######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004010 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن ميثم البحراني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 689 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قواعد المرام في علم الكلام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004010 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4010_قواعد-المرام-في-علم-الكلام-ابن-ميثم-البحراني #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تحقيق : السيد أحمد الحسيني / بإهتمام : السيد محمود المرعشي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1406 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # قواعد المرام في علم الكلام تصنيف المولى الأعظم العلامة كمال الملة ~~والدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني تغمده الله بغفرانه PageV00P017 # بسم الله الرحمن الرحيم (عونك يا قيوم) الحمد لله الولي الحميد، ذي العرش ~~المجيد، الفعال لما يريد، عالم الغيب والشهادة، المتفرد باستحقاق العبادة، ~~أحمده والحمد من نعمه، وأستزيده من فضله وكرمه. # وأشهد أن لا إله إلا هو مخلصا له الدين، مسلما لأمره في كل حين. # وأشهد أن محمدا رسوله الأمين، المبعوث بلسان عربي مبين. صلى الله عليه ~~وآله الطيبين وأصحابه الأكرمين وسلم عليهم أجمعين. # وبعد: # فلما كان شرف العلم بشرف المعلوم، وكلما كان المعلوم أجل وأعلى كان العلم ~~به بالرعاية أولى، وكانت ذات الباري سبحانه أشرف المعلومات فكانت معرفته ~~أتم المهمات، إذ كان المتوجه إليها هو المتوجه إلى أعلى الكمالات ~~PageV00P019 # والفائز بها هو الفائز بأقصى مراتب السعادات. # وإذا كان المتكفل ببيانها هو العلم المسمى في عرف المتكلمين ب‍ (أصول ~~الدين) وكنت ممن وسم فيه بالتحصيل وإن لم أحصل منه إلا على القليل، أشار ~~إلي، من إشارته غنم وتلقى أوامره العالية حتم، وهو المولى المكرم الملك ~~المعظم العالم العادل الفاضل الكامل الذي فاق ملوك الآفاق باستجماع مكارم ~~الأخلاق، وفاق في حلبة السباق أهل الفضائل بالإطلاق الذي ملأ الأسماع ~~بأوصافه الجميلة وأفاض أوعية الأطماع بألطافه الجزيلة حتى أنسى بضروب النعم ~~من سلف من أهل الكرم وأمت كعبة جوده وجوه الهمم من سائر طوائف الأمم، عز ~~الدنيا والحق والدين غياث الإسلام المسلمين أبو المظفر عبد العزيز ابن جعفر ~~خلد الله إقباله وضاعف جلاله وأبد فضله وأفضاله وحرس عزه وكماله إذ كانت ~~همته العلية مقصورة على تحصيل السعادة الأبدية، أن اكتب له مختصرا في هذا ~~العلم يجمع بين تحقيق المسائل وإبطال مذهب الخصم بأوضح الدلائل المميزة ~~للحق من الباطل. # فلم استجز مخالفة الواجب من الأمر مع قلة البضاعة وظهور العذر، فشرعت في ~~ذلك معتصما بواهب العقل وملهم العدل. # ورتبت تلك المقاصد على عدة قواعد: PageV00P020 # القاعدة الأولى (في المقدمات) وفيها أركان: # الركن الأول وفيه ms001 أبحاث: # البحث الأول: # حصول صورة الشئ في العقل إما أن يتجرد عن الحكم ويسمى ذلك الحصول معرفة ~~وتصورا، وإما أن يكون مع الحكم عليه ويسمى ذلك الحكم سواء كان بنفي أو ~~إثبات تصديقا أو علما. فمن شرائطه إذن تعقل محكوم عليه ومحكوم به ونسبة ~~بينهما. PageV00P021 # البحث الثاني: # كل واحد من التصور والتصديق: إما أن يكون بديهيا مطلقا وهو باطل، وإلا ~~لعلم كل عاقل كل العلوم. أو كسبيا مطلقا هو باطل، وإلا لزم الدور أو ~~التسلسل أو يكون بعضه بديهيا وبعضه كسبيا وهو الحق. # وحينئذ فالبديهي من التصورات هو الذي لا يكون حصوله في العقل موقوفا على ~~تجشم كسب، كتصور معنى الوجود والوحدة. والكسبي منه ما يقابل ذلك كتصور معنى ~~الملك والجن. # والبديهي من التصديقات هو الذي يكون تصور طرفيه - أعني المحكوم عليه ~~والمحكوم به - كافيا في الجزم باثبات أحدهما للآخر، كقولنا " الكل أعظم من ~~الجزء " أو بنفي أحدهما عن الآخر كقولنا " النفي ليس باثبات ". والكسبي ~~منها ما لم يكن كذلك، بل نحتاج في إثبات أحدهما للآخر أو نفيه عنه إلى وسط ~~كقولنا " العالم حادث " و " الإله ليس بحادث ". # البحث الثالث: # التصديق إما أن يكون جازما أو لا يكون، والجازم إما أن يكون مطابقا أو ~~فلا يكون، والمطابق إما أن يكون جزم العقل به لسبب أو لا يكون. # فالذي يكون لسبب فسببه إما الحس وحده وهي الأحكام الحاصلة عن الحواس ~~الخمس، أو العقل وحده، فأما بأوليته، وهي البديهيات أو بنظره وهي النظريات، ~~أو العقل والحس معا فإما إلى الحس الباطن وهي الوجدانيات كاللذة والألم أو ~~الحس الظاهر، فأما الحس الظاهر فإما حس السمع وهي PageV00P022 # المتواترات أو سائر الحواس وهي المجربات ونحوها. # وأما الجازم المطابق الذي لا لموجب فهو التقليد، وأما الجازم الغير ~~المطابق فهو الجهل المركب. # وأما الذي لا يكون جازما فإما أن يتساوى طرف الاثبات والنفي منه عند ~~الذهن وهو الشك، أو يرجح أحدهما فالراجح ظن والمرجوح وهم. # البحث الرابع: # لما بينا أن من التصورات والتصديقات ما هو مكتسب فلا ms002 بد له من طريق، فوجب ~~أن نشير إلى الطرق الموصلة إلى كل منهما إشارة مجملة. # وقد جرت العادة بأن تسمى الطرق الموصلة إلى التصور المكتسب قولا شارحا، ~~فمنه ما يسمى حدا ومنه ما يسمى رسما. وأن تسمى الطرق الموصلة إلى التصديق ~~حجة، فمنها ما يسمى قياسا ومنها وما يسمى استقراء ومنها ما يسمى تمثيلا، ~~ويخصه الفقهاء والمتكلمون باسم القياس. # وهذه الطرق إنما وضعت ليأمن السالك بها في العلوم من الغلط في فكره إذا ~~راعى الشرائط التي يجب أن يكون عليها. # ويجب أن نقدم الكلام في الفكر والنظر لأنه كالآلة في وجودها. PageV00P023 # الركن الثاني (في النظر وأحكامه) وفيه أبحاث: # البحث الأول: # قال بعض العلماء: النظر والفكر عبارة عن ترتيب مقدمات علمية أو ظنية ~~ليتوصل بها إلى تحصيل علم أو ظن آخر. مثاله: إن من أراد أن يعلم أن العالم ~~له مؤثر قال: " العالم ممكن وكل ممكن له مؤثر " فترتيب الحدود الثلاثة على ~~الوجه المخصوص يسمى نظرا وفكرا. # والحق أن النظر عبارة عن انتقال الذهن من المطلوب إلى مبادئه التي يحصل ~~منها طالبا لها ثم منها إلى المطلوب. # وتحقيقه في المثال المذكور: إن من كان مطلوبه العلم بأن العالم ممكن ~~فنظره لتحصيله هو انتقال ذهنه منه إلى مقدمات دليله المذكور بأجزائها ~~وترتيبها المستلزم لانتقال ذهنه إلى النتيجة التي نسميها قبل النظر مطلوبا، ~~فمجموع تلك الانتقالات هو المسمى فكرا ونظرا، وحينئذ يتبين أن الترتيب ~~المذكور من لوازم النظر لا حقيقته. # البحث الثاني: # النظر المفيد للعلم موجود. PageV00P024 # وأنكره السمنية 1) مطلقا واعترف به جماعة من المهندسين في علمي الحساب ~~والهندسة وأنكروه في الإلهيات. وزعموا أن الغاية في المسائل الإلهية الأخذ ~~بالأولى والأخلق دون الجزم، فإنه لا سبيل إليه. # لنا إن النظر في المثال المذكور استلزم العلم، فالنظر المفيد للعلم ~~موجود. # احتج المنكرون مطلقا بوجوه: # (الأول) إن العلم بكون النتيجة الحاصلة عن النظر علما غير ضروري، لأن ~~كثيرا ما ينكشف الأمر بخلافه، ولا نظري وإلا لدار أو تسلسل. # (الثاني) إن المطلوب إن كان معلوما استحال طلبه، ms003 لأن تحصيل الحاصل محال. ~~وإن كان مجهولا فكيف يعلم إذا وجده أنه هو الذي كان مطلوبه. # (الثالث) إن الإنسان قد يجزم بصحة دليل زمانا مديدا ثم يظهر له بعد حين ~~فساده بدليل آخر، والاحتمال في الثاني قائم وكذا في الثالث والرابع، ومع ~~قيام الاحتمال لا يحصل اليقين. # واحتج المنكرون للنظر في الإلهيات بوجهين: # (أحدهما) أن الحقائق الإلهية غير متصورة، فاستحال الحكم عليها، فامتنع ~~طلبها. # (الثاني) إن أظهر الأشياء وأقربها من الإنسان هويته، وللناس فيها ~~اختلافات لا يمكن الجزم بواحد منها، وإذا كان حاله في معرفة أقرب الأمور ~~إليه كذلك فما ظنك بأبعدها عنه مناسبة. # (والجواب عن الأول) أنه ضروري، وكل من رتب مقدمات تعينية ترتيبا منتجا ~~علم بالضرورة كون الحاصل عنها علما ولم ينكشف الأمر بخلافه البتة. # PageV00P025 # (وعن الثاني) أنه مجهول التصديق معلوم التصور، فإذا وجده ميزه عن غيره ~~بالتصور المعلوم. # (وعن الثالث) أن غلط العقل في بعض الأدلة لا يوجب رد أحكامه مطلقا، ~~واحتمال غلطه فيما يجزم به لا يبقى مع جزمه. # وأيضا فهو معارض بغلط الحس مع اعترافكم بصحة حكمه. # (وعن الرابع) أن التصديق يكفي فيه التصور بحسب العوارض، وتلك الحقائق ~~متصورة بحسب عوارضها المشتركة بينها وبين المحدثات، فأمكن الحكم عليها. # (وعن الخامس) أنه يدل على صعوبة هذا العلم لا على امتناعه. # البحث الثالث: # الدليل إن طابق ما عليه الأمر في نفسه من صدق المقدمات العلمية أو الظنية ~~وصحة ترتيبها المستلزم للمطلوب، كان ذلك النظر نظرا صحيحا وإلا كان فاسدا. # ثم الفساد إن كان من جهة المقدمات مع صحة الترتيب على الوجه المنتج كما ~~سنذكره كان ذلك النظر مستلزما للجهل المركب، وإن كان الفساد من جهتيهما أو ~~من جهة الترتيب فقط لم يستلزم الجهل، وإن كان قد يعرض بسببه جهل لكن لا على ~~وجه اللزوم لجواز انفكاكه عنه وقتا آخر وفي ذهن آخر. # وحينئذ يعلم أن الخلاف الجاري بين المتكلمين في أن النظر الفاسد هل يولد ~~الجهل أم لا، خلاف من غير تحقيق محل النزاع. # البحث الرابع: # حصول ms004 العلم عقيب النظر الصحيح المجرى العادة عند الأشعرية. PageV00P026 # ويجوز خرقها فلا بوجد العلم عنه، وعلى سبيل التولد عند المعتزلة كتولد ~~الألم عن الضرب. # والحق أنه مستلزم للعلم بالضرورة كما سبق، فإن من علم أن العالم حادث وإن ~~كان حادث مفتقر إلى المؤثر لزم بالضرورة عن هذين العلمين على الترتيب ~~المذكور العلم بأن العالم مفتقر إلى المؤثر. # البحث الخامس: # قال أصحابنا: شرط حصول العلم عن النظر أن يكون الناظر عالما بالدليل من ~~الوجه الذي يدل، ولا يستلزم المطلوب مع الشك أو الظن أو الجهل به من ذلك ~~الوجه، وكان العلم به من ذلك الوجه هو التفطن، لاندراج الحد الأصغر تحت ~~الأوسط والأوسط تحت الأكبر، كما سنبين معنى هذا المفهومات. فإن الإنسان قد ~~يعلم أن هذا الحيوان بغلة وأن كل بغلة عاقر وربما رأى بغلة منتفخة البطن ~~فظنها حبلى، فلا يكفي حصول المقدمتين في الذهن بدون التفطن المذكور في حصول ~~المطلوب. # البحث السادس: # شرط وجود النظر أن لا يكون الناظر عالما بالمطلوب، لأن لك يكون تحصيلا ~~للحاصل. وأن لا يكون جاهلا به جهلا بسيطا مطلقا. لأن نفسه تكون إذن غافلة ~~عنه من كل وجه فيمتنع طلبه. وأن لا يكون جاهلا به جهلا مركبا، لأن ذلك ~~يمنعه عن الطلب. بل يكون عالما به باعتبار ما، فيتنبه من ذلك الاعتبار لطلب ~~القدر المجهول منه. PageV00P027 # البحث السابع: # النظر في معرفة الله تعالى واجب عقلا، خلافا للأشعرية. # لنا: إن النظر شرط لحصول أمر واجب، وما كان شرطا للواجب كان واجبا: # أما المقدمة الأولى: فلأنه شرط لمعرفة الله تعالى وهي واجبة: أما إنه شرط ~~للمعرفة فلأنها من الأمور الكسبية، والضرورة قاضية بأنه ما لم يحصل في ~~الذهن وسط جامع بين حدي المطلوب لم يحصل العلم به. وقد عرفت أن تحصيل الوسط ~~لا يمكن إلا بالنظر، فإذن المعرفة لا تحصل إلا به فكان شرطا لها. # وأما أنها واجبة فمن وجهين: # (الأول) إن دفع الضرر المظنون الذي يلحق بسبب الجهل بمعرفة الله واجب ~~عقلا، ووجوب دفع ذلك الضرر مستلزم ms005 لوجوب المعرفة. # بيان الأول: إن المكلف الجاهل بالله يجوز أن يكون له صانع أراد منه ~~معرفته وكلفه بها، وأنه إذا لم يعرفه عاقبه، سواء كان ذلك التجويز بخاطر ~~خطر له أو بحسب سماعه اختلاف الناس في الديانات وإثبات الصانع، فإنه يجد من ~~نفسه خوف عقاب مظنون لعله يلحقه على ترك المعرفة وذلك ضرر واجب الدفع عن ~~النفس. # بيان الثاني: إن دفع ذلك الضرر لا يحصل إلا بالمعرفة، فكان وجوبه مستلزما ~~لوجوبها. # (الثاني) لو لم يجب معرفة الله تعالى عقلا لما وجب شكر نعمه عقلا، ~~واللازم باطل فالملزوم مثله. PageV00P028 # بيان الملازمة: إن بتقدير عدم معرفة المنعم لا يمكن شكره، وما لا يمكن ~~أولى بأن لا يجب. بيان بطلان اللازم: إن العاقل إذا فكر في خلقه وجد آثار ~~النعمة عليه ظاهرة، وقد تقرر في عقله وجوب شكر المنعم فيجب عليه شكره فيجب ~~إذن معرفته. # بيان الثاني: إنه لو لم يجب الشرط لوجوب مشروطه لكان التكليف به تكليفا ~~بما لا يطاق وأنه قبيح عقلا، وسيأتي الكلام فيه في مسألة الحسن والقبح إن ~~شاء الله. # فإن قيل: لا نسلم وجوب المعرفة، ولم لا يكفي التقليد أو الظن الغالب، فإن ~~من اعتقد المنعم وإن لم يعلمه صح منه أن يشكره، وكذلك إذا خاف يندفع خوفه ~~بالفرع إلى الاعتقاد الجازم وإن لم يكن يقينا. سلمناه لكن لم قلتم إنه لا ~~طريق إلى المعرفة سوى النظر. ثم إنا نتبرع بذكر طرق أخر: منها قول المعصوم. ~~ومنها الإلهام. ومنها تصفية الخاطر كما يقوله بعض المتصوفة. وإنما يجب لو ~~لم يكن غيره طريقا. سلمناه لكن لم قلتم إن ما كان شرطا للواجب كان واجب. ~~قوله: يلزم تكليف ما لا يطاق. قلنا: ولم لا يجوز أن تكون التكاليف بأسرها ~~كذلك. # والجواب عن الأول: # قوله " لا نسلم وجوب المعرفة " قلنا: بينا ذلك. # قوله " ولم لا يكفي التقليد أو الظن الغالب " قلنا: لأن الاعتقاد الحاصل ~~بالتقليد غير كاف في دفع خوف الضرر المظنون في ترك المعرفة، لا المقلد لا ~~يأمن خطأ من ms006 قلده ويستوي عنده الصادق والكاذب، ومتى ميز بينهما لم يكن ~~مقلدا. وأما الظن فممكن الزوال، وفي زواله خطر عظيم، فلا يندفع به خوف ~~PageV00P029 # الضرر المظنون في ترك معرفة الله. ولا يكفيان أيضا في صحة شكره، لجواز أن ~~يأتي المكلف بالشكر على الوجه غير اللائق فيقع في الضرر، كشكر المجسمة ~~ونحوهم. # وعن الثاني: # قوله " لم قلتم إنه لا طريق إلى المعرفة سوى النظر " قلنا: بينا ذلك فأما ~~قول المعصوم فلا يمكن أن يستفاد معرفة الله تعالى منه، لتوقف العلم بكونه ~~حجة على المعرفة، فلو استفيدت المعرفة من قوله لزم الدور. # وأما الإلهام فلو ثبت وقوعه لم يأمن صاحبه أن تكون من غير الله إلا ~~بالنظر وإن لم يتمكن من العبارة عنه. # وأما تصفية الباطن فهي عبارة عن حذف الموانع الداخلة والخارجة عن القلب، ~~وغايتها أن تقبل النفس معا السوانح الإلهية على طريق الإفاضة والإلهام ولن ~~يعلم إن تلك الإفاضة والخواطر من الله أو من غيره إلا بالنظر. # وعن الثالث: إنا سنبين إنشاء الله تعالى في مسألة الأفعال أن القول ~~بتكليف ما لا يطاق محال. # الركن الثالث (في الطرق الموصلة إلى التصور) وهي الأقوال الشارحة، وفيه ~~أبحاث: # البحث الأول: # الحقائق منها بسيطة وهي ما لا يلتئم عند العقل من عدة أمور، ومنها مركبة ~~PageV00P030 # وهي ما كان كذلك. # ثم لما كان المعرف للشئ هو الذي يلزم من تصوره تصور ذلك الشئ وامتيازه عن ~~غيره لم يجز أن يعرف الشئ بنفسه، لعدم إفادته تميز نفسه، ولأن المعرف يجب ~~كونه معلوما قبل المعرف، فلو عرفنا الشئ بنفسه لزم تقدم العلم به على العلم ~~به، فلزم تقدمه على نفسه، ولا بما هو أعم منه لأن تصور العام لا يستلزم ~~تصور الخاص، ولا بما هو أخص لكونه أخفى، بل وجب أن يكون التعريف بما يساويه ~~في العموم والخصوص. فذلك المساوي إما أن يكون مجموع أجزاء الشئ ويسمى حدا ~~تاما كالحيوان الناطق للانسان، أو بعض أجزائه ويسمى حدا ناقصا كالجسم ~~الناطق له، أو بعض أجزائه المشتركة مع أمر ms007 خارج عنه مساو له ويسمى رسما ~~تاما كالحيوان الضاحك له. وكذلك مجموع أمور خارجة عن ماهيته مساو لها إذا ~~ميزها عن كل ما عداها، أو مجموع أمور يميزها عن بعض ما عداها ويسمى رسما ~~ناقصا كالحيوان البادي البشرة له. # البحث الثاني: # ظهر مما قررنا أن البسائط لا تعرف بحد، إذ لا أجزاء لها، بل تعرف بالأمور ~~الخارجة عنها الخاصة بها البينة لها إن كانت. # ثم إن كانت أجزاء لغيرها أخذت في حده وإلا فلا يعرف بها أيضا تعريفا ~~حديا. # وأما المركبات فتعرف بحدودها، إذ لها أجزاء لغيرها أخذت في حده أو عرضية ~~له جاز أن تؤخذ في رسومها. PageV00P031 # البحث الثالث: # الترتيب في الأقوال الشارحة أن يقدم الأعم ثم يقيد بالأخص، لأن الأعم ~~أعرف في الذهن وأكثر وقوعا فيه من الأخص، وتقديم الأعرف هو الترتيب ~~الطبيعي، فكان أولى كما قرر ذلك في موضع أليق به. # البحث الرابع: # الاحتراز عن تعريف الشئ بما يساويه في المعرفة والخفاء وعن تعريفه ~~بالأخفى منه ربما لا يعرف إلا به في مرتبة أو مراتب. # الركن الرابع (في الطرق الموصلة إلى التصديق) وفيه أبحاث: # البحث الأول: في الخبر وأنواعه ثلاثة: # لأن الخبر إما أن يكون تركيبه تركيبا أولا من محكوم عليه ومحكوم به ويسمى ~~تصديقا وقضية حملية، كقولنا " العالم حادث ". # وإما تركيبا ثانيا يقع من مركبات أولى، وحينئذ لا بد بين المركبين من ~~نسبة فهي إما لزوم أحدهما للآخر ويسمى ذلك المركب شرطيا متصلا وأدواته ~~PageV00P032 # حروف الشرط والجزاء كقولنا " إن كان العالم حادثا فليس بقديم "، ويسمى ~~الجزء الأول من هذا المركب ملزوما ومقدما والثاني لازما وتاليا. # وإما أن تكون عناد أحدهما للآخر ومنافاته ويسمى ذلك المركب شرطيا منفصلا، ~~وأدواته إما وما في حكمها، كقولنا " المعلوم إما موجود وإما معدوم ". # البحث الثاني: في تعريف الحجة وأقسامها الحجة قول مؤلف من أقوال يقصد بها ~~تحصيل مطلوب مجهول، وأقسامها ثلاثة: # (الأول) ما يسمى قياسا، وحده أنه قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنها ~~بالذات قول آخر ضرورة، وهو إما ms008 أن لا يكون اللازم عنه ولا مقابله مذكورا ~~فيه بالفعل، ويسمى قياسا اقترانيا، كقولنا " كل جسم مؤلف وكل مؤلف محدث " ~~فإنه يلزم بالضرورة من تسليم هذين القولين الحكم بأن كل جسم محدث. # فهذا قياس، وكل واحد من القولين المركب منهما يسمى مقدمة، وأجزاؤها تسمى ~~حدودا. # ولا بد من مشترك بين المقدمتين يذكر فيهما، فما اختص بالمقدمة الأولى سمي ~~حدا أصغر كالجسم في مثالنا، وسميت المقدمة صغرى لاشتمالها عليه، وما اختص ~~بالثانية سمي أكبر كالمحدث فيه، وسميت الكبرى لاشتمالها عليه، وما كان ~~مشتركا بينهما سمي أوسط كالمؤلف. # وهذا القياس يقع على وجوه أربعة من التركيب: لأن الأوسط إما أن يكون ~~محكوما به على الأصغر محكوما عليه بالأكبر ويسمى الشكل الأول، أو بالعكس ~~ويسمى الشكل الرابع، أو محكوما به عليهما ويسمى الشكل الثاني، أو بهما عليه ~~ويسمى الشكل الثالث. وأجلى الأربعة وأكثرها استعمالا في تحصيل المطالب ~~PageV00P033 # هو الأول كما في مثالنا المذكور هذا. # وإما أن يكون اللازم عنه أو مقابله مذكورا فيه بالفعل ويسمى قياسا ~~استثنائيا وهو مركب من شرط واستثناء، فأما من شرط يقتضي اللزوم ويلزم من ~~استثناء عين الملزوم فيه عين اللازم، كقولنا " إن كان العالم حادثا فله ~~صانع لكن العالم حادث " فيلزم أن له صانعا، ومن استثناء نقيض اللازم نقيض ~~الملزوم، كقولنا " إن كان العالم قديما فهو غني عن المؤثر لكنه ليس بغني ~~عنه " فيلزم أنه ليس بقديم. # وإما أن يكون التركيب من شرطي يقتضي العناد الحقيقي ويلزم من استثناء عين ~~كل جزء منه نقيض الآخر، كقولنا " هذا العدد إما زوج وإما فرد لكنه زوج فليس ~~بفرد " أو " لكنه فرد ليس بزوج "، ومن استثناء نقيض كل جزء منه عين الآخر، ~~كقولنا في المثال " لكنه ليس بزوج فهو فرد " أو " لكنه ليس بفرد فهو زوج ". # (القسم الثاني) من أقسام الحجة ما يسمى استقراء، وهو حكم على كلي بما وجد ~~في جزئياته، كقولنا " كل واحد واحد من الحيوانات التي رأيناها يحرك فكه ~~الأسفل عند المضغ "، فوجب أن يكون كل حيوان كذلك. ms009 وهو غير مفيد لليقين ~~لاحتمال أن يكون حال من لم نشاهد من الحيوان خلاف ما شاهدناه كما نقل في ~~التمساح. # (القسم الثالث) منها ما يسمى تمثيلا ويسميه الفقهاء والمتكلمون قياسا، ~~وهو إلحاق جزئي بما يشبهه في إثبات مثل حكمه له، ويسمى المشبه به أصلا ~~والمشبه فرعا وما فيه المشابهة علة وجامعا، وهو يفيد ظنا يتفاوت بالشدة ~~والضعف بحسب جودة التمثيل، وأقواه ما اشتمل على علة وجودية. وعلى كل حال لا ~~يفيد القطع لجواز اختصاص العلة بالأصل. PageV00P034 # ثم إن صح التعليل بها مطلقا كان ذلك برهانا لا حاجة به إلى أصل وفرع. # البحث الثالث: # القياس إن كانت مقدماته يقينية يسمى برهانا، ورسمه أنه قياس من يقينيات ~~ينتج يقينا بالذات اضطرارا، وأصول المقدمات اليقينية البديهيات كالعلم بأن ~~النفي والاثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان. # ثم المحسوسات إما بالحس الظاهر كالعلم بأن الشمس مضيئة، أو الباطن كالعلم ~~بأن لنا لذة وألما، وما عداها كالمجربات والمتواترات ونحوها ففرع عليها كما ~~علمته. # ثم قد يكون أوسطه مع كونه علة لوجود الأكبر في الأصغر في الذهن علة ~~لوجوده له في نفس الأمر، كقولنا " هذه الخشبة مستها النار وكل خشبة مستها ~~النار فهي محترقة فهذه الخشبة محترقة "، ويسمى هذا برهان لم. وقد لا يكون ~~كذلك ويسمى برهان ان، ويخص منه ما كان أوسطه معلولا لوجود الأكبر في الأصغر ~~في نفس الأمر باسم الدليل كقولنا " هذه الخشبة محترقة وكل محترق مستها ~~النار فهذه الخشبة مستها النار ". # البحث الرابع: # الدليل في عرف المتكلمين هو الذي يلزم من العلم به العلم بالمدلول، ~~والأمارة هي التي يلزم من العلم بها ظن المدلول، وتتركب عن المقدمات الظنية ~~وعنها مع العلمية، وإنما لزمها الظني مطلقا لأن الحكم بثبوت الأكبر للأصغر ~~أو نفيه عنه موقوف على حكم ظني، والموقوف على الحكم الظني لا يمكن الجزم ~~به. PageV00P035 # ثم كل منهما إما أن يكون عقليا محضا وهو ما يتركب عن مقدمات كلها عقلية ~~وهو ظاهر، أو سمعيا محضا كقولنا " شرب الخمر حرام وكل حرام متوعد بالعقاب ~~على ms010 فعله " أو مركب منهما كقولنا " الباري سميع بصير وكل سميع بصير حي ". # ومنع الإمام فخر الدين وجود الدليل السمعي المحض، مفسرا له بأنه ما لم ~~يستند صدق قائله إلى العقل أصلا وحينئذ لا يفيد علما ولا ظنا، فلا يصدق ~~عليه اسم الدليل ولا الأمارة. # ومنعه صحيح على تفسيره، والخلاف لفظي. # البحث الخامس: # قال الإمام فخر الدين رحمه الله: الدليل اللفظي لا يفيد اليقين، واحتج ~~بأن إفادته له يتوقف على تيقن أمور عشرة: عدم خطأ رواة الألفاظ في نقل ~~جواهرها وإعرابها وتصريفها وعدم الاشتراك والمجاز والتخصيص والنسخ والاضمار ~~والتقديم والتأخير والمعارض العقلي الذي لو كان لرجح على النقل. وظاهر أن ~~حصول هذه الأمور في الدليل اللفظي مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن ~~يكون مظنونا، فكانت نتيجة ظنية. # والحق إنه قد يفيد اليقين، والشرط في إفادته اليقين لا كون الأمور ~~المذكورة حاصلة في ذهن المستفيد ومتيقنة له كما زعم الإمام بل كونها حاصلة ~~في نفس الأمر فإنا قد نتيقن المراد من اللفظ المنقول وإن لم يسبق إلى ذهننا ~~شئ من هذه الشرائط، كقوله تعالى " لم يلد ولم يولد " فإنا نتيقن أن المراد ~~منه نفي كونه والدا أو مولودا. لكن إذا حصل في ذهننا هذا التيقن استدللنا ~~به على أن تلك الشرائط كانت حاصلة في نفس الأمر. والله أعلم. PageV00P036 # البحث السادس: # المطلوب إما أن يستقل العقل بدركه أو لا يستقل، والأول فإما أن يتوقف ~~العلم بصدق النقل على العلم به كالعلم بوجود الصانع، ومثل هذا لا يمكن ~~معرفته بالنقل والا لزم الدور، أو لا يتوقف كالعلم بوحدانية الصانع ويمكن ~~معرفته بالعقل والنقل معا. # وأما الثاني فكل ما كان أمرا ممكنا في نفسه محتملا في أذهاننا ولا يتمكن ~~العقل من الحكم فيه، وهو إما عام كالعاديات أو خاص كالإخبار عن القيامة ~~وأحوال أهل الجنة والنار. والطريق إلى ذلك ليس إلا السمع فقط. PageV00P037 # القاعدة الثانية في أحكام كلية للمعلومات) وفيها أركان: # الركن الأول وفيه أبحاث: # البحث الأول: # المعلوم إما أن يكون موجودا أو لا يكون، ms011 وهو مرادنا بالمعدوم. # ثم تصور الوجود والعدم بديهي، ويكفي في بطلان التعريفات التي قيلت فيهما ~~كونها أخفى أو مساوية لهما. # البحث الثاني: # مسمى الوجود وصف مشترك فيه بين الموجودات، خلافا للأشعري وجماعة ~~PageV00P038 # من متأخري المعتزلة. لنا وجوه: # (الأول) إن مفهوم العدم واحد، فمفهوم الوجود واحد، وإلا لبطل الحصر ~~العقلي في قسمين. # (الثاني) إنه يمكن تقسيم الوجود إلى الواجب والممكن، ومورد التقسيم مفهوم ~~واحد مشترك بين القسمين. # (الثالث) لو كان الوجود نفس الماهية لكان قولنا " السواد موجود " بمنزلة ~~قولنا " السواد سواد " أو " الموجود موجود "، والتالي باطل، لأن الثاني غير ~~مفيد والأول مفيد، فالمقدم باطل. # فإن قيل: على الأول لا نسلم أن المفهوم من العدم واحد، بل عدم كل ماهية ~~نفيها ويقابله وجودها وينحصر التقسيم فيهما، وهذا لا يدل على ثبوت قدر ~~مشترك. # وعلى الثاني أن مورد التقسيم بالوجوب والامكان هو الماهية، على معنى أن ~~بقاء الماهية إما أن يكون واجبا أو لا يكون. # وعلى الثالث أن الوجود لو كان مغايرا للماهية لكان الوجود قائما بما ليس ~~بموجود، وهو يستلزم الشك في وجود الأجسام. # قلت: # الجواب عن الأول: أنه غير وارد، لأن عدم كل ماهية وإن قابل وجودها الخاص ~~إلا أن العدم المطلق المقول عليها وعلى غيرها أمر مشترك، فيستدعي وجودا ~~مشتركا يقابله ويصح أن يحكم به على كل محقق خاص، وهو المراد بقولنا " ~~الوجود وصف عام ". # وعن الثاني أن ما فسرت به مورد التقسيم وهو بقاء الماهية يعود إلى ~~استمرار PageV00P039 # الوجود، فكأنكم قلتم استمرار الوجود إما أن يكون واجبا أو لا يكون. # وعن الثالث أن محل الوجود هو الماهية لا باعتبار كونها موجودة أو غير ~~موجودة، فلم يلزم منه قيام الموجود بالمعدوم. # البحث الثالث: # وجود الممكنات زائد على ماهياتها بوجهين: # (الأول) إنا بينا أنه قدر مشترك بينها، وظاهر أن ما به الاشتراك زائد على ~~خصوصيات الماهيات المشتركة. # (الثاني) إنا ندرك التفرقة بين قولنا " السواد سواد " وبين قولنا " ~~السواد موجود " في أن الأول تصور فقط والثاني تصور معه تصديق، وذلك يدل على ms012 ~~أن مفهوم الوجود زائد على مفهوم الماهية. # البحث الرابع: # قول الوجود على الواجب والممكن بالاشتراك اللفظي من وجه والمعنوي على ~~سبيل التشكيك من وجه: # (أما الأول) فلأن الوجود الخارجي لك موجود هو نفس حقيقته الخارجية ~~ومسميات الوجود بهذا الاعتبار مختلفة، فكان مشتركا. # (وأما الثاني) فلأن المعنى العام المقول من الوجود صادق على الواجب ~~بالأول والأولى من الممكن، وكذلك على الممكنات أنفسها، فإن وجود الجوهر أول ~~وأولى من وجود العرض، وهو المراد بالتشكيك. PageV00P040 # البحث الخامس: # في قسمة الموجودات على رأي المتكلمين: # الموجود إما أن يكون قديما، وهو ما لا أول لوجوده، أو ما لا يسبقه عدم، ~~أو محدثا وهو ما له أول أو ما سبقه عدم. # والمحدث إما أن يكون متحيزا أو قائما به أوليس بأحدهما، وأما المتحيز ~~فإما أن لا يقبل القسمة بوجه وهو الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزى، أو ~~يقبلها طولا فقط وهو الخط، أو طولا وعرضا وهو السطح، أو طولا وعرضا وعمقا ~~وهو الجسم. # وعند الأشعري: إن الجسم هو المؤلف، فلا متحيز عنده إلا الجوهر والجسم. # وأما القائم بالمتحيز فإما أن لا يكون مشروطا بالحي أو يكون، والأول إما ~~أن يفتقر إلى أكثر من جوهر واحد وهو التأليف عند أبي هاشم، وهو ما يقتضي ~~صعوبة التفكيك، أو لا يفتقر وهو الأكوان. # والكون عند مثبتي الأحوال عبارة عن معنى يقتضي الحصول في الحيز، وعند ~~نفاتها نفس الحصول فيه، فإما أن يكون حصولا حادثا أو باقيا: والأول فإما أن ~~يكون أول حصول له في الحيز ويسمى كونا فقط، أو حصولا في حيز عقيب حصوله في ~~غيره ويسمى حركة، أو حصولا في حيز وقتين فصاعدا ويسمى سكونا، أو حصول ~~جوهرين في حيزين بحيث لا يتخللهما ثالث ويسمى اجتماعا أو بحيث يتخللهما ~~ثالث ويسمى افتراقا. # ثم المحسوسات بإحدى الحواس الخمس: فبحس البصر الألوان والأضواء ~~PageV00P041 # وبحس السمع الأصوات والحروف، وبحس الذوق الطعوم، وبحس الشم الروائح، وبحس ~~اللمس الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والثقل والخفة والصلابة واللين ~~والاعتمادات. وفي بعض هذه خلاف بينهم. # أما ms013 المشروط بالحي فقيل عشرة: الحياة وهي الصفة التي لأجلها يصح على ~~الذات أن يعلم ويقدر، والقدرة وهي صفة للحي باعتبارها يصح منه أن يفعل وأن ~~لا يفعل، ثم الاعتقاد والنظر والإرادة والكراهة والشهوة والنفرة والألم ~~واللذة. # وأكثرها ضروري التصور، وما عداها فداخل تحتها أو فرع عليها كالعزم والقصد ~~والمحبة والبغض والسخط والغضب والرحمة، فإنها تعود إلى الإرادة والكراهة ~~وكذلك الفرح والسرور والغم والحزن فإنها تعود إلى الاعتقاد، وفي الموضعين ~~خلاف بينهم. # وأما الذي لا يكون متحيزا ولا قائما به فالفناء وإرادة الله تعالى والنفس ~~الناطقة عند من أثبت هذه الثلاثة منهم. # (تفريع) العلم والظن نوعان تحت الاعتقاد. واختلف في حقيقة العلم: # فذهب أبو الحسين وفخر الدين الرازي ومن تابعهما إلى أنه بديهي التصور، ~~واتفق الباقون من المتكلمين والحكماء على كونه كسبيا. # واحتج الأولون على دعواهم بأمرين: أحدهما أن ما عدا العلم لا ينكشف إلا ~~به، فلو كشف عنه غيره لزم الدور. ولأنه جزء من البديهي كعلمي بوجودي. # وجواب الأول: أن المطلوب من حد العلم هو تصور ماهيته، وما عدا العلم إنما ~~ينكشف بوجود العلم في العقل لا بماهية العلم، فجاز كشف غيره به وإن لم يكن ~~معلوم الحقيقة بالكنه. # وعن الثاني لا نسلم أن البديهي حقيقة علمي بوجودي، بل وجود علمي به. ~~PageV00P042 # فأما تحقيق حد العلم وما قيل فيه فمما لا يحتمله هذا المختصر. # وأما الظن فرسم بأنه الاعتقاد الراجح بأحد النقيضين. وبالله التوفيق. # البحث السادس: # في قسمة الموجودات على رأي الحكماء: # الموجود إما أن يكون واجبا وهو ما يمتنع عدمه لذاته، أو ممكنا وهو جائز ~~الوجود والعدم. # والممكن إما أن يفتقر في وجوده إلى موضوع - أي إلى محل لا يتقوم بما يحل ~~فيه - وهو العرض - أو لا يكون وهو الجوهر. # والجوهر إما أن يكون حالا مقوما لمحله في الوجود وهو الصورة، أو محلا ~~لذلك وهو المادة، أو مركبا منهما وهو الجسم الطبيعي، أوليس بأحد هذه ~~الثلاثة وهو إما أن يتعلق بالجسم وهو النفس أو لا يتعلق وهو العقل. # وأما ms014 العرض فإما أن يقتضي قسمة أو نسبة أو لا يقتضي أحدهما، والأول فإما ~~أن يكون بين أجزائه المفترضة حد مشترك ويسمى الكم المتصل وهو المقدار أو لا ~~يكون ويسمى الكم المنفصل، والأول إما أن يكون أجزاؤه المفترضة بحيث يمكن ~~اجتماعهما في الوجود أو لا يكون، والأول المتصل القار الذات إما يفترض بعدا ~~واحدا وهو الخط أو ذا بعدين وهو السطح أو ذا أبعاد ثلاثة ويسمى الجسم ~~التعليمي. والثاني هو المتصل الغير القار الذات، وهو الزمان. # وأما الكم المنفصل فهو العدد، وأما المقتضي للنسبة: فالأين وهو الحصول في ~~المكان، ومتى وهو الحصول في الزمان، والملك وهو كون الشئ محاطا بغير ينتقل ~~بانتقاله كالتسلح والتقمص، والوضع وهو الهيئة الحاصلة للجسم PageV00P043 # بسبب نسبة بعض أجزائه إلى بعض وإلى الأمور الخارجة عنها كالتربيع ~~والانبطاح وأن يفعل وهو التأثير حال وجوده كالتقطيع والتسخين، وأن ينفعل ~~وهو التأثر حال وجوده كالتقطع والتسخن. # فهذه المقولات الست تقتضي نسبة وليست مجرد نسب عندهم. # وأما ما لا يقتضي قسمة ولا نسبة فإما أن يكون مجرد نسبة وهو الإضافة فإن ~~حقيقتها نسبة الشئ إلى غيره نسبة متكررة من الطرفين، وإما أن لا يكون وهو ~~الكيف، وهو كل هيئة قارة للشئ لا يقتضي تصورها تصور أمر خارج عنها وعن ~~حاملها. # ولا قسمة وهي إما أن تتعلق بوجود النفس أو بغيره، والأول كالاعتقادات ~~والإرادات، فإن كانت راسخة سميت ملكات أو سريعة الزوال سميت حالات، والثاني ~~إما أن يتعلق بالكميات فإما بالكم المتصل كالاستقامة والانحناء أو بالمنفصل ~~كالزوجية والفردية، أو لا يتعلق بها وهي: إما أن يكون مجرد استعداد لأن ~~يفعل كالمصحاحية والصلابة ويسمى قوة، أو استعدادا لأن ينفعل الممراضية ~~واللين ويسمى لا قوة. وإما أن لا يكون وهي المحسوسات بإحدى الحواس الخمس: # فما كان منها بطئ الزوال كحمرة الدم سمي انفعاليات، أو سريعة كحمرة الخجل ~~سمي انفعالات. # فأقسام الممكنات الموجودة محصورة عندهم في هذه العشرة: وهي الجوهر، ~~والكم، والكيف، والأين، ومتى، والإضافة، والوضع، والملك وأن يفعل، وأن ~~ينفعل. وتسمى عندهم المقولات العشر. ms015 PageV00P044 # البحث السابع: # أنكر المتكلمون وجود أكثر هذه المقولات: # أما الجوهر والكم فما كان من أقسامهما مبنيا على نفي الجوهر الفرد ~~كالمادة والصورة والجسم المركب عنهما والكم المتصل فبطلان القول به لازم ~~لثبوت الجوهر الفرد كما سنبين ثبوته. # وأما إثبات العقل فمبني على القول بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، ~~وسيجئ الكلام فيه. # وأما الأعراض النسبية فمنعوا من كونها أمورا زائدة على النسبة، ثم منعوا ~~من كون النسب أمورا موجودة في الأعيان، إذ لو كانت كذلك لكان نسبها إلى ~~محالها أيضا كذلك، فكان الكلام فيها كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل. # البحث الثامن: في خواص الواجب لذاته الواجب لذاته لا يكون واجبا بغيره، ~~وإلا لجاز عدمه بفرض عدم ذلك الغير فلا يكون واجبا لذاته. هذا خلف. # الثانية: الواجب بالذات لا يتركب عن غيره، وإلا لافتقر إلى ذلك الغير، ~~فكان ممكنا بذاته هذا خلف، ولا يتركب عنه غيره بحيث يكون بينه وبين غيره ~~فعل وانفعال كما في الممتزجات وإلا لكان انفعاله عن الغير مستلزما لا مكانه ~~أيضا. # الثالثة: الواجب لذاته وجوده نفس ماهيته، إذ لو كان زائدا عليها لكان إما ~~غنيا لذاته عن المؤثر فلا يكون صفة لها. هذا خلف. وإما مفتقرا إليه فالمؤثر ~~فيه إذن أما غير تلك الماهية فوجود واجب الوجود معلول الغير. هذا خلف. ~~PageV00P045 # أو تلك الماهية فأما من حيث هي موجودة فيلزم تقدمها بوجودها على وجودها، ~~والكلام في الثاني كما في الأول ويلزم التسلسل، أو من حيث هي معدومة وهو ~~باطل بالضرورة. # فإن قلت: لم لا يجوز أن تكون الماهية من حيث هي هي مستلزمة للوجود من غير ~~اعتبار وجود أو عدم لها كما يستلزم ماهية الثلاثة الفردية، وأيضا فهو معارض ~~بماهية الممكن فإنها قابلة للوجود لا من حيث هي موجودة وإلا لتقدمت بوجودها ~~على وجودها، ولا من حيث هي معدومة والا لزم اجتماع العدم والوجود. # قلت: من شرط كون المؤثر موجدا أثرا خارجيا كونه موجودا، والعلم به بديهي. ~~وحينئذ لا يرد النقض باقتضاء الثلاثة الفردية ونحوه، لأن ms016 من ذلك اقتضاء أمر ~~اعتباري لأمر اعتباري ولا المعارضة تقابل الوجود، فإن حاجة الفاعل في فعله ~~إلى كونه موجودا ضرورية، ولا كذلك قابل الوجود وإلا لكان قبوله للوجود ~~تحصيلا للحاصل. # احتج الخصم على كونه زائدا عليها بوجهين: # (أحدهما) أن ماهيته غير معلومة للبشر ووجوده معلوم، فماهيته غير وجوده. # (الثاني) أن الوجود معنى واحد، فإما أن يلزمه التجرد فوجود الممكنات مجرد ~~غير عارض لها. هذا خلف. أو يلزمه العروض لماهية فيكون كل وجود عارضا، إذ ~~لازم الطبيعة الواحدة لا يختلف، فوجود واجب الوجود لذاته عارض لماهيته وهو ~~المطلوب، أو لا يلزمه واحد منهما وحينئذ لا يتصف بأحدهما إلا لسبب منفصل، ~~فتجرد واجب الوجود محتاج إلى غيره هذا خلف. # (والجواب عن الأول) أن وجوده المعلوم هو المشترك المعقول، وهو مقول ~~PageV00P046 # عليه وعلى غيره بالتشكيك. والذي هو نفس ماهيته هو وجوده الخارجي الخاص ~~به، وهو غير معلوم. # (وعن الثاني) أن ههنا قسما رابعا، وهو أن يلزمه التجرد باعتبار ويلزمه ~~العروض باعتبار، وذلك أنه وإن كان معنى واحدا إلا أنه لما كان مقولا على ~~الموجودات بالتشكيك مختلف النسبة إليها بالأول والأولى جاز أن تختلف لوازمه ~~بحسب اختلاف اعتباراته، وإنما يجب اتحاد لوازمه لو كان متواطيا. # الرابعة: الوجوب كيفية لانتساب أمر إلى آخر، وهي أمر معقول مشترك بين ~~الواجب بالذات وبالغير بالتشكيك على نحو اشتراك الوجود، فإن الوجوب للواجب ~~بالذات أول وأولى من الواجب بالغير، وإذ ليس الوجوب معنى خارجيا فمعنى كون ~~الشئ واجبا في الخارج بحيث إذا جرده العقل مع ما ينسب إليه واعتبرهما وجد ~~أحدهما واجبا للآخر إما لذاته أو لغيره. # الخامسة: الواجب لذاته واجب من جميع جهاته، إذ لو فرضنا إمكانه من بعض ~~الجهات لكان في ذاته جهتا وجوب وإمكان، فلزمتها الكثرة والتركيب، وقد بينا ~~أنها غير مركب. # البحث التاسع: في خواص الممكن لذاته (الأولى) الممكن لذاته يستوي نسبة ~~الوجود والعدم إليه، خلافا لكثير من المتكلمين، فإنهم قالوا بأولية العدم ~~للجائز واستغنائه حال عدمه عن الفاعل. # لنا: لو كان أحدهما أولى وأرجح ms017 لكانت تلك الأولوية إما أن لا تكفي في ~~رجحان الأولى أو تكفي، فإن لم تكف فلا رجحان بالنسبة إلى ذات الممكن وإن ~~كفت فإن منعت النقيض فأحد الطرفين ممتنع والآخر واجب، فلم يكن PageV00P047 # الممكن ممكنا. هذا خلف. وإن لم تمنع فلنفرض وقوعه، فإن وقع لا لسبب مع ~~كونه مرجوحا فأولى أن يقع المساوي لا السبب وهو باطل بالضرورة، أو لا لسبب ~~فلا تكون الأولوية كافية في رجحان أحد الطرفين، بل لا بد معها من عدم سبب ~~الطرف المرجوح، وقد فرضت كافية. هذا خلف. # (الثانية) الممكن لما استوى طرفاه بالنسبة إليه امتنع بالضرورة أن يترجح ~~أحدهما على الآخر إلا لمرجح من خارج ذاته. # (الثالثة) علة حاجة الممكن إلى المؤثر هي إمكانه، وعند أبي هاشم هي ~~الحدوث، وعند أبي الحسين البصري هي المركب منهما، وعند الأشعري الامكان ~~بشرط الحدوث. # لنا وجهان: # أحدهما - إنا متى تصورنا تساوي طرفي الممكن قضى العقل من تلك الجهة بحاجة ~~الممكن في رجحان أحد طرفيه على الآخر إلى المرجح من غير التفات إلى أمر ~~آخر، وذلك يدل على أن الإمكان بواسطة التساوي كاف في اقتضاء الحاجة إلى ~~المؤثر. # الثاني - إن الحدوث كيفية في الوجود متأخرة عنه، والوجود متأخر عن ~~الايجاد المتأخر عن الحاجة إلى الإيجاد المتأخرة عن علتها وعن جزء علتها ~~وعن شرطها، فلو كان الحدوث نفس العلة أو جزءها أو شرطها لزم تأخر الشئ عن ~~نفسه بمراتب وأنه محال. # (الرابعة) الممكن حال بقائه محتاج إلى المؤثر، للزوم علة الحاجة له ~~مطلقا. # فإن قلت: هذا باطل، إن المؤثر إما أن يكون له فيه حال البقاء أثر أوليس ~~PageV00P048 # فإن كان فإما في وجوده الحادث وهو تحصيل الحاصل أو في أمر جديد فالتأثير ~~في الأمر الجديد لا في الباقي، وأما إن لم يكن له فيه أثر البتة لم يكن ~~محتاجا إليه. # قلت: تأثيره في أمر جديد هو البقاء، وهو أمر غير الإحداث. # (الخامسة) الممكن مسبوق بوجوب، على معنى أنه متى تمت شرائط التأثير فيه ~~فلا بد وأن يوجد عن فاعله، ms018 وملحوق بوجوب على معنى أنه حال وجوده يمتنع ~~عدمه، وإلا لصح اجتماع الوجود والعدم. # البحث العاشر: في المعدوم المعدوم إما أن يكون ممتنع الوجود واتفق الناس ~~على كونه نفيا محضا، أو ممكن الوجود واتفق المحصلون من المتكلمين وغيرهم ~~على أنه نفي محض أيضا، خلافا لأبي هاشم واتباعه من المعتزلة، فإنهم زعموا ~~أنه ثابت حال عدمه وفرقوا بين المعدوم والمنفي، وخصصوا المنفى بالممتنع ~~وجعلوا في مقابله الثابت، وخصصوا المعدوم بالممكن وجعلوه قسما من الثابت ~~وقسيما للموجود. # لنا: إن الثابت إما في الذهن أو في الخارج أو أعم منهما، والأول والثالث ~~لا تحقق لهما إلا في الذهن وليس مرادا لهم، والثاني بالضرورة هو الموجود. # احتجوا: بأن المعدوم متميز، وكل متميز ثابت، فكل معدوم ثابت. # بيان الصغرى من وجوه: # (الأول) إنا نميز بين طلوع الشمس غدا من مشرقها وبين طلوعها من مغربها مع ~~عدم هذين الطلوعين. # (الثاني) إنا نقدر على الحركة يمنة ويسرة ولا نقدر على الطيران إلى ~~السماء والمقدور متميز عن غيره في حال عدمه. PageV00P049 # (الثالث) إنا نحب حصول اللذات ونكره حصول الآلام، فالتميز حاصل فيها مع ~~عدمها. # بيان الكبرى: إنا لا نعني ثبوت الذوات إلا كونها متحققة في أنفسها، ومن ~~المعلوم أن تميز الذوات عن أغيارها فرع على تحققها في أنفسها، فكانت ~~المعدومات ثابتة في عدمها. # والجواب: لا نسلم أن التميز المذكور في المعدومات حاصل في غير العقل ~~والتميز العقلي بينها لا يقتضي ثبوتها في غير العقل. # ثم ما ذكروه معارض بالتميز بين الممتنعات والمركبات الخيالية كجبل من ~~ياقوت وبحر من زئبق، مع أن ذلك التميز لا يقتضي ثبوتها في العدم عندهم. ~~PageV00P050 # القاعدة الثالثة (في حدوث العالم) وفيها ركنان: # الركن الأول (في أصلين يبنى عليهما هذا المطلوب) الأصل الأول (في إثبات ~~الجوهر الفرد) وفيه أبحاث: # البحث الأول: # إعلم أن هذا أصل كبير في إبطال مذهب الخصم مفسد لكثير من قواعده، فإن ~~إثبات المادة والصورة والكم المتصل لا يمكن مع القول به، وكذلك أشكال ~~الأفلاك وحركاتها المستديرة، وعدم جواز الخرق والالتيام عليها ms019 مبنية على ~~نفيه، PageV00P051 # وعلى صحة الشكل المستدير وصحة الزاوية يبنى أكثر العلوم الرياضية، فلا ~~يتم إذن شئ منها مع القول به. # وبيان المذاهب في هذه المسألة أن نقول: لا شك أن الجسم المحسوس قابل ~~للانقسام، فتلك الانقسامات الممكنة إما أن تكون حاصلة فيه بالفعل أو ~~بالقوة، وعلى التقديرين فإما أن تكون متناهية أو غير متناهية. # فالأول أن تكون الانقسامات فيه بالفعل متناهية إلى أجزاء لا تقبل القسمة ~~بوجه ما، وهو قول جمهور المتكلمين. # والثاني أن تكون فيه بالفعل غير متناهية، وهو قول النظام. # والثالث أن يكون في نفسه واحدا لكنه قابل لانقسامات غير متناهية، بمعنى ~~أن الجسم لا ينتهي في قبول القسمة إلى حد إلا ويقبل القسمة، وهو قول جمهور ~~الفلاسفة. # والرابع أن يكون واحدا في نفسه قابلا لانقسامات بالقوة متناهية. # البحث الثاني: # الجسم مركب من أجزاء بالفعل لا تتجزى خلافا للفلاسفة. # لنا وجوه: # (الأول) إن الحركة والزمان كل منهما مركب من أجزاء لا تتجزى، فالجسم ~~كذلك. بيان الأول: إن الآن الحاضر من الزمان يستحيل أن يكون عين الماضي أو ~~المستقبل، وإلا لم يكن الحاضر حاضرا هذا خلف. وحينئذ فإما أن يقبل القسمة ~~وهو باطل، لأنه إن قبلها مع أن طبيعته على التقضى والسيلان لزم أن يكون أحد ~~جزئيه سابقا على الآخر، فالسابق ماض واللاحق مستقبل، فلا حاضر PageV00P052 # إذن هذا خلف. أو لا يقبلها، وحينئذ يكون عدمه دفعة وحدوث الآن الذي يعقبه ~~دفعة، فيلزم كون الزمان من آنات متتالية كل منها لا تقبل القسمة، وهو ~~مرادنا بالجوهر الفرد. # ثم نقول: القدر من الحركة الواقع في ذلك الآن المطابق له لا يقبل القسمة ~~أيضا، وإلا لا نقسم بحسبه الآن الذي لا ينقسم. هذا خلف. # وأما بيان أن الجسم كذلك فلأن المقدار الذي يتحرك عليه المتحرك من ~~المسافة بالجزء الذي لا يتجزى من الحركة في الآن الذي لا يتجزى إن انقسم ~~كانت الحركة إلى نصفه نصف الحركة إلى كله، فلزم انقسام ما لا ينقسم من ~~الحركة هذا خلف. وإن لم ينقسم فهو ms020 الجوهر الفرد. # (الثاني) إنا إذا فرضنا كرة حقيقية على سطح حقيقي فموضع الملاقاة إن كان ~~منقسما فهو باطل، لأن ذلك الموضع من الكرة منطبق على السطح المستقيم ~~والمنطبق على السطح المستقيم مستقيم، فذلك الموضع من الكرة مستقيم هذا خلف. ~~وإن لم يكن منقسما فإذا دحرجت تلك الكرة فالموضع الثاني من الملاقاة يكون ~~أيضا غير منقسم لما مر، وكذا الثالث والرابع إلى أن يتم دائرة تلك الكرة، ~~فتكون تلك الدائرة مركبة من أجزاء لا تقبل القسمة. # (الثالث) النقطة عند الخصم شئ ذو وضع لا ينقسم، وهي نهاية الخط الموجود ~~بالفعل، فكانت موجودة بالفعل، فمحلها إن كان منقسما لزم انقسامها بانقسامه ~~هذا خلف، وإن كان غير منقسم فهو الجوهر الفرد. # احتج الخصم بوجوه: # (الأول) إذا وضعنا جزءا بين جزئين فالمتوسط إما أن يحجب الطرفين عن ~~التماس أو لا يحجب، فإن كان الأول فقد لقي كل واحد منهما بغير ما لقي الآخر ~~PageV00P053 # فكان منقسما، وإن كان الثاني لم يكن ازدياد التأليف مفيدا لزيادة الحجم، ~~وهو ظاهر البطلان. # (الثاني) إذا ركبنا خطا من ثلاثة أجزاء ووضعنا على طرفيه جزئين، فإما أن ~~يصح الحركة على كل واحد من ذينك الجزئين إلى الأجزاء أو لا يصح، والثاني ~~ظاهر البطلان فتعين الأول. فلنفرض حركتهما معا، وحينئذ يلزم التقاؤهما على ~~الجزء الأوسط، فيماس كل منهما بنصفه نصف الوسط وبنصفيهما الآخرين النصفين ~~من الجزئين الباقيين من الخط، فيلزم قبول القسمة في الكل. # (الثالث) إذ ركبنا خطا من أربعة أجزاء ووضعنا فوق أحد طرفيه جزءا وتحت ~~الطرف الآخر جزءا ثم فرضنا حركتهما معا فلا بد وأن يلتقيا على متصل الثاني ~~والثالث، وذلك يستلزم انقسام الجزئين وما ماساه من الجزئين المتوسطين من ~~الخط. # والجواب عن الأول: أن الوسط يحجب الطرفين عن التماس ويلقي كلا منهما ~~بنهايته من ذلك الجانب، ونهايتاه عرضان قائمان، ولا يلزم من تعدد الأعراض ~~تعدد محالها. سلمناه لكن ما ذكرتموه من قبول الانقسام بسبب الوضع المذكور ~~أمر يقدره الوهم ويحكم به كما يحكم في الأجسام المنقسمة، فإن العقل ms021 إذا حكم ~~بصحة الجوهر الفرد كانت ملاقاة الجواهر له نسبا وإضافات لا توجب تكثرها ~~وتعددها تكثرا في ذاته ولا قسمة. وهذا كما لا يتوهم من محاذاة النقطة ~~المفروضة في محيط دائرة لنقطة مركزها، فإن تكثر تلك النسب لا يوجب تكثر تلك ~~النقطة. # وعن الثاني: إنما نمنع صحة الحركة على الجزئين لاستلزامها المحال، فإن ~~حركة الجزء الذي لا يتجزى دفعية آنية، لو تحركا معا لزم اجتماعهما ~~PageV00P054 # في حيز واحد - أعني الوسط الذي لا يتسع إلا لأحدهما - لكن هذا اللازم ~~محال فالملزوم مثله. وإنما تصح حركتهما معا إن لو جاز الانقسام عليه وهو ~~أول المسألة. # وعن الثالث: أنه إذا ثبت أن حركة كل من الجزئين عن الثاني من أجزاء الخط ~~إلى الثالث حركة دفعية لم تكن تحاذيهما على متصل الثاني والثالث موجبا ~~فيهما ولا في غيرهما قسمة، بل كانت محاذاتهما أمرا اعتباريا، والحكم بقبول ~~الانقسام هناك حكم وهمي كما سبق، وفي هذه المسألة أدلة كثيرة من الطرفين ~~وفيما ذكرناه كفاية ههنا. # البحث الثالث: # الجسم مركب من أجزاء بالفعل متناهية، خلافا للنظام. # لنا وجهان: # (الأول) لو كان في الجسم أقسام بالفعل غير متناهية لما كان مقداره ~~متناهيا، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله. # أما الملازمة: فلأن زيادة المقادير ونقصانها تابعان لزيادة الأقسام ~~الموجودة في الأجسام، فإذا كانت الأقسام في جسم بالفعل غير واقفة عند حد ~~فبالضرورة المقدار كذلك. وأما بطلان اللازم فظاهر. # (الثاني) لو كانت الأجزاء في الجسم بالفعل غير متناهية لاستحال قطع ~~مقداره إلا في زمان غير متناه، لأنه يستحيل قطعه إلا بعد قطع نصفه وقطع ~~نصفه إلا بعد قطع ربعه وهلم جرا، فإذا كان فيه أجزاء بالفعل غير متناهية ~~استحال أن يقطع أجزاؤها إلا في مدة غير متناهية، لكن اللازم ظاهر البطلان ~~فالملزوم مثله. PageV00P055 # ولهذه الحجة ارتكب النظام القول بالطفرة، أي إن النملة مثلا التي تقطع ~~مسافة ما تطفر بعض مقدارها إلى بعض. # وهو قول مع شناعته غير نافع له، فإن النملة لو طفرت من الجسم بعضه، فالذي ~~قطعت بحركتها منه إن ms022 كان متناهيا كانت نسبته إلى ما طفرته نسبة متناهي ~~العدد إلى متناهي العدد، إذ تمكننا أن نقطع من القدر الذي طفرته بمقدار ما ~~قطعته إلى أن تفني الجسم، فكان الكل متناهيا مع فرضه غير متناه، وإن لم يكن ~~متناهيا عاد الالزام بعينه فيه. # الأصل الثاني (في أن الحوادث متناهية ولها بداية خلافا للفلاسفة) لنا ~~وجوه: # (الأول) إن مجموع الحوادث في طرف الماضي إلى زماننا صدق دخوله في الوجود، ~~فنقول: وجود ذلك المجموع موقوف على وجود كل واحد واحد من الحوادث، والموقوف ~~على أمر حادث يجب أن يكون حادثا، ينتج أن وجود ذلك المجموع حادث. أما ~~المقدمة الأولى فلأن الحوادث أجزاء مجموعها، وتحقق المجموع بدون جزئه محال. ~~وأما الثانية فبينة بنفسها. # (الثاني) إن كان كل واحد واحد من الحوادث يلزمه الحدوث وجب أن يكون ~~مجموعها كذلك، لكن الملزوم حق فاللازم مثله. أما الملازمة فلأن لازم الجزء ~~لازم الكل، وأما حقيقة الملزوم فظاهرة. # فإن قلت: اللازم لكل واحد من آحاد الحوادث هو حدوثه الخاص، وسلم أن ~~مجموعها يلزمه حدوث أجزائه، إنما النزاع في لزوم مطلق الحدوث له. ~~PageV00P056 # قلت: مطلق الحدوث جزء من الحدوث الخاص، فمستلزم الحدوث الخاص مستلزم ~~لمطلق الحدوث، فكان المجموع مستلزما لمطلق الحدوث. # (الثالث) لو كان الماضي من الحوادث غير متناه لما وجد اليوم، لتوقفه على ~~انقضاء ما قبله من الحوادث الغير المتناهية وامتناع انقضاء ما لا نهاية له، ~~لكن اللازم باطل فالملزوم باطل. # واعلم أن الخصم تارة يقول ما لا أول له من الحوادث هو مجموعها وتارة يقول ~~هو نوعها. أما المجموع فقد عرفت حدوثه، وأما النوع فلأنه لا يقع في الوجود ~~ما لم يقترن به العوارض المشخصة التي كل واحد منها حادث. وما توقف وجوده ~~على وجود الأمر الحادثة كان حادثا، فالنوع إذن حادث. # وهذا الأصل الثاني أتم في إثبات المطلوب وإن كان الأول نافعا. فلنشرع ~~بعدهما في بيان المطلوب. # الركن الثاني وفيه بحثان: # البحث الأول: في تقدير البرهان على حدوث العالم وهو من وجهين: # (الأول) الأجسام لا ms023 تخلو عن الحوادث المتناهية، وكل ما لا يخلو عن ~~الحوادث المتناهية فهو حادث، فالأجسام حادثة. # أما المقدمة الأولى فيتوقف على أمور أربعة: الأول إن ههنا أمورا زائدة ~~PageV00P057 # على الجسم، الثاني إن تلك الأمور محدثة، الثالث إنها متناهية، الرابع إن ~~الجسم لا ينفك عنها. # أما الأول فلأن الحصول في الحيز وأنواعه من الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق أكوان للمتحيز، ويستحيل أن يكون نفس المتحيز أو الحيز لوجهين: # أحدهما: أنها تتبدل وتتعاقب على ذات المتحيز والحيز عند حصوله فيه مرة ~~بعد أخرى، ولا شئ من المتحيز والحيز بمتبدل في ذاته مع شئ منها فكانت زائدة ~~عليه. # الثاني: أنها مشتركة في كونها حصولات للمتحيز في الحيز، وحصوله في الحيز ~~نسبة بينه وبين الحيز، والنسبة متغايرة للمنتسبين، أما الثاني والثالث ~~فلأنها مستلزمة للكون في الزمان، وكل واحد واحد من أجزاء الزمان ومجموعه ~~مستلزم للحدوث، لما عرفت من وجوب تناهي الحوادث، ولازم اللازم لازم، فكان ~~الحدوث والتناهي لازمين لهذه الحوادث. وأما الرابع فلأن المتحيز واجب ~~الحصول في حيز ما، فإن كان واجب الحصول غير مسبوق بغيره، فهو أول كون له في ~~الوجود. وذلك أن الحدوث وإن كان مسبوقا بحصول فإما في ذلك الحيز وهو السكون ~~أو في غيره وهو الحركة بناء على الجوهر الفرد، فإذن المتحيز لا ينفك عن كون ~~حادث، وأما الثانية فغنية عن البيان. # (البرهان الثاني) لو كان شئ من الأجسام لا أول لوجوده لكان من حيث هو ~~كذلك إما متحركا أو ساكنا، والقسمان باطلان فالقول بأن شيئا منها لا أول ~~لوجوده باطل. # بيان الحصر: إن الجسم واجب الحصول في حيز ما، فذلك الحصول إما أن يكون ~~أول حصوله في الحيز وذلك ينافي عدم أولية وجوده أو حصولا PageV00P058 # ثانيا، فإما في ذلك الحيز وهو السكون أو في غيره وهو الحركة، وأما بطلان ~~القسمين فلأن السكون والحركة يستلزمان الزمان، وقد علمت أنه بأجزائه ~~ومجموعها حادث متناه، وملزوم الحادث حادث متناه، فالحركة والسكون أمران ~~حادثان، وذلك ينافي عدم أولية الجسم. وتلخيص هذا البرهان على هذا الوجه ms024 غير ~~محتاج إلى التطويل الذي ذكره الإمام فخر الدين في سائر كتبه. # (البرهان الثالث) كل العالم بأجزائه موجود ممكن، وكل موجود ممكن فهو ~~حادث، فالعالم بأجزائه حادث. # أما المقدمة الأولى فلأن مرادنا من العالم كل موجود سرى واجب الوجود ~~لذاته، وسنبين أن الواجب لذاته ليس إلا الواجد، وحينئذ يتبين أن كل ما عداه ~~من الموجودات فهو ممكن لذاته، إذ العقل يقول كل موجود فإما أن يكون من حيث ~~ماهيته غير قابل للعدم وهو الواجب لذاته، أو قابلا له وهو الممكن لذاته ولا ~~واسطة. # وأما الثانية فلأنا بينا أن كل ممكن مفتقر في رجحان أحد طرفيه على الآخر ~~إلى مؤثر، فنقول: إفادة المؤثر لوجود الأثر إما أن تحصل حال وجود الأثر أو ~~حال عدمه، فإن حصلت حال الوجود فإما حال البقاء أو حال الحدوث، والأول باطل ~~لأنه تحصيل للحاصل، فبقي أن يفيده الوجود حال العدم أو حال الحدوث، وعلى ~~التقديرين فالأثر حادث، فإذن كل موجود ممكن فهو حادث وهو المطلوب. # البحث الثاني: في شبه الخصم وحلها الشبهة الأولى) وهي العمدة الكبرى لهم، ~~قالوا كل ما لا بد منه في مؤثرية PageV00P059 # الله في وجود العالم إما أن يكون حاصلا في الأزل أو لا يكون، فإن كان ~~حاصلا في الأزل لزم أن لا يتخلف العالم عن الله، إذ لو تخلف لكان وجوده بعد ~~ذلك إما أن يكون لأمر فلا يكون تمام ما به التأثير حاصلا في الأزل وقد فرض ~~كذلك هذا خلف، وإن كان لا لأمر لزم الترجيح بلا مرجح وهو محال. وأما إن لم ~~يكن كل ما لا بد منه في المؤثرية حاصلا في الأزل ثم حصل بعد ذلك فحصوله إن ~~كان لا لأمر لزم الترجيح بلا مرجح وهو محال، أو لأمر فيكون الكلام فيه كما ~~في الأول ويلزم التسلسل أو الدور، وهما محالان. # (الشبهة الثانية) قالوا: مؤثرية الله تعالى في وجود العالم أمر مغاير ~~لهما، لامكان تعقل كل منهما مع الجهل بكون الله مؤثرا في العالم، ولأنها ~~نسبة بينهما والنسبة مغايرة ms025 للمنتسبين. # ثم ليست عبارة عن أمر سلبي، لأن قولنا " كذا مؤثر في كذا " نقيض قولنا " ~~ليس بمؤثر فيه " الذي هو أمر سلبي، ونقيض السلبي ثبوتي، فكانت المؤثرية ~~أمرا ثبوتيا زائدا على ذات المؤثر، فإما أن يكون محدثا فيفتقر إلى مؤثرية ~~أخرى، والكلام فيها كالكلام في الأول ويلزم التسلسل وهو محال، أو قديما مع ~~أنه صفة إضافية يستدعي ثبوت المضافين، فيلزم من قدمها قدم العالم وهو ~~المطلوب. # (الشبهة الثالثة) كل محدث فلا بد وأن يكون عدمه قبل وجوده، ولا يجوز أن ~~تكون تلك القبلية نفس العدم، لأن العدم قبل كالعدم بعد، وليس القبل بعد، ~~فإذن هي مفهوم زائد على العدم حاصل بعد أن لم يكن فله قبل. والكلام فيه ~~كالكلام في الأول، فهناك قبليات لا أول لها تلحق موصوفا لذاته، وذلك هو ~~الزمان، فإذن الزمان لا أول له، وهو من لواحق الحركة التي هي من لواحق ~~الجسم PageV00P060 # فثبت قدم الحركة لذلك العلم، فيصير إذن تقدير المطالبة بلمية تأخره عن ~~علة تأخره لم تأخر تأخره وحدوثه الحاصل عما اقتضى تأخره وحدوثه وقد علمت أن ~~المطالبة إنما هي بلمية تأخره، وقد قلنا أنه لذلك العلم لا بلمية تأخر ~~تأخره. # وعن الثالث: أن الترك بالنظر إلى ذاته وإلى القدرة أمر ممكن، وإنما يجب ~~من جهة الداعي، وذلك لا ينافي الاختيار كما سنبينه إنشاء الله. # (والجواب عن الشبهة الثانية) أن المؤثرية أمر إضافي ثبت في العقل عند ~~تعقل صدور الأثر عن المؤثر، ولا نسلم أنها أمر ثابت في الخارج، وتقسيمها ~~بالمحدث والقديم من عوارض وجودها في الخارج، ودليلكم إن دل فإنما يدل على ~~كون مفهومها مفهوما ثبوتيا، وهو أعم من الثبوتي في الخارج لا على كونها ~~ثابتة في الخارج. # فإن قلت: المعقول من المؤثرية إن لم يكن يطابق الخارج كان جهلا، وإن طابق ~~صدق التقسيم بالمحدث والقديم. وأيضا فإن المؤثرية صفة للمؤثر حاصلة قبل ~~الأذهان، وصفة الشئ يستحيل قيامها بغيره. # فجواب الأول: إن عدم مطابقته للخارج لا يقتضي كونه جهلا، وإنما يقتضي ذلك ~~لو حكم ms026 بثبوته في الخارج، مع أنه ليس كذلك بل إذا حكم بثبوته في العقل ~~فمطابقته بثبوته في العقل دون الخارج. # وجواب الثاني: إن الحاصل قبل الأذهان هو الشئ الذي بحيث لو عقله عاقل حصل ~~في عقله إضافة لذلك الشئ إلى غيره، لا الذي يحصل في العقل، فإن ذلك يستحيل ~~أن يوجد قبل وجود العقل. # (وعن الشبهة الثالثة) إن القبلية إنما تستلزم وجود الزمان إذا ثبت أنها ~~أمر PageV00P061 # موجود في الخارج. وبيان هذا المنع من وجوه: # (الأول) إنها نسبة، والنسب لا وجود لها في الأعيان كما بيناه. # (الثاني) إنها صفة للعدم في قولنا " عدم المحدث قبل وجوده "، وصفة العدم ~~يستحيل أن تكون موجودة في الخارج. # (الثالث) إن الزمان ممكن لذاته، فيمكن اعتبار العدم لذاته بعد وجوده، فلو ~~كان اعتبار القبلية والبعدية مستلزما لاعتبار وجوده لما أمكن اعتبار العدم ~~لذاته بعد وجوده، لكن التالي باطل فالمقدم كذلك. بيان الملازمة: إن اعتبار ~~بعدية عدمه لوجوده يستلزم اعتبار وجوده، فوجب أن لا يصدق اعتبار عدمه. وأما ~~بطلان التالي فلأنه ممكن لذاته. # (وعن الشبهة الرابعة) متى لا يجوز ترك الاحسان إذا تمت شرائط وجوده أو ~~إذا لم يتم الأول مسلم والثاني ممنوع، فلعل شرطا من شرائطه كان مفقودا في ~~الأزل، فتخلف لتخلفه كما ذكرناه في الحكمة التي اشتمل عليها حدوث العالم. # (وعن الشبهة الخامسة) لا نسلم أن الإمكان صفة وجودية، والفرق بين عدم ~~الإمكان وكون الإمكان معنى عدميا ظاهر. سلمناه لكنه معارض بما أنه لو كان ~~ثابتا لاستلزم وجود الهيولى المستلزم لنفى الجوهر الفرد. لكن الجوهر الفرد ~~ثابت كما بيناه، فالقول بالهيولي باطل، فالقول بكون الإمكان أمرا وجوديا ~~باطل وبالله التوفيق. PageV00P062 # القاعدة الرابعة (في إثبات العلم بالصانع وصفاته) وفيها أركان: # الركن الأول في إثبات العلم بوجوده إنه إما أن يستدل على ذلك بالإمكان أو ~~بالحدوث، فههنا طريقان: # الطريق الأول: الاستدلال بالإمكان وتقريره: إن صانع العالم إن كان واجبا ~~لذاته فهو المطلوب، وإن كان ممكنا لذاته افتقر إلى مؤثر، فمؤثره إما نفسه ~~وهو باطل لوجوب تقدم المؤثر ms027 باعتبار ما على أثره بالضرورة، وامتناع تقدم ~~الشئ بوجه على نفسه أو غيره، فإما على سبيل الدور وهو باطل وجوب تقدم كل ~~منهما على أثره، فيلزم تقدمه على نفسه PageV00P063 # أو على سبيل التسلسل وهو أيضا باطل، لأن مجموع تلك الأمور الممكنة يمكن ~~لافتقاره إلى كل واحد من أجزائه الممكنة، فيفتقر إذن إلى مؤثر، فمؤثره ~~التام إما نفسه أو أمر داخل فيه أو أمر خارج عنه أو ما يتركب عن الأخيرين، ~~والأول لا مدخل له في التأثير فيه لوجوب تقدم العلة أو جزئها بوجه ما على ~~المعلول وامتناع تقدم الشئ على نفسه. والثاني باطل لأن المؤثر التام في ~~المجموع لا بد وأن يكون مؤثرا في كل واحد من آحاده وإلا لكان مؤثرا إما في ~~بعضها فقط فلا يكون مؤثرا تاما في المجموع وقد فرض كذلك هذا خلف، أو لا في ~~شئ منها فلا يكون له فيه تأثير أصلا. وإذا كان كذلك فلو كان المؤثر في ~~المجموع أمرا داخلا فيه لزم أن يكون ذلك المؤثر علة لنفسه، وهو باطل لما ~~مر. # والثالث والرابع يستلزمان المطلوب، لأن الخارج عن كل الممكنات سواء كان ~~تمام المؤثر لإيجاد مجموعها أو جزء المؤثر لا يكون إلا واجب الوجود لذاته، ~~فهذا هو التقدير التام لهذا الطريق. # واعلم أن هذه الحجة مع تلخيصنا لها لا تتم، وذلك أنا لا نسلم أن العلة ~~للمركب لا بد أن تكون علة أولا لأجزائه، أما العلة الناقصة فظاهر أنها لا ~~تستلزم المركب فضلا أن تكون علة لأجزائه، وأما العلة التامة له فلا نسلم ~~أنها علة تامة لأجزائه. # قوله " لأنها إن لم تكن مؤثرة في جميع أجزائه بل في بعضها لا يكون مؤثرا ~~تاما في المجموع " قلنا: لا نسلم، فإن ذلك مبني على كون المؤثر التام في ~~المجموع مؤثرا تاما في كل واحد من أجزائه، وهو أول المسألة. # سلمناه، لكن قوله " إذا لم يكن مؤثرا في شئ من أجزاء المجموع لا يكون ~~PageV00P064 # له فيه تأثير أصلا ". قلنا لا نسلم، وإنما يلزم ذلك أن ms028 لو كان المجموع ~~عبارة عن كل واحد من آحاده، وهو ظاهر الفساد، بل نقول من رأس لا يجوز أن ~~تكون العلة التامة للمجموع علة تامة لشئ من أجزائه، وذلك أن العلة التامة ~~للشئ هي جملة الأمور التي يتوقف عليها تحقق ذلك الشئ، ومن جملة ما يتوقف ~~عليه الشئ كل واحد واحد من أجزائه، فكان تحقق علته التامة موقوفا على تحقق ~~كل واحد واحد من أجزائه، ولا شئ من علل أجزائه بمتوقف على كل واحد من ~~أجزائه وإلا لتوقف على معلولها الذي هو أحد أجزائه لكنه متوقف عليها، فيلزم ~~الدور. # فقد ظهر بهذا التقرير فساد هذه المقدمة، وهي أن علة المركب لا بد وأن ~~تكون علة أولا لأجزائه مع كونها مشهورة بين جمهور العلماء، والبرهان ~~المذكور على فسادها مما خطر للضعيف مؤلف هذا المختصر. # والمعتمد في هذه المسألة ما رتبه أيضا من البرهان فقال: لو لم يكن في ~~الوجود موجود واجب الوجود لذاته تنتهي به سلسلة الممكنات الموجودة لكانت ~~الموجودات بآحادها ومجموعها ممكنا، لكن التالي باطل فالمقدم كذلك أما ~~الملازمة فظاهرة، وأما بطلان التالي فلأنه لو كان كذلك لكان لمجموعها علة ~~تامة، وكل علة تامة يجب أن يعتبر في تحققها جميع الأمور المعتبرة في تحقق ~~ماهية معلولها على ما سبق مجموع الممكنات الموجودة أجزاء من علته التامة أو ~~شرائط في وجودها. لكن تلك العلة ممكنة لتركبها وموجودة، فلها علة تامة ~~موجودة شأنها كذلك، لكن ذلك محال لأن تلك العلة لما كانت ممكنة كانت من ~~جملة آحاد الممكنات، فكانت معتبرة في تحقق معلولها - أعني العلة التامة ~~لمجموع الممكنات. PageV00P065 # وقد بينا أن كل واحد من أجزاء المعلول معتبر في تحقق علته التامة، فيلزم ~~أن يكون تلك العامة التامة معتبرة في تحقق نفسها لكونها جزءا من معلولها، ~~فيكون إما جزءا لنفسها وأنه محال. # واعترض الإمام نجم الدين القزويني أدام الله سعادته على هذا البرهان، ~~فقال: # أما من طريق الجدل فنقول: لو صح ما ذكرتم لزم أن يكون الواجب لذاته ~~موجودا، وإلا لكان المجموع الحاصل ms029 منه ومن جميع الممكنات ممكنا لافتقاره ~~إلى أجزائه، فله علة تامة موجودة مركبة إلى آخر ما ذكرتم. # وأما من طريق الحل فنقول: لا نسلم أن كل جزء من أجزاء المعلول جزء من ~~علته التامة، وإنما يلزم ذلك أن لو لم يكن ذلك الجزء هو الجزء الذي إنما ~~صارت العلة علة تامة للمعلول لكونها علة لذلك فقط، وأما إذا كان ذلك الجزء ~~الذي شأنه ذلك فلا، وإذا جاز ذلك فيجوز أن تكون العلة التامة لمجموع ~~الممكنات علة للهيئة الاجتماعية فقط التي هي الجزء الصوري. فتلك الهيئة ~~تكون متأخرة عن تحقق العلة التامة للمجموع تأخر المعلول عن علته التامة، ~~واستحال أن تكون جزءا منها وإلا لتقدمت علتها وتأخرت عنها معا، وأنه محال ~~بالضرورة. # أجاب ملخص البرهان عن المعارضة: بأنا لا نسلم الملازمة، فإن حاصل ما ~~ذكرتموه من المتصلة أنه لو كان واجب الوجود موجودا لكان المجموع الحاصل منه ~~ومن غيره ممكنا. ومعلوم أنه ليس ذلك الإمكان ولا المجموع الملزوم له بلازم ~~لوجود واجب الوجود، والا لزم من وجود الجزء وجود الكل، أو كون واجب الوجود ~~ممكنا، وكلاهما محال، وذلك بخلاف ما ذكرناه من PageV00P066 # المتصلة في البرهان، فإن حاصلها يعود إلى استلزام عدم واجب الوجود، لكون ~~الموجودات بأسرها ممكنة وهو ضروري وظهر الفرق. # وعن المدعي حلا أن نقول: قوله " لا نسلم أن كل جزء من أجزاء المعلول جزء ~~من علته التامة " قلنا: قد دللنا عليه. # قوله " وإنما يلزم ذلك " إلى آخره. قلنا: هذا مبني على أن العلة التامة ~~لوجود المركب يجوز أن يكون نفسها علة تامة لوجود جزء من أجزائه، وقد برهنا ~~على أنه لا يجوز ذلك، فليس إنما تصير العلة علة تامة له إذا كانت علة تامة ~~لبعض أجزائه، بل لا يجوز أن تكون علة تامة لبعض أجزائه من حيث هي علة تامة ~~لوجوده كما بينا. وبالله التوفيق. # واعلم أن هذا الإمام لما وقف على هذين الجوابين اعترف بصحتهما وسقوط ~~الاعتراض على البرهان المذكور. # الطريق الثاني: الاستدلال بحدوث الذوات وتقريره: أن العالم ms030 محدث، وكل ~~محدث فله محدث. # أما المقدمة الأولى فقد تقدم بيانها، وأما الثانية فلأن كل محدث ممكن وكل ~~ممكن فله مؤثر. # بيان الأولى: إن المحدث هو الذي وجد بعد العدم، فكانت ماهيته قابلة ~~للوجود والعدم، وهو المراد بالممكن. وأما الثانية فقد سيق تقريرها، وأما ~~بيان أن ذلك المؤثر المحدث يجب أن يكون واجب الوجود لذاته فيعود إلى الطريق ~~الأول. # وزعم بعض المتكلمين أن المقدمة الثانية من هذا الدليل - وهي قولنا كل ~~PageV00P067 # محدث مفتقر إلى المؤثر - بديهية من غير نظر إلى كون المحدث ممكنا. # وهو باطل، لأنه بناء منهم على كون الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، ~~وقد سبق منا بيان أن الحدوث لا يصلح أن يكون علة الحاجة ولا جزء منها ولا ~~شرطا لها، فإذن إنما تكون بديهية باعتبار الإمكان للحادث. وبالله التوفيق. # الركن الثاني (في صفاته السلبية) وفيه أبحاث: # البحث الأول: # ماهية الله تعالى مخالفة لسائر الماهيات لعين ذاتها المخصوصة، خلافا لأبي ~~هاشم وأتباعه، فإنه زعم أن الذوات كلها متساوية في الذاتية ومتخالفة بأحوال ~~هي عليها. # لنا وجهان: # (الأول) إن ماهيته تعالى نفس وجوده، ولا شئ من ماهيات الممكنات كذلك، ~~فماهية الله تعالى غير مشاركة لشئ من ماهيات الممكنات في حقيقتها. # ومقدمتا هذا الدليل قد سبق تقريرهما. # (الثاني) لو كانت ماهيته مساوية لشئ من ماهيات الممكنات لكان اختصاصها ~~بما لأجله صار مؤثرا في وجود العالم إن كان لأمر فإما لذاته أو للازمها، ~~فيلزم اتصاف سائر الماهيات بصفات الإلهية، لوجوب اشتراك متماثلي الذات في ~~جميع مقتضياتها ضرورة، وأما لغيره فيكون واجب الوجود محتاجا في تحقق ~~PageV00P068 # صفات الإلهية إلى غير خارجي عنه، فكان في صفاته ممكنا معلولا للغير، هذا ~~خلف. وإن كان لا لأمر لزم الترجيح بلا مرجح وهو محال. # البحث الثاني: في كونه تعالى ليس بمتحيز ويدل عليه وجوه: # (الأول) لو كان متحيزا لم ينفك عن الأكوان الحادثة فيلزم كونه محدثا على ~~ما مر، وكل محدث ممكن فالواجب ممكن. هذا خلف. # (الثاني) لو كان متحيزا لكان مفتقرا إلى حيز، واللازم ms031 باطل فالملزوم ~~كذلك. # أما الملازمة: فلأن المتحيز متعلق الإشارة الحسية بأنه هنا أو هناك، فكان ~~مستلزما للحاجة إلى الجهة والحيز ضرورة. وأما بطلان اللازم: فلأنه لو كان ~~كذلك لكان قيامه في الوجود موقوفا على وجود الحيز الممكن الحادث، والموقوف ~~على وجود الممكن ممكن بذاته، فالواجب لذاته ممكن لذاته. # هذا خلف. # (الثالث) لو كان جسما لكان مركبا، واللازم باطل فالملزوم مثله. أما ~~الملازمة فظاهرة، وأما بطلان اللازم فلأنه لو كان مركبا لكان ممكنا على ~~عامر في خواص الواجب لذاته. هذا خلف. # (الرابع) لو كان جسما لكان مساويا لسائر الأجسام في الحقيقة، وحينئذ ~~فاختصاص ذاته بصفات الإلهية إن كان لذاته أو لشئ من لوازمها وجب أن يكون كل ~~جسم موصوفا بها وهو محال، وإن كان لأمر خارج عن ذاته عارض لها كان مفتقرا ~~في تحقيق صفاته إلى غير خارجي، فكان ممكنا بالذات على عامر. # هذا خلف. PageV00P069 # البحث الثالث: في كونه تعالى ليس بجوهر الجوهر يقال في عرف العلماء ~~بالاشتراك اللفظي على معان: # أحدها حقيقة الشئ وذاته. # الثاني الموجود الغني عن المحل. # الثالث الشئ الذي إذا وجد في الأعيان كان لا في موضوع. # الرابع القابل للصفة. # الخامس ما يكون موردا للصفات المتعاقبة. # والجوهر بالمعنى الأول والثاني صادق على الله تعالى، إذ له حقيقة غنية في ~~الوجود عن المحل، وغير صادق عليه بالمعنى الثالث، إذ وجوده نفس حقيقته لا ~~غيرها، ولا بالمعنى الرابع والخامس لما سنبين أنه ليس له صفة تزيد على ذاته ~~فيقبلها ذاته وتكون معروضة لها. # لكن لما كانت أسماء الله تعالى توقيفية ولم يرد إذن من الشارع في إطلاق ~~هذا اللفظ عليه، لم يكن إطلاقه في حقه مطلقا: أما بالاعتبارين الأولين فمن ~~جهة اللفظ فقط، وأما بالاعتبارات الباقية فمن جهة اللفظ والمعنى معا. # البحث الرابع: # أنه تعالى ليس في مكان ولا جهة ولا حيز، خلافا للكرامية، فإنهم اتفقوا ~~على أنه تعالى في جهة: ثم زعمت الهيصمية أنه فوق العرش في جهة لا نهاية لها ~~وبينه وبين العرش بعد غير متناه، وزعمت ms032 العابدية أن بينهما بعدا متناهيا، ~~وقال بعض الهيصمية أنه على العرش كما ذهب إليه سائر المجسمة. PageV00P070 # لنا وجوه: # (الأول) إنه لو كان في مكان لم يخل عن الأكوان الحادثة، واللازم باطل ~~فالملزوم كذلك. # أما الملازمة: فلأن كونه في المكان إن كان أول كون له فهو كون الحدوث أو ~~كونا ثانيا إما في ذلك المكان وهو السكون أو في غيره وهو الحركة. وعلى ~~التقديرات فهي حادثة ولا خلو للكائن عنها لما مر. # وأما بطلان اللازم، فلأنه لو لم يخل عن الأكوان الحادثة لكان حادثا على ~~ما مر أيضا، وكل حادث ممكن فالواجب ممكن. هذا خلف. # (الثاني) لو كان في مكان أو جهة أو حيز لاستحال قيامه في الوجود بدونه، ~~واللازم باطل فالملزوم كذلك. # بيان الملازمة: إن كل ما كان في الحيز أو المكان فإنه لا ينفك عن مقدار ~~وشكل، وكل ما كان كذلك استحال استغناؤه في الوجود عن الحيز والمكان، ~~والمقدمتان جليتان. # بيان بطلان اللازم: أنه لو كان كذلك لكان قيامه في الوجود موقوفا على ~~وجود الغير وكان مفتقرا في وجوده إلى الغير. هذا خلف. # (الثالث) أنه ثبت في علم الهيئة والمجسطى أن السماوات والأرض كرية، وإذا ~~كانت كذلك كانت الجهة التي فوق رأس من كان ببلاد المشرق بعينها أسفل لمن ~~كان ببلاد المغرب وبالعكس، فلو كان سبحانه في جهة فوق لكان كونه فوقا لقوم ~~مستلزما لكونه أسفل لقوم آخرين، وذلك مما يأباه الخصم وينكره. # احتج الخصم بالمعقول والمنقول: # أما المعقول فهو أنه تعالى لا بد وأن يكون في حيز وجهة، وكل حيز وجهة ~~PageV00P071 # له فهي جهة فوق. # أما المقدمة الأولى فلأنه تعالى موجود، وكل موجود فإما أن يكون ساريا في ~~غيره كالعرض في الجوهر أو مباينا له بالجهة. والعلم بهذا الحصر ضروري، ~~فالباري تعالى إما سار في غيره كالعرض في الجوهر أو مباين لغيره بالجهة، ~~والأول ظاهر البطلان فتعين الثاني، فكان ذا جهة. # وأما الثانية فلوجهين: أحدهما أن جهة فوق أشرف الجهات والباري تعالى أشرف ~~الموجودات فيختص بها للمناسبة العقلية. ms033 الثاني إن الخلق بمجرد طباعهم ~~وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم إلى جهة فوق عند الدعاء والتضرع، وذلك يدل ~~على شهادة فطرتهم بأن معبودهم في جهة فوق. # وأما المنقول فهو الآيات الموهمة لإثبات الجهة كقوله تعالى " الرحمن على ~~العرش استوى " (1) وقوله " هو القاهر فوق عباده " (2) وقوله " يخافون ربهم ~~من فوقهم " (3). # (وجواب الشبهة الأولى) منع الحصر في قوله " كل موجود فإما أن يكون ساريا ~~في غيره كالعرض في الجوهر أو مباينا له بالجهة "، وظاهر أن ههنا قسما ثالثا ~~في العقل، وهو ما لا يكون ساريا في غيره ولا مباينا له بالجهة، فلم لا يجوز ~~أن يكون الباري تعالى من هذا القسم. ودعوى الضرورة في الحصر في القسمين ~~مقابل بمثله في عدم الحصر فيهما. # وقوله في المقدمة الثانية " أشرف الجهات جهة فوق " ساقط من وجهين: # PageV00P072 # أحدهما أن هذه مقدمة خطابية لا تكفي في إثبات المطالب العلمية. الثاني ~~إنا بينا أن فوقية الجهة إضافية، فإنها وإن كانت فوقا للبعض فهي تحت ~~بالنسبة إلى بعض آخرين، فلا تكون مستلزمة للشرف المطلق. # وأما الاستدلال برفع الأيدي في الدعاء، فإن دل على كون المعبود في جهة ~~فوق فليدل وضع الجبهة على الأرض على كونه في جهة تحت، واللازم باطل ~~فالملزوم مثله والملازمة ظاهرة. # وأما الجواب عن الظواهر النقلية فهو أن العقل والنقل إذا تعارضا فإما أن ~~نعمل بهما معا وهو جمع بين النقيضين، أو نطرحهما معا وهو خلو عن النقيضين، ~~أو نرجح النقل على العقل وهو باطل، لأن النقل فرع على العقل، فلو كذبنا ~~العقل لتصحيح النقل لزم تكذيب العقل والنقل معا، فتعين ترجيح العقل على ~~النقل ثم تأويل النقل أو تفويض علمه إلى الله تعالى. # إذا عرفت ذلك فنقول: الدليل العقلي قد دل على امتناع الجسمية والجهة على ~~الله تعالى والظواهر النقلية المذكورة ونحوها مشعرة بثبوتها له، فيجب ~~تأويلها أو تفويضها. ومن أراد الاستقصاء في تأويلها وضبطها فعليه بكتاب ~~تأسيس التقديس للإمام فخر الدين الرازي رحمه الله. # البحث الخامس: # في أنه تعالى لا يحل في شئ، خلافا ms034 للنصارى وبعض المتصوفة. # لنا: إن المعقول من الحلول قيام موجود بموجود على سبيل التبعية بحيث لا ~~يتعين الحال إلا بتوسط تعيين محله، فإن أريد بحلوله تعالى في غيره هذا ~~المعنى فهو باطل، لأن واجب الوجود لو كان تعينه بواسطة غيره لكان معلولا ~~لذلك الغير فكان ممكنا هذا خلف، وإن أريد به معنى آخر فلا بد من بيانه ~~PageV00P073 # لننظر هل يصح إثباته لله تعالى أم لا. # البحث السادس: # في أنه تعالى لا يتحد بغيره، خلافا للنصارى وبعض الحكماء السابقين وبعض ~~المتصوفة. # لنا: إن المراد من الاتحاد إن كان هو صيرورة الشيئين شيئا واحدا كما هو ~~المفهوم من لفظه فهو باطل، لأن المتحدين إن بقيا موجودين فلا اتحاد، وإن ~~عدما معا فالموجود غيرهما فلا اتحاد أيضا، وإن عدم أحدهما دون الآخر فلا ~~اتحاد، إذ المعدوم لا يتحد بالموجود. وإن كان المراد به معنى آخر فلا بد من ~~إفادة تصوره لننظر فيه. # البحث السابع: # لا يجوز قيام الحوادث بذاته تعالى، خلافا للكرامية. # لنا: لو حل في ذاته شئ من الحوادث لا نفعلت ذاته عن ذلك الشئ، واللازم ~~باطل فالملزوم مثله. # أما الملازمة: فلأن حلول الشئ في الشئ مشروط بقبوله له وإمكان قبوله ~~المستلزمين لانفعاله وتأثره عنه. # وأما بطلان اللازم: فلأن الانفعال مستلزم للغير المستلزم للامكان، فلو ~~انفعلت ذاته عن شئ لكان ممكنا. PageV00P074 # البحث الثامن: في امتناع الألم واللذة على الله تعالى اتفق المسلمون على ~~عدم إطلاق هذين اللفظين عليه تعالى: # أما أولا: فلامتناع معناهما عليه، إذ كان المرجع عندهم بالألم إلى الحالة ~~الحاصلة عن تغير المزاج إلى الفساد، وباللذة إلى الحالة الحاصلة عن تغير ~~المزاج إلى الاعتدال، سواء كانت الحالتان غنيتين عن التعريف كما عليه بعض ~~المتكلمين أو أنهما عبارتان عن إدراك متعلق الشهوة كما عليه جمهور ~~المعتزلة. وإذ الباري تعالى تنزه عن المزاج فهو منزه عن توابعه وعوارضه. # وأما ثانيا: فلعدم الإذن الشرعي في إطلاق أحد هذين اللفظين عليه. # وأما الفلاسفة فإنهم لما فسروا اللام بأنه إدراك المنافي ولم يكن لذاته ~~مناف ms035 لم يصدق إدراك المنافي عليه فلم يصدق عليه الألم، ولما فسروا اللذة ~~بأنها إدراك الملائم أطلقوا عليه لفظ اللذة وعنوا بها علمه بكمال ذاته. # فلا نزاع معهم إذن في المعنى، إذ لكل أحد أن يفسر لفظه بما شاء، لكنا ~~ننازع في إطلاق هذا اللفظ عليه لعدم الإذن الشرعي. # البحث التاسع: # حقيقة الله تعالى غير معلومة لغيره بالكنه، خلافا لجمهور المعتزلة ~~والأشعري. # لنا: إنها غير معلومة بالبديهة وهو بديهي ولا بالنظر، لأن تعريف الشئ إما ~~أن يكون بنفسه وهو باطل مطلقا كما علمت، أو بما يكون داخلا فيه، أو بما ~~يكون خارجا عنه، أو بما يتركب عنهما. PageV00P075 # والأول والثالث في حق الواجب لذاته محال، إذ لا جزء له، والثاني هو ~~التعريف بالاسم أو بالرسم الناقص، وقد علمت أن التعريف بالاسم أو الصفة ~~إنما يفيد تصور أمر ما له ذلك الاسم أو تلك الصفة، فأما حقيقة ذلك الشئ مما ~~لا يفيد الاسم أو الصفة، فإذن شئ من أسماء الله تعالى وصفاته التي تعتبرها ~~أذهاننا له لا يوجب تصور حقيقته بالكنه. # احتج الخصم: بأن حقيقة الله تعالى عين وجوده، ووجوده معلوم، فحقيقته ~~معلومة. والمقدمتان قد سبق بيانهما. # جوابه: إن الأوسط في هذه الحجة غير متحد في المقدمتين، فإن وجوده الذي هو ~~عين حقيقته هو وجوده الخارجي الخاص ووجوده المعلوم هو المحمول عليه وعلى ~~غيره بالتشكيك كما سبق بيانه، وحينئذ لا تتم الحجة. # البحث العاشر: # أنه تعالى ليس بمرئي بحاسة البصر، خلافا للأشعرية. # لنا: المعقول والمنقول: # أما المعقول: فمن وجهين: # (أحدهما) أن المراد بلفظ الرؤية: إما حقيقتها - أعني الادراك بحس البصر - ~~وهو غير صادق عليه تعالى، لأن ذلك الادراك مستلزم لإثبات الجهة له تعالى ~~بالضرورة، سواء كان بحصول الشبح في العين المسمى بالانطباع أو بخروج خارج ~~منها يتصل بسطح المرئي كما يقال من خروج الشعاع أو على وجه آخر إن أمكن، ~~لكن إثبات الجهة له تعالى محال، فالقول برؤيته على الحقيقة محال وأما ~~مجازها - كما يقال مثلا أنه الكشف التام للعقل أو نحوه مما ms036 لا يكون بآلة ~~PageV00P076 # حس البصر - فذلك غير محل النزاع. # (الثاني) إن الباري تعالى ليس بمقابل المرائي ولا في حكم المقابل له، وكل ~~مرئي بحس البصر فإنه يجب أن يكون مقابلا للرائي أو في حكم المقابل ينتج أن ~~الباري تعالى ليس بمرئى بحس البصر: أما المقدمة الأولى فلأن المقابلة أو ما ~~في حكمها كالوجه في المرآة ونحوها إنما تصح من الجسم ذي الجهة أو ما يقوم ~~به، وقد علمت تنزهه تعالى عن الجسمية والجهة ولواحقهما. وأما الثانية ~~فضرورية. # وأما المنقول فمن وجهين: # أحدهما قوله تعالى " لا تدركه الأبصار " (1) وجه الاستدلال إن سلب ~~الادراك البصري من صفات الجلال والتنزيه لله تعالى، وكل ما كان سلبه من ~~صفات الجلال والتنزيه لله كان ثبوته لشخص ما في وقت ما نقصا في حق الله ~~تعالى، ينتج أن ثبوت الادراك البصري نقص في حق الله تعالى. # أما المقدمة الأولى: فلأن مقتضى الآية التمدح بسلب الادراك البصري عنه، ~~لأنها في معرض المدح، وأما الثانية فبينة بنفسها، وحينئذ تبين أن القضية ~~سالبة كلية دائمة. # الثاني قوله تعالى لموسى عليه السلام " لن تراني " (2) وجه الاستدلال أن ~~كلمة " لن " تفيد نفي الأبد بإجماع أهل اللغة، فلو كان الله تعالى ممكن ~~الرؤية بحاسة البصر لكانت الأنبياء عليهم السلام أولى الناس برؤيته، لكن ~~موسى عليه السلام لا يراه فغيره كذلك لعدم الفرق، فليس تعالى مرئيا بحس ~~البصر. # PageV00P077 # لا يقال كلمة " لن " تفيد التأبيد، بدليل قوله تعالى في حق أهل الكتاب " ~~ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " (1) مع انقطاع ذلك بقولهم في النار " يا ~~مالك ليقض علينا ربك " (2). # لأنا نقول: إنه مجاز، بدليل سبق الذهن عند إطلاق هذه اللفظة إلى التأبيد ~~دون عدمه، والمجاز وإن كان خلاف الأصل إلا أنه خير من الاشتراك، كما علم ~~ذلك في أصول الفقه. # أما الخصم فربما فسر مراده بالرؤية أولا ثم استدل على ثبوتها في حقه ~~ثانيا. # أما الأول فقال فخر الدين الرازي رحمه الله: مرادنا بأنه تعالى هل يصح أن ~~يرى أنه هل يصح أن يحصل ms037 لنا حالة من المكاشفة يكون نسبتها إلى ذاته تعالى ~~نسبة الأبصار والرؤية إلى هذه المرئيات أم لا. ثم نبه على تلك الحالة فقال: ~~لا شك إنا إذا علمنا شيئا ثم رأيناه فإنا ندرك تفرقة بين الحالتين، فالحالة ~~الحاصلة المفيدة للتفرقة غير عائدة إلى ارتسام الشبح في العين وإلا إلى ~~خروج الشعاع منها، فهي عائدة إلى حالة أخرى نحن نسميها بالرؤية وندعي ~~تعلقها بذات الله تعالى. # وأما الثاني فقد احتجوا بالمعقول والمنقول: # أما المعقول هو أن الجوهر والعرش اشتركا في صحة الرؤية، ولا بد لتلك ~~الصحة من علة مشتركة، ولا مشترك بينهما إلا الوجود والحدوث، لكن الحدوث لا ~~يصلح للعلية لأنه عبارة عن وجود حاصل وعدم سابق والعدم يمتنع أن يكون # PageV00P078 # علة أو جزءا من العلة فبقي الوجود، والباري تعالى موجود فوجب أن تصح ~~رؤيته. # وأما المنقول فمن وجوه: # (الأول) قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام " رب أرني أنظر إليك " (1) ~~وجه الاستدلال: لو كانت الرؤية ممتنعة عليه تعالى لما سألها موسى، لكنه ~~سألها فلا تمتنع. # بيان الملازمة: إنه لو سألها على تقدير كونها ممتنعة على الله تعالى لكان ~~بعض حثالة المعتزلة أعلم من موسى عليه السلام بما يجوز على الله وما لا ~~يجوز وهو ظاهر البطلان. وأما إنه سألها فلأنه سأل النظر إليه، وليس المراد ~~من النظر ههنا تقليب الحدقة، لأن ذلك إنما يكون نحو ذي الجهة، فلو سأله ~~موسى لكان قد أثبت لله جهة، تعالى الله عن ذلك. فكان جاهلا به فوجب حمله ~~على الرؤية إطلاقا لاسم السبب على المسبب. # (الثاني) قوله تعالى " انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " (2) ~~وجه الاستدلال: أنه علق الرؤية على أمر ممكن، وكل معلق الوجود على أمر ممكن ~~فهو ممكن، فالرؤية ممكنة. # بيان الأول أنه علقها على استقرار الجبل وهو أمر ممكن، وأما الثانية ~~فظاهرة. # (الثالث) قوله تعالى " وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة " (3) وجه ~~الاستدلال # PageV00P079 # أن النظر إما أن يحمل على حقيقته وهو توجيه القوة الباصرة نحو المرئي، أو ~~على مجازه ms038 وهو إما الانتظار أو الرؤية، والأول باطل لأن ذلك إنما يصح في حق ~~ذي الجهة والله تعالى منزه عنها، والثاني أيضا باطل لأن النظر هنا مقرون ~~بحرف إلى وبالوجوه، لأن الانتظار يكون سببا للغم والآية مسوقة لبيان ~~النعمة، وذلك مانع من حمله على الانتظار، فتعين حمله على الرؤية إطلاقا ~~لاسم السبب على المسبب. # والجواب إما عن تفسيرهم فنقول: إن سلمنا أن الحالة المفيدة للتفرقة غير ~~عائدة إلى الانطباع أو إلى خروج الشعاع لكن لم لا يجوز أن تكون عبارة عما ~~حصل للنفس من زيادة اليقين على العلم الأول، وذلك أن العلم مقول بالتشكيك ~~لكن ذلك مشروط بالانطباع أو اتصال الشعاع بسطح المرئي الممتنعين في حق الله ~~تعالى. # وعن معقولهم: لا نسلم أن صحة الرؤية تستدعي علة مشتركة، ولم لا يجوز ~~تعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين. سلماه لكن لم قلتم أنه لا مشترك بين ~~الجوهر والعرض إلا الحدوث أو الوجود. # ثم إنا نتبرع بذكر مشترك آخر وهو الإمكان، وهو وإن كان أمرا اعتباريا إلا ~~أن صحة الرؤية أيضا اعتبارية، وتعليل بعض الاعتبارات ببعضها جائز. سلمناه ~~لكن لم قلتم أن الحدوث لا يصلح للعلية. # قوله " لأن العدم لا يكون جزء العلة " قلنا ليس جزء مفهوم الحدوث هو ~~العدم بل كون الوجود مسبوقا به، وهو أمر اعتباري، فلا يمتنع أن يكون جزءا ~~من علة صحة الرؤية. سلمناه، لكن لم قلتم أنه إذا كان الوجود في الجوهر ~~والعرض علة لصحة الرؤية وجب في الباري كذلك. وبيانه: أن وجود الباري ~~PageV00P080 # نفس حقيقته ووجود الممكنات زائد على ماهياتها كما علمت فتخالفا، ~~والمختلفان لا يجب اشتراكهما في الأحكام. # وعن منقولهم: # (أما عن الأول) فلا نسلم أن موسى عليه السلام سأل الرؤية لنفسه، ولم لا ~~يجوز أن يكون سؤالها عن لسان قومه حيث قالوا " أرنا الله جهرة " (1) " لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " (2). # ومما يؤيد هذا الاحتمال ما روي أنهم لما سألوا الرؤية أخبرهم بأن الله لا ~~يرى، فلم يقبلوا فأجابهم وسأل ليقيم عذره عندهم. # فإن قلت: ms039 أضافة السؤال إلى نفسه ومطابقة الجواب بمنعه مما يشهد أن السؤال ~~كان لنفسه. # قلت: يحتمل تلك الإضافة وجهين: أحدهما ما روي أنه عليه السلام لما أجابهم ~~إلى سؤالهم قالوا لا تسأله لنا بل لنفسك ليكون أقرب إلى الإجابة، فإذا ~~رأيته رأيناه نحن. الثاني لعل اضافته إلى نفسه لغرض أنه إذا منع هو من ~~الإجابة كان ذلك أحسم لمادة سؤالهم للرؤية. # (وعن الثاني) لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن، قوله " علقها على ~~استقرار الجبل وهو ممكن " قلنا: متى هو ممكن حال النظر إلى ذاته أو حال ~~النظر إليه وتجلى الرب له، الأول مسلم لكن لا نسلم أن الرؤية معلقة عليه ~~بذلك الاعتبار، والثاني: لا ينفعكم إذ الجبل في تلك الحال متحرك وإلا لما ~~صار دكا والاستقرار في حال الحركة ممتنع لامتناع اجتماع الحركة والسكون، ~~فكانت # PageV00P081 # الرؤية معلقة على أمر ممتنع، فكانت ممتنعة. # (وعن الثالث) لم لا يجوز أن يحمل النظر هنا على حقيقته ويكون " إلى " لا ~~حرف جر بل اسما لواحد الآلاء وهو النعمة أي ناظرة نعمة ربها. # سلمناه لكن لم لا يجوز أن يكون إلى واحد الآلاء ويكون النظر هنا بمعنى ~~الانتظار، وقرينة الوجوه لا يمنع من ذلك. قوله " لأن الانتظار يكون سببا ~~للغم " قلنا: لا نسلم أن كل انتظار كذلك، بل انتظار الخير سبب الفرح ~~والسرور وههنا كذلك. # سلمناه، لكن لم لا يجوز أن يحمل النظر على حقيقته، ويكون في الآية اضمار ~~تقديره إلى ثواب ربها وجزائه ناظرة، والاضمار وإن كان خلاف الأصل إلا أن ~~المجاز خلاف الأصل أيضا، وقد ثبت في أصول الفقه أنهما في درجة واحدة وعليكم ~~الترجيح. وبالله التوفيق والعصمة. # الركن الثالث (في صفاته الثبوتية) وفيه أبحاث: # البحث الأول: في كونه تعالى قادرا مختارا اختلف الناس في معنى كونه تعالى ~~قادرا، فذهب الأقدمون من مشائخ المعتزلة إلى أن ذلك عبارة عن كونه على صفة ~~لأجلها يصح منه الفعل، وذهب بعض متأخريهم ومنهم العجالي إلى أن ذلك عبارة ~~عن حقيقته المتميزة التي تفعل بحسب الدواعي ms040 المختلفة، وقال آخرون أنه عبارة ~~عن كونه بحيث إذا شاء فعل PageV00P082 # وإذا شاء لم يفعل. # والأصح أنه عبارة عن كونه بحيث إذا شاء فعل وإذا شاء لم يفعل، وبين هذا ~~المفهوم والذي قبله فرق يدق فليتنبه له، فربما لا يحتمل شرحه هذا المختصر. # والفرق بينه وبين الموجب كالشمس في الإشراق والنار في الاحراق أمران: # أحدهما أن القادر عالم بأثره والموجب ليس كذلك، الثاني أنه يصح منه مع ~~وجوده أن لا يفعل باعتبار ذاته ولا كذلك الموجب فإنه يمتنع منه أن لا يفعل. # إذا عرفت ذلك فنقول: مذهبنا أنه تعالى قادر. برهانه: أنه يصح منه أن لا ~~يفعل إذا لم يشأ ويصح منه أن يفعل إذا شاء، وكل من كان كذلك كان قادرا ~~مختارا. # أما المقدمة الأولى: فلأنا لما بينا أن العالم محدث فقبل وجود العالم لم ~~يدعه الداعي إلى إيجاده فلم يوجده، ودعاه الداعي إلى إيجاده فيما لا يزال ~~فأوجده، فوقوع الترك منه أزلا لعدم الداعي إلى إيجاده. ثم وقوع الفعل عنه ~~لتعلق الداعي به مستلزم لصحتها عنه تعالى. # وأما الثانية: فلأنا لا نعني بالمختار إلا من صح منه الفعل وعدمه بحسب ~~المشية وعدمها. # فإن قيل: لا نسلم أن الفعل والترك ممكنان بالنسبة اليه. وبيانه من وجوه: # (الأول) أنه إن استجمع جميع ما لا بد منه في المؤثرية وجب عنه الفعل، وإن ~~لم يستجمع امتنع منه، والوجوب والامتناع في الفعل ينافيان صحته. # (الثاني) أن الممكنة من الطرفين إما أن تحصل حال حصول أحدهما أو قبل ذلك، ~~والأول باطل، لأن الحاصل منهما حال حصوله واجب ونقيضه محال، والثاني أيضا ~~باطل، لأن شرط الحصول في الاستقبال حصول الاستقبال الممتنع PageV00P083 # الحصول في الحال، والموقوف على المحال محال، فحصوله يفيد كونه في ~~الاستقبال ممتنع الحصول في الحال ممتنع والممتنع لا يمكن. # (الثالث) أن الترك عبارة عن البقاء على العدم الأصلي، والعدم الأصلي غير ~~مقدور: أما أولا فلأن القدرة صفة مؤثرة والعدم نفي محض فلا يعقل فيه ~~التأثير. وأما ثانيا فلأنه باق مستمر، والباقي غني ms041 عن المؤثر. # (والجواب عن الأول) إن الفعل وإن وجب عن الفاعل عند تمام مؤثريته إلا أن ~~ذلك الوجوب بالنظر إلى الداعي لا بالنظر إلى القدرة التي يستوي الطرفان ~~بالنسبة إليها في الصحة، وحينئذ لا يكون ذلك الايجاب منافيا للاختيار كما ~~علمت معناهما. # (وعن الثاني) أن الممكنة من الطرفين حاصلة حال حصول أحدهما وقبله بالنظر ~~إلى القدرة وإمكان الطرفين في ذاتيهما، سواء كان أحد الطرفين واجب الوقوع ~~عن الداعي في الحال أو ممتنع الوقوع في الحال لعدم الداعي واجب الوقوع في ~~الاستقبال، فإن شيئا من ذلك لا ينافي المكنة الحاصلة في الحال بالنظر إلى ~~القدرة وإمكان الأثر في نفسه. # (وعن الثالث) هب أن مطلق العدم غير مقدور، فلم قلت أن العدم المقيد - ~~أعني عدم الفعل المسمى بالترك - غير مقدور، لا نسلم أنه نفي محض بل هو ~~عبارة عن عدم الفعل عما من شأنه أن يفعل. # قوله " ثانيا أنه باق كما كان والباقي غني عن المؤثر " قلنا: لا نسلم أن ~~الباقي غني عن المؤثر، وقد سبق تقريره. # (تنبيه) واعلم أن الفلاسفة ربما ساعدونا على أن الشرطيتين المذكورتين في ~~الحد صادقتان على الله تعالى، لكنهم يقولون أنه لا يلزم من صدق الشرطية ~~PageV00P084 # صدق كل من جزئيها، فلا يلزم من صدق قولنا " أنه إذا لم يشأ يصح منه أن لا ~~يفعل " صدق أنه لم يشأ حتى يلزم صحة أن لا يفعل، وحينئذ لا يمكن إثبات ~~الممكنة من الطرفين. # إلا أنا لما بينا أن العالم حادث ثبت وقوع أن لا يفعل لعدم الداعي، فلزمت ~~صحة أن لا يفعل كما أشرنا إليه. وحينئذ صدقت الشرطيتان بأجزائهما على الله ~~تعالى، وتحقق الخلاف معهم. وبالله التوفيق. # البحث الثاني: في كونه تعالى عالما اتفق جمهور العقلاء من المتكلمين ~~وغيرهم على أنه تعالى عالم، إلا قوما من الفلاسفة، فإن منهم من نفى عنه ~~العلم أصلا. # لنا: إن أفعاله تعالى محكمة متقنة، وكل من كان كذلك فهو عالم، والمقدمة ~~الأولى حسية والثانية بديهية. # لا يقال: إن عنيت بالفعل المحكم ما يشتمل ms042 على المصلحة من كل وجه فلا نسلم ~~أن شيئا من مخلوقات الله تعالى كذلك، وهو ظاهر، لكثرة ما نشاهده في العالم ~~من الشرور. وإن عنيت به ما يشتمل عليها من بعض الوجوه، فلا نسلم أن ذلك يدل ~~على علم الفاعل. ثم هو منقوض بأفعال النائم والساهي، فإنها قد تشتمل على ~~المصلحة من بعض الوجوه مع عدم شعور فاعله به. سلمناه، لكن لا نسلم أن ~~الأحكام تدل على علم الفاعل. # ومستند المنع وجوه: # (أحدها) أن الجاهل قد تتفق منه الأحكام مرة، وجواز المرة منه مستلزم ~~لجواز المرار، لأن حكم الشئ حكم مثله، مع أن تلك الأحكام لا تدل على علمه. ~~PageV00P085 # (وثانيها) أن النحل تبني البيت البيت المسدس المشتمل على الحكم التي لا ~~يهتدي إليها إلا المهندسون، وكذا بيت العنكبوت المشتمل على الترتيب العجيب ~~والغاية منه، وكذلك باقي الحيوانات تأتي بالأفعال العجيبة التي يعجز عنها ~~كثير من الأذكياء، مع أنه ليس لشئ منها علم. # سلمناه، لكنه معارض بما أن العلم إن لم يكن صفة كمال وجب تنزيه الله ~~تعالى عنه، وإن كان تعالى بدون تلك الصفة ناقصا بذاته مستفيدا للكمال من ~~غيره. # هذا محال، لأنا نجيب عن الأول بأنا نعني به الترتيب العجيب كترتيب ~~الأجرام العلوية ونضدها والتأليف اللطيف كأجزاء بدن الإنسان موافقة ~~لمنافعه، والعلم باستلزام ذلك العلم الفاعل بديهي. # قوله " هو منقوض بأفعال نائم والساهي " قلنا: لا نسلم كونهما غير شاعرين ~~بما يصدر عنهما. نعم لا يكونان شاعرين بشعورهما بذلك. # (وعن الثاني) أنه بديهي، ولا نسلم أن الجاهل بالشئ يصدر عنه على وجه ~~الأحكام، بل يكون عالما به من جهة ما هو محكم، وكذلك النحل والعنكبوت وسائر ~~الحيوان لا نسلم أنها غير شاعرة بآثارها، بل كل منها شاعر بما يصدر عنه. # (وعن الثالث) إن العلم بصفة كمال وسنبين في واجب الوجود أنها نفس ذاته، ~~وحينئذ لا يكون مستفيدا للكمال من غيره. # وأما المنكرون لكونه تعالى عالما فإنهم لما فسروا العلم بأنه حصول صورة ~~مساوية للمعلوم في ذات العالم قالوا: لو كان ms043 تعالى عالما بغيره للزم أن ~~يحصل له في ذاته صورة غيره، فتلك الصورة إن كانت منه كانت ذاته قابلة فاعلة ~~لها، PageV00P086 # فكانت في ذاته جهتا وجوب وإمكان، وقد ثبت أنه تعالى واجب من جميع جهاته ~~هذا خلف. وإن كانت من غيره كان ناقصا بذاته مستفيدا للكمال من الغير، ولو ~~كان عالما بذاته، مع أن العلم يقتضي إضافة ما بين العالم والمعلوم لم تعقل ~~تلك الإضافة له إلا أن يكون فيه اعتباران متغايران فيكون فيه الكثرة وقد ~~بينا أنه منزه عن الكثرة والتركيب. هذا خلف، فلهذه الشبهة نفوا عنه العلم ~~مطلقا. # (وجوابهم) إنا سنبين أن علمه تعالى نفس ذاته لا بحصول صورة مساوية ~~للمعلوم في ذاته، وحينئذ لا يلزم كونه قابلا وفاعلا ولا كونه مستكملا ~~بغيره، وكذلك لا يلزمه الكثرة لوجود الإضافة، إذ الإضافة أمر تحدثها عقولنا ~~عند الاعتبار. وبالله التوفيق. # البحث الثالث: في كونه تعالى حيا اتفق العلماء على أنه تعالى حي، إلا ~~أنهم اختلفوا في معناه، فمن جوز أن يكون له صفة زائدة على ذاته قال الحياة ~~صفة ثبوتية، وهم جمهور المعتزلة والأشعرية الأقدمين، ومن منع من ذلك - وهو ~~أبو الحسين البصري ومن تابعه من متأخري المعتزلة - جعل ذلك اعتبارا سلبيا ~~يلزم ذاته في العقل، وفسره بكونه لا يستحيل أن يعلم ويقدر، وهو سلب ضرورة ~~العدم الصادق على الواجب والممكن، ويقرب منه اعتبار الفلاسفة بهذه الصفة في ~~حقه تعالى. # والحق ما ذهب إليه أبو الحسين، لما سنبين أنه تعالى ليس له صفة تزيد على ~~ذاته. # حجة الأشعري: إنه لولا اختصاص ذاته تعالى بصفة لأجلها يصح أن يعلم ~~PageV00P087 # ويقدر لم يكن حصول هذه الصفة أولى من لا حصولها. # الجواب: إنا سنبين أن علمه تعالى وقدرته نفس ذاته، وحينئذ جاز أن يكون ~~مجرد اعتبار ذاته المخصوصة المخالفة لما عداها كافيا في استلزام اعتبار هذه ~~الصفة، فلم قلتم أنه ليس كذلك. # البحث الرابع: في كونه تعالى مريدا وكارها اتفق المسلمون على وصفه تعالى ~~بكونه مريدا وكارها، لكن اختلفوا في معناهما، فالأشعرية وجمهور ms044 المعتزلة ~~أثبتوا الإرادة والكراهة زائدتين على العلم في الشاهد والغائب، وأثبتهما ~~أبو الحسين ومن تابعه زائدتين عليه في الشاهد دون الباري تعالى. وهو ~~المختار. # وتحقيق الكلام في شرح الإرادة والكراهة: إن الإنسان إذا علم أو ظن أو ~~توهم مصلحة له في بعض الأفعال فإنه قد يجد من نفسه شوقا ينبعث له إلى ~~تحصيله لما يتخيل أو يعقل فيه من الملائمة له، وكذلك إن علم أو ظن فيه ~~مفسدة فإنه قد يجد من نفسه انصرافا وانقباضا عنه بحسب ما يعقل فيه من ~~المنافاة، فذلك العلم أو الظن بالمصلحة هو مرادنا بالداعي وبالمفسدة هو ~~مرادنا بالصارف، وذلك الشوق والميل الحاصل عنه هو المسمى بالإرادة، وذلك ~~الانصراف والنفرة عنه هو المسمى بالكراهة. # أما في حق الباري تعالى فلما امتنع عليه الظن والوهم لم يكن دواعيه ~~وصوارفه إلا علوما، ولما كان الشوق والنفرة من توابع القوى الحيوانية لم ~~تصدق الإرادة والكراهة بالمعنى المذكور في حقه تعالى، فمعنى كونه إذن مريدا ~~هو علمه باشتمال الفعل على المصلحة الداعية إلى إيجاده، ومعنى كونه كارها ~~PageV00P088 # هو علمه باشتماله على المفسدة الصارفة عن إيجاده. وهذان العلمان أخص من ~~مطلق العلم. # إذا عرفت ذلك فنقول: كل واحد من هذين العلمين يصلح لتخصيص الفعل الممكن ~~بحال دون حال، وكل ما يصلح لهذا التخصيص فهو المعني بالإرادة والكراهة. # أما الصغرى: فلأن العلم بالفعل المعين المشتمل على المصلحة أو المفسدة ~~المعينة مخصص ومميز له من بين سائر الأفعال، وهو ظاهر. # وأما الكبرى: فلأن الحاجة إلى إثبات الإرادة والكراهة لتميز بعض الأفعال ~~عن بعض ليخصها الفاعل بحال دون حال، وإذا كان العلم المخصوص صالحا لذلك فلا ~~حاجة إلى إثبات أن الإرادة أمر زائد. # فإن قلت: هذا مبني على تعليل أفعال الله برعاية المصالح، ولا نسلم أنه ~~تعالى يفعل لغرض. # قلت: سنبين أنه تعالى لا يفعل إلا لغرض. # احتج الخصم بأنه لا بد للفعل من مخصص، وليس هو القدرة لاستواء الطرفين ~~بالنسبة إليها، ولا العلم إذ قد يعلم ما لا تتعلق الإرادة والكراهة به ms045 ~~كالممتنع ولأن العلم تابع للمعلوم والإرادة والكراهة متبوعتان للمراد ~~والمكروه. وظاهر أن السمع والبصر وغيرهما لا يصلح لذلك التخصيص، فلا بد من ~~أمر آخر هو المسمى بالإرادة والكراهة. # وجوابه: لم لا يجوز أن يكون المخصص هو العلم المخصوص بما في الفعل من ~~المصلحة أو المفسدة. # قوله " قد يعلم ما لا يتعلق الإرادة والكراهة به " قلنا: بالعلم المطلق ~~لا بالعلم PageV00P089 # المخصوص الذي بيناه. # قوله " العلم تابع للمعلوم " قلنا: لا نسلم ذلك مطلقا، بل إذا كان العلم ~~مستفادا من المعلوم في ذاته أو في هيئته المقتضية لكونه مطابقا له، أما إذا ~~لم يكن كذلك فلا. # البحث الخامس: في كونه تعالى سميعا بصيرا اتفق المسلمون على وصفه تعالى ~~بهما، لكن اختلفوا في معناهما فذهب أبو الحسين البصري والكعبي إلى أنهما ~~عبارتان عن علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات، وهو مذهب فلاسفة الإسلام. ~~وذهب الجمهور من الأشعري والمعتزلة والكرامية إلى أنهما صفتان زائدتان على ~~العلم، والأول هو الحق. # لنا: إن وصفه تعالى بالسميع والبصير إما أن يراد به حقيقته اللغوية أو ~~مجازه والأول باطل لأن حقيقة هذين الوصفين مشروطة بآلتي السمع والبصر ~~الممتنعتين عليه تعالى، فتعين الحمل على المجاز، فنحن نحملهما على العلم ~~المخصوص إطلاقا لاسم السبب على المسبب، وهو أقوى وجوه المجاز. # فإن قلت: ليس حمله على العلم أولى من حمله على مجاز آخر. # قلت: هذا المجاز إنما صرنا إليه لمكان المناسبة، والأصل عدم مجاز آخر ~~ولأن سببية السماع والأبصار لحصول العلم مع العلم بخروج حقيقتهما عن ~~الإرادة استلزمت ظن إرادة العلم مجازا، فلا يدفع ذلك الظن باحتمال إرادة ~~مجاز آخر. # احتج الخصم بالمعقول والمنقول: # أما المعقول فمن وجهين: PageV00P090 # (أحدهما) إنه تعالى حي، والحي يصح اتصافه بالسمع والبصر، وكل من صح ~~اتصافه بصفة فلو لم يتصف بها لا تصف بضدها، فلو لم يكن الله تعالى سمعيا ~~بصيرا لاتصف بضدهما، وهو نقص محال عليه تعالى. # (الثاني) لو لم يكن تعالى سميعا بصيرا لكان الواحد منا أكمل منه، واللازم ~~باطل فالملزوم مثله. بيان الملازمة: إن السميع والبصير ms046 أكمل ممن ليس كذلك ~~وأما بطلان اللازم فظاهر. # وأما المنقول فقوله تعالى " إنني معكما أسمع وأرى " (1) وقوله " إنه هو ~~السميع البصير " (2) ونحوه. # (والجواب عن الأول) لا نسلم أن حياته تعالى مصححة للسمع والبصر، وبيانه ~~أن حياته تعالى مخالفة لحياتنا في الحقيقة، والمختلفتان لا يجب إشراكهما في ~~الأحكام. سلمناه، لكن متى يقتضي حياته هذه الصحة، وإذا لم يكن هناك مانع أو ~~إذا كان الأول مسلم والثاني ممنوع، إذ يجوز أن يكون صحة اتصافه بالسمع ~~والبصر مشروطا بحصول آلتيهما الممتنتعين في حقه تعالى. سلمناه، لكن لا يلزم ~~من صحة الاتصاف بهما وجود الاتصاف. # قوله " لو لم يكن يتصف بهما لا تصف بضدهما " قلنا: لا نسلم، لجواز خلو ~~المحل عن الشئ وضده كالهواء فإنه لكونه جسما يصح اتصافه بالسواد والبياض مع ~~خلوه عنهما. نعم لا يخلو عن الشئ وعدمه، لكن لم قلتم إن عدم السمع والبصر ~~في حقه تعالى نقص. # (وعن الثاني) منع الملازمة. قوله " السميع والبصير أكمل ممن ليس # PageV00P091 # كذلك " قلنا: هو أكمل ممن يكون من شأنه أن يكونان له، أما من غيره فممنوع ~~ولا نسلم أنهما بالمعنى الذي ثبته الخصم كما لأن لله تعالى. ثم هو معارض ~~بما أن حسن الوجه أكمل من قبيحة، فلو لم يكن الله تعالى كذلك لكان أحدنا ~~أكمل منه، وهو محال. # فإن قلت: هذا من صفات الأجسام، والله تعالى منزه عنها. # قلت: لم لا يجوز أن يكون السميع والبصير كذلك. # وعن أدلة السمع: أن العقل منع من إجرائها على ظواهرها، فوجب تأويلها ~~بالعلم كما سبق أو تفويض علمها إلى الله تعالى كسائر الآيات المشعرة ~~بالتجسيم. # البحث السادس: في كونه تعالى متكلما اتفق المسلمون على إطلاق لفظ المتكلم ~~عليه تعالى، لكن اختلفوا في معناه. فقالت المعتزلة معناه كونه تعالى خالقا ~~لأصوات مخصوصة دالة على معان مخصوصة في محال مخصوصة عند إرادته أمرا ليعبر ~~بها عنه، وظاهر أن كلامه تعالى بهذا التفسير حادث. # وقالت الأشعرية: أنه متكلم بمعنى قائم بذاته قديم دلت عليه هذه العبارات ~~الحادثة. # والكلام عند ms047 بعضهم لفظ مشترك بين ذلك المعنى والعبارة الدالة عليه، وعند ~~بعضهم حقيقة في المعنى مجاز في العبارة، وعند بعضهم بالعكس. وقالت الحنابلة ~~أنه عبارة عن الحروف والأصوات المسموعة مع أن كلامه قديم. # والحق أنه حقيقة في العبارة دون المعنى المدلول. # لنا: أنه المتبادر إلى الفهم عند إطلاق لفظ الكلام دونه، وإذا كان كذلك ~~PageV00P092 # لم يمكن إطلاق لفظ المتكلم عليه بذلك الاعتبار، لتنزهه عن اللفظ المستلزم ~~لإثبات الجوارح له، فوجب إطلاقه عليه باعتبار خلقه للكلام في بعض الأجسام ~~إما حقيقة أو مجازا إطلاقا لاسم المسبب على السبب، ولأنا سنبين أنه تعالى ~~ليس له صفة تزيد على ذاته، فلا يكون الكلام معنى قائما به كما هو مذهب ~~الأشعرية. # أما الأشعري فإنه بين مراده من الكلام النفساني أولا ثم استدل على إثباته ~~لله تعالى ثانيا ثم بين أنه قديم ثالثا ثم بين كونه واحدا مع أنه أمر ونهي ~~وخبر واستخبار وغيرها. # أما الأول: فقد ثبت أن الألفاظ موضوعة بإزاء الصور الذهنية، فإذا نطق ~~أحدنا بخبر فالحكم المدلول عليه بذلك اللفظ ليس نفس الاعتقاد، لجواز أن ~~يكون الاعتقاد بخلافه، ولا نفس الإرادة لأن الخبر يتعلق بالواجب والممكن، ~~ولا شئ من الإرادة كذلك، فهناك أمر آخر هو مرادنا بكلام النفس، ودليل ~~تسميته كلاما قول الشاعر: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقول القائل ~~في نفسي كلام. # وأما الثاني: فلقوله تعالى " وكلم الله موسى تكليما " (1) وقوله " إن ~~الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء " (2) ونحوه. ~~ووجه الاستدلال: إن التكليم والأمر والنهي إما أن يكون من باب الحقائق ~~والمعنى أو من باب العبارات. والأول هو المطلوب، وأما الثاني فتلك العبارات ~~لا بد وأن # PageV00P093 # تكون دالة على معان، وليست نفس الاعتقادات والإرادات لما سبق، فهي إذن ~~صفة أخرى لله تعالى. # وأما الثالث: فلأن ذلك المعنى لو كان محدثا لكان إما قائما بذاته تعالى ~~فيكون محلا للحوادث وهو محال، وإما بغيره من المحال أن يقوم صفة الشئ بغيره ~~أولا في محل فيقوم ms048 العرض في الوجود بلا محل. هذا محال، فثبت أنه صفة قديمة. # وأما الرابع: فلأن المرجع بالأمر إلى الأخبار عن لحوق العقاب على الترك، ~~وبالنهي إلى الأخبار عن لحوق العقاب على الفعل، وكذا في سائر أصناف الكلام. # وأما الحنابلة فاستدلوا على أن كلامه هو الحروف والأصوات بأن كلامه مسموع ~~ولا مسموع إلا الحرف والصوت فكلامه ليس إلا الحرف والصوت: # أما الصغرى فلقوله تعالى " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله " (1) وأما الكبرى فظاهرة. # ثم أثبتوا كونه قديما بأنه لو كان حادثا لكان إما قائما بذاته أو بغيره ~~أو لا في محل، والأقسام الثلاثة باطلة لما مر. # والجواب عن المقالة الأولى للأشعرية: لم لا يجوز أن يكون ذلك المعنى من ~~قبيل العلوم، فإن الصور الذهنية إما تصورات أو كيفيات تلحقها كالتصديق ~~ونحوه، وهي من أقسام العلم عندنا، فلا نسلم إطلاق لفظ الكلام عليها حقيقة. # اللهم إلا بوضع عرفي أشعري، وليس كلامنا فيه. # وأما البيت فلا نسلم صحة نقله عن الأخطل، وإن سلمناه فلا نسلم قوله صحة، # PageV00P094 # ولأنه يقتضي أن يسمي الأخرس متكلما لحصول ذلك المعنى في نفسه. # وعن الثاني: أنها من باب العبارات، وهي دالة على معان هي عندنا من قبيل ~~العلوم كما مر. # وعن الثالث: إنا سنبين أنه تعالى ليس له صفة زائدة على ذاته في الخارج ~~حتى توصف بالقدم أو الحدوث، ولأن التقسيم مبني على وجود صفة تغاير العلم، ~~والخصم لم يثبت ذلك. # وعن الرابع: إن الأمر والنهي والخبر مفهومات مختلفة الحقائق بالضرورة ~~فدعوى إيجادها مكابرة. نعم قد يشترك الأمر والنهي في استلزام الخبر، وذلك ~~لا يوجب اتحادها في الحقيقة. # وجواب الحنابلة أن كونه حرفا وصوتا يستلزم حدوثه بالضرورة. ثم على تقدير ~~كونه حرفا وصوتا لم لا يجوز أن يقوم بغيره وإن اشتق له منه صفة، ولا امتناع ~~في ذلك. # البحث السابع: في كونه تعالى مدركا هل هو زائد على اعتبار العلم له أم ~~لا، اختلف العلماء في ذلك: فذهب الجبائيان والمرتضى والأشعري إلى كونه ~~زائدا عليه، ms049 وأباه أبو الحسين البصري. # والحق أنه زائد على العلم في الاعتبار العقلي غير زائد عليه في الخارج: # أما الأول فلأن الادراك قدر مشترك بين إدراك الحس والعقل كالجنس لهما، ~~فكان أعم من العلم في الاعتبار العقلي وزائد عليه. وأما الثاني فلأنا سنبين ~~أنه تعالى لا صفة له تزيد على ذاته في الخارج. # احتج المثبتون: بأنا نعلم ما لا ندرك كالمعدومات، وندرك ما لا نعلم ~~كإدراك PageV00P095 # النائم قرص البراغيث مع أنه لا يعلمه. # واحتج النفاة: بأن كونه مدركا إن كان هو كونه عالما فهو المطلوب، وإن كان ~~غيره فإما أن يكون عبارة عن الاحساس وهو باطل لاستحالة الحواس عليه تعالى، ~~أو عن أمر آخر وهو غير معقول. # وجواب الأول: لا نسلم أن المعدومات غير مدركة لنا، فإن المفهوم المتعارف ~~من الادراك هو لحوق العقل أو الحس للمعقول أو المحسوس، وهو بهذا الاعتبار ~~صادق على المعدومات، ولا نسلم أنا ندرك ما لا نعلم، ولا نسلم أن النائم لا ~~يعلم قرص البراغيث. نعم قد لا يعلم علمه بذلك، وليس كلا منافيه. # وعن الثاني: إنا بينا أن الادراك أعم من العقلي والحسي، فكان معقولا ~~زائدا عليهما. # البحث الثامن: في أنه تعالى قادر على كل مقدور خلافا للجبائيين والبلخي ~~والنظام وعباد الضميري. # لنا وجهان: # (أحدهما) إن صح أن يكون تعالى قادرا على كل مقدور وجب أن يكون كونه قادرا ~~كذلك، والملزوم حق فاللازم حق. بيان الملازمة: أنه تعالى واجب الوجود من ~~جميع جهاته، فكل ما يصح له فواجب أن يجب له، ويكفي في تحققه ذاته. وأما ~~حقيقة الملزوم فلأن المصحح لذلك هو الإمكان، وهو قائم في كل مقدور. # (الثاني) أنه تعالى إن كان قادرا على بعض المقدورات وجب أن يكون قادرا ~~على كلها، لكن الملزوم حق فاللازم حق. بيان الملازمة: أن ما لأجله صح أن ~~PageV00P096 # يكون البعض مقدورا وهو الإمكان قائم في الكل على سواء، ونسبة قدرته إلى ~~الكل على سواء، فلو اختصت قادريته بالبعض دون البعض لكان ذلك ترجيحا بلا ~~مرجح وهو محال. وأما ms050 بيان حقيقة الملزوم فقد سبق. # أما المشائخ فقد منعوا من كونه تعالى قادرا على أعيان افعال العباد، ~~وحجتهم أنه لو قدر على ذلك لصح مقدور بين قادرين، واللازم باطل فالملزوم ~~مثله. أما الملازمة فظاهرة. وأما بطلان اللازم فلأن أحدهما إذا أراد الفعل ~~وكرهه الآخر فليس وقوعه بإرادة المريد أولى من عدم وقوعه بكراهة إنكاره، ~~فإما أن يقع أو لا يقع فيكون ترجيحا بلا مرجح أو يقع ولا يقع فيجتمع ~~النقيضان. # وأما البلخي فإنه منع من كونه قادرا على مثل فعل العبد، وحجته أن فعل ~~العبد إما طاعة أو سفه وعبث، وهي ممتنعة على الله تعالى. # وأما النظام فزعم أنه تعالى لا يقدر على فعل القبيح، وحجته أنه لو قدر ~~على ذلك لقدر وقوعه منه، إذ كل ممكن لا يلزم من فرض وقوعه محال، لكن وقوعه ~~منه يستلزم الجهل والحاجة المحالين عليه، والمستلزم للمحال محال فوقوعه منه ~~محال، فهو غير مقدور له. # وأما عباد فزعم أن ما علم الله تعالى وجوده وجب وما علم عدمه امتنع، ~~والواجب والممتنع غير مقدورين. # وجواب الأولين: لا نسلم امتناع مقدور بين قادرين. قوله " إذا أراد أحدهما ~~الفعل " إلى آخره. قلنا: يقع بإرادة المريد، والكراهة إنما تعارض الإرادة ~~في القادر الواحد، إما أنها تعارض إرادة قادر آخر فممنوع. # وجواب البلخي: أن كون الفعل طاعة وسفها وعبثا صفات تعرض للفعل بالنسبة ~~إلى العبد، فلم قلت أن ذلك يمنع من كون ذات الفعل مقدورة. PageV00P097 # وجواب النظام أنه إنما لا يلزم من فرض وقوع الممكن محال بالنظر إلى ذاته، ~~ولكن لم قلت أنه كذلك مطلقا، فإنا نقول أنه ممتنع الوقوع منه نظرا إلى عدم ~~الداعي، وذلك لا يمنع من كونه مقدورا. # وهذا هو الجواب عن حجة عباد، إذ الفعل وإن وجب أو امتنع نظرا إلى العلم ~~فلا يمنع ذلك كونه ممكنا مقدورا لذاته. وبالله التوفيق. # البحث التاسع: في كونه تعالى عالما بكل معلوم خلافا للفلاسفة وبعض ~~المتكلمين. # لنا: إنه تعالى إن صح أن يكون عالما بكل معلوم وجب كونه ms051 كذلك، لكن المقدم ~~حق فالتالي مثله. بيان الملازمة ما سبق في كونه قادرا على كل مقدور بيان ~~حقية الملزوم أن المصحح لذلك هو الحياة، وقد ثبت أنه تعالى حي، فصح كونه ~~عالما بكل المعلومات لاستواء نسبة هذه الصحة إليها. # أما الفلاسفة فقد علمت أن منهم من أنكر كونه عالما بذاته، ومنهم من أنكر ~~كونه عالما بغيره، وقد سبق تقرير شبههم والجواب عنها. # ومنهم من أنكر كونه عالما بالجزئيات على الوجه الجزئي المتغير، وإنما ~~يعلمها من حيث هي ماهيات معقولة. وحجتهم: أنه لو علم كون زيد جالسا في هذه ~~الدار فبعد خروجه منها إن بقي علمه الأول كان جهلا وإن زال لزم التغير، ~~ولأن واجب الوجود ليس بزماني ولا بمكاني وليس إدراكه بالآلة وكل مدرك بجزئي ~~زماني من حيث هو متغير يجب أن يكون كذلك، فواجب الوجود لا يدرك الجزئي من ~~حيث هو متغير. # وجواب الأول: أنه علمه تعالى نفس ذاته كما سنبين، والتغير إنما يقع في ~~PageV00P098 # الإضافات والاعتبارات التي يحدثها عقولنا له بحسب كل معلوم متغير، فلم ~~قلتم أن ذلك يوجب التغير في ذاته. # وجواب الثاني: بمنع الكبرى وأما المتكلمون فمنهم من زعم أنه لا يعلم ~~الجزئيات إلا بعد وقوعها، وإنما يعلم قبل ذلك ماهياتها، وهو المنقول عن ~~هشام بن الحكم. وحجته أنه لا شئ من الجزئيات قبل وجوده بمتميز عن غيره لكون ~~المعدوم نفيا محضا، وكل معلوم متميز عن غيره فلا شئ من الجزئيات بمعلوم. # وجواب منع الصغرى، فإنا نميز بين الجزئيات المشخصة قبل وجودها، كتميز ~~الكاتب لجزئيات كلمات يريد كتبها. نعم لا تكون متميزة في الخارج، لكن إذا ~~كان مراده ذلك التميز لم يتحد الأوسط. # ومنهم من أنكر كونه عالما بما لا نهاية له. وحجتهم أن المعلوم متميز عن ~~غيره، وكل متميز عن غيره متناه، فالمعلوم متناه، ولأنه لو لم يتناه ~~المعلومات لم يتناه المعلوم، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله. بيان ~~الملازمة: فلأن العلم بكل معلوم يغاير العلم بالآخر. وأما بطلان الثاني ~~فلأنه يلزم أن يكون في ذاته ms052 علوم موجودة غير متناهية. هذا محال. # والجواب عن الأول: منع الكبرى، فإن غير المتناهي متميز عن المتناهي مع ~~أنه لا يلزم تناهيه. # وعن الثاني: نمنع الملازمة. قوله " كان العلم بكل معلوم يغاير العلم ~~بالآخر " قلنا سنبين أن علمه تعالى ذاته، فلا تعدد فيه إذن، وإنما يقع ~~التعدد والتغاير في نسب أذهاننا له إلى كل معلوم، وتلك النسب غير متناهية ~~عند انقطاع الاعتبار، فلا يلزم إذن تعدد علوم موجودة لذاته. PageV00P099 # ومنهم من أنكر كونه تعالى عالما بكل معلوم. وحجتهم: إنه لو علم كل معلوم ~~لعلم كونه عالما به وكونه عالما بكونه عالما به وهلم جرا، فيترتب هناك ~~مراتب من العلوم غير متناهية. # وجوابه ما مر قبله. # البحث العاشر: في أنه تعالى واحد وبرهانه المعقول والمنقول: # أما المعقول فمن وجهين: # (أحدهما) تعين واجب الوجود إن كان لأنه واجب الوجود، فأين صدق واجب ~~الوجود صدق ذلك التعين. فواجب الوجود ليس إلا ذلك الواحد المتعين وإن كان ~~لغيره كان معلولا لذلك الغير في وجوده فكان ممكنا. هذا خلف. # (الثاني) لو كان في الوجود واجبا وجود لاشتركا في واجب الوجود، فذلك ~~المشترك إما أن يكون تمام ماهية كل منهما أو جزءا منهما أو خارجا عنهما. # والأول باطل لأنه لا بد أن ينفصل كل واحد منهما عن الآخر بعرضي، فذلك ~~العرضي إن لزم عن واجب الوجود فقد اختلف اللازم للمعنى الواحد. هذا محال. ~~وإن لزم عن غيره فكل منهما مفتقر في وجوده إلى غير خارجي، فكان ممكنا. هذا ~~خلف. # والثاني أيضا باطل، لأنه لا بد وأن ينفصل كل منهما بفصل ذاتي، فكان كل ~~منهما مركبا فكان ممكنا. هذا خلف. # والثالث يستلزم أن يكون واجب الوجود معلولا إما لهما أو لغيرهما. # وهو باطل. PageV00P100 # وأما المنقول: فاعلم أن هذه المسألة لا يتوقف إثبات السمع عليها، فجاز ~~إثباتها بالسمع، والكتاب العزيز مشحون بدلائل التوحيد، كقوله تعالى " قل هو ~~الله أحد " وقوله تعالى " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " (1) وقوله " ~~إلهكم إله واحد لا إله إلا هو " (2). # البحث الحادي ms053 عشر: # في أنه لا شئ من الصفات المعتبرة له تعالى زائدة على ذاته إلا بحسب ~~اعتبار عقولنا عند مقايسته إلى الغير. وبرهانه من وجهين: # (أحدهما) لو كان شئ منها زائدا على ذاته في الخارج لكان إما واجبا أو ~~ممكنا، واللازم بقسميه باطل فالملزوم كذلك. أما الملازمة: فلأن كل موجود ~~فإما واجب أو ممكن. وأما بطلان اللازم فلأنها إن كانت واجبة الوجود لذاتها ~~فواجب الوجود لذاته أكثر من واحد وقد علمت فساده، وإن كانت ممكنة الوجود ~~افتقرت إلى مؤثر، فمؤثرها إما تلك الذات وهو باطل، لأنه إما أن يعتبر في ~~مؤثرية الله تعالى في وجود الممكنات جميع الصفات التي تنبغي له أو لا ~~يعتبر، فإن اعتبر لزم تقدم ذاته بجميع صفاته على جميع صفاته وهو محال. وإن ~~لم يعتبر كانت تلك الصفات فضلا مستغنيا في تحقق صفاته إلى غيره. هذا خلف. # (الثاني) إله العالم ومبدعه إما أن يكون عبارة عن الذات فقط مع قطع النظر ~~عن صفاته المعدودة، أو عنها مع تلك الصفات. والأول باطل، لأن الذات الخالية ~~عن هذه الصفات لا تصلح للإلهية. والثاني أيضا باطل، لأن واجب # PageV00P101 # الوجود يصير إذن عبارة عن كثرة مجتمعة من أمور موجودة، فكان مركبا فكان ~~ممكنا كما سبق. هذا خلف. # ولما بطل كون هذه الصفات أمورا زائدة على الذات بطل ما يفرع الخصم على ~~ذلك، كحكم الأشعري بكونها قديمة، وكحكم أبي هاشم في الإرادة أنها حادثة ~~موجودة لا في محل، وكذلك حكمه بتلك الأحوال، وارتكابه الشناعة في قوله أنها ~~ليست بموجودة ولا ولا مختلفة ولا مختلفة ولا متماثلة ونحوه. # وبالله التوفيق. PageV00P102 # القاعدة الخامسة (في الأفعال وأقسامها وأحكامها) وفيها أركان: # الركن الأول وفيه أبحاث: # البحث الأول: في الفعل وأقسامه أما حقيقته فغنية عن التعريف، وأما أقسامه ~~فمنه ما لا صفة له تزيد على حدوثه كحركة النائم والساهي، ومنه ما له ذلك. # وهو إما حسن أو قبيح، أما الحسن فإما أن لا يكون له صفة تزيد على حسنه أو ~~تكون، والأول هو المباح، ويرسم بأنه ما ms054 لا مدح ولا ذم في أحد طرفيه، ~~PageV00P103 # والثاني إما أن يستحق المدح بفعله والذم بتركه مع العلم بحاله والتمكن ~~منه وهو الواجب، أو يستحق المدح بفعله دون الذم بتركه إذا علم فاعله أو دل ~~عليه وهو المندوب، ويقابلهما المحضور والمكروه. # البحث الثاني: # الحسن والقبح قد يراد بهما ملائمة الطبع ومنافرته، وقد يراد بهما صفة ~~كمال أو نقصان، وهما بهذا المعنى مما يحكم العقل بهما عند الكل، وقد يراد ~~بهما كون الفعل على وجه يكون متعلق المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب ~~آجلا، وهما بهذا المعنى شرعيان عند الأشعرية نظريان عند الفلاسفة، إذ ~~عليهما بناء مصالح هذا العالم ونظام أموره. # أما عند أهل العدل فمنهما ما يستقل العقل بدركه ومنهما ما ليس كذلك، ~~والأول فمنه ما يعلم بالضرورة كشكر المنعم ورد الوديعة والصدق النافع وقبح ~~الكذب الضار والظلم وتكليف ما لا يطاق، ومنه ما يعلم بالنظر كالعلم بحسن ~~الصدق الضار وقبح الكذب النافع، وما لا يستقل العقل بدركه فكحسن صوم آخر ~~يوم من رمضان وقبح صوم اليوم الذي بعده، فإنه لا طريق للعقل إلى العلم بذلك ~~لولا ورود الشرع. # أما الأمور الضرورية فقد نبهوا عليها بصورتين: # (إحداهما) إن العقلاء متفقون على حسن الأمور المذكورة وقبحها، وليس ذلك ~~من جهة الشرع فقط، فإن الكفار كالبراهمة وغيرهم مع إنكارهم للشرائع يحكمون ~~بذلك، ولا لملائمة الطبع ومنافرته، فإن الطباع في الخلق مختلفة، ~~PageV00P104 # فكثير من الأمور تنفر عنها طبع إنسان ويميل إليها طبع آخر مع اتفاقهم على ~~الحكم بهذه القضايا. فظهر أنها قضايا عقلية كلية وليست نظرية وإلا لما حصلت ~~لمن لا يتأهل للنظر كالعوام، فهي إذن قضايا تضطر العقول إلى الحكم بها. # (الثانية) إن العاقل إذا قيل " إن صدقت فلك دينار وإن كذبت فلك دينار " ~~واستوى الصدق والكذب بالنسبة إليه بحيث لا يتصور وراء كونهما صدقا وكذبا ~~مرجحا آخر لأحدهما، فإنا نعلم بالضرورة أنه يختار الصدق على الكذب. # وذلك لاضطرار عقله إلى الحكم بحسنه وقبح الكذب لذاته. # لا يقال: لو كان العلم بحسن هذه وقبحها ms055 ضروريا لما حصل التفاوت بينه وبين ~~العلم بسائر القضايا البديهية، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله. بيان ~~الملازمة أن مقتضى البديهة لا تفاوت فيه. بيان بطلان اللازم: إنا لما عرضنا ~~هذا العلم على العقل مع قولنا الواحد نصف الاثنين وجدنا التفاوت حاصلا ~~بينهما بالضرورة الثاني لو كان ضروريا لما اختلف العقلاء فيه وقد اختلفوا ~~فليس بضروري. # والملازمة وبطلان اللازم بينان. # لأنا نجيب عن الأول بمنع الملازمة، ولا نسلم أن الأوليات غير قابلة للأشد ~~وإلا ضعف، فإن العلم بأن الواحد نصف الاثنين أجلى بكثير من العلم بكونه نصف ~~عشر العشرين مع كونهما ضروريين. # وعن الثاني: بمنع الملازمة أيضا، والاختلاف إنما كان لقبول القضايا ~~الضرورية التفاوت كما بيناه، وإما القضايا النظرية فبرهانها أنه إن كان ~~مطلق الصدق والكذب يلزمهما الحسن والقبح لكونهما صدقا وكذبا فالصدق الضار ~~والكذب النافع كذلك، لكن الملزوم حق فاللازم حق. بيان الملازمة أن مطلق ~~الصدق والكذب جز آن من الصدق الضار والكذب النافع، وقد لزمهما الحسن والقبح ~~PageV00P105 # لذاتيهما فلزم ما تركب عنهما، إذ لازم الجزء لازم للكل. وأما حقية ~~الملزوم فقد سبق بيانها. # وأما ما يحتاج العقل في الحكم بحسنه وقبحه إلى الشرع فقالوا: لولا اختصاص ~~كل من الحسن والقبيح بما لأجله حسن وقبيح لكان تخصيص الشارع أحدهما بالحسن ~~والآخر بالقبح ترجيحا بلا مرجح. # احتج الخصم بأمور: # (أحدها) إن من صور النزاع تكليف ما لا يطاق، فنقول: لو كان قبيحا لما ~~فعله الله تعالى، لكنه فعله كما في تكليف الكافر بالإيمان مع علمه بأنه لا ~~يؤمن وعلمه بأنه متى كان كذلك كان الإيمان منه محالا، فأنتج أنه غير قبيح. # (الثاني) لو قبح شئ فإما من الله وهو باطل بالاتفاق، أو من العبد وهو ~~أيضا باطل، لأن ما يصدر منه يكون على سبيل الاضطرار، لما ثبت أنه يستحيل ~~صدور الفعل عنه بدون الداعي، ومع وجود الداعي يجب الفعل، فلا يقبح من ~~المضطر شئ. # (الثالث) إن الكذب قد يحسن إذا تضمن خلاص نبي من ظالم يريد قتله. # والجواب عن الأول: لا ms056 نسلم أنه فعله، وأما تكليف الكافر بالإيمان فلا ~~نسلم أنه مما لا يطاق. وبيانه: إن الإيمان ممكن في نفسه والكافر عالم ~~بقدرته عليه، فكان إذن تكليفا بما يطاق. فأما علم الله تعالى فلا نسلم أنه ~~موجب لعدم الإيمان، بل يطابق بقبح الفعل منه، على معنى أنه لو فعله لذم ~~عليه، والخصم ينكر وجود القبيح العقلي أصلا ويقول فيما هو قبيح عندنا لو ~~فعله الله تعالى لما قبح منه، فالاتفاق منه إذن لفظي. سلمناه لكن لم لا ~~يقبح من العبد. # فأما وجوب الفعل عن الداعي فقد بينا أن ذلك لا ينافي الاختيار. ~~PageV00P106 # وعن الثالث من وجوه: # (أحدها) أن عندنا إذا تعارض قبيحان حكم العقل بوجوب العمل بأضعفهما قبحا ~~مع الشعور بقبح الأقوى، وهناك كذلك فإن الكذب وإن كان قبيحا إلا أن ترك ~~إنجاء النبي مع القدرة عليه أقبح، فجاز القبيح للخلاص مما هو أقبح منه. # (الثاني) لا نسلم حسن الكذب، وإنما يحسن هناك التعريض، وإن في المعاريض ~~لمندوحة عن الكذب. # (الثالث) إن القبح وإن لزم عن الكذب لكن قد يختلف الأثر عن المؤثر لمانع. # فإن قلت: على تقدير التعريض لا يقطع بكذب في العالم، إذ لا كذب إلا ويمكن ~~الاضمار فيه بحيث يصير صدقا، وكذلك على تقدير القول بتخلف الأثر، لاحتمال ~~أن يتخلف الحكم هناك لمانع لا نطلع عليه. # قلت: على الأول أن العقل هو الحاكم بالقطع بالكذب، ولا يندفع ذلك باحتمال ~~الاضمار، وكذلك لا يندفع جزمه بقبح الكذب باحتمال التخلف للمانع كما في ~~سائر الأحكام العقلية الضرورية التي لا ينثلم بالاحتمالات السوفسطائية. # البحث الثالث: # اتفق أهل العدل على أن العبد فاعل بالاختيار خلافا للأشعرية، وإن اختلفوا ~~في العلم بذلك، فالجمهور منهم على أنه نظري وأبو الحسين البصري على أنه ~~ضروري، وهو المختار. # ثم الذي ينبه على كونه ضروريا المعقول والمنقول: # أما المعقول فمن وجوه: PageV00P107 # (الأول) إن كل عاقل يعلم بالضرورة حسن المدح على الاحسان والذم على ~~الإساءة، وذلك فرع كون المحسن والمسئ فاعلين. # (الثاني) إنا نجد أفعالنا تابعة لقصودنا ودواعينا ms057 ومنتفية عند صوارفنا، ~~ولا معنى للمختار إلا من كان كذلك. # (الثالث) إن أحدنا يزجر غيره ويعده ويلومه، وذلك يستلزم العلم بكونه ~~فاعلا بالضرورة. # (الرابع) إن العلم بذلك حاصل للأطفال والمجانين، فإن أحدهم إذا رماه ~~إنسان بآجرة يذم الرامي دون الآجرة، بل للبهائم فإن الحمار يفر من الإنسان ~~إذا قصد آذاه دون الحائط والنخلة، وذلك لأنه قد تقرر في فهمه قدرة الإنسان ~~على آذاه دون الجماد. # وأما المنقول: فالقرآن والسنة مشحونان بنسبة الفعل إلى العبد وذمه على ~~المعصية ومدحه على الطاعة، وذلك أشهر من أن يذكر. # أما أبو الحسن الأشعري فإنه زعم أن قدرة العبد ومقدوره واقعان بقدرة الله ~~تعالى وأنه لا تأثير لقدرته في مقدوره أصلا، إلا أن الله تعالى أجرى عادته ~~بأنه متى اختار الطاعة أو المعصية خلقها فيه وخلق فيه القدرة عليها، والعبد ~~متمكن من الاختيارين، وسمي تلك المكنة كسبا. وكذلك لأصحابه مذاهب في ذلك لا ~~يحتمل ذكرها هذا المختصر لكنها مشترك في منع اختيار العبد. # حجتهم من وجوه: # (الأول) إن العبد حال الفعل إما أن يمكنه الترك أوليس، فإن لم يمكنه فلا ~~اختيار، وإن أمكنه فإما أن لا يتوقف وجود الفعل على مرجح وهو محال، أو ~~يتوقف عليه فذلك المرجح إن كان من فعله عاد التقسيم فلا بد أن ينتهي إلى ~~PageV00P108 # مرجح لا يكون من فعله دفعا للدور أو التسلسل. # ثم ذلك المرجح إما أن لا يجب معه الفعل، فيكون الطرفان ممكنين، فيفتقر ~~رجحان أحدهما على الآخر إلى مرجح آخر، فلا يكون المرجح الأول كافيا، وقد ~~فرض كذلك هذا خلف. وإما أن يجب معه، وذلك مناف للتمكن من الطرفين الذي هو ~~معنى الاختيار. # (الثاني) لو كان العبد فاعلا لكان عالما بتفاصيل أفعاله، واللازم باطل ~~فالملزوم مثله. بيان الملازمة: إن تخصيص الشئ بالإيجاد والقصد إليه يستدعي ~~تصوره وتميزه عن غيره، ولا يكفي في حصول الجزئي قصد كلي، لأن نسبة الكلي ~~إلى الجزئيات واحدة، فلا تخصيص لأحدهما إذن بالإيجاد، فلا بد من قصد جزئي، ~~وهو مشروط بالعلم الجزئي. وأما ms058 بطلان اللازم: فإن الإنسان يتحرك حركات ~~جزئية كثيرة لا شعور له بها كحركات أجفانه وجزئيات حركاته في طريقه الطويلة ~~وحركات النائم والساهي. # (الثالث) لو كان العبد فاعلا مختارا أمكن أن يخالف مراده مراد الله تعالى ~~فبتقدير أن يريد الكفر ويريد الله منه الإيمان فإما أن لا يقع وهو محال، ~~لأنه إخلاء عن النقيضين، أو يقعا معا وهو جمع بين النقيضين، أو يقع مراد ~~أحدهما دون الآخر وهو باطل، لأن قدرة كل من القادرين مستقلة بالتأثير في ~~مراده، فليس وقوع أحدهما أولى من الآخر، وإذا بطلت هذه الأقسام على ذلك ~~التقدير بطل ذلك التقدير اللازم لكونه مختارا. # والجواب عن الأول: إنا لا نسلم أن الفعل يتوقف على مرجح يجب معه الفعل، ~~وهي إرادة تتبع تصور أن في ذلك الفعل مصلحة هو الداعي، وذلك الداعي قد يكون ~~ضروريا فيكون من الله وقد يكون نظريا فيستند إلى علوم ضرورية PageV00P109 # دفعا للدور أو التسلسل، لكن لا نسلم أن استناد ذلك المرجح بالآخرة إلى ~~الله. # ووجوب الفعل عنه ينافي الاختيار، فإن استواء الطرفين بالنسبة إلى القدرة ~~وإلى الممكن نفسه وتصور العبد لا مكانهما أمور لا تنافي الوجوب المذكور عن ~~الإرادة. # وعن الثاني: لا نسلم بطلان اللازم، ولا نسلم أن شيئا من حركات العبد في ~~نومه أو يقظته غير شاعر بها. نعم قد لا يكون شاعرا بشعوره بها، وليس كلا ~~منا فيه. # وعن الثالث: لم لا يجوز أن يقع مراد أحدهما دون الآخر، فيقع مراد الله ~~تعالى. ولا نسلم تساوي القدرتين بل تتفاوتان بالقوة والضعف، والضعيف ينازع ~~القوي. أو يقع من العبد، لأن الله تعالى لما خلقه وهيأه للفعل وخلق القدرة ~~والعلوم التي تنتهي إليها إرادته فيه فوض إليه فعله ليستحق بطاعته الثواب ~~ومعصيته العقاب اللذين لا يحسن في العقل إيصال أحدهما إليه بإجباره عليه. # فإن قلت: فيلزم أن يتخلف مراد الله تعالى عن مجموع قدرته وإرادته مع ~~تحققهما. # قلت: فرق بين إرادة الله تعالى لما يفعله وبين إرادته لما يفعله العبد، ~~والإرادة الأولى هي التي ms059 يجب معها الفعل، فلم قلت أن الثانية كذلك، فأما ~~حديث الكسب فهو اسم بلا مسمى، لأن تلك الممكنة وذلك الاختيار إن كان من فعل ~~العبد فهو فاعل أو من فعل الله تعالى فهو كسائر الأفعال المخلوقة فيه. # البحث الرابع: # الباري تعالى لا يفعل فعلا إلا لأمر لا يخلو في فعله عن غرض هو الداعي ~~إلى ذلك الفعل، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، وهو محال. PageV00P110 # احتج الخصم بوجهين: # (أحدهما) إن كل من فعل فعلا لأمر كان حصول ذلك الأمر أولى به من لا حصوله ~~كان ناقصا بذاته مستكملا بتلك الأولوية، وذلك على الله تعالى محال، وإن لم ~~يكن أولى به بل كانا على سواء امتنع الترجيح. # (الثاني) إن كل غرض يفرض فإن الله تعالى قادر على إيجاده ابتداء، فيكون ~~توسط ذلك الفعل عبثا. # والجواب عن الأول: إن عنيت بكون ذلك الأمر أولى به كونه أليق بحكمة ~~وجوده، فلم قلت إن ذلك يستلزم نقصان ذاته واستكماله بغيره، وإن عنيت به ~~كونه مستفيدا للكمال لو لم يكن حاصلا له لكان ناقصا بذاته، فلا نسلم أن ~~الأولوية بهذا الاعتبار صادقة في حقه تعالى. # سلمناه، لكنه معارض بما أن الخصم أثبت لله تعالى معاني كالعلم والقدرة ~~وغيرهما، فحصول تلك المعاني لذاته إن كان أولى به كان ناقصا بذاته مستكملا ~~بغيره وهو محال، وإن كان مساويا بلا حصولها فلا ترجيح. # سلمناه، لكن هذه الحجة تستلزم أن لا يقع من الله تعالى فعل أصلا أو يقع ~~بلا مرجح، وكلاهما محال. # وعن الثاني: إن الغرض هو الغاية من الفعل، وإيجاد الغاية من دون ما هي ~~غاية له وهو شرط فيها محال. والله الموفق. # البحث الخامس: الباري تعالى لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب وبرهانه: أنه ~~تعالى لا داعي له إلى فعل القبيح، وكل من كان كذلك امتنع وقوع القبيح منه. ~~بيان الصغرى: إن علمه تعالى بقبح القبيح وغناه عنه صارف PageV00P111 # له عن فعله، والعلم به ضروري، ومع تحقق الصارف يمتنع الداعي لامتناع ~~اجتماع الضدين. بيان الكبرى: إن الفعل ms060 يعتمد الداعي لامتناع الترجيح بلا ~~مرجح، وأما إنه تعالى لا يخل بواجب فلأن الإخلال به قبيح وقد علمت امتناع ~~صدور القبيح منه. # البحث السادس: # الباري تعالى مريد لجميع الطاعات غير مريد لشئ من المعاصي، خلافا ~~للأشعرية. # لنا: المعقول والمنقول: # أما المعقول فوجهان: # (أحدهما) أنه تعالى عالم بكل معلوم، وكل من كان كذلك كان مريدا للطاعة ~~وكارها للمعصية: أما الصغرى فقد سبق، وأما الكبرى فلأنه عالم بحسن الطاعات ~~وما يشمل عليه من المصالح، وعلمه بذلك هو الداعي إليها والإرادة لها وعالم ~~بقبح المعاصي وما يشتمل عليه من المفاسد، وعلمه بذلك هو الصارف عنها ~~والكراهة لها، ومع تحقق الكراهة لها يمتنع تحقق الإرادة لها، لامتناع الجمع ~~بين الضدين. # (الثاني) لو كان مريدا للمعاصي لكان على صفة نقص، واللازم باطل فالملزوم ~~مثله. بيان الملازمة: إنه على ذلك التقدير يكون مذموما عند العقلاء ~~العالمين بحاله، وذمهم له مستلزم النقصان والعلم به ضروري. وأما بطلان ~~اللازم فبالاتفاق. # وأما المنقول: فمنه ما يدل على إرادة الطاعة كقوله تعالى " وما خلقت الجن ~~PageV00P112 # والإنس إلا ليعبدون " (1) " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء " (2) الآية. وجه الاستدلال أن اللام هنا للغرض الداعي إلى الخلق ~~والأمر بالعبادة وهو المعني بإرادة الطاعات. # ومنه ما يدل على كراهة المعصية كقوله تعالى " ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق " إلى قوله " كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها " (3) ونحوه. # احتج الخصم بالمعقول والمنقول: # وأما المعقول فوجهان: # (أحدهما) أنه تعالى خالق أفعال العباد بالقدرة والاختيار، وكل من فعل ~~فعلا كذلك فهو مريد له. # (الثاني) أنه كلف أبا لهب بالإيمان مع علمه بامتناعه منه، والعالم ~~بامتناع الشئ يستحيل أن يريده، فامتنع أن يريد الإيمان منه. # وأما المنقول: فقوله تعالى " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " (4) وقوله " ~~ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا " (5) وقوله " فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا " (6) دلت ~~هذه الآيات على عدم إرادته للهدى والإيمان وعلى إرادته للإضلال. # والجواب عن ms061 الأول: بمنع الصغرى، فإنا بينا أن العبد فاعل حقيقة، فلا # PageV00P113 # تكون أفعاله مخلوقة لله تعالى. # وعن الثاني: إن وجود الإيمان وإن كان محالا نظرا إلى عدم إرادة أبي لهب ~~وعلم الله بذلك، لكنه ليس بمحال نظرا إلى ذاته وقدرة القادر عليه، فلم لا ~~يجوز أن يتعلق إرادة الله تعالى به من حيث هو ممكن غير محال. # وعن الآيتين الأوليين: لم لا يجوز أن يكون المراد لآتينا كل نفس هداها ~~ولا من في الأرض على سبيل الالجاء والجبر، وحينئذ لا يدل الاستثناء نقيضي ~~لازمي الشرطيين على عدم إرادة مطلق الهدى والإيمان من المكلفين. # وعن الثالث: أنه لا يلزم من صدق الشرطية صدق كل من جزئيها حتى يلزم أن ~~يريد الاضلال فيجعل الصدور كذلك. وبالله التوفيق. # الركن الثاني (في التكليف) وفيه أبحاث: # البحث الأول: في حقيقته أسد ما قيل في تعريفه أنه بعث من يجب طاعته ~~ابتداء على ما فيه مشقة ما من فعل أو ترك بشرط إرادة الباعث وإعلام المبعوث ~~بها ومن يجب طاعته كالخالق والنبي والوالد لولده والمالك. # وقلنا " ابتداء " لأن بعث الوالد لولده على الصلاة مثلا لا يسمى تكليفا ~~لسبق بعث الله له وإن سمي به مجازا. # وشرطنا المشقة لأن ما لا شقة فيه كالأكل بالطبع لا يسمى تكليفا. ~~PageV00P114 # وشرطنا الإرادة والإعلام بها لأن ما لا يعلم المكلف أن مكلفه أراد منه لا ~~يكون تكليفا. # البحث الثاني: في حسنه ووجه حسنه أما الأول: فلأنه من فعل الله، وقد مر ~~أنه تعالى لا يفعل القبيح. # وأما الثاني: فهو أنه تعالى لما خلق العباد وهيأهم للثواب والعقاب لم يكن ~~إيصالهما إليهم من غير تقديم التكليف بالطاعة، لكون الثواب مشتملا على ~~التعظيم والاجلال والعقاب مشتملا على الإهانة والاحتقار، وذلك في حق غير ~~المستحق بامتثال التكليف وعدم امتثاله محال لعدم الشرط وهو الاستحقاق وقبيح ~~عقلا من الحكيم. # البحث الثالث: # التكليف واجب من الحكيم تعالى خلافا للأشعرية. # لنا: لو لم يكلف من أكمل شرائط التكليف فيه لكان مغريا له بالقبيح، ~~واللازم باطل فالملزوم مثله. ms062 # بيان الملازمة: أنه إذا أكمل شخص وخلق فيه الشهوة للقبيح والنفرة عن ~~الحسن مع أن عقله لا يستقل بمعرفة كثير منهما، فلو لم يقرر في عقله وجوب ~~الواجب ليمتثله وحرمة الحرام ليجتنبه لكان بخلقه فيه الشهوة للقبيح مغريا ~~له به. # وأما بطلان اللازم: فلأن الإغراء بالقبيح قبيح بالضرورة، ولذلك كان ~~العقلاء كما يذمون فاعل القبيح يذمون المغرى به، فلو فعله الله تعالى لكان ~~فاعلا للقبيح، لكن القبيح منه محال فالاغراء منه محال. PageV00P115 # فإن قلت: الملازمة ممنوعة. بيانه: إن العاقل وإن وجد الشهوة للقبيح ~~والنفرة عن الحسن إلا أنه يعلم بالضرورة أن العقلاء يمدحونه على فعل الحسن ~~ويذمونه على فعل القبيح، وكفى بالمدح والذم داعيا إلى فعل الحسن وصارفا عن ~~القبيح وحينئذ لا يتحقق الاغراء. # قلت: المدح والذم إنما يكون من العقلاء فيما يستقل عقولهم بحسنه وقبحه ~~دون ما ليس كذلك وهو أكثر التكاليف، فلا يكفي المدح والذم في الدعاء إلى كل ~~واجب والانصراف عن كل قبيح، وحينئذ يتحقق الاغراء. سلمناه، ولكن كثيرا من ~~الخلق لا يعبأ بهما وتترجح شهواتهم وميولهم الطبيعية على احتفالهم بالمدح ~~والذم، فلا يفارقانها، وحينئذ يتحقق الاغراء. وبالله التوفيق. # البحث الرابع: في شرائطه وهو إما أن يرجع إلى المكلف أو المكلف به: أما ~~الأول فثلاثة: # (الأول) كونه تعالى عالما بصفات الأفعال وإلا لجاز التكليف بما لا يستحق ~~عليه ثواب وهو قبيح، وبمقدار الثواب المستحق وإلا لجاز إيصال بعض الاستحقاق ~~فيكون ظلما، وهو محال عليه تعالى. # (الثاني) كونه قادرا على ما يستحق من الثواب للعلة المذكورة. # (الثالث) أن يكون منزها عن فعل القبيح وإلا لجاز الإخلال ببعض المستحق ~~فيقبح التكليف. # وأما الراجع إلى المكلف فثلاثة: # (أحدها) قدرته على ما كلف به. # (الثاني) التمييز بينه وبين غيره. PageV00P116 # (الثالث) تمكنه من الشرائط الخارجة من ذاته كالآلات، إذ التكليف بدون كل ~~من هذه الأمور تكليف بالمحال. # أما ما يرجع إلى المكلف به فأمران: أحدهما كونه ممكنا، والثاني كونه ~~حسنا. # البحث الخامس: في أقسامه وهي اعتقاد وعمل: # أما الاعتقاد فقد يكون علما ms063 وقد يكون ظنا، وكلاهما إما أن يستفادا من ~~العقل أو السمع أو منهما، وقد مرت الإشارة إلى ذلك. # وأما العمل فعقلي وسمعي: فالعقلي كرد الوديعة وشكر المنعم والصدق ~~والانصاف وترك الظلم والكذب من الواجبات والفضل وحسن السيرة ونحوهما من ~~المندوبات، فأما السمعي فكالعبادات الخمس ونحوهما مما لا يستقل العقل بدرك ~~وجوبه ولا ندبيته من الأعمال الشرعية. # الركن الثاني (في اللطف) وفيه بحثان: # البحث الأول: في حقيقته ووجوبه في الحكمة مرادنا باللطف هو ما كان المكلف ~~معه أقرب إلى الطاعة وأبعد من فعل المعصية ولم يبلغ حد الالجاء. # وأما وجوبه فبرهانه أنه لو جاز الإخلال به في الحكمة فبتقدير أن لا يفعله ~~PageV00P117 # الحكيم كان مناقضا لغرضه، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله. # بيان الملازمة: أنه تعالى أراد من المكلف الطاعة، فإذا علم أنه لا يختار ~~الطاعة أو لا يكون أقرب إليها إلا عند فعل يفعله به لا مشقة عليه فيه ولا ~~غضاضة وجب في الحكمة أن يفعله، إذ لو أخل به لكشف ذلك عن عدم إرادته له، ~~وجرى ذلك مجرى من أراد من غيره حضور طعامه وعلم أو غلب ظنه إنه لا يحضر ~~بدون رسول، فمتى لم يرسل عد مناقضا لغرضه. # بيان بطلان اللازم: إن العقلاء يعدون المناقضة للغرض سفها، وهو ضد الحكمة ~~ونقص، والنقص عليه تعالى محال. # البحث الثاني: في أقسامه اللطف أما من فعل الله تعالى ويجب في حكمته فعله ~~كالبعثة وإلا عد تركه نقضا لغرضه كما مر، أو من فعل المكلف فإما أن يكون ~~لطفا في تكليف نفسه ويجب في حكمته تعالى أن يعرفه إياه ويوجبه عليه لما مر ~~أيضا، فإن قصر المكلف في فعله فقد أتى من قبل نفسه، وذلك كمتابعة الرسل ~~والاقتداء بهم أو في تكليف غيره، ولا يجوز في الحكمة أن يكلف ذلك الغير إلا ~~مع علمه تعالى بأن ذلك اللطف لا بد أن يقع ثم كلفه بما ذلك لطف فيه لكان ~~مناقضا لغرضه، وكذلك يجب في الحكمة إيجابه على فاعله كما مر، وذلك كتبليغ ~~الرسل ms064 للوحي. # ثم لا بد وأن يشتمل على مصلحة تعود إلى فاعله، إذ إيجابه عليه لمصلحة ~~غيره مع خلوه عن مصلحة تعود إليه ظلم، وهو عليه محال. PageV00P118 # الركن الرابع (في الألم والعوض) وفيه أبحاث: # البحث الأول: في تعريفهما أما الألم فقد سبق، وأما العوض فهو النفع ~~المستحق الخالي عن تعظيم وتبجيل. وفصلناه بالمستحق عن التفضل، وبالخالي عن ~~التعظيم عن الثواب، فإنه مستحق يقارنه التعظيم والاجلال. # البحث الثاني: في أقسام الايلام إنه إما حسن أو قبيح، والثاني مختص ~~بفعلنا والعوض فيه علينا، والأول فأما من فعلنا وهو إما من المباح كذبح ~~الحيوان للأكل أو من المندوب كذبحه للأضحية أو الواجب كدم النذر والكفارة، ~~والعوض في هذه الثلاثة على الله تعالى. # وأما من فعل الله، فإما على جهة الاستحقاق كالعقاب أو الابتداء كالايلام ~~الواصل في الدنيا من غير استحقاق وهو حسن، ووجه حسنه أمران: # (أحدهما) كونه مقابلا بعوض يزيد عليه أضعافا، بحيث لو مثل العوض والألم ~~للمؤلم وخير بين الألم مع عوضه أو العافية لاختار الأول. # (الثاني) أن يكون فيه مصلحة لا تحصل من دونه، وهي اللطف إما للمؤلم أو ~~لغيره، أما الأول فلأن الإيلام بدون العوض ظلم، وأما الثاني فلأن الإيلام ~~مع العوض من دون غرض عبث، وهما محالان على الله تعالى. PageV00P119 # البحث الثالث: في أقسام العوض إنه إما أن يكون مساويا للألم وهو كل ما ~~يستحق علينا، أو أزيد وهو كل ما يستحق عليه تعالى إما بفعله أو إباحته أو ~~أمره أو تمكينه لغير العاقل من الحيوان بخلق الشهوة للإيلام ونحوه فيه ~~وخلقه غير عاقل بقبح وحسن فيفعل. # وقال قوم من العدلية: إن العوض على الحيوان المؤذي. وقال بعضهم: # إنه لا عوض في جنايتها أصلا. # وادعى من أوجب العوض في حكمة الله تعالى الضرورة، وحجة من أوجب العوض على ~~المؤلم نفسه قوله صلى الله عليه وآله " يوم يقتص للجماء من القرناء " ~~والقصاص يومئذ بأخذ العوض، وحجة من لم يوجب عليهما عوضا قوله صلى الله عليه ~~وآله " جرح العجماء جبار ". # والجواب عن ms065 الأولى: لم لا يجوز أن يريد بالجماء المظلوم وبالقرناء الظالم ~~على وجه الاستعارة، ووجه المشابهة مشاركة المظلوم للجماء في عدم القوة على ~~دفع العدو وظلمه ومشاركة الظالم للقرناء في القوة على ذلك. # وعن الثانية: لم لا يجوز أن يريد بالجبار أنه لا يستحق به قصاص في ~~الدنيا، وذلك لا ينافي وجوب العوض في حكمة الله تعالى، أما في أفعاله فقد ~~مر الكلام فيه، وأما الأعواض في أفعالنا فلأن السلطان إذا لم ينتصف للمظلوم ~~من الظالم ذمه العقلاء وعدوه جائرا، وذلك على الله محال، فوجب في حكمته ~~الانتصاف وأخذ الأعواض. وبالله التوفيق. PageV00P120 # القاعدة السادسة (في النبوات) وفيه مقدمة وأركان: # أما المقدمة فاعلم أن الكلام في النبوة مبني على خمس مسائل يسأل عن كل ~~منها بكلمة مفردة، وتلك الكلمات: ما، وهل، ولم، وكيف، ومن. # فأولها قولنا " ما النبي " والبحث فيها عن مفهوم هذه الكلمة في الاصطلاح ~~العلمي. # الثانية قولنا " هل النبي " أي هل يجب وجوده في الحكمة أم لا. # الثالثة قولنا " لم يجب وجود النبي " ويبحث فيها عن العلة الغائية لوجوده ~~ووجه الحكمة فيه. PageV00P121 # الرابعة قولنا " كيف النبي " ويبحث فيها عما ينبغي أن يكون عليه من ~~الصفات التي بها يتم النبوة. # الخامسة قولنا " من النبي " ويبحث فيها عن تعيينه. # وسنذكر الأركان على هذا الترتيب إنشاء الله تعالى. # الركن الأول (في ماهيته ووجوده وعلته الغائية) وفيه أبحاث: # البحث الأول: في تعريفه إنه الإنسان المأمور من السماء بإصلاح أحوال ~~الناس في معاشهم ومعادهم العالم بكيفية ذلك، المستغني في علومه، وأمره من ~~السماء لاعن واسطة البشر، المقترنة دعواه للنبوة بأمور خارقة للعادة. # واحترزنا بقولنا " المستغني " مع تمام القيد عن الإمام، فإنه وإن كان ~~عالما ومأمورا من السماء بإصلاح الخلق لكن بواسطة النبي. # وقيد الأمر من السماء هو العمدة في خواص النبوة. # البحث الثاني: في وجوده وغايته وجود النبي ضروري في بقاء نوع الإنسان ~~وإصلاح أحواله في معاشه ومعاده، وكل ما كان ضروريا في ذلك فهو واجب في ~~الحكمة الإلهية، فوجود النبي واجب في الحكمة الإلهية. ms066 PageV00P122 # بيان الصغرى: إنه لما كان الإنسان يفارق سائر الحيوان في أنه لو انفرد لا ~~يستقل وحده شخصا بتحصيل معاشه وبتولي تدبيره أمره من غير مشاركة ومعاونة ~~على ضروريات حاجته، بل لا بد له من شخص وأشخاص أخر من أبناء نوعه يكون كل ~~منهم مكفيا بصاحبه. ونظيره كأن يخبز هذا لذاك ويخيط ذاك لهذا إلى غير ذلك، ~~استلزمت هذه الضرورات وجود الاجتماع بين أشخاص الإنسان والتشارك بينهم، ~~واستلزم التشارك وجود المعاملة في العناية والحكمة الإلهية وجود سنة عادلة ~~يرجع إليها فيها، إذ لو ترك الناس وأراؤهم في ذلك لاختلفوا إذ كان كل منهم ~~يرى ماله عدلا وما لغيره عليه ظلما، وذلك مستلزم للتنازع والتقاتل وفناء ~~النوع. # ثم لا بد لتلك السنة من سان عادل بشرى ليتمكن من مخاطبة الناس بتلك السنة ~~والزامهم بها، ولا بد أن تكون تلك السنة بوحي من السماء مقرونة دعواه ~~الرسالة بها بشواهد خارقة للعادة يتميز بها عنهم، وإلا لكان في قدرة غيره ~~الاتيان بمثلها، فكانت مظنة المعارضة والمخالفة فلم يقبل. # ولما كان من مقتضى حكمة الحكيم وعنايته بالانسان إنبات الشعر على أشفار ~~عينيه مثلا وحاجبيه وغير ذلك من الأمور التي ليست ضرورية في بقائه وصلاح ~~حاله، فبالأولى أن يقتضي وجود مثل هذا الإنسان الموصوف، فإذن وجوده ضروري ~~في بقاء نوع الإنسان. # وأما الكبرى: فلأن بقاء نوع الإنسان لغاية تكليفه وبلوغه كماله لما كان ~~واجبا في الحكمة الإلهية أن يكون، وكان من ضرورة ذلك وشرائطه وجود النبي ~~كان وجوده واجبا أن لا يكون، لأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به كان ~~واجبا. PageV00P123 # وبعبارة أخرى: وجود النبي شرط في وجود التكليف بالسمعيات، وكل ما كان ~~كذلك كان واجبا، فوجود النبي واجب. أما الصغرى فظاهرة، وأما الكبرى فلأن ~~التكليف واجب في الحكمة على ما مر فلو لم يجب شرطه لجاز الاخلال به، فجاز ~~الاخلال بالمشروط الواجب من الحكيم تعالى، وقد بينا أنه لا يجوز عليه ~~الاخلال بالواجب، وقد بان مما ذكرناه الغاية من وجوده. # البحث الثالث: # أنكرت البراهمة ms067 بعثة الأنبياء، وزعموا أنه لا فائدة فيها، لأن النبي إما ~~أن يأتي بما يوافق العقل أو بما يخالفه، فإن كان الأول ففي العقل به غنية ~~عنه، وإن كان الثاني قبح اتباعه، لأن اتباع ما يخالف العقل قبيح في العقل. # الجواب: لا نسلم أنه إذا أتى بما يوافق العقل كان فيه غنية عنه، إذ ليس ~~كل ما يوافق العقل يجب أن يكون عالما أو مستقلا بإدراكه، بل جاز أن يكون ~~عالما به على الجملة، ويجب البعثة لتعريفنا ذلك مفصلا. وهذا كما يعلم ~~المريض على سبيل الجملة أن كل ما ينفعه يجب تناوله وكل ما يضره يجب اجتنابه ~~وإن لم يعلم تفصيل الضار والنافع، فإذا عرفه الطبيب أن شيئا معينا ينفعه أو ~~يضره لم يكن ذلك مخالفا لعلمه الجملي بل موافقا بتفصيله، مع أنه ليس في ~~عقله غنية عنه. PageV00P124 # الركن الثاني (فيما ينبغي له من الصفات) وفيه أبحاث: # البحث الأول: العصمة صفة للانسان يمتنع بسببها من فعل المعاصي ولا يمتنع ~~منه بدونها. # وعندنا: أن النبي معصوم عن الكبائر والصغائر عمدا وسهوا من حين الطفولية ~~إلى آخر العمر. # وجوز بعض الخوارج صدور جميع الذنوب عن الأنبياء. # وجوزت المعتزلة والزيدية وقوع الصغائر عنهم فيما يتعلق بالفتوى دون ~~الكبائر. # ثم منهم من جوزها سهوا فقط وهو مذهب الأشعرية. # فأما ما يتعلق بأداء الشريعة فأجمعوا على أنه لا يجوز عليهم فيه التحريف ~~والخيانة لا عمدا ولا سهوا، وكذلك أجمعوا على أن وقت العصمة هو وقت النبوة ~~دون ما قبله. # لنا وجوه: # (أحدها) إن غرض الحكيم من البعثة هداية الخلق إلى مصالحهم وحثهم بالبشارة ~~والنذارة وإقامة الحجة عليهم بذلك لقوله تعالى " رسلا مبشرين ومنذرين لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " (1) فلو لم يجب في حكمته عصمة # PageV00P125 # النبي لناقض غرضه من بعثه وإرساله، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله. فعصمة ~~النبي واجبة في الحكمة. # أما الملازمة: فلأن بتقدير وقوع المعصية منه جاز أن يأمرهم بما هو مفسدة ~~لهم وينهاهم عما هو مصلحة لهم، وذلك مستلزم لإغوائهم وإخلالهم، ms068 فكان في ~~بعثه غير معصوم مناقضة للغرض من بعثه. # وأما بطلان اللازم: فلأن مناقضة الغرض يستلزم السفه والعبث، وهما محالان ~~على الحكيم كما تقدم في باب اللطف. # (الثاني) لو جاز صدور المعصية عن النبي لوجب علينا فعل المفسدة أو ترك ~~المصلحة الواجبة، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله. # بيان الملازمة: أنه يجب علينا فعل ما أمرنا به والانتهاء عما نهانا عنه ~~لقوله تعالى " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (1)، فبتقدير ~~أن يجوز المعصية عليه جاز أن يوجب علينا ما هو محرم ويحرم علينا ما هو ~~واجب، ويجب علينا اتباعه في ذلك. # وأما بطلان اللازم: فلأن أمر الحكيم لنا باتباعه مطلقا يستلزم أمره لنا ~~بفعل القبيح إذن، لكن الأمر بالقبيح قبيح ممتنع عليه تعالى. # (الثالث) لو جاز صدور المعصية عنهم لكان بتقدير وقوعها منهم لا تقبل ~~شهاداتهم، لقوله تعالى " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " (2) لكن اللازم باطل ~~لأنها إذا لم تقبل في محقرات الأمور فكان أولى أن لا تقبل في الأديان ~~الباقية إلى يوم القيامة. # PageV00P126 # واعلم أن الوجه الأول كما يدل على عصمة النبي فهو أيضا يدل على عصمة ~~الرسل من الملائكة. # البحث الثاني: # ينبغي أن يكون منزها عن كل أمر تنفر عن قبوله، إما في خلقه كالرذائل ~~النفسانية من الحقد والبخل والحسد والحرص ونحوها، أو في خلقه كالجذام ~~والبرص، أو في نسبه كالزنا ودناءة الآباء، لأن جميع هذه الأمور صارف عن ~~قبول قوله والنظر في معجزته، فكانت طهارته عنها من الألطاف التي فيها تقريب ~~الخلق إلى طاعته واستمالة قلوبهم إليه. # البحث الثالث: # قد بينا أنه يجب أن يكون له شواهد بدعواه لغرض تصديقه، وتسمى معجزات. # والمعجز هو الأمر الخارق للعادة المطابق لدعوى النبوة المتعذر في جنسه أو ~~صفته. # وقلنا " الخارق " لأن المعتاد وإن كان قد يكون متعذرا كطلوع الشمس من ~~المشرق إلا أنه ليس بدليل على النبوة. # واحترزنا " بالمطابق للدعوى " عما لا يطابق، كما إذا ادعى من المعجز أنه ~~يثير ماء بئر فغاض ماؤها، فإن ذلك خارق للعادة متعذر ms069 لكنه ليس بدليل لعدم ~~مطابقته للدعوى. # وقلنا " المتعذر في جنسه أو صفته " لأن المعجز من فعل الله تعالى ولا ~~يقطع PageV00P127 # بكونه من فعله إلا إذا كان متعذرا من غيره، إما في جنسه كخلق الحياة أو ~~في صفته كالحركة إلى السماء. # الركن الثالث (في تعيين الرسول عليه السلام) وفيه أبحاث: # البحث الأول: # محمد رسول الله حقا، وبرهانه أنه ادعى النبوة وظهر المعجز على يده موافقا ~~لدعواه، وكل من كان كذلك كان نبيا حقا، فمحمد نبي حق. # أما الصغرى فادعاء النبوة منه معلوم بالتواتر، وأما ظهور المعجز على يده ~~موافقا لدعواه فمن وجوه: # (أحدها) أنه ظهر عليه القرآن كذلك، والقرآن معجز. # أما ظهور القرآن عليه فبالتواتر، وأما إن القرآن معجز فلأنه تحدى به ~~العرب الذين هم أهل الفصاحة والبلاغة فعجزوا عن الاتيان بمثله فكان معجزا. # أما إنه تحداهم بالقرآن فلأنه بلغ أمر ربه في قوله تعالى " قل فأتوا بعشر ~~سور مثله مفتريات " (1) فلما لم يأتوا بذلك قال " قل فأتوا بسورة مثله ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين " (2) فلما لم يأتوا قال " ~~قل لئن اجتمعت # PageV00P128 # الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله " (1) الآية. ~~وهو معلوم بالتواتر أيضا. # وأما إنهم عجزوا عن معارضته فلأنهم لو كانوا قادرين على ذلك لما عدلوا ~~عنه إلى قتل أنفسهم وإتلاف أموالهم في محاربته وإطفاء مقالته، لكن اللازم ~~باطل فالملزوم كذلك. بيان الملازمة: إن غرضهم الأكثر من محاربته ليس إلا ~~دفع مقالته، وقد كان الاتيان بمثل القرآن لو أمكن مع سهولة الكلام عليهم ~~وعلو درجاتهم في الفصاحة والبلاغة كافيا في دفعه وإسكاته، فلو كانوا قادرين ~~على دفعه من تلك الجهة مع سهولتها عليهم لما عدلوا عنها إلى الأشق الذي هو ~~قتل النفوس في الحرب، والعلم به ضروري. # وأما بطلان اللازم: فظاهر. # وأما إنهم لما عجزوا عن معارضته كان معجزا فلصدق حد المعجز حينئذ عليه، ~~وأما موافقته لدعواه فمعلوم بالتواتر أيضا. # (الثاني) لو سلمنا أن القرآن لم يبلغ إلى حد الإعجاز إلا أنه ms070 لا نزاع في ~~كونه كتابا شريفا بالغا في الفصاحة والاشتمال على العلوم الكثيرة الشريفة ~~من المباحث الإلهية وعلوم الأخلاق وعلم السلوك إلى الله تعالى وعلم أحوال ~~القرون الماضية. # ثم إن محمدا عليه السلام نشأ في مكة، وهي خالية عن العلماء والكتب ~~والمباحث الحقيقية، ولم يسافر إلا مرتين في مدة قليلة، وعلم من حاله في ~~سفره وحضره أنه لم يواظب على القراءة والاستفادة من أحد، وانقضى من عمره ~~أربعون سنة على هذه الصفة، ثم بعدها ظهر مثل هذا الكتاب الشريف على لسانه # PageV00P129 # وذلك معجزة قاهرة ظاهرة، إذ ظهور مثل هذا الكتاب على مثل ذلك الإنسان ~~الخالي عن البحث والطلب والمطالعة والتعلم لا يمكن إلا بوحي من الله وإلهام ~~والعلم به ضروري. # (الثالث) إنه عليه السلام نقلت عنه معجزات كثيرة: كنبوع الماء من بين ~~أصابعه، وتسبيح الحصى في كفه، وحنين الجذع إليه، وانشقاق القمر، وإقبال ~~الشجر، وإطعام الخلق الكثير من الطعام القليل شبعا في مواضع، ونحو ذلك مما ~~دونه العلماء ورووا أنه ألف معجزة. فهذه المعجزات وإن كان كل واحد منها ~~مرويا بطريق الآحاد إلا أنا نعلم بالضرورة أنها ليست بأسرها كذبا، بل لا بد ~~أن يصدق بعضها، وأيها صدق ثبت به ظهور المعجز على يده موافقا لدعواه. # وهذا هو المسمى بالتواتر المعنوي كشجاعة علي عليه السلام وسخاوة حاتم. # وأما بيان كبرى القياس الأول فمن وجوه: # (الأول) إن ظهور المعجز على يد مدعي النبوة مقارنا لدعواه وموافقا لها ~~لما كان من خواص النبي كان كل من اتصف به نبيا، فلما اتصف به محمد عليه ~~السلام علمنا كونه كذلك. # (الثاني) إنه لو كان كاذبا فيما ادعاه من النبوة لما جاز أن يخلق الله ~~تعالى المعجز على يديه مقارنا لدعواه، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله. # بيان الملازمة: إن العقل يضطر عنده مشاهدة المعجز مقرونا بدعوى المدعي ~~إلى تصديقه، فلو كان كاذبا لكان تعالى قد صدق الكاذب، لكن تصديق الكاذب ~~مستلزم لتجهيل الخلق وإغرائهم بالقبيح، وهو غير جائز على الله، فثبت أنه لو ~~كان كاذبا ms071 لما جاز إظهار المعجز على يده. # وأما بطلان اللازم: فلما مر. PageV00P130 # (الثالث) دعوى الضرورة، ونبؤا على ذلك بأن قالوا أن الملك العظيم إذا حضر ~~في المحفل العظيم فقام واحد وقال أيها الناس إني رسول هذا الملك إليكم ثم ~~قال يا أيها الملك إن كنت صادقا في كلامي فخالف عادتك وقم عن سريرك، فإذا ~~قام الملك عند سماع هذا الكلام علم الحاضرون بالضرورة كون ذلك المدعي صادقا ~~في دعواه، فكذلك حال محمد عليه السلام في دعواه النبوة وإظهار الله تعالى ~~الأمر الخارق للعادة على يديه عقيب دعواه. # لا يقال: لا نسلم أن شيئا مما ذكرتموه معجز، ولا نسلم أنه من فعل الله، ~~ولم لا يجوز أن يكون لنفس هذا الإنسان أو لبدنه خاصية لأجلها قدر على ما لم ~~يقدر عليه أحد غيره. # سلمناه، لكن لم لا يجوز أن يكون اعانه عليه بعض الجن والشياطين، كما يقال ~~أن الجن يدخل في بدن المصروع، وحينئذ يكون كلام الذئب والبعير وغيرهما من ~~ذلك القبيل. # سلمناه، لكن لم لا يجوز أن ينسب ذلك إلى بعض الكواكب أو الملائكة المجردة ~~أو إبليس إما بالاستقلال أو بالإعداد له والمعونة على فعل ذلك. # سلمنا أن فاعلها هو الله تعالى، لكن لم قلتم أنه فعلها لغرض التصديق، ولم ~~لا يجوز أن يكون ابتداء عادة أو تكرير عادة متطاولة متباعدة. # سلمناه، لكنه لعله خلقها معجزة لنبي آخر في بعض أطراف العالم أو لملك أو ~~كرامة لواحد من جن البر أو البحر. # سلمناه، لكن لعله خلقها على يده مع كونه كاذبا حتى تشتد البلية وتقوى ~~الشبهة، فيستحق بسببها الثواب العظيم. # لأنا نجيب عن الاحتمالات الأولى أنه عليه السلام ادعى كون هذه المعجزات ~~PageV00P131 # قد فعلها الله تعالى على يديه تصديقا لدعواه الرسالة من عنده، فلو كان شئ ~~منها من فعل غيره لا لغرض تصديقه لكان كاذبا فيما ادعاه. وكان الله تعالى ~~قد مكنه مما يروج به كذبه ومكن غيره من مساعدته على ذلك، فيكون مصدقا ~~للكاذب لكن تصديق الكاذب مستلزم لأضلال الخلق ms072 وإفسادهم وهو قبيح عقلا، ~~فيمتنع عليه. # وعن الاحتمالات العائدة إلى الله تعالى أنه تعالى لما خلقها على يديه ~~عقيب دعواه مطابقة لها علمنا بالضرورة كون الغرض بها تصديقه دون سائر ~~الاحتمالات المذكورة. # وإذا ثبت أنه صلى الله عليه وآله نبي حق وجب أن يكون موصوفا بسائر خواص ~~النبوة ولوازمها من العصمة والبراءة عن وجوه النقائص المنفرة عنه. # البحث الثاني: # اختلف المتكلمون في سبب إعجاز القرآن: # فذهب أكثر المعتزلة إلى أن سببه فصاحته البالغة. # وذهب الجويني إلى أنه الفصاحة والأسلوب، ولذلك كان في شعر العرب وخطبهم ~~ما فصاحته كفصاحة القرآن دون إسلوبه، وكان في كلامهم ما إسلوبه كأسلوبه دون ~~فصاحته ككلام مسيلمة. # وذهب المرتضى رحمه الله إلى أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته، وهذا ~~الصرف يحتمل أن يكون لسلب قدرهم، ويحتمل أن يكون لسلب دواعيهم ويحتمل أن ~~يكون لسلب العوام التي يتمكنون بها من المعارضة. ونقل عنه أنه اختار هذا ~~الاحتمال الأخير. # والحق أن وجه الاعجاز هو مجموع الأمور الثلاثة، وهي الفصاحة البالغة ~~PageV00P132 # والأسلوب والاشتمال على العلوم الشريفة. فأما كلام العرب فيوجد في بعضه ~~الفصاحة البالغة، وأما الأسلوب فنادر وممكن عند التكلف، وقلما يمكن ~~اجتماعهما لأن تكلف الأسلوب يذهب بالفصاحة. # وأما العلوم الشريفة الموجودة في القرآن فتعود إلى علم التوحيد وعلم ~~الأخلاق والسياسات وكيفية السلوك إلى الله وعلم أحوال القرون الماضية، ~~فربما وجد في كلام بعض حكمائهم كقيس بن ساعدة ونحوه ممن قرأ الكتب الإلهية ~~السابقة شئ من تلك العلوم، فيكون ذلك منه على سبيل النقل، ومع ذلك فلا يوجد ~~معه أسلوب القرآن وفصاحته. # والحاصل: أن كلامهم قد يوجد فيه ما يناسب بعض القرآن في الفصاحة، وهو في ~~مناسبته له في الأسلوب أبعد. وأما في العلوم والمقاصد التي اشتملت عليها ~~فأشد بعدا، فإن للقرآن باطنا وظاهرا كما قال صلى الله عليه وآله " إن ~~للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا فيأخذ كل منه بحسب فهمه واستعداده ". # وفيه آيات كثيرة بشرت وأنذرت بحوادث مستقبلة، وذلك مما لا يفي به القوة ~~البشرية إلا بتأييد ms073 ووحي إلهي، فتكون تلك ممتنعة في كلامهم فضلا أن يعبروا ~~عنها بما يناسب لفظ القرآن في فصاحته وأسلوبه. وبالله التوفيق. # البحث الثالث: # نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله مبنية على جواز النسخ، ومن اليهود من ~~منع منه عقلا وسمعا، ومنهم من أجازه عقلا وسمعا، ومنهم من أجازه عقلا ومنع ~~منه سمعا. # لنا في جوازه عقلا وسمعا وجوه: PageV00P133 # (أحدها) أنه عبارة عن رفع مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم بنص آخر متراخ ~~عنه على وجه لولاه لاستمر ذلك الحكم ودام. # ثم إن التكليف بذلك الحكم تابع للمصلحة على ما مر، ولا يمتنع أن يصير ما ~~هو مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر، وجواز صيرورته كذلك يستلزم جواز نسخه، ~~وإلا لكان التكليف به على تقدير صيرورته مفسدة تكليفا بالقبيح الممتنع على ~~الله تعالى. # (الثاني) إنا قد دللنا على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، ولا ~~شك أن شريعته مستلزمة لنسخ كثير من أحكام الشرائع السابقة، فقد ثبت وجود ~~النسخ، وهو مستلزم لجوازه. # (الثالث) إنه كان من شريعة آدم عليه السلام جواز تزويج الأخ بالأخت، ثم ~~رفع ذلك الحكم. # وحجة من منع منه عقلا أنه يستلزم البداء المستلزم للجهل الممتنع على الله ~~تعالى. # وحجة المانعين منه سمعا ما روي عن موسى عليه السلام أنه قال: تمسكوا ~~بالسبت أبدا. وقوله: شريعتي لا تنسخ. # وجواب الأول: لا نسلم أنه مستلزم للبداء، لأن البداء يستلزم اتحاد الوقت ~~والفعل والمكلف ووجه التكليف، وظاهر أن النسخ ليس كذلك، لعدم بعض الشرائط. # وعن الثاني: لا نسلم صحة الخبر. # سلمناه، لكن لا يفيد اليقين، لجواز أن يريد بقوله " أبدا " المدة الطويلة ~~أو الممكنة لوجود مخصص. PageV00P134 # سلمناه، لكن لعل فيه إضمارا، وهو قوله " ما لم يأت صاحب شريعة يرفعه " ~~لكن استغنى عن إظهاره للعلم به، أو نطق به ولم ينقل إلينا. # سلمناه، لكن قد علمت أن الدليل النقلي لا يفيد اليقين إلا إذا لم يقم ~~الدليل العقلي في معارضته، وههنا قد قام الدليل العقلي الدال على نبوة محمد ms074 ~~عليه السلام معارضا لما ذكرتم، فيسقط الاستدلال به على العموم. وبالله ~~التوفيق. # البحث الرابع: # محمد عليه السلام أفضل الأنبياء، ويدل عليه المعقول والمنقول: # أما المعقول فهو أنه صلى الله عليه وآله أكثر فيضانا للعلوم وأعم نورا من ~~سائر الأنبياء، فوجب أن يكون أفضل. # أما الأول: فلأن شريعته بلغت أكثر بلاد العالم وانتشرت في أطراف الأرض، ~~بخلاف سائر الأنبياء، فإن دعوة موسى عليه السلام كانت مقصورة على بني ~~إسرائيل وهم بالنسبة إلى أمة محمد عليه السلام في غاية القلة. وأما عيسى ~~عليه السلام فالدعوة الحقة التي جاء بها لم تبق البتة، وأما ما في أيدي ~~النصارى مما يدعونه شريعة له فهو جهل محض وكفر صريح والاستقراء يحققه، فوجب ~~أن لا يكون شريعة له. # وأما المنقول: فالقرآن والخبر: # أما القرآن فقوله تعالى بعد ذكر النبيين " أولئك الذين هدى الله فبهديهم ~~اقتده " (1) أمره أن يقتدي بهم بأسرهم، فوجب أن يأتي بكل ما أتوا به، فوجب ~~أن يحصل على مثل كمالات جميعهم، فيكون أفضل من كل واحد منهم. # PageV00P135 # وأما الخبر فقوله عليه السلام: آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة. # فكان عليه السلام مقدم ولده عند الله تعالى وأفضلهم، وهو المطلوب. # البحث الخامس: # إن محمدا عليه السلام لم يكن قبل نزول الوحي على شريعة تختص بأحد من ~~الأنبياء السابقين، لأن الشرائع التي كانت قبل عيسى عليه السلام كانت ~~منسوخة بشريعة عيسى، وأما شريعة عيسى فأكثر الناقلين لها كانوا كفارا بطريق ~~القول بالتثليث والحلول والاتحاد، والسالمون من هذه الاعتقادات لو وجدوا ~~كانوا على غاية من القلة، فلا يجوز الاعتماد على نقلهم والوثوق بقولهم. # فأما الأمور الكلية والقواعد الحقيقية التي اتفقت الأنبياء على القول بها ~~وشهدت البراهين العقلية بصحتها كالعلم بوجود الصانع ووحدانيته وما ينبغي له ~~من الصفات والأفعال والقول بالمعاد واستكمال النفوس بالعلوم ومكارم الأخلاق ~~فقد كان عليه السلام متعبدا بها، وإليه الإشارة بقوله تعالى " قل إنني ~~هداني ربي إلى صراط مستقيم * دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا " (1) الآية، ~~ونحوها من الآيات. # إلا أن تعبده بتلك ms075 لا من حيث أنهم كانوا متعبدين بها، بل لأنها في أنفسها ~~كمالات واجب اعتقادها والاستكمال بها. # البحث السادس: # إنه عليه السلام مبعوث إلى جميع الخلق، خلافا لبعض اليهود فإنهم زعموا ~~أنه مبعوث إلى العرب خاصة. # لنا: إنهم سلموا كونه نبيا فوجب كونه معصوما، وقد أخبرنا بالتواتر أنه # PageV00P136 # ادعى الرسالة إلى جميع الخلق، فلو كان كاذبا لم يكن معصوما. هذا خلف. # وإن كان صادقا لزم بطلان قولهم. # البحث السابع: # لما ثبت كونه نبيا حقا وجب أن يكون كل ما أخبر به صادقا من القول ~~بالإسراء والقول بثواب القبر وعذابه والحساب والميزان وسائر ما أخبر عنه من ~~أحوال القيامة، لأنها بأسرها ممكنة والله تعالى قادر على جميع الممكنات وقد ~~أخبر الصادق عنها، فوجب القول بصحتها. # فإن وقع فيها تشكك لبعض الأذهان فسببه الجهل بكيفية وقوع تلك الأمور ~~المخبر عنها وكونها على أي وجه هي. وبالله التوفيق. # البحث الثامن: # في الطريق إلى معرفة شرعه لمن بعده صلى الله عليه وآله. أما عندنا ~~فالطريق إلى ذلك قول الإمام المعصوم الذي لا يخلو زمان التكليف منه في حق ~~من يحضره. # وأما في حق من نأى عنه فأصول الشريعة معلومة له بالتواتر عن النبي ~~والأئمة عليهم السلام، وأما الفروع فمعلومة بالطرق المظنونة من النقل ~~والاجماع والاجتهاد في بعضها. # وأما عند من لم يقل بعصمة الإمام فالطريق له هو ما عدا قول المعصوم من ~~الطرق التي ذكرناها. وبالله التوفيق. PageV00P137 # القاعدة السابعة (في المعاد) وفيها مقدمة وأركان: # أما المقدمة فنقول: الذي يشير إليه كل إنسان بقوله " أنا " إما أن يكون ~~جسما أو جسمانيا أو لا جسما ولا جسمانيا أو مركبا من هذه الأقسام، وإلى كل ~~واحد منها ذهبت فرقة من الناس: # أما القائلون بأنه جسم فهو مذهب طوائف، ولهم في تعيين ذلك الجسم مذاهب ~~كثيرة، واشهر مذاهب المتكلمين في ذلك مذهبان: # (أحدهما) قول المشائخ كأبي علي وأبي هاشم، وهو أنه عبارة عن هذا الهيكل ~~المحسوس. PageV00P138 # (والثاني) قول أكثر المحققين من المتكلمين واختيار أبي الحسين البصري وهو ~~أنه في ms076 هذا البدن أجزاء أصلية باقية من أول العمر إلى آخره من غير أن يتطرق ~~إليها شئ من التغيرات بالزيادة والنقصان، وفيه أجزاء عارضة تبعية تزيد ~~وتنقص، فالانسان المشار إليه بقوله " أنا " هو عبارة عن تلك الأجزاء ~~الأصلية دون الفاضلة. # وأما القائلون بأنه جسماني: فمنهم من قال هو عبارة عن الحياة، ومنهم من ~~قال عبارة عن التخطيط والشكل، إلى غير ذلك. # وأما القائلون بأنه ليس بجسم ولا بجسماني فهم جمهور الفلاسفة، ومن قدماء ~~المعتزلة معمر بن عباد والمفيد من الإمامية، ومن المتأخرين الغزالي وأبو ~~القاسم الراغب. # والمختار أنه عبارة عن أجزاء أصلية باقية من أول العمر إلى آخره. # لنا: إنه إما أن يكون جسما غير ما ذكرنا أو عرضا أو لا جسما ولا عرضا أو ~~مركبا من هذه الأقسام، والأقسام الثلاثة الأخيرة باطلة، فتعين الأول. # إنما قلنا أنه يستحيل أن يكون عرضا لأنه إما أن لا يكون عبارة عن نفس ~~الحياة أو ما هو مشروط بها أو يكون، والأول باطل الضرورة والاتفاق، وأما ~~الثاني فلأنه لو كان عبارة عن أحدهما لزم من عدم الحياة أن لا يصل إلى ~~مستحق ثواب ولا عقاب، لكن اللازم قبيح غير جائز في الحكمة فيمتنع ملزومه. ~~وأما الملازمة: فلما سنبين من امتناع إعادة المعدوم. # وإنما قلنا أنه يستحيل أن يكون لا جسما ولا عرضا لأنه يكون حادثا، لما ~~دللنا على أن كل ممكن محدث، وقد ثبت في أصول الفلاسفة أن كل حادث فهو مشروط ~~بمادة أو ما يقوم مقامها، وثبت أن هذا الجوهر عندهم مشروط PageV00P139 # الحدوث بحدوث البدن، وثبت أن هذا البدن يعدم، فوجب أن يعدم ذلك الجوهر ~~لعدم شرطه. وسنبين أن المعدوم لا يعاد، فلو كان الإنسان عبارة عن هذا ~~الجوهر لوجب أن يمتنع عوده على تقدير عدمه، فوجب أن لا يصل الثواب والعقاب ~~إلى مستحقهما، وهو غير جائز من الحكيم. وسنؤكد ذلك بالكلام على أدلتهم في ~~إثباته وبقائه. # وبمثل هذا البيان بطل أن يكون الإنسان عبارة عما تركب من هذه الأقسام ~~لعدم المركب لعدم ms077 جزء وامتناع إعادة المعدوم. # وإذا بطلت الأقسام الثلاثة بقي أن يكون جسما، ومحال أن يكون عبارة عن هذا ~~الهيكل المحسوس بما فيه أيضا، لأن كل عاقل يعلم بالبديهة أن بدنه زمان ~~الشيخوخة غيره زمان الصغر، وذلك لأن البدن ينتقل من الهزال إلى السمن ~~ويتحلل بسائر أنواع التحللات، فلو كان الإنسان عبارة عن هذا الهيكل لزم في ~~كل يوم أن يخرج الإنسان عن كونه انسانا ويحدث مثله، وذلك جهالة. # وإذا بطل ذلك بقي أن يكون عبارة عن أجزاء فيه أصلية باقية من أول العمر ~~إلى آخره لا يجوز عليها التبدل والتغير والعدم، لما بيناه وهو المطلوب. # إذا عرفت ذلك فاعلم أن أكثر العالم متفقون على القول بالمعاد، وهو إما أن ~~يكون جسمانيا فقط وهو قول أكثر المتكلمين، أو روحانيا فقط وهو قول كثير من ~~الفلاسفة الإلهيين، أو جسمانيا وروحانيا وهو قول كثير من المحققين. # وأنكره الطبيعيون من قدماء الفلاسفة. ونقل عن جالينوس التوقف، فإنه قال ~~لم يظهر لي أن النفس غير المزاج، فبتقدير أن يكون الإنسان عبارة عن المزاج ~~- وهو مما يعدم بالموت - فيمتنع إعادته، وبتقدير أن يكون أمرا وراء المزاج ~~يجوز بقاؤه بعد فناء المزاج كان المعاد ممكنا، فلذلك توقف. PageV00P140 # الركن الأول (في المعاد الجسماني) وفيه أبحاث: # البحث الأول: إنه جائز عقلا وجوازه مبني على مقدمات: # (أحدها) إثبات الجوهر الفرد، لأن الإنسان عبارة عن أجزاء أصلية في البدن ~~يكون إعادتها بجمعها بعد تشذبها وتفرقها، وقد دللنا على وجوده. # (الثانية) إثبات الخلاء، لأن أحياز أجسام العالم لو كانت ملاء لما صحت ~~حركة بعض الأجزاء إلى بعض عند التأليف والإعادة بعد تشذبها وتفرقها، وبرهان ~~ذلك أن نقول: إن كان الجوهر الفرد حقا فالخلاء حق، لكن الملزوم حق فاللازم ~~مثله. # بيان الملازمة: إنه لو كان العالم ملاء على ذلك التقدير لكان الجوهر ~~الفرد PageV00P141 # إذا انتقل من حيزه إلى حيز جوهر آخر فذلك الآخر إما أن ينتقل إلى حيز ~~الأول أو إلى حيز جوهر ثالث، والأول باطل لأن انتقال كل منهما إلى حيز ~~الآخر ms078 يصير مشروطا بانتقال الآخر إلى حيزه، فيكون حركة كل منهما مشروطة بما ~~هو مشروط بها، فيكون شرطا في نفسها هذا محال. والثاني أيضا باطل، لأن ~~الكلام في انتقال الثالث كالكلام في الثاني، فأما أن يلزم كون الشئ شرطا في ~~نفسه أو أن يدافع الجواهر بعضها بعضا إلى نهاية أجسام العالم، فيلزم من ~~حركة البقة في الهواء والسمكة في عمق الماء أن تتحرك كرة العالم بأسرها، ~~وهو باطل بالبديهة. وأما حقية الملزوم فقد سبق بيانها. # حجة الخصم في نفي الخلاء: لو كان الخلاء موجودا لكانت الحركة فيه إما أن ~~تقع في زمان أو لا تقع، والقسمان باطلان، فوجود الخلاء باطل. # أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان القسم الأول فلأنا نعلم بالضرورة أن ~~المتحرك فيه كلما كان أدق كانت الحركة فيه أسرع، وبالعكس. ونسبة الرقة إلى ~~الغلظ كنسبة السرعة إلى البطء، فلو فرضنا ملاء ارق من الماء بحيث يكون نسبة ~~رقته إلى رقة الماء كنسبة زمان الحركة في الخلاء إلى زمان الحركة في الماء ~~لكانت الحركة مع العائق كهي لا مع العائق. هذا محال. وأما بطلان الثاني: # فلأن كل حركة فعلى مسافة، فتكون الحركة إلى نصفها سابقة على الحركة إلى ~~كلها، والسبق والتأخر من لواحق الزمان، وكل حركة واقعة في زمان. # والجواب: لا نسلم وجود ملاء نسبة رقته إلى رقة الماء كنسبة زمان الحركة ~~في الخلاء إلى زمانها في الماء حتى تكون الحركة مع العائق فيه كهي لا مع ~~العائق. وبيانه: أن الحركة تستدعي لذاتها قدرا معينا من الزمان بناء على ~~القول بالجوهر الفرد. ثم لا بد لها من قدر آخر بسبب المعاوق في الملاء ~~الرقيق، PageV00P142 # فيستحيل أن تتساوى نسبتها مع ذلك القدر إلى الماء نسبة الحركة في الخلاء ~~إلى الحركة في الماء. وبالله التوفيق. # (الثالثة) إثبات كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات. # (الرابعة) كونه تعالى عالما بجميع المعلومات الكلية والجزئية ليميز بين ~~الأجزاء الأصلية لزيد ولعمرو والفاضلة فيهما ويرد كل أصل إلى بدن صاحبه، ~~وهاتان المقدمتان قد بينا صحتهما. # وإذا ثبتت هذه ms079 المقدمات ظهر أن تلك الأجزاء التي تفرقت يمكن تركيبها ~~بعينها كما كانت، وهو مرادنا بجواز المعاد الجسماني، وإلى هذا أشار القرآن ~~الكريم بقوله " وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده " إلى قوله " العزيز الحكيم " ~~(1) استلزم ذلك كمال قدرته تعالى وكون الإعادة ممكنة وإلا لما تعلقت بها ~~القدرة ودل قوله " وهو العزيز الحكيم " على كمال علمه تعالى وقدرته. # أما المنكرون للمعاد الجسماني من الفلاسفة فقد احتجوا بوجوه: # (أحدها) لو صح حشر الأجسام لصحت إعادة المعدوم بعينه، لكن اللازم باطل ~~فالملزوم كذلك. بيان الملازمة: إن الإنسان ليس عبارة عن تلك الأجزاء ~~الأصلية فقط، لأنها إذا تفرقت وصارت ترابا من غير حياة ولا مزاج فإن كل أحد ~~يعلم أن ذلك التراب ليس عبارة عن زيد بل إنما تكون تلك الأجزاء هي زيد إذا ~~تألفت على وجه مخصوص وقامت بها حياة وعلم وقدرة، وإذا كان كذلك فعند تفرق ~~تلك الأجزاء تزول تلك الصفات وتفنى، وحينئذ تبطل ماهية زيد من حيث أنه ذلك ~~الشخص المعين، فحينئذ لا تصح إعادته من حيث هو كذلك إلا بإعادة أعراضه التي ~~زالت وفنيت، وذلك يستلزم صحة إعادة المعدوم. وأما بطلان # PageV00P143 # اللازم فلما سيأتي إنشاء الله تعالى. # (الثاني) إنه إذا اغتذى إنسان بانسان آخر حتى صارت أجزاء المأكول أجزاء ~~من المغتذي فيوم القيامة لا بد أن ترد تلك الأجزاء إلى بدن أحد الشخصين ~~فيضيع الآخر، فعلمنا بطلان حشر الأجساد. # (الثالث) أنه تعالى إذا أعاد بدن شخص فإما أن يعيد الأجزاء التي كانت ~~موجودة وقت الموت أو جملة الأجزاء التي كانت في مدة الحياة، والأول يقتضي ~~أن يعاد الأعمى والمجذوم والأقطع على تلك الصور وهو باطل بالاتفاق، والثاني ~~باطل لأن المسلم إذا كان سمينا ثم كفر فهزل يلزم أن تعذب الأجزاء التي كانت ~~موصوفة بصفة الإسلام، وكذلك لو كان كافرا سمينا ثم أسلم وهزل يلزم إيصال ~~الثواب إلى الأجزاء الكافرة، وذلك ظلم وهو غير جائز من الحكيم. # والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يكون الإنسان عبارة عن أجزاء أصلية في ~~هذا ms080 البدن باقية من أول العمر إلى آخره لا يجوز عليها التبدل والتغير، وهي ~~التي ينسب إليها الطاعة والمعصية، ثم عند الموت تنفصل تلك الأجزاء وتبقى ~~على حالها وعند الإعادة تؤلف وتضم معها أجزاء أخر زائدة ويوصل إليها ثواب ~~والعقاب. وعلى هذا يكون المثاب والمعاقب في القيامة عين من كان مطيعا ~~وعاصيا في الدنيا. # وعن الثاني: إنا بينا أن المعتبر في الحشر والنشر إعادة الأجزاء الأصلية ~~دون الفاضلة، فالأجزاء الأصلية لكل بدن تكون فاضلة في غيره. # وبهذا الحرف يظهر الجواب عن الثالث، لأن المطيع والعاصي والمثاب والمعاقب ~~ليس إلا تلك الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره، فأما الأجزاء ~~الزائدة المتبدلة بالسمن والهزال فلا عبرة بها. PageV00P144 # البحث الثاني: في الطريق إلى القطع بوقوع المعاد الجسماني ويدل عليه ~~المنقول والمعقول: # أما المنقول فاعلم أنه قد ثبت بالنقل المتواتر عن الأنبياء عليهم السلام ~~العلم بوقوعه، فوجب القطع بذلك، لأن الصادق إذا أخبر عن وقوع أمر ممكن ~~الوقوع وجب القطع به. # فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال أن الأنبياء عليهم السلام إنما أثبتوا ~~المعاد الجسماني ليحصل به نظام العالم، لأن معرفة المعاد الروحاني موقوفة ~~على معرفة النفس المجردة وأحوالها المعقولة، وذلك أمر لا يتصوره العوام ~~والنساء، فلو خوطبوا به لم يتصوروه ولم يصدقوا به، فلم ينتفعوا ولم يحصل ما ~~هو مقصود الشارع من جمع الخلق على نظام واحد ومعتقد واحد، فأنى لهم بالمعاد ~~الجسماني الظاهر لأنه المتصور لهم، كما فعل ذلك في تفهيمهم للصانع حيث أتي ~~بالظواهر المشعرة بالجسمية والجهة للمبدأ. ثم إن من كان قوى العقل عرف أنه ~~لا بد من تأويل هذه الظواهر، كما أنه لا بد من تأويل تلك. # والجواب: إن التأويل إنما يصار إليه إذا لم يكن الحمل على الظاهر جائزا ~~كما في الظواهر المشعرة لجسمية الصانع، وأما عند جوازه كما في المعاد ~~فالظاهر أولى. # وأيضا فإنما يصار إلى التأويل أن لو كان احتماله قائما، ولما علمنا ~~بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وآله أنه كان ms081 مثبتا للمعاد ~~الجسماني مكفرا لمن أنكره لا جرم لم يبق للتأويل فيه مجال. # وأما المعقول فمن وجهين: PageV00P145 # (أحدهما) لو لم يكن الحشر والنشر حقا لبطل الثواب والعقاب المستحقان ~~بالطاعة والمعصية والاحسان والإساءة، لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك. # بيان الملازمة: إنا نرى المطيع والعاصي يدركهما الموت من غير أن يصل إلى ~~أحد منهما ما يستحقه من ثواب أو عقاب، فإن لم يحشرا ليوصل إليهما ذلك ~~المستحق لزم بطلانه أصلا. # وأما بطلان اللازم: فلأن ذلك ظلم وتبعة لا يجوز أن على الصانع الحكيم، ~~وقد أكد الله تعالى هذه الحجة بآيات من القرآن، كقوله تعالى " إن الساعة ~~آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى " (1) وقوله تعالى " وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا " إلى قوله " كالفجار " ~~(2). # (الثاني) أن يقال: إنه تعالى خلق الخلق إما للراحة أو للتعب والألم أو لا ~~لواحد منهما، والثاني باطل لقبحه وامتناعه من الغني الحكيم الرحيم، والثالث ~~باطل لكونه سفها وعبثا يمتنع من الحكيم أيضا، فبقي أن يقال إنما خلقهم ~~للراحة وهي إما أن تصل إليهم في الدنيا، وهو باطل لأن كل ما يعتقد في ~~الدنيا لذة فإنما هو دفع للألم، كالذي يظن من لذة الأكل فإنما هو دفع ألم ~~الجوع، فلذلك فإنما ألذ لقمة تؤكل هي الأولى لشدة ألم الجوع هناك، وكل لقمة ~~تأخرت فهي أقل لذة لضعف ألم الجوع هناك، وكذلك سائر اللذات الحاصلة في هذا ~~العالم. وبتقدير أن يحصل في هذا العالم لذة فإنها قليلة والغالب إما الآلام ~~أو دفعها، وليس من الحكمة تعذيب الحيوان بنيران الآلام والمكروهات لأجل ~~الفوز بذرة من اللذات، فإذن ليس المقصود من خلق الإنسان إيصال الراحة إليه ~~في # PageV00P146 # الدنيا، فلا بد من القطع بوجود لذة أخرى وعالم آخر تحصل فيه الراحة ~~التامة التي تستحقر في الوصول إليها هذه الآلام، وتلك هي الدار الآخرة في ~~المعاد الجسماني. # البحث الثالث: في أن إعادة المعدوم بعينه محال اختلف العقلاء في أن الشئ ~~إذا فني وعدم هل يمكن إعادته بعينه ms082 أم لا، واتفقت جملة مشائخ المعتزلة على ~~أن إعادته ممكنة، وهو تفريع على مذهبهم أن المعدوم شئ في عدمه، فإذا عدم لم ~~يبطل ذاته المخصوصة وإنما زالت عنه صفة الوجود، ولما كانت ذاته المخصوصة ~~باقية في الحالين كانت إعادته ممكنة. # واتفقت الفلاسفة على أن إعادته غير ممكن، وهو قول أبي الحسين البصري ~~ومحمود الخوارزمي، ولذلك ذهب أبو الحسين البصري إلى أن الشئ إذا عدم فمعنى ~~عدمه تفرق أجزائه وخروجها عن حد الانتفاع لافناؤه بالكلية كما أشرنا إليه، ~~وهو المختار. # وأما الأشعرية فإنهم يقولون إن الشئ إذا عدم فقد بطلت ذاته وصار نفيا ~~محضا. ثم إنهم قالوا إنه يعود بعينه. # لنا: لو كانت إعادة المعدوم جائزة لكانت إعادة الوقت الذي حدث فيه أولا ~~جائزة، لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك. بيان الملازمة: إن الوقت الأول من ~~شرائط وجود ذلك الشخص المعين ومشخصاته، فيستحيل وجوده ثانيا بعينه من دون ~~ذلك الشرط. بيان بطلان اللازم: إنه لو أعيد ذلك الوقت بعينه لكان ذلك ~~الايجاد إحداثا له في وقته الأول، فيكون من حيث هو معاد مبتدأ. # هذا خلف. PageV00P147 # احتجت الأشعرية على جواز إعادة المعدوم بعد فنائه: بأن ماهيته بعد العدم ~~باقية على الجواز العقلي كما كانت، وإلا لخرج الشئ من الإمكان الذاتي إلى ~~الامتناع الذاتي، وأنه محالي. وإذا كان ممكنا والله تعالى قادر على جميع ~~الممكنات كانت إعادة المعدوم مقدورة لله تعالى. # والجواب: إن إمكان الماهية لا نزاع فيه، إنما النزاع في إعادة الشخص الذي ~~عدم من حيث هو ذلك الشخص، ولا نسلم أنه ممكن، وإلا فبتقدير وقوعه يلزم أن ~~يكون معادا من حيث هو مبتدأ كما سبق. # البحث الرابع: في أن الخرق والالتيام جائزان على الأفلاك خلافا للفلاسفة ~~لنا: إن الأجسام حادثة ومركبة من الأجزاء التي لا تتجزى على ما سبق بيانه، ~~فكل ما يلاقيه كل واحد من تلك الأجزاء بأحد طرفيه فإنه يصح أن يلاقيه بطرفه ~~الآخر، لاستواء طرفيه في تمام الماهية ووجوب اشتراك المتساويين في اللوازم، ~~ومتى لقي بأحد طرفيه الشئ الذي ms083 كان يلقاه بطرفه الآخر فقد وقع الانحلال ~~والانخراق. # (الثاني) إن تأليفها من تلك الأجزاء لما كان حاصلا بعد العدم كانت ماهيته ~~قابلة للوجود والعدم، ولا معنى لجواز الخرق على الأفلاك إلا جواز عدم ~~التأليف بين الأجزاء المركبة منها. # (الثالث) أن تركب الفلك من الجواهر الفرد يستلزم عدم صحة الشكل المستدير ~~عليه، وذلك يستلزم كون حركته مستقيمة، وكل ما كانت حركته مستقيمة فالخرق ~~جائز عليه عندهم، فإذن الخرق جائز على الأفلاك. PageV00P148 # البحث الخامس: في أنه تعالى يخرب أجسام العالم أم لا الطريق إلى الحكم ~~بذلك ليس إلا من جهة السمع، لأن العقل ليس له إلا الحكم بجواز ذلك، لكن ليس ~~كل ما جاز وقع. # واحتج من قطع بالوقوع بآيات: # (أحدها) قوله تعالى " كل شئ هالك إلا وجهه " (1) دلت الآية على أن كل ما ~~سوى الله فهو هالك. ولا يمكن حمل الهلاك على الفناء المحض، لما ثبت من وجوب ~~الحشر والنشر وامتناع إعادة المعدوم بعينه، فوجب حمله على تفرق الأجزاء ~~وتشذبها وخروج المركب عنها عن حد الانتفاع به، وصدق الهلاك على ذلك ظاهر. # (الثانية) قوله تعالى " إذا السماء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت " (2) ~~وقوله تعالى " إذا السماء انشقت " (3) وانفطار الأفلاك وانشقاقها وانتثار ~~الكواكب منها تخريب لها. # (الثالثة) قوله تعالى " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب " (4) الآية، ~~وظاهر أن طي السماء تخريب لها. # (الرابعة) قوله تعالى " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات " (5) ~~والتبديل تغيير وإهلاك. # PageV00P149 # والآيات الدالة على هذا المطلوب كثيرة. وبالله التوفيق. # الركن الثاني (في المعاد الروحاني) وفيه أبحاث: # البحث الأول: # إعلم أنه مبني على أن النفس جوهر مجرد ليس بجسم ولا جسماني، واحتج ~~القائلون بذلك بالمعقول والمنقول: # أما المعقول: فهو أن العلم بالله تعالى غير منقسم، إذ لو انقسم لكان كل ~~واحد من أجزائه - إن كان - علما بالله وإن كان الجزء هو الكل هذا محال، وإن ~~لم يكن فعند اجتماع الأجزاء إن لم يحدث هيئة زائدة لم يحصل العلم به تعالى ~~وهو محال، وإن حدثت فإن انقسمت عاد التقسيم وإن لم تنقسم ms084 فهو المطلوب. # وعند ذلك نقول: وجب أن لا يكون محله منقسما، وكل متحيز وكل قائم به ~~منقسم، فمحله ليس بمتحيز ولا قائم به. أما الأولى فلأن الحال في المنقسم ~~منقسم، وأما الثانية فلما مر من نفي الجوهر الفرد. # وأما المنقول فمن وجهين: # (أحدهما) قوله تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء " (1) الآية. وجه الدليل: أنه لا شئ من الإنسان المقتول في سبيل الله ~~بميت، # PageV00P150 # وكل بدن وما يقوم به ميت. أما الصغرى فلقوله تعالى " ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء " الآية، وأما الكبرى فبالضرورة، فإذن ~~هو جوهر مجرد. # (الثاني) قوله عليه السلام في بعض خطبه " حتى إذا حمل الميت على نعشه ~~رفرفت روحه فوق النعش وتقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت ~~بي ". # وجه الدليل: إن الروح باقية بعد الموت بصفة الرفرفة، ولا شئ من البدن وما ~~يقوم به بعد موته بباق، فلا شئ من الروح ببدن وزنا تقوم به. # الجواب عن المعقول: لا نسلم أن الهيئة الزائدة إذا لم تنقسم حصل المطلوب ~~وإنما يكون كذلك لو كان العلم عبارة عن تلك الهيئة فقط، وذلك ممنوع، بل هي ~~أحد أجزائه، وهو منقسم. # سلمناه، لكن لم قلتم أنه إذا لم ينقسم العلم لا ينقسم محله، وإنما يلزم ~~ذلك أن لو كان من الأعراض السارية، وهو ممنوع. # سلمناه، لكن الكبرى ممنوعة، لما بينا من صحة الجوهر الفرد. # وعن المنقول: أن الدليلين إنما يدلان على أن هناك أمرا آخر وراء البدن ~~وما يقوم به من الأعراض الفانية، لكن لا يدلان على أنه جوهر مجرد، بل صريح ~~الآية والخبر يدلان على أنه جسم، لأن صفة القتل والرفرفة تستلزم ذلك. # البحث الثاني: # مذهب محققي الفلاسفة أن النفوس البشرية متحدة بالنوع. وحجتهم: # إنما يشملها حد واحد، وكل ما كان كذلك فنوعه واحد. PageV00P151 # ومنهم من زعم أنها مختلفة بالحقيقة. وحجتهم: أنها مختلفة بالعفة والفجور ~~والذكاء والبلادة، وليس ذلك بسبب حرارة المزاج، لأن بارد المزاج قد ms085 يكون في ~~غاية الذكاء وقد يكون بضده حار المزاج، وقد يتبدل المزاج والصفة النفسانية ~~باقية، ولا من أسباب خارجية لأنها قد تكون بحيث تقتضي خلقا والحاصل ضده ~~فكان ذلك من لوازم النفس، واختلاف اللوازم يدل على اختلاف الملزومات. # والجواب: لم لا يجوز أن يكون ذلك بسبب المزاج، ولا نسلم أن علة الذكاء هي ~~حرارة المزاج فقط، بل اعتدال القوى النفسانية كما ينبغي. وكذلك لا نسلم ~~تبدل مزاج تلك القوى مع بقاء تلك الصفات، بل إذا صارت ملكات لكن ذلك لا ~~ينافي كونها عوارض مستفادة من المزاج. # البحث الثالث: # مذهب محققيهم أنها حادثة. وحجتهم أنها لو كانت قديمة فإما أن تكون واحدة ~~أو كثيرة، والأول باطل لأنها بعد تعلقها بالأبدان إن بقيت واحدة فكل ما ~~علمه زيد علمه عمرو وبالعكس، وهو ظاهر البطلان، وإن تكثرت فتلك الكثرة إن ~~كانت حاصلة قبل ذلك لم تكن واحدة وقد فرضت كذلك. هذا خلف. وإن لم تكن كانت ~~كل واحدة منها حادثة والنفس التي كانت واحدة قد عدمت، وأما إن كانت كثيرة ~~فهو باطل أيضا، إذ لا بد للمتكثرات من مميز، ولا تمييز لها قبل بالذاتيات ~~لاتحادها في النوع، ولا بالعوارض لأن ذلك من توابع الأبدان الجارية مجرى ~~المواد وقبل الأبدان فلا أبدان، فلا اختلاف بالعوارض، فثبت أنها لو كانت ~~قديمة لكانت إما واحدة أو كثيرة، وثبت فساد القسمين، فبطل كونها قديمة، ~~وذلك يستلزم كونها حادثة. PageV00P152 # والاعتراض لم لا يجوز أن يكون الاختلاف بالعوارض. قوله " لأن ذلك من ~~توابع الأبدان وقبل الأبدان فلا أبدان " قلنا لا نسلم، ولم لا يجوز أن يكون ~~قبل هذه الأبدان أبدان أخرى لا إلى أول، والنفوس انتقلت مما قبل إلى بعد ~~على سبيل التناسخ. # البحث الرابع: # اتفق القائلون بحدوث النفس على فساد التناسخ، لأن النفس حادثة فيكون ~~حدوثها عن المبدأ القديم موقوفا على حدوث شرط، وإلا لم يكن حدوثها الآن ~~أولى من حدوثها قبل ذلك، وذلك الشرط ليس إلا حدوث البدن، فأذن حدوث ~~الاستعداد البدني علة لفيضان النفس عن المبدأ ms086 القديم، فالبدن الذي يقبل ~~النفس المستنسخة لا بد أن يستعد لقبول نفس أخرى ابتداء، فيجتمع النفسان على ~~بدن واحد. وهو محال، لأن كل عاقل يعلم بالضرورة نفسه شيئا واحدا لا شيئين، ~~ولأنه لو قامت به نفسان للزم اختلاف أحواله، بأن يحصل التقابلان معا كالنوم ~~واليقظة والحركة والسكون. وهو محال بالبديهة. # واعترض الإمام بأن قال: هذه الحجة مبنية على حدوث النفس، ودليلهم في حدوث ~~النفس مبني على فساد التناسخ، فيلزم الدور. # البحث الخامس: # اتفقت الفلاسفة على بقاء النفوس. وحجتهم: أنها لو صح العدم لكان لامكان ~~عدمها محل متقدم عليه، وهو أمر ثبوتي، فيستدعي محلا ثابتا مغايرا للنفس، ~~لأن القابل واجب البقاء مع وجود المقبول، ولا شئ يبقى عند عدمه، فإذن ~~PageV00P153 # كل ما يصح عليه العدم فله محل هو مادته. # لكن ذلك باطل، لما بينا أنها ليست بجسم ولا بجسماني، ولأن ما فرض مادة ~~يجب أن لا يقبل العدم وإلا لافتقر إلى مادة أخرى، ولا محالة ينتهي إلى مادة ~~لا مادة لها، فذلك الشئ غير قابل للفساد. # واعترض الإمام: بأنا لا نسلم أن الإمكان أمر ثبوتي، وحينئذ لا يستدعي ~~محلا ثابتا. سلمنا، لكن النفس مسبوقة الحدوث بالإمكان وإلا لم تحدث، ولما ~~لم يوجب الإمكان السابق كونها مادية فكذلك إمكان عدمها. # سلمناه، لكن لا يلزم من بقاء مادة النفس بقاء النفس، لأن المركب لا يبقى ~~ببقاء واحد من أجزائه، وحينئذ لا يمكن القطع بحصول السعادة والشقاوة للنفس ~~وبقاء كمالاتها لكونه مشروطا ببقاء صورتها الفانية. # وأجابوا عن الأول: بأنا نعني بالإمكان الاستعداد التام، وظاهر كونه ~~ثبوتيا. # وبه ظهر الجواب عن الثاني أيضا، لأن الإمكان السابق هو الإمكان الخاص ~~اللازم للماهيات في العقل، وإمكان عدمها المستدعى مادة هو الاستعداد التام، ~~وفرق بينهما وإن اشتركا في لفظ الإمكان. # وعن الثالث: أنهم إنما يكتفون ببقاء المادة لأن المادة إذن تكون جوهرا ~~مجردا غنيا عن المادة باقيا مع فناء ما يحل فيه، ويلزم بالدليل الذي ذكروه ~~في وجوب كون النفس المجردة مدركة لذاتها ولمبدأها كونه كذلك، فيكون هو ms087 ~~النفس، والصورة التي فرضت كانت عرضا زائلا وكمالاتها علمها بمبادئها وذلك ~~من لوازمها. PageV00P154 # البحث السادس: # النفس عندهم تدرك الجزئيات، لأن ههنا شيئا يحمل الكلي على الجزئي وذلك ~~الشئ مدرك لهما، لأن التصديق مسبوق بالتصور، والمدرك للكلي هو النفس ~~فالمدرك للجزئي هو النفس، لكن إدراكها للكليات والجزئيات المفارقة بذاتها ~~وإدراكها للجزئيات المحسوسة بواسطة القوى البدنية، لأنا إذا تخيلنا مربعا ~~مجنحا بمربعين وميزنا بين الجناحين فهذا الامتياز ليس في الخارج فهو في ~~الذهن، فمحل أحد الجناحين إن كان محل الثاني استحال حصول الامتياز، لأن ~~امتياز أحدهما عن الآخر ليس بالماهية ولا بلوازمها المشتركة بين الأفراد، ~~لكن الامتياز حاصل فمحل أحدهما غير الآخر. وذلك لا يعقل لا في الجسم ~~والجسماني، فتلك الصورة منطبعة في آلة جسمانية وهي الخيال، والنفس تدركها ~~بواسطة تلك الآلة. # البحث السابع: # اتفقوا على سعادة النفوس الكاملة في قوتيها النظرية والعملية، وكمال ~~القوة النظرية بالعلوم، وأهمها في تحصيل السعادة الباقية معرفة الله، لأن ~~اللذة هي إدراك الملائم، ولا مدرك أكمل منه تعالى، فإدراكه أتم اللذات. ~~وكلما كان استغراق الإنسان في معرفته أتم وأوفى كانت سعادته بعد الموت أكمل ~~وأعلى وذلك أمر يحققه العارفون به. # وأما 0 كمال القوة العملية فحصول الملكات الخلقية الفاضلة، وليست من ~~أسباب السعادة الباقية بالذات، بل غرضها أن لا تصير النفس أميل إلى التعلق ~~بالبدن، PageV00P155 # فيشتد تعلقها به فيحصل بذلك العذاب، فكانت مستلزمة لنفي التعذيب عن ~~النفس، وذلك من الأمور العرضية في تحصيل السعادة. # البحث الثامن: # اتفقوا على شقاوة النفوس الجاهلة لأنها عادمة للكمالات، فإذا انقطعت عن ~~تعلق الأبدان بقيت على ذلك الجهل دائما وأدركت فوات كمالاتها التي كانت ~~الشواغل البدنية عائقة عنها، فصارت معذبة بتلك الحسرة كما قال تعالى " أن ~~تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " إلى قوله " فأكون من المحسنين ~~" (1) ونحوه. # وأما عادمة الكمالات الثانية الحاصلة على إحدى رذيلتي التفريط والإفراط ~~فربما تزول فيزول عذابها بها. # أما نفوس البله والصبيان الخالية عن العقائد والأخلاق فربما قالوا إنها ~~تتعلق بضرب من ms088 الأجرام السماوية وتستكمل بها، إذ لا معطلة في الطبيعة ~~عندهم. # واعلم أن حاصل المعاد الروحاني على رأي من ينكر المعاد الجسماني هو عود ~~النفوس عن هذه الأبدان ومفارقتها لها إلى مبادئها وحصولها على ما تحصل عليه ~~من سعادة أو شقاوة، وتقرير هذه الأبحاث مستقصى في كتبهم. # البحث التاسع: # إعلم أن جماعة من المحققين أوجبوا المعاد الروحاني والجسماني معا، وذلك ~~أنهم حاولوا الجمع بين الحكمة والشريعة، فقالوا: دل العقل على أن # PageV00P156 # سعادة النفوس ومعرفة الله تعالى ومحبته، وعلى أن سعادة الأجساد في إدراك ~~المحسوسات، ودل الاستقراء على أن الجمع بين هاتين السعادتين في الحياة ~~الدنيوية غير ممكن، وذلك لأن الإنسان حال كونه مستغرقا في تجلى أنوار عالم ~~الغيب لا يمكنها الالتفات إلى شئ من اللذات الجسمانية، وحال كونه مشغولا ~~باستيفاء اللذات الجسمانية لا يمكنه الالتفات إلى اللذات الروحانية، لكن ~~هذا الجمع إنما يتعذر لضعف النفوس البشرية في هذا العالم، فإذا فارقت ~~أبدانها واستمدت من عالم النفوس النفوس والطهارة قويت وشرفت، فإذا أعيدت ~~إلى الأبدان مرة أخرى لم يبعد أن تصير هناك قوية قادرة على الجمع بين ~~الأمرين. # وظاهر أن تلك الحالة هي الغاية القصوى في مراتب السعادات، ولم يقم على ~~امتناع هذا المعنى دليل، وهو جمع بين الحكمة النبوية والقوانين الحكمية ~~فوجب المصير إليه. # ومن الناس من ينكرهما معا، وهو قول من قال إن النفس هو المزاج فقط فإذا ~~مات الإنسان فقد عدمت نفسه. ثم إنه ينكر إعادة المعدوم، فحينئذ يلزمه إنكار ~~المعاد مطلقا، إلا أن المقدمة الأولى قد علمت فسادها. وبالله التوفيق. # الركن الثالث (في الوعد والوعيد وأحكام الثواب والعقاب وسائر الحوال ~~القيامة) وفيه أبحاث: # البحث الأول: # الوعد هو الإخبار بوصول نفع إلى الغير أو دفع مضرة عنه في المستقبل ~~PageV00P157 # من جهة المخبر، والوعيد هو الإخبار بوصول ضرر إلى الغير أو فوت نفع كذلك. # ثم المستحق بالافعال الاختيارية ستة: مدح، وشكر، وذم، وثواب، وعقاب، ~~وعوض: # فالمدح هو القول المنبئ عن عظم حال الغير مع القصد إلى ذلك. # والشكر هو الاعتراف ms089 بالنعمة مع نوع من تعظيم المنعم بقول أو فعل. # والذم هو القول المنبئ عن اتضاع حال الغير مع القصد إلى ذلك. # والثواب هو النفع الخالص المستحق المقارن للتعظيم والتبجيل. # والعقاب هو الضرر المحض المستحق المقارن للاستخفاف والإهانة. # والعوض هو النفع المستحق الخالي من تعظيم وتبجيل. # ويستحق المدح والثواب بفعل الواجب والمندوب وترك القبيح، وأما الذم ~~والعقاب فيستحقان بفعل القبيح والاخلال بالواجب، وأما الشكر فيستحق بالنعم ~~والاحسان، وأما العوض فيستحق بالمشقة الواصلة من الغير لا على جهة ~~الاستحقاق. # البحث الثاني: # المكلف إما أن يكون مطيعا أو عاصيا، فإن كان مطيعا فإنه يستحق بطاعته ~~الثواب، خلافا للأشعرية وأبي القاسم البلخي من المعتزلة. # لنا: العقل والنقل: # أما العقل فمن وجهين: # (أحدهما) أن التكليف إما لفائدة أوليس، والثاني عبث لا يجوز من الحكيم ~~PageV00P158 # تعالى، والأول فتلك الفائدة إما أن تعود إلى الله أو إلى العبد أو ~~إليهما، والأول والثالث باطلان لتنزهه تعالى عن فائدة تعود إليه، فتعين ~~الثاني. هي إما أن تعود إلى العبد في العاجل، وهو باطل لأن اشتغال العبد ~~بالعبادة الشاقة محض الضرر أو راجح الضرر، فتعين أن تعود إليه في الأجل، ~~وهو نفس الثواب المستحق بالطاعة التي يقبح بدونها الابتداء به. # (الثاني) إن التكليف إلزام مشقة، وإلزام المشقة من غير عوض قبيح عقلا ~~فالتكليف من غير عوض قبيح عقلا. والمقدمتان ضروريتان. # وأما المنقول: فقوله تعالى " جزاء بما كانوا يعملون " وأمثاله (1). # ثم الثواب إما أن يكون مما يجوز الابتداء بمثله أو لا يجوز، والأول باطل ~~وإلا لكان توسط التكليف لأجله عبثا. وهو محال من الحكيم. # احتج الخصم بوجهين: # (أحدهما) أن الإنعام يوجب على المنعم الشكر والخدعة، ونعم الله على العبد ~~لا تحصى كما قال تعالى " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (2) فكانت موجبة ~~لأداء شكره، وأداء الواجب لا يكون علة لاستحقاق شئ آخر عليه تعالى. # (الثاني) إنا بينا أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي، وأن مجموع ~~القدرة والداعي يوجب الفعل، وأن الجميع من فعل الله تعالى، وما كان فعله لا ms090 ~~يوجب عليه ثوابا. # وجواب الأول: لا نسلم أن أداء الواجبات لا يكون علة لاستحقاق شئ آخر لما ~~بينا أنه لا بد فيه من فائدة تعود إلى المكلف في الأجل، وهي الثواب. # PageV00P159 # وعن الثاني: إنا بينا أن العبد مستقل بفعله، ففعله لا يكون فعل الله ~~تعالى، فجاز أن يستحق به الثواب منه. # البحث الثالث: # المكلف العاصي إما أن يكون كافرا أوليس، أما الكافر فأكثر الأمة على أنه ~~مخلد في النار، وأما من ليس بكافر فإن كانت معصيته كبيرة فمن الأمة من قطع ~~بعدم عقابه وهم المرجئة الخالصة، ومنهم من قطع بعقابه وهم المعتزلة ~~والخوارج، ومنهم من لم يقطع بعقابه إما لأن معصيته لم يستحق بها العقاب وهو ~~قول الأشعرية، وإما لأنه يستحق بها عقابا إلا أن الله تعالى يجوز أن يعفو ~~عنه، وهذا هو المختار. # حجة من قطع بعدم عقاب صاحب الكبيرة: إن كل من يدخل النار مخزي يوم ~~القيامة، وكل من أخزي فهو كافر. بيان الصغرى: قوله تعالى: ربنا إنك من تدخل ~~النار فقد أخزيته " (1) وصيغة من تقتضي العموم. وبيان الكبرى: قوله تعالى " ~~إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين " (2) دلت الآية على اختصاص الخزي ~~بالكافرين، فكل مخزى يومئد كافر، فمن ليس بكافر لا يكون مخزى فلا يدخل ~~النار. # وأما حجة المعتزلة على القطع بالعقاب فالقرآن والخبر: أما القرآن فآيات: # (أحدها) قوله تعالى " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا # PageV00P160 # خالدا فيها " (1) ومعلوم أن من ترك شيئا من الواجبات وارتكب شيئا من ~~المنهيات فقد تعدى حدود الله، فوجب أن يدخل النار. # (الثانية) قوله تعالى " ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (2). # (الثالثة) قوله تعالى " إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ~~ولا يحيى " (3) وأمثال هذه الآيات كثيرة. # وأما الأخبار فكثيرة: # (أحدها) قوله عليه السلام: من كان ذا لسانين وذا وجهين كان في النار. # (الثاني) قوله عليه السلام: من غصب شبرا من أرض طوقه الله يوم القيامة من ~~سبع أرضين. # (الثالث) قوله عليه السلام: من شرب الخمر في ms091 الدنيا ولم ينتبه لم يشربها ~~في الآخرة. # لا شك أن هذه العمومات متناولة للكفار ولمن عصى من أهل القبلة. # والجواب الإجمالي عن هذه العمومات: إنه إنما يمكن التمسك بها عند عدم ~~المخصص، لكن لا نسلم أنه لا مخصص، أقصى ما في الباب أنه لا مخصص في ~~وجدانكم، لكن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. # سلمناه، لكنها معارضة بالآيات والأخبار الواردة في الوعد، كقوله تعالى # PageV00P161 # " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره " (1) وقوله تعالى " إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا " (2) وقوله " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " (3) كما سيأتي ~~تقريره. # ثم إن الترجيح في جانب الوعد لوجوه: # (أحدها) إن آيات الوعد أكثر، والكثرة مستلزمة للرجحان. # (والثاني) إن صرف التأويل إلى جانب الوعيد أحسن من صرفه إلى جانب الوعد، ~~لأن إهمال الوعيد كرم وإهمال الوعد لؤم. # (الثالث) إن العاصي أتى بأتم الطاعات وأكبرها وهو الإيمان، ولم يأت بما ~~هو أكبر المعاصي وهو الكفر، فوجب أن نرجح جانب وعده على جانب وعيده. # وبيان ذلك: إن المالك إذا أتى عبده بأعظم طاعاته وارتكب بعض معاصيه التي ~~دون الغاية، فلو رجح تلك المعصية الحقيرة على تلك الطاعة العظيمة لعد لئيما ~~مؤذيا بعيدا عن الكرم، وذلك على أكرم الأكرمين وارحم الراحمين محال، فعلمنا ~~أن الرجحان في جانب الوعد. وبالله التوفيق. # البحث الرابع: في دلائل العفو وهي من وجوه: # (أحدها) قوله تعالى " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات " ~~(4) # PageV00P162 # وقوله " ويعفو عن كثير " (1) فنقول: هذا العفو إما أن يكون عبارة عن ~~إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه، أو عمن لا يحسن عقابه. والقسم الثاني باطل، ~~لأن عقاب من يقبح عقابه قبيح، ومن ترك مثل هذا القبيح لا يقال إنه عفا. ~~وأما إذا كان له أن يعذبه فترك تعذيبه يقال إنه عفا، فتعين الأول. # (الثاني) إنه لو كان العفو عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان قوله " ~~يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات " تكرارا من غير فائدة، فعلمنا أن ~~العفو عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن ms092 عقابه. # (الثالث) قوله تعالى " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء " (2) وجه الدليل: أن قوله " ويغفر ما دون ذلك " يفيد القطع بأنه ~~تعالى يغفر كل ما سوى الشرك، ويندرج في ذلك الصغيرة والكبيرة بعد التوبة ~~وقبلها ثم قوله بعد ذلك " لمن يشاء " يدل على أنه يغفر كل ذلك، لكن لا للكل ~~بل للبعض، فكان غفران الكبيرة والصغيرة منه صادقا. # (الرابع) قوله تعالى " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم " (3). # فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى يغفر جميع الذنوب مع ~~التوبة، وهذا أولى لأن حملها عليه يقتضي بقاء الآية على ظاهرها، وعلى ما ~~ذكرتم يلزم أن يكون الكفر مغفورا قبل التوبة، وأنتم لا تقولون به. # قلت: ما ذكرته يستلزم الاضمار، وما ذكرناه وإن استلزم التخصيص بالكفر # PageV00P163 # لكن التخصيص خير من الاضمار على ما علم في أصول الفقه. # (الخامس) قوله تعالى " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " (1) وكلمة " ~~على " تفيد الحال، أي ذو مغفرة لهم حال كونهم ظالمين. # (السادس) إنا سنقيم الدلالة إنشاء الله تعالى على تأثير شفاعة محمد عليه ~~السلام في إسقاط العقاب عن عصاة أمته. # البحث الخامس: # اتفقت المعتزلة على أنه لا يجوز أن يجتمع للمكلف استحقاق الثواب والعقاب ~~معا، ثم اختلفوا فيه إذا فعل طاعة ومعصية. # فذهب أبو علي الجبائي إلى القول بالاحباط والتكفير، ومعناه أن الطاعة إذا ~~تعقبت المعصية - سواء كان أزيد أو أنقص - كفرت بها، وإن كان المتعقب هو ~~المعصية أحبطت الطاعة. # وذهب أبو هاشم إلى القول بالموازنة، ومعناها أن المكلف إذا فعل طاعة ~~ومعصية فأيهما كانت أكثر أسقطت الأخرى. # وعندنا أنه يجوز أن يجتمع له المستحقان الثواب والعقاب معا. # لنا وجهان: # (أحدهما) إن بقاء العلة التامة يستلزم بقاء المعلول، وقد كان الإيمان قبل ~~المعصية علة تامة لاستحقاق الثواب، وهو بعينه باق بعدها، فوجب بقاء معلوله ~~بعدها. وهذه الحجة مبنية على أن الإيمان ms093 عبارة عن التصديق القبلي، وسنبين ~~ذلك. # وبهذه الحجة يظهر بطلان القول بالموازنة والقول بالاحباط. # PageV00P164 # (الثاني) إن استحقاق الثواب واستحقاق العقاب إما أن يتنافيا أو لا، ~~والأول باطل، لأن تنافيهما إما لذاتيهما وهو باطل، لأن ماهية الاستحقاق ~~ماهية واحدة أو باللوازم، وهو أيضا باطل، لأن الماهية الواحدة لا يختلف ~~لوازمها، أو بالعوارض لكن العارض لما جاز زواله جاز زوال ما به تنافى ~~الاستحقاقين فجاز اجتماعهما، فوجب أن يصلا إلى المكلف العاصي بمقتضى قوله ~~تعالى " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ". # البحث السادس: # عندنا أن العاصي من أهل الإيمان لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يعفو ~~الله عنه ابتداء، أو بالشفاعة، أو يعذبه منقطعا. # لنا في انقطاع عقابه: أنه لما ثبت جواز اجتماع استحقاقي الثواب والعقاب ~~فبتقدير حصولهما فإن عفي عنه فلا عقاب عليه، وإن لم يعف وجب وصول ~~الاستحقاقين إليه، فإما أن يثاب أولا في الجنة ثم ينقل إلى عذاب النار وهو ~~باطل لإجماعنا على دوام الثواب ولقوله تعالى " أكلها دائم وظلها " (1) أو ~~يعاقب أولا ثم ينقل إلى الجنة وينقطع عقابه وهو المطلوب. # احتج الخصم بالمعقول والمنقول: # أما المعقول: فهو أنه لما كان الفاسق يستحق نفسه العقاب وجب أن يكون ذلك ~~الاستحقاق مزيلا لاستحقاق الثواب، لأن العقاب مضرة خالصة دائمة والثواب ~~منفعة خالصة دائمة والجمع بينهما محال، فكان الجمع بين استحقاقيهما محالا، ~~فوجب أن ينفي استحقاق العقاب ما سبق من استحقاق الثواب. # وأما المنقول فهم أنهم استدلوا بالآيات الدالة على تخليد الفاسق كقوله # PageV00P165 # تعالى " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها " (1) وأمثاله. ثم ~~قالوا: # الخلود هو الدوام لقوله تعالى " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد " (2)، فلو ~~كان الخلود هو المكث الطويل وقد سبق قبله من عمر زمانا طويلا لما كان هذا ~~النفي صادقا. # وجواب الأول: لا نسلم العقاب خالص المضرة دائمها. # فإن قلت: أن الموجب له وللمدح والذم واحد، وهما دائمان، فكان هو أيضا ~~دائما، لمشاركته لهما في المقتضى وهو الفعل. # قلت: لا ms094 نسلم أن الفعل موجب للمدح والذم دائما، ولذلك فإن العبد إذا أتى ~~بجرم واحد فأخذ مولاه يلومه دائما نسبه جميع العقلاء إلى السفه والجنون. # سلمناه، لكن لا نسلم استلزام دوام المعلولين دوام الآخر. # وعن الثاني: إن الخلود كما يصدق على المكث الدائم كذلك يصدق على المكث ~~الطويل المنقطع، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر ~~المشترك، وهو مطلق المكث الطويل، لأنه أعم من الدائم والمنقطع. # وإذا كان كذلك فنقول: إنه إن دل في الآية المذكورة على الدوام بقرينة فلا ~~نسلم أنه يدل في آيات وعيد الفساق على الدوام. # البحث السابع: # اتفقت الأمة على أن شفاعة الرسول صلى الله عليه وآله حق، لكن المعتزلة # PageV00P166 # قالوا إنما يؤثر في زيادة النعيم لأهل الجنة، والأشعرية قالوا بذلك لكن ~~من جملة تأثيرها إسقاط العقاب عن العصاة، وهو المختار. # لنا: القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى " واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات " (1) والفاسق من هذه الأمة مؤمن بإيمانه على ما سيأتي، فوجب أن ~~يدخل فيمن يستغفر له الرسول. # ثم هذا الأمر إما أن يكون واجبا أو ندبا، وعلى التقديرين فالرسول عليه ~~السلام يفعله وطلبه عليه المغفرة من الله لمؤمني أمته لا يرد، لقوله تعالى ~~" ولسوف يعطيك ربك فترضى " (2)، فوجب أن تتحقق شفاعته في حق فاسقى أمته، ~~وبها يسقط العقاب في حقهم. # وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وآله " أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من ~~أمتي ". # البحث الثامن: # الجنة والنار مخلوقتان: أما الجنة فلقوله تعالى " أعدت للمتقين " (3) وكل ~~معدود موجود فالجنة موجودة، وأما النار فلقوله تعالى في صفتها " أعدت ~~للكافرين " (4). # احتج من منع من ذلك بأنها لو كانت موجودة لوجب أن لا ينقطع نعيمها لكنه ~~ينقطع فليست موجودة. أما الملازمة فلقوله تعالى " أكلها دائم وظلها " (5) ~~وأما # PageV00P167 # بطلان اللازم فلقوله تعالى " كل شئ هالك إلا وجهه " (1). # الجواب: منع الملازمة، وحمل دوام أكلها وظلها على دوامها بعد وجودها ~~ودخول المكلفين لها. وبالله التوفيق. # البحث التاسع: في حقيقة التوبة التوبة مركبة من ثلاثة أمور: أحدها الندم ~~على الماضي من قول ms095 أو فعل، والثاني الترك في الحال، والثالث العزم على ~~الترك في الاستقبال. # والباعث عليها هو اعتقاد كون فعل المعصية مستلزما للضرر العظيم في الآخرة ~~ثم تحصل عن ذلك الاعتقاد نفرة عنها تستلزم تلك الأمور الثلاثة. # البحث العاشر: # التوبة واجبة على العبد لقوله تعالى " وتوبوا إلى الله توبة نصوحا " (2) ~~وهي مقبولة قطعا لقوله تعالى " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " (3). # ويسقط العقاب بها عندنا تفضلا من الله تعالى، وأوجبت المعتزلة والفلاسفة ~~قبولها وسقوط العقاب بها عقلا. # أما المعتزلة فقالوا: لو لم يجب سقوط العقاب بها لما حسن تكليف العاصي ~~واللازم باطل فالملزوم كذلك. بيان الملازمة: أنها لو لم يسقط عقاب العاصي ~~لم يبق له طريق إلى الخروج من العقاب المستحق دائما، فلم يكن له طريق # PageV00P168 # إلى حصول الثواب، لاستحالة اجتماع استحقاقيهما على ما سبق. وأما بطلان ~~اللازم فبالضرورة من دين محمد عليه السلام. # الجواب: منع الملازمة، فإنا بينا أن له طريقا آخر وهو العفو. # وأما الفلاسفة فقالوا: المعصية إنما تستلزم العذاب من حيث أن حب الدنيا ~~وقنياتها إنما بقي في جوهر النفس بعد المفارقة للبدن ولم يتمكن من الوصول ~~إلى محبوبها، فحينئذ يعظم بلاؤها. فإذا اطلعت في بدنها على قبح هذه الأمور ~~الفانية وحصل لها الاعتقاد الجازم بذلك زالت تلك المحبة، فبعد المفارقة لا ~~يكون هناك عذاب بسببها. # البحث الحادي عشر: # أكثر الأمة على أن التوبة تصح عن بعض المعاصي دون البعض، خلافا لأبي ~~هاشم. # حجتهم: إن اليهودي إذا غصب حبة ثم تاب عن اليهودية مع إصراره على غصب تلك ~~الحبة يقبل توبته، والعلم به ضروري من الدين. # حجة أبي هاشم: إن التوبة عن القبيح إن كانت لا من حيث هو قبيح فليس ~~بتوبة، لأنا بينا أن سبب التوبة عن القبيح هو العلم بقبحه، وما لم يتحقق ~~السبب لا يتحقق المسبب. وإن كانت عن القبيح لما هو قبيح فالتوبة عن قبيح ~~دون قبيح يكشف عن كون التائب تائبا عن القبيح لا لكونه قبيحا، وقد قلنا أن ~~ذلك يمنع من كونها توبة. ms096 # والجواب: إن القبيح مقبول بحسب الأشد والأضعف، فلم لا يجوز أن يتوب ~~الإنسان عن فعل القبيح لكونه ذلك القبيح، ولا يلزم من ذلك وجوب توبته عن كل ~~قبيح. وبالله التوفيق. PageV00P169 # الركن الرابع (في الأسماء والأحكام) وفيه بحثان: # البحث الأول: الإيمان إما أن يكون الإيمان والكفر من أعمال القلوب أو من ~~أعمال الجوارح أو من أعمالهما. والأول هو التصديق القلبي. # وأما الثاني: فإما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين، وهو منقول عن ~~الكرامية، أو من جميع افعال الجوارح من الطاعات، وهو قول قدماء المعتزلة ~~والقاضي عبد الجبار، أو عن جميع الطاعات من الأفعال والتروك، وهو قول أبي ~~علي وأبي هاشم. # وأما الثالث فهو قول أكثر السلف، فإنهم قالوا الإيمان تصديق بالجنان ~~وإقرار باللسان وعمل بالأركان. # والمختار أن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي بالله تعالى وبما جاء به ~~رسوله من قول أو فعل، والقول اللساني سبب ظهوره، وسائر الطاعات ثمرات مؤكدة ~~له. # لنا: إن الإيمان حقيقة في التصديق القلبي، فوجب أن لا يكون حقيقة في غيره ~~دفعا للاشتراك: أما الأول فلقوله تعالى " كتب في قلوبهم الإيمان " (1) ~~وقوله # PageV00P170 # " ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " (1) وأمثاله، ~~والمكتوب في القلب والداخل فيه لا يجوز أن يكون هو القول اللساني، ولا شئ ~~من أعمال سائر الجوارح. # وأما الثاني: فلما ثبت في أصول الفقه أن الاشتراك خلاف الأصل، وقد تبين ~~أيضا أن شيئا من أعمال الجوارح لا يجوز أن يكون جزءا من الإيمان، لوجوب ~~اجتماع الجزء والكل في محل واحد، وامتناع كون القلب محلا لشئ من أعمال سائر ~~الجوارح. # البحث الثاني: # الكفر هو إنكار صدق الرسول عليه السلام وإنكار شئ مما علم مجيئه به ~~بالضرورة. # والنفاق هو إظهار الإيمان والإسلام وإسرار الكفر. # وأما الفسق فهو الخروج عن طاعة الله ورسوله في بعض الأوامر والنواهي ~~الشرعية التي يجب امتثالها مع اعتقاد ذلك الوجوب، وهو عند المعتزلة منزلة ~~بين الكفر وبين الإيمان، ولا يصدق عندهم على الفاسق أنه مؤمن ولا كافر، ~~وعند الحسن البصري أنه منافق. # وعند ms097 جماعة من الزيدية والخوارج أنه كافر. # وعندنا أنه مؤمن بإيمانه فاسق بفسقه. # لنا: إن الفاسق من أهل الصلاة مصدق بالله ورسوله ودينه، فكان مؤمنا. # PageV00P171 # وأما المعتزلة فلما أدخلوا سائر الطاعات في مسمى الإيمان لزم على أصولهم ~~أن يخرج الفاسق عن الإيمان لتركه بعضها، وأما أنه لا يدخل في الكفر فلأنه ~~يقام عليه الحدود ويقاد به ويدفن مع المسلمين ويغسل ويكفن ويصلى عليه. ولا ~~واحد من الكفار كذلك، فإذن ليس هو بكافر. والله أعلم بالصواب. PageV00P172 # القاعدة الثامنة (في الإمامة) وفيه مقدمة وأركان: # أما المقدمة فاعلم أن الكلام في هذه القاعدة أيضا كالكلام في قاعدة ~~النبوة في ترتيبها على خمس مسائل، يسأل عن كل واحدة منها بكلمة مفردة، وهي: ~~ما، وهل، ولم، وكيف، ومن. # فأولها قولنا " مالامام "، والبحث في هذه المسألة عن مفهوم هذه الكلمة في ~~الاصطلاح العلمي. # الثانية قولنا " هل الإمام " أي هل يكون الإمام مما يجب في الحكمة وجوده ~~أم لا، وهل يجب دائما بحيث لا يجوز خلو زمان التكليف عنه أو في PageV00P173 # بعض الأوقات. # الثالثة قولنا " لم يجب وجود الإمام "، ويبحث فيها عن العلة الغائبة ~~لوجوده ووجه الحكمة فيه. # الرابعة قولنا " كيف الإمام "، ويبحث فيها عما ينبغي أن يكون عليه من ~~الصفات التي بها يكون إماما. # الخامسة قولنا " من الإمام "، ويبحث فيها عن تعيينه في سائر زمان ~~الإسلام. # ونحن نذكر الفصول على هذا الترتب إنشاء الله تعالى. # الركن الأول (في ماهية الإمام ووجوده وغايته) وفيه أبحاث: # البحث الأول: في ماهيته هو إنسان له الإمامة، وهي رئاسة عامة في أمور ~~الدين والدنيا بالأصالة. # فقولنا " رئاسة " كالجنس لها والباقي من قبيل الخواص. # واحترزنا ب‍ " العامة في أمور الدين والدنيا " عن الخاصة ببعضها. # وبقولنا ب‍ " الأصالة " احتراز عن رئاسة النواب والولاة من قبله. # ومفهوم كونه إماما وإن كان أعم من كونه انسانا لكن يعلم كونه انسانا بحسب ~~العرف. PageV00P174 # البحث الثاني: في أنه هل يجب نصبه أم لا لأنه إما أن يجب ذلك على العباد ~~أو على الله أو لا يجب أصلا. # والأول ms098 إما أن يجب عقلا أو سمعا، والأول مذهب أبي الحسين البصري والجاحظ، ~~والثاني مذهب الأشعرية وأكثر المعتزلة والزيدية. # والثاني قول الشيعة فمنهم من قال يجب على الله نصبه ليعلمنا معرفته ~~ويرشدنا إلى وجوه الأدلة والمطالب، وهو قول الإسماعيلية، ومنهم من قال يجب ~~على الله نصبه ليكون لطفا لنا لأداء الواجبات العقلية والاجتناب عن ~~المقبحات ويكون حافظا للشريعة مبينا لها، وهو قول الاثني عشرية. # والثالث قول من قال لا يجب نصبه، فمنهم من قال لا يجب في وقت الحرب ~~والاضطراب، لأنه ربما كان نصبه سببا لزيادة البشر، ومنهم من عكس، ومنهم من ~~قال لا يجب أصلا. والمختار أنه يجب نصبه في حكمته تعالى. # لنا: إن نصب الإمام لطف من فعل الله تعالى في أداء الواجبات الشرعية ~~التكليفية، وكل لطف بالصفة المذكورة فواجب في حكمة الله تعالى أن يفعله ما ~~دام التكليف بالمطلوب فيه قائما، فنصب الإمام المذكور واجب من الله في كل ~~زمان التكليف. # أما الصغرى: فإن مجموعها مركب من كون نصب الإمام لطفا في الواجبات ~~الشرعية، ومن كونه من فعل الله. أما الأول فلأن المكلفين إذا كان لهم رئيس ~~تام الرئاسة عادل ممكن كانوا أقرب إلى القيام بالواجبات واجتناب المقبحات، ~~وإذا لم يكن كذلك كان الأمر بالعكس، والعلم بهذا الحكم ضروري لكل عاقل ~~بالتجربة لا يمكنه دفعه عن نفسه بشبهة، ولا معنى للطف إلا ما كان مقربا إلى ~~الطاعة PageV00P175 # ومبعدا عن المعصية، فثبت أن نصب الإمام لطف في أداء الواجبات. وأما كونه ~~من فعل الله فلما سنبين أن هذا الإمام لا يجوز عليه الاخلال بالواجب ولا ~~فعل القبيح، فحينئذ لا يمكن أن يكون نصبه إلا من فعل الله، لأنه القادر على ~~تمييز من يجوز وقوع المعصية منه عن غيره لاطلاعه على السرائر دون غيره. # وأما الكبرى فلأنا لو لم يجب منه تعالى وجود ذلك اللطف في مدة زمان ~~التكليف بالملطوف فيه لقبح التكليف به وانتقض الغرض منه، وأما تمكين هذا ~~الإمام فهو من افعال المكلفين، إذ المدح عليه والذم على ms099 عدمه راجعان إليهم. # لا يقال: لم لا يجز أن يقوم غير هذا الإمام مقامه من فعل الله أو من فعل ~~غيره، فلا يكون نصبه بعينه واجبا. سلمناه، لكن متى يجب هذا النصب إذا كان ~~خاليا عن وجود المفاسد أو إذا لم يكن. والثاني ممنوع، فلم لا يجوز أن يكون ~~فيه مفسدة خفية لا نعرفها وبسببها لا يجب. سلمناه، لكن إنما يجب نصبه لكونه ~~لطفا، لكنكم شرطتم في كونه لطفا تمكينه، فعند عدم تمكينه لا يكون نصبه لطفا ~~فلا يجب. # لأنا نجيب: # عن الأول: إن قيام الغير مقامه لا يتصور إلا في حال عدمه، وقد قلنا أنا ~~نعلم بالضرورة أن عدم نصبه وتمكينه مستلزم لبعد الخلق عن الصلاح وقربهم من ~~الفساد، فيستحيل أن يكون له بدل. # وعن الثاني: إن قرب المكلفين من الطاعة وبعدهم عن المعصية مطابق لغرض ~~الحكيم من التكليف ومقرب لحصوله، فيكون مرادا له، فلو كان فيه مفسدة لكان ~~تعالى مريدا للمفسدة، وقد سبق بطلان ذلك. # وعن الثالث: إنا لا نجعل التمكين شرطا في كون نصبه لطفا، بل من تمام ~~PageV00P176 # اللطف وكماله، إذ مجرد نصب الإمام لطف لأوليائه والمعتقدين بصحة إمامته ~~في قربهم من الواجبات وبعدهم من المقبحات، إذ لا يأمنون في كل وقت من ~~تمكينه وظهوره عليهم. وبالله التوفيق. # البحث الثالث: في علة وجوده وهي أمران: # (أحدهما) أن يكون المكلفون مع وجوده أقرب إلى الطاعات وأبعد عن المعاصي، ~~لجواز وقوعها منهم، وذلك بردعه لهم عنها وحمله إياهم على أضدادها. # (الثاني) أن يكون الشرع محفوظا بوجوده، لما سنبين من وجوب عصمته وبالله ~~التوفيق. # الركن الثاني (في الصفات التي ينبغي أن يكون الإمام عليها) وفيه أبحاث: # البحث الأول: # إنه يجب أن يكون الإمام معصوما، ويدل عليه وجهان: # (أحدهما) لو لم يكن معصوما للزم وجوب إثبات أئمة لا نهاية لها، لكن ~~اللازم باطل فالملزوم كذلك. بيان الملازمة: إنه لو لم يكن معصوما فبتقدير ~~PageV00P177 # صدور المعصية عنه نفتقر إلى إمام آخر يؤديه عليها ويثقفه عند الاعوجاج عن ~~سبيل الله، وإلا لم يكن ms100 ملطوفا له، وهو باطل على ما مر، ويكون الكلام في ~~ذلك الإمام كالكلام فيه، ويلزم التسلسل. وأما بطلان اللازم فظاهر. # لا يقال: لم لا يجوز أن يكون انتهاؤه في الاحتياج إلى النبي أو القرآن ~~والسنة، فلا يلزم التسلسل. سلمناه، ولكن لم لا يجوز أن يكون هو لطفا لكل ~~واحد من الأمة، ويكون مجموع الأمة لطفا له، فينقطع التسلسل. ولا يلزم الدور ~~لاختلاف جهة اللطف. # لأنا نجيب عن الأول: أن نسبة المكلفين إلى النبي والقرآن نسبة واحدة، فلو ~~كان النبي أو القرآن مغنيا لواحد من المكلفين مع جواز الخطأ عليه لكان ~~مغنيا للجميع، وحينئذ لا يجب احتياجهم جميعا إلى إمام، لكن هذا اللازم باطل ~~لما سبق فالملزوم كذلك. # وعن الثاني من وجهين: # أحدهما - أن الإمام واحد من الأمة، فإن جاز أن يكون مجموع الأمة لطفا له ~~فليجز في كل واحد منهم ذلك، وحينئذ لا حاجة بهم إلى إمام كما سبق. # الثاني - إن مجموع الأمة سوى الإمام لا يكون معصوما بالاتفاق، أما عندنا ~~فظاهر وأما عند الخصم فلخروج الإمام عن ذلك المجموع، وحينئذ يكون ذلك ~~المجموع جائز الخطأ، فلا يصلح أن يكون لطفا في حق الإمام. # (الوجه الثاني) في أن الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وآله ~~واجبة على جميع المكلفين إلى يوم القيامة، فلا بد لها من حافظ ينقلها إليهم ~~من غير تغيير ولا تحريف، وإلا لكان التكليف بها تكليفا بما لا يطاق، فذلك ~~الناقل يجب أن يكون معصوما وإلا لجاز فيها التغيير والتحريف وقد أبطلنا، ~~فذلك الحافظ PageV00P178 # المعصوم إما مجموع الأمة أو آحاد بعض منها، والأول باطل لأن عصمة مجموع ~~الأمة إنما تعلم بالنقل، فهي مشروطة بصحته، فلو جعلنا النقل مشروطا بصحة ~~عصمتهم لزم الدور وأنه محال، فتعين الثاني وهو مرادنا بالأئمة المعصومين. # لا يقال: لم لا يجوز أن تبقى محفوظة بنقل أهل التواتر. سلمناه، لكن إنما ~~تكون محفوظة بنقل الناقل المعصوم أن لو كان ذلك الناقل بحيث يرى ويستفاد ~~الشريعة منه، أما إذا لم يكن كذلك فلا. ms101 # لأنا نجيب عن الأول: إن نقل أهل التواتر إنما يحفظ ما نقلوه ويدل على ~~صحته فأما لا يدل على أن الذي لم ينقلوه لم يوجد فأين أحد البابين من ~~الآخر. # وعن الثاني: لا نسلم أنها لا تكون محفوظة بالناقل المعصوم إلا إذا كان ~~بحيث يرى، فإن عندنا أن الشريعة محفوظة في زمان غيبته، وهي التي في أيدينا ~~لم يفت منها شئ، فإذا اختلت وجب ظهوره لبيانها. وبالله التوفيق. # البحث الثاني: # إنا لما بينا أنه يجب أن يكون معصوما وجب أن يكون مستجمعا لأصول الكمالات ~~النفسانية، وهي: العلم، والعفة، والشجاعة، والعدالة. # فأما العلم فلا بد وأن يكون عالما بما يحتاج إليه في الإمامة من العلوم ~~الدينية والدنياوية كالشرعيات والسياسات والآداب وفصل الحكومات والخصومات، ~~إذ لو جاز أن يكون جاهلا بشئ منها مع حاجة إمامته إلى ذلك لكان مخلا ببعض ~~ما يجب عليه تعلمه، والاخلال بالواجب ينافي العصمة. # وأما العفة فلأن عدمها يستلزم إما طرف التفريط، وهو خمود الشهوة وذلك ~~تقصير عما ينبغي، وإما طرف الإفراط، وهو الفجور وذلك أيضا مناف للعصمة. ~~PageV00P179 # وأما الشجاعة فإن عدمها مستلزم لأحد طرفي الافراط والتفريط، والأول رذيلة ~~التهور وفيها القاء النفس إلى التهلكة وذلك معصية تنافي العصمة، والثاني ~~رذيلة الجبن المستلزم للفرار من الزحف والقعود عما يجب عليه من قمع الأعداء ~~من أهل الفساد في الدين وهو ينافي العصمة. # وأما العدالة فلأن عدمها مستلزم إما للانظلام وهى رذيلة منهي عنها منافية ~~للعصمة أيضا، وإما للظلم وهو من كبائر المعاصي المنافية للعصمة. # فثبت أن الإمام يجب أن يكون مستجمعا لأصول الفضائل النفسانية. وبالله ~~التوفيق. # البحث الثالث: # يجب أن يكون أفضل الأمة في كل ما يعد كمالا نفسانيا، لأنه مقدم عليهم ~~والمقدم يجب أن يكون أفضل، لأن تقديم الناقص على من هو أكمل منه قبيح عقلا. # البحث الرابع: # يجب أن يكون متبرأ من جميع العيوب المنفرة في خلقته من الأمراض كالجذام ~~والبرص ونحوهما، وفي نسبه وأصله كالزنا والدناءة والصناعات الركيكة ~~والأعمال المهينة كالحياكة والحجامة، لأن الطهارة عن ذلك ms102 تجري مجرى الألطاف ~~المقربة للخلق إلى قبول قوله وتمكنه، فيجب كونه كذلك. PageV00P180 # البحث الخامس: # يجب كونه منصوصا عليه، ولا طريق إلى تعيينه إلا بالنص، خلافا لسائر ~~الفرق. # لنا: إنه واجب العصمة، وكل من كان كذلك فيجب النص عليه. أما الصغرى فقد ~~سبق بيانها، وأما الكبرى فلأن العصمة أمر باطن لا يطلع عليه إلا الله ~~تعالى، وإذا كان كذلك وجب أن يكون تعيينه بالنص عليه، بل وجب أن لا طريق ~~إلى ذلك سواه. # لا يقال: لا نسلم وجوب النص عليه، ولم لا يجوز أن يفترض الله اختيار ~~الإمام إلى الأمة إذا علم أنهم لا يختارون إلا المعصوم. سلمناه، لكن لو وجب ~~النص عليه لكان الله تعالى مخلا بالواجب لأنه لم ينص عليه، لكن اللازم باطل ~~فالملزوم كذلك. # لأنا نجيب عن الأول: بأن الأمة على تقدير علمهم بأن الإمام واجب العصمة ~~إما أن يعلمهم الله بأن الذي اختاروه هو الإمام أو لا يعلمهم، والأول ~~يستلزم كون الطريق إلى العلم به النص، والثاني يستلزم جهلهم، لكن ذلك ~~المعين واجب العصمة مع علمهم بأن الإمام يجب أن يكون واجب العصمة، فيلزم من ~~ذلك شكهم في كون ذلك المعين هو الإمام، وذلك يستلزم توقفهم عن امتثال أمره، ~~وهو قادح في غرض الإمامة من كونه لطفا لهم. # وعن الثاني: منع الملازمة، فإنا سنبين أنه وجد النص عليه. PageV00P181 # البحث السادس: # يجب أن يكون مخصوصا بآيات وكرامات من الله، لأن الحاجة قد تمس إليها في ~~تصديق بعض الخلق له، فإذا ظهرت مقارنة لدعواه الإمامة علم بها صدقه. # ثم الفرق بينها وبين المعجزات النبوية أن المعجزات مشروطة بدعوى النبوة ~~وأما الكرامات فليست كذلك، بل جاز أن تقارن دعوى الإمامة وقد تحصل بدونها. ~~وبالله التوفيق. # الركن الثالث (في تعيين الإمام) وفيه أبحاث: # البحث الأول: # الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام لوجوه: # (الأول) إنه كان أفضل الخلق بعده صلى الله عليه وآله، وكل من كان كذلك ~~فهو أولى بخلافته وأحق بأمره ms103 من غيره. # بيان الصغرى: إنه عليه السلام كان مستجمعا للفضائل الخلقية، وكان أكمل ~~فيها من سائر الصحابة، وكل من كان كذلك كان أفضل منهم. بيان الصغرى: ~~PageV00P182 # إن أصول الفضائل كما علمت أربعة وهو العلم والعفة والشجاعة والعدالة، وقد ~~كانت ثابتة له عليه السلام. أما العلم فقد كان عليه السلام أعلم الأمة بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، وبيانه بالاجمال والتفصيل: # أما الإجمال فهو أنه لا نزاع في أنه كان في غاية الذكاء والاستعداد ~~للعلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل الفضلاء، ثم إنه بقي من أول ~~صغره إلى حين وفاة الرسول في خدمته يلازمه ليلا ونهارا ويدخل عليه في كل ~~وقت، ولم يتفق ذلك لأحد من الصحابة. ومعلوم أن التلميذ إذا كان بتلك الصفة ~~من الفطنة والحرص على العلم وكان الأستاذ في غاية الفضل والحرص على إرشاده ~~وتعليمه وكان الاتصال بينهما حاصلا في كل الأوقات فإنه يبلغ ذلك التلميذ ~~مبلغا عظيما في العلم. # وأما التفصيل فمن وجوه: # أحدها - قوله عليه السلام " أقضاكم علي " والقضاء محتاج إلى جميع أنواع ~~العلوم، فلما رجحه في القضاء على الكل يلزم ترجيحه عليهم في كل العلوم، ~~وأما سائر الصحابة فإنما رجح بعضهم في علم واحد، كقوله عليه السلام " ~~أفرضكم زيد " و " أقرأكم أبي ". # الثاني - إن أكثر المفسرين سلموا أن قوله تعالى " وتعيها أذن واعية " (1) ~~نزلت في حق علي عليه السلام، واختصاصه بزيادة الفهم يستلزم اختصاصه بمزيد ~~العلم. # الثالث - نقل عنه عليه السلام أنه قال " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا "، ~~وذلك يدل على أنه قد بلغ في كمال العلم إلى أقصى ما يبلغ إليه القوة ~~البشرية # PageV00P183 # ولم يدع أحد ممن عداه هذه المرتبة. # الرابع - إنه قال " لقد اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب ~~الأرشية في الطوى البعيدة "، وذلك يدل على اختصاصه بعلوم ليس في قوة غيره ~~من الصحابة الوصول إليها. # الخامس - أنه قال " لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين أهل ~~التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ms104 وبين أهل الفرقان بفرقانهم، ~~والله ما من آية نزلت في بر أو بحر أو سهل أو جبل ولا سماء ولا أرض ولا ليل ~~ولا نهار إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أي شئ نزلت ". # ولئن قلت: التوراة منسوخة فكيف يجوز الحكم بها. # قلت: المراد أنه متمكن من تفصيل أحكامها كما أنزلت وبيانها لمن له العمل ~~بها من أهلها بعد أداء حق الجزية. # السادس - ما اشتهر وتواتر من رجوع أكابر الصحابة إليه في كثير من الأحكام ~~كرجوع عمر في قصة المجهضة وقصة المرأة التي ولدت لستة أشهر فأمر عمر برجمها ~~والتي أقرت بالزنا وهي حامل فأمر برجمها، وقول عمر بعد رده عليه السلام له ~~وبيان ما أشكل عليه " لولا علي لهلك عمر " وقوله " لا عشت لمشكلة لا تكون ~~لها يا أبا الحسن "، فإن كل ذلك يدل على كمال علمه ومزيده فيه على غيره. # السابع - إن أعظم العلوم وأهمها أصول الدين، وقد ورد في خطبه عليه السلام ~~من أسرار التوحيد والعدل والقضاء والقدر والنبوة وأحوال المعاد ما لم يأت ~~في كلام أحد من الأولياء وأكابر الحكماء، حتى إن جميع فرق العلماء من ~~المتكلمين والفقهاء وعلماء الأخلاق والسياسات وعلماء التفسير والنحو ~~والفصاحة PageV00P184 # ينتهون إليه عليه السلام كما بين ذلك في مظانه، كما تجده عند استقراء ~~كلامه عليه السلام وكلام من بعده من العلماء، وذلك مستلزم لأفضليته على ~~سائر الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. # وأما العفة فقد كان له عليه السلام فيها الآية، ويكفيك في التنبيه على ~~حاله فيها مطالعة كلامه في نهج البلاغة، نحو كتابه إلى عثمان بن حنيف ~~الأنصاري عامله بالبصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم فأجاب إليها، وقوله ~~فيه " ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم ~~لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد " وقوله فيه " ~~وأيم الله يمينا استثنى فيها بمشية الله تعالى لأروضن نفسي رياضة تهش معها ~~إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما وتقنع بالملح مأدوما ms105 ولأدعن مقلتي كعين ماء ~~نضب معينها مستفرغة دموعها أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من ~~عشبها فتربض ويأكل علي من زاده فيهجع، قرت إذن عينه إذا اقتدى بعد السنين ~~المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية " إلى غير ذلك من كلامه عليه ~~السلام. والتواتر شاهد بأنه كان على حالة تشهد بأنه ازهد الناس بعد الرسول ~~صلى الله عليه وآله. # وأما الشجاعة: فالخوض في إثباتها له يجري مجرى إيضاح الواضحات. # وأما العدالة: فهي ملكة تنشأ عن هذه الملكات الثلاث وتلزمها، ويكفي في ~~التنبيه عليها قوله عليه السلام " والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما فيها ~~على أن أسلب نملة جلب شعرة ما فعلته "، وذلك أبلغ ما يوصف من ترك الظلم ~~والحصول على وسط العدل وفضيلته. # فثبت بهذا أنه عليه السلام كان مستجمعا لأصول الفضائل وأنه فيها أكمل من ~~غيره وأما أن كل من كان كذلك فهو أفضل فلأنه لا معنى للأفضل إلا الأكثر ~~فضلا. PageV00P185 # (الثاني) من التفضيل أن الرسول الله صلى الله عليه وآله لما آخى بين ~~الصحابة آخى بينه وبين نفسه، وذلك يستلزم أفضليته على سائر الصحابة، إذ ~~المؤاخاة مظنة المواساة في المنصب وقيام كل من الأخوين مقام الآخر، فلما ~~كان محمد عليه السلام أفضل الخلق كان القائم مقامه كذلك. # (الثالث) قوله صلى الله عليه وآله في ذي الثدية " شر الخلق والخليقة ~~يقتله خير الخلق والخليقة "، وفي رواية " يقتله خير هذه الأمة " وكان قاتله ~~عليا عليه السلام. # (الرابع) قوله صلى الله عليه وآله لفاطمة " إن الله اطلع على أهل الدنيا ~~فاختار منهم أباك فاتخذه نبيا، ثم اطلع ثانيا فاختار منهم بعلك ". # (الخامس) روى عن عائشة أنها قالت: كنت عند النبي إذ أقبل علي. فقال: # هذا سيد العرب. فقلت: بأبي أنت وأمي ألست سيد العرب؟ فقال: أنا سيد ~~العالمين وهو سيد العرب. # فهذه الوجوه وأمثالها مما يدل على إنه أفضل الخلق بعد محمد عليه السلام. # وأما أن كل من كان أفضل فهو أولى بالخلافة وأحق بالتقديم فهي مقدمة جليه ~~غنية عن البيان، إذ ms106 كان قبح تقديم المفضول على الفاضل فيما يحتاج إليه في ~~التقديم مركوزا في بداية العقول. # (الوجه الثاني) أن نقول: الإمام يجب أن يكون واجب العصمة، ولا واحد من ~~الصحابة سوى علي عليه السلام بواجب العصمة، فلم يجز أن يكون الإمام من ~~الصحابة غير علي. أما الصغرى: فقد مر بيانها، وأما الكبرى فلأن الناس بعد ~~الرسول اختلفوا، فمنهم من قال بأن الإمام علي، ومنهم من قال بأنه العباس، ~~ومنهم من قال بأنه أبو بكر، وإجماع الناس على تعيين أحد هؤلاء الثلاثة مما ~~يدل على أن غيرهم ليس في مرتبتهم، لكن العباس وأبو بكر PageV00P186 # لم يكونا واجبي العصمة بالاتفاق وأما من دونهما فبالأولى، وحينئذ يتعين ~~أن يكون الإمام هو علي، وإلا لخرج الحق عن الأمة وخلا الزمان عن الإمام ~~المعصوم، وقد سبق بطلانه. # (الوجه الثالث) النص الجلي من رسول الله صلى الله عليه وآله في حقه بحيث ~~لا يقبل التأويل، كقوله " سلموا عليه بأمرة المؤمنين واسمعوا له وأطيعوا " ~~وقوله " أنت الخليفة من بعدي "، وذلك مما تواترت ونقلته خلفا عن سلف وهم ~~يملأون وجه الأرض، فيجب أن يكون هو الإمام الحق بعده بلا فصل. # لا يقال: لا نسلم أصل هذا النص. سلمناه، لكن لا نسلم أنه متواتر، لأن من ~~شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة، وذلك غير معلوم في الإمامية. # سلمناه، لكن لا نسلم أنه تواتر إليهم، وإلا لعلمناه كما علموا، لاشتراكنا ~~وإياهم في سببه وهو السماع. # لأنا نجيب عن الأول والثاني: بأن شرط التواتر عند المحققين إنما هو حصول ~~اليقين من الخبر، ولا عبرة بالعدد كما تحقق ذلك في المطولات، وهذا النص مما ~~حصل العلم اليقين به للإمامية. # وعن الثالث: أن الإمامية جاز أن يختصوا بعلم هذا النص، لأنه لم يسبق إلى ~~أذهانهم نفي مقتضاه بشبهة، وذلك من شروط العلم التواتري، والخصم لما سبق ~~إلى ذهنه ذلك لا جرم لم يحصل له العلم به. # ولنا على هذا المطلوب دلائل كثيرة، وفيما ذكرناه مقنع ههنا. # البحث الثاني: في حجة الخصم وهي من وجوه: PageV00P187 # (الأول) ms107 قوله تعالى " وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى * وما لأحد ~~عنده من نعمة تجزى " (1) الآية، فنقول: هذا الأتقى يجب أن يكون أفضل، لقوله ~~تعالى " إن أكرمكم عند الله أتقيكم " (2)، وأجمعت الأمة على أن الأتقى إما ~~علي وإما أبو بكر، ولا يمكن حمله على علي، لأنه قد كان للنبي عليه السلام ~~عليه نعم كثيرة، فأما أبو بكر فإنما كانت له عليه نعمة الارشاد إلى الدين، ~~وتلك النعمة لا تجزى البتة، فتعين أن المراد به أبو بكر، فكان أفضل الخلق ~~بعد النبي عليه السلام، لو كان مبطلا في إمامته لكان ظالما، فلم يكن أفضل ~~لكنه أفضل فهو محق في الإمامة. # (الثاني) قوله عليه السلام " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " أوجب ~~الاقتداء بهما في الفتوى، فوجب أن لا يكونا غاصبين للإمامة وإلا لكانا ~~فاسقين، فلم يجز الاقتداء بهما. # (الثالث) قوله عليه السلام في حقهما " أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة ~~" ولو كانا غاصبين للإمامة لكانا ظالمين فلم يكونا من أهل الجنة لذلك. # وجواب الأول: لا نسلم أن نعمة الارشاد إلى الدين لا تجزى. نعم قد لا يكون ~~جزاؤها مساويا لها في الفضل، وذلك لا يدفع أصل الجزاء. # سلمناه، لكن لا نسلم أن الأتقى الموصوف في الآية هو المشار إليه بالأتقى ~~في الآية الأخرى أو صادقا عليه، بل جاز أن يكون مباينا له، وحينئذ لا يلزم ~~ما ذكرتموه. # سلمناه، لكن قوله " إن أكرمكم عند الله أتقيكم " إنما يدل على أن كل من # PageV00P188 # كان أكرم عند الله فصفة الأتقى ثابتة له، لا على أن كل من كان أتقى هو ~~أكرم، لأن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها، وحينئذ لا يلزم من كونه أتقى ~~كونه أكرم عند الله وأفضل. # وعن الثاني: لا نسلم صحة الخبر. سلمناه، لكن الأمر بالاقتداء بهما أمر ~~مطلق محتمل للاقتداء بهما في الرأي والمشورة أو في الفتوى، وذلك محتمل ~~للمرة الواحدة والمرات، فأين ذلك من الدلالة على صحه إمامتهما. ولا منافاة ~~بين الاقتداء بهما في شئ يغلب على الظن حقيقته ms108 منهما وبين غصبهما للإمامة. # وعن الثالث: إنا نمنع صحة الخبر ونعارضه بوجهين: أحدهما أنه بظاهره يقتضي ~~أن يكونا سيدي كهول أهل الجنة حتى الأنبياء، وهو ظاهر البطلان. # الثاني أنه ورد في صفة أهل الجنة أنهم يحشرون يوم القيامة جردا مردا ~~مبرئين من النقصانات موصوفين بالكمالات، وذلك ينافي أن يكونوا كهولا. # البحث الثالث: # إذا ثبت كونه عليه السلام إماما حقا معصوما وجب أن يحمل سكوته على الطلب ~~للخلافة وسائر حقوقه على التقية وعدم الناصر والاشفاق على الدين كما صرح ~~عليه السلام بذلك في مواضع من كلامه، كقوله " لولا قرب عهد الناس بالكفر ~~لجاهدتهم " وقوله لابن الحسن عليه السلام " ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا ~~علي منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله حتى يوم الناس هذا " ونحو ذلك. # ومن يتبع كلامه وجد فيه أمثال ذلك مما يدل على أنه كان يرى أن الإمامة ~~PageV00P189 # حق له دون غيره، وعلى ذلك يحمل دخوله في الشورى وتحكيم الحكمين وغيرهما. # وبالجملة إذا ثبت عصمته وجب أن يكون كل ما فعله أو قاله صوابا وإن جهلنا ~~وجه الحكمة فيه. # البحث الرابع: في تعيين باقي الأئمة عليهم السلام الحق أن الأئمة بعده ~~عليه السلام أحد عشر نقيبا من ولده، وأسماؤهم مشهورة، ولنا في ذلك طريقان: # (أحدهما) نص كل منهم على من بعده، وذلك مما تواترت به أخبار الإمامية ~~الاثني عشرية خلفا عن سلف. # (الثاني) ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لابنه الحسين ~~عليه السلام: إن ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم ~~قائمهم حجة ابن حجة أخو حجة أبو حجج تسع. وهذا نص صريح في عددهم. # فأما معرفة عين كل واحد منهم في زمانه فبآيات وبكرامات تظهر على يديه ~~وتواترت به أخبار خواصهم وشيعتهم، وهي مسطورة في كتب الآثار عن الأئمة ~~الأطهار من رامها طالعها من مظانها. # البحث الخامس: في غيبة الإمام الثاني عشر والكلام في سبب غيبته واستتاره ~~وطول عمره: # (أما الأول) فنقول: إنه لما وجب ms109 كون الإمام معصوما علمنا أن غيبته طاعة ~~وإلا لكان عاصيا، ولم يجب علينا ذكر السبب، غير أنا نقول: لا يجوز أن يكون ~~PageV00P190 # ذلك السبب من الله تعالى لكونه مناقضا لغرض التكليف، ولا من الإمام نفسه ~~لكونه معصوما، فوجب أن يكون من الأمة، وهو الخوف الغالب وعدم التمكين ولا ~~إثم في ذلك وما يستلزمه من تعطيل الحدود والأحكام عليهم، والظهور واجب عند ~~عدم سبب الغيبة. # لا يقال: فهلا ظهر لأعدائه وإن أدى ذلك إلى قتله كما فعل ذلك كثير من ~~الأنبياء عليهم السلام. سلمناه، لكن لم لا يجوز أن يكون معدوما إلى حين ~~إمكان انبساط يده ثم يوجده الله تعالى. # لأنا نجيب عن الأول: بأنه لما ثبت كونه معصوما علمنا أن تكليفه ليس هو ~~الظهور لأعدائه وإلا لظهر. # وعن الثاني: إنا نجوز أن يظهر لأوليائه ولا نقطع بعدم ذلك، على أن اللطف ~~حاصل لهم في غيبته أيضا، إذ لا يأمن أحدهم إذا هم بفعل المعصية أن يظهر ~~الإمام عليه فيوقع به الحد، وهذا القدر كاف في باب اللطف. # وعن الثالث: إن الفرق بين عدمه وغيبته ظاهر، لوجود اللطف في غيبته دون ~~عدمه. # فأما طول عمره فغاية الخصم فيه الاستبعاد، وهو مدفوع بوجوه: # (الأول) إن من نظر في أخبار المعمرين وسيرهم علم أن مقدار عمره وأزيد ~~معتاد، فإنه نقل عن لقمان أنه عاش سبعة آلاف سنة وهو صاحب السنور، وروي أن ~~عمرو بن حممة الدوسي عاش أربعمائة سنة، وكذلك غيرهما من المعمرين. # (الثاني) قوله تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام " فلبث فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما " (1). # PageV00P191 # (الثالث) الاتفاق بيننا وبين الخصم على حياة الخضر وإلياس عليهما السلام ~~من الأنبياء والسامري والدجال من الأشقياء، وإذا جاز ذلك في الطرفين فلم لا ~~يجوز مثله في الواسطة - أعني طبقة الأولياء. # وبالله التوفيق والعصمة، وبه الحول والقوة، والحمد لله رب العالمين.# ~~PageV00P192 ms110