطرة وحصن ابن عكار ، ولا يتعرضون إلى البلاد ~~بغارة ؛ وتقرر معهم أن مصياف وحصن الوادي والطويات وحصن الأكراد على الصلح ~~، ويحمل عنها مال إلى الفرنج ؛ فلما تسلم الفرنج الحصنين لم يثبتوا على ~~الصلح ، وغاروا . ### || ذکر متجددات تخللت ذلك # في شعبان وردت كتب النصحاء من عكا يخبرون أن مركبة وصلت إليها من سنته ~~مخبرين أن ولد الريدافر نس ، القائم موضعه ، توجه إلى مملكته ، وكذلك ~~الكنود عادوا إلى بلادهم لما لحقهم على تونس من المرض ؛ ومن جملة ما ~~أعطاهم صاحب تونس مئتي ألف أوقية ذهب وستين أوقية ذهب) وزن الوقية ms197 أربعة ~~دراهم ، وغرقت سفائن على أترانيا عدتها أربعون سفينة للفرنج . PageV01P382 ### || ذکر صلح صاحب طرابلس # قد ذكرنا منازلة السلطان لطرابلس مرة ومرة ، وهدم قناتها وقطع أشجارها ، ~~فضعف كيد صاحبها ، وقلت أنصاره ، وآلت إلى الخراب دیاره ، وانقطع ظهره ~~بالاستيلاء على حصن الأكراد ، وحصن عكار ، وصافيثا ، وحليا ، والقليعات ، ~~وبانياس ، ومرقية ، وغيرها ، وبلغهم أيضا هلاك فرنسيس ، وغرق الأربعين ~~سفينة للفرنج ، والصلح مع المرقب ، وانطرطوس ، فبقي في مدينته في حبس ، بل ~~في رمس. # فرحل السلطان من منزلته بالارزونية ، في رابع شوال ، لابسة عدة الحرب هو ~~وجميع العساكر ، وأقامت الأثقال بمكانها ، وساق ، فبينما هو حازم جازم وردت ~~إليه الأخبار بأن ملك الانكتارا وصل إلى عكا في في أواخر رمضان وصحبته ~~ثلاثمئة فارس ، وثماني بطس وشواني ومراكب تكملة ثلاثين مركبة ، غير ما كان ~~سبقه صحبة استاذ داره؟ ؛ وأنه يقصد الحج . ففتر عزم السلطان بعض فتور ، ~~ونزل قريبا من طرابلس جريدة ، وتردد الأتابك إلى جهة طرابلس ، وتردد الأمير ~~سيف الدين الدوادار ، واجتمعوا بصاحبها ، وأراد السلطان قطع الأشجار ، فسير ~~البرنس يطلب الصلح ، وخرج وزراؤه ، وكتبت الهدنة لمدة عشر سنين ، وحلف ~~السلطان له ، وجهز فخر الدين بن جلبان ، وشمس الدين الأخنائي شاهد الخزانة ~~، ومعهما ثلاثة آلاف دينار مصرية لفكاك الأسري . وتوجه السلطان إلى عكار ~~PageV01P383التدبير عمارتها ثم عاد إلى مخيمه بالأرز ونية ، وتوجه إلى حصن ~~الأكراد فدبر أمر عمارته ، ورتب أمور تلك الجهات . ### || ذکر فتوح العليقة من يد الاسماعيلية # هذا الحصن من أمنع حصون الجبل ، كان مختصة بالرضى وولده ، فجرت من ولده ~~أحوال أوجبت اعتقاله في مصر ، وكان السلطان أحسن إليهم إحسانا ما أثمر ولا ~~أثر ، واستمالهم وكثر ، فلما لم يفد ذلك رسم العسكر الذي بيلاطنس بمنازلتها ~~، وسير إلى عبد الظاهر النائب بها، وإلى جماعة من أهلها بالترغيب والترهيب، ~~فأجابوا ، وسيتروا واستحلفوا السلطان على ما وعد به ، فتسلمها نواب السلطان ~~يوم السبت حادي عشر شوال واستخدم بها الرجالة . ### || ذکر متجددات # في تاسع شوال كان بدمشق السيل العظيم ؛ وذلك أنه أتي نصف الظهر ، ~~فأتى على كل شيء فجعله كالرميم ، وطلع في خور ms198 دمشق قدر رمح وأغرق حيوانات ~~كثيرة على اختلافها ، ودخل دمشق فأفسد عدة آدر بها ، وأغرق من العالم ما لا ~~يعد كثرة ، ومن الخيل والجمال أشياء كثيرة، وما علم أحد من أي جهة كان ~~اجتماعه بغير مطر عظيم ، ولا أين ذهب - فسبحان PageV01P384 ذي القدرة ~~والعظمة ! - واقتلع الأشجار من أصولها ، ودخل السلطان بعد ذلك بأيام إلى ~~دمشق فما وجد بها ماء ، ولا حمامة تدور ، وشرب الناس من الصهاريج والآبار ؛ ~~ويقال إنه هلك بهذا السيل عشرة آلاف روح ؛ وأخذ السيل الطواحين بحجارتها ~~حتى ما كانت . # وحكى أن فقيرا صالحا حضر إلى دار نائب السلطنة بدمشق ، يقول : وعرفوا ~~الأمير أني أريد أغدو إلى بعلبك » ، فقال له الأمير : «رح ، راجر ، وضحكوا ~~منه ، فراح ، وعاد ، وهو ينذر الناس بالسيل ، فضحكوا منه وما أحسوا بالسيل ~~إلا وقد هجم ، على ما ذكر . ### || ذکر فتوح القرين # لما فرغ السلطان من هذه الجهات ، وترتب الأمير عز الدين الأفرم وعز الدين ايبك الشيخ للعمارة ، رحل السلطان فوصل دمشق منتصف شوال ورحل ~~منها [ في رابع وعشرين منه ]. # وكان هذا حصن القرين لاسبتار الأرمن، ولم يكن لهم بالساحل غيره ، وكان من ~~أمنع الحصون وأضرها بصفد ، وكان السلطان نوبة فتوح صفد غار عليه ، بل غار ~~عليه أن يكون مثله للكفر ، فرأى بعد فتح حصن الأكراد PageV01P385 وحصن عكار ~~أنه لا يترك هذا الحصن خلفه ، فسار إلى صفد ، وجهز منها المنجنيقات ، وساق ~~إلى القرين ، ونازله . وبينما السلطان واقف لنصب المنجنيقات وردت رسل عكا ، ~~واتفق أن السلطان يرمي نشابة على القلعة مر به طائر فرماه فإذا فيه بطاقة ~~من جاسوس في العسكر مضمونها أخبار السلطان ، وذلك بحضور كبير الرسل ، فسلم ~~الطائر له ، وقال : « استصحبه معك ليقرأه الفرنج ، فهذه البطاقة كتبها ~~إليكم جواسيسكم، وقد رميت الطائر بنشابي ، ونحن نفرح بمن يخبركم بأخبارنا » # وفي مستهل ذي القعدة ملك الربض ، وفي ثانيه أخذت الباشورة ، وأخذت النقوب ~~في السور ، وشرط للحجارين عن كل حجر ألف درهم واشتد القتال [ وحضر ~~رسلهم ] وتقرر خروجهم ، وتوجيههم حيث شاءوا ، وأنهم لا يستصحبون مالا ولا ~~سلاحا. ms199 قال مؤلف السيرة : «وكتبت الأمان بترتيب السلطان ». ورفعت السناجق ~~عليها ، ووصلهم الأمير بدر الدين بيسري [ الشمسي ] إلى عكا . وأنعم على ~~مؤلف السيرة ببشارة حماة ، وركب السلطان وأصبح على أبواب عكا مطلبة ، فما ~~تحرك أحد من الفرنج ، وعاد السلطان إلى مخيمة بالقرين ، وأمر بهدم القلعة ، ~~ففي رابع عشرين ذي القعدة تكمل هدمها ، وفي آخر النهار المذكور رحل السلطان ~~من القرين ، وتوجه قريبة من عكا ، وأكمن عسكرة لعل أحدة يخرج فما خرج من ~~الفرنج أحد ، فسار ونزل اللحون . # وفي شوال من هذه السنة كتب السلطان إلى الديار المصرية بتسفير الشواني ~~القصد قبرس ، وشغل أصحابها حتى يفارق عكا ، فأشار ابن حسون برأي ~~PageV01P386 تطير الناس به: وهو أنه قال لو دهنت الشواني سودة تشبها بشواني ~~الفرنج ، وعملت بها أعلام بصلبان ، حتى إذا دخلت مواني الفرنج يعتقدونها ~~لهم ، فنغتنم الغرة منهم . وليت لا كان هذا الرأي لما ترتب عليه من غضب ~~الله . ففعل ذلك ، وسافرت الشواني ، وفيها رؤساها ، وهم نخبة الرؤساء ~~المجاهدين ، وهم على تلك الحالة ، فانكسرت بمرسی النمسون من قبر س . وورد ~~کتاب صاحب قبرس إلى السلطان ، فيه تقريع بأن «شواني مصر خرجت إلى قبرس ~~فكسرها الريح ، وأخذتها ، وهي أحد عشر شينيا ، وأسرت من فيها ». فلما علم ~~السلطان ذلك قال : « الحمد الله من ملكني الله الملك ما خذلت لي راية ، ~~وكنت أخاف من إصابة عين ، فبهذا ولا بغيره . # وكتب إلى الديار المصرية بإنشاء عشرين شينيا وإحضار خمس شواني كانت بقوص ~~. ولما فتح القرين أمر بأن يجاوب متملك قبرس عن كتابه ؛ قال مؤلف السيرة ~~فكتبته بين يديه ؛ وهو : # « هذه المكاتبة إلى حضرة الملك اوكا دلز نيال - جعله الله ممن يوف الحق ~~إلى أهله ، ولا يفتخر بنصر إلا إذا أتى قبله أو بعده بخير منه أو مثله - ~~تعلمه أن الله إذا أسعد إنسانا دفع عنه الكثير من قضائه باليسير ، وأحسن له ~~التدبير فيما جرت به المقادير . وقد كنت عرفتنا أن الهواء كسر عدة من ~~شوانينا ، وصار بذلك يتبجح ، وبه يفرح ؛ ونحن الآن نبشره بفتح القرين ، ~~وأين ms200 البشارة بتمليات القرين من البشارة بما كفى الله به ملكنا من العين ! ~~وما العجب أن يفخر بالاستيلاء على حديد وخشب ، الاستيلاء PageV01P387 على ~~الحصون الحصينة هو العجب . وقد قال وقلنا وعلم الله أن قولنا هو الصحيح ، ~~واتكل واتكلنا وأين من اتكل على الله وسيفه كمن اتكل على الريح ، وما النصر ~~بالهوا مليح إنما النصر بالسيف هو المليح ؛ وفي يوم ننشيء عدة قطائع ولا ~~تنشأ لكم من حصن قطعة ، ونجهز مئة قلع ولا يتجهز لكم في مئة سنة قلعة ؛ وكل ~~من أعطي مقذافة قذف ، وما كل من أعطي سيفة أحسن الضرب به أو عرف ، وأن علمت ~~من بحرية المراكب آحاد فعندنا من بحرية المراكب ألوف ، وأين الذين يطعنون [ ~~بالمقاديف في صدور البحر من الذين يطعنون ] بالرماح في صدور الصفوف . ~~وخيولكم المراكب ومراكبنا الخيول ؛ وفرق بين من يجريها كالبحار ومن تقف به ~~في الوحول ، وفرق بين من يتصيد على الصقور من الخيل العراب وبين من إذا ~~افتخر قال تصيدت بغراب ؛ فلئن كنتم أخذتم لنا قرية مكسورة فكم أخذنا لكم ~~قرية معمورة ، وإن استوليتم على سكان فكم أخلينا بلادكم من سكان ؛ وقد كسب ~~وكسبنا ، فترى أينا أغيم ؛ ولو أن في الملك سكوتة كان الواجب عليه أن سكت ~~وما تكلم » . # وبقي أهل المراكب إلى أن فرج الله عنهم على ما سيذكر. PageV01P388 ### || ذکر صلح صور # ولما علم صاحب صور قرب الجوار منه دخل في المواضي ، وحضر رسله وحصل ~~الاتفاق على أن يكون لهم من بلاد صور عشرة بلاد خاصة ، ويكون السلطان خمسة ~~بلاد يختارها خاصة ، وبقية البلاد مناصفة ، وحلف لهم السلطان على ذلك ، ~~وجهز الرسل فحلفوا صاحب صور . # قال ابن القيسراني مختصر السيرة المتوجه لتحليف صاحب صور . ### || ذکر وصول السلطان إلى مصر # وسار السلطان إلى الديار المصرية فدخل قلعته في ثاني عشر ذي الحجة ، فشرع ~~في تجهيز الأمير شمس الدين اقسنقر ، أستاذ الدار ؛ وخرجوا مطلبين إلى الشام ~~في الشهر المذكور . # وفي هذا الشهر وصلت هدية صاحب اليمن ، وفيها التحف الثمينة وفيل ودب أسود . # ووالى السلطان النزول ms201 إلى مصر بنفسه ، والأمراء في خدمته ، لمباشرة عمل ~~الشواني ؛ واستمر الاهتمام بها. PageV01P389 # وفي الشهر المذكور خلع وفرق بالميدان على ألف وسبعمئة نفر من الأمراء ~~والحلقة أثمان خیل ، وفرق خيلا ألفا وثمانمئة وخمسين رأسا ؛ وما زال ~~السلطان جالسا حتى فرق ذلك بين يديه . وأصبح في ثالث وعشرينه أعاد العطاء ~~حتى فرغ الناس، ولازموا الصناعة عدة أيام لرمي الشواني . ### || ذكر الاستيلاء على الرصافة من حصون الدعوة # وذلك أنه وردت كتب النواب بالهجوم عليها وتملكها في أواخر شوال . ### || ذکر غارة الفرنج # في بكرة يوم العيد أغار الفرنج إلى جهة الشاغور والبعنة ، وكانوا أكثر من ~~ألف وخمسمائة راكب ورجالة كثيرة ، أخذوا غلة وجر وبا ، وأحرقوا غلالا ~~ورجعوا وهلك منهم بالحر والعطش جماعة . # واستهلت سنة سبعين وستمئة فاستفتحها السلطان بالأمر بتبطيل المنكرات ، وإراقة الحمور ؛ وكان يوما مشهودا. PageV01P390 ### || ذکر توجه السلطان إلى الكرك وإلى الشام ۔ # في هذه المدة بلغ السلطان تغير العربان مثل عيسى بن مهتا وغيره ، وأنهم ~~ربما ينتز حون ، وفكر أنه إذا استدعاهم لا يحضروا ، ويظهر المستور؛ وإن قصد ~~الشام تسحبوا ؛ فنزل إلى الميدان في سابع محرم ، وفرق على خواصة أربعمئة ~~ألف درهم وائي عشر ألف دينار عينا ونيفة وستين حياصة ذهبا ، وأمر بتجهيز ~~العساكر إلى عكا بعد الربيع ، ولازم النزول إلى الصناعة في كل يوم حتى نجزت ~~الشواني . وواصل الأمير شمس الدين أستاذ الدار ومن معه من العسكر المسير ~~إلى جينين ، ونزل عليها . : # وتوجه السلطان من قلعته بعد المغرب من ليلة سابع وعشرين المحرم في جماعة ~~يسيرة من خواصه ، وأخفى حركته ، ورسم بأن أحدا من المجردین معه لا يشتري ~~علينا ولا مأكولا، وقرر لهم ما يحتاجوا إليه ، وعرج من الزعقة في البرية ~~إلى الكرك ، ولم يعلم به أحد ، فوصلها في سادس صفر ، ونزل بقلعتها . # وكان قد استصحب معه علاء الدين ايدكين أستاذ الدار ، وكتب له تقلید ~~بنيابة السلطنة في الكرك ، وتقليد الأمير عز الدين ايدمر النائب ~~بالكرك بنيابة السلطنة بالشام ، ومناشير بإقطاع الأمير عز الدين لعلاء ~~الدين وإقطاع النجيبي لعز الدين ؛ ولم يعلم ms202 بذلك أحدة . وفي ثامن صفر تسلم ~~علاء الذين ایدكين النيابة بالكرك ، ورسم للأمير عز الدين ايدمر بالحضور ~~إلى الشام ، PageV01P391 وأفهمه أنه طلبه أنيابة حصن الأكراد. # وسار إلى دمشق فوصلها في ثالث عشره ، وأحد لا يعلم به ، وكان قبل أن يدخل ~~دمشق قد رسم لولد كاتب السيرة بكتابة كتب إلى النواب بتفويض نيابة الشام ~~لعز الدين ايدمر ، فجاءت نحو ثمانين كتابا في يوم وليلة ، وسير تشريفا ~~للنجيبي ، وأمره بعمل شغله ، فتوجها إلى مصر ، وباشر الأمير عز الدين نيابة ~~الشام في بكرة نهار الاثنين . # وأنفق السلطان في الذين صحبوه جملة من المال والتفاصيل والفراء والخيول ؛ ~~وركب في ليلة سادس عشر صفر ، ونزل بظاهر حماة بالجوسق ونزل صاحب حماه في ~~خيمة أسوة بالناس ، ورتب استاذ داره وأمير جانداره وحاشيته في الخدمة ، لأن ~~السلطان خرج في هذه المرة جريدة ورتب له صاحب حماه الاسمطة غداء وعشاء . # وأول ما شرع فيه السلطان حديث العربان، وكان سبب نفورهم أشياء ، منها أخذ ~~أولادهم رهائن ، فعزم عيسى بن مهنا وغيره على الالتجاء إلى التتار كما فعل ~~أحمد بن محمد ، وربيعة بن الظاهر ، وأبو بكر بن علي ؛ ولما وصل حماة وجد ~~بغتة عثمان بن مانع ، وعمر بن مخلول وجماعة من أكابر العرب ، فأكرمهم ، وما ~~أظهر لهم شيئا ، وكتب إلى عيسى يطلب منه فرس فلان والفرس الفلاني ، تسكينة ~~له ؛ وكان عيسى قد كتب إلى السلطان قبل الخروج من مصر ، وطلب الحضور خديعة ~~فخدعة السلطان ، وقال : «لا تحضر حتى أعرفك ! » وكتب إليه الآن : « إنك ~~طلبت الحضور ، PageV01P392 وأنا الآن في حماه ، فإن أردت فاحضر . فحضر ~~المذكور ، فسأله السلطان عما قالت عنه العربان ، فقال : « نعم ! والصدق ~~أنجى من الكذب » . فرأي له حق الصدق ، وأحسن إليه ، وإلى أمراء العربان . ~~وكان عثمان وعمرو قد تغيبيا فلما سمعا بالعفو حضرا . وأطلق رهائنهم ، وأطلق ~~العيسى نصف خبزه الذي كان أخذه منه في سنة ثمان وستين من سلیمه وغيره ، وهو ~~ مائة ألف وثلاثون ألف درهم ؛ وأطلق له من حلب ألف مكوك غلة أنعامة ، ~~وأطلق الأمراء العربان غلالا من ms203 خمسمئة مكوك إلى ما دونها ؛ واستحلفوا ~~بحضور السلطان . ### || ذکر حدیث نواب الدعوة # كان الصاحب نجم الدين لما حضر إلى مرج حصن الأكراد سنة الغارة استقر حاله ~~هو وولده على أن أحدهما يكون في الخدمة والآخر في الحصون ، وتقرر عليهم ~~لبيت المال مئة وعشرون ألف درهم وحضر شمس الدين وولده في الصحية ، فنسب ~~إليه مكاتبة إلى الفرنج ؛ ولما حضر الصاحب نجم الدين سنة فتح حصن الأكراد ~~اعتذر عن ذلك ، وتحدث هو وولده شمس الدين مع الأتابك في تسليم القلاع ، ~~وأنهما يحضران إلى باب السلطان ، فأجابهم إلى ذلك ، وتوجه شمس الدين إلى ~~الكهف ليدبر أمور أهله في عشرين يوما ويعود، وسافر أبوه في الخدمة إلى ~~القرين ثم إلى الديار المصرية PageV01P393 على أن ولده يلحقه فما حضر ، ~~وصار يفند عن الحضور ؛ وكتب إليه السلطان : « بأن الذي كنتم سألتموه من ~~تسليم القلاع كأنكم قد رجعتم عنه ، والوعد الذي وعدناكم نحن ما تخلفه : من ~~أننا نعطيك امرة بأربعين فارسة ، وقد تسام الإقطاع والدك . فورد جوابه ~~يعتذر عن الحضور ، ويطلب حصن القليعة ، وأنه يسلم بقية الحصون للسلطان ، ~~فأجيب إلى ذلك ، وسير الساطان معه ؟ الأمير علم الدين سنجر الدو اداري ، ~~وسير معها قاضي حمص ، فحلفا شمس الدين بحصن الكهف ، وبعد تحليفه طالبوه ~~بالتسليم ، فامتنع أهل الكهف عن ذلك باتفاق منه في الباطن فعادت الرسل ~~مخبرين بذلك ؛ ثم أعيد إليه الأمير علم الدين الدو اداري وعلم الدين شقير ~~مقدم البريدية فمنعوا من الدخول إلى الكهف ، وقيل لهم : «أرجعوا !» ولم ~~تؤخذ منهم الكتب . ولما بلغ السلطان ذلك أمر بمضايقتهم ؛ ثم أن شمس الدين ~~ندم ونزل من الكهف ، ووصل إلى السلطان بظاهر حماه في سادس وعشرين صفر ، ~~فأكرمه واحترمه ؛ فسير ورقة إلى السلطان بأن أهل الكهف كانوا جهزوا فداوية ~~إلى الأمراء ، فعز هذا القول على السلطان ، وأمر في الوقت بإمساكه، وإمساك ~~أصحابه ، وسيروا إلى مصر، واستمرت مضايقة حصونهم ، وأمسك والي الدعوة ~~والناظر بسر مين ، وكان لهم أقارب بالحرابي ، فأشار عليهم الأمير سيف ~~الدين بلبان الدوادار بمكاتبة أقاربهم بالتسليم فحضر منهم ms204 جماعة ، وأعطاهم ~~السلطان خلعة ونفقات وأجراهم على رسومهم ، فسلموا الحصن المذكور؛ وفي مستهل ~~شهر ربيع الأول تسلم نواب حصن الأكراد القليعة أحد حصون الإسماعيلية ~~بالأمان . PageV01P394 # وفي مستهل ربيع الأول ركب السلطان من حماه بعد العشاء الآخرة ، ولم يعلم ~~مقصده ، وسار على طريق حلب وشيزر ثم عرج ، فأصبح بظاهر حمص ، وتوجه إلى حصن ~~الأكراد وحصن عکار کشف أمورهما ، وسار إلى دمشق ؛ وكتب إلى الأمراء بمصر ~~كتابة من ملخصه أنه يقول لأكابر الأمراء : « ولدكم ،، ولبقية الأمراء : « ~~أخوكم ووالد كم يسلم عليكم ، ويتشوق إليكم وایثاره أن لا يفارقكم ، وإنما ~~قدمنا راحتهم على راحتنا فطالما تعبوا واستر حنا ، ويعلمهم بالمتجددات ~~ليكونوا لها كالمشاهدين ، ولمشاركتنا في الرأي كالمجاهدين ، فمنها : حديث ~~الاسماعيلية ، وحدیث العربان، وورود الأخبار بحركة التتار ولو عدنا لحفلت ~~البلاد . وأما الفرنج فعملوا سلالم من حرير ؟ ، وعزموا على مهاجمة صفد ، ~~ووروا ببيروت ، فلما وصلنا البلاد انعكست آمالهم ، ومما يدل على التمكين ~~تارة بالسيف وتارة بالسكين أن صاحب مرقية الذي أخذنا بلاده توجه إلى التار ~~مستصرخة ، وسيرنا وراءه فداوية ، وقد وصل أحدهم ، وذكر أنهم قفزوا عليه ~~وقتلوه . وقد بلغتنا حركة التتار وأنا والله لا أبيت إلا وخيلي مشدودة وأنا ~~لابس قماشي حتى المهماز ». # وورد الخبر بأن جماعة من العدو" أغاروا على عين تاب ، وتوجهوا إلى عمق ~~حارم في نصف ربيع الأول ؛ فكتب إلى الديار المصرية بتجريد الأمير بدر الدين ~~بيسري الشمسي بثلاثة آلاف فارس . ثم أغار التتار على حارم والروج ، وقتلوا ~~جماعة ، وتأخر ابن مجلى والعسكر الحلبي إلى حماه ، PageV01P395 وكان ~~البريدي المتوجه بطلب البيسري والعسكر ، وهو الصارم المشرفي قد خرج من دمشق ~~في الثالثة من نهار الأحد ثامن عشر ربيع الأول ، ودخل القاهرة الثالثة من ~~ليلة الأربعاء حادي وعشرينه ؛ فخرج الأمير بدر الدين بيسري والعسكر بكرة ~~الأربعاء المذكور ، ووصل الأمير شمس الدين أستاذ الدار بالعسكر المجرد على ~~جينين ، وهم خمسمئة فارس ، وجفل أهل دمشق ، وبلغت قيمة الجمل ألف ~~درهم ، وأجرة الحمل إلى مصر مئتي درهم ؛ ووصل البيسري والعسكر إلى دمشق في ~~رابع ربيع الآخر ، وسار ms205 السلطان بالعساكر إلى حلب ، وجرد الأمير شمس الدين ~~استاذ الدار وجماعة عربان إلى مرعش ، وجرد الحاج طيبر س الوزیري وعيسى بن ~~مهنا إلى حران والرها ، وما زال راكبا طول ليله حتى جهز هم ورسم بترتيب ~~المنورين والكشافة ، ووصل الحاج طيبر س إلى حران وقتل من كان بها من التار. # وفي أواخر ربيع الآخر بلغ السلطان أن الفرنج غاروا على قانون وقتل الأمير ~~حسام الدين أستاذ الدار ، وجرح الأمير ركن الدين الخالق ، وجرح والي قاقون ~~؛ فرحل السلطان من حلب ، ومنع من يتقدما حتى لا يعلموا الفرنج بخبره ؛ ودخل ~~دمشق وبين يديه التتار المأسورون من حران ، وكأن إغارة الفرنج باتفاق من ~~التتار ؛ فخرج البر واناه ؟ وسمر غاني من تلك الجهات ، وخرج الفرنج على ~~قاقون ؛ فأما التتار فانكفوا بحركة السلطان PageV01P396 إلى حلب ؛ وأما ~~الفرنج فلما قصدهم العسكر المجرد بقانون تأخروا عنها ؛ ووصل الأمير جمال ~~الدين أقوش الشمسي بعسكر عين جالوت فولى الفرنج . مدبرين ، ولحقهم العسكر ، ~~واسترجع منهم تركمانة ، وقتل من رجالتهم ، وعرقب من خيلهم ؛ وذكر بجكا ~~العلائي مقدم عسكر قاقون أنهم عدوا ما قتل من خيل الفرنج وبغالهم ونفق فكان ~~خمسمئة رأس . # وخرج السلطان من دمشق ثالث جمادى الأولى ، واستصحب العساکر المصرية ~~والشامية بنية الغارة على عكا ، فتوالت أمطار كثيرة على مرج برغوث زاد ~~الأمر فيه على الوصف ، وكاد الناس يهلكون لعدم ما يستظلون به ، فانثى عزمه ~~عن الإغارة ، ورد العسكر الشامي ، وسار إلى الديار المصرية ، فوصل قلعته في ~~الثالث والعشرين من جمادى الأولى . # وكان قد ورد رسول تو نس بهدية ، منها : خمسة وعشرون حصانة قال الرسل إن ~~منها حصانين سبقت خيل تونس ؛ ففرقها السلطان على الأمراء ، وما أخذ منها ~~شيئا . وكان في كتابهم تقصير في المخاطبة ، فكتب إليه بمثل ذلك ، وأنكر ~~عليه التظاهر بالمنكرات ، واستخدام الفرنج عونا على المسلمين ، وأنكر عليه ~~بكون الفرنج نازلوه ومات ملوكهم وما خرج إليهم ، وكان مستخفيا ، وقال : « ~~مثلك لا يصلح لأمور المسلمين ». وخوفه بعساكره . # وفي المحرم سنة سبعين وصلت رسل الريجار أخي فرنسيس ، ونزل السلطان على عادته ms206 إلى الصناعة لعمارة الشواني ، فأحضر الرسل وهو جالس بين ~~الأخشاب والأحطاب وبين الصناع ، والأمراء يعملون ويحملون وشواني ترمی ، ~~وشواني تمدة فشاهد الرسل ما راعهم . وكان السلطان قد سير إليه الحاجب بدر ~~الدين بن عزیز رسولا. وتضمن الكتاب الاعتذار التأخره ، وشفع في أهل عكا . ~~PageV01P397 # وفي رجب من هذه السنة خرج السلطان متصيدة بجهة الصالحية ، فبلغته حركة ~~التار فرجع . وفي ثالث شعبان خرج السلطان من قلعته متوجها إلى الشام ، فنزل ~~بمروج قيسارية . ### || ذكر الصلح مع الفرنج # كان رسول الفرنج قد حضر ، فصادف السلطان في السوادة ، فعاد صحبته إلى ~~العوجا ، وزادهم ثماني ضياع غير الاثني عشر ضيعة التي زادها لهم خارجة عما ~~في الهدنة ، وجهز هم من العوجاء، فعادوا وصحبتهم فارس من جهة ملك عكا ؛ ~~ورحل السلطان إلى منزلة الروحا ، وترددت الرسل ، وكان قصد الفرنج شفر عم ~~وكابول واسکندونة ، فأنعم عليهم بشفر عم بکمالها ونصف اسکندرنة ونصف ضيعة ~~من عملها ، وبرد فلاحي البلاد التي عينت لهم في الهدنة ؛ وحضر أكابر ~~الخيالة والإخوة ، فحلف السلطان على الهدنة للملك أوك دلز نيال ملك عكا ~~وقبر س ، وحلف لمقدمي البيوت يمينا مفردة ؛ وتوجه رسل السلطان لتحليف الملك ~~، وهم : الأمير فخر الدين اياز المقري ، والصدر فتح الدين بن القيسراني ~~كاتب الدرج الشريف ، وذلك في الحادي والعشرين من شهر رمضان ، وهو أول مدة ~~الهدنة ، ومدتها عشر سنين وعشرة شهور وعشرة أيام وعشر ساعات . وخرج أهل عكا ~~ليشاهدوا العساكر ، فركب السلطان ، وركب العساكر ، ولعبوا بالرماح ؛ وعاد ~~الرسل بعد تحليف الفرنج . # وفي ثاني شوال رحل السلطان بالعساكر من منزلة الروحا إلى خربة ~~PageV01P398 اللصوص ، وكان قد بلغه ورود رسل التتار ، ودخل دمشق وصحبته ~~جماعة من الأمراء ، وأعيان من العسكر ، والتقته العساكر الشامية ، وحضر ~~الرسل صحبة الأمير عز الدين نائب الشام : رسول البرواناه ، ورسول صمغار ~~مقدم عسكر التتار ؛ ثم سمع مشافهتهم ؛ وتضمن الكتاب الذي على أيديهم جواب ~~الكتاب الذي كان كتب إليهما ، وتضمن رغبتهم في الصلح ، وطلب رسل ، ~~فجهز إليهم الأمير مبارز الدين الطوري أمير طبرا والأمير فخر الدين المقري ~~الحاجب ، وتوجها ms207 هما والرسل في نصف شوال ، ودخلوا سیس ، والتقاهم متملكها ، ~~وساروا من در بند سيس إلى الروم في ثلاثة أيام ، فالتقاهم القراؤولية ، ~~ودخلوا قيسارية ، واجتمعوا بصمغار بين سیواس والجسر ، وأكرمهم ، وأوصلوه ما ~~كان معهم من الهدية ، وهي قسي تسعة ، ودبابيس تسعة ؛ واعتذروا عن قلتها ~~بكونهم توجهوا إليه على البريد . وفي اليوم الثاني اجتمعوا بالبر واناه ، ~~وأعطوه قماشة فاخرة سیرت السلطان إليه خفية . وسيرت معهم هدية لأبغا ، وهي ~~جوشن ریش قنفذ ، وخودة كذلك ، وسيف ، وقوس وترکاش ، وتسع فردات نشا با ؛ ~~وتوجهوا صحبة البرواناه ، ووصلوا إلى الأردو ، وأوصلوا إلى أبغا هديته بعد ~~أن عبروا بها بين النارين ، وقصدهم بذلك تطهير الهدية ، واختيارها لئلا ~~يكون بها سحر أو سم ؛ وقال له مبارز الدين الطوري : « السلطان يسلم عليك ، ~~ويقول إن رسل منکوتمر وردوا إليه مرارة بأن السلطان يركب PageV01P399 من ~~جهته ، ويركب الملك منكو تمر من جهته ، وأين وصلت خیل سلطاننا كان له ، ~~وأين وصلت خیل منكو تمر كان له » . فلما سمع أبغا هذا الحديث انزعج انزعاجة ~~عظيمة ، وقام ركب . وخرجت الرسل إلى خيامهم ؛ ثم طلب أمراءه ، وعمل مشورة ~~وبعد ذلك خلع عليهم ، وأذنوا لهم في السفر ؛ فحضروا . # وفي ثاني ذي القعدة وصل الخبر أن المرشيلية ، أحد جنوس الفرنج ، أخذوا ~~مركبا فيه رسل الملك منكو تمر ، والترجمان ، الذي كان توجه من جهة السلطان ~~إلى منكو تمر ، وأحضروا أسرى إلى عكا . فلما بلغ السلطان ذلك خاف أن ~~يتقربوا بهم إلى أبغا ، وطلبهم من الفرنج ، فأطلقوا رسول السلطان واعتذروا ~~عن الباقين بأنهم ما هم من رعية السلطان ، ولا أخذوا في بلاد الصلح ، وإنما ~~أخذهم غلمان الري جار ، فاحتاط السلطان على المرشيلية في جميع الثغور ؛ ~~فأرسلوا الرسل بجميع ما أخذ لهم إلى السلطان فحضروا إلى دمشق ، وأحضروا كتب ~~منكوتمر بالعربي والعجمي بأنهم أعداء أعدائه ، وأنهم على محبته كما كان ~~أبوهم برکه قان . PageV01P400 ### || ذکر هجوم فداوية السلطان على الملك ورد # قد ذكرنا حضور الملك ورد ، وإغارته على البعنة وقاقون ، ولما . انتظم الصلح مع الفرنج ما أعجبه ذلك ، ولم يدخل الملك ms208 ورد في الصلح ، فرسيم ~~لابن شاور والي الرملة بعمل حيلة في أمره ، فسير إليه فداوية أقاموا عنده ، ~~وسير ابن شاور المذكور يتقرب إليه ، ويوهمه أنه يطالعه بالأخبار ، وهاداه ~~وهادى زوجته وكل من حوله على يد أحد الفداوية ثم إن الفداوي دخل إليه ~~ليخبره بشيء من أخبار السلطان ، ولم يكن عنده غير الترجمان ، ففز عليه ~~الفداوي ضربه في خمسة مواضع ، في ذي القعدة وقتل الفداوي ، وركب الفرنج ~~الغرب ، وقتلوا يسير من المسلمين . ### || ذكر اشتغال السلطان بعمل النشاب والرمي به في هذه المدة # وهو أنه سمع ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليدخل بالسهم ~~الواحد ثلاثة نفر الجنة : صانعه يحتسب في عمله الخير ، والرامي به ، والممد ~~به - وفي رواية ، ومنبله ، فارموا، واركبوا، وأحب إلي أن ترموا » . وقال ~~صلى الله عليه وسلم : «ألا وإن القوة الرمي ». فعمد إلى عمل النشاب ~~PageV01P401 بيده ، واشتغل به جميع أمرائه وخواصه ؛ وكتب إلى ولده ، وجميع ~~نوابه بذلك ، فما بقي أحد إلا وهو متوفر على العمل ، وعمل بيده جملة منها ~~إلى أن أتقن تحتها وترپيشها وتنصيلها . ### || ذکر توجهه إلى الحصون لمشاهدة عمائرها # وضحى السلطان بدمشق ، وأحسن إلى صاحب حماه ، وأمر بجلوسه معه بطراحة ~~ومسند وكرسي في راس السماط مسامتة للسلطان ؛ وتوجه بعد ذلك إلى حصن ~~الأكراد، فوصلها حادي عشرين ذي الحجة ، فشاهد العمائر ، وأمر أمراءه وجميع ~~من كان في صحبته بنقل حجارة المجانيق من خارج القلعة إلى داخلها ، ونقل ~~بنفسه وبالمذكورين ، وكان في الخندق مكان يحتاج إلى العمل ، فنزل بنفسه ~~وبمن معه ، وعمل فيه ، وحفر بيده . # وترك الثقل وتوجه إلى حصن عكار ، فشاهد عمائره ، وعمل فيه بيده ، وبمن ~~معه ؛ وأمر برمي المنجنيقات التي بالحصن ، وشاهد مواضع سقوطها . وعاد إلى ~~حصن الأكراد، وخلع على من بها من الأمراء وأرباب الوظائف ، وعاد فتصيد في ~~الطريق ، وخلع مقدار خمسمئة تشريف على من أحضر صيدا. ودخل دمشق في خامس ~~المحرم سنة إحدى وسبعين وستمئة . PageV01P402 ### | واستهلت سنة إحدى وسبعين وستمئة ### || ذکر توجه السلطان على البريد إلى الديار المصرية # وعند دخوله إلى ms209 دمشق في التاريخ المذكور استشار خواص الأمراء في أن ~~التتار تواترت عنهم أخبار الحركة ، والرسل قد أبطأت عندهم ، ومتى قصدوا ~~البلاد والعساكر والخزائن غير حاضرة صعب الأمر ؛ وعرفهم أنه متوجه إلى ~~الديار المصرية على البريد . وركب ليلة السادس من المحرم بعد عشاء الآخرة ، ~~وصحبته الأمير بدر الدين بيسري الشمسي ، والأمير جمال الدين أقوش الرومي ، ~~وجبرك السلاح دار ، وجرمك الناصري ، وسنقر الألفي السلاح دار ، وعلم الدين ~~شقير مقدم البريدية ، فدخل قلعته في يوم السبت ثالث عشر المحرم ، وما أحس ~~به الناس إلا وهو داخل من باب القلعة راكبة ؛ وقصد أن يكون دخوله يوم السبت ~~ليلقى الملك السعيد في الميدان فوجده أرمد ، فدخل القلعة ، وتوجه إلى ~~الميدان لعب الكرة ، وكتب إلى الأمراء المقيمين بالشام أنه سطرها من البيرة ~~بحكم أنه توجه لتدبير أمورها وسير علائم بخطه ليكتب عليها من دمشق أجوبة ~~البريد الأطراف. وكان الأمير سيف الدين الدوادار بقلعة دمشق لتجهيز الكتب ~~والبريدية . # وفي يوم الاثنين توجه إلى مصر ، وركب في البحر ، ولعبت الشواني قدامه، ~~وفي ليلة الأربعاء سابع وعشرين المحرم جهز العسكر المجرد إلى الشام ، ~~PageV01P403 وفي ليلة تاسع وعشرين توجه السلطان إلى الشام هو ومن كان حضر ~~معه ووصل دمشق في ثالث صفر ، ودخل القلعة في الليل . ### || ذکر حضور رسل أبغا # وفي صفر وردت الأخبار بحضور رسل أبغا ورسل الروم ، فرسم أن لا يحتفل بهم ~~، وأنهم إذا وصلوا يضربون الحوك؟ ثلاث مرات قدام نائب السلطنة بحلب ، وكذلك ~~قدام صاحب حماه ؛ وأحضروا إلى دمشق ، وكان مضمون مشافهتهم أن أبغا قال ~~للأمراء : « الصلح أي شيء جاء منه من المضرة والعداوة أي شيء جاء منها من ~~الفائدة » . وهو يقول إن السلطان يسير سنقر الأشقر يمشي بيننا في الصلح . ~~فأنزلوا في برج عند سوق الخيل ، وتوالت العساكر من صفد وغيرها ، وهم ~~يشاهدونها ، ثم استحضرهم ، فغيروا كلامهم ، وقالوا : «أبغا يقول يمشي ~~السلطان أو من يكون بعده في المنزلة إلى أبغا لأجل الصلح » . فأجابهم ~~السلطان بأن أبغا إذا قصد الصلح يمشي فيه هو أو واحد من إخوته ms210 . ثم أمر ~~بليس أجود العساكر العدة الكاملة ، ولعبوا في الميدان . والرسل حاضرون ، ~~وكذلك رسل الملك منكو تمر ، ورسل الأشكري . وسفروا في ربيع ~~الأول.PageV01P404 ### || ذکر تسلیم صهيون # في يوم الخميس ثالث ربيع الأول توفي الأمير سيف الدين صاحب صهيون وأحضر ~~السلطان ولده سابق الدين وأخاه فخر الدين ، فكتب سابق الدين إلى عمه جلال ~~الدين بتسليم القلعة إلى نواب السلطان بذخائرها ، فتسلموها في ثاني ربيع ~~الأول ، وحمل أهل صاحب صهيون إلى دمشق . ### || ذکر منازلة التتار للبرة وكسر التتار على الفرات # في تاسع ربيع الأول وردت الأخبار بحركة التار ، فجرد السلطان الأمير فخر ~~الدين الحمصي بجماعة من العساكر المصرية والشامية إلى جهة حارم ؛ ثم جهز ~~الأمير علاء الدين الحاج طيبر س الوزیري بجماعة من العساكر وجماعة من ~~العربان وعلی التتار إلى هذا البر لقصد الرحبة ، ونازلوا البيرة أيضا ، ~~فتقسم فكر السلطان لتقسمهم على البيرة والرحبة، ورحل من ظاهر دمشق ، فبلغه ~~رحيل العدو عن الرحبة ، فجد" في مسيره ، ووصل الفرات ، إلى مخاضة تعرف ~~يمخاضة الحمام ، فوجد التتار المخذولين قد وقفوا على شط الفرات ، وعدتهم ~~قريب الخمسة آلاف فارس ، ومقدم هم جنقر أحد PageV01P405 مقدمهم الكبار ، ~~وحفظوا فم المخاضة ؛ وكان السلطان قد استصحب عدة مراكب من دمشق وحمص ، ~~فرميت في الفرات وركب فيها الرجالة الأقجينة لكشف البر ، وعمل العدو مكيدة ~~، وهي أنهم تركوا المخاضة السهلة وعدوا إلى مكان بعيد الغور ، وعملوا ~~الستائر وحفظوه ؛ فاعتقد المسلمون أن المكان الذي حفظوه هو المخاضة السهلة ~~، فخاضوا منه ؛ وكان العدو قد عملوا سيبا على البر من جانبهم ليعوق من يطلع ~~إليهم ، وليقاتلوا من ورائها ، وترجلوا ، وصاروا يقاتلون بالنشاب ؛ فرمت ~~العساكر الإسلامية نفوسهم في الفرات بخيولهم ، وساقوا فيها أطلابا عومة ، ~~الفارس إلى جانب الفرس ، متماسكين بالأعنة ، معتمدين على العوامل قد جعلوها ~~مجاديف لسفائن الصواهل ، # فعمنا إليهم بالحديد سباحة %~% ومن عجب أن الحديد يعوم # أو كما قيل : # فأوقفت التيار عن جريانه %~% إلى حيث عدنا بالغي والغنائم # واز دحم الناس ، وانكسر الماء بهم فصار كالجبال إنافة وارتفاعا ، وصادفهم ~~الموج حتى كاد مع قعقعة السلاح ms211 بصم منهم أسماعا . هذا والتتار PageV01P406 ~~قد وعتروا المصعد والمرقي ، وأسروا من وميض السيوف نارة جنبها من المسلمين ~~الأتقي وصليها منهم الأشقي ؛ وقد جعلوا السيبيا لهم بمثابة السور تمنع منهم ~~ولا تمنعهم النكاية ، وتصد عنهم المهاجمة ، ولا تصدهم عن الجناية ؛ فبحمد ~~الله ما علم المسلمين هل عامت الخيل بهم أم سارت ، أو اقتحمت أو طارت؛ ~~وطحنوا السيبا، وملكوا البر والبحر ، وطلعت السناجق تشير بألسنة بنودها ~~للناس أن هلموا إلى النصر . وطلع السلطان في أوائل القوم ، وصلى بمنزلة ~~العدو شكرا لله قائلا : «ليس لغير الله الملك اليوم ». وكان للأمير سيف ~~الدين قلاون الألفي والأمير علاء الدين الحاج طيبرس في الاقتحام أعظم ذکر ~~جميل . وتفرقت العساکر يمينا وشمالا لبذل السيف ، وإهلاك العدو المخذول ، ~~وسل للسيوف کف ، وامتدت للأعنة فما عاقها إلا عثر الخيل برؤوس الأبطال ؛ ~~وأحضرت الأسارى عن ذات اليمين وذات الشمال . فأحسن السلطان في هذا اليوم ~~إلى كل من فعل فعلا جميلا ، وعمد إلى الأسارى فمنعهم متاعا قليلا . وقتل ~~مقدم التيار المسمى جنقر الكبير . وأقام السلطان إلى العصر ، وجمع من ~~استبقاه من الأسرى ورؤوس القتلى ؛ وبات في مكان النصر ، والعساکر لابسة ، ~~والحيل ملجمة ، والحزم قد قسم الظنون ، فلا هجعة تطرق العيون . # وأصبح يوم الاثنين مقيمة بمنزلته حتى عاد من أبعد في ركضه ، وآب من أخرج ~~عدو الله من أرضه ، واعتبر أمر العدو ، هل كانت لهم خبية ، أو يحضر من لعله ~~جعل لهم درية ؟ ، فلما لم يحضر أحد على السلطان والعساکر وكان العود عليهم ~~أشق لحضور عقولهم التي كان طلب الثواب أذهبها ، PageV01P407 وتوقع الشهادة ~~غيبها ، وعاموا بالحيل راجعين بعد الخوف ، ولكن الله سلم ، وظميت الخيل وهي ~~عائمة وكيف لا والماء أكثره دم . # ولما صار السلطان في البر الشامي بلغه أن العدو الذي كان نازلا على ~~البيرة ، وهو درباي هربوا وتركوا أزوادهم والمجانية التي معهم ، ورموا ~~النار في بعض ذلك ، ونزل أهل البيرة وحملوا من ذلك شيئا كثيرة إلى ~~البيرة وزاد الله هذا الثغر قوة إلى قوته ، ومنعة إلى منعته ، فنزل السلطان ~~على جبل ms212 مشرف قریب البيرة من الجانب الشامي ، وتوجه إليها على الجسر الذي ~~مده العدو ، وهو جسر كبير تحته المراكب والصواري والسلاسل بجماعة من ~~الأمراء ، وشاهدها ، وأعطى النائب بها ألف دينار ، والصروي المجرد بها من ~~حلب ألف دينار ، وعم بالتشاريف والإحسان جميع من في الثغر ومن جملة ما أنعم ~~به على أهل الثغر مئة ألف درهم ، وجرد بها جماعة زيادة على ما كان بها ، ~~وعاد إلى مخيمة ، وسار إلى دمشق فدخلها في ثالث جمادى الآخرة والأسرى بين يديه . # قال مؤلف السيرة : ومما يناسب هذه الواقعة أن سعد - رضي الله عنه - لما ~~نزل بهار سير" وهي المدينة القصوى التي كان كسرى ينزلها وجد السفن قد ~~جعلوها من جهتهم ، فلما طال عليه ذلك جمع الناس ، وحمد الله وأثنى عليه ~~وقال : «إن عدوكم قد أعتصم بهذا البحر فلا تخلصون إليه وهو يخلص لكم متى ~~شاء ، ألا وإني قد عزمت على قطع هذا البحر عومة » . فقالوا جميعا : «عزم ~~الله لنا ولك على الرشاد » . وسميت تلك الكتيبة PageV01P408 كتيبة الأهوال ~~وأذن للناس في الاقتحام ؛ وقال : « قولوا : نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا ~~الله ونعم الوكيل ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ». وألقى نفسه ~~في الماء ، وتلاحقت الناس ، فعاموا بخيولهم ، وان دجلة لترمي بالزبد ، ~~وانها المسودة ، وان الناس ليتحدثوا في عومهم ،. وقد اقترنوا أكثر مما ~~كانوا يتحدثون في مسير هم على الأرض ؛ ففاجأوا ؟ أهل فارس بما لم يكن في ~~حسابهم ، فهربوا على وجوههم ، ودخلها المسلمون في صفر سنة ست عشرة ، ~~واستولى على ما بقي في بيوت كسرى . وقال سلمان في ذلك اليوم : « الإسلام ~~جدید ، ذللت لهم والله البحور كما ذلت لهم البرور ». وكان يدعي ذلك اليوم ~~يوم الجوائیم". ونظم في ذلك الأمير ناصر الدين حسن بن النقيب الكناني : # نهضت لها ولم تخش العثارا ، %~% ولا خفت الثلوج ولا القطارا # وواصلت السرى بالسير حتى %~% قطعت لها المغاور والقفارا # وأوردت الفرات مضمرات ، %~% وأسقيت السيوف دمة ممارا # فلما جزته خلناك موسى ، %~% وكم دمرت فرعونة دمارا # وآیت المراكب فوق بر ، %~% تسير ، وإن في ms213 ذاك اعتبارا # فقل للبيرة اتئدي وقري ، %~% فقد وافاك مفتك الأساری # أتاك الظاهر السلطان ركضا %~% على صهوات خيل لا تجاری # وجاء يجر جيشا أحمديا ، %~% يذكر من رآه بجيش دارا PageV01P409 # كمثل الموج في عدد ومد ، %~% ومثل السيل إن دهم الديارا # يدك به جبال الروم دکتا، %~% فتنسفها وتجعلها غبارا # عساكر تملأ الدنيا خيولا ، %~% وفر سانا ، وأسلحة ، ونارا # أقام بجلق عشرة شهورا ، %~% ولم يسأم لما طلب انتظارا # توهمت التتار ربيع مصر %~% سيمنع خيله يوما مغارا # فعاثت وهي خائفة سراه ، %~% ولم تطق الهدو ولا القرارا # وكم بعثت إليه الرسل طرقا ، %~% وكم طلبت رضاه بها مرارا # وكان الخوف الجأها اضطرابا، %~% وكان الذل أحوجها اضطر ارا # فلما لم يجبها في سؤال %~% جفت من أرضها سكنا ودارا # ونازل خوفه منهم نفوسة ، %~% فذاقت في جسومهم الحصارا # فما أنساهم طرحاء صرعی %~% ونار الحرب تستعر استعارا # وثامن عشر يوم من جمادى %~% أحاط بهن جيشك واستدارا # وغنت في رقابهم سيوف ، %~% فأرقصت الهوادج والمهاری # طلعت عليهم كالصبح يجلو %~% بطلعته من الظلم اعتكارا # فلما أن رأوك فما استطاعوا %~% ثباتا ، لا ولا ملكوا اصطبارا # وولوا هاربين بلا عقول ، %~% وباتوا خائفين وهم حیاری # فهذا قدري جبلا ، وهذا ، %~% لشدة بأسلك ، حاز عارا # فكنت الليث أبصره ابن آوى %~% وكنت الصقر شاهده الحبارى # وما جهلوك ، بل عرفوك ، لكن %~% دنو الحين ساقهم اغترارا # وكان الله للإسلام عونا، %~% وكان الله للسلطان جارا PageV01P410 # وسار السلطان إلى الديار المصرية ، فدخل قلعته خامس عشر جمادی الآخرة وفي ~~السابع والعشرين منه أفرج عن الأمير عز الدين الدمياطي ، وأنزله بدار ~~الوزارة ، ورتب له الرواتب وفي رجب خلع على الأمراء والوزراء والقضاة ~~والمقدمين ، وعم بذلك الذين كانوا مسافرين والمقيمين . ### || ذكر تجهیز رسل الملك منكو تمر # في شعبان من هذه السنة جهز السلطان رسل منكوتمر ، وجهز صحبتهم الأمير سيف ~~الدين الصوابي المهمندار ، وبدر الدين بن عزيز الحاجب ، وجهز صحبتهم هدايا ~~، وعقاقير ، وما كان منكوتمر طلب إتحافه به . وكتب إلى منكو تمر ~~بحديث أبغا وحضور رسله ، ومحاصرة عسكر البيرة والنصرة عليهم . ### || ذکر فتوح بقية حصون الدعوة # قد ذكرنا ما ms214 فتحه الله على يد السلطان منها ، وكان أهل الكهف والمنيقة ~~والقدموس امتنعوا من تسليمها ، فجعل السلطان صاحب حماه متحدثا في أمر الكهف ~~، والملين لعريكتهم ، وتوالت مکاتباته إليهم PageV01P411 وأمر هم يزيد عن ~~الوصف ويتناو مون وناهيك بنوم أصحاب الكهف ، وكلما سير إليهم من كتبه قيمة غدا أمره وأمر هم عجبا، وكلما طلبهم الطاعة ~~لم يستطع لهم طلبا ۲، وكلما هون عليهم التسليم قالوا إنه غير هين ، وكلما اتخذوا من أوثان زعمائهم آلهة مختفية أتاهم بسلطان بيتن ، وبقي ~~الملك المنصور صاحب حماه يقص على السلطان نبأهم بالحق" ،. ويحمل نفسه في ~~مجاهدتهم بالقول على الأمر الأشق ، والشيطان يربط على قلوبهم فيقولون شططا ~~، ويتغلون ولا يظهرون غلظة ، وصاروا لا يحققون أن الأمير شمس الدين بن ~~الصاحب نجم الدين قد ساءت به الأحوال ، ويحسبون أنه محلا يتزاور عن كهفهم ~~ذات اليمين وإذا غرب يتقرضهم ذات الشمال ، حتى ساءت أحوالهم من مجاوريهم ~~نواب السلطان أخذ وسلبا، وصاروا كما قال الله تعالى : ولو اطلعت عليهم ~~لوليت منهم فرارة ولشت منهم رعبة . واعتبرته مراسم السلطان بمضايقتهم حتى ~~علموا أن وعد الله حق ، وأن ساعتهم لا ريب فيها، فعمدت جماعتهم إلى ما ~~ينجيها ؛ وسيروا مفاتيح الكهف صحبة رسلهم ، ورسل صاحب حماه ، ووصل كتاب ~~الأمير جمال الدين أقوش الشهابي أحد أمراء الشام بأنه تسلمها في ثاني ~~وعشرين ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وستمئة . PageV01P412 # قال مؤلف السيرة : قد ذكر في الكتب أنه حصن الكف بغير هاء ) ، وكان به ~~والي من المصريين ، فعمل عليه الأمير ليث الدولة بن عمرون وأخذه ، وبقي إلى ~~ولاية سيف الدولة بن عمرون فذبح على فراشه ليلة الاثنين سنة تسع وعشرين ~~وخمسمئة ، وتولى الحصن ولده وهو خائف مما جرى على والده فالتجأ إلى ~~الاسماعيلية واستدعى قوما منهم أسكنهم معه في الحصن يتكثر بهم ، ويتقوى على ~~بني عمه الذين يقصدونه فاستضعفوه وأخرجوه من الحصن وملكوه إلى هذا الوقت . # وأما المنيقة فتسلمها نواب السلطان في ثالث ذي القعدة من هذه السنة . # وأما القدموس فحضر جماعة من أكابر أهلها ، وبذلوا الطاعة ، وتسلمت ms215 في ~~ثامن ذي القعدة ، وتكملت بها قلاع الدعوة ، وأقيمت بها الجمع ، وترضى عن ~~الصحابة ، وعفيت المنكرات ، وأظهر شعائر الإسلام . # قال مؤلف السيرة : وحصن القدموس هذا كان في يدي بي محرز بعد ولاية ~~المصريين ؛ وكان آخر بني محرز منير الدولة حمدان بن حش' بن محرز ، فتوفي ~~وملكه بعده ابنه علم الدولة يوسف بن حمدان بن حش' بن محرز ، فضعف عن حفظه ، ~~فسلمه للاسماعيلية في يوم الجمعة ثاني عشر سنة ثلاث وعشرين وخمسمئة ، وبقي ~~معهم إلى هذا الوقت . # وحصن المنيقة في جبل الرواديف ، كان رجل يعرف بنصر بن مشرف الروادفي قد ~~استولى على جميع المسلمين الساكنين في جبل الروادیف وما يليه ، واستفحل ~~أمره ، واتفق أنه أخذ وحمل مقيدة إلى أنطاكية واستتيب ، وأطلق ، فعاد إلى ~~أذية المسلمين والروم ، فأخذ، فطلب PageV01P413 العفو وأعطى ولده رهينة ، ~~وتنصح للروم بأن في آخر عمل الروم من آخر جبل الرواديف ضيعة تعرف بالمنيقة ~~، ومكانها يصلح أنه يكون به حصن ليحفظ جميع الأعمال ، فأجابوه إلى ذلك ، ~~فقال لهم نصر : «ان المسلمين لا يمكنونكم [ من بنائه ] ، وإنما أنا أدفع ~~المسلمين عنه ، وأفهمهم أنني أبنيه لنفسي ، فإذا بنيته سلمته إليكم » . ~~فاغتر الروم بقوله وأعانوه ، فلما بناه استعصى به وشرع في بناء حصن آخر ~~أمنع منه . ثم انه نيقيطا ؛ قطبان • أنطاكية أتى إلى المنيقة فحاصرها فلم ~~يتم له فيها شيء، وذلك في سنة اثنين وعشرين وأربعمئة ، ثم عادوا إليه وملکه ~~، وخرب أبر جته إلى الأرض ، ثم عمرت وصارت بعد ذلك للاسماعيلية . # وأما حصن الخوابي من جبل بهرا فإن محمد بن علي بن حامد سلمه للروم في ~~شوال سنة إحدى عشرة وأربعمئة . ### || ذکر کسر بلبوش أحد عربان برقة # قد ذكرنا اهتمام السلطان بأمور برقة واستمالة من بها من العربان للطاعة ، ~~واستخراج الزكاة منهم ، إلا ما كان من بلبوش ، فإنه أبي PageV01P414 إلا ~~جماحة فؤاده ، ونفورة قياده ، وقدح زناده ؛ فاجتمع أمراء العربان ، وهم عطا ~~الله ومقدم بن عزاز وغيره من العربان ، وتوجهوا إليه في ثالث عشر ذي ~~الحجة ، وكان معه رجالة مقدار خمسة آلاف راجل ms216 ، خارجة عن الخيالة ، فكسره ~~العرب الذين في الطاعة ، ثم نخاهم النساء ، واستمر القتال إلى آخر النهار ، ~~وأسر بلبوش وأحضر إلى القاهرة المحروسة . ولما حصل الاستيلاء عليه أخذت في ~~بلاده أبراج تسميها العربان بالحصون تكون ستين أو سبعين حصنة . ولهذا بلبوش ~~ثلاثون جدا ملاك برقة ، وما أطاعوا أحدا قط . # قال مؤلف السيرة : وهذه برقة بلاد عظيمة بها عدة مدن ، وكان لها عساكر ~~وكانت تسمى انطابلس ، وفيها مدن على البحر ، ولكل مدينة ميناء يدخلها ~~المواكب بالبضائع وخيولها البرقية معروفة ، وتجلب منها الجمال الجيدة ~~والأغنام والعسل والشمع والقطران ، وبها الأخشاب العظيمة ،. وأشجارها عظيمة ~~، ومسافة بلادها التي بها الأشجار حول عشرة أيام ، وكان عسكرها قريب ~~الثلاثة آلاف فارس ؛ وأكبر مدنها المرج ، وهي ذات مياه ، ومروج وزراعات ، ~~وهي بعيدة عن البحر أقل من مسيرة يوم ، وهي أكثر هذه البلاد أمنة . ومن ~~المدن هناك طلميثا، وأكثر أهلها يهود ، وهناك مدينة طرف ، لها ميناء ومرسي ~~للمراكب ؛ وهناك مرسى بني غازي . # ولما عاد السلطان من الشام أحسن إلى الأمير بلبوش ، واستحلفه ، وكتب له ~~بالإمرة ، وتقدم بعودة إلى بلاده ، فصادفته المنية ، فانتقل إلى رحمة الله ~~تعالى . # وفي هذه السنة تواردت الأخبار بقصد الفرنج ثغور الديار المصرية فحصل ~~الاحتفال بأمر الشواني ، ونصب المنجنيقات على أسوار PageV01P415 الاسكندرية ~~، وورد کتاب والي اسكندرية مضمونه أنه نصب بها وهيأ للنصب مجانيق كثيرة ~~تقارب المائة منجنيق . ### || ذكر ابتداء حديث النوبة # كان صاحب النوبة المسمى داود ابن أخت مر تشكر الذي أضر بصره قد سولت له ~~نفسه ما غره فيه الشيطان ، فورد کتاب والي قوص يذكر أنه ركب من أسوان في ~~صفر ، وساق إلى أن بقي بينه وبين نقلة مسافة عشرين يوما وقتل وأسر ونهب وحرق . # وفي يوم عرفة من هذه السنة تنجزت عمارة قبة الصخرة الشريفة ؛ وكان ~~السلطان توجه إليها وجمع الصناع لعمارتها، فأجرى الله هذه الحسنة في أيامه . وفي ذي الحجة من هذه السنة كان السلطان متصيدة بجهة الأهرام ، قال ~~مؤلف السيرة : فرأيته وقد نزل يسبح وهو لابس زردية مسيلة ، وقد عمل سفرة ~~كبيرة ms217 ملاها بسطة ، وأركب عليها الأمير حسام الدين الدوادار ، والأمير علاء ~~الدين ايدغدي أستاذ الدار ؛ وجر هذه السفرة وجر فرسين ، وهو يعوم لابس ~~الزردية من بر بحر قناطر الأهرام إلى البر الآخر .PageV01P416 ### | واستهلت سنة اثنتين وسبعين وستمئة ### || ذكر فتوح كينوك # كان قد كثر فساد أهل كينوك ، وتعديهم على التجار والقصاد ، وكتب إلى صاحب ~~سیس بذلك فلم يفد فيه المكاتبة ؛ وصار الأرمن يلبسون السراقوجات " ويخرجون ~~على القوافل ؛ فجرد الأمير حسام الدين العين تابي ، مقدم عسكر حلب إلى ~~كينوك، فوصلها ثالث المحرم ، فأخذوا الحوش البراني ، ودخل الأرمن إلى ~~القلعة ، وقاتلهم المسلمون ، وأخذوا القلعة ، وقتلوا الرجال التي بها ، ~~وسبوا الحريم ، وأتم العسكر إعارته إلى أطراف طرسوس وهبوا وسبوا . # قال مؤلف السيرة : وهذه كينوك هي الحدث الحمراء التي بناها سيف الدولة بن ~~حمدان ، ومعنى تسميتها بكينوك يعني المحرقة ، وكان البيل المتحكم في سيس ~~وهو المسمى بقسطنطين جد صاحب سیس الآن قد أخذها من الروم السلجوقية ، ~~وأحرقها ، وهي التي يقول المتنبي عند بنائها يمدح سيف الدولة بن حمدان في ~~قصيدته التي أولها : «على قدر أهل العزم تأتي العزائم » : # هل الحدث الحمراء تعرف لونها %~% وتعلم أي الساقيين الغمائم # سقتها الغمام الغر قبل نزوله %~% فلما دنا منها سقتها الجماجم ~~PageV01P417 # بناها علي والقنا يقرع القنا %~% وموج المنايا حولها متلاطم # وكان بها مثل الجنون فأصبحت %~% ومن جثث القتلى عليها تمائم # طريدة دهر ساقها فرددتها %~% على الدين بالخطي والدهر راغم # وكان من خبرها أن سيف الدولة بن حمدان سار لبنائها ، وكان أهلها سلموها ~~بالأمان للدمستق ملك نصارى الروم ، وذلك في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ، ~~فنزلها سيف الدولة في يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين ~~وثلاثمائة ! ، فحط الأساس من يومه ، وحفر أول الأساس بيده ، وأقام حتى كمل ~~بناءها في يوم الثلاثاء ثالث عشر رجب .۔ ### || ذكر الطلسم الذي ظهر بأحد أبواب القصر بالقاهرة في هذه السنة # كان قد رسم بنقض أحد أبواب القصر المسمى بباب البحر ، قبالة دار ~~الحديث الكاملية ، فظهر صندوق في حائط وجد فيه صورة من نحاس أصفر ms218 على كرسي ~~، شكل هرم ، ارتفاعه مقدار شبر بأرجل نحاس ، والصنم جالس عليه ويداه مرتفعة ~~تحمله صفيحة يكون دورها مقدار ثلاثة PageV01P418 أشبار ؛ وفي هذه الصفيحة ~~أشكال ناتئة ، الأوسط صورة رأس بغير جسد ، وعليه دوائر مكتوب عليها بالقبطي ~~وبالقلفطير يات ، وإلى جانبها في الصفيحة شکل له قران يشبه السنبلة ، وإلى ~~الجانب الآخر شكل على رأسه صلیب ، وآخر في يده عكاز ، وتحت أرجلهما أشكال ~~طيور ، وفوق رؤوس الأشكال كتابة كثيرة ، ووجد مع الصنم في الصندوق لوح من ~~الألواح التي يكتب فيها في المكاتب فيه كتابة قد تقشط أكثرها ، وقد بلي ~~اللوح ، الوجه الواحد مكتوب بالقبطي فيه اسم الملك يزجر وفيه طارد لكل سوء ~~، وفيه بيبرس ، وبقية الظاهر من الكتابة لا يتركب كلامها لأجل ما تقشط مما ~~بينها . وقيل إن اللوح بخط الحاكم خليفة مصر، والعجب كون فيه اسم السلطان ~~وهو بيبرس ومضمونه طلسم عمل الظاهر بن الحاكم ، وفيه أسماء الملائكة ، ~~وأكثره حرس لديار مصر وثغورها ، وصرف الأعداء عنها . # قال مؤلف السيرة : رأيت في كتاب عتیق سماه مصنفه : «وصية الإمام العزيز والد الإمام الحاكم لولده المذكور » ، وقد ذكر فيه الطلسمات ~~التي على أبواب القصر ، وقال : أول الكواكب الحمل ، وهو قلب المريخ ، وله ~~القوة لأنه صاحب السيف ، والمستولي لقوة روحانية على مدينتنا عندما بنيناها ~~، وقد أقمنا طلسمة لساعته ويومه لقهر الأعداء ». PageV01P419 ### || ذکر توجه السلطان إلى الشام # وكانت الأخبار قد وردت بحركة أبغا ملك التار ، فخرج السلطان في ليلة ~~السادس والعشرين من المحرم ، وصحبته جماعة من أمرائه الخاصة ، فحمل كلفهم ~~في هذه السفرة . وفي أثناء الطريق قوي الخبر بحركة التتار ، فكتب بخروج ~~العساكر جميعها والعربان من الديار المصرية صحبة الأمير بدر الدين الخزندار ~~، ورسم بأن جميع من في مملكته ممن له فرس يركب للغزاة ، وأن يخرج أهل كل ~~قرية بالشام من بينهم خيالة ، على قدر حال أهل القرية ، ويقومون بكلفهم ، ~~ودخل دمشق في مابع عشر صفر من هذه السنة ؛ وكان رحيل العساكر من مصر ~~في العشرين من صفر من هذه السنة ، فوصلوا يافا ، وورد المرسوم على ms219 الأمير ~~بدر الدين الخزندار بالنزول قريبة من يافا . ### || ذکر حضور السلطان إلى يافا # ولما علم السلطان خروج العساكر من مصر وحضورهم ركب من دمشق ؟ السلطان في ~~جماعة يسيرة مقدار أربعين نفرة جرائد ، ولم يستصحبوا رکاب دارة من دمشق ولا ~~غيره ؛ فوصلوا وقد طلبت العساكر ، وقاربت PageV01P420 المنزلة ، فاعترضهم ~~السلطان وجماعته ملثمين ، فاعتقدهم الحجاب تركمانا ، فرسموا لهم بالترجل ، ~~فما تر جاوا ، وساق السلطان منفردة ، وجاء من خلف السناجق ، وحسر اللثام عن ~~وجهه ، فعرفة السلاح دارية ، ودخل وساق في موكبه ، فنزل الناس ، وقبلوا ~~الأرض ؛ وساق ونزل بدهلیزه ، فرتب مصالح . وأصبح في اليوم الثاني ركب في ~~موكبه ، ونزل فقضى أشغال الناس ولما أمسى ركب هو ومن حضر معه ، وعاد إلى ~~دمشق المحروسة . وأصبح فركب في موكبه ؛ وفي مدة غيبته رتب الأمير سیف الدين ~~الدوادار - رحمه الله - بدمشق، وجعل عنده علائم على أوراق بيض ليكتب فيها ~~أجوية البريد . ### || ذكر ما فعله السلطان في هذه المدة # من ذلك قضية الملك شمس الدين بهادر المعروف بابن الملك فرح ، أمير الطست للسلطان جلال الدين خوارزم شاه . # كان هذا الملك شمس الدين بهادر المذكور ملك شميصات ، وكان والده أمير طست ~~جلال الدین خوارزم شاه قد ملك بعد جلال الدين قلعة كيران وستة قلاع أخر في ~~ناحية نقجوان ؛ ووصل أبوه إلى الروم ، فأقطع أقصرا فاتفق أن هذا شمس الدين ~~بهادر وهو بشميصات كاتب الساطان وراسله ، وتقرب إليه بالإعلام بحقيقة أخبار ~~العدو المخذول ، وذلك في سنة إحدى وسبعين وستمئة ، وسير مملوكة من جهته ~~فاستوثق من السلطان ؛ واتفق الساطان معه على نكتة غريبة عملت على الجاثليق ~~النصراني الذي كان قد PageV01P421 أهان المسلمين ببغداد ، وسكن مواطن ~~الخلافة ، وأفسد أمور المسلمين بها ؛ وأحواله أشهر من أن تذكر ، وذلك أن ~~السلطان كتب كتابا إلى هذا الجاثليق مضمونه : «قد عرفنا محبتك ، وتوصيتك ~~على النصارى الذين في بلادنا ، لأجلك قد أكرمناهم ، وعرفنا أخبار المغل ~~الباطنية التي أشرت إليها » . وذكر في الكتاب أمور موهمة لا أصل لها ~~وهي : «ان الذي التمسته لمن أشرت قد أجبنا إليه ، وتسليم الأمكنة ms220 التي عينت ~~على عمارتها المن ذكرته قد حلفنا على تسليمها ، والدواء الذي تقرر السعي في ~~استعماله لمن أشرت إليه قد علم ، والله يقدر ذلك ! والذي طلبته من دهن ~~البلسان ، والآبار المسيحية قد سير ناها ، وسيرنا قطعة من صليب الصلبوت ؛ ~~وجهزنا ذلك إلى الرحبة ، وسيرنا إلى النائب بها إمارة حسبما قررته ، فسير ~~من تثق إليه بالإمارة ليتسلم ذلك . وسير هذا الملطف إلى النائب بالبيرة ، ~~وقيل له : « جهز به أرمنيا يوصله إلى الجاثليق ، وإذا جهزته سير عرف الملك ~~بهادر » . فلما اعتمد ذلك سير بهادر من وقف لهذا القاصد على طريقه ، فأمسكه ~~وسيره هو والملطف إلى أبغا بن هولاكو ، وقال : « هذا الجاثليق الذي اعتمدتم ~~عليه ، هذا اعتماده في حقكم ». فلما وصل إليه الملطف كان فيه هلاك الجاثليق . # وتقرب هذا صاحب شميصات إلى السلطان بأشياء كثيرة من نسبة هذه الأمور ، ~~ففطن العدو له ، ولكن بعد أن فعل فعلاته التي فعلها وأوصلها ووصلها ، ~~فأمسكوه وتوجهوا به إلى الأردو ، وهربت حاشيته ومماليكه إلى باب السلطان ، ~~وهم يزيدون عن ألفي نفر من مماليك وأجناد وغيرهم ، فأحسن السلطان إليهم ، ~~ورتب لهم الرواتب ، وأما الملك شمس PageV01P422 الدين بهادر فإنه هرب من ~~العدو ونجا بنفسه ، وحضر إلى البيرة فتلقاه أهلها ، وسیر وه إلى السلطان ، ~~وذكر أنه أقام سبعة أيام ما استطعم شيئا . ولما وصل تلقاه السلطان ، واعطاه ~~الإقطاعات بالديار المصرية ، وأحسن إليه . # ومن ذلك الظفر بملك الكرج وسببه استطلاع السلطان للأخبار ، فبلغه في هذه ~~المدة أن ملك الكرج حضر مختفيا لزيارة البيت المقدس ، فتيقظ السلطان ~~الترصده ؛ فحضر ، وكان شخص يعرف حليته ، فسير الإمساكه ، فأمسك هو وثلاثة ~~نفر من أعيانهم من بين الزوار ، وسيروا إلى السلطان وهو بدمشق ، فطيب ~~قلوبهم ، وعرفهم تیقظه لمن يدخل إلى بلاده ، واحترز عليهم . ولما سكتت ~~الأخبار عاد السلطان والعساكر فدخل إلى قاعته في رابع عشرين جمادى الآخرة ~~من هذه السنة . # وفي شعبان من هذه السنة رسم السلطان بعمارة جسرين قناطر قريبة من الرملة لعبور العساكر ، وأحضرت لها الأصناف من كل جهة . # وفي ذي الحجة منها وصل ms221 الأمير عمرو بن مخلول ، من أكابر أمراء العربان ، ~~من بلد العدو ، وكان السلطان قد اعتقله في عجلون ، فهرب منها ، وراح إلى ~~النار ثم طلب الأمان ، فقال السلطان ما يؤمنه إلى أن يحضر إلى عجلون ، ~~ويقعد في المكان الذي كان محبوسة فيه ؛ فما وسعه إلا أن حضر يحث السوق ، ~~وتطوق بما كان مطوقة به من الحديد، فما قال أحد : شب عمرو عن الطوق ؛ وقعد ~~في محبسه ، فطولع السلطان بذلك ، فعفا عنه . PageV01P423 ### || ذكر طهور الأمير نجم الدين خضر # في شهر رمضان سنة اثنين وسبعين وستمئة تقدم السلطان إلى جماعة من عساکره ~~بالتأهب للعب القبق ، ورمي النشاب ، فركب من كل عشرة نفران ، فيهروا العيون ~~برمضان الحديد ، وتهادت الخيول في أحسن حللها تهاديا يغيظ الكفار ، ويستوقف ~~النواظر ويحير الأفكار ، وركب السلطان من مماليكه في ألوف كالنجوم أنوارة ، ~~وكالأسود توئبة : # ويختال بك الطرف %~% كما يختال نشوان # تراه وهو لا يدري %~% درى أنك سلطان # ودخلوا في الطعن بالرماح ، وأخذ الحلقة ، ورمي النشاب ، وجعل لمن أصاب من ~~الأمراء فرسا من خيله الخاص بتشاهيره ، والحلقة والبحرية بغلطاقا ، واستمر ~~ذلك أياما ، فصرف جملة من الخيل والبغالطيق ؛ وتنوع في دخوله وخروجه ، تارة ~~بالرماح ، وتارة بالنشاب وبالدبابيس ، وساق يوما على عادته في اللعب ، وسل ~~سيفه ، وسل" مماليكه سيوفهم ، وحمل هو ومماليكه الخواص حملة رجل واحد ، فلم ~~ير الناس إلا سيوفا تبرق ، وصدمات تطرق وهال الناس ذلك المنظر العجيب ، ~~وكادوا يهلكون رعبة لولا أن قال لهم عفوه : «لا تثريب ». # ذاك يوم لها عن اللهو فيه %~% وتغنى عن مطربات الأغاني # بصليل لمرهف ، وصهيل %~% لجواد ، ورنة الأذان # كل أفعاله إلى الحد تعزى ، %~% يوم سلم ، أولا ، فيوم رهان PageV01P424 # لا تراه في السلم والحرب إلا %~% بين رمح وصارم وسنان # طرب للقسي إن هي أنت ، %~% ولقصف الرماح عند الطعان # ليس أوتاره سوى وتر القو %~% س ، ولا عوده سوى العيدان # لا كما تفعل الملوك قديما %~% في سرور وفرحة وتهاني # بين دف ، وبين جنك تراهم %~% ودنان مملوة وقناني #وفي أثناء ذلك أطلق ما لا سمع أن ملكا أطلقه من ms222 التشاريف ، ولم يبق ملك في ~~خدمته ، ولا أحد من أبناء الملوك ، ولا وزير ، ولا أمير كبير ولا صغير ، ~~ولا مقدم من مقدمي الحلقة والبحرية ، ومقدمي مماليكه ، ولا مفردي ، ولا أحد ~~من مقدمي بيوتاته ، ولا صاحب شغل ، ولا أحد من خواص كتابه ، إلا وشرفه على ~~قدر منصبه ؛ وكذلك القضاة ، وأرباب الوظائف . وفي يوم العيد طهر الأمير نجم ~~الدين خضر وجماعة من أولاد الأمراء فعمل في ذلك : # يا مالك الدنيا ومن %~% بعزمه الدين نصر # هنيت بالعيد وما %~% على الهنا اقتصر # بل إنها بشارة %~% لها الوجود مفتقر # بفرحة قد جمعت %~% ما بين موسى والخضر # قد هيأت لوردکم %~% ماء الحياة المنهمر # فرد ورد مهنا %~% بطول عمر قد قدر # وجرى السلطان على سجيته ، فلم يكلف أحدة تقدمة ، ولا هدية يغرمها ولم يبق ~~من لا شمله الإحسان والتهاني ، غير أرباب الملاهي والمغاني ، فإنه لم ينفق ~~لهم في أيامه سلع ، ولا لهم بالأرزاق بذلك طمع. PageV01P425 ### || ذکر توجه الملك السعيد إلى الشام # في هذه السنة رأي السلطان أنه لا يخلى مملكة من ممالكه من تشريف دست ~~سلطانها بحلول صاحبه ، ولا من يقوم بواجبه ؛ وكانت الأخبار متواردة بحركة ~~التتار ، فرسم السلطان لعيسى بن مهنا الإغارة ، فوصل إلى الأنبار ، فوجد ~~بها جماعة من عسكر التتار، وكان السلطان قد اختفى خبره ، فلما وصل عيسي إلى ~~الأنبار توهموا أن السلطان دهمهم ، فعدوا إلى ذلك البر ، واقتتل عيسى ~~وخفاجة ، وأقام القتال نصف نهار . وكانت هذه الإغارة في ثامن عشر شعبان . ~~ووصل هذا الخبر إلى أبغا ، فدخل بعسکره ناكص على عقبيه ، وانهزم على أسوأ ~~الأحوال ، وورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين ~~القتال . # وجرد الأمير شمس الدين ، استاذ الدار ، وجماعة من أكابر الأمراء والخواص ~~صحية الملك السعيد، فتوجه ليلة الثاني عشر من رمضان بعد عشاء الآخرة ، ولم ~~يعلم بذلك أحد. # قد أرعبوا طيف الخيال ، وروعوا %~% وفد النسيم فلا يخبر عنهم # وحموا من الورق الأراك فلا ترى %~% بين الغصون حمامة تترنم # وفي سادس وعشرين منه دخل المدينة على حين غفلة من ms223 أهلها ، ولم يدر نائب ~~السلطنة بالشام به إلا وهو بينهم في سوق الخيل ، فقبلوا الأرض PageV01P426 ~~ودخل قلعته كما يدخل الغرض بين الأجفان ، أو كما تعود العافية إلى جسد ~~الإنسان . # وتأنست بالقادمين منازل كانت عليها وحشة من بانوا # وأراد أن يلعب القيق فت%~% أخر من أجل كثرة الأمطار . # ملك أينما توجه يلقاه%~% سحاب ورحمة ورخاء # فهو غيث الثرى وغوث البرايا %~% أينما حل حلت النعماء # وفي ليلة العيد خلع على أمراء الشام والمقدمين والمفاردة والأكابر ، وخرج ~~.تصيدا بالمرج ، ثم توجه إلى الشقيف وصفد شاهدهما وعاد إلى مصر فوصلها في ~~حادي عشرين شوال. # ما سمعنا من قبلهم بملوك %~% يسبق الريح وفدهم حين يسري # بينما قيل إنهم في شآم %~% وإذا هم يرون في أرض مصر # كيف راحوا ؟ وكيف جاؤا يرانا %~% حيرة في أمورهم ليس ندري # أتراهم ملائك أم ملوك %~% في عفاف وفي اختفاء ونصرPageV01P427 ### || ذكر أمور تخللت هذه المدة # منها نكتة غريبة : ورد کتاب الغرس بن شاور ، والي الرملة ، يذكر أنه في ~~هذه السنة حصل لأهل البلاد مرض وحمايات من شرب مياه الآبار ، وزاد ذلك ، ~~فحضر إليه رجل نصراني فقال هذه الآبار قد حاضت كما جرى في السنة التي جاء ~~التتار فيها إلى الشام ، وأن الفرنج نفذوا إلى قرية تسمي عابود في الجبل ~~أخذوا من مائها ، وسكبوه في الآبار نزال الوخم . فلما سمع ابن شاور ذلك سير ~~إلى الضيعة المذكورة أخذ منها ماء وسكبه في الآبار التي بيافا ، وكان الماء ~~قد كثر فيها ، فلما سكب الماء فيها نقصت إلى حدها المتعارف . وقيل إن هذه ~~الآبار إناث تحيض وآبار الحبل ذكور ، ومنها الآبار التي في عابود . # وفي سلخ شوال وردت كتب النصحاء بأن الفرنج أقاموا انبرورة في بلد ~~الأمانية اسمه المركيس رودلف دفر يتركو . وفي ذي القعدة وردت الأخبار بأن ~~يغمراسن ، صاحب تلمسان ، توفي ، وهو الذي كان يجاهد الفرنج من تلك الجهات ، ~~وأن يعقوب بن عبد الحق ، ملك بني مرين أخذ مكانه ، وأخذ مدينة سبتة ~~بالحصار والجوع . PageV01P428 ### | واستهلت سنة ثلاث وسبعين وستمائة # في المحرم من هذه ms224 السنة وصل الملك المنصور ، صاحب حماه ، إلى خدمة السلطان ، فأحسن إليه وإلى ولده وأخيه ، وعاد إلى بلاده . ### || ذکر توجه السلطان إلى الكرك # في ثامن صفر توجه السلطان على الهجن من طريق البدرية ، فوصل إلى الكرك ~~والشوبك ، وأقام بالكرك ثلاثة عشر يوما ، وعاد إلى قلعته في ثاني وعشرين ~~ربيع الأول . ### || ذکر رمي الملك السعيد البندق # في هذه السنة توجه السلطان إلى العباسية ، والملك السعيد في خدمته ، فصرع ~~الملك السعيد في ثامن وعشرين جمادى الآخرة أوزة خبية ، وقيل له : «لمن تدعي ~~؟ فقال : «لمن أدعو بحياته ، ومن أتقرب إلى الله بدعواته ، الذي حسبي ~~افتخارة أن أقول : والدي ، ومن يتمرن لصرع أعدائه ساعدي » . فقبله والده ~~قبولا حسنا ، ووهبه من كل شيء ولو استطاع لوهبة من عينه وسنا . PageV01P429 # في هذه السنة ورد الخبر بموت زيتون في عكا ؛ وكان من أكبر كنود الفرنج من ~~جو البحر ، وكان حضر بجماعة كبيرة إلى عكا ، وقد ذكرنا وقعته مع السلطان في المرج. ### || ذکر سرقة رؤساء شواني المسلمين من عکا # قد ذكرنا أسر الفرنج لهم بقبر س ، وكان السلطان قد سير الأمير فخر الدين ~~المقري الحاجب إلى صور لابتياعهم ، فتعالى الافرنج في الرؤساء وقالوا : ~~«هؤلاء جمرة البحار ، وفرصة الأعمار » . وأما القواد والرماة فإن جماعة من ~~الفرنج اشتروا منهم وفادوا بهم أسرى وأطلق السلطان لهم بهم جماعة ، وبقي ~~الاحتفاظ على الرؤساء ، وهم ستة نفر منهم رئيس اسكندرية ، ورئيس دمياط ، ~~وأبو العباس المغربي وغيره ؛ وجعلهم الفرنج في حبس حصين في قلعة عكا ، فرسم ~~لسيف الدين خطابا أحد النواب بصفد بسرقتهم ، فأرغب المتوكلين بهم بالمال ~~حتى دخل إليهم بمبارد ومناشير ، فرقوا من جب القلعة ، وخرجوا في مركب ، ~~وكان لهم خیل واقفة فركبوها ، ولم يدر بهم أحد في عكا ، فوصلوا إلى القاهرة ~~، وقامت فتنة بعكا بسببهم . # في هذه السنة ورد کتاب صاحب الحبشة واسمه محترا ملك بطلب PageV01P430 ~~مطران ، وانه يسير إلى صاحب اليمن ما يلزمه لير سله صاحب اليمن إلى ~~السلطان . # قال مؤلف السيرة : أما المحرا فإنه إقليم من أقاليم الحبشة وهو الإقليم ~~الأكبر ms225 ، وصاحبه يحكم على أكثر الحبشة السحرت إلا القليل مثل بلاد الدانوب ~~والحرلا ، وصاحب بلاد امحرا يسمى حطى يعني الخليفة ، وكل من ملكها يسمى ~~بهذا النعت ؛ ومن ملوك الحبشة يوسف بن ارسماية ، صاحب بلاد حداية وشوا ~~وكلجور وأعمالها وفوقهم ملوك مسلمون . وأما بلاد الزيلع وقبائلها فما فيها ~~ملوك إلا قبائل ، وهم سبع قبائل مسلمون ، وخطباؤهم يخطبون باسم مقدميهم . ~~وقصد صاحب اليمن أن يبني عندهم جامعة ليخطب له به فما مكن من عمارته . والطريق إلى امحرا من مدينة عوان ، ~~وهي ساحل بلاد الحبشة وعساكره كثيرة ويحكم هذا الملك على أكثر ملوك الحبشة . ### || ذكر الإغارة على مرعش # في هذه السنة توجه عسکر حلب صحية الأمير حسام الدين العين تابي إلى جهة ~~مرعش ، وأغاروا على بلاد سيس ، وحازوا غنائم كثيرة ، وقلعوا أبواب ربض مر ~~عش ، وغرق ربيعة بن الطاهر بن غنام في عبر هناك . # توفي الأمير فارس الدين الأتابك [ رحمه الله تعالى !] في تاسع جمادی الأولى من هذه السنة ؛ وأحسن السلطان إلى مخلفيه . PageV01P431 ### || ذکر غزوة سیس # وكان صاحب سيس قد قطع الهدايا المقررة عليه ، وخالف شروط الهدنة من أنه ~~لا يجدد بناء، ولا يحصن قلعة ، وصار لا يطالع بخبر صحيح ، كما تقرر معه ~~بمقتضى الإيمان ، ويلبس الأرمن السر اقوجات ، ويخيف بهم القوافل ، ويدعي ~~أنهم عسكر القان؛ وحصلت أذية للتجار من جهة کینوك وسير السلطان من خرب ~~كينوك - كما ذكرنا - وتضور صاحب سیس من ذلك ، فقيل له : « ذلك بما قدمت ~~يداك ، وواحدة بواحدة جزاء » . وسير السلطان عرفه انه قاصد سيس ، وصار ~~يستميل الفرنج إلى التتار ويقلل المسلمين في عيونهم ؛ ومما اعتمده أن ~~تركمانا تجارة وصلوا من الروم ، ومعهم خیل وبغال ، فطلع عليهم أهل كينوك ، ~~فقالوا لهم هذه الخيل للسلطان ، فقاتلوهم . # ولما كثر منه العناد والضرر للبلاد والعباد ، وعم الممالك فسادهم ، ~~ووالله لا يحب الفساد ه ، انتخى السلطان للأمة ، وعادت الرحمة التي في قلبه ~~على المذكور نقمة ، والمصالحة مكافحة ، والموادعة منازعة ، والهدنة ~~أهنة ؛ واسر في نفسه قصده ، ولم يبده لأحد ، بل أظهر الحركة إلى الشام ، ~~وقرر ms226 عرض عسكره راكبين جميعهم في يوم واحد ، تحت قلعته ؛ ولبس السلطان ، ~~ولبست مماليكه لامة الحرب والحود المذهبة ، حتى لم يعرف السلطان من بينهم ، ~~وصار يمر على طلب طلب يستعرضهم ؛ وساقوا PageV01P432 ونزلوا في المخيم بباب ~~النصر ، وطلب المقصرين في عددهم ممن لم يكن دوشنه أفخاذ وأكمام، وأعطاه ما يكمل به جوشنه . وخرج في ثالث شعبان من هذه ~~السنة ، ووصل إلى دمشق في سلخ شعبان ، وكان يوم ثلج ألبس الأرض أثوابا ، ~~وفتحت السماء فكانت أبوابة ، وخرج عسكر الشام ملبسين أيضا . وخرج السلطان ~~في سابع رمضان ، ولما وصل حماه خرج السلطان الملك المنصور ، صاحب حماه ، في ~~خدمته بعسكره ، وركب السلطان مختفية ، فما أحس به صاحب حماه إلا وهو سائق ~~في موكبه خدمة له ، وإقامة لحرمته في بلده . ثم سار السلطان وفي خدمته ~~العساكر وجميع العربان وعرضهم ركبانا ، وجرد منها ابن عيسى ، وحسام الدين ~~العين تابي إلى جهة البيرة بصورة جاليش العسكر المنصور ، فوصلوا إليها . ~~وأما السلطان فإنه لما وصل إلى نيرب سرمين رحل منه على جهة الدربساك وأخر ~~الثقل وبعض العسكر صحبة الأمير شمس الدين سنقر جاه الظاهري بنيرب سرمين ؛ ~~وجرد الأمير عز الدين الأفرم ، أمير جاندار ، ومبارز الدين الطوري لتمهید ~~جوانب النهر الأسود ، وقطعته العساكر بمشقة : ووقف السلطان حتى عدى بأكثر ~~الناس ونزل بين الدريساك وبغراس ، وأمر جماعة من مقدمي الألوف أن يتوجه كل ~~منهم إلى جهة ، فطلعوا الجبال ، وأمر الناس بوقود الشموع، واقتحم الناس ~~الحبال ، فما سأل أحد عن طريق ، ولا بالي بمضيق ؛ ومروا وعليهم جبال من ~~الحديد لامعة ، وسنابك الخيل تتلوى على الجبال : إذا وقعت الواقعة، ليس ~~ليوقعتها كاذبة ، خافضة رافيعة . والأرض ترج رجا ، والجبال تبس PageV01P433 ~~بسا ، وتغدو هباء منبثا ، والكتائب المنصورة كما قال البحتري : # سيوف لها في كل دار غدا رحى %~% وخيل لها في كل دار غدا نهب # علت فوق بغراس فضاقت بما جنت %~% صدور رجال حين ضاق بها الدرب # وما شك قوم أوقدوا نار فتنة %~% وسرت إليهم أن نار هم تخبو # وكان السلطان قد حمل ثلاثين مركبة لأجل ms227 التعدية ، ونزل السلطان داخل باب ~~اسكندرونة ، خلف السور الذي كان البيل هيوم ، والد ليفون صاحب سیس ، قد ~~بناه ؛ ثم رحل إلى قريب المثقب ؛ وملكت العساکر جسر المصيصة ، وملكوا ~~المصيصة ، وغلبت العساكر على ما فيها ، وقتلوا من وجدوه بها ؛ وغم الناس ما ~~لا يحصى كثرة من الجاموس والبقر والغنم ، وحضر إلى الطاعة جماعة كبيرة من ~~التركمان والعربان بمواشيهم وخيولهم فجهز هم إلى البلاد ، وساق مطلبة في ~~تاسع وعشرين رمضان ، فوصل سيس فعدل عنها ، وأرسل الأعنة ، وكشف ما على ~~الكنائن من الأمكنة ؛ ووصل در بند الروم، ووجد شبابا وبقايا حريم للتتار ~~أخذن ؛ وعاد السلطان فيات في تلك الجبال الشم ، وناداها فأسمعت حوافر خيله ~~منها الصم . وعيتد بمدينة سيس ، وهي كرسي المملكة ، والأصل في الأمور ~~المهلكة ، وبها بستان متملكها ومناظره التي تذهل الناظر ، ويحقق المؤمن ~~أنها جنة الكافر ، ونزل السلطان بربعه فساء صباحا ، وكان بستانا فصار أرضا ~~براحة ؛ وعادت الأطيار التي كانت به تغني عليه تنوح ، والمياه الجارية به ~~كأنها له دمع مسفوح ؛ وكنائسه کنست ، ومعالمه طمست ، وانتهبت مدينة سيس ~~وهدمت وأحرقت ؛ وتحصن أهلها بقلعتها . هذا وكتب PageV01P434 البريد متواصلة ~~حيث حل السلطان. # ولما فرغ من إحراق مدينة سيس ، وهدم قصور التكفور ، وتشويه منظر مناظره ، ~~وهتك ستر ستائره ، وعادت الحاليشية بما غنموه من حريم للمغل وأولاد وسيقت ~~الغنائم كأنها قطع الليل المظلم عاد السلطان ، وشرعت العساكر في رعي ~~الزروع؛ ووصل الأمير جمال الدين المحمدي ، والأمير عز الدين الدمياطي إلى ~~طرطوس ، وجدوا بها من الخيل والبغال مقدار ثلاثمئة رأس فاستاقوها ، وتوجه ~~مبارز الدين الطوري وعز الدين كرجي إلى قريب البحر ، وقاتلوا جماعة من ~~العدو ، ووجدوا مراكب في البحر ، فدخلوا إليها وأخذوها وقتلوا من فيها ؛ ~~ووصل الأمير سيف الدين الزيني إلى قلعة البرزین ووصل الأمير بدر الدين ~~الأيدمري إلى آذنة ، وغنموا نساء وأطفالا ؛ وأغارت العساكر في تلك الجبال ، ~~وقتلوا رجالة كثيرة ؛ ووجد العسكر الشامي جماعة من افرنج وأرمن ، ~~فقتلوا الجميع ، ووصل الأمير بدر الدين بيسري والأمير سيف الدين ایتمش ~~السعدي إلى إياس ، وكان خبر العساکر قد ms228 وصل إليهم من جهة الفرنج ، فنقلوا ~~أموالهم إلى المراكب ، وأحرقت العساکر وقتلت جماعة كبيرة في البر والبحر ، ~~وحضر بعد ذلك كتاب والي إسكندرونة متضمنة أن العساكر لما قصدت إياس ركب ~~جماعة منها من فرنج وأر من قريب من ألفي نفس هاربين ، فغرقوا جميعهم ؛ ~~فانظر إلى سعادة هذا السلطان کيف البحار لا تنجي له عدو ، والقفار لا تخفي ~~له رواحة ولا غدوا ، # ومن لم يمت بالسيف مات بغيره » PageV01P435 # وأخذ الأمير بدر الدين ، أمير سلاح ، جشارات خيول للمخذولين . # هذا ما يتعلق بغزوة سيس ، وأما العسكر والعربان المتوجهون إلى البيرة ~~فوصلوا رأس عين ، وغنم وا غنيمة كبيرة ، ووقع الرعب في التتار فولوا ~~منهزمين ، وكان هذا قصد السلطان أنه يشغل تلك الجهة . وعاد العسكر سالمة ~~منصورة . # ووصل السلطان إلى المصيصة، وأحرقت من الجانبين. ولما تكامل حضور الأمراء ~~بالغنائم، وخروج التركمان والعربان الواصلين إلى الطاعة من الدربندات رحل ~~السلطان ؛ وعبر على بحيرة بها أغصان ملتفة مثل الغابة ، بها جزائر ، وقد ~~تحصن فيها جماعة من تلك البلاد ، ونقلوا إليها حريمهم وأموالهم ، فرمی ~~العسكر نفوسهم فيها عومة بالخيل ، وقتلوا وسبوا ؛ ثم عبر على تل حمدون ، ~~وعلى قلعة النقيرة ، وعاثت العساكر فيهما . وخرج من الدربندات ، فشاهد ~~الغنائم قد ملأت المروج طولا وعرضا ؛ ووقف بنفسه وفرق الغنائم ، وهي ألوف ~~لا تحصى ، وما نسي منها صاحب علم ولا رب قلم ، وما أخذ لنفسه شيئا من تلك ~~الغنائم . ولما فرغ من القسمة سار فنزل بدهلیزه محارم . وعمل مؤلف السيرة ~~في ذلك : # يا مالك الأرض الذي عزمه %~% كم عامر للكفر منه خرب # قلبت سیسا فوقها تحتها %~% والناس قالوا سيس؟ ما تنقلب # وقال أيضا : PageV01P436 # أي يوم بنصره قد حبينا %~% وبه الله قد أقر العيونا # يوم جزنا بلاد سيس وقلنا : %~% «أي نصر من ربنا قد جزينا » # إذ تبدى السلطان بين نجوم %~% من بي الترك يعشقون المنونا # يركضون الحياد في حلبة النصر %~% فأكرم بمثلهم راكضينا! # كل شقراء كالسلاف ، وصفرا %~% وکتبر قد سرت الناظرينا # وجياد من الأداهم والشه %~% ء ترينا ليلا وصبحا مبينا # وكميت كم راح ms229 حي كميت، %~% من عدو بها لدى الغابرينا # فوقها من بني الحروب رجال %~% لم يزالوا لربهم شاکرینا # كم أذلوا القروم نهية وأسرا %~% في انتصار وكم أعزوا القرونا # فتحوا المدن والحصون وكفوا %~% كافريها وسلموا المسلمينا # بسطا سيد الملوك ومن قد %~% صار حصنا للمسلمين حصينا # ركن دين الإله بيبرس والظا %~% هر خير الملوك دنيا ودينا # أسد الله في الوجود لما أتاها %~% بالسطا منه أخذه الظالمينا # وتولى ليفون منه حسيرة %~% خائبة خائفة لعينة مهينا # وكذالك التتار خوفا ورعبا %~% قد تولوا من بأسه هاربیتا # آه لو أنهم أقاموا ، فقالوا %~% : « أي يوم نشره قد خبينا # أندروا بالجيوش أبغا ، فولى %~% هاربا لا يكذب الناقلینا # وترامت كل البلاد وقالت : %~% «ليتنا مثل سيس كنا غزينا »PageV01P437 # لينت جیش السلطان وافي إلينا ! %~% ليت أنا بخيله قد وطينا ! # ليت أنا في حكمه وفداه ، %~% كل ما للأنام أودع فينا ! # ليت أن السلطان جاء إلينا ، %~% لير انا لحكمه طائعينا ! # لو قدرنا نأتي إليه أتينا ، %~% ولكنا من جملة الوافدينا # جعل الله عمره في امتداد %~% يتفداه سائر العالمينا ! # وقال أيضا : # يا ويح سيس أصبحت نهبة ، %~% كم عوق الجاري بها الجارية # وكم بها قد ضاق من مسلك %~% يستوقف الماشي بها الماشية # وما نظمه أيضا قبل ذلك عند مهادنة التكفور : # ما هادن الأرمن سلطاننا %~% إلا الأمر فيه إذلالهم # حتي له تكثر أموالهم %~% وللظبي تكثر أطفالهم ### || ذكر ما تضمنه التاريخ من بلاد سیس # المصيصة : بناها عبد الملك بن مروان ، ذكره ابن عساكر في التاريخ الكبير ~~، وذلك في أيام أبيه في سنة أربع وثمانين للهجرة النبوية ، وغزا بلاد الروم ~~في سنة اثنتين ، وسنة ثلاث وثمانين ، والبناء كان في سنة أربع . # وأما طرسوس : فإنها من المدن القديمة ، وخبرت أنه الآن على بابها ~~PageV01P438 مكتوب بناها . ذكر ذلك الطبري . وبها قبر المأمون عبد الله بن هرون الرشيد ~~الخليفة ، لأنه كان قد وفد عليها غازية مرة بعد أخرى ، فمات في موضع يعرف ~~بالیدندون ، قریب طرسوس في سنة ثمان عشرة ومائتين ، ودفن في طرسوس في ~~دار خاقان الخادم ، وقبره الآن معروف هناك . وتسمى المصيصة بعين ms230 زربة ، ~~وطرسوس وآذنة وما يليها تسمى قيليقا . والمصيصة بلد بقراط الحكيم ، وقيل ~~بلده حمص . # وأما نهر جهان فهو نهر جيحان ، والأرمن تجعل الحاء هاء ، وهذا النهر أحد الأنهار الثلاثة وهي سيحان وجيحان وبر دان ، وهي أنهار بطرسوس ~~والمصيصة وآذنة ، وتخرج من بلاد الروم ، ثم يفضن في البحر الملح . وأما ~~جيحون فهو النهر الذي ينحدر متبحر إلى خوارزم. وأول نهر جيحان عند طول ستين ~~جزء لا يتحدر نحو الجنوب حتى يمر بركن مدينة سيسمة من بلاد الروم ، ويمر ~~بين جبلين منحرفا نحو المغرب إلى أن يصير إلى مدينتين كانتا للروم يقال ~~لهما برسا وزبطرة، فيمر بينهما ، ثم يمر بين جبلين راجعة إلى ما كان عليه ~~من قصد ناحية الجنوب حتى يمر بثغر المصيصة فيما بين هذا الثغر وبين جبل ~~اللكام ، ثم يصب إلى البحر الشامي ؛ وطول هذا النهر PageV01P439 من ابتدائه ~~إلى مصيه سبعمائة ونيف وثلاثون ميلا . والجبال المحيط بسیس وبلادها يسمى جبل اللكام ، وطوله مئة ميل ، والميل من الأرض منتهی مد ~~البصر ، والفرسخ ثلاثة أميال . ### || ذکر استیلاء بيت لاون على بلاد سيس # وهذا بيت لاون هم بيت هذا التكفور . وكانت هذه البلاد يحميها متملك الروم ~~، ويحفظها بجنده ، فاستولى عليها مليح بن لاون ، وذلك لأن السلطان الشهيد ~~نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله ! كان يشد منه ، ويعينه ، وكان قصده أن ~~يسلط الكفرة على الفجرة . فقوى مليح على البلاد ، فامتعظ متملك الروم ، ~~وسیتر نسیبه باندر نيقوس في جماعة من جيوش الروم فكسره مليح ، وأسر من ~~مقدميهم ثلاثين أسيرة ؛ وكانت هذه الوقعة في يوم الأحد آخر شهر ربيع الآخر ~~سنة ثمان وستين وخمسمئة . وبلغ هذا الخبر إلى الشهيد نور الدين فأحسن إليه ~~وخلع عليه ، وكتب إلى بغداد يعظم أمر الروم ، ويذكر أن هذا مليح الأرمني من ~~جملة غلمانه ، وأنه كسر الروم ، ويمت على أهل بغداد بهذا القدر . ومن ذلك ~~الوقت ثبتت قدم بيت التكفور في هذه البلاد نيابة عن الشهيد لا غير ، ~~واستمر على ذلك. PageV01P440 # قال مؤلف السيرة : «وما زالت بلاد سیس هذه ms231 تعرف بالدروب وتعرف بالعواصم ، ~~وبها كان الغزو ، وهي الثغر ، وفيها كانت الملاحم والحروب ، وأهلها هم أهل ~~الرباط والغزو والجهاد والمثاغرة . وكان أمرها مضافة إلى مملكة مصر ، وقد ~~أحضر أحمد بن طولون ، أمير مصر فافتتح أنطاكية في محرم سنة خمس وستين ~~ومئتين من سما ؟ الطويل ، ومضى أحمد إلى طرسوس فدخلها في شهر ربيع الأول من ~~السنة المذكورة ، وهي يومئذ في بلاد الإسلام ، ونزل بها فضاقت علی عساکره ، ~~وغلا السعر بها فشق على أهلها [و] قالوا : «نحن في ثغر ، وقد آذيتنا ~~واستنفدت الأقوات التي عندنا ولو حاصرنا عدو ما جرى علينا أكثر مما جرى ~~علينا منك من المضايقة في المساكن والأقوات »، وشهر أهلها السلاح ، وقاتلوه ~~فأمر أصحابه بالهزيمة بين أيديهم ، فانهزموا ، وغم أهل الثغر أمواله ، ~~وقماشه . وكان مقصود أحمد بن طولون أنه يفهم العدو قوة أهل طرسوس ، وأنهم ~~أصحاب منعة وقوة ، وأن مثل الأمير أحمد بن طولون انهزم بين أيديهم وعساکره ~~ملأت الأرض ، لتنكف أطماع العدو عنها ، ثم إنه سير إلى أهلها يفهمهم الصورة ~~، وولي والية من جهته أسمه طخشى بن بليرد ، وكان عزمه إقامته في هذه الثغور ~~لكن بلغه خروج ابنه في مصر عن طاعته ، فعاد إلى مصر ، ثم بعد ذلك عاد أحمد ~~إلى طرسوس : وكان لما وصل إلى المصيصة عصى عليه باز مان الخادم ، فبعث أحمد ~~جيشأ فيه أكابر أصحابه ، يدعوه إلى الطاعة ، ويؤمنه على نفسه ، ولا يؤاخذه ~~بما جرى منه ؛ فما PageV01P441 أجاب ؛ ووجده قد تحصن ، واستظهر بنصب ~~المنجنيقات على الأسوار ؛ فجاء أحمد بجنوده ، ونزل عليها ، وكان البرد ~~شديدة والأمطار دائمة ، والثلوج كثيرة ، فعمل باز مان الخادم مكيدة ، وذلك ~~أنه سيب الماء على العسكر ، فصاروا يعتقدون أنه مطر ، فما فطنوا بذلك حتى ~~غرقوا وتلف كل شيء لهم ، فرحل أحمد منهزمة. إلى آذنة ، فاقام بها ، ثم ~~ارتحل إلى المصيصة ، وحصل له مرض ، فعاد إلى مصر ، فتوفي . # وفي أيام كافور الإخشيدي الخادم الذي كان سلطان مصر حصل التهاون في ~~أمر الثغور ، وقصدها الملك النقفور ؟ الرومي ، فاحتمت عليه ، فحرق ضياعها ، ~~وقطع أشجارها ، وخرب ms232 ما حولها من البلاد ؛ واتصل ذلك بكافور فتهاون ، فرأى ~~ليلة في المنام كأنه طلع إلى السماء ، ومعه قدوم ، فصار يهدم في السماء ~~بيده ؛ فلما أصبح أحضر المفسر وقص عليه هذا المنام . فقال : « أنت رجل تهدم ~~الدين ، وتبطل الجهاد » . فعند ذلك استيقظ کافور لنفسه ، وجهز مقدما يعرف بابن الزعفراني ومعه جماعة ، وقال : « ~~ابصروا ضيعة كبيرة لها دخل مثل بلاد طرسوس التي خربت ، ويكون لهذه الضيعة ~~سوق وحمامات ، حتي احبسها على طرسوس ». فقالوا : « بو صير المادراي ». ~~PageV01P442 ### || ذکر نزول السلطان في مرج انطاكية # ثم إن السلطان رحل ، وخيم بمرج أنطاكية ، وانبثت العساكر في تلك المروج ، ~~وأقام حتى رعت العساكر تلك الأعشاب ، وحتى سيرت المواشي والغنائم . وجرد ~~الأمير شمس الدين سنقر شاه الظاهري ، وشمس الدين سنقر الألفي ، والأمير ~~سابق الدين ، أمير مجلس الناصري ، إلى عين تاب واستطلعوا الأخبار ، وحضروا ~~بعد رحيل السلطان . ### || ذکر منازلة حصن القصير # هذا الحصن مما لم يفتتحه صلاح الدين [ رحمه الله !]، لما وصل إلى تلك ~~الجهات ، وافتتح ما افتتح منها مثل بغراس والدر بساك ، ومهادنة انطاكية ~~وذلك في سنة أربع وثمانين وخمسمئة . وما زال هذا الحصن لمن يكون بابا رومية ~~الذي هو خليفة الفرنج ، وأمره راجع إلى بطرك انطاكية والفرنجية تميزه ~~وتؤثره ، وأهله أهل شره وفساد ، وكان مضرة على الفوعة وتلك الجهات . ولما ~~فتح السلطان انطاكية سأل أهل القصير الهدنة فأجيبوا إلى ملتمسهم ، فما ~~وقفوا عند الهدنة ، وصاروا يحينون في مناصفة البلاد التي للقصير ، ويظهرون ~~خلاف ما يسرون ، ويخاد عون الله ورسوله وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . ~~PageV01P443 # ولما وصل صمغار إلى جهة حارم كان أصحاب القصير أدلاء الكفار ، وضربوا ~~البشائر على الأسوار ، ولما توجه السلطان في هذه السنة إلى البلاد الأرمنية ~~أمرهم أن لا يبيعوا خمرة على أحد من العساكر المنصورة ، فخالفوا المرسوم في ~~ذلك . وكان قد رسم الأمير سيف الدين الدوادار بالتردد إلى كليام ، النائب ~~بالقصير ، وإظهار مصافاته فاعتمد ذلك، وتوجه الأمير سيف الدين ~~المذكور إليه في خامس عشر شوال ، ومعه جماعة من السلاح دارية بصورة أصحاب ~~له ms233 ، فوصلوا القصير ، وأظهر الأمير سيف الدين غضبة بكونه ما خرج للقائه ، ~~وقصد الرجوع ، فبلغه ذلك ، فخرج مسرعة ليستر ضيه ويرده ، فرجع الأمير سيف ~~الدين بعد أن استدرجه في البعد عن القلعة بصورة امتناع من العود ، ولما ~~واجهه کارشه ، وتسلمه واحد بعد واحد حتى خرجوا به ولعب السيف بمن كان معه ، ~~وأغلق باب الحصن ، وأتى بكليام إلى السلطان ، فكتب إلى أصحابه بالتسايم ، ~~فما التفتوا على کلام کلیام ؛ وجرد جماعة من أمراء حلب ، وهم : سيف الدين ~~الصروي ، وشهاب الدين مروان ، والي أنطاكية ، وجماعة رجالة ، فنازلوا ~~القصير ؛ وتوجه السلطان إلى دمشق ، واستصحب كليام معه ، وكان شيخا كبيرا ، ~~وكان أبوه في الأسر ، فمات كليام بدمشق بعد اجتماعه بأبيه . ولما اشتد ~~الخضار على القصير ، وعدموا الأقوات سلموا الحصن المذكور في ثالث وعشرين ~~جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وستمئة ، وحمل أهله إلى الجهات التي قصدوها . ~~PageV01P444 # قال مؤلف السيرة : ورأيت في كتاب من إنشاء القاضي الفاضل ما يدل على أنه ~~حصن أنطاكية ، وأن السلطان صلاح الدين كان صالح عليه وهو من كتاب إلى متملك ~~الروم يذكر فيه حديث ملك اللمان : «وقد علم الملك أن صاحب أنطاكية لما ورد ~~عليه ملك الأمان بدا بمن استنجده ، وفتح له بلده ، وأمن إليه مغترة، ووثق ~~به متخيرآ لا مضطرة ؛ واستولى على أنطاكية ، وحاز قلعتها ، وأنزل منها ~~صاحبها ؛ وذلك حصن القصير الذي فيه البطرك ، وفيه الذخائر التي خرج بها ~~الفرنج في ذمة وفائنا والذهب والفضة التي وقفنا فيها عند أيماننا ؛ فندم من ~~كان يستنجده ، وأخرج من يده ما كانت تحويه ، وعرف أن الذي أبقيناه عليه ~~بالوفاء لم يبقيه تلك الأمان عليه بالغدر . ### || ذكر وفاة الابر نس ، صاحب طرابلس وما جرى بعد وفاته # في تاسع شهر رمضان توفي الابرنس بيمند بن بیمند ، صاحب طرابلس ، ووصل ملك ~~قبرص ، وهو ابن عم البرنس ، إلى طرابلس لتعزية ولده ؛ وكان السلطان قد كتب ~~إلى ابن البرنس ، وهو يقول له : «ان اللاذقية ما برحت للمسلمين ، ~~ولما راح صاحب حلب تغلب أبوك وأخذها ظلما PageV01P445 وعتوا ؛ ونحن لنا في ~~اللاذقية ms234 النصف ، فنترك النصف الآخر فإنه من حقوق المسلمين . فلما سمع ~~الفرنج ذلك قووا البرج ؛ وخاف المسلمون عاديتهم ، فرسم السلطان لركن الدين ~~، النائب في بلاطنس ، بنقل المسلمين الذين باللاذقية إلى البلاد السلطانية ~~؛ فوصل کتاب نائب البرنس الذي باللاذقية يذكر بأنهم ما برحوا في الطاعة وقد ~~عز عليهم خروج من عندهم . ووردت رسل ملك عكا، وهو يشفع عند السلطان في ~~استمرار الصلح ، فترك السلطان الحديث في اللاذقية . وكان قد سير عسكرة ~~للحوطة على عرقا ، ومغل بلادها ، فسير ملك عكا وقبرس يتوسل في أمرهم ، وسأل ~~إنفاذ من يوثق به لأجل الدعاوى ، ويكون منه إلى نواب السلطان ، ومن ملك عكا ~~إلى نواب البرنس ، فسير الأمير سيف الدين الدوادار ، لأن الأمور جرت على ~~يديه ، فتوجه إلى عرقا ، وأقام بها ، واجتمع عنده نائب بعلبك ، وولاة البر ~~، ومشائخ البلاد ، ومستخدميها ونواب الفرنجية ؛ وأظهر الأمير سيف الدين ~~تجملا كثيرة ، ورتب التفقدات للنواب وللولاة وللفرنج ، وخلع على جماعة ~~إقامة لحرمة السلطان وتحقيرة للفرنج . وكتبت الدعاوی وترددت الرسل؛ واتفقت ~~وفاة الأمير صارم الدين قيماز الكافري، النائب بحصن الأكراد، فبقي الفرنج ~~يعتذرون به، وأنكروا الدعاوى ، وكانوا يخافون مهاجمة السلطان من عيون القصب ~~، فلما علموا أنه وصل دمشق سكن خوفهم ، فتوقفت الأمور ، وسأل الملك حضور ~~الأمير سيف الدين إلى طرابلس ، فدخلها في ثامن المحرم بحمل كبير من ~~المماليك السلطانية PageV01P446 و مماليكه وأجناده ، وتلقاه أبناء الملوك بها ، واجتمع بالملك ، وسلم إليه ~~كتاب السلطان ، وما برح الحديث بينهم حتى قرر عليهم القيام بعشرين ألف ~~دينار صورية ، وعشرين أسيرة ، وهذه جملة ما سمع أن الفرنج سمحوا بمثلها . ### || ذكر ما تجدد في بيروت # وفي هذه المدة بلغ السلطان أن ملك قبرس وعكا عمل حيلة على صاحبة بيروت ، ~~وأنه بلغته وفاة زوجها جوا البحر ، فطمع فيها ، وسيرها إلى قبر س ، وبقيت ~~مملكتها بغير صاحب ، فكتب السلطان إلى عكا ، وقال : « هذه الملكة بيني ~~وبينها هدنة ، وما سافر زوجها حتى أودعها عند جاهي ، وعادتها إذا ~~سافرت تستودعني بلادها ، وفي هذه المرة ما سيرت لي رسولا ، ولا بد من ~~حضورها ms235 ، وأن تتوجه رسلي وتشاهدها ، وإلا أنا أحق ببلادها » . فلما بلغهم ~~ذلك انزعجوا له ، وعلم ملك عكا أن بيت الديوية أعوان) عليه ، فتحدث مع ~~الأمير سيف الدين في ذلك ، وأن بيروت داخلة في هدفته ، فصمم السلطان على ~~أنه لا بد من حضورها ، وكتب إلى اللكات ، نائب الباب بعكا بأن يسير خطه وخط ~~الفرنج بما يقتضيه دينهم في ذلك ، فما أجابوا عنه بشيء، وأعاد الأمير سيف ~~الدين الدوادار إلى دمشق ليسكن هذه القضية . PageV01P447 ### || ذکر توجه السلطان إلى دمشق # ولما فرغ السلطان من الأمور المتعلقة بالقصير ، توجه إلى دمشق ، فدخلها ~~في منتصف ذي الحجة ، وفرق العساكر في الجهات طلبة لرخص الأتبان والأسعار ، ~~فأقامت جماعة منهم في بانياس ، وجماعة في عجلون ، وجماعة في نوى وغيرها ، ~~وبقي الأمراء في خدمته . ### || ذكر أمور جرت في بقية سنة ثلاث وسبعين وستمئة # منها أن منارة اسكندرية كان قد تداعى أركانها ، ووقع من كثرة السنين جانب ~~كبير من بنيانها ، وما فطن لذلك أحد من الملوك ؛ وفي هذه السنة توجه ~~السلطان متصيدة ، ودخل اسكندرية ، فرسم بناء ما انهدم منها ، ورتب البناء ~~من على الممشى الذي حولها من أسفل وهم طالعون . وفي القاب السلطان اسكندر ~~الزمان وقد تحقق في مشاركته ببنائه الآن. PageV01P448 ### | ودخلت سنة أربع وسبعين وستمئة ### || ذکر حضور الملك السعيد إلى دمشق # وفي الرابع والعشرين من المحرم من هذه السنة رسم السلطان للأمير بدر ~~الدين الخزاندار بالتوجه إلى الديار المصرية لإحضار الملك السعيد ، وتقدم ~~إلى الأمراء بإحضار أولادهم ؛ فتوجه الأمير بدر الدين الخزاندار على خيل البريد ، ووصل مصر ، فسير له الملك السعيد ألف دينار وتشريفا ، ~~وجهزت بيوت الأمراء وأولادهم ، وخرج الملك السعيد من مصر على خيل البريد ~~سلخ المحرم [ ووصل إلى دمشق في سادس صفر ، وركب السلطان للقائه ، وحضر بعد ~~ذلك طلبه وممالیکه ] . # ..... # للعب ، وليست المماليك السلطانية الحواشن والخوذ ، وعملت الأبر جة الخشب ~~على الأفيلة ، ودخلوا في أخذ الحلقة أحسن دخول ، وساقوا أجمل سوق ؛ ~~ثم نصب القبق ، ورموا بالنشاب ، وجعل لكل PageV01P449 من يصيب القبق فرسة من الجنائب الخاص بتشاهير ه ms236 ، والسلطان # يسعى به البرق إلا أنه فرس %~% في صورة البدر إلا أنه رجل » # وتنوع في لامات حربه : # « ملك إذا ادرع الدلاص حسبته %~% لبس الغدير وسل" منه جدولا » # وصار السلطان يأخذ بقلوب الناس ، ويخلع عليهم ويعطيهم ؛ وساق بالرمح أحسن سوق . # تضحي الأنابيب إن ضاقت مذاهبها %~% وراءها سالكات أوضح السبل » # وعجب الناس من فروسيته وشجاعته . # « وافتن فيه الناظرون فإصبع %~% تومي إليه ثم عين تنظر » # وانقضى هذا اليوم على هذا الترهب . وفي اليوم الثالث ركب ولعب ورمي في ~~القيق ، والسلطان يطاعن بالرمح ، وهو كقول الشاعر : # وطلق كماء المزن طيب مذاقة %~% والروضة الغناء طيب نسیم # كالسيف لكن فيه حلم واسع %~% عمن جني ، والسيف غير حليم # كالليث إلا أنه متبرقع %~% بوسامة ، والليث غير وسيم # كالدهر إلا أنه ذو رحمة %~% والدهر قاسي القلب غير رحیم » # وفي يوم الأحد ترتب العسكر من جهتين ، واصطدم الجيشان ، وتطاعنت الفرسان ، والسلطان بينا يرى آخرة قد شوهد أولا : PageV01P450 # « مليك تردى بالجمال وضاعف إل %~% جميل فأمسى يجتدي ثم يجتلي » #وهو لا يسأم الكر والفر . # « قالوا وينظم فارسين بطعنة %~% يوم الوغى ويعد ذاك قليلا # لا تعجبوا فلو أن طول قناته %~% میلا إذا نظم الفوارس ميلا » # وشاهد الناس من هذا السلطان وولده الملك السعيد، الأسد وشيله ، والسهم ~~ونصله ، والرمح وسنانه ، والكف وبنائه ، والطرف وإنسانه واستبشرت بالملك ~~السعيد الأمم ، وجرى بسعادته القلم ، # «طروب بوقع الظبي في الطلا، %~% كأن صليل المواضي نغم » # وهو ثاني والده إذا كافح ، وتالي علمه إن طارد أو طارح ؛ وملي ندائه إن ~~دعي نزال ، ومرتمي أمره أن تفوه بمقال ؛ يتقرب بالإحسان إلى من ساوقه ، ~~ويتباعد عمن سابقه ، # ولا كما يسبق المجاري المجارى %~% بل كما يسبق الشباب المشيبا » # وتواصل الطعن بغير جراح ، وتحاربت الأجساد، وتحاببت الأرواح ، وكأن ~~الرماح في أيديهم تذکرت عهدها القديم من التبريح بهبوب النسيم ، وصار الطعن ~~في هذا الميدان أكثر من الطعن في الحرب ، ولم يعدم في هذه الأيام من ~~أيام المعارك غير سفك الدماء والضرب ؛ والسلطان بين تلك الصفوف لا يخاف ~~دركة ولا يخشى ، ولا مكيدة تعمل أو تنشأ ms237 . # وفي يوم الثلاثاء أنعم على جميع أكابر دولته من الأمراء والمقدمين ~~والوزراء والقضاة والكتاب بالتشاريف ؛ وكان على السلطان تشریف کامل بشر بوش ~~أنعم به على الأمير سيف الدين قلاون الألفي ، ولعبوا وكأنهم PageV01P451 زهر الربيع الوان مختلفة ، وزهر النجوم أنوارة مؤتلفة ، # « مثل الغصون قدودهم %~% ولباسهم مثل الحمائل # وكأن طرزهم ظلا %~% ل الزهر في وقت الأصائل » # والبشائر بسرها تبوح ، والمسرة في كل وجه تلوح ؛ وحصل الاهتمام بأمر ~~السماط ، ونقل بسببه من أصناف الحوائج ما لا يعد ولا يحد ؛ وسيق له من ~~الأغنام ألوف كثيرة ، ومدت الأسمطة ، وحضر السلطان والناس في خدمته ؛ ولما ~~أخذ الناس حاجتهم من تلك الطرف ، وفرغوا من أكل الشرف والسرف أبيحت الأطعمة ~~والحلاوات للعالم ، فأخذوا ونقلوا واطلطخوا بعد أن اقتتلوا ؛ وأحضرت ~~التقادم ، فبقي السلطان يقبل ذلك استحسانا ، ويرده جودا وإحسانا ، ويأخذه ~~بنظره، وينعم به على محضره ؛ وجبر قلب بعض المكثرين بأخذ الشيء اليسير مثل ~~تفصيلة أو رمح، أو شيء لطيف ؛ وقام من مجلسه وقد أنعم بذلك في وقته . ودخل ~~الملك السعيد بيته ، وكان الأمير سيف الدين قد حصل من عجائب الطرف ، وأخاير ~~الذخائر ، وح الملح ؛ وأحضر ما تدعي خزائن القصور عنه القصور ، وكم جهد ما ~~يهدي القطر إلى البحر ، ولكن نور على نور ؛ وختم ذلك بتفرقة الصدقات ~~المبرورة ، فكم أطعم من جائع وكسي عاري الجسد ، وكم أطلق محبوس واهي الجسد ~~، وكم عم سرور حتى ما بقي هم يدور في خلد ، وكل ما جمعه القلم ، وفرقه ~~الكرم ، ما سمع أن أحدة ظلم فيه بمثقال ذرة ، ولا سمع أن أحدة من أهل الطرب ~~ارتزق بشيء في هذا المهم . PageV01P452 ### || ذکر غزوة الروم # كان السلطان لما حضر إلى الديار المصرية رعي للأمراء الروميين هجر ~~الأوطان بتلك الهجرة ، وصار يخولهم كل شيء يتمول ويتنول ، وجلبوا معارفهم ~~إليهم ، فصاروا ألوفأ من خشي الفوت ، وممن حضر حذر الموت . ولما عزم ~~السلطان على السفر أعطاهم الخيول والخيام وكل ما يصلح أمور المسافرين ~~، وخرجوا صحبة العساكر المنصورة ، وكان توجه السلطان من قلعته يوم الخميس ~~العشرين من شهر رمضان ms238 من هذه السنة ، وسار فما نزل بمملكة إلا استصحب ~~عسكرها وخزائنها وأسلحتها .؛ ووصل حلب ........ # [ هذه نسخة رسالة أنشأها القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر - رحمه الله !] ~~بفتح الملك الظاهر لقيسارية من بلاد الروم ، واقتلاعها من أيدي التتار ~~واستيلائه على ملكها ، وجلوسه على تخت بني سلجوق ، ثم العود منها إلى مملكة ~~الديار المصرية ، كتب بها إلى الصاحب بهاء الدين بن حنا ، PageV01P453 وزير ~~السلطان الملك الظاهر ، ومعرفة ما كان في تلك الغزوة ، وما اشتملت عليه تلك ~~السفرة ، وهي : ... # « يقبل الأرض بساحات الأبواب الشريفة السيدية الصاحبية البهائية - لا زالت ركائب السير تحث إلى أرجائها السير ، وصروف الزمن تسالم خدامها ~~وتحل الغير بالغير ؛ ولا برحت موطن البر ، ومعدن الحود ، وبحر الكرم ، ~~وعكاظ الخير ! - وينهي بعد رفع أدعيته التي لا تزال من الإجابة محوطة ، ولا ~~تبرح يداه بها مبسوطة أن العبيد من شأنهم إتحاف مواليهم بما يشاهدونه في ~~سفر انهم من عجائب ، وإطلاعهم على ما يرونه في غزواتهم من غرائب ؛ ليقضوا ~~بذلك حقوق الاسترقاق ، وتكون نعم ساداتهم قد أحسنت لأفواههم الاستنطاق ؛ ~~ويتعرضوا لما عساه يعن من مراحمهم التي ما عندهم غيرها ينفد وما عندها باق . # ولما كان المملوك قد انتظم في سلك الخدم والعبيد ، وأصبح كم له قصيد في ~~مدح هذا البيت الشريف كل بيت منها بقصيد بيت القصيد ؛ وأن في مأثره الرسائل ~~التي قد شاعت ، وضاعت نفحاتها في الوجود ، وكم رسالة في غيره ضاعت - رأى أن ~~يتحف الخواطر الشريفة من هذه الغزوة بلمح يختار منها من يؤلف ، ويسند إليها ~~من يؤرخ أو يصنف ، وإنما قصد أن يتحف بها أبواب مولانا مع بسط القول ، ~~واتساع كلماته ، لأن الله قد شرف المملوك بعبودية مولانا ، والله أعلم حيث ~~يجعل رسالاته ؛ فإن كان المملوك قد طول في المطارحة ، فمولانا يتطول في ~~المسامحة ، وإن PageV01P454 قال أحد : «هذا هذي . فما زال شرح الوقائع ~~مطولا كذا ؛ وتالله ما ورخ مثلها في التواريخ الأول ، ولعمري إن خيرة ~~من سيرة ذاك البطال سيرة هذا البطل ، والأمر أعلى في قراءتها واستماعها ~~والتمهل في حجلها ms239 حتى تسفر نقابها ، وترفع مسدول قناعها ...... # قد أحاطت العلوم الشريفة بالعزمات الشريفة السلطانية ، وأنها استصحبت ذلك ~~حتى تصفحت المهالك ، وسرنا لا يستقر بنا في شيء منها قرار ، ولا يقتدح من ~~غير سنابك الخيل نار ، ولا تمر على مدينة إلا مرور الرياح على الخمائل في الأصائل والأبكار ؛ ولا نقيم إلا بمقدار ما يتزيد الزائر من ~~الأمية ، أو يتزود الطائر من النغبة ؛ نسبق وفد الريح من حيث نتحي ، وتكاد ~~مواطىء خيلنا بما تسحبه أذيال الصوافن تمتحي ؛ تحمل همنا الخيل العتاق ، ~~ويكبو البرق خلفنا إذا حاول بنا اللحاق ؛ وكل يقول لسلطانا - نصره الله : # وأين أزمعت أيهذا الهمام ؟ %~% نحن نبت الربا وأنت الغمام » # ومر لا يفعل السيف أفعاله ، ولا يسير في مهمة إلا عمه ، ولا جبل إلا طاله ~~: تسايره السواري والغوادي ، ولا ينفك الغيث من انسكاب في كل ناد ووادي ، # « قباشر وجها طالما باشر القنا %~% وبل ثيابا طالما بلها دم # وكان مولانا السلطان من حلب قد أمر جميع عساکره با دراع لامات حربهم وحمل آلات طعنهم وضربهم ، # « فجاز له حتى على الشمس حكمه %~% وبان له حتى على البدر میسم ~~PageV01P455 # يمد يديه في المفاضة ضيغم %~% وعينيه من تحت التريكة أرقم » # ورحلوا من حلب في يوم الخميس ثاني ذي القعدة جرائد على الأمر المعهود قد ~~خفضوا كل شيء حتى البنود والعمود ، فسرنا في جبال نشتهي فيها سلوك الأرض ، ~~وأودية تهالك الأشواط فيها إذا ملئت الفروج من الركض ؛ نزور دیار ما نحب ~~مغناها ، ولا نعرف أقصاها من أدناها واستقبلنا الدرب فكان كما قال المتنبي : # رمي الدرب بالخيل العتاق إلى العدا %~% وما علموا أن السهام خيول # شوائل تشوال العقارب بالقنا %~% لها مرح من تحته وصهيل # فلما تجلى من دلوك وصنجة %~% علت كل طود راية ورعيل # على طرق فيها على الطرق رفعة %~% وفي ذكرها عند الأنيس خمول # ومررنا على مدينة دلوك ، وهي رسوم سكانها ، ضاحكة عن تبسم أزهارها ~~، وقهقهة غدرانها ؛ ذات بروج مشيدة ، وأركان موطدة ، ونيران تزاويق موقدة، ~~في عمد من كنائسها ممددة ؛ وسرنا منها إلى مرج الديباج نتعادی ms240 ، وذلك في ~~ليلة ذات أندية ، وإن لم تكن من جمادی ؛ ظلماتها مدلهمة ، وطرقاتها قد أصبح ~~أمرها علينا غمة، لا يثبت تربها تحت قدم المار ، وكأنما سالكها يمشي على ~~جرف هار ؛ فبتنا هناك ليلة نستحقر بالنسبة إلى شدتها ليلة الملسوع ، وتمنى ~~العين بها هجمة هجوع ؛ وأخذنا في اختراق غابات أشجار تخفي الرفيق عن رفيقه ~~، وتشغله عن اقتفاء طريقه ؛ ينبري منها كل غصن يرسله المتقدم إلى وجه رفيقه ~~، كما يخرج السهم بقوة من منجنيقه ؛ حولها معاثر أحجار كأنها قبور بعشرت ، ~~أو جبال تفطرت ؛ بينها مخائض ، لا بل مغائض ، كأنها بحار فجرت ؛ ما خرجنا ~~منها إلا إلى PageV01P456 جبال قد تمنطقت بالجداول ، وتعممت بالثلوج ، ~~وعميت مسالكها فلا أحد إلا وهو قائل : فهل إلى خروج مین سبیل ها، أو إلى ~~سبيل من خروج ؛ تضيق مناهجها بمشي الواحد ، وتلتف شجر انتها التفاف الأكمام ~~على الساعد ؟ ذات أو عار زلقة ، وصدور شرقة ، وأودية بالمزدحمين مختنقة ؛ ~~بينما يقول منتحبها : « قد نلت السماء بسلم » من هذه الشواهق ، إذا هو قد ~~هبط في مأزق منضائق ؛ لم تزل هذه الجبال تأخذنا وترمینا ، وتلك المسارب ~~تضمنا ، وتلك المشارب 3 لفرط بردها تضمينة ، حتى وصلنا إلى الحدث الحمراء ، المسماة الآن بكينوك ، وقد تقدم ذكرها ؛ ~~وانثنينا وخيلنا مبثوثة فوق الأحيدب كما نشرت الدراهم فوق العروس ، ~~وحوافرها على الوكور في أعلى القنن تدوس ؛ إذا زلقت تمشي على صلد الصفا ~~كالأراقم على البطون ، وتعيا فيجر بعضها بعضا بالصهيل « والحديث شجون ؛ ~~وخضنا حائض سوانح ، كأنما لعوم الخيل سمي كل جواد سابح ؛ كلما قلنا هذا بحر ~~قطعناه ، اعترض لنا جبل ، وكلما قلنا هذا جبل طلعناه بان لنا واد نستهون ~~دون الهوي فيه نفاد الأجل . ووصلنا كو كصو ، وهو النهر الأزرق ، ومنه رد ~~الملك الكامل سنة الدربندات ، وهذا النهر بين جبال هو مهوى رجامها ومثوى ~~غمامها ، فلاوقت عبر ناه ركضأ ، وأعجلت الخيل فيه ، فما درت هل خاضت بلجة ، ~~أم قطعت أرضا، وسارت العساکر متسللة في تلك الجبال الشيم ، ووقع ~~السنابلك تسمع من تلك الجبال الصم ، ووصلوا اقجی در بند، ms241 وتمرنت الجيل على ~~الاقتحام والازدحام في التطرق، PageV01P457 وتعودت عادة الأوعال في التسرب ~~والتسلق ، فصارت تنحط انحطاط الهيدب ،، وترتفع ارتفاع الكوكب ، وتسري سريان ~~الخيال ، وتمكر حوافرها ، فتزول منه الجبال ؛ وخرج من اقجادر بند ، وبات في ~~وطاة هناك ، وسمحت السحب بما شاءت من برد وبرد ، وجاءت الرياح بما أوهن ~~الجلد وأو هي الجلد . # وقدم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر في جماعة من العساكر جاليشا ، فوقع ~~على ثلاثة آلاف فارس من التتار مقدمهم كراي ، فانهزموا بين يدي المسلمين ، ~~وأخذ منهم من قدم السيف السلطان ، فأكل منهم وأسار ؟ ، واستمرت تلك سنة في ~~كل تتري يوسر ، وبات الناس على أجمل ترتيب ، والتتار على كتمان لا يعلم ~~كثير عددهم أو قليل ، وبعيد مكانهم أم قريب ، ولم يتحققوا قدوم السلطان في ~~جيوش الإسلام ، ولا أنه حضر بنفسه ليقوم في نصرة الدين المحمدي هذا المقام ~~، ثم وصل الخبر بأن العدو قد قربوا ، وئابوا ووثبوا ، # وقد تمنوا غداة الروع في الحب %~% أن يبصروه ، فلما أبصروه عموا # ورتب السلطان جيشه اللجب على ما يحب ، وأراهم من نوره ما لا يخفى على بصر ~~ولا يحتجب ، فطلعت العساكر من جبال مشرفة على صحراء هوني من بلد أبلستين ؛ ~~وكان العدو ليلته تلك بايتة على نهر جهان ، - وهو هر جيحان ؛ فأقبل ~~المسلمون من على الجبال ، وترتب المغل أحد عشر PageV01P458 طلبا كل طلب ~~يزيد على ألف مقاتل ، وعزلوا عسكر الروم عنهم خيفة منهم ، وجعلوا عسكر ~~الروم طلبة واحدة بمفرده . ولما شاهدوا السناجق السلطانية ومن حولها من ~~المماليك الظاهرية ، وعليهم الحود الصفر المذهبة نقضوا ما عقدوه من العزائم ~~وحلوا ، وسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ~~. فانصبت الخيل عليهم انصباب السيل ، وبطلت الحيلة منهم وبقي الحيل ؛ ~~فشمروا عن السواعد ، ووقفوا وقفة رجل واحد . وكان أبغا قد اختارهم من عسكره ~~؛ وكان فيهم جماعة من المقدمين الكبار ، فوقف السلطان ، وتقدم إليهم من ~~مماليكه وخواصه : # بيض العوارض طعانون من لحقوا %~% من الفوارس شلالون للنعم # قد بلغوا بقناهم فوق طاقتهم %~% وليس يبلغ ما فيهم من ms242 الهمم # في الجاهلية إلا أن أنفسهم %~% من طيبهن به في الأشهر الحرم # فأخلدت فرقة منهم إلى الأرض وقاتلت ، وعاجت المنايا على نفوسهم وعاجلت ، ~~وجاء الموت إلى العدو من كل مكان ، وأصبح ما هال منهم وقد هان ؛ وللوقت ~~خذلوا وجدوا ، ولبطون السباع وحواصل الطيور حصلوا ؛ وصاروا مع عدم ذكر الله ~~بأفواههم وقلوبهم يقاتلون قيامة وقعودة وعلى جنوبهم ، فكم منهم من شجاع ~~ألصق ظهره إلى ظهر صاحبه ، وحامی وناضل ، ورامی ؛ وكم فيهم من شهم ما سلم ~~قوسه وقد بقي في PageV01P459 كنانته سهم . وأما العدو فاشتدت فرقة منهم في ~~جهة الميسرة معرجين على السناجق من خلفها ، ومنقلبين بصفوفهم على صفها . # فلزهم الطراد إلى قتال %~% أحد سلاحهم فيه الفرار # وثاب السلطان إليهم ووثب عليهم ، وضحى منهم بكل أشمط ، وأفرى الأجساد ~~وأفرط ، ولحق من قصد منهم التحصن ، فأخذهم الأخذة الرابية ، وقتلهم وفهل ~~ترى لهم من باقية ؟ # ووما الفرار إلى الأحباب من أسد %~% يمشي النعام به في معقل الوعل # وانهزمت جماعة يسيرة منهم طمع فيهم من العوام من لا كان يدفع عن نفسه ، # مضوا متسابقي الأعضاء فيهم %~% الأرؤسهم بأرجلهم عثار # إذا فاتوا الرماح تناولتهم %~% بأرماح من العطش القفار # وقصدت ميمنة عسكرنا جماعة من المغل ذو بأس شديد ، فقاتلهم حتى ضجر ~~الحديد؛ وتقاسمت الأيدي ما يمتطيه العدو من صواهل وصوافن ، وما يلبسونه من ~~دروع وجو اشن ؛ وغم المسلمون جميع ما هنالك ، وتسلم من استشهد من المسلمين ~~رضوان ، وأخذ من هلك من الكفار مالك ؛ واستشهد من المسلمين في هذا اليوم ~~شرف الدين قير ان العلاني ، أحد مقدمي الحلقة ، وعز الدين ، أخو المحمدي ؛ ~~وجرحت ؛ جماعة يسيرة قليل ما هم ، PageV01P460 وعدل السلطان إلى المنزلة ~~التي كان العدو نازلا بها فنزلها ، وإلى أموالهم فتمولها : # وصبحهم وبسطهم حرير %~% ومساهم وبسطهم تراب » # وأصبح الأعداء لا ترى منهم إلا أشلاء مطروحة ، ودماء مسفوكة مسفوحة ، ~~كأنما جزر أجسادهم جزائر يتخللها من الدماء السيل ، وكأنما رؤوسهم ~~المجموعة لدى الدهليز أكر تلعب بها الصوالج من أيدي الخيل . # « ألقت إلينا دماء الروم طاعتها %~% فلو دعونا بلا ضرب أجاب ms243 دم » # کم شوهد منهم من رؤوسهم مهيب الهامة ، قد فض الرمح فاه ، فقرع السن ندامة : # « ووجوهة أخافها منه وجه %~% تركت حسنها له والجمالا » # وكثرت الأساري من المغل فاختار السلطان من كبرائهم البعض ، وعاملا بقيتهم ~~بقول الله تعالى : وما كان النبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. ~~فجعلوا عرضة السيوف ، ونجا المأسورين من كل مخوف : # « وما قتل الأحرار کالعفو عنهم %~% ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا » . # وأسر من الأمراء الروميين مهذب الدين بكلار؛ نکی بن البرواناه ، ~~PageV01P461 حاكم الروم ، ومعه ولد أخته ولد خواجا يونس ، والأمير نور ~~الدين بن جاجا وسيف الدين سنقر جاه الزو باشي ، ونصرة الدين صاحب سویس ، ~~والأمير كمال الدين عارض الجيش بالروم ، وحسام الدين نولناول ، قریب البر ~~واناه ، وسيف الدين بن علي شير التركماني ومن أمراء المغل مقدمي الألوف : ~~بر بزك ۳، صهر أبغا ، وسرطق ، قرابته ، وجركر ، وسردار ه ، وتماديه . ~~والذين حضروا في الإحسان : الأمير سيف الدين جاليش ، النائب بالروم ، وهو ~~ذو نباهة، وهو أمير دار - يعني أمير للعدل عن المظالم ، وظهير الدين متوج ، ~~مشرف الممالك ، ومرتبته دون الوزارة ، والأمير نظام الدين أوحد بن الأمير ~~شرف الدين بن الخطير ، وإخوته .؛ قاضي القضاة بالروم حسام الدين ، ومظفر ~~الدین جحاف ، وأولاد الأمير ضياء الدين بن الخطير ، وجماعة من أصحابهم ، ~~وسيف الدين كحلماء، الجاشنكير ، ونور الدين المنجنيقي ، وأولاد رشيد الدين ~~، صاحب ملطية كمال الدين وإخوته ، وأمير علي ، صاحب کرکر ، وأكثر هؤلاء ~~أحضروا بيوتهم وأولادهم . # وأما البرواناه فإنه شمر الذيل ، وامتطى هربا أشهب الصبح ، وأحمر الشفق ، ~~وأصفر الأصيل ، وأدهم الليل ؛ ولم يخبر من خلفه بما تم، وهم لما داخله الهم ~~: PageV01P462 # فنحن في جذل ، والروم في وجل %~% والبر في شغل ، والبحر في حجل » # وحقيق بالبر واناه قول أبي الطيب : # « نجوت بإحدى مهجتيك جريحة %~% وخلفت إحدى مقلتيك تسيل # أتسلم للخطتي ابنك هاربا %~% ويسكن في الدنيا إليك خليل؟ # ودخل البرواناه قيسارية ، فأفهم غياث الدين سلطانها ، والصاحب فخر ~~الدين وزيرها ، والأتابك مجد الدين، والأمير جلال الدين المستوفي ، والأمير ~~بدر الدين النائب ، والطغرائي ، وهو ولد أخي ms244 البرواناه ، بأن الإسلام أسروا ~~بعض المغل ، وبقية المغل منهزمون ، ويخشي أن المغل تدخل قيسارية وتتلف من ~~يكون بها حنقة على الإسلام ، فأخذهم وأخذ زوجته بنت غياث الدين ، صاحب أرزن ~~الروم ، وتوجهوا كلهم إلى توقات ، ولهذه کرجي خاتون أربعمائة جارية ، ~~استصحبهن معها لما خرجت ؛ وكان لها من الأموال ما لا كان لصاحب الروم . ~~وكانت أم هذه کرجي خاتون ملكة الكرج ؛ وتوقات مكان حصين مسيرة أربعة أيام ~~من قيسارية . # وجرد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بجماعة الإدراك من فات من المغل ~~والتوجه إلى قيسارية ؛ وكتب بتأمين أهلها ، فمر بفرقة من التتار معهم ~~البيوت ، فأخذ منهم جانبا ، ودخل الليل فمر كل منهم في جهة ذاهلا ذاهبة . ورحل السلطان يوم السبت حادي عشر الشهر من مكان المعركة ، نزل قريبة من ~~القرية المعروفة برمانا ، وهي قريب الكهف والرقيم حقيقة لا ما يقال من أن ~~أهل الكهف والرقيم من عمل حسبان والبلقاء؛ PageV01P463 وقرية رمان هذه ~~مبنية بيوتها حول سن جبل قائم كالهرم ، ويطوف بها جبال كأنها أسوار بل سوار ~~، ويتفرع منها أنهار كأنها بهبوطها كثيب قد انهار ، ذات قناطر لا تسع غير ~~راكب ، فنزلنا قريبة منها ، حتى تخلص من تخلص ، وحضر من كان في المضايق ~~بصعو بتها تربص ، ورحلنا عنها ، وكانت السماء قد حيت تحايا أمطارها ، ~~وأغرقت الهوام في أجحارها ، والطيور في أوكارها ؛ وأصبحت الأرض تزلق عليها ~~أرجل النمل ، وتضع بها من الدواب كل ذات حمل ؛ وسرنا على هذه الحالة نهارنا ~~كله ، إلى قریب الغروب ؛ ونزلنا بوطاة من أعمال صاروس ؟ العتيق ، وبقربها ~~معدن الفضة ، وبينما نحن قد شرعنا في أهية المبيت ولم بعض الشمل الشتيت ~~وإذا بالنذير رافعة عقير ته بأن فوجة من التتار في فجوة هناك قد استتر وا ، ~~وفي نجوة لغرة قد انتظروا ، فركب السلطان والعسكر بالسلاح ، وعزموا على ~~المطار فعاقهم القطار ، وكيف يطير مبلول الجناح . ثم عاد السلطان وتمنا ~~بليلة السليم ، وصارت أفكارنا شاعرة في كل واد تهیم . وأصبحنا فسلكنا ~~جبالا تنحط إلى جنادل ، يضعف عن الانحطاط إليها الأجادل ؛ ومررنا على قرية ~~أو ms245 تراك ، ومنها على خان قريب من حصن سمندو ، وهو الذي ذكره أبو الطيب ~~بقوله : # « فإن يقدم فقد زرنا سمندو %~% وإن يحجم فموعده الخليج » # وكان السلطان قد سير كتابة إلى نائبها ، فقبله وقبله ، وأذعن للنزول ~~PageV01P464 عنها لأمر السلطان إن استنزله ، فشكر له حسن الإجابة ، ووفاه ~~من الإحسان حسابه ؛ وكذلك والي قلعة درندا ، ووالي دوالو ، أجابوا إلى ~~الطاعة ، وأشرفنا على خان قرطاي بعد ذلك ، وهو دال على همة نائبه وطلب ثواب ~~الله فيه ، وهو مبني بالحجر المنحوت الأحمر الذي كأنه رخام وله مغلات متسعة ~~، ودواوين متفرقة ومجتمعة ، ونزلنا قرية قريبة من قيسارية شرقي جبل عسيب ، ~~وفيه قبر امرىء القيس ، وهو الذي يقول فيه : # « أجيرتنا إن الخطوب تنوب %~% وإني مقيم ما أقام عسيب # أجيرتنا إنا مقيمان ها هنا %~% وكل غريب للغريب نسيب » # ويعلو هذا الحبل جبل أرجاس ، وهو الذي يضرب المثل بتسامیه ، وتتضاءل ~~الجبال في جميع الدنيا لتعاليه ، لا ينسحب السحاب ، إلا دون سفحه ولا يعرف ~~من ثلوجه ومن الأبخرة المتصاعدة به ، شتاء [ ولا صيفا [ ولا] عشاؤه من صبحه . # وفي يوم الأربعاء نصف ذي القعدة ركبت العساكر ، وركب السلطان في زمرته ، وذوي أمره وأمرته : # « تظل ملوك الأرض خاضعة له %~% تفارقه هلکی وتلقاه سجدا » وخرج أهل قيسارية العلماء والأكابر والنساء والأطفال ، فتلقوا السلطان ، ~~وحصل الجماعة من الفقراء حالات وجد مطربة . وكان دهليز غیاث الدين ، صاحب ~~الروم ، وخيامه قد نصبت في وطاة كيخسرو قريبة من المناظر التي PageV01P465 ~~الملوك الروم ، فنزل به السلطان ، وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير ، ~~وترجل في الركاب الشريف كل مأمور وأمير ؛ # « رجا الروم من ترجي النوافل، كلها %~% لديه ، ولا ترجي لديه الطوائل » # وضربت. نوبة آل سلجوق على العادة ، وحضر أصحاب الملاهي فما ظفروا بغير ~~النواهي ؛ فهذه المناة لا تتفق هنا ، وما هذا موضع الغناء بل موضع العناء ، ~~وشرع السلطان في انفاق الله ، وعين لكل جهة شخصا وقال : « أنت لها ) ، وحكم ~~وحكم ، واعتمد على الأمير سيف الدين جاليش في النيابة ، وكتب إلى ~~أولاد قرمان ، أمراء التركمان ، وهم ألوف ، وما فيهم للتتار ألوف ، وأكد ~~عليهم ms246 في الحضور ؛ واستمال النازحين فما خرج البر واناه عن المخاتلة ~~والمطاولة ؛ فلما علم السلطان أنهم لا يفلحون ، ولغير النار لا يصلحون ركب ~~في يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة ، وعلى رأسه جتر بني سلجوق ، فشاهد الناس ~~منه صاحب القبة والسبع ، ودخل قيسارية ، وكانت دار السلطنة قد هيئت لنزوله ~~، وتخت آل سلجوق قد نصب لحلوله ؛ وهي قصور أنيقة المبتي ، يشرف جانبها على ~~بساتين حلوة الجني ، جدرانها مصفحة بأحسن أصناف القاشاني ونقوشه ، فجلس في ~~مرتبة السلطنة في أسعد وقت ، ونال التخت بحلو له أعظم بخت : # وما كان هذا التخت من حين نصبه %~% لغير المليك الظاهر الندب يصلح # مليك على اسم الله ما فتحت له %~% صوارمه البيض المواضي وتفتح # أتته وفود الروم، والكل قائل : %~% « رأيناك تعفو عن كثير وتصفح » # فأوسعهم حلمة ، وأولاهم ندى %~% وأمسوا على من وأمن وأصبحوا # ولو أنهم لم يجنحوا المنكتب %~% عن الحق ، والنهج القويم لأفلحوا ~~PageV01P466 # وأقبل الناس على السلطان بنونة ، وعلى بساطه يقبلونه : # « تقبل أفواه الملوك بساطه %~% ويكبر عنها کمه وبر اجمه » # وحضر القضاة والفقهاء والوعاظ والقراء والصوفية ، وأعيان قيسارية ، وذوو ~~المراتب على عادة السلجوقية في أيام الجمع . ووقف أمير المحفل ، وهو عندهم ~~ذو حرمة ومكانة ووسامة ، ويلبس أكبر ثوب وعمامة ؛ فرتب الحفل على قدر ~~الأقدار ، وانتصب بين يدي السلطان منتظر ما به يشار ؛ وقرأت القراء أحسن ~~قراءة ، وارتفعت أصواتهم من التلحين بكل نغم عجيب ؛ ولما فرغوا أنشد أمير ~~المحفل بالعربية والعجمية مدائح في السلطان ، ومد السماط ، ثم أحضرت دراهم ~~عليها الصكة الظاهرية ؛ وخطب له الخطباء في جوامع قيسارية وهي سبع جوامع ، ~~وظهر المعين الدين سليمان البر واناه وزوجته من الموجود كل نفيس ، واستولى ~~السلطان على ملك سليمان وعرش بلقيس . # ولما أقام في قيسارية هذه المدة ، فكر في أحوال عساکره بما لا يعرفه سواه ~~، ونظر في أمرهم بما أراه الله ، وذلك أن الأقوات قلت ، وقيسارية ألقت ما ~~فيها من المؤن وتخلت ، والسيوف من المصادمة قد مالت وملت ؛ وأنه ما ~~بقي بالروم من التار من يغزی ، ولا من بجزاء السوء يجزى ms247 ؛ وأن السيف الصقيل ~~الذي قتلوا به في يد القاتل ، وأنهم إن كان حجبهم عامهم فيعودوا إلى الروم ~~في قابل . فرحل الثاني والعشرين من ذي القعدة بعد أن أعطى خواصه من الأمراء ~~ما حضر إليه من الأعنة والأزمة ، وما يطلق على تموله اسم النعمة . ~~PageV01P467 # وحضر رسول البرواناه يستوقف السلطان عن تحريكه فعرفه السلطان أنه وفى ~~بعهده ، وأجاب دعاهم من أقصى ملكه مع بعده ؛ وما وقفوا عند الشروط المقررة ~~، ولا وفوا بمضمون الرسائل المسيرة ؛ وكلما جاء الحق وزهق الباطل طلبوا ~~نظرة إلى ميسرة ، وأعنتهم للكفر مسلمة ، ومنذ استولى التتار على الروم هم ~~أصحاب المشأمة . # وعلم السلطان أن ما في عسكر الروم ما يستخلصه لنفسه ، ولا من يقاتل ~~التتار في غدا ... على أمسه ؛ وأنهم أصحاب طيب عيش ، لا زعماء جيش ؛ فرد ~~إلى سليمان البرواناه هديته ، وعرفه بمن أسره من أهله ، وقال : « يكفينا من ~~النصر الوجيز قوله تعالى : ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوية عزیز . ~~وما كل من قضى فريضة الحج تجب عليه المجاورة، ونحن فقد ابتغينا مما آتانا ~~الله بحقن دماء أهل الروم الدار الآخرة ، وما كان جلوسنا في تخت آل سلجوق ~~لزيادة تبجح ، بل النعلمكم أنه لا عائق لنا عن أمر من هذه الأمور ، وأن ~~أحدا لا ينبغي أن يأمن لنا سطوة ، فليتحقق كل أحد أن مسافة جمعة لنا - ~~والحمد لله ! - خطوة ؛ وكم في ممالكنا کر سي مملكة نحن آية ذلك الكرسي ، ~~وكم لنا فتح والحمد الله في الأناقة الفتح القدسي . # « من كان فوق محل الشمس موضعه %~% فليس يرفعه شيء ولا يضعه » # وسار السلطان ، وسير الأمير علاء الدين طيبر س الوزير إلى قرية ~~PageV01P468 رمانة ، فحرقها ، وقتل الأرمن الذين كانوا بها ، وسبي حريمهم ، ~~لأنهم كانوا أخفوا جماعة من المغل ، وفتكوا بجماعة من المسلمين . # ولما رحلنا من منزلة زوزان کو دلو عارضنا نهر في وطاة خلف حصن تمند ومن ~~طريق غير الطريق التي كان السلطان يوجز ؟ فيها إلى قيسارية ويعرف هذا ~~النهر بقزل صو ، ومعناه النهر الأحمر ، وهو بعيد المستقی لا يجد السالك ms248 من ~~أحوال حافته إلا صعيدآ زلقة ؛ وقف السلطان بنفسه وجرد سيفه حتى أخذت جملة ~~من اللبابيد الحمر بسطها تحت حوافر الخيل ، وأخفاف المطي ، ووقف راجلا يعبر ~~الناس ، أولا فأولا ؛ ولما خفت البرور ، ولم يبق إلا المرور ، ركب وعير الماء ، والألسن له داعية ، ~~وعليه من الله واقية . ونزل في واد فيه مرعى ولا کالسعدان ، ومرأى ولا كشعب ~~بوان ؛ ثم رحل إلى صحراء قراجاه ، قريبة من بازار بلو ، وهذا البازار هو ~~الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض ، ويباع فيه كل شيء يجلب من ~~الأقاليم . وسار منها إلى وطاة ابلستين ، وعبر على مكان المعركة لمشاهدة ~~رمم التتار كيف تعاقبت عليهم من العقبان کو اسرها ، وكيف نهشتهم من النسور ~~مباسرها ، وكيف أصبحوا لا يندبهم إلا البوم ، وكيف تحققوا أن التي أهلكتهم ~~زرق الأسنة لا زرق الروم فرآهم عبرة ، وعرضوا على ربهم صفا » ، وجاؤوه كما ~~خلقوا أول مرة، وأبصر PageV01P469 الرياح لأشلائهم متخطفة ، والهوام في ~~أجسادهم متصرفة ، وشاهدهم وقد هزأ بهم كل شيء حتى الوحوش والرياح ، فهذه في ~~صدورهم متكرعة وهذه عليهم متقصفه : # قد سودت شجر الحيال شعورهم %~% فكأن فيه مسفة الغربان » # وحضر جماعة من أهل البلستين، فاستخبروا عن قتلى التتار ، فقالوا : وفاسأل ~~العادين من أبناء السبيل ؛ وقال قائل منهم : ربي أعلم بعدتهم ، ما يعلمهم ~~إلا قليل ؛ وقال رجل میمن عنده علم من أهل الكتاب : « أنا عددت ستة آلاف ~~وسبعمائة وسبعين نفرة من المغل وضاع الحساب » ؛ هذا غير من أوي إلى جبل ~~يعصمه من السيف ، فما عصمة ، وغير من اعتقد أن فرسه يستمه فأسلمه : # « فلقد غدوا خلل الرماح كأنما %~% غضبت رؤوسهم على الأجسام # أحجار ناس فوق أرض من دم %~% ونجوم بيض في سماء قتام » . # وتقدمت الخزائن صحبة الأمير بدر الدين الخزاندار إلى أقجادر بند وتأخر ~~السلطان ساقة : # فهو يوم الطراد أول سابق %~% وهو عند القفول آخر سائق » # وانتظر في هذين اليومين صيد من العدو يعنه ، أو دم منهم إلى السيف ~~PageV01P480 يحن ، فلم يحضر أحد ، فرحلت العساكر ، ودخلت الدربند ، فساق ~~طريقا من الأوعار يبسة، وصعدت ms249 قين جبال كأن كلا منها جبل من الأنجم قبسا ؛ ~~وساقوا ولكن على مثل حد السيف ، وتسلكوا ولكن سل حوافر الخيل كيف ، وهبطوا ~~من جبال يستصعبها طارق الطيف ، يقرب من تلك الجبال جبل يعرف بسقر ، وما ~~أدراك ما سقر ، لا تبقي ولا تذر ا ، له عقبة في لواحة للبشر ، أعان الله ~~على الخروج منها ، وفاز من زحزح عنها . وعلينا النهر الأزرق ، وبتنا عند ~~جبل هناك رعت خيول الناس فيه شجر البلوط ، وبيعت عليه الشعير بخمسة عشر ~~درهما . وسرنا إلى أن وصلنا قريبة من حارم. ووصلت قصاد الأمير شمس الدين ~~محمد بن فرمان ، أمير التركمان بالروم ، بكتابه متضمنة أنه جمع التركمان ~~وحضر في عشرين ألف فارس وثلاثين ألف راجل متركشة ، فوجد السلطان قد أعاد ، ~~وتوافد التركمان . وحضر أمراء بني كلاب . ونزلنا بالقرب من أنطاكية ، ~~وألقينا عصا التسيار ، وتقسمت العساكر تلك الأعشاب كما تقسمت أفاق السماء ~~النجوم ، ووقف كل منهم في مقامه ، وقال : وما منا إلا الله مقام معلومه ، ~~فكم هنالك من مروج أعشبت وأربت على زهر النجوم حين اهتزت وربت : # « تصد الشمس أني واجهتها %~% فتحجبها ، وتأذن للنسيم » # ولما صرحت الأعشاب. رحل السلطان .PageV01P471 ### | واستهلت سنة ست وسبعين وستمئة # وفي الخامس من المحرم دخل السلطان دمشق ، وقد ترنح للنصر أعطافه وروى من ~~دماء الأعداء أسيافه ، وقدامه مقدمو التتار ، قد ركبوا دهم القيود عوض شهب ~~الحياد ، وبعد أن كانوا مقر بين صاروا مقرنين في الأصفاد . ونزل بقصره ~~بالميدان الأخضر ، معتقدة أن الدنيا في يده قد حصلت ، والبلاد التي حلها ~~ركابه عنها ما انفصلت ؛ وأن سعده استخلص له الأيام وأصفاها ، والممالك شرقا ~~وغربا لو لم يكن بها غيره لكفاها ؛ وإذا بالمنية قد أنشبت أظفارها ، ~~والأمنية قد وضعت حربها أوزارها ؛ والعافية وقد شمرت الذيل ، والصيحة " وقد ~~قالت لطبيبه : « أهلك والليل » ؛ ورماح الحط وقد قالت الأقلام الخط : « ~~أصبت في لبس الحداد من المداد »، والقلوب وقد قالت عند شق الجيوب : ~~«نحن أحق منك بهذا المراد »، والحصون وقد قالت لقصره الأبلق : « ما كان ~~بناؤك على هذه الصورة إلا فالا بما ms250 تسود الجدران به عن الفجائع من السواد » ~~؛ فأها لها فجيعة ما قدر أحد يتأوه من أجلها ، ومصيبة ما مكنت المصلحة ~~الحاضرة من إظهار ما يجب المثلها . لقد عظم على الوحوش في الفلوات ، وعلى ~~الطيور في الوكنات ، قطع أرزاقها بموته ، وفاتها في القفار كل قوت بفوته ؛ ~~ولقد فدحت صدور المنابر ، وأفواه المحابر ، من رزئه بفادح جليل ، ولقد ~~PageV01P472 فجعت الأقاليم فيه بفجيعة لا يقضي حقها دمع الفرات ولا دمع ~~التيل. ؛ فأي عين لم تبك بدموع محاجرها ، حتى عيون الأرض ، وأي قلب لم بأس ~~عليه حتى من رضي بطاعته ومن لم يرض ، لقد كان يصلح له من كل شيء ، شق الأكباد ، ويليق بالفجيعة فيه كل جزع حتى لا يبقى لأحد فؤاد ؛ ~~فحق على الأسود أن تحزن عليه ، لأنه رفع قدرها حين شكلها في ملابسه وأعلامه ~~، وعلى الملائك أن تأسف على فقده ، لأنها كانت من نجده في ليالي جهاده ~~وأيامه با لقد عمت الفجيعة به كل كاتب حسنات حتى كاتب اليمين ، ولقد أرخصت ~~رزیته بإجراء المدامع قيمة الدر الثمين . # وكان ابتداء مرضه الذي أعتل به الوجود ، وتباشرت به الأكفان واللحود ، ~~ليلة السبت خامس عشر محرم ؛ فإنه ركب وقت العصر من يوم الجمعة رابع عشره ، ~~وكأنه يودع الأخدانه ، ورؤية موكبه ، وركوب حصانه . ونزل والتاث جسمه تلك ~~الليلة بعض الالتياث ، وأصبح وليس عنده ذلك الانبعاث ، ودخل خواصه ورأوه ~~مرة. ومرة ، وما من زيارة يستزير هم فيها إلا ويزيدهم حسرة بعد حسرة ، ~~وأعيا دواء الموت كل طبيب ؛ فلما انقضت مدة أجله ، وانطوت صحيفة عمله ، قبض ~~الله روحه الزكية ، ورجعت إلى ربها راضية مرضية ، وذلك بعد الزوال من يوم ~~الخميس سابع عشرين محرم ، وكأن نفوس العالم كانت نفسا ، وأنزل الله السكينة ~~، وفلا تسمع إلا همسا ؛ واستصحبت مهابته السكون ، وخادعت العقول ، حتى إن ~~PageV01P473 ما كان من وفاته كاد كل" يحلف أنه ما يكون ، وحمل في محفتها ~~إلى قلعة دمشق في تلك الليلة ، وسكتت الشفاه والألسنة ، وتناومت ~~العقول من غير نوم ولا سنة . وجعل في بعض القاعات بالقلعة على سرير ms251 يومأ ~~إليه بالترحم والسلام ، ولا يزوره غير الملائكة الكرام. # وكانت مدة مرضه - قدس الله روحه ! - ثلاثة عشر يوما ، وهي مدة مرض الشهيد ~~صلاح الدين - رحمه الله تعالى !. # وأول ما فتحه السلطان بنفسه قيسارية ، وآخر ما فتحه قيسارية ، وأول جلوسه ~~[ في ] مرتبة السلطنة يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة ، وآخر جلوسه في تخت ~~سلطنة آل سلجوق بقيسارية الروم يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة ؛ وأول من ~~بني أنطاكية - على ما تقدم ذكره - اسمه بالعربية « الملك الظاهر » وآخر من ~~ملكها وأخربها هذا الملك الظاهر با وكان القائم بالدولة التركية السلجوقية ~~السلطان رکن الدین طغرلبك ، وهذا السلطان ركن الدين هو الذي أقام الدولة ~~التركية من حين المنصورة ؛ وركن الدين ذاك هو الذي رد الخلافة لبني العباس ~~نوبة البساسیری ، وركن الدين هذا رد الخلافة لبي العباس - رضي الله عنهم ! ~~- بإقامة الخليفتين ، وهما المستنصر ، والإمام الحاكم بأمر الله ، أمير ~~المؤمنين ؛ والخطبة في الدولة المصرية كانت للظاهر بعد الحاكم أمير ~~المؤمنين ، والخطبة لهذا الظاهر بعد الحاكم أمير المؤمنين ؛ وهذا من عجيب ~~الاتفاق . PageV01P474 ### || ذكر نقله إلى تربته المباركة # واستمر الشهيد بقلعة دمشق إلى أن ابتاع ولده الملك السعيد دار الحقيقي ، و بناها له تربة ، وأنفق عليها ربع ملكه . # صاح : هذا ضريحه بين جفني %~% فزوروا من كل فج عمیق # كيف لا وهو من عقيق دموعي %~% دفنوه منها بسدار العقيق # وحمل إلى تربته ليلة الرغائب من رجب سنة ست المذكورة ، وتولى حمله الأمير ~~عز الدين ، نائب السلطنة بالشام ، وعز الدين الدوادار ، وصفي الدين جوهر الهندي : # وخرجوا به فوق الرقاب وساروا %~% تهديهم من وجهه الأنوار # وسروا به ليلا ليخفوا قبره %~% والليل لا تخفى به الأقمار # لم سارعوا نحو التراب بنقله %~% وقبوره الأسماع والأبصار # لكنه ركن أقاموه بها %~% كي يستقر لها بذاك قرار » # وألحده القاضي عز الدين الشافعي : # قضى وله على الدنيا أياد %~% بصح بها من الزمن السقام # فراح من الملائك في صفوف %~% لهم من حول تربته زحام # يقول الناس : هل ملك كريم %~% ثوى في القبر أم ملك همام # كأن صعيده ms252 من حل فيه %~% نوافج فض عنهن الختام » PageV01P475 وتجدد الأسف عليه ، فكأن العالم فجعوا بأبيهم الشفوق ، وقضوا [ حق التعزية ] [ وأنى يقضي أحد ما له من الحقوق ]. PageV01P476 ms253