######OpenITI# #META# المؤلف: أبو عبدالله العبدري #META# المحقق: د. علي إبراهيم كردي #META# الناشر: دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع #META# الطبعة: ٢ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٦ هـ.ق #META# الصفحات: ٧٢٨ #META#Header#End# ### ||| * النص المحقق ### ||| * رحلة العبدري PageV01P026 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * [مقدمة المصنف] # (1) اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيه وأمته (2) # يقول العبد المذنب المستغفر الفقير إلى الله تعالى محمد بن محمد أيضا بن ~~علي بن أحمد بن سعود (3) العبدري عفا الله تعالى عنا وعنه بمنه : # أحمد الله تعالى حمد معترف بالتقصير ، عائذ بوجهه الأكرم ، وجلاله الأعظم ~~من سوء المصير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة تتكفل لي ~~بالسلامة من كل ملامة ، وتضيء في ظلمتي (4) القبر والقيامة وتنير. وأصلي ~~وأسلم (5) على سيدنا محمد نبيه وخيرته وصفوته (6) البشير النذير ، وعلى آله ~~الأعظمين ، وصحبه الأكرمين ، صلاة تفوت العد والتقدير ؛ وتكون لي أثرة ~~باقية ، وجنة واقية ، من عذاب السعير ؛ وتمحو من كبير زللي ومسطور خطلي وما ~~جرى به قلم التقدير. PageV01P027 # وبعد : فإني قاصد بعد استخارة الله سبحانه. إلى تقييد ما أمكن تقييده ، ~~ورسم ما تيسر رسمه وتسويده ، (1) مما سما إليه الناظر المطرق ، في خبر ~~الرحلة إلى بلاد المشرق ، من ذكر بعض أوصاف البلدان ، وأحوال من بها من ~~القطان ، حسبما أدركه الحس والعيان ، وقام عليه بالمشاهدة شاهد البرهان ، ~~من غير تورية ولا تلويح ، ولا تقبيح حسن ولا تحسين قبيح ، بلفظ قاصد لا ~~يحجم معردا ، (2) ولا يجمح فيتعدى المدى ، مسطرا لما رأيته بالعيان ، ~~ومقررا له بأوضح بيان ، حتى يكون السامع لذلك كالمبصر ، وتلحق فيه السبابة ~~(3) الخنصر ، فتشفى [به] (4) نفس المتطلع (5) المتشوف ، ويقف منه على بغيته ~~السائل المتعرف. وأذكر مع ذلك ما (6) استفدته من خبر ، أو أنشدته من درر ، ~~ما أنظم في أوراق (7) متبدده ، وأعقل بعقال الخط متشرده ، وأثبت في خلال ~~ذلك من نظمي ما يتغلغل إليه الكلام ، أو تجنح إلى تحصيله ضوامر (8) الأقلام ~~، وأضيف إلى ذلك ما يضطر إليه التبيان ، (9) فيما قصر فيه العيان ، من نبذ ~~مذكورة ، ونتف مشهورة ، ونكت مرسومة [1 / ب] في الكتب مسطورة ، تتميما لغرض ~~التقييد ، وتعميما لأرب المستفيد ، حتى يكون التأليف في بابه مغنيا ، وعن ~~الافتقار إلى غيره مستغنيا ، مثبتا في كل رسم بعض الأحاديث PageV01P028 # التي ms001 رويتها ، والآثار التي وعيتها ، تبركا بإثباتها ، وتيمنا بذكر ~~الفضلاء (1) من رواتها ، وأختم ذلك بقصيدة وعظية أسرد فيها الرحلة سردا ، ~~وأبرزها (2) من نسج فكري بردا. # وربما حمل الامتعاض لحزب الفضائل ، على فرط تحزب وتألف (3) على فئة ~~الرذائل ، فيقع (4) في اللفظ إقزاع (5) وإقذاع ، (6) ويرسم في باب همزهم ~~تمكين مد وإشباع ، لا جهلا بموقع الإغضاء من أخلاق ذوي الآداب ، ولا ميلا ~~إلى ما عابه الشرع من مذموم الاغتياب ، وإنما هو لغرض صحيح ، لا يرمي بسهم ~~التقبيح ، وهو إعطاء ذي الحق حقه ، وألا تكون الفضائل لغير أهلها مستحقة ، ~~فيكون الفاضل في الوصف مبخوسا ، ويرى الناقص في غير منبته مغروسا ، وقد ~~يردع المسيء عن إساءته ما يرى ويسمع من مساءته ومن التأديب كل ما كف المرء ~~عن زلله ، و «نية المؤمن أبلغ من عمله» (7)؛ وعلى أني يعلم الله قلما أمتعض ~~لنفسي ، وأزجر في غرضها عنسي (8)، وما أغريت قلمي بالانتصاف ، ولا أعملته ~~في ذكر ذميم الأوصاف ، إلا لحرمة من الفضل أشلاؤها ممزعة ، (9) أو وظيفة من ~~الشرع أحكامها مضيعة. PageV01P029 # وقد حدثنا الشيخ الفقيه المحدث عالم الديار المصرية تقي الدين ، أبو ~~الفتح ، محمد بن علي بن وهب القشيري (1) إملاء من لفظه بمنزله من دار ~~الحديث الكاملية (2) بقاعدة مصر مهدها الله تعالى قال : قرأت على الفقيه ~~المفتي أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام السلمي ، وكان من سلاطين العلماء ~~صليبا (3) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، عن الحافظ أبي محمد القاسم ~~بن علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي ، قراءة عليه ، قال : أخبرنا علي بن ~~مسلم بن محمد السلمي ، قال : أخبرنا أبو الحسن (4) أحمد بن عبد الواحد بن ~~أبي الحديد السلمي ، قال : أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن أحمد ابن عثمان بن ~~أبي الحديد ، قال : أخبرنا أحمد هو أبو الفضل بن عبد الله بن نصر بن هلال ~~السلمي ، قال : حدثنا المؤمل هو ابن إهاب ، قال : حدثنا عبد [2 / آ] الرزاق ~~، قال : أخبرنا الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب ، قال : أول من قدم ~~الخطبة مروان ، (5) فقام إليه ms002 رجل فقال : يا مروان! خالفت PageV01P030 # خالف الله بك ، فقال : يا فلان! اترك ما هنالك ؛ فقام أبو سعيد الخدري ، ~~(1) فقال : أما هذا فقد قضى ما عليه ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~: «من رأى منكم (2) منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». (3) # وليس بمنكر (4) في هذا الزمان قدح من يقدح ، وإنما المنكر (5) مدح من ~~يمدح ؛ لأن الصدق محمود بكل لسان ، والكذب مذموم من كل إنسان ، والأمر في ~~ذلك كما أنشدني الشيخ الأستاذ الفاضل محيي الدين أبو عبد الله محمد بن عبد ~~العزيز المازوني (6) بالإسكندرية لنفسه : PageV01P031 # [الخفيف] # قل لأهل الزمان حاشاك مما %~% أصبحوا فيه من مساو سواء ما على شاعر هجاكم ملام %~% هل رآكم أحسنتم فأساء كان من قد مضى يعلمنا المد %~% ح وأنتم تعلمونا الهجاء # وقد تعطل في هذا العصر موسم الأفاضل ، وتبدد في كل قطر نظام الفضائل ، ~~وتفرق أهلها أيادي سبا ، (1) وصاروا حديثا في الناس مستغربا ، فعادوا اسما ~~بلا مسمى ، وحرفا ما دل على معنى ، فالمحدث عنهم في مشرق أو مغرب ، كالمحدث ~~عن عنقاء مغرب ، (2) ولو طاب المورد لحصل الري ، وقديما قال أبو العلاء ~~المعري : (3) [الخفيف] # ويقال : «الكرام» قولا وما في ال %~% أرض إلا الشخوص والأسماء (4) # وكيف لا تكون الدنيا على ما أصف وأقول ، وعلى وفق المشاهد من ذميم ~~أوصافها والمنقول ، وقد صار الملك الذي هو نظام الأمور ، وصلاح الخاصة ~~والجمهور ، في أكثر الأرض منقوض الدعائم ، مهدوم (5) القوائم ، يدعيه كل PageV01P032 # غوي ، كالمليكشي (1) وعبد القوي ؛ رضوا باسم الملك وإن فاتهم معناه ، ~~وادعوه وما لهم منه إلا أسماؤه وكناه ؛ لا يأمن بهم طريق ، ولا يستنقذ بهم ~~غريق ، ولا يذكر منهم أصيل في المجد عريق ؛ لا تندى أكفهم بنائل ، ولا تصون ~~عن الابتذال وجه فاضل ، ولا ينصف بهم [2 / ب] مظلوم ، ولا يقرع (2) ~~بأسيافهم ظلوم. # أو ليس من الأمر الأمر الخارج عن كل قياس ، أن المسافر عند ما يخرج من ~~أقطار (3) مدينة فاس ، (4) لا يزال إلى الإسكندرية في خوض ظلماء ، وخبط ~~عشواء ، (5) لا يأمن ms003 على ماله ولا على نفسه ، ولا يؤمل راحة في غده إذ لم ~~يرها في يومه وأمسه ، يروح ويغدو لحما (6) على وضم (7)، يظلم ويجفى ويهتضم ~~، تتعاطاه الأيدي الغاشمة ، وتتهادا الأكف الظالمة ، لا منجد له ولا معين ، ~~ولا ملجأ يعتصم به (8) المسكين ؛ يستنجد ويستغيث ، وأنى له المنجد والمغيث؟ ~~ينادي وهو في قيد المظالم يرسف : (9) ألا ناصر ينجد؟ ألا راحم يرأف؟ يتذكر ~~(10) ملك PageV01P033 # البرين فيقرأ : ( @QUR@04 يا أسفى على يوسف : ) (1) [الطويل] # فمن مبلغ علياه عني من نظمي %~% رسالة مستعد شكا ظلمة الظلم ضعيف القوى أودت بأنضاء جسمه %~% فياف برت أهوالها مصمت العظم (2) مهامه ينضين الفنيق وإن قضت %~% على ابن سبيل والت الجور في الحكم (3) إذا ضافها ضيف قرته بلحمه %~% فلم يعدها إلا عريا من اللحم 5 وخيم فيها كل فظ إذا رأى %~% بنية شخص لم يكفكف عن الهدم (4) يرى أن حكم النبت والناس واحد %~% فما ينثني فيهم عن الخضم والقضم (5) ويرتاح للحجاج حين يراهم %~% كليث طوى منه الطوى راح للضغم (6) فكلهم السفاف وهو بشؤمه %~% على قبره كوم عظيم من الرضم (7) PageV01P034 وأعجب من هذا ملوك بزعمهم %~% وجودهم في الأرض شر من العدم 10 رضوا بأسام لا محصل عندها %~% كطفل يرضى بالمحال من الزعم إذا استصرخ المظلوم منهم معظما %~% فقد طلب الفتوى إلى غير ذي علم وإن يشك مضطرا إليهم فقد شكا %~% إلى غير ذي فضل فتى غير ذي فهم (1) [3 / آ] ألا لا تطل شكوى فلست بمشتك %~% إلى ملك البرين واسكت على رغم (2) فذاك الذي أفنى الطغاة بسيفه %~% فلم يبق منهم من يشير إلى ظلم 15 أباد هم حتى بدا الغرب حضرة %~% مطهرة من كل عيب ومن وصم (3) بذكراه فالهج تعتصم بسعوده %~% إذا أنت لم تعصم بسيف له يصمي (4) هو المرء يغني حين يعطي وإن يصل %~% تقل دكت الدنيا ولم يبق من رسم (5) إذا احتال مغتال لسم عدوه %~% فصارمه الهندي يغني عن السم وإن دان ذو ضعف بكيد مكتم %~% فبالسيف يمحو الكيد لكن بلا كلم (6) PageV01P035 20 له صارم يرنو بعيني محدق %~% إلى كل من يخطر ms004 له الشر في وهم (1) أراق دماء الظالمين فقد غدت %~% على حلة العلياء أبهى من الرقم (2) ترى سيفه في الحرب يهدي ويهتدي %~% إذا ضل ما يرمى وضل الذي يرمي (3) إذا رص في أمر بناه عزيمة %~% فلا تخش من وهي ولا تخش من ثلم (4) يوافيك منه وافيا أو معاديا %~% غمام يروي أو حسام له يصمي 25 لئن عذبت في السمع أمداح مجده %~% فإن نداه الجم مستعذب الطعم وإما حوى درا نظامي فإنها %~% فضائله طرا ومالي سوى النظم (5) لقد لذ حتى قلت إن كنت أبتغي %~% ثوابا به فهو النهاية في الظلم [3 / ب] ينيل يسارا من غدا الفقر حلفه %~% ويولي افتقارا من تمول بالغشم (6) ولا غرو في الضدين أن جمعا به %~% غنى وافتقار هكذا حالة اليم 30 يقيم بطبع الفضل أوزان نظمه %~% فقد صين من كف لديه ومن خرم (7) وليس يعد الغنم مالا يحوزه %~% إذا عده ذو البخل من أعظم الغنم PageV01P036 ولكن نفوسا قد عتت وتجبرت %~% فحطمها وطء المقيد للهرم (1) وصيرها مملوكة بعد ملكها %~% وحط علاها وهي أبعد من نجم (2) وعوضها من عزة الملك ذلة %~% ومن صحة الأحوال منهكة السقم 35 إذا حل عزم المرء حزم بدا له %~% رأى الحزم كل الحزم في صحة العزم طغى الكفر حتى صده بجيوشه %~% كما صد ذو القرنين ياجوج بالردم (3) بحمر وشقر كالدنانير لونها %~% وشهب كبيض الصحف أو لونها ينمي (4) وقد شردت بالخوف منها عداتها %~% فلم ترها جمعاء إلا من الدهم (5) فكم بطل حلف الأباطيل أبطلت %~% وكم جرمت من قد تجرم بالجرم (6) 40 وكم نصبت إذ أنصبت رفع فاعل %~% وألقت على أفعاله عامل الجزم وكم مارد مهما علا انقض نحوه %~% شهاب من الفرسان أقصد من سهم وكم صف صف في السلاسل منهم %~% كما صف في الأرباق حاشية البهم (7) توزعهم ريب الزمان توزعا %~% أرى حاسب الأعداد كيفية القسم |ووطئتنا وطأ على حنق||وطء المقيد يابس الهرم| PageV01P037 فأموالهم للنهب ، والأهل للسبا %~% وأرواحهم للنار والجسم للحطم (1) 45 كذا يبتنى المجد الرفيع وهكذا %~% تضم خصال المجد في نسق النظم فيا أيها ms005 الساري المغذ لأرضه %~% ليهنك أمن في ذراه من الظلم (2) ويهنك أن تحظى بقرب جنابه %~% فتأمن من عرب هناك ومن عجم حنانيك أبلغ نحوه لي رسالة %~% تبلغ شكوى مسترم من الهم (3) وشد بالذي حبرته من مدائح %~% يفوق بها الياقوت در من الكلم 50 مدائح يختال الزمان بذكرها %~% صحائح ما ترمى بزور ولا إثم (4) إذا برزت في حلبة الشعر برزت %~% وحاز سواها نعتي السكت واللطم [4 / آ] كعاب إذا لاحت سبت كل ناظر %~% فيسلو بها عن ذكر هند وعن نعم (5) إذا جليت قام العيان بمدحها %~% فأظهر تفنيد المشير إلى الذم ولم ألف في مصر ولا الشام كفأها %~% فأطرقت إطراق الشجاع من الغم (6) 55 فأبلغ بها نلت الأماني أمانة %~% ولا تظلمنها بابتذال ولا كتم إلى الملك السامي صعودا على الورى %~% وليثهم في الحرب ، والغيث في السلم إلى من له كف إذا المزن أخلفت %~% فما إن تزال الدهر ساجمة تهمي (7) PageV01P038 إلى فاضل أعيا الأفاضل شأوه %~% فمن مثله الدنيا أصرت على عقم إلى يوسف سيف الإله الذي أتى %~% لحسم العدا ، إن الحسام من الحسم (1) 60 فدام ودامت في الصعود سعوده %~% منيلا لمن يسمو له كل ما يسمي (2) مرقى موقى مستجارا مؤملا %~% منيرا مبيرا للظلام وللظلم (3) عليا كريم السعي يرجى ويتقى %~% مفيدا مبيدا في رضاه وفي الرغم (4) مصون العلا ما ضم در مديحه %~% ورصع في بدء الحديث وفي الختم # وهذه الرحلة بدأت بتقييدها في تلمسان (5)، ولم يمكني إظهارها هنالك ، ~~وأظهرتها بعد خروجنا منها ، ووقف عليها شيوخنا بمصر وغيرها ، وكان شيخنا ~~زين الدين بن المنير (6) حفظه الله يستحسن ما يقف عليه منها ، وقد أكملتها ~~والحمد لله منتظمة (7) على نسقها ، ومستنة في سننها ، جاريا معها حسبما جرت ~~؛ مستمليا لها فيما قدمت وأخرت ، حتى استوفي الغرض المطلوب ، وحصل المراد ~~منه والمرغوب ؛ وبالله أعتصم وأستعين ، وهو خير عاصم ومعين ، وإياه أستهدي ~~الصواب ، وأستكفي ما يصم ويسم بالعاب (8)؛ إنه بنجح المطالب كفيل ، وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل. PageV01P039 ### ||| * [بداية الرحلة] # كان سفرنا تقبله الله تعالى في : الخامس والعشرين من ذي القعدة ، عام ~~ثمانية ms006 وثمانين وست مئة ، ومبدؤه من : حاحة (1) صانها الله وكان طريقنا على ~~بلاد (2) القبلة ، فزرنا (3)، بموضع أنسا من أعلى بلاد السوس [4 / ب] ~~الأقصى (4)، قبر الشيخ الصالح أبي حفص عمر بن هارون (5)، وهو من كبار ~~الأولياء ، ومن عظماء الصالحين نفعنا الله بهم ذكره صاحب كتاب «التشوف» (6) ~~وبالغ في الثناء عليه ، وذكره الشيخ الفقيه (7) الصالح أبو سعيد الحاحي ~~المترازي في كتابه «منار العلم» أنه كان يدخل عليهم في الدرس فيقول لهم : ~~«تهنئكم عبادة القلوب والألسن والأيدي والأعين» يعني العلم. وهذا كلام من ~~أيد بالتوفيق ، وأمد بالتحقيق. وحضر معنا زيارة قبره جماعة من الصالحين ؛ ~~ورأينا من حضور القلوب عنده ما قوى الرجاء في نيل بركته. PageV01P040 # وفي أول سفرنا دخلنا مسجدا لصلاة الظهر ، فوجدنا به ألواح صبيان المكتب ، ~~فنظرنا فيها تبركا بها ، فوجدنا في أول لوح منها ( @QUR@06 ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه ) (1) وفي الثاني ( @QUR@08 ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا ) (2) وفي الثالث ( @QUR@09 فلو لا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من ~~الخاسرين ) (3) وفي الرابع ( @QUR@06 وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ) ~~(4) وفي الخامس ( @QUR@02 يوفون بالنذر ) (5) وفي السادس ( @QUR@010 قل : ~~لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ) (6)؛ فسررنا باتفاقها على ~~الإشارات إلى البشارات ، وحمدنا الله على ذلك. # وبعد ليلتين أو ثلاث رأيت في المنام الفقيه القاضي الإمام أبا الوليد ~~الباجي (7) رحمه الله فخطر لي أن أقرأ عليه شيئا من كلامه ، # ترجمته في الصلة 1 / 200 ، قضاة الأندلس : 95 ، نفح الطيب 2 / 74 ، وبغية ~~الملتمس 302 ، وترتيب المدارك : 4 / 802. PageV01P041 # فما حضرني (1) إلا قوله : (2) [المتقارب] # إذا كنت أعلم علما يقينا %~% بأن جميع حياتي كساعه (3) فلم لا أكون ضنينا بها %~% وأجعلها في صلاح وطاعه؟ # فقرأتها عليه. ### ||| * [ذكر أنسا] # وأما بلد أنسا جبره الله فهو بلد منفسح منشرح ، في بسيط مليح طيب التربة ~~، يغل كثيرا ، وبه ماء جار كثير ، ونخل وبساتين ، وهو آخر بلاد السوس من ~~أعلاه ، متصل بالجبل مشرف على أرض (4) السوس. وكان فيما مضى مدينة كبيرة ، ~~فتوالت عليها الخطوب المجتاحة ، ونزول الأقدار المتاحة ، حتى صارت ms007 رؤيتها ~~قذى في المقلتين ، وعادت بعادة (5) [5 / آ] الزمان أثرا بعد عين ، فليس بها ~~إلا رسوم حائلة (6)، وطلول ماثلة ، خلت من كل قارئ ومقروء عليه (7)، ~~وقاصد ومقصود إليه ، بيد أن بها صبابة (8) من أهل الدين ، PageV01P042 # وفرقة بأخلاق أهل الخير تدين ، على ما يتناولهم من أيدي المعتدين ، ~~ويتداولهم من الولاة (1) المفسدين ، كشف الله عنهم تلك البلوى ، وحسم (2) ~~الداء الذي أذبل نضارتهم وأذوى. # ثم سافرنا منها على بلاد القبلة ، وهي بلاد مات فيها العلم وذكره ، حتى ~~صارت العادة في أكثرها أنهم لا يتخذون لأولادهم مؤدبا ، ولا تسمع في ~~مساجدهم تلاوة ، وإذا طرأ عليهم من يحفظ من (3) القرآن آجروه على الإمامة ~~(4)، ويواظبون على الصلاة في الجماعة ، إذ لا يحفظ منهم أحد (5) ما يصلي ~~به إلا النادر ، ولكنهم في الغاية من حسن الظن بأهل الدين وقوة الرجاء فيهم ~~، وهم أهل ذمام (6) واحترام وحماية للجار وإيواء للغريب على ضد ما عليه ~~أكثر أهل الغرب. # وفي أكثر بلادهم حصون مجموعة ، وأنهار جارية ، وقلما تخلو من الحروب ~~والفتن ، وربما تحارب أهل الموضع الواحد ، فيتقاتلون عامة النهار ، فإذا ~~آواهم الليل أووا إلى بيوتهم ، لا يهيج (7) أحد منهم صاحبه ، وربما تقاتلوا ~~على السقوف ، وإذا فرغوا نزلوا عنها إلى بيوتهم ، وقد رأيت عندهم في هذا ~~أعجوبة ، وهي أن أهل حصن منهم تحاربوا ، فأجمعوا رأيهم على ألا يتقاتلوا PageV01P043 # في الحصن احتياطا عليه من الفساد زعموا وجعلوا المعترك خارج الحصن إلى ~~مسافة منه ، ونصبوا لذلك حدودا وأعلاما ؛ فهم يتقاتلون من ورائها ، فإذا ~~آوتهم حدود الحصن لم يرم أحد منهم حجرا ، و[لو] (1) اجتمع بقاتل حميمه (2) ~~لا يعرض له ، فإذا خرجوا من حرم الحصن اشتعلت نار الحرب بينهم. هذا دأبهم ~~لا يغدرون ولا ينقضون ، وخافوا فساد حصنهم ولم يخافوا فساد كونهم! ~~واستباحوا ما حرم الله من قتل النفس ، وامتنعوا من [5 / ب] خرم ما شرعوه ~~بينهم من قانون السخف! و «كل مستعمل وميسر لما خلق له» (3). لا جرم أن فيهم ~~آحادا لا بأس بهم ، وخصوصا من جال منهم ورأى الناس. وعامتهم جاهلية الطباع ~~، ولكن ms008 مكارم الأخلاق عامة لأكثرهم. وقد سمعت سيدي الفقيه الجليل الفاضل ~~أبا بكر بن عبد العزيز رحمه الله يحكي عن والده الشيخ الصالح القدوة أبي ~~محمد وكان دخل بلاد القبلة أنه كان يقول : «الغرب دنيا بلا رجال ، والقبلة ~~رجال بلا دنيا» أو كلاما هذا معناه ؛ وإنما يعني مكارم أخلاقهم مع أن عيشهم ~~غير متسع كاتساعه في الغرب. # وما زلنا في كنف لطف الله تعالى وتحت ذيل عنايته (4) لا يهيجنا أحد إلا ~~رده الله عنا خاسئا (5) حتى انفصلنا عنها في أزيد من ثلاثين مرحلة. PageV01P044 ### ||| * [اجتياز المفازة التي على طريق تلمسان] # ولما انتهينا إلى المفازة التي في طريق تلمسان وجدنا طريقها منقطعا مخوفا ~~، لا تسلكه الجموع الوافرة إلا على حال حذر واستعداد. وتلك المفازة (1) مع ~~قربها من أضر بقاع الأرض على المسافر (2)؛ لأن المجاورين لها من أوضع خلق ~~الله ، وأشدهم أذاية ، لا يسلم منهم صالح ولا طالح ، ولا يمكن أن يجوز ~~عليهم إلا مستعد يتفادون من شره (3)، وطلائعهم أبدا على مرقب لا يخلو منها ~~البتة ؛ أطلع الله عليهم من الآفات مايسحتهم (4) جميعا أصلا وفرعا ، ويقطع ~~دابرهم إفرادا وتثنية وجمعا ، حتى يكونوا آية للمعتبرين ، وعبرة للناظرين ، ~~بعزة الله وقدرته ، وحوله وقوته. # وكنت حينئذ لا تمكنني الإقامة حتى أجد صحبة لغرض كان لي ، فأزمعت أن أترك ~~بعض الأصحاب بما كان معنا من النفقة منتظرا للصحبة ، وأنصرف أنا مخاطرا بما ~~تدعو الحاجة إلى استصحابه. فبينما أنا أوصي من أردت إقامته متنغصا بهذا ~~الحال وأعرفه بما يصنع ، إذ وقف علينا جماعة رجال متسلحين عارفين بالطرق ~~(5)، عازمين على اعتساف (6) المجهل (7)، فاستربت بهم ، ثم قوي في نفسي أن ~~ذلك لطف من الله تعالى وغوث أتاحه PageV01P045 # لنا [6 / آ] فسرنا معهم ، فلما وصلنا إلى موضع تحقق (1) الخوف وهم لا ~~يعرفون سوى الجادة المخوفة خطر لنا أن نخاطر في ركوب متن الفلاة بلا دليل ؛ ~~وذلك حين غروب الشمس ، ولما حصحص (2) الياس ، وتحقق في الرأي الالتباس ، ~~وصل من اللطيف معهود الألطاف ، وعاد من عطفه علينا انعطاف ، فوقف علينا ~~خمسة أشخاص أثر فيهم ms009 الدؤوب ، وعلا على ألوانهم الشحوب ، عانقوا البراري ~~والقفار ، حتى أخلصتهم خلوص العسجد بالنار ، وتخوفهم الخوف المطير للوسن : ~~[البسيط] # كما تخوف عود النبعة السفن # (3) فسألونا (4) عن الوجهة فأخبرناهم ، واستدعونا للمرافقة فأجبناهم. ~~وسروا (5) بنا في مجاهل يضل بها الدليل ، ويذهل فيها الخليل عن الخليل ، ~~وفيهم رجل «أدل من سليك المقانب» (6) و «أمضى من المرهف القاضب» (7) # «تخوف السير منها تامكا قردا» # وهو في ديوان ابن مقبل 405 ، وفي السمط : 2 / 738 نسبه لقعنب بن أم صاحب ~~، وغير منسوب في الأمالي : 2 / 112 ، والمخصص 13 / 277 ، وأمالي الزجاجي 37 ~~، وفي الصحاح ، واللسان (خوف سفن) لابن مقبل ، وفي الأساس (خوف) لزهير ، ~~وفي التاج (خوف) لذي الرمة. # والسفن : المبرد ، والتامك : السنام المرتفع ، والقرد : الكثير الوبر. |لخطاب ليلى يا لبرثن منكم||أدل وأمضى من سليك المقانب| PageV01P046 # يطبق مفاصل القفار ، وينصلت (1) من المجاهل انصلات المجلي (2) من النقع ~~المثار ، كالسهم مسددا إلى غرض (3) الفلاة ، والجارح منقضا على الموماة ، ~~لا يستدل بنجم ينظر فيه ، ولا يعرف نعشا ولا بنيه (4)، ولا يتقي أن يسهو ~~مع من سها ، فيذكره سهيل (5) أوالسها (6). يتبلد (7) النجم فيقف وقفة ~~الحيران ، وربما عن له المسير فناء كالنشوان ، وهو يشق أديم اليهماء (8)، ~~كما شق البدر حندس (9) الظلماء ، تحسده النجوم فتلاحظه بطرف كليل ، وتقاربه ~~الريح فتتنفس بنفس عليل ؛ حتى قطع بنا تلك المفاوز ، واكتسينا بحمد الله ~~برود الأمن بعد تلك المعاوز (10)، والحمد لله الذي كلت الألسن عن مدى حمده ~~، حمدا يستنفد مداده (11) البحر في مده. ### ||| * [ذكر تلمسان] # ثم وصلنا إلى مدينة تلمسان ، فوجدناها بلدا حلت به زمانة (12) الزمان ، ~~وأخلت به حوادث الحدثان (13)، فلم تبق به علالة (14)، ولا تبصر في أرجائه PageV01P047 # للظمان بلالة (1). وقد شاهدت جمعا من الحجاج ينيفون على الألف وردوها ، ~~ووقفوا إلى ملكها (2) فأعطاهم دينارا واحدا! وأغرب من هذا ما شاهدته [6 / ~~ب] من منصور صاحب مليكش (3)، وهو أن جماعة من الحجاج نحو العشرين ، وقفوا ~~إليه في محلته عند بيته ، فكلموه في عشائهم فرحب بهم واحتفل في السلام ~~عليهم ، ثم أخذ ينادي : يا أهل الدوار (4)، هؤلاء ضيفان الله ms010 ، من يحمل ~~منهم إلى بيته واحدا؟! وجعل يكرر ذلك كما يصنع المدرون [أهل المدر] (5)، ~~فلما لم يجبه أحد ولى عنهم ، ووراءه جمع كثيف من الفرسان ، وهو سلطان تلك ~~النواحي. # وتلمسان مدينة كبيرة ، سهلية جبلية ، جميلة المنظر ، مقسومة باثنتين ~~بينهما سور ، ولها جامع عجيب (6) مليح متسع ، وبها أسواق قائمة ، وأهلها ~~ذوو ليانة ولا بأس بأخلاقهم. وبظاهرها في سند الجبل موضع يعرف بالعباد (7) ~~، وهو مدفن الصالحين وأهل الخير ، وبه مزارات كثيرة ، ومن أعظمها وأشهرها PageV01P048 # قبر الشيخ الصالح القدوة فرد زمانه أبي مدين (1) رضياللهعنه ، ورزقنا ~~بركته وعليه رباط مليح مخدوم مقصود ، والدائر بالبلد كله مغروس بالكرم ~~وأنواع الثمار ، وسوره من (2) أوثق الأسوار وأصحها ، وبه حمامات نظيفة ، ~~ومن أحسنها ، وأوسعها ، وأنظفها ، حمام العالية (3)، وهو مشهور ، قل أن ~~يرى له نظير. وهذه المدينة بالجملة ذات منظر ومخبر ، وأنظارها متسعة ، ~~ومبانيها مرتفعة ، ولكنها مساكن بلا ساكن ، ومنازل بغير نازل ، ومعاهد ~~أقفرت من متعاهد ؛ تبكي عليها فتنسكب الغمام الهمع (4)، وترثي لها فتندب ~~الحمام الوقع. إن نزل بها مستضيف قرته بوسا ، أوحل فيها ضيف كسته من رداء ~~الردى لبوسا. # وأما العلم فقد درس رسمه في أكثر البلاد ، وغاضت أنهاره فازدحم على ~~الثماد (5). فما ظنك بها وهي رسم عفا طلله ، ومنهل جف وشله (6)، وقد حضرت ~~بها مدرسا مذكورا عندهم يقرأ عليه باب التوكيد من «الجمل» (7) PageV01P049 # فسمعته يقول : «كلا للمذكرين ، وكلتا للمذكرتين»! وأعربوا قول ابن دريد ~~(1): [الرجز] # هم الذين جرعوا من ما حلوا [7 / آ] # بأن : هم : مبتدأ ، والذين : مبتدأ ثان ، وجرعوا : خبره ، والجملة في ~~موضع خبر الأول! وهذا قليل من كثير ، وصبابة (2) من غدير!. # وأما الفقه عندهم فطويل الاغتراب ، يؤوب «إذا ما القارظ العنزي آب» (3)، ~~وقد تحاكم إلى قاضيها إذ كنت بها متبايعان في ذهب رديء ، فحكم بما قيل في ~~ذلك من يمين المبتاع على علمه ، فحلف وبرئ ، ثم أتى البائع بعد أيام بمن ~~شهد له أن صاحبه إنما دفع له سكة فاس وكان الذي تداعيا فيه من سكة فاس ~~فأحضر المبتاع ووبخه بأنه حلف إثما وأنه قد ظهر ms011 كذبه ، وحكم عليه بإبدال ~~(4) الذهب. وإلى هذا انتهى بالعلم وأهله الحال ، وحسبنا الله وعليه ~~الاتكال!. # وقوله صدر بيت من مقصورته ، عجزه : «أفاوق الضيم ممرات الحسا» والمماحلة ~~: العداوة ، انظر شرح المقصورة للتبريزي : 59. |فرجي الخير وانتظري إيابي||إذا ما القارظ العنزي ابا| PageV01P050 # ومع ذلك ، فلو انتهت خطة القضاء إلى عليان أوماني (1)، لم تكن في ~~الشناعة كانتهائها إلى العمراني (2) بحضرة مراكش (3)، كلأها الله! ولا كلأ ~~القاضي المذكور حيا وميتا! فإنه منجنيق ظلم ترمى به قواعد الدين ، ونفط (4) ~~فساد يضرم قلوب المهتدين ، وقد وفق الله لخضد (5) شوكته ، وإخماد جمرته ~~أمير المؤمنين (6) أيده الله فأغمد من جوره سيفا قاطعا ، وعوض المسلمين من ~~ظلامه ضياء ساطعا. ومن بعض غرائبه التي شاهدتها أن قوما ادعي عليهم القتل ، ~~وأثبت المدعي دعواه بوثيقة عليها إعلامه بصحتها ، فاحتجوا بأن لهم مدفعا ، ~~فطلب المدعي تثقيفهم (7) كما يجب شرعا ؛ فقال له |فتنفست ثم قلت لطيفي||ويك! لو زرت طيفها إلماما| |حيها بالسلام سرا وإلا||منعوها لشقوتي أن تناما| # زادهما على قول أبي العتاهية المشهور : |حجبوها عن الرياح لأني||قلت يا ريح بلغيها السلاما| PageV01P051 # القاضي : هؤلاء كبراء الناس وأعيانهم وممن لا يتغيب. وهذه سنة إسرائيلية ~~أحياها هذا اللعين ، لا حياه الله! ولا صفح عنه! فما أعظم جرأته على الله ~~عز وجل ! # أخبرنا الشريف الفاضل المحدث أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن ~~الحسيني الغرافي بثغر الإسكندرية ، عن الشيخ الصالح المحدث أبو الحسن علي ~~بن أبي بكر القلانسي ويعرف بابن روزبة ، عن الإمام أبي الوقت عبد الأول بن ~~عيسى بن شعيب السجزي ، عن أبي الحسن عبد الرحمن ابن محمد الداودي البوشنجي ~~، عن أبي [7 / ب] محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ، عن أبي عبد ~~الله محمد بن يوسف الفربري ، عن البخاري قال : حدثنا علي ، حدثنا سفيان ، ~~قال : وجدت في كتاب كان كتبه أيوب بن موسى : عن الزهري عن عروة عن عائشة أم ~~المؤمنين أن امرأة من بني مخزوم سرقت ، فقالوا : من يكلم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيها؟ فلم يجترىء أحد ms012 أن يكلمه. فكلمه أسامة بن زيد (1)، ~~فقال : «إن بني إسرائيل كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم ~~الضعيف قطعوه ، لو كانت فاطمة لقطعت يدها» (2). PageV01P052 ### ||| * [لقاؤه لابن خميس] # وما رأيت بمدينة تلمسان من ينتمي إلى العلم ، ولا من يتعلق منه بسبب ، ~~سوى صاحبنا أبي عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن خميس (1)، وهو فتي السن ~~مولده عام خمسين ، وله عناية بالعلم مع قلة الراغب فيه والمعين عليه ، وحظ ~~وافر من الأدب ، وطبع فاضل في قرض الشعر. وكنت ألفيت الشيخ الفقيه أبا ~~إسحاق إبراهيم بن يخلف التنسي (2)، وأخاه أبا الحسن مسافرين إلى المشرق ~~وهما من سكان تلمسان ، وليسا منها ، فقيهان مشاركان في العلم مع مروءة تامة ~~ودين متين ، وأبو إسحاق أسنهما وأسناهما ، وهو ذو صلاح وخير. وكان شيخنا ~~زين الدين أبو الحسن بن المنير حفظه الله يثني عليه كثيرا ، وسألني عن ~~الغرب ، فذكرت له قلة رغبة أهله في العلم ، فقال لي : «أما بلاد يكون فيها ~~مثل أبي إسحاق التنسي فما خلت من العلم». وقد أدركتهما بمصر ، وكان أبو ~~الحسن لم يحج فحج معنا ، فلقيت منه خيرا فاضلا. وقد لازم شيخنا أبا الفتح ~~بمصر مدة وأخذ # وأخوه أبو الحسين من العلماء الفضلاء لم أقف على وفاته. ترجمته في نيل ~~الابتهاج : 35 ، والبستان : 66 68 وتعريف الخلف : 2 / 18 ، ومعجم أعلام ~~الجزائر 85. PageV01P053 # عنه كثيرا ، ولما حج رجع مع أخيه إلى تلمسان ، وكنت حين وردتها قد أقمت ~~بها مدة منتظرا للركب ، فكنت آنس بابن خميس وأكثر مجالسته ومفاوضته ، ~~وأعجبني ذهنه وحاله ؛ فإني وجدته [8 / آ] على حال انزواء وتقلل من الدنيا ، ~~وفي أول ما اجتمعت به رأى في يدي كتابا فسألني عنه ، فقلت : هو (1) كتاب ~~«الشمائل» (2) فاستظرف فعلي في إمساكه ، وقال لي : أخبرني الفقيه أبو عبد ~~الله بن حمدون ، قال لي : أخبرني الفقيه أبو زيد بن القاضي بتونس أن أبا ~~أبا محمد بن حوط الله (3) ورد على أبيه فأنزله بداره ، وكان يبيت في سريره ~~ومعه خريطة لا يفارقها ، وكانت تفوح منها رائحة ms013 المسك ، قال : وكنت أهاب أن ~~أسأله عما فيها ، فرقد ذات يوم فسقطت عن السرير ووقع منها كتاب «شمائل ~~النبي» صلى الله عليه وسلم . # وقد أنشدني ابن خميس كثيرا من شعره ، فمن ذلك قوله من قصيدة (4): ~~[الكامل] # ومن العجيبة أن أقيم ببلدة %~% يوما وأسلم من أذى جهالها (5) PageV01P054 شغلوا بدنياهم ، أما شغلتهم %~% عني ، فكم ضيعت من أشغالها حجبوا بجهلهم ، فإن لاحت لهم %~% شمس الهدى عبثوا بضوء ذبالها (1) وإن انتسبت فإنني من دوحة %~% تتقيل الأنساب برد ظلالها من حمير من ذي رعين من ذوي %~% حجر من العظماء من أقيالها (2) وإذا رجعت لطينتي معنى فما %~% سلسالهم بأرق من صلصالها (3) # ومن ذلك قوله : (4) [الطويل] # أنبت ، ولكن بعد طول عتاب %~% وطول لجاج ضاع فيه شبابي (5) وما زلت والعليا تعني غريمها %~% أعلل نفسي دائما بمتاب (6) وهيهات من بعد الشباب وشرخه %~% يلذ طعامي أو يسوغ شرابي خدعت بهذا العيش قبل بلائه %~% كما يخدع الصادي بلمع سراب 5 تقول : هو الشهد المشور جهالة %~% ولكنه السم المشوب بصاب (7) وما صحب الدنيا كبكر وتغلب %~% ولا ككليب ريء فحل ضراب (8) إذا كعت الأبطال عنها تقدموا %~% أعاريب غرا في متون عراب (9) PageV01P055 [8 / ب] وإن ناب خطب أو تفاقم معضل %~% تلقاه منهم كل أصيد ناب تراءت لجساس مخيلة فرصة %~% تأتت له في جيئة وذهاب (1) 10 فجاء بها شوهاء تنذر قومها %~% بتشييد أرجام وهدم قباب (2) وكان رغاء السقب في قوم صالح %~% حديثا فأنساه رغاء سراب (3) فما تسمع الآذان في عرصاتهم %~% سوى نوح ثكلى أو نعيب غراب وسل عروة الرحال عن صدق بأسه %~% وعن بيته في جعفر بن كلاب (4) وكانت على الأملاك منه وفادة %~% إذا آب منها آب غير مآب 15 يجير على الحيين : قيس وخندف %~% بفضل يسار أو بفضل خطاب زعامة مرجو النوال مؤمل %~% وعزمة مسموع الدعاء مجاب فمر يزجيها حواسر ظلعا %~% بما حملوها من منى ورغاب (5) إلى فدك والموت أقرب غاية %~% وهذا المنى يأتي بكل عجاب (6) PageV01P056 تبرض صفو العيش حتى استشفه %~% فراق له البراض قشب حباب (1) 20 فأصبح في تلك المواطن نهزة %~% لنبش ضباع ms014 أو لنهش ذئاب (2) وما سهمه عند النضال بأهزع %~% وما سيفه عند المصاع بناب (3) ولكنها الدنيا تكر على الفتى %~% وإن كان منها في أعز نصاب وعادتها ألا توسط عندها %~% فإما سماء أو تخوم تراب فلا ترج من دنياك ودا وإن يكن %~% فما هو إلا مثل ظل سحاب 25 وما الحزم ، كل الحزم إلا اجتنابها %~% وأشقى الورى من تصطفي وتحابي أبيت لها ، مادام شخصي ، أن ترى %~% تمر ببابي أو تطور جنابي (4) فكم عطلت من أربع وملاعب %~% وكم فرقت من أسرة وصحاب وكم عفرت من حاسر ومدجج %~% وكم أثكلت من معصر وكعاب (5) مثالب مثل الرمل لا تقل انها %~% تعد فتحصيها ضروب حساب (6) 30 إليكم بني الدنيا نصيحة مشفق %~% عليكم ، بصير بالأمور نقاب (7) PageV01P057 [9 / آ]طويل مراس الدهر ، جدل ، مماحك %~% عريض مجال الهم ، ~~حلس ركاب (1) تأتت له الأهواء أدهم سابقا %~% وغصت به الأيام أشهب كاب (2) ولا تحسبوا أني على الدهر عاتب %~% فأعظم مابي منه أيسر مابي وما أسفي إلا شباب خلعته %~% وشيب أبى إلا نصول خضاب (3) 35 وعمر مضى لم أحل منه بطائل %~% سوى ما خلا من لوعة وتصاب (4) ليالي شيطاني على الغي قادر %~% وأعذب شيء محنتي وعذابي (5) عكسنا قضايانا على حكم عادنا %~% وما عكسها عند النهى بصواب (6) على أحمد المختار أزكى تحيتي %~% فتلك التي أعتد يوم حسابي (7) # قلت : هذه القصيدة مهذبة الألفاظ والمعاني ، وألذ من نغمات المثالث ~~والمثاني ، إلا أن مقطعها قلق ناب ، لا يلين ولو مضغ بضرس وناب ، ليس يلتئم ~~بما قبله ولا يمتزج ، ولا يزال السمع به يقلق وينزعج ، وقد زاولته أن يلتحم ~~(8) فأبى ، وحاولته كي يلتئم (9) فنبا. وقوله : |فتلك عتادي أو ثناء أصوغه||كدر سحاب أو كدر سخاب| # والسخاب قلادة تتخذ من القرنفل وغيره ، ليس فيها من اللؤلؤ والجوهر شيء. PageV01P058 ................................ %~% فإما سماء أو تخوم تراب # الوجه فيه : «وإما تخوم تراب» بتكرير إما بعد حرف العطف ، وقلما يؤتى بها ~~غير مكررة إلا نادرا ، كقول الشاعر (1): [السريع] # إما فتى نال العلا فاشتفى %~% أو بطل ذاق الردى فاستراح # وأنشدني أيضا لنفسه قصيدة منها قوله ms015 (2): [الوافر] # ويا برقا أضاء على أوال %~% يمانيا متى جئت الشآما أثغر أمامة أنت ابتساما %~% أم الدر الأوالي انتظاما (3) خفقت ببطن واديها لواء %~% ولحت على ثنيتها حساما أمشبه قلبي المضنى احتداما %~% علا ماذدت عن جفني المناما (4) 5 ولم أسهرتني وصددت عني %~% خيالا كان يأتيني لماما (5) وأبلغ منك تأريقا لجفني %~% كلام أثخن الأحشا كلاما (6) تعرض لي فأيقظت القوافي %~% و «لو ترك القطا ليلا لناما» (7) PageV01P059 [9 / ب] أضام وفي يدي قلمي لماذا %~% أضام لغير جرم أو علاما (1) به وبما أذلق من لساني %~% أفل الصارم العضب الهذاما (2) 10 خليلي إن قدرت فلا تكلني %~% لدهر علم الشح الغماما (3) وردت فلم أرد إلا سرابا %~% وشمت فلم أشم إلا جهاما (4) # قلت : أنكر غير واحد أن يقال «الشآم» بالمد في غير النسب ، وليس إنكاره ~~بشيء ، وهو ممدود في شعر حبيب (5)، وقد ردوه ولم يروه حجة ، ونسوا قول ~~النابغة الذبياني (6): [الوافر] # على إثر الأدلة والبغايا %~% وخفق الناجيات من الشآم (7) # ويروى «من السآم» بالمهملة ، جمع سآمة ، والحجة في الرواية الأولى. # وكذلك أنكروا تشديد الياء من «اليماني» ؛ لأن الألف كالعوض من التشديد ، ~~كما رأوا المد بزعمهم في شآم عوضا من تشديد ياء النسب. # وإذا جاز مده في غير النسب جاز تشديد الياء مع المد. وقد أنشد المبرد على ~~تشديد ياء اليماني مع زيادة الألف : (8) [الطويل] PageV01P060 فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر %~% وأبرق والبرق اليماني خوان # وهذا البيت أيضا شاهد لمن قال : أبرق وأرعد ، بالألف ، أي : تهدد ، وأصله ~~من الرعد والبرق ، وقد أنكره بعضهم (1) بالألف ، وقال : «إنما هو رعد وبرق ~~بغير ألف ، وكذلك رعدت السماء وبرقت» والصواب : أنهما لغتان أشهرهما بغير ~~ألف ، وعليها قول الشاعر : (2) [الكامل] # فإذا حللت ودون بيتي ساوة %~% فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد (3) # وقوله : «علامات ذدت» الوجه فيه حذف الألف ؛ لأن «ما» الاستفهامية إذا ~~دخل عليه حرف جر حذف منها الألف ؛ لكثرة الاستعمال وفرقا بينها وبين ~~الخبرية ، قال تعالى : ( @QUR@04 فيم أنت من ذكراها ) (4) وقال جل شأنه : ( ~~@QUR@05 في ما هم فيه يختلفون ) (5). ولو حذفت الألف منها لصح الوزن ، ~~وكان ms016 الجزء معقولا (6)، ولكنه [10 / آ] زحاف قبيح ، ولو قال : صددت أو ~~طردت ، أو تذود ، أو نحو ذلك ، لسلم من الوجهين معا ، وتخلص من الضرورتين ~~(7) جميعا ، وبالله التوفيق. PageV01P061 # وأنشدني أيضا للفقيه الأديب الكاتب الأبرع ، أبي بكر محمد بن عبيد الله ~~(1) بن داود بن خطاب المرسي (2) مما أنشده إياه لنفسه (3): # [الكامل] # أبصرت أبواب الملوك تغص بالر %~% راجين إدراك الغنى والجاه (4) مترقبين لها فمهما فتحت %~% خروا لأذقان لهم وجباه فأنفت من ذاك الزحام وأشفقت %~% نفسي على إنضاء جسمي الواهي ورأيت باب الله ليس عليه من %~% متزاحم فقصدت باب الله وتخذته من دونهم لي عدة %~% وأفقت من غيي وطول سفاهي (5) # وأنشدني عنه أيضا ، ونقلته من خط ابن خطاب ، قال : ومما نظمته والتزمت ~~فيه حرف الراء والترصيع : (6) [مجزوء الكامل المرفل] # اشكر لربك وانتظر %~% في إثر عسر الأمر يسرا واصبر لكربك وادخر %~% في ستر ضر الفقر أجرا (7) فالدهر يعثر بالورى %~% والصبر بالأحرار أحرى والوفر أظهر معشرا %~% والفقر بالأخيار يغرى (8) PageV01P062 # قلت : نظام هذه الأبيات يدل على باع في الأدب مديد ، وطبع فاضل ومقول ~~مجيد ، وناظمها رحمه الله متمكن الجلالة ، معروف الأصالة ، لقي جماعة من ~~الأفاضل ، وأخذ عنهم فاضلا عن فاضل ، وقد وقفت على بطاقة بخطه ، قيد فيها ~~لصاحبنا أبي عبد الله جملة ممن لقيه من العلماء والصلحاء ، ونصها : ### ||| * [برنامج شيوخ ابن خطاب المرسي] # «يقول محمد بن عبيد الله بن داود بن خطاب الغافقي وفقه الله : لقيت من ~~الشيوخ ببلدتي مرسية (1) أعادها الله تعالى للإسلام الفقيه الأستاذ النحوي ~~أبا بكر محمد بن محمد المعافري الشهير بالقرشي ، وقرأت العربية عليه ؛ [10 ~~/ ب] والفقيه الأستاذ النحوي المسن أبا علي الحسن بن عبد الرحمن الكناني ~~الشهير بالرفاء (2) وقرأت عليه «مقامات الحريري» ومن شعر المتنبي ، وأكثر ~~«الحماسة» (3)؛ والفقيه العالم المسن أبا بكر محمد بن محرز الزهري (4)، ~~وقرأت عليه أكثر «التلقين» (5) للقاضي أبي محمد PageV01P063 # عبد الوهاب (1)، وسمعت عليه دولا كثيرة من «الموطأ» ، وقرأت عليه بلفظي ~~«كتاب الترمذي» كله ، وسمعت عليه «سنن أبي داود» بقراءة صاحبنا الفقيه أبي ~~بكر بن حبيش (2)، وسمعت عليه «السير» ms017 بقراءة أبي الحسن الرومي المعروف ~~ببلدنا بسحنون (3)، وأنشدني جملة من نظمه ، من ذلك قوله لابنه الأصغر أبي ~~عامر : [الخفيف] # يا بني وليس مثلي يسهو %~% عند وعظ يرويه مثلك عنه أنت ضيف الدنا فأقلل عيوبا %~% من قراها واخش الردى من لدنه # ولقيت الفقيه الإمام العالم أبا المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة ~~المخزومي (4) ولا زمته مدة إقامته بمرسية ، وقرأت عليه «التنقيحات» (5) ~~للسهروردي (6) و «مختصر المستصفى» للقاضي أبي PageV01P064 # الوليد بن رشد (1) المسمى ب «الضروري» ، وقرأت عليه بعض «التلقين» وكان ~~له عليه كلام حسن وتنبيه على مواضع منه لم أر من تفطن لها سواه ؛ ولقيت ~~الفقيه القاضي المسن أبا عيسى محمد بن أبي السداد (2)، وقرأت عليه بلفظي ~~«شمائل النبي» صلى الله عليه وسلم ، و «كتاب مسلم بن الحجاج» من أوله إلى آخره ~~، و «كتاب الترمذي» ، وسمعت بقراءة غيري عليه كثيرا من الكتب ، وكان يروي عن ~~الخطيب أبي القاسم بن حبيش (3)؛ ولقيت الفقيه أبا بكر بن جهور الأزدي (4) ~~، وسمعت عليه بقراءة أبي القاسم بن نبيل بعض «كتاب مسلم بن الحجاج» ~~رحمهم الله أجمعين. # وممن لقيته من الرجال الصلحاء بمرسية نفع الله [11 / آ] بهم الفقيه أبو ~~العباس الطرسوني ، (5) كان رحمه الله أحد الزهاد ؛ والفقيه أبو عبد الله ~~السمار المؤدب ، وكان أحد الفضلاء الزهاد ؛ والفقيه الخطيب بجامع PageV01P065 # مرسية أبو عبد الله بن فتح ؛ والفقيه الورع أبو عبد الله النجار ، كان ~~شديد الانقباض عن عشرة الناس ، وتؤثر عنه في الورع أخبار حسان ، رحم الله ~~جميعهم ورضي عنهم.» # انتهى ما وجدته بخط ابن خطاب رحمه الله . # قلت : لو قال ابن محرز : «أنت ضيف الدنيا» لقام الوزن وسلم من غرابة هذا ~~الجمع ، فإن جمع الدنيا غريب نادر ، وقد عابه صاحب اليتيمة (1) على أبي ~~الطيب المتنبي في قوله (2): [الطويل] # أعز مكان في الدنا سرج سابح %~% وخير جليس في الزمان كتاب # وأنشدني بيتين للشيخ الأديب الفاضل أبي الطيب صالح بن شريف الرندي (3) ~~رحمه الله وقال : أنشدنيهما عنه أبو العباس اللبلي (4) الكاتب ، وكان لابن ~~خميس فيهما نقد لم أرضه فلم ms018 يعلق بخاطري ، وذكره لي عن ابن خطاب وأنه لم ~~يرضهما ، وذلك منهما تعسف بين ، وهما قوله : [الكامل] # نزعات رام وهي نزعة ريمة %~% شقت صميم حشاي قبل أديمي (5) PageV01P066 سلت ظبا الألحاظ مرهفة على %~% قلب أرق من الهوى المكتوم (1) # وهذا أعذب (2) ما يكون من الشعر وأرقه ، وأحسنه لفظا ومعنى. # وأنشدني أيضا لابن الرومي متمثلا : (3) [الكامل] # لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم %~% حجج تضل عن الهدى وتجور وهن كانية الزجاج تصادمت %~% فهوت وكل كاسر مكسور والقاتل المقتول ثم ؛ لضعفه %~% ولوهنه ، والآسر المأسور (4) # وأنشدني أيضا من حفظه قصيدة لم أقف عليها تامة ، وأنشد منها أبو علي (5) ~~في «نوادره» (6) أبياتا ولم ينسبها ، وهي قوله : [11 / ب] # [الكامل] # [11 / ب] يلقى السيوف بوجهه وبنحره (7) %~% .............................. # الأربعة الأبيات. PageV01P067 # وكذلك أنشدها أبو عبيد البكري (1) في كتاب «التدريب» غير منسوبة إلا ~~لإنشاد العتبي ، ووصلها بأبيات ، ونسبها في كتابه «اللآلي» (2) لابن المولى ~~، وهو محمد بن عبد الله بن مسلم (3) مولى بني عمرو بن عوف. قال : وهو من ~~شعراء الدولتين (4)، وقد رأيت أن أثبت القصيدة هنا بجملتها لحسنها ~~وإعوازها ، وهي (5): [الكامل] ### ||| * [قصيدة ابن المولى] أنسيم ريقك أخت آل العنبر %~% هذا أم استنشاقة من عنبر (6) ونظام ثغرك ما نرى أم لمعة %~% من بارق أم معدن من جوهر (7) |أنسيم ريحك أم خيار العنبر||يا هذه أم ريح مسك أذفر| PageV01P068 أودعتني ، وجمال وجهك حرقة %~% ألهبت جمرتها بطرف أحور (1) قولي لطرفك أن يرد عن الحشا %~% لذعات نيران الهوى ثم اهجري (2) 5 وانهي جمالك أن يصيب مقاتلي %~% فتصيب قومك سطوة من معشري (3) إني من القوم الذين جيادهم %~% هبت على كسرى بريح صرصر (4) فأثرن نقعا ما انثنت أثناؤه %~% حتى تشتت فوق هامة قيصر فسلبن تاج الملك غصبا بالقنا %~% وأجزن باب الدرب آل الأصفر (5) آباي من كهلان أرباب الورى %~% وبنو الملوك عمومتي من حمير (6) 10 ضربوا بلاد الصين بالبيض التي %~% ضربوا بها كسرى صبيحة «تستر» (7) |ونشرت فرعك فوق متن واضح||وطويت كشحك فوق خصر مضمر| # والريح الصرصر : الشديدة البرد أو الصوت. |وسلبن تاجي ملك قيصر بالقنا||واجتزن باب الدرب لابن ms019 الأصفر| |قدنا من اليمن الجياد فما انثنت||حتى حوت بالصين مهجة بعبر| |ورمت سمرقندا بكل مثقف||لهج بأحشاء الفوارس أسمر| |صبحت بلاد الهند بالبيض التي||صبحت بها كسرى صبيحة دستر| PageV01P069 والأمن ما بين الشآم وفارس %~% بالحارث الجفني وابن المنذر (1) أولاد جفنة معشري وكأنهم %~% آساد غيل فوق خيل ضمر (2) وطئت ببدر من قريش خيلنا %~% ساداتها تحت القنا المتكسر ونصرن في الأحزاب حزب محمد %~% وكسون مؤتة ثوب موت أحمر (3) 15 وطوين يوم الفتح شركا ظاهرا %~% ونشرن أثواب الهدى في خيبر (4) وطلعن من أرجا حنين شزبا %~% يحملن كل سليل حرب مسعر (5) [12 / آ] ما إن يريد إذا الرماح تشاجرت %~% درعا سوى سربال طيب العنصر (6) يلقى السيوف بوجهه وبنحره %~% ويقيم هامته مقام المغفر (7) ويقول للطرف : اصطبر لشبا القنا %~% فعقرت ركن المجد إن لم تعقر (8) 20 وإذا الفوارس عددت أبطالها %~% عدوه في أبطالهم بالخنصر |ووطئن أرض الشام ثم وفارسا||بالحارث اليمني وابن المنذر| PageV01P070 وإذا تأمل شخص ضيف مقبل %~% متسربل أثواب محل أغبر (1) أو ما إلى الكوماء : هذا طارق %~% نحرتني الأعداء إن لم تنحري (2) فإذا أردت بأن ترى أسد الشرى %~% فدع الرماح لمذحج والأشعر (3) كم قد ولدنا من رئيس قسور %~% دامي الأظافر أو ربيع ممطر (4) 25 سدكت أنامله بقائم مرهف %~% في يوم ملحمة وذروة منبر (5) إن مر يوم لم يفد أكرومة %~% يعلو الأنام ببعضها لم يعذر نحن الذين نذل أعناق العدا %~% ونعز بالمعروف ذل المعسر (6) ولنا بيعرب بسطة من مفخر %~% لا ينكرون حضورها في محضر نرعى الجوار ولا نجور على الورى %~% ويبيت فينا الوفر غير موفر (7) |كم فوق وجه الأرض من ذي ثروة||لولا فواضل رفدنا لم يذكر| |لولا صوارم يعرب ورماحها||لم تسمع الأذان صوت مكبر| PageV01P071 30 قشرت قشيرا خيلنا عن دارها %~% وتحطمت أرماحنا في جعفر (1) دسنا تميما في قرار ديارها %~% يوم الجفار بكل طرف مجفر (2) نقري السديف ضيوفنا ، ورماحنا %~% في الروع حاضرة القرى للأنسر (3) وإذا المنى وردت على أموالنا %~% آبت محملة جميل المصدر لو رامت الجوزاء أن تعلو على %~% أعلى ذوائب مجدنا لم تقدر ms020 (4) 35 قحطان والدنا وهود جدنا %~% بهما غنينا عن ولادة قيدر (5) # قال أبو عبيد البكري في قوله : # يلقى السيوف بوجهه وبنحره %~% ....................... البيت : # «مذهب أكثر الشعراء المدح بلبس الدروع (6)، وكمال السلاح» وأنشد على ذلك ~~قول النابغة (7): [الكامل] # ويلي هذا البيت في أنوار الربيع أبيات أربعة هي : |قحطان قومي ما ذكرت فخارهم||إلا علوت على سنام المفخر| |السابقون إلى المكارم والعلا||والحائزون غدا حياض الكوثر| |فإذا أردت أن ترى مسعاتنا||فصل النواظر بالسماك الأزهر| |ثم الصلاة على النبي وآله||ما لاح برق في غمام ممطر| PageV01P072 «سهكين من صدإ الحديد كأنهم %~% تحت السنور جنة البقار (1) # وقال مسلم بن الوليد يمدح بعض آل المهلب : (2) [12 / ب] # [البسيط] # تراه في الأمن في درع مضاعفة %~% لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل # وأنشد على المذهب الآخر قول الأعشى : (3) [الكامل] # كنت المقدم غير لابس جنة %~% بالسيف تضرب معلما أبطالها » (4) ### ||| * [لقاؤه لابن عصام] # وممن لقيته بتلمسان أبو زكرياء يحيى بن عصام (5)، وهو رجل متقلل حيي ~~متعفف ، له حظ من اللغة ، ويقرض من الشعر ما لا بأس به ، جارا لأبي عبد ~~الله بن خميس فكنت أجتمع به عنده كثيرا ، ومما أنشدني لنفسه قوله : (6) # [الطويل] # ألا اعلم بأن الموت كأس مدارة %~% على كل من قد راح فيها ومن غدا (7) PageV01P073 وعضب رسوم شيم في شيع الورى %~% وماريىء يوما بعد ما شيم مغمدا (1) # وأنشدني أيضا لنفسه مناقضا لبعض المعتزلة (2) في قوله : (3) [الكامل] # لجماعة سمت هواهم سنة %~% وجماعة حمر لعمري موكفه (4) قد شبهوا معبودهم وتخوفوا %~% شنع الورى فتستروا بالبلكفه (5) # وقال ابن عصام : (6) [الكامل] # قل للذي سمى الهداة أولي النهى %~% حمرا لأن سلب الهدى والمعرفه فغدا يرجح الاعتزال جهالة %~% ويروقه زور وشاه وزخرفه الحق أبلج واضح لكنه %~% يعشي عيون أولي الضلالة والسفه اخسأ فقولك طائح كهباءة %~% طاحت بها هوج الرياح المعصفه (7) سوغت ذم جماعة سنية %~% قد أحرزوا من كل فضل أشرفه قطفوا أزاهر كل علم نافع %~% وأتوا بكل بديعة مستظرفه PageV01P074 قوم هم قمعوا الضلال وحزبه %~% بمقاول حكت المواضي المرهفه (1) هم شيعة الحق الذي ما بعده ms021 %~% إلا مهاو في الضلالة متلفه (2) آراؤهم يجلو البصائر نورها %~% ويميط أدواء القلوب المدنفه (3) أقصر فإن شقاقهم كفر فلا %~% تدع الرشاد لعصبة متعسفه من شذ عن سنن الجماعة قد غوى %~% جاءت بذا الكتب الصحاح معرفه # [13 / آ] # قلت : قد نظم القاضي أبو حفص بن عمر (4) في هذا أيضا فقال : (5) # [الكامل] # أجعلتم العلماء حمرا موكفه %~% هذا لأنكم أولو تلك الصفه أجهلتم صفة الإله وفعله %~% ونسبتموه لغيره بالزخرفه وأردتم تنزيهه فوقعتم %~% في الشرك والإلحاد والأمر السفه خالفتم سنن النبي وصحبه %~% وتبعتم في الزيغ أهل الفلسفه PageV01P075 # قلت : خفف القاضي رحمه الله «الحمر» ، والتخفيف في «فعل» مطرد إلا فيما ~~يلبس ، وهو هنا يلبس ملبس بجمع أحمر ، فينبغي ألا يخفف ؛ ولم يقرأ في السبع ~~( @QUR@03 كأنهم حمر مستنفرة ) (1) إلا بالتثقيل ؛ ومن هذه الحجة أنكر ~~المحققون (2) إسكان الباء في قوله صلى الله عليه وسلم : «اللهم إني أعوذ بك من ~~الخبث والخبائث» (3) لما كان إسكانه يلبس بالمفرد ، وسيأتي ذكر هذا الحديث ~~إن شاء الله تعالى. # ومما عرض لي نظمه بمدينة تلمسان جبرها الله قولي : [الطويل] # تغربت عن أهلي إليك ومالي %~% وأعرضت عن قيل عداك وقال تماثل في دنياي إذ أنت مطلبي %~% محب له شوق إلي وقال سموت على قصد إليك بهمة %~% ترى عيش كسرى مثل عيش دلال ولاحت لي الدنيا فأبصرت عمرها %~% ، ولو زيد أضعافا ، كحل عقال 5 وما عيشها إلا كظل غمامة %~% وما ملكها إلا كطيف خيال وهل بعد أن أسدى إلي لطائفا %~% يقصر عن تبيانهن مقالي وباشر قلبي باليقين مبردا %~% حرارة إشكال أخل بحالي (4) PageV01P076 أرى رافعا صوتي إلى غير جاهه %~% وأبسط للمخلوق كف سؤالي؟ أبعد سطوع الشيب في ليل لمتي %~% ونأي ضلالي بعد فيء ظلالي (1) 5 أهيم بدنيا. ما تساوي قلامة %~% وأخضع مرتادا لنيل نوال؟ (2) [13 / ب] أبى ذاك لي قصد إلى الله صاعد %~% وعلم سما بي فيه نحو كمال (3) فما أنا نحو النحو أسمو بهمتي %~% وفي اللغو أخطار اللغات ببالي (4) ولا منطقي بطلت في علم منطق %~% يعد حساما في مجال جدال (5) وليس كلامي في الكلام أقوده ms022 %~% كما قيد صعب للشماس موال (6) 15 ولا عارضت علم العروض عنايتي %~% لأجعله قبان نظم لآل (7) وأحسب تدقيق الحساب بطالة %~% لإبطال وقت لا يرد بحال ولكنني مهما نحوت تفقها %~% خلعت عذاري موضحا لخلالي ألا لست أعني بالتفقه ما حوت %~% دفاتر تملى من ظنون رجال ولكنه فقه علا عن تناقض %~% وليس لآراء الورى بمجال 20 تريك اطرادا منه كل قضية %~% أنابيب تبدو في متون عوال (8) PageV01P077 قضايا جلايا مثلما لاح ساطع %~% يصول بجند الليل اي صيال 25 قضايا إذا وفقت يشفيك حكمها %~% وإلا فلا تعرض لطب عضال فلست لها في الكتب يوما مطالعا %~% ولا سامعا فيها نظام مقال وفي عقل ذي القلب المتيم رقمها %~% يبين به عن كل أنوك سال (1) فإن أنت لم توصل لحال وصالها %~% فدعني وإياها حليف وصال (2) ### ||| * [ذكر مليانة] # وكان رحيلنا بعد المقام المطول (3) لخمس خلون من شهر ربيع الأول ، فنكبنا ~~عن طريق المدينة (4) يسارا ، وسرنا لا نألو جدا وانشمارا (5). ثم وصلنا ~~وقد ألقى جمل الإعياء جرانه ، وغنى بلبل العناء ألوانه ، إلى البلدة ~~الخصيبة مليانة (6)، وهي مدينة مجموعة مختصرة ، وليست مع ذلك عم أمهات ~~المدن مقصرة ؛ أشرفت من كثب على وادي شلف ، واستشرفت نسيم طرفها من شرف ، ~~في روضة جمة الأزهار والطرف ؛ فرعت في سفح جبل حمى حماها أن يرام ، وشرعت ~~في أصل نهر يشفي الهيم (7) من الهيام ، شاق منظرا ، وراق PageV01P078 # مخبرا ، وشفى الظماء موردا ومصدرا ، يشتهي الناظر [14 / آ] إليه وهو ريان ~~الشروع ، ويقول : لورش (1) به لأفاق المصروع ، كأن حصباءه (2) جمان (3) ~~والماء من رقته دموع ؛ وبها جامع مليح عجيب ، يدعو الشوق من رآه فيجيب ، ~~ولكن الزمان قد عوضه من حلي عطلا ، (4) وأدى له من حكمة خطلا (5)، وأبدل ~~هالته السها من تلك الأقمار ، وكساه بعد الحبر (6) الأظمار ، (7) وأحل ~~حلاله بعد الأنس بأنسها وحشة العمار ؛ فلو صرحت في الجوى بالجواب ، وأفصحت ~~عن (8) وقوع النوى بالنوائب النواب ، لأنشدت (9) باستعجال ، وقالت (10) ~~بارتجال : [الطويل] # شباب لدى عهد الشبيبة قد عسا %~% أعلل فيه النفس علي أو عسى (11) لعل ربوعا من حلاها عواريا %~% تعود لها تلك ms023 المفاخر ملبسا لعل نجوما كنت هالة بدرها %~% ستجلو ظلاما حل أفقي فألبسا لعل انتظام الشمل يرجع ثانيا %~% ويعطف بالإحسان دهر بنا أسا PageV01P079 5 رماني زماني بالنوى من أحبة %~% لبينهم عاد الأنيس معبسا (1) نأى عمر الحبر الإمام بحاضري %~% فكيف ألاقي من زماني تأنسا (2) وقد حظيت أغمات منه بما جد %~% تدرع من غر الفضائل ملبسا (3) لقد هنت حتى شط عني مزاره %~% ونالت به أغمات مجدا مؤسسا وكنت مقيلا للهداة تؤمه %~% فصرت لأخلاط الغواة معرسا (4) 10 وكنت لباغي الجود والعلم ملتقى %~% فإن شئت مقراة وإن شئت مدرسا وكم كنت للضرغام والظبي مألفا %~% أنسيك إن أبصرت خيسا ومكنسا (5) أراغم ريب الدهر منه بما جد %~% إذا ضاق خطب أو تفاقم نفسا فجللت عن تلك الجلالة حلة %~% وعوضت من تلك الأهلة حندسا فها أنا أشدو إن نطقت تمثلا %~% وليل همومي قد دجا بي وعسعسا (6): PageV01P080 «وبدلت قرحا داميا بعد صحة %~% لعل منايانا تحولن أبؤسا » (1) # وما بقي بها من له بالعلم أدنى عناية ، ولكنا قد استفدنا بها حكاية [14 / ~~ب] وهي أن بعض الكتاب كان يكتب كتابا عن أمير ، فلما قرأه عليه لم يرضه ~~فمزقه ، فكتبه ثانية ، فمزقه ، فلما رأى تعسفه أخذ قرطاسا ونظم فيه ارتجالا ~~: (2) [الطويل] # رأيتك تكويني بميسم منة %~% كأنك أنت اليوم علة تكويني (3) وتلويني الحق الذي أنا أهله %~% وتمطلني فيه بعذل وتلويني (4) فأقصر عن العتب الطويل فبلغة %~% من العيش تكفيني إلى حين تكفيني (5) # ولم آخذ هذه الحكاية ممن أطمئن إليه ؛ وأحيل بالعهدة فيها عليه ، ولكنني ~~قيدنها لتنظر ، وعرضتها لتخبر ، فإن صحت فهو الغرض ، وإلا فكم ظنت صحة بذي مرض. |«وتلويني الوعد الذي قد وعدتني||وتذهب فيه إلى كل تلوين» | # وفي اليتيمة «... وتخرج في أمري إلى كل تلوين» PageV01P081 ### ||| * [ذكر الجزائر] # ثم وصلنا إلى الجزائر ، وهي مدينة تستوقف بحسنها ناظر الناظر ، ويقف على ~~جمالها خاطر الخاطر (1) قد حازت مزيتي البر والبحر ، وفضيلتي السهل والوعر ~~؛ لها منظر معجب أنيق ، وسور معجز وثيق ، وأبواب محكمة العمل ؛ يسرح الطرف ~~بها حتى يمل ، ولكنها قد أقفرت من المعنى المطلوب ، كما : [البسيط] ms024 # أقفر من أهله ملحوب (2) %~% ............................. # فلم يبق بها من هو من أهل العلم محسوب ، ولا شخص إلى فن من فنون المعارف ~~منسوب. وقد دخلتها سائلا عن عالم يكشف كربة ، أو أديب يؤنس غربة ، فكأني ~~أسأل عن الأبلق العقوق (3)، أو أحاول تحصيل بيض الأنوق. ### ||| * [ذكر بجاية] # ثم وصلنا إلى مدينة بجايه (4)، مبدأ الاتفاق (5) والنهاية ، وهي مدينة ~~كبيرة ، حصينة شهيرة ، برية بحرية ، سنية سرية ، وثيقة البنيان ، عجيبة ~~الإتقان ، PageV01P082 # رفيعة المباني ، غريبة المعاني ، موضوعة في سفح جبل وعر ، مقطوعة بنهر ~~وبحر ، مشرفة عليهما إشراف الطليعة ، متحصنة بهما منيعة ؛ فلا مطمع (1) ~~فيها لمحارب ، ولا متسع بها لطاعن وضارب ؛ ولها جامع عجيب ، منفرد في حسنه ~~غريب ، من الجوامع المشهورة ، الموصوفة المذكورة ، وهو مشرف على برها ~~وبحرها [15 / آ] وموضوع بين سحرها ونحرها (2)؛ فهو غاية في الفرجة والأنس ~~، ينشرح الصدر لرؤيته وترتاح النفس ؛ وأهلها يواظبون على الصلاة فيه مواظبة ~~رعاية ، ولهم في القيام به تهمم وعناية ، فهو بهم مأهول عامر ، يتخلل أنسه ~~مسلك الأرواح ويخامر. # وهذا البلد بقية قواعد الإسلام ، ومحل جلة (3) من العلماء أعلام ؛ وله مع ~~حسن المنظر طيب المخبر ، ومع المرأى الرائق المعنى الفائق ، ومن الحصانة ~~ووثاقة البنيان ما أزرى بإرم وغمدان (4)؛ ولأهله من حسن الخلق والأخلاق ، ~~ما أنبأ عن طيب الهواء والماء ، والتربة والأعراق ؛ غير أنه قد اعتراه من ~~الغير ، ما شمل في هذا الأوان البدو والحضر ؛ وقد غاض بحر العلم الذي كان ~~به حتى عاد وشلا (5)، وعفا رسمه حتى صار طللا ؛ وبه آحاد من طلبة العلم قد ~~اقتصروا على مطالعة الصحف والدفاتر ، وسلكوا في ترك تصحيح الرواية طريقا لم ~~يرضه الأعلام الأكابر. PageV01P083 ### ||| * [لقاؤه للشاطبي] # ولم أر بها من أهل الشيمة الفضلى ، والطريقة المثلى (1)، أمثل من الشيخ ~~، الفقيه ، الخطيب ، الصالح ، المسند ، الراوية ، أبي عبد الله محمد بن ~~صالح ابن أحمد الكناني الشاطبي (2) حفظه الله وهو شيخ على سنن أهل الدين ، ~~سالك سبيل المهتدين ، مقبل على ما يعنيه ، مشتغل بعمر في طاعة الله يفنيه ؛ ~~دأبه الاقتصار على تجويد الكتاب ، والتردد ما بين بيته والمحراب. وقد ms025 لقي ~~من الشيوخ أعلاما ، صيره لقاؤهم والأخذ عنهم إماما ؛ وله مع علو الرواية حظ ~~وافر من الدراية ، إلى خلق لو شاب ماء البحر صار فراتا ، ودين ألزمه خشوعا ~~وإخباتا (3). وقد شاهدت له من غزارة العبرة ، ما هو من أعظم العبرة. # ولما ودعته قال لي : «إنك توحشني بفراقك! وقد أقبل عليك قلبي لأول ما ~~رأيتك». وما كانت مدة إقامتنا ببجاية إلا يومين ، قرأت عليه فيهما مع كثرة ~~[15 / ب] الشواغل وتسلط الهموم التي تخل بعقل العاقل بعض كتاب «الموطأ» ~~رواية يحيى بن يحيى (4)، وناولني سائره ، وبعض كتابي «التيسير» (5) PageV01P084 # و «المقنع» (1) للإمام أبي عمرو الداني (2)، وناولنيهما ، وقرأت عليه ~~جميع «قصيدة الشيخ الإمام أبي القاسم ، قاسم بن فيرة الرعيني الشاطبي (3) ~~في القراءات» ، وحدثني بها عن الشيخ الفقيه الخطيب (4) المقرىء (5) أبي بكر ~~محمد بن وضاح اللخمي (6) سماعا عن ناظمها الشيخ الفقيه الإمام أبي القاسم ~~المذكور. ووجدت على ظهر أصله من هذه القصيدة تنبيها بخطه على الاختلاف في ~~كنية الناظم المذكور ، هل هي أبو القاسم أو أبو محمد؟. # قلت : وهما معا صحيحتان ؛ وأهل مصر لا يعرفونه إلا بأبي القاسم ، ولهم ~~نظم هذه القصيدة ، وعندهم توفي في عقب جمادى الآخرة ، عام تسعين وخمس مئة ، ~~ومدفنه بمقبرة البيساني ، وكان يكنى في الأندلس بأبي محمد ، وبه كناه جميع ~~شيوخه الأندلسيين الذين قرأ عليهم ، فيما كتبوه له ، كأبي PageV01P085 # الحسن بن هذيل (1) وغيره ، وعادة الناس إلى الآن مختلفة في تكنية قاسم ~~على الوجهين المذكورين. # وقرأت عليه أيضا بعض كتاب «الشمائل» للترمذي ، وبعض كتاب «رياضة ~~المتعلمين» للحافظ أبي نعيم (2)، وناولني سائرهما ، وناولني «المفردات» ~~لأبي عمرو ، وكتاب «فضل قيام الليل» وكتاب «فضل تلاوة القرآن» للإمام أبي ~~بكر الآجري (3)، وأجازني (4) إجازة عامة ، وكتب بذلك خط يده ، وقيد لي ~~جملة من أسماء شيوخه ومروياته ، وقد جمع ذلك في «برنامج» له ، قرأته عليه ~~حين لقيته المرة الثانية حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وسألته عن ~~مولده فأخبرني أنه كان في التاسع والعشرين من ذي قعدة عام أربعة عشر وست ~~مئة. وقرأت عليه حديث كميل ms026 بن زياد (5) عن علي بن أبي طالب رضياللهعنه من ~~«رياضة المتعلمين» ، وحدثني به عن الشيخ الراوية أبي الحسين (6) # ترجمته في الإصابة : 3 / 300 ، وتهذيب التهذيب : 8 / 447 ، والأعلام : 5 / 234. PageV01P086 # أحمد بن محمد ابن أحمد بن السراج سماعا عليه [16 / آ] بقراءة الشيخ ~~العالم أبي عبد الله القضاعي ، عن أبي القاسم بن بشكوال بسنده فيها إلى ~~كميل «قال : أخذ علي بن أبي طالب رضياللهعنه بيدي فأخرجني إلى ناحية ~~الجبانة (1)، فلما أصحر (2) تنفس الصعداء ، ثم قال : يا كميل! إن هذه ~~القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير ؛ يا كميل! احفظ عني ما أقول : الناس ~~ثلاثة : عالم رباني ؛ ومتعلم على سبيل نجاة ؛ وهمج رعاع ، لكل ناعق أتباع ~~يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ؛ يا ~~كميل! العلم خير من المال ، العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه ~~النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ؛ يا كميل! محبة العالم (3) دين يدان به ~~، يكسبه الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد وفاته ، ومنفعة المال تزول ~~بزواله ، والعلم حاكم والمال محكوم عليه ؛ يا كميل! مات خزان المال ، ~~والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب ~~موجودة. ثم قال ، ها إن هاهنا علما وأشار إلى صدره لو أصبت له حملة! بلى ، ~~أصبت لقنا غير مأمون يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا ، ويستظهر بحجج الله ~~على أوليائه ، وبنعم الله على معاصيه ، أو منقادا لحملة العلم لا بصيرة له ~~في أنحائه ، يقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ؛ ألا لا ذا ولا ذاك ؛ ~~فمن هو منهوم باللذات ، سلس القياد إلى الشهوات ، مغرم بالجمع والادخار ، ~~وليس من دعاة الدين أقرب PageV01P087 # شبها به الأنعام. كذلك يموت العلم بموت حامليه (1). ثم قال : اللهم! بلى ~~لا تخلو الأرض من قائم [لك] (2) بحجة إما ظاهرا مشهورا ، وإما خافيا مغمورا ~~، لئلا تبطل حجج (3) الله وميثاقه ؛ وكم وأين أولئك الأقلون عددا ، ~~والأعظمون قدرا؟ بهم يحفظ الله حججه حتى يودعها في قلوب أشباههم ، هجم بهم ~~العلم على حقائق الأمور ، فباشروا روح اليقين فاستلانوا ms027 ما استوعر المترفون ~~، وأنسوا بما استوحش منه [16 / ب] الجاهلون ؛ صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها ~~معلقة بالملكوت الأعلى ؛ يا كميل! أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى ~~دينه. هاه هاه شوقا إليهم وإلى رؤيتهم! واستغفر الله لنا ولهم ، انصرف إذا ~~شئت» (4). # وقرأت عليه فيها بسنده إلى علي أيضا ، قال : «إن من حق العالم ألا تكثر ~~عليه السؤال ، ولا تعنته (5) في الجواب ، ولا تلح عليه إذا كسل ، ولا تأخذ ~~بثوبه إذا نهض ، ولا تشير إليه بيدك ، ولا تفشين له سرا ، ولا تغتابن عنده ~~أحدا ، ولا تطلبن عثرته ، فإن زل انتظرت أوبته ، وقبلت معذرته (6)، وأن ~~توقره وتعظمه لله ، ولا تمشي أمامه ، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى ~~خدمته ، ولا تتبرمن طول صحبته ، فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر ما سقط عليك ~~منها منفعة ، وإذا جئت فسلم على القوم وخصه بالتحية ، واحفظه شاهدا وغائبا. ~~وليكن ذلك كله لله ، فإن العالم أعظم أجرا من الصائم القائم المجاهد في PageV01P088 # سبيل الله. وإذا مات العالم انثلمت في الإسلام ثلمة (1) إلى يوم القيامة ~~لا يسدها إلا خلف مثله ، وطالب العلم تشيعه الملائكة من السماء». # وقرأت عليه فيها بسنده إلى الحارث الأعور (2) عن علي أيضا قال : قيل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أمتك ستفتتن من بعدك ، فسئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ما المخرج من ذلك؟ قال : «كتاب الله الذي ( @QUR@013 لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) (3) من ابتغى ~~العلم في غيره أضله الله ، ومن ولي هذا الأمر من جبار فحكم بغيره قصمه الله ~~؛ هو الذكر الحكيم ، والنور المبين ، والصراط المستقيم ؛ فيه خبر ما قبلكم ~~، ونبأ ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ؛ وهو الفصل ليس بالهزل ؛ وهو الذي سمعته ~~الجن فلم تتناه أن ( @QUR@08 فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ) ~~(4) لا يخلق على طول الرد ، ولا تنقضي عبره ، ولا تفنى عجائبه» (5) ثم قال ~~للحارث : خذها يا أعور. # وأنشدني حفظه الله لنفسه : (6) [الطويل] # [17 / آ]أرى العمر يفنى والرجاء طويل %~% وليس إلى ms028 قرب الحبيب سبيل حباه إله الخلق أحسن سيرة %~% فما الصبر عن ذاك الجمال جميل (7) PageV01P089 متى يشتفي قلبي بلثم ترابه %~% ويسمح دهر بالمزار بخيل؟ دللت عليه في أوائل أسطري %~% فذاك نبي مصطفى ورسول # وأنشدني أيضا قال : أنشدني الشيخ الفقيه الخطيب أبو محمد عبد الله ابن ~~عبد الرحمن بن عبد الله ، هو ابن برطله (1)، لنفسه : (2) [مخلع البسيط] # أسلمني للبلى وحيدا %~% من هو في ملكه وحيد (3) قضى علي الفناء حتما %~% فلم يكن عنه لي محيد وكيف يبقى غريق ترب %~% بدأته أولا صعيد (4) يعيده آخرا إليه %~% من نعته المبدئ المعيد (5) # وأنشدني كذلك له أيضا : (6) [الطويل] # أيا ناظرا نحوي ترحم لراحل %~% أتته المنايا في ثياب مقيم (7) فلم يلتمس زادا سوى حسن ظنه %~% ومن يبتغي زادا لدار كريم؟ (8) PageV01P090 # قلت : (1) وأظن هذا الشعر مأخوذا من قول الآخر (2): [السريع] # قالت لي النفس : أتاك الردى %~% وأنت في بحر الخطايا مقيم وما انتقيت الزاد ، قلت : ارعوي %~% هل يحمل الزاد لدار الكريم؟ (3) # وأنشدني كذلك له أيضا : (4) [مخلع البسيط] # دنياك مهما اعتبرت فيها %~% كجيفة عرضة انتهاب (5) إن شئتها فاحتمل أذاها %~% واصبر على خلطة الكلاب # قلت : وكأن هذا أيضا مأخوذ من قول الآخر ، أخبرنا به الشريف أبو الحسن ~~علي بن أحمد إجازة عن الشيخ أبي الحسن محمد بن أحمد بن القطيعي المؤرخ ، عن ~~الإمام أبي الفرج بن الجوزي (6) مما أنشده في صفة الدنيا (7): [17 / ب] ~~[الطويل] |دنياك مهما اعتبرت جيفة||قد عرضت فرصة انتهاب| # وفي درة الحجال : دنياي مهما اغتررت ... النهاب. وفي الكتيبة الكامنة : ~~واصبر عليها مع الكلاب. PageV01P091 وهل هي إلا جيفة مستحيلة %~% عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها %~% وإن تجتذبها نازعتك كلابها # وأما ضبط هذا الاسم فقد قيدته على شيخنا أبي عبد الله : برطلة ، بتاء ~~التأنيث المنقلبة هاء في الوقف ، وبضم الباء والطاء ، وقيده الفقيه أبو ~~الحسن ابن رزين (1) بضم اللام وهاء ساكنة ، وقال هكذا ثبت عنه ؛ وهو من أهل ~~مرسية ، علم من أعلامها وعالم من علمائها ، خطب بها وببجاية بخطب بليغة من ~~إنشائه ، وولي القضاء بمواضع من عمل ms029 تونس ، وبها استقر أخيرا ، بعد أسر ~~ناله مرتين ، وحج ثم رجع إلى تونس فتوفي بها عام أحد وستين وست مئة. # وقرأت عليه أيضا أول قصيدة أبي عبد الله بن أبي الخصال (2)، التي سماها ~~: «معراج المناقب (3)» وناولنيها ، وحدثني بها عن ابن السراج قراءة عن ~~أبوي القاسم : ابن بشكوال وابن غالب الشراط ، سماعا عليهما ، بقراءة خاله ~~أبي بكر محمد بن خير ، عن ناظمها المذكور ، وأولها : (4) [الطويل] # إليك! فهمي والفؤاد بيثرب %~% وإن عاقني عن مطلع الوحي مغربي PageV01P092 ### ||| * [ذكر بني ورار] # ثم وصلنا إلى بني ورار ، ثم إلى ميلة (1)، فلم نر إلا رسوما بحوادث ~~الدهر محيلة ؛ يقتصر في وصفهما (2) من أراد أن يعمل بيانه ، على ما تقدم من ~~وصف مليانة ، وكلتاهما على شكل مدينة ، ليست بثمينة ولا متينة ؛ عمل البلى ~~فيهما وفي السكان ، وأدخل الجميع في خبر كان ؛ وفي كلتيهما عين تسح ، وعنصر ~~(3) يجود ولا يشح ؛ وبنو ورار أعمر المحلين ، وعينها أغزر العينين ، تسقي ~~البلد نهلا وعللا (4)، وتفيض عليه غللا يشفي غللا (5)؛ وعين ميلة في داخل ~~البلد ، ليست بفيض ولا ثمد (6)، وقد طويت (7) طيا بديع الإحكام ، وبنيت ~~بنيانا يدل على فرط اعتناء واهتمام (8)، تقف [18 / آ] عليه النواظر وقوف ~~استغراب ، وتصفه الألسنة على جهة الإغراب (9)، وكفى ببلد خلاء وفناء ألا ~~يحوي ما يوصف إلا ماء وبناء. ### ||| * [ذكر قسنطينة] # ثم وصلنا الى البلد الذي نشفت الخطوب معينه ، وأبت الأقدار أن تكون له ~~معينة ؛ بلد الوضع العجيب ، والموضع الخصيب ، مدينة PageV01P093 # قسنطينة (1)، جبر الله صدعها ، وكفاها من نوائب الدهر ما واصل قرعها ؛ ~~وهي مدينة عجيبة حصينة ، غير أنها لخطوب الدهر مستكينة ؛ قد ذبلت ببوارح ~~الغير ، وفوادح الضرر رياضها ، ونضبت بسهائم الآفات ، وعظائم الملمات ~~حياضها ، حتى صارت كالحسناء لبست أسمالا ، والكريم فقد مالا ، والبطل ~~أثخنته الجراحة حتى لم يطق احتمالا ؛ فهي تري الحوادث لمحا باصرا (2)، ~~وتنادي بلسان الحال : «ذل لو أجد ناصرا» (3) [الخفيف] # من رأيت المنون خلدن أم من %~% ذا لديه من أن يضام خفير (4) # وبها للأوائل آثار عجيبة ، ومبان متقنة الوضع غريبة ، وأكثرها من حجر ~~منحوت ، يعجز ms030 الوصف إتقانه ويفوت ؛ وقد دار بها واد شديد الوعر ، بعيد ~~القعر ، أحاط بها كما يحيط السوار بالمعصم ، ومنعها (5) كما يمنع النيق (6) ~~الأعصم (7)؛ ولكن سهام الدهر لا تقيها الجنن (8)، ولا تمنع منها القنن ~~(9)؛ وريب المنون وصرف الزمن ، قد أعيت الحيلة فيها من ومن. PageV01P094 ### ||| * [لقاؤه لابن باديس] # ولم أر بها من ينتمي إلى طلب ، ولا من له في فن من فنون العلم (1) أرب ، ~~سوى الشيخ أبي علي حسن بن بلقاسم بن باديس (2)، وهكذا قيد لي اسم أبيه ~~بخطه مخلوطا (3)، وقال لي : إنه اسم وكنية ؛ وهو شيخ من أهل العلم يذكر ~~فقها ومسائل ، ذو سمت وهيئة ووقار ؛ وليس في البلد من يذكر بعلم سواه البتة ~~؛ وليست (4) له بالرواية عناية ، ولم يرو إلا «الموطأ» وحده ، فإنه قد قرأه ~~على الشيخ الفقيه المحدث أبي يعقوب [18 / ب] يوسف بن موسى الغماري الحساني ~~(5) حين خطر على قسنطينة راجعا من المشرق ، فأقام عندهم مدة لتوالي الأمطار ~~، فقرأه عليه وهو إذ ذاك كبير ، وفارقه وهو عنده مجهول ، وما عرف من هو حتى ~~عرفته به حين رأيت خطه الذي كتبه له (6) على «الموطأ» ، وقد قرأت عليه صدرا ~~منه ، وحدثني به عنه ، وسمعته يقول : سمعت الشيخ الصالح الحاج المسن حسنا ~~الحلفاوي يقول ، «عمرت خمسا وثمانين سنة ، ما تم لي بها سرور قط إلا ثلاثة ~~أيام : يوم دخولي مكة ، ويوم وقوفي بعرفة ، ويوم دخولي مدينة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم » وسمعته أيضا يقول : وقع PageV01P095 # الكلام بين يدي الفقيه الإمام أبي الحسن اللخمي (1) في حكم السفر إلى ~~الحج مع فساد الطريق ، وهل الأولى تركه احتياطا على النفس ، أو الاستسلام ~~في التوجه إليه؟ وكان اللخمي مائلا إلى ترجيح الترك. قال : وكان في المجلس ~~رجل واعظ ، فقال له : يا فقيه! تسمع ما أقول؟ قال : نعم ، فأنشد : (2) ~~[البسيط] # إن كان سفك دمي أقصى مرادهم %~% فما غلت نظرة منهم بسفك دمي (3) # فاستحسن كل من حضر منزعه ، وانفصل المجلس على أن الأولى هو تحمل الخطر في ~~التوجه ، والإعراض عن تلك العوائق. وسألته عن الأديب أبي علي ms031 حسن بن علي بن ~~عمر (4) القسنطيني المعروف بابن الفكون ، فذكر لي أنه أدركه وهو طفل صغير ، ~~ولم يحفظ له مولدا ولا وفاة. ورمت أن أجد من أروي عنه قصيدته المشهورة في ~~رحلته من قسنطينة إلى مراكش فلم أجده ، فقيدتها هنالك غير مروية ؛ وكان ~~القسنطيني كتب بها إلى أبي البدر بن مردنيش وهو بقسنطينة ، وهي هذه : (5) ~~[الوافر] PageV01P096 ### ||| * [قصيدة ابن الفكون] ألا قل للسري ابن السري %~% أبي البدر الجواد الأريحي أيا معنى السيادة والمعالي %~% ويا بحر الندى بدر الندي [19 / أ] أما وبحقك المبدي جلالا %~% وما قد حزت من حسب علي وما بيني وبينك من ذمام %~% وما أوتيت من خلق رضي 5 لقد رمت العيون سهام غنج %~% وليس سوى فؤادي من رمي فحسبك نار قلبي من سعير %~% وحسبك دمع عيني من أتي (1) وكنت أظن أن الناس طرا %~% سوى زيد وعمرو غير شي فلما جئت ميلة خير دار %~% أمالتني بكل رشا أبي (2) وكم أورت ظباء بني ورار %~% أوار الشوق بالريق الشهي (3) 10 وجئت بجاية فجلت بدورا %~% يضيق بوصفها حرف الروي وفي أرض الجزائر هام قلبي %~% بمعسول المراشف كوثري وفي مليانة قد ذبت شوقا %~% بلين العطف والقلب القسي (4) وفي تنس نسيت جميل صبري %~% وهمت بكل ذي وجه وضي (5) PageV01P097 وفي مازونة ما زلت صبا %~% بوسنان المحاجر لوذعي (1) 15 وفي وهران قد أمسيت رهنا %~% لظامي الخصر ذي ردف روي (2) وأبدت لي تلمسان بدورا %~% جلبن الشوق للقلب الخلي ولما جئت وجدة همت وجدا %~% بمنخنث المعاطف معنوي (3) وحل رشا الرباط رشا رباطي %~% وتيمني بطرف بابلي (4) وأطلع قطر فاس لي شموسا %~% مغاربهن في قلب الشجي (5) 20 وما مكناسة إلا كناس %~% لأحوى الطرف ذي حسن سني (6) وإن تسلا عن ارض سلا ففيها %~% ظباء صائدات للكمي (7) وفي مراكش يا ويح قلبي %~% «أتى الوادي فطم على القري» (8) # انظر وصف إفريقيا : 2 / 12. والانخناث : التثني. PageV01P098 بدور بل شموس بل صباح %~% بهي في بهي في بهي (1) أتحن مصارع العشاق لما %~% سعين به فكم ميت وحي (2) 25 بقامة كل أسمر سمهري %~% ومقلة كل أبيض مشرفي (3) [19 ms032 / ب] إذا أنسوني الولدان حسنا %~% أنسيهم هوى غيلان مي (4) فها أنا قد تخذت الغرب دارا %~% وأدعى اليوم بالمراكشي على أن اشتياقي نحو زيد %~% كشوقي نحو عمرو بالسوي (5) تقسمني الهوى شرقا وغربا %~% فيا للمشرقي المغربي (6) 30 فلي قلب بأرض الشرق عان %~% وجسم حل بالغرب القصي (7) فهذا بالغدو يهيم غربا %~% وذاك يهيم شرقا بالعشي ولولا الله مت هوى ووجدا %~% وكم لله من لطف خفي (8) # قلت : قال أهل اللغة (9): الغنج والغنج : الدل وحسن الشكل ؛ فقوله : # لقد رمت العيون سهام غنج %~% ........................ PageV01P099 # غير ملائم ، وقائله لا يسلم من لائم ، ولا يحسن في الأدب خطاب ذوي الرتب ~~بمثل قوله : # فحسبك نار قلبي من سعير %~% ................................ # وإذا نعي على أبي الطيب قوله : (1) [الطويل] # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا %~% ................................. # وقوله : (2) [الطويل] # إذا ما لبست الدهر مستمتعا به %~% تخرقت والملبوس لم يتخرق # وقد علم أن المخاطب بذلك غير الممدوح ، فما الظن بهذا وقبله (3) # أما وبحقك المبدي جلالا %~% ......................... البيتين؟ # وقوله : # بوسنان المحاجر لوذعي %~% ................................ # موضوع في غير موضعه ، فإن الوسن إنما يوصف به الجفن والعين والطرف وما ~~جرى مجراه ، كما قال عدي بن الرقاع (4): [الكامل] PageV01P100 وسنان أقصده النعاس فرنقت %~% في عينه سنة وليس بنائم # وأفرطوا حتى جعلوه مرضا ، فقال النابغة : (1) [الكامل] # نظرت إليك بحاجة لم تقضها %~% نظر السقيم إلى وجوه العود (2) # وتبعه جرير فقال : (3) [البسيط] # إن العيون التي في طرفها مرض %~% قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # [20 / آ] وأما المحاجر فما وصفها أحد بالوسن فيما أعلم. # وترتيب اللوذعي مع وصف المحاجر ، كترتيب الدل مع الشنب (4)، والتحاكم في ~~ذلك إلى كثير ؛ وقوله : «معنوي» بعد : منخنث المعاطف ، أبعد من هذا ؛ ولقد ~~استربت به حتى ظننت أنه مصحف ، ولا أتبرأ فيه من تصحيف. وذكر الانخناث في ~~المعاطف ليس بدون هذا في القبح ، فإن اللفظ وإن كان له أصل في اللغة في ~~اللين والتثني ، فقد رفعه كثرة (5) الاستعمال في وجه آخر ، وإنما جرت عادة ~~الشعراء في وصف المعاطف بذكر التثني واللين والانعطاف لا (6) بالانخناث. |وقد رأينا بها حورا منعمة||بيضا تكامل فيها الدل والشنب ms033| # فثنى نصيب خنصره فقال له الكميت : ما تصنع؟ قال : أحصي خطأك. تباعدت في ~~قولك : تكامل فيها الدل والشنب هلا قلت كما قال ذو الرمة : |لمياء في شفتيها حوة لعس||وفي اللثاث وفي أنيابها شنب| # انظر الأغاني : 1 / 348 حاشية 3. PageV01P101 # وقوله : «رشا رباطي» لفظ مختل (1) جاف ، ما جلبه إلا التجنيس ، وإذا وجد ~~الرشاء والرباط فما بقي إلا الضرب ؛ وأي رقة مع هذه الألفاظ الجافية؟ ولو ~~قال : رشا ارتباطي لكان أقرب مع بعده ؛ لأنه أراد التماسك والتثبت ، ~~فالارتباط به أليق. # وقوله : «مغاربهن في قلب الشجي» خارج عن اعتدال الكلام ؛ فإنه أراد بما ~~ذكر من غروبهن في القلوب اشتمالها على حبهن ، وليس إذا غرب حبهن في القلوب ~~فقد غربن فيها ؛ ولا يحسن أن يقال : «مطالعهن (2) قطرفاس ، ومغرب حبهن قلب ~~الشجي» ، وإنما يحسن أن يذكر في غروبهن (3) ما يغيبهن عن النواظر كالخدور ~~(4) ونحوها ، وبذلك جرت عادة الشعراء ، وهو مستعمل كثير ، نحو قوله : ~~[الكامل] # قمر إذا استخجلته بعتابه %~% لبس الغروب ولم يعد لطلوع # ونحو منه قول أبي الطيب : (5) [الكامل] # بأبي الشموس الجانحات غواربا %~% ................................. # فهذا الرجل لم يخالف مبدعا ، ولم يوالف متبعا. PageV01P102 # وقوله : «بدور بل شموس بل صباح» نزول مفرط ، وعكس للرتبة ؛ فإن الشمس ~~أشهر من الصباح وأنور ، والانتقال عن التشبيه بالأعلى إلى الأدنى أشبه ~~بالذم منه [20 / ب] بالمدح ، ولا سيما مع الإضراب. # وقوله : «بهي في بهي في بهي» غير منطبق على صدر البيت ، ولا ملائم له ، ~~ولو قال : «بدور في خدور في قصور» لجاء عليه عجز البيت أليق من العقد بجيد ~~الحسناء ، وأوفق من الجود (1) للروضة الغناء. # وقوله : «إذا أنسوني الولدان حسنا» ضعيف ساقط ؛ لأن التشبيه والتمثيل (2) ~~يجب أن يكونا في كل صنعة بما تعارفه أهلها واشتهر عندهم ، هذا على تقدير ~~التقييد في الولدان ، فكيف واللفظ بهم مطلق (3)، يدخل تحته كل ما يسمى ولدا. # وقوله : «فهذا بالغدو يهيم غربا» كلام غير محصل ؛ فإن الجسم العري من ~~القلب لا يهيم ، وإنما يهيم القلب ؛ وليست الباء هنا ظرفية بمعنى «في» ؛ ~~لأن الهيمان لا يتخير الأوقات ، وما ms034 أضعف حبا لا يهيج (4) إلا مرة في اليوم ~~، وإنما هي للإلصاق ؛ أي : هذا يشتاق في وقت الغروب إلى الغدو ، وذلك في ~~وقت الشروق إلى العشي ، شوقا من هذا إلى الشرق ، ومن ذاك إلى الغرب ؛ وهو ~~معنى حسن لو ساعده اللفظ. PageV01P103 ### ||| * [ذكر بونة] # ثم وصلنا إلى مدينة بونة (1)، فوجدناها بلدة بطوارق الغير مغبونة ، ~~مبسوطة البسيط ولكنها بزحف النوائب مطوية مخبونة (2)؛ تلاحظ من كثب فحوصا ~~(3) ممتدة ، وتراعي من البحر جزره ومده ؛ تغار لها العيون من جور النوائب ، ~~وتأسى لها النفوس من الأسهم الصوائب. وقد أزعج السفر عن حلولها ، فلم أقض ~~وطرا من دخولها. ومن أغرب المسموعات أنا صادفنا وقت المرور بها زويرقا (4) ~~للنصارى ، لا تبلغ عمارته عشرين شخصا ، وقد حصروا البلد حتى قطعوا عنه ~~الدخول والخروج ، وأسروا من البر أشخاصا فأمسكوهم للفداء بمرسى البلد ، ~~وتركناهم ناظرين في فدائهم. ومن مولانا اللطيف الخبير نسأل اللطف بنا في ~~أحكام [21 / آ] المقادير. ### ||| * [ذكر خولان] # ثم مررنا على قرية خولان ، ولم يعرج عليها من صحبنا إنسان ، ولم أر بها ~~ما يتعرض له ببيان (5)، ولا يعمل فيه قلم ولا لسان ، سوى أن فناءها رحب ~~المسرح ، وبسيطها أبسط من غيره وأشرح ، ولكن أيدي الخطوب قد زوته (6) ~~فانزوى ، وأظمات أهلها وهم شرع في الماء الروى. PageV01P104 ### ||| * [ذكر باجه] # ثم وصلنا إلى مدينة باجة (1)، وهي مدينة جرعها الدهر أجاجه (2)؛ قد ~~هتكتها الأيدي العادية ؛ وفتكت فيها الخطوب المتمادية ، حتى صارت وهي حاضرة ~~بادية ؛ فخشوعها لائح وضراعتها بادية ؛ وقد حدثت بها أن أهلها لا يفارقون ~~السور خوفا من العربان ، وأنهم يستعدون لدفن الجنائز كما يستعد (3) ليوم ~~الضراب والطعان. ولم نقم (4) بها إلا ظل نهار ، فلم أختبر لذلك حالها حقيقة ~~الاختبار. ### ||| * [لقاؤه لأبي علي الطبلي] # وما رأيت بها من له إلى العلم انتماء ، أو لهمته نحو المعارف ارتماء (5) ~~، سوى الأديب النحوي أبي علي حسين بن محمد الطبلي ؛ بالطاء والباء الساكنة ~~بواحدة ؛ وهو رجل له مقول منقاد ، وذهن مشتعل وقاد ، حسن الخلق مقبول ~~الصورة ، ولكن همته فيما رأيت على علم العربية مقصورة ، وقد جمع ms035 أكثر ~~مؤلفاتها ، واحتفل في تحصيل مصنفاتها ، فاجتمع له من (6) ذلك ما دل على ~~نبله ، وأعانه على تسديد نبله ؛ سألته عن نسبته المتقدمة فقال لي : هو لقب ~~جرى علينا قديما واشتهرنا به. وقد قرأت عليه بعض كتاب «المقرب» (7) في PageV01P105 # النحو ، وحدثني بجميعه قراءة على مؤلفه الشيخ الأستاذ النحوي أبي الحسن ~~علي بن مؤمن بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن عبد الله بن ~~منظور بن عصفور الحضرمي الإشبيلي ، وقيد لي هذا النسب بخطه ، وذكر لي أن ~~ابن عصفور أملاه عليه ، وأن مولده عام السيل بإشبيلية (1) [21 / ب] سنة سبع ~~وتسعين وخمس مئة ، قال : وتوفي بثغر تونس كلأه الله يوم السبت ، الرابع ~~والعشرين من ذي قعدة عام تسعة وستين وست مئة. وحدثني عنه بكتابه الكبير في ~~«شرح الجمل» إجازة ، وحدثني به وبغيره من تواليفه إجازة عنه شيخنا الفقيه ~~المحصل الراوية أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الأسيدي (2) بالقيروان (3) ~~وأفادني أبو علي المذكور حكاية عن أبي محمد الحريري لم يذكر لها سندا ، وهي ~~أن رجلا طلب منه إعارة كتاب كان يمسكه كثيرا للمطالعة فأنشده ارتجالا (4): ~~[الطويل] |جموع لأصناف العلوم بأسرها||فأخلق به ألا يفارقه كمي| PageV01P106 سمير فؤادي منذ عشرين حجة %~% وصيقل ذهني والمفرج من همي (1) قبيح على مثلي إعارة مثله %~% وآيته ألا يفارقه كمي (2) # وقد ذكرتني هذه الحكاية حكاية أخرى عن الحريري حكاها لي الفقيه القاضي ~~الحاج أبو أمية الدلائي (3) رحمه الله رأيت تقيدها بهذا الموضع ، و «الحديث ~~شجون» (4)، وهي أن رجلا رحل إليه ليقرأ عليه ، فلما جاءه سأله عن قصده ، ~~فأخبره ، فقال مرتجلا (5): [البسيط] # ما أنت أول سار غره قمر %~% ورائد خدعته خضرة الدمن (6) فاركض برجلك مصرا إنني رجل %~% شبه المعيدي فاسمع بي ولا ترني (7) PageV01P107 # قلت : خفف (1) الدال من المعيدي ، وهو الأشهر ، والأصل فيه التثقيل ، ~~وإنما خففت لكثرة الاستعمال ، قال أبو عبيد : «وكان الكسائي (2) يرى ~~التشديد في الدال» (3) وقال : إنما هو تصغير رجل منسوب إلى معد ، ولم أسمع ~~هذا من غيره ، والمثل «أن تسمع بالمعيدي خير ms036 من أن تراه» (4)، قال أبو ~~عبيد : «العامة لا تذكر أن» (5) ثم ذكر الاختلاف فيمن قاله وفيمن قيل فيه. ### ||| * [ذكر تونس] # ثم وصلنا إلى مدينة تونس (6) مطمح الآمال ومصاب كل برق ، ومحط الرحال من ~~الغرب والشرق ، ملتقى الركاب والفلك ، وناظمة فضائل البرين في سلك ، فإن ~~شئت أصحرت في موكب ، وإن شئت [22 / آ] أبحرت في مركب ، كأنها ملك والأرباض ~~لها إكليل ، وأرجاؤها روضة باكرتها ريح بليل (7)؛ إن وردت مواردها نقعت ~~غليلا ، وإن ردت فرائدها شفيت حشا عليلا ؛ جليت بها PageV01P108 # عروس الغروس ، وحليت (1) بها على ممر الحروس (2) الطروس (3)؛ لا تنشد ~~بها ضالة من العلم إلا وجدتها ، ولا تلتمس بها بغية معوزة إلا استفدتها ؛ ~~وأهلها ما بين عالم كالعلم ، رافع بين أهله للعلم ومعطل حد الظبا بحد القلم ~~، ومسلم على ربع بذي سلم ، شاك من وجده فرط الألم ؛ فاقت بحسن مغانيها ~~وإتقان مبانيها (4) غيرها من المدن وطالت ، وسطت بنخوتها ، وانتخت بسطوتها ~~على قواعد الشرق والغرب وصالت ، وترجم حسنها البهيج وعرفها (5) الأريج عن ~~معناها ، ولو نطقت لقالت : [الطويل] # أنا الغادة الحسناء فاق جمالها %~% فالت : يمينا لا خطبت على زوج (6) إذا الغانيات آرتدن وصل بعولة %~% فما بي ولا فخر إلى الزوج من حوج (7) أغادي إذا ما شئت ظبيا بقفرة %~% وأطرق نون اليم في ظلم الموج (8) وفي لمكدود الحجيج استراحة %~% فهم يردوني الدهر فوجا على فوج وإني إلى البيت العتيق كسلم %~% به يرتقي من في الحضيض إلى الأوج (9) PageV01P109 # وهذه المدينة كلأها الله من المدن العجيبة الغريبة ، وهي في غاية الاتساع ~~ونهاية الإتقان ، والرخام بها كثير (1)، وأكثر أبواب ديارها معمول به ~~عضائد وعتبا ، وجل مبانيها في حجر منحوت محكم العمل ، ولها أبواب عديدة ، ~~وعند كل باب منها ربض (2) متسع على قدر البلد المستقل ، ولو أتفق أن يكون ~~بها ماء جار لكانت معدومة النظير شرقا وغربا ، ولكن ماؤها قليل ؛ وفي ~~ديارها مصانع لماء المطر ، وهو المستعمل عندهم. # وأما الساقية المجلوبة من ناحية زغوان (3) [22 / ب] فقد استأثر بها قصر ~~السلطان (4) وجنانه إلا رشحا يسيرا سرب إلى ساقية (5) جامع ms037 الزيتونة ، ~~يتسرب (6) منها في أنابيب من رصاص ، ويستقي منها الغرباء ومن ليس في داره ~~ماء ، ويكثر عليها الازدحام (7). ### ||| * [جامع الزيتونة] # وهذا الجامع من أحسن الجوامع وأتقنها وأكثرها إشراقا ، ودائره مسقف ووسطه ~~فضاء قد نصبت فيه أعمدة من خشب على قدر ارتفاع PageV01P110 # الجدر ، وشدت إليها حبال متينة في حلق من حديد مثبتة فيها وفي السقوف شدا ~~محكما ، فإذا كان يوم الجمعة نشرت عليها شقق (1) الكتان المطبقة الموصولة ~~حتى تظلل جميع الفضاء ؛ ذلك دأبهم فيها حتى ينصرم (2) فصل الصيف. # وأما الساقية المذكورة فهي من جملة غرائب الدنيا ، وهي قديمة من عمل ~~الروم ، مجلوبة من جبال بجنوبي (3) تونس ، على مسيرة يومين أو نحوها في ~~أوعار وأودية منقطعة وجبال وآكام (4)، فإذا انتهوا بها إلى جبل أو تل ~~خرقوه وسربوا الماء فيه ، وإذا انتهوا إلى واد أو وهد بنوه قناطر بعضها فوق ~~بعض ، حتى يستوي مع مجرى الساقية بصخر منحوت أتقن ما يكون من البناء ، ~~وأغربه وأوثقه ، حتى ينسرب (5) الماء منها في مستو معتدل ، واتصلت هذه ~~الساقية بهذا العمل ، حتى دارت من وراء تونس إلى الغرب وانتهت إلى قرطاجنة ~~(6)، وبينها وبين تونس اثنا عشر ميلا ، وهي من أعجب مدن الأرض وأغربها ؛ ~~لما (7) يحكى عنها في فرط الاعتناء وغرابة الصنعة ، وحسبك أن هذه الساقية ~~من جملة الاعتناء بها. # وأما الرخام فمنها يجلب إلى كل موضع بإفريقية قديما وحديثا ، ولا يفنيه ~~ذلك منها ، وهي الآن داثرة لا أنيس بها ؛ وأهل تونس يخرجون إليها PageV01P111 # تفرجا وتعبدا ، والقناطر من تونس إليها معطلة ، وهذه القنطرة تعرف عندهم ~~بالحنايا (1)، وهو مما يقصر (2) عنها الوصف (3) لفرط إتقانها وغرابتها ؛ ~~ويذكر أن الروم أقاموا في تدبيرها والنظر في وضعها أربع مئة سنة [23 / آ] ~~وهذا بعيد. # وأما أبو عبيد البكري فحكى «أن عملها فرغ حتى استوى فيها الماء في أربعين ~~سنة» (4) وهذا يشبه مع الاعتناء التام ، والأداة الكاملة ، والقوة الوافرة. ~~وقد كان بعض الأمراء وهو أخو القائم بها الآن احتاج إلى إصلاح بعض الحنايا ~~بها مما يلي تونس ليوصل الماء إليها إذ كانت معطلة ms038 قبله فأقام في عملها ~~مجتهدا بأقصى ما يمكنه أعواما عديدة ، ولم يمكنه رد ذلك على ما كان عليه ، ~~ولا ما يقرب منه ، بل اقتنع بتسديده كيف ما أمكن مع قلته وتفاهته بالإضافة ~~إلى غيره. # وما زالت مدينة تونس كلأها الله دار ملك وضخامة ، وهي الآن دار مملكة ~~إفريقية على ضعف المملكة بها ، وانتهائها إلى حد التلاشي ، ومع ذلك فقد ~~أربت على البلاد في كل فضيلة ، وما رأيت لأهلها نظيرا شرقا وغربا ، شيما ~~فاضلة ، وخلالا حميدة ، (5) ومعاشرة جميلة (6)، وقد كان الأخلق بمن شاهد ~~أخلاقهم أن يطنب في وصفهم ، ويضرب عمن لم يمحضهم الوداد PageV01P112 # وينصفهم (1)؛ إذ ذاك من بعض واجبهم ، وأقل مراتبهم ، ولكن الزمان لا ~~يعين على توفية الحقوق ، ولا يتعمد بالفراغ إلا أهل العقوق ، وناهيك من بلد ~~(2) لا يستوحش به غريب ، ولا يعدم فيه كل فاضل أديب ؛ يبدؤون من طرأ عليهم ~~بالمداخلة ، ويخطبون منه لفضل طباعهم المواصلة ، فهو منهم بين أهل مشفق ، ~~ورفيق مرفق ؛ وقد كان بعض أخيار طلبتها وحسبائهم (3) لا زمني مدة الإقامة ~~بها وترك لأجلي مهمات أموره ، وعرفني بفضلائها ، وكان لا ينفصل عني عامة ~~النهار ، وكثيرا ما كنت أمر بمن لا يعرفني من أهلها ، فأسأله عن الطريق إلى ~~ناحية منها ، فيقوم من حانوته ماشيا بين يدي يسأل الناس عن الطريق ، ويدل ~~بي ، وهذا من أغرب ما يسمع من جميل الأخلاق و ( @QUR@06 ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء ) (4). ولولا أني دخلتها لحكمت بأن العلم في أفق الغرب قد [23 / ~~ب] محي رسمه ، (5) ونسي اسمه (6)، وضاع حظه وقسمه ، ولكن قضى الله بأن ~~الأرض لا تخلو من قائم له بحجة ، يرى سبيل الحق ويوضح المحجه (7)، وما من ~~فن من فنون العلم إلا وجدت بتونس به قائما ، ولا مورد من موارد المعارف إلا ~~رأيت بها حوله واردا وحائما (8). PageV01P113 # وبها من أهل الرواية والدراية عدد وافر ، يجلو الفخار بهم عن محيا سافر ، ~~وينير علمهم وقد : [الكامل] # ................................... %~% ألقت ذكاء يمينها في كافر (1) # ولكنه لم يقض لي حين ورودها أن أقضي الوطر من لقاء جميع مذكورها ms039 ومعدودها ~~(2)، بسبب وظائف السفر ولوازمه ، واقتصار معربه على أعمال جوازمه. ### ||| * [لقاؤه لابن هارون] # وكان حكم السفر حينئذ قد استمر وتمادى ، فلم ألق بها من أهل العلم إلا ~~آحادا ، منهم الشيخ الفقيه الأديب (3) الفاضل المسند المسن أبو محمد عبد ~~الله بن محمد بن هارون الطائي القرطبي (4)، وهو شيخ وطيء الأكناف ، لين ~~الجانب لقاصديه ، له رواية عالية لكبر سنه ، أدرك جملة من أفاضل العلماء ~~وروى عنهم ، منهم الشيخ الفقيه الخطيب المقرىء جده لأمه (5) أبو PageV01P114 # جعفر أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلصة الحميري ، والقاضي أبو القاسم أحمد ~~بن يزيد بن بقي (1)، وصحب أبا القاسم ابن الطيلسان (2)، وأخذ عنه كثيرا ، ~~وأخذ عن جماعة من أهل الأندلس بها وبالعدوة ، وقد جمع أسماءهم في «برنامج» ~~له ، قرأته عليه حين لقيته ثانية حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. لقيته ~~حين وردت تونس فقرأت عليه بعض «الموطأ» رواية يحيى بن يحيى ، وناولني سائره ~~، وحدثني به عن الشيخ الفقيه القاضي أبي القاسم بن بقي قراءة عليه لبعضه ، ~~وسماعا عليه (3) لسائره بأسانيده المعروفة. وقرأت عليه بعض كتاب «التيسير» ~~للإمام أبي عمرو المقرىء ، وناولني سائره ؛ وسمعت عليه دولا من «صحيح مسلم» ~~وقد سمع جميعه (4) على القاضي أبي القاسم بن بقي ، وناولني «فهرسته» [24 / ~~آ] وفهرستي جده أبي جعفر والقاضي أبي القاسم بن بقي تخريج ابن الطيلسان ، ~~وحدثني بهما وبما تضمنتاه عنهما ، وأجازني في كل ما تصح روايته عنه إجازة ~~عامة ، وكذلك أجاز ولدي محمدا وفقه الله وكتب لي بذلك خط يده. PageV01P115 # ولقيته مرة ثانية في رجوعي من المشرق فقرأت عليه أشياء يأتي ذكرها في ~~موضعه إن شاء الله من هذه الرحلة. ### ||| * [لقاؤه لأبي جعفر اللبلي] # ومنهم الشيخ الأستاذ النحوي الأديب الفاضل المحدث الراوية أبو جعفر أحمد ~~بن يوسف الفهري اللبلي (1)، وهو شيخ مسن قوي الرجاء ، حسن الظن بأهل الدين ~~، سريع العبرة ؛ رحل قديما إلى المشرق فحج ، ولقي جماعة من الأئمة ~~بالإسكندرية ومصر والشام والحجاز ؛ وله «برنامجان» كبير وصغير (2) في أسماء ~~شيوخه ، وعدة تواليف ، منها «شرح الفصيح» و «شرح أبيات ms040 الجمل» وغير ذلك. ~~لقيته وجالسته أياما فقرأت عليه جملة صالحة من أول كتاب «الموطأ» رواية ~~يحيى بن يحيى ، وجميع كتاب «الجامع» من آخره ، وناولني سائره مرارا ، ~~وحدثني بجميعه بأسانيده المرسومة في برنامجه ، وقرأت عليه جملة من قصيدة ~~الشيخ الإمام أبي القاسم الشاطبي (3) في القراءات ، وحدثني بها عن صهر أبي ~~القاسم المذكور زوج ابنته كمال الدين PageV01P116 # أبي الحسن علي شجاع بن سالم (1) قراءة منه عليه بمصر عن ناظمها المذكور ، ~~وسمعت عليه مجالس من كتاب «التيسير» للإمام أبي عمرو المقرىء ، ومن كتاب ~~«الشمائل» للترمذي ، وقرأت عليه بعضه ، وناولني إياهما وأجازني عموما (2) ~~في كل مارواه وألفه وكل ما تصح لي (3) روايته عنه من منثور ومنظوم إجازة ~~عامة ، وأجاز ولدي محمدا وفقه الله وكتب لي بذلك خط يده حسبما سطرته ؛ ~~وسمعت عليه أرجوزته المسماة ب «العقيدة» وما ضم إليها من نثر ، وكان قد أخذ ~~يحفظها صبيان المكاتب (4) رغبة في نشرها (5) والانتفاع بها (6)، وحملني ~~حتى سمعتها منهم [24 / ب] بمحضره ، وحرضني على نشرها رجاء الانتفاع بذلك ؛ ~~نفعه الله وإياي ، وأخلص نيتنا في طلب العلم لوجهه الكريم بمنه. ### ||| * [لقاؤه لابن هريرة] # ومنهم الفقيه الأديب الفاضل ذو العناية والتهمم صاحبنا وولينا في الله ~~أبو عبد الله محمد بن عبد المعطي بن محمد النفزي ، شهر بابن هريرة حفظه ~~الله لقيت منه خيرا فاضلا ذا مروءة وأخلاق جميلة ، وله عناية PageV01P117 # بالتاريخ وحظ من الأدب ، ومشاركة في غير فن ، أفادنا وأفدناه ، وجالسته ~~كثيرا ، وناولني كتابه الذي جمعه في «وفيات المشاهير من أهل كل فن وموالدهم ~~ونتف من أخبارهم» وأسمعني مواضع منه ، وأجازني سائره ، وهو كتاب مفيد لولا ~~أنه لم يرتب على ما ينبغي ، وقرأت عليه قصيدة الشيخ الفقيه (1) العالم ~~الصالح (2) أبي محمد عبد الله بن الشيخ الفقيه الصالح (3). أبي زكرياء ~~يحيى بن علي الشقراطسي التوزري ، وحدثني بها عن شيخه الفقيه القاضي (4) أبي ~~عبد الله محمد بن علي (5) بن محمد بن علي (6) التوزري الشهير بالمصري ، ~~قراءة منه عليه ، عن الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي يحيى الطولقي ~~(7)، عن الشيخ ms041 الفقيه القاضي أبي عمرو عثمان بن أبي القاسم عبد الرحمن بن ~~حجاج ، عن الشيخ أبي محمد عبد العزيز (8) بن عمر بن حمادي بفتح الحاء ~~وتخفيف الميم وآخره ياء قبلها دال مكسورة ، عن الفقيه الخطيب المحدث أبي ~~القاسم عبد الرحمن بن محمد (9) بن أحمد النفطي عرف بابن الإمام وبابن ~~الصائغ ، عن الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن يخلف ابن واطاس بطاء مشددة ~~، عن ناظمها المذكور ؛ وذكر لي عن شيخه أبي عبد الله PageV01P118 # المصري المذكور أن شقراطس قصر قديم من قصور قفصة (1)، وأنه والى البحث ~~عن وفاة الشقراطسي حتى أخبره من وثق به (2) أنها كانت في يوم الثلاثاء ~~لثمان خلون من ربيع الأول سنة ست وستين وأربع مئة. [25 / آ] وقد رأيت أن ~~أثبت القصيدة هنا (3) بجملتها بحول الله تعالى ، وهي هذه : (4) # [البسيط] ### ||| * [القصيدة الشقراطسية] الحمد لله منا باعث الرسل %~% هدى بأحمد منا أحمد السبل (5) خير البرية من بدو ومن حضر %~% وأكرم الخلق من حاف ومنتعل (6) توراة موسى أتت عنه فصدقها %~% إنجيل عيسى بحق غير مفتعل أخبار أحبار أهل الكتب قد وردت %~% عما رأوا ورووا في الأعصر الأول PageV01P119 5 ضاءت بمولده الآفاق واتصلت %~% بشرى الهواتف بالإشراق والطفل (1) وصرح كسرى تداعى من قواعده %~% وانقض منكسر الأرجاء ذا ميل (2) ونار فارس لم توقد ، وما خمدت %~% مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل ومنطق الذئب بالتصديق معجزة %~% مع الذراع ونطق العير والجمل خرت لمبعثه الأوثان ، وانبعثت %~% ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل 10 وفي دعائك بالأشجار حين أتت %~% تمشي بأمرك في أغصانها الذلل (3) وقلت عودي فعادت في منابتها %~% تلك العروق بإذن الله لم تمل والسرح بالشام لما جئتها سجدت %~% شم الذوائب من أفنانها الخضل (4) والجذع حن لأن فارقته أسفا %~% حنين ثكلى شجتها لوعة الثكل (5) ما صبر من صار من عين على أثر %~% وحال من حال عن حال إلى عطل (6) 15 حيى فمات سكونا ثم مات لدن %~% حيى حنينا فأضحى غاية المثل والشاة لما مسحت الكف منك على %~% جهد الهزال بأوصال لها قحل (7) PageV01P120 سحت بدرة شكرى ms042 الضرع حافلة %~% فروت الركب بعد النهل بالعلل (1) وآية الغار إذ وقيت في حجب %~% من كل رجس لرجس الكفر منتحل (2) وقال صاحبك الصديق : كيف بنا %~% ونحن منهم بمرأى الناظر العجل 20 فقلت : لا تحزن إن الله ثالثنا %~% وكنت في حجب ستر منه منسدل [25 / ب] حمت لديك حمام الوحش جاثمة %~% كيدا لكل غوي القلب مختبل (3) والعنكبوت أجادت نسج حلتها %~% فما يخال خلال النسج من خلل (4) قالوا : وجاءت إليه سرحة سترت %~% وجه النبي بأغصان لها هدل (5) وفي سراقة آيات مبينة %~% إذ ساخت الحجر في وحل بلا وحل (6) 25 عرجت تخترق السبع الطباق إلى %~% مقام زلفى كريم قمت فيه عل عن قاب قوسين أو أدنى هبطت ولم %~% تستكمل الليل بين المر والقفل (7) دعوت للخلق عام المحل مبتهلا %~% أفديك بالخلق من داع ومبتهل PageV01P121 صعدت كفيك إذ كف الغمام فما %~% صوبت إلا بصوب الواكف الهطل (1) أراق بالأرض ثجا صوب ريقته %~% فحل بالروض نسجا رائق الحلل (2) 30 زهر من النور حلت روض أرضهم %~% زهرا من النور ضافي النبت مكتهل (3) من كل غصن نضير مورق خضر %~% وكل نور نضيد مونق خضل تحية أحيت الأحياء من مضر %~% بعد المضرة تروي السبل بالسبل (4) دامت على الأرض سبعا غير مقلعة %~% لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل (5) ويوم زورك بالزوراء إذ صدروا %~% من يمن كفك عن أعجوبة مثل (6) 35 والماء ينبع جودا من أناملها %~% وسط الإناء بلا نهر ولا وشل (7) حتى توضأ منه القوم واغترفوا %~% وهم ثلاث مئين جمع محتفل أشبعت بالصاع ألفا مرملين كما %~% رويت ألفا ونصف الألف من سمل (8) PageV01P122 وعاد ما شبع الألف الجياع به %~% كما بدوا فيه لم ينقص ولم يحل (1) أعجزت بالوحي أرباب البلاغة في %~% عصر البيان فضلت أوجه الحيل (2) 40 سألتهم سورة في مثل حكمته %~% فتلهم عنه حين العجز حين تلي (3) فرام رجس كذوب أن يعارضه %~% بسخف إفك لم يحسن ولم يطل (4) مثبج بركيك الإفك ملتبس %~% ملجلج بردي الزور والخطل (5) يمج أول حرف سمع سامعه %~% ويعتريه كلال العجز والملل (6) [26 / آ] كأنه منطق الورهاء شذبه %~% لبس من ms043 الخبل أو مس من الخبل (7) 45 أمرت البئر بل غارت لمجته %~% فيها ، وأعمى بصير العين بالثفل (8) وأيبس الضرع منها شؤم راحته %~% من بعد إرسال رسل منه منهمل (9) # والزري : الحقير. والزور : الكذب. والخطل : المنطق الفاحش المضطرب. PageV01P123 برئت من دين قوم لا قوام لهم %~% عقولهم من وثاق الغي في عقل (1) يستخبرون خفي الغيب من حجر %~% صلد ، ويرجون غوث النصر من هبل (2) نالوا أذى منك لولا حلم خالقهم %~% وحجة الله بالأعذار لم تنل (3) 50 واستضعفوا أهل دين الله فاصطبروا %~% لكل معضل خطب فادح جلل (4) لاقى بلال بلاء من أمية قد %~% أحله الصبر فيه أكرم النزل (5) إذ أجهدوه بضنك الأسر وهو على %~% شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل (6) ألقوه بطحا برمضاء البطاح وقد %~% عالوا عليه صخورا جمة الثقل (7) يوحد الله إخلاصا وقد ظهرت %~% بظهره كندوب الطل في الطلل (8) 55 إن قد ظهر ولي الله من دبر %~% قد قد قلب عدو الله من قبل (9) PageV01P124 نفرت في نفر لم ترض أنفسهم %~% إذ نافروا الرجس إلا القدس من نفل (1) بأنفس بدلت في الخلد إذ بذلت %~% عن صدق بذل ببدر أكرم البدل من كل مهتصر لله منتصر %~% بالبيض مختصر بالسمر معتقل (2) يمشي إلى الموت عالي الكعب معتقلا %~% أظمى الكعوب كمشي الكاعب الفضل (3) 60 قد قاتلوا دونك الأقيال عن جلد %~% وجالدوا بجلاد البيض والجدل (4) وصلتهم وقطعت الأقربين معا %~% في الله لولاه لم تقطع ولم تصل وجاء جبريل في جند له عدد %~% لم تبتذلها أكف الخلق بالعمل (5) بيض من العون لم تستل من غمد %~% خيل من الكون لم تستن في طيل (6) أحبب بخيل من التكوين قد جبلت %~% بجانب عن جناب الحق معتزل (7) # الفضل : المتفضلة في ثوب واحد من غير قناع. PageV01P125 65 أعميت جيشا بكف من حصى فجثوا %~% وعقلوا عن حراك النقل بالنقل (1) ودعوة بفناء البيت صادقة %~% غدا أمية منها شر منخزل (2) [26 / ب] غادرت جهل أبي جهل بمجهلة %~% وشاب شيبة قبل الوقت من وجل (3) وعتبة الشر لم يعتب فتعطفه %~% منك العواطف قبل الحين في مهل (4) وعقبة الغمر عقباه لشقوته %~% إن ms044 ظل من غمرات الخزي في ظلل (5) 70 وكل أشرس عاتي القلب منقلب %~% جعلته بقليب البئر كالجعل (6) وجاثم بمثار النقع مشتغل %~% بجاحم من أوار الثكل مشتعل (7) عقدت بالخزي في عطفي مقلده %~% طوق الحمامة باق غير منتقل (8) PageV01P126 أمسى خليل صغار بعد نخوته %~% بالأمس في خيلاء الخيل والخول (1) دام يديم زفيرا في جوانحه %~% جنح من الشك لم يجنح ولم يمل (2) 75 يقاد في القد خنقا مشربا حنقا %~% يمشي به الذعر مشي الشارب الثمل (3) أوصاله من صليل الغل في علل %~% وقلبه من غليل الغل في غلل (4) يظل يحجل ساجي الطرف خافضه %~% لمسكة الحجل لا من مسكة الحجل (5) أرحت بالسيف ظهر الأرض من نفر %~% أزحت بالصدق منهم كاذب العلل تركت بالكفر صدعا غير ملتئم %~% وآب عنك بقرح غير مندمل (6) 80 وأفلت السيف منهم كل ذي أسف %~% على الحمام حماه اجل الأجل (7) قد أعتقته عتاق الخيل وهو يرى %~% به إلى رق موت رقة الغزل PageV01P127 فكم ببكة من باك وباكية %~% بفيض سجل من الآماق منسجل (1) وكاسف البال بالي الصبر جدت له %~% بوابل من وبال الخزي متصل (2) فؤاده من سعير الغيظ في غلل %~% وعينه من غزير الدمع في غلل 85 قد أسعرت منه صدرا غير مصطبر %~% وحملت منه صبرا غير محتمل (3) ويوم مكة إذ أشرفت في أمم %~% تضيق عنها فجاج الوعث والسهل (4) خوافق ضاق ذرع الخافقين بها %~% في قاتم من عجاج الخيل والإبل (5) وجحفل قذف الأرجاء ذي لجب %~% عرمرم كزهاء السيل منسحل (6) وأنت صلى عليك الله تقدمهم %~% في بهو إشراق نور منك مكتمل 90 ينير فوق أغر الوجه منتجب %~% متوج بعزيز النصر مقتبل (7) PageV01P128 [27 / آ]تسمو أمام جنود الله مرتديا %~% ثوب الوقار لأمر الله ممتثل خشعت تحت بهاء العز حين سمت %~% بك المهابة فعل الخاضع الوجل (1) وقد تباشر أملاك السماء بما %~% ملكت إذ نلت منه غاية الأمل والأرض ترجف من زهو ومن فرق %~% والجو يزهر إشراقا من الجذل (2) 95 والخيل تختال زهوا في أعنتها %~% والعيس تنثال رهوا في ثنى الجدل (3) لولا الذي خطت الأقلام من قدر %~% وسابق من قضاء ms045 غير ذي حول أهل ثهلان بالتهليل من طرب %~% وذاب يذبل تهليلا من الذبل (4) الملك لله! هذا عز من عقدت %~% له النبوة فوق العرش في الأزل شعبت صدع قريش بعدما قذفت %~% بهم شعوب شعاب السهل والقلل (5) 100 قالوا : محمد قد زارت كتائبه %~% كالأسد تزأر في أنيابها العصل (6) فويل مكة من آثار وطأته %~% وويل أم قريش من جوى الهبل (7) PageV01P129 فجدت عفوا بفضل العفو منك ولم %~% تلمم ولا بأليم اللوم والعذل (1) أضربت بالصفح صفحا عن طوائلهم %~% طولا أطال مقيل النوم في المقل (2) رحمت واشج أرحام أتيح لها %~% تحت الوشيج نشيج الروع والوجل (3) 105 عاذوا بظل كريم العفو ذي لطف %~% مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل (4) أزكى الخليفة أخلاقا وأطهرها %~% وأكرم الناس صفحا عن ذوي الزلل (5) زان الخشوع وقار منه في خفر %~% أرق من خفر العذراء في الكلل (6) وطفت بالبيت محبورا وطاف به %~% من كان عنه قبيل الفتح في شغل والكفر في ظلمات الخزي مرتكس %~% ثاو بمنزلة البهموت من زحل (7) 110 حجزت بالأمن أقطار الحجاز معا %~% وملت بالخوف عن خيف وعن ملل (8) PageV01P130 وحل أمن ويمن منك في يمن %~% لما أجابت إلى الإيمان عن عجل وأصبح الدين قد حفت جوانبه %~% بعزة النصر واستولى على الملل (1) قد طاع منحرف منهم لمعترف %~% وانقاد منعدل منهم لمعتدل [27 / ب] أحبب بخلة أهل الحق في الخلل %~% وعز دولته الغراء في الدول 115 أم اليمامة يوم منه مصطلم %~% وحل بالشام شؤم غير مرتحل (2) تعرقت منه أعراق العراق ولم %~% يترك من الترك عظم غير منتثل (3) لم يبق للفرس ليث غير مفترس %~% ولا من الحبش جيش غير منجفل (4) ولا من الصين صوت غير مبتذل %~% ولا من الروم مرمى غير منتضل (5) ولا من النوب جذم غير منجذم %~% ولا من الزنج جذل غير منجذل (6) 120 وسل بالغرب غرب السيف إذ شرقت %~% بالشرق قبل صدور البيض والأسل (7) PageV01P131 ونيل بالسيف سيف النيل واتصلت %~% دعوى الجنود فكل بالجلاد صلي (1) وعاد كل عدو عز جانبه %~% قد عاذ منك ببذل منه مبتذل بذمة الله والإيمان متصل %~% أو من شبا النصل بالأموال ms046 منتصل (2) يا صفوة الله قد أصفيت فيك صفا %~% صفو الوداد بلا شوب ولا دخل (3) 125 ألست أكرم من يمشي على قدم %~% من البرية فوق السهل والجبل وأزلف الخلق عند الله منزلة %~% إذ قيل في مشهد الأشهاد والرسل قم يا محمد واشفع في العباد وقل %~% تسمع ، وسل تعط واشفع عائدا وسل (4) والكوثر الحوض يروي الناس من ظمإ %~% برح وينقع منه لاعج الغلل (5) أصفى من الثلج إشراقا ، مذاقته %~% أحلى من اللبن المضروب بالعسل 130 نحلتك الود علي إذ نحلتكه %~% أجني بحبك منه أفضل النحل (6) فما بجلدي لنضج النار من جلد %~% ولا لقلبي بهول الحشر من قبل (7) PageV01P132 يا خالق الخلق لا تخلق بما اجترمت %~% يداي وجهي من حوب ومن زلل (1) واصحب وصل وواصل كل صالحة %~% على صفيك في الإصباح والأصل # قلت : قد أبدع هذا الناظم رحمه الله فيما نظم ، وشرف هذه القصيدة بقصده ~~الجميل وعظم ، فراقت معنى ومنظرا ، وشاقت حسا (2) ومخبرا ، فهي كما وصفها ~~أبو عبد الله المصري حين (3) قال : يئست من [28 / آ] معارضتها الأطماع ، ~~وانعقد على تفضيلها الإجماع ، فطبقت أرجاء الأرض ، وأشرقت منها في الطول ~~والعرض. على أنه رحمه الله قد أكثر فيها لأجل الصناعة التصنع ، وتكلف منها ~~ما هو بعيد (4) المرام شديد التمنع. واعترض في كل معنى عرض ، وربما أغرق ~~(5) النزع فخالف الغرض ، كقوله : # فويل مكة من اثار وطأته %~% ........................ البيت # وقوله : # .................................. %~% وحل بالشام شؤم غير مرتحل # وما جرى هذا المجرى من كلامه رحمه الله ولكن قصيدته بالجملة قد حلت من ~~البلاغة في حصن (6) ممنع ، وجلت «وجها زهاه (7) PageV01P133 # الحسن أن يتقنع» (1)؛ فإن أنكرت من وصفها قولا ، أو سمعت في مدحها تخصيص ~~لولا ، أخردت (2) متأملة ، وأنشدت متمثلة (3): [السريع] # ما سلم البدر على حسنه %~% كلا ولا الظبي الذي يوصف (4) البدر فيه كلف ظاهر %~% والظبي فيه خنس يعرف (5) ### ||| * [تخميسات الشقراطسية] # وقد أولع الناس بها كل الولوع ، واستحسنوا من محاسنها كل مفرق ومجموع ، ~~وعنوا بها شرحا وتخميسا ، وغنوا بها معهدا أنيسا ، فخمسها وشرحها أبو عبد ~~الله المصري ، وقد قرأت تخميسه على صاحبنا الفقيه أبي عبد ms047 الله بن هريرة ، ~~وحدثني به عنه قراءة وأوله : [البسيط] # ابدأ بحمد الذي أعطى ولم تسل %~% وذد به ريب رين الأين والكسل (6) فالحمد أحلى جنى من طيب العسل %~% الحمد لله منا باعث الرسل |هدى بأحمد منا أحمد السبل| |فلما تواقفنا وسلمت أشرقت||وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا| |ما سلم الظبي على حسنه||كلا ولا الظبي الذي يوصف| # وفي المستطرف : فيه كلف يعرف. وفي التهذيب : نكتة تعرف. PageV01P134 # وهو تخميس لا بأس به ، ووسمه ب «سمط الهدي في الفخر المحمدي». وخمسها ~~الفقيه الأديب الأفضل القاضي أبو عمرو عثمان بن عتيق (1) المعروف بابن ~~عريهة ، وقيده صاحبنا أبو عبد الله : عريهة بالتاء ، وهو من المشاهير ~~بإفريقية ، وشعره مجموع ، ووقفت عليه بخطه ، وأكثره قعقعة ما ترسل بغيث ~~مزنا ، وكما قيل : «جعجعة ولا أرى طحنا» (2) وقد قرأت تخميسه على شيخ [28 / ~~ب] من أصحابه يعرف بأبي إسحاق التلمساني (3)، وحدثني به عنه قراءة ، وأوله ~~: [البسيط] # اربع من العلم الأسنى على طلل %~% فكم ضحيت ولم تفزع إلى طلل وإن عشوت إلى نار الهدى فقل %~% الحمد لله منا باعث الرسل |هدى بأحمد منا أحمد السبل| PageV01P135 # وخمسها أيضا الفقيه الأديب الفاضل (1) الأوحد أبو بكر محمد بن الحسن بن ~~يوسف بن حبيش رحمه الله وهو من المتقنين المجودين وذوي الفضائل المبرزين ، ~~واعتنى بها اعتناء تاما ، وتصرف فيها على أوجه كثيرة من تخميس وغيره ، وكرر ~~تخميسها ثلاث مرات ، وسماها «القرب الثلاث» حدثني بها كلها عنه صاحبنا ~~الفقيه أبو عبد الله بن هريرة إجازة ومناولة في أصله بخطه الذي قرأه عليه ؛ ~~وقد علق بحفظي مطلع أول تخميس منها ، وهو قوله : [البسيط] # عزل الشباب قضى أن المشيب ولي %~% فما التغزل من قولي ولا عملي حمد الإله ومدح المصطفى أملي %~% الحمد لله منا باعث الرسل # ومن تأمل هذه البداية وتمكنها ومناسبة هذه الأقسام [للبيت] (2) رأى قدر ~~التفاوت فيما بين هذا النظم والذي قبله. # أما تمكنها : فلأنه لما جرت عادة الشعراء بالافتتاح بالتغزل ، وطأ ~~بالافتتاح بغيره ، بما ذكر من [أن] (3) الوقت اللائق به التغزل هو عصر ~~الشباب ms048 ، وأن اللائق بعصر الشيب هو ذكر الله والإقبال على الحمد له ، وأحسن ~~الاستعارة في ذكر الولاية والعزل ؛ ولما رأى أن البيت متضمن لمعنيين : حمد ~~الله تعالى ، ومدح رسوله صلى الله عليه وسلم ، وطأ لهما معا في القسم الذي PageV01P136 # قبله ، حتى جاءت الأقسام والبيت في غاية التناسب كأنها نظم رجل واحد. وما ~~ذكر من الولاية والعزل في الشباب والشيب استعارة حسنة واقعة موقعها. # وقد كان هذا المعنى عرض لي قديما فنظمته في بيت من قصيدة ، وزدت فيه معنى ~~آخر وهو أن الشيب لما ولي قام بأعلى الرأس خطيبا ؛ لما كان من شأن الوالي ~~الخطبة والصعود لها على المنبر ، وحسن أن يستعار ذلك للشيب لما كان نذيرا ~~زاجرا ، فقلت في ذلك : [الطويل] # [29 / آ]شبابي وال جاء شيبي بعزله %~% فقام بأعلى الرأس أي خطيب # وقرأت أيضا على صاحبنا أبي عبد الله (1) تخميس أبي عبد الله المصري ~~لقصيدة الشيخ الفقيه العالم الصالح الأوحد أبي الفضل يوسف بن محمد المعروف ~~بابن النحوي (2)، وقد وسمه ب «عجالة الروية في تسميط القصيدة النحوية» ، ~~وهي قصيدة مشهورة تسمى ، «أم الفرج». |اشتدي أزمة تنفرجي||قد اذن ليلك بالبلج| # كان فقيها يميل إلى الاجتهاد من أهل تلمسان ، أصله من توزر ، وسكن ~~سجلماسة وتوفي بقلعة بني حماد قرب بجاية عام 513 ه. ومولده سنة 433 ه. ~~ترجمته في البستان : 299 ، جذوة الاقتباس 346 ، نيل الابتهاج : 349 ، عنوان ~~الدراية : 272. شجرة النور الزكية : 1 / 126. PageV01P137 # قال أبو عبد الله المصري : كان منشئها رحمه الله أنشأها عند شدة هالت ، ~~فأقشعت (1) بفضل الله للحين وزالت ، وعادت الحال إلى أحسن ما كانت عليه ~~وآلت ، لرؤيا رآها الباغي عليه ، قطع بها وروع بسببها ، فكفت يده العادية ، ~~وردت غائلته (2) البادية ، فهي لهذه المزية من أوثق العدة ، وأوفق أسباب ~~الفرج بعد الشدة ، وكان بعض الشيوخ يحض على حفظها ، وأخذ النفس منها بحظها. # قلت : فرأيت أن أثبت القصيدة بتخميسها ، لما وصف من بسطها لمقبوض الوحشة ~~وتأنيسها ، نظرا إلى الأمر المقصود والمعنى المعتبر ، وإغضاء عن اللفظ ~~فعيبه في مثل هذا مغتفر ، وقد ms049 قرأتها بتخميسها على صاحبنا أبي عبد الله ، ~~وحدثني بها عن مخمسها المذكور قراءة عن الأديب أبي عبد الله محمد بن يونس ~~بن عبد الرحمن الهنتاني التونسي قراءة بها عليه ؛ عن الفقيه أبي العباس ~~أحمد بن علي بن أبي بكر الحميري القلعي يعرف بالبلاطي عن الفقيه الإمام أبي ~~محمد عبد الله بن ميمون بن محمد الغنام القلعي ، عن الفقيه الإمام الصالح ~~أبي عبد الله محمد بن عبد (3) المعطي بن عبد الله (4) الأذني بالذال ~~المعجمة والنون ويعرف بابن الرماح عن أبي الفضل ابن النحوي رحمه الله ، ~~ونقلت هذا السند من خط أبي عبد الله المصري مخمسها ، فقال : [المتدارك] PageV01P138 ### ||| * [تخميس المنفرجة لأبي عبد الله المصري] [29 / ب]يا من يشكو ألم الحرج %~% ويرى عسرا قرب الفرج (1) أبشر بشذا فرج أرج %~% اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج (2) %~% وارتح للروح فلا حرج فمراقي اللطف لها درج %~% ومعاني الضيق لها فرج وظلام الليل له سرج %~% حتى يغشاه أبو السرج (3) اليأس لذي البلوى خطر %~% والبأس مع النعمى بطر (4) والقلب له أبدا وطر %~% وسحاب الخير لها مطر (5) فإذا جاء الإبان تجي (6) %~% والغافل عن هذا همل والنفس تملكها الأمل (7) %~% وملاك الخير هو العمل وفوائد مولانا جمل (8) %~% لشروح الأنفس والمهج (9) PageV01P139 عم الأكوان ندى وجدا %~% فعلا الآفاق شموس هدى (1) ورياض الجود تصد صدى %~% ولها أرج محي أبدا (2) فاقصد محيا ذاك الأرج (3) %~% لله نسيم حيا أحيا || ومسير طريق ما أعيا (4) %~% فالزمه ، فربتما أغيا ولربتما فاض المحيا (5) %~% ببحور الموج من اللجج (6) ذو العقل يقوم بسيده %~% ومسدده ومؤيده (7) ومصرفه ومردده %~% والخلق جميعا في يده فذوو سعة وذوو حرج (8) %~% ونزاعهم ونزوعهم وقناعتهم وقنوعهم %~% وسلوهم وولوعهم ونزولهم وطلوعهم %~% فإلى درك وعلى درج (9) PageV01P140 ومطالعهم ومراقبهم %~% وطوالعهم وثواقبهم [30 / آ] ومثالبهم ومناقبهم %~% ومعائشهم وعواقبهم (1) ليست في المشي على عوج %~% نفس عدلت نفس ظلمت نفس سلمت نفس ألمت %~% نفس جهلت نفس علمت حكم نسجت بيد حكمت (2) %~% ثم آنتسجت بالمنتسج (3) هذي دخلت هذي خرجت %~% هذي بقيت هذي درجت هذي سلفت هذي عرجت %~% فإذا اقتصدت ثم انعرجت (4) فبمقتصد وبمنعرج (5) %~% خاضت بحرا ms050 فيه لجج صدت قوما لما انتهجوا (6) %~% وهدت قوما فيها ابتهجوا شهدت بعجائبها حجج (7) %~% قامت بالأمر على الحجج (8) PageV01P141 اقرع بابي أمل ورجا %~% واسلك هولا واركب لججا فرجاء الله هدى ونجا %~% ورضا بقضاء الله حجى (1) فعلى مركوزته فعج (2) %~% احفظ أنفاسك كالسعدا واحذر أن تذهب عنك سدى (3) %~% وانعم باللائح حين بدا وإذا انفتحت أبواب هدى %~% فاعجل لخزائنها ولج (4) وتوخ بقصدك ايتها %~% وارفع بالهمة رايتها وانهض كي تدرك غايتها %~% وإذا حاولت نهايتها فاحذر إذ ذاك من العرج (5) %~% اترك أمرا يجنيك أذى والزم ذكرا يجزيك غذا (6) %~% واهجر هجرا وهوى وبذا لتكون من السباق إذا (7) %~% ما جئت إلى تلك الفرج (8) PageV01P142 [30 / ب]برهان الحق وحجته %~% ولسان الصدق ولهجته (1) وطريق الرشد ونهجته %~% فهناك العيش وبهجته (2) فلمبتهج ولمنتهج (3) %~% نفس رضيت بالله جدت شكرت نعما مهما شكدت (4) %~% وكذلك إن بخلت جحدت فهج الأعمال إذا ركدت (5) %~% فإذا ما هجت إذا تهج نفس كثفت فزجاجتها %~% خبثت بالهجر مجاجتها (6) وبدت في الذنب لجاجتها %~% ومعاصي الله سماجتها (7) تزدان لذي الخلق السمج (8) %~% عرج عن ساح مساحتها واقبض راحا عن راحتها (9) %~% فلتقوى الله وراحتها ولطاعته وصباحتها (10) %~% أنوار صباح منبلج (11) PageV01P143 فادخل في منسب منصبها %~% واسلك في مسلك مكسبها واسمك في مطلع مطلبها %~% من يخطب حور الخلد بها يظفر بالحور وبالغنج (1) %~% يا من بالحسن هوى علقا جرد عزما وانف العلقا (2) %~% حورا عينا تهوى علقا فكن المرضي لها بتقى (3) %~% ترضاه هوى وتكون نجي (4) بمعاصي الله القلب أذي %~% وبطاعته عوفي وغذي (5) فيها في كل حلاك خذ %~% واتل القرآن بقلب ذي حزن وبصوت فيه شج (6) %~% فحجاب النفس وآفتها عجب توليه سلافتها (7) %~% وأمان الطرق مخافتها وصلاة الليل مسافتها %~% [31 / آ] فاذهب فيها بالفهم وجي (8) PageV01P144 واعمر بالذكر محانيها %~% واقطف بالفكر مجانيها (1) والزم ما عشت مغانيها %~% وتأملها ومعانيها تأت الفردوس وتفترج %~% والهج بلطائف محجرها وابهج بطرائف متجرها (2) %~% وبمبردها ومهجرها واشرب تسنيم مفجرها (3) %~% لا ممتزجا وبممتزج (4) ما من خلق أنشاه سدى %~% كل بالأمر بدا وغدا أعمى من شا أزلا وهدى %~% مدح العقل الآتيه هدى وهوى متول عنه هجي (5) %~% هذا بحر وإفاضته ما غضت منه إغاضته ms051 (6) %~% والصعب تقدم راضته وكتاب الله رياضته (7) %~% لعقول الخلق بمندرج PageV01P145 أسباب الخوف حداتهم %~% وأولو التثبيط عداتهم وله لا تكمل ذاتهم %~% وخيار الخلق هداتهم وسواهم من همج الهمج (1) %~% جنب عبدا جهلا غفلا واترك بدرا إما أفلا (2) %~% وحز الإقدام تحز نفلا فإذا كنت المقدام فلا (3) %~% تجزع في الحرب من الرهج (4) وارقب برقا للسر بدا %~% وامدد لكريم الوعد يدا واعمر أوقاتك مجتهدا %~% وإذا أبصرت منار هدى فاظهر فردا فوق الثبج (5) %~% لله جباه قد سجدت في جنح الليل وما هجدت (6) %~% أضناها الشوق وما وجدت وإذا اشتاقت نفس وجدت (7) %~% [31 / ب] ألما بالشوق المعتلج (8) PageV01P146 أهواء النفس مماحكة %~% ورياض الأنس ملاحكة (1) وشموس الفضل مضاحكة %~% وثنايا الحسنا ضاحكة (2) وتمام الضحك على الفلج (3) %~% وبروق الرحمة قد لمعت وغيوث النعمة قد همعت (4) %~% ومعاني الحكمة قد جمعت وعياب الأسرار اجتمعت (5) %~% بأمانتها تحت الشرج (6) شمر بطريقك لا حبه %~% واسلك قصدا بمصاعبه (7) فالقصد هدى لمصاحبه %~% والرفق يدوم لصاحبه والخرق يصير إلى الهرج (8) %~% واقمع شهواتك بالزهد واكحل أجفانك بالسهد %~% وصل الصلوات لمن يهدي صلوات الله على المهدي ال (9) %~% هادي الناس إلى النهج (10) PageV01P147 وإمام الخلق وخيرته %~% ووسيلته وذخيرته وعلى خلصان عشيرته %~% وأبي بكر في سيرته ولسان مقالته اللهج (1) %~% الشاهر سيف صرامته ومجهز جيش عرامته (2) %~% لمسيلمة ويمامته وأبي حفص وكرامته (3) %~% في قصة سارية الخلج (4) قالي الدنيا ذي الطمرين %~% ومزيل الريب مع الرين (5) ومذيق الكفر المرين %~% وأبي عمرو ذي النورين ال (6) |مستهدي المستحيي البهج| # [32 / آ] قال الشيخ أبو عبد الله رحمه الله : هذا النظم على أن الشطر ~~النون ، وهو الذي تسبق إليه الظنون ؛ وأما على أن الشطر اللام وهو الذي ~~يرتضيه الأعلام فيكون الرصف والنظام ، والوصف الذي يقتضيه الإعظام : ~~[المتدارك] PageV01P148 المنعم في اللأوا المجمل %~% والمعمل للشورى المكمل (1) والقامع للشرك المحمل %~% وأبي عمرو ذي النورين ال مستهدي المستحيي البهج %~% جلى عن جيش العسر أذى وحمى عن عين الحق قذى %~% وأضا عينا رمقت وقذى وأبي حسن في العلم إذا (2) %~% وافى بسحائبه الخلج (3) بدر يلتاح بهالته %~% ويدل بنور دلالته وغيوم علوم مقالته %~% تزهو الدنيا بجلالته ومحب فيه بذاك حجي ms052 %~% وعلى باقي تلك العشره وذوي الرضوان لدى الشجره %~% وليوث صحابته الخيره ونجوم هدايته البرره (4) %~% أهل الإخلاص مع الثلج (5) # زاد المصري رحمه الله : # ربي هب لي علما يعلي %~% يشفي ظمئي ويقي عملي (6) ويحقق في الزلفى أملي %~% واحم النحوي مع ابن علي |بجلال علاك من الوهج| PageV01P149 # قلت : وفي كثير من هذا التخميس مقال ، وليس لبعض أقسامه بالبيت اتصال ، ~~وأما ما خمس به أولا قوله : # ................................... %~% وأبي عمر وذي النورين ال # فغلط لا شك فيه ؛ لأنه يؤدي إلى قطع همزة «المستهدي» ، وبقطعها ينكسر [32 ~~/ ب] البيت لزيادة حرفين على وزن الخبب ، وأظن أنه نبه على هذا ولم يفته ~~علما ، فلذلك بقي على اعتقاد صحة الوجه الأول. # وأما قوله : # ................................... %~% صلوات الله على المهدي ال # وأظنه خفف فيه الياء وقطع الهمزة بعدها ليتأتى له التخميس ؛ لأن الأقسام ~~تبنى على الترنم كحرف الروي ، وذلك موجب للمد والإدغام يمنعه ، ولو بنى ~~الأقسام على الياء المشددة كما هي في عروض البيت لزاد حرفا في أول القسم ~~الرابع ضرورة ؛ لأن حركة الياء تكون إذا في كل قسم معدودة من الذي بعده ~~لإدماج البيت ؛ فإذا عدت من (1) القسم الرابع وقد قام وزنه كانت زائدة ~~وانكسر الوزن ضرورة ، وبالله التوفيق. # وقرأت أيضا على صاحبنا أبي عبد الله بعض كتاب «المذهبة في الحلي والشيات» ~~(2) ثم قرأت عليه جميعها في المرة الثانية حسبما يأتي ذكره إن شاء الله ؛ ~~وحدثني بها عن الشيخ الفقيه العالم أبي الجيش محمد بن إبراهيم بن أحمد ~~الأنصاري قراءة ، وعن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الأزديني بياء ونون بعد ~~الدال كلاهما عن ناظمها الشيخ الفقيه القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى بن ~~أصبغ بن المناصف (3) رحمه الله . PageV01P150 ### ||| * [مشاركات فقهية] # وقد رأيت أن أقيد هنا شيئا مما وقع كلامي فيه بمدينة تونس كلأها الله ~~تعالى ، مستعينا بالله ومستهديا له. فمن ذلك أن بعض أصحابنا من طلبتها ~~حفظهم الله حكى لي عن الفقيه الزاهد المتصوف (1) أبي محمد المرجاني (2) أنه ~~سئل في مجلسه عن سبب فرار الشيطان من الأذان دون الصلاة ، وشأنها ms053 أعظم. ثم ~~أجاب عن هذا بأجوبة منها أنه يفر من الأذان لئلا يشهد به للمؤذن ، إذ لا ~~يسمعه (3) شيء إلا شهد له يوم القيامة. قلت : كأنه من فرط حسده يروغ عن ~~الشهادة له ، وإن علم أنه مستغن عنها ، كما ترى الحسود يتلكأ في الشهادة ~~لمن حسده [33 / آ] بفضيلة أو حق ، وإن كان في غنى عن شهادته لقيام غيره ~~بها. ولكن هذا الجواب يرد [عليه] (4) مثل السؤال الأول ، وهو لم خص الأذان ~~بشهادة كل شيء سمعه دون الصلاة؟. فكأنه سئل : لم خص (5) الأذان بفرار ~~الشيطان منه؟ فقال : لأنه خص بشهادة الأشياء له ، ومنها أن الأذان بمثابة ~~دعاء الملك لخاصته لحضور سر ، وإذا دعا الداعي تميزت خاصة الملك من غيرهم. ~~قلت : وهذا جواب غير محصل ، فإن التمييز إنما يكون عند حضور السر ، فكأن ~~فرار الشيطان من الصلاة أنسب PageV01P151 # لهذا المعنى إذ هي السر الذي دعي إلى حضوره ، وقد سماها النبي ~~صلى الله عليه وسلم مناجاة فقال : «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به» (1). # ومنها أنه يفر من الأذان ويرسل على المصلي ليقع اختبار المخلص من غيره. ~~قلت : وهذا قاصر جدا فإنه لم يزد على ما في الحديث من تسلطه في الصلاة ، ~~وعدم تسلطه في الأذان ، ولم يجب عن السؤال بشيء. وهذه الأجوبة على وهيها ~~أمثل ما حكي لي عنه. # وقد كنت أجبت الناقل عنه حين أورد السؤال علي ، قبل أن يذكر أجوبته ، ~~بأنه يمكن أن يقال : إن طاعة الله بالجملة محاربة للشيطان ، وجهاد له ، ~~والعدو إنما يفر عند كشف الغطاء وبلوغ الغاية في المجاهرة بالعداوة ، وليس ~~في العبارات (2) أبلغ في هذا المعنى من الأذان وقد عرضت هذا الوجه على ~~الشيخ الفقيه الصالح أبي محمد عبد الله بن عبد السيد بمدينة أطرابلس (3) ~~فاستحسنه وقال لي : إن هذا يؤكده قوله صلى الله عليه وسلم : «ساعتان تفتح لهما ~~أبواب السماء ، وقل داع ترد عليه دعوته ؛ حضرة النداء للصلاة ، والصف في ~~سبيل الله (4)» يعني أنهما ساعتا جهاد. PageV01P152 # وأجاب عن هذا بعض أصحابنا بأن المؤذن ms054 داع للخير ، والشيطان داع إلى الشر ~~، والضدان لا يجتمعان ، وهذا مليح رشيق ، وفي مثل هذا [33 / ب] المجال متسع ~~للكلام وبالله التوفيق. # وأما تخصيص الأذان بالشهادة له (1) فيمكن أن يقال : إن ذلك لأنه دعاء إلى ~~الله ، وإقامة حجة على عباده ، فاحتيج إلى الشهادة على التبليغ (2) كما ~~احتيج (3) إليها للفصل بين المتحاكمين ، فهذه الشهادة كشهادة الأمة يوم ~~القيامة بتبليغ الأنبياء إلى الأمم على ما جاء في الحديث ، والله أعلم. # ومن ذلك أن سائلا سأل عن قوله تعالى ( @QUR@03 أن تضل إحداهما ) (4) ( ~~@QUR@03 فتذكر إحداهما الأخرى ) (5) وقال : لم كرر لفظ إحداهما (6)؟ ~~والأليق بالإيجاز أن يضمر فيكون اللفظ : فتذكرها الأخرى. وأجبت إذ ذاك ~~بجواب غير مخلص حسبما حضرني ، ولم يكن لمن حضر فيه جواب ، ثم من الله جل ~~وعلا بفهم المعنى في ذلك وهو بديع فيما أرى والله أعلم ، وهو أن إعادة لفظ ~~«إحداهما» لتعادل الكلام ، وتوازن الألفاظ في التركيب ، وتماثل أقسام ~~الكلام فيما اشتملت عليه من المفردات وهو المعنى ، في الترصيع ، ولكن هذا ~~أبلغ وأبدع لأن الترصيع توازن الألفاظ من حيث صيغتها ، وهذا من حيث تركيبها PageV01P153 # وكأنه ترصيع معنوي وقلما يوجد إلا في نادر من الكلام ، وقد استغرب أبو ~~الفتح بن جني (1) ما حكي عن المتنبي في قوله : (2) [الطويل] # وقد عادت الأجفان قرحا من البكا %~% وعادت بهارا في الخدود الشقائق (3) # قال : سألته هل هو قرحى ممال أو قرحا منون؟ فقال لي : قرحا منون ، ألا ~~ترى أن بعده : وعادت بهارا. قال : يعني أن بهارا جمع بهارة (4)، وقرحا جمع ~~قرحة. ثم أطنب في الثناء على المتنبي واستغراب (5) فطنته لأجل هذا. # وبيان ما ذكرت في الآية أنها متضمنة لقسمين : قسم الضلال وقسم التذكير ، ~~فأسند الفعل الثاني إلى ظاهر حسب إسناد الأول ولم يوصل بضمير مفعول ، لكون ~~الأول لازما ، فأتى بالثاني على صورته من التجرد [34 / آ] عن المفعول ، ثم ~~أتى به أخيرا بعد اعتدال الكلام ، وحصول التماثل في تركيبه ، ولو قيل : إن ~~المفعول حذف لكان أبلغ في المعنى المذكور ، وتكون الأخرى بدلا أو نعتا على ~~جهة البيان ms055 ، كأنه قال : «إن كان ضلال من إحداهما ، كان تذكير من الأخرى» ، ~~وقدم على الأخرى لفظ إحداهما ليسند الفعل الثاني إلى مثل (6) ما أسند إليه ~~الأول لفظا ومعنى والله أعلم. PageV01P154 # ولما وقع السؤال في هذا عرض لي سؤال في قوله تعالى في هذه الآية : ( ~~@QUR@04 فإن لم يكونا رجلين ) (1) وهو أن الضمير في : «يكونا» للرجلين لأن ~~الشهيدين قيدا بأنهما من الرجال ، فكأن الكلام : فإن لم يكن الرجلان رجلين ~~وهذا محال. ولما سألت عن هذا لم يجب عنه أحد ، ثم أجابوا بعد ذلك بأجوبة ~~غير مرضية ، منها ما قال الفارسي (2) في قوله تعالى : ( @QUR@03 فإن كانتا ~~اثنتين ) (3) أن الخبر هنا أفاد العدد المجرد من الصفة ، وهذا ضعيف ؛ إذ ~~وضع فيه لفظ الرجلين موضع لفظ الاثنين ، وهو تجوز بعيد. # والصفة التي ذكر الفارسي التجرد منها هي الرجولية أو الأنوثية أو غيرهما ~~من الصفات ، فكيف يكون لفظ موضوع لصفتها دالا على نفيها؟ وأيضا فإن جواب ~~الفارسي فيه نظر ، وذلك أنه لم يزد على أن جعل نفس السؤال جوابا ، كأنه قيل ~~له : لم ذكر العدد وهو متضمن الضمير فقال : لأنه يفيد العدد المجرد فلم يزد ~~إلا لفظ التجرد. # ومما أجابوا به أن «رجلين» منصوب على الحال المبينة ، و «كان» تامة وهذا ~~أظرف من الأول فإنه سئل عن وجه النظم ، وأسلوب البلاغة ، ونفي ما لا يليق ~~بها من الحشو ، فأجاب بالإعراب ، ولم يجب عن السؤال بشيء ، PageV01P155 # والذي يرد عليه وهو حال ، ومازدنا (1) إلا التكليف (2) في جعله حالا. ~~والذي يظهر لي من الجواب في هذا هو أن «شهيدين» لما صح أن يطلق على ~~المرأتين بمعنى شخصين شهيدين قيده تعالى بقوله : ( @QUR@02 من رجالكم ) (3) ~~، ثم أعاد الضمير في قوله : ( @QUR@03 فإن لم يكونا ) [34 / ب] على ~~الشهيدين المطلقين ، وكان عوده عليهما أبلغ ليكون نفي الصفة عنهما كما كان ~~إثباتها لهما ، فيكون الشرط موجبا ومنفيا عن الشهيدين المطلقين ؛ لأن قوله ~~( @QUR@02 من رجالكم ) كالشرط ، كأنه قال : إن كانا رجلين ، وفي النظم على ~~هذا الأسلوب من الارتباط وتعانق الكلام ، وجريه على نمط واحد ما لا ms056 خفاء به ~~، كما أن في ضده من الاختلاف والتزايل (4)، والتدابر والتخاذل ما يذهب ~~رونق الكلام ، ويبلي جدة (5) الفصاحة وبالله التوفيق. # والذي يظهر لي أيضا من الجواب في قوله تعالى : ( @QUR@03 فإن كانتا ~~اثنتين ) (6). هو أن الضمير (7) هنا وضع موضع الظاهر اختصارا (8) لبيان ~~المعنى ، بدليل أنه لم يتقدمه ما يعود عليه لفظا ، فكأنه قال : فإن كان ~~الوارث اثنتين ، ثم وضع ضمير الاثنتين موضع الوارث الذي هو جنس لما كان ~~المراد به الاثنين ؛ وأيضا فإن الإخبار عن الوارث وإن كان جنسا باثنتين فيه ~~تفاوت ما ، لكونه مفرد اللفظ ؛ فكان الأليق بحسن النظم والأجرى (9) على PageV01P156 # منهج الإيجاز أن يوضع المضمر (1) موضع الظاهر ، ثم يجري الخبر على من حدث ~~عنه ، وهو الوارث ، فيجري الكلام في طريقه ، مع الإيجاز في وضع المضمر موضع ~~الظاهر ، والسلامة من تفاوت اللفظ في الإخبار عن لفظ مفرد بمثنى ؛ وهذا ~~لعمر الله مما لا ينال إلا بالتأييد الإلهي ، والعصمة الربانية. ونظير هذا ~~مما وضع (2) فيه اسم موضع غيره إيجازا ، ثم جرى الكلام مجراه في الحديث عمن ~~هوله ، وإن لم يذكر قوله تعالى ( @QUR@010 وكم من قرية أهلكناها فجاءها ~~بأسنا بياتا أو هم قائلون ) (3). فعاد هذا الضمير والخبر على أهل القرية ~~الذين أقيمت القرية في الذكر (4) مقامهم ، فجرى (5) الكلام مجراه مع حصول ~~الإيجاز في وضع القرية موضع أهلها ، وفهم المعنى من غير كلفة ، وهذه الغاية ~~في البيان يقصر عن مداها شأو الإنسان وبالله التوفيق. [35 / آ] ### ||| * [ذكر القيروان] # ثم وصلنا إلى مدينة القيروان ، فدخلتها مجدا في البحث غيروان (6)، فلم ~~أر إلا رسوما محتها يد الزمان ، وآثارا يقال عنها : كان وكان ، والأحياء من ~~أهلها جفاة الطباع ، مالهم في رقة الحضارة باع ، ولا في معنى من PageV01P157 # المعاني الإنسانية انطباع ، خفت نفس العلم بينهم فلم يبق به رمق (1)، ~~وكسدت سوق المعارف بينهم فياسخنة (2) عين من رمق (3). # والمدينة نفسها ليس لها بر ولا بحر ، ولا سحر ولا نحر ، وضعت في سبخة (4) ~~قرعا ، لا ماء بها ولا مرعى ، ولا تنبت أصلا ولا تقل فرعا ، وما كان حالها ~~في ms057 القديم إلا آي من آيات هذا الدين القويم ؛ إذ أسسها المخلصون من أهله ، ~~المتمسكون بحبله ، السالكون لحزنه (5) وسهله ، أهل الصرائم (6) النافذة ~~الماضية ، والصوارم القاضبة القاضية ، والهمم الغالبة العالية ، فرسان (7) ~~الحراب والمحراب (8)، وليوث الطعان والضراب ، رضياللهعنهم ما ساح في الدو ~~(9) فدفد (10)، ولاح في الجو فرقد ، وقد كان شأن القيروان في غابر الأزمان ~~بحيث لا يجهله إنسان ، ولا يحصله لسان. حسبك ببلد وضعت الأوضاع في فضله ، ~~وملئت الأسماع من وصف (11) وابله وطله ، مأوى العلماء PageV01P158 # والصلحاء في حياتهم ، وكفاتهم (1) بعد وفاتهم. بلد يناظر به إقليم ، ومتى ~~ذكر علماؤه فليس إلا التسليم ، ولكنها الأيام إذا أعطت أخذت ، وكلما عطت ~~(2) نبذت ، لا تلوي على متعذر (3)، ولا تعرف فضل المعذر على المعذر ، إن ~~سالمت مالست (4)، وإن هادنت (5) داهنت. وإن رافقت فارقت ، ومهما حلت ما ~~حلت ، ( @QUR@04 لا تبقي ولا تذر ) (6) فليكن العاقل منها على حذر (7): ~~[البسيط] # لا تطمئن إلى حظ حظيت به %~% ولا تقل باغترار : صح لي وثبت فما الليالي وإن أعطت مقادتها %~% إلا عدا المرء مهما استمكنت وثبت (8) # ولم أر بالقيروان ما يؤرخ ولا ما (9) يتهمم بذكره سوى جامعها ومقبرتها. PageV01P159 ### ||| * [جامع القيروان] # أما جامعها : فهو من الجوامع الكبار ، المتقنة الرائقة المشرقة الأنيسة ، ~~ووسطه [35 / ب] فضاء متسع ، وكان المؤسس له ، والمقيم لقبلته الرجل الصالح ~~عقبة بن نافع الفهري (1)، المعروف بالمستجاب ، مع جماعة من الصحابة ~~والتابعين ، وهم المؤسسون لمدينة القيروان. # ويحكى أنه لما أمرهم ببنائها قالوا له : إنك أمرتنا أن نبني في شعب (2) ~~وغياض ، ونحن نخاف من السباع والهوام ، فمضى معهم حتى وقف عليها وقال : ~~أيتها السباع والهوام ؛ إنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أردنا أن ننزل ~~ههنا ، فارحلن عنا. فرأى الناس عجبا ؛ رأوا الأسود تحمل أشبالها ، والذئاب ~~تحمل أجراءها ، والحيات تحمل أولادها حتى ارتحلن جميعا. # ويقال : إنه قد مر عليها أربعون سنة لم ير (3) فيها حية لدعوته ~~رضياللهعنه ، فلما بنوها طاف حولها عقبة وأصحابه ودعوا الله لها (4) وأسسوا ~~مسجدها ، وأقام عقبة قبلتها (5) برؤيا رآها (6)، وقد سألت إمام جامعها ومن ~~حضر معه عن سمت قبلته ms058 (7) فلم أجد أحدا منهم يعرفه ، ولم أبت به فأتعرف PageV01P160 # ذلك بالنجوم إلا أنه قوي عندي (1) بالحدس (2) أنها كما قيل إلى المنقلب ~~الشتوي أو بميل يسير إلى الجنوب ، ودخلنا به بيت الكتب فأخرجت لنا مصاحف ~~كثيرة بخط مشرقي ، ومنها ما كتب كله بالذهب. وفيها كتب محبسة قديمة التاريخ ~~من عهد سحنون (3) وقبله ، منها : موطأ ابن القاسم (4) وغيره. ورأيت بها ~~مصحفا كاملا مضموما (5) بين لوحين مجلدين غير منقوط PageV01P161 # ولا مشكول ، وخطه مشرقي بين جدا ، مليح ، وطوله شبران ونصف في عرض شبر ~~ونصف ، وذكروا أنه الذي بعثه عثمان رضياللهعنه إلى المغرب وأنه بخط عبد ~~الله بن عمر رضياللهعنهما والله أعلم. ### ||| * [مقبرة القيروان] # وأما مقبرتها فهي من المزارات العظيمة الشريفة ، وفيها من الأفاضل وأخيار ~~الأمة ما يقصر عنه الوصف ، وبها قبر أبي زمعة البلوي (1) صاحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وقبره مشهور بها ، وكذلك قبر الشيخ [الولي] (2) الفقيه ~~العالم أبي الحسن علي بن محمد القابسي (3) رحمه الله . [36 / آ] # وأما قبر الشيخ [الفقيه العالم] (4) أبي محمد عبد الله بن أبي زيد ~~رحمه الله فهو بداره داخل البلد (5)، وفي بيت منه على يسار الداخل ، PageV01P162 # وقد زرته ودخلت البيت فوجدت فيه عدة قبور ، وسألت العجوز القيمة على ~~الدار عن قبره فأخبرتني أنه الذي في وسط البيت المقابل للباب ، فنظرت ~~تاريخه فوجدته لغيره ، ثم أتيت الذي على يسار الباب ، وعليه دكان مبني ، ~~فقرأت في حجر من رخام عند رجليه أنه قبر الشيخ أبي محمد وأن وفاته كانت ~~ليلة الجمعة الثامن والعشرين أو الثامن عشر من شعبان (1) الشك مني سنة ست ~~وثمانين وثلاث مئة ، فعرفت الشيخ الفقيه المحصل أبا زيد عبد الرحمن بن محمد ~~بما قالت العجوز ، وبما وجدت من التاريخ فقال لي : طرأ في ذلك مشكل ، وذلك ~~أنه كان فيما مضى قد احتيج إلى تجديد السقف ، واستقبحوا الهدم عليهم فأخرجت ~~توابيتهم إلى بيت آخر ، فلما أصلح السقف ، وأرادوا رد التوابيت أشكلت عليهم ~~، وكان الشيخ أبو محمد مدفونا قبالة الباب كما ذكرت العجوز ، فلما أعيد ~~دفنهم غلب ms059 على ظنون أكثر الناس أنه دفن على اليسار حيث الدكان والتاريخ. ### ||| * [لقاؤه للدباغ] # وقد بذلت وسعي إذ دخلت القيروان في البحث عمن بها من أهل العلم ، فلم أجد ~~بها من يعتبر وجوده ، ولا يسع جهله ، سوى هذا الشيخ الفقيه المحدث ، ~~الراوية المتفنن ، أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الله الأنصاري ~~الأسيدي من ولد أسيد بن حضير (2) رضياللهعنه ، ويعرف PageV01P163 # بالدباغ. لقيته يوم وردنا (1) القيروان فرأيت شيخا ذكيا حصيفا ذا سمت (2) ~~وهيئة وسكون ظاهر ، محبا لأهل العلم ، حسن الرجاء بر اللقاء ، لم يؤثر ~~الكبر في جسمه على علو سنه ولا تغير شيء من ذهنه وحواسه ، سألته عن مولده ~~فقال لي : سنة خمس وست مئة. وهو حفظه الله من أهل التهمم والعناية بالعلم ، ~~مع عدم (3) المعتني به والطالب له ، موطأ الأكناف ، لين الجانب ، جميل ~~العشرة ، على سنن [36 / ب] المشايخ من أهل العلم والفضل ، أوحد وقته رواية ~~ودراية ، لقيت من بره وحسن خلقه ، ورقة شمائله مالم إخل مثله باقيا ، وما ~~وجوده بالقيروان في هذا الأوان إلا من جملة بركات سلف أهله ، وقد نيف شيوخه ~~على الثمانين ، وله «برنامج» ضم فيه أسماء هم وما روى عنهم ، وقد قرأت عليه ~~بعضه ، وأجازني في كل ما تضمنه ، وما شذ عنه من رواياته إجازة عامة ، وكذلك ~~أجاز ولدي محمدا وفقه الله وكتب لي بذلك خط يده ، وقال لي مرارا : إذا قضى ~~الله حاجتك وحججت ، فلا تقم في البلاد فإني كثير الشفقة على ولدك ، وقد ~~أوقع الله حبه في قلبي منذ ذكرته لي. # ومن عجيب أخلاقه أني قلما طلبت جزءا لأنقل منه إلا وهبه لي ، وقد أعطاني ~~أكثر من عشرة أجزاء من فوائده وفوائد شيوخه وفهارسهم ، وقال لي : أنت أولى ~~بها مني ، فإني شيخ على الوداع ، وأنت في عنفوان عمرك ، ومن حين (4) رأيتك ~~انعرز حبك في قلبي. PageV01P164 # وله مجموعات وتواليف ، ونظم جيد كثير ، ومشاركة في العلوم : نقليها ~~وعقليها وألف كتابا حسنا مفيدا في طبقات من دخل القيروان من الفضلاء منذ ~~دخلها الإسلام إلى زمانه ms060 ، وهو كبير في مجلدين وسماه : «معالم الإيمان ~~وروضات الرضوان في مناقب المشهورين من صلحاء القيروان» (1). وقد ذكر لي ~~شيخنا (2) الفقيه العالم إمام ديار مصر أبو الفتح محمد بن علي بن وهب ~~القشيري أنه كان (3) كلف الفقيه الأوحد الفاضل (4) أبا العباس الغماري ~~التونسي (5) رحمه الله استنساخ هذا الكتاب له حين صدر من المشرق ، وأنه لما ~~وصل إلى تونس اعتنى باستنساخه له حتى كمل ، ثم اعتنى بتصحيحه ومقابلته ، ~~فلما فرغ منه توفي فبيع في تركته ، وأثنى على مؤلفه المذكور كما ينبغي ؛ ~~وقد (6) حدثني به مناولة. وسألته لم لم يذكر فيه أبا الحسن اللخمي فقال لي ~~: (7) لم يثبت عندي أنه دخل القيروان ، وسألته عن تاريخ وفاته فقال لي (8) ~~: [37 / آ] توفي سنة ثمان وسبعين وأربع مئة ، وذكر لي أنه # ترجمته في : عنوان الدراية 112 113 ، نيل الابتهاج 63 ، تعريف الخلف 2 / ~~74 ، معجم أعلام الجزائر 251 وفيه وفاته سنة 862 وهو خطأ. PageV01P165 # قرأ ذلك في حجر عند رأسه بمدينة سفاقس (1) حرسها الله وناولني «صحيحي ~~البخاري ومسلم» في أصله منهما ، وقرأت عليه بعض الأحاديث الثنائية الإسناد ~~من حديث مالك رضياللهعنه من تخريجه وبعض أحاديثه التساعية (2) من تأليفه ~~وانتقائه وناولني سائرهما ، وناولني أجزاء من عوالي حديثه ، وحديث شيوخه ، ~~وناولني «الأحاديث الأربعين في عموم رحمة الله لسائر المؤمنين» من تأليفه. # وحدثني حفظه الله بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من ~~في السماء (3)». وهو أول حديث سمعته منه عن الفقيه أبي عبد الله محمد بن ~~إبراهيم بن عثمان الحنفي سمع منه بالمهدية (4) عام ثمانية وعشرين بسنده ~~مسلسلا ، وبحديث أنس بن مالك (5) رضياللهعنه قال : «صافحت بكفي هذه كف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فما مسست خزا ولا حريرا ألين من كف PageV01P166 # رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)» بسنده مسلسلا بالمصافحة. وبحديث عبد ~~الله بن مسعود (2) في التشهد مسلسلا بأخذ اليد إليه قال : «أخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيدي فعلمني ms061 التشهد : التحيات لله والصلوات والطيبات ، ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (3)». # وفيه عن إبراهيم بن سعيد الجوهري (4)، رواية عن الحسين بن علي الجعفي ~~(5) أن هارون الرشيد قدم مكة ، فجلس عند الأسطوانة الحمراء ، ثم قال للفضل ~~بن الربيع (6): بلغني أن الحسين بن علي الجعفي حاج فانظر أين PageV01P167 # هو حتى آتيه ، فقال له رجل : هو ذاك يصلي عند المقام. فقال الفضل : أنا ~~آتيك به يا أمير المؤمنين ؛ فإنه أحق أن يأتيك. فجاء الفضل فوقف عليه فقال ~~له : إن أمير المؤمنين [37 / ب] عزم على إتيانك. فسلم الحسين ثم قال له : ~~أنا أحق أن آتيه. قال : فانهض بنا. فجاء معه فاعتنقه هارون وسلم عليه ~~وأجلسه إلى جنبه على مقعده ثم أقبل عليه هارون وسأله عن حاله وسفره ، قال : ~~ثم تنحى عنه حتى صار بين يديه وضرب بيده إلى قلم وقرطاس ، ثم قال له : تملي ~~علي حديث عبد الله بن مسعود في التشهد. فقال : أخبرنا (1) الحسن بن الحر ، ~~قال : أخذ القاسم بن مخيمرة (2) بيدي وقال : أخذ علقمة بن قيس بيدي وقال : ~~أخذ عبد الله بيدي .. وذكر الحديث ، فقال له هارون : أخذ بيدك الحسن بن الحر؟ # قال : نعم. قال : فتأخذ بيدي كما أخذ بيدك؟ قال : فأخذ يده في يده ، قال ~~: فترك هارون يده وجعل يقبل يد نفسه ، وقال : بأبي يد صافحت كف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # وحدثني أيضا وهو آخذ بيدي بسنده مسلسلا إلى أبي الربيع الزهراني قال : ~~حدثنا مالك وهو آخذ بيدي : (3) حدثنا نافع وهو آخذ بيدي (4) قال (5): ~~حدثني ابن عباس وهو آخذ بيدي ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~آخذ بيدي (6): «من أخذ بيد مكروب أخذ الله بيده (7)». # انظر طبقات الحفاظ للسيوطي : 54. PageV01P168 # وهذه الأحاديث كلها من مسلسلات الإمام أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي ~~(1) رحمه الله ، وشيخنا الفقيه أبو زيد يرويها عن الفقيه المحدث الراوية أبي ~~عمرو عثمان بن ms062 سفيان بن عثمان التميمي التونسي (2) عرف بابن شقر ، ويقال ~~ابن الشقر ، معرفا ، عن الإمام أبي الحسن المقدسي المذكور ، وقد ذكر في هذا ~~أيضا نحو ما تقدم ، عن الرشيد ، وهذه المسلسلات قرأتها كلها على الفقيه ~~الصالح أبي العباس أحمد بن موسى البطرني (3)، وسلسلتها معه ، وحدثني بها ~~عن ابن (4) شقر المذكور قراءة وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. # وأنشدني شيخنا أبو زيد وأعطانيه في ورقة بخطه ، قال : أنشدنا (5) الفقيه ~~المحدث أبو المكارم وأبو بكر محمد بن أبي أحمد يوسف بن موسى ، هو ابن مسدي ~~بسين ودال مهملتين المهلبي ، وكتبه لي بخطه قال : أنشدني القاضي أبو الحسن ~~علي بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأنصاري ، هو PageV01P169 # ابن قطرال بثغر شاطبة (1)، وكتبه لي بخطه قال : (2) أنشدنا أبو الحجاج ~~يوسف ابن محمد [38 / آ] هو ابن الشيخ البلوي ، وكتبه لي بخطه ، قال (3) ابن ~~مسدي : وقرأت على أبي عبد الله محمد بن أحمد التميمي قال : أنشدنا أبو محمد ~~عبد الله بن أبي الفضل القاضي بثغر الإسكندرية ، وكتبه لنا بخطه (4) قال : ~~أنشدنا أبو عبد الله محمد بن صدقة بن سليمان ، وكتبه لي بخطه قال : أنشدنا ~~(5) محمد بن إبراهيم البكري ، وكتبه لي بخط يده ، قال : أنشدنا أبو عبد ~~الله محمد بن إبراهيم بن قاسم (6) الطليطلي وكتبه لي بخطه ، قال : أنشدنا ~~محمد بن شداد بن الحداد وكتبه لي بخطه ، قال : أنشدنا أبو عبد الله محمد بن ~~إبراهيم بن موسى (7) بطلبيرة (8) لنفسه ، وكتبه لي بخطه (9): [الوافر] PageV01P170 رأيت الانقباض أجل شيء %~% وأدعى في الأمور إلى السلامه فهذا الخلق سالمهم ودعهم %~% فخلطتهم تقود إلى الندامه ولا تعن بشي غير شيء %~% يقود إلى خلاصك في القيامه (1) # وأنشدني أيضا قال : أنشدني أبو عمرو بن الشقر عن أبي الحسن المقدسي عن ~~الإمام أبي الطاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي ، عن الخطيب أبي زكريا يحيى ~~بن علي التبريزي ، عن أبي الحسن علي بن محمد الفالي (2) لنفسه وهو بالفاء ~~أخت القاف واللام المشددة ، كذا وجدته بخط ابن شقر ، ومنه نقلت السند ~~والشعر ms063 (3): [الطويل] # تصدر للتدريس كل مهوس %~% بليد تسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا %~% ببيت قديم شاع في كل مجلس (4) «لقد هزلت حتى أبان هزالها %~% كلاها وحتى استامها كل مفلس» (5) PageV01P171 # وانشدني أيضا قال : أنشدني أبو عمرو بن الشقر ، قال : أنشدني الفقيه ~~الزاهد المنقطع إلى الله سبحانه أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير (1) ~~الكناني بالإسكندرية لنفسه (2): [المنسرح] # تأن في الأمر لا تكن عجلا %~% فمن تأنى أصاب أو كادا وكن بحبل الإله معتصما %~% تأمن به بغي كل من كادا فكم رجاه فنال بغيته %~% عبد مسيء بنفسه كادا [38 / ب ] ومن تطل صحبة الزمان له %~% يلق خطوبا به وأنكادا # (3) وبنحوه له (4): (5) [المتقارب] # صن العقل عن لحظة في هوى %~% فإن البصيرة طوع البصر وغض الجفون على عفة %~% فإن زناء العيون النظر # وبنحوه له (6): (7) [الطويل] PageV01P172 من الله فاسأل كل أمر تريده %~% فما يملك الإنسان نفعا ولا ضرا (1) ولا تتواضع للولاة فإنهم %~% من الكبر في حال تموج بهم سكرا وإياك أن ترضى بتقبيل راحة %~% فقد قيل فيها : إنها السجدة الصغرى (2) # قلت : قوله : «ولا تتواضع للولاة ... البيت» ينظر إلى قول الأول : (3) ~~[الخفيف] # قل لنصر والمرء في دولة السل %~% طان أعمى مادام يدعى أميرا (4) فإذا زالت الولاية عنه %~% واستوى والرجال عاد بصيرا (5) # وفي نحو منه قول منصور الفقيه (6): [المتقارب] # إذا عزل المرء واليته %~% وعند الولاية أستكبر (7) لأن الولاة لهم نبوة %~% ونفسي على الذل لا تصبر (8) # ترجمته في معجم الشعراء 280 معجم الأدباء 19 / 185 شذرات الذهب 2 / 349 ، ~~والبيتان في الذيل على الروضتين 234 لأبي طاهر السلفي زهر الآداب 3 / 883 ~~الحلل السندسية 1 / 255 حماسة الظرفاء 1 / 154 التمثيل والمحاضرة 150. PageV01P173 # ونهيه عن التواضع للولاة حكم شرعي ؛ قال صلى الله عليه وسلم : «من تواضع ~~لغني ذهب ثلثا دينه» (1). وأرى هذا الحديث مبنيا على الحديث الآخر وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ~~ورسوله احب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن ~~يعود ms064 في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (2). # فكان (3) من تواضع لغني لأجل غناه ، قد سقطت عنه الخصلتان الأوليان ، إذ ~~صار الغنى أحب الأشياء إليه ، وأحب المرء لغير الله ، وإذا سقطت الخصلتان ~~من الثلاث فقد ذهب الثلثان ، فهذا وجه تخصيصهما والله أعلم. # وأنشدني لابن جبير بمثل السند (4): [39 / آ] [الخفيف] # أيها المستطيل بالبغي أقصر %~% ربما طأطأ الزمان الرؤوسا وتذكر قول الإله تعالى %~% ( إن قارون كان من قوم موسى ) (5) PageV01P174 # وأنشدني (1) له أيضا (2) بمثله وقد أظله عيد الأضحى بطندة (3) قرية ~~بمقربة من مصر (4): [الطويل] # شهدنا صلاة العيد في أرض غربة %~% بأحواز مصر والأحبة قد بانوا (5) فقلت لخلي في النوى : جد بدمعة %~% فليس لنا إلا المدامع قربان (6) # وأنشدني أيضا قال : أنشدني بعض أصحاب أبي عمرو عثمان بن حسن (7) وهو ابن ~~دحية المعروف بابن الجميل عنه ، قال : ولا أدري هل هو له أو تمثل به (8): ~~[الطويل] # ألا إن هذا الدهر يوم وليلة %~% يكران من سبت عليك إلى سبت (9) فقل لجديد العيش لا بد بلى %~% وقل لا جتماع الشمل لا بد من شت (10) PageV01P175 # وأنشدني حفظه الله عند الموادعة : (1) [الخفيف] # إن نعش نجتمع وإلا فما أش %~% غل من مات عن جميع الأنام (2) # وهذا البيت يأتي ذكره ومن أنشده عند الموادعة في موضعه إن شاء الله. # وقد نظمت بالقيروان قصيدة بعثت بها إلى ولدي محمد وفقه الله وكان شيخي ~~زين الدين بن المنير حفظه الله يستحسنها كثيرا ، وسمعها مني شيخنا الشريف ~~الحسيب الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن أحمد الغرافي (3) وقيدها بخطه ، ~~وكتب عليها سماعه ، فرأيت إثباتها في هذا الرسم ، إذ هو أليق المواضع بها ~~بحول الله تعالى وهي هذه : [الوافر] ### ||| * [قصيدة العبدري لابنه] أصخ سمعا أوصك يا بني %~% وصية والد بر حفي جرى القدر المتاح لنا ببين %~% قضاء جاء من ملك علي (4) وقد فتت نواكم في فؤادي %~% وأشجت بالأسى قلب الخلي وأبدلت الماقي عن كراها %~% دموعا فيضها مثل الأتي (5) PageV01P176 5 ولولا أن حكم البين حتم %~% يمر على المطاوع والأبي [39 / ب] ms065 لعاجلني الأسى بقضاء نحبي %~% ووافتني النوى بردى وحي (1) ولكن كل جمع لافتراق %~% ونشر العيش آخره لطي فمر على المقابر باعتبار %~% وسل تنبئك عن حي فحي وقد شاهدت في الدنيا أمورا %~% محرضة على نهج التقي (2) 10 أمالك في تقلبها اعتبار %~% يبين قبحها من غير عي ألم تر ما حبتك وأنت طفل %~% فنون أذى همى مثل الحبي (3) وذي جد أحلك من حشاه %~% محل بشارة بعد النعي وترك منازل وثقاف عم %~% بكم بر ونائي أب حفي وذاك وإن أذابك غير بدع %~% فهذا دأبها مع كل حي 15 فكن بالله منها مستعيضا %~% كفى عوضا به من كل شي (4) وكن متعففا عنها عيوفا %~% وإن أعطتك قصدك دون لي (5) ولا تأسف لفرقتها ففيها %~% وصال تواصل العيش الهني هي الطلل المحيل وما بكاها %~% سوى غاو يهيم بوصل غي (6) PageV01P177 يبكي في منازل مقفرات %~% ضلال سنه غيلان مي (1) 20 ومازالت ترد الرفع خفضا %~% وترمي بالسناد إلى روي سراب إن نظرت تقل شراب %~% ولم يظفر فتى منه بري فلاتك يا بني بها ولوعا %~% وإن أبدت مطاوعة الأبي (2) هي العصيان شيمتها ولكن %~% تغر الغر نادرة العصي (3) وكن بالله ذاثقة تقيا %~% ولا تغبط بني سوى تقي 25 ونل بالزهد مرتبة المعالي %~% فلم يزهد سوى عال سري (4) وليس سواه للأرواح روح %~% يتيه به الفقير على الغني فشد به يديك وكن ضنينا %~% بوجهك أن تعرضه لكي (5) ولا تبذله للأطماع يوما %~% فتخدشه بذا الخلق الدني (6) [40 / آ] وباعد ما استطعت حليف دنيا %~% تعلق حبلها من فرط غي 30 ولا يغررك أن أبدى خيالا %~% إلى قرب يصير غير شي (7) فحظكما من الدنيا بلاغ %~% إلى لحد يسوي كل حي (8) PageV01P178 بني يسؤوني أن اراك عبدا %~% لغير الواحد الصمد العلي فكن عبدا له من غير شرك %~% وإلا تأت بالأمر الفري (1) بني تسؤوني منك المعاصي %~% فلا عمرت حلالك يا بني (2) 35 قبيح أن أكون عصيت ربي %~% وتقفو إثر والدك العصي يمر المشتهى كالبرق خطفا %~% ويترك حسرة الأمد القصي تزين بالحياء فليس وصف %~% يزان به الفتى مثل الحيي وجانب ما يقود ms066 إليه طبع %~% يرى طبعا على الثوب النقي (3) وكن بالعلم ذا لهج فإني %~% أجزتك واستجزت بكل حي (4) 40 لكي تروي الحديث حديث سن %~% لأشياخ ذوي فهم سني (5) مصابيح الدجنة لو تراهم %~% رأيت بدور كل دجا دجي (6) لقيتهم وأنت هناك ثاو %~% فيا للشكر للسعد القوي محضتك يا بني النصح مني %~% وحق النصح للولد الرضي وإن مد البقاء إلى لقاء %~% كسوتك ما يزينك في الندي (7) 45 فترفل في حلى حلل تسامى %~% إليها كل حبر ألمعي (8) PageV01P179 وأرجو ذاك من إنعام ربي %~% إلهي مالكي ثقتي وليي وأقرأ من سلامي كل زاد %~% عليك يفوح بالمسك الذكي وأقرأ ضعفه في كل حين %~% بلا أمر على خل وفي (1) يروح صبا جرت ويفوح روضا %~% بكى الوسمي فيه مع الولي (2) 50 وباكره النسيم غداة صحو %~% فنشر نشره من بعد طي ومن ذي العرش أسأل أن يوالي %~% لكم صون الغدو مع العشي ### ||| * [ذكر قابس] # [40 / ب] ثم وصلنا إلى مدينة قابس (3)، ذات المخبر (4) الخبيث ، والمحيا ~~العابس. هواء وخيم ، ولؤم طبع وخيم (5) وتضييع المصليات والمساجد ، وقلة ~~اعتناء بكل راكع وساجد ، مغانيهم (6) إلى النجوم عالية ، ومعانيهم (7) أسفل ~~التخوم هاوية ، إلى عفونات تخبو لقربها المصابيح ، وتنحو بالنحول كل وجه ~~صبيح (8)، تفسد الأذهان (9) والألوان ، وتضرم للمزاج (10) المعتدل نار الحرب # انظر ياقوت 4 / 289 وصف إفريقية 2 / 91 رحلة التجاني 86. PageV01P180 # العوان (1). تنصب عليه مجانيق الطوى (2)، فتقذفه بجلاميد الخوى (3)، ~~وترميه بسهام الروائح المنكرة ، عن قسي الأهوية المغيرة ، بأكف الأبخرة ~~المكدرة ، فما تلبث أن تحط علاه ، وتبيح (4) للأسقام (5) حماه ، تنصب ~~حواليه أنهار تشتعل بها في حشا الظمان نار ، ودارت بها غابة من نخيل ، وقد ~~طلسمت (6) ثمرتها بكف كل بخيل ، فلو أتاها جبلة بن الأيهم (7)، أو حل ~~حماها إبراهيم بن أدهم (8) لم تنل إلا برقية الدينار والدرهم ، على أن ~~الهواء العفن قد منعها الجفوف ، فليس لها على الخزيز (9) والغثاء (10) شفوف ~~، لأنه إذا أفردت عن أشجارها القطوف ، بدت العفونة بها تطوف. PageV01P181 # وأما العلم عندهم فقد ركدت ريحه ، والجهل لديهم (1) لا يؤسى جريحه ، عام ~~لا يتطرق إليه الخصوص ، وظاهر جاء على ms067 وفق النصوص. وهذا حكم استفدته من ~~العيان ، ونتيجة الاختبار لهم والامتحان ، نعم بها آحاد الفضلاء الصلحاء. ~~كالشعرة البيضاء في اللمة (2) السوداء ، يستمطر بهم المزن إذا لم يسبل سبله ~~(3)، والنادر لا حكم له. # وقد حضرت بجامعها شيخا يشار إليه ، ويعول في نوازل المسائل عليه ، ~~وحواليه جماعة من أعيانها ، وأهل الخطط من سكانها ، فقرئ عليه في المرابحة ~~من «التلقين» باب استبهم عليه فيه وجه الصواب ، فخبطوا فيه خبط عشواء ، ~~وأتوا أثناءه بكل شوهاء (4) وشنعاء. فمما جرى لهم في مسألة الغلط في الثمن ~~بالزيادة أو النقص أن اعتبار القيمة فيها لتختبر صحة قول البائع أو المشتري ~~[41 / آ] ، وهذا كلام لا يتحصل في الذهن فضلا عن صحته وفساده ، وقالوا : إن ~~القيمة لما اعتبرت بالثمن كان المعتبر إذا هو الثمن ، ثم نقضوا هذا الهراء ~~(5) بأن القيمة يضرب عليها الربح وقالوا : إن الثمن يعتبر دون ربح ، وهذا ~~هراء (6) أشد من الأول ، وما كفاهم ذلك حتى أخذوا في تحقيق ذلك من ألفاظ ~~الكتاب ، بتنزيلها على وجوه الإعراب ، وبعد مجاراة (7) طويلة ، ومماراة (8) ~~ليست بقليلة ، وقفتهم على ما أملوا من تلك القبائح ، التي لم يغد PageV01P182 # بمثلها غاد ولا راح رائح ، واستبان لهم لما لاح في ليل خبطهم نهار ، أن ~~بنيانهم كان على ( @QUR@03 شفا جرف هار ) (1)، ولولا ما أتوقع من جدال ~~المماحك (2) لم أشن وجوه الأوراق بهذه المضاحك ، ولم أخلد لها ذكرا في كتاب ~~، بل أطويها (3) ( @QUR@03 كطي السجل للكتب ) (4). # ثم قطعنا برية المراحل الحمر ، وهي بيداء تغري بالرواحل الضمر. على أنها ~~أقل البراري غررا (5)، وأخفها مؤونة وضررا ، ماؤها مورود ، قلما يغب (6) ~~الورود ، ولكن معالمها دوارس ، ومسالكها طوامس (7)، للرمال المنهالة ~~والرياح الروامس (8). # ومنها إلى قريتي زوارة (9) وزواغة (10)، ذوي الأنفس الخبيثة والقلوب ~~الزواغة (11)، معتقدات شنيعة ، وأعمال ( @QUR@02 كسراب بقيعة ) (12) ~~ومذاهب سوء ردية ، وضمائر شر عمر منهم كل طوية ، إن استنام إليهم حاج لم PageV01P183 # يوقظه إلا برد ماء التقديس ، ودوي أصوات النواقيس ، أو استأمن إليهم داج ~~لم يرعه إلا تلفيق المعاذير عن إساءة رعي الخنازير ؛ لأنهم يبيعونهم (1) من ~~النصارى بأبخس الثمن ، ويعتقدون ذلك ms068 حقا [لازما] (2) تنتقي عنه الظنن ، قطع ~~الله دابرهم ، وخضد (3) أصاغرهم وأكابرهم ، ولا أخلاهم من قارعة تجتاحهم ~~قرعا ، وتسحتهم (4) أصلا وفرعا. # ثم خطرنا على قرية زنزور (5)، ولم أخبرها فلا أحدث عنها بزور ، إلا أن ~~(6) مظهرها (7) معجب مونق ، وشجرها مخصب مورق ، ولا أدري [41 / ب] هل ~~مخبرها موافق ، أو هي ذات وجهين كالمنافق. ### ||| * [ذكر طرابلس] # ثم وصلنا إلى مدينة أطرابلس ، وهي للجهل مأتم وما للعلم بها عرس ، أقفرت ~~ظاهرا وباطنا ، وذمها الخبير بها سائرا وقاطنا ، تلمع لقاصدها لمعان البرق ~~الخلب (8)، وتريه ظاهرا مشرقا والباطن قد قطب ، اكتنفها البحر والقفر ، ~~واستولى عليها من عربان البر ونصارى البحر النفاق والكفر ، وتفرقت عنها ~~الفضائل تفرق الحجيج يوم النفر (9)، لا ترى بها شجرا ولا ثمرا ، ولا تخوض في PageV01P184 # رجائها حوضا ولا نهرا ، ولا تجتلي روضا يحوي نورا ولا زهرا ، بل هي «أقفر ~~من جوف حمار» ، (1) وأهلها «سواسية كأسنان الحمار (2)» ، ليس على ناشئ ~~منهم فضل لذي شيبة (3)، ولا لذي الفضل منهم (4) هيبة ، ترى أجساما حاضرة ~~والعقول في عقل غيابات الغيبة ، ملابس يلبسها ليلبس بها من ملابس العيوب ~~العيبة ، إلى بخل لو مازج ماء البحر جمد ، أو خالط الهواء سكن في آذار ~~وركد. وخلق يضيق به متسع الفضاء ، ونزق يحق له في ذمهم كشف الغطاء. وأذهان ~~أربت في الضيق على الخاتم ، سواء لديها (5) من حارب ومن سالم : [السريع] # كأنهم من ضيق أفهامهم %~% لم يخرجوا بعد إلى العالم # فسبحان من خلقهم (6) وأهل تونس في طرفي نقيض ، أولئك في الأوج وأولاء في ~~الحضيض. |سواء كأسنان الحمار فلا ترى||لذي شيبة منهم على ناشيء فضلا. | PageV01P185 # ولم أر بها ما يروق العيون (1)، وسماعن أن يقوم بالدون ، سوى جامعها ~~ومدرستها ، فإن لهما من حسن الصورة نصيبا ، ومن إتقان الصنعة سهما مصيبا. ~~وما رأيت في الغرب مثل مدرستها المذكورة ، لولا أن محاسنها مقصورة على ~~الصورة ، فما يشب (2) بها للعلم طفل ، ولا يحج صرورة (3): [الطويل] # وما الحسن في وجه الفتى شرفا له %~% إذا لم يكن في فعله والخلائق (4) ### ||| * [لقاؤه لا بن عبد السيد] # وقد حضرت ms069 بها تدريس الشيخ المسن القاضي الخطيب أبي محمد عبد الله بن عبد ~~السيد ، وهو بيت قصيدتهم ، وكبش (5) كتيبتهم [42 / آ] وواسطة قلادتهم ، ~~وأنف سيادتهم ، ذو سمت ووقار ، وقد أثر الكبر في جسمه ، كثير المواظبة ~~للمسجد والذكر ، خير في دينه ، وما كنت آتيه بعدما رأيته إلا بقصد الدعاء ؛ ~~لأنه ضيق الخلق ، لين النظر ، وفي لسانه حبسة لا يكاد يفهم معها ، وقد ~~استفرغت جهدي وقت إقرائه في تفهم ما يقول ، فما فهمته إلا بعد مدة ، وأظنه ~~لا رواية له ؛ فإني سألته عن ذلك فأبهم جوابه وتنمر (6)، وحاولت مداخلته ~~فصدني عن ذلك بشكاسته (7) وجهامة لقائه. وما أبعد جميع (8) أحواله من PageV01P186 # أحوال شيخنا الفقيه القاضي الأوحد الإمام ، قاضي الجماعة بحضرة مراكش ~~كلأها الله أبي عبد الله محمد بن علي بن يحيى الشريف (1) قدس الله تربته ، ~~وآنس في قبره غربته ؛ فإنه كان والله زين الدنيا والدين ، وهو كما قال ~~القائل : [الطويل] # أقاموا بظهر الأرض فاخضر عودها %~% وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظهر # وتالله إن فقد مثله ليهون الرزايا ، وإنه لحقيق بما قال أحمد بن المعدل ~~(2) في ابن الماجشون : (3) «ما ذكرت أن الأرض تأكل لسان عبد الملك إلاهانت ~~الدنيا في عيني» (4). # وقد سألت الشيخ أبا محمد بن عبد السيد عن أشياء ما قام فيها ولا قعد ، ~~وما استفدت منه في العلم فائدة سوى ما تقدم تسيطره في قوله صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان» (5). PageV01P187 # ولما حضرت تدريسه مر لهم في دولة التفسير قوله تعالى : ( @QUR@013 وإن ~~يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب ~~المنير ) (1)، فسألته : ما الكتاب المنير الذي أراد هنا؟ فأجاب : بأنه جنس ~~، وهو بمعنى الزبر قبله بإجماع من المفسرين. فقلت له : لم كرر؟ فقال : ~~للتأكيد. وجمد على ذلك ، ولا يفهم هنا للتأكيد معنى. ولو قال : كرر لما ~~تضمنه من المدح كما تعطف النعوت بعضها على بعض لكان أشبه ، ولكن تكرار ~~الباء يشعر بالفصل ؛ لأن فائدة تكرار العامل بعد حرف العطف إشعار بقوة [42 ~~/ ب] الفصل بين الأول والثاني ، وعدم ms070 التجوز في عطف الشيء على نفسه ، (2) ~~والله أعلم (3). # ثم مر لهم بعدها قوله تعالى : ( @QUR@02 وغرابيب سود ) (4) وهي من الآيات ~~التي صدئت فيها الأذهان الصقيلة ، وعادت بها أسنة الألسنة (5) مفلولة الشبا ~~كليلة ؛ وذلك أن المنهج في كلامهم تقديم المتبوع على التابع فيقولون : أبيض ~~ناصع ، وأصفر فاقع ، وأحمر قان ، وأسود حالك ، وغربيب. ولا يقولون : ناصع ~~أبيض ، ولا فاقع أصفر ، ولا قان أحمر ؛ لأن التابع (6) فيه معنى زيادة ~~الوصف فلو قدم كان ذكر المتبوع بعده عيا ، إلا أن يكون المعنى (7) أوجب ~~تقديمه. فلما PageV01P188 # قرعت أسماعهم بهذا سكتوا ولم يجد أحد منهم جوابا. وكان الشيخ قد ذكر ما ~~قال بعضهم ، وأظنه القاضي أبا محمد بن عطية (1) أنه من فصيح الكلام فلم ~~أقنع بذلك ، وقررته على ما تقدم فسكت. # ومن جملة العجائب أن شيخا ممن حضر إقراءه أراد أن يحتج عنه لما كلمته ، ~~فقال لي : إنما ذكر السود ؛ لأنه قد يكون في الغربان ما فيه بياض ، وقد ~~رأيته في بلاد المشرق ، فلم يفهم من الآية وقد حضر تفسيرها شيئا إلا أن ~~الغربيب هو الغراب!. # وقد ظهر لي في الآية الأولى وجهان أردت أن أثبتهما مستخيرا لله عز وجل : ~~أحدهما : إن قوله تعالى : ( @QUR@01 جاءتهم ) يعود فيه الضمير على المكذبين ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى الذين من قبلهم فيكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~داخلا في الرسل المذكورين (2)، والكتاب المنير : القرآن ، وقوله : ( ~~@QUR@04 ثم أخذت الذين كفروا ) (3) معطوف على قوله : ( @QUR@05 فقد كذب ~~الذين من قبلهم ) (4) أي : كذبوا ، ثم أخذتهم لقيام الحجة عليهم بالبينات ~~وبالزبر ، وبالكتاب المنير ، وجاء تقديم قيام PageV01P189 # الحجة قبل العطف اعتراضا للتهمم به ، وهو من أرق وجوه البلاغة كما قال ~~(1): [الوافر] # فإنك إن أفتك يفتك مني %~% فلا تسبق به علق نفيس (2) # [43 / آ] وكما قال حسان رضياللهعنه (3): [البسيط] # فإن في حربهم فاترك عداوتهم %~% شرا يخاض عليه الصاب والسلع (4) # وأرى مثل هذا في آية آل عمران ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@07 فإن كذبوك ~~فقد كذب رسل من قبلك ) (5) الآية. وقوله : (جاؤا) انصراف من المخاطبة إلى ~~الغيبة ، كأنه قال ms071 : جاء هؤلاء المذكورون (6)، فيكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم داخلا في الضمير ، وهو في موضع جاءتهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير ، فأقام الإخبار عن الغائب مقام الخطاب كما قال : ( ~~@QUR@09 حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ) (7)، وفيها (8) وجه ~~من التفخيم والتعجب ، كما أن المخاطب إذا استعظم الأمر رجع إلى الغيبة ؛ ~~ليعم الإخبار به جميع الناس ، وهذا موجود في الآيتين ، ومن ذلك قول النابغة ~~الذبياني (9): [البسيط] PageV01P190 يا دارمية بالعلياء فالسند %~% أقوت وطال عليها سالف الأبد # والوجه الاخر : أن يكون المعنى على حذف مضاف كأنه قال : وبخبر الكتاب ~~المنير يعني : القرآن ، فيكون مثل قوله : ( @QUR@07 ومبشرا برسول يأتي من ~~بعدي اسمه أحمد ) (1) وهذا وجه حسن قريب ، وكان شيخنا زين الدين أبو الحسن ~~المالكي الإسكندري قد استحسنه حين عرضته عليه والحمد لله. # وأما الآية الأخرى وهي قوله تعالى : ( @QUR@02 وغرابيب سود ) فحسبك به ~~(2) إشكالا أن فحول المفسرين (3) أحجموا عن (4) القول فيه ، وقصروا عما يتم ~~الغرض ويوفيه ، والذي ظهر لي في ذلك بعد طول تأمل ، وفرط قلق فيه وتململ ، ~~أن الموجب لتقديم الغرابيب هو تناسب الكلم ، وتماثل نسق الألفاظ ، وجريانها ~~على نمط متساوي التركيب ، وهو معنى قلما يوجد في غير الكتاب العزيز حسبما ~~تقدم في قوله تعالى : ( @QUR@03 فتذكر إحداهما الأخرى ). وذلك أنه لما ~~تقدم ذكر البيض والحمر دون إتباع كان الأليق بحسن النسق ، وترتيب النظام أن ~~تكون السود كذلك ، ولكنه لما كان في السود هنا زيادة [43 / ب] الوصف كان ~~الأليق بالمعنى أن تتبع بما يقتضي ذلك وهو الغرابيب فتقابل حظ اللفظ وحظ ~~المعنى ، فوفي الحظان معا ، وكمل الغرضان (5) جميعا ، ولم يطرح أحدهما ~~للآخر ، فيقع النقص من جهة المطرح ، وذلك بتقديم الغرابيب PageV01P191 # على السود ، فوفى لفظ الغرابيب حظ المعنى في زيادة الوصف ، ووفى ذكر ~~السود مفردا من الإتباع حظ اللفظ ؛ إذ جاء مجردا على صورة البيض والحمر ~~فاتسقت الألفاظ كما ينبغي ، وتم المعنى كما يجب ، ولم يخل بواحد من الوجهين ~~، ولم يقتصر على الغرابيب ، وإن كانت متضمنة لمعنى السود ؛ لئلا تتنافر ~~الألفاظ ، فإن ضم الغرابيب ms072 إلى البيض والحمر ، ولزهما في قرن واحد : ~~[البسيط] # كابن اللبون إذا مالز في قرن %~% ................................. # (1) وذلك غير مناسب لتلاؤم الألفاظ وتشاكلها وجريها في سنن الاتفاق ، ~~وبذكر السود وقع (2) الالتئام ، واتسق نسق النظام وجاء اللفظ والمعنى في ~~درجة التمام ، وهذا لعمر الله من العجائب التي تكل دونها العقول ، ويعيا ~~بها اللسن (3) فلا يدري ما يقول ، والحمد لله على حسن عونه. # ومر لهم في دولة «الموطأ» حديث ابن عمر رضياللهعنه في «من نسي صلاة (4) ~~فلم يذكرها إلا وهو وراء الإمام (5)» فقال في الكلام عليه : سمعت PageV01P192 # الإمام فخر الدين أبا علي بن رشيق (1) بمصر يقول في تعليل قطع الصلاة إذا ~~ذكرت فيها صلاة أخرى ، إنما ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : «من نام عن صلاة ~~أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، فإن ذلك وقت لها» (2). # قال : فعين (3) النبي صلى الله عليه وسلم وقت الذكر للفائتة فوجب أن يقطع ~~التي هو (4) فيها. فقلت له : هذا عام محتمل للتخصيص بمن ذكرها في غير صلاة ~~، فأما من ذكرها في الصلاة فخارج عن هذا العموم بدليل قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 ولا تبطلوا أعمالكم ) (5). كما خرج عنه من ذكرها في أوقات النهي ~~عند من يرى ذلك من العلماء. # ثم إن هذا التعليل لا يأتي على مذهب مالك رحمه الله لأنه لا يرى القطع ~~واجبا بدليل أن من صلى صلوات وهو [44 / آ] ذاكر لصلاة فإنه لا يعيد منها ~~إلا ما بقي وقته ، وبدليل أن الإمام إذا ذكر صلاة ثم قطع فقد أبطل على من ~~خلفه ، ولو كان القطع واجبا لصحت صلاة من خلفه ؛ لأنه مغلوب على القطع ، ~~كما إذا ذكر أنه جنب ، ولكن القطع في ذلك استحباب ، فكأن الإمام متعمد له ~~(6)، فلذلك أبطل على من خلفه ، وكنت أذكر هذا المعنى PageV01P193 # من كلام الشيخ الإمام أبي الحسن اللخمي على المسألة ، فلما فرغت من كلامي ~~هذا سكتوا ، ولم يجدوا جوابا. وهذا وما أشبهه إنما أثبته تنبيها على ضعف ~~العلم في هذا الأوان ، وقلة الراغب فيه ، لا أني معجب فيه بنفسي ويعلم الله ~~أن معتقدي ms073 أن أدل دليل على فناء العلم ، وامحاء رسومه (1)، هو كلامي وكلام ~~أمثالي فيه ، فإنه ما أوجبه إلا عدم علماء التحقيق ، وحسبنا الله وبه ~~التوفيق. # والذي أرى في الحديث الذي استدل به ابن رشيق أنه يقصر على مثل الصورة ~~التي ورد فيها ، وهي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الصبح يوم الوادي بعد طلوع ~~الشمس ، لا من حيث أنه وارد في صورة ، فإن معتقدي أن اللفظ إذا كان مستقلا ~~بنفسه اعتبر بما يجب له ، ولم يقصر على الصورة التي ورد فيها ، ولكن من حيث ~~قام الدليل ، إن ذلك هو المراد ، وذلك أن حمله على العموم يؤدي إلى باطل ~~متفق على بطلانه ، وهو أن من ذكر صلاتين فأكثر لا يؤديهما أبدا ، لأنه كلما ~~وقف في صلاة ذكر فيها أخرى فتبطل عليه ، فالتخصيص في مثل هذا ضربة لازم (2) ~~، والله أعلم. ### ||| * [قبة باب البحر] # ولم أر بأطر ابلس أثر عناية ، سوى ما تقدم ذكره ، إلا قبة بباب البحر من ~~بناء الأوائل ، في غاية الإتقان ، ونهاية الأحكام ، مبنية من صخور (3) ~~منحوتة في PageV01P194 # نهاية العظم ، منقوشة بأحسن النقش ، مرصوفة بأعجب الرصف ، متماثلة ~~المقدار علويها وسفليها ، ولا ملاط (1) بين الصخور من طين ولا غيره ، ومن ~~العجب ترتيب تلك الصخور [44 / ب] ورصفها في الأساس فضلا عن رفعها إلى السقف ~~ورصفها هناك مع إفراط عظمها ، وفي مقعد القبة صخرة مستديرة منقوشة ، يحار ~~الناظر في حسن وضعها ، وعلى القبة قبة أخرى عالية ، ومبان مرتفعة ، ورأيت ~~للقبة السفلى بابا مسدودا ، وعليه من خارجه صورة أسدين قد اكتنفاه مصورين ~~من تلك الصخور بأبدع صنعة ، وأغربها ، وهما متقابلان على الباب ، وفي كل ~~واحد منهما صورة لجام قد أمسك بعنانه شخص واقف وراءه ، وقد منعه به أشد ~~المنع ، ولعل ذلك كان لمعنى تعطل وجهل سره ، والله أعلم. ### ||| * [قصر الجم] # والذي في بلاد إفريقية من عجائب البناء ، وآثار الاعتناء أمر يضيق عنه ~~الوصف ، منها قصر الجم (2)، وسيأتي ذكره إن شاء الله ، ومنها قصر يعرف ~~بالمنارة غربي القيروان ، على مرحلة منه ، مبني من صخور منحوتة ms074 ، موضوع على ~~الاستدارة (3) كأنه مخروط من عود ، وهو من فرط إتقانه كأنه حجر واحد ، وفي ~~أعلاه طوق ناتىء من تلك الصخور على هيئة طنف (4) قد نحت ورققت أطرافه حتى ~~تجردت (5)، وعرض من الأصل فأتت لذلك جميلة المنظر. PageV01P195 # وفي أعلى القصر من كل جهة صخور بارزة من البنيان عظيمة ، قد نحتت مستديرة ~~، وحفرت فيها مجار للماء من السطح فصارت ميازيب متسعة المجاري في غاية ~~الإحكام وجمال المنظر. # وقد دلت آثار تلك البلدان على ضخامة مملكتها في غابر الزمان ، على ضد ~~ماهي عليه الآن ، فإنها شديدة الإهمال ، غير سديدة الأحوال ، طامسة المسالك ~~، دامسة كالليل الحالك ، عمرانها خراب ، وغدرانها سراب ، وعنوانها يباب (1) ~~، يكل عن وصف فنائها لسان المنطيق (2)، ويضيق في ميدان تبيان خلائها عنان ~~التلفيق ، حلت بها الآفات والمحن ، وشفى منها الدهر على عقد لها من حقود ~~وإحن (3)، لا يسلكها إلا مخاطر ، ولا يعدم من عربانها إيلام خاطر [45 / آ] ~~قد استوى لديهم الصالح والطالح ، واتفق في مذاقهم لكفرهم ونفاقهم كل عذب ~~ومالح. اتخذوا أخذ الحاج خلقا ودينا واعتقدوا إهلاكه ملة ودينا ، فماله ~~عندهم طعمة (4) أحلى من مال اليتيم في في (5) الولي الفاجر اللئيم ، ومن ~~حديث إخوان الصفاء (6)، ومن الوعد على ثقة الوفاء ، لبسوا أسمال (7) ~~المعاوز ، PageV01P196 # وألفوا خلال المفاوز (1)، فهم بها أغنى عن الماء من ضب (2)، وأصب إلى ~~صب الفواقر على فقر المسافر (3) من صب ، على كل مرقب منهم عقاب يرقب ~~الضيفان ليقريهم أمر عقاب ، فما يمر بتلك المسالك سالك ، ولا يخطر على تلك ~~المعابر عابر ، ولا يرد في تلك المناهل ناهل ، إلا انقضوا عليه انقضاض ~~الصقور على البغاث (4)، وانكدروا (5) عليه بحيث لا يغاث من استغاث ، ~~فمزقوا أشلاءه تمزيق الدهر للأحرار ، وعاثوا فيه عيث أويس (6) في ثلة (7) ~~وأسامة (8) في صوار (9)، لا أمن لهم من عوادي الدهر ربرب (10)، ولا عذب ~~لهم من موارد الآمال مشرب ، ولا رحل عنهم يوم حتى يستخلف عليهم نكبة ، ولا ~~وردت عليهم ساعة إلا بتحفة عطبة (11)، حتى يصيروا عبرة للبادي والحاضر ، ~~وأحدوثة المقيم والمسافر ، بحول الإله (12) الذي يسبحه (13) الضب والنون ms075 ~~(14)، وأمره بين الكاف والنون. |في كل يوم من ذؤاله||ضغث يزيد على إباله| |فلأحشأنك مشقصا||أوسا ، أويس من الهباله| # والهبالة اسم ناقته ، وأويس : تصغير أوس وهو الذئب. وقيل : افترس له شاة ~~فقال : لأضعن في حشاك مشقصا يا أويس من غنيمتك التي غنمتها من غنمي. PageV01P197 ### ||| * فصل ### ||| * [حكم السفر] # وقد رأيت أن أثبت في هذا الفصل ما أعتقد أنه الفصل في حكم السفر بهذه ~~البلاد ، لقضاء فريضة الله على العباد ، فأقول : (1) إن المرء إن كان (2) ~~عري الفؤاد من أوار (3) الهوى ، خلي الأحشاء من نار الجوى ، (4) ساكن البال ~~والبلبال (5)، منفسح المجال عن الأوجال (6)، صاحي اللب سليم الحشا ، ثابت ~~(7) الذهن قعد أومشى. فمهما أجرى السؤال في هذا المجال ، وسأل عن حكم ~~اشتغال باشتعال ، وغرام باضطرام ، والتدام (8) في احتدام ، وتطرق إلى تحرق ~~، وتألق (9) من تملق [45 / ب] ، واضطراب لاقتراب ، وافتراق لاجتماع ، ~~وإغراق في انخلاع ، شرب من كأس الحب حتى ارتوى ، وذوى بدنه من خوف النوى ، ~~وهام بذكر حاجر (10) واللوى (11)، نقل عن نسيم الصبا حديث نجد (12) وروى ، PageV01P198 # فحوى من علم الصبابة ما حوى ، واشتمل على أسرار عليها انطوى ، وأخذها ~~مشافهة عن معلم الطوى ، سرت في جسمه حميا (1) راح الراح (2)، وغنت على ~~أفنان قلبه أطيار الارتياح ، وهب له نسيم وصل اهتز له وارتاح ، كما يهتز ~~الغصن اللدن في كفاح الرياح. فهو مع الأوجال والجوى بمنزل ، وعن حكم السؤال ~~والجواب بمعزل ، لا يصغي أذنا إلى نصيح ، ولا يلقي أذنا إلى لاح (3) يصيح. ~~يخاطب وغير المخاطب عنى ، وينظر وإلى غير المنظور رنا. يشدو مترنما ، ~~ويترنم مدندنا (4): [البسيط] # لم يحبب القلب حبا مثل حبكم %~% ولم تر العين شيئا دونكم حسنا # فهذا حكمه حكمه ، وأمره أمره (5)، وإلزامه التزامه (6). لا يمتثل إلا ~~ما به الحب أمر ، ولا يسكن إلا ما سكن الهوى وعمر ، فإن صحا مرة فخوطب قال ~~: أنا ضيف عمرو (7). وإن حذر بأمر أو خوف بزيد أو عمرو ، قال وهو مشتعل ~~الأحشاء (8) بالجمر : دعوني فلا خوف ، و «لا حر بوادي عوف» (9): (10) ~~[الكامل] PageV01P199 فومن أحب لأعصينك في الهوى %~% قسما به وبحسنه وبهائه ms076 (1) القلب أعلم يا عذول بدائه %~% وأحق منك بجفنه وبمائه (2) ### ||| * [ذكر مصراتة] # ثم مررنا على بلد مصراتة (3)، وهو بلد لم يحو إلا جفاته ، وشأنه أحقر من ~~أن يعمل فيه الواصف مقوله أو أداته. على أنه ذو قرى ظاهرة ، ومناظر عند ~~ظهورها باهرة ، تخيل الحسن إذا نظرت ، وتحيله إذا اعتبرت : [المتقارب] # مساكن غصت بسكانها %~% ولكن تراهن كالغامر (4) يظن بها الحسن ذو غرة %~% وما حسن دار بلا عامر (5) # [46 / آ] ثم جبنا (6) البرية الردية ، زديك معدن كل أذية ، سباخ (7) تدهش ~~النواظر ، وتذهل (8) بفرط ما تهول (9) الخواطر (10)، ومياه تحل قوى ~~الأجسام PageV01P200 # وتثير كامن الأسقام ، وتنفذ كما تنفذ السهام. ما يعدوها من أفلتها إلا ~~نضوا (1)، لا يقل (2) من شدة النحول عضوا. وبعد طول التعني بهذا المهمه ~~المرت (3)، لاح لنا في البيداء قصيرات سرت (4)، ولسان حالها يقول لنزيلها ~~: أقويت وأقفرت ، فإن عدلت عدلت ، وإن كنت ما جرت فقد جرت : [الطويل] # لي اسم ولكن لا مسمى وراءه %~% فلا تغترر إن كنت ذا فطنة باسمي فكم طار في الآفاق صيت مشهر %~% لمن ماله في صالح الفعل من قسم ### ||| * [ذكر سرت] # وهذا الاسم يطلق على عدة قصور بينها مسافة ، أولها يسمى الشبيكة ، وهي ~~أعمرها في هذا الوقت ، وآخرها يسمى المدية (5). وأكثر ما يطلق اسم سرت ~~عليها ، وحكمها كلها حكم القفار ، قلما يعمرها إلا الأعراب ، ومن ليس به ~~عبرة. وقد ذكر البكري في مسالكه : «أن سرت مدينة كبيرة على ساحل البحر لها ~~نخل وبساتين» (6). وذكر نحو ذلك في أجدابية (7) وبينهما نحو من عشر مراحل ~~(8)، ولا وجود لشيء مما ذكر إلا أن يكون مما غبر ودثر ، وأظنه سمع PageV01P201 # بوجود التمر بها ، فظن أن بها نخلا ، والتمر إليها (1) مجلوب من بلاد ~~أوجلة (2)، وهو جل عيشهم بها ، ومما أنشده البكري في سرت : (3) # [السريع] # يا سرت لا سرت بك الأنفس %~% لسان مدحي فيكم أخرس ألبستم القبح فلا منظر %~% يروق منكم ، لا ، ولا ملبس بخستم في كل أكرومة %~% وفي فعال القبح لم تبخسوا (4) # ثم سرنا من سرت سير من خاف يدا (5) عادية ، أو أسدا ضارية ms077 أن تنوشه ، ~~مقتحمين لقحم (6) الخطر ، ومرتكبين لمركب الغرر (7)، في بريتي سنانة ~~ومنهوشة ، وهما من القفار المعنية ، وكل راحة فيهما [46 / ب] عن المسافر ~~مولية ، لا معهد بهما ولا أنيس ، ولا محط للرحال عن ظهر (8) العيس. مجر ~~جيوش وغارات ، ومقر نوائب وملمات. ماؤهما وشل زعاق (9)، ولصهما بطل لا يطاق. PageV01P202 ### ||| * [ذكر برقة] # وبعد مكابدة الأين (1)، ومعاينة الحين ، ومقاساة غصة وحرقة ، والسلو عن ~~ألم وداع وفرقة ، وصلنا إلى القفر القواء أرض برقة (2). فوجدنا برية هي أم ~~البراري والقفار ، (3) والموماة المومئة بالإقلال (4) من وصال الأسفار (5) ~~، يستعذب عذابها المنفض (6) من الحجاج ، كما استعذب الظمان المورد الأجاج ، ~~امتدت وطالت ، واشتدت وهالت ، واربدت (7) وحالت ، ولو أنشدت لقالت : # [الطويل] # أنا الغول غالت من يطور فناءها %~% وتخدع بالألطاف طورا وبالبر (8) فإن أكلوا بري شربت نفوسهم %~% وكم بين نفس المرء في الغدر والبر (9) # سكنها (10) من الأعراب كل فظ غليظ ، يحرج بجفائه الأحنف (11) ويغيظ ، حتى ~~تكاد منه النفس تغيظ (12)، لا جرم (13) إنهم يقرون النزيل ، ويوالون PageV01P203 # المنفض بالجميل ، ولا معترض (1) للحاج عندهم ، وإن كان فهو قليل ، والشأن ~~عندهم في التبايع المعاوضة بالمبيعات (2)، والتبادل في المثمونات ، لا ~~يجري بينهم فيها (3) دينار ولا درهم ، وباب التعامل بهما عندهم مبهم. وقد ~~ساوم أحد الحجاج بعضهم بجمل يعطيه به بكرا (4) وزيادة دينارين. فقال له : ~~لا أدخل خيمتي ما لم يدخل قط خيمة أبي ولا جدي. وهذا حالهم في العينين ~~يجهلون بهما أثمان الأشياء ، ويستعملون نساءهم في البيع والشراء ، فلا ~~يتوصل الحاج إلى شراء القوت إلا بعرض مبتذل ، وحال ممقوت. # ومن العجب عندهم أن كل امرأة لا بد لها من خرقة تسدلها على وجهها ~~ويسمونها البرقع ، وهي تتخلل الناس مكشوفة الرأس والأطراف ، حافية القدمين ~~، لا تهتم بستر ماسوى وجهها ، كأن ليس لها عورة سواه ، فلاتزال تلك الخرقة ~~عرضة [47 / آ] للاتساخ ، ومرصدا لعارض الأوساخ. لا تصان فتماط (5) عن ذقن ، ~~ولا تنزع فتماص (6) من درن (7)، حتى تصير أوسخ من عرض اللئيم وأقبح من وجه ~~الشيطان الرجيم. فتفاجىء العيون من ذلك أشوه (8) منظر يرى ، وتسمع الآذان ~~من وصفها أقبح ms078 حديث جرى. PageV01P204 # وما رأيت في أرض برقة مع اتساعها ما يحلى بعين الرامق ، وتعلق به مقة ~~الوامق (1)، سوى مسكن رأيته في خلاء من الأرض بين الرجل المشقوق وقصر ~~الصفاقنة (2) منقور (3) في حجر صلد (4) بأصل جبل ، على صورة دار رائقة ، ~~وعلى بابها صفة ، ولها بناء مليح نقر فيه عن يمين وشمال صور بيوت لم يتم ~~عملها. وإذا دخلت من باب الدار ألفيت قبة مليحة متسعة مرتفعة السمك ، مربعة ~~منقوشة بأبدع النقش. وفيها مصاطب قد دارت بها حتى اتصلت بالباب ، وقبالة ~~الباب باب آخر يطلع منه على درج إلى بيت آخر كبير ، وجميع ذلك منحوت في حجر ~~صلد يفوت الوصف إتقانه ، فسبحان من يرث الأرض ومن عليها وإليه المرجع ~~والمصير (5). وقد رأيت نحو هذا في موضع آخر من أرض برقة حال الرجوع ، ~~وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى ### ||| * فصل ### ||| * [لمحة تاريخية] # وبرقة مدينة قديمة من بناء الروم ، وكان اسمها عندهم أنطابلس. قال البكري ~~«ومعناها بلغة الروم الإغريقية خمس مدن (6)، ومعنى أطرابلس ثلاث مدن» (7) ~~. وليس الآن هناك مدينة تسمى برقة ، ولا مدينة مذكورة إلا طلميثة ، PageV01P205 # وهي قديمة ، ولست أدري أهي برقة فغير اسمها ثانيا إلى طلميثة كما غير ~~أولا إلى برقة ، أم هي غيرها. # وبرقة الآن عند الناس اسم أرض لا اسم مدينة ، والمغاربة يسمون بها ما ردت ~~عين أقيان (1) من غربي أجدابية إلى الإسكندرية ، وذلك نحو من أربعين مرحلة. ~~وأما عرب (2) تلك الأرض فإني رأيتهم لا يسمون بها إلا مارد الحصوي شرقا إلى ~~أرض برنيق غربا ، وهو حد (3) الغابة ، وما حاذاها من الساحل ومن القبلة ، ~~ويسمون مارد الحصوي إلى العقبة [47 / ب] الكبيرة البطنان ، ومنها إلى ~~الإسكندرية لا يذكرون إلا العقبتين ، وذلك مسيرة عشرة أيام. ### ||| * فصل ### ||| * [فصاحة عرب برقة] # وعرب برقة اليوم من أفصح عرب رأيناه (4)، وعرب الحجاز أيضا فصحاء ، ولكن ~~عرب برقة لم يكثر ورود الناس عليهم ، فلم يختلط كلامهم بغيره (5)، وهم إلى ~~الآن على عربيتهم (6)، لم يفسد من كلامهم إلا القليل ، ولا يخلون من ~~الإعراب إلا بما لا قدر له ms079 بالإضافة إلى ما يعربون. PageV01P206 # وقد سألت بدويا وجدته (1) يسقي إبله في الحصوي عن ماء يقال له : أبو شمال ~~، هل نمر (2) عليه؟ وذكرته بالواو في موضع الخفض على عادة أهل الغرب. فقال ~~لي : نعم تطؤون أبا شمال. وأثبت النون في الفعل ، ونصب المفعول ، وليس في ~~الغرب عربي ولا حضري يفعل ذلك. # ومررنا (3) بأطفال منهم يلعبون ، فقال لنا واحد منهم : يا حجاج أمعكم (4) ~~شيء تبيعونه؟ وأثبت النون ، وسكن الهاء للوقف. # ورأيت أعرابيا منهم قد ألحت عليه امرأة (5) تسأله من طعام معه (6) فقال ~~لها : والله ما تذوقينه. فأتى بضمير المخاطبة على وجهه ، وأثبت النون ، ~~وسكن الهاء. # وسمعت (7) شخصا ينشد في الركب مكتري (8) راحلة ويقول : من يكري زاملة (9) ~~؟ فسمعه بدوي فقال له (10): أعندك الزاملة؟ فقال : نعم. قال : فلا تقل من ~~يكري؟ وقل : من يستكري؟. PageV01P207 # وذكر لي بعض أصحابنا ممن حج معنا ، أن شخصا شرب من زمزم فقال : في هذا ~~الماء رائحة الحبل ، وحرك الباء على عادة (1) أهل الغرب ، يعني الرشاء ~~المستقى (2) به ، فسمعه أعرابي ، فقال له : ومن أين جاءت رائحة الحبل إلى ~~الماء؟ فأشار له إلى الرشاء. فقال له : قل الحبل ، ولا تقل : الحبل. # وأما نادر ألفاظ اللغة وما جرت عادة أهل الغريب بتفسيره ، فهم حتى الآن ~~يتحاورون به على سجيتهم. فمن ذلك أن شخصا منهم وقف علي بموضع نزولي من محلة ~~الركب ، وكانت الترعة (3) منه بعيدة ، فقال لي : يا سيدي! تدعني أظهر يعني ~~أخرج. [48 / آ]. # وسألت شخصا منهم عن (4) الطريق ، فقال لي : إذا ظهرتم من الغابة فخذوا ~~(5) صوب كذا يعني إذا خرجتم منها. وهذا اللفظ قد أكثر فيه أهل الغريب في ~~تفسير قول عروة بن الزبير (6) رضياللهعنه : «ولقد حدثتني عائشة زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في ~~حجرتها قبل أن تظهر (7)». وأتوا عليه بشواهد وأمثال. PageV01P208 # وسمعت صبيا منهم ينادي في الركب : يا حجاج (1) من يشتري الصفيف؟ فلم يفهم ~~عنه أكثر الناس. فقلت له : اللحم معك؟ فقال : نعم. وأبرز لحم ظبي مقدد. ms080 ~~وهذا اللفظ قد ذكره مالك رضياللهعنه في الموطأ وتهمم بتفسيره ، فقال بإثر ~~الحديث : قال مالك (2) رحمه الله (3) والصفيف : القديد» (4). # وسألت شخصا عن ماء هل هو معين (5)؟ فقال لي : هو ماء غر (6). وهذا ~~اللفظ فسره أبو عبيد في غريبه (7)، # وسمعت آخر وقد ازدحم الناس في مضيق وهو يقول : تنحوا (8) عن الدرب. وما ~~يتكلمون به من الغريب أكثر من أن يحصر (9) وبالله التوفيق. ### ||| * فصل ### ||| * [من برقة إلى الإسكندرية] # ومما يلي الإسكندرية من هذه الأرض العقبة الكبيرة ، وبينها وبين ~~الإسكندرية عشرة أيام ، ثم العقبة الصغيرة ، وبينها وبين الكبيرة ستة أيام ~~، ومنها إلى الإسكندرية أربعة ، وكلتاهما خلاء لا ساكن بها ولا مسكن. وأكثر PageV01P209 # مواضع هذه الأرض هكذا ؛ أسام بلا مسميات. وهي برية واحدة ممتدة إلى ~~الإسكندرية ، وفي آخرها الموماة المضنية (1) المؤذية ، أوحش المراحل على ~~الراحل قفر لوبية ، أرض تستوحش منها لنكارتها القلوب ، وينسى مع رؤيتها كل ~~خطب ينوب ، فقربها (2) كرب من أعظم الكروب ، ونوبتها على المسافر من نوائب ~~الدهر وهي ضروب : [الطويل] # ولولا حبيب حبه أضرم الحشا %~% يصرفني شوقي إليه كما يشا [48 / ب ] أهيم به حيا وميتا وإنني %~% لأضمر من حبيه أضعاف مافشا (3) ترنحني في ذكره أريحية %~% كما اهتز غصن للنسيم إذا نشا (4) تركت إليه دون من أحبة %~% تصدع إذ فارقتهم مني الحشا لما بت في أكنافها ليلة ولا %~% خشيت هجيرا لافحا أن يعطشا (5) ### ||| * [ذكر الإسكندرية] # وبعد حفظ ما دل عليه هذا العنوان ، واتصال التخمة (6) بتلك الألوان ، من ~~الله سبحانه بمفارقة تلك البرية ، والوصول إلى مواصلة ثغر الإسكندرية (7). ~~مدينة الحصانة والوثاقة ، وبلد (8) الإشراق اللامع والطلاقة ، وطلاوة المنظر PageV01P210 # وحلاوة المذاقة. كل عنها ظفر الزمان ونابه ، ومل منها جيش الحدثان ~~وأحزابه. فلم تبد عليها للزمان ضراعة. ولا وكست (1) لها في معاملاته سلعة ~~ولا بضاعة. ولا وقفت له موقف ذل يوما ولا ساعة. بل ثبتت لحزبه (2) ثبوت ~~البطل ، وصابرت كيده حتى اضمحل سحره وبطل ، ولم تصغ أذنا إلى ما يوعد به من ~~الخنا والخطل (3). فهي واقفة وقوف الأطواد (4)، سامية بطرف غير كليل ، ~~وجيد غير مناد (5). آخذة ms081 (6) من الكفر وأهله بالمخنق (7)، حتى أبدلتهم من ~~الصافي المروق الكدر المرنق (8)، فسامروا الأسف مسامرة الندى للمحلق (9). ~~ودجا عليهم ليل [هم] (10) ادلهم بعد نهار سرور تألق ، واضطرم عليهم الأسى ~~واحتدم فحالفوا الندم ، وقالوا : عوض لا يتفرق (11). مدينة فسيحة الميدان ~~، صحيحة الأركان ، مليحة البنيان ، تسفر عن محيا جميل المنظر ، وترنو بطرف ~~ساج (12) أحور. وتبسم عن ثغر كالأقحوان إذا نور ، كأنه لم يغب عنها |تشب لمقرورين يصطليانها||وبات على النار الندى والمحلق| # وكان الأعشى سببا في تزويج بناته انظر الأغاني 9 / 113 114. |رضيعي لبان ثدي أم تحالفا||بأسحم داج عوض لا نتفرق| # أي لا نتفرق أبدا. PageV01P211 # شخص الإسكندر (1)، بما ساس فيها من عجائب مبانيها ودبر ، ناهيك بمدينة ~~كلها عجب ، قد ستر حسنها حسن [49 / آ] غيرها وحجب ، ووفي فيها الإتقان حقه ~~كما وجب ، وقد أغنى عن [49 / آ] تسطير وصفها ما سطره الأعلام ، (2) وضرب به ~~الأمثال على المهارق بالأقلام (3). # ومن جملة إبداعها وإغرابها ما رأيت من إتقان أبوابها. وذلك أن عضائدها ~~وعتبها مع إفراط طول الأبواب كلها من حجارة منحوتة ، يتعجب من حسنها ~~وإتقانها ، وكل عضادة منها حجر واحد ، وكذلك كل عتبة وأسكفة (4)، ولا أعجب ~~من وضعها هنالك مع إفراط عظمها ، ولم يغير طول الزمان شيئا من ذلك ، ولا ~~أثر فيه ، بل بقي بجدته ورونقه. وأما مصاريعها (5) فهي غاية في الإحكام ، ~~ملبسة بالحديد ظهرا وبطنا بأدق ما يكون من الصنعة وأحسنه وأتقنه. ### ||| * [عمود السواري] # ومن أغرب ما رأيت (6) بها عمود من رخام بظاهرها يعرف بعمود السواري (7). ~~وهو حجر واحد مستدير عال جدا على قدر الصومعة المرتفعة ، وهو يبدو من بعيد ~~بارزا في غابة من النخيل مرتفعا عنها ، وقد أقيم على حجارة منحوتة مربعة ~~(8) على قدر الدكاكين العظام ، علوها أزيد من قامتين ، PageV01P212 # ولا يعلم كيف أقيم عليها ، ولا كيف ثبت (1) هناك مع الرياح والعواصف ، ~~وهو مما لا يمكن تحريكه البتة فضلا عن إقامته هنالك (2). ### ||| * [منار الإسكندرية] # وأما المنار (3) فقد كتب الناس فيه وسطروا ما فيه الكفاية ، وقد دخلته ~~وتأملته وما وصلت إلى أعلاه إلا ms082 بعد جهد ، ولا يظهر له من خارج فرط علو. ~~وهو خارج المدينة على أزيد من ثلاثة أميال وعلى تل (4) مرتفع بشمال البلد ، ~~وقد أحاط به البحر شرقا وغربا حتى تاكل حجره من الناحيتين ، فدعم منها ~~ببناء وثيق اتصل إلى أعلاه وزيد دعما بدكاكين (5) متسعة وثيقة ، وضع أساسها ~~في البحر ، ورفعت عنه نحو ثلاث قامات. # وباب المنار مرتفع عن الأرض نحو أربع قامات ، وبني إليه بنيان حتى حاذاه ~~، ولم يتصل به ، ووضعت عليه ألواح يمشى عليها إلى الباب ، فإن أزيلت لم ~~يوصل إليه [49 / ب] وفوق الباب من داخل موضع متسع لحراسة الباب ، يقعد فيه ~~الحارس وينام فيه ، وفي داخل المنار عدة بيوت رأيتها مغلقة. وسعة الممر فيه ~~ستة أشبار وفي غلظ الحائط عشرة أشبار (6)، ذرعته من أعلاه. PageV01P213 # وسعة المنار من ركن إلى ركن مئة وأربعون شبرا ، وفي أعلاه جامور (1) كبير ~~عليه آخر دونه ، وفوق الأعلى قبة مليحة يطلع إليها في درج مشرعة إلى ~~النواحي ، ولها محراب للصلاة. # ومن الإسكندرية إلى المنار بر متصل أحاط به البحر حتى اتصل بسور البلد ، ~~فلا يمكن الوصول إلى المنار في البر (2) إلا من البلد وفي هذا البر مقابر ~~الإسكندرية ، وفيها من المزارات وقبور العلماء والصالحين ما لا يعد كثرة. # وفي ما سطر الناس من وصف الإسكندرية ومنارها ، وما ذكروا من عجائب آثارها ~~ما هو الغاية في إتقان الوصف وإجادته ، وما يغني عن تكلف إعادته ، بيد أنها ~~الآن بلد زادت صورته على معناه ، واستأثر بالفضائل مغناه ، فهو كجسم حسن لا ~~روح فيه ، أو برد مفوف (3) خلا من ملتحفيه ، أو غمد مرقش (4) اندق الصارم ~~الذي كان يخفيه. أكثر أهلها رعاع (5)، ضرر بلا انتفاع ، مع سوء أخلاق ، ~~ومرارة مذاق ، وقلوب رباها الضغن (6) تربية الأولاد ، وجفاها الخير والصلاح ~~لما عمرها من الشر والفساد ، الخير فيهم فعل لا يتصرف ، والغريب بينهم نكرة ~~لا تتعرف ، إن رأوه زادوا الوجوه جهامة ، PageV01P214 # ونكروا (1) منها ما قد نكرته الدمامة والذمامة (2)، وجمجموا (3) قولا ~~رماه اللكن (4) عن قوس العجمة سهامه ، الحسد فيهم مضطرم النيران ، قد ms083 أفسد ~~أمزجتهم فحالت الألوان. فإن سمعوا بفاضل فهو يوم بحران (5)، أخرسهم العي ~~فعاذوا بالصمات ، فإن سئلوا سكتوا لا عن كبر ولا عن إخبات (6)، ومنهم من ~~أضناه الحسد فالسكوت منه [50 / آ] سبات. تمالؤوا على كل وصف شان ومازان ، ~~وتواطؤوا (7) على تطفيف المكيال والميزان. فإن عاملهم غريب ، لم يلق منهم ~~إلا ما يريب ، يتخذونه هدفا ولكل منهم فيه سهم مصيب ، حتى يخرج من ماله ~~بغير نصيب. لا ترجى منهم فيئة (8) إنابة (9)، ولا تلفى فيهم فئة رأفة ولا ~~عصابة ، ولا ينفع الغريب في معاملتهم أن يقول : لا خلابة (10). حسبك ببلد ~~أربى في الحسن على البلاد ، وله من الفضيلة كل طارف وتلاد (11)، وليس به ~~من أهل الفضل إلا آحاد ، قلوا عددا واتحدوا كل الاتحاد. فهم فيهم أقل من ~~التوفيق ، غرباء بينهم في كل معنى وطريق. PageV01P215 ### ||| * [اعتراض الحجاج] # ومن الأمر المستغرب ، والحال الذي أفصح عن قلة دينهم وأعرب ، أنهم ~~يعترضون الحجاج ، ويجرعونهم من بحر الإهانة الملح الأجاج ، ويأخذون على ~~وفدهم الطرق والفجاج (1)، يبحثون عما بأيديهم من مال ، ويأمرون بتفتيش ~~النساء والرجال. وقد رأيت من ذلك يوم وردنا عليهم ما اشتد له عجبي ، وجعل ~~الانفصال عنهم غاية أربي ، وذلك أنه لما وصل إليها (2) الركب جاءت شرذمة ~~(3) من الحرس لا حرس الله مهجتهم الخسيسة ، ولا أعدم منهم لأسد الآفات ~~فريسة فمدوا في الحجاج أيديهم ، وفتشوا الرجال والنساء وألزموهم أنواعا من ~~المظالم ، وأذاقوهم ألوانا من الهوان ، ثم استحلفوهم وراء ذلك كله. # وما رأيت هذه العادة الذميمة ، والشيمة اللئيمة ، في بلد من البلاد ، ولا ~~رأيت في الناس أقسى قلوبا ، ولا أقل مروءة وحياء ، ولا أكثر إعراضا عن الله ~~سبحانه ، وجفاء لأهل دينه من أهل هذا البلد (4)، نعوذ بالله من الخذلان ، ~~فلو شاء لاعتدل المائل وانتبه الوسنان. وكنت إذ (5) رأيت فعل المذكورين ~~ظننت أن ذلك أمر أحدثوه ، حتى حدثني نور الدين ، أبو عبد الله بن [زين] (6) ~~الدين أبي الحسن يحيى بن الشيخ وجيه الدين أبي علي منصور بن عبد [50 / ب] العزيز PageV01P216 # ابن حباسة الإسكندري بمدرسة جده المذكور (1) حكاية ms084 اقتضت أن لهم في هذه ~~الفضائح سلفا غير صالح. وذلك أنه حدثني إملاء من كتابه قال : حدثني الشيخ ~~(2) الصالح أبو العباس أحمد بن عمر بن محمد السبتي الحميري بثغر الإسكندرية ~~سنة اثنتين وستين وست مئة ، قال : حدثني الشيخ (3) الإمام المحدث أبو ~~الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني بثغر (4) الإسكندرية سنة إحدى عشرة ~~وست مئة أنه ورد الإسكندرية في ركب عظيم من المغاربة برسم الحج ، فأمر ~~الناظر على البلد بمد اليد فيهم للتفتيش ، والبحث عما بأيديهم ، ففتش ~~الرجال والنساء ، وهتكت حرمة الحرم ، ولم يكن فيهم إبقاء على أحد. قال : ~~«فلما جاءتني النوبة وكانت معي حرم ذكرتهم بالله ، ووعظتهم فلم يعرجوا على ~~قولي ، ولا التفتوا إلى كلامي ، وفتشوني كما فتشوا غيري» (5). فاستخرت ~~الله تعالى ، ونظمت هذه القصيدة ناصحا لأمير المسلمين صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب (6) ومذكرا له بالله في حقوق المسلمين ومادحا له فقلت : (7) ~~[المتقارب] PageV01P217 ### ||| * [قصيدة ابن جبير في مدح صلاح الدين] أطلت على أفقك الزاهر %~% سعود من الفلك الدائر فأبشر فإن رقاب العدا %~% تمد إلى سيفك الباتر وعما قليل يحل الردى %~% بكندهم الناكث الغادر (1) وخصب الورى يوم تسقي الثرى %~% سحائب من دمها الهامر 5 فكم لك من فتكة فيهم %~% حكت فتكة الأسد الخادر (2) كسرت صليبهم عنوة %~% فلله درك من كاسر وغيرت آثارهم كلها %~% فليس لها الدهر من جابر وأمضيت جدك في غزوهم %~% فتعسا لجدهم العاثر (3) فأدبر ملكهم بالشآم %~% وولى كأمسهم الدابر 10 جنودك بالرعب منصورة %~% فناجز متى شئت أو صابر (4) [51 / آ] فكلهم غارق هالك %~% بتيار عسكرك الزاخر (5) PageV01P218 ثأرت لدين الهدى في العدا %~% فآثرك الله من ثائر وقمت بنصر إله الورى %~% فسماك بالملك الناصر (1) وجاهدت مجتهدا صابرا %~% فلله درك من صابر 15 تبيت الملوك على فرشها %~% وترفل في الزرد السابري (2) وتؤثر جاهد عيش الجهاد %~% على طيب عيشهم الناضر (3) وتسهر جفنك في حق من %~% سيرضيك في جفنك الساهر فتحت المقدس من أرضه %~% فعادت إلى وصفها الطاهر (4) وجئت إلى قدسه المرتضى %~% فخلصته من يد الكافر 20 وأعليت فيه منار الهدى %~% وأحييت من ms085 رسمه الداثر لكم ذخر الله هذي الفتوح %~% من الزمن الأول الغابر (5) وخصك من بعد مازرته %~% بها لا صطناعك في الآخر محبتكم ألقيت في النفوس %~% بذكر لكم في الورى طائر فكم لهم عند ذكر الملوك %~% بمثلك من مثل سائر PageV01P219 25 رفعت مغارم أرض الحجاز %~% بإنعامك الشامل الهامر (1) فكم لك بالشرق من حامد %~% وكم لك بالغرب من شاكر وكم بالدعاء لكم كل عام %~% بمكة من معلن جاهر وقد بقيت حسبة في الظلوم %~% وتلك الذخيرة للذاخر (2) يعنف حجاج بيت الإله %~% ويسطو بهم سطوة الجائر (3) 30 ويكشف عما بأيديهم %~% وناهيك من موقف صاغر وقد أوقفوا بعد ما كوشفوا %~% كأنهم في يد الآسر (4) ويلزمهم حلفا باطلا %~% وعقبى اليمين على الفاجر وإن عرضت بينهم حرمة %~% فليس لها عنه من ساتر أليس يخاف غدا عرضه %~% على الملك القادر القاهر [51 / ب] 35 وليس على حرم المسلمين %~% بتلك المشاهد من غائر (5) ولا حاضر نافع زجره %~% فيا ذلة الحاضر الزاجر ألا ناصح مبلغ نصحه %~% إلى الملك الناصر الظافر (6) |وأمنت أكناف تلك البلاد||فهان السبيل على العابر| |وسحب أياديك فياضة||على وارد وعلى صادر| PageV01P220 ظلوم تضمن مال الزكاة %~% لقد تعست صفقة الخاسر يسر الخيانة في باطن %~% ويبدي النصيحة في الظاهر (1) 40 فأوقع به حادثا إنه %~% يقبح أحدوثة الذاكر فما للمناكر من زاجر %~% سواك وبالعرف من آمر وحاشاك إن لم تزل رسمها %~% فمالك في الناس من عاذر ورفعك أمثالها موسع %~% رداء فخارك للناشر وآثارك الغر تبقى بها %~% وتلك المآثر للآثر 45 نذرت النصيحة في حقكم %~% وحق الوفاء على الناذر وحبك أنطقني بالقريض %~% وما أبتغي صلة الشاعر ولا كان فيما مضى مكسبي %~% وبئس البضاعة للتاجر إذا الشعر صار شعار الفتى %~% فناهيك من لقب شاهر وإن كان نظمي له نادرا %~% فقد قيل : لا حكم للنادر 50 ولكنها خطرات الهوى %~% تعن فتغلب بالخاطر (2) وأما وقد زار تلك العلا %~% فقد فاز بالشرف الباهر وإن كان منك قبول له %~% فتلك الكرامة للزائر ويكفيه سمعك من سامع %~% ويكفيه لحظك من ناظر (3) ويزهى على الروض غب الحيا %~% بما ms086 حاز من ذكرك العاطر (4) PageV01P221 # قلت : هكذا حدثني أبو عبد الله بهذه الحكاية ، وكذا وقعت في كتابه منشورة ~~، لم يذكر فيه إلا ما أثبته ، وبالله [52 / آ] تعالى التوفيق. # وأنشدني أبو عبد الله أيضا عن أبي العباس المذكور عن ابن جبير قصيدة ~~نظمها ارتجالا ، حين تراءت له مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). وهي ~~هذه : (2) # [المتقارب] # أقول وآنست بالليل نارا %~% لعل سراج الهدى قد أنارا وإلا فما بال أفق الدجا %~% كأن سنا البرق فيه استطارا ونحن من الليل في حندس %~% فما باله قد تجلى نهارا وهذا النسيم شذا المسك قد %~% أعير أم المسك منه استعارا وكانت رواحلنا تشتكي %~% وجا فلقد سابقتنا ابتدارا (3) 5 وكنا شكونا عناء السرى %~% فعدنا نباري سراع المهارى (4) # في الإحاطة والذيل : فقد سابقتنا والوجا : الحفا ، أو أن يشتكي البعير ~~باطن خفه ، والفرس باطن حافره. PageV01P222 أظن النفوس قد استشعرت %~% بلوغ هوى تخذته شعارا تباشير صبح السرى آذنت %~% بأن الحبيب تدانى مزارا (1) جرى ذكر طيبة ما بيننا %~% فلا قلب في الركب إلا وطارا (2) 10 حنينا إلى أحمد المصطفى %~% وشوقا يهيج الضلوع استعارا ولاح لنا أحد مشرقا %~% بنور من الشهداء استنارا (3) فمن أجل ذلك ظل الدجا %~% يحل عقود النجوم انتثارا ومن ذلك الشرف طاب النسيم %~% نشرا وعم الجناب انتشارا (4) ومن طرب الركب حث الخطا %~% إليها ونادى البدار البدارا 15 ولما حللنا فناء الرسول %~% نزلنا بأكرم خلق جوارا (5) وحين دنونا لفرض السلام %~% قصرنا الخطا ولزمنا الوقارا فما نرسل اللحظ إلا اختلاسا %~% ولا نرفع الطرف إلا انكسارا (6) ولا نظهر الوجد إلا اكتتاما %~% ولا نلفظ القول إلا سرارا سوى أننا لم نطق أعينا %~% بأدمعها غلبتنا انفجارا PageV01P223 20 وقفنا بروضته للسلام %~% نعيد السلام عليه مرارا (1) [52 / ب] ولولا مهابته في النفوس %~% لثمنا الثرى ولزمنا الجدارا (2) قضينا بعمرتنا حجنا %~% وبالعمرتين ختمنا اعتمارا (3) إليك إليك نبي الهدى %~% ركبنا البحار وجبنا القفارا (4) وفارقت أهلي ولا منة %~% ورب كلام يجر اعتذارا 25 وكيف يمن على من به %~% نؤمل للسيئات اغتفارا (5) دعاني إليك هوى كامن %~% أثار من الشوق ما ms087 قد أثارا فناديت لبيك داعي الهدى %~% وهل كنت عنك أطيق اصطبارا (6) فرضيت نفسي بحكم الهوى %~% علي ، وقلت : رضيت اختيارا (7) أخوض الدجا وأروض السرى %~% ولا نطعم النوم إلا غرارا (8) 30 ولو كنت لا أستطيع السبيل %~% لطرت ولما أصادف مطارا (9) وأجدر من نال منك الرضا %~% محب ثراك على البعد زارا (10) PageV01P224 عسى لحظة منك لي في غد %~% تمهد لي في الجنان القرارا فما ضل من بهداك اهتدى %~% ولا ذل من بذراك استجارا (1) [عليك سلام كزهر الربا %~% يفيح عشيا بها وابتكارا] (2) # وأنشدني أيضا بمثله : [مجزوء الوافر] # أما في الدهر معتبر %~% ففيه الصفو والكدر فسلني عن تقلبه %~% «فعند جهينة الخبر » (3) صحبناه إلى أجل %~% نراقبه ونحتذر فيا عجبا لمرتحل %~% ولا يدري متى السفر # وأنشدني إملاء من كتابه أيضا ، عن أبي العباس المذكور عن الشيخ أبي عبد ~~الله بن شيبة الأندلسي ، ولم يسم قائله : (4) [متقارب] # وإني لأكره من شيمتي %~% زيارة حي بلا منفعه (5) ولا أحمد القول من قائل %~% إذا لم يكن فعله متبعه (6) ومن ضاق ذرعا بإكرامنا %~% فلسنا نضيق بأن نقطعه PageV01P225 # وأخبرني أيضا إنشادا عن الشيخ الفقيه العالم أبي السرايا عامر بن الوتار ~~المالكي ، إجازة عن ابن جبير المذكور إجازة لنفسه : [الطويل] # إلى الله أشكو ما تكن الجوانح %~% تقاطعت الأرحام حتى الجوارح فلست ترى إلا قلوبا وألسنا %~% مخالفة هذي لهذي كواشح (1) فللقلب عقد واللسان بنطقه %~% يخالفه والفعل للكل فاضح # قال الفقيه أبو السرايا : أخذه والله أعلم من قول الحسن رضياللهعنه : [53 ~~/ آ] «ألسن تصف ، وقلوب تعرف ، وأعمال تخالف». # وأخبرني عنه أيضا إملاء من كتابه ، قال : أخبرني الشيخ الصالح عبد الله ~~الحرمولي (2) الفريابي ، قال : سئل فقهاء الثغر (3)، هل لضرب صبيان المكتب ~~حد؟ فاختلفوا في تحديده وأجاب الفقيه أبو الطاهر إسماعيل بن عوف الزهري (4) ~~قال : «الضرب للصبيان كالغيث للنبات». PageV01P226 # وأنشدني أيضا ، قال : أنشدني الشيخ الصالح أبو عبد الله بن النعمان لبعض ~~شيوخه: [الطويل] # تواضع إذا نلت العلاء تزد علا %~% وتكتسب الشكر الجزيل من الورى فلن يشكر الغيث الرفيع (1) محله %~% قرين الثريا أو يصير إلى الثرى # قلت : قد جمح (2) القلم ms088 في هذا الفصل بحسب استطراد القول ، فقطع عما كنت ~~فيه من ذكر (3) أهل الإسكندرية ، ووصف بعض أحوالهم الردية ، وهي أكثر من أن ~~يحصرها بيان ، أو يحيط بها خبر ولا عيان ، لكنها نفثة مصدور ، ولفظة جرى ~~بها المقدور. وبودي لو لم أر إلا حسنا فأذكره ، ولم ألق إلا مشكورا فأشكره. ~~ولو كان القبيح يجمل بغير أوصافه ، والناقص يكمل بذكر أسلافه. لكان أهل ~~الإسكندرية أجمل الناس حسنا ، وأكملهم في كل معنى ، بوجود بعض الأفراد فيهم ~~، وسكنى الآحاد (4) المبرزين في العلم والدين بمغانيهم. ولكن الموتى إذا ~~جاورهم الأحياء (5)، لم يحصل لهم بمجاورتهم الإحياء (6)، بل : [الكامل] # ................................... %~% بضدها تتبين الأشياء (7) PageV01P227 # وقد رأيت بها أفرادا من أهل الفضل علما ودينا ، وددت لو منحت في ذكر ~~فضلهم قلبا حافظا ، ولسانا مبينا ، فمنهم من استكتمني اسمه ، وعاهدني (1) ~~على ألا أذكر رسمه ؛ عملا على منهج زهده ، ومحجة تقواه ، وصونا للأخوة أن ~~يشوبها حظ لغير الله ، على أني لو سميته وحليته ، لقصر بي كل ما رويته ~~ورويته (2)، وكيف يوفي اللسان وإن أطنب في شكره حق من يستنزل القطر بذكره. ~~نفعه الله وإياي [53 / ب] بجميل قصده ، وتغمد كلا منا برحمة توليه الصفح عن ~~سهوه وعمده ، وأوزعني شكر ما منحني من إقباله علي بحبه ، وأفاض علي من ~~بركاته وأنوار قلبه. ### ||| * [لقاؤه لابن المنير] # ومنهم الشيخ الجليل الفاضل ، الفقيه العالم الكامل ، الرئيس الأوحد ، ~~القاضي العادل (3)، شرف الفقهاء والمفتين ، واسطة قلادة المدرسين. صدر ~~البلغاء ورأس الكتاب والناظمين. وحيد العلماء وفخر (4) المصنفين ، ذو ~~المآثر السنية ، والمفاخر العلية ، زين الدين أبو الحسن علي بن محمد بن ~~منصور المالكي (5)، يعرف بابن المنير ، حفظ الله مجادته ، ومكن سعادته. ~~لقيت منه بحر علم تفيض أمواجه ، وغيث سماح لا يغيض ثجاجه (6). له تصرف في PageV01P228 # صنوف العلم وفنونه ، وتحقق بتمييز أبكاره وعونه (1). وتسلط بثاقب ذهنه ~~على استنباط عيونه ، وما رأيت أحدا اجتمع له من حسن الحفظ ، وجودة اللفظ ، ~~وذكاء الفهم ما اجتمع له. ولا رئيسا جعل العلم قيد همته كما جعله. وقد ~~استظهر دواوين من العلم في صغره ، ولم يتغير ms089 حفظه لها في زمان كبره ، وقد ~~منح من حسن الخلق وجميل العشرة وكمال الإنصاف ، ما يعيا ببعض أوصافه اللسن ~~الوصاف ، وما يكل دون شأوه طرف (2) البيان ، مع (3) ما خص به من طلاقة ~~الوجه واليد واللسان. # وله على التأليف حسن اقتدار ، وفي إجادة التصنيف مكنة (4) تدل على أنه ~~لراية المجد ذو ابتدار. بدأ على «البخاري» شرحا مؤسس المباني ، محقق ~~المعاني. زانه حسن العبارة في التصريح والإشارة. إن قضى الله له بالتمام ~~كان مفتاحا يعول في حل (5) مشكلات المشروح عليه. ومصباحا يلجأ في إزاحة ~~ظلام الشكوك إليه. قرأت عليه بعضه ، وسمعت منه مواضع قصد قراءتها علي ، ~~وأجازني ما نجز منه ، وما سينجز إن شاء الله تعالى. # العون : ج : عوان وهي التي لها زوج ، والمعنى المجاز لها أن هذا الشيخ له ~~معرفة. بمختلف صنوف العلم. PageV01P229 # وقد كان حفظه الله استصحب سفرا من هذا [54 / آ] التأليف في سفره إلى الحج ~~فوقف عليه الشيخ الصالح رئيس العلماء بمكة شرفها الله محب الدين الطبري (1) ~~. فاستحسنه وكتب على ظهره ما نصه : «نظر فيه العبد الفقير إلى رأفة (2) ~~مولاه. في سره ونجواه ، المحب أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري المكي (3) ~~مستضيئا بفرائده ، مستفيدا من فوائده ، متيمنا بنظره مستسعدا بأثره (4)، ~~متبركا برؤياه ، حرس الله مجد مؤلفه وتولاه ، فألفاه رياضا أريضة (5) ودررا ~~منيرة ، وشمسا بازغة ، وبراهين لحجج أهل الزيغ (6) دامغة ، ومعاني لطيفة ، ~~وأحكاما منيفة ، وموردا لكل ظمان لهفان ، ومصدرا للبيان والتبيان ، وصادرا ~~عن ضبط وإتقان ، وواردا من التحقيق مورد الإيقان ، نفع الله به مفيده ~~والمستفيد ، وعمر بإفادته أقطار الوجود ، وعطر بذكاء شهرته الآفاق ، ونور ~~بذكاء أنواره مواطن الإشراق ، ما تناسقت الظلم والأنوار ، وفي الوقت عن ~~استيفاء مدحه شغل شاغل ، وما عسى أن (7) يقول القائل ، ومحاسنه أظهر من أن ~~تشهر ، وأبين من أن تنشر ، والحمد لله على نواله ، وصلواته على سيدنا (8) ~~محمد وآله». PageV01P230 # قلت : كلام مثل هذا الرجل يطوى على غره ، ويحوى لما يجب من بره ، وقد ~~راجعت شيخنا زين الدين في مواضع منه ، فقال لي : مثل هذا ينقل ms090 تبركا بقائله ~~، ولقد أجاد مالك بن أنس رضياللهعنه في قوله : «من الناس من لا تذكر ~~عيوبه». وما أراد بذلك والله أعلم إلا قادة أهل الدين ، وفضلاء المسلمين ، ~~والفاضل من عدت سقطاته وبالله التوفيق. # ووقف عليه أيضا (1) الشيخ الفقيه العالم (2) قدوة المدرسين بديار مصر ، ~~علم الدين ، سبط الإمام أبي إسحاق العراقي (3) فكتب عليه ما نصه : «وقف على ~~كثير من هذا التصنيف المنيف (4)، والتأليف الشريف ، الفقير إلى الله عبد ~~الكريم بن علي الأنصاري (5)، فوجده قد اتقد في مشكاة النبوة [54 / ب] ~~مصباحه ، وأسفر في دجا المشكلات صباحه ، وكشف ظلمات الشبهات بيانه وإيضاحه ~~، وتأمل (6) فيه من الفوائد (7) المستجادة ، والمباحث المستفادة ، ما لا ~~يطمع (8) بعده في الزيادة ، وجلا عن القلوب عمايتها (9)، وبلغ في تحقيق ~~المعاني غايتها : [الطويل] PageV01P231 وكان ابن بطال تصدى لمثل ما %~% تصدى له قاضي القضاة من الشرح (1) فأجهد في شرح البخاري نفسه %~% وأظهر تحقيقا وبالغ في النصح فلما سما زين الأنام لنيل ما %~% تقاصر عنه الشارحون مع الكدح (2) فأوضح أسرار الشريعة ظافرا %~% على إثر هذا السعي بالأجر والنجح وفاز بتحقيق وحسن تصرف %~% وشق ظلام الجهل عن فلق الصبح تعين أن يعنى الأنام به وأن %~% يكافوه بالتعظيم والشكر والمدح وأن يجعلوه رأس مال علومهم %~% ليظفر من يبغي التجارة بالربح # كتب سابع ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وست مئة.» # قلت : لو عوض من حرف في ، حرف من في قوله : قد اتقد في مشكاة النبوة ~~مصباحه. لكان أليق بالأدب (3)، وأبعد عن الاشتراك والله الموفق. PageV01P232 # وقد كان الفقيه الأوحد ناصر الدين أبو العباس أحمد بن محمد (1)، أخو ~~شيخنا المذكور ، جرد من جامع البخاري أربع مئة ترجمة مشكلة ، فتكلم عليها ~~وحل إشكالها. ووضع شيخنا هذا الكتاب عليه شرحا موعبا شافيا ، وسمعته يذكر ~~تأليف أخيه المذكور ، وقال : إنه تكلم على أربع مئة ترجمة مشكلة ، ولا يعدم ~~فيما (2) تخلص من تأليفنا هذا (3) أربعة آلاف ترجمة كلها مشكل. # وقرأت عليه «الأربعين حديثا البلدانية» (4) للإمام الحافظ أبي طاهر أحمد ~~ابن محمد السلفي (5) رضياللهعنه في مجلس واحد. وحدثني بها عن الشيخ جمال ms091 ~~الدين أبي الفضل يوسف بن عبد المعطي بن نجا المخيلي قراءة منه عليه عن ~~مؤلفها المذكور [55 / آ] وقرأت عليه صدرا من «الموطأ» (6) رواية يحيى بن ~~يحيى وناولني سائره في أصلي ، وحدثني بجميعه عن الشيخ الراوية العلامة أبي ~~عبد الله محمد بن أبي الفضل السلمي المرسي ، شرف الدين ، سماعا عليه ~~بأسانيده. PageV01P233 # وقرأت عليه بعض الجزء الثاني من «مختصر الفقيه الإمام العالم أبي عمرو ~~عثمان بن عمر بن أبي بكر بن الحاجب (1)» رضياللهعنه في الفقه على مذهب ~~مالك ، وأجازني سائره عن مؤلفه المذكور ، وهو مما استظهره حفظا وإتقانا. # وسمعت من لفظه قصيدته النبوية التي نظمها في سفره إلى الحجاز ، ثم كتبها ~~، وقرأتها عليه ، وهي من حر القصائد ، ومن جملة إنصافه حفظه الله أني ~~راجعته منها في ألفاظ قليلة رأيت غيرها أقعد بالمعنى منها (2)، فاستحسن ما ~~ذكرته ، وأذن لي في إصلاحها على ما رأيت ، وأنا إن شاء الله أثبت القصيدة ~~هنا بجملتها وهي هذه : [الطويل] ### ||| * [القصيدة النبوية لابن المنير] أجب دعوة الرحمن يا صاح تسعد %~% وبادر لفرض الحج غير مفند (3) ولذ بالمتاب الآن وازدد من التقى %~% فإن اتقاء الله خير التزود ودع خاطر التسويف والخوف جانبا %~% وسلم لأمر الله أمرك في غد PageV01P234 فكم ذي صدى ما بين أهل ومنهل %~% وريان ماء بين قفر وفدفد (1) 5 وكم قاطن في موطن غير آمن %~% وراكب أخطار يفوز بمقصد وكم ذي سرى سرى سراه همومه %~% وأعقبه مرآه قبر محمد (2) أياد لأيدي العيس إن تبد يثرب %~% وكم منة فيها علي وكم يد تبلغنا مثواك يا سيد الورى %~% وتشهدنا منه مقر التعبد فنمحوا خطايانا بدمع إنابة %~% ونظفر بالغفران والعفو في غد (3) 10 وننشد والآفاق تبكي مسرة %~% وخاطرنا بالشوق كالمتوقد (4) عليك سلام الله يا خير مرسل %~% عليك سلام الله يا خير مرشد عليك سلام الله يا خير من هدى %~% عليك سلام الله من كل مهتد [55 / ب] عليك سلام الله من كل عالم %~% عليك سلام الله من كل مقتد (5) عليك سلام الله من كل عابد %~% عليك سلام الله في ms092 كل معبد 15 عليك سلام الله في كل مجلس %~% عليك سلام الله في كل مسجد عليك سلام الله من كل قارن %~% عليك سلام الله من كل مفرد (6) عليك سلام الله من كل وافد %~% تجرد للإحرام حق التجرد (7) PageV01P235 عليك سلام الله من كل شيق %~% وشيقة في خدرها كالمصفد (1) عليك سلام الله عن سلف لنا %~% وعن ولد يتلو كطير مغرد عليك سلام الله في كل مصدر %~% عليك سلام الله في كل مورد وصلى عليك الحق جل جلاله %~% مع الملإ الأعلى صلاة ممجد وصلى عليك الرسل في الخلد كلهم %~% وصلى عليك الآن كل موحد وأولى ضجيعيك الرضا عنهما معا %~% وأتبعه أزكى سلام مجدد (2) وحياك يا مثوى الرسالة والهدى %~% وحياك يا مثوى لأصحاب أحمد 25 منازل كان الوحي ينزل بينها %~% ويعهد فيها الخير في كل معهد منازل فيها أظهر الله دينه %~% وأخمد دين الكفر حد المهند أو اهل من آل النبي وصحبه %~% أئمة دين الله فاقتد تهتد (3) هم ورثوا علم النبي وعاينوا %~% له معجزات فتن حصر المعدد (4) وهم نصروا حزب الإله وأرعدوا %~% فرائص أسد بالسنان المحدد (5) 30 فكم بطل قد أسكنوا الرعب قلبه %~% وكم أسد أذروه عن ظهر أجرد (6) فإما لقتل أو صغار مؤبد %~% وإما لإسلام وعز وسؤدد (7) PageV01P236 وقد أسدل البدر المنير حجابه %~% وأظهر فينا فرقدا بعد فرقد (1) وما غيب البدر المنير حجابه %~% لأن له نورا به الدهر نهتدي قصدناه نستشفي بطيب ترابه %~% ونحظى بمرآنا مقام التهجد (2) 35 فنطرق إجلالا ونخضع هيبة %~% وندرك أنوارا بأعظم مشهد [56 / آ] ونسجد فيه بين قبر ومنبر %~% فنرتاح في روض الجنان المخلد (3) فأجر صلاة فيه كالألف في سوا %~% ه فاغنم وأكثر من ركوعك واسجد (4) || وحافظ على الوقت الذي قد منحته %~% ولا تخله من طاعة الله واجهد وقم خاضعا لله واسأله عفوه %~% سؤال ملح في الدعاء مردد 40 وقل يا رسول الله جئتك تائبا %~% ومن توبتي قصد لبابك سيدي (5) وحبك ديني ، ثم حبك مذهبي %~% وحبك أحلى من قران بمولد (6) ولولاك ما سرنا بتيهاء مجهل %~% ولولاك مابتنا بطرف مسهد (7) ولولاك ms093 ما جبنا بقفر ومهمه %~% ولولاك ما جئنا كجيش مجرد (8) ولولاك ما استحلى الأجاج منعم %~% ولولاك عاف المرء من لم يعود (9) PageV01P237 45 وقد أدني قيد الذنوب وأسرها %~% فكن منقذي من أسر ذنب مقيد (1) وإني من وفد أتاك محبة %~% وهاجر يرجو الأمن يوم التوعد أحن حنين الجذع شوقا لقبلة %~% بأخمصك الأعلى وموطئك الندي (2) وأسأل من قبل الممات شفاعة %~% فأسعف وكن في ما سألتك مسعدي ومن يسأل المولى بجاه محمد %~% يقينا تكن منه الإجابة في اليد 50 كذا جاء في الأخبار عنه محررا %~% فكن واثقا بالنقل فيه وأسند فأعظم بآيات له وخوارق %~% وباهر إعجاز وفخر مخلد وعز اصطفاء واقتراب محبة %~% ورفع لواء الحمد في خير مشهد إذا قيل : قل تسمع ، وسل تعط ما تشا %~% ء واشفع تشفع ، فاشكر الله واحمد وزود بمدحي كل من جاء زائرا %~% وردده في سمع البطيء المقيد وكرر سؤال الله عفوا بجاهه %~% وصل عليه آخرا ثم مجد # وأنشدني حفظه الله لأخيه الفقيه العالم أبي العباس أحمد (3) رحمه الله مما ~~كتب إليه ملغزا : (4) [المتقارب] PageV01P238 أبن مسرعا لفظة سطرت %~% مقطعة من جميع النواحي [56 / ب] وأشكال أحرفها بالسواء %~% وألقابها حسب الاصطلاح تشاكل آحادها الألفين %~% وتذكرهم بالقدود الملاح ثلاثية ذات حرف فأصغ %~% فإن الملاحي قليل الفلاح ومعتلة الوسط ليست تصح %~% وأول قائمة في الصحاح (1) ولو طلب الأصمعي نظيرا %~% لها لم يفز قدحه في القداح (2) # قال : فقلت مجيبا له : [المتقارب] # أيا من تفرد في عصره %~% وجلت مجاراته عن تلاح عنيت نباتا له مغرس %~% بأول ترجمة في الصحاح وأهديت درا ليشهد أن %~% بصدرك بحر الندى والسماح وبالغت في صونه غيرة %~% بلفظ يهاب كحد السلاح 5 وقد أذهب العبد إشكاله %~% كما أذهب الليل ضوء الصباح فإن فاز قدحي فأنت الإمام %~% وحيعلت قدما لنا بالفلاح (3) وقد سطرت نحوها لفظة %~% مقطعة من جميع النواحي ترى شكل أحرفها واحدا %~% إذا أنت جردتها بالتماح وتزداد في النطق حرفا خفيا %~% وقدما بدت في صدور الصباح PageV01P239 10 وإن خفيت عن غبي فكم %~% يمكنها من نحور الملاح فيا أيها الحبر زدنا فقد ms094 %~% تميز صدرك بالانشراح (1) ومن رام شأوك يوما كمن %~% نوى أن يطير بغير جناح # ولما تأملت اللغزين استبان لي المراد منهما ، ثم انزعجت للسفر فلما ~~استقربي القرار بقاعدة مصر ، كتبت إليه في ذلك قصيدة وبعثت بها إليه ، وقد ~~(2) زدت فيها بعد ذلك أبياتا وهي هذه : [المتقارب] # أيا فاضلا قد سما للسماح %~% فلم يصغ أذنا إلى قول لاح هنيئا لك المجد من فاضل %~% هدى من نحاه طريق الفلاح [57 / آ] سما صنوك الفذ في علمه %~% إلى غاية واثقا بالنجاح فأدركها ساميا عاليا %~% وخصص فيها بفوز القداح (3) 5 وأجريت من خلفه ثانيا %~% عنان جواد عظيم المراح فأدركته فائزا حائزا %~% بما قد منحت كريم امتداح فأوضحت لغزا دجا ليله %~% ومذ لاح أزرى بضوء الصباح وذلك لفظ له أحرف %~% غرائب في خفية واتضاح فأولها لا يرى شكله %~% وثالثها ، وهما في الصحاح (4) PageV01P240 10 هما يذكران ولا يبصران %~% كعنقاء مغربة في النواح (1) وأعجب بشيء له صحة %~% عديم الوجود لعين التماح وثاني الحروف يرى ظاهرا %~% وعلته مالها من براح وكيف بذي صحة قد خفي %~% ضنى وعليل بدا كالصحاح ومن شاء إبرازها لفظة %~% بغير ارتياء وغير انتزاح 15 فشعر زهير لها مسرح %~% أناخت ببعض القوافي الملاح (2) ومن عجب إنها إن تزد %~% بحرف عدت عن طريق انشراح (3) وأولتك في الحين تعبيسة %~% تريك محيا بغير سماح وساء المذاق وناء الشقاق %~% وحق الفراق بغير انفساح ومهما حذفت أخير الحروف %~% فقد فهت حقا بلفظ افتتاح 20 وإن زدته الحذف من أول %~% فحرف قبيح سليل القباح وإن زدت محذوفها آخرا %~% فحذف يزين نحور الملاح (4) وإن شئت تبيانه فأتين %~% بقلب افتتاح تفز باقتراح (5) # وفي نسخة أخرى زيادة هذه الأبيات : # وأخفيتم اللغز في لفظة %~% تكل الشبا من رؤوس الرماح أشرتم إليها بأوصافها %~% لمن هو من سكرة الجهل صاح |أصك مصلم الأذنين ، أجنى||له بالسي تنوم وآء| PageV01P241 [57 / ب] وقد سطرت لفظة مثلها %~% سواء فزدها بفرط ارتياح وقل : هي مقلوب ما سطرت %~% أناملنا ما به من تلاح وفي غربنا لفظة صرفت %~% مشهرة كاشتهار الصباح ولكنها فظة جهمة ms095 %~% إذا أقبلت قوبلت بالصياح (1) وتألف أشكالها في القباح %~% وما عرجت بالوجوه الصباح وإن صحف اللفظ من لغزكم %~% بدت سمجة حقها في اطراح وأخرى على شرطكم قد أتت %~% تزاد إليهن وفق اقتراح # انتهت الزيادة. # فخذ من مقر بفرط القصور %~% يفر إلى العجز خوف النطاح صفي لعلياكم ذي وداد %~% كما قد علمت كليم النواح فسامح محبا صفا وده %~% وصنه بصفحك عن لحو لاح (2) وأقرأ مني عليكم سلاما %~% كريم الغدو كريم الرواح # وأنشدني أيضا قال : أنشدني أخي المرحوم ناصر الدين المذكور لنفسه : ~~[الرجز] # يا سائل الخبرة من منجم %~% من الورى لا تسأل الغيوب إن قلت : صادف الصواب مرة %~% قلت : نعم ، قد يصدق الكذوب (3) PageV01P242 # وسمعت منه حفظه الله فصلا من كلام أخيه الفقيه (1) الأوحد ، الأكمل ، ~~وحيد عصره ناصر الدين المذكور رحمه الله في ذكر [بعض] (2) مناهل الحج ، رأيت ~~إثباته في هذا الموضع ، إذ هو مما يليق بالمقصود ، ونقلته من خط أخيه ناصر ~~الدين المذكور قدس الله روحه ، وبرد ضريحه وهذه نسخته : ### ||| * [بعض رسالة ناصر الدين بن المنير في مناهل الحج] # «ولقد تجد النفوس إلى تلك القفار أنسا كأنها أوطان ، وكأن لأشواقها (3) ~~على القلوب سلطان ، وإن لتلك الثنيات صباحة ، وإن لمياهها (4) وإن كانت ~~ملحة في القلوب ملاحة : [58 / آ] [الطويل] # يقولون : ملح ، ماء فلجة آجن %~% نعم هو مملوح إلى القلب طيب # وحيا الله الوجه وإن كانت عليه تلك الواقعة ، فما أحسنه إذا لمحه الفكر ~~(5) وإن كانت عليه السيوف لامعة. ولله منزلة الحوراء وإن كانت عينها مالحة ~~، فإنها لأحسن من العين الحوراء ، وكذلك العرجاء تسبق إلى القلوب بالشوق ~~على (6) عرجها ، وعلى ضيق مدخلها ومخرجها. ولعمري إنها تضاهي PageV01P243 # المسك بأرجها ، وتباهي المنابر بدرجها ، ومن أثنى على الدهناء (1) فما ~~داهن ، ولا ذكر إلا الحق من محاسنها وما حاسن. وكم من حنين إلى حنين ، وما ~~كان البلد في الأمن إلا بدر فإنها قرة العين ، ولله رملتها البيضاء مقترنة ~~بالصفراء ، فإنهما لأزهى من البيضاء والصفراء ، ومن وصل إلى الجحفة (2)، ~~فقد حصل على التحفة ، ويعجبني التشويق إلى عقبة السويق ، ويحضر في ms096 خليص ~~الإخلاص (3)، ويتدرج من المدرج إلى فرجة الخلاص ، ويشتد الظهر عند مر ~~الظهران (4)، ويتمتع عنده بنغمات أهل التمتع والقران ، وتعيش النفس عند ~~مساجد عائشة (5) وتطير هناك القلوب الطائرة الطائشة ، ولله حسن الثنية إذا ~~ابتسمت ، وجلالة مفرق الطرق إذا انقسمت ، والعدول إلى طريق باب بني شيبة ، ~~بالفوز الذي ليس بعده خيبة. وهنالك تنثل الجعبة ، عند الإشراف على الكعبة ، ~~فلا يبقى كامن إلا ظهر ، ولا سر إلا اشتهر وانتشر ، ولا طرف إلا انبهت ، ~~ولا قلب إلا انبهر (6)، ولا شمل إلا انتظم ، ولا دمع إلا انتثر : (7) ~~[الخفيف] PageV01P244 هذه دارهم وأنت محب %~% ما بقاء الدموع في الآماق (1) # قلت : والفقيه الإمام أبو الحسن زين الدين مما يسر العاقل بمعرفته ، ~~ويطنب القائل في صفته. ولولا اتقاء فيما يتطرق إلى الكلام من الهوى ، ~~لبالغت فأبلغت بريد القلب ما نوى ، على أنه قد ترجم [58 / ب] عن كماله عدم ~~أضرابه في القطر وأشكاله ، لا أخلى الله الأرض من مثله (2)، ولا أعدمه من ~~إحسانه ثجاج وبله ، بمنه وجوده وفضله. ### ||| * [لقاؤه للغرافي] # ولقيت بالإسكندرية سيدي الشيخ الأجل ، الراوية ، المحدث ، الشريف ، ~~الأوحد ، ذا الحسب الباهر ، والشرف الظاهر ، والأخلاق المعربة عن الكمال ، ~~والعزة الفاضلة التي تدل عليه من غير سؤال ، سليل بيت النبوة ، وحليف الفضل ~~الظاهر والمروة ، تاج الدين ، أبا الحسن ، علي بن الشيخ الفقيه العالم ~~المحدث أبي العباس أحمد بن عبد المحسن الحسيني الغرافي (3)، حفظ الله عليه ~~ما منحه من الفضائل ؛ وما أقام له على صحة كماله من الدلائل ؛ لقيته فرأيت ~~منه فضلا لو تجسد لملأ الفضاء ؛ وعقلا سلب النيق (4) الركانة (5) والمرهف ~~المضاء ، وبشرا لو كان في وجه الدهر لم تخش (6) نوائبه ؛ وأريحية علوية (7) PageV01P245 # لو حلت في هرم لا هتزت من الشباب ذوائبه ؛ وتواضعا أسكنه مهج القلوب ، ~~وأحله منها محل الغرض المطلوب. له رواية عالية متسعة ببغداد والعراق ومصر ، ~~وله رحلة إلى الحجاز حج فيها. وقد جمع أسماء شيوخه في «برنامج» له ، وهو ~~شيخ مفيد ممتع المجالسة ، كثير (1) التواضع ، متفنن في العلم ، متين الدين ~~، قوي الرجاء في أهله ، حسن الظن بهم ms097 ، سني المعتقد ، شافعي المذهب ، خير ~~كله ، نفعه الله ونفع به ، سألته عن معنى نسبته : الغرافي ، فقال لي : غراف ~~موضع بالعراق وكان موضعنا فنسبنا إليه. # قرأت عليه «ثلاثيات البخاري» (2) وكتبتها من أصله ، وحدثني بها عن الشيخ ~~الصالح أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الله بن روزبة القلانسي سماعا ~~لجميع «البخاري» عليه ، عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي ~~سماعا عليه عن أبي الحسن بن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي البوشنجي ~~عن أبي [59 / آ] محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي عن أبي عبد الله ~~محمد بن يوسف بن مطر الفربري عن البخاري. # وقرأت عليه أحاديث إسماعيل بن جعفر من جزء أبي صالح محمد بن أبي الأزهر ~~المكي ، عرف بابن زنبور (3)، وكتبتها من أصله ، وسمعت من لفظه حديث عبد ~~الله بن عمرو : «الراحمون يرحمهم الرحمن» (4)، وهو أول حديث PageV01P246 # سمعته منه بسنده مسلسلا ، (1) وحديث القلم واللوح ، حدثني به ويده على ~~كتفي بسنده مسلسلا (2)، وحديث الإيمان بالقدر ، حدثني به مسلسلا وأخذ ~~بلحيته وقال : «آمنت بالقدر خيره وشره ، حلوه ومره» (3). وكتبت هذه ~~الأحاديث من أصله وأسانيد الأجزاء مقيدة فيها والحمد لله. # وحدثني رضياللهعنه إملاء بلفظه من كتابه ، قال : أخبرني أبي رحمه الله قال ~~: أنا أبو المظفر عبد الرحيم بن أبي سعد (4) السمعاني قال : أنا (5) تاج ~~الإسلام السمعاني ، قال : أنا أبو نصر واضح بن عبد الله الأصبهاني قال : ~~أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الحافظ ، سمعت أبا القاسم الفضل ابن ~~محمد شير مردان سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان يقول : سمعت أبا ~~العباس بن سعيد يقول : سمعت أبا خليفة يقول : كان السبب في أن لم يسمع ~~القعنبي (6) من شعبة (7) غير هذا الحديث ، أنه وافى البصرة (8) نحو شعبة ~~ليسمع منه ، وبكر فصادف المجلس قد انقضى ، وقد انصرف شعبة إلى منزله ، ~~فحمله الشره على أن سأل عن منزل شعبة ، فأرشد إليه ، فوجد الباب مفتوحا ، ~~فدخل من غير استئذان ، فصادف شعبة جالسا على البالوعة يبول ، فقال ms098 : PageV01P247 # السلام عليكم ، رجل غريب قدمت من بلد بعيد لتحدثني بحديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . فاستعظم شعبة ذلك فقال : يا هذا دخلت منزلي بغير إذن ، ~~وتكلمني على مثل هذا الحال ، تأخر عني حتى أصلح من شأني ، فقال : إني أخشى ~~الفوت ، فقال : تخشى الفوت بقدر (1) ما أصلح من شأني؟ ، فأكثر عليه الإلحاح ~~، قال : وشعبة يخاطبه وذكره في يده يستبرىء [59 / ب] فلما أكثر قال : اكتب ~~: حدثنا (2) منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش (3) عن أبي مسعود البدري ~~رضياللهعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة ~~الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (4). ثم قال : والله لا أحدثك بغير هذا ~~الحديث ، ولا حدثت قوما تكون فيهم. # قلت : وقد جمع الإمام أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي جزءا صغيرا في هذا ~~الحديث ، وذكر فيه أن شعبة عتب على القعنبي أن تركه بالبصرة ، ورحل إلى ~~مالك ، فلما ألح عليه القعنبي حدثه بهذا الحديث وحلف لا يحدثه بغيره ، قال ~~: وقيل إن القعنبي حلف عليه لتحدثني ، فحدثه بهذا الحديث ثم حلف لاحدثتك ~~(5) بغيره. وقرأت هذا بخط ابن المفضل المذكور وأخبرني به جماعة عن ابن (6) ~~الشقر عنه. PageV01P248 # وأنشدني حفظه الله تعالى قال : أنشدنا شيخنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن ~~سعيد بن الدبيثي (1) ببغداد ولم يسم قائله : (2) [الكامل] # علم الحديث فضيلة تحصيلها %~% بالسعي والتطواف في الأمصار فإذا أردت حصولها بإجازة %~% فقد استعضت الصفر بالدينار # وأنشدني عنه أيضا قال : أنشدنا أبو العباس أحمد بن منصور الكازروني قال : ~~أنشدنا شيخ الشيوخ أبو البركات إسماعيل بن أبي سعد النيسابوري قال : أنشدنا ~~أبو القاسم علي بن محمد الكوفي ، قال : أنشدنا أبو زكرياء يحيى بن إبراهيم ~~قال : أنشدني والدي ، (3) قال : أنشدني (4) أبو الحسن عبد العزيز بن الحسين ~~البغدادي ، أنشدني أبو بكر بن بشار لنفسه : [الطويل] # سيعلم من لا يتقي الله ربه %~% إذا برزت يوم الحساب الفضائح ومن لم يقدم صالحا لم يكن له %~% مكان لعمري في القيامة صالح فقل لخليع صائح في نشاطة %~% تذكر إذا ms099 صاحت عليك الصوائح (5) فكم ملك قد بات بالملك قائما %~% فأصبح قد قامت عليه النوائح PageV01P249 # وأنشدني أيضا قال : أنشدني الشريف علاء الدين أبو الحسن [60 / آ] علي بن ~~محمد الحسيني الموسوي الطوسي ، المعروف بدفتر خوان العادلي (1) نفسه من ~~قصيدة : [السريع] # لعلها يا صاح أن تنجلي %~% إذا بدا ضوء الصباح الجلي كل حظوظ الناس في مستوى %~% وحظنا يعلو إلى أسفل من أمنا نرجو ودادا وقد %~% طلقها قدما أبونا علي # وأنشدني له أيضا : [الطويل] # جنان إذا لاح الصباح تنسمت %~% بطيب شذا يثني عليها بآلاء (2) وأشبهت الأسحار طيبا ظلالها %~% فجال خيال الغصن في مقلة الماء # وأنشدني له (3) أيضا ملغزا في الطير : [الطويل] # وخرس إذا ما الشمس ولت فإن تعد %~% فساجعة في أيكها تترنم وإن قيد الليل البهيم لحونها %~% فلا تتعجب إنما الليل أدهم (4) PageV01P250 # وأنشدني له أيضا : [الطويل] # بعشر ينال العلم : قوت وصحة %~% وحفظ ، وفهم ثاقب في التعلم ودرس ، وحرص ، واغتراب ، وهمة %~% وشرخ شباب ، واجتهاد معلم # وأنشدني له أيضا : [المتقارب] # متى يجمع المرء كل العلوم %~% فيدري بها كل ما يجهل وإن أنفق العمر في بعضها %~% ففي أي حين به يعمل # (1) وأنشدني أيضا قال : أنشدني أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد العنسي (2) ~~الأندلسي المؤرخ لنفسه (3): (4) [الطويل] # إذا ما غراب البين صاح فقل له %~% برفق : رماك الله يا طير بالبعد (5) لأنت على العشاق أقبح منظرا %~% وأكره في الأبصار من ظلمة اللحد تصيح بنوح ثم تعثر ما شيا %~% وتبرز في ثوب من الحزن مسود PageV01P251 # وأنشدني له أيضا : (1) [60 / ب] [المنسرح] # كأنما النهر صفحة كتبت %~% أسطرها والنسيم منشئها لما أبانت عن حسن منظره %~% مالت عليه الغصون تقرؤها # وأنشدني أيضا قال : أنشدني نجيب الدين أبو (2) الفتح نصر الله بن أبي (3) ~~العز الشيباني قال : أنشدنا الشريف أبو هاشم أحمد بن محمد الهاشمي الحلبي ~~لنفسه بحلب : [الكامل] # من ود أن عدوه أعمى فلي %~% ود بأن له عيونا أربعا ليرى كمالي باثنتين ونقصه %~% بالأخريين فلا يزال مروعا (4) # وأنشدني أيضا قال : أنشدنا الإمام أبو سالم محمد بن طلحة النصيبيني (5) ~~في كتابه إلي لنفسه ms100 : (6) [الكامل] # لا تركنن إلى مقال منجم %~% وكل الأمور إلى الإله وسلم واعلم بأنك إن نسبت لكوكب %~% تدبير حادثة فلست بمسلم PageV01P252 # وأنشدني أيضا ، قال : أنشدني بعض المصريين لنفسه يصف فوارة : (1) # [السريع] # فوارة تشبه في لونها %~% سبيكة من فضة خالصه (2) تلهيك بالحسن فقد أصبحت %~% جارية ملهية راقصه # قال : وأنشدني بعضهم أيضا لنفسه : [السريع] # يا مادحا أمرا ولم يأته %~% ولم ينل منه ولا جربه (3) لا تغبط الكاتب في عيشه %~% فإنه المسكين ذو المتربه (4) # وله أيضا في القلم : [مخلع البسيط] # وفارس بالظلام سار %~% ودمعه في سراه جار تراه في السير مشمعلا %~% يسير بالليل في النهار (5) # وأنشدني أيضا قال : أنشدني الإمام ناصر الدين أبو العباس أحمد بن منصور ~~الإسكندري الجذامي من نظمه : (6) [61 / آ] [البسيط] # الشعر قسمان : مغسول ومعسول %~% تداولا السمع والثاني هو السول أرده أبدا إلا إذا شفعت %~% فيه المحاسن عندي فهو مقبول PageV01P253 # وأنشدني أيضا لناصر الدين المذكور رحمه الله : (1) [الكامل] # لا تحسبن الشعر فضلا بارعا %~% ما الشعر إلا محنة وخبال الهجو قذف ، والرثاء نياحة %~% والعتب ضغن ، والمديح سؤال # وأنشدني له أيضا يرثي الفقيه الجليل الورع الصالح أبا عمرو عثمان ابن عمر ~~بن أبي بكر بن يونس المعروف بابن الحاجب رحمه الله ، وكانت وفاته ~~بالإسكندرية سنة ست وأربعين وست مئة ، ومولده بإسنا (2) من صعيد مصر سنة ~~سبعين وخمس مئة ، وأمر بكتب هذه الأبيات على قبره : (3) # [الطويل] # ألا أيها المختال في مطرف العمر %~% هلم إلى قبر الفقيه أبي عمرو تر العلم ، والآداب ، والفضل ، والتقى %~% ونيل المنى ، والعز جمعن في قبر (4) وتدعو له الرحمن دعوة صالح %~% تكافى بها في مثل منزله القفر (5) |وتوقن أن لا بد ترجع مرة||إلى صدف الأجداث مكنونة الدر| PageV01P254 # وأخبرني حفظه الله عن أبي عبد الله بن الدبيثي ، أن أصل سلفة (1) يعني جد ~~السلفي (2)، أنه كانت إحدى شفتيه عريضة مفروقة ، فكأن له ثلاث شفاه ، فقيل ~~له بالفارسية : سي لبه ، أي : ذو ثلاث شفاه. ثم عرب فقيل : سلفة ، ثم نسب ~~الحافظ بعد قدومه إلى مصر فقيل : السلفي. قال : ومولد الحافظ السلفي سنة ~~ثمان ms101 وسبعين وأربع مئة. وتوفي ليلة الجمعة الخامس من ربيع الآخر سنة ست ~~وسبعين وخمس مئة. # وقرأت عليه بعض كتاب «فتح الوصيد في شرح القصيد» للشيخ الإمام علم الدين ~~أبي الحسن علي بن محمد (3) بن عبد الصمد السخاوي ، وجميع القصيد المشروح ، ~~وحدثني بهما جميعا عن السخاوي المذكور سماعا عليه (4) عن ناظمه أبي القاسم ~~وأبي محمد قاسم بن فيرة الرعيني الشاطبي رضياللهعنه ، وأخبرني أن وفاة [61 ~~/ ب] السخاوي بدمشق في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وست مئة (5) ومولده ~~تقديرا سنة ثمان أو تسع وخمسين وخمس مئة. وسألته عن نسبه فقال : هو منسوب ~~إلى بلدة سخا (6) من ريف مصر وأنشدني له مما يحمله عنه (7) إجازة قال : وهي ~~مما (8) أمر أن يكتب في أواخر قصائده النبوية التي نظمها معارضا للمعلقات ~~السبع : [الكامل] PageV01P255 العفو شأنكم وعادتكم %~% يا مورد الإحسان والفضل دوموا على كرم يليق بكم %~% ودعوا مجازاتي على فعلي أنا واقف بالباب معتذرا %~% أرجو مقالة سيد الرسل : متشفع بي كان يمدحني %~% ويحبني فآرعوه من أجلي (1) # وأخبرني أن الخليفة المستنصر (2) آخر ملوك بني العباس ببغداد ، استدعى ~~منه إجازة ، فكتب له هذه القصيدة وهي : [الطويل] ### ||| * [قصيدة السخاوي في خلفاء بني العباس] سلام على معنى الخلافة والهدى %~% وحيث أقام الدين والفضل والعلم على سادة الإسلام شرقا ومغربا %~% قضاء من الله الذي حكمه الحكم قضى لبني العباس أن تعلو الورى %~% فطاعتهم فرض على خلقه حتم بني عم خير العالمين ومن به %~% مناقبهم تعلو ، وجدهم يسمو 5 دعا فسقى الله الورى بإجابة %~% ليعلم ما أعطاه من عنده فهم (3) ولا يرزق الإيمان من لا يحبه %~% كذا جاءنا ، والمصطفى قوله جزم وقل قد أذاني من أذاه وإنما %~% أبو المرء في القربى يماثله العم (4) PageV01P256 وأعطي في النسل الشريف خلافة الن %~% نبوة إن قرم مضى حازها قرم (1) فهم كنجوم الأخذ إن مال غاربا %~% لمدته إكليلها طلع النجم (2) 10 أنار بها السفاح كل دجنة %~% وقام بها المنصور فابيضت الدهم (3) فمهديهم فالهاد ثم الرشيد فال %~% أمين فمأمون له العفو والحلم ومعتصم مع واثق متوكل %~% ومنتصر والمستعين ms102 الذرى الشم [62 / آ] ومعتزهم والمهتدي ثم بعده %~% بمعتضد تسطو ومعتمد تسمو (4) وبالمكتفي يتلوه مقتدر كما %~% إلى القاهر الراضي كذا العد ينضم 15 كذلك مستكف أتى بعد متق %~% وبعد مطيع طائع للعدا الرغم (5) || وقادرها مع قائم ثم مقتد %~% ومستظهر يتلوه مسترشد شهم وراشدهم والمقتفي ثم أنجدت %~% بمستنجد والمستضيء وقد تموا بناصرهم والظاهر العف وابنه %~% فعم البرايا عدله وانتفى الظلم إمام الورى المستنصر ، الأيد الذي %~% بنصرة دين الله يعنى ويهتم 20 فمن يده نار تجيش لدى الوغى %~% وأيديه جنات تجيء بها السلم ومنه لإدواء العفاة دواؤها %~% ومنه لمراد العتاة الدنى السم (6) PageV01P257 وكم فض من ختم عن المال باذلا %~% وكم في الدياجي حين يتلو له ختم أجزت له دامت قواعد مجده %~% مشيدة لا نقض يخشى ولا هدم جميع الذي ألفته ونقلته %~% وما قلته مما تضمنه نظم 25 وللسيدين الماجدين تساميا %~% ولا زال في كسب العلا لهما الغنم لهم ذاك إن شاؤوه والرأي رأيهم %~% ولي شرف فيه إذا ما هم هموا # وأنشدني له أيضا قصيدته التي سماها «ذات الشفافي في مدح المصطفى» ~~صلى الله عليه وسلم ، وحدثني بها عنه سماعا وهي هذه : (1) [الكامل] ### ||| * [القصيدة النبوية للسخاوي] قف بالمدينة زائرا ومسلما %~% واشكر صنيع الدمع فيها أن همى (2) فهي المنازل لم تزل تشتاقها %~% أبدا وكنت بها المعنى المغرما (3) ألصق بتربتها الفؤاد فكم شفت %~% داء دفينا قد أذاب المسقما (4) عجبا لصب عاينتها عينه %~% فوعى الجواب أو استطاع تكلما (5) 5 هذا هو الحرم الشريف فقف به %~% واقر السلام على الرسول متمما PageV01P258 وقل السلام عليك يا من أنقذ الض %~% ضلال من ظلم الجهالة والعمى يا سيد الهادين يا خير الورى %~% حسبا وأوسعهم ندى وتكرما [62 / ب] يا خاتم الرسل الكرام ومن له ا ل %~% آيات تحكي في السماء الأنجما وله انشقاق البدر والجذع الذي %~% أبدى حنينا ، والجماد تكلما (1) 10 والماء ينبع في الإناء ومن دعا %~% زمرا إلى النزر اليسير فأطعما (2) ودعا بأشجار الفلاة فأقبلت %~% وغدا على الحجر الأصم فسلما (3) وعلا على متن البراق مشرفا %~% وسرا إلى أعلى السماء ms103 معظما (4) يا صاحب الوجه البهي كأنما ال %~% قمر المنير إليه في النور انتمى يا صاحب الخلق الرضي فما يرى %~% إلا رحيما مغضيا أو منعما 15 يا صاحب القد الرشيق فإن مشى %~% بين الرجال علا على من قد سما يا مطلع الإيمان نورا مشرقا %~% يمحو من الكفران ليلا مظلما صلى عليك الله ما انهل الحيا %~% فكسا الرياض مفوفا ومنمنما (5) وعليك من ربي السلام مضاعفا %~% ما رددت ورق الحمام ترنما وأتت إليك اليعملات مشوقة %~% تطوي المهامه والقفار على الظما (6) 20 وعلى أبي بكر خليفتك الذي %~% للحق قام مثقفا ومقوما (7) PageV01P259 وغدا بأعباء الخلافة ناهضا %~% لا عاجزا فيها ولا متلوما وعلى سبيل الله أنفق ماله %~% حتى تخلل بالعباءة معدما (1) سماه بالصديق صدق يقينه %~% سبق الرجال إلى النجاة فأسلما وغدا بديل المصطفى متمسكا %~% وعلى أوامره يشد مصمما 25 وأنيسه في الغار حيث يقول : لا %~% تحزن فإن الله أمنع من حمى (2) وضجيعه في قبره ورفيقه %~% يوم القيامة في الجنان منعما وعلى أمير المؤمنين منكس ال %~% أصنام حين غدا عليها مسلما (3) عمر الذي للدين كان مؤيدا %~% ولمن يعانده مذلا ، مرغما في الحق فظ لين متعاظم %~% يجفو القوي له ويدني الأيما (4) 30 سلس القياد لما يرى فيه رضا الر %~% رحمن ، صعب حين يخشى المأثما (5) [63 / آ] فتح الفتوح وشاد للدين العلا %~% وغدا به ربع الضلال مهدما (6) وعلى ابن عفان الذي استحيت لأج %~% ل وقاره منه ملائكة السما (7) القانت ، العف الصبور أحاطت ال %~% بلوى فأذعن للقضاء مسلما (8) PageV01P260 عثمان ذي النورين صهر المصطفى %~% زوج ابنتيه غدا بذاك مكرما 35 الجامع القرآن والحبر الذي %~% في كفه نطق الجماد فأفهما جعل النبي المصطفى يده له %~% عن كفه بدلا إلى أن يقدما (1) وعلي أبي الحسن الإمام المرتضى %~% ذي الفخر والنسب الكريم المنتمى زوج البتول ، أخي الرسول ، فتى الوغى %~% ما فر قط ولا تأخر محجما (2) حقا وقال المصطفى : من كنت مو %~% لاه فمولاه علي معلما (3) 40 يا رب وال وليه ونصيره %~% أبدا وعاد عدوه أنى ارتمى من كان في الأحكام أقضاهم وبال %~% علم المصون ms104 عن البرية أعلما (4) وبنوه والصحب الكرام جميعهم %~% والتابعون لمن خلا وتقدما وعلى ابنة الصديق عائشة التي %~% في شأنها نزل الكتاب معظما وجميع أزواج النبي وآله %~% صلى عليهم ربنا وترحما 45 يا سيد الأبرار جئتك أشتكي %~% ألما ألم وحادثا قد أظلما رانت على قلبي الذنوب فلم يع الذ %~% ذكرى وقد بلغ الزبا سيل طما (5) وبذا الجناب أعوذ يا خير الورى %~% إذ زرته من أن أزور جهنما ولقد وقفت بساحة المولى الذي %~% وسع الأنام ندى وجاد فعمما (6) PageV01P261 يا سيدي والوفد منقلب غدا %~% بم يرجع المسكين منقلبا بم؟ (1) 50 إني أتيتك تائبا متنصلا %~% مستغفرا من زلتي متندما يا ذا الجلال ارحم بحق المصطفى ال %~% عبد الفقير المستجير المجرما وامنن عليه بتوبة تمحو بها %~% ما كان منه وما جناه وقدما واغفر لمنشدها علي ذنبه %~% واغفر لمنشئها علي وارحما [63 / ب] فبمدح أحمد يرتجون شفاعة %~% ذا منشدا فرحا ، وذاك منظما (2) 55 واغفر لمستمع دعا لهما فما %~% أجدى دعاء المؤمنين وأكرما # وأنشدني لبعضهم ولم يسمه : [الكامل] # اقرأ هديت كتاب ربك تهتد %~% فالحق فيه وفي حديث محمد حازا علوما جمة فالزمهما %~% واقنع بحفظهما حياتك ترشد الله يعلم أنني لك ناصح %~% فاقبل مقالة ناصح متودد # وأنشدني أيضا في معناه لبعضهم : [البسيط] # ما العلم إلا كتاب الله أو أثر %~% تجلو بنور هداه كل ملتبس (3) نور لمقتبس ، خير لملتبس %~% حمى لمحترس ، نعمى لمبتئس فاعكف ببابهما على طلابهما %~% تحو الغنى بهما عن كل ملتمس PageV01P262 ورد بقلبك عذبا من حياضهما %~% تغسل بماء الهدى ما فيه من دنس (1) واقف النبي وأتباع النبي وكن %~% من هديهم أبدا ترنو إلى قبس (2) واقصد مجالسهم واحفظ مجالسهم %~% واندب مدارسهم بالأربع الدرس واسلك طريقهم ، واصحب فريقهم %~% تكن رفيقهم في حضرة القدس تلك السعادة إن تلمم بساحتها %~% فحط رحلك قد عوفيت من تعس # وأنشدني أيضا قال : أنشدني بعض أشياخي ولم يسمه : [البسيط] # سواد شعرك ملبوس تدل به %~% أن السواد يغطي كل ملتبس فوقر الشيب عن عيب يدنسه %~% إن البياض قليل الحمل للدنس (3) # وأنشدني أيضا قال : أنشدنا (4) الإمام المؤرخ أبو ms105 الحسن محمد بن القطيعي ~~ببغداد ، قال : أنشدنا فارس المنبر أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي قال : ~~أنشدنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري : (5) [الخفيف] |احفظ لشيبك من عيب يدنسه||إن البياض قليل الحمل للدنس| PageV01P263 علة سميت ثمانين عاما %~% منعتني للأصدقاء القياما فإذا عمروا تمهد عذري %~% عندهم في الذي ذكرت وقاما (1) [64 / آ] # قال : وأنشدنا ابن القطيعي أيضا ، قال : أنشدنا عمر (2) بن علي الدمشقي ~~في كتابه ، قال : أنشدنا أبو حامد (3) محمد بن عبد الرحيم الأندلسي لنفسه : ~~[الرمل] # تكتب العلم وتلقي في سفط %~% ثم لا تحفظ ، لا تفلح قط إنما يفلح من يحفظ من %~% بعد فهم وتوق من غلط # قلت : لم يسمع في (4) كلام العرب إدخال قط على الفعل المضارع ، وإنما ~~يدخلونه على الفعل الماضي ، فيقولون (5): لم أفعل هذا قط. وذلك أن «لم» ~~تصير الفعل في المعنى ماضيا ، ولا يقولون : لا أفعله قط ، لأن «قط» مشتقة ~~من قط يقط ، أي : يقطع ، فمعناه : لم أفعله في كل ما مضى من الزمان وانقطع ~~، وهذا اللفظ تغلط فيه الخاصة والعامة من أهل المشرق ، وقد رأيت إنكاره ~~لبعضهم وأظنه أبا محمد الحريري في كتابه «درة الغواص» (6) وذكر في معناه ما ~~ذكرته سواء ، والله الموفق. PageV01P264 # وأنشدني أيضا قال : أنشدنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد الصفراوي ~~في كتابه ، قال : أنشدنا أبو الفداء الموصلي في مجلس وعظه : (1) [الخفيف] # كل أمر إذا تفكرت فيه %~% وتأملته رأيت طريفا (2) كنت أمشي على اثنتين قويا %~% صرت أمشي على ثلاث ضعيفا # وأنشدني أيضا قال : أنشدني بعض المغاربة ولم يسمه : (3) [مخلع البسيط] # خانت عهودي يدي ورجلي %~% فليس خطو وليس خط كل على كل من يراني %~% أشال كالثقل أو أحط (4) # وأنشدني أيضا قال : أنشدنا الشيخ الأديب الفقيه أبو عمرو بن الحاجب لنفسه ~~: (5) [الخفيف] # إن تغيبوا عن العيون فأنتم %~% في قلوب حضوركم مستمر (6) مثلما تثبت الحقائق في الذه %~% ن وفي خارج لها مستقر (7) [64 / ب] PageV01P265 # وأنشدني للبحتري : (1) [الطويل] # ظعنت فلم أصبح لظعنك نادما %~% رضيت بأن تنأى وترجع سالما وما ذاك إلا لاعتناقك ظاعنا %~% وأخرى انتظارا لاعتناقك ms106 قادما رضيت بتسليم وغيبة أشهر %~% إذا لم تكن لي في مقامك راحما (2) # ولما عزمت على السفر ، قال لي : أتعلم (3) أني بت البارحة مهموما؟ قلت : ~~لماذا؟ قال : لأجل فراقك. وقيد اسمي ونسبي في برنامج شيوخه ، وقيد عني ~~أبياتا من شعري وكتب بخطه جميع القصيدة التي كتبت بها إلى ولدي محمد وفقه ~~الله من القيروان ، وبالغ في استحسانها ، وسمع مني القصيد الحجازي الذي ~~قلته في طريق الحج. # ولما ودعني في منصرفي إلى الحجاز أخذ بيدي وقال لي : استودع الله دينك ، ~~وأمانتك ، وخواتم عملك ثلاث مرات. ثم قال لي : رد علي مثلها ففعلت ، ~~وأنشدني مودعا باكيا في انصرافي عنه إلى الغرب : (4) [الوافر] # أودعكم وأودعكم جناني %~% وأنثر عبرتي نثر الجمان (5) وقلبي لا يريد لكم فراقا %~% ولكن هكذا فعل الزمان (6) PageV01P266 # ولقيت بالإسكندرية أشخاصا عرفني بهم سيدي الشريف المذكور ، وذكر أن لهم ~~إسنادا ، واستجازهم لي فأجازوني ، وكتبوا لي خطهم بذلك ، ولم أسمع منهم ~~شيئا لا نحفازي للسفر ، وإجازتهم كلها عامة ، وكان الشيخ أبو الحسن المذكور ~~هو الذي دار بي عليهم ، وقيد لي بعض مسموعاتهم ، شكر الله اهتباله (1)، ~~وأنعم باله بمنه وكرمه. ### ||| * [لقاؤه لمحيي الدين المازوني] # وممن لقيت بها الشيخ الأديب المسن أستاذ العربية في وقته أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله بن عبد العزيز الزناتي ، ويعرف بمحيي الدين المازوني ~~فأنشدني لنفسه (2) [الطويل] # ومعتقد أن الرياسة في الكبر %~% فأصبح ممقوتا به وهو لا يدري [65 / آ] يجر ذيول العجب طالب رفعة %~% ألا فاعجبوا من طالب الرفع بالجر (3) # وأنشدني أيضا لنفسه : (4) [الطويل] # عتبت على الدنيا لتقديم ناقص %~% وتأخير ذي فضل ، فقالت : خذ العذرا (5) بنو النقص أبنائي ، وكل فضيلة %~% فأربابها أبناء ضرتي الأخرى (6) PageV01P267 # وأنشدني لنفسه أيضا : [البسيط] # مالي أذكر بالأوراق في نسق %~% فما انتفعت بتذكيري ولا ملقي (1) وصرت من سوء حفظي إذ أذكركم %~% كأنني أبعث النسيان في الورق (2) # وأيضا : (3) [الطويل] # إذا ما الليالي جاورتك بساقط %~% وقدرك مرفوع فعنه ترحل (4) ألم تر ما لاقاه في جنب جاره %~% «كبير أناس في بجاد مزمل» (5) # يعني الخفض على الجوار ، (6) وهذا المعنى الذي ms107 ابتكره (7) حسن جدا. وقد ~~سألته : هل رآه لغيره؟ فقال لي : لم أره لأحد. # وأنشدني لنفسه أيضا : (8) [الخفيف] # قل لأهل الزمان حاشاك مما %~% أصبحوا فيه من مساو سواء ما على شاعر هجاكم ملام %~% هل رآكم أحسنتم فأساء؟ كان من قد مضى يعلمنا المد %~% ح وأنتم تعلمونا الهجاء PageV01P268 # وأيضا : (1) [الكامل] # أمعلمي حسن التصبر بالجفا %~% فثنى فؤادا منك لم يك ينثني (2) لا بد من أجر لكل معلم %~% ولك السلو ثواب ما علمتني # وأيضا في أهل الإسكندرية : (3) [الكامل] # يا منكرا من بخل أهل الثغر ما %~% عرف الورى أنكرت ما لا ينكر (4) إن كان قد صحت نتانة أهله %~% فمن الثغور كما علمت الأبخر (5) # وأيضا : [الخفيف] # أهل ذا الثغر خير شيء يزين %~% فيه أن تفقدوا وألا تكونوا جئتم للزمان عونا علينا %~% ومضى من على الزمان يعين [65 / ب] # وأنشدني أيضا لنفسه في منار الإسكندرية : [البسيط] # إن كنت تحسن تشبيه المنار فقل %~% كما أقول وصفها مثلما أصف طالت فطاولت الأرض السماء بها %~% لو لم تقف جازت الجوزاء لا تقف (6) كأنها غادة قامت على شرف %~% تأتي الجواري إليها ثم تنصرف PageV01P269 # وأنشدني أيضا لنفسه في المنار بيتا مفردا وهو : [الطويل] # كأن الجواري والمنارة غادة %~% جوار وقوف عندها وجواري # وأنشدني أيضا لنفسه : [البسيط] # لامت على سرفي في الجود ، قلت لها : %~% يا هذه! سرفي في الجود من شيمي وحسن ظني بالرحمن يحملني %~% على الذي أتعاطاه من الكرم فلا وجدت سوى مال أجود به %~% ولا عدمت يدا تصبو إلى عدم # وأنشدني أيضا لغيره في أهل الإسكندرية : (1) [الكامل] # يا ساكني الإسكندرية فيكم %~% بات النزيل بليلة الملسوع (2) تقرونه بالإسطقسات التي %~% هي أصل كل مؤلف مجموع بهوائها ، وبمائها ، وترابها %~% والنار في أحشائه بالجوع (3) PageV01P270 # وأنشدني أيضا لغيره في البحر : (1) [مخلع البسيط] # البحر مر المذاق صعب %~% لا رجعت حاجتي إليه (2) أليس ماء ، ونحن طين %~% فما عسى صبرنا عليه (3)؟ # وأخبرني أن مولده سنة ست وست مئة. ### ||| * [البيع بالإشارة] # ومما قضى كلامي فيه بالإسكندرية مسألة البيع بالإشارة. كنت في أول يوم ~~اجتمعت فيه بالفقيه زين الدين حفظه الله ألفيت ms108 شيخا من طلبة الشافعية يقرأ ~~عليه كتابا من كتبهم ، فقرأ هذه المسألة ، وأنه لا ينعقد بها إلا ممن يتعذر ~~عليه الكلام كالأخرس ، فقلت له : إن كان هذا لأن الإشارة عندكم محتملة ، ~~فقولوا : لا ينعقد إلا بالنص الذي لا يتطرق إليه احتمال البتة [66 / آ] وهو ~~يعز وجوده ، مع أنكم لا تقولون به ، فرام الجواب ولم يأت بشيء. وزيف الفقيه ~~جوابه. ثم أجاب أيضا بأنه إنما انعقد في حق الأخرس للضرورة إلى بيعه وشرائه ~~، ولا يمكن إلا بالإشارة ، فقلت له : إن كانت الإشارة لا تدل ، فمن أين ~~عرفنا قبوله أو رده؟. وإن كانت تدل فلم منعتم البيع بها في غير الأخرس؟ وقد ~~دلت كما دل النطق ، فإن دلت ، دلت في الأخرس وغيره ، وإن لم تدل لم يلزم ~~حكما بها (4)، وكيف يلزم إخراج مال عن ملكه بغير دلالة على التزامه لذلك؟ ~~هذا ما لا معنى له. |البحر صعب المرام مر||لا جعلت حاجتي إليه| PageV01P271 # وقولهم : لا يمكن البيع من الأخرس إلا بالإشارة إقرار منهم بأن لها دلالة ~~، ونقض لقولهم في غير الأخرس ، ثم أجاب الفقيه زين الدين عن (1) الوجه ~~الأول ، وهو النقض بإيجاب البيع باللفظ الظاهر بأن الأحكام تبنى على الظاهر ~~، وليست الإشارة في الظهور كاللفظ. هذا معنى كلامه ، وهو غير مقنع ، فإن ~~الكلام إنما هو في الإشارة الظاهرة الدلالة ، وقد تكون أظهر في الدلالة من ~~اللفظ ، فلا فرق بينهما كما ذهب إليه مالك رحمه الله والله أعلم. # (2) والأليق بالصواب على مذهب الشافعي (3) في كون الإشارة لا تدل عنده في ~~غير الأخرس أن يلحق الأخرس بالسفيه فيولى عليه من يتولى النظر في مصالحه ، ~~فيبيع عليه ويشتري لتعذر توصله إلى مصالحه ، وهو المعنى الموجب للولاية على ~~السفيه ، ولكنهم لم يقولوا ذلك ، وتناقضوا فيما ذهبوا إليه والله أعلم. (4) # وسألت الفقيه زين الدين عن معنى قول ابن الحاجب : وفي تقدير موافق صفة ~~الماء مخالفا نظر. فقال : معناه أن المائع الذي يضيف الماء وهو على صفة ~~الماء بحيث لا يغيره ، هل يعتبر عدم تغييره للماء؟ فيقال ms109 : إن الماء باق ~~على أصله ، أو يقدر مخالفا للصفة بحيث يغير الماء ، فتؤثر (5) في سلب (6) PageV01P272 # التطهير إضافة الماء بالمقدار الذي يغيره لو كان مخالفا ، فيه نظر. قلت : ~~وهذا تفسير جيد مناسب لما تقدم [66 / ب] من كلام المؤلف على الماء المضاف ، ~~ويحتمل وجها آخر وهو التشكك في الماء ، هل هو ماء مطلق أو غيره مما [هو] ~~(1) على صفته ؛ فإذا وجدنا مائعا هو على صفة الماء المطلق ولم نقطع بأنه ~~ماء مطلق ، وجوزنا أن يكون مائعا آخر ، فهل يحمل على الماء أو على غيره فيه ~~نظر؟ وقد عرضنا (2) عليه هذا الوجه ، فقال : يحتمل ، قلت : وهذا الوجه لم ~~أقف فيه على نص والأظهر في الوجه الأول أن التقدير المذكور لا بد منه ، فإن ~~حصل في الماء من المائع الذي على صفته ما يغيره لو كان مخالفا سلبه التطهير ~~، ولو كان ذلك لا يؤثر لبقاء الماء على صفته ، لصح الوضوء بنقطة ماء صب ~~عليه قنطار من مائع آخر على صفته. وقد روى أشهب عن مالك في «العتبية» (3) ~~المنع في أخذ المتوضىء الماء بفيه لغسل يديه. وأشار الباجي في تعليله إلى ~~ما ذكرنا. وروى موسى بن معاوية عن ابن القاسم جوازه ، واعتبر بعدم ظهور ~~الإضافة مع أن الغالب أن الريق يضيفه ، والأظهر في الوجه الثاني حمله على ~~الماء المطلق حملا على الغالب ، واعتبارا بالأكثر لأن الغالب أن المائع ~~الذي على صفة الماء هو ماء مطلق ، وتجويز غير ذلك تشكك (4) ووسوسة لم تبن ~~على أمارة ، فلا تؤثر كما لو تحقق أنه ماء مطلق PageV01P273 # وشك هل وقعت فيه نجاسة ، وإن كانت هناك أمارة وجب اعتبارها ، مثل (1) أن ~~يوجد المائع في إناء لم تجر العادة باستعماله في الماء المطلق ، أو يوجد ~~مطينا عليه أو نحو ذلك ، والله أعلم. # وسألته عن ظروف الماء إذا حالت رائحتها ، وكنت سئلت عنها في الطريق ، ~~وكثيرا ما يتفق فيها ذلك ، فقال : إن ذلك من باب تغيير الماء لطول المكث ~~فينبغي ألا يؤثر ولا سيما مع الضرورة في الأسفار إليها. قلت : وينبغي أن ms110 ~~ينظر فإن كان التغير لمجرد (2) طول المكث ، أو (3) لأجل المياه المتغيرة ~~التي لها حكم التطهير وجب ألا يؤثر ، وإن كان لنقص في عمل الظرف [67 / آ] ~~ودباغه ، فالتغير (4) إذا من عفونة الجلد فوجب أن يؤثر ، وقلما يخفى ~~التمييز بينهما ، فإن خفي وأشكل فمحل نظر ، وينبغي أن يلحق بالماء الذي ~~يسميه أصحابنا المشكوك ، فيجمع بينه وبين التيمم على رأي من يرى ذلك منهم ، ~~والله أعلم. ### ||| * [ذكر القاهرة] # ثم وصلنا إلى قاعدة الديار المصرية ، ومدينة المملكة بالبلاد المشرقية ، ~~فوجدناها معيدية (5) المعنى ببعض ما رأينا بها وسمعنا. وهي مدينة كبيرة PageV01P274 # القطر ، وساكنها يحاكي عدد (1) الرمل والقطر ، وهي مع ذلك تصغر عن أن ~~يسطر ذكرها في سطر. تريك صورة ليلى (2) في عين ابن الحمير (3)، وتسفر لك ~~خيرتها عن وجه كثير (4)، وتبلد الذكي النحرير (5) [وتحير]. (6) وتكدر ~~الذهن الصقيل وتغير ، وتنفي بأذاها وقذاها كل فاضل خير. فإن (7) نظرت إلى ~~صورتها ذكرت قول القائل : (8) [الوافر] # بغاث الطير أطولها رقابا %~% ولم تطل البزاة ولا الصقور (9) # وإن تأولت إلى مغناها ذكرت قوله : # وقد عظم البعير بغير لب %~% فلم يستغن بالعظم البعير # وإن تأملت إفراط عمارتها ذكرت قوله : # خشاش الطير أكثرها فراخا %~% وأم الصقر مقلاة نزور (10) PageV01P275 ### ||| * [هجاء أهل القاهرة] # وحسبها شرا أنها جرين لحثالة (1) العباد ، ووعاء لنفاية البلاد ، ومستقر ~~لكل من يسعى في الأرض بالفساد ، من أصناف أهل الشقاق والنفاق (2)، والعناد ~~والإلحاد. استولى الحسد على قلوبهم ، واستوى الغش في جيوبهم ؛ فنار الحسد ~~مضطرمة في الجوانح ، وسم (3) الغش ممزوج في عسل النصائح. خرجت عمارتها عن ~~الحد المعروف ، وزادت كثيرا على القدر المألوف : [الوافر] # وما اللجج الملاح بمرويات %~% ويلفى الري في النطف العذاب (4) # [67 / ب] فهي سوق ينصب بها الشيطان رايته ، ويجري إليها غايته ، ويري ~~فيها لأتباعه وهم أهلها آيته. أطبقوا (5) على سوء الأخلاق ، وتوافقوا على ~~رفض الوفاق ، وتراضعوا لبان اللؤم ، وتحالفوا لا وجد منا افتراق (6) ~~فجوادهم «أبخل من الحباحب» (7) وشجاعهم : «أجبن من صافر الجنادب» (8) ~~وعالمهم : «أجهل من |رضيعي لبان ثدي أم تحالفا||بأسحم داج عوض لا نتفرق| PageV01P276 # فراش» (1)، ورفيعهم : «أوضع من ms111 خشاش» (2)، ورصينهم «أحير من خداش» (3) ~~، وجميلهم «أقبح من غول» (4) وصحيحهم : «أسقم من مذبول» (5)، وفصيحهم : ~~«أعيا من باقل» (6)، وعزيزهم : «أذل من سائل» (7) يمشي الكرم بينهم مطرقا ~~ومقنعا ، وينفق اللؤم لديهم مفرقا ومجمعا. من أظهر منهم نسكا فأحبولة نصبها ~~للصيد. ومن تعلم علما فحيلة أدارها (8) للكيد. يسهر الليالي فلا ينام ولا ~~ينيم ، ويرتكب من مشاق الاجتهاد كل عظيم. ويمشي الهوينى مشي الوجي (9) أو ~~السقيم ، حتى يصيب وديعة ليتيم. على السلطان وقفت آمال العالم منهم ~~والمتعلم. وعلى اقتناص دراهمه يحوم الزاهد ، والفقيه ، والمحدث ، والمتكلم. ~~فمهما لاح له برق طمع وقف شائما له لم يرم (10)، على ذلك نشأ |تكاثرت الظباء على خداش||فما يدري خداش ما يصيد| |يقول الناس كسب فيه عار||فقلت : العار في ذل السؤال| |لنقل الصخر من قلل الجبال||أخف علي من منن الرجال| |غراء فرعاء مصقول عوارضها||تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل| PageV01P277 # الناشيء منهم ، وعليه درج الهرم. الدنيا عندهم جوهر ، والآخرة عرض ، ~~وآمالهم صحيحة ، ودينهم به مرض ، وسهم الرياء بينهم يرشق كل غرض (1). # وقد رأيت فيهم من قلة الحياء ، وعدم التنزه عن الخنا والفحش. ومن قلة ~~التستر عند قضاء الحاجة والأكل ما تقضيت منه العجب. وأما بغضهم للغريب ، ~~وتمالؤهم على ذلك ، فأمر لا يحيط به علما إلا من عاينه ، وقد رأيتهم في ~~طريق الحجاز إذا سمعوا مهارشة شخص منهم لغريب (2) يتجارون إليه (3) من كل ~~ناحية كما تصنع الكلاب إذا رأت كلبا غريبا بينها. وما رأيت بالمغرب الأقصى ~~والأندلس على شكاسة أخلاقهم ، ولا بإفريقية وأرض برقة والحجاز والشام فريقا ~~من الناس أرذل أخلاقا [68 / آ] ، وأكثر لؤما وحسدا ، ومهانة نفوس ، وأضغن ~~قلوبا ، وأوسخ أعراضا ، وأشد دمامة (4) وخيانة ، وسرقة وقساوة ، وأجفى ~~للغريب من أهل هذه المدينة المؤسسة على غير التقوى. وحق لمدينة وضع أساسها ~~عبد الزنادقة (5) غلام بني عبيد (6) لعنهم الله أن تجمع أخلاق العبيد ، ~~وأحوال الزنادقة (7)، ناهيك من قوم جعلوا الخنا شعارهم ، والحسد المؤرث ~~للضنا (8) دثارهم. فترى الشيوخ منهم يتهارشون في الطرقات ، ويقطعون بلعنة PageV01P278 # أسلافهم فسيح الأوقات. وقلما يصدر من ms112 صبيانهم ما يصدر منهم. ولا يؤثر عن ~~أطفالهم ما يؤثر عنهم ، وقد قيل فيهم : إنهم أعقل الناس صغارا ، وأحمقهم ~~كبارا. حكاه أبو عبيد البكري في كتابه المسالك. وحكى فيه أيضا أن أبا دلامة ~~(1) جاء إلى مصر ثم رجع فسئل عنها فقال : «ثلثها كلاب ، وثلثها تراب ، ~~وثلثها دواب ، فقيل له (2): فأين الناس؟ فقال : في الثلث الأول». # وقلما ترى (3) من أهلها (4) رجلا صافي اللون إلا (5) إن كان من غيرها. ~~ولا رجلا طلق اللسان. واللكنة فيهم فاشية ، وجمهورهم يجعل القاف والكاف ~~همزة. وقد سمعت شخصا منهم في التلبية يقول : لبيك اللهم لبيك ، ويجعل ~~كافاتها كلها همزات ، فلو سمعته سمعت كلاما مضحكا. # وأما العقوق بينهم فمتعارف ، كان معنا في طريق الحجاز شخص منهم حج بأمه ، ~~فكان إذا اغتاظ عليها يقول لها : لعنك الله ، ولعن الذي اواك يعني أباه ~~وذلك بعد ما حج بها. وسمعت شخصا منهم ينادي رفيقه في الركب ، فلما أتاه ~~لعنه ولعن أباه ، وقابله الآخر بمثل ذلك ، وتهارشا (6) زمانا ثم قعدا ~~يأكلان. PageV01P279 ### ||| * [تضييع المساجد] # ومن الغرائب عندهم تضييع المساجد والجوامع وإهمالها ، وقلة التحفظ فيها ، ~~حتى تصير مثل المزابل ، وتسود حصرها وحيطانها من الأوساخ. وقد صليت الجمعة ~~في بعض جوامعها ، فرأيت فيه (1) أكواما من أنواع الكناسات. وهم يعتقدون [68 ~~/ ب] نجاسة مساجدهم وجوامعهم وهي كذلك فلا يأتي من مصليهم شخص إلا بحصير أو ~~ثوب يصلي عليه ، وقد رأيتهم يفرشون في المحراب ما يصلي عليه الإمام ، فما ~~أكثر جفاءهم ، وما أقل من الله حياءهم ، ولولا لطف الله في تملك الأتراك ~~لهم ما أمكن المقام بها مسلما. ولكن ملوكهم أهل دين ، وعقائد سليمة ، وشفقة ~~وحنان على المسلمين ، وتفضل على الفقراء ، وحسن ظن بأهل الدين ، وهم ركن ~~الإسلام نفعهم الله وأحسن عونهم وقد رأيت من خدمتهم للركب ، واحتياطهم ~~وصبرهم ، وحسن محاولتهم ، ما تعجبت منه ، فالحمد لله على تيسير العون على طاعته. # وكان وصولنا إلى هذه المدينة في أخريات رمضان ، فأتممنا الشهر بها ، ~~وصلينا معهم صلاة العيد ، وهم يصلونها (2) في المساجد ، وبعضهم في ساحة تحت ~~القلعة وسط ms113 البلد ، ولا يبرزون لها كما وردت به السنة ، ولم نر منهم يومئذ ~~من صدر منه التأنيس بكلمة. ومما قلت في ذلك : [الطويل] # ذكرت بيوم الفطر في مصر إذ أتى %~% وقوس النوى ترمي الحشا أسهم الكرب (3) PageV01P280 فراخا نأى أنسي بنأي محلهم %~% وصحبا كراما ضمهم أفق الغرب فأفطرت من قبل الغدو بعبرة %~% غنيت بها يومي عن الأكل والشرب # وكنت نزلت بالمدرسة الكاملية (1) منها في علو مشرف على السوق ، فكنت قلما ~~أرقد إلا منغصا لصياح الباعة ؛ وهم يبيعون طول الليل ، وقلما يكون طعام ~~الشريف منهم والوضيع إلا من السوق ، والضغط على ذلك ، والزحام متصل ، ~~والطرق غاصة بالخلق ، حتى ترى الماشي فيها ماله هم سوى التحفظ من دوس ~~الدواب إياه ، ولا يمكنه تأمل شيء في السوق لأن الخلق يندفعون فيها مثل ~~اندفاع السيل. وقد ضاعت لي بها دابة بسبب الزحام ، كان عليها شخص راكبا ، ~~فتكاثر عليه الزحام حتى أسقط عنها ، واندفعت في غمار الخلق ولم يمكنه ~~التوصل إليها وهو [69 / آ] يبصرها حتى غابت عنه ، وكان آخر العهد بها. # وحدثت أن رسولا من قبل ملك الروم أخزاهم الله وصل إليها في مدة الملك ~~الظاهر (2)، فأمرهم الملك أن يدوروا به بعد العصر في البلد قصدا لأن يرى ~~إفراط (3) عمارة البلد ، فداروا به ، فقال لهم : إن بلدكم هذا ضعيف. فقالوا ~~: وكيف ذلك؟ أو ماترى المخلوق الذي به؟ فقال لهم : إن هؤلاء جميعا PageV01P281 # ما خرجوا إلا لشراء عشائهم من السوق ، ولو كان في ديارهم طعام لاستغنوا ~~عنه ، ولو تعذر السوق عليهم لماتوا جميعا من الجوع. # ومن المألوف عندهم الأكل في الأسواق ، والطرقات ، والمحافل. والعرض عندهم ~~ساقط ، وقد شاهدت من بعض أكابرهم ، والمشار إليه عندهم في هذا المعنى ما لا ~~منتهى وراءه في القبح ، ونعوذ بالله من وضاعة الأخلاق. # وقد حدثنا الشيخ [الإمام] (1) المعمر شهاب الدين أبو الهيجاء غازي بن أبي ~~الفضل بن عبد الوهاب الدمشقي ، قراءة عليه وأنا أسمع ، أخبركم الشيخ أبو ~~حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادي الدارقزي (2) المؤدب بدمشق في سنة ثلاث ~~وست مئة ms114 ، قال : أخبرنا الشيخ الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد ~~الواحد بن الحصين الشيباني في سنة خمس وعشرين وخمس مئة ، قال : أخبرنا ~~الشيخ أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزار ، قال : أنا أبو ~~بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، قال : نا عبد الله بن إسحاق ~~الخطيب ، قال : نا لوين ، نا بقية ، حدثني عمر بن موسى ، حدثني القاسم مولى ~~ابن يزيد عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأكل في ~~السوق دناءة» (3). # وحدثنا الفقيه المقرىء تقي الدين أبو محمد إبراهيم بن عمر بن إبراهيم ~~الجعبري بحرم الخليل (4) عليه السلام قراءة مني عليه ، قال : أنا PageV01P282 # الشيخ العالم الصالح تقي الدين أبو عبد الله محمد بن شبل بن عبد الله ~~المقريء الضرير ، قال : أنا [الشيخ] (1) الشريف أبو المكارم محمد بن عبد ~~الواحد ابن أحمد بن المتوكل على الله ، والشيخ أبو محمد [69 / ب] عبد ~~الرحمن بن أبي العز محمد بن أبي البركات البزار المعروف بابن الخبازة ، ~~قراءة عليهما وأنا أسمع ، قالا : أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى ~~السجزي ، قال : أنا الإمام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن متى (2) ~~الأنصاري قراءة عليه ، قال : أنبأنا بشر بن محمد بن عبد الله الأبووردي ~~الصوفي ، حدثنا أحمد ابن محمد بن علي السوسي (3) بالسوس ، قال : أنا أبو ~~جعفر محمد بن محمد المقريء (4) بالبصرة ، نا سهل بن علي بن عفير الأنصاري ، ~~نا إسماعيل بن توبة الثقفي ، نا إسماعيل بن جعفر ، قال حدثني حميد الطويل ~~عن أنس بن مالك رضياللهعنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«سمعت جبريل يقول : سمعت ميكائيل يقول : سمعت إسرافيل يقول : قال الله ~~عز وجل : إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء والخلق الحسن» ~~(5) ورواه علي بن سلام متابعا لإسماعيل بن توبة وزاد فيه «فأكرموه بهما ما ~~صحبتموه». PageV01P283 ### ||| * [عناية أهل القاهرة بالمنطق] # ومن الأمر المنكر عليهم ، والنكر المألوف لديهم ، تدارسهم لعلم الفضول ، ~~وتشاغلهم بالمعقول عن المنقول ms115 ، في إكبابهم على علم المنطق ، واعتقادهم أن ~~من لا يحسنه ، لا يحسن أن ينطق ، فليت شعري هل قرأه الشافعي ومالك ، أو هو ~~أضاء لأبي حنيفة (1) المسالك. وهل عاركه أحمد بن حنبل (2)، أو كان الثوري ~~(3) على تعلمه قد أقبل ، وهل استعان به إياس (4) في ذكائه ، أو بلغ به عمرو ~~(5) ما بلغ من دهائه. أو تمرس به قس وسحبان (6)، ولولاه ما أفصح أحد منهما ~~(7) ولا أبان. أترى عقول القوم كليلة. إذ لم تشحذ على مسنه ، أترى فطنهم ~~عليلة لما لم تكرع (8) في أجنه (9) عجبا كيف رويت قرائحهم ولم تمطر بعارض ~~دجنه (10)، كلا هي أشرف من أن تقيد في سجنه. وأشف من أن يستحوذ (11) عليها ~~طارق جنه. تالله لقد أغرق القوم فيما لا يعنيهم ، وأظهروا PageV01P284 # الافتقار إلى ما لا يغنيهم ، بل يعنتهم مع (1) الساعات ويعنيهم. والشيطان ~~( @QUR@02 يعدهم ويمنيهم ) (2) أما إنه قد كان الآحاد من أهل العلم ينظرون ~~فيه غير مجاهرين ، ويطالعونه لا متظاهرين ، لأن أقل آفاته أن يكون شغلا بما ~~لا يعني الإنسان ، وإظهار حوجه (3) إلى ما أغنى عنه الرب المنان ، والذي ~~دعا بعض الفضلاء إلى مطالعته [70 / آ] هو اتقاء شره ، والحذار من غائلته ~~(4) ومكره ، وقد قال عمر رضياللهعنه : «من لم يعرف الشر أجدر (5) أن يقع ~~فيه» ونظم هذا بعضهم فقال (6): [الهزج] # عرفت الشر لا للشر %~% ر لكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر %~% من الناس يقع فيه # وأما هؤلاء ، فقد جعلوه من أكبر المهمات ؛ واتخذوه عدة لللنوائب والملمات ~~؛ فهم يكثرون فيه الأوضاع ؛ وينفق كل منهم في تحصيله العمر المضاع. ويحهم! ~~أما سمعوا قول داعي الهدى لمن أمه ، حين رأى عمر كتب التوراة في لوح فضمه ~~(7)، فغضب وقال مفهما للحافظ الواعي : «لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما ~~إلا اتباعي» (8) وإذا لم يوسعه عذرا في الكتاب الذي PageV01P285 # جاء به موسى نورا ، فما ظنك بما وضعه المتخبطون في ظلام الشرك ، وافتروا ~~فيه كذبا وزورا ، فيا لله (1) للعقول المنحرفة ، غرقت في بحور ضلال ~~الفلسفة. ولله در شيخنا شرف الدين الدمياطي (2) فإنه مباين لهم في ذلك ms116 ، ~~منزه لنفسه عن تلك المسالك ، وقد أنشدني في هذا المعنى لنفسه : (3) ~~[الطويل] # وما العلم إلا في كتاب وسنة %~% وما الجهل إلا في كلام ومنطق وما الخير إلا في سكوت بحسبة %~% وما الشر إلا من كلام ومنطق (4) # ومن قول الفقيه القاضي الأوحد فريد عصره أبي حفص عمر بن عبد الله بن عمر ~~السلمي رحمه الله في بعض كلامه : (5) ### ||| * [خطبة أبي حفص بن عمر] # «عباد الله! الدين النصيحة (6)، فخذوها محضة صريحة ، هدي الله هو الهدى ~~، ومن اتبع رسل (7) الله اهتدى ، فإياكم والقدماء وما أحدثوا ، فإنهم عن PageV01P286 # عقولهم حدثوا ؛ أتوا من الافتراء بكل أعجوبة ، وقلوبهم عن الأسرار ~~محجوبة. الأنبياء ونورهم ، لا الأغبياء (1) وغرورهم ، عنهم يتلقى ، وبهم ~~يدرك السول ، ( @QUR@012 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى ~~من رسول ) (2) ( @QUR@04 الدين عند الله الإسلام ) (3) [70 / ب] والعلم ~~كتاب الله وسنة محمد عليه السلام . ما ضر من وقف عندهما ما جهل بعدهما ، خير ~~نبي في خير أمة ( @QUR@04 يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) (4) دلهم من قرب ~~عليه ، واختصر لهم الطريق إليه ؛ فما ضر تلك النفوس الكريمة ، والقلوب ~~السليمة ، والألباب العظيمة ، ما روي عنها من العلوم القديمة ، نقاهم من ~~الأوضار والأدناس ، وقال : ( @QUR@05 كنتم خير أمة أخرجت للناس ) (5). ~~كتابهم أعظم كتاب أنزل ، ونبيهم أكرم نبي أرسل. السيد الإمام ، لبنة التمام ~~، خير البرية على الإطلاق ، بعث ليتمم مكارم الأخلاق (6)، أنزل الكتاب ~~إليه ( @QUR@08 مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه )، (7) هو ~~الشفاء والرحمة ، وفيه العلم كله والحكمة. معجز في رصفه ، عزيز في وصفه ( ~~@QUR@09 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) (8). آياته باهرة ~~قائمة ، ومعجزاته باقية دائمة. إذ هي للنبوة والرسالة خاتمة. لا تنقضي ~~عجائبه ، ولا تنتهي غرائبه. ماذا أقول وقد بهر PageV01P287 # العقول حسبي. حسبي ( @QUR@07 قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ) (1): ~~[السريع] # هذا كلام للهدى جامع %~% فآصغ إليه أيها السامع (2) الشرع للعقل هدى من يصل %~% بينهما برهانه قاطع الشرع للعقل بلا مرية %~% كالشمس للعين سنا طالع (3) الشرع متبوع به يهتدي %~% من ضل والعقل هو التابع (4) لا يهتدي ms117 العاقل في قصده %~% إلا بما سن له الشارع هذا كتاب الله يهدي الورى %~% لكل علم نوره ساطع (5) معرفة الله وآياته %~% ومنهج الرسل وما الرابع (6) والعلم والحكمة في طيه %~% أجمع وهو المعجز الصادع وهو من الله فما فوقه %~% هاد إلى الله ولا شافع # ومن غيرها : # تحت لواء الشرع يمضي الحجا %~% والشرع وال ماله خالع [71 / آ ] PageV01P288 ### ||| * [لقاؤه لشرف الدين الدمياطي] # ولم أر بهذه المدينة على كثرة الخلق بها أمثل وأقرب إلى الإنسانية ، ~~وأجمل معاملة ، من الشيخ الفقيه ، المحدث ، الراوية ، المسند ، المفتي ، ~~الثقة ، الضابط ، شرف الدين ، ذي الكنيتين أبي محمد وأبي أحمد عبد المؤمن ~~بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي (1)، المحدث بالمدرسة الظاهرية (2) حفظه ~~الله وهو شيخ وسيم أبيض ، ذو صورة مقبولة ، وهيئة حسنة ، وركانة ، وحسن خلق ~~، وسراوة همة (3)، راوية جماعة ، مقيد ، ضابط ، حافظ ، رحل في طلب العلم ، ~~ولقي من أهله أعدادا ، وجمع ، وألف ، وروى حتى صار أوحد وقته في ذلك ، وله ~~«معجم» في أسماء شيوخه ، ومن لقيه وأخذ عنه في أي فن كان ؛ كبير في أربعة ~~أسفار. وسمعته يقول : إنهم ينيفون على ألف ومئتين وسبعين. فقال له بعض ~~الحاضرين : وهل كانوا كلهم أئمة؟ فقال لهم : لو لم أكتب إلا عن العلماء ~~الأئمة ما كتبت عن خمسة. ونشأته بدمياط ، مدينة هي قاعدة ريف مصر ، وعندها ~~يصب بحر النيل في البحر الرومي (4)، وتقييدها : بدال مكسورة وبعدها ميم ~~ساكنة وياء باثنتين تحتها بعدها ألف وطاء ، والدال والطاء مهملتان. وأكثر ~~الناس يعجم الدال منها ، وقد سألته عن ذلك فقال : إعجامها PageV01P289 # خطأ ، وقد غلط في ذلك أبو محمد الرشاطي (1) فوضعها في باب الدال المعجمة ~~، وإنما هي بالمهملة. # وقد كتبت عنه أحاديث ، وسمعت منه حديث عبد الله بن عمرو «الراحمون يرحمهم ~~الرحمن» (2)، وهو أول حديث سمعته منه ، وحدثني به بسنده (3) مسلسلا ، ~~وسمعت عليه جملة من سنن الشافعي رحمه الله وسمعته يقول وهو يقرأ عليه : ~~العجب من حديث هذا الرجل أكثر ألفاظه مخالف لما في الصحيح ، وكان إذا ذكر ~~مالكا رحمه الله وفاه حقه كما يجب حتى ظننت ms118 أنه مالكي ، فسألته عن مذهبه ~~فقال : شافعي ، وإذا ذكره قال : ذهب الإمام مالك إلى كذا. وهكذا يعرف إنصاف ~~أهل العلم. # وقد سألته عن سنه فقال لي : أقبل على شأنك ، فإني سألت شيخنا بهاء الدين ~~[71 / ب] أبا الحسن علي بن أبي الفضائل هبة الله بن سلامة (4) بن المسلم بن ~~أحمد بن علي الشافعي عن سنه ، فقال [لي] (5): أقبل على شأنك ، فإني سألت ~~الإمام شرف الدين مفتي العراقين شيخ المذاهب أبا سعيد عبد الله بن محمد بن ~~هبة الله بن علي بن المطهر بن أبي عصرون (6) عن سنه PageV01P290 # فقال : أقبل على شأنك فإني سألت القاضي الإمام أبا عبد الله الحسين بن ~~نصر بن محمد بن خميس عن سنه فقال : أقبل على شأنك ، فقد حدثنا الشيخ أبو ~~بكر أحمد بن علي الطريثيثي وسألته عن سنه ، فقال : أقبل على شأنك ، حدثنا ~~(1) القاضي هناد بن إبراهيم وسألته عن سنه ، فقال : أقبل على شأنك ، فإني ~~سألت أبا الفضل محمد بن أحمد الجارودي عن سنه ، فقال : أقبل على شأنك ، ~~فإني سألت أبا بكر محمد بن عدي بن جزء (2) المنقري البصري عن سنه ، فقال لي ~~: أقبل على شأنك ، فإني سألت أبا أيوب الهاشمي عن سنه ، فقال لي : أقبل على ~~شأنك ، فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن سنه فقال لي : أقبل على شأنك فإني ~~سألت الشافعي عن سنه ، فقال لي : أقبل على شأنك ، فإني سألت مالك بن أنس عن ~~سنه ، فقال لي : أقبل على شأنك ثم قال [لي] (3): «ليس من المروءة أن يخبر ~~الرجل بسنه» (4) قلت : وفي بعض الروايات : «فإنه إن كان صغيرا احتقر ، وإن ~~كان كبيرا استهرم» وقد يقال : إنما ذلك لئلا يكذب ، لأن كثيرا من الناس لا ~~توافق صورته سنه ، فربما يظن به الكبر وهو صغير أو بالعكس. # وحدثني بالحديث المعروف بحديث الفقهاء ، لأن رواته كلهم فقهاء وأئمة ، ~~وهو حديث ابن عمر المشهور : «المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه (5) PageV01P291 # بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار» (1) وذكر الإمام السلفي أن أبا ~~الحسن علي بن محمد الكياء ms119 (2)، شيخه ، قال عقيب هذا الحديث : «إذا بدت ~~رايات النصوص في ميادين (3) الكفاح ، طاحت أعلام المقاييس في مدارج ~~الرياح». وسند الحديث مقيد في الجزء الذي كتبت عنه. # وحدثني حفظه الله سماعا من لفظه ، قال : أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسن ~~بن أبي عبد الله [72 / آ] بن أبي الحسن البغدادي الأزجي بقراءة الحافظ أبي ~~بكر محمد بن شيخنا الحافظ أبي محمد عبد العظيم المنذري قال : أنا أبو بكر ~~محمد بن عبيد الله بن نصر بن الزاغوني (4) إجازة ، قال : أنا (5) أبو ~~القاسم علي بن أحمد بن محمد البسري البندار (6) قراءة عليه وأنا أسمع ، قال ~~: أنا (7) أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن الذهبي المخلص ، قال : نا عبد الله ~~ابن محمد بن عبد العزيز ، نا داود بن رشيد ، نا الفضل بن زياد ، قال : نا ~~شيبان عن الأعمش ، عن سليمان بن مسهر ، عن خرشة بن الحر ، قال : شهد رجل ~~عند عمر بن الخطاب رضياللهعنه بشهادة فقال له : لست أعرفك ، PageV01P292 # ولا يضرك ألا أعرفك ، ايت بمن يعرفك ، فقال رجل من القوم : أنا أعرفه. ~~قال : بأي شيء تعرفه؟ قال : بالعدالة والفضل. قال : هو جارك الأدنى الذي ~~تعرف ليله ونهاره ، ومدخله ومخرجه؟ قال : لا. قال : فمعاملك بالدينار ~~والدرهم اللذين (1) بهما يستدل على الورع؟ قال : لا. قال : فرفيقك في السفر ~~الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال : لا. قال : فلست تعرفه. ثم قال ~~للرجل : ايت بمن يعرفك. # وأنشدني حفظه الله قال : أنشدني لنفسه شيخنا العلامة حجة العرب أبو ~~الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن العدوي العمري من ولد عمر بن الخطاب ~~رضياللهعنه ، ويعرف بالصغاني ، بصاد مهملة وغين معجمة ، وآخره نون بعدها ~~ياء النسبة ، قال : ومولده بلوهور (2) من بلاد الهند ، عاشر صفر سنة سبع ~~وسبعين وخمس مئة ، ووفاته ببغداد في ليلة الجمعة التاسع عشر من شعبان من ~~سنة خمسين وست مئة ، ودفن بداره ببغداد. ثم نقل بوصية منه إلى مكة ، ودفن ~~مع الفضيل بن عياض (3) رحمهما الله تعالى ، وكان شرف الدين الدمياطي ، يثني ~~عليه كثيرا ، ويذكر أنه كان إماما مقدما في ms120 الأدب (4) واللغة ، وأن له شعرا ~~كثيرا ، وتآليف في اللغة عديدة مفيدة ، PageV01P293 # وخمس «مقصورة ابن دريد (1)» ثم شرحها بتخميسها شرحا جيدا مفيدا : (2) ~~[البسيط] # يوم بمكة خير من مضي سنه %~% بغيرها تنقضي باللهو أو بسنه فلا القلوب إلى الأهواء مائلة %~% ولا النفوس بكسب الإثم مرتهنه [72 / ب] ولا الفقير مع الإملاق ذو جزع %~% ولا الغني تحامى الناس ما ~~احتجنه (3) ولا يمر على من لا طباخ له %~% أقل من لحظة لا يقتني حسنه ولا يذمهم أو من يساكنهم %~% إلا القوي الذي جد العلا رسنه # وأنشدني أيضا قال : أنشدني الصغاني المذكور لنفسه : (4) [البسيط] # إذا اختبيت تجاه الركن يحدق بي %~% أفاضل الناس من شام ومن يمن ذوو محابر أعداد النجوم ومن %~% قد آثر السفر المضني على الوطن أظل أنشدهم شعري وأخبرهم %~% بما سمعت من الآثار والسنن |أما ترى رأسي حاكى لونه||طرة صبح تحت أذيال الدجا| # وعدد أبياتها 229. وطبعت غير طبعة مع شروحهما. PageV01P294 موثقا عدل أهليها ، وأجرح من %~% تكلموا فيه في ماض من الزمن أروي الأحاديث عن ثبت أخي ثقة %~% أقول : حدثني شيخي وأخبرني وأشبع القول في إيضاح معضلها %~% وحل معظمها جريا على السنن خطت على جبهة الأيام خالدة %~% «تلك المكارم لا قعبان من لبن » (1) # قلت : وقد تقدم إلى هذا الفقيه أبو مروان الطبني (2) في قوله : (3) ~~[البسيط] # إني إذا حضرتني ألف محبرة %~% يكتبن حدثني طورا وأخبرني (4) نادت بعقوتها الأقلام معلنة %~% «هذي المفاخر لا قعبان من لبن» (5) # وأنشدني له أيضا : (6) [الطويل] # «شيبا بماء فعادا بعد أبوالا» PageV01P295 تسربلت سربال القناعة والرضا %~% صبيا فكانا في الكهولة ديدني (1) وقد كان ينهاني أبي حف بالرضا %~% وبالعفو أن أولي يدا من يدي دني [فمذ كنت لم أقبل يدا من يدي فتى %~% سني فهل أرضى بها من يدي دني] (2) # وأنشدني أيضا ، قال : أنشدنا الشيخ الأجل ، العدل ، الفاضل ، عز الدين ~~أبو القاسم عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن رواحة الأنصاري الحموي ، قال : # أنشدتنا الشيخة الأديبة أم علي تقية بنت الإمام أبي الفرج غيث بن علي بن ~~عبد السلام الأرمنازي الصوري (3) لنفسها ms121 بالإسكندرية : [الطويل] # [73 / آ] سلام على هند ، وإن بعدت عنا %~% فقد خلفت قلبا كئيبا بها مضنى يظل مدى الأيام يقرع سنه %~% ولا غرو للمشتاق أن يقرع السنا ويمشي على جمر الغضى متقلبا %~% ويبكي على أوطانه أبدا حزنا (4) ويرقب نجما لا يغور ، ويرتجي %~% خيالا من الأحباب يلتبس الجفنا 5 ترى تجمع الأيام شملي بجلق %~% على روضة غناء طيبة المغنى وأنهار ثورا ، والبساتين حولها %~% وأطيارها يبكين شجوا ويندبنا تمنيتها دارا أحل بقربها %~% رضيت ولو كانت منازلها سجنا (5) PageV01P296 بلاد رباها المسك والراح ماؤها %~% فلو سيرونا في الهوى نحوها ~~سرنا (1) لأن بها أختا علي عزيزة %~% وقد أخذت قلبي لدى قربها رهنا 10 وأضحيت في دار غريبا بأرضها %~% وحيدا بلا قلب ، وما طاب لي سكنى (2) ولولا نسيم جاءنا بنسيمها %~% وقرب الإمام الحافظ الحبر ما عشنا # تعني الحافظ السلفي رحمه الله . # وأنشدني شيخنا المذكور لنفسه : [البسيط] # سروا بقلبي الذي قدما له أسروا %~% وخلفوني بنار الشوق أستعر أهوى نسيم الصبا هبت لنا سحرا %~% في طيها خبر من نشرهم عطر يا عاذلي لورأت عيناك حسنهم %~% علمت أني مالي عنه مصطبر يقيمني نحوهم وجدي ، ويقعدني %~% إذا نهضت إلى مغناهم القدر 5 ألية برة بالخيف خيف منى %~% وبالحجيج ، وما حجوه واعتمروا (3) ما زلت بعدهم صبا لرؤيتهم %~% ليلي بهم ، ونهاري كله فكر قرت عيونهم بالنوم في دعة %~% ومقلتي سخنت قد شفها السهر وأحسد العيس إذ فازت بقربهم %~% دوني وقربهم المأمول والوطر (4) يا صاح إن جزت بالجرعاء عج بهم %~% واحذر ومن قدر لا ينفع الحذر (5) PageV01P297 10 فإن رموك بسهم اللحظ مت جوى %~% ولم يداووك إذ قتلاهم هدر (1) # وأنشدني أيضا لنفسه مشيرا إلى أن ما روي عن رسول الله [73 / ب] ~~صلى الله عليه وسلم من الترجيع في القراءة إنما أوجبه ركوب البعير (2): ~~[الطويل] # روينا بإسناد عن ابن مغفل %~% حديثا شهيرا صح من علة القدح (3) فإن رسول الله حين مسيره %~% لثامنة وافته في غزوة الفتح تلا خير مسموع بمتن بعيره %~% فرجع في الآيات من سورة الفتح (4) # وأنشدني أيضا لنفسه : (5) [البسيط] # علم الحديث له ms122 فضل ومنقبة %~% نال العلاء به من كان معتنيا ما جازه كامل إلا ونقصه %~% أو حازه عاطل إلا به حليا (6) # وأنشدني أيضا لنفسه : # وما العلم إلا في كتاب وسنة ... البيتين. وقد مضى تقييدهما (7) والحمد لله. PageV01P298 # ولما استجزته لي ولولدي محمد هداه الله ووقف على الاستدعاء لذلك قال لي : ~~ألك ولد غيره؟ فقلت : نعم ، ثلاثة. فقال لي : ولم لم تستجز لهم جميعا؟ فقلت ~~: لأنهم صغار. وهذا الذي استجزت له قد حفظ القرآن ، فقال لي : أنا أكتب لك ~~ولهم جميعا ، (1) حتى يكون من يكتب في هذا الاستدعاء بعد خطي يجيزكم جميعا ~~(2). فكتب الإجازة بكل ما يحمل ، وكل ماله من تأليف وتخريج لي ولجميع ~~الأولاد وفقهم الله وكنى أحد المحمدين الآخرين (3) أبا علي ، والآخر أبا ~~بكر ، وقيد خطه بذلك في الاستدعاء. وهو مليح الخط. ما رأيت بديار مصر أملح ~~منه خطا ، وكان يسائلني عن أشياء ويباسطني. ولما وردت مصر راجعا من الحجاز ~~، وكنت مريضا ، أنزلني عنده في المدرسة وكان عنده بها طبيب ماهر يحضر ~~مواعيده ، فأمره أن يتفقدني بالغداة (4) والعشي (5) فكان يفعل ذلك ، ولم ~~يقصر في العلاج حتى استقللت ، ومن الله بالراحة له الحمد والشكر كثيرا. ### ||| * [لقاؤه لابن دقيق العيد] # وممن لقيته بها الشيخ ، الفقيه المحدث ، الأصولي ، المتفنن ، عالم الديار ~~المصرية ، تقي الدين أبو الفتح محمد [74 / آ] بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي ~~الطاعة القشيري (6)، ويعرف بابن دقيق العيد ، صاحب المدرسة الكاملية. لقيت ~~منه حبرا [كاملا عالما] (7) يحق له اللقاء ، وبحرا من علم لا تكدره PageV01P299 # الدلاء (1)، وطبا آسيا يشفي بقوله الداء العياء ، له تفنن في فنون ~~العلوم ، وتسلط عليها بذهن يرد المجهول إلى المعلوم ، وقلما يلفى له في سعة ~~المعارف نظير ، أو يوجد من يماثله في صحة البحث والتنقير (2)، وله في ~~البلاد ذكر شهير ، وصيت مستطير ، وخطر خطير ، يضرب في كل فن بسهم مصيب ، ~~ويحظى منه بأوفر نصيب ، ولقي جماعة من الأعلام فأخذ عنهم وحصل ؛ وما زال ~~يؤصل نفسه في المعارف حتى تأصل. فهو الآن قطب مصر وعلمها ، لولا وسوسة ~~تصحبه ms123 ، وأخلاق يجل عنها منصبه ، لو كانت لها صورة كانت أشنع الصور ؛ أو ~~تليت له سورة كانت أبدع السور ، وكان في أول أمره مالكيا على رأى أبيه ، ثم ~~انتقل بعد شافعيا لصورة تسمج ، وقضية عن أحكام المروءة تخرج. وقد ذكر لي ~~عنه بعض من أثق به ممن له به اختصاص ، كلاما في حق الإمام مالك رضياللهعنه ~~جاريا على سنن أخلاقه ، ودالا على إنهاج (3) ثوب المروءة وإخلاقه ، ومن ~~جملة ما يصحبه من الوسواس أنه لا يمس منه عضو ولا لباس ، بل يقتصر الوارد ~~عليه على الإشارة بالسلام إليه ، وحط الرأس على العادة الذميمة بين يديه. (4) # وقد حدثني عنه [بعض] (5) من أثق به أنه يأتي إلى جابية الماء في شدة ~~البرد ، فينغمس فيها بثيابه لأقل وسوسة تعتريه ، حتى أثر ذلك في ضعف قوته ، ~~ولاح أثره في اختلال صحته. ورأيته وهو يملي علي من حديثه يمسك |لساني صارم لا عيب فيه||وبحري لا تكدره الدلاء| PageV01P300 # الكتاب بعودين ، ولا يمسه بيده ، ويعاني تصفيحه (1) كذلك ، فيكابد منه ~~شدة لهبها يضرم ، وحبل الراحة لأجلها يصرم ، ويحل بالكتب (2) منه العذاب ~~المهين والبلاء المبرم. # وقد أجازني جميع ما حدث به من [74 / ب] مسموعاته ، وجميع ما صدر عنه من ~~نظم ونثر ، وكذلك أجاز ولدي محمدا وفقه الله وقيد لي بذلك خط يده ، وقيد لي ~~بخطه مولده ، وذكر أنه كان بينبع (3) من البلاد الحجازية في يوم السبت ~~الخامس والعشرين من شعبان من عام خمسة وعشرين وست مئة. ووقف على ما تقيد من ~~هذه الرحلة واستحسنه ، وأفادني فيها أشياء ، وقيد منها وفاة الشقراطسي صاحب ~~القصيدة المشهورة ، حسبما تقيدت في موضعها فيما (4) تقدم ، وذكر لي أنه ~~طالما بحث عنها فلم يجدها. وفي أول ما رأيته قال لي : كان عندكم بمراكش رجل ~~فاضل ، فقلت له : من هو؟ فقال : هو أبو الحسن بن القطان (5)، وذكر كتابه ~~«الوهم والإيهام» (6) وأثنى عليه ، وذكرت له PageV01P301 # تعقب ابن المواق (1) عليه ، وأنه تركه في مسودته. فعانى إخراجه صاحبنا ~~الفقيه الأديب الأوحد أبو عبد الله بن عبد الملك (2) حفظه الله ms124 تعالى فقال ~~لي : ومن هذا الرجل؟ فعرفته به وبما حضرني من تحليته ، وما أذكر من تقاييده ~~، ومن جملتها تذييله (3) على كتاب «الصلة» (4) لابن بشكوال ، وأنه كتاب ~~متقن مفيد ، فعجب من ذلك وكتب ما أمليت (5) عليه منه. (6) وسألني عن موضعي ~~فذكرت له مراكش ، فقال لي : بلادكم بعيدة وبين يومكم ويومنا في الطلوع ~~والغروب مقدار ساعتين ، لأن بلادكم موغلة في الغرب (7). # وجرى معه ذكر أبي القاسم الشاطبي رحمه الله صاحب القصيدة المشهورة ، فوصفه ~~بالحفظ العظيم ، وذكر أنه جرت مسألة بمحضره فذكر فيها نصا واستحضر كتابا ، ~~فقال لهم : اطلبوها منه في مقدار كذا ، وما يزال يعين لهم موضعها (8) حتى ~~وجدوها على ما ذكر ، فقالوا له : أتحفظ PageV01P302 # الفقه؟ فقال لهم : إني أحفظ وقر (1) جمل من كتب ، فقيل له : هلا درستها؟ ~~فقال : ليس للعميان إلا القرآن. قال : وقال لي صهره أبو الحسن علي بن شجاع ~~بن سالم (2) وكان أيضا ضريرا ، وأخذ القراءة (3) عنه : أردت مرة أن أقرأ ~~شيئا من الأصول على ابن الوراق. فسمع بذلك [75 / آ] فاستدعاني فحضرت بين ~~يديه فأخذ بأذني ثم قال لي : أتقرأ الأصول؟ فقلت : نعم. فمد بأذني ثم قال ~~لي : من الفضول أعمى يقرأ الأصول (4). # وسمعته يقول : دخل القاضي الفاضل (5) على السلطان (6)، وفي يده كتاب زور ~~عليه ، وأراد قتل الذي زوره أو قطع يده ، [فاستشار القاضي الفاضل عما يجب ~~عليه في ذلك من العقوبة] ، (7) فقال له : عسى أن تكتب تحت خطه مثلما كتب ~~لأرى هل يشبه خطه خطك؟ فكتب فلما فرغ منه قال له : إن كان الأول مزورا ~~عليكم فهذا غير مزور ، يعني خطه ، فاستحسن السلطان لطف احتياله ، وعفا عنه ~~وأمضى كتابه. # وقال لي : كان بمصر شاعر هجاء ، فصنع (8) قصيدا هجا فيه جميع أهل الخطط ~~في مصر ، وبدأ بالسلطان ، فبلغ ذلك إليه ، فاستحضر القاضي PageV01P303 # الفاضل فسأله عما ينبغي من عقوبته ، وكان الشعر في يده ، فقال له : انظر ~~إلى هذا الذي صنع ، فقال له : وما صنع؟ إنما قال : أنا جائع فأطعموني ، ~~فعفا عنه السلطان وأمر له بعطاء جزيل (1). # وأملى علي حديثا ms125 عن شيخه الفقيه القاضي أبي عمران موسى بن زكرياء بن ~~إبراهيم بن محمد بن صاعد الحصكفي (2) قال : وكان فقيها حنفيا قاضيا (3) ~~[بآمد] (4)، مدرسا بالمدرسة الديلمية (5) من المعزية ، فقلت له : ما ~~المعزية؟ فقال لي : هي مدينة القاهرة ، بناها المعز العبيدي (6) لعنه الله ~~وسماها بذلك فكان العلماء يتحرجون من ذكر هذا الاسم ، فينسبونها إليه ، ~~المعزية. قلت : والتحرج في ذكر المعز أحق ، وأرى أن يقال عنها : قاعدة ديار ~~مصر أو مدينتها ، أو قصبتها ، أو نحو ذلك ، مما تعرف به وبالله التوفيق. # وحدثني إملاء من كتابه قال : قرأت على والدي الفقيه مجد الدين أبي الحسن ~~، وكان مفتيا متفننا ، نفع الله به في العلم أمة من الناس ، وقرأ عليه أيضا ~~فيما قرأه هو على الإمام الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي قال : أنا ~~الإمامان (7) أبو الطاهر إسماعيل بن مكي بن اسماعيل PageV01P304 # الزهري ، وأبو طالب صالح بن إسماعيل بن سند الزناري والمشايخ [75 / ب] ~~أبو الحجاج يوسف بن محمد بن علي القروي ، وأبو منصور ظافر بن عطية ابن قائد ~~اللخمي وابو المفضل عبد المجيد بن المحسن بن دليل الكندي ، قالوا : أخبرنا ~~أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد الفهري ، قال : أنا أبو علي علي (1) ابن ~~أحمد بن علي بن محمد (2) التستري بالبصرة ، قال : أنا أبو عمر القاسم ابن ~~جعفر بن عبد الواحد العباسي قال : أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو ~~اللؤلؤي ، قال : أنا أبو داود سليمان بن الأشعث (3) السجستاني ، قال : أنا ~~مسدد ، قال : أنا حماد بن زيد وعبد الوارث بن عبد العزيز عن أنس بن مالك ~~رضياللهعنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال عن ~~حماد : «اللهم إني أعوذ بك» ، وقال : عن عبد الوارث «إني أعوذ بالله من ~~الخبث والخبائث» (4). قال الشيخ : هكذا في الأصل الذي بخط والدي من الخبث ~~، بإسكان الباء. وقد عد ذلك من غلط المحدثين ، وله وجه يصح به فسألته عنه : ~~فقال لي هو إسكان العين في كل ما جاء على «فعل» في لسان العرب. ms126 قلت : ~~المنكر للإسكان هو الإمام أبو سليمان الخطابي (5) رحمه الله وليس ممن يقعقع ~~له بالشنان (6)، ولا يقابل تحقيقه بزخرفة لسان ، وذلك أنه إن أريد PageV01P305 # بالخبث هنا المصدر من خبث ، تفاوت نسق الكلام ، واضطرب منه نظام الانتظام ~~، كما لو قيل : أعوذ بالله من أن أكون خبيثا ، ومن إناث الشياطين ، وسماجة ~~(1) هذا الوصف مما لا يخفى ، وإن أريد بالخبث جمع خبيث ، وخفف الخبث بالضم ~~كما زعم الشيخ هنا وجب أن يمنع لأن التخفيف إنما يطرد فيما لا يلتبس مثل : ~~عنق وأذن من المفرد ، ورسل وسبل ونذر من الجمع ، ولا يطرد فيما يلتبس مثل : ~~حمر وحصر فإن التخفيف في حمر يلتبس بجمع أحمر وحمراء ، وفي الحصر بالمفرد. ~~والحصر : احتباس النجو ، (2) ولذلك قريء في السبع : رسلنا ، وسبلنا ، ونذرا ~~، و ( @QUR@02 الأذن بالأذن ) (3)، كل ذلك بالتخفيف ، ولم يقرأ في السبع ( ~~@QUR@03 كأنهم حمر مستنفرة ) (4) إلا بضم الميم. فكذلك ينبغي ألا يخفف ~~الخبث إلا مسموعا من العرب [76 / آ] لئلا يلتبس بالمصدر ؛ ومن هذا امتناعهم ~~من إدغام ما يلتبس إدغامه نحو : وتد ، وعتد ، وشاة زنماء وادغموا في همرش ~~وامحى لما (5) أمنوا اللبس. والإدغام وجه من التخفيف ، فهم كما ترى لا ~~يخففون إلا حيث يأمنون اللبس وهو هنا غير مأمون. ألا ترى أن أبا عبيد ~~القاسم بن سلام ، على إمامته ، قد فسر الخبث هنا بالشر لما رواه بإسكان ~~الباء (6)، والصواب ضمها كما قال أبو سليمان رحمه الله . # وحدثني إملاء بلفظه من كتابه ، قال : أنا الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف ~~بن سعد (7) النابلسي بدمشق ، عن الحافظ ابن الحافظ أبي محمد PageV01P306 # القاسم بن علي بن الحسن قراءة عليه ، قال : أخبرنا أبو الدر ياقوت بن عبد ~~الله أيضا ، قال : أنا أبو محمد عبد الله بن محمد الخطيب ، قال : أنا محمد ~~بن عبد الرحمن بن العباس الذهبي المخلص ، قال : أنا أبو القاسم عبد الله بن ~~محمد ، قال : أنا طالوت بن عباد أبو عثمان الصير في ، قال : أنا فضال بن ~~جبير ، قال سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه ms127 وسلم ~~يقول : «اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة : إذا حدث أحدكم فلا يكذب ، وإذا ~~اؤتمن فلا يخن. وإذا وعد فلا يخلف. غضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم ، واحفظوا ~~فروجكم». (1) # قال الشيخ : هذا من العوالي التي تسمو همم أهل الحديث إليها ، وتتهافت ~~رغبة الطلبة عليها ، وهو تساعي الإسناد. وقال الحافظ أبو محمد القاسم : ~~فضال بن جبير يكنى أبا المهنى ويروي عن أبي أمامة صدي بن عجلان نحوا من ~~عشرة أحاديث كلها غير محفوظة والله أعلم. # قلت : ليس العلو بكونه تساعي الإسناد مستغربا لمثله من الشيوخ ، وقد ~~رأينا من يروي الثمانيات (2)، وأما التساعيات (3) فهي الغالب من علو السند ~~في زماننا هذا ، وقد جمع شيخنا الفقيه الحافظ الحافل أبو زيد عبد الرحمن ~~ابن محمد بن محمد القيرواني جزءا من تساعياته وكان حفظه الله قد وهب لي ~~منها نسخة فضاعت بآفة طرأت في الطريق [76 / ب] والحمد لله على كل حال. PageV01P307 # (1) وقد وقع لنا هذا الحديث تساعيا : أنا الشريف أبو الحسن الغرافي وأبو ~~الحسن علي بن محمد بن المنير عن ابن المبارك ابن الشهرزوري عن أبي الحسين ~~أحمد بن محمد بن ... (2) عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن إسحاق بن حبابة ~~عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن بنت منيع وهو الراوي عن طالوت (3). # وأنشدني شيخنا أبو الفتح المذكور إملاء من كتابه ، قال : أنشدني الفقيه ~~المفتي هارون بن عبد الله بن هارون بن الحسين بن أحمد المهراني قديما ، قال ~~: أنشدنا الفقيه الإمام العالم أبو الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي ~~لنفسه (4): [الكامل] # خسر الذي ترك الصلاة وخابا %~% وأبى معادا صالحا ومآبا (5) إن كان يجحدها فحسبك أنه %~% أمسى بربك كافرا مرتابا (6) أو كان يتركها لنوع تكاسل %~% غشى على وجه الصواب حجابا (7) فالشافعي ومالك رأيا له %~% إن لم يتب حد الحسام عقابا PageV01P308 5 ومن الأئمة من يقول بأنه %~% لا ينتهي عنه وإن هو تابا (1) إيه ومنهم من يقول بقتله %~% كفرا ويقطع دونه الأسبابا وأبو حنيفة قال : يترك مرة %~% هملا ويحبس مرة إيجابا (2) والظاهر المشهور من ms128 أقواله %~% تعزيره زجرا له وعذابا (3) والرأي عندي أن يؤدبه الإما %~% م بكل تأديب يراه صوابا 10 ويكف عنه القتل طول حياته %~% حتى يلاقي في المآب حسابا فالأصل عصمته إلى أن يمتطي %~% إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا (4) الكفر أو قتل المكافيء عامدا %~% أو محصن طلب الزنا فأصابا (5) # وأنشدني أيضا قال : أنشدني شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبي ~~محمد عبد المنعم بن محمد الأنصاري (6) لنفسه : (7) [الكامل] |والشائع المشروح من أقواله||تأديبه زجرا له وعقابا| # والتعزيز : العقوبة ما لم تبلغ الحد الشرعي. PageV01P309 يا طالبا للعز هاك نصيحتي %~% لفظا على المعنى البسيط وجيزا [77 / آ ] ما الذل إلا في مطاوعة الهوى %~% فإذا عصيت هواك كنت عزيزا (1) # وأنشدني أيضا : [الكامل] # أعرضت عن شيب ألم بعارضي %~% بغضا فكيف أراه بعد شباب وهجرت مرآة أرى شيبي بها %~% فرأيته بالرغم في أترابي # وأيضا له : (2) [الوافر] # ألام على الخلاعة إذ شبابي %~% ورونق جدتي ذهبا جميعا ومن ذهبت بجدته الليالي %~% فلا عجب إذا أضحى خليعا # [ومن شعره أيضا : (3) [البسيط] # قال العواذل : كم هذا الضلال بمن %~% تهوى يغرك منه المنظر النضر فقلت : إن كنت مغرورا بطلعته %~% فلست أول من قد غره القمر] (4) # وأنشدني أيضا قال : أنشدني أبو الحسن بن عبد الكريم الأنصاري لنفسه : # بعثت لي روضة بالنور باسمة %~% برقعة قد غدت من طيبها عبقه وكان عهدي بالبستان ذا ورق %~% حتى رأيت بها البستان في ورقه PageV01P310 # وأنشدني أيضا حفظه الله لنفسه : (1) [الطويل] # تمنيت أن الشيب باشر لمتي %~% وقرب مني في شبابي مزاره (2) لآخذ من عصر الشباب نشاطه %~% وآخذ من عصر المشيب وقاره # وأيضا في إصلاح معنى : (3) [الخفيف] # أنكرتني لما ادعيت هواها %~% وأصرت على العناد جحودا قلت : إن الدموع تشهد لي قا %~% لت صحيح لكن قذفت الشهودا ### ||| * فصل ### ||| * [عجائب مصر] # وأما أرض مصر ، ونيلها ، وعجائبها ، واتساعها ، فأكثر من أن يحصرها كتاب ~~، أو يحيط بها حساب. وقد سطر المؤرخون من ذلك ما أغنى عن ترداده ، وشغل ~~القلم بإيراده ، وما ظنك بأرض هي مسيرة شهر للمجد ، وطيئة ، سهلة ، مغلة ، ~~(4) ما بها قرية ms129 (5) إلا وهي تناظر أخرى [77 / ب] ولا بستان إلا وهو يسامي ~~آخر ، ولا مدينة إلا وهي تشير إلى أختها ، ما تسافر بها إلا في عمارة متصلة ~~، وطمأنينة من الأرض متأصلة ، والطرق في الصحراء غاصة بالخلق ، PageV01P311 # فكأن المسافر بها لم يزل في مدينة. (1) وهذا لمن يجوبها عرضا « (2) لأن ~~عرضها من بلد أسوان التي بأعلى نيل مصر وما سامتها من أرض الصعيد إلى مدينة ~~رشيد [و] (3) ماداناها من مساقط النيل في البحر الرومي وهو نحو ثلاثين ~~مرحلة ، وطولها من أيلة [من ساحل الخليج الخارج] (4) من بحر الحبشة ، ~~والزاب ، والعين (5) إلى برقة التي هي جنوب البحر الرومي (6)». # قال هذا كله القاضي أبو القاسم صاعد (7) في طبقات الأقاليم (8)، وذلك ~~أربعون مرحلة (9). ### ||| * [نيل مصر] # ونيلها من عجائب الدنيا عذوبة ، واتساعا ، وغلة ، وانتفاعا. وقد وضعت ~~عليه المدائن والقرى ، فصار كسلك انتظم دررا. # وقد روينا في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء وصل ~~إلى سدرة المنتهى ، فإذا في أصلها أربعة أنهار : نهران ظاهران ، ونهران ~~باطنان ، فسأل عنها جبريل عليه السلام ، فقال له : أما الباطنان ففي الجنة ، PageV01P312 # وأما الظاهران فالنيل والفرات» (1) قال البكري : «وليس في الأرض نهر يسمى ~~بحرا ويما غيره. قال الله تعالى : ( @QUR@03 فألقيه في اليم )، (2) واليم ~~: البحر. فسماه بحرا وحق له ذلك ، قال : وليس في الدنيا نهر يزرع عليه ما ~~يزرع على النيل ، ولا نهر يجبى منه إلا جزء مما يجبى من النيل. (3) ~~«وابتداؤه بالتنفس في حزيران ، وهو شهر يونيه ، فإذا انتهت الزيادة ستة عشر ~~ذراعا تم خراج السلطان وخصب الناس الكافي ، (4) وكان المرعى ناقصا فأضر ~~بالبهائم ، فإذا بلغ سبعة عشر ، فذلك الخصب العام ، والصلاح التام ، فإذا ~~بلغ ثمانية عشر أضر بالضياع ، وأعقب الوباء بمصر. وقد بلغ في خلافة عمر بن ~~عبد العزيز (5) رضياللهعنه تسعة عشر ذراعا (6)» قال ابن حبيب (7): «وإن ~~نقص إلى خمسة عشر ذراعا ، نقص من خراج السلطان ولا يستسقى لذلك ، وإن حط ~~إلى أربعة عشر [78 / آ] ذراعا استسقوا ، وكان الضرر الشديد» (8) قال : وذكر ~~«أن أرض مصر مصورة ms130 في كتب الأوائل وسائر المدن مادة أيديها إليها (9) ~~تستطعمها». (10) PageV01P313 # قلت : والنيل (1) نهر عظيم (2) متسع جدا ، آخذ من الجنوب إلى الشمال ، ~~ويفترق بعد مسافة من فسطاط مصر على ثلاثة أنهار ، ولا يدخل واحد منها إلا ~~في القوارب شتاء وصيفا ؛ وقد دخلته من مجمع نهرين فقرأت حزبا (3) من القرآن ~~قبل أن يقطع القارب إلى الجزيرة (4) الأخرى ، وصورة السقي به أن أهل كل بلد ~~لهم خلج (5) تخرج منه ، فإذا جاء مد أترعها (6) ففاضت على المزارع وسقتها ~~كما تسقي سائر الأنهار ؛ وقد علموا أين ينتهي سقي كل مقياس ، ومن غرائب صنع ~~الله ، أن مده يبتدىء في معمعان الحر وشدته. في الوقت الذي تفيض (7) فيه ~~الأنهار ، وينتهى في الوقت الذي تمد فيه الأنهار ؛ ويفيض فيحسر الماء عن ~~الأرض في مبدأ زمان الحرث. وقد حكى البكري عن ابن حبيب «أن الله تعالى جعل ~~النيل معادلا لأنهار الدنيا ، فحين يبتدى بالزيادة تنقص كلها ، وذلك لخمس ~~بقين من شهر يونية وحين يبتدى بالنقصان تزيد كلها». (8) PageV01P314 ### ||| * [الأهرام والبرابي] # أما أهرامها وبرابيها (1)، فمبان عجيبة في غاية الغرابة مضمنة (2) من ~~الحكمة وغرائب العلوم ما صار أعجوبة على وجه الدهر. وبين الناس تنازع في ~~أول من بناها ، وفي أي شيء قصد بها ، ولهم فيه خوض كثير لا حاجة بنا إليه ، ~~وقد ذكر القاضي صاعد صاحب الطبقات : «أن جماعة من العلماء زعموا أن جميع ~~العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صارت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر ~~الأعلى ، وهو الذي يسميه العبرانيون خنوخ وهو إدريس [النبي] (3) عليه ~~الصلاة والسلام ، وأنه أول من تكلم في الجواهر العلوية ، والحركات (4) ~~النجومية ، وأول من بنى الهياكل ، ومجد الله تعالى فيها ، وقالوا : إنه أول ~~من أنذر بالطوفان ، ورأى أن آفة سماوية تلحق الأرض من الماء أو النار [78 / ~~ب] فخاف ذهاب العلم ودروس الصنائع فبنى الأهرام والبرابي التي في الصعيد ، ~~وصور فيها جميع الصناعات والآلات ، ورسم فيها العلوم حرصا منه على ~~تخليدها.» (5). # قال القاضي صاعد المذكور : «وكانت دار الملك والعلم بمصر في قديم الدهور ~~(6) مدينة منف ، (7) وهي على ms131 اثني (8) عشر ميلا من الفسطاط. فلما PageV01P315 # بنى الإسكندر مدينة الإسكندرية ، رغب الناس في عمارتها ، فكانت دار العلم ~~(1) والحكمة بمصر إلى أن تغلب عليها المسلمون ؛ واختط عمرو بن العاص على ~~نيل مصر مدينته المعروفة بفسطاط عمرو ؛ فانسرب (2) أهل مصر وغيرهم إليها ، ~~فصارت قاعدة مصر إلى يومنا هذا» (3). # قلت : وقد صارت اليوم المدينة التي بناها العبيديون قاعدة الديار المصرية ~~بأسرها ، ودار ملكها على الإطلاق ، فسبحان من له الملك على الحقيقة ، وإليه ~~المرجع والمصير ، لا رب غيره. # والأهرام (4) مبان من حجارة ، صارت لإحكامها كالحجر الواحد ، في غاية ~~العلو ، متسعة الأسفل ، مستديرة الشكل ، فكلما طلعت انخرطت حتى صار أعلاها ~~حادا على شكل المخروط. وليس لها باب ولا مدخل ولا يعلم كيف بنيت. # وقد ذكر البكري في المسالك ، وذكره المسعودي (5)، ومن كتابه نقله البكري ~~: «أن أحمد بن طولون (6) صاحب مصر ، استحضر من أرض الصعيد PageV01P316 # شيخا له مئة وثلاثون سنة ، موصوفا بالعلم والحكمة ، فسأله عنها ، فقال : ~~إنها بنيت لحفظ جثث (1) الملوك. فقال له : كيف بنيت بتلك الحجارة العظيمة؟ ~~فقال : إنهم كانوا يبنونها على مراق أبرزوها من البنيان ، فإذا فرغوا ~~نحتوها» (2). # وذكر البكري أيضا «أن شونيد بن سهلوق ملك مصر قبل الطوفان رأى رؤيا هالته ~~، وحملته على بناء الأهرام بالصخور ، وأعمدة الحديد ، والرصاص ، بأمر ~~المنجمين لتكون حفظا لجثته ، وجثث أهله ، ومستودعا للعلوم من آفة الطوفان ، ~~واختير لها موضع بقرب النيل في الجانب الغربي [79 / آ] فلما فرغ منها قال ~~لهم : انظروا هل يفتح منها (3) موضع؟ قالوا : تفتح (4) من الجانب الشمالي ، ~~وحققوا له الموضع ، وأن ذلك يكون لأربع (5) آلاف دورة للشمس ، وأنه ينفق في ~~هدمه كذا وكذا ، فأمر أن يجعل في [ذلك] (6) الموضع ذهب يزن ما ذكروا ، وحث ~~على الفراغ من الأهرام ففرغ منها في ستين سنة ، وكتب عليها : «بنينا هذه ~~الأهرام في ستين سنة فليهدمها من يريد ذلك في ست مئة سنة ، فإن الهدم أهون ~~من البناء» (7). PageV01P317 # فلما كان المأمون أراد أن يهدمها ، فقال له بعض شيوخ مصر : قبيح بمثلك أن ~~يطلب شيئا لا يناله ، فقال : لا ms132 بد أن أعلم علم (1) ذلك ، ثم أمر بفتحها ~~(2) من الجانب الشمالي لقلة دوام الشمس على العمال. فكانوا يوقدون النار ~~عند الحجر فإذا احمر رش عليه الخل ، ورمي بالمنجنيقات ، حتى فتحت الثلمة ~~التي يدخل منها اليوم. ووجدوا عرض الحائط عشرين ذراعا ، وبإزاء النقب مالا ~~، فأمرهم بوزنه ، وبإحصاء ما أنفق على نقبه فوجدوهما سواء. فعجب المأمون من ~~ذلك (3). قال : ووجدوا طول كل هرم (4) من الهرمين الكبيرين أربع مئة ذراع ~~بالمالكي ، وهو ذراع ونصف بذراع اليد (5). ويقال : ليس على وجه الأرض أرفع ~~بناء منهما ، ويذكر أن عمقهما في الأرض مثل ارتفاعهما. # والذي سطر من غرائب مصر في أهرامها ، وبرابيها ، وغيرها أمر يضيق عنه ~~الوصف. وما كدر معينها ، وبخس ثمينها ، ونغص نعيمها ، وأعل سليمها ، إلا ~~أهلها الذين ينكل (6) الخير عن وجوههم وينكص. وينمو الشر بهم ولا ينقص ، ~~وبجيرانها (7) تغلو الديار وترخص ، وخصوصا أهل تلك المدينة المظلمة ، التي ~~هي من كل الفضائل معدمة. أخطأهم النوء المحمود (8)، وبعدا لهم كما بعدت ~~ثمود. (9) وليس في أرض مصر من ينتهي في كل وصف PageV01P318 # مذموم منتهاهم ، ولا من يحل في القبائح محلهم ومثواهم. وقد سمعت ممن جال ~~في صعيد مصر وريفها أن أهلها لا بأس بهم ، وأنهم أشبه من المذكورين بكثير. ~~ومع ما ذكرت فقد كاد المغاربة ينيفون [79 / ب] على أهل البلاد بكثير (1) ~~لطيب الأرض وسعتها ، وكثرة أرزاقها ، وربما تقاتلوا مع أهل الموضع فغلبوهم ~~، وقد (2) فشا على لسان الصغير منهم والكبير أن مغربيا يملكهم لا محالة ؛ ~~ويتحدث بهذا عامتهم وخاصتهم ، ويأثرون (3) ذلك عن علماء حدثانهم ، وقديما ~~كانوا في انتظار ذلك ؛ وقد حكاه عنهم ابن جبير في رحلته (4)، وذكر عنهم ~~أمارات نصبت بزعمهم علامة لذلك ، والله بغيبه أعلم ، وهو الملك الأعظم ، لا ~~رب غيره ، ولا يرجى إلا خيره. ### ||| * [مزارات مصر] # وفي مصر من المزارات الشريفة عدة وافرة ؛ ومن أعظمها تربة رأس الحسين ~~رضياللهعنه ، عليها رباط في غاية الإبداع (5) والتنويه ، والأبواب عليها ~~حلق الفضة وصفائحها ، وإلى الآن يوفى واجب القيام بها والإشادة بذكرها ، ~~حفظ الله أمراء الترك (6) بمصر ، فما أحماهم ms133 للدين وأحنهم (7) على المسلمين ~~، وأحبهم في الغريب ، وأفظهم في ذات الله تعالى على المريب. ولم PageV01P319 # يتحقق الآن عندي كيف نقل إلى أرض (1) مصر. وكان الدعي (2) ابن الدعي (3) ~~عبيد الله بن زياد (4) بعث به إلى معهد (5) العناد والإلحاد طاغيتهم يزيد ~~بن معاوية (6). لا أخلى الله منه الهاوية ، وهو حينئذ بدمشق ، وأظن بعض ~~العبيديين (7) أمر بنقله إلى عسقلان (8)؛ فإني رأيت بها رباطا ليس بعسقلان ~~عمارة سواه ، وفوق الباب منقوشا في حجر : إن فلانا لشخص من العبيديين ولقبه ~~بأمير المؤمنين نسيت اسمه ، أمر ببناء هذه التربة على رأس الحسين بن علي ~~رضياللهعنه ، وفرغ من بنائها في تاريخ كذا ، وكان حدود الستين وثلاث مئة ، ~~ثم أمروا بنقله أيضا إلى مدينتهم بمصر فهو الآن بها. # وكان الذي حملهم على التنويه (9) بأهل البيت رضياللهعنهم ، تحقيق دعواهم ~~الباطلة أنهم منهم. فإنه ما تأتى لهم ماراموا في بدايتهم ، قبل استحكام ~~أمرهم ، إلا بانتمائهم إلى البيت الشريف زاده الله جلالة فلما تمكنوا ~~جاهروا بكل كفر ، وظاهروا [80 / آ] بكل إلحاد ، وبقوا مع ذلك PageV01P320 # متمسكين بأصل دعواهم في انتسابهم إلى أهل البيت ، حتى أباد الله غضراءهم ~~(1)، ودهم بالفناء دهماءهم ، وقد دل مانالوه (2) من جسيم الملك كل ذي فطرة ~~سليمة ، على حقارة الدنيا وخساستها و «لو وزنت عند الله جناح بعوضة ما سقى ~~منها كافرا جرعة ماء» (3). «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب [ولا ~~يعطي الآخرة إلا لمن يحب]» (4) وناهيك بمملكة وصلت ما بين الشرق والغرب ، ~~واستولت على الحجاز واليمن ، والشام ، وديار ربيعة (5)، ومصر وأرض برقة ، ~~وإفريقية ، وانتهت إلى سجلماسة (6) وإلى فاس بأقصى المغرب ، ودامت نحو مئتي ~~سنة. وآثارهم إلى الآن موجودة ، وأسماؤهم مذكورة ، وقد رأيتها في جامع ~~القيروان ، والشام (7) وغيرهما ، حكمة من الله بالغة (8)، وحجة لتوهم ~~الخيال دامغة. وما أظن مؤمنا تبقى له شبهة مع هذا في حقارة الدنيا ، ودناءة ~~خطرها ، وسقوط قدرها عند خالقها ، ما نظر إليها منذ خلقها. دار يستطيل بها ~~العدو على الولي ويظفر (9) فيها الأعوج على PageV01P321 # السوي. طالما أخرت كاملا ، وقدمت ناقصا ، وأكبت ms134 (1) جوادا فرجع على عقبيه ~~ناكصا. خنق فيها النبي عقبة بن أبي معيط (2)، وكسته كساء نجرانيا (3)، ~~والعاصي (4) العاصي يرفل في الريط (5). أقعدت عليا وأقامت معاوية ، وأنهشت ~~حسينا (6) الكلاب العاوية. آذت ابن عمر (7) بلا ريبة ولا ريب ، وأعدت لعين ~~ثقيف (8) مع كل عيب. سالمت الحكم (9) وليس بأهل أن يسالم ، وحاربت أبا ذر ~~(10) ولا أرب له في العالم. روعت مع توحشه سفيان (11)، ورفعت مع تفحشه ~~مروان (12). أقعدت مع أشراف الإنس (13) أبا قيس ، وأقعدت أخس PageV01P322 # البهائم مع القرني أويس (1)، وقديما أحوجت الكليم والخضر حتى استطعما ~~(2)، وأغنت قارون وأراحت عليه نعما : [البسيط] # وطالما فتكت بالدارعين ولم %~% تحفل بجيشهم أن كان جرارا [80 / ب] وكم حليف اغترار خالها ثقة %~% لم يمس إلا وغيم الغدر قد دارا # ومن غرائب العبر ، وطرائف الصور. وطرف الأعاجيب ، وتحف اللبيب ما اتفق في ~~قتل الحسين رضياللهعنه . قتله دعي آل حرب (3)، وأخذ بثأره كذاب ثقيف (4)، ~~ونوه باسمه أعداء ملة جده صلى الله عليه وسلم بنو عبيد ، فقاموا بدعوته ، ~~وبالغوا في إكرام تربته ليقتص من قضية (5) بمثلها ، ويقابل فاسد بمثله ، ~~فيقرأ الفهم الفهم (6) سورة الصورة ، ويتهجى اللبيب الأريب حروف تلك الحروب ~~، فيعلم أن الكل آلات مستعملة حسبما اقتضاه العلم القديم ، ونبأ (7) عن ~~دقائقه العلم القديم ، ويرى ظاهر الأسباب تعطل أحكامها في هذه القضية ~~الجلية (8)؛ فيا عجبا حصل إجماعهم على إملاء أساطير الأباطيل في ملاء PageV01P323 # الملة (1)، واختلفوا في العمل بها فانخرق إجماعهم سريعا ، لأنه كان ~~مهلهل النسج. وعصمة الإجماع شرعية لا عقلية. عمل آل حرب بما ظنوه من رشادهم ~~ولم يعلموا أنهم استعملوا في فسادهم ، ثم استعمل مثلهم في ضد صنعهم ليتضح ~~الأمر. ولو صح الحكم للأسباب ، لولجوا كلهم من باب. كان قصدهم واحدا ، فجرت ~~ريح القدر ففرقت السفن ، فرمت بعضا (2) إلى بلاد العدو ، وبعضا إلى ساحل من ~~سواحل الإسلام احتاج أهله (3) الميرة (4) فأمدوا بها على رغم الملاح (5): ~~[الخفيف] # رب أمر أتاك لا تحمد الفع %~% عال فيه وتحمد الأفعالا # «قال الحائط للوتد : لم تشقني؟ قال : سل من يدقني» (6) ظفر دعي آل حرب ~~بالحسين في ms135 يوم (7) عاشوراء ، وفيه أنجى الله موسى من فرعون ، والقضيتان ~~سواء ليبين أن كرامة الدنيا لا يطرد لها قياس ؛ فلذلك عمت العدو والولي ، ~~ليس لها قدر فلم يعط لها حكم. لما لم يكن للماء عند وجوده خطر ، سقط عنه ~~حكم الربا ، ولما جرت الفلوس مجرى العين (8)، منع فيها التفاضل. PageV01P324 # لم تزل ضمائر آل حرب ترشح سما ، ما ذكر هاشمي إلا نضنضوا (1) ليلسعوه. ~~[81 / ب] كانت عداواتهم علة السرطان كلما مست بحديد الحدود تقرحت. ظهرت يوم ~~بدر ، واستحكمت يوم أحد ، وانتشرت يوم الأحزاب ، وقهرت يوم الفتح. فما تحرك ~~منها إلا عرق. لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما (2)، ومالي ولبني فلان. كما ~~قمعها خوف هرقل فلم يظهر منها إلا تألم ، ونحن منه في مدة وأنين. لقد «أمر ~~أمر ابن أبي كبشة» (3) ثم أماتها حر الخوف ، ومرهم (4) الطمع. فلما برد ~~الخوف وسقط المرهم ، وتحرك برد الترف ، هاجت فعادت جذعة (5) قطعت بالإياس ~~الأمل ؛ فطغت في صفين (6) والجمل (7)، وأعادت الكرب والبلاء فأجهزت على ~~يزيد بكربلاء (8) عجبا لها (9)، ما محت حتى محت رسومهم ، ولا اندرست حتى ~~درست (10) جسومهم ، لم يحي ملكهم PageV01P325 # بعدها إلا أياما قلائل. وأي حياة لمنفوذ المقاتل. تهالكوا على خرزة ظنوها ~~درة ، فبذلوا لها نفائس نفوسهم ، فما فطنوا لسوء صنيع الغمر (1) إلا بعد ~~ضياع العمر : [الكامل] # بذلوا غنى الدارين في محض العدم %~% ندموا ولكن حين لا يغني الندم فلقد تباغضت الجوارح منهم %~% فترى الأكف يقوم فيها الملتدم (2) والظفر يقرع سنه لكنه %~% إن أمكنت ضرسا أنامله كدم (3) # ومن المزارات بربضها الغربي روضة السيدة الشريفة الطاهرة ، ذات الفضائل ~~الظاهرة ، والكرامات المتظاهرة : نفيسة بنت علي بن أبي طالب (4) ~~رضياللهعنهما ؛ وتربتها هنالك مشهورة ، وهي على (5) أوفى ما يكون بناء ~~مونقا ، وضياء مشرقا ، وعناية كاملة ، وحفاية حافلة ، ومن رآها لم يشك في ~~فضل ملوكهم ، وأنهم جعلوا تعظيم أهل البيت مبدأ سلوكهم ، اتخذوه في عقود ~~عمود الدين واسطة سلوكهم. عليها رباط مقصود ، ومعلم مشهود ؛ ومحل PageV01P326 # محفود (1) محشود (2)، تصوب (3) بها ديم العناية الربانية وتجود ، و: ~~[الوافر] # ..................................... %~% لأمر ما يسود من يسود (4) # ومن ms136 المزارات بقرافة مصر : تربة الإمام الشافعي رحمه الله وهي أشهر من أن ~~تخفى [81 / ب] وأظهر من أن تغفل أو تنسى ، عليها رباط كبير ومحل أثير ، ~~وفيها جراية تزيدها اشتهارا ، وعناية تلحفها مبرة وإيثارا ، وعليها قبة ~~عجيبة مشهورة ، معدودة في المباني المتقنة مذكورة ، مفرطة (5) الارتفاع ~~والاتساع (6)، غريبة في الإحكام والإبداع. ذرعتها من داخلها فوجدت سعتها ~~أزيد من ثلاثين ذراعا ، وفيها من العدد والأسباب والآلات ما يعجز عنه الوصف ~~، وفي القرافة وغيرها من أرض مصر من قبور العلماء والصلحاء ما لا يحصره عد ~~؛ منها قبر الرجل العالم الصالح ، عبد الرحمن بن القاسم (7) صاحب الإمام ~~مالك (8) رحمه الله ، وأشهب بن عبد العزيز (9)، وأصبغ بن # «عزمت على إقامة ذي صباح» # وهو في الصحاح للجوهري صبح واللسان صبح والتاج صبح وانظره في مجمع ~~الأمثال للميداني 2 / 196. PageV01P327 # الفرج (1)، وابن عبد الحكم (2)، وأبي إسحاق بن شعبان ، والقاضي أبي ~~محمد عبد الوهاب ، وغيرهم. وليس لها هنالك اشتهار ، ولا يوقف عليها إلا ~~بتعريف من له بها عناية. وقد (3) أخبرني بعض أصحابنا أنه ما أوجب تنويههم ~~بتربة الشافعي ، إلا دفن أم الملك الكامل (4) معه في الروضة ، وما أقرب أن ~~يكون ذلك (5) كذلك. فإن الذي ضمته مصر من أفاضل الصدر الأول لا يحصى كثرة ، ~~وفيهم من الصحابة رضياللهعنهم أعداد. ومع ذلك فما عرفت قبور أكثرهم ، فضلا ~~عما سوى ذلك. # والشافعي رحمه الله رجل مجدود في حياته ، وبعد موته ، وطار (6) له من ~~الصيت مالم يطر (7) بعضه لمن هو أعلم منه ، وخدمه الجد حتى في الأصحاب ، ~~فما صحبه إلا من له فيه فرط تشيع ، وغلو معتقد ، ومن رأى كلامهم فيه ، ~~وذكرهم له عجب من ذلك ، وما أحقهم باسم الشيعة من المتعصبين لمن حق لهم ~~التعصب ، ووجبت لهم الحمية ، أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقد صدق ~~الشافعي رحمه الله في قوله : (8) [الكامل] PageV01P328 الجد يدني كل شيء شاسع %~% والجد يفتح كل باب مغلق (1) فإذا سمعت بأن مجدودا حوى %~% عودا فأورق في يديه فحقق (2) # وصدق القائل أيضا : (3) [82 / آ] [الكامل] # والجد أنهض بالفتى ms137 من عقله %~% فانهض بجد في الحوادث أوذر # قلت : قد امتد نفس الكلام في ذكر هذه المدينة المهينة ، وحق له أن يقصر ، ~~وقد كفى ذمها أنها مذمومة على مر (4) الأعصر ، وبنو الزمان فطن أكياس ، ~~يبصرون أقل الأود (5) في الغصن المياس. # والآن حان أن نعطف عنان الكلام ، إلى إجراء الرحلة على نسق الانتظام ، ~~فنقول وبالله نستعين وهو خير معين : ### ||| * [البرية بين الحجاز ومصر] # ثم سافرنا من المدينة المذكورة ، وتركناها غير محمودة ولا مشكورة ، وبرز ~~(6) الركب للرحيل ، ورفضناها كما رفض الطلل المحيل ، فنزلنا بموضع |الجد أملك بالفتى من نفسه||فانهض بجد في الحوائج أوذر| # وهو في محاضرات الأدباء 1 / 214 : |الجد أنهض بالفتى من سعيه||فانهض بجد في الحوادث أودع| PageV01P329 # على نحو عشرة أميال منها ويعرف بالبركة. صحراء لا أنيس بها ، وعادة الركب ~~النزول بها ليتلاحق (1) الناس وربما أقاموا بها يومين أو ثلاثة ، وفيها ~~آبار طيبة ، وتقوم بها سوق عظيمة يستتم بها (2) الحجاج جهازهم. فلما تلاحق ~~الركب واستتب السفر ، رحلنا في الضحى الأعلى من يوم الثلاثاء الثامن عشر من ~~شهر شوال مستقبلين للبرية الكبيرة : برية ما بين الحجاز ومصر ، وهي مسيرة ~~أربعين يوما ، وما بها مستعتب إلا في ينبع وفي بدر ، فإن بهما عمارة هي ~~أشبه شيء بالخلاء والورود في جميعها ربعا (3) وغبا (4)، والربع هو الغالب ~~، وليس في البراري أطول منها ولا أقفر (5). أرضها في نهاية الحروشة (6) لا ~~يمكن أحدا فيها المشي بغير مداس البتة. وفيها قوم من العرب ، صعاليك ~~ينتقلون فيها من موضع إلى موضع مالهم قوت إلا ما يمتارونه (7) من بعيد ، ~~فهم الدهر كله في جهد وفرط شظف (8). وقلما يظهرون للركب لخبث أفعالهم ، ~~وعدم ما يعاملون به ، وإنما يتطرفون (9) الركب (10) ويطالعونه من كل مرقب ، ~~فإذا رأوا متخلفا عنه لغفلة ، أو نوم ، أو انقطاع عجز ، انقضوا عليه فمزقوا ~~أشلاءه ، ولو لم يجدوا عليه إلا خرقة واحدة لم يتركوها له. ولو لا صاحب PageV01P330 # مصر وما ألهمه الله من الاعتناء [82 / ب] بالركب ، وإخراج الحصة معه ~~بأمير على أكمل ما يكون من الاستعداد والتأهب ms138 ، ماسلك أحد تلك البرية ~~لطولها وخلائها إلا من القطاع. ولكن لطف الجليل جل جلاله يصحب عباده بحسب ~~الحاجة ، وعونه يأتيهم على قدر نزول الشدة ، وغوثه يسرع إليهم على مراتبهم ~~في الاضطرار. # لما كان الروح يتقوت الهواء ، ولا يصبر عنه ساعة ، كان الهواء أكثر ~~الموجودات إمكانا ، ولما كانت الحاجة إلى الماء شديدة ، والصبر عنه قليلا ، ~~كان قريبا منه في الإمكان. فتأمل لو كانا لا يؤخذان إلا بثمن كالطعام ، ما ~~الحيلة؟ ولما كانت الحاجة إلى النار (1) دون ذلك ، والقليل منها يكفي ، ~~والكثير منها يضر ، كانت أقل إمكانا ، حتى إنها قلما (2) تكون إلا بمعالجة. # ومن تصفح دواوين الموجودات ، وجد هذا الفن من علومها كثيرا ، الفواكه ~~قليلة بالنسبة إلى القوت للاستضرار بعدم القوت. وأقل الجواهر وجودا ما لا ~~تمس الحاجة إليه ، ثم عظم في النفوس تعظيما مجردا من سبب ، ليبين أثر ~~القدرة ، وليعم نفع ما فيه النفع ، ولا يقع الاستئثار به. فيا عجبا من حب ~~ما لا ينفع حتى يعوض به أعظم الأشياء نفعا. # لما كان المشي على الأقدام ، كانت بشرتها أغلظ ، والكف تحتاج إلى مباشرة ~~الخشن فغلظت بشرتها بحسب الحاجة ثم تدرج (3) الغلظ في جميع البشرة على نحو ~~ذلك ، حتى صارت بشرة الشفة أرقها إذ لا يباشر بها إلا اللين. PageV01P331 # ولما احتيج في الكف إلى اللمس جعلت أذكى الأعضاء حسا مع كثافة البشرة ~~ليتنبه الكثيف الطبع إلى جمع الضدين. ولما احتيج إلى كشف الوجه للمواجهة ، ~~أعين على ألم الحر والبرد أكثر من سائر البدن ، ومن عجب أنه يتألم بأقل ~~الخجل حتى يتصبب عرقا ، ثم يحتمل شدة البرد (1). # لما كان المظلوم إلى النصر أحوج ، كانت الإجابة إلى دعائه أسرع [83 / آ] ~~«اتقوا دعوة المظلوم ، فليس بينها وبين الله حجاب» (2). # لما كان الصغير من الحيوان غير مستقل بنفسه ، استخدمت له الأم بقهر ~~الشفقة. ولما كان الكبير [مستقلا بنفسه استغنى عن أمه] (3). فسبحان من ~~عجزت العقول عن إدراك بعض لطائفه ؛ وقصرت الألسن عن شكر أقل عوارفه [... ] ~~(4). ومن نظام حكمة الحكيم أنهم لا يرحلون ولا ينزلون إلا ms139 بأمر ، وعلامة ~~الأمر دق الطبل. ولا يتقدم منهم أحد الدليل ، والدليل أمامهم ليلا ونهارا ، ~~والخيل قدام الركب ووراءه [... ] (5) بالمشاعل تنفض المسالك وتتفقد من تأخر ~~[من ضعف أو نوم] أو تكاسل ، ومعهم جمال السبيل يحملون عليها المنقطعين بعد ~~امتحان لهم واستبراء لشأنهم ، [لأن منهم من] (6) يتعاجز رغبة في الركوب ، ~~وهو قوي على المشي ، PageV01P332 # فإذا أخذته السياط طار. وما رأيت [أحدا يريد ... ] (1) التباعد منهم ~~والتستر عنهم ، فلا بد لهم أن يقفوا عليه فيضربوه بالمقارع ، وليس في الأرض ~~[من يفعل فعلهم ، لا يكلون ولا يملون ولا يضجرون ..... ] (2) بل يدأبون ~~الليل والنهار حتى يرجعوا إلى مصر بعد ثلاثة أشهر. والذي جبلهم الله عليه ~~من الحذر والاحتياط أمر يضيق عنه الوصف. لا يخرج أحد منهم من منزله (3) إلى ~~المسجد أو السوق ، أو متنزها (4) في داخل البلد ، إلا وهو محتزم كامل الآلة ~~على صورته في وصف الحرب لا يفارقه ذلك على حال ، كما قال مسلم بن الوليد : ~~(5) [البسيط] # تراه في الأمن في درع مضاعفة %~% لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل # والذي يتحملونه من النصب (6)، والعنا في خدمة الركب ، والاحتياط عليه ~~ومداراة الضعفاء منه ، ومواساتهم ، والترجل لحملهم ، لا يقدر عليه إلا من ~~أهله الله للخير ، وأعانه عليه ، فجزاهم الله عن المسلمين [83 / ب] خيرا ، ~~وحالهم في [سير] (7) هذه البرية أنهم يرحلون في نصف الليل ، أو قبله بيسير ~~، وربما رحلوا في الثلث الأخير [من الليل] (8) والمشاعل ترد الليل نهارا ، ~~فيسرون حتى يصبح ، ويصلون ثم يستديمون السير حتى ترتفع الشمس فينزلون إلى PageV01P333 # الظهر ، ويصلون ثم يرحلون ، وربما رحلوا قبل الصلاة ، ثم ينزلون آخر ~~النهار عند الغروب إلى نصف الليل هكذا إلى مكة ، وإلى مصر. # وهذا السير على هذه الصورة من أروح ما يكون للمسافر المجد ، لانقسام ~~السير والراحة بين الليل والنهار ، مع الإرواد (1) في المشي والجد فيه ، ~~فصاروا يقطعون بالدوام مع المهل ما لا يقطعه الجاد في يوم تام ؛ وحصلت ~~الراحة مع قضاء ما لا بد منه بالنهار من أكل وسقي في المناهل ، ونزول ~~للراحة (2)، وغير ذلك. ولو ms140 كان سيرهم بالنهار خاصة ، لقطعهم عنف السير ، ~~وتعطل عليهم أكثره لتلك الضروريات فيكثر عناؤهم ولم يقطعوا مسافة. # وهذه البرية مع طولها من أروح المواضع للحاج بسبب الأمن ، فإن أصحاب ~~الأموال يتسعون بها على اختيارهم ، ولا يتقون عليها ، والضعفاء يعيشون ~~بينهم بأنواع من الاحتراف ، وأضر ما على الفقير فيها المرض لعدم المستعتب ~~وطول الطريق. وأما القوت فيتسبب فيه إذا كان صحيحا. وقلما يعوزه التسبب ~~لكثرة (3) الخلق ، فإنهم بحيث لو غاب عن أحد (4) رفيقه لم يجده عن أيام ، ~~وأكثرهم بعلامات يتعارفون بها وأعرف بعض المصامدة (5) ضاع عن أصحابه في ~~الركب عند انفصاله (6) من مصر فما زال ينشدهم وينادي بهم ولم يجدهم حتى وصل ~~إلى عقبة أيلة (7) مسيرة عشرة أيام ، وكان الركب PageV01P334 # في هذا العام قليلا يتعجب (1) الناس من قلته بسبب خروج السلطان إلى جهاد ~~عكة (2). وذكر لي بعض من حج قبل هذا العام أنه أحصى في بعض الأعوام ما في ~~الركب من الجمال فوجدت ثمانين ألف راحلة دون [84 / آ] الدواب. ### ||| * [مناهل البرية] ### ||| * [السويس] # وأما مناهل هذه البرية فمن البركة إلى السويس ثلاثة أيام ، وهي بئر غزيرة ~~واسعة ، وهنالك ينقطع بحر الشرق (3)، فيدور السالك من ورائه ويتركه يمينا ~~ولا يزال محاذيا له إلى مكة ، وثمة كانت مدينة القلزم (4)، وبينها وبين ~~الفرما كورة من مصر على ساحل البحر الرومي مسيرة يوم ، وما بين هذين ~~الموضعين أقرب مسافة بين البحرين بحر الشرق وبحر الغرب. # قالوا : (5) وهذا الحاجز بينهما هو الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله ~~: ( @QUR@04 وجعل بين البحرين حاجزا ) (6). ### ||| * [مغبوق] # وماء السويس ملح لا يكاد يساغ لملوحته ، وخباثة مطعمه ولكن بالقرب منه ~~على نحو عشرة أميال ، أو أزيد قليلا ماء يقال له مغبوق (7)، وهو ماء عذب PageV01P335 # طيب في أحساء برملة بيضاء ، غزير لا كلفة فيه. وكان كثير من الناس قد ~~استقى من السويس ، فلما وصلوا [إلى مغبوق] (1) [أراقوا ما معهم] (2)، ~~وسقوا دوابهم ، واستقوا منه ثانية. ### ||| * [بئر النخل] # ومن مغبوق إلى بئر النخل ثلاثة أيام ، وهي بئر واحدة بكية ، ماؤها شريب ~~[لايروي] (3) عطشا ، ويتقاتلون ms141 على مائها ؛ حتى لقد قتل بينهم مرة بما ذكر ~~لي نحو مئتين ، ومازال الحال [كذلك ، حتى حفر أمير] (4) مصر ، ويقال له ~~طرطقى ، هنالك بئرا أخرى متقنة العمل ينزل إليها في درج له باب إلى جانبها ~~، وهي عجيبة الإحكام ، ولكنها بكية أيضا إذا كثر السقاة نزفتا (5) معا ؛ ~~ومنذ أحدثها الأمير المذكور [كان] (6) الماء قليلا ، والزحام مع ذلك كثير ، ~~وهذه البئر تعرف بالأمير المذكور وقد أدركنا حياته (7) وقد توفي بطريق (8) ~~الحجاز رحمه الله . PageV01P336 # ومن بئر (1) النخل إلى عقبة أيلة ثلاثة أيام ، والغالب في ورودها الربع ، ~~وهناك قصير وأثر بناء قديم ، وهو موضع مدينة أيلة ، وماؤها أحساء في الرمل ~~، [وهناك] (2) يقطع الخليج الداخل من بحر القلزم المذكور ، [84 / ب] وهو ~~بحر موسى عليه السلام ، إلى صوب الشام ، [ومن هناك] (3) طريق إلى الشام ، ~~والأحساء المذكورة في ساحل البحر ، وإذا طمت الموجة كستها ومع ذلك ما أثر ~~فيها ماء البحر ، فسبحان من لا غاية لغرائب صنعه ، ولا حيلة في إعطائه ومنعه. ### ||| * [أيلة] # وأيلة معدودة من كور مصر ، وفيها عدها البكري ، وجعلها القاضي صاعد حد ~~طول مصر حسبما تقدم (4) وقد ذكرها القاضي عياض (5) في «مشارقه» (6) وغلط ~~فيها فحكى عن أبي عبيدة : «أنها مدينة على شاطىء البحر من بلاد الشام ، وهي ~~نصف الطريق من فسطاط مصر إلى مكة (7) وذكرها المتيجي صاحب «الرسالة في ~~القبلة» في رسالته فقال : «إن منها إلى مكة نصف شهر». فغلط فيها أيضا كما ~~رأيت ، وذلك غير مستنكر ، فإن من لم يشاهد الشيء يصعب عليه وصفه ، وقلما ~~يسلم فيه من الغلط. PageV01P337 ### ||| * [نقد المسالك والممالك للبكري] # ومازال أهل الإتقان يقعون في مثل هذا. ألا ترى إلى أبي عبيد البكري مع ~~تحقيقه (1) وفرط اعتنائه ، ونبل تواليفه ، قد أودع في مسالكه من الغلط في ~~صفات البلدان ، وتحديدها وترجمتها ما لا غاية وراءه. فمن ذلك قوله في ~~إيلياء مدينة بيت المقدس : «إن الجبال محيطة بها» وإنما (2) هي في نشز من ~~الأرض كما ذكر ، وليس بالقرب منها جبل إلا رواب وتلال. وأظنه سمع بما دار ~~بها من الوعر ، وما ms142 حازها من جهات الأودية المنقطعة ، فظنها جبالا. ومنه ~~قوله في وصف قصر الجم بإفريقية وهو قصر الكاهنة : «إن في دوره نحوا من ميل» ~~(3) وقد طلعت (4) إلى أعلاه ، وتأملته ولو رمى الرامي حجرا لخلفه به. ومن ~~ذلك قوله في سرت : «إنها مدينة كبيرة على ساحل البحر بها حمام وأسواق ، ~~ولها بساتين ونخل» (5)، وهذا كله لا وجود له ، وإنما هي قصير صغير يعرف ~~بالمدينة ، وهو أول قصور سرت من جهة الشرق. وبينه وبين البحر مسافة ، وما ~~للنخل بسرت كلها وجود ، وأظنه [85 / آ] سمع بأن التمر عندهم كثير ، فحكم ~~بوجود النخل عندهم ، وغلط في عكس القضية. والتمر عندهم مجلوب من بلاد أوجلة ~~(6). ومن ذلك قوله في نفيس (7) بالمغرب الأقصى «إنها مدينة PageV01P338 # بينها وبين البحر مسيرة يوم» (1). وإنما هو اسم نهر كبير عليه قرى كثيرة ~~وعمارة متصلة ، وبينه وبين البحر ثلاثة أيام. ومن ذلك أنه ذكر (2) في طريق ~~تامدولت إلى بلاد السودان جبلا يقل له : آزور وقال : «وأظنه جبل درن ، وجبل ~~درن قد حازه السوس الأقصى. فليس شيء منه وراءه» (3) وتامدولت من وراء السوس ~~على مسيرة أيام. ومن ذلك أنه ذكر من بلاد الصحراء بلدة يقال لها : تاد مكة ~~وترجمها فقال : «معنى تاد : الهيئة أي أنها على هيئة مكة.» (4) وليس معنى ~~تاد : الهيئة كما ذكر ، ولا للهيئة (5) اسم في لسانهم البتة ، وإنما معنى ~~تاد : هذه ، وهي من أسماء الإشارة عندهم. يقولون : لهذا : واد ، ولهذين ~~وهؤلاء ، ويد ، ولهذه : تاد ، وهؤلاء تيد ، وليس للمثنى عندهم عبارة سوى ~~عبارة الجمع ، إلا في ألفاظ العدد فمعنى تاد مكة ، هذه مكة أي مشبهتها. ### ||| * [عقبة أيلة] # وعقبة أيلة المذكورة عقبة كؤود (6)، شاقة طويلة ، مسافتها نحو من خمسة ~~أميال ، تضر بالناس ، وتقتل الجمال وخصوصا في الرجوع. وهي في الذهاب حدور. ~~وأيلة من أسواق الركب الكبار ، وربما أقام بها يومين وثلاثة لأنها مجمع ~~المصريين والشاميين يتجمعونها (7) في طلوع الركب ورجوعه PageV01P339 # بأنواع المبيعات ، ولا سيما الطعام ، وربما كثر بها حتى يزيد سعره على ~~سعر الشام ومصر ، لأن الجالب إليها لا بد له ms143 من البيع لبعد المسافة وعدم ~~(1) المستعتب. وكثير من الحجاج من يتجهز منها ولكن الأمل ربما غر فضر ، ~~وقديما قالوا : «عش ولا تغتر» (2). وقد كان كثير من الناس رجوا رخصها (3) ~~لرخص الشام ، فلم يكملوا جهازهم من مصر فلما أتيناها بلغت بها ويبة (4) ~~الدقيق ستة عشر درهما ، ثم انتهت إلى أكثر وإلى العدم. والويبة [85 / ب] ~~المصرية ستة عشر قدحا وقدحهم أقل من المد الحفصي ، والصرف اثنان وعشرون ~~درهما بدينار يوسفي ، فكان حساب الويبة قريبا من ثلاثة أرباع الدينار. فلما ~~صدر الحجاج كثر الجلب إليها لما رأوا من غلائها ، فلم تزد الويبة على ثلاثة ~~دراهم ، وانتهى إلى أن لم يوجد له مشتر فرجعوا به إلى الشام. ### ||| * [وادي القر] # والمنهلة من هذا الموضع قريبة على نصف يوم ، رحلنا في وقت الظهر أو قبله ~~بيسير ، فوردناها في وقت المغرب ، وهي أحساء على البحر غزيرة عذبة مثل ~~الأولى سواء (5)، ومن هنالك يدخل في وادي القر ، وهو واد متطاول لا ماء به ~~، وهو متصل إلى مغارة شعيب ، شديد البرد ، ولذلك سمي وادي القر. PageV01P340 # وفيه قبر السفاف على الطريق ، وهو رجل من العرب ذكروا أنه كان فيما مضى ~~يسكن هنالك ، ويقطع على الحجاج ، ولا يكاد يسلم منه أحد ، حتى مرض مرضه ~~الذي مات منه (1). فسمع بأن بعض الحجاج على الطريق ، فاستدعى بنيه ، وهم ~~يظنون أنه يأمرهم بإكرامهم وأنه قد تاب ، فوجدوه وقد اعتقل لسانه ، فقالوا ~~له : نجير الحجاج؟ فأشار إليهم : أن لا. فما زالوا يراودونه ويذكرونه بما ~~حل به حتى أضجروه (2)، فرفع يده وأشار إلى فيه أي سفوهم سفا ، فسمي ~~السفاف. ثم مات فرجم قبره من ذلك العهد إلى الآن ، وقد صار جبلا من الحجارة ~~، والله المسؤول في العصمة. ### ||| * [مغارة شعيب] # ومن هذه المنهلة إلى مغارة شعيب يومان وبعض يوم ، وهي مغارة كبيرة مرتفعة ~~السمك جدا ، معجبة الصفة ، متسعة (3) من بابها إلى داخلها ، مضيئة لأجل ~~اتساعها ، معجبة الصفة ، وهي في حجر أصم بأصل حدب (4) غليظ ؛ وفي بابها ~~يسير ارتفاع فإذا دخلتها انحدرت في درج من حجارة جعل ms144 لأجل الزلق. والمغارة ~~نفسها من صنع الله الذي أتقن كل شيء ، ولا قدرة على مثلها لآدمي ، والماء ~~في قعرها كثير ظاهر من الباب راكد كأنه بركة مطر (5) [86 / آ] وهو ماء معين ~~بلا ريب. ولولا ذلك لنزف في سقية واحدة ، وهو عذب PageV01P341 # لولا ما يخالطه مما ينصب إليه من مسيطة (1) السقاة ، وبين باب المغارة ~~وقعرها بالتقدير (2) ستون أو سبعون ذراعا وهي آخر وادي القر. (3) ### ||| * [عيون القصب] # ومنها إلى عيون القصب يومان ، وهو ماء جار عذب ولكنه ليس بالكثير ، ~~ومنبعه من لهب (4) بين جبلين على يسار المتوجه إلى الشرق وفيه الطرفاء (5) ~~والبردي (6) كثير ، وتخالطه رائحة البردي [كثيرا] (7)، وهو من أقرب مياه ~~البرية متناولا وأقلها كلفة. ### ||| * [كفافة] # ومنها إلى كفافة يومان وبعض يوم ، وكفافة جبل على يسار الطريق قد ندرت ~~(8) منه شماريخ (9) مصطفة كأنها أضراس. ويقولون : إنها نصف الطريق من مصر ~~إلى مكة ، وفي سفح الجبل أحساء يحفر عنها في واد يقال له : سلمى ، وماؤها ~~غزير عذب ما يكاد يرى في البرية مثله (10) عذوبة وصفاء. PageV01P342 ### ||| * [الوجه] # ومن كفافة إلى الوجه ثلاثة أيام ، وهو ماء عذب طيب في أصل جبل (1) مثل ~~الأول ولكنه ليس في الغزارة والإمكان مثله. ووقعت به في بعض الأعوام في ~~الحجاج مقتلة عظيمة. قتلهم العرب وانتهبوهم ، وقد تقدم ذكر ذلك في رسالة ~~ناصر الدين بن المنير ، وكان الحجاج مغاربة والركب المصري قد تخلف في ذلك ~~العام ، فتجاسر المغاربة على النفوذ فاتفق لهم ما اتفق. والوجه هو منتصف ~~الطريق على التحقيق. # وهنالك ماء اخر رائغ (2) عن الطريق في جهة اليسار كثيرا يعرف بالشعبين ، ~~وهو دون الوجه أحساء في نشز من الأرض يتكلف العناء في حفرها ، وربما نضبت ~~فلم يوجد فيها ماء. وقد وردناها في الطلوع فكان بها (3) زحام عظيم ، ولم ~~تعم الناس ، وبيع بها ملء (4) القربة بجملة دراهم. ### ||| * [أكرا] # ومن الوجه إلى أكرا ثلاثة أيام (5) وهو واد كبير ، وماؤه أحساء يحفر عنه ~~نحو القامة ، وهو غزير عذب ، وعن يمينه في [86 / ب] ناحية البحر على مسافة ~~جيدة أحساء أخرى غزيرة ms145 مثل الأولى (6) في واد يقال له اليعبوب ، وقد PageV01P343 # ذكر لي بعض الطلبة من أهل دميرة (1) من ريف مصر حججنا معه ، وقد حج مرارا ~~أن اليعبوب هو وادي أكرا من أسفله. ### ||| * [الحوراء] # ومن أكرا إلى الحوراء ثلاثة أيام ، والحوراء أحساء على شاطئ البحر غزيرة ~~، وماؤها ملح خبيث ، منكر الرائحة لا يكاد يجرع ، وهو أخو المحمودة مطعما ~~وفعلا. وهنالك جزيرة في البحر منقطعة يسكنها بعض العرب ، والحوت (2) غالب ~~عيشهم ، وإذا نزل الركب (3) جلبوه إليهم ، وبالحوراء يتلقى أهل ينبع الركب ~~بالتمر. ### ||| * [المغيرة] # ومنها إلى المغيرة يومان ، والمغيرة تصغير مغارة ، وهي واد بين جبلين ~~محفورة في بطن الوادي ، ومدخلها ضيق يهبط منه في درج وماؤها قليل. ولم يزل ~~الحجاج يتضايقون عندها (4)، ويتقاتلون (5) ويموتون (6) عطشا ، حتى ألهمهم ~~الله منذ أعوام للحفر عندها فحفروا ، فإذا الوادي أحساء ولكنها غائرة يحفر ~~عنها نحو القامتين فاتسع الناس في الماء بعض الاتساع منذ ذلك العهد ، ~~والمغيرة هي العرجاء التي ذكرها ناصر الدين في رسالته. PageV01P344 ### ||| * [ينبع] # ومنها إلى ينبع يومان جادان ، وينبع من بلاد الحجاز المعروفة وهي بليدة ~~في أصل جبل ، ضعيفة البناء قليلة الساكن ، والخراب بها كثير ، وغربيها بسيط ~~متسع ، وهو محط الركب ، ولكنه سبخة لا تنبت ، وفيه نخيل وماء معين طيب. ~~وصاحب ينبع مستبد بها كاستبداد صاحب مليانة ؛ إذ لا أحد يرغب فيهما ولو كان ~~كل (1) بلد مثلهما لوقع الأمان و «لم ينتطح فيها عنزان» (2). ومن ذا الذي ~~يرغب في عين العناء ، وينافس في نفس الفناء ، فهم طلقاء الجوع ، وعتقاء ~~الشظف ، أمنهم الخوف ، ونجاهم التلف. ولكن ينبع على ما هي عليه ترتاح لها ~~النفوس [87 / آ] وينضى لرؤيتها لبوس البوس ، لأنها مراقبة (3) لدار حلها ~~الحبيب ، وربع يدعى فيها الشوق فيجيب ، ويخطر به الخاطر فيعرف ولا يستريب ، ~~لو نطقت بقعه (4) لأفصحت بكل عجيب. منزل غدا للعقول عقالا ، ينفر إليه جند ~~الوجد ( @QUR@02 خفافا وثقالا ) (5) تود الخدود به لو كانت يغالا ، ذا ~~المعالي (6) فليعل من يتعالى. # وللركب في ينبع سوق كبير ، والتمر فيه كثير ، ومنه يتجهز من نقصه شيء من ~~زاده ms146 إلى مكة ، وبه يحط أهل مصر أثقالهم وما لا يحتاجون إليه من PageV01P345 # زادهم حتى يرجعوا. وأهله في خدمة صاحب مصر ، وهو يميرهم (1) بالزرع ، ~~ويمدهم بالتحف ليجدهم الحجاج ركنا ، ويأمن المنقطع لديهم ، ولا يعترض في ماله. # وبخارج ينبع من ناحية الجبل مسجد محكم مليح ، يقولون : إنه مسجد علي بن ~~أبي طالب رضياللهعنه ، ولعله كان بنى هنالك مسجدا حين تنحى إلى ينبع في ~~أيام عثمان رضياللهعنهما . ### ||| * [الدهناء] # ومن ينبع إلى الدهناء مسيرة نصف يوم ، وهي من عمل ينبع ، وبها ماء معين ، ~~ونخل (2) كثير ، وأرضها سبخة (3)، وماؤها طيب. ### ||| * [بدر] # (4) ومنها إلى بدر مسيرة يومين وهو واد به ماء معين ، ونخل وعمارة ليست ~~بالكثيرة (5)، وماؤه طيب ، وبه مسجد مختصر مليح ، ذكروا أنه بني في موضع ~~العريش الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وأكثر سكان بدر ~~ضعفاء ، وهم رفضة ، وكذلك أكثر أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة ~~والسلام. وفي غربي المسجد مقبرة كبيرة ، وفيها (6) قبور شهداء بدر ~~رضياللهعنهم ، ويقوم في بدر سوق كبير أيضا ، لأن أهلها ومن جاورهم إلى PageV01P346 # المدينة يتحينون وصول الركب فيستعدون لذلك ، ويحضرون ما يبايعونهم به من ~~تمر وعلف وجمال وغير ذلك. # وفي غربي المقبرة المذكورة هضبة فيها نصب ، والحجاج يتمسحون به ، ~~ويتطارحون عليه ، ويكثر زحامهم عنده (1)، ويتكلفون الصعود منه إلى أعلى ~~الهضبة ، فيقاسون فيه شدة لضيقه ، [87 / ب] وقلما يتخلص منه الصاعد فيه حتى ~~يأخذ بيده شخص آخر (2) على الهضبة ، ويذكرون في ذلك أشياء مالها أصل ، ~~وكذلك يصنعون في موضع آخر قريب من بدر ، على يمين الطريق فى هضبة بحرف ~~الوادي ، وهنالك شبه غار ويذكرون تخرصا (3) أنه الغار الذي دخله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضياللهعنه حين هاجرا (4) من مكة ، وذلك باطل فإن ~~الغار المذكور بجبل ثور (5) قريبا من مكة وفي ناحية الجنوب منها ، وهو أشهر ~~وأعرف من أن يعرف به. # ومن جملة غرائبهم تسميتهم بدرا ببدر وحنين ، فلا ينطقون بهما إلا مقرونين ~~على أنهما اسم واحد ، واشتهر ذلك عندهم حتى صار في ms147 حيز المقطوع بصحته ، ~~وفشا ذلك على ألسنة الخاصة والعامة حتى لقد أوهم اشتهاره الفقيه ناصر الدين ~~رحمه الله على جلالة قدره ، فذكر حنينا مع بدر في رسالة له وقد مضى ذكر فصل ~~منها ، وليست غزوة بدر من غزوة PageV01P347 # حنين ، ولا موضعهما واحدا ولا زمانهما متقاربا. كانت غزوة بدر في السنة ~~الثانية من الهجرة ، وبدر هو الوادي المذكور على أربعة أيام أو نحوها من ~~المدينة ، وكانت غزوة حنين عام ثمانية من الهجرة بعد فتح مكة. وحنين في جهة ~~الطائف (1) على تسعة (2) عشر ميلا من مكة ، ومن بدر طريق مشرفة إلى المدينة ~~على وادي الصفراء (3) يسرة الطريق وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. ### ||| * [البزواء] # ومن بدر تشير إليك البزواء (4) وهي دوية (5) ممتدة ملساء ، مجهل من أعظم ~~المجاهل ، نكراء ، يضل بها لنكارتها الدليل ، ويذهل فيها الخليل عن الخليل ~~، وهي مسيرة ثلاثة أيام ، ليس بها على الترفق إلمام ، ولا نصبت بها على ~~المسالك أعلام. اشتبهت فما يتميز وراء من قدام. يسرح الطرف بها فلا يقف على ~~مدى (6)، وتظمأ الأفواه فلا تجد بلة تنقع صدى (7)، وفي منتهاها (8) واد ~~يقال له : رابغ (9) وبعضهم يقوله بالخاء ، وإذا كثر المطر كانت به غدران PageV01P348 # عظيمة فيبقى فيها الماء زمانا ؛ وإن قل المطر نضبت وغار الماء ، فيحفر ~~عنه ويتعنى فيه. وفي تلك الجهة عربان كثيرة تقيم مع الركب سوقا عظيمة ، ~~ويجلبون إليها الغنم والتمر فيتسع العيش ويرخص. ### ||| * [الجحفة] # وفي رابغ يغتسل [88 / آ] الحجاج للإحرام ومنه يحرمون وهو دون الجحفة ~~بمسافة. والجحفة على يسار طريق الركب على أميال وهي الميقات ، وما أظن الآن ~~بها عمارة ، وإنما لم يكن الإحرام منها إلا لأنها رائغة عن الطريق. وفي ~~البخاري عن ابن (1) عمر رضياللهعنهما «لما فتح هذان المصران يعني الكوفة ~~(2) والبصرة أتوا عمر فقالوا له : يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرن (3)، وهو جور (4) عن طريقنا وإنا إذا ~~أردنا قرن شق علينا. قال : فانظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق (5)، ~~وإنما لم يتركوا الإحرام إلى ms148 موضع يحاذي الجحفة إذ لا ماء هنالك. ومن سنة ~~الإحرام أن يكون بعقب الغسل ، على أنه ليس بين الموضعين من تفاوت المسافة ~~ما يتقى فيه تقديم الإحرام قبل الميقات. وللقرب تأثير ، وإن كان ابن المواز ~~روى عكس هذا من جواز تقديمه من موضع بعيد ، وكراهته من PageV01P349 # موضع قريب ، ويدل على صحة ما قدمت أنه قد حد الميقات بالجحفة ، ومرة ~~بمهيعة ، وقال صاحب الدلائل : (1) إنها قريبة من الحجفة وإن كان أكثر الناس ~~على خلاف ما حكى ، وإن الجحفة هي مهيعة ، وكذلك في إحرام النبي ~~صلى الله عليه وسلم تارة تذكر البيداء (2) والأكثر ذو الحليفة (3)، وما أوجب ~~ذلك إلا تقارب الموضعين. # وقد خرجنا عما كنا بسبيله ، فلنرجع إلى المقصود فنقول : ذكر أهل الأخبار ~~أن الجحفة كان اسمها قديما مهيعة حتى نزلها بنو عبيل (4) إخوة عاد في الدهر ~~الأول حين أخرجتهم العمالقة من يثرب ، فأتى عليهم سيل اجتحفهم فسميت ~~الجحفة. وحكى القاضي عياض في مشارقة قولا : «إنما سميت الجحفة من سبب سيل ~~الجحاف الذي اجتحف الحجاج عام ثمانين» (5) ولا أدري كيف ينطلق اللسان ~~بحكاية مثل هذا ؛ وبعد أن يحكي كيف لا ينبه عليه ؛ وذلك أنها كانت تسمى ~~الجحفة قبل الإسلام وإلى الآن ، وجاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة والأخبار ~~الثابتة ، وكان سيل الجحاف في إمارة عبد الملك ابن مروان (6) فكيف سميت به ~~قبل وجوده؟ وأغرب من ذلك أن سيل الجحاف PageV01P350 # كان بمكة واجتحف الحجاج من المحصب (1) وذهب بهم وبأمتعتهم ، وهدم بمكة ~~دورا كثيرة [88 / ب] ودخل المسجد الحرام وأحاط بالكعبة. وكان ذلك سحر يوم ~~التروية من عام ثمانين. فما شأنه والجحفة حتى سميت به؟ هذا مما يكون ~~الإضراب عنه صفحا أولى وبالله التوفيق. # وبعد مرحلة من رابغ جاءنا من مصر من أخبر بموت سلطانها الملك المنصور (2) ~~ولهم عن مصر سبعة عشر يوما. وكنا تركنا السلطان على الحركة إلى جهاد عكة ، ~~وقد برز جميع عسكره خارج المدينة فلما خرج مرض فمات من حينه فسبحان من ( ~~@QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) (3) ### ||| * [خليص] # ومن الجحفة إلى خليص ms149 (4) مسيرة ثلاثة أيام ، وهي قليعة منيعة على شرف ~~مرتفع ، ولها نخل كثير ، وماء جار طيب ، وصاحبها من الشرفاء مستبد بها ، ~~وهو رجل صالح محب في الحجاج ، مكرم لهم. وإذا نزل الركب به تلقاهم وأحسن ~~مثواهم ، والعربان تقيم هنالك سوقا عظيمة ويجلبون إليها الغنم والتمر ~~والإدام فيكثر العيش بها ويرخص. PageV01P351 ### ||| * [عقبة السويق] # ودون خليص على (1) مقدار نصف يوم عقبة السويق ، وهي عقبة كثيرة الرمل ، ~~وليست بطويلة ولكنها شاقة لوعرتها (2)، والناس يقصدونها بشرب السويق ، ~~ويستصحبونه برسم ذلك من مصر ، ويخلطونه مع السكر ، وأصحاب مصر يسقونه للناس ~~هنالك كثيرا ، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بها ولم يكن معهم ~~طعام فأخذ من رملها وأعطاهم إياه فشربوه سويقا ، ولم أقف على هذا فيما وقفت ~~عليه من معجزاته صلى الله عليه وسلم وما هو ببعيد في حقه والله أعلم. ### ||| * [بطن مر] # ومن خليص إلى بطن مر (3) ثلاثة أيام وهو واد به نخل كثير ، وماء جار ~~وعمارة وهو من عمل مكة شرفها الله وهو مر الظهران المذكور في الحديث. ### ||| * [المدرج] # والمدرج على نصف يوم من خليص ، وهو مضيق بين جبلين ، وفي موضع منه بلاط ~~على صورة الدرج وأثر عمارة قديمة ، وهنالك بئر تعرف ببئر علي ، ويقولون : ~~إن علي بن أبي طالب رضياللهعنه أحدثها هنالك. # ومن بطن مر إلى مكة شرفها الله نصف يوم ، وقول من قال : إن بينهما ستة ~~عشر ميلا [89 / آ] أشبه ما قيل في ذلك ، والله أعلم. PageV01P352 ### ||| * [مساجد عائشة] # وعلى مقربة من مكة بنحو أربعة أميال ثلاثة مساجد مصطفة على الطريق ، ~~بينها مسافة قليلة ، وموضعها التنعيم (1)، وهو أدنى الحل إلى الحرم ومنه ~~يعتمر أهل مكة. وكانت عائشة رضياللهعنها اعتمرت من هنالك حين بعثها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع أخيها عبد الرحمن من مكة في حجة الوداع ، فبنيت ~~تلك المساجد هنالك ، وعرفت بمساجد عائشة وموضع إحرامها. ### ||| * [بطن ذي طوى] # ووراءها إلى مكة بطن ذي طوى (2) وهو واد يهبط على قبور المهاجرين التي ~~بالحصحاص (3)، وهو (4) دون ثنية كداء (5) والطريق من ms150 هنالك متياسرة عن ~~الثنية المذكورة ، آخذة على ثنية الحصحاص (6)، وذو طوى بينهما وبين ~~المقبرة التي بأعلى مكة وتسمى كدى على ما ذكروا. وأما أبو الوليد الأزرقي ~~فلم يسمها إلا بما تقدم (7) وفي الموطأ والبخاري «أن عبد الله بن عمر ~~رضياللهعنه كان يبيت بذى طوى بين الثنيتين ويغتسل فيه ، ثم يغدو منه إذا PageV01P353 # أصبح إلى مكة» (1). زاد البخاري : «ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يفعل ذلك». والثنيتان : ثنية الحصحاص ، وثنية المقبرة كما تقدم. # قال الأزرقي : «والمسجد الذي هنالك بنته زبيدة (2) حيث نزل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (3).» وفي البخاري عن ابن عمر قال : «ومصلى (4) رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أكمة غليظة ليس في المسجد الذي بني ثم ، ولكن أسفل من ~~ذلك (5)» قلت : وقد اختلف في موضع ذي طوى وفي ضبطه ، فأما موضعه فالصواب ~~فيه ما تقدم ، وقال القاضي أبو الوليد الباجي : هو ربض من أرباض مكة يعني ~~ناحية قريبة منها ، ولم يرد أنه من نفس البلد. وقال عياض : «هو واد بمكة» ~~(6) وهذا نحو الأول وذكره ابن جبير في رحلته : «بين مساجد عائشة وبين ~~الثنية» (7) وذلك واد به كما تقدم. وحكى عياض عن الداودي «أنه الأبطح» (8) ~~، وهو غلط منه ، وإنما الأبطح المحصب وهو وادي مكة من ناحية المعلاة (9)، ~~وهي أعلى مكة وسيأتي [89 / ب] ذكره. PageV01P354 # وأما ضبطه : فالأكثر فيه فتح الطاء والقصر ، وترك الصرف وبعضهم يصرفه ، ~~ومده ثابت ، وقال الأصمعي : الممدود بطريق الطائف ، وهذا مقصور ، وفي بعض ~~الروايات : ذو الطواء ممدودا ومقصورا معرفا ، وحكي فيه الضم والكسر مع ~~القصر ، والمشهور من هذا كله ما بدأت به ، وبالله التوفيق. # وإذا سار الركب من ثنية الحصحاص على ذي طوى ، رأوا (1) مكة يمينا وساروا ~~يسرتها ، وقد سترها عنهم الجبل المطل عليها ، حتى يدوروا من ورائها ، ~~ويدخلوا من ناحية المشرق على ثنية كدى التي بأعلى مكة وهي ثنية المقبرة كما ~~تقدم ، ويهبط منها على مقابر (2) مكة وهي الحجون (3)، وقيل : الحجون (4) ~~الجبل المشرف عليها ، ويهبط منها على المحصب وهو الأبطح ، وكنت ms151 لما هبطت من ~~هذه الثنية لقيت رجلا من أهل مكة فقلت له : أين المحصب؟ فقال لي : هذا هو ، ~~وأشار إلى بطن الوادي ، قلت : وهو خيف بني كنانة (5)، وفي البخاري : إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمنى : «إنا نازلون غدا إن شاء الله خيف ~~بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» (6) وفسر في الحديث نفسه (7) بأنه ~~المحصب. PageV01P355 ### ||| * [ثنية كداء] # وهذه الثنية هي التي دخل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، ~~وهي كدى بالضم والقصر ، وخرج من الثنية البيضاء التي بأسفل مكة ، وهي كداء ~~بالفتح والمد ، وقد اختلف في ضبطهما (1) اختلافا كثيرا والصواب ما ذكرنا ، ~~والله أعلم. # وقد قيل بعكس ذلك وهو الأشهر عند الفقهاء ، وبعضهم يصرفها والصواب ترك ~~صرفها. ولم يسم الأزرقي بهذا اللفظ إلا السفلى (2) وذكرها بالمد وأنشد قول ~~حسان : (3) [الوافر] # عدمنا خيلنا إن لم تروها %~% تثير النقع موعدها كداء # قلت : وهي ثنية بيضاء بين جبلين ، وبينها وين مكة بسيط سهل ، وهو موضع ~~نزول الركب إذا صدر من منى. وفي مضيقها كوم عظيم من حجارة يقولون : إنه قبر ~~أبي لهب (4) رجم حتى صار كذلك. ويقال : إنه قبر أبي رغال (5)، ولا أتحقق ~~شيئا من هذا ، ولا يصح أن يكون قبر أبي رغال فإن أبا [90 / آ] رغال كان من ~~ثقيف ، بعثه أهل الطائف دليلا على الكعبة لأبرهة (6) PageV01P356 # ملك الحبشة حين أراد هدمها فلما نزل بالمغمس (1) مات أبو رغال فرجم قبره ~~هنالك إلى اليوم. ### ||| * [المغمس] # والمغمس على يمين المصلي بعرفة ، وليس منها بعيدا ، وقد سألت بعرفة شيخا ~~من أهل البلاد خبيرا بها عن حدود عرفة ، ومسجدها ، فدلني على موضع المسجد ~~وذكر جهات عرفة حتى ذكر المغمس فقلت له : أين هو؟ فأشار لي إلى ناحية ~~اليمين وأنت مستقبل القبلة ، وقد وهم فيه الأستاذ أبو القاسم السهيلي (2) ~~رحمه الله فذكر أنه «من مكة على ثلثي فرسخ» (3) وذلك ما لا يصح. وليس المغمس ~~من الحرم ، ولا وصل أصحاب الفيل إلى الحرم ، بل المروي خلاف ذلك ، وهو أنهم ~~لما نزلوا ms152 بالمغمس برك الفيل ، فكانوا إذا وجهوه إلى ناحية الشام ولى يهرول ~~، وإذا ردوه إلى اليمن (4) فعل ذلك ، وإذا وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح. ~~وإن صح الحديث الذي ذكره السهيلي ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم : «كان إذا ~~أراد قضاء الحاجة وهو بمكة خرج إلى المغمس على ثلثي فرسخ» (5). فمعناه أنه ~~يخرج إلى ناحية المغمس لا أنه يصل إليه ، ولعل PageV01P357 # التقييد بثلثي فرسخ إنما كان لمسافة المذهب لا لمسافة المغمس ، ولا يصح ~~غير هذا والله أعلم ؛ اللهم (1) إلا يكون بالحرم موضع آخر يقال له : المغمس ~~غير الذي انتهى إليه أبرهة ومات به أبو رغال. وما أظن ذلك كائنا والله أعلم (2). ### ||| * [ذكر مكة] # ثم نزل الركب بالمحصب يوم الاثنين سابع ذي الحجة ، وبات به ليلة ثم رحل ~~من الغد ، وهو يوم التروية إلى منى. وفي [يوم] (3) التروية دخلت إلى البلد ~~الأمين (4)، مقر المجد الصميم ، والشرف المكين ، فخر بقاع الأرض كلها على ~~مر السنين ، فأقسم بالله أعظم يمين ، قسما لا يكذب ولا يمين ، ما حرم سكناه ~~إلا ذو حظ غبين : [الخفيف] # بلد نحوه يحن الرسول %~% وبه علقت قديما عقول (5) بلد إن رأه يوما مشوق %~% قال : لمني ، أو لا تلم يا عذول لو رأى من سناه غيلان مي %~% بارقا لم تشقه تلك الطلول (6) [90 / ب] أسفي أن حرمت سكنى حماه %~% وعداني عنه الزمان المطول (7) PageV01P358 5 يا لحظ بخسته في ثناء %~% عن مغان لها حديثي يطول لاح لي مرة كما زار طيف %~% أو وداع إذا استقل الحمول (1) كنت أرجو به شفاء غليلي %~% فإذا فيه لي جوى وغليل (2) أسعداني بذكره يا خليلي %~% ي فقد يسعد الخليل الخليل وعداني ومنياني وصولا %~% فقصارى منى الفؤاد الوصول 10 يالربع غدا به ربع صبري %~% وهو مستعجم الرسوم محيل (3) منذ فارقته ، فدمعي سيل %~% والأسى غيمه وخدي مسيل ورمى بعده بعي لساني %~% لست أدري من بعد ما أقول # يا له مشهدا شهد له التنزيل بالتفضيل ؛ وسما عن أن يقرن بعديل أو مثيل ، ~~ما كاده أحد إلا [رجع] (4) وشبا حده فليل ؛ ولا ms153 مال إليه بظلم إلا والآفات ~~عليه تميل ( @QUR@07 ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) (5)، بلد كأن نفوس ~~الخلق عجنت من طينته ؛ فالخواطر مشغولة بتصور زينته ؛ انزعج نحوه عقل طالما ~~سار على هيئته ، وابتذل بالسعي بدن نشأ على سكينته ، يقطع إليه ميلا بعد ~~ميل. كم حوى من مأثر لا تحد ، كم ضم من مفاخر لا تعد ، كم به من أشعث دعوته ~~لا ترد ، توده الدنيا وهو يعلم ما يود ، مال عنها وهي PageV01P359 # للعقول تستميل. حرم لا يهتك حماه ، شرف لا يحط علاه ، علم لا يجحد هداه ، ~~من أمه من قفر التيه هداه ، ويشفى إن تمسح (1) به العليل. إن حله مناد ~~استقام منه ما انآد ، وإن رآه الصعب سلس وانقاد ، يسلو به الفتى عما ألف ~~واعتاد ، ويأمن مكر من مكره أو كاد ، ويظل الخائف ما عليه من سبيل. هو ربع ~~السلامة لا ربع بذي سلم ، كم فيه للهدي من (2) رسم وعلم ، كم (3) جبر به من ~~الدين ما انثلم ، كم أمه بالقصد ناقص فلم يلبث أن أمد بالتفضيل. هنيئا لمن ~~أصبح به قاطنا ، لقد ظفر بالمنى ظاهرا وباطنا ، يكيفه من [91 / آ] محكم ~~كتابنا ( @QUR@04 ومن دخله كان آمنا ) (4) لا خلف فيه ولا تبديل. ما عسى أن ~~يذكر العارف؟ ما عسى أن يسرد الواصف؟ ما عسى أن يمدح السالف والخالف؟ ما ~~عسى أن ينقص من البحر (5) الغارف؟ بان العجز سواء أقصر أم أطيل. # ليت شعري هل أعود إليه ثانية؟ ليت شعري هل تفك هذه النفس العانية؟ ليت ~~شعري متى (6) ترفض (7) هذه الفانية؟ فتصبح الآمال بمكة دانية ، وحبذا فيها ~~المعرس والمقيل (8): [الطويل] # ألا ليت شعري هل يساعدني الوقت %~% وتدني لي الأيام ما نحوه تقت وهل لي إلى تلك المعاهد عودة %~% بسكنى مغان ، قربها كل ما اشتقت (9) PageV01P360 مغان حداني الشوق والوجد نحوها %~% مقيما فأعطيت المقادة ~~وانسقت (1) وكنت على ألا أفارق ربعها %~% ولكنني من شؤم ذنبي عوقت 5 كأن لم يكن لي في المحصب منزل %~% به من ضنى جسمي وقلبي أفرقت (2) ولم يصف عيشي بالصعود على الصفا ms154 %~% ولا أنني من صفو حال بها ذقت (3) ولا رحت كالنشوان من طرب به %~% ومن غير كاسات الهوى ما تفوقت (4) أباري غصون البان إما تمايلت %~% لأن صرت مجموعا وكنت تفرقت (5) أطالع من ذاك الجمال مطالعا %~% بها طال في جنح الدجا ما تأرقت (6) 10 وكنت كغصن قد ذوى من صدى به %~% فلما حللناها رويت وأورقت # وقد ان أن نقيد من وصف هذا البلد الشريف زاده الله جلالة ، نبذة موجزة ~~تليق بهذا التقييد مما لعله يشفي غليل المتشوف ، ويحلى بعين الناظر المنصف ~~، فللكلام (7) صور متباينة كالإنسان ، ويختلف على قدر اختلافها PageV01P361 # الاستحسان ، وقد (1) كنت تجهزت للمقام بها حتى أشفي غليلا ، واتصفحها ~~بالتأمل جملة وتفصيلا ، فأزعجت الأقدار المانعة ، وزحزحت عن توطنها الأحداث ~~الواقعة ، فلم يمكن من وصفها إلا ما اختلس الطرف منتهبا ، وما اختطف اللحظ ~~الذي غادر [91 / ب] القلب ملتهبا. وعلى ما كان من حال ، فلا يسع الإهمال ~~والإغفال ، فليكن اقتصار (2) إن لم يكن احتفال ، وقد قيل في المثل الذي ~~غبرت به الأعصار «ألجحش لما بذك الأعيار» (3). وها أنا أصف على قدر ~~الإمكان ، فأقول والله المستعان : إن مكة شرفها الله من عظيم آيات الله (4) ~~في الأرض (5) الدالة على عظيم قدرته ، فإنها بلد يسبي عقول الخلق ، ويستولي ~~على قلوبهم ويتملك رقها من غير سبب ظاهر ، فالنفوس إليه نزاعة من كل أرض ، ~~ولا يدخله أحد إلا أخذ بمجامع قلبه مع عدم الدواعي إلى ذلك ، ولا يفارقه ~~إلا وله إليه حنين ، ولو أقام به على الضنك سنين ، لا يمل سكناه ، ولا تضيق ~~النفس بلزوم مغناه. على أنه بواد كما قال الله عز وجل : ( @QUR@03 غير ذي ~~زرع ) (6) وأرضه (7) جدبة كلها حجر ، لا ماء ولا شجر ، وفي أصحابها بعض ~~جفاء وقلة ارتباط للشرع. وهم في الغالب يؤذون الحجاج PageV01P362 # ويحيفون (1) على المجاورين بها ، وقلما ترى منهم من يتبرم بسكناها على ما ~~خيلت (2)، ولا من يسر بالانفصال عنها. وما فارقها أحد إلا وفي نيته الرجوع ~~إليها ، وهذا أمر أطبق عليه السالف ممن رآها والخالف ، واتفق عليه المؤالف ~~ممن شاهدها والمخالف. لا ms155 يخلو فكر من تصورها ، ولا خاطر من توهمها ، فهي ~~نصب الأعين وحشو القلوب ، حكمة من الله وتصديقا لدعوة خليل الله (3). ~~يحضرها الشوق إليها وهي غائبة ، ويدنيها وهي نائية. ويهون ما يتكلف إليها ~~من المشاق ، وما يعانى إليها من العناء ، فكم من ضعيف يرى في الطريق إليها ~~الموت عيانا ، ويبصر فيها الحين مشاهدة ، ويلقى فيها الردى مكافحة ، يطوي ~~الليالي والأيام وتطويه ، وتتقاذف به الفلوات والبيد ، يسقط في كل مرحلة ~~جزء من قواه ، وينهد في كل منهلة جانب من جثته. يقدم على الردى وهو يشاهده ~~ويترامى إلى الفناء [92 / آ] وهو يعانيه ببدن عرقه (4) الجهد وأنضاه النصب ~~، وأذواه (5) سموم (6) الهواجر وصر (7) البكر ، يباشره الأذى (8) من غير ~~حائل ، وينافحه من غير جنة (9)، رجله مطيته ، وأخمصه حذاؤه ، وبشرته ~~دثاره. لا زاد إلا ما ترشح به الأكف ، ولا ماء إلا ما PageV01P363 # يتبرض (1) في المناهل. فلا يصل إليها إلا وهو نضو (2) دنف. قد سامه ~~ليبتاعه التلف. فما هو إلا أن يرده امتداد الأجل إلى أرضه ، ويرميه إلى ~~مسقط رأسه ، حتى تراه مستعدا لمثلها ، مشيح (3) العزم في الإقدام ثانية ~~عليها. لم يثن عزمه ما كابده من البرحاء (4)، ولا كسر من حده ما شاهده من ~~فرط العناء ، فيبتدئها (5) جديدة ، ويفر عنها جذعة (6)، ويستقبلها مستأنفة ~~، كأنه لم يذق لها مرارة ، ولا رأى من دلائل نصبها أمارة ، وهل هذا إلا صنع ~~إلهي ، وأمر رباني ، ودلالة (7) لا تشوبها شبهة ، ولا تمر بها مرية ، تقوي ~~بصيرة المستبصر ، وتسدد فكرة المتفكر ؛ هذا وكم من آية لها تبهر العقول ، ~~ودلالة تشاهد على وفق المنقول. ### ||| * [حدود مكة] # وهي شرفها الله بلدة كبيرة متصلة البنيان في بطن واد بين جبال محيطة بها ~~، لا يراها القاصد إليها حتى يشرف عليها. والجبال المحيطة بها ليست شامخة ، ~~وبنيانها آخذ في الاستطالة مع الوادي ، ولا سور لها ، إلا أنها حيزت من ~~أعلى الوادي وأسفله بحائطين من صخور لا ملاط لها ، قطعا (8) الوادي عرضا ~~حتى وصلا بين الجبلين ، وهما على فسحة من البلد. وأعلى PageV01P364 # الوادي ناحية المشرق ، وأسفله ناحية المغرب ، ولكن ms156 دخول الحجاج من أعلاه ~~حسبما تقدم ولها ثلاثة أبواب : باب المعلاة (1) من أعلاها ، وباب الشبيكة ~~(2) من أسفلها ، والثالث باب اليمن (3) من جهة الجنوب. # وفي شرقها المناسك كلها : عرفة ، ومزدلفة (4)، ومنى على ما يتبين إن شاء ~~الله. وفي الجنوب منها جبل أبي قبيس (5) وفي الشمال الجبل الأحمر (6)، ~~وقعيقعان (7). وأبو قبيس والأحمر هما الأخشبان ، والأخشب ما غلظ من [92 / ~~ب] الأرض ، وكذلك كل غليظ يقال له : أخشب وخشب. ومنه أخشبا مكة ، وأخشبا ~~منى ، أي جبلاهما. ومن جهة أبي قبيس أجياد الكبير ، وأجياد الصغير : شعبان ~~هنالك. وبها الخندمة (8) وهي جبل مذكور في الحديث ، وفي PageV01P365 # الشعر المشهور للهارب (1) يوم الفتح قال : (2) [الرجز] # إنك لو شهدت يوم الخندمه (3) %~% إذ فر صفوان ، وفر عكرمه # ومن جهة قعيقعان (4) يتصل الجبل إلى الحجون ، وهو (5) ما أشرف منه على ~~المقبرة ، ويقال : هو المقبرة على ما تقدم ، قال الحارث بن عمرو بن مضاض ~~(6) الجرهمي : (7) [الطويل] # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا %~% أنيس ولم يسمر بمكة سامر # وقال المعري : (8) [الطويل] # فلا يبك مكي لفقد حجونه %~% لكل بلاد مصرع وحجون PageV01P366 # وهنالك ثنية المقبرة كما تقدم ، وليس بين هذا الموضع وبين مكة إلا أقل من ~~نصف ميل ، ولا أدري من أين أتى السهيلي فقال : «بين الحجون ومكة فرسخ وثلث» ~~، ولعل ذلك من جملة تحكماته فله منها عدة والله الموفق. ### ||| * [المسجد الحرام] # وأما المسجد الحرام (1) زاده الله تشريفا فهو وسط البلد ، كبير متسع ، ~~يكون طوله «أزيد من أربع مئة ذراع» (2) كما ذكر الأزرقي رحمه الله وطوله من ~~الشرق إلى الغرب (3) وهو قريب من التربيع ، يخيل للناظر إليه أنه مربع ، ~~مفروش برمل أبيض جميل المنظر جدا ، محكم العمل ، عجيب الصنعة ، كثير ~~الإشراف ، مرتفع الحيطان نحو عشرين ذراعا ، ودوره كله مسقف على أعمدة عالية ~~، ثلاثة صفوف بأتقن ما يكون من العمل ؛ وفي كل جهة أبواب جملتها تسعة ~~وثلاثون (4)، وباب بني شيبة في ركن الحائط الشرقي من جهة الشمال أمام باب ~~الكعبة متياسرا ؛ وفي جهة الشمال باب دار الندوة (5)، ودار الندوة قد جعلت ~~مسجدا شارعا في ms157 الحرم (6) مضافا إليه ، وهي مقابلة للحجر والميزاب ، وفي ~~جهة الغرب باب العمرة ، وهو من أجمل أبوابه ، [93 / آ] وهنالك مدرسة مليحة ~~لها علو وسفل ، وفيها بعض الضيق ، دخلتها أطلب فيها مسكنا PageV01P367 # قبل أن يتعين لي موضع ، ثم اكتريت الدار ولم يقض لي سكناها ، وسألت القيم ~~أو غيره عن (1) صاحب المدرسة ، فقال لي : هو حفيد الشيخ الفقيه محب الدين ~~الطبري ، فتى حدث (2) السن. وفي جهة الجنوب باب الصفا وهي من ناحية الركنين ~~الأسود واليماني. وكلاهما إلى ناحية اليمين وفي الموطأ عن عبيد [الله] (3) ~~ابن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر : «رأيتك لا تمس من الأركان إلا ~~اليمانيين» (4)... الحديث وهذه الأربعة (5) الأبواب أشهر أبواب الحرم ، ~~وفيه خمس صوامع (6) واحدة على ركن أبي قبيس بين الحائط الجنوبي والشرقي عند ~~باب الصفا ؛ وثانية على ركن باب بني شيبة بين الشرقي والشمالي ؛ وثالثة على ~~باب دار الندوة في الحائط الشمالي ؛ ورابعة على ركن باب السرة وهو باب بني ~~جمح بين الشمالي والغربي ، وخامسة على ركن أجياد بين الغربي والجنوبي. # واعلم أن قولنا في نسبة هذه الجوانب إلى الجهات ليس على الحقيقة ، ولكن ~~على التقريب ومراعاة الأكثر ، إذ الكعبة غير موضوعة على مسامتة حقيقة (7) ~~الجهات ؛ بل فيها انحراف كما سيأتي عند ذكرها إن شاء الله. PageV01P368 ### ||| * [بئر زمزم] # وفي شرقي الكعبة بإزاء الباب قبة زمزم على البئر ، كبيرة متسعة مربعة. ~~وفي دورتها (1) حياض متقنة العمل ، دائرة مع القبة ، تملأ بالماء للوضوء ، ~~وعلى البئر تنور من رخام. وعمق البئر من أعلاه إلى سطح الماء كما ذكروا نحو ~~من ثلاثين ذراعا (2) ومن سطح الماء إلى قعر البئر نحو من أربعين ذراعا. ~~ويقال : إن عمقه من أعلاه إلى أسفله اثنان وسبعون ذراعا ؛ وسعته قريب من ~~أربعة أذرع ، وماؤه دفيء ، وليس بتلك العذوبة : [الطويل] # ولكن له في النفس موقع فرحة %~% تفاجئ بعد اليأس قلب كئيب تري صور الأحباب مراة صفوه %~% فيطفي من الأحشاء لفح لهيب[93 / ب] # وقد (3) تمسحنا به وتوضأنا ، (4) وتروينا منه وتملأنا ، واقتضينا منه ~~عللا بعد نهل ، فشفى الغلل ms158 وأبرأ العلل. وبودي لو عوضته (5) عن كل ماء ، ~~وغنيت به عن كل مشروب ، ووردته دون كل منهل ، ولكن القضاء منفذ حكمه على ما ~~سر العباد وغمه ، حتى ينصرف في غير مانواه ، ويروغ كرها عن محجة هواه ، ~~بالله أعتصم وإياه أستقيل ، وهو حسبي ونعم الوكيل. ### ||| * [جهل الحجاج] # ولم أدخل قبة زمزم لكثرة الازدحام ، ولا ضاغطت (6) في دخولها ، لما كنت ~~عزمت عليه من الإقامة ، فأملت التشفي منها ومن غيرها في وقت الفراغ PageV01P369 # وخفة الزحام ، وقدرت (1) ما جرى القدر بغيره ، وليس إلا ما شاء الله. وقد ~~وقفت عليها مرارا ، فلم أجد مدخلا من كثرة الخلق ، وإفراط الزحام ، والذي ~~يكون بها وبغيرها من المضايقة ، والمدافعة ، وتكلف ما لم يرد به شرع ، ~~وتقول (2) ما ليس له أصل ، أمر يضيق عنه الوصف. وقديما شكي بذلك ، قال ~~قتادة : «في قوله تعالى : ( @QUR@05 واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) (3). ~~إنما أمروا أن يصلوا عنده ، ولم يؤمروا بمسحه ، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ~~ما تكلفته (4) الأمم قبلها ، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثره وأصابعه فما ~~زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق وامحى» (5). # قلت : ولم ير عبرة من لم ير قتالهم على الركن الأسود ، وعلى دخول الكعبة ~~، ترى الرجال يتساقطون على النساء ، والنساء يتساقطن على الرجال ، ويلتف ~~البعض بالبعض ، ويتأهبون للقتال ، ويستعدون للدفاع والملاكمة ، وقلما يتمكن ~~أحدهم من الركن فيفارقه حتى يثخن (6) ضربا ، ويكونون في الطواف فإذا جاؤوا ~~إلى الركن تركوه إلى البدعة (7) وما لا يعني ، فبعضهم في التزام (8) الحجر ~~وقطع الوقت به لثما ولحسا ، وبعضهم في صب العفونات (9) عليه PageV01P370 # ومحاولة تنحيته ، وباقيهم يتقاتلون على الدنو منه. ويشاهد هنالك من ~~المناكر ما لا تحصره عبارة. # وأما قتالهم على باب الكعبة ، وتطارحهم [94 / آ] وتعلق بعضهم ببعض فعجب ؛ ~~وذلك أن الباب مرتفع أزيد من القامة ، وفيه قوم وقوف تنثال (1) عليهم ~~الدنانير والدراهم بلا حساب حلوانا على دخول البيت ؛ فإذا أدلوا شخصا من ~~الأرض تعلق به آخرون فتراهم سلسلة أولها في الكعبة وآخرها في الأرض ورأيت ~~رجلا ينزو (2) ليجد ما يتعلق به ، فصادف ms159 ساق امرأة ، فقبض عليه من أعلاه ، ~~وتعلق به مباشرة من غير حائل. # وتراهم في قبة زمزم يتقاتلون على الماء ، ويأخذ أحدهم الدلو فيصبه على ~~نفسه بثيابه ، حتى لوثوا الموضع. ويتقولون (3) في ذلك أشياء مالها وجود ، ~~مثل زيادة الماء في ليلة الجمعة ، وهو أمر مشهور عندهم. وقد ذكر ابن جبير ~~في رحلته أنه قاسه في ليلة الجمعة وهو يتقاتلون عليه وقت زيادته بزعمهم ~~فوجده على حاله (4). # (5) وبودي لو أتاح الله لهم محتسبا (6) يذيقهم النكال ، (7) فإن حرم الله ~~أولى المواضع بالهيبة ، ولزوم السكينة ، وقد أسقطوا بجهلهم وجفائهم حرمته ، ~~حتى إن منهم من لم يبال بالبصاق وقتل القمل فيه ، وإلقاء الوسخ في داخله (8). PageV01P371 # وقد دخلت مسجد دار الندوة ، فوجدته ملآن من الأوساخ والقمامات ووجدت فيه ~~أناسا نزلوه (1) بأسبابهم وهم يعملون أعمالهم من سائر الصناعات. # وفي داخل المسجد الحرام عند باب بني شيبة سوق كبيرة بأنواع المبيعات ، من ~~أكثر الأسواق زحاما ولغطا. # وقد رأيت في نزول الركب بالمحصب قوما أدخلوا دوابهم في مقبرة جديدة مبيضة ~~وحصنوها داخل الروضة على المقابر ؛ ووتدوا لها هنالك أوتادا وبيتوها (2) ~~بها ، فمررت عليهم حين أصبح وأنا داخل إلى مكة ، فرأيت الروضة ممتلئة ~~بالروث وعاينت منظرا شنيعا (3)، فكلمتهم فقابلوني بالجفاء فانصرفت. # ورأيت بمسجد الخيف طهره الله بمنى من قلة تحفظهم ، وكثرة تهاونهم ، ما ~~يتغير له قلب كل مؤمن ورأيت في داخله العذرة ، وأنواعا من [94 / ب] ~~الكناسات والأقذار ، ورؤوسا مطروحة ، وجزارة أنتن بها المسجد. وهم يوقدون ~~فيه النار حتى اسودت حيطانه ، (4)، وصار كالمطبخة ، فسبحان من قضى بما شاء ~~، وهو الفعال لما يريد. (5) # وبإزاء قبة زمزم قبة الشراب ، يسقى منها الناس في رمضان ؛ ويجري إليها ~~الماء في قناة تحت الأرض من قبة زمزم. وبإزائها بيت صغير هو مخزن الكعبة ، ~~وليس في المسجد بنية سوى هذه الثلاث. PageV01P372 ### ||| * [مقام إبراهيم] # والمقام بإزاء باب الكعبة متياسرا عن قبة زمزم ؛ وأقرب منها إلى الكعبة ~~يسيرا. وبينه وبين الكعبة سبعة وعشرون ذراعا على ما ذكر الأزرقي ، قال : ~~«وبينه وبين الركن الشامي ثمانية وعشرون ذراعا وتسعة عشر ms160 إصبعا ، وبينه ~~وبين الركن الأسود تسعة وعشرون ذراعا وتسعة أصابع» (1). # قلت : وقد وقفت مع أخي عند المقام فذكرت له قول الأزرقي فنظرنا ما بينه ~~وبين الحجر الأسود فقدرناه بنحو مما ذكر. # والمقام حجر فيه أثر قدمي إبراهيم عليه السلام ، وقف عليه وهو يبني الكعبة ~~، فساخت (2) فيه قدماه. وقيل : كان كلما ارتفع البناء ، ارتفع به المقام في ~~الهواء حتى تم البيت ، وقيل : إنما وقف عليه حين أذن في الناس بالحج فتطاول ~~حتى علا الجبال ، وأشرف على على ما تحته ، فنادى : أيها الناس أجيبوا ربكم. ~~وقيل غير هذا مما هو مسطور. والأول هو الصحيح حسبما يأتي ذكره من حديث ~~البخاري. وسأل أبو سعيد الخدري عبد الله بن سلام (3) رضياللهعنهما عن الأثر ~~الذي في المقام فقال : كانت الحجارة على ما هي عليه الآن ، إلا أن الله ~~تعالى أراد أن يجعل المقام آية من آياته. وتقدم قول قتادة (4): «ذكر لنا ~~بعض من رأى أثره وأصابعه». قال الأزرقي : «وهو مربع (5) PageV01P373 # طوله ذراع ، وعرضه أحد وعشرون إصبعا ، والقدمان داخلتان فيه سبعة أصابع ، ~~وبين القدمين إصبعان ، ووسطه قد استدق من التمسح به ، وهو في حوض من ساج ~~مربع حوله رصاص ، والحوض ملبس بالرصاص وعليه [95 / آ] صندوق ساج مسقف يقفل ~~عليه». (1) # قال : «وهو حجر رخو مضبب (2) بالذهب من أعلاه وأسفله ، ضببه المهدي بألف ~~دينار ، وزاد عليه المتوكل ذهبا آخر (3)». قال غيره : ولونه بين الدكنة ~~(4) والحمرة ، منقط بنقط سود مخضر الوسط (5). # قلت : وعليه الآن شباك (6) من حديد على نعت قبيبة متجاف عنه قدر ما يصل ~~من يدخل يده بأصابعه إلى الصندوق ، والشباك (7) مقفل عليه ، ومن ورائه موضع ~~قد حيز وجعل مصلى لركعتي الطواف وغيرهما. # وفي الصحيح : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد أتى البيت ~~فطاف فيه سبعا ، ثم أتى المقام فقرأ ( @QUR@05 واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى ) وركع خلفه ركعتين». (8) PageV01P374 ### ||| * [الكعبة] # وأما الكعبة شرفها الله فهي في وسط المسجد. وفي موضعها يسير نتوء يبين ~~للمتأمل ، وبناؤها عجيب متقن من حجر منحوت محكم الإلصاق ولونه إلى ms161 الحمرة ~~مع دكنة يسيرة ، وارتفاعها في السماء كما ذكروا ثلاثون ذراعا [..... ] (1). # بعلمين مثبتين في البناء ، وهما أسطوانتان خضراوان ، والمطاف لاصق ~~بالمسجد ، والمسجد على يسار الذاهب من الصفا ، [والمروة] (2) ناتىء مثل ~~الصفا أو دونه قليلا ، ولها درج لا أقف الآن على حقيقته وذكر الأزرقي «أنه ~~خمس عشرة درجة» (3) وأنا أرى [غير ذلك] (4). # ولست من هذا على ثقة ، وعليها قوس مبني ، ووراءه موضع أبيض مضيء مستو. ~~قال أهل اللغة : والمروة حجارة بيض رقاق (5) ويقال : بل هي حجارة القداح. ~~والصفا : الحجر الصلد الأملس (6). وبين الصفا والمروة على ما ذكر الأزرقي ~~رحمه الله : «سبع مئة ذراع وستة وستون ذرعا ونصف». (7) وبين العلمين ، وهو ~~المسعى ، مئة واثنا عشر ذراعا ، وبالله التوفيق. PageV01P375 ### ||| * فصل ### ||| * [اسماء مكة] # [95 / ب] قال الله جل ذكره : ( @QUR@08 إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ~~مباركا ) (1). وقال : ( @QUR@09 وهو الذي كف أيديهم عنكم ، وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة ) (2). فاختلف في هذين الاسمين ، فقيل : هما واحد ، والباء تبدل ~~من الميم. كما يقال : لازم ولازب. وقيل : مكة بالميم اسم البلد ، وبالباء ~~موضع البيت ، وقيل : بكة بالباء بطن مكة ، وقيل موضع المسجد والبيت ، وهذا ~~كله متقارب ، واختلف في اشتقاق الاسمين فقيل : بكة بالباء مشتقة من ~~الازدحام وأنشد أبو عبيدة : (3) [الرجز] # إذا الشريب أخذته أكه %~% فخله حتى يبك بكه (4) # وقيل : من بك العنق وهو التواؤها ، لأنه ما فجر فيها أحد في الدهر الأول ~~إلا أصبحت عنقه ملتوية. # قلت : ويحتمل أن يكون من بك الشيء إذا فرقه ، لتفرق الناس منها في كل جهة ~~عند فراغ الحج ، قال امرؤ القيس : (5) [الطويل] # ولله عينا من رأى من تفرق %~% أشت وأنأى من فراق المحصب (6) PageV01P376 # وأما مكة بالميم فقيل : هي من قولهم (1): امتك الفصيل ما في ضرع أمه إذا ~~مصه مصا شديدا ، سميت بذلك لاجتذاب الناس من الآفاق أو لاستقصائها محو ~~الذنوب ، أو لقلة مائها (2)، حكاه ابن دريد أو لأنها تنقص من ظلم فيها ، ~~وقيل : هي من المكاء وهو الصفير ، قال الله عز وجل : ( @QUR@08 وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) (3)، حكاه الزجاجي ms162 ، ولا يصح لأن ~~المكاء معتل ، من مكا يمكو إذا صفر ، ومكة من المضاعف. # وقيل : سميت بذلك لارتفاع الجبال عليها ، من المكوك وهو مكيال مرتفع ~~الجوانب ، قال الزجاجي : وقد تكلمت به العرب وجاء في أشعار الفصحاء قلت : ~~وهذا بعيد متكلف لا خفاء بضعفه ، وقيل : مكة من الامتكاك وهو الازدحام ~~مثلما تقدم فيها بالباء. # ولها أسماء مكة ، وبكة ، وصلاح معدول ، والعرش ، والقادس ، والمقدسة ، ~~والنساسة [96 / آ] والناسة بنون وسين مهملة ، والباسة بالباء ، والبيت (4) ~~العتيق ، وقيل : هي الكعبة ، وأم رحم بضم الراء ، وأم القرى ، والحاطمة ، ~~والرأس ، مثل رأس الإنسان ، والبلدة ، وقيل هي منى ، والقرية القديمة ، ~~والبلدة الحرام ، حكاها عياض في مشارقه (5). فصلاح معدولة (6) عن صالحة ، PageV01P377 # والعرش : السرير ، لأنها أرفع البلاد ، والقادس والمقدسة من الطهارة ، ~~والنساسة من نس الشيء أي (1) أذهبه ، حكاه السهيلي لأنها تذهب الظلمه ~~وتبيدهم ، وبالباء من البس وهو الفت (2) بمعنى الأول ، والعتيق : القديم ، ~~وقيل : لعتقها من تملك الجبابرة عليها أو من (3) تجرهم (4) فيها. والرحم : ~~الرحمة ، وأم الشيء ، أصله أي موضع الرحمة. وأم القرى أصلها ، لأن الأرض ~~دحيت من تحتها ، قاله الهروي (5). والحاطمة : (6) مهلكة الظالمين. والرأس ~~معروف لأنها في البلاد كالرأس في الجسد. والبلدة الحرام : لاحترام الله ~~عز وجل (7) إياها وتعظيمه لها. ### ||| * فصل ### ||| * [بناء الكعبة] # ويقال للكعبة البنية : اسم لها مشتق من البناء ، والبيت العتيق وقد مضى ~~ذكره. واختلف في بدئها على أقوال كثيرة لا تقع الطمأنينة بأكثرها ، فحكى PageV01P378 # القاضي عياض عن كعب الأحبار (1) ووهب بن منبه (2): «أن البيت أنزل من ~~السماء ياقوتة مجوفة حمراء ، والركن ياقوته بيضاء ، فبنى آدم قواعده ووضعه ~~عليها ، فلما أرسل الله الطوفان رفعت وبقيت القواعد» (3). وذكر أبو الفرج ~~بن الجوزي (4) نحو هذا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : «أن ~~الملائكة قالت لآدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام» (5) وذكر الأزرقي ~~عن ابن عباس رضياللهعنه في الركن نحو ما تقدم قال : «ليس في الأرض من الجنة ~~إلا الركن الأسود والمقام ، فإنهما جوهرتان من جوهر الجنة ، ولولا ما مسهما ~~من أهل الشرك ، ما مسهما ms163 ذو عاهة إلا شفاه الله عز وجل » (6) وذكر الترمذي ~~[96 / ب] عن ابن عباس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزل الحجر ~~الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم : (7)». PageV01P379 # وقيل إن الملائكة بنت البيت ، وإنهم لما قالوا ( @QUR@05 أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ) (1) غضب الله عليهم ، فعادوا يطوفون بالعرش ، يسترضون ربهم ~~فرضي عنهم وقال لهم : ابنوا في الأرض بيتا يعوذ به كل من سخطت عليه كما ~~فعلتم بعرشي ، فبنوا البيت. وقيل : إنما بناه آدم عليه السلام ، وإنه لما ~~أهبط من الجنة أوحى الله إليه : ابن لي بيتا ، واصنع حوله كما كانت ~~الملائكة تصنع حول عرشي. فبناه. حكي هذا عن ابن عباس أيضا قال : وبناه من ~~خمسة أجبل : طور سيناء (2)، وطور زيتاء (3)، ولبنان ، والجودي (4) وحراء ~~(5). قال مجاهد (6): وكان موضعه بعد الغرق أكمة حمراء لا تعلوها السيول ~~وكان يأتيها المظلوم ، ويدعو عندها المكروب. وقيل : إنما بناه شيث بن آدم ~~عليهما السلام ، حكاه أبو عمر بن عبد البر (7). PageV01P380 # قلت : وأشبه الأقوال والله أعلم قول من قال : إن آدم عليه السلام بناه ، ~~إذا لم يقم دليل على صحة شيء مما قيل في ذلك. ودل ظاهر الحديث الصحيح على ~~أن البيت كان قبل إبراهيم عليه السلام . وذلك أنه دعا عند وضعه هاجر وابنها ~~إسماعيل بمكة قبل بنائه البيت بزمان ( @QUR@012 ربنا إني أسكنت من ذريتي ~~بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) (1). # وقد ورد في الحديث أنه كان هنالك بيت قبل إبراهيم عليه السلام ، وقد رأيت ~~أن أثبت الحديث المذكور مختصرا لأنه يليق بهذا الموضع فأقول : روي عن ابن ~~عباس رضياللهعنهما أن إبراهيم عليه السلام أنزل هاجر وولدها إسماعيل ~~عليه السلام وهو صغير يرضع بمكة ، ولا ماء بها ولا أنيس ، فقالت : الله أمرك ~~أن تتركنا بهذا الوادي الذي لا أنيس به؟ قال : نعم ، قالت : إذا لا نضيع ~~معه. وذهب حتى غاب عنهما فاستقبل البيت ، فقال : رب ( @QUR@011 إني أسكنت ~~من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) إلى ( @QUR@01 يشكرون ) فلما ms164 ~~عطشت هاجر وابنها ، ورأته يتلوى ، قامت كراهة أن تنظر إليه ، فصعدت الصفا ~~فنظرت ، فلم تر أحدا ، فهبطت منه ، فلما كانت [97 / آ] في الوادي رفعت ~~ذيلها وسعت سعي المجهود ، حتى صعدت المروة ، فلم تر شيئا ، ثم رجعت إلى ~~الصفا. فعلت ذلك سبع مرات ، فلذلك سعى الناس بينهما. فجاء الملك فضرب بعقبه ~~في موضع زمزم فنبع الماء ، فجعلت تحوضه (2) بيدها ، ولو تركته لكان معينا ~~(3) ثم قال لها الملك : لا تخافا الضيعة ، فإن ها هنا بيتا لله (4) PageV01P381 # يبنيه هذا الغلام وأبوه. ثم نزل عندها رفقة من جرهم (1). فلما شب الغلام ~~زوجوه فجاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل غائب فسأل زوجته عن حالها فشكت ، ~~فقال لها : قولي لزوجك يغير عتبة بابه ، فطلقها ، وتزوج أخرى ثم جاء ~~إبراهيم عليه السلام فسألها ، فأثنت على الله ، وقالت خيرا ، فقال لها : ~~قولي لزوجك يثبت عتبة بابه ، وسألها عن عيشهم ، فقالت : اللحم والماء ، ~~فقال : اللهم بارك في اللحم والماء (2). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~«فلا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه» (3). ثم جاء بعد ذلك ~~وإسماعيل يبري نبلا تحت دوحة قريبا من زمزم ، فقال له : إن الله أمرني أن ~~أبني له (4) ها هنا بيتا ، وأشار إلى أكمة ، فعند ذلك رفعا القواعد من ~~البيت ، يبني إبراهيم ، وينقل إسماعيل الحجارة ، فلما ارتفع البناء جاءه ~~(5) في المقام فوقف عليه وهو يبني ، ويقولان : ( @QUR@07 ربنا تقبل منا إنك ~~أنت السميع العليم ). (6) # ويحكى أنه لما أمر الخليل عليه السلام ببناء البيت قال : يا رب بين لي ~~صفته ، فأرسل الله سبحانه غمامة على قدر البيت فسارت (7) معه حتى نزل مكة ، ~~فقيل له : ابن على ظلها ، فبنى ، وكان جبريل عليه السلام قد استودع أبا قبيس ~~الحجر الأسود حين الغرق ، فلما بنى إبراهيم عليه السلام أخرجه إليه PageV01P382 # فوضعه ، قالوا : ولما توفي إسماعيل عليه السلام دفن في الحجر (1) عند أمه ~~، ودبر أمر الحرم ولده نافث بن إسماعيل ، ثم غلبت جرهم على البيت فانهدم ، ~~فبنته العمالقة ، ثم انهدم ، فبنته جرهم ثم احترق في الجاهلية من تجمير ms165 ~~امرأة ، فهدمته قريش ، وكان قصيرا تقتحمه العنز ، فرفعوه نحوا من عشرين ~~ذراعا ، وقصتهم في بنائه ، وفي الحية واختطاف الطائر لها ، ووضع الركن ~~مشهورة ، ذكرها [97 / ب] ابن إسحاق في السيرة مستوفاة ، وذكرها أبو عمر بن ~~عبد البر (2) وغيره. # واختلف في وقت بناء قريش لها فقيل : إنهم بنوها وقت بلوغ النبي ~~صلى الله عليه وسلم الحلم ، وقيل : بنوها وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وقيل : ابن ~~خمس وثلاثين سنة ، وهو قول ابن إسحاق ، وقال بعضهم : إن قريشا بنتها مرتين ~~ثم احترقت في زمان يزيد بن معاوية ثم استشار ابن الزبير (3) الناس في نقضها ~~وبنائها ، (4) فنقضها وبناها (5)، وزاد في ارتفاعها عشرة أذرع ، وأدخل ~~فيها من الحجر ما ثبت أنه منها وجعل لها بابين : شرقيا وغربيا ، وألصقهما ~~بالأرض حسبما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما قتل ابن ~~الزبير كتب PageV01P383 # الحجاج (1) إلى عبد الملك يعلمه ببناء ابن الزبير للكعبة ، وإدخاله فيها ~~ما أدخل من الحجر فكتب إليه عبد الملك يأمره بردها على ما كانت عليه في ~~زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألا يغير ما زاد في ارتفاعها فنقضها ~~الحجاج وبناها على ما هي عليه اليوم (2). # ولما كان الرشيد استشار مالكا رحمه الله في ردها على ما صنع ابن الزبير ~~كما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له (3) مالك رحمه الله : ناشدتك ~~الله يا أمير المؤمنين لا تجعل هذا البيت ملعبة (4) للملوك ، لا يشاء أحد ~~(5) منهم إلا نقض البيت وبناءه ، فتذهب هيبته من صدور الناس ، فقبل الرشيد ~~كلامه ، وتركه على ما هو عليه. ### ||| * فصل ### ||| * [المسجد الحرام] # وأما المسجد الحرام (6) صانه الله تعالى فإنه لم يبن قديما ، ولا كان حول ~~البيت حائط. وفي البخاري عن عمرو بن دينار وعبد الله بن أبي يزيد قالا : ~~«لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حول البيت حائط. كانوا يصلون حول PageV01P384 # البيت ، حتى كان عمر فبنى حوله حائطا» (1). قال عبد الله : جداره (2) ~~قصير فبناه ابن الزبير. # قلت : والمسجد الحرام (3) هو ms166 ما دار بالكعبة ، وهو المصلى ، ويطلق على ~~الكعبة ، وهو الظاهر من حديث أبي ذر أنه «سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~أي مسجد على ظهر (4) الأرض وضع أولا؟ قال : المسجد الحرام ، قال : ثم أي؟ ~~قال : المسجد الأقصى ، قال : كم [98 / آ] بينهما؟ قال : أربعون سنة» (5) ~~فظاهر قوله : وضع ، أنه أراد المبنى ، وهو البيت كما قال تعالى : ( @QUR@06 ~~أول بيت وضع للناس للذي ببكة ). (6) وهو البيت بلا مرية في قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 فول وجهك شطر المسجد الحرام ). (7) لأن القبلة هي البيت. وكان ~~المسجد الحرام على ما ذكر غير محجر ، والدور به محيطة ، فاشترى منها عمر ~~ديارا فهدمها ، ووسع بها المسجد ، وامتنع بعض الناس من البيع ، فوضع لهم ~~الأثمان في خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد ، وقال لهم : «هو فناء الكعبة ، ~~إنما نزلتم عليها ولم تنزل عليكم» وأحاط بالمسجد حائطا قصيرا. (8) PageV01P385 # ثم كثر الناس فصنع عثمان كما صنع عمر ، فأكثروا الشكوى وصاحوا به. فقال ~~لهم : قد فعل عمر مثلما فعلت. فلم يصح أحد ، وما جرأكم (1) [علي إلا حلمي ~~عنكم ، ثم أمر بهم إلى الحبس ، حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد ~~فتركهم]. (2) ### ||| * [المزدلفة] # ومزدلفة أوسع وأوطأ من منى ، والمشعر الحرام منها فيما يلي (3) منى ، ~~والنزول بالمزدلفة بعد الرجوع من عرفة حسبما يأتي في فصل ذكر المناسك إن ~~شاء الله. وحد مزدلفة مما يلي منى : محسر (4)؛ وهو واد هنالك. وحدها مما ~~يلي مأزما عرفة ، وهما جبلان مكتنفان للطريق ، أفسح من مأزمي منى. قال ابن ~~جريج (5) قلت لعطاء (6): اين المزدلفة؟ فقال : من مأزمي عرفة إلى محسر. ~~وليس المأزمان منها ، ولكن مفضاهما ، فقف بأيهما شئت. ومن محسر إلى PageV01P386 # مسجد مزدلفة نحو الميل. ومن مسجد مزدلفة إلى مسجد عرفة أربعة أميال ، وهو ~~مسجد كبير على يمين الطريق وأنت ذاهب إلى الموقف ؛ مستطيل من الشرق إلى ~~الغرب. وفي غربيه (1) القبلة ، ويعرف بمسجد إبراهيم عليه السلام ، وهو في ~~أول عرفة ، وقل من يعرفه من الحجاج. لأن الموقف وراءه بميل. وهو على وادي ~~عرفة والوادي هو بطن عرفة. ويقال ms167 : إن حائطه القبلي على حده ولو سقط ما وقع ~~إلا فيه. وتوقف مالك رحمه الله فيمن وقف به حتى دفع ، كأنه تشكك هل هو كله ~~[98 / ب] في بطن عرفة؟ قال أصبغ : لا يجزئه. ورآه من بطن عرفة. ### ||| * [عرفة] # قلت : ولعل هذا فيمن لم ينو الوقوف بعد خروجه من المسجد ، ويجري فيه ~~الخلاف المذهبي في الحاج يمر بعرفة ليلة عرفة (2) ولم ينو الوقوف ، وأما لو ~~نوى الوقوف بعد خروجه من المسجد ، لوجب أن يصح له ، إذ لا يتقدر الوقوف ~~بعرفة بمقدار ، ويجزىء فيه المرور بنية. وليس المسجد على حد الحرم. بل ذكر ~~الأزرقي «أن من حد الحرم إلى مسجد عرفة ألف ذراع وست مئة ذراع وخمسة أذرع» ~~(3). وقد ظن قوم الوقوف ببطن عرفة وبطن محسر لكونهما ليسا من عرفة ~~ومزدلفة. (4) وقال ذلك اللخمي وعياض وليس كما توهموا ، ولو كان ذلك لم يحتج ~~إلى استثنائها وقال اللخمي : يستحب النزول بنمرة (5) من عرفة ، وذكر نزول ~~النبي صلى الله عليه وسلم بها ، ولم يعلم أن المسجد وراءها إلى PageV01P387 # الموقف ؛ ونمرة جبل على اليمين إذا خرجت من مأزمي عرفة ، وعليه أنصاب. ~~وتحت الجبل غار ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم نزله «وبين الغار والمسجد ~~ألف ذراع وأحد عشر ذراعا» (1) قاله الأزرقي. وعرفني بالمسجد شيخ حجازي عارف ~~بالبلاد ، سألته عنه وعن حدود عرفة ونحن في الموقف ، فأشار إلى البسيط الذى ~~أحاطت به جبال الموقف ، والتي منه يمينا ويسارا إلى التي فيها هذا المسجد ، ~~والمأزمان من ناحية مكة. فقال لي : هذا كله عرفة ، وهذه الجبال وراءنا هي ~~جبال عرفة. وسألته عن بطن عرفة فقال لي : هو الوادي يصب في عرفة وهي هاهنا ~~، وأشار إلى اليسار ، وسألته عن العلمين المنصوبين على الطريق في وسط بسيط ~~عرفة ، فقال لي : إنما بناهما الأمراء احتياطا على الناس ألا يتقدموا ~~فيخرجوا من عرفة قبل غروب الشمس ، فأوهموهم أن العلمين حد عرفة وهما في ~~وسطها حتى يكون من تعجل لا يخرج من عرفة إلا بعد الغروب ، وسألته عن مسجد ~~عرفة ، فقال ms168 لي : هو مسجد الخليل عليه السلام وأشار لي إلى موضعه ودلني عليه ~~، فلما دفع (2) الناس بعد الغروب أسرعت إليه فلم آته إلا وقد أشرق ضوء ~~القمر فدخلته [99 / آ] وركعت فيه والناس على الطريق بإزائه ولم يعرج أحد ~~إلا اثنان أو ثلاثة. # والموقف في منتهى بسيط عرفة عند جبالها الشرقية ، وهي وراءه ، وموقف ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ضرس (3) هنالك بأسفل الجبل منقطع عنه ، وقد بني ~~عليه مسجد مليح مختصر مبيض ، فهو يلوح على بعد وفيه يقف الإمام ؛ إمام ~~الشافعية ، ويقف المالكي أسفل منه على اليسار. PageV01P388 # واختلف في أصل تسمية عرفة (1)، فقيل : لأن جبريل كان يري آدم المناسك ~~فلما وصل به إلى عرفة ، قال له : أعرفت؟ قال : نعم. وقيل : وصف له جبلها ~~فلما رآه عرفه. وقيل : لأن (2) آدم عليه السلام لما أهبط من الجنة وقع ~~بالهند ، ووقعت حواء بجدة. فاجتمعا بالمزدلفة ، وتعارفا بعرفة ، وتسمى عرفة ~~وعرفات ، وكلاهما اسم علم ، والتأنيث (3) جمع سمي به فبقي على حاله. # ويكون بعرفة سوق كبيرة يجلب إليها كل شيء ويكثر بها الطعام ، يأتي به قوم ~~من ناحية اليمن يقال لهم : «السرو» جفاة ، بداة ، مفرطو البداوة ، عرب ~~الألسنة (4)، أدم الألوان ، نحاف الأبدان ، أكثرهم يجلب على ظهره ، والعري ~~فيهم فاش إلا السترة ، ولهم ألفاظ حوشية (5)، والدينار في لغتهم أربعة ~~دراهم ، وقد ذكر ابن جبير (6) أشياء من جهلهم وعبثهم (7) في صلاتهم وكانوا ~~إذ ذاك يصلون ، وأما الآن فإنما يقصدون السوق بعرفة ومنى (8) ثم ينصرفون من ~~هنالك إلى بلادهم. # وعدد الأميال من مكة إلى عرفة اثنا (9) عشر ميلا لا تزيد ولا تنقص ، قاله ~~الأزرقي. (10) وكانت الوقفة في هذا العام يوم الأربعاء ، وقد سلمها الله من ~~الخلاف ، وهو يقع في ذلك كثيرا ، وكان الاختلاف قد وقع فيها في العام الذي PageV01P389 # قبله وهو عام ثمانية (1) وثمانين ، حتى افترق الموسم (2) فرقتين ، فوقف ~~بعضهم وهم أكثر المغاربة يوم الجمعة ، ووقف سائر الناس يوم السبت وهو كان ~~الوقفة ، ولكن أكثر الناس قد أغراهم الجهل بوقفة الجمعة ، وأغواهم [99 / ب] ~~الشيطان بها ، حتى صاروا ms169 إذا وجدوا أقل ذريعة ، وأضعف سبب إلى تغيير الوقفة ~~، فعلوا ذلك ليكون وقوفهم يوم الجمعة ، وإن كان (3) في غير (4) موضعه ، ~~فيبطلون حجهم رياء وسمعة (5)، وكنت أتلمح لهم عذرا ، وأقول : لعل فيهم من ~~رأى الهلال تحسينا للظن بهم ، مع علمي بأن الناس إنما ضحوا في ذلك العام في ~~الغرب والشرق (6)، وفي كل أرض يوم الأحد ولم يقع في ذلك خلاف إلا بعرفة ~~خاصة ، وما قطع اعتذاري لهم إلا أن عرفني الحجاج غيرهم بأنهم لم يدعوا (7) ~~رؤية الهلال ، وأن من يقتدى به فيهم قد سئلوا عن ذلك فلم يدعوا (8) رؤيته ، ~~وإنما زعموا أنهم علموا ذلك من غير طريق الرؤية ، تسورا على الجهل وتكلفا ~~للفضول. وهذه العلة في هذه القضية قديمة ، شكاها (9) ابن جبير في رحلته ~~(10) وحكاها على نحو ما اتفق في هذه سواء. وكذلك حكى من جهلهم وضلالهم ما ~~هو مستمر إلى الآن في جبل ثور (11) في الغار الذي دخله PageV01P390 # رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر حين هاجرا من مكة ، وذلك أنه غار ~~له بابان في حجر صلد ، وأحدهما ضيق أقل من شبرين فيتكلفون النفوذ فيه ، ~~وشاع (1) من جهلهم أن من لم ينفذ فيه فهو ولد زنى ، وتقرر ذلك في معتقدهم ~~الفاسد ، فلا تزال الفضيحة تعلق (2) بهم من ذلك ، والعقلاء منهم يتجنبونه ، ~~لأن من غص فيه ولم ينفذ منه ، يحكمون عليه بما تقدم. (3) # ولم أصل إلى جبل ثور لأنه على مسافة يوم أو نحوها في جنوب مكة ، ولا يقدر ~~على رؤيته إلا من جاور بمكة (4)، وكنت عازما على المجاورة بها حسبما تقدم ~~، فتجهزت للمقام ، واكتريت الدار ، وصرفت بعض من كان معي ليرجعوا إلى الغرب ~~، وحصلت أسبابي كلها بمكة ، وبقيت مع الركب منتظرا لخروج السكان في المنزل ~~الذي اكتريته ، وهم بعض الفضلاء من أهل تونس ، سكنوه مجاورين بمكة ، وعزموا ~~على الرجوع إلى بلدهم (5) فتجافيت عن التضييق عليهم في السكنى معهم ، ~~وانتظرت [100 / آ] خروجهم حتى (6) قضى الله بفتنة وقعت بين الركب وبين صاحب ~~مكة بأسباب سيرتها المقادير ؛ فتقاتلوا في اليوم ms170 الأول وأنا في منزل الركب ~~قد ضاق صدري لذلك ، ثم قضى الله أن تحاجزوا ، ولم يقع بينهم قتيل ، فسررت ~~بذلك فلما كان من الغد بعثت ببعض أسباب بقيت معي إلى مكة ؛ فما عدي (7) بها ~~الباب حتى وقعت رجة (8) PageV01P391 # في الركب نفر لها الكبير والصغير إلى قتال أهل مكة ، بأمر (1) صاحب الركب ~~، فأتاها أمير الركب الشامي من الثنية إلى باب المعلاة ، وأتاها أهل مصر من ~~باب الشبيكة ؛ فما زال القتال بينهم متطاير الشرار حتى قتل من أهل مكة جملة ~~؛ (2) وقتل أشخاص من الركب (3) ودخل أهل الشام مكة ، حتى انتهوا إلى المسجد ~~الحرام ونهبوا (4) بين الصفا والمروة ، ثم دافعهم أهل مكة حتى أخرجوهم منها ~~؛ وقتل بها أشخاص من الحجاج ، ثم دام القتال بينهم خارج البلد إلى قريب من ~~الظهر ، فولى أمير الركب عنهم ، وجاء فأمر بالرحيل ، فأجفل (5) الناس (6)، ~~وحطم بعضهم بعضا ، ورحلوا على أوفى ما يكون من الانزعاج ، فلم يمكن إلا ~~الإجفال معهم خوفا على النفوس ، وعلى بعض نفقة كانت معنا ، وانصرفت آيسا ~~مما كان لي بمكة ، ثم من الله بجبر (7) أكثره فضلا منه ومنة ، وذلك أن هذا ~~الحال صادف بمكة ممن نزل بها من الحجاج كثيرا نحو أربعة آلاف راحلة ، فلما ~~أجفل الركب بقوا بمكة لا يدرون ما يصنع بهم ؛ وعزم صاحب مكة على أخذهم ؛ ~~وسبب لهم من عظيم ألطافه أن كان بمكة شخص من أتراك مصر كان يخدم أميرا من ~~أمرائها ؛ فلما مات الملك المنصور (8) أخذه ولده المستخلف لاتهامه إياه ، ~~ثم قتله ، فخاف الذي كان PageV01P392 # يخدمه ، ففر ولحق بمكة في تلك الأيام فجعله الله سببا لراحة أولئك ~~المساكين المنقطعين عن الركب ، وذلك أنه (1) لما رأى صاحب مكة عازما على ~~أخذهم قال له : فيم تأخذهم؟ فقال له : في حقوق وجبت لي على ملك مصر ، ولي ~~حظ في بيت المال منعنيه أعواما ، ولفق مطالب من خرافات فما زال به (2) [100 ~~/ ب] التركي حتى فداهم منه بمال عظيم ، وسرحهم لم يؤخذ لهم شيء ، وصحبهم ~~التركي حتى أوصلهم أمير الركب في خليص ، وكان الواحد ms171 من التونسيين الذين ~~سكنوا الدار التي الكتريتها قد تخلف بمكة ؛ فلما أذن لهم في الخروج باع ~~أكثر القمح الذي تركته بمكة ، وجاءني بثمنه ، وبالدابة التي ركبتها ، وترك ~~بها من الأسباب ما عجز عن النظر له ، نفعه الله بجميل قصده ونفعنا به ~~وبأمثاله من الصالحين بمنه وكرمه. PageV01P393 ### ||| * فصل فقهي مختصر في المناسك # وهي جمع منسك بفتح الميم والسين وبفتح الميم وكسر السين ، وهو المتعبد. ~~والنسك : العبادة. واختص في العرف بمعالم الحج ومتعبداته. والحج : القصد ~~(1)، وخصه الشرع بقصد البيت الحرام لأعمال مخصوصة ، في وقت مخصوص ، وهو ~~فرض على الأعيان ، وأحد قواعد الإسلام بإجماع ، مرة في العمر ، واختلف في ~~العمرة ، فقيل : واجبة ، وقيل : سنة ، وعملها بعض عمل الحج ، وهو الإحرام ، ~~وشرطه فيها أن يكون من الحل ؛ والطواف ؛ والسعي ؛ والحلاق أو التقصير ؛ ~~والعمل فيها كالعمل في الحج سواء ، ولا تختص (2) بوقت ، إلا أن مالكا ~~رحمه الله كره للحاج أن يعتمر في أيام منى ، وكره الاعتمار مرتين في السنة. ### ||| * [شروط الحج] # وأما الحج فشروط وجوبه : العقل ، والبلوغ ، والحرية ، والاستطاعة واختلف ~~قوله : هل هو على الفور أو على التراخي مالم يخش الفوت؟ وعليه يأتي الخلاف ~~في اعتبار رضا الأبوين. (3) وقول ابن بشير : إن اعتبار رضا الأبوين لا يدل ~~على التراخي ، وإنما هو من باب تزاحم الفروض خطأ ؛ إذ «لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق» (4) كما لا حق لهما في سائر الفروض. PageV01P394 # ومن يأمر من الأبوين بترك فريضة من فرائض الله فحقه العقوق ، لا الطاعة. ~~ولكنه جاء قول مالك رحمه الله فيمن منعه أبواه ، ينتظر العام بعد العام ، ~~على أنه لم يتعين عليه التوجه كما قال اللخمي. وعليه يدل فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، [101 / آ] فإنه لم يحج في العام الذي فرض فيه الحج ، ولو ~~كان على الفور ما أخره عنه؟ والاستطاعة : القدرة على الوصول من غير مشقة ~~خارجة عن المعتاد. وسئل مالك أهي الزاد والراحلة ، فقال : (1) لا والله ، ~~إنما ذلك على قدر طاقة الناس ، قد يجد الرجل الزاد والراحلة ، ولا يقوى (2) ~~على المسير ms172 (3)، وآخر يقوى أن يمشي (4) على رجليه ، ورب صغير أجلد من كبير ~~، ولا شيء أبين مما قال الله عز وجل : ( @QUR@04 من استطاع إليه سبيلا ) (5) ~~واحتج اللخمي لذلك (6) بقوله تعالى : ( @QUR@05 يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ) ~~(7) وقوله : ( @QUR@07 ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ) (8)، واختلف ~~المذهب في السائل إذا كان يعطى هل يجب عليه؟ ومحمله على من جرت عادته بذلك. # وقال ابن القاسم فيمن له ضيعة (9): يبيعها ويترك أولاده في الصدقة ، ~~وقيل : إلا أن يخاف عليهم الضيعة (10)، وهو تفسير ، ويجب على من وراء PageV01P395 # البحر ركوبه إليه إذا كان الغالب السلامة ، ولا تعطل فيه الصلاة. وقال ~~مالك : أيركب حيث لا يصلي ، الويل لمن ترك الصلاة. ولا يجب ركوبه على ~~المرأة لأنها تنكشف ، وفي كتاب محمد : ولا المشي إذا بعدت المسافة وإن قويت ~~عليه ، لأن مشيها عورة ، واستحسنه اللخمي في ذات المنظر بخلاف من لا يؤبه ~~لها ، ولا تخرج إليه إلا مع زوج ، أوذي محرم ، أو رفقه مأمونة ، ويسقط وجوب ~~الحج بالخوف على النفس وعلى المال ، واختلف في أخذ ما لا يجحف. ### ||| * [أركان الحج] # وأركان الحج التي لا بد من الإتيان بها (1) أربعة وهي : الإحرام ، والسعي ~~(2)، والوقوف بعرفة (3)، وطواف الإفاضة (4). وألحق بها عبد الملك جمرة ~~العقبة (5). وحكى عنه ابن رشد زيادة الوقوف بالمشعر الحرام (6)، وهو غريب ~~من قوله. وقد حكى عنه اللخمي خلافه ، وحكى ركنيته من غير المذهب عن PageV01P396 # الشعبي والنخعي وصوبه. ويفوت الإحرام بفوات الوقوف ، وذلك بطلوع (1) ~~الفجر يوم النحر ، ولا يفوت السعي ولا الطواف ، ويرجع إليهما من بلده ، ~~والإحرام نية التزام حكم الحج [101 / ب] أو العمرة مع الشروع في العمل ~~بالتلبية ، أو المشي ، لا بتقليد الهدي ونحوه. وقيل : التلبية كتكبيرة ~~الإحرام. وقيل : ينعقد بمجرد النية ، وضعف. وليس عليه أن يسمى حجا ولا عمرة ~~بلفظه ، وكرهه في المدونة (2)، وقد بوب البخاري على جوازه وذكر حديث جابر ~~(3): «قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول لبيك بحج ، فأمرنا أن ~~نجعلها عمرة» (4). # ومن سنة الإحرام كونه بعقب الغسل ، والصلاة. وأغسال الحج ، ثلاثة : ~~للإحرام ms173 ، ولدخول مكة ، وللرواح إلى الموقف بعرفة. واستحبه (5) بعضهم ~~للمناسك كلها ، ولا يكون التدلك إلا في الأول. # قالوا : وللإحرام ميقاتان ؛ زماني ، ومكاني. فالزماني شوال وذو القعدة ~~وعشر ذي الحجة ، وقيل (6): كله. وقيل : إلى آخر أيام منى ، وفائدة ذلك في ~~وجوب الدم عن تأخير الإفاضة والحلاق ، ومن قدم الإحرام على الزماني كره PageV01P397 # له ، وانعقد على المشهور ، وإنما لم يكن شرطا في صحته كوقت الصلاة ، لأن ~~هذه الآية إذا نظمت بالتي قبلها على ما تقتضيه الحاجة إلى بيان الأولى ، ~~كان ذكر الأشهر بيانا لمعنى التمتع ، إذ لو لم تتعين المدة التي للحج ، لم ~~يفهم معنى التمتع ، فكان المعنى مدة الحج أشهر معلومات أي المدة التي إذا ~~وقعت (1) فيها العمرة صح التمتع. فالآية إنما جاءت لبيان اختصاص الأشهر ~~بالحج ، لا لاختصاص الحج بالأشهر ومن خصه بها احتاج إلى دليل ، ولا يجده. ~~وأما الأية فقد ظهر معناها ، وبه يستقيم حمل لفظ الحج على وجهه أي المدة ~~التي هي حمى الحج ، لا تطلق فيها العمرة أشهر معلومات ، ولا يدل كونها حمى ~~الحج لا يكون في غيرها. وعلى تأويلهم يكون لفظ الحج مصروفا عن وجهه إلى ~~معنى الإحرام ، إذ لا يصح إتمام الحج وإكماله إلا في الشهر الثالث ، وأما ~~الذي يصح في الأشهر كلها ، فابتداؤه خاصة ، فالتقدير على قولهم : وقت ~~ابتداء الحج أشهر معلومات ، وعلى قولنا : حمى الحج أشهر معلومات ، والكلام ~~كلما قل فيه الإضمار كان أحسن ، لا سيما وآية التمتع مطالبة بالبيان (2) ~~[102 / آ] ومقتضية لارتباطها بالثانية كما تقدم. فتأويلنا يترجح بالوجهين ~~مع أنه يكفي في إسقاطه دعواهم مجرد الاحتمال في معنى الآية ، ويرجع هذا إلى ~~أن تسميتها ميقاتا مجاز. وحقيقة الزماني يوم عرفة فتدبره والله الموفق. PageV01P398 # والمكاني خمسة (1): ذو الحليفة لأهل المدينة ، والجحفة لأهل الشام ، ~~ومصر والمغرب ، ويلملم (2) لأهل اليمن ، وقرن المنازل لأهل نجد ، وذات عرق ~~لأهل العراق ، ويكره (3) أيضا تقديم الإحرام قبلها ، وينعقد ، وقيل : هو ~~جائز لأن التوقيت تأكيد لاحترام البيت ألا يدنو منه إلا محرم. فكلما كان ~~الإحرام (4) من موضع أبعد كان الاحترام ms174 أكمل ، ولذلك أحرم الصحابة وغيرهم ~~قبل المواقيت. وقيل : يكره بقرب الميقات بخلاف بعده ، وقد مضى ذكره ، ومن ~~تعدى الميقات مريدا للحج أو العمرة ولم يحرم فعليه دم. # ومن سنة الإحرام التلبية (5) دبر الصلوات ، وعلى كل شرف ، وبطن واد ، ~~وعند لقاء الرفاق ، ولا يلح ولا يرفع به صوته في المساجد إلا (6) المسجد ~~الحرام ومسجد الخيف ، والمساجد التي بين مكة والمدينة ، لأنها غير معمورة. ~~ومبدؤها إذا استوى على راحلته ؛ وللراجل (7) إذا شرع في المشي ، ولا يلبي ~~في الطواف ، ومنتهاها الرواح إلى الموقف ، وقيل رمي الجمرة ، ويقطعها ~~المعتمر إذا دخل الحرم ، إلا أن يكون إحرامه من آخر الحل فحتى يدخل مكة ، ~~وقيل حتى يشرع في الطواف. PageV01P399 # ويجتنب المحرم : النساء ، والطيب (1)، والصيد ، وقتل القمل ، وحلق الشعر ~~(2) ونتفه ، وقص الأظفار (3)، وغسل الوسخ ، ولبس المخيط ، والخفين للرجل ، ~~والقفازين لهما ، والمصبوغ بالورس (4) أو بالزعفران (5)، وتغطية الوجه ~~والرأس ، وأكل ما صيد لأجله ، وعقد النكاح ، والخطبة لنفسه أو غيره. # ويستحب أن يدخل مكة من الثنية العليا. ويخرج من السفلى ، والمسجد من باب ~~بني شيبة ، ولا يركع بل يبدأ بالحجر الأسود فيستلمه بفيه إن قدر ، وإلا وضع ~~يمينه عليه ثم يضعها [102 / ب] على فيه بلا تقبيل ، فإن كثر الزحام كبر ~~بإزائه ومضى في طوافه والبيت على اليسار سبعة أشواط : ثلاثة خببا (6)، ثم ~~أربعة مشيا (7)، ولا خبب في غير طواف القدوم ، ولا على النساء ، لا يقبل ~~اليماني ، وإنما يضع يده عليه ثم على فيه ، ثم يصنع بالأسود كما تقدم ، ~~وكذلك في كل شوط ، ويطوف من وراء الحجر ، ولا يركب إلا من علة ، ولا يطوف ~~من وراء زمزم ، ولا في السقائف ، ولا محدثا ، وأجاز (8) الطواف بخفيه ~~ونعليه ، ولا يدخل بهما البيت ، واختلف عنه في الحجر ، ولا يكثر قراءة ~~القرآن ، وليسر بها ، ولا ينشد شعرا ، ولا يتكلم إلا لحاجة ، ولا يكبر (9) ~~، ولا يلبي ، PageV01P400 # وليقبل على الذكر سرا ، ولا يشرب إلا من ضرورة ، ولا يتخلل الطواف بشغل ~~أو استراحة إلا ما قل. وإن أقيمت عليه الصلاة في آخر أشواطه أتمها ، وإلا ~~دخل معهم ms175 ثم بنى ، فإذا فرغ صلى خلف المقام ركعتين ، ويستحب إن جاء في غير ~~وقت الصلاة ألا يدخل حتى تحل ، فإن هو دخل وطاف أخر الركعتين ، فإن انتقض ~~وضوؤه توضأ ، وأعاد الطواف ، وصلى الركعتين ، ولا يجزىء الطواف منكسا (1) ~~ولا في السبعة الأذرع (2) التي تلي الكعبة من الحجر ، ولا من وراء زمزم ، ~~ولا بغير وضوء على المشهور ، وهو في هذا كله كمن لم يطف. ومن ركب مختارا ~~أعاد الطواف ما كان بمكة ، فإن خرج إلى بلده أهدى وأجزأه ؛ وكذلك إن ترك ~~الرمل أو الركعتين ، يركعهما حيث هو ويهدي. وهذا حكم طواف القدوم. وإن وصل ~~به السعي ، فإن لم يوصل به فالدم يجزيء (3) عنه رأسا ، ولا يجب على من أحرم ~~من مكة ، ولا على المراهق. # وأما السعي (4): فهو الطواف بين الصفا والمروة ، والخبب في بطن المسيل ~~بين العلمين مشروع للرجال ، وأصله ما تقدم في حديث ابن عباس من سعي هاجر ، ~~(5) وفي البخاري عنه أيضا : «إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطواف ~~بالبيت ، وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوته» (6) ومحمل (7) PageV01P401 # الحديثين على أن أصله قبل الإسلام سعي [103 / آ] هاجر ، وإن أصله في ~~الإسلام مراغمة المشركين في قولهم : «قد وهنتهم حمى يثرب» ولم يتقدم الأمر ~~به قبل ذلك ، ولا يكون السعي إلا بإثر طواف واجب ، إما طواف القدوم ، وإما ~~طواف الإفاضة لمن لم يطف للقدوم. # وإذا فرغ الطائف من ركعتي الطواف ، استلم الحجر إن قدر ، ثم يخرج من باب ~~الصفا فيبدأ به ، ويصعد عليه ثم (1) يذكر الله ويدعو ، وضعف مالك رفع ~~اليدين إلا في افتتاح الصلاة. وقال اللخمي : ذلك واسع يرفعهما مبسوطتين ~~وبطونهما إلى السماء ؛ وهو الرغب ، أو إلى الأرض وهو الرهب. ولا ينصبهما ~~كما يفعل في الصلاة. # وقال ابن حبيب : إذا دعا ورفعهما بالرغب ، وإذا تضرع رفعهما بالرهب ، ثم ~~ينحدر إلى المروة ، ويفعل بها كذلك ، ثم يرجع إلى الصفا سبعة أشواط فإن بدأ ~~بالمروة لم يعتد بالشوط الأول ، ورجع فختم بها ، وكونه ماشيا متوضئا أفضل ، ~~وفي الموطأ عن عروة بن ms176 الزبير «أنه كان إذا رآهم يركبون فيه ينهاهم أشد ~~النهي ، فيعتلون له بالمرض حياء منه ، فيقول : لقد خاب هؤلاء وخسروا» (2). ~~ومن نسي السعي أو شوطا منه ، أو سعى قبل أن يطوف بالبيت فليرجع إليه من ~~بلاده (3)، فإن أصاب النساء طاف وسعى ، ثم اعتمر وأهدى ، وعن مالك : يهدي ~~ولا يرجع ، وهذا جنوح إلى القول بأنه ليس بركن. PageV01P402 # وأما الوقوف بعرفة (1): فالخروج إليه يوم التروية ثامن ذي الحجة ، سمي ~~بذلك لأنهم كانوا يحملون فيه الماء (2) من مكة لسقي الحجاج (3) بمنى ، ~~ويقولون : روي الحاج. يخرجون من مكة بقدر ما يصلون إلى منى مع صلاة الظهر ، ~~فيصلون بها الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، والصبح. ثم يغدون بعد ~~طلوع الشمس إلى عرفة. وقد تقدم أن العادة اليوم الإدلاج (4) إليها ، وبها ~~يصلون (5) الصبح ، ولم ير مالك على من لم يبت في هذه الليلة دما ؛ فإذا ~~زالت الشمس فليجمع مع الناس بين الظهر والعصر ، وليغتسل في موضعه قبل ~~الرواح ويجزيء في [103 / ب] الوقوف حيث كان من عرفة إلا بطن عرفة ، وقد مضى ذكره. # والوقوف مع الإمام وبالوضوء أفضل. وكره مالك ترك الموقف والوقوف على جبال ~~عرفة وقال : «الموقف كله سواء» (6) وقد مضى ذكر توقفه فيمن وقف بمسجد عرفه. # والوقوف راكبا أفضل للقادر ، وهو السنة ، قال اللخمي : إلا أن يضر ~~بالدواب (7) للنهي أن تتخذ ظهورها كراسي. ويقف الراجل فإذا مل فلا بأس أن ~~يستريح بالقعود ، واختلف قول مالك في المار بعرفة في وقت الوقوف ولم PageV01P403 # ينوه ، هل يجزئه؟ ووقوف النهار يوم عرفة دون الليل يجزىء عند جميع ~~العلماء ، إلا مالكا رحمه الله فإنه قال : «الفرض وقوف الليل» (1). وله في ~~كتاب ابن حبيب فيمن أغمي عليه بعد الزوال ، واتصل إغماؤه حتى دفع به ، قال ~~: يجزئه الوقوف به ، ولا يرجع ثانية إن أفاق من ليلته وهذا منه مثل قول ~~الجماعة ، قاله اللخمي وصححه ؛ وذكر حديث عروة بن مضرس (2) وفيه : «من صلى ~~صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا ، ~~فقد تم حجه ، وقضى تفثه» ms177 (3). وقال : وهو حديث صحيح ، قلت: أخرجه أبو داود ~~، والنسائي ، والترمذي ، والدار قطني ، وألزم البخاري ومسلما إخراجه. ~~واختلف إذا أخطأ الناس العدد فوقفوا يوم النحر ، والمشهور الإجزاء وعليه ~~فقهاء الأمصار. ورجح اللخمي عدم الإجزاء ، ولو وقفوا اليوم الثامن لم يجزهم ~~على المشهور. وحكى أبو عمر بن عبد البر لابن القاسم ولسحنون قولا بالإجزاء. ~~قال أبو عمر : «وهذا الخلاف في حق الجماعة من (4) أهل الموسم. فأما الواحد ~~فلا مدخل له في ذلك وإن أخطأ الوقفة لم يجزه لأن اجتهاد الواحد بخلاف ~~اجتهاد الجماعة (5)، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : «أضحاكم يوم تضحون ، PageV01P404 # وفطركم يوم تفطرون» (1). ولعله أراد بقوله اجتهاد الواحد والجماعة ، أن ~~الجماعة قد بذلت وسعها. وعموم التفريط لهم مستحيل وأما الواحد فإذا تبين ~~خطؤه وحده فالغالب [104 / آ] أن ذلك لتفريط منه ، فلم يوف الاجتهاد حقه ؛ ~~وإلا فلا فرق بين اجتهاد واجتهاد ، وبالله التوفيق. # والدفع من عرفة بعد غروب الشمس ، وكونه مع الإمام أفضل ، وتؤخر المغرب ~~إلى المزدلفة فيجمع (2) بينها وبين العشاء مع الإمام (3)، ومن صلاها في ~~رحله فلا بأس ، ومن كان وقوفه بعد دفع الإمام من عرفة صلى كل صلاة لوقتها. ~~وقيل : إلا أن يرجو الوصول إلى المزدلفة في وقت العشاء ؛ وجمعهما قبل حط ~~الرحال أفضل ، وهي السنة ، فإذا صلوا الصبح رحلوا إلى منى ، ويقفون بالمشعر ~~الحرام للدعاء والذكر إلى الإسفار الأول ، فيدفعون ويسرعون ببطن محسر ؛ ~~فإذا وصلوا إلى منى رموا جمرة العقبة على [حال] (4) مجيئهم من ركوب أومشي ، ~~ولا يرمون بعد ذلك إلا مشاة ، ويرمونها من أسفلها ، ومكة على يسارهم ، ووقت ~~رميها طلوع الفجر من يوم الأضحى إلى الزوال ، والمستحب بعد طلوع الشمس بسبع ~~حصيات مثل حصى الخزف ، ويكبر كلما رمى حصاة ، ولا يقف بها بعد الرمي ~~ولينصرف (5)، ولقط الحصى أفضل PageV01P405 # من كسره ، ولا يرمي بما قد رمي به ، فإن فعل صح ، ولا يجزىء وضع الحصى ~~بغير رمي ولا رمية في غير موضع الرمي ، ولا مجموعا ، فإذا رمى الجمرة حل له ~~كل ما منعه منه (1) الإحرام إلا النساء والصيد ms178 ، ويكره له الطيب حتى يفيض ~~فيتحلل من الجميع. # وبعد رمي جمرة العقبة ينحر هديا إن كان معه ، ثم يحلق أو يقصر ، والحلاق ~~أفضل إلا للنساء ، فسنته التقصير ، وحلاقهن مثلة (2)، ومن قصر أخذ من جميع ~~شعره ، ولا يجزئه الأخذ من بعضه (3)، وهو كمن لم يقصر ، يلزمه (4) الدم ~~بمضي يوم النحر ، أو أيام منى ، أو بانصرام ذي الحجة على الاختلاف في أشهر ~~الحج ، وفي اليوم الثاني من يوم النحر ترمى (5) الجمرات الثلاث ، ويبدأ ~~بالتي تلي منى ، ثم بالوسطى ، ثم بجمرة العقبة ، كل واحدة بسبع حصيات كما ~~تقدم في جمرة العقبة ، إلا أن الأخريين ترميان من فوقهما ، ومكة على اليمين ~~، والوقوف للدعاء [104 / ب] بإثر رمي كل واحدة منهما سنة ، فترمى الجمرات ~~في كل يوم بإحدى وعشرين حصاة ، فتكمل في (6) ثلاثة أيام ثلاثا وستين حصاة ، ~~إلى السبع التي رمى بها يوم النحر فتمت سبعين ، ولمن شاء (7) أن يتعجل في ~~الثاني فيسقط عنه رمي الثالث ، ويكون مبلغ حصاه تسعا وأربعين ، وقيل : يرمي ~~المتعجل للثاني والثالث فتكمل سبعين ؛ والعادة الآن التعجل في اليوم الثاني ~~لجميع الناس. PageV01P406 # ووقت رمي الجمار (1) بعد يوم النحر إذا زالت (2) الشمس إلى الاصفرار ، ~~وقيل إلى الغروب ، وما بعد الوقت إلى آخر أيام منى وقت قضاء يلزم فيه (3) ~~الدم على المشهور ، فإذا مضت أيام منى فلا قضاء ، ويلزم الدم وفاقا. قال ~~مالك : «من ترك حصاة واحدة فعليه دم ، ومن ترك جمرة أو الجمرات كلها فبدنة ~~، فإن لم يجد فبقرة ، فإن لم يجد فشاة» (4). # واختلف في أصل رمي الجمار ، فقيل : إن إبراهيم عليه السلام عارضه إبليس ~~هنالك (5) حين أراد ذبح ولده ، فرماه في المواضع الثلاثة. وقيل : إنما ~~عارضه وجبريل يريه المناسك فأمر برميه. وقيل : إنما رمى هنالك الكبش الذي ~~فدى به إسماعيل ، لأنه اتبعه ليأخذه ، فأخرجه هنالك ورماه بالحصى عند كل ~~جمرة ، فصار سنة ، وروى الدار قطني عن أبي سعيد الخدري رضياللهعنه : قلنا : ~~«يا رسول الله : هذه الجمار يرمى بها في كل عام تحسب أنها تنقص ، قال : ~~إنما هو ما تقبل منها يرفع ms179 ، ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال» (6). # والمبيت بمنى في ليالي منى سنة يجب الدم بتركها اختيارا (7)، وكان عمر ~~رضياللهعنه يبعث رجالا يدخلون الناس من وراء العقبة (8)، ومن تعجل من منى ~~فلينصرف بإثر الرمي ، فإن بقي حتى غابت الشمس لم يجز له PageV01P407 # التعجل (1) حتى يرمي من الغد فإذا رمى في الثالث انصرف إلى مكة قبل ~~الصلاة ، فيصلي في الطريق ، واستحب مالك لمن يقتدي به أن ينزل بالمحصب وهو ~~الأبطح. والعادة اليوم النزول أسفل مكة كما تقدم. # ومن المنكر المتواطأ عليه في هذا الأوان أنك لا تسمع [105 / آ] بمنى ~~تكبيرا ، وهو سنة أمر بها المسلمون جميعا في أيام منى إثر الصلوات اقتداء ~~بأهل منى ؛ إذ من سنتهم التكبير في كل وقت ، والجهر به وذلك شعارهم في منى. # وأما طواف الإفاضة ، فالأفضل أن يؤتى به يوم النحر ، فيذهب الحاج بعد ~~الحلاق إلى مكة ، فيطوف ثم يرجع من يومه إلى منى ، فيبيت بها الليالي ~~المذكورة ، وإن أخره عن يوم النحر ، فيختلف في وجوب الدم على ما تقدم. وفي ~~المدونة : «لادم عليه ، وإن خرجت أيام منى ، ما لم يطل» (2) قال اللخمي : ~~وهو استحسان (3) للاختلاف فيه ، ولا يجزىء تقديمه قبل الرمي يوم النحر ، ~~كالصلاة قبل الوقت ، ولذلك لا يجزىء عنه طواف القدوم ، وقال مالك فيمن نسيه ~~«إن طاف للوداع أجزأه» (4)، وأباه ابن عبد الحكم. قال اللخمي : وهو الأصل ~~ألا يجزىء نفل عن فرض. # قلت : ومحمل قول مالك على أنه لا يلزم تجديد النية مع كل ركن ، كما قال ~~فيمن دفع من عرفة قبل الغروب ، ولم يخرج منها إلا بعد الغروب : يجزئه ، وهو ~~لم يرد بالدفع الوقوف ، لما كان حكم نية الحج مستصحبا ، وكذلك هنا لما PageV01P408 # وجب عليه الطواف أجزأه كل طواف يكون في وقته ، ولا يلزمه تجديد النية لأن ~~الحج كله كعمل واحد ، ونية التنفل ببعض أركانه على وجه السهو لا تصرفه إلى ~~النفل ، كما قال عبد الملك فيمن سلم من اثنتين ساهيا ثم تنفل بركعتين ~~أجزأتاه عما بقي عليه من صلاته. # والعمل في طواف الإفاضة ms180 مثلما تقدم في طواف القدوم سواء ، إلا في الرمل ~~(1) وقد ذكرناه. فإذا عزم على السفر طاف للوداع وانصرف. فإن أقام بعده ، ~~أعاده إلا أن يكون أمرا قريبا كشراء الزاد ونحو ذلك ، وإن لم يودع رجع إليه ~~ما كان بالقرب ، فإن بعد فلا شيء عليه ، ورده عمر رضياللهعنه من مر ~~الظهران. # ويستحسن (2) للمودع أن يخرج القهقرى ، أو على جنب (3) وأن يكثر التلفت ~~كما يفعل من فارق معظما عنده ، محبوبا [105 / ب] لديه. # ويستحب الإكثار من الطواف. قال مالك : «وهو للغرباء (4) أفضل من الركوع ، ~~والركوع لأهل مكة (5) أفضل» (6) قال الشيخ أبو محمد : وفي غير كتاب ~~لأصحابنا ، ويستحب لمن قفل من حج أو عمرة أن يكبر على كل شرف ثلاث تكبيرات ~~ويقول : «لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد PageV01P409 # وهو على كل شي قدير ، آيبون (1)، تائبون ، عابدون ، ساجدون ، لربنا ~~حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده» (2). # قلت : قد ثبت به الحديث عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وذكره مالك في ~~الموطأ عن نافع عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من ~~غزو أو حج أو عمرة ، فذكره سواء» (3). وسئل مالك رضياللهعنه : الحج ~~والجوار أحب إليك أم الحج والقفل؟ قال : ما كان الناس إلا على الحج والقفل ~~، ورأيته أعجب (4) إليه ، ولم يره في ذلك مثل الغزو. وقيل له : فالغزو أحب ~~إليك أم الحج؟ قال : الحج إلا أن تكون سنة خوف (5). وروى الدارقطني عن ~~عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا قضى أحدكم حجه فليعجل الرحلة ~~إلى أهله فإنه أعظم لأجره» (6) وذكر مالك في الموطأ أن عثمان بن عفان ~~رضياللهعنه كان إذا اعتمر ربما لم يحطط عن راحلته حتى يرجع». (7) PageV01P410 ### ||| * [فضل الحج] # وأما فضل الحج فما ورد فيه أكثر من أن يسعه هذا الموضع ، ويكفيك منه ما ~~روى مالك في الموطأ عن النبي صلى الله عليه وسلم : «العمرة إلى العمرة كفارة ~~لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا ms181 الجنة» (1). وقال أيضا : «ما ~~رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ، ولا أدحر ، ولا أحقر ، منه في يوم عرفة ، ~~وذلك لما يرى من تنزل الرحمة ، وتجاوز الله عن الذنوب العظام ، إلا ما رئي ~~يوم بدر» (2)... الحديث ، وروى مسلم والدار قطني وغيرهما : (3) «من حج فلم ~~يفسق ، ولم يرفث ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». وروى الدار قطني (4) أيضا ~~: «من مات بأحد الحرمين ، بعث من الآمنين يوم القيامة» (5) وروى أيضا : ~~[106 / آ] «من مات في هذا الوجه من حاج أو معتمر ، لم يعرض ، ولم يحاسب ، ~~وقيل له : ادخل الجنة» (6) وروى مسلم وغيره : «ما من يوم أكثر من أن يعتق ~~الله تعالى فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم ~~الملائكة فيقول : ما أراد هؤلاء» (7). PageV01P411 # وقرأت على الشيخ ، الصالح ، الزاهد ، أبي محمد عبد الله بن يوسف بثغر ~~تونس كلأه الله تعالى وأخبرني الشيخ (1) الفقيه المحصل ، أبو زيد عبد ~~الرحمن بن محمد بالقيروان ، والشيخ الصالح الفقيه أبو محمد عبد السلام ابن ~~مزروع البصري بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أخبرهم ثلاثتهم الشيخ الصالح ~~، الفقيه ، المحدث ، العالم ، أبو المكارم محمد بن يوسف بن موسى قال : أنا ~~علي ابن الحسين البغدادي بقراءتي ، قال : أنبأنا أبو العلاء بن سهل الحافظ ~~، قال : أنا الحسن بن أحمد الحداد ، أنا الحافظ أبو نعيم ، نا فاروق بن عبد ~~الكبير ، نا إبراهيم بن عبد الله البصري ، نا حجاج بن منهال ، أنا عطاف بن ~~خالد ، نا إسماعيل بن رافع المدني ، عن أنس بن مالك قال : كنت جالسا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف من منى فأتاه رجل من الأنصار ، ~~ورجل من ثقيف ، فدعوا له دعاء خفيا (2)، ثم قالا : جئناك نسألك ، قال : إن ~~شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه (3) وإن شئتما أن أسكت وتسألاني فعلت ~~، فقالا : أخبرنا نزدد إيمانا أو يقينا الشك من إسماعيل قال الأنصاري ~~للثقفي : سل رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : بل أنت فسل (4)، فإني أعرف ~~لك حقك ، فقال الأنصاري : أخبرني يا رسول ms182 الله ، قال : جئت تسألني عن مخرجك ~~من بيتك تؤم البيت الحرام ، وما لك فيه ، وعن طوافك بالبيت ، وما لك فيه ، ~~وعن الركعتين بعد الطواف ، وما لك فيهما ، وعن طوافك بين الصفا والمروة ، ~~(5) وما لك فيه ، وعن وقوفك عشية عرفة ، وما لك فيه ، وعن رميك الجمار (6) PageV01P412 # وما لك فيه ، وعن نحرك وما لك فيه ، وعن حلقك (1) رأسك ، وما لك فيه ، ~~وعن طوافك بالبيت بعد ذلك يعني الإفاضة [106 / ب] وما لك فيه ، قال : إني ~~والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك ، قال : فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم ~~البيت الحرام لم تضع ناقتك خفا ولا ترفعه إلا كتب الله لك حسنة ومحا عنك ~~خطيئة ، وأما طوافك بالبيت ، فإنك لا تضع رجلا ولا ترفعها إلا كتب الله لك ~~بها حسنة ، ومحا عنك بها خطيئة (2)، ورفع لك بها درجة ، وأما ركعتاك بعد ~~الطواف فعتقك (3) رقبة من بني إسماعيل. وأما طوافك بين الصفا والمروة ، ~~فعتق سبعين رقبة. وأما وقوفك عشية عرفة ، فإن الله عز وجل يهبط إلى السماء ~~الدنيا فيباهي بكم الملائكة ، يقول : هؤلاء عبادي جاؤوني شعثا غبرا (4) ~~سفعا (5) جاؤوني من كل فج عميق يرجون رحمتي ومغفرتي ، فلو كانت ذنوبكم كعدد ~~(6) الرمل أو كعدد القطر ، أو كزبد البحر ، لغفرتها لكم. أفيضوا عبادي ~~مغفورا لكم ، ولمن شفعتم له. وأما رميك الجمار ، فبكل حصاة رميتها كبيرة من ~~الكبائر الموجبات الموبقات ، وأما نحرك فمدخور لك عند ربك ، وأما حلاقك ~~رأسك (7)، فبكل شعرة حلقتها حسنة ، وتمحى عنك بها خطيئة. قال : يا رسول ~~الله فإن كانت الذنوب أقل من ذلك ، قال : إذا يدخر لك في PageV01P413 # حسناتك ، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك ، يأتي ملك حتى ~~يضع يده بين كتفيك ثم يقول : اعمل لما يستقبل فقد غفر لك ما مضى» (1). قال ~~الشيخ أبو المكارم : وهذا الحديث له أصل محفوظ من حديث ابن عمر وابن عباس ، ~~وعبادة بن الصامت (2) والحمد لله. # ومن أعجب ما يروى في فضل الحج ، ما حكاه القاضي عياض وغيره : أن قوما من ~~كتامة ms183 (3) قتلوا رجلا ، وأضرموا عليه النيران طول الليل ، فلم تؤثر فيه ، ~~وبقي أبيض البدن ، فأتى قوم إلى سعدون الخولاني (4) بالمنستير (5) فعرفوه ~~بذلك ، فقال : ولعله حج ثلاث حجج ، فقالوا : نعم ، فقال : حدثت أن «من حج ~~حجة أدى فرضه ، ومن حج حجتين داين ربه ، ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره ~~وبشره على النار» (6). # انظر وصف إفريقيا 2 / 84. PageV01P414 ### ||| * فصل في حدود الحرم # اختلف في أصلها ، فقيل : أول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم عليه السلام ، ~~وإن جبريل عليه السلام دله على حدوده. وقيل : [107 / آ] إن آدم عليه السلام ~~لما أهبط (1) إلى الأرض ، خاف من إبليس فاستعاذ منه بالله ، فبعث الله إليه ~~ملائكة يحرسونه ، وحفوا (2) حوالي مكة من كل جانب ، فحرم الله الحرم من حيث ~~كانت الملائكة وقفت (3). وعن وهب بن منبه : أنه لما أهبط بكى واشتد جزعه. ~~فعزاه الله بياقوتة من يواقيت الجنة حمراء ، وضعها له في موضع الكعبة ، ~~ولها نور يلتهب ، وكان ينتهي إلى مواضع (4) الحرم. فلما صار آدم إلى مكة ~~حرسه الله بالملائكة من سكان الأرض. وسكانها يومئذ من الجن والشياطين ، ~~فكانوا يقفون على موضع (5) أنصاب الحرم. فلما توفي آدم رفعت الياقوتة. وهذا ~~وما كان مثله مما لا يقطع بصحته ، والصحيح الذي لا ريب فيه ، هو ما ثبت به ~~الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن مكة حرام ، حرمها الله يوم خلق ~~السموات والأرض ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت PageV01P415 # لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، لا يختلى ~~خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ، ~~قالوا : يا رسول الله! إلا الإذخر (1)، فإنه لصاغتنا وقبورنا ، قال : إلا ~~الإذخر» (2). # وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي (3) فجدد ~~معالم الحرم ، ثم أمر عمر بن الخطاب رضياللهعنه بتجديدها ، وجددها بعده ~~عثمان ، ثم جددها عبد الملك بن مروان. وفي نوادر الشيخ أبي محمد قال : (4) ~~ولغير واحد من أصحابنا ، أن حد (5) الحرم مما يلي المدينة نحو ms184 من أربعة ~~أميال إلى منتهى التنعيم ، ومما يلي العراق ثمانية أميال إلى مكان يقال له ~~المقطع. ومما يلي عرفة تسعة أميال ، ومما يلي اليمن سبعة أميال ، ومما يلي ~~جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية. (6) وقال مالك : الحديبية من الحرم. ~~وفي كتاب الأزرقي نحو مما تقدم إلا قوله في جهة عرفة ، فإن الأزرقي قال فيها : PageV01P416 # «من طريق الطائف عن طريق عرفة أحد عشر ميلا». (1) وهو الصواب ، وقد تقدم ~~بيان ذلك ، والله الموفق. # وقد قضى الله بأني لم ألق بمكة شرفها الله من يؤخذ [107 / ب] عنه علم ~~لشغلي في تلك الأيام بأمور الحج ، مع رجائي في الإقامة ، فلم أعط البحث ~~حقه. وصادفت الشيخ محب الدين الطبري وهو باليمن لم يحج في هذه السنة ، وذكر ~~لي بها شخص يعرف بالفاروثي (2)، وفاروث قرية من قرى بغداد على ما حكي لي ~~عنه ، وهو ممن طالت صحبته للشيخ الفاضل شهاب الدين أبي حفص السهروردي (3) ~~رحمه الله فحرصت على لقائه ولم يقض لي بذلك ، وسافر بعد انقضاء الموسم. ~~وبالجملة فقد ضعف العلم بتلك (4) البلاد لضعف العيش بها ، والناس مع الدنيا ~~وصاحبها ، والحكم لله مدبر الأمور. # وبعد ما تقدم ذكره سافرنا من خليص قافلين على طريقنا المتقدم إلى بدر ، ~~وكان قد خطر لصاحب الركب المصري أن ينفذ إلى مصر دون زيارة فشق (5) على ~~كثير من الناس (6)، وعظم الأمر علي لأن كرائي كان من أهل مصر ؛ ثم يسر ~~الله من ألطافه أن كان من الناس من قبح عند صاحب الركب PageV01P417 # ما رأى من ذلك ، فانصرف عن الخاطر الأول ، ورحل من بدر متوجها إلى ~~المدينة على وادي الصفراء ، وهو واد معمور فيه ماء ، ونخل ، وبنيان ، ~~وعمارة جيدة ، ويتصل كذلك قريبا من مسافة يوم ؛ ولا عمارة وراءه إلى ~~المدينة نحو أربعة أيام ، والماء بها قليل ، ودون المدينة على نحو من مسافة ~~نصف يوم وادي العقيق (1)؛ وليس به ماء ولا عمارة ، وحصاه ينحو نحو الحمرة ~~، وهو وادي ذي الحليفة ، والعقيق خرز أحمر معروف ، واحده عقيقة. وقال ابن ~~دريد : «كل شق في ms185 الأرض فهو عقيق ، وعق الشيء شقه» (2) والعقيق أيضا وادي ~~المدينة الذي فيه أموالها ، ونخيلها ، وذو الحليفة على طريق المدينة بنحو ~~سبعة أميال ، وهي بطحاء سهلة لينة ، وفيها أوحي إلى رسول الله (3) ~~صلى الله عليه وسلم أنه ببطحاء مباركة. وهي مهل أهل المدينة كما تقدم. وهنالك ~~بئر يعرف ببئر علي ، وعليه نزول الركب ، وبه آثار (4) بنيان ، ورسوم داثرة. # وعرب تلك الناحية من أكفر العرب وأفجرهم ، وقد رأيت شخصا من الحجاج لما ~~نزل الركب تقدم إلى [108 / آ] المدينة مغترا بقربها ، فما عدى الركب حتى ~~أخذوه وجردوه ، بعد الضرب المبرح ، وأثخنوه جراحا ، فتركناه بالمدينة ~~منقطعا ما به حراك ، لا خفف الله ثقل أوزارهم ، ولا عفا عن قبيح آثارثهم ~~ولا أعفاهم من قوارع الدهر وخطوبه ، وإنحائه عليهم من كروبه ، بأنواع ضروبه. PageV01P418 ### ||| * [ذكر المدينة المنورة] # وفي ضحى يوم الاثنين الثامن والعشرين من ذي الحجة ، وصلنا إلى معهد ~~الفضائل المشهورة ، ومعقد ألوية الدين المنشورة ، ومحتد المآثر المذكورة ~~المأثورة ، مجمع محاسن الدارين ، ومنبع مفاخر العصرين ، ومطلع سعادة ~~الثقلين. روضة أزهار الأنام (1)، ومشرق أنوار بدر التمام ، وحمى كرم ما ~~حام حوله حام ، ولا سام بصفقته سام ، حمى آدم فآدم عيشه القشف (2) بإكرام ، ~~وأولاه مناه ، ولولاه لاستمر أذاه ودام ، ولا غرو أن كان أباه وقد أسماه ~~عليه الله (3)، فالنور من النبت ، والقطر من الغمام. كم حوى من فخر محل ~~حواه ، كم نال من أثر آثر رؤاه (4)، علا على كل شرف شرف (5) إليه منتماه ، ~~بل علت به الوهاد على الآكام. محل (6) غدا لبدر الفضائل هالة ، منزل إن ~~نازله وصاف بالوصف هاله ، قصاراي (7) القصور ولو كنت ابن أبي هالة (8)، ~~وضجت من طول وصفي الأقلام. لولا شرفه أطرق طرف (9) الأماكن ، ولولا كرمه لم تكن # انظر الروض الأنف 2 / 216. PageV01P419 # للفخر تساكن. شرفت مكة بمولده ومحتده ، ولكن مدار الأمر على الختام. يا ~~له محلا هو (1) لسلك الدنيا واسطة ، (2) فدع عنك الشام وحمصه والعراق ~~وواسطه ، (3) به تمسي القلوب مقسطة (4) وقد أصبحت قاسطة (5)، وبه تحط ~~أوزار من قطن أوزار ، وتمحي الآثام (6). ما في الأرض أحلى ms186 منه حلى وأوصافا ~~، فانظر به محل ناظر التزم إنصافا ، أقعدني القصور عن حقه وإن كنت وصافا ، ~~فأخلف إلى خلف ، وقدم (7) تقدمني قدام. فضاء أفيح يقطع البازل الفنيق ، (8) ~~ومسرح للفضائل يزري بالروض الأنيق ، وفخر كما التهبت نار في رأس نيق ، فعد ~~عن نار غالب (9) وفخر همام. (10) عشا إليها (11) من هو من نسب التوفيق ~~عريق. وعشا عنها (12) من هو في [108 / ب] بحر الخذلان غريق ، لما لاحت ~~وأوضحت الطريق ، شجي (13) العدو بالريق ، وعشا بسناها فخبط في ليل الظلام. ~~واشوقاه إلى تلك العرصات ، أترى لي عودة إليها قبل الممات ، وهل تبرد بها ~~الأحشاء من سموم الزفرات ، ويقضى لي المقام بذلك المقام : [الوافر] PageV01P420 مقام للعلاء به مقام %~% وفيه انجاب عن ضوء ظلام به مثوى السيادة غير شك %~% به للدين والدنيا انتظام به قمر السعود ثوى مقيما %~% فسار بنور غرته الأنام (1) به الإشراك في شرك تهاوى %~% وكان به لمدته انصرام 5 به الإيمان أمن من نحاه %~% فأضحى لا يذام ولا يضام (2) به حلت نجوم الأفق طرا %~% فصار لها بساحته التئام به أهل المعاني والمعالي %~% إمام في الشريعة أو همام به الآمال دانية فما إن %~% يشط به على الباغي مرام به سحت سحائب كل علم %~% كما بالوبل قد هطل الغمام (3) 10 به سجعت على أغصان جود %~% قواف مثلما سجع الحمام علا قذيت به عين الثريا %~% فخالف غربها درر سجام (4) ومجد ناطح الشعرى فأضحت %~% بذاك لها اضطراب واضطرام (5) PageV01P421 به قال الكمال : نظمت سلكا %~% فليس بغير طيبة لي نظام به النور الذي عم البرايا %~% هداهم للمسالك فاستقاموا 15 عليه صلاة ربي قد حباه %~% سيادة من عليها والسلام (1) # ولم يقم الركب بالمدينة إلا يوما وبعض يوم ، وقد استفرغت وسعي (2) في ~~تأملها وتحفظ صفتها ، وما عسى أن يدرك من ذلك (3) مع قلة الإقامة وكثرة ~~الشواغل ، وترادف الوظائف الدينية والدنيوية ، ولكنه على ما كان من حال فلا ~~بد من تقييد بعض ما أدركه العيان من صفتها ، وما علق بالذكر من نعتها ، وهي ~~[109 / آ] زادها الله شرفا مدينة مليحة ، ظاهرة الشراقة ms187 والرونق ، موضوعة ~~في مستو من الأرض على واد به غابة عظيمة من النخل ، وأرضها سبخة وبظاهرها ~~حرة (4) سوداء ووعر. وسورها قد أثر فيه القدم ، وتربته (5) حمراء. ولها ~~جملة أبواب ، لا أحصى عدتها ، والبقيع (6) شرقيها ، وجبل أحد شماليها ، وهو ~~جبل عال إلى الحمرة ، وليس بمفرط (7) العلو ، وقباء (8) منها في جهة الشرق ~~تلوح مبانيه وصومعته من المدينة ، وبينهما نحو من ثلاثة أميال. وفي البقيع ~~زاده الله طهارة من المزارات الشريفة ما لا يحصره PageV01P422 # وصف من قبور الصحابة والتابعين ، والعلماء والصالحين ، وعلى أكثرها مبان ~~وقباب متقنة ، ومن أشهرها وأتقنها قبة عثمان بن عفان رضياللهعنه ، وهي ~~عالية متسعة ، محكمة العمل ، رائقة المنظر ، وتليها قبة العباس (1) ~~رضياللهعنه ، وفي كل قبة وبنية بالبقيع عدة مقابر للصحابة وغيرهم ، إلا ~~تربة الإمام مالك بن أنس رضياللهعنه (2)، فإن قبره في بيت لا يسع غيره ، ~~وقد رفع التسنيم على القبر (3) إلى نحو الصدر ، وأعلاه مستو مفروش بالحصى ، ~~وبإزاء رأسه في الحائط مكتوبا في حجر : توفي الإمام مالك بن أنس رضياللهعنه ~~في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة ، ومولده في ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين ~~، وقد استصحبت من قبره حصيات تبركا بها وتذكرا لمعاهدها : # [الكامل] # ومن الوفاء بعهد حب ظاعن %~% لثم الطلول ووقفة بالمنزل ### ||| * [مسجد النبي] # وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فعلى صورة المسجد الحرام ، إلا أنه في ~~المساحة دونه بكثير ، وعرضه (4) على النصف من طوله ، وطوله من الجنوب إلى ~~الشمال ، وعرضه (5) من الشرق إلى الغرب (6). وهو عالي السمك ، مبيض ، PageV01P423 # مدور بالسقائف ، عجيب المنظر ، ووسطه فضاء مفروش برمل أحمر ، وأساطينه ~~مبيضة بالفضة ، عالية ، متسع ما بينها ، وأوسع سقائفه ناحية الجنوب ، وفيها ~~المحراب ، وهي خمسة صفوف ، وفي مؤخر المسجد ، وهي ناحية الشمال أربعة صفوف ~~، وفي ناحية الشرق ثلاثة صفوف ، وفي الغرب أربعة صفوف ، [109 ب] وفي ~~الناحية الشمالية من فضاء المسجد بيت مربع مليح هو مخزن المسجد ، وبالقرب ~~منه نخلات صغار ناضرة عليها أثر التعاهد بالصون. # وقد وسع المسجد مرارا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما يأتي ذكره ms188 إن ~~شاء الله تعالى. وكان المسجد من موضع المنبر إلى الروضة المقدسة شرقا وغربا ~~؛ ومن موضعه إلى علم هناك جنوبا وشمالا ، (1) وكان المنبر إلى الجدار ~~الغربي ، ثم وسع المسجد غربا وجنوبا وشمالا (2)، وبقي المنبر بموضعه ، ~~والزيادة على المسجد من ناحية الغرب قدر مساحته ، ومن الجنوب صف واحد وفيه ~~المحراب ، ومن الشمال قدر مساحته ثلاث مرات ، وأما ناحية الشرق فلم ير فيها ~~إلا مقدار ممر إنسان من وراء الروضة المقدسة ، وكانت مساحة المسجد حين بناه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة ذراع طولا وعرضا. وقيل سبعين طولا وستين ~~عرضا وقيل غير ذلك. # وللمسجد الآن أربعة أبواب : باب السلام ، وباب الرحمة من ناحية الغرب ، ~~وباب جبريل وباب النساء من ناحية الشرق ، وفي الصف الأول قريبا من الروضة ~~باب آخر هو نفق في الأرض يهبط فيه على درج ، ويخرج منه على حجر في قبلة ~~المسجد ، وذكروا أنها حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وينسبونها حجرة ~~حجرة وذلك باطل ، فإن الروضة المقدسة هي حجرة عائشة رضي الله PageV01P424 # عنها وقد دخل غيرها من الحجر في المسجد في زمان الوليد بن عبد الملك. قال ~~: وذكروا أنه كان للمسجد عشرون بابا ، ثم سدت كلها إلا الأربعة المذكورة ، ~~والله أعلم. # وفي المسجد ثلاث صوامع : اثنتان على الركنين الجنوبيين ، وواحدة (1) في ~~مؤخر المسجد ، وذكر بعض الناس أن أساطينه (2) مئتان وست وسبعون أسطوانة ، ~~وأنا لم أعدها لشغلي بغير ذلك. ### ||| * [الروضة الشريفة] # وأما الروضة المقدسة زادها الله شرفا وجلالة فهي في داخل المسجد (3) عند ~~الجدار الشرقي (4)، قريبا من الركن الذي على يسار المحراب ، وبينها وبين ~~الركن الصف الأول ؛ وبينها وبين الجدار الشرقي ممر [110 / آ] ضيق حسبما ~~تقدم. وهي شرفها الله معمولة بالرخام الأبيض من الأساس إلى سقف المسجد ، ~~بأتقن ما يكون من الصنعة وأعجبه ، وهي موضوعة على شكل التربيع ؛ ولكن ربعها ~~الشمالي ينحو نحو الاستدارة ، وفيه أركان وبعض انخراط إلى الجهة الشرقية ، ~~وفي ركنها الواصل بين الجدار الغربي والجنوبي صندوق مليح من خشب مبني في ~~الحائط بإزاء رأس ms189 النبي صلى الله عليه وسلم . وعلى يمينك وأنت مستقبل له علم ~~بإزاء رأس أبي بكر رضياللهعنه ، ثم آخر بإزاء رأس عمر رضياللهعنه ، ويعطي ~~ذلك أنها على هذه الصورة ..... (5) وقد قيل فيها صفة أخرى غير هذه والله أعلم. PageV01P425 # وعلى الروضة زادها الله تشريفا كسوة رائقة أسدلت (1) عليها إلى قريب من ~~القامة ، تكساها في كل عام ، كما تكسى الكعبة. وأخبرني الشيخ الأديب الفاضل ~~أبو الحسن التجاني (2) بثغر تونس ، كلأه الله ، أنه وقف على الروضة شرفها ~~الله وإذا في أستارها مكتوبا : (3) [الطويل] # هنيئا لكم يا زائرين ضريحه %~% أمنتم به يوم المعاد من الرجس وصلتم إلى قبر الحبيب بطيبة %~% فطوبى لمن يضحي بطيبة أو يمسي # قال : فقال لي بعض من حضر : زد عليهما شيئا فقلت ارتجالا توطئة للبيتين : ~~(4) [الطويل] # قفوا سلموا هذا ضريح محمد %~% أما تبصرون النور أبهى من الشمس (5) وصلوا عليه ، واسألوا ، وتوسلوا %~% إلى الله بالمبعوث للجن والإنس # هنيئا لكم .... البيتين. # بغية الوعاة 2 / 141 ، رحلة التجاني 258 270 تراجم المؤلفين التونسيين 1 ~~/ 214 215. |هنيئا لكم يا زائرين ضريحه||فطوبى لمن يضحي بطيبة أو يمسي| |وصلتم إلى قبر الحبيب بطيبة||أمنتم به يوم المعاد من الرجس| # وهما في رحلة ابن بطوطة 1 / 145 ، وملء العيبة 5 / 271 وروايتهما فيها : |سعدتم به يا زائرين ضريحه||أمنتم به يوم المعاد من الرجس| |سلمتم وأصبحتم بأكناف طيبة||فطوبى يضحي بطيبة أو يمسي| # ونسبهما لمحمد بن رشيد بفتح الراء وكسر الشين البغدادي الواعظ. PageV01P426 # وعلى الروضة شرفها الله شباك من عود محكم الصنعة ، وله بابان : غربي ~~وشمالي. وأما الروضة فمصمتة لا باب لها ، وفوقها قبة بيضاء إلى الدكنة ~~مصمتة أيضا مليحة [110 / ب] عجيبة ، سمت عالية على البنيان ، ولاحت بادية ~~للعيان ، يثير مرآها من ذي الوجد كامن الأشجان ، ويهيج من القلب ساكن ~~الأحزان ، كأنها ترقب أو تندب حبيبا بان ، وتذكر من يفكر بزمان كان ، ~~وتترجم عما يستعجم من معان بمعان ، تشرح فتفصح (1) عما تلوح إليه ببيان ، ~~يالها واعظة كل عن شأوها قس وسحبان ، وتضمنت ، غير ناطقة ، ما لم ms190 يتضمن ~~ديوان : [الوافر] # أرنت بالعويل وبالنحيب %~% مرجعة على ربع الحبيب (2) أقامت ليس تبرح منتداه %~% وقامت لا تمل من الدؤوب تشير إلى علوم قد حوتها %~% إشارة عالم فطن لبيب وقد لبست بدكنتها حدادا %~% وجد لنا الأسى عري السليب 5 غدت تمري مدامع من رآها %~% بما أبدت من الحال الغريب (3) وقل لها البكاء ولو أمدت %~% غزار دموعنا مهج القلوب فقل للقلب صعد لي زفيرا %~% وقل للعين بي ظمأ فصوبي (4) ونح شجوا وسح بالوجد دمعا %~% ورح نشوان من خمر الكروب (5) PageV01P427 وقم فاندب ، وذب جزعا وشوقا %~% وصله من الشروق إلى الغروب 10 كفى بتواصل العبرات شغلا %~% يعوقك عن مديح أو نسيب # ولم أر بالمدينة ، مع شدة البحث ، وإلحاح الطلب ، وتكرار السؤال من هو ~~بالعلم موصوف ، ولا من هو بفن من فنونه معروف ، وكل من نال بها خطة علمية ، ~~فلسان حاله قد نادى وندد (1): [الكامل] # خلت الديار فسدت غير مسود %~% ............................... # (2) ولا غرو إن انعكس الحال في تلك الديار ، وصار الأمر إلى ما إليه صار ~~، فالدنيا مطية سريعة العثار ، ولكل شىء إقبال وإدبار ، وقد (3) لقيت إمام ~~حرمها الشريف ، وخطيب المنبر العالي المنيف ، فوجدت سماء شرفه من شياطين ~~الجهل لم تحرس ، وتربة قلبه لم تزرع بحبة من المعارف ولم تغرس ، فاستفهمته ~~عما يتلى ويدرس ، (4) وهو بأمثاله يعفى ويدرس (5): [الطويل] # ................................. %~% ف «كأني أنادي أو أكلم أخرس » (6) # [111 / آ] إلى هنات هو بها مذكور ، وصفات ليس المتصف بها بمحمود ولا مشكور. # «ألما على الربع القديم بعسعا» # وفي الديوان : أخرسا. PageV01P428 ### ||| * [لقاؤه لعبد السلام التمار # بيد أنه ذكر لي شيخا من أهل العراق ، مجاورا بالمدينة ، معنيا بالعلم ~~وحملته ، قديم الرحلة إلى الحجاز ، طويل المقام بها ، وهو عفيف الدين أبو ~~محمد عبد السلام بن محمد بن مزروع البصري التمار (1) فسألت عنه حتى وجدته ~~في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه الروضة المقدسة زادها الله جلالة ~~فألفيته شيخا ركينا ، ذا سمت وهيئة ، ولقاء جميل ، رحل في البلاد ولقي ~~الناس ، وسمع من الشيوخ ، واستقر به القرار آخرا بالمدينة مجاورا ، ~~واستجزته فأجازني لفظا ms191 في كل ما يحمل ، وأخرج إلي جزءا ناولنيه ، وهو الجزء ~~الثاني من حديث أبي بكر بن محمد بن العباس بن نجيح البزار ، وانتقيت منه ~~أحاديث علقتها إثر صلاة الصبح بين المنبر والروضة أثبت منها هاهنا. (2) ~~حديثين تبركا بهما : أخبرنا الشيخ الصالح المحدث جار (3) رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عفيف الدين ، أبو محمد عبد السلام بن محمد (4) بن مزروع ~~البصري التمار إجازة بلفظه ، ومناولة من يديه إلى يدي بمسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تجاه الحجرة الشريفة المعظمة ، زادها الله جلالة ، ونقلته ~~من كتابه ، قال : أنا الشيخ أبو الحسن المبارك بن محمد (5) بن مزيد بن هلال ~~الخواص الحنفي قراءة عليه وأنا أسمع في يوم الجمعة السادس PageV01P429 # من ربيع الأول سنة خمسين وست مئة بمستنصرية بغداد (1)، أنا أبو الفتح ~~عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن نجا بن شاتيل قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا ~~أبو بكر أحمد بن المظفر بن سوسن التمار قراءة عليه ونحن نسمع ، أنا أبو علي ~~الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان ، قال : أنا أبو بكر ~~محمد بن العباس بن نجيح البزار من لفظه ، نا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم ~~بن كثير ، نا إبراهيم بن المنذر ، نا عبد الله بن موسى التميمي ، عن يعقوب ~~بن عبد الله بن أمية الضمري ، عن جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه قال : قلت ~~يا رسول الله : أرسل دابة وأتوكل؟ قال : بل قيد وتوكل». (2) # وبه إلى ابن نجيح : نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، [111 / ب] نا إبراهيم ~~بن زياد سبلان ، نا عباد بن عباد المهلبي ، عن يونس بن عبيد ، عن سعيد ابن ~~أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : أظنه رفعه ، قال : «ثلاثة يهلكون ~~عند الحساب : جواد ، وعالم ، وشجاع ، يؤتى بالعالم فيقال : ماذا صنعت؟ ~~فيقول : يا رب! آتيتني علما فعلمت عبادك ، وأفشيت علمي ابتغاء وجهك ؛ فيقال ~~(3): كذبت ، ولكن فعلت ليقال : فلان عالم ، فقد قيل ذلك فيهلك. ويؤتى (4) PageV01P430 # بالشجاع فيقال له : ماذا صنعت؟ ms192 فيقول : يا رب جاهدت في سبيلك ، وقاتلت ~~عدوك ابتغاء وجهك ، فيقول : كذبت ، ولكن فعلت ليقال فلان شجاع ، فقد قيل ~~ذلك. ويؤتى بالجواد فيقول له (1): ماذا صنعت؟ فيقول : يا رب أعطيتني مالا ~~وصلت به الرحم ، وصنعت المعروف ابتغاء وجهك ، فيقول : كذبت ، ولكن ليقال : ~~فلان جواد فقد قيل ذلك» (2). # وسمع مني شيخنا عفيف الدين المذكور القصيدة التي نظمتها بالحجاز في مدح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحضر لسماعه ناس وقيد عليها طبقة السماع بخطه ~~، وذلك بحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه الروضة المعظمة زادها الله ~~شرفا وقد رأيت إثبات القصيدة بجملتها في هذا الموضع إذ هو أليق المواضع بها ~~فأقول وبالله أستعين : [الكامل] ### ||| * [القصيدة النبوية للعبدري] فوق إلى غرض الفلاة وسدد %~% سهم السرى تقصد وتحظ بمقصد (3) أوتر قسيا من مطي إن رمت %~% رنت كما رنت قسي المقصد شم سيف عزم لا يفل ذبابه %~% قرع الزمان ، ولا قراع الفدفد (4) هم بالعلاء بهمة تعلو على %~% سمك السماك وسام سامي الفرقد (5) # بخلاف في اللفظ والنسائي 6 / 23. PageV01P431 5 أجب النداء وجب بكل تنوفة %~% قفرا تنكر للدليل المرشد (1) رافق رفيق العزم واترك من ونى %~% حلف البطالة نائما في مرقد (2) شمر ثيابك للثواب فقد بدا %~% أمما له أم البصير المهتدي (3) بادر بدور العمر قبل أفولها %~% واركض بجدك في الفضاء الجدجد (4) سامر سمير النجم في سمر السرى %~% واجف التخيل من خيال المرقد (5) 10 كن في مضاء العزم فعلا ماضيا %~% واترك لسوف مسوفا حلف الغد (6) حتى تحل بذروة المجد التي %~% فاتت مرام الحائر المتردد حتى تحل بمنزل ما حله %~% إلا نزيل طلوع سعد الأسعد حتى تفوز بمطلب في مرقب %~% ترك المسامي في الحضيض الأوهد (7) حتى تواصل في وصالك رتبة %~% أعيت على عزمات كل معرد (8) 15 حتى تنال منال كل ممجد %~% حتى تنال منال كل مسود حتى تحصل ما نويت مبرءا %~% من نقص حين حال دون المقصد (9) حتى تشاهد مشهدا شهدت له %~% بالفضل أنباء تروح وتغتدي حتى ترى مرأى يجل كماله %~% عن أن يقيده لسان مقيد حتى ترى ms193 ما لا يحيط بمدحه %~% نغمات شاد أو ترنم منشد PageV01P432 20 حتى تقبل من بساط العز ما %~% خفقت له أحشاء كل موحد (1) حتى يجرد من مخيط ثيابه %~% حلف الرفاهة فاغتسل وتجرد (2) حتى تلبي داعيا ما مثله %~% داع يجاب من المكان الأبعد (3) حتى ترى ذا نعمة متبذلا %~% وترى الملوك غدوا بزي الأعبد (4) حتى تحل بمكة وحلالها %~% خير الحلال فحط رحلك واقعد 25 حتى تطوف بكعبة ما مثلها %~% من مسجد يبنى ولا متعبد حتى تقبل ركنها الفرد الذي %~% ضم المواثيق التي لم تجحد حتى ترى حجرا منيرا أسودا %~% واعجب فديتك للمنير الأسود حتى ترى ذاك المقام وحسنه %~% واذكر به قاري الضيوف ومجد (5) حتى ترى في ماء زمزم شارعا %~% فأطل لتجلو ذلك القلب الصدي 30 حتى تخب إذا سعيت من الصفا %~% وإليه فعل الخادم المتودد (6) حتى تبيت مبيت عبد في منى %~% متبذلا تنوي وقوفك من غد [112 / ب] حتى تعاين في الوقوف عجائبا %~% مهما يلاحظها فؤادك يرعد (7) حتى ترى جمعا بجمع جامعا %~% وتجد في رمي الجمار من الغد حتى تحلق أو تقصر في منى %~% حتى تفيض بفيض ذاك المورد PageV01P433 35 حتى تودع مكة وربوعها %~% قلق الحشا لفراق ذاك المعبد (1) حتى ترى برق الهداية لا معا %~% يبدو لعين الناظر المتفقد حتى ترى نهج الولاية لائحا %~% لم يخف إلا في لحاظ الأرمد (2) حتى تربع طيبة وربوعها %~% فيطيب وقتك في المكان الأسعد (3) حتى ترى نجم السعادة طالعا %~% حتى ترى قبر النبي محمد 40 فهناك سر أخو الظواهر ظاهرا %~% وأخو الحقائق في المقيم المقعد (4) وبه قلوب قد تنفس غمها %~% وبه قلوب ذات عيش أنكد ما للمحق وللسرور وكم غدا %~% عمل كثير ساقطا لم يصعد ما للمحق وللسرور وإنه %~% يفري ظلام الغيب طول المسند (5) ما للمحق وللسرور وقد رأى %~% في معهد الأحباب من لم يعهد (6) 45 ما حال من أمسى غريم غرامه %~% وافى فلم يردد هواه بمعهد (7) بانوا فأوحشت الديار لبينهم %~% ومضوا وخلفنا بحال مجهد وجدي أناخ على الفؤاد بجنده %~% فثوى وناري في الحشا لم تخمد (8) يا عين جودي ms194 بالدموع عليهم %~% تحكي نظيم اللؤلؤ المتبدد يا عين جودي بالدموع وأتبعي %~% منهن أصفى مورد بمورد PageV01P434 50 يا عين جودي بالدموع فإنها %~% علم على شوق المشوق المكمد (1) يا عين جودي بالدموع وسلسلي %~% سلسالها ورديه أعذب مورد (2) يا عين جودي بالدموع هو املا %~% لا تسأمي أن تسجمي وسط الندي (3) يا عين جودي بالدموع فإنها %~% أشفى لغلة ذي اشتياق مبعد (4) جودي وسحي لا تشحي وانثري %~% درر الجفون وواصليها واصردي (5) 55 يا نفس للدمع الغزير فصوبي %~% طول الحياة وللزفير فصعدي [113 / آ] هذي حلال المصطفى وربوعه %~% هذي منازله فقومي واقعدي (6) لا عذر للأحشاء لم تضرم بها %~% لا عذر للعبرات لم تتبدد لا عذر للأجسام لا تبلى بها %~% لا عذر للأحزان لم تتجدد لا عذر في ترك النحيب خلالها %~% حتى يروي ذو الهوى القلب الصدي 60 كذب الهوى من حلف زعم مدع %~% أصغى لنوح حمامة لم يسعد كذب الهوى من حلف زعم مدع %~% نحو الحبيب وربعه لم يسبد (7) كذب الهوى ممن أتى ربع الهوى %~% فاختار فرقته ولم يتقيد يثني الأعنة راجعا أدراجه %~% شوقا عراه لزينب أو مهدد (8) يا ربع قد أخليت ربع تصبري %~% يا ربع قد أبليت حبل تجلدي (9) |عرفت المنازل من مهدد||كوحي الزبور لدى الغرقد| PageV01P435 65 يا ربع ربعك في فؤادي آهل %~% لم تعفه ريح الزفير المصعد (1) يا ربع إن ساواك عندي منزل %~% طول المدى فأنا المسيء المعتدي يا ربع أنساني هواك منازلي %~% حتى سلوت ولم أخن عن مولدي (2) يا ربع والاك الزمان بلينه %~% بددت دمعي فيك كل مبدد ويقل أن أبكي دما لأحبة %~% كانوا نجوما في حماك لمهتد 70 يا ربع قادتني إليك محبة %~% ملأت ضلوعي بالسعير الموقد إن كنت لم أزمع جوارك برهة %~% فأنا من اوصاف الهوى صفر اليد (3) ونويت أني إن عدمت مساعدا %~% صابرت فيك توحدي وتفردي وحلفت لا طاوعت فيك مفندا %~% تبا لمصغ فيك نحو مفند لكن قضاء الله عاق إقامتي %~% وأقامني نحو الترحل مقعدي 75 لولا موانع ما قضاه وصبية %~% تبكي لكل مسجع ومغرد خلفتهم في غربة تبكي ms195 لهم %~% ورق الحمام بكل غصن أملد (4) في منتهى الغرب الذي ما دونه %~% إلا تلاطم موج بحر مزبد (5) ما كنت أخطو نحو غيرك خطوة %~% حتى أوافي مضجعي في ملحدي [113 / ب] لكنني إن يقض لي بلقائهم %~% أفن الزمان بعيش صب مبعد 80 شوقا إليك مكررا ذكراك في %~% ضوء النهار وجنح ليل أربد (6) PageV01P436 يا صاح كرر ذكرهم وحديثهم %~% في سمع ذي القلب المشوق وردد يا صاح لا تأثر سوى آثارهم %~% وأثر مآثرهم وأمل واعدد (1) سكن بما تحكيه بعض بلابلي %~% كم منة لك إن فعلت وكم يد (2) نقر ونقب عن مناقب نقبهم %~% ومتى ترد وصف الجواد فجود (3) 85 حق لآل المصطفى ولصحبه %~% ولربعه حر الثناء فنضد وانثر نثار الجفن منك فإنه %~% حق على من زار ربع محمد (4) خير الأنام رفيعهم وربيعهم %~% وشفيعهم في هول يوم الموعد خير الأنام ، حسيبهم ونسيبهم %~% وطبيبهم من كل داء مقصد (5) خير الأنام نبيهم ووليهم %~% وعليهم ، أعظم به من سيد (6) 90 قد أم أمته علاء مجادة %~% فعلت ، ولولا مجده لم تمجد بهر الخلائق منه نور باهر %~% أعشى ، بلى أعمى عيون الحسد أعيا بلاغة ذي البلاغة مدحه %~% فالواصف النطيق مثل المفرد نور جلا ظلم الضلالة فانجلت %~% وبه استنار فؤاد ذي قلب هدي (7) أربى على الشمس المنيرة بالضحى %~% فغدت لديه شبيهة بالفرقد 95 أضحى المسيح مبشرا بقدومه %~% وغدا به قس خطيب المشهد (8) PageV01P437 ولطالما هتفت بذاك هواتف %~% في سجعها أو في قريض منشد وكذا سطيح عند شق ضريحه %~% والى البيان به ولم يتردد (1) كم كاهن باحت به أسجاعه %~% من قبل منع السمع للمتمرد (2) أو راهب في ديره متعبد %~% لم يخل منه معالم المتعبد 100 قصر اللسان عن الوفاء بحقه %~% إن رمت ذاك تكل عنه وتجهد فانظم بقدرك لا بقدر كماله %~% وارفع صحيفة غارم لم يجحد (3) [114 / آ] واخضع خضوع مقصر عن واجب %~% واجأر جؤار حليف روع منجد وأفض غروب الدمع منك وقل له : %~% خد الخدود ومر لا تتردد (4) وامدد إليه يد السؤال لعله %~% يرثي لها فتعود ملآن اليد 105 يا خير من ms196 وطىء الثرى قدم له %~% يا خير ناطق حكمة في مشهد يا خير أهل الأرض يا أرضاهم %~% يا خير سام في السماء ممجد يا خير مولود تقدم كونه %~% يا خير من هو بعد لما يولد (5) يا خير من نيط الرجاء بجاهه %~% يا خير مأمول لخطب مكمد (6) يا خير من قرأ الكتاب مرتلا %~% يا خير من هجر الكرى لتهجد (7) 110 إني أتيتك قاصدا ومسلما %~% مستسلما لتغربي وتوحدي PageV01P438 أفري المهامه لم يلتني عائق %~% «عجلان ذا زاد وغير مزود » (1) هاجرت عن أهلي إليك ومعشري %~% لتجيرني من شر ما اجترحت يدي (2) وأتيت بابك كي تؤمن روعتي %~% وقصدت جاهك في بلوغ المقصد وجمعت في قصدي إليك مآربي %~% فعل الفقير أتى الكريم لموعد 115 ثقة بفضلك لا اغترار بالمنى %~% والغيث إن ينزل بأرض يقصد حاشاك أن يأتي جنابك قاصد %~% فيعود دون تمكن بالسؤدد كم ذا ندبت مآثما بمآثم %~% أرجو لها عفوا بقصدك سيدي كم حاجة عمرت حشاي ومطلب %~% أرجو لديك قضاءها وكأن قد (3) ما إن رفعت إلى سواك مطالبي %~% ما إن حللت سوى نداك بمورد 120 لم أرج ذا ملك ولا ذا إمرة %~% وإذا تهم النفس قلت لها ابعدي فمن استنار بنور شمس باهر %~% ألقى الذبال فأوقدي أو أخمدي (4) لما حللت ذراك دام بهاؤه %~% وعلمت أني منه جد مؤيد (5) ناديت دهري : لا أخافك مرة %~% «فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد» (6) أنا ضيف ربي ثم ضيف نبيه %~% أمن إلى أمن فأوعد أوعد (7) [114 / ب] |أمن آل مية رائح أو مغتدي||وهو مطلع قصيدة مدحية. | PageV01P439 125 وانهض بحق ليس يجحد أوكد %~% حق النهوض لحق ربك أوكد واهجر ، وجر ، أو عد إلى وصل امرىء %~% ما إن يبالي نال وصلك أوعد (1) أنا في حمى من لا يخيس بذمة %~% فخر الورى خير البرية أحمد (2) أنا في حمى من لا يوفي مدحه %~% شعر الكميت ولا أغاني معبد (3) أنا في حمى من لا يحيط بمدحه %~% لفظ البليغ ولا يراع ممجد (4) 130 أنا في حمى من هد كسرى ذكره %~% ومحا الرسوم على قديم الفرقد بدر ms197 الدجا ، بحر الندى ، فخر الورى %~% مأوى الضعيف وملجإ المستنجد قصر امتداحي عن عظيم خلاله %~% هذا وقد أسكت كل مقصد (5) يا نفس إنصافا قصرت عن المدى %~% فقفي على قدم الحياء وأنشدي هذا رسول الله تحفة قادم %~% مزجي البضاعة سائل مسترفد (6) 135 فاصفح بفضلك واقبلنها إنها %~% جهد المقل وبلغة المتزود (7) وعليك من عطر السلام مردد %~% كالنور فاح بساحة الروض الندي مني ومن أبوي جاد عليهما %~% عفو الإله بمسكن وبملحد |وعليك من عطر السلام مردد||جهد المقل وبلغة المتزود| |فاصفح بفضلك واقبلنها إنها||كالنور فاح بساحة الروض الندي| PageV01P440 ومن آخوتي ، وقرابتي ، وصحابتي %~% ومجاوري ، ومحاوري في مسجد ومن امرىء كلف بحبك مولع %~% برجا [نوا] لك خصهم بتفقد (1) 140 ومن الأنام صغيرهم ، وكبيرهم %~% موجودهم طرا ومن لم يوجد ما هاج ذكرك مغرما في مغرب %~% ففرى إلى شرق أديم الفدفد (2) ذا مقلة تهمي إليك ولوعة %~% مهما ترش بعبرة تتوقد (3) ### ||| * فصل ### ||| * في بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبلته # قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت ~~من ربيع الأول ونزل في بني عمرو بن عوف (4) على كلثوم بن الهدم (5) وأقام ~~عندهم اثنتين وعشرين ليلة ، وقيل : أربع عشرة ليلة ، وقيل : أربعا ، وقيل : ~~ثلاثا ، ثم توجه إلى المدينة يوم الجمعة ، فنزل على أبي أيوب الأنصاري (6) ~~وأقام عنده [115 / آ] سبعة أشهر حتى ابتنى مساكنه ومسجده. PageV01P441 ### ||| * [بناء الرسول للمسجد] # وكان موضع المسجد مربدا (1) لسهل وسهيل (2): غلامين في حجر أسعد بن ~~زرارة (3) وقيل في حجر أبي أيوب (4) فابتاعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منهما ، وقيل أرضاهما منه أبو أيوب (5)، وقيل : إنهما وهباه لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فبناه (6) رسول الله صلى الله عليه وسلم (7) مسجدا ، وعمل ~~فيه مع أصحابه ، فأحاط به حائطا من غير أساطين ولا سقف ، وجعله مئة ذراع ~~طولا ومئة عرضا ، وقيل : أقل من ذلك على ما تقدم ذكره ، ورفع حائطه قدر ~~القامة. فلما اشتد الحر كلموه في تسقيفه ، فسقفه بالجريد والعشب والثمام ~~(8) والإذخر (9)، وأقام فيه أساطين من ms198 جذوع النخل ؛ فلما جاء الشتاء ونزل ~~المطر وكف (10) عليهم ، فكلموه في عمله بالطين. فقال «كلا ، (11) ثمام ~~وخشاب وعريش كعريش موسى» (12). والأمر أقرب PageV01P442 # من ذلك ، ويروى : «ظلة كظلة موسى». قيل : وما ظلة موسى؟ قال : «كان إذا ~~قام أصاب رأسه السقف». # وجعل للمسجد ثلاثة أبواب ، ثم سد الباب الجنوبي لمسجد الرسول حين حولت ~~القبلة كما تقدم ، فبقي المسجد كذلك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة ~~أبي بكر. (1) # قلت : ومما يسأل عنه (2) فيما تقدم من بيع (3) الغلامين أو هبتهما ، وهما ~~في الحجر ، ومحمل (4) ذلك على أنهما كانا بالغين مالكين لأمرهما (5) كما ~~روي عن ابن عباس رضياللهعنه أن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام كان ~~مجتمع السن (6)، وأنشدوا في ذلك قول ليلى الأخيلية (7) تمدح الحجاج : (8) ~~[الطويل] # شفاها من الداء العقام الذي بها %~% غلام إذا هز القناة سقاها (9) # وقوله في حجر أسعد بن زرارة ، يعني في كنفه وحماه ، ولم يكن إذ ذاك حجر ~~شرعي حتى يحمل هذا عليه. PageV01P443 ### ||| * [زيادة عمر] # ثم زاد في المسجد عمر بن الخطاب رضياللهعنه ، وقال : لولا أني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : «ينبغي أن نزيد في المسجد» (1): ما زدت فيه ، ~~فأزال [أساطين] (2) الخشب وجعل مكانها أساطين من لبن ، وجعل الأساس من ~~حجارة إلى القامة ، وجعل على ظهر المسجد سترة من ثلاثة أذرع ، وجعل له ستة ~~[115 / ب] أبواب : شرقيين ، وغربيين ، وشماليين ، وقال في باب النساء : ~~ينبغي أن يترك هذا للنساء ، فما رئي فيه حتى لقي الله ، وقال : لو زدنا في ~~هذا المسجد حتى يبلغ الجبانة لكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم (3). ~~وأسند الشريف أبو الحسن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لو بني ~~هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي» (4) وأراد عمر العباس رضياللهعنهما أن ~~يدخل فيه موضعا له ، فمنعه العباس ، وكان فيه ميزاب يصب في المسجد ، فنزعه ~~عمر وقال : إنه يؤذي الناس ، فحكما (5) بينهما أبي بن كعب (6)، وأتيا إلى ~~داره فحبسهما عند الباب ساعة ، ثم أذن لهما ، وقال: كانت جاريتي تغسل ms199 رأسي ~~، فأراد عمر أن يتكلم PageV01P444 # فقال له : يابن الخطاب! دع أبا الفضل يتكلم لمكانه من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال العباس : خطة خطها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وبنيتها معه وما وضعت (1) الميزاب (2) إلا ورجلاي على عاتقي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فجاء عمر فطرحه وأراد إدخالها في المسجد. فقال أبي : إن ~~عندي من هذا علما ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «أراد داود أن ~~يبني بيت المقدس وكان فيه بيت ليتيمين فراودهما (3) على البيع فأبيا ، ثم ~~أرادهما (4) فباعاه ، ثم قاما بالغبن (5)، فرد البيع ، ثم اشتراه (6) ~~منهما ، ثم رداه كذلك حتى استعظم داود الثمن فأوحى الله إليه إن كنت ~~تعطيهما من شيء هو لك فأنت أعلم ، وإن كنت تعطيهما من رزقنا فأعطهما حتى ~~يرضيا ، وإن أغنى البيوت عن مظلمة بيت هو لي ، وقد حرمت عليك بناءه. قال : ~~يا رب فأعطه سليمان ، فأعطاه سليمان (7)». فقال عمر : من لي بأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قاله؟ فقال أبي : تكذبني؟ لتخرجن من بيتي ، ثم خرج أبي إلى ~~قوم من الأنصار ، فأثبتوا ذلك له. فقال عمر : أما إنه لو لم أجد غيرك لأخذت ~~قولك ولكني أردت أن استثبت ، ثم قال للعباس : والله لا ترد الميزاب إلا وقد ~~ماك على عاتقي ، ففعل ذلك العباس ثم قال : أما (8) إذا ثبتت لي فهي صدقة ~~لله عز وجل فهدمها عمر وأدخلها في المسجد (9). PageV01P445 # قلت : هذا الحديث تعضده الأصول من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم [116 / ~~ب] «كل ذي مال أحق بماله» (1). وقوله : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم ~~حرام» (2). # وقوله حين أراد أن يبني مسجده «ثامنوني بحائطكم» (3). ولم يرد أخذه إلا ~~برضا أصحابه ، وإن كان أخذه من المصلحة العامة. وهذا يرد فعل من أجبر الناس ~~على البيع من الأمراء. وليس فعل عمر بن الخطاب رضياللهعنه في شراء الدور ~~المجاورة للكعبة (4) من هذا في شيء فإنه قد بين خصيصي الكعبة (5) بقوله ~~«إنما نزلتم عليها ، ولم تنزل عليكم» (6) فدل بهذا على أنها ms200 لو نزلت عليهم ~~لكان لهم منع أموالهم ، والله أعلم. # * * * PageV01P446 ### ||| * [زيادة عثمان] # ثم زاد في المسجد عثمان رضياللهعنه وبناه بقوة وباشر ذلك بنفسه ، فكان ~~يظل فيه نهاره كله ، وربما أقام (1) فيه ، وبيضه بالفضة ، وأتقن عمله ~~بالحجارة المنقوشة ، ووسعه من كل جهة إلا المشرق (2)، وجعل أعمدته من ~~حجارة مثبتة بأعمدة الحديد والرصاص ، وجعل أبوابه ستة على ما كانت عليه ~~قبله ، وسقفه بالساج ، وجعل له محرابا ، وهو أول من بنى المحراب (3)، وقيل ~~: أول من بناه مروان بن الحكم ، وقيل : عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد ~~على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى (4). ### ||| * [زيادة الوليد] # ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك ، وولى عمله عمر بن عبد العزيز ~~رضياللهعنه فوسعه وحسنه (5) وبالغ في إتقانه وعمله بالرخام ، والساج ~~المذهب. وكان الوليد قد بعث إلى ملك الروم : إني أردت أن أبني مسجد نبينا ~~صلى الله عليه وسلم الأكبر فأعنا فيه بعمال. فبعث إليه عدة من الروم والقبط ، ~~وثمانين ألف مثقال ذهب ، وبالسلاسل التي فيها القناديل ، وأمر الوليد ~~بإدخال حجر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد (6)، فاشترى عمر ما منها في ~~الشرق والغرب والشمال ، فلما صار إلى PageV01P447 # القبلة امتنع عبيد الله بن عبد الله بن عمر من بيع دار حفصة (1) فقال عمر ~~: لا بد لي من إدخالها في المسجد ، وطال الكلام بينهما حتى ابتاعها منهم ~~على أن يكون لهم ما بقي منها ، وأن يخرجوا من باقيها طريقا إلى المسجد ، ~~وهي الخوخة التي [116 / ب] في المسجد (2)، وأظنها التي قد مر ذكرها ، ~~ولكنهم ذكروا أن خوخة آل عمر كانت تخرج من تحت المقصورة وهذه (3) بعيدة ~~منها إلا أن يكون طريقها قد غير عن موضعه ، وجعل عمر للمسجد أربع منارات ، ~~في كل ركن واحدة وكانت الرابعة مطلة على دار مروان. فلما حج سليمان ابن عبد ~~الملك (4) أذن المؤذن فأطل عليه فأمر بها فهدمت وجعل عمر للمسجد محرابا ~~وشرافات ، وقيل : إنه أول من أحدث المحراب (5). ونظر القاسم وسالم (6) إلى ~~شرافات المسجد فقالا : إنها من زينته ، وقد جاء ms201 أثر بالنهي عن الصلاة في ~~مسجد له قذافات ، وفسرت بالشرافات ، وليس الآن فيه شرافات ولا تزويق وبالله ~~التوفيق. PageV01P448 ### ||| * [زيادة المهدي] # ثم زاد فيه المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور ، وكان والده أبو جعفر (1) ~~هم بالزيادة فيه ولم يقض ذلك له. وكتب إليه الحسن بن زيد (2) يرغبه في ~~الزيادة فيه من جهة الشرق ، ويقول : إنه إن زيد منها توسط قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم المسجد (3)، فاتهمه أبو جعفر أنه إنما أراد هدم دار عثمان ~~، فكتب إليه : قد عرفت الذي أردت ، فاكفف عن دار الشيخ عثمان بن عفان ~~رضياللهعنه ، وأمر أبو جعفر بستور للصحن تنشر عليه في أيام الجمع زمان ~~القيظ على حبال ممدودة على خشب ، قد أقيمت في الصحن تكن المصلين من الحر ~~(4)، وبقيت تلك الستور زمانا (5)، وتوفي أبو جعفر ولم يزد فيه شيئا ، ~~وزاد فيه ولده المهدي من ناحية الشام خاصة مئة ذراع ، (6) وكان طول المسجد ~~في بناء الوليد مئتي ذراع فبلغه المهدي ثلاث مئة ذراع وسوى المقصورة بالأرض ~~، وكانت مرتفعة عنها ذراعين ، وكتب اسم المهدي على مواضع (7) من المسجد ، (8) PageV01P449 # وعلى الأبواب مع كلام كثير ومع آيات من الكتاب العزيز (1) وسور تامة من ~~القصار ، وقد بالغ في استيفاء ذلك الشريف أبو الحسن في كتاب المدينة ، وذكر ~~أن المسجد بقي على بناء المهدي إلى زمانه ، وقد بني بعده وغير أكثر الأشياء ~~التي ذكر ، وقد تقدم أنه كان له عشرون بابا ثم سدت [117 / آ] إلا الأربعة ، ~~وقد كان وقع فيه الحريق في هذه المدة الأخيرة ، فاحتيج إلى تجديده وإصلاح ~~ما احترق فيه ، وأمر الملك المنصور في هذه الأعوام ببناء دار الوضوء عند ~~باب السلام من ناحية الغرب ، وتولى بناءها الشيخ الصالح (2) الأمير المسدد ~~علاء الدين الأعمى (3) وصل الله توفيقه فأقام هنالك دارا متسعة متقنة ، ~~وأجرى إليها الماء ، وأدارها بالبيوت ، وأحدث في ذلك من الرفق بالناس ، ~~وإدخال الراحة عليهم ما يقصر عنه الوصف (4)، وقد كان الملك المنصور أمره ~~بإقامة مثلها في مكة ، فعاق عن ذلك ما حدث بها (5) من الفتنة التي ms202 تقدم ذكرها. ### ||| * [المنبر] # وأما المنبر ، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع ~~نخلة في المسجد ، فلما صنع له المنبر وتحول إليه ، حن إليه الجذع حنين ~~الناقة إلى PageV01P450 # حوارها (1). وروي أنه نزل إليه فالتزمه فسكن فقال : «لو لم التزمه لحن ~~إلى يوم القيامة» (2). وقد أبدع في وصفه غاية الإبداع أبو محمد عبد الله ~~بن يحيى الشقراطسي رحمه الله حيث قال : [البسيط] # حيى فمات سكونا ثم مات لدن %~% حيى حنينا فأضحى غاية المثل (3) # يعني أنه حين حيي بقرب النبي صلى الله عليه وسلم منه كان ذا سكون ، والسكون ~~للميت ، وحين مات بتحوله عنه كان ذا حنين ، والحنين للحي ؛ وهذا بديع مليح ~~جدا ، ولو روي «فمات سكوتا» بالتاء المثناة ، كان أبدع للمطابقة بين السكوت ~~والحنين ، ولكن الرواية فيه بالنون ، واختلفت الروايات في الذي صنع المنبر ~~؛ ففي بعضها تميم الداري (4) وفي بعضها غلام للعباس ، وفي بعضها غلام ~~لامرأة (5) من الأنصار. وصنع من طرفاء الغابة ، وروي من الأثل ، وهما واحد. ~~وكان ثلاث ، درجات ، فكان عليه السلام يقعد على الثالثة ويضع رجليه على ~~الثانية (6)، فلما ولي [أبو بكر قعد على الثانية ووضع رجليه على الأولى ، ~~ولما ولي] (7) عمر PageV01P451 # قعد على الأولى ووضع رجليه على الأرض ، وفعل ذلك عثمان صدرا من خلافته ، ~~ثم ترقى إلى الثالثة. ولما رجع الأمر إلى معاوية أراد نقل المنبر إلى الشام ~~، فضج المسلمون ، وعصفت [117 / ب] ريح هائلة ، وخسفت الشمس حتى بدت النجوم ~~، وأظلمت الأرض حتى كان الرجل يصادم الرجل ، ويناطح الجدار ، لا يرى مسلكا. ~~فلما رأى ذلك تركه. وزاد ست درجات من أسفله (1) فصار تسعا (2). ولما وقع ~~الحريق بالمسجد احترق المنبر حتى لم يبق منه ، إلا قطعة عود فصنع منبر آخر ~~ساج (3) وهو الذي في المسجد الآن وجعلت تلك القطعة في داخله بإزاء نقب يدخل ~~منه الناس أيديهم فيمسحونها تبركا بها. وكان بين موضع (4) المنبر وبين حائط ~~القبلة قدر ذراع ، فلما زيد في القبلة بقي المنبر بموضعه إلى الآن ، وما ~~أعلم أني صليت أمامه في ms203 الصف الأول ، لأني استعظمت أن أتقدم مصلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأوليه ظهري. # وفي حائط المحراب أمام المصلى على نحو القامتين ، أو أقل يسيرا ، شكل ~~ناتىء (5) أكحل براق (6) أملس كأنه رأس خشبة أبنوس مخروط ، وقد ذكر صاحب ~~كتاب المدينة أنه عود كان في جدار القبلة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتمسك به إذا أقيمت الصلاة ، ثم يلتفت يمينا وشمالا ويقول «سووا صفوفكم [أو ~~ليخالفن الله بين قلوبكم] (7)» فإذا استوت كبر (8). فلما توفي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV01P452 # فقد ، فلم يجده أبو بكر ووجده عمر في خلافته عند رجل بقباء (1) وقد دفنه ~~حتى أكلته الأرضة (2)، فأخذ له عمر عودا فشقه وأدخله فيه ، ثم شعبه ورده ~~بموضعه (3). فلما زاد عمر بن عبد العزيز في القبلة جعله في المحراب ؛ ~~والناس يتحيلون للمسه تبركا به ، والحجاج يحرصون عليه ، ويرمون ثيابهم إليه ~~، وتراهم يحمل بعضهم بعضا ليتصلوا به ، ولا يعرفون ما هو كما جرت عادتهم في غيره. ### ||| * [القبلة] # وأما قبلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقد تقدم أنها قبلة قطع لأنه ~~صلى الله عليه وسلم أقامها ، وقيل : إن جبريل أقامها له ، ويروى أنه كان يشير ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إلى سمتها وهو يقيمها ، ويروى أيضا أن جبريل ~~عليه السلام أشار إلى الجبال والشجر فتنحت حتى بدت الكعبة ، فكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبني وهو ينظر إليها عيانا. وبكل اعتبار فهي قبلة قطع ، ~~والحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [118 / آ] وفي فعله معا (4)، ~~وهو المعصوم في كل ما يأتي ويذر صلى الله عليه وسلم . وكانت قبلة مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أول ما ورد المدينة إلى بيت المقدس ، ثم حولت إلى ~~الكعبة بعد ستة أو سبعة عشر شهرا. وهي مسامتة للجنوب حقيقة ، خلاف ما ذكر ~~القاضي أبو الوليد الباجي من أنها مائلة عن الجنوب إلى الشرق كثيرا ، بل ~~أقول : إنها إلى الغرب أميل ، وقد تهممت بذلك واعتبرته (5) بالمدينة على ساكنها PageV01P453 # الصلاة ms204 والسلام ، فوقفت في صحن المسجد حيث أرى المنازل ، واستقبلت ~~المحراب فوجدت سمتي إلى الثريا (1)، وهي ذاهبة عن التوسط شيئا قليلا ، ~~وأين ذلك من قول الباجي؟ وأظنه لم يعتبر ذلك بالحس حين رآه ، وإنما اعتمد ~~على ما يروى عن ابن عباس وغيره أن قبلة المدينة إلى الميزاب ، وذلك يعطي ~~أنها (2) إلى المطلع الشتوي كما تقدم ، وذلك ما (3) لا يصح بوجه ، ولعله لم ~~يثبت عن ابن عباس ، وإن ثبت فلعله أراد بالميزاب ناحيته ، والجهة التي هو ~~فيها لا عين الميزاب والله أعلم. وإذا ثبت بالحس أنها مسامتة للجنوب فهي ~~إذا إلى الركن الشآمي ، وهو على يسار الميزاب مناظرا للركن اليماني المحاذي ~~لحقيقة الجنوب كما مر ذكره وبيانه ، وبالله التوفيق. ### ||| * [الرحيل من المدينة] # ثم رحل الركب من المدينة يوم الأربعاء الموفي ثلاثين لذي حجة ، راجعا من ~~طريقنا (4) حتى قرب من وادي الصفراء ، فتيامن وخرج من مضيق يعرف بنقب علي ، ~~مصوبا على الدهناء ، ثم على ينبع مارا على الطريق الأول إلى عقبة أيلة ، ~~فتيامن منها بعض إلى الشام ، وصوب الأكثر إلى مصر. وكان الركب الشآمي رحل ~~من المدينة على طريق المعلى إلى تبوك (5) وصحبه أكثر المغاربة حرصا منهم ~~على تقريب المسافة إلى الشام لأنها أقرب من طريق PageV01P454 # البرية بكثير ، ولكنها طريق شاقة قليلة الماء جدا ، وردها على سبعة أيام ~~، فحملهم الكسل والحين المقدر إلى سلوكها مع ضعفهم وتهتك قواهم ، فوقع ~~عليهم الثلج وهم بالقرب من عمان فأفنى (1) منهم خلقا كثيرا. وذكر بعض من ~~حضر ذلك [118 / ب] أنه قد أحصي منهم ألف وسبع مئة ، وما أعلم أنه مات ممن ~~رجع على الطريق الأول إلا أقل من عشرة ماتوا بالمرض. ### ||| * [التعريف بعلاء الدين الأعمى] # وسافرنا من عقبة أيلة إلى الشام صحبة الأمير الصالح علاء الدين الأعمى ~~(2) وصل الله علاه فرأيت منه رجلا قل أن يسمح الدهر بمثله ، سخاوة نفس ، ~~وسراوة همة ، ومتانة دين ، وصحة يقين ، إلى علم جم قد حفظه سماعا ، وذكاء ~~متقد يلمع إليه بالأمور الخفية إلماعا ، وصلاح معجز لا يبارى ، وسبق في ~~ميدان ms205 الفضائل (3) لا يجارى ، وصبر في ذات الله على تحمل الأذى ، وإغضاء ~~للجفون طلبا لمرضاته على القذى ، ينام الناس وهو ساهر ، ويستكنون (4) وهو ~~ظاهر ، ويريحون وهو سارح ، ويستريحون وهو غاد ورائح ، رعيا منه للفقراء ~~والمساكين ، وذبا للأذى عمن دب إليه الردى ولا معين ، يدأب على ذلك ولا يمل ~~، ويصمم عليه بعزم يعقد (5) ولا يحل ؛ على أن السن قد أخذت منه مأخذها ، ~~(6) وجند المشيب قد استولى على الشبيبة فأخذها (7)؛ تنسكب PageV01P455 # أنامله للعفاة (1) بالنيل انسكابا ، وتزري بوبل الغيث سحا (2) وانصبابا ، ~~وأما الفراسة فلو رآه إياس ، لعراه إياس ؛ فضيلة ديانة ، لا نتيجة زكانة ، ~~وصنع قدير ، لا تصنيع تقدير ، وتوفيق قدر ، لا تدقيق نظر ، ونور بصيرة ، ~~يستمد من صلاح سريرة ؛ وقد حضرته واقفا في مضيق والناس يخطرون عليه ، فخطرت ~~امرأة على بعير مع قوم مشاة ، فلما أحس بمشيها قال لهم : أهي امرأة؟ فقالوا ~~: نعم. وأخبرني من أثق به أنه رآه يقف على البنائين في حرم الخليل ~~عليه السلام وفي القدس ، فيقول لهم : هذا متقن وهذا غير متقن ، ولا يزال ~~يعرفهم بما في بنائهم من عيب ، ويقفهم (3) على دقائق ما فيه من فساد ، مما ~~لا يمكن البتة أن يتعرف إلا بالمشاهدة. وله مجلس علم يحضره ، ولا يتخلف عنه ~~؛ وناهيك بشيخ (4) كبير ، رئيس ملك من الملوك ، يجلس للفقراء يدرسونه من ~~الصباح إلى المساء ، ويقعد بين يدي المقرىء مجودا عليه للكتاب العزيز [119 ~~/ آ] غير مستند قعود الصبي بين يدي معلمه ، لا يأنف ولا يتكبر ، ولا يعتو ~~ولا يتجبر فسبحان من له الإبداع والإنشاء ( @QUR@04 يختص برحمته من يشاء ) (5). PageV01P456 ### ||| * [ذكر الخليل] # ثم وصلنا بعد ثمانية أيام إلى المحل الأنيس ؛ والمعهد الذي يتخير فيه ~~مقيل وتعريس ؛ والمنزل الذي حكم له القدر بالسعادة حين التأسيس ، مثوى كل ~~خاشع ومنيب (1)، ومستقر كل خائف حذر من التأنيب ، ومناخ كل مشتاق يحن حنين ~~النيب (2)، حرم الخليل (3) عليه السلام ، وهي قرية مليحة المنظر ، أنيقة ~~المسموع والمبصر ، مشرقة كالصبح إذا أسفر ، موضوعة ببطن واد قليل الماء ~~والشجر ، والمحيط بها حرار (4) وعرة ، والمسجد بنية أنيقة ، من المباني ms206 ~~القديمة الوثيقة ، عالية البناء ، محكمة العمل ، من صخور منحوتة في نهاية ~~العظم. منها صخرة في الركن الذي على يسار القبلة وهي من الأرض على قدر ~~القامة ، فيها سبعة وثلاثون شبرا ، يتعجب الناس منها ومن وضعها هنالك ، ~~ويقال : إن البنية كلها من صنعة (5) الجن أمرهم سليمان عليه السلام بتجديدها ~~(6) على الغار لما دثر ما كان عليه بتقادم الأعصار ، وفيها تحريف عن الجنوب ~~إلى الشرق ؛ فلما ردت مسجدا جعل لها (7) المحراب في الوسط كسائر المساجد ~~تحسينا لصورتها ، ثم رد الركن الأيمن محرابا آخر تنبيها على تشريقها ، وفي ~~داخل المسجد قبر الخليل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ، وتقابلها من ناحية ~~يسار القبلة ثلاثة أخرى هي قبور أزواجهم ، وكان في PageV01P457 # غربي المسجد قبر يوسف عليه السلام ، دفن هنالك حين نقل من مصر بوصية ، ~~والآن قد زيد في المسجد حتى رجع قبره في داخله ، وعلى يمين المنبر لاصقا ~~بجدار القبلة نفق يهبط منه على درج من رخام ، متقنة العمل إلى مسلك ضيق هو ~~ممر إنسان واحد ، ويفضي إلى فسحة ليست بكبيرة مفروشة بالرخام ، وفيها صور ~~ثلاثة قبور مقابلة للداخل في طول الحائط مصطفة من الشرق إلى الغرب ، ويقال ~~هي علامات للقبور [119 / ب] محاذية لها ، وكذلك التي في المسجد ؛ وذلك أنه ~~كان هنالك غار كبير وفيه القبور ، ثم سد كله إلا بالمدخل المذكور. وجعل ~~للقبور علامات محاذية في بطن الغار وهي التي في المدخل ، وفي ظاهره ، وهي ~~التي في المسجد. وكان باب الغار في مؤخر المسجد عند قبر يعقوب كما سيأتي ~~ذكره ، ثم رد عند المحراب كما ذكرنا ، وقد نزلت إليه وتأملته مرارا ، ودعوت ~~الله فيه سرا وجهارا والحمد لله على حسن عونه. ### ||| * [مقابر الأنبياء] # وقد رأيت أن أقيد هنا شيئا مما ذكر في هذه القبور وفي الغار وما يتصل ~~بذلك بحول الله وقوته ، وما التوفيق إلا به. # وجدت بخط الفقيه ، القاضي ، المحدث ، الإمام ، أبي عبد الله محمد بن أحمد ~~بن مفرج الأندلسي (1) رحمه الله في تأليف علي بن جعفر الرازي الذي (2) سماه ~~«المسفر للقلوب عن ms207 صحة قبر إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب». وهو جزء لطيف ~~نقلته من خط ابن مفرج رحمه الله وهو روى PageV01P458 # فيه (1) عن مؤلفه المذكور حديثا صدر به التأليف مسندا إلى أبي هريرة ~~رضياللهعنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما أسري بي إلى بيت ~~المقدس مر بي جبريل إلى قبر إبراهيم فقال : انزل صل هاهنا ركعتين فإن هاهنا ~~قبر أبيك إبراهيم صلى الله عليه وسلم . ثم مر بي ببيت لحم فقال : انزل صل ~~هاهنا ركعتين فإن هاهنا ولد أخوك عيسى. ثم أتى بي إلى الصخرة. وذكر الحديث ~~في الإسراء» (2). # وفي الجزء المذكور بخطه سمعت أبا بكر [محمد بن] (3) أحمد بن عمرو (4) بن ~~جابر يقول وقد سئل عن قبر إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وعن صحته فقال : ~~ما رأيت أحدا من الشيوخ الذين لحقتهم من أهل العلم إلا وهم يصححون أن هذه ~~قبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأزواجهم صلوات الله عليهم ، ويقولون : ما يطعن ~~في ذلك إلا رجل من أهل البدع ، وقال أبو بكر : هذا (5) نقل الخلف عن السلف ~~ليس عندي فيه شك. وذكر أبو بكر أن مالك بن أنس قال : إن النقل أصح من ~~الحديث ، لأن الحديث ربما وقع فيه الخطأ ، والنقل لا [120 / آ] يقع فيه ~~الخطأ. وفيه بخطه : سمعت عبد الواحد بن رزق يقول : قدم أبو زرعة (6) القاضي ~~الدمشقي إلى مسجد قبر إبراهيم فجئنا لننظر (7) PageV01P459 # إليه ، فرأيته وقد وقف عند قبر سارة في وقت الصلاة ، فدخل شيخ فدعاه ، ~~فقال : يا شيخ أيما هو قبر إبراهيم من هؤلاء؟ فأومأ إلى قبر إبراهيم. (1) ~~فجاءه شاب فدعاه فقال : يا شاب! أيما هو قبر إبراهيم من هؤلاء؟ فأومأ إلى ~~قبر إبراهيم (2). # ثم جاءه صبي فدعاه فقال : يا صبي! أيما هو (3) قبر إبراهيم من هؤلاء ، ~~فأومأ الصبي إلى قبر إبراهيم ومضى. فقال أبو زرعة : أشهد أن هذا قبر ~~إبراهيم الخليل لا شك فيه ، هذا هو الصحيح نقل الخلف عن السلف كما قال مالك ~~بن أنس ، ثم دخل إلى داخل المسجد فصلى الظهر ثم رحل ms208 من الغد (4). # وفيه بخطه سمعت أبا بكر [محمد بن] (5) أحمد بن عمرو بن جابر يقول : خرجت ~~سنة من السنين أنا وأبو بكر بن المرجي وجماعة من أهل العلم والورع إلى مسجد ~~قبر إبراهيم ، وكان لهم إمام يكنى بأبي حامد ، فقال لنا : رأيت في ليلة ~~النصف من شعبان وقد ركعت ، وقعدت عند المنبر ، فنعست ، فرأيت فيما يرى ~~النائم كأن آتيا أتاني فقال : تحب أن تنظر إلى القوم؟ وقد كنت أسأل الله ~~أربعين سنة أن يرينيهم ، فقلت : نعم : فأخذ بيدي إلى مؤخر المسجد قريبا من ~~قبر يعقوب عليه السلام فقلع بلاطة فإذا قد أضاء منها النهار ، فدخل ودخلت ~~معه ، وإذا القبور صف واحد ؛ الرجال صف ، والنساء PageV01P460 # صف ، كما هم فوق. على كل واحد منهم غطاء أبيض ، فرفع غطاء قبر يعقوب فإذا ~~هو كهل من الرجال كثير بياض اللحية ، ملقى على قفاه ، مستقبل القبلة ، فقال ~~: هذا يعقوب ، ثم رد عليه الغطاء ، ومضى حتى أتى قبر إبراهيم في الوسط ~~وعليه غطاء أبيض فرفعه ، فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية ، أبيض الحاجبين ، ~~كأن وجهه القمر ، وهو على قفاه مستقبل القبلة. فقال : هذا إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم ، ورد عليه الغطاء ومضى ومضيت معه ، ثم (1) جاء قبر إسحاق ~~فقلت في نفسي : ليت فلانا كان معي حتى يراهم ، فالتفت إلي ، وهو أمامي فقال ~~: إن فلانا لا يقدر أن [120 / ب] ينظر إلى هؤلاء لأنه مشاحن ، (2) والمشاحن ~~لا يرى هؤلاء ، ثم انتبهت (3) ولم أبلغ قبر إسحاق قال : فحكيت هذه الحكاية ~~لعلي بن محمد بن هارون إمام كان في مسجد إبراهيم أقام به (4) نحو عشرين سنة ~~فقال : أنا رأيت باب المغارة في مؤخر المسجد ، وأراني بلاطة وقال : هذه على ~~الباب ، وهو درج ينزل منه ، ثم يعطف إلى القبلة قريبا من قبر يعقوب. ### ||| * [سكنى إبراهيم عليه السلام الشام] # وفيه بخطه عن كعب الحبر حديث في سكنى إبراهيم الشام ، قال فيه : ثم أوحى ~~الله إليه أن انزل ممرى (5) فرحل ونزل ممرى ، ونزل عليه جبريل وميكائيل ~~بممرى وهما يريدان إلى قوم لوط. فخرج ms209 إبراهيم ليذبح لهم العجل ، فانفلت (6) ~~منه ، فلم يزل حتى دخل مغارة حبرون ، ونودي إبراهيم : سلم على عظام أبيك ~~آدم ، فوقع ذلك في نفسه ، ثم ذبح العجل ، وقدمه (7) إليهم (8). وكان PageV01P461 # من شأنه ما قص الله تعالى ، فمضى معهم (1) إلى قرب من ديار قوم لوط ~~فقالوا (2) له : اقعد هنا ، فقعد واستلقى على قفاه ، فلما رأى المدن انقلبت ~~بأهلها ، وسمع صياح الديكة في السماء قال : هذا هو الحق اليقين ، فأيقن ~~بهلاك القوم ، فسمي ذلك الموضوع مسجد اليقين. (3) ثم رجع فطلب من عفرون ~~المغارة ، قال (4): وكان ملك ذلك الموضع. فقال له بعني موضعا أقبر فيه من ~~مات من أهلي ، فقال له : أيها الشيخ الصالح ادفن حيث أردت ، فأبى عليه إلا ~~بثمن. فقال : أبيعك بأربع مئة درهم ، في كل درهم خمسة دراهم ، كل مئة منها ~~ضرب ملك. وأراد أن يشدد عليه لكي لا يجد فيرجع إلى قوله. فخرج من عنده ، ~~فإذا جبريل عليه السلام فقال : إن الله عز وجل قد سمع مقالة هذا الجبار لك. ~~وهذه الدراهم فادفعها إليه ، فدخل عليه إبراهيم ودفع إليه الدراهم ، فقال : ~~(5) من أين لك هذا؟ قال : من عند إلهي ورازقي ، فأخذ منه الدراهم ، فصارت ~~المغارة مقبرة له ولمن مات من أهله. قال : وأول من مات [من أهله] (6) ودفن ~~في حبرون سارة زوجة إبراهيم ، ثم توفي إبراهيم فدفن بحذائها ثم توفيت ربقة ~~زوجة اسحاق فدفنت فيها ، [121 / آ] ثم توفي إسحاق فدفن بحذائها ، ثم توفي ~~يعقوب فدفن عند باب المغارة ثم توفيت ليغا فدفنت بحذاء يعقوب. ثم ذكر أن ~~أولاد يعقوب تشاجروا حتى سدوا (7) باب المغارة ، وحوطوا PageV01P462 # عليها حائطا ، وأعلموا (1) فيها علامات القبور ، وكتبوا على كل قبر اسم ~~صاحبه ، وخرجوا عنه ، وأطبقوا بابه ، فكان من جاء زائرا يطوف به ، لا يصل ~~إليه أحد ، حتى جاء الروم ففتحوا له بابا ودخلوا إليه (2)، وبنوا فيه ~~كنيسة (3). # وفيه بخطه مسندا إلى ابن عباس رضياللهعنه (4): لما أراد الله أن يقبض ~~روح خليله إبراهيم عليه السلام ، أوحى إلى الدنيا إني (5) دافن فيك خليلي ، ~~فتشامخت الجبال كلها ms210 فرحا ، واضطربت أركانها ، واستشرفت لذلك ، وتواضعت ~~منها بقعة يقال لها : حبرون فشكر الله تعالى [لها] (6) ذلك ، ودفنه فيها ، ~~فقال لها : (7) يا حبرون أنت شوعي أنت شعشوعي ، أنت قدسي ، أنت قدس قدسي ، ~~أدفن خيرتي من خلقي ، فيك مغارة (8) كنزي ، وإليك أحشر أصفيائي وأحبابي من ~~ولد خليلي من كل فج ، فطوبى لمن وضع جبهته فيك (9) ساجدا لي (10)، أبوئه ~~(11) الأجر ، وأجزل له الذخر ، وأبارك فيه وفيك أيام الدهر ، عليك تنزل ~~بركاتي ، وإليك تهبط ملائكتي ، يستغفرون لمن زار خليلي PageV01P463 # وصفيي ، فطوباك ، ثم طوباك ، لا رفعت رحمتي عنك ، ولا زال نوري وظلي ينزل ~~(1) عليك ، ورحمتي (2) تنحدر عليك (3)، ولا خذلت من زار قبر خليلي ، ولا ~~زالت بركاتي عليك أيام الدنيا مضاعفة. # وفيه بخطه عن وهب بن منبه اليماني أنه قال : إذا كان آخر الزمان ، حيل ~~بين الناس وبين الحج ، فمن لم يحج ، ولحق ذلك فعليه بقبر إبراهيم ~~عليه السلام فإن زيارته تعدل حجة (4). وعن كعب الحبر [أنه] (5) قال : قبر ~~إبراهيم وإسحاق ، ويعقوب وسارة وربقة ، وليغا (6)، على يوم من بيت المقدس ~~، في البقعة المعروفة بحبرون ، فمن زار منكم بيت المقدس فليجعل مع زيارته ~~زيارة قبر إبراهيم صلى الله عليه وسلم (7). # قلت يظهر من الأحاديث المتقدمة أن ممرى اسم البلد ، وحبرون اسم البقعة ~~التي فيها الغار ، وعفرون اسم الملك ، وتقييدها [121 / ب] على ما وجدته (8) ~~. بخط ابن مفرج ، ممرى بميمين أولاهما مكسورة ؛ وبعدهما راء مهملة بعدها ~~ألف ، وحبرون بحاء مهملة مفتوحة بعدها باء بواحدة ساكنة ، وراء بعدها واو ~~وآخره نون. وفي حديث آخر : حبرى مثل سكرى. PageV01P464 # وعفرون بعين مهملة مفتوحة بعدها فاء ساكنة وراء بعدها واو ونون ، وربقة ~~براء مهملة (1) مفتوحة بعدها باء مكسورة ، وقاف وآخرها تاء (2) التأنيث ، ~~وليغا بلام مكسورة ، بعدها ياء باثنتين من تحتها ساكنة ، وغين معجمة وآخرها ~~ألف. وفي حديث آخر ربقه : بالراء وهاء التأنيث. وأما قوله من حديث ابن عباس ~~: شوعي وشعشوعي فلا أعرفه. ولولا أني وجدته بخط من ذكرت ما جسرت على نقله ، ~~وإني من عهدته لبريء والله الموفق (3). ### ||| * فصل ### ||| * [تربة لوط] # ثم ms211 زرنا تربة لوط (4)، وهي شرقي حرم الخليل عليهما السلام على تل مرتفع ~~يشرف منه على غور الشام ، وهو شرقيها وهنالك بحيرة لوط (5) وهو ماء مستبحر ~~أجاج كماء البحر ، وهي منقطعة لا تتصل بالبحر ، ولا هي منه قريبة ، ويقال ~~أنها موضع ديار قوم لوط والله أعلم ، وعلى قبر لوط عليه السلام بنية ، وهو ~~في بيت منها مبيض مليح ، والقبر أيضا مبيض (6)، ظاهر ، PageV01P465 # لا ستور عليه ، وبمقربة من هذه التربة مسجد اليقين (1)، وقد مر ذكره ~~وحديثه في ذكر مغارة حبرون ، وهو أيضا على تل مرتفع نزه ، له زيادة رونق ~~وفرط إشراق ، وليس هنالك إلا دار واحدة لا صقة بالمسجد من ناحية الشرق ، ~~يسكنها القيم ، وفي المسجد قريبا من الباب موضع منخفض في حجر صلد قد هيىء ~~له صورة محراب ليعلم أنه مركع (2)، ولا يسع إلا مصليا واحدا ، ويقال : إنه ~~لما أيقن إبراهيم عليه السلام بهلاك قوم لوط خر لله تعالى ساجدا ، فتحرك ~~موضع سجوده حتى ساخ في الأرض قليلا ، وهو حجر صلد كما تقدم ، فجعل مركعا ~~تبركا به. وبالقرب من المسجد مغارة فيها قبر يزار ، ويتبرك به ، وهو قبر ~~فاطمة بنت الحسين بن علي رضياللهعنهم [122 / آ] وقد وجدت عند القبر لوحين ~~من رخام موضوعين ، وأظنهما كانا مثبتين عند رأس القبر ورجليه ، وفي أحد ~~اللوحين منقوشا عليه بخط مشرقي مليح : # «بسم الله الرحمن الرحيم ، لله العزة والبقاء ، وله ما ذرأ وبرأ ، وعلى ~~خلقه كتب الفناء ، وفي رسول الله أسوة [حسنة] (3). وعزاء ، هذا قبر أم ~~سلمة فاطمة بنت الحسين» (4)، وفي اللوح الآخر : PageV01P466 # «صنعة (1) محمد بن أبي سهل النقاش بمصر» وتحته هذه الأبيات (2): ~~[البسيط] # أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه %~% بالرغم مني بين الترب والحجر (3) يا قبر فاطمة بنت ابن فاطمة %~% بنت الأئمة بنت الأنجم الزهر يا قبر بنت الزكي الطاهر الحسن الن %~% ندب الهمام حسين أطهر البشر يا قبر ما فيك من دين ومن ورع %~% ومن عفاف ، ومن صون ، ومن خفر (4) # وكان موضع البيت الثالث من اللوح مثلوما فذهب عجز البيت ولم يبق ms212 إلا ~~الألف واللام والنون من الندب ، فكملت عليه بقية البيت ، والحمد لله. # ثم سافرنا من حرم الخليل عليه السلام بعد ما أقمنا فيه خمسة أيام وصلينا ~~به (5) الجمعة ، إلى بيت المقدس ، وبينهما مسيرة يوم. وزرنا في طريقنا PageV01P467 # قبر يونس عليه السلام ، وهو على نحو ثلاثة أميال من بلد الخليل عليه السلام ~~، وعليه بنية كبيرة ومسجد. ومررنا في طريقنا ببيت لحم ولم (1) يقض لنا ~~دخوله ، وهو قريب من بيت المقدس ، وقد تقدم أنه مولد عيسى عليه السلام ، ~~والنصارى يعظمونه ، ويقومون به غاية القيام ، ويضيفون من نزل به. (2) ### ||| * [ذكر بيت المقدس] # ثم وصلنا إلى بيت المقدس زاده الله تعظيما وألحفه مبرة دائمة وتكريما ؛ ~~مسجد الأنبياء وقبلتنا قديما ؛ ومطلع الأولياء يطلعهم عظيما فعظيما. أحد ~~المساجد التي إليها تعمل المطي ، وتضاعف الحسنات لكل بر تقي ؛ مصعد نبينا ~~عليه السلام ، إلى مستوى يسمع فيه صرير الأقلام ، ومعراجه حين عسعس الظلام ، ~~الى مناجاة الملك العلام ؛ والقدس المقدس المنقي (3) من الآثام ، نجعة (4) ~~من راد ، وري من حام (5)، [122 / ب] خفق برقه فوفق من شام ، وتدفق ودقه ~~(6) فأفرق ذو الهيام ؛ لو نطق محتجا لفضيلة الشام ، لأفحم به العراق أي إفحام. # والبلد مدينة كبيرة ، منيعة ، محكمة ، كلها من صخر منحوت ، على نشز غليظ ~~مقطوع بجهات الأودية ، وسورها مهدوم ، هدمه الملك الظاهر خوفا من استيلاء ~~الروم عليها ، وامتناعهم بها ، والخراب فيها فاش ، وليس بها نهر ولا PageV01P468 # بستان. وحواليها تلال مشرفة عليها ، وبها كنيسة معظمة عند النصارى ~~يحجونها في كل عام ، وهي التي يزعمون أن فيها قبر عيسى عليه السلام ، وعلى ~~كل من يحجها منهم ضريبة معلومة للمسلمين ، وضروب من الإهانة يتحملها راغما. ~~وبها رباطان متقابلان (1) في غاية الإتقان ، بنى أحدهما الملك المنصور ، ~~وبنى الآخر الأمير علاء الدين الأعمى ، وفي كليهما رزق جار للمنقطعين ~~وأبناء السبيل. وفي شرقي البلد واد يعرف بوادي جهنم ، في بطنه كنيسة يعظمها ~~النصارى ، ويقال : إن بها قبر مريم عليها السلام ، وفي عدوته على تل مرتفع ~~مزارات (2) منها قبر رابعة البدوية (3) بالباء منسوبة الى البادية ، ومنها ~~بنية ms213 أخرى يقال : إنها مصعد سيدنا (4) عيسى عليه السلام . ### ||| * [المسجد الأقصى] # وأما المسجد المقدس فهو من المساجد الرائقة ، العجيبة ، المنشرحة ~~الفسيحة. وهو متسع جدا طولا وعرضا. وذكر أبو عبيد البكري أن طوله : «سبع ~~مئة واثنان وخمسون ذراعا بالمالكي ، وهو ثلاثة أشبار ، وطوله من الجنوب الى ~~الشمال ، وعرضه أربع مئة وخمس وثلاثون» (5) وهو من الشرق PageV01P469 # إلى الغرب. وله أبواب كثيرة من الشرق والغرب والشمال ، ولا أعلم له بابا ~~قبليا سوى الباب الذي يدخل منه الإمام. وذكر بعض الناس أن عددها خمسون ~~بابا. (1) # والمسجد كله فضاء غير مسقف إلا الناحية الغربية فهنالك مسجد مسقف في ~~نهاية الإحكام ، وإتقان العمل ، وفيه تزويق كثير وتذهيب رائع مليح ، وهذا ~~المسقف في الركن الغربى من ناحية الجنوب. وفي ناحية الشرق مواضع مسقفة مع ~~طول الحائط ، وعلى الأبواب [123 / آ]. # وهنالك موضع مهد عيسى عليه السلام ، يقصد للركوع فيه والتبرك به وهو هزمة ~~(2) في الأرض مبيضة. وهذا الحائط الشرقي هو سور المدينة من ناحية الشرق ، ~~وهو على طرف الوادي المذكور أولا ، وعلى جهة منه منقطعة (3)، بعيدة المهوى جدا. ### ||| * [قبة الصخرة] # وفي وسط فضاء المسجد قبة الصخرة ، (4) وهي من أعجب المباني الموضوعة في ~~الأرض وأتقنها ، وأغربها ، قد نالت من كل حسن بديع أو فر حصة ، وتلت من ~~الإتقان ظاهره ونصه ، وتجلت في جمالها الرائع كعروس حسناء جليت على منصة. ~~قامت مشرفة متبرجة على يفاع (5)، تصرح وتلوح PageV01P470 # بالإعراب والإبداع ، وتفصح بما يشرح عن فضيلة الصناع ، حسنها الأول ~~فاستحسنها الآخر وانعقد الإجماع ؛ تنازع الكمال منها الظاهر والباطن ، لما ~~سلما معا من كل عائب وشائن ، واجتمعت في كليهما أشتات المحاسن. فإن أدلى ~~الظاهر بحجته إلى حكم الطرف حكم له ، وإن أعرب الباطن عن فضائله قال له ~~الطرف : ما أكمله!. تناصف الحسن ، وتماثلت الأدلة ، فليس إلا أن يقال في ~~جواب المسألة أيهما جاء أولا عمل عمله. # وصفتها أنها قبة مثمنة على نشز (1) في وسط المسجد ، ويطلع إليها في درج ~~من رخام قد أحاط بها. ولها أربعة أبواب ، والدائر مفروش بالرخام المحكم ~~الصنعة وداخلها ms214 كذلك. وفي ظاهرها وباطنها من أنواع التزويق ما يقصر عنه الوصف. # وأما الذهب فما رأيته مبتذلا في شيء كابتذاله في هذه القبة ، حتى لقد غشي ~~(2) به أكثرها ظاهرا وباطنا ، فهي تتلألأ ساطعة الأنوار ؛ كلمعان برق أو ~~اشتعال نار ، وقد ذهب الأعلى من ظاهرها إلى حد التسقيف. وألبس سقفها لين ~~(3) الرصاص المحكم الإلصاق حتى صار جسدا واحدا. أما باطنها فيكل عن وصفه ~~اللسان ، ويحار في حسنه إنسان الإنسان ، تبهر الناظر (4) أشعته الباهرة ، ~~وتستوقف الخاطر محاسنه الظاهرة. اسكرت [123 / ب] العقول فصارت لها عقالا ، ~~وأكلت (5) الألسن فما وجدت مقالا ، فاقت حسنا وكمالا ، PageV01P471 # فقطعت لسان من يغمز (1)، وراقت حلى وأوصافا فأسرت فؤاد المتحرز ؛ إن ~~وعدت الإعجاب خبرا فهي مشاهدة تنجز ، أو افتخر مكان لتحدث من حسنها بالمعجز ~~: (2) [الكامل] # شرك العقول ونزهة ما مثلها %~% للناظرين ، وعقلة المستوفز (3) # وفي وسط القبة الصخرة (4) التي جاء ذكرها في الآثار ، وأنه عليه الصلاة ~~والسلام عرج عنها إلى السماء. وهي صخرة صماء. علوها أقل من القامة ، وتحتها ~~شبه مغارة على مقدار بيت صغير يعلو قدر القامة ، وينزل إليه في درج ، وقد ~~هيىء له محراب وسوي وأتقن. # وعلى الصخرة شباكان محكمان يغلقان عليها ؛ أحدهما ، وهو الخارج من خشب ، ~~والآخر من حديد أو صفر (5) محكم العمل ، بديع الصنعة. # وفي القبة صورة درقة كبيرة من حديد ، معلقة هنالك ؛ وأظنها كانت مرآة ، ~~ولكنها قد صدئت وزال صقالها ، والعوام يقولون : إنها درقة حمزة ، (6) ~~واشتهر عندهم هذا الزور ، حتى صار في حد (7) المقطوع به. |شرك النفوس وفتنة ما مثلها||للمطمئن ، وعقلة المستوفر| # والمراد : أن حديثا يقيد العجل فيطمئن ولا يبرح. PageV01P472 ### ||| * [لقاؤه لابن جماعة] # ولم أر في هذا البلد ، مع شرفه واشتهاره من هو أهل لأخذ العلم عنه ، ولا ~~معنيا به ، إلا شيخا هو قاضي البلد ، يلقب بدر الدين وهو محمد بن إبراهيم ~~بن سعد بن جماعة (1)، له مجلس علم يدرس فيه أول النهار في المسجد ، عند ~~المحراب ، ومجلس سماع يروي فيه بعد صلاة (2) الجمعة في قبة الصخرة ، وقد ~~حضرت كلا المجليسن فلم أحل (3) منهما بطائل ms215 ، وكلمته في أشياء تخبط فيها ~~وتعسف ، فلم أجد من نفسي إذعانا للأخذ عنه على قلة همته في الرواية ، إذ ~~وجدته يروي عن نظائره من أهل مصر ، ومن لا يزيد عليه في السن إلا يسيرا ، ~~إلى أخلاق وصف لي بها تريب الأريب ، وتنفر النسيب والغريب. # وله تواليف منها «اختصار كتاب أبي عمرو بن الصلاح في علوم الحديث» (4)، ~~ومنها كتاب حذا فيه حذو السهيلي في كتابه «الإعلام بما أبهم [124 / آ] في ~~القرآن من الأسماء الأعلام (5)» أغار فيه على الكتاب المذكور إغارة وسماه ~~«غرر البيان في مبهمات القرآن» (6) ومنها كتاب «المسالك في علم المناسك» لم ~~يأت فيه ببديع ، ولا شق الظلماء من بيانه صديع (7). PageV01P473 ### ||| * [ذكر عسقلان] # وكانت إقامتنا بالقدس (1) خمسة أيام ، ثم زرنا ثغر عسقلان (2) جبره الله ~~وهو خراب يباب (3) لا أنيس به ، إلا أطلالا ماثلة ، (4) ورسوما داثرة (5)، ~~وآثارا طامسة ، تؤثر في القلب تباريح الأسى ، وتعيد المشرق من أنسه حندسا ~~(6)، تحث المبصر على إعمال العبرة ، وإسبال الجفون بوابل العبرة ، تذكر ~~بمن مضى وانقضى ، وتضرم في الجوانح جمر الغضى (7)، وتهون على العاقل شأن ~~هذه الدار ، وتنادي : الحذر الحذر ، والبدار والبدار (8)؛ لما دلت عليه من ~~ضخامة شأن (9) الراحلين منها ، وفخامة الظاعنين المنزعجين (10) عنها ؛ لم ~~تحمهم تلك القصور العالية ، ولا وقتهم تلك المباني السامية ، بل صاروا ~~ترابا وهي خرابا ، وعادوا أمواتا وهي مواتا (11)، تندبهم تلك الطلول ~~الدراسة ، وتندر (12) ما حل بهم تلك الطلول الطامسة ، فتلك الآثار أسطار في ~~ديوان البلى مقروة ، وتلك الصور سور في نوائب (13) الدنى متلوة. عجبا لها ~~لما استعجمت أبانت ، PageV01P474 # ولما أشكلت بانت ؛ وعظت وما لفظت ، ونصحت وما أفصحت ، حركت الساكن ~~بسكونها ، وأظهرت الكامن بكمونها. إن آثر الزمان المحو في مرسومها ، فالمحو ~~أوضح كل المعنى من مفهومها : [الطويل] # تأمل كتاب الكائنات تأملا %~% به أبدا تلهى عن اللهو واللغو وزد كل ممحو السطور تدبرا %~% فقانون علم النحو في ذلك المحو (1) # وقلما رأيت من البلدان ما جمع (2) من المحاسن ما جمعت عسقلان جبرها الله ~~صنعا وإتقانا ووضعا ومكانا ، وبرا وبحرا ، وعامرا وقفرا ، لها على ms216 البر ~~والبحر طرف ممتد ، وحكم ماض لا يرتد ، ترنو إليها من شرف (3)، وتتلو [124 ~~/ ب] عليهما (4) سور الشرف (5)، وتزهو بتقلبها في الترف ، في روضة جمة ~~الأزهار والطرف. # وأما مبانيها فلو فاخرتها إرم لقيل لها : نفخت في غير ضرم (6)؛ أو ~~حاسنتها بابل (7) لصاب عليها من مطر (8) التعنيف وابل ، وأسرع إليها ملام ~~كالمعابل : (9) # [السريع] # .................................... %~% لفتك لأمين على نابل (10) # «نطعنهم سلكى ومخلوجة» # ولفتك : أي ردك وعطفك ، واللأمان : سهمان ، والنابل : صاحب النبل PageV01P475 ### ||| * [مزارة رأس الحسين] # وبها مزارة رأس الحسين رضياللهعنه ، وهو مسجد كبير مليح مرتفع ، والمسقف ~~منه ناحية القبلة ، وفيه جب كبير لماء المطر ؛ وأمر ببنائه بعض بني عبيد ~~(1) وكتب ذلك على الباب ، وقد تقدم ذكره في رسم مصر والحمد لله. وفي قبلة ~~هذه المزارة مسجد كبير مليح يعرف بمسجد عمر ، وقد تهدم ولم يبق إلا حيطانه ~~، وفيه من أساطين الرخام قائمة وموضوعة ما هو النهاية في الحسن ، وبه ~~أسطوانة حمراء مليحة جدا ، ويحكى عنها (2) أن النصارى حملتها إلى بلادهم ~~فأصبحت بموضعها في المسجد. وفي قبلة المسجد بئر عظيمة ، متقنة العمل ، ~~عجيبة الصفة ، تعرف ببئر إبراهيم ينزل إليها في درج متسع ، ويدخل منه في ~~بيوت شارعة فيه ، وفي البئر أربعة عيون : واحدة من كل جهة ، وتخرج من (3) ~~أسراب مطوية بالحجارة ، يقابل بعضها بعضا ، وماؤها طيب عذب ولكنها ليست ~~بغزيرة ، ويحكى في فضائلها أشياء لا تقع الثقة بصحتها ، والله أعلم. # وبظاهر عسقلان واد يعرف بوادي النمل ، ويقال : إنه المذكور في الكتاب ~~العزيز (4). وقد ذكر المفسرون أنه واد (5) بالشام ، وفيه جبانة عسقلان ، ~~وبها من قبور الأولياء والشهداء ما لا يحصره عد ، وأكثرها مسمى معروف ، PageV01P476 # وقد وقفنا عليها ، وأرانا إياها شخص مقيم بعسقلان وهو قيم التربة ~~المذكورة وله شيء من جراية (1) أجراها له ملك مصر ، قيدته هنالك مع مايرضخ ~~(2) له به من يسمح من الزوار. وكان دخولنا عسقلان وقت الظهر فصليناها بمسجد ~~الحسين ، ثم خرجنا قبل العصر إذ المقام به غرر ، والله ولي التوفيق ، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله. ### ||| * [ذكر غزه] # ثم وصلنا إلى غزه (3) حماها ms217 [125 / آ] الله وهي آخر بلاد الشام مما يلي ~~مصر ، وبينها وبين الصالحية أول بلاد مصر ستة أيام. وغزة مدينة متسعة عامرة ~~، لا سور لها ، وبينها وبين البحر مسافة أميال ، وهي أكثر عمارة من كل ما ~~تقدم ذكره من بلاد الشام. وهي جسر إلى مصر ، وإلى الشام ، وبها أسواق قائمة ~~، ومساجد معمورة ، ولها جامع مليح حسن ، ولكنها قد عريت عن عالم ومتعلم ، ~~وأقفرت من فقيه ومتكلم. فهي عامرة غامرة (4) وقائمة دائرة ؛ وهذا أمر شمل ~~في هذا الأوان المدن والقرى ، وعم بحكم القدر أصناف الورى ، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله. ### ||| * [الطريق من غزة إلى القاهرة] # ثم سافرنا من غزة مستقبلين لبرية الشام ، مطرحين لدواعي النكول والإحجام ~~، مصافحين لأوجالها ، (5) مكافحين لأهوالها ، وهي كلها رملة PageV01P477 # وعثاء (1)، وبرية دوية قفراء (2)، كأن سالكها يخوض وحلا ، أو يدافع من ~~رملها المنهال سيلا. ومسافتها ستة أيام ، كأنها لفرط العناء أعوام. ولو ~~جمعت إلى وعثها (3) المعني طولا لأعادت كل سالك لها بقيد الحمام (4) ~~معقولا. ولكن العزائم تقوى عليها بقرب المسافة ، (5) مع حصول الأمن بها ~~وانتفاء المخافة ، وذلك أن كل مرحلة منها منهلة عامرة ، والقوافل بها ليلا ~~ونهارا ، مريحة وسائرة ؛ لا تستدبر ميلا إلا لقيت له مستقبلا (6)، ولا ~~تزمع تحويلا إلا وجدت إلى وجهتك متحولا ؛ فخف لذلك عناؤها (7) وإن لم يخف ، ~~وذبل به عود لأوائها وهو من النضارة يرف. وقلما فارقها سالك ، حتى عاد (8) ~~نضوا طليحا (9)، ولا ألقى عصا التسيار بها مسافر ، حتى صار لقى (10) طريحا. # ثم وصلنا إلى الصالحية ، أول بلاد مصر ، ولكنها معدودة في البرية لضيق ~~أرزاقها وشكاسة أخلاقها ، وإفراط عنائها ، وإضرار هوائها ؛ قرية تقري ضيفها ~~قرا وطوى ، وتوحشه بأنسها (11) حتى يأنس بالذئب إن عوى (12). |عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى||وصوت إنسان فكدت أطير| PageV01P478 # ومنها إلى قاعدة مصر قرى ظاهرة متصلة ، وعمارة متظاهرة [125 / ب] متأصلة ~~، مسيرة خمسة أيام ، لا يتعذر بها مرام. وأعظمها عمارة ، وأسناها بزة (1) ~~وشارة ، مدينة بلبيس ، (2) وهي مدينة كبيرة ، ذات أسواق قائمة ، ولها نخل ~~وبساتين كثيرة ، وسواد أشجارها يظهر على بعد ms218 ، وموضعها يقتضي الخصب ورغد ~~العيش ، ولكنها في عين المجتاز الخاطر ، أحسن منها في عين المتأمل الناظر ؛ ~~إذ ليس لها رونق الحضارة ولا رقتها ، وهكذا أكثر بلاد مصر إلا القواعد ~~المعروفة. ### ||| * [ذكر القاهرة في العودة] # ثم وصلنا إلى قاعدة الديار المصرية ، وكنت إذ وردتها مريضا ، فلم يمكني ~~فيها لقاء أحد ، وأنزلنا شيخنا شرف الدين الدمياطي بمدرسة الظاهرية في علو ~~منها مليح ، وكان يبعث إلي بشخص (3) من فضلاء الأطباء يتفقدني ويعالجني وهو ~~الحكيم الفاضل أبو الطاهر إسماعيل المقدسي ، فتى حدث السن ، رصين العقل ، ~~نافذ الفهم ، وما رأيت أحفظ منه للطب ، ولا أحسن منه تصرفا فيه ، ولا أذكر ~~منه لنصوص كتب أبقراط ، وما زال يتفقدني مدة من سبعة أيام حتى تماثلت ، ~~واشتهيت الطعام ، والضعف لي ملازم ، فقدرت أن هواء (4) البلد غير ملائم لي ~~(5) فسافرت وما وصلت إلى الإسكندرية حتى ثابت (6) إلي قوتي ، وعادت إلي صحتي. PageV01P479 ### ||| * [من القاهرة إلى الإسكندرية] # وكان سفرنا منها على غير الطريق الأولى (1)، إذ كان الماء قد نضب على ~~الريف (2) فسافرنا على طريقه ، والعمارة عليه متصلة مدنا وقرى إلى ~~الإسكندرية ، ومن أعظم بلادها ، وأشهرها مدينة (3) قليوب (4)، ومدينة مليح ~~(5)، ومدينة فرما (6)، ومدينة بيار (7)، ومدينة المقانة (8)، ومدينة ~~دمنهور (9). ومدنها وقراها أكثر من أن تعد ، وهي ذات بساتين ونخل ، وشجر ~~يفتن حسنها الناظر. # ومن أعظم مدنها وقواعدها المشهورة ، الموصوفة بالحسن والجمال مدينة دمياط ~~، وهي على البحر الرومي ، ولم أدخلها لأنها رائغة إلى اليمين كثيرا عن طريق ~~مصر إلى الإسكندرية ، وكنت منحفزا للسفر فلم يتأت لي دخولها. ومررنا على ~~[126 / آ] قرية سندبيس (10)، وزرنا بها قبر عيسى بن الوليد أخي خالد ~~رضياللهعنهما ، وهو في بيت مغلق على يسار المحراب. ومن مصر إلى هذه القرية مرحلة. PageV01P480 ### ||| * [الإسكندرية في العودة] # ثم وصلنا إلى الإسكندرية (1)، فأنزلنا شيخنا الفقيه زين الدين بمدرسة ~~إقرائه ، وأولانا من بره وتأنيسه ما يكافئه الله به. ### ||| * [الطريق من الإسكندرية إلى تونس] # وأقمنا بها سبعة أيام ، ثم سافرنا على طريقنا الأولى إلى العقبة الصغيرة ~~ثم تياسرنا منها إلى العقبة الكبيرة ، وهذه الطريق معطشة ، وماؤها ms219 في آبار ~~عميقة ، ما رأيت أبعد منها ، وقلما يتأتى (2) الاستقاء منها إلا بحبال ~~موصولة ، والغالب في ورودها الغب (3)، فشق سلوكها لذلك. ثم منها على ~~طريقنا الأولى إلى البطنان ثم إلى قصر الصفاقنة (4) ثم إلى الرجل المشقوق ~~ثم إلى الحصوي ، وهذه كلها أسماء مواضع تنزلها العربان ما بها مستعتب سوى ~~قصر الصفاقنة. ومن الحصوي على الطريق الوسطى بين طريق الغابة وطريق القبلة ~~إلى أبي شمال ، وهي عين غزيرة (5) عذبة. ثم إلى جرسون ، ثم إلى مراوة ، ~~وتركنا على اليمين طريق المرج ، وقبة هيت ، وطلميثة وهي مدينة أرض برقة ~~ومرفأ سفنها. # ورأيت ما بين جرسون ومراوة آكاما غليظة ، دائرة بديار منحوتة منها في حجر ~~صلد من أبدع العمل وأغرب الإتقان ، عجيبة محكمة جدا ، ودخلت PageV01P481 # منها واحدة بإزاء الطريق فوجدتها على نعت دار متقنة ، وعن يمين مدخلها ~~حجرة عجيبة للطبخ ، وعن يساره حجرة للرحض والتطهر ، وفي مقابلة الداخل بيت ~~كبير مليح جدا ، ومنقوش على أحسن صفة تكون عليها البيوت المبنية ، وتلك ~~الآكام كلها منحوتة ديارا على تلك الصفة. ### ||| * [سوسية] # ومن مراوة إلى سوسية (1)، وهي حصن خرب على شرف مرتفع ينظر على فحص (2) ~~متسع فيه مواجل (3) كثيرة لماء المطر ، قلما تنضب لكثرتها وعظمها ، وفي ~~سمتها آبار المياس ، ولم أمر راجعا عليها لسبب أوجب ذلك فتيامنا عنها. ### ||| * [أرض برنيق] # ثم وصلنا إلى أرض [126 / ب] برنيق ، وهي أرض طيبة للزراعة كثيرا ، وبها ~~قصور عدة يخزن فيها ، وأولها القمانس ، وهي ثلاثة قصور متقاربة ، وأحدها ~~قمينس ، هكذا ينطقون به على لغتهم المعروفة في القاف. وهي أسماء أعجمية ، ~~ومررنا على قصر جليط ، وهو في آخر أرض برنيق من جهة الغرب. ثم على أجدابية ~~، وهي حصين قديم على قدر دار كبيرة عالية. وذكر بعض المؤرخين أنه كان به ~~(4) ماء جار ونخل ، وليس الآن هنالك إلا قصر ماثل في خلاء من الأرض ، لا ~~ماء جار ، ولا شجرة واحدة ، ومنها إلى عين أقيان ، وهو PageV01P482 # ماء شريب (1) في رملة بيضاء ، وهو حد برقة عند المغاربة ، لأن برقة عندهم ~~اسم الأرض ويطلقونها على ماردت ms220 الإسكندرية إلى هذا الموضع. وقد تقدم أن ~~برقة اسم مدينة ، وقد رأيت عرب تلك الأرض لا يطلقون اسم برقة إلا على ~~الغابة وما حاذاها ، وذلك من القمانس إلى الحصوي ، ومنه إلى العقبة الكبيرة ~~البطنان (2) ومنها إلى الإسكندرية لا يذكرون إلا العقبتين. ### ||| * [برية سنانة ومنهوشة] # ثم وصلنا إلى برية سنانة ومنهوشة ، ثم إلى مدينة سرت ثم إلى (3) الشبيكة ~~آخر قصورها وأعمرها ، مارين على الطريق الأولى إلى مصراته ، وهي مواضع وقرى ~~عامرة آخرها من جهة الغرب سويقة ابن مطكود (4)، ومنها إلى بني حسن وهي ~~قربة مجموعة عامرة ، وبينها وبين مصراتة مواضع على الساحل عامرة ، وقصور ~~قديمة. وهنالك مدينة لبدة (5). فيها آثار قديمة وبنيان عجيب ، وفيها من ~~أساطين الرخام وألواحه ما يقصر عنه الوصف ، وفيها صورة امرأة من رخام بإزاء ~~الطريق ، ولا شك أن البلد كانت دار مملكة ، وهي الآن متهدمة دارسة ليس بها ~~إلا عمارة قليلة. وفي جنوبي بني حسن مسلاتة ، وهم قوم يبرون أهل الدين ~~ويكرمون الحجاج وهم على خير وصلاح. PageV01P483 # ثم وصلنا إلى مدينة أطرابلس ، وكان ذكر لي بها شخص يدرس الفقه يعرف بابن ~~عبيد ، فحضرت مجلسه ، فرأيته قليل التوقير لمجلس العلم ، فخرجت ولم أكلمه. ### ||| * [قابس] # ثم [127 / آ] وصلنا إلى مدينة قابس وأقمنا بها أياما ، وأولانا خطيبها ~~الصالح الفاضل أبو موسى الشكري حفظه الله برا وإكراما ، وزرنا بها قبر أبي ~~لبابة (1) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه مسجد ، وهو منه في بيت مغلق. ### ||| * [نفطة] # ثم سافرنا منها على طريق نفطة (2)، وهي موضع على البحر ، فيه ناس صالحون ~~يعرفون بأولاد الرقيق. ثم منها على الطريق الوسطى بين طريق القيروان وطريق ~~الساحل على غابة إفريقية ، وهي غابة عظيمة من زيتون بعل (3)، يحمل كثيرا ، ~~ويعتصر (4) زيتا طيبا كالحال في زيتون الشام سواء ، ولكنه ليس في الشام منه ~~غابة متصلة كاتصال هذه مع عظمها. وقد قطعناها في ثلاثة أيام ، ولكنها الآن ~~معطلة لفساد البلاد ، واستيلاء العربان عليها ، PageV01P484 # فانقطعت منفعتها رأسا ، حتى صار الزيت بإفريقية مجلوبا من جزيرة جربة (1) ~~، وهي جزيرة صغيرة ms221 (2) منقطعة في البحر ، فيها (3) زيتون ورمان ، (4) ~~وتفاحها مشهور يجلب منها إلى البلاد. وأهلها أصحاب مذاهب ردية (5)، وأهواء ~~مضلة مثل زوارة وزواغة دمرهم الله جميعا وقد صارت جربة اليوم في حكم ~~النصارى ، أعطاهم إياها أهلها لشنآن (6) وقع بينهم ، والعصمة بالله ولا حول ~~ولا قوة إلا به. # وهذه الطريق المذكورة ليست بعيدة من طريق الساحل ، وإنما تجنبناها لآفات ~~تتقى بها ، فخطرنا على مدينة سفاقس ، ونحن ننظر إليها ، ثم على المهدية ، ~~ثم على المنستير ، ولم ندخل بلدا منها. وفي سفاقس دفن الفقيه (7) أبو الحسن ~~اللخمي ، وقبره بها مشهور يتبرك به ، وقد مضى ذكر تاريخ وفاته. وفي ~~المنستير دفن الإمام أبو عبد الله المازري (8) وقبره بها مشهور ، والمنستير PageV01P485 # من الرباطات المشهورة المذكورة ، وتحكى له مآثر وفضائل كثيرة ، وبها من ~~قبور الصالحين ما لا يعد كثرة. والمنستير بضم الميم ، هكذا سمعت أهل ~~إفريقية يتلفظون به. ### ||| * [قصر الجم] # وعلى الطريق التي سلكناها قصر الجم ، وهو قصر الكاهنة ، وما وقع بصري في ~~كل ما رأيت على [127 / ب] بنية أعجب ولا أغرب (1) منه ، وهو مما لا يمكن ~~تصوره ، بالوصف ، ولا غنى في تصوره عن المشاهدة لغرابته ، ومختصر وصفه أنه ~~قصر مستدير متسع عال جدا من صخور منحوتة كبار ، محكمة الوضع والرصف ، حتى ~~كأنه حجر واحد ، وقد فتحت في أعلاه أبواب مرصوفة (2) محيطة به ، وعلى تلك ~~الأبواب أبواب أخر مثلها ، دائرة بالقصر أيضا ، ويظهر ما فوق الأبواب من ~~بعد كأنه قصر واقف في الهواء. وأظن تلك الأبواب لمكان اختراق الريح احتياطا ~~على القصر من عاديتها لإفراط علوه ، ويمكن أن تكون لغير ذلك وبناء داخل ~~القصر أعجب ، فإنه لو جعل دورا واحدا لم يكن فيه كبير منتفع ، وإن اتسع في ~~الساحة على وضع واحد ضاقت وحجبت عنها (3) الشمس ؛ فجعل البناء فيه مدرجا ~~كلما طلع نقص منه دور ، حتى ارتفع البناء إلى حد لا يحجب فيه بعضه (4) ~~الشمس عن البعض ، حتى يضربها دوام الظل عليها ، وصارت السقوف المدرجة من ~~جملة الساحة يرتفق بها إذ لم يبق من الساحة غير مبني ms222 إلا دائرة ضيقة. PageV01P486 # وهذا القدر هو الذي يمكن إثباته في صفة هذا القصر ، وهو من جملة المباني ~~الغريبة التي لا تتصور تصورا تاما إلا بالمشاهدة ، وليس في داخله عمارة ~~معتبرة ولكن العمارة خارجة (1) عنه ، وهنالك ديار وبساتين وجامع مليح ؛ ~~وأهلها ناس صالحون شملتهم بركة الشيخ الصالح أبي زيد اللخمي رحمه الله ~~وأولاده الآن على طريقته في الدين والصلاح وإطعام الطعام ، نفعهم الله ، ~~ونفع بهم. ### ||| * [ذكر سوسة] # ثم وصلنا إلى مدينة سوسة (2)، وهي مدينة مليحة ، برية ، بحرية ، حولها ~~بساتين وثمار ، وهي في نفسها متقنة محكمة (3) العمل ، مؤسسة بقوة ، وكلها ~~صخر منحوت ، وفيها رباط متسع ، عجيب ، مليح (4) جدا ، ينزله الحجاج ~~والمسافرون ، ولكنه قد سحب الزمان على الكل ذيل البلى ، ورمى الداخل ~~والخارج بسهم التوى (5)، فعادت بعد الصون برزة مكشوفة ، وصارت محاسنها ~~ممحوة (6) مكسوفة ، فخضعت خضوع العزيز إن ذل (7)، وخشعت [128 / آ] خشوع ~~الكثير إذا قل. ترنو إلى البر والبحر بمقلة خائف ، وتحاذر. # انظر وصف افريقيا 2 / 83. PageV01P487 # منهما أنواع المتالف ، لا ترى بها زعيم محبر ، ولا فارس دفتر ، قد خرس ~~بها لسان الطلب ، وعاد لفريق الجهل على فئة العلم الغلب ، فامحقت بها آثار ~~كل فضيلة ، وصيرها الجهل معرسه ومقيله ؛ تلاشت قواها فلم يبق بها إلا رمق ، ~~وكساها الزمان ثوب الهوان فامحى رونقها وامحق ؛ لا تمد في الأمن ساعة من ~~الدهر باعا ؛ ولا تمير فتشبع أهلا جياعا ؛ وجامعها المليح قد علا عليه ~~الشحوب ، وأبلى حسنه وقائع الخطوب. نازلته وليس له يدان بالدفاع ؛ فاستكان ~~وأطرق إطراق الشجاع (1)، وما عصم من ريب الزمان فريق ؛ ولا أعصم معتصم (2) ~~بذروة نيق ، وبالله الاستعانة والتوفيق. # ثم وصلنا (3) إلى منزل أبي نصر ، وهي بليدة مسورة عامرة غاصة بالخلق ~~ولكنها في حكم البادية إذ ليس بها من معاني الحضارة شيء ، وبها سوق كبيرة ~~يكثر إليها الجلب لكثرة العربان هنالك. # ثم خطرنا على مدينة الحمامات ، وهي مدينة صغيرة مبيضة السور ، وليس بها ~~ما يذكر لفنائها ، وقلة عمارتها ، وهي على البحر ، ولم أدخلها لقلة تشوفي ~~(4) إليها ، وما ذكر لي من الضعف عنها. ### ||| * [تونس ms223 في العودة] # ثم وصلنا إلى (5) مدينة تونس حرسها الله وهي كما مر ذكرها ، واستقر عند ~~المؤالف والمخالف شكرها. وهي مؤنسة عند اسمها ، ومسعفة |وأطرق إطراق الشجاع ، ولو رأى||مسافا لنابيه الشجاع لصمما| # انظر الميداني 1 / 431. PageV01P488 # على مقتضى رسمها ، وما أنصف من ذمها بالمحال ، وتعسف عليها فقال : (1) ~~[الطويل] # لعمرك ما ألفيت تونس كاسمها %~% ولكنني ألفيتها وهي توحش # وقد أقمت بها مدة حتى شفيت الحشا العليل ، ونقعت بوردها الغليل ، وقطعت ~~فيها الغدو والأصيل بمجالسة كل فاضل جليل ، فما أنفصل عن عالم يوضح الحلك ~~مهما أجاب ، إلا إلى صالح يحتلب به در (2) السحاب. ولا أغدو عن مجلس أدب ~~كقطع الرياض ، إلا إلى محفل وعظ يسقي الخدود بالدمع الفياض [128 / ب] ~~فقطعتها أياما من غفلات الدهر مختلسات ؛ وانتظم لي بها شمل أنس طالما مني ~~بالشتات ؛ فلم يبق بها شيخ مذكور إلا رأيته ، ولا علم (3) مشهور إلا أتيته. ### ||| * [ملازمته لابن الغماز] # فممن واظبته مدة الإقامة ، ولزمته لزوم الطوق للحمامة ، الشيخ الفقيه ~~الفاضل والحبر النزيه الكامل ، قاضي القضاة ، وزين الحملة والرواة ، ذو ~~التواضع والإنصاف ، والمعروف بوطاءة الأكناف ، مسند عصره ، والمرجوع إليه ~~في مصره ، أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن بن محمد بن (4) PageV01P489 # الغماز الخرزجي (1)، وصل الله صيانته ، وأدام على الخيرات إعانته ؛ ~~فلقيت منه عالما يأخذ بالأسماع والأبصار ، وفاضلا خلت من مثله القرى ~~والأمصار ، وغرة أجلى من ضوء الصباح ، مع سكون الطائر وخفض الجناح ؛ يدأب ~~على الإسماع دؤوب من عد العلم أرفع صناعة ، ورأى الاشتغال به أنفع بضاعة ، ~~لا يشغله عنه الإبقاء على أعضائه الواهية ، ولا يصده عنه ما تتحمل (2) فيه ~~من المشقة نفسه السامية ، ولم يؤثر في قوة اجتهاده ضعف قواه ، ولا هوى به ~~إلى استيطاء الراحة هواه ، بل يستعذب في خدمة العلم ما يلاقي ، ويعده عدة ~~ليوم التلاقي ؛ ولقد منحني الله من قبوله وإقباله ، ما لم يتيسر لي إلا بمن ~~الله وأفضاله. ولما اجتمعت به وجدته مواظبا للإسماع بداره غدوة وعشية ، ~~فكلمته في قراءة جامع البخاري عليه ، وأتيته بأصل منه ، استشرته في شرائه ، ~~فاستغرب ms224 حالي في ذلك ؛ وقال لي : إن أردت أن تقرأ في أصلي ، ويتوفر عليك ما ~~تشتري به فافعل ؛ فقلت له (3): أريد أن أقرأ هذا الكتاب في أصل يكون لي ، ~~أرجع إليه ؛ فأعجبه ذلك مني ، وأنعم بقراءته عليه ، وعطل لأجلي أكثر الدول ~~، وكان يداري أصحابها (4) إذا رأى منهم قلقا ، فإذا أكثروا (5) عليه ، ~~وعظهم في رفق وقال لهم : إنه ضيف علينا فاصبروا له حتى يتم الكتاب ، ~~فترجعوا إلى دولكم ، وأنتم مقيمون ، فكان يجلس لي من أول النهار إلى قريب ~~الظهر ، ومن العصر إلى الغروب ، وربما قام مرارا إلى تجديد الطهارة ثم يرجع ~~ويتكلف ذلك على كبر سنه وضعف قواه ، فقرأت عليه أكثر [129 / آ] الكتاب ~~المذكور قراءة PageV01P490 # ضبط وإتقان ، وولده الفقيه ، الفاضل المتقن ، المحقق أبو عبد الله يمسك ~~عليه أصله العتيق المقروء على الإمام أبي ذر الهروي ، وعليه خطه. وكان ~~يناوبني القراءة وأمسك أنا الأصل حتى كمل لي الكتاب بقراءتي في الأكثر ، ~~وسماعي بقراءة المذكور أحيانا. # وسمعت عليه أثناء ذلك دولا كثيرة من الموطأ ، وصحيح مسلم ، وسنن أبي داود ~~، وجامع الترمذي ، وناولني سائرها (1) في أصوله ، مع دواوين سواها. وقرأت ~~عليه أكثر «التيسير» للإمام المقرىء أبي عمرو الداني رضياللهعنه ، وسمعت ~~عليه باقيه ، وقرأت عليه «برنامجه» الذي قيد فيه أسماء شيوخه ، وناولني ~~برنامج شيخه الإمام (2) الشهيد (3) أبي الربيع بن سالم (4) رحمه الله وسمعت ~~عليه دولا من كتابه «الاكتفاء فى مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازى ~~الثلاثة الخلفاء» (5) وهو كتاب كبير في أربعة أسفار ، وقرأت عليه من تأليفه ~~أيضا «مفاوضة القلب العليل على طريقة أبي العلاء المعري في ملقى PageV01P491 # السبيل» (1) وأجازني حفظه الله إجازة عامة ، وحضرت عنده مذكرات ، ~~ومفاوضات في العلم ، وانتفعت بلقائه كثيرا. ومما قرأت عليه في برنامج شيوخه ~~للإمام الشهيد أبي الربيع بن سالم رحمه الله تعالى (2): [الطويل] # إذا برمت نفسي بحال أحلتها %~% على أمل ناء فقرت به النفس (3) وأنزل أرجاء الرجاء ركائبي %~% إذا رام إلماما بساحتي اليأس وإن أوحشتني من أماني نبوة %~% فلي في الرضا بالله والقدر الأنس (4) # ومما قرأت له ms225 في حرف الكاف من مفاوضة القلب العليل : [السريع] # يا راكبا في نيل لذاته %~% مسالكا يعيا بها السالك (5) غرتك دنيا منقض شأنها %~% وأنت لا بد لها تارك خلابة ، سلابة للنهى %~% أصدق ما غرت به آفك (6) ما أمكنت من وصلها طالبا %~% إلا انثنت وهي له فارك (7) [129 / ب] حذار أن تلفى غدا باكيا %~% من طول ما أنت بها ضاحك (8) PageV01P492 شانك وجه في الدجا نير %~% أسود فى عين الحجا حالك (1) ملكته رقك لم تدر أن %~% قد خسر المملوك والمالك هلا لوجه الحق كان الهوى %~% فكل شيء غيره هالك (2) # وقرأت عليه أيضا في ذكر مثال نعل المصطفى صلى الله عليه وسلم : (3) [الطويل] # خواطر ذي البلوى عوامر بالجوى %~% ففي كل حال يعتريه خبال (4) متى يدع داع باسم محبوبه هفا %~% فيهتاج بلبال ويكسف بال وإن ير من اثاره أثرا همت %~% له من غروب المقلتين سجال كحالي وقد أبصرت نعلا مثالها %~% لنعل النبي الهاشمي مثال (5) عراني مايعرو المحب إذا بدا %~% لعينيه من معنى الأحبة ال فقبلت في ذاك المثال معاودا %~% أرى أن ذلي في هواه جلال (6) ومثلته نعل الرسول حقيقة %~% وإني لأدري أن ذاك محال (7) ومن سنة العشاق أن يبعث الهوى %~% مثال ، ويقتاد الغرام خيال (8) ولا فرق إلا أن حب محمد %~% هدى ، والهوى فيمن عداه ضلال (9) PageV01P493 # وقرأت عليه في هذا المعنى أيضا لأبي الربيع المذكور قصيدة كبيرة أولها : ~~[البسيط] # يا من لصب يري أشجانه النظر %~% مهما تبدى له من حبه أثر يفي له الصبر عند النائبات فإن %~% يلح له أثر لم يبق مصطبر وذاك غير ذميم من مواقعه %~% إذا تعقبه التنقيح والنظر # وهي أزيد من مئة بيت من غر القصائد ، وأجز لها لفظا ومعنى. ومن شعر شيخنا ~~أبي العباس المذكور حفظه الله تعالى (1) قوله : [الطويل] # أيا سامع الشكوى ويا دافع البلوى %~% ويا كاشف الأسواء والبأس والضر (2) أسير خطايا يرتجي فك أسره %~% وإن لم يكن أهلا لفك من الأسر ومالي لا أرجو وإن كنت مسرفا %~% وأدري من الصفح الجميل الذي أدري # قلت : أتى شيخنا حفظه الله بعروض البيت ms226 الأول [تامة] (3)، وإنما سمعت ~~مقبوضة. إلا أن الترصيع (4) الذي في البيت ربما سوغ ذلك كما في التصريع. ~~وقد وقع مثله في شعر المتنبي ، وتعقب عليه. [130 / آ] # ومولد شيخنا رحمه الله عقب المحرم من سنة تسع وست مئة. PageV01P494 ### ||| * [لقاؤه لأبي القاسم اللبيدي] # ولقيت بها الشيخ ، الجليل ، الفاضل ، العالم ، المسن (1)، المسند ، بقية ~~السلف ، وقدوة الخلف ، ذا الدين المتين ، والمنهج الواضح المستبين. صالح ~~العلماء وعالم الصلحاء أبا القاسم بن حماد (2) بن أبي بكر الحضرمي اللبيدي ~~نفع الله به ، وهو أوحد وقته علما ودينا واجتهادا ، ومواظبة ، وحسن ظن ، ~~وغزارة دموع ؛ معدوم (3) النظير في عصره ، لا يفتر (4) من العبادة ولا ~~يتوانى عن شهود الصلاة في الجماعة ، وحضور المجلس لإسماع العلم مع فادح (5) ~~ضعفه ، وفرط شاخته ، وضرارة بصره ؛ لا يتخلف عن المسجد ليلا ولا نهارا ، ~~ولا يقطع إسماع العلم وتعليمه ، وإقراء (6) القرآن ، وقد أبلت التسعون بدنه ~~، ونهكت قواه ، وحفظ عليه ذهنه حفظا تاما. وأما أخلاقه ، وتواضعه ، وقوة ~~رجائه ، فغاية في بابه ، وكنت اجتمعت به أول ما لقيته في مسجد إقرائه. قبل ~~صلاة الصبح (7) مع بعض الفقراء ممن يعرفه ، فسلمنا عليه ودار بيننا كلام ~~يسير (8)، فأقبل على الفقير وقال له : هذا رجل عاقل ، وما زال يواليني من ~~بره واعتنائه بما يليق بالفضلاء أمثاله ، وما أتيته (9) قط إلا هش إلي (10) عندما PageV01P495 # يسمع سلامي (1). وكان يقدمني للصلاة أحيانا ، وما انفصلت عنه قط إلا ~~داعيا لي بكل خير. ولما ودعته بكى وقال لي : إن أمكنك أن تكتب إلي بوصولك ~~إلى أهلك سالما فافعل لأسر بذلك ؛ فشكرته ، وسلمت عليه وانصرفت ، وما زلت ~~طول سفري وإلى الآن أتعرف بركة دعائه والحمد لله على تسخير أوليائه حمدا لا ~~يقف عن (2) مدى إغيائه. # ومما قرأت عليه حفظه الله كثيرا من «كتاب البخاري» وناولني سائره في أصلي ~~، وحدثني به عن الشيخ [130 / ب] الإمام المحدث الراوية أبي زكريا يحيى بن ~~محمد المهدوي ، ويعرف بالبرقي ، سماعا عليه لجميعه (3) عن أبي محمد بن حوط ~~الله بأسانيده. وقرأت عليه بعض كتاب «المعلم» (4) للإمام أبي عبد الله ~~المازري ms227 في أصله ، وناولني جميعه عن أبي زكرياء البرقي المذكور قراءة عليه ~~، وسماعا عن الشيخ الفقيه أبي يحيى بن أبي بكر بن عبد الرحمن الغساني ~~المازري ، ويعرف بابن الحداد ، قراءة ثم سماعا عن مؤلفه المذكور سماعا ، ~~وقلما يوجد الآن أعلى منه فيه سندا. وعن البرقي المذكور رواه أبو عبد الله ~~القضاعي (5) بحضرة تونس حرسها الله . |أدرك بخيلك ، خيل الله أندلسا||إن السبيل إلى منجاتها درسا| # قتل سنة 658 ه في تونس وأحرقت مؤلفاته. من كتبه التكملة لكتاب الصلة ، ~~والحلة السيراء وإعتاب الكتاب ، وتحفه القادم. له ترجمة في عنوان الدراية ~~257 نفح الطيب 2 / 589 و3 / 303 فوات الوفيات 3 / 404 الوافي بالوافي 3 / ~~353 أزهار الرياض 3 / 204. PageV01P496 # وقرأت عليه أيضا بعض كتاب «عوارف المعارف» (1) للإمام أبي حفص السهروردي ~~رحمه الله وناولني جميعه بحق قراءته إياه على الشيخ الفقيه المحدث أبي ~~القاسم عبد الرحمن بن أبي جعفر الأنصاري عن مؤلفه ، وقد تقدم أني أدركت ~~بمكة شرفها الله من يروي هذا الكتاب عن مؤلفه ، ولم يقض لي الأخذ عنه ؛ ~~وسمعت على شيخنا المذكور دولا من «التيسير» للإمام أبي عمرو المقرىء ، ومن ~~كتب شتى في التصوف وغيره ، وأجازني إجازة عامة ، والحمد لله. ومولده حفظه ~~الله عام ست مئة. ### ||| * [لقاؤه لأبي محمد الخلاصي] # ولقيت بها الشيخ الفقيه ، الصالح ، الزاهد ، الناسك ، المنقطع ، الفاضل ، ~~الكامل ، ذا الماثر العلية ، والفضائل السنية ، أبا محمد عبد الله بن يوسف ~~بن موسى الخلاصي الأندلسي (2) نفعه الله ، ونفع به ، وهو من [أهل] (3) ~~الصلاح والدين ، والفضل والتمسك بأخلاق السلف الصالح ، والإعراض بالجملة عن ~~أعراض الدنيا ، والإقبال بالكلية على طريق الآخرة بالمحل الأعلى. رأيته وقد ~~جاء إلى شيخنا أبي القاسم اللبيدي ، فقعد بين يديه وهو يتملق ، ويقبل ~~أطرافه ، فقال له الشيخ أبو القاسم : أنت أخي ؛ فقال له : يا سيدي ما أنا ~~إلا عبدك ، ثم سلم عليه وانصرف. وقد جالسته كثيرا ، وترددت إليه مدة إقامتي بتونس PageV01P497 # مقتبسا من علمه ، ومتبركا بصالح [131 / آ] دعائه ، ولبست منه الخرقة ~~المباركة ، خرقة المتصوفة (1) رزقنا الله بركتهم (2)، وكان هو ms228 قد لبسها من ~~الشيخ ، الصالح ، العالم (3)، العامل (4)، إمام الحرم ، أبي المكارم محمد ~~بن يوسف بن مسدي (5) المهلبي رحمه الله . ولابن مسدي في ذلك جزء مجموع ، ذكر ~~فيه من كساه الخرقة من الشيوخ ؛ واتصال السند فيها إلى السلف الصالح ~~رضياللهعنهم ، وقد قرأته عليه وقرأه هو على مؤلفه المذكور. # وقرأت عليه من تأليف ابن مسدي أيضا «الأربعين حديثا في فضل الحج» (6)، ~~وأخبرني بها عنه. وقرأت عليه كتاب «الإعلام بقواعد الإسلام» للقاضي أبي ~~الفضل عياض بن موسى رحمه الله . وحدثني به عن الشيخ الفقيه الصالح أبي ~~العباس أحمد بن عثمان بن عجلان القيسي سماعا عليه عن أبي زكرياء يحيى بن ~~أبي بكر بن عصفور ، عن أبي محمد بن عبيد (7) الله الحجري عن مؤلفه. وقرأت ~~عليه «مختصر السيرة» لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء اللغوي (8) صاحب ~~كتاب «المجمل» (9) وحدثني به بسنده إليه ، PageV01P498 # وهو تأليف نبيل في أوراق يسيرة وقرأت عليه «الكتاب المغني عن الحفظ» (1) ~~. و «الكتاب في حصر الضعيف من الحديث بالأبواب» تأليف أبي حفص عمر ابن بدر ~~الحنفي. وحدثني به عن أبي محمد عبد الملك بن عبد الملك الشقوري ببلنسية (2) ~~قال : قرأته على مؤلفه ببيت المقدس ، وهو في أوراق نبيل (3) التأليف جدا. ~~وقرأت عليه (4) جملة أجزاء يرويها ، ومسلسلات في الحديث ، وحكايات وأناشيد. ~~وأفادني فوائد كثيرة نفعه الله وإياي بذلك. # ومما قرأت (5) عليه ، وحدثني به عن ابن عجلان عن ابن عصفور عن أبي (6) ~~القاسم (7) عبد الرحيم (8) بن عيسى ، عن أبي الفضل عياض ، عن أبي علي ~~الصدفي عن أبي بكر الطريثيثي عن أبي القاسم (9) هبة الله بن الحسين ، عن ~~علي بن محمد ، عن الحسن بن صفوان ، عن عبد الله بن أبي الدنيا عن أحمد بن ~~عبد الأعلى ، عن إسماعيل بن أبان العامري ، عن سفيان الثوري ، عن طارق بن ~~عبد العزيز ، عن الشعبي [131 / ب] قال : «لقد رأيت عجبا. كنا بفناء PageV01P499 # الكعبة وعبد الله بن عمر. وعبد الله بن الزبير (1)، ومصعب بن الزبير (2) ~~، وعبد الملك بن مروان. فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم : ليقم ms229 كل رجل ~~منكم فليأخذ بالركن اليماني ويسأل الله حاجته ، فإنه يعطي من سعة فضله ، قم ~~يا عبد الله بن الزبير فإنك أول مولود ولد في الهجرة. فقام فأخذ بالركن ~~اليماني ثم قال : اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم ، أسألك بحرمة وجهك ، وحرمة ~~عرشك ، وحرمة نبيك صلى الله عليه وسلم ، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني ~~الحجاز ، ويسلم علي بالخلافة ، وجاء حتى جلس فقالوا : قم يا مصعب بن الزبير ~~، فقام حتى أخذ بالركن اليماني ثم قال : اللهم إنك رب كل شيء ، وإليك يصير ~~كل شيء ، أسألك بقدرتك على كل شيء ألا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق ~~وتزوجني سكينة بنت الحسين. وجاء حتى جلس. وقالوا : قم يا عبد الملك (3) بن ~~مروان ، فقام وأخذ بالركن اليماني ، فقال : اللهم رب السموات السبع ورب ~~الأرضين [السبع] (4) ذات النبت بعد القفر ، أسألك بما سألك عبادك المطيعون ~~لأمرك ، وأسألك بحقك على جميع خلقك ، وبحق الطائفين حول بيتك (5) ألا PageV01P500 # تميتني من الدنيا حتى توليني مشرق الأرض ومغربها ، ولا ينازعني أحد إلا ~~أتيت برأسه ثم جاء حتى جلس ، ثم قالوا : قم يا عبد الله بن عمر فقام حتى ~~أخذ بالركن اليماني ، فقال : اللهم [إنك] (1) رحمن رحيم ، أسألك برحمتك (2) ~~التي سبقت غضبك ، وأسألك بقدرتك على جميع خلقك ألا تميتني من الدنيا حتى ~~توجب لي الجنة ، قال الشعبي : فما ذهبت عيناي من الدنيا حتى رأيت كل واحد ~~منهم أعطي ما سأل ، وبشر عبد الله بن عمر بالجنة ورئيت له» (3). # وقرأت عليه أيضا ، حدثنا الفقيه ، التقي ، أبو الحجاج يوسف بن حجاج ابن ~~يوسف قال : ثنا الفقيه الزاهد أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن بن تامتيت ~~اللواتي ، قال : أنا الفقيه أبو الحسين (4) يحيى بن محمد ، وقرأته عليه ، ~~قال : أنا أبو القاسم خلف بن [132 / آ] عبد الملك ، قال أنا الفقيه العدل ~~أبو عبد الله محمد بن أحمد التجيبي ، قال : أنا أبو علي حسين بن محمد ~~الغساني ، قال : نا أبو العباس أحمد بن عمر العذري قال : نا أبو العباس ~~الرازي قال : نا ms230 سليمان بن أيوب الطبراني قال : نا بشر بن موسى قال : نا ~~عبد الله بن يزيد المقرىء قال : نا حيوة (5) بن شريح عن عقبة بن مسلم ، عن PageV01P501 # أبي عبد الرحمن عن (1) الصنابحي عن معاذ بن جبل (2): أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أخذ بيده فقال : «يا معاذ والله إني لأحبك ، فقال : أوصيك ~~يا معاذ لا تدع في كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك ، وحسن ~~عبادتك» (3). وأوصى بذلك معاذ الصنابحي وأوصى به الصنابحي أبا عبد الرحمن ~~، وتسلسلت الوصية هكذا إلى شيخنا فأوصانا به. # وحدثنا أيضا قراءة مني عليه قال : نا أبو عبد الله محمد بن أحمد (4) ابن ~~لب المليلي (5) عن أبي عبد الله بن قاسم ، عن أبي الخطاب عمر بن دحية ، عن ~~الإمام أبي الوليد يوسف بن عبد العزيز ابن يوسف اللخمي (6) بن الدباغ ، قال ~~: أخبرني الشيخ الصالح أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله الخولاني عن ~~أبي عمر الطلمنكي عن أبي جعفر أحمد بن محمد. قال : قرأت على أبي محمد عبد ~~الله بن محمد بن أمية ابن غلبون ، قال : أنا محمد بن عبد الله بن أبي حليم ~~، قال : نا محمد بن وضاح ، قال : نا أبو نجدة يزيد بن مجالد ، قال : نا ~~كثير بن سليم قال : أتيت أنس بن مالك بواسط القصب (7)، PageV01P502 # فسمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمتي أمة مرحومة لا عذاب ~~عليها في الآخرة ، إنما عذابها في الدنيا بالفتن والزلازل. فإذا كان يوم ~~القيامة دفع الله إلى كل مسلم ومسلمة رجلا من أهل الكتاب ، أو من المشركين ~~فقال : «هذا فداؤك من النار» (1) # وقرأت عليه أيضا قال (2): أملى علي الشيخ الفقيه أبو الحجاج : قال : ~~أملى علينا (3) الفقيه الزاهد أبو العباس هو (4) ابن تامتيت ، قال : قرأت ~~على أبي الحسين يحيى بن محمد قال : قرأت على أبي القاسم خلف بن عبد الملك ، ~~قال : نا أبو محمد هو ابن عتاب قراءة [132 / ب] مني عليه قال : كتب إلي أبو ~~عمرو عثمان بن أبي بكر : نا ms231 أبو الحسين عبد الله بن محمد بن بكار بكازرون ~~(5) من أرض فارس (6) قال : نا أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري ، قال : ~~نا أحمد ابن إسحاق التمار ، قال : نا زيد بن أحزم ، قال : نا ابن عائشة ، ~~قال. نا محمد بن عبد الرحمن القرشي ، قال : كنت عند الأعمش (7) فقيل : إن # انظر ياقوت 4 : 429. PageV01P503 # الحسن بن عمارة (1) ولي المظالم ؛ فقال الأعمش : وا عجبا من ظالم ولي ~~المظالم ، ما للحائك بن الحائك والمظالم؟ فخرجت ، فأتيت الحسن فأخبرته ، ~~فقال : علي بمنديل وأثواب ، فوجة بها إليه ، فلما كان من الغد ، بكرت إلى ~~الأعمش ، فقلت : أخبرني الحديث قبل أن يجتمع الناس ، فأجريت ذكره فقال : بخ ~~بخ هذا الحسن بن عمارة زان العمل ولم يزنه العمل ، فقلت له : بالأمس قلت ما ~~قلت ، واليوم تقول هذا : فقلت : دع عنك هذا ، حدثني خيثمة عن (2) عبد الله ~~بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «جبلت القلوب على حب من أحسن ~~إليها ، وبغض من أساء إليها» (3). # وبه إلى ابن عتاب ، قال : قرأت على أبي القاسم حاتم بن محمد التميمي قال ~~: أنا أبو الحسن القابسي بمنزله بالقيروان ، قال : أخبرني حمزة ابن محمد ~~الكناني بمصر وقد اجتمع عنده (4) الطلبة ، يسأله (5) كل واحد منهم برغبته ~~في دواوين أرادوا أخذها عنه ، فقال : اجتمع قوم من الطلبة (6) بباب قتيبة ~~بن سعيد (7) فسأله بعضهم أن يسمعه من الحديث ، وبعضهم من الفقه PageV01P504 # وأكثر كل واحد منهم برغبته ، وألح عليه الرحالون ، وكان روى كثيرا ، ولقي ~~رجالا فتبسم ثم قال (1): [الرجز] # تسألني أم صبي جملا %~% يمشي رويدا ويكون أولا # [مهلا خليلي فكلانا مبتلى] (2) # وبه إلى ابن عتاب ، قال : أنشدني أبو عمرو عثمان بن أبي بكر ، قال : ~~أنشدني أبو نعيم (3) الحافظ قال : أنشدني أبو محمد الجابري ، قال : أنشدني ~~ابن المعتز لنفسه : (4) [مجزوء الكامل المرفل] # ما عابني إلا الحسو %~% د وتلك من خير المعائب (5) والخير والحساد مق %~% رونان إن ذهبوا فذاهب وإذا ملكت المجد لم %~% تملك مذمات الأرقاب (6) [133 / آ] وإذا فقدت الحاسدي %~% ن فقدت في الدنيا الأطايب PageV01P505 # وبه ms232 إلى أبي الحسين يحيى بن محمد بن علي الأنصاري ، عرف بابن الصائغ قال ~~: أنشدنا أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي رضياللهعنه لنفسه (1): [الكامل] # أهل الحديث هم الرجال البزل %~% ومن العوالي في المعالي نزل (2) أنى يدانيهم عدو ملحد %~% يزري بهم وهو الهوي الأنزل قولوا له قول امرىء متنصح %~% مأموله هذا الصواب الأجزل (3) هل يستوي السمك الذي تحت الثرى %~% أبدا مقيما والسماك الأعزل (4) # وقد أنشدني هذه الأبيات شيخنا شرف الدين الدمياطي حفظه الله بمصر ولم ~~أكتبها عنه. وقرأت أيضا على شيخنا أبي محمد ، قال الشيخ أبو الحجاج : ~~أنشدنا الشيخ أبو العباس ، قال : أنشدنا أبو الحسين محمد بن (5) الكتاني ~~(6) قال : أنشدنا الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهاب بن علي ~~الصوفي البغدادي ، قال : أنشدنا الإمام أبو زرعة طاهر بن محمد ، قال : ~~أنشدني والدي الشيخ الإمام أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي ، قال : أنشدني ~~أبو الحسن علي بن عبد الرحيم في التصوف واندراس أهله : PageV01P506 # [مجزوء الكامل] # أهل التصوف قد مضوا %~% صار التصوف مخرقه صار التصوف صيحة %~% وتواجدا ومطبقه (1) مضت العلوم فلا علو %~% م ، ولا قلوب مشرقه كذبتك نفسك ليس ذا %~% سنن الطريق الملحقه حتى تكون بعين من %~% عنه العيون محدقه (2) تجري عليك صروفه %~% وهموم سرك مطرقه # وبه إلى أبي الفضل المقدسي قال : أنشدنا أبو الحسن علي بن عبد الله ~~الخراساني لنفسه : [133 / ب] [الطويل] # أمدعيا في الناس علم التصوف %~% أتيت بفعل الجاهل المتكلف (3) متى كنت من أهل التصوف أو متى %~% سلكت طريقا غير طرق التعسف # القصيدة إلى آخرها ، وهي اثنان وعشرون بيتا وآخرها : # فديتك دع علم التصوف مسكتا %~% فلست وإن موهت بالمتصوف PageV01P507 # وقرأت عليه : أنشدكم الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحجاج ~~البلفيقي ، قال : أنشدني (1) أبو عبد الله بن فرحون السلمي ، قال : أنشدني ~~(2) أبو عمران الزاهد (3) لنفسه : (4) [البسيط] # إلمام كل ثقيل قد أضر بنا %~% أروم نقصهم ، والشيء يزداد (5) ومن يخف علينا لا يلم بنا %~% وللثقيل مع الساعات ترداد # وقرأت عليه : أنشدكم أبو إسحاق البلفيقي ، قال : أنشدني أبو بكر محمد ابن ~~قسوم (6) لنفسه ms233 : (7) [المجتث] # تبا لفرقة قوم %~% لا ينتمون لمذهب (8) إذا تزندق وغد %~% قالوا : فلان تهذب (9) |تبا لفرقة سو||لا ينتمون لمذهب| PageV01P508 # وقرأت عليه أخبركم الشيخ الفقيه المقرىء أبو عمرو عثمان بن سفيان عثمان ~~التميمي التونسي هو ابن شقر ، قال : أنا الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن ~~المفضل المقدسي ، قال : أخبرنا الإمام أبو الطاهر السلفي ، قال : أنا أبو ~~عبد الله محمد بن أحمد بن الخطاب الرازي ، قال سمعت أبا عبد الله الحسين بن ~~علي بن نعيم المصري قاضي البرلس (1) يقول عن بعض سكان البرلس ، قال : سمعت ~~قائلا يقول ليلا من جانب البحر ، وينشد بيتين ، فقصدت الصوت فلم أر أحدا ، ~~فعلمت أنه هاتف وهما : (2) [البسيط] # لولا رجال لهم ورد يقومونا %~% وآخرون لهم صوم يصومونا (3) لزلزلت أرضكم من تحتكم سحرا %~% لأنكم قوم سوء لا تبالونا (4) # وقرأت عليه أنشدكم أبو عمرو وهو ابن شقر ، قال : أنشدنا أبو الحسن ابن ~~المفضل المقدسي لنفسه : [134 / آ] [البسيط] # يا رب عفوك عن ذي زلة عظمت %~% به المهابة حتى لاذ بالكرم (5) إن لم يكن هو أهلا أن تسامحه %~% فإنه من جميل الظن في حرم PageV01P509 # وأيضا : (1) [المنسرح] # يا حبذا الصالحون إنهم %~% في سبل الصالحات قد سلكوا إن لم أكن قد فعلت ما فعلوا %~% فليتني قد تركت ما تركوا # وبه إلى ابن (2) المفضل ، قال : سمعت أبا الطاهر السلفي غير مرة ينشد من ~~قيله : (3) [الرمل] # أنا من أهل الحديث %~% وهم خير فئه (4) جزت تسعين وأرجوا %~% أن أجوزن المئه (5) # قلت : قد حقق الله رجاءه ، وصدق ظنه رضياللهعنه ، فإنه توفي عام ستة ~~وسبعين وخمس مئة ، ومولده تخمينا عام اثنين وسبعين وأربع مئة. أخبرني بذلك ~~شيخنا شرف الدين الدمياطي عن الإمام زكي الدين أبي محمد عبد العظيم المنذري ~~(6) رحمه الله . PageV01P510 # وقرأت على شيخنا أبي محمد أيضا : أملى عليكم الفقيه أبو الحجاج من كتابه ~~قال : أملى علينا الشيخ الفقيه أبو العباس من كتابه قال : أنشدنا أبو ~~الحسين رحمه الله ، قال : أنشدنا أبو القاسم خلف بن عبد الملك ، قال : ~~أنشدنا أبو محمد بن عتاب ، قال : أنشدنا أبو عمرو ms234 عثمان بن أبي بكر ، قال : ~~أنشدنا إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني عند الموادعة : (1) [الخفيف] # إن نعش نجتمع وإلا فما أش %~% غل من مات عن جميع الأنام # وقرأت عليه ، أنشدكم أبو إسحاق البلفيقي (2) عن غير واحد من شيوخه عن أبي ~~محمد الحجري عن أبي العباس بن العريف لنفسه يعارض (3) أبيات إسحاق الموصلي ~~(4) التي أولها (5): [الطويل] # وامرة بالبخل قلت لها : اقصري %~% فذلك شيء ما إليه سبيل (6) تعاتبني في الجود ، والجود شيمتي %~% ومالي بتبديل الطباع زعيم (7) [134 / ب] ولم أر مثل الجود ، أما حديثه %~% فحلو ، وأما حبه فقديم PageV01P511 ولا خير فيمن لا يعاش بعيشه %~% ولو أنه فوق السماك مقيم ذريني فإن البخل عار لأهله %~% وما ضر مثلي أن يقال : عديم أرى كل طلق كل خلق حميمه %~% وليس لمقبوض اليدين حميم وكيف يخاف الفقر أو يحرم الغنى %~% كريم ورب العالمين كريم # ومولد شيخنا أبي محمد رزقنا الله بركته عام عشرة وست مئة. ### ||| * [لقاؤه لأبي الحسن بن رزين] # ولقيت بها الأديب الفاضل ، العارف ، الأوحد ، الحسيب ، الناظم ، الناثر ~~أبا الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم بن رزين التجيبي المرسي (1) أمده الله ~~وإياي بتوفيقه. وأعاننا على اقتفاء الحق وسلوك طريقه ، فلقيت منه خيرا ~~فاضلا ، لين الجانب ، وطيء الأخلاق ، مقيدا مفيدا ، له النظم الرائق ، ~~والنثر الفائق ، وأدرك جلة من الأعلام ، وجملة من علماء الإسلام وسمع كثيرا ~~منهم ، وأجازه خلق كثير ، وله في ذلك «فهرسة» جمعها فحسن ونمق ، وأتقن وحقق ~~، كتبت لي من أصله (2)، وقرأتها عليه ، وقرأت عليه أيضا جملة من كتاب ~~«الصلة» لأبي القاسم بن بشكوال. وحدثني بها عن ابن عمته الفقيه الفاضل أبي ~~القاسم بن نبيل ، وعن أبي جعفر أحمد بن يوسف بن فرتون (3) قراءة PageV01P512 # لجميعها عليهما بسندهما فيها ؛ وقرأت عليه حديث زريب (1)، وموعظة داود ~~ابن جهوة ، وقرأهما هو على الرواية المسند أبي الحسين أحمد بن محمد بن أحمد ~~بن السراج الأنصاري. # (2) وأراني بخط ابن الأبار أن جهوة بالتاء هو الصواب. قلت : بالتاء ذكره ~~أبو علي البغدادي وأنشد له : (3) [الطويل] # أقاسي البلى ، لا أستريح إلى غد ms235 %~% فيأتي غد إا بكيت على أمس (4) [سأبكي بدمع أو دم أشتفي به %~% فهل لي عذر إن بكيت على نفسي] (5) # وقال البكري : أنشده ابن الجراح وغيره لداود بن جهوة لم يختلفوا (6) في ~~ذلك (7). |سلام على الدنيا ولذة عيشها||سلام غدو أو رواح على رمسي| |وأنكرت شمس الشيب في ليل لمتي||لعمري لليلي كان أحسن من شمسي| |كأن الصبا والشيب يطمس نوره||عروس أناس مات في ليلة العرس| # والبيت الأول في سمط اللآلي 1 / 328. PageV01P513 # وقرأت عليه «الأمثال الكامنة في القرآن» للحسن بن الفضل ، وقرأها على ابن ~~السراج ، وقرأها ابن السراج على الإمام أبي القاسم بن بشكوال [135 / آ] ، ~~وقيد لي إجازته العامة في رقعة ، قيد في آخرها أبياتا من نظمه عارض (1) بها ~~مثلها مما تسلسل فيها القول والإسناد إلى أبي العلاء المعري ، وأنشدنيها من ~~لفظه ، وهي : (2) [الطويل] # نصيبك من دنياك أيسر بلغة %~% قليل لديها صحة وفراغ (3) فما بالنا نلهو ونغتر بالمنى %~% كأن ليس للأخرى الغداة بلاغ وكيف وقد ولى الشباب ولاح لل %~% مشيب بفودي عارضيك صباغ (4) يساغ لنا نسء الحياة لغاية %~% ولكن خلود المرء ليس يساغ (5) فشمر ، وبادر منك فضل إنابة %~% فحادي المنايا ليس عنه مراغ (6) # ومما (7) قرأت عليه في برنامجه ، قال : أنشدني الشيخ أبو الحسين بن ~~السراج قال : أنشدني القاضي الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أغلب ~~الخولاني (8) لنفسه : (9) [الخفيف] PageV01P514 ونهار بنهر قلعة جابر %~% كان مني لواهن الأنس جابر بطيور كأنها خطباء %~% في غصون كأنهن منابر (1) سترتها الأوراق فهي تغني %~% فسمعنا القيان خلف الستائر (2) أسمعيني يا أم حاء وسين %~% ثم نون كعقرب الصدغ دائر (3) نوبة تبرىء المنوب حتى %~% لو غدا ميتا لأصبح ناشر كيف تدعون قينة الروض أما %~% وهي بكر ، رضيع ثدي الأزاهر (4) # وقرأت عليه لأبي عبد الله القضاعي ، قال : وهو آخر ما أنشدني من شعره : ~~(5) [السريع] # إلام في حل وفي ربط %~% تخبط جهلا أيما خبط دع الورى ، وارج إله الورى %~% فإنه ذو القبض والبسط ليس لما يعطيه من مانع %~% ولا لما يمنع من معط # وقرأت عليه في رسم أبي ms236 محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن برطله (6) PageV01P515 # منها قال [135 / ب] أنشدني أبو عمرو (1) بن عتاب قال : أنشدني أبو الحسن ~~ابن المفضل (2): [الطويل] # أيا نفس بالمأثور عن خير مرسل %~% وأصحابه والتابعين تمسكي عساك إذا بالغت في نشر دينه %~% بما طاب من عرف به أن تمسكي (3) وخافي غدا يوم الحساب جهنما %~% إذا لفحت نيرانها أن تمسك # وقرأت عليه لابن برطله مما قرأه (4) هو عليه : (5) [الطويل] # بأربعة أرجو خلاصي وإنها %~% لأكرم مذخور لدي وأعظم (6) شهادة إخلاصي ، وحبي محمدا %~% وحسن ظنوني ثم أني مسلم # وقيد هذا الاسم : برطله ، بضم اللام وإسكان الهاء. وقال : كذا ثبت (7) ~~عنه ، وقيدت هذا الاسم على شيخنا أبي عبد الله بن صالح (8) بهاء التأنيث. # وقرأت عليه أيضا في رسم أبي عبد الله بن الجلاب مما كتب إليه : (9) ~~[الكامل] PageV01P516 بيني وبين الدهر فيك عتاب %~% سيطول إن لم يمحه الإعتاب يا غائبا بكتابه ولقائه %~% هل يرتجى من غيبتيك إياب (1) لولا التعلل باللقاء تقطعت %~% نفس عليك شعارها الأوصاب (2) # وقرأت عليه للأديب الكاتب أبي عثمان سعد (3) بن عبد الله الأنصاري ~~المعروف بالأكوبي ، قال : أنشدنيه لنفسه في نسوة مر بهن يتباكين على قبور ~~في أيام عيد : (4) [الكامل] # برزوا بأحسن زينة وعرتهم %~% ذكرى من الأهلين والخلان فتهافتت درر الدموع لما رمت %~% من شت شملهم يد الحدثان فآعجب لضدي حالتين تلاقيا %~% زي السرور وعبرة الأحزان # وقرأت عليه : قال : أنشدني الأكوبي ، قال : أنشدني أبو الربيع بن سالم ، ~~قال : أنشدني أبو بكر عتيق بن علي المعروف بالفصيح قال : أنشدني الحسن ابن ~~أبي الفتح بن وزير (5) الواسطي (6) ببغداد قال : أنشدني أحمد بن محمد ~~الواسطي : قال أنشدني صدقة بن الحسين ، قال : أنشدني ابن (7) المندائي (8) ~~، قال : أنشدني أبو محمد الحريري [136 / آ] لنفسه ، وكتب بها إلى صهره أبي PageV01P517 # زيد السروجي (1)، واسمه المطهر ، وكان مدمنا ينهاه عن ذلك : (2) ~~[الطويل] # أبا زيد اعلم أن من شرب الطلى %~% تدنس فاسمع قول واع مهذب (3) ومن قبل سميت المطهر والفتى %~% يصدق بالأفعال تسمية الأب فلا تحسونها ما دعيت مطهرا %~% وإلا فغير ذلك الإسم واشرب (4) # وقرأت ms237 عليه أنشدني الأكوبي ، قال : أنشدني أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن ~~بن المرينة لنفسه : [المتقارب] # إذا كنت في الجود ذا رغبة %~% فلا تنتظر موقف السائل (5) فإن الجواد على رغبة %~% جواد لعمرك كالباخل # وقرأت عليه للأديب الكاتب أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الجذامي ~~القرطبي (6) المعروف بابن العطار. مما أنشده إياه ملغزا في السكين : (7) ~~[الطويل] # أحاجيك ما شيء إذا ما سرقته %~% وفيه نصاب ليس يلزمك القطع PageV01P518 على أن فيه الحد والقطع ثابت %~% ولا حد فيه هكذا حكم الشرع (1) # وملغزا في اللغز : (2) [البسيط] # ما اسم تحار به الأوهام والفكر %~% ويعتري اللسن فيه العي والحصر يستبشر المرء إذ يبدو له فإذا %~% لم يبد يعتاده الوسواس والسهر يغرى به كل نحرير وذي فطن %~% ويفتدي منه من لا عنده النظر (3) هذا هو اللغز قد جليته لكم %~% كما يجلي سواد الحندس القمر # ومولد الفقيه أبى الحسن بن رزين من عام ستة وعشرين إلى عام سبعة وعشرين ~~وست مئة. أخبرني به هكذا على الشك. ### ||| * [لقاؤه لابن زيتون] # ولقيت بها الشيخ الفقيه الحسيب العالم ، الفاضل ، الكامل ، الزكي ، الرضي ~~، مفتي إفريقية ، والمنظور إليه بها ، وقطب أصولها وفروعها ، والمرجوع إليه ~~في أحكامها ، غير مدافع ولا منازع ، أبا القاسم بن أبي بكر اليمني (4) شهر ~~[136 / ب] بابن زيتون ، لقيته ، وسمعت كلامه في بعض المسائل فسمعت كلام ~~ممارس للعلم ؛ طويل الخدمة له ، مدل على الخوض فيه غير هيوب ولا فرق ، وحق ~~ذلك لمن زاوله جمعا وفرقا ، وطلبه غربا وشرقا ، وخدمه من لدن PageV01P519 # شب إلى أن دب ، وأولع (1) به ولوع متيم صب ، يحب لحبه كل منتم إليه ، ~~ويعكف (2) بباطنه وظاهره عليه. # ولم أكثر مجالسته لقلة تفرغه للرواية ، وكثرة شغله بالمسائل ، واستجزته ~~فأجازني وكتب لي بذلك خط يده ، وكان رحل قديما إلى المشرق فلقي به جماعة من ~~أحبار العلماء ، وأخيار الفضلاء ، وسمع منهم وأجازوه ؛ فمنهم الإمام زكي ~~الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري (3) قرأ عليه نحو الربع من «اختصاره ~~لصحيح مسلم» وقدر الثلث من أول «كتاب البخاري» وأجازه. ومنهم شرف الدين ms238 أبو ~~عبد الله محمد (4) بن أبي الفضل السلمي المرسي ، سمع عليه «موطأ» يحيى بن ~~يحيى وكتاب مسلم وأجازه. ومنهم عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام ~~، وسمع عليه «مختصر الرعاية» من تأليفه ، وسمع عليه مواضع من قواعده التي ~~سماها «مصالح الطاعات». # وأجازه رشيد الدين أبو الحسين يحيى بن علي بن عبد الله بن العطار (5)، ~~وصدر الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد PageV01P520 # البكري التميمي (1)، وقرأ عليه بعض كتاب «الجامع» للترمذي ، وأجازه عبد ~~الغني بن سليمان بن بنين (2). وشمس الدين عبد الحميد الخسر نشاهي (3) ودرس ~~عليه علم الأصول. وأبو القاسم عبد الرحيم ابن أبي جعفر سمع عليه كتاب «ما ~~أظهره اللفظ للعيان من بحر اللؤلؤ والمرجان من الأحاديث العوالي والأبيات ~~الحسان» من تأليفه. وأبو يعقوب يوسف بن أبي المعالي بن ظافر الأنصاري ناوله ~~«شعر ابن المفرج (4)» وحدثه به عنه. ### ||| * [لقاؤه لأبي الحسن التجاني] # ولقيت بها الشيخ الأديب ، الحسيب (5)، الكاتب ، البليغ ، ذا الفضائل ~~المذكورة ، والمآثر المآثورة ، شيخ الأدباء ، وأوحد البلغاء ، [137 / آ] ~~وزين الناظمين والشعراء ، أبا الحسن علي بن إبراهيم التجاني (6) التونسي ، له بيت PageV01P521 # عريق في العلم والأدب ، قال لي بمسجد إقرائه : أنا الثاني عشر مدرسا من ~~آبائي على نسق ، كلهم قد قعد للإقراء. وبيتهم بالعلم (1) شهير ، وقل منهم ~~ومن نسائهم من لا يقول الشعر ، وأما أبو الحسن فهو فيه آية الزمان إجادة ~~معنى ، وتنقيح لفظ ، وسرعة بديهة ، وكثيرا ما يمليه ارتجالا فيجود ويتقن. ~~وله مشاركة حسنة في العلم ، ورواية عن الشيوخ ، ورحلة إلى المشرق حج فيها ؛ ~~بالجملة من خواص أهل العلم وآحادهم ؛ جالسته كثيرا ، وسمعت كلامه في الأدب ~~وغيره ، وقرأت عليه «مقامات الحريري» وكان (2) يرد فيها ردا حسنا ، وينقدها ~~نقدا محققا ؛ وذاكرته فيها بمواضع عديدة كنت أتعقبها فأثبت قولي فيها ~~واستحسنه ، وحدثني بها عن الشيخ الفقيه العالم أبي عمرو عثمان بن سفيان (3) ~~التميمي سماعا عن أبي الحسين بن جبير سماعا عن أبي الطاهر الخشوعي عن ~~الحريري ؛ وقرأت عليه «المقامة الدوحية» (4) وحدثني بها عن الخطيب أبي محمد ms239 ~~بن برطله قراءة عن أبي زكرياء يحيى بن حسان القرطبي عن منشئها أبي بكر بن ~~عياض القرطبي (5)؛ وقرأت عليه «رياضة المتعلمين» للإمام الحافظ أبي نعيم ، ~~وحدثني بها عن [الخطيب] (6) ابن برطله المذكور ، قراءة عن أبي الخطاب بن ~~واجب وأبي محمد بن غلبون ، عن أبي عبد الله بن سعادة ، وأبي بكر بن أبي ~~ليلى ، عن القاضي أبي علي الصدفي ، PageV01P522 # عن أبي الفضل محمد بن أحمد الأصبهاني الحداد ، عن الحافظ أبي نعيم ، ~~وقرأت عليه قصيدة الشيخ الحافظ أبي عبد الله القضاعي التي امتدح بها الأمير ~~أبا زكرياء يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص (1)، وهي مشهورة ، أولها : (2) ~~[البسيط] # أدرك بخيلك خيل الله أندلسا %~% إن السبيل إلى منجاتها درسا # وحدثني بها سماعا عنه ، وسمعت (3) عليه قصيدة الشيخ الأديب الأوحد ، ~~الفاضل ، أبي الحسن حازم بن محمد بن حازم الأندلسي القرطاجني ، (4) [137 / ~~ب] وهي المقلوبة من قصيدة امرىء القيس في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ~~أجاد فيها وأبدع ما شاء الله ؛ ورام منها المرام الصعب فطاوع (5) الإنشاء ، ~~وهي مما ينبغي أن يقيد ولا يهمل ، فلذلك رأيت إثباتها في هذا الموضع ~~مستخيرا الله سبحانه ، وقد حدثني بها عن منشئها المذكور وهي (6): [لطويل] PageV01P523 ### ||| * [قصيدة حديقة الأزهار للقرطاجني] لعينيك قل : إن زرت أفضل مرسل %~% قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وفي طيبة فانزل ، ولا تغش منزلا %~% بسقط اللوى بين الدخول فحومل وزر روضة قد طالما طاب نشرها %~% لما نسجتها من جنوب وشمأل وأثوابك اخلع محرما ومصدقا %~% لدى الستر إلا لبسة المتفضل 5 لدى كعبة كم فاض دمعي لبعدها %~% على النحر حتى بل دمعي محملي (1) فيا حادي الآمال سر بي ولا تقل %~% عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل (2) فقد حلفت نفسي بذاك وأقسمت %~% علي وآلت حلفة لم تحلل فقلت لها : لا شك أني طائع %~% وأنك مهما تأمري القلب يفعل وكم حملت في أظهر العزم رحلها %~% فيا عجبا من رحلها المتحمل (3) 10 وعاتبت العجز الذي عاق عزمها %~% فقالت : لك الويلات إنك مرجلي نبي هدى قد قال للكفر نوره : %~% ألا ms240 أيها الليل الطويل ألا انجل تلا سورا ، ما قولها بمعارض %~% إذا هي نصته ولا بمعطل (4) لقد نزلت في الأرض منة هديه %~% نزول اليماني ذي العياب المخول (5) PageV01P524 أتت مغربا من مشرق ، وتعرضت %~% تعرض أثناء الوشاح المفصل 15 ففازت بلاد الشرق من زينة بها %~% بشق ، وشق عندنا لم يحول فصلى عليه الله ما لاح بارق %~% كلمع اليدين في حبي مكلل (1) نبي غزا الأعداء بين تهائم %~% وبين أكام ، بعد ما متأمل (2) فكم ملك وافاه في زي منجد %~% بمنجرد قيد الأوابد هيكل وكم من يمان رامح جاءه اكتسى %~% بضاف فويق الأرض ليس بأعزل (3) [138 / آ] 20 ومن أبطحي نيط منه نجاده %~% بجيد معم في العشيرة مخول (4) أزلوا ببدر عن سروجهم العدا %~% كما زلت الصفواء بالمتنزل (5) ونادوا ظباهم : لا يفتك فتى ، ولا %~% كبير أناس في بجاد مزمل (6) وفضي جموعا قد غدا جامعا لهم %~% بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل (7) وأحموا وطيسا في حنين كأنه %~% إذا جاش فيه حميه غلي مرجل 25 ونادوا بنات النبع : بالنصر أثمري %~% ولا تبعدينا من جناك المعلل (8) PageV01P525 وممن له سددت سهمين ، فاضربي %~% بسهميك في أعشار قلب مقتل فما أغنت الأبدان درع بها اكتست %~% ترائبها مصقولة كالسجنجل وأضحت لواليها ومالكها العدا %~% يقولون لا تهلك أسى ، وتجمل وقد فر منصاع ، كما فر خاضب %~% لدى سمرات الحي ناقف حنظل (1) 30 وكم قال : يا ليل الوغى طلت فانبلج %~% بصبح وما الإصباح فيك بأمثل فليت جوادي لم يسر بي إلى الوغى %~% وبات بعيني قائما غير مرسل وكم مرتق أوطاس منهم بمسرج %~% متى ما ترق العين فيه تسهل وقرطه خرصا ، كمصباح مسرج %~% أهان السليط في الذبال المفتل (2) فيرنو لهاد فوق هاديه طرفه %~% بناظرة من وحش وجرة مطفل (3) 35 ويسمع من كافورتين بجانبي %~% أثيث كقنو النخلة المتعثكل (4) ترفع أن يعزى له شد شادن %~% وإرخاء سرحان ، وتقريب تتفل (5) ولكنه يمضي كما مر مزبد %~% يكب على الأذقان دوح الكنهبل (6) ويغشى العدا كالسهم ، أو كالشهاب ، أو %~% كجلمود صخر حطه السيل من عل PageV01P526 جياد أعادت رسم رستم دارسا %~% وهل عند رسم دارس ms241 من معول 40 وريعت بها خيل القياصر ، فاختفت %~% جواحرها في صرة لم تزيل (1) سبت عربا من نسوة العرب تستبي %~% إذا ما اسبكرت بين درع ومجول (2) وكم من سبايا الفرس والصفر أسهرت %~% نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل (3) [138 / ب] وحزن بدورا من ليالي شعورها %~% تضل المدارى في مثنى ومرسل (4) وأبقت بأرض الشام هاما كأنها %~% بأرجائها القصوى أنابيش عنصل (5) 45 وما جف من حب القلوب بغورها %~% وقيعانها كأنه حب فلفل وكم جبن من غبراء لم يسق نبتها %~% دراكا ولم ينضح بماء فيغسل (6) لخضراء ما دبت ولا نبتت بها %~% أساريع ظبي أو مساويك إسحل (7) شدا طيرها في مثمر ذي أرومة %~% وساق كأنبوب السقي المذلل (8) فشدت بروض ليس يذبل بعدها %~% بكل مغار الفتل شدت بيذبل (9) 50 وكم هجرت في القيظ تحكي دوارعا %~% عذارى دوار في الملاء المذيل (10) PageV01P527 وكم أدلجت والقر يهفو هزيزه %~% ويلوي بأثواب العنيف المثقل (1) وخضن سيولا فضن بالبيد بعد ما %~% أثرن غبارا بالكديد المركل (2) وكم ركزوا رمحا بدعص كأنه %~% من السيل والغثاء فلكة مغزل (3) فلم تبق حصنا خوف حصنهم العدا %~% ولا أطما إلا مشيدا بجندل (4) 55 فهدت بقضب شلن بعد إمالة %~% بأمراس كتان إلى صم جندل (5) وجيش بأقصى الأرض ألقى جرانه %~% وأردف أعجازا ، وناء بكلكل يدك الصفا دكا ، ولو مر بعضه %~% وأيسره على الستار فيذبل (6) دعا النصر والتأييد رايته اسحبي %~% على أثرينا ذيل مرط مرجل (7) لواء منير النصل سام كأنه %~% منارة ممسى راهب متبتل (8) 60 كأن دم الأعداء في عذباته %~% عصارة حناء بشيب مرجل (9) PageV01P528 صحاب فروا هام العداة وكم قروا %~% صفيف شواء أو قديد معجل (1) وكم أكثروا ما طاب من لحم جفنة %~% وشحم كهداب الدمقس المفتل (2) حكى طيب ذكراهم ، ومركفاحهم %~% مداك عروس ، أو صراية حنظل (3) لأمداح خير الخلق قلبي قد صبا %~% وليس صباي عن هواها بمنسل (4) 65 ولم يثنني عن وصفها خود انثنت %~% علي هضيم الكشح ريا المخلخل فدع من لأيام صلحن له صبا %~% ولا سيما يوم بدارة جلجل (5) [139 / آ] وأصبح عن أم الحويرث ماسلا %~% وجارتها أم الرباب بمأسل وكن ms242 في مديح المصطفى كمدبج %~% يقلب كفيه بخيط موصل وأمل بها الأخرى ، ودنياك دع فقد %~% تمتعت من لهو بها غير معجل 70 وكن كمنيب ، للفؤاد مؤنب %~% نصيح على تعذاله غير مؤتل (6) ينادي : إلهي إن ذنبي قد عدا %~% علي بأنواع الهموم ليبتلي فكن لي مجيرا من شياطين شهوة %~% علي حراص لو يشرون مقتلي (7) وينشد دنياه إذا ما تدللت %~% أفاطم مهلا بعض هذا التدلل PageV01P529 فإن تصلي حبلي بخير وصلته %~% وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي (1) 75 وأحسن بقطع الحبل منك وبته! %~% فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (2) أيا سامعي مدح الرسول تنشقوا %~% نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل وروضة حمد للنبي محمد %~% غذاها نمير الماء غير المحلل ويا من أبى الإصغاء ما أنت مهتد %~% وما إن أرى عنك العماية تنجلي (3) فلو مطفلا أنشدته لفظها ارعوت %~% فألهيتها عن ذي تمائم مغيل (4) 80 ولو سمعته عصم طود أمالها %~% فأنزل منه العصم من كل منزل (5) # وأنشدني (6) حفظه الله لنفسه : [الطويل] # قفوا سلموا هذا ضريح محمد .... (البيتين) # وقد مضى ذكرهما (7) وأنشدني أيضا لنفسه [السريع] # حدثني أبخر أضحى بما %~% أهدى إلى الآذان آذاني كأنما في فمه جيفة %~% أو شعرة من لحية الداني PageV01P530 # وأنشدني أيضا لنفسه : [السريع] # يا من إذا أودع سرا فلا %~% دين له عن نشره يردعه كالبوق إن أودع فيه فم %~% ألطف ريح ذاع مستودعه # وأنشدني في الدينار ولم يسم قائله ، وذلك عند [139 / ب] قراءتي عليه قول ~~أبي محمد الحريري : (1) [الرجز] # أصفر ذي وجهين كالمنافق # يهيم الناس بالدينار حبا %~% وما فيهم سوى من يصطفيه (2) فذو الوجهين عندهم وجيه %~% وذاك نقيض ما قد صح فيه # يعني قوله صلى الله عليه وسلم «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها» # (3). وأنشدني في ضده (4): [الوافر] # صديق المرء كالدينار طبعا %~% وكيف يخالف المرء الطباعا تراه ما أقام يقيم جاها %~% وإن فارقته أجدى انتفاعا # قلت : وهذا أثبت في وصف الدينار من قول بعضهم أنشده الحاتمي (5) في أبيات ~~المعاني (6): [الوافر] PageV01P531 ومعشوق يرقص كل يوم %~% ترى في وجهه أبدا كلاما إذا فارقته أجداك نفعا %~% ولا يجدي ms243 عليك إذا أقاما # ومن هذا أخذ الحريري قوله (1): [الرجز] # وشر ما فيه من الخلائق %~% أن ليس يغني عنك في المضائق |إلا إذا فر فرار الآبق| # وأنشدني للإمام أبي الطاهر السلفي رضياللهعنه : [السريع] # رب كتاب لي قابلته %~% وقلت في نفسي صححته حتى إذا عاودته مرة %~% وجدت تحريفا فأصلحته # وأنشدني لامرأة من أهل بيته ولم يسمها ملغزة في اسم تميم : (2) [الطويل] # يقولون لي : هذا حبيبك ما اسمه %~% فما اسطعت إفشاء وما اسطعت أكتم فقلت : اسمه ميم وحرف مقدم %~% فهذا اسم من أهوى فديتكم افهموا PageV01P532 # وأنشدني لها أيضا في صفة شعر (1): [140 / آ] [الطويل] # إذا انسدلت منه عليها ذؤابة %~% كغصن أراك عانق الغصن أرقم (2) أثيث طويل فهو يستر جسمها %~% إذا نزعت عنه الملابس أسحم (3) كأن الصباح ارتاع من خوف طالب %~% بثأر فأضحى بالدجا يتكتم (4) # وأنشدني أيضا ، وأظنه لنفسه (5): [الوافر] # رغيف أبي علي حل خوفا %~% من الأضياف منزلة السماك إذا كسروا رغيف أبي علي %~% بكى ، يبكي ، بكاء فهو باك # وأنشدني أخوه الفقيه أبو حفص عمر بن إبراهيم التجاني (6) لنفسه : ~~[السريع] # سرك إن أعلمته ثانيا %~% فاعلم بأن قد آن أن تفشيه لأن ما أضمر في حالة ال %~% إفراد تستخرجه التثنيه PageV01P533 # قلت : وهذا استدلال (1) بالتمثيل نحوي مليح ، مناسب جدا ، يدل على طبع ~~فاضل ، ومقول فاصل ؛ وأنشدني للفقيه أبي المطرف (2) ابن عميرة رحمه الله (3) ~~: [الخفيف] # بايعونا مودة هي عندي %~% كالمصراة بيعها بالخداع فسأقضي بردها ثم أقضي %~% معها من ندامتي ألف صاع # وأنشدني له أيضا : (4) [الطويل] # شرطت عليهم عند تسليم مهجتي %~% وعند انعقاد البيع قربا يواصل فلما أردت الأخذ بالشرط أعرضوا %~% وقالوا : يصح البيع والشرط باطل (5) ### ||| * [لقاؤه للقسي] # ولقيت بها الفقيه الأفضل (6) أبا عبد الله محمد بن أبي القاسم الأزدي ~~ويعرف بالقسي (7) بضم القاف. وهو رجل ، فاضل ، وقور ، ذو سمت [140 / ب] ~~وهيئة ، من عدول البلد ؛ رحل إلى المشرق ، فلقي الناس ، وأخذ عنهم ؛ |وقالوا بعت نفسك لا بشيء||ويفسخ بيع مغبون بجهل| |فقلت : أنا أديب لا فقيه||ونقض العهد عندي شر فعل| PageV01P534 # قرأت عليه جزءا في «فضيلة من ms244 اسمه محمد وأحمد» تخريج الشيخ الحافظ أبي ~~عبد الله الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير النجار ، وحدثني به (1) عن ~~وجيه الدين منصور بن سليم الإسكنداراني عرف بابن العمادية ، سماعا عليه ~~بالإسكندرية ، عن أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد (2) الصفراوي ، ~~سماعا وقراءة عن أبي الفداء إسماعيل بن علي الموصلي ، عن أبي عبد الله محمد ~~بن بركة الصلحي ، عن أبي الحسن علي بن أحمد الدهان ، عن الشريف أبي الحسن ~~محمد بن أحمد بن المهتدي ، عن ابن بكير (3) مصنفه ، وهذا الجزء جزء (4) ~~لطيف ، رأيت أن أذكر هنا أحاديثه مختصرة الأسانيد ليخف حفظها ، وعلى أنها ~~مضعفة فقد قال الحافظ أبو عمر بن البر : إنهم كانوا يتساهلون في أحاديث ~~الفضائل فيروونها عن كل قوي وضعيف. # وأول الأحاديث عن أنس ابن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«يوقف عبدان بين يدي الله عز وجل فيأمر بهما إلى الجنة ، فيقولان : ربنا وبم ~~استأهلنا الجنة ولم نعمل عملا نجازى به الجنة؟ فيقول الله لهما : عبدي ~~ادخلا الجنة ، فإني اليت على نفسي ألا يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد» (5). # وعن أبي أمامة الباهلي قال الرسول صلى الله عليه وسلم : «من ولد له مولود ~~فسماه محمدا حبا لي وتبركا باسمي كان هو ومولوده في الجنة» (6). PageV01P535 # وعن ابن عباس وواثلة بن الأسقع (1): «من ولد له ثلاثة أولاد ولم يسم ~~أحدهم محمدا فقد جهل (2)» وفي رواية «فقد جفاني». # وعن علي بن أبي طالب رضياللهعنه ، قال عليه الصلاة والسلام : «ما اجتمع ~~قوم في مشورة معهم رجل اسمه محمد ، فلم يدخلوه في مشورتهم إلا لم يبارك ~~لهم» (3). # وفي رواية عنه : «ما من قوم كانت لهم مشورة ، فحضر معهم من اسمه أحمد أو ~~محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم (4)». # وعن أنس بن مالك قال : «تسمونهم [141 / آ] محمدا ثم تسبونهم؟» (5). # وعن علي عنه عليه السلام : «ما من مائدة وضعت ، وحضر عليها من اسمه أحمد ~~أو محمد إلا قدس الله ذلك المنزل في كل يوم مرتين» (6). PageV01P536 # وعن جعفر ms245 بن محمد عن أبيه عن جده مرسلا قال : «إذا سميتم محمدا فعظموه ، ~~ووقروه وبجلوه ، ولا تذلوه ، ولا تحقروه ، ولا تجبهوه (1) تعظيما لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم » (2). # وعن الحسن البصري (3) موقوفا قال : «إن الله عز وجل ليوقف عبدا (4) بين ~~يديه يوم القيامة اسمه أحمد أو محمد ، قال : فيقول الله تعالى : محمد عبدي ~~أما استحييت مني تعصيني واسمك باسم حبيبي محمد ، فينكس العبد رأسه ثم يقول ~~: اللهم إني فعلت ، فيقول الله : يا جبريل ، خذ بيد عبدي فأدخله الجنة ، ~~فإني استحيي أن أعذب بالنار من اسمه على اسم حبيبي محمد.» (5) # وعن علي رضياللهعنه عن النبي عليه السلام : «إذا سميتم الولد محمدا ~~فأكرموه وأوسعوا له في المجلس ، ولا تقبحوا له وجها» (6). # وعن ابن عباس عنه : «ما من أهل بيت منهم من اسمه محمد إلا لم يزالوا في ~~البركة في كل يوم وليلة» (7) # وعن أبي هريرة عنه قال : «لا يدخل الفقر بيتا فيه اسمي (8)». PageV01P537 # وعن علي رضياللهعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : «ما من أهل بيت فيهم اسم ~~نبي ، إلا بعث الله إليهم ملكا يقدسهم بالغداة والعشي» (1). # وعن عائشه رضياللهعنها عن النبي صلى الله عليه وسلم : «ما أكل طعام قط من ~~حلال ، عليه رجل اسمه اسمي إلا يضاعف الله في طعامهم» (2). # وعن أبي سعيد عنه عليه السلام : «من ولد له مولود فليحسن اسمه وأدبه ، فإذا ~~بلغ فليزوجه ، فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثما باء بإثمه» (3). # انتهت أحاديث الجزء المذكور ، وفي معناها ما أخبرني به الشيخ المسند ~~المعمر ، أبو محمد بن هارون ، عن أبي القاسم بن الطيلسان عن أبي جعفر بن ~~عبد المجيد ، عن أبي القاسم بن بشكوال عن أبي عمران بن أبي تليد ، عن أبي ~~عمر بن عبد البر ، عن عبد الوارث بن سفيان ، عن قاسم بن أصبغ ، عن عبد الله ~~بن أبي مسرة ، عن مطرف [141 / ب] بن عبد الله عن ابن أبي مليكة عن ابن جريج ~~يرفعه ، قال : «من كان له ذو بطن فأجمع أن يسميه محمدا ، رزقه الله غلاما ، ~~وما كان ms246 اسم محمد في بيت إلا جعل الله في ذلك البيت البركة» (4). # وبه إلى ابن أبي مسرة قال : حدثني ابن أبي قدامة العمري عن أبيه ، يرفع ~~الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : «ما ضر أحدكم أن يكون في بيته ~~محمد ومحمدان وثلاثة» (5). PageV01P538 ### ||| * [لقاؤه لجابر الوادي آشي] # ولقيت بها الشيخ ، الفقيه ، الحاج ، المبارك ، الأفضل ، معين الدين أبا ~~محمد جابر بن محمد بن القاسم بن حسان الوادي آشي (1)، وكان من التجار في ~~القيسارية. (2) رحل إلى المشرق قديما فلقي به الإمام علم الدين السخاوي ، ~~وسمع منه وأجازه ، وقرأ عليه قصيدتي الشيخ الإمام أبي القاسم الشاطبي في ~~القراءات ، وفي المرسوم ، وحدثه بهما عنه وقد قرأت عليه بعض الأولى ، وجميع ~~الثانية ، وأصله يمسك عليه ، وحدثني بهما معا عن السخاوي عن ناظمهما (3) ~~المذكور ، وأجازني إجازة عامة ، وكتب لي بذلك خط يده ، وقرأت عليه أرجوزة ~~السخاوي في المتشابه من ألفاظ القرآن ، وحدثني بها عنه قراءة ، وهي في ~~أوراق بديعة محكمة ، وأرى أن أثبت منها ها هنا دررا ، وأولها : [الرجز] # قال السخاوي علي ناظما %~% كان له الله الرحيم راحما الحمد لله الحميد الصمد %~% منزل الذكر على محمد فيه هدى للمهتدي ونور %~% وحكمة تشفى بها الصدور (4) # ثم مر في مقدمة الأرجوزة إلى أن قال : PageV01P539 وقد نظمت في اشتباه الكلم %~% أرجوزة كاللؤلؤ المنتظم لقبتها هداية المرتاب %~% وغاية الحفاظ والطلاب أودعتها مواضعا تخفى على %~% تالي الكتاب وتريح من تلا رتبتها على حروف المعجم %~% فأفصحت عن كل أمر مبهم [142 / آ] فإن أردت علم لفظ مشكل %~% فانظر إلى الحرف الذي في الأول فإنه باب من الأبواب %~% وفيه ما رمت بلا آرتياب (1) ولا تعد أولا مزيدا %~% إلا إذا كان هو المقصودا # ثم أتم المقدمة وابتدأ حرف الهمزة فقال : # واقرأ ( فأنزلنا ) باي البقره %~% ( على الذين ظلموا ) محبره (2) لكن ( فأرسلنا عليهم ) (3) جاء في %~% سورة الآعراف يقينا فآعرف وآخر الآية ( يفسقون ) %~% فيها ، وفي الأعراف ( يظلمون ) (4) وجاء ( إبليس أبى واستكبر ) (5) %~% فيها ، وفي (صاد) أبى ما ذكرا (6) PageV01P540 ومع ( وما أنزل ) قل ( إلينا ) (1) %~% وآل عمران بها ( علينا ) (2) # ثم ms247 مر على الحروف واحدا واحدا إلى آخرها ، فقال في حرف الياء : # واقرأ ( ولا يؤخذ منها عدل ) %~% من بعد ( لا يقبل منها ) واتل (3) وقبل : ( لا تنفعها شفاعة ) (4) %~% هذا على قراءة الجماعه إلا على قراءة المكي %~% فإنه بالتاء ، والبصري (5) ( يذبحون ) (6) مفرد في البقره %~% وزد بإبراهيم واوا مظهره (7) واقرأه في الأعراف ( يقتلون ) 8) %~% وأفت إن جاؤوك يسألون # ثم أتم الحروف (9) فقال : # قرأ نافع ( يقتلون ) بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد. انظر حجة ~~القراءات 294. PageV01P541 وقد تقضت كلمات المشتبه %~% فاشكر لنظمي قائلا جاءك به (1) لا أدعي أني حصرت المشكلا %~% لكنها معينة لمن تلا (2) وخمسة من بعد عشرين العدد %~% مع أربع من المئين لم تزد (3) والحمد لله على آلائه %~% حمدا يباري الدهر في بقائه (4) وصلوات ربنا العظيم %~% على النبي الطاهر الكريم ويرحم الله امرأ دعا لي %~% برحمة منه وحسن حال # وقرأت على الشيخ أبي محمد أحاديث من أحاديث المعمرين [142 / ب] قال : أنا ~~محمد بن عبد الباقي المقرىء بمدينة سنجار (5) سنة أربعين وست مئة ، قال : ~~أنا قاضي القضاة أبو علي الحسن بن إسماعيل الخوي ، قال : أنا الإمام سعد بن ~~أسعد الجيراني ، قال : أخبرني أبو المحاسن عبد العزيز بن علي بن يحيى ، قال ~~: أخبرني والدي أبو الحسن علي بن يحيى ، قال : نا الشيخ الزاهد أبو علي ~~الحسن بن خارجة المرندي (6)، قال : سمعت يسرا خادم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمصر ، وكان موضوعا بين قطن مندوف وقد بلغ PageV01P542 # من العمر ثلاث مئة وستين سنة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «طوبى لمن رآني ، أو رأى من رآني ، أو ~~رأى من رأى من رآني» (1). # وبهذا الإسناد عنه عليه السلام أنه قال : «الدنيا ملعون ما فيها ، خلا ذكر ~~الله ، ومن أوى إلى ذكر الله تعالى» (2). # وبه أنه قال : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (3). # وبه أنه قال : «من أفتى الناس بغير علم لعنته الملائكة في السماء والأرض» (4). ### ||| * [لقاؤه لابن السكان] # وممن لقيه بها (5) فسرني لقاؤه ؛ وواليته في ذات الله فنفعني ولاؤه ms248 ، ~~وحاضرته فأعجبني فهمه (6) وذكاؤه ، وصحبته فبهرني فضله وحياؤه ، (7) وكرمه ~~وسخاؤه ، وتواضعه ورجاؤه ، صاحبنا في الله وولينا وصديقنا في PageV01P543 # طاعته وصفينا أبو العباس أحمد بن محمد بن ميمون الأشعري المالقي ، (1) ~~يعرف بابن السكان. لقيته (2) مجريا إلى غاية من كمل ، ومبرزا في حلبة العلم ~~والعمل ، عذبت أخلاقه وفاضت زلالا ، واستقامت أحواله كالبان اعتدالا ، ~~وفاضت أنامله كالمزن انهمالا (3)، أدرك مزايا الشيوخ على فتاء سنه ، فما ~~يتكلم (4) في علم إلا قلت : هذا معظم فنه ؛ قد ألف الانقباض فما يبسط ~~[إلايده] (5)، وصحب قصر الأمل فما يؤمل غده : [الطويل] # مقل من الأموال إذ لا يضمها %~% ولكنه من كل مأثوره مثر سري ، غني النفس ، ما تستفزه %~% زخارف دنياه بقل ولا كثر (6) # [143 / آ] وله اعتناء بتصحيح الرواية ، وإغياء في تنقيح الدراية ؛ سمع من ~~الشيوخ واستجازهم واستجيزوا له ، فاتسعت لذلك روايته ؛ وله مجموعات (7) ~~تشوق ، ومؤلفات تعجب وتروق ؛ منها كتاب في «إكمال التذييل» (8) لأبي بكر بن ~~فتحون (9) على كتاب «الاستيعاب» (10) للحافظ أبي PageV01P544 # عمر عبد البر قد اعتنى به اعتناء تاما ، وهو إلى الآن لم يكمل ، ومنها ~~كتاب وسمه ب «الاطلاع على ما يلزم في رفع الأيدي في الصلاة من الاتباع» ~~ومنها «برنامج» جمعه لشيخه الفقيه ، العالم ، الأكمل ، الفاضل ، الصالح ، ~~الأديب ، الأوحد أبي بكر محمد بن الحسن بن يوسف بن حبيش بفتح الحاء ، في ~~أسماء (1) شيوخه وقرأه عليه ، فكتب عليه ابن حبيش رحمه الله ما رأيت أن ~~أقيده هنا بنصه لبراعته ودلالته على فضيلة القارىء والمقروء عليه. # وكان هذا الرجل رحمه الله آية الزمان في التواضع ، وطلب الخمول ، وإفراط ~~الانقباض ، مع براعته في فنون العلم ، وإجادته في النظم والنثر ، واتساع ~~روايته ؛ فحدثني عنه صاحبنا وولينا في الله أبو عبد الله بن هريرة أنه كان ~~إذا عرف موضعه ، انتقل عنه إلى موضع آخر لا يعرف به. وأراني تخميساته ~~الثلاثة لقصيدة الشقراطسي. وقد كتبها صاحبنا أبو عبد الله بخطه ، وقرأها ~~عليه ، وكتب عليها قراءته إياها عليه ، وخططه في ذكره بما ينبغي ، ثم دفعها ~~إليه ليكتب له عليها ، قال لي : فأدخلها إلى الدار ms249 (2) وقال لي : لا ~~تستبطئني ، ثم (3) خرج وقد (4) بشر كل ما خططته به ، ومد اسمه في ذلك ~~المبشور ، وكذلك بشر كل ما خططت به والده إلا : الشيخ الكاتب ، فإنه ~~أبقاهما وقال لي : نعم كان شيخا مسنا وكان يكتب ، وأراني صاحبنا أبو عبد ~~الله هذا البشر ، وخط ابن حبيش عليه ، وهذا نهاية ما يكون من التواضع وترك ~~التظاهر. وأغرب من هذا ما كتبه لصاحبنا أبي العباس المذكور على ما جمع له ~~من أسماء شيوخه ، PageV01P545 # ومن خط [143 / ب] ابن حبيش نقلته ونصه (1): «الحمد لله (2)، أحسن هذا ~~الفاضل فيما صنع ، أحسن الله إليه ، وبالغ فيما جمع بلغ الله (3) به أشرف ~~المراتب لديه غير أني أقول واحدة ، ما سريرتي لها جاحدة (4)، وأصرح بمقال ~~لا يسعني كتمه بحال : والله ما أنا للإجازة بأهل ، ولا مرامها (5) لدي بسهل ~~، إذ من شرط المجيز أن يعد فيمن كمل ، ويعد العلم والعمل ، اللهم غفرا ، ~~كيف ينيل من عدم وفرا؟ أو يجيز من أصبح صدره من المعارف قفرا ، وصحيفته من ~~الصالحات صفرا؟ وكيف يرتسم في ديوان الجلة من يتسم بالأفعال المخلة؟ ومتى ~~يقترن الشبه (6) بالإبريز ، (7) أو يوصف السكيت بالتبريز؟ ومن ضعف النهى ~~محاسنة (8) الأقمار بالسها ، ومن أعظم التوبيخ تشييخ (9) من لا يصلح ~~للتشييخ ؛ وإن هذا المجموع ليروق ويعجب ، لكنه جمع لمن لا يستوجب ؛ وإن ~~القراءة قد تحصلت ، ولكن القواعد ما تأصلت ، وإن القارىء علم ، ولكن ~~المقروء عليه عدم ؛ وقد شكرت لهذا السري ما جلب ، وكتبت له مسعفا بما طلب ، ~~وقرنت إلى دره هذا المخشلب (10)، وقلت وحليي عطل ، PageV01P546 # ونطقي خطل : «مكره أخوك لا بطل» (1) والله ينفع بما أخلص له من الاعتقاد ~~، ويسمح للبهرج عند الانتقاد ؛ وكتب (2) العبد المذنب المستغفر محمد بن ~~الحسن ابن يوسف بن حبيش حامدا الله تعالى ومصليا على نبيه الكريم المصطفى ، ~~وعلى آله أعلام الطهارة والهدى ومسلما تسليما» (3). # وقرأت على صاحبنا أبي العباس المذكور قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهي طويلة تزيد على ثلاث مئة وعشرين بيتا ، رام فيها إيعاب (4) ما نقل من ~~معجزاته صلى ms250 الله عليه وسلم ، ووسمها ب «خلاصة الصفا في (5) خصائص المصطفى» ~~وهي مهذبة منقحة [144 / آ] لا حشو فيها البتة ، ومطلعها : [الطويل] # لأحمد خير الخلق أهدي تحيتي %~% محمد الآتي بحكم وحكمة مدحت رسول الله والمدح دونه %~% ولو ملأ المداح كل صحيفة [ولو كان كالبحر المحيط مداده %~% وكالشجر الأقلام ما قط جفت يمد مدى الدنيا بسبعة أبحر %~% لما بلغت من مدحه عشر حبة (6) كفاه ثناء الله في الفتح والضحى %~% وتكريره إياه في غير سورة] (7) PageV01P547 فماذا يقول العالمون وربهم %~% كساه من الأمداح أسبغ حلة . ولكن في جهد المقل لنفسه %~% رجاء ، وحسن الظن بيت القصيدة (1) # وكتب على ظهر الجزء من نظمه : [البسيط] # تقرب الناس للمولى بجهدهم %~% من مدح من ساد كل الخلق في الأزل أموا الجناب بأمداح ومعذرة %~% وحمت حول الحمى في غاية الخجل ثم اطلعت على تقصير مطنبهم %~% فالعجز عن مبدأ الإدراك من عمل # وأنشدني حفظه الله لنفسه : [الكامل] # من كان يرجو الخلق في حاجاته %~% خاب الذي يرجو وخاب المرتجي فاقصد إله الخلق إما حاجة %~% عرضت فباب الله ليس بمرتج (2) # وأنشدني لنفسه أيضا : [البسيط] # أزكى الخليقة خلقا عند خالقهم %~% ذو حرفة عن سؤال الناس تغنيه (3) وخير ما اتصف المرء التقي به %~% في دهره تركه ما ليس يعنيه (4) # وأنشدني لنفسه أيضا : [مخلع البسيط] PageV01P548 تركي للذنب دون شك %~% أكد من فعلي الرغائب (1) فميل نفسي لعكس هذا الن %~% نظام من أعجب العجائب # وأنشدني لنفسه أيضا : [المتقارب] # أيا خالق الخلق لي مطلب %~% وما لي سبيل لأسبابه غذاء حلال بلا منة %~% وثوب وبيت لأثوي به وجودك أملت يا خالقي %~% فقد جئت للبيت من بابه (2) # وأنشدني لنفسه أيضا : (3) [144 / ب] [الطويل] # يقولون لي : إن الشهادة مكسب %~% ولم تشتغل يوما بصرف المنى لها (4) فقلت لهم : [لي] في الشهادة مذهب %~% أنا في سبيل الله أرجو منالها (5) ### ||| * [لقاؤه لأبي يعقوب الجذامي] # ولقيت بها الشيخ [العالم] (6) الصالح ، الفقيه ، الفاضل ، أبا يعقوب يوسف ~~بن إبراهيم بن أحمد بن عقاب الجذامي (7)، فسمعت عليه أحاديث من «الموطأ» ~~ومن «جامع البخاري» ومن «سنن الدارقطني» وناولني جميعها PageV01P549 # وحدثني ms251 بها كلها عن الشيخ الفقيه القاضي المحدث أبي الحسن علي بن عبد ~~الله بن محمد بن يوسف الأنصاري (1)، وهو ابن قطرال ، فأما «الموطأ» فقرأ ~~عليه صدرا منه وسمع سائره وسمع عليه بعض «كتاب البخاري» وبعض «سنن ~~الدارقطني» وأجازه سائرها ، وحدثه (2) بها ثلاثتها بأسانيده فيها ، وهو ~~يحمل «البخاري» عن أبي محمد بن بونة عن أبي بحر الأسدي عن العذري عن أبي ذر ~~الهروي ، ويحمل «السنن» عنه عن أبي علي الصدفي عن أبي الفضل بن خيرون ، ~~وحدثني «بالأحكام الكبرى» (3) سماعا لبعضها عليه ، ومناولة عن أبي الحسن ~~سهل بن مالك (4) عن مؤلفها ، وأجازني إجازة عامة وكتب لي بها خط يده ، ~~وسألته عن مولده فأخبرني أنه في سنة أربع عشر وست مئة. ### ||| * [لقاؤه لابن هارون] # ولقيت بها ثانية الشيخ الفاضل أبا محمد بن هارون (5)، فأكثرت مجالسته ~~والتردد إليه وقرأت عليه ، «برنامجه في أسماء شيوخه» ، وقرأت عليه PageV01P550 # جملة أحاديث منثورة. وقرأت عليه «برنامج» جده لأمه الشيخ الفقيه المقرىء ~~(1) الجليل أبي جعفر أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلصة الحميري ، و «برنامج» ~~القاضي الأوحد أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي ، وكلاهما تخريج ابن ~~الطيلسان ، وتأليفه. وحدثني بهما معا عن ابن الطيلسان قراءة منه عليه ~~وعنهما إجازة. وقرأت عليه كتاب «الوعد والإنجاز» (2) لابن الطيلسان ، ~~وحدثني به عنه ، وهو جزء جمع فيه أحاديث لمن سأله جمعها ليرويها عنه ، ~~وقرأت عليه «التسبيح الموجز» للفقيه [145 / آ] الخطيب ، العالم ، أبي الحسن ~~سهل بن مالك ، وحدثني به عنه. وقرأت عليه «درر السمط في خبر السبط» (3) ~~لأبي عبد الله القضاعي ، وحدثني به عنه سماعا وقراءة ، وهو جزء وضعه في ~~مقتل الحسين رضياللهعنه ، نحا فيه نحو طريقة أبي الفرج بن الجوزي (4)، ~~وكنت أتكلم معه في تعقب بعض مواضع منه فيعجبه قولي فيها. وأنشدني أبياتا من ~~شعره ، ومن شعر غيره ، وسمعت منه وقرأت عليه أشياء غير واحدة فمن ذلك قوله ~~(5): ... # ومن ذلك ما أنشدني لشيخه القاضي أبي القاسم بن بقي : (6) [السريع] # ما ميلق العالم إلا الذي %~% يخبره العالم في الميلق (7) ذاك الذي يكشف ms252 أسرارهم %~% فيفضح الفاجر والمتقي (8) PageV01P551 # وله أيضا : [الطويل] # كرامة من لا يعلم الغيب إنما %~% تكون على مقدار ما يتوهم فكم من مسيء عنده وهو محسن %~% وكم محسن في ظنه وهو مجرم [فذاك لديه مزدرى مع فضله %~% وذا مع ما فيه من النقص مكرم فلا ترج إلا الله لا رب غيره %~% تنل فوق ماتهوى وما تتوهم]( 1) # وقرأت عليه ، قال : أنشدني الشيخ الفقيه أبو بكر بن محرز الزهري ببجاية ~~ملغزا في نارنجة : (2) [الرجز] # وذات حمل وهي حمل نفسها %~% لا حرة في جنسها ولا بغي (3) قد حملت في بطنها أجنة %~% أهلة إبرازها لا ينبغي (4) [تريك من جملتها فاعجب لها] %~% لسمها أو خلها ابن أصبغ (5) # ولما لقيته سألني عن اسمي وكنيتي ، ونسبي ، وبلدي ، وأين أنزل ، فأخبرته ~~بذلك ، فقال لي : لقيت ابن الطيلسان فسألني كذا فأخبرته ، فقال لي : لقيت ~~أبا محمد عبد [145 / ب] الله بن أحمد بن محمد اللخمي فسألني فأخبرته ، فقال ~~لي : لقيت (6) الحافظ أبا بكر بن العربي فسألني فأخبرته ، فقال لي : لقيت ~~(7) الشريف أبا قاسم علي بن إبراهيم الحسيني فسألني فأخبرته ، PageV01P552 # فقال لي (1) لقيت الحافظ أبا محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني فسألني ~~فأخبرته ، فقال : لقيت الحافظ أبا النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي ~~فسألني فأخبرته ، فقال لي : لقيت أحمد بن علي بن مهدي الحافظ فسألني ~~فأخبرته فقال لقيت أبا مسلم (2) غالب بن علي بن محمد فسألني فأخبرته فقال : ~~لقيت أبا بكر محمد بن عيسى فسألني فأخبرته ، فقال : لقيت أبا عبد الله ~~الحسين بن علي بن يزيد الرفاعي فسألني فأخبرته ، فقال : لقيت هدبة بن خالد ~~القيسي فسألني كما سألتك ، وقال : لقيت (3) حماد بن سلمة فسألني كما سألتك ~~وقال : لقيت ثابتا البناني فسألني كما سألتك وقال لقيت أنسا فسألني كما ~~سألتك (4) وقال : لقيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألني كما سألتك وقال : «يا ~~أنس أكثر من الأصدقاء ، فإنكم شفعاء بعضكم لبعض» (5). # وهذا الحديث أورده أبو بكر بن العربي (6) في مسلسلاته (7) وقال : لم يقل ~~شيخنا الشريف في سؤال أبي محمد الكتاني (8) له : وبلديي ، لأنهما ms253 كانا ~~دمشقيين ، فلم يحتج وهو بلديه إلى السؤال عن بلده. PageV01P553 # قلت : قد يكون السؤال في مثل هذا مع العلم جريا على طريق التسلسل ، ولا ~~يشك أن كثيرا من المذكورين قد عرفوا من حدثوه قبل السؤال. ولعل ذكر البلد ~~إنما سقط للمذكور فتوهم ابن العربي أن ذلك لما ذكر. وبعيد أن يعرف أنه ~~بلديه ولا يعرف اسمه فلو كان العلم بذلك يغني عن السؤال لم يسأله عن اسمه ~~أيضا ولا عن منزله. وهذا واضح والله أعلم. # وذكر ابن العربي بعقب هذا الحديث حديثين في معناه ، أحدهما قوله ~~صلى الله عليه وسلم ، «استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة» (1)، والآخر ~~قوله صلى الله عليه وسلم : «إذا آخى الرجل الرجل فليسأله عن اسمه ، واسم أبيه ~~، وممن هو فإنه أوصل [146 / آ] للمودة» (2). # وقرأت عليه أيضا قال : حدثنا ابن الطيلسان بقراءتي عليه : نا أبو الحسن ~~(3) الغافقي بقراءتي عليه بمتعبده بجامع قرطبة ، قال : نا ابن العربي ، نا ~~أبو المطهر سعد بن عبد الله الأثيري ، نا الحافظ أبو نعيم ، نا أبو بكر بن ~~خلاد ، نا الحارث بن أبي أسامة نا هدبة. نا همام ، نا القاسم بن عبد الله ، ~~نا عبد الله PageV01P554 # ابن محمد هو ابن عقيل عن جابر بن عبد الله رضياللهعنه ، قال : بلغني حديث ~~عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فابتعت بعيرا ، فشددت عليه ~~رحلي ، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت الشام فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري ~~(1)، فأتيت منزله ، فأرسلت إليه أن جابرا على الباب (2)، فرجع إلي الرسول ~~(3) وقال : جابر بن عبد الله؟ فقلت نعم. فرجع إليه ، فخرج إلي فاعتنقته ~~واعتنقني ، قال : قلت : حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المظالم ، لم أسمعه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~«يحشر الله العباد ، أو قال: «الناس شك همام وأومأ بيده إلى الشام ، «عراة ~~، غرلا ، بهما» (4) قال : وما بهما؟ قال «ليس معهم شيء ، فيناديهم بصوت ~~يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ، أنا ms254 الملك الديان (5)، لا ينبغي لأحد من ~~أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة ، ولا ينبغي لأحد ~~من أهل النار أن يدخل النار وأحد (6) من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى ~~اللطمة» : قلت وكيف؟ وإنما نأتي الله حفاة ، عراة ، غرلا قال : «بالحسنات ~~والسيئات» (7). PageV01P555 # وقرأت عليه «ثنائيات مالك» عن ابن الطيلسان عن ابن بقي بسنده في «الموطأ» ~~وقد تقدم أن شيخنا أبا محمد أكمل الموطأ على ابن بقي قراءة وسماعا. # وقرأت عليه «ثلاثيات البخاري» بحق قراءته لها على ابن الطيلسان عن القاضي ~~أبي محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي عن الإمام أبي سعد حيدر ~~بن يحيى الجيلي عن الإمام أبي المحاسن [146 / ب] عبد الواحد بن إسماعيل ~~الطبري ، عن الشيخ الزاهد هبة الله بن محمد القزويني عن الفربري عن ~~البخاري. # وقرأت عليه عن ابن الطيلسان قراءة عن (1) أبي الحسن المقدسي كتابا عن أبي ~~عبد الملك بن أبي (2) القاسم الأزدي ، عن أبي عامر محمود بن أبي القاسم ~~الأزدي ، عن أبي محمد عبد الجبار بن محمد المروزي ، عن أبي العباس محمد بن ~~أحمد المحبوبي ، عن الترمذي عن إسماعيل بن موسى الفزاري عن عمر بن شاكر عن ~~أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يأتي على الناس زمان ~~الصابر فيهم (3) على دينه ، كالقابض على الجمر» (4) قال ابن الطيلسان : هذا ~~حديث عال ، وقف (5) في «مصنف أبي عيسى» ثلاثيا ، وليس في المصنف مثله ، ~~[وليس في الحديث مثله] (6). PageV01P556 ### ||| * [لقاؤه لأبي العباس البطرني] # ولقيت بها الشيخ الفقيه الصالح ، الفاضل ، أبا العباس أحمد بن موسى ابن ~~عيسى بن أبي الفتح البطرني ، (1) منسوب إلى بطرنة بفتح الطاء وإسكان الراء ~~، وهو مؤدب في بعض أرباض تونس ، ضرير البصر ، دين ، صالح ، معتن بالعلم ~~وروايته ، مواظب على أفعال الخير. لقي جماعة من العلماء ، وسمع من أبي عمرو ~~بن الشقر (2). وقرأ عليه كثيرا وروى عنه وأجازه. قرأت عليه «الأربعين ~~[حديثا] (3) المسلسلة (4)» لأبي الحسن بن المفضل (5) المقدسي. وحدثني بها ~~عن ابن الشقر عنه ، وكان عنده (6) منها ms255 أصل ابن الشقر بخطه الذي قرأه على ~~مؤلفه ، وكان يمسك عليه في وقت قراءتي عليه مع أصله الذي كتبه هو بخطه ، ~~وقرأه (7) على أبي عمرو المذكور ، وسلسلت معه جميع ذلك ، وسمعت من لفظه ~~الحديث الأول منها ، وهو أول حديث سمعته منه ، وسمع أخي يحيى «الأربعين» ~~المذكورة بقراءتي عليه ، وسلسل معه جميعها ، وأجازني وإياه إجازة عامة ؛ ~~وكان يحضر معنا كثيرا مجلس شيخنا أبي العباس بن الغمار للسماع ، وكانت له ~~مسموعات [147 / آ] ومرويات لم يتسع الوقت لأخذها عنه والحمد لله على كل حال. PageV01P557 ### ||| * [من تونس إلى بجاية] # ثم سافرنا من مدينة تونس أمنها الله تعالى ، فمررنا على باجة ثم على ~~خولان فتياسرنا منها عن (1) طريق بونة ، وأخذنا على طريق القلاع ، فدخلناها ~~قلعة قلعة ، وهي ذوات عدد ، وليس بها ما يذكر ولا ما يؤرخ ؛ ثم على قسنطينة ~~على الطريق الأولى ثم على بجاية. ### ||| * [لقاؤه لأبي الحسين الرندي] # فرأيت بها الشيخ الصالح المسن أبا الحسين (2) الرندي وهو ابن أخي الأديب ~~النحوي أبي علي عمر بن عبد المجيد الرندي (3) شارح كتاب «الجمل» (4) وقد ~~أدركه ، وسمع منه ومن غيره ، وهو حين رأيته لقى ما به حراك من الكبر ، ولكن ~~صحيح الذهن ، كلمته في الرواية عنه فرأيته لا يشتهي الكلام في ذلك ، فاثرت ~~التخفيف عليه وألا أعنته في كثرة الكلام ، والمراجعة مع قلة روايته ~~فاستوهبت منه الدعاء وودعته وانصرفت. ### ||| * [لقاؤه لأبي عبد الله بن صالح] # ولقيت بها ثانية الشيخ الفقيه ، الخطيب ، المحدث ، الفاضل أبا عبد الله ~~بن صالح ، فقرأت عليه «برنامجه» في أسماء شيوخه في أصل بخطه ؛ وقرأت عليه ~~بعض «درر السمط» وناولنيه بحق (5) قراءته إياه على مؤلفه أبي عبد الله PageV01P558 # القضاعي. وقرأت عليه بعض كتاب «المحتوي على الشواذ من القراءات» (1) ~~للإمام أبي عمرو المقرىء ، وناولنيه في أصله مليح متقن ، ووهبه لي ، نال لي ~~: ناولته لك ، ناولته لك ، مشيرا إلى الهبة ، مباسطا لي بذلك ، وناولني ~~«كتب سيبويه» بحق [قراءته له] (2) إياه على أبي عثمان بن زاهر عن أبي عبد ~~الله بن نوح عن أبي الحسن بن ms256 النعمة عن أبي محمد بن السيد عن أخيه أبي ~~الحسن ، عن الأستاذ أبي محمد بن يونس ، عن الفقيه أبي محمد بن الأسلمية ~~الحجازي ، عن أبي نصر هارون بن موسى ، عن أبي علي البغدادي ، عن ابن ~~درستويه ، عن المبرد ، عن المازني ، [147 / ب] عن الأخفش ، عن سيبويه. # وناولني «برنامج أبي محمد بن عبيد الله الحجري» روايته عن ابن السراج ~~عنه. وقرأت عليه بعض «رسالة ابن أبي زيد» (3) وناولنيها ، وحدثني بها عن ~~ابن زاهر قراءة على ابن نوح بسنده ، وناولني «كتاب الشهاب» روايته عن ابن ~~زاهر قراءة ، وعن ابن قطرال سماعا ، وناولني كتاب «القربة إلى رب العالمين ~~في فضل الصلاة على سيد المرسلين» بحق قراءته إياه على ابن السراج عن مؤلفه ~~أبي القاسم بن بشكوال ، وناولني كتاب «المصابيح» (4) تأليف الإمام أبي محمد ~~الحسين بن مسعود ، وحدثني به عن ابن برطله بسنده ، وناولني # قيل : عدد أحاديثه أربعة آلاف وسبع مئة وتسعة عشر حديثا من الكتب ~~المختلفة. انظر كشف الظنون 1698. PageV01P559 # «مختصر حلية الأولياء» للحافظ أبي نعيم باختصار شيخه الفقيه العالم أبي ~~الحسن عبيد الله (1) بن محمد بن عبيد الله النفزي (2) عرف بابن قبوش ، ~~وحدثني به عنه. وقرأت عليه لابن قبوش : (3) [الطويل] # غنيت بما عندي ومالي لا أغنى %~% وأعرضت في قصدي عن العرض الأدنى إلى الملأ الأعلى علوت بهمتي %~% فرافقت ما يبقى وفارقت ما يفنى (4) تركت للذات البهائم أهلها %~% وهمت بما يعنى به عالم المعنى # وأنشدني حفظه الله للإمام الحافظ أبي محمد عبد الحق الأزدي (5) من قوله ~~حين ولي قضاء بجاية : [الوافر] # وكانت لي ذنوب موبقات %~% يضيق بحصرها حرف الروي فلما أن وليت الحكم يوما %~% «أتى الوادي فطم على القري » (6) # * * * PageV01P560 ### ||| * [من بجاية إلى وهران ولقاؤه للمشدالي] # ثم سافرنا من بجاية فمررنا على قرية ملالة ، وهي بالقرب منها ، فرأيت بها ~~الفقيه أبا علي منصور بن محمد الزواوي المشدالي (1) ومشدالة قبيلة من زواوة ~~، ويلقب بناصر الدين لقبا لزمه من المشرق [148 / آ] ، وقد دخل قديما إليه ~~فقرأ به الأصول والفروع دراسة وتفقها. وله منها حظ وافر ، ولكنه ms257 غير معتن ~~بالرواية ، ولا له فيها حظ ، وقد حدثني أنه حضر وفاة أبي عبد الله [محمد] ~~(2) بن أبي الفضل السلمي (3) بالزعقة من رملة (4) الشام. وسألته عن التاريخ ~~وكان غرضي فلم يحفظه شهرا ولا عاما ، وهذا نهاية ما يكون من الإغفال ، ~~وحسبنا الله في كل حال. # ثم رحلنا على طريقنا الأولى إلى مليانة فتيامنا منها على طريق مازونة ، ~~مثوى خطوب الزمان ، ومناخ ركاب الحدثان ؛ وهي بليدة مجموعة ، مقطوعة من بعض ~~جهاتها بحرف واد منقطع شبه قلعة ، ولكنها واهية حسا ومعنى ، وليس بها ما ~~يتعرض لذكره البتة. ### ||| * [ذكر وهران] # ثم مررنا على مدينة وهران ، وهي مدينة مليحة ، حصينة ، برية ، بحرية ، ~~وهي مرسى (5) تلمسان وأنظارها ، ومتجر تلك النواحي ، ولكنها لما طرقها من PageV01P561 # نوائب الدهر مطرقة ، وجيوش الخطوب الملمة بها محدقة ، قرعتها حتى قرعت ~~ساحتها ؛ ونافحتها بسموم الآفات حتى ذهبت صباحتها ، فألقت بيدها مستسلمة ، ~~وعادت بعد ضوئها مظلمة ؛ ولا وشل (1) بها يشفي غلة ، ولا طبا يداوي علة. ~~انتثلها (2) الزمان فلم يبق بها تقيا ، وأبدلها الحدثان من كل بشارة نعيا ، ~~لا تلقى بها معمل يراعه (3)، ولا ترى بها حلف براعة ، بل خرس بها لسان ~~التلاوة ، وزيد بها حمار الجهل على الفودين (4) علاوة ، لم يطعموا العلم ~~ولا ذاقوا له حلاوة ، بل تبرؤوا منه فكلهم فالج بن خلاوة (5) فيا عجبا لي ~~أصف بالفناء وهران ، كأني لم أر سكان تلمسان. ### ||| * [ذكر تلمسان في العودة] # ثم وصلنا إلى تلمسان ، وكانت نيتى أن أقيم بها مدة حتى أجد صحبة قوية ~~أقطع معها المفازة التي في طريقها إلى رباط تازة ، وهي منقطعة (6) موحشة ، ~~لا تخلو من قطاع الطريق البتة ، وهم بها أشد [148 / ب] خلق الله PageV01P562 # ضررا ، وأكثرهم جرأة ، وأقلهم حياء ومروءة ، لا يستقلون القليل ، ولا ~~يعفون عن ابن السبيل ، ليس في أصناف القطاع أخس منهم همما ، ولا أوضع منهم ~~نفوسا ، ولا أكثر منهم إقداما على كل صالح وطالح ، لا ينبغي لمسلم أن يغرر ~~بلقائهم. فلما وقفنا على باب (1) تلمسان صادفنا العادة الكريمة من لطف ~~المولى سبحانه ، فألفينا قافلة تخرج ، وهي ms258 كبيرة (2) تزيد على الألف وقال ~~لنا قائل على الباب : إن لهم في محاولة الخروج نحوا من ثلاثة أشهر ، حتى ~~تسنى لهم بخفارة على أداء خفارة (3) فدخلنا إلى البلد. وخرجت ساعة دخولنا ~~إلى زيارة قبور الصالحين بالموضع المعروف بالعباد ، وزرت قبر الشيخ الصالح ~~آية زمانه أبي مدين [شعيب] (4) رضياللهعنه ، ثم رجعت إلى البلد ، فبتنا به ~~، ثم خرجنا من الغد ، وأدركنا القافلة [بحمد الله] (5) بوجدة ، وهما ~~مدينتان بينهما مسافة قليلة في بسيط مستو ، وقد دثرتا فلم يبق منهما إلا ~~رسوم حائلة (6)، وأطلال ماثلة ، والقديمة أشدهما دثورا وبهما عمارة قليلة ~~، فرحلنا منها مع القافلة حتى وصلنا إلى رباط تازة وذلك في آخر رمضان. PageV01P563 ### ||| * [ذكر فاس ومكناس] # ثم عيدنا في مدينة فاس وقلت (1) في ذلك (2): [البسيط] # قالوا : تعيد في فاس فطب فرحا %~% فقلت : مالي بها دار ولا عطن (3) فاس ومكناسة وطنجة وسلا %~% عندي كزديك لا أهل ولا وطن بغداد قفر إذا لم تحو لي سكنا %~% والقفر بغداد إن أهلي به قطنوا (4) ### ||| * [لقاؤه لابن حكم] # ثم مررنا على مكناسة فلقيت بها الشيخ الفقيه ، المحدث ، القاضي ، أبا ~~الحجاج يوسف بن أحمد بن حكم التجيبي الأندلسي ، (5) وهو شيخ فاضل راوية ، ~~لقي جماعة من كبار العلماء وأخذ عنهم ، وقيد لي بخطه ، منهم أبا الربيع بن ~~سالم ، وأبا الحسن بن قطرال ، وأبا الحسن بن خيرة (6)، والرجل [149 / آ] ~~الصالح أبا صالح محمد بن محمد بن أبي صالح ، وأبا بكر بن محرز ، وأبا عيسى ~~محمد بن أبي السداد ، وأبا الحسن سهل بن مالك ، وأبا جعفر بن الدلال ، وأبا ~~عبد الله بن قاسم ، وأجازني إجازة عامة ، وذكر لي أن PageV01P564 # المذكورين كلهم قد أجازوه إجازة عامة ، ولم أقرأ عليه إلا الحديث الأول ~~من «الموطأ» (1) وحدثني به عن أبي الحسن بن خيرة قراءة ، وعن أبي الربيع بن ~~سالم قراءة عليه لصدر منه ، وسماعا عليه لسائره. # وكان في أملي الاجتماع بالفقيه المحدث أبي محمد عبد الله (2) مولى الرئيس ~~الأوحد العالم أبي عثمان سعيد بن حكم (3)، صاحب ميرقة (4) لما تقرر لدي من ~~تهممه بالعلم ، واعتنائه ms259 بالرواية. ولم يقض لي حينئذ أن أجتمع به ، وقد ~~وقفت على «فهرسة شيوخه» فرأيت صنع فاضل ذي همة ، وقد شاركته في بعض شيوخه ~~الذين ذكرهم. # ثم مررنا على مدينة أزمور (5)، وزرنا بها قبور السادة المدفونين بها من ~~الصالحين ، نفعنا الله ببركتهم. وختمنا (6) الرحلة بزيارة قبر شيخ الصالحين ~~وقدوتهم ، شرف المغرب الأقصى (7)، وفخره ، وشمس زمانه وبدره ، أبي محمد ~~صالح بن ينصارن (8) أفاض الله علينا من بركاته ، وأمد بصائرنا بنور يستمد ~~من مشكاته. PageV01P565 ### ||| * [الاجتماع بالأهل] # ثم من الله بجمع الشمل ، والاجتماع بالأهل ؛ له الحمد والشكر كثيرا : (1) # [الطويل] # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما %~% يظنان كل الظن ألا تلاقيا # والحمد لله الذي أعجزت صنائعه شكر الشاكرين ، وبهرت بدائعه فكر المتفكرين ~~، فمن نداه همى كل فضل وبلا وجودا ، وله الحمد كثيرا بدءا وعودا. ### ||| * [الرحلة المنظومة] # وهذه قصيدة نظمتها في الرحلة ، رأيت أن أختم بها هذا التقييد مستعينا ~~بالله على ذلك : [149 / ب] [الوافر] # عليك النصح رده بكل حي %~% وإن ألفيت وارده فحي (2) فمعظم ديننا نصح البرايا %~% كذاك أتى الحديث عن النبي (3) وقد نصح الجماد لذي اعتبار %~% وكف أولي النهى عن كل غي (4) لسان الحال أبلغ من بليغ %~% وفي ذي الجهل أعيا من عيي (5) 5 وقدما سارت الأمثال عنها %~% وما زدنا سوى حرف الروي |تذكرت ليلى والسنين الخواليا||وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا| # وكذلك هو في ديوان قيس لبنى 162. PageV01P566 فأصغ إلى نصائحها مصيخا %~% وأيقظ جفن ندب شمري (1) مسحت الأرض غربا ثم شرقا %~% أسائل عن عواقب كل حي فقالت : ما سؤالك بعد علم %~% ألم ترهم جميعا تحت طي تسائل والحوادث مفصحات %~% صوائح قد أصمت بالدوي 10 فصافحت التصفح مستبينا %~% فما ألفيت أرضا ذات عي مررت بحاحة فسألت عمن %~% أناخ بآخر الغرب القصي (2) فقالت : خلفوني ذات شجو %~% أبكي بالغداة وبالعشي أناخ بهم زمان ليس يرثي %~% لغيلان ، ولا يعنى بمي (3) وقد أهدى الكسوف إلى أناس %~% تراهم كالبدور لدى الندي (4) 15 وجئت السوس أسأل وهو أقصى %~% فقال : إليك عن كمد شجي (5) ألم ترني وحيدا من أناسي %~% كما عطلت كعاب ms260 من حلي (6) وطفت بلاده أرضا فأرضا %~% تخبرني بموتهم الوحي (7) ووافينا تلمسانا فأبدت %~% على أهل مضوا شجو النعي PageV01P567 كذا مليانة أبدت عويلا %~% لأهل ضمهم جرف الأتي (1) 20 ورحت إلى الجزائر ذا سؤال %~% فقيل : سألت عن هي بن بي (2) دع التسآل عمن حل تربا %~% وبادر منهج البر التقي وقالت لي بجاية : أنت خلو %~% «فياويح الشجي من الخلي» (3) تسائل عن أمور ظاهرات %~% عقرت لها ظهورا للمطي (4) [150 / آ] وجئت بني ورار وهي عمري %~% أثارت كامن الشجن الخفي 25 وميلة لم تمل عن نهج نصح %~% أصخ إن كنت ذا فهم سني (5) ومن شاء الحديث فقل قسنطى ... %~% نة تروي حديث المغربي وبونة قد أبانت من أبانت %~% صروف الدهر من سام سري (6) وفي خولان أطرقت اعتبارا %~% «جرى الوادي فطم على القري (7)» وباجة بالبوائح قد أباحت %~% وأمحل روضها من بعد ري 30 ولما جئت تونس وهي خود %~% زهت بجمالها وبحسن زي (8) PageV01P568 سألت عن الألى هاموا إليها %~% فكم بر بها منهم حفي فقالت : ما أرى منهم أنيسا %~% وشر الوصل وصل الآدمي وجئت القيروان فجئت قفرا %~% يجيب صداه بالصوت الشجي وقابس قد نزفت بها سؤالا %~% فكانت مثلها سيا بسي 35 ورحت إلى طرابلس فقالت : %~% رمت أهلي الحوادث عن قسي (1) وفي مصراتة سحت جفوني %~% لما أبدت من النصح الجلي (2) وفي زديك مسقط كل قفر %~% بيان بالخطاب المعنوي يقول : صحبت قبلكم أناسا %~% غدوا لسهام دهري كالرمي (3) وكم رمت لدي عظام شخص %~% منيب ، فاضل ، بر ، تقي (4) 40 وباحت بالنداء قصور سرت %~% فأورت زند فكر الألمعي (5) وقالت لي : أقمت هنا زمانا %~% أشاهد عبرة في كل حي وكم نشرت علي بنود ركب %~% عليهم غابة من سمهري (6) فما طال المدى إلا قليلا %~% وقد عفاهم مر الأتي (7) رأيت الدهر يسحت كل حي %~% يكر على الجبان مع الكمي (8) PageV01P569 45 وقد برقت ببرقة لا معات %~% تلين عريكة القلب القسي وسل إسكندرية أين ولى %~% وسل عن ساكن إسكندري [150 / ب] وسل فسطاط عمرو عن نواه %~% وسل عن جوهر مولى الشقي (1) بقاعدة الديار ديار مصر %~% وسل بعبيدهم والقرمطي (2) وسل أم ms261 القفار بمن طوته %~% فكم من فاضل فيهم رضي 50 وكم حلت قوى من حل فيها %~% وكم حالت حلى وجه وضي (3) وكم ضخم يموج من امتلاء %~% غدا نضوا بها مثل النضي (4) بها صرف الزمان يكون صرفا %~% فكم ناع حوته وكم نعي وسل في أيلة برا وبحرا %~% وينبع سل بمنقطع ثوي وإن تعطف لطيبة ليت عنس %~% فعرج إنها بيت الروي (5) 55 وقل أين الأحبة ليت شعري %~% أيخفي الترب أقمار السمي وقفت هناك معتبرا سؤولا %~% أخا جفن رو وحشى ظمي (6) بجمع ما به إلا مشوق %~% إذا ما سيم بيع بلا نسي (7) PageV01P570 فقلت لها : فديتك أين أوس؟ %~% وأين أخوه معتنق الكمي (1) فقالت : ويك قد ذهبا لأمر %~% عظيم الشأن في وجه قضي 60 وكم قد راح بعدهما منون %~% بأوسي وراح بخزرجي فيا عجبا تسائلني بأوس %~% وحسبك واعظا قبر النبي وفي الدهناء باح ولم يداهن %~% لسان الحال بالسر الخفي فسل فيها منازل عافيات %~% كوشم لاح في كف الهدي (2) وسل بدرا بعير من قريش %~% وعن فرسانها وسط الركي (3) 65 وجئت خليص أسأل عن نجي %~% من الآفات في الدنيا سري فقالت : ماسمعت بمشرقي %~% نجا من صرفها أو مغربي وكررت السؤال ببطن مر %~% فقيل : ضللت عن نهج سوي فلا وأبيك ما في الأرض حي %~% وقي سهم الحتوف ولا ابن حي وشأن الدهر حل وارتحال %~% وبطش بالعدو وبالولي [151 / آ] 70 وكم أعدى الضعيف على قوي %~% مدل ، والفقير على الغني (4) ولما جئت مكة قمت فيها %~% أسائلها بكعب أو لؤي (5) PageV01P571 فقالت قد سطا بهما منون %~% وبعدهما أناخ على قصي (1) وصال عليهم شخصا فشخصا %~% فسل ، إن السؤال جلاء عي وما نكل الردى عن هاشمي %~% ولا أنف الردى من باهلي (2) 75 ولا مازت عساكره قديما %~% حنيفا مسلما من جاهلي (3) فما لك سائلا عن واضحات %~% تبدت للذكي ، وللغبي أما دارت على دارا صروف %~% كسرن عماد كسرى الفارسي وقد أنحت على الفاروق جهرا %~% وعثمان وبعد على علي (4) وفي السبطين جئن بكل نكر %~% على كفي طليق أو دعي (5) 80 وما راعت عياذ أبي خبيب %~% ببيت الله ms262 والحرم العلي (6) وما عبأ الردى ببغام ريم %~% ولا بزئير ليث قاصري (7) وما أبقى على شيخ وكهل %~% ولا غض الشباب ولا صبي ولا ذو العلم خصص من جهول %~% ولا ذو الرشد ميز من غوي بمالك الإمام غدا منيخا %~% وأحمد والإمام الشافعي (8) PageV01P572 85 وبلد فكره من كل حبر %~% وقط لسان طلق لوذعي (1) وما إن خام عن وعل بنيق %~% ولا في قفرة عن أخدري (2) نفوس الخلق يشرب ليس يروى %~% بوسمي يصوب ولا ولي (3) يشق القفر أهدى من قطاة ، %~% وليل النقع أجرأ من كمي (4) وما جاب القفار بأرحبي %~% ولا شق الغبار بأعوجي (5) 90 وليس يني يبدد كل نظم %~% وليس يني يذوب كل ني (6) تراه إلى الورى يخطو الهوينى %~% مخاتلة لهم ، كمسير في (7) وما دارى لمنطقه جريرا %~% ولا هاب القوافي من عدي (8) [151 / ب] وما حابى لصنعته حبيبا %~% ولا أرضى المفاخر في الرضي (9) وما أعفى من الأحداث عفوا %~% ولا طرفا يصان بأتحمي (10) 95 ولا غمرا يصوب بكل ري %~% ولا ذمرا يصول بمشرفي (11) PageV01P573 ولا ملكا تدين له البرايا %~% ولا عبدا تزمل في كسي إذا حان المدى من حين حين %~% فرى في السابري حشى الرمي (1) وما عرف الكبيس فزاد يوما %~% ولا أجرى الشهود على النسي (2) فسل بالناسئين ولا نساء %~% وسل عمرا بوالده لحي 100 ولا تطمح بعينك نحو سام %~% بهمته إلى أقصى الرقي فأرقى الناس منزلة كسهم %~% يكون هويه سبب الهوي ولا يغررك من دنياك وصل %~% ففي الأمثال «أغدر من بغي» (3) فقلت : لقد نصحت بكل معنى %~% حقيق أن يصاخ له حري وقد أسمعت لو ناديت حيا %~% ولكن النداء لغير حي (4) 105 فقالت : قد عهدت إليك نصحا %~% فوفقك المهيمن من وصي |لقد أسمعت لو ناديت حيأ||ولكن لا حياة لمن تنادي| PageV01P574 # (1) انتهت الرحلة المباركة بحمد الله تعالى وحسن توفيقه وصلى الله على ~~سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وكملت في أوائل ذي قعدة من عام خمسة وأربعين ~~وسبع مئة بمدينة مراكش المحروسة من نسخة المصنف (2) PageV01P575 ms263