######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001379 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن ميثم البحراني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 679 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001379 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1379_شرح-مئة-كلمة-لأمير-المؤمنين-ابن-ميثم-البحراني #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تصحيح وتعليق : مير جلال الدين الحسيني الأرموي المحدث #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم اللهم يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قدوس يا ~~سلام، يا مبدأ الجود ومنبعه وغاية كل موجود ومرجعه، يا نور الأنوار وعالم ~~خفيات الاسرار، أحمدك على عواطف كرمك وسوابغ نعمك، لا مجازاة (1) لفضلك (2) ~~واحسانك بل خضوعا لعزتك وسلطانك، ولا استنكافا من تطولك وامتنانك بل ~~استكانة لعظمتك وعلو شأنك، واخلي ذاتي عن كل معبود بلا اله وأحليها بالا ~~أنت وبما أنت أهله، وأتمم زينتها بشهادة أن محمدا عبدك ورسولك، الجالي لصدء ~~القلوب، الفاتح لخزائن الغيوب، المورى لقبس الهدى بعد أن غشى ظلام الجهل ~~أبصار العقول، الرافع لموضحات الاعلام بعد أن ضل الدليل وتاه المدلول، ~~اللهم وأسلك ان تتحفه شرائف، (3) صلواتك وتمنحه نوامي بركاتك، وان تجعل ~~لآله وخلفائه الراشدين من ذلك أجزل حظ وأوفاه وأوفر قسط وأنماه، وأسلك ان ~~تنور قلبي بلوامع هدايتك وتلحظ وجودي بعين عنايتك، انك أنت الوهاب. اما بعد ~~فلما كان أكمل السعادات وأتمها وأشرف الدرجات وأهمها هو الوصول إلى الواحد ~~الحق والحصول في المقعد (4) الصدق حيث تنمحق ابصار البصائر في تلك المشارق ~~(5) وتحترق القلوب في تلك المحارق، وكان مولانا وامامنا سيد الوصيين أمير ~~المؤمنين # PageV00P001 # ذو الآيات الجلية والكرامات العلية علي بن أبي طالب سلام الله عليه ممن ~~تسنم من تلك الدرجات أعلاها وفاز من تلك المقامات بأجلاها (1) وأسماها حتى ~~ظهرت ينابيع الحكمة على لسانه وسطع صبح الحق من أفق برهانه، فلاحت من وادى ~~كماله اعلامه الزاهرة ولوحت إلى شرف قوته القدسية آياته الباهرة حتى لقد ~~كفرت فيه طائفة لما (2) رأت من تلك الآيات (3) وزعمت أنه اله الأرض ~~والسماوات، وفسقت الأخرى بمنابذته بغيا عليه وحسدا، ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا (4)، وكان من جملة حكمه البالغة وشموسه البازغة (5) مائه ~~من الكلم جمعت لطائف الحكم، انتخبها من كلماته الإمام أبو عثمان عمرو بن ~~بحر الجاحظ عفى الله عنه وكان ممن استجمع فضيلتي العلم والأدب وحكم بان كل ~~كلمة منها تفي بألف من محاسن كلام العرب ولم يخصها من سائر حكمه (6) لمزيد ~~جلاله بل ms001 لضمها (7) الوجازة إلى الجزالة ثم اتفق اتصالي بمجلس الصاحب ~~المعظم ملك وزراء العالم العالم العادل ذي النفس القدسية والرياسة الانسية ~~شهاب الدنيا والدين مسعود بن كرشاسف ضاعف الله جلاله وادام اقباله فألفيته ~~منخرطا في سلك الروحانيات معرضا عن الأجسام والجسمانيات موليا بوجهه شطر ~~القبلة الحقيقية متلقيا بقوته العقلية اسرار المباحث اليقينية (8)، أحظى ~~جلسائه لديه من نطق بحكم وأكرمهم عليه من حاوره في علم، أحببت أن أتحف ~~حضرته العلية بكشف أستار بعض (9) تلك الكلمات ورموزها وابراز (10) ما ظهر ~~لي من دفائنها وكنوزها، وشرعت في ذلك معتصما بالله وملتمسا للعذر ممن عثر ~~لي على هفوة (11) واطلع منى على زلة فانى مع قصور استعدادي عن درك هذا ~~المقام أحوالي الحاضرة جارية على غير نظام، وعلى الله قصد السبيل وهو حسبي ~~ونعم الوكيل. # PageV00P002 # وقد رتبت هذه الرسالة على ثلاثة أقسام، القسم الأول في المبادي والمقدمات ~~التي يجب تقديمها في اثبات هذا المطلوب، وفيه فصول: # الفصل الأول في النفس الحيوانية ولواحقها، وفيه أبحاث: # البحث الأول في تحقيقها وبرهان وجودها بقول وجيز: # ان العناصر الأربعة قد يبلغ استعداد مزاجها في التمام إلى درجة أعلى من ~~مزاج المعدن والنبات كما علمت ذلك في موضع أليق به فيقبل حينئذ كمالا أشرف ~~من كماله وهو النفس الحيوانية، وحدها أنها كمال أول لجسم طبيعي آلى معد ~~لقبول الحس والحركة، والاحتراز بالطبيعي عن الصناعي، وبالأول (1) عن الكمال ~~الثاني كالعلم وغيره وبالآلي عن صور العناصر. # واما برهان وجودها فقالوا: ان العضو المفلوج فيه قوة نفسانية لان العناصر ~~المتجاذبة إلى الانفكاك لا تجتمع الا لقاسر قبل الامتزاج وهو مغاير للمزاج ~~وتوابعه لتأخرها عنه وهو اما أن يكون قوة الحس والحركة وهو باطل لعدمها في ~~(2) العضو المفلوج، أو قوة التغذية وهو أيضا باطل لأنها قد تبطل مع بقاء ~~الحيوانية ولان الغاذية موجودة (3) للنبات فلو أعدت لقبول الحس والحركة ~~لكان النبات مستعدا لهما، أو مغايرا (4) لهذين القسمين وهو المطلوب، ولما ~~كانت هذه النفس بعد ما يعمها من القوى (5) النباتية تختص بقوتين، إحداهما ~~مدركة والأخرى محركة ms002 وكانت بعد المدركات تنقسم إلى # PageV00P003 # ظاهرة وباطنة وجب أن نبحث (1) عن ماهية الادراك وأقسام المدركات. # البحث الثاني في ماهية الادراك ادراك الشئ هو أن تكون حقيقته متمثلة عند ~~المدرك يشاهدها ما به يدرك (2) والمراد بتمثل الحقيقة عند المدرك حضور مثال ~~الحقيقة في ذات المدرك ان لم يكن ادراكه بتوسط آله، أوفى آلته إن كان ~~الادراك بتوسط الآله: وبيان ذلك أن الحقائق المدركة اما كليات أو جزئيات، ~~اما الكليات فالمدرك العقل بذاته فقط من دون توسط آله، واما الجزئيات وان ~~أدركها العقل لكن لا بذاته بل بتوسط ادراكات جزئية لقوى أخرى هي آله له (3) ~~وهي المسماة بالحواس ولكل واحد منها أيضا آلة فحيث حصل مثال الشئ المدرك في ~~آلة الحس ولاقاه وشاهده فتلك المشاهدة هي الاحساس والادراك والمثال الحاصل ~~في آلة الحس هو المحسوس في الحقيقة واما تسمية الشئ الخارجي الذي حصل مثاله ~~في آلة الحس محسوسا فمجاز لكونه سببا لحصول هذا المثال وإنما يكون سببا عند ~~حصول نسبة وضعية بينه وبين آلة الحس بحيث لو لم يكن لم يحصل الاحساس، ~~واعتبر عدم (4) تلك النسبة إلى حس ابصارنا كالأجسام الغائبة فانا لعدم تلك ~~النسبة لا ندركها بحس البصر، وفى تحقيق ماهية الادراك وانه حضور مثال ~~الحقيقة في ذات المدرك أو في آلته أو أمر أعم مكن ذلك غموض يحتاج إلى بحث ~~لا يحتمله موضعنا. # البحث الثالث في الحواس الظاهرة وهي خمس فالأول حس اللمس ورسمه انه قوة ~~منبثة في جميع البشرة واللحم بها يدرك ما يماسه ويتصل به، # PageV00P004 # والغرض منه انه لما كان الحيوان الأرضي مركبا من العناصر الأربعة وصلاحه ~~بصلاحها وفساده بتغالبها وجب أن يكون له تلك القوة ليدرك بواسطتها المنافي ~~فيحترز (1) عنه والملائم فيطلبه ويقرب منه، والمحسوسات به الكيفيات الأربع ~~(2) وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وكذلك الصلابة واللين ~~والخشونة والملامسة والثقل والخفة ومن شرط هذا الادراك أن تكون كيفية ~~الملموس مخالفه لكيفيته فيكون اما أبرد منه مثلا أو أحر فإنها لو كانت ~~مشابهة لكيفيته لم ينفعل الجلد منه البتة ms003 كصاحب الدق فإنه لا يدرك حرارة ~~حماه لسخونة مزاج أعضائه. # الثاني - حسن الذوق، وهو قوة رتبت في العصبة المفروشة على سطح اللسان ~~التي هي من جملة الزوج الثالث من الأعصاب التي تنبت من الدماغ وتدرك الطعوم ~~من الاجرام المماسة بواسطة مخالطة تلك المطعومات للرطوبة العذبة (3) ~~اللعابية التي تحصل من الملعبة ووجب كون هذه الرطوبة خالية عن الطعم في ~~ذاتها لتكون صالحة لهذه التأدية والتوسط، ولو كان لها طعم في ذاتها أو ~~مركبا من طعمها وطعم غيرها لاستحال ادراك طعم الشئ وحده ولهذا لما عرض لها ~~طعم المرارة في فم المرضى لم تكن مطعوماتهم صادقة الطعوم بالنسبة إليهم ~~ولهذا خلقت خالية عن الطعم وكانت لزجة لئلا يسرع إليها الجفاف بسبب حرارة ~~الحيوان. # الثالث - حس الشم وهو قوة رتبت في الزائدتين في (4) مقدم الدماغ ~~الشبيهتين (5) بحلمتي الثدي هما آلة الشم (6) مدركة للروائح بتوسط الهواء ~~المنفعل (7) عن ذي الرائحة اما بأن ينفصل من ذي الرائحة بخار مكيف بتلك ~~الرائحة ويختلط بالهواء اما بان يستعد الهواء بمجاورة ذلك الشئ لقبول رائحة ~~مثل رائحته فتفاض تلك الرائحة من واهبها. # فاما ما يقال بان الرائحة تنفصل من ذي الرائحة فتدرك، غلط، إذ العرض # PageV00P005 # لا ينتقل من جسم إلى جسم فإذا وصل ذلك الهواء إلى طرف الأنف تأدى (1) إلى ~~تينك (2) الزائدتين وانفعلتا عن تلك الرائحة وكيفياتها فأدركتها القوة ~~المذكورة (3) فكان ذلك شما وادراكا للرائحة. # الرابع - حسن السمع وهي قوة نافذة من (4) الدماغ إلى الاذن في عصبة نابتة ~~من الدماغ إلى الصماخ مبسوطة عليه ممدودة كمد الجلد على الطبل وهذه العصبة ~~آلة تلك القوة وهي مدركة للصوت بتوسط الهواء وهو هيئة تحصل في الهواء بسبب ~~تموج يقع له بحركة عنيفة اما من قرع بعنف (5) يحصل عن اصطكاك جسمين صلبين ~~فينضغط الهواء بينهما وينفلت (6) بشدة واما من قلع بقوة فيدخل الهواء بشدة ~~بين الجسمين المنفصلين ويحصل من هذين السببين (7) تموج الهواء على هيئة ~~مستديرة كما ترى في (8) الدوائر الحاصلة في الماء الراكد عند رمى حجر في ~~وسطه فإنها أولا ms004 تكون صغيرة ثم تتسع فتضعف قليلا قليلا إلى أن تنمحي فإذا ~~انتهى هذا التموج إلى الهواء الذي في الاذن حركه حركة مخصوصة على هيئة ~~مخصوصة فتنفعل العصبة المفروشة على الصماخ من تلك الحركة فيحصل هناك طنين ~~فتلاقيه القوة المذكورة فيها وتدركه فيسمى هذا الادراك سماعا، وقد يتفق (9) ~~ان يتصل هذا التموج بجسم صلب فيصكه ويرتد عنه فينعطف ثانيا ويتصل بهواء ~~الاذن فتنفعل العصبة عنه فتدركه قوة السمع ويقع ذلك في الحمامات والجبال ~~والبيوت المجصصة ويسمى صدى. # الخامس - حسن البصر وهو قوة مرتبة في العصبتين المجوفتين النابتتين من ~~الدماغ إلى كل واحدة من العينين مدركة للصور المنطبعة في الرطوبة الجليدية ~~بتوسط جسم لطيف نوراني ينبعث من الدماغ ساريا في تينك العصبتين المجوفتين ~~إلى العين يسمى ذلك الجسم الروح الباصر (10) وهو آله تلك القوة وحاملها كما ~~ستعرف إن شاء الله تعالى # PageV00P006 # وهذا الرأي أعني ان الابصار بسبب انطباع صورة المرئي في الرطوبة الجليدية ~~هو رأى الحكيم أرسطو وعليه آراء متأخري الحكماء، وفى كيفية الابصار مذهب ~~اخر وهو انه إنما يكون بخروج شعاع من العين على شكل مخروط تتصل (1) قاعدته ~~بسطح المرئي وزاويته متصله بنقطة الناظر، وهو مذهب باطل، وعلى بطلانه ~~براهين كثيرة ويكفيك منها ههنا ان تعلم أنه لو كان كذلك لاختلف الرؤية عند ~~هبوب الرياح وركودها لممانعة الهواء ولكان ما تحت الممانعات (2) من ذوات ~~الألوان أحق بأن يرى مما في الزجاجات الصافية لسهولة نفوذ الشعاع هناك، ~~والتاليان باطلان فالمقدم كذلك، وباقي البراهين مذكورة في المطولات. # ثم إن لهذا الانطباع الذي تأخذ عنه القوة شروطا سبعة أحدها سلامة الحاسة ~~من الآفات، الثاني عدم الحجاب بين الرائي والمرئي، الثالث حصول النسبة ~~الوضعية بينهما وهي المقابلة، الرابع كون المقابل ذا لون، الخامس ان لا ~~يكون بينهما بعد مفرط، السادس ان لا يكون بينهما قرب مفرط، السابع ان لا ~~يكون جسم المرئي في غاية الصغر، فإذا فرضنا تمام هذه الشروط فان آلة الحس ~~حينئذ تصير مستعدة لحصول ذلك المرئي فيها أي صورة مطابقة فيها صورة ms005 الشئ ~~ومثاله الا ان بينهما فرقا وهو حصول القوة المدركة هناك دون المرآة فادراك ~~القوة لتلك الصورة المنطبعة يسمى ابصارا ، والاهم للحيوان من هذه الخمس هو ~~الذوق واللمس واما ما عداهما فقد يتعرى عنها بعض الحيوانات. # واعلم أن لهذه القوى حكمين عامين: # إحداهما - انها لا تزيد على الخمس وبرهانه ان الطبيعة لا تنتقل من درجة ~~إلى ما فوقها الابعد استكمال جميع تلك الدرجة فيها فلو كان في الامكان حس ~~آخر لكان حاصلا للانسان وحيث لم يحصل علمنا أنه ليس بممكن. # الثاني - النوم واليقظة وحقيقتهما أن الجرم اللطيف الحاصل للقوى ~~النفسانية المسمى روحا نفسانيا (3) كما ستعرفه إذا انصب في الحواس حصلت ~~الادراكات # PageV00P007 # الظاهرة وهو اليقظة وان لم ينصب إليها أو رجع عنها بعد انصبابه إليها ~~تعطلت الحواس الظاهرة فذلك التعطل هو النوم. # واعلم أن الرجوع بعد الانصباب (وعدم الانصباب) (1) قد يكون كل واحد منهما ~~طبيعيا وقد لا يكون، فالأول الرجوع الطبيعي وهو اما بالتبعية لغيره كما إذا ~~رجع الروح الحيواني الذي ستعرفه أيضا إلى الباطن لانضاج الغذاء فتبعها (2) ~~الروح النفساني أولا بالتبعية وهو كما إذا تحلل جوهر الروح في اليقظة فرجع ~~إلى الباطن طلبا لبدل ما يتحلل. الثاني الرجوع الغير الطبيعي وهو كما إذا ~~أقبلت الطبيعة على تنضيج العلة فيتبعها الروح النفساني. الثالث - عدم ~~الانصباب الطبيعي وذلك أن يكون الروح في نفسه قليلا لا يفي بأن يبقى منه في ~~الدماغ شئ ويخرج شئ منه إلى آلات القوى. # الرابع - عدم الانصباب الغير الطبيعي وذلك قد يكون لآفة تعرض للدماغ تنسد ~~(3 معها مجاري الروح فلا يمكن نفوذه، وقد يكون لترطيب جوهر الروح فلا يقوى ~~على البروز (4) كما كان في نوم السكري وقد يكون لأسباب أخرى. # البحث الرابع في الحواس الباطنة وهي أيضا خمسة: # الأول - الحس المشترك ويسميه اليونانيون بنطاسيا وهو قوة مرتبة في الجزء ~~الأول من التجويف المقدم من الدماغ مما يلي الوجه فاما فعلها فادراك جميع ~~المحسوسات التي تدركها الحواس الظاهرة وذلك أن لهذه القوة خمس شعب فيها ~~يسرى كل اثر ms006 يظهر للحواس وينتهى إلى تلك القوة فتدركه واما برهان وجودها ~~فمن وجهين، أحدهما - لو لم يكن لنا هذه القوة لما أمكننا (5) ان نحكم بان ~~هذا الأصفر هو هذا الحلو فان القاضي على الشيئين لابد ان يحضره المقضى ~~عليهما وليس هذا حكم العقل فان المحسوسات لا تدرك # PageV00P008 # الا بآلة جسمانية ولان البهائم الخالية عن (1) العقل لها هذا الحكم فان ~~صورة العشب وطعمه مدركان لها فإذا للمحسوسات الظاهرة اجتماع في قوة وراء ~~العقل وإذ (2) ليس ولا واحد من الحواس الظاهرة كذلك لاختصاص كل منها بمدرك ~~خاص فلابد من قوة أخرى باطنة وهو المطلوب. # الثاني - نرى القطر النازل خطا مستقيما مع أنه ليس في الخارج الا قطرات ~~متفاصلة فهو إذا في الشعور فيكون في قوة مدركة له وليست القوة الباصرة فان ~~البصر لا ينطبع فيه الشئ الا كما هو في الخارج، ولا النفس لأنها لا تدرك ~~الجزئيات فلابد من قوة أخرى وهو المطلوب. # الثاني - الخيال وهو قوة مرتبة في الجزء الأخير من التجويف المقدم من ~~الدماغ واما فعلها فحفظ الصور المحسوسة بعد غيبتها عن الحس وبقائها فيها، ~~واما برهان مغايرتها فلان الحس مدرك وهذه القوة حافظة والحفظ غير الادراك ~~والقبول فان الماء له قوة قبول الاشكال لرطوبته وليس له قوة الحفظ لعدم ~~اليبوسة، وليسا بقوة واحدة لاستحالة ان يصدر عن القوة الواحدة اثران (3) ~~فإذا الحفظ لقوة أخرى تجرى مجرى الخزانة لقوة الحس المشترك يجتمع (4) فيها ~~ما تقتنصه من صور المحسوسات بالحواس الظاهرة. # الثالث - الوهم وهو قوة مرتبة في اخر التجويف الأوسط من الدماغ، وفعلها ~~ادراك المعاني الجزئية الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات كادراك الشاة ~~معنى في الذئب يوجب الهرب ومعنى في التيس (5) يوجب الطلب وهي في سائر ~~الحيوان بمنزلة العقل للانسان وقد تكون هذه القوة في بعض الحيوانات أشد ~~وأقوى من بعض، والفرق بينهما وبين مدرك الصور الجزئية ظاهر. # الرابع - الحافظة وتسمى الذاكرة باعتبار آخر وهي قوة مرتبة في التجويف # PageV00P009 # الثالث من الدماغ فعلها حفظ هذه المعاني الجزئية التي يدركه الوهم، ~~ونسبتها إلى ms007 الوهم نسبة الخيال إلى الحس المشترك وكما أن هناك مبدء هو الحس ~~المشترك وخازنا هو الخيال فكذا هنا مبدء هو الوهم وخازن وهو الحافظة ~~ومغايرته للوهم تعلمها من الفرق بين الحس والخيال الخامس - المتخيلة وهو ~~قوة مودعة في مقدم التجويف الأوسط من الدماغ عند الجسم المسمى بالدودة ~~لشبهه بها، وفعلها الخاص بها تفتيش الخزانتين والتصرف فيهما بتركيب بعض ~~مودعاتهما مع بعض وتفصيل بعضها عن بعض فقد تركب بين صورتين تدركهما من ~~خزانة الصور كتركيب انسان برأس ثور ونحوه، وقد تركب الصور بالمعاني ~~والمعاني بمثلها، وقد يستعين العقل بها في ادراك المعقولات لأنها آلة الوهم ~~الذي هو آلة العقل وبها يكون اقتناص الحد (1) الأوسط وهي المحاكية للمدركات ~~العقلية بالهيئات المزاجية وتنتقل إلى الضد والشبه (2) فإذا تصرفت في ~~الخزائن بإشارة العقل بواسطة الوهم سميت بهذا الاعتبار مفكرة ومن دون ~~استعمال العقل لها تسمى متخيلة، ولما كان فعل هذه القوة تفتيش الخزانتين ~~كان أليق المواضع بها وسط الدماغ لتكون (3) متوسطة لهما قضاء من المدبر ~~الحكيم عز سلطانه، وإنما عرفت مواضع هذه القوى باعتبارات ظنية من فساد قوة ~~مخصوصة منها عن آفة تعرض في موضع مخصوص من الدماغ والله ولى الهداية. # البحث الخامس في القوى المحركة بالإرادة وهي مترتبة بعضها تنسب إليها ~~الحركة لأنها باعثة عليها (وبعضها) " 4 " لأنها فاعلة لها اما القوى ~~الباعثة فأبعدها عن الحركة هي القوى المدركة المذكورة وهي المتخيلة والوهم ~~في الحيوان والعقل العملي بتوسطهما في الانسان وتليها القوة النزوعية ~~المسماة # PageV00P010 # شوقا فإنها تبعث عن القوى المدركة اما إلى طلب بحسب ادراك الملائمة في ~~الشئ اللذيذ أو النافع سواء كان ادراكا مطابقا أو غير مطابق وتسمى شهوة ~~واما إلى دفع ومقاومة لادراك منافاة في الشئ المكروه أو الضاد وتسمى غضبا ~~وتليها القوة المحركة الفاعلة وهي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من شأنها ~~تشنيج العضلات لجذب الأوتار والرباطات وارخائها وتمديدها وهي المسماة ~~بالقدرة وهي بالحقيقة المحركة وما عداها فيجرى مجرى الامر الباعث بإشارته ~~والله الموفق. # البحث السادس في الأرواح الحاملة لهذه ms008 القوى واعلم أن لكل واحدة من القوى ~~المدركة والمحركة روحا يختص به هو الحامل له تسمى روحا نفسانيا وتولده من ~~(1) بطون الدماغ وينفذ في شظايا العصب إلى سائر البدن ويقوم القوى ~~النفسانية وينصب إلى آلاتها ويحفظها على حالها وتولده يكون من جسم آخر يسمى ~~روحا حيوانيا يتولد في القلب من بخار الدم الصافي اللطيف النقي ومن الهواء ~~الداخل للاستنشاق وكيفية تولد النفساني عنه ان الروح الحيواني يصعد من ~~القلب إلى الدماغ في العرقين الضاربين المعروفين بعرقي السبات (2) الصائرين ~~إلى الدماغ وينفذان إلى القحف إلى الموضع المعروف بقاعدة الدماغ وينقسمان ~~هناك بضروب من القسم (3) ويكثر ما يتفرع منهما (4) من العروق فيصير بعضها ~~فوق بعض ويخالط بعضها بعضا ويلتوي (5) بعضها على بعض ويشتبك حتى ينتسج من ~~ذلك (6) نسيجة تشبه الشبكة ثم بعد انتساجها يصير منها عرقان ضاربان شبيهان ~~بالأولين ويصعدان إلى فوق هذا الموضع فيتفرقان (7) فيه فإذا صعد الروح ~~الحيواني من القلب وصار في هذه النسيجة وجال في عروقها ومكث طويلا # PageV00P011 # نضج غاية النضج وصفا فتولد منه الروح النفساني ولذلك أعدت هذه الشبكة ~~لانضاج هذا الروح وتصييره روحا نفسانيا حتى استعدت به القوى المذكورة ~~للادراك والتحرك فسبحان ناظم الوجود أحكم الحاكمين. # الفصل الثاني في النفس الانسانية والفلكية، وفيه أبحاث: # البحث الأول في ماهيتهما (1) وبراهين وجودهما (2) اما الماهية على ما يعم ~~النفسين فقيل: انها جوهر غير المادة وغير موجود فيها من شأنه ان يحرك ~~الأجسام ويدرك الأشياء، فإذا أردنا تخصيصها بالفلك قلنا: بالفعل، وإذا ~~أردنا تخصيصه بالانسان قلنا: ويتهيأ لادراك الأشياء، فاحترزنا بالجوهر عن ~~واجب الوجود والاعراض التسعة وبقولنا، غير المادة وغير موجود فيها، عنها ~~وعن سائر الأمور المادية، وبقولنا: يتهيأ لادراك الأشياء، في الانسانية، عن ~~الفلكية والعقول المجردة، لان كمالاتها حاصلة لها بالفعل من حيث هي: ~~وبقولنا: في الفلكية، عن الانسانية، إذ كمالاتها في الأصل قوية وإنما يحصل ~~لها بالفعل بعد تمام استعداداتها لها. # واما برهان وجود النفس الانسانية فمن وجهين: # الأول - لو كانت القوة العاقلة جسما أو جسمانيا لضعفت بضعف البدن ms009 لان ~~القوى الجسمانية في ذاتها وجميع كمالاتها إلى اعتدال مزاج الجسم فوجب ان ~~يضعف بضعفه لكن التالي باطل لان الفكر الكثير سبب لضعف الدماغ ولكمال النفس ~~ولان القوة العاقلة تقوى بعد الأربعين مع اخذ البدن في النقصان فوجب أن ~~يكون المقدم باطلا. # الثاني - من طريق السمع قوله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا # PageV00P012 # بل احياء عند ربهم يرزقون (1) وقوله عليه السلام في بعض خطبه: حتى إذا ~~حمل الميت على نعشه رفرفت روحه فوق النعش وتقول: يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن ~~بكم الدنيا كما لعبت بي، وجه الاستدلال ان نقول: لا شئ من الانسان المقتول ~~والمتكلم بميت بمقتضى الآية والخبر وكل بدن وقوة فيه فميتة بالضرورة ينتج ~~من الشكل الثاني لا شئ من الانسان ببدن ولا قوة فيه بالضرورة وهو (2) ~~المعنى بالجوهر المجرد وعلى هذا المطلوب أدلة كثيرة عقلية ونقلية آثرنا ~~تركها مراعاة للاختصار وهي مذكورة في المطولات. # واما برهان وجودها للفلك فقالوا: لاشك ان الفلك متحرك بالاستدارة فحركته ~~اما أن تكون طبيعية أو قسرية أو إرادية فالقسمان الأولان باطلان فتعين (3) ~~الثالث، وإنما قلنا: انها ليست طبيعية، لان كل وضع ونقطة متوجه إليها ~~الحركة بالطبع فهي مفارقة لها بالطبع فالمطلوب بالطبع مهروب عنه بالطبع هذا ~~خلف، وإنما قلنا: انها ليست قسرية، لان القسر هو ما يكون على خلاف الطبع ~~وحيث لا طبع فلا قسر (4) فبقي أن تكون إرادية فلها إذا ميل مستدير إرادي، ~~وكل فاعل بالإرادة فلابد وأن يكون له شعور بفعله فللأفلاك قوة على الادراك ~~والفعل وهي النفس، والمشاؤن (5) على أن تلك النفس جسمانية والشيخ على أن ما ~~وراء ما أثبتوه للفلك من النفس نفس مجردة حجته ان الحركة الفلكية إنما هي ~~للتشبه بالعقول المجردة والتشبه بالشئ يستدعى ادراكه والمدرك للمجرد مجرد ~~فللفلك نفس مجردة منتقشة بالعلوم الكلية والجزئية على الوجه الكلى نقشا ~~فعليا وكذلك العقول المشبهة لها (6) وتحقيق هذه المقدمات وحل الشكوك التي ~~تتوجه عليها (7) غير لائق بموضعنا فليطلب من مظانه. # PageV00P013 # البحث الثاني في قوى ms010 النفس الانسانية واعلم أن النفس الانسانية لها ~~قوتان، نظرية وعملية، وكل منهما تسمى عقلا وإن كان العقل يطلق على درجات ~~القوة النظرية وعلى معان أخرى بحسب اشتراك الاسم كما تعلمه اما العملية فهي ~~قوة محركة لبدن الانسان إلى الأفاعيل الجزئية على مقتضى آراء بعضها جزئية ~~محسوسة وبعضها كلية أولية أو جزئية (1) أو ذائعة أو ظنية تحكم بها القوة ~~النظرية من غير أن يختص حكمها بجزئي دون آخر والقوة العملية تستعين بالقوة ~~النظرية في ذلك إلى أن تنتهى إلى الرأي الجزئي الحاصل فتعمل بحسبه وتحصل ~~مقاصدها في طرفي المعاش والمعاد ولهذه القوة نسبة إلى القوة النزوعية ~~وعنهما يتولد كثير من الأفاعيل كالضحك والبكاء، ونسبة إلى الحواس الباطنة ~~وهي استعمالها في استخراج الأمور المصلحية والصناعات ونحوها ونسبة إلى ~~القوة النظرية ومنهما (2) تحصل المقدمات المشهورة والعملية هي التي يجب ~~بمقتضى جبلتها ان يتسلط على القوى البدنية فتصرفها كما ينبغي فان اتفق لها ~~أن انفعلت عن تلك القوى كان ذلك موجبا للبعد عن حضرة رب العالمين كما سنبين ~~إن شاء الله تعالى. # واما النظرية فهي التي لأجلها يصح من النفس ادراك الأشياء على الوجه (3) ~~الصواب ولها في الاستكمال من الاستعداد مراتب ثلاثة ومثلت (4) في مبدئها ~~بما (5) يكون للطفل من قوة الكتابة، وفى وسطها بما (6) يكون للناشئ المستعد ~~لتعلمها، وفى منتهاها بما يكون للقادر عليها الذي لا يكتب وله أن يكتب متى ~~شاء. # فالمرتبة الأولى للنفس من الاستعداد المناسبة للمثال المذكور تسمى عقلا ~~هيولانيا تشبيها لها بالهيولى الخالية في ذاتها عن جميع الصور المستعدة ~~لقبولها وهذه المرتبة حاصلة لجميع اشخاص الناس في مبادئ الفطرة وقد أشير ~~إليها في التنزيل الإلهي وعبر عنها بالمشكاة في قوله تعالى: # PageV00P014 # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، الآية (1)، ووجه ~~المناسبة بين المشكاة والعقل الهيولاني ان المشكاة مظلمة في ذاتها قابلة ~~للنور لاعلى تساو لاختلاف السطوح والثقب فيها فالعقل الهيولاني أشبهها (2) ~~فأطلق اسمها عليه. # المرتبة الثانية وهي المناسبة للمثال المتوسط تسمى عقلا بالملكة وهو ~~الاستعداد الحاصل بعد حصول ms011 المعقولات الأولى التي هي العلوم الأولية فتتهيأ ~~لادراك المعقولات الثانية وهي العلوم المكتسبة والمثال المطابق لها من ~~الآية الزجاجة، ووجه المناسبة كون الزجاجة في نفسها شفافة قابلة للنور أتم ~~قبول كما أن النفس في تلك المرتبة كذلك ومراتب الناس # PageV00P015 # في هذه القوة وفى تحصيل المكتسبة مختلفة فمنهم من حصلها بشوق ينبعث عن ~~النفس فتبعث على (1) الحركة الفكرية الشاقة (2) في طلب تلك العلوم وهؤلاء ~~هم أصحاب الفكر، ومثال الفكر من الآية الشجرة الزيتونة، ووجه المناسبة ~~كونها مستعدة لان تصير قابلة للنور بذاتها لكن بعد حركة شاقة ولان المفكرة ~~ذات شعب وفنون كما أن الزيتونة ذات شعب وغصون ومنهم من يظفر بها من غير ~~حركة اما مع شوق أولا معه وهو من (3) أصحاب الحدس، ومثاله، من الآية الزيت ~~لكونه أقرب إلى الاشتعال من الزيتونة ومراتب صنفي (4) الحدس كثيرة والشريفة ~~(5) من تلك المراتب قوة قدسية وهي من الآية (6) " " يكاد زيتها يضئ ولو لم ~~تمسسه نار " " لأنها تكاد تعقل بالفعل ولو لم يكن لها مخرج من القوة إلى ~~الفعل. # المرتبة الثالثة وهي المناسبة للمثال الأخير تسمى عقلا بالفعل وهو ما ~~يكون عند القدرة على استحضار المعقولات الثانية بالفعل متى شاءت النفس بعد ~~الاكتساب بالفكر أو الحدس والمثال لهذا الاستعداد من الآية المصباح لأنه ~~ينير بذاته من غير حاجة له إلى اكتساب نور، وحضور تلك المعقولات بالفعل ~~للنفس تسمى عقلا مستفادا وهو من الآية " نور على نور " إذ النفس نور ~~والمعقولات الحاصلة لها نور آخر، واما النار التي منها اشتعال ذلك المصباح ~~فالعقل الفعال لان النفوس الانسانية وكمالاتها مستفادة منه فهذه مراتب ~~القوة النظرية. # تنبيه - وإذ (7) ذكرنا الفكر والحدس فلابد من الفرق بينهما وذلك ببيان ~~ماهيتهما، فالفكر حركة للنفس بالآلة المسماة بالمفكرة (8) تبتدئ (9) من ~~المطالب طالبة بها (10) مبادئ تلك المطالب كالحدود الوسطى وما يشبهها إلى ~~أن يجدها ثم يرجع منها إلى المطالب، واما الحدس فهو الظفر حال الالتفات إلى ~~المطالب بالحدود الوسطى دفعة تتمثل منها (11) المطالب والحدود الوسطى معا ~~في العقل من غير الحركتين المذكورتين ms012 سواء كان مع شوق أو لا معه. # PageV00P016 # البحث الثالث في الكمالات العقلية الانسانية لما كان للنفس الانسانية ~~قوتان، قوة نظرية وقوة عملية كذلك وجب أن يكون لكل واحدة من هاتين القوتين ~~كمال يخصها، واستكمال النفس بتلك الكمالات في القوتين يسمى حكمة، فرسم ~~الحكمة إذا استكمال النفس الانسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق ~~النظرية والعملية على قدر الطاقة الانسانية، وهي تنقسم إلى نظرية وعملية، ~~فالنظرية هي استكمال القوة النظرية في الادراكات التصورية والتصديقية حتى ~~تصير عقلا مستفادا، والعملية هي استكمال القوة العملية بتصور انه كيف يمكن ~~وينبغي أن يكون اكتساب الكمال بالملكة التامة على الافعال الفاضلة حتى يكون ~~الانسان قويما على الصراط المستقيم وكل واحدة منهما تنقسم إلى اقسام (1) ~~ثلاثة: # اما اقسام الحكمة النظرية فهي هذه حكمة تتعلق بما في الحركة والتغير من ~~حيث هي في الحركة والتغير وهي الحكمة الطبيعية إذ كان البحث الطبيعي لاعن ~~ذات الجسم بل عن كونه متحركا وساكنا، وحكمة تتعلق بأمور من شأنها ان يجردها ~~الذهن عن التغير وإن كان وجودها مخالطا للتغير وتسمى حكمة رياضية، وحكمة ~~تتعلق بما وجوده مستغن عن مخالطة التغير فلا يخالطها أصلا وان خالطها ~~فبالعرض لا ان ذاتها مفتقرة في تحقق الوجود إليه وتسمى الفلسفة الأولى ~~والفلسفة الإلهية وهي معرفة الاله من هذه وقد يزاد ههنا قسم رابع وهو ~~الحكمة الباحثة عن لواحق الوجود من حيث هو وجود مثل الوحدة والكثرة والكلية ~~والجزئية والعلية والمعلولية والكمال والنقصان وغيرها وقد أدرجناها في ~~الفلسفة الأولى وان أردنا افراز قلنا في القسم الثالث: وحكمة تتعلق بما ~~وجوده مستغن عن مخالطة التغير أصلا وهي الفلسفة الإلهية، وحكمة تتعلق بما ~~وجوده مستغن عن # PageV00P017 # مخالطة التغير وقد يخالطها بالعرض من غير أن تكون ذاتها مفتقرة في تحقيق ~~وجودها إليه وهي الحكمة الكلية. # واما اقسام الحكمة العملية فهي هذه حكمة خلقية وحكمة منزلية وحكمة سياسية ~~وذلك لان كل عاقل فلابد وأن يكون ذا غرض في فعله وذلك الغرض اما يكون مختصا ~~به في نفسه وهو علم الأخلاق، أو يكون ms013 مختصا به مع خواصه وأهل بيته وهو علم ~~تدبير المنزل، واما أن يكون عائدا إلى الانسان مع (1) عامة الخلق وهو علم ~~السياسة وقد يزاد في هذه الأقسام رابع وهو غرض الانسان بالنسبة إلى مدينته ~~وتسمى حكمة مدنية وهو تعلم تدبير المدينة بكيفية (2) ضبطها ورعاية مصالحها، ~~وهذا علم لابد منه لان الانسان مدنى بالطبع فما لم يعرف كيفية بناء - ~~المدينة وترتيب أهلها على اختلاف درجاتهم لم يتم مقصوده وعلى القسمة الأولى ~~فان هذا القسم جزء من الحكمة السياسية. اما فائدة الحكمة الخلقية فهو ان ~~يعلم الانسان الفضائل وكيفية انقسامها (3) ليزكى (4) بها نفسه ويعلم ~~الرذائل وكيفية ترتيبها ليطهر نفسه عنها، وفائدة الحكمة المنزلية ان يعلم ~~المشاركة التي ينبغي أن يكون بين أهل المنزل ممن يبتنى عليه ويتم به لينتظم ~~به المصلحة المنزلية، وفائدة الحكمة السياسية ان يعلم كيفية المشاركة التي ~~(5) فيما بين اشخاص الناس (6) ليتعاونوا على مصالح الأبدان ومصالح بقاء نوع ~~الانسان. # البحث الرابع في تفصيل وجيز لأصول الفضائل الخلقية اعلم انا لما ذكرنا ~~اقسام هذه الحكمة أردنا ان نشير إلى اقسام الفضائل والرذائل الخلقية بتفصيل ~~وجيز لتعلق غرضنا بذلك وقبله نقول: ان الخلق ملكة تصدر بها عن النفس أفعال ~~بسهولة من غير تقدم روية وتذكر وليس هو نفس القدرة لأنها بالنسبة # PageV00P018 # إلى الطرفين (1) على سواء وليس الخلق كذلك، ولا نفس الفعل لان الفعل قد ~~يكون تكليفيا ثم إنه ليس شئ من الأخلاق بطبيعي في الأصل سواء كان فضيلة أو ~~رذيلة وإنما الطبيعي قبوله وإن كان ذلك القبول للفضيلة أو الرذيلة مختلفا ~~(2) بالسرعة والبطؤ بحسب اختلاف المزاج (3) في قوة الاستعداد وضعفه لاحدى ~~الجنسين، بيان انه ليس بطبيعي انه لو كان طبيعيا لما أمكن نقل الانسان عنه ~~بالتأديب والتعويد وقد أمكن فوجب ان لا يكون طبيعيا، اما الملازمة فظاهرة ~~فان أهل العالم لو اجتمعوا عل تعويد الحجر بالحركة إلى فوق لما أمكن ذلك ~~بيان بطلان اللازم (4) ما يشاهد من انتقال بعض الخلق (5) عن بعض الأخلاق ~~إلى بعض ولولا ذلك الانتقال لما كان لوضع ms014 التأديب والشريعة التي هي سياسة ~~الله في خلقة فائدة. # واما أصول الفضائل الخلقية (6) فقد أجمع الحكماء على أنها ثلاثة وهي ~~الحكمة والعفة والشجاعة بيان ذلك انك قد علمت أن للانسان قوة عقلية وان له ~~قوة بها يكون الغضب والاقدام على الأهوال والتسلط والترفع وظهور الكرامات، ~~وقوة بها تكون الشهوة وطلب الغذاء والنزاع إلى الملاذ البدنية واللذات ~~الحسية وقد علمت تباين هذه القوى من جهة ان بعضها إذا قوى أضر بالآخر وربما ~~أبطل أحدها فعل الاخر، وقد يقوى أحدهما ويضعف الاخر بحسب المزاج والعادة ~~والتأديب فالقوة العقلية بالنسبة إلى البدن كالملك بالنسبة إلى المدينة ~~ولذلك سميت ملكية وآلتها التي تستعملها من البدن (7) الدماغ، القوة الشهوية ~~تسمى بهيمية وآلتها # PageV00P019 # التي تستعملها من البدن) الكبد، والقوة الغضبية تسمى سبعية وآلتها من ~~البدن القلب وإذا عرفت ذلك فاعلم أن اعداد الفضائل الخلقية المذكورة بحسب ~~اعداد هذه القوى وكذلك أضدادها التي هي رذائل اما الحكمة الخلقية فهي من ~~فضائل القوة العقلية وذلك انها ملكة تحصل للنفس عن اعتدال حركتها بحيث يكون ~~شوقها إلى المعارف الصحيحة تصدر عنها الافعال المتوسطة بين أفعال الجربزة ~~والغباوة، واما العفة فهي فضيلة القوة البهيمية وهي ملكة تحصل عن اعتدال ~~حركة هذه القوة بحسب (1) تصريف العقل العملي (و) بها تكون الافعال المتوسطة ~~بين (2) أفعال الحمود (3) والفجور، واما الشجاعة فهي فضيلة القوة السبعية ~~وهي ملكة تحصل عن (4) اعتدال هذه القوة السبعية بحسب تصرف (5) العقل فيما ~~يقسطه لها وبها تصدر الافعال المتوسطة بين أفعال الجبن والتهور، ثم إن هذه ~~الفضائل الثلاث إذا نسب بعضها إلى بعض حتى اعتدلت في الانسان حدث عنها ملكة ~~رابعة هي تمام الفضائل الخلقية (و) بها تكون الافعال المتوسطة بين الظلم ~~والانظلام تسمى بالعدالة، ومن الناس من ظن أن المراد من الحكمة ههنا هو ~~الحكمة العملية التي تجعل قسيمة للنظرية وقد عرفت ما بينهما من التباين من ~~تصور حديهما. واعلم أن تحت كل واحدة من هذه الفضائل الأربع أنواعا من ~~الفضائل ونحن نذكرها. # اما الفضائل التي تحت الحكمة: # الأولى ms015 صفاء الذهن وهو قوة استعدادية للنفس نحو اكتساب الآراء. الثانية ~~الفهم وهو حسن (6) ذلك الاستعداد لتصور ما يرد عليها من غيرها والتفطن ~~لكيفية لزومه عن المبادئ. # الثالثة الذكاء وهو شدة تلك القوة وسرعة انقداح النتائج للنفس. الرابعة ~~الذكر وهو ثبات ما يقتنصه العقل والوهم من التصورات والاحكام. الخامسة ~~التعقل وهو موافقة بحث النفس # PageV00P020 # عن الأشياء الموضوعة المطلوبة بقدر ما هي (1) عليه. السادسة سهولة التعلم ~~وهي حدة في الفهم بها يدرك الأمور النظرية. # الفضائل التي تحت العفة (2) فالأولى الحياء وهو انحصار الروح خوف اتيان ~~القبائح والحذر من الذم والسب الصادق. الثانية الدعة وهي سكون النفس عند ~~حركة الشهوات. الثالثة الصبر وهو مقاومة النفس للهوى لئلا تنقاد لقبائح ~~اللذات. الرابعة السخاء وهو التوسط في الاخذ والاعطاء بانفاق المال فيما ~~ينبغي بمقدار ما ينبغي وعلى الوجه الذي ينبغي وتحته فضائل سنذكرها إن شاء ~~الله. # الخامسة الحرية وهي فضيلة للنفس بها يكتسب المال من وجهه ويعطى ما يجب في ~~وجهه ويمتنع (3) من اكتساب المال من غير وجهه. السادسة القناعة وهي التساهل ~~في المآكل والمشارب والزينة. السابعة الدماثة وهي حسن انقياد النفس للحمد ~~وتسرعها للجميل. (4) الثامنة الانتظام وهو حال للنفس يقودها إلى حسن تقدير ~~الأمور وترتيبها على الوجه الذي ينبغي. التاسعة الهدى وهو محبة تكميل النفس ~~بالرتبة الحسنة. (5) العاشرة المسالمة وهي موادعة للنفس (6) عن ملكة لا ~~اضطراب فيها. الحادية عشر الوقار وهو ثبات النفس عند الحركات في تحصيل ~~المطالب. الثانية عشر الورع وهو لزوم الأعمال الجميلة محبة لتكميل النفس. # الفضائل التي تحت الشجاعة الأولى كبر النفس وهو الاستهانة باليسار (7) ~~والاقتدار على حمل الكرامة والهوان واعداد النفس للأمور العظيمة مع تأهلها ~~لها. الثانية عظم الهمة وهي فضيلة للنفس تحتمل معها سعادة الجد وضدها حتى ~~الشدائد التي تكون عند الموت ومقاومتها (8) وفى # PageV00P021 # الأهوال (1) الثالثة النجدة وهي ثقة النفس في المخاوف وعدم مخامرة الجزع ~~لها. الرابعة الحلم وهو فضيلة للنفس تكسبها (2) الطمأنينة فلا تكون شغبة ~~ولا يحركها الغضب بسهولة وسرعة. الخامسة الثبات وهو قوة للنفس تكسبها سكونا ~~يعسر ms016 معه الحركة عند الخصومات في الحروب التي يذب بها عن الحريم والشريعة ~~لشدتها. السادسة عدم الطيش وهو نفس عسر تلك الحركة لوجود ملكة ذلك السكون. ~~السابعة الشهامة وهي الحرص على الأعمال العظيمة توقعا للأحدوثة الجميلة. ~~الثامنة احتمال الكد وهو قوة تستعمل آلات البدن بالتمرن وحسن العادة في ~~الأمور الحسنة (3) الفضائل التي تحت السخاء: # فالأولى الكرم وهو انفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الأمور الجليلة ~~القدر الكثيرة النفع كما ينبغي. الثانية الايثار وهو فضيلة للنفس بها يبذل ~~الانسان (4) بعض حاجاته التي تخصه لمن يستحقها. الثالثة النبل وهو سرور ~~النفس بالافعال العظيمة وابتهاجها بلزوم هذه السريرة (5) الرابعة المواساة ~~وهو معاونة الأصدقاء والمستحقين ومشاركتهم في الأموال والأقوات بالإرادة ~~والاختيار. الخامسة السماحة وهي بذل بعض ما لا يجب بذله كذلك. # الفضائل التي تحت العدالة: # الأولى الصداقة وهي محبة صادقة يعتنى (6) معها بجميع أسباب الصاحب (7) ~~وايثار فعل الخيرات التي بها تكون المحبة. الثانية الألفة وهي اتفاق الآراء ~~عن التواصل فينعقد عندها التظافر على تدبير المعاش (8). الثالثة صلة الرحم ~~وهي مشاركة ذوي اللحمة في # PageV00P022 # الخيرات الدنياوية. الرابعة المكافأة وهي مقابلة الاحسان بمثلة أو بزيادة ~~عليه. الخامسة حسن الشركة وهي الاخذ والاعطاء في المعاملات على الاعتدال ~~الموافق للجميع. السادسة حسن القضاء وهي المجازاة بغير من ولا ندم. السابعة ~~التردد وهو طلب مودات الأكفاء وأهل الفضل بالاعمال التي تستدعى ذلك منهم. ~~الثامنة العبادة وهي الخضوع لله وتعظيمه وتمجيده واكرام أوليائه من ~~الملائكة والنبيين والأئمة والصالحين، والعمل بمقتضى الشريعة مكمل لهذه ~~الأشياء وإذا عرفت هذه الأجناس وما تحتها من الفضائل فينبغي ان تعلم أن كل ~~جنس منها مقابل بجنس من الرذيلة. ومحتوش (1) برذيلتين هما طرفا الافراط ~~والتفريط وهو وسط لهما اما المقابلات فالجهل مقابل للحكمة، والشره مقابل ~~للعفة، والجبن مقابل للشجاعة، والجور مقابل للعدالة، والمراد ههنا تقابل ~~التضاد. # واما الرذائل المحتوشة لهذه الأجناس فالحكمة (2) محتوشة برذيلتين إحداهما ~~البله وهو جانب التفريط منها ونعني به ههنا تعطيل القوة الفكرية واطراحها ~~ويسمى الغباوة الثانية السفة وهو طرف الافراط منها ونعني ms017 به استعمال تلك ~~القوة فيما لا ينبغي وتسمى الجربزة، واما العفة (3) فمحتوشة برذيلتين كذلك ~~اما رذيلة التفريط فيسمى خمود (4) الشهوة ونعني به سكون النفس عن اللذة ~~الجميلة التي تحتاج إليها لمصالح البدن مما رخصت فيه الشريعة أو العقل واما ~~رذيلة الافراط فتسمى شرها ونعني به الانهماك في اللذات والخروج فيها إلى # PageV00P023 # ما لا ينبغي، واما الشجاعة فرذيلة التفريط منهما الجبن وهو الخوف مما لا ~~ينبغي ان يخاف منه واما رذيلة الافراط فالتهور وهو الاقدام على مالا ينبغي ~~ان يقدم عليه واما العدالة فرذيلة التفريط منها الانظلام وهو الاستجابة ~~والاستجداء (1) في المقتنيات لمن لا ينبغي وكما لا ينبغي اما رذيلة الافراط ~~فهو الظلم وهو التوصل إلى كثرة المقنيات من حيث لا ينبغي كما لا ينبغي فهذه ~~أطراف الرذائل والأوساط منها هي أجناس الفضائل، وإذا عرفت الرذائل المحتوشة ~~لهذه الأجناس أمكنك ان تعرف الرذائل المحتوشة لأنواعها والمقابلة لها أعني ~~طرفي الافراط والتفريط من نوع تلك الفضيلة التي هي الوسط وذلك بان تنظر إلى ~~حد تلك الفضيلة وتعتبر الزيادة عليه والنقصان عنه وقد عرفت انه هو الوسط ~~الذي ينبغي فتعرف ان الزيادة عليه والتجاوز لحده مما لا ينبغي وهو طرف ~~الافراط وان النقصان عنه والوقوف دونه مما لا ينبغي وهو طرف التفريط وهما ~~رذيلتان بالنسبة إلى الفضيلة التي هي وسط لهما وتارة تجد لتلك الأطراف ~~أسماء بحسب اللغة وتارة لا تجد فهذه هي الإشارة إلى أصول الفضائل والرذائل ~~الخلقية وتعريف أقسامها. # تنبيه - اعلم أن مبدأ هذه العلوم أعني اقسام الحكمة النظرية والعملية ~~مستفاد من الشريعة الإلهية وذلك لان المقصود من بعثة الرسل إلى الخلق إنما ~~هو ارشادهم إلى النهج (2) الصواب والطريق الأصلح في اكتساب العلوم والأعمال ~~ولما كانت مناهج الأعمال محصورة في هذه الأقسام وجب أن تكون غاية بعثة ~~الرسل تعريف مبادئ هذه العلوم وتعريف كمالاتها وما تؤدى إليه على الوجه ~~الكلى وضبط هذه الأوامر والنواهي بقوانين كلية لا تخص زيدا دون عمر ولان ~~ذلك مما يزول بزوال الاشخاص والمقصود بقاء ذلك الارشاد ms018 ويجب على سائر الخلق ~~تعلم تلك القوانين في الصور الشخصية والوقائع الجزئية وكذلك مبادئ # PageV00P024 # العلوم النظرية هي مستفادة من أرباب الشرائع على سبيل التنبيه وإن كان ~~تحصيل كمالها بالقوة العقلية على سبيل الحجة ثم إن الكمالات الانسانية ~~محصورة في هاتين (1) المرتبتين من الكمال العقلي والعملي والتنزيل الإلهي ~~ناطق بذلك قال الله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام: رب هب لي ~~حكما والحقني بالصالحين (2) فالحكم تكميل القوة النظرية، والالحاق (3) ~~بالصالحين تكميل القوة العملية، وقال خطابا لموسى (4) عليه السلام: فاستمع ~~لما يوحى انني انا الله لا اله الا انا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى (5) ~~فالتوحيد كمال القوة النظرية والعبادة كمال القوة العملية وقال حكاية عن ~~عيسى عليه السلام: انى عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (6) فالاعتراف ~~بكمال العبودية لله يستلزم كمال قوته النظرية بمعرفة الله وقال بعده ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (7) إشارة إلى كمال القوة العملية وقال ~~خطابا مع محمد صلى الله عليه وآله: فاعلم أنه لا إله إلا الله (8) وذلك ~~إشارة إلى كمال القوة النظرية وقال بعده: واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات (9) وهو إشارة إلى كمال القوة العملية فقد تطبق لسان الوحي ولسان ~~الحكمة على أن الكمال الانساني محصور في العلم والعمل وبالله التوفيق. # الفصل الثالث في أحوال النفس بعد المفارقة، وفيه أبحاث: # البحث الأول في أن النفس باقية بعد خراب البدن برهانه ان كل حادث بعدان ~~لم يكن فلامكان حدوثه قابل لست (10) أعني الامكان # PageV00P025 # اللازم للماهية الحادث بل الاستعداد التام لقبول صورته كما تقرر في غير ~~هذا الموضع فلو صح العدم على النفس لوجب أن يكون لامكان عدمها محل وليس هو ~~النفس لوجوب بقاء القابل عند وجود المقبول واستحالة بقائها عند تحقق عدمها ~~فلابد من محل آخر هو المادة فلو طرأ عليها العدم لكانت في مادة وقد فرضت ~~مجردة هذا خلف واما تقرير هذه المقدمات وبيان كون النفوس متحدة بالنوع ~~وحادثة وبيان بطلان التناسخ فمذكور في المطولات. # البحث الثاني في بيان ماهية السعادة والشقاوة ونعني بالسعادة الحالة التي ~~تحصل ms019 لذوي الخير والكمال من جهتهما بالشقاوة الحالة التي تكون لذوي الشر ~~والآفة من جهتهما واعلم أن المشهور ان السعادة هي اللذة وان الشقاوة هي ~~الألم ثم إن من لم يترق عن حيز البهائم من العوام اعتقدوا انها المحسوسة ~~بالحس الظاهر فقط (1) وربما ترقى بعضهم إلى أن اعتقد ان هناك لذة والما ~~يدرك بمدارك أخرى الا انهم ربما أنكروا ثبوتها في نفس الامر ونسبوها إلى ~~خيالات غير حقيقية # PageV00P026 # وربما استحقروها بالنسبة إلى الحسية وهم مقابلون على غلطهم بأمرين: # أحدهما - ان لذة الغلبة ولو في أمر خسيس كالشطرنج والنرد قد تؤثر على أتم ~~اللذات الحسية مع الحاجة إليها وكل ما يؤثر على غيره مع امكانه فهو أقوى ~~فلذة الغلبة في أحد الأمور الخسيسة أقوى وأتم من اللذات الحسية وكذلك ألم ~~الانقهار عند التفطن والاعتبار والمقدمة الأولى وجدانية والثانية أولية. # الثاني - حال الملك أتم وأطيب من حال البهيمة وهو ضروري مع أن الملك فاقد ~~اللذات الحسية فلو كانت اللذة هي الحسية فقط لكانت البهيمة أتم وأسعد من ~~الملك وإذا عرفت ذلك فاعلم أن اللذة هي ادراك لوصول ما هو عند المدرك كمال ~~وخير من حيث هو كذلك ولا شاغل ولا مضاد للمدرك (1) وشرح هذا الرسم اما ~~الادراك فقد عرفته وإنما قيدناه بالوصول (2) لان اللذة ليست ادراك اللذيذ ~~بل ادراك وصول اللذيذ وحصوله وإنما قلنا ما هو عند المدرك كمال وخير ولم ~~نعتبر ما هو في نفس الامر كذلك لما ان الشئ قد يكون كمالا وخيرا في نفس ~~الامر والمدرك لا يعتقد كماليته وخيريته فلا يلتذ به وقد لا يكون كذلك وهو ~~يعتقد انه كذلك فيلتذ به فالمعتبر إذا ما يكون بالقياس إلى المدرك لاما في ~~نفس الامر وإنما كان ذلك الوصول كمالا وخيرا باعتبارين لان الشئ الذي من ~~شأنه ان يناسب المدرك ويليق به له اعتباران: أحدهما كون حصوله مخلصا من ~~النقصان والقوة وبهذا # PageV00P027 # الاعتبار كان كمالا والثاني كونه مؤثرا وبهذا الاعتبار كان خيرا وإنما ~~قلنا: من حيث هو كذلك، لان الشئ قد ms020 يكون كمالا وخيرا من جهة دون جهة واللذة ~~بالشئ إنما يكون من جهة كونه كمالا وخيرا فلذلك وجب ذكرها، وإنما قلنا: ولا ~~شاغل لان اللذيذ قد يصل ولا يلتذ به لوجود الشاغل كما في حق الممتلئ من ~~الطعام جدا إذ لا يلتذ بما يحضره من طعام، وقولنا: ولا مضار لان الذي قد ~~يصل ولا يلتذ به لوجود ضده كما في عليل المعدة ومن تغيرت عذوبة رطوبة ذوقه ~~بغلبة المرارة فان الحلو يصل إليه فلا يلتذ به وإذا عرفت معنى اللذة عرفت ~~ان الألم ما يقابلها وهو ادراك لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر من حيث هو ~~كذلك ولا شاغل ولا مضاد للمدرك وشرح هذا الرسم بين من الأول. # البحث الثالث في اثبات اللذة العقلية للنفوس الانسانية لاشك ان للجوهر ~~العاقل منا كمالا (1) وهو ان يتمثل فيه جلية (2) الحق الأول بقدر ما ~~يستطيعه إذ تعقل الأول كما هو غير ممكن الا له (تعالى) ثم ما يتجلى له من ~~صور معلولاته المرتبة إلى آخر الوجود تمثلا يقينيا بريئا عن شائبة الظنون ~~خالصا عن مخالطة الأوهام على وجه لا يكون بين ذات العاقل وبين ما يتمثل ~~فيها تمايز أصلا بل يصير عقلا # PageV00P028 # مستفادا على الاطلاق ولا شك ان هذا الكمال خير بالقياس إليه ثم لاشك انه ~~مدرك لهذا الكمال والخير ولحصوله له فإذا هو ملتذ به وهي اللذة العقلية ~~وأنت بعد المقايسة بين هذه اللذة واللذة الحيوانية تجد العقلية أشرف من ~~الحسية وأقوى في الكيفية وأكثر (1) في الكمية اما انها أشرف فلان المدرك ~~بالعقل ذات الله تعالى وصفاته وملائكته وكيفية وضع العالم الاعلى والأسفل ~~والمدرك بالحسن سطوح الأجسام وعوارضها وإذا كانت المدركات العقلية أكمل ~~وأعلى كان الابتهاج بوصولها أشرف وأسنى، واما انها أقوى كيفية فلان الادراك ~~العقلي ينفذ في باطن الشئ ويميز بين الماهية واجزائها ولواحقها ويميز بين ~~الجزء الجنسي والفصلي ثم يعتبر ذلك التمييز في كل جزء جزء واما الحس فلا ~~شعور له الا بظاهر المحسوس، واما انها أكثر كمية فلان ms021 عدد الأمور المعقولة ~~لا يكاد يتناهى وذلك أن أجناس الموجودات وأنواعها والمناسبات الحاصلة بينها ~~غير متناهية واما الحس فان مدركاته محصورة في أجناس قليلة وان تكثرت ~~فبالأشد والأضعف كالسوادين المختلفين في الحلوكة وإذا كانت الكمالات ~~العقلية أقوى وأكثر وادراكاتها أتم كانت اللذة التابعة لها أشد لان فرقان ~~ما بين اللذتين فرقان ما بين الكمال والادراكين فإذا اللذة العقلية أتم ~~وأشرف من الحسية بل لا نسبة بينهما، لا يقال: لو كانت المعقولات كمالات ~~للنفس الانسانية لوجب اشتياقها إلى حصولها ولتألمت بحصول أضدادها لكن ~~التالي باطل فالمقدم باطل. # اما بيان الملازمة فلان كل قوة فإنها تشتاق إلى كمالاتها المستلزمة ~~للذاتها وتتألم بحصول أضدادها كالباصرة فإنها تشتاق إلى النور وتتألم ~~بالظلمة، واما بطلان التالي فظاهر لأنا نقول: الملازمة ممنوعة فان الاشتياق ~~لا يجب الا بشرط عدم سبب عدمه لكن سبب عدمه هنا موجود وهو ان النفوس ما ~~دامت في هذا البدن فهي مشغولة بالمحسوسات والعلائق الجسمانية فيمنعها ذلك ~~عن الالتفات إلى المعقولات ويصرف وجوهها عن الاقبال عليها وما لم يقبل ~~عليها لم يحصل لها ذوق فإذا لا يكون لها إليها شوق واما أضدادها ~~فلاستمرارها # PageV00P029 # في الوجود وعدم تجددها أو اشتغال النفس بغيرها لم تكن مدركة لها فلم ~~تتألم بحصولها. # البحث الرابع في درجات السعداء والأشقياء أحوال النفوس الانسانية في ~~السعادة والشقاوة اما ان تعتبر في القوة النظرية بحسب العقائد أو في القوة ~~العملية بحسب الأعمال، وعلى التقديرين فالنفس اما أن تكون موصوفة بالعقائد ~~الحقة والأخلاق الفاضلة أو بأضدادها وهي العقائد الباطلة والأخلاق ~~المسترذلة أو موصوفة بالاعتقادات الحقة والأخلاق الردية أو بالعكس أو خاليه ~~عن أحدهما أو عنهما معا فهذه تسعة أقسام: اما القسم الأول فالاعتقادات ~~الحاصلة اما أن تكون برهانية أو لا تكون فإن كان الأول فاعلي هذه الدرجة ~~نفس شاهدت العالم المعقول وانتقشت بنقوش الجلايا (1) القدسية وصارت عقلا ~~مستفادا وبعد وقوفك على مراتب الاستعداد للانتقال إلى المعقولات الثانية ~~(2) تعرف تلك الدرجات وهؤلاء هم أولياء الله الأبرار وهم في الغرفات آمنون ~~وإن كان ms022 الثاني فهي درجة أصحاب التقليد ولهم عذاب يخصهم بسبب انهم علموا ~~باكتساب ما ان لهم كمالا ما فحصل لهم شوق بحسبه ولم يصلوا إلى ما اشتاقوا ~~إليه من ذلك الكمال لنقصان اكتسابهم النظري وقصورهم عن الوصول، وتفاوت ذلك ~~العذاب بحسب تفاوت ذلك الشوق وهو عذاب منقطع ويصلون عنه إلى سعادة تخصهم ~~بحسب ادراكهم لما تصوروه من الكمال. # PageV00P030 # واما القسم الثاني وهو النفوس الموصوفة بالاعتقادات الباطلة والأخلاق ~~الردية فتلك الأمور اما أن تكون راسخة فان كانت راسخة فهي التي يدوم بها ~~العذاب لان الجهل المركب مضاد لليقين فإذا كان متمكنا من جوهر النفس اعتقدت ~~حينئذ انه كمالها ورجت الوصول إلى ما تمثل (1) فيها انه كمالها المسعد (2) ~~وكانت لا محالة بعد الموت منقطعة بفقدان مارجته فتصير معذبة بعدم الوجدان ~~لما كانت راجية له فيدوم بدوام الجزم بصحة ذلك وان كانت غير راسخة فلهم ~~عذاب منقطع لكون الهيئات الحاصلة لهم بسبب الاشتغال بالمضاد حالات غير ~~متمكنة من تلك النفوس ولا مستحكمة فيها أو لأنها مستفادة من أحوال وأمزجة ~~فتزول بزوالها. # واما القسم الثالث وهي الموصوفة بالاعتقادات الحقة والأخلاق الردية فتلك ~~الاعتقادات ان كانت برهانية فالنفوس بها سعيدة الا ان تلك السعادة مكدرة ~~بعذاب يحصل من تلك الأخلاق الردية الا انه زائل بزوال تلك الأخلاق اما ~~لأنها غير راسخة أو لكونها مستفادة من الأمزجة فتزول بزوالها. # القسم الرابع - وهي النفوس الموصوفة بالاعتقادات الباطلة والملكات ~~الفاضلة وعذابها دائم ان كانت تلك الاعتقادات راسخة ومنقطع ان كانت غير ~~راسخة والعلة ما سبق. # القسم الخامس - النفوس الخالية عن الاعتقادات الحقة والباطلة الموصوفة ~~بالأخلاق الفاضلة كنفوس كثير من البله، والذي عليه ظاهر نظر المحققين انها ~~بعد المفارقة لا يكون لها عذاب بسبب خلوها عن أسباب العذاب فإذا هي في سعة ~~من رحمة الله وهذا مطابق للإشارة النبوية: أكثر أهل الجنة البله، وإن كان ~~ذلك ليس تمام المراد من الإشارة، ثم لا يجوز عندهم ان يتعطل عن الادراك إذ ~~لا تعطل (3) في الوجود ولا يمكن ان يدرك الا بآلة ms023 جسمانية فذهب بعض الحكماء ~~إلى جواز تعلقها باجرام أخرى فلكية (4) ضربا من التعلق لاعلى سبيل انها ~~نفوس لتلك الاجرام مدبرة لها فان ذلك غير ممكن بل قد تستعمل تلك الاجرام # PageV00P031 # فتعدها (1) لامكان التخيل ثم تتخيل الصور التي كانت معتقدة عندها فان ~~كانت إنما تتخيل الخير شاهدت الخيرات الأخروية على حسب ما كانت تتخيله (2) ~~والا فشاهدت العقاب والشر وبعضهم جوز أن تكون الاجرام متولدة من الهواء ~~والأدخنة ثم جوزوا بعد ذلك أن يكون ذلك التعلق مفضيا (3) لاستعدادهم للكمال ~~المسعد (4) وهذه المواضع غامضة وطريق الجزم فيها صعب نسأل الله تعالى ~~الهداية إلى سواء السبيل. # القسم السادس - النفوس الخالية عن الاعتقادات الموصوفة بالأخلاق الردية ~~ولهم بعد المفارقة عذاب بسبب شوقهم إلى ما فارقوه من اللذات الجسمانية وعدم ~~تمكنهم منها، ويتفاوت ذلك العذاب بحسب تفاوت ذلك الشوق وبحسب شدة تمكن ~~الهيئات البدنية من نفوسهم وضعفها وربما حكم ههنا بان ذلك الشوق ينقطع ~~ويكون حكم هؤلاء بعده حكم الذين قبلهم. # القسم السابع - النفوس الموصوفة بالاعتقادات الخالية عن الأخلاق كنفوس ~~كثيرا من الزهاد المنقطعين في رؤس الجبال وفى البراري فتلك الاعتقادات ان ~~كانت برهانية فلهم سعادة تامة هي في التمام دون مرتبة أهل القسم الأول ان ~~كانوا فاقدين للملكات الفاضلة الخلقية المعدة للكمال الأتم، وان كانت ~~تقليدية فحكمهم حكم المقلدين في القسم الأول ولعل للأولين زيادة شرف بسبب ~~الأخلاق الفاضلة. # القسم الثامن - النفوس الموصوفة بالاعتقادات الباطلة الخالية عن الأخلاق ~~فتلك الاعتقادات ان كانت راسخة دام بها العذاب والعلة ما سبق، وان كانت غير ~~راسخة دام بها العذاب ريثما (5) يبقى ثم نقطع بانقطاعها، ولعل هذه النفوس ~~بعد ذلك تلحق بنفوس البله لعدم عرفانها بكمالاتها وعدم اشتياقها إليها. # القسم التاسع - النفوس الخالية عن الاعتقادات والأخلاق بالكلية وهي ~~كالنفوس # PageV00P032 # الهيولانية التي للأطفال، وليس للحكماء فيها مذهب ظاهر الا ان الأليق ~~بحال أصولهم ان - يلحقوها بالنفوس الساذجة كنفوس البله ويكون حكمها حكمها، ~~والله أعلم. # الفصل الرابع في الإشارة إلى بعض أحوال السالكين إلى الله تعالى ~~والواصلين من أبناء النوع الانساني ms024 وفيه أبحاث: # البحث الأول في بيان مسمى الزاهد والعابد والعارف لما كان الكمال الذاتي ~~للطالبين إنما هو شروق نور الحق في اسرارهم وكان الطالب لأمر عند توفيقه ~~للطلب لابد وان يعرض عما يعتقد انه يبعده عن المطلوب ثم يقبل ويواظب على ما ~~يعتقد انه يقربه إلى المطلوب ثم بعد ذلك يصل إلى المطلوب لاجرم لزم طالب ~~ذلك الكمال في ابتداء امره ان يعرض عما يشغله عن المطلوب (1) من متاع ~~الدنيا وطيباتها، وصاحب هذا الاعراض يختص (2) باسم الزاهد (3)، ثم يلزمه ان ~~يواظب على ما يعتقد انه مقرب إلى الحق من أفعال مخصوصة هي العبادات كالصيام ~~والقيام وبهذا الاعتبار يختص (4) باسم العابد، فإذا وجد الحق فأول درجات ~~وجدانه هو المعرفة وحينئذ يختص (5) # PageV00P033 # باسم العارف، وقد يتركب بعض هذه الأحوال مع بعض تركبا ثنائيا وثلاثيا ~~فالأول زاهد عابد، زاهد عارف، عابد عارف، واما الثاني فتركب (1) واحد. # البحث الثاني في أنه كيف يكون الزهد والعبادة مؤديين إلى المطلوب الذاتي ~~الزهد والعبادة من الأمور المتممة لأغراض المعنى المسمى بالرياضة فلنبين ~~أولا معنى الرياضة وكيفية تأديها (2) إلى المطلوب، اما الرياضة في اللغة ~~فهي تمرين البهيمة على الحركات التي ترتضيها (3) الرائض بحسب مقتضى اغراضه ~~وتعويدها بها، ويستلزم ذلك منعها عن الحركات التي لا ترتضيها، ولما كانت ~~النفس الحيوانية التي هي مبدأ الادراكات والحركات الحيوانية قد لا تكون ~~مطيعة للنفس العاقلة بأصل جبلتها لاجرم كانت بمنزلة البهيمة التي لم ترض، ~~تقودها الشهوة تارة والغضب أخرى بحسب إثارة الوهم والمتخيلة لهما عما ~~يتصورانه إلى ما يلائمها فتتحرك حركات مختلفة حيوانية بحسب اختلاف تلك ~~الدواعي فتستخدم حينئذ القوة العاقلة في تحصيل اغراضها فتكون هي الامارة ~~بالسوء، أما إذا قويت النفس العاقلة على قهر تلك القوة ومنعها عن الحركات ~~والافعال الباعثة للقوة الشهوية والغضبية وطوعتها بحسب ما يقتضيه العقل ~~العملي إلى أن تصير متأدبة في خدمتها مؤتمرة بأوامرها منتهية عن مناهيها ~~كانت العاقلة هي المطمئنة التي تصدر عنها الافعال المنتظمة وكانت باقي ~~القوى بأسرها مؤتمرة مستخدمة متسالمة (4 منقادة، ثم إن ms025 بين كون هاتين ~~القوتين غالبة ومغلوبة مطلقا حالة تكون القوة الحيوانية فيها متابعة لهواها ~~خارجة عن طاعة القوة العاقلة ثم تفئ إلى الحق وتلوم نفسها على ذلك الانهماك ~~فتسمى لوامة، والى القوى الثلاث أشير في الكتاب العزيز، ان النفس لامارة ~~بالسوء (5) يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك (6) ولا أقسم # PageV00P034 # بالنفس اللوامة (1) فإذا الرياضة ههنا نهى النفس عن هواها وأمرها بطاعة ~~مولاها، واليهما أشير في التنزيل الإلهي: واما من خاف مقام ربه ونهى النفس ~~عن الهوى (2) واما متمماتها فإنه لما كان الغرض الأصلي منها هو نيل الكمال ~~الحقيقي، وكان ذلك النيل موقوفا على حصول الاستعداد له، وكان ذلك الاستعداد ~~مشروطا بزوال الموانع، وكانت الموانع داخلية وخارجية كان ذلك الغرض مستلزما ~~لأمور ثلاثة (3): # أحدها - إزالة ما عدا الحق الأول تعالى عن الوجهة المقصودة ازاحته عن ~~سواء السبيل وهي الموانع الخارجية. # الثاني - تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة لينجذب الخيال والوهم إلى ~~الجنبة (4) العالية مستتبعين لسائر القوى الحيوانية وهي الموانع الداخلية. # الثالث - اعداد النفس لان يتمثل فيها (5) الجلايا القدسية بسرعة. # ثم لما كان بهذه الأغراض متممات وأمور تعين عليها لاجرم كان الزهد ~~الحقيقي مما يعين على الغرض الأول، والعبادات الشرعية مما يعين على الغرض ~~الثاني وذلك هو الغرض منها. # PageV00P035 # بيان الأول ان الزهد الحقيقي (1) هو اعراض النفس عما يشغل سرها عن التوجه ~~إلى (2) القبلة الحقيقية وظاهر كونه معينا على الغرض الأول، واما كون ~~المواظبة على العبادات معينا على الغرض الثاني فظاهر أيضا لأنها رياضة ما ~~لقوى العابد العارف المدركة والمحركة لتجرها بالتعويد عن الجنبة السافلة ~~إلى جناب (3) القدس (4) وكسر الهمة المتعلقة بما يضاد الكمال الذاتي، وإنما ~~اعتبرنا الزهد الحقيقي دون الظاهري لان الاعراض عن المشتهيات البدنية إذا ~~كان بحسب الظاهر فقط مع ميل القلب إليها لم ينتفع به لقوله صلى الله عليه ~~وآله ان الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم، نعم ~~وإن كان لابد للسالك في مبدء الامر من الزهد الظاهري لان الزهد الحقيقي ~~مشروط به أولا ms026 وقد اتفق على أن: # الرياء قنطرة الاخلاص، واما العبادات فأجملها (5) ما كان مشفوعا بالفكر ~~المناسب وفائدة ذلك أن الغرض من العبادة تذكر المعبود الحق والمجردين (6) ~~من الملائكة وذلك مما لا يتأتى الا بالفكر فلا جرم وجوب كونها مشفوعة به، ~~وإن كان لتلك الأغراض متممات اخر ومعينات كالكلام الواعظ من قائل زكى معتقد ~~فيه، والألحان المناسبة البريئة عن التعود بمخالطة اللذات الخسيسة، وعن ~~الايقاع في مجالس الأنذال واجتماعاتهم لقبيح ما يفعل، وغير ذلك مما هو ~~مذكور في مظانه فقد لاح لك حينئذ الغرض من الزهد والعبادة وكيفية تأديهما ~~إلى المطلوب الأصلي. # PageV00P036 # البحث الثالث في غرض غير العارف من الزهد والعبادة وغرضه منهما ومن ~~عرفانه الزهد والعبادة عند غير العارف معاملتان، اما الزهد فلان مطلوب غير ~~العارف منه ان يشترى بمتاع الدنيا متاع الآخرة، واما العبادة فلان غرضه ~~منها ان يأخذ الأجرة عليها في الآخرة، واما غرض العارف منهما فقد سبق ~~بيانه، اما من الزهد فالتفات القلب عن (1) ما سوى الله لئلا يمنعه من ~~الاستغراق في محبته، وترك أخس المطلوبين لأشرفهما واجب في أوائل العقول، ~~واما من العبادة فان تصير القوى البدنية مراضة تحت قياد (2) - النفس في ~~توجهها إلى مطلوبها الأصلي من الاستغراق في بحور الجلال لئلا يمنعها عن ذلك ~~بالاشتغال بالأمور المضادة له، واما غرضه من عرفانه فليس الا الحق لذاته لا ~~غيره حتى العرفان فإنه أمر إضافي يقال بالنسبة إلى المعروف فهو مغاير ~~للمعروف لا محالة، فلو كان غرض العارف نفس العرفان لم يكن من مخلصي التوحيد ~~لأنه قد أراد مع الحق غيره وهذه حال المتبجح بزينة في ذاته، فاما من عرف ~~الحق وغاب عن ذاته كما ستعرف فهو لا محالة غائب عن العرفان واجد للمعروف ~~فقط، وهو السابح لجة الوصول وهناك درجات التحلية بالأمور الوجودية التي هي ~~النعوت الإلهية وهي غير متناهية واليها أشير في الكتاب العزيز: قل لو كان ~~البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل ان تنفذ كلمات ربى ولو جئنا بمثله ~~مددا (3) والله ولى الخلاص وله ms027 منتهى الاخلاص. # البحث الرابع في درجات حركات العارفين فالأولى من تلك الدرجات الحركة ~~التي تسمى في عرف أهل الطريقة بالإرادة، وذلك أنه إذا حصل للانسان اعتقاد ~~ان السعادة التامة بالاقبال على الله تعالى وبالاعراض عما سواه كان ذلك ~~الاعتقاد برهانيا أو تقليديا أو بحسب الجبلة، فإنه # PageV00P037 # يحدث عن ذلك الاعتقاد إرادة التوجه إلى الله تعالى والفرار والبعد عما ~~سواه، فمهما بقي الانسان كذلك سمى مريدا، ثم إذا توغل في السلوك وبلغت به ~~الإرادة والرياضة حدا ما (1) ظهرت عليه أنوار الهية لذيذة تشبه البرق ~~اللامع المختفى ويسميها أهل الطريقة بالأوقات وكل واحد منها محفوف بوجدين، ~~وجد إليه وهو الشوق المتقدم عليه، ووجد عليه وهو التأسف على فواته وهو ~~متأخر عنه، لان مفارقة تلك المعارفة (2) بعد حصولها يوجب حنينا وأنينا شوقا ~~(3) إلى ما فات، واليه أشار صاحب الوجد في قوله: شعر: # * إذا ما سقاني شربة من رضا به * ظمئت إلى ذاك المدام فلم اروى (4) وقول ~~الاخر (5): # فأبكي ان نأوا شوقا إليهم * وأبكي ان دنوا خوف الفراق ثم إن هذه اللوامع ~~تكون في مبدء الامر قليلة ثم لا تزال تكثر بحسب الامعان في الرياضة والتوغل ~~فيها وتزداد وتتفاوت أزمانها بحسب زيادة قوة استعداد النفس لها حتى تصير ~~تلك الأحوال ملكات فيظهر عليها في غير حال الارتياض وفى هذه الأحوال ربما ~~عرضت له تلك الغواشي وهو غافل عنها فتستفزه عن مجلسه (6) وتوجب له الهرب ~~والقلق (7) والاضطراب دفعة وذلك لكون النفس غير متأهبة لتلقيه كما نقل عن ~~سيد المرسلين في مبدء الوحي انه كان يضطرب ويقول: زملوني زملوني، وكما أشير ~~إليه في الكتاب العزيز # PageV00P038 # حكاية عن موسى عليه السلام: فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ~~يا موسى اقبل ولا تخف انك من الآمنين (1)، ثم إنه ليزداد تعويده بظهور تلك ~~الغواشي إلى أن تصير تلك الغواشي مألوفة له فتطمئن بها (2) نفسه ويسكن ~~إليها قلبه وتسمى حينئذ في عرفهم سكينة حتى تصير بعد أن كانت آثار البهجة ~~باشراق تلك الأنوار في سره ظاهرة عليه ms028 وعلامات الأسف والتلهف على فراقه ~~كثيرة لديه بحيث يقل ذلك الظهور فيراه جليسه حال الاتصال بجناب الحق حاضرا ~~عنده في أوقات السفر مقيما معه وهو في الحالين غائب مسافر ولا يزال يتدرج ~~(3) في ذلك بحسب صفاء جوهره واستعداده بالملكة التامة إلى أن يصير له ذلك ~~متى شاء ثم يترقى في ذلك إلى أن يتوقف ذلك الامر على مشيته بل يكون له ~~بمطالعة كل شئ عبرة من غير قصد الاعتبار (4) بتلك المطالعة، فإذا عبر مقام ~~السلوك إلى النيل صار سره كمرآة (5) مجلوة حوذى (6) بها وجه الحق متسعا ~~باشراقه # PageV00P039 # فيه مبتهجا بأعلى اللذات الا انه مع ذلك مبتهج بنفسه لما فيها من اثر ~~الحق فله مع نظره إلى الحق نظر آخر إلى نفسه فهو بعد واقف دون مقام الاخلاص ~~فإذا غاب عن نفسه (1) يلحظ الجناب المقدس (2) فقط وان لحظ نفسه فبالعرض من ~~حيث هي لاحظة للحق لامن حيث هي متزينة بزينة الحق فهناك يتحقق الوصول، وفى ~~كلمات محققي أهل الطريقة (3): # ما رأينا شيئا الا ورأينا الله بعده، فلما ترقوا قالوا: ما رأينا شيئا ~~الا ورأينا الله فيه، فلما ترقوا قالوا: ما رأينا شيئا الا ورأينا الله ~~قبله، فلما ترقوا قالوا: # ما رأينا شيئا سوى الله، والكلمة (4) الأولى إشارة إلى مقام الاعتبار مع ~~قصده، والثانية إشارة إلى مقام حصول تلك البروق غير متوقفة على مشيته، ~~والثالثة إشارة إلى مقام النيل مع ملاحظة النفس من حيث هي مبتهجة بزينة ~~الحق فان الشبح الذي في المرآة هو المرئي قبلها، والرابعة إشارة إلى مقام ~~الفناء وهو ملاحظة الحق الأول مع الغيبة عن النفس، وقد جمعوا أيضا مراتب ~~السلوك ومقامات الوصول في كلمة أخرى فقالوا: السفر سفران، سفر إلى الله، ~~وسفر في الله، والأول إشارة إلى انتقالات النفس في مراتب السلوك، والثاني ~~إشارة إلى انتقالها في درجات الوصول، والله ولى التوفيق. # PageV00P040 # البحث الخامس في احكام العارفين واخلاقهم اما الاحكام فالأول - ان كل ~~درجة قبل درجة الوصول فهي ناقصة بالقياس إليها وبيان ذلك اما درجة الزهد ~~فلانه اشتغال ms029 بغير الحق لان تحلية الذات عن المنجسات والعلائق البدنية ~~مشروط بالشعور بها والقصد إلى اعدامها (1) وذلك التفات إلى غير الحق وشغل ~~به. # واما العبادة فلان العابد إذا اتكل على تطويع النفس الامارة للمطمئنة ~~فذلك عجز منه إذ لولا الخوف من الغير لم يحصل الاعتداد بطاعة والفرح بها، ~~واما العرفان مع ابتهاج النفس بزينة الحق والسعادة بالوصول إليه فهو تيه، ~~لان الابتهاج بالنفس لقربها من الحق والفرح بكونها واصلة إليه ابتهاج بغير ~~الله وعشق بالذات لا حوال النفس، واما الاشتغال بالحق ورفض كل ما عداه وهو ~~آخر مقامات السلوك إليه فهو الخلاص المطلق والاخلاص المحقق. # الثاني - اتفقت كلمة أهل العرفان على أن مقامات السالكين إلى الحق لا ~~تخلو من التفريق والجمع فيما سوى الحق تعالى ثم من الجمع فيه، اما التفريق ~~فهو تخلية الذات عما سوى الحق تعالى فلها مراتب أربع، فالأولى لابد ان يكلف ~~السالكون إلى الحق بالاعراض عما سواه من اللذات البدنية والشهوات الدنياوية ~~ولن يزالوا في كلفة إلى أن تستبعد نفوسهم أرذال الميول الحيوانية إليها وهي ~~المرتبة الثانية، ثم يستعدون بالسعي إلى أن يمحقوا (2) ما سوى الحق من ~~قلوبهم ويشموا رائحة النفحات الإلهية ويتركوا الالتفات بالكلية إلى اللذات ~~الفانية وهي المرتبة الثالثة، ثم لا يزالون يستعدون بالانس بالقديم (3) ~~الاعلى والكأس الأوفى إلى أن يصير ما سوى الحق مستحقرا عندهم بالنسبة إلى ~~تلك اللذات الكاملة وهي المرتبة الرابعة، فهذه درجات التخلية وهي في لسان ~~الحكماء # PageV00P041 # درجات الرياضة السلبية وفى لسان المجردين (1) من الصوفية درجات التخلق ~~بنعوت الجلال، واما الجمع فهو تحلية الذات بدرجات الرياضة الايجابية وذلك ~~بان يصير السالك رؤوفا رحيما جوادا كريما وتسمى هذه الحالة في لسان الشريعة ~~التخلق باخلاق الله، وفى لسان المجردين الترقي في مدارج الجلال، واما الجمع ~~في الله فلن يخلص الا بالوقوف عنده بحيث ينقطع نظر الواصل عن نفسه وابتهاجا ~~بزينتها به وبه يتحقق الكمال التام. # واما الأخلاق فيجب أن يكون العارف شجاعا (2) وذلك أن الشجاعة فضيلة ~~مطلوبة بالذات، واما السبب المانع من الاقدام ms030 على الأهوال فخوف القتل الذي ~~غايته الموت والعارف بمعزل عن (3) تقية الموت، ويجب أن يكون عفيفا لان ~~العفة ملكة مطلوبة لذاتها، والمانع منها غلبة القوى البدنية على مقتضى ~~طباعها وانقهار (4) النفس في قيادها والعارف بمعزل عن ذلك إذ (5) كانت قواه ~~البدنية مقهورة في يد قوته (6) العقلية، ويجب أن يكون جوادا لان الجود ~~فضيلة مطلوبة لذاتها، والمانع منها إنما هو حب المال والخوف من الفقر، ~~والعارف منزه عن حب الباطل الزائل وحاصل على الغنى الحقيقي الذي لا فقر ~~معه، ويجب أن يكون عدلا لان العدالة ملكة قد عرفت انها تحصل عن الحكمة ~~والعفة والشجاعة وهذه الفضائل الثلاث (7) حاصلة له، ويجب أن يكون صفاحا عن ~~زلات الخلق في حقه لأنه لا ينفعل عن شئ سوى الله فهو أشرف عن أن ينفعل عن ~~زلة بشر (8) والاشتغال بالانتقام مستلزم للانفعال، ويجب ان لا يكون حقودا ~~لان اشتغال سره بالله يزيل عنه كل ما عداه، ويجب أن يكون طلق الوجه وذلك ~~أنه فرحان بالحق وبكل # PageV00P042 # شئ يراه فإنه يرى فيه الحق فيدوم فرحه بدوام مطالعته لوجه الحق، ويجب أن ~~يكون لين الجناب (1) متواضعا للخلق بحيث يكون نظره إليهم على سواء في ذلك، ~~لأنه لا ينظر إلى ما سوى الله من حيث إنه هو حتى يكون هناك تفاوت بين ~~الهويات بل إنما ينظر إلى الكل من حيث تساوى نسبتهم إلى الله تعالى ويجد ~~جماع (2) الفضائل النفسانية عند اقتصاصها موجودة فيه ظاهرة بينة العلة، ~~واليك الاعتبار والله الموفق. # الفصل الخامس في بيان احكام أخرى للنفوس الكاملة والإشارة إلى أسبابها ~~وفيه بحثان: # البحث الأول (3) في التمكن من الاخبار عن المغيبات وسببه واجب عليك أيها ~~الأخ إذا ذكر ان خليفة من خلفاء الله أو وليا من أوليائه أخبر عن أمر سيكون ~~مبشرا به أو منذرا مما لا تفي بدركه قوتك وأنت أنت قاصاب ان لا تبادر إلى ~~التكذيب بأمثال (4) ذلك فإنك عند اعتبارك مذاهب الطبيعة تجد إلى ذلك سبيلا ~~وله محملا ونحن نشير إلى سببه مجملا ومفصلا. # اما الأول ms031 فلان معرفة الأمور الغيبية في النوم ممكنة فوجب أن يكون في ~~اليقظة كذلك، بيان الأول ان الانسان كثيرا ما يرى في النوم شيئا ثم يقع اما ~~صريح تلك الرؤيا أو تعبيرها، وذلك يوضح ما قلناه للرائي، ومن لا يرزق ذلك ~~في حال النوم علمه بالتواتر من الخلق العظيم. # PageV00P043 # بيان الثاني ان ذلك لما صح في حال النوم لم يمكن (1) القطع على امتناعه ~~حال اليقظة فان الناس لو لم يجربوا ذلك في حال النوم لكان استبعادهم لوقوعه ~~في النوم أشد من استبعادهم له في اليقظة فإنه عند عدم التجربة لو قيل ~~لانسان: ان جماعة من الأولياء الكاملين اجتهدوا في تلويح مفكراتهم الصافية ~~في تحصيل حكم غيبي فعجزوا ثم إن واحدا منهم لما نام وصار كالميت عرف ذلك ~~الحكم فلا بد ان يكذب بذلك ويستنكره لعدم حصوله مع كمال الحركة وسلامة ~~الحواس عن العطلة الا ان وقوع هذا الامر كثيرا مما أزال الاستبعاد وصحح ~~الصحة، واما الثاني فمبنى على مقدمتين: # فالأولى - انه قد ثبت في موضعه ان العقول والنفوس السماوية عالمة ~~بالجزئيات، اما العقول فعلى وجه كلى واما النفوس فعلى وجهه جزئي لان جميع ~~الجزئيات تنتهى في سلسلة الحاجة إلى العقول، والعلم بالعلة مستلزم للعلم ~~بالمعلول، وكذلك ثبت ان للفلك قوة جسمانية هي مدركة للجزئيات وثبت ان ~~الحوادث العنصرية مستندة إلى الاتصالات والحركات الفلكية وثبت ان المبدأ ~~لتلك الحركات هي النفوس (2) الجسمانية وثبت ان العلم بالعلة يوجب العلم ~~بالمعلول فيلزم من مجموع ذلك كون النفس الفلكية عالمة بجميع جزئيات هذا ~~العالم وما يحدث فيه، وكذلك ثبت ان للفلك مع هذه النفوس (3) الجسمانية نفسا ~~مجردة ليست علاقتها مع الجسم علاقة انطباع فتكون أيضا منتقشة بجميع ~~الجزئيات التي تحدث في هذا العالم فالعقول والنفوس الفلكية المجردة ~~والجسمانية إذا منتقشة بها. # الثانية - ان النفوس الانسانية متمكنة من استفادة العلوم من تلك المبادى، ~~وبيان ذلك بتقديم مقدمات: # فالأولى - ان القوى الانسانية متجاذبة فالنفس عند اشتغالها بتدبير القوة ~~الغضبية غير متمكنة (4) الالتفات إلى القوة الشهوانية وبالعكس وإذا ms032 اشتغل ~~الحس الباطن بالحس # PageV00P044 # الظاهر لم يتمكن العقل من استعمال الحس الباطن فلم يمكنه استخدام المفكرة ~~(1) وأيضا فإذا اشتغلت النفس بالافعال التي تخصها منعتها من إعانة القوى ~~على أفعالها ولذلك تجدها عند مساعدة القوى على فعل قوى تخصها تذهل عن فعلها ~~الخاص بها فتتركه. # الثانية - انك علمت ماهية الحس المشترك فيما سبق وعلمت انه يرتسم (2) فيه ~~صور المحسوسات بالحواس الخمس (3) لان (4) هذه المحسوسات عند ارتسامها تصير ~~مشاهدة وان عدمت في الخارج وبينا ذلك بالقطرة النازلة خطا مستقيما. # الثالثة - قد يشاهد قوم من المرضى والممرورين صورا محسوسة ويحكمون بصحتها ~~ويصيحون خوفا منها فتلك الصور ليست بمعدومة لان المعدوم لا يشاهد، وإذ هي ~~موجودة فليست في الخارج والا لرآها سليم الحس، وإذ ليست في الخارج فليس ~~ارتسامها في النفس الناطقة إذ لا ترتسم فيها الصور الحسية ولأنها لا تدرك ~~الجزئيات بذاتها فهي إذا في قوة جسمانية وليست القوة الباصرة، لان المريض ~~قد يكون أعمى أو بحيث لا يبصر فهي إذا في قوة غيرها أدركت هذه الصور (5) في ~~(6) الحس المشترك ولن (7) ترد عليه هذه الصور من خارج فهي من داخل اما مما ~~انخزن في الخيال فرأى في لوح الحس أو مما تركبه المتخيلة وتخزنه في الخيال ~~فيرتسم نقشه في الحس لأنهما بمنزله مرآتين متقابلتين، والسبب ان النفس في ~~حال المرض لاشتغالها بتدبير البدن ضعيفة عن تدبير المتخيلة فاستولت ~~المتخلية وقويت على التشبيح، لا يقال: لو كان كذلك لوجب في كل ما يتخيل ان ~~ان يحس إذ لا اختصاص لذلك بوقت دون وقت لأنا نقول: المانع من هذا الانتقاش ~~دائما شاغلان، حسي وهو اشتغال لوح الحس بما يرد عليه من الصور الخارجية فلا ~~يتسع للانتقاش بنقش آخر وعقلي أو وهمى وهو ان أحدهما عند اشتغال (8) ~~المفكرة تصير المفكرة مستغرقة # PageV00P045 # لخدمته (1) فلا تتفرغ لفعلها الخاص بها فلم تتمكن من تركيب الصور ~~وتشبيحها للحس الا انه ربما عجز أحدهما عن ضبطها فحينئذ تستولى المحسوسة ~~فتشاهدها (2). # الرابعة - النوم شاغل للحس الظاهر شغلا ظاهرا وقد يكون شاغلا للنفس ms033 أيضا ~~وذلك عند اشتغال الطبيعة بالهضم فان النفس تكون مظاهرة للقوة الهاضمة على ~~ذلك ومعينة لها لما ثبت ان النفس عند اشتغالها بمهمها تقف سائر القوى عن ~~أفعالها فلابد من مظاهرة النفس لها والا لما تم الهضم، وإذا اشتغلت النفس ~~بذلك بقيت المتخيلة خاليه عن المدبر متمكنة من التلويح والتشبيح غير مضبوطة ~~ولوح الحس خال مما يرد عليه من الصور الخارجية لتعطل الحواس حالة النوم، ~~وإذا تم الفاعل والقابل وجد الفعل لا محالة فلا جرم صارت الصور مشاهدة في ~~حال النوم. # الخامسة - النفس تقوى على عين ما أدركته وقد تضعف عن ضبط عينه فتنتقل إلى ~~شبهه ومحاكيه من وجه ثم من ذلك المحاكى إلى محاكى المحاكى إلى أن تصل إلى ~~ما لا يناسب المدرك الأول بوجه، وإنما يكون كذلك لاستيلاء المتخيلة وضعف ~~النفس عن تصريفها كما ينبغي فإذا قويت النفس جدا لم يكن اصلاحها للبدن ~~عائقا لها عن اتصالها بمباديها وانتقاشها بما هناك بل تكون وافية بالجانبين ~~فلا يعوقها الالتفات إلى أحدهما عن الالتفات إلى الاخر فإذا انضم إلى ذلك ~~كونها مرتاضة كان تحفظها عن مضادات الرياضة وتصرفها فيما يناسبها أتم. # وإذا عرفت هذه المقدمات فاعلم أن السبب في مشاهدة الصور في حال النوم ~~والمرض هو ان النفس إذا اتصلت بالعقول الفعالة انتقشت بأمور فركبت المتخيلة ~~صورا جزئية تناسب تلك المعقولات، ولوحت تلك الصور إلى الحس المشترك فصارت ~~مشاهدة وقد يعرض للمتخيلة ضعف اما لمرض أو لتحلل الروح الحامل اما عن كثرة ~~حركتها فتميل إلى الدعة فتقع للنفس فلتة منها فتتصل بالعالم العقلي فتنتقش ~~بالجلايا القدسية فتنزعج المتخيلة إلى تشبيح ذلك المعنى العقلي بصورة جزئية ~~لأنها بسبب # PageV00P046 # الاستراحة زال عنها الكلال والملال ولان النفس تستعين بها في ضبط تلك ~~الاسرار في تلك الصور (1) الخيالية (2) وتحطها إلى الحس فتبقى مشاهدة، وإذا ~~علمت في ذلك حالة النوم لم يبعد إذا كانت النفس قوية الجوهر تتسع للجوانب ~~المتنازعة (3) ان يقع لها هذا الانفلات (4) في حال اليقضة فتتصل بالمبادئ ~~فتقتنص أمورا قدسية فتركب المتخيلة ms034 لها صورا تناسبها ثم تحطها إلى الحس ~~المشترك فتكون محسوسة فتارة تكون ابصار صورة، وتارة تكون سماع كلام وان لم ~~يكن لتلك الأمور وجود خارجي الا ان تلك الآثار قد تكون ضعيفة فلا تشتثبتها ~~(5) المتخيلة كما ينبغي فتنمحي سريعا، وقد تكون أقوى من ذلك فتحرك الخيال ~~فينتقل بقوة إلى ماله تعلق بذلك المعنى من شبيه أو ضد لان الحكمة الإلهية ~~اقتضت أن يكون جبلة هذه القوة على هذا الوجه والا لم ينتفع بها في الانتقال ~~من الحاصل إلى المستحصل ولن يمنعها من الانتقال الا أحد (6) أمرين (7) اما ~~استيلاء النفس عليها وضبطها، واما قوة الصور المنتقشة فيها فإنه أيضا قد ~~يرتسم فيها الصور ارتساما قويا بينا فيمنعها جلاؤها لها (8) عن الانتقال ~~منها إلى الغير، وما كان كذلك في يقظة أو نوم سمى الهاما أو وحيا صريحا أو ~~حلما لا يحتاج إلى تعبير، وما كان من القسم الثاني أعني ان تبقى الصورة ~~المنتقل إليها دون عين الأثر فإنه يحتاج الوحي إلى تأويل والحلم إلى تعبير. # تذنيب (9): قد عرفت ان النفس قد تعوقها عن الاتصال بمباديها قواها ~~البدنية فلذلك ما يحتاج بعض الناس إلى الاستعانة بأمور مكتسبة يعرض منها ~~للحس حيرة وللخيال وقفة تنفلت معها النفس لتلقى المغيبات كما حكى عن بعض ~~الكهان من الترك انه كان يستعين بحركة شديدة جدا لا يزال يلهث فيها حتى ~~يكاد يغشى عليه فتلوح له أمور غيبية والحفظة يتلقون ما ينطق به ليبنوا عليه ~~آرائهم المصلحية وكمن يشغل ابصار الصبيان والنساء # PageV00P047 # وذوي القوى الضعيفة بأشياء شفافة ترعش الابصار برجرجتها وتدهشه بشفيفها ~~كلطخ من سواد براق في بيضة أو في باطن الابهام وكاستعانة بعض الكهنة بالرقص ~~والتصفيق وبايهام العزائم والتخويف بالجن (1) إذا استنطقوا غيرهم، وإن كان ~~ما يستعمله الكهنة من ذلك مما يختل به أمر القوى ويفسدها ويؤدى إلى تعطيلها ~~ولذلك لم يكن التكهن محمودا من العلماء والله ولى التوفيق (2). # البحث الثاني في تمكن النفوس الانسانية من الاتيان بخوارق العادات واجب ~~على من أهله الله لاستشراق أنواره (3) إذا ms035 خصه بالقوة العاقلة التي هي سر ~~من اسراره ان لا يستبعد عمن ارتقى درجة العرفان التام ان تصدر منه أفعال لا ~~يتمكن غيره من الاتيان بمثلها، وذلك كالامساك عن الطعام المدة المديدة التي ~~يعجز الاتيان بمثله أبناء النوع وكالتحريك أو الحركة التي تخرج عن وسع مثله ~~كما يشاهد من طوفانات تقع باستدعائهم وزلازل أو استنزال عقوبات وخسف بقرى ~~حق عليها القول واستشفاء المرضى واستسقاء العطشى وخضوع عجم الحيوانات ~~وغيرها فإنه عند الاعتبار يجد تلك أمورا ممكنة من الطبيعة ونحن نشير إلى ~~وجه امكانها، اما الامساك عن القوت فتأمل امكانه بل وجوده فينا عند عروض ~~عوارض غريبة لنا، اما بدنية كالأمراض # PageV00P048 # الحادة (1) واما نفسانية كالخوف والغم، اما البدنية فان القوى الطبيعية ~~(2) تشتغل بسببها بهضم المواد الردية عن تحريك المواد المحمودة فتجد المواد ~~المحمودة حينئذ محفوظة قليلة التحلل غنية عن طلب البدل لما يتحلل فربما ~~انقطع الغذاء عن صاحبها مدة لو انقطع مثله عنه في غير حالته تلك عشر تلك ~~المدة هلك، وهو مع ذلك محفوظ الحياة، واما النفسانية فكما يعرض بعروض الخوف ~~للخائف من سقوط الشهوة وفساد الهضم والعجز عن الافعال الطبيعية التي كان ~~متمكنا منها قبل الخوف لوقوف القوى الطبيعية عن أفعالها بسبب اشتغال النفس ~~بما أهمها عن الالتفات إلى تدبير البدن، وإذا عرفت امكان الامساك الخارج عن ~~الوسع بسبب العوارض الغريبة فاعلم أن السبب في تحققه في حق العارف توجه ~~النفس بالكلية إلى عالم القدس المستلزم لتشييع القوى البدنية لها وذلك أن ~~النفس المطمئنة إذا راضت القوى البدنية انجذبت القوى خلفها في مهماتها التي ~~تنزعج إليها، واشتداد ذلك الانجذاب بشدة ذلك الجذب فإذا اشتد الاشتغال عن ~~الجهة المولى عنها وقفت الافعال الطبيعية المتعلقة بالقوة النباتية فلم يكن ~~من التحليل الأدون ما كان في حال المرض وذلك لان المرض في بعض الصور مختص ~~بما يقتضى الاحتياج إلى الغذاء لتحلل رطوبات البدن بسبب عروض الحرارات ~~الغريبة المسماة بسوء المزاج الحار (4) له لان الغذاء إنما يكون لسد بدل ما ~~تحلل من تلك ms036 الرطوبات وشدة الحاجة إلى الغذاء إنما تكون بحسب كثرة التحليل ~~وكقصور القوى البدنية بسبب المرض المضاد لها وإنما الحاجة إلى حفظ تلك ~~الرطوبات لحفظ تلك القوى إذ (3) كانت مادة الحرارة الغريزية المقتضية (5) ~~لتعادل الأركان الذي لا تقوم تلك الا معه وشدة الحاجة إلى ما يحفظ تلك # PageV00P049 # القوى إنما هي بحسب شدة فتورها، واما العرفان فإنه مختص بأمر يوجب ~~الاستغناء عن الغذاء وهو سكون البدن عن اعراض القوى البدنية عن أفعالها جال ~~مشايعتها للنفس وانجذابها معها حال توجهها إلى الجناب المقدس وتطعمها بلذة ~~معارفة الحق، واليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن خليله عليه السلام: والذي ~~هو يطعمني ويسقين (1) وبقول سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم: انى لست ~~كأحدكم، أبيت عند ربى يطعمني ويسقيني. وإذا عرفت ذلك ظهران المرض وان اقتضى ~~الامساك الخارق للعادة الا ان العرفان بذلك الاقتضاء أولى، واما القدرة على ~~الحركة التي تخرج عن وسع مثله فهي أيضا ممكنة وبيان - سببها انك علمت أن ~~مبدأ القوى البدنية هو الروح الحيواني فالعوارض الغريبة التي تعرض للانسان ~~تارة تقتضي انقباض الروح بحركته إلى داخل كالخوف والحزن، وذلك يقتضى انحطاط ~~القوة وسقوطها، وتارة تقتضي حركته إلى خارج كالغضب أو انبساطا معتدلا ~~كالفرح المطرب والانتشاء (2) المعتدل وذلك يقتضى ازدياد القوة ونشاطها وإذا # PageV00P050 # عرفت ذلك فنقول: لما كان فرح العارف ببهجة الحق أتم وأعظم من فرح من عداه ~~بما عداها وكانت الغواشي التي تغشاه وتحركه اعتزازا بالحق أو حمية ربانية ~~أعظم مما يعرض لغيره لاجرم كان اقتداره على حركة غير مقدورة لغيره ممكنا ~~وسنبين وقوعه إن شاء الله تعالى، واما السبب في الأمور الباقية على الأصول ~~السابقة هو انك علمت أن تعلق النفس بالبدن ليس بانطباعها فيه إنما هو على ~~وجه انها مدبرة له مع تجردها (1) ثم إن الهيئات النفسانية قد تكون مبادئ ~~لحدوث الحوادث وبيانه اما أولا فلأنك تشاهد انسانا يمشى على جذع ممدود على ~~الأرض ويتصرف عليه كيف يشاء (2) ولو عرض ذلك الجذع بعينه على جدار عال أو ~~موضع عال لوجدته ms037 عند المشي عليه راجفا متزلزلا يوعده (3) وهمه بالسقوط مرة ~~بعد أخرى لتصوره وانفعال بدنه عن وهمه حتى ربما سقط. واما ثانيا فلان ~~الأمزجة تتغير عن العوارض النفسانية كثيرا كالغضب وكالحزن والخوف والفرح ~~وغير ذلك وهو ضروري. واما ثالثا فلان توهم المرض أو الصحة قد يوجب ذلك وهو ~~أيضا ضروري، إذا عرفت هذا فنقول: ان الأمزجة قابلة لهذه الانفعالات عن هذه ~~الأفعال النفسانية فلا مانع إذا أن يكون لبعض النفوس خاصية لأجلها يتمكن من ~~التصرف في عنصر هذا العالم بحيث تكون نسبتها إلى كلية العناصر كنسبة أنفسنا ~~إلى أبدانها (4) فيكون لها حينئذ تأثير في اعدادات المواد العنصرية لان ~~يفاض عليها صور الأمور الغربية التي تخرج عن وسع مثلها فإذا انضمت إلى ذلك ~~الرياضات فانكسرت سورة الشهوة والغضب وبقيا (5) أسيرين في يد القوة العاقلة ~~فلاشك انها حينئذ تكون أقوى على تلك الأفعال # PageV00P051 # وتلك الخاصية اما بحسب المزاج الأصلي أو بحسب مزاج طار غير مكتسب أو بحسب ~~الكسب والاجتهاد في الرياضة وتصفية النفس، والذي يكون بحسب المزاج الأصلي ~~فذو - المعجزات من الأنبياء أو الكرامات من الأولياء، فان انضم إليها ~~الاجتهاد في الرياضة بلغت الغاية في ذلك الكمال، وقد يغلب على مزاج من له ~~هذه الخاصية ان يستعملها في طرف - الشر وفى الأمور الخبيثة (1) ولا يزكى ~~نفسه كالساحر فيمنعه خبثه عن الترقي إلى درجة - السابقين في الكمال فهذا ~~القدر هو الذي أردنا من المقدمات وبالله التوفيق. # القسم الثاني في المقاصد، وفيه فصول: # الفصل الأول في المباحث المتعلقة بالعقل والعلم والجهل والظن والنظر وفيه ~~اثنتان وعشرون كلمة: # الكلمة الأول قوله عليه السلام: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. # أقول: الغطاء في أصل اللغة هو ما يستر به الشئ ويغطى، واليقين في عرف ~~العلماء هو اعتقاد ان الشئ كذا مع اعتقاد انه لا يمكن ان لا يكون كذا، وهو ~~أخص من العلم الذي هو أخص من الاعتقاد الجازم المطابق الذي هو أخص من ~~الاعتقاد المطابق الذي هو أخص من مطلق الاعتقاد، واعلم أنه ليس المراد من ms038 ~~لفظ الغطاء والمغطى والتغطية ههنا هو ما يتعارفه افهام الخلق حال اطلاقه ~~والا لم يبق للكلام فائدة بل لابد من مفهوم آخر يحتاج إلى تفطن ما زائد على ~~نباهة أهل الظاهر سواء كان اطلاق لفظ الغطاء على ذلك المعنى وعلى غيره ~~حقيقة اما بحسب الاشتراك اللفظي أو المعنوي على سبيل التواطى بان يكون ~~الغطاء حقيقة نوعية ذلك المعنى من جملة اشخاصها التي لا يخالف بعضها الا # PageV00P052 # بالعدد (1) أو على سبيل التشكيك على معنى ان في افراد الغطاء ما هو أشد ~~تغطية وأقوى من غيره، أو مجازا على معنى ان الغطاء حقيقة عرفية في جسم ستر ~~جسما مجازا في المعنى الذي نريده فان البحث عن ذلك لفظي غير مهم. فاما بيان ~~ذلك المعنى فقبل تقريره نقول: انك قد علمت أن النفوس الانسانية في الكمال ~~والنقصان على مراتب، وعرفت ان أعلى تلك المراتب مرتبة نفوس قدسية استغرقت ~~في محبة الله تعالى وابتهجت بمطالعة أنوار كبريائه غاية الابتهاج، وهي درجة ~~الأنبياء ومن يليهم من الأولياء الكاملين في قوتيهم النظرية والعملية ~~المشار إليها بقوله تعالى: السابقون السابقون * أولئك المقربون (2) ثم عرفت ~~ان ذلك الاستغراق مستلزم لاعراضهم عما سوى الحق تعالى من العوائق البدنية ~~واللذات الدنية اعراض استحقار لها واستهانة بها، بل اعراضا لا التفات معه ~~إليها بوجه وإذا عرفت ذلك فنقول: المراد من الغطاء المذكور في الخبر هو ~~البدن والشوائب المادية الحاصلة حال تعلق النفس به وكونها مدبرة له، اما ~~وجه كونه غطاء فلان الإشارات النبوية مشتملة على مواعيد ووعيدات بأنواع من ~~الكرامات الأخروية وضروب من العقوبات لا تفي بدركها القوة الانسانية الا لو ~~قد نضت هذا البدن وتجردت إلى عالمها فالنفس ما دامت ملابسة له فهي ملتحفة ~~مغطاة بالشوائب العارضة والهيئات اللازمة لها من ملابسته، فإذا فارقته ~~وتجردت عنه أبصرت ما أعد لها بعد المفارقة من سعادة أو شقاوة واليه أشير في ~~التنزيل الإلهي: فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (3) وهذا الحكم وإن كان ~~عاما للنفوس الانسانية القدسية البالغة في الكمال إلى الحد ms039 المذكور وان ~~كانت في الظاهر ملتحفة بجلابيب الأبدان متغطية بأغطية الشوائب المادية ~~وكأنها (4) لما (5) رزقت من الاعراض عما سوى القبلة الحقيقية ومن التوجه ~~والاقبال # PageV00P053 # عليها بالكلية فصار كل كمال لها بالقوة فعليا قد نضت تلك الأغطية وخلعت ~~تلك الأغشية وألقت تلك الجلابيب الحسية وخلصت إلى الحضرة القدسية متصلة ~~بالملأ الاعلى، مرتوية بالكأس الأوفى، مشاهدة لأمور تعجز عن ادراكها ~~الأوهام وتكل عن بيانها العبارات والافهام مبتهجة بما لاعين رأت ولا اذن ~~سمعت صادرة عن كمالاتها الحاصلة لها آثار هي المعجزات والكرامات حتى أنها ~~لو فارقت أبدانها بالكلية لما زاد ذلك الاستغراق وتلك المشاهدة على ما كان ~~قبل المفارقة. # ثم لما كان ولى الله أمير المؤمنين علي عليه السلام متسنما لذروة ذلك ~~المقام رائيا ببصيرته الاسرار الإلهية مطلعا بقوته القدسية على الأطوار ~~الورائية لاجرم صدق في مقاله الكاشف عن كماله: لو كشف الغطاء ما ازددت ~~يقينا، ولم يكن ذلك منه دعوى عرية عن البرهان بل دلت على صدقه اخباراته ~~وانذاراته الصادقة ونجوم حكمه (1) الزاهرة (2) وكشفت عن حقيقة مقاله آياته ~~الباهرة وكراماته الظاهرة، وقد أشرنا لك إلى أسباب التمكن من تلك الآيات ~~وسنبين وقوعها منه ان شاء تعالى. # اللهم يا واهب الحياة ويا منتهى طلب الحاجات (3) أذقنا حلاوة العرفان، ~~وملكنا ملكة التجرد عن جلابيب هذه الأبدان، وأهلنا لاستشراق سنا خواطف ~~أنوارك، واجعل ذواتنا من أتم قوابل فيض أسرارك، وهيئ لنا من أمرنا رشدا ~~(4). # الكلمة الثانية قوله عليه السلام: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. # أقول: النوم كما يقال بحسب الحقيقة على تعطل الحواس الظاهرة عن الادراك # PageV00P054 # للأسباب التي ذكرناها كذلك قد يقال مجازا على اشتغال النفس بالعلائق ~~الجسمانية ومتابعة القوى البدنية وغفلتها عن مبدئها المفارق وعدم التفاتها ~~إليه وكذلك الانتباه كما يقال حقيقة على استعمال الحواس الظاهرة للأسباب ~~المذكورة كذلك يقال مجازا على اقبال النفس على القبلة الحقيقة وانتقاشها ~~بجلايا القدسية بيان وجه التجوز عن النوم ان عدم انصباب النفس إلى الجناب ~~القدسي حين اشتغالها بالعلائق الجسدانية وتعطلها بسببه عن الانتقاش بصور ~~المعقولات مشابه ms040 لعدم انصباب الروح النفساني إلى الحواس الظاهرة وتعطلها ~~بسبب ذلك عن الانتقاش بصور المحسوسات، بيان وجه التجوز عن الانتباه هو ان ~~الانتباه المحسوس لما كان عبارة عن انتقاش لوح الحس المشترك عن المحسوسات ~~بسبب استعمال (1) الحواس الظاهرة عن انصباب الروح النفساني إليها كذلك ~~الانتباه المعقول هو انتقاش لوح النفس بصور المعقولات عن مباديها بسبب ~~التفاتها واقبالها عليها، وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه عليه السلام أشار بالموت ~~إلى مفارقة الحياة، وبالنوم والانتباه ههنا إلى المعنيين المجازيين، وأنت ~~بعد وقوفك على وجه التجوز تستفتح (2) بعين بصيرتك سر هذه الكلمة، ثم إن ~~الناس نيام في مرقد الطبيعة لن ينتبهوا الا عند مفارقته، ثم يلوح لك ان ~~القضية مهملة في قوة الجزئية وان الحكم خاص بمن عدا درجة السابقين فإنهم ~~ابدا ايقاظ في صورة نيام قد هجروا مضاجع الطبائع فهم في لجة الوصول سابحون، ~~ثم للباقين في النوم درجات متفاوتة فأقربها إلى اليقظة نفس كان اشتغالها عن ~~الالتفات إلى الجناب المقدس بمجرد مصالح البدن ومتابعتها للقوى البدنية ~~فيما لابد منه في إقامة تدبيره وفى حاجته إلى ما يقود الضرورة إليه مما ~~رخصت فيه الشريعة، هذا بعد أن تكون متحلية بالمعرفة عن البرهان مراعية ~~لشرائط الايمان، وأشدها فيه اغتمارا وابعدها عن ساحة الرضوان دارا نفس ألقت ~~زمامها إلى قواها البدنية وانهمكت في طاعتها، فأعرضت بالكلية عن مباديها، ~~ولم تستيقظها من رقدة الغافلين شدة استماع مناديها، # PageV00P055 # فخوطبت تقريعا بألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر (1) ومنع (2) مناديها ~~(3) من التكرير عليها إذ (4) كان قد اعذر إليها، فذرهم في غمرتهم حتى حين * ~~أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ~~(5) وما بينهما درجات بعضها فوق بعض، فإذا فارقت النفوس مضاجعها أبصر كل ~~منها بعين بصيرته ما كان قد أعد له وهيئ، فأبصر الأولون بها العزة وجمالها، ~~ولاحظوا جلال الحضرة القدسية وكمالها، وجوه يومئذ ناضره * إلى ربها ناظرة ~~(6) ووجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة (7) وشاهد الآخرون سلاسل الهيئات ~~البدنية واغلال الملكات الردية، وجوه يومئذ باسرة، تظن ms041 ان يفعل بها فاقرة ~~(8) ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة (9) وما بين الدرجتين بحسابه. # فانظر إلى هذه الألفاظ الخفيفة كيف انطوت على هذه الاسرار اللطيفة..! ~~وأحسن بهذه العبارات الوجيزة كيف استلزمت هذه التشبيهات العزيزة..! وكيف لا ~~وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وآله: أعطيت جوامع الكلم، وأعطى على جوامع ~~العلم، ولما نزلت وتعيها اذن واعية (10) قال (ص): اللهم اجعلها اذن على، ~~فقال (ع): والله ما نسيت بعدها ابدا. وقال عليه السلام: علمني رسول الله ~~(ص) من العلم الف باب فانفتح لي من كل باب الف باب. وكان مصداق ذلك قوله ~~صلى الله عليه وآله انا مدينة العلم وعلى بابها، فليت شعري كم في الخزائن ~~التي وراء تلك الأبواب من الكنوز والذخائر؟! وكم في بحور أولئك عوامها من ~~زواهر الجواهر؟! شعر أشتاقكم حتى إذا نهض الهوى * بي نحوكم قعدت بي الأيام ~~(1 1) # PageV00P056 # يقولون لو واصلتنا سكن الهوى * بقلبك يا مجنون وانقطع الحزن فها انا قد ~~واصلتهم مثل قولهم * وما هدأ الأشواق والقلب ما سكن الكلمة الثالثة قوله ~~عليه السلام: من عرف نفسه فقد عرف ربه. # أقول: المعرفة بحسب عرف العلماء يخص التصور دون التصديق وان قل الفرق ~~بينهما وبين العلم في وضع اللغة ثم ما أسهل ما يتأتى لك الاطلاع على معنى ~~هذه المتصلة بعد احاطتك بالأصول السابقة فإنك قد علمت أن للنفس الانسانية ~~قوتين عالمة وعاملة هما في مبدء الامر خاليتان عن الكمال، وعلمت ان العاملة ~~هي التي تكون لها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن وتكميله، وان العالمة هي ~~التي تكون لها بحسب تأثرها عن مباديها وحاجتها إلى تكميل جوهرها عقلا ~~بالفعل (1)، ثم اطلعت على مراتب استعدادات هذه القوة وإذا عرفت ذلك فاعلم ~~أن المراد حينئذ من اطلع على نفسه فعرفها بكثرة عيوبها ونقصاناتها وفقرها ~~إلى كمالات خارجة عن ذاتها ليست لها من حيث هي هي بل يحتاج لها إلى ~~استعدادات مترتبة حتى يفاض عليها بحسب استحقاقها حالا بعد حال ثم علم كيفية ~~تنقل قوته العاقلة في المراتب المذكورة ms042 اما بحسب ذوق العرفان أو بحسب سوق ~~(2) البرهان فقد استلزم ذلك معرفته لربه بحسبهما استلزاما ضروريا لما ان ~~العلم بالمعلول مستلزم للعلم بعلته الا انه ينبغي ان يعلم أن معرفته بالكنه ~~غير ممكنة الا له إذ كانت حقيقته بريئة عن جهات التركيب العقلية والخارجية ~~المستلزمة للامكان المستلزم للفقر والنقصان، ومعرفة الشئ بكنهه إنما تحصل ~~بالاطلاع على اجزاء ماهيته وابعاضها فالمطلع عليه إذا لوازم (3) سلبية أو ~~إضافية تلزم معقوليته وواجبيته لزوما عقليا وعند ذلك المقام تزاحم # PageV00P057 # اقدام العقول وغايتها الغرق في لجة ذلك الوصول. # فان قلت: لم لم يقل عليه السلام: من عرف ربه عرف نفسه، ومعلوم ان ترتيب ~~هذه المتصلة على هذا الوجه أولى فان استلزام مقدمها لتاليها يكون أقوى من ~~استلزامه له ان لو كانت (1) على الترتيب المذكور الان لأنه استدلال ببرهان ~~لم، ولا شك ان برهان لم أقوى من برهان ان، لما ان العلم بالعلة المعينة ~~مستلزم للعلم بالمعلول المعين واما العلم بالمعلول المعين فلا يدل الا على ~~العلة المطلقة، اما المعينة فلا، لجواز تعليل المعلول النوعي بعلتين فلا ~~يتعين الشخصي (2) لاحديهما؟ # قلت: لا شك فيما ذكرته من أن برهان لم أقوى والاستدلال به أولى الا انا ~~نقول: ان هذه الكلمة خرجت منه عليه السلام مخرج التأديب والحث على جماع ~~مكارم - الأخلاق واقتناء الفضائل، وذلك أن الانسان إذا عرف نفسه بكثرة ~~عيوبها ونقصانها وحاجتها إلى التكميل كان ذلك داعيا له على اصلاح قوتيه ~~العملية والنظرية ثم إنه نبه على وجوب معرفة النفس بعد ذكرها بأنها أقرب ~~قريب إلى الانسان بحيث يحتاج في معرفتها إلى طلب زائد هي وسيلة إلى الغاية ~~المطلوبة للكل الواجبة على الاطلاق وهي معرفة - الصانع وهذا شأن المؤدب ~~الحاذق ان يعين مطلوبه أولا لمن (3) يؤدبه عليه ثم ينبهه على حسنه ووجه ~~وجوبه عليه وليس مقصوده الأول ههنا هو التنبيه على وجوب معرفة الله ولو أنه ~~قدم معرفة الله تعالى لفات الغرض المذكور من الكلمة، ولما بقي ذلك الذوق ~~لها، ولما كان ذلك حثا للانسان على ms043 الاطلاع على عيب نفسه، وأنت بعد مخض هذه ~~الكلمة في سقاء ذهنك وارسال الرائد الفكري في جميع مفهوماتها ستجمع لك ~~زبدتها، والله ولى هدايتنا، وبه حولنا وقوتنا، اللهم أهلنا لاستشراق نفحات ~~عزتك، وملكنا ملكة الاتصال بأرباب حضرتك، وانشر لنا جناح الفرح (4) بمطالعة ~~كبريائك، ولمحات جمالك وبهائك، انك أنت الوهاب. # PageV00P058 # الكلمة الرابعة قوله عليه السلام: ما هلك امرؤا عرف قدره (1). # أقول: الهلاك في اللغة هو السقوط، وهذه القضية سالبة كليه تقديرها: لا ~~واحد ممن عرف ربه بهالك، ينتج: لا واحد ممن عرف نفسه بهالك، اما الصغرى فقد ~~مر بيانها، واما الكبرى فبيانها انه لما كانت السعادة الأبدية والكمال ~~المسعد (2) هو الاتصال بالملأ الاعلى ومطالعة بهاء (3) الاسرار الإلهية ~~والمثول بين يدي الواجب الأول، وكان ذلك الكمال هو المستلزم للسلامة ~~المطلوبة للخلق من الهوى في قعر جهنم وحافظا لزلل - اقدام السالكين ~~الواصلين من السقوط عن الصراط المستقيم إلى حضيض الجحيم لاجرم صحت كبرى هذا ~~القياس وصحت بصحتها نتيجته، وهذا المطلوب وان حصل لغير هذا الصنف أعني ~~أصحاب النوع الانساني فإنما يحصل لهم بحسب الباعث على الحركة المنبعثة في ~~تحصيل الحد الأوسط والتفطن للترتيب، واما حصوله لمثله عليه السلام (فلا) ~~فان قوته الشريفة البالغة غير مفتقرة فيه إلى شوق باعث على الحركة في تحصيل ~~الأوسط بل تنساق قوته القدسية إليه طبعا فيحصل المطلوب طبعا. شعر: # ذي المعالي فليعلون من تعالى * هكذا هكذا والا فلا لا الكلمة الخامسة ~~قوله عليه السلام: رحم الله امرء عرف قدره ولم يتعد طوره. # أقول: قدر الانسان مقداره، وقيمته في كل وقت من فضيلة يكون عليها أو ~~رذيلة أو شرف أو خسة، أو كمال أو نقصان، وطوره حالته القولية أو الفعلية ~~التي ينبغي ان # PageV00P059 # يكون عليها عند كونه في ذلك المقدار من الكمال أو النقصان، وتعداه تجاوزه ~~إلى حالة أخرى لا يليق بمقداره ذلك، وإذا عرفت هذا كان المقصود من هذه ~~الكلمة استنزال الرحمة بدعائه عليه السلام لعبد اطلع على مقداره في مدة ~~حياته الدنيا مراعيا لموافقة طوره وهو قوله ms044 أو فعله وبالجملة الحال التي ~~يليق بمقداره لمقداره بحيث لا يتعداه إلى حالة وطور يكون أليق بمقدار آخر ~~غير مقداره، وذلك كان يكون مثلا من أهل الدناءة فيأخذ في الكبر الفخر ~~بالاباء وغير ذلك، أو يكون شريف العقل عالما فيعمل اعمال الملوك ويقتنى ~~مقتنياتهم، فان ذلك في الحقيقة جور وهو طرف الافراط من فضيلة العدالة ~~وتجاوز منها إليه. # ويمكن ان تأول هذه الكلمة على وجه آخر فنقول: ان قدر الانسان مقداره ~~ومبلغه الذي ينبغي ان يصل إليه، وطوره حده الذي ينبغي ان يقف عليه وتعداه ~~تجاوزه، ثم المبلغ الذي ينبغي ان يطلب هو ما عرفت انه الوسط الحقيقي من كل ~~حركة إرادية خيرية وهو الفضيلة النفسانية التي تحدث عنه (1) متسالمة (2) ~~القوى البدنية بعضها لبعض، واستسلامها للقوة المميزة حتى لا يتغالب ولا - ~~يتحرك نحو مطلوباتها على حد (3) طباعها وهي الفضيلة المسماة بالعدالة وقد ~~عرفتها وعرفت انها تحدث عن اجتماع الفضائل الثلاث التي هي أمهات الفضائل، ~~وهي الحكمة والعفة والشجاعة وقد عرفت حدودها وأنواعها، وإذا عرفت ذلك ~~فنقول: مقصود هذه الكلمة إنما هو استنزال الرحمة الإلهية بدعائه عليه ~~السلام لعبد عرف هذه الفضيلة المستلزمة لحصول هذه الفضائل ثم وقف عندها ~~فإنها طوره الذي ينبغي ان يقف عنده ولم - يتجاوزها إلى طرف الافراط فيدخل ~~في زمرة الجائرين (4) الملعونين بلسان الله: الا لعنة الله على الظالمين ~~(5). # فان قلت لو أراد ذلك لقال تماما لذلك: ولم يقصر عن طوره، إذ كان تحقق # PageV00P060 # تلك الفضيلة لا يتم مع التقصير عنها والوقوف دونها والدخول في المهانة ~~التي هي طرف التفريط من تلك الفضيلة؟ # قلت: انه لا حاجة به عليه السلام إلى ذكر هذا القيد إذ يكون تكريرا وقد ~~تنزهت ألفاظه الا عن الوجازة المستلزمة للجزالة، إذ المعنى الذي أردت واليه ~~قصدت مذكور في الكلام مدلول عليه بطريق الالتزام، وذلك أن استنزال الرحمة ~~لمن يتجاوز هذه الفضيلة يستلزم النهى عن تجاوزها، والنهى عن التجاوز مستلزم ~~للامر بالوقوف عندها، وهو مستلزم للامر بطلبها وعدم الوقوف دونها فلا جرم ~~ذكر ms045 عليه السلام هذا القيد ولم يذكر ذلك، والأول أظهر، والله ولى التوفيق. # الكلمة السادسة قوله عليه السلام: قيمة كل امرء ما يحسنه (1). # أقول: القيمة يقال بحسب الحقيقة على ما يقوم مقام الشئ ويعوض عنه وهو ~~الثمن ويقال بحسب المجاز على الأمور التي تكتسبها النفس الانسانية من ~~الهيئات كالعلوم والأخلاق الفاضلة واضدادها، ووجه المجاز ان التفاوت كما ~~أنه حاصل في قيمة الشئ بحسب تفاوت جوهر المثمن في الجودة والرداءة والشرف ~~والخسة، وبحسب تفاوت انظار أهل - التقويم ورغبات الطالبين كذلك هو حاصل ~~فيما يحسنه الانسان مما هو مكتسب له من تلك الهيئات كالاعتقادات المختلفة، ~~فمنها علوم موصولة إلى السعادة الأبدية، ومنها اعتقادات # PageV00P061 # مخلدة في الشقاوة السرمدية، وما بينهما درجات، وكذلك الحال في باقي ~~الأمور المكتسبة للانسان والطبيعية له. ثم إن ذلك التفاوت دل على أن ~~الموصوف بأحد هذه الصفات كيف هو مستلزم لتفاوت درجات الاستدلال على أحواله ~~في ذاته وكمالها ونقصانها بحسب تفاوتها في ذلك فلا جرم صدق عليه السلام ان ~~" قيمة كل امرء ما يحسنه ". # واعلم أن في هذا الكلام مع اشتماله على الوجازة والصدق والبلاغة حثا على ~~اكتساب أشرف أنواع الثمن المذكور من الكمالات النظرية والعملية واقتناء ~~المكارم، وذلك أن العاقل إذا سمع هذا اللفظ واطلع على سره مع ما في نفسه من ~~محبة أن يكون أشرف أبناء نوعه فلابد وان يجتهد ويبالغ في طلب أقصى المراتب ~~الشريفة فيكون ساعيا في تحصيل القيمة الأوفى حتى إذا حصلت دلت على شرف ذاته ~~وكمالها في نفسها كما تدل القيمة على شرف ما هي قيمة له. # واعلم أنه يحتمل ههنا ان تفسر القيمة باعتبار الخلق بعضهم لبعض ويكون ~~التقدير ان اعتبار الناظرين ووزنهم للانسان في نفسه بميزان العقل لا بالنظر ~~إلى ذاته من حيث هي ذاته بل بالنظر إلى ما يحسنه، فيكون اعتبارهم لذاته ~~تابعا لاعتبارهم الهيئات التي اكتسبها والأعمال التي ارتكبها، ويكون رجحان ~~ذاتها وشفافيتها وكمالها في انظارهم ونقصانها وشرفها وخستها الذي هو قيمته ~~في الحقيقة تابعا لشرف أحواله وافعاله وما يحسنه ms046 من الصناعات الموجبة ~~للتكميل والتنقيص، والاعتبار الأول أظهر، وبالله التوفيق. # الكلمة السابعة قوله عليه السلام: الناس أبناء ما يحسنون. # أقول، معنى هذه الكلمة قريب من معنى التي قبلها وذلك لان (1) الابن كما ~~يطلق حقيقة على حيوان يتولد عن آخر من نوعه نطفته من حيث هو كذلك وينسب ~~إليه فيما يصدر عنه من الافعال ويشاهد منه من الأخلاق والأقوال وكثيرا ما ~~تختلف تلك # PageV00P062 # النسبة بحسب اختلاف درجات أفعال ابائهم في الخير والشر وتفاوت أخلاقهم في ~~الشرف والخسة حتى لو كان الأب رجلا شريفا أو وضيعا ففعل الابن فعلا مناسبا ~~لفعل أبيه أو تكلم بكلام مناسب لكلامه قيل، فلان ابن أبيه، كذلك يطلق مجازا ~~على من ينسب إلى أمر شريف أو خسيس يكون عالما به وعاقلا له وذلك من باب ~~الاستعارة والتشبيه حتى إذا تكرر عنه ذلك الامر أو عرف منه فضيلة أو رذيلة ~~نسب إليها وصار معروفا بها كما كان يعرف بأنه ابن فلان وينسب (1) إليه وفى ~~هذا الكلام أيضا ما في الأول من الحث على طلب أشرف الرتب واعلى الدرجات ~~الموصلة إلى السعادة الدنياوية والأخروية وتنبيه للعاقل على ما عسى أن يكون ~~غافلا عنه من أنه يجب ان لا يرضى بناقص الأعمال ودنيها بل يواظب على طلب ~~الأشرف من ذلك والأعلى حتى لا ينتسب الا إليه ولا ينتسب إلى أب ساقط وضيع ~~فيعلم حينئذ ان الفخر السنى والكمال البهى والشرف الأصيل والمنصب الجليل ~~إنما هو بتخلية الذات عن المنجسات وتحليتها بأشرف الصفات لا بشرف القنيات ~~(2) والنسبة إلى العظام الرفاة، شعر: # وما الفخر بالعظم الرميم وإنما * فخار الذي يبغي الفخار بنفسه الكلمة ~~الثامنة قوله عليه السلام: المرء مخبوء تحت لسانه (3). # أقول: يقال: خبأت الشئ أخبأه خبئا إذا سترته وحفظته عن النظر، واللسان # PageV00P063 # يطلق حقيقة على اللحمة المخصوصة الموجودة في الفم ويقال مجازا على نفس ~~العبارة كما أشير إليه في التنزيل الإلهي: واختلاف ألسنتكم وألوانكم (1) ~~والمعنيان محتملا الإرادة وتقدير - الخبر: معرفة المرء مخبو تحت لسانه لان ~~نفس حقيقة المرء لا يظهرها العبارة ms047 واعلم أنه لما كان الانسان ليس عبارة عن ~~مجرد هذا البدن المحسوس بل لابد في تحقق الانسان من أمر اخر كما علمت قبل ~~وكان لا ينفك ذلك الامر عن أن يكون موصوفا بصفة كمال أو صفة نقصان وكان ذلك ~~الجزء منه وما يصحبه من الصفات الكمالية والنقصانية مستورا لا يطلع عليه ~~(2) أحد من أبناء نوعه بشئ من الحواس، إذ كان غير محسوس بل لابد في الاطلاع ~~عليه بحسب العقل من دليل يوضح تحققه لاجرم صدق عليه انه مستور مخبوء. # ثم إن العناية الإلهية اقتضت أن يكون له قوة نطقية معربة عن تلك الصفات ~~بحسب الالتزام كاشفة لستر الجهل بها عن بصائر المبصرين وضمائر المختبرين ~~فلا جرم صدق ان المرء مخبوء " تحت " لسانه، والمقصود من جهة " تحت " إنما ~~هي الجهة الوهمية لا المكانية وإنما خصصها بجهة " تحت " لان العبارة التي ~~هي المقصود من وضع اللسان لما كان سببا يكشف لذلك الستر ويظهر معرفة المرء ~~من خباء الجهل به إلى ظاهره بالانتقاش في أذهان المختبرين وكان السبب أعلى ~~من المسبب لاجرم كان المسبب الذي هو المعرفة تحت سببه الذي هو اللسان ~~المشار إليه. # وان حملنا اللسان على حقيقته كان أيضا حسنا فان هذه اللحمة المخصوصة لها ~~سببية في تلك المعرفة واظهارها فإنها محل العبارة فهي سبب معدلها وباقي ~~التقرير بحاله، وهذه نكتة لطيفة في باب الاستعارة وهي قطرة من بحر اسرار ~~كلامه عليه السلام فانظر إلى عناية الله كيف خصته بهذا القوة القديسة ~~الشريفة البالغة تقريرا وبيانا لقوله تعالى: يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت ~~الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وما يذكر الا أولوا الألباب (3). # PageV00P064 # الكلمة التاسعة قولة عليه السلام: الشرف بالعقل والأدب لا بالحسب والنسب. # أقول: الشرف العلو في المرتبة، وما العقل فقد عرفت حقيقته وأقسامه ~~ومراتبه، واما الأدب فهو اصلاح القوة العملية بجماع مكارم الأخلاق، واما ~~الحسب فهو الكفاية من المال وما يجرى مجراه وإن كان قد يراد به ما يؤثر من ~~المكارم أيضا ولكنه بهذا المعنى يكون من اجزاء ms048 الشرف، والنسب الأصل. # واما بيان هذا الحكم انك قد علمت أن الكمال الذي يخص الانسان على قسمين، ~~وذلك لأنك علمت أن لنفسه قوتين، نظرية وعملية فلذلك كان كمال إحداهما وهي ~~النظرية تحصيل المعارف الحقيقية والعلوم اليقينية وكان كمال الأخرى وهي ~~العملية وغايتها نظم الأمور وترتيبها فإذا حصل للانسان الكمال في هاتين ~~القوتين فقد سعد السعادة التامة، اما كماله النظري فان يحصل لنفسه ~~المعقولات الأولى التي هي العلوم الأولية المعدة لتحصيل المعقولات الثانية ~~وينتهى في الترقي إلى درجة العقل المستفاد كما قررناه، واما كماله بحسب ~~قوته العملية فهو الكمال الخلقي ومبدؤه من ترتيب قواه وافعاله الخاصة بها ~~حتى لا تتغالب (1) وتتسالم فيه بحسب تمييز قوته النظرية مترتبة منظومة كما ~~ينبغي وينتهى إلى الترتيب المديني (2) الذي يترتب فيه الافعال والقوى بين ~~الناس حتى ينتظموا كذلك (3) الانتظام ويسعدوا سعادة مشتركة كما وقع ذلك في ~~الشخص الواحد فإذا الكمال الأول بمنزلة الجزء الصوري والكمال الثاني بمنزلة ~~الجزء المادي ولا تمام لأحدهما دون الاخر (4) فان بالعمل يتم العلم والمبدأ ~~بلا تمام ضائع، والعلم مبدء للعمل والتمام بلا مبدء ممتنع، وفى كلام علي ~~عليه السلام: " العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فان ~~اجابه والا ارتحل " وهو يحقق ما قلناه، فإذا بلغ الانسان إلى النهاية في ~~هاتين المرتبتين # PageV00P065 # فقد فاز الفوز التام إذ (1) صار عالما صغيرا فتصور حقائق الموجودات ~~وتمثلت في ذاته ثم حصل على فضيلة العدالة بجميع اجزائها وأنواع اجزائها ~~فحصل على الوسط الحقيقي المعبر عنه في الرموز الإلهية بالصراط المستقيم فلم ~~يفته من النعيم شئ إذا استعد بهذا الكمال لجوار رب العالمين إذا عرفت ذلك ~~فاعلم أنه عليه السلام عبر بالعقل عن الكمال الأول وبالأدب عن الكمال ~~الثاني، وينبغي ان يعلم (2) انه لا فخر ولا مباهاة الا بهذه الفضائل فقط، ~~واما الفخر الوهمي كافتخار من يفتخر بما جمع من مال أو بما سبق له من ~~الأسلاف لأنهم كانوا على شئ من أنواع الفضائل أو عليها كلها فليس بفخر، اما ~~بالمال فلان الشرف ms049 الحقيقي لا يعتبر الا بالكمال النفساني الباقي ابدا ~~فالفخر والمباهاة ليس الا به. # والمال ليس كذلك اما أولا فلانه ليس بفضيلة نفسانية فلا يكسب سعادة ~~أخروية بل ربما أكسب ضدها وإذا كان خارجا عن نفس الانسان كان المباهى به ~~مباهيا بأمر خارج عنه، ومن باهى بما هو خارج عنه فقد باهى بما لا يملكه. ~~واما ثانيا فلانه غير باق وكيف يبقى ما هو معرض للآفات والزوال في كل لحظة ~~وليس صاحبه منه على ثقة في وقت من الأوقات، وإذا كان كذلك فترى انه مما لا ~~(3) يستحق ان يباهى (4) به ويفخر واصدق الأمثال فيه قوله تعالى: واضرب لهم ~~مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب (إلى قوله) فأصبح يقلب كفيه على ~~ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (5) ~~وقوله: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا (6) وقد اشتمل ~~القرآن والسنة النبوية لذلك (7) على أمثلة كثيرة. # PageV00P066 # واما الفخر بالنسب فغاية ما يدعيه المفتخر المتشرف به إذا كان صادقا ان ~~آباءه واسلافه كانوا قد جمعوا الفضائل وحصلوا على الكمالات التي بها الفخر ~~والشرف لكن انظر إليه لو حضر أسلافه وقالوا: الفضل الذي تدعيه فينا هو لنا ~~دونك فنحن مستبدون به فما الذي فيك منه مما ليس في غيرك؟ فإنك تجده حينئذ ~~مفحما مسكتا خجلا غير حاصل على شئ، واليه الإشارة بقوله عليه السلام: لا ~~تأتوني بأنسابكم وائتوني بأعمالكم. وحكى عن مملوك كان لبعض الحكماء انه ~~افتخر عليه بعض رؤساء زمانه فقال له المملوك: ان افتخرت على بفرسك فالحسن ~~والفراهة للفرس لا لك، وان افتخرت ببزتك (1) وآلاتك (2)، فالحسن لهما دونك، ~~وان افتخرت بآبائك فالفضل كان لهم (3) دونك، فإذا كانت المحاسن والفضائل ~~كلها خارجة عنك وأنت منسلخ منها وقد رددناها على أهلها بل لم تخرج عنهم حتى ~~ترد إليهم (4) فأنت من!؟ (5) وحكى عن بعض الحكماء انه دخل على بعض الأغنياء ~~وكان يحتشد ms050 في الزينة (6) ويفتخر بكثرة ماله وآلاته وحضرت الحكيم بصقة ~~فتنخع بها والتفت في البيت يمينا وشمالا فوجد البيت كله مزينا بالآلات ~~المستحسنة فلم يجد لها موضعا فبصق في وجه صاحب البيت، فلما عوتب على ذلك ~~قال: نظرت إلى البيت وجميع ما فيه فلم أجد أقبح منه فبصقت عليه، وهذا يكون ~~استحقاق الخالين (7) من الفضائل النفسية المفتخرين بالأمور الخارجية ~~الوهمية، شعر: # من كان مفتخرا بالمال والنسب * فإنما فخرنا بالعلم والأدب لاخير في رجل ~~حر بلا أدب * لاخير فيه ولو يمشى على الذهب ولهذا السر صدق عليه السلام في ~~مقاله الصادر عن كماله: الشرف بالعقل والأدب لا بالحسب والنسب. # PageV00P067 # الكلمة العاشرة قوله عليه السلام: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال. # أقول: المراد بالنظر ههنا الاعتبار العقلي لا النظر بالبصر فإنه غير لائق ~~ههنا وذلك أنه لما كان الفخر الأبدي والشرف السرمدي إنما هو بالتحلي ~~بالكمالات العقلية والفضائل الخلقية بعد التخلي عن ادناس أضدادها ونزع ~~اطمار مقابلاتها، وكان ما يعد في العرف كمالا ونقصانا ويظن في الظاهر جمالا ~~وقباحة (1) من حسن البزة ونضارة الوجه وقبح منظرهما وما يعتبر من مشخصات ~~الشخص اللازمة له في الوجود وما يصحبها من عز وذل، وفقر وغنى، وشرف بيت ~~وخسة، ورفعة أصل ودناءة، وغير ذلك أمورا وهمية واحكاما خيالية صير إليها من ~~متابعة النفس للقوة الشهوية وغفلتها عن الكمال الحقيقي والنقصان البائر، ~~وكانت العناية الإلهية قد اقتضت ان (2) القوة النطقية معربة عما يحصل في ~~ضمير الانسان ومفهمة لما في ذهنه مما لا يطلع عليه غيره من الكمالات ~~والنقصانات النفسانية المدلول عليها بالالتزام من مخاطباته، والمستنبطة ~~بالانتقالات الفكرية من أقواله ومحاوراته، لاجرم حق لذوي العقول ان يلاحظوا ~~بنواظر بصائرهم ما يقول القائل حين يقول، فيستدلوا (3) ينظم قوله وترتيب ~~ألفاظه واستلزامها للحكم النفسية والآداب الخلقية على كمال عقله، وبضد ذلك ~~على نقصان عقله، ويكون ذلك سببا لفهم مقداره وادراك وزنه، وانه هل هو في ~~حيز الملائكة المقربين، أو في مرابض البهائم، وبين ذلك، ولا ينظروا إلى من ms051 ~~قال أي إلى الشخص من حيث إنه ذلك الشخص والى الأمور المشخصة له والكمالات ~~المزينة لذلك الشخص التي إنما تعد كمالا في بادي الرأي فإذا اعتبرت حقيقتها ~~كانت وبالا، والمنهى عنه ههنا هو النظر الأول إليها # PageV00P068 # الحاكم بكونها من الكمالات التي ينبغي ان تقتنى فإنه يجب على العاقل ان ~~لا ينظر (1) إلى الشخص من حيث إنه موصوف بتلك الكمالات الوهمية ولا يعتبره ~~ويلتفت (2) إليه (3) من هذه الجهة، وكذلك لا يعتبره من حيث إنه ذو فقر ~~ومسكنة أو في اطمار ورثاثة حال أو انه ليس من الأصول الشريفة والاباء ~~المعرقة (4) فيرفضه لذلك ويستنقصه فان المرء بأصغريه، قلبه ولسانه، ولا ~~يغرنك جل تحته دبر (5) فان ما يعد في الظاهر كمالا لو كان هو الكمال ~~الحقيقي لكان الأحق به والأولى سيد المرسلين والكامل من عباد الله ولما منح ~~البعداء عن واهب الكل من ذلك الكمال مثقال خردلة، والتاليان باطلان فالمقدم ~~كذلك اما الملازمة فلان العناية الإلهية جلت عن وضع الأشياء إلا في ~~مواضعها، واما التاليان فظاهر البطلان بل يعتبره (6) من أقواله المستلزمة ~~لنقصانه أو كماله فيحكم عليه بأحدهما بعد الاختبار فيكبره ويكرمه أو يحتقره ~~ويهينه عن سهام بصيرة خرقت أستار غيبه ولمحت اسرار لبه، والله تعالى هو ~~الموفق. # الكلمة الحادية عشر قوله عليه السلام: إذا تم العقل نقص الكلام (7) أقول: ~~سر هذه الكلمة ظاهر مما سبق وذلك أن النفس كلما ازدادت علوا في # PageV00P069 # مراتب الكمال كان ضبطها للقوة المتخيلة أشد فكان الكلام الصادر عنها أقل ~~وجودا إذ لا يصدر عنها حينئذ كلمة الا عن ترو وتثبت ومراجعة لعقلها في ~~كيفية وضع تلك الكلمة واستلاحة ما تؤول إليه وما يلزم عنها من المفهومات ~~وتمييز احتمالاتها وحركة الفكر (1) في استحضار السبب الموجب للكلام حتى ~~تصير الكلمة الخارجة مهذبة مميزة محكمة متقنة لا يكون منها حذر ولا يلحق ~~بسببها ضرر، وإذا كانت كلمة تامة العقل موقوفة الوجود على هذه الشروط ~~الكثيرة والأسباب البعيدة فلابد وأن تكون أقلية الوجود وتزداد أقلية وجودها ~~بحسب زيادة درجات العقل إلى ms052 أن يصير السكوت في موضعه والكلام في موضعه ملكة ~~وخلقا للعاقل، وهذا بخلاف ناقص مراتب العقل فإنه كلما كان عقله انقص كان ~~خروج الكلام منه أكثر وأقبح، وذلك لقلة ضبط القوة العاقلة للمتخيلة وعدم ~~مراجعة العقل العملي للقوة النظرية في استنباط الآراء الصالحة والأقوال ~~المصلحية وذلك لنقصان درك القوة النظرية وبالجملة لأقلية الشروط الموجبة ~~لقله الكلام، والعلة كلما كانت ابسط كان صدور المعلول عنها أقرب وأسرع، ~~وبالله التوفيق الكلمة الثانية عشر قوله عليه السلام: لا داء أعيا من ~~الجهل. # أقول الداء المرض والاعيا (2) الذي لا دواء له كأن الأطباء عيوا عن ~~دوائه، والجهل قد يراد به عدم العلم عما من شأنه ان يعلم كالانسان، وقد ~~يراد به الاعتقاد الجازم الغير المطابق الحاصل من شبهة (3) الدليل، والمعنى ~~الأول عدمي ويقابل العلم تقابل العدم # PageV00P070 # والملكة ويسمى جهلا بسيطا والثاني وجودي ويقابل العلم تقابل التضاد ويسمى ~~جهلا مركبا، واطلاق لفظ الجهل بحسب الاشتراك اللفظي، واعلم أن الداء قد ~~يكون بدنيا وقد يكون نفسانيا وعلى الحالين فقد يكون ذا عياء وقد لا يكون، ~~ثم النفس وان كانت ذات ادواء كثيرة غير أن أشدها عياء وأقواها سببية للبعد ~~عن الرحمة الإلهية هو داء الجهل المركب خصوصا ما كان منه مضادا للعلم ~~بالصانع تعالى وصفاته فإنه لا يرجى له صلاح ولا يتوقع لصاحبه (1) فلاح، وهو ~~المنبع (2) لأكثر الأمراض النفسانية وذلك انك لما (3) عرفت ان الكمال ~~الدائم والسعادة التامة للنفس إنما هو بحصول العلم بمباديها وتصور الحضرة ~~الإلهية كما هي بحسب الامكان فاعرف ان النقصان اللازم والشقاوة الثابتة ~~إنما هي بحصول الاعتقادات المضادة لذلك اليقين وتمكنها من جوهر النفس لعدم ~~امكان اجتماعهما، واما الجهل البسيط فيمكن علاجه إذا كان غير مناف للعلم ~~الذي هو سبب السعادة وكذلك سائر الأمراض النفسانية بعد أن تكون للنفس ~~المسكة (4) التامة بمباديها العالية فان أكثرها تكون اما حالات غير متمكنة ~~من جوهر النفس أو هيئات مستفادة من الأمزجة فتزول بزوالها، واما سائر ~~الأمراض البدنية فإنه وإن كان فيها مالا يمكن علاجه لكن ms053 تفاوت ما بين ~~الموتين (5) بتفاوت ما بين المريضين (6) وتفاوت ما بين المريضين (7) بتفاوت ~~ما بين الغايتين من صحتهما وعافيتهما، وعرفت ان غاية عافية النفس هو تحصيل ~~الكمال الباقي وغاية صحة البدن في الغالب كمال فان فان بصحته للنفس كمالا ~~ما يكون باقيا (و) كان ذلك مشروطا بصحتها عن داء الجهل حتى لو كان متمكنا ~~من جوهرها لكان كل سعى بدني عليها وبالا ونقصانا وخيبة وخسرانا ولو كان ~~أشكل مرض بدني حاصلا (8) مع صحة النفس عن ذلك المرض لما ضرها ذلك في معادها ~~إذ لا تخلو مع ذلك من استفادة كمال ما، والوصول إلى سعادة تليق بها لو فقدت ~~(9) بسبب ذلك المرض علما وكمالا ما # PageV00P071 # فقد تحقق ان داء الجهل أعيا كل داء، واما كان الداء من حيث هو غير ملائم ~~للطبع وكان الداء الذي هو الجهل أعيا الادواء وأعسرها برء وأكثرها مضرة على ~~الانسان كان في هذه الكلمة تنبيه له على أنه يجب عليه ان يجتهد في حسم ~~أسباب هذا الداء في الابتداء قبل استحكامه وتمكنه من جوهر نفسه ويبالغ في ~~أن لا يعرض له فان الصحة قبل المرض أنفع منها بعده، وطريق ذلك الحسم ان ~~يلازم الأعمال الجميلة التي توجب كمال النفس من أول زمانه ويتخير لنفسه ~~أفضل الأطباء بحسب اجتهاده فإن لم يفعل واستعرض شيئا من تلك الأسباب قبل ~~تمكن الداء الذي تلك أسبابه وتنبه لطلب العلاج فليرض نفسه بلجام الصبر ~~وليلفتها بمقود الندم وليجرها بالتمرين والتعويد إلى أن ينقى لوح نفسه من ~~مقدمات ذلك المرض ثم ليغذها (1) بالعلوم اليقينية وملازمة الأعمال الجميلة ~~فإنها سترجع إلى الصحة التامة اللذيذة والسعادة الدائمة ويكون في غاية ~~الغبطة والسرور ابدا فقد صدق بحر العلم والفضائل: لا داء أعيا من الجهل. # الكلمة الثالثة عشر قوله عليه السلام: لا مرض أضنى من قلة العقل. # وفى نسخة: اخفى من قلة العقل. # أقول: الضنى مخامرة المرض كلما ظن المريض انه برأ انتكس (2) واما العقل ~~فقد عرفته وهو مقول بحسب الاشتراك اللفظي على القوة التي بها ms054 يكون التمييز ~~بين الأمور الحسنة والقبيحة والسعي في مصالح البدن وتدبير المعاش وهي ~~المسماة عقلا عمليا، وعلى القوة التي بها يكون تكميل جوهر النفس (وهي ~~المسماة) عقلا بالفعل، وعلى درجات استعداد هذه القوة لتباين حدودها ~~وحقائقها وقد أومأنا إلى ذلك غير مرة وإذا عرفت ذلك فنقول: قد تطلق # PageV00P072 # قلة العقل على النقصان الحاصل من جميع هذه المراتب لكن المقصود الظاهر ~~والنقصان البائر (1) المذموم بحسب العرف هو النقصان في العقل بالملكة أعني ~~الاستعداد الذي يكون لدرك المعقولات وفى العقل العملي أعني الاستعداد ~~للتميز بين الأمور الحسنة والقبيحة، وإن كان قد يكون النقصان ههنا تابعا ~~للنقصان الأول وهذا التخصيص بحسب المفهوم من هذه الكلمة والا فقد تطلق قلة ~~العقل أيضا على عادم الغريزة وعلى العقل الهيولاني، والسبب في ذلك هو ~~اختلال أمر القوى النفسانية، اما لضعف الأرواح الحاملة لها وقلة كميتها أو ~~لسوء تركبها وامتزاجها وخروجه عن الاعتدال الذي تتمكن النفس من تصريف القوى ~~معه فيكون سبب عدم تمكن النفس من تصريف تلك القوى فيما يصلحها فيكون بسببه ~~قصور استعدادها لقصور آلتها، وقد يكون السبب في قلة تدبير أمر المعاش ~~واصلاح الدنيا ونقصان الاستعداد لذلك هو التفات النفس في غالب أحوالها إلى ~~الوجهة الحقيقية واصلاح أمر المعاد وقطع العلائق الجسمانية فيسمى صاحبها في ~~العرف إبله ومغفلا أي سليم الصدر قليل الاهتمام بشأن الدنيا غافل عن طلبها ~~قليل العقل لكيفية اكتسابها وهم الذين قال صلى الله عليه وآله فيهم: أكثر ~~أهل الجنة البله، لكن هذا المعنى غير مراد ههنا لان المرض ليس بمضن فضلا أن ~~يكون أضنى من غيره إذا عرفت ذلك فنقول: # اما اطلاقه عليه السلام المرض على النقصان المذكور من استعداد النفس ~~فاطلاق مجازى لان المرض من الكيفيات المختصة ببدن الحيوان ووجه المناسبة ان ~~الكيفية المسماة بالمرض لما كانت مانعة من السعي في مصالح البدن وما يتعلق ~~به وكان نقصان استعداد النفس في المراتب المذكورة مانعا لها من قبول تمام ~~الفيض الإلهي الذي من شرطه تمام الاستعدادات لا جرم اطلق عليه ms055 السلام لفظ ~~المرض عليه، وهي استعارة حسنه وانتقال لطيف لا يصدر مثله الا عن مثل ذلك ~~الذهن الصافي المتوقد. واما اثبات المطلوب من هذه الكلمة وهو انه لا مرض ~~أضنى من هذا المرض فيستدعى أولا بيان ان الضنى من # PageV00P073 # يطلق على هذا المرض واطلاقه أيضا مجازى وذلك أن الضنى من عوارض الأمراض ~~البدنية وقد بينا وجه التجوز بلفظ المرض فكذلك يطلق عارض المرض البدني على ~~عارض هذا المرض لمكان المشابهة، وبيانها ان المرض البدني كما يشتد ويخامر ~~البدن حتى كلما ظن المريض انه برأ نكس (1) فكذلك للمذكور (2) في درجات ~~الاستعداد (3) مرض قد يشتد ويخامر نفسا قام بها حتى كلما ظنت انه قد كمل ~~عقلها وتم استعدادها فهي منتكسة (4) في ذلك المرض ناقصة العيار عند صحة ~~الاعتبار. # واما انه أضنى من سائر الأمراض فلان خوف المرض وقوة ضرره تابع لشرف الجزء ~~المريض وخطره وكلما كان المرض أقرب إلى جزء شريف كان خوفه أكثر وخطره أكبر ~~وكان أشد وأضنى من غيره وعرفت ان النفس هي الجزء الأشرف من الانسان بل هي ~~تمام الانسان وان صحتها وكمالها هو المطلوب الأصلي من خلقها والسبب الغائي ~~من وجودها فاعرف ان مرضها أشد مرض وأضناه ونقصانها أرذل نقصان وأرداه، وتجد ~~كل مرض بالنسبة إليه صحة وكل ألم بالقياس إلى المه راحة. # واما على الرواية الثانية: # وهو انه اخفى الأمراض فلا شك فيه وخصوصا بالقياس إلى من لحقه وتعلق به ~~فان نقصان صاحب هذا المرض به هو الموجب لاعتقاده انه كامل فكل من كان ~~استعداده للفضل انقص كان اعتقاده الوهمي لكماله أقوى وازيد، شعر: # كدعواك (5) كل يدعى صحة العقل * ومن ذا الذي يدرى بما فيه من جهل؟! # وكل من كان استعداده للفضل أزيد كان اعترافه بالعجز عن الوصول أتم، ~~والسبب في ذلك محبة النفس للكمال من حيث هو وغفلة نفس الأول عن نقصانها ~~فيعتقد ان الكمال لها لازم، واطلاع الثاني على عيب نفسه وحاجتها إلى ~~التكميل من نقصانها ومعرفتها # PageV00P074 # بقدر ما هي محتاجة إليه من الكمال وشرفه ms056 وعزته، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ~~إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب (1). # الكلمة الرابعة عشر قوله عليه السلام: نعمة الجاهل كروضة في مزبلة. # أقول: النعمة في الأصل هي المال وقد كثر استعماله حتى قيل في كل كمال ~~يلحق الانسان انه نعمة اما بحسب الاشتراك اللفظي أو المعنوي والروضة مستنقع ~~الماء ومنبت الخضر، والمزبلة موضع الزبل ومرماه والمقصود الذاتي من هذه ~~الكلمة بيان ان الجاهل وان حصل على النعمة (2) الدنياوية بأجمعها فهي غير ~~لائقة به وهو غير صالح لان يكون محلا لها ومع ذلك فلابد ان تزول عنه وتقرير ~~ذلك أن النعمة قد تكون نعمة باقية وهي الكمال النفساني، وقد تكون نعمة ~~فانية وهي الكمال البدني، وعلى التقديرين فقد تحصلان معا للانسان الواحد ~~وقد يخلو منهما وقد يحصل له إحداهما دون الأخرى والأول آخذ بطرفي ~~السعادتين، هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب، وان له عندنا لزلفى وحسن ~~مآب (3)، والثاني حاصل على خسران الصفقتين، خسر الدنيا والآخرة وذلك هو ~~الخسران المبين (4)، والثالث ان حصل على النعمة الباقية فهو في عيشة راضية ~~في جنة عالية (5)، وان اشتمل على النعمة الفانية فقط فأمه هاوية (6)، الذي ~~جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة (7)، والإشارة ~~في هذه الكلمة إلى صاحب هذه النعمة. # واما تشبيهه عليه السلام لهذه النعمة بالروضة الكائنة في المزبلة فبيانه ~~من وجهين: # PageV00P075 # أحدهما - ان المزبلة لا يبقى الماء فيها بل عن قليل تكون يبسا لا نداوة ~~فيها فكذلك الجاهل تكون نعمته معرضة (1) للزوال فهي ان لم تزل في حياته ~~فلابد من زوالها بموتة. # الثاني - ان المزبلة لما كانت محل النجاسة كانت غير لائقة لاستنقاع الماء ~~المنتفع به فيها فكذلك الجاهل ذو المال لما كان غير واضع للأشياء مواضعها ~~من حيث إنه جاهل وغير مصرف لذلك المال كما ينبغي وفى الوجه الذي ينبغي لعدم ~~العلم بالوجوه والمصارف لاجرم كان غير لائق لان يكون محلا لها إذا كان غير ~~منتفع بها بوجه. # ويحتمل وجها آخر وذلك ms057 أن العادة في الروضة ان تعشب وتخضر بسبب استنقاع ~~الماء فيها فربما تبقى هذه الأعشاب وتلك الخضرة زمانا لجودة الأرض وحفظها ~~للنداوة وإنما وزاد ما ينتفع به الحيوان فإذا كانت الروضة في مزبلة لم تكن ~~لائقة للانتفاع بخضرتها في مسرة وابتهاج وغير ذلك ولم يكن للحيوان عليها ~~اعتماد في مرعى فكذلك حال الانسان مع النعمة الحاضرة إن كان عالما بمصارفها ~~واضعا لها في مواضعها كان كروضة في ارض حرة (2) ينتفع هو بها (فيدخر) في ~~الدنيا والآخرة حمدا (3) جميلا وثوابا جزيلا وينتفع غيره بنضارة خضرتها ~~ونداوة (4) عشبتها (5)، وإن كان جاهلا غير واضع لها في مواضعها كان كالروضة ~~في مزبلة غير منتفع بها، وهذه الوجود محتملة لبيان هذا المثل وتلك الأمثال ~~نضربها للناس لعلهم يتفكرون (6). الكلمة الخامسة عشر قوله عليه السلام: ~~اغنى الغنى العقل. # أقول: الغنى قد يطلق ويراد به عدم الحاجة، وقد يطلق ويراد به حصول الأمور # PageV00P076 # المحتاج إليها ويقابله الفقر بمعنين، وعلى التقديرين فإنه مقول بحسب ~~التشكيك على جزئياته إذ منه ما هو أشد ومنه ما هو أضعف، اما العقل فقد عرفت ~~أقسامه ومراتبه وحقائق تلك المراتب، وإذا كان كذلك فنقول: المراد من الكلمة ~~بيان ان أشد درجات الغنى العقل، المراد بالغنى حصول الأمور المحتاج إليها ~~ههنا، فان أعظم الأمور المحتاج إليها وأشرفها درجة في حصول الكمال بها هو ~~العقل إذ كان سبب السعادتين وبه تنال المقاصد الكلية وبه تحصل الكمالات ~~الحقيقية دون ما يحتاج إليه من مال وغيره، ويمكن ان يفسر الغنى أيضا ههنا ~~بعدم الحاجة الا انا نحتاج (1) إلى زيادة اضمار إذ الاستعداد المسمى عقلا ~~ليس بعدم الحاجة بل مستلزم لعدم الحاجة إلى حصوله بعد حصوله فيصير التقدير: ~~أقوى درجات الغنى لازم عن حصول العقل، الا انه جعل المحمول ههنا نفس العقل ~~لما (2) ان حمل الملزوم مستلزم لحمل اللازم واعلم: انا لا نعني ان بمجرد ~~حصول العقل يحصل الغنى المطلق بل يحتاج إلى قيد آخر به يحصل ثمرة العقل ~~المطلوبة من افاضته بالعناية الأزلية وهو ان يعتنى باصلاح ms058 القوى البدنية ~~وتطويعها للقوة العاقلة وتصريفها بحسب أوامرها ونواهيها فإنك ان لم تفعل ~~ذلك لم تخلص لذوقك حلاوة ثمرة عقلك من شوب مرارات ثمرات طاعات تلك القوى، ~~ولم تصف لك بها لذة عن كدورات لحقت من متابعة الهوى، والله ولى توفيقنا، ~~وإياه نستعين على قهر الشياطين، وهو حسبنا (3). الكلمة السادسة عشر قوله ~~عليه السلام: أحمق الحمق الفقر (4). # أقول: الحمق نقصان العقل ويقال بحسب التشكيك على درجات النقصان فان # PageV00P077 # منها ما هو أشد، ومنها ما هو أضعف، والفقر يطلق ويراد به الحاجة إلى ~~المال، ويطلق ويراد به الحاجة إلى الفضائل النفسانية، والاستعداد الذي به ~~يكون ادراك الأمور الكلية الأولية وما فوقه من الدرجات وان كانت الحاجة أعم ~~من ذلك، وقد يراد به عدم المحتاج إليه في الوجهين، واعلم أن تقدير القضية ~~على هذا الوجه: أشد درجات العقل نقصانا هو الفقر فموضوع القضية قولنا: أشد ~~درجات العقل نقصانا، ومحمولها: الفقر، والمراد بالفقر ههنا الحاجة إلى ~~الفضائل والاستعداد المذكور، وحينئذ يلوح لك صدق هذه القضية فان أشد درجات ~~نقصان العقل عدم الاستعداد المذكور المستلزم للخلو عن الفضائل النفسانية، ~~وقد يحمل الفقر ههنا على المعنى وهو الحاجة إلى المال أو عدمه الا ان ذلك ~~المعنى لا يحمل على أشد درجات نقصان العقل بأنه هو، فان الحاجة ليس نفس ~~نقصان العقل بل يحتاج إلى اضمار شئ آخر في ايضاح هذه القضية حتى يصير ~~التقدير: أشد درجات نقصان العقل لازم عن الفقر الا انه لما كان حمل الملزوم ~~يستلزم حمل اللازم اكتفى في الكلام مراعاة للوجازة بحمل الملزوم. واما علة ~~هذا الحكم فلان العقلاء اتفقوا على أن المال مهذب لصاحبه وموجب لزيادة ~~العقل ومنشط 1) لاكتساب الملكات الفاضلة عند استعماله في الوجوه التي ينبغي ~~ولذلك قالت الحكماء: ان المال إنما جعل زيادة في القوة (2) والرأي وضربوا ~~لذلك الأمثال كالمثل المشهور في كتاب كليلة ودمنة في الباب الثالث منه على ~~لسان الجرذ الذي زعموا انه كان في بيت الناسك (3) وإذا كان كذلك علمت أن ~~الحاجة إلى المال المسمى ms059 فقرا عند تحققه في محل يستلزم خلو ذلك المحل عن ~~تلك الكمالات النفسانية مع ما يلزم الفقر من حيث هو فقر من عدم مقاومة ~~النفس للهوى وانقيادها لقبائح اللذات ومن ارتكاب الرذائل الردية كالحسد ~~والمهانة وانقهار (4) النفس وانفعالها فيما يطلب منها مما يوجب السقوط في ~~مواقع (5) التهم والدخول فيما لا ينبغي المستلزم كل ذلك نقصان العقل ~~ورداءته، وحينئذ يتضح المعنى على هذا التقدير الا ان في هذا # PageV00P078 # الوجه تعسفا ما، ومع ذلك فان لقائل ان يقول: ان الفقر بالمعنى المذكور ~~وان أوجب نقصانا للعقل الا انه لا يكون أشد نقصان، ويمكن ان يقال: ان ~~الأشدية ههنا إضافية أي ان الدرجة من النقصان التي يوجبها الفقر بالنسبة ~~إلى ما هو أضعف منها، وفيه ما فيه من التكلف. # الكلمة السابعة عشر قوله عليه السلام: افقر الفقر الحمق (1). # أقول: قد عرفت ان الفقر يطلق على الحاجة المذكورة إلى طرفي المال ~~والفضيلة النفسانية وعلى عدم الأمور المحتاج إليها اطلاقا في كل معنى من ~~هذه الثلاثة على جزئياته بحسب التشكيك فان درجات الفقر متفاوتة بالشدة ~~والضعف، وإذا عرفت ذلك فنقول: المقصود من هذه الكلمة الحكم بان أشد درجات ~~الفقر هو نقصان العقل وعلة هذا الحكم انه لما كان بين درجة الفقر التي هي ~~الحاجة إلى المال والتي هي الحاجة إلى الفضائل النفسانية من التفاوت بالشدة ~~والضعف ما يكاد يوجب الحكم بأنه لا نسبة بينهما ولا اشتراك فلا جرم صح حمل ~~الحمق على أشد الفقر حملا بأنه هو، إذ الحمق في الحقيقة أشد فقر يفرض كما ~~علمت، وهاتان الكلمتان آخذتان بمجامع الحسن لفظا ومعنى فانظر أيها الأخ إلى ~~هذا الإمام الفاضل سلام الله عليه كيف جمع في هاتين الكلمتين بين الوجازة ~~والجزالة، شعر: # وهل فيه عيب لمن عابه؟! * سوى انه رجل فاضل # PageV00P079 # الكلمة الثامنة عشر قوله عليه السلام: الحكمة ضالة المؤمن (1). # أقول: قد عرفت اقسام الحكمة وحقائقها، والضالة ما ضاع من البهيمة للذكر ~~والأنثى، والايمان في اللغة التصديق، وفى عرف الشريعة عبارة عن التصديق بكل ~~ما ms060 علم مجئ الرسول به ضرورة وهو مذهب المحققين من المتكلمين كأبى الحسن ~~الأشعري واتباعه، (والمؤمن من اتصف بصفة التصديق) (2) ويقابله الكافر لمن ~~لم يتحقق (3) فيه هذه الكل وعليه رأى أبي حنيفة، وعند جمهور المعتزلة ~~والسلف الصالحين رضي الله عنهم انه اسم للمطيع. ولما كانت الطاعة عندهم (4) ~~لا يتحقق الا باجزاء ثلاثة، التصديق بالقلب لما جاء به الرسول، والاقرار ~~باللسان، والعمل بالأركان، كان الايمان أيضا كذلك فالمؤمن لا يستحق اطلاق ~~هذا الاسم عندهم الا إذا تحققت فيه هذه الاجزاء الثلاثة فهي اجزاء ماهية ~~الايمان ويقابله الفاسق لمن أخل بشئ من هذه الاجزاء إذ يمتنعون من تسمية ~~التارك لاحدها مؤمنا لعدم ماهية الايمان منه، ويخصون اسم الكافر بتارك الكل ~~أو (5) الجاحد ظاهرا (6) وان عمل لان العمل مترتب على التصديق وعليه الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه (7) من الفقهاء وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه عليه السلام ~~حكم بأنها ضالة المؤمن وشبهها بالضالة من وجهين: # أحدهما - ان من شأن الضالة ان صاحبها ينشدها ويطلبها ويجتهد فيها بالجعل ~~وغيره # PageV00P080 # فكذلك طالب الحكمة يجتهد في طلبها بحسب البرهان ويبالغ في التفتيش عن ~~كيفية المسالك في طلبها ويلتمس معرفتها من أفواه الأستاذين من العلماء وأهل ~~المعارف كما يلتمس صاحب الضالة ضالته من أفواه المنشدين والعارفين بها ~~وبمظانها فلا جرم كانت ضالة بالنسبة إليه. # الثاني - انه لما كان من شأن الضالة ان لا تنفك عن أحد وجهين، اما ان ~~يجدها طالبها ويفوز بمقاصده وخاصة إن كان متقربا بطلبها إلى من هو أعلى منه ~~متوقعا على وجدانها الحباء (1) والمنحة، واما ان لا يجدها فيبقى في الأسف ~~والخوف والحرمان فكذلك الحكمة لما كان من شأنها انه اما انه يجدها طالبها ~~أوليس، فان وجدها فقد فاز بالمقاصد الكلية وحصل على الأغراض الباقية، وان ~~لم يجدها وهو متقرب بها إلى نيل رضا الله تعالى ومستعد بها لقبول نعمه ~~الباقية في جواره المقدس فقد حصل على الخيبة وضياع السعي وحرمان ما الحكمة ~~إلى نيله وسيلة فكانت بالحقيقة ضالة وأي ضالة. # واما تحصيص المؤمن بها ms061 فلان غير المؤمن اما غير المصدق واما العاصي، اما ~~غير المصدق فتكذيبه ينافي طلبه لان الجزء الأشرف من الحكمة هو معرفة الصانع ~~والمكذب بوجوده كيف يطلب معرفته؟! وكذلك عصيان العاصي حال عصيانه (2) مناف ~~لطلبه وهو ظاهر، فهذا هو المفهوم من هذه الكلمة، والله تعالى يجعل خاتمة ~~سعينا في طلبها وجدانا لها، ويرشدنا على منشديها، ويدلنا على معرفتها ~~والعارفين (3) بها عن صدق، والمطلعين على اسرارها بيقين وهو (4) الموفق. # الكلمة التاسعة عشر قوله عليه السلام: المرء عدو ما جهله. (5) أقول: ~~العداوة بغض صادق يهتم معه بجمع (6) الأسباب المؤذية للمبغوض ومحبة فعل # PageV00P081 # الشر الذي يمكن فعلة به، واما الجهل فقد عرفت أقسامه وحقائقها والمقصود ~~اثبات العداوة للجاهل مع ما يجهله بالمعنيين المذكورين للجهل وبيانه هو ان ~~القوة الوهمية غير مدركة للأمور المعقولة بل إنما تدرك المحسوسات وتوافق ~~الحس وتتبعه في احكامه من (1) المحسوسات حقه (2) ويصدقها العقل فيها ~~ولمطابقتها العقل كانت الهندسيات وما يجرى مجراها سديدة الوضوح لا يكاد ~~فيها اختلاف في الآراء إذ (3) لا يعارض العقل في شئ منها واما المعقولات ~~الصرفة فهي منكرة لها ومكذبة بها لقصورها عن ادراكها، ولذلك كانت احكامها ~~فيها كاذبة يكذبها العقل فيها كحكمها بان كل موجود فلابد وان (4) يكون في ~~جهة لما (5) ان كل محسوس كذلك فكذب العقل ذلك بما ان بعض الموجودات ليس ~~كذلك كالباري تعالى (6) فإذا (7) عرفت ان هذه القوة لاحظ لها في ادراك ~~المعقولات الصرفة وانها منكرة لها ومائلة بمقتضى طبعها وفطرتها إلى الأمور ~~المحسوسة فنقول: ان الجاهل بالشئ إن كان جهله به بسيطا كان السبب في بغضه ~~له ومقابلته بالانكار قصور قوته العاقلة عن ادراكه ومطاوعتها للقوة الوهمية ~~التي هي بمقتضى جبلتها منكرة له وغير قابلة للتصديق به الا في صورة محسوس ~~8)، وإن كان مركبا كان السبب في ذلك البغض والنفار هو مساعدة القوة # PageV00P082 # العاقلة للقوة الوهمية على الانكار لقصورها عن الاطلاع على ذلك الامر مع ~~زيادة أقوى وهي تكيف النفس بالاعتقاد الثابت الجازم المضاد لحصول ذلك ~~المعقول ولذلك كانت عداوة من تلبس ms062 بظاهر الشريعة ممن يدعى التفقه والزهد ~~وليس به للمحققين وأصحاب الانظار الدقيقة وجمع العلوم الجليلة أشد وأقوى من ~~عداوة العوام والخالين من العقائد المضادة للعلم حتى ربما أطلقوا الفتيا ~~بإباحة دمائهم وأوهموا الملوك بالأباطيل الصادرة عن عقائدهم الفاسدة التي ~~ربما كان أكثرها متأكدا بالحسد في الرتب الحاصلة عن ذلك العلم والكمال انهم ~~كفار يضلون الخلق ويفسدون في الأرض بغير الحق، وهؤلاء لا يرجى صلاحهم ولا - ~~ينتظر فلاحهم. واما الأولون فهم وان عادوا ما جهلوا وأبغضوا ما لم يتصوروه ~~فإنهم ربما انقادوا بالتعويد والممارسة وجذب المؤدب الحاذق بلطافته إلى ~~سبيل الخير إذ (1) كان فطام النفس عن رضاع لبان الوهم وإن كان صعبا لكنه ~~ممكن بحسب التدريج والتعويد فقد لاح لك سر قوله عليه السلام: المرء عدو ما ~~جهله. # الكلمة العشرون قوله عليه السلام: قلب الأحمق في فيه ولسان العاقل وراء ~~قلبه (2). # أقول: قد سبق ان المراد بالقلب في عرف أهل العرفان النفس ثم ليس المقصود # PageV00P083 # ههنا ان القلب نفسه في الفم فإذا هو ما يقوم بالنفس من التصورات وجودها ~~(1) في الفم عبارة عن ظهورها في العبارة اللسانية الخارجة من الفم، وكذلك ~~ليس المقصود من لسان العاقل هو هذه اللحمة المخصوصة فانا لو قلنا: ان ~~المراد بالقلب أيضا اللحمة المخصوصة لم يكن اللسان وراء لها بل المقصود ~~العبارة إذ يطلق عليها انها لسان أيضا كما يقال: اللسان الفارسي مخالف ~~للعربي، واليه الإشارة بقوله تعالى: واختلاف ألسنتكم وألوانكم (2) وليس ~~المقصود هو هذا الشكل اللحمي، ثم ليس المقصود من الوراء أيضا الجهة الحسية ~~فان النفس لا جهة لها حتى يتعين لها وراء، بل الجهة العقلية، ولا من النفس ~~أيضا ذاتها بل تصوراتها الصادرة عن الأفكار الصادقة، وحينئذ يصير تقدير ~~الكلمة هكذا: الاسرار القائمة بنفس الأحمق وما ينبغي منه ان لا يظهره موجود ~~في فمه اي عبارته اللسانية، واما العاقل فعبارته بما (3) يتكلم به تابع ~~لتصوراته العقلية الصادرة عن الأفكار الصادقة. # واما السبب في تكلم الأحمق بالجزاف وبما لا ينبغي هو إما عدم الفكر في ms063 ~~استنباط الواجب فيما يجب ان يفعل من الأمور الانسانية أو رداءة تلك الأفكار ~~لقصور استعداد # PageV00P084 # النفس عن الترتيب الصحيح فهي لقصورها غير مطلعة على قصورها بل معتقدة ~~للكمال ومع ذلك فإذا لم يتوقف تحريكها وفعلها على فكر ولا ترو كان كل ما ~~يتصوره مبذولا مذاعا (1) سواء كان مما يجوز ابداؤه أولا يجوز. واما العاقل ~~فلما كانت أفعاله واستنباطه للواجب موقوفا على الأفكار الصحيحة والنظر ~~والتروي لاجرم كانت أقواله المعبر عنها بلسانه تابعة لأفكار عقله فكان ~~لسانه وراء قلبه، والله الموفق للصواب. # الكلمة الحادية والعشرون قوله عليه السلام: ظن العاقل كهانة. # أقول: الظن هو الاعتقاد بأحد النقيضين فإن كان مطابقا للمعتقد كان ظنا ~~صادقا وان لم يطابقه كان كاذبا، وصدق هذا الاعتقاد وكذبه تابعان لصحة ترتيب ~~الامارات و فسادها وصدقها وكذبها، فان ترتيب الامارات الصادقة ترتيبا صحيحا ~~على القانون الذي يجب رعايته في صحة القياس استلزم ذلك الترتيب إفاضة الظن ~~الصادق على الذهن وان اختل قيد من تلك القيود لم يحصل أولم يحصل مطابقته ~~للمعتقد وهو قابل للشدة والضعف وتنتهى مراتبه في القوة إلى الجزم وفى الضعف ~~إلى الشك، ويستعان في طلب قوته بكثرة الامارات وجمعها والنظر فيها، وقد ~~يحصل هذا الاعتقاد عن كثرة التخيلات بسبب اليبس العارض لمزاج الروح الحامل ~~للقوة المتخيلة فتخف حركتها بسبب ذلك ويقل ضبط النفس لها لفساد آلتها ولكنه ~~يكون ظنا كاذبا ولا عبرة به. # واما الكهانة فهي ضرب من الاطلاع على الأمور الغيبية وقد علمت كيفية ~~السبب في الاطلاع عليها غير أن الآثار الصادرة عن الكاهن ضعيفة قليلة بحسب ~~ضعف استعداده وقلته ولذلك لا تتمكن في الغالب من الاخبار بشئ من غير سؤال ~~بل يحتاج إلى سؤال باعث له على التلقي والاعداد لنفسه بالحركة وغيرها مما ~~يدهش الحس ويحير الخيال كما حكيناه عند بيان السبب فعندما يعتنى الوهم ~~ويتوكل بذلك الطلب فكثيرا ما يعرض # PageV00P085 # للكاهن اتصال ويكون لمح الغيب، تارة بضرب من الظن القوى، وأخرى بجنى خطاف ~~(1) أو هاتف لا يرى (2). # وإذ قد بان لك ms064 ان الكهانة ضرب من تلقى المغيبات فنقول: ان ظن العاقل في ~~أغلب أحواله يكون بحسب نظره في الامارات الصادقة الكثيرة فتتعود نفسه ~~بالاستعداد بذلك لسرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب، وقد يكون العاقل ~~ذا قوة قدسية فيكون استعداده أتم وأقوى فيكاد يخطئ، أولا يكون ظنه مطابقا، ~~". # PageV00P086 # كما أن الكاهن يكاد ان لا يكون تلقيه للأمور الغيبية صادقا، ويختلف ذلك ~~بحسب اختلاف الاستعدادات في الظان والكاهن فأطلق عليه السلام لفظ الكهانة ~~على ظن العاقل تجوزا حسنا للمشاركة في أن كل واحد منهما يتلقى بقوة ~~استعداده الإفاضة وان اختلفت أسباب ذلك الاستعداد، والمقصود بيان شرف ظن ~~العاقل بتشبيهه بالكهانة، وتسمى العرب مثل هذا الظان ألمعيا، قال الشاعر ~~(1): # الألمعي الذي يظن بك الظن......... كأن قد رأى وقد سمعا والله ولى ~~التوفيق. # الكلمة الثانية والعشرون قوله عليه السلام: من نظر اعتبر. # أقول: هذه شرطية متصلة قد أثبت عليه السلام فيها ان الاعتبار لازم للنظر ~~ولنبين حقيقة النظر والاعتبار فنقول: النظر والفكر عبارة عن حركة النفس ~~بالقوة الفكرية # PageV00P087 # متوجهة بها من المطالب مترددة في المعاني الحاضرة عندها طالبة مبادئ تلك ~~المطالب الموصلة إليها حتى يظفر بالحد الأوسط منها ويضعه (1) مع طرفي ~~المطلوب أحد الأوضاع المخصوصة التي يستلزم المطلوب فيرجع منها إليه وإن كان ~~قد يطلق على غير هذا المعنى، واما الاعتبار فهو مأخوذ من العبور وهو ~~المجاوزة والتعدي من شئ إلى شئ، ولما كان السالك بالنظر متجاوزا بقدم فكره ~~المبادئ إلى المطالب لا جرم كان معتبرا وإذا عرفت ذلك لاح لك حينئذ وجه ~~الملازمة بين النظر والاعتبار وان من نظر النظر التام بشروطه الصحيحة فلابد ~~وان (2) يعتبر. # فان قلت: المراد من الاعتبار ليس هو العبور بل الاتعاظ والانزجار بدليل ~~قوله تعالى: # وان لكم في الانعام لعبرة (3) وقوله تعالى: ان في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار (4)؟ # قلت: لا نسلم بل الاعتبار حقيقة فيما ذكرنا بدليل انه يقال: اعتبر فاتعظ ~~فتعليل (5) الاتعاظ بالاعتبار والناظر في كيفية خلقة الانعام وفى خلق ~~السماوات والأرض عابر بحركته الفكرية في ترتيب دليل ms065 من خلقها على وجود ~~الصانع وحكمته إلى ذلك المطلوب الا ان الاتعاظ لما كان من لوازم ذلك العبور ~~حتى إذا تقررت في النفس حقائق الأشياء وما يجب ان يقتنى فتطلبه وما ينبغي ~~ان يترك فتجتنبه مما هو ضار لها في أمر معادها فحينئذ تنزجر عن متابعة ~~هواها فيما يوجب لها العذاب الأليم وذلك معنى اتعاظها، والى ذلك أشير في ~~التنزيل الإلهي: إنما يخشى الله من عباده العلماء (6) الذين لمحوا بلواحظ ~~أفكارهم عواقب الأمور ونتائج المقدمات فلازموا خشية الله تعالى وانزجروا عن ~~متابعة الهوى لاجرم اطلق في موضع آخر لفظ العبرة والاعتبار على الاتعاظ ~~مجازا من باب اطلاق اسم الملزوم # PageV00P088 # على لازمه وصار هذا المجاز لحسنه متداولا كثيرا ما يعتبر به عن الاتعاض ~~لظهور معنى الاتعاظ فربما التبس على من لم يفرق بين المعنيين انه حقيقة في ~~الاتعاظ دون غيره والتحقيق هو ما ذكرناه. # وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب النظر إذ (1) كان لا يحصل الاعتبار المؤدى ~~إلى نيل المطالب العلية والسعادة الأبدية المستلزم للانزجار عن النواهي ~~المردية والاتعاظ (2) عن المطارح الشقية، وما لا يتم الواجب الذاتي الا به ~~كان أولى بوجوب الوجود والله الموفق للصواب. # PageV00P089 # الفصل الثاني في المباحث المتعلقة بالأخلاق الرضية والردية والآداب ~~المتعلقة بها، وفيه اثنتان وثلاثون كلمة. # الكلمة الأولى قوله عليه السلام: من عذب لسانه كثر إخوانه. # أقول: العذب الماء الطيب الخالص من الشوب ويقال بحسب المجاز على كل لذيذ ~~خالص من شائبة اذى، والمراد من اللسان ههنا الكلام كما سبقت الإشارة إليه ~~لان جرم اللسان لا ينسب إليه الطيب والعذوبة، والاخوان الأصدقاء والأعوان، ~~والمقصود الصريح ان من لانت كلمته للخلق وتمرن لسانه بالملاطفة الحسنة لهم ~~بطيب الكلام والاستجابة منهم وتواضع لهم فان طباعهم تميل إليه وتشتاق إلى ~~مصاحبته ومخالطته فيكون ذلك سببا لكثرتهم وهذه القضية من المجربات من أنواع ~~القضايا الواجب قبولها: واما عله تلك الميول الطبيعية فاعلم أن الشهوات ~~والنفرات الطبيعية للحيوان تكون بحسب تصور الوهم أو (1) العقل للأمور ~~المؤذية الضارة أو (2) المريحة النافعة فان ms066 تصور الحيوان ان كذا موذ له ~~فإنه ينبعث بسبب ذلك التصور شوق طالب لدفع ذلك الضار اما بالمقاومة أو ~~الهرب، وان تصور ان ذلك نافع أو لذيذ فإنه ينبعث عن ذلك الادراك شوق طالب ~~لادراك الملائمة من ذلك النافع اللذيذ وقد أعلمناك ذلك كله وبينا كيفية ~~تحريك القوى وبعث بعضها لبعض على اختلاف طبقاتها، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن ~~التودد بالملاطفة الحسنة بطيب الكلام # PageV00P090 # وحلاوته ولينه قد يكون طبيعيا في الانسان وقد يكون تكليفيا (1) وعلى ~~التقديرين فان ادراك الخلق له من صاحبه داع لهم إلى محبته والميل إليه باعث ~~لشوقهم الطالب لادراك الملائمة فيما (2) يتوهم فيه أو يعقل من الأمور ~~النافعة أو (3) اللذيذة فتنبعث (4) ارادتهم على السعي في مصالحة (5) وطلب ~~اخوته ومصادقته، وفى هذه الكلمة تنبيه على تحصيل هذا المعنى فإنه سبب عظيم ~~من الأسباب الداعية إلى الألفة المستلزمة للمحبة في الله التي هي مطلوبة من ~~من الشريعة بوضع كثير من السنن وبها تكون السعادة الدنياوية والأخروية فان ~~أمر المعاش لا يتم الا بمعاونة أو داء واخوان وأعوان ناصحين وذلك أمر ظاهر، ~~وكذلك التودد سبب للألفة، والألفة سبب للمحبة والمحبة سبب لاجتماع القلوب ~~والأبدان، وهما سببان لاستنزال الرحمة بالدعوات وانزال البركات كما يبين ~~فيما بعد أن شاء الله تعالى، وبالجملة فكلمة الأنبياء متطابقة على الامر ~~بتحصيل المودة بهذه الطريق قال عليه السلام: من لانت كلمته وجبت محبته، ~~والتنزيل الإلهي ناطق به: وقولوا للناس حسنا (6)، وفى حق الوالدين: وقل ~~لهما قولا كريما (7) وقل لهم قولا ميسورا (8) وفى كلمات علي (ع): التودد ~~نصف العقل، وأشرف أنواع التودد ما كان عن عذوبة الكلام، والاستشهاد في ذلك ~~كثير والله الموفق. الكلمة الثانية قوله عليه السلام: من لان عوده كثفت ~~أغصانه (9). # أقول: العود يطلق حقيقة على ساق الشجر وبحسب المجاز على ما يشابهه في أمر # PageV00P091 # ما، وقد أطلقه عليه السلام ههنا على الانسان، وكذلك اللين يقال بحسب ~~الحقيقة على ما قبل الانغماز حسا، فعبر به عن التواضع وكرم الأخلاق وطيبها، ~~والكثافة تقال على كثرة الاجزاء ms067 الحسية فعبر بها ههنا عن شدة الشوكة وكثرة ~~الاخوان والأعوان، وهذه القضية متصلة أيضا يحتاج في تحقيقها إلى بيان وجوه ~~التجوزات المذكورة ثم إلى بيان الملازمة بين تاليها ومقدمها، اما الأول ~~فاما بالعود عن (1) الانسان فلان التجوز يكفي فيه أدنى ملابسة وههنا وجوه ~~من المشاركة في القوة النباتية والنامية وقوة التغذية وفى النمو باستقامة ~~وغيرها، والمشاركة في (بعض (2) هذه الأمور توجب المشابهة فظلا عن كلها فكان ~~ذلك التجوز اطلاقا حسنا لاحد الأنواع على نوع آخر للمشابهة بينهما وهو ~~استعارة حسنة. واما باللين عن التواضع وطيب الأخلاق فلان اللين كما أنه إذا ~~حصل في الجسم دل على وجود الرطوبة التي تقبل معها الانغماز من الغامز كذلك ~~التواضع وطيب الأخلاق إذا حصل في الشخص دل على رطوبة سره ولينه بالاستعداد ~~للرحمة الإلهية وقبوله للانغماز بانفعال طباعه واستجابته لمصادقة الأصدقاء، ~~واكرام الخلطاء وتأهله لفيض العناية الإلهية بالرغبة في تحصيل شريف الصفات ~~وجميل الأحدوثات، وتصور (3) اللذة والمنفعة في تحصيل الاخوان وتقوية الشوكة ~~بهم، واما بالكثافة عن ازدحام الاخوان فظاهر فإنه لا معنى للكثافة الا ~~تراكم الاجزاء وازدحامها وهو ظاهر ههنا، و (4) هذا بيان التجوز في ~~المفردات. # اما بيانه في الملازمة والتركيب فلانه كما أن الشجرة إنما تكثف وتعظم ~~وتكثر أغصانه وتلتف بكثرة الأوراق عن الرطوبة الحاصلة المنمية (5) المستعدة ~~للانبات كذلك # PageV00P092 # الانسان يشرف وتشتد شوكته وتكثر إخوانه وأعوانه وأحباؤه، الصادر كل ذلك ~~عن تواضعه ولين جانبه وكرم أخلاقه وطيبها في حقهم المعبر عنه في الكلمة ~~بلين العود حتى يتصلوا (1) به اتصال الأغصان ويعظم بهم عظم الشجرة بأغصانها ~~الملتفة الكثيفة، واما صحة الملازمة فأمر ظاهر معلوم بالتجربة والله ولى ~~التوفيق. # الكلمة الثالثة قوله عليه السلام: بشر مال البخيل بحادث أو وارث. # أقول: اطلاق البشارة ههنا مجاز من باب اطلاق أحد الضدين على الاخر والبخل ~~هو طرف التفريط من الرذيلتين اللتين هما طرفان للوسط الذي هو السخاء وقد ~~عرفته، واما سببه فحكم الوهم بان في بذل المال مضرة تلحقه فيكون ذلك سببا ~~لحركة القوة الشهوية إلى جمعه ms068 فتحرك بسببها الآلات إلى الجمع والتحصيل وقد ~~يختلف بالشدة والضعف بحسب اختلاف ذلك الادراك فيهما فمن النفس (من هو) ~~مستعد بحسب أصل مزاجه وجبلته لقوة هذا التوهم (2) الموجب لتحريك تلك القوة، ~~ومنهم من يعرض له ذلك بحسب حدوث استعداد قوته الوهمية لادراك سببه الوهمي، ~~وههنا دقيقة وهي ان تخصيص مال البخيل بهذه البشارة المجازية المستلزمة ~~لانذاره لا يدل على أن مال الجواد ليس كذلك فان أحد الامرين المبشرين بها ~~لابد منه في المالين وقد عرفت ان تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفيه عما ~~عداه، وقد ورد في كلامه عليه السلام بلفظ آخر ما يعم البخيل وغيره فقال: ~~لكل امرء في ماله شريكان، الحادث والوارث (3) لكن لابد من فائدة يستلزمها ~~هذا الحكم وهي الإهانة للبخيل إذ كان قد استعمل لفظ التعظيم في الإهانة ~~كقوله # PageV00P093 # تعالى: ذق انك أنت العزيز الكريم (1) وتبكيته لعدم بذل المال في وجهه ~~وتقريع له وتقرير لما يكرهه ومواجهته بما ينفر طبعه أشد نفار بما لابد منه ~~إذ (2) كانت مفارقة المال عليه أشد من مفارقته على الجواد، ثم لو حمل ~~الجواد على نفسه في أن هذه النذارة واردة عليهما لهون (3) عنده بعض ما يجده ~~من هذه المواجهة لما ان المصيبة إذا عمت هانت لاح له حينئذ الفرق بين الأصل ~~والفرع بما ان بذل المال عن الجواد يكسبه حمدا ومجدا أثيلا في العاجل ~~ونعيما وثوابا جزيلا في الاجل، وهو محروم من ذلك لعدم علة استحقاقه (4) فيه ~~وربما كان ذلك سبب رشده وسبب حرصه على التخلق بضد خلقه واعداد نفسه لاقتناء ~~أسبابه إن كان قد قضى له ذلك ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور (5). # الكملة الرابعة قوله عليه السلام: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. # أقول: تقدير الخبر: الناس بأهل زمانهم، وإنما حذف المضاف للعلم به كما في ~~قوله تعالى: # واسأل القرية، إذ لا مشابهة للناس مع ذات الزمان، ثم ليس المراد من ~~مشابهتهم المشابهة في الصور الجزئية أو الشخصية كما يقال: وجه فلان يشبه ~~وجه فلان ms069 فإنهم بالاباء في ذلك أشبه، بل المراد أنهم أشبه في أفعالهم ~~وعاداتهم وأخلاقهم وحالاتهم العارضة الغالبة. ثم إنه عليه السلام نبه بقوله ~~" أشبه " على عدم نفى الشبه بالاباء بالكلية فإنهم وان كانوا يشبهون الاباء ~~الا انهم بأهل زمانهم أشبه. # واما السبب الغالب في ذل فاعلم أنه لما كان الغالب على الخلق الغفلة ~~والجهل البسيط وكانت النفوس الانسانية قد جبلت على محبة البدن وكثيرا ما ~~تكون مطيعة للقوى متبعة للهوى مواظبة على اقتناء الكمالات الوهمية ولم يكن ~~لتلك القوى البدنية. # PageV00P094 # كما علمت حظ في ادراك الأمور الكلية بل لا تدرك الا الأمور الحاضرة ~~المحسوسة الجزئية أو (1) المتعلقة بالمحسوس وكان الغالب ان وجود الأبناء ~~وغالب حياتهم وتصرفاتهم في زمان غير زمان الاباء لا جرم كانت نفوسهم أكثر ~~انفعالا وأطوع لأخلاق زمانهم وعاداتهم وزيهم وحالاتهم منها لعادات الاباء ~~وحالاتهم لمكان المشاهدة للحال الحاضرة والمنادمة والاتصال والمعاشرة ~~والغفلة عن حال الاباء لأقلية معاشرتهم ومصاحبتهم لتقضيهم وأقلية وجودهم في ~~زمان وجود الأبناء حتى أن انسانا لو عاشر أبا صالحا وتأدب بآدابه وتخلق ~~بأخلاقه ثم فقده وعاشر من له ضد تلك الأخلاق فإنه ربما استنكرها في أول ~~الصحبة ثم إن نفسه بعد حين تنفعل عن تلك الأخلاق وتكتسبها لكثرة مشاهدتها ~~وتكررها على قوى الحس وعقلة (2) النفس بها وتحلل الأخلاق الأولى على ~~التدريج فربما انسلخ بالكلية عن تلك الأخلاق الصالحة إلى التكيف بضدها ~~وبالعكس وكذلك لو كان لأبيه صنعة (3) مستحسنة في وجوده أو لباس يليق بحاله ~~من أهل زمانه وكذلك سائر العادات التي يعتادها ذلك الأب ويتخلق بها ويليق ~~بحاله في وقته ثم نشأ ولده في وقت آخر بين آخرين المنكرين للزي الأول ~~ومستحسنين لزي ثان وعادة قد اكتسبوها غير الأولى فإنه لا يتزيا الا بذلك ~~الزي ولا يغير تلك العادة ولا يتخلق بغير الأخلاق الحاضرة دون أخلاق آبائه ~~وعاداتهم، ولو فرضنا انه نشأ عليها وتزيا بها مدة وتكلف البقاء عليها فان ~~طبعه لابد وان يقوده إلى العادات والأخلاق الحاضرة اما كلها أو بعضها وليس ~~ذلك الا ms070 لما قلناه من من كثرة المشاهدة والاطلاع الحسى على الأمور الحاضرة ~~التي عليها أهل زمانه وانفعال النفس بها وغفلتها عن الاحتراز بمراجعة العقل ~~في مراعاة أنفع تلك الأخلاق الماضية والحاضرة في أمر المعاش والمعاد ~~واكتسابه (4) واعتبار أضر تلك الادات والحالات فيهما # PageV00P095 # واجتنابه حتى لو كانت زمان مضى خلة حميدة تقود إلى الهدى وهي مستنكرة في ~~الزمان الحاضر لم يلتفت في ارتكابها (1) إلى انكار منكريها بل ارتكبها ~~وواضب عليها، ولو كان لأهل زمانة عادة أو حالة تقود إلى ردى تركها، وان ~~كانت مستحسنة بينهم، والله ولى الإعانة على الالتفات إلى ما يرضيه (2) وهو ~~الموفق الكلمة الخامسة قوله عليه السلام: أكرم الحسب حسن الخلق (3). # أقول: قد عرفت ان الحسب يقال بحسب الاشتراك اللفظي على ما يعد من المآثر ~~وعلى الكفاية من المال وما يجراه مجراه. واما الخلق فقد عرفت حده وهو ينقسم ~~إلى طبيعي يقتضيه أصل المزاج كالضحك المفرط من أدنى معجب وكالحزن والغم من ~~أدنى شئ يعرض والى غير طبيعي يستفاد من التمرن (4) والتعود، وقد يكون مبدأه ~~بالرؤية والفكر ثم يستمر عليه مرة ومرة حتى يصير ملكة وخلقا وعلى التقديرين ~~فاما أن تكون تلك الحال داعية إلى أفعال الخير وايثار الجميل وهو الخلق ~~الحسن، أو إلى عكسه وهو الخلق السئ الردي إذا عرفت ذلك فاعلم أنه يحسن ~~تأويل الكلمة على حسب مفهومي الحسب اما على المفهوم الأول فاعلم أنه عليه ~~السلام قد وصف حسن الخلق بأفضلية كرم ما يعد من المكارم التي تؤثر عن ~~الانسان، وبرهان صدقه انك علمت أن أصول الفضائل الخلقية ثلاثة، الحكمة ~~والعفة والشجاعة، ومجموعها العدالة، ثم إن الملكة التي للنفس المسماة خلقا ~~هي الأصل الذي تصدر عنه هذه الفضائل وأنواعها ولا شك ان الأصل أشرف # PageV00P096 # وأكرم (1) من الفرع، واما على المفهوم الثاني فهو ان حسن الخلق لما كان ~~منبعا لأصول الفضائل المذكورة كان أكرم كفاية تكون إذ (2) كان كفاية الجزء ~~الباقي من الانسان وكان المال كفاية للجزء (3) الحيواني الفاني منه، ~~والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ms071 املا (4). # وفى هذه الكلمة تنبيه على مراعاة حسن الخلق إن كان موجودا، وعلى الاجتهاد ~~في اكتسابه إن كان مفقودا، إذ بينا انه قد يكون مكتسبا وان اكتسابه ممكن ~~وذلك أنه منشأ لجماع مكارم الأخلاق والفضائل التي هي سبب للسعادة الباقية، ~~والله ولى الهداية. # الكلمة السادسة قوله عليه السلام: لا ظفر مع البغى. # أقول: الظفر الفوز بالمطلوب بغلبة عدو وغيره، والبغي الظلم وحقيقته انه ~~ضرار غير مستحق للتوصل إلى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغي والمقصود ان من ~~قهر خصمه على سبيل ظلم لم يعد في الحقيقة ظافرا به، وإن كان قد يطلق ذلك ~~بحسب العرف، وذلك لان (5) الظفر الحقيقي إنما يكون بمطلوب مستحق فان ~~المطلوب الغير المستحق وان حصل للطالب الا انه في قوة المنتزع وكيف يكون ~~ظفر وفى مقابلته الذم العاجل بألسنة الخلق أجمعين من بعد لسان الوحي: الا ~~لعنة الله على الظالمين (6) مع أن ذلك قد يكون مقربا لأجل الظلم لمقابلة ~~بقائه ودفعه باجتماع همم الصالحين كما جاء في الأثر: الظالم قصير العمر، مع ~~النتيجة الكبرى والطامة العظمى وهو حرمان الرضوان لتحقق الوعيد الصادق في ~~حقه: والظالمين أعد لهم عذابا أليما (7) والظالمون مالهم من ولى ولا نصير ~~(8)، إلى غير # PageV00P097 # ذلك مما اشتمل عليه التنزيل الإلهي والسنة النبوية فأي ظفر لمن القى زمام ~~عقله بيد شهوته، فقادته إلى حلول (1) دار البوار * جهنم يصلونها وبئس ~~القرار (2) وأي فوز لمن أخبر أصدق القائلين بما يلقاه من عدم الولي ~~والحميم؟! وتوعده (3) مالك يوم الدين بما أعد له من العذاب الأليم؟! ~~وتطابقت على خسرانه كلمة النبيين؟! وانطلقت (4) بلعنه (5) وتوبيخه ألسنة ~~اللاعنين؟! نعوذ بالله من سيئات العمل (6) وقبح الزلل وبه نستعين فقد علمت ~~أن الباغي لا يسمى ظافرا وان تصور بصورته، والظالم لا يعد فائزا وان اتسم ~~بسمته، ولذلك قال عليه السلام: ما ظفر من ظفر الإثم به، والغالب بالشر ~~مغلوب، وذلك سر قوله عليه السلام: # لا ظفر مع البغى. # الكلمة السابعة قوله عليه السلام: لا ثناء مع كبر (7) أقول: الثناء ~~الكلام الجميل، واما ms072 الكبر فهو العظمة والترفع على الخلق واستحقارهم وهو ~~لازم للظن الكاذب بالنفس في استحقاق رتبة هي غير مستحقة لها تكون (8) ~~لغيرها من غيران يكذب الانسان نفسه الامارة في ذلك لقهرها القوة العقلية ~~والمقصود ههنا انفي وقوع الكلام الجميل في حق المتكبرين وبان ان (9) الثناء ~~مع الكبر مما لا يجتمعان وصدق هذه القضية بين بعد تقديم ما سلف ونزيده ~~تقريرا فنقول: ان بين الثناء الجميل . الكبر منافاة تقرب من منافاة الضدين ~~وذلك أن الكبر مستلزم لاستحقار الخلق بسبب # PageV00P098 # اعتقاد الانفراد بالمرتبة التي لا توجد للغير وذلك الاحتقار والاستصغار ~~مستلزم لتنفير طباع الخلق عمن صدر عنه، اما العقلاء فلاستحقارهم إياه وأنه ~~لا مقدار لما يتكبر به عندهم ولا اعتداد به لخساسة (1) أدبه وسوء خلقه ~~ونزارة حظه من السعادة الباقية واطلاعهم على عدم اطلاعه على عيب نفسه فهو ~~وإن كان مستحقرا لهم غير ناظر إليهم كبرا فهو في عيونهم أحقر ومن طباعهم ~~أبعد، ومع ذلك كيف يتصور ثناؤهم عليه ومدحهم له، واما الباقون من العوام ~~وغيرهم فإنما تميل طباعهم إلى من يتواضع لهم ويقربهم إلى نفسه بلين الكلمة ~~والاحترام والشفقة وبذل النفع بالمال والجاه وغيره (2) سيما وكثير منهم ~~يعتقد لعجزه عن الاطلاع على نقصانه انه كامل في ذاته فلا يسلم ان لاحد عليه ~~فضلا البتة، ومعلوم ان المتكبر عليهم المستحقر لشأنهم المستصغر لهم لا يبذل ~~لهم من نفسه ما ذكرنا (3) وإذا (4) كان كذلك لم يتحقق منهم الميل إليه، فلم ~~يتصور منهم الثناء عليه لعدم الموجب له ولم يصدر منهم مدح له لفقد علة ~~المدح فقد صدق عليه السلام في بيان هذا السلب الكلى، الله ولى التوفيق. # الكلمة الثامنة قوله عليه السلام: لا بر مع شح أقول: البر ههنا الاحسان ~~وإن كان قد يراد به أيضا الصدق على سبيل الاشتراك اللفظي، والشح البخل مع ~~زيادة حرص، وحده انه منع ما ينبغي بذله عن المستحق مع شدة طلب الجمع، وإذا ~~كان كذلك فاعلم أن المراد من " لابر " ان الاحسان مع الشح # PageV00P099 # مما لا يجتمعان بيانه ms073 ان الاحسان بذل بعض ما لا يجب بذله، وبذل بعض ما لا ~~يجب مع منع ما يجب بذله متنافيا الاجتماع في محل عاقل، لان من منع بذل ~~الواجب عن (1) مستحقه كيف يتصور منه بذل ما ليس بواجب فقد تحققت صحة هذا ~~السلب الكلى. # وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب ترك الشح إذا كان لا يمكن فعل الواجب من ~~البر الا به، وما لا يتم الواجب الا به كان واجبا: قد يكون الشح ملكة ~~طبيعية وحينئذ لا يمكن زوالها فيخرج عن الوسع فيخرج عن التكليف بتركة؟ - ~~قلت: ان التجربة شاهدة بامكان زواله لكن لا دفعة بل بالتعويد والتدريج ~~ويؤيده قوله تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (2)، الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل (3) ذمهم على البخل والشح وعلى الامر به، ولو كان لا ~~يمكن زواله لما مكان متعلق الذم والعقاب، والله ولى التوفيق. # الكلمة التاسعة قوله عليه السلام: لا اجتناب محرم مع حرص. # أقول: الحرص هو بذل الوسع في طلب الأمور التي يمكن تحصيلها وهو أمر إضافي ~~يختلف في استحقاق الحمد والذم به بحسب اختلاف الامر المطلوب في الشرف ~~والخسة فإن كان المطلوب أمرا شريفا كاقتناء (4) الأمور الباقية والكمالات ~~المسعدة كان الحرص عليه أمرا محمودا، وإن كان أمرا خسيسا كاكتساب الأمور ~~الفانية واللذات الوهمية المنقصة (5) كان حرصا مذموما، والحرص المشار إليه ~~في هذه الكلمة هو الحرص على # PageV00P100 # اقتناء الأمور الفانية من اقتناء الأموال وجمعها والازدياد بها من أي وجه ~~كان وعلى أي وجه كان أعني (1) ان لا يكون مراعيا فيها قانون العقل والحرية ~~ويعلم مما سبق ان الحرص المذموم مستلزم لطرف الافراط من طرفي فضيلة العفة ~~إذ كان مستلزما للخروج في (2) الطلب إلى مالا ينبغي وما لا يرخص في طلبه ~~الشريعة ولا العقل فيكون المطلوب من (3) محال الحرمة ومواضعها وإذا تحقق ~~الحرص المذموم في الانسان فقد صدق عليه انه مواقع للحرام لا محالة (4) فهو ~~غير مجتنب لمحرم وبه يخرج عن العفة وبخروجه عنها يخرج عن العدالة ويدخل في ~~زمرة الفجار ولذلك ms074 كثيرا ما ذم عليه السلام أرباب التجارات فقال: التاجر ~~فاجر والفاجر في النار الامن أخذ وأعطى الحق، فقوله: التاجر فاجر إشارة إلى ~~أن التاجر لا يخلو في غالب الامر من الحرص المذموم فيخرج به عن ملكة العفة ~~إلى طرف الفجور، وقوله: " الامن أخذ الحق وأعطى الحق " أي الخالي عنه ~~الملازم لفضيلة الحرية التي هي نوع من أنواع العفة، ولما كان تعلم الاحكام ~~الشريعة والتحلي بآداب الشريعة كثيرا ما يصدر عن ذلك الحرص كان من الواجب ~~ان يقدم الانسان على السعي في التجارة العلم بتلك الاحكام ليتميز للمتجر ما ~~ترخص الشريعة فيه من غيره، روى أنه عليه السلام كان يدور في الأسواق ويقول ~~معاشر الناس الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، والله للربا في هذه الأمة ~~أخفى من دبيب النمل على الصفا. وقال عليه السلام: # من أتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم، والارتطام التوحل، وروى عن ~~الصادق عليه السلام أنه قال: من لم يتفقه في دينه ثم أتجر تورط في الشبهات، ~~وكل ذلك إشارة إلى أن تعلم الاحكام (5) الفقهية والآداب الشرعية مانع للخلق ~~من الحرص المذموم كاف (6) لهم عن الانهماك في الشهوات وذلك يستلزم امتناع ~~اجتماع اجتناب المحارم مع الحرص المذموم. # PageV00P101 # الكلمة العاشرة قوله عليه السلام: لإراحة مع حسد (1) أقول: الراحة السكون ~~عن الحركات المتبعة حسية كانت أو عقلية، واما الحسد فهو انبعاث القوة ~~الشهوية إلى تمنى مال الغير أو الحالة التي هو عليها وزوالها عن ذلك الغير ~~وهو مستلزم لحركة القوة الغضبية ولثبات الغضب ودوامه وزيادته بحسب زيادة ~~حال الحسود التي يتعلق بها الحسد ولذلك قيل: الحاسد مغتاظ على من لاذنب له، ~~وهو نوع من أنواع الظلم والجور، وإذا تصورت حقيقة الراحة والحسد فاعلم أن ~~المطلوب بيان عدم اجتماعهما وذلك ظاهر حينئذ فان حركة شهوة الحاسد وفكره في ~~كيفية حصول الحالة المحسود فيها وفى كيفية زوالها عمن هي له المستلزمة (2) ~~لحركة الات البدن في ذلك مستلزم (3 لعدم الراحة والمستلزم لعدم الشئ غير ~~مجامع لوجوده والا لزم اجتماع ms075 النقيضين وهو محال واعلم أن العقلاء (4) قد ~~اتفقوا على أن الحسد مع أنه رذيلة عظيمة للنفس فهو من الأسباب العظيمة ~~لخراب العالم إذ كان الحاسد كثيرا ما تكون حركاته وسعيه في هلاك أرباب ~~الفضائل وأهل الشرف والأموال الذين يقوم بوجودهم عمارة الأرض إذ لا يتعلق ~~الحسد بغيرهم من أهل الخسة أو الفقر، ثم لا يقصر في سعيه ذاك دون ان تزول ~~تلك الحالة المحسود بها عن المحسود أو (5) يهلك هو في تلك الحركات الحسية ~~الفعلية والقولية (6) ولذلك قيل: حاسد النعمة لا يرضيه الا زوالها، وما دام ~~الباعث للقوة (7) # PageV00P102 # الغضبية (1) قائما فهي قائمة متحركة ومحركة وأكثر ما تؤثر السعاية بين ~~يدي الملوك لعلم الساعي بقدرتهم على تنفيذ أغراضه ولاعتقاده انهم أقرب إلى ~~قبول قوله من الغير لغلبة القوى الشهوية والغضبية فيهم، وإنما كانت فيهم ~~أقوى لتمرنهم عليها وأكثرية وقوعها منهم لتمكنهم من اعطائها لمطلوباتها من ~~المشتهيات والانتقامات فيصير جريانها منهم (2) سريعا ويحصل لهم من ذلك ~~ملكات ارسال القوى الشهوية والغضبية وتصير الغفلة عن المصالح الكلية ملكة ~~لهم أيضا، وكثيرا ما تؤثر السعاية معهم لذلك الا من لمحه (3) الله بعين ~~العناية منهم حتى راض نفسه بالآداب الشرعية وساسها بالتعويد بالفضائل ~~الخلقية فيراعى المصالح الكلية والتدبيرات المدنية فملك زمام شهوته وغضبه ~~بكف عقله العملي وصرفه بها فأولئك ما عليهم من سبيل (4) وقليل ما هم. إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق (5) فيصير بغيهم ~~سببا لخراب الأرض فيفسد الحرث والنسل والله لا يجب الفساد (6). # فقد علمت أن الحسد من أعظم أسباب الخراب ولاح لك ان الحاسد وان أتعب غيره ~~فهو متعب لنفسه بتلك الحركات النفسانية والبدنية وتوابعها من اللوم والذم ~~العاجل والشقاوة التامة في الاجل وذلك مما يستلزم عدم الراحة المستلزم لعدم ~~امكان اجتماع الراحة والحسد وذلك تحقيق لهذا السلب الكلى، والله الموفق. # PageV00P103 # الكلمة الحادية عشر قوله عليه السلام: لا زيارة مع زعارة. أقول: الزعارة ~~بتشديد الراء شكاسة (1) الخلق، والمراد بيان ان الزيارة لا تحصل ولا تصدق ~~مع شكاسة الأخلاق ms076 سواء كانت من طرفي المتزاورين أو من طرف أحدهما فإذا هما ~~أمران متضادان بيان ذلك أن الزيارة الصادقة إنما تكون بين المتؤانسين (2) ~~المتحابين وقد عرفت ان رأس أسباب الألفة والانس هو حسن الخلق الذي يحسن معه ~~المعاشرة فإذا كان محل الأخلاق الفاضلة مشغولا بأضدادها وهي الأخلاق الشكسة ~~(3) وهي سبب عظيم لتنفير (4) طباع الخلق الذي هو سبب التفرقة والتباين ~~بينهم كان ذلك سببا لقطع الزيارة وامتناعها منهم، وتحققت حينئذ ان الزيارة ~~مع شكاسة الأخلاق مما لا يجتمعان. # وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب ترك الزعارة لان الزيارة لما كانت مأمورا ~~بها لما انها سبب المحبة المطلوبة من الشريعة ومحرض (5) على القيام بها ~~ومداومتها لتحصيل الوداد وكان وجود الزيارة منافيا لوجود الزعارة كان وجوب ~~الزيارة والامر بها مستلزما للنهي عن ارتكاب الزعارة ولوجوب تركها، والله ~~ولى التوفيق. # الكلمة الثانية عشر قوله عليه السلام: لا مروة (6) لكذوب (7). # أقول: المروة فضيلة للنفس بها يكون الترفع والاحتشام عن مواقعة (8) ~~القبيح # PageV00P104 # حذرا من الذم والسب الصادق، والكذب هو القول الغير المطابق لما عليه ~~الامر في نفسه، والكذوب هو متعود الكذب، والمقصود من هذه الكلمة بيان ان ~~المروة والتعود للكذب مما لا يجتمعان وبيانه ان الكذب لما كان من الرذائل ~~المستقبحة إذ كان مضادا (1) لمصلحة العالم ولأنه قد يوقع بالمكذوب عليه ~~أمورا مكروهة لا يكون شاعرا بها فيكون ذلك سببا منفرا للطباع وعلة لاستقباح ~~(2) العرف والشرع وكان التعود به يكسب النفس ملكة متمكنة من جوهرها بسببها ~~يجترئ على التظاهر بلزوم القبيح وعدم التخفي بفعله واحتمال المكافحة (3) ~~بالذم والسب الصادق وعدم تصديق الخلق له في وجهه (4) ولذلك قيل: ان الكذوب ~~لا يصدق ومنه المثل السائر في العامة: من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف ~~بالكذب لم يجز صدقة، قال أبو عبيد: ومما يحقق هذا المثل حكم الله في ~~الشهادة انها مردودة من أهل الفسوق، ولعلهم قد شهدوا بالحق، هذا مع ما يلزم ~~ذلك من جرأته على مقابلة النهى الشرعي وقلة مبالاته والوعيد فسمى وقحا ~~وخسيسا لاجرم كانت المروة ms077 منافية لذلك لان ملكة مواقعة القبيح والميل إليه ~~مع الملكة الموجبة للاحتشام والترفع مما لا يجتمعان، ولذلك قال بعض ~~الحكماء: لو لم يترك العاقل الكذب الا للمروة لقد كان حقيقا بذلك (5) فكيف ~~وفيه المأثم والعار، وذلك يدل على أن المروة تسقط مع الكذب فكيف مع تعوده. # واعلم أن المروة لما كانت من صفات الكمال الانساني مما يجب طلبه فكان ذلك ~~مستلزما للامر بترك مالا يجتمع معه وهو تعود الكذب وهذا مع ما اتفقت عليه ~~كلمة النبيين وتطابقت عليه مقالات الحكماء الراسخين من قبح الكذب وذمه ~~ووجوب الردع # PageV00P105 # عنه بالعقوبة (1) وانه مضاد لمصلحة العالم وسبب من الأسباب الموجبة ~~لخرابه إذ كان صاحبه قد ألقى زمام قوته العقلية إلى حكم شهوته وغضبه فصرفاه ~~على مقتضى طباعهما فتارة تميل به الشهوة فيهيج به الحرص أو الحسد فيحمله ~~ذلك على القول الباطل في سلب الأموال، وتارة يميل به الغضب فيهيج به شهوة ~~الانتقام فيقوده ذلك على القول الباطل الموجب لسفك الدم بين يدي الملوك ~~وغيرهم وقد عرفت انه لا نظام للعالم الا بهما. # واما (2) الذم فقال عليه السلام: الكذب رأس (3) النفاق وذلك لخروج (4) ~~الكاذب عن الصدق الذي هو صنف من أصناف الورع كما يخرج المنافق من ربقة ~~الايمان، واشتقاق النفاق من قولهم: نفق اليربوع إذا خرج من حجره، وقال ~~تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا (5) فمن أظلم ممن كذب على الله ~~(6) ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة (7) وبالجملة فذم ~~الكذب في الكتب الإلهية والسنن الشرعية وبين أهل العالم أكثر من أن يحصى، ~~ولو لم يكن فيه الا ما ذكرناه لكان كافيا في قبحه فيكف وهو من أعظم الأسباب ~~لحرمان الخير الدائم والنعيم في الآخرة إذ كان من يتعود الكذب ملطخا لنفسه ~~بملكة تحدث عنه يحرم (8) معها صحة المنامات (9) وصدق الالهامات ويسود لوحها ~~(10) بتلك الملكة فتشتغل عن قبول الانتقاش بالحق والتحلي (11) بالجلايا ~~القدسية والاستشراق للأنوار العلوية فأعظم به سببا لخراب (12) الدارين...! ~~وعلة لحرمان السعادتين..! # نعوذ بالله من سوء الاختيار ونستجيره ms078 من عذاب النار. # PageV00P106 # الكلمة الثالثة عشر قوله عليه السلام: لا وفاء لملول (1). # أقول الوفاء فضيلة نفسانية بها يكون حسن اتمام الأمور المعاهد عليها ~~والقيام بها والمواظبة عليها وان اشتملت على احتمال كلفة ومشقة وتصدر (2) ~~عن فضائل وهي كبر النفس والشهامة والحياء فان الانسان إذا كان مقتدرا على ~~حمل الكرامة والهوان مؤهلا نفسه للأمور العظام حريصا عليها متوقعا (3) ~~للأحدوثة الجميلة يحذر من الذم والسب الصادق بمواقعة القبيح لابد وأن يكون ~~وفيا، ويقابله الغدر مقابلة التضاد أو مقابلة العدم والملكة، فيه تردد. # . واما الملال فهو انصراف النفس واعراضها عن اتمام ما هي بصدده من ~~الافعال وله أسباب: # أحدها - تلعب (4) الوهم بالقوة المتخيلة وتشويشه للفكر ومعارضته للعقل ~~عند التفات النفس إلى الأعمال وشروعها فيها بتحسين ملذ أو نافع آخر ~~بالتخييل الكاذب هو أشرف مما هي بصدد تحصيله فينحل (5) عزمها عن الحركة فيه ~~أو بتهوين ذلك الفعل (6) واعتقاد سهولته في كل وقت تتشوق (7) فيه الآمال أو ~~غير ذلك فينصرف عنه إلى البطالة فيتبعها القوى إلى التعطيل. # وثانيها - ضعف الآلة وعجزها عن الحركة أو ضعف القوى المحركة وكلالها ~~وعجزها عن التحريك فينصرف عنه طلبا للراحة كما يعرض عند الأفكار الكثيرة ~~فتعتاد # PageV00P107 # النفس الوقوف عن الأعمال ويصير ذلك ملكة لها إلى غير ذلك من الأسباب، ~~والملول هو من حصلت لنفسه ملكة ذلك الانصراف والالتفات وكثرته لكثرة عروض ~~أسبابه، وإذا عرفت ذلك عرفت ان فضيلة الوفاء لا توجد لنفس الملول لأنه إذا ~~تكيف بهذه الملكة لم يتمكن من اتمام أمر فضلا عن حسن القيام به والمواظبة ~~عليه وكان داخلا في زمرة الغادرين وكان ذلك موجبا لتنفر طباع الخلق عنه في ~~المعاملات حتى أنه لو كان صاحب حرفة أو سالكا لطريق (1) العلم لم يمكنه ان ~~يتوصل بشئ من هذه الأسباب إلى اصلاح معاش أو معاد بل كان أسوأ حالا من ~~أصحاب البطالة لأنهم ربحوا الراحة عن الحركات المتعبة في تعلم تلك الطرق ~~(2) والصنائع. # وفى هذه الكلمة تنبيه للملول على وجوب معالجة نفسه والاجتهاد في حل عقدة ~~الملال بتحصيل ms079 أضداد أسبابه والتعويد لها والتمرن عليها ليمكن ان تحصل له ~~ملكة الوفاء التي هي من الفضائل العظيمة وهي محمودة بكل لسان ومستحسنة عند ~~كل عاقل ويعترف بها كل انسان وان قل حظه من الانسانية وتجدها موجودة في ~~أصناف الخلق كالروم والحبشة والنوبة وكثير من أجناس (3) العبيد (4). # وقابلها الغدر في جميع ما ذكرنا أعني انه مذموم بكل لسان ينفر السامع من ~~ذكره ويأنف منه كثير من أجناس العبيد. وشرف الشئ يبين من خساسة ضده وقد ~~أثنى الله تعالى على صاحب هذه الفضيلة في مواضع من كتابه قال تعالى: والذين ~~يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (5) وقال: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ~~(6) وقال تعالى في الامر به: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الايمان بعد توكيدها (7) وقد تمدح تعالى باثبات # PageV00P108 # أشديته وقال: ومن أوفى بعهده من الله (1) وبالجملة فهي من الصفات ~~الكمالية والفضائل النفسانية بحظ وافر، والله الموفق. # الكلمة الرابعة عشر قوله عليه السلام: لا كرم أعز من التقى (2). # أقول: الكرم هو انفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الأمور الجليلة ~~القدر الكثيرة النفع بمقدار ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي، وهي من أنواع ~~فضيلة السخاء، والتقى في اللغة الخوف، وفى العرف الخاص هو خوف النفس من ~~التدنس بأدناس الهيئات البدنية والتكيف بالملكات الردية ورفض المشتهيات ~~البدنية وتباعدها وهربها منها بمقاومة الشياطين وأبناء الجن الساكنين في ~~القلل (3) وإلهامات المتشبثين (4) بأطراف الفطن عن أن يلحق أعلى المقامات ~~مقاومة بمقدار معتدل كما ينبغي موافق لرسم الشريعة غير خارج عن الرسوم ~~الموضوعة للرياضة الحقيقة وكيفيتها فان تعدى الكمال نقصان، والعزة الجلال ~~وعظمة الشأن وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الكرم كما يطلق حقيقة ويراد به ما ~~ذكرنا فكذلك قد يطلق مجازا ويراد به انفاق النفس وسمحها بالمشتهيات البدنية ~~وقلة الالتفات إلى اللذات الحسية التي يخاف من الاشتغال بها الالتفات عن ~~القبلة الحقيقية الموجب لسخط الله وما (5) اعتبرناه من القيود في حقيقة ~~التقى " بسهولة منها وطيب " على # PageV00P109 # سبيل الاستعارة التي هي اجل أنواع المجاز، ووجه المشابهة ان ms080 الكريم كما ~~يسمح بالمال الكثير ويفارقه بسهولة من نفسه في تحصيل الأمور الجليلة القدر ~~الكثيرة النفع بمقدار ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي كذلك المتقى من جهة ~~انه متق يسمح باللذات الحسية والمشتهيات البدنية بسهولة من نفسه في تحصيل ~~الأمور الجليلة القدر الكثيرة النفع وهي اللذات العالية والمشتهيات الباقية ~~بمقدار ما ينبغي وعلى الوجه الذي ينبغي مما لا يخالف الرسوم الشرعية ~~والأوضاع الحقيقية ولهذه المشابهة الشريفة والملاحظة اللطيفة أطلق (ع) عن ~~التقى انه كرم. # وأما بيان انه أعز ما يطلق عليه اسم الكرم وهو المقصود من هذه الكلمة ~~فلان التقى قد سمح (1) بجميع اللذات المستحسنة الحسية وأعرض عنها فان تناول ~~شيئا منها فلا (يتناوله) لأنه ملذ بل مقوم للحياة حتى لو قامت حياته بغير ~~ملذ لكان هو والملذ على سواء بالنسبة إليه، والكريم وان سمح فبالمال الذي ~~هو جزئي من جزئيات تلك الملذات، وقد يكون ذلك البذل منه تحصيلا للذة فانية ~~وشتان ما بين اللذتين وفرقان ما بين الكرمين. شعر: # إذا ما ظمئت إلى ريقه * جعلت المدامة منه بديلا وأين المدامة من ربقه * ~~ولكن أعلل قلبا عليلا فقد عرفت ان التقى أعز كرم وأجله وأعظم مسمياته شانا ~~وارفعها مكانا وان صاحبه هو المستفتح لاغلاق سبل الهدى إذا (2) أغلق عن ~~نفسه أبواب مسالك الردى. اللهم خذ بأزمة قلوبنا إلى إجابة داعيك حتى لا ~~نلتفت (3) إلى غيرك ولا تجترئ (4) على هتك أستار أبواب محارمك، فتزل قدم ~~بعد ثبوتها ونذوق (5) السؤ بما صددنا عن سبيلك (6) # PageV00P110 # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب ~~(1). # الكلمة الخامسة عشر قوله عليه السلام: لا معقل أحصن من الورع (2) أقول ~~المعقل والعقل الملجأ (3) والحرز، والحصن المكان الذي يحفظ فيه الشئ، ~~والورع في اللغة العفة، وفى عرف العلماء عبارة عن لزوم الأعمال الجميلة ~~التي فيها كمال النفس كما بيناه (4) قبل، وعرفت انه نوع من أنواع العفة وقد ~~اطلق عليه السلام لفظ المعقل (5) الذي هو حقيقة في الملجأ الجسماني على ~~الورع مجازا من ms081 باب الاستعارة والتشبيه ووجه المناسبة ان الملجأ كما يتحصن ~~الشخص فيه من الأمور التي يخافها ويلجأ إليه من عذاب أو هلاك يلحقه كذلك ~~لزوم الأعمال الجميلة تلجأ إليها النفس وتتحصن بها في الدار الأولى من الذم ~~والعقاب العاجل وفى الدار الأخرى من العذاب بسعير (6) ملكات الرذائل ~~والهلاك الاجل، ولما كاد (7) لا يكون بين العذاب الأول والثاني نسبة لشدة ~~التفاوت بينهما في الشدة والضعف عرفت حينئذ التفاوت بين الحصنين والفرق بين ~~الحرزين، وتحققت ان # PageV00P111 # اللاجئ إلى غير الورع غير لاج إلى مفزع ان ولا ناج من الفزع وانه ملحوق ~~بالعقاب (1) مدرك باشد العذاب، وان المتحصن بحصن - الورع لاخوف عليه إذ لا ~~ملجأ من الله الا إليه، وحق للعاقل ان لا يلجا الا إلى حرز ينفعه و (2) حصن ~~يمنعه والا لم يكن واضعا للشئ موضعه فكان (3) ساقطا عن درجة العقلاء، والله ~~الموفق. # الكلمة السادسة عشر قوله عليه السلام: نفاق المرء ذلة. # أقول: قد عرفت حقيقة النفاق واشتقاقه من أي شئ، وأما الذلة فهي المهانة ~~وهي الانظلام والاستجابة لكل أحد وقد عرفت أيضا انها طرف التفريط من ~~العدالة والمقصود من هذه الكلمة بيان ان النفاق لازم من (4) الذلة وبيان ~~ذلك أن المنافق لما كان خارجا عن اعتقاد إلى اعتقاد (5) متنقلا (6) في ~~أحوال لا يجوز التنقل (7) فيها دل ذلك على انقهار نفسه لما يرد عليها من ~~الأمور الخيالية واستجابتها للوساوس الشيطانية ولكل ما يرد عليها من ذلك ~~فيوجب ترديدها في العقائد المتضادة واتباعها لهذه تارة ولهذه (8) تارة وذلك ~~معنى المهانة والذلة لا جرم صدق ان نفاق المرء صادر عن ذله وكذا المنافق ~~يتحقق هذه الرذيلة في نفسه التي يخرج بها عن العدالة ويكون سببا لحرمانه ~~سلوك (9) سبيل الخير والانقياد لأسباب السعادة الباقية، ان المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار (10) # PageV00P112 # وفى هذه الكلمة تجوز حسن في اطلاق اسم الذلة على سببها وهو من أقوى وجوه ~~المجاز وهي مستلزمة للتنبيه على وجوب حسم أصل هذه الرذيلة بالسعي والترفع ~~(1) إلى الحصول على العدالة التي هي الوسط ليسلم ms082 الانسان من دنس هذه ~~الرذيلة وما يلزمها من النفاق وغيره، وبالله (2) التوفيق. # الكلمة السابعة عشر قوله عليه السلام: الجزع أتعب من الصبر. # أقول: الجزع ألم نفساني يعرض من تصور فقد محبوب أو فوت مطلوب، واما الصبر ~~فقد عرفت انه فضيلة للنفس بها يكون مقاومتها لهواها لئلا تنقاد إلى مقابح ~~(3) اللذات وقد عرفناها (4) فيما قبل بأنه مقاومة النفس لهواها، وهو تعريف ~~للشئ ببعض لوازمه الخاصة به إذا عرفت ذلك فاعلم أن المقصود من هذه القضية ~~بيان ان الجزع أشد تعبا على النفس من الصبر وأنت عند (5) أدنى تفطن ومراجعة ~~لباطنك ترى ان ذلك أمر وجداني ويزيدك (6) تنبيها على صحة ذلك النظر إلى ~~غايتي الجزع والصبر فان الانسان لو لم يقاوم هواه ليسلم من مطاوعته على ~~تعود الجزع لم يزل في حزن دائم وجزع غير منقض وشقاء (7) لا محيص عنه والم ~~دائم لا أتعب من تحمله، وان هو استشعر العادة الجميلة وهو ان يرضى بكل ما ~~يجده حتى يحصل تلك العادة ملكة وخلقا ويكون مقاوما لهواه لئلا يقوده إلى ~~الحزن عل مالا يجدى الحزن عليه شيئا أكثر من التألم لم يزل مسرورا مغبوطا ~~فرحا، وكان نسبة ما يعانيه من تعب الصبر إلى تعب الجزع كالقطرة بالنسبة إلى ~~البحر ولو لم يكن التفاوت الا ان تعب الجزع في زيادة وتعب الصبر في نقصان ~~(8) لكان # PageV00P113 # ذلك كافيا في تفاوت الشدة فيهما وفارقا في قوة التعب بينهما فان توهمت ان ~~هذا الاستشعار لا يتم أو لا ينتفع به فانظر إلى استشعارات الخلق في مطالبهم ~~ومعايشهم تر عيانا فرح المتعيشين بمعايشهم على تفاوتها وسرور المحترفين ~~بحرفهم على تباينها، وتصفح ذلك في كل طبقة منهم فإنه لا يخفى عليك فرح كل ~~أحد منهم بما هو فيه، وليس ذلك الا لقوة استشعار كل قوم بحسن طريقتهم ~~ولزومهم لها بالعادة الطويلة، فإذا لزم طالب الفضيلة مذهبه وقوى استشعاره ~~وطالت عادته بذلك كان أولى بالسرور من هذه الطبقات الذين يخبطون في ~~الجهالات وأخفهم مؤنة وأقلهم تعبا وأحظاهم بالنعيم المقيم لأنه ms083 محق وهم ~~مبطلون، ومتيقن وهم ظانون، وهو ولى الله وهم أعداؤه، الا ان أولياء الله ~~لاخوف عليهم ولاهم يحزنون (1) وإذا تبنيت غاية الجازع والصابر فما أظنك ~~بشاك في صحة هذه القضية وصدقها، والله ولى الإعانة. # الكلمة الثامنة عشر قوله عليه السلام: الذل مع الطمع. # أقول: قد عرفت ان الذل هو المهانة وهي انقهار النفس واستجابتها وانفعالها ~~عن الأمور الصادرة (2) عليها، واما الطمع فهو قوة نزوع الشهوة إلى طلب شئ ~~مع تصور امكانه للطالب، واعلم أن الطمع قد يكون محمودا وقد يكون مذموما، ~~فالمحمود هو ما كان طمعا في تحصيل أمر باق مما يكون كمالا للنفس أو وسيلة ~~إليه، وعليه يحمل قوله عز وجل حكاية عن الخليل عليه السلام: والذي أطمع ان ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين (3) وأمثاله، والمذموم هو ما كان طمعا في تحصيل ~~ما لا ينبغي من الاستكثار في المقتنيات # PageV00P114 # الفانية وما لا يعود بنفع في أمر المعاد، والمراد ههنا هو الطمع بالمعنى ~~الثاني، وإذا كان كذلك فلابد وأن يكون الذل ملازما للطمع واللازم مع ملزومه ~~في الوجود ثم السبب في ذلك اللزوم ان قوتي الغضب والشهوة تتغالبان (1) فأي ~~القوتين كان أغلب فلابد وأن تكون النفس تابعة لها وحينئذ تنجذب القوة ~~خلفها، فإذا فرضنا ان القوة الشهوية ثارت بصاحبها وقويت في الطلب إلى حد لا ~~ينبغي فلا بد وأن يكون العقل مأسورا في يدها، ويتبعها سائر القوى فتنقهر ~~معها قوته الغضبية وتسكن عن الحركة فيما يجب ان يتحرك فيه، وحينئذ تكون ~~المهانة المستلزمة لزوال الانفة والحمية. # وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب ترك رذيلة الطمع بترك متابعة القوة ~~الشهوية وقهرها، لان رذيلة الذل لما كانت مهروبا منها (2) مجتهدا في تحصيل ~~ما يقابلها من الفضائل التي فيها كمال النفس وكان ترك الطمع وسيلة إلى ~~تحصيل تلك الفضائل وجب ذلك الترك لوجوبها، والله ولى التوفيق. # الكلمة التاسعة عشر قوله عليه السلام: الحرمان مع الحرص. # أقول: الحرمان منع العطية، وأما الحرص فقد سبق بيانه وهما لفظان مهملان ~~فالقضية مهملة، والمتيقن منها حكم ms084 جزئي وعند ذلك نقول: لما كانت الموهبات ~~والعطايا (3) قد تكون دنيوية وقد تكون أخروية، وكان الحرمان نسبة تستدعى ~~حارما ومحروما ومحروما منه (4) كان الحرمان صادقا على منع الموهبة الأخروية ~~وعلى منع الموهبة الدنيوية، غير أن الأليق بكلامه عليه السلام حمله على منع ~~الموهبة الأخروية: وإذا (5) كان # PageV00P115 # حرمانها لازما من لوازم الحرص المذموم لما عرفت ان المقبل بوجهه على ~~الانهماك في طلب حاضر اللذات منقاد بكف سلطان الشهوة إلى دنى المشتهيات، ~~مشغول اللوح عن الانتقاش بالآثار العلوية، غير مستعد لقبول الأنوار ~~القدسية، ومن لم يستعد لأمر كان محروما منه وهو سبب الحرمان وعلة فوت ~~الاحسان من غير تقصير من الفاعل ولا نقصان، ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك (1)، بمتابعة (2) هواها وعدم الاستعداد لاحسان ~~مولاها، واعتبر ما قلنا (في أنه) من لم يستعد لشئ كان محروما منه تجد ~~الحريص على اقتناء أبقى اللذات وهو الحرص المحمود مشغولا بأضداد ما اشتغل ~~به المحروم الشقي محروما (3) بعدم استعداده للملذ الدنى والكمال الوهمي ~~البدني فيصدق حينئذ ان الحرمان مع الحرص في المحرومين الحريصين من الطرفين. # وقد تصدق هذه القضية في المتعارف الظاهر على وجه آخر وهو ان الحرص في طلب ~~العطايا والمنح الدنيوية قد يكون مستلزما لحرمان الطالب، وإذا (4) قلنا إن ~~القضية مهملة أمكن حملها أيضا على هذا المطلوب وبيانه ان الحرص يستلزم ~~اللجاج والالحاف (5) في السؤال مما ينفر طباع المطلوب منه لما انهما لازمان ~~للرذيلة المنفور منها طبعا ويولد السأم، والنفرة مستلزمة للبغض المنافى ~~للميل إلى العطاء، وحينئذ يصدق ان الحرص سبب الحرمان والمعلول مع علته في ~~الوجود. # وأنت إذا سبح فكرك في بحر جواهر كلامه علمت أن ينابيع الحكم (6) منبعثة ~~منه، وان علوم كثير العلماء جداول تأخذ (7) عنه، شعر: # وإذا قضى في المشكلات ترادفت * حكم تريك الوحي كيف تنزلا # PageV00P116 # الكلمة العشرون قوله عليه السلام: عبد الشهوة أذل من عبد الرق. # أقول: اثبات هذا الحكم ببيان أمرين: # أحدهما - ان المنقاد لشهوته ذليل أي مهين خاضع. # والثاني - ان مهانته ms085 واستجابته لشهوته أشد من مهانة عبد الرق واستجابته ~~لسيده. # اما الأول فلا اشكال فيه إذ لا معنى لانقياده لشهوته وعبوديته لها الا ~~خضوعه وامتهانه في يدها، والضرورة حاكمة بان المنقاد للشئ والخاضع له ممتهن ~~في يده واما الثاني فواضح أيضا ويزيده (1) وضوحا ان خضوع عبدا لرق لمولاه ~~وتذلله له قد يكون عن كره وعدم شهوة بل بحسب الغلبة والقهر والخوف من الأذى ~~وحينئذ تكون الأعمال الصادرة عن ذلك كثيرا ما تكون سجعة (2) غير منظومة ولا ~~تامة ومع ذلك لا يخلو من مشاغبة ونفرة طبع يلحقه بحسب ملال يعرض له أو بحسب ~~شرة في طبعه بحيث لا يفي بضبطها السيد فلا يصدق معها الخضوع والامتهان ~~والتذلل، واما خضوع المنقاد لشهوته وامتهانها له فربما خرج به إلى حد لو ~~قطع من جلده قطعة لم يحس بها حال انقياده لها، واعتبر ذلك فيمن غلبته (3) ~~شهوته وحكمت عليه بالوصول إلى امرأة مستحسنة ممانعة له إلى غير ذلك من ~~المشتهيات، فتجده بحسب خضوعه لشهوته وانقياده لها ممعنا في امتهان نفسه في ~~احكام ما يصدر عنه من الافعال واتقان (4) ما يتحرك فيه من الأعمال من غير ~~سأم (5) ونفار ومن دون أنفة أو مراعاة حشمة وجاه، ولو كان ما يدعوه إليه ~~الشهوة أقبح الأعمال وأشنعها كبذل اللص نفسه وماله في تحصيل الات السرقة ~~واصلاحها والخروج بها متخفيا في ظلام الليل والأمكنة المخوفة والمواضع ~~المخطرة التي يتيقن غيره فيها الهلاك # PageV00P117 # لو سلكها ومع ذلك فتجده غير خائف بالنسبة إلى حكم شهوته وطاعة هواه ~~وغافلا عن كل شئ سواه، وربما وقع في الأسر وأشفى على الهلاك مرة ومرة وقطعت ~~يده أو رجله فلا يبقى الا ريثما يبرأ قطعه ثم يعود إلى ما كان عليه حتى لو ~~قطعت الات بدنه التي يتمكن بها من السرقة لكان في خياله بحسب حكم شهوته انه ~~لو كانت له آله يتوصل بها إلى صنعته تلك لعاودها، كل ذلك طاعة لشهوته ~~ومهانة وخضوعا في يدها بحيث يجزم الانسان انه لو كلف عبد الرق الذي أحسن ms086 ~~إليه المدة الطويلة بأقل تلك الأعمال وأيسرها أوفى وقت لم تجر عادته ~~بتكليفه فيه ولم يكن العبد مشتهيا لها لنفر طبعه منها ومانع (1) في عدم ~~قبول امره فيها، وإذا عرفت ذلك ظهر لك ان ذل (2) عبد الشهوة أقوى من ذل ~~الرق بأضعاف وان من ساوى بينهما فقد فقد الانصاف وكابر عقله، وذلك مفهوم ~~مقصده العزيز وسر لفظه الجزيل الوجيز، وفيه تنبيه على وجوب قهر الشهوة ~~وكسرها إذا كانت داعية (3) إلى اتباع الشيطان والعدول عن (4) طاعة الرحمن. ~~وكان كثير ممن يدعى الشرف والفضل ويزعم أنه كامل العقل ويسخط ويأنف ان ينسب ~~إليه نقصان ورذيلة ويأبى ان يسلب عنه كمال وفضيلة، فضلا عن أن يقال: هو رق ~~لمولى منقادا في أسر الشيطان متهالكا في طاعته وهو عن رشده غافل مذعنا ~~ومشتغلا (5) بقبول (6) أوامر شهوته وهو لما يراد به جاهل، حتى يتنبه بهذه ~~الإشارة اللطيفة على أنه إذا كان أنفته وعزة نفسه ونفار طبعه من أن يقال: # انه رق لفلان العبد الصالح إنما كان لما في ذلك من الخضوع والامتهان ولما ~~ينسب إليه من النقصان فلم ارتكب من طاعة شهوته والانقياد لها ما يوجب له ~~الامتهان التام الذي هو أشد والنقصان اللازم الذي هو آكد، بل ما يعده (7) ~~للعذاب الأليم بسبب زيغه عن الصراط المستقيم وهل ذلك الا من جهله بالعواقب ~~وقلة عقله لما يلزمه من المصائب # PageV00P118 # فينبغي للعاقل كما يأنف ان يقال: انه عبد لمولى ان يأنف بالطريق الأولى ~~من أن يقال: # هو رق الهوى فيتقهقر عن متابعة الشيطان ليخلص من (1) اسره، وينقاد لاثار ~~الرحمن وينفعل عن امره، ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا ~~مبينا (2) الكلمة الحادية والعشرون قوله عليه السلام: الحاسد مغتاظ على من ~~لاذنب له. # أقول: قد سبق بيان ماهية الحسد، واما الغيظ فظاهر والمقصود ههنا اثبات ~~الغيظ للحاسد في حال حسده على من لم يكن له ذنب معه وبيان ذلك انا لما ~~ذكرنا ماهية الحسد اعتبرنا في ماهيته حركة القوة الشهوية وانبعاثها ثم إن ~~تلك ms087 الحركة مستلزمة لحركة القوة الغضبية ودوام الغضب وثباته المسمى حقدا ~~بدوام الامر المحسود به لتصور الأذى الحاصل من حركة القوة الشهوية في تحصيل ~~مالا يمكنها تحصيله من حال المحسود وحينئذ يظهر لك المطلوب من هذه القضية ~~وهو اثبات الغيظ الذي هو الغضب للحاسد في حق المحسود. واما ان غيظ الحاسد ~~يتحقق فيمن لاذنب له مع المحسود فظاهر، إذ قد يتفق ذلك بمشاهدة الحاسد ~~للمحسود على حاله معينة مرة واحدة، وقد يتفق الحسد بحسب السماع فلا ذنب ~~حينئذ الا ما هو فيه من النعمة والحالة المحسود بها كقوله (3): # تعد ذنوبي عند قوم كثيرة * ولا ذنب لي الا العلى والفواضل وكقول الأمير ~~علي بن مقرب في شكايته من قومه (4): # PageV00P119 # ولا ذنب لي الا حجى وبراعة * ومجد وبيت في ربيعة عال وفى هذه الكلمة ~~تنبيه على قبح الحسد ورداءة التخلق به والتكيف بهذا الغضب الخالي عن السبب ~~إذ (1) كان الغضب الذي ينبغي يستدعى تقديم جريمة من المغضوب عليه، اما ~~الغضب الخالي عن السبب فمن باب وضع الأشياء في غير مواضعها وذلك خروج عن ~~مقتضى العقل ومفارقة للانسانية، وبالله التوفيق. # الكلمة الثانية والعشرون قوله عليه السلام: منع الموجود سوء الظن ~~بالمعبود. # أقول: منع الموجود إشارة إلى البخل وهو منع ما ينبغي اخراجه من المال على ~~الوجه الذي ينبغي بحسب القانون المراعى في استكمال فضيلة العفة، وامام سؤ ~~الظن بالمعبود فتصوره على الوجه الذي لا ينبغي ان يتصور عليه في ذاته أو في ~~الحاق ذاته بصفات يجب ان ينزه عنها، والمقصود من هذه الكلمة بيان ان من ~~جملة أسباب منع الموجود وعدم صرفه وفى جهة وبذله لمستحقه هو عدم تصور ~~الخالق الرازق على الوجه الذي ينبغي وتصوره كمالا ينبغي الا انه اطلق لفظ ~~الملزوم وهو سوء الظن على لازمه وهو منع الموجود مجازا # PageV00P120 # وبيان ذلك أن الوجه الذي ينبغي ان تعتقد هو ان صرف المال في وجوهه معد له ~~لاستحقاق أمثاله وان معبوده هو الجواد المطلق والكريم المطلق و (1) لا توقف ~~لإفاضته العالية على أمر ms088 فائت من جهته (2) ولا نقصان عارض لذاته بل على ~~تمام استعداد القابل لاحسانه واستكماله باستعمال العقل في وضع الأشياء ~~مواضعها، فإذا هو عدم ذلك الاعتقاد فقد استلزم ذلك عدم معرفته بالمعبود كما ~~ينبغي، ومن لم يعرفه على الوجه الذي ينبغي ان يعرفه عليه لم يخل (3) في ~~تصوره له من تكيفه (4) بكيفيات غير لائقة بجوده ووصفه بهيئات غير لاحقة ~~لكمال وجوده من تشبيهه (5) بملوك (6) الدنيا وأصحاب الأموال الذين ينسب ~~إليهم الاعطاء والمنع والمفاخرة بجميع الأموال وكثرتها وادخارها، ويتضررون ~~بانتقاصها وعدمها، وان من صفات هؤلاء وجاري عاداتهم جمع الأموال التي هي ~~قوام مناصبهم وبها استقامة أمورهم ومنع كثير من المستحقين وعدم الالتفات من ~~كثير منهم إلى الفقراء والمساكين وكان هذا التشبيه سوء ظن به إذ (7) كان ~~اعتقادا غير مطابق لما عليه الامر في نفسه (8)، وكان مستلزما لمتابعة النفس ~~الامارة بالسوء الحاكمة بان المال هو الكمال الذي ينبغي ان يطلب ويقتنى، ~~وانه ثمرة الأعمال التي يجب ان تجتنى، وان مطلق الانفاق داعية للفقر وسبب ~~للحاجة (9) إلى من للمال عنده حرمة ويجوز ان لا يعطى المستحق ولا يفيض ~~الكمال على المستعد له الناشئ كل ذلك من عدم معرفته كما ينبغي وتصوره على ~~الوجه الذي لا ينبغي وكان (10) ذلك سببا لمنع الموجودات الفانية وسدا لسبل ~~الخيرات الباقية وصدا عن الصعود إلى المقامات العالية، ومن يكن الشيطان له ~~قرينا فساء قرينا (11) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر (12) ~~بالتصورات المناسبة لمقتضى الأوامر الشرعية " وأنفقوا # PageV00P121 # مما رزقهم الله (1) " على وفق تلك المناسبات العقلية " وكان الله بهم ~~عليما " (2) مطلعا على تفاوت درجاتهم ومراتب استحقاقاتهم فينزل بقدر ما ~~يشاء (3) انه حكيم عليم (4). # وفى هذه الكلمة إشارة إلى وجوب السعي في تحصيل المعرفة الممكنة اللائقة ~~بالمعبود لتحصل بها السلامة عن رذيلة البخل الذي هو سبب الحرمان في ~~الدارين، والله ولى التوفيق. # الكلمة الثالثة والعشرون قوله عليه السلام: العداوة شغل القلب. أقول: قد ~~عرفت معنى العداوة وانها رذيلة تقابل فضيلة الصداقة تقابل الضدين، واما ~~اثبات المطلوب من هذه الكلمة وهو انها ms089 شغل القلب مستلزمة للغضب الثابت وقد ~~عرفت ان الغضب حركة للنفس (5) يحدث منها حرارة دم القلب وغليانه شهوة ~~للانتقام، فإذا كان الغضب ثابتا دائما كان ذلك الغليان متجددا في كل وقت ~~ولحظة وذلك شغل عظيم للقلب ملفت عن سائر أشغاله الواجبة، وان شئت فاحمل ذلك ~~بنظر آخر أدق من هذا النظر على ما هو أدق من هذا المعنى وذلك انك قد علمت ~~أن القلب قد يعبر به في عرف العارفين عن القوة العاقلة التي هي محل العلوم ~~الكلية ثم قد علمت أن العداوة وبغض صادق يهتم معه بجمع (6) الأسباب المؤذية ~~للمبغوض وإذا كان كذلك كان كون العداوة شغلا للقلب ظاهرا لان اهتمام النفس ~~بجمع أسباب الأذى للمغبوض وتحصيلها وفكرها في كيفية التحصيل وفى كيفية ~~الخلاص والسلامة من مماكرة (7) العدو وكيده والاحتراز عن ذلك شغل شاغل لها ~~وملفت عن توجهها إلى المقاصد الحقة التي يجب سعيها فيها، وإذا لاح # PageV00P122 # لك سر هذه الكلمة عرفت انه مستلزم للتنبيه على ترك هذا الشغل وذلك إنما ~~يكون بحسم سببه المذكور فإنه رذيلة يستلزم وجودها نفى فضيلة الصداقة ~~الموجبة للاتحاد في الواحد الحق (1) الموجب لسعادة الدارين. # الكلمة الرابعة والعشرون قوله عليه السلام: لاحياء لحريص. # أقول قد علمت أن الحياء هو انحصار النفس خوف اتيان القبائح وحذرا من الذم ~~والسب الصادق، وان الحرص المذموم هو بذل الوسع في طلب الأمور الفانية ~~كاقتناء الأموال وجمعها والسعي في تحصيل اللذات الحاضرة الوهمية التي هي ~~بالحقيقة دفع آلام، وإذا تصورت هذين المعنيين لاح لك وجه المضادة بينهما إذ ~~(2) كان باذل الوسع في تحصيل ما ذكرنا (3) غير منفك عن (4) قحة وخشونة وجه ~~يتمكن معها من المنازعات والمخاصمات والمماحكات في البيع والشراء وغيرهما ~~من التصرفات، وإذا كان كذلك لم يتحقق في حقه حينئذ خوف اتيان القبائح ولم ~~يكن عنده حذر من الذم، ولا مبالاة بالشتم والسب، وذلك يستلزم عدم الحياء ~~ونفيه (5) عن محل الحرص بالكلية، ولما كان الحياء والحرص مما لا يجتمعان ~~وعلمت ان الحياء فضيلة من الفضائل التي تحت العفة ms090 وان العفة جزء عظيم من ~~اجزاء العدالة التي يكون بها الانسان (6) كاملا في قوتيه (7) العملية ~~والنظرية وجب عليك أيها الأخ أن يكون بعدك من الحرص بعد حرصك على لزوم ~~فضيلة الحياء والمحافظة عليها ان كانت موجودة فيك وان لم تكن فليكن حرصك ~~على غسل درن الحرص لتحصيلها، والله يوفقنا وإياك لما يزلف لديه، انه جواد ~~كريم. # PageV00P123 # الكلمة الخامسة والعشرون قوله عليه السلام: البخل جامع لمساوئ العيوب ~~(1). أقول: قد عرفت ماهية البخل، ومساوئ العيوب مقابحها وقبل بيان المقصود ~~نذكر درجات البخل وهي أربع، فالأولى منع ما ينبغي منه لمستحق هو غيره وهو ~~أهون درجاته. الثانية منع ما ينبغي منه لمستحق هو نفسه وهذه أشد من الأولى، ~~لان منع نفسه التي هي أكرم عليه من الغير أشد من منع الغير إذ كان لم يسع ~~في تحصيل ذلك الممنوع الا لنفسه. الثالثة منع ما ينبغي من غيره لمستحق غيره ~~وهي أشد من الثانية، لان حبه لما يتوهم انه يملكه أهون من منعه لما لا ~~يملكه لامكان تصور انتفاعه بما يملكه دون مالا يملكه، الرابعة منع ما ينبغي ~~من غيره لمستحق هو نفسه وهذه أشد الدرجات وصاحبها أبعد الجماعة عن الرشح ~~للخير، لأن هذه الدرجة مستلزمة للثلاث الأول مع زيادة وهي انه منع أحق ~~مستحق عنده لابعد الأشياء عن ملكه، هذه (2) هي الدرجات، فاما أسبابها فاعلم ~~أن السبب اما في الدرجتين اللتين يمنع فيهما ماله عن (3) غيره وعن نفسه ~~فأكثر ما يكون في الابتداء خوف الفقر والحذر من الحاجة إلى من يمنع الرزق ~~الصادر ذلك عن سوء الظن بالمعبود كما عرفت قبل إلى أن (4) يصير ذلك بحسب ~~التكرر والتعود ملكة وخلقا وحينئذ لا يبقى له مع المنع مراعاة تلك الأسباب ~~وخطورها بباله بل يصير ذلك المنع طبيعة،. واما في الباقيتين اللتين يمنع ~~فيهما مال غيره عن نفسه وعن غيره فلانه لما كان تكيف بالملكة الردية ~~المذكورة وتخلق (5) بها صار عند مشاهدة البذل من غيره يقدر بحكم وهمه انه ~~واقع في ذلك البذل وانه هو ms091 الفاعل له فيلحقه حينئذ من ذلك نفرة طبيعية (6) ~~يحكم معها بقبح ذلك البذل من فاعله ويحب منه ان لا يبذل ليكون موافقا لطبعه ~~(7) ولا يزال يسمعه التوبيخ # PageV00P124 # وينسبه إلى تجاوز قدره الذي يجب ان يقف عنده وما يشبه ذلك مما ينفر طبعه ~~منه لكيلا - يعود إلى ذلك البذل ولا يكثر منه وإذا عرفت ذلك فنقول: المراد ~~من هذه الكلمة بيان ان رذيلة البخل مستلزمة لمقابح (1) الرذائل وقد عرفت ان ~~أجناس الرذائل أربعة، الجهل والشره والجبن (2) والجور ونحن نبين ان هذه ~~الأربعة لازمة لرذيلة البخل موجودة في محلها اما الجهل ونعني به ههنا ~~المركب فلأنك عرفت ان البخيل لا يخلو تصوره لمعبوده من تكييفه (3) بكيفيات ~~غير لائقة بجوده وغير لاحقه لكمال وجوده من تشبيهه (4) بخلقه المنتفعين ~~بوجود الأموال والمتضررين بفقدها وذلك اعتقاد غير مطابق لما عليه الامر في ~~نفسه وهو حقيقة الجهل المركب، واما الشره فقد عرفت انه غلبة الحرص على ~~اقتناء الملذات (5) البدنية والانهماك فيها والخروج في ذلك إلى مالا ينبغي. # ولا يخفى ان البخل مستلزم لغلبة الحرص في جمع (6) الملذات (7) المالية ~~والانهماك فيها والخروج إلى الحد المنهى عنه، واما الجبن فقد عرفت ان ~~حقيقته الخوف مما لا ينبغي ان يخاف منه ولا يخفى ان البخيل ابدا خائف من ~~الفقر وجل من حدوث الحوادث في ماله بحيث لا ينسب مثل ذلك الخوف إلى غيره ~~وذلك خوف مما لا ينبغي ان يخاف منه لان ما يحافظ عليه منه لاشك انه من ~~الأمور الكائنة الفاسدة ومن خاف فيما (8) لابد من كونه ورجا ان لا يفسد فقد ~~خاف مما لا يجوز ان يخاف منه وهو عين الجبن، واما الجور فقد عرفت ان حقيقته ~~التوصل إلى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغي وكما لا ينبغي ويلزمه طلب - ~~الزيادة من النافع للنفس (9) وطلب النقصان منه للغير ولا يخفى ان البخل ~~مستلزم لذلك فان البخيل لغلبة حرصه وجهله ويجتهد في طلب الزيادة من اي ~~الوجوه (10) كانت ويتوصل إلى جمع الأموال من حيث لا ينبغي بحكم وهمه ms092 الكاذب ~~ان ذلك مما ينبغي. # PageV00P125 # وإذا ثبت (1) ان أصول الرذائل الأربعة لازمة للبخل موجودة في محله كان ما ~~يلزمها من الرذائل أيضا كذلك فتجد الكذب الذي هو رأس النفاق عارضا عن الشره ~~إذا كان الشره خارجا مما (2) يطلبه إلى مالا ينبغي على وجه لا ينبغي ~~كالأكاذيب (3) والحيل الباطلة وغيرها وكالجرأة (4) والتعود لسلب الأموال ~~وسفك الدماء وهلاك الأنفس (5) الناشئ من طبيعة الجور، وكالاعراض عما يجب ~~فعلة من المحافظة على الحريم والذب عنهم (6) والقصور فيما ينبغي القيام به ~~من السياسات وتنفيذ الاحكام التي (7) يجب تنفيذها المستلزم لعظم الهمة ~~اللازم ذلك للجبن المذكور وكالنقصان البائر (8) اللازم للجهل إلى غير ذلك ~~من العيوب الفاحشة وبالجملة فإذا تأملت أصناف قبائح الرذائل ومساوئ العيوب ~~وجدتها منبعثة (9) عن هذه الأربع. # وينبغي ان يتنبه من هذه الكلمة على وجوب الهرب من هذه الرذيلة وغسل لوح - ~~النفس عن درنها ليسلم مما يلزم عنها من مقابح (10) الرذائل وما يصحبها من ~~مساوى العيوب فيترشح لاقتناء الباقيات الصالحات فعسى أن يكون من المفلحين ~~(11) والله يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم (12). # الكلمة السادسة والعشرون قوله عليه السلام: كثرة الوفاق نفاق وكثرة ~~الخلاف شقاق. # أقول: الوفاق الموافقة فيها يقال من الآراء ويختار من الافعال الصادرة عن ~~الأغراض والإرادات (13) التي قد تختلف، واما النفاق فقد سبق بيانه والخلاف ~~المخالفة فيما يقال # PageV00P126 # من تلك الآراء والشقاق الافتراق من شق العصا، إذا قسمتها بنصفين، وههنا ~~حكمان، الأول ان كثرة الوفاق وليس المراد ان كثرة الموافقة هو نفس النفاق ~~بل المراد انه لازم له فأطلق اسم الملزوم على لازمية (1) كثرة الوفاق ~~للنفاق مجازا إذ التقدير كثرة الوفاق لازم من لوازم النفاق، واظهر من ذلك ~~أنه حذف المضاف للعلم به وأقام المضاف إليه مقامه، واما عله هذا الحكم فلان ~~الآراء مختلفة اختلافا شديدا تكاد لا تتناهى (2) بحسب اختلاف التصورات ~~وجودة الحدس وضعفه واستقامة التخيل (3) واعوجاجه الصادر عن التفاوت في ~~الأمزجة حتى انك تجد لكثير (4) من الناس آراء يستبدون (5) بها لا تكاد ~~تتصور (6) موافقة أحد لهم ms093 فيها ثم إن كان لابد من الوفاق الصحيح الا ان ذلك ~~لا يكون إلا في الاحكام الضرورية أو البرهانية وهي مع أنها أقلية الوجود ~~بالنسبة إلى الاحكام التي تخفى أسبابها فتكاد تسلم من اختلاف الآراء فيها، ~~أو (7) - لا يقع لها انكار أو تصور على وجه آخر، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن ~~الذي يكثر وفاقه في كل ما يقال أو يستشار فيه يستحيل أو يكون في غاية البعد ~~ان يقال: ان تلك الموافقات منه مطابقة اعتقاده الصادر عن النظر في الامارات ~~الصادقة وعن تخالف الأمور وان ذلك هو الذي أدى إليه اجتهاده بل الذي ينبغي ~~ان يعتقد ان ذلك إنما هو نفاق لخروجه (8) به عن الصدق في عدم مطابقة ظاهره ~~لباطنه وقد علمت أن النفاق ذلة (9) واستخذاء (10) نفس واستجابتها وانفعالها ~~عن مقابلة - المستشير والقائل وخاصة أن يكون معظما في ملكه أو علمه أو حال ~~يوجب له الاحتشام وهذا الحكم مستلزم للتنبيه على وجوب الحذر عن كثرة الوفاق ~~فإنها من آثار رذيلة المهانة والانظلام التي هي طرف التفريط من الشجاعة إذ ~~تبين لك من هذا البحث # PageV00P127 # ترتيب البرهان على ذلك وصار الترتيب " كثرة الوفاق نفاق، والنفاق ذلة " ~~فأنتج ان كثرة الوفاق ذلة، اما المقدمة الأولى فبينة من بحثنا، واما ~~الثانية فقد تقدم تقريرها وتبين من بيانهما ان كثرة الوفاق من لوازم النفاق ~~الذي هو من لوازم المهانة ولازم - اللازم لازم ولن يتخلص عن ذلك الا ~~بمعاجلة المعالجة (1) لغسل الباطن من رذيلة المهانة لان معالجة هذه الأمراض ~~تستدعى حسم أسبابها أولا بتعويد النفس وتطويعها بأضداد تلك الأسباب، واما ~~الحكم الثاني فهو ان كثرة الخلاف سبب للشقاق وملزوم له واطلاق الشقاق على ~~لازمية كثرة الخلاف مجاز، واما برهان هذا الحكم فلان الخلاف بطبيعته مثير ~~للقوة الغضبية المحركة إلى طلب الانتقام من المخالفين الموجب للعداوة ~~والبغضاء وتنافر الطباع وإذا كان أصل طبيعته فما ظنك بكثرته والخروج فيه ~~إلى مالا ينبغي وايراده فيما لا ينبغي وقد كنت عرفت ان طلب الانتقام مثير ~~للعداوات (2) ومن لوازم العداوة ms094 التباين ولافتراق فتعلم حينئذ ان كثرة ~~الخلاف موجبة للشقاق لما ان علة العلة علة، واعلم أن هذين الحكمين مستلزمان ~~للتنبيه على وجوب لزوم الوسط بين طرفي الافراط والتفريط الذي هو الشجاعة ~~اما طرف الافراط فعلته (3) كثرة الخلاف فان ذلك بالحقيقة صادر عن تهور ~~واقدام على مالا ينبغي الاقدام عليه، واما طرف التفريط فهو علة كثرة الوفاق ~~التي هي المهانة فان الانسان بارتكاب الطرف الأول يحصل على الشقاق والتباين ~~الموجب للتباغض المنافى للمحبة والاتحاد في الله تعالى التي هي سبب ~~لاستنزال (4) رحمته وبركاته، وبارتكاب الطرف الثاني يحصل على الرذيلة ~~المذكور وملزومها، وكلاهما منهى عنهما، فينبغي للعاقل ان يثبت على الوسط ~~ويثبت (5) بعرى عقله دون ان يجذبه هواه إلى سلوك أحد الطرفين فيكون من ~~الهالكين، والله ولى العصمة. # PageV00P128 # الكلمة السابعة والعشرون قوله عليه السلام: البغى سائق إلى الحين. # أقول: البغى الظلم، والحين ههنا بفتح الحاء الهلاك، والمراد ان الظلم من ~~الأسباب المعدة لبطلان حياة الظالم ومقرب لهلاكه، وأطلق عليه السلام الفظ ~~السائق على الظلم مجازا من باب الاستعارة، ووجه المشابهة ان السائق (1) كما ~~يكون لسرعة الوصول بسيره إلى المكان المقصود كذلك الظالم يكون ظلمه سببا ~~لسرعة وصوله إلى أجله، واما علة هذا الحكم فهو ان الظالم إنما ينتزع بظلمه ~~من الخلق ما يكون هممهم معلقة بحفظه واقتنائه ونفوسهم حريصة على بقائه في ~~أيديهم وهو سبب لذتهم ومتعتهم (2) وما يتوهمون انه ملك فيكون بذلك معرضا ~~نفسه لاجتماع هممهم (3) في اذاه واجتهادهم في دفعه واهلاكه اما باستعداء ~~ظالم آخر أو عادل عليه واما بأيديهم واما بفزع نفوسهم إلى الله تعالى ~~وتفريغ خواطرهم واعدادها بالأدعية والابتهالات لان تفاض عليها إجابة ~~الدعوات بانزال العقوبة العاجلة له كما عرفت كيفية ذلك الاستنزال وامكانه، ~~وحينئذ تكون حركة الظالم في ظلمه سببا باعثا لحركة المظلوم في طلب الانتصار ~~وأخذ الثار على أحد الوجوه المذكورة فكان (4) ظلمه سببا قائدا له إلى حينه، ~~ولما كان قرب الحين منفورا منه (5) طبعا للخلق وكان الظلم سببا سائقا إليه ~~وجب عليك أيها الأخ ان ms095 تنظر بعين بصيرتك ما استلزمته هذه اللفظة من التنبيه ~~على وجوب ترك الظلم سيما وقد علمت أنه من أعظم الرذائل وأقبحها، والله يثبت ~~أقدامنا في مزال الاقدام، ويطهر نفوسنا من ادناس الآثام، وانه ولى الانعام ~~وصاحب الأيادي الجسام. # PageV00P129 # الكلمة الثامنة والعشرون قوله عليه السلام: أوحش الوحشة العجب. # أقول: الوحشة نفرة طبيعية تعرض للحيوان عن تصور الموذى، وتقابل الانس ~~تقابل الضدين، واما العجب فهو ظن كاذب بالنفس في استحقاق مرتبة هي غير ~~مستحقة لها، ولما كانت الوحشة مقولة بالتشكيك على ما تحتها، إذ (1) كان من ~~الوحشة ما هو أشد ومنها ما هو أضعف ظهر حينئذ أن تقدير القضية: " أشد درجات ~~الوحشة وأبعدها عن الانس العجب " واعلم أن العجب نفسه (2) ليس بوحشة فيعود ~~التقدير إلى " ان أوحش الوحشة مسبب عن العجب ولازم له " فأطلق لفظ العجب ~~عليه مجازا كما سبق بيان مثله، إذا عرفت فنقول: اما برهان سببية العجب ~~للوحشة فلان المعجب بنفسه إذا اعتقد ماله على غيره من الفضيلة فهو وان أكذب ~~نفسه فيها في بعض الأحوال الا انه كثيرا ما يبعثه (3) الالتذاذ بتصور تلك ~~المرتبة ولوازمها وتخيل زينة نفسه بها وتميزها عن أغيارها (4) بسببها على ~~اكذابها (5) فيعبر (6) إلى حد التيه فيتيه ويتجبر على غيره ويستنقص أبناء ~~نوعه لتصور التفرد بالمرتبة التي لنفسه فكان ذلك سببا لتنفر (7) طباع الخلق ~~عنه ووحشته منه من وجهين: # أحدهما - انا بينا ان التواضع ولين الجانب واظهار النقص من الكمال لنفسه ~~تقريرا للتواضع وبسطا من طباع الاخوان مميل لطباعهم إليه وموجب للألفة ~~الموجبة للانس والمحبة فكان التيه والعجب وما يصحبهما من اضداد ما ذكرنا ~~موجبين للنفرة الطبيعية المستلزمة للتباين المستلزم للوحشة والانقطاع وعدم ~~المحبة. # PageV00P130 # الثاني - ان الكمال من حيث هو كمال محبوب للنفس ومطلوب لها ثم إن الانسان ~~يكاد يخلو عن الحكم الوهمي في حق نفسه باستحقاق كمال مالا يكون لغيره أوان ~~كان لكنه يكون لاحاد الناس كانسان اطلع بصفاء سريرته وارشاد الله تعالى ~~إياه على عيوب نفسه فكسر غلو العجب عنها، وإذا كان كذلك فالمعجب ms096 إذا أعجب ~~بنفسه وتاه على غيره لاعتقاد المزية عليه لم يخل ذلك الغير من أن يكون له ~~مثل ذلك الاعتقاد أو يكون مطلعا على قبحه لعلمه بأنه عيب من العيوب الفاحشة ~~وعلى التقديرين فان ذلك العجب موجب للنفار (1) اما في حق الأول فلعدم ~~تسليمه لما يعتقده هذا المكبر (2) لنفسه عليه من التفرد بالمزية والكمال ~~لان الكمال المعتقد هناك قد يكون عند المتكبر عليه أشد وأرسخ في اعتقاده، ~~وعند عدم التسليم والانكار للدعوى ممن أصر (3) عليه لابد وان يحصل الوحشة ~~بينهما، واما في حق الثاني فلاستنقاصه عقل المتكبر والمعجب واطراحه عن درجة ~~الاعتبار وعدم تأهله في نظره واعداده للمعاشرة والألفة والصداقة فهذه أسباب ~~النفرة الطبيعية للخلق من المعجب بقي علينا ان نبين ان الوحشة الصادرة عن ~~العجب أشد درجات الوحشة وأبعدها عن الانس وبيان ذلك أن أقوى ما يتصور من ~~أسباب الوحشة قد يكون علاج ما يوجبه منها سهلا ومعاناة حسمها هينا، فان من ~~أعظمها وأقواها قتل الأحباء والأولاد وقطع بعض الأعضاء أو الضرب المؤلم ~~الممرض فقلما يكون مثل هذه الأسباب في القوة وايجابها للوحشة والقطيعة ومع ~~ذلك فان علاج مثل هذه الوحشة يكون سهلا اما ببذل الأموال الكثيرة أو بالرفق ~~واللين أو ببذل القصاص ويكون ذلك في أقصر مدة وأيسرها، واما العجب فان ~~علاجه وحسمه قد لا يمكن ان أمكن فإنه يكون غاية من (4) العسر وبيانه ان ~~علاج ذلك متوقف في الانسان على معرفة نفسه أولا (5) وهي درجة عظيمة قل ~~الواقفون عليها وإذا أعرفها فينبغي ان يعرفها بكثرة العيوب والنقصانات ~~المعتورة لها وهذه درجة في غاية الصعوبة أيضا فان # PageV00P131 # احصاء العيوب النفسانية بالاطلاع عليها وكسر توهم النفس لكمالها عسر ~~بالكلية ثم إذا عرفها بكثرة العيوب (فينبغي) ان يعرف (1) ان الفضل مقسوم ~~بين البشر وليس يكمل منهم أحد الا بفضائل تجتمع له وكل من كانت فضيلته عند ~~غيره فينبغي ان لا يعجب بنفسه ولا يفتخر على غيره وكل هذه المراتب وان كانت ~~ممكنة في نفس الامر الا انها في حق كثير ms097 من الخلق غير ممكنة وفى حق الأكثر ~~منهم عسرة التحقيق صعبة التناول، وإذا كان كذلك الوحشة العارضة عن أسبابها ~~دائمة قوية عسرة العلاج لعسر علاج أسبابها فكانت أقوى وحشة وأشدها فان قوة ~~المعلول مستفادة من قوة علته وحينئذ يتبين (2) لك سر قوله " أوحش الوحشة ~~العجب ". # وينبغي لك أيها الأخ ان تتنبه مما يسنح لك من سر هذه الكلمة على وجوب ترك ~~العجب والاجتهاد في حسمه إذ (3) كان سببا عظيما من أسباب الهلاك فرتب في ~~ذهنك دليلا هكذا: العجب سبب (4) من الأسباب المانعة من استعدادا النفس ~~لكمالاتها المسعدة (5) وكل ما كان كذلك كان واجب الترك ينتج (6) من الشكل ~~الأول ان العجب واجب الترك، اما المقدمة الأولى فجلية مما قررناه، واما ~~الثانية فلان الكمال المسعد (7) واجب الطلب والأسباب المانعة من ~~الاستعدادات للطلب منافية له فكان تركها وسيله إلى تحصيل الواجب وما لا يتم ~~الواجب الا به وكان مقدورا للمكلف كان واجبا، وأنت بعد أن علمت كيفية علاج ~~حسمه عليم بما تصنع، والله ولى توفيقنا وبه هداية طريقنا. # PageV00P132 # الكلمة التاسعة والعشرون قوله عليه السلام: إذا قدرت على عدوك فاجعل ~~العفو عنه شكرا للقدرة عليه أقول: المقصود من هذه الكلمة الحث على الفضيلة ~~التي تمسى عفوا وتسمى في عرف العلماء مسامحة وهي بالحقيقة ترك بعض ما يجب ~~بالإرادة والاختيار ولا شك ان هذه الفضيلة مستلزمة لكثير من الأخلاق ~~الفاضلة كالسخاء والنبل والسماحة وكذلك هي مستلزمة لفضائل أخرى من باب ~~الشجاعة كالملكة المسماة بالحلم فان نفس صاحب العفو تكون مطمئنة خالية عن ~~الشغوبة بحيث لا يحركها الغضب بسهولة وكاحتمال الكد فان استعمال النفس ~~للعفو مرة ومرة يدل على أن لها قوة تستعمل بها الات البدن في الأمور الحسنة ~~(1) بالتمرين وحسن العادة إلى غير ذلك من الفضائل، وإنما علقه عليه السلام ~~بالقدرة لان ظهور فضيلة العفو للنفس إنما يتحقق بعد تحقق القدرة بحسب ~~اعتقاد العافي انه متى شاء العقوبة كان متمكنا منها سواء كان ذلك التمكن ~~حاصلا في نفس الامر أوليس، واما قبل ذلك الاعتقاد فلا ms098 يتحقق العفو إذ لم ~~يكن في هذه تاركا لبعض ما هو واجب له لعدم تحقق وجوب الانتقام، واما الامر ~~له بجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه فلان القدرة التي وهبها الله تعالى له ~~نعمة عظيمة والشكر على النعمة واجب وان كانت هذه القضية ليست بأولية بل من ~~المشهورات المحمودة والتأديبات الصلاحية التي توافقت عليها الشرائع وتطابقت ~~عليها آراء الخلق في اصلاح معاشهم ومعادهم ومع ذلك فان للشكر وخاصة للمنعم ~~المطلق اثر عظيما إذ هو من الأسباب القوية في اعداد القوة العقلية ~~بالمداومة عليه لقبول اثار الرحمة وتأهلها لاستنزال (2) المطلوبات ~~بالابتهالات وصالح الأدعية وإذا كان كذلك # PageV00P133 # فينبغي من العاقل إذا قدر على عدوه ان يعلم أن الشكر كما يكون معد للنفس ~~لقبول الخيرات المذكورة كذلك العفو فإنه مستلزم للفضائل التي ذكرناها وبها ~~تحصل على الخيرات الدائمة فلذلك أطلق عليه السلام لفظ الشكر عليه لمكان ~~المناسبة فكما ان تلك الخيرات يجب ان يجتهد في تحصيلها بالشكر الذي بينا ~~كيفية حصولها عنه كذلك يجب ان يجتهد في تحصيل الفضائل التي يستلزمها العفو ~~بالمداومة عليه مرة ومرة حتى تظهر تلك الفضائل التي تلزمها عن النفس، فان ~~أقام العافي عفوه مقام شكر الله تعالى على اقداره على عدوه فنعم العوض، وان ~~جمع بينهما كان أجمع لطريق الخيرات وذلك هو المراد من قوله " فاجعل العفو ~~عنه شكرا للقدرة عليه " اي عوضا من الشكر فان حقيقة العفو ليست نفس الشكر، ~~والله ولى التوفيق. # الكملة الثلاثون قوله عليه السلام: البخيل مستعجل الفقر يعيش في الدنيا ~~عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. # أقول: قد عرفت حقيقة البخل وأقسام البخلاء وقد ذكر عليه السلام ههنا ~~للبخيل ثلاثة احكام : الأول - انه مستعجل للفقر وبرهانه ان الاستعجال هو ~~طلب الشئ الذي لابد من وقوعه وذلك الطلب اما أن يكون طلبا إراديا ذاتيا، أو ~~طلبا عوضيا عارضا بسبب الأخلاق الردية، ولما كان الفقر لابد من وقوعه ~~للبخيل بسبب انتقال ملكه إلى أحد شريكيه كما قال عليه السلام: لكل امرئ في ~~ماله شريكان، ms099 الوارث والحوادث (1) كانت غاية ذلك عدم الانتفاع بالمال وعدم ~~تصريفه فيما ينبغي من وجوهه، وكانت هذه الغاية حاصلة في حق البخيل في مدة ~~وجوده بحسب اقتضاء أخلاقه الردية لها لا جرم كان مستعجلا للفقر. # PageV00P134 # الحكم الثاني - انه يعيش في الدنيا عيش الفقراء، وهذا الحكم أيضا ظاهر، ~~فان مقتضى رذيلة البخل التقتير وجمع المال وضبطه وذلك مستلزم لقلة (1) ~~الانفاق المستلزمة (2) لسوء المطاعم ورداءة العيش وقلته التي هي بالحقيقة ~~صفات (3) عيش الفقراء فظاهر (4) ان البخيل يعيش في الدنيا عيش الفقراء. # الحكم الثالث - انه في الآخرة يحاسب حساب الأغنياء، والحساب على (5) ما ~~ورد به ظاهر الشريعة ظاهر، والخلاف بين المتكلمين في كيفية ايقاعه مشهور، ~~وفى نظر قوم آخرين هو إحصاء الرذائل والفضائل اللاحقة للنفس من تعلقها ~~بالأبدان وضبطها في اللوح المحفوظ بقلم العلم الإلهي، ولما كانت الأغنياء ~~هم الجامعين (6) للأموال والمدخرين (7) لما لا ينبغي ان يدخر من الأمور ~~الجسمانية وكان حسابهم أشد وأخطر لكثرة الملكات الردية اللاحقة لهم بسبب ~~ميلهم وعشقهم لمتاع الحياة الدنيا ورغبتها وكان البخيل أشدهم للجمع محبة ~~ولمتاع - الدنيا عشقا لاجرم كان محاسبا حساب الأغنياء. # وإذا عرفت ذلك لاح لك ان من مقاصد هذه الكلمة التنبيه على الحذر من ~~ارتكاب رذيلة البخل ووجه ذلك التنبيه ان مطلوب العاقل وغاية سعيه في الدنيا ~~إنما هو تحصيل السعادتين والبخل مستلزم لعدم حصول إحداهما (9) اما في ~~الأولى فلان البخيل يعيش فيها عيش الفقراء فهو فاقد لذتها وسعادتها، واما ~~في الأخرى فلانه يحاسب فيها حساب الأغنياء، ولما كان من لوازم حساب ~~الأغنياء عدم خلوهم عن العذاب بسبب ما تمكن (10) من جواهر نفوسهم من محبة ~~متاع الدنيا وزينتها وبسبب تفريطهم وافراطهم في وضع الأموال مواضعها لا جرم ~~كان البخيل أكدهم استحقاقا لذلك وأشدهم استعدادا لحصوله وبالله التوفيق. # PageV00P135 # الكلمة الحادية والثلاثون قوله عليه السلام: لسانك يقتضيك ما عودته (1) ~~أقول الاقتضاء ههنا طلب الشئ والميل إليه واللسان اللحمة المخصوصة وقيل ~~بيان المقصود نذكر الفائدة من وجوده فنقول: انك قد علمت في ما سبق ان ~~الانسان الواحد لا ms100 يمكنه ان يستقل باصطناع جميع ما يحتاج إليه بل لا بد من ~~جمع عظيم ليعين بعضهم بعضا حتى يتم لكل واحد منهم ما يحتاج إليه، ومن ضرورة ~~هذا الاجتماع الحاجة إلى أن يعرف كل واحد منهم صاحبه ما في ضميره من ~~الحاجات المطلوبة له، وذلك التعريف لابد فيه من طريق فاقتضت العناية ~~الإلهية وضع الآلة المخصوصة ووضع الألفاظ المركبة من الأصوات والحروف ~~المتولدة من حركات هذه اللحمة المخصوصة على أوضاع مخصوصة فعرفت حينئذ وجه ~~الحاجة الضرورية إلى وجودها وهو الاعراب عما في النفس من الأغراض. # وإذا عرفت ذلك فنقول: لما كانت الألفاظ إنما وضعت بإزاء ما يتصور من ~~المعاني الذهنية التصورية والتصديقية لتكون دالة على ما وجد منها هناك وكان ~~الغالب ان تلك التصورات والتصديقات التي تقصد النفس التعبير عنها صادرة عن ~~ملكات اما فاضلة كالهيئات والأخلاق الفاضلة والاعتقادات الحقة بحيث يقصد ~~بالتعبير عنها اصلاح أمر معاشي أو معادى أوردية كالراسخ من أضداد ما ذكرنا ~~بحيث يقصد بالتعبير عنها مجرد الأذى للغير وخبيث (2) الكلام وسخيفه والسب ~~واللعن والغيبة وغير ذلك فإذا كانت صادرة عن ملكات فلا شك انها تكون دائمة ~~الحضور (3) في الذهن فيكون التعبير عنها أكثريا في الألفاظ وبسبب كثرة ~~التعبير عنها وتكررها في الوجود اللساني وتمرين اللسان بالعبارة # PageV00P136 # الدالة عليها يصير للسان انفعال وتطويع لأوضاع تلك الألفاظ فيصير أسهل ~~واخف فيه من سائر الألفاظ ويصير له ميل طبيعي (1) بحسب ذلك التعويد ~~والتطويع إلى تلك العبارة وذلك هو الاقتضاء لما تعوده ان خيرا فخير وإن شرا ~~فشر (2) وإن كان الاقتضاء الحقيقي إنما هو اقتضاء النفس لتلك التصورات ~~التصديقات الصادرة عن الملكة الحاصلة لها لكن لما كان في هذه الكلمة قصد ~~إلى التنبيه على قبح الكلام القبيح والنهى عن التخلق والميل إلى مالا ينبغي ~~ان يتكلم به وحسن الكلام الحسن النافع والامر بملازمة ما يحسن التكلم به ~~وينبغي، وكان هذا الحسن والقبح والامر والنهى مما رسخ في الاعتقادات وانطوت ~~عليه الضمائر الا انه ربما غفل عنه لسبب ما فيحتاج إلى ms101 تنبيه للسامع على ما ~~عساه غلبه عليه هواه فيتقهقر عن التكلم القبيح لاجرم ذكر اقتضاء اللسان لما ~~تعود من الكلام دون غيره، والله الموفق. # الكلمة الثانية والثلاثون قوله عليه السلام: لا صحة مع النهم أقول: النهم ~~افراط الشهوة في الطعام وهو جزئي من جزيئات الشره إذ كان الشره عبارة عن ~~طرف الافراط من فضيلة القوة البهيمية وهي القوة الشهوية وقد عرفته، والصحة ~~العافية والمقصود الأصلي ههنا هو التنبيه على وجوب ترك رذيلة النهم وذلك ~~ببيان ان الصحة لا تجامعه والصحة من أعظم المطالب وأهمها ويجب ترك ما لا ~~يجتمع معه فاما بيان ان الصحة لا تجامع النهم فاعلم أن الأطباء قد اتفقوا ~~على أن الامتلاء من الطعام إلى حد يخرج عن الواجب في اصلاح البدن مولد ~~لأمراض كثيرة مخوفة لا يخلو البدن عند الامتلاء الكثير من أحدها ولنذكر ~~منها عدة مما ذكروها أحدها الحميات المركبة لتعفن (3) # PageV00P137 # أكثر من خلط واحد. وثانيها بطلان الهضم عن كثره التخم. ثالثها الهيضة ~~لفساد الطعام لكثرته ورداءة كيفيته. ورابعها الغثيان والقئ من جملة أسبابه ~~أيضا كثرة الغذاء. وخامسها الفواق الامتلائي لكثرة الطعام وتوليده الفضلات ~~الغليظة. وسادسها سد المنافذ للسبب المذكور. # وسابعها برد المعدة ورطوبتها للاستكثار من الطعام والشراب. وثامنها الربو ~~وسببه خلط غليظ متولد من الامتلاء لا حج في العروق الضوارب التي في الرية. ~~وتاسعها عرق النساء خلط (2) غليظ يحدث عن الامتلاء دموي أو بلغمي. وعاشرها ~~صلابة المفاصل وتعقدها للخلط الغليظ المنصب إليها (3) وعسر تحلله، وما ~~ذكرناه بعض من كل الأمراض المتولدة عن الامتلاء وادخال الطعام على الطعام ~~فهذه وأمثالها وان خلا النهم عن أحدها لم يخل عن الاخر، وان خلا منه في وقت ~~يسير لم يخل من سببه القريب ويتبعه ذلك عن قريب، وحصوله أو حصول سببه في ~~البدن مرض، وكل ذلك مناف للصحة. # تنبيه - اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود أيضا بالصحة صحة النفس من الأمراض ~~النفسانية التي تعرض بسبب النهم وذلك أن الحس والاستقراء دل على أن البطنة ~~تذهب الفطنة (4) لتلبد (5) الحواس ms102 عن كثرة الأبخرة المتصاعدة عن التخم ~~وكذلك دل على أنه يزيل الرقة ويورث القسوة وكل ذلك مما يسد على النفس باب ~~الخير ويلطخها (6) بسواد الهيئات البدنية فيحجبها عن الاستعداد لقبول ~~الرحمة وذلك مرض عظيم يستحقر بالنسبة إليه أعظم مرض بدني وهو مناف لصحة ~~النفس فإذا النهم مناف لمطلق الصحة مضاد لأنواع العافية. # فانظر أيها الأخ بعين الانصاف فإنك تجد من عداه بالنسبة إلى بحره جداول # PageV00P138 # وانهارا بل خفافيش برزت (1) نهارا، وهل يقايس بين البحر والوشل، وإذا ~~تأملت اسرار هذه الكلمة مع سائر كلامه هي هذه المعنى قد تحققت انه قد اطلع ~~من علم الطب على ما لم يطلع عليه غيره من حذاق الأطباء ولمح بصره أطوارا ~~وراء عقول الحكماء اطلاعا لدنيا من غير بحث واكتساب، أو اكباب (2) على ~~مطالعة كتاب، شعر: # لو أن جالينوس في طبه * أدركه كان تلميذا # PageV00P139 # الفصل الثالث في المباحث المتعلقة بالآداب والمواعظ والحكم المصلحية التي ~~تطابقت عليها الشرائع الإلهية وصحتها البراهين الحكمية، وفيه ست وأربعون ~~كلمة: # الكلمة الأولى قوله عليه السلام: أكرم النسب حسن الأدب. # أقول: النسب هو ما ينسب إليه الانسان من ابائه أو فرع لابائه أو فضيلة ~~نفسانية أو بدنية، واما الأدب فاشتقاقه من المأدب وهو دعاء الناس إلى اطعام ~~والمراد به ههنا ما فهمته من معنى الرياضة في القسم الأول وذلك انك قد عرفت ~~ان القوة الحيوانية في الانسان التي هي مبدأ الادراكات والأفاعيل الجزئية ~~إذا (1) لم يكن لها ملكة الانقياد لأوامر القوة العاقلة كانت بمنزلة بهيمة ~~غير مؤدبة (2) تدعوها شهوتها تارة وغضبها أخرى بحسب بعث المتخيلة والوهم ~~لهما لما (3) يتذكر انه، وبحسب ما تؤديه الحواس الظاهرة إليهما إلى (4) ~~الأمور الملائمة لها فتتحرك حركات مختلفة حيوانية بحسب تلك الدواعي وتصير ~~حاكمة على القوة العاقلة في تحصيل مراداتها فتكون هي الامارة بالسوء والقوة ~~العاقلة مؤتمرة لها، أما إذا أدبتها القوة العاقلة بمنعها عن التخيلات ~~والتوهمات والاحساسات والأفاعيل الباعثة لقوة الشهوة والغضب إلى مالا ~~ينبغي، وجبرتها على ما يقتضيه العقل العملي إلى أن تصير متمرنة ms103 على طاعتها ~~متأدبة في خدمتها منقادة لأوامرها سائرة تحت ظلال اعلامها فذلك معنى حسن ~~أدبها. # PageV00P140 # وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الاباء والأصول الكريمة وإن كان الانسان يفتخر ~~بالانتساب إليها ولكن قد عرفت ذلك افتخار وهمى دال على محبة الدار الفانية ~~مستلزم للشرف بفضيلة أو فضائل غير حاصلة لمن يتشرف بها فيمن سلف ممن ينتسب ~~إليه لا يتعداه بل أكرم أصل ينتسب إليه الانسان الأدب إذا كان سبب الخير ~~الدائم والموصل إلى نيل السعادات الباقية، وبه يكون الرفعة والتعظيم ~~الحقيقي، وإنما خص الكلمة بلفظ الكرم دون شئ اخر لأنه ههنا في معرض بيان ~~النسب والأصل، والعرب تخص الأصول والاباء المنجبة (1) بالكرم فتقول فيمن ~~صدرت عنه أفعال خيرية وكانت له سابقه أصل في ذلك: انه ذو أصل كريم، وهذا ~~فعل ابائه الكرام، فلأجل ذلك خصه عليه السلام ههنا بلفظ الكرم دون الشرف ~~والعز وغير ذلك من الألفاظ، وإنما خص الأدب دون فضيلة العلم أو غيرها من ~~الفضائل الجليلة لكونه إذا وقع كما ينبغي مستلزما لسائر الفضائل، والانتساب ~~إليه أشهر لكونه أقرب إلى طباع عامة الخلق، فقد عرفت ان أكرم درجات النسب ~~درجة حسن الأدب. والله تعالى هو الموفق لمتحلى بحليته، وهو المستعان. # الكلمة الثانية قوله عليه السلام: بالبر يستعبد الحر أقول: البر الاحسان ~~واما الحر فقد عرفته والمراد به ههنا هو الخالص من وثاق الرق ويستبعد اي ~~يتخذ عبدا وذلك لتحقق معنى العبودية فيه عند الاحسان وهو الخضوع والتذلل ~~ولان الغاية المطلوبة من تسليم الثمن في شراء العبد إنما هو الانتفاع ~~بخدمته وتصريفاته (2) وكذلك من أسدى إلى حر معروفا قد يكون انتفاعه بسببه ~~اما انتفاعا عاجلا (3) كخدمته وتصرفاته والتامر عليه، واما آجليا وهو ~~التقرب إلى الحق تعالى والامتثال # PageV00P141 # لأوامر الشريعة وحثها على ذلك، وقد يكون أعم من الانتفاع كصدور (1) ~~الاحسان من العناية الإلهية على المستعدين. # واما سبب ذلك الانقياد وتحقق الاستعباد فلادراك النافع اللذينت وانبعاث ~~القوة الشهوية الطالبة لادراك الملائم من ذلك النافع وتصور ان ذلك الخضوع ~~والتذلل مما يؤكد تحققه أو ms104 توقع زيادة احسان أو يكون جزاء لذلك البر ~~والاحسان أو أمر أعم من ذلك كخضوع العارفين اطلاعا على عظمة الحق الأول ~~وكبريائه وإنما خص الحر ههنا بالذكر لان الحر الذي يأنف من الاسترقاق ~~ويشمئز من نسبته إلى العبودية لاحد إذا كان بالبر يستعبد الحر فغيره يكون ~~أولى بذلك وذلك من باب الايجاز الجزيل، ويمكن ان يحمل الحر ههنا على صاحب ~~فضيلة الحرية حينئذ يحتمل تخصيصه بالذكر وجها اخر وهو ان من اشتمل سره على ~~فضيلة الحرية وأسدى إليه بر فإنه لا بد أن يعترف به ويلمح ان ذلك البر غير ~~مقابل منه بجزاء فيذل ويخضع وينفعل عنه بحيث يتحقق معنى العبودية في حقه ~~وذلك بخلاف من ليست فيه هذه الفضيلة إذ كان قد يأخذ المال من غير وجهه فلو ~~أسدى إليه معروف جاز ان لا يعترف له بجزاء فلا يكون منه خضوع ولا يتحقق في ~~حقه استعباد فيكون الحر بهذا المعنى أخص من الأول من وجه وأعم منه من وجه، ~~اما انه أخص، فلان الحر بالمعنى الأول قد يكون له فضيلة الحرية وقد لا ~~يكون، واما انه أعم فلان من له فضيلة الحرية قد يكون رقا وقد لا يكون. # وفى هذه الكلمة تنبيه على حسن البر وحث لأنه لما كان تعود (2) البر مما ~~يصرف عن محبة المال ويكسر حدة القوة الشهوية في طلبه واقتنائه ويستلزم (3) ~~فضيلة الكرم وكثيرا (4) من الفضائل التي تحت ملكة العفة مع ما فيه من أنواع ~~الخيرات كاستنزال الرحمة والبركات (5) على صاحبه من اجتماع همم الخلق ~~المبرورين وكان كثير أذهان أصحاب البر وأهل # PageV00P142 # الاحسان إنما تنفعل في ابتداء تعودهم للاسداء مثل الشكر والثناء وتذلل ~~الخلق لهم وخضوعهم وخدمتهم لاجرم نبه عليه السلام على حسنه بان ذكر سببيته ~~لاستعباد الأحرار فإذا انفعل البار عن ذلك تبين له عن قريب ما في البر من ~~أنواع الخيرات التي يجب ان تقتنى وما حمل (1) معروفه من الذ ثمرة تستطاب ~~وتجتني، والله ولى التوفيق. # الكلمة الثالثة قوله عليه السلام: الجزع عند البلاء ms105 تمام المحنة أقول: قد ~~عرفت ان الجزع ألم نفساني يعرض من تصور فقد المحبوب أو فوت - المطلوب ~~والبلاء ههنا الاختيار بالامر المكروه إلى الطبع وإن كان البلاء قد يكون ~~بالخير أيضا كما يقال أبلاه بلاء حسنا وكذلك المحنة الامتحان وهو الاختبار ~~بالمكروه أيضا، والمقصود من هذ الكلمة بيان ان من قدر له الاختبار بمكروه ~~وقع عليه من القضاء الإلهي فتألمت نفسه بسببه كان ذلك التالم ابتلاء ثانيا ~~أعد نفسه لحصوله زيادة على البلاء الأول الذي يجب دفعه عن نفسه ويريد ان لا ~~يكون مقضيا عليه ولا مقدرا له وتماما لمحنته، وهذه الكلمة مستلزمة للنهي عن ~~الجزع إذ بين عليه السلام للجازع ان الذي يهرب منه من البلاء قد جلب إلى ~~نفسه مثله بجزعه. # ثم اعلم أن سبب الجزع هو الحرص على اقتناء اللذات الجسمانية والنزوع إلى ~~بقاء الشهوات البدنية والحسرة على ما يفقد ويفوت منها وإنما يجزع على ~~المحبو ب من ذلك من يظن أن ما يحصل له منها يجوز بقاؤه وثباته وان جميع ما ~~يطلبه من مفقوداتها لابد وإن كان يحصل في يده ويصير في ملكه وكل ذلك غفلة ~~منه وغرور فإنه لو لاحظ الحق بعين بصيرته والتفت إلى خالص سريرته واستعمل ~~الانصاف مع نفسه لعلم (2) ان جميع ما في عالم الكون والفساد غير ثابت ولا ~~باق وان الثابت الباقي هو ما في العالم العلوي فلم يطمع في المحال # PageV00P143 # ولم يطلبه ومن قطع طمعه من شئ لم يحزن لفقده بل صرف سعيه إلى المطلوبات ~~الصافية واقتصر بهمته على اقتناص المحبوبات الباقية وأعرض عما ليس في ~~طبيعته ان يثبت ويبقى فإذا حصل له منها شئ بالعرض بادر إلى وضعه في مواضعه ~~واقتصر منه على مقدار (1) لابد منه في دفع الآلام المحصاة من الجوع والعرى ~~وترك الاستكثار والتماس المباهاة به والافتخار ولم يحدث نفسه بالمكاثرة بها ~~(2) والتمني لأمثالها حتى إذا فارقته لم يأسف عليها فإنه متى فعل ذلك آمن ~~(3) فلم يجزع وفرح فلم يحزن وفاز بالسعادة الأخروية ونال الدرجات العلية، ~~ومن ms106 لم يتدبر الوصية ولم يعالج نفسه بما ذكرناه لم يزل في جزع دائم، إذ لا ~~يعدم (4) في كل وقت فوت مطلوب أو فقد محبوب إذ (5) كان ذلك من لوازم عالمنا ~~عالم الكون والفساد، ومن طمع من الكائن الفاسد ان لا يكون ولا يفسد فقد طمع ~~في المحال ولم يزل خائبا، والخائب ابدا محزون، والمحزون ابدا شقى ومن ~~استغشى (6) العادة الجميلة وهو الرضا بما يجده ولم يحزن لشئ يفوته لم يزل ~~سعيدا مسرورا ورضوان الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم (7). # واعلم أن الجزع أمرا طبيعيا ولا ضروريا بل هو مما يخيله الانسان ويضعه ~~وضعا إذ لو كان طبيعيا لما انفك منه (8) لكنه قد ينفك منه ويعود إلى حال ~~الغبطة والسرور وهو أمر مشاهد كما رأينا (9) - كثيرا ممن فقد (10) الأولاد ~~والأعزة والأصدقاء والأحبة فاشتد (11) جزعهم عليهم ثم لم يلبثوا ان عادوا ~~إلى حال المسرة والغبطة والاعجاب والضحك وكذلك ممن فقد المال والصنائع ~~والمقتنيات المستحسنة رأيناهم بعد الجزع الشديد قد سلوا وعادوا إلى حال ~~السرور فالجزع إذا من العوارض الطارية الزائلة التي لا يختص بها شخص دون # PageV00P144 # اخر فلا عذر للعاقل بعد اطلاعه على حقيقته وأسبابه وما ذكرناه من أحواله ~~في معاودته وارتكابه. # اللهم جللنا عافيتك، فان قدرت علينا بلاء فألهمنا صبرك، ولا تكشف عنا ~~سترك، وافض علينا رضوانك، وهئ لنا من أمرنا رشدا (1). # الكلمة الرابعة قوله عليه السلام: # رحم الله امرء قال خيرا فغنم أو سكت فسلم. # أقول: الغنيمة الفئ، وقد استعمله عليه السلام ههنا في اكتساب المدح ~~والثناء والثواب وغيره من أنواع الخيرات، وإنما سمى القول خيرا لان كل ~~وسيله إلى الخير فهي (2) خير، وإن كان عرضيا بالنسبة إلى ما هي وسيلة إليه، ~~ومقصوده عليه السلام من هذه الكلمة استنزال الرحمة الإلهية بدعائه الموثوق ~~بأنه لا يرد لعبد حبس لسانه وزمه بزمام العقل عن التلفظ الا بالكلام الخيري ~~وقد عرفت ان خير الكلام ما تعلق باصلاح (معاد (3) أو تدبير معاش كما ينبغي ~~وعلى الوجه الذي مراعاة القانون العدلي وطلب الفضيلة التي ms107 سبق بيانها وهي ~~فضيلة العدل فإنه إذا فعل ذلك كان الكلام خيرا له عن السكوت إذ (4) كان ~~يحصل (5) له بذلك غنيمة الدارين واكتساب السعادتين ثم ادرج في ذلك الدعاء ~~من لم يتمكن من قصد الكلام الخيري بل كان يعبر في كلامه عند # PageV00P145 # ما يتكلم إلى الحد الذي هو رذيلة من القول الكاذب والسخيف والهذر والموذى ~~وغير ذلك مما لا يقتضى مصلحة ولا يصدر عن ترو وتثبت وإنما يصدر عن عدم ~~رصانة - العقل وقلة عقليته (1) لما ينبغي ان يوضح عليه الكلام من الوجوه ~~المصلحية فسكت عن الكلام إذ (2) كان محصلا بذلك السلامة في الدارين ~~والسلامة إحدى (3) الغنيمتين اما في الأولى فلان كثيرا ممن كان يدعى كمال ~~العقل وينسب إلى تمام الفضل أشرقت على نفوسهم شموس القدس فتبجحوا بزينة ~~الحق في ذواتهم فأطلقوا القوى المحركة فباحوا (4) بأسرارهم في ألفاظ ورموز ~~نبت عنها افهام العوام واعتقدوا مخالفتها لظاهر الشريعة فأصبحوا حصائد ~~ألسنتهم وقتلى كلماتهم ولو لزموا السكوت ولم يهتكوا أستار تلك الاسرار لما ~~أصابهم ما أصابهم، وإذا كان حال أصحاب العقل والاسرار الإلهية كذلك فما ظنك ~~بالباقين من العوام ومن لم يؤدب بالآداب الشرعية ولم تلين (5) عريكته ~~التجارب الصلاحية فحق لأولئك وأمثالهم (6) ان لا يفوهوا بحرف واحد إذ كان ~~أكثر كلامهم يصدر عن غير روية وإن كان فعن روية فاسدة، واما في الأخرى فلان ~~الساكت عما ذكرناه من الكلام الساقط عن درجة الاعتبار سالم بسكوته عن ~~اكتساب الملكات الردية والهيئات المنقصة (7) بالتمرين على ذلك الكلام ~~والتعود باجرائه (8) والمحاورة (9) به خالص (10) عن التعذيب بها في الآخرة. ~~وقد تطابقت كلمة النبيين و # PageV00P146 # توافقت كلمة الحكماء الراسخين على مدح السكوت حذرا من التكلم بما لا يجدى ~~نفعا ولا - يعود على قائله بخير وحثوا على لزومه وخاصة بين يدي الملوك ~~والقادرين على الانتقام فان في الكلام تغريرا (1) بالنفس الا ممن حصل على ~~ملكة الكلام الخيري بيان ذلك المدح من وجوه. # الأول - قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من وقى شر لقلقه وقبقبه ~~وذبذبه ضمنت له الجنة، ms108 وذلك يدل على أن للسان حصه في البعد عن الجنة بسبب ~~ما تكسب (2) النفس بتعويده بما لا ينبغي من ملكات السوء وقال عليه السلام: ~~من صمت نجا. # الثاني - قال بعض الحكماء: الزم السكوت فان فيه سلامة، وتجنب الكلام فان ~~فيه ندامة. # الثالث - قال بعضهم: أفضل حلية العلماء السكوت. # الرابع - قال بعضهم: أنفع الأشياء للانسان ان لا يتكلم على نفسه وذلك حذر ~~من الكلام الموذي فيحتاج إلى التروي. # الخامس - قال بعض ملوك الروم: ما ندمت على ما لم أتكلم به قط، ولقد ندمت ~~على ما قلت كثيرا. # السادس - قال بعض حكماء العرب في هذا المعنى: من أكثر هجر (3) والمقصود ~~انه ربما خرج إلى الهجر. # PageV00P147 # السابع - قال أكثم بن صيفي: المكثار كحاطب الليل وذلك أنه ربما نهشته ~~الحية (1) أو لسبته (2) العقرب في احتطابه ليلا فكذلك المكثار ربما اصابه ~~في اكثاره بغض الناس. # الثامن - قال أكثم أيضا: الصمت يكسب أهل المحبة. # التاسع - قال لقمان الحكيم الصمت حكم وقليل فاعلة. # العاشر - قال بعض الحكماء: # فلئن ندمت على سكوتي مرة * فلقد ندمت على الكلام مرارا وقال الآخر: # احفظ لسانك أيها الانسان * لا يلدغنك انه ثعبان وقد استشهد الحكماء على ~~أن كثره الكلام ليس بمطلوب من الحكمة الإلهية بان الة السماع والابصار أكثر ~~من الة الكلام فكان أقلي الطلب لذلك، والأحاديث و الأمثال الموردة في ذلك ~~كثيرة لكن ينبغي ان يعلم أن الكلام الخيري الخالي عن المضار والمحتاج إليه ~~عمن (3) عرف بمعرفة مواقع الكلام وحكم بحسن عقله (4) للأمور التي ينبغي ان ~~يتكلم فيها خير من السكوت فان غاية السكوت المحمود تطهير النفس عن نجاسات ~~الهيئات الردية وذلك خير عدمي عرضى وغاية الكلام الخيري اكتساب الهيئات ~~الحاصلة والملكات الشريفة وذلك كمال وجودي ذاتي والوجودي الذاتي أولى ~~بالوجود من العدمي العرضي، وكما علمت أن الكلام ينقسم إلى محمود ومذموم ~~كذلك السكوت ينقسم إلى ما هو خير والى ما هو شؤم، وان اللائمة (5) كما تقع ~~بالمتكلم بما لا ينبغي كذلك تتعلق بالساكت السكوت الذي لا ينبغي كما قال ~~عليه ms109 السلام في موضع آخر (6): لا - # PageV00P148 # خير في الصمت عن الحكم كما أنه لاخير في التكلم بالجهل غير أنهم أكثروا ~~الحث على لزوم السكوت وقلة الكلام لان خطر الكلام أقوى وأعظم ولذلك كان ~~الذم للمكثار الزم، فقد علمت استحقاق الغانم بكلامه الخيري والسالم بسكوته ~~الذي ينبغي لاستنزال الرحمة الرحمانية والعناية الربانية بدعائه المستجاب ~~الذي ليس دونه حجاب، والله ولى التوفيق. # الكلمة الخامسة قوله عليه السلام: الاعتذار تذكير بالذنب. # أقول: الاعتذار طلب العذر من المجني عليه، والعذر محو اثر الجريمة من ~~الذكر ليتبين ان اعتقاد سبب ذلك الأثر (1) لم يكن مطابقا وهو مأخوذ من ~~قولهم: اعتذرت المنازل إذا درست، والذنب الجرم والمقصود بيان ان إعادة ~~الاعتذار مستلزم لتذكير المجني عليه بالذنب الصادر في حقه وتقرير هذا الحكم ~~ان نقول: ان ترك الفعل أو القول الذي يحتاج معه إلى الاعتذار واجب فإن كان ~~ولابد فليكن الاجتهاد في الاعتذار بخلوة من المعتذر إليه دون أن يكون هناك ~~من لا يحتاج إليه في قبول الاعتذار من الشفعاء والوسائط فان الاعتذار بين ~~الخلق مما يشهر حال المعتذر بفعل القبيح المبنى على الستر ويفيد انكسار ~~الحياء وكشف قناعه على الوجه وخشونة الحدقة وقحة الملاقاة وضروب الشرور ثم ~~يجتهد المعتذر أن لا يزيد في الاعتذار على المرة الواحدة وكفى بها فان في ~~المعاودة شرورا، منها كثرة المطلعين من الخلق على ذلك القبيح الصادر ~~المحتاج إلى طلب العذر، منها تذكير الشاعرين بذلك الجرم من الاعتذار الأول ~~ودوام التأذى من قبلهم للمعتذر، ومنها وهو أصعبها تذكير المعتذر منه بالذنب ~~الواقع في حقه وإثارة ضغنه (2) وأحقاده # PageV00P149 # على المعتذر، ولصعوبته خصه عليه السلام بالذكر، وفى هذه الكلمة تنبيه على ~~التأدب بترك إعادة الاعتذار لما بيناه من الأسباب وهو المقصود الذاتي من ~~الكلمة وهو من أشرف محاسن الكلام واجمع مكارم الآداب، والله ولى الهداية. # الكلمة السادسة قوله عليه السلام: النصح بين الملا تقريع. # أقول: النصح والنصيحة تنبيه الانسان على ما عساه غافل عنه من المصالح في ~~أمر معاشه أو معاده، والتقريع شدة الضرب ms110 بالكلام وقوة اللائمة والتوبيخ، ~~والمراد في هذه الكلمة تأديب الناصح بالأدب اللائق باستجلاب الانس الموجب ~~للمحبة و الألفة الذي بينا وجوب تحصيله وذلك أن من آداب النصح اخذ المنصوح ~~بالرفق ولين الكلام وخفض الصوت وفى أخلي المواطن واسر (1) الأحوال والتعطف ~~(2) إليه بالكلمات البعيدة عن الامر الذي يتعلق بالنصيحة وبالتعريض دون ~~التصريح فإنه أبلغ، وبضرب (3) الأمثال فإنه أحسن من الكشف، وبالجملة ما ~~يبسط النفس ويضع الانس ويتدرج (4) في ذلك إلى أن ينتهى إلى المطلوب فيخاض ~~(5) فيه، ولو كان التعريض و ضرب الأمثال في مجلس والتصريح بالمطلوب في مجلس ~~بعده فهو أصوب، وإذا عرفت ذلك عرفت ان النصح بين الملا من جملة اضداد الرفق ~~شديد الوقوع على ذهن المستمع مثير لقوته الغضبية منفر لطبعه لما فيه من ~~اطلاع الخلق عليه لما احتاج إلى نصيحة (6) فيه وتقريع عليه وربما كان السبب ~~في إثارة قوته الغضبية أعم مما ذكرنا (7) وذلك # PageV00P150 # لاحتمال أن يكون الامر الذي يتعلق به النصيحة ليس مما يستخفى بفعله (1) ~~فإذا نصح صاحبه فيه ظاهرا ثارت قوته الغضبية لما (2) ان ضربه بالكلام ~~الناصح يوجب له اعتقاد ان الخلق ربما استنقصوا عقله واستصغروا رأيه في عدم ~~الإصابة لذلك الامر وحاجته فيه إلى الضرب بالكلام بينهم فينفر طبعه لذلك، ~~ولهذا السر كانت هذه الكلمة مستلزمة للتنبيه على النهى عن النصح على هذا ~~الوجه المخصوص، والله ولى التوفيق. # الكلمة السابعة قوله عليه السلام: الشفيع جناح الطالب. (3) أقول: الشفيع ~~هو الطالب لغيره كأنه يشفعه في قضاء حاجته بعد أن كان وترا، واطلاق لفظ ~~الجناح الذي يخص الطائر بحسب أصل اللغة على الشفيع مجاز حسن من باب ~~الاستعارة والتشبيه، ووجه المشابهة ان جناح الطائر لما كان وسيلة له إلى ~~طلب ما يحتاج إليه من المطالب والى الهرب عن كل مهروب (4) منه كذلك الشفيع ~~وسيلة للمستشفع إلى تحصيل الامر المطلوب له، والى الخلاص من الامر المهروب ~~منه، وفى هذه الكلمة تنبيه وحث للشفيع على السعي في الشفاعة فيما ينبغي وحث ~~لطالب (5) الحاجة على حفظ قلوب الاخوان (6) وادخارهم لوقت ms111 الحاجة إلى ~~التوسل بهم في المطالب اما الأول فلأنها أعني الشفاعة سبب من أسباب حصول ~~المطلوب للطالب فيكون للشفيع شركة في وجود هذا المطلوب كالجناح الذي هو آلة ~~بها يحصل المطلوب، ولذلك # PageV00P151 # كانت الشركة بينهما حاصلة في الجزاء لقوله (1) تعالى: من يشفع شفاعة حسنة ~~يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئه يكن له كفل منها (2) وأيضا فان ~~الشفاعة من أسباب الألفة والمحبة وقضاء الحوائج والمهمات التي هي المطلوبة ~~من كثرة الخلق و اجتماعهم، فيكون تاركها كالكاسر لمقتضى العناية الإلهية ~~والحكمة الربانية وذلك يدل على أن السعي فيها من القربات والوسائل إلى ~~الخالق المعبود جلت قدرته، واما الثاني فظاهر، وبالله التوفيق. # الكلمة الثامنة قوله عليه السلام: المسؤول حر حتى يعد (3). # أقول: قد عرفت معنى الحر والمراد به ههنا الخالص من وثاق الرق ويقابله ~~العبد، والمقصود ههنا ان المسؤول الخالص من الرق هو حر ما دام لا يعد بحاجة ~~فإذا وعد صار الوعد من جملة أسباب استعباده، وتقرير هذا الحكم ان الانسان ~~الموصوف بالحرية بالنسبة إلى الأمور المطلوبة منه له ثلاثة أحوال وذلك انها ~~اما ان يبذلها أو يمنعها رأسا أو يعد بها، وعلى الوجهين الأولين هو حر، ~~وعلى الوجه الثالث هو عبد، واطلاق العبودية عليه مجاز عن الموثوق بوثاق ~~الرق ووجه المشابهة قد سبق بيانها في قوله عليه السلام " بالبر يستعبد الحر ~~" ونزيدها تقريرا فنقول: لما كان من صفات العبد انه مطالب من السيد في كل ~~وقت بما اشتغلت به ذمته من قضاء الواجب عليه من الخدم والاشغال فكذلك باذل ~~الوعد اطلق عليه انه عبد لتحقيق هذه الصفة فيه وذلك أنه مطالب من السائل في ~~كل وقت بما اشتغل ذمته به بقضاء الواجب عليه # PageV00P152 # بوعده من قضاء حق الاخوان من الحوائج والمهام فيبقى في رق الوعد إلى أن ~~يخلق (1) بقضائه الوثاق فيستحر حينئذ بلحوق العتاق، واما حريته في الوجهين ~~الأولين فلعدم تحقق الصفة المذكورة في حقه واعلم أن قضاء الامر المسؤول مع ~~امكانه أشرف من الوعد، اما بالنسبة إلى السائل ms112 فلان الانتظار موت احمر، ~~واما بالنسبة إلى المسؤول منه فلانه بذل في حقه على شرف قوته العقلية بملكة ~~الحياء والسخاء وغيرهما من الفضائل بخلاف الوعد فان الوعد بما يمكن انجازه ~~يدل على مجاذبة القوة الشهوية للعقل وقوتها عليه في ترديد الامر المسؤول ~~بالقضاء والمنع، ثم الوعد أشرف وأولى من المنع بالكلية فان الحرمان شؤم ~~وسبب للمقاطعة والمباينة المضادة (2) لما هو مطلوب من العناية الإلهية ~~باجتماع الخلق وتكثرهم (3) مع ما يستلزم من ذهاب الحياء بتعويده وقحة الوجه ~~وخشونة الجانب، والوفاء أشرف من الخلف لاستلزامه عدم فضيلة الحرية والوفاء ~~والذم العاجل العارض من رذيلة البخل وما يصحبها من الرذائل، وقد أطبق ~~العقلاء على حسن قضاء الموعود والوفاء به وفى المثل: انجز حر ما وعد. وعن ~~عوف بن النعمان الشيباني أنه قال في الجاهلية: لان أموت عطشا أحب إلى من أن ~~أكون مخلاف الوعد. وفى المثل السائر: الوفاء من الله بمكان، وفى التنزيل ~~الإلهي في مدح إسماعيل عليه السلام (4): انه كان صادق الوعد، وعن عبد الله ~~بن عمر انه وعد رجلا من قريش ان يزوجه ابنته فلما حضرته الوفاة ارسل إليه ~~فزوجه إياها فقال، كرهت ان القى الله تعالى بثلث النفاق، وأراد الكذب لان ~~الخلف في الحقيقة كذب، وذلك لان النفاق في الدين مركب من ثلاثة اجزاء، ~~أحدها الخروج من الايمان بالقلب، والثاني الرياء بالاعمال من اعتقاد صحتها، ~~والثالث الكذب وهو القول باللسان مع مطابقته للاعتقاد وإذا لقوا الذين ~~امنوا قالوا امنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا انا معكم إنما نحن مستهزؤن ~~(5) و: وإذ جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك # PageV00P153 # لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون (1) لعدم مطابقة أقوالهم ~~اللسانية لما انطوت عليه ضمائرهم من العقائد الفاسدة فالكذب حينئذ ثلث ~~النفاق وهو أقوى الاجزاء فسادا لتعدى ضرره الواقع منه إلى الغير دون ~~الجزئين الباقيين وعلى ذلك يحمل قول النبي صلى الله عليه وآله، الكذب رأس ~~النفاق. وقد (2) تنبهت أيها الأخ مما ذكرنا على وجوب انجاز المواعيد لتخلص ~~به إلى ms113 الحرية من رق من وعدت فان هذا الرق أعظم وأقوى لتعلق الذنب بالآخرة ~~دون الرق الحقيقي واليك الاعتبار (3) والله ولى التوفيق. # الكلمة التاسعة قوله عليه السلام: أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة. # أقول: المكيدة فعيلة من الكيد وهو الاحتيال والخداع، والمقصود في (4) هذه ~~القضية بيان ان كل من كان من الأعداء اخفى كيدا وادق نظرا في الاحتيال كان ~~أكبر الأعداء أي أعلاهم درجة في العداوة وأولى بالتحفظ منه من سائر ~~الأعداء، وبرهان هذا الحكم انك فد عرفت ان العداوة بغض صادق يهتم معه بجمع ~~الأسباب المؤذية للمبغوض ومحبة أفعال الشرور التي يمكن فعلها به وإذا كان ~~كذلك فنقول: كل من كان أقدر على اخفاء الحيلة والخداع كان أقدر على تحصيل ~~الأسباب المؤذية لعدوة و كل من كان كذلك كان أعظم الأعداء وأكبرهم مكيدة ~~ينتج ان كل من كان اخفى حيلة كان أعظم الأعداء وأكبرهم، واما الصغرى فظاهر ~~إذ كان المتجاهر بالحيلة في اذى عدوه قلما يظفر به لاطلاع العدو على كل ذلك ~~واحترازه منه، واما الكبرى فلانه لا معنى لأكبر الأعداء الا من كان أقدر ~~على النكاية والانتقام فقد صحت هذه القضية بالبرهان. # PageV00P154 # واعلم أن التحفظ وإن كان من كل الأعداء واجبا لما ان اتفاق الحكماء على ~~أنه لا ينبغي للعاقل ان يستصغر عدوا وان صغر فإنه من فعل ذلك اغتر ومن اغتر ~~لم يسلم لكن التحفظ من دقيق النظر في الحيلة والخداع أهم والعناية بشأنه ~~أتم فإنه إن كان بعيدا لم تؤمن عودته وان كن قريبا لم تؤمن وثبته، وان ~~انكشف منك جانب لم تأمن كرته وان كانت متحزما لم تأمن مكره وحيلته ومثل هذا ~~العدو وان عد ذكيا الا انه قد غير فضيلة الذكاء إلى جانب الافراط منها وهو ~~الخبث وقد علمت أنه رذيلة نفسانية وصاحب هذه الرذيلة يسمى داهيا ومتجربزا، ~~وهذه الكلمة من التنبيهات المصلحية على مراعاة تمييز أكبر الأعداء والتيقظ ~~لأخفاهم حيلة والاحتراز من عداوته والحيلة في كيفية دفعه ودفاعه وعليك في ~~هذا المعنى بمطالعة الباب الرابع (1) من ms114 كتاب كليلة ودمنة فتستفيد بتأمله ~~فوائد جليلة، والله تعالى هو المنقذ من أعدائه وكفى به معينا ينصر من يشاء ~~وهو القوى العزيز. # الكلمة العاشرة قوله عليه السلام: من طلب مالا يعنيه فاته ما يعنيه. # أقول: المقصود من هذه الكلمة الحث على الاشتغال بطلب الأمور التي بها ~~يكون صلاح المرء في نفسه باصلاح طرفي معاشه ومعاده اما في طرف المعاش ~~فتحصيل الأمور التي لابد منها في قوام البدن وبقاء النوع وما يلزمهما (2) ~~وترك الفضول الزائدة التي لا يعود إليها ضرورة واما في طرف المعاد فالسعي ~~في تحصيل الكمالات العلمية (3) والفضائل الخلقية التي هي وسيلة إلى نيل ~~السعادة الأبدية والفوز بالنعيم السرمدي وإذا عرفت ذلك فنقول: الأمور التي ~~ذكرنا انه بجب على الانسان طلبها هي الأمور التي تعنيه اي # PageV00P155 # التي يجب ان تدخل في عنايته بأحواله التي هي فضيلة بالنسبة إلى تلك ~~الأمور التي لا تعنيه إذ كانت خارجة عن حاجته زائدة على الأمور المكملة له ~~فإذا فرض انه اشتغل بالأمور التي لا تدخل في عنايته فقد اشتغل بما لا يعنيه ~~وبذلك يفوته ما يعنيه إذ كان قد اشغل (1) بها وقته الري يجب ان يستوعبه في ~~تحصيل كماله الذي يعينه فان وقته لو كان اضعاف ما يمكن ان يمتد فيه عمره لم ~~يتسع لاستيفاء كماله القوى باخراجه إلى الفعل فإذا اشتغل لما لا يعنيه فقد ~~فوت على نفسه كمالا يعنيه في وقت أشغله لما لا يعنيه. واعلم أن ذلك خروج عن ~~(2) مقتضى العقل ووضع الأشياء في غير موضعها وهو عبور إلى طرف الجور الذي ~~هو طرف الافراط من العدالة وذلك هو الخسران المبين (3) قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون ~~صنعا. (4) الكلمة الحادية عشر قوله عليه السلام: السامع للغيبة أحد ~~المغتابين أقول: الغيبة التحدث في عرض (5) الانسان حال غيبته بما ينفر طبعه ~~من (6) المواجهة به، والسامع المستمع لها عن رضى وايثار، فان السامع المطلق ~~أعم من المستمع فان السامع قد يكون سماعه بقصد ذاتي ms115 منه وقد لا يكون بل ~~يكون عرضيا كسماع المار وغيره، والمستمع أعم من المستمع عن رضى فان المستمع ~~قد لا يكون راضيا بل ينتظر سكوت المغتاب لجوابه أو لغرض أخر فإذا اطلاق لفظ ~~السامع على المستمع على وجه # PageV00P156 # مخصوص مجاز من باب اطلاق العام على الخاص، والغيبة تنقسم إلى ما يكون ~~بالكذب والى ما يكون بالصدق، وعلى التقديرين فاما أن يكون بما لو فعله ~~المغتاب لخرج به عن ربقة الدين، أو لا يكون فهذه أربعة أقسام: الأول الغيبة ~~الكاذبة بما يخرج به المغتاب عن الدين، الثاني الغيبة الكاذبة بما لا يكون ~~كذلك، والثالث الغيبة الصادقة بما لا يخرج به عن الدين، الرابع الغيبة ~~الصادقة بما يخرج به عنه، والثلاثة الأول مذمومة ملعون من اشتغل بها، اما ~~الأولان فلاشتمالهما على الكذب الموذي الموجب لتلطخ النفس بملكة الكذب، ~~واما الثالث فلكونه مع خلوه عن الفائدة اشتغالا بما لا يعنى ومستلزما لأذى ~~الغير المؤدى إلى التنافر (1) والتباين والتباغض المضاد لمطلوب الله تعالى ~~كما بيناه. واما القسم الرابع فهو وإن كان مذموما من جهة انه اشتغال بما لا ~~يعنى لكثير من الخلق الا ان الشريعة قد رخصت فيه لاشتماله في بعض الأحوال ~~على نوع من المصلحة قال عليه - السلام: لا غيبة لفاسق، ووجه تلك المصلحة ان ~~الغالب في صاحب الفعل القبيح الذي ينفر طبعه عن المواجهة به ان يبلغه (2) ~~ما يقال من القبيح في حقه وما ينشر بين العالم من مطوى سره الذي يستحى ~~ويأنف من ابدائه واظهاره ويلحقه بسببه الذم والعار عاجلا والحسرة والعقاب ~~اجلا فيتقهقر بنفرته الطبيعية عن ارتكاب ذلك القبيح ويبدله بضده المليح ~~فيكون ذلك سببا داعيا له إلى الله تعالى، ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز ~~في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (3) إذا (4) عرفت ذلك ~~فاعلم أن المقصود من هذه الكلمة بيان ان الأحكام المذكورة اللاحقة للمغتاب ~~من الأقسام الثلاثة الأول للغيبة كما انها لاحقة له فهي أيضا لاحقة للمستمع ~~لها عن رضى ومساعدة، ms116 إذ هما مشتركان في الرضا ومتكيفا الذهن بالتصورات ~~المذمومة التي لا تنبغي وان اختلفا في أن أحدهما قائل والاخر قابل لكن كل ~~واحد منهما صاحب آلة اما أحدهما فذو لسان # PageV00P157 # يعبر عن نفس قد تنجست بتصور الكذب والعزم عليه واما الاخر فذو سمع تقبل ~~عنه النفس تلك الآثار عن ايثار وسوء اختيار فيألفها ويعتادها فيتمكن من ~~جوهرها سموم عقارب الباطل ولذلك قيل: السامع شريك القائل، فاسمع أيها الأخ ~~من بحثنا ما يجب ان تسمعه فعساك بعدها لا تسمع ما ينبغي ان لا تسمعه، والله ~~ولى السرائر ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. # الكلمة الثانية عشر قوله عليه السلام: الراحة مع اليأس. # أقول: الراحة لذة تحصل للنفس بالسكون عن الحركات المتعبة سواء كانت تلك ~~الحركات حسية أو عقلية، والياس من الشئ هو انقطاع الطمع منه لاعتقاد انه لم ~~يصر ممكن التحصيل بعد اعتقاد انه كان كذلك، والمقصود بيان ان الراحة لازمة ~~لليأس وذلك ظاهر فان الحركات النفسانية الموجهة للحركات البدنية إلى تحصيل ~~المطلوب إنما تكون قائمة ما دامت النفس متصورة لامكان تحصيله فإذا تبين لها ~~ان تحصيله غير ممكن فلا بد وان ينقطع حركة الطلب إلى تحصيله وتستبدل النفس ~~من تعب حركات الطلب لذلك الراحة اللازمة عن السكون من تلك الحركات، وفى هذه ~~الكلمة تنبيه على ترك الطلب والحرص فيما لا يكسب تحصيله نفعا ولا يعود على ~~صاحبه الا بالأذى والمكروه فيما يجب عليه اصلاحه من أمر معاده كالاستكثار ~~من متاع الدنيا و اقتناء الكمالات الوهمية لان الراحة لما كانت مطلوبة وهي ~~لازمة عن ذلك الترك وجب أن يكون ذلك الترك واجبا فان كل تلك الأمور سموم ان ~~لم تجهز أعقبت (1)، والمثل # PageV00P158 # المشهور من سيد المرسلين صلى الله عليه وآله في ذلك: وان مما ينبت الربيع ~~لما يقتل حبطا أو يلم (1) والمراد به ان ملذات الدنيا وزينتها وان كانت ذات ~~زهرة وجمال فقد تؤل بصاحبها إذا خرج في الاخذ منها إلى مالا ينبغي إلى سوء ~~المغبة والشقاء الأشقى في الآخرة كما ms117 أن اكلة الخضر من الماشية إذا لم ~~تقتصد في مراعيها آل بها ذلك إلى أن تحبط عنه بطونها اي تنتفخ فتهلك، ~~والملمة النازلة من الامر فكما علمت فيما سبق ان الذل مع الطمع فاعلم أن ~~الراحة مع اليأس، والله الموفق. # الكلمة الثالثة عشر قوله عليه السلام: من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه ~~أو استخفاف به. # أقول. المزاح بضم الميم الدعابة وهو أمر إضافي، والحقد غضب ثابت لتقرر ~~صورة الموذي في الخيال مع عدم اعتقاد ان الانتقام في غاية السهولة أو في ~~غاية الصعوبة وفائدة قيد كونه ثابتا انه لو لم يكن كذلك لما كانت صورة ~~الموذي متقررة في الخيال # PageV00P159 # فلا تشتاق النفس إلى الانتقام وفائدة عدم اعتقاد سهولته انه لو حصل ~~اعتقاد السهولة لكان كالحاصل فلا يشتد الشوق إلى تحصيله ولذلك لا يبقى ~~الحقد مع الملوك، وفائدة عدم اعتقاد صعوبته انه لو لو حصل ذلك الاعتقاد ~~لكان كالمعتذر (1) فتقصر النفس عن الشوق إلى حصوله ولذلك لا يبقى أحقد مع ~~الفقراء، واما الاستخفاف والاحتقار والاستهانة بالمنزلة والمقصود بيان ان ~~من كثر مزاحه لم تخل حاله ممن يمازحه ويحاربه من أحد حالين اما حقد عليه أو ~~استحفاف منه وهذه قضية متصلة مقدمها قولنا: من كثر مزاحه وتاليها اللازم ~~لها قضية منفصلة مانعة الجمع والخلو وبيان ذلك أن المتمازحين اما ان يكونا ~~شريفين أو وضيعين أو أحدهما شريفا والاخر وضيعا أما الأول فلان المزاج يزرع ~~بينهما حقدا باقيا ولا يحصل مع ذلك استخفاف من أحدهما بالآخر لاعتقاد كل ~~واحد منهما شرف الاخر، واما الثاني فلان المزاح يوجب بينهما استخفافا ~~واستصغارا من كل واحد منهما لصاحبه ولا يتصور هناك حقد اما لان سلاطة كل ~~واحد منهما على الاخر وجرأته عليه واستخفافه به قام مقام انتقامه منه، أو ~~لاعتقاد كل واحد منهما ان الانتقام صعب، واما الثالث فلان المزاح يوجب ~~بينهما أيضا الاستخفاف دون الحقد، اما من الشريف فلاستصغاره أمر الضعيف ~~وسهولة الانتقام منه فلا يبقى له غضب في حقه، واما من الضعيف ms118 فلان استخفافه ~~بالشريف وسلاطته عليه من جهة بسطه لنفسه معه يجرى في حقه مجرى انتقامه منها ~~أو انه لاعتقاده صعوبة الانتقام لا يبقى له الحقد فثبت بما قررناه ان الحقد ~~والاستخفاف لا يجتمعان ولا يرتفعان، واما بيان الملازمة فلان كثيرا المزاح ~~مستلزم لحركته تلك لثوران القوة الغضبية من الممزوح معه وبثوران الغضب يكون ~~أحد اللازمين المذكورين. فاعلم أن المزاح قد يكون محمودا وقد يكون مذموما، ~~والأول هو المزاح المعتدل المقدار الذي لا يخرج بصاحبه في الكمية و الكيفية ~~إلى ما لا ينبغي، والوقوف على المقدار المعتدل منه وإن كان صعبا لغلبة ~~القوة الشهوية # PageV00P160 # عند انبعاثها في المزاج من أكثر الخلق وقلة مراجعة العقل بالتحديق إلى ما ~~يجره ذلك الفعل عن كثرته ولقلة الاطلاع من المزاج (1) على تفاوت الأمزجة في ~~قبول ذلك الفعل وعدم قبوله وسرعة انفعال طباعهم لسرعة تصور متخيلاتهم ~~للموذى وبطؤه لكنه ممكن ومع امكانه هو موجود وذلك ممن استكمل الفضائل ~~العلمية والعملية وكانت قوته الشهوية في أسر قوته العقلية وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله يمزح ولا يقول الا حقا وكان أمير المؤمنين عليه السلام ~~كذلك، وذمه عليه السلام لكثرة المزاح في هذه الكلمة دليل على أنه كان يقف ~~منه على القدر المحمود، والسبب في كون القدر المعتدل منه محمودا هو انه من ~~الأسباب الباسطة للنفس الموجبة للانس الذي هو سبب الألفة التي هي سبب ~~المحبة التي بينا وجوبها فيما سبق وانها مطلوبة من العناية الإلهية وحينئذ ~~يكون ذلك المقدار متعلقا بالفضائل الخلقية وسببا من أسباب الاستكمال ~~النفساني، واما المذموم منه فهو الذي يبتدئ به صاحبه ولا يدرى أين (2) يقف ~~منه فيخرج به عن أحد الاعتدال (3) إلى ما لا ينبغي ولا يزال يزداد به في حق ~~صاحبه حتى يثير قوته الغضبية ويقع أحد ما ذكرنا، وكل ذلك موجب للوحشة ~~الموجبة للمقاطعة والتباين المضاد للألفة والمحبة فيحصل ضد ما ذكرنا من أنه ~~مطلوب العناية الإلهية فواجب على من لا يعرف أين (4) يقف منه إذا ان يحذره ~~ويتذكر قول ms119 القائل: رب حقد قاده اللعب، وقول الاخر: لا تمازح الشريف فيحقد ~~عليك ولا الدنئ فيجترئ عليك، وقول الشاعر: # إياك إياك المزاح فإنه * إلى الشر دعاء وللشر جالب والعجب الذي لا ينقضى ~~ممن عاب أمير المؤمنين بالدعابة فقال: لولا أن فيه دعابة؟! كيف يقبل منه ~~ذلك فان هذا الانكار إن كان لأنه ارتكب القدر المعتدل منه وقد عرفت انه أمر ~~محمود كان ذلك انكارا مستلزما للنهي عن المعروف وهو غير جائز، وإن كان ذلك ~~لأنه ارتكب القدر الخارج منه إلى مالا ينبغي فترى انه عليه السلام كان # PageV00P161 # لا يعرف القدر الذي يجب الوقوف عنده من المزاح مع ما تواتر عنه مما يوضح ~~انه كان أكمل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله في قوتيه النظرية ~~والعلمية وانه ينبوع العلوم اليقينية والأخلاق الرضية الذي يستقى (1) من ~~تياره فحول الاسلام من أكابر العلماء الراسخين واشراف الزهاد العارفين كما ~~هو مأثور عنه مشهور وفى أذهان الخلق مقرر مسطور، مع ما صدر عنه في ذم ~~المزاح المفرط في هذه الكلمة وغيرها وما نقل عنه عليه السلام من الرد على ~~العائب له بذلك وتكذيبه إياه وذلك قوله عليه السلام في ذكر عمرو بن العاص ~~(2): # يزعم لأهل الشام ان في دعابة وانى امرؤ تلعابة، أعافس وأمارس، لقد قال ~~باطلا ونطق اثما، اما وشر القول الكذب، انه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسال ~~فيلحف، ويسأل فيبخل، ويخون العهد، ويقطع الال، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر ~~وامر هو ما لم تأخذ السيوف مآخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته ان يمنح ~~القرم سبته، اما والله انى ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وانه ليمنعه من قول ~~الحق نسيان الآخرة، وانه لم يبايع معاوية حتى شرط له ان يؤتيه أتية ويرضخ ~~له على ترك الدين رضيخة. # ومن انصف من نفسه وقهرها عن متابعة الهوى وسلوك سبيل العناد علم أن هذه ~~الألفاظ لم تصدر عنه عليه السلام وهو مرتكب لما ينكره من ذلك. ويكفيك في ~~معرفة فضل المعيب نقصان العائب المذكور ms120 بما اشتهر عنه مما ذكره عليه السلام ~~فيه من الأخلاق الردية والافعال القبيحة فان من اجتمع فيه أن يكون كذوبا ~~مخلافا للوعد بخيلا ملحفا (3) في السؤال يخون العهد ويقطع الرحم ثم ينضاف ~~إلى ذلك معجبا بنفسه لظنه الكاذب بنفسه في الحروب وغيرها انها مستحقة ~~لمرتبة من الكمال مع أنها ليست كذلك فيكون في ابتداء الحرب في صورة أمر ~~وزاجر ومشير مع أنه ليس لشئ من ذلك بأهل حتى إذا اخذت السيوف مآخذها كان ~~حينئذ مستشعرا لباس الخوف والجبن فرارا غير كرار وكان وجه خلاصه من الهلاك ~~باظهار رذيلة الخبث والخداع عن أردء وجه وأقبحه وهو كشف سوءته في رد # PageV00P162 # سيفه عليه السلام الذي لم يقتل به الا كافرا ومن هو في حكمه حتى صار ذلك ~~مثلا يضمن الاشعار والاخبار إلى يوم الدين قال: كما ردها يوما بسوأته عمرو، ~~مع ما ظهر من نفاقه وكفره ببيع دينه من معاوية. وإذ كان عائبه عليه السلام ~~بهذا النقصان المستلزم لنهاية - الخسران كفاك ذلك في معرفة حاله وكذب مقاله ~~واستلزم ذلك فضل المعيب وشرفه قال أبو الطيب: # وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأنى فاضل والعدو إذا اطلق ~~عنان هواه في اذى من عاداه اجتهد في قلب الفضائل رذائل وتصوير صحيح أفعاله ~~بصورة الباطل وخاصة عداوة عن حسد مرشح (1) بحقد صار عن مشاجرات ومجاهدات في ~~الله وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (2) وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم ~~مشركون (3). # الكلمة الرابعة عشر قوله عليه السلام: كفى بالظفر شفيعا للمذنب. # أقول: قد عرفت معنى الظفر ومنه القدرة على العدو والفوز، ومقصود هذه ~~الكلمة الحث على التأدب عند الظفر بصاحب الجريمة بتشفيع الظفر فيه وترك ~~اذاه وهو في الحقيقة أعني ذلك التأدب عند التعود به يكون اثرا للملكة ~~المسماة بالحلم ويصير ملكة تسمى بالعفو، ثم إنه عليه السلام اطلق لفظ ~~الشفيع على معنى الظفر مع تباين حقيقتهما فان الشفيع كما علمت هو الشخص ~~الذي يشفع المذنب في طلب الخلاص من جريمته بعد أن كان ms121 وترا، والظفر معنى من ~~المعاني فتعرف (4) إذا انه اطلاق مجازى من باب الاستعارة والتشبيه. وبيان ~~المناسبة ان الشفيع كما يكون غايته في التلطف والتماس الاعذار وتحمل (5) ~~الامتنان ممن إليه الشفاعة هو إزالة الأمور المتوهمة في المشفوع له من وهم ~~المشفوع إليه وذاكرته أو # PageV00P163 # إزالة بعضها وبالجملة ما تسكن معه القوة الغضبية عن الحركة والتحريك في ~~اذى المذنب والانتقام منه كذلك الظفر عند تحققه مزيل للحقد وكاسر للقوة ~~الغضبية من الظافر عن التحريك لشهوة الانتقام اما لان المحرك لذلك الشوق ~~وهو الوهم قد زال منه تصور الموذي أو لاعتقاد الظافر حالة ظفره قلة الأذى ~~وعدم تأثيره في حقه وإذا لاحت هذه المشابهة الحسنة (1) لاح ان ذلك التجوز ~~من أحسن الاستعارات فكفى إذا بالظفر الذي في معنى الشفيع شفيعا للمحتاج إلى ~~الشفاعة في الصفح عن جريمته والتجاوز عن سيئته ومع ما ذكرنا فيه من سر ~~فائدة تشفيعه وهي انه يحصل بالتعويد به الملكة المسماة بالحلم (2) له فائدة ~~أخرى وهي ان تشفيع الظفر في الغالب موجب لانمحاء الحقد من جانب المظفور (3) ~~به أيضا فيكون العفو عنه وترك الانتقام منه سببا لاعتقاده ايصال (4) ~~المنفعة من العافي إليه فيكون ذلك سببا داعيا إلى الميل إلى جانب الظافر ~~وموجبا لتبديل العداوة بالصداقة والوحشة بالانس والفرقة بالألفة والبغض ~~بالمحبة، وكل ذلك قد عرفت انه مطلوب للعناية الإلهية باجتماع الخلق وتكثرهم ~~في الوجود فكفى إذا بالظفر شافعا حافظا للأدب كاسرا للغضب واقيا من العطب ~~موجبا للألفة والحب الذي فيه رضا الرب، والله ولى التوفيق. # الكلمة الخامسة عشر قوله عليه السلام: رب ساع فيما يضره (5). أقول: السعي ~~قد يكون سعيا ذاتيا وقد يكون عرضيا، اما السعي الذاتي # PageV00P164 # فإنما يكون في تحصيل النافع لاعتقاد المنفعة المستلذ بها من جهته اما ~~عاجلية كالسعي في تحصيل المنافع الدنيوية المستلذ بها حسا، أو آجلية كالسعي ~~في تحصيل اللذات الباقية والخيرات الدائمة الموجبة لكمال النفس وسعادتها، ~~واما العرضي فقد يكون نحو المنفعة وقد يكون نحو المضرة، مثال الأول اما نحو ~~المنفعة الحاضرة فكمن يحتفر ms122 بئرا فيقع على كنز، واما نحو المنفعة الباقية ~~فكمن يسعى في الأموال فيتفق له أستاذ مرشد إلى العلم بصير بمنهاجه فيهتدى ~~به إلى سواء السبيل. مثال الثاني اما نحو المضرة فكمن يحتفر بئرا فتنهشه ~~حيه أو يكون سببا لترديه فيه (1) واما نحو المضرة الآجلية فكمن يسعى في ~~تحصيل العلم فيتفق له أستاذ مضل جاهل فيكسبه الجهل بشبهه (2) فيبقى منكسا ~~في الظلمات، وفى درج هذه الأقسام اقسام أخرى بحسب اعتبارات اخر غيري ان ما ~~ذكرناه كاف في بيان المطلوب، إذا عرفت ذلك ظهر لك ان الساعي فيما يضره جزء ~~من كل بالنسبة إلى مطلق السعاة الطالبين للمطالب فلا جرم استعمل سلام الله ~~عليه ههنا لفظ " رب " المقتضية للتقليل، وهذه الكلمة مستلزمة لوجوب التيقظ ~~والاحتراز في المساعى والاجتهاد في تمييز نافعها من مضرها ولزوم القانون ~~العدلي في تعرف كيفية السلوك للصراط المستقيم فان الباطل قد يكون بصورة ~~الحق بالنسبة إلى أوهام كثير من الخلق، والكذب في كثير من مخارجه وقد (3) ~~يتشبه بالصدق، والله ولى الهداية. # الكلمة السادسة عشر قوله عليه السلام: روحوا القلوب فان القلب إذا أكره ~~عمى. # أقول: المراد بالقلب النفس والاكراه الالزام لما يكره وروحوها اي ارددوها # PageV00P165 # عما هي عادية (1) فيه من قولهم: روح إبله إذا ردها وقت الرواح من السوم ~~إلى المنزل، والعمى ذهاب البصر من العينين معا وهذه الكلمة من التأديبات ~~الصلاحية للسالكين في العلوم والأعمال والمقصود بها ان القوى البدنية التي ~~هي الات النفس في التوصل (4) - إلى مراداتها المتعلقة بالبدن لاشك انا ~~متناهية القوة فلا تقوى على الأعمال الغير المتناهية فإذا وجهتها النفس في ~~تحصيل المطالب فتحركت كثيرا فإنه حينئذ يحصل لها من الكلال والملال ما يوقف ~~النفس عن العمل لضعف آلاتها (3) وملالها وربما بقي فيها ميل ونزاع (4) وان ~~ضعفت آلتها وملت قوتها الفكرية الا انه إذا كان كذلك فينبغي ان الا تبالغ ~~النفس في المعاطفة (5) على ذلك الفعل بعينه فإنها ان فعلت ذلك خارت (6) ~~قوتها الفكرية التي هي عينها التي تبصر بها وجوه المطالب ووهت (7) فزال ms123 ~~نورها وذلك معنى العمى ولم يمكنها فتح ذلك البصر واستعادة ذلك النور الاعلى ~~عسر لنفار الطبع عن المعاودة من تصور الوهم للموذي، وعرفت من هذا ان اطلاق ~~معنى العمى على ما ذكرناه استعارة حسنة للمشابهة البينة من بحثنا فينبغي ~~للساعي في تحصيل المطالب الفكرية ان لا يقهر نفسه و (لا) يلزمها السعي فيما ~~عجزت عن تحصيله بل يروحها كما يروح صاحب الإبل إبله لمراعاة مصالحها وحفظها ~~من (8) العمى بالاكراه كما يراعى ذو السائمة إبله ويحفظها من العطب فان ~~النشاط فيما يصرفها إليه ويسميها فيه بعد ذلك أتم والميل أصدق بحسب تجدد ~~قوة القوى ونشاطها. # فان قلت: هذا التأويل يتوجه عليه شكان: الأول ان الترويح يستدعى مروحا ~~ومروحا والنفس لا تكون مروحة لنفسها فلما كانت هي المروح وجب أن يكون ~~المروح غيرها؟! الثاني ان الاكراه يستدعى مكرها ومكروها، والنفس لا يتصور ~~أن تكون مكرهة لنفسها؟! # PageV00P166 # قلت: الجواب عن الأول ان المروح للنفس هو النفس من جهة عقليتها (1) ~~للمصلحة في ذلك والمروح هو أيضا باعتبار ضعف آلتها حال ضعفها والى مثل ذلك ~~أشير في التنزيل الإلهي: يا أيها الذين امنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا (2)، ~~فان المعطى للنفس الوقاية هو النفس من جهة كونها عاقلة لمصالحها وما يجب ان ~~تفعل، ولاخذ للوقاية هو هي أيضا من حيث كونها قادرة متمكنة مما فيه مصلحتها ~~وذلك غير متناف. وعن الثاني ان المكره للنفس هو هي من جهة عقليتها لما ~~ينبغي ان يفعل وغلطها في ذلك فالمكره على ذلك السعي هو هي أيضا من جهة ~~كونها قادرة على التصرف. # فائدة - لو حملنا القلوب على القوى المفكرة باعتبار والمتخيلة باعتبار ~~وحملنا المروح لها على النفس الناطقة وحملنا المكره عليها والمكره على تلك ~~القوى وحملنا على عدم انتفاع النفس بها وعدم رؤيتها لوجوه المطالب بواسطتها ~~لكلالها وملالها حتى كان ذلك صالحا لان يكون هو المراد أو قريبا منه، والله ~~ولى التوفيق. # الكلمة السابعة عشر قوله عليه السلام: الأدب صورة العقل. # أقول: قد عرفت معنى الأدب ومعنى الفعل، واما ms124 الصورة فتطلق ويراد بها في ~~الظاهر ما يشاهد من الشكل والهيئة وتسمى صورة شخصية وتطلق في عرف قوم ويراد ~~بها الجوهر الحال في المحل المقوم لما يحله (3) ويتحصل متحيزا باقترانه به ~~وتسمى صورة طبيعية وتسمى محله مادة ويسمى المركب منه ومن محله جسما طبيعيا، ~~وتارة يراد به ما يقع به اختلاف أنواع الجسم بعد اشتراكها في الصورة ~~الجسمية العامة وتسمى تلك صورة نوعية، وقد اطلق عليه السلام ههنا لفظ ~~الصورة على الأدب مجازا، والأشبه ان ذلك المجاز # PageV00P167 # عما سميناه صورة شخصية ووجهه المناسبة بينهما ان الصورة الشخصية لما كانت ~~سببا يعرف به كل شخص شخصا (1) ويميز الرائي بها (2) بعض الاشخاص عن بعض ~~ويستثبتها خياله كذلك الأدب هو سبب يوضح أمر صاحبه ويستبدل بوجوده فيه على ~~وجود استعداده للنفحات الإلهية الذي هو عقله، وبتفاوته يستدل على تفاوت ~~العقول ومغايرة بعضها لبعض كما يستدل بتفاوت الصور في حسنها وقباحتها على ~~اختلاف الاشخاص وتغايرها. وإذا لاح وجه التجوز الحسن ونظرت إلى المعنى ~~المجازى المستحسن فقد أشرفت من (3) مصدرها (4) على بحر لا يعام وأدركت صورة ~~غاية لا ترام، وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب لزوم قانون الأدب الكاشف عن ~~وجود معنى العقل والمقرر له، والله يختص برحمته من يشاء (5) وهو الموفق. # الكلمة الثامنة عشر قوله عليه السلام: اليأس حر والرجاء عبد. # أقول: الرجاء توقع حصول المطلوب، واليأس عدم الرجاء عما من شأنه أن يكون ~~راجيا ثم نقول: ليس المقصود ان اليأس نفسه له صفه الحرية ولا الرجاء له صفه ~~العبودية بالحقيقة بل الراجي والآئس فإذا اطلاق هذين اللفظين على معنى ~~اليأس والرجاء بحسب المجاز من باب اطلاق اسم المتعلق على المتعلق والمقصود ~~بيان ان الراجي لأمر ما اما من الله تعالى أو من أحد من أبناء النوع لا ~~يزال ما دامت نفسه منتظرة لذلك المرجو خاضعا للمرجو منه متذللا له، ذابا ~~عنه ساعيا في مصالحه مجتهدا في ارضائه بكل أنواع الرضا ويظهر الملق ~~والتودد، ويحتمل (6) المشاق في المساعى من الذم وغيره حتى تجده في ms125 رجائه من ~~عالم الخفيات والسرائر امرءا يبتهل ويدعو ويكثر زيارة المساجد ومواضع القرب # PageV00P168 # ويوجب على نفس المنذورات في خلاص ما يرجوه ووصوله إليه ولا معنى للعبودية ~~الا ذلك فان الخضوع والتذلل ههنا أتم ما يكون أن يكون، واما بيان ان الآئس ~~حر، فظاهر، إذ منقطع الرجاء من الشئ متخلص العنق من وثاق التذلل والخضوع ~~للمرجو منه، وإن كان اطلاق لفظ الحر والعبد على الراجي والآئس مجازيا ~~بالنسبة إلى من وضعا له. # وههنا نظر اخر - وذلك أن الحر يقال على ذي الفضيلة النفسانية التي بها ~~يكسب المال من وجهه، ويعطى ما يجب في وجهه، ويمنع من اكتساب المال من غير ~~وجهه، ويقابله العبد لمن له ضد تلك الفضيلة من الرذائل (1) ومعلوم ان الأول ~~إنما كان قادرا على التصرف المذكور بحسب قهر النفس الامارة بالسوء وتطويعها ~~للنفس المطمئنة وانقيادها في أسرها، وان الثاني إنما لم يقدر على ذلك لغلبة ~~النفس الامارة على النفس المطمئنة وجذبها لها إلى المشتهيات الدنية واللذات ~~البدنية فإذا كان كذلك لاح لك حينئذ ان الراجي لأمر فان لما كانت قوته ~~الشهوية قائدة لعقله إلى الطمع فيما لا ينبغي ان يطمع في وتوقع ما لا ينبغي ~~ان يتوقع ولا يجوزان يشغل النفس بطلبه لاجرم كان عبدا لتحقق معنى العبودية ~~فيه وهي الرذيلة الصادرة عن متابعة الشهوة، وان الآئس لما كان منقطع الرجاء ~~وزائل الطمع في هذه الأشياء دل ذلك على قهر قوته العاقلة لهواه ومتى كان ~~كذلك كانت نفسه متحصلة لتلك الفضيلة المسماة بالحرية فلا جرم كان حرا، ~~والاعتبار الأول أظهر وأشهر والثاني أدق عند النظر، والله ولى التوفيق. # الكلمة التاسعة عشر قوله عليه السلام: من لانت أسافله صلبت أعاليه. # أقول: المراد بالأسافل السبة (2) والأليتان، واللين الخنث وهو الاسترخاء # PageV00P169 # والتكسر (1) لا مطلقا فان مطلق استرخاء ما ذكرنا لا يلزمه صلابة الأعالي ~~بل على وجه خاص وهو أن يكون ذلك عن مباشرة الرجال والاتيان في ذلك المحل ~~للشهوة العارضة الداعية الاتيان فيه ويسمى صاحب هذا الفعل مخنثا لكون ~~الاسترخاء من ms126 لوازم ذلك الفعل إذ كان صاحب هذه الشهوة كثيرا ما يميل إلى ~~طباع النساء وخاصه في البلدان الحارة الرطبة فاطلاق الخنث على هذه الشهوة ~~اطلاق اسم اللازم على ملزومه. واما الأعالي فالوجه واللسان والعين، وليس ~~المراد صلابتها عدم قبول الانغماز فان قبولها للانغماز ظاهر بل المراد ~~القحة والخشونة المتعارفة التي تصدر عن عدم الحياء كما ستعرفه في الكلمة ~~التي بعد هذه الكلمة. واما السبب في تحريك هذه الشهوة فهو قوة تخيل (2) ~~اللذة في هذا الفعل الباعثة لتحريك الشهوة بقوة وكثرة الأسباب المادية (3) ~~للشهوة وقوتها في بعض الأمزجة. ثم قد يكون الاستعداد لهذا الانفعال والتخيل ~~لازما لوجود الشخص من أصل مادته فتراه من حيث الصبا (4) وقبل تمام الشهوة ~~منخنث (5) الكلام يتعانى (6) لين كلمات النساء وكثيرا ما يرجى (7) لمثل هذا ~~فلاح، وقد يكون ذلك الاستعداد عارضا اما عن عادة لذلك الفعل حدث ابتداؤها ~~عن اجبار أو عن اختيار فتكون الحركة عن ذلك الاستعداد إلى ذلك الفعل ~~والمبادرة إليه سريعة. # واما بيان لزوم التالي للمقدم فهو ان ذلك الفعل لما كان أقبح ما يرتكبه ~~الانسان في العرف وبين أهل العالم وكان التظاهر به مستلزما لاطفاء نور ملكة ~~الحياء من وجه الفاعل المستلزم لغلظ الوجه وقحة الحدقة لا جرم كانت صلابة ~~الأعالي لازمة للين الأسافل كما سنزيده تقريرا في الكلمة التي تأتى بعدها. ~~وقد عرفت ان هذه الكلمة مستلزمة للتنبيه على قبح ارتكاب هذا الفعل لقبح ما ~~يلزمه من الرذائل التي يجب اجتنابها وتطهير النفس عنها، والله يطهر سرائرنا ~~عن ملكات السوء انه ولى كل نعمة، وبه التوفيق والعصمة. # PageV00P170 # الكلمة العشرون قوله عليه السلام: من طعن في عجانة قل حياؤه وبذا (1) ~~لسانه. # أقول: المراد من هذه الكلمة قريب مما قبلها فعبر عليه السلام بالطعن الذي ~~هو في الأصل عبارة عن الضرب بالرمح وكل محدد مستقيم مما هو في حكمه عن ~~الضرب بالقضيب مجازا ووجه المشابهة ظاهر وفيه يقول بعض (أهل) الخلاعة: # يا أيها الناس من كانت له فرس * فليركبن عليها نومة الناس وليشددن بسرج ms127 ~~لا حزام له * وليطعنن برمح لين الرأس والعجان اسم لاخر القضيب مما يلي ~~السبة وعبر به عليه السلام عن السبه مجازا اطلاق اسم المجاور على ما ~~يجاوره، والبذاءة الكلام الفاحش، وإنما خصص (ع) العجان بالذكر دون جوانب ~~السبة لملاحظة لطيفة وذلك أن سبب وقوع لذة المفعول فيه بذلك الفعل إنما هو ~~محاكة قضيب الفاعل لأصل قضيب المنفعل وهو اعجانه المستلزمة لثوران الشهوة ~~والموجبة للانزال دون سائر الجوانب فلذلك خصه عليه السلام بالذكر دونها، ~~واما بيان - الملازمة بين جزئي هذه الشرطية فلان السبة لما كانت اخس مكان ~~وأقبحه من الانسان وكانت طبيعة الخلق مجبولة على سترها إذ كانت جبلة ~~الانسان مبنية على ستر القبيح وكل ما عدا بين الخلق نقصانا ورذيلة، واظهار ~~الجميل والمسارعة إلى التكميل بكل (2) ما يعد كمالا وفضيلة، فإذا فرضت ~~انسانا اتصف بهذا الفعل لعروض أسبابه فإذا ثارت (3) قوته الشهوية إلى ~~ارتكابه فان عقله حينئذ يكون مقهورا في شهوته فينساق (4) في قيادها إلى ~~قبول ما هو مشهور القبح (5) بين الخلق وما كان نافرا منه بأصل جبلته من ~~العار والشناعة القبيحة # PageV00P171 # والسب الصادق والذم الفاحش بين الخلق ويأنس ولا يبقى له انكار ولاله منه ~~نفار بل ربما تزيى بزي النساء اللاتي هن (1) محل الوطي بأصل الطبيعة، ~~واستحسن ذلك والفه، وإذا كان كذلك لم تنحصر نفسه خشية من الذم وحذرا من ~~اتيان القبيح أشنعه واشتهاره به عن رضى ومحبة، وحينئذ تحصلت له وقاحة الوجه ~~والعين واللسان لامتداد الروح النفساني عند المواجهة بالقبيح ولا يزال ذلك ~~يتزايد بحسب التعويد وطول المواجهة حتى لا يبقى له استشعار خوف من (2) ذم، ~~والا انفعال عن مواجهة بشتم، فقد ظهر لك لزوم قلة الحياء للاتيان المخصوص ~~في المحل المذكور، واما البذاءة فلازمة لقلة الحياء، ولما كانت هذه الرذائل ~~والظلام (3) العارض من عدم هذه الفضائل مهروبا منها وكان ذلك الفعل هو ~~السبب في لزومها كانت هذه الكلمة مشتملة على التنبيه للحذر من قربه والبعد ~~عنه ما أمكن، والله المستعان. # الكلمة الحادية والعشرون قوله عليه السلام: السعيد ms128 من وعظ بغيره. # أقول: السعادة في اللغة هي اليمن والمراد بها ههنا حصول الانسان على ~~الكمال الذاتي له، والاتعاظ الانزجار عما يبعد عن الحضرة الإلهية وينافى ~~الكمال المطلوب، واعلم أن هذه القضية في تقرير متصلة وهي: من وعظ بغيره فقد ~~سعد، وبيان الملازمة انا بينا ان العلل العالية الفياضة بالخيرات ليس في ~~جانبها نقصان ولا ينسب إليها تقصير وحرمان بل الأصل في عدم حصول الكمال ~~وتأخره هو نقصان المستعد في ذاته أو (4) عدم استعداده لمطلوباته حتى إذا تم ~~استعداد النفس لأمر يوجب فيضه من علته التامة وإذا كان كذلك فاعلم أن ~~الاتعاظ هو انزجار النفس عن متابعة قواها البدنية التي هي شياطينها (5) حتى ~~لا ترد # PageV00P172 # موارد (1) الهلكات ولا تتدنس برذائل الملكات ولزومها لقانون العدل الذي ~~هو (2) وسط بين طرفي الافراط والتفريط فيما يقودها إليه تلك القوى وتمنيها ~~من أباطيل المنى فإذا فرضنا انها انزجرت مثل ذلك الانزجار عن نظرها بعين ~~البصيرة إلى حطام هذه الدار فلا شك ولا شبهة انها قد حصلت على الاستعداد ~~المستلزم لنيل السعادة الباقية، واستشعرت لباس الامن سموم عقارب اللذات ~~الفانية، واما ان ذلك الاتعاظ من الغير فلان كل موجود ممكن لا ينفك عن دليل ~~واضح على الحكمة الإلهية وبرهان شاهد على كمال العناية الربانية ففي كل شئ ~~له ايه * تدل على أنه واحد فإذا اطلعت النفس على اثر رحمة الله أو اثر سخطه ~~لاح لها ان المطلوب ليس هو ما يميل قواها البدنية إليه وليس المراد ما تقبل ~~بوجهها عليه فتتقهقر حينئذ عن طاعتها المردية وتنزجر عن متابعتها المؤذية ~~إلى القانون العدلي ولا شك ان لزوم ذلك القانون معد لقبول السعادات ~~الأبدية. # وقد وردت هذه الكلمة برواية أخرى وهي: # السعيد من اعتبر بغيره. وتقديرها على هذه الرواية: من اعتبر بغيره، فان ~~فسرنا الاعتبار بالاتعاظ لم يكن بين الروايتين مغايرة إلا في اللفظ، وان ~~فسرناه بالمجاوزة والتعدي كما سبق احتجنا في بيان اللازم للملزوم وهو ثبوت ~~السعادة للمعتبر إلى وسط هو الاتعاظ، اما المقدمة الأولى فلان ms129 المعتبر إذا ~~نظر إلى وفق الامر الإلهي: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض (3) فاعتبروا ~~يا أولى الابصار (4) فاستوفى شرائط النظر كان ذلك النظر مستلزما للمجاوزة ~~إلى المطلوب استلزام الكل لجزئه (5) فإذا حصل المطلوب على وجهه كان # PageV00P173 # ذلك سببا لكمال القوة العاقلة يتمكن معه من قهر قواها البدنية وجذبها لها ~~إلى المسالمة والمساعدة على تحصيل المطلوبات الحقيقية. واما الكبرى فبيانها ~~ما سبق في الرواية الأولى وبتقدير صحة الرواية تكون هذه الكلمة صالحة ~~الدخول في القسم الأول وفيها تنبيه على وجوب الاتعاظ فان السعادة لما كانت ~~هي المطلوب (1) بالذات وكان الاتعاظ وسيلة إليها لاجرم كان واجبا، والله ~~ولى التوفيق. # الكلمة الثانية والعشرون قوله عليه السلام: رب امل خائب. # أقول: الامل هو الرجاء، والخيبة عدم حصول المطلوب بعد السعي فيه، ~~والمقصود من هذه الكلمة التنبيه على وضع الآمال مواضعها كما ينبغي وعلى ~~الوجه الذي ينبغي فان فيها ما هو خائب وان وجهه الامل مذلا (2) فيه نفسه ~~وقد علمت أن أعظم السعي خيبة ما كان سعيا واملا للأمور الفانية التي تفنى ~~لذتها وتبقى حسرتها فنح أيها الأخ شهوتك جانبا وحدق بعين بصيرتك إلى أين ~~تضع أملك فإنك ستراه إن شاء الله. واما تصديره عليه السلام للكلمة برب ~~المقتضية للتقليل فلان الامل لما كان في الغالب إنما يوجه الآمال إلى ~~الأمور الممكنة في حقه والتي يكون متأهلا لها إذ ما لا يتصور امكانه في حقه ~~ولا تأهله له لا يكون املا له وإذا كان في الأغلب مستعدا لما يأمله كان ~~ظافرا بحصوله بحسب تأهله له سواء كان ذلك الامل بالنسبة إلى الله تعالى أو ~~إلى أحد من أبناء النوع، اما بالنسبة إلى الله تعالى فواجب عند تأهل الامل ~~لمطلوبه ان يظفره به ويفيضه عليه لما ان الجواد المطلق لا توقف (2) فيه ~~الاعلى تمام القابل في قابليته، واما بالنسبة إلى أبناء النوع وان كانت ~~أسباب الخيبة من القابل والمقبول منه كثيرة ولكن الأغلب عند الاجتهاد من ~~الامل وتأهيل # PageV00P174 # نفسه لذلك المأمول يقع ذلك المأمول ولذلك قيل ms130 (1) من اجتهد وجد وجد، ~~والتوصل إلى الأمور الممكنة في الأغلب ممكن وإن كان على عسر، وحصولها وإن ~~كان على بعد جائز، وإذا كان كذلك كان خيبة الآملين أقلية الوجود بالنسبة ~~إلى ظفرهم بمطلوباتهم، واما أسباب تلك الخيبة فأمور جزئية وأسباب قضائية لا ~~تضبطها قوى البشر وان عد الامل في أنظارهم مستحقا والمأمول منه في العرف ~~والعادة جوادا فلذلك صدر القضية برب المفصحة عن الاخبار بأقلية خيبة ~~الآملين، ربنا لا تجبهنا (2) بخيبة امالنا، ولا تفضحنا بسوء أعمالنا، وأفض ~~علينا رياح رحمتك، وأذقنا برد عفوك وحلاوة مناجاتك، انك أنت الوهاب. # الكلمة الثالثة والعشرون قوله عليه السلام: رب طمع كاذب. # أقول: قد عرفت ماهية الطمع، واما الكذب فقد يطلق على مالا يطابق من اخبار ~~(3) القائل اعتقاده وعلى ما لا يطابق من الاعتقاد (4) معتقده فيقال: ظن ~~كاذب ووهم كاذب، ولما كان الطمع مستلزما في بعض الصور ظن حصول الشئ المطموع ~~فيه اطلق عليه انه كذب اطلاقا لاسم (5) اللازم على ملزومه والمقصود ههنا ~~بيان أقلية الطمع الكاذب بحسب المطابقة والحث على وضع الأطماع مواضعها بحسب ~~الالتزام وهو المقصود الذاتي، بيان الأول ان الطمع في الغالب إنما يتوجه ~~نحو أمر ممكن ممن يؤهل نفسه لتناوله وكان اعتقاد حصوله تارة يكون علما ~~وتارة يكون ظنا وتارة يكون وهما، وكان الاعتقاد العلمي لا كذب فيه وكان ~~الأغلب في الظن ان (6) لا كذب فيه وكان الوهم أيضا قد يطابق لا جرم # PageV00P175 # كان عدم مطابقة الطمع الصادر (1) عن تلك الاعتقادات وكذبه أقلي الكون ~~فلذلك صدر عليه السلام القضية برب. بيان الثاني ان الكلمة مستلزمة للتنبيه ~~على قبح الطمع في الأمور الفانية إذ كان طلبها مع ما يؤدى إليه من أمر ~~المعاد مشتملا على كذب اعتقاد حصولها بحيث يكون السعي في ذلك المطموع فيه ~~ضائعا لا يعود الا بالضرر فينبغي أن يكون الطامع في مجرى مواقع (2) طمعه ~~العائد عليه بالنفع على تثبت، والله الموفق. # الكلمة الرابعة والعشرون قوله عليه السلام: رب رجاء يؤدى إلى الحرمان. # أقول: الحرمان مصدر قولك حرمت فلانا ms131 العطية إذا منعته إياها بالكلية، ~~والمقصود ههنا بيان ان الرجاء الذي هو سبب في العادة لحصول المطلوب قد يتفق ~~أن يكون سببا لحرمانه وبيان ذلك أن الرجاء اما أن يكون من الله تعالى أو من ~~أحد من أبناء النوع وعلى التقديرين فقد يكون سببا للحرمان اما من الله ~~تعالى فصورته رجاء محصل لوقر أو أوقار (3) من المال غلبه الحرص والشرة ~~وساقه (4) امل الزيادة فيه إلى السفر به في البحار والقفار وكان في القضاء ~~الإلهي تلفه وحرمان صاحبه بالكلية وإن كان ذلك غير مقصود بالذات للعناية ~~الإلهية، واما من أبناء النوع فصورته ان يقصد الراجي إلى بعض المثرين رجاء ~~رفده فيغلبه الحرص والطمع على طلب ما لا يمكن أو التماس ما ينفر الطبع من ~~التماسه فيكون ذلك مثيرا للقوة الغضبية وسببا لمنعه بالكلية بحيث انه لو ~~اقتصر على ما هو دون ذلك واسهل منه لاعطى إياه ولما كان ممنوعا، ولما كانت ~~هذه الأحوال أقلية الوجود بالنسبة إلى الرجاء المؤدى إلى حصول المطالب ~~وبلوغ الأمور المرجوة لاجرم صدر القضية برب. وفى هذه الكلمة أيضا تنبيه على ~~وجوب وضع الرجاء موضعه كما ينبغي وعلى الوجه # PageV00P176 # الذي ينبغي ليحصل عن ذلك ملكه الحرية، ولان الرجاء الخارج عن مجراه ~~الطبيعي مستلزم للحرمان المنفور منه طبعا، والله ولى التوفيق. # الكلمة الخامسة والعشرون قوله عليه السلام: رب أرباح (1) تؤدى إلى ~~الخسران. # أقول: الربح الزيادة الحاصلة من التصرف في قدر مخرج من المال للتجارة ~~يسمى برأس المال ويقابله الخسران وهو النقصان الحاصل بسبب التجارة في ذلك ~~القدر المخرج والمراد ان بعض الأرباح سبب للخسران وهذا المطلوب يثبت (2) ~~تصوره. واعلم أن لفظ الربح وإن كان حقيقة (3) فيما ذكرنا فقد يطلق مجازا ~~على تحصيل المعارف والعلوم الحقيقية والحصول على الكمالات النفسانية، ورأس ~~مال هذه التجارة هي المعقولات الأولى والثانية بحسب تصرف التاجر وهو العقل ~~فيها واستخراج الأرباح التي هي النتائج من المقدمات. والحجج والحقائق من ~~الحدود والرسوم، ووجه المشابهة بينهما هو ان لكل واحد منهما زيادة حاصلة عن ~~أصله بالتصرف ms132 فيه، وكذلك لفظ الخسران كما كان حقيقة في النقصان الحاصل في ~~رأس المال كذلك يطلق مجازا على ما يحصل من الخلل في # PageV00P177 # ترتيب الحدود والبراهين التي هي رأس المال المجازى. وإذا عرفت ذلك فنقول: ~~قد يكون الربح الوهمي وهو المتعلق بالمال سببا للخسران بالمعنى المجازى ~~أيضا ولست أعنى بالسبب ههنا العلة الموجبة فان أحد المتقابلين لا يكون علة ~~للاخر، إذ لا واحد منهما بمجامع للاخر وكل واحد من العلة والمعلول مجامع ~~للاخر بل المقصود انه سبب عرضى معد والعلة لها شئ آخر. # مثال سببية الربح الظاهري للخسران الظاهري ما شوهد بالحس ان رجلا سافر ~~إلى الهند بسبعة عشر دينارا ولم يزل يتردد ففي مدة يسيرة بلغت تلك الأرباح ~~سبعة عشر ألفا، ثم عزم على القرار فنازعته نفسه الامارة بالسوء الخروج ~~وغلبه الحرص على طلب الزيادة فخرج فلم يلبث ان (1) هاج البحر على سفينته ~~فغرقت وخرج عريانا لا يقدر على شئ مما كسب فكانت تلك الأرباح مهيجة لحرصه ~~على الطلب والسعي والازدياد فكان سببا معدا لحصول الحركات التي معها وقع ~~ذلك الخسران، وأمثال ذلك كثيرة. # ومثال سببية الربح الظاهري للخسران الأخروي هو ان المشتغل بتحصيل أرباح - ~~التجارات المالية وقد أضنى (2) بدنه وأفنى عمره في الاسفار والمعاملات ~~وتاقت (3) نفسه وانخرطت في سلك هواها وتدنس لوحها بالملكات الردية فحصلت ~~على اضداد الربح المجازى الذي لا يجامعه فكانت تلك الأرباح الوهمية أسبابا ~~معدة لنفس حاجب هذه التجارة لان يتصف بأضداد الربح المجازى فكانت أسبابا ~~مؤدية إلى الخسران. # ثم لما كانت تأديتها (4) إلى الخسران أقلية الوجود بالنسبة إلى تأديتها ~~إلى الأرباح الوهمية والحقيقية أو إلى السلامة من الخسران الكلى المردي في ~~حضيض جهنم لاجرم صدرت هذه الكلمة أيضا برب. فينبغي للعاقل ان يميز الأرباح ~~المودية إلى الخسران من غيرها ليسلم # PageV00P178 # باجتنابها عن السقوط في مهاوى الصغار وحلول دار البوار سلامة تستبتع ~~غنيمة عظيمة وتستلزم مسرة مقيمة، فان لها وجودا وإن كان أقليا، وعلى الله ~~قصد السبيل في أربح التجارات وأزكاها وانفعها وأنماها، وهو حسبنا ونعم ms133 ~~الوكيل. # الكلمة السادسة والعشرون قوله عليه السلام: في كل اكلة غصة، ومع كل جرعة ~~شرقة. # أقول: الاكلة الواحدة من الاكل والغصة بفتح العين المرة الواحدة من قولك ~~" غص فلان بالماء = امتلأ حلقه منه فلم يجزه (1) واما بالضم فهي الشجا، ~~والجرعة من الماء وكل مائع شرب المقدار الذي يجذبه القوة (2) الجاذبة منه ~~دفعة دفعة، والشرق الألم العارض عند الشرب من نفوذ الماء في غير المجرى ~~الطبيعي من الحلق. والمقصود من هذه الكلمة بيان ان اللذات الدنياوية غير ~~خالصة من شوب الآلام، وغير صافية من كدورات الشرور، وان ما يعد فيها خيرا ~~ولذة هو عند التحقيق خلاص من ألم وراحة من تعب، ثم هو ليس بخلاص دائم ولا ~~براحة مستمرة بل مستعقبة للألم وملحوقة بالنصب فكنى عليه السلام بالأكلة ~~والجرعة عن اللذات (3) الدنياوية لاستلزامها اللذة وكنى بالغصة والشرقة عن ~~الألم لاستلزامهما إياه فكان ذلك اطلاقا لاسم الملزوم على لازمه في ~~الموضعين وهو مجاز حسن وإنما خص هذين النوعين بالذكر من سائر الأنواع ~~المستلزمة للذة والألم لما ان الأكل والشرب أكثرها وقوعا في الوجود، وفى ~~هذه الكلمة تنبيه لك أيها الأخ على (4) حال هذه اللذات الحاضرة فإنها مشوبة ~~بالآلام موسخة بالآثام فانظر وفقك الله بعين بصيرتك وجه المناسبة بينها ~~وبين اللذات الباقية الصافية وان كنت لا تطلع منها # PageV00P179 # ما دمت في عالمك هذا الا على قدر مغطى (1) بقشور الخيال محفوف من اللذات ~~الحاضرة بأمثال، تجد بينهما فرقانا (2) شديدا وأمد بعيدا ولو جردت عقلك عن ~~خيالك وأمكن لك ذلك لما وجدت بينهما مقايسة ولفقدت يبنهما المناسبة، والله ~~تعالى هو الحاكم بالسعادة ومن عنده حسن الوفادة. # الكلمة السابعة والعشرون والثامنة والعشرون قوله عليه السلام: إذا حلت ~~(3) المقادير ضلت التدابير. # (و) إذا حل القدر بطل الحذر. # أقول: المقادير جمع مقدور وهو الامر المقدر من الله، والضلال الضياع ~~والهلاك، والتدابير جمع تدبير وهو إجالة الفكر في ايقاع الافعال على الوجوه ~~التي هي أنفع وأوفق بحال الانسان ونحتاج ههنا إلى تفسير القدر ولما كان ~~معلقا بالقضاء احتجنا إلى ms134 تفسيرهما معا فنقول: # قالت الحكماء: لما كان جميع صور الموجودات كلياتها وجزئياتها التي هي بلا ~~نهاية حاصلة من حيث هي منقوشة في العالم العقلي بابداع الحق الأول تعالى ~~إياها، وكان ابداع الأمور المادية منها ممتنعا إذ المادة غير مستعدة لقبول ~~صورتين منها فضلا عن قبول مالا نهاية له وكانت العناية الإلهية قد اقتضت ~~تكميل المادة بابداع تلك الصور فيها واخراج ما فيها من قبول تلك الصور من ~~القوة إلى الفعل قدر بلطيف حكمته زمانا غير متناه من الطرفين يخرج فيه (4) ~~تلك الأمور إلى الفعل (5) واحدا بعد آخر (6) فتصير تلك الصور في جميع ذلك ~~الزمان موجودة في موادها والمادة كامله بها، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن القضاء ~~اسم لوجود جميع الموجودات في العالم العقلي مجملة على سبيل الابداع، والقدر ~~عبارة عن وجودها # PageV00P180 # في موادها الخارجية مفصلة واحدا بعد آخر. واليهما الإشارة في التنزيل ~~الإلهي: وان من شئ الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم (1) وإذا كان ~~كذلك، فنقول: المقصود من هذه الكلمة ان المقادير وهي وجود الموجودات ~~المادية إذا حلت اي حدثت وقامت بالمادة بالفعل وكانت أمورا مكروهة إلى طباع ~~الانسان ككون (2) الأمور المضادة للحياة في موادها أو كون أمور أخرى يتضرر ~~بها ويتأذى بوقوعها فان تقديراته وإجالة فكره بقوته العملية في كيفية ~~التوقي والسلامة من ذلك التأذى بحسب توهمه انه مالك لأموره قادر (3) على ~~تسليم أحواله من الآفات ومقتدر على التوقي بالحذر، والتدابير حينئذ تكون ~~ضائعة باطلة غير منتفع بها إذ كان حكمه بالقدرة على التوقي حكميا وهميا (5) ~~حتى لو راجع عقله لعلم ان المقادير أمور غيبية ولها أطوار وراء - العقول لا ~~يحصن منها تدبير ولا يطلع على وجه الخلاص منها وان اطلع على مثل ما يعتاد ~~معه دفع ذلك المكروه فيما مضى من الأوقات لقصور القوة الانسانية عن ادراك ~~تفاصيل أسباب وقوع الامر المكروه وعرفت من ذلك معنى بطلان الحذر عند وقوعها ~~فان الحذر هو التحرز والتحفظ من وقوع الأمور المكروهة بحسب إجالة الفكر ~~العملي أيضا في الحيلة ms135 والخلاص من وقوعها بالانسان وقد عرفت ان ذلك غير ~~نافع عند حلول القدر فهو باطل. # تنبيه - ولا يحملنك هذا البحث على الانهماك في المعاصي ولا استكثار من ~~الأمور الموبقة في...... (6) فإذا نوقشت على ذلك أحلته على القضاء والقدر ~~وزعمت (7) انك بذلك متخلص من العقاب فإنك حينئذ تكون من الغالطين غلطا تكون ~~به من الهالكين بل ينبغي ان تقبل بكليتك على قبول الأوامر والنواهي الشرعية ~~والعمل بمقتضاها وتعلم # PageV00P181 # ان موجدك قد أعطاك قدرة وعقلا وأمرك بفعل هو ممكن في نفسه وبالنسبة إلى ~~ذهنك هو ممكن أيضا لك فالتكليف وارد عليك بحسب ذلك لا بحسب ما في علمه وان ~~عقاب الانسان على خطيئة وهي الحركات التي لا تنبغي (1) منه المنسوبة إليه ~~ظاهرا وفى اعتقاده الجازم بالقدرة عليها فيم يعد (2) جوهر نفسه لتمكن ~~الملكات الردية منها ورسوخها فيها أمر لازم جوهرها وهي نار الله الموقدة * ~~التي تطلع على الأفئدة (3) وكذلك ما يتبعها من دوام التعذيب بها (4) وأنت ~~بالنظر إلى نفسك معتقد جازم بأنك قادر على تدبير الخلاص من تلك الهيئات ~~الردية بالسعي في اكتساب أضدادها، وعلى ان لا تعرض لنفسك بالكلية. # واما نسبتك ذلك إلى القدر فذلك ليس من تكليفك (5) على أن الشرور الواقعة ~~بك ليس إليها (6) قصد ذاتي بالفضائل من حيث إنه لا يمكن بز (7) الخير ~~الموجود فيك منها والا لما كنت أنت أنت. فان خطر ببالك ما يقال: ان العقاب ~~على الأمور الواجبة ظلم وقبيح يجب تنزيه الله تعالى عنه فاعلم أن حديث ~~الظلم وقبحه والعدل وحسنه آراء محمودة سبب شهرتها وحدنها (8) من جمهور ~~الخلق اشتمالها على مصالحهم وانتظام أمورهم دون أن تكون بديهية (9) فإذا ~~بناء احكام الله تعالى عليها غير لازم ولا مستقيم. # PageV00P182 # الكلمة التاسعة والعشرون قوله عليه السلام: ليس العجب ممن هلك كيف هلك ~~إنما العجب ممن نجا كيف نجا (1) أقول: يشير في هذه الكلمة إلى أنه لا ينبغي ~~ان يتعجب من كيفية هلاك من هلك في الآخرة بأسباب الهلاك بل ينبغي ان يتعجب ~~من كيفية نجاة الناجين والعلة ms136 في هذا الحكم انه لما كان الانسان ذا قوى ~~ثلاثة بحسبها (2) تصدر عنه الأفعال الاختيارية وتصير بسببها هالكا أو (3) ~~مالكا وهي القوة الناطقة والشهوية والغضبية وكان الغالب على الناس في أكثر ~~الأحوال الانحراف عن الأحوال التي ينبغي ان كونوا عليها وهي مطلوبة منهم # PageV00P183 # باللسان النبوي وذلك الانحراف بسبب طاعة قوتي الشهوة والغضب والانهماك ~~فيما تميلان إليه بمقتضى طباعهما (1) وتجران القوة العاقلة إليه من ~~مطلوباتهما وذلك مما يصرف عن التوجه إلى القبلة الحقيقية ويمنع من التعلق ~~بعصم النجاة فلا جرم كان التعجب من كيفية هلاك الهالكين تعجبا في غير موضعه ~~لان أسباب الهلاك غالبة في الخلق أكثرية - الوجود، وأكثرية وجود المعلول ~~تابع لأكثرية وجود أسبابه. # ولما عرفت ان درجات السعادة غير متناهية فاعلم أن درجات الهلاك والشقاوة ~~(أيضا) غير متناهية ولسنا نعنى باهلاك الهلاك السرمدي فأن ذلك مختص ~~بالانحراف على وجه مخصوص أعني ان يوجب ذلك الانحراف والميل ملكات ردية تلزم ~~جوهر النفس فيدوم به العذاب بل نعنى به ما هو أعم من ذلك حتى يكون الهلاك ~~المنقطع داخلا فيه ويكون أكثر وجودا من النجاة، وما كان أكثريا ومعتادا لا ~~ينبغي ان يتعجب منه، وكان التعجب من كيفية نجاة الناجين تعجبا في موضعه لا ~~يستنكر (2) لقلة أسباب النجاة وضعف وجودها من الخلق. # وفى هذه الكلمة ايماء إلى وجوب الاحتفاظ (3) والاخذ بالحزم في تحصيل ~~أسباب النجاة والاجتهاد فيها فإنها لا تدرك بالمنى ولا تحصل بالهوينا، ~~واليك الاعتبار، والله تعالى ولى اعدادك لما هو أهله، وهو الموفق. # الكلمة الثلاثون قوله عليه السلام: الاحسان يقطع اللسان. # أقول: لفظ القطع يقال حقيقة على تفريق اتصال الجسم بالآلة القطاعة ~~كالسكين وغيرها، وقد استعمله عليه السلام ههنا مجازا في منع الكلام القبيح ~~الخارج # PageV00P184 # عن (1) لسان الذام الاحسان لا يفعل ذلك التفريق في اللسان بل يكون بسببه ~~منع اللسان من الحركة بما لا ينبغي، ووجه المناسبة انه كما أنه الغاية من ~~قطع اللسان بالآلة القطاعة ترك الكلام فكذلك في الغاية من اسكاته بالعطية، ~~وهذا من محاسن الاستعارة. # واما ms137 علة هذا الحكم فنقول الاحسان قسمان، ذاتي وعرضى، فالذاتي هو الذي ~~يصدر عن الأخيار الفضلاء وذلك أن سيرهم محمودة محبوبة فهم محبوبون لذواتهم ~~وأفعالهم مسرورون بأنفسهم مسرور بهم غيرهم، وكل أحد يجب ان يواصلهم ~~ويصادقهم، فهم أصدقاء أنفسهم والناس أصدقاؤهم، ومن هذه سيرته فتجده يحسن ~~إلى الناس بقصد وغير قصد إذ كانت أفعاله محبوبة لذيذة والمحبوب اللذيذ ~~مختار ومطلوب، وإذا كان كذلك فلابد وان يكثر المقبلون عليه والمحتفون به، ~~ومن كانت هذه حاله برئ ان (2) يصل إليه ذم أو يلحقه لوم بل تكون الألسنة ~~مقطوعة عنه بل هي دائما رطبة بالثناء عليه متحركة بشكره فضلا أن تكون ذامة ~~له وهذا هو الاحسان الذي يبقى ولا ينقطع، ويزيد ولا ينقص، ويكون به الاخوة ~~الصادقة والمحبة المطلقة. واما العرضي فهو الذي ليس بخلقي ولا معتاد لصاحبه ~~ولا شك انه منقطع والمحبة العارضة عنه محبة عرضية مقيد دوامها بدوامه باقية ~~ريثما هو باق وفيها زيادة ونقصان من طرفي المحسن والمحسن إليه، فان محبة ~~المحسن تكون أشد من محبة المحسن إليه: واعتبر ذلك في المقرض والمستقرض تجد ~~المقرض أشد محبة للمستقرض منه للمقرض وربما كان داعيا له بالبقاء وسبوغ ~~النعمة والكفاية وإن كان كل ذلك ليصل إلى حقه وليعود إليه ماله لا لمحبة ~~خالصة، واما المقرض فليس له هذه الهمة ولا ذلك الدعاء ولكن يكون شهوته إلى ~~الاحسان ومحبته له أشد من محبة المحسن. وإذا عرفت ذلك فمثل هذا الاحسان وإن ~~كان قاطعا للسان الا ان قطعه ليس بدائم ولا مستمر بل هو موقوف على دوام ~~الاحسان، وقد يتفق لمثل هذا المحسن ان لا تنقطع عنه الألسنة عند وقوف الخلق ~~واطلاعهم على أن ذلك الاحسان عرضى. # PageV00P185 # واعلم أن الأول وإن كان هو المقصود الذاتي من الكلمة الا ان الثاني أيضا ~~مراد، إذ يصدق عليه انه قاطع اللسان أيضا. ثم اعلم أن الاحسان كما يقطع ~~اللسان فهو موجب للألفة والمحبة كما عرفت التي هي سبب لتحصيل السعادتين، ~~وعلة لاستحقاق المنزلين، وموجبة لمحبة الخالق والحصول في ms138 جواره المقدس كما ~~أشير إليه في التنزيل الإلهي: والله يحب المحسنين (1) وان الله لمع ~~المحسنين (2) وبه يستعبد الأحرار كما يقطع السنة الأشرار، قال الشاعر (3): # أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم * فطالما استعبد الانسان احسان وينبغي ~~للعاقل ان يلزم محاب الله فإنه يكون محبوبا لله، وأن يكون من الكائنين مع ~~الله، وان يختار لنفسه ما اختاره الله لنفسه من التسمية محسنا، فمن كان مع ~~الله فقد حصل في جواره، ومن كان محبوبا لله فقد فاز بجميع مقاصده، ومن تخلق ~~بأخلاق الله فقد استحق الخلود في دار البقاء وكل ميسر لما خلق له (4). # الكلمة الحادية والثلاثون قوله عليه السلام: احذروا نفار النعم فما كل ~~شارد بمردود. # أقول: اسناد النفار والشرود حقيقة في النعم وقد استعملها عليه السلام ~~ههنا مجازا في النعم ووجه المشابهة انهما يستلزمان المفارقة في الموضعين، ~~والمقصود من هذه الكلمة التحذير من مفارقة النعم وهي الكمالات الخيرية ~~بمفارقة أسبابها، والتنبيه بالسالبة الجزئية وهي قوله: فما كل شارد بمردود، ~~على أن النعم بعد مفارقتها قد لا تعود إليكم فان # PageV00P186 # الإبل الشاردة كما يجوز ان الا ترد فالواجب حينئذ ان يكونوا من نفارها ~~على حذر ويتقوا ما في ذلك من عظيم خطر. # فان قلت: النعم أمور موهوبة من واهبها فاسترجاعها جائز فضبطها وحفظها غير ~~ممكن فلا يدخل في التكليف فان كثيرا من الخلق يحافظون على أموالهم ويجتهدون ~~في ضبطها ولا يزيدها ذلك إلا نفارا؟ - قلت: ليس المقصود من التحذير من ~~نفارها والامر بحفظها هو حفظها بالجمع والضبط بل لعل المقصود من حفظها ~~(حفظها) بالتفريق فان الانسان إذا فرق منها ما ينبغي ان يفرق على الوجه ~~الذي ينبغي ان ينفق واكد ذلك السداد وأيد (1) ذلك الاستعداد بالشكر والثناء ~~على واهب تلك النعم بما هو أهله مراعيا (2) في ذلك قانون العدل كان لذلك ~~أثر (3) عظيم في اعداد النفس لقبول العناية الإلهية ببقاء تلك النعم ودوام ~~تلك الإفاضة، وإذا لم يفعل المنعم عليه شيئا من ذلك وخالف مقتضى العدل فيها ~~لم يلبث ان تنفر نفار الناقة ms139 الشرود التي يوشك ان لا تعود. # فان قلت: أليس قد قام البرهان على أن خلاف معلوم الله تعالى محال، وإذا ~~كان كذلك فنقول: إن كان في علم الله تعالى ان تلك النعم تنفر أو لا تنفر ~~فلابد وأن تكون كذلك، فما الفائدة في التحذير؟ وهل ذلك إلا جار مجرى قولك ~~للزمن: لا تطر (4)؟! وإن كان في علمه عكس ذلك فلابد وأن يكون، فلا يتحقق ~~الحذر أيضا؟ - قلت: هذا كلام (5) حق الا ان ما علم الله وقوعه أو عدم وقوعه ~~قد يكون مشروطا وقد لا يكون، فما كان مشروطا من ذلك فيستحيل ان يوجد من دون ~~شرطه وان صدق انه يعلم وقوعه لكن مطلقا بل بشروطه وأسبابه، فعلى هذا جاز أن ~~يكون التوقي والحذر من نفار النعم شرطا لبقائها فلهذا الجواز كان مأمورا ~~بالحذر. بقي علينا ان يقال: انكم # PageV00P187 # اعترفتم بأن المشروط لا يجب أن يكون هو كل النعم مع أنكم أوجبتم الحذر ~~عند كل نعمه؟ - فنقول: لما كان العبد غير مستقل وغير مطلع على أسباب ~~الكائنات وشروطها وكانت غير محصورة ولا متناهية في حق الجليل (1) من الخلق ~~فضلا عن جملتهم حتى يمكن ان يوقف (2) عليها وعلى أسبابها المفصلة لاجرم وجب ~~ان يحذر الحذر المطلق لئلا يتوقى فيما ليس من شرطة التوقي والحذر ويتركهما ~~في موضع هو في الحقيقة مشروط بذلك، فإنه إذا حذر في كل نعمة مفارقتها فزع ~~(3) إلى حفظها بالمواظبة على أسباب الحفظ التي أشرنا إليها جملة فتلك ~~المواظبة وان لم تكن شرطا لاستثبات تلك النعمة فهي معدة لضروب أخرى من ~~النعم، وان كانت شرطا فقد صادف محله، والله ولى التوفيق. # الكلمة الثانية والثلاثون قوله عليه السلام: # إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر. # أقول: أطراف النعم أو أوائلها، وأقصاها أو اخرها، والمقصود من هذه الكلمة ~~التنبيه على استدامة النعم الموهوبة بدوام الشكر وبيانه أنك عرفت أن دوام ~~الشكر عن نية صادقة وتحريك اللسان بالذكر عن اعتقادات صافية يستمريان (4) ~~مزيد النعم كما يستمري الحالب الدر من ms140 الضرع لما ان دوام الشكر وما في ~~معناه من الابتهالات والتضرعات والتعود بها أسباب معدة للنفس لدوام إفاضات ~~(5) أنواع الخيرات، وإذا كان وجوده سببا لوجود النعم وبقائها واتصال ~~أواخرها بأوائلها كان عدمه أو قلته سببا عرضيا يكون معه نفارها قلة ثباتها ~~وانقطاع تواترها واتساقها، # PageV00P188 # لا لقصور من مفيضها، فإنه برئ عن النقصان أجود الأجودين، فيضه تام وكرمة ~~عام بل لا نسبة لجود إلى جوده ولا اضافه لكرم عبد إلى كرمه بل لعدم امكان ~~القابل لتقصيره في السعي إلى تحصيل أسباب ذلك الامكان كالتضرع والدعاء ~~والشكر والثناء، واما نسبة التنفير إليهم فلأنهم بقلة شكرهم سبب للنفار ~~بوجه عرضى كما علمت فلا جرم نسبه إليهم. # واعلم أنه يتوجه ههنا أيضا ان نورد الشك المذكور في الكلمة التي قبلها ~~وهو ان ما علم الله تعالى وقوعه أو عدم وقوعه كان معلومه واجبا فلا فائدة ~~حينئذ في الشكر والثناء لأنك (1) قد عرفت وجه الجواب هناك وهو ان الثناء ~~والشكر جاز أن يكون مشروطا في الدوام والاتصال كما قررناه وقد علمت أن ~~الشكر كيف هو سبب لاستنزال (2) المنن الإلهية وعلة لاتصالها ودوامها واليه ~~الإشارة بقوله تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم (3) والى سببية انقطاعه وقلته ~~لانقطاع النعم واستحقاق العذاب لتدنس النفس بالاشتغال بأضداده والاعراض عنه ~~أشار بقوله: ولئن كفرتم ان عذابي لشديد (4) وقال تعالى: ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه (5) اي ان منفعة الشكر عائدة على نفسه من الاستعداد للإفاضات الخيرية ~~واشكروا لله ان كنتم إياه تعبدون (6) فالشكر من تمام العبادة التي بها تكون ~~النفس طاهرة مستحقة لرضوان الله، ومن الله الهداية إلى طلب ما يرضيه، انه ~~ولى التوفيق الكلمة الثالثة والثلاثون قوله عليه السلام: أكثر مصارع العقول ~~تحت بروق الأطماع. # أقول: يقال: صرع فلان فلانا إذا غلبه ورمى به إلى، الأرض والمصارع جمع # PageV00P189 # مصرع وهو موضع الفعل، ومصارع العقول مواضع أغلاطها، وبروق الأطماع هو ~~تصور امكان حصول الأمور التي يتوهم الانتقاع بها فيقع الميل إلى تحصيلها ~~والمقصود ههنا تنبيه الانسان على وجوب التثبت عندما تلوح له المطامع ms141 حتى لا ~~يميل فيها ولا يتضرع الا لما ينبغي منها على الوجه الذي ينبغي ونبه عليه ~~السلام على ذلك بأن أكثر أغلاط العقول منشؤها ومبدؤها (1) ونزوع القوة ~~الشهوية نحو المشتهيات بحسب اعتقاد حصولها. # وههنا تجوز ان حسنان في التركيب والاسناد، أحدهما اسناد المصارع إلى ~~العقول التي هي في الحقيقة للأجسام وعبر به عن انخداعها وغلطها ووقوع ~~حركتها على غير قانون صحيح ووجه المناسبة في هذا المجاز ان العقول إذا لم ~~تثبت على الصراط المستقيم ولم تلزم قانون العدل المأمور بلزومه بلسان الحق ~~بل مالت بها الشهوة تارة والغضب تارة ولعبت به القوة الوهمية فأزالت ~~أقدامها عن حاق (2) الوسط إلى طرف (3) الرذيلة التي هي أرض ونار بالنسبة ~~إلى سماء فضيلة العدل وجنتها فلا جرم صدق عليها انها مصروعة وان لها مصارع. # والثاني نسبة البروق إلى الأطماع واسنادها إليها. # واعلم أن البرق في الأصل هو اشتعال اللامع المشاهد من السحاب ولنعين ~~حقيقته لينكشف بها وجه المجاز، فنقول: ان الدخان المرتفع من الأرض جسم لطيف ~~من مائية وأرضية عملت فيها الحرارة والحركة المازجة عملا قويا فقرب لذلك ~~مزاجه من الدهنية فهو لا محالة يشتعل بأدنى سبب مشعل فكيف بالحركة الشديدة ~~فإذا اشتعلت تلك المادة من شدة المحاكة عند تمزيق السحاب كان ذلك الاشتعال ~~هو البرق وإذا عرفت ذلك وقد عرفت ان الطمع هو نزوع القوة الشهوية إلى تحصيل ~~المشتهيات بحسب التصور للمنفعة واللذة واعتقاد حصولها وكانت التصورات لا ~~تفاض على النفس الا بعد # PageV00P190 # تهيئتها واستعدادها لقبولها من الفاعل عزت قدرته جرى ذلك الاستعداد وقبول ~~النفس به (1) لاشراق تلك التصورات عن مشرقها مجرى استعداد تلك المواد ~~وقبولها بحسبه للاشراق بذلك الاشتعال فكما ان ذلك الاشتعال والاشراق ~~المخصوص من السحاب سبب محرك لشهوات الخلق وأطماعهم إلى نزول المطر كذلك ~~اشراق تلك التصورات ويروقها في سر الطامع مبدؤ محرك لقوته الشهوية إلى ~~المشتهيات فلأجل هذه المشابهة صح اسناد البروق إلى الأطماع. # واما برهان هذه القضية فظاهر بعد احاطتك بالأصول السابقة وذلك انك عرفت ~~ان سبب وقوع ms142 النفس وتورطها في الرذائل المستلزمة للنقصان هو انحراف إحدى ~~القوتين أعني الشهوية والغضبية ومتابعة العقل لها وميلها به إلى مقتضى ~~طباعها من طرفي الافراط والتفريط مما هو المعنى بمصارعه. وههنا دقيقة وهي ~~(2) انه عليه السلام خصص المصارع بجهة تحت دون سائر الجهات وذلك من أوضح ~~(3) الدلائل على اطلاعه على نكت الاسرار ومعرفته التامة بنظم الكلام ووجوه ~~المجازات المستحسنة. # إنما خصصها بتلك الجهة لاحد وجهين: # أحدهما - ان مصارع العقول من مسببات (4) بروق الأطماع والمسبب أدون من ~~السبب والسبب والسبب أعلى والمسبب تحت بالنسبة إليه وليست الجهة الجهة ~~الحسية بل الجهة العقلية. # الثاني - ان بروق الأطماع لما كانت علامات للطامع على حصول المنفعة ~~واللذة حتى لزم عن ذلك أن انصرع عقله كانت بروق الأطماع دلالا ت (5) على ~~مصارع العقول ولا شك ان الدليل أظهر من المدلول واعلى في الذهن واسبق وجودا ~~منه فينبغي أن تكون مصارع العقول التي هي المدلول تحت بالنسبة إلى دليلها، ~~والله ولى الهداية والتوفيق. # PageV00P191 # الكلمة الرابعة والثلاثون قوله عليه السلام: من أبدى صفحته للخلق (1) ~~هلك. # أقول: صفحه الشئ جانبه وأبدى اي، أظهر، والهلاك في الأصل السقوط وكل ساقط ~~عن حالة (2) هي في نفس الامر كمال وخير فهو هالك واعلم أن لهذه الكلمة في ~~كلامه عليه السلام تتمة توضح معناها وهي: من أبدى صفحته للخلق (3) هلك عند ~~جهلة الناس، وحينئذ يلوح لك ان المقصود من جود نفسه لمقابلة الجهال من ~~الخلق الذين لا يعرفون قدر نفوسهم وما هي عليه من رذيلة الجهل والنقصان ~~اللازم لها وزحمهم (4) بجانبه في اظهار الحق ونصرته وشهر سيف العصبية (5) ~~عليهم فيه وحملهم على ركوب طريق (6) العدل من غير أن يشوب تلك الخشونة بلين ~~ويخلط تلك الصعوبة بهون هلك فيما بينهم فلم يلتفتوا إليه وضاع فلم يقبلوا ~~عليه لجهلهم (7) بقدر الحق وعدم اطلاعهم على المقاصد التي ينبغي ان تسلك ~~وتعودهم بارتكاب أضدادها ذلك بل نفروا منه وأبغضوه وعادوه لمخالفة (8) أكثر ~~الخلق (9) الذي ألزمهم به لاغراضهم الفاسدة وربما أدى ذلك إلى قتله وإفنائه ~~أو اجتلاب (10) أنواع ms143 الأذى عليه بسبب قوة الأذى الحاصل لهم من تطعم (11) ~~مرارات الحق وضعفه بالنسبة إلى اشخاص الجهال ونفارتهم (12) في قبول الحق ~~وعدم قبوله. وهذه الكلمة من أظهر الدلائل على أنه عليه السلام كان أعرف ~~الناس بوجوه التدبير وأحسنهم إيالة وانه كان مقتدرا على اصلاح الدارين متسع ~~القوة للجمع بين الأطراف # PageV00P192 # المتجاذبة إذ كان معلما بهذه الكلمة انه كيف ينبغي ان يستعمل الانسان ~~اظهار الحق فإنه لما ثبت ان الكاتم للحق الغير العامل به بالكلية مع تمكنة ~~من استعماله في بعض موارده أو في كلها هالك فكذلك ينبغي ان يعلم أن المجاهر ~~بالحق بالكلية والمقابل له أباطيل الجهال وأغراضهم الفاسدة هالك، فلم تبق ~~السلامة الا في مزج الاظهار بالاخفاء وخلط - المجاهرة بالرفق وضرب الخشونة ~~باللين والترخيص (1) لهم بالسكوت عنهم عند شوب الحق بالباطل مرة والعزم ~~عليهم والقيام في وجوههم في نصرة الحق مرة بحسب ملاحظة العقل (2) للمصالح ~~الجزئية المتعلقة بشخص شخص ووقت وقت، والله ولى التوفيق. # الكلمة الخامسة والثلاثون قوله عليه السلام: إذا أملقتم فتاجروا الله ~~بالصدقة. # أقول: الاملاق الفقر والحاجة، والمتاجرة المعاملة في التجارة والمقصود في ~~هذه الكلمة الحث على العبادة المخصوصة التي هي الصدقة عند الاحتياج بما ~~يمكن فان للصدقة ولو بشق تمره حظا عظيم النفع في الدارين وبها تحصل الأعواض ~~التي لا تقابل بالشكر ولا يحصيها العد والحصر. # اما في الأولى (3) فلان المملق المحتاج إلى التيسير من العيش يكون في ~~الغالب شره النفس محافظا على ما يحصل في يده لشدة حاجته إليه وخوفه ان لا ~~يقدر على مثله فإذا فرضنا انه يتصدق به أو ببعضه (4) مع ما به من الحاجة ~~إليه دل ذلك منه على اشتماله على ملكة العفة التي عرفت ان بها يكون استعداد ~~النفس لاستجابة ثمرات الأدعية وقبول - ابتهالاتها في المطلوبات الممكنة. ~~وأيضا فان النفوس إلى مثل صاحب هذه الصدقة كثيرة - الانجذاب، والميول ~~الطبيعية إليه متداعية وخاصة إذا عرف بذلك واشتهر به فكثيرا ما # PageV00P193 # يكون ذلك أيضا سببا لادرار الأرزاق عليه وعلة لدفع (1) الصلات (2) والمنح ~~إليه، وقد ms144 علمت أن من تاجر الله لم يخسر. # واما في الأخرى فلان صاحب هذه الصدقة مع ما فرضنا (3) من حاجته إليها إذا ~~بذلها كان ذلك دليلا على معرفته بأنه لا متاجرة أربح من متاجرة الله وذلك ~~مستلزم لمعرفته بالله ومع ذلك فقد استعدت نفسه بسبب قهرها للقوة الشهوية ~~وضبطها لها عن الضنة بما بذله مع حاجته إليه ومقاومتها وكسرها عن الشره (4) ~~في المشتهيات لقبول أنوار عظيمة ونعم جسيمة لا يقاومها شكر، واليه الإشارة ~~بقوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (5) وقوله تعالى: ان ~~تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (6) وقوله ~~تعالى: وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (7) ~~وأمثال هذه الإشارات كثيرة في القرآن والسنة، ومع ذلك فان فيها من تحصيل ~~الانس الموجب للمحبة بين الخلق المطلوبة منهم بالعناية الإلهية لتحصيل ~~السعادتين واستكمال درجة الفوز ما لا يخفى، والله الموفق. # الكلمة السادسة والثلاثون قوله عليه السلام: من جرى في عنان أمله عثر ~~بأجله. # أقول: أراد بالجري في عنان الامل تطويل الآمال المستلزمة لقلة الالتفات ~~إلى القبلة الحقيقية والمطالب العلية، والعثور بالأجل الوقوع في الوقت الذي ~~علم الله تعالى فيه مفارقة النفس للبدن (8) وهي الضرورة المسماة بالموت، ~~فأسند عليه السلام العنان إلى # PageV00P194 # الامل تشبيها له بالفارس المطلق عنان فرسه، والعثور إلى الاجل تشبيها له ~~بما يعثر به الانسان من حجر أو خشب، وكل هذه تجوزات حسنة في الاسناد لطيفة ~~المشابهة، فان حركة القوة الشهوية إلى المشتهيات (1) لاعتقاد حصولها تشبه ~~جرى الفرس، وكون النفس هي المستعملة لتلك (2) القوة والمصرفة (3) لها يشبه ~~الركوب للفرس، الا ان هذه القوة فرس عقلية، وقدرة النفس على ضبط تلك القوة ~~مع عدم ضبطها مشبه لاطلاق عنان الفرس ونسبه الجرى إليه نسبة صادقة فان ~~الفارس تنسب إليه الحركة والجرى وان كانت نسبة عرضية والحركة الذاتية للفرس ~~كذلك الجاري في عنان امله تنسب إليه الحركة الا انها لقوته الشهوية بالذات ~~ولقوته العقلية بالعرض، وكون الجاري في عنان الامل ms145 واقعا في الضرورة ~~المذكورة التي لا بد منها يشبه وقوف (4) رجل (5) الجاري في حجر أو خشب يقع ~~بسببه المسمى ذلك عثارا إذ (6) كانا معا مستلزمان لأذى من يقع فيه، وبعد ~~معرفتك بهذه التجوزات وحسن وجوهها تجد المعنى من هذه الكلمة ظاهرا. # واما تخصيص هذا الحكم الذي هو غاية كل انسان بل كل حيوان بمن جرى في عنان ~~امله دون غيره ممن يستقصر الآمال ويستصغر الدنيا فليس لأجل ان من استقصر ~~الامل خارج عن هذا الحكم بل لتنبيه مطيل الامل الغافل بسبب ذلك عما يراد به ~~وما هو مطلوب من وجوده وايقاظه من رقدة الغافلين على أن المطلوب منه ليس ما ~~يخوض فيه بالجري في (7) التماس أمثاله فان ذلك لابد من زواله والعثور ~~بضرورة الموت اللازمة للحيوان فينبغي ان يجرى الامل على القانون العدلي ~~المطلوب بلسان التنزيل الإلهي والسنن النبوية ويجعل الحظ الأوفر من ~~الالتفات لما وراءه من تحصيل السعادات الباقية والخيرات الدائمة، والله ~~يؤتى كل ذي استعداد من الفضل أتمه، وهو الموفق. # PageV00P195 # الكلمة السابعة والثلاثون قوله عليه السلام: لا تتكل على المنى فإنها ~~بضائع النوكى. # أقول: المنى جمع منية وهو الشئ المتمني كقوله: ان سعدى لمنية المتمني، ~~والبضائع جمع بضاعة وهي البعض من المال تبعثه (1) للتجارة، والنوكي جمع ~~أنوك وهو الأحمق، والمقصود من هذه الكلمة النهى عن اشتغال النفس بتمني ~~الأماني فان ذلك الاشتغال قد يعرض ولا يزال يتزايد حتى يكسب النفس ملكة ~~الوسواس والالتفات عن الانتقاش بنور الحق وسواد لوح الخيال عن قبول ~~المنامات الصافية والالهامات الخالصة. ثم إنه عليه السلام نبه على قبح ذلك ~~بان ذلك بضائع الحمقى لتنفر نفوس العقلاء عن اقتناء هذه البضاعة واتخاذها ~~في تجاراتهم إذ كان العاقل لا يرضى لنفسه تصرفات الأحمق وحركاته. # واما اطلاقه عليه السلام البضاعة على المنى فاستعارة حسنة فان ناقصي ~~العقول الذين ليس لهم ملكة الانتقال إلى المعقولات الثانية الناقصين في ~~استعدادهم لاصلاح معاشهم ومعادهم في أكثر الأحوال طالبون (2) لمتخيلاتهم ~~الغائبة أو الغير الممكنة الحصول متمنون لها عن تخيلاتهم القاصرة ms146 عن ضبط ~~القوة الصادرة عنها قواهم العقلية اما لضعفها وقوة سلطان الوهم عليها أو ~~لاختلال تلك القوى وقلة صلوحها لتدبير العقل وتصريفه فكأنها حينئذ بضائع ~~لهم ينتظرونها فكما يتوقع التاجر وصول البضاعة التي بعث به للتجارة ~~ومكاسبها كذلك تجد هؤلاء متوقعين متمنين لما يتخيلونه من ضروب اللذات ~~وأنواع المشتهيات ويقطعون بذلك أزمانا حتى ربما صدتهم تلك الأماني عن اشغال ~~مهمة لهم فضلا عما يعنيهم من أمر الدين وما يجب عليهم من الأمور المقربة ~~إلى الله تعالى فينبغي للعاقل إذا عرف سر هذه البضاعة وما تؤدى إليه من ~~الخسران ان يعرض عنها إلى استنصاع (3) # PageV00P196 # فكره في استفادة الجواهر العقلية وارباح النفائس النفسية (1) فان ذلك هو ~~التجارة الرابحة ويهرب من متابعة شيطانه في تحسين البضائع المذكورة له فان ~~من كان تلك بضاعته لم يصبح ليله الا وهو في أسر الشيطان وصفقة الخسران، ولم ~~تزل عين بصيرته عن ادراك الحقائق خاسرة، ويد عقله عن تناول فواكه الجنة ~~قاصرة، يا ويلتا ليتني لم اتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا (2)، والله ولى العصمة. # الكلمة الثامنة والثلاثون قوله عليه السلام: لا شرف أعلى من الاسلام. # أقول: الشرف العلو، والاسلام في اللغة الانقياد، وفى الشريعة الانقياد ~~بحسب الأوامر والنواهي الشرعية وتلقيها بالقبول والطاعة والعمل بمقتضاها ~~بحسب الجهد والطاقة، وقد عرفت ان الغاية القصوى منه إنما هو الوصول إلى ~~الواحد الحق والحصول في المقعد الصدق، وان ذلك الوصول والحصول موقوف على ~~جلاء مرائي الناقصين من درن (3) الباطل حتى تصفو وجوه ألواحهم وتستعد لقبول ~~الانتقاش بالجلايا وعرفت ان ذلك الجلاء والصفاء لن يحصل الا بزوال المانع ~~منه وذلك المانع اما خارجي واما داخلي، اما الخارجي فهو تنحية ما سوى الحق ~~الأول عن سواء السبيل، وحذفه عن درجة الاعتبار، وتنزيه السر عن الاشتغال به ~~عن الحق، وذلك هو الزهد الحقيقي، واما الداخلي فهو تطويع النفس الامارة ~~بالسوء للنفس المطمئنة لتزول دواعي الشيطان إلى خيبة (4) الخسران ويخلص سر ~~الانسان لقبول الرضوان وقد عرفت ms147 كيفية ذلك التطويع وأسبابه وغايته، والجامع ~~الاجمالي لإزالة الموانع قوله تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس # PageV00P197 # عن الهوى (1) فخوفه ما عداه، ونهيه لنفسه قهره لقواه، حتى إذا تخلى عن ~~هذه الموانع لبه تجلى (2) حينئذ بنور قدس الحق قلبه. # لا يقال: لا نسلم أن هذا هو الاسلام فانا نعلم بالضرورة أن النبي صلى ~~الله عليه وآله كان يحكم باسلام من أظهر الشهادتين وعمل بالأركان وان لم ~~يكن له شئ مما ذكرتم فان واحدا من الاجلاف الجافين (3) من الاعراب الذين ~~(4) يقدمون ويظهرون الاسلام لا يتصور (5) شيئا مما ذكرتموه. وأيضا فلو كان ~~الاسلام هو الذي ذكرتموه لما كان في الخلق مسلم الا افرادهم وذلك باطل ~~بالاتفاق لأنا نقول: الاسلام له معنيان ظاهري وحقيقي والذي ذكرناه وبحثناه ~~إنما هو الحقيقي والذي ذكرته هو الاسلام الظاهري ولا شك فيه وفى تسمية ~~صاحبه مسلما الا ان قول الاسلام عليهما بحسب الاشتراك اللفظي لتباين ~~المعنيين فصاحب الاسلام الظاهري وان سمى مسلما الا ان اسلامه غير منتفع به ~~وليس اسلامه ذاك هو الذي لاشرف أعلى منه قال صلى الله عليه آله: ان الله لا ~~ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم، الا انه لما كان ~~مظنة أن يكون وسيلة الاسلام الحقيقي وطريقا إليه وجب اتخاذه (6) والمشاركة ~~بين صاحبه وبين المسلم الحقيقي في الاسم والحكم، قال (ص): الرياء قنطرة ~~الاخلاص. وقال (ص): من رتع حول الحمى أوشك ان يقع فيه، فلا منافاة إذا بين ~~القولين. # وإذ عرفت ذلك ظهر لك ان شرف الاسلام أكمل أنواع الشرف فان الشرف الحقيقي ~~للانسان إنما هو كمال جوهر نفسه وصيرورته عقلا مستفادا الذي هو الاسلام ~~الحق لا الكمال الوهمي من مال أو جاه أو انتساب إلى كرم أصل فإنك قد عرفت ~~ان الفخر والشرف بأمثال ذلك مما لا ينبغي ان يعتد به لفقد الكمال في ~~المفتخر والمتشرف وخلوه منه وذلك سر قوله عليه السلام: لا شرف أعلى من ~~الاسلام، والله ولى التوفيق. # PageV00P198 # الكلمة التاسعة والثلاثون قوله عليه السلام: ms148 لا شفيع انجح من التوبة. # أقول: عرفت معنى الشفيع، والنجاح الظفر وقد يراد به الصواب من قولهم: # رأى نجيح اي صواب، والتوبة الاقلاع عن الذنب ويعتبر في تحققها ثلاثة ~~قيود، أولها - ترك الفعل في الحال، والثاني - الندم على الماضي من الافعال. ~~والثالث - العزم على الترك في الاستقبال، وقد استعمل عليه السلام لفظ ~~الشفيع على المعنى المسمى بالتوبة مجازا من باب الاستعارة، ووجه المناسبة ~~ان الشفيع كما يقصد ليكون وسيلة إلى استسماح (1) الجريمة كذلك التوبة عن ~~المعصية يقصد ليكون وسيلة إلى سقوط الجريمة وعدم لحوق العقاب عليها ويكاد ~~حسن هذا التشبيه يلحق هذا المجاز بالحقيقة حتى تكون التوبة من جملة أشخاص ~~الشفعاء التي اطلق (2) عليها لفظ الشفيع بحسب الوضع والمقصود ان التوبة ~~اظفر شفيع بقضاء المطلوب من كل شافع وذلك باطباق العلماء على أنها لا ترد، ~~اما المعتزلة فيوجبون اثرها على الله، واما الحكماء فيوجبون اثرها من الله، ~~وإذا حقق مذهب أبي الحسن الأشعري رجع إلى المذهب الثاني وان قال اثرها بفضل ~~(3) من الله إذ (4) كان استقصاء مذهبه يعود إلى أن ذلك التفضل فيض العناية ~~الإلهية للرحمة على نفس استعدت بالتوبة للقبول وذلك في الحقيقة واجب من ~~الله. # واعلم أن من جزالة هذا اللفظ مع وجازته انك مخير في حمل لفظ النجح فيه ~~على اي معانيه الثلاثة (5) شئت (6)، اما الأول فقد عرفته. اما بمعنى السرعة ~~فلانه # PageV00P199 # لا وسيلة إلى حصول الشفاعة أسرع من التوبة إذ كانت النعمة المفاضة على ~~العبد المذنب من ربه غير موقوفة الا على قبوله واستعداده بتحققها. واما ~~بمعنى الصواب فلانه لا شفيع أصوب في قبول الرحمة من واهبها من التوبة إذ ~~كان التوسل بغيرها من بذل مال أو نفس في مجاهدة ظاهرة أو غير ذلك مع ~~الاصرار على المعصية وعدم التوبة منها غير نافع ولا مخلص من العذاب الحاصل ~~بسببها فالتوسل بها إذا أصوب رأى يراه صاحب الجريمة وقد أكثر الله تعالى في ~~تنزيله من الحث عليها والامر بها ومن وعد التائب وحمده إذ كانت التوبة سببا ms149 ~~عظيما من أسباب السعادة الأبدية وبها النجاة من أغلال الهيئات المردية فقال ~~عز ذكره: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا (1) بترك محقق ~~وندم صادق وعزم جاز عسى ربكم ان يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجرى من ~~تحتها الأنهار (2) إرجاء واطماعا من غير جزم ايقاعا للذة الدغدغة النفسانية ~~الحاصلة من الرجاء كيلا - ييأسوا من رحمته فينهمكوا في المعاصي بجرأة (3) ~~وبقاء للخوف الناشئ من الوعيد عليها بالاشفاق فيتقهقروا عنها بسرعة، وقال ~~تعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~(4) قبل ان يتمكن من جواهر نفوسهم عقارب أبدانها فلا يبقى لها قبول اثر ~~دواء طبيب الأطباء ولا يرجى لها برء ولا شفاء، وليست التوبة للذين يعلمون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الان ولا الذين يموتون وهم ~~كفارا، الآية (5). # وفى هذه الكلمة تنبيه باعث على المبادرة إلى التوبة إذ كان الجاني إنما ~~يجتهد في انجح وسيلة لاستسماح جريمته وتنجيز أظفر شفيع لاستغفار خطيئته ~~ويبالغ في أحسن الاعذار لمحو سيئته وقد ثبت ان التوبة أعظم شفيع وأنجحه ~~وأسرعه وانفعه فيما ان بقي كان مهلكا # PageV00P200 # شر هلاك فيجب على صاحب الجريمة عن يحرص عليها ولا يقصر في المبادرة إليها ~~ويستغنم (1) فرصة المهل ولا يسوف في الامل فيقع في خطر فوات العمل بحلول ~~الاجل فيكون وجوده عدما له وشرا وحياته موتا وضرا، والله ولى التوفيق ~~للصواب. # الكلمة الأربعون قوله عليه السلام: لا لباس أجمل من العافية. # أقول: اللباس بكسر اللام ما يلبس من ثوب وغيره محسوسا كان أو معقولا إذ ~~يقال: لبس فلان الامر الفلاني وتلبس به إذا دخل فيه، والجمال الحسن ~~والبهاء، والعافية السلامة من كل مكروه من قولهم: أعفي من كذا وعوفي منه ~~إذا لم يصب به والمقصود بيان أفضلية الجمال الحاصل من لباس العافية على ~~غيره من أنواع الجمال وهذه القضية ضرورية وجدانية فان كل عاقل يجد من نفسه ~~ان ملائمة الكمال الحاصل من التجمل بثوب أو غيره من أنواع الجواهر لطبعه ms150 ~~مستحقر في جانب لذته بحصول العافية عن (2) حمى يوم و (3) التجمل بلبسها ~~فضلا عما هو أفضل من ذلك كالعافية من الذم أو استحقاق العقاب أو غير ذلك. # فان توهم متوهم وقال (4) عن وهمه: التفاوت في الجمال إنما هو بحسب ~~التفاوت في الخيرية واللذة ونحن نجد ان اللذة بجمع الأموال وغلبة الرجال ~~والمباضعة أتم من اللذة بالعافية التي نحن فيها؟ - فجوابه من وجهين اما ~~لأول - فلان كل ما زعمت أنه لذيذ فلذته بالحقيقة عافيته من بلاء الألم # PageV00P201 # الحاصل من فقد ذلك اللذيذ وراحته بالنسبة إلى التعب الحاصل من طلبه واما ~~ثانيا فلان من شرط الالتذاذ حصول اللذيذ مع الشعور بوجه الالتذاذ لكن ~~الشعور غير حاصل لذي العافية بالكمال الذي هو العافية فان استمرار ~~المحسوسات واستقرارها يذهل النفس عن ادراكها فان أردت التنبه لشرف هذا ~~الكمال فانظر إلى طويل المرض عند الرجوع إلى الحالة الطبيعية وحدوث العافية ~~عليه بسرعة غير خفية التدريج كيف يجد اللذة التامة الصادقة بل ربما حصل ~~اللذيذ فكره كما يكره بعض المرضى الحلو فضلا عن أن لا يكون إليه باعث شوق ~~ولا يقدح ذلك في كونه لذيذا لأنه ليس بكمال بالنسبة إلى ذلك المريض في حاله ~~تلك إذ ليس بشاعر به بالحس من حيث هو كمال وخير وذلك يبين صحة ما قلناه، ~~وفى دعوات الأئمة رضوان الله عليهم: اللهم إني أسالك العافية وتمام ~~العافية، والشكر على العافية يا ولي العافية، اللهم إني أسالك عافية الدنيا ~~من البلاء وعافية الآخرة من الشقاء، فقد ظهران العافية أجمل لباس وأحسن ~~شعار أفيض على الناس، والله ولى التوفيق. # الكلمة الحادية والأربعون قوله عليه السلام: لا صواب مع ترك المشورة. # أقول: الصواب الإصابة في الأمور التي تفعل، والمشورة طلب الرأي المحمود ~~من الأوداء والنصحاء وغيرهم في ترجيح أحد الأمور المحتملة في ذهن المستشير ~~أو تأكيدها وبيان ان المصلحة في أيها تكون؟ واما علة هذا السبب الكلى فمن ~~وجهين، الأول - ان الانسان لما كان بحيث لا يمكن استقلاله وحده بأمور معاشه ~~ومعاده لحاجته الضرورية ms151 إلى ما لابد منه من غذاء ولباس ومسكن وغير ذلك ~~وكانت هذه الأمور كلها أمورا PageV00P202 # صناعية لا يمكن ان يقوم بها صانع واحد الا في مدة لا يمكن ان يبقى بدونها ~~أو يتعسر ان أمكن بل لابد من جماعة يتشاركون ويتعاونون على تحصيل تلك ~~المنافع ويتعارضون ويتعاوضون وكان هذا التعاون لا يتم الا ان بان يكون ~~بينهم انس طبيعي قضاء للعناية الإلهية بهذا العالم ومنه اشتق اسم الانسان ~~في اللغة فواجب على الانسان إذا ان يكتسبه مع أبناء الجنس ويحرص عليه ~~بالجهد والطاقة ولأنه أيضا مبدأ المحبة الواجبة التي هي سبب السعادتين إذ ~~كان كل شخص يرى كماله عند الاخر فلولا ذلك لم يتم السعادة بينهم فيكون كل ~~انسان بمنزلة عضو من أعضاء البدن وقوام الانسان بتمام بدنه، وإنما وضعت ~~الشريعة والعادة الجميلة اتخاذ (1) الدعوات والاجتماع في المأدبات (2) ~~لتحصيل هذا الانس بل لعل الشريعة إنما حثت الناس على الاجتماع في المساجد ~~وفضلت صلاة الجماعة على الصلاة المنفردة ليحصل لهم هذا الانس بالفعل إذ كان ~~حاصلا فيهم بالقوة، ثم يتأكد فيهم بالاعتقادات الصحيحة الجامعة لهم وينبهك ~~على أن مطلوب صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله ذلك أنه أوجب على أهل ~~المدينة كلهم ان يجتمعوا في كل أسبوع يوما معينا في مسجد يسعهم ليجتمع أيضا ~~شمل المحال والسكك كما اجتمع أهل الدور والمنازل في كل يوم، ثم أوجب ان ~~يجتمعوا في كل سنة مرتين في مصلى بارزين مصحرين ليجمعهم المكان ويتزاوروا ~~ويتجدد الانس بين كافتهم ويشملهم المحبة الناظمة لهم. ثم أوجب بعد ذلك أن ~~يجتمعوا من البلدان في العمر كله مرة واحدة في الموضع المقدس بمكة ولم يعين ~~من العمر وقتا مخصوصا ليتسع لهم الزمان فيجتمع أهل المدن البعيدة كما اجتمع ~~أهل المدينة والواحدة ويصير (3) حالهم في الانس والمحبة وشمول الخير وإفاضة ~~الرحمة والسعادة بحسب انفعالات نفوسهم واستعدادها الصادرة عن ذلك الاجتماع ~~على غاية من الكمال لا يحصل لهم بدونه وكان هذا الانس لا يتم الا بالحديث ~~المستطاب # PageV00P203 # بالمشاورة في الأمور والاطلاع ms152 على بعض الاسرار التي لا تضر إذاعتها ليتم ~~بذلك أنس المستشار وتسكن نفسه ان لو كان لها نفار وتنبسط ولا تنقبض قال عز ~~من قائل تأديبا لنبيه بالأدب الجميل: وشاورهم في الامر (1) ولتوسع (2) ~~المفاكهة (3) المحبوبة والمزاح المستعذب الذي يقدره العقل حتى لا يتجاوز ~~إلى الاسراف فيها فيسمى ذلك الاسراف مجونا وفسقا وخلاعة وشبهها من أسماء ~~الذم، ولا يقصر فيه فيسمى ذلك القصور فدامة (4) وعبوسا وشكاسة وما أشبهها ~~من طرف التفريط المذموم بل يتوسط بينهما فيسمى ذلك المتوسط ظريفا معاشرا ~~هشا بشا، وإذا عرفت ان المشورة من اجل أسباب تحصيل الانس المطلوب من الخلق ~~عرفت انها مطلوبة. # ثم إنه عليه السلام نبه على وجوب اتخاذها والمواظبة عليها بأنه لا صواب ~~في فعل يفعل بدونها لما ان تصرفات الخلق اما أقوال أو أفعال، وإذا كان ~~الجميع موقوفا على المشورة بأمره وإشارته فلابد وان يستجيبوا عند دعائه لهم ~~إليها فتارك المشورة إذا مخطئ إذ ضيع سببا عظيما من أسباب الفضائل التي يجب ~~طلبها، والمخطئ غير مصيب فتارك المشورة غير مصيب وان تصور بصورة المصيب. # الثاني - ان تارك المشورة في أموره غير مصيب في أغلب أفعاله ومقاصده فهو ~~إذا أخطأ كان ملوما ولعله يكون مأثوما، إذ كان المستشار العاقل كثيرا ما ~~يكون مطلعا على وجوه من مصالح ذلك الفعل المستشار فيه اما بحسب تجربته أو ~~بحسب قوة عقله وجودة حدسه بحيث لا يكون مثل ذلك الاطلاع حاصلا للمستشير ~~والسبب الأكثري في الغلط ان الوهم الانساني في غالب الأحوال وأكثرها لابد ~~وان يحكم بترجيح أحد طرفي الامر المتردد فيه المطلوب فيه الاستشارة بغتة ~~(5) قبل مراجعة العقل وإنما كان الصواب في الطرف الآخر عند الفكر والتحديق ~~فإذا (6) فعل بين (7) له بعد ذلك # PageV00P204 # عن قريب أو بعيد خطاؤه وانه قد ضيع حزما واتبع هواه، ولو فرض ان مطلوبه ~~حصل لم يعد أيضا في عرف العقلاء مصيبا، إذ كان كالسالك لطريق كثيرة المخاوف ~~غير عالم بمراحلها ومنازلها وغير مطلع على آفاتها ومخاوفها فهو لا يدرى على ~~ما يقدم ms153 فإذا وصل إلى غايته من ذلك السلوك سالما فان أحدا من العقلاء لا ~~يقول: انه مصيب بل يطبقون على ذمه وتوبيخه ويعدونه متهورا مغرورا بنفسه (1) ~~مضيعا لها، وذلك بخلاف حال المواظب على المشورة فإنه يعد في عرف العقلاء ~~مصيبا وان لم يحصل مطلوبه، إذ كان كالسالك لسبيل يعلم أحوالها وانها آمنه ~~فيتفق له عند سلوكه لها لص اتفاقا فان أحدا من العقلاء لا يقول: انه مخطئ ~~(2) في سلوكه لها. # وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب الاستشارة فان كلمة العقلاء قد تطابقت على ~~ذم تاركها ومدح طالبها، وان الأول مخطئ وان أصاب، وان الثاني مصيب وان خاب، ~~واتفقوا على أنه يجب على كل ذي حزم (3) مراجعة من هو فوقه أو دونه في ~~المنزلة فان الفضل لن يكمل (4) لاحد ولن يختص به أحد وان الرأي الفرد لا ~~يكتفى به في الأمور الخاصة ولا ينتفع به في الأمور العامة، واتفقوا على مدح ~~الرأي الصائب وتفضيل صاحبه ووجوب الاستعانة به في الأمور وذلك لشدة عقليته ~~(5) لها وحسن استنباطه للرأي فيما ينبغي ان يفعل من الأمور المصلحية وفى ~~هذا المعنى يقول أبو الطيب المتنبي، شعر: # الرأي قبل شجاعة الشجعان * هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس ~~مرة * بلغت من العياء كل مكان ومن أمثال العرب في مدح الرأي قوله عليه ~~السلام: رأى الشيخ خير من مشهد # PageV00P205 # الغلام (1) وفى مدح ذي الحزم والتجربة والآراء الصائبة قولهم: قد حلب ~~فلان الدهر أشطره (2) اي قد اختبر الدهر شطرين من خير وشر، ومنها قولهم في ~~نعت الحازم أيضا: إذا تولى عقدا أحكمه (3) قال الشاعر: # وما عليك ان أكون أزرقا * إذا تولى عقد شئ أوثقا والأمثال والشعر في هذا ~~المعنى كثير، والله ولى التوفيق. # PageV00P206 # الكلمة الثانية الأربعون قوله على السلام: لا محبة مع مراء. # أقول: المراء والمماراة المجادلة، والمقصود من (1) هذه الكلمة بيان ان ~~المماراة ومجاذبة القول مع لأصدقاء وأهل المودات مما لا يجامع محبتهم ~~وأنسهم للممارى (2) بل يقتلعه (3) اقتلاعا وتقرير ذلك انا بينا فيما سبق ان ~~المحبة ms154 سبب للألفة (4) والانس الذي يحتاج الخلق إليه في اصلاح معاشهم، ~~وبينا (5) انه سبب للسعادتين واتفق الحكماء وأرباب العقول على أن المرء مع ~~هؤلاء يقلع (6) المودة من أصلها وذلك انها سبب الاختلاف، والاختلاف سبب ~~التباين المضاد للألفة التي حثت عليها الشريعة القويمة واتفقت على وجوبها ~~كلمة النبيين، ومن الناس مؤثر المراء ويزعم أنه يشحذ الأذهان ويثير الشكوك ~~ويفيد (7) رياضة النفس في ميدان الكلام فهو يتعمد (8) ذلك في المحافل ~~ومجالس أهل النظر ويخرج في كلامه إلى ألفاظ العامة ليزيد في خجل صديقه ~~ويظهر انقطاعه وانقهاره (9) في يده ولو فعل ذلك في الخلوة لكان أهون لكنه ~~يفعله حيث يعتقد الحاضرون انه أدق نظرا وأدق حجة وأغزر عملا، وهذا الرأي ~~غير لائق الا بأهل البغى وجبابرة أهل الأموال إذ كان من عادتهم ان يستحقر ~~بعضهم بعضا ولا ينفك أحدهم يصغر صاحبه، ويزري عليه، وينقص مروته، ويبحث عن ~~عيوبه ويتتبع عثراته، ويبالغ كل منهم فيما يقدر عليه من مساءة صاحبه حتى ~~يؤدى ذلك إلى العداوة البالغة التي يكون # PageV00P207 # فيها سعاية بعضهم ببعض وإزالة نعمته فيسوق ذلك إلى سفك الدماء وأنواع ~~الشرور، وإذا كان كذلك فيكف يثبت المحبة مع المراء أو ترجى معه الفة أو ~~استجلاب انس؟! # وفى هذه الكلمة تنبيه على وجوب ترك المماراة لما انها مستلزمة لعدم ما ~~وجوده مطلوب بلسان الشريعة فقد لاح لك سره الصادر عن المعالم (1) التامة ~~المزينة بحلي الآداب ومحاسنها، والله ولى التوفيق. # الكلمة الثالثة والأربعون قوله عليه السلام: لا سؤدد مع انتقام. # أقول السؤدد من السيادة، والانتقام والاخذ بالعذاب لتقدم جريمة من ~~المأخوذ عن حركة القوة الغضبية كما سبق بيانه وهو قد يكون محمودا وقد يكون ~~مذموما اما المحمود فما صدر موافقا لرسم الشريعة في السياسات تدبير المدن، ~~واما المذموم فهو الذي يخرج إلى طرف الافراط من ذلك وهو المقصود في (2) هذه ~~الكلمة بالذات المنافى للسؤدد، والسبب في مضادته له ان الانتقام مثير للقوى ~~الغضبية ممن ينتقم منه وحامل له على (3) طلب المقاومة والدفع والمغالبة ~~أنفة وحمية، أو على ms155 الهرب والترك وكل ذلك مستلزم لتنفر (4) الطباع وبعدها ~~عن التألف، والسؤدد إنما يحصل بالتواضع وخفض الجناح للتابعين ولين الكلمة ~~واستجلاب طباعهم بأنواع التلطفات والمباسطات والتكرم والتجاوز عن بعض ~~إساءتهم والصفح عن بعض جرائمهم ليحصل الانس والمحبة # PageV00P208 # الطبيعية التي هي سبب الألفة والانقياد وذلك ما أدب (1) الله تعالى نبيه ~~بالآداب الصلاحية فقال عز من قائل: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (2) ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في ~~الامر (3) كل ذلك طلب للانس واستجلاب للمحبة وحسن الألفة، واما الانقياد ~~فتابع لحصول الألفة لأنهم بعدها إذا لمحوا كماله الخالين عنه وتمامه ~~الفارغين منه انقادوا تحت أوامره بقلوب صافية وسلموا أنفسهم إليه بنيات ~~صادقة الا من لم يؤثر التودد في أدمة (4) قلبة ولم يجد التلطف سبيلا إلى ~~خالص لبه لتقدم حقد وضغينة أو غيرها من الأسباب القدرية، وإذ كان كذلك فحيث ~~حصل ما يضاد ما ذكرنا من الأسباب التي يجب بها أو معها السؤدد لزم ان لا ~~تكون تلك الأسباب حاصلة وبانتفائها ينتفى السؤدد الذي هو معلولها. # واعلم أن الانتقام بالمعنى الأول وان حصلت منه للطباع نفرة وكان مثيرا ~~للقوة الغضبية لكنه لما كان ذلك موافقا لرسم الشريعة والتأديبات الصلاحية ~~وقد تطابقت عليه المقالات النبوية وكانت أذهان الخلق تمرنت عليه بحسب تعويد ~~الشرائع وانغرس فيها وجوبه حتى انقادت نفوسهم وأذعنت للاعتراف به وكان ذلك ~~لا يصدر الا بحسب جناية متعارفة القبح (5) بيتهم لم يكن ذلك منافيا للسؤدد ~~بل كان من متمماته وواجباته، إذ كان سببا عظيما من أسباب بقاء النوع ~~الانساني فلو حصلت بسببه نفرة من المنتقم منه أو ممن يتعلق به ممن عليه ~~الاحتشام وحب (6) الحياة عن (7) الانقياد للعقوبات الشرعية لكن ذلك أمرا ~~جزئيا غير ملتفت إليه ولا قادح في سيادة المنتقم إذ كانت شوكة القوى ~~الغضبية من الخلق مقهورة بسيف الشريعة قد تقاصرت وتحاشت عن مقابلة أمر ~~سماوي لمعاضدة (8) # PageV00P209 # شيطان (1) مثلها وألقت زمامها إلى القوى العقلية في الانقياد لما ينبغي ~~على الوجه الذي ينبغي. ms156 # وفى هذه الكلمة تنبيه لطالب السؤدد على أنه ينبغي ان يترك ما ينافيه وهو ~~الانتقام الخارج إلى حد الرذيلة والا لكان مناقضا لسعيه، وكاسر لما هو طالب ~~لتقويمه، وذلك نهاية الجهالة، والله الموفق. # الكلمة الرابعة والأربعون قوله عليه السلام: لا شرف مع سوء الأدب. # أقول: قد عرفت ان حسن الأدب يعود إلى معنى الرياضة المعتدلة للقوى ~~البدنية وقد بينا كيفيتها فاعرف من ذلك أن سوء الأدب وهو سوق تلك القوى على ~~حد طباعها وانهماكها في مطلوباتها الطبيعية لها على قانون وهمى دون أن يكون ~~على وفق القانون العدلي المرسوم من الشريعة والحكمة وكما علمت أن الشرف ~~الحقيقي إنما هو باجتماع أجزاء الكمال من العقل واجتماع مكارم الأخلاق ~~والآداب المستحسنة حتى تتحصل ماهيته المطلوبة عنها فاعرف ان عدمه بفواتها ~~أو بفوات أحدها (2) إذا كان اجتماع الاجزاء هو المحقق للماهية المركبة وكان ~~عدم الجزء الواحد كافيا في عدمها فإذا فرضنا اشتمال (3) الانسان على سوء ~~الأدب المقابل لكماله وحسنه فبالضرورة لم يشتمل على ما يقابله من الأدب ~~الجميل (4) وإذا كان خاليا عن ذلك الجزء من الكمال لم يتحقق ماهية الكمال ~~فلم يتحقق ماهية الشرف لعدم علته وقد ظهر (5) لك في هذه الكلمة (سر تنبيهه) ~~(6) لطالبي الشرف والمجتهدين في تحصيل الكمال الانساني على وجوب الرياضة ~~وتأديب القوى النزوعية # PageV00P210 # وردعها عما تميل إليه بطباعها وقهرها بيد القوة العاقلة وتصريفها على ~~قانون العدل إذ كان الشرف وسوء الأدب مما لا يجتمعان، والله ولى المن ~~والاحسان الكلمة الخامسة والأربعون قوله عليه السلام: # ما اضمر أحدكم شيئا الا أظهره الله في فلتات لسانه وصفحات وجهه. # أقول الاضمار كتمان السر وغيره في الضمير وهو الذهن والعقل، والفلتات جمع ~~فلته وهي وقوع الامر بغته من غير اختيار ولا ترو وتدبر، وصفحات الوجه ~~جوانبه والمقصود ههنا بيان ان الاعتقادات التي يضمرها الانسان ويحافظ عليها ~~ويراعى سترها عن اطلاع الغير عليها لمصالح متصورة ومقاصد اختيارية سواء ~~كانت نافعة أو ضاره فإنها وان بولغ في مراعاة حفظها واجتهد في عدم اطلاع ~~الغير عليها ms157 لا بد وان تظهر، ثم إنه عليه السلام نبه على سببين من أسباب ~~الظهور وحكم بأنه لابد وان تظهر بأحدهما مع تلك المحافظة: # أحدهما - فلتات اللسان وذلك أن النفس وإن كان لها عناية بحفظ ذلك لكنها ~~قد تنصرف إلى مهم (1) آخر فتنفعل حينئذ عن ملاحظة وجه المصلحة في كتمانه ~~وسبب وجوب ستره فتنفلت (2) المتخيلة من أسر العقل العملي فتلوحه وتبعث ~~الشهوة إلى التكلم (3) به من غير أن يكون للنفس شعور بشعورها به، وذلك معنى ~~كونه فلتة، وقد يصدر الكلام فلتة على وجه آخر وذلك أن يتلفظ المضمر بكلام ~~يكون مستلزما للايماء أو التنبيه على # PageV00P211 # ذلك المعنى المضمر والمتكلم غافل عن ذلك الايماء وغير عالم بكيفية ~~التنبيه من ذلك الكلام على مضمره والسامع ذو حدس قوى فيقع له الاطلاع على ~~ذلك المضمر مع شدة الاعتناء بستره. # الثاني - صفحات الوجه وذلك إشارة إلى القرائن والامارات المستلزمة لاظهار ~~المكتوم كما يدل تقطيب الوجه والعبوس والاعراض عن الشئ من معتاد البشاشة ~~على بغض (1) ذلك الشئ، وانبساط الوجه والفرح به والاقبال عليه على محبته، ~~وكما تدل الصفرة العارضة للوجه حال نزول الامر المخوف على اضمار الوجل، ~~والحمرة العارضة عند نزول أسبابها كمشافهة من يتستر من فعل القبيح على حال ~~فعله ومواجهته به على الخجل، وكدلالة عرق الوجه وغض الطرف على الحياء، ~~وكدلالة الملاحظة بالبصر على وجه مخصوص على العداوة، وعلى كثير من الأمور ~~النفسانية وأمثال ذلك من القرائن التي تكاد لا تتناهى، فهذه الأمور ~~وأمثالها وان اجتهد في اخفائها فلابد وان تلوح من السببين المذكورين. # وفى هذه الكلمة تنبيه للعاقل على أنه لا ينبغي ان يضمر من الأمور الا ما ~~لو اطلع عليه منه لما كان مستقبحا في العرف ولما نفر طبعه من المواجهة به ~~فإنه ان اضمر أمرا يستقبحه الخلق ويستنكر فيما بينهم لو اطلعوا عليه ولابد ~~من الاطلاع عليه للأسباب المذكورة لم يسلم (2) من الافتضاح وكان وقته ~~مشغولا بالقبيح اما في مدة اضماره وستره فبالمحافظة عليه واشتغال النفس به ~~عن السعي في مصالحها ms158 الكلية الذاتية، واما بعد ظهوره فبمعاناة الخلاص من ~~عاره والتألم من المواجهة به والندم والتأسف على ايقاع (3) ما استلزم اظهار ~~ذلك والجزع الذي لا يجدى نفعا ولا يعود بطائل، وكل ذلك منهى # PageV00P212 # عنه لأنه اشتغال الانسان بما لا يعنيه، واما نسبة ذلك الاظهار إلى الله ~~تعالى فظاهر من قولنا: انه مفيض الكل وعلة العلل، والله ولى الصواب. # الكلمة السادسة والأربعون قوله عليه السلام: اللهم اغفر لنا رمزات ~~الألحاظ، وسقطات الألفاظ، وهفوات اللسان، وسهوات الجنان. # أقول: الرمزات جمع رمزة وهي الإشارة، والألحاظ جمع لحظ وهي النظر الخفيف ~~وسقطة القول الخطيئة فيه وجمعه سقطات وسقاط، والهفوة الزلة، والسهو الغفلة ~~وهي التفات النفس عن الشئ حال اشتغالها بشئ آخر، والجنان القلب مأخوذ من ~~الاجتنان وهو الاختفاء، ولما كانت هذه الأمور الأربعة في الظاهر وبالنسبه ~~إلى من لا يعلم وجه وقوعها ذنوبا وجرائم يذم فاعلها ويعد خارجا عن مقتضى ~~القانون العدلي (1) لاجرم كان طالبا لغفرها وهو سترها. # بيان الأول اما ان الإشارات بالألحاظ قد تكون ذنوبا فذلك كل رمز يكون ~~وسيلة إلى ارتكاب جريمة فإنه يكون جريمة، ومثاله ما يفعله من يطلب منه ظالم ~~تعريف انسان ليقصده بالظلم فيكره المطلوب منه التصريح بذلك بلسانه خوف ~~الشنعة والسب الصادق والمقصود بالظلم حاضر فيرمز بلحظه إليه فينبه الظالم ~~عليه، وكمن يرمز بلحظه تنبيها للغافل عن بعض المعاصي عليها حتى يكون ذلك ~~سببا لركوبها، وكل ما كان وسيلة إلى ارتكاب جريمة فهو جريمة، والدال على ~~الشر كفاعله، ودلالة الألحاظ كصريح الألفاظ. # PageV00P213 # واما سقطات الألفاظ وهو الخطأ فيه والتكلم بردية وساقطة وبما لا ينبغي ~~وظاهر انه جريمة، إذ لا معنى للجريمة الا ما اكتسبه الانسان من الافعال ~~مخالفا للقانون العدلي الذي هو غاية الشرائع من التكاليف البشرية. # واما هفوات اللسان وهي زلله فظاهر انه جريمة أيضا وهو علة لسقطات الألفاظ ~~فان بهفوات اللسان قد يقع الردى من القول (1). # واما سهوات الجنان فقد عرفت ان المقصود بالقلب النفس الا ان القلب لما ~~كان المتعلق الأول للنفس أطلق اسمه عليها ms159 مجازا اطلاقا لاسم المتعلق على ~~المتعلق ولأنه الظاهر المتعارف بين الخلق من لب (2) الانسان لخفاء تصور ~~النفس على أكثر الناس. # وسهواته غفلات النفس عن مطالعة الخزانة التي فيها الامر المغفول عنه اما ~~معنى أو صورة لاشتغالها بمهم آخر أو (3) بمعارضة الوهم لها حال التفاتها ~~إلى ذلك مع بقائه في تلك الخزانة، وهذا القدر هو الفارق بين السهو والنسيان ~~فان النسيان يشترط فيه مع ذهول النفس عن الامر انمحاؤه (4) من الخزانة ~~بالكلية وهذه السهوات هي من أسباب الهفوات التي هي من أسباب السقطات ~~والرمزات، وأسباب الجرائم في العرف الظاهر جرائم وإذا كانت جرائم مستقبحة ~~تعاب على من وقعت منه لاجرم كان طالبا لسترها ملتمسا لغفرها ومعدا نفسه ~~بالابتهال الصادق للعصمة منها. # بقي سؤلان أحدهما - ان يقال: ان سهوات الجنان غير مؤاخذ بها، إذ لا يدخل ~~في التكليف فلم يطلب غفرانها ويلتمس سترها؟! # PageV00P214 # الثاني - ان الشيعة أثبتت له عليه السلام العصمة عن المعاصي، سهوها ~~وعمدها من حين الولادة وما بعدها، وطلبه للغفران لنفسه دليل جواز صدور ~~المعاصي عنه وهو مبطل لقولهم؟! # والجواب عن الأول ان صدور هذه عن الانسان لما كان معدودا في العرف جرائم ~~ومعايب منفرة للطباع مستلزمة للذم ممن لا يعلم كيفية وقوعها هل هو عن سهو ~~أو عمد لاجرم جاز طلب سترها وغفرها واعداد النفس بالابتهالات والدعوات ~~لتقوى وتشرف وتتعالى بذلك الاستعداد عن حيز السهوات الموجبة للهفوات ~~والسقطات فلا يقع منها بل ينستر في ستر العدم الأصلي، ولا يلزم من ذلك أن ~~يكون مكلفا بها. # وعن الثاني من وجهين: # الأول - ان الدعاء ههنا والتماس المغفرة مشروط بوقوع هذه الأشياء (1) منه ~~فكأنه قال عليه السلام: اللهم ان وقع منى كذا وكذا فاغفر لي، وهذا كلام ~~صادق لكنك قد علمت في علم المنطق انه لا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد ~~من جزئيها بل ولا يلزم جواز وقوعه فإنك لو قلت إن كانت الأرض محيطة بالسماء ~~كانت أعظم من السماء كان ذلك لزوما صادقا مع استحالة كل واحد من الجزئين ms160 ~~فنحن نمنع وقوع المعاصي منه وان صدق هذا الكلام، وطلب المغفرة كما يكون ~~لصدور الذنب كذلك يكون للتذلل والخضوع والانقطاع إلى الله والاعتراف ~~بالتقصير عن أداء حقوقه ومجازاة نعمه. # الثاني - ان للشيعة ان يقولوا: لما ثبتت عصمته بالبرهان وكان قوله عليه ~~السلام: # " لنا " ضميرا عاما يتناول بظاهره كل مؤمن ومسلم معه ممن يجوز صدور هذه ~~الأمور منه # PageV00P215 # كان ذلك العموم مخصوصا بالدليل العقلي الدال على عصمته عليه السلام ويبقى ~~عاما في الباقين، وإضافة ذلك إلى نفسه وادخاله لها في جملة أولئك اعتراف ~~بالعبودية وخضوع لله تعالى واظهار للحاجة إلى لطيف عنايته وإفاضة ستره ~~ووقايته وتمام تلك النعمة عليه، وذلك من جميل الأخلاق وكمال العرفان، ونجد ~~الأدعية الصادرة عن الأنبياء عليهم السلام مشحونة بطلب المغفرة والاعتراف ~~بالذنوب والمعاصي مع الاتفاق على عصمتهم وذلك محمول على ما قلناه، والله ~~ولى التوفيق وبه الحول والقوة. PageV00P216 # القسم الثالث في اللواحق والتتمات وفيه فصلان الفصل الأول في بيان ان ~~عليا عليه السلام كن مستجمعا لجميع الفضائل الانسانية وفيه بحثان: # البحث الأول في بيان كماله بحسب القوى النظرية قد علمت أن كمال القوة ~~النظرية إنما هو باستكمال الحكمة النظرية وهي كما علمت استعداد النفس ~~الانسانية بتصور المعارف الحقيقية والتصديق بالحقائق النظرية بقدر الطاقة ~~البشرية ولا شك ان هذه الدرجة كانت ثابته له عليه السلام على أتم ما يمكن ~~فان ادراكه (ع) لهذه الأشياء ادراك بحسب قوته الحدسية القدسية وادراك كثير ~~الحكماء لها ادراك فكرى محتاج إلى كلفة ومشقة يستلزم أغلاطا عظيمة لا يخلو ~~عنها الا آحاد الحكماء: فأين أحدهما من الاخر؟! وبيان ذلك ببيان انه عليه ~~السلام كان سيد العارفين بعد سيد المرسلين صلى الله عليه وآله، وقبله نبين ~~انه كان أستاذ العالمين. # فههنا إذا مقامان: # المقام الأول - انه كان أستاذ البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وبيانه انا بحثنا العلوم بأسرها فوجدنا أعظمها وأعمها العلم الإلهي وقد ~~رأينا في خطبه عليه السلام من أسرار التوحيد والنبوات والقضاء والقدر ~~وأحوال المعاد ما لم يأت ms161 في كلام أحد من أكابر - العلماء وأساطين الحكمة، ~~ثم وجدنا جميع فرق الاسلام تنتهى في علومهم إليه، أما PageV00P217 # المتكلمون فإما معتزلة، وانتسابهم إليه ظاهر، وذلك أن المباحث المتعلقة ~~بأصول الفقه والمسائل الفقهية وكثير من ظواهر الشريعة موافقة لأصول ~~المعتزلة وقواعدهم في اثبات الحسن والقبح العقليين في أفعاله تعالى وبنائهم ~~على ذلك استحالة التكليف بالمحال وغير ذلك مما هو مسطور في كتبهم وأكثر ~~أصول المعتزلة مأخوذ من ظواهر كلامه عليه السلام في التوحيد والعدل وان ~~كانت لها أسرار أخرى، واما أشعرية ومعلوم ان أستاذهم أبو الحسن الأشعري وهو ~~تلميذ أبى على الجبائي وهو منتسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام الا ان أبا ~~الحسن تنبهه لما وراء أذهان المعتزلة وطالع كتب الحكمة فخالف أستاذه في ~~مواضع تعلمها (1) من مذهبه وعبر عنها بعبارات توافق ظاهر الشريعة وزعم بذلك ~~انه عند (2) المتكلمين وليس معهم الا اسمه. واما الشيعة فانتسابهم إليه ~~ظاهر، واما الخوارج وان كانوا على غاية من البعد عنه الا انهم ينتسبون إلى ~~مشايخهم وهم كانوا تلامذة علي عليه السلام. وأما المفسرون فرئيسهم ابن عباس ~~رضي الله عنه وقد كان تلميذا لعلى عليه السلام. وأما الفقهاء فأكابرهم ~~كانوا يأخذون عنه الاحكام وتذكر ما قال عمر غير مرة حيث يقع في المسائل ~~المشكلة فيفرج عنه: لولا على لهلك عمر، وكونه أفضل الأمة في ذلك ظاهر ولذلك ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقضاكم على، والأقضى لابد وأن يكون أفقه ~~واعلم بقواعد الفقه وأصوله. وقال عليه السلام: لو كسرت (3) لي الوسادة ~~لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل ~~الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية نزلت في بر أو ~~بحر أو سهل أو جبل ولا سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار الا أنا أعلم فيمن ~~نزلت وفى أي شئ نزلت، وذلك يدل على كمال علمه بالأحكام وعدم نظير له في ~~ذلك. واما الفصحاء فمعلوم ان جميع من ينسب إلى الفصاحة بعده يملأون أوعية ~~أذهانهم من ألفاظه ms162 ويضمنونها (4) كلماتهم وخطبهم ليكون # PageV00P218 # منها (1) بمنزلة درر (2) العقود، والامر في ذلك ظاهر، واما النحويون فأول ~~واضع للنحو هو أبو الأسود الدؤلي، وكان ذلك بارشاده عليه السلام له إلى ذلك ~~وكان بدؤ - ذلك أن أبا الأسود سمع رجلا يقرأ: ان الله برئ من المشركين ~~ورسوله (بالكسر) فأنكر ذلك وقال: نعوذ بالله من الحور بعد الكور اي من ~~نقصان الايمان بعد زيادته وراجع في ذلك أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: ~~نحوت ان أضع للعرب ميزانا يقومون به لسانهم فقال عليه السلام: انح نحوه، ~~وارشده إلى كيفية ذلك الوضع وعلمه إياه. واما علماء الصوفية وأرباب العرفان ~~فنسبتهم إليه في تصفية الباطن وكيفية السلوك إلى الحق الأول ظاهره الانتهاء ~~إليه. وأما علماء الشجاعة والممارسون للأسلحة والحروب فهم أيضا منتسبون ~~إليه في ذلك فثبت بما قررنا انه عليه السلام كان أستاذ الخلق وهاديهم إلى ~~الحق وذلك وان دل على كماله في قوته النظرية فهو دال أيضا على كمال قوته ~~العملية. # المقام الثاني انه عليه السلام كان سيد العارفين بعد رسول الله صلى الله ~~عليه آله وذلك ببيان انه كان قد تسنم درجة الوصول وتحقيق ذلك انك علمت في ~~الأصول المتقدمة ان الوصول إنما يحق (3) إذا غاب العارف عن نفسه فلحظ جناب ~~الحق من حيث إنه هو فقط وان لحظ نفسه من حيث هي لاحظه لامن حيث هي متزينة ~~بزينة الحق ثم إنه قد وجد في كلامه واشاراته ما يستلزم حصول هذه المرتبة ~~وذلك من وجوه: # الأول - قوله عليه السلام: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وقد عرفت ان ~~ذلك إشارة إلى أن كل كمال نفساني متعلق بالقوة النظرية قد (4) حصل له ~~بالفعل وذلك يستلزم تحقق الوصول التام الذي ليس في قوة الأولياء زيادة ~~عليه. # الثاني - قوله عليه السلام مناجيا لربه: إلهي ما عبدتك خوفا من عقابك ولا ~~رغبه في ثوابك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك، وهذا الكلام يدل على أنه ~~عليه السلام # PageV00P219 # قد حذف كل ما سوى الحق تعالى عن درجة الاعتبار ولم يلحظ ms163 معه غيره وذلك هو ~~الوصول التام. # الثالث - لما سأله ذعلب اليماني: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ - فقال ~~عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى؟! قال: وكيف تراه؟ - قال: لا تراه العيون ~~بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، وقد عرفت ان القلوب في ~~عرفهم عبارة عن النفوس الانسانية، وادراكها نيلها ووصولها إلى ساحة عزته، ~~وذلك يدل على أنه عليه السلام كان من الواصلين. # الرابع - انه عليه السلام وصف موضعه من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وكيفية تربيته وارشاده وتعليمه له في آخر خطبته المسماة بالقاصعة، قال عليه ~~السلام مخاطبا للقوم: # وقد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني ~~في حجره وانا وليد ويضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني ~~عرفه وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل، ~~ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق ~~المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل اثر ~~أمه، يرفع لي في كل يوم علما من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان ~~يحاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحد يومئذ في ~~الاسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ~~ريح النبوة ولقد سمعت رنه الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله ~~فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ - فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته ~~انك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، الا انك لست بنبي وانك لوزير (1) وانك لعلى ~~خير. # والاستدلال بهذا الكلام من وجوه: # الأول - انه لا نزاع في أنه عليه السلام كان في أصل الخلقة في غاية ~~الذكاء # PageV00P220 # والاستعداد لكمال العلوم وفى غاية الحرص، ولا نزاع ان محمدا صلى الله ~~عليه وآله كان أفضل الفضلاء وأعلم العلماء فإذا اتفق لمثل هذا التلميذ ~~الكامل ان يصحب مثل هذا الأستاذ الفاضل ويكونان في غاية الحرص، التلميذ في ms164 ~~التعلم والأستاذ في التعليم وكان قد سبق له ن اتصل بخدمته من زمان صغره إلى ~~آخر عمره كما أشار إليه وعلى الوجه الذي أشار إليه فان العقل يضطر إلى ~~الحكم بان ذلك التلميذ يبلغ مبلغا عظيما في الكمال، ويصل الغاية القصوى من ~~العلم. # الثاني - قوله عليه السلام: أرى نور الوحي - إلى قوله - قد أيس من ~~عبادته، وذلك أنه عليه السلام رأى بعين بصيرته الصور الإلهية أمثال الأنوار ~~البهية كما عرفت من انزعاج المتخيلة إلى تلك الصور المقتنصة للعقل وتشبيحها ~~وحطها إلى الحس المشترك بصور خيالية وكذلك انحط إلى حسه النفحات الربانية ~~في مثال ريح محسوسة في غاية الذكاء ونهاية اللذة كريح المسك الأذفر وإن كان ~~فرقان (1) ما بينهما فرقان ما بين الشامين والمشمومين وكذلك سمع رنه الوهم ~~حال قهر العقل له وانزعاجه خلفه واستتباعه إياه حال انفلاته إلى التوجه نحو ~~القبلة الحقيقية واقتناص الصور القدسية (3) وحقيقة ذلك الرنان ان العقل ~~متصور (4) في تلك الحال ما وقع للوهم من انجذابه إلى خلاف مقتضى طبعة فتصور ~~المتخيلة حينئذ وتشبه ما أدركه العقل من أحواله معه بصوره شخص شرير بعيد عن ~~قبول الخير قهر على المتابعة فيه فتألم (5) فصاح (6) فتحطه في تلك الصورة ~~وما يصحبها من الأمثال المحسوسة إلى الحس المشترك فيدرك هناك الصوت (7) ~~المسمى بالرنان وذلك يدل على وصوله واتصاله بأرباب حظيرة القدس وقرب مزلته ~~من تناول صور الوحي وان صدق انه دون درجة النبوة. # PageV00P221 # الثالث - قول النبي صلى الله عليه وآله (1) انك تسمع ما أسمع، وترى ما ~~أرى الا انك لست بنبي، ولا اشكال ان النبي (ص) كان له اتصال بالحق تعالى ~~والوصول التام الذي وصفناه وكان ذلك الاتصال حاصلا لعلى وإن كان دون درجة ~~النبوة، فان للاتصال بالجناب المقدس درجات لا تتناهى، ولذلك قال: انك لست ~~بنبي. # الرابع - قوله عليه السلام يصف السالكين الواصلين (2): # PageV00P222 # قد أحيا عقله وأمات نفسه حتى دق جليله ولطف غليظه وبرق له لامع كثير ~~البرق فأبان له الطريق وسلك به السبيل وتدافعت به الأبواب إلى باب ms165 السلامة ~~ودار - الإقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الامن والراحة بما ~~استعمل قلبه وارضى ربه. # ومن تأمل لطائف هذه الكمات واستلاح بمرآة سره أسرار هذه الرمزات علم أنه ~~عليه السلام كان من سادات العارفين ورؤساء الواصلين والمراد ان العارف قد ~~أحيا عقله باستعمال مادة الحياة التي هي العلوم والسعي في تحصيلها، وأمات ~~نفسه الأمارة بالسوء PageV00P223 # بتطويعها للقوة العاقلة كما عرفت أسباب التطويع وكيفيته، حتى دق جليله اي ~~صغر جسمه ونحف من تحمل أعباء الرياضة والقيام بها، ولطف ما كان غليظا كثيفا ~~من هيئاته البدنية الردية فصارت نفسه مرآة مجلوة فبرق فيها بارق العزة وهو ~~الوقت في عرف أرباب العرفان كما عرفته، وكونه كثيرا إشارة إلى ما ذكرنا من ~~أن تلك اللوامع لا تزال تزداد وتكثر إلى أن تغشاه في غير حال الارتياض. ~~وقوله: فأبان له الطريق وسلك به السبيل، اي انه اهتدى لمعارج القدس بتلك ~~البروق بعد أن كان غير مهتد لها، وسلك به السبيل الأقصد بعد أن كان في أسر ~~متخيلته في حال ارتياضة تسوقه في سبل مختلفة بحسب اختلاف محاكاتها للأمور ~~الوهمية قبل الاطلاع باشراق تلك اللوامع على السبيل الواضح ولذلك قال: ~~وتدافعت به الأبواب اي الأبواب المتخيلة انها هي المسالك الصحيحة قبل ~~الاشراف على باب السلامة المؤدى إلى دار المقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة ~~بدنه إشارة إلى انقلاب - وقته سكينة ولا تستفزه غواشيه في قرار الامن عن ~~الوجدين المحفوف بهم الوقت، وعن روع - استفزاز تلك الغواشي والراحة من ~~مجاذبة النفس الامارة إذ صارت في أسر النفس المطمئنة مقهورة تأتمر بأوامرها ~~وتنزجر بنواهيها، بما استعمل قلبه وأرضى ربه بامتثال أمر ربه في الأعمال ~~المتقدمة في درجات السلوك. # وهذه اللطائف مما يوضح انه عليه السلام كان مطلعا اطلاعا حقيقيا على هذه ~~المقامات واقفا (1) على أعلى درجاتها واصلا إلى منتهاها وغايتها. # الخامس - انك ستعرف في الفصل الثاني إن شاء الله تمكنه عليه السلام من ~~الاطلاع على المغيبات والقدرة على الاتيان بخوارق العادات، ومعلوم ان ذلك ~~من خواص الواصلين. # البحث الثاني ms166 في بيان كماله عليه السلام في القوة العملية قد عرفت ان ~~كمال القوة العملية إنما هو بكمال الحكمة العملية وهي استكمال # PageV00P224 # النفس بكمال الملكة التامة على الافعال الفاضلة حتى يكون الانسان ثابتا ~~على الصراط المستقيم متجنبا لطرفي الافراط والتفريط في جميع أفعاله، ثم ~~علمت أن أصول الفضائل الخلقية ثلاثة. # الأول - الحكمة الخلقية وهي الملكة التي تصدر عنها (1) الافعال المتوسطة ~~بين الجربزة والغباوة اللذان هما طرفا الافراط والتفريط، ولما ثبت انه عليه ~~السلام كان من رؤساء الواصلين وجب أن يكون مستلزما لهذه الفضيلة إذ هي من ~~صفات العارفين، وان لا يكون وافقا دونها على حد الغباوة والا لما كان ~~واصلا، وان لا يكون متجاوزا لها إلى طرف الجربزة لان الخبث يمنع صاحبه عن ~~الترقي إلى درجه الكمال ويأبى طبعه الا الشر. # الثاني العفة وقد علمت أنها الملكة الصادرة عن اعتدال حركة القوة الشهوية ~~بحسب تصريف العقل العملي لها على قانون العدل. # ونبين ان هذه الملكة كانت ثابته له عليه السلام من وجوه: # الأول - انه كان أزهد الخلق في الدنيا وفيما عدا القبلة الحقيقية وأقدر ~~على حذف الشواغل الملفتة (2) عن لقاء الله وكل من كان كذلك كان أملك لهواه ~~من غيره اما المقدمة الأولى فمعلومة بالتواتر عن أحواله وصفاته وأما ~~الثانية فضرورية أيضا. # الثاني - قوله عليه السلام مخاطبا لربه (3): ما عبدتك رهبة من عقابك ولا ~~رغبة في ثوابك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. وقد عرفت ان ذلك كما يستلزم ~~اثبات الوصول في حقه فكذلك هو مستلزم لاثبات هذه الملكة له لان كل من قدر ~~على حذف ما سوى الحق الأول وتنحيته (4) عن القصد فلابد وأن يكون زمام شهوته ~~بيد عقله. # PageV00P225 # الثالث - قوله عليه السلام في رواية ضرار بن ضمرة الضبابي لمعاوية وقد ~~سأله عن أمير المؤمنين (ع) قال (1) لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل ~~سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكى بكاء ~~الحزين ويقول: # PageV00P226 # يا دنيا يا دنيا إليك عنى، أبى تعرضت أم إلى تشوقت ms167 (1) لا حان حينك هيهات ~~غرى غيري لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير وخطرك ~~يسير واملك حقير فآه من قلة الزاد وطول الطريق وبعد السفر وعظم المورد. # وهذا صريح موضح لاثبات ملكة العفة له وقمع الشهوة بالكلية والمراد ههنا ~~بالسفر السفر في الله الا السفر إلى الله كما عرفت الفرق بينهما. # PageV00P227 # الرابع - قوله عليه السلام في صفة المخلص من عباد الله (1) فهو من معادن ~~دينه وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل فكان أول عدله ان نفى الهوى عن نفسه، ~~يصف الحق ويعمل به، ولا يدع للخير غاية الا أمها ولا مظنة الا قصدها قد ~~أمكن الكتاب من زمامه فهو قائدة وامامه يحل حيث ثقله وينزل حيث كان منزله. # ومن أنصف من نفسه علم أن هذا الكلام لا يصدر عنه وهو مرتكب بخلافه وذلك ~~يستلزم اثبات الملكة المذكورة له. # الخامس - قال ابن عباس رضي الله عنه (2) دخل على أمير المؤمنين عليه ~~السلام بذى قار وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ - فقلت: لا قيمه ~~لها، قال: والله لهى أحب إلى من أمرتكم الا ان أقيم حقا أو ادفع باطلا. # PageV00P228 # وذلك يستلزم اعراضه عن المطلوبات الفانية الا إذا كانت تؤدى إلى الخيرات ~~الباقية وهو عين العفة. # السادس - دعاء النبي صلى الله عليه وآله له: اللهم أدر الحق مع علي حيث ~~دار (1): ومن كان الحق ملازما لطبيعة حركاته استحال ان يلزمها باطل ~~لاستحالة ان يلزم الطبيعة الواحدة لازمان متقابلان أو مختلفان فاستحال أن ~~يكون متبعا للهوى البتة وهو معنى العفة وهذا القدر قطرة من بحر التنبيهات ~~على لزوم هذه الملكة له، وبالجملة فالخوض في اثبات هذه الملكة له يشبه ~~الاستدلال في موضع الضرورة. # الثالث - الشجاعة وثبوتها له عليه السلام معلوم بالضرورة حتى صار يضرب ~~مبالغة في حق الرجل الشجاع وإذا عرفت عن هذه الأصول الثلاثة ثابتة له أتم ~~ما يمكن، وثبت أنها مستلزمة لفضيلة العدالة علمت ثبوت العدالة له أكمل مما ~~هي لسائر الخلق ويؤيده قول ms168 الرسول صلى الله عليه آله: أقضاكم على (2)، ~~والقضاء محتاج إلى العدل ومشروط به. # واما أنواع هذه الفضائل فأنت عند الانصاف واعتبار درجته وتصفح كلماته ~~وأقوال الرسول صلى الله وآله في حقه سيما قوله: اللهم أدر الحق مع علي حيث ~~، دار تجده مستكملا لها عالما بكيفية أقسامها مزكيا نفسه بها ويراها (3) ~~وجوه حركاته وتصرفاته لأنها الحق، وتجده خاليا من أنواع الرذائل المحتوشة ~~لها لعدم امكان اجتماع # PageV00P229 # الأضداد ولولا كراهة التطويل لا وضحنا ان كل نوع من أنواع الفضائل ثابت ~~له على أكمل الوجوه . واما القسم الثاني والثالث من اقسام الحكمة وهما ~~الحكمة المنزلية والسياسية فقد علمت أن فائدتهما ان يعلم الانسان وجه ~~المشاركة التي ينبغي أن يكون بين اشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الأبدان ~~ونظام مصالح المنزل والمدنية وقد كان عليه السلام في ذلك العلم سباق غايات ~~وصاحب آيات ويكفيك في معرفة ذلك منه اما على سبيل الجملة فلان الشريعة ~~المصطفوية متضمنة لهاتين الحكمتين على أتم الوجوه وأكملها بحيث ترجع أكابر ~~الحكماء إليها في تعلمها، ومعلوم ان أمير المؤمنين عليه السلام كان متمسكا ~~بها ومقررا لها وباسطا لأسرارها الكلية ومفصلا لإشاراتها الجميلة ولم يغير ~~منها حرفا ولم يقصر فيها عن غاية وذلك مستلزم ثبوتهما له على أكمل وجه ~~وأتمه اما على سبيل - التفصيل فعليك في معرفة ذلك أنه كان أكمل الخلق بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا العلم بمطالعة عهوده إلى عماله وولاته ~~وأمرائه وقضاته من كتاب نهج البلاغة وخصوصا العهد الذي كتبه للأشتر النخعي ~~فان فيه لطائف من تدبير أمر المدن ونظام أحوالها لا تهتدى لحسنها وإذا ~~تأملته لم تجد عليه مزيدا في هذا الباب، هذا مع ما تواتر من رجوع المتقدمين ~~له المعترف بحسن تدبيرهم وإيالتهم إلى استشارته في أمورهم وتعرف كيفية ~~تدبير العساكر والحروب والمصالح الكلية والجزئية والفيئ إلى احكامه من ~~الأخبار الكثيرة. # من ذلك قوله عليه السلام لما استشاره عمر في الخروج من المسلمين إلى غزو ~~الروم (1): # PageV00P230 # وقد توكل الله لأهل هذا الدين باعزاز ms169 الحوزة، وستر العورة، والذي نصرهم ~~وهم قليل لا ينتصرون، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون، حي لا يموت، انك متى تسر ~~إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا يكن للمسلمين كانفة دون أقصى بالأدهم ~~ليس بعدك مرجع يرجعون إليه فابعث عليهم (1) رجلا محربا (2) وتحفز (3) معه ~~أهل البلاء والنصيحة فان أظهر الله فذاك ما تحب وان تكن الأخرى كنت ردء ~~للناس ومثابة للمسلمين (4). # PageV00P231 # فانظر إلى هذا الرأي الصائب بعين بصيرتك تجده كافلا لمحاسن تدابير ~~الرياسات مقتضيا لنظام الحركات المدنية كاشفا لمصالح الملك مستلزما لكونه ~~عليه السلام أفضل المتقدمين في هذا الشأن. # ومنها قوله عليه السلام (1): والله لقد علمت (2) تبليغ الرسالات، واتمام ~~العدات، وتمام الكلمات، وعندنا أهل البيت أبواب الحكم وضياء الامر. # ولا شك ان من علم تبليغ الرسالات وأدائها وكانت عنده أبواب الحكمة كان ~~أولى الخلق بتدبير أحوال الخلق وأقدرهم على نظم أمورهم (3). # PageV00P232 # ومنها قوله عليه السلام على علم تدبير الحروب: # فقدموا الدارع، واخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن ~~الهام، والتووا في أطراف الرماح، فإنه أمور للأسنة، وغضوا الابصار، فإنه ~~أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات، فإنه أطرد للفشل، ورأيتكم فلا ~~تميلوها، ولا تخلوها، ولا تجعلوها الا بأيدي شجعانكم والمانعين الدمار ~~منكم، فان الصابرين على نزول - الحقائق هم الذين يحفون براياتهم ويكتنفونها ~~حفافيها ووراءها وامامها لا يتأخرون عنها فيسلموها، ولا يتقدمون عليها ~~فيفردوها. # وهو مذكور في كتاب نهج البلاغة (1). # وكذلك قوله عليه السلام في هذا المعنى في بعض أيام صفين (2): # PageV00P233 # معاشر المسلمين استشعروا الخشية، وتجلببوا الكينة، وعضوا على النواجذ، ~~فإنه أنبى للسيوف عن الهام، وأكملوا اللامة، وقلقلوا السيوف في أغمادها، ~~والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبى، وصلوا السيوف بالخطى. # وعند تأمل هذه الكلمات تجده عليه السلام قد أحاط بعلم تدبير الحرب ~~وانتظام أمور الجند. # واما رجوعهم إلى احكامه الصائبة وتنبيهاته عليه السلام لهم على الأغلاط ~~العظيمة ففي مواضع كثيرة يطول بتفصيلها الكلام ويخرج عن الغرض كقضية (1) ~~المجهضة (2) # PageV00P234 # وقضية المرأة زنت وهي حامل (1) فأمر عمر برجمها، وقضية المرأة التي ولدت ms170 ~~لستة أشهر فأمر عمر أيضا برجمها حتى نبه عليه السلام على أن ذلك أقل مدة ~~الحمل بقوله تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا، وقد علم أن مدة الفصال سنتان فقال عمر في هذا ~~المواضع: # PageV00P235 # لولا على لهلك عمر، وبلفظ آخر لا عشت لمشكلة لا تكون لها يا أبا الحسن ~~(1). # وجزئيات هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه مقنع لمن سلك طريق السداد وتنحى عن ~~(سبيل العناد)، والله ولى التوفيق والعصمة. # PageV00P236 # الفصل الثاني في بيان اطلاعه عليه السلام على المغيبات وتمكنه من خوارق ~~العادات، وفيه بحثان: # البحث الأول - في اطلاعه على الأمور الغيبية ولنورد منها في هذا البحث ~~عشرة احكام: # الحكم الأول - ما حكم بوقوعه في حق عبيد الله بن زياد من قوله عليه ~~السلام: اما انه سيظهر عليكم بعدى رجل (1) رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ~~ما يجد، ويطلب # PageV00P237 # مالا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، الا وانه سيأمركم بسبي والبراءة منى، فاما ~~السب فسبوني (فإنه لي زكاة ولكم نجاة) واما البراءة فلا تبرؤا منى، فانى ~~ولدت على الفطرة وسبقت إلى الاسلام والهجرة. # وكان ذلك الحكم صادقا كما هو المشهور من قصته. # الحكم الثاني - لما قتل عليه السلام الخوارج وقيل له هلك القوم بأجمعهم، ~~فقال (1) كلا والله انهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كأنما نجم ~~منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين. # وكان من الخوارج ما كان كما قال. # PageV00P238 # الحكم الثالث - قوله عليه السلام (1): فتن كقطع الليل المظلم لا تقوم لها ~~قائمة، ولا ترد لها راية، تأتيكم مزمومة مرحولة، يحفزها قائدها، ويجهدها ~~راكبها، أهلها قوم أذلة عند المتكبرين، في الأرض مجهولون، وفى السماء ~~معروفون، فويل لك يا بصرة عند ذلك من جيش من نقم الله لا رهج له ولا حسن ~~وسيبتلى أهلك بالموت الأحمر والجوع الأغبر. # PageV00P239 # وكان من أحوال البصرة وموت أهلها بالطاعون وغير ذلك ما كان كما هو مشهور ~~من قصصها وذلك يدل على اطلاعه عليه السلام على ما لم يكن قبل كونه. # الحكم الرابع - قوله عليه السلام: ولو تعلمون ما أعلم مما ms171 طوى عنكم غيبه ~~إذا لخرجتم إلى الصعدات تبكون على أعمالكم (1) وتلتدمون على أنفسكم، ~~ولتركتم أموالكم # PageV00P240 # لا حارس لها ولا خالف عليها، ولهمت كل امرئ منكم نفسه لا يلفت إلى غيرها ~~ولكنكم نسيتم ما ذكرتم، وأمنتم ما حذرتم، فتاه عنكم رأيكم، وتشتت عليكم ~~امركم، ولوددت ان الله فرق بيني وبينكم وألحقني بمن هو أحق بي منكم، قوم ~~والله ميامين الرأي، مراجيح - الحلم، مقاويل بالحق، متاريك للبغي، مضوا ~~قدما على الطريقة، وأوجفوا على المحجة، فظفروا بالعقبى الدائمة، والكرامة ~~الباردة، اما والله ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيال PageV00P241 # الميال يأكل خضرتكم، ويذهب شحمتكم، ايه أبا وذحة. # والمراد ههنا فتنة الحجاج، والوذحة الخنفساء، وسبب نسبته إليها انه كان ~~جالسا يوما على سجادة له فإذا خنفساء قد أقبلت تدب إليه فقال: نحوا هذه ~~فإنها وذحة من وذح الشيطان. # قال أهل اللغة: الوذحة ما تعلق بأصواف الضان من بعرها وبولها، وهذا الحكم ~~غيبي. # الحكم الخامس - قوله عليه السلام للأحنف وهو مما كان يخبر به عن الملاحم ~~بالبصرة: يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا قعقعة ~~لجم، ولا PageV00P242 # حمحمة خيل، يثيرون الأرض بأقدامهم كأنها أقدام النعام، ويل لسككهم ~~العامرة والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم ~~الفيلة، من أولئك الذين لا يندب قتيلهم، ولا يفقد غائبهم (1). # PageV00P243 # والإشارة في هذا الكلام إلى صاحب الزنج وهو علي بن محمد العلوي ويكنى ~~بالبرقعي PageV00P244 # لأنه كان يمشى متبرقعا وكان مولده بالري من قرية يقال هلا ورزنين (1) ~~وكان قد خرج فاضلا بارعا، ذهب إلى البصرة ودعا الزنج إلى نفسه وقرر مع كل ~~واحد منهم ان يقتل سيده ويزوجه بمولاته، فأطاعوه بأجمعهم على ذلك وفعلوا ما ~~فعلوا، وقصتهم مشهورة، وذلك مستلزم لاطلاعه على ما لم يكن. # الحكم السادس - قوله عليه السلام (2): # كأني به وقد نعق بالشام وفحص براياته في ضواحي كوفان فعطف إليها عطف # PageV00P245 # الضروس وفرش الأرض بالرؤوس، قد فغرت فاغرته وثقلت في الأرض وطأته، بعيد ~~الجولة عظيم الصولة، والله ليشردنكم في أطراف الأرض حتى لا ms172 يبقى منكم إلا ~~قليل كالكحل في العين، فلا تزالون كذلك حتى تؤوب إلى العرب عوازب أحلامها ~~فالزموا السنن القائمة والآثار البينة والعهد القريب الذي عليه باقي ~~النبوة. # وهذا الحكم إشارة إلى بعض من يخرج في آخر الزمان كالسفياني وغيره الحكم ~~السابع - من خطبة له عليه السلام (1): # فعند ذلك الا يبقى بيت مدر ولا وبر الا وأدخله الظلمة ترحة، وأولجوا فيه ~~نقمة، فيومئذ لا يبقى لهم في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، أصفيتم ~~بالامر غير أهله، وأوردتموه غير مورده، وسينتقم الله ممن ظلم مأكلا بمأكل ~~ومشربا بمشرب من مطاعم العلقم، ومشارب الصبر والمقر، ولباس شعار الخوف، ~~ودثار السيف، وإنما مطايا الخطيئات وزوامل الآثام، فأقسم ثم أقسم لتنخمنها ~~أمية من بعدى كما تلفظ النخامة، ثم لا تذوقها ولا تطعم بطعمها أبدا ماكر ~~الجديدان. # وهذا الحكم إشارة إلى ما كان من بنى أمية بعده. # الحكم الثامن - وأشار فيه إلى وصف الأتراك وما يكون في دولتهم (2): # كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون السرق والديباج، ~~ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشى المجروح على ~~المقتول، ويكون المفلت أقل من المأسور، فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا ~~أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك عليه السلام وقال للرجل وكان كلبيا: يا أخا ~~كلب ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلم من # PageV00P246 # ذي علم، وأنما علم الغيب علم الساعة، وما عدده الله سبحانه بقوله: ان ~~الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام (الآية) فيعلم ما في ~~الأرحام من ذكر أو أنثى، وقبيح أو جميل، وسخي أو بخيل، وشقي أو سعيد، ومن ~~يكون للنار حطبا أوفى الجنان للنبيين مرافقا، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه ~~أحد الا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه - صلى الله عليه وآله - ~~فعلمنيه ودعا لي بان يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي. # واعلم أنه عليه السلام قصد بذلك اقناع المتكلم بهذا الكلام مع صدقه ~~ومطابقته لما أردناه، فان معنى تعليم النبي (ص) له عليه السلام ms173 لهذه العلوم ~~هو اعداده لنفسه على طول الصحبة وتعليمه له كيفية السلوك وأسباب تطويع ~~النفس الامارة للنفس المطمئنة من أنواع الرياضات حتى استعدت نفسه للانتقاش ~~بالأمور الغيبية والاخبار بها، وأكد ذلك الاعداد بدعائه عليه السلام الصادر ~~عن نفسه القدسية المتصرفة في عالم الكون والفساد وذلك مقرر لما أردناه. # الحكم التاسع - ما روى عنه عليه السلام (1): من أنه لما قاتل أبو بكر ~~مسيلمة وأسرت # PageV00P247 # الحنفية وجيئ بها إلى المدينة فلما وقفت بين يدي أبى بكر دنا إليها طلحة ~~والزبير فوضعا عليها ثوبين، فنفرت من ذلك وقالت: ولست بعريانة فقيل لها: ~~انهما يتزايدان فيك ويأخذك أحدهما من حقه، فقالت: لا يكون ذلك ولن يملكني ~~الا من يخبرني بما قلته حين ولادتي، فنظر بعض القوم إلى بعض متعجبين من ~~قولها، فقال بعضهم: إنما ذلك من دهشها وفزعها، فقالت: والله ما داخلني فزع ~~ولا جزع وما قلت الا حقا ثم جلست ناحية، فلما حضر أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام وقف ثم ناداها: يا خولة، فقالت، لبيك ووثبت فقال: PageV00P248 # لما كانت أمك حاملا بك وضربها الطلق واشتد عليها الامر دعت الله وقالت: ~~اللهم سلمني من هذا المولود سالما كان أو هالكا فسبقت الدعوة بالنجاة ~~فناديت من تحتها: لا إله إلا الله يا أماه لم تدعين على؟ - وعما قليل ~~سيملكني سيد يكون لي منه ولد PageV00P249 # فكتبت أمك ذلك في لوح نحاس فدفنته في الموضع الذي فيه سقطت، فما حضرت أمك ~~الوفاة أوصت إليك بذلك فلما كان وقت سبيك أخذت ذلك اللوح وشددته على عضدك ~~الأيمن، هاتي اللوح فأنا صاحبه وأبو ذلك الغلام الميمون، واسمه محمد، ~~فأخرجته فأخذه أبو بكر ودفعه إلى عثمان، فقرأه على الناس فبكت طائفة واهتز ~~آخرون PageV00P250 # فلم يخالف مما قال حرفا، وقالوا عن رأس: صدق رسول الله إذ قال: أنا مدينة ~~العلم وعلى بابها، وعندها قال أبو بكر رضي الله عنه: خذها يا أبا الحسن ~~بارك الله لك فيها. # وهذا من عجيب اطلاع نفسه القدسية على المغيبات. # الحكم العاشر - روى أن رجلا جاء ms174 إليه عليه السلام وهو على المنبر وقال: # يا أمير المؤمنين انى مررت بوادي القرى فرأيت خالد بن عرفطة قد مات به ~~فاستغفر له فقال PageV00P251 # عليه السلام له: انه لم يمت وانه لن يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه ~~حبيب بن حماد (1) فقام إليه رجل من تحت المنبر وقال: يا أمير المؤمنين ~~والله انى لك شيعه وانى محب لك، فقال له: من أنت؟ - فقال: انا حبيب بن حماد ~~فقال: إياك ان تحملها # PageV00P252 # ولتحملنها وتدخل بها من هذا الباب، وأوما بيده إلى باب الفيل، فلما كان ~~وقت ظهور الحسين بن علي وبعث ابن زياد عمر بن سعد إليه جعل خالد بن عرفطة ~~على مقدمته وحبيب بن حماد صاحب رايته فسار بها حتى دخل المسجد من باب ~~الفيل. # والاخبار المروية في هذا الباب كثيرة (1) وفيما ذكرناه كفاية في التنبيه ~~على المطلوب. # PageV00P253 # البحث الثاني في بيان تمكنه عليه السلام من الافعال الخارقة للعادة ~~ولنذكر منها عشر آيات الآية الأولى - روى عن جعفر بن محمد الصادق عليه ~~السلام أنه قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام بالناس يريد صفين وعبر ~~الفرات وكان غربي الجبل بصفين إذ PageV00P254 # حضرت صلاة المغرب فأمر فنزلوا ثم توضأ وأذن فلما فرغ من الاذان انفلق ~~الجبل عن هامة بيضاء ووجه أبيض فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة ~~الله وبركاته مرحبا بوصى خاتم النبيين العالم المؤمن الفاضل الفائق ميزان ~~الصديقين وسيد الوصيين فقال: # عليك السلام يا أخي شمعون وصى روح الله، قال: فتحدثا مليا ثم ودعه شمعون ~~والتأم الجبل، فلما خرج عليه السلام إلى القتال سأله عمار وابن عباس ~~والأشتر وهاشم بن عتبه المرقال وأبو أيوب الأنصاري وقيس بن سعد وعمرو بن ~~الحمق وعبادة بن الصامت عن الرجل فأخبرهم PageV00P255 # انه شمعون وكانوا سمعوا كلامه فازدادوا متانة في الدين واستبصارا (1). # وذلك يدل على أن لنفسه القدسية ملكة التصرف في هذا العالم العنصري. # الآية الثانية - قال الحارث (2): كنا وقوفا عند أمير المؤمنين عليه ~~السلام إذ أقبل أسد يهوى إليه فتضعضعنا من خوفه فقال ms175 على: مه، واقبل الأسد ~~حتى قام بين يديه فوضع يده على جبهته وقال: ارجع بإذن الله ولا تدخل دار ~~الهجرة بعد اليوم، وبلغ ذلك السباع عنى، فرجع وغاب عن أعيننا. # الآية الثالثة - قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: ان مالك بن الحارث ~~الأشتر - رحمه الله - قال: حدثتني نفسي انى أشد أم أمير المؤمنين عليه ~~السلام؟ فحرك دابته إلى # PageV00P256 # ذي الكلاع الحميري واستلبه ورمى به إلى فوق وتلقاه بسيفه فقده بنصفين ثم ~~قال لي: # يا اشتر انا أم أنت؟ - فقلت: بل أنت يا أمير المؤمنين. # وهذا الخبر كما يدل على هذا المطلوب باستلاب الحميري وما فعل به كذلك يدل ~~على المطلوب الذي قبله من جهة انه بكت مالكا بما تصوره دون ان ينطق به. # الآية الرابعة - روى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن مشايخه عن جابر ان ~~النبي صلى الله عليه وآله دفع الراية إلى علي بن أبي طالب في يوم خيبر بعد ~~أن دعا له ببرء عينيه من الرمد فبرئ لوقته ثم سار وجعل يسرع السير وأصحابه ~~يقولون له: يا أمير المؤمنين الرفق الرفق، حتى انتهى إلى باب الحصن وكان من ~~صخرة واحدة فاقتلعه وألقاه على الأرض. # وفى خبر: انه دحا به أذرعا ثم اجتمع عليه سبعون رجلا وكان جهدهم ان ~~أعادوه إلى مكانه وروى عنه أنه قال: عالجت باب خيبر (1) وجعلته مجنا لي ~~وقاتلت القوم فلما أخزاهم الله وضعت الباب على حصنهم طريقا ثم رميت به في ~~خندقهم فقال له رجل: لقد حملت منه ثقلا فقال: ما كان الا مثل جنتي التي في ~~يدي في غير ذلك المقام. # فانظر أيها المعتبر هل تجد ذلك الفعل صادرا عن قوة بدنية؟! فإنه لو كان ~~كذلك لقدر عليه من هو أقوى صورة منه ولذلك قال عليه السلام: والله ما قلعت ~~باب خيبر بقوة جسمانية ولكن قلعته بقوة ربانية، وللشعراء في هذه الآية ~~أشعار كثيرة (2) لم نذكرها كراهة التطويل. # الآية الخامسة - نقل عمار الحضرمي (3) عن زادان بن أبي عمر ان رجلا ms176 حدث # PageV00P257 # عليا بحديث فقال له: ما أراك الا كذبتني فقال: لم افعل، فقال: ادعو الله ~~عليك ان كنت كذبتني؟ - فقال: ادع، فدعا، فما برح مكانه حتى عمى. # وذلك يدل على أن نفسه متمكنة من استنزال العقوبات العاجلة. # الآية السادسة - قال عباد بن عبد الله الأسدي: سمعت عليا عليه السلام ~~يقول وهو في الرحبة. # انا عبد الله وأخو رسول الله ولا يقولها بعد الا كاذب قال: فقام رجل من ~~غطفان فقال: انا أقول كما قال هذا الكاذب: انا عبد الله وأخو رسول الله، ~~فإذا هو في صورة كلب (1). # وهذا يدل على تصرف نفسه في هيولي العناصر بالاعداد لخلع صورة ولبس أخرى. # الآية السابعة - قال الحسين بن عبد الرحمن التمار (2): انصرفت عن مجلس ~~بعض # PageV00P258 # الفقهاء فمررت بسليم الشاذكوني فقال لي: من أين أقبلت؟ - فقلت: من مجلس ~~فلان العالم قال: فما قوله؟ - قلت: شئ من كرامات على، قال: والله لأحدثنك ~~بعظيمة سمعتها من قرشي عن قرشي عن قرشي قال: رجفت قبور البقيع على عهد عمر ~~بن الخطاب فضج أهل المدينة من ذلك فخرج عمر ومعه أهل المدينة إلى المصلى ~~يدعون الله تعالى لتسكن تلك الرجفة فما زالت تزيد في كل يوم إلى أن تعدى ~~ذلك إلى حيطان المدينة فقال عمر: # انطلقوا بنا إلى أبى الحسن على ابن أبي طالب، فمضوا إليه ودخلوا عليه ~~فأخبروه الخبر، فقال على بمائة من أصحاب رسول الله فاختار عليه السلام من ~~المائة عشرة فجعلهم خلفه وجعل التسعين خلفهم ودعا سلمان وأبا ذر والمقداد ~~وعمارا فجعلهم امامه وخرج بهم ولم يبق بالمدينة بنت عاتق الا خرجت إلى ~~البقيع حتى إذا توسطه ضرب الأرض برجله وقال: مالك؟! # مالك؟! مالك؟! ثلاثا، فسكنت الرجفة فقال عليه السلام: صدق حبيبي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله ولقد أنبأني بهذا الخبر وبهذا اليوم وباجتماع ~~الناس له. # الآية الثامنة - على التمار (1) قال: كان علي عليه السلام يوما في مسجد ~~الكوفة # PageV00P259 # فقال له رجل: بابى أنت وأمي يا أمير المؤمنين انى لا تعجب من هذه الدنيا ms177 ~~التي في أيدي من يبغضه الله وليست عندكم؟! فقال له: أترى انا نريد الدنيا ~~ولا نعطاها؟! ثم قبض قبضة من الحصى فإذا هي جوهر، فقال ما هذا؟ - فقال ~~الرجل: انه من أثمن الجواهر وأنفسها، فقال: لو أردنا لكان ثم رمى بالحصى ~~فعاد كما كان. # الآية التاسعة - الحسن العلوي قال (1): اتانا أمير المؤمنين عليه السلام ~~وكنت يومئذ غلاما يافعا فدخل منزله (في حدث طويل) ثم خرج وتبعه الناس فلما ~~صار إلى # PageV00P260 # الجبانة نزل واكتنفه الناس فخط بسوطه خطا فأخرج منه دينارا ثم خط خطا آخر ~~فأخرج منه دينارا ثم فعل ذلك ثالثة حتى اخرج ثلاثة دنانير فأخذها وقلبها في ~~يده حتى ابصرها الناس ثم ردها وغرزها بإبهامه ثم قال: ليليك بعدى محسن أو ~~مسئ ثم ركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وانصرف إلى منزله. # فأخذنا الفلاح وصرنا إلى الموضع فاحتفر حتى بلغ الرسغ (1) فلم يصب شيئا ~~فقيل للحسن: ما ترى؟ - فقال: اما انا فلا أرى ان كنوز الأرض تظهر الا ~~لمثله. # الآية العاشرة - أبو مهاجر زيد بن رواحة العبدي قال: دخلت مسجد الكوفة ~~فإذا رجل قد أكب عليه الناس وهو يحدثهم وهم يسمعون ويكتبون عنه، فسألت عنه ~~فقيل: # هو رجل شهد مع أمير المؤمنين البصرة وصفين والنهروان وهو ذو شرف وعقل ~~فدنوت منه فإذا هو يحدث عن علي ويقول: سمعت ورأيت فصبرت حتى انفض عنه أكثر ~~الناس وقلت له: أنا رجل من أهل البصرة خرجت لطلب العلم وأحببت ان اسمع منك ~~شيئا أحدث به عنك فأخذ ذم أهل (البصرة) وتوبيخهم على ما كان منهم فقلت: ~~أيها الشيخ لقد عممت أهل البصرة وقد كان فيهم البر والفاجر والسعيد والشقي، ~~قال: صدقت فمن أنت؟ - فقلت: أنا رجل من عبد القيس فقال: مرحبا بك ثم نهض بي ~~إلى منزله فأحسن ضيافتي وقال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: قيدوا ~~العلم بالكتابة وقام فأخرج صحيفة ففتحها وقرأ على: # PageV00P261 # حدثني ربيعة بن سالم الهمذاني قال: لما كان اليوم الذي قتل فيه عمار بن ~~ياسر ms178 رحمه الله وكان ابتداؤنا من صفين حربا وطعنا فوقفت وأشرفت على الناس ~~وقد تزحزحوا عن مقاماتهم يتكفؤن تكفؤ السفينة بأهلها فمن بين متقدم لقتال ~~ومتأخر عن (1) كلال، والامر في غاية العسر والناس في نهاية الحال من العطش ~~وقد أخذ العدو الماء ووطئ (2) الموارد وقد مدت الخيل أعناقها ولجمها وعضت ~~(3) على الشكائم وقهقرت (4) على أكفالها وتداعى الناس بآبائهم، واعتزوا إلى ~~أنسابهم، والنساء على المطايا خلال الصفوف يحرضن (5) الرجال على القتال ~~والناس قد عاينوا الثواب واستيقنوا المآب فعند ذلك اتكأت على رمحي وقلبت ~~وجهي وأرجعت (6) طرفي إلى السماء وقلت في نفسي: يا رب هذا أخو نبيك ووصيه، ~~وأحب الخلق إليه وأنصرهم له، وأعلمهم بالدين وأهداهم للحق المبين، وقد ترى ~~ما ترى: ولك (7) الخلق والامر تصيب برحمتك من تشاء (8) وقد ضعفت عن حمل ذلك ~~فأبح (9) اللهم لي ما تثبت به قلبي وتذهب به نزع الشيطان (10) الرجيم قال ~~ربيعة: # فلم أستتم الدعاء وإذا انا بمقرعة بين كتفي، فالتفت فإذا أنا بأمير ~~المؤمنين عليه السلام وهو # PageV00P262 # على بغلة رسول الله وبيده عنزة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: يا ~~ربيعة لشد (1) ما جزعت، إنما الناس رائح ومقيم، فالرائح من تحت هذا اللواء ~~إلى جنة المأوى والى سدرة المنتهى عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للمتقين، ~~والمقيم (2) بين اثنتين، اما نعمة مقبلة أو فتنة مضلة، يا ربيعة حي على ~~معرفة ما سألت ربك ومن يفرى الأرض فريا، فاتبعته حتى خرج عن المعسكر وجازه ~~(3) بمقدار ميل أو نحوه وثنى برجله عن البغلة فنزل وخر على الأرض في الدعاء ~~يقلب (4) كفيه ظهرا وبطنا، فما رد يده حتى نشأت سحابة كأنها هقل (5) نعام ~~حتى أظلتنا، فما عدا ظلها (6) مر كبينا (7) ثم هطلت بشئ كأفواه القرب حتى ~~شرب فرسى من تحت حافره وملأت مزادتي فارتويت وروى فرسى، ثم عاد فركب بغلته ~~وأدنى أي العسكر فتركني وانغمس في الناس. # وهذه الآية أيضا كما تدل على قدرته على استنزال البركات بدعائه الذي لا ~~حجاب دونه كذلك تدل على اطلاعه على المغيبات ms179 إذ أخبر ربيعة بما في نفسه ~~ووبخه عليه. # واعلم أن ما ذكرناه من هذه الآثار قطرة من بحار ما يورد في هذا الباب، ~~وفيه كفاية للناظرين بعين الانصاف. # ولنا في اثبات هذا المطلوب بهذه الاخبار طريقان: # أحدهما (8) - ان جماعة ادعوا ان هذه الأخبار كل واحد واحد منها معلوم ~~بالتواتر # PageV00P263 # ثم قالوا: ليس للخصم ان يقول: لو كان ذلك متواترا لوجب أن يكون ضروريا ~~عند كافة الخلق لما ان هذه الوقائع من الوقائع الكبار التي تتوفر الدواعي ~~على نقالها ولما اختصصتم بالعلم به دون غيركم لان لنا ان نجيب عن ذلك بان ~~شرط التواتر ان لا يكون قد سبق إلى اعتقاد السامع له شبهة تقليد نفى موجب ~~الخبر المنقول فإنه لو سبق إلى اعتقاده ذلك لم يعتقد صحته لعدم امكان ~~اعتقاد صحة الخبر مع اعتقاد صحة ما ينافيه فلعل الخصم لرسوخ نقائض هذه ~~الأخبار في ذهنه لا يعتقد صحتها. # الطريق الثاني وهو (1) الأقرب إلى الانصاف ان هذه الأخبار غير متواترة ~~لفظا لكنا نقول: انها متواترة تواترا معنويا بمعنى انا نعلم بالضرورة عند ~~سماع هذه الأخبار الكثيرة المختلفة الطرق مع اتفاقها على اثبات هذين ~~النوعين من الكرامات له علما جمليا انها بأجمعها لا تكون كاذبة بل لابد من ~~صدق شئ منها وايها صدق ففيه تمام الغرض من اثبات هذه المطالب. # ثم اعلم أنه لا يمكنك أيها الملاحظ لجلال الله المتحري سلوك الصراط ~~المستقيم ان تستنكر بصريح عقلك شيئا من ذلك بعد أن أعلمناك امكانه من مذاهب ~~الطبيعة وأشرنا لك إلى (2) أسبابه الكلية في القسم الأول ولعل في قوتك ~~امكان هذه الأمور أو شئ منها لو قد اخذ التوفيق بزمام عقلك فأيقظك من رقدة ~~(3) الطبيعة فاطلعت على خيانة أعدائك الذين هم في صورة أصدقاءك وغاشيك ~~الذين هم في زي نصحائك فقهرتهم (4) حتى انقادوا خلفك إلى بساط الكرامة ~~وحلول (5) دار المقامة فانى أحسبك حينئذ تعلم جلية ما اشتبه الان (6) خبره ~~وحقيقة ما انطمس عن عينيك اثره. # PageV00P264 # والله تعالى يوفقنا وإياك لما يحبه ويرضاه بمنة ms180 وجوده وما توفيقي الا ~~بالله عليه توكلت واليه أنيب وهو حسبي ونعم الوكيل، والحمد لله حق حمده ~~وصلى الله على أشرف - خلقه وآله وجنده وأصحابه أجمعين. # (صورة ما في آخر النسخة التي أسس عليها أساس الطبع) وتم الكتاب بعوم ~~الملك الوهاب القوى الغلاب ليلة السبت عشية الخامسة من شهر ربيع ا (لا) ول ~~سنة سبعين وثمانمئين من هجرة سيد المرسلين على يد العبد الفقير المحتاج إلى ~~ربه القدير في التجاوز عن سيئاته وغفران هفواته والعون على قضاء حاجاته حسن ~~بن محمد بن علي بن مشرف العيناثي - أصلح الله داريه ووفقه للخير وأعانه ~~عليه - انه جواد كريم، خدمة للشيخ التقى والشهاب المضي الذي تسنم من ~~الفضائل أعلى باب وتلبس من التقى والعفة أحسن جلباب الشيخ شمس الملة والدين ~~محمد بن... لا زالت أيامه لامعة بالاقبال ولياليه مقمرة لا يغادرها.... ~~بمحمد وآله خير آل. ms181