######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004009 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن ميثم البحراني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 689 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004009 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4009_النجاة-في-القيامة-في-تحقيق-أمر-الإمامة-ابن-ميثم-البحراني #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: ربيع الثاني 1417 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مفيض الجود، وواهب وجود كل موجود، الذي أحاط بكل شئ علما، وعلا كل شئ قدرة وحكما، الإله الجبار، الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحده الأفكار، ولا يلحقه اختلاف الليل والنهار. أحمده بلسان الحال والمقال، على ما عم به من الأنعام والأفضال. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها ليوم المآل، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ختم به الكمال صلى الله عليه وآله خير آل. # وبعد، فإن الله تعالى لما جعل الإسلام خير الأديان، وأفضل المناهج التي يسلكها الانسان، ولم يكن سلوك ذلك المنهج غنيا عما يرفع فيه في كل حين أعلام الهدى للسالكين، إذ كان المخطئ لمقاصده الحقيقية من أخسر الهالكين لا جرم لم يخل زمان من الأزمنة من إمام معصوم يوضح الدليل ونور مبين. وكان مقتضى الحكمة الإلهية كون تلك الأئمة الهادين من ذرية أفضل الشارعين صلى الله عليه وعليهم أجمعين مراعاة لمناسبة الفضل للفضل، وإلحاقا للفرع بالأصل، أما في الأشباح فإنها بقايا الطينة النبوية، وأما في الأرواح فلكونها أنوار من أنوار الشعلة العلوية، وذلك تقدير العزيز العليم، فسبحانه من مدبر حكيم. # ثم إنه تعالى وفقني للاتصال بجناب مولانا الملك المعظم العالم العادل البارع PageV00P037 # ذي النفس الأبية، والهمم العلية، والأخلاق المرضية، والأعلاق الزكية، ملجأ الأنام، وواحد الليالي والأيام عز الدنيا والدين، أبي المظفر عبد العزيز بن جعفر النيسابوري (1) - أعز الله ببقائه الطائفة وحرس به الملة - فألفيته من أخص الأولياء لأولاد سيد الأنبياء مع ما خصه الله تعالى به من العلم وحباه من مزيد الفهم، فهو للعلماء والد عطوف، ولمعاناة أحوالهم بر رؤوف، يتواضع لهم مع علو مرتبته، ويرفع من خاملهم (2) مع شرف منزلته، فشملني بأنعامه، وأحلني محل إكرامه، حتى أنساني الأهل والبلد، وأصدفني (3) عن المال والولد. # أشار إلي بإملاء مختصر في الإمامة أنقح فيه الأدلة والبينات وأقرر فيه الأسئلة والجوابات، فهممت أن أعتذر لمشقة السفر وما يستلزمه من تشعب الأذهان، ومفارقة الأهل والأوطان، ثم كرهت أن ينسب ms01 ذلك إلى تقصير مني في خدمته وأداء بعض ما وجب علي من شكر نعمته فبادرت في امتثال أمره وسألت الله أن يفسح في مدة عمره وأن يجعل ما كتبت حجة لي لا علي إنه المنان ذو الفضل والإحسان. # ورتبته على مقدمة وثلاثة أبواب: # PageV00P038 # المقدمة تعريف الإمامة ضبط المذاهب في الإمامة PageV00P039 # أما المقدمة ففيها بحثان: # البحث الأول [تعريف الإمامة] الإمامة رئاسة عامة لشخص من الناس في أمور الدين والدنيا، إذ الرئاسة هي الجنس القريب للإمامة، ومجموع القيود الباقية خاصة مركبة (1) إذ كل منهما لا يخص نوع الإمامة دون كل ما عداه وإن خصه بالنسبة إلى بعض الأشياء: فإن كون الرئاسة عامة وإن ميز نوع الإمامة عن نوع القضاء وكل رئاسة خاصة لكنه لا يميزه عن نوع السلطنة الجورية، إذ هي عامة أيضا، وقولنا " لشخص " وإن ميزه عن رئاسة لشخصين أو أكثر غير أنه لا يميزه عن السلطنة الجورية أيضا، وقولنا " في أمور الدين والدنيا " وإن ميزه عن سلطان الجور غير أنه لا يكفي في تميزه إذ ليس كل رئاسة في أمور الدين والدنيا وجب أن تكون عامة، فإذن كل واحد من هذه القيود وإن كان أعم من نوع الإمامة إلا أنها إذا اجتمعت حصل # PageV00P041 # من المجموع قدر مميز لذلك النوع تمييزا مطلقا يسمى باصطلاح قوم الخاصة المركبة، وبالله التوفيق. PageV00P042 # البحث الثاني في ضبط مذاهب الناس في هذه المسألة وتقرير الصحيح منها الإمامة إما أن تكون واجبة مطلقا أو ليست واجبة مطلقا أو أن تكون واجبة في حال دون حال، وإلى كل واحد من هذه الأقوال ذهب قوم: فالأول هو مذهب جمهور المتكلمين، والثاني هو مذهب النجدات من الخوارج (1)، والثالث مذهب أبي بكر الأصم (2) والفوطي (3). # أما القائلون بوجوبها مطلقا: فمنهم من أوجبها على الله تعالى وجعل طريق وجوبها العقل فقط، وهو مذهب الإمامية من الاثني عشرية وغيرهم ويثبتون الوجوب على الله تعالى بأن الإمامة لطف في الدين فتجب على الله تعالى بأن لا يخلي الزمان عنه. # ومنهم من أوجبها على الخلق إما ms02 سمعا فقط، وهو مذهب أصحاب الحديث # PageV00P043 # والأشعرية وجمهور المعتزلة، منهم أبو علي (1) وأبو هاشم (2) وأتباعهما. # وإما عقلا وسمعا وهو مذهب الجاحظ (3) وأبي القاسم البلخي (4) وأبي الحسين البصري ومن تابعه. # وهؤلاء لما لم يقولوا بأنه لطف في الدين لا جرم لم يوجبوه على الله تعالى. # وأما القائلون بوجوبها في حال دون حال: فقال الأصم: لا يجب نصب الإمام في حال ظهور العدل والإنصاف بين الخلق، إذ لا حاجة إليه، ويجب نصبه عند انتشار الظلم وظهوره. # وقال هشام (5) بالعكس من ذلك أي عند ظهور الظلم لا يجب نصبه لأنه ربما كان سببا للفتنة، لتمردهم واستنكافهم عن طاعته فيكون نصبه سببا لازدياد الشرور، فأما عند ظهور الانتصاف وانتشاره فيجب نصبه لبسط الشرع وإظهار شعاره، فهذا تفصيل المذاهب في هذه المسألة. # PageV00P044 # وأما تقرير ما يتمسك به كل فريق والاشتغال بتزييفه وإبطاله فمما يخرج عن الغرض فيما نحن بصدده، غير أنه عند تحقيق الحق يزهق الباطل. # فنقول: الإمامة واجبة عقلا وسمعا، أما العقل فمن وجهين: # الأول: نصب الإمام إما أن يكون خيرا محضا أو الخير فيه أغلب، أو شرا محضا أو الشر فيه أغلب، أو متساويين والأقسام الثلاثة الأخيرة باطلة لما يعلم بالضرورة بعد تصفح أحوال الخلق وعاداتهم أنه متى كان بينهم رئيس منبسط اليد قوي الشوكة، يردع ظالمهم وينصر مظلومهم، ويحثهم على الواجبات ويكفهم عن المحرمات، كانوا إلى الصلاح أقرب وعن الفساد أبعد، وإذا لم يكن بينهم مثل هذا الرئيس كان حالهم بالعكس، وفطرة العقل شاهدة بما ذكرنا، وإذا كان الأمر كذلك لم يمكن أن يقال الشر في هذه الحالة مساو للخير فضلا عن القسمين الأخيرين فبقي أن يقال أنها خير أو الخير فيه غالب، وأيما كان فهي تفيد المطلوب. # أما الأول: فلأن ذات الله تعالى فياضة بالخيرات، لا توقف لها في إفاضة الخيرات على أمر غير ذاتها، فكان إيجادها لمثل هذا الخير المحض واجبا. # وأما الثاني: فهو أيضا كذلك، فأما كونها مشتملة على شئ من الشرور فلا يضر في وجوب وجودها، لأن ترك ms03 الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير في الجود والحكمة. # فيثبت بما قررناه أن نصب الإمام واجب من الله تعالى، وهو المطلوب. # لا يقال (1): لم قلتم بأن الأقسام الثلاثة باطلة، قوله: " لأن الخلق إذا كان لهم رئيس يأمرهم بالواجبات كانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد " قلنا: # PageV00P045 # يدعي هذا مطلقا في كل وقت أو في بعض أوقات دون البعض؟ والثاني مسلم، والأول ممنوع، فلم قلتم: إنه كذلك؟! وبتقدير أن لا يكون كذلك لم يكن الخير فيها أغلب. سلمنا ولكنه معارض، بما أن نصب الإمام يتضمن الإضرار بالخلق، وحينئذ يكون شرا محضا أو الشر فيه أغلب فوجب أن لا يجب، بل ولا يجوز. # وإنما قلنا إنه يتضمن الضرر، لوجهين: # أحدهما: أنه قد يستنكف أكثر الناس من طاعته فيحاربونه ويحاربهم، فيؤدي ذلك إلى القتل والفتن وذلك محض الضرر، واعتبر الوقائع الحاصلة بسبب إمامة علي (عليه السلام) بحرب الجمل وصفين وحرب الخوارج، فأنا نعلم بالضرورة أن ذلك إنما كان بسبب إمامة علي (عليه السلام) بحيث لو لم يكن لم يكن شئ من ذلك. # الثاني: أن الإمام إن لم يكن معصوما فبتقدير فسقه أو كفره إن لم يعزل تعدى ضرر فسقه وكفره إلى الخلق، وإن عزل احتيج في عزله إلى المحاربة والفتنة، وذلك عين الضرر وإن كان معصوما جاز فسقه وكفره، وحينئذ يتوجه التقسيم المذكور فيه. # سلمنا أن الإمامة لا تشمل على ضرر، لكن لا نسلم أنها مشتملة على شئ من المصالح، وحينئذ لا يكون فيها خير فضلا عن أن تكون خيرا محضا أو الخير فيها غالبا، وبيان ذلك: أنها إما أن تجب لا لفائدة، فتكون عبثا وهو قبيح عندكم، وأيضا فيكون تسليما للغرض أو لفائدة، وهي إما منفعة دنيوية أو أخروية أو دفع مضرة دنيوية أو أخروية، وعلى كل التقديرات فهو محال: # أما أولا: فلأنكم لا توجبون على الله تعالى تحصيل كل المنافع للعباد ولا دفع كل المضار عنهم، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن تكون الإمامة من تلك المنافع أو دفع ms04 المضار؟ وأما ثانيا: فلأن إيصال تلك المنفعة أو دفع تلك المضرة مقدور لله تعالى بدون الإمامة فينبغي أن توجبوا ذلك عليه ابتداءا. PageV00P046 # والجواب (1) عن الأول: أنا ندعي ذلك مطلقا وفي كل وقت، ولذلك فإن العقلاء بأسرهم متفقون على إقامة الرؤساء في كل وقت معتقدون أن الحاجة إليهم في انتظام أمور الدين والدنيا ضرورية، وهو ضروري، ولو كان نصبهم في وقت ما سببا لفساد أكثري أو متساويا لما كان اعتقاد الخلق كما ذكرناه دائما. # وعن الثاني: لا نسلم أنه يتضمن الإضرار أو الأكثرية بالخلق أو المساوية للخير. قوله في الوجه الأول من المعارضة " أنهم ربما استنكفوا عن طاعته فيكون ذلك سببا للحروب والفتن كما في الوقائع المذكورة ". # قلنا: هذا وإن وقع بسبب وجود الإمام إلا أنه أمر خيري بالنسبة إلى الفتن والأضاليل الواقعة على تقدير عدمه، فإن العاقل إذا رجع إلى عقله علم أن غفلة الخلق عن أمور الدين وثوران الفتن والتغلب وعدم تسليم بعضهم لبعض عندما لا يكون الإمام المذكر بها والمعاتب على الأخلال بها موجود أكثر مما إذا كان موجودا بكثير. # قوله في الوجه الثاني: " إن الإمام إن كان معصوما جاز فسقه وكفره ". # قلت: لا نسلم أنه إن كان معصوما جاز ذلك منه، وذلك كما سنبين أن العصمة ملكة ترك المعاصي، وهي متمكنة في جوهر النفس، فيستحيل زوالها إلى أضدادها، وبالله التوفيق. # وعن الثالث: لم لا يجوز أن يكون وجوب الإمامة لفائدة هي تقريب عباده من طاعته المرادة له تعالى، قوله " تلك المنفعة بدون الإمامة " إن كان ممكنا إلا أنه ليس بحسن، بل هو قبيح عندنا عقلا، وينبهك على ذلك أن من دعا غيره إلى طعامه يعلم أنه لا يحضر إلا أن يتولى دعاءه بنفسه وهو قادر على ذلك # PageV00P047 # ولا غضاضة عليه في فعله، فإنه متى لم يفعل عد مقصرا في عرف العقل أو استقبح ذلك منه. واستعمالنا لهذا المثال في حق الله تعالى بحسب قياس الغائب على الشاهد، فإن الفطرة شاهدة بعليته أي بمؤثرية هذا الحكم مطلقا، بل ms05 للتنبيه على ملاحظة عدم حسنه في حق الله تعالى. # الوجه الثاني: الإمامة جزء من أجزاء التمكين الذي هو واجب، وجزء الواجب لا بد وأن يكون واجبا، فالإمامة واجبة، أما الكبرى فظاهرة ومتفق عليها وأما الصغرى فبيانها: أن الداعي إلى فعل أكثر الطاعات واجتناب المعاصي في أكثر الخلق في كل وقت موقوف على وجود الإمام وغير ممكن الحصول من دونه، وهذه ضرورية بعد تصحيح أحوال الخلق والاطلاع على أخلاقهم وطبائعهم ولوازم أمزجتهم، وإذا كان فعل الطاعة غير ممكن بدون الداعي لاستحالة الترجيح من غير مرجح والداعي غير ممكن من أكثر الخلق إلا بوجود الإمام، وجب أن يكون الإمام جزءا من أجزاء التمكين، وكانت أولى بالوجوب. # وهذا التقدير (1) أولى من قول أصحابنا: إن الإمامة لطف وكل لطف واجب، لأن تقدير كبرى قياسهم في غاية الصعوبة والتعسر، وبالله التوفيق. # لا يقال: لا نسلم أن فعل الطاعات واجتناب المعصية موقوف على وجود الإمام، وبيانه: أنك إن أردت أن جميع الخلق في زمان وجود الإمام يمتنعون من جميع المعاصي ويفعلون جميع الطاعات فهذا ممنوع، بل الضرورة تشهد ببطلانه، وإذا كان كذلك كان بعض المعاصي واقعا وبعض الطاعات مفعولا في زمان وجوده، وهذا أيضا ثابت في حال عدمه، فإن بعض المعاصي موجود وبعض # PageV00P048 # الطاعات مفعول. # سلمناه، لكن متى تكون المعاصي مرتفعة والطاعات واقعة إذا كان الإمام ظاهرا نافذ الحكم؟! وإذا لم يكن كذلك فالأول مسلم والثاني ممنوع. # بيانه: أن انزجار الخلق عن القبائح بسبب الإمام إنما يكون إذا كان متمكنا من زجرهم عن القبائح، وإذا لم يكن قادرا على ذلك لم يحصل الانزجار. # والحاصل: أن الإمام الذي توجبونه لا يفيد مطلوبكم، والذي يفيد مطلوبكم لا توجبونه. # لأنا نجيب عن الأول: أنا ما ادعينا أن كل الخلق يمتنعون بوجوده من كل المعاصي، بل نقول: إن الحازم يجزم بعد تصفح أحوال الخلق أن دواعي أكثرهم إلى الطاعات واجتناب المعاصي موقوف على وجود الإمام، أما في حق تاركي أصل العبادة والمترخصين من أنفسهم فيها بما لا يجوز لهم فعله ms06 والإخلال به منها، فظاهر مما بيناه، وأما في حق من كان سالكا للعبادة قائما بها فإن الحركات فيها مقولة بحسب التشكيك أي أنها قابلة للأشد والأضعف، فالعلم الضروري حاصل بأن العبادة ممن كان قائما بها قبل وجود الإمام تكون بوجوده أوفى وأتم لتوفر الدواعي عليها بوجوده، فإذا القدر الزائد على العبادة بعد وجوده كان موقوفا على توفر الدواعي إليه وذلك التوفر موقوف على وجود الإمام، والموقوف على الموقوف على الشئ موقوف. # وعن الثاني من وجهين: # أحدهما: أن الانزجار حاصل بالإمام وإن كان غائبا فإن المكلفين إذا تقرر في عقولهم وجود الإمام وصحة إمامته واعتقدوا أنه لا حال من الأحوال إلا ويجوز ظهوره عليهم ويمكنه من التصرف فيهم بالأخذ بالجرائم، فحينئذ لا حال إلا ويكون المكلف فيه خائفا، فلأجل ذلك يمتنع من القبيح. PageV00P049 # الثاني: أن الانزجار وإن لم يحصل إلا عند ظهوره وتمكنه لكن هذا لا يقدح في وجوبه من الله سبحانه، فإن عدم تمكينه إنما كان لأمر يرجع إلى المكلفين، وهو إخافتهم للإمام وعدم أخذهم بيده، مع قدرتهم على تمكينه وإزاحة علته، فهم إنما أتوا من قبل أنفسهم. # لا يقال على الجواب الأول: إنا إذا توقعنا حدوث الإمام في كل وقت وعلمنا أنه متى حدث كان مانعا من القبائح، كان الخوف منه في كل وقت - وإن كنا لا نعلم أنه حاصل في ذلك الوقت أم لا - كالخوف الحاصل من وجوده وإمكان ظهوره، وإذا كان كذلك فجوزوا أن لا يكون موجودا إلا أن الله تعالى يجب عليه أن يخلقه عند تحقق المصلحة في إيجاده. # وعلى الثاني: أنه ضعيف أيضا، لأن العذر الذي ذكر تموه من تخويف الخلق له غير حاصل في أوليائه الذين يكونون له في غاية الولاء والإخلاص والمحبة، فكان ينبغي أن يظهر لهم عند شدة حاجتهم إليه لاستفادة ما أشكل عليهم من العلوم. # لأنا نجيب عن الأول: بأن الخوف من الإمام إنما هو مشروط بوجود الإمام، لأن الخوف ممن يجزم العقل بعدمه محال وإن جوز وجوده، وما أحسب عاقلا ms07 لا يفرق في حصول الخوف بين إمام موجود يتوقع ظهوره عليه في كل لحظة، وبين من يجزم بعدمه ويجوز وجوده حتى يستوي بينهما، نعوذ بالله من عدم الإنصاف. # وعن الثاني: أنا لا نسلم أن الإمام الذي نقول بغيبته الآن لا يظهر لأوليائه، بل يظهر لهم ويأخذون عنه الأحكام، وقد ظهرت إليهم عنه أحكام وأجوبة مسائل سألوها وغير ذلك من الأدعية والمكاتبات كما هو مشهور بين PageV00P050 # الاثني عشرية (1). # سلمنا أنه لا يظهر لأحد من أوليائه وإن كانوا في غاية الصلاح والمحبة له والحاجة إليه، لكن السبب فيه أحد أمرين: # أحدهما: أن الانسان وإن كان في غاية الصلاح إلا أن طبيعته مجبولة على طلب الكمال، وأعظم كمال يتنافس فيه في الدنيا ويتخيل كونه أشرف الكمالات هو الجاه، فإن الانسان ربما يجهد في تحصيله بكل وسيلة، حتى أن كثيرا من الزهاد ربما جعلوا الوسيلة إليه إظهار بغضه، ثم إنه إذا كان مطلوبا للخلق من تعظيم أقل أمير من أمراء الجور لهم، فكيف من الإمام الحق المؤيد بالكرامات، الذي لو عرف الخلق بأسرهم حقية وجوده وصحة إمامته وأن الحق معه لبذلوا مهجتهم دونه، إذا اختص انسانا من خلق الله - ربما كان فقيرا مطرحا - فتطرق إليه وظهر إليه، فإنه والحال هذه لا يؤمن أن يفتخر بمثل ذلك ويسره إلى أخ له أو ولد أو زوجة، فينتشر ذلك إلى الأعداء أو ولاة الأشرار فإن لكل نصوح نضوحا (2) وكل حديث جاوز اثنين شاع (3)، وإذا انتشر ذلك كان سببا للفساد. # الثاني: أن ذلك الولي لا يعرفه إلا بالكرامات التي تظهر له منه، ولا يصدقه بمجرد قوله، ثم لا يمتنع أن تطرأ الشبهة على المكلف في ذلك فلا يقف على وجه دلالة الكرامة على مدعي الإمامة، فيعتقد ما جاء به منكرا فيستعين بغيره، فيصير خصما وسببا لوصول ذلك الأمر إلى الأعداء. # PageV00P051 # واعلم أن للخصم اعتراضات أخر رغبنا عن إيرادها كراهة التطويل، والله المستعان. PageV00P052 # الباب الأول في الشرائط المعتبرة في الإمامة 1 - في كون الإمام معصوما 2 - في أن الإمام ms08 يجب أن يكون أفضل من رعيته 3 - في أن الإمام يجب أن يكون عالما بكل الدين 4 - في السبب الذي يتعين به الإمام PageV00P053 # وفيه أبحاث: # البحث الأول في كون الإمام معصوما قالت الإمامية والإسماعيلية: أن العصمة شرط في الإمامة، وإن اختلفوا في علة وجوبها، فإن الإسماعيلية بنوا وجوبها على أنه لما كان الإمام معلما للمكلفين ما يحتاجون إليه من العلوم وجب أن لا يخطئ، وقالت الإمامية: إنما وجبت في حقه لكونه لطفا، فلو لم يكن معصوما لم يكن لطف إذ لا إمام غيره. # وقال الباقون من الأمة: إنها ليست بشرط. # وقبل إثبات هذا المطلوب لا بد من بيان معنى العصمة: # فنقول: العصمة ملكة نفسانية يمتنع معها المكلف من فعل المعصية. إذا عرفت هذا فنقول: لنا في وجوب كون الإمام معصوما وجوه: # الأول: لو لم يكن الإمام معصوما للزم التسلسل في وجود الأئمة، والثاني PageV00P055 # باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية: أن علة حاجة الخلق إلى الإمام إنما هي جواز الخطأ عليهم، بدليل أنا متى تصورنا جواز الخطأ عليهم استلزم ذلك التصور حاجتهم إلى الإمام من غير توقف على تصور أمر آخر، وذلك يوجب كون جواز الخطأ علة حاجتهم إلى الإمام، فلو ثبت جواز الخطأ عليه لكانت حاجته إلى إمام آخر حاصلة، لقيام علة الحاجة فيه، ولزم التسلسل. وأما بيان بطلان التالي فظاهر. # لا يقال: لا نسلم أنه لو لم يكن معصوما لافتقر إلى إمام آخر، بل يكون خوفه من قيام الأمة عليه وعزله لو ارتكب خطأ يقوم في حقه مقام الإمام في حق غيره، وحينئذ لا حاجة إلى إمام آخر. # سلمناه لكن ذلك معارض بأمرين: # أحدهما: أن علة الحاجة إلى وجود الإمام هي بعينها علة الحاجة إلى الأمراء والقضاة، وبالاتفاق لا تجب عصمتهم، فلا تجب عصمة الإمام. # الثاني: مفهوم الإمامة مركب من قيدين: أحدهما: نفوذ حكم الإمام على الغير، والثاني: عدم نفوذ حكم غيره عليه، فلو وجبت العصمة لكان وجوبها إما للقيد الأول، أو للثاني، أولهما، والتالي بالأقسام الثلاثة باطل. لما أن ms09 الأمير الذي في الصقع البعيد عن الإمام بحيث لا يصله حكم الإمام يكون كل واحد من تلك الأقسام متحققا فيه، مع أنه لا تجب عصمته بالاتفاق. # الثالث (1): أنا سنبين أن إمامة الأئمة الثلاثة كانت صحيحة، مع أنهم ما كانوا معصومين، وحينئذ يتبين عدم وجوب اشتراط عصمة الإمام. # PageV00P056 # لأنا نجيب عن الأول: من وجهين: # أحدهما: أن الأمة غير معصومة فكان الخطأ عليهم جائزا، فبتقدير أن يرتكب الإمام الكبائر جاز حينئذ أن يتابعوه على ذلك، وعند متابعته لا يكون له منهم خشية إنكار عليه، فتحقق حاجته إلى إمام آخر، ويعود المحذور المذكور. # الثاني: أن كل من تصفح أحوال العالم وعوائدهم اضطر إلى الحكم بأن الرعية في غالب الأوقات لا يتمكنون من عزل الملوك الظالمين فجاز حينئذ أن يتغلب عليهم ولا يكون له منهم خوف. # وعن الثاني: أن الفرق بين الأمراء والقضاة وبين الإمام ظاهر، فإنا إنما لم نوجب عصمة من عداه لأنهم عند أن يرتكبوا ما لا يجوز كان الإمام هو الآخذ على أيديهم والرادع لهم عما ارتكبوه من ذلك، وهذا الحكم غير موجود في حقه من جهتهم، لجواز اتفاقهم على الخطأ على ما بيناه أولا. # وعن الثالث، من وجوه: # أحدها: لا نسلم أن الإمامة مركبة من القيدين المذكورين (1)، وبيانه: أن القيد الأول وجودي والثاني عدمي ولا يتركب منهما حقيقة محصلة بل ماهية الإمامة ما ذكرناه أولا (2)، وهذان القيدان لازمان لها. # الثاني: لا نسلم الحصر في الأقسام المذكورة، على أنا قد بينا سبب وجوب العصمة وذلك يستلزم عدم الحصر فيما ذكراه من الأقسام الثلاثة، سلمنا الحصر لكن لم لا يجوز أن يكون وجوبها لأجل نفوذ حكمه على كل من عداه من المسلمين، والأمير المفروض في السؤال غير نافذ الحكم على كل المسلمين، فلم # PageV00P057 # تكن علة وجوب العصمة متحققة في حقه فلم تجب عصمته. # وعن الرابع: أنا سنبين إن شاء الله تعالى أن إمامة المذكورين لم تكن حقا وبالله التوفيق. # البرهان الثاني: الإمام تجب متابعته بمجرد قوله، وكل من كان كذلك كان واجب ms10 العصمة، فالإمام واجب العصمة. أما أنه تجب متابعته فلوجهين: # أما أولا: فبالاتفاق لأنه لا نزاع في وجوب متابعته على العامي في الفتوى والحكم، ومتابعة من ينصبه لهما، وأن العالم والعامي يجب عليهما متابعته في سياسته، وعدله وتوليته، وأمره ونهيه، وتنفيذه إلى الغزوات، وإقامة الحدود والتعزيرات. وأما أن ذلك بمجرد قوله فلأنه لو كان لأمر آخر ما كان فعلنا متابعة له، لأنا لا نوصف بمتابعة اليهود مثلا في اعتقاد نبوة موسى (عليه السلام)، وذلك ظاهر. # وأما ثانيا: فلأنه لو جاز خلافه لجاز إما في كل الأحكام أو في بعضها، والأول محال، لأن الأحكام الحقة لا يجوز خلافها، والثاني أيضا باطل، لأنا على تقدير أنا خالفناه في حكم جاز أن يكون ذلك الحكم في نفسه حقا، وحينئذ يكون قد خالفنا الحق وإنه غير جائز. وبتقدير تسليمه فالمقصود حاصل لأن مقصودنا ليس إلا وجوب اتباعه في بعض الأحكام. # وأما الكبرى: فلأنه لو لم يكن معصوما لجاز أن يخطئ الحق ويرتكب خلافه ونحن لا نعرفه، فبتقدير ذلك منه وقد وجب اتباعه وجب علينا حينئذ ارتكاب ما نهينا عنه، هذا خلف. # لا يقال: لا نسلم أن الإمام تجب متابعته، قوله: " لو جاز خلافه لجاز إما في كل الأحكام أو في بعضها " قلنا: لم لا يجوز أن يكون في بعضها؟ قوله: " يجوز أن يكون ذلك في نفسه حقا فنكون قد خالفنا الحق " قلنا: لا نسلم، وهذا بناء على PageV00P058 # أن الحق في جهة، وذلك ممنوع، فلم لا يجوز أن يكون كل مجتهد مصيبا؟! وحينئذ يجوز أن يخالفه العلماء ويكونوا مصيبين وإن كان هو أيضا مصيبا. # سلمنا أنه تجب متابعته بمجرد قوله فلم قلتم إن كل من كان كذلك وجب أن يكون معصوما؟ # قوله: " لو جاز عليه الخطأ فبتقدير أن يأتي به نكون مأمورين باتباعه فيه فنكون مأمورين بفعل الخطأ وإنه غير جائز ". # قلت: هذا معارض بأمور: # أحدها: أنه تجب على الرعية متابعة القاضي والأمير بمجرد قولهما، مع أنه لا تجب عصمتهما. # وليس لقائل أن يقول: أن الإمام ms11 من وراء القاضي والأمير فيكون آخذا على أيديهما ومقوما لزيغهما. # لأنا نقول: هذا متصور في أمير قريب الدار من الإمام بحيث يمكنه تدارك ما يهم من سفك الدماء وإباحة الفرج الحرام، فما القول في أمير يبعد عن الإمام بألف فرسخ (1) فإنه يجب على الرعية الانقياد لقبول قوله، مع أن الإمام غير منتفع به في حق مثل هذا الأمير عند تفريطه. وهب أن الإمام يدارك ذلك في ثاني الحال ولكن كيف ما كان فإنه يجب على الرعية (2) الانقياد للأمير الظالم في تلك الحال، وأيضا فأي نفع للمقتول ظلما والموطوءة حراما في تدارك الإمام بعد ذلك. # وثانيها: أن المفتي من الشيعة يجب متابعة قوله مع أنه ليس بمعصوم. # PageV00P059 # وثالثها: يجب على الحاكم الحكم بشهادة من ظاهره العدالة مع أنه لا تجب عصمة الشاهد. # ورابعها: أنه يلزم العبد طاعة سيده فيما لا يعلمه محرما، وكذلك الابن لوالده، مع أنه لا تجب عصمة السيد والوالد. # وخامسها: أن المأموم يتبع الإمام في الصلاة وإن جوز أن يكون فعل الإمام محظورا بأن قصد بركوعه وسجوده عبادة صنم، فضلا عن وجوب عصمته. # والجواب عن الأول: أنه ثبت في أصول الفقه أن الحق في جهة، وحينئذ يجوز أن تكون تلك الجهة جهة الإمام. فلو جوزنا خلافه لجاز أن يقع ذلك خلاف الحق، وحينئذ يعود المحال! سلمناه، لكن خطأ في أمر منصوص عليه جائز، وحينئذ يعود الإلزام. # وعن المعارضات: # أما عن الأولى: فهو أنا لا نسلم أن متابعة الأمير والقاضي بمجرد قولهما، بل لقيام قولهما مقام قول الإمام ولأمره لنا باتباع أقوالهما، ولهذا فإنه لو خالفت أوامرهما شيئا من الشريعة وجب على الخلق مراجعة الإمام. # قوله: " هذا إنما يتصور في أمير قريب الدار من الإمام أما في البعيد بحيث لا يتمكن تلافي ما يفعله " إلى آخره. # قلت: الأمير المفروض إما أن يمكن للإمام تدارك كل الأحكام عنه، أو لا يمكن تدارك شئ منها، أو يمكن تدارك بعضها دون البعض، وعلى التقديرات الثلاثة فاشتراط عصمة الإمام إنما هو للقدر الممكن ms12 من تدارك الأحكام، وسواء كان امتناع التدارك لبعد المسافة أو لعدم الاطلاع فإن كل ذلك لا يقدح في اشتراط وجوب العصمة، لأنه لا يلزم من اشتراط العصمة اطلاع المعصوم على كل الكائنات، ولا اقتداره على ما يخرج عن طاقة البشر. PageV00P060 # وبه خرج الجواب عن الثانية وعن الثالثة: فإن قبول فعل الشاهد ليس بمجرد قول، بل لأن قوله أفاد ظنا أمرنا بوجوب العمل به، حتى [أنه] لو لم يفد قوله الظن لم يجب بمجرد قوله. # وعن الرابعة: أن متابعة الإمام في الصلاة ليست أيضا بمجرد قوله، بل لقيامه مقام الإمام الحق، حتى لو اختل أمر إمامته وجبت مراجعة الإمام الأكبر. # وعن الخامسة: أن حكم الأب والسيد في حق الولد والعبد حكم الأمير في رعيته، وقد مر الجواب عنه وهو جواب المعارضة الأولى، وبالله التوفيق. # البرهان الثالث: أنه لو جاز الخطأ على الإمام فبتقدير أن ترجح المفاسد التي تحصل من نصبه على المصالح يجب عزله وتولية غيره بالإجماع، لكن عزله محال، لأن العازل له إما آحاد الأمة أو مجموعها، والقسمان باطلان، فيمتنع وجوب عزله. # [و] إنما قلنا أنه يستحيل أن يكون العازل له آحاد الأمة لوجوه ثلاثة: # أحدها: لو صح من أحدهم عزله كما صح عزل آحادهم لم يتميز حاله عن حال كل واحد منهم، فحينئذ لا يكون هو أولى بالإمامة من أحدهم. # الثاني: أن كل من شاهد أحوال الملوك والرعايا وتصفح كثيرا من جزئيات العالم، علم بالضرورة بحسب مقتضى العادة أن كل واحد من آحاد الرعية لا يتمكن من عزل ملك بلدته فضلا عن ملك الأرض بجملتها. # الثالث: أنه يلزم أن يكون كل واحد من الرعية لطفا في حق الإمام الذي هو لطف في حق كل واحد منهم، فيلزم الدور. # وإنما قلنا: أنه لا يجوز أن يكون العازل له مجموع الأمة لوجوه: # أحدها: أن رعية الإمام هو مجموع أهل الأرض، لكن اجتماع أهل الأرض PageV00P061 # على الشئ الواحد محال في العرف والعادة، ولو سلمنا في صورة لكن لا نسلمه في كل صورة، ms13 فإن اجتماعهم على إزالة ملك الأرض الذي قد خضعت له الرقاب ورغبت فيه طوائف من الأصدقاء وأحاطت به الغلمان، أصعب وأعز من اجتماعهم على دفع منكر لا مخافة في دفعه. # الثاني: أنه وإن أمكن ذلك في حق الإمام على سبيل الندور في بعض المعاصي، لكن لا يكفي ذلك في منع الإمام عن جميع المعاصي واجتماعهم على دفعه عند كل معصية (1) محال. # الثالث: أنا نعلم أن كل واحد من الرعية يخالف غيره لا يوافقه على المخالفة على الإمام قتله، فيكون خلافه سببا لقتله (2) وإذا كان ذلك حاصلا لكل واحد من آحاد الأمة لم يتحقق المجموع على الاتفاق، وبالله التوفيق. # احتج الخصم بأنه لو وجب نصب الإمام المعصوم على الله لفعله، ولو فعله لكان ظاهرا، لأنا نعلم بالضرورة أن هذا المقصود لا يحصل إلا إذا كان ظاهرا متمكنا من الترغيب والترهيب، فأما إذا كان مستخفيا عن الخلق لم يحصل منه البتة شئ من المنافع. # والجواب: أن اللطف الحاصل لانبساط يده ذو أجزاء ثلاثة، جزء يجب على الله فعله، وهو إيجاد الإمام المعصوم بجميع شرائط الإمامة، والثاني يجب على الإمام نفسه، وهو تحمل أعباء الإمامة والقيام بأمورها، والثالث يجب على سائر المكلفين، وهو تمكينه والانقياد تحت أوامر أقلامه. # ثم إن الماهية المركبة لا تحصل إلا بتمام أجزائها، والجزء الفائت من اللطف # PageV00P062 # ها هنا إنما هو المتعلق بالمكلفين، فإنهم لما خوفوا الإمام لا جرم كان مستترا منهم، ولم يلزم من ذلك عدم وجوده، فإن الجزء المتعلق بالله تعالى أو الجزء المتعلق به نفسه موجودان. # سلمناه، لكن لا نسلم أنه ليس بظاهر، وقد بينا أنه يظهر لأوليائه والانتفاع به قائم. # لا يقال: الله تعالى قادر على أن ينصره بجيش معصوم يزيلون الخوف عنه، سلمناه، لكن لم لم يخلق الله تعالى في نفسه من القدرة والعلم ما يطلع بها على بواطن الخلق، ويقوى على دفع شرورهم عن نفسه؟! # لأنا نجيب عن ذلك بأنه معارض: بخوف الرسول (صلى الله عليه وآله) من المشركين واستتاره منهم، فإنه أمر ms14 متفق على وقوعه مع أنه لم ينصره في حال خوفه بجيش معصوم، ولم يطلعه في تلك الحال على ما في بواطنهم، وعلى ما يتخلص به من شرورهم. أقصى ما في هذا الباب أن يفرقوا بين الاستتارين بقصر المدة هناك وطولها ها هنا، لكن هذا لا يصلح فرقا، لجواز أن يكون قد علم [أن] فرصة التمكين التام غير ممكنة في هذه المدة، أو لعذر آخر لا يطلع عليه، وبالله التوفيق. PageV00P063 # البحث الثاني في أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته في ما هو إمام فيه وبرهانه من وجوه: # الأول: أن الإمام يجب أن يكون معصوما، وكل من كان كذلك وجب أن يكون أفضل من غير المعصوم. # أما المقدمة الأولى فقد مر بيانها، وأما الثانية فمعلومة بالضرورة. # الثاني: لو لم يجب كون الإمام أفضل من رعيته لكان إما أن يكون مساويا أو أنقص، والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله [و] إنما قلنا: أنه يستحيل أن يكون مساويا لأنه لو كان في رعية الإمام من هو مساو له فيما هو إمام فيه لما كان متعينا في الحاجة إليه، فلم يجب أن يوجد، وقد تعين في الحاجة إليه من بين سائر الأمة فوجب أن يكون موجودا، فوجب أن لا يكون فيهم مساو له فيما هو إمام فيه. # بيان الملازمة: أنه إذا ثبت أن هناك مساويا لكان قائما مقامه فيما هو إمام فيه، فلم تتعين الحاجة إليه، فلم يجب وجوده. # بيان بطلان التالي ما بينا أن الحاجة إليه معينة وأنه واجب أن يكون موجودا. # وأما أنه يستحيل أن يكون أنقص، فظاهر بطريق الأولى. PageV00P065 # الثالث: أنا سنبين إن شاء الله تعالى أن الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله)، وإذا كان كذلك لزم أن يكون الأفضل، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يخص بتأدية أحكام الله تعالى وأوامره إلا من كان أحفظ لها وأقوم بتأديتها، وأعلم بمواردها، وذلك هو الأفضل الأعلم، والعلم بصدق هذه الصفة فطري فوجب أن يكون ms15 الإمام أفضل. # الرابع: لو جاز تقديم غير الأفضل لجاز إما تقديم المساوي أو الأنقص، والأول باطل لأن تقديم المساوي إن كان لا لأمر كان ذلك ترجيحا للممكن من غير مرجح وهو محال، وإن كان لأمر فهو إما أن يرجع إلى ذات الإمام فيكون في نفسه أرجح من غيره وقد فرضناه مساويا هذا خلف، أو إلى غيره مع أن نسبة غيره إليه وإلى من يساويه في الحكم بالتقديم على سواء فاختصاصه بالحكم دون الآخر يستدعي مخصصا آخر، والكلام فيه كالكلام في الأول، فيلزم إما التسلسل أو الترجيح من غير مرجح، والثاني، أيضا محال لأنك علمت في حد الإمامة أنها: رئاسة عامة لجميع الخلق في أمور الدين والدنيا، وذلك يقتضي أن يكون جميع المكلفين في محل الحاجة في طرقي الدين والدنيا إلى من تحققت هذه الرئاسة في حقه، فوجب حينئذ أن يكون الإمام أفضل من سائر الخلق فيما هو إمام فيه. # واعلم أنه قد دخل في هذه المسألة بحسب مقتضى البراهين المذكورة وجوب أن يكون الإمام أعلم الخلق وأشجعهم وأحلمهم وأكرمهم وأتقاهم وبالجملة سائر الكمالات، للمعنى المفهوم من الإمامة، وبالله التوفيق. PageV00P066 # البحث الثالث في أن الإمام يجب أن يكون عالما بكل الدين مرادنا بذلك أنه عالم بالأحكام الكلية من الدين بالفعل وأما الأحكام الجزئية المتعلقة بالوقائع الجزئية فله ملكة أخذ تلك الأجزاء من القوانين الكلية من موادها متى شاء وأراد، ومعنى ذلك أنه يكون متمكنا من استنباط كل حكم في كل صورة صورة متى شاء. # وأطلق بعض أصحابنا القول بأنه يجب أن يكون عالما بكل الدين ولم يفصلوا، فإن كان مرادهم ما ذكرناه من التفصيل فهو حق، وإن كان المراد أنه يجب أن يكون عالما بجميع قواعد الشريعة وضوابطها وقوانينها، ثم بجزئيات الأحكام المتعلقة بالحوادث الجزئية التي يمكن وقوعها على سبيل التفصيل، فليس الأمر كذلك، وبرهان فساده: أن الجزئيات التي يمكن وقوعها كالمسائل الجزئية الواقعة في كل باب من أبواب الفقه والتي يمكن وقوعها غير متناهية، وما لا نهاية له يستحيل تعلق ms16 علم الانسان به على سبيل التفصيل دفعة، والمقدمتان نظريتان، وما كان محالا استحال أن يكون شرطا في صحة الإمامة، وبالله التوفيق. PageV00P067 # البحث الرابع في السبب الذي يتعين به الإمام أجمعت الأمة على أن الانسان لا يصير إماما بمجرد أهليته للإمامة وأجمعت أيضا على أن المقتضي لتعيين الإمام ليس إلا أحد الأمور الثلاثة: # الأول: إما أن ينص عليه النبي أو الإمام. # الثاني: أن تختاره الأمة وتجتمع عليه. # الثالث: أن يدعو أهل الإمامة إلى نفسه بشرط أن يكون مباينا للظالمين آمرا بالمعروف عاملا به، ناهيا عن المنكر مجتنبا له، وهذا الإجماع إجماع عرضي ليس مقصودا بالقصد الأول من جميع الأمة، بل معناه أن أحدا من الأمة لم يذكر سببا رابعا لتعين الإمام. # اعلم أن الاتفاق من كل الأمة حاصل على كون السبب الأول - وهو النص من النبي أو الإمام - سببا إلى تعيين الإمام، واختلفوا في الطريقين (1) الباقيين، واتفقت الإمامية على إبطال أن يكون أحدها سببا. وذهب الأشعرية (2) وجمهور # PageV00P069 # المعتزلة (1) والخوارج (2) والصالحية من الزيدية (3) إلى أن الاختيار سبب لثبوت الإمامة، وذهب الباقون من الزيدية إلى أن الدعوة طريق إلى ذلك، ووافقهم على ذلك أبو علي الجبائي (4) دون غيره من الأمة. # لنا في المسألة من الاستدلال أنواع ثلاثة: # أحدها: أن نبين فساد الاختيار والدعوة عقلا فيتعين أن السبب هو النص فقط. # الثاني: أن نبين أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يفوض أمر الإمامة إلى الاختيار والدعوة عقلا، فيتعين أن السبب [النص] (5) وإن جاز ذلك عقلا. # الثالث: أن نبين أن النص وجد من الرسول (صلى الله عليه وآله)، فيكون الاختيار باطلا. # أما النوع الأول فمن وجوه: # الأول: أنا بينا أن الإمام يجب أن يكون معصوما، وذلك مما لا يصح معرفته بالاختيار والدعوة عقلا، فتعين أن السبب هو النص فقط. # الثاني: أنا بينا أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته في كل ما هو إمام فيه، وذلك مما لا يمكن معرفته بالاختيار والدعوة. # PageV00P070 # الثالث: القول بالاختيار يؤدي إلى خلو الزمان عن الإمام، وذلك غير ms17 جائز. # بيان الأول: أن الاختيار ليس لكل أحد بل لأهل الحل والعقد من الأمة الذين هم أقل الأمة عددا، وهؤلاء بالاتفاق غير معصومين، فبتقدير أن يختلفوا في إمامين مثلا فتعين كل فرقة إماما باختيارهم تتعادل الفرقتان، فأما أن يعمل باختيارهما، وهو باطل بالاتفاق، وإما أن يعمل بأحدهما، وهو تحكم محض، لأنه ترجيح فيه على الآخر. وإما أن ينتفي الاختياران فيكون ذلك إخلاء للزمان من الإمام. # وأما بيان الثاني فبالاتفاق، ولمثل هذا الدليل يبطل القول بالدعوة. # لا يقال على الأول: أنه لا امتناع في أن ينص الله تعالى على قوم بأعيانهم ثم يفوض اختيار العقل. # وعلى الثاني: أنا لا نسلم أن الإمام يجب أن يكون أفضل، وإن سلمناه لكن أفضل حقيقة. أو في الظاهر الأول ممنوع، والثاني مسلم، وكونه أفضل الخلق في الظاهر لا يتوقف على التنصيص بل يكفي فيه الاختيار كما في تولية الأمراء والقضاة، وإنما قلنا أنه يكفي أفضليته في الظاهر لما أنا قد اكتفينا بالظنون في الشهود وعدالة إمام الصلاة وأمر السيد عبده والزوج زوجته، فيجوز أن يكون هنا كذلك. # سلمناه لكن يجوز أن ينص الله تعالى على قوم كثيرين يكون كل واحد منهم أفضل أهل زمانه في الباطن، ثم إنه يفوض الاختيار في إمامتهم إلينا. # لأنا نجيب عن الأول: أنا بينا أن العصمة تستلزم الأفضلية، والأفضلية تستلزم التعيين، وحينئذ لا حاجة إلى تفويض الاختيار إلى الأمة، ويظهر اعتباره بتقدير اختيارهم غير الأفضل، وقد سبق بيان ذلك. PageV00P071 # وعن الثاني: أنا بينا أنه يجب أن يكون أفضل، قوله: " في الحقيقة أو في الظاهر " قلنا: بل في الحقيقة، سلمنا أن أفضليته في الظاهر معتبرة لكن لا نسلم أنه يكتفى باختياره، بل لا بد فيه من التنصيص، والقياس على الأمراء أو أئمة الصلاة، قد بينا الفرق بين إمام الأصل والمذكورين. # قوله: " يجوز مع نص الله تعالى على أفضلية قوم أن يفوض إلينا اختيارهم ". # قلنا: لا نسلم، فإنا بينا أن الأفضلية تستلزم التعيين فيكون الاختيار هدرا، وبالله التوفيق. # النوع الثاني: في الاستدلال، ms18 بيانه من وجوه: # الأول: أن الضرورة قاضية بعد الخوص في أمر الدين أن السياسة هي التي يقوم عليها الدين ولا يتم بدونها، ثم إنه قد علم من حال الرسول (صلى الله عليه وآله) أنه كان يسوس أمته كما يسوس الوالد أولاده الصغار، ومصداق ذلك قوله (صلى الله عليه وآله): " إنما أنا لكم كالوالد الشفيق " أو قال: " أنا لكم كالوالد لولده فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " (1)، ثم إذا كان الوالد تجب عليه الوصية بأولاده الصغار عند موته فلأن يجب عليه أن يوصي بأمته إلى أحد يقوم فيهم مقامه وينفذ فيهم أمر الدين ويحفظه يكون أولى. # الثاني: أنه (عليه السلام) قد شاع وتظاهر عنه مبالغته في بيان أحكام الشرع من # PageV00P072 # الفرائض والسنن والآداب وشرح كيفية الاستنجاء والمسح على الخفين (1) والعقل يشهد بأن أمر الإمام أهم من كل واحد من هذه الجزئيات فإذا ثبت أنه (عليه السلام) لم يخل ببيان هذه الأشياء فبطريق الأولى أن لا يخل بأمر الإمامة. # الثالث: أن الله تعالى ما قبض نبيه إليه حتى أنزل عليه * (اليوم أكملت لكم دينكم) * (2). ولا يكون مكملا للدين إلا وقد بين كل ما يتعلق به، والإمامة إن لم تكن أعظم أركان الدين فلا شك أنها من الأمور المهمة في الدين، فإذن من الواجب أن يكون تعالى قد بين أمر الإمامة إما في كتابه أو على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله)، وذلك يقتضي وجود النص. # لا يقال على الأول: أنا لا نسلم: أنه يلزمه في أمته كل ما يلزم الوالد في حق أولاده الصغار. لأنه ما كان يلزمه دفع الضرر عنهم ولا الانفاق عليهم وإن وجب ذلك على الوالد. # وعلى الثاني: أن الصحابة لما أجمعوا على صحة الاختيار وجب أن يكونوا عالمين بما دلهم على صحة الاختيار لانعقاد الإجماع لا على الدلالة. # ثم الذي يدل على جواز الاختيار وجهان: # أحدهما: قوله (عليه السلام): " إن وليتم أبا بكر وجدتموه قويا في دين الله ضعيفا في بدنه، وإن وليتم عمر ms19 وجدتموه قويا في دين الله قويا في بدنه، وإن وليتم عليا وجدتموه هاديا مهديا " (3) وذلك إشارة إلى صحة الاختيار. # ما روي: أن المسلمين ولوا يوم مؤتة خالد بن الوليد ولم ينكر ذلك عليهم # PageV00P073 # رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإذا ثبت أنه (عليه السلام) نبههم على جوازه كان قد بين لهم أمر الإمامة كما بين لهم سائر الشرائع. وهذا هو الاعتراض أيضا على الثالث. # لأنا نجيب عن الأول: بأنا ما ادعينا أنه يلزمه في أمته كل ما يلزم الوالد مع أولاده، بل بينا أنه إذا كان قد وجب على الوالد أن يوصي بأولاده الصغار مع أن أمرهم جزئي من جزئيات أحوال الخلق فوصية الرسول (صلى الله عليه وآله) بأمته الذين هم كل الناس في الحقيقة يكون بطريق الأولى. # وعن الثاني: لا نسلم أن الإجماع حجة، سلمناه، ولكن لا نسلم على أن الإجماع انعقد على ذلك، فإن كثيرا من الصحابة لم يكن حاضرا، وكثير منهم لم يكن راضيا، وبالجملة فعليكم حصر الصحابة ليتم لكم الإجماع. # وأما الخبر الوارد في ذكر الشيخين فلا نسلم صحته، ثم إن سلمناه لكن لا دلالة فيه على صلاحيتهما للاختيار، فإن ذكر قوتهما في الدين لا يوجب صحة اختيارهما، فإن غيرهما من أكابر الصحابة كانوا أقوى منهما في الدين، فلو كانت القوة في هذين الأمرين موجبة للاختيار لما كانا أولى بالتعيين، بل نقول: إن هذا الخبر كأن فيه تنبيها عظيما للصحابة على وجوب نصب علي (عليه السلام) وتعينه دونهما، لأن مقصوده الأول إلى الإقامة (1) إنما هو هداية الخلق الطريق المستقيم ممن هو مهتد في نفسه، فإنه لا يصلح لمثل هذا الأمر إلا من كان كاملا في نفسه قادرا على تكميل غيره من الناقصين. فلذلك نبه الصحابة على وجوب اتباعه صلى الله عليهما بقوله: " هاديا مهديا " وإنما احتاج ها هنا إلى هذه الرموز لما يعلم أن أكثر الصحابة كانوا بطباعهم الحيوانية يرغبون عن علي (عليه السلام)، وتنفر قلوبهم منه، وهذا أمر ظاهر لو كانت لهم قلوب يعقلون بها ms20 أو آذان يسمعون بها. # PageV00P074 # وأما قوله: " إن المسلمين ولوا يوم مؤتة خالد بن الوليد ولم ينكر عليهم ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) " فنقول: بعد تسليم صحة هذا الخبر فليس فيه أيضا دلالة على صحة اختيارهم، فإن الحجة ليست إلا في تقريره (عليه السلام) لهم على ذلك الاختيار لا في نفس الاختيار، ثم أقله [أنه] كان ذلك لضرورة أو حاجة اقتضت سكوته (عليه السلام) عن الإنكار عليهم، فأين ذلك من مجرد اختيارهم بعد موته وخلاف كثير من الصحابة لهم؟! # وبهذا ظهر الجواب عن الاعتراض الثالث، وبالله التوفيق. # وأما النوع الثالث من الاستدلال فسنبينه إن شاء الله تعالى في تعيين الإمام. # احتج الخصم في إبطال النص بأن قال: لو نص الرسول (صلى الله عليه وآله) على الإمام بعده نصا جليا لكان ذلك بمشهد أهل التواتر أو لا يكون والتالي بقسميه باطل، فالمقدم كذلك، أما الملازمة فظاهرة، أما بطلان القسم الثاني من التالي، فلأنه يبطل أصل الحجة، وأما القسم الأول فلأنه لو كان كذلك لوجب اشتهاره بين الأمة كسائر المتواترات. # وإنما قلنا ذلك لأن تنصيص الرسول (صلى الله عليه وآله) على إمامة شخص معين (أمر عظيم، وكل أمر عظيم) (1) يقع بمشهد أهل التواتر فلأنه لا بد وأن ينتشر في أكثر الخلق، وكل خبر هذا شأنه فلأنه لا بد وأن يحصل العلم لسامعيه فهذا ادعاء بحت... (2) يصح بصحتها المطلوب. # PageV00P075 # وإنما قلنا أن تنصيص الرسول (صلى الله عليه وآله) على إمامة شخص معين أمر عظيم، لأن أعظم الأشياء عند الانسان الدين وأعظم الناس الشارع، فإذا أقام الشارع انسانا نائبا له في دين أمته ودنياهم فلا شك في كون تلك المنزلة أعظم المنازل. # وإنما قلنا أن الأمر العظيم الواقع بمشهد الناس لا بد وأن ينتشر لأنا نعلم بالضرورة أن أهل الجمعة إذا انصرفوا عن المسجد وقد تنكس الخطيب عن المنبر مثلا فإنما يمتنع أن لا يخبروا الناس بذلك وأن تتوفر دواعيهم على نقله. # وإنما قلنا: أن الخبر الذي هذا شأنه يفيد العلم، لأن ذلك ms21 ضروري. # وإذا ثبتت هذه المقدمات لزم من وجود النص انتشاره وظهوره فيما بين الخلق كسائر المتواترات، فلما لم يكن كذلك علمنا كذبه. # والجواب: أنا سنبين إن شاء الله تعالى صحة النص الجلي على إمامة علي (عليه السلام) وأنه بلغ مبلغ التواتر، وحينئذ ينتفي الاختيار، وبالله التوفيق. PageV00P076 # الباب الثاني في تعيين الإمام المقدمة 1 - في أن الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) 2 - في تعيين باقي الأئمة (عليهم السلام) PageV00P077 # وفيه مقدمة وأبحاث: # أما المقدمة، ففي تفصيل المذاهب في هذه المسألة، فنقول: # ذهب جمهور المعتزلة والأشعرية والخوارج والمرجئة (1): إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينص على إمام بعده. # وقال قوم: إنه نص على إمام بعينه. ثم اختلفوا في ذلك المنصوص عليه، فقالت الشيعة: إنه نص على علي (عليه السلام). وقال قوم من الشذاذ: إنه نص على أبي بكر. وقال آخرون: إنه خص العباس بأقوال وأفعال تستلزم إنه الأحق بالإمامة دون غيره. والذين ذهبوا إلى القول بالنص على أبي بكر فمنهم من قال: # إنه نص خفي وهو تقديمه له في الصلاة وهذا القول محكي عن الحسن البصري. # ومنهم من قال: إنه نص جلي وهو قول جماعة من أصحاب الحديث. فهذا تفصيل المذاهب. # PageV00P079 # البحث الأول في بيان أن الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) وبيان ذلك بثلاثة أنواع من الأدلة: # النوع الأول: في النصوص الجلية، وهي ثلاثة: # الأول: النص المتواتر على إمامته، وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله) مخاطبا لأصحابه: # " سلموا عليه بإمرة المؤمنين " (1). # الثاني: قوله وهو مشير إليه آخذ بيده: " هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا " (2). # الثالث: قوله (عليه السلام) يوم الدار وقد جمع بني عبد المطلب: " أيكم يبايعني ويؤازرني يكن أخي ووصيي وخليفتي من بعدي " (3) فبايعه علي (عليه السلام) فوجب أن يكون أخاه ووزيره ووصيه وخليفته من بعده. # لا يقال: لا نسلم وجود هذه الأخبار، بل هي موضوعة وفي المشهور أن ms22 # PageV00P081 # الواضع لها ابن الراوندي (1)، سلمناه، لكن لا نسلم أنها متواترة، سلمناه، لكنها معارضة بأمور تنافي النص: # الأول: أنه لما مرض الرسول (صلى الله عليه وآله) قال العباس لعلي (عليه السلام): " ادخل بنا عليه نسأله عن هذا الأمر فإن كان لنا بينه وإن كان لغيرنا وصى الناس بنا " (2) ومعلوم أن عليا (عليه السلام) لو كان منصوصا عليه لكان العباس أعرف الناس بذلك فكان لا يقول مثل هذا الكلام. # الثاني: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال العباس لعلي (عليه السلام) " امدد يدك أبايعك فيقول الناس: هذا عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان " (3). # ومعلوم أن العباس إنما قال ذلك لأنه وثق بطاعة الناس لمن يبايعه هو لكونه عما لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إعظاما منهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والذين يكونون كذلك لا بد وأن يكونوا مطيعين لمن نص عليه الرسول (صلى الله عليه وآله)، لأن من رضيه الرسول (صلى الله عليه وآله) للإمامة فقبول المسلمين له أكثر ممن رضيه غير الرسول (صلى الله عليه وآله) فالعباس كيف يمكنه الجزم بأنه لا يختلف اثنان على من بايعه عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع مشاهدته أن الصحابة كلهم تركوا نص الرسول (صلى الله عليه وآله)؟! فإن هذا الكلام إما جهالة مفرطة أو وقاحة. # PageV00P082 # الثالث: أن الأنصار لما طلبوا الإمامة وقدم المهاجرون أنفسهم عليهم لمسابقتهم (1) في الإسلام، ومزيد اختصاصهم بالنبي (صلى الله عليه وآله) قال أبو بكر: بايعوا عمر أو أبا عبيدة. فدفع عمر ذلك عنه قال: ولكن اقدم فانحر كما ينحر البعير أحب إلي من أن أتقدم قوما فيهم أبو بكر (2) فقال عمر لأبي عبيدة: امدد يدك أبايعك! فقال أبو عبيدة: تقول هذا وأبو بكر حاضر؟! ثم قال لأبي بكر: # كنت صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) معه في المواطن كلها، شدتها ورخائها، قدمك رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصلاة فخص بالإمامة لأجل الدين ms23 (3) ومعلوم أن أمثال هذه الكلمات عمن يعلم النص، ويعلم من غيره علمه بكونه كاذبا فيما يقوله، وقاحة. # الرابع: أن أبا بكر قال: قد وددت أني سألت الرسول عن هذا الأمر في من هو فكنا لا ننازعه أهله (4) وقال عمر: إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن ترك فقد ترك من هو خير مني (5) يعني النبي (صلى الله عليه وآله)، وإنهما بزعم الشيعة كانا عالمين بكونهما غير صادقين وأن السامعين يعلمون كذبهما، # PageV00P083 # ولو كانا كذلك لما آمنوا أن يتجاسر واحد ممن حضر مقالتهما على تكذيبهما وتخجيلهما، فكيف يمكن إقدامهما على هذه المكابرة والوقاحة من غير حاجة ولا ضرورة إلى هذا الكلام؟! # الخامس: لو ثبت النص لامتنع علي (عليه السلام) في الشورى، لأن دخوله فيها أرضى منه بالنص على أي واحد منهم كان. # لا يقال: أنه دخل فيه للتقية. # لا نقول: التقية إنما يحتاج إليها فيما يقربه إلى الإمامة لا فيما يبعده منها. # السادس: ولما قال علي (عليه السلام) لطلحة " إن أردت بايعتك " فقال طلحة: أنت أحق بهذا الأمر مني وقد يجتمع لك (1) من هؤلاء ما لم يجتمع لي. # السابع: لما احتج علي (عليه السلام) على معاوية ببيعة الناس له لأنه لو كان منصوصا عليه لما كانت إمامته بالبيعة حتى يحتج بها، وقد كتب إلى معاوية: " أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، فإنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه (2). # الثامن: ولما قال: أترككم كما ترككم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن يعلم الله فيه خيرا يجمعكم على خير كما جمعكم على خير بأبي بكر (3). # التاسع: ولما قال: لولا أخاف عليها تيسا من تيوس بني أمية يحكم بغير ما أنزل الله لما دخلت فيها (4). # PageV00P084 # العاشر: ولما قال حين دعي إلى البيعة: اتركوني والتمسوا غيري، فإني أسمعكم وأطوعكم إن وليتم غيري (1). # الحادي عشر: ولما أنكر أكثر أهل البيت هذا النص، فإن من المعلوم فرط حبهم لعلي (عليه السلام)، ومن كان كذلك ms24 استحال أن ينكر أعظم فضيلة لمحبوبه، ومعلوم أن زيد بن علي رضي الله عنهما - مع كمال فضله ودينه - وجميع أتباعه أنكروا ذلك (2). # الثاني عشر: روي أن السيد الحميري قال: ما لأمير المؤمنين فضيلة إلا ولي فيها قصيدة (3) وهذا النص الجلي لو صح لكان أعظم فضيلة له، وما كان كذلك استحال من مادحه إلا ذكره في أكثر قصائده وأشعاره، ولكن ليس لهذا النص في أشعار السيد الحميري ذكر، فدل على كونه موضوعا مخلقا. # فثبت بمجموع هذه الأدلة أن النص على إمامة علي (عليه السلام) لم يوجد. # والجواب عن الأول والثاني أن نقول: إن هذه الأخبار بلغت مبلغ التواتر ولا يمكن إنكارها، أقصى ما في الباب أن يقال لو كان كذلك لتواتر إلى المخالف والموافق ولما اختصت به الشيعة دون غيرهم. # لأنا نقول: إنه كما يشترط صحة النقل في نفس الأمر اشترط أيضا انتفاء المانع عن الأذهان القابلة له. # PageV00P085 # وقد ذكر السيد المرتضى (رحمه الله) شرطا في التواتر لا يمكن إنكاره فقال: من شرط حصول العلم بالشئ بحسب التواتر أن لا يسبق إلى ذهن السامع اعتقاد نفي موجب الخبر لشبهة (1) ومعلوم أن هذا شرط صحيح، فإنا نجد من أنفسنا أنا متى اعتقدنا نفي شئ اعتقادا جازما استحال لنا أن نعتقد صحة ضده. وإذا كان كذلك فنقول: أن تلك النصوص لما جزم الخصم بنفي موجبها بحسب ما لاح له من الشبهة لا جرم ما يمكنه الجزم بوجود هذا النص المضاد لليقين، أما من لم يسبق له اعتقاد نفي ذلك الموجب لا جرم حصل له العلم بموجب ذلك النص ضرورة، إذا (2) كان حصول العلم من النقل هو الدليل على صحة ذلك التواتر. # وعن الثالث وهو الأول من المعارضات أن نقول: إن العباس لم يقل لعلي (عليه السلام) ذلك لجهله بالنص والاستحقاق، وإنما مقصوده أن يسأله عن استقامة هذا الأمر فيهم بعده وتسليم الأمة لهم، وهل المعلوم لله الواقع بعد النبي (صلى الله عليه وآله) تمكينهم منه وعدم الحيلولة بينهم وبينه، فيطمئن لذلك قلبه ويسكن، ms25 أو لا يستقيم ذلك لهم، بل يكون مع استحقاقهم له كائنا لغيرهم. # ويدل على أن المراد ذلك تمام الخبر وهو جواب النبي (صلى الله عليه وآله) للعباس: " علي سبيلكم معشر الشيعة أنتم المظلومون المقهورون " (3) وهذه التتمة مما جاءت به الرواية، ولولا أن السؤال من العباس كان على الوجه الذي ذكرناه لم يكن لجواب # PageV00P086 # النبي (صلى الله عليه وآله) بالتتمة المذكورة فائدة تعقل (1). # وعن الثاني من وجهين: # أحدهما: أن دعاء العباس أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى بسط اليد للبيعة إنما كان بعد ثبوت إمامته، لتجديد العهد في نصرته والحرب لمن خالفه وضاده، ولم يحتج (عليه السلام) في إثبات إمامته. # ويدل على ذلك قول العباس: " يقول الناس هذا عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بايع ابن عمه فلا يختلف عليه اثنان " فعلق الاتفاق بوقوع البيعة، ولم يكن متعلقه (2) إلا وهي بيعة الحرب التي يذهب عندها الأعداء ويحذرون من مخالفته، ولو كانت بيعة الاختيار من جهة الشورى والاجتهاد لما منع ذلك من الاختلاف، بل كانت البيعة نفسها طريقا إلى تشتت الرأي وتعلق كل قبيل باجتهاده واختيار من يراه. # وينبه على ذلك تمام الخبر أنه لما (3) ألح عليه العباس قال: " يا عم إن رسول الله صلى الله عليه أوصاني أن لا أجرد سيفا بعده حتى يأتيني الناس طوعا، وأمرني بجمع القرآن، والصمت حتى يجعل الله لي مخرجا " (4) فدل ذلك على أن البيعة إنما دعا العباس إليها للنصرة والحرب، وأنه لا تعلق لثبوت الإمامة # PageV00P087 # بها (1). # الثاني: أن يقال: إن القوم لما أنكروا النص وأظهروا أن الإمام يثبت بطريق الاختيار، أراد العباس (رضي الله عنه) أن يكيدهم من حيث ذهبوا إليه، ويبطل أمرهم بنفس ما جعلوه طريقا لهم إلى جحد النص، فقال: ابسط يدك أبايعك، فإن سلموا الحق إلى أهله لم تضرك البيعة، وإن ادعوا الشورى والاختيار وأنكروا حقك كان لك من البيعة والعقد والاختيار ما لم يكن لهم فلم يمكنهم الاستبداد بالأمر دونك. # فكره (عليه السلام) أن يجعل الباطل طريقا إلى حقه (2) مع ظهور ms26 النص بينهم عليه في ذلك الوقت. # فإن قلت: إن لم تكن البيعة طريقا صحيحا فلم اعتمدها بعد قتل عثمان واحتج بها على معاوية؟! # قلت: إنه لما كان يطمع منهم أن يرجعوا إلى النص في حال وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وقرب عهدهم به، لأجله لم يجعل البيعة طريقا إلى حقه، خصوصا مع ما انضاف إلى ذلك من إشارة الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى عدم استتمام هذا الأمر له بعده فلما طال العهد وتقادم إنكار النص وصار كأن لم يوجد، ثم رأى إقبال الخلق بأسرهم عليه، لم يمكنه إلا القيام بالحق ونصرة الدين، كما قال (عليه السلام): " والله لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها " (3). # وأما أن العباس لما وثق بطاعة الناس في هذا الأمر له، فدل ذلك على أنهم # PageV00P088 # أطوع لمن نص عليه الرسول صلى الله عليه [وآله] وارتضاه للإمامة وكيف يمكنه الجزم بأنه لا يختلف اثنان مع مشاهدته أنهم بأسرهم تركوا نص رسول الله (صلى الله عليه وآله) لولا أن النص غير صحيح؟! # فنقول: أنه لا يلزم من وثوق العباس بطاعتهم كونهم مطيعين لنص الرسول (صلى الله عليه وآله) لو كان النص موجودا، وكيف لا يعقل الفرق بين طاعة رجل هو عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ما يتعلق به من خواص رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ثم يبايع مثل علي (عليه السلام) قيام النص وطراوته في حقه وبين مجرد نص ذكره الرسول صلى الله عليه مرة أو مرتين في حق شخص قد اتفق السامعون لذلك النص على حسده بما خصه الله تعالى به من الفضائل، استحق أن يقال فيه ذلك النص، وعلى بغضهم بما أبلاهم به من قتل الأعزة والأحباء، خصوصا وهم الطالبون لهذه الرئاسة فإنه لا عجب من طباع انسان تعلقت بحب رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا أن يكتم شهادة ولو ms27 أثبتها بخطه في صك وقوبل بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، فضلا عن نص ذكره مرة أو مرتين، فإن من لا يعقل مثل هذا الفرق كاد أن لا يكون انسانا. # وعن الثالث: من المعارضة أن غايته استبعاد المستدل من أمثال هؤلاء المذكورين أن يكتموا النص ويتواطؤوا على جحده. وقد بينا أن ذلك غير بعيد منهم، ونزيده وضوحا فنقول: إن الناس كانوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على طبقات ثلاث سادات، وأتباع، ومقلدة. # أما السادات فإنهم اجتمعوا على كتمان النص لأنهم كانوا على قسمين: # حسادا ومبغضين. أما حسد الحساد فلما كانوا يشاهدونه من تفضيل الرسول إياه في المواطن كلها، وأما بغضهم إياه فلأنه وتر أكابر القوم، ولا شك أن مقتضى الطباع البشرية بغض من قتل أكابرهم وأحبائهم ومحبة قتله والاجتهاد في سد PageV00P089 # أبواب مطالبه مهما استطاعوا. # وأما الأتباع والمقلدة فيتابعون السادات في ذلك، فليت شعري ممن يحصل الإنكار عليهم فيما فعلوه من عرض بعضهم البيعة على بعض وردها إلى أبي بكر. # وعن الرابع: أنهما يعلمان أن كليهما غير صادق. قوله: لو كان كذلك لم يأمنا من ينكر عليهما، وكيف يمكن منهما هذه المكابرة لو كان النص موجودا. # قلنا الجواب ما مر أنهما كانا من الأكابر والباقون أتباع وحسدة مبغضون. # وعن الخامس: أنه (عليه السلام) لما رأى اعتقاد الجمهور حسن سيرة الشيخين. # وأنهما كانا على الحق، لم يتمكن من ذكر ما يدل على فساد إمامتهما، لما في ذلك من الشهادة بالظلم والجور منهما بتحديد القول بأنهما لم يكونا مستحقين للإمامة. # وأما أنه (عليه السلام) لم (1) دخل في الشورى فلوجهين: # أحدهما: ما قررناه من أنه مأخوذ عليه دفع الظلم والقيام بأمر الدين مهما تمكن، فلما علم عدم التفاتهم إلى النص عليه قصد التوصل إلى حقه بمثل هذا الأمر. # الثاني: أنه لم يكن مقصود عمر إلا قتله، ولذلك قال: " فإن اختار رجلان رجلا ورجلان رجلا فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن بن عوف "، لعلمه أن عبد الرحمن لا يقبل إلا عثمان ms28 لأنه صهره (2)، وكان علي (عليه السلام) من الثلاثة الذين يقتلهم، وإذا كان كذلك كان دخوله في الشورى ليس إلا تقية من القوم فإنه # PageV00P090 # كان يعلم إنه لو امتنع لم يترك. # وعن السادس: أنه إنما قال (عليه السلام) ذلك على وجه الغضب من الأمور المتقدمة، أي إن مثل الأمر قد تركته إلى هذا الحين ما نازعت فيه، فإن شئت أن أسلمه أيضا إليك سلمته، وهذا كما يقول أحدنا عندما (1) يتواتر عليه الظلم ثم يجئ وقت يطمع فيه ارتفاع الظلم عنه فيظهر له من يروم ظلمه فيقول: فقد ظلمني الناس وأنت أيضا من جملتهم إن شئت فافعل. # وأما قول طلحة له: أنت أحق بهذا الأمر، وتعليله ذلك باجتماع الذين لم يجتمعوا له، فلا يدل ذلك على عدم النص، إذا (2) كان طلحة في مظنة الجحد (3) للنص إذ (4) كان من الحاسدين له، بدليل خروجه عليه بعد ذلك. # وعن السابع: أنه إنما احتج على معاوية بالبيعة ليفئ إلى نصرته وترك الحرب والقتال، لأن إمامته لم تثبت بالنص، لأن معاوية ممن جحد بالنص أيضا على إمامته (عليه السلام)، فلم يمكنه الاستدلال عليه إلا ببيعة الناس له ليوقع في قلبه رهبة عساه يفئ إلى الخلق بها، وقد سبق مثل ذلك في الوجه الأول. # وعن الثامن: أنا لا نسلم صحة هذا الخبر، سلمناه لكن معنى الخبر: # أترككم كما ترككم رسول الله فإن يعلم الله فيكم خيرا يجمعكم على خيركم، أي إن يعلم فيكم انتظام أمر يجمعكم على خيركم بعدي كما جمعكم على خير أي على انتظام أموركم الدنيوية وسكون الفتنة بأبي بكر، وذلك لأن لفظ الخبر لفظ مفرد # PageV00P091 # فسواء نكر أو عرف تعريف الطبيعة فإنه لا يعم كل خير، فبقي أن يحمل على بعض الخيرات، وليس تخصيصكم أولى من تخصيصنا. # وعن التاسع: أن العلة الحاملة له على الدخول في هذا الأمر هو المحافظة على طاعة الله بتنفيذ أحكامه كما قال (عليه السلام): " لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر " (1) إلى آخره، وقد تقدم، فكان كل واحد من ظهور ms29 الحجة وقيام الناصر والأخذ من الله تعالى على العلماء العهد المذكور شرطا لدخوله في هذا الأمر، وذلك خوفه من قول بني أمية لهذا الأمر شرط أيضا لدخوله فيه، ومعلوم أنه يصدق أن يقال: لولا وجود الشرط لما وجد المشروط، لكن هذا لا ينافي وجود النص لجواز أن يقال: ولولا وجود النص أيضا، ولا يكون قبيحا. # وعن العاشر: أنه إنما قال ذلك لمعرفته بأنهم لا يفلحون في صحة الاجتماع عليه، ولا يتم ذلك الاجتماع منهم، فيحسن حينئذ منه أن يقول هذا الكلام لوجهين: # أحدهما: إنكم ينبغي أن تجروا على قاعدتكم السابقة، بقوله " غيري " (2) فأنا أعلم أن قلوبكم لا تجتمع معي ولا تصفوا لي، فاطلبوا غيري، وأنا أطيعكم وأسمع كما سمعت لمن سبق، وهذا لا ينافي وجود النص في حقه فإنه يعلم أنهم كما قدموا على كثير النص في حال طراوته حين وفاة النبي صلى الله عليه فهم بعد مضي المدة الطويلة أشد إقداما على نفيه، فكيف يحسن منه ذكره في ذلك الوقت. # الثاني: يحتمل أنه إنما قال ذلك ليختبر صدق نياتهم في الإقبال عليه، إذا # PageV00P092 # كان الانسان حريصا على ما يمنع منه، فإن رأى لهم في الإقبال عليه وطلبه متانة (1) التزم بهم ما طلبوه، وإلا فلا فائدة. # وعن الحادي عشر: لا نسلم أن أحدا من أهل البيت (عليهم السلام) أنكر ذلك النص، والزيدية بأسرهم على أن عليا (عليه السلام) ثابت الإمامة بالنص الجلي. # وعن الثاني عشر: أن للسيد الحميري (رحمه الله) في ذلك شعرا لكن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، وبيان ذلك، أنه وجد في شعره (رضي الله عنه) في القصيدة التي أولها: # ألا الحمد لله حمدا كثيرا * ولي المحامد ربا غفورا حتى انتهى إلى قوله: # علي وصي النبي الذي * بمحضرهم قد دعاه أميرا وكان الخصيص به في الحياة * فصاهره واجتباه عشيرا (2) ألا ترى إلى قوله أن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا عليا (عليه السلام) في حياته بإمرة المؤمنين. # وأنت بعد إحاطتك بضوابط أجوبتنا يمكنك أن تطلع منها ms30 على فساد كل علة يذكرونها في هذا الباب! وبالله التوفيق والعصمة. # PageV00P093 # النوع الثاني: الاستدلال بالنصوص، وهي ثلاثة: # [البرهان] الأول: قوله تعالى: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (1) والاستدلال بهذه الآية مبني على أمور ثلاثة: # أحدها: أن لفظة الولي محتملة في اللغة [لمعنى] (2) أولى. # الثاني: أن هذا الاحتمال متعين الإرادة ها هنا منها. # الثالث: أن المراد بقوله: * (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * علي (عليه السلام) وحده، ويلزم من هذه المقدمات أن يكون علي (عليه السلام) أولى بتدبير الأمة والتصرف في أمورهم، وذلك معنى كونه إماما. # أما المقدمة الأولى: فبيانها بالنقل والعرف، أما النقل فإن المبرد قال في كتاب (كتاب العبارة) عن صفات الله تعالى: إن الولي هو الأولى أي الأحق (3) قال الكميت: # ونعم ولي الأمر بعد وليه * ومنتجع التقوى ونعم المؤدب (4) أراد المقيم بتدبير الأمر. # PageV00P094 # وأما العرف: فإن أخا المرأة يوصف بأنه وليها لأنه يملك العقد عليها، ويقال: السلطان ولي من لا ولي له، ويقال: فلان ولي الدم، إذا كان أحق بالتصرف فيه بالأخذ والعفو. # وأما المقدمة الثانية: فبيانها أن الولي يقال بحسب الاشتراك اللفظي على معنيين أحدهما: ما ذكرناه. والثاني: الناصر، لكن حملها على الناصر [منتف] (1)، فتعين حملها على ما ذكرناه، وإنما قلنا: أنه يتعذر حملها على الناصر لوجهين (2): # أحدهما: أن الولاية بمعنى النصرة عامة في حق المؤمنين، والولاية المذكورة هذه في الآية غير عامة في حق كل المؤمنين، ينتج من الثاني أن لا تكون الولاية المذكورة في الآية هي النصرة، وإنما قلنا: إن الولاية التي في الآية يمتنع أن تكون عامة لأن صيغة " إنما " تفيد حصر الولاية - التي في الآية - في المؤمنين الموصوفين بتلك الصفات، فأما أن صيغة " إنما " تفيد الحصر فللنقل والشعر أما النقل فلأن القائل إذا قال: إنما لك عندي درهم، أفاد حصر الدرهم ونفي ما سواه، وكذلك قولك: إنما أكلت اليوم رغيفا، فإن مفهومه نفي ما زاد على رغيف واحد. # وأما الشعر فقول الأعشى: # ولست بالأكثر منهم حصى ms31 * وإنما العزة للكاثر (3) فإنه يفهم نفي العزة عمن ليس بالكاثر وهو مراده. # وإنما قلنا: إن كل المؤمنين ليسوا موصوفين بالصفات المذكورة في الآية لأن # PageV00P095 # قوله تعالى: * (وهم راكعون) * إما أن يكون حالا أو استينافا، والثاني باطل لوجهين: # أحدهما: أنه ذكر الصلاة وهي مشتملة على الركوع، فيكون استنياف ذكر الركوع مرة أخرى تكرارا. # الثاني: أن من قال رأيت زيدا وهو راكب، فإن المتبادر إلى فهم السامع أن الرؤية كانت في حال الركوب، والمبادرة إلى الذهن دليل الحقيقة (1). # وإنما قلنا أن الولاية بمعنى النصرة عامة لقوله: * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * (2) فثبت بما ذكرنا أن الولاية التي في الآية غير عامة وأن الولاية بمعنى النصرة عامة وإحداهما مغايرة للأخرى وحيث امتنع حمله على الولاية بمعنى النصرة تعين حمله عليها بمعنى الأولى والأحق بالتصرف، ضرورة أنه لا ثالث لهذين المعنيين. # أما المقدمة الثالثة: وهو أنه يلزم من ذلك إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بيانه من وجوه: # الأول: أنه لما ثبت أن المراد من هذه الآية إثبات كون بعض الناس متصرفا في الأمة، ولا معنى للإمام إلا ذلك، لزم دلالة هذه الآية على بعض الناس، وقد أجمعت الأمة على أن هذه الآية لا تقتضي إمامة غير علي (عليه السلام) ولو لم تقتض إمامته أيضا لزم تعطيل الآية، وأنه غير جائز، فلا بد من الجزم بدلالة هذه الآية على إمامته. # الثاني: أن الأمة أجمعت على أن عليا (عليه السلام) مراد بهذه الآية، وإنما اختلفوا # PageV00P096 # أن غيره مراد أيضا بها أم لا؟ ومتى ثبت أن مقتضى الآية الإمامة، وثبت بالإجماع اندراج علي تحتها ثبتت إمامته، ثم يلزم من ثبوت إمامته نفي إمامة غيره بالإجماع، ويلزم من ذلك نفي اندراج غيره تحتها، لأن غيره لو اندرج تحتها لكان إماما. # الثالث: أطبق المفسرون على نزول هذه في حق علي (عليه السلام) لأنه لم يتصدق وهو راكع غيره، فوجب أن يكون هو المراد لا غير، فهذا تقرير هذه الحجة. # لا يقال: إننا لم ننازعكم في المقام الأول والثالث (1) بل ms32 إنما ننازعكم في المقام الثاني فلم قلتم: إنه ليس المراد بالولي الناصر؟ # قوله: الولاية في الآية بمعنى النصرة عامة والولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة. # قلت: الولاية بمعنى النصرة في الآية الأولى (2) وإن كانت عامة في حق المؤمنين إلا أنها لا تنافي أن تكون في هذه الآية أيضا بمعنى النصرة، وذلك لأن معنى تلك الآية أن كل واحد من المؤمنين موصوف بالنصرة للآخر، والحال ها هنا أيضا كذلك وأنه تعالى قسم المؤمنين قسمين، أحدهما: المخاطبون بقوله: # * (إنما وليكم الله ورسوله) *. وثانيهما: الذين عناهم بقوله: * (والذين آمنوا) * فكأنه قال لكل بعض من المؤمنين: إنما ناصركم الله ورسوله والبعض الآخر من المؤمنين، وإذا ثبت ذلك ظهر أن إثبات مطلق النصرة لكل واحد من المؤمنين لا ينافي نصرة أحد، فسمى المؤمنين بالقسم الآخر منها، وحينئذ لا يكون بين # PageV00P097 # قوله: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أنصار بعض، وبين قوله: إنما ناصركم الله ورسوله والذين آمنوا، منافاة. # سلمناه لكن لم قلتم: إن الولاية التي في هذه الآية خاصة؟ # قوله: لأن صيغة " إنما " تفيد حصر الولاية في المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة وكل المؤمنين ليسوا كذلك. # قلنا: لا نسلم أن كلمة " إنما " تفيد الحصر، بيانه من وجوه: # الأول: أنه يحسن دخول التوكيد والاستفهام عليها، تقول: إنما جائني زيد وحده، وإذا قال انسان: إنما أكلت رغيفا، حسن أن يقول: كم أكلت، رغيفا واحدا أو أكثر؟ وعندكم أن حسن التوكيد والاستفهام دليل الاشتراك، وليس لكم أن تمنعوا من حسن ما ذكرنا لأنكم تستحسنون دخول الاستفهام والتوكيد على صيغ العموم مع أن اقتضاءها له أظهر من اقتضاء " إنما " للحصر. # الثاني: أن قوله: إن زيدا في الدار لا يدل على أن غيره ليس فيها، وكلمة ما دخلت للتوكيد فاقتضى أن قول القائل إنما زيد في الدار تأكيد لكونه فيها، ولا يدل ذلك على أن غيره ليس فيها. # الثالث: أنهم يقولون في العرف: إنما الناس أهل العلم، وإنما الرجل هو الشجاع، ولا يريدون نفي الانسانية والرجولية عن غير العالم وغير الشجاع، بل المراد ms33 أن الانسانية والرجولية في العالم والشجاع أظهر آثارا. # ثم إن سلمنا أن صيغة " إنما " تفيد الحصر في المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة فلم قلتم أن المؤمنين ليس كلهم موصوفين بهذه الصفات؟ # أما الزكاة حال كونه راكعا، فإنا: لا نسلم أن قوله: * (وهم راكعون) * متعين للحال، بل هو استيناف لوجوه: # الأول: أن القائل إذا قال: فلان أدى الزكاة وهو راكع، حسن أن يستفهم PageV00P098 # فيقال: أداها حال الركوع أو قبله وهو الآن راكع؟ وحسن الاستفهام دليل الاشتراك. # الثاني: إن المفهوم من قوله تعالى: * (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * إن ذلك من شأنهم وعادتهم فإنه لا يقال مثل هذا القول في من أتى بفعل مرة واحدة، ومعلوم أنه لم يكن إيتاء الزكاة ومن صفتهم أنهم راكعون. # الثالث: أداء الزكاة في الصلاة مخل بكمال الخشوع والخضوع، وذلك إما أن يكون مبطلا للصلاة أو لكمالها وذلك لا يليق بأمير المؤمنين. # الرابع: أن الآية لو أفادت المدح على إيتاء الزكاة حال الركوع لكان ذلك سنة مندوبا إليها، ومعلوم أنه ليس كذلك في حقنا، فعلمنا أن هذه الواو ليست للحال. # وقوله: لما جرى ذكر الصلاة فذكر الركوع بعده يكون تكرارا. # قلنا: يحتمل أن غرضه من ذكره على الخصوص تشريفه، فلا يلزم من كون السجود أشرف إذ لا يخص هو بالذكر، لاحتمال أن يكون في تخصيصه بهذا (1) التشريف مصلحة لا يطلع عليها، ومع هذا الاحتمال لا يثبت القطع. # قوله: إن من قال (2) رأيت زيدا وهو راكب فهم منه الحال. # قلنا: لا نسلم، أنه إذا قيل فلان يحارب عني ويبني داري فإنه لا يفهم منه أنه يحارب عنه حال كونه بانيا ها هنا، وهب أن المراد منه الاستئناف لكن المؤمنين بأسرهم ما كانوا راكعين حال نزول الآية قلنا: إذا حملنا الراكع على ما من شأنه أن يكون راكعا صار عاما في كل المؤمنين. # PageV00P099 # قوله في الوجه الثاني: أن يكون المؤمنين بعضهم أولياء بعض بمعنى النصرة أمر ظاهر عرف من قوله تعالى: * (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض) * فلا يكون في حمل ms34 الآية فائدة. # قلنا: بل فيه ثلاث فوائد: أحدها: أن الحكم العام يصح تخصيصه أي بعض منه كان، وأما التنصيص على البعض المعين فلا يصح ذلك فيه. وثانيها: # التشريف بالذكر. وثالثها: أن القصد بالآية إثبات ولاية المؤمنين للمؤمنين، ونفيها عن اليهود والنصارى على ما دل عليه سياق هذه الآية وهذا المقصود غير حاصل في قوله: * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) *. # لا يقال: العلم بكون اليهود والنصارى ليسوا أولياء المؤمنين ضروري فلا حاجة فيه إلى هذه الآية. # لأنا نقول: لا يمتنع أن تكون الآية دلت على سبب يقتضي الشك في وجوب نصرة اليهود والنصارى، وإذا لم يمتنع ذلك لم يكن القطع على أنه لا فائدة في نزول الآية لبيان ذلك، كيف وقد روي أنه كان بين الخزرج وبين يهود بني قينقاع حلف في الجاهلية، فلما أسرهم النبي (صلى الله عليه وآله) أقام عبد الله بن أبي (1) على نصرتهم ونودي عبادة بن الصامت (2) ودخل عبد الله بن أبي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسأله وألح عليه فأطلقهم النبي (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله هذه الآية (3) تمنعهم عما اعتقدوا من أنه إذا # PageV00P100 # تقدم حلف في الجاهلية مع اليهود والنصارى وجب التزام ذلك الحلف. # فظهر أن في حمل الآية على ما ذكرنا فائدة جديدة. # ثم إن سلمنا أنه لا بد إلى بيان أنه (عليه السلام) قد نص على إقامة علي من قبل نصا جليا لأن هذه الآية مدنية وعندهم أنه قد نص عليه بمكة نصا جليا، بل هذا لكم ألزم لأن النص الخفي بعد النص الجلي أولى أن تكون فيه فائدة من نص خاص ورد بعد نص عام، ومعلوم أن قوله تعالى * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * يحتمل من التأويل ما لا يحتمله الخاص لأنه قد يمكن أن يقول قائل في بعض الأشخاص أنه غير داخل في ذلك العام، إذ يقول من أين لكم أنه بصفة اللفظ العام بحيث إذا قال الله تعالى هذا الشخص ولي المؤمنين لم يمكن هذا القول، فيثبت ms35 أن حمل الآية على ما ذكرنا أكثر فائدة من حملها على المعنى الذي ذكرتموه. # ثم إن سلمنا إن ما ذكرتموه يقتضي تعذر حمل الولاية التي في الآية على النصرة ففيها ما يمنع حملها على الإمامة من وجوه ثلاثة: # الأول: أن قوله: * (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * يشتمل على سبعة جموع (1) ولفظ الجميع يفيد أكثر من واحد فحملها على الواحد ترك للظاهر. # الثاني: أن الآية تقتضي ثبوت الولاية في الحال، فلو كان المراد من الآية الإمامة لزم أن يكون علي (عليه السلام) إماما حال حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وإنه باطل. # أما لو حملناه على النصرة والمحبة كان ذلك حاصلا في الحال فوجب حمله عليه. # الثالث: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي حملها على الإمامة، وذلك من # PageV00P101 # وجوه: # أحدها: أنه تعالى قال: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) * ثم قال: * (إنما وليكم الله ورسوله) * الآية والظاهر من ذلك إنها أثبتت الولاية التي نفتها (1) عن اليهود والنصارى لأن الانسان إذا قال لأقوام الفساق: إنما وليكم (2) أهل الصلاح، عقلوا (3) أنه أثبت الولاية المنفية عن اليهود والنصارى وليست هي (4) الإمامة بل النصرة. # [ثانيها] (5): قوله تعالى في صفة اليهود والنصارى * (بعضهم أولياء بعض) * ومعلوم أن الولاية الثابتة لبعضهم مع بعض ليست ولاية استحقاق التصرف لأن المستحق لها هو النبي (صلى الله عليه وآله) وإمام المسلمين بعده فإذا يجب حمل تلك الآية على النصرة، لأن بعضهم كان ينصر بعضا ويدفع عنه فأخبر الله تعالى عن وجود المناصرة الحاصلة بينهم. # وثالثها: قوله تعالى: * (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) * والتولية هي النصرة والدفع عنهم وما قال ومن يتخذهم أئمة. # ورابعها: قوله تعالى بعد الآية: * (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا) * (6) فعلمنا أن المراد من الآية تولي النصرة لا تولي الإمامة فهذه هي الوجوه المانعة [عن] حمل الولاية على الإمامة. # PageV00P102 # لأنا نجيب عن الأول: أنا وإن سلمنا أنه لا ينافي لكن مطلوبنا إنما هو المغايرة..، ولا شك أن ms36 المغايرة ثابتة لأن العام مغاير للخاص وغير مناف له، لأن النصرة لا تنافي الإمامة لكن المدعي لنا أن الولاية في هذه الآية بمعنى الإمامة، وقد بيناه. # وعن الثاني قوله: لم قلتم إن الولاية في هذه خاصة. # قلنا: لما مر من الدليل. # قوله: لا نسلم أن لفظة " إنما " تفيد الحصر. # قلنا: بينا ذلك. # قوله: في الوجه الأول من نفي إفادتها للحصر أنه يحسن دخول التوكيد والاستفهام عليها. # قلنا: دخول التوكيد عليها مما يدل على إفادتها للحصر، لأن معنى التوكيد تقوية المعنى الذي يفيده اللفظ الأول بلفظ ثان، فلما انحصر المعنى (1) في زيد صح تقويته لذلك المعنى بقوله (وحده)، وأيضا فهو معارض بحسن قولنا: ما جائني إلا زيد وحده، مع إفادة (إلا) للحصر ها هنا. # وأما حسن الاستفهام فنحن نمنعه ها هنا، وبيانه أن قول القائل: إنما أكلت رغيفا، لا يفرق الذوق السليم في لغة العرب بينه وبين قولنا: أكلت رغيفا واحدا، فكما لا يحسن الاستفهام هناك فكذا لا يحسن ها هنا، سلمناه، لكن لو حسن الاستفهام ها هنا لزم الاشتراك، وأنه خلاف الأصل. # قوله في الثالث: إنه يقال في العرف: إنما الناس أهل العلم، وإنما الرجل صاحب الشجاعة. # PageV00P103 # قلت: ليس المقصود ها هنا بالناس كل الناس، ولا بالرجل المختص بالرجولية دون غيره، وإنما المقصود الناس الموصوفون بصفات الكمال وكذلك الرجل، وحينئذ يتحقق الحصر، سلمناه لكن إفادتها للحصر ظاهرة، بدليل أن الجاهل والجبان يستقبحان هذا الكلام وتنفر طباعهما عنه، ولولا إفادتها للحصر لما حصل ذلك الاستقباح. # وعن الثالث: قوله: لم قلتم إن المؤمنين ليسوا كلهم موصوفين بالصفات المذكورة؟ # قلنا: للدليل المتقدم. # قوله: لا نسلم أن قوله: * (وهم راكعون) * متعين للحال، بل هو للاستيناف. # قلنا: سبق بيانه. # قوله: لوجوه أربعة أحدها: أنه إذا قال: أدى الزكاة إلى آخره. # قلنا: لا نسلم أنه يحسن الاستفهام ها هنا فإن ذكر كونه راكعا لا يحتمل ما بعد الركوع ولا ما قبله، سلمنا لكن حسن الاستفهام دل على الاشتراك وأنه خلاف الأصل. # قوله: ثانيا إن المفهوم من ms37 قوله: * (يقيمون الصلاة) * إلى آخره. # قلنا: لا نسلم أن من عادة علي (عليه السلام) وأهل بيت الرسول (عليهم السلام) ذلك، بل هو من عوائدهم، سلمناه، لكن أهليتهم لذلك وفعلهم موافقة لتلك الأهلية مجرى عاداتهم. # قوله ثالثا: إن أداء الزكاة في حال الصلاة مخل بالخضوع. # قلنا: لا نسلم، بل هو من تمامه فإنه (عليه السلام) جمع بين جهات الالتفات إلى الله بالجمع بين الصلاة والزكاة، وذلك مؤكد ومقو للخضوع والخشوع. PageV00P104 # قوله: رابعا: لو أفادت المدح على إيتاء الزكاة حال الصلاة، إلى آخره. # قلنا: الملازمة ممنوعة، فليس كلما حسن وجب أن يكون سنة، لكن لم قلتم: إنه ليس سنة في حقهم (عليهم السلام) إذ (1) كانوا يلزمون أنفسهم جميع الأمور المقربة إلى الله تعالى وإن استلزمت المشاق والكلفة، فجائز أن يسن في حقهم سنن ليست في حقنا، وإذا كانت كذلك تعين أن الواو للحال كما سبق بيانه. # قوله يحتمل أن يكون غرضه من ذكر الركوع على الخصوص تشريف. # قلنا: قد سلمتم أنه يكون تكرارا، بقي أن يؤولوا أنه مشتمل على فائدة هي التشريف، لكن التكرار خلاف الأصل، وما ذكرتم أنه زيادة فليس بحق وإنه باطل لوجهين: # أحدهما: أن يقول: لو كان الواو للاستئناف لكان الكلام في غاية الركاكة، وذلك لأن ذكر إقامة الصلاة أتم وأشرف من إقامة بعض أركان الصلاة، وعادة الكلام الفصيح أن يبدأ بالأشرف فالأشرف (2) لا أن يبدأ ويختم بما دونه، لأنا إذا علمنا أوصاف المؤمنين على الوجه الأكمل ثم ذكر لنا بعد ذلك وصف دون ذلك لم يكن للوصف الثاني ذوق في النفس، بل يكون ذلك في غاية الركاكة. # الثاني: لو كان الواو للاستئناف لبقي الكلام منقطعا عما قبله وصار بمنزلة من يقول ابتداء، هم راكعون، وهذا الكلام غير مفيد. # بقي أن نقول: أنهم أرادوا بالاستئناف العطف لكن الخطأ قائم من وجهين: # أحدهما: أن (3) واو الاستئناف لا تطلق على واو العطف بالاتفاق. # PageV00P105 # والثاني: إن سلمنا العطف لكن عطف على الذين يؤتون الزكاة فإما أن يكون تقديره الذين يقيمون الصلاة والذين ms38 يؤتون الزكاة وهم راكعون، وحينئذ يكون عطف جملة على مفرد وأنه غير جائز أو يصير التقدير والذين هم راكعون وحينئذ يكون محتاجا إلى الإخبار، والتقدير، وأنه (1) خلاف الأصل، سلمنا أنه (2) يحتمل أن تكون في ذكره فائدة زائدة لكن ذكر هذه الجملة عقيب الكلام يوجب سبق الذهن إلى أن الواو للحال، والسبق إلى الذهن دليل الحقيقة. # قوله: لا نسلم، فإنه إذا قيل: فلان يحارب عني ويبني داري، لم يفهم منه الحال. # قلنا: الفرق من وجهين: # أحدهما: أنه لم تجر العادة (3) بالمحاربة حال البناء. # الثاني: أن الجمع بين البناء والمحاربة غير ممكن، بخلاف ما نحن فيه، فإن الجمع بين إيتاء الزكاة حال الركوع عادة لعلي (عليه السلام)، وهو أمر ممكن في نفسه. # قوله: يحمل الراكع على ما من شأنه أن يكون راكعا، وحينئذ يصير عاما لكل المؤمنين. # قلنا: ذلك لا يكون حقيقة بل مجازا وأنه خلاف الأصل. # قوله: حمل الآية ها هنا على النصرة فيه ثلاث فوائد. # أحدها أن العام يصح تخصيص أي فرد منه كان، أما التنصيص على البعض فقط غير جائز. # PageV00P106 # قلنا: بل هو جائز لأنه لما ثبت أن الواو للحال، وامتنع بالاتفاق أن تكون هذه الصفات حال الركوع ثابتة لكل المؤمنين، وجب الحمل على البعض، خصوصا والآية في سياق المدح والتعظيم، فاستعمال لفظ الجمع في المفرد للتعظيم مشهور في اللغة، كقوله تعالى * (إنا أرسلنا نوحا) * (1)، * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * (2). # قوله في الفائدة الثانية: التشريف بالذكر. # قلنا: سبق الجواب عنه. # قوله في الفائدة الثالثة: المقصود من هذه الآية إثبات نصرة المؤمنين للمؤمنين ونفيها عن اليهود والنصارى. # قلنا: هذا المعنى بأسره موجود في الآية التي قبل هذه وهو قوله: # * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) * الآية، فإنه أثبت فيها موالاة بعضهم لبعض ونهى المؤمنين عن أنهم يتخذونهم (3) أولياء، ففهمنا من مجموع هذه الآية أنهم ليسوا أنصارا للمؤمنين، وكل واحد من المؤمنين يعلم بالضرورة (4) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسائر المؤمنين ينصرونه، ونعلم ذلك من قوله: ms39 * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * (ويعلمون أن من كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين فلا بد (5) وأن يكون معه (6) دليل العقل، # PageV00P107 # والحس (1) أقوى من (2) اللفظ) (3) فكان (4) حمل الولاية في هذه الآية على معنى غير النصرة أولى وأكثر فائدة. # سلمنا لكن النصرة لا شك أنها أعم من الإمامة، فلو حملنا هذه الآية على الإمامة لكان أولى من حملها على النصرة، لما أن الإمامة مستلزمة للنصرة استلزام الخاص للعام، وذلك تكثيرا (5) لفوائد كتاب الله عز وجل وصونا له عن كثرة التكرار. # قوله: سلمنا: أنه ليس هناك فائدة زائدة لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نص على علي نصا جليا إلى آخره. # قلنا: لما نحن بينا أنه يمتنع حمل الولاية ها هنا على النصرة وجب حملها على الإمامة، أما أن هذه الفائدة زائدة على النص الجلي أو ليست (6) بزائدة، فحديث آخر لأن لنا أن نحملها على التأكيد للنص الجلي ليوافق كلام الله تعالى سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أما أنتم فزعمتم حملها على النصرة من غير ضرورة، مع دلالة الآية المذكورة على النصرة وكان تكرارا لا حاجة إليه ولا ضرورة بحملها عليه، فافترق الأمران. # قوله: ها هنا ما يمنع حمل هذه الآية على الإمامة. # الأول: قوله: * (والذين آمنوا) * إلى آخره. # PageV00P108 # قلت: هب أنه يصير مجازا لكن المجاز يصار إليه عند عدم إرادة الحقيقة، وقد بينا أنها غير مرادة. # قوله: ثانيا: الآية تقتضي ثبوت الولاية في الحال فيلزم أن يكون إماما في الحال. # قلنا: مقتضى الآية ذلك، إلا أن قرينة امتناع اجتماع أوامر الخليفة مع أوامر المستخلف بحسب العرف والعادة صرفت عن حملها على ثبوت الإمامة الفعلية في الحال، وكانت قرينة في الحال فعلية بعد عدم المستخلف. وهذا ظاهر. # قوله: ثالثا: ما قبل الآية وما بعدها ينافي حملها على الإمامة لوجوه: # الأول إلى آخره. # قلنا: لا نسلم التنافي فإنه إذا حملناها على الإمامة استلزمت النصرة وما يدل على مرادية الملزوم لوجود اللازم في الملزوم، وهو الجواب عن باقي الوجوه، ms40 وبالله التوفيق والعصمة. # البرهان الثاني: التمسك بقوله يوم غدير خم وقد جمع الناس بعد رجوعه عند حجة الوداع، وكان يوما صائفا حتى أن الرجل ليضع رداءه تحت قدميه لشدة الحر، وجمع الرحال (1) وصعد عليها مخاطبا لهم: " ألست أولى بكم منكم بأنفسكم "، قالوا: اللهم بلى، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " (2). # PageV00P109 # والاستدلال بهذا الخبر لما كان مشروطا بصحته وجب تصحيحه أولا ثم بيان وجه الاستدلال به. # أما الأول: فعندنا أن هذا الخبر متواتر لكن حصول العلم عقيب خبر التواتر لما كان من باب الوجدانيات مع أنه لا يعم، لم يمكنا الاستدلال به على خصومنا، فلا جرم حاولنا إثباته عليهم من وجهين. # أحدهما: أن الأمة أجمعت على نقله، وإجماعهم على مذهب الخصم حجة. # أما أنها أجمعت على صحته فلأن الشيعة بأسرهم ينقلونه ليثبتوا به إمامتهم، والخصم ينقله ليثبت به فضيلته، فوجب أن يكون مجمعا على صحته. # الثاني: أن عليا (عليه السلام) ذكره في الشورى عند أن حاول ذكر فضائله (1) ولم ينكره أحد منهم، فعدم إنكارهم لذلك مع توفر دواعي الخصم على إنكاره فيما يفتخر خصمه عليه (2) ما يشهد بصحته شهادة ضرورية. # وأما المقام الثاني، وهو دلالته على الإمامة، فمبني على أمور ثلاثة: # أحدهما: إن لفظة المولى محتملة لمعنى (3) الأولى. # الثاني: أنها متعينة للمراد هنا. # الثالث: أنه يلزم من ذلك القول بإمامة علي (عليه السلام). # أما الأول: فيدل عليه الكتاب، والسنة، والشعر، والنقل. # أما الكتاب: فقوله تعالى: * (مأواكم النار هي موليكم) * (4) قال المفسرون # PageV00P110 # معناه أولى بكم (1). # وقوله تعالى: * (ولكل جعلنا موالي) * (2) أطبق المفسرون على أن معناه من كان أولى بالميراث وأحق به (3). # وأما السنة: فقوله (عليه السلام): " أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مولاها " في بعض الروايات (4) ولا يصح حمل المولى ها هنا على غير المالك لأمرها والأولى به. # وأما الشعر فقول لبيد: # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها (5) وقال الأخطل: # فأصبحت مولاها على الناس كلهم * وأحرى ms41 قريش أن تهاب وتحمدا (6) * وقال: # كانوا موالي حق يطلبون به * فأدركوه وما ملوا ولا لغبوا (7) # PageV00P111 # لم يأشروا فيه إذ كانوا مواليه * ولو يكون لقوم غيرهم أشروا (1) فكان الولي في هذه الأبيات ليس المقصود منه إلا الأولى. # وأما النقل: فقال الفراء (2) في كتاب (معاني القرآن): الولي والمولى في كلام العرب واحدا. # وقال المبرد: هو تأويل الأولى. # وقال ابن الأنباري في (مشكل القرآن): المولى هو الأولى بالشئ، وأمثال ذلك كثيرة. # فثبتت بهذه الوجوه أن لفظ المولى محتمل [معنى] (3) الأولى. # وأما بيان الثاني: وهو أن المراد بالمولى في هذا الحديث " الأولى " فمن وجوه: # الأول: أن ذكر مقدمة الكلام وهي (4) قوله: " ألست أولى منكم بأنفسكم " وذكر المولى عقيب ذلك دليل يوضح أن المقصود بالمولى هو الأولى السابق لوجهين: # PageV00P112 # أحدهما: أنه السابق إلى الفهم والسبق إلى الفهم دليل الحقيقة. # الثاني: أنه لم يرد إلا الأولى، وإلا لم يبق للمقدمة فائدة وكان ذلك ألغازا لا بيانا مثاله: لو قال انسان لجماعة وله عدة عبيد: ألستم تعرفون عبدي زيدا أشهدكم أن عبدي حر فإنا نفهم أنه أراد عبده زيدا دون غيره فكذا ها هنا، لما قدم ذكر الأولى ثم أردفه بذكر المولى المحتمل [معنى] (1) وجب أن يكون المولى هو الأولى. # والثاني: أن لفظة المولى تفيد المعتق، والمعتق، والعم، والجار، والحليف، والناصر، والأولى بالتصرف. فلفظة المولى ها هنا إما أن تكون بمعنى المعتق، وهو باطل، لأنه ليس معه صفات النبي (صلى الله عليه وآله) ولا من صفات علي (عليه السلام) وكذلك المعتق، فأما ابن العم فيستلزم كذب الكلام لأن التقدير: من كنت ابن عمه كان علي ابن عمه! ومعلوم أنه (عليه السلام) (2) كان ابن عم لجعفر وعقيل ولم يكن علي كذلك بل كان أخا لهما، وأما الجار فهو أيضا ظاهر، وأما الحليف فلم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) حليفا. # وأما الناصر فغير مراد أيضا، لأن كل أحد يعلم من ضرورة الدين وجوب تولي المؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى: * (والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * فجمع الناس لشرح هذا ms42 المعنى الواضح الظاهر غير لائق بالنبي (صلى الله عليه وآله) وإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا المولى بمعنى الأولى بالنصر وهو المطلوب. # الثالث: أنه إما أن نكون نحمل هذه اللفظة على كل هذه المعاني ونجعلها # PageV00P113 # حقيقة في كل واحد منها فيكون ذلك اشتراكا لفظيا، وأنه خلاف الأصل، أو نستعملها في بعض هذه المعاني دون البعض، وهو ترجيح من غير مرجح وهو محال فتعين أن نحملها على العلة المشتركة بين هذه المفهومات وهو الأولى حقيقة، وعلى كل واحد من هذه المفهومات مجازا، ولا يمكن المعارضة بأن المجاز خلاف الأصل لأنا إذا ترددنا بين المجاز والاشتراك فالمجاز أولى كما هو مبين في أصول الفقه. # الرابع: أن عمر قال له عقيب كلام النبي (صلى الله عليه وآله): بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة (1) وظاهر بالضرورة أن عمر لم يرد معتقي ولا معتقي ولا حليفي ولا ابن عمي، بقي أن يقال: أراد: أصبحت ناصري، لكنه باطل أيضا لوجهين: # أحدهما: أن النصرة معلومة من قوله تعالى: * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * وأمثاله. # الثاني: أن نصرة علي (عليه السلام) وأهله أمر في غاية الظهور، بل لا نسبة لأحد من الصحابة إليه في ذلك، وما كان كذلك فلا يكون تعظيم عمر له بذلك وغبطه به لائقا بذكاء عمر وفطنته فلم يبق إلا أن يقال أنه أراد الأولى بالتصرف في الأمور، وهو المطلوب. # وأما بيان الثالث: وهو أنه لما كان المراد بالولي في الحديث: الأولى كان ذلك دليلا على إمامته، وبيانه من وجهين: # أحدهما: أن تقول: إن الأولى لا يقبل إلا معنى الأولى بالتصرف فإن أهل اللغة لا يطلقون لفظة الأولى إلا في من تملك تدبير الأمر المتصرف فيه فإنهم # PageV00P114 # يقولون: السلطان أولى بإقامة الحدود والولد أولى بالميراث، والزوج أولى بامرأته، ومرادهم ليس إلا ما ذكرناه، واتفق المفسرون على أن قوله تعالى: # * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * (1) المراد به أولى بتدبيرهم والقيام بأمورهم (2) وإذا ثبت أن المراد ms43 بالأولى المتصرف فيه ثبت كونه إماما، إذ لا معنى للإمام إلا الشخص الذي هو أولى الناس بتدبير الخلق والتصرف. # والثاني: أن نساعد على أن لفظة المولى (3) غير متعينة [في معنى] (4) الأولى بالتصرف، لكن نبين أن المراد بالأولى ها هنا هو الأولى بالتصرف لأنه إذا ثبت حمل قوله: " فعلي مولاه " على الأولى بالتصرف بالأمر والنهي لأجل المقدمة أيضا لأن قول النبي (صلى الله عليه وآله): " ألست أولى بكم منكم بأنفسكم " معناه: أولى بالتصرف فيكم بالأمر والنهي، فيجب أن يكون قوله: " فعلي مولاه " معناه: # أولى بهم من أنفسهم في التصرف في أمورهم، وهو المطلوب. فثبت أن (5) المطلوب من هذا الحديث الإمامة. # [الشبهات في الاستدلال بالحديث]: # لا يقال: لا نسلم صحة هذا الحديث، أما دعوى العلم الضروري بصحته فمكابرة، إذ ليس العلم به كالعلم بوجود محمد (صلى الله عليه وآله) والعلم بغزواته مع الكفار # PageV00P115 # وفتحه لمكة وغير ذلك من المتواترات، وأيضا فلأن كثيرا من أصحاب الحديث لم ينقلوا هذا الحديث كالبخاري ومسلم والواقدي وغيرهم، وأيضا فلا تزعمون أنه (صلى الله عليه وآله) إنما قال هذا الكلام بغدير خم بعد رجوعه عن الحج، ولم يكن علي (عليه السلام) مع النبي صلى الله عليه [وآله] في ذلك الوقت لأنه كان باليمن. # وأما دعواكم تواتر هذا الخبر فنقول: مخالفوكم أيضا يدعون تواتر الأخبار الدالة على فضائل الشيخين، فإن قبلتموها تركتم مذهبكم، وإن لم تقبلوها لاحتمال أن يكون ذلك التواتر لا على سبيل الرواية بل على سبيل مذاكرة الخبر ببعضهم مع بعض، واحتمال إنهاء ذلك إلى جمع قليل (1) في أول الأمر، فكذلك ما ذكرتموه. # وأيضا فتعويلكم على رواية الشيعة إما أن يكون لأجل كثرتهم، أو لما تقولونه من أن إجماعهم حجة، والأول باطل لأن سلفهم بلغوا حد التواتر، ولأن مخالفيهم يروون فضائل الشيخين مع أنهم أكثر ومع ذلك فالشيعة يقدحون في تلك الأحاديث، وإن كان لما يقولون من أن إجماعهم حجة فذلك باطل عندنا، ولأن ذلك فرع من مسألة الإمامة فتصحيحها بها دور. # وأما الوجه الأول مما ms44 استدلوا به فنقول: الأمة أجمعت على جعله من أخبار الآحاد أو من أخبار التواتر، والأول مسلم والثاني ممنوع، فلم قلتم: أن ذلك يدل على القطع بصحته. # بيانه: أن أكثر الأمة يجعلونه خبرا واحدا، بمعنى أنهم يعتقدون أن صحته مظنونة لا معلومة، وإن كل ما يكون صحته غير يقينية عند الأمة فإنهم لا يقبلونه، بل أكثر الأخبار التي قبلوها وعملوا بها واجتهدوا في معرفة معانيها # PageV00P116 # غير مقطوعة الصحة، فثبتت بهذا أنه لا يلزم من عدم رد الأمة لهذا الحديث أو اشتغالهم بحمله تارة على الإمامة وتارة على الفضيلة قطعهم بصحته. # ثم إن سلمنا حصول الإجماع، ولكن قد بينا أنه لا يمكنكم التمسك بالاجماع لاحتمال أن يكون الإمام لا يظهر الحق لأجل الخوف من الظالمين. # أما الوجه الثاني وهو المناشدة به في الشورى، فهو ضعيف، لأن الحاجة إلى تصحيح المناشدة كالحاجة إلى تصحيح هذا الحديث، بل ذلك أولى، لأن أكثر المحدثين ينكرون تلك المناشدة، وبتقدير صحتها فلا نسلم إنهائها إلى جميع الصحابة، وبتقدير إنهائها إلى كلهم فلا نسلم أن ذلك يدل على قطعهم بصحة الحديث، بل الظاهر أنهم قبلوا هذا الحديث كما قبلوا سائر الأحاديث من سائر الرواة من العدول وأن يقطعوا بصحتها، وبتقدير أنهم لم يعتقدوا صحة الحديث، فلعلهم سكتوا عن التكذيب تقية وخوفا من بني هاشم. وهذه المقدمات ممن لا ينكر تقديرها لا سيما على مذهب من يجوز على الخلو العظيم كتمان ما عملوا به. # ثم إن سلمنا صحة هذا الحديث ولكن لا نسلم صحة هذه المقدمة وهو قوله (صلى الله عليه وآله): " ألست أولى بكم من أنفسكم " بيانه أن الطرق التي ذكرتموها في تصحيح أصل الحديث لم يوجد في شئ منها هذه المقدمة، فلم يمكن دعوى التواتر فيها، ولم يمكن أيضا دعوى إطباق الأمة على قبولها، لأن من خالف الشيعة إنما يروي أصل الحديث للاحتجاج به على فضيلة علي (عليه السلام) ولا يروي هذه المقدمة. # وأيضا فلم يقل أحد، أن عليا (عليه السلام) ذكرها يوم الشورى، فثبت أنه لا ms45 يمكنكم إثبات هذه المقدمة، سلمنا أصل الحديث ومقدمته لكن لا نسلم دلالته على الإمامة، ولا نسلم أن لفظة المولى محتملة للأولى، ويدل عليه أمران: PageV00P117 # أحدهما: أن أولى موضوع ليدل على معنى التفضيل، ومفعل موضوع ليدل على الحدثان أو الزمان أو المكان، ولم يذكر أحدا من أئمة النحو واللغة أن مفعلا قد يكون بمعنى أفعل التفضيل، وذلك يوجب امتناع إفادة المولى بمعنى الأولى. # وثانيهما: أن المولى لو كان يجئ بمعنى الأولى لصح أن يقرن بأحدهما ما صح أن يقرن بالآخر، والثاني باطل، فالمقدم كذلك، بيان الشرطية أن تصرف الواضع ليس إلا في وضع الألفاظ المفردة للمعاني المفردة فأما ضم بعض الألفاظ إلى بعض الوضع فهو أمر عقلي، وإذا ثبت ذلك فلفظة الأولى إذا كانت موضوعة لمعنى آخر فصحة دخول إحداهما على الأخرى لا يمكن بالوضع بل بالعقل، وإذا كان كذلك فلو كان المفهوم من لفظة المولى هو المفهوم من لفظة الأولى في العقل نحكم (1) أيضا بصحة اقتران مفهومها لمفهوم الأولى لأن صحة ذلك الاقتران ليس بين اللفظين بل بين مفهومهما. # وأما أنه ليس كلما صح دخوله على أحدهما صح دخوله على الآخر فظاهر، إذ لا يقال: مولى من فلان كما يقال أولى منه، فثبت أنه لا يجوز حمل المولى على الأولى. # فأما النقل عن أئمة اللغة فلا حجة فيه لوجهين: # أحدهما: أن أبا عبيدة (2) قال في قوله تعالى: * (مأواكم النار هي موليكم) * # PageV00P118 # معناه أولى بكم، وذكر ذلك أيضا الأخفش (1) والزجاج (2) وعلي بن عيسى (3) واستشهدوا ببيت لبيد، لكن ذلك تساهل من هؤلاء الأئمة لا تحقيق، لأن الأكابر مثل الخليل وأضرابه لم يذكروه، والذاكرون له لم يذكروه إلا في تفسير هذه الآية وآية أخرى مرسلا غير مسند، ولم يذكروه في الكتب الأصلية من اللغة، وليس كلما يذكر في التفاسير كان ذلك لغة أصيلة، ولذلك فإنهم يفسرون اليمين بالقوة في قوله تعالى: * (والسماوات مطويات بيمينه) * (4) والقلب بالعقل في قوله تعالى: # * (لمن كان له قلب) * (5) مع أن ذلك ليس لغة أصيلة. # وثانيهما: أن أصل تركيب ms46 " والى " (6) يدل على الدنو والقرب، يقال وليته إليه وليا أي دنوت منه دنوا وأوليته إياه أي أدنيته منه، وتباعدنا بعد ولي، ومنه قوله: " كل مما يليك "، وقولهم فلان أولى من فلان، أفعل التفضيل من الوالي: # فالأدنى والأقرب من الداني والقريب، ففيه معنى القرب، لأن الأحق بالشئ أقرب إليه والمولى اسم لموضع الولي كالمرقى والممشى (7) لموضع الرقي والمشي. # وإذا عرفت ذلك فنقول: أن تفسير أبي عبيدة: * (مأواكم النار هي موليكم) * بأنه أولى بكم فنقول إن ذلك ليس حقيقة لأن ذلك يقتضي أن يكون # PageV00P119 # للكفار حصة في الجنة إلا أن النار أحق بهم، لأن من لوازم أفعل التفضيل ذلك، وهو باطل، بل الأولى أن نحملها على الناصر أي هي ناصركم ومعناه: لا ناصر لكم غيرها والمقصود نفي الناصر مطلقا. # وأما بيت لبيد (1) فقد حكي عن الأصمعي فيه قولان: # أحدهما: أن المولى اسم لموضع الولي، أي تحتسب البقرة أن كلا من الجانبين موضع المخافة، وإنما جاء مفتوح العين تغليبا لحكم اللام على الفاعل أن الفتح في المولى ألفا قد جاء كثيرا. # الثاني: أنه أراد بالمخافة الكلاب ومولاها: صاحبها. # وأما قوله تعالى: * (ولكل جعلنا موالي) * (2) فمعناه: وراثا يلون (3) ما تركه الوالدان. # وأما قول الأخطل: # فأصبحت مولاها على الناس كلهم... # وقوله: لم يشأروا فيه إذ كانوا مواليه... # وقوله: (كانوا) موالي (حق) يطلبون (به) (4)... # فالمراد به: الأولياء، ومنه قوله (عليه السلام): " مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي # PageV00P120 # الله ورسوله " (1) أي أولياء الله ورسوله. # وقوله (عليه السلام): " أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها " (2) فالرواية المشهورة مفسرة له. # وقوله تعالى: * (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا) * (3) أي وليهم وناصرهم هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعامة المفسرين (4) فقد ظهر بما قلنا أن لفظة المولى غير محتملة الأولى. # سلمناه لكن لم قلتم: بتعيين حمله في هذا الحديث عليه في الوجه الأول، وأن من ذكر كلاما محتملا لأشياء عقيب كلام خرج في أحد محتملاته. فإنه يريد بذلك المحتمل ذلك الصريح. # قلنا: هذا ممنوع. # قوله: الانسان إذا كان له عبيد فيهم زيد ms47 فقال للجماعة: ألستم تعرفون عبدي زيدا أشهدكم أن عبدي حر، فهم منه أنه أراد عبده زيدا. # قلنا: لا نسلم، بدليل حسن الاستفهام والتوكيد ها هنا الذين هما عندكم دليل الاشتراك، فإنه لو أشهد أقواما على ذلك لم يشهدوا حتى يستفسروه: أي عبيدك تريد؟ ويحسن منه أن يقول بعد المقدمة: أشهدكم أن عبدي الذي هو زيد. # ثم سلمنا أن تقديم تلك المقدمة يقتضي أن يكون المراد بالمولى الأولى، # PageV00P121 # ولكن (1) مؤخرة الحديث وهي قوله صلى الله عليه [وآله]: " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله " تقتضي أن يكون المراد من المولى الناصر، وذلك أن لفظة المولى لما كانت محتملة لذلك المعنى ولغيره، ثم ذكر عقيبها لفظا صريحا في ذلك المعنى وهي الموالاة التي هي ضد العداوة، يبادر إلى الذهن أنه إنما أراد بالمولى الناصر. # قوله في الوجه الثاني: أن المولى له معان كثيرة لكن لا يمكن حمله ها هنا إلا على الأولى. # قلنا: لا نسلم، ولم لا يجوز حمله على ولاية الدين والنصرة؟ # قوله: كون المؤمنين بعضهم أولياء بعض معلوم، فكيف يجوز أن يجمع النبي (صلى الله عليه وآله) الجموع في مثل ذلك ليقرأ على الخلق إيجاب ما تقدم إيجابه من موالاته. # قلنا: في ذكره فائدتان: # إحداهما: أن لفظ العام ممكن للمعاند من أن يقول: إنما أوجب الله تعالى ولاية المؤمنين، فمن أين فلان منهم؟ ولا يمكن أن نقول ذلك إذا عين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلانا بالولاية، لأن ما نص عليه الرسول (صلى الله عليه وآله) فهو أحق. # الثانية: أنه (صلى الله عليه وآله) ربما أحس بقوم أنهم غير مخلصين في ولاية علي (عليه السلام) فأراد أن يحملهم على الإخلاص في موالاته بموالاة نفسه. # بيانه: أنه (عليه السلام) إنما قال ذلك بعد الفتح، وقد دخل في الإسلام بعد الفتح من كان علي (عليه السلام) قتل أقاربهم، ولا يمتنع أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) أشفق أن يكون قد بقي في قلوب أولئك ms48 بقايا نفار، فأراد (صلى الله عليه وآله) إزالته، وإذا كانت هذه الوجوه محتملة # PageV00P122 # لم يلزم من حمل المولى على الناصر التكرار وخلوه عن الفائدة. # ثم إن سلمنا خلوه عن الفائدة لكن لم لا يجوز ذلك؟ أليس عندكم أن إمامة علي (عليه السلام) كانت ثابتة بالنصوص الجلية فإذا جاز بعد سبق العلم بإمامته بالنصوص الجلية جمع الجموع لإثبات إمامته بمثل هذا النص الخفي فلئن يجوز فيما قلناه كان أولى. # سلمناه، قوله في الوجه الثالث: إن لفظة المولى تفيد في جميع محاملها معنى واحدا وهو الأولى، فوجب حملها عليها دفعا للاشتراك. # قلنا: أهل اللغة في هذه اللفظة فريقان: منهم من جعلها مشتركة بين هذه المعاني، ومنهم من جعلها بمعنى القرب والدنو على ما بيناه، فالقول بأنها موضوعة لمعنى واحد وهو الأولى خرق للإجماع. # سلمنا أنه لا يكون مخالفا للإجماع ولكن المعتق يسمى مولى مع أنه ليس أولى بالتصرف فبطل قولكم: أن هذه الأولوية ثابتة في جميع مفهومات هذه اللفظة. # سلمنا أن الأولوية ثابتة في جميع مفهوماتها، لكن معنى القرب والدنو قدر مشترك بينهما، وقد نص أهل اللغة على أنها موضوعة لذلك، فيكون ذلك أولى مما ذكرتموه، وأيضا فمعنى النصرة حاصل في الجميع فلم لا تحملونه عليه؟! # قوله في الوجه الرابع: إن عمر قال " بخ بخ " إلى آخره. # قلنا: لم لا يجوز أن يكون أراد النصرة؟ # قوله: النصرة أمر ظاهر. # قلنا: تقدم الكلام فيه. # سلمناه لكن لو كان المراد ما ذكرتموه للزم أن يكون أولى بالتصرف في حال وجود النبي (صلى الله عليه وآله) أيضا، كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) كذلك، ومعلوم، أنكم لا تقولون به. PageV00P123 # سلمنا أن المولى يفيد الأولى فلم قلتم: إن ذلك يدل على الإمامة؟ # قوله في الوجه الأول: إن أهل اللغة لا يستعملون ذلك إلا فيمن يملك التدبير والتصرف. # قلنا: لا نسلم بل قد جاء في القرآن لغير ذلك قال الله تعالى: * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا) * (1) فأخبر أن أتباع إبراهيم كانوا ms49 أولى به، ومعلوم أنهم ليسوا بأولى بالتصرف فيه، فكذلك أتباع السلطان يقولون: نحن أولى بسلطاننا، والتلامذة: نحن أولى بأستاذنا، وليس المقصود إلا الأولوية في أمر ما، لا في التصرف فقط، لأن صحة الاستفهام عما هو فيه والتوكيد بذكره (2) دليلان على الاشتراك. # قوله في الوجه الثاني: إن قولنا: فلان أولى بي من نفسي، وإن كان لا يقتضي الأولوية في التصرف إلا أنه ها هنا كذلك، لأنه لما كان قوله (عليه السلام): # " ألست أولى بكم منكم بأنفسكم " معناه أولى بالتصرف فيكم، وجب أن يكون قوله: " فعلي مولاه أولى بكم من أنفسكم في التصرف فيكم ". # قلنا هذا أيضا ممنوع بدليل حسن الاستفهام والتوكيد. # [بداية الإجابة عن الشبهات]: # لأنا نجيب: # عن الأول: أن العلم بصحته ضروري من التواتر. # قوله: هذه مكابرة إذ ليس العلم له كوجود مكة وغيرها من المتواترات. # PageV00P124 # قلنا: عندنا أنه كذلك، فأما عندكم فإن زعمتم أنه لم يحصل لكم العلم به أصلا فلم يضرنا ذلك، وغير ممتنع أن يحصل لكم العلم، للعلة التي ذكرناها وهو اعتقادكم لما ينافي موجب الخبر، وإن زعمتم أن العلم به حاصل لكن بينه وبين المتواترات تفاوت، فقد سلمتم أنه متواتر، وأما التفاوت فغير ضار لأن العلوم الضرورية مختلفة بالأشدية والأضعفية. # قوله: إن كثيرا من أكابر نقلة الحديث لم ينقلوها كمسلم والبخاري وغيرهما. # قلنا: كون شخص أو شخصين أهملا حديثا لم يلزم منه سقوط ذلك الحديث وكذبه، فإنه لو نقل كل الرواة كل الأخبار كما وقعت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما وقع بين الناس خلاف في خبر قط، ومعلوم أن الخلاف في الأخبار أكثر من أن يحصى، ثم (الحامل لهم) (1) على الاهمال إما عدم الوصول إلى التزكية، أو لاعتقادهم عدم صحته لشبهة عندهم، أو لعدم اعتقادهم لصحته، أو لتوقفهم في رواته، حتى أن تاركيه لو صرحوا بفساده لم يلزم فساده. # قوله: على أن عليا (عليه السلام) كان يوم الغدير باليمن ولم يكن حاضرا. # قلنا: لا نسلم فإن كل من نقل هذا الحديث نقل حضور ms50 علي (عليه السلام) وأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) بضبعه (2) والإشارة إليه بهذا الكلام، فالعلم الحاصل بهذا الخبر مستلزم للعلم بوجوده (عليه السلام) في ذلك الوقت. وأيضا فكلام عمر مخاطبا له (3) وشعر حسان # PageV00P125 # ابن ثابت في هذا المعنى يشهدان بحضوره في ذلك الوقت (1). # قوله: أما دعواكم تواتر هذا الخبر فمخالفوكم أيضا يدعون تواتر الأخبار الدالة على فضائل الشيخين، إلى آخره. # قلنا: أما ما كان من تلك الأخبار مستلزم صحته إما منهما، أو قادحا فيما علمناه بالضرورة في حق علي (عليه السلام) فنحن نجزم بعدم صحته، لاستحالة أن يتكلم النبي (صلى الله عليه وآله) بكلامين متنافيين وما لم يكن كذلك من الأخبار الدالة على فضيلة لهما من خارج فنحن لا نمنع أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله) في حق أحد كلاما يستميل به قلبه، فتتأكد فيه محبة الإيمان ورسوخه، بعد ثبوت صحة ذلك النقل على وجهه. # قوله: تعويلكم على رواية الشيعة إما لأجل كثرتهم أو لأجل إجماعهم، والأول باطل، لأنهم ما بلغوا في الزمن الأول حد التواتر. # قلنا: إن مثل هذا الخبر لا يختص بنقله الشيعة فقط حتى لا تكون كثرتهم تفيد العلم. # سلمنا أن الشيعة هم الناقلون فقط، لكن لم قلتم أنهم لم يبلغوا في الكثرة إلى حد التواتر؟ وظاهر أنهم لم يزالوا بالغين إلى حد التواتر؟ # سلمنا لكن (2) العلم التواتري لا يتوقف على الكثرة فإن المخبر الواحد مع انضمام القرائن إليه قد يفيد خبره العلم، فليس من شرط التواتر تحقق الكثرة دائما. # قوله: إجماع الأمة إما أن يكون على كونه من أخبار الآحاد أو أخبار # PageV00P126 # التواتر، الأول مسلم والثاني ممنوع فلم قلتم: إن ذلك يدل على القطع؟ # قلنا: اتفاق الأمة على نقله واعتقاد صحته دليل جزمهم به. # قوله: إن أكثر الأمة تجعله خبر واحد بمعنى أنهم يعتقدون أن صحته مظنونة لا معلومة إلى آخره. # قلنا: لا نسلم، وذلك أن أكثر الأمة إذا اعتقدوا بأسرهم مخالفهم ومؤالفهم (1) صحته خصوصا، وفي المخالفين لما يتضمنه هذا الخبر من شديد المعاندة في ms51 إنكار مقتضاه، فيستحيل أن يكون فيه تسليم له ثم بعد ذلك يتعسف في صرفه عن ظاهره إلى تأويلات نادرة لا تسمن ولا تغني من جوع. # قوله: ولو سلمنا ذلك لكن، لا يمكنكم التمسك بالإجماع، لجواز (2) أن يكون الإمام لم يظهر الحق لأجل الخوف من الظالمين. # قلنا: مرادنا من الإجماع إطباق الخلق بأسرهم على نقله والتواتر به. # سلمناه لكن هذا الاعتراف ليس بشئ لأن الحق إما صحة هذا الخبر أو كذبه، فإن كان الأول فالخلق بأسرهم قد أطبقوا على نقله فالتقية ممن تكون؟ # وما مانع الإمام من إظهار الحق؟ وإن كان الحق كذبه فلا شك أن مضمونه على ما قررناه مما ينكره جمهور الخلق فلو كان الإمام يعلم أنه كذب لكان إظهار ذلك منه مما يوافق طباع أكثر الخلق ويحبوه وتميل أنفسهم إليه، لأنهم حينئذ كانوا يستغنون عن التعسف في تأويله وحمله على الوجوه التي لا يخفى فسادها، وكانت التقية أيضا عنه زائلة لمساعفة (3) أكثر الخلق على ذلك. # PageV00P127 # قوله في الوجه الثاني: وأما المناشدة في الشورى فضعيف لأن الحاجة إلى تصحيح هذه المناشدة كالحاجة إلى تصحيح أصل الحديث بل ذلك أولى إلى آخره. # قلنا: أما المناشدة فمعلومة بالتواتر كما علم أصل الحديث. # قوله: ويتعذر صحتها فلا نسلم إنهاءها إلى جميع الصحابة. # قلنا: لا شك في حضور المعتبرين من الصحابة الذين يدعون الضدية في هذا الأمر وأنهم أولى به، وتقدير الاعتراض أن نقول: يجوز أن يكون احتجاج علي (عليه السلام) في الشورى بهذا الخبر لو وصل إلى كل الصحابة لأنكر واحد منهم، لكنه إذا ثبت أن أجل الصحابة المتنازعين في هذا الأمر كانوا حضورا في وقت الخبر وفي وقت احتجاج علي (عليه السلام) به لم ينقل عن أحد منهم إنكاره، فبطريق الأولى أن لا ينكره أحد من غيرهم ممن لا طمع له في هذا الأمر لو وصله، هذا مع تسليم أن الصحابة بأسرهم لم يكونوا حضورا عند احتجاج علي (عليه السلام) في الشورى، وهو غير مسلم. # قوله: بتقدير تسليم إنهائها إلى كلهم، ms52 فلا نسلم أنه لم يوجد فيهم من أنكر ذلك. # قلنا: لا شك أن ذلك من الوقائع الكبار في الإسلام والأمور العظيمة التي يجب توافر الدواعي على نقلها، فعلمنا أنه لو كان هناك إنكار لنقل. # قوله: وبتقدير عدم النكير فلا نسلم أن ذلك يدل على قطعهم بصحته إلى آخره. # قلنا: لو لم تجزموا بصحته عند احتجاجه عليهم به لكان لهم أن ينكروه، خصوصا وهم في محل الحاجة إلى دفعه (عليه السلام) عن هذا الأمر، وقد سبق تقرير ذلك. # قوله: لعلهم سكتوا تقية وخوفا. PageV00P128 # قلنا: التقية والخوف في حق تلك الأمة من نفر يسير غير جائز، ولا مسموع، ولو صح الخوف من بني هاشم لكان الخوف منهم عند سلبهم لمنصبه على اطلاعهم على أولويته به وطلبه لمثل تلك المناشدة وغيرها، وكذلك ردهم لشهادته ومنعهم لإرث فاطمة (عليها السلام) وغير ذلك مما تواترت به الرواية من أفعالهم أولى وأتم، فهل يجوز أن يسكتوا لمثل هذا الخبر في مناشدته تقية لبني هاشم ولا يجوز تقيتهم في مثل هذه المواضع وأمثالها. # قوله: ثم إن سلمنا أصل الحديث فلا نسلم صحة هذه المقدمة (1) إلى آخره. # قلنا: أما المقدمة فمعلومة لنا بالتواتر، وذلك لأن كل ناقل من الشيعة نقل هذا الخبر فهو ناقل لها، وقد بينا أن نقل اليسير من الناس قد يفيد التواتر فضلا عن كثير الشيعة في كل الأطراف، وإنكار بعض الأمة لهذه المقدمة لا يضرنا فيما علمناه جزما. # قوله: إن أحدا لم ينقل إن عليا (عليه السلام) ذكرها يوم الشورى. # قلنا: من روى احتجاجه بالخبر يوم الشورى فإنه يروي المقدمة أيضا. # سلمناه، لكن عدم نقلهم لمقدمته لا توجب أنهم لم يسمعوها منه، لجواز نقل البعض من الحديث اكتفاء به عن كله، لشهرته، أو لأنهم نسوا ذكره للمقدمة حال الرواية، وإن كانوا قد سمعوها حال الاحتجاج. # سلمناه، لكن عدم ذكره لها يوم الشورى لا يستلزم عدم ذكرها من الرسول (عليه السلام) عند ذكر هذا الخبر، وهو ظاهر. # قوله: سلمنا أصل الحديث لكن لا نسلم دلالته ms53 على الإمامة. # PageV00P129 # قلنا: قد بيناه، وكذلك احتمال لفظ المولى (لمعنى) (1) الأولى. # قوله: إنه باطل لوجهين: أحدهما: أن " أفعل من كذا " موضوع ليدل على معنى التفضيل، ومفعل موضوع ليدل على الحدثان أو الزمان أو المكان. # قلنا: هب أنه كذلك ولكن وضع مفعل لو منع كونه موضوعا في الأصل لما ذكرت، من إطلاقه على غير هذا المعنى، لكان كما يدل على معنى التفضيل كذا لا يدل على باقي المسمات المشتركة فيه، كالمعتق والمعتق والناصر والحليف وابن العم فلا يكون حينئذ لفظا مشتركا، وقد أجمع أهل اللغة والنحو أنه كذلك فإذن كون مفعل في الأصل موضوعا لهذه المعاني إما من واضع واحد أو أكثر على ما بين في أصول الفقه. # قوله: إن أحدا من أئمة اللغة لم يذكروا أن مفعلا قد يكون بمعنى أفعل التفضيل. # قلنا: قد بينا أن أكثر أهل اللغة ذكروه وأن المفسرين أطبقوا على وروده بمعنى أفعل التفضيل في القرآن، وكذلك أئمة النحويين كالمبرد والفراء وابن الأنباري وغيرهم، من رؤساء العربية والنحو. # قوله: لو كان لفظة المولى بمعنى الأولى لصح أن يقرن بأحدهما ما يقرن بالآخر، إلى آخره. # قلنا: لا نسلم، بل التحقيق أن صحة إقران اللفظ باللفظ من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني، إذ لو لم يكن كذلك لصح أن يبدل اللفظ بمرادفه من الفارسي، وكان يحسن أن يقال عوض قوله: اسقني معه إناء الماء أو اسقني من آب، وإذا كان صحة الاقتران من عوارض الألفاظ لم يلزم في كل ما عرض للفظ # PageV00P130 # أن يحسن عروضه للآخر، وقد تقرر ذلك في أصول الفقه (1) فلا يلزم إذا أن يصح أن يقرن بلفظ المولى ما صح اقترانه للفظ الأولى. # قوله: أما النقل عن أئمة اللغة فلا حجة لوجهين: أحدهما إلى آخره. # قلنا: أما المرجع في اللغة إلى أئمة اللغة والنقل فذلك ظاهر مجمع عليه، فلا يلتفت إلى منعه. # قوله: إن ذلك منهم لتساهل لا تحقيق فإن أحدا من أكابر الأئمة كالخليل وأضرابه لم يذكروه. # قلنا: لا نسلم أنهم لم يذكروه، ms54 غاية ما في الباب أنكم لم تجدوا لهم نقلا، لكن عدم وجدانكم لا يدل على عدم وجوده. # سلمناه لكن كون كل واحد من أهل اللغة لم يذكره ونقله الباقون لا يوجب القدح في النقلة، فإن التساهل إذا جاز من الأكثرين جاز من الأقل فإذن الخليل لو ذكره لكان متساهلا وحينئذ لا يبقى وثوق بنقل اللغة. # قوله: إن الذاكرين له لم يذكروه إلا في تفسير هذه الآية (2) وآية أخرى مرسلا غير مسند لم يذكروه في الكتب الأصلية من اللغة، وليس كلما يذكر في التفاسير كان ذلك لغة أصلية، ولذلك فإنهم يفسرون اليمين بالقوة. # قلنا: اشتمال اللغة على الحقيقة والمجاز ظاهر، ومعلوم أن المجاز إنما يصار إليه عند تعذر حمل الكلام على الحقيقة وإلا فالأصل في الكلام الحقيقة. # ثم إن المجاز الأصلي قد يشيع ويكثر استعماله حتى تصير الحقيقة اللغوية بالنسبة إليه مجازا، وإذا كان كذلك فنقول إن لفظة المولى وإن كانت مشتركة إلا أن # PageV00P131 # أهل اللغة فهموا بحسب القرينة في هذا الخبر أن المراد من المولى هو الأولى، بعد فهمهم أنه من جملة مسمياتهم اللغوية، فدعوى أنه ليس لغة أصلية استلزم أنه منقول، وهو معارض بما أنه خلاف الأصل، فتفسير هذه الآية أو غيرها إذن بحسب اللغة الأصلية. # وأما ذكر أهل اللغة له مرسلا فلا يدل على فساده، فإن الإرسال قد يكون لظهور الرواية، وقد يكون لظهور مطابقة التفسير. # وأما تفسيرهم بغير اللغة الأصلية كاليمين وأمثاله فذاك إنما كان لاستعماله اليمين بمعنى الجارحة على الله تعالى، فلا جرم لما لم تصح الحقيقة للإرادة عدلوا إلى المجاز. # قوله: إن أصل تركيب والى (1) يدل على القرب والدنو إلى آخره. # قلنا: هب أنه كذلك. # قوله: إذا عرفت ذلك فنقول: إن تفسير أبي عبيدة: * (مأواكم النار هي موليكم) * فإنها الأولى بكم ليس حقيقة، إلى آخره. # قلنا: إن أفعل جاءت لإثبات الفضل فقط، فيحتمل أن يكون أبو عبيدة عنى بذلك أن النار لها ولايتهم، لا أنها أفضل من غيرها، وذلك لا ينافي غرضنا. # سلمنا أنه يقتضى ms55 أن يكون للكفار حصة في الجنة لكن ذلك حق، وأن الانسان لمبدأ فطرته ثبت استحقاق الجنة له، وبأعماله الردية الطارئة على نفسه (2) المرسلة لها ثبت استحقاق النار له، ولما كانت الشقاوة بحسب الكفر كانت النار لهم # PageV00P132 # أحق ويدل على ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله): " كل مولود يولد على فطرة (1) الإسلام، وإنما أبواه هما يهودانه وينصرانه ". # قوله: وأما بيت لبيد فقد حكي عن الأصمعي فيه قولان: أحدهما: أن المولى اسم لموضع الولي إلى آخره. # قلنا: الأصل في اسم الموضع أن يكون مكسور العين، فدعوى تقليب حكم اللام مدفوع. # قوله: في الوجه الثاني: أنه أراد بالمخافة الكلاب، وبالمولى صاحبها، لو كان كذلك لكان لا يجوز له في خلفها وأمامها إلا النصب، لأن الرفع يقتضي أن يكون صاحب الكلاب، فهو نفس الخلف والإمام فيصح رفعه، وحمله على الأولى حمل هو هو. # قوله: وأما قوله تعالى: * (ولكل جعلنا موالي) * (2) فمعناه وراث يلون (3) ما تركه الوالدان. # قلنا: لو كان المراد هو أن يليه فقط دون أن يكون أولى لكان لمن (4) يلي حمله ونقله من الأجانب - والأقارب الذين ليسوا في درجة الوارث - فيه حصة كما للوارث لعلة، أنهم يلونه، وهو ظاهر الفساد. # قوله: وأما قول الأخطل " فأصبحت مولاها " وقوله: " لم يثأروا فيه # PageV00P133 # إن (1) كانوا مواليه " وقوله: " موالي حق " فالمراد به الأولياء. # قلنا: المرجع في هذه المفهومات إلى أهل اللغة والنحو، وقد بينا أنهم فسروها بالأولى، على أنه لا معارض بين المفسرين، لأن الأولى فعيل بمعنى فاعل فيكون المعنى والي، ولا شك أن الوالي هو الأولى بالتصرف، وهو الجواب عن قوله (عليه السلام) " مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله " (2) أي أولياء الله وقوله (عليه السلام) " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن مواليها " (3) فالرواية الثانية تفسره. # قلنا: فإن المذكورين موالي الله، أي كل واحد منهم ولي الله، أي وال على إقامة مراضيه. وقد عرفت أن الوالي هو الأولى، فهم أولى بالتصرف فيما يرضي الله تعالى. # لا يقال (4) فلزم أن يكون هؤلاء أولى بالتصرف في مراضي ms56 الله تعالى من أكابر الصحابة. # لأنا نقول: الأولوية ها هنا بالله لهم بالنسبة إلى من دونهم في ذلك. # فإن قلت: فيلزم أن يكون الحال في الخبر كذلك، فيكون الأولوية فيه ثابتة لعلي (عليه السلام) بالنسبة إلى من هو دونه، وذلك مما لا نأباه. # قلت: الفرق ظاهر، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) لما كان أولى من جميع الخلق بأنفسهم وجب أن يكون علي (عليه السلام) كذلك، بخلاف خبر المذكورين، وكذلك الجواب عن # PageV00P134 # الخبر في ولي المرأة وأما قوله تعالى: * (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) * (1) فحمله المولى ها هنا على الأولى بالتصرف حسن، على أنا لا ننكر أن يكون ها هنا بمعنى الناصر، فإنا ما ادعينا أن لفظة المولى في كل موضوع تفيد الأولى، بل في هذا الخبر. # قوله: سلمناه لكن لم قلتم: إنه يتعين حمله في حسن الاستفهام والتوكيد؟ # قلنا: أما الاستفهام فلا نسلم حسنه في هذه المواضع، بل الذهن السليم يشهد بقبحه، وأما حسن التوكيد (2) فلا يدل على الاشتراك، بأنك إذا قلت: # جاءني زيد، يتبادر إلى فهم كل عقال أن هذا الانسان المخصوص وصل إليك، والمبادرة إلى الذهن قرينة الحقيقة، فإن كان يحسن أن يؤكده فيقول: جاءني زيد بنفسه. # وأما المنع من الشهادة عليه إلا بعد الاستفسار فلا نسلم ذلك مطلقا. # وبيانه: أن الفهم ها هنا قد يختلف بحسب ذلك السامع وبلادته ونقصه وعدم تفطنه، فجائز أن يسبق إلى ذهن واحد المعنى المراد قبل الآخر، وأقوى منه، فيجوز له على ذلك التقدير أن يشهد عليه، وجائز لمن لم يكن كذلك أن يستفسر، بل قد يجب الاستفسار لاستثبات الحقوق الشرعية، وأما التأكيد، فقد علمت أنه لا يلزم منه الاشتراك. # قوله: سلمناه لكن مؤخرة الحديث يقتضي أن يكون المراد من الحديث الناصر، إلى آخره. # PageV00P135 # قلنا: لا نسلم مبادرة الذهن إلى ما ذكرتم، بل نقول: دلالتها على ما أوردناه أولى، بيانه: أن قوله " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ms57 " غير لائق إلا بمن كان له أولياء وأنصار وخاذلون أعداء ويحتاج إلى النصرة، ويتضرر بالخذلان، وذلك لا يليق إلا بالسلطان. # وأما قوله لا يسلم حمله على الأولى ولم لا يجوز حمله على ولاية الدين والنصرة؟! # قلنا - لما تقدم قوله - في ذكره فائدتان: إحداهما: أن لفظ العام، إلى آخره. # قلنا: أما أن اللفظ عام، فظاهر، وأما تمكين المعاند من أن يقول ما قلتم حتى يحتاج إلى تعيين الرسول صلى الله عليه [وآله]. # قلنا: بطلان هذا الكلام ظاهر، وذلك أن أحدا من الصحابة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يشك [في] أن عليا سيدا من سادات المؤمنين، وقد عرفوا مكانه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وجهاده في سبيل الله، وطاعته لله، بل كان منهم من يعتقد أنه أفضل الخلق بعد الرسول (صلى الله عليه وآله). والذين جحدوا فضائله ونافسوا وكانوا يدعون المثلية في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم ينقصوه عن مراتب سادات المؤمنين حتى يحتاج الرسول إلى ذلك الجمع العظيم في ذلك الوقت الشديد الحر الذي [كان] يحتاج الشخص منهم إلى أن يضع رداءه تحت قدميه من شدة الحر، ويخطبهم ليقرر عليهم مثل هذا الأمر الظاهر. # وهذا هو الجواب عن الفائدة الثالثة. # قوله: سلمنا خلوه عن الفائدة فلم لا يجوز ذلك أليس عندكم أن إمامة علي (عليه السلام) ثابتة بالنص الجلي، إلى آخره. # قلنا: الفائدة ها هنا حاصلة، وذلك لأن النصوص الجلية لم تكن بمحضر PageV00P136 # مثل هذا الجمع العظيم من الصحابة، فيجوز أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قصد ها هنا أن يشهد بذلك الحال ويسمعها كل الصحابة في ذلك الوقت، لأنه قريب وفاته (صلى الله عليه وآله)، فهو وقت الحاجة. # وأما أنه لم يشهره في الوقت الأول وينهيه إلى جميع الصحابة؟ # فلجواز أن يكون (عليه السلام) عالما بامتداد عمره فلا يجب عليه إشاعته وجوبا مضيقا في ذلك الوقت، لأنه حكيم لا يعترض عليه بتخصيص بعض الأوقات بإيقاع فعل أو قول دون وقت آخر، لجواز ms58 أن يفعل ذلك لمصلحة لا يطلع عليها. # قوله في الوجه الثالث: إن أهل اللغة فريقان، إلى آخره. # قلنا: لا نسلم حصرهم في الفريقين المذكورين، فإن منهم من جعلها حقيقة في القدر المشترك أيضا. سلمنا أن ذلك لم يقل به أحد من أهل اللغة السابقين، لكن لا نسلم أن أخذ (1) كل فرقة بقول يستلزم تحريم إحداث قول ثالث. # قوله: إن ذلك إجماع منهم فيكون القائل (2) بغير أحد القولين خارقا للاجماع. # قلنا: لا نسلم أن الإجماع حاصل، سلمناه، لكن لا نسلم أن مثل هذا إجماع (3) فإن الإجماع عبارة عن: اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد (صلى الله عليه وآله) على أمر من الأمور اتفاقا مقصودا بالقصد الأول، بحيث يفهم من كل منهم أن الحق ما اتفقوا عليه دون غيره. وها هنا ليس كذلك، فإن اتفاق أهل اللغة على أن المراد بهذه اللفظة أمر واحد أو أمران لا يحتمل غيرهما، غير حاصل. # PageV00P137 # نعم لو بين الخصم أنه حصر أهل اللغة وحصر أقوالهم، ثم بين أنهم افترقوا إلى هاتين الفرقتين، وأن كل واحدة منهما قالت بوجه من الوجهين المذكورين، وأنهم اتفقوا على أن هذه اللفظة لا تحتمل شيئا آخر، لأمكنه أن يستدل بالاجماع لكنه لم يمكنه ذلك. # قوله في المعارضة بالمعتق: أنه يسمى مولى وليس أولى (1) بالتصرف. # قلنا: بل هو أولى بالتصرف فيما هو أهل له، وهو خدمة معتقه والأمور التي تلزمه مراعاتها. # قوله: معنى القرب قدر مشترك بينهما بنص أهل اللغة، فحملها عليه أولى. # قلنا: حملها على ما ذكرناه أكثر فائدة لأن فيه معنى القرب وزيادة فكان أولى. وهو الجواب عن قوله: إن معنى النصرة أيضا حاصل في الجميع فلم لا تحملوها عليه؟ # قوله في قول عمر: لم لا يجوز أن يكون أراد النصرة؟ # قلنا: الضرورة تقتضي بأن كلام عمر مستلزم للغبطة، والنصرة لا شك أنها عامة لكل المؤمنين، ولا يحصل بتنصيصها في حق علي (عليه السلام) غبطة. وأيضا: # كلامه يدل بظاهره على حصول مرتبة لعلي ليست لغيره، والنصرة عامة لكل المؤمنين، ms59 فلا يحصل لعلي (عليه السلام) بإظهارها في حقه مرتبة له. # قوله: لو كان المراد ما ذكرتموه لزم أن يكون أولى بالتصرف (2) في حياة النبي صلى الله عليه [وآله]. # قلنا: ليس في اللفظ إلا إثبات الولاية له (عليه السلام) كما ثبت للنبي (صلى الله عليه وآله)، أما أن # PageV00P138 # تلك الولاية تكون في زمان النبي صلى الله عليه [وآله] أو بعده؟ فليس في اللفظ ما يدل عليه، إلا أن العقل حكم بحسب العرف والعادة أن التصرف للإمام في الأمور لا يحصل بالفعل إلا عند عدم النبي صلى الله عليه [وآله]، ثم لو سلمنا في أن اللفظ يعم الأوقات فلنا أن نقول: إن التخصيص بالعقل جائز. # قوله: سلمنا ذلك، لكن لم قلتم: إنها تدل على الإمامة؟! # قلنا: لما بيناه. # قوله: إنه جاء في القرآن لغير ذلك، كقوله تعالى * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) * (1) قلنا: هذا مطابق لغرضنا، لأن الذين اتبعوا إبراهيم هم أولى بالتصرف في خدمته وأحواله من الكفار الذين لم يتبعوه، وكذلك الرعية للسلطان والتلامذة للأستاذ، وهذا هو المتبادر إلى الأفهام والتبادر إلى الذهن دليل الحقيقة، ولا يحتمل الاستفهام، وأما التوكيد فقد عرفت أنه لا يوجب كون اللفظ مشتركا. # قوله على الوجه الثاني: إن ذلك أيضا ممنوع، بدليل حسن الاستفهام والتوكيد. # قلنا: أما حسن الاستفهام فممنوع، وأما التأكيد فقد عرفت أنه قد يؤكد اللفظ ويراد به حقيقة ظاهرة وبالله التوفيق. # البرهان الثالث: قول النبي (صلى الله عليه وآله): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " (2) وجه الاستدلال به أن هذا الحديث يقتضي أن يثبت لعلي (عليه السلام) من النبي (صلى الله عليه وآله) مثل جميع المنازل التي كانت ثابتة لهارون من (2) انظر من مصادر الحديث في تتمة المراجعات: سبيل النجاة: 117 - 123. # PageV00P139 # موسى (عليهما السلام)، ومن المنازل الثابتة لهارون من موسى كونه مستحقا للقيام مقامه بعد وفاته لو عاش بعده، فوجب أن يثبت لعلي (عليه السلام) ذلك. # أما الأول فبيانه من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الحكيم إذا تكلم ms60 بكلام متناول بظاهره أشياء ثم استثنى بعضها وهو يريد الإفهام فإنه يكون مريدا لما عدا المستثنى ويكون الاستثناء قرينة دالة على إرادته لما عدا المستثنى، لما يتناوله اللفظ، كقول القائل: من دخل داري أكرمته إلا زيدا، عرفنا أنه أراد إكرام من عداه، لأنه أراد الإفهام، فلو لم يرد الإفهام ولم يرد إكرام عمرو أيضا لاستثناه كما استثنى زيد. # الثاني: أن الحديث لو أفاد منزلة واحدة فقط لما جاز أن يستثنى منزلة النبوة، لأن الشئ الواحد لا يمكن أن يستثنى منه. # الثالث: أن الأمة في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: # أحدها: قول من قصره على منزلة واحدة، وهو السبب الذي يدعونه من خروج الكلام عليه، وهو أنه (عليه السلام) لما لم يستصحبه في غزوة تبوك أرجف (1) المنافقون بأنه إنما تركه بغضا له، فشكا علي (عليه السلام) ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فذكر النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك إزالة لذلك الوهم. # والقول الثاني: أنه يتناول كل المنازل إلا ما خرج بالدليل. # والثالث: التوقف إلى ظهور القرينة المعينة للمراد. # فالأول: باطل لثلاثة أوجه: # الأول: أن المرجف يبغض النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) إن لم يكن عاقلا فلا معنى لتأذيه منه، وإن كان عاقلا فالضرورة قاضية، بأنه لا يجوز أن يتوهم ذلك مع # PageV00P140 # علمه بقربه من الرسول (صلى الله عليه وآله) وأقواله فيه واعتداده به. # الثاني: أن أكثر الروايات أن هذا الخبر ورد في غير غزوة تبوك. # الثالث: أن ما ذكرتموه من الرواية آحادية فلا تفيد العلم، وليس في لفظ الحديث ما يقتضي الاقتصار على هذه الواقعة، فإذا يمتنع العلم بصحة هذا. # والثالث أيضا باطل، لما ثبت في أصول الفقه من القول بصيغ العموم، وإذا كان كذلك وجبت صحة القسم الثاني وإلا لكان الحق خارجا عن الأمة وإنه غير جائز. # وأما بيان الثاني وهو: أن من جملة منازل هارون من موسى استحقاقه للقيام مقامه بعد وفاته، فلوجهين: # الأول: أنه كان خليفة لموسى حال حياته لقوله تعالى حكاية عنه ms61 " اخلفني في قومي " (1) فوجب بقاء أهليته للخلافة بعد وفاته. # التقرير الثاني: أنا لا ندعي خلافة هارون لموسى، بل نقول إن هارون كان شريك موسى (عليهما السلام) في الرسالة، ولا شك أنه لو بقي بعد وفاته لقام مقامه في كونه مفروض الطاعة، وذلك القدر كاف في المقصود، لأنه لما دل الحديث على أن حال علي (عليه السلام) كحال هارون في جميع المنازل، كان من منازل هارون استحقاقه للقيام مقامه من وجوب العصمة، وجب أن يكون علي (عليه السلام) كذلك. # لا يقال: الحديث لا يتناول إلا المنازل الثابتة دون المقدرة، وإمامة هارون بعد موسى (عليه السلام) ما كانت حاصلة بل كانت مقدرة، فلا يتناولها الحديث. # لأنا نقول: استحقاق هارون للقيام مقام موسى (عليه السلام) بعد وفاته منزلة ثابتة في الحال لأن استحقاق الشئ قد يكون حاصلا وإن لم يكن المستحق حاصلا في # PageV00P141 # الحال. # لا يقال: لا نسلم دلالة الحديث على العموم، بيانه، هو: أن حسن الاستفهام والتوكيد دليل الاشتراك، ثم أنه (عليه السلام) لم يقل أنت مني بمنزلة هارون من موسى حتى الخلافة إن عشت بعدي. وعند الإمامية إذا قال الانسان ضربت كل من في الدار وكان فيه أربعة فإنه يحسن من السائل أن يستفهمه، ومن القائل أن يؤكد، فبطريق الأولى أن حسن الاستفهام والتوكيد في لفظ الحديث لا يقتضي العموم. # قوله: الحكيم إذا تكلم بكلام ظاهره التناول للأشياء، ثم استثنى بعضها وهو يريد الافهام، فإنه يكون مريدا لما عدا المستثنى. # قلنا: هذا لا يستقيم على مذهبكم، لأن حسن الاستفهام والتوكيد دليل الاشتراك عندكم، ومعلوم أنه يحسن الاستفهام بعد الاستثناء فيقال: أكرم كل من عدا زيدا. وكذلك التوكيد من المتكلم فيقال: أما جميع من عدا زيدا فإني أكرمهم. # قوله: الحديث لو أفاد منزلة واحدة لما جاز الاستثناء لامتناع الاستثناء من الشئ الواحد. # قلنا: من مذهبكم أن الاستثناء يخرج من اللفظ ما لولاه لصح دخوله فيه، لا ما لولاه (1) لوجب دخوله فيه، وإذا كان كذلك فقوله (عليه السلام): " أنت مني بمنزلة هارون من ms62 موسى " يصلح لجميع المنازل ويصلح لبعضها عندكم، فصح أن يستثني منه النبوة ولا نقول: إنه يفيد منزلة واحدة فقط، بل نتوقف فيه، ونحمل الحديث على السبب، لأنه المتيقن، إذ لا يجوز خروجه عن اللفظ، وما عداه فيلزم أن يتوقفوا فيه. # PageV00P142 # قوله: هذا الحديث روي في غير غزوة تبوك، سلمنا دلالة هذا الحديث على العموم، لكن لا نسلم أن منازل هارون من موسى كونه قائما مقامه بعد وفاته. # وقوله: إنه كان خليفة في حال حياته، فوجب بقاء تلك الخلافة بعد موته. # قلنا: لا نسلم كونه خليفة له حال حياته. # أما قوله تعالى: * (اخلفني في قومي) *. # قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك إنما كان (1) على طريق الاستظهار، كما قال * (وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) * ولأن هارون كان شريك موسى في النبوة، فلو لم يستخلفه موسى لكان هو لا محالة يقوم بأمر الأمة، وهذا لا يكون استخلافا على التحقيق لأن قيامه بذلك إنما كان لكونه نبيا. # ثم إن سلمنا أن موسى (عليه السلام) استخلف هارون في قومه، لكن في كل الأزمنة أو في بعضها؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، بيانه: أن قوله: * (اخلفني في...) * (2) أمر، وهو لا يفيد التكرار بالاتفاق، وأيضا القرينة دالة على أن ذلك الاستخلاف ما كان عاما لكل الأزمنة، لأن العادة جارية بأن من خرج من الرؤساء واستخلف على قومه خليفة أن يكون ذلك الاستخلاف معلقا بتلك السفرة فقط، وإذا ثبت أن ذلك الاستخلاف لم يكن حاصلا في كل الأزمنة لم يلزم من ثبوته في بعض الأزمنة ثبوته في كلها. قوله: لو عاش هارون بعد موسى (عليه السلام) لقام مقامه في كونه مفترض الطاعة. # قلنا: تجب على الناس طاعته فيما يؤديه عن الله تعالى؟ أو فيما يؤديه عن # PageV00P143 # موسى (عليه السلام)؟ أو في تصرفه في إقامة الحدود؟ الأول مسلم، ولكن ذلك نفس كونه نبيا، فلا يمكن ثبوته في حق علي (عليه السلام)، وأما الثاني والثالث فممنوعان لأن من الجائز أن يكون النبي صلى الله عليه [وآله] مؤديا للأحكام عن الله ms63 تعالى ويكون المتولي لتنفيذ تلك الأحكام غيره، وإذا جاز ذلك ما يلزم من تقدير بقاء هارون بعد موسى (عليه السلام) كونه متوليا لتنفيذ الأحكام، بل يجوز أن يتولى تنفيذ الأحكام غيره، وإذا لم يجب ذلك لم يجب كون علي أيضا كذلك، سلمنا أن هارون لو عاش بعد موسى لكان منفذا للأحكام، لكن لا شك في أنه ما باشر ذلك، لأنه ما يستقبل موسى إماما لزم من الثاني أن لا يكون إماما (1) وإذا تعارضا تساقطا. # [الجواب عن الشبهات]: # لأنا نجيب عن الأول أن لفظ المنزلة يفيد العموم، وأما حسن الاستفهام فممنوع، وأما التوكيد فبتقدير الاستئناف. على أن التأكيد إنما هو تقوية المعنى الأول الذي يفيده اللفظ الأول بلفظ ثان، فلو لم يكن اللفظ الأول مفيدا لعموم لما حسن تأكيده. # قوله: إنه (صلى الله عليه وآله) لم يقل أنت مني بمنزلة هارون من موسى حتى الخلافة إن عشت بعدي. # قلت: لما كانت لفظة " منزلة " مفيدة لعموم كل واحدة من المنازل، ومن جملة المنازل كونه خليفة له لو عاش بعده، لم يكن به حاجة إلى إفراد هذه المنزلة بالذكر. # قوله في الثاني: هذا لا يستقيم على مذهبكم، لأن حسن الاستفهام # PageV00P144 # والتوكيد دليلا الاشتراك، ومعلوم أنه يحسن الاستفهام بعد الاستثناء وكذلك التوكيد. # قلنا: مر في الجواب عنه (1). # قوله في الثالث: من مذهبكم أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله تحت اللفظ. # قلنا: لا نسلم، بل هو عندنا يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله، وصيغ العموم عندنا صحيحة. سلمناه لكن قرينة توجب مرادية الباقي لا يستثني ما يريد إخراجه. # قوله: أصحاب الرواية الصحيحة كانت في غزوة تبوك. # قلنا: المعتبرون من أصحاب الرواية الصحيحة عندكم في هذا النقل غير بيني العدالة عندنا، فلا ثقة بقولكم. # قوله: لا نسلم أن من جملة منازل هارون من موسى كونه قائما مقامه بعد موته. # قلنا: تقدم جوابه. # قوله: لا نسلم كونه خليفة له حال حياته. # قلنا: بل هو كذلك للآية. # قوله: لم لا يجوز أن يكون ذلك ms64 إنما كان على سبيل الاستظهار. # قلنا: حمل لفظ الخلافة على ما أردناه حقيقة، فصرفه إلى معنى آخر خلاف الظاهر، وإنه محتاج إلى الدليل. # قوله: ولأن هارون كان شريك موسى في النبوة، فلو لم يستخلفه موسى # PageV00P145 # كان (1) هو لا محالة يقوم بأمر الأمة، وهذا لا يكون استخلافا على التحقيق. # قلنا: حقيقة الاستخلاف هي قيام شخص مقام الآخر في تنفيذ مراسمه على سبيل النيابة عنه، وها هنا كذلك، لأن هارون لو عاش بعد موسى (عليهما السلام) لكان متصرفا في إقامة حدود شريعته، منفذا لسنته التي خلفها في قومه، فقيامه بأمر الأمة حينئذ ليس لكونه نبيا فقط. # قوله: لو سلمنا أن موسى (عليه السلام) استخلف هارون في قومه لكن في كل الأزمنة أو بعضها؟ الأول ممنوع، لأنه أمر وهو لا يفيد التكرار، والثاني مسلم، إلى آخره. # قلنا: مرادنا إثبات أهلية هارون للقيام مقام موسى بعده واستحقاقه له، ولا شك أن تلك الأهلية ثابتة، بدليل الاستخلاف، والعلم حاصل ببقائها على تقدير بقائه بعده، لمكان العصمة. # قوله: يجب على الناس طاعته فيما يؤديه عن الله تعالى؟ أو فيما يؤديه عن موسى؟ أو في نصرته في إقامة الحدود؟ # قلنا: بل في الكل، أما ثبوته في حق علي (عليه السلام) فإنما كان من جهة كونه مؤديا عن الرسول (صلى الله عليه وآله) ومتصرفا في إقامة الحدود، لاستحالة كونه نبيا. # قوله: الثاني والثالث ممنوعان، لأن من الجائز أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) هو المؤدي عن الله تعالى، ويكون المتولي لتنفيذ الأحكام غيره. # قلنا: الجواز ظاهر، لكن لا يلزم من عدم توليته لإقامة الحدود بنفسه خروجه عن كونه متصرفا، فإن التصرف في إقامة الحدود مثلا يصدق أن يأمر غلامه بذلك، فيصدق حينئذ أن هارون لو عاش بعد موسى لوجبت طاعته # PageV00P146 # فيما يؤديه عن الله، وعن موسى (عليه السلام)، وفي التصرف في إقامة الحدود، وإن لم يكن هو المباشر لإقامتها. # قوله: سلمنا أنه لو عاش بعد موسى لكان منفذ الأحكام، لكن لا شك في أنه ما باشر تلك ms65 الأحكام، إلى آخره. # قلنا: إن هارون إنما لم يباشر تلك الأحكام لموته قبل موسى، وأما علي (عليه السلام) فإنه لم يمت قبل الرسول (صلى الله عليه وآله)، فظهر الفرق، وبالله التوفيق. PageV00P147 # النوع الثالث: الاستدلال بالبراهين العقلية، وهي أربعة: # البرهان الأول: علي (عليه السلام) أفضل الصحابة، والأفضل يجب أن يكون هو الإمام، فإذن يجب أن يكون علي هو الإمام. # أما المقام الأول، فبيانه من اثنين وعشرين وجها. # الأول: قوله تعالى: * (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم، ونسائنا ونسائكم، وأنفسنا وأنفسكم) * (1) وجه الاستدلال به أنه (عليه السلام) دعا عليا إلى ذلك المقام، وذلك يدل على غاية فضله. # أما الأول فلوجهين: أحدهما أنه (عليه السلام) (2) قصد بالمباهلة بيان دينه الذي جاء به، وذلك يقتضي أن يخص بالمباهلة من يكون هو في غاية المحبة له، وإلا لكان للمنافقين أن يقولوا: لو كان على بصيرة من أمره لدعا (3) إلى المباهلة نزول العذاب على من يحبه ويخاف عليه، دون من ليس كذلك. # ثم إن شفقة النبي (صلى الله عليه وآله) على الذين أحضرهم في ذلك الموضوع إما لشدة قربهم، وهو باطل، وإلا لأحضر العباس وعقيلا كما أحضر عليا (عليه السلام)، أو لكمال فضلهم فيلزم أن يكون علي أفضل الخلق. # الثاني: أنه لما كانت نفس علي (عليه السلام) نفسا له (صلى الله عليه وآله) وجب أن يثبت لعلي (عليه السلام) جميع ما يثبت له، لأن مقتضى الوحدة ذلك، ترك العمل به فيما عرف بضرورة # PageV00P148 # العقل وهو التعدد والصفات التي اختص كل واحد منهما بها، أو بنظره (1) كالنبوة، فيجب العمل به فيما عداه. # الثاني: قوله تعالى: * (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو موليه وجبرائيل وصالح المؤمنين) * (2) جاء في التفسير أن الآية نزلت في علي (عليه السلام) (3). # الثالث: قوله تعالى: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * (4). # ولا شك في دخول علي (عليه السلام)، وخروج أبي بكر. # الرابع: خبر الطير: وهو ما روي: أنه (صلى الله عليه وآله) أهدي إليه طائر مشوي، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، ms66 يأكل معي من هذا الطائر. # وفي رواية أخرى: " اللهم أدخل إلي أحب أهل الأرض إليك " فجاء علي (عليه السلام) وأكل معه من ذلك الطير (5) والاستدلال به: إن أحب الخلق إلى الله ليس إلا أكثرهم ثوابا، لأن المحبة منه تعالى لعبده ليس إلا إرادة الثواب. وأما أن أكثر الناس ثوابا أفضل فهو ظاهر. # الخامس: حديث المؤاخاة، فإنه (عليه السلام) لما آخى بين أصحابه اتخذه أخا # PageV00P149 # لنفسه (1). وذلك يدل على علو شأنه وزيادة منقبته. # السادس: خبر الراية، وهو ما روي: أنه (صلى الله عليه وآله) بعث أبا بكر إلى خيبر فرجع منهزما، ثم بعث عمر فرجع منهزما، فبلغ ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أي مبلغ، فبات ليلته مهموما، فلما أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية فقال: # " لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار " فتعرض لها المهاجرون والأنصار، فقال (صلى الله عليه وآله) أين علي؟ فقالوا: إنه أرمد العين فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فتفل في عينه، ثم دفع إليه الراية (2). # فهذا الحديث وكيفية ما جرى يستلزم سلب الأوصاف الحميدة التي تثبت لعلي (عليه السلام) عن غيره، خصوصا الذين غضب عليهم، وإلا لما كان في تخصيصه بهذه الأوصاف فائدة، وليس ذلك من دليل الخطاب، بل استدلال بقرائن كيفية ما جرت الحكاية عليه. # السابع: قوله (صلى الله عليه وآله): " من كنت مولاه فعلي مولاه " (3) وقد تقدم بيانه. # الثامن: قوله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " (4) وهذا الخبر وإن لم يدل على الإمامة فلا أقل من دلالته على أنه (عليه السلام) أفضل من الشيخين. # التاسع: قوله (صلى الله عليه وآله) في ذي الثدية: " يقتله خير هذه الأمة " (5) وقاتله كان علي (عليه السلام). # PageV00P150 # العاشر: روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة (عليها السلام): " إن الله اطلع إلى أهل الأرض فاختار منهم أباك فاتخذني نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار منهم بعلك " (1). # الحادي عشر: ما روي عن عائشة أنها قالت: كنت عند رسول الله (صلى ms67 الله عليه وآله) إذ أقبل علي (عليه السلام) فقال: " هذا سيد العرب " قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ألست أنت سيد العرب؟ فقال: " أنا سيد العالمين، وهذا سيد العرب " (2). # الثاني عشر: ما روي عن أنس أنه (عليه السلام) قال: " إن أخي ووزيري، وخير من أتركه بعدي، يقضي ديني، وينجز موعدي: علي بن أبي طالب " (3). # الثالث عشر: عن أبي رافع قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام): # " أما ترضين أن قد زوجتك خير أمتي " (4). # الرابع عشر: عن سلمان (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " خير من أترك بعدي علي بن أبي طالب " (5). # الخامس عشر: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " علي خير # PageV00P151 # البشر من أبى فقد كفر " (1). # السادس عشر: من الوجوه العقلية: علي (عليه السلام) أعلم الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والأعلم أفضل، بيان المقدمة الأولى بالإجمال والتفصيل: # أما الاجمال فهو أنه لا نزاع أنه (عليه السلام) كان في أصل الخلقة في غاية الذكاء والاستعداد للعلوم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) في غاية الحرص في تربيته وإرشاده إلى اكتساب الفضائل، ثم إن عليا (عليه السلام) نشأ من أول صغره في حجر النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي كبره صار ختنا له، وكان يدخل عليه في كل يوم، ومعلوم أن مثل هذا التلميذ إذا كان بهذه الأوصاف وكان أستاذه بالأوصاف المذكورة، ثم اتفق لهذا التلميذ أن اتصل بخدمة مثل هذا الأستاذ في زمان الصغر وفي كل الأوقات، فإنه يبلغ المبلغ التام من العلم. # أما أبو بكر وأمثاله فإنهم اتصلوا بخدمة الرسول (صلى الله عليه وآله) في زمان الكبر، ثم إنهم ما كانوا يصلون إليه في يوم وليلة إلا زمانا يسيرا، وقيل: " العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالنقش في المدر ". فثبت أنه (عليه السلام) كان أعلم من أبي بكر وغيره. # وأما التفصيل فمن وجوه: # أحدها: قوله (صلى الله عليه ms68 وآله): " أقضاكم علي " (2) والقضاء يحتاج إلى جميع أنواع العلوم فلما رجح على الكل في القضاء وجب رجحانه عليهم في كل العلوم، وأما سائر الصحابة فقد رجح بعضهم على بعض في علم خاص كقوله (صلى الله عليه وآله): # " أفرضكم زيد بن ثابت " و " أقرأكم أبي ". # PageV00P152 # الثاني: أجمع أكثر المفسرين على أن قوله تعالى * (وتعيها أذن واعية) * (1) نزلت في حق علي (عليه السلام)، وقد روي: أنها لما نزلت (2) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم اجعلها أذن علي فقال علي (عليه السلام) بعد ذلك ما نسيت بعدها أبدا (3) واختصاصه بمزيد الفهم يدل على اختصاصه بمزيد العلم. # الثالث: روي: أن عمر أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر فنبهه علي (عليه السلام) بقوله: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (4) مع قوله: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) * (5) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. فقال عمر سود الله وجهي، لولا علي لهلك عمر (6). # الرابع: أن امرأة أقرت بالزنا وهي حامل فأمر عمر برجمها، فقال علي (عليه السلام): إن كان لك سلطان عليها فما سلطانك على ما في بطنها؟! دعها حتى تضع ولدها ثم افعل بها ما شئت. فترك عمر رجمها وقال: لولا علي لهلك عمر (7). # الخامس: قال (عليه السلام): " لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، # PageV00P153 # وبين أهل الفرقان بفرقانهم (1) والله ما من آية نزلت في بر أو بحر، أو سهل أو جبل ولا سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار، إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أي شئ نزلت " (2) وذلك يدل على أنه لم يبار (3) في العلوم. # السادس: إن أعظم العلوم علم الأصول (4)، وقد جاء في خطبه (عليه السلام) من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر وأحوال المعاد ما لم يأت في كلام سائر الصحابة. # السابع: إن جميع فرق العلماء تنتهي في علومهم مع اختلاف أنواعها إليه، فوجب أن يكون أعلمهم، بيان الأول: # أما علم الأصول فالمتكلمون إما معتزلة وهم ينسبون إليه، ms69 وإما أشعرية وهم ينسبون إلى أبي الحسن الأشعري (5) وهو تلميذ أبي علي الجبائي المعتزلي (6) وهو ينسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). # وأما الشيعة فانتسابهم إليه ظاهر. # وأما الخوارج وهم مع بعدهم عنه منتسبون إلى أكابرهم وكانوا تلامذة علي (عليه السلام). # PageV00P154 # وأما علم التفسير: فرئيس المفسرين ابن عباس وكان تلميذا لعلي (عليه السلام). # وأما علم الفقه: فكان (عليه السلام) فيه في أعلى درجة، ولهذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أقضاكم علي " (1) وقال علي (عليه السلام): " لو كسرت لي الوسادة " (2) كما ذكرناه. # وأما الفصاحة: فمعلوم أن أحدا من الصحابة الذين بعده والذين معه أيضا لم يدركوا درجته ولا القليل منها. # وأما علم النحو: فمعلوم أنه إنما نشأ منه وهو الذي أرشد أبا الأسود الدؤلي إليه (3). # وأما علم التصفية: فمعلوم أن نسبة جميع الصوفية تنتهي إليه. # وأما علم الشجاعة وممارسة الأسلحة فمعلوم أن نسبة هذا العلم تنتهي إليه أيضا. # فثبت بما ذكرناه أنه (عليه السلام) كان أستاذ العالمين بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وجميع الخصال الحميدة والمقامات الشريفة حاصلة له، وإذا ثبت أنه (عليه السلام) كان أعلم الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجب أن يكون أفضلهم بعده لقوله تعالى: * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * (4) وقوله تعالى: * (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) * (5). # PageV00P155 # السابع عشر: علي (عليه السلام) كان أكثر جهادا من أبي بكر، فوجب أن يكون أفضل منه. # أما الأول: فقراءة كتب السير والأخبار توضح ما قلناه (1). # وأما أن كل من كان جهاده أكثر كان أفضل، فلقوله تعالى: * (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) * (2). # الثامن عشر: إيمان علي (عليه السلام) كان قبل إيمان أبي بكر، وإذا كان كذلك كان صلوات الله عليه أفضل من أبي بكر. # أما الأول فلوجوه: # أحدها: روي أن عليا (عليه السلام) قال على المنبر: " أنا الصديق الأكبر والفاروق الأعظم آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر ms70 وأسلمت قبل أن يسلم " (3). ثم إن تلك الدعوى كانت بمحضر جمهور الصحابة والتابعين ولم ينكر أحد منهم عليه، ولو لم يكن ذلك مشهورا بينهم لما أمكنهم السكوت عنه. # الثاني: سلمان الفارسي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أولكم ورودا # PageV00P156 # علي الحوض أولكم إسلاما، علي بن أبي طالب " (1). # الثالث: روى أنس بن مالك قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين وأسلم علي (عليه السلام) يوم الثلاثاء (2). # الرابع: عبد الله بن الحصين قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: " أنا أول من صلى وأول من آمن بالله، ولم يسبقني غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) " (3). # الخامس: إن كون إيمان علي (عليه السلام) قبل إيمان أبي بكر أقرب إلى العقل، وذلك أن عليا (عليه السلام) كان ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي داره مختصا به، وأما أبو بكر فإنه كان من الأجانب، وفي غاية البعد أن يعرض الانسان هذه المهمات العظيمة على الأجانب قبل عرضها للأقارب المختصين به غاية الاختصاص سيما والله تعالى يقول: * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * (4). # لا يقال: إسلام أبي بكر كان سابقا، لقوله صلى الله عليه [وآله]: " ما عرض الإيمان على أحد إلا وله كبوة، غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم " (5). فلو تأخر إسلام أبي بكر (6) فإن كان من قبل تأخر عرض الرسول (صلى الله عليه وآله) الإسلام عليه كان ذلك تقصيرا من الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو غير جائز، وإن كان من قبل أبي بكر فهو باطل # PageV00P157 # للخبر المذكور، فدل على أن إسلامه لم يتأخر، فهو بعينه يدل على أن من سواه قد تلعثم، فيكون علي (عليه السلام) كذلك، وذلك يدل على تأخر إسلامه. # سلمناه، لكن نقول: إن عليا (عليه السلام) حين أسلم كان صبيا، لدليل الشعر المنقول عنه قوله: # سبقتكم إلى الإسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي (1) وأبو بكر حين أسلم كان شيخا عاقلا، والناس قد اختلفوا في صحة إسلام الصبي، وكيف كان، ولا شك ms71 أن إسلام البالغ العاقل الصادر عن التمييز أفضل من إسلام الصبي الذي لا يكون كذلك. # سلمنا أن عليا (عليه السلام) كان بالغا حين أسلم إلا أنه كان في ذلك الوقت غير مشهور بين الناس ولا محترما ولا مقبول القول، بل كان كالصبي الذي يكون في البيت، فما كان يحصل بسبب إسلامه قوة في الدين. فأما أبو بكر فإنه كان شيخا موقرا محترما، فحصل بسبب شوكته قوة، فكان إسلامه أفضل من إسلام علي (عليه السلام). # لأنا نقول: أما الخبر الذي ذكرتموه فلا نسلم صحة طريقه، سلمناه، لكنه خبر واحد فلا يفيد العلم، سلمناه، لكنه لا ينافي تأخير إسلام أبي بكر لجواز تأخيره من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) العرض عليه، لأنه علم أنه لا يقبل الإسلام في تلك المدة ثم علم أنه قد فزع إلى الحق فعرض عليه فلم يتلعثم، وهذا لا يدل على # PageV00P158 # سبق إسلامه، وثبت بالأدلة السابقة أن إسلام علي (عليه السلام) كان مقارنا للبعثة، فلم يلزم مما ذكروه سبق إسلام أبي بكر على إسلامه. # قوله: إن عليا (عليه السلام) حين أسلم لم يكن بالغا. # قلنا: لا نسلم أنه أسلم قبل البلوغ، وبيانه: أن سن علي (عليه السلام) كان بين خمس وستين سنة وبين ست وستين سنة، والنبي (صلى الله عليه وآله) قد بلغ بعد الوحي ثلاثة وعشرين سنة، وعلي (عليه السلام) قد بقي بعد النبي (صلى الله عليه وآله) قريبا من ثلاثين سنة، فإذا أسقطنا ثلاثا وخمسين من ست وستين بقي ثلاثة عشر سنة (1) وبلوغ الانسان في مثل هذا (2) السن ممكن، فعلمنا أنه كان ممكن البلوغ في ذلك الوقت، وإذا ثبت الإمكان وجب الحكم بوقوعه لقوله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام): " زوجتك أقدمهم سلما، وأكثرهم علما " (3) ولو كان صبيا حين أسلم لما صح هذا الكلام. # سلمنا أنه ما كان بالغا حين أسلم لكن لا امتناع في وجود إسلام (4) صبي كامل العقل قبل البلوغ، وكذلك حكم أبو حنيفة بصحة إسلام الصبي، وحينئذ يكون إسلام صبي قبل ms72 البلوغ دليلا على فضله لوجهين: # أحدهما: أن الغالب على طباع الصبيان الميل إلى الأبوين، ثم إن عليا (عليه السلام) خالف أبويه وأسلم فدل ذلك على فضله. # الثاني: أن الغالب على الصبيان الميل إلى اللعب فيكون نظره وفكره في دلائل التوحيد. وإعراضه عن اللعب من أدل الأمور على فضله، وكان في زمان # PageV00P159 # صباه مساويا للعقلاء الكاملين. # قوله: حصل بإسلام أبي بكر قوة وشوكة في الدين لم تحصل بإسلام علي (عليه السلام). # قلنا: هذا أولا إنما يتم لو صح أن أبا بكر قبل إسلامه كان موقرا محترما بين الخلق، وأنه دعا الناس إلى الإسلام وهما ممنوعان. # ثم لا نسلم أنه حصل بسبب إسلامه شوكة في الدين. # فيثبت بما قررناه أن إسلام علي (عليه السلام) كان مقدما على إسلام أبي بكر، وبثبوت ذلك ثبت أن عليا (عليه السلام) أفضل، لقوله تعالى: * (والسابقون السابقون أولئك المقربون) * (1) لأن المسارعة إلى الخيرات توجب الأفضلية، لقوله تعالى في حق الأنبياء (عليهم السلام): * (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) * (2). # التاسع عشر: أن عليا (عليه السلام) كان أفضل بني هاشم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو متفق عليه وبنو هاشم أفضل من عداهم لقوله (صلى الله عليه وآله): " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم قريشا، واصطفى من قريش هاشما " (3). والأفضل من الأفضل أفضل. # العشرون: أن عليا (عليه السلام) لم يكفر بالله طرفة عين، وأبو بكر في زمان الجاهلية كان كافرا، ولذلك خص علي (4) (عليه السلام) عند الخصم بقوله عند ذكره " كرم الله وجهه ". وإذا ثبت هذا فنقول: إن عليا (عليه السلام) كان أكثر تقوى من # PageV00P160 # أبي بكر، لأن من كان مؤمنا مدة عمره فلا بد وأن يكون أكثر تقوى ممن كان أكثر عمره كافرا ثم صار مؤمنا. والأتقى أفضل، لقوله تعالى: * (إن أكرمكم عند الله أتقيكم) * (1). # الحادي والعشرون: روى أحمد البيهقي في " فضائل الصحابة " أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في خلته، وإلى موسى ms73 في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي ابن أبي طالب " (2) فثبت بهذا الحديث أن عليا (عليه السلام) كان مساويا لهؤلاء الأنبياء في هذه الخصال التي هي جماع (3) المكارم، ولا نزاع في أن هؤلاء كانوا أفضل من أبي بكر وسائر الصحابة، والمساوي للأفضل لا بد وأن يكون أفضل. # الثاني والعشرون: أن الفضائل إما نفسانية، أو بدنية، أو خارجية عنهما. # أما النفسانية فإما علمية أو عملية. # أما العلمية فقد بينا أنه (عليه السلام) كان أعلم الصحابة ويؤيد ذلك وجوه (4): # الأول: قول النبي (صلى الله عليه وآله): " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (5) ولا شك أن العلوم إنما تخرج من تلك المدينة إلى الخلق من قبل ذلك الباب، وقد فصلنا انتهاء مبادئ العلوم إليه في حقه (عليه السلام) تصديقا لهذا الخبر. # الثاني: قوله (عليه السلام): " علمني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم فانفتح لي # PageV00P161 # من كل باب ألف باب " (1). # الثالث: قول النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام): " زوجتك أكثرهم علما، وأعظمهم حلما " (2). وقول ابن عباس (رضي الله عنه) قسم العلوم عشرة أجزاء تسعة في علي (عليه السلام) وواحد في الخلق، ولقد شاركهم في العاشر (3). # وأما العملية فأقسام: منها: العفة والزهد، وقد كان رؤوس الزهاد من الصحابة كأبي ذر وسلمان تلامذة لعلي (عليه السلام). # ومنها: الشجاعة، ولم يكن أحد (4) من الصحابة كشجاعته في اعتدائها (5) وثمرتها ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لضربة من ضربات علي خير من عبادة الثقلين " (6). ومن أوضح براهين ذلك قلعه لباب خيبر حيث يقول: " والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية، ولكن قلعته بقوة إلهية " (7). # ومنها: السخاء، والمعلوم أنه لم يكن أحد من الصحابة أسخى منه، ويشهد بذلك لسبب نزول قوله تعالى: * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) * (8) في حقه، وهو مشهور. وكذلك تصدقه بخاتمه حال ركوعه. # PageV00P162 # ومنها: حسن الخلق، وقد بلغ فيه إلى حد نسبه الجاهلون معه إلى الدعابة. # ومنها: البعد عن الدنيا، وظاهر أنه مع إقبالها إليه لم ms74 يلتفت إليها رأسا، وكان يقول: " يا دنيا إليك عني غري غيري، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها " (1) وله في هذا المعنى شعر: # دنيا تخادعني كأني * لست أعرف حالها مدت إلي يمينها * فرددتها وشمالها ورأيتها محتاجة * فوهبت جملتها لها والأمر في ذلك ظاهر. # ومنها: إقباله على الله بالكلية، ووصوله إليه، واشتغال سره به الذي هو الغاية القصوى من وجود الانسان، وقد كان (عليه السلام) في ذلك سباق غايات وصاحب آيات، ويشهد بذلك أنه (عليه السلام) لما وقع فيه في بعض الحروب سهم وقصد الحجام ينزعه فجعل يتملل فقال الحسن (عليه السلام) دعوه حتى يشتغل بالصلاة، فلما اشتغل بها نزعه منه في حال السجود ولم يحس به (2)، وذلك لاتصال نفسه القدسية بمبدأها التام، وعدم ملاحظته شيئا آخر في ذلك الوقت. # وأما الفضائل البدنية: فقد كان (عليه السلام) من أقوى الخلق وأشدهم بأسا، وكان يقط الهام قط الأقلام. # وأما الفضائل الخارجية: فمنها النسب، ومعلوم أن أشرف ما ينتسب إليه # PageV00P163 # الانسان هو القرب من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان أقرب الناس إليه. ومنها المصاهرة، ولم يكن لأحد منها مثل ما له. ومنها: أنه لم يكن لأحد من الصحابة في تمام الفضل مثل أولاده الحسن والحسين (عليهما السلام) اللذين هما سيدا شباب أهل الجنة " (1)، ثم أنظر إلى أولاد الحسن (عليه السلام) كالحسن المثنى، والمثلث (2)، وعبد الله ابن الحسن (3) والنفس الزكية (4) وإلى أولاد الحسين مثل زين العابدين، والباقر، والصادق، والكاظم، والرضا (عليهم السلام) الذين يقر بفضلهم وعلو درجتهم كل عاقل " والفضل ما شهدت به الأعداء ". # ومن أوضح دلالات فضلهم أن من أفضل المشايخ السالكين إلى الله تعالى بعدهم أبو يزيد البسطامي وكان سقاء في دار الصادق (عليه السلام) (5). # وأيضا فمعروف الكرخي أسلم على يد علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وكان بواب داره، وبقي على حاله إلى آخر عمره ولم يكن لأحد مثل هذه الفضائل. # وأما تقرير المقدمة الثانية، وهو أنه كل من كان أفضل وجب أن يكون هو الإمام، فبيانها أن من جعل ms75 إماما لغيره فقد جعل متبوعا لذلك الغير، وجعل الأكمل تبعا للأنقص قبيح في بداهة العقول، مثال ذلك أنه لو أخذ بعض الفقهاء # PageV00P164 # الأوساط ونصب للتدريس وأمر الشافعي وأبو حنيفة بالجلوس بين يديه والتتلمذ (1) له لذم كل عاقل من تقدم في نصب ذلك الفقيه. # فثبت أن عليا (عليه السلام) لما كان أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجب أن يكون هو الإمام وهو المطلوب. # البرهان الثاني: أن الأمة أجمعت على أن الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إما علي أو أبو بكر أو العباس، ثم إن أبا بكر وعباسا لم يكونا صالحين للإمامة، فتعين أن يكون الإمام علي (عليه السلام). وإنما قلنا إنهما لم يكونا صالحين للإمامة، لأنه لا واحد منهما بمعصوم، وكل من يصلح للإمامة يجب أن يكون معصوما، فينتج أنه لا واحد منهما يصلح للإمامة. # أما المقدمة الأولى فبالاتفاق، وأما الثانية فقد مر بيانها، فتعين حينئذ أن يكون الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو علي (عليه السلام). # البرهان الثالث: أنه لا واحد من الصحابة عدا علي (عليه السلام) بمنصوص على إمامته، وكل من كان إماما يجب أن يكون منصوصا على إمامته، ينتج: ولا واحد من الصحابة عدا عليا (عليه السلام) بإمام. # أما المقدمة الثانية: فقد مر بيانها، وأما الأولى فلأن المتأهل للإمامة في نظر الأمة إما العباس وإما أبو بكر وإما علي (عليه السلام)، وثبت أن العباس وأبا بكر لم يكن # PageV00P165 # منصوصا عليهما وأما العباس فظاهر وأما أبو بكر (1) فلو كان منصوصا عليه كان توقيفه الأمر على البيعة من أعظم المعاصي، وذلك قادح في إمامته، وإذ ليس واحد منهما بمنصوص عليه فيثبت أن عليا (عليه السلام) منصوص عليه ووجب أن يكون الإمام وإلا لخرج الحق عن جميع أقوال الأمة، وإنه غير جائز. # البرهان الرابع: أنه نقل عن أبي بكر وعمر مطاعن تقدح في صحة إمامتهما، ومتى كان كذلك تعين أن يكون علي (عليه السلام) هو الإمام، وأما المطاعن فمذكورة في الكتب ms76 المطولة، وأما أنهما متى كانا كذلك تعين أن يكون الإمام عليا (عليه السلام) فلضرورة أنه لا قائل بالفرق، وبالله التوفيق. # PageV00P166 # البحث الثاني في تعيين باقي الأئمة (عليهم السلام) الإمام الحق بعد علي (عليه السلام) ولده الحسن، ثم الحسين، ثم ابنه علي بن الحسين زين العابدين، ثم ابنه محمد الباقر، ثم ابنه جعفر الصادق، ثم ابنه موسى الكاظم، ثم ابنه علي بن موسى الرضا، ثم ابنه محمد الجواد، ثم ابنه علي الزكي، ثم ابنه الحسن العسكري، ثم ابنه محمد الخلف الحجة المنتظر (عليهم السلام). ولنا في إثبات هذا الترتيب وجهان: # الأول: أنا قد بينا أن الإمام يجب أن يكون هو المنصوص عليه من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) أو من يقوم مقامه، وثبت أيضا أن الإمام يجب أن يكون معصوما، ثم علمنا بالتواتر أن عليا (عليه السلام) نص على ابنه الحسن بالخلافة، فتعين أن يكون هو الإمام بعده. وتعين أنه معصوم، وإنه نص على أخيه الحسين وهكذا نص كل واحد منهم على من بعده من المذكورين، فوجب أن يكون هو الإمام فلزم من ذلك أن تكون الإمامة معينة في المذكورين واحدا بعد آخر إلى آخرهم. # الثاني: الخبر المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال للحسين (عليه السلام): " ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم حجة ابن حجة أخو حجة PageV00P167 # أبو حجج تسع " (1) وهذا نص في المسألة. # بقي أن يقال لو سلمنا تواتر هذا الخبر في هذا اللفظ، لكن لم قلتم، إن التسعة هم الذين عنيتموهم، ولم يجوز أن يكون غيرهم من أولاد الحسين (عليهم السلام)، فحينئذ يتعين الرجوع منا إلى كل واحد منهم وقد نص على من بعده. # إذ نقول: إن غير الإمام يعترف باختيار الرعية له و [عدم] (2) اطلاعهم على أنه صاحب الملكة الرادعة عن المعاصي المسماة بالعصمة من بين سائر أولاد الإمام، وبتعيين (3) الإمام يتعين أن يكون هو الإمام الحق، وبظهور الكرامات على يده. # وأما الكلام في تواتر هذا الخبر سؤالا ms77 وجوابا، وتقريرا وإبطالا، فكما تقدم في تواتر النص الجلي على إمامة علي (عليه السلام)، وبالله التوفيق. # PageV00P168 # الباب الثالث في تقرير شبهة الخصوم والجواب عنها المقدمة 1 - شبهة المنكرين لإمامة علي (عليه السلام) 2 - مطاعن الخوارج وغيرهم في علي (عليه السلام) 3 - فساد ما قالته الطوائف من الشيعة المنكرين لواحد واحد من الأئمة (عليهم السلام) 4 - غيبة الإمام (عليه السلام) PageV00P169 # وفيه مقدمة وأبحاث: # أما المقدمة: # فاعلم أن المخالفين لنا في المسألة إما شيعة أو غير شيعة، أما غير الشيعة فهم المنكرون لتقديم علي (عليه السلام) على أبي بكر وهم أكثر الأمة، وأما الشيعة فأصولهم فرق أربعة: الإمامية، والكيسانية (1)، والزيدية (2)، والغلاة (3)، وكل فرقة كالنوع لأصناف، ويلزم مقالة كل واحدة من هذه الأصناف إنكار أحد الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، ونحن نعين كل واحدة من الفرق المنكرون لإمام إمام. # [فالأولى]: المنكرون لإمامة علي (عليه السلام) من الشيعة بعد أن كان مستحقا لها وهم الكاملية أصحاب أبي كامل معاد بن الحصين، وذلك أنهم زعموا أن الصحابة # PageV00P171 # كفرت لمخالفتهم النص الجلي، وأن عليا (عليه السلام) كفر بترك القتال معهم. # الثانية: المنكرون لإمامة الحسن بن علي (عليهما السلام)، وهم صنفان: # الأول: السبأية وهم أصحاب ابن سبأ، زعموا أن عليا (عليه السلام) لم يمت وأنه في السحاب، والرعد صوته والبرق سوطه، وأنه ينزل إلى الأرض بعد حتى يقتل أعداءه. # الصنف الثاني: الذين قطعوا بموته لكنهم أنكروا إمامة الحسن (عليه السلام)، وساقوا الإمامة من علي (عليه السلام) إلى ابنه محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) وزعموا أنه القائم المهدي، وهو قول بعض الكيسانية. # الثالثة: المنكرون إمامة [ولد] (1) الحسين بعد أخيه الحسن (عليهما السلام)، وهم الذين ساقوا الإمامة من الحسن (عليه السلام) إلى ابنه الحسن " الرضى من آل محمد " ومنه إلى ولده عبد الله بن الحسن بن الحسن، ومنه إلى ولده محمد النفس الزكية، ومنه إلى أخيه إبراهيم. # الرابعة: المنكرون لإمامة زين العابدين علي بن الحسين (عليهم السلام)، وهم الذين ساقوها من الحسين (عليه السلام) إلى أخيه محمد بن ms78 الحنفية، وهم أكثر الكيسانية. # الخامسة: المنكرون لإمامة محمد بن علي الباقر (عليه السلام) وهم الذين ساقوها إلى زيد بن علي (رضي الله عنه) وهم الزيدية. # السادسة: المنكرون لإمامة جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وهم فرقتان: # إحداهما: الذين قالوا إن الباقر لم يمت وهم ينتظرونه. # الثانية: الذين قطعوا بموته لكن ساقوا الإمامة إلى محمد بن عبد الله ابن الحسن بن الحسن، من غير ولده، وهم أصحاب المغيرة بن سعد العجلي. # PageV00P172 # السابعة: المنكرون لإمامة موسى بن جعفر (عليه السلام) وهم طوائف: # إحداها: الذين قالوا بغيبة الصادق وأنه لم يمت ولن يموت حتى يظهر فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وهو القائم المهدي، وهم بعض الناووسية. # الثانية: الذين قطعوا بموته لكن زعموا أنه الإمام وأنه (1) سيرجع إلى الدنيا فيملأها عدلا كما ملئت جورا وهم الناووسية أيضا. # الثالثة: الذين جزموا بموته لكن ساقوا الإمامة إلى ولده عبد الله ابن جعفر، ويقال لهم الفطحية، لأن عبد الله كان أفطح (2) ويقال لهم أيضا عمارية لانتسابهم إلى بعض أكابرهم يقال له عمار. # الرابعة: الذين ساقوها إلى ولده محمد ويقال لهم السمطية. # الخامسة: الذين ساقوها إلى ولده إسماعيل وهم الإسماعيلية السبعية. # السادسة: الذين ساقوها إلى غير ولد جعفر وهم خمس طوائف: # الأولى: الذين قالوا: إن جعفر أوصى بالإمامة إلى موسى بن الطفى، ويقال لهم الطفية. # الثانية: الذين زعموا أنه أوصى بها إلى موسى بن عمران الأقمص وهم الأقمصية. # الثالثة: الذين زعموا أنه أوصى بها إلى يرمع بن موسى الحايك وهم اليرمعية. # الرابعة: القائلون بأن الصادق (عليه السلام) أوصى بها إلى عبد الله بن سعد التميمي، وهم التميمية. # PageV00P173 # الخامسة: الذين ادعوها لأبي جعدة وهم الجعدية. # السابعة: من المنكرين لإمامة موسى بن جعفر (عليه السلام) اليعقوبية، وهم أصحاب أبي يعقوب، فإنهم جوزوا الإمامة لولد جعفر ولغير ولده. # الثامنة: المنكرون لإمامة علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وهم أيضا طوائف: # الأولى: الذين توقفوا على موسى (عليه السلام) وقالوا: لا ندري أنه مات أو لم يمت، ويقال لهم الممطورة، لأن يونس ms79 بن عبد الرحمن من علماء الشيعة قال: ما أنتم إلا كلاب ممطورة. # الثانية: الذين قالوا وجزموا بأنه لم يمت ولا يموت إلى يوم القيامة. # الثالثة: الذين جزموا بموت موسى وساقوا الإمامة إلى ولده أحمد ابن موسى. # التاسعة: والمنكرون لإمامة محمد بن علي الجواد (عليه السلام) محتجين بعدم علمه، لصغر سنه في ذلك الوقت لأنه لما مات الرضا (عليه السلام) كان سن الجواد أربع وقيل ثمان سنين. # العاشرة: المنكرون لإمامة علي الزكي (عليه السلام)، وهم طائفة شاذة زعمت أن الإمام بعد محمد بن علي (عليهما السلام) ابنه موسى بن محمد أخو أبي الحسن علي بن محمد. # الحادية عشر: المنكرون لإمامة الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، وهم الذين ساقوا الإمامة من علي بن محمد الزكي إلى ولده جعفر. # الثانية عشر: المنكرون لإمامة الحجة الخلف المنتظر (عليه السلام)، وهي ثلاثة عشر طائفة: # إحداها: الذين قالوا إن الحسن (عليه السلام) لم يمت لأنه لو مات وليس له ولد ظاهر لخلا الزمان عن الإمام المعصوم، وذلك غير جائز. # الثانية: الذين قالوا إنه مات لكنه سيجئ وهو المعني بكونه قائما بعد PageV00P174 # الموت. # الثالثة: قالوا إنه مات لا يجئ لكنه أوصى بالأمة إلى أخيه جعفر. # الرابعة: قالوا إنه أوصى إلى أخيه محمد. # الخامسة: قالوا: إنه مات من غير عقب، فعلمنا أنه ما كان إماما، وأن الإمام كان جعفر. # السادسة: قالوا بل ظهر أن محمدا (1) كان الإمام، لأن جعفر (2) كان مجاهرا بالفسق، والحسين كان فاسقا بالخفية، فتعين محمد للإمامة. # السابعة: قالوا: مات، ولكن ولد له بعد موته بثمانية أشهر ولد. # الثامنة: قالوا: لما مات الإمام ولا ولد له، ولا يجوز انتقال الإمامة منه إلى غيره، بقي الزمان خاليا عن الإمام وارتفعت التكاليف. # التاسعة: قالوا يجوز أن يكون الإمام لا من ذلك النسل بل من غيره من العلوية. # العاشرة: قالوا: لما لم يجز انتقال الإمامة من ذلك النسل إلى نسل آخر، ولا يجوز خلو الزمان عن الإمام، علمنا أنه بقي من نسله ابن وإن كنا لا نعرفه بعينه، ms80 ونحن على ولايته إلى أن يظهر. # الحادية عشر: قالوا إن الإمامة إلى الرضا (عليه السلام)، وبعده مضطربة، فنتوقف (3) في الكل. # الثانية عشر: قالوا الإمام بعد الحسن ابنه المنتظر، وأنه علي بن الحسن، # PageV00P175 # وليس كما تقول القطعية في الغيبة والانتظار حرفا بحرف. # الثالثة عشر: قالوا إن أبا محمد مات من غير ولد ظاهر، ولكنه عن حمل بعض جواريه (1) والقائم من بعد الحسن محمول لم تلد به أمه بعد، وإنما يجوز أن تبقى مائة سنة حاملا. # فهذه الوجوه المشهورة في ضبط هذه الطوائف، ولهم شعب أخرى أضربنا عن ذكرها لعدم الفائدة فيه. وسنبين فساد ما قالوه إن شاء الله تعالى. # PageV00P176 # البحث الأول في شبهة المنكرين لإمامة علي (عليه السلام) واعلم أن من الناس من ينكرها مطلقا، أما الأولون فهم القائلون بإمامة أبي بكر، وأما الآخرون فهم الخوارج. أما الأولون فتمسكوا بعشرة شبه: # الأولى: قوله تعالى * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) * (1) ولفظ " الذين آمنوا " لفظ جمع وأقل الجمع ثلاثة فقد وعد الله الثلاثة فما فوقها من أمة محمد (صلى الله عليه وآله) أن يستخلفهم في الأرض ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وكل ما وعد الله تعالى فلا بد وأن يوجد، وإلا وقع الخلف في خبره تعالى وهو محال، ومعلوم أنه لم يوجد إلا خلافة هؤلاء الأربعة. # الشبهة الثانية: التمسك بقوله * (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) * الآية (2) فنقول: إن الداعي لهؤلاء الأعراب إما محمد (صلى الله عليه وآله)، أو الخلفاء الثلاثة الذين بعده، وإما علي (عليه السلام) ومن بعده، أما أن الداعي هو محمد (صلى الله عليه وآله) فمحال لقوله تعالى * (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) * # PageV00P177 # الآية (1). وأما أنه علي (عليه السلام) فباطل، لأنه تعالى قال في صفة هؤلاء الدعاة * (تقاتلونهم أو يسلمون) * ولم يتفق لعلي (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) قتال بسبب الإسلام، بل كانت محاربته بسبب طلب الإمامة. وأما أن الدعاة ms81 هم الذين كانوا بعد علي (عليه السلام)، فهو ظاهر البطلان، لأنهم عندنا كانوا فساقا، وعند الخصم كفارا، وعلى التقديرين فلا يليق بهم [ما] (2) في قوله تعالى * (فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا) * الآية (3) فلم يبق إلا أن يكون المراد هو إمامة هؤلاء الثلاثة. # الشبهة الثالثة: لو كانت إمامة أبي بكر باطلة لما كان ممدوحا معظما عند الله تعالى، وقد كان كذلك، فوجب القطع بصحة خلافته، أما الملازمة فظاهرة، وأما أنه ممدوح معظم عند الله فلقوله تعالى * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) * (4) وهو من بايع تحت الشجرة، فوجب أن يكون مرضيا عند الله تعالى، * (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) * (5). وإذا ثبت أنه مرضي عنه وجب صحة إمامته. # الشبهة الرابعة: أن الصحابة كانوا يخاطبون أبا بكر بخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي (عليه السلام) حاضر، والخصم يعترف بذلك إلا أنه يحمله على التقية، ثم إن الله سبحانه وتعالى وصف الصحابة بالصدق فقال * (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) * إلى قوله * (أولئك هم # PageV00P178 # الصادقون) * (1). فلما ثبت أنهم خاطبوه بالخليفة، وثبت أنهم صادقون، وجب أن يكون خليفة حقا. # الشبهة الخامسة: تمسكوا بقوله (صلى الله عليه وآله) " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر " (2) وقوله " اقتدوا " لفظ للجمع، وهو إما للوجوب أو الندب، وعلى التقديرين فإنه يدل على جواز الاقتداء بهما في الأحكام، ولو كان على الخطأ والضلالة لما جاز ذلك. # الشبهة السادسة: روى شعبة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " إن الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا " (3) وصف القائمين بهذا الأمر بعده مدة ثلاثين سنة بالوصف المقتضي للمدح والتعظيم، ووصف من بعدهم بالوصف الدال على أنهم أرباب الدنيا لا أرباب الدين، وذلك نص على صحة خلافة الخلفاء الأربعة. # الشبهة السابعة: أبو بكر أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأفضل هو الإمام وإنما قلنا إنه أفضل لقوله (صلى الله عليه وآله): " ما طلعت الشمس ms82 ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من أبي بكر " (4) وأما أن الأفضل هو الإمام فقد مر تقريره. # الشبهة الثامنة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) استخلف أبا بكر في الصلاة، فوجب أن يبقى خليفته في باقي الأحكام ضرورة، لأنه لا قائل بالفرق. # PageV00P179 # الشبهة التاسعة: طريق ثبوت الإمامة إما بالنص، وإما الاختيار، وقد بينا أن النص باطل فثبت الاختيار، وكل من قال أن الطريق إليه الاختيار قال أن الإمام هو أبو بكر، فوجب القول بصحة إمامته ضرورة، لأنه لا قائل بالفرق. # الشبهة العاشرة: لو كانت الإمامة حقا لعلي (عليه السلام) لكان تركه لها إما حال ما كانت الأمة مساعدة على الطلب أو حال ما كانت مخالفة له، فإن كان الأول تعين عليه الطلب، بحيث لو لم يطلب تبين أن الإمامة لم تكن حقا له، وإن كان الثاني وجب أن تكون هذه الأمة شر أمة أخرجت للناس، مع أنهم خير أمة أخرجت للناس، وإذا ثبت أنهم خير أمة لم يكن تركه (عليه السلام) طلب للإمامة إلا بسبب دفعهم له عنها، وذلك يقتضي أن يكون تركه لها إنما كان لأنها ليست حقا له. # الجواب عن الشبهة الأولى: لا نسلم حملها على الأربعة فقط، فإن اللفظ * (الذين آمنوا) * لفظ عام يتناول كل من آمن وعمل صالحا، فتخصيصه بالبعض دون البعض ترجيح من غير مرجح، فوجب حمله على كل المؤمنين. # وأما لفظ الخلافة فلا نسلم أن المراد منها الإمامة فإن الخلافة أعم، ووضع العام مكان الخاص مجاز، بل المراد أن الله تعالى وعد جميع من آمن أن يستخلفهم عوضا من الكفار في الجاهلية. # وعن الثانية: لم لا يجوز أن يكون الداعي هو النبي (صلى الله عليه وآله)، وأما ما تبين الاستقبال في * (سيقول) * فتحمل على أن الآية نزلت قبل بعض الغزوات، وحينئذ يكون الوعد بالقول في المستقبل عند تلك الغزوة حسنا ويصلح دخول التبيين فيه. # سلمناه، لكن لم قلتم أن الداعي إذا كان أحد هؤلاء الثلاثة وجب أن تكون إمامتهم صحيحة؟ إذ من ms83 الجائز أن يكون الانسان على الفسق المخرج عن قبول PageV00P180 # الشهادة فضلا عن الإمامة ويدعو مع ذلك إلى طاعة الله، ويحرص على بعض أوامر الله، ويؤيده ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاسق " (1). # وعن الثالثة: لا نسلم أن أبا بكر بقي معظما مطلقا، وبيانه من وجهين: # أحدهما: أن لفظ " رضى " لفظ فعل ماض، ومع ذلك فهو مقيد بوقت البيعة في الشجرة، والمقيد بوقت يحتاج في استيعابه في باقي الأوقات إلى دليل. # الثاني: أن الرضا أعم من الرضا عنه في أفعاله وأحواله ومن الرضا في بعضها، والمشترك لا يدل على إحدى الخصوصيتين، فلم لا يجوز أن يحمل رضاه عنه ها هنا على الرضا عنه من جهة تصديقه بالرسول (صلى الله عليه وآله) ومبايعته له فقط، وهذا لا ينافي أن يكون غاصبا للخلافة من أهلها. وبأنه يجوز أن يرضى عن المؤمن من جهة إيمانه ويسخط عليه من جهة فسقه. # وعن الرابعة: أن مخاطبة الصحابة أبا بكر بالخلافة كمخاطبتهم لمعاوية، بل كمخاطبة بني مروان بها، وسكوت علي لا يدل على الرضا، فإن من لزم التقية في وقت عدم تمكن أبي بكر في طلب هذا الأمر العظيم فلئن يلزم السكوت عن إطلاق لفظ بعد امتداد يد أبي بكر أولى. # وأما كون الصحابة صادقين فلا نسلم أن الفقراء الموصوفين بالصفات المذكورة كانوا هم المخاطبين لأبي بكر بالخلافة، بل كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكونوا هم أصحاب علي (عليه السلام) ومن أنكر إمامة أبي بكر. # سلمناه، لكن الصادق أعم من الصادق في كل أحواله أو في بعضها، فلم قلتم أن المراد أنهم صادقون في كل أقوالهم، وحتى لا يجوز أن يكذبوا ومعلوم أن # PageV00P181 # الكذب جائز بالاتفاق على آحادهم، وإذا جاز ذلك كانت مخاطبتهم له بالخلافة كذبا. # وعن الخامسة: لا نسلم صحة الخبر، سلمناه لكنه خبر واحد لا يجوز العمل به، سلمناه لكن الاقتداء أعم من الاقتداء في كل الأمور أو في بعضها، ولم لا يجوز أن يحمل الاقتداء بها ms84 على الاقتداء في المشاورات في أمور الدنيا، أو في أمر جزئي، سلمناه لكن الأمر لا يقتضي التكرار فلم لا يجوز الاقتداء بهما في وقت ما فلا يتعين أن يكون في خلافتهما، سلمناه لكن الأمر ورد بالاقتداء بهما معا وظاهره يقتضي أن يقتدى بهما حالة اجتماعهما على الفتوى أو على الأمر المقتدى فيه بهما، وهما حال الاجتماع لا يكونان إمامين، فإن الإمام يشترط أن لا يكون معه غيره، بل يشترط أن لا يكون معه في الحكم غيره. # وعن السادسة: لا نسلم صحة هذا الخبر، سلمناه، لكنه خبر واحد فلا يعتمد عليه، سلمناه لكنه معارض بما أن خلافة الحسن والحسين (عليهما السلام) كانت عندكم بعد أبيهما، فعلى تقدير صحة هذا الخبر لا يكون خلافتهما صحيحة، لأن مفهومه أن هذه الرئاسة لا تسمى خلافة إلا في مدة ثلاثين سنة فأما بعدها فتكون ملكا. # فإن قلت: المراد بالخلافة التي يكون المسلمون متمكنون فيها من إجراء الشريعة على وجهها. # قلت: الخلافة أعم من الإمامة، فلم لا يجوز أن يكون المراد خلافة المسلمين بعدي التي يتمكنون فيها من إظهار الحق ثلاثون سنة، وحينئذ لا يكون في الخبر دلالة على صحة الإمامة ولا على فسادها. # وعن السابعة: لا نسلم أنه الأفضل، وأما الخبر فممنوع الصحة، وأيضا PageV00P182 # فهو معارض بقوله (صلى الله عليه وآله) " علي خير البشر فمن أبى فقد كفر " (1) وأيضا لو صح هذا الخبر لكان مكذبا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله " وليتكم ولست بخيركم " (2) وذلك يستلزم سقوطه عن درجة الاعتبار في الإمامة. # وعن الثامنة: فلا نسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله) استخلفه في الصلاة، فإن الذي صح وثبت أن عائشة قالت: مروا أبا بكر يصلي بالناس (3) وكان الأمر بذلك من جهتها في ظاهر الحال، والخصم يقول: إنما أمر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله) ولم تثبت لهم هذه الدعوى بحجة. # ويدل على اختصاص ذلك الأمر بعائشة قول النبي (صلى الله عليه وآله) عند إفاقته من عشيته وقد سمع صوت أبي بكر في ms85 المحراب " إنكن لصويحبات يوسف " (4) ومبادرته معجلا معتمدا على أمير المؤمنين (عليه السلام) والفضل بن العباس (رحمه الله) ورجلاه يخطان في الأرض من الضعف، حتى نحى أبا بكر عن المحراب، ولو كان (صلى الله عليه وآله) هو الذي أمر بالصلاة لما رجع باللوم على أزواجه في ذلك ولا بادر في تلك الحال الصعبة حتى صرفه عن الصلاة. # سلمناه، لكن أمر النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقتضي شيئا آخر، بل لا يقتضي مرة أخرى، لأن الأمر لا يقتضي التكرار. وأيضا فمثل هذا الأمر لا يستدعي العزل لأن العرب لا تحتاج إليه لو ثبت أن الاستخلاف دائما، والخصم يعترف بأنه لم يوله # PageV00P183 # دائما. # وعن التاسعة: أنا بينا أن الطريق إلى إثبات الإمامة هو النص، وأما الاختيار فهو ساقط عن درجة الاعتبار. # وعن العاشرة: إنما ترك بسبب خذلان أكثر الأمة وجمهورهم له، قوله: # يلزم أن يكونوا شر أمة أخرجت للناس قلنا لا نسلم كونهم بأسرهم كذلك بل بعضهم، وهم الدافعون لهذا الحق عن أهله، والمقصرون عن نصرته، وكون البعض أشرارا لا ينافي * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * لأن هذا الخطاب إما مع كل الأمة بحيث لا يخرج منها واحد، وهذا باطل بالاتفاق لأن فيهم كثيرا من الأشرار، فيبقى أن يحمل على الأخيار من الأمة، وحينئذ يصير التقدير: لو كان هذا الحق مدفوعا عن أهله لكان الدافع له شر أمة أخرجت للناس، والدافع له بعض الصحابة. # قوله تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * لأنه خاص ببعضهم أيضا، والجزئيتان لا يتناقضان. سلمناه لكن لفظة " كنتم " تدل على أنهم كانوا في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذلك، أما بعده فلا نسلم، لأن ذلك يدل على الزمان الماضي. # وقوله * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * لا نسلم لأنه للاستقبال بل بحال الماضي، والله الموفق. PageV00P184 # البحث الثاني في مطاعن الخوارج وغيرهم في علي (عليه السلام) هؤلاء ذكروا مطاعن في علي (عليه السلام) وتوسلوا بذلك إلى خروجه عن أهلية الإمامة، وتلك المطاعن من وجوه عشرة: # الأول: أنه حكم ms86 الرجال في دين الله تعالى، فلو لم يكن شاكا في إمامة نفسه لما حكم. # الثاني: أنه رضي بتحكيم عمرو بن العاص " لعنه الله تعالى " مع فسقه وحكم أبا موسى الأشعري وكان يثبط أهل الكوفة عنه. # الثالث: أن قتلة عثمان كانوا في جنده وقد قام جماعة منهم فقالوا: " نحن قتلنا عثمان " فلم يقتص منهم. # الرابع: أنه شهد وحده لفاطمة (عليها السلام) على فدك، ولم يعلم أن شهادة الواحد لا تقبل، وأن شهادة الزوج لزوجته لا تقبل. # الخامس: أنه ما يعرف تدبير الحروب، وكان لا يستقيم له رأي، ولذلك لم ينتظم له أمر في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا بعد وفاته. # السادس: أن ابن عباس أشار عليه أن يولي معاوية مدة ثم يستدرجه ويعزله فلم يفعل حتى كان منه ما كان. PageV00P185 # السابع: أنه رد على عمر سهم ذي القربى وكان العباس أشار عليه بغير ذلك. # الثامن: أنه كان يستبد برأيه وتارك المشورة، وتارك المشورة مخط بإجماع العقلاء. # التاسع: أنه اضطرب عليه عسكره لسوء تدبيره حتى قال أهل الشام: # علي رجل شجاع غير أنه لا بصيرة له في الحرب (1). # العاشر: أنه أشار عليه الصحابة بالمقام بالمدينة فلم يفعل، وقد أقام بها من كان قبله. وكانوا يبعثون بالجيوش، وقد كان هو يشير عليهم بمثل ذلك، فإنه أشار على عمر لما استشاره في الخروج إلى بعض الغزوات فقال له: " إنك إن تخرج بنفسك إلى العدو فلا يكون للمسلمين كانفة يأوون إليها " إلى آخر الكلام كما هو مذكور في (نهج البلاغة) (2). # والجواب عن الأول: أما المراد بقوله إنه حكم الرجال، إن عنيتم به أنه لا يجوز أن يرد أمر ديننا إلى حكم رجل يحكم فيه برأيه من غير مراجعة كتاب الله أو بسنة رسوله، فذلك ممنوع، بل هو جائز، والتحكيم في هذا الأمر كالتحكيم في الزوجين، وقد أشار (عليه السلام) إلى هذا فقال: " ما حكمنا الرجال وإنما حكمنا كتاب الله، وإنه خط مسطور بين لوحين لا ينطق حتى يتكلم به # PageV00P186 # الرجال " (1) وقوله: إن ذلك ms87 يقتضي أن يكون شاكا في إمامته. # قلنا: هذا باطل، لأنه في أول أمره لم يرض بالتحكيم بل منع منه: " أنها مكيدة من ابن النابغة " (2). فلم يطيعوه، ويسلمونه (3) إلى التحكيم فأجاب إليه للاضطرار إليه. # وعن الثاني: أنه (عليه السلام) لم يحكم عمرو بن العاص وإنما حكمه خصمه، وقد أجاب ابن العباس (رضي الله عنه) عن ذلك فقال: " أرأيتم لو كانت امرأة المسلم يهودية ووقع الخلاف بينهما فبعثت يهوديا حكما أما كان يرضى به المسلم؟ " (4) وأما أبو موسى الأشعري فلم يرضه (عليه السلام)، ولما قالوا أنه صاحب رسول الله وإنه كذا وكذا قال (عليه السلام): إن هذا الأمر لا يؤتى من زهد ولا ورع، وإنما يدفع إلى داهية العرب (5) واختار هو (عليه السلام) ابن العباس (رضي الله عنه) فلم يطيعوه ولم يشعر (عليه السلام) في ذلك الوقت أنه كان يثبط الناس عنه (6). # PageV00P187 # وعن الثالث: أن قتلة عثمان كانوا في شوكة ويحتاج في إجراء حكم الله عليهم إلى معونة، وقد شغله من ذلك طلحة والزبير ومعاوية، وقد أجاب (عليه السلام) معاوية عن هذا فقال: " أدخل فيما دخل الناس فيه ثم حاكم القوم إلي أحملكم على كتاب الله تعالى " (1). وكيفية إقامة حكم الله تعالى عليهم ما أشار إليه (عليه السلام) وهو أن يمهل ويعاون (2) ولا يشغل عنهم ويدعى أولياء الدم عند الإمام، ويعينوا القتلة حتى يتمكن من إقامة القصاص عليهم. # وربما يقال: إن عليا (عليه السلام) هو الذي قتل عثمان! وهذا من بهت معاوية وأمثاله وافترائهم عليه، وقد أجاب (عليه السلام) عن هذا فقال مخاطبا لمعاوية: " إنك إن أنصفتني وجدتني أبرأ قريش من دم عثمان " (3). # وعن الرابع: أن الشك في علم علي (عليه السلام) بما هو واضح مشهور بين الصحابة من أعجب العجائب، أما شهادته وحده فلا يمكن الخصم أن يجزم بأنه كان عالما بأنه لا شاهد إلا هو، فإنه قد روي أن الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا شاهدين بذلك أيضا (4). # سلمناه، لكن يحتمل أن يكون (عليه السلام) قد جوز أن غيره سمع ما ms88 سمع وأدى ما كان عليه، مع تجويز أن يظهر غيره فيشهد بمثل شهادته. # PageV00P188 # سلمناه، لكن يجوز أن يحكم الحاكم بشاهد ويمين كما يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1). # وأما شهادة الزوج لزوجته فهي شهادة صحيحة مقبولة، وكذلك شهادة الولد لوالده. ولا نسلم أنها لا تجوز، وبيان ذلك من المسائل الفقهية (2). # وعن الخامس: أن مشاهدة حروبه ووقائعه بحسب التواتر وتصفح كلامه في كيفية الحرب، مما تضطر معه العقول إلى أنه كان أوحد الخلق في إصابة الرأي في تدبير الحروب، وكذلك مشاورات النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك، ورجوع أبي بكر وعمر إليه في كثير حركاتهم، وعدم مخالفتهم لحرف مما يقوله في أمر تدبير الحرب دليل واضح على دوام إصابة الرأي، غير أن قومه ما كانوا يطيعونه، وكان ذلك مذكورا في خطبه، مثل (3) " لا رأي لمن لا يطاع " (4). وكل فساد جرى في أمر ولايته (عليه السلام) إنما كان من قبلهم لسوء تدبيرهم وقلة طاعتهم له. # وعن السادس: أنه إنما لم يول معاوية لأنه لم يكن في نظره أهلا (5) للولاية لأن شرط ذلك أن يكون عدلا في الظاهر، وما كان عنده كذلك، ولذلك قال تعالى * (وما كنت متخذ المضلين عضدا) * (6). # PageV00P189 # وعن السابع: أنه إنما رد سهم ذي القربى لأن اجتهاده (1) أدى إلى أن استحقاقهم إياه إنما يكون لفقرهم، ولذلك قال لعمر: " إن بنا العام لغنية عنه وبالناس (2) حاجة إليه " (3)، وذلك من فضائله. # وعن الثامن: لا نسلم أنه كان يستبد برأيه مطلقا بل فيما يعلمه، وظاهر أنه (عليه السلام) كان يشاور أهل العلم والرأي. سلمناه، لكن قد ثبت أنه (عليه السلام) معصوم، فيلزم حينئذ أن تكون أوامره كلها صائبة. # وعن التاسع: أن اضطراب عسكره لا يدل على سوء تدبيره. وهو لأن حركاتهم الفاسدة مربوطة بآرائهم الفاسدة، وقد بينا أنه (عليه السلام) واحد الناس بالعلم بكيفية الحروب وممارستها. # وعن العاشر: أن الاهتمام بالأمور يفتح أبواب الآراء والترجيح بينها، ولا شك أن آراءه كانت أولى من آراء غيره، لشدة اهتمامه بالأمر في ذلك الوقت، ms89 فلم تأخذه في ذلك لأئمة، وقد ثبت أنه (عليه السلام) معصوم فيجب حمل جميع أفعاله على الصواب، وبالله التوفيق. # PageV00P190 # البحث الثالث في فساد ما قالته الطوائف من الشيعة المنكرين لواحد واحد من الأئمة الإثنى عشر (عليهم السلام) نذكر بعون الله تعالى ما يدل على فساد ما قالوه دلالة مجملة، تشتمل على إبطال جميع أقوالهم، ونورد بعد ذلك ما تمسك به طوائف منهم تفصيلا، إن شاء الله تعالى: # أما الأول: فبيانه من وجوه: # أحدها: لا واحد ممن يدعي هؤلاء الطوائف بمعصوم. وما ليس بمعصوم فليس بإمام، وهو المطلوب. أما المقدمة الأولى فمتفق على صحتها، أما الثانية فقد مضى تقريرها. # الوجه الثاني: أنه لا واحد ممن يدعي هؤلاء الطوائف إمامته بمنصوص عليه، وقد بينا أن الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه، ينتج أنه لا واحد ممن يدعي هؤلاء الطوائف إمامته بإمام. أما المقدمة الأولى فسنبين صحتها، وأما الثانية فقد ثبتت بالدليل. # الوجه الثالث: أن الشيعة بأسرهم معترفون بتقبيح العقل وتحسينه، إذا عرفت ذلك فنقول: لو كان الحق مع أحد هؤلاء الطوائف المذكورة لما جاز انقراضها على تقدير أن الحق معها، وإلا لزم خروج الحق عن الأمة وإنه PageV00P191 # غير جائز، وأما فساد الثاني: فظاهر أنه لم يكن لأحد من هذه الطوائف كثرة ليعتد بنقلهم، ولم يكن بينهم من هو مشهور بالعلم، ولم يبرز لهم قول حتى اضمحل. إذا عرفت ذلك فلنشرع الآن في بيان ما تمسك به طوائف منهم من الخيالات، ثم نبين فسادها إن شاء الله تعالى. # الطائفة الأولى - الكيسانية: إنما تسموا بهذا الاسم لأنهم أصحاب المختار، وكان اسمه أولا كيسان (1)، وقيل سبب تسميته أن أباه حمله وهو صغير إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فوضعه بين يديه فمسح يده على رأسه وقال له " كيس كيس " (2). ثم إنهم تمسكوا في أن الإمام بعد علي (عليه السلام) محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) له يوم البصرة " أنت ابني حقا " (3) وأنه كان صاحب رايته كما كان علي (عليه السلام) صاحب ms90 راية رسول الله (صلى الله عليه وآله). استدلوا بذلك على أنه أولى الناس بمقامه. # وأما أنه القائم المهدي فلقول النبي (صلى الله عليه وآله) " لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي وكنيته كنيتي واسم أبيه اسم أبي " (4) وكان من أسماء علي (عليه السلام) عبد الله لقوله (عليه السلام): " أنا عبد الله وأنا أخو رسول الله وأنا # PageV00P192 # الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر " (1) وزعموا أنه إذا كان هو الإمام وكان الإمام القائم المنتظر فلا إمام إذا غيره، ولا يجوز أن يموت قبل ظهوره فتخلو الأرض من حجة. # الجواب: أما قوله (عليه السلام) " أنت ابني حقا " فلا شك في هذه المقالة، وإنما النزاع في دلالة هذا الكلام على تخصيصه بالإمامة، وظاهر أنه ليس فيه دلالة على ذلك، بل إنما يحمل ذلك على الشهادة له بالشجاعة وطيب المولد وذلك أن محمدا (رضي الله عنه) لما حمل الراية يوم البصرة ثم (2) صبر حتى كشف الناس، فأبان من شجاعته وبأسه ما كان مستورا (3)، سر به (عليه السلام) وأحب أن يعظمه ويمدحه على فعله، أي أنك تشبهني في هذه الخصال وفي الصبر في الله. # وأما كونه صاحب الراية كما كان علي (عليه السلام) صاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فليس ذلك من الدلالة على إمامته في شئ البتة، ولو صح الاستدلال بهذا القدر على الإمامة لكان كل من حمل راية النبي (صلى الله عليه وآله) ولعلي (عليه السلام) كان منصوصا عليه بالإمامة، وذلك ظاهر الفساد. # وبالجملة فهم مطالبون على تصحيح دعواهم بالدليل الموجه. # وأما تمسكهم في أنه المهدي بقول الرسول (صلى الله عليه وآله) فليس في هذا الخبر إلا أن الله يبعث رجلا وله هذه الأوصاف، أما أنه هو هذا أو ذاك فلا يتناوله الخبر، على # PageV00P193 # أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن اسمه عبد الله وإنما مراده من قوله " أنا عبد الله " الاعتراف لنفسه بصفة العبودية لله (1). # ثم الذي يدل على أن محمدا (رضي الله ms91 عنه) ليس بإمام أنه لم يدع الإمامة ولا دعا أحدا إلى اعتقاد ذلك عنه. بدليل أنه سئل - عند (2) ظهور المختار وادعائه عليه أنه أمره بالخروج والطلب بثأر الحسين (عليه السلام) وأنه أمره أن يدعو الناس إلى إمامته - عن ذلك وصحته؟ فأنكره وقال: " والله ما أمرته بذلك، لكني لا أبالي أن يأخذ بثارنا كل أحد، وما يسؤني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا " (3) فاعتمد السائلون له ذلك وكانوا خلقا كثيرا قد رحلوا إليه لهذا المعنى بعينه، على ما ذكره أهل النقل، فرجعوا ونصر أكثرهم المختار على الطلب بدم الحسين (عليه السلام)، ولم ينصره على القول بإمامة محمد (رحمه الله) (4) ومع ذلك لا يمكن القول بإمامته، وبالله التوفيق. # الطائفة الثانية - الزيدية: ويجمعهم أن الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله): علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم كل فاطمي خرج بالسيف مستحقا لشرائط الإمامة وشبهتهم أن زيد بن علي (رضي الله عنه) كان عالما زاهدا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، فوجب أن يكون مستحقا لشرائط الإمامة فكان هو الإمام. # والجواب: أنا بينا أن من شرائط الإمامة العصمة والنص، وهما مفقودان في حق زيد رضي الله عنه فمن ادعاها فعليه البيان. # PageV00P194 # الطائفة الثالثة - الناووسية: وانتسابهم إلى رجل من أهل البصرة يقال له عبد الله بن ناووس (1) ويجمعهم كما عرفت أنهم يقولون: أن جعفر بن محمد سيرجع إلى الدنيا فيملأها عدلا كما ملئت جورا، وإن اختلفوا في أنه مات أو لا؟ # واحتجوا على ذلك بخبر رواه عنبسة بن مصعب عنه عليه السلام أنه قال " إن من جاء يخبركم عني بأنه غسلني وكفني ودفنني فلا تصدقوه " (2). # والجواب: أن العلم بموته معلوم بالضرورة لا يدفع بخبر واحد، وأيضا هذا الخبر إن لم يصح بطل ما قالوه، وإن صح سلطنا عليهم التأويل، لمعارضته العقل ووجوب ترجيح العقل على النقل (3). # الطائفة الرابعة - الإسماعيلية: شبهتهم من وجهين: # أحدهما: أن إسماعيل كان أكبر ولد جعفر، وليس يجوز أن ينص على غير الأكبر (4)! # الثاني: قالوا: قد أجمع ms92 من خالفنا على أن أبا عبد الله عليه السلام نص على إسماعيل غير أنهم ادعوا أنه " بدا لله فيه " وهذا قول لا نقبله منهم (5). # جواب الأول: أن النص على الأكبر متى يجب إذا كان الأكبر باقيا بعد والده أو إذا لم يكن؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، فإن إسماعيل رضي الله عنه مات في زمن والده، وإذا كان كذلك لم يكن للنص عليه معنى، ولو وقع لكان كذبا، لأن المعنى # PageV00P195 # أن المنصوص عليه يكون خليفة الماضي فيما يكون يقوم به، فإذا لم يبق بعده لم يكن خليفته، فيكون النص عليه حينئذ كذبا لا محالة (1). # وجواب الثاني: أنا لا نسلم تسليم الجماعة لهم حصول النص عليه، فإن أحدا من أصحابنا لم يعترف بأن أبا عبد الله عليه السلام نص على ولده إسماعيل، ولم ينقل أحد منهم ذلك شاذا ولا معروفا، وإنما غلطوا من حيث أن الناس كانوا في حياة إسماعيل يظنون أن أبا عبد الله عليه السلام ينص عليه لأنه كان أكبر أولاده وكان يعظمه، فلما مات إسماعيل رحمه الله زالت ظنونهم وعلموا أن الإمامة في غيره، فتمسك هؤلاء المبطلون بهذا الظن وجعلوه أصلا وادعوا وقوع النص عليه، وليس عندهم في ذلك أثر ولا خبر يسندوا دعواهم إليه. # فأما ما روي (2) من قول الصادق عليه السلام: (ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل) (3). فليس على ما توهموه من البداء في الإمامة لوجهين: # أحدهما: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: (إن الله كتب القتل علي ابني إسماعيل مرتين فسأله فيه، فما بدا له في شئ كما بدا له في إسماعيل) (4) وعنى به ما ذكره من القتل الذي كان مكتوبا عليه فصرفه عنه بمسألة أبي عبد الله عليه السلام (5). # PageV00P196 # الثاني: أن الإمامة لا يوصف الله تعالى فيها بالبداء، لإجماع الإمامية على النقل المشهور عن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا: (مهما بدا لله في شئ فلا يبدو له في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته ولا مؤمن قد أخذ ms93 الله عهده بالإيمان عن إيمانه) (1) وذلك يبطل ما ادعوه من ثبوت النص، وبالله التوفيق. # الطائفة الخامسة - الشمطية: القائلون بإمامة محمد بن جعفر، وسموا الشمطية لنسبتهم إلى رئيس لهم يقال له يحيى بن أبي الشمط. # شبهتهم: أنهم زعموا أن أبا عبد الله عليه السلام كان جالسا في داره، فدخل عليه محمد وهو صبي فكبا في قميصه ووقع لوجهه، فقام إليه أبو عبد الله فقبله ومسح رأسه وضمه إلى صدره وقال: (سمعت أبي يقول: إذا ولد لك ولد يشبهني فسمه باسمي، فهذا الولد يشبهني ويشبه الرسول صلى الله عليه وآله ويكون على سنته) (2). # جوابها: لا نسلم صحة الخبر، سلمناه، لكنه خبر واحد ولا يجوز العمل به، سلمناه، لكنه لا دلالة فيه على مرادكم، لأن مسح أبي عبد الله عن وجه ولده التراب وضمه إلى صدره وقوله (أن أبي أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سيولد لي ولد يشبهه يكون على سنته) لا يدل شئ منه على الإمامة لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام. # سلمناه، لكنه معارض بما أن محمدا خرج بعد أبيه بالسيف ودعا الناس إلى إمامته، وتسمى بإمرة المؤمنين، ولم يتسم بذلك أحد خرج من آل أبي طالب، ولا خلاف بين الإمامية أن من تسمى بهذا الاسم بعد أمير المؤمنين عليه السلام فقد أتى # PageV00P197 # منكرا (1)، ولم يكن أهلا للإمامة. # الطائفة السادسة - الفطحية: القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر عليه السلام، وسموا بذلك لأن عبد الله بن جعفر كان أفطح الرجلين (2) وقيل إنه كان لهم رئيس، يقال له عبد الله بن أفطح (3). وكلام هذه الطائفة ظاهر البطلان، لأنهم لم يدعوا نصا عن أبي عبد الله عليه السلام، وإنما عملوا على ما رووه من أن الإمامة تكون في الأكبر. # وجوابه من وجوه: # الأول: لا نسلم أنه الأكبر، فأن الأكبر كان إسماعيل. # الثاني: أن هذا الحديث لم يرد قط إلا مشروطا، وذلك أنه ورد (إن الإمامة تكون في الأكبر ما لم يكن به عاهة) (4). وأهل الإمامة القائلون بإمامة موسى ابن جعفر ms94 عليه السلام متواترون بأن عبد الله كانت به عاهة في الدين لأنه كان يذهب مذاهب المرجئة (5) الذين الواقعون في علي وعثمان، وأن أبا عبد الله عليه السلام قال فيه وقد خرج عنه: (هذا مرج كبير) (6). وإنه دخل عليه يوما وهو يحدث أصحابه، فلما رآه سكت حتى خرج، فسئل عن ذلك فقال: (أما علمتم أنه من # PageV00P198 # المرجئة) (١)؟! # الثالث: لم يكن له من العمل ما يتميز به من العامة، ولا يروى عنه شئ من مسائل الحلال والحرام، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الأحكام، ولما خرج وادعى الإمامة بعد أبيه امتحن بمسائل صغيرة فلم يجب عنها ولا تأتى (٢) له الجواب. فثبت بهذه الوجوه أنه ليس أهلا للإمامة. # الطائفة السابعة - الممطورة: وهم الوقفة في موسى عليه السلام أنه مات أو لم يمت، شبهتهم من وجهين: # أحدهما: أنهم حكموا أنه لما ولد موسى عليه السلام دخل أبو عبد الله عليه السلام على حميدة أم موسى فقال لها: (يا حميدة بخ بخ، حل الملك في بيتك) (٣). # الثاني: ما رووا أنه سئل عليه السلام عن اسم القائم فقال: (اسمه اسم حديدة الحلاق) (٤). # وجواب الأول: أن أبا عبد الله عليه السلام لعله أراد بالملك الإمامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر، وملك الأمر والنهي هو الملك على الحقيقة، ومثله قوله تعالى: ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما﴾ (5) فإنه أراد بالملك ملك الدين والرئاسة فيه على العالمين. # وجواب الثاني: لا نسلم صحة هذا الخبر، سلمناه، لكن لم لا يجوز أن تكون # PageV00P199 # إشارته [إلى] (١) القائم بالإمامة بعده، ولم يشر به إلى القائم بالسيف، وقد علمنا أن كل إمام فهو قائم بالإمامة بعد أبيه. # الطائفة الثامنة - القائلون بإمامة أحمد بن موسى: ولهم شبهتان: # إحداهما: أن الرضا عليه السلام وصى بالإمامة إليه، ونص بها عليه (٢). # الثانية: أن أبا جعفر كان صغير السن في ذلك الوقت، لأن الرضا عليه السلام مات وهو ابن سبع سنين ومثل هذا لا يصلح للإمامة (٣). # جواب الأولى: لا نسلم صحة النص على أحمد بن ms95 موسى، فإن أحدا ممن يعتبر نقله من الإمامية لم يروه (٤). # وجواب الثانية: أن الالتباس عليكم من جهة سنه عليه السلام بين الفساد، وذلك أن كمال العقل لا يستنكر لحجج الله تعالى مع صغر السن، وله اعتبار بقصة عيسى عليه السلام حيث قال القوم: ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ (٥) الآية وقال تعالى في قصة يحيى: ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ (6). فلم يكن كمال العقل منافيا للصبي في حق أولئك، فوجب أن لا يكون منافيا في حق أولياء الله تعالى، وذلك يبطل ما قالوه. # PageV00P200 # الطائفة التاسعة - القائلون بأن الإمامة بعد أبي الحسن علي بن محمد صارت إلى ابنه محمد بن علي، بنص أبي الحسن عليه السلام: # وهؤلاء مطالبون - أولا - بنقل لفظ النص ولن يجدوه. # الثاني: أنهم قد انقرضوا ولم يبق منهم إلا شذاذة (1) لا يعتد بنقلهم، ولا يكون حجة يتعين به الإمام. # الطائفة العاشرة - الذين زعموا أن الحسن بن علي لم يمت: شبهتهم: # أنه لو مات وليس له ولد، لخلا الزمان عن الإمام المعصوم، وأنه غير جائز. # الجواب: أما موته فمعلوم بالضرورة. وأما أنه لا ولد له فلا نسلم، فإن الجمهور من الإمامية يثبتون ولادة ابنه القائم المنتظر، وصححوا النص عليه، وقالوا هو سمي رسول الله ومهدي الأنام، وتواتر بينهم أن الحسن عليه السلام أظهره لهم وأراهم شخصه، وإن كان بنيهم خلاف في سنه عند وفاة أبيه، فقال كثير منهم كان سنه إذ ذاك خمس سنين، لأن أباه توفي سنة ستين ومائتين، وكان مولد القائم سنة خمس وخمسين ومائتين. وقال بعضهم: بل كان مولوده سنة اثنين وخمسين، وكان (2) سنه عند وفاة أبيه ثمان سنين. واتفقوا على أن أباه لم يمت حتى أكمل الله تعالى عقله وعلمه الحكمة وفص الخطاب، وأبانه من سائر الخلق بهذه الصفة، إذ كان خاتم الحجج ووصي الأوصياء وقائم الزمان (3). # واحتجوا على جواز ذلك عقلا: بقصة عيسى عليه السلام في قوله تعالي: (كيف # PageV00P201 # نكلم من كان في المهد صبيا قال إني ms96 عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا) (١) وبقصة يحيى عليه السلام بقوله تعالى: ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ (2) وقالوا (3): (أن صاحب الأمر حي لا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما) وأما إنه لم وجب بقاؤه؟ # فلما تقدم من وجوب نصب الإمام من الله تعالى في كل وقت. # فهذا هو الكلام على الطوائف المشهورة منهم، وأما الباقون فكلامهم ظاهر الفساد، وبالله التوفيق. # PageV00P202 # البحث الرابع في غيبة الإمام عليه السلام إعلم أن البحث في هذه المسألة يقع في مقامات أربع: # المقام الأول: في سبب الغيبة. # [المقام] الثاني: في إمكان بقاء المزاج الانساني مثل المدة التي ندعيها لهذا الإمام الغائب. # [المقام] الثالث: وقوع ذلك البقاء في الأمزجة كثيرة مشهورة. # [المقام] الرابع: في كون المدعى إمامته هذا هو الإمام المعين. # وعند بيان هذه الأمور نبين لك أن إنكار ما يقول الاثني عشرية في أمر الغيبة جهل محض من منكريه، وعصبية باطلة في مقابلة الحق. # أما المقام الأول، وهو بيان سبب الغيبة، فاعلم: أنا بينا في البحث الأول في وجوب عصمة الإمام، أن سبب انبساط يده عليه السلام مركب من ثلاثة أجزاء: # أحدها: يجب من الله وهو إيجاده وإكماله في ذاته. # والثاني: يجب عليه نفسه وهو القيام بأعباء الإمامة. # والثالث: على الخلق وهو الانقياد له ومساعدته في تنفيذ أوامر الله تعالى والقيام بها. PageV00P203 # والماهية المركبة لا تتحقق إلا بمجموع أجزائها، لكن وإن حصل وجوده وقيامه بأعباء الإمامة - وهذان الأمران اللذان يتعلقان بالله تعالى وبه نفسه - فإن الجزء الثالث من الخلق لم يحصل، إذ لم يزل خائفا مستترا من الأعداء، فقد (1) ظهر من ذلك: أن سبب غيبة الإمام هو قوة الظالمين والخوف منهم. # على أن لنا أن نقول: إن سلمنا أن هذا ليس بسبب، لكن إذا ثبت أنه عليه السلام معصوم لم يفعل قبيحا ولم يخل بواجب، لم يزل من عدم تعقلنا (2) لعلة غيبته أن لا يكون موجودا، لجواز أن يكون ذلك لمصلحة لا يطلع عليها. # وأما المقام الثاني، وهو إمكان بقاء المزاج الانساني مثل المدة التي ms97 ندعيها لهذا الإمام القائم، فالعلم به ضروري، ويدل على ثبوت الإمكان تواتر الوقوع. # وأما المقام الثالث، وهو ثبوت البقاء في أمزجة مشهورة، فهو أيضا بين، ولنذكر عدة من أعمار المعمرين الذين تواترت بتعيين أعمارهم الأخبار: فمن أولئك: # الربيع بين ضبيع الفزاري، كان من المعمرين وعاش ثلاثمائة وثمانين سنة (3)، روي أنه دخل على بعض خلفاء بني أمية فقال: يا ربيع، لقد طلبك جد (4) غير عاثر. فقال: فصل لي عمرك. فقال: عشت مائتي سنة في الفترة فترة عيسى ابن مريم عليه السلام، ومائة وعشرين سنة في الجاهلية، وستين سنة في الاسلام. مع # PageV00P204 # سؤالات أخر لا تتعلق بغرضنا (1). # ومنهم: المستوغر وهو عمر بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة، عاش ثلاثمائة وعشرين سنة، وأدرك أول الإسلام، وله في ذلك شعر: # ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من بعد السنين مئينا مئة أتت من بعدها مئتان لي * وازددت من بعد المئين سنينا (2) هل ما بقي إلا كما قد فاتنا * يوم يكر وليلة تفنينا (3) ومنهم أمانة بن قيس بن الحارث بن شيبان بن العارك بن معاوية بن الكندي (4)، عاش ثلاثمائة وعشرين سنة، وفي ذلك المسلم النخعي يقول: # أيا ليتني عمرت يا أم خالد * كعمر أمانات بن قيس بن شيبان لقد عاش حتى قيل ليس بميت * وأفنى فئاما (5) من كهول وشبان فحلت به من بعد حرس وحقبة * دويهية حلت بنصر بن دهمان ومنهم: عبد المسيح بن بقيلة الغساني، وهو عبد المسيح بن عمر بن قيس ابن حنان بن بقيلة، وبقيلة: كنية لثعلبة وقيل الحرث، وإنما سمي بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة، فعرف بذلك وعاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم وكان نصرانيا (6). # PageV00P205 # ومنهم: دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن أسلم بن الحاف (1) بن قضاعة، عاش أربعمائة سنة وستة وخمسين سنة. # وأما من عاش في الإسلام وقبيل الإسلام المأتين وفوقها فكثيرون، كزهير ابن حباب الكلبي (2): فإنه عاش مائتين وعشرين سنة، وواقع مائتي ms98 وقعة (3)، وكان سيدا مطاعا في قومه. # وكالرجل الجرهمي (4) قيل إنه دخل على معاوية بن أبي سفيان رجل فقال ممن الرجل؟ فقال: من جرهم، فقال: ومنهم باق؟ فقال: بقيت ولو لم أبق لم آتك، فقال له معاوية: صف لنا الدنيا وأوجز، فقال: نعم سنيات بلاء وسنيات رخاء، يولد مولود ويهلك هالك، ولولا المولود لباد الخلق، ولولا الهالك لضاقت الأرض برحبها، وقال: # وما الدهر إلا صدر يوم وليلة * ويولد مولود ويفقد فاقد وساع لرزق ليس يدرك قوته * ومهدى إليه رزقه وهو قاعد وكان سنة مائتين وأربعين سنة. # فهؤلاء بعض من عاش إلى هذه المدة في هذا القرن. # وأما الأخبار عن أعمار من كان في القرون الأولى (5) فمشهورة، وقد نبه القرآن العظيم على بعضها كعمر نوح عليه السلام إذ لبث في قومه يدعوهم سوى ما سبق # PageV00P206 # ﴿ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ (1) وما اشتهر عن عمر لقمان (2) وأنه عاش ثلاثة آلاف سنة، وقيل: سبعة آلاف سنة. # وبالجملة: فالعلم التواتري حاصل بامتداد الحياة الانسانية هذه المدة وأمثالها. # وأما المقام الرابع، وهو أن المدعى إمامته وغيبته هو هذا المعين، فقد بينا أن ذلك معلوم من نص أبيه (3) وأن الاثني عشرية ينقلون خلفا عن سلف أن الحسن عليه السلام أظهره لهم ونص عليه، ولم يخرج من الدنيا حتى أكمل الله عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب، وإذا عرفت هذه المقامات ظهر لك أن استنكار غيبة هذا الإمام وطول حياته ممن ينكرها ليس إلا بمجرد العصبية الفاسدة، ولو سلمنا أنه لم يوجد بقاء المزاج الانساني إلى الحد المذكور إلا أن ذلك من الأمور الممكنة، والله تعالى قادر على جميع الممكنات، ومن مذهب الكل أن خرق العادة في حق الأولياء والصالحين أمر جائز وحينئذ يكون الاستنكار والاستبعاد قبيحا، والله ولي التوفيق والعصمة، وهو ولي السداد وله الحمد والمنة، والحول والقوة. # PageV00P207 ms99